تحميل رواية «ارغمت على عشقك» PDF
بقلم هيام شطا
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كالعاصفة الهوجاء دلف من باب ذلك القصر المهيب. إنه قصر عائلة الهلالي، أكبر عائلات الصعيد. وهو يصيح بغضب: "لو خرج منه لحرقت القصر ومن فيه." "جدي.. جدي!" هرولت إليه الخادمة. "سلطان بيه.. فوّق في أوضته يا باشمهندس." أومأ لها وصعد السلم. قطع الممر المؤدي لغرفة جده في خطوتين. ودون أن يطرق الباب، دفعه ودخل وهو يصيح بغضب: "شوفت يا جدي اللي حصل؟ الهانم عايشة حياتها بالطول والعرض ولا كأن لها أهل. وماشية تتصرمح على حل شعرها في روما." نظر له جده بهدوء ينافي الغضب والقلق الذي اشتعل بداخله من كلمات حفيده، وهو...
رواية ارغمت على عشقك الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم هيام شطا
دلف إلى منزله بعد أن حاول الاتصال مرارا بذلك الرقم الذي أخبرته صاحبته أن الصور ليست حقيقية. ألف سؤال وسؤال عصفت بذهنه، من صاحبة المكالمة؟ من أين علمت بأمر تلك الصور؟ ما علاقتها بجو؟ هل اتفق سمير مع جو؟ كيف وصل سمير إلى جو؟ لم يصل لأي إجابة من تلك الأسئلة. وما زاد شكه أن يكون سمير وجو على اتفاق أنه لم يجد سمير ولم يستطع العثور عليه، وكأنه كما يقولون... فص ملح وذاب.
ولكنه لن يظل هكذا، سيصل إلى صاحبة المكالمة أولاً ثم يعرف منها كل شيء. وإن كان كلامها صحيح سيحرق جو وسمير ويدمرهم. ولكن مهلاً، كيف يعيد نور إليه مرة أخرى؟ جلس على أول مقعد بجواره وأخذ يتذكر كيف أهانها وكيف ظلمها، والأهم من ذلك كيف ستسامحه؟ وهل ستسامحه أم ستتركه؟ وعند تلك الفكرة انتفض فزعاً، يرتجف قلبه من أن تتركه.
دلف بسرعة إلى غرفة النوم، وجدها غارقة في الظلام. أنار الضوء الخافت بها، وجدها متكومة على نفسها في طرف الفراش. اقترب منها وجلس على عقبيه أمامها، وجد وجهها ملطخاً ببقايا الدموع. كم آلمه قلبه من أجلها. وعدها أن تعيش معه في سعادة، وكان هو أول من أبكاها. انتفض واقفاً، ينوي معرفة الحقيقة كاملة، وأولها معرفة صاحبة المكالمة، هي من ستوصله إلى كل الحقيقة.
جلس يرتعب، لا يعلم من ذلك الذي قام بخطفه ولماذا يخطفه؟ أيكون أحد أعدائه ومنافسيه في أي مناقصة كسبها بطرقه الملتوية؟ أم بسبب عداء قديم؟ فهو في طريق بناء ثروته دهس العديد من الأبرياء. ترى أي من الأبرياء جاءه بثوب الانتقام؟ صاح بغضب وخوف: "أنا فين؟ انت مين يا جبان؟ وريني وشك." لم يجبه أحد عليه، مما زاد رعبه مما هو آتٍ.
صدح هاتف سليم برقم رشاد.
"الو؟"
"أيوه يا باشمهندس، أنا حبيت عثمان القناوي، هو فين؟"
أجاب رشاد بهدوء: "في المخازن اللي في أول البلد يا باشمهندس."
"تمام يا رشاد."
وقبل أن يغلق رشاد الهاتف، قال سليم بلهفة: "رشاد!"
أجابه رشاد: "تحت أمرك يا هندسة."
"هبعتلك رقم تعرف لي اسم صاحبته أو صاحبه."
أجابه رشاد: "كده بس من عنيا يا باشمهندس."
قال سليم بتحذير: "الحكاية دي بيني وبينك ومحدش يعرف عنها حاجة."
"عيب يا باشمهندس."
"تمام يا رشاد، هبعتلك الرقم وترد عليا بسرعة."
دلف إلى غرفتها مرة أخرى، وجدها على نفس وضع نومتها. تمدد بجوارها وجذبها إلى حضنه، احتضنها بمحبة واعتذر لها وطبع قبلة على جبهتها وهمس بجوار أذنها وهو يستنشق عطر سلاسلها الذهبية: "سامحيني يا نور." ثم ترك المنزل وخرج مرة أخرى، لينهي أولاً أمر الثأر الذي كان سبباً في بعدها عنه، وليعود لها بعدها ولتعاقبه كما يحلو لها. سيصبر ولن يمل من طلب السماح والعفو منها.
هل كانت تحلم أم أنه كان هنا بالفعل يحتضنها ويطلب سماحها؟ لم تكن تحلم. أنها رائحة عطره ما زالت عالقة بملابسها، ودفء أحضانه كانت تنعم به قبل قليل. انتشى قلبها بالفرحة وعاد إليها الأمل. هل علم ببرائتها؟ ولكن مهلاً، ما الجديد الذي جد ليعود لها في نفس الليلة التي كانت أسوأ الليالي لها؟ لقد ذبحها بسكين الغدر. هل عاد بنفس السكين يطلب المغفرة؟ وما بين النحر والغفران ماذا جد هناك؟ جلست تراجع كلماته، لم يقل غير: "سامحيني يا نور." هل يطلب السماح لما فعله أم يطلب لما سوف يفعله؟ ولكن مهلاً، سليم لن أبقى لك هنا، انتظر ما ستفعله. إن كنت تطلب السماح لأنك ندمت، فلن أغفر. وإن كنت تنوي جرحي أكثر، فلن أبقى لمزيد من الجراح.
"نورتنا يا عثمان. كدا يا راجل تغيب عننا كل ده؟" ثم أضاف بتهكم: "والله وحشتنا."
انتفض عثمان رعباً على ذلك المقعد المقيد فيه وهتف برعب: "انت مين وعاوز إيه مني؟"
ضحك سليم بسخرية وقال: "أنا مين؟ هتعرف كمان شوية. عاوز إيه منك؟ عاوز روحك. بس قبل روحك لازم أستنى أما الباقي يجي عشان نعرف هناخد روحك دلوقتي ولا كمان شوية."
صرخ عثمان برعب: "ابعد عني يا ولد الحرام! انت متعرفش أنا مين."
اقترب سليم من عثمان المقيد ومسك فكه بين يديه وهمس له بفحيح وهو يقول: "انت ابن الحرام وأنا أكتر واحد عارفك، وعارف إنت عملت إيه ومع مين، وعارف إنك غفير الهلايلة اللي خونت أمانتهم." ثم انتصب سليم يبتعد عن عثمان الذي شحب لونه وحاكى الأموات وهو يردد: "غفير الهلايلة..."
دفن وجهه في عنقها وهو يهمس لها: "وحشتيني يا أملي."
ضحكت بصخب وابتعدت عنه وهي تهتف بدلال: "فضل اعقل، وحشتك إيه؟ ما أنا معاك كل يوم وشايفني دايماً."
قال بحب: "توحشيني وأنتِ قصاد عيني يا قلب فضل."
كادت أن تبتعد عنه، جذبها بشدة فوقعت على صدره. قال لها: "على فين يا أملي؟ أوعي تجومي من حضني طول ما أنا في البيت."
هتفت بدلال: "فضل بعد عني، أكده عاوزة أنام."
نظر لها وقال بعبث: "وأنا كمان عاوز أنام."
"ماتنام وأنا حوشتك."
وقبل أن تعي شيئاً، كان قد انقض على شفتيها يتذوقها بتمهل، ويداه تتحسس جسدها الفاتن الذي عاش عمره أسير لعشقها. وحرم على نفسه وقلبه نساء الأرض وعاش على أمل أن تكون له أمله وتصبح بين يديه كما تمناها، ينهل من بحر عشقها كما يشاء. ظن أنه سيكتفي، ولكنه لا يمل ولا يكتفي، بل يزداد حب وشغف بها كل يوم. ابتعد عنها بعد مدة وهو يجذبها إلى صدره ويقبل جبهتها وهمس لها بأنفاس متقطعة: "بعشقك يا أملي."
هدأت وتيرة أنفاسه وانتظمت. علمت أنه نائم. بعد قليل وجدت هاتفها يهتز. جذبته ونظرت فيه، ووجدتها نور ابنة أخيها جلال. أجابت مسرعة وبقلق: "أيوا يا نور."
قالت نور بقليل من التوتر: "أيوا يا عمتو، أنا بره، افتحي ليا."
انتفضت أمل من فراشها وهي تهتف بخوف: "بره فين يا نور؟ في الوقت ده؟ حصل حاجة يا جلب عمتك؟"
قالت نور: "افتحي بس يا عمتو."
"ثواني يا جلب عمتك، عمك فضل هيفتح لك."
"فضل! فضل!"
انتفض من نومه على صوت أمل المرعب: "فيه إيه يا أمل؟ أنتِ تعبانة؟ بعيد الشر."
قالت بلهفة: "لأ يا فضل، قوم افتح الباب. نور بنت أخويا بره."
قال بتساؤل: "نور؟ وإيه اللي هيجيبها في الوقت ده؟"
"معرفش، قوم بسرعة."
قام فضل مسرعاً، ارتدى ملابسه وفتح لنور وأخذها وصعد بها وأجلسها في غرفة بجوار جناحه هو وأمل، وذهب ليخبر أمل أنها في الغرفة المجاورة.
قالت أمل بلهفة: "فين نور يا فضل؟"
"في الأوضة اللي جَمبِنا يا أمل. بس إيه اللي حصل يخليها تسيب بيتها السعيد وتيجي عندنا؟"
قالت أمل بخوف وهي ترتدي ملابسها بعد أن استحمت مسرعة: "مش عارفة، ربنا يستر."
دلفت أمل إلى نور بقلب لهيف وهي تقول: "نور يا جَلبي."
وكأن نور كانت غارقة ووجدت طوق النجاة. ارتمت في أحضان عمتها وانهمرت في البكاء. لا تعلم لماذا تبكي بعد أن عاهدت نفسها أنها لن تبكي على ذلك القاسي ولن تندم على تركها له، ولكن ماذا تفعل في هذا الذي ينبض عشقا له. طبطبت أمل على ظهرها بحنان أمومي، وقالت لها بحب وهي تحاول أن تخفي قلقها: "بس يا نور عين عمتك، مالك يا جَلبي؟ وإزاي تخرجي في الوقت ده؟ وسليم فين وسابك كده؟"
أجابتها نور بغضب: "البني آدم ده بني آدم..." ثم ارتجفت شفتيها وهي تهتف بقهر: "بني آدم ظالم وأنا استحالة أكمل معاه يا عمتو."
صعقت أمل مما تنطق به ابنة أخيها وقالت لها بحنان: "اهدي، اهدي بس يا حبيبتي وقوليلي إيه عمل وأنا أجيب لك حقك." ثم أضافت بحب ودفاع عن سليم وحبه لنور: "اهدي يا جَلبي، والله سليم طيب وبيحب التراب اللي بتمشي عليه. هو بس حمقي حبتين يا نور وبيغير عليكِ يا قمر."
قالت نور بغضب: "أنتِ مش عارفة حاجة يا عمتو ومش عارفة هو عمل فيا إيه."
احتضنتها أمل بحنان وهي تمرر يدها على ظهرها وتهدئ من بكائها المرير الذي قطع نياط قلبها، قالت لها بمسايرة حتى تهدأها: "خلاص يا حبيبتي، أهدي وأنا هعمل لك اللي أنتِ عاوزاه."
قالت نور برجاء: "أنا كل اللي عاوزاه منك يا عمتو عمي فضل يوديني إسكندرية عند خالي بهاء عشان أزور قبر ماما وأفضل عند خالي يومين."
هتفت أمل باعتراض: "لأ يا نور، مينفعش تسيبِ البلد من غير علم جوزك يا حبيبتي. طيب حتى قولي لابوك ولا جدك إيه حصل بينك وبين سليم واحنا هنجيب لك حقك يا حبيبتي."
هتفت نور بغضب: "أنا استحالة أعيش مع سليم تحت سقف واحد تاني يا عمتو. سليم خلاص، أنا خرجته بره حياتي."
لم تستطع أمل ثني نور عن موقفها، ويبدو لها أن سليم فعل معها أمر لا يغتفر، حتى أنها رفضت أن تخبره أمل أنها موجودة عندهم، ورفضت أيضاً أن تخبر جدها وأباها.
قالت أمل بحيرة من أمرها بعد أن قصت لفضل كل شيء: "هنعمل إيه يا فضل؟"
قال فضل بحزم: "هوديها عند خالها، البنت يتيمة الأم ونفسها تزور قبر أمها، وكمان هنقف جمبِها ونجيب لها حقها من ولد أخوك."
ضربت أمل على صدرها وهي تهتف بجزع: "يا مري يا فضل! هتوديها إسكندرية من غير ما نقول لجوزها ولا لجلال أخويا؟"
جذب فضل أمل من يدها وهو يهدأها ويقول بحكمة: "اهدي، اهدي يا أمل. أولاً إحنا مش هنقول حاجة لجلال أخوكِ، نور شكلها مش عاوزة حد يعرف من أهلِك بالمشكلة اللي بينها وبين جوزها، وإلا كانت راحت بيت أبوها بدل ما تيجي لنا. ثانياً بقى، أنا هوديها إسكندرية زي ما هي عاوزة."
هتفت أمل بخوف: "وسليم هنقول له إيه يا فضل؟"
قال فضل بحزم: "أنا مش هوديها إلا أما أقول لسليم على كل حاجة وأستسمحه يسيبها يومين عند خالها تهدى، وبعد كده يروح يجيبها."
هتفت أمل بإعجاب بتفكير زوجها: "عين العقل يا فضل."
حضر جاد وسلطان بسرعة مع رحيم ودلفوا إلى ذلك المخزن المقيد فيه عثمان القناوي.
هتف جاد بغضب كبته عشرون عاماً: "هو فين ولد الحرام يا سليم؟ أنا لازم آخد روحه."
مسكه رحيم وقال بعقل: "اهدئ يا جدي كدا، كدا كدا هناخد روحه، بس أما نعرف مين فيهم اللي تارنا عنده هو ولا سعد."
اقترب رحيم من عثمان.
صاح عثمان بخوف حين سمع خطوات تقترب منه: "انت مين وعاوز إيه مني؟"
قال رحيم وهو يفك عصابة عينه حتى يراهم: "هتعرف دلوقتي حالا إحنا مين وعاوزين إيه منك."
وما أن فك رحيم عصابة عين عثمان حتى فتح عينه وأغمضها لكي يعتاد الضوء، ثم قال برعب وصوت متقطع حين أبصر تلك السوداوين ترمقه بغضب حارق وهو يقول: "إزيك يا عثمان؟ والله ولك وحشة يا راجل."
قال بصوت متقطع خائف: "حا... حا... ج سلطان."
قال سلطان بغضب: "أيوه يا خاين، أنا سلطان." ثم هوى عليه بصفعة، رغم كبر سن صاحبها إلا أنها جعلت عثمان كالصنم من قوتها.
أطبق جاد عليه قبل أن يفيق من تلك الصفعة وهو يصرخ فيه بغضب حارق: "قتلت ولدي ليه يا ود الحرام؟ عملك جابر إيه عشان تجتله؟"
أخيراً استوعب عثمان ما يحدث حوله وعرف أن أمره فضح، ولكن مهلاً، لن يكون كبش الفداء وينجو سعد وابنه دون عقاب. هو لم يقتل، هو فقط تستر على القاتل. قال بصراخ وصوت مرعب: "والله وكيل يا حاج جاد، ما جلت جابر ولدك. أنا بريء منه. الموضوع ده."
تلقى صفعة أخرى على وجهه، ولكن هذه المرة من سليم وهو يمسكه من مقدمة جلابيبه وهو يقول: "مين اللي قتل عمي جابر يا خسيس؟"
قال عثمان: "سعد، سعد ولد إبراهيم راشد هو اللي قتل ولدك يا حاج جاد." ثم أكمل بكذب حتى يتهرب من عقاب الهلايلة: "وأنا لما شفته وجيت أبلغك يا حاج سلطان هددني وقالي هقتل عيالك لو قلت حاجة، وبعدها اشترالي بيت في أسوان وعشت هناك."
قال سليم بسخرية لأنه يعلم أنه كاذب، لأنه يراقبه مع عمه جاد ورحيم منذ ثلاثة أشهر: "وسعد برضو هو اللي عملك الشركة والمصنع اللي في أسوان ودخلك معاه شريك؟ إحنا عارفين كل حاجة يا خاين."
انهارت كل آمال عثمان وعرف أنها النهاية، ولابد من دفع فاتورة ما فعله مع سعد راشد.
"الو؟ أيوه يا سليم."
أجاب سليم على فضل وهو عائد على منزله حتى يستبدل ملابسه ويذهب مع رحيم إلى الإسكندرية لإنهاء أمر سعد والعودة به إلى عمه جاد.
"أيوه يا فضل."
قال فضل له كل شيء، وأنهى كلماته وهو يقول له برجاء: "سيبها يا سليم، سيبها تروح تزور قبر أمها وترتاح أعصابها يومين عند خالها، وابقى هاتها وصالحها بعدها تكون هدت."
قال سليم بيأس: "لو سبتها يا فضل، مش هترجع لي تاني."
قال فضل: "ليه يا سليم؟ أنت عملت إيه؟"
قال سليم: "عملت كتير يا فضل."
"استهدى بالله يا سليم، تبات نار تصبح رماد."
أجابه سليم بعكس توقعات فضل: "خلاص يا فضل، ودّيها إسكندرية، وأنا هخلص اللي ورايا وأبقى أروح أراضيها."
حسبها سليم بحسبة بسيطة في رأسه، أن تبتعد نور عن البلد وأي خطر وتذهب إلى خالها، إلى أن ينتهوا من أمر الثأر، ليعود لها ويفعل المستحيل حتى تعفو عنه.
وقفت في ذلك المتجر الكبير تنتقي بعض الثياب لكي تحضر بها حفل تخرجها من الجامعة بعد أن سمحت لها جدتها.
سمعت صوت بغيض تكرهه وهو يقول من خلفها: "الله، الطقم ده هياكل منك حتة يا بسمة."
التفتت لتنظر إليه بحدة وغضب: "وانت مالك انت يارائد؟ بعد بعيد عن وشي."
جذبها من يدها وهي تغادر المحل وهو يقول بسماجة: "اهدئ يا قطة، إحنا مهما كان ولاد عمه."
هتفت بغضب وهي تسحب يدها من يده: "عمه؟ عمه مين؟ عمي الدب! أما يجيلك ابعد بعيد عني يا رائد."
اقترب منها وقال: "ولو مبعدتش؟" ثم أكمل بفحيح: "طول عمري معجب بيكِ أنتِ يا بسمة، وكل ما آجي أقول لأختك الهبلة الكلام ده تفكر إني بحبها هي."
صرخت بسمة فيه بغضب: "ابعد عن طريقي يا رائد، أصلي مش هيحصل لك طيب."
دلف في نفس الوقت فريد وهو ينقل عيناه بين تلك المتاجر لكي ينتقي ثياباً لكي يذهب به إلى الشركة، بعد أن أخبره رحيم أن ينزل إلى الشركة إلى أن يعود من الإسكندرية.
لمح تلك التي تثير جنونه حين تتحدث معه بثبات ودفاع عن عاداتهم وعن حياتهم. ولكن مهلاً، هل تتشاجر مع أحدهم؟ اقترب منها والتقت آخر كلماتها وهي تصيح بغضب في ذلك الذي يعترض طريقها: "ابعد عني يا رائد، أصل مش هيحصل لك طيب."
قال رائد بسماجة: "هيحصل إيه يعني؟"
وقبل أن يتم كلماته، وجد تلك اللكمة تنزل على وجهه وصوت غاضب يصيح فيه وهو يقول: "هيحصل كدا يا زبالة."
لم يفهم شيئاً إلا أنه سقط أرضاً ووجودها تبتعد مع ذلك الشاب الذي جذب يدها وخرج بها من المتجر كله.
قال فريد بغضب: "مين ده وعاوز منك إيه؟"
قالت بسمة بغضب: "وانت مالك؟ ابعد عني يا خواجة."
جذبت يدها من يده وذهبت إلى سائقها لتركب السيارة. وقبل أن تنطلق، جرى عليها ومنعها من قفل باب السيارة وهو يقول بغضب: "أنا مش خواجة يا بسمة هانم، أنا فريد ابن عمك وحقي عليك إني أحميك."
قالت ببرود قصدته: "وأنا ما طلبتش حمايتك، أنا أقدر أحمي نفسي."
أجابها بسخرية: "واضح إنك هيرو، وأنتِ كنتِ بترعشي من الخوف جوه."
صفع باب السيارة وتركها تحترق من غضبها وانصرف، يحترق هو الآخر من تلك العنيدة التي تراه مختلفاً، لا ينتمي لهم ولا لأهله.
جمع ملابسه في حقيبته، وهي جالسة على الفراش تراقبه بغضب من هدوئه القاتل، فهو منذ تلك الليلة لم يقترب منها ولم يحدثها، لم تجد منه إلا البرود في المعاملة واللامبالاة بأفعالها.
قالت بغضب: "انت بتلم هدومك ورايح فين يا رحيم؟"
أجابها بهدوء: "مشوار شغل."
استغلت هدوء صوته واقتربت منه وهي تقول: "وهتتأخر؟"
نظر لها بدهشة، بينما أنعش سؤالها قلبه: هل تهتم به؟ قال بمراوغة: "وهتفرق معاك؟"
قالت بلهفة لا تعلم سببه، ولكنها تريد أن يعود لها كما كان يهتم بها، يخاف عليها، وأيضاً يشاكسها. وكم تهوى مشاكساته. "أكيد هتفرق." ثم تداركت تسرعها وتخضبت وجنتها من الخجل فصمتت.
اقترب منها، بينما وجد تلك النظرة الغاضبة في عينيها تختفي وتحل محلها لمعة جميلة زينت عينيها. مسك خصلة شعرها وأزاحها عن وجهها وهو يقول بحب: "تعرفي إن بحب شعرك قوى."
نظرت له بخجل، ولكنها تجرأت وسألته: "شعري بس؟"
نظر لها بمكر وقال لها، بينما ولأول مرة يراها بكل هذا الهدوء: أيكون السبب هو تجاهله لها كل تلك الأيام، وهي من تحاول كسب وده مرة أخرى؟ "أكيد بحب حاجات كتير تانية، مثلاً بموت في دي." وقبل أن تجيب عليه، اقترب منها يقبل ثغرها بتمهل وعشق وحب، قبله أودع فيها كل مشاعره لها دون أن يقول شيئاً.
ابتعد عنها وهو يلهث، وهي مغمضة العين ووجهها كاد أن ينفجر من الخجل، لا تصدق أنها تحدثه وتسايره بكل هذا الهدوء وهذه الفرحة.
هتف باسمها ببحة رجولية: "سلمى. فتحي عينك."
فتحت عينيها. قال لها: "أنا عندي مشوار شغل في إسكندرية، إن شاء الله مش هتأخر وهرجع لك بخبر حلو قوي يا سلمى. وعندى كلام كتير هقوله لك أما أرجع، استنيني."
أومأت له بخجل. طبع قبلة على وجنتها وتركها وانصرف بقلب يكاد أن يخرج من ضلوعه من شدة سعادته. لقد كانت هادئة، مسالمة بين يديه.
نظرت إلى هاتفها للمرة التي لا تعلم عددها، فهو كل يوم يتصل بها أكثر من مرة ليطمئن عليها. لماذا تأخر اليوم؟
مسكت الهاتف وكادت أن تطلبه، ولكن كان الأسبق. فتحت الهاتف بسرعة وهي تهتف باسمه بفرحة: "سراج."
قال لها بنفس اللهفة: "إزيك يا زهرة؟ عاملة إيه؟"
قالت بخجل: "كويسة."
سألها بلهفة وخوف: "جدتي ضايقتك في حاجة؟"
قالت بسرعة: "لأ، وبسمة معايا كل يوم."
سألها بلهفة: "لسه هتتأخر؟"
أجابها بمكر: "عايزةني أرجع؟"
قالت بتأكيد: "أيوا."
سألها بهدوء: "أجيب لك حاجة من إسكندرية؟"
قالت بجرأة: "آه، هات لي هدية على ذوقك."
هل تطلب منه هدية؟ قال لها: "أنا كدا كدا هجيب لك هدية. عايزة حاجة تانية؟"
قالت له بخجل: "شكراً."
"أيوه يا بابا. هنرجع إيطاليا امتى؟" تساءل جو.
أجابه سعد بقلق: "اهدئ يا جو، الشحنة دي فيها بضاعة بملايين. أخلص الشحنة وأبيع البضاعة، وأرجع أنا وأنت إيطاليا وأسيبهم هنا يولعوا."
قال جو بطمع: "فيها كام مليون يا سعد باشا؟"
ضحك سعد بمكر وهو يقول: "كتير، كتير قوي يا جو."
هتف زهران في فضل الذي قلب البلد على سعد لكي يحاسبه على كذبه وزواجه على أخته ولم يجده.
"لقيته يا ولدي؟"
أجاب فصل بقلة حيلة: "لأ يا بوي، أنا هروح الشركة عند سراج وأسأل عليه، ويا ويله لو لقيته الخائن ده."
"خلاص يا ولدي، روح اسأل عليه هناك وجيبه معاك لو لقيته."
"حاضر يا بوي."
وقف في الميناء هو وسراج الذي تفاجأ به يخلص ورق الشحنة.
هتف بتساؤل: "سراج، أنت بتعمل إيه هنا؟"
قال سراج بمكر: "بخلص الشحنة يا خالي."
قال سعد: "أنا معايا توكيل من جدك إني أخلصها."
قال سراج بمسايرة: "أنا وأنت واحد يا خالي."
اقترب منه ضابط الجمارك وهو يسأل: "الشحنة دي باسم مين؟"
قال سعد بسرعة: "باسم سراج الهلالي."
قال الضابط: "هو فين؟"
أجابه سراج بقلق: "أنا هنا يا فندم."
قال الضابط: "انت مقبوض عليك، المكن فيه أكياس هيروين."
رواية ارغمت على عشقك الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم هيام شطا
جرى إبراهيم خلف سراج والضابط يعتقله.
هتف إبراهيم بخوف وقلق: "إيه الكلام اللي بتقوله ده يا حضرة الظابط؟ باشمهندس سراج بقاله سنين بيستورد مكن ومواد خام، وطول عمره ورقه والشحنة اللي بيطلبها بتبقى سليمة. أكيد فيه حاجة غلط."
أجاب الضابط بعملية أثناء تفتيش سراج الذي وقف صامتاً وكأنه في كوكب آخر: "للأسف الهيروين لقيناه في الشحنة. والشحنة دي باسمه."
ثم أضاف الضابط الكلمة التي كانت بمثابة قنبلة بالنسبة لسعد راشد، الذي وقف كمشلول وهو يرى تعبه وأمواله التي وضعها في تلك الشحنة ستذهب هباءً.
قال الضابط: "الشحنة دي متبلغ عنها من قبل ما تطلع من إيطاليا."
لم يهتم إبراهيم بما يقوله الضابط، ففي كل الحالات النتيجة واحدة وهي القبض على سراج. ولكن من كان يقف بصمت هو من كان يحترق ليعرف من الذي قام بالإبلاغ عن بضاعته.
سأل الضابط باهتمام: "لو سمحت يا حضرت الظابط، مين اللي بلغ عن الشحنة؟"
أجابه الضابط بعملية: "في القسم هتعرفوا كل حاجة."
نظر له سراج بدهشة. هل كل ما يهتم به هو من الذي قام بالإبلاغ؟ لم يسأل عليه ولم يهتم لأمره. ضحك بينه وبين نفسه بسخرية، فها هي ظنونه تتأكد أنه لا يعير ما حدث له أي اهتمام. ولكن مهلاً، أيعقل أن يكون هو صاحب تلك الأشياء المشينة التي وجدت في صفقة الميكانات؟
قال سراج بسخرية: "قصدك هو المهم مين اللي بلغ يا خالي؟ ولا المهم اللي أنا فيه ومين ابن الحرام اللي حاطه؟"
قال سعد بتلعثم: "طبعاً طبعاً، أنت أهم حاجة. والشحنة كمان. أنا بس بحاول أوصل لأي معلومة تساعدنا."
جذب الضابط يد سراج وتحرك به إلى داخل سيارة الشرطة وهو يقول بانفعال: "أي استفسار، قولك في القسم."
***
لم ينم ولم يطرف النوم بابه. ضاقت حجرات البيت الكبير عليه. جلس بعد عودته من بيت أخيه يسترجع كل ذكريات هذا اليوم المشؤوم. من أخبرهم بموت جابر؟ هو سعد. أول من اتهم جلال وسلطان كان سعد. لقد استغل سعد حرقة قلبه وقلب عمته، وألصق تهمة القتل التي ارتكبها هو، ألصقها بأخيه وولده. فرق بين العائلتين عشرون سنة، بينما هو من ساد وعاش آمناً. آخر بريء هدم مستقبله، تشتت خارج دياره، عاش مطارداً يخشى كل شيء.
قطع شروده وتفكيره الذي لا يهدأ، هتاف نجيه التي تساءلت بقلق: "مالك يا جاد؟ إيه اللي قاعدك في البرد الصبح أكده؟"
أجابها بحزن: "مفيش يا نجيه. مستني تليفون مهم."
ثم سألها بلهفة: "هو سراج مجاش هنا من يوم ما مشى يا نجيه؟"
لوت شفتيها بلؤم وقالت: "لأ، مجاش. خايف على بنت جلال مني."
ثم أضافت بلا مبالاة: "ده حتى راح إسكندرية بقاله يومين، وكل شوية يكلم بسمة تروح تقعد مع بنت جلال. قال إيه خايف عليها."
نزلت كلماتها عليه وكأنها صاعقة. هتف فيها بقلق: "سراج في إسكندرية من مِتة؟"
قالت بدهشة: "بقاله يومين. فيه إيه يا جاد؟"
لملم جلبابه وعبائته وهرول يبحث عن هاتفه لكي يحذر حفيده من ذلك الثعبان المسمى بحاله سعد. اتصل عدة مرات ولكن هاتف سراج لا يجيب.
***
"اطمن يا باشمهندس. أنا هكلم جدك دلوقتي وهو أكيد هيتصرف."
قال سراج لإبراهيم الذي جلس معه داخل مكتب الضابط، بعد الإلحاح من المهندس إبراهيم الذي لم يترك سراج لحظة واحدة.
قال سراج بهدوء: "لأ يا إبراهيم. اتصل على سليم ود. ولو مردش، كلم عمي مهران وقوله يبعتلي سليم. إنما جدي لأ. مش هيستحمل الخبر."
أومأ إبراهيم بطاعة وتركه وانصرف.
***
وصل رحيم وسراج الإسكندرية صباح اليوم الذي اعتقل فيه سراج.
قال رحيم بتعب: "إيه رأيك ننزل في أي أوتيل نرتاح ساعتين ونشوف سعد فين. ناخده ونروح؟"
قال سليم بقلق: "مش هينفع يا رحيم. لازم نطمن أن سعد في إسكندرية وأنه مش هيلعب ملعوب تاني. احنا نخلص اللي جينا له ونرتاح بعد كده."
قال رحيم بإرهاق: "مش قادر. ساعة واحدة بس. إحنا بقالنا كذا ليلة مش بنام."
على مضض وافق سليم الذي كان منهك القوى أكثر من أخيه.
وها هو إبراهيم يتصل عليهم، ولكنهم غرقوا في النوم.
عاود الاتصال، ولكن هذه المرة اتصل بمهران والد سليم ورحيم، الذي جلس على مائدة الإفطار ينتظر والده وأمه.
علا صوت هاتفه، فأجاب عليه بسرعة.
قال إبراهيم بلهفة: "أيوة يا حاج مهران، أنا إبراهيم. المهندس المسؤول عن مصنع سراج بيه."
عرفه مهران وقال: "أيوه يا ابني، خير يا باشمهندس؟ فيه مشكلة في المصنع؟"
قال إبراهيم بتوتر: "لأ يا حاج مهران، فيه مصيبة."
هتف مهران بقلق: "مصيبة؟ يا ساتر يا رب. حصل حاجة للمصنع أو لسراج؟"
وحين هتف باسم أخيها، تنبهت جميع حواسها وهي تهبط الدرج، بينما وقف مهران بجوار الدرج يتحدث، غير منتبه لسلمى التي وقفت تستمع لأي مصيبة حلت بأخيها.
قال إبراهيم بحزن: "المكن اللي الباشمهندس مستورده طلع فيه هروين والمهندس مقبوض عليه."
جزع مهران وقال بفزع: "يا ساتر يا رب. مقبوض على سراج؟"
ثم أكمل ليطمئن إبراهيم: "سليم ورحيم، كلها دقايق ويكونوا عندك. هما في إسكندرية من امبارح."
انطلقت تجري بخوف على أخيها. ترى أي تهمة اتهم بها أخيها؟ وهل لرحيم وسليم يد بها؟ ولكن كيف يكون لهم يد بها؟ ورحيم أكد لها أنه سيأتي لها بخبر جيد. هل كان يوهمها بالحب والمعاملة الحسنة؟ ماذا تفعل؟ إلى أي من تلجأ؟ هل تخبر جدتها أم جدها؟ أم تخبر بسمة لكي تخبر جدها؟
***
"بأيدي مرتعشة قامت بالاتصال بأختها كي تخبر جدها ولا تفعل مشكلة بين العائلتين مرة أخرى."
"الو؟ أيوة يا بسمة؟ أنتِ فينا؟"
"أيوه يا سلمى، أنا عند زهرة مرات سراج. هنفطر مع بعض."
قالت سلمى بحذر: "بسمة، سيبى زهرة دلوقتي وروحي قولي لجدك أن سراج مقبوض عليه في الإسكندرية. خليه يلحقه بسرعة يا بسمة."
قالت بسمة بخوف: "إنتِ عرفتي منين يا سلمى؟"
"مش مهم دلوقتي. المهم نلحق سراج."
أغلقت بسمة الهاتف، لم تنتظر لتخبر زهرة التي كانت في المطبخ تحضر باقي أطباق الإفطار، وانطلقت تجري بخطوات واسعة لكي تخبر جدها.
خرجت زهرة من المطبخ، لكنها لم تجد بسمة. أخذت تبحث عنها في غرف المنزل، لم تجدها، ولكنها لمحت طيفها يجري بخوف وكأن الشياطين تطاردها. جرت زهرة خلفها لتعلم أي مصاب قد حدث.
وصلت بسمة وهي تهتف بأنفاس متقطعة: "جدي! جدي! جدي!"
كان حال جاد لا يقل قلقاً ولا خوفاً عن حالها.
قال جاد بلهفة وقلق وهو ينزل درجات السلم الرخامي للبيت: "أيوه يا بسمة يا بنتي، فيه إيه؟"
لم تنتبه لمن أتت خلفها من خارج البيت، وهي زهرة. أو التي كادت أن تخرج من البيت وهي نجيه.
هتفت بسمة بخوف وزعر: "الحق سراج يا جدي!"
هوى قلب الجد بين أقدامه وهو يسألها بخوف: "ماله سراج يا بسمة؟"
قالت بزعر: "سراج مقبوض عليه في الإسكندرية يا جدي."
صرخت نجيه بخوف وكأنه يوم قتل ابنها جاء مرة أخرى. صرخت بقهر: "ولدي غدروا بيك الهلايلة زي أبوك!"
بينما وقفت زهرة لا تعي على أي أرض تقف. بدأت تشعر بالدوران يجتاحها، وأن كل ما فعلته هدم وذهب أدراج الرياح.
نظر جاد بخوف إلى تلك التي ترتعب من الخوف خلف بسمة، قال لها بثبات: "أسندي مرات أخوك يا بسمة. متخافيش يا بنتي، أكيد فيه حاجة غلط."
بينما صرخت نجيه بغل: "غلط؟ غلط إيه؟ دول أكيد ولاد عمها بينتقموا مني في سراج. سليم هددني وقال كدا. قالي لو قربتي لبنت عمي هندمك على أعز عزيز."
ثم صرخت بخوف: "سرااااااااج يا ولدي. عملوه ولاد الهلايلة. غدروا بيك زي أبوك."
لم يتمالك جاد نفسه من الغضب، بينما علم أن ذلك الثعبان المسمى بسعد هو صاحب هذه المكيدة في حفيده. صرخ فيها بغضب: "كفاية يا نجيه. كفياك ظلم في أهلي."
ثم نظر لها نظرة أرعبتها وهو مطبق على كتفها ويهز جسدها بعنف بين يديه، وهو يدفع الحقيقة في وجهها مرة واحدة، فلن يخفى شيء بعد الآن. لم يبق عنده ما يخسره، إذا خسر سراج.
صرخ فيها بغضب: "سعد ابن إبراهيم أخوك هو اللي قتل جابر. دم ولدي في يد عيلتكم يا نجيه، وأنا هاخد بتار ولدي لأنني متأكد..."
دفعها بغضب بعيداً عنه. بينما هي لم تقو على الوقوف، هوت على الأرض وهي تردد: "سعد هو اللي قتل جابر. سعد."
جلست زهرة بأقدام رخوة. لم تستطع أن تتحمل كل هذه الحقائق التي قذفت في وجهها مرة واحدة. من سعد؟ نعم، هو من كان مع سراج في كندا. نعم، هو من أراد قتلها وقتل أخيها.
انتفض قلبها بالخوف على سراج، ولم تستطع أن تفرح ببرائة أبيها الذي عاش بذنب لم يقترفه عشرين عاماً.
أخيراً خرج صوتها وهي تهتف بقهر: "سراج راح فيها يا بسمة."
قالت بسمة بقلب يتمزق على حالها وحال جدتها التي هوت أرضاً من الصدمة: "أهدي يا زهرة. أهدي يا جدتي. إن شاء الله ربنا كريم وجدي هيلحق سراج وهيطلعه من المصيبة دي."
جلست بصدمة وهي تراجع كل تفاصيل العشرين عام. من أخبرها بقتل جابر؟ أنه سعد. من أخبرها أن سلطان وجلال هم من قتلوا جابر؟ أنه سعد. بالرغم من أنهم لم يكونوا في البلد وبرأتهم ظهرت، إلا أنه هو من غذى لديها فكرة أنهم من قتلوا ولدها بهدف الطمع في ماله. ولكن عن أي طمع؟ لم يأخذوا أي شيء. الآن أصبحت الرؤيا واضحة، أنه المنتفع الوحيد من هذه العداوة. ولكن لماذا قتل وحيدها وقهرها عمرها كله عليه؟ ستعرف ثم تقتله، كما قتل وحيدها.
صاحت بغضب وهي تتوجه إلى المطبخ، تأخذ منه ذلك السكين الحاد اللامع، تحت أعين زهرة وبسمة المرتعشة.
"واد يا عوض وديني إسكندرية."
جرت خلفها بسمة وزهرة. جذبتها بسمة وقالت برجاء ودموع منهمرة: "على فين يا جدتي؟ خليكي هنا، جدي هيتصرف."
دفعتها نجيه وقالت بغضب: "بعدي عني يا بسمة. أنا لازم آخد تار ولدي."
***
أنهى مهران اتصاله بسليم ورحيم وأخبرهم بما حدث، بينما وقفت سلمى تبكي بقهر، لا تعلم من الظالم من المظلوم، وما الذي جمع سراج برحيم في الإسكندرية.
في تلك اللحظة، دخلت زهرة وبسمة ببكاء وعويل.
صرخت بسمة في مهران وجلال بخوف وقلق على جدتها: "عمي مهران! عمي جلال! الحقوا جدتي راحت تقتل خالي سعد."
كان جلال كالمغيب، لا يعلم عن أي شيء تتحدث بسمة وزهرة، بينما مهران كان على علم بكل شيء. فسلطان أخفى عن جلال أمر سعد حتى لا يتهور ويفعل ما لا يحمد عقباه. ولكن كل شيء ظهر، وفي الوقت الخطأ.
قال جلال بتيه: "اهدوا، اهدوا يا زهرة. فيه إيه؟"
قالت زهرة ببكاء وصراخ: "سراج مقبوض عليه يا بابا. الحقه أبوس إيدك."
وما هي إلا دقائق، وكان جلال ينطلق مع زهرة التي تعلقت في يد أبيها برجاء أن يأخذها معه هو ومهران إلى الإسكندرية.
بينما بقيت بسمة بأمر من سلطان مع أختها سلمى، في بيت سلطان الهلالي، عدو الأمس، آمن اليوم.
***
"دلفوا إلى تلك الغرفة التي كان سراج بها، بعد وصولهم إليه في أقل من ساعة."
انتفض سراج من مكانه، بينما قال سليم بقلق: "سراج، أنت كويس؟"
احتضنه سليم بمحبة وهو يربت على كتفه بحنان: "إنت كويس يا سراج؟"
أجابه سراج بمحبة: "أنا تمام الحمد لله، وكله بفضل فضلك يا سليم."
وقف رحيم كالابله، لا يعلم أي شيء. قال ببلاهة: "هو فيه حد مقبوض عليه يقعد في مكتب الظابط ويتعامل بإحترام كدا؟ هو فيه إيه؟"
ابتسم سراج وقال: "آه، فيه كدا. لما سليم الهلالي يخطط ويسبق بخطوة."
هتف رحيم بدهشة: "إزاي؟"
دلف في ذلك الوقت الضابط مصطفى، صديق سليم، الذي كان له الفضل بعد الله في حل قضية الهلايلة. وقال ببسمة منتصرة زينة وجهه: "هقولك إزاي. أنا وسراج وسليم."
قال سراج بأسى وهو يأخذ نفساً عميقاً داخل صدره ويخرجه بثقل، وكأنه أخيراً سيتخلص من هذا الحمل الذي أثقله لعشرين عاماً: "فاكر يا رحيم يوم الصلح اللي بين العائلتين؟"
أومأ رحيم ببلاهة: "أيوه فاكر."
قال سراج بشرح: "فاكر لما نور مرات سليم كانت جو عاوز يخطفها؟"
قال رحيم بتأكيد: "أيوه فاكر، وأنا وأنت وسليم لحقناها."
"مال الموضوع ده باللي بيحصل بقى؟"
أكمل سراج بشرح: "ده أول الخيط اللي خلاني أعرف عدوي من حبيبي."
قال رحيم بدهشة: "إزاي؟"
أكمل سراج: "يومها عرفت من سليم أن خالي سعد عنده ابن، وهو كان معرفني عليه على أنه واحد خواجة. معرفته تاني يوم. روحت المصنع بتاعي لقيت خالي سعد فاصل نص العمال بحجة أن المكن قديم ودي عمالة زايدة. يومها رجعت العمال تاني واتفقت مع المهندس إبراهيم يشتغل على المكن القديم. وبعت لشركة تانية اتفق معاها على شحنة مكن جديدة. بس بعد ما اتفقت مع الشركة دي، خالي سعد سحب الاتفاق واتفق مع مصانع تانية. خفت منه لتكون مصيبة جديدة بيجهزها ليا. روحت لسليم وحكيت له كل حاجة."
"Flash back"
"أيوه يا سليم، أنا سراج. ممكن أقابلك؟"
قال سليم بجدية: "أيوه طبعاً."
هتف سليم بقلق: "خير يا سراج؟"
قال سراج بجدية: "ممكن أعرف كل حاجة عن خالي سعد وابنه؟ وكمان أعرف أنت عرفت الكلام ده منين؟"
بدأ سليم بقص كل شيء لسراج من وقت ما شاهد نور وهي تتمايل بين يدي جو في إيطاليا، ومكتب التحريات الذي اتفق معه للتحري عن هذا الرجل الذي كانت ابنته عمته برفقته، إلى أن علم أنه مصري إيطالي، ويملك هو وأبوه شركة في إيطاليا للأعمال المشبوهة، من تجارة آثار وتجارة مواد مخدرة تحت غطاء أنها شركة معدات نسيج.
قال سراج بقلق: "والشركة دي اسمها إيه يا سليم؟"
أخبره سليم باسم الشركة.
هتف سراج بخوف: "ده نفس اسم الشركة اللي خالي سعد اتفق معاها على شحنة المكن الجديد."
قال سليم بحذر: "أكيد المكن ده فيه حاجة، وإلا ما كان سحب اتفاقك مع الشركة الأولى."
انتفض سراج برعب: "طيب والحل يا سليم؟"
ربت سليم على كتف سراج وقال بحب: "متقلقش يا سراج، إن شاء الله لها حل."
ثم قال بجدية: "إحنا أول حاجة نسأل واحد ضابط صاحبي، هو اللي هينصحنا."
وبالفعل استشاروا مصطفى، صديق سليم، الذي يعمل في الإسكندرية وله علاقة بأمن وأمور الميناء.
قال مصطفى بعملية: "إنت تبلغ عن الشحنة يا باشمهندس سراج عشان تخلي مسؤوليتك منها وتجيب ورق الشحنة الأولى اللي يثبت إنك مكنتش متعاقد مع الشركة دي. ونستنى ونشوف. لو الشحنة فيها حاجة، يبقى أنت اللي مبلغ عنها وخليت مسؤوليتك."
وبالفعل فعل سراج ما أمره به الضابط.
بينما طلب منه سليم طلباً آخر من دون علم سراج.
"بقولك إيه يا مصطفى؟ عاوز منك طلب كمان."
قال مصطفى بمودة: "إنت تأمر يا هندسة." فهو صديق سليم منذ أكثر من ثمان سنوات حين قضى مدة خدمته الأولى في الصعيد وتعرف على سليم الذي أكرمه طوال خدمته في الصعيد.
قال سليم بمكر: "عاوز واحد تبعك يراقب سعد من غير ما سراج يعرف."
قال مصطفى: "حاضر. عندي رشاد هيجيب لك قرار سعد. تمام؟ وأنا هبلغك."
رشاد سيبلغ رحيم أخوه وعمي جاد.
وبالفعل، بينما زاد شك سليم في سعد بعد ما أخبره به سراج، توجه في اليوم الذي يليه إلى عمه جاد وأخبره بأمر سعد وابنه جو، ولم يخبره بما حدث مع سراج حتى لا يزيد قلق جاد على حفيده. اكتفى بأن يخبره بأن له ابن وشركة مشبوهة تعمل لحسابه في إيطاليا وبينها وبين شركتهم عمل مشترك، حتى يقنعه بمراقبة... التي أتت أخيراً بثمارها. وأي ثمار!
كان رشاد يخبر سليم بكل شيء قبل أن يخبر رحيم أو جاد، إلا في الآونة الأخيرة الذي انشغل فيها سليم بأمر تلك الصور، وأيضاً مؤامرة جو على زوجته. أصبح تواصل رشاد مع الحاج جاد ورحيم مباشراً بأمر من سليم.
"نهاية الفلاش باك"
"نعم، لقد فعل المستحيل ليبقيها بجانبه، ولكنه لم يستطع الحفاظ عليها بسبب غيرته الهوجاء. طوع كل من عرفهم ليظهر براءة أبيها لكي تبقى معه، ولكنه هو من ظلمها ولم يحافظ عليها. أصبح سليم الآن يعرف الحقيقة كاملة، أنه سعد من قتل وخطط ودبر وزرع الثأر بين العائلتين. لم يعلم سراج بعد بأن سعد هو من قتل أبيه. وهذا ما حمد الله عليه سليم وسراج، ليبقى لا يعلم هذه الحقيقة حتى ينتهي من المصيبة الأولى."
***
"هتف سليم بتساؤل: إحنا لسه مستنين إيه يا مصطفى؟"
قال مصطفى بعملية: "مفيش إثبات على سعد بأنه صاحب الشحنة، كل الورق باسم سراج. ولولا أن سراج بلغ، كان زمانه هو اللي في المصيبة دي."
صاح رحيم بغضب: "يعني إيه الكلام ده؟ يعني كده فلت بعمله؟ لأ، ده أنا هقتله!"
"وقبل أن يكمل كلماته، صرخ سليم كي يسكته، كي لا يعلم سراج شيئاً."
قال مصطفى بجدية: "اهدأ يا رحيم." ثم نظر إلى سراج وسأله: "حطيت الجهاز اللي معاك في جيب سعد يا سراج؟"
قال سراج بجدية: "أيوه، حطيته في جيبه."
تساءل سليم: "جهاز إيه يا مصطفى؟"
قال مصطفى: "ده جهاز تتبع وتسجيل. أنا نديته لسراج يحطه في جيب خاله، لأنه أكيد مش هيعترف ومش هيجي هنا القسم. أكيد هيروح لشريكه لو له شريك، أو لابنه وهيقول كل حاجة. وإحنا مراقبينه وبنسجل له."
***
"دلف سعد بخوف وهو يتلفت حوله إلى تلك الشقة التي كان يمكث بها بالإسكندرية."
"وما هي إلا دقائق، ودلف وراه جو."
قال جو بقلق: "فيه إيه يا بابا؟ ليه انت هنا؟ وفين الشحنة؟"
قال سعد بخوف: "مصيبة يا جو. الشحنة والمكن امسكوا في المينا."
أكمل بخوف بينما شلت هذه المصيبة تفكيره: "أنا كده ضعت يا جو. الصفقة صح باسم سراج، بس دي متبلغ عنها وأنا اللي كنت هنا عشان أستلمها. أنا كده اللي في وش المدفع. هقول إيه لعمتي؟ مصيبة من كله. فلوسي راحت في الشحنة، وكمان سراج راح معاها."
حك جو ذقنه بتفكير وهتف بمكر: "ولا روحت في داهية ولا حاجة يا بابا."
قال سعد بتساؤل: "يعني إيه؟"
قال جو بتفكير شيطاني: "إنت بتقول أن الشحنة متبلغ عنها، يعني ممكن يكون حد حط الهيروين وهي هنا وبلغ عنها."
قال سعد بسخرية: "إنت هتستعبط؟ الشحنة جاية بالهيروين من إيطاليا."
قال جو بمكر: "إحنا هنقول كده لعمتك ونقول لها أن سليم هو اللي عمل كده. حط الهيروين في الشحنة وبلغ عن سراج عشان يخلص بنت عمه اللي اتجوزت سراج غصب. وفي نفس الوقت الصلح زي ما هو محصلش فيه حاجة من ناحيتهم."
ابتسم جو بسمة ملتوية وهو يسأل أبيه: "إيه رأيك يا سعد باشا في تفكير ابنك؟"
هتف سعد بفرحة، بينما أخيراً وجد مخرجاً من هذه المعضلة بفضل هذا النبت الشيطاني الذي أنجبه المسمى بابنه.
***
"هتف بقلق مصطنع: الحقيني يا عمتي. سراج اتقبض عليه."
قالت نجيه بخوف من قلبها: "اتقبض عليه ليه يا سعد؟ كفانا الشر."
قال سعد بفحيح: "الشحنة بتاعة المكن فيها هروين ومتبلغ عنها."
ثم أكمل باقي الحديث الذي اتفق عليه هو وجو، وألصقوا التهمة لسليم الهلالي.
تمالكت نجيه نفسها من الغضب، بينما ضغطت على نفسها لكي لا يعلم سعد أنها علمت الحقيقة. وقالت بلهفة: "وانت فين دلوقتي يا سعد؟"
قال سعد بتلبك: "أنا... أنا... هاخد محامي ورايح لسراج النيابة."
***
"هتف مصطفى بنصر وهو يستمع إلى هذه الاعترافات من سعد بواسطة هذا الجهاز الذي وضعه سراج له. فهو أوصله لكل الحقيقة، بينما وبكل سهولة سيأتي سعد إليه."
***
"وصلت نجيه ووقفت تنتظر وصول سعد، بينما سحبت هذه السكين وانتظرت لكي تغرسها في قلب من غدر بوحيدها."
"وصل بعدها بقليل جلال وزهرة، وأيضاً رحيم."
"نزل رحيم بقلب يهتف من الفرحة حين لمحها لكي يخبرها أنه بريء من دم ابنها وثأره الذي حمله عشرين عاماً. ونجيه لا ترى أمامها إلا سعد."
"أشهرت السكين وهي تهتف باسمه: سعد! وقبل أن تصل إليه، ضرب جو الذي كان ينتظر أبيه في سيارة بعيداً عنه، ورأى نجيه وهي تريد أن تغرس هذه السكين في قلب سعد. ضرب هذا العيار الناري الذي انتبه له جلال. جذبها بخوف أن تصاب بهذا الطلق الناري وصرخ بزعر وهو يدفعها ويتلقى هو الطلق بدلاً منها."
"حاسبي يا خالة نجيه..."
"كل شيء حدث في لحظة، بينما جرى سعد الذي لم يستوعب إلى الآن أن نجيه خالته كادت أن تقتله."
"صرخ جو وهو يشغل محرك السيارة بسرعة: يا بابا تعالى."
"جرى سعد وقفز في السيارة، بينما طاردته قوات الشرطة، لكنه كان الأسرع واستطاع الهرب."
***
"جلست في شرفة غرفتها، بينما مر على مكثها عند خالها يومين. يومين لم يفكر حتى أن يطلبها أو يطلب خالها لكي يطمئن عليها. بينما هي تراودها الظنون أنه تخلى عنها. كان هو يفعل كل ما يستطيع أن يفعله لكي ينهي هذا الصراع ويخمد نيران الثأر الذي فرقه عنها وعن عشقها الذي أرغمه قلبه على عشقها منذ أن أبصرها وغرق في زرقة عينيها."
***
"انطلقت القوات تلاحق سعد وجو، بينما خرج سليم ورحيم بعد أن سمعوا هذه الأصوات تتعالى خارج القسم. خرج ووجدوا زهرة تحتضن جسد أبيها الغارق في الدماء وهي تصرخ بفزع: بااااااابا ااا..."
رواية ارغمت على عشقك الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم هيام شطا
صرخت وهي تحتضن جسد أبيها بين يديها:
- بابا!
خرج الضابط مصطفى حين سمع تلك الطلقات النارية مسرعًا. بينما خرج خلفه سليم ورحيم. وحين تبعهم سراج، اعترضه أمين الشرطة وقال بأمر:
- آسف يا فندم، التحقيق لسه مخلصش.
صرخ سراج فيه بقلق:
- أنا معملتش حاجة، أبعد عن طريقي.
قال الأمين بجدية:
- دي أوامر حضرت الظابط.
قال سراج بلهفة:
- رحيم، سليم، طمنوني فيه إيه بره.
أومأ له سليم، بينما انطلق رحيم وخلفه سليم. وجدوا زهرة تحتضن جسد أبيها. تجلس بجوارها بصدمة نجيه ومهران يتصل بالإسعاف. بينما انطلق مصطفى والقوات يلاحقون سيارة سعد وجو.
***
حمل سليم عمه، وصعد هو ورحيم معه في سيارة الإسعاف التي انطلقت إلى أقرب مشفى، وخلفها عائلة الهلالي.
جلست نجيه بوجه شاحب شحوب الموتى. يحاكي خوفها على جلال. مهلاً، هل تخاف على من عاشت عمرها تريد قتله؟ نعم، لقد عاشت عمرها تحمي وتبني في قاتل ولدها، وأول من أراد قتلها هو من قتل ولدها. إنه ذلك الثعبان المسمى بسعد، ياليته سعد وله نصيب من اسمه، أصبح التعيس المطارد.
وصلت سيارة الإسعاف إلى المشفى وهي تحمل جسد جلال الهلالي، الذي عاش مظلومًا مطاردًا. وها هو يفدي من ظلمته وأخرجته خارج بلاده وأهله.
صرخ سليم في المشفى:
- دكتور، بسرعة!
وما هي إلا ثوانٍ اجتمع الأطباء حول جسد جلال وبدأوا في عملهم. هرول مهران بقلب ينفطر على أخيه وهو يقول للطبيب:
- أخويا هيعيش يا دكتور.
أجاب الطبيب بأمل:
- إن شاء الله.
- قول يا رب.
هتفوا جميعًا، وأولهم نجيه التي خارت كل قواها وجلست على الأرض أمام باب غرفة العمليات التي اختفى خلفها جلال مع الأطباء.
- يااااااااااااارب.
***
- إجري بسرعة يا چو.
صرخ سعد في چو بخوف. قال چو بغضب:
- أنا ماشي على أعلى سرعة. فيه إيه؟ دول ورانا ومش عارف أفلت منهم. ورانا فين ما نروح؟
قال سعد بغضب:
- إجري بسرعة، ادخل في الشوارع الجانبية دي. اتصرف يا چو منه.
دخل چو إلى تلك الشوارع، لتدخل قوات الشرطة خلفه. ولم يستطع الهروب منهم مهما حاول.
صرخ چو بغضب:
- العربيات دي مراقبانه وعارفه كل تحركاتنا.
ثم نظر إلى أبيه بشك وقال:
- شوف هدومك يا سعد بيه، ممكن يكون فيها جهاز تعقب.
طب صدمت ملامح سعد وهو يخرج ذلك الجهاز الصغير من جيبه وقال بخوف:
- إيه ده يا چو؟
مسكه چو بين يديه وقال بجزع وهو يلقيه خارج السيارة:
- مش عارف ده إيه، ده جهاز تتبع وتصنت. أنت كدا روحت في داهية.
قال سعد بغباء:
- مين اللي حطه؟
ضحك چو بسخرية:
- واضح إن سراج هو اللي عمل كل حاجة، وأنت شربتها بالشفا يا بابا.
صرخ سعد وهو يطبق على ملابس چو:
- وهنعمل إيه؟
ابتعد چو وهو ما يزال ينطلق بالسيارة:
- نهرب الأول منهم، وبعد كدا نشوف هنعمل إيه.
***
صرخ مصطفى بغضب عندما فقد أثر چو وسعد حين تخلص سعد من جهاز التتبع الذي وضعه سراج في جيبه.
- راحوا فين؟
قال الضابط الآخر:
- واضح كدا يا فندم إنهم اكتشفوا الجهاز واتخلصوا منه.
صاح بغضب في القوة التي كانت ترافقه:
- اقلبوا إسكندرية لحد ما توصلوا لهم.
قال قائد القوة بطاعة:
- تمام يا فندم.
***
قال چو لسعد بعد أن تأكد من أنه هرب من ملاحقة الشرطة:
- هنعمل إيه يا بابا؟ إحنا لازم نتصرف بسرعة. أكيد مش هيسكتوا. أنت كدا انكشفت، وكمان واضح إن عمتك عرفت إنك اللي قتلت ابنها.
نظر سعد لچو وقال من بين أسنانه:
- ده كله ميهمنيش، اللي يهمني إن أنا خسرت أكبر شحنة هيروين كنت حاطت فيها كل السيولة اللي معايا. أنا كدا خسرت كل حياتي واللي بقالي سنين بسعى ليه.
قال چو بفحيح:
- البركة في سراج اللي أنت كنت مفكره عبيط وأنت اللي بتمشيه. أهو اتغدى بيك قبل ما تتعشى بيه.
قال سعد بغضب:
- موته على إيدي.
اقترب چو منه وقال بمكر:
- اهدى يا بابا، إحنا كدا كدا هنقتله. بس لازم نخطط لهم يومين الأول، عشان الضربة المرة دي لازم تصيب عيلة الهلالي في مقتل.
أومأ سعد لچو بفرحة، بينما يرى ذلك الشيطان زرعه الشيطاني يخطط له كما أراد.
***
صرخ سراج بغضب في مصطفى الذي عاد خالي الوفاض كما يقولون:
- يعني إيه يا مصطفى؟ سعد هرب كدا من تهمة المخدرات؟
قال مصطفى بجدية:
- اهدى يا سراج، مش هيهرب كتير. إحنا مقفلين كل مداخل ومخارج البلد، يعني كلها كام ساعة ونوصله.
قال سراج بيأس:
- توصلوه إيه يا مصطفى بيه؟ ده خالي سعد عامل زي المية، طالما هرب يبقى مش هنوصله ولا هيظهر دلوقتي.
ثم قال بخوف:
- مش مهم هو دلوقتي. ثم تساءل بترقب: ضرب النار اللي كان بره الصبح ده حد جراله حاجة فيه؟
قال مصطفى بحذر:
- أنا كنت جاي أخلي سبيلك عشان كدا.
هتف سراج بقلق:
- فيه إيه يا مصطفى؟ سليم ورحيم جرالهم حاجة؟
لم يعلم سراج أن كل عائلته كانت بالخارج، جده، جدته، عمه مهران، وأيضًا المضحى دائمًا، جلال. وأخيرًا زهرة.
قال مصطفى برجاء:
- أنا هقولك على كل حاجة واحنا في طريقنا للمستشفى، بس توعدني إنك تخليك ثابت.
قال سراج بغضب ونفاذ صبر:
- فيه إيه يا مصطفى؟
خرج مصطفى مع سراج وهو يقص عليه كل ما حدث، متوجهين إلى المشفى التي مازال جلال يرقد فيها من الثانية عشر ظهرًا، وها هي قاربت على السابعة مساءً، ومازال في غرفة العمليات. يحاول الأطباء إخراج تلك الرصاصة التي استقرت بجانب القلب وأصابت الكل وليس جلال فقط.
جلس سليم ورحيم بجانب زهرة التي لم تكف عن البكاء، بينما جلست نجيه بجوارها، ولأول مرة تحتضنها بين ذراعيها. أخذتها في صدرها تهدئها. لا تعلم إن كانت تهدئها أم تهدأ روعها باحتضان ابنة عدو الأمس ومنقذها اليوم. فعلاً إن الحياة لا تبقى يومًا على حال، بينما ما هو ثابت فيها هو التغير وتقلب الأحوال. ويبقى دوام الحال من المحال.
***
صدمت ملامح سراج حين أنهى مصطفى حديثه.
- قصدك إيه يا مصطفى؟ يعني إيه خالي سعد هو اللي قتل أبويا؟
قال مصطفى بأسى:
- للأسف ده اللي حصل، وبلغني بيه الأمين رشاد اللي كان بيراقب خالك سعد لحساب سليم وجدك.
قال بعدم استيعاب:
- يعني إيه؟ إحنا... أنا... جدى.. جدتي.. كلنا كنا لعبة في إيد قاتل أبويا.
ثم أضاف بقهر:
- وأنا كنت ماشي وراه ومغمض عنيا، وهو عدوي.
صرخ بضياع:
- طيب وعمي جلال ذنبه إيه يتضرب بالنار؟ هو كمان مش كفاية عاش عمره كله مطرود مظلوم من بلده وأهله.
أشفق مصطفى على حال سراج، بينما هو لم يفق من صدمة غدر خاله بيعه في شحنة الهيروين. تتوالى عليه الصدمات، وأقواها حين علم بأنه عاش عمره يطارد بريئًا لحساب من ارتكب الجريمة. ربّت مصطفى على كتف سراج وقال بشفقة:
- اهدى يا سراج، وإن شاء الله هنقبض على سعد وهيتحاسب على كل جرائمه. بس المهم دلوقتي نطمن على عمك جلال.
قال سراج بقهر:
- أنا إزاي هبص في وشه ووش زهرة بعد كدا؟
قال مصطفى بتعقل:
- المهم تكون جنبها دلوقتي.
قال سراج بتساؤل:
- هي زهرة فين؟
كانوا قد وصلوا إلى المشفى. أشار مصطفى على المشفى وهو يقول:
- جوه مع أهلك.
ولج مهرولًا يبحث بعينيه على أهله. قابله المهندس إبراهيم الذي جاء مع سليم ورحيم وهو يهتف بفرحة:
- حمد الله على السلامة يا باشمهندس.
قال سراج بلهفة:
- عمي جلال فين، وسليم ورحيم فين؟
قال إبراهيم:
- جوه يا باشمهندس.
دلف بسرعة يتلفت عليها. قام رحيم بسرعة يحتضنه:
- حمد الله على السلامة يا سراج.
انتبه جده ومهران وباقي الموجودون أنه قد حضر. احتضنه جده بلهفة. لم يصدق أنه أمامه وأنه نجى من كيد سعد راشد.
- سراج يا ولدي، أنت كويس؟
قال سراج بأسى وهو يرى كل ما كان يعيشه مجرد كذبة أحاكها وأتقن سردها خاله سعد، وهم كانوا مجرد دمى يحركهم في مضمار شره كيفما يشاء:
- هكون كويس إزاي يا جدي؟
أخرجه جده من أحضانه، بينما تلقاه عمه مهران في حضنه بحب وهو يقول:
- شده وتهون طول ما إحنا مع بعض يا ولدي.
احتضنه سليم بعدهم وهو يربت على ظهره بحنان ومودة. قال سراج بامتنان لهذا الذي وقف بجانبه منذ أن طلب مساعدته، ولولاه بعد الله ما كان اليوم بينهم:
- شكرًا يا سليم.
أخرجه سليم من أحضانه وهو يقول بجدية:
- إحنا إخوات يا سراج، مفيش بينا شكر.
كم شعر بالخزي من أفعاله معهم سابقًا، وأيضًا كم شعر لأول مرة بحلاوة العائلة وقت الشدة. نظر بطرف عينيه إلى المتكومة تبكي في أحضان جدته. اقترب منها، بينما أومأ له سليم ورحيم حتى يحدثها. ابتعدت عنها نجيه، رفعت زهرة عينيها لترى لما ابتعدت عنها نجيه، ووجدته واقفًا أمامها، ولكن عيناه لم تقو للنظر لها.
- زهرة، عاملة إيه؟
وقفت لكي تحدثه، لكن قدماها خانتها. لم تقو على حملها. كادت أن تقع لولا يداه القوية التي احتضنت خصرها وهو يهتف بقلق:
- احاسبي يا زهرة، على مهلك.
احتضن خصرها وأجلسها وجلس بجوارها.
- بابا هيموت ياسراج.
وضع يده على فمها وهو يقول:
- ششش، بس متقوليش كدا. إن شاء الله عمي جلال هيبقى زي الفل. ربنا هينجيه إن شاء الله عشان خاطرك يا زهرة وعشان خاطر أخواتك.
زاد بكاؤها ونحيبها وهي تضع رأسها على صدره، وهو يحتضنها بقلب يتقطع من الحزن على تلك الزهرة التي منذ أن دخلت حياته تذبل كل يوم، وكأنه عقابها، بينما كانت هي حياته.
***
خرج الطبيب وملامح الإرهاق تكلل وجهه. هرول إليه سليم ورحيم وسراج.
- عمي عامل إيه يا دكتور؟
قال الطبيب بأمل:
- الحمد لله، قدرنا نخرج الرصاصة، وهيفضل في العناية أربعة وعشرين ساعة الجايين دول. ربنا يعديها على خير، بعدها إن شاء الله يبقى عدى مرحلة الخطر.
تهلل وجه جاد ومهران وسجدوا لله شكرًا. بينما احتضن سراج زهرة وجدته وهو يحمد الله ويدعوه أن يتم نعمته عليهم وتمر تلك الساعات بخير.
قال سليم بجدية:
- يلا يا جدي جاد، أنت وجدتي، وأبوي خدّهم يا رحيم. وسراج خد مراتك في أي أوتيل يرتاحوا لبكرة ييجوا يطمنوا على عمي جلال، وبعدين يروحوا البلد.
قالت نجيه:
- لا يا ولدي، أنا ممشيش من هنا إلا أما أطمن على جلال. كفاية اللي عمله معايا، أنا طول عمري ظالماه.
قالت زهرة برفض:
- أنا استحالة أسيب بابا.
على مضض أقنع سراج جدته أن تذهب مع رحيم وجده لكي ترتاح معهم ما تبقى من الليل، على أن يعودوا في الغد. بينما لم يستطع أحد أن يقنع زهرة أن تذهب، بقيت هي وسراج وسليم.
بعد قليل، دلف سليم ومعه أكياس بها طعام. ناول زهرة تلك الأكياس وقال لها بود:
- خدي يا زهرة، افتحي الأكل ده ناكل. لقمة سراج من امبارح مأكلش، وأنتي كمان.
قالت بممانعة:
- مش عاوزة أكل يا سليم.
أخذ سراج الطعام وقال لها:
- يا سليم، وضع الطعام على تلك المنضدة داخل الغرفة التي حجزها لهم سليم ليبقى بها حتى يطمئنوا على أبيها. أخذ أحد الشطائر ووضعها أمام فمها وقال لها بحب:
- كلي يا زهرة عشان عمي جلال أول ما يفوق تقدري تراعي.
أخذت منه الطعام. قالت بخجل:
- وأنت وسليم؟
قال سليم بمشاكسة لهم وهو يريد أن يغير جو الحزن المخيم عليهم:
- هو وسليم هياكلوا، متقلقيش. أنا خلاص مش قادر.
قالها وهو يعطي سراج شطيرة. هتفت زهرة بقلق:
- سليم، نور؟
قال سليم ببلاهة:
- مالها؟
قالت زهرة بتوتر:
- مش عارفة يا ترى بسمة وسلمى قالولها على اللي حصل ولا إيه؟
كانت زهرة تقصد مسألة الثأر. قال سليم بقليل من التوتر والقلق على تلك التي لا يعلم كيف سيراضيها:
- اطمني يا زهرة، نور متعرفش حاجة. نور مش في الصعيد، نور هنا في إسكندرية.
قالت زهرة بقلق:
- في إسكندرية إزاي؟ ومن امتى؟
قال سليم باستغراب:
- قالها يومين. ليه فيه حاجة يا سليم؟ نور مالها؟
قال سليم بكذب حتى لا يزيد قلقها على أختها:
- مفيش يا زهرة، كانت عاوزة تزور قبر مامتها وتزور خالها إيهاب.
قالت زهرة بعدم اقتناع:
- خالي لسه كان عندنا في الفرح، معداش عليه شهر. أكيد فيه حاجة.
وقبل أن يجيب سليم الذي تلعثم في الحديث، لا يعلم ماذا يخبرها. قال سراج الذي فطن أنه هناك خطب بين سليم ونور:
- خلاص بقى يا زهرة، الصبح سليم يروح يجيب نور، والحمد لله إنها متعرفش حاجة.
ثم قال باهتمام وحب ظهر في صوته:
- يلا نامي ساعتين عشان خاطري.
تخضب وجهها بالأحمر القاني وهي تنظر لسليم الذي انشغل بهاتفه حتى لا يزيد خجلها. وقال:
- أنا هنام ساعتين قدام الباب بره، والصبح إن شاء الله هجيب نور.
خرج سليم وبقي سراج وزهرة. قال سراج:
- نامي يا زهرة على السرير، وأنا هنام هنا على الكرسي.
أومأت بخجل. بعد قليل نظرت له، بينما لم يجد جلسة مريحة على ذلك المقعد الصغير.
- سراج؟
همهمات صدرت عنه.
- تعالى نام هنا على السرير.
سألها ببلاهة:
- وأنتي؟
قالت بخجل:
- هنام على الطرف التاني.
قال بممانعة وخجل من تصرفاته السابقة معه:
- لأ يا زهرة، خليك براحتك.
قالت بقليل من الجرأة وهي تجذب يده إلى طرف الفراش:
- أنا كده هبقى مرتاحة.
اتخذ طرف الفراش ونام عليه، بينما احتل جسده الضخم الجزء الأكبر من الفراش. اتخذت هي بجسدها النحيل ما تبقى من الفراش. وما هي إلا دقائق وانتظمت أنفاسه، وكأنه أخيرًا وجد راحته. ابتسمت هي الأخرى ونامت، ولا أول مرة قريرة العين، وأخيرًا زال هذا الهم وعبء الثأر.
***
نام على ذلك المقعد يعد تلك السويعات. استيقظ في السابعة حين شعر بالحركة تزداد في طرقات المشفى. استيقظ وذهب للاطمئنان على عمه. وجد الطبيب يخرج من غرفته.
- عمي عامل إيه دلوقتي يا دكتور؟
قال الطبيب بعملية:
- الوضع لحد دلوقتي الحمد لله مستقر.
أومأ له وقال بجدية:
- سراج في الأوضة اللي جمب دي، لو احتجت حاجة. أنا ساعتين وهرجع تاني.
***
استيقظ وهو يشعر بثقل على يده. نظر حوله، وجد خصلاتها الحريرية الفاحمة تفترش يده، بينما نظر لبشرتها الحليبية ووجهها الجميل وتلك الشفاه التي لم تتحدث معه إلا بالطاعة والحب، رغم العداء ورغم معاملته القاسية لها. تساءل بحيرة: أي فعل خير فعله في حياته حتى يجعل تلك الملاك تقع في طريقه؟ جذب يده بهدوء حتى لا تستيقظ أو تشعر بالخجل من نومتها على يده. نظر لها بوله، بينما أغرته تلك الشفاه المكتظة التي لم تنطق له إلا بكل طاعة ورضا. اقترب منها وقال في نفسه: لما لا يقبلها؟ اقترب منها كالمغيب، وجلس على عقبيه أمامها، بينما حدث نفسه: قبلة لن تشعر هي بها، ولكنها ستطفئ نار قلبه. ولكنه أبعد عنها بسرعة بعد أن فاق من نشوته حين شعر بها تتململ في نومتها.
قامت بفزع وهي تصرخ:
- بابا!
جرى عليها بلهفة وهو يحتضنها، يهدئها:
- متخافيش يا زهرة، بابا بخير.
قالت بتلعثم:
- كابوس... كابوس بابا.
قال لها وهو يمرر يديه على ظهرها بحنان:
- متخافيش، بابا بخير.
***
وقف بقلب لهيف ليرى من غرق في عشقها. ولكن ماذا سيقول لها؟ ومن تلك التي اتصلت به لتخبره أن زوجته بريئة؟ طرق باب خالها وانتظر. فتح إيهاب الباب بوجه بشوش.
- سليم، حمد الله على السلامة.
قال سليم بتهذيب:
- الله يسلم حضرتك.
- اتفضل يا حبيبي.
دلف سليم بعينين تبحث عنها.
- بعد إذن حضرتك، نادى نور.
قال إيهاب بمحبة:
- نور خرجت من شوية يا سليم.
سأله سليم باهتمام:
- خرجت فين حضرتك؟
قال إيهاب بحزن:
- بتزور قبر والدتها.
***
لا يعلم كيف وصل إليها، ولكنّه يراها الآن أمام قبر أمها تجلس وتنتحب، تبكي بحرقة. وكلمة واحدة قالتها جعلت قلبه يتقطع عليها:
- ماما وحشتيني قوي يا ماما، نفسي أنام في حضنك.
ثم أجهشت بالبكاء. اقترب منها وكاد أن يحدثها، إلا أنها صاحت فيه بغضب عندما علمت بوجوده من رائحة عطره التي سبقته:
- جاي ليه يا سليم؟ أنا مش طايقة أشوفك.
اقترب منها وقال بنبرة هادئة كي يمتص غضب قلبها:
- إزيك يا نور، عاملة إيه؟
- ملكيش دعوة بيا عاملة إيه ومش عاملة إيه.
هتفت فيه بغضب. جذبها عنوة عنها رغم مقاومتها المستميتة حتى لا يمسكها.
- ابعد عني.
قال لها بحب:
- مقدرش أموت.
قالت بغضب:
- موت بعيد عني.
نفضت يدها من يده بغضب وانطلقت تخرج من المقبرة. جرى خلفها، وقبل أن تركب سيارة الأجرة، أوقفها وركب بجوارها وقال للسائق:
- على مستشفى... لو سمحت.
قالت بغضب:
- أنا راحة عند خالى.
قال لها بهدوء حاول أن يحافظ عليه:
- هنروح المستشفى الأول.
قالت بغضب:
- لا، أنا مش هروح معاك مكان.
قال برجاء:
- عشان خاطري يا نور، ده مشوار مهم.
***
صاح سلطان بلهفة وقلق وهو يحدث مهران في الهاتف:
- جلال جراله إيه يا مهران؟
قال مهران مطمئنًا له:
- والله يا بوي، جلال بخير. عمل عملية امبارح والنهاردة هو بخير. وأول ما أوصل المستشفى هطمنك.
قال سلطان بقلب لهيف:
- أنت فايت أخوك لوحدك يا ولدي؟
- لا يا بوي، اطمن. سراج وسليم ورحيم معاه. اطمن يا بوي، أنا قولت أخبرك بدل ما تزعل وتقول محدش قال لي.
قال سلطان بقلق:
- هترجعوا امته يا ولدي؟
قال مهران بجدية:
- أول ما نطمن على جلال يا بوي.
أنهى سلطان المكالمة وهو لا يعلم بذلك الذي وقف خلفه يستمع إلى تلك المحادثة.
- بابا ماله يا جدي؟
التفت سلطان بقلق وهو يقول:
- اطمن يا ولدي، أبوك بخير.
قال فريد بخوف:
- لا يا جدي، بابا جراله حاجة. أنا سمعتك وأنت بتكلم عمي مهران.
لمعت الدموع في عين فريد، بينما سأل جده برجاء مرة أخرى:
- عشان خاطري قول يا جدي، بابا جراله إيه؟
قال سلطان بقلة حيلة أمام حفيده:
- متخافش يا ولدي، أبوك بخير. هو بس تعب شوية في إسكندرية وهو في المستشفى، وأولاد عمك معاه. هيجيبوه وييجوا لما يطمنوا عليه.
قال فريد بعدم اقتناع:
- تعبان ولا نجيه جدة سراج عملت فيه حاجة؟
قال سلطان بمهادنة لكي لا يفلت غضب فريد على من في المنزل، وأولهم سلمى وبسمة:
- لا لا يا ولدي، وهي نجيه مالها ومال أبوك.
صاح بخوف على أبيه وغضب من تلك التي أرادت قتله:
- مش هي اللي كانت عاوزة تقتل بابا؟
صاح سلطان بجدية وغضب على حفيده حتى يصمت:
- فريد، أبوك بخير ونجيه ملهاش يد في أي حاجة. أبوك تعب شوية، وأول ما يخف هييجي.
***
وقفت تستمع إلى حديث فريد الغاضب لجده عن جدتها. نعم، تعطيه كل الحق في ثورته، بعد أن علمت أن من قتل أباها وغدر به هو من آمنوه على حياتهم، أنه خالها سعد راشد. ماذا تفعل؟ وإلى أين تذهب؟ تراجعت لكي تجلس مع أختها. سألتها سلمى حين لمحت تلك الدموع في عينيها:
- مالك يا بسمة؟ بتعيطي ليه؟
قالت بسمة بحزن:
- بعيط على الوهم اللي عشنا فيه عشرين سنة يا سلمى.
قالت سلمى بأسى وحزن:
- حد كان يصدق إن خالك سعد هو اللي قتل بابا.
قالت بسمه بحزن:
- أنا مش قادرة أبص في وش حد هنا.
قالت سلمى:
- ولا أنا. إحنا نروح بيتنا يا بسمة.
قالت بسمه بتعقل:
- لا يا سلمى، جوزك هيزعل منك، وأنا كمان هستنى جدي وجدتي، وأول ما يرجعوا هرجع معاهم.
قالت سلمى بحزن:
- جوزي، جوزي إيه بقى؟ أنا بعد اللي حصل مش هقدر أبص في وشه.
وما هي إلا دقائق وتعلت الطرقات المرحة على باب غرفة سلمى. دلفت بعدها أمل بوجهها الصبوح وهي تقول بمحبة:
- قمرات الهلايلة، قاعدين لوحدهم ليه؟ يلا يا قمرات، الفطار جاهز.
قالت سلمى بحرج:
- معلش يا عمتي، خدي بسمة. أنا مشجعانة.
قالت أمل بحب وود:
- ابدأ، أنتِ عاوزة الحاج سلطان والحاجة حميدة والحاجة راضية يبهدلوني لو منزلتش معاكو. يلا يا قمرات، أنا جعانة وعاوزة أفطر.
نزلت بسمة وسلمى برفقة أمل، تهلل وجهها وحميدة، بينما هتفت رقية بمحبة:
- إيه الجمال ده يا مرات ابني؟ أنا النهاردة عملت الفطار، بس الغدا عليك أنتِ وعمتك أمل وست العرايس.
قصدت رقية كل كلمة تقولها، بينما تحاول بود وذكاء أن تجعل بسمة وسلمى تجلس معهم وتمنع عنهم أي تفكير فيما يحدث، فهم أولًا وأخيرًا ضحايا لذلك الثأر الذي فعله بكل خسّة ذلك الخسيس المسمى بخالهم. اندمجت الفتيات في الحديث المرح بين الجدات ورقيه، بينما نظر فريد لبسمة بغضب لا يعلم سببه. أيكون بسبب ما سمعه من جده أم بسبب غضبها الدائم عليه ونظراتها التي تخبره دائمًا: إنك لست منا.
***
بغضب لا يقل عن غضب فريد، دلفت نور إلى المشفى بخطى تحترق من الغضب بعد أن أخبرها سليم أن أباها أصيب بطلق ناري وهو يحمي نجيه. وصلت إلى غرفة أبيها، وجدت نجيه ومهران وسراج وزهرة أمام باب الغرفة. جرت بقلب لهيف وسليم يجري خلفها. رأتها زهرة وهي واقفة تتحدث مع الطبيب الذي خرج من عند أبيها. جرت عليها زهرة وهي تحتضنها بخوف ومحبة.
- بابا جراله إيه يا زهرة؟
احتضنتها زهرة بحب وهي تربت على ظهرها بحنان وقالت بحب:
- الحمد لله يا نور، بابا كتب له عمر جديد.
نظرت نور بغضب إلى نجيه وقالت بغضب:
- ارتاحتي؟ بابا كان هيموت عشان خاطرك. يا رب ترتاحي.
هتف مهران في نور بغضب:
- نور!
قالت نور بحزن:
- نور إيه يا عمي؟ مش هي اللي كانت عاوزة تقتل أبويا.
قالت زهرة برجاء:
- خلاص يا نور، تيته نجيه ملهاش ذنب.
صاحت نور بغضب:
- هي السبب.
قال سليم بهدوء بينما يعطي لها كل الحق في خوفها على أبيها:
- خلاص يا نور، الحمد لله عمي جلال بخير.
نظرت له وصمتت على مضض. تساءلت بغضب:
- عاوزة أشوف بابا.
قالت زهرة بسماحة:
- هيتنقل دلوقتي أوضة عادية وهنشوفه.
جلست تنتظر خروج أبيها. نظر لها سراج بتفكير، بينما يرى أمامه أختان نشأتا في نفس البيت بنفس التربية، إلا أنهما تختلفان اختلاف الليل والنهار. فإحداهما هادئة، متسامحة، صافية. والأخرى غاضبة، تشتعل بالغضب، جريئة، لا تخشى في الحق لائم. إنها نور وزهرة. النار والماء، وكل واحدة منهم تملك سلاحًا لا تملكه الأخرى. حمد الله أنها كانت من نصيبه، تلك الهادئة المستكينة. بينما يرى سليم ذلك الفارس الذي سيروض غضب نور.
بعد قليل خرج جلال النائم تحت تأثير المهدئات. جرى خلفه سليم ونور وزهرة وسراج. بعد قليل وقفت نجيه بجوار فراش جلال وقالت بأسف:
- حقك عليا يا ولدي. قوم بالسلامة وأعمل فيا اللي يرضيك.
قالت نور بغضب:
- اللي يرضيه، سيبنا في حالنا.
صاح سليم فيها بغضب:
- نور! ولا كلمة.
أخرستها نظرته الغاضبة. صمتت بكمد. بينما نظرت زهرة بأسف إلى سراج ونجيه. اقتربت منها نجيه وقالت بسماحة ولأول مرة عندها حق اختك يا بنتي، أنا مش زعلانة منها. ثم أكملت بأسف وهي تحدث مهران:
- أنا روحي فدا روح جلال يا مهران.
قال مهران بسماحة:
- حاش لله يا مرات عمي، جلال معملش غير الواجب. أنتِ زي الحاجة حميدة وفي غلاوتها.
قال جاد بسماحة:
- تعيش يا ولدي.
بعد قليل، أذن جاد وأخذ نجيه. عادوا ليسألوا: هل وصلوا إلى مكان سعد؟ ولكن سعد وچو لم يصل إليهم أحد، وكأنهم ماء وتبخر. عاد مهران وجاد ونجيه إلى الصعيد، بينما بقى رحيم لمتابعة سير القضية مع مصطفى، وبقي سليم وسراج بصحبة زهرة ونور.
***
بعد مرور أسبوع، اقترب فيه سراج كثيرًا من زهرة، بينما تمسكت نور بموقفها وجفائها لسليم، وهو يعطي لها كل الحق، وهو يرى أن ما حدث لعمه رغم أنه يظهر وكأنه شر، إلا أنه يرى فيه خيرًا كبيرًا. إنها تحدثه وتتعامل معه، نعم من أجل أبيها، ولكنها ستعود مع أبيها إلى بيت جده.
قال لها بهدوء وهي تجمع أغراض أبيها:
- هاتي الشنطة يا نور.
قالت بغضب:
- ملكش دعوة بيا. أوعى تفكر أن أنا هرجع معاك. لا، أنا راجعة عشان بابا بس، إنما أول ما بابا هيبقى كويس أنا هطلب الطلاق يا سليم.
قال بغضب:
- بعينك يا نور.
قالت بتحدي:
- هنشوف يا سليم.
قطع تحديها.
- خلصتي يا نور؟
أعطت له الحقيبة وهي تتخطى سليم بغضب:
- أيوا خلصت.
جلست بجوار أبيها وهي تقول بحنان:
- بابا، أنت كويس؟
قال جلال بوهن ومحبة:
- كويس يا حبيبتي. يلا روحي اركبي مع جوزك، وأنا مع أختك وجوزها كويس.
جلست زهرة تحتضن أباها الذي مال على صدرها، بينما جلست بجواره. وجلس سراج يقود السيارة. ركبت نور مع سليم والحقائب في سيارة سليم.
- اتفضلي يا نور هانم.
ولم تتفوه بكلمة. هي أرادت أن تبتعد عنه، ولكن القدر جمعها به مرة أخرى، وكأنها ستظل مرغمة على عشقه وستبقى رغما عنها بجواره. أخرجها صوت هاتفه من شرودها. أجاب على الهاتف بفتور، ولكن اشتعل غضبه بعد أن سمع المحادثة.
- الو، أيوا يا باشمهندس.
أجاب سليم بجدية:
- أيوا يا رشاد.
قال رشاد بجدية:
- رقم التليفون اللي طلبت مني أعرفه بتاع واحدة اسمها آيه عثمان راشد، بنت أخت سعد راشد.
رواية ارغمت على عشقك الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم هيام شطا
قال سليم بغضب ظهر في صوته
أنت متأكد يا رشاد
أجابه رشاد بتأكيد
عيب يا باشمهندس هي دي أول مرة
تمام يا رشاد
الموضوع ده زي ما قولتلك محدش يعرف عنه حاجة
قال رشاد بجدية
أكيد يا هندسة
أوامر تانية
شكراً يا رشاد
عاد مرة أخرى إلى السيارة بعد أن أوقفها ونزل منها حتى ينهي حديثه مع رشاد حتى لا تستمع إليه نور
نظرت إليه بريبة من مظهره الغاضب
سألته بترقب
فيه حاجة حصلت
أجابها وهو يحاول أن يداري غضبه وتوتره
لأ أبداً مفيش حاجة دي حاجة في الشغل
وصلوا جميعاً إلى بيت سلطان الهلالي
ترجلت زهره مسرعة هي وسراج
أسرع سراج يسند جلال برفق وهو ينزله من السيارة
دلف بعدهم بقليل سليم ونور
كان الجميع ينتظر عودة جلال في حديقة القصر
جرى فريد على أبيه بلهفة
وهو يسنده من الذراع الآخر
وينظر إلى سراج وهو يقول
بغضب
أنا اللي هسند بابا لو سمحت ابعد عنه
نظرت له زهره بغضب
وقبل أن تجيبه دفاعاً عن سراج الذي وقف حين وقف جلال
قال جلال بوهن
فريد إيه اللي بتقوله لجوز أختك ده
جوز أختك معايا بقاله أسبوع
وهو اللي هيوصلني
نظر له سراج بإمتنان أوصله إلى غرفته هتف
سلطان وحميدة بفرحة
حمد الله على سلامتك يا ولدي
أومأ جلال بضعف ووهن
الله يسلمك يا بوي الله يسلمك يا أمي
جلست نور وزهره بجوار والدهما
لمح جلال تلك التي تقف بخجل بعيداً قليلاً خلف أمل
أشار لها بود ومحبة وقال
تعالي يا سلمى
ثم أكمل مازحاً لها
إيه مفيش حمد الله على السلامة لعم جلال
اقتربت منه وهي مازالت لا تقوى على النظر في وجهه قالت بخجل
حمد الله على السلامة يا عمو
الحمد لله قدر ولطف
ابتسم لها بمحبة فهو دائماً يرى في أبناء جابر
جابر ويتذكره كلما نظر إلى سراج أو إلى سلمى وبسمة
وقال لها
الحمد لله يا بنتي جت سليمة
قالت بخجل
أنا آسفة يا عمو
قال لها بمحبة
حصل خير يا بنتي
نظرت له بإمتنان بينما وقف فريد يلوم أبيه على تلك الطيبة وذلك التسامح الذي اتصف به فبرغم كل ما فعلته نجية وبنات جابر وسراج إلا أنه قابل الإساءة بالحسنة نعم اختلفت معه نور وفريد بينما ورثته زهره في كل شيء في طيبة القلب وسماحتها
هتفت نور بحدة قليلة بينما لا تروق لها سماحة أبيها
يلا يا بابا نام شوية حضرتك جاي من سفر ولسه صحتك تعبانة
استأذن الجميع بعد أن اطمأنوا على جلال
وبقية نور وزهره برفقة أبيهم وهم سراج أنا بأستأذن بالذهاب
قال جلال بمحبة
يلا يا زهره روحي مع جوزك
هتفت زهره بإعتراض
لأ يا بابا أنا هفضل مع حضرتك يومين لحد ما تبقى كويس
قال جلال بإصرار ووهن
اسمعي الكلام يا زهره
أنا بقيت كويس يلا روحي مع سراج ارتاحي النهاردة إنتِ وهو وتعالي بكرة
قالت نور بمحبة وهي تربت على كتف أختها
روحي إنتِ يا زهره وأنا وفريد وعمك وكلنا مع بابا أنا مش هسيبه
قال جلال بمكر لأنه لاحظ جفاء معاملة نور مع سليم
وإنتِ كمان هتروحي مع جوزك وتعالي الصبح اطمنوا عليا
بهتت ملامح نور بينما انشرح قلب سليم ونظر لها بمكر
هتفت بإعتراض قبل أن يتحدث
لأ يا بابا أنا هفضل مع حضرتك ثم أكملت بإصرار
أنا هنام في أوضتي القديمة لحد ما صحة حضرتك تتحسن
على مضض وافق جلال بعد أن أقنعه سليم الذي قال بمكر وهو يستغل الموقف ليبقى معها
خلاص يا عمي
إحنا هنفضل هنا معاك في أوضة نور
قال جلال بمحبة وجهل هو يرى أن هناك مشكلة بينهم ولكن نور دائماً تحل مشاكلها وحدها دون اللجوء لأحد وهذه إحدى مميزات الغربة التي عاشت بها سنين
الاعتماد على النفس
خلاص يا سليم خليكوا معايا هنا علشان نور تكون مطمئنة عليا
هتفت بغضب وهي تكز على أسنانها
لأ روح إنت البيت يا سليم أنا هفضل هنا مع بابا
قال بمكر
لأ يا حبيبتي أنا هفضل هنا معاك
قال جلال بتعب
طيب يلا على أوضتكم من غير طرود أنا تعبان وعاوز أنام
خرج لينهي هذا الأمر
وقف أمام بيتها ينتظر خروجها أو خروج أحد من عائلتها
وجد دنيا تعود إلى بيتهم
ولكنها حين رأته وكأنها رأت
شبح
س...سليم
اقترب منها ولفت انتباهه ارتباكها
قال لها بمكر
إزيك يا دنيا
قالت بتوتر
الله يسلمك فيه إيه
قال لها بهدوء
ممكن تنادي آية أختك هسألها في حاجة وهمشي
آ..ية
حاضر
جرت مهرولة بخوف من أمامه
وهي تحمد الله أنه لم يكتشف لعبتها القذرة مع جو لتدنيس شرف زوجته
دلفت مسرعة تتخبط وهي تهتف بخوف
آية
آية
خرجت من غرفتها وهي تسألها
فيه إيه يا دنيا
قالت بخوف
سليم الهلالي بره وبيسأل
عليك
هتفت آية بخوف
بره.... ب...بره فين
خرجت مسرعة وعلامات الخوف تكسو وجهها فهي كانت تعلم أنه سيصل لها
وكانت تنتظر زيارته
قالت بخوف
سليم
نظر لها بمكر وثبات حتى يبث الخوف في قلبها
وأخيراً سألها السؤال الذي أتى من أجله سألها مباشرة
عرفتي إنفاق اللي بين جو وسمير منين يا آية
ابتلعت آية لعابها بخوف
وقالت بتوتر
بالصدفة والله يا سليم
ثم أكملت تلك الكذبة التي حاكتها حتى تنجو وتنجي أختها من تلك الورطة
أنا.. أنا كنت رايحة لخالي سعد
وأنا معدية جنب المضيفة سمعت سمير وهو بيقوله ده شرف مرات كبير الهلالية
يعني مش خسارة فيه الاتنين مليون دولار
وبعد كدا أخد الفلوس وسمعتهم وهما بيتكلموا على الصور
وربط الكلام وعرفت أنه مفبرك صور لمراتك
والله هو ده اللي حصل يا سليم
وأنا كلمتك علشان أقولك وأمنعك إنك تخرب بيتك
علم أنها تقول الحق ولكن كلامها به شيء غير مفهوم ولكن سينتظر ليعلم بطريقته
نظر لها بتفحص ثم سألها بفيحيح
عارفة يا آية لو عرفت إنك مخبية عني حاجة
قاطعته بغضب وقالت بثقة
إنت مش محتاج تهددني يا سليم بيه
وأنا محدش غصبني إني أبرئ مراتك وأنا مش عرفاها
أنا عملت كده علشان هي واحدة بريئة كان هيتخرب بيتها
عندما واجهته بحقيقة الأمر اقتنع وعاد إلى البيت ولكنه عاد يحسب ألف حساب لتلك الشرسة التي أظهرت أظافرها
ولن تغفر له بسهولة
يعلم أن الطريق أمامه طويل لينال غفرانها
وصلوا إلى البيت
بقوى منهكة
ارتمت زهره على أقرب مقعد وهي تهتف بإرهاق
ياه الحمد لله إن الأيام دي عدت على خير
أخيراً رجعنا البيت
نظر لها سراج بينما لم يقو على النظر في وجهها
فهو يشعر بالخجل منها ومن أبيها
هو عرف الآن ممن ورثت السماحة والقلب الطيب
إنها ورثتها من جلال
جلال المظلوم الذي لم يتردد لحظة واحدة
في وهب حياته لكي ينجي حياة من ظلمته
أي مثالية عاش بها هذا الرجل
وأي حقارة عاش بها سعد يخطط ويقتل ويفرق بين الأخوة
وعلى ذكر سعد
هتف سراج من بين أسنانه
والله لأقتلك بيدي يا خالي وآخد تار أبويا
سمعته زهره وهي تخرج من غرفتها
سألته بود
بتقول حاجة يا سراج
قال لها بتلعثم
لأ أبداً يا زهره
قالت له بطيبة
أنا هحضر العشا
تاكل لقمة خفيفة وتنام
أومأ لها بطاعة
ولكنه مازال غاضب من نفسه
هو يرى أنه تصرف معها بمنتهى الظلم
والحقارة
وهي كانت تعطيه كل الحق في تصرفاته فهي كانت له
ابنة قاتل أبيها
هكذا حسبتها زهره وضعت نفسها في مكانه
وعندما وضعت نفسها مكانه التمست له كل العذر في تصرفاته معها
بينما نور وفريد لم يضعوا أنفسهم موضع
أبناء جابر
لذلك مازال غضبهم مسيطر عليهم
خرج بعد قليل وجدها تضع بعض الشطائر
وناولته إحداهما وقالت بحب
اتفضل
بعد قليل انتهى من الطعام ودلفوا إلى غرفة نومهم
نظر بطرف عينه إلى الفراش التي أخذت هي طرفه ونامت عليه بينما هو نام على تلك الأريكة في الغرفة
سألته بعفوية
انت هتنام على الكنبة
قال لها بحرج من أفعاله معها سابقاً
أيوة
قالت له بتساؤل ليه ما السرير كبير
تعال نام جمب .... ولكنها ابتلعت باقي كلماتها
عندما وعى على حديثها، تخضّب وجهها بالاحمر القاني من الخجل وهمست لنفسها:
"اسكتي يا زهرة، دلوقتى هيقول عليك إيه."
اقترب منها وهو يسمع همهمتها مع نفسها، وقال لها بصدق:
"هقول إنك نعمة أنا مستاهلهاش يا زهرة."
انحنى وقبّل رأسها وهو يقول بأسف وحزن:
"أنا آسف، أنتِ تستاهلي حد أحسن مني."
لم يستطع البقاء أكثر في الغرفة وهو بذلك الضعف، تركها وخرج مسرعاً منها، وهو يتجرع كأس الخجل من أفعاله وأفعال جدته مع تلك الملاك المسماة بـ زهرة.
هناك مشاعر ولدت في قلبه منذ أن رآها أول مرة في كندا، وتلك المشاعر لن ترحمه، بل كبرت معه حتى بعد أن علم بهويتها وأنها بنت قاتل أبيه. ولكن تولد مع تلك المشاعر مشاعر أخرى، أنها الغضب الذي سيطر عليه كلما رآها، ورقّ لها قلبه. تلك المشاعر أُضيفت إليها مشاعر أخرى، أنه شعور الخجل مما فعله معها هو وجدته، وهي لم تقابل الإساءة إلا بكل سماح.
.....
وقفت كالمغيبة بعد همسه لها بتلك الكلمات، خرجت مسرعة تبحث عنه في البيت، صاحت بلهفة:
"سرااااااااااج!"
أتاها صوته من الشرفة بهدوء:
"أنا هنا يا زهرة."
ذهبت له وهي تسأله بصوتها الحنون:
"مالك يا سراج؟ ليه بتقول الكلام ده؟"
أجابها بصدق:
"علشان أنتِ أحسن مني يا زهرة، أنا عارف إنك مغصوبة على جوازنا ده، وخلاص الحقيقة ظهرت."
ثم أخذ نفساً عميقاً وحبسه داخل صدره، وظفره، واستعد لأن يلقي لها تلك الكلمات التي ترددت في عقله، ولكن قلبه رفضها، ولكن ما بيده حيلة، سوف يضحي هو لأجلها.
"زهرة."
نظرت له ببراءة وقالت بطاعة:
"نعم يا سراج."
"أنا بعد ما عمي جلال صحته تتحسن، هطلقك وأديك حريتك علشان أنتِ تستاهلي حد أحسن مني."
قالت بحزن سكن موجهاً الأزرق:
"سراج، أنت بتقول إيه؟"
قاطعها بحزم وهو يقول:
"ده المفروض يحصل يا زهرة، أنتِ مغصوبة على الجوازة دي علشان الـ تار، وخلاص تارنا خلص، يبقى خلاص جوازنا انتهى."
همّ أن يخرج من المنزل ويتركها، أمسكت يده وقالت بحزن:
"سراج، متسبنيش."
قال لها بقهر:
"غصب عني."
تركها وخرج مسرعاً يعاند قلبه الذي يأمره بالعودة لتلك التي سرقت قلبه، وأرغمته على عشقها من هدوئها، سماحة قلبها، وأيضاً براءتها.
.....
أنهت طعام والدها وأعطته أدويته، دلف إلى الغرفة في تلك الأثناء بوجه بشوش سلطان، الذي قال بمحبة وخوف:
"عامل إيه دلوقتي يا جلال؟"
أجابه جلال بصدق:
"الحمد لله يا بوي، أنا كويس، وعمري ما كنت كويس زي دلوقتي."
جلس سلطان في المقعد المقابل لجلال وهو يقول براحة:
"الحمد لله يا ولدي، ربك كريم وظهر الحق."
أجابه جلال بصدق وإقرار بفضل سليم عليه:
"الحمد لله يا بوي، لولا فضل ربنا وسليم ابن أخوي بعد ربنا، كان زماني أنا وأولادي زي ما إحنا هربانين من بلد لبلد."
لم يروق لها ثناء أبيها وجدها على من ظلمها وشك في حبها وشرفها، هتفت بغضب ظهر جلياً في صوتها:
"وسليم عمل إيه يعني؟ ده فضل ربنا هو، ولا قدم ولا آخر، هو بس القدر اللي وقف معاه."
قال جلال بمحبة واعتراض على كلمات نور التي تبخس بها حق سليم:
"لأ يا نور، بلاش ظلم، سليم هو اللي كلم الظابط، وهو اللي جاب رشاد اللي راقب سعد، وهو اللي ساعد سراج. كل ده ليه يعني؟"
قال سلطان بمكر، بينما لاحظ غضب حفيدته على حفيده المتيم عشق بها ولها:
"كل ده علشان خاطر عيون عمك جلال."
ثم نظر لها وقال بمرح:
"ولا إيه يا نور؟"
غضبت من إقرار الجميع بما فعله لإظهار براءة أبيها، كانت ستكون الأسعد ببطولات زوجها لو كان الوقت مختلف، وقبل أن يجرحها ويسمعها كل تلك الإهانات.
قالت بغضب:
"أنا راحة أوضتي يا بابا بعد إذنك، أنا تعبانة."
خرجت مسرعة، ولكنها صدمت في ذلك الجدار البشري الذي واجهها وهي تخرج مسرعة، اختل توازنها وكادت أن تسقط لولا يديه التي التفت حول خصرها، وقال بلهفة:
"نور، أنتِ كويسة؟ حصلك حاجة؟"
للحظة نست ما فعله بها، وقالت بود وصفاء:
"اطمن، أنا كويسة، أنا بس ما أخدتش بالي منك."
وقبل أن تكمل، تذكرت أفعاله، نفضت يداه عنها بكره وقالت:
"هبقى كويسة لو بعدت عني يا سليم."
.....
جلس في تلك الشقة في الإسكندرية، قال سعد بغل:
"هنعمل إيه يا چو؟"
أجابه چو بتفكير:
"إحنا لازم نحتفى فترة نرتب فيها أوراقنا، وبعد كدا نضرب عيلة الهلالي في مقتل."
قال سعد بفرحة:
"إزاي يا چو؟"
أجابه جو بمكر:
"أولاً لازم حد ينقل لنا أخبارهم، علشان نسبقهم بخطوة، وضربتنا المرة دي تبقى القاضية."
قال سعد بيأس:
"ومين ده اللي هينقل لنا أخبارهم؟ أنا دلوقتي عليا تار، وزمان نجية وسراج قالبين الدنيا عليا علشان يقتلوني."
قال جو بفحيح:
"لأ، متقلقش، أنا عندي لسه الكارت الأخير."
سأله سعد بلهفة:
"مين يا جو؟"
قال جو بمكر:
"دنيا بنت اختك هي اللي هتكون عينينا وودانا في وسط عيلة الهلالي."
تساأل سعد بقلق:
"ودنيا إيه يجبرها إنها تساعدنا؟"
قال جو بمكر:
"متقلقش، هتساعدنا ومش هتقدر تتكلم."
.....
في الصباح، دلف أخيراً بعد غياب أكثر من عشرة أيام، حيث بقى هو مع مصطفى لكي يتمم المحضر ويطلع معه على آخر أخبار چو وسعد، وعندما لم يصلوا لشيء، ترك الإسكندرية وعاد بعد أن أكد له له مصطفى أنه لن يترك تلك القضية إلا وهو يقبض على سعد وجو.
نظر إليها بينما افتَرش شعرها الفاحم الغزير تلك الوسادة وأخفى عنه وجهها، اقترب منها وجلس بجوارها، أبعد تلك الخصلات الفاحمة عن وجهها الجميل، وكم يعشقها وهي هادئة، مسالمة، مثلما تكون خجلة منه أو مرتبكة من قربه، وكم يهوى ويعشق مشاكساتها تلك التي لا يتعدى طولها وسطه، ولكن لا يعلم ماذا فعلت به تلك المحتلة الشرسه حين اختبأت خلفه تحتمي من أخيها، أرغمته من وقتها على حمايتها وأحس أنه مسؤول عنها، وأخيراً أرغمته على عشقها بعندها وكبريائها وعدم رضوخها له. إنه العشق مهما اختلفت صورته، فهو في آخر المطاف يرغم قلوبنا بطرق عدة.
تمدد بجوارها، انكمشت في حضنه بعدم وعي منها، وكأنها مازالت تحلم به، قالت وهي تظن نفسها في حلمها:
"رحيم، وحشتني."
ابتسم بتسلية عليها، هو يعلم أنها لم تفق من نومها، جذبها بشوق إلى أحضانه وهمس بجوار أذنها بشوق:
"أنتِ وحشتيني أكتر يا قلب رحيم."
جاءها همسه ووصل إليها، وأيضاً عطره ملأ الهواء حولها، إذن هي لا تحلم. انتفضت من نومها وهي تقول بتلعثم وخجل:
"ر...ر...رحيم، جيت امتى؟"
ابتسم لها بعذوبة أهلكت قلبها وهو يجذبها لتسقط في حضنه مرة أخرى وهو يقول بتسلية:
"الناس تقول حمد الله على السلامة يا جوزي، عامل إيه يا حبيبي؟ إنما كدا لاء يا قلب رحيم، أزعل منك."
تخضب وجهها بالخجل من أفعاله الجريئة معها، التي تعشقها وتعشق عبثه معها، كيف استطاع ذلك الماكر سرقة قلبها بأفعاله وإرغامها على أن تذوب في حبه. ولكنها فاقت من تخيلاتها وهي بين ذراعيه حين احتضن وجهها بين يديه وكاد أن يقبلها على تلك الحقيقة المرة، كيف سيغفر لها أفعالها معه قبل ذلك؟ هل سيبقى على سابق عهده معها بعد أن علم أن عائلته بريئة؟ وأن خالها هو من قتل أبيها؟ أم سيبقى عليها شفقة منه؟ لاء، لن تبقى معه شفقة منه، ستخرج من حياته بكرامتها.
اقترب منها كمغيب ظمآن، مسك وجهها بين يديه وقبّل شفتيها بتمهل وتروي، كان ظمآن لتلك القبلة، وهي أيضاً كانت تنتظرها، ولكنها اتخذت قرارها، ابتعدت عنه وقالت له بضعف:
"رحيم... طلقني."
.....
دَلفت مع جدتها وجدها الذي جاء ويحمل معه الكثير والكثير من الأشياء واللحوم والهدايا، هتف جاد بمن يحمل تلك الأشياء:
"واد يا عوض، دخل الحاجات اللي معاك عند ستك رقيه جو."
نظر بعينه ووجد جلال يجلس مع أبيه وابنه في حديقة القصر، قال سلطان بمحبة:
"اتفضل يا جاد، إيه النور ده؟"
قال جاد بامتنان:
"البيت منور بأهله يا حاج سلطان."
هتف سلطان بلوم:
"ليه لزوم الحاجات دي يا جاد؟ تاعب نفسك ليه يا أخوي؟"
قال جاد بمحبة:
"من بعد خيرك علينا يا حاج سلطان."
ثم أكمل وهو ينادي عليها بعد أن دلفت نجية إلى الداخل برفقة رقيه:
"بسمة، تعالي يا بنتي، سلمي على جدك جاد وعمك جلال."
دَلفت بخجل تسلم على جدها وعمها، بينما رمقها ذلك الغاضب دوماً بنظرة غاضبة، قام بأدب واستأذن جده بأدب وقال بعد إذنك يا جدي:
"أنا رايح المصنع."
تركت جدها بعد أن انصرف، خرجت تبحث عنه، قال لها بعبث غاضب:
"إيه اللي جايبك ورايا يا بسمة هانم؟ مش خايفة حد يشوفك؟ ولا خلاص أنا مبقتش خواجة ولا ابن القاتل؟"
تمالكت نفسها من الغضب وقالت بتعقل وتروي:
"لو حطيت نفسك مكاني، كنت عذرتني يا فريد، أنت من يومين عرفت فيهم براءة أبوك واتغيرت ومش طايق تشوف حد فينا. إحنا بقى عشنا عشرين سنة على أن أبوك هو اللي قتل أبويا، ومع ذلك عمري ما قلت ده لك وجدي قبل الصلح."
ثم أكملت بجدية وغضب:
"أنا مش ببرر حاجة يا فريد، أنا بوضح لك بس تصرفاتنا أنا وإخواتي، وأنت للأسف عملت زينا بالظبط، بس لو كل واحد فينا حط نفسه مكان التاني، أكيد هنعذر بعض."
تركته وانصرفت، بينما هي محقة في كل ما تقوله، هكذا ردد عقله الذي عاد إليه للتو.
قال لها بقلق حين وجدها تترنح وهي تخطو:
مالك يا أمل؟
قالت له بمحبة:
سلامتك يا فضل، مش عارفة مالي كده بقالي يومين دايخة.
قال بلهفة:
أشيع أجيب الحكيم؟
أجابته وهي تطمئنه:
اهدأ يا فضل، دول شوية دوخة وهتروح لحالها. أما آكل.
ازداد قلقه حين وقفت وهمت أن تخرج من الغرفة، ولكنها فقدت توازنها وسقطت مغشياً عليها. تلقاها بين يديه بقلب كاد أن يخرج من ضلوعه من القلق عليها وهو يصرخ:
أمل مالك يا قلبي.
دلفت إلى غرفتها تستبدل ثيابها، وجدته واقفاً فيها ينظر لها بحب.
قالت له بغضب:
إيه مدخلك أوضتي يا سليم؟
قال لها بضعف:
إحنا لازم نتكلم يا نور.
صرخت فيه بغضب:
مفيش بينا كلام يا سليم. الكلام مات والعتاب مات.
هتف بلوعة عاشق:
سامحيني يا نور.
قالت بغضب:
عمري ما هسامحك يا سليم. أنا نور الفاجرة، مش كده؟ مش ده كلامك؟ وبعدين إيه اللي خلاك تعفو عني كده فجأة وتغير نظرتك عن نور اللي مصاحبة جو؟
هتف بغضب وهو يقبض على ذراعها:
نور، الكلب ده متجبش سيرته على لسانك.
هتفت فيه بغضب:
للأسف يا سليم، أنت زيه بالظبط. هو عمل لي صور قذرة. وأنت صدقتها.
ثم قالت له بجدية وكره:
طلقني يا سليم. إحنا منفعتش لبعض.
رواية ارغمت على عشقك الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم هيام شطا
وقف كالمغيب، واو كمن تقف على رأسه الطير. هل ما سمعه منها صحيح؟ نعم، سبق وأن قالت له تلك الكلمة: "طلقني". ولكنها كانت تقولها بغضب، وهو يعطي لها كل الحق. أما الآن، لمس في صوتها نبرة الكره والنفور منه.
اقترب منها وهو يقول بصوت حزين يملؤه الخذلان من أفعاله معها سابقاً:
"نور، أنا بحبك ومقدرش أعيش من غيرك."
قالت له بكره:
"وأنت قتلت حبك في قلبي، واستحالة نرجع تاني."
اقترب منها وهو يقبض على يدها بقوة آلمتها، وهو يقول بغضب اشتعل في عينيه من نظرتها الكارهة له:
"واللي بتطلبيه مني من رابع المستحيلات. عمري ما هطلقك يا نور، ولا هبعد عنك. أنا البلاء اللي ربنا ابتلاك بيه."
نفضت يدها من يده وهي تصرخ في وجهه:
"وأنا استحالة أكمل معاك يا سليم."
قال بغضب حارق:
"وأنا استحالة أبعد عنك. ويوم ما أبعد، اعرفي إني مت."
تركها وترك الغرفة وكل البيت وانصرف بغضب، وخطواته تكاد تخترق الأرض التي تطأها. وكلمتها تكاد تصم أذنه: "أنا بكرهك يا سليم." تلك الكلمة التي نطقت بها وهو يغادر، وكم كانت قاسية على قلبه، حادة مثل نصل سكين غرس في قلبه ولا يستطيع نزعه.
جلست طوال الليل، لم تستوعب تلك الكلمات التي نطق بها أمس وتركها وانصرف دون أن يعود. ولكنها حسمت أمرها. لن تستسلم أو تدعه لذاك الضعف الذي سيطر عليه بعد أن علم هوية قاتل أبيه. وكما دعمته وصبرت عليه حين كانت هي بنت القاتل، لن تتخلى عنه أو تتركه. هو يتخبط في تلك الصدمة الجديدة، فأقرب شخص له هو من خدعه وقتل أبيه وأذاقه هو وإخوته مرارة اليتم.
خرجت في الصباح تبحث عنه. وصلت إلى بيت جده جاد. هرولت إليها الخادمة وهي تقول:
"ست زهره، حمد الله على السلامة."
قالت زهره بطيبة وتساؤل:
"مال فين جدي جاد وبسمة والحاجة نجيه؟"
أجابتها الخادمة:
"عند الحاج سلطان من بدري يا ست زهره."
وتساءلت زهره:
"وسراج معاهم؟"
قالت الخادمة:
"لأ، سراج بيه في أوضته لسه شيفاه من شوية وأنا بروق الأوضة."
تركتها زهره وذهبت إلى غرفة سراج. دلفت إلى الغرفة، وجدتها غارقة في الظلام. فتحت ستائر الغرفة بلامبالاة منها، وكأنها ترسل له رسالة أفعال لا أقوال. أزعجه نور الشمس الذي ملأ الغرفة. وضع يده على وجهه وهو يقول بغضب، ظناً منه أن من فعلت ذلك هي بسمة أخته:
"بسمة، اقفلي الستاير واخرجي من الأوضة، عاوز أنام."
قالت زهره بغضب:
"جالك نوم يا سراج وأنت سايبني لوحدي في المضيفة وسط الأراضي كده؟ مخفتش عليا؟"
انتبهت كل حواسه إلى صوتها. انتفض من نومه يزيل باقي النوم عن عينيه، لا يصدق أنها جاءت خلفه بعد ظنه أنها ستذهب إلى بيت أبيها بعد حديثه معها بالأمس. قال بلهفة:
"زهره، إيه اللي جابك هنا؟"
قالت بغضب:
"جيت بيتي، ورا جوزي."
ثم نظرت له بعينين ملؤهما العتاب وهي تسأله:
"هو مش من حقي أجي بيتي، ولا إيه يا سراج؟"
خانته لسانه وخفقان قلبه لها، وقال بتسرع منه:
"من حقك كل حاجة يا زهره."
ثم تدارك كلماته وقال لها بجدية وحزن:
"زهره، افهميني. أنا مش هينفع أكمل معاك."
صرخت في وجهه بغضب من كلماته:
"سراج، أنا مراتك، وعمر اللي حصل ما هيغير حاجة."
قال لها بقهر:
"وأنا لازم آخد بتار أبويا. يعني يا قاتل يا مقتول. وفي الحالتين أنتِ خسرانة. قاتل هتتسجن اللي باقي من عمري... مقتول."
وضعت يدها على فمه ولم تتركه يكمل كلماته، بينما لمعت تلك الدموع في عينيها وقالت بلهفة:
"بعيد الشر عنك يا سراج."
أبعد يديها بجدية وقال:
"دي الحقيقة يا زهره."
قالت له بتصميم:
"وأنا مش هسيبك يا سراج. هتزهقي؟ أبداً، عمري ما ده يحصل. مش هتتحملي عصبيتي؟ جربني."
انقطعت كل حججه وكل سبله معها، ويبدو أنها دخلت في تحدٍ آخر بعد أن ربحت الأول. إنه تحدي كيف تفوز بقلبه وتحميه من خطر الثأر. نظر لها بتوتر وهي واقفة أمامه. لا ينكر أنه سعد من تصميم تلك العنيدة ومن تمسكها به. قال لها بصوت متحشرج:
"تحبي نروح نفطر مع عمي جلال ونطمن عليه؟"
أمسكت يده وقالت بجرأة:
"لأ، أحب ننام شوية. أنا منمتش من امبارح، ونبقى نروح نطمن عليه أول ما نصحى."
جذبت يده وهو مشى خلفها كالمغيب أو المسلوب الإرادة. جلست على الفراش وجلس بجوارها. تمددت في طرف الفراش وهو أيضاً تمدد بجوارها، ومشاعر عديدة ضربت قلوبهم. هي سعادة وتحدٍ لما هو آت، وهو فرحة تخنقها خوفه من تلك المشاعر التي تمكنت منه. لقد عشقها. أرغمته تلك الزهرة أن يعشق شذاها.
كان كالمغيب وهو يرتوي من شهد شفتيها ظمآن، وأخيراً وجد منبع الماء. استجمعت قوتها وهي تدفعه عنها بكل ضعف، وأسقطته من غيمته الوردية حين هتفت بصوت حزين ضعيف:
"رحيم، طلقني."
لحظة اتخذها حتى يستوعب ما نطقت به تلك البلهاء. ابتعد عنها ببطء إلى طرف الفراش وهو يفكر بتمعن فيما نطقته، بينما أخيراً فهم مغزى كلماتها. أن صدق حدثه، فهي تقول هذا الكلام حفاظاً على كرامتها، ظناً منها أنه سينتقم منها بعد أن ظهرت براءة عائلته من دم أبيها.
اقترب منها وهو يهمس أمام وجهها ببسمة صافية وهو يمسك خصلة من شعرها الفاحم الذي عشقه عندما رآه أول مرة:
"تحبي بكرة نخرج فين؟"
هل هذا إجابة سؤاله؟ لا، لم يكن هذا ما أرادته منه. قالت بغضب:
"رحيم، أنت مسمعتش أنا بقولك إيه؟"
قال بجدية:
"سمعت ومش عاوز أسمع الكلام الفارغ ده تاني. أنتِ مراتي وأنا اتجوزتك بكل إرادتي، ومفيش قوة في الكون هتبعدك عني أو هبعد عنك لأي سبب."
هتفت بغضب:
"رحيم، أنا..."
وقبل أن تكمل حديثها، انقض على شفتيها يرتوي من شهدها. وبعد فترة ابتعد عنها وهو يهمس بعشق:
"أنا بحبك يا سلمى."
كان اعترافه كالقنبلة التي انفجرت، ولكنها ليست مدمرة، بل أهلكت قلبها بالسعادة والفرح. ومرة أخرى التقت شفتيها في قبلة أودع فيها كل عشقه الذي أجبرته عليه ليكون المتيم بتلك القصيرة التي أرغمته، وهو رحيم الهلالي، على عشقها. وكانت له، ولأول مرة، بإرادتها.
وقف بقلب يكاد يقفز من مكانه ليقتحم ذلك الباب الذي أوصدته أمه ومعها الطبيبة للاطمئنان عليها حين غابت عن الوعي. وألف سؤال وسؤال يعصفون برأسه. ماذا حدث لها؟ ماذا ألم بها؟ كانت بخير، هكذا حدث نفسه. إلى أن تعالت تلك الزغاريد من الداخل. فتحت راضية باب الغرفة وهي تقول بعينين ملأتها دموع الفرحة:
"ألف مبروك يا ولدي، يتربى في عزك وعز أبوك يا فضل."
وقف كالمغيب من ما نطقته أمه وما سمعه. هل حقاً سيصبح أب؟ هل يكون عوض الله بهذا الجمال إذا رضينا وصبرنا؟ دلف إليها وهو يقترب منها بهدوء وبطء، وهو ينظر إليها بعينين عشقها وأرغمته أن يبقى في انتظارها. وهو يقول بفرحة وصوت متحشرج من الفرحة:
"مبروك يا أملي."
"الله يبارك فيك يا فضل."
"فرحان يا فضل؟"
"فرحان إيه يا يا أملي؟ أنا الدنيا دي بحالها مش سايعاني من الفرحة."
"بجد يا فضل؟"
"بجد يا عيون فضل."
ثم قام من جوارها. مسكت يده وهي تقول:
"على فين يا فضل؟"
"هصلي ركعتين حمد وشكر لربنا على كرمه علينا يا أمل."
مرت الأيام ثقيلة على سراج وسليم. سراج يبحث عن جو وسعد ولن يمل أو يمل. وسليم لم يترك طريقاً إلا ومشى فيه لكي يعود إلى قلب نور، ولكنها قفلت كل السبل أمامه. وأيضاً أيام جو وسعد، الذي هتف بغل:
"بعدين يا جو، إحنا هنفضل في الحبس ده كتير؟"
قال جو بمكر:
"اصبر يا سعد باشا، أنا مستني أما الحكاية تهدى علشان أكلم دنيا."
صاح سعد بغضب:
"اصبر، اصبر إيه؟ أنت مش عارف حاجة؟ زمان عمتي نجيه قالبة الدنيا عليا وسراج مش هيهدى إلا أما يقتلني. وبعدين، هي الزفت دي هتفيدنا في إيه؟"
قال جو ببرود:
"أهي زفتة دي هي اللي هتنجينا من الورطة دي."
سأله سعد بحيرة:
"إزاي؟"
قال جو بمكره:
"تنقل لنا كل تحركات العائلتين، واستنى اللحظة المناسبة واضرب ضربتي."
ابتسم سعد بشر وسعادة شيطانية وقال:
"أنا عاوز الضربة دي تبقى في مقتل، علشان الهلالية متقومش لهم قومة بعدها."
"هيحصل يا كبير."
جلس الجميع حول طاولة الغداء. جلس سليم بجوار نور، وجلس رحيم بجوار سلمى. بينما كانت الأجواء مشتعلة بين سليم ونور، ولم يلاحظ أحد بتلك النظرات المشتعلة بين الاثنين إلا الجد سلطان ذو الخبرة الواسعة. قالت نور بهدوء عكس الغضب المشتعل داخلها:
"لو سمحت يا جدو، عايزة منك طلب."
"أؤمريني يا قمر الهلالية."
قالت بتهذيب:
"العفو يا جدو، هو طلب صغير."
"خير يا حبيبتي؟"
"عايزة أنزل اشتغل مع رحيم في الشركة. بصراحة، أنا مش واخده على القعدة دي، والحمد لله بابا صحته اتحسنت."
ما أن أنهت كلماتها إلا وثار ذلك البركان، وصاح بغضب:
"نور، فوقي لنفسك! شركة إيه اللي تشتغلي فيها؟ مفيش الكلام ده."
قالت بعناد:
"ومين اللي قال كدا؟"
هدر بغضب:
"الطرطور اللي سيادتك متجوزاه."
قالت بتحدي:
"أنا مش مستنية إذنك يا سليم."
"نووووووووووور."
وهنا فاض الكيل من الجد سلطان والكل يشاهد تلك المشادة الكلامية بين نور وسليم، إلى أن هدر سلطان بغضب:
"وبعدين إنت وهى نازلين خناق وعراك ولا أكأن لكم كبير."
ثم نظر بغضب إليهم وقال بأمر:
"اسبقوني على المكتب ومش عاوز أسمع نفس حد فيكم."
وجدها تمشي ويعلو ثغرها ابتسامة وهي تتحدث في الهاتف أمام بيتها، حين ذهب لكي يطمئن على زهره، ولا يعلم أن كان يذهب للاطمئنان على زهره أم يتخذها حجة لكي يراها ويتحدث معها. اقترب منها وسألها بغضب:
"بتكلمي مين وبتضحكي معاه كدا؟"
نظرت له بتعجب من سؤاله وقالت:
"وأنت مالك بكلم مين ولا مبكلمش مين؟"
اقترب منها وقال من بين أسنانه:
"مالي ونص. أنا ابن عمك وحقي أسألك."
هتفت ببرود اصطنعته حتى تزيد اشتعاله، بينما قلبها يتراقص فرحاً من حالته الغيورة التي لم يدركها بعد:
"بجد؟ الحمد لله يا خواجة إنك افتكرت إني بنت عمك، مش بنت الراجل اللي اتهمنا أبوك بقتله."
اقترب منها وقال بفحيح أخافها:
"لأ، عارف إنك بنت عمي، وأنا هربيك من أول وجديد يا بسمة علشان لسانك الطويل ده."
قالت بشجاعة زائفة:
"أنا متربية غصب عنك."
"كنتي بتكلمي مين؟" سألها بغضب. لم تجد أمامها إلا أن تعترف له بالحقيقة بعد أن أرعبتها نظرته:
"دادي دادي، سلمى خارجة مع رحيم راحة الملاهي، وأنا كنت بقول لها يا بختك."
اقترب منها وسألها بهدوء عكس قبل قليل:
"عايزة تروحي الملاهي؟"
قالت بإندفاع:
"يا ريت."
قال لها:
"هستأذن جدي جاد وسراج ونحصل رحيم وسلمى."
هتفت بفرحة:
"بجد؟"
أجابها بوله:
"جد الجد يا قمر."
"مين اللي هيقول فيه إيه بينكم؟"
قالت نور بإندفاع:
"أنا هقول لك على كل حاجة يا جدو."
هتف برجاء: "نور..."
نظرت له، بينما خانتها تلك الرجفة التي تملكت من قلبها الخائن، الذي وبرغم كل ما فعله، ما زال مرغماً على عشقه. قالت بضعف:
"أنا هقولك يا جدو، بس وإحنا لوحدنا. اطلع بره يا سليم، أنا هتكلم أنا وحفيدتي وبس."
أنار هاتفها برقم غريب. قالت بلا مبالاة:
"ألو."
هتف بشر:
"وحشتيني يا دنيا، ها صرفتي المليون دولار ولا لسه؟"
قالت برعب:
"چو."
"برافو عليك يا قمر."
رواية ارغمت على عشقك الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم هيام شطا
وصل فحيح صوته إليها.
قالت بخوف: "إيه؟"
أجابها ببرود: "برافو عليكِ يا قطة."
قالت بشجاعة زائفة: "عايز إيه مني يا قاتل القتلة؟"
ضحك ببرود وقال لها بفحيح: "أهدي يا قطة وبلاش دور الشريفة اللي لبساه ده، مش لايق عليكي، إحنا دفنينه سوا يا بت..."
ابتلعت لعابها بخوف وهي تسأله: "انت عايز إيه؟"
"يعجبني ذكائك ودماغك اللي شغالة يا قطة."
"بصي بقى علشان منطولش على بعض، انتِ زي الشاطرة كده هتعرفي كل تحركات عيلة الهلالي وتوصليهالي، يعني هتكوني في وسطيهم عيني وداني."
صاحت بغضب: "انت بتحلم يا چو، أنا استحالة أعمل كده."
ضحك چو وقال لها بسخرية: "بلاش تلبسي لبس الشرف، مش لايق عليكي يا قطة، دا إحنا دفنينه سوا زي ما بتقولوا في مصر."
هتفت بغضب وشجاعة زائفة: "وإن ما وافقتش..."
ضحك چو وقال لها مهدداً: "يبقى متزعليش من اللي هيحصل يا قطة."
"تليفون صغير لسليم وأقول له إنك انتِ اللي ساعدتيني وعملتي معايا صور نور."
"وكمان تليفون صغير لسراج وأقول له إن ست الكل ماما انتصار كانت عارفة إن سعد أخوها هو اللي قتل جابر ابن نجية وجاد الهلالي."
ثم أضاف بفحيح: "وساعتها نجية هتقتل أمك ومش بعيد تقتلكم انتوا كمان."
لم تعد دنيا تقوى على تهديد چو ذلك الشيطان.
أخيراً وعَت أنها حين تحالفت معه لتفسد علاقة نور بسليم لكي تخرب الصلح، أنها تحالفت مع شيطان لا خلاص منه.
هتفت بصوت خائف مرتعب: "ح... حاضر، هعمل لك اللي عايزاه بس بعدها مش عايزة أسمع صوتك."
ضحك بصخب وهو يقول: "مش بمزاجك يا قطة، أنا اللي أقول امتى أبعد وامتى أقرب. مستني مكالمتك وياريت متتأخريش."
"حاضر، حاضر."
أغلقت الهاتف وتهاوت على فراشها.
لا تعلم أنها بملء إرادتها دخلت جحيم.
هتف صوت العقل بداخلها: "إنها الآن تُحاسب على ما جَنته يديها من أفعال وظلم وافتراء على نور الهلالي."
ندمت، نعم هي نادمة، ولكن ما فائدة الندم بعد أن سبق السيف العزل.
وقفت أمام جدها لا تدري ماذا ستخبره.
نعم عزمت أمرها وكانت ستخبره بكل شيء، لولا نظرة الرجاء التي لمحتها في عين سليم حين تركها بأمر جده وخرج خارج الغرفة.
انتشلها الجد من شرودها وهو يسألها بصوت ماكر: "ها يا جمر الهلالية، قولولي سليم مزعلك في إيه وأنا أملص لك ودانه وأجيب لك حقك منه، جليل الرباية ده."
توترت ملامحها بينما تدور تلك الحرب الشرسة بداخلها.
عقلها يدفعها أن تقص لجدها كل شيء فعله ذلك القاسي معها، بينما قلبها ما زال يلتمس له الأعذار ويهمس لها برجاء نظرة عينيه.
لولا غيرته وعشقه لها ما فعل تلك الأفعال.
أخيراً حسمت أمرها، بينما انتصر قلبها الخائن الذي أُرغم على عشقه فقط.
والتمست له العذر وهي تقول لجدها بتبرير: "مفيش يا جدو، انت عارف سليم وغيرته، بيغير من كل حاجة وأي حاجة، وأنا مش واخده على الخنقة دي، وكنت بسلي وقتي مع أمل بس هي اتجوزت وكمان حامل، وزهرة مشغولة مع جوزها، وأنا استأذنته أنزل الشركة مع رحيم وهو من وقتها وزي ما حضرتك شايف كده مش طايق نفسه."
نظر ذلك العجوز الماكر لحفيدته نظرة ثاقبة، عرف أنها تكذب وأنها لا تريد تشويه صورة سليم أمامه، ولكنه لن يخذلها، بل سيقف معها حتى تأخذ ثأرها من ذلك العاشق الغيور وأيضاً المتهور.
سألها سلطان بمرح: "وانتِ بتفهمي عاد في شغل الشركة يا نور؟"
هتفت بفرحة: "جربني يا جدو وهتكسبنا ولا هنخسر."
قالت بفخر: "عيب يا جدو، أنا نور الهلالي."
قال بتشجيع: "وأنا خلاص موافق إنك تشتغلي في الشركة مع رحيم يا حبيبتي."
هتفت بفرحة: "بجد يا جدو؟"
قال بحنان: "بجد يا جلب جدو."
سألته بقلق: "وسليم؟"
قال لها بثقة: "سليم خلاص موافق، متشغليش بالك انتِ، من بكرة تنزلي مع رحيم."
احتضنت جدها بفرحة وهي تهتف: "ربنا يخليك ليا يا جدو."
خرجت من الغرفة لتجد سليم يزرع الأرض ذهاباً وإياباً منتظراً خروجها.
وقف ونظر لها وهي تنظر له منتصرة.
وقبل أن يتحدث معها، سمع نداء جده: "سلييييييم، تعالى عايزك."
لت خلف جده ومراجل عقله تعمل في كل اتجاه.
نظر له سلطان بمكر، علم من توتر ملامحه أنه فعل مع حفيدته أمر لا يغتفر.
قال له بمكر: "هببت إيه مع نور يا سليم؟"
هتف بدفاع عن نفسه: "والله يا جدي الغيرة عمتني."
وقبل أن يكمل، قال له سلطان مقاطعاً: "على العموم مراتك طلعت أصيلة، موَردتش تقول حاجة، انت متستهالهاش."
لم يستطع تمالك نفسه من الفرحة، قال بفرح: "بجد يا جدي، نور مقالتلكش حاجة؟"
قال سلطان بغضب: "أيوه أصيلة، وانت غبي، هتخنقها بغيرتك وتحكماتك."
قال سليم بقلة حيلة: "أعمل إيه يا جدي، بحبها وبغير عليها."
قال الجد برفق بينما لمست كلمات سليم قلب جده: "راضيها يا ولدي، وخدها بالحنية والمسايرة، نور ورثت طبع أمها، كانت زيها كده، وعمك جلال كان عارف طبعها وعمرها ما اختلفت معاه، وانت كمان يا ولدي خدها بالهداوة، هتعمل لك اللي انت عايزه."
قال سليم بطاعة: "حاضر يا جدي."
قال سلطان بأمر: "أنا خلاص سمحت لها تنزل الشركة بكرة مع رحيم."
هتف ذلك الغيور بتسرع: "على جثتي يا جدي."
قال الجد بنفاذ صبر: "سليم..."
قال سليم: "لسه بقول لك إيه؟"
أجابه على مضض: "اللي تشوفه يا جدي، بس بشرط."
قال الجد بنفاذ صبر: "سليم..."
قال سليم بغضب: "تنزل رجلي على رجلها، مهو أنا مش هسيبها تنزل الشغل إلا وأنا معاها."
"موافق يا سليم، بس من غير ما تضايجها."
"حاضر يا جدي."
وقفت أمام المرآة تصفف شعرها الفاحم الطويل الذي يتعدى خصرها، وهي تجمعه برابطة شعرها حتى تستطيع أن ترتدي حجابها.
هتفت بحنق وهي لا ترى ذلك الذي يراقبها بوله: "اتلم بقى وادخل تحت الحجاب وخلّيك مطيع علشان متتأخرش على الخروجة."
اقترب منها وسألها بعبث ويداه تدخل شعرها المتمرد تحت حجابها: "وإن مدخلش هتعملي فيه إيه؟"
قالت بغضب مصطنع ودلال: "هقصه."
هدر بغضب بينما استشرست ملامحه: "أوعى تقرب منه ولا تقصي سنتي واحد منه، وإلا والله يا سلمى ليكون ليا تصرف تاني معاك."
تعجبت من تحوله السريع وقالت بهدوء لكي يهدأ: "أهدي يا رحيم، فيه إيه؟ أنا بهزر."
"مفيش هزار في الموضوع ده بالذات."
اقتربت منه وعقدت يدها حول عنقه وهي تهمس له: "للدرجة دي بتحبه؟"
قال بحب: "درجة إني بحب صاحبته وبموت فيها."
انفلتت الكلمات من بين كريزيتها وكأنها مغيبة: "وأنا كمان بحبك يا رحيم."
أصابت كلماتها قلبه الذي خفق بشدة من أثرها.
اقترب منها كالمغيب وهو ينظر إليها ويميل عليها.
لولا يدها التي دفعته بخفة وخجل بعد أن وعَت على كلماتها، وهي تقول بمرح: "لا كده كتير، انت كل شوية هتعمل كده، كده مش هنلحق الملاهي."
وفي لحظة أنزلته مرة أخرى من فوق تلك الغيمة الوردية.
وضع يده خلف رأسه وهو يهتف بمرح: "سلمى يا مجنونة، هو فيه حد يفصل حد كده؟"
وقفت خارج غرفة جدها وهي تسترق السمع.
قال فريد بجدية: "بعد إذنك يا جدي، سلمى ورحيم خارجين وبعتوني آخد بسمة معاهم."
تساءل جاد: "خارجين فين يا ولدي وبسمة تروح معاهم ليه؟"
ضاعت الكلمات من فمه بينما لم يحسب حساب لتلك الأسئلة.
ظن أن الأمر هين، ولكنه معذور، فقد تربى بعيداً عن عاداتهم وتقاليدهم الذي ما زال يجهل الكثير منها.
لاحظت نجيه تخبط فريد في الحديث.
قالت بمحبة: "وه يا جاد انت هتفتح تحقيق ولا إيه؟ فريد كتر خيره جاي ياخد بسمة عند أختها، هو هيعرف منين؟"
زفر فريد براحة حينما تدخلت نجيه في الحديث وحملت عنه هذا العبء وأيضاً ساعدته.
نظر لها بامتنان وهتف بأسف: "أيوه زي ما تيته نجيه بتقول كده."
ضحكت نجيه وجاد على كلمات فريد.
قالت نجيه بمحبة: "أيوه إيه يا جلبى؟"
"قولي يا جدتي."
أومأ فريد بحرج وهو يقول بطاعة: "حاضر."
هتفت نجيه على بسمة: "بسمة جهزي، ولد عمك جلال هيوصلك لسلمى."
لم تتمالك نفسها من الفرحة وهي تقفز كالأطفال.
هل ستذهب مع أختها وتخرج برفقة فريد ورحيم وسلمى؟
نعم، إنها العائلة وجمال العائلة.
هذا ما شعرت به وهي تركب السيارة بجانب فريد وينطلق بها إلى الملاهي.
وقف رحيم وفريد وعلامات الدهشة تعلو وجههم من فرحة بسمة وسلمى ولهوهم داخل تلك اللعبة.
جلست الأختان بجانب بعضهما في تلك اللعبة الخطيرة، بينما جلس فريد ورحيم خلفهم.
قال رحيم بجدية: "متأكدة إنك مش خايفة يا سلمى؟"
قالت بشجاعة: "أبداً."
وما هي إلا لحظات وبدأت اللعبة، وبعد قليل انطلقت اللعبة بسرعة فائقة.
وانطلق معها صراخ سلمى وبسمة برعب وخوف: "الحقني يا رحييييييم، هموت."
بينما تعالى صوت بسمة وهي ترتل آية القرآن الكريم.
انفجر رحيم وفريد في الضحك عليهم.
وبعد انتهاء اللعبة نزلت الأختان تمشي بترنح، سندهما رحيم وفريد.
هتفت سلمى بغضب: "بتضحك على إيه يا رحيم؟"
"أبداً يا جلب رحيم، أنا مش بضحك."
وما هي إلا لحظة، وانفجر الجميع في الضحك.
مر اليوم بين اللعب والهو.
لم تكن سلمى وبسمة ليعيشوا أسعد يوم في حياتهم هو ذلك اليوم.
حمدت سلمى الله أنه رزقها برحيم الهلالي، رجل بكل معنى الكلمة.
وهل يعقل أن تذوب عشقاً في عدو الأمس الذي أُرغمها على عشقه بحنانه ومشاكسته لها؟
نعم، إنها تعشقه.
بينما لم تكن بسمة بأقل من أختها في التفكير في ذلك الماكر الثائر دائماً، الذي تسرب إلى داخل قلبها أحياناً بغضبه، وأحياناً أخرى بثورته على عاداتهم التي لم يتقبلها إلا بعد وقت طويل، وأحياناً أخرى بحنانه وافتعاله الحجج ليتحدث معها.
وها هي ترى اليوم غيرته وحنانه عليها وعلى أختها.
ولكن مهلاً، لن تنساق خلف خفقات قلبها إلا إذا أتاها هو أولاً معترفاً بعشقه لها.
جلست بزل ورجاء أمام نجيه التي هتفت: "بكرة جاية ليه يا انتصار انتِ وولدك؟"
قالت انتصار: "جاية أرجع رائد الشغل تاني عند سراج يا نجيه يا خيتى."
قالت نجيه بغضب: "لأ، وطالما سراج رفده هو أدرى بشغله."
"يعني يرضيك يا نجيه بهدلة رائد؟"
"أيوه يرضيني اللي يرضي سراج."
ثم أكملت نجيه بغضب لانتصار ابنة أخيها وأخت سعد: "انتصار!"
قالت بلهفة: "أيوه يا خيتى."
"من النهارده مش أشوف وشك لا انتِ ولا الحية بنتك دنيا ولا ولدك ده جو بيتي. أنا بيني وبينك تار ولدي ودمه اللي في يد الخسيس أخوك، ولو كلمك جوزك، قولي له عمتك نجيه هتاكل كبدك ني يا سعد زي ما حرقت جلبها على ولدها. ويلا من غير مطرود."
صرخت انتصار بقهر: "علشان خاطري يا عمتي، أنا مهما كان بنت أخوك."
قالت نجيه: "أنتم مُحرمين عليا لحد ما آخد تار ولدي زي ما حرمت الهلايلة على جاد وأنا ظالمهم."
مهلاً، هل اليوم بدلت الأدوار؟
أصبح أهلها هم الأعداء لها، بينما أصبح عدو الأمس منقذها من الموت المحتوم على يد ابن أخيها.
سبحان الله، إنها الدنيا لا تبقى على حال، بينما الثابت فيها هو التغير.
هتف رائد بحقد بينما أصبح في الشارع مطروداً من نعيم الهلايلة: "متزعليش نفسك يا أمي، والله لنتقم من عمتك نجيه وأخرب لها بيت السنيورة."
قالت انتصار بحقد: "أيوه يا رائد، اطفي ناري من نجيه وبنات جابر."
وصل فريد ورحيم إلى منزل جاد الهلالي بعد أن سمح رحيم لسلمى بزيارة جدها وتركها وانصرف هو وفريد.
استيقظ من نومه الغير مريح، بينما اتخذ تلك الأريكة ملاذاً له لكي يهرب من مطاردة تلك العنيدة التي لم تتركه ولن تتخلى عنه.
بحث بعينيه عنها.
هتف باسمها بحيرة وللحظة خوف من أن تتركه: "زهره."
لم تجبه، بينما خرجت بعد قليل من الحمام تلف جسدها بتلك المنشفة.
تصنم في مكانه من هيئتها المهلكة.
قالت بتوتر: "سراج، صحيت امتى؟ أنا أنا نسيت آخد لبس وأنا باخد شور."
اقترب منها كالمغيب وهو ينظر إليها وإلى خجلها، قال لها بوله: "انتِ جميلة قوي يا زهرة."
هل أصابه مس أم ماذا حدث له؟
قالت بدهشة: "سراج؟"
قال ببوهة: "عيون سراج."
وما هي إلا لحظة، وفاق على حاله وانطلق من الغرفة كمن لسعته عقرب، ينهر غباءه وضعفه أمامها.
صدح هاتف رحيم وهو في طريقه إلى عمله هو وفريد.
أجاب رحيم.
جاءه صوت ذلك الشيطان المسمى برائد: "ألو، ازيك يا رحيم؟"
"الله يسلمك، مين معايا؟"
أجابه بكل غرور: "أنا حبيب قلب مراتك."
صاح رحيم بغضب: "مرات مين يا ابن..."
قال رائد ببرود: "اهدأ يا رحيم بيه، ولو مش مصدقني اسأل حرمك المصون، أخوها كان بيضربها ليه وقت ما انت وصلت وحميتها منه."
أوقف السيارة بغضب.
سأله فريد بقلق: "مالك يا رحيم، مين اللي كان بيكلمك؟"
قال بغضب وهو ينزل من السيارة: "كمل انت يا فريد، أنا عندي مشوار مهم."
رواية ارغمت على عشقك الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم هيام شطا
لا يعلم كيف وصل إلى بيتها، كل ما يشعر به هي تلك النيران التي اشتعلت في قلبه. شعر وكأنها ستأكل قلبه من شدتها، كلما تذكر كلمات ذلك الملعون: "أنا حبيب حرمك المصون". هل كانت تهوى غيره؟ نعم، كانت تهوى غيره. وعلم سراج بهذا الأمر، لذلك كان يضربها عندما دافع عنها. مهلاً، لم كان يضربها خارج بيتهم؟
ظلت الوساوس تنخر في قلبه قبل عقله، إلى أن تعالت تلك الحقيقة المريرة في رأسه. هل يعقل أن تكون قد عزمت الهروب مع حبيبها، وعلم سراج بالأمر ولحقها في ذلك المكان ومنعها؟
عند تلك الحقيقة التي وضحت أمامه وضوح الشمس، أحس بأنه المخدوع في رواية عشق حاكها لنفسه وظنها روايته هو. هو من بدأها.
دلف إلى بيت جاد الهلالي.
تعالت ضحكاتها مع زهرة وبسمة. لم تعِ لوصوله إلا بعد أن هتفت نجية:
"رحيم يا ولدي، ادخل. دي حماتك بتحبك. تعالي أفطر معانا."
حاول تمالك نفسه بينما أجاب بهدوء وتهذيب:
"شكراً يا جدتي، بس كنت عاوز..."
أومأت له الجدة بحب وهي تقول:
"همي يا سلمى، شوفي جوزك عاوز إيه."
اتجهت له وهي تقول بقلق:
"رحيم، فيه حاجة حصلت؟ رجعت ليه؟"
جذب يدها بحدة قليلة وهو يقول:
"تعالي معايا على أوضتك."
دلفت معه، بينما استشعرت نجية أن هناك خطبًا ما من طريقة حديثه ومشيه.
دلف إلى داخل الغرفة، وما أن دخلها حتى أوصدها وأغلق نوافذها.
هتفت سلمى بقلق:
"فيه إيه يا رحيم؟"
اقترب منها وهو يمسك بذراعها وقال من بين أسنانه بفحيح مرعب أرعب قلبها:
"هسألك سؤال واحد وتجاوبيني عليه بصراحة."
أومت، بينما استشعرت أن هناك أمرًا جلل حدث في تلك الدقائق التي فارقها فيها بعد أن أحضرها إلى بيت جدها.
"حا... حاضر، حاضر يا رحيم، بس سيب دراعي، أنت بتوجعني."
ترك ذراعها بغضب وأولاها ظهره وسألها مباشرة:
"يوم سراج ما كان بيضربك قبل الصلح بيوم عند الساقية القديمة، كان بيضربك ليه؟"
أولاها ظهره وانتظر إجابتها، وكل عضلة منه متشنجة تدل على غضب جحيمي يحاول التحكم فيه. نزل سؤاله على أذنها وكأنه صاعق. تتذكر ذلك اليوم جيدًا. هو اليوم التي كانت تتوسل فيه إلى رائد لكي تهرب معه من زواجها من رحيم. ماذا ستفعل؟ ماذا تقول؟
نظر لها بأعين حمراء اشتعل فيها غضبه، هدر فيها بغضب:
"انطقي من غير كذب."
قالت بخوف وبكاء:
"حااااااضر، حاضر."
استجمعت شجاعتها، بينما حسبتها بحسبة صغيرة، ستعترف له بكل شيء، حتى وإن خسرته، فهي لن تبني حياتها على كذبة، لأن الصدق منجاة.
خرج صوتها متحشرجًا من أثر بكائها، بينما بدأت بإخباره الحقيقة، والسر الوحيد في حياتها:
"ده رائد ابن خالتي انتصار بنت أخو جدتي."
أكملت بشجاعة، بينما خطت في طريق لا عودة فيه. إما أن تعود منتصرة مع حب صادق بعد أن يعفو عنها قلب رحيم، أو تخرج خاسرة كل شيء.
"ومن وأنا صغيرة كنت موعودة له، ودائمًا كانت جدتي تقول رائد لسلم..."
وقبل أن تكملها، لم يستطع قلبه تخيلها لغيره، هدر بها بغضب:
"اخرسي."
ابتلعت لعابها بخوف وهي تكمل:
"أنا اتربيت على ده يا رحيم، ومعظم البنات هنا كده. الأهل يقولوا فلان لفلانة، وده اللي حصل معايا. ويوم ما جدي قال إني هتجوزك، كنت هموت من القهر يا رحيم. تخيل أنا عشت طول عمري بكره عيلتكم عشان أنتم اللي قتلتوا أبويا، بين يوم وليلة أكون واحدة منها. وفي لحظة شيطان، كلمت رائد، هو بالنسبة ليا المنقذ عشان ينقذني من الجوازة دي، بس هو طلع ندل، وسراج شافنا، وبعد كده أنت عارف الباقي."
قال بمرارة حرقت قلبها قبل قلبه:
"بعد كده المغفل اللي كنتي مش عاوزة تتجوزيه هو اللي دافع عنك. كلمتيه تاني؟"
صعقت من سؤاله. هل يشك بها؟ نعم، يشك بها، وله كل الحق.
مسحت دموعها بكبرياء وانتصبت في وقفتها وقالت:
"أنا أه كلمته اليوم ده وندمانة على اليوم ده ندم عمري، بس مش سلمى الهلالي اللي تحط راس أهلها وشرفهم في الأرض."
لم يتحدث ولم يجيبها، تركها وكأنها إعصار، ولم ينظر خلفه. تهاوت قدمها على الأرض، بينما أيقنت أنها خسرت كل شيء بسبب خطأ لم تحسب له حساب.
وقفت أمام المرآة تصفف شعرها الذهبي الذي احتضن وجهها الصبوح بجمالها الآخاذ. وقف يراقبها وهي تضع الفراشة من يدها، بينما ارتدت تلك البدلة النسائية ذات اللون الأحمر الذي انعكس على بشرتها، جعلها تبدو كحبة فراولة شهية. أحس بالغيرة تنهش قلبه مجددًا وهو يتخيل إن كل من سيقابلها سيرها بكل هذا الجمال.
قال بقليل من الحدة وكثير من الغيرة التي ظهرت في صوته:
"إنتِ هتخرجي كدا؟"
قالت باقتضاب:
"آه."
هتف بغيرتها:
"إيه؟ على جثتي."
أزاحته من طريقها بطرف يدها، بينما انتوت أن تنتقم منه بكل الطرق. إن كان قلبها الخائن ما زال مرغمًا على عشقه، إذن فلتأخذ حقها منه أولًا ثم تمنحه عفوها.
وقالت ببرود ولامبالاة:
"وأنا مش مستنية موافقتك."
صعق، نعم صعق من ردها عليه، من عدم مبالاتها بغضبه وغيرة قلبه العاشق لها.
هرول يجرى خلفها، بينما هي سبقته. وجدها بين أحضان أمه وهي تقول لها بحب:
"إيه الحلاوة دي يا نور الله أكبر عليك يا بنتي."
قالت نور بمحبة، فهي تحب رقيه وتعتبرها أمها الثانية:
"شكراً يا ماما."
جذبها من حضن والدته وقال من بين أسنانه:
"أنا بكلمك."
"وأنا مش عايزة أكلمك."
هتف بغضب:
"نوووووووووور."
التفتت له واشتعلت نظراتها، وقبل أن يقع هذا الشجار المحتوم، ضرب سلطان بعصاه في الأرض وهو يهتف:
"خلصتي لبس يا نور."
التفتت إلى جدها وقالت بطاعة:
"أيوه يا جدي."
"همي يا بنتي أنا جاي وياك الشركة."
صرخ عقله: "لا لا لا."
قال بإنفعال:
"نور هتركب معايا يا جدي."
قال الجد بمهادنة، بينما يرى احتراق حفيده:
"كلنا هنركب عربية واحدة. هموا بينا عاد."
وقفت أمام مكتبه تفرك يديها ببعضها البعض من الخوف والتوتر. كيف أن تطلب منه عملًا وعندهم ثأر أبيه؟
لمحها المهندس إبراهيم وهي تقف أمام مكتب سراج بتوتر. اقترب منها وسألها:
"أيوه يا فندم، إنتِ عاوزة مين؟"
قالت بخوف وخرج:
"مهندس سراج، أنا إيه بنت..." ولم تكمل، بل قالت: "إحنا قرايب من بعيد."
قال لها بتشجيع، فهو لا يعرف أنها ابنة عائلة قاتل أبو سراج:
"اتفضلي." وفتح لها باب سراج وقال لسراج ببشاشة: "الآنسة بتسأل عليك يا باشمهندس."
"اتفضلي."
رفع عينيه عن الورق الذي كان بين يديه، وما أن عرفها حتى هب من مكانه قائلًا بغضب:
"إنتِ؟"
قالت بخوف:
"إزيك يا باشمهندس."
هتف بغضب:
"إيه اللي جابك هنا؟ اطلعِ بره."
"لو سمحت يا سراج، أنا جاية أسمحك تشوف لي شغل عندك في المصنع. أنت طردت أخويا رائد من الشغل وهو سابنا ومشى، ودنيا مش بتشتغل في حاجة ومش بتصرف علينا أنا وماما. فا... أنا قلت لو بعد إذنك تشوف لي شغلانة عندك أصرف منها عليا وعلى علاج ماما."
ثم خانتها دموعها، وكم شعرت بذل الحاجة ومرار الفقر الذي حل بهم بعد أن طردهم عائلة الهلالي من نعيمهم.
نظر لها بجمود وقال:
"أنا معنديش شغل لكم، اتفضلي." وأشار ناحية الباب.
تخاذلت خطواتها، بينما كانت على يقين أنه سيرفض، ولكنها تعلقت بأمل شهامته. وقبل أن تخرج، نغزة ضميره الذي أنبه وتغلبت عليه طيبته. هتف فيها:
"استني يا آية."
هل سيمنحها فرصة لكسب قوت يومها ودواء أمها؟ قال بجدية:
"أنا هعينك سكرتيرة لمكتب المهندس إبراهيم."
قالت بفرحة ممزوجة بالدموع:
"شكراً، شكراً يا سراج."
قال لها بوعيد:
"بس قسمًا بالله لو عرفت إنك جاية هنا عشان تعرفي أخبارنا، ليكون آخر يوم في عمرك."
قالت دنيا بفرحة:
"والله أنا هشتغل بما يرضي الله وبس يا سراج."
وما هي إلا دقائق معدودة، إلا وكان قرار تعيينها بين يديها وبراتب كبير. وكيف لا، وهو سراج الهلالي المعروف عنه الكرم ونبل الأخلاق.
دلفت نجية بقلب منفطر متقطع على حال حفيدتها. لقد استمعت إلى كل حوار سلمى ورحيم.
قالت لها بفخر وشجاعة:
"قومي يا سلمى وبطلي عياط."
قال بقهر:
"أنا بيتي اتخرب يا جدتي."
هتفت بجزع:
"بعيد الشر يا بنتي."
"إنتِ متعرفيش حاجة يا جدتي."
"لأ يا سلمى، أنا سمعت كل حاجة."
نظرت سلمى لها بأعين فاض منها الخزي والاعتذار:
"أنا آسفة يا جدتي."
ربتت نجية بحنان على ظهر سلمى وهي تحتضنها:
"مش انت لوحدك اللي غلطانة يا نظري، أنا كمان غلطانة وغلطي أكبر منك، بس هنقول إيه؟ سهم الله نفد."
ثم أكملت نجية بفخر وتشجيع لحفيدتها، حيث أعجبها موقفها وصراحتها مع زوجها:
"جدعة يا سلمى إنك مكدبتيش وقولتي لرحيم كل حاجة."
"جدعة إيه يا جدتي؟ اهو مشي من غير ما يقول كلمة ليا."
قالت الجدة بتشجيع وبعد نظر:
"عشان بيحبك يا عبيطة. هو أي نعم مجروح، بس لما يقعد لوحده ويفكر في الموضوع هيسامحك."
ثم مسحت دموعها وقالت لها بتشجيع:
"همي يلا عشان تتغدي وسراج يوصلك بيتك."
"مقدرش يا جدتي."
نظرت لها تلك العجوز التي تعلمت من الدنيا مرها قبل حلوها، وقالت بمكر:
"لأ هتقدري وتكلميه وتستحملي كل حاجة منه، ومش هوصيك عليه." ثم أضافت بمرح: "عايزة ابن رقيه ميخدش في إيدك غلوة."
تخضب وجه سلمى بالخجل وهي تهتف في جدتها بخجل:
"جدتي."
ضحكت نجية واحتضنتها بحنان وقالت:
"أيوه كده اضحكي يا حبيبتي."
خرجت نجية وهي تجذب في يد سلمى. حين حضر رحيم وسلم على إخوته وجدته وجده. نظر بعينيه يبحث عنها.
قالت جدته بخبث:
"في المطبخ بتخلص الغدا يا سراج."
قال بحرج:
"هي مين يا جدتي؟"
قالت بمرح:
"زهرة يا ولدي، مش كنت بتدور عليها؟"
هتف بحنق حين علم أن عينيه تفضحه:
"أنا طالع أغير هدومي."
جلسوا جميعًا حول طاولة الغداء. قالت نجية بإعجاب:
"تسلم يدك يا زهرة، طبخك حلو زيك."
هتفت زهرة بخجل:
"ألف هنا يا تيته."
قالت نجية بلؤم، بينما عزمت أن تذيب ثلج قلب حفيدها:
"إيه رأيك في أكل مراتك يا سراج؟"
"حلو."
"هتفت حلو، بس ده وكل يتهادى للملوك."
قال جاد بتأكيد:
"تسلم يدك يا زهرة، وأيضًا بسمة وسلمى."
انصرف الجميع. وقبل أن تتحرك، همس لها:
"تسلم إيدك، الأكل حلو."
هل تحلم أم تتخيل؟ هل ذاب الجليد أم أنها مجرد لحظة وسيعود مرة أخرى لجموده؟ هتف بلهجة آمرة:
"سلمى يلا عشان أروحك."
وقفت بمنتهى العملية في ذلك الاجتماع الذي أعده لها جدها ليعلم كل من يعمل بشركة الهلالي أن حفيدته ستكون من أعضاء مجلس الإدارة. جلس سلطان وسليم بفخر، وهي تتحدث بثقة عن مقترحاتها في تطوير خطوط الإنتاج داخل مصر وخارجها. وكم كانت واثقة من نفسها، تعلم متى تتحدث ومتى تصمت، وكأنها ولدت لكي تكون سيدة أعمال محنكة. ومن قال إن المرأة لا تستطيع أن تنجح في أي مجال إذا توافرت بها القدرة والموهبة؟ وهذا ما امتلكته نور الهلالي.
انتهى الاجتماع، الجميع يشيد بمهارة وثقة حفيدته. سلطان الهلالي وزوجة حفيده الكبير.
دلفت إلى ذلك المكتب بإنهاك، وضح على وجهها. قال لها جدها:
"هسيبك أنا يا نور، معاكي سليم بره، ورحيم هيبقى معاك من بكرة، وفريد أخوك معاك."
احتضنت جدها بحب وهي تقول:
"شكراً يا جدي."
قبل جبهتها وهو يقول بمرح:
"شدي حيلك ومتشمتيش الواد سليم فينا."
ابتسمت بحب:
"حاضر يا جدي."
جلست مرة أخرى بعد انصراف جدها، ولكنها تشعر بالجوع. وقبل أن ترفع سماعة الهاتف لتطلب الطعام، دلف إليها سارق قلبها وهو يحمل في يده أكياسًا فاح منها رائحة الطعام الشهي.
قال بود وصفاء صوت غاب عنه لأسابيع:
"أنا قولت زمانك جعانة زي ما أنا جعان، فقولت لو نور الهلالي تتكرم وتاكل معايا وأنول الشرف ده."
نظرت له بحب فاض رغمًا عنها من عينيها التي تعشقه:
"إنه حبيبها، يعلم ما بها من قبل أن تطلب."
قالت بغضب مصطنع:
"مش جعانة."
مد إليها يده بأحد الملاعق الذي أخرجها من الطعام وقال بحب:
"عشان خاطري كلي النهارده بس معايا، ويا ستي خصميني تاني."
وكيف بعد كل هذا الاهتمام ترفض له طلب؟ جلست وتناولت طعامها، وكان هو في قمة سعادته.
وقف بعد أن جمعت نور الطعام المتبقي ونظفت المكتب. لم يستطع أن يمنع قلبه العاشق لها من اغتنام فرصة صفائها له. جذب يدها وهي تخطو من جانبه. نظرت له بتساؤل. وقبل أن تسأله، احتضنها بين ذراعيه وطبع قبلة حنونة على جبهتها وهتف بحب:
"مبروك عليك يا نوري."
لم تسعفها الكلمات، بينما ألجمها فعله الحنون معها. نظر برضى إلى تلبكها وخجلها، بينما انتوى ذلك الماكر أن يعيدها إليه، ولكنه سلك طريقًا جديدًا، أنه طريق خطب ودها بالحب والمعاملة الحسنة.
ابتعدت عنه بخجل وهي تقول بصوت مرتعش عكس صوتها التي كانت تتحدث به قبل قليل في الاجتماع:
"الله يبارك فيك يا سليم."
انقضى النهار وها هو الليل يسدل ستائره السوداء على أعين ذلك الذي لا يدري ماذا يفعل. أيعود ويأخذها من بيت أهلها، أم يتركها هناك؟ ويكفي ما حدث له معها. هتف عقله: "خائنة."
قال قلبه الذي ينبض بعشقها: "لا ليست خائنة. لم تخنه. أعطى لها عذرها أنها لم تكن زوجته وكان هو عدوها."
هتف عقله بتروي: "نعم، كنت عدوها، وكان هذا الجبان من ظننته أمانها."
اتخذ قراره، سيعود إلى بيته. وإن عادت هي وحدها، إذن فهي تحبه.
جلست آية بعد يوم طويل من العمل مع أمها. قالت بفرحة:
"الحمد لله يا ماما، ربنا كريم وسراج شغلني معاه بمرتب حلو."
قالت انتصار بحزن:
"الحمد لله يا حبيبتي."
هتفت آية بطيبة:
"تعرفي يا ماما إن نور الهلالي اشتغلت في الشركة بتاعتهم وبيقولوا إن جدها هيمسكها الشركة كلها."
اجتذب كلام آية الطيبة تلك الخبيثة التي انتبهت بكل حواسها. قالت بتساؤل:
"وإنتِ عرفتي منين يا آية؟"
هتفت ببراءة:
"كل الشركة كانت بتتكلم."
اشتعلت دنيا بالسعادة، فها هي وجدت المعلومات التي ستسكت بها ذاك الشيطان المسمى بجو. أخرجت هاتفها ودخلت غرفتها واتصلت به. جاءها صوته:
"خير يا قطة."
"عندي لك خبر بمليون جنيه."
"خير."
"نور نزلت تشتغل في شركة جدها."
وها هو يجلس لكي يخطط لكي ينهي على عائلة الهلالي.
"آلو."
"أيوه يا مكس."
"أهلاً. مستر چو، كيف حالك؟"
"بخير. أريد منك خدمة."
"بطبع مستر چو، ماذا تريد؟"
"أريدك أن تراسل شركة الهلالي لكي تعقد معهم صفقة أغذية محفوظة."
"حسناً مستر چو."
أنهى المكالمة، وها هو شيطانه يعد له تلك الخطة التي ستنهي عائلة الهلالي.
دلفت إلى الغرفة التي تغرق في الظلام. خاب أمله عندما لم يجدها. وما هي إلا ثوانٍ، ووجدها تطل عليه بهيئتها التي خطفت أنفاسه، وهي ترتدي ذلك الثوب الأرجواني الذي كشف عن قوامها المهلك.
همست أمامه بعشق:
"حمد الله على السلامة يا رحيم."
نظر لها بينما يجاهد أن يحافظ على غضبه منها. هدمت آخر حصونه وهي تقترب منه وتهمس أمام وجهه:
"بحبك يا رحيم، سامحني."
رواية ارغمت على عشقك الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم هيام شطا
هدمت آخر حصونه وهى تقترب منه وتلف ذراعيها حول عنقه وتهمس أمام وجهه:
بحبك يا رحيم سامحنى.
وقف كالمغيب بينما تضاربت مشاعره بين الغضب والدهشة، وأيضًا تلك المفاجأة التي لم يتخيلها ولا حتى في أجمل أحلامه. بينما استطاعت تلك القصيره القامه أن ترضي غروره الذكوري بداخله حين عادت وحدها، وأيضًا تزينت له على غير عادتها وتعامله بكل تلك الجرأة. كاد أن ينسى كل شيء، كاد أن يصفح، ومن قال إنه لم يصفح؟ نعم صفح عنها ومنحها صك غفرانه حين هدأ وفكر بتروي. نعم هي محقه، نعم كان هو وقتها عدوها، ابن تلك العائلة التي قتلت أباها. نعم هدأ قليلا وهدأت نار غيرته حين تأكد أنها لم تحدث ذلك الجبان، أو تتصل به منذ أن أصبحت زوجته.
انتشلته سلمى من بحر حيرته الهائج حين قالت له بصدق وهي ما تزال على وقفته:
رحيم مش ترد عليا.
أفاق على حاله ووضعها أمامه مرة أخرى. حاول استجماع شتات عقله وتهدئة ضربات قلبه التي تتحكم بها تلك المرأة. أبعدها عنه بهدوء وهو يقول بجفاء وبعتاب:
روحي نامي يا بنت الناس وابعدي عني.
مقدرش يا رحيم الا أما تسامحني وتكلمني.
تخلى عن بروده وقال بغضب:
أنا مش هسمحك ولا أكلمك إلا أما أجيب ابن الـ........... وأربيه وأعرفه إزاي يجيب سيرة مرات رحيم الهلالي.
رغم حدة صوته في الوعيد وغضب عينيه، ورغم الخوف الذي ملك قلبها من غضبه عليها، إلا أنها فرحت. نعم فرحت حين نسبها إليه، نعم هي زوجته، هو زوجة ذلك الرجل الذي كان بالأمس القريب عدوه. ليدخل حياتها ويرغمها على عشقه بمعاملته الحسنة لها وطيب عشرته لها. قالت له بدلال بينما أصرت أن لن تمر تلك الليلة إلا وهو راضٍ عنها:
طيب وأنا مالي يا رحيم؟ أنا بحبك أنت.
إنما رائ.........
وقبل أن تكمل اسمه نظر لها بغضب ألجم صوتها. أكملت بنفس الصوت الهامس:
اعمل اللي تعمله فيه يا حبيبي، بس أنا مقدرش على خصامك يا رحيم.
نظر لها بطرف عينه وذهب إلى طرف الفراش لكي ينام. وأخيرًا بدأ الغضب منها وعليها ولها يهدأ قليلا بعد محاولاتها لكي تراضيه وتكسب وده. سألته بصوت جميل:
رحيم مش هتتعشى؟
لاء.
ولا هتغير؟
لاء.
علشان خاطري أنا عملاك الأكل اللي بتحبه.
أجابها بهدوء عكس تلك الثورة التي بداخله:
نامي يا سلمى.
قالت بمكر:
بس أنا جعانة يا رحيم.
نفض عنه الغطاء وقال بغضب:
سلمى وبعدين.
اقتربت منه وقطعت الانشات الفاصلة بينهم هذه المرة وهي تقول بدلال وجرأة لم تعهدها بنفسها:
بقولك جعانة يا رحيم، أهون عليك؟
لم تعطِ له الفرصة ليجيب عليها، بينما وضعت شفتيها الرقيقه تقبل وجنته وهي تهمس:
بحبك يا رحيم.
لم يتحمل دلالها، بينما هدمت بتلك القبلة كل حصونه. اقترب هو منها وقال بجدية مصطنعة:
بتعملي إيه يا سلمى؟
خفق قلبها بخوف.
ب... ب... بصالحك يا رحيم.
انقض على شفتيها يكتسحها بقبلة غاضبة شغوفه، ولكنها محبه لتلك القصيره. ابتعد عنها بعد قليل وهو يضع جبهته على جبهتها ويقول بصوت متحشرج:
البوسة كدا يا قلب رحيم 😉.
ملأت السعادة قلبها حين أكمل ما بدأه، بينما وأخيرًا عادت، وأخيرًا شمس حياتها للسطوع مرة أخرى بعد أن ظنت أن تلك العاصفة السريعة ستقضي على حياتها، بعد أن وجدت الحب والأمان الذي كانت تبحث عنه.
***
بعد مرور شهر.
جلس سراج في مكتبه يتحدث مع مصطفى، الضابط الذي يتولى قضية چو وسعد راشد.
أيوه يا مصطفى مفيش جديد؟
قال مصطفى بجدية:
لأ أبدًا يا سراج، بس متقلقش مسيره هيظهر.
هتف سراج بغضب:
هيظهر إمتى يا مصطفى؟ عدى أكتر من شهر.
ونصف.
اصبر يا سراج، أنا متأكد أنه بيدبر لحاجة وهيظهر قريب.
زفر بضيق، بينما مر وقت طويل وهو يقف عاجز، لم يستطع أن يأخذ بثأر أبيه.
تمام يا مصطفى، أي جديد بلغني بيه.
تمام يا سراج.
وكما كان حال سراج من الغضب والضيق، أنه لم يستطع العثور على خاله سعد ولا ذلك المسمى بـ چو ابنه.
كان چو يخطط بإتقان حتى ينهي على عائلة الهلالي. سأل سعد ابنه چو:
عملت إيه يا چوه؟
اطمن يا باشا، أنا بحفر حفره لعيلة الهلالي هيموتوا فيها.
هتف سعد بفرحة:
إزاي يا جو؟
قال جو بمكر:
نور الهلالي هي اللي هتنزلهم فيها، وكمان بموافقتها.
إزاي؟
أنا اتفقت مع ماكس اللي كنت بشتغل معاه في إيطاليا إنه يعمل صفقة أغذية مع شركة الهلالي.
قال سعد بغضب:
وإحنا هنستفاد إيه من الصفقة دي؟
ضحك چو بمكر وهو يكمل:
الصفقة دي هتكون أغذية محفوظة مدة صلاحيتها منتهية.
قال سعد بقلق:
أكيد هيعرفوا من البيدج اللي على العلب.
قال چو بضحكة شيطانية:
ما ده اللي ماكس هيعمله، هيشيل البدج القديم ويحط واحد جديد بصلاحية جديدة. وأنت كلم حد من اللي تعرفه في المينا يفرج عن الشحنة وميكشفش عليها. وطبعًا أول ما تنزل السوق كل اللي هياكل منها هيجيله تسمم. ومين اللي مستورد؟ الكل هيقولوا شركة الهلالي، وهيدخلوا في سين وجيم، مين المستورد، مين صاحب الاقتراح، وتغرق شركة الهلالي ويتسجن أصحاب الشركة ويضرب اسمهم في السوق وفي البلد كلها. وترجع لي نور من تاني زي الكلبه، بعد ما حبيب القلب يتسجن أو أقتله.
هتف سعد بفرحة، بينما أعد ذلك الشيطان المسمى بابنه خطة محكمة للإيقاع بعائلة الهلالي والنيل منهم، وأخيرًا سيراهم وهم يغرقون وتنسب إليهم كل تلك التهم والأفعال المشينة.
برافو عليك يا چو، دي خطة متخرش الميه.
وتنفذ إمتى؟
أجاب چو بثقة:
من بكرة هخلي ماكس يكلم نور هانم، وأنا مستني أتفرج على الهلايلة وهم بيغرقوا.
***
نظرت لها بتوجس، بينما هي تتحدث وتضحك وتلهو مع بسمة.
هتفت نجيه بغضب:
زهرة أنتِ يا زهرة تعالي عاوزاكي.
حاضر يا تيته.
دلفت إليها وما زالت تلك البسمة تعلو وجهها الصبوح.
هتفت نجيه بغضب:
إنتي هتفضلي كدا كتير يا زهرة؟
قالت زهرة بتساؤل:
كدا إزاي يا تيته؟ أنا عملت حاجة؟
قالت نجيه بغضب:
ما ده اللي فرسني إنك مش بتعملي حاجة يا بنت جلال. هتفضلي إنتي وسراج كدا لحد إمتى؟
ثم قالت بجدية:
أنا عاوزة حفيد يا زهرة، عاوزة أشوف ولاد سراج.
تخضب وجه زهرة من الخجل، فكيف لها أن تخبر جدتها أن حفيدها هو من يبعد عنها، وكيف لها أن تخبرها أنها تحبه ولكنه هو من يبتعد عنها. قالت بتلعثم:
هو... يعني... أعمل إيه يا تيته؟
سراج يعني.
هتفت نجيه بنفس الصوت الغاضب:
مهو إيه يا زهرة؟ اشحال ما إنتي متربية برا مصر، مش عارفة تعملي إيه مع سراج. آه يا مري، اتصرفي، البسي حاجة من الهدوم اللي حميدة جايباهم لك دول، اعملي زي البنات، هو أنا هقولك تعملي إيه مع جوزك يا زهرة.
كاد وجه زهرة أن ينفجر من الخجل، بينما عرفت مغزى كلمات نجيه. نعم تحبه وتتمنى قربه، ولكنه يبتعد عنها منهك في البحث عن قاتل أبيه، وهي اكتفت بتلك المساحة التي أعطاها لها في حياته. اكتفت أن يبقيها في بيته، اكتفت أن يأخذها كل ليلة بعد أن تنام أو تتصنع النوم، يأخذها في حضنه، يشكو لها دون أن يعلم أنها تسمعه، يشكو لها حبه لها وضعفه أمامها، بينما لا يستطيع أن يخطو تلك الخطوة ويجعلها زوجته إلا بعد أن يأخذ بثأر أبيه.
هتفت نجيه بضجر من صمت زهرة:
ها هتعملي إيه يا زهرة؟
أجابتها زهرة بخجل:
حاضر يا تيته.
لانت نبرة الغضب في صوت نجيه، بينما هي تعلم أن زهرة ليس بيدها حيلة، وأن سراج هو من يبعد عنها خوفًا عليها من أن تتركها أرملة إذا نجح سعد في قتله قبل أن يقتله، أو يتركها بعد قتل سعد ويفضي باقي عمره في السجن. قالت لها بمحبة:
متزعليش مني يا زهرة، أنا عارفة إنك مفيش في يدك حاجة، وعارفة إن سراج هو اللي بيبعد عنك. بس يا بنتي، أنا ست كبرت في العمر واللي راح مش قد اللي جاي، وعاوزة ابن ابني يعيش ويت هنى ويخلف ويشوف عياله.
قالت زهرة بحيرة:
والتار يا تيته؟
قالت نجيه بت روى:
أنا خابرة إنه مش هيهدى إلا أما ياخد تار أبوه، بس أنا اللي هحل موضوع التار ده يا بنتي.
إزاي يا تيته؟
إزاي دي ملكيش صالح بيها. اعملي بس اللي اتفقنا عليه.
ثم أضافت بمرح:
أنا عاوزة حفيد من حفيدي ويكون عينيه زرقاء لأمه. سامعة يا زهرة؟
أومأت لها بطاعة وخجل، بينما عزمت أمرها أن تخطو هي الخطوة الأولى إلى ذلك العاصي الذي عشقته، وهي الآن مصممة أن ترغمه على عشقها.
***
"الو أيوه يا قطة وحشتيني."
جاء صوت چو بفحيح إلى دنيا، التي كرهت حياتها عندما دخلها هذا اللعين، ولكنها هي من اتفقت معه ويبدو أنه لا خلاص منه. قالت بغضب:
عاوز إيه يا خواجة؟
ضحك ضحكة باردة خالية من المرح وقال بفحيح:
الأخبار يا حلوة؟
عاوز آخر أخبار الهلايلة.
أجابته بغضب:
معرفش.
صرخ في الهاتف:
تعرفي وتبلغيني باللي بيحصل في البيت والشركة والشركة قبل البيت.
قالت بخوف:
حاااضر... حاضر.
جلست تبكي بعد انتهاء المكالمة. عرفت أنه شيطان لا خلاص منه. جلست تفكر كيف تخلص منه، بينما أنارت تلك الفكرة الجهنمية في رأسها. هتفت بفرحة:
سراج... سراج هو اللي هيخلصني منه.
عزمت أمرها لتذهب إلى سراج تخبره أن ذلك الملعون اتصل عليها. لن تخبره كل شيء، ستخبره فقط أنه يريد منها أن تنقل له أخبار عائلة الهلالي، ويصل سراج له، وتفوز هي أن تتخلص من ذلك اللعين، وأيضًا تعود مرة أخرى إلى قلب سراج بما أنها هي من ستدله على مكان قاتل أبيه. هتفت بفرحة، بينما اكتملت الخطة الذكية في رأسها.
برافو عليك يا دينا.
خرجت من بيتها وهي تعرف وجهتها جيدًا.
***
دلف إلى غرفته يبحث عنها بلهفة بعد أن أخبرته جدته أنها شعرت بصداع وذهبت إلى غرفتها ترتاح.
زهرة... زهرة.
ينادي عليها بلهفة. وجدها نائمة في فراشها. جلس بجوارها، أخذ يدها بين يديه وهو يتحسس وجهها بلهفة.
مالك يا زهرة؟ إنتي تعبانة؟ حاسة بأيه؟
انتفض قلبها بالفرحة حين وجدت تلك اللهفة عليها. اعتدلت في جلستها وقالت له تطمئنه:
أهدى يا سراج أنا كويسة، شوية صداع وبقيت كويسة الحمد لله.
قال بقلق:
لأ تعالي أخودك للدكتور.
لأ دكتور إيه ولا دكتور ولا حاجة، أنا كويسة.
قال بحب:
طالما إنتي كويسة تعالي نتعشى سوا.
قالت بتلعثم بينما تجذب عليها غطاء الفراش لتختبئ تحته بعد أن خجلت أن تقابله بهيئتها التي كانت عليها:
لأ... لأ مش جعانة.
سألها بقلق بينما لاحظ تعلثمها في الحديث:
مالك يا زهرة؟ إنتِ بردانه؟
لأ مش... مش بردانه.
حذب الغطاء من عليها وهو يقول بمرح:
طيب تعالي بقى ننزل نتعشى مع....
لم يكمل حديثه، بينما تصنم في مكانه حين وعى على هيئتها الخاطفة للأنفاس. وقفت أمامه بذلك الثوب المثير الأحمر اللون الذي انعكس لونه الأحمر على بشرتها الجميلة. فقد سراج النطق. دخل في صدمة مؤقتة. قال بتلعثم بينما لم يعد يرى أمامه إلا تلك الحورية:
إيه الجمال ده يا زهرة؟
صدمت هي من تعبيره وغزله لها. تحول وجهها إلى الأحمر يحاكي لون ثوبها المثير. اقتربت منها بينما سحرته تلك الحورية، وهو يطبع قبل على وجنتيها قبلة، وخطف قبلة رقيقة من طرف شفتيها. وقبل أن تفتح له أبواب جنتها، ابتعد عنها كالملسوع من لدغة عقرب حين سمع صراخًا باسمه يأتي من الأسفل، ويبدو أن جدته تتعارك مع أحدهم وهي من تستغيث به:
الحقني يا سررااااااااااااج.......
انتفض وخرج يجرى من باب الغرفة ينزل السلم في خطوتين حين علا صوت جدته وأيضًا صراخ دنيا التي جاءت لتخبره بأمر چو، ولكن نجيه طردتها شر طردة. وحين منعتها نجيه صرخت تنادي عليه، ونجيه تدفعها لكي تترك حفيدها وشأنه، فكفى ما لحق بهم بسبب عائلتها التي كانت هي قاتلة ابنها. هتفت دنيا بتصنع البكاء:
الحقني يا سراج.
قالت نجيه بغضب:
اخفي يا عجربة من هنا.
وصل سراج وهتف بغضب:
فيه إيه؟
قالت دنيا بسرعة قبل أن تمنعها نجيه:
عايزة أقولك حاجة مهمة يا سراج.
اسمعش كلامها يا ولدي.
هتفت نجيه.
قال سراج بتروي:
أهدي يا جدتي، هشوفها عايزة إيه وهمشيها على طول. ادخلي بس إنتي يا جدتي.
على مضض وافقت نجيه ودخلت إلى البيت، بينما تركت سراج مع دنيا وقلبها يكاد أن يقف من الخوف على حفيدها.
***
قالت دنيا وهي تتصنع الخوف:
الحقني يا سراج، چو بيهددني.
انتبهت كل حواسه، بينما نطقت اسم عدوه ابن عدوه. قال بغضب حاول كبحه:
چوه هو بيكلمك؟
قالت له وهي تتصنع البراءة:
أيوه كلمني امبارح وعاوزني أنقل له أخباركم كلها، مش عارفة ليه. وهددني أنه يموتني لو مسمعتش كلامه.
لم ينتظر باقي حديثها، جذبها من يدها وهو يخرج هاتفه من جيبه ويدخلها السيارة، بينما يجرى اتصالًا بمصطفى الضابط.
أجابه مصطفى:
أيوه يا مصطفى، أنا عرفت مكان چو.
مسافات السكة من الصعيد لاسكندرية وهكون عندك.
بهت وجهها بخوف وهي تسأله:
إحنا رايحين فين يا سراج؟
أجابها بغضب:
اسكندريه، ومن هنا لحد ما نوصل مسمعش صوتك وهاتي التليفون بتاعك.
***
ارتدت عباءة بيتية وخرجت تسأل عنه. أصيبت بخيبة أمل حين أخبرتها بسمه أنه خرج مع دنيا، وأحست أنه ضربها بسكين في قلبها حين تركها وذهب مع من كانت تحبه قبلها.
***
جاءها ذلك الاتصال من شركة ماكس.
ألو مس نور، أهلاً بك، كيف حالك؟
تفاجأت نور من تلك المكالمة التي أخبرها فيها ماكس أنه علم من الشركات التي يتعامل معها أنها الآن تدير شركة الهلالي وعرض عليها العمل معه. للمرة الأولى فرحت بعرض ماكس ووافقت عليه، ولكنها شعرت أن هناك أمر غريب، وبدأ الشك يعرف طريقه لها. انتشلتها طرقات على الباب تعرف صاحبها. قالت بصوتها الأثر له:
ادخل.
دخل معذب قلبها الذي تبدل في تلك المدة مئة وثمانون درجة. قال ببسمة علت وجهه:
خلصتي؟
أومأت له:
اه خلصت.
طيب يلا علشان أوصلك.
قالت بجدية:
مش ضروري يا سليم، أنا بعرف أروح لوحدي.
قال بمرح لكي يذيب قليلا من ذلك الجليد الذي أصبح بينهم:
لأ مش ضروري إيه؟ إنتي ناسيه إن دي شغلي أنا، أنا سواق نور هانم الهلالي.
رغمًا عنها علت تلك البسمة على وجهها الذي بدأ عليه الشحوب. سألها بلهفة:
مالك يا نور؟ إنتِ تعبانة؟
أجابته بمحبة بينما بدأت تتخلى عن غضبها منه:
أنا كويسة يا سليم متقلقش.
خرجت معه بينما عقلها يعمل مثل المكوك. وأخيرًا قالت له بعد شرود:
سليم.
قال بوله:
عيون سليم.
قالت بجدية:
جايلنا صفقة أغذية محفوظة من إيطاليا بس كويسة جدا.
قال لها مشجعًا:
اقبلي فورًا، إنتي شاطرة وأكيد هنكسب كتير من الصفقة دي.
إنت شايف كدا؟
أنا مش شايف غيرك يا نور، إمتى هتسامحيني؟
قالت بجدية متصنعة بينما أذابت كلماته قلبها:
سليم، أنا بتكلم جد.
وأنا بتكلم جد الجد يا روح سليم.
وصلوا إلى باب السيارة، فتحها لها بمحبة وقال:
اتفضلي يا نور هانم.
وصلوا إلى البيت، بينما هي تفكر، وهو أيضًا يفكر، يفكر في تلك الصفقة التي جاءت لنور كما يقولون على طبق من ذهب. بدأ الشك يضرب عقله كما ضرب عقل نور. قال بجدية بعد أن أوصلها:
ادخلي إنتي، هعمل تليفون مهم وهحصك.
دخلت هي. وهو أخرج هاتفه واتصل بمصطفى:
أيوه يا مصطفى، فيه صفقة نور داخلة فيها وأنا شاكك إن چو له يد فيها.
أجابه مصطفى:
فيه معلومات جديدة يا سليم، أنا هرجع الصعيد مع سراج.
هتف سليم بتعجب:
سراج عندك في اسكندرية؟
أيوه سراج هنا، وأنا راجع معاه بمعلومات جديدة.
***
قالت رحمه بفرحة:
صوح يا فضل، رفعت قضية خلع على ود الحرام ده؟
قال فضل يطمئن أخته التي عاشت مظلومة مع سعد قاتل زوج أخته وابن عمتها:
أيوه خلاص رفعت القضية ومضمونة كمان.
هتفت بفرحة:
ربنا يخليك ليا يا خوي.
نزلت أمل تبتسم لهم.
قال فضل بلهفة:
إيه اللي منزلك من السرير يا أمل؟
قالت أمل بمحبة:
أهدى يا فضل، وأنا هنام في السرير ليه؟ أنا يا دوب لسه في الشهر التالت. هتعمل إيه بقى وأنا في التاسع.
قال لها بعشقه:
هشيلك كدا.
وما هي إلا لحظة حملها من على الأرض وسار بها إلى غرفتها وهو يقول بحب:
إنتِ تفضلي على السرير ده لحد ما الغالي ابن الغالية يشرف.
خايف عليه يا فضل؟
سألته بدلال.
قال لها بوله:
أنا بموت من الخوف عليك يا جلب فضل.
***
سأل مصطفى تلك التي تجلس أمامه ترتعد من الخوف:
وچو بيهددك بإيه؟ ومتضحكيش عليا بالكلمتين اللي سراج الطيب صدقهم.
قالت بخوف:
أنا... أنا...
هتف فيها بغضب وهو ينظر لها بغضب:
بت اتعدلي معايا وهاتي الشريط من أوله، وإلا قسما عظما ألبسك قضية مش هتعرفي تخرجي منها وأعفّن في السجن.
ابتلعت لعابها بخوف وقالت بزعر:
حاضر هقولك على كل حاجة.
رواية ارغمت على عشقك الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم هيام شطا
بدأت دنيا في قص تهديد جو لها، ولكنها حاولت أن تخفي اتفاقها الأول معه وهو تشويه سمعة نور الهلالي وإفساد صلح العائلتين.
ابتسم مصطفى وسألها ببرود: "انتِ مقولتيش جو بيهددك بإيه؟"
ارتجف صوتها، بينما تظاهرت بالشجاعة وقالت بحدة مصطنعة: "وانا... وانا هعرف منين؟"
قام مصطفى ودار حولها ليزيد إرباكها، قال ببرود: "لأ تعرفي يا روح أمك." ثم أضاف بفحيح وأنفاسه تحرق صفحة وجهها وهو يقترب منها: "وتيجي معايا دغري وتقولي جو بيهددك بإيه عشان يجبرك تنقلي له أخبار الهلالي؟"
ارتبكت نبرة صوت دنيا، وقالت له بخوف، بينما قفل عليها مصطفى جميع الطرق أمامها، ولم تجد أمامها إلا أن تعترف له بكل شيء.
قالت بصوت خائف: "أنا هقول لك كل حاجة، بس توعدني متقولش لسراج حاجة عشان الكلام ده يطير فيه رقاب."
ابتسم بنصر وقال لها بثقة: "أيوة كدا تعجبيني، وهاتي الشريط من الأول وأنا مش هقول لسراج حاجة."
بدأت في قص كل ما فعلته مع جو من أول اتفاقها معه لكي تهدم الصلح من خلال تلك المؤامرة الخسيسة التي حاكتها بدقة وتفكير شيطاني وتنفيذ كما يقولون خالي من الأخطاء.
قال لها مصطفى بزهول، بينما أدهشه مدى شرها وشر جو، سألها وهو كاره النظر بوجهها: "وقدرتي كدا تنفذي وتظلمي وتهدمي بيت لسه يا دوب بيتبني بين اتنين بيحبوا بعض؟ انتِ إيه شيطان؟"
نظرت له بنظرة منكسرة، بينما أخيراً عرفت مدى حقارتها عندما وضعت في موقف نور عندما هددها جو.
قالت لمصطفى وهي تبكي: "أنا ندمانة صدقني، وجيت مع سراج عشان أكفر عن غلطي."
نظر لها مصطفى بتهكم وهو يقول: "تكفري عن إيه ولا إيه؟ ما يمكن لك مصلحة تانية؟"
نظر لها نظرة باحتقار، بينما هي أخيراً اعتصر الندم قلبها، ولا تعلم لماذا تهتم لكلمات الضابط أو لنظرته التي جعلتها وكأنها عارية من كل شيء من والهما الأخلاق.
***
جلست طوال الليل تنتظر عودته، لكنه لم يعد. أكلتها الظنون طوال الليل. استيقظت في الصباح الباكر بعد ليلة لم يذقها النوم فيها إلا دقائق متقطعة. نزلت، خرجت إلى حديقة البيت تستنشق الهواء لعله يخفف الألم الذي اعتصر قلبها كلما تذكرت أنه تركها. نعم تركها، وهي من شعرت أنه سلم لها قلبه، ليست تلك الليلة فقط، بل من معاملته لها، من نظرته لها. هل كانت تتوهم؟ لقد تركها، تركها في وقت طعن فيه أنوثتها وكرامتها، تركها وذهب مع من كانت تحبه قبلها.
فاقت من شرودها على يد حنونة تربت على كتفها وهي تسألها بقلق: "زهره يا بنتي، إيه مصحيك بدري كدا؟"
قالت زهره بحزن ظهر في صوتها رغما عنها: "مفيش يا تيته، لقيت نفسي صاحية بدري، قولت أنزل أشم هو."
لم تستطع زهرة منع نفسها من السؤال عن معذب قلبها: "هو سراج لسه مرجعش يا تيته؟"
نظرت لها نجية بخجل وقلب حزن على نقاء وبراءة تلك الزهرة المعذبة مع حفيدها، وقالت: "لأ يا بنتي لسه مرجعش." ثم أكملت بغضب: "آه يا ناري لو أعرف العقربة دي قالت له إيه ولا خدته على فين، يا مين يجيبهالي، دا أنا كنت موتها وارتحت منها."
نظرت لها زهره بحزن وقالت: "أنا هسيب البيت يا تيته، أنا مش هفضل هنا بعد ما سراج سابني امبارح وجرى ورا دنيا."
هتفت نجية بخوف: "تسيبي البيت إيه يا بنتي، ده كلام فارغ، عاوزة تسيبى بيتك للحرباية دي؟"
"هو اللي سابني يا تيته، سابني وهو... وهو..." ثم انهمرت في بكاء مرير. تبكي على زوجها الذي تركها وهي بين ذراعيه، تبكي على كرامتها المجروحة من تركه لها، وهي من فعلت كل شيء حتى تجعله يحبها، تبكي على صبرها على غضبه وكرهه لها أول زواجهم، تبكي وتبكي.
احتضنتها نجية وربتت على ظهرها بحنان وهي تقول: "بس بس يا جلبى، بس والله سراج بيحبك، بس هو خجول شويتين. وقلت لك موضوع تار أبوه ده."
"لأ يا تيته، هو اللي مش محتاجني في حياته، أنا همشي."
"استهدي بالله بس يا بنتي، ونستنى نشوف هو راح فين."
قالت زهره بغضب: "لأ مش هشوف حاجة وأنا ماشية."
قالت نجية بتروي: "طيب يا بنتي، أنا مش همنعك، بس متروحيش عند أبوك." ثم أكملت بمكر: "روحي عند خالك في إسكندرية."
أومأت لها زهره بطيبة: "حاضر يا تيته، أنا أصلا مش هروح عند بابا عشان صحته." ثم أكملت بغضب وغيره واضحة: "أنا هسيب له البلد كلها عشان يحب دنيا هانم براحته."
ضحكت نجية وأكملت بمكر: "أيوه كدا، وأنا مش هقول له انتِ فين لما يرجع، خليه يعرف قيمتك."
قالت زهره بحزن خيم على صوتها: "ده ما يصدق يخلص مني."
***
توسدت فراشها تنام براحة بعد أن حرمت فراشها على سليم. جذبت وسادتها وهي نائمة لتحتضنها. ابتسم على فعلها، بينما نام براحة بجوارها، ينتظر استيقاظها ليرى ردة فعلها إذا وجدته بجوارها. تحسست وسادتها بينما تشعر بها قاسية. فتحت عينيها وهي بين النوم واليقظة، وجدته ينظر لها بوله وهو يقول: "صباح الخير يا نوري."
قالت له ببسمة صافية، بينما ظنت نفسها في إحدى أحلامها الوردية التي يمتلكها ذلك المحب الغيور: "صباح الخير يا سليم."
وما هي إلا لحظة واستوعبت وضعها، أنها تتوسد صدره وتحتضنه، فزعت، اعتدلت في جلستها وهي تهتف بغضب: "سليم!"
"قلب سليم وعمره."
قالت بغضب: "إيه اللي منيمك هنا؟"
قال ببراءة مصطنعة: "هنا فين يا حبيبتي؟ أنا نائم على السرير."
صرخت فيه بينما أشعلت براءته المصطنعة غضبها: "هنا جمبي يا سليم على السرير."
مسك أسفل ظهره وهو يقول بألم: "مش قادر أنام تاني على الكنبة يا نور، حرام عليكي. دي صغيرة عليا ودشدشت عضمي."
"خلاص روح نام في أوضة تانية، البيت كبير."
قال لها بحب: "بس أنا مش هنام غير جنبك انتِ يا روح قلبي."
قامت من الفراش وهي تهتف فيه بغضب: "انسى يا سليم إني أنام جنبك تاني، أنا نور الخاينة اللي مش متربية، ولا نسيت يا سليم؟"
اقترب منها وقال بحب وخجل من كلماته التي ذبحتها: "أنا آسف يا نور، اعتذرت لك ألف مرة وهفضل أعتذر وأطلب السماح لحد ما ترضي عني."
"ومين قالك إني هرضى ولا هسامح يا سليم؟ انت هتطلقني؟"
هنا هي سكبت الزيت على النار كما يقولون. تحولت نبرته العاشقة إلى غضب، جذبها من ذراعها بقسوة وهو يقول: "كلمة طلاق دي تنسيها خالص يا نور، وأنا مفيش خلاص مني إلا لو موت."
ترك وراءها بقسوة وأخذ ملابسه وذهب إلى الحمام، بينما تركها. وقد تركها تبتسم بمكر وهي تهمس: "انت لسه شوفت حاجة يا سليم الهلالي؟ أنا لازم أربيك."
***
عاد إلى الصعيد، عاد مع دنيا ومصطفى، وأخيراً وصلوا.
قال مصطفى إلى دنيا: "اتصلي على جو."
نظرت له بخوف، فهو الآن يعلم كل شيء عنها.
قالت له: "هقول له إيه؟"
"هتقولي له إن شركة سلطان الهلالي داخلة في صفقة أغذية محفوظة من إيطاليا."
قال سراج بلهفة: "انت هتبلغ جو بالصفقة ليه يا مصطفى؟"
"أهدى يا سراج، أنا عاوز أوصل لحاجة، هعرفهالك بعدين."
بأيدي مرتعشة اتصلت دنيا بجو. جاء صوته البغيض: "أيوة يا قطة."
قالت بثبات استطاعت إتقانه رغم ما تمر به: "أيوه يا جو، عندي لك خبر بمليون جنيه."
قال جو بمكر: "خبر إيه يا قطة؟"
"نور... مالها؟"
"نور الهلالي داخلة صفقة أغذية محفوظة، إنما بيقولوا إيه كبيرة وهتنقل شركتهم في حتة تانية."
ضحك جو بصخب بعد أن أنهت دنيا حديثها، وقال بثقة: "عارف الحكاية دي؟ أخبارك قديمة."
سألته بفتور حتى لا يكتشف أمرها: "وعرفت منين؟"
"هو انت متعرفيش إني صاحب فكرة الصفقة دي؟"
"إزاي وانت مش في إيطاليا؟"
"ملكش فيه، باي يا قطة. آه، والمرة الجاية تحبيلي أخبار معرفهاش." ثم أغلق الهاتف وهو يضحك بثقة، بينما ظن أن نور الهلالي ابتلعت طعم الصفقة التي ستنهي عائلتها.
***
قال مصطفى بتهكم مصطنع بعد أن شاهد إتقان دنيا في التمثيل: "والله برافو يا دنيا، دا أنا اللي هو أنا صدقتك."
قالت له بجراءة: "أنا غلط ولازم أصلح غلطي، إحنا مش ملايكة يا حضرت الظابط، كلنا بنغلط وقليل منا اللي بيعترف بغلطه ونادر اللي بيصلحه، وأنا اعترفت وبصلح غلطي ومش ههرب منه."
سألها ومازالت نبرة التهكم في صوته: "والتوبة دي جت فجأة ولا من خوفك من الفضيحة وكذبتك مع جو عيلة الهلالي تعرفها؟"
صمتت ولم تتحدث، بينما أعطت لذلك الضابط كل الحق في السخرية منها. هي من وضعت نفسها في تلك الخانة، خانة المتآمرة والخائنة، وهي من عليها تغير نظرة الكل لها.
هتف سراج بعد أن دخل إلى مقر شركة الهلالي: "مصطفى، يلا سليم مستني من بدري."
***
دلفوا إلى مكتب سليم. سألهم سليم بجدية: "جو له علاقة بالصفقة؟"
أجابه سراج بغضب: "أيوه، الحقير شكله كدا هو اللي ورا الصفقة دي، وأكيد الصفقة دي مشبوهة."
وقف سليم، بينما تضاربت المشاعر في قلبه ما بين خوف على نور من تلك الصفقة، وأيضاً لا يريدها أن تفشل في أول عمل لها في الشركة وتتثبط هممها. ماذا يفعل؟
انتشله مصطفى من تفكيره حين قال: "الصفقة دي هتكون نهاية جو وسعد أبوه، يعني مش هينفع نلغيها."
قال سليم بعد تفكير: "ومين قال إننا هنلغيها؟"
هتف سراج باعتراض: "إحنا نعرف مكان سعد وابنه ونقتلهم وكدا نخلص من شرهم."
قال سليم باعتراض: "وانت يا سراج مصيرك إيه بعد ما تقتلهم؟"
هتف بغضب: "يكون زي ما يكون، هبقى أخدت تار أبويا."
ربت سليم على كتف سراج وقال له بتعقل: "أهدى يا سراج، تارك تارنا كلنا وهنخده بالعقل، وجو كدا كدا ميت هو وأبوه. تهمة المخدرات والقتل العمد عقوبتهم الإعدام."
نظر سليم إلى مصطفى وقال: "أنا هتتم الصفقة دي وهخلي محامي الشركة هو اللي يكتب بنودها، ويكتب فيها إن لو الصفقة حصل فيها أي فساد في الأغذية بسبب سوء التخزين الشركة الإيطالية هي اللي تدفع الشرط الجزائي." ثم أكمل بمكر: "وبكدا أكون حميت الشركة من الخسارة في الصفقة وكمان حميت نور من إنها تفشل في أول عملية تدخل فيها عشان متفشلش وهي طول عمرها ناجحة."
سأله مصطفى بجدية: "انت هتقول لنور؟"
أجابه سليم مسرعاً: "طبعاً لأ، والكلام ده هيبقى بينا إحنا التلاتة وبس."
قال سراج بمرح: "قد كدا بتخاف عليها؟ على فكرة نور قدها وقدود."
أجابه بشجن: "قد كدا بحبها ومش عاوزها تحس إنها فشلت وهي ملهاش ذنب."
لا يعلم أنها وقفت على أعتاب بابه كانت آتية لكي تخبره بشكها في تلك الصفقة، واستمعت لكل الحوار بينهم، وعلمت بكل شيء. كانت آتية لتخبره أنها سترفض تلك الصفقة، ولكن كان الأسرع منها في حمايتها. كان كما هو مالك قلبه، من أرغمها على عشقه بحنانه، اهتمامه، خوفه عليها، احتوائه لها. وأيضاً بغيرته القاتلة. نزلت دموعها رغما عنها، وأيضاً زال غضبها منه، وكل ما بقى في قلبها له عشقه فقط، وستمنحه سماحها. نعم، هو يفعل كل شيء من أجلها، وهي ستفعل كل شيء حتى تبقى على حب سليم الهلالي.
***
دلف إلى مضيفة سليم الهلالي التي يقيم فيها حين يأتي إلى الصعيد، وهو يفكر في تلك الجريئة التي ارتكبت الخطأ واعترفت به من خوفها منه ومن تهديده لها بسلطانه، ولكنها تحولت إلى الشراسة. كيف تتحول هكذا؟
قال بسخرية من جرأتها وأيضاً غضب من نفسه الذي ظل يفكر بها: "بنت قادرة."
علا صوت هاتفه، أجاب بسرعة: "أيوه يا رشاد."
قال رشاد بجدية: "أيوه يا مصطفى باشا، فيه موضوع مهم."
"خير يا رشاد؟"
قال بجدية: "الست نجية جدة سراج عاوزاني أعرف أخبار سعد وجو ومكانهم."
سأله مصطفى بدهشة: "طلبت منك إمتى؟"
"من أسبوع يا باشا."
"وانت قلت لها إيه؟"
"أنا قلت لها حاضر واستنيت أسألك."
قال مصطفى بعد تفكير: "تمام يا رشاد، قول لها حاضر وسايسها لحد ما نخلص موضوع سعد وجو."
"تمام يا فندم."
"عملت إيه مع عثمان شريك سعد؟"
"راشد سلمناه امبارح واعترف في النيابة على كل جرائم سعد."
"تمام يا رشاد، لو فيه جديد بلغني بيه."
***
لم يعود، وهي لن تنتظره بعد اليوم. كفاها انتظار. إن كان يريدها فليسعى ويعيدها إليه، وإن كان لا يحبها فيكفي جراح، وستُرغم قلبها الذي أحبه أن ينساه. خرجت من بيته، وقفت حين هتفت بسمة: "زهره، انتِ خارجة؟"
لم تجيبها، بل تابعت خطاها السريعة. جرت خلفها وهي تهتف باسمها: "زهره، زهره، رايحة فين؟"
ركبت أول سيارة أجرة قابلتها، قالت للسائق: "محطة القطر لو سمحت."
انطلقت في رحلتها وعزمت أمرها، إما أن تعود بقلبها منتصر ويرغم ذلك العاصي على حبها، وإما أن تنجي قلبها من ذلك العشق العقيم.
عادت بسمة وهي تهتف بغضب: "جدتي! جدتي! الحقي زهره خرجت وركبت تاكس ومش عارفة راحت فين."
قالت نجية بهدوء، بينما هي تعلم أنها ستذهب إلى إسكندرية كما أخبرتها: "استهدي بالله كدا يا بنتي، هتروح فين يعني؟ هتلاقيها اتوحشت أبوها وراحت تشوفه."
قالت بسمة بغضب: "لأ يا جدتي، دي مكنتش طبيعية."
"متكبريش الموضوع يا بسمه."
هتف سراج من خلفهم بعد أن استمع لآخر حديثهم: "موضوع إيه يا جدتي؟"
قالت بسمة باندفاع، بينما تركتها نجية تخبره بمغادرة زهره وستقف وتشاهد رد فعله: "سراج كويس إنك جيت."
سألها بقلق: "خير، فيه إيه يا بسمه؟"
قالت بقلق: "زهره خرجت ومش عارفة رايحة فين وسألتها ومردتش عليا."
هتف بقلق: "يعني إيه مش عارفة؟ رايحة فين؟ زهره راحت فين يا جدتي؟"
قالت ببرود: "رايحة إسكندرية عند خالها."
قال بغضب: "إزاي تخرج من غير ما تقول لي؟"
قالت نجية بغضب: "وانت فين عشان تقول لكم؟"
"مين اللي راح معاها بالعربية يا بسمه؟"
قالت بسمة بخوف: "هي ركبت تاكسي."
لن ينتظر لسماع باقي الحديث. انطلق. ركب سيارته يبحث عنها. انطلق بأقصى سرعة، بينما شعر أنها إذا غادرت نجع الهلالي ستغادر روحه خلفها. وأخيراً لحق بالسيارة التي تقلّها. صرخ بغضب في السائق: "اقف على جنب يا أسطى."
لمحته زهره وهي تبكي وهو يحاول أن يلحق بها. هتف السائق: "ده مجنون ولا إيه؟ تعرفيه يا بنتي؟"
قالت زهره بغضب: "لأ معرفوش، ولو سمحت متقفش."
انطلق السائق، وانطلق سراج بسرعة أكبر منه وهو يصرخ باسمها: "زهره! قولي للسواق يقف."
"لأ مش هيقف."
صاح بغضب: "اقف يا أسطى دي مراتي."
هنا علم السائق أنها زوجته ويبدو أنهم على خلاف. "اقف يا بنتي."
"لأ يا عمو لو سمحت."
انطلق سراج ليسبق السيارة ويقف أمامها ويقطع الطريق على السائق. وقفت السيارة باندفاع. نزل من سيارته وانطلق لها. فتح باب السيارة وجذبها من ذراعها بعنف: "انزل يا زهره."
هتفت بغضب: "مش نازلة، روح لحبيبة قلبك، ملكش دعوة بيا."
نظر إلى السائق الذي وقف يشاهد تلك المشادة، أخرج بضع ورقات مالية وهو يقول: "اتفضل يا حاج، شكراً، أنا هاخد مراتي."
أخذ السائق المال وتركهم وهو يدعو لهم بصلاح الحال. جذبها من ذراعها وأدخلها السيارة رغما عنها. قالت بغضب: "ابعد عني يا سراج، أنا مش راجعة معاك. روح لحبيبة قلبك اللي كنت معاها بقالك يومين."
لم يجيبها، وظلت هي تصرخ عليه إلى أن وصلوا لبيته. نزل من السيارة وهو يجذبها رغما عنها خلفه. كادت أن تتعثر في خطواتها بسبب خطواته السريعة الغاضبة. صرخت بغضب وهي تحاول أن تخلص يده من قبضة سراج: "سيبني."
تراخت قبضة يده عنها حين وقفت نجية أمامه. نفضت زهره يده عن يدها بغضب وقالت: "أنا استحالة أفضل معاك بعد ما سبتني وروحت مع حبيبة قلبك."
تحدثت نجية التي دهشت من جرأة زهره وشجاعتها وكلماتها التي جعلت من سراج شعلة نار. جذبها إلى صدره وحملها على كتفه وهو يقول بغضب: "وأنا استحالة أسيبك بعد كده."
حملها على كتفه وكانما يحمل شوال أرز، وهي تهتف بغضب: "نزلني يا سراج."
وصل أخيراً إلى غرفته، رماها بإهمال على الفراش، ثم عاد إلى باب الغرفة التي أوصدها جيداً. صرخت بغضب: "افتح الباب يا سراج."
اقترب منها وقال بوله: "مقدرش."
نبرة صوته الهادئة أربكتها. قالت بتلعثم: "انت... انت... عاوز إيه مني يا سراج؟"
أجابها وهو يقترب منها ليقطع آخر المسافات الفاصلة بينهم: "بحبك وبموت لو بعدتي عني، انتِ روحي يا زهره."
وقبل أن تعي أو تستوعب اعترافه الذي هدم كل حصون قلبها، قبلها برقة، بتمهل، ثم انقض على شفتيها بقبلة عصفت بكيانها وكيانه. أنها قبلتها الأولى، وهي أول شفاه يلمسها بعد أن حرم نساء حواء على قلبه، لتأتي تلك الزهرة على حين غرة، تهدم حصونه وترغمه على عشقها، وها هو الآن يدخل جنتها التي رحبت به لينهل من عشقها ويرتوي بعد سنين عجاف.
***
تركت الشركة وعادت قبله. جلست في صالة الألعاب الملحقة بقصر الهلالي. جذبت عصا لعبة البلياردو وأخذت تضرب الكرات بلا هدف وهي تفكر في سليم، وتتذكر كيف كان خائف عليها من الفشل، وأيضاً خائف عليها من جو. هل يعشقها إلى تلك الدرجة؟
اقتحم عطره خلوة تفكيرها. علمت أنه خلفها حين احتضن خصرها وقبض معها على عصا البليارد وقال بمرح: "اللي واخد عقلك يا قمر الهلالي؟"
لم تبعده عنها ولم تبتعد عنه. قالت بمراوغة: "ايه هيأخد عقلي يعني إلا الصفقة؟"
قال بحزن مصطنع، بينما اغتنم هدوئها وصفاء الحديث بينهم: "وأنا اللي كنت مفكر إنك بتفكري تسامحي حبيبك."
قالت بدلال أذاب قلبه: "أسامح حبيبي؟ هو حبيبي كدا ببلاش؟"
قال بلهفة، بينما لاح أخيراً فجر ظلام تلك الغمة: "أمريني يا قمر الهلالي."
تركته وابتعدت عنه وهي تهتف بمرح: "شوف انت تصالح قمر الهلالية إزاي." ثم أضافت بدلال: "يا شوفير."
جرت من أمامه، بينما تصنم هو في مكانه للحظات لم يستوعب هل سامحته وعفت عنه أم أنه في أحد أحلامه الوردية. جرى خلفها وهو يهتف بفرحة: "نور استني يا مجنونة."
وصل إليها ووجدها تقف وهي تستند إلى الحائط وقد داهمها الدوار. وصل إليها وهو يقول بمرح: "نور..." لكنه قطع كلماته عندما لاحظ شحوب وجهها. سألها بلهفة: "مالك يا نور؟"
"دايخة يا سليم."
"تعالى ارتاحى." أخذ يدها ليجلسها بحنان على المقعد. سألها بلهفة: "لسه تعبانة؟"
أجابته بمحبة: "شويه."
حملها وصعد بها إلى غرفتهم، وضعها برفق على الفراش. لم يستطع منع نفسه وهو يراها بكل تلك الفتنة من أن يلتقط شفتيها في قبلة اشتاق لها كثيراً، وكم كانت جميلة. أخذ ينهل من شهدها وهي لم تمنعه ولم تعترض. وقف على عتبة جنتها، وقبل أن تفتحها له، أنزلته من غيمته الوردية وهي تقول بينما انقلب حالها مئة وثمانون درجة: "سليم."
قال بوله: "قلب سليم. نام على الكنبة متنامش على السرير."
هتف بغضب: "منور، اتعدلي معايا في الكلام، ما كنتي كويسة."
قالت بغضب: "خلاص هنام أنا على الأرض."
دفعه بعيداً عنها. للحظة تملك الغضب منه حين حملت وسادة وألقتها بإهمال على الأرض. سألها بدهشة: "بتعملي إيه يا نور؟"
"هنام على الأرض."
هل يغضب أم يضحك؟ ماذا يفعل فيها؟ نفض كل تلك الأفكار وأخذ الوسادة الأخرى وغطاء خفيف ووضعها بجانبها. هتفت بغضب: "بتعمل إيه يا سليم؟"
"هنام بجوارها." وجذبها إليه وهو يفرد الغطاء فوقها، وطبع قبلة على جبهتها وهو يقول بحبه: "نام في حضنك اللي وحشني يا قلب سليم. على الأرض؟ أي مكان في حضنك جنة يا روحي."
ابتسمت بحب وهو دفنها بين ذراعيه واكتفى بضمها إليه، ليعلم من هدوئها وهي بين أحضانه أن العاصفة أخيراً مرت.
***
استعدت في الصباح الباكر لكي تذهب إلى جامعتها. هتفت بمحبة: "أنا خارجة يا جدتي، عاوزة حاجة؟"
قالت نجية بمحبة: "عاوزاكي سالمة يا حبيبتي."
خرجت بسمة، وقبل أن تصل إلى الجامعة، لمحت فريد يتحدث مع إحدى الفتيات. قالت: "استنى يا عم عوض."
وقف السائق. نظرت لكي تتأكد أنه فريد. قالت بحزن: "ده فريد ابن عمي."
أجابها السائق: "أيوه يا بنتي، أنادي عليه؟"
قالت بحزن تملك من قلبها حين رأته يضحك ويتحدث بود مع تلك الفتاة: "لأ خلاص، كمل عشان متأخرش على الكلية."
والف سؤال وسؤال يعصف برأسها. من تلك الفتاة؟ من أين تعرف عليها؟ من ملابسها، وقفتها، وضحكها، علمت أنها ليست مصرية. ترى من هي؟ أتكون حبيبته؟ واتت خلفه من فرنسا؟
***
جلست في غرفتها وهي تبكي وتعض على أصابعها من الندم. تندم على أيام عاشتها وهي لا تفكر إلا في نفسها، ولم تكترث إلى أفعالها إلى أن جنت عليها أفعالها حين اتفقت مع جو. لماذا تشعر بالندم الآن؟ لماذا أثرت بها نظرات مصطفى الكارهة لها وهي تقص عليه شناعة أفعالها؟
هتفت بتشجيع لنفسها: "اتغيري عشان نفسك يا دنيا."
رواية ارغمت على عشقك الفصل الثلاثون 30 - بقلم هيام شطا
هتف بفرحة بينما تخبره جاسيكا:
"نعم مستر چو، لقد التقيت بفريد، وفي أقرب وقت سأذهب للغداء عندهم."
قال بحذر:
"هل شك بك چاكى؟"
"لا مستر چو، لا تقلق."
قال بفرحة:
"حسنًا يا جاكي، كوني على حذر وأخبريني بكل ما هو جديد."
أنهى المكالمة وهو يهتف بفرحة:
"كلها أيام يا نور وتبقى في حضني."
ضحك بشر وبصخب بينما اختمرت فكرته الشيطانية وبدأ في التنفيذ.
بعد أن بعث بإحضار چاسيكا، وهي صديقة فريد في فرنسا، بحث عن أصدقاء نور أو فريد أو زهره وعرض عليهم العمل معه بأجر مغري، ولكن لم يوافق على إغراءاته المالية إلا جاسيكا، صديقة فريد، التي تعشق المال وهي على أتم الاستعداد لتفعل أي شيء مقابل المال.
اتفق معها على أن تعود إلى القاهرة، وقام چو بمراقبة فريد حتى يتسنى له أن يدبر مقابلة يظنها فريد صدفة، بينما هي من تخطيط چو، الذي ظن أنه الآن يجمع جميع خيوط لعبة القضاء على عائلة الهلالي في يده.
وكما كان چو يخطط للقضاء على عائلة الهلالي وشيطانه يسوقه، كان سليم ورحيم وسراج يضعون يدهم في يد مصطفى لكي يقيموا عدل الله في الحفاظ على أرواح تلاعب لها چو.
استيقظت زهره وهي تنظر له بخجل، وهي لا تصدق أنه لحق بها كالمجنون وأعادها له وأصبحت زوجته بالفعل. كم كان حنونًا مراعيًا لها، وكم كان أيضًا خبيرًا في فنون تلك العلاقة التي كانت تجهلها، ولكن هو كان خبيرًا بها. قادها بمنتهى الحنان والشغف واللهفة عليها.
استيقظ سراج وهي ما زالت تنظر له.
قال لها مداعبًا وهو يمد يده يبعد خصلات شعرها خلف أذنيها:
"ما كنت أعرف أنني حلو هكذا."
تخضب وجهها بالاحمر القاني من الخجل وقالت بتلعثم:
"ص... صباح الخير. على فكرة أنا ما كنتش ببص عليك."
جذبت الغطاء عليها تداري جسدها تحته، بينما هو بكل مهارة جذبها لحضنه رغم اعتراضها.
هتفت فيه بغضب:
"بعد كدا على فكرة أنت غلس."
ضحك بصخب على غضبها الطفولي وهو يجذبها لأحضان حضنه بالرغم من اعتراضها:
"أنا غلس يا زهرتي؟"
قالت ببراعة:
"ورخم كمان وكسفتني."
زاد ضحكه وهو ما زال يحتجزها بين ذراعيه.
قبل رأسها وهو يقول بمرح:
"وإيدي بدأت في العبث على جسدك البض. طيب أنا آسف يا زهرتي."
أبعدت يده وهي تهتف بخجل من أفعاله:
"بعد إيدك دي يا قليل الأدب."
اعتلاها في لحظة لم تعِ هي له، بينما أصبحت محاصرة منه من كل جانب.
قال لها بعبث:
"هو أنتِ لسه شفتي قلة الأدب؟"
انقض على شفتيها، لم يعطها فرصة للاعتراض. ابتعد عنها بعد فترة، تركها لتلتقط أنفاسها.
هتفت بدلال أذاب قلبه:
"سراج يا قليل الأدب."
"يا قلب سراج."
"سراج هيجراله حاجة لو مقلش أدبه دلوقتي."
ثم أضاف بحب وهو ينظر لها نظرة راغبة بها:
"بحبك يا زهرة. أموت لو بعدتي عني."
"بعيد الشر يا حبيبي..."
لم تكمل كلماتها التي ذابت مع أي اعتراض، وهي هي اختلقت فقط من خجلها منه، بينما أصبح زوجها الذي تزوجها بالإكراه لفض عداء الأخوة.
عاشق محب لها، بين ليلة وضحاها يتبدل كل شيء.
يتبدل الحب إلى الكره، وأيضًا الكره إلى الحب والعشق.
نعم، فقد عشقت ذلك المغرور ذو الرأس اليابس، الذي طالما أجهدها بعناده وعدم تسليمه لعشقها، ولكنها لم تكن تعلم أنه يخفي في قلبه أضعاف عشقها له، الذي أرغمه قلبه هو أيضًا على عشقها ليرفع أخيرًا الراية البيضاء لقلبه، وهي تحمل تلك الجملة:
"أرغمت على عشقك."
قالت له بدلال أذاب قلبه وهي تعقد له رابطة عنقه:
"إيه الجمال ده يا رحيم باشا؟"
احتضن خصرها وقربها إليه وهو يعبث بخصلات شعرها الفاحم ويهمس لها:
"بذمتك أنا اللي جميل ولا أنت يا قمري؟"
مال عليها وأنفسه بينما تلهب أنفاسه العاشقة قلبها، طبع بشفتيه الغليظة قبلة رقيقة على خدها.
ابتعدت عنه قليلاً وهي تهمس بضعف:
"رحيم هتتأخر على الشركة."
هتف بحب بينما أشعل همسها ضعفها نار اشتياقه التي لا تخمد.
"قلب رحيم."
سكت الكلام وبدأ حديث آخر لا يعرف أبجدياته إلا رحيم الهلالي، ذلك العاشق الذي روض الشرسه سلمى الهلالي وأجبرها على عشقه.
اقترب منها بحذر، لا يعرف ما هو رد فعلها أن وجدته نائمًا بجوارها، فهي على مدار الأسبوع الماضي تتعامل معه بمزاجية فائقة.
أوقات تكون هادئة، مستكينة، محبة، بل عاشقة، تكون كنسمة هواء منعشة لقلبه في ليلة صيف شديدة الحرارة، تبادله شغف جبه باشتياق.
وبين لحظة واحدة ينقلب حالها لتصبح إحدى ليالي الشتاء العاصفة التي يشتد بها الرعد وتكثر في سمائها الغيوم.
ثم يتبدل حالها مرة أخرى لتصبح مثل زهرة جميلة في يوم ربيعي مفعم بروائح الزهور.
حقًا أجهده عشقها، ولكنه سعيد بتلك العنيدة، فلتفعل به ما يحلو لها، أنه راضٍ، فهي برغم كل ما تفعله به يعلم أنها تعشقه كما يعشقها.
أبعد خصلات شعرها الذهبي المتناثرة فوق وجهها. كم هي جميلة وهي نائمة هادئة مستكينة.
رفع رأسها وأدخل ذراعه تحتها وضمها بين ذراعيه، يستنشق عبيرها الأخاذ.
شعرت بذلك الدفء الذي احتواها، دفنت وجهها في صدره وهي تهمس باسمه وكأنها تحلم به:
"سليم."
"قلب سليم."
قالها وهو يبتسم ويمرر يده على شعرها بحنان.
قالت وهي بين اليقظة والنوم:
"بحبك."
"بموت فيك يا روح سليم."
فتحت عينيها وهي تضحك ضحكتها الجميلة:
"بجد يا سليم أنا روح قلبك؟"
ضمها أكثر إليه بينما كانت أكثر هدوءًا وهو يوزع قبلاته على وجهها الجميل:
"أنتِ روحي وقلبي وعمري اللي فات عشته استناك، وعمري الجاي كله لك."
اعتدلت في جلستها وهي تقول بعتاب:
"وكنت بتزعلني ليه؟"
قال باقتضاب فهو لا يريد أن تتعكر صفو تلك اللحظة:
"الغيرة. الغيرة حرقت قلبي يا نور، وكلام الحقير جنن..."
قبل أن يكمل، التمست قلبها الخائن الذي لم يقوى على بعده.
"الأعذار."
قبلته قبلة رقيقة على شفتيه وهي تقول له بعتاب:
"كنت قاسي عليا قوي يا سليم."
ضمها بحنان وهو يقبل رأسها:
"آسف. آسف يا قلب سليم. بحبك."
مال على شفتها يقبله بحب ولهفة، بينما خابت كل ظنونه بها عندما وجدها هادئة مسالمة تبادله قبلاته بحب وشغف.
همس لها وهو يدفن وجهه في عنقها:
"وحشتيني يا نور."
"وأنت كمان يا سليم."
أشعل همسها باشتياقها له نار شوقه. وهنا سكتت الألسنة، بينما تحدثت القلوب عن مدى شوقها لقرب حميمي ظن كلاهما أنه صعب المنال.
مسك هاتفه يريد أن يلعب على أوتار أعصابها، فهي بالنسبة له غير مضمونة، ولكن لا مانع من قليل من التسلية.
وقف أمام ذلك الشاليه في الإسكندرية في منطقة قليلة السكان، كان في قرية سياحية تحت الإنشاء.
اشترى سعد راشد ذلك الشاليه وقد استغل سعد أنهم في فصل الشتاء وجاء إلى ذلك الشاليه ليختبئ فيه هو وابنه چو.
وضع چو الهاتف وانتظر إجابتها.
وجدت رقمه ينير به هاتفها.
قالت ببرود:
"عاوز إيه تاني مني؟"
رمت الهاتف بعيدًا عنها وقالت بغضب:
"والله ما هرد."
وما هي إلا ثوانٍ إلا وتعالى صوت الهاتف مرة أخرى.
أجابت عليه بغضب:
"عاوز إيه مني؟"
أجابها ببرود وهو يضحك كي يدمر أعصابها:
"إيه يا قطة مالك بتزعقي ليه؟ أنا قولت أتصل عليك أفكرك إنك بقالك أكتر من أسبوعين ولا حس ولا خبر، فقولت أسأل أنا وأفكرك بالاتفاق."
صاحت به بغضب بينما انتوت أن تصحح خطأها ولن تنتظر المساعدة من أحد بعد أن رأت بعينيها نظرة مصطفى الكارهة لها ولأفعالها التي تخجل كلما تذكرتها:
"أنا مش هبلغك أخبار عيلة الهلالي تاني يا خواجة، وأعلى ما في خيالك اركبه."
ضحك بصخب فما توقعه وجده أمامه، ومن حسن عمله أنه زرع چاكى في وسط عائلة الهلالي قبل أن تعلن دنيا تمردها الذي توقعه عليه.
قال مهددًا إياها:
"يعني إيه يا بت، أنتِ اتظبطي في الكلام."
قالت بشجاعة وثقة:
"يعني اللي سمعته يا خواجة. يعني مش خايفة أقول لسليم الهلالي إنك أنتِ اللي كنتي مفبركة صور مراتك؟"
قالت بذكاء، بينما حسبتها بحسبة بسيطة أنه لن يقدر على تنفيذ تهديده لها لأنه مطارد هارب، ولو أخبر سليم بأي شيء من الممكن أن يصل له سليم:
"والله لو تقدر قوليه، وأنا مش هنكر. أنا هواجه غلطي وهصلحه ولو فيها موتي."
قال چو بغضبه:
"بقت كده يا دنيا؟"
قالت بثقة:
"وابو كدا كمان يا خواجة."
ثم أضافت حكمة:
"آه نسيت أقولك، أنا هغير رقمي، يعني ده آخر اتصال بينا يا خواجة، وأتمنى مشوفش وشك العكر تاني ولا أسمع صوتك."
وقبل أن يجيب عليها، أنهت دنيا المكالمة بشجاعة، وبعدها أعطت نفسها أخيرًا فرصة للانهيار وانخرطت في بكاء مرير، تبكي خوفًا من چو، نعم تخاف منه، تخاف على أهلها، على نفسها.
قالت بحرقة:
"يا رب خليك معايا يا رب."
قامت وتوضأت ووقفت خاشعة تائبة بين يدي الرحمان تؤدي فرضها في الصلاة وتدعو ربها الستر والغفران.
دلف أمين الشرطة مسرعًا إلى مكتب مصطفى.
قال بجدية:
"تمام يا فندم، الرقم اللي حضرتك أمرتنا نراقبه لو اتصل بالرقم التاني نسجل المكالمة وتبلغ حضرتك."
انتفض مصطفى واقفًا وهو يسأله:
"وفين تسجيل المكالمة يا مجدي؟"
ناوله الأمين فلاشه صغيرة عليها محتوى مكالمة چو مع دنيا.
قال مصطفى بتساؤل:
"قدرتوا تحددوا المكالمة منين؟"
"ثواني يا فندم والمكان هتكون عندك."
استمع إلى المكالمة بعينين تزداد شراستهما، فذلك الحقير يبتزها بطريقة دنيئة.
ولكنه كم كان سعيدًا عندما استمع إلى شراستها وهي تهجم على چو وعدم اكتراثها بتهديداته الحقيرة.
تساءل ألف مرة لماذا يهتم بأمرها؟ لماذا اشتعل غضبًا عليها؟ ولما ارتجف قلبه خوفًا عليها حين سمع تهديد ذلك الحقير لها؟ ولما امتلأ قلبه الفخر حين تركت چو ودافعت عن نفسها؟
هي أنثى بتركيبة عجيبة، قوية، شرسة، شجاعة.
ولكنها كانت مثل الغزال الذي شرد عن قطيعه لتقع فريسة سهلة في براثن نمر عديم الرحمة.
ولكنها استطاعت أن تحمي نفسها.
نعم، إنها غزالة استطاعت أن تهزم نمر وتحمي نفسها من غدره.
انتفض من مكانه وصاح:
"يا أمين."
دلف إليه أمين الشرطة:
"تمام يا فندم."
"إذن نيابة عن وكيل النيابة بالقبض على سعد راشد وجو راشد."
"تمام يا فندم."
وما هي إلا دقائق إلا وانطلق مصطفى بالقوات ليلقي القبض عليهما.
وقفت تمشط خصلاتها الذهبية التي تحتضن وجهها الجميل.
وقف خلفها يغلق قميصه.
قال لها وهو يتغزل فيها:
"إيه الجمال ده يا روحي."
نظرت له بابتسامتها الحلوة وقد تخضب وجهها بحمرة الخجل:
"الله يا سليم، ما تكسفنيش."
قال بلهفة وهو يحتضن خصرها:
"قلب سليم وروح سليم. لازم آكل تفاح الخدود المكسوفة دي."
مال عليها يقضم خدودها بأسنانه.
هتفت فيه بدلال وهي تبعده عنها وتجري من أمامه:
"سليم يا عضاض."
ابتعدت عنه وهي تجري في غرفته، وهو انطلق خلفها.
صعدت على السرير ثم قفزت على الأريكة وهو خلفها وهي تصرخ بمرح:
"سليم آخر مرة."
قال لها بمكر:
"لاء، أنا لازم آكل تفاح الخدود دي. مرة تانية اتأخرنا على الشركة."
هتف بمرح:
"لاء، أنا هاكل دلوقتي."
وقفت فجأة وهي تجري أمامه إذ داهمها ذلك الدور الذي تعاني منه بين حين وآخر.
وقفت وشحب وجهها.
احتضنها سليم حين فقدت توازنها.
سألها بقلق:
"مالك يا نور، أنتِ تعبانة؟"
وقبل أن تجيب، زاد عليها الدور وارتمت بين يديه وهي على وشك أن تفقد وعيها.
صرخ برعب عندما شاهد حالتها التي تبدلت مئة وتمانين درجة:
"نورررررررررر! مالك يا حبيبتي؟"
"سلي..."
لم تكمل جملتها. استسلمت لتلك الإغماءة التي سيطرت عليها.
صرخ بخوف:
"نوووووووووور..."
دفن وجهه في عنقها وهو يحتضنها.
هتفت فيه بدلال:
"قوم بقى يا رحيم، كفاية كدا."
قال بمكر بينما يديه تعبث بكل إنش تقع عليه في جسدها:
"كفاية إيه يا روح رحيم؟ إحنا لسه فيه موضوع كبير هنتكلم فيه."
"لاء، المواضيع دي أنت مش بتسيب حقك فيها. قوم يلا هتتأخر على الشغل."
قال بمكر وهو يدفن وجهه في عنقها:
"الشغل مش هيطير يا سوسو، ركزي بس معايا في الأهم."
لم يكمل حديثه حين استمع لصراخ أخيه الذي ملأ صراخه قصر الهلالي وهو يهتف بخوف باسم زوجته نور.
انتفض رحيم وسلمى. خرج رحيم مسرعًا إلى أخيه، بينما تناولت سلمى ملابسها ووشاح رأسها لتخرج بعده.
وكانوا أول من وصل لجناح سليم ونور.
دلف رحيم أولًا، وجد سليم يحتضن جسد نور الغائبة عن الوعي وهو يحاول إفاقتها بقلب يكاد يخرج من مكانه بسبب قلقه عليها:
"نور، فوقي يا قلبي. فيه إيه يا سليم؟ مالها نور؟"
قال بخوف:
"مش عارف يا رحيم، فجأة أغم عليها. اطلب دكتورة بسرعة."
دلت سلمى وهي تحاول أن تهدأه:
"ما تخافش يا سليم، هتبقى كويسة. هي بقالها كام يوم بتدوخ كدا، ممكن تكون بس إرهاق. نامها بس على السرير وأنا هحاول أفوقها تكون الدكتورة وصلت."
قال بصوت مرتعش من الخوف عليها:
"حاضر، حاضر."
جلست سلمى بجوار نور الغائبة عن الوعي وهي تحاول أن تفيقها وهي تضع العطر على وجهها وتضربه بخفة:
"نور، فوقي يا حبيبتي. نور، سمعاني."
وكأنها تسمع صوت أحدهم ينتشلها من تلك السحابة السوداء التي خيمت عليها.
وأخيرًا فتحت عينيها بوهن وهتفت باسمه:
"سليم."
قال ببحة مملوءة بالخوف والبكاء:
"قلب سليم."
دلف رحيم بسرعة وهو يصطحب الطبيبة:
"الدكتورة وصلت يا سليم."
أخرجتهم الطبيبة وبقي مع نور رقيه والدة سليم وسلمى، بينما انتظر الجميع أمام باب الغرفة.
بعد قليل علت الزغاريد من رقيه التي خرجت قبل الطبيبة وهي تهتف بفرح:
"مبروك يا ولدي، مبروك يا جلب أمك. نور حامل."
ردد بعدم تصديق:
"نور حامل."
احتضنه رحيم وفريد وباركوا له، بينما قبل سليم يد جده سلطان وهو يبارك له ويدعو بصلاح حاله.
دلف بسرعة إلى الداخل وجدها نائمة مبتسمة، مختلط فرحتها بدموع باقية أثرها على وجنتيها.
هتفت سلمى بفرحة:
"مبروك يا رحيم."
"الله يبارك فيك يا سلمى."
قالت سلمى بحب:
"ربنا يقومك بالسلامة يا نور."
نظرت لها ممتنة وقالت لها بحب:
"عقبالك يا سلمى."
قالت بلهفة:
"اللهم آمين."
انصرفوا جميعًا وبقي هو معها.
احتضنها بخوف وهو يقول بفرحة مختلطة ببحته التي امتزجت معها دموعه:
"مبروك يا جلب سليم."
قالت بفرحة:
"الله يبارك فيك يا حبيبي. فرحان يا سليم؟"
أجابها بمحبة:
"أنا الدنيا مش سايعاني من الفرحة يا قلب سليم."
وضع يده على بطنها بحنان ثم قال بشجن:
"أنا مستنيه من زمان قوي يا نور، قدايا حلمت باليوم ده، يكون ليا ابن ولا بنت، متفرقش، المهم منك أنتِ."
صرخ مصطفى بغضب:
"قلبوا الشاليه، شوفوا چوه فين."
نظر لسعد بغضب وصاح:
"ابنك فين يا سعد؟"
قال بخوف بينما علم أنها نهاية المطاف:
"معرفش، كان هنا من شوية، أنا مش عارف راح فين."
قال مصطفى بنصر:
"عمومًا هو مش هيهرب كتير. يلا معايا يا تخشيبة يا سعد بيه."
لمح چو وهو عائد بطعام الغداء تلك السيارات المصطفة أمام الشاليه.
عرف أنها الشرطة وعلم أن أبيه تم القبض عليه.
قال بغل وهو يحاول الفرار:
"لاء، مش أنا اللي يتقبض عليا، لازم أنتقم من كل عيلة الهلالي."
زاد حقده وغله وكرهه لعائلة الهلالي بعد أن لمح أبيه مكبلًا بأصفاد الشرطة.
هي نهاية أبيه حتمًا، فهو متهم بقتل جابر الهلالي، وهو متهم بالشروع في قتل جلال الهلالي، وأيضًا جلب المواد المخدرة في صفقة سراج.
فر بالهرب وهو ينوي العودة إلى الصعيد ليختطف نور أو يقتلها ويقتل سليم، فهو أساس خراب حياته ولن يتركه إلا بعد أن يحرق قلبه.
صاح رحيم وسراج بفرحة عندما أخبرهم مصطفى أن سعد تم القبض عليه، لكنهم حزنوا حين علموا أن چوهرب.
تساءل سراج:
"وإيه اللي هيحصل دلوقتي يا مصطفى؟"
قال مصطفى بعملية:
"سعد هيترحل على الصعيد لأن جريمته تبع الصعيد وهيتحاكم عليها هناك."
قال سراج بفرحة:
"تمام يا مصطفى."
"شكرًا."
قال مصطفى بحب:
"لا شكر على واجب يا سراج، إحنا إخوات."
هتفت نجيه بفرحة:
"صوح يا رشاد، يا ولدي سعد اتقبض عليه."
قال رشاد بتأكيد:
"أيوه يا حاجة، والله وهيترحل كمان كام يوم على مركز بلدكم."
"اقتباس من البارت الجاي"
وقفت نجيه أمام سعد وهتفت فيه بغضب وهي تشهر السكين أمام عينيه:
"جيتلك وأخد تار ولدي منك يا خسيس."
"انتهى البارت، دمتم بخير."