تحميل رواية «ارغمت على عشقك» PDF
بقلم هيام شطا
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كالعاصفة الهوجاء دلف من باب ذلك القصر المهيب. إنه قصر عائلة الهلالي، أكبر عائلات الصعيد. وهو يصيح بغضب: "لو خرج منه لحرقت القصر ومن فيه." "جدي.. جدي!" هرولت إليه الخادمة. "سلطان بيه.. فوّق في أوضته يا باشمهندس." أومأ لها وصعد السلم. قطع الممر المؤدي لغرفة جده في خطوتين. ودون أن يطرق الباب، دفعه ودخل وهو يصيح بغضب: "شوفت يا جدي اللي حصل؟ الهانم عايشة حياتها بالطول والعرض ولا كأن لها أهل. وماشية تتصرمح على حل شعرها في روما." نظر له جده بهدوء ينافي الغضب والقلق الذي اشتعل بداخله من كلمات حفيده، وهو...
رواية ارغمت على عشقك الفصل الحادي عشر 11 - بقلم هيام شطا
وقفت تنظر له بموجها الأسر الذى ارغمه على عشقها منذ أن نظرت له وهى بين يديه طفله لم يتعدى عمرها سويعات.
ارغمت قلبه على عشقها وهو كان لها مطيع، سلمها قلبه دون تفكير ليحيا أعمى عن كل بنات حواء إلا هي.
سألته بصوت خمدت نيرانه بعد أن كان يشتعل من الغضب:
"سليم، انت قلت إيه؟"
نظر لها بحب فاض من ليل عينيه وقال:
"آسف يا حبيبتي."
سألته مجددًا وكأنها لم تسمعه مرتين:
"مين حبيبتك يا سليم؟"
أجابها وهو ينظر في عينيها بوله:
"إنتِ يا نوري، إنتِ حبيبتي وروحي وعمري كله."
هل تحلم أم أنها أصابتها صاعقة كهربائية أم أنها تحيا الحقيقة ولا تصدقها؟
نظر لها وهى واقفة متصنمة في أرضها. اقترب منها وعلى وجهه ابتسامة منتشية لما أصابها وشعر بخفقات قلبه الذي تعلو كما تعلو خفقات قلبها.
همس لها بحب ليقضي على آخر حصونها باعترافه غير المتوقع بهذه السهولة، يغدقها بالحب التي انتظرتها سنين.
"نور، بحبك."
سألها بصوته الهامس:
"نور، مالك؟"
وهل يسألها بعد ذلك ما بك؟ لقد أهلكها باعترافه المفاجئ لها. نعم، تعلم من أفعاله معها أنه يحبها، ولكن الاعتراف أجمل وأروع.
أخذ يدها ومشى بجوارها. سارت معه مسلوبة الإرادة. جلس وأجلسها بجواره على تلك الأرجوحة.
أعاد عليها السؤال مرة أخرى:
"نور، مش هتقولي حاجة؟"
نظرت له بأعين اختلطت بها كل المشاعر: فرحة، عشق، وأخيرًا غضب بدأ في التلاشي.
أجابته بصوت مرتجف:
"أقول إيه؟"
ابتسم بمكر وهو يضع يده أسفل ذقنها ويرفع وجهها له وهو يقول:
"قولي أي حاجة، إن شاء الله تقولي بحبك يا سليم وبموت فيك."
تخضبت وجنتاها من الخجل وأشاحت بوجهها بعيدًا عنه وهي تقول بصوت متلبك:
"أقول، أقول إيه؟ على فكرة بقى، إنتَ، إنتَ..."
أومأ لها ببسمة ماكرة وهو يرى تأثير كلماته عليها:
"أنا إيه يا نوري؟"
اندفع الكلام منها دون إرادتها لتهرب من ذلك الموقف التي لم تعد له حساب. ولكنه سليم وكالعادة يفعل ما يريد وما يشاء.
قالت باندفاع يغلب عليه المرح:
"إنتَ الشوفير، إزاي تحب نور الهلالي؟"
ضحك بصخب على كلماتها وهروبها الأخرق منه. جذبها من يدها وهو يهمس لها:
"أنا عشان عيون نور الهلالي معنديش مانع أكون الشوفير والطباخ وأي حاجة تأمر بها نور الهلالي."
انهارت كل حصونها من عشقه الذي أغدقها به في لحظة. حول غضبها منه إلى حب تطوق له منذ طفولتها.
نظرت له بأعين فاض الحب منها وهي تقول:
"بتحبني بجد يا سليم؟"
"بموت فيك يا جلب سليم."
سألته بشك:
"يعني طول السنين اللي فاتت دي محدش دخل هنا غيري؟"
أشارت على موضع قلبه بيدها. التقط هو يدها وقبلها وهو يقول مؤكدًا:
"عمر ما حد دخل هنا إلا إنتِ بس يا نوري. دخلتي وحرمتيه على بنات حوا بعديك."
هل لامست السماء بعد كل هذا الحب الذي أغدقها به؟ لكنها هوت في النزول من تلك السحابة الوردية عندما انفلت منه ذلك السؤال الذي دفعته أن يسأله، غيرته التي تحرق قلبه كلما تذكرها وهي تتمايل بين يدي جو.
سألها وهو يضع يده على قلبها النابض:
"وإنتِ، يا نور، حد دخل فيه وأنا بعيد عنك؟"
إجابته بلهفة عاشقة:
"عمري ما حد دخل فيه يا سليم، ده مكانك إنتَ وبس. أي حد عدى عليا مجرد صداقات بس يا سليم."
سألها بلهفة نابعة من اعترافها المبطن له بالحب:
"يعني أنا مكاني هنا يا نور؟"
إجابته بحب:
"طول عمرك ده مكانك يا سليم."
لم يتمالك نفسه من الفرحة حين هتف بعشق:
"يا جلب وروح وعجل سليم."
"إن شاء الله بعد الصلح نعمل كتب كتابنا وفرحنا مع سراج وزهرة ورحيم."
وعلى ذكره لزهرة تذكرت غضبها منه. وقبل أن تصيح فيه بغضب، وضع إصبعه فوق شفتيها وهو يقول بحب وثقة في جده:
"اطمني يا نور، جدي عمره ما هيختار لزهرة حد ممكن يؤذيها أو يجرحها."
ثم أقر باعتراف سراج:
"راجل زين هيصونها وهيحافظ عليها حتى رغم العداوة اللي بينا. اطمني يا نور."
نظرت له بأعين هدأت حيث بدأت كلماته تجني ثمارها وهدأ قلبها قليلًا وهدأ موج عينيها الثائرة.
بخطى غاضبة خرجت نجية وهي تسعى لآخر محاولة لإفساد هذا الصلح والاتفاق.
دلفت إلى بيت أخيها زهران وهي تهتف بغضب:
"فين زهران يا راضية؟"
نظرت راضية لها وقد علمت سبب تلك الزيارة المفاجئة.
قالت راضية بسماحة:
"نورتي يا نجية، خير يا خيتي. زهران بيصلي العشا جوه، اجعدي يا خيتي."
هتفت نجية بغضب في راضية:
"اجعد فين يا نجية؟ أنا جايه أشوف إزاي توافقوا على الصلح ده."
ثم أكملت:
"طبعًا الصلح ده على هواك يا راضية، وهتشوفي أخواتك جنب بعض وتنسي دم ولدي وبتك اللي راحت في عز شبابها، نسيتيها يا راضية؟"
"محدش بيموت ناقص عمر يا نجية، وبنتي دي عمرها وده جضاها يا نجية. أي نعم نارها جايدة في جلبي، بس أنا مش هتهم حد بقتل بنتي. أنا سلمت أمري لله يا نجية وربنا هيجيب حق بنتي."
"هتفت نجية بغضب: سلمتي أمرك لله ولا عشان ماهو أخوك؟"
أجابته راضية بشفقة على قلبها المحترق:
"لأ يا نجية، عشان فيه ربنا شاهد ومطلع وعارف مين الظالم من المظلوم، وأنا فوضت أمري له يا نجية، وإنتي كمان يا خيتي فوضي أمرك لله وهي أعلم بعباده."
"هتفت نجية بحقد: لأ يا راضية، وأنا مسيبش تار ولدي."
جاءها صوت زهران من خلفها لينتهي ذلك النقاش العقيم الذي لن يجدي نفعًا التحدث فيه بعد أن اتفق الأخوان على الصلح.
"نجية، ده موضوع انتهى. وطالما جاد اتفق على الصلح هو أدرى يا نجية بالصالح."
نظرت له بينما عيناها تنطق بالغضب وهي تقول:
"يعني إيه يا زهران، مش هتمنعه؟"
أجابها بحزم:
"وأنا في يدي إيه يا خيتي؟ النار تارة وهو اللي يقدر يسامح فيه أو لأ."
كما خرجت نجية تحاول فض الصلح، خرجت دنيا وذهبت إلى بيت خالها سعد بعد أن علمت بعودته.
دخلت تسأل عليه زوجته طيبة القلب رحمة.
"مساء الخير يا عمتي، أمال فين خالي سعد؟"
أجابتها رحمة بمودة:
"في الملحق يا بنتي، جاعد مع ضيف. استني أبعت لك صالح ينادي عليه."
"لأ يا عمتي، أنا هروح له."
دلفت إلى الملحق وهي تنادي على خالها سعد. خرج لها حين سمعها، يتلقاها بحب فهي تشبهه في كرهه لعائلة الهلالي وهي يده اليمنى في التخطيط.
"أهلا أهلا بحبيبة قلب خالها."
إجابته حانقة:
"شفت يا خالي اللي حصل؟"
أجابها بكره:
"أيوه شفت."
"و هنعمل إيه يا خالي؟"
أجابها بدهاء:
"إحنا لازم نستنى لبعد الصلح يا دنيا، مينفعش نعمل حاجة دلوقتي. إحنا لازم نخطط لهم من جديد عشان منحسرش كل حاجة ولازم نطلع كسبانين."
"يعني هتسيب سراج يتجوز بنت جلال؟"
أجابها بحقد:
"مقدمناش حل تاني، لازم نسيبه يتجوزها وينفذ كلام جده."
صرخت فيه بحقد:
"وأنا يا خالي؟"
أجابها ببسمة ملتوية:
"إنتِ بقى وشطارتك مع عمتك نجية تخليها تكره بنت جلال وتعمل مشاكل معاها ومع سراج لغاية ما بنت جلال تقول حقي برقبتي وهي اللي تنهي الجوازة."
التمعّت عينا دنيا وسعد بالنصر، بينما عرفت ماذا ستفعل لكي تظفر مرة أخرى بسراج وأمواله وحياته الرغدة.
"برافو، إيه التخطيط العالي ده يا سعد باشا."
هتف جو بتلك الكلمات خلف دنيا وسعد الذين لم ينتبهوا لدخوله عليهم.
نظر جو لدنيا نظرة رغبة حين لمحها بقوامها وجمالها الشرقي الآخاذ.
اقترب منها وهو يقول بإعجاب جعلها تزداد غرورًا:
"مش تعرفني على القمر يا سعد بيه."
اقترب سعد منه وقال له بتحذير:
"دي دنيا بنت أختي، إن صار ملكش صالح بيها."
اقترب منها جو وهو يقول:
"أنا جو، شريك سعد خالك في روما."
نظرت له دنيا بإعجاب وهي تقول:
"أهلاً، نورت الصعيد."
هتف جو بتساؤل لسعد:
"وموضوعنا يا سعد بيه؟"
أجابه سعد بثقة:
"متقلقش، كل حاجة جاهزة والتنفيذ بكره بعد الصلح."
مرت الليلة وجاء الصباح. إنه يوم الصلح. أوصى جاد أن يختاروا أكبر كبش عنده لكي يكون فداء ابن أخيه.
لم تسع الفرحة قلب سلطان، فها هو سينعم بأمان ابنه بعد فراق عشرين عامًا.
بينما جلس جلال في غرفة زهرة يتمزق قلبه من الألم عليها. إنها هي كبش الفداء لأبيها.
قال لها بمحبة:
"زهرة يا بنتي، أنا معنديش حد أغلى منك إنتِ وإخواتك، ومحدش يقدر يغصبك على حاجة. قولي لأ وأنا آخدك إنتِ وإخواتك وأسافر دلوقتي، أو حتى يقتلوني، إنما إنتي لأ يا بنتي، مش هضحي بيك."
اقتربت زهرة من أبيها وقالت بحنان:
"أنا مقتنعة يا بابا وموافقة، وأكيد جدي مش هيرضى ليا حاجة تضرني."
قال فريد:
"طيب إيه رأيك يا زهرة؟ فكري تاني، ولو خايفة من حاجة هنا تعالي نروح إسكندرية عند خالك ورحيم يودينا ومش هيّمانع."
أجابتها بتصميم:
"لأ يا فريد، لأ يا بابا، أنا موافقة ومقتنعة ومش هخلي جدي يرجع في كلامه ده. نصيبي وأنا خلاص وافقت عليه."
استعد فضل وها هو يدخل مع أبيه بيت خاله سلطان بعد أن حرم منه عشرين عامًا.
ذهبوا لكي يكونوا مع رجال العائلة حين يذهب جلال لتقديم كفنه لعمه جاد.
وقف بجوار أمه يبحث عن غاليته حب عمره. رآها تأتي من بعيد. ذهب لها وهو يقول بوله:
"كيفك يا أمل؟"
إجابته بحب:
"زينة، الحمد لله يا فضل."
قال لها بفرحة:
"خلاص يا أمل، الحلم اتحقق، وبكره إن شاء الله هكتب عليكي مع كتاب سراج وزهرة ورحيم وسلمى، وتكوني ليا يا حب عمري."
تخضبت وجنتاها باللون الأحمر القاني وهتفت بخجل:
"وه يا فضل، بلاش تكسفني."
أجابها بنفاذ صبر:
"أكسفك إيه يا جلب فضل، بقولك هتبقي ليا يا حبيبة جلبى."
أخرجه من نشوته ذلك الصوت الحانق الغاضب خلفه وهو يقول بغضب:
"مين دي اللي جلبك يا ود الرواشد؟"
نظر له فضل بقليل من الغضب وهو يقول:
"عمتك يا رحيم، عمتك. جلبى وعمرى كله."
ثم أضاف متهمًا:
"وه مبروك عليك سلمى بنت خيتي، الله يكون في عونك، سلمى فرسة شديدة."
قال رحيم بغضب:
"وأنا خيالها يا فضل، ومفيش فرسة تعصى على رحيم الهلالي."
خرجت البلد بأكملها لكي تشهد صلح الأخوة. وقف سراج بجوار جده ينظر إلى ذلك الذي يتقدم وهو يحمل كفنه بين يديه. لو كان في يوم آخر غير اليوم لقتله دون أن يرمش له جفن.
وقعت عيناه على تلك التي تقف بجوار نساء سلطان الهلالي تنظر له بأعين دامعة ويملؤها اللوم. ارتجف قلبه ولا يعلم أهي رجفة فرح برؤياها أم رجفة غضب منها ولها؟
أيعقل أن تكون تلك الملاك ابنة قاتل أبيه؟ أوقع في هواها وأنسى ثأر أبيه؟
ذبح جاد فداء جلال الهلالي وسط هتاف الله أكبر.
أخذ جاد كفن جلال وسلم عليه.
وسلم ولاول مرة جلال على سليم لينتهي بحر الدماء أخيرًا بين الأخوين.
أنتِ نور هانم الهلالي.
هتفت تلك الخادمة لنور وهي تسألها.
أجابته نور: "أيوه، أنا فيه حاجة. سليم بيه مستنيك بره، عاوزك."
خرجت نور مع تلك الخادمة تسألها أين سليم.
وقبل أن تجيبها، هتف من خلفها: "آخر صوت توقعت أن تراه في بلدها... نور وحشتيني."
إنه چو، أقبل عليها بفرحة.
لكنها ابتعدت عنه بنفور وهي تقول: "چو! إيه اللي جابك هنا؟"
وقبل أن تستوعب أي شيء، أطبق على أنفها بذلك المخدر الذي سحبها لتلك البقعة السوداء.
لا تعي بأي شيء.
استقبل جو جسدها وهرول بها إلى السيارة التي أعدها له سعد راشد.
وظن أنه حظي بنور.
وقبل أن يدخلها السيارة، أتاه ذلك الصوت الغاضب من خلفه: "نوووووووور! أنت واخدها فين يا حيوان؟"
ألقاها داخل السيارة وانطلق، غير عابئ بمن يصرخ بغضب عليها.
رواية ارغمت على عشقك الفصل الثاني عشر 12 - بقلم هيام شطا
هتف سلطان بعد أن جلس في بيت أخيه هو وأبناؤه.
أخيرًا زال العداء بينه وبين أخيه.
"زيد الدبايح يا مهران، خلى البلد كلها تاكل من فدو أخوك وحلاوة الصلح يا ولدي."
أجابه مهران بطاعة:
"متجلجش يا بوي، الدبايح بزيادة وسليم ورحيم مش هيسيبوا بيت في البلد مفهوش لحم فدو."
نظر إلى جاد الذي جلس بجواره وهو يمد له يده بعقود.
"ودي يا خوي عجود الأرض الجبلية، كتاباتهم باسمك فدو جلال ابني."
أخذها جاد من يد أخيه سلطان ولكنه مزقهم وهو يقول:
"آخد فدو ابني منك ليه يا سلطان؟ ولا انت ولا ولدك لكم يد في حال ولدي. وربنا عالم إني عمري ما شكيت فيك، بس هما ولاد الحرام اللي مسيبينش الناس في حالهم."
أنهى كلمته وهو ينظر إلى سعد وكأنه يوجه كلامه له.
"ربنا يخليك ليا يا خوي ويديم المحبة بيننا ويكفينا شر ولاد الحرام."
آمن جاد على دعاء سلطان.
جاء بعد قليل سليم وتبعه رحيم.
دلف سليم أولًا، ولكن رحيم تعلقت عيناه بسواد عينين بريئة تنظر له نظرة حزينة.
إنها صاحبة العينين السوداء الحزينة.
ترى ما سر تلك النظرة الحزينة التي سكنتها؟
أبكون بسبب الصلح أم بسبب قسوة سراج في حقها؟
نظرت له طويلًا وهو تاه في سوادها طويلًا.
فاق على نفسه عندما ربت سراج على كتفه بغضب ظهر في صوته.
"واقف عندك ليه يا رحيم؟ ادخل اجعد مع الرجالة."
لا ينكر أنه غضب من نبرة صوت سراج، ولكن ما زاد غضبه هي نظرة الرعب التي ملأت عين سلمى حين لمحت سراج.
جرت بخطى متعثرة تبتعد عن أعين أخيها الغاضب.
هي تعطيه كل الحق في أن يغضب منها، فهي بكل غباء وثقت في حقير تخلى عنها وجعل أخاها مجبرًا أن يوافق على الصلح والنسب كما خيل لها.
وهي لن تستطيع أن تعترض أو ترفض رحيم الهلالي.
دلف رحيم إلى مكان جلوس الرجال.
وكان جاد ينطق آخر كلماته وهو يقول إنه لا يريد تلك الأرض.
جلس رحيم بجوار جده وحدثه بصوت خفيض أن يطلب له يد سلمى أمام الجميع ويجعل تلك الأرض مهرًا لها.
قال سلطان بفرحة وفخر بابن ابنه الشهم الذي لم يرد لجده طلب:
"واحنا يا خوي بنطلب يد سلمى بنتك لولدنا رحيم على سنة الله ورسوله، والأرض الجبلية مهر عروستنا الغالية."
قال جاد بفرحة:
"وأنا موافق يا خوي، رحيم زينة شباب البلد."
لا يعلم لماذا فرح؟ وما سر تلك الرجفة التي شعر بها في قلبه؟
هل نسي زهرة بتلك البساطة؟ أم أنه لم يحبها بل أشفق فقط عليها وأراد حمايتها؟
اشتعل سراج غضبًا حين لمح تلك الفرحة في عين رحيم وسلطان.
وهو واقف عاجز لا يستطيع أن يمنع ذلك النسب أو ذلك الصلح المزعوم.
وكله بسببها هي، أنها أخته.
ألجمت لسانه حين رآها وهي تترجى ذلك الندب الذي تخلى عنها.
وأعطى القدر لرحيم الفرصة لكي ينقذها من يده وأيضًا يتزوجها دون أن يستطيع الرفض أو الكلام.
وبينما هو في دوامة تفكيره قال جاد:
"لسلطان واحنا يا خوي يشرفنا أننا نطلب يد زهرة بنت جلال لولدي سراج."
وقف سراج وهو يقول:
"لأ يا جدي."
صمت الجميع، بينما ارتجف قلب جاد من رفض ابن ابنه الزواج.
ولكنه زفر بارتياح حين أكمل سراج كلامه:
"زهرة لها بيت، مطلبها فيه مش سراج الهلالي اللي يطلب عروسته في بيته. إحنا نروح بكرة بإذن المولى نطلب يد زهرة مع خالي فضل، وهي تطلب يد عمتي أمل. ولو مفيش مانع عند العروسة وعمي سلطان بعد إذنك يا جدي نكتب الكتاب بكرة."
تهللت أسارير جاد وسلطان وأيضًا مهران وجلال مما قاله ذلك الشهم الذي لم يرضَ على كرامة ابنته أن تُخطب في بيت زوجها حتى وإن كانوا أهلًا.
بل حافظ على كرامتها وكرامة أهلها.
اطمأن جلال بعض الشيء على ابنته.
بينما ربت رحيم على كتفه وهو يقول:
"سراج ولد جابر جدع يا خوي وشهم وهيشيل بتك في عينه، وبكرة الأيام تثبت لك."
تهلل وجه أمل حين جلست مع بسمة التي كانت تسترق السمع لما كان يدور في مجلس الرجال وهي تقص عليها ما حدث.
بينما هتفت سلمى بامتعاض:
"إيه اللي مفرحك كدا يا بسمة؟"
قالت بسمة بحب:
"اللي مفرحني يا سلمى إن ربنا نجدك من ابن عمتك انتصار البارد ده."
قالت سلمى:
"بكرة البارد ده أهون من اللي قتلوا أبوك."
تغير وجه أمل وقالت بدفاع عن أهلها:
"إحنا مش قاتلين، قتل يا سلمى."
خرج من مجلس الرجال يبحث عنها.
كانت واقفة مع أمل.
"مالك يا أمل؟ مين زعلك؟"
"سلمتك يا نور يا حبيبتي، أنا كويسة."
"لأ، انتِ زعلانة من حاجة. أو أوعى تكون زعلك في حاجة وأنا وزهرة بره."
هتفت أمل بطيبة:
"لأ يا حبيبتي، سلامتك. أنا كويسة."
جاءت تلك الخادمة تنادي على نور.
"ست نور."
أجابتها نور:
"أيوه، سليم بيه عاوزك في الجنينة."
"حاضر."
خرجت نور تبحث بعينيها عن سليم، ولكنها وجدت المفاجأة الكبرى.
إنه "جو".
هتف من خلفها:
"وحشتيني يا نور."
قبل عليها بفرحة.
ابتعدت عنه بنفور وهي تقول:
"جو إيه اللي جابك هنا؟"
وقبل أن تستوعب أي شيء، أطبق على أنفها بذلك المخدر الذي سحبها لتلك البقعة السوداء.
لا تعي بأي شيء.
استقبل جو جسدها وهرول بها إلى السيارة التي أعدها له سعد.
وظن أنه حظي بنور.
وقبل أن يدخلها إلى السيارة، أتاه ذلك الصوت الغاضب من خلفه.
"مووووور، انت واخدها فين يا حيوان؟"
وكان ذلك سليم الذي خرج للبحث عنها لكي يخبرها أن موعد عقد قرانهما غدًا مع زهرة ورحيم.
دفعها جو داخل السيارة وانطلق.
جرى سليم على سيارته التي استقلها، وقبل أن ينطلق بها جلس بجواره سراج الذي رأى نفس المشهد.
إنه يعلم أن جو شريك خاله، ولكن ماذا أتى به إلى بلدهم؟
ولماذا يخطف نور الهلالي؟
جلس سراج بجوار سليم الذي انطلق خلف جو.
خرج يزفر بضيق من نظرة ذلك المتعجرف الغاضب الذي نظره بانتصار حين أخذ موافقت الجميع على خطبة زهرة.
ولا يعلم لماذا تؤلمه نظرة الحزن والانكسار في عين سلمى.
وجد سيارة سليم تنطلق وبداخلها سراج وسليم.
ألف سيناريو جلبهم الشيطان داخل عقله قبل أن يستقل هو الآخر سيارته وينطلق خلفهم.
جلس سراج بجوار سليم يجلد في نفسه بسوط ثأر أبيه.
لما هو مهتم بمن يحمل بنت جلال ويجري بها ليذهب بها إلى الجحيم؟
لما لم يتحمل رؤية نظرة الرعب التي سكنت عين سليم وهو يهتف باسمها بالوعة وخوف؟
ربت على كتف سليم الذي كاد أن يحرق الأرض بسرعة سيارته وهو يقول له بطمأنينة:
"متخافش، إن شاء الله هنلحقها."
زاد سليم من سرعة السيارة حتى تعدى سيارة جو وقطع عليه طريقه.
نزل سليم بسرعة البرق، تبعه سراج الذي جرى يكبل چو قبل أن يفر هاربًا.
بينما أنهال عليه سليم بالضرب.
تركه بعد مدة وانطلق إلى السيارة بقلب لهيف.
فتحها وحملها خارج السيارة.
جلس وهو يحملها على قدميه وهو يضرب على وجهها وينطق اسمها بصوت تحشرج بالدموع.
"نور، فُوقي يا جلبى. نور، إيه عمل فيك الكلب ده يا نور؟ فُوقي يا جلبى."
قيد سراج بيديه جو الذي حاول جاهدًا أن يهرب من قبضت سراج.
وما هي إلا دقائق ووصل رحيم الذي رأى أخاه جالسًا يحتضن جسد ابنة عمه وسراج يكبل ذلك الغريب وواضح عليهم معالم الاشتباك معه.
جرى بقلب لهيف على أخيه وهو يقول بخوف:
"سليم، فيه إيه يا خوي ومالها نور؟ مين عمل فيكم أكده؟"
نظر باتهام إلى ذلك سراج الذي يكبل جو، ولكن سليم قال وهو مازال يحتضن نور:
"سراج كان بيساعدني يا رحيم."
هتف رحيم بقلق:
"بيساعدك ليه؟ ومين ده المحروق ده؟"
فجر سليم المفاجأة التي قلبت موازين كل شيء وهو يقول:
"ده ولد سعد راشد."
نزلت تلك الكلمات على سراج وكأنها صاعقة.
هل خدعه خاله سعد؟
ولما عرفه على جو على أنه شريكه، لما أخفى هويته؟
أيعقل أن يكون مخدوعًا فيمن حوله، وأولهم خاله؟
ارتخت قبضة سراج التي يقبض بها على چو.
استغل جو ذلك الموقف وانفلت من يد سراج.
وفي لحظة أشهر سلاحه في وجه سراج الذي تراجع للخلف.
بينما جرى عليه رحيم.
تراجع رحيم للخلف أيضًا.
بينما جرى سراج عليه ليمسك به.
وقت انشغاله برحيم، أطلق جو طلقة مدوية باتجاه سراج.
جذب رحيم سراج بشدة ليقع به على الأرض متفاديًا به طلقة الغدر التي أطلقها عليه ذلك الغادر.
ليستغل جو تلك الربكة ويجري باتجاه تلك السيارة التي بعثها له أبيه حين شعر بالقلق عليه حين خطف وحده ولم ينتظر باقي الرجال.
جرى على تلك السيارة التي أطل منها ذلك الرجل الذي هتف باسمه:
"مستر چو، بسرعة، بسرعة."
بسرعة البرق قفز جو داخل السيارة وغادر المكان.
قام رحيم من فوق سراج الذي كان كالـمُغيب مما رآه في تلك الدقائق.
خاله الذي وثق واطاعه عمره كله، ظهر له ابن ويريد أن يقتله.
وأعداؤه هم من يحموه من ذلك الغادر.
حمل سليم نور ووضعها في سيارته.
بينما أخذ رحيم بيد سراج الذي كان كالـمُغيب وأجلسه بجواره في وانطلقوا عائدين.
ولكن العودة كانت مختلفة.
ذهب سراج مع سليم ليعلم ماذا يحدث.
بينما حمى رحيم سراج من الموت المحتوم على يد چو، والذي كان مخدوعًا فيه.
وقبل أن يصلوا لبيت سلطان، سألهم سراج بترجي:
"ممكن محدش يعرف باللي حصل؟ ولا حد يعرف إن خالي سعد عنده ولد كبير؟"
أومأ له رحيم بتفهم وهو يسأله:
"لحد ميت يا سراج؟"
أجابه سراج بصدق:
"لحد ما أعرف خالي سعد مخبي عني إيه تاني يا رحيم. شكلي كده كنت مخدوع في ناس كتير، أولهم رائد ولد عمتي انتصار، وآخرهم خالي سعد. والله أعلم لسه مين تاني."
هتف سلطان في فصل الجالس بجوار أبيه وأمه:
"أمال فين رحيم وسليم يا فضل؟"
"والله ما أنا عارف يا خالى، هدور عليهم أهو."
خرج فضل يبحث عنهم، ولكنه نسي الدنيا بما فيها عندما وقعت عيناه على من ملكت قلبه.
أقبل عليها كالمُغيب وهو يقول:
"بتعملي إيه يا أملي؟"
أجابته بحب:
"مفيش يا فضل، راحة. أخد يد أمي علشان نروحو خلاص، الحمد لله الصلح تم على خير."
قال بوله:
"ميعادنا بكرة يا أمل، هجيب كل الرواشد ونخطب جمر الهلايلة."
احمر وجهها من الخجل، تركته مسرعة إلى أمها لكي تأخذ بيدها ليعودوا إلى بيتهم.
انتهى الصلح وانصرف كل من كان فيه هناك.
من ذهب بقلب تملؤه الفرحة، وآخر ذهب بقلب يملؤه الغضب والكره كحال سعد وانتصار وچو.
وأيضًا دينا ورائد الذي علم بعد خطبة رحيم لسلمى أنها ضاعت منه وللأبد.
أخذ فريد يد جده لكى يجلسه بالسيارة.
وقف جاد ليودع أخاه.
هلت عليهم بعفويتها وهي تجري بسرعة لتسأل جدها عن شيء.
"جدى جدى، جدتي بتنادي عليك."
وقبل أن تصل لهم، تعثرت خطاها في ثوبها الطويل وكادت أن تقع لولا تلك الأيدي القوية التي تلقتها قبل أن تصطدم رأسها بمؤخرة السيارة.
تلقاها فريد بأيادي قوية ليفديها من وقوع محتوم بإصابة خطيرة في رأسها.
هتف جاد وسلطان في نفس الوقت:
"بسم الله عليك يا بنتي."
اعتدلت في وقفتها بعد أن ساعدها فريد.
وقفت تنظر بحرج لذلك الموقف التي وجدت نفسها به.
وقالت بتلبك:
"آسفة، ما أخدتش بالي."
جذبها جاد إلى حضنه وهو يطمئن عليها.
"انتي زينة يا بنيتي."
"أنا كويسة يا جدي."
هتف سلطان بقلق:
"مش تاخدي بالك يا بنتي."
أجابته بخجل:
"الحمد لله جت سليمة."
ثم نظرت لذلك الواقف لم يتحدث.
وقالت له:
"شكر يا أستاذ."
وقبل أن تكمل، أكمل سلطان:
"ده ولد عمك جلال يا بسمة."
مد فريد يده وصافحها.
ولا يعلم ماذا أصابه حين نظر لتلك الأعين الخضراء الذي تاه في غاباتها.
أيعقل أن تكون بتلك الجمال.
حمل سليم نور ودخل بها إلى غرفتها في القصر.
وما نفعه أنه لم يكن أحد به.
جرى خلفه رحيم وسراج.
قال سراج بقلق:
"نجيب لها دكتور."
رفض سليم بغير وهو يقول:
"هات يا رحيم أي حاجة أفوقها بها قبل ما حد يعود ويعرف باللي حصل."
ناوله رحيم زجاجة العطر وأخذ ينادي عليها وهو يضربها بخفة على وجهها.
"نور، فُوقي يا حبيبتي."
بعد قليل تململت في نومتها وبدأت تستوعب ما حولها.
ولكنها صرخت فجأة برعب حين تذكرت وجه ذلك البغيض.
صرخت باسم حبيبها وروحها أمانها:
"سليم، احقني يا سليم."
جذبها لحضنه وهو يهدئها بكلمات مطمئنة:
"متخفيش يا جلب سليم."
"أنا فين؟"
"في حضني يا روح جلبى."
لا تعي بأي شيء كيف أنقذها سليم من يد جو.
ولكنها هدأت في حضن حبيبها.
ابتعدت عنه بعد قليل وهي تسأله:
"حصل إيه يا سليم؟ انت أنقذتني إزاي؟"
"ارتاحي انتِ دلوقتي ومتفكريش في حاجة وارتاحي يا روح جلبى."
صفعة مدوية هوت على وجه چو الذي وقف أمام أبيه.
بينما يرى لأول مرة وجه سعد راشد الشرير وهو يقبض على ملابسه ويصرخ فيه بغضب جحيمي:
"غبي، دمرت اللي بقالي سنين ببنيه."
رواية ارغمت على عشقك الفصل الثالث عشر 13 - بقلم هيام شطا
خرج سراج ورحيم وتركوا سليم مع نور وهو يحاول تهدئتها.
اعتدلت نور في جلستها بعد أن هدأت دقات قلبها واطمأنت أن ذلك القذر لم ينجح في اختطافها.
ولكن يأتي ما هو أصعب، إنها تلك الأسئلة التي تنطق في عين سليم، ولكنه بالطبع يكبحها لكي لا يضغط عليها وهي بتلك الحالة.
ولكن غيرته العمياء دفعت ذلك السؤال لينفلت من بين شفتيه.
"مين ده وكان عاوز إيه منك؟"
حسنًا، هو يعلم من هو، ولكن يريدها أن تخبره ليقضي على تلك الظنون الشيطانية التي عصفت بقلبه قبل عقله.
تراجعت نور في فراشها وهي تبتلع لعابها بصعوبة، لقد حدث ما كانت تخشاه، وتساءل سليم عن هوية ذلك الحقير.
وقف سليم بجوار فراشها ينتظر جوابها وهو يطبق على يده بشدة حتى ابيضت مفاصل أصابعه.
ولكن نور كانت الأذكى، وها هي تستخدم مكر الأنثى ودلالها على من فرضت عليه سلطان هواها.
مدت يدها تمسك بيده وتجلسه مرة أخرى بجوارها.
همست باسمه.
سليم نظر لها بينما أثارت مشاعره بطريقتها التي تهمس بها.
نظر لها كالمغيب وهي تقول:
"أنا هقولك كل حاجة يا سليم."
أومأ لها بينما ما زالت تتحدث بتلك النبرة المهلكة له.
نظرت في عينيه لتستشف منها أي ردة فعل منه وهي تقول:
"ده اسمه چوه، اتعرفت عليه في فرنسا، كان فيه شغل بين شركته وبين الشركة اللي كنت بشتغل فيها، وبعد كام زيارة له لشركتنا بدأ يكون بينا مقابلات بحكم الشغل، وزاد التعرف بينا بعد ما عرفت إن باباه مصري ووعدني إني هنزل معاه مصر. والله يا سليم ده كل اللي أعرفه عنه."
"يعني هتنزلي معاه مصر عشان هو مصري بس يا نور؟"
سألها سليم بشك.
أجابته بقليل من التردد:
"مهو... يعني..."
أومأ لها لكي تكمل. بينما بدأ الغضب في الاشتعال في عينيه.
أكملت بعد أن ابتلعت لعابها، ودفعت الكلام مرة واحدة:
"مهو كان Best friend."
نظر لها بغضب وهو يقول من بين أسنانه:
"بست إيه وزفت إيه؟ يعني إيه بست زفت دي؟ اتعدلي في الكلام يا نور."
"والله يا سليم كان كان، بس أنا قررت أقطع علاقتي معاه."
"قررتي تقطعي علاقتك معاه ليه؟"
أجابته بكذب، هي قطعت علاقتها بـ چوه بعد أن تركها في مطار كندا ولم يعدها مصر كما وعدها. ولكنها قالت لسليم بكذب:
"كده يا سليم، لما قررت إني أرجع مصر قطعت علاقتي بأي حد كنت أعرفه، وأنا أصلاً مش عاوزة حاجة تفكرني بالأيام اللي فاتت دي."
ثم أكملت بصوت حنون لكي تهدم حصون الغضب التي ملأت نظرات سليم وهي تقول:
"أنا مش عاوزة افتكر إني بعدت عن مصر أو عنك يا سليم."
نظر لها بينما بدأت كلماتها تهدئ من غضبه وهو يقول لها:
"ليه؟"
أجابته بصدق:
"عشان بحبك يا سليم."
هل قضت عليه بكلمتها العفوية، أم أنها قصدتها لتنهي داخلة أي غضب ناحيتها؟
بينما هو كمن أصابته صاعقة، يعلم أنها تحبه، ويعلم أنها تعلم أنه يعشقها، ولكنها مختلفة حين تسمعها.
اقترب منها وهو يقول بعشق:
"وأنا بعشقك يا روح سليم."
ملأت الفرحة وجهها وتعالت دقات قلبها وتحشرج صوتها وتاهت الكلمات منها.
أكمل سليم بجدية:
"ارتاحي أنت دلوقتي ومش عايز حد يعرف باللي حصل."
"تسألت ليه يا سليم؟"
أجابها:
"أنا لازم أعرف الكلب ده كان عاوز منك إيه، وكمان عشان عمي جلال ميقلقش عليكي أنتِ وأخواتك."
"خلاص يا نور."
أجابته بطاعة:
"أوكي."
***
خرج سراج بصحبة رحيم من باب البيت.
نظر بأعين يملأها الحنين لذلك البيت الذي عاش فيه سنوات طفولته الأولى، لعبه مع سليم ورحيم، وكم كانوا يعاملونه بحب وأخوة.
ولكن في خضم ذكرياته الجميلة، نغزته تلك الذكرى الأليمة ليفيق من ذكرياته الجميلة على تلك الذكرى الأليمة التي صفعته وبضراوة وبلا رحمة، إنها ذكرى قتل أبيه أيضًا في ذلك البيت.
أصبح له ذكرى أخرى، ولكن تلك المرة مع رحيم الذي أنقذه منذ لحظات من موت محتوم على يد چوه.
تساءل: ترى لماذا أخفى عنه سعد أمر چوه وما الذي يخفيه غير ذلك الأمر؟
عزم أمره أنه من الصباح الباكر سيذهب أولاً إلى مصنعه وشركته ليرى ماذا فعل سعد بها طوال فترة غيابه وانشغاله بثأر أبيه.
فاق من شروده حين قال له رحيم:
"إركب عشان أوصلك يا سراج."
أجابه برفض:
"لأ، خلاص يا رحيم، أنا هروح لوحدي، مش عيل صغير هتوه أنا."
أصر رحيم على أن يوصله إلى بيته، لم يجد سراج أمامه حل إلا أن ينصاع لأمر رحيم.
***
أشرقت شمس الصباح بعد يوم وليلة كانا مملوئين بالأحداث التي جعلت سراج يعيد حساباته.
وأول خطواته بدأ يخطوها وهو يقول لجده:
"صباح الخير يا جدي."
"تتصبح بكل خير يا ولدي، على فين بدري كده؟"
"هشوف المصنع وأعدي على الشركة أشوفها هي كمان، بقالي كتير معرفش عنها حاجة."
هتفت نجيه من خلفه:
"وتروح وتتعب نفسك ليه يا ولدي؟ خالك سعد بيديرهم وواخد باله من المصنع والشركة."
نظر سراج إلى جدته وهو يقول بقليل من الغضب:
"ده مالنا يا جدتي، لازم أراعيه وأدور عليه، مش أسيبه نهيبة في يد كل واحد، والمال السايب بيعلم السرقة."
احتدمت نظرات نجيه وهي تقول بغضب:
"سرقة إيه يا ولدي؟ مين اللي بيسرقك؟ قصدك مين؟ أنت بتخون خالك يا سراج؟"
أجابها بقطع لكي ينهي هذا الحديث:
"أنا لا بخون ولا بأمن، أنا رايح أشوف مالي، فيها حاجة يا جدتي؟"
ثم نظر لجده وقال:
"اعمل حسابك يا جدي، على المغرب هنروح بيت عمي سلطان نطلب إيد زهرة مع خالي فضل ونكتب الكتاب."
تهلل وجه جاد بالفرحة وهو يقول:
"عامل حسابي يا ولدي ومجهز كل حاجة."
هتفت نجيه:
"بكرة قوام كده يا سراج، نسيت دم أبوك."
التفت لها وقال بحزم:
"جدي قال إنهم بريء من دم أبوي وأنا مصدق جدي. نهينا الموضوع ده يا جدتي."
صاحت بغضب:
"خلاص وافقوا على الصلح، أنتم أحرار فيه، بس سلمى لأ، مش هجوزها ابن مهران الهلالي."
اقتربت سلمى من جدتها تحثها بأعينها التي تترجاها أن تقف بجانبها ولا تزوجها من رحيم الهلالي.
هتف جاد بغضب:
"سلمى، اتجرّي، فتحتها خلاص يا نجيه، والأرض مهرها بقت باسمها، وأنا مأرجعش في كلمتي لو السما نزلت على الأرض."
انفلتت الكلمات من سلمى حين قالت بغضب:
"وأنا مريداش الجوازة دي يا جدي، هما أحرار يجوزوا بنتهم عندنا عشان الصلح، إنما أنا مش فدو لحد، وأنا مش زي بنتهم."
صفعة مدوية أخرستها عن تكملة حديثها. لم تكن إلا من سراج الذي وجدها تتحدث بتبجح وكأنها لم تفعل شيئًا.
جذبها من شعرها الغزير وهو يهمس لها بغضب:
"أنتي تخرسي خالص، وأحمدي ربك إن رحيم نجدك من يدي، وإلا الله في سماه لكان زمانك مدفونة في مطرحك، أنتِ والندل اللي جرى وسابك."
صاح جاد بغضب:
"سراج، أنت بتضرب أختك قدامي؟"
"واجتله يا جدي لو حاولت تطلعنا صغار."
نفض يده عن شعرها وهو ينظر لها بغضب يحرقها ويحرق جدته.
***
زرع الأرض ذهابًا وإيابًا وهو يفكر كيف ينجو من يد سراج بعد أن علم أن چوه ابنه. كيف سيخبره أنه كذب وهدى له شيطانه فكرة رائعة.
أنه خاف على مشاعره، وخاصة وأن سعد زوج خالته رحمة، خاف على شعور خالته.
ابتسم بنصر، بينما راقت له الفكرة التي ستنقذه من سراج.
دلف عليه وهو جالس يفكر.
"هعمل إيه يا بابا؟"
نظر له سعد بلامبالاة وهو يقول:
"وأنا مالي؟ أنا عملت لك كل حاجة، مصر وجبتك معايا، أهلي وزمان كل البلد عرفت إنك ابني، طالما سليم عارف نور وجبت لك العربيات والرجالة عشان تخطفها، وأنت اللي مستنتش الرجالة واتسرعت وخطفطها لوحدك، يبقى أنا كده عداني العيب."
صرخ چوه بغضب:
"يعني إيه؟ نور راحت مني؟ أنت لازم تتصرف."
أجابه سعد ببرود، حيث كان چوه وكلامه آخر همه:
"مليش فيه الموضوع ده."
وأثناء حديثهم، دلفت إلى الاستراحة التي يسكن فيها چوه، دنيا راشد ابنة انتصار أخت سعد، التي استمعت إلى جزء لا بأس به من حديثهم.
قالت بفحيح:
"طيب، واللي يحلل لك موضوع جواز نور وسليم الهلالي ويخرب لك الجوازة حتى لو تمت، تعمله إيه؟"
أجاب چوه بسرعة:
"اللي هو عايزه."
قالت بثبات وثقة:
"سراج يتجوزني."
ضحك سعد متهكمًا وقال لها:
"شوفي لك طلب تاني، سراج عمره ما هيتجوزك، أو روحي عند عمتك نجيه، اتفق أنت وهي على العروسة."
نظرت لخالها بغضب، بينما تخلى عنها هو الآخر.
ولكن چوه سألها بلهفة:
"قولي يا دنيا، أعمل إيه؟"
بعد أن رأت لهفته ليعرف كيف يفرق سليم عن نور، مالت عليه وقالت:
"الشرف. إحنا هنا في مصر وفي الصعيد مفيش حاجة أغلى منه. نور دي أنت تعرفها قبل كده؟"
أومأ بلهفة:
"أيوه طبعًا."
سألته ببسمة منتصرة:
"لك معاها صور على الفون؟"
أجابها:
"صور كتير."
قالت بخبث:
"طيب ما هي محلولة، أنت تختار صور تكون وضعها فيه قريبة منك أو أنت حضنها، ولو ما لقيتش، فبركهم."
تساءل:
"أفبركهم يعني إيه؟"
"يعني اعملهم فوتوشوب لك أنت وهي عند حد محترف، بصعوبة يتعرفوا، ومكالمة منك لسليم تقوله كلام يأكد الصور، ساعتها سليم هيرميها ويرمي عمه، والدنيا تولع تاني."
صفق لها على ذلك التخطيط الشيطاني سعد، الذي هتف بانتصار:
"إيه الدماغ الشر دي يا دنيا."
نظرت له بضحكة خبيثة:
"بعض ما عندكم يا خالي."
"المهم، أنتم تساعدوني إن سراج يتجوزني إزاي؟ معرفش."
قال لها سعد:
"بس كده يا دنيا، دي تديها كلمتين، كل شوية لعمتك نجيه، تقلبيها على بنت جلال، وعمتك نجيه أصلًا مش محتاجة، دي كلمة بتوديها وكلمة بتجيبها."
***
نظر سراج إلى المهندس المسؤول عن إدارة المصنع الهندسية وهو يسأله بغضب:
"إنت بتقول إيه يا باشمهندس؟"
أجابه المهندس إبراهيم:
"والله ده اللي حصل."
هتف سراج بغضب:
"يعني إيه تسرحوا ربع عمال المصنع وتوقف إنتاج خط فيه؟ مين اللي أمر بكده؟"
أجابه إبراهيم بتأكيد:
"سعد بيه هو اللي قال كده، وكمان أنا لما جيت أقوله المكن كده هيتعطل من الركنة وأنا هبلغك، قال لي إن حضرتك موافق."
تماسك سراج نفسه أمام المهندس وهو يمسح على وجهه ليهدأ من ثورته، ثم قال:
"تمام يا باشمهندس، يمكن خالي فهم حاجة وأنا كنت عاوز حاجة تانية. شغل المكن تاني وعمله الصيانة اللازمة، وابعت للعمال ترجعهم وتقبضهم مرتباتهم وتصرف لكل العمال مكافأة."
تهلل وجه إبراهيم من الفرحة وهو يقول بطاعة:
"كده بس يا باشمهندس، أنت تؤمر."
دلف إلى المصنع بغضب وهو يقول:
"إبراهيم، أنت بتعمل إيه؟ أنا مش أمرت إن المكن ده ميشتغلش؟ بتشغله ليه؟"
"عشان أنا قلت كده يا خال."
صعق عندما وجد سراج خلفه، قال له بصوت متقطع:
"سراج... أنت... أنت جيت إمتى يا غالي؟"
أجابه سراج بتهكم:
"جيت من زمان يا خالي، جيت أشغل المكن وأشوف المصنع."
قال سعد بكذب ومكر:
"المكن ده بقى خرده والعمال جايين علينا بخسارة يا سراج، وأنا خايف على مالك يا ولدي."
أجابه سراج بخبث:
"عارف يا خالي، أنت أكتر واحد بيخاف عليا. بس معلش، دي أرزاق ناس وأنا مبحبش أقطع عيش حد."
ثم نظر إلى إبراهيم وقال:
"اعمل اللي قوللت لك عليه يا باشمهندس."
ثم انصرف يحرق الأرض بخطاه، بينما هرول سعد خلفه وهو يقول:
"سراج، افهمني، أنا خايف على مالك يا ولدي، وأنت مأمني عليه."
"وأنا حر في مالي يا خالي."
قال سراج تلك الكلمات ببرود حرق سعد وهو واقف.
ثم استدار له وقضى على آخر ذرات الثبات عند سعد حينما قال:
"آه، متنساش يا خالي، كتب كتابي النهاردة مع خالي فضل، يعني يا دوب تلحق تروح وتغير هدومك."
تركه وانصرف، تركه لأفكاره وظنونه تحرقه.
وقد بدأ سعد في الانهيار، ولكنه قال بشر:
"لأ، يا ابن جابر، أنت مش هتبقى أغلى من أبوك. أنا اللي يقف قدامي اقتله."
***
جاء المساء وها هو فضل يوفي بوعده لأمل حينما حضر وأحضر معه كل عائلته.
تزين قصر الهلالي الكبير وتعالت فيه الزغاريد والفرح بعد غياب عشرون عامًا.
ارتدت نور وسلمى وأمل فستانًا أبيض رقيقًا محتشمًا يحمل نفس التصميم للثلاثة، بينما ارتدت أمل حجابًا غاية في الجمال زاد جمالها.
جلست زهرة شاردة البال تتذكر نظرة سراج لها بالأمس وحديثه عنها، تحاول أن تطمئن نفسها بأن القادم أفضل.
ولم يكن أفضل، ستحارب من أجل استمرار هذا الصلح لكي ينعم أبوها بالأمان وسط أهله.
أما نور وأمل فكانوا في غاية السعادة كما حال فضل وسليم.
بعد قليل وصل جاد وسراج وسلمى، وبالطبع جاءت نجيه لكي تكون بجانب حفيدة.
استقبلهم سلطان ومهران وجلال بحفاوة، كما استقبلتهم حميدة ورقيه، وأيضًا راضية التي كانت سعادتها لا توصف، فاليوم اجتمع إخوتها وزال العداء بينهم، وأيضًا ستخطب لوحدها الذي صبر سنوات طوال كما صبرت هي، ولكن العوض يستحق الصبر.
دلت سلمى بوجه عابث، ولكن معها بشوشة الوجه بسمة أختها.
استقبلتها أمل بسماحة وهي تقول بترحاب:
"يا مرحبًا بزينة بنات الهلايلة."
احتضنتها بسمة بحب، بينما مدت سلمى يدها للسلام وعيناها تنطق بالغضب الذي ظهر جليًا عليها.
تداركت أمل الموقف وهي تقول:
"تعالي يا بسمة، ساعدي سلمى تلبس، إحنا جبنا لها فستان زينا كلنا عشان تبقى قمرنا."
حسنًا، هل لانت نظراتها لأمل وزهرة ونور بعد كلمات أمل السمحة؟ لم تعترض، بينما هتفت نور بمحبة:
"وأنا هعمل لك الميكب، هتبقى قمر يا سلمى."
نظرت لها زهرة وقالت بمحبة:
"أنا هعمل لك شعرك الجميل ده."
أنهت كلماتها وهي تضع يدها على خصلات شعرها الغزيرة المنسدلة حول وجهها بطوله الذي تخطى طوله خصرها.
قالت سلمى بخجل:
"بس أنا محجبة."
قالت نور بمرح تذيل التوتر والعداء بينهم:
"يا ستي، مجتش من مرة، ولو رجالة جت هنا هنحط لك طرحة تداريه."
بدأت الفتيات في تجهيز سلمى، وبسمة اندمج الجميع في الحديث والضحك على مرح وجرأة نور، وأيضًا بساطة وسماحة زهرة وود أمل.
أنهى المأذون آخر عقد قران، بينما بدأ بفضل وانتهى برحيم.
"بارك الله لكما وجمع بينكما في الخير."
تعالت الزغاريد.
زفر فضل وهو يقول:
"أخيرًا يا بوي."
ضحك الجميع على كلمته.
أحس سليم أنه ملك الأرض وما عليه، فأخيرًا أصبحت له.
بينما وقف سراج ورحيم، ولم يعلم أي منهم سر تلك الفرحة التي سكنت قلبه.
قال فريد بمرح:
"هو العرسان مش هيشوفوا العرايس ولا إيه؟"
ضحك الجميع على مزاح فريد، بينما جذبهم من أيديهم ليقتحم بهم جلست النساء التي تجمع فيها النساء يحتفلون بعقد قران بنات الهلايلة.
تصنم فضل أمام أمل، الذي كوب وجهها بين يديه وانحنى ليقبل قمة رأسها وهو يقول:
"مبروك يا قلب فضل وعمره."
نظرت له بحب وهي تقول:
"الله يبارك فيك يا فضل."
طبع سليم قبلة على جبين نور وهو يهمس لها بوقاحة:
"دي تصبيرة عشان الناس معانا."
تخضب وجهها بحمرة الخجل من وقاحته معها، ولكنها تعشقها.
كان كالمغيب عندما رآها وغرق في بحرها الهادئ.
عندما اقترب منها وفتن بجمال زرقاواتها، احتضن وجهها بين يديه وقال:
"مبروك يا زهرة."
كما فعل سراج، اقترب رحيم من سلمى، جذبه لها تلك الخصلة الحريرية السوداء، يرى كيف يكون ملمسها، تساءل قلبه، بينما نهره عقله.
اقترب منها وقبل بهدوء جبينها وهو يقول:
"مبروك يا سلمى."
رغمًا عنها نزلت دمعة سعيدة من عين نجيه عندما رأت حفيدة بكل هذا الجمال يوم عقد قرانها، وسعادة جامحة اجتاحتها، وسمحت لنفسها أن تسعد حتى ولو ليوم واحد.
قال فضل بلهفة:
"الفرح الأسبوع الجاي يا خالي."
أجابه سلطان بموافقته، فهو يريد أن يفرح ويسعد بعد طول حزن.
"تمام يا ولدي، فرحكم الأسبوع الجاي بأمر المولى."
رواية ارغمت على عشقك الفصل الرابع عشر 14 - بقلم هيام شطا
انتهى عقد القران بفرحة قلوب اشتاقت سنوات للفرح، وأيضًا بخوف قلوب أخرى عاشت عمرها في غربة وعادت من أجل الأمان. وعن أي أمان تتحدث وهي من ستكون صمام الأمان المزعوم، إذا انفلت منها عاد العداء مرة أخرى. كان هذا أبلغ تشبيه وصلت له زهرة بعد تفكير طويل، أنها صمام الأمان لهذا الصلح، ليس كبش الفداء كما نعتها سلمى. ولكنها ستفعل المستحيل حتى لا يحدث شيء لهذا الصلح، وستجاهد. هل من أجل أبيها؟ أم من أجل تلك الرجفة التي أصابتها حين همس لها سراج وهو يقبل جبينها: "مبروك يا زهرة". ما سر ذلك الشعور الذي اختلج قلبها؟
وعلى عكس ما توقعت، شعرت بالأمان بمجرد أن لمسها. هل سيدوم ذلك الأمان؟ إن ذهبت إلى بيته ستدخل عالمه بعد أسبوع، وتعيش وسط بحر غضبه المطلاطم. وأنها عزمت أمرها، لن تفلت صمام أمان هذا الصلح إلا لو زفرت آخر أنفاسها.
أخرجتها جدتها الحنونة من شرودها وهي تقول:
"مالك يا زهرة؟ شاردة في إيه يا بنتي؟"
أجابتها بكلمة واحدة اختصرت كل تلك المشاعر التي اجتاحت قلبها:
"خايفة يا تيته."
كلمة واحدة كانت كسـكـ.ـين غرس في قلب حميدة الحنون. لم تستطع منع نفسها من جلب تلك المرتعبة إلى أحضانها. هي تعطيها كل الحق في خوفها ورعبها، هي لا تعلم شيئًا عن عاداتهم. عادت من غربة طويلة لتجد نفسها تحمل عبء ذنب لم تقترفه، ولا حتى أبوها. ولكن حميدة عزمت أن تحمي الصلح وتحمي تلك الصغيرة من أي شيء، لذلك قالت لها مطمئنة:
"زهرة يا بتي، أنا خابرة إنك مغصوبة على الجوازة دي علشان خاطر أبوك."
همت زهرة للتحدث، ولكن حميدة أكملت حديثها:
"متجوليش حاجة يا بتي، سبيني أكمل. أنا زي أي أم، نفسي أشبع من ولدي قبل ما أقابل وجه كريم، بس كمان يا بنتي، أنتي وأخواتك متقللوش في الغلاوة عن أبوك. والمثل بيقول: "أعز الولد ولد الولد". يا بتي، عاوزاكي تكوني عارفة ومتأكدة إن لا جدك ولا أنا ولا حتى عمك مهران كان هيرضى بالنسب ده إلا لما نكون مطمنين عليكي وعارفين إن سراج وعمك جاد وحتى نجيه هيعاملوكي زين."
وعلى ذكر نجيه، نظرت زهرة لجدتها بأعين مرعبة. علمت جدتها ما يجول في خاطرها، احتضنتها مرة أخرى وهي تمسح على رأسها وتقول:
"نجيه تبان شديدة وقاسية يا بتي، بس والله قلبها أبيض كيف الحليب، وأنا عاذراها في اللي بتعمله. هي أم قبل كل شيء، محروق قلبها على ولدها."
ثم أكملت حديثها بمحبة:
"وإنتي يا بتي، ما شاء الله عليكي واعية ومتعلمة وحلوة ولك عقل يوزن بلد. تعرفي إزاي تكسبى قلب نجيه وسراج، ومتخافيش يا بنتي، إحنا معاك دايما. وعمرنا ما هنسمح لحد يهينك أو يجرحك، وعمك جاد قبل منينا."
هدأ قلب زهرة بعد حديث جدتها المطمأن لها. نعم، هي يتيمة الأم، ولكن جدتها طمأنت قلبها ودلتها على طريق كسب قلب سراج ونجيه، أنها المعاملة الحسنة.
وعلى عكس ما كانت تغرسة الحاجة حميدة من ود وحب ومعاملة حسنة في حفيدتها، اجتمع ثلاثي الشر على غرس العداء مرة أخرى بين الأخوين. حيث بدأ جو بتنفيذ ما حاكته له دنيا بخطتها الخبيثة للتخريب، الصلح. حيث استدل على من يعاونه في ذلك. وها هي دنيا تصطحبه إلى ذاك المحترف في الإيذاء وضرب الشرف في مقتل، ليصنع صور فاضـ.ـحة لنور وهي مع جو، لكي تدمر علاقة نور بسليم، وتقع فريسة لجو الذي عزم أن يفعل أي شيء لينال تلك الفاكهة المحرمة عليه. إنها الشريفة نور الهلالي. أعطاهم ذلك المصور موعدًا بعد يومين، لكي يتم عمله الدنيء. انصرف جو ودنيا.
قال جو لدنيا:
"إنت واثقة إن الراجل ده هيخلصها من غير ما حد يشك إنها متفبركة؟"
أجابته دنيا بتأكيد:
"إطمني، ده أشطر فوتوشوب في الصعيد كله، وكمان دارس تصوير وبرامج كمبيوتر، يعني محترف. أهم حاجة عنده الفلوس، اديله اللي يطلبه. أنا معنديش مشكلة، أنا اديته خمسين ألف ويجيب الصور، وباخد الباقي."
تركت دنيا جو في بيت سعد أبيه، بينما أخذت أمها انتصار لكي تكمل خطتها وذهبت إلى بيت جاد الهلالي.
هتفت انتصار بعتاب زائف:
"كده يا نجيه؟ أكده سراج ياخد بنت اللي جتل أبوه؟ ده وعدك لينا يا نجيه. طيب وبنتي اللي ربطتيها بجارك السنين دي كلها ذنبها إيه؟"
جلست نجيه، بينما ألجمت لسانها كلمات انتصار المسمومة، وعبرات التماسيح التي تزرفها الحرباء دنيا.
قالت بقلة حيلة:
"وأنا في إيدي إيه يا انتصار؟ أنا لو عليا أولع في كل ولاد سلطان، بس إنتي خابرة جابر شديد ومبيرجعش في كلمة يجولها، وأنا قليلة الحيلة. وكمان سراج ماشي ورا كلام جده، وسلمى مغصوبة على الصلح ده."
ثم أكملت بقهر:
"أنا حاسة إن ولدي لسه مجتول النهارده، بعد الصلح ده ما تم، أكده دم ولدي ضاع يا ناس، وأنا واقفة أتفرج. حتى هيجيبوا بنت اللي جتلته تسكن معايا؟ أنا قلبي جايد نار يا ناس."
ثم انفجرت نجيه بالبكاء والعويل.
لوت انتصار ودنيا شفتيها بابتسامة ساخرة، وهي تقترب من نجيه وتربت على كتفها بزيف وتقول:
"خلاص يا عمتي، متعمليش كده في نفسك. حقك عليا."
ثم أكملت بفحيح:
"طيب يا عمتي، إحنا هنسكت لبنت جلال الهلالي تيجي تسكن وتبرطع وسطنا؟"
سخنت أنفس نجيه من كلمات دنيا المسمومة، بينما استطاعت أن تثير غضبها الأهوج وتثير ذكرى قتل ابنها. هتفت نجيه بغد:
"والله لوكيل لأكون مخلية عيشتها معانا هي والجحيم واحد، ويتموت نفسها. يا تفسد الصلح وتجول حاجة برقبتي."
ابتسامة منتصرة ارتسمت على وجه انتصار ودنيا، بينما علموا أن نجيه لن تترك هذا الصلح إلا وهي تنهيه.
مر الأسبوع، لا تعلم كيف مر بتلك السرعة، بين تجهيزات جناح العرس لكل عروس في بيت أهل العريس. بينما أصرت نور على أن تزف إلى ذلك المنزل الذي كانت تلعب فيه مع سليم في طفولتها. لم يمانع، ولم يرفض لها طلب. بينما كان هو وفضل من أسعد البشر على وجه الأرض، على عكس سراج وزهرة ورحيم وسلمى.
"مش هتشتري لعروستك حاجات وفستان الفرح يا سراج؟ وإنتي يا سلمى، ليه مشترتيش لسلمى حاجات الفرح يا نجيه؟ ولازم العرايس؟"
هتفت نجيه بغضب:
"فرح إيه اللي بتحكي عنه يا جاد؟ الفرح! والله لوكيل ما في فرح داخل بيتنا طول ما دم ولدي بينا وبين عيلة أخوك. كفايانا كده عار الصلح اللي راكبنا بسببك."
نزلت كلمات نجيه على أذن جاد وكأنها حمم بركانية، بينما توقع من هدوئها أنها رضخت لأمر الصلح، ولكنه لا يعلم بأن نارها كادت أن تهدأ لولا زيارة انتصار وابنتها التي نبشت نيران قلب الأم الذي يحترق على وحيدها. صمت جاد لأنه يعلم أنها أم مكلومة، قلبها على وحيدها.
هتف سراج وهم يتحدثون، بينما قلبت كلمات جدته المحترقة على أبيه كل موازين العقل الذي تحلى بها الأيام الماضية. اقترب من جده بأعين اشتعل بها نار الثأر بها مرة أخرى. هتف لجده بقليل من الغضب وهو يقول:
"جدتي معاها حق يا جدي. ما في أفراح هنا ولا أي حاجة. هما ياخدوا سلمى، وأنا آخد بنتهم وخلصنا."
انتشى قلب نجيه بالفرحة بعد كلمات سراج، بينما اعتصر قلب جاد من الحزن على صغيره الذي شب على ثأر طالبه من مظلوم، بينما كان القاتل أقرب ما يكون منهم. اقترب من سراج وهو يقول:
"أنا مش قولت لك يا ولدي، أخويا بريء من دم أبوك."
هتف سراج بعناد:
"اثبت يا جدي."
قال جاد بثقة:
"قريب قوي يا ولدي، هثبت لك ولك يا نجيه، وهجيب القاتل لك يا نجيه."
جاء اليوم الموعود. كاد قلب فضل أن يقفز من الفرحة. لم يصدق أنه وأخيرًا سيجتمع بمن هواها منذ الصغر، وأرغمه عشقها ألا يعشق سواها. انتظرها أعوام وأعوام، وحرم على قلبه عشقًا سواها. حتى حرقت نيران اشتياقه قلبه مرات ومرات، وها هي اليوم ستكون له. اليوم جهز لها جناحه، وجاء أهلها بجهازها، وجهزوا الجناح بملابسها وأشيائها وعطرها. وأخيرًا نبضت غرفته بالربيع، وأزهرت بعد أن سكنها صقيع الشتاء لسنوات.
طرقات تعالت على باب جاد. فتحت الخادمة الباب. دلفت بعد قليل الحاجة حميدة، التي اتخذت أولى خطواتها لتثبت قواعد الصلح بين العائلتين، وهي تسأل عن نجية.
"أمال الحاجة نجيه فين يا بتي؟"
"يا حاجة نجيه!" هتفت الخادمة.
خرجت نجيه بوجه عابث وهي تقول:
"فيه إيه يا بت؟"
أجابتها حميدة التي دلفت وخلفها العديد من الرجال والنساء الذين يحملون العديد من الحقائب، وهي تقول بمودة:
"إزيك يا خيتي؟ أنا جيت وجبت جهاز عروستنا لجل ما نفرش لها جناحها."
نظرت نجيه لها بغضب وهتفت في الخادمة:
"وصليهم أوضة سيدك سراج يا سعاد."
قالت حميدة بسماحة، بينما تعطي لها العذر:
"شكرًا يا خيتي."
شعرت نجيه بحرج من سماحة حميدة، التي لم تر منها طوال عمرها إلا الحب والعطاء والاحتواء. فهي كانت نعم الصديقة لها قبل أن يصبح العداء بينهم. قالت بتردد:
"البيت بيتك يا حميدة."
تعلم حميدة أن نجيه طيبة القلب، ولكن نار فقدان ولدها هي من تدفعها لأفعالها الظالمة.
وكما تم تجهيز جناح سراج وأشرفت عليه حميدة، على الجانب الآخر أشرفت رقية تجهيز جناح رحيم بكل شيء تخص هذا العرس له ولسلمى. كل شيء يخطر على بالها كذلك نور وأمل. وها هي أخصائية التجميل تضع لمساتها على وجه نور وأمل وزهرة. كما أرسل رحيم أخرى إلى سلمى، الذي بعثها مع جدته حتى لا تردها نجيه. وها هي أيضًا تضع لمساتها الأخيرة على وجه سلمى، التي كانت تشتعل من الغضب من ما فعله رحيم. هل يظنها عروس له؟ لا، لن تكون له حتى وإن قتلت نفسها.
انتهى الاحتفال الذي أقيم في بيت سلطان الهلالي، لذلك الفرح الجماعي الذي شهد على نهاية العداء بين العائلتين.
دلف فضل إلى غرفته التي سبقته أمل إليها مع عمتها راضية وأخته الودودة رحمه. عندما دخل الغرفة، قامت أمل من مكانها وهي تفرك يدها بتوتر. إنها كأي أنثى تخشى هذا اليوم، حتى وإن كان عمرها تجاوز الثلاثين. اقترب منها كالمغيب، ونظر لها بأعين عاشق، وهو يقول:
"مبروك يا أملي."
قالت بصوت خجول:
"الله يبارك فيك يا فضل."
هتف بلوعة عاشق أضناه عشقه:
"يا جلب فضل وعمر فضل وروح فضل."
أنهى كلماته بين شفتيها، ليقبلها أول قبلاته لها، وهو يتذوق تلك الشفاه التي طالما انتظرها وطال شوقه لها. ليبدأ معها أولى ليالي عشقه الذي صبر عليه سنوات، وأخيرًا فاز بها.
دلف رحيم بخطوات حذرة، لا يعلم ما هو رد فعلها، ولا يعلم ماذا ستفعل. قال لها بصوت أجش:
"إزيك يا سلمى."
قالت بغضب:
"كويسة."
اقترب منها وهو يقول بمزح:
"ما أنا عارف إنك كويسة."
مد يده، أزال طرحتها من على وجهها، واقترب منها. طبع قبلة على جبينها وهو يقول:
"مبروك يا سلمى."
ولكن ما فعلته ألجم لسانه، بل آخرسه حين أشهرت تلك السكين في وجهه، وهي تقول:
"بعد بعيد عني يا ابن الهلايلة، والله لو فكرت تجرب مني لجتلك."
دلف بهيبته الرجولية الخاطفة وجلبابه الصعيدي الذي أهلك قلبها منذ أن رأته. اقترب منها وهو يسألها بوجوم وملامح وجه غاضبة، وكأنها هي من قتل أبيه:
"مغيرتيش هدومك ليه؟"
نظرت له بأعين ملاها الرعب وهمست:
"مش عارفة أغير فين."
اقترب منها وقطع الإنشات الفاصلة بينهم، وهو يضغط على يدها ويجذبها إليه بغضب اشتعل في عينيه، بعد أن علم بهويتها وأنها ابنة جلال. وهو يهمس بفحيح:
"هتستهبلي عليا يا بنت جلال؟ الأوضة كبيرة والحمام قدامك، إيه مش عارفة؟ عارفة تغيري فين؟"
ثم أضاف بسخرية أهانتها وهو قاصد لها:
"ولا تكوني مستنية أفتح لك سوستة الفستان؟ أوعي تفكري نفسك عروسة."
ثم هدر لها بصوت غاضب:
"إنسي يا زهرة يا بنت جلال، إن يكون بينا حاجة. أنا بيني وبينك دم أبوي بيصرخ في جدك وأبوك."
دلف سليم إلى بيته الذي أعده وجهزه لاستقبال عروسه، الذي أرغم على عشقها ولم يعشق غيرها. دلف وهو يحملها. أنزلها ببطء. مسك وجهها بين يديه. مال على شفتيها، وأخيرًا التقاها بين شفتيه، ليتذوقها بعد أن حلم بتلك القلبو التي أفقدته عقله، وجعلت يداه تتحسس بفارغ صبر سحاب فستانها، وهو كالمغيب الذي ينهل من شهد شفتيها. فاق، وهي لم تعترض على طوفان حبه. فاق من نشوته على تلك الطرقات على باب المنزل وصوت نور تهمس بخجل:
"سليم، الباب بيخبط."
ذهب ليفتح الباب وهو يسب ويلعن بصوت خفيض وصل لسمعها. ابتسمت على غضبه. فتح الباب ووجد مظروف مكتوب عليه اسمه. التقطه وهو يفتح ذلك المظروف، وما سمعه عبر الهاتف وما رآه، أشعل نار قلبه. لو خرجت منه لحرقت العالم من حوله.
رواية ارغمت على عشقك الفصل الخامس عشر 15 - بقلم هيام شطا
ازيك يا عريس.. إيه رأيك في المفاجأة دي، حلوة مش كده؟
كان هذا صوت چو البغيض وهو يتحدث مع سليم.
صرخ سليم بغضب وهو يقول:
أنت جايب الصور دي منين يا كلب؟ أنت مفبركهم يا كلب! أنا هقتلك وأشرب من دمك.
ضحك چو بشر وهو يقول:
اهدأ اهدأ يا سليم بيه، الصور سليمة وزي ما أنت شايف إحنا مع بعض آخر انسجام وعملت معايا كل حاجة تتخيلها، والصور اللي في إيدك تثبت. وما تقلقش، أنا اللي في الصورة يعني مش جايبهم. حبيت أطمنك إنك هتتبسط.
صرخ سليم بغضب:
اخرس! نور الهلالي شريفة، محدش مسها.
توجس چو خيفة أن لا يصدقه سليم، أضاف آخر كلماته التي قلبت موازين عقل سليم:
لو مش مصدقني اسألها، مين اللي كنت ناوي تنزل معاه مصر عشان نتجوز وسط أهلها؟ أصلها الشهادة لله عملت معايا كل حاجة إلا الحاجة المهمة اللي تثبت إنها virgin، كانت مصممة إنها تحافظ على كده عشان أهلها الصعايدة.
نزلت كلمات چو على أذن سليم وقلبه، حرقت سمعه وقلبه، ولكن هناك شيء يمنعه من أن يصدق ذلك الخبيث.
دلف إلى الغرفة تحرقه كلمات چو وتلك الصور التي يحملها. نظر إلى نور وسألها سؤال واحد:
كنتي نازلة مصر مع مين يا نور؟
نظرت له نور باستفهام، بينما لا تعي عن أي شيء يسأل. قالت بتيه:
قصدك إيه يا سليم؟
اقترب منها بغضب وقبض على ذراعها بقوة وهو يغرس أظافره بذراعها ويقول من بين أسنانه وعيناه تشتعل بالغضب:
أنا بسألك سؤال واحد تجاوب عليه، كنتي نازلة مصر مع مين؟ وليه نزلتي قبل أبوك وأخواتك؟
أجابته بخوف وشفاه مرتعشة من نظرة الغضب:
نزلت... نزلت لوحدي يا سليم، وأنت اللي قابلتني في المطار.
رفع تلك الصور وضربها في وجهها وهو يصرخ بغضب أحرق قلبه وقلبها:
يعني مكنتش نازلة مع حبيب القلب ده!
التقطت الصور من يده ونظرت لها، بينما بهتت ملامحها من فاجعة ما رأت. تاهت أبجديات الكلام من قاموسها، بينما تقول بتيه وصدمة من هول ما رأته:
إيه الصور دي يا سليم؟ مين اللي جاب الصور دي؟
صرخ بها بينما أشعلت كلماتها غير المتزنة نيران غضبه:
اللي جاب الصور دي حبيب القلب اللي كنتي نازلة معاه مصر عشان تتجوزيه؟ ولما البيه ما نزلش معاك لقيتي البافل لسه مستنيك؟ قلتي ده أضمن وهيعمل لك اللي عايزاه، يبقى سليم أولى بيك وجو خلاص كده؟
حاولت أن تستوعب كلماته وتلك الصور الفاضحة التي ألقاها إليها، وكلماتها المبعثرة التي لم تستطع التحدث بعد. كلام سليم، انسابت الدموع من عينيها وهي تقول:
إيه الكلام ده يا سليم؟ أنا مش عارفة أنت بتقول إيه، والصور الموقرفة دي أنا معرفش عنها حاجة، والله يا سليم مش عارفة هو جابها منين.
صرخ فيها وهو يدفعها بقوة، سقطت من قوة دفعته أرضًا:
اخرسي! أنا شوفتك بعيني وأنتِ بترقصي معاه في روما وفي هدوم متفرقش كتير عن الصور دي.
قامت من مكانها، تعلقت في قدميه بقهر وهي تنتحب وتقول:
سليم افهمني، الموضوع مش زي ما أنت فاهم.
ركلها بقدمه ودفعها عنه، ونظر لها باشمئزاز وتركها وانصرف، تحرق خطواته الأرض وما عليها.
اقترب منها وهي تتراجع للخلف، بينما لمعت بعينيه تلك النظرة العابسة وابتسامة ملتوية ارتسمت على شفتيه. يقترب منها وهي تتراجع إلى أن حشرها بين الحائط وجسده العريض. أطبق بيده على تلك السكين وانتزعها من يدها بسهولة وهو يقول بتسلية:
بتقولي إيه بقى يا بنت الهلايلة؟
اشتعلت نظراتها:
ابعد عني انت سامع؟ أنا قلت إيه كويس.
قال بتسلية:
أنا ابن الهلايلة، وانتِ بنت مين؟
أنا... أنا... أنا...
أنتِ إيه؟ صمتت ولم تجب، بينما حشرها في الزاوية. اقترب منها، قطع تلك الإنشات الفاصلة بينهم، بينما استفزته تلك الشفاه التي تلقي بالحكم في وجهه. يريد أن يسكتها بطريقته، ولكن مهلاً، هو يهوى المصاعب وها هي تختاره، ترويض تلك الشرسة. قال بجدية وغضب لمع بعينيه:
إنتي بنت الهلايلة ومرت رحيم الهلالي، وماحدش يقدر يقول لرحيم الهلالي إعمل إيه ومتعملش إيه، وأنا لو رايدك لا إنتي ولا الهلايلة ولا الرواشد أخوالك يقدروا يحشونى عنك يا بنت الهلاليلة.
دفعته من أمامها، لكنه لم يتراجع. قبض على يدها بقوة وهو يقول:
قلتلك يا سلمى يا هلالي، أنا محدش يقولي أعمل إيه. إنتِ من هنا ورايح هتعملي اللي أقولك عليه.
نظرته الغاضبة أخرستها وملأ قلبها الرعب من انصرافه العاصف.
عاد بعد أن قال لها تلك الكلمات المسمومة، بينما نغزه قلبه كلما تذكر تلك الدموع التي هبطت من عينيها عندما قسى عليها بالكلمات. لا يعلم لماذا أفرغ غضبه، ولكن ماذا يفعل في قلبه الذي اشتعل بنارين؟ نار ثأر أبيه ونار دموعها التي أرغمت قلبه على العودة لها بعد أن تركها وانصرف. لماذا ألمه قلبه عندما رآها وبقايا دموعها على وجنتيها؟ اقترب منها ونظر لها بتساؤل. ترى لماذا وضعها القدر في طريقه؟ لماذا أنتِ مسالمة؟ لم تعترضي على أي شيء، لماذا رضخت لتلك الزيجة؟ وكيف ستصبرين على نار ثأره حين تشتعل في قلبه؟
فتحت عينيها حين شعرت بتلك الأنفاس على صفحة وجهها. فتحت عينيها، وجدت بنيتان ينظران لها برأفة. تنحنح بحرج حين اعتدلت في نومتها بخوف. لم يجد شيئًا ليقوله. نظر للطعام الموضوع على تلك الطاولة الذي لم يمسه أحد. قال لها برجفة ظهرت في صوته:
ليه مأكلتيش؟
نظرت له بدهشة على حالته المتقلبة، فمن أين كان يعصف غضبه بها ومن أين يخشى عليها من قلة طعامها. أجابته بهدوء وخجل وخوف:
مليش نفس.
قال لها بجدية:
قومي كلي أي حاجة. وثم أكمل بقسوة اصطنعها في صوته حتى يخفي ضعف قلبه الذي ظهر في عينيه:
كلي لقمة ولا عايزة تجوعي لهم. موتوني من الجوع.
انقضت الليلة على قلوب احترقت من نار عشقها وانتظارها، وزاد احتراقها حين لم تطفئه قربها، بل أشعلها نار الشك والغيرة، وأخيرًا الكره. كره سليم قلبه وأراد أن يقتلعها من صدره الذي يحترق. يحترق من عشقه لخائنة. صان حبها، تركته في الماضي، عاهد نفسه على بقائها في قلبه وبقيت ذكرى رحيلها على أمل اللقاء، وأرغم على عشقها دون بنات حواء. بينما هي خانته وعشقت غيره. خرج يهيم على وجهه في الأرض لا يعلم إلى أين يذهب، ولا يستطيع أن يصبر على تلك النيران التي تحرق، ولا يعلم ماذا يفعل. جلس وسط الأرض الممتدة حوله. صرخة متألمة صاح بها في سكون الليل، لعلها تخفف من نيران قلبه، وهو يتذكر تلك الصور وكلمات جو المسمومة. لماذا تركها ولم يقتلها؟ لماذا؟ ولماذا ومليون سؤال عصفوا برأسه. وأخيرًا، هوت قدماه على الأرض وافترشها ولم يستطع فعل أي شيء.
وكما اشتعلت نار سليم في قلبه، اشتعلت نار أخرى، ولكنها نار العشق بين قلوب صبرت طويلاً وانتظرت طويلاً. عشق فضل وأمل، ثمرة الصلح الحقيقي ونهاية ليلة لم يتهنى بها أحد سواهم. وأخيرًا دخل جنتها التي حلم بها سنوات. وأخيرًا أزهرت حقول قلبه بأنفاس غير منتظمة. جذبها لأحضانه وهو يطبع قبلة منتشية على رأسها ويتلمس نعومة خصلاتها الفاحمة وهو يقول بحب:
بعشقك يا أملي.
دفنت وجهها في عنقه من الخجل. سألها بخوف:
إنتِ كويسة يا قلبي؟
لم تقو أو تستطيع الحديث، بينما أومأت له برأسها وهمهمات خافتة خرجت عنها تدل على إنها بخير. احتضنها بعشق، يريد أن يغرسها بين ضلوعه، فهو لم يكد يصدق أنها وأخيرًا بين يديه.
أتى الصباح، عاد سليم بأقدام متخازلة ليقف أمام باب بيته الذي تركه وذهب بالأمس. عاد بملابس متسخة كصفحة نور التي تلطخت بما عكر صفواها، ووجه أغبر وشعر أشعث وهيئة مزرية. بينما أهداه عقله الذي تروى لدقيقة أن ينتظر ويبحث عن أصل تلك الصور، وأرغمه قلبه العاشق أن يصبر عليها حتى يعلم الحقيقة، فحبه وعشقه لها هو من أهداه للتروي وعدم افتعال ما يجب فعله في هذا الموقف. عاد وجدها تفترش الأرض بثوبها ودموعها أغرقت وجهها. عندما شعرت بحركته في الغرفة، أسرعت إليه وهي تهتف بلوعة:
سليم اسمعني، والله أنا مظلومة، والكلب ده أنا عمري ما كان بينا أكتر من صداقة عمل ومش عارفة هو عمل كده ليه. أنا مظلومة يا سليم.
يريد أن يصدقها، ولكن صورتها وهي تتمايل بين يدي جو ما زالت في عقله. أبعد يدها التي وضعتها على قميصه وأبعدها عنه وهو يقول بقسوة:
اعملي حسابك، إحنا هنقعد هنا أسبوع وبعد كده هنرجع قصر الهلالي وهنفضل هناك، وأنا وإنتي مفيش بينا أي حاجة إكرامًا لعمي وجدي وبس، إنما إن كان عليا كنت هقتلك وأغسل عارك.
أيوه يا ولدي، إنت فين دلوقتي؟
أنا في أسوان يا حاج جاد، سعد هنا هو والخواجة اللي قاعد عنده ومع عثمان الغفير يا حاج جاد.
قال جاد بحزم:
عينك ما تغبش عنهم يا ولدي، وشوف عثمان ساكن فين في أسوان وبلغني. أو بلغ رحيم، بس حذار يا ولدي أنهم يغيبوا عنك.
اطمن يا حاج، هما تحت عيني.
أغلق جاد المكالمة وحدث نفسه:
وراك إيه يا سعد وعثمان الغفير؟ كتف بكتف ليه يا سعد؟ شكل نعشك عثمان هو اللي يدق فيه أول المسامير؟ وهيبقى مفتاح حاجات كتير. استعنا على الشقي بالله.
رواية ارغمت على عشقك الفصل السادس عشر 16 - بقلم هيام شطا
جلست على فراشها في الصباح، لا تعلم ماذا أصابها أو أصابه. إنها لعنة اسمها چو.
ذلك الخبيث الذي ظنته يومًا ما صديقها الصدوق، استأمنته على كل حياتها. عاشت معه ثلاث سنوات كان فيها نعم الأخ والصديق، فما تحول إلى ألد الأعداء وأقذرهم.
خرجت تبحث عن سليم لكي تحدثه بهدوء. ولكن عن أي هدوء تتحدث؟ هو حتى لم يطق أن يبقى معها في ذلك المنزل. خرجت من الباب تبحث عنه، ولكنها لم تجده.
دخلت إلى المنزل مرة أخرى. فتحت خزانة ملابسها، أخرجت فستان صيفي طويل يصل إلى كاحلها، يلتف من الخصر حول جسمها يبرز جمال ورشاقة قدها، بنصف أكمام.
أخذت دشًا باردًا لكي يزيل عنها القليل من الهم الذي ملا قلبها في أهم وأسعد يوم في حياتها. خرجت وهي ترتدي ملابسها وترتب أفكارها. نعم، لقد شلت تلك الصدمة تفكيرها، ولكنها نور الهلالي القوية التي استطاعت أن تحي عشرين عامًا في الهجرة والمطاردة من بلد لأخرى. وصمدت وتحملت وبنت شخصيتها القوية. لن تدع ذلك الخبيث يدمر لها حياتها وينهي حب سليم من قلبها أو قلبه.
وأولى خطواتها هي الاتصال بذلك الندل.
مسكت هاتفها وانتظرت جوابه.
كان يجلس في شرفة تلك المضيفة التي يعيش فيها في بيت سعد أبيه، ينتظر ما سيفعله سليم مع نور. علا صوت هاتفه. نظر له وطار عقله من الفرحة حين وجد اسمها يزين شاشة الهاتف. فتح الهاتف بسرعة ظنًا منه أنها ستلجأ له وأن سليم تركها دون أن يخبرها بشيء. أجاب بلهفة.
"أيو يا نور."
أجابته بكره وغضب.
"انت يا حقير يا زبالة يا واطي! إيه الصور اللي انت عملتها دي يا كلب؟ دي آخرة صدقتنا، يا خسارة. كنت فاكرك صديق وأخ، طلعت أحقر إنسان أنا عرفته."
ثم أكملت بشراسة: "أنا أنثى قوية لا تهزمها المواقف أو الظروف، بل تخرج منها قوية. أنا كدا عرفت إنك إيه، انت مجرد حقير شيطان كان كل همه إزاي يوصلي. ولما مقدرش يوصلي عمل اللعبة القذرة دي علشان يفرق بيني وبين جوزي. اسمع يا چو، أوعى تفتكر إني ضعيفة أو هسمح للعبة القذرة دي إنها تهد بيتي. لأ، فوق. أنا نور الهلالي وهثبت لسليم إن مفيش حاجة بينا. وانت أحقر إنسان قابلته وهحافظ على بيتي."
كانت تتحدث بثقة، ولكن نبرة صوتها علت رغما عنها. وفي آخر كلماتها سمعها سليم حين عاد إلى المنزل، وكانت هي تنهي كلماتها مع جو.
دلف إلى البيت بخطى هدأت نيرانها قليلاً، وراود قلبه الظنون. أتكون مظلومة؟ هو سمعها وهي تسب چو، وأيضًا توعده وتتحدث بثقة أنها ستحافظ عليه وعلى بيتها. اختلج قلبه بفرحة، ولكنه لم يصدقها. وراودته ظنونه مرة أخرى. هي من زرعت الظنون في قلبه، وهي التي تقدر على قتلها وزرع الثقة مرة أخرى. وهو عاشق يعشقها ويجن من غيرته عليها.
وقف أمامها ونظر لها نظرة خالية من أي تعبير، وهو يقول: "جهزى، والبسي حاجة تانية غير الفستان ده علشان هييجوا كمان شوية بالصباحية." ثم أضاف: "هاكما يا عروسة."
هم أن ينصرف ويدخل إلى غرفته، لولا يد نور التي منعته من السير. جذبته من يده ووقفت أمامه وهي تقول: "سليم."
يا الله، لما لا يستطيع منع تلك الرجفة التي تغزو قلبه حين تهمس باسمه. تمسك بجمود ملامحه وهو يجذب يده من يدها ويكمل طريقه إلى الغرفة لكي يستحم، لعل يطفئ الماء نار شكه ونار تلك الصور التي لن يتركها إلا ويعلم أصلها. ويا ويلها إن كانت حقيقية، ويا ويل چو إن تجرأ وخاض في شرفها. سيحرقه ويحرق أبيه الذي تطاول على شرف نور الهلالي.
وقفت خارج الحمام تنتظره. أخذت تجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا، تريد أن تتحدث معه. قلبها يحترق لاحتراقه، وأيضًا هيئته التي دخل بها عليها وكأنها أتت من جحيم. شعره أشعث، ملابسه متسخة. ناهيك عن تلك الدموع التي ملأت عينيه. انشق قلبها لأجله، وأقسمت أن تداوي جرحه وتعيد ثقته فيها مرة أخرى. وأخيرًا اتخذت قرارها وبكل جراءة دخلت عليه الحمام وهو واقف تحت الماء.
عندما رأته بهيئته التي كان عليها، لامت نفسها ألف مرة. عادت أدراجها لكي تخرج، ولكن سبق السيف العزل كما يقولون. حين قال سليم: "إيه اللي مدخلك هنا؟"
تلعثمت في الكلام وقالت: "اصلي... كنت... يعني..."
جذب منشفة كبيرة ولف بها خصره وهو يقول: "اصلك إيه؟"
اقتربت منه بجراءة ووضعت يدها على موضع قلبه وهي تقول بحب: "عاوزة أتكلم معاك يا سليم."
صمت ولم يجبها. أكملت حديثها حين لمحت ذلك الضعف في عينيه من قربها له.
"أنا بحبك يا سليم وعشت عمري كله محافظة على حبي ليك، وعمر ما في حد دخل قلبي غيرك يا سليم."
نظر لها، بينما هدأت نيران عينيه. وظنت أنه هدأ مثلها. قطعت تلك الأنات الفاضلة بينهم واقتربت منه وهي مازالت تضع يدها على موضع قلبه وهي تقول بهمس: "صدقني يا سليم، أنا بحبك وعارفه إنك بتحبني وعارفه إن مفيش غيري هنا يا سليم."
وفي عز نشوتها، بينما ظنت أنها نجحت في أن تجعله يلين لها بعض الشيء، اقترب منها وظنت أنه سيقبلها. انحنى بطوله أمامها وهو يقول بغضب ظهر في صوته الخفيض: "وأنا عند كلمتي يا نور. وابعدي اليومين دول عني لحد ما أعرف أصل الصور وأعرف مكان الكلب اللي مصاحبه. اتجى شرى أنا لحد دلوقتى شارى خاطر جدى وعمي، إنما إن كان عليك فا أنا شوفتك وانتي معاه في روما وميفرقتش كتير عن الصور دي. بس قلبي اللي كان بيحبك هو اللي خلاني أنسى. بس خلاص يا بنت عمي، أنا فقت."
نفض يدها عنه وخرج وتركها خلفه تتجرع كأس الخذلان من أفعالها الهوجاء.
تعالت الزغاريد في بيت زهران راشد. لقد أتت حميدة الهلالي ونساء ورجال الهلايلة بالصباحية لعروس الهلايلة الغالية أمل الهلالي. دلفوا إلى البيت، استقبلتهم راضية وزهران بالود والمحبة. وأخيرًا خطت خطوات أخيها سلطان داخل بيتها. لم يغمض له جفن طوال الليل، ظل ينظر لها لا يصدق أنها أخيرًا بين يديه. دخل نعيمها وتذوق شهدها. همس بعشق لها: "أمل اصحي يا جلبى." "أملي اصحي يا روحي." أخذ يقبل وجهها مع كل همسة له باسمها. وأخيرًا تململت في نومها وهي تقول: "سبني أنام شوية يا فضل."
هل قفز قلبه من مكانه حين همست باسمه. "عيون فضل وقلبه، اصحي يا قمر الهلالية. أهلك وصلوا. قومي علشان نقابلهم وابقي كملي نوم يا قمر."
هبت من فراشها حين وعيت على حديثه وهي تقول بتلعثم: "أهلي وصلوا... أنا... أنا..."
ضحك على ارتباكها ووجهها الذي تخضب بالأحمر من خجلها. جذبها من يدها وقال لها بحنان: "اهدئ، اهدئ يا حبيبتي. ادخلي خدي دش وأنا هنزل أستقبلهم مع أبوي وكمان شوية هبعتلك الحريم."
أومأت له بالموافقة، بينما كادت أن تنفلت من بين يديه وتذهب إلى الاستحمام. جذبها إلى صدره وهو يقول بوقاحة لم تعهدها في فضلها: "كده على طول من غير ما تصبحي على عريسك؟"
وقفت كالبلهاء لا تعلم ماذا تفعل. وقبل أن تجيبه، انحنى ليأخذ شفتيها في قبلة أذهبت عقله وفصلته عن العالم إلا عالمها المزهر بورود حبه. وضعت يدها على صدره تدفعه لكي يبتعد عنها. وأخيرًا فك أسر شفتيها. قالت بخجل: "فضل، انزل يلا."
وكيف له أن يتركها وقد سرقت قلبه وكيانه وأرغمته أن يعشقها هي وحدها ويبقى أسير عشقها؟
انقضى اليوم وها هي حميدة تودع ابنتها بعد أن اطمأنت عليها، ليذهبوا إلى زهرة. حملوا الكثير والكثير من الأشياء، وصلوا إلى بيت جاد الهلالي الذي قابلهم بالترحاب والوجه البشوش وهو يهتف بمحبة: "يا دي النور، نورت الدوار يا سلطان." احتضن أخيه بمحبة واحتضن مهران وجلال وهو يرحب بهم. بينما تعالت الزغاريد. إلا أن صياح نجية الغاضبة أخْرَسَت رقيه التي قالت بمحبة: "جرى إيه يا مرت عمي؟ ألف مبروك للعرسان النهاردة صباحيتهم."
قالت نجية: "بكرة أنا معنديش عرسان ولا صباحية يا رقيه."
صاح جاد بغضب: "نجيييييييييه!"
صمتت على غل مجبرة، فهي تخشى غضبه وتخشى ثورته. صمتت رغما عنها، ولكنها توعدت أنها ستخلص كل ذلك من ابنتهم زهرة.
اقترب منها يريد أن يفيقها. ماذا يفعل؟ يناديها باسمها لكي تستيقظ. اقترب منها وهو يقول بصوت جاد: "زهرة، زهرة، قومي أهلك جم."
فتحت عيناها. نظر لها، بينما خانته عيناه ليتأمل حزنها وعيناها المنكسرة. اقترب منها وقال: "قومي غيري هدومك علشان تقابلي أهلك."
قالت بطاعة: "حاضر."
لم تغضب ولم تعصه أمره ولم تعترض عليه. اشتعل غضبه من هدوئها وطاعتها. قال لها بغضب: "اخلصي يلا وحصليني."
"حاضر."
انصرف وهو يشتعل من الغضب منها ومن طاعتها له وعدم اعتراضها على أي فعل له. يريدها أن تغضب أو تثور، ولكنها أخذت عهدًا على نفسها لن تفسد هذا الصلح حتى وإن خسرت حياتها.
انصرف أهلها بعد أن طمأنتهم عليها. قالت حميدة بحب ولهفة لكي تطمئن على زهرة: "انتي زينة يا بنتي؟" أجابتها ببسمة هادئة: "أنا كويسة يا جدتي، متقلقيش عليا." دعت لها وهي تنصرف: "ربنا يعمر بيك يا بنتي ويهدي سرك يا بنتي."
ودع جاد سلطان وهو يقول: "إحنا هنحصلك بصباحية. سلمي يا خوي." "تنور يا أخوي."
ابتسامة منتصرة رسمت على وجه رحيم وهو ينظر له بانتصار. حين استيقظ ووجدها تأخذ طرف الفراش ملاذًا لها بعد أن أرغمها على النوم بجانبه. وقتها ارتعبت من أمره الذي قاله بغضب حتى يخيفها.
"رايحة فين يا سلمى؟"
"ملكش صالح بيا."
قال بمكر، بينما علم أنها تبحث عن شيء لتنام عليه: "بتدوري على حاجة؟"
"قالت بنفاذ صبر: "بدور على حاجة أنام عليها."
قال لها بمراوغة: "وتدوري له السرير واسع أهو."
قالت بغضب: "أنا استحالة أنام جنبك."
اقترب منها وهو يرسم قناع الغضب والجدية على وجهه وهو يقبض على يدها بقوة.
"بقولك إيه يا سلمى، أنا مش ناقص مناهدة وكتر حديت." جذبها بغضب اصطنعه في صوته حتى تخاف وقال: "انتي هتتخمدي هنا وأنا هنام الناحية التانية. وحسك عينك تقومي إلا ويمين بالله لندمك إنك قومتي من مطرحك. أنا مبحبش أقول الكلام مرتين." ثم صاح بغضب: "مفهوم؟"
أومأت له بخوف وهي تقول: "حاااااااضر."
اقترب منها وقال: "سلمى، قومي عمي جاد جه وأهلك كلهم تحت."
نظرت له بأعين غاضبة ولم تجيبه. قامت وهي تدفعه بعيدًا عنه.
"ابعد عن طريقي."
ضحك بصخب عليها، بينما استفزته تلك القصيرة ذات الوجه البريء الغاضب دائمًا وشعرها الفاحم الذي أثاره من أول يوم رآه فيها. جذبها من يدها. ارتطمت بصدره. همس لها بتسلية: "صباحية مباركة يا عروستي."
جلست مع جدتها. قالت لها نجية: "انتي زينة يا سلمى؟" "أنا كويس يا جدتي." "ابن مهران قربلك يا بنتي؟" "متخافيش يا جدتي لو قربلي كنت لقيتيني ميتة."
"جدعة يا سلمى. أوعي تنوليه اللي هما عايزينه."
غضبت بسمة من تحريض جدتها لسلمى. جذبتها حين انصرافهم وقالت لها: "أوعي تسمعي كلام جدتك يا سلمى. رحيم شكله راجل زين وهيصونك مش زي الندل اللي سابك وفضحك عند أخوك. واحمدي ربنا إن رحيم نجدك من يد سراج يومها. خليكي عاقلة يا بنت أمي وأبوي."
انصرف الجميع وذهبوا إلى بيت سليم الذي استقبلهم أيضًا بالترحاب، وأخفى هو ونور كل شيء. وكانوا أمامهم وكأنهم أسعد زوجين.
انقضى اليوم وها هو سليم يأخذ الصور ويذهب بها إلى ذلك المحترف في التكنولوجيا لكي يعلم هل هي مفبركة أم أصلية.
قال بجدية: "الصور دي محدش يعرف حاجة عنهمم يا سمير."
"اطمن يا سليم بيه، أنا هعرف هما أصليين ولا لأ وأرد عليك."
شدد عليه أن يكون الأمر سرًا بينهم، وهو أكد عليه أن الأمر سيبقى بينهم.
"الو چو بيه."
"انت مين يا أخينا؟"
قال بفحيح: "أنا سمير اللي ضارب لك صور نور مرات سليم الهلالي. وسليم باشا جاب ليا الصور دلوقتي علشان أقوله هما متفبركين ولا لأ."
بهت وجه چو مما قاله ذلك المصور. سأله بلهفة: "وانت قلت له إيه؟" أجابه بمكر: "أنا لسه مقولتش. انت إيه رأيك أقول له إيه؟"
رواية ارغمت على عشقك الفصل السابع عشر 17 - بقلم هيام شطا
انت مين يا اخينا.
أجاب بفحيح: أنا سمير اللي ضارب لك صور مرات سليم الهلالي.
والباشا لسه ماشي من عندي، عاوزني أعرف الصور متفبركة ولا لأ.
بهتت ملامح چو مما قاله ذلك المصور.
سأله بلهفة: وانت قلت له إيه؟
أجابه بمكر: أنا لسه ما قلتش. انت إيه رأيك؟
ابتلع چو لعابه بصعوبة، فهو عرف أن ذلك الحقير يساومه.
سأله بتوجس: طلباتك؟
أجابه سمير بمراوغة: شوف انت تمن شرف بنت ومرات كبير البلد يبقى بكام.
أجابه چو بنفاذ صبر، فهو من وضع نفسه بين المطرقة والسندان وعليه أن يخلص نفسه منها: نقول مليون جنيه.
ضحك سمير بصخب وقال بقليل من الغضب الذي بدأ يظهر في صوته: بقولك شرف مرات كبير البلد وحفيد سلطان الهلالي، مليون جنيه إيه يا راجل.
هتف چو بغضب من احتراق أعصابه من ذلك البارد المستفز الذي يساومه: عاوز كام، اخلص.
اتنين مليون دولار يا خواجة.
وأظن مبلغ زي ده مش هتغلب تدبره.
أجابه چو بتردد: خلاص، اديني مهلة أجهز لك الفلوس.
متتأخرش عليا يا خواجة، أنا ممكن أطلب من سليم الهلالي قد المبلغ ده مرتين وهو مش هي مانع إني أقوله دي لعبة ملعوبة عليك وعلى مراتك وهيدفع لي اللي أنا عاوزه وشوف هيعمل فيك إيه لما يعرف إنك مفبرك الصور.
ابتلع چو لعابه بصعوبة وقد عرف أن لا مخرج من تلك المعضلة إلا بدفع المال لذلك الذي لم يضعه في الحسبان.
هتف: بكرة.
خلاص يا أخينا، انت قلت هدبر المبلغ وهبعت لك.
متتأخرش، قدامك أسبوع بالكتير.
حاضر.
وقف أمام المرآة يهندم ملابسه وينظر بطرف عينه عليها.
مازالت تتخذ تلك الأريكة ملاذاً لها منه ومن تلك الحياة التي وجدت نفسها فيها بين ليلة وضحاها.
تنحنح يجلي صوته لكي تنتبه له.
نظرت له بعينيها البريئة.
قال لها: مش هتنزلي تفطري؟
أجابته بخجل أذاب قلبه: مليش نفس.
قال لها بجدية: مافيش حاجة اسمها كدا، يلا انزلي معايا افطري.
ثم أضاف بسخرية حتى لا تفضحه نبرة صوته الخائفة عليها: ولا عاوزة جدك وأبوك يقولوا موتناك من الجوع.
نظرت له بموجبها الأزرق، بينما لمحت في عينيه نظرة جديدة عليه وعليها ترى هل هو مهتم.
لم تجبه وظلت تنظر له بعينيها التي تلقي عليه تعويذة سحرها الصامت.
ارتبكت نبرة صوته وهو يقول بغضب مصطنع: هستنى كتير، أنا همي يلا وحصليني علشان نفطر.
خرج من الغرفة وهو لا يكاد يصدق ماذا تفعل فيه تلك الزهرة بصمتها وهدوئها القاتل.
صباح الخير يا خوي، واقف كدا ليه.
أخرجته بسمة من شروده بسؤالها.
حاول أن يستجمع شتات تفكيره وهو يقول: مفيش يا حبيبتي، أنا نازل علشان أفطر.
سألته بعفوية: وزهرة مش هتفطر؟
أجابها بحيرة، فهو لا يعلم أن كانت ستطيعه أم لا: مش عارف يا بسمة، هي حرة.
قالت بسمة بقليل من المرح، هي تعلم أن أخيها حنون مراعٍ لا يحب الظلم، ولكن حديث جدته المشحون بطاقة الكره هو من يفعل به الأفاعيل ويفرغ غضبه في تلك الصامتة المستكينة.
طيب إيه رأيك تنزل انت وأنا هجيبها نفطر كلنا سوا.
انفلتت الكلمات منه بفرحة: بجد هتعرفي تنزليها يا بسمة.
وعى على حاله بينما فضحته فرحته.
تدارك موقفه وهو يقول بإرتباك: أصلها يعني مأكلتش حاجة من امبارح واخاف يحصل لها حاجة، جدة وأبوها ما يصدقوا ويقولوا إحنا السبب.
تصنعت بسمة الجدية وقالت بمكر حتى لا تزيد من خجل أخيها: طبعاً يا أخوي، إحنا مش ناقصين مشاكل.
طرقات ناعمة وصوت بشوش سمعتهم زهره حين انتهت من ارتداء ملابسها.
زهره ممكن أدخل.
قالت زهره بسماحة: اتفضلي.
دلفت بسمة إلى الغرفة بوجه بشوش وهي تقول بمرح: إيه يا عروسة، انتي هتفضلي كدا كتير في الأوضة، مش عاوزة تتعرفي على الناس اللي في بيتك ولا إيه.
قالت زهره بخجل وصوت مرتبك: لأ ابداً، أنا بس معرفش حد.
نعرفك علينا يا ستي، أنا بسمة أخت سراج الصغيرة، آخر العنقود زي ما بيقولوا.
ثم مسكت يد زهره وهي تجذبها خلفها بمرح تغادر الغرفة وهي تقول: تعالي بقى أعرفك باقي العيلة.
جرت زهره تحاول أن تواكب خطوات بسمة السريعة إلى أن وصلت إلى السلم.
تباطأت خطواتها قليلاً ثم همست لزهره بجدية مصطنعة: وقالت: هش، إحنا لازم ننزل بكل وقار وإلا الحاجة نجية هتقول عيني بنات قلالات الحيا.
قالتها بطريقة مسرحية جعلت زهره تبتسم وأيضاً يستريح قلبها، فها هي وجدت أولى صديقاتها في ذلك البيت التي ظنت أنها ستحيا به حياة السجناء.
نزلت برفقتها ومازالت تلك الابتسامة تنور وجهها وتزيد من توهج زرقاتها.
دلفت إلى غرفة الطعام بصحبة بسمة.
نظر لها سراج بقلب تقافزت دقاته ما أن لمح آثار تلك البسمة على وجهها.
هتفت بسمة بمرح: شوف يا جدي، أنا جبت مين يفطر معانا.
تهلل وجه جاد بمحبة، قام من مكانه واحتضن زهره وبسمة وهو يقول: نورتي السفرة يا مرة الغالي.
ثم نظر لسراج وقال بأمر: اقعد مراتك جنبك يا سراج يا ولدي.
تخضب وجه زهره بالاحمر القاني حين قام سراج وسحب ذلك المقعد بجواره حتى تجلس فيه وهو يقول: اتفضلي.
أخيراً سمع صوتها وهي تقول: شكراً.
دلفت في ذلك الحين نجيه.
قالت بغضب ظهر في صوتها بالرغم من أنها حاولت إخفاءه: يلا يا بت يا سعاد، همي حطي باقي الأكل بدل الدلع الماسخ ده.
تغير وجه زهره إلى ملامح الخوف.
مالت عليها بسمة تقول لها مطمئنة: متخافيش، جدتي تبان واعرة بس هي طيبة.
انتهى الطعام وهم سراج الانصراف مع جده المصنع والشركة.
قال جاد لزهره التي جلست صامتة بعد تناول الإفطار: زهره يا بنتي، وصلي جوزك للباب.
قالت بصوت متلعثم: حااضر.
ثم صمتت.
اقترب جاد منها وقال لها: جدي أنا جدك زيي زي سلطان يا بنتي.
ثم رتب على شعرها بحنو.
قال: الطاعة حاضر يا جدي.
قامت ومشت بجانب سراج إلى أن خرج من باب المنزل.
قال وهو خارج: خلاص يا زهره، ارجعي انتي.
هل نطق اسمها دون غضب؟ لم تصدق.
هل هدأ غضبه قليلاً؟
أومأت له بينما تجرأت وبدأت تنفذ كلمات جدتها أنها ستكسب ودهم بالحب والطاعة.
قالت بجرأة لم تعهدها في نفسها: مع السلامة يا سراج.
تركته وعادت مسرعة إلى بسمة التي كانت تراقبها.
همست لها بسمة بشقاوة: مالك يا زهره، اللي يشوفك ويشوف حمار خدودك يفكر أن سراج كان بيحب فيك.
صمتت لم تجب وزاد احمرار وجهها وتلك البسمة البلهاء مرتسمة على وجهها.
بينما تصنم سراج في مكانه لا يعي أنها نطقت ودعت له بالعودة سالماً.
فاق على صوت جده وهو يمزح معه ويقول: يلا بينا يا ولدي، مالك متخشب كدا ليه، أمّال لو قالت لك وحشتك يا سراج هتعمل إيه.
هتف بغضب لجده: وه يا جدي، وأنا عملت إيه.
انفجر جاد ضاحكاً على حنق حفيده المصطنع وقال بجدية حتى لا يزيد خجل حفيده: هم بينا يا ولدي نشوف مصالحنا.
انطلق سراج ولكن قلبه يرفرف حوله ولا يعلم ما سر تلك الرجفة وتلك الفرحة.
وقفت نجيه بينما اشتعلت عيناها من الغضب من حسن معاملة جاد لابنة قاتل ابنها.
كيف له أن ينسى ثأر ابنه وكيف يضحك في وجهها والأدهى أن سراج أيضاً يعاملها بود.
اقتربت من بسمه وقالت بغضب: بسمة بتعملي إيه عندك.
قالت بسمه بود: واقفة مع زهره يا جدتي.
ثم أكملت: إيه رأيك يا زهره تيجي معايا المطبخ أعلمك الأكل اللي سراج بيحبه.
قالت زهره بطيبة: أنا بعرف أطبخ كل الأكل المصري.
بجد بتعرفي.
وقبل أن تجيب زهره صاحت نجيه بغضب وصل لزروته: بسمة! انتي هتفضلي تحكي كتير مع بنت قاتل أبوك.
وكأنها قنبلة صمتت آذان سلمى وزهره.
اقتربت نجيه منهم وهي تهتف في زهره: وانتِ يا بنت جلال، انتِ في البيت ده مش أكتر من اتفاق، يعني أهلك باعوكي ليا قصاد تار ولدي، وأنا مش طايقة أشوف خلقتك يا بنت القاتل.
انفلتت الكلمات من بين شفتي زهره التي فاض بها الكيل من معاملة تلك المرأة.
هتفت بدفاع عن أبيها: أنا بابا مقتلش حد، روحي شوفي مين اللي قتل ابنك.
أشعلت كلماتها نيران نجيه التي جذبتها من خصلات شعرها وسط زهول سلمى وهي ترى جدتها بتلك الشراسة والكره.
وقفت بسمة تدافع عن زهره بكل ما أوتيت من قوة ولكن نجيه كانت الأقوى حين دفعت بسمة وجذبت زهره من خصلات شعرها وزهره لا تعلم كيف تتخلص منها وتصرخ بسبب الآلام الذي اجتاح فروة رأسها.
قالت بقهر: حرام عليكي، أنا عملت فيك إيه.
أجابتها نجيه بكره: انتي بنت اللي قتل ولدي.
لازم أحرق قلب أبوك عليكي.
ولو عاوزاني أسيب أبوك في حاله، موتي نفسك علشان قلب أبوك يتحرق عليكي زي ما قلبي محروق على ولدي.
دفعتها مع آخر كلماتها في تلك الغرفة المظلمة ثم دفعت لها ذلك الحبل وهي تقول بغضب: سافري، اشنقي نفسك وأنا ناري تبرد.
تعمقت بسمة في يد جدتها وهي تصرخ ببكاء: افتحي لزهره يا جدتي، حرام عليكي.
دفعتها نجيه خارج تلك الغرفة وقفلتها على المرتعبة التي تحاسب على ذنب لم تقترفه.
هتف بإسمها لكي يزيد من غضبها، فهو يهوى مشاكستها: سلمى، تعالي معايا الجنينة.
لم تجيبه.
أعاد نداءه مرة أخرى: سلمى بكلمك.
قالت رقيه بود: ردي يا بنتي على رحيم.
قالت بوقاحة: مش عاوزة أرد.
اقترب منها بينما بدأت تشعل غضبه من وقاحتها مع أمه، ولكن رقيه تعلم أنها مجبورة على تلك الزيجة واختارت أن تعاملها معاملة حسنة حتى تكسب ودها، وهذا ما أوصت ابنها عليه.
حين اقترب منها بغضب همست له: خدها بالمسيسة يا ولدي، مهما إن كان هي متعرفناش.
لا ينكر أن كلمات أمه هدأت غضبه.
بينما أحست سلمى بمدى حقارتها وهي تعامل كل من في البيت بكره، بينما يقابل الكل معاملتها بحب.
اقترب منها وزاد التسلي معها عندما جذبها من ذراعها وهو يقول ببساجة: تعالي يا حبيبتي اقعدي معايا شوية في الجنينة، إحنا مش عرسان ولا إيه.
دفعت يده عنها بغضب وهي تقول: لأ، مش عرسان وعمري ما هكون عروستك.
وقبل أن تنهي كلماتها التي تثير غضبه، دفعها إلى ذلك الركن بعيداً عن أعين أي أحد وانقض على شفتاها التي تقذف حمم بركانية في وجهه، يسكتها بطريقته.
قاومته في بادئ الأمر ولكن سرعان ما تحولت قبلته من الغضب إلى قبلة عاشق يتذوق أول قبلة لشفاه عاصية عليه.
كان يظن أنها عقاب لها ولكنه أيقن وهو يتذوقها أنها عقابه وإدمانه الذي أن يتركه.
تمهل في قبلته بينما هي تخدر جسدها بين يديه وضاعت كل مقاومة لها، أين إرادتها، أين كرهها له، لم يعد هناك إلا تلك الرجفة التي أصابت قلبها.
فاق من تشوته وهي تدفعه، بينما تعلى صوت هاتفها لكي تنزل هو وهي من فوق تلك الغيمة الوردية.
سمح لها أن تبتعد أنشات قليلة لكي تجيب على هاتفها، بينما مازال يحتجزها بين يديه.
أجابت بأيدي مرتعشة على أختها بسمة التي صرخت ببكاء: سلمى، الحقيني، جدتي حبست زهره في المخزن وقالت لها تموت نفسها وسراج ولا جدي بيردوا على التليفون.
الحقيني يا سلمى.
كان صراخ بسمة يعلو خارج الهاتف واستمعها رحيم.
قالت سلمى بخوف: الحق زهره يا رحيم.
لا تدري لما ارتعبت خوفاً عليها أم ارتعبت خوفاً على جدتها أن تلوث يدها بدماء فتاة لا ذنب لها.
قال رحيم: أهدي، أنا هتصرف.
خدني معاك.
صاح بغضب: أنا هروح لوحدي.
جرى على الباب الذي وجد عنده فريد وعمه جلال.
ارتبكت كلماته حين قال جلال بقهر حين استمع لسلمى وهي تهتف: الحق زهره يا رحيم.
قال بقلب أب احترق على صغيرته بينما تركها وحدها تدفع ثمن شيء لم تقترفه.
مالها زهره يا رحيم.
مالهاش يا عمي، زهره بخير.
لا، يا ولدي أنا سمعت كل حاجة.
جدي معلش، كمل انت للمصنع، أنا نسيت التليفون، نزلني هنا وأنا هرجع أجيبه.
قال جاد بجدية: خليك يا ولدي، نشيع أي حد من المصنع يجيبه.
لأ يا جدي، أنا هروح أجيبه وأحصلك.
عاد سراج إلى المنزل وقبل أن يدخل سمع صراخ بسمة أخته وهي تترجى نجيه.
حرام عليكي يا جدتي، ذنبها إيه زهره.
جرى على مصدر الصوت، أنه مخزن الحبوب.
وقف بينما لجمت الصدمة لسانه حين وجد أخته متعلقة في يد جدتها ترجوها ببكاء هستيري.
وجدته تهتف: بكره في تلك المرتعبة خلف الباب، لو عاوزة الدم اللي بينا ينتهي يا بنت جلال، اقتلي نفسك وتبقى أنتِ فدو أبوك.
لم يستوعب تلك الكلمات حين دفع جدته.
دفعها بقلب يحترق على تلك المسكينة التي تركها وسط نيران جدته وهو يقول بصراخ: هاتي المفتاح يا جدتي.
قالت بعناد جحيمي: لأ يا سراج، مفيش مفتاح، تموت نفسها علشان أحرق قلب أبوها عليها زي ما حرق قلبي على ابني.
دفعها بعيداً عن الباب وأخذ يهتف باسمها وهو يدفع الباب بكتفه.
وأخيراً كسر الباب، ولكن ما رآه عجز عن استيعابه حين وجد زهره تتعلق في ذلك الحبل.
حملها بينما اندفعت بسمة تقف على ذلك الكرسي لكي تفك وثاق تلك المسكينة التي انساقت خلف كلمات جدتها المسمومة.
جلس على الأرض يحتضنها ولا يصدق أنها تسعل وما زالت على قيد الحياة.
حملها بين يديه وهو يصرخ في بسمة: اتصلي على الدكتور يا بسمة.
قال جلال وهو يدخل في ذلك الوقت: عملتي إيه في بنتي يا نجيه.
جلس بينما هدأ قليلاً من غضبه عليها حين دلف إلى المنزل ووجودها تصلي وتدعو ربها وتنتحب في البكاء.
استمع إلى دعائها الذي قطع نياط قلبه.
استمعها وهي تقول: يارب، أنت عالم أن الصور دي مش أنا اللي فيهم، يارب أظهر براءتي.
تراجع للخلف حتى لا تعلم بوجوده.
بينما نغزه قلبه وندم أنه أعطى تلك الصورة لسمير وفضح أمر ابنة عمه عند غريب.
ولكن ماذا يفعل؟ تلك الصور الفاضحة جعلت عقله يطير منه.
أخرج هاتفه واتصل على سمير.
أيوه يا سمير، عملت إيه.
أجابه سمير بمراوغة: معلش يا سليم بيه، الصورة دي مش واضحة.
مفيش غيرها.
أعرف لك منها هي أصلية ولا متفبركة.
قال بغضب: لأ يا زفت، مفيش غيرها وأنا هاجي آخدها بكرة ومش عاوز أعرف هي متفبركة ولا لأ.
أهدأ بس يا باشا، أنا مش قصدي حاجة، أنا بس.
وقبل أن يكمل صاح سليم بغضب: ولا أصل ولا فصل، قولتلك أنا مش عاوز أعرف حاجة.
دلف إلى الغرفة وهو راضي كل الرضا عن قراره.
يحبها ويريد أن يصدق أنها بريئة، ولكن ليتروى قليلاً.
أن كانت بريئة ستطلب وده ولن تمل من معاملته السيئة لها.
وعن أي ثبات يتحدث؟ لقد انهار كل ثباته عندما دلف إلى المنزل ووجدها بتلك الهيبة ترتدي شورت قصير وبدي بخيط رفيع يمسك الأكتاف أظهر قوامها الممشوق وبشرتها الحليبيه التي سلبته عقله.
اقتربت منه وهي ترى تأثير فتنتها عليه عندما همست له بصوتها الأسر: سليم، حمد الله على السلامة، أعمل لك فطار.
صرخ چو في أبيه: يعني إيه مش هتعرف تجيب لي اتنين مليون دولار؟ بقولك الواد بيساومني.
صاح جاد بغضب: وأنا ميهمنيش ده كله، انت اللي اتفقت مع بنت انتصار وعملت معاها الصور، اتحمل نتيجة اللي بتعمله وسيبني في حالي.
سراج بيشك فيا وقالب عليا.
صرخ چو وهو يهدد أبيه: أنا مليش فيه الكلام ده، تتصرف لي في الفلوس.
ولو متصرفتش.
هقول لعمتك نجيه على مكان عثمان شريكك في الجريمة وهو مش هيستحمل في أيدها غلوة وهيقول لهم مين اللي قتل جلال ابنها.
رواية ارغمت على عشقك الفصل الثامن عشر 18 - بقلم هيام شطا
دخل جلال بصحبة فريد ورحيم. وجدوا سراج يحمل زهرة الغائبة عن الوعي ويصرخ في بسمة: "اتصلي بالحكيم يا بسمة".
وقع قلب جلال وهو يرى ابنته جثة هامدة بين يدي زوجها. صرخ بقهر لتلك الواقفة تنظر بأعين ملأها الحقد: "عملتي إيه في بنتي يا نجية؟"
نظرت له وقد رأت حرقة قلبه على صغيرته. قالت بفرحة شامتة، بينما ظنت أنها سقته من كأس فقدان الابن: "قتلتها يا جلال. حرقت قلبك عليها زي ما حرقت جَلْبي على ولدي."
جرى عليها ليمنعه رحيم وفريد. قال رحيم بغضب: "اهدأ يا عمي، نطمن على زهرة الأول." جرى فريد خلف سراج، وصعد خلفه رحيم وجلال.
بأيدي مرتعشة، طلبت الطبيب. وأيضًا جاد، أخبرته بسمة عليه.
جلس بجوارها يحتضن كفها الصغير بين يديه، وعلى الطرف الآخر جلس الطبيب يعاينها. وأخيرًا، عاد إليها وعيها. نظرت حولها تتفقد أين هي. قال الطبيب بسماحة: "حمد الله على السلامة يا مدام زهرة."
"أين هي؟ ماذا حدث؟" كل ما تتذكره أنها أخذت تلك الحبال التي ألقتها إليها نجية، وهي تستمع إلى كلماتها التي كادت أن تنهي حياتها. "كنتِ كدتِ أن تفعلها. لكي تنهي تلك العداوة بين الأخوين، وأيضًا لكي تهدأ نيران الانتقام التي ما زالت تشتعل في قلب نجية." حدثت نفسها أنها إن كانت حياتها هي ثمن انتهاء تلك العداوة، فلما لا تقدمها بطيب خاطر.
عادت إلى الواقع حين جذبها أبيها إلى أحضانه وهو يبكي بقهر ويقول: "عملتي إيه فيكِ نجية يا قلب أبوك." بقلب مفتور من الحزن والقهر، انسابت دموعها تحاكي دموع أبيها الذي اعتصرها داخل حضنه. وأخيرًا، بعد مدة، خرجت من أحضان أبيها لتنظر حولها، وما زال أبوها يحتجزها بين ذراعيه. قال الطبيب: "حاسة بحاجة يا مدام زهرة؟"
قالت بصدق: "لأ، الحمد لله أنا كويسة، بس حاسة إني مش قادرة آخد نفسي كويس."
قال الطبيب بعملية: "إنتي اتعرضتي للاختناق فترة بسيطة، ده اللي مخليكي حاسة بكده." ثم أضاف: "أنا هكتب لك على جلسات أكسجين وكريم لآثار الحبل اللي حوالين رقبتك." ثم سألها: "فيه حد حاول يقتلك يا مدام زهرة؟"
صمت الجميع ولم يجب أحد. بينما سقط قلب سراج وبسمة بين قدميه. اتهمته جدته. "أيوه فيه"، هتف جلال بشراسة. ضغطت زهرة على يد أبيها وقبل أن يكمل، قالت بسماحة، حتى تحافظ على الصلح والاتفاق: "محدش عملي حاجة يا دكتور، أنا اللي دخلت المخزن القديم والحبل كان متعلق في السقف مع حاجات تانية. مأخدتش بالي وأنا داخلة إنه هيتعلق في شعري ويلف حوالين رقبتي. بس الحمد لله، بسمة لحقتني علشان كانت معايا هي وسراج." ثم نظرت إلى بسمة وقالت: "مش كده يا بسمة؟"
أجابت بسمة بتلعثم من مفاجأة تلك الملاك التي قابلت السيئة بالحسنة: "أيوه، هو ده اللي حصل."
صاح جلال بغضب: "زهرة!" نظرت لأبيها بترجّي: "هو ده اللي حصل يا بابا."
وقف سراج عاجزًا، لا يستطيع أن ينطق كلمة. انصرف الطبيب مع رحيم، الذي علم أن ابنة عمه أرادت أن تخطو خطواتها الأولى في طريق صلاح تلك العائلة، الذي لن يكون طريقًا هينًا أو بسيطًا.
دلف جاد بقلب لهيف بعد أن أخبرته بسمة أن يعود بسرعة. لم تخبره بما حدث، وإنما اكتفت بأن هناك مشكلة بين جدتها وزهرة. يعلم أن زوجته لن تمرر الصلح ولن تترك تلك الصغيرة الغريبة عن عاداتهم وشأنها. وجدها تجلس في بهو المنزل وملامح الغضب تتهادى على وجهها. هتف بغضب فيها: "عملتي إيه يا نجية؟"
انصعقت ملامحها، بينما ظنت أنها ستنجو بفعلتها، خاصة بعد أن استمعت إلى زهرة وهي تنفي عنها أي تهمة القتل. اقترب منها وهو يهدر بغضب: "عملتي إيه يا نجية؟ أنا حذرتك تقربي لبنت جلال."
قالت بغضب جعل لسانها ينفلت بالحديث الذي تكتمه في قلبها: "أنا مش طايقة أشوف بنت قاتل ولدي في بيتي يا جاد، وأعرف إني عمري ما هسيبها تتهنى في حضن ولده."
هدر ذلك الذي يحترق على ابنته خلفها وهو يقول: "وأنا مش هسيب لك بنتي تنتقمي مني فيها يا مرت عمي." ثم أكمل جلال بغضب وسفر وصراخ: "أنا قلت لك ألف مرة أنا مقتلتش جابر، وربنا عالم إنه كان عندي بغلاوة مهران وكان أخواي، وأنا وأبويا كنا في القاهرة بنخلص مشاكل الشركة وجينا على الخبر. الحكومة ذات نفسها برأتنا. شوفي مين اللي زرع في مخك إننا قتلنا ولدك."
قالت نجية بغضب: "ومسدس أبوك اللي لقوه جنب ولدي، مين اللي حطه؟ ابني اللي لقوه مقتول في داركم. مين اللي قتله؟ ومين وداه بيتكم يا جلال يا ود سلطان؟" صرخ بقهر العجز الذي يجبره أن يدور في تلك الدائرة المشتعلة بنار الثأر: "معرفش، وأدفع عمري كله عشان أعرف."
قالت بفحيح: "عمرك معاش يساوي عندي حاجة. أنا خلاص عرفت هقهرك على عمر مين."
صاح جاد فيها بغضب وصل لزروته من أفعالها الهوجاء: "نجية، اخرسي. كلمة زيادة وهيكون لي تصرف تاني، وياك."
قال جلال: "ولا وياها ولا مع غيرها يا عمي. أنا هاخد بنتي وأمشي. وأظن كده إحنا مفضناش الصلح. وأنا قدامك أهو يا عمي، اقتلني. يمكن مراتك نارها تهدى." جذبه رحيم عمه وهو يقول: "اهدأ يا عمي، زهرة زينة وسراج مش هيسكت وهيحميها. إنت مشفتهوش كان هيجراله إيه من القلق عليها. اهدأ يا عمي ويلا نمشي."
"مش همشي من غير بنتي يا رحيم." اقترب جاد منه وقال بعقل: "اهدأ يا جلال، والله يا ولدي ما في حد هيقرب من زهرة. أوعدك يا ولدي."
"وأنا مش هستنى حد يقرب من بنتي. أنا هاخد بنتي."
جلس بجوارها يحتضن يدها. لا يعلم ماذا يقول أو من أين يبدأ الحديث. أخجلته عندما نفت أي اتهام عن جدته، وأخجلته بهدوئها وسماحة قلبها. قال بحرج: "حمد الله على سلامتك يا زهرة. عاملة إيه دلوقتي؟"
وقبل أن تجيبه، هتف فريد بغضب: "عاملة إيه يعني؟ أختي كانت هتموت، وإنت تقول لها عاملة إيه؟" أبعد يد أخته من يد سراج وهدر بغضب: "أختي استحالة تفضل في البيت ده دقيقة واحدة."
قالت زهرة بترجّي وهي ترى خوف أخيها: "فريد، لو سمحت. سراج ملوش ذنب، معملش فيا حاجة. وأنا مش هسيبك هنا يا زهرة لحد ما يجرالك حاجة. إحنا مش زيهم. أنا هاخدك ونروح إسكندرية عند خالك إيهاب."
قال سراج بغضب: "تاخدها إزاي دي مراتي."
"كنت حميتها." جذبتها فريد من يدها، بينما أمسك سراج باليد الأخرى. وهي بينهم مشتتة بين خوفها من القادم، وخوف أخيها عليها، وبين إصرار سراج الذي نطقت عينه ولهفته عليها.
قالت بسمة التي وقفت عاجزة كعجز زهرة. لا تلوم فريد في موقفه وتعطيه كل الحق، ولكنها ترى أخيها، ولأول مرة تلمع نظرة جديدة في عينيه، وأيضًا ترى لهفته على زوجته. قالت بتعقل حتى تنهي هذا الصراع: "لو سمحت يا فريد، تعالى معايا. وسيب زهرة مع سراج شوية لحد ما يطمن عليها، وهي كمان تهدأ شوية، ونشوف رأيها بعد كده. لو قالت تمشي معاك، محدش هيمنعها."
نظروا جميعًا لتلك التي تتحدث. من أين ظهرت؟ هل كانت موجودة أصلًا؟ نظر لها سراج بشكر وامتنان، بينما نظرت لها زهرة بحب وهي تتذكر كيف دافعت عنها بستماتة، ولولا وجودها، يعلم الله أين كانت ستكون.
لانت ملامح فريد الغاضبة حين قالت زهرة: "روح مع بسمة يا فريد." خرج معها على مضض. قالت له بامتنان: "شكرًا." أجابها بحنق: "على إيه؟ أنا هاخد أختي، مفيش داعي للشكر."
قالت له بمكر: "زهرة مش هتوافق تروح معاكم." قال لها بتحدٍ: "زهرة هتيجي معايا. إحنا مش شكل حياتكم دي، ولا عاوز أختي تعيشها."
قالت مداعبة عن حياتهم وعاداتهم: "حياتنا دي يا أستاذ فريد، إنت غصب عنك فيها. عارف ليه؟ علشان إنت وأنا وسراج اللي مش عاجبك ده من عيلة واحدة اسمها عيلة الهلالي." وقبل أن تتركه وتنصرف إلى الأسفل، نادى عليها بتحدٍ: "هنشوف كلام مين اللي هيمشي يا بسمة يا هلالي."
"إنتي كويسة؟" قال سراج بقلق. أجابته بخجل منه حين اقترب منها ومسك يدها بين يديه: "أيوا الحمد لله."
"قادرة تتنفسي كويس؟" وضعت يدها على صدرها وموضع الحبل الذي لفته حول رقبتها في لحظة ضعف منها. صور لها الشيطان أن كل مشاكلهم ستنتهي إن أنهت هي حياتها لكي تريح نجيه. قالت بخفوت وصوت مرتعش: "مكان الحبل بيوجعني شوية."
لا يعلم لما تمزق قلبه عليها، ولم لم يتحمل فكرة أنها تضحي بحياتها وتنهي هذا الصراع. جذبها من يدها، أدخلها في أحضانه يريد أن يهدأ ذلك النابض خوفًا عليها. اعتصرها داخل أحضانه، همس بجوار أذنها بترجّي، لا يعلم كيف تخلى عن كبريائه وقال تلك الكلمات: "زهرة، متسبنيش."
هل تحلم أم أنها في حقيقة أنه يحتضنها وأيضًا يطلب منها أن تبقى؟ ابتعدت قليلا عنه، لكنه ما زال يحتجزها بين يديه. نظرت له بإستفهام. أعاد عليها طلبه مرة أخرى، ولكن تلك المرة بصوت خجول من أفعال جدته، وأيضًا تحجج بالصلح حتى لا يفسد: "زهرة، متتمشيش وأنا هحميكِ من جدتي."
سألته بمكر أنثى: "إنت عاوزني أفضل؟" تنحنح يجلي صوته، بينما قال بتردد: "يعني، الصلح و... جدي وجدك والعيلة."
علمت أنه يريد بقاءها، وعلمت أنه يكن لها مشاعر مثلها، ولكنه يجهلها كما تجهل هي سر تلك الراحة وذلك الحنان الذي تشعر به بقربه.
نزلت زهرة يصاحبها سراج. كان الجميع ينتظرها. قال جلال بغضب: "يلا يا زهرة." اقتربت من أبيها وقالت له: "يلا فين يا بابا؟ أنا مكاني هنا مع جوزي."
هل ملكت الأرض ونعيمها حين قالت تلك الكلمات؟ هتف فريد بغضب: "زهرة، المرة دي لحقناك. الله أعلم المرة الجاية." وقبل أن يكمل فريد، قال سراج بجدية: "مفيش مرة تانية يا فريد. مفيش مرة تانية. زهرة مش هتفضل هنا."
صرخت نجية بغل: "سراج، إنت هتمشي على هوى بنت جلال؟" نظر لجدته بغضب وقال: "أيوه يا جدتي، زهرة مراتي واللي يأذيها أمحيه من على الدنيا. بس إنتي جدتي وأمي اللي مربياني، مقدرش أعمل لك حاجة إلا إني آخد مراتي وأمشي."
قالت نجيه بحزن وبكاء: "لأ يا سراج، عشان خاطري. مش هقرب لها تاني. بس مت ومشيش يا سراج."
"وأنا مش هرجع في كلامي. لو سمحت يا جدي، قولهم يجهزون الاستراحة القبلية. أنا وزهرة هنعيش فيها." لم يجد جاد أمامه إلا أن يطيع حفيده حتى يطمئن قلب جلال على ابنته، وحتى تتعلم نجيه أن لكل فعل رد فعل، وتعلم أن تحجب أذاها عن عائلة سلطان.
دلف إلى البيت بعد يوم شاق، بينما ذهب رحيم إلى الشركة بعد أن أتاه اتصال، وذهب جلال للاطمئنان على زهرة. أخذت تدور في الغرفة والقلق يأكلها. نظرت في هاتفها للمرة التي لم تعد تعلم عددها، لكي يتصل عليها يطمئنها على جدتها أو على زهرة، ولكنه لم يفعل ولم يجيب على أي اتصال منها.
خرجت من غرفتها تبحث عن أي شيء تلهي تفكيرها فيه، وإذا بفريد يدخل من باب البيت منهك القوى والإجهاد واضح عليه. خشيت أن تسأله ماذا حدث، ولكنها تشجعت وأخيرًا سألته.
"فريد." نادته بخجل. نظر لها نظرة خالية من أي شيء. قالت له: "زهرة عاملة إيه؟" قال لها بسخرية: "بتطمنِ عليها ولا بتعرفي جدتك موتها ولا لأ. اطمني، أختي لسه عايشة، وكمان جدتك." ثم أكمل بغضب: "بس وحيات زهرة لو حصل حاجة تانية لزهرة، أنا هقلب الدنيا ومش هسكت بعد كده." بعد ذلك أكمل بصوت علت نبرته: "بلغي جدتك وأختك الكلام ده."
وقبل أن ينصرف، أخْرَسَ صوته صوت رحيم الذي علا خلفه: "فريـــد."
"إنت إزاي تتكلم كدا مع مراتي؟" نظر فريد لرحيم الذي حضر مع آخر كلمات فريد مع سلمى. نظر فريد لرحيم وسلمى، ثم تركهم وانصرف بغضب.
صعد رحيم درجات السلم في خطوتين. وقف أمامها وقال بغضب: "فيه إيه يا سلمى؟ فريد ليه بيكلمك كدا؟ ضايقك في حاجة؟" وقبل أن يذهب خلفه، جذبت سلمى يد رحيم وقالت بسماحة: "خلاص يا رحيم، مفيش حاجة. هو معذور وخايف على أخته."
"وإنتي مالك؟ بيقول لك كدا ليه؟" قالت برجاء: "خلاص يا رحيم، محصلش حاجة. المهم، طمني إنت..."
دلفوا إلى غرفتهم وهو يقص عليها ما حدث. قالت بغضب: "وسراج ساب البيت؟" أجابها بعقلانية: "وإنتي عاوزاه يعمل إيه؟ عنده حق. مراته كانت هتموت." قالت بدفاع عن جدتها: "جدتي تبان شديدة، بس هي طيبة والله يا رحيم." أجابها بعقل: "معاكو بس، إنما زهرة هي عدوتها. بس والله زهرة بنت عمي هادية وطيبة وجميلة."
قالت بغضب: "وإيه كمان يا رحيم بيه؟ فيه زهرة هانم، وإحنا ظالمينها." غضبت، نعم غضبت من مدحه لزهرة. اقترب منها وقال بمكر: "زهرة دي اسم على مسمى، زهرة وهي زهرة." هتفت بغيره لا تعرف مصدرها، ولكنها مثل أي أنثى لا تريد أن يمدح زوجها غيرها، حتى وإن كانت لا تحبه. "وطالما هي كدا، متجوزتهاش ليه؟" اقترب منها، بينما زاد في عبثه معها: "عشان أنا عاوزك إنتِ."
وقبل أن تفهم أو تعي معنى كلماته، انقض على تلك الشفاه الغاضبة. دائمًا يقبلها بنهم، ليست كقبلته الأولى، وإنما قبلة متروية متمهلة، يتذوق فيها طعم تلك الشفاه الغاضبة دائمًا. وما أجمل ما أن تروض أنثى ثائرة دائمًا. كانت مخدرة، لا تعلم ماذا يفعل بها. حين يقترب منها، تذهب إرادتها، يذهب غضبها، تزول ثورتها، وتبقى فقط تلك الغيمة الوردية التي يأخذها إليها. حملها ووضعها برفق على الفراش. لم يفصل قبلته، ولم تبتعد عنه. جعله يحتضنها بشوق، وقد عزم أن تكون له الليلة. ولم لا، وهي مرحبة ذائبة بين يديه، وهو يشتعل رغبة بها ولها.
ودعت نور أباها بعد أن اطمأن عليها ووجد سليم يعاملها معاملة حسنة. اطمأن قلبه قليلًا، حتى وإن كانت زهرة في نار الثأر، لكن زوجها جعل من نفسه درع الحماية لها. دلفت نور مع سليم الذي كان يحتضن كتفها وهو يودع أباها. ابتعد عنها بجفاء. سألته بصوت هادئ: "فيه إيه يا سليم؟ بعدت ليه؟"
"التمثيلية خلصت يا نور هانم، وعمي مشي." قالت بحزن: "يعني كنت بتمثل؟" أجابها بغضب: "طبعًا بمثل، ولولا عمي وجدي، مكنتيش هتفضلي مراتي لحد دلوقتي." اقتربت منه وقالت برجاء: "سليم، والله أنا مظلومة والصور دي مش ليا. أنا بحبك يا سليم، وعمر ما حد دخل قلبي غيرك."
"وجو؟" نظر لها سليم بإتهام. قالت: "بكرة جو ده أقذر إنسان أنا شوفته في حياتي، ولو قابلته هقتله." لمست كلماتها الغاضبة وصدق حديثها. قلبه يريد أن يصدقها، ولكن عقله يرفض بضراوة. اقتربت منه وهي ترى ذلك الصراع. لم تمهله فرصة للتفكير أو التروي، وبكل جراءة قبلت وجهه وهي تعتذر بين قبلاتها له، وأخيرًا قبلة رقيقة على شفتيه الغليظة. كانت نهاية اعتذارها ونهاية قبلاتها، ولكنها كانت بداية قبلته هو، والتي كانت جامحة غاضبة، ولكنها استقبلت كل غضبه وثورته بمحبة، علها تخفف عنه غضب قلبه وتزيل كل ظنونه بها.
قال جو بغضب: "الأسبوع قرب يخلص يا بابا، وإنت محضرتش ليا الفلوس." أجاب سعد على جو بغضب: "عثمان هيحضرهم ليا بكرة، بس عنده شرط."
"شرط إيه؟" أجابه سعد بقلة حيلة: "عاوز يدخل شريك في العملية الجديدة." قال جو بعدم اكتراث: "دخله. وفيها إيه يعني؟" أجابه سعد: "العملية دي هتبقى مكن جديد لمصنع سراج، وسراج بيشك فيا. أدخل عثمان إزاي أنا؟"
قال جو: "بكرة اقتل سراج، وخلي سليم يشيل الليلة زي ما عملتها قبل كدا. وخليه جلال هو اللي قتل جابر." صمت سعد قليلًا، بينما راقت له تلك الفكرة الشيطانية التي أهداها له زرعه الشيطاني الذي جاء صوره منه.
هتفت دنيا بغل: "يعني إيه يا ماما؟ سراج ساب بيت عمتي نجيه ودافع عن بنت جلال؟" قالت انتصار بغضب: "أيوه يا سنيورة، يعني كدا سراج باي باي، وبنت جلال حلال عليها. وأنا..." قالت دنيا: "إنتي شوفي لك واحد تاني."
"أنار" هاتفها باسم چو. هي تتحدث مع أمها. أجابته بغضب: "عاوز إيه يا خواجة؟" قال لها بفحيح: "عاوزك تخلصيني من الزفت المصور اللي بيساومني على الصور."
"وأنا مالي؟" "إنتِ مالك إزاي؟" صرخ چو بغضب: "لسه قافل معايا وبيقول إنه هيقول لسليم كل حاجة. كلميه وقولي له الفلوس هتكون عنده كمان أسبوع مش أكتر." سألته: "هو طالب منك قد إيه؟" أجابها: "اتنين مليون دولار." همست لنفسها: "آه يا ابن الحرمية يا سمير." قالت له بشك: "وإنت هتعرف تدبر له المبلغ ده يا چو؟" أجابها بغرور، حيث علم أنها تعشق المال: "كتير قوي يا قلب چو."
"الو، أيوه يا حاج جاد." أجاب جاد بسرعة: "أيوه يا ولدي." قال رشاد بجدية: "فيه مصيبة ناوي يعملها سعد والخواجة اللي عنده، وعثمان القناوي شريك معاهم."
"إنت متأكد يا ولدي؟" أجابه راشد بصدق: "أنا مسجل كل كلامهم وأنا براقبهم يا حاج جاد."
"تمام يا ولدي. كلم رحيم وسليم، وأنا جاي لك معاهم."
رواية ارغمت على عشقك الفصل التاسع عشر 19 - بقلم هيام شطا
جلس بجوارها ينظر لها بمشاعر متصاربة. يتذكرها بينما كانت ذائبة بين يديه. لم تعترض ولم تبتعد عنه، ولم يجد منها النفور كما كان. يعلم أنها لحظة ضعف منها، ويعلم أنها ستثور عليه عند استيقاظها. ابتسم وهو يتذكرها وهى بين يديه. لم يقترب قبلها من أي امرأة، ولكنه يكاد يجزم أنها أشهى وأجمل نساء الأرض. يحب مشاكساتها، يهوى إثارة جنونها، يستمتع بغضبها. لم يكن يومًا يهوى العاصية، ولكنها قلبت كل موازينه، جعلته يهوى طباعها العنيدة. لم يكن يعلم أن من يهوى طباعها تسكن على بعد أمتار منه، ولكنها كانت بعيدة بعد المشرق والمغرب. ولولا جده ما حصل عليها.
فاق من شروده على تلك الحقيقة. ما أخبر به نفسه. هل يهواها؟ هل وقع في حبها؟ أم أنه يهوى الصعاب ويريد أن يتخطاها، وهي كانت من تلك الصعاب؟ يتذكرها حين كانت ترتجف بين يدي سراج من الخوف. لم يتحمل نظرة الرعب في عينها. ولكن مهلاً.. ما سر غضب سراج عليها؟ وماذا فعلت؟ أيعقل أن تكون فعلت أمرًا مشينًا جعل سراج يجن عليها ويريد قتلها؟ نظر لها برعب تملكه من تلك الفكرة، ولكنها كانت بين يديه بكرًا في كل شيء. بكرًا في قبلتها الأولى. تجهل فنون تلك العلاقة. أيقن أن خلافها مع أخيها من أجل شيء آخر. ونفض تلك الفكرة عنه.
انتظرها حتى تفيق، وانتظر رد فعلها. وما هي إلا دقائق وتملطأت في فراشها ببسمة. فتحت عيناها علت وجهها البريء. كانت تظن أنها في أحد أحلامها الذي احتلها رحيم بلا هوادة بمساكساته وهمساته. ابتسمت وهي تتمطأ. وجدت تلك السوداوين تنظر لها بوقاحة وقرب جعلها ترتبك وتبتعد عنه وهي تهتف بغضب مصطنع.
"جرى إيه يا أخينا؟ مالك لازق فيا كدا ليه؟ ابعد كدا عني."
ضحك بصخب بينما راقت له وهي غاضبة. اقترب منها وهو يقول بمكر.
"جرى إيه يا ست العرايس؟ ما كنا حلوين ومؤدبين وهادين ومسلمين."
نزلت كلماته المرحة عليها وكأنها صاعقة ضربت أذنها. لم تكن تحلم. لقد استسلمت له بكل طيب خاطر منها ولم تعترض. نظرت له بغضب. بينما نظرت إلى نفسها لمحت كتفها العاري. نظرت له بصدمة. بينما جلس بجانبها بصدره العاري هتفت فيه بصدمة يكسوها الخجل.
"انت عملت إيه فيا يا حيوان؟ وانت قاعد كدا ليه؟"
قال لها بغضب مصطنع. بينما علم أنها عادت إلى وعيها وذهب سحر اللحظة وجمال النشوة. وفاق على حقيقة أنها أصبحت زوجته.
"أنا معملتش حاجة يا ست العرايس."
قالت بغضب صارخ.
"معملتش؟ م..عملتش إيه؟ أمال مين اللي عمل؟"
قال بغرور وزهو.
"أنا اللي عملت. وكله برضاك يا ست البنات."
هتفت بغضب.
"انت استغليت الفرصة."
قال لها بصراحة وقاحة.
"أيوه استغليتها. وأكذب عليك لو قلت لأ. معملتش كده يا قمر."
أتبع كلامه بغمزة من عينيه. وهو مازال يمزح معها. بينما هي علمت ما وقعت فيه في لحظة ضعف وغباء منها. لقد أصبحت زوجة ابن عائلة قاتل أبيها. ماذا ستفعل؟ وماذا ستقول؟ وستبرر لجدتها إن علمت؟ نظرت له بقهر وقالت بغضب.
"ابعد عني يا ابن الهلايلة. وحسبي عينك تقرب مني بعد كده. أنا هموت نفسي. أهون عليا من قربك."
اشتعل غضبه منها. وأنها تفضل الموت على قربه. قال لها بمهانة هدمت أنوثتها بداخلها.
"أنا إن كنت قربت منك فده كان بمزاجك. وأنتي معترضتيش ولا رفضتي. وكنتِ مرحبة. بس على فكرة أنا مش هقرب منك. مش عشانك. لا. عشان أنتِ مملتيش عيني ولا هتملي عين حد."
ابتعد عنها بجفاء وكلماته تحرقها وتهدم أنوثتها. وهو أيضًا كانت كلماتها تهدمه وتحرقه. أنها فضلت الموت على قربه.
صدح هاتفه برقم جدها. نظرت إلى هاتفه وهو يهتز. وجدت رقم جدها. جاد. هل تجيب عليه أم لا؟ أخذت الهاتف. وقبل أن تجيب خرج من الحمام يلف خصره بمنشفة وقطرات المياه تتساقط على صدره العريض. نظرت له بغضب وهو يجذب الهاتف من يدها ويقول لها بتهكم.
"ماسكة تليفوني ليه يا بنت الهلايلة؟"
أجابته بغضب.
"جدى اللي كان بيتصل. جدى عاوز منك إيه؟"
"ميخصكيش."
ارتدى ملابسه وخرج إلى الشرفة يجيب على جاد.
"أيوه يا جدى."
أجاب عليه جاد بجدية.
"رحيم يا ولدي هات سليم وتعالى عند رشاد."
"خير يا جدى."
أجابه جاد بقلق.
"شكلها مفهاش خير يا ولدي."
نظر في ساعته ووجدها تشير إلى الرابعة فجرًا. قال لجاد.
"أنا هاجي لك دلوقتي. والصبح أعدي على سليم أقوله على كل حاجة يا جدى."
"خلاص يا ولدي. أنا مستنيك. هناك."
نظرت له بغضب وقالت بسؤال.
"جدى عاوزك في إيه؟"
أجابها ببرود.
"مش عاوز حاجة."
هتفت بغضب.
"بتلبس ليه؟"
"خارج."
نظرت له بينما أشعل بروده نار قلبها.
"حد يخرج الفجر؟"
"آه. أنا."
ثم أكمل بسماجة بينما عاد لعبثه مرة أخرى.
"رايح أصلي الفجر حاضر."
جلست مكانها تنتحب على ما صنعت بنفسها. حين خدعها بدفاعه وحنانه عليها ومعاملته الحسنة لها طوال ذلك الأسبوع. هل كانت مغيبة إلى ذلك الحد أن تستسلم له؟ كم تشعر بخزي من نفسها. ماذا فعلت؟
لم يكن حال سليم بأفضل من حال أخيه. نعم لم يقوى أن يصدها أو يبعدها عنه. يحبها. نعم استجاب لها ولعشقها التي أرغمت قلبه عليه. ولم يستطع أن يبتعد عنها حين هدمت حصونه بقبلاتها الشغوفة وكلمات اعتذارها وبحر عشقها التي أدخلته إليه. نعم امتلكها وامتلك جميع حصونها. نعم.. كان هو أول من امتلكها. ولكن جو قال له أنها فعلت معه كل شيء إلا ذلك الذي يثبت أنها بكر. نظر لها وهي نائمة ولتلك الشفاه. هل قبلها جو؟ فقبلها. ولجسدها. هل لمسه أحد قبلها؟ نفض الغطاء عنه وقام بغضب يحرقه. يريد أن ينفث عن هذا الغضب. لا يعلم ماذا سيقول لها. بينما استغل ضعفها واعتذارها لكي يمتلكها وتصبح رغم كل ظنونه له. نعم أخبر نفسه ألف مرة أن يسامح. ولكن كلما جاءت كلمات جو المسمومة إليه تشتعل نار قلبه منها وعليها. خرج خارج الغرفة لكي لا ترى كل هذا الغضب في عينيه. هي لم تجبره على شيء. هو من ضعف وانصاع خلف قلبه الذي يهفو لقربها.
كما لم يغمض جفن رحيم وسليم. لم يغمض جفن فريد وسراج. فريد يحترق على أخته المسالمة التي ارتمت في نار لم تشعلها وهي مجبرة أن تطفئها. بينما سراج.. الذي جلس بجوارها لكي يطمئن عليها. اعترف لنفسه أنه لا يقوى أن يقسو على تلك الملاك المسالمة التي كانت ستذهب ضحية ذنب لم تقترفه. اقترب منها وعزم أمره أنه لن يمكث في ذلك المنزل بعد الآن لحظة. ولن يخرج منه إلا الآن. والجميع في ثبات النوم حتى لا تعترض جدته. كما فعلت بالأمس. وحتى يتجنب أن تسمع زهره منها ما يحزنها. كفى ما رأته من رعب وخوف. حزم ملابسه وملابسها في حقيبتين. واقترب منها وقال برفق.
"زهره.. زهره قومي يلا هنمشي."
فتحت عيناها بوهن وأجابته.
"دلوقتي."
"أيوا. أنا لميت هدومك وهدومي. هنروح على الاستراحة دلوقتي."
لم تعترض. امتثلت له بهدوء كما هو طبعها. أخذها وخرج من هذا البيت. وترك جدته مع غضبها الذي لا يهدأ.
خرج سراج بزهره الذي عزم أمره على أن لا يظلمها. خرج فريد الذي يقتله الغضب والخوف على أخته التي تركها هو وأبيه. يعلم أن رحيم معه كل الحق. ولكنه لا يثق بسراج. حتى وإن أظهر خوفه على زهره. لم يعد أمامه إلا سليم ونور. سيذهب له ولنور. نعم نور قوية الشخصية. ثائرة دائمًا. لن ترضى أو تصمت على ما حدث لأختها بأيدي غاضبة. ترك فريد على بيت نور. انتبه سليم على تلك الطرقات على باب بيته. فتح الباب. وأيضًا استيقظت نور. ولكنها لم تخرج من غرفتها. فتح سليم الباب. هتف فريد بغضب ودفع الكلام من فمه مرة واحدة.
"سليم الحقني والحق زهره."
قال سليم بقلق.
"خير يا فريد؟ فيه إيه؟ مالها زهره؟ وانت فيك إيه؟"
قال بغضب كلي يشحن سليم بالغضب مثله. ويخلص زهره من نجية وسراج.
"نجية امبارح حاولت تموت زهره اختي. وأنا وبابا روحنا نجيبها. سراج رفض. ورحيم وافق كلام سراج."
ثم أكمل كلامه برجاء حتى لا يتخلى عنه سليم الذي كان آخر حلوله.
"علشان خاطري يا سليم تعالى هات زهره من هناك. أنا خايف ليعملوا فيها حاجة."
"متخافش يا فريد. ثواني أغير هدومي. وأنا جاي معاك."
هتفت نور بقلق بعد أن استمعت لحديث أخيها مع سليم.
"زهره جرالها إيه يا فريد؟"
نظر لها سليم وهو يقول.
"مجراش حاجة إن شاء الله. أنا رايح مع فريد أجيبها وأجي."
قالت بقلق.
"لأ يا سليم أنا جاية معاك."
قال سليم بقليل من الغضب.
"نور اسمعي الكلام. خليكي هنا في البيت. أنا هجيبها وأجي مع أخوك."
دلف إلى الغرفة ليستبدل ملابسه. دخلت خلفه وهي تقول بخوف على أختها ودموع تهدد بالنزول.
"علشان خاطري يا سليم خدني معاك."
قال لها بهدوء وهو يحتوي كتفها بين يديه وقال لها بحب.
"متخافيش. مسافة السكة هجيبها وأجيلك."
هدأت مع كلماته المطمئنة. تركته ينصرف مع أخيها.
وصلوا إلى بيت سراج. دلف بغضب وهو يصيح باسمه.
"سرااااج."
"جدى جااااد."
كان يشتعل غضبًا من نفسه ومن ضعفه أمام نور. وما زاد غضبه من نفسه أنه رضخ لها طواعية منه. وأيضًا خاف عليها حين لمح دموعها في عينيها. نعم جاء أمر زهره وسراج في وقته لكي يخرج كل هذا الغضب فيه. هتف مرة أخرى باسمه.
"سرااااج."
نزلت بسمة تهرول من على درجات السلم. بينما وقف فريد وسليم في بهو المنزل. نزلت خلفها بهدوء جدتها نجيه. قالت بسمة بتلعثم.
"خي..خير. فيه إيه يا سليم؟"
قال لها بغضب.
"نادي على سراج يا بسمة. وزهره."
هتفت نجيه من خلف بسمة.
"وانت عاوز سراج في إيه يا ابن مهران؟ مالك ومال ولدي؟"
قال بغضب.
"أنا معيزهوش في حاجة. خليه لك حبيب جلبك. أنا هاخد بنت عمي. امشي يا حاجة نجيه."
قالت بسخرية.
"انت قالب الدنيا على الصبح كدا علشان السنيورة."
قال فريد بغضب.
"أيوه علشان اختي اللي عاوزة تموتيها."
نظر له سليم وقال بثقة.
"ولا حد يقدر يمس شعرة منها يا فريد."
صاحت نجيه.
"بكرة. لأ. أقدر وأقدر أحرق قلبكم على السنيورة."
اقترب منها سليم وقال بفحيح.
"وأنا أقدر أحرق قلبك على أعز عزيز."
نظرت له نجيه برعب وصاحت بصراخ.
"انت عاوز تقتل سراج يا سليم؟"
ابتعد عنها ولم يعير كلامها أي انتباه. بينما قالت بسمة التي كانت تنزل من فوق.
"الحقيني يا جدتي. سراج أخد زهره ومشي."
صاحت نجيه بقهر.
"يا مربي. عملتها بنت الهلايلة وعصت ولدي عليا وخرج من بيت أبوه."
جلست تنتحب وتبكي. نعم تعلم أن سراج هددها بالأمس أنه لن يبقى معها. ولكنها لم تصدق تهديده لها لأنه بقى بعدها ونام في غرفته. صرخت في بسمة.
"فين جدك يا بسمة؟"
"مش موجود هو كمان يا جدتي."
قالت بلهفة.
"يبقى جرى حاجة لأخوك."
هرولت نجيه خارج المنزل ولحقتها بسمة وهي تلقي على فريد أسهم الغضب من عينيها وتصرخ فيه.
"ولعتها تاني يا ود جلال. ما كانت هدت."
لحق بها سليم وفريد.
جلس لا يصدق ما سمعته أذنه. أيعقل أن يكون سعد هو من قتل ولده فلذة كبدها؟ قال بقهر لرشاد.
"الحديث ده محدش يعلم بيه حاجة يا ولدي."
قال رشاد بصدق.
"رقبتي قصاد الحديث ده يا حاج جاد."
اقترب رحيم من عمه لا يصدق أيضًا ما سمعته أذنه. أيكون سعد هو من قتل عمه؟ ولكن مهلاً. ما علاقة عثمان القناوي بقتل عمه؟ الأمر لا يحتاج فهم. لابد أن أحدهم قتل والآخر ساعد في الجريمة. قال جاد بحرقة قلب.
"أنا لازم آخد تاري النهارده يا رحيم وبإيدي."
قال رحيم بتروي.
"أهدى يا عمي. تاري تاري الهلايلة كلهم. وأنا أول واحد هاخده. بس الأول لازم نعرف ابن سعد عاوز الفلوس ليه. والعملية الأخيرة بتاعت المكن بتاع مصنع سراج. عثمان القناوي عاوز يدخل فيها ليه؟"
هتف جاد بخوف.
"المكن هيتسلم في المينا بكرة يا رحيم. يعني العملية خلصت. وسعد مخبي على عثمان. أكيد المكن فيه حاجة. أنا خايف ليعمل حاجة في سراج."
رتب رحيم على كتف عمه وهو يطمئنه.
"متخافش يا جدى. إن شاء الله خير. بس أنا عاوز منك طلب."
قال جاد بلهفة.
"اطلب يا ولدي."
قال رحيم بمكر.
"انت هتطلب سعد يروح المينا بتوكيل منك يخلص شحنة المكن علشان نبعده عن البلد ونوصل لعثمان الأول وهو مش موجود."
ثم أضاف بحذر.
"وكمان تفتح الحساب المشترك اللي بينكم وتبلغه بكدا وتقوله يسحب الفلوس اللي يحتاجها علشان الجمارك وورق التخلص."
قال جاد بغضب.
"أكيد هيسرقنا يا ولدي ويدي الفلوس لابنه."
قال رحيم بمكر.
"وده اللي عاوزينه. لازم نعرف ابنه عاوز الفلوس ليه."
لم يصدق أذنه من الفرحة حين أنهى جاد معه تلك المكالمة الهاتفية التي أخبره أن يذهب ليخلص الشحنة وأنه معه كل الصلاحيات لكي ينهيها. قال لجو بفرحة.
"أيوا يا جو. خلاص أنا فتحت حساب لك في البنك. وحولت لك الفلوس. بس بقولك إيه."
أجابه جو بلهفة.
"إيه يا بابا."
قال سعد بمكر.
"حاول تساوم ابن الكلب ده. ومتديلوش إلا مليون واحد. وحلال عليك الباقي. عيش حياتك. وأنا رايح اسكندرية أخلص شغل هناك يومين وهرجع."
هتف بفرحة وطمع.
"يعني أنت خلاص دبرت الفلوس لسمير."
أجابها بتأكيد.
"أيوه. وهروح أقابضه."
قالت بفرحة.
"أنا جاية معاك."
"وأنا مستنيك."
اتصلت بسمير. أجاب عليها بسرعة.
"إزيك يا ست بنات الصعيد؟ كنت عارف إنك هتكلميني."
قالت بغرور.
"إيه اللي مخليك متأكد كدا؟"
أجابها بسماجة.
"أكيد الخواجة الفرفور قالك على طلباتي."
قالت له بمكر.
"أيوه قال لي. بس كمان يا سمير اللي ياكل لوحده يزور."
هتف بغضب.
"يعني إيه."
"اللي فهمته. أنا ليا نص المبلغ."
قال بغضب.
"وإن قلت لأ."
قالت بتهديد.
"تليفون صغير لسليم الهلالي من رقم غريب. وأقوله على الصور. وإنك أنت والخواجة شركة في العملية. وأقوله على كل حاجة."
ابتلع سمير لعابه بخوف وقال لها.
"أنا كمان هقوله إنك كنتي مع الخواجة."
قالت بلا مبالاة.
"مش هتلحق. هتكون موت."
"والمطلوب."
قال لها سمير.
"فرحة. تتصلي على سليم وتقولي له إن صور مراته مش متفبركة. وإنها دي صورها مع جو."
قال بتساؤل.
"والفلوس؟"
أجابته بحزم.
"أنا جايبالك الفلوس أنا وجو. وبعد جو ما يسلمك ويمشي. هنقسم أنا وانت."
"حاضر."
ضربت آيه وجهها بعد أن استمعت إلى تلك المكالمة الشيطانية التي كانت بين أختها والمدعو سمير. خرجت تجري خلفها لتعلم أصل حكايتها.
وصل جو قبل دنيا عند سمير. وضع أمامه المال. نظر سمير إلى المال بجشع. وقبل أن يأخذهم أعطاه جو الهاتف وقال له.
"الأول اطلب سليم وقوله إن الصور مش متفبركة."
قال بفرحة.
"كدا بس. تؤمر يا خواجة."
رواية ارغمت على عشقك الفصل العشرون 20 - بقلم هيام شطا
خرج سليم وفريد من منزل جاد بخطى غاضبة. لحقت بهما نجية وبسمة.
قالت نجية بغضب: "تصلي على جدك يا بسمة. أما أشوف سايبنا للمرار الطافح ده وراح فينه."
قالت بسمة: "والله يا جدتي بتصل عليه مش بيرد."
نادت نجية بغضب: "واد يا عوض."
ثم ركبت السيارة هي وبسمة. جاء عوض السائق.
أكملت نجية: "ودينا عند الاستراحة اللي في شرق البلد يا ولدي."
انطلقت نجية هي وبسمة، بينما سبقهما سليم وفريد، الذي أخبر سليم أن سراج ربما يكون في تلك الاستراحة التي قال عنها بالأمس أنه سيذهب هو وزهرة إليها.
وصل سليم أولاً. جرى فريد على باب البيت هتف بغضب باسم سراج. تبعه سليم الذي طرق على باب الاستراحة بغضب وهو يصيح: "سراج افتح."
سمع سراج تلك الأصوات التي تعلو خارج الاستراحة. لم يمر على وصوله إليها إلا بضع ساعات. قام من على تلك الأريكة المقابلة للسرير. وقبل أن يخرج ليرى من بالخارج، نظر على تلك الزهرة الغافية بسلام. لم تسمع أي من تلك الأصوات. حمد الله أنها لم تستيقظ. بينما علا صياح فريد مرة أخرى وأيضاً صوت سليم.
"سراج افتح."
ذهب إليهم وفتح الباب. دفعه فريد ودخل إلى الداخل وهو يقول بغضب: "أختي فين يا سراج؟ عملت فيها إيه؟"
نظر له سراج بدهشة من اتهامه له وقال بصوت غاضب: "حاسب على كلامك يا فريد. زهرة مراتي وأنا استحالة أعمل فيها حاجة."
قال سليم بغضب: "وجدتك عملت فيها إيه؟ اسمع يا سراج، أنا جاي آخد بنت عمي وأمشي من غير مشاكل."
صاح سراج بغضب وغيره: "تاخد مين؟ معلش كدا يا سليم بيه. اللي بتتكلم عليها دي مراتي ومحدش هياخدها من هنا."
قال فريد: "لأ هناخد أختي. الله أعلم أنت عملت فيها إيه ولا ناوي تعمل إيه."
صاح سراج بغضب: "أختك بخير ومحدش هيقرب لها ولا هتخرج من باب البيت ده إلا على جثتي."
لكمه فريد بغل في وجهه وهو يقول: "يبقى أنت اللي اخترت."
اشتبك فريد وسراج فيما وقف سليم لا يدري عن أي منهم يدافع وهو يحاول بينهم.
وصلت في تلك اللحظة نجية وبسمة. صرخت نجية عندما رأت تلك المشاجرة بين سراج وفريد وسليم. صرخت بخوف على حفيدها: "يا مُري. ولاد سلطان الهلالي هيقتلوا ولدي يا ناس."
ومع صراخها استيقظت تلك الغافية على تلك الأصوات التي تتعالى خارج الغرفة. خرجت بسرعة لتتفاجأ بذلك الجمع في الخارج. جرى عليها فريد وهو يحتضنها بخوف ويقول: "زهرة حبيبتي، انتِ كويسة؟ سراج عملك حاجة؟"
قال سراج بغضب: "ما عملتش حاجة. وابعد بعيد عنها."
اقترب منها سليم وهو يقول: "زهرة، انتِ كويسة؟"
كانت كالمغيبة لا تعلم عن أي شيء تسأل ومتى جاءوا.
قالت نجية بغضب: "ماهي زي القرده أهي. وأنتم هو طابقين على ولدي. بعد انت وهو وخدوها وغورو بعيد عنينا."
أخذ فريد يدها وهو يقول: "يلا يا زهرة نروح بيتنا."
قالت بدهشة: "نروح فين يا فريد؟ فيه إيه؟ وإيه اللي جابك؟ أنا كويسة."
وقبل أن يكمل فريد، أخذ سراج يدها ودفعها خلفه بحماية وهو يقول: "زهرة مش هتتحرك من هنا. زهرة مراتي."
هتف فريد بغضب: "مراتك اللي كانت جدتك هتموتها."
قال سراج: "أنا مكنتش موجود." ثم نظر إلى سليم وقال بدفاع عن نفسه: "وأول ما عرفت باللي حصل جبتها وجيت هنا بعيد عن البيت والعيلة عشان أحميها. وقولت الكلام ده لعمي جلال ورحيم كان موجود."
شعر سليم بصدق سراج ولانت كلماته قليلاً وهو يقول: "اهدوا يا فريد." ثم نظر لزهرة وقال لها: "زهرة متخفيش من حاجة يا زهرة. إحنا أهلك وكلنا معاك. لو خايفة من حاجة تعالي يلا معانا ومحدش هيقدر يقربلك ولا يمنعنا أننا ناخدك من هنا."
وقبل أن تجيب، صرخ سراج بغضب وهو مازال يحتجزها خلفه: "قولت لك زهرة مراتي وأنا استحالة أسيبها."
ضغطت زهرة على يد سراج وهي تنظر له برجاء أن يتركها تتحدث. خرجت من خلفه ونظرت إلى فريد وسليم وقالت بهدوء عكس ضربات قلبها الصاخبة التي زادت في الخفقان بعد أن رأت دفاعه عنها وتمسكه المستميت بها.
"فريد يا حبيبي، صدقني أنا كويسة وسراج معملش حاجة فيا." ثم نظرت إلى تلك التي تستعر من الغضب وقالت: "وكمان جدته معملتش فيا حاجة."
نظر لها سليم وهو يقول بجدية وحماية: "متأكدة إنك كويسة يا زهرة؟ متخافيش من حاجة."
نظرت له بإمتنان وقالت: "صدقني أنا كويسة يا سليم وسراج بيعاملني كويس جداً وأنا مطمئنة وأنا معاه." ثم أكملت وهي تضع يدها على وجنة فريد وتقول له بحب: "فريد يا حبيبي، متخافش عليا وصدقني سراج كويس واكيد لو فيه حاجة هكلمك."
ثم قالت بحب وذكاء منها حتى تجمع تلك العائلة وأيضاً تستغل معاملة سراج الحسنة لها أمام أخوها حتى يطمأن قلب فريد: "طيب إيه رأيكم؟ طالما كلنا هنا نفطر سوى." ثم نظرت إلى سراج وقالت: "إيه رأيك يا سراج؟"
نظر لها سراج باندهاش من مطلبها. فكيف أن تتصور أن تجلس تلك النيران المشتعلة على طاولة واحدة.
تدخلت بسمة التي وصلت بذكائها إلى تفكير زهرة. قالت بقليل من المكر وهي تؤيد كلام زهرة: "والله فكرة حلوة يا مرات أخويا. إيه رأيك يا جدتي؟ وأهو بالمرة نشوف مرات سراج وهي في المطبخ."
قالت نجية بغضب: "أنا معيزاش وكل منها وهمي بينا نروح طالما سيد الرجالة أخوك خايف على المحروسة منينا."
هتف سراج بغضب: "جدتي."
قالت زهرة بسماحة: "لأ والله كلكم أول مرة تتجمعوا في بيتنا الجديد ومحدش هيخرج إلا بعد الفطار." ثم اقتربت من نجية وهي تقول: "افطري معانا يا جدتي عشان خاطر سراج."
لم تجبها نجية، ولكنها امتثلت لطلبها حتى لا تتسع فجوة البعد بينها وبين حفيدها أو كما ظنت حتى لا تعطي لزهرة فرصة أخرى ليتمسك بها سراج.
نظرت زهرة إلى فريد برجاء ألا يرد طلبها هو وسليم.
قال سليم بعقلانية: "خلاص يا زهرة، إحنا مش بخلاء عشان نرد عزومتك ولا إيه يا فريد؟"
أومأ فريد على مضض وأيقن أن أخته متمسكة بذلك الصلح ولن تفلت من يدها صمام أمان هذا الصلح وستحاول بكل الطرق.
اجتمع الكل حول طاولة الإفطار. وكل شخص يحمل مشاعر متضاربة. ما بين كاره لتلك المبادرة، وآخر متضارب المشاعر، وآخر يجلس على مضض. ولكنها تجلس لكي تفكر في طريق آخر تسلكه لتفرق سراج وزهرة بعد أن رأت دفاعه عنها وكان دفاعاً مستميتاً. إنها نجية.
انتهى الإفطار وكان كالمحنة. قام فريد ليغادر بعد أن فشل مخططه لكي يعيد أخته.
هتفت زهرة بحب: "فريد متقلقش عليا، أنا بخير."
اقترب منها سليم وقال: "كلنا معاك يا زهرة. أوعي تفكري أننا ضحينا بك عشان الصلح." ثم خفض صوته وقال: "لأ يا بنت عمي، أنتِ وأخواتك أغلى حاجة عندنا. وكمان سراج هيحافظ عليك ومش هيسمح لحد يأذيك."
خرج هو وفريد، بينما بقيت زهرة وبسمة ونجية.
قالت نجية بمكر لسراج حتى تكسب وده مرة أخرى: "أنت هتفضل هنا يا ولدي؟"
أجابها سراج بحزم: "أيوا يا جدتي، وأنتِ عارفة ليه."
قالت بتصنع للحزن: "على كيفك يا ولدي، أنا مأغصبش عليك."
قامت لتنصرف هي وبسمة. سلمت بسمة على زهرة بحب واحتضنتها وهي تشكرها على تلك الخطوة التي قامت بها.
"شكراً يا زهرة." ثم قالت لها بمشاكسة: "سراج أمانة في رقبتك. عايزة أستلم أخويا منك وهو بيموت فيك."
ثم تركتها وانصرفت بعد أن تبعت كلامها بغمزة من عينها.
صدح هاتف سليم برقم سمير وهو يركب السيارة. نظر إلى فريد وقال: "ثواني هرد على التليفون يا فريد."
أومأ له فريد ووقف ينتظره بينما ابتعد سليم قليلاً.
خرجت بسمة مع جدتها. وجدت واقفاً بجوار سيارتهم. قالت له وهي تركب دون أن تنتبه لها جدتها: "اللهم لا شماتة. بس أنا شماتة فيك." ثم ضحكت على نظراته المحترقة من سخريتها منه. وهم أن يرد عليها لولا هتاف جدتها: "همي يلا يا بسمة، كفاية أكد."
أجاب سليم على هاتفه بترقب. استمع لكلمات سمير المسمومة.
"سليم بيه."
"أيوا يا سمير."
"الصورة."
أجابه سليم بترقب: "مالها؟"
"مش مضروبة يا بيه. أنا آسف."
أغلق الهاتف بينما اشتعلت نيران قلبه مرة أخرى. هتف بغضب على فريد وهو يعطيه له مفتاح السيارة: "فريد روح أنت وأنا ورايا مشوار هخلصه وأحصلك."
سأله فريد بقلق: "في حاجة يا سليم؟ مين كان بيكلمك؟"
أجابه سليم بقليل من الغضب حتى لا يصر على معرفة شيء: "أبداً يا فريد. مشكلة في الأرض هخلصه وأرجع على طول. يلا روح أنت."
انطلق سليم بخطى تحرق الأرض. انطلق يبحث عن چو. يريد أن يجده ليقتله لتطاوله على شرف عائلة الهلالي. ولكن مهلاً، ألم يكن هذا التطاول مرحباً به منها؟ من معذبة قلبه؟ سيقتله ويقتلها.
أخرج هاتفه الذي تعلى صوته. وجده أخاه رحيم. أجاب عليه بغضب وهو يقول: "رحيم، كنت لسه هكلمك."
قال رحيم: "انت فين يا سليم؟ تعالي دلوقتي حالا عند جدك في السرايا. فيه مصيبة حصلت ولازم نتصرف."
أجابه سليم بغضب: "مش أكتر من المصيبة اللي أنا فيها. قولي الزفت چو ألاقيه فين؟"
قال رحيم بدهشة: "ليه؟ أنت عرفت حاجة؟"
قال سليم بغضب: "خلصتي يا رحيم. الاقيه فين؟"
"يمكن في بيت أبوه عند عمتك رحمة. بس فيه إيه؟"
وقبل أن يكمل رحيم كلامه، أغلق الهاتف وانطلق يبحث عن چو.
قال چو بفحيح وهو يربت على كتفه: "برافو عليك يا سمير."
قال سمير بفرحة وهو ينظر إلى تلك الحقيبة التي تحتوي على المال: "أنت تؤمر يا خواجة." ثم أخذ منه المال وقال: "أظن كدا الفلوس من حقي."
أجابه جو بتأكيد: "أيوا. ده الفلوس بس دول مليون بس وتاخدهم وتحمد ربك. وبعدين دول هيعيشوك ملك. دول مليون دولار ولا إيه يا سعادة؟"
هتفت دنيا بطمع: "خلاص يا سعد. أنت هتمول."
جذب سمير الأموال بفرحة. تركه چو وانصرف. بينما بقيت دنيا: "أنا جاي بعد شوية يا چو."
أومأ لها چو وتركها وانصرف. هي لم تعد تعني له، وأيضاً سمير انتهى دوره.
خرج. وقبل أن يخرج سأل دنيا عن بيت سليم.
"دنيا، فين بيت سليم اللي قاعد فيه هو ونور؟"
"بتسأل ليه؟"
أجابها بمكر: "مجرد سؤال."
قالت بلا مبالاة حتى تتخلص منه: "البيت الصغير اللي على شكل فيلا اللي في أول البلد."
"تمام."
خرج وهو غافل عن تلك المتخفية التي تستمع بعقل يكاد يذهب من أفعال أختها المشينة. كتمت أنفاسها وهي تتوارى خلف باب الباب الخارجي لاستوديو سمير.
قالت دنيا لسمير وهي تجذب منه حقيبة: "استنى يا خفيف. حققي الأول."
أجابها سمير بخوف: "خلاص هنقسم." ثم أضاف مستفسراً: "معلش يعني يا دنيا، أنتِ إيه بينك وبين مرات سليم الهلالي عشان تكرهيها كده وتساعدي الخواجة على فبركة الصور دي؟ دي صور تروح فيها رقاب."
قالت دنيا بغل: "ما يروح اللي يروح. أنت هتستعبط وجاي تتوب دلوقتي؟ اخلص يلا نقسم الفلوس."
وصل چو إلى بيت سعد يجمع أغراضه لكي حتى يترك البيت ويذهب إلى بيت نور حتى يرى بعينه ماذا سيفعل بها. وصوّر له شيطانه أنه سيجدها منهارة. يستغل هو انهيارها ولحظة ضعفها ويكون بجانبها أو يأخذها ويعود بها إلى إيطاليا.
جمع أغراضه وهم أن يخرج وجد تلك اللكمة القوية التي أطاحت به أرضاً في وجهه.
لم يتمالك نفسه وقبل أن يفيق انقض عليه سليم بعدة لكمات في وجهه. صرخ فيه بغضب: "أنا هقتلك يا كلب يا ابن الكلب." قاومه چو واستطاع أن يفلت من قبضته القوية وهو يضرب سليم أيضاً في وجهه. وأصبحت مشاجرة علا فيها أصواتهم. هتف جو بغل وكره: "إيه يا سليم باشا؟ الحقيقة وجعتك قوي كده؟"
صرخ فيه سليم وهو يضربه: "اخرس يا كلب. أنا مراتي أشرف منك ومن مليون زيك يا ابن الحرام."
قال چو بسخرية: "ولما هي شريفة، إيه اللي جابك ليا؟"
"جاي آخد روحك يا واطي عشان اتجرأت واتكلمت على مراتي."
قال جو باستفزاز لسليم حتى يزيد من شكه في نور: "أنا مش بس اتكلمت عليها، أنا كنت بنام في حضنها يا باشا."
سمع صالح ورحمة ذلك الشجار القادم من الملحق بجوار منزلهم.
قالت رحمة بقلق: "صالح، واد يا صالح. هو الخواجة صاحب أبوك حد بيتعارك معاه؟"
قال صالح بلا مبالاة: "واحنا مالنا يما؟ حد يتعارك معاه أو حتى يقتله. أنا مش بطيق الخواجة ده أصلاً."
قالت رحمة بخوف: "إزاي يا ابني؟ ده ضيف أبوك. هم نشوف فيه إيه."
دَلفت رحمة وصالح إلى الملحق ووجدوا سليم ممسك بملابس چو ويكيل له الضربات.
ضربت على صدرها وهي تصرخ: "يا مُري! فيه إيه يا سليم يا ولدي؟ مالك ومال الخواجة؟"
استغل چو وجودهم وابتاعد سليم عنه وأخرج سلاحه وأشهره في وجه سليم ورحمة وصالح.
انتبه صالح لچو قائلًا بخوف: "حاسبي يا ما. حاسب يا سليم. الخواجة معاه مسدس."
تراجعت رحمة للخلف بخوف وهي تقول: "فيه إيه يا خواجة؟ استهدي بالله يا خوي. أكيد فيه حاجة غلط وسليم ميقصدش يضربك."
قال سليم بغضب وهو يقترب من چو: "لأ يا أم صالح. أنا لو طولته هموته عديم النخوة والشرف."
جذبت رحمة سليم بخوف من ذلك الذي يشهر السلاح في وجهها: "استهدي بالله يا سليم يا ولد. ده مهما يكون يا ولدي ميصحش. ده بردو ضيف."
صاح سليم بسخرية: "ضيف إيه يا أم صالح؟ الخواجة صاحب بيت."
قالت رحمة بسماحة: "أيوا يا ولدي. وماله صاحب بيت."
دفع سليم الكلمات من فمه وكأنها طلقات من نار على رحمة وصالح: "أنا بتكلم بجد يا أم صالح. الخواجة ابن جوزك سعد بيه راشد ابنه البكري. وجايبه هنا عشان يعرفوا على أهله وناسه ويعيش وسطيهم." ثم أضاف آخر كلماته نافخاً بها قلب تلك المسكينة وولدها: "أصله كان مرافق أم الخواجة قبل ما يتجوزك يا عمتي."
جلست رحمة في مكانها. لجمت لسانها الصدمة وشلت حركتها. كل ما استطاعت أن تقوله هو: "سعد كان مرافق ومخلف وأنا معرفش."
استغل چو صدمة الجميع وتسحب ببطء. بينما نظر صالح لامه وقال بقهر: "شفتي يا أمه؟ أنا ياما قلت لك إن سفره كل يوم والتاني وزياراته. أثاري أبوي بيروح الخواجة وأمه."
نظر صالح بغضب وهو يهتف عندما لم يجد چو: "الحق يا سليم. ابن الحرام هرب."
جلس سلطان ومهران ورحيم بجوار جاد الذي مازال لم يستوعب كيف استطاع أن يتآمر ذلك الدنيء على قتل ولده أو معرفة قاتل ولده.
ربت مهران على كتف عمه وقال له بحنان وطمأنينة: "استهدي بالله يا عمي. تار جابر إحنا اللي هنجيبه. بس نعرف الأول مين اللي جتله. وكلها ساعات ورشاد هيجيب الكلب اللي اسمه عثمان وكل حاجة هتبان."
نظر جاد بامتنان لابن أخيه وجلس ينتظر حضور عثمان.
قال جاد بقلق: "وسعد عملت معاه إيه يا رحيم؟"
أجابه رحيم بجدية: "متقلقش يا جدي. أنا اتصلت على الظابط معرفة سليم اللي باعت لنا رشاد وقولت له على كل حاجة. وهو هيبقى مستني هناك وهيبلغنا بأي جديد."
"فين سليم يا رحيم؟" تساءل سلطان.
قال رحيم بقلق: "والله ما أنا عارف يا جدي. شكل سليم عارف حاجة. أنا قلقان عليه. هحاول أتصل عليه دلوقتي."
جلست نور في منزلها يتآكلها القلق. فقد مر النهار كله وسليم لم يعد ولا يجيب على اتصالاتها. أخبرها فريد حين عاد أنه ذهب لعمل مفاجئ بعد أن جاء له هذا الاتصال. آلاف الأفكار والظنون جالت بفكرها. ترى ماذا حدث؟
سمعت جرس الباب. جرت بسرعة عليه ظناً منها أنه سليم. ولكنها رأت آخر شخص تريد أن تراه. هتفت بغضب: "انت!"
أجابها بفرحة: "أيوا يا نور. أنا. أنا چو اللي بيعشقك."
صرخت بغضب: "اخرس! أنا ست متزوجة وبحب جوزي."
قال بسخرية: "جوزك مين؟"
"جوزك اللي مصدق الصور."
هتفت بكره: "معاه حق. أي حد مكانه هيعمل كده. أنت الحقير اللي خليته يشك فيا." ثم اقتربت منه بغضب صارخ وهي تصرخ فيه: "اطلع بره يا قذر. بره."
قال لها بنفس مريضة: "تعالي معايا يا نور. سليم خلاص كرهك ومعادش لك إلا أنا. وعمره ما هيصدقك تاني."
قالت بتقزز: "أجي معاك فين يا زبالة؟ أنت لو حياتي في إيدك أنا أتمنى الموت."
قال لها بغل: "طيب شوفي سليم هيعمل فيك إيه؟ أصله كان عندي وأنا أكدت له أن الصور سليمة. آه، وكمان قلت له على ليالينا الحلوة في باريس."
صرخت فيه بقهر من افتراه عليها: "ليالي مين يا شيطان؟ أنت شيطان مريض. بس بحبك يا نور وهعمل كل حاجة عشان تكون ليا."
قالت بكرة وهي تدفعه خارج منزلها: "على جثتي."
جلست تستجمع نفسها بعد كلمات ذلك الحقير. لابد وأنه هو صاحب الاتصال الذي جاء لسليم. ترى ماذا قال له؟ جذبت مفتاح سيارتها وخرجت تبحث عنه.
للمرة التي لا تعرف عددها حاولت الاتصال بسليم حتى تخبره أن تلك الصور التي لزوجته ليست حقيقية. ولكنه لا يجيب.
قالت بيأس: "وبعدين يارب. هتعمل إيه يا أيه؟ كدا هيصدق أنها صور مراته. والله أعلم هيعمل فيها إيه. الله يسامحك يا دنيا على اللي عملتيه في الراجل ومراته."
مسكت هاتفها بينما تحاول مجدداً.
قلب البلد رأساً على عقب يبحث عن چو. لم يجده. وأخيراً ذهب إليها. إلى تلك الخائنة. سيحاسبها ويجعلها تدفع ثمن كذبها عليه. وصل أخيراً إلى منزله. بحث عنها في كل مكان لم يجدها. هتف باسمها لم يجدها. خرج مرة أخرى ليبحث عنها. بينما لعبت به الظنون. أتكون قد تركته وذهبت مع چو؟ أم هربت منه لكي تعيش حياتها؟ أم أين ذهبت؟ وقبل أن ينطلق بسيارته وجدها تعود أمامه.
نزلت من سيارتها واندفعت إليه ترمي نفسها بين أحضانه بلهفة وهي تقول: "سليم، حمد الله على السلامة. كنت فين؟"
أبعدها عنه بجفاء وغضب وصاح بها: "كنتِ فين يا هانم؟ ولا عشان أنا مش موجود تلفي على حل شعرك." ثم جذبها من يدها بقوة وهو يضغط على ذراعها. جرت بخطى متعثرة وهي تقول بألم: "إيدي يا سليم. حرام عليك."
قال لها بغضب: "حرام؟ حرام إيه يا شريفة؟ هي اللي زيك تعرف حرام من حلال. اخرسي."
تركها في المنزل وهو يصرخ فيها: "لمي كل هدومك. بكرة هنروح بيت جدي وهنعيش هناك فترة. وبعد كده كل واحد يروح لحاله. واحمدي ربك إني هستر عليك عشان خاطر أبوك."
قالت بأعين دامعة: "مالك يا سليم؟ إيه حصل لك؟"
قال بغضب أهوج بينما تضرب أنفاسه الغاضبة صفحة وجهها: "الصور طلعت مش متركبة يا نور هانم. أنا اللي غلطان اللي صدقت واحدة زيك." نظر لها بكل احتقار ثم أكمل بصوت يملأه الخزي: "وأنا هلوم عليك ليه؟ وأنا المغفل اللي صدق دموعك وصدق حبك الكداب." ثم ضغط على ذراعها بقوة وهو يقول من بين أسنانه: "أوعي تفكري إن اللي حصل بينا هيجبرني إني أكمل مع واحدة زيك معندهاش شرف. لاء. فوقي يا نور. أنا مفيش حاجة تلوى دراعي." ثم دفعها بعيداً عنه وهو ينظر لها بشمئزاز.
اقتربت منه بينما تهادت على وجهها كل تعبيرات قلبها المقهور. قالت بقهر: "حاسب على كلامك يا سليم وشوف أنت بتقول إيه. عشان بكرة هتندم قوي لما تعرف الحقيقة. بس ساعتها مش هتلاقيني. ووقت السماح هيكون خلص."
اقترب منها وقال بسخرية أحرق قلبه قبل قلبها: "السماح ده وحدة زيك متفكريش حتى تطلبه." تركها لكي ينصرف.
مسكت يده وقالت بصوت مختنق بالدموع: "أنت هتيجي تطلب السماح يا سليم؟ وأنا مش هسامح. في كل كلمة قولتهالي وهضربك هنا." ثم أشارت بيدها على موضع قلبه.
أزاح يدها من موضعها وقال بسخرية: "ده أنا اللي بتحكم فيه وفيك كمان." ثم نظر إلى الفراش وأكمل: "وأظن السرير ده شاهد عليا. ووقت ما أنا كنت عايزك أنتِ رحبتي ومقلتيش لاء."
حرقتها كلماته. قالت بغضب أنثى ثارت لكرامتها: "بكرة تشوف يا سليم. نور الهلالي هتعمل إيه." ثم صرخت فيه بقهر وغضب: "اطلع بره. مش عايزة أشوف وشك."
قال لها بتهكم: "ولا أنا طايق أبص في وشك."
خرج لا يعلم أين يذهب أو إلى من يشتكي. قلبه ينزف. روحه تموت بسبب كذبها وخداعها. كيف تكون ماهرة إلى تلك الدرجة في الخداع؟ تعالى مرة أخرى صوت هاتفه. نظر فيه ووجد ذلك الرقم المجهول يتصل عليه. لم يجب عليه.
تعالى مرة أخرى صوت هاتفه. قرر أن يجيب. وجده رحيم. قال رحيم بقليل من القلق: "سليم، أنت فين؟ قلقتنا عليك."
"خير يا رحيم. فيه إيه؟"
"مش خير يا خوي. تعالي على بيت جدك بسرعة."
خرج من غرفة المكتب بعد أن جهز جميع أوراق الشحنة. وجدها تبتسم له بصفاء عينيها. قال لها بتردد: "أنا مسافر إسكندرية يومين يا زهرة. هخلص شحنة مكن جديد للمصنع أنا والمهندس إبراهيم. يلا جهزي. هوديك بيت جدك تفضلي هناك لغاية ما أرجع."
قالت له برفض: "وأروح بيت جدي ليه؟ أنا هفضل هنا. المكان هادي وحلو وكمان الناس حوالينا يعني مش هخاف."
قال بجدية: "يا بنت الناس الله يرضى عليك عشان أكون مطمئن عليك كدا. هكون قلقان."
"اطمن. أنا هكلم بسمة تيجي تقعد معايا من بكرة لحد ما ترجع."
هتف بجدية: "زهرة اسمعي الكلام."
قالت بمراوغة: "ما أنا سمعت كلامك وجيت معاك هنا. اسمع أنت كلامي وسيبني على راحتي. متقلقش."
انفلت الكلام منه وهو يقول: "أنا معرفتش القلق إلا معاكي."
قالت متصنعة الغضب ومستغلة صفاء اللحظة التي يتحدث فيها معها بكل ود: "الله يسامحك. يعني أنا دايماً مسببة لك القلق؟"
قال بسرعة بينما خاف على حزنها: "لأ والله ما قصدت. أنا قصدت إني بكون خايف عليك وأنا مش معاك."
اقتربت منه وهي تتمتع بسحر اللحظة. فقد خطف قلبها مرتين. الأولى في كندا والثانية في مصر حين رأت لهفته وخوفه عليها. وقالت بدلال: "بجد يا سراج بتخاف عليا؟"
أجابها بصوت متحشرج من تلك المشاعر التي تضرب قلبه وجسده وهو يقرأها: "آه طبعاً. لازم أخاف عليك وعلى حياتك."
أضاف تلك الكلمة بمكر التي هدمت كل شيء في ثانية: "عشان الصلح."
نظرت له بزرقاواتان اشتعل بهما الغضب وقالت: "لأ. متخافش على الصلح يا سراج بيه. ووفر خوفك لحد تاني."
يعلم أنها غضبت من برود كلماته. ولكن ماذا يفعل في قلبه الذي كاد أن يتركه من صخب دقاته. حين تقترب منه يخاف. نعم يخاف عليها من كل شيء. حتى منه هو. يخاف عليها.
صعد غرفته لكي يستبدل ملابسه ويأخذ حماماً دافئ يزيل عنه تعب وإرهاق اليوم. حتى يأتي سليم وجدها تجلس على فراشها.
دلف إلى الغرفة دون أن يحدثها. جذب ملابسه من الخزانة وتوجه إلى الحمام. انتظرته حتى خرج. وقفت خلفه وهي تقول بغضب: "كنت فين يا رحيم طول اليوم؟"
أجابها ببرود. فهو غاضب منها ومن حديثها ولن ينساه. " مطرح ما كنت."
اشتعلت بالغضب فهتفت فيه: "أنا بسألك عشان أعرف جدتي كان عايز إيه منك."
"ميخصكيش. قلت لك."
هتفت بغضب وصوت عالٍ: "لأ يخصني."
جذبها من ذراعها بغضب وهو يقول: "صوتك يوطى وأنتِ بتكلميني بعد كده." ثم قال بصوت خفيض وهو يقترب من أذنها: "مفهوم؟"
أومأت له بخوف. قال بمكر: "اسمعيني صوتك وأنتِ بتقولي مفهوم."
"م...ف...هوم."
قالتها متقطعة. لا تعلم لماذا دائماً تطيعة وتفعل ما يأمرها به.
وصل إلى بيت جده قابله جده بقلق: "كنت فين يا سليم؟"
قال بمهادنة حتى لا يزيد قلق جده عليه: "معلش يا جدي. شغل كنت بخلصه."
"خير." قال أبيه رحيم نازل وهيقول لك كل حاجة.
وجد جاد جالس بوجه حزين وكأنه دفن عزيز له اليوم. اقترب منه بحنان: "وقال مالك يا جدي؟"
"جاد حصل حاجة."
"سلامتك يا ولدي. رحيم هيقول لك على كل حاجة."
وما هي إلا دقائق ونزل رحيم ليخبر سليم بكل شيء. اشتعل سليم بالغضب وبدأ يربط الأحداث ببعضها البعض. وكلام چو مع أبيه والمبلغ الذي يريده. لماذا يريد هذا المبلغ. وأيضاً كلام رشاد عن مراقبته لعثمان القناوي.
قال بغضب: "الكلاب دول لهم يد في قتل عمي جابر."
وما هي إلا ثوانٍ وتعالى صوت هاتفه مرة أخرى بنفس الرقم المجهول. ولكن تلك المرة أجاب.
"الو."
"نجاه صوت أنثى خائفة وهي تقول: "مش مهم أنا مين. المهم اللي هقوله لك قبل ما تخرب بيتك. الصور اللي بعتها لك چو الخواجة متفبركة ومراتك بريئة ودي الحقيقة. چو مع سمير يقول لك كده عشان تطلق نور وهو يتجوزها."
أغلقت المكالمة دون أن يعلم من التي كانت تحدثه. وكأنها ليلة كشف الحقائق.
انتهى البارت. دمتم بخير.