تحميل رواية «أو أشد قسوة» PDF
بقلم سارة مجدي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بخطوات ثابتة وهيبة لا يستطيع أحد أن يخطئها، يدلف إلى مقر شركته. يقف الجميع احتراماً له، ولكن هو لا يلتفت يوماً وينظر لأحد. تلاحقه العيون.. منها من يعشقه، ومنها من يراه قدوة ومثل، ومنها من يحسده ويتمنى أن يكون مكانه. لكنه لا يهتم لكل ذلك. هو يعلم جيداً بما داخل قلوبهم، ويعلم من يحبه حقاً ومن يتعامل معه بشكل عادي لكونه صاحب الشركة وهم موظفين. ويعلم أيضاً من يكره، لكنه أبداً لم يُظهر اهتماماً بأحد. دلف إلى مكتبه وخلفه السكرتيرة الخاصة به، وبين يديها دفترها الصغير. خلع الجاكيت وعلقه في مكانه، وجلس ع...
رواية أو أشد قسوة الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم سارة مجدي
لم يستطع عدنان البقاء في العيادة أكثر من ذلك، قلبه يؤلمه ويريد أن يختلي بنفسه في غرفته أو صومعته الخاصة في حديقة القصر، يريد أن يبتعد عن الجميع.
رغم أنه لا يعرف هل وحدته أفضل؟ أم بقاؤه في حضن عائلته أفضل؟
لكن رغم كل هذا، غادر دون أن يتحدث مع أي من أدهم أو عبدالله.
قلبه وعقله يشعران بالخدر والألم، أن قلبه أصبح واهن كجسده الذي بدأ يضعف تحت تأثير مرضه الذي يأكله من الداخل دون رحمة.
طوال الطريق يحاول السيطرة على دموعه التي تحاربه حتى تغادر محبسها، لكنه يأبى أن يظهر ضعفه حتى لنفسه.
وصل إلى القصر وهو ما زال سارحًا في أفكاره، يحارب أشباح نفسه وهواجسه.
بين خوفه على أدهم وحزنه على ظلال، وشفقته على نفسه، حتى أنه في خضم كل هذا نسي هوا تمامًا.
لم يستطع أن يدخل إلى القصر، فقدميه لا يشعر بهم وكأنها من هلام، والخطوات البسيطة لصومعته ثقيلة عليه.
فكيف سيكون حاله حين يصعد إلى غرفته؟ مؤكد سوف يسقط في منتصف الطريق.
ألقى بجسده على الأريكة الكبيرة، منهكًا وفاقد القوى.
كانت تتحدث في الهاتف جوار النافذة حين رأت سيارته تعبر البوابة الحديدية الكبيرة، فقلبها قفز بداخل صدره بسعادة، وكادت أن تخبر شكران أنه وصل، لكنها تراجعت عن هذا حين لاحظت حالته وكتفيه المتهدلين، وتوجه إلى تلك التعريشة الكبيرة وليس إلى داخل القصر.
أغلقت الهاتف وقررت الذهاب له.
في نفس الوقت، كانت ظلال تقف أمام النافذة في عادة أصبحت تلازمها طوال الشهر المنصرم، وشعرت بألم قوي ينحر روحها وهي تراه على هذه الحالة، التي لا تفهم سببها.
هل سببها تلك الفتاة التي دخلت حياته ومنذ دخولها وحاله عدنان مختلفة تمامًا عن حاله سابقًا؟
وفي غمرة أفكارها، لاحظت اقتراب هوا من صومعة عدنان، شعرت بنار حارقة تنهش روحها وقلبها.
لما تلك الفتاة أصبح لها ما كان من المفترض أن يكون لها هي؟
لكن الغضب غلب إحساسها، فأغلقت النافذة وألقت بجسدها على الكرسي القريب منها وهي تقول لنفسها: لماذا هي؟ لماذا؟
مغمض العينين يريح رأسه إلى الخلف بإرهاق واضح، وحزن يرتسم على ملامحه لا يخطئه الأعمى.
شعرت بالشفقة عليه، يبدو كطفل صغير تائه ولا يجد من يمسك بيده ليطمئنه.
ظلت على وقفتها أمامه وهي تفكر أنها تشعر بشيء خاص بذلك الرجل.
تذكرت يوم أخبرها عن مرضه دون أن ينظر إليها أو يواجه عينيها.
شعرت بالشفقة عليه وبألم قوي داخل قلبها وبداخلها حين قررت أن توافق على عرضه.
كانت تريد أن تكون أمًا له، تضمه إلى صدرها بحنان وتربت على ظهره تواسيه وتمسك بيده حتى تخفف ألمه.
تتربت على يده بهدوء وهي تنادي بصوت هامس:
"عدنان.. عدنان"
فتح عينيه ينظر إليها، لتشعر بالصدمة حين رأت عيونه الحمراء والدموع التي تملؤها، كسهام نارية اخترقت قلبها.
لتجثو على ركبتيها أمامه وهي تمسك يديه بقوة وقالت بلهفة ولوعة:
"مالك يا عدنان؟ فيك إيه؟ ليه حالك كده؟ إيه اللي حصل؟"
انحدرت دمعة واحدة من عينيه فوق وجنته وهو يقول بألم وحصرة:
"هو أنا ربنا غضبان عليا ليه؟"
قطبتين بين حاجبيها باندهاش وصدمة، ليكمل كلماته وكأنه ينزف:
"غلطت آه.. عملت كبيرة من الكبائر.. آه.. لكن تبت والله تبت. ليه الاستمرار في العقاب؟ ليه أفضل عايش في خوف؟ ليه الخسارة ديما محوطاني؟"
ألم قوي بقلبها وشعور لا يوصف بالقهر وهي تقول بحزن:
"إيه اللي حصل عشان تقول كده؟"
نظر لها بصمت، وبداخل عينيه الكثير من الحديث.
لتبتلع ريقها الذي يشبه الشوك الآن وقالت بصدق:
"أنا عايزة أسمعك.. طلع كل اللي في قلبك، اعتبر إنك بتتكلم مع نفسك."
بلل شفتيه بلسانه وتنهد بصوت عالٍ، ثم قال بصوت متقطع:
"قلبي زمان اتعلق بيها.. شوفتها حلمي وحقي.. بس قولت هي موجودة مش هتروح في مكان، خصوصًا وأنا عارف ومتأكد إن قلبها ليها. علشان كده شطحت وافتكرت إن الدنيا كلها ليا.. أغلط براحتي وهلاقي اللي بتسامح وراضية وموافقة.. لحد ما ربنا قالي لو فاكر إنك في إيدك حاجة تبقى غلطان أوي.. وفجأة راجل رياضي حتى السجارة مش بيحطها في بوقه يجيله إيدز."
ضحك بصوت عالٍ يحمل الكثير من السخرية ثم أكمل بتهكم:
"واللي كان فاكر إنها ملك إيديه مبقاش حتى يقدر يقرب منها ولا تكون ليه.. انكسر قلبه وقلبها.. وكل يوم ربنا بيعاقبه بأنه بإيده بيجرحها جرح جديد.. وهو ينزف مكانها. ودلوقتي بقى بيخاف يخسر حد تاني.. خايف على ابن عمه.. خايف على جدته.. حتى خايف عليكي يا هوا.. خايف أخسرك.. خايف أوجعك أو أظلمك.. بقيت عايش بس بالخوف."
الدموع تغرق وجهها وهي تسمعه يتحدث بكل هذا الحب عن التي أخذت قلبه.
لكن بقلب الأم، اعتدلت قليلاً ورفعت ذراعيها تحاوط عنقه بقوة، وظلت تربت على ظهره بحنان ليرفع هو الآخر ذراعيه يضمها بقوة وكأنه يحتمي بها أو يبحث عن الأمان بين جنبات روحها ورائحتها.
أخفى وجهه في تجويف عنقها وبدأ في البكاء بصوت عالٍ.
لتشعر بالشفقة على حاله وتناست ولو مؤقتًا جرح قلبها وشفقتها على نفسها.
ورغم كل شيء، كانت تلوم نفسها على هذا التفكير.
هو لم يقل لها يومًا أنه يحبها، لقد عرض عليها الزواج فقط حتى يؤمن لها حياة كريمة وفي نفس الوقت يتخذ منها غطاء ليخفي ما ستره الله بها.
وفي النهاية هي من ستكون زوجته، هي من ستحمل اسمه، هي من ستبقى جواره ومعه حتى النهاية.
أي نهاية لذلك، زادت من ضمها لها، حتى تشعره بالأمان وبكونها بجواره.
ظل يبكي ويبكي حتى يخرج كل ما بداخله.
بكى كطفل صغير، بكى خوفًا وحزنًا وقهرًا وعجزًا، بكى بعينيه وقلبه وروحه.
لم تعد تتحمل كل هذا وهمست جوار أذنه:
"لقد وقعت في الحب معك ولا تسألني كيف؟ وأين؟ ومتى؟ لكنني أشعر بالجنون أن تخللت أصابعك بين أصابع غيري. أتسائل عن أسباب الخدوش في أطراف أصابعك. ألاحظ أبسط تفاصيلك. أعانقك عناق المكتفي بك عن جميع ما في الكون فلا تخذلني أنا بحاجتك."
ليرفع رأسه ينظر إليها بصدمة واندهاش.
لكن الصدق بعينيها جعل قلبه، وللحظة، لحظة خاطفة، نطق ثلاث حروف مختلفة عن الأربع حروف التي عاش عمرًا كاملًا يرددها.
***
تجلس فاطمة على الكرسي المجاور للأريكة التي تتمدد عليها سليمة، تمسك بيديها والدموع لا تتوقف.
وكلما تلاقت عينيها بعين أدهم، أشاحت بوجهها عنه رغمًا عنها.
شعر أدهم بإحساسها ويعطيها عذرها، فلم يشفع عندها جلوسه أسفل قدمي ابنتها وخوفه الظاهر على ملامحه.
أقترب منها وهو على نفس جلسته أرضًا وقال بصدق:
"أنا لو مكانك هكره اللي بيعمل فيها كده، حتى لو متأكدة من حبه ليها وحبها ليه."
نظر إلى وجه سليمة للحظات ثم عاد بنظرة إلى فاطمة وأكمل:
"أنا بحبها.. أوي.. هي دنيتي اللي من غيرها هموت. لا في يوم فكرت أكون سبب في دموعها ولا حزنها ولا أتمنى في يوم أكون أنا سبب حزنها. وموتي أهون عليا من ده وربنا شاهد."
صمت للحظات ثم قال وصوته يختنق ببكاء ترفض رجولته وكبرياؤه الذكوري بالسماح له بمغادرة عينيه:
"لو شايفة إن بعدي عنها هو الحل.."
صمت لم يستطع أن يكمل، واختنق صوته وانحشرت الكلمات في حلقه.
لتمسح فاطمة دموعها وقالت بصوت متقطع:
"أي أم يا ابني بتبقى عايزة بنتها لما تتجوز.. تتجوز راجل حقيقي.. راجل بجد يحبها ويصونها ويحميها.. وميجرحهاش. وأنا عارفة إنك معملتش حاجة لبنتي.. هي حبها ليك اللي خلى الخوف يسيطر عليها.. مش أنت. وحتى لو كنت عملت حاجة أنا متأكدة إنه غصب عنه."
أقترب منها أكثر وبيده الأخرى مسك كفها وقبلها باحترام وقال بصدق:
"أفديها بعمري يا أمي.. ولو مصلحتها في بعدها عني أنا.."
"أنت إيه؟"
لم يكن هذا صوت فاطمة ولكنه صوت ساكنه قلبه، حبيبته، نبض قلبه وروحه.
التفت لها وابتسامة راحة وسعادة تنطق من ملامحه، حتى أنه سار الخطوات التي اقتربها من فاطمة عائدًا على ركبتيه، وقال بلهفة:
"حبيبتي أنتِ كويسة؟ حاسة بحاجة؟"
هزت رأسها بلا ورفعت رأسها ليساعدها حتى تجلس ونظرت إلى والدتها التي تنظر إليها والدموع تغرق وجهها لتقول بصدق:
"أنا كويسة يا ماما.. أنا بس من خوفي على أدهم ولأنك كنتِ معذباني طول اليوم لف في الشمس اغمى عليه."
لم تعلق فاطمة على كلمات ابنتها لكنها قالت:
"الحمد لله إنك بخير يا بنتي الحمد لله."
عادت سليمة بنظرها إلى أدهم وقالت بشر:
"حضرتك بقى كنت بتقول إيه من شوية؟"
ابتسم ابتسامة صغيرة واخفض رأسه أرضًا وهو يقول:
"أنا مقدرش أبعد عنك يا سليمة.. لكن مصلحتك.."
"مصلحتي معاك.. لأني بحبك.. وزي ما بعدي عنك الموت وقتها أهون بالنسبة ليك أنا كمان موتي أهون من بعدي عنك."
ابتسم بسعادة وهو ينظر إلى عينيها التي تخبره بكل اللغات إنها تحبه، ويضم بين يديه يديها التي طالما ربتت على جروح قلبه.
مسحت فاطمة دموعها وهي تدعوا لهم بصلاح الحال ودوام الحب بينهم.
***
غادر الغرفة حتى تستطيع سليمة أخذ راحتها لبعض الوقت حتى ترتب نفسها ليعيدها إلى المنزل.
جلس جوار عبدالله الذي كان يمسك أحد الكتب العلمية يقرأه.
نظر لأدهم بطرف عينيه ثم عاد بتركيزه إلى كتابه الذي لم يقرأ منه حرف لكنه يختبئ خلفه من أسئلة أدهم التي لا يستطيع الإجابة عليها.
لكن أدهم لن يتراجع، يريد أن يفهم ويعلم ماذا حدث؟ ولماذا رأى الألم والحزن والجرح داخل عيني سليمة؟ ولماذا يشعر أنه جرحها لسبب ما؟
فقد صبره وسحب الكتاب من يد عبدالله وهو يقول ببعض الغضب:
"ماسك الكتاب بالمقلوب أصلًا.. فمتحاولش تهرب علشان أنا عارفك كويس يا عبدالله."
ليعتدل عبدالله ونظر له ببعض الضيق، لكن من داخله يشكر الله على صداقته بشخص مميز كأدهم، يفهم كل منهم الآخر ويدعمه دون شروط.
لكنه قال بملل:
"عايز إيه مني؟ هو مش كفاية إنكم منزلني من بيتي بدري عن معاد العيادة.. وكمان عمال ترخم عليا.. عايز إيه يا بارد؟"
"إيه اللي حصل؟ جرحتها أنا حاسس بده.. أرجوك قلي الحقيقة."
لم يستجب أدهم لمزاح عبدالله وقال كلماته بحزن يقطر من كل حرف فيها، لمس قلب عبدالله الذي يشفق على صديقه من كل ما يمر به.
أخذ نفس عميق وقال بصدق موضحًا:
"بص يا أدهم غلط نخلط أحداث الشخصيتين في بعض.. كده إحنا بندي فرصة للشخصية التانية أنها تسيطر.. وممكن في مرة من المرات تتحول بشكل كامل لثامر."
قطب أدهم حاجبيه بعدم فهم ليكمل عبدالله كلماته:
"اللي ضايقها هو ثامر وهي هتعرف تحاسبه على اللي عمله.. مينفعش تدفع تمن أغلاطك وأغلاطه.. وبعدين.."
ربت على ساق أدهم وهو ينصحه قائلًا:
"سليمة بتحبك بكل حالاتك.. بلاش ديما تعذب نفسك.. وتحاسبها وتلومها.. الحب مش كده.. هي فاهمة ومدركة ومتقبلة بلاش تعيشوا بعض في أدوار الضحية.. تقبل قدرك زي ما هي تقبلته.. وأفصل زي ما هي فاصلة."
ضحك ضحكة قصيرة وقال بتشجيع:
"اشغل نفسك بتجهيز جناحك في القصر علشان تتجوزوا.. طول ما أنت أدهم أسعدها وفرحها وعيش معاها وبيها وعيشها وسيب ثامر بكل حواراته لوقت ظهور ثامر ول سليمة.. وارجع تاني واظب على العلاج.. والجلسات علشان نقنن ظهوره."
أومأ أدهم بنعم وهو يفكر.
كيف يبدأ؟
أراد أن يختم كلماته بشكل مميز فقال:
"مرة قرأت مقولة بتقول ‘الحياة يا صديقي وباختصار أيام تحبها، وأيام تبغضها، وأيام لا تفهمها، وأيام ترى حكمه الله فيها بوضوح…. وأيام تسحق أشياء كثيرة بك، وأيام تسعد قلبك وتطيب روحك، وأيام لا تدري لماذا كان عليك عيشها، وأيام تنتظرها ولا تأتي.’ ومع كل واحدة منها عشها بكل تفاصيلها.. لأنها بعد ما بتعدي يا بتكون ذكرى حلوة.. أو درس مهم."
أومأ أدهم بنعم، وربت على ساق صديقه وقال بصدق:
"شكرًا يا صاحبي.. ربنا يديم صداقتنا."
خرجت سليمة من الغرفة ليغادروا جميعًا، ليتنهد عبدالله وشبح ابتسامة ترتسم على شفتيه وهو يدعو لصديقه.
***
على طاولة الطعام بقصر الخشاب كانت هوا منكمشة على نفسها، فبعد ما قالته له في صومعته في أشد لحظاته ضعفًا واعترافها بالحب ورد فعله الصامت الذي جعلها تشعر بالإحراج وغادرت سريعًا دون أن تقول أي شيء آخر.
ظلت تحتمي بوجود شكران حتى لا تنفرد في مكان معه، وهو لم يحاول من الأساس أن يكون معها في مكان بمفردهم.
فحتى تلك اللحظة هو لا يستطيع إدراك أو فهم ما يشعر به.
هل صدقها جعل كلماتها تترك أثرًا داخل روحه العطشة للعطف والحب والاهتمام؟
أو ضعفه في تلك اللحظة هو ما جعله يتأثر بكلماتها إلى هذا الحد.
لكن أيًا كان ما حدث أو الأسباب خلف ما شعر به، هو يشعر بالسعادة لأول مرة، يشعر بالأمان لأول مرة، يشعر بالاهتمام لأول مرة وكأنه كان مجرد طيف يسير بين البشر لا يراه أحد ولا يشعر به.
وفجأة أمسكت يده فتاة سمراء البشرة رقيقة الملامح وقالت له بكل حب: أنا أراك، أنا أهتم بك، أنا بجانبك.
انتبه من أفكاره على صوت شكران وهي تقول:
"مش ناوين بقى تحددوا معاد الفرح؟"
ارتعشت يد هوا التي تمسك بها الملعقة ليشفق على حالها عدنان وقال بهدوء:
"أنا قربت أخلص الجناح.. بس بفكر أشوف أدهم لو قرب هو كمان يخلص نعمل فرحنا سوا."
وأكمل مازحًا:
"وأهو منها نوفر.. وتبقى بدل الفرحة فرحتين."
نظرت شكران لهوا وقالت بابتسامة أم تحمل الكثير من الحنان والأمان:
"ياريت والله بس ده لو معندكيش مشكلة إن فرحك يبقى مشترك."
نظرت هوا لوجه عدنان لعدة لحظات ثم قالت بابتسامة صغيرة:
"معنديش مشكلة طبعًا.. وكمان طالما ده هيفرح عدنان ف أكيد أنا هعمله من غير تفكير."
أجابتها ويالها من إجابة لمست قلبه المفتقد للاهتمام.
عدنان لم يكن يومًا ذلك الرجل المائع الذي ينتظر الدلال من أحد، لكن سره الكبير الذي يخفيه على الجميع هو ما يثقل كاهله، ويجعله كطفل صغير تائه في دروب الحياة وحيدًا، ولا يجد من يمسك بيده وهو يعبر الطريق، أو في الليالي الباردة يضمه ويحميه من لسعات البرد القارصة.
وجاءت هي ببعض جمل تحمل الاهتمام الصادق لمست قلبه وجعلته بهذه الحالة التي لا يستطيع وصفها حتى لنفسه.
حاول إخراج نفسه من كل هذا وقال لجدته:
"أنا وهوا هننزل أخر الأسبوع نشوف الأثاث.. ونختاره وعلى ما أخلص اللي باقي في الجناح يبقوا يبعتوه. ولو أدهم أموره تمام نعمل الفرح بعد شهر من دلوقتي."
شعرت بالاحراج والخجل، رغم معرفتها بأن هذا الزواج سيكون على الورق فقط، لكن رغم كل شيء إنها فتاة، وهذه الليلة من المفترض إنها ليلة العمر.
وقفت شكران وهي تقول:
"إن هدخل آخد الدوا وأرتاح شوية.. البيت بيتك يا بنتي."
وقفت هوا وهي تقول بخجل:
"اتفضلي أنا أصلًا هروح لأني اتأخرت."
ربتت شكران على يد هوا بحنان وغادرت ليقف عدنان وهو ينظر إلى الساعة وقال باستفهام:
"اتأخرتي على إيه؟"
أخفضت رأسها بخجل وقالت بصوت منخفض:
"متنساش إني عايشة لوحدي وفي مكان شعبي.. وكلام الناس كتير ومتنساش كمان إننا لسه معلنش عن خطوبتنا."
شعر ببعض الضيق ولام نفسه على وسواسه الذي عذبه طوال الشهر المنصرم.
ليقول هو بنوع من الاعتذار:
"أنا بس كنت متلخبط يا هوا كل حاجة حواليا مش في مكانها و مكنتش متوازن خالص."
قاطعته قائلة:
"مش محتاج تعتذر.. من حقك تاخد وقتك ومن حقك تعمل اللي أنت مرتاح ليه ومش مجبر تعمل أو تقول شيء مش حاسة أو مش مصدقه.. أنا فاهمة."
شعر بالاحراج أكثر، وشعر بذنبه أكثر.
هل ظلمها في أفكاره السوداء التي أثرت بشكل سلبي على تصرفاته معها؟
فمنذ أخذها من بيت زوج والدتها وهي لا يصدر عنها أي تصرف خاطئ يثبت أفكاره.
إنها إنسانة بسيطة، عفيفة وخجولة.
وبدون أن يعيد حديثه أو يوضح لها هي تلتزم بحدودها.
ابتسم ابتسامة صغيرة وهو يقول ببعض الاحراج:
"كفاية آه يا هوا.. مش لازم تحسسيني إني صغير أوي كده."
"أنا.."
قالتها بصدمة، وأردفت قائلة:
"عمري أنت صاحب فضل يا عدنان.. أنت عملت معايا اللي لا عمري ما تخيلت إن حد يعملوا معايا.. أنقذتني من جوز أمي.. استأمنتني على اسمك واسم عيلتك.. خليت ليا عيلة وبيت ومكان.. ووظيفة محترمة مكنتش أحلم بيها."
كان يستمع إليها وبداخل عروقه دماؤه تفور من كثرة الغضب.
إنها تعد له كل ما فعله لها، دين خلف دين حتى أحاطت عنقها بطوق كبير لا فكاك منه، متجاهلة أنه يستغلها ويتخذها ستارًا ليخفي خلفه عجزه ومرضه.
فرفع يده ليسكت سيل كلماتها وقال بغضب:
"وواخدك ساتر وهحرمك من حياتك الطبيعية.. وهحرمك من إنك تكوني أم.. زي ما بتعدي الجمايل اللي عملتها فيكي.. عدي عيوبي.. وافتكري العذاب اللي هتعيشي فيه."
والتفت إلى الجهة الأخرى ظلت تنظر إلى ظهره الذي يظهر عليه تشنج أعصابه وغضبه.
والأكثر من ذلك إنها تشعر بجرح رجولته، وهذا ما لم تستطع تحمله.
فأقتربت خطوة واحدة ووضعت يدها على كتفه.
أعادت عليه كلماتها التي قالتها في الصومعة:
"لقد وقعت في الحب معك ولا تسألني كيف؟ وأين؟ ومتى؟ لكنني أشعر بالجنون أن تخللت أصابعك بين أصابع غيري. أتسائل عن أسباب الخدوش في أطراف أصابعك. ألاحظ أبسط تفاصيلك. أعانقك عناق المكتفي بك عن جميع ما في الكون فلا تخذلني أنا بحاجتك."
ودارت حوله حتى واجهت عينيه وقالت بصدق:
"أرجوك فكر في كلامي ده كويس.. وبكرة هنتظر منك الرد."
ولم تنتظر أن يخرج معها كما وعدها أنه سوف يوصلها لبيتها.
تركته يفكر ويستوعب ما بداخل قلبها تجاهه.
وكان هو كتمثال شمع، الكلمات تتردد داخل رأسه:
"لقد وقعت في الحب معك ولا تسألني كيف؟ وأين؟ ومتى؟" هل تقصد إنها تحمل مشاعر خاصة لي؟
"لكنني أشعر بالجنون أن تخللت أصابعك بين أصابع غيري.. هل تقصد إنها تغير؟ والغيرة دليل الحب."
"أتسائل عن أسباب الخدوش في أطراف أصابعك. الاحظ أبسط تفاصيلك.. هل تقصد إنها تحاول سبر أغواري ومعرفتي بشكل مفصل؟… أعانقك عناق المكتفي بك عن جميع ما في الكون فلا تخذلني أنا بحاجتك.. هل تقصد إنها لا تبالي بمرضي، تكتفي بي فقط.. "تخذلني" ااااه من الخذلان أنا أكثر من يعرف هذا الشعور.. فكم خذلت وكم خُذلت.. أنا بحاجتك.. وأنا بحاجة لها."
أخذ نفس عميق وكاد أن يرد على كلماتها لكنه صدم بعدم وجودها.
لينتبه إنها قالت له شيئًا ما.
ظل صامتًا للحظات حتى تذكر إنها طلبت منه التفكير في كلماتها وإنها تنتظر ردًا منه غدًا.
ومن سينتظر إلى الغد.
ركض خارجًا من القصر وصعد إلى سيارته وضغط بقوة على عتلة البنزين حتى يلحق بها.
لن يجعلها من اليوم حزينة.
***
دخل إلى منزله بعد يوم عمل طويل وشاق.
لم يجد ولو لحظة واحدة فقط حتى يتصل بها كما اتفق مع أدهم.
وظل طوال اليوم يعمل بنصف عقل، فكل أفكاره كانت تدور حولها هي، هي فقط.
جلس على أريكته الأثيرة وخلع حذائه بأرهاق.
وقبل أن يفعل أي شيء، لم يبدل ملابسه، ولم يتناول وجبة العشاء رغم شعوره القاتل بالجوع.
لكن خطوة أخرى في طريقها أهم لديه من أي شيء آخر.
أمسك هاتفه وأتصل بها.
صوت الجرس كان يسمع صداه داخل قلبه.
ومع كل لحظة تمر دون ردها كان يشعر بألم قوي وخوف.
هو أوس رجل الشرطة قوي الجسد، الشجاع الذي لا يهاب المخاطر، ولا يفكر للحظة في أي مهمة يكون فيها خطر يلقي بنفسه دون خوف أو تردد.
لكن كل ما يتعلق بظلال يجعله يشعر بالخوف، ويعيده طفل صغير.
انقطع الرنين لكنه لن يتراجع، فعاد وأتصل بها من جديد.
***
تجلس على السرير تبكي بصمت.
لقد استمعت لحديث عدنان وهوا، أن الفتاة تحب عدنان.
رغم إنها تحمل له الكثير من الامتنان، هي لم تفهم ماذا تقصد بأنه أنقذها، ولم تفهم أيضًا ماذا يقصد هو بمرضه وحرمانها من الحياة الطبيعية.
لكن الحب واضح بينهم، والتفاهم أيضًا.
هي الخاسرة الوحيدة هنا.
خبأت وجهها بين كفيها تحاول كتم شهقاتها.
رنين هاتفها لم يلفت انتباهها ولم يجعلها تبعد يدها عن وجهها.
ظل الرنين يحاول لفت انتباهها وكأنه يخبرها: لا تبكي، هناك شيء ينتظرك، لا تبكي إذا خسرتي شيئًا ف هناك الكثير من الأشياء، لا تحزني ف هناك من يحبك بصدق وينتظرك.
لكنها ظلت تبكي متجاهلة ذلك الرنين المزعج.
لكن الإصرار جعلها تنظر إلى اسم المتصل، لكنها وجدته مجرد رقم.
تجاهلته، لكنها لم تخبئ وجهها هذه المرة، ظلت تمسح وجهها من الدموع وهي تتذكر كلمات أخيها لها، تشحن بها طاقة وقوة وأمل.
ليعود الرنين من جديد لتنفخ الهواء بضيق وأجابت بغضب واضح:
"الو.. مين؟"
ابتسم أوس حين أجابته رغم عصبيتها وقال ببعض المرح:
"معاكي أوس.. مين معصبك كده؟"
صمتت تحاول استيعاب من يحدثها، ثم قالت ببعض الاندهاش:
"أنت جبت رقمي منين؟"
"من أدهم.. معروفة."
أجابها بهدوء شديد وبساطة أشد أصابتها بالصدمة.
ليستغل هو صمتها وقال بصدق:
"أنا مبعرفش أعمل حاجة في الدرا.. بعد ما نزلتك اتصلت بأدهم وقولتله أني هوصلك كل يوم زي ما اتفقنا.. وأني عايز رقم فونك.. وهو وافق.. واعتبرني يا ستي حارسك الشخصي."
ظلت صامتة، لا تجد كلمات تقولها أمام بساطته وجرأته.
لكنها تشعر بشيء ما، سعادة مختلطة بخوف وترقب لما هو قادم.
ليكـمل هو كلماته مستفهمًا:
"ممكن تقوليلي كنت متعصبة ليه؟ وصوتك بيقول إنك كنتِ بتعيطي.. مين اللي زعلك؟"
أزدادت صدمتها واندهاشها ليكمل هو أسئلته:
"هو أنتِ زعلانة على مراد وبتفكري فيه؟"
ظلت صامتة لعدة لحظات، ليس تفكيرًا في الإجابة، ولكن لتلك النبرة التي شعرت بها في صوته، أنه خائف من إجابتها وذلك صدمها والجم لسانها والإجابة على طرفه، وصمت هو أيضًا منتظر الإجابة.
يده فوق قلبه، وروحه معلقة بكلماتها وحروفها.
وبعد الكثير من اللحظات قالت:
"أنا مكنتش بحب مراد.. أنا لما وافقت عليه.. وافقت من مبدأ خد اللي بيحبك. اللي صدمني من اللي حصل هو إنك تكون بتأمن لحد وفجأة تكتشف إنه مش قد الثقة دي."
تنهد براحة وصوت أنفاسه التي غادرت صدره وصلها ليزيد من حيرتها ويزيد من ذلك الإحساس التي تشعر به كلما تحدثت معه أو قابلته.
ليسألها من جديد بكل حب ووصلها إحساسه بذلك السؤال:
"طيب ليه ديما شايفة حزن جوه عنيكي.. وكأن جواكي جرح كبير وألم روحك بتصرخ بيه بصمت؟"
انحدرت دموعها مع كلماته، كيف هناك شخص قابلته مرة واحدة فقط، ويشعر بها بهذا الشكل؟
هل أخبره أدهم شيء عن عدنان؟ لا، أدهم لن يقلل منها بهذا الشكل.
ف كيف فهم أوس ألم روحها وجرحها؟ كيف شعر بها إلى تلك الدرجة؟ وكأنه سمع صوت صمتها فقال بصدق:
"مش صعب إن الإنسان يحس بحد غالي عليه.. وأنتِ يا ظلال غالية.. غالية أوي.. أكتر مما أنتِ نفسك ممكن تتخيلي. تعرفي أول مرة شوفتك فيها وقت ما الكاوتش بتاع عربية أدهم كان محتاج يتغير وأنتِ كنتِ شايلة الكوريك من شنطة العربية.. وقتها لما وقفت علشان أساعدكم مكنتش عارف إن القدر كان بيهاديني بأغلى ما على وجه الأرض. ومن وقتها كل النساء العالم وكأن بقى بيني وبينهم حجاب.. مبقتش بشوف غير ظلال وبس."
صوت أنفاسها العالية نبهته لما قاله، لكن لم يعد هناك مجال للتراجع.
الخطوة معها بدرجة ثقة، يضيع الحلم بكل تفاصيله وإلى الأبد.
ليكـمل كلماته بصدق لمس روحها الكسيرة:
"من وقتها يا ظلال وأنا قافل قلبي عليكي.. بعدت علشان أحافظ عليكي.. صونتك في قلبي وحافظت على عرض الناس حتى بنظرة علشان ربنا يحافظ عليكي ليا."
شهقت بصوت عالٍ يقول بأسف وقلب يتمزق من أجلها:
"أسف لو كلامي زعلك.. أنا مش هسحبه يا ظلال لأني قاصد كل حرف وكلمة.. وصادق فيهم.. ومستعد أجي أخطبك حالًا.. لكن أنا عايزك تاخدي فرصتك في إنك تعرفيني كويس.. تختاريني زي ما أنا اخترتك.. تحسي بحبي وتصدقيه وتأمني على نفسك معايا.. علشان كده عرفت أدهم علشان أقرب منك بشكل رسمي وبوضوح."
كانت تبكي لا تعلم هل تبكي فرحًا؟ أو تبكي حزنًا على حالها وما حدث معها؟ أم تقارن بين أوس بخوفه عليها واختفاء جميع النساء في عينيه لأنه يحبها في المقابل عدنان الذي كان يثبت لها كل لحظة أنها أحد الحريم الموجودين في حياته.
همس أوس باسمها مناديًا.
لتهـمهم بصوت ضعيف، ليقول بحب وصدق:
"بكرة هعدي عليكي زي ما اتفقنا.. وكل يوم هعدي عليكي أوصلك للاستوديو.. وأنتظرك وأرجعك البيت واهي فرصة تتعرفي عليا.. وتدرسييني وتفهميني.. وتشوفي إذا كنت أليق بكِ ولا لأ.. أستحق شرف إنك تكوني مراتي وتشيلي اسمي وتبقي أم ولادي ولا لأ.. وأتمنى أن أنال الرضا."
كانت تكتم صوت بكاها بكف يدها فلم تستطع الرد على حديثه الذي يداوي جروح وجروح نقشها عدنان بيديه فوق قلبها دون رحمة أو شفقة.
ليقول هو بتوسل ورجاء:
"أرجوكي بلاش عياط.. دموعك غالية يا غالية. ظلال أنتِ كل ما فيكي ويتعلق بيكي غالي.. أوعي تدي الغالي للي ميستاهلش.. وأتمنى أكون أستاهل.. وزي ما أنتِ أغلى ما عندي أكون أنا عندك ولو جزء بسيط من اللي حاسه أنا نحيتك."
ظلت صامتة.
لكن صوت شهاقتها وإحساسه بدموعها جعله يقول:
"أنا وحش.. أوحش راجل على الأرض علشان كنت السبب في دموعك.. هقفل.. لكن أنا رهن إشارة منك يا ظلال.. رقمي بقى معاكي واتمنى لو حسيتي إنك محتاجة تتكلمي تتصلي بيا.. وأنتِ واثقة إن فيه إنسان يتمنى يسمعك."
صمت لثوان أخرى، ثوان كثيرة يستمع لصوت أنفاسها التي كأفضل نغمات الموسيقى، رغم ألم قلبه من بكائها، لكنها لم ترفضه وهذا في حد ذاته شيء يطمئن.
أجلّ صوته وقال بصوت حانٍ:
"أنا منتظر اتصالك في أي وقت.. وهتلاقيني قدام البوابة الساعة 6ص.. تصبحي على خير."
وأغلق الهاتف وهو يتنهد بصوت عالٍ.
شعر براحة كبيرة لاعترافه لها بكل ما بداخله.
وهناك أيضًا خوف، لكنه يأمل في الله خيرًا.
وظلت هي تبكي.
تنظر إلى الهاتف، إلى رقمه بالتحديد، وتبكي.
وسؤال واحد يدور في رأسها: أين كنت يا أوس منذ سنوات؟ لماذا تأخرت؟
يتبع...
رواية أو أشد قسوة الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم سارة مجدي
قالولي إنك طالبني من بدري… خير يا مراد؟
التفت مراد، الذي كان واقف قدام النافذة الزجاجية ينظر للحديقة الواسعة اللي بتطل عليها غرفته. رغم الظلام اللي بيخفيها دلوقتي، مبانتش بوضوح تحت الإضاءة الخافتة المنتشرة فيها. الإرهاق واضح على ملامحه، والتفكير كمان.
شعر أكرم إن فيه شيء هام مراد عايز يتكلم عنه، فاقرب منه وهو بيقول:
مالك يا مراد؟
مراد كان سارح في أفكاره، واللي حصل معاه طول الشهر اللي فات. جلسات العلاج اللي اتكلم فيها كتير، واخرج فيها كل اللي كان بيعانيه طول سنين وحدته الجبرية اللي فرضها على نفسه، ووهم نفسه بكونه مميز ومفيش حد يليق بصداقته أو الاقتراب منه، عشان يظهر وهن روحه قدام مرآة حقيقته. حتى إنه وافق على العلاج، والدكتور قاله إنه رغم تأخره في العلاج، إلا إن فيه أمل لو كان عنده القوة إنه يتابع بدون توقف، وما يفقدش الأمل في الله. وقريبًا هيصبح رجل حقيقي قادر على الزواج والإنجاب.
اقرب مراد من أكرم وقال بهدوء:
الموسم الجديد من البرنامج بدأ النهاردة.
أكرم كان عارف ده، ومراد كان عارف إنه عارف. هو بس مكنش بيخبره. عشان كده، ظل أكرم صامت ينتظر باقي كلام مراد، اللي اردف وهو بيجلس على الأريكة:
مغيروش اسم البرنامج… وظلال أهدتني أغنية الطير المسافر وقالوا إني مسافر وكلهم مستنيين رجوعي.
برضو أكرم كان عارف ده، لقد استمع للبرنامج. عشان كده، ظل صامت وجلس جوار مراد بهدوء، ليكمل الأخير كلماته:
رغم اللي عملته فيها… واللي كنت ناوي أعمله… هي لآخر لحظة بتحافظ على مجهود السنين وعلى اسمي. اتعاملت بأخلاقها وأصلها وبحرفية كمان.
وده مفرحك ولا مزعلك؟
رفع مراد نظراته لأكرم وظل صامت للحظات، ثم قال:
مفرحني بيها ومزعلني من نفسي.
مش فاهم.
رغم إنه كان عارف الإجابة كويس، لكنه سأل. فمن الضروري إن مراد يقول الكلمات دي بنفسه عشان يدركها قلبه وعقله، وتتقبل روحه كل ده.
فرحان بيها لأنها إعلامية ممتازة تستحق النجاح، وإن نجمها يعلى واسمها يسمع. ظلال عندها كل متطلبات المهنة.. الثقة والحضور والأخلاق. لأن مهنتنا دي لو خسر الإعلامي أخلاقه، يبقى عليه السلامة، خسر كل حاجة.
صمت للحظات، ثم قال بألم.. ألم واضح على وجهه وبين طيات حروفه:
وزعلان على نفسي لأني فهمت متأخر إني مكنتش صح، إني كنت بفكر غلط. كنت شايف إن طالما صورتي قدام الناس حلوة، تبقى أي حاجة تانية مش مهم. كمان زعلان من نفسي إزاي كنت بقول إني بحب ظلال وأنا بفكر أدمر حياتها، أتعبها بإيدي، أخليها تفضل معايا يا إما بالغصب أو بشفقة. إزاي كنت بفكر كده.. إزاي؟!
ظل أكرم صامت، تارك لمراد كل المساحة والوقت اللي بيحتاجه للتفكير أو الكلام أو حتى لوم نفسه. لكنه فاجئه قائلًا:
أنا عايز أتكلم ظلال… عايز أعتذر لها.
وقبل ما أكرم يعترض، قال مراد متوسلًا:
أرجوك يا دكتور، أنا محتاج أتكلم معاها وأعتذر لها. وهي كمان تستحق ده. من حقها تسمع مني كلمة آسف.
كان أكرم بيشعر بالاندهاش. هو لم يتوقع أبدًا إن التصرف ده يصدر عن مراد. فالشخصية النرجسية لا تفكر ولو للحظة في الاعتذار من أحد. لكنه وجد إن من الصواب إنه ينفذ طلبه بدون الرجوع لأدهم. فكل اللي قاله مراد حقيقي. هو يحتاج إنه يعبر من النفق المظلم ده، وهي من حقها إنها تعتذر لها عن أخطاء في حقها، عشان تعبر هي كمان نفق إحساس القهر والظلم والخداع.
اخرج هاتفه من جيب سترته واتصل بها، ومد يده بالهاتف تجاه مراد، اللي امسك الهاتف بثبات وثقة وإصرار على فعل ما انتواه.
***
مازالت تجلس في مكانها تنظر لهاتفها. وكلمات أوس بتتردد في عقلها: "مش صعب إن الإنسان يحس بحد غالي عليه.. وأنتِ يا ظلال غالية.. غالية أوي.. أكتر ما أنتِ نفسك ممكن تتخيلي."
"مكنتش عارف إن القدر كان بيهديني بأغلى ما على وجه الأرض.. ومن وقتها كل النساء في العالم وكأن بقى بيني وبينهم حجاب.. مبقتش بشوف غير ظلال وبس."
"آسف لو كلامي زعلك.. أنا مش هسحبه يا ظلال لأني قاصد كل حرف وكلمة.. وصادق فيهم.. ومستعد أجي أخطبك حالًا.. لكن أنا عايزك تاخدي فرصتك في إنك تعرفيني كويس.. تختارييني زي ما أنا اخترتك.. تحسي بحبي وتصدقيه وتأمّني على نفسك معايا.. عشان كده عرفت أدهم عشان أقرب منك بشكل رسمي وبوضوح."
دموعها عادت من جديد تسيل فوق وجنتيها، لكن المرة دي دموع خوف. مراد كان بيخبرها أحيانًا إنها غالية، وأغلى ما امتلك. لكن أوس لم يقل إنه يمتلكها.. إنه يتمنى وصالها.. قربها.. رضاها وقبولها به. ركضها هي خلف عدنان لسنوات، وأوقعها مراد في براثن جاذبيته ووسامته وعشقه المنمق بغرور المشاهير. لتجد في نهاية المطاف أوس، اللي كان بيختبئ لها بين أشجار جنة غناء، ينتظر إنها تنظر لما بين يديه من زهور، وكأنها هي الحاكم الأول والأخير.. هي اللي ستحيي زهور قلبه أو تقتلها في مهده.
رن هاتفها أخرجها من دوامة أفكارها. رقم غير معروف. هل هو أوس من رقم آخر؟ فكرة راودتها وشعرت بالسعادة وهي تتخيل صدقه. لذلك أجابت سريعًا، لكنها قفزت عن السرير حين وصلها صوت مراد يقول:
ازيك يا ظلال؟ أنا مراد.
ظلت واقفة شاخصة البصر بصدمة، وهو يتحدث بدون توقف. وتصلها صوته قوي ذو بحة مميزة، كما كانت تسمعه قديمًا في الراديو قبل أن تكتشف حقيقته المؤلمة. ظلت صامتة، وكأنها تمثال من الشمع، غير قادرة على الحركة أو الحديث. ولم ينتظر هو ردها، فأكمل قائلًا:
مش محتاجة تردي.. ولا مجبرة تسمعيني.. بس أنا عايز أقولك حاجة مهمة.. أتمنى تسمعيها.
صمت للحظات. وكانت هي، رغم صدمتها، هادئة. وكأن جرعة الحب الكبيرة والصادقة التي أعطاها لها أوس منذ قليل، جعلتها تفهم جيدًا أنها أبدًا لن تكون بخير إلا إذا أغلقت أبواب الماضي إلى الأبد. ليكمل مراد كلماته:
أنا آسف يا ظلال.. مش آسف بس على الموقف الأخير اللي حصل. لا.. أنا آسف إني قربت منك وأنا مستحقكيش. آسف إني كنت بفكر، ولو بدون قصد، في استغلالك.. وظلمك. آسف لأنك تستحقي كل السعادة اللي في الدنيا. أنا كنت عارف وحاسس بحبك لعدنان، وعلشان كده فكرت أتخلص منه وأبعده عنك للأبد.
شهقت بصوت عالي. لكنه أكمل، وكأنه يجلس في غرفة الاعتراف:
أنا حبيتك بجد يا ظلال.. لكن بطريقة غلط. كنت فاكر إني الأفضل.. لكن اكتشفت وفهمت حقيقتي وحقيقة الحياة بسببك.
الآن دموعها سالت، لكن برفق وهدوء فوق وجنتها. وكذلك هو، تجمعت الدموع في عينيه وهو يقول:
أنا برضه هفضل الأفضل.. والاحسن.. هفضل مميز.. لكن مش ليكي يا ظلال. يمكن بعد شوية وقت، لما أكمل علاجي.. وأتوازن نفسيًأ، هلاقي المميزة اللي تليق بي وتليق بيا. رغم إنه أكيد مفيش واحدة مميزة قد ما أنتِ مميزة.. لكن هلاقي.
صمت. وظلت هي صامتة. هو لم ينتظر منها ردًا، لذلك قال بصوت مختنق:
الوداع يا ظلال.. ومن كل قلبي أتمنى لك السعادة.
وأغلق الهاتف سريعًا. لتجلس على السرير وهي تبكي. لكن رغم الدموع، كانت هناك ابتسامة ترتسم على شفتيها.
وبغرفته بالمستشفى، ظل ممسكًا بالهاتف لعدة لحظات، ثم مد يده به لأكرم وقال:
شكرًا.
وبعد لحظات، قال دون أن يلتفت إليه:
هنتكلم بكرة عن اللي حصل.. بس أنا دلوقتي عايز أقعد لوحدي شوية.
ربت أكرم على كتفه بدعم وغادر. حين أغلق الباب، ألقى مراد بجسده على الأريكة، وانحدرت دموعه، لكنه تنهد براحة.
***
في صباح اليوم التالي.
وقفت على باب القصر تنظر إلى البوابة الحديدية، وسؤال معروف يدور داخل رأسها: هل ينتظرها؟ وجاءتها الإجابة حين تقدم منها الحارس وقال بأدب:
آنسة ظلال.. فيه شخص واقف قدام البوابة اسمه أوس.. في انتظار حضرتك.
ابتسمت له ابتسامة صغيرة. لكن قلبها كان يضحك بسعادة. تحركت بخطوات ثابتة في اتجاه البوابة، لكن قلبها يرتعش قلقًا وترقبًا.
حين لمحها، ترجل من السيارة وعلى وجهه ابتسامة رجولية تخطف الأنفاس والأنظار. يتابعها بعين عاشقة. ولو كان بإمكانه أن يخرج قلبه الذي يرتجف داخل تجويف صدره ويضعه بين يديها، لأشفقت عليه حقًا ورأفت بحاله.
وكانت هي تشعر بمشاعر مختلطة بين خوف وحذر وسعادة ورهبة.. وراحة مغلفة ببعض الشكوك. من داخلها تتمنى أن تفعل مثل مراد، تتحدث إلى عدنان وتخبره بكل ما بداخلها، حتى يتطهر جرحها المتقيح من سنوات عشقه التي كانت تعذبها لا أكثر.
حين وصلت إليه، قالت بابتسامتها التي تخطف القلب:
صباح الخير.
صباحك أنتِ.
أجابها بنبرة خرجت بها بحة من تأثير جمالها عليه. لتتورّد وجنتيها بخجل فطري. ليدور حول السيارة، يفتح لها الباب وهو يقول:
اتفضلي.
صعدت إلى السيارة. وحين جلس جوارها، قالت:
أنا كده هتعبك معايا وهعطلك كمان.
توقفت يده الممسكة بمفتاح السيارة في الهواء للحظة واحدة، ثم قال وهو يدير السيارة:
أنا بحلم بالعطلة دي من زمان أوي.. ويا ستي، آخد لك إجازة.. هو أنا عندي كام ظلال يعني؟
كلماته مختلفة.. ردوده مختلفة.. كله بكل تفاصيله مختلف. شعرت ببعض التوتر، لكنه توتر لذيذ ويجعلها تشعر بالسعادة.
بعد أن ابتعدوا عن قصر الخشاب، قال بهدوء وثقة:
أنا على فكرة مستعد أجاوبك على أي سؤال.. واعتبري الوقت اللي بنقضيه سوا هو فترة اختبار ليا.. تفهميني فيه.. وتقدر تحكمي عليا أنفعك أو لا.
ظلت صامتة للحظات، ثم قالت:
أنت أصلًا منين؟
أنا صعيدي.. من "..."
أجابها بهدوء شديد. لتردد خلفه باندهاش:
صعيدي!!
نظر لها بابتسامة واسعة وقال بمرح:
واللي تخلي صعيدي يحبها، يبقى يا غلبها.. أيوه صعيدي.. متستغربيش كده ليه؟
لتضحك بمرح وهي تقول، موضحة سبب اندهاشها:
أصل اللي أعرفه إن الصعايدة مش بيعبروا عن حبهم بالشكل ده.. يغني بيكونوا مختلفين خالص عن اللي أنت بتعمله ده.
ليه مش بني آدمين وليهم قلب؟ الصعيدي بيحب بكل كيانه، روحه وقلبه وعقله.. لكن هو ليه قواعد، لكن ملوش حدود في العشق لأنه غيور.. ودمه حامي.. ويحب كلامه يتسمع.. بس مش ديكتاتور.
ابتسمت ببعض الخجل. ثم قالت بهدوء:
يبقى اللي تخلي صعيدي يحبها، يبقى يا غلبها.
ضحكا بصوت عالي، واستمر في الحديث حتى وصلوا. وقبل أن تترجل، قال بتأكيد:
أنا منتظرك هنا.. ولو معندكيش مانع، آخد الإذن من أدهم نروح نفطر سوا.. أعرف عربية فول في السيدة خطيرة.
رفعت حاجبيها باندهاش وهي تردد خلفه:
عربية فول في السيدة!
أومأ بنعم، لتبتسم وهي تقول:
لو أدهم وافق، أنا كمان موافقة.
وغادرت سريعًا، وبداخلها إحساس واحد فقط.. الراحة.
***
تجلس هوا خلف مكتبها تعمل بنشاط كعادتها. لكن تلك المرة، هناك ابتسامة رقيقة صغيرة ترتسم على محياها الرقيق وتزين ثغرها الصغير. يدها تعمل بنشاط وتركيز فوق جهازها اللوحي، وعقلها يتذكر ما حدث بالأمس.
غادرت قصر الخشاب، دموعها تغرق وجهها. حتى إنها لم تنتبه للحارس الذي سألها إن كانت بحاجة للمساعدة، ولم تهتم لعرضه بأن يحضر لها سيارة أجرة. كانت تريد السير على قدميها، تريد أن تلفح نسائم الليل وجهها، علها تمنع دموعها من الهطول، وعلها تطفئ نار قلبها المشتعلة من بين غيرة وشفقة على نفسها وعليه.. وحزن وانكسار. مشاعر كثيرة لو اجتمعت كلها في قلب إنسان لقتلته دون رحمة. لكن للأسف، مازالت حية.. مازالت تتنفس.. مازال بداخل صدرها نبض.. نبض بحروف اسمه.. نبض مؤلم. فكيف لها ألا تحبه؟ هو من سترها.. وكفارس نبيل أنقذها من ذلك المصير الأسود التي كانت على وشك الوقوع فيه. وبكل شهامة ورجولة عرض عليها مساعدته.. بأكثر مما كانت تحلم به. اسمه.. وياله من اسم له صيت ومركز وعائلة. ويالها من عائلة.. لها وزنها واحترامها.. وقدرها بين الناس. وفي ليلة وضحاها تحولت من فتاة فقيرة معدمة دهستها الحياة أسفل عجلات قطارها.. إلى هوا خطيبة عدنان بيه الخشاب وزوجته المستقبلية.
كانت تعتقد حين عرض عليها الزواج أن السبب فقط هو سترها واتخاذها ستارًا لما لديه. لكن أن تكتشف أنه قرر التضحية بها هي بدلًا من تلك التي سكنت قلبه، ألمتها وعادت توبخ نفسها على تلك الفكرة. وهي تذكرها بأنه لم يجبرها، وأخبرها إنها لو رفضت الزواج منه، سيظل بجوارها يدعمها ويحميها. لكنها هي من اتخذت القرار.. هي من وافقت. وكيف لها أن تحاسبه على اعتراف لولا حالة الانهيار التي تتلبسه الآن لما قاله لها يومًا.
أغمضت عينيها للحظات وهمست لنفسها:
أنتِ عايزة إيه يا هوا؟ إيه اللي يهمك؟ يهمك اللي ساكن قلبه ولا يهمك إنه معاكي؟
تجيب نفسها بأسى:
كان نفسي يكون ليا بقلبه وكل كيانه.. كان نفسي أعيش الحب اللي حلمت بيه طول عمري.. كان نفسي أتحب.
لكن هو بيعاملك كويس.
جادلت نفسها، لتبتسم بسخرية وهي تقول:
أيوه بيعاملني كويس.. كسكرتيرة.. كواحدة محتاجة مساعدة أو بيشفق عليها.. كإنسانة في العموم.. لكن مش كإنسانة بعد أيام هتبقى مراته، حتى لو على الورق بس.
الأفكار تنهشها كالوحش الضاري، ودموعها تغرق وجهها. وفي لحظة خاطفة، جذبها أحدهم من ذراعها بقوة، لتدور حول نفسها ثم اصطدمت بصدر عضلي ضخم، لكن ذراعيه منع سقوطها. رفعت عينيها إلى عينيه، لتجده يلهث بقوة. فقد أخذ المسافة ركضًا حين أخبره الحارس إلى أي اتجاه سارت. ظلت عيونهما معلقة ببعضها لعدة لحظات، حتى قال هو من بين لهثه:
فاكرة نفسك رايحة فين؟
لم تستطع الإجابة. فلم تتخيل أبدًا أن يلحق بها، ولم تكن تتوقع في أشد أحلامها خيالًا. ليقول لها وهو يهزها قليلاً:
خطيبة عدنان الخشاب تمشي في الشارع كده لوحدها.. من غير حرس.. وسواق.
قطبت جبينها ظنًا منها أنه يقلل منها، لكنه قال بابتسامة حانية:
آسف إني سبتك تمشي لوحدك.. وآسف إنك فكرتي للحظة إني ممكن أعيد تفكير في ارتباطي بيكي.. وآسف على دموعك اللي نزلت بسببي.. بس.
كانت تنظر له بصدمة وعدم تصديق. عدنان يقول لها آسف على ماذا؟ عدنان يتحدث معها بحب.. كيف؟ لكن مع كلمته الأخيرة، قالت بخوف:
بس؟!
اقترب أكثر منها وظل محافظًا على تواصل عينيه بخاصتها، وقال:
أنا مش هقدر أقول إني بحبك.. لأن الكلمة دي لما بتتقال معناها عهد مينفعش يتخان. لكن أنا مرتاح معاكي يا هوا.. ولأول مرة من يوم ما عرفت بمرضي، عمري ما حسيت بالراحة دي. وجودك في حياتي خلاني أحس إن الدنيا لسه فيها حاجة حلوة مستنياني.. حاجة أستحقها.. حياة ممكن أعيشها بجد.
انهمرت دموعها رغم ابتسامتها الواسعة وهي تقول:
الكلام ده ليا أنا؟
هز رأسه بنعم وقال بصدق:
وفيه أكتر.. بس أنا مش عارف أقوله.
أمسك يدها وسار بها عائدًا إلى القصر، وأكمل قائلًا:
هنرجع القصر نجيب العربية عشان أوصلك.. ولازم نعرف الناس هناك كلهم إنك خطيبتي.. وأننا هنتجوز قريب جدًا.
كانت تنظر إليه بعدم تصديق. إنها تحلم.. مؤكد تحلم. وقفت مكانها، لينظر لها باندهاش، لتقول بصوت مرتعش:
أنا بحلم صح؟ أكيد أنت لسه كنت بتقول…
ليمسك بكلتا يديها وانحنى يقبلهما، وهو يقول:
طيب.. وكده لسه بتحلمي؟
أومأت بنعم، ليضحك بصوت عالي وعاد يسحبها خلفه وهو يقول:
خليكي احلمي.. الأحلام حلوة برضه.
ظلت تسير بجواره وعينيها على يديها التي تحتضنها يده، غير مصدقة لكل ما يحدث معها. عادوا إلى القصر ومباشرة إلى جراج السيارات، فتح لها الباب لتصعد وعيونها مازالت معلقة به، غير مصدقة لكل ما يحدث معها. دار حول السيارة وصعد إلى كرسي السائق وهو يقول:
تحبي تسمعي إيه بقى؟ ولا أقولك هسمعك على ذوقي.
"بالهداوة يا حبيبي بالهداوة، بالهداوة
اسقيني واشرب بالهداوة يا حبيبي
حب واشبع حب، لكن بالهداوة
هو حد يحط سكر ع الحلاوة يا حبيبي
هو حد يحط سكر ع الحلاوة يا حبيبي بالهداوة
يا حبيبي، يا حبيبي حبنا مش بس هي الليلة
يا حبيبي، يا حبيبي لسه قدامنا ليالي ألف ليلة وليلة
يا حبيبي، يا حبيبي حبنا مش بس هي الليلة
يا حبيبي، يا حبيبي لسه قدامنا ليالي ألف ليلة وليلة
حب حبة وخلي حبة لبكرة خلي
يا حبيبي العمر كله نعيش نحليه
هو حد يحط سكر ع الحلاوة يا حبيبي
هو حد يحط سكر ع الحلاوة يا حبيبي غبالهداوة"
كانت تستمع إلى الأغنية، التي تأكد لها إنها تحلم. عدنان يستمع إلى شادية.. لم تتخيل يومًا هذا.
حين وصلوا إلى الحي التي تسكن به، أوقف السيارة أمام بوابة البيت وترجل منها، ولحقته هي والسعادة تكاد تقتلها. سمعت كثيرًا عن من ماتوا قهرًا وظلمًا، وكادت أن تكون هي منهم لولاه هو. والآن تشعر إنها ستموت من السعادة. نظرات الرجال في الشارع، والسيدات في شرفات المنازل، جعلتها تشعر بالخوف. لكنه وقف أمام بوابة بيتها وألقى السلام بصوت عالي:
السلام عليكم جميعًا.
ليرد عليه الرجال الجالسون في المقهى. واقترب منه صاحب المقهى القريب من البيت وقال:
أهلًا يا باشا.. هو حضرتك مين ولا مؤاخذة؟
مد عدنان يده للرجل وقال بثقة:
عدنان الخشاب، خطيب هوا.. وإن شاء الله الفرح خلال شهر.
ابتسم الرجل وهو يقول:
أهلًا وسهلًا بيك.. بس خطيبها يعني مينفعش تطلع معاها فوق.
ومين قالك إني هطلع؟ أنا بس كنت بوصلها.. وكنت عايزكم تتعرفوا عليا.. وأعرف الناس اللي هي ساكنة في وسطهم وأطمن عليها.
ليبتسم صاحب المقهى وهو يقول:
اطمن عليها.. هي وسط أهلها.. وربنا يتمم على خير.
إنها لم تعد على الأرض.. هي الآن تسير فوق السحاب. كل ما كانت تتمناه.. حدث اليوم. عدنان أخبرها إنه يرتاح معها.. قبل يدها.. أعلن خطبتهم.. ماذا تريد أكثر من ذلك؟ كل هذا كانت تفكر فيه وعدنان يكمل حديثه مع صاحب المقهى وبعض الرجال الذين تجمعوا حولهم، يضحكون.. ويمازحون بعضهم.
وحين انتهى، اقترب منها وقال بابتسامة:
رجالة حقيقي.. اطمن إنك قاعدة في وسطهم وف أمانهم لحد ما نتجوز.
لم تستطع الرد، فالكلمات الآن تعجز عن وصف ما تشعر به. ليقول هو بأمر:
يلا.. اطلعي وبكرة أشوفك في الشركة.. واعملي حسابك تلبسي حاجة مريحة في رجلك عشان هنلف على الحاجات بتاعتك.
كالمغيبة، أومأت بنعم وتحركت خطوة واحدة، ثم عادتها وهي تقول برجاء:
عدنان.. احلف إني مش بحلم.
ابتسم وهو يدفعها برفق حتى تصعد الدرج، قائلًا بمرح:
اطلعي شقتك وابقي اضربي نفسك قلمين كده، يمكن تصحي من النوم وتبطلي أحلام.
ابتسمت بخجل وصعدت عدة درجات، ثم قالت:
أشوفك بكرة.
أشار لها بيده وغادر عائدًا إلى سيارته. وصعدت هي إلى شقتها.
عادت من أفكارها حين وصلها صوت أحد المهندسين يرغب في الدخول إلى عدنان. لتأخذ له الإذن وعادت تكمل عملها، والابتسامة لا تفارق وجهها.
رواية أو أشد قسوة الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم سارة مجدي
بعد مرور شهر
صباح كل يوم تجده يقف امام البوابة الحديدية ينتظرها .. ويظل ينتظرها في سيارته حتى تنتهي ويعيدها الي القصر بعد ان يمر على عربه الفول يتناولون أفطارهم هناك .. حتى أن صاحب العربة أصبح يرحب بها هي أكثر من أوس والناس بالشارع يأتون ليلتقطوا لها الصور بعد أن اكتشفوا من هي .. تذكرت أول مرة اخذها لتلك العربة حين دلف بالسيارة الي ذلك الحي الشعبي .. بدات عينيها تتجول في كل مكان بتفحص وأنبهار .. المنازل والمحلات .. المقاهي الشعبية .. حتى الاطفال كل شيء بالنسبة لها مبهر وغريب .. وكأنها تدخل الي عالم الخيال والاحلام .. وكان هو يرى تعابير وجهها وابتسامة سعيدة ترتسم على وجهه الرجولي ف أبتسامتها وسعادتها هو حلمه وكل أمله .. لذلك هو يريد ان يخلق معها ذكريات مختلفة .. يريد أن يخلق له بداخلها عالم مختلف عن كل من حولها .. اوقف السيارة وقال لها بهدوء
-أول مرة تيجي حارة شعبية مش كده
أومأت بنعم وهي تنظر له بأبتسامة واسعة وتحمل الكثير من السعادة
ليقول لها براحة وفرحة بأنه أستطاع أسعادها بشكل مختلف ..
-معايا هخليكي تشوفي مصر اللي عمرك ما عرفتيها .. أوعدك معايا الخيال هيبقى حقيقة
ثم أشار بيده على الحي وهو يكمل كلماته
-أنا عمري كله وشبابي كان هنا .. اصحابي القدام .. وذكريات أهلي قبل ما ننتقل للحي الراقي أنا بلاقي راحتي هنا ونفسي كمان .. تعرفي يا ظلال الاماكن ليها روح وقلب كمان .. وكل مكان بيكون له سمه معينة بيكتسبها من أهله وسكانه .. والحي هنا طيب وناسه طيبين
ابتسامة رقيقة ترتسم على ملامحها وهي تستمع اليه .. ترى في عينيه صدق .. ولمعه تخطف نبضات قلبها .. صدق ملموس وبساطة تجعلها تشعر بالراحة .. واكثر ما يزيد ذلك الاحساس كلمات أدهم لها حين سألته كيف يوافق على أن يوصلها أوس يوميًا .. وكيف يثق به؟
“أوس راجل حقيقي .. عينه مش بتترفع فيكي لما بيكلمك .. ولما حصل اللي حصل من مراد كان خايف عليكي اكثر مني كمان .. كان عايز يقتل مراد لما سمعته بيتكلم عن الموقف وانه كان نفسه يدخل ويمنعه من انه يقرب منك أو يلمسك .. انه يبقى بيحبك من أكتر من 7 سنين وما يحاولش أنه يقرب لانك لسه صغيرة وهو مكنش جاهز يخليني أحترمه .. أدي لنفسك فرصة يا ظلال .. وبلاش تفكري في اللي فات .. بلاش تدفعي أوس ثمن أغلاط مراد .. أو وجعك من عدنان ”
أنتبهت من أفكارها على حركته وهو يغادر السيارة .. ويدور حولها ليفتح لها الباب ترجلت منها وعيونها تتجول في كل المكان تتامل كل شيء حولها حتى هو .. أغلق السيارة وأشار لها أن تسير جواره وطوال المسافة بين سيارته وعربة الفول كل من يمر به يلقي عليه التحيه وهو يبادلهم اياها بترحاب شديد وود واضح
كانت تشعر إنها تسير جوار بطل اسطوري من أبطال الحارات الشعبية المذكور في الروايات الكلاسيكية القديمة .. وصلا أخيرًا الي عربة الفول ليلقي التحيه على صاحبها الذي قال بترحيب وبشاشة
-اوس باشا يا اهلًا وسهلًا بالحكومة كلها
ليبتسم أوس وهو يقول بخجل رجولي
-الله يخليك يا أبو محمد عايز فطار وصاية معايا ضيوف
لينظر لها الرجل الكبير بنفس الابتسامة البشوشة وقال
-اهلًا وسهلًا بضيوفك منورين على راسنا وإحنا في الخدمة ديما يا باشا
ثم بصوت عالي قال
-عامر جهز الطربيزة الخصوصي
وعاد الي أوس بنظراته وقال
-اتفضل يا باشا
ليرفع اوس يده بتحية للرجل ثم اشار لها ان تتقدمه .. كانت تشعر إنها في أحد الافلام العربية القديمة تتجول مع حبيبها في شوارع القاهرة القديمة .. يجربون الاشياء الغريبة .. يتناولون الايس كريم ويسيرون على كورنيش النيل .. لكن اوس أتى بالامر بشكل مختلف .. وادخلها عالم سحري لم تطئها قدمها من قبل
جلست على الطاول وجلس في الجه المقابله لها وهو يقول
-قوليلي بقى يا بنت الأكابر اكلتي على عربية فول قبل كده
لترفع حاجبها حين قال لها “بنت الاكابر” ثم أبتسمت وهي تهز رأسها بلا .. ليبتسم هو بفخر رجولي حين قال
-معايا هتشوفي العجب
قالت بصدق
-واضح
ابتسم تلك الابتسامة الخاصة التي يهديها لها دائمًا .. تحمل فخر وسعادة
وضع الصبي عامر صحون الطعام امامهم ومباشرة بدء أوس في تقطيع العيش لقيمات كبيرة ويتناول بشهيه كبيرة .. كانت تود ان تسايره فيما يفعل لكنها كانت غير واثقة في نظافة الطعام او حسن مذاقه وأيضًا حياتها بقصر الخشاب فلا تستطيع التعامل بتلك الطريقة.. فبدأت تناوله على مهل .. لكن مذاقه المميز والاجواء من حولها وحماس أوس في تناول الطعام بشهية وأحاديثة المتنوعة والمتشعبة جعلها تندمج معه بكل حواسها وتنعم بتلك الاجواء المميزة والغريبة
حتى انتهوا من تناول الطعام .. ليضع الصبي عامر أمامهم زجاجتان من المياة الغازية وهو يقول
-ده واجب من المعلم أبو محمد
-يدوم الواجب يا أبو محمد تشكر
كان ذلك اوس لتبتسم ظلال بتعجب من تحوله وطريقته .. إنه مميز حقًا .. مختلف .. بعد أن تناول المياة الغازية غادر الطاولة ووقف يدفع الحساب ويتبادل أطراف الحديث مع الرجل الكبير ثم عاد إليها يقول لها بأبتسامة بشوشة
-نمشي
كانت نظراتها تحمل أعجاب واضح .. وذلك جعله يشعر بالسعادة .. سعادة كان يحلم بها لسنوات وسنوات .. حلم أن يرى تلك اللمعة في عيونها وتخصه هو به فقط .. وذلك البريق الخاطف يلمس روحه وقلبه .. ويجعله ينبض بحب متبادل بينهم قوي بقوة السنين بالنسبة له ووليد يحارب المخاوف والظروف بالنسبة لها
وقفت امامه وقالت ببعض الاندهاش
-أنت مين؟
-أوس
لتضحك بصوت عالي وهي تقول بمرح
-مش بسأل عن أسمك
-وأنا مش بقولك أسمي … أجابه سؤالك هو طبيعتي اللي لا بحاول اجملها ولا أغيرها علشان أثير أعجابك .. ف ببساطة أنا أوس وبس
أجابها بصدق وبعض العمق .. بأجابة لمست قلبها وروحها أيضًا من الجيد أن يكون الشريك واضح وصريح دون تجمل أو تزيف .. سارت بجانبه وهي تشعر بالسعادة وطوال الطريق كان يقص عليها بعض القصص ومغامراته في العمل .. حتى وصلوا الي القصر وقبل أن تترجل من السيارة قال لها ككل مرة
-هتلاقيني بكرة في نفس المعاد
أومأت بنعم وهي تقول بسعادة
-هنتظرك
وغادرت ليخرج هاتفة ويتصل بأدهم وقال مباشرة
-انا بطلب منك إيد ظلال رسمي يا أدهم وهنتظر الرد .. لو سمحت أرحمني انت وأختك بقى وحنوا على قلبي
سمعته ورقص قلبها بالسعادة .. واخذ قلبها القرار لكن العقل مازال يفكر قليلًا
عادت من افكارها تتنهد بسعادة .. ف لقد أعطت أخيها موافقتها الامس بالامس فقط بعد شهر من سماعها لطلبه .. واليوم يجلس أوس بالاسفل مع اخيها وإبن عمها وجدتها بحضور سليمة أيضًا وهوا زوجات أخوتها أو بعتبار ما سيكون .. يتفقون معه على كل شيء .. عدنان أخيها الثاني الذي شعرت بالفرق الكبير بينه وبين اوس .. أن الحب يجعلك تضحي بكل شيء من اجل من تحبه .. ولا تقبل الجرح أو الالم ان يطال قلبه وروحه .. وعدنان كان يقبل بكل هذا دون الشعور ولو للحظة واحدة بالندم او الحزن عليها .. وظهر هذا الفرق في معاملته لهوا .. صدق إخيها حين قال
” منقدرش نلومه أن قلبه محبكيش”
اليوم حقًا لا تلومه بل تلوم نفسها على غبائها وتمسكها بحبال الهوا الذائبة .. والركض خلف السراب بكل طاقتها.. لذلك منذ شهر تقريبًا وضعته في مكانه الاخ .. لكنها اليوم اغلقت أبواب الماضي بكل ما كان فيها وقررت فتح صفحات جديدة في دفتر حياتها .. عنوانها أوس .. وقواعدها الثقة والحب المتبادل .. والمشاركة حتى في التضحية
تأكدت من هيئتها لأخر مرة وغادرت الغرفة على أثر طلب اخيها لها
رفع عينيه حين استشعرت أنفه عطرها المميز وشعر قلبه بأقترابها .. وروحه أطمئنت لقربها ليجدها بطلتها المميزة وهيئتها التي تخطف الروح والنبضات ودون شعور او تفكير وقف حتى يستقبلها .. كان ادهم يشعر بالسعادة .. ف أخيرًا أطمئن على اخته بعدما شعر بالراحة تجاه عدنان الذي وجد في هوا الحضن الدافئ والاحتواء الذي يحتاجه .. ف القدر له تصارفه الخاصة .. لا نستطيع فهمها احيانًا لكن حين تتضح الحقائق كاملة ندرك عظمة الخالق الذي يصرف الاقدار تحمل الخير لاصحابها
ف الان يشعر أن السعادة وأخيرًا سكنت قصر الخشاب .. بداية من إجاده لسليمة سليمة القلب والروح التي تحتويه بحب وتفهم .. وعطائها لا حدود له .. يشعر جوارها أنه مكتمل والكمال لله .. وبعدها هوا صمام أمان عدنان الذي رى على وجهه أبتسامة الراحة خاصة وهو ينظر لها وكل هذا بسبب أحتواء هوا له بشكل مميز ومختلف هي الحبيبة بدرجة ام والان اوس الذي أعطى لأخته السعادة التي تستحق .. واهداها الحب الحقيقي .. اليوم فقد يستطيع التنفس براحة
تم الاتفاق على كل شيء .. وأن يكون زواجهم مع اخيها وأبن عمها بعد أسبوعين .. يكون قد تم طلاء شقة أوس .. وشراء الاثاث وكل الاشياء التي تحتاجها ظلال .. ورفعت الايادي حتى تتم قرأة الفاتحة
لتطلق هوا وسليمة الزغاريد والابتسامة أرتسمت على وجوه الجميع .. وشعرت ظلال ان لها اختان حقيقيتان فهم حقًا طيبي القلب والروح أيضًا
…………………
تجلس في منتصف الاريكة بين يديها صحن كبير مليئ بشرائح المخلل .. تتناوله بتلزز وكأنها تأكل أجمل الاشياء على وجه الارض .. تشاهد فيلمها المفضل .. ويظهر على ملامحها الاستمتاع .. دخل من باب الشقة ليرى هذا المنظر أمامه ليصرخ بها وهو يقول بغضب
-مخلل تاني يا زيزي .. تاني .. هي مش الدكتورة محذراكي علشان الاملاح
وحين انهى كلماته كان يسحب الصحن من يدها لتلوي فمها كالاطفال وهي تقول بحزن
-كان نفسي فيه يا بيبرس .. واقول هاخد واحدة بس علشان النفس لكن بمجرد ما بدوقه مش بقدرابطل
كان ينظر لها بلوم وعتاب .. وشفقة أيضًا وضع الصحن على الطاولة وجلس بجانبها يحتويها بين ذراعيه لتضع رأسها على كتفه بأسترخاء وراحه خاصة مع صوته الحاني وهو يقول
-يا حبيبتي أنا فاهم وعارف اللي أنتِ بتقوليه .. بس ده غلط عليكي وعلى ولادنا كمان .. ينفع تأذيهم بالشكل ده
هزت رأسها بلا ليربت على كتفها بحنان وقال بمرح
-ايه رأيك نخرج أنا وأنتِ نشتري حاجات للولاد .. يعني حتى لو مش هنشتري هدوم أهو نتفرج ونجيب الاساسيات اللي مش بيختلف عليها حد ولا بتفرق مع ولد ولا بنت
أبتعدت عنه ونظرت له والابتسامة ترتسم على وجهها وهي تقول
-ياريت .. عشر دقايق وتلاقيني جاهزة
ووقفت سريعًا لكنها وقفت مكانها وقالت ببعض الحزن
-بس أنت لسه طالع من المطعم وأكيد تعبان وعايز تاكل وترتاح
أقترب منها وعاد ليضمها الي صدره بحنان … حبيبته الرقيقة دائما تفكر به .. وتشغل عقلها به وتهتم بكل ما يخصه .. قبل أعلى رأسها وقال بحب
-أنا مش تعبان .. ويا ستي ناكل برة أنا وأنتِ .. وبعدين بقى أنا متحمس أشتري الحاجة بتاعتهم جدًا
عادت الابتسامة تزين وجهها من جديد .. وبخطوات سريعة دلفت الي غرفتها يتابعها بعينيه .. أنتفاخ معدتها الذي زاد جمالها جمال .. وجعلها تبدوا كطفلة صغيرة ممتلئة الجسد بقصرها المحبب .. لكنه يشعر بالشفقة عليها ف الطبيبة أخبرته أن أنتفاخ بطنها أكثر من اي أمرة أخرى وذلك لكونهم تؤأم كذلك تورم قدميها واخبرته ان مع تقدم الحمل لن تستطيع النوم براحة وحينها من الافضل ان تنام وهي جالسة .. لذلك يشعر بالالم لأجلها والشفقة ويشعر أيضًا بالعجز ف ليس بيده شيء يساعدها به .. وبعد القليل من الوقت خرجت من الغرفة يرتسم على وجهها معالم الحزن ليقول لها بحنان وكأنه يكلم أبنته وليست زوجته
-مالك يا قلبي زعلانه ليه؟
رفعت له حذائها الرياضي وهي تقول بصوت مختنق
-مش عارفة البسه
أقترب منها والابتسامة الحانية ترتسم على ملامحة المحببة وقال برفق
-هو ده اللي مزعلك .. ولا يهمك يا ست الستات .. أنا هلبسهولك .. تحت امر الملكة
وأمسكها من يدها لأقرب كرسي واجلسها برفق وجثى على ركبتيه أمامها وبدء فى وضع الجورب بقدمها ولحقه بالحذاء كانت تنظر له بحنان وحب .. وأحساس بالسعادة والفرح رفعت يدها تداعب خصلات شعره ليرفع عينيه لها لترسل له قبلة في الهواء .. ليردها لها .. ثم قال
-خلاص يا ست الحلوين لبستي الكوتشي بتاعك .. بيبرس في الخدمة ديمًا
تنظر له وعيونها تحمل الكثير من الكلام التي يشعر هو أيضًا به .. حياتهم كيف كانت وكيف أصبحت؟ .. كيف كانوا هم وكيف أصبحوا؟ الخير الذي رزقهم الله به ليس له حصر ولا أخر .. حياة أسرية جميلة وقريبًا سيرزقون بالزريه .. فماذا يريدون أكثر؟ ف لله الحمد دائما وأبدا
أمسك يدها يقبلها بحب لتفعل هي الاخرى بالمثل وهمسوا سويًا
-بحبك
………………..
تجلس في شرفة غرفتها تنظر الي نافذته المغلقة منذ اكثر من أسبوعين … وبالتحديد منذ حديثهم الأخير
تنهدت بابتسامة ناعمة وهي تتذكر ما قاله لها عبدالله قبل مغادرتها العيادة
“سليمة عايز انبه عليكي في امر مهم … مينفعش أدهم يعرف كل تفاصيل حياة ثامر … لانه ببساطة كده احنى بندي فرصة للشخصية دي إنها تبقى اقوى وتترسخ اكثر ومع الوقت ممكن تكون هي الشخصية الحقيقة لأدهم … تعاملي معاه على إنه شخص مختلف تمامًا عن أدهم لو غلط هو اللي يتعاقب على غلطة مش أدهم … لو عامل حاجة كويسة هو برده اللي يتكافىء مش أدهم … أدهم يعرف الحاجات اللي ليها ضرورة قسوى غير كده لا ”
سمعت كلماته وفهمتها وحفظتها .. وبإصرار رفضت تمامًا إخبار أدهم عما فعله ثامر .. وتسبب لها في هذا الانهيار
وحين عادت الي البيت كانت تنتظر ظهور ثامر حتى تأخذ بثأرها منه
ولكن مرت ثلاث أيام … تنتظره كل يوم في شرفتها عله يظهر ولم يحدث وكأنه تبخر تمامًا من الوجود
لكن في صباح اليوم الرابع … استيقظت على صوت طرقات قوية على باب الشرفة
اعتدلت تنظر الي باب الشرفة المغلق باندهاش وبرقت عينيها بنيران الثأر وهي تدرك ان هذا هو ثامر
غادرت سريرها سريعًا ووقفت خلف الباب المغلق وقالت بصوت غاضب
-فيه حد يعمل كده … في باب شقة تخبط عليه مش من الشبابيك زي الحرمية يا محترم
توقف الطرق وظل صامت للحظات ثم قال بصوت غاضب
-اطلعي عايزك
وشعرت به يبتعد عن الباب ويعود الي شرفته … ظلت واقفة في مكانها تفكر … كيف عبر الي شرفتها وهناك حاجز الارابيسك وأيضًا ذلك الحديد الفاصل … لكنها نفضت رأسها عن كل تلك الأسئلة .. وركضت الي الحمام … انعشت نفسها وتوضئت وصلت ثم أرتدت فستان ابيض يحمل بعض الرسوم الفرعونية … وحجاب ذهبي وخرجت اليه
كان يقف بطوله الفارع يستند بذراعيه على سور الشرفه … شارد في الأفق ويبدوا على وجهه معالم التفكير … يرتدي بنطال اسود .. وقميص قطني أخضر اللون … وخصلات شعره مشعثه يبدوا انه كان يغلل اصابعه به بشكل عصبي … انه مهلك … بوسامته ووقاحته يمس قلبها بشكل مختلف لقد انقسم قلبها بين أدهم وثامر
تعشق خوف ادهم عليها … اهتمامه .. حبه الذي يحاوطها بحنان ورفق … ويتغلل الي روحها ببساطة ورقة … وتعشق وقاحه ثامر وبدائيته في التعامل معها … بروده وعدم مبالاته … انها حقًا محظوظة بهم تعيش معهم أحوال وأشكال مختلفه للحياة
انتبهت من أفكارها على صوته وهو يقول ببرود رغم استشعارها اهتمامه وخوفه
-ايه خايفة تقربي … ولا مقموصة ومش عايزة تتكلمي معايا
اقتربت من سور شرفتها وتركت مسافة ملحوظة بينها وبين السور الفاصل للشرفتين والذي لاحظت فيه كسر في الحديد الموجود فوقه وكذلك اختفاء الارابيسك تمامًا
وحين اسندت ذراعيها على السور كما يفعل هو قالت بهدوء
-ولا خايفة ولا مقموصة … عايز ايه؟!
سؤالها البارد اخرجه هو من بروده وقال بعصبية
-مش هتصرخي في وشي وتقوليلي مين البنت اللي كانت معاك دي … مش هتقولي عليا خاين وغشاش … مش هتطالبيني باي توضيح
نظرت له بهدوء شديد وبداخلها سعادة حقيقية ثامر أيضًا يحبها … ثامر خرج عن بروده وهدوئه ويثور الان عليها حتى تظهر غيرتها
اعتدلت في وقفتها وواجهته وهي تقول
-وطالما أنت عارف اني المفروض اعمل كل ده … مش بدافع عن نفسك ليه على طول وتجاوب انت على كل ده من غير ما أسأل
ظل ينظر اليها لعدة لحظات دون ان تختلف معالم الغضب المرتسمة عليه .. ثم أخذ نفس عميق وقال بهدوء
-أنا عمري ما أعتذرت لحد ولا اهتميت لزعل حد .. لكن انا حاسس من جوايا أني محتاج أعتذر لك .. ومحتاج تسامحيني … ومش عايزك زعلانه مني مش عارف ليه ولا فاهم أحساسي
كتفت ذراعيها حول صدرها وهي تنظر له بحاجب مرفوع .. لينظر الي السماء للحظات ثم قال وهو مغمض العين
-دي كانت علاقة قديمة وكنت بنهيها .. علشان مينفعش أعرف حد وانتِ خطيبتي
كانت تريد الابتسام على حالته وكلماته وكل ما يقوم به لكنها ظلت واجمه تنظر له بثبات حتى يكمل
لوى فمه كالاطفال واكمل بتبرم
-قابلتها في الشارع زي ما شوفتي رغم إنها كانت عايزاني أروحلها الشقة .. ونهيت معاها كل حاجة .. بس هي يعني بتحبني أووو
لم يكمل كلماته حين زامت سليمة بغضب … ليتراجع عما كان يريد قوله وصمت للحظة ثم قال بسرعة كطفل يشعر بالخجل وأراد إنهاء الامر بأسرع وقت
-هي كانت بتحاول معايا اننا نكمل وانا رفضت وبعدين حصل اللي حصل
ظلت صامته تنظر الي عمق عينيه لترى ما لم تتوقعه يومًا لقد سقط ثامر المغرور في هواها وذاب عشقًا بها .. انه ينتظر حكمها .. ويتمنى رضاها .. لكنها قالت بهدوء
-أنت عارف أنا وقتها حسيت بأيه؟!
ظهر الالم على وجهه لكنه قال بهدوء قدر أستطاعته
-المفروض متحسبنيش على اللي قبلك .. حاسبيني بس على اي حاجة من يوم ما بقيتي خطيبتي
لوت فمها وقالت بلؤم
-وخلصت الحكاية ولا لسه؟!
-خلصت وللأبد حتى أنا غيرت شريحه التليفون .. هاتي تليفونك بقى لما اسجلك الرقم الجديد يا قمر
لم تستطع التماسك أكثر من هذا .. هي تعشقه وتعلم جيدًا أن ما حدث لا تستطيع لومه عليه .. أدهم لا يعرف شيء عن أفعال ثامر .. وثامر شخصية تتمرد على كل مبادئ وثوابت أدهم .. ولكن من اجلها ثامر يحاول أن يستقيم .. في نفس الوقت كان هو يفكر .. ماذا حدث له؟ كيف يتحول بهذا الشكل؟ منذ متى وهو يهتم لمشاعر غيره؟ منذ متى وقلبه يتألم لألم اي شخص أخر؟ الم يكن مبدأه في الحياة هو ومن بعده الطوفان ولكن تلك القصيرة التي تقف أمامه ببرائة تلمس القلب وتشعل نيران الرغبه بها في جسده .. وفي نفس الوقت يخشى عليها من قربه وجنونه ..ومجونه أيضًا .. لكن مازال السؤال علاقًا دوت إجابه .. ماذا حدث له؟
أنتبه من أفكاره حين قالت بتحذير
-هعديها المرة دي يا ثامر لكن بعد كده أنت حر
رفع حاجبه وتحولت نظراته لجحيم مستعر وهو يقول بصوت رخيم
-ده تهديد؟!
-أعتبره زي ما تعتبره مش غفير الدرك اللي كل شوية يشوف حاجات متعجبوش .. يا تحترمني زي ما بحترمك .. وتراعي شعوري زي ما براعي شعورك .. يا أما
أجابته بقوة وثبات .. ليسأل بصوت غاضب
-يا أما ايه يا حلوة؟!
ظلت صامته تنظر له بتحدي .. ليشعر أنه يريد ضربها بقوة .. وفي نفس الوقت يريد أن يضمها بقوة .. والاكثر أنه يريد أن يقبلها بقوة .. أقترب من السور الفاصل وقال بتلاعب
-ما تجيبي بوسة
شهقت بصدمة .. أنه حقًا وقح .. أن أدهم وهو زوجها ويعلم ذلك جيدًا لم يطلب منها مثل هذا الطلب الوقح.. وهو يطلبه بكل وقاحة وبعد ما فعله .. ظلت تنظر اليه بشر وغضب ليبتسم وهو يقول
-بتصدقي كل حاجة انتِ .. روحي يلا أعمليلي قهوة راسي هتنفجر من الصداع
صدر عنها صوت معترض عما قاله وهتفت بغضب
-انت كمان بتتأمر عليا .. روح أنت اعمل لينا أحنا الاتنين
نظر لها بأبتسامة متسلية وقال بمراوغة
-متأكدة؟!
أومأت بكل ثقة ليقول هو بحماس ومشاغبة
-من عنيا
ودلف الي شقته ولكن طل برأسه وهو يقول
-أنا هروح اعمل القهوة بس لو مشربتيهاش يا سليمة هبوسك
جحظت عينيها من وقاحته .. وقبل أن تسوعب ما قاله تذكرت ما يضع هو في قهوته ف ركضت الي غرفتها واغلقت باب الشرفة .. بقوة لتصلها صوت ضحكاته العالية وهو يقول بمرح
-يا جبانة
عادت من أفكارها .. وهي تتنهد بأبتسامة صغيرة .. لقد بدات تلاحظ تباعد فترات ظهور ثامر .. صحيح هي تشعر بالسعادة من أجل أدهم لكنها أبدا لن تنكر أنها أشتاقت لثامر ووقاحته
………………..
في صباح اليوم التالي
دخلت الي المكتب تمسك بعض الاوراق بالاضافة الي دفتر ملاحظاتها وهي تقول بجدية
-في أوراق كتير عايزة امضه حضرتك
رفع رأسه ينظر لها .. كانت تنظر في الاوراق وهي تتقدم من المكتب رقيقة صغيرة الحجم لكنها بالنسبة له الدنيا بكل براحها .. شارد فيها وشارده هي في الاوراق حتى أصطدمت قدمها بالطاوله الموجودة في منتصف الطريق وسقطت عنها المذهرية فوق قدمها لتصرخ بصوت عالي
ليركض أدهم من خلف مكتبه وجثى بجانبها وهو يقول
-اتعورتي .. رجلك فيها حاجة
كنت تمسك قدمها بقوة وتحاول أن تبعد يده بقوة ليصرخ بها
-وريني رجلك يا سليمة خايفة ولا مكسوفة من ايه انا جوزك على فكرة
أبعدت يدها بهدوء وتركته يتفحص قدمها كانت ترى لهفته . خوفه .. وتشعر برعشة يده .. كانت تشعر بالخجل وهو يخلع عنها حذائها الرياضي وجوربها وبدء يحرك قدميها في كل الاتجاهات لتآن بألم لكنها قالت بهدوء وخجل
-انا كويسة يا أدهم .. مجرد خبطة بسيطة
رفع عينيه اليها وقال بغضب وقلق
-كويسة أيه بس ورجل فيها كدمة زارقة كبيرة أهو
نظرت الي قدمها وعادت تنظر له وتبتسم من جديد
-بسيطة متقلقش هتبقى كويسة
أقترب اكثر منها ووضع ذراع أسفل ساقيها وذراع أسفل ظهرها وحملها وهو يقول
-انا هتصل بالدكتور
وضعها على الاريكة برفق وكاد ان يبتعد لتمسك بيده وأجلسته جوارها وقالت بحب وعشق
-انا كويسة والموضوع مش محتاج دكتور يا أدهم دي مجرد كدمة زي أنت ما قولت
نظر الي قدمها ثم رفع عينيه الي عينيها وقال بقلق
-بجد أنتِ كويسة
أومأت بنعم ليتنهد ببعض الراحة ونظر الي الاغراض التي كانت بين يديها وتناثرت أرضًا ليعود اليهم ولملم الاغراض ووضعهم على مكتبه .. ثم حمل حذائها وجوربها وعاد اليها لتمد يدها حتى تأخذهم منه ليضع الحذاء أرضًا واعطاها الجورب وهو يقول ببعض المرح القلق
-مكنتش فاكر أن رجلك صغيرة أوي كده .. بتشتري جزمك من محلات الاطفال
أبتسمت بخجل وهي تقول ببعض التنمر على نفسها
-واحدة طولها 155 سم عايز رجلها تبقى قد ايه يعني
أبتسم بسعادة وراحة وبدات هي في أرتداء جوربها والحذاء بعد أن اعترضت على مساعدته لها وحاولت تغير الحديث ف قالت بعملية
-الاوراق اللي هناك دي عايز توقيع حضرتك .. وقولي ملاحظاتك علشان انفذها فورا .. علشان فيها حاجات مهمة لازم تتبعت ردها بالفاكس النهاردة
كان ينظر لها باندهاش .. حين تتحدث عن العمل تتحول تمامًا ويصبح حديثها رسمي بشكل يجعله يشعر بالضيق
ليس لشيء سوا إنها حبيبته ولا يريد حتى الحديث في العمل يحمل اي نوع من انواع الرسمية بينهم
رفعت عينيها اليها حين ظل صامت .. لتفهم حالته فنظراته أصبحت بالنسبة لها واضحة لا تحتاج الي شرح او تفسير فقالت بمهادنة
-أحنا متفقين يا أدهم الشغل شغل يا اما أستقيل وتجيب سكرتير راجل يشتغل معاك مكاني
ابتسم وهو يفهم تهديدها جيدًا فقال بتراجع واستسلام
-لا خلاص يا فندم هقوم أوقع الاوراق وأقولك ملاحظاتي علشان تبعتي الفكسات
لتبتسم بمرح وسعادة وهي تتابعة يتجه الي الكرسي الخاص به وبدء في التوقيع ومراجعه الاوراق .. لتضع قدمها داخل الحذاء وهي تكتم آنه ألم قوية .. وبشق الانفس وقفت على قدميها تسير في أتجاهه وهي تعرج أمسكت دفتر ملاحظاتها وبدأت تكتب خلفه الملاحظات وحين انتهى مد يده بالاوراق لتاخذها دون كلمه وتحركت لتغادر ليلاحظ طريقة سيرها ليقول من جديد
-متأكدة إنك كويسة .. بلاش تخوفيني عليكي خليني أجيب دكتور يطمنى
نظرت له وقالت بصدق
-أكيد موجوعة شوية دي خبطة دبل .. بس هبقى كويسة
وقبل أن يقول اي شيء ورد لها اتصال لتخرج هاتفها من جيب فستانها لتنظر له وقالت بأبتسامة رقيقة
-دي نناه
ظهر على أدهم عدم الفهم لتقول بأبتسامة واسعه وهي تجيب الاتصال
-حبيبتي وحشتيني جدًا
صمتت لثوان ثم قالت
-مديري في الشغل صعب جدًا وهو اللي ما نعني أجيلك يا قمر
ضحكت بأنطلاق وهي تقول
-تحت الامر يا فندم .. هو أنا أقدر أتأخر عليكِ
كانت تستمع لمحدثتها والابتسامة تزين وجهها البريئ ويتابعها هو بأعجاب وحب .. فمنذ ذلك اليوم وهو يراها قريبة منه تظهر غيرتها بشكل واضح .. جعله يشعر ان ثامر ذلك أثار غيرتها بشيء ما .. حاول كثيرًا أن يعرف منها ماذا حدث ولكنها وبكل أصرار رفضت ان تخبرة متبعة نصيحة عبدالله .. ورضخ هو لما أرادت دون جدال يكفي أن يراها سعيدة واي شيء أخر لا يهم
أنهت حديثها لتجيب على سؤاله الغير منطوق
-دي شُكران هانم عايزاني أنا وهوا نعدي عليها علشان نشوف أخر تطورات الاجنحة .. أبتسم بسعاده وهو يقول بحماس
-المهندس عمل كل اللي أنت عايزاه وبجد الجناح بقى مختلف من أول ما بدخله بحس إني مرتاح وسعيد الالوان اللي أنتِ مختارها مميزة زيك بالظبط
كانت تبتسم بسعادة ولم تجيب على كلماته لينتبه لوقفتها فقال بقلق
-هو انتِ واقفه كده ليه روحي أقعدي لو سمحتى وأنا هبقى اوصلك القصر
أومأت بنعم وغادرت وهو يتابعها وهي تسير بعرج واضح ليشعر بألم قوي في قلبه وحزن لكن ماذا بيده أن يفعل؟
لكن خوفه عليها لم يرحمه لذلك طوال اليوم كلما أحتاج لشيء منها ذهب اليها وانهى الامر معها في مكتبها .. حتى لا تسير على قدميها كثيرًا وتتألم وأمرها بشكل لا يقبل للنقاش أذا أحتاجت توقيعة أو أرسال شيء له اخبرته بذلك واتى هو لها وهي نفذت ذلك بطاعة ف بالفعل قدمها تؤلمها بشدة وكذلك لسعادتها التي لا توصف بأهتمامه وخوفه
…………………
تركت مكتبها وبخطوات متمهلة توجهت الي مكتب هوا .. طرقت بابها لترفع هوا رأسها اليها وأبتسمت ببشاشة لتدلف سليمة بخطواتها المتألمة وهي تقول بمرح
-أنا جايالك في مهمة رسمية مستعجلة
قطبت هوا حاجبيها وقالت بأندهاش
-مال رجلك أنتِ كويسة ؟
أومأت سليمة بنعم وقالت بهدوء
-خبطة خفيفة كدة .. خلينا بقى في المهمة المستعجلة اللي أنا جيالك علشانها
لتقول هوا ببعض القلق
-أنا تحت أمرك في أي حاجة
قالت سليمة بلوم
-أمر أيه بس يا هوا .. يا بنتي أحنا دلوقتي …..
صمتت لثواني تفكر ثم قالت بعد عدة لحظات
-سلايف .. أيوة هي سلايف يعني أحنا أخوات ومفيش ما بينا أوامر بس الاوامر جاية من فوق
شعرت هوا ببعض الاندهاش وعدم الفهم .. جلست سليمة على الكرسي جوار المكتب وأكملت بمرح وأبتسامة واسعه
-شُكران هانم عاملة ليا أنا وأنت ضبط وأحضار علشان نشوف الاجنحة بعد ما خلصت .. وعلشان لو فيه أي تعديل المهندس يلحق يظبطها
أبتسمت هوا وهي تقول بصدق
-طبعًا لازم ننفذ الامر وفورًا كمان .. أصلًا أنا بحبها جدًا .. بحسها أمي ومقدرش ارفض لها أمر
أومأت سليمة وهي تقول
-فعلًا هي حنينة وطيبة ورغم أصل العيلة وعراقتها وغناهم لكن هي متواضعة جدًا وبتحبنا زي ما بتحب أحفادها تمام
أومأت هوا بنعم حين خرج عدنان من مكتبه وهو يقول
-هوا انا..
صمت حين وقعت عينيه على سليمة التي أبتسمت وهي تقف على قدميها وقالت بهدوء
-هرجع مكتبي بقى علشان مديري صعب وانتِ خدي الاذن من مديرك ونتقابل في القصر .. أو لو تحبي تيجي معنا عرفيني
وغمزت لها وغادرت لينظر عدنان الي هوا بأستفهام لتخبرة بكل ما قالته سليمة ليقول هو يأقرار
-وليه تروحي معاهم بعد ما تخلصي الشغل ده نروح سوا مراتي متركبش مع حد غريب
وأقترب ليضع لها عدة أوراق أبتسمت بخجل ليغمز لها وهو يقول بمشاغبة
-خدي بقى خلصي الشغل دة بدل ما اخصملك أه أنا فس الشده شديد
لتحاول كتم ضحكاتها لينظر لها بغضب مصطنع وقال أمرًا
-أشتغلي
ودلف الي مكتبة وأغلق الباب لتطلق العنان لضحكاتها التي أطربت قلبه وروحه .. فمنذ اعترف لها بكل ما بداخل قلبه بكل صدق وهي تفهمته واحتوته .. جعلته يشعر بإنه قد أحسن الاختيار .. هو يحتاج حبية وزوجه بدرجة ام .. قادرة على تفهمه
وأستطاعت ببرائتها وقلبها الطيب ان تخطف قلب جدته .. وكذلك نالت اعجاب ادهم وأصبحت هي وسليمة أصدقاء وهذا أكثر ما يسعده فهو لا يعرف سبب واحد لاحساسه الشديد بالاحترام لسليمة كما شعوره لأدهم
……………..
مرت ساعات العمل وغادر أدهم وسليمة ولحق بهم عدنان وهوا .. وصلوا تباعًا الي القصر وكان اوس حينها يجلس مع ظلال في الحديقة يتناقشون في كل ما يخص زفافهم .. جلسوا معًا لبعض الوقت وكل منهم بكلمة مرحه لتعلوا أصوات الضحك في قصر الخشاب .. وكل هذا بفضل الافراد الجديدة الذين دخلوا عائلة الخشاب فأسعدوا قلوب اولاد الخشاب وأدخلوا البهجة الي القصر
كان عدنان كل دقيقة وأخرى يقترب من أذن هوا يقول لها شيء ما ف تبتسم بخجل .. وأدهم كل دقيقة وأخرى يسأل سليمة هل قدمها تؤلمها أو لا .. بعد أصراره على أن ترفع قدمها على احد الكراسي وتجلس بشكل جانبي حتى تصبح قدمها ممدة من جانبة ومختفية خلف ظهره
وبعد قليل من الوقت صعد أدهم وسليمة الي جناحهم وكذلك عدنان وهوا .. وبعد أن تفحصوا الاجنحة لم يكن لهم اي ملاحظات
لتنقسم الجلسة الي أحذاب جلسوا الفتايات سويا حتى يرتبوا الاوقات معا للذهاب للسوق وجلس الشباب سويًا حتى يرتبوا أمورهم من اجل العرس
وتمت الموافقه على أقتراح شُكران بأن تقام ليلة الحنة في بيت سليمة .. والعرس في حديقة القصر .. ووافق الجميع دون اعتراض
رواية أو أشد قسوة الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم سارة مجدي
أوقف السيارة أسفل بيتها وأتصل بها حتى تنزل .. ظل ينتظرها بالسيارة وعقله شارد .. هذه الخطوة هامة جدًا ويجب أن يقوموا بها سويًا .. فما هو قادم لابد ان يكون على نور وكل شيء به واضح دون زيف أو تجميل .. لقد اخذ منها بالامس أغرب رد فعل .. حين أخبرها بذهابهم للطبيب حتى يخبرهم كيف سيكون التعامل بينهم كزوج وزوجة .. ظلت تنظر اليه بصمت لعده لحظات ثم قالت بهدوء وكأنه يخبرها انهم زاهبون للسينما
-هنتظرك تعدي عليا
ابتسامتها الناعمة والصادقة .. وروحها الهادئة بدون أدنى مجهود منها تطمئن قلبه وروحه .. وتجعل تقبل اي شيء سهل
عاد من افكاره حين جلست بجانبه وهي تهمس بتحية المساء ليردها لها بأبتسامة
خيم الصمت على السيارة طوال الطريق .. تعرف جيدًا بما يشعر … وكم هو شعور قاسي ومؤلم .. أن يحتاج رجل ك عدنان بعنفوانه وشموخه الذهاب الي طبيب ليخبره كيف يستطيع التعامل مع أمرأته .. وكم تشعر هي بالخجل .. من كل هذا لكن عدنان يستحق أن تدعمه بكل قوتها .. انه عدنان من نبض قلبها حروف أسمه .. ووشمت روحها بنظره عينيه التي تحتويها بحنان وكأنها طفلة صغيرة تنعم بحنان والدها الذي يحتويها بين ذراعيه
وصلوا الي المكان المنشود ليوقف عدنان السيارة وظل جالس في مكانه لتنظر له بهدوء ثم قالت بصدق
-عقبة بسيطة وهتتطخاها يا عدنان .. أنت مريت بالاصعب
مد يده يمسك يدها بين يديه ويغلل أصابعه بين أصابعها وقال دون ان ينظر لها
-أكثر حاجة خايف منها دلوقتي رغم إني لما عرضت عليكي الجواز كنت فاهمها كويس أوي وعارفها .. لكن وقتها أنتِ كنتي غريبة عني واحدة محتاجة مساعدة وانا أقدر أوفرلها الامان والحماية وكمان بشوية أنانية فكرت إني اعمل لنفسي ستار من كلام الناس لكن دلوقت ضميري بأنبني .. ذنبك أية أحرمك من حياة طبيعية .. وبيت مليان بالاولاد
أبتسامة رقيقة ترتسم على ملامحمها البريئة وهي تقول بهمس
-بصلي يا عدنان
رفع عينية اليها لتقول بأبتسامة ناعمة تتغلغل الي روحه دون القدرة على مقاومتها فتجعل قلبه يبتسم هو الاخر براحة واستمتاع
-أنت دعوة صادقة من قلبي في لحظة صعبة أوي في حياتي .. ربنا بعتك ليا نجدة وأمل .. ولما اتكلمت معايا بصراحه وبوضوح حسيت من جوايا إني امك وأني لازم أحميك من الدنيا والالم .. أشيل عنك اللي بيوجعك
صمتت لثوان تنظر الي يديها بين يديه واكملت
-أنت صارحتني بكل حاجة .. ورغم كل شيء قولتلي إنك مش هتتخلى عني .. يعني ده قراري أنا وانا اللي متحمله نتيجته .. وبعدين أنا بعتبرك إبني وانا مش هبعد عن إبني مهما حصل
لو النظرات تتحدث لكانت الان تستمتع الي أجمل كلمات الغزل والعشق .. ولوكانت اللمسات لها صوت لسمعت أجمل الالحان وأعذبها .. وبكل هذا الحب انحنى يقبل يدها بتقديش أستشعرته بكل خليه في جسدها .. أطال في قبلته حتى انحدرت دموعها فقال حين رفع عينيه اليها
-عمرى فدى دموعك يا هوا أنا اكتشفت أن الحب مش مهم .. اللي بجد مهم في اي علاقة هو الراحة والامان .. إني ألاقي ركن هادي أرمي فيه كل همومي والاقي الايد اللي تتبطب .. وأن المودة والرحمة هي اللي بتبني البيوت .. وأنتِ يا هوا .. الركن الهادي والامان والراحة والثقة .. وأنتِ بأختصار كل المودة والرحمة
عقد لسانها فماذا تقول امام هذه الكلمات التي لمست روحها الكسيرة فجبرت كسرها وطيبت خاطرها ليرفع يده يمسح دموعها وقال مغيرًا الموضوع
-خلينا نخلص من المشوار التقيل ده وبعدها العمر كله لينا
مرت لحظات بعد دخولهم الي عيادة الطبيب وها هم يجلسون أمام الطبيب الذي يتفحص تحاليل عدنان الاخيرة بتركيز ثم خلع نظارته الطبية وقال بهدوء
-الحمدلله تحاليلك كلها كويسة ونسب الضعف الجسدي بسيطة هنزود شوية فيتامينات علشان نوازن الضعف ده .. لكن في المجمل الامور مستقره
أبتسمت هوا براحة .. وعينيها تنظر الي عدنان الذي قال
-انا قررت أتجوز يا دكتور .. تفتكر هينفع؟!
حروف اخر كلماته خرجت مرتعش بقلق لتمد هوا يدها له ليمسك يدها بقوة وتلك الحركة لم يغفل عنها الطبيب الذي أبتسم أبتسامة صغيرة ثم قال
-طبعًا تقدر
نظرا له بترقب ليكمل كلماته بهدوء
-في أدوات بتقدر تستخدمها وتخليك تقيم العلاقة بشكل امن جدًا
لتتلون وجنتي هوا بألوان الخجل وهي تنظر أرضًا خاصة حين بدء الطبيب بشرح التفاصيل وبشكل مفصل كل الادوات وطرق استخدامها ولكنها انتبهت حين قال الطبيب
-يا أستاذ عدنان دلوقتي بقى فيه تقنيات كمان تقدر تخليك تخلف بس هي متعبة شوية ومكلفة ويعني بيبقى فيها نسبة خطر كبيرة شوية لكن ممكنة ومحتمل نجاحها .. ووقتها نبقى نتناقش فيها
لتضع هوا بعض الاوراق امام الطبيب وقالت
-دي تحاليل ما قبل الزواج .. كنت عملتها احتياطي يعني علشان حضرتك برده تشوفها وتطمنى علشان صحه عدنان … انا مش عايزة كون سبب في اي تعب زيادة ل عدنان
أبتسم الطبيب من طيبة قلبها وحرصها على عدنان ليأخذ التحاليل وهو يقول
-ربنا يسعدكم
ونظر للأوراق بتركيز حين كان ينظر لها عدنان بعدم تصديق … إنها ملاك على هيئة بشر … تفكر فيه طوال الوقت
أخذ الطبيب نفس عميق وهو يقول ببعض التردد
-انا في الحقيقة مش عارف أقول ايه
نظر له عدنان بقلق ويده تمسك بيد هوا بدعم .. حين قال الطبيب
-التحاليل كلها كويسة وزي الفل ولو هدفك منها بس صحة عدنان ف اكيد أنتِ الشخص المناسب ليه
صمت للحظة واحده ثم اكمل بقلق..
-بس فيه مشكلة صغيرة .. مش عارف دي تأثيرها عليكم هيكون ايه
اعتدل عدنان في جلسته وهو يقول بقلق
-فيه ايه انت قلقتني
صمت الطبيب للحظات ثم قال بإقرار
-آنسه هوا أنتِ عندك مشاكل واضحة هتسبب عدم الانجاب
ظلت هوا تنظر الي الطبيب وعيونها ثابته لا يرف لها جفن وعدنان ينظر لها هي بقلق .. بداخله شعورين مختلفين .. هل القدر يحاول ان يربط بينهم أكثر؟ ويريد الله أن يطمئنة إنها لن ترحل يومًا؟ هل عليه مواساتها؟ أم عليه ان يخبرها أن هذا أفضل .. لكن وكالعادة تفاجئة برده فعلها حين قالت بصوت واضح وهي تنظر له بأبتسامة واسعة وراضية رغم الدموع التي تتلئلئ داخل عينيها
-سبحان الله ربنا بيبعت لينا إشارة بيقولنا أننا ملناش الا بعض
ليمسك يدها بقوة أكثر وكأنه يؤيد كلماتها .. ورغم ان الخبر مؤلم لكنه ربت على قلوبهم وربطهم ببعضهم أكثر .. وهذا كل ما كانوا يريدونه
………………..
تجلس في شرفة غرفتها تحتسي كوب من القهوة .. أصبحت تدمن القهوة كما يدمنها هو .. لقد أثر بها ثامر كثيرًا وكم تعشق هذا التأثير .. بعد يومان من الان ليلة الحناء واليلة التي تليها ليلة العرس .. وكم تترقب تلك الليلة ولا تعلم ماذا عليها ان تفعل إذا كان ثامر هو الحاضر تلك الليلة وماذا تفعل معه إذا لم يحضر؟ فكيف ستخبره بحقيقة الامر وكيف ستشرح له الوضع؟ كل تلك الاسئلة كانت تشغل بالها .. وكانت تشغل عقل ادهم أيضًا
خرجت من أفكارها على صوت هاتفها فأجابته بأبتسامتها الناعمة
-زوجي قرة عيني
-زوجتي وروح قلبي .. عاملة أيه يا عروستي؟
سايرها في مزاحها لتقول بحب
-طول ما انت جمبي ومعايا انا أكيد هكون بخير
صمت قليلًا يحاول ترتيب أفكاره وكلماته .. كانت تشعر بما يجوب في داخله .. وتتوقع ما يريده لكنها ظلت صامتة تنتظر كلماته .. وعلى أستعداد لأنتظاره قدرما يشاء .. أخذ نفس عميق وقال بهدوء قدر أستطاعته .. وبثبات لا يعرف مصدره
-سليمة إحنا محتاجين نروح للدكتور
-لية أنت تعبان؟!
سألته بهدوء .. ليكمل هو ببعض التوتر
-أقصد نروح لعبدالله علشان يعني .. يعني
قاطعته قائلة بتأكيد وقوة
-أوك تمام .. امتى؟
ظل صامت للحظات لكن على شفتيه أبتسامة صغيرة .. حبيبته تفهمه .. تدرك مخاوفه .. تدعمه دون قيد أو شرط .. اخرج الهواء من صدره براحه وقال
-أيه رأيك نروح له النهاردة؟!
نظرت الي ساعة يدها ثم قالت بأبتسامة سعادة
-ماشي هقول لبابا وأستعد على ما توصل
وقف سريعًا ليأخذ مفاتيح سيارته وقال بلهفه
-انا في الطريق أصلا
لتضحك بصوت عالي ليغلق الهاتف وهو يدير السيارة .. حين خرجت هي من غرفتها لتخبر والدها بقدوم أدهم
………………
وصلوا الي عيادة عبدالله الذي كا في أنتظارهم حين جلسوا قال بهدوء وبعض المرح
-مرات أخويا تشرب أيه؟
-واخوك مش هيشرب حاجة ؟!
قال أدهم بأبتسامة صفراء ليضحك عبدالله بصوت عالي وقال بابتسامة مشابهه
-طبعًا يا حبيب أخوك هتشرب طبعًا … ده أنت من النهاردة هتشرب بس
-بس
كررها أدهم خلفه بضيق مصطنع …. ليومأ عبدالله بنعم
لتقطع سليمة ذلك المزاح وهي تقول بجدية مصطنعة
-دكتور عبدالله إحنا مش جاين نشرب إحنا جاين في أستشارة طبية
ليجلي عبدالله صوته وهو يعتدل في جلسته وقال بجدية مصطنعة مسايرًا لها
-أتفضلي أنا تحت أمركم
كان أدهم يبتسم براحة .. وهو يراها قادره على إداره الحوارات والسيطرة على المواقف .. وأيضًا فرض هيبة ومحبه في قلوب كل من يقابلها .. لينظر الي عبدالله الذي ينظر له بسعادة وراحة .. أنه حقًا يشعر بالراحة والاطمئنان على صديقة بسبب وجود سليمة جواره
انتبه عبدالله من أفكاره حين قال أدهم بتوتر
-عبدالله انا محتاج أتكلم ومحتاجك تتكلم وأفهم وهي كمان علشان نبقى داخلين على نور
نظر عبدالله الي سليمة وقال بهدوء
-انا مستعد أجاوب اي سؤال شاغل بالك
نظرت سليمة الي أدهم وقالت بهدوء
-أنا متقبلة أدهم بكل حالاته وشخصياته وقادرة أتعامل معاها وقدرت كمان أكسب قلبه علشان ميكونش فيه اي اختلافات او غيرة او واحدة تانية تدخل في المعادلة غصب عننا .. ووقتها انا مكنتش هستحمل ده ولا كمان أقدر ألومه
صمتت للحظات حين أمسك ادهم يدها ببعض القوة .. يشعر بمخاوفها يتألم من أجلها يلوم نفسه أنه اخرطها في مشاكله ومعانته لكنه يحبها لا يستطيع الحياة بدونها .. ولا يستطيع تخيل حياته بدونها ولا يستطيع التفكير في كونه يستطيع مواجه مشكلته بدونها .. لتكمل هي بهدوئها الذي يسّكن المه ويربت على قلبه
-كل اللي فات حاجة واللي جاي بقى حاجة تانية .. لأن اللي جاي مسؤلية كبيرة خصوصًا أنه أن شاء الله هيبقى فيه أطفال وحياة كاملة .. علشان كده أول سؤال هو
صمتت تنظر الي أدهم والخجل بدء يرتسم على وجهها كان يريد أن يسأل هو .. لكن من حقها الحديث والسؤال عن كل الهواجس بداخلها ليربت على يدها بتشجيع حين قال عبدالله
-أي سؤال في دماغك اسئليه
أخذت نفس عميق واخرجته بهدوء ثم قالت
-دلوقتي إحنا فرحنا بعد يومين .. والمفروض ان حياة ثامر غير حياة أدهم ومش بيختلطوا .. ولا اي حد فيهم بيفتكر اللي حصل في ايام حضور الشخصية التانية .. طيب يوم الفرح و .. و الي هيحصل يعني .. أبرره أزاي ل ثامر .. كمان انا عايزة في اليوم دة يكون أدهم بكامل وعيه من حقه يفرح معايا خايفة ثامر هو اللي يبقى حاضر في اليوم ده
كل هذا قالته وهي تنظر أرضًا فخجلها جعلها غير قادرة على النظر في وجوه الرجال الجالسة أمامها
لكن أدهم ضم أصابع يده على يدها وقال بصوت متهدج
-أنا كمان خايف من كل ده وشايل همه .. كمان لما يبقى عندنا ولاد هنعمل ايه؟
-سيب الموضوع ده دلوقتي يا أدهم خلينا في اللي سليمة أتكلمت عنه لأنه الاهم .. ببساطة انتوا الاتنين لو أقدرتوا تتخطوا اول مرحلة كل الامور بعد كده هتكون تمام
قاطع عبدالله كلمات أدهم .. وقد أثار بكلماته فضولهم فنظر الاثنان اليه .. ليكمل بهدوء
-ظهور شخصية ثامر ده مش بأيد اي حد ولازم تتقبلوا الموضوع ووقتها بس تركزوا على فرحتكم ببعض وسيبوا القدر هو اللي يقرر .. و بالنسبة لموضوع ثامر وتبرير الحكاية مفيش قدامك غير إنك بكل الطرق تقنعيه أن فرحكم تم وكل الامور تمت وأنه هو اللي ناسي مش اكثر
نظرت له سليمة برفض لكلماته ليبتسم وهو يقول
-ايه كلامي مش عاجبك؟!
أومأت بنعم وهي تقول موضحة
-ثامر شخصية شكاكة وصايع
قالت الكلمة الاخيرة وهي تبتسم بخجل وتنظر الي أدهم بأطراف عينيها والذي كان يحاول كتم ضحكاته .. لكن عبدالله لم يستطع وقال بمزاح
-مش زي ادهم يعني
نظرت سليمة لأدهم وقالت بصدق وعينيها تحتضن عينيه
-أدهم مفيش منه .. وثامر جزء منه .. انا بحب في أدهم حنانه وقلبه الكبير .. بحس كده ان له هيبه وتحت جناحة كلنا عايشين ورغم انه ديما بيحاول يحسسني انه من غيري يضيع لكن في الحقيقة أنا اللي من غيره أموت
لينحنى أدهم يبقل يدها حين قال عبدالله
-أنتِ مش محتجاني يا سليمة بس اتعاملي بأسلوبك وعقلك المتفتح وقلبك اللي بيحب بصدق وانتِ هتقدري تمشي حياتك بمنتهى السلاسة والسهوله .. لانك عندك القدرة على احتواء الشخصيتين أسألي قلبك وصدقي عقلك
تبادل ادهم وسليمة النظرات وابتسامة راحه وثقة متبادلة أنهم قادرين سويًا على المرور بسلام من اي شيء
……………….
يجلس أمام أكرم كما اعادته واثق الغرور يطل من عينيه لكن هناك نظرة أخرى مختلفه تمامًا تطل من عينيه … نظرة الإدراك …. صحيح مراد لم يطيب تمامًا لكنه بدء في اخذ خطوات ثابتة وقوية في أتجاه الشفاء .. لذلك قرر أكرم أخراجة من المستشفى وأكمال علاجه وهو بالخارج
-ها يا مراد أيه اللي عايز تتكلم عنه دلوقتي
أبتسم مراد بثقة وقال بعد ان وضع ساق فوق الاخرى
-عايز رأيك في موضوع مهم وهو اللي شاغل بالي دلوقتي
ظهر الاهتمام على وجه أكرم لكنه لم يقل شيء وترك له كل المساحة حتى يخرج كل ما بداخله .. وبالفعل أراح مراد ظهره لظهر الاريكة وقال
-أنا هخرج من هنا وهستمر في العلاج علشان خاطر نفسي وعلشان مش عيب أني أكون مريض . وكمان علشان مفيش إنسان كامل وكل واحد فينا فيه عيوب
أرتسمت أبتسامة صغيرة على وجه أكرم .. لكن مراد اكمل بهدوء
-بس السؤال اللي شاغل بالي دلوقتي … ظلال
قطب أكرم حاجبيه بأندهاش ليكمل مراد كلماته
-لو رجعت الشغل دلوقتي موقف ظلال هيكون ايه؟ يعني هتوافق تكمل معايا البرنامج ولا هترفض .. ولو وافقت هتعامل معاها ازاي؟
-أنت لسه بتحبها يا مراد؟
سأله أكرم وعينيه تتفحص كل شاردة ووارده منه ونظرات عينيه التي شردد للحظات وذلك النفس العميق الذي أخذه .. وانتبه لاجابته حين قال
-لا … انا مش بحب ظلال
قالها قاطعة وقوية .. ثم أكمل بهدوء
-انا كنت فاكر نفسي بحبها لكن أكتشفت في الشهرين اللي فاتوا أني كنت شايفها بوجه نظر المثالي .. اللي يستحق كل حاجة حاوليه وفي محيطة تكون مثالية .. خالية من العيوب .. لكن دلوقتي أنا كل المشاعر اللي جوايا ل ظلال هو الاعجاب بموهبتها الفطرية و بكونها مذيعة شاطرة جدًا وخسارة ان البرنامج بتاعي يخسرها
أومأ أكرم بنعم وكاد أن يقول شيء لكن مراد سأله بأهتمام شديد
-تفتكر لو رحت لهم زيارة .. واتكلمت معاها ومع اخوها هيفهموني
-وخطيبها
قالها أكرم بإقرار ليظهر الاندهاش على وجه مراد لكنه وبعد لحظات قال بسعادة صادقة
-اتمنى يكون شخص كويس ويبقى عارف قيمتها… لإنها تستحق كل الحب والخير اللي في الدنيا
غادر اكرم الكرسي الخاص به خلف المكتب ودار حوله حتى وصل الي الكرسي امام المكتب والمواجه ل مراد وقال بهدوء
-أنا دلوقتي بقيت مطمن جدًا عليك .. أنت ماشي بخطوات ثابته في طريق علاجك وطبعًا استمرارك هيضمن ليك سرعة الشفاء … ولو على الشغل كمل أجازة شوية كمان … تكون كونت شخصية ثابتة وقوية
ثم ربت على ساقه وأكمل بتشجيع
-وانا مع زيارتك ليهم جدًا ومهما كان قرارهم انت الكسبان .. كسبان نفسك وخطوة جديدة في شخصيتك الجديدة لكن طبعا مش دلوقتي زي ما اتفقنا
أومأ مراد بنعم وقد أخذ قراره .. أنه لن يتوقف في منتصف الطريق سوف يكمل حتى النهاية وحتى يصبح مراد الذي يستحق ان يكون عليه .. وسوف يجد ما تتقبله بكل عقده وامراضه أيضًا
…………….
خرجت من الاستديو لتجده يقف في نفس المكان الذي ينتظرها فيه يوميًا .. لكن الان يتحدث بالهاتف ويبدوا عليه الغضب .. أقتربت منه ليصلها صوته العالي وهو يقول
-انا مفيش حد يقدر يقول اعمل أيه ومعملش أيه .. وانا عشت بطولي طول حياتي .. مش هحتاج حد دلوقتي .. ولو على البنت اللي اخترتها شريكة لحياتي ف هي متقبلاني بوحدتي .. وهي هتبقى كل عيلتي وشكرًا على اتصالك تعبت نفسك
كان يعطيها ظهره وهو يتحدث تشنج ظهره وصوته وكلماته اخبرتها بكل وضوح عن حاله وما يشعر به .. فأختبات خلف البوابه حتى لا يراها .. ويعلم إنها سمعته .. ظلت واقفة في مكانها تفكر في كل ما سمعته .. مؤكد هذا أحد أفراد عائلته الذي اخبرها عنهم سابقًا إنهم أبتعدوا تمامًا عنه بعد وفاة والده .. ولم يقف اي منهم جواره .. لذلك عليها أن تتعامل مع الامر وكأنها لم تسمع شيء .. وتزيد من حنانها ودلالها له
اخذت نفس عميق وخرجت من البوابه لتجده ينظر اليها بأبتسامته التي تخطف نظراتها ونبضاتها وانفاسها .. وحين وصلت أمامه قالت بأبتسامة واسعة
-جعانة جدًا .. يلا بينا على عربية الفول علشان عندي موضوع مهم عايز اكلمك فيه
أتسعت أبتسامته وهو يمسك يدها ويدور بها حول السيارة حتى وصل الي بابها وفتحه وحين جلست قال بحب
-أسعد لحظات حياتي وأنا وأنتِ بناكل من على عربية الفول بحس إنك شخص مختلف
لتضحك بأنطلاق وسعادة .. لو تعلم ماذا تفعل به صوت ضحكاتها .. أنه يذوب بها عشقًا فوق عشقه .. عاد ليدور حول السيارة وجلس في مكانه وانطلق الي مكانهم المفضل
وحين جلست قالت مباشرة
-انا مش مصدقه أن فرحنا كمان يومين .. تعرف يا أوس بعد ما عرفت إنك صعيدي كنت حاسة كده بمشاعر غريبة .. وكلمة اللي تخلي صعيدي يحبها يبقى يا غلبها طول الوقت في بالي وبتخليني
قاطع كلماتها وهو يقول بمرح لكن القلق يطل من عينيه
-أنتِ خايفة مني ولا ايه؟
-أبدًا .. انا ببقى مطمنة وانا معاك .. عارف أنت خليتني أرجع أثق في نفسي والناس .. أنا بحبك يا أوس
نبض قلبه توقف للحظات .. أو ساعات هو لا يعلم .. الزمن توقف عند نطقها لتلك الكلمة التي تمناها كثيرًا ظل ينظر اليها يبتسم يريد أن يصرخ او يبكي يضمها الي صدره يقبلها حتى تمتزج انفاسه وانفاسها لكنه لن يستطيع فعل اي من هذا فقال بصوت متهدج
-بجد يا ظلال .. بجد .. قولتيها وقلبك حاسسها ولا
وضعت يدها على فمه وقالت بصدق
-حساها وعيشاها وملية قلبي وروحي وحياتي .. ونبض قلبي بينطقها في كل لحظة وثانية .. بحبك يا أوس بحبك اوي
مد يده وامسك بيده بقوة وكأنه يريد ان يتأكد من كونها حقيقة ملموسة ليست سراب او محض أحلام … كما عاش لسنوات … لتضع يدها الأخرى فوق يده وأكملت إعترافها
-قدرت تتغلغل جوايا … وتحتل قلبي .. تجري في دمي حتى ممكن اقول بقيت ….
وضع يده على فمها وقال برجاء
-بس يا ظلال قلبي هيقف … أنتِ عارفة انا منتظر كلامك ده من أمتى .. عارفة انا حاسس دلوقتي ان الكون كله بقى ملكي .. الدنيا كلها فتحالي دراعتها وبتقولي افرح واتبسط حاسس ان رجلي مش على الأرض واني طاير في السما
صمت للحظات يحاول استجماع كلماته وروحه التي تبعثرت في كل مكان مع كلماتها التي تنزلت على صحراء قلبة القاحلة فأنبتت زهورًا ونخيلً وأشجارا
إقترب منها قليلًا رغم الطاولة الفاصلة بينهم وقال بهدوء
-قومي خلينا نروح … يا اما هيبتي هتضيع وسط الناس… ومش عايز اشوفك لا حتى اسمع صوتك الا يوم الفرح … مفهوم
أومأت بنعم وهي تبتسم ابتسامة واسعة سعيدة … غادروا الطاولة وبيد مرتعشة دفع الحساب
لكن قبل ان تصعد الي السيارة قالت بدلال
-أوس … انا بحبك
-وأنتِ بتلعبي بالنار يا بنت الخشاب
قالها من بين أسنانه وهو ينظر لها بشر … لتبتسم بمرح وصعدت الي سيارته تنظر له بمشاغبة وكان هو يتجاهلها بشق الانفس … فلو ترك العنان لما يجيش بداخل صدره لأصبحت زوجته الان دون تأخير
حين وصلوا الي قصر الخشاب اوقف السيارة ببعض الخشونة وقال بأمر
-انزلي ومش عايز اشوفك ولا اسمع صوت الا ساعة كتبت الكتاب والل أنتِ حره وتتحملي كل العواقب
ابتسمت بسعادة ان قلبها الان يرفرف فوق بساتين الحب والغرام … كيف تصف شعورها برجل ك أوس وهو يضعف بهذا الشكل لمجرد كلمة من أربع أحرف
لم تتحرك من مكانها لينظر لها بغضب مصطنع لتقول هي ببراءة
-طيب ممكن بس اقولك حاجة واحدة
لوى فمة بضيق وهو ينظر لها بشر لتقول بتوسل وهي ترفع اصبعها امامه
-حاجة واحدة بس
ليزوم بصوت عالي دليل على الموافقة
لتمد يدها تمسك يده بحنان وتقربها منها …. يتابع حركتها بعيون عاشقة لم تتوقف عن عشقها لأكثر من عشر سنوات
لكن ما قامت به خطف قلبه من صدره واصبح الان بين يديها وكأنه خاتم بأصبعها
لقد انحنت تقبل يده بنعومة ودلال وحب كبير وقالت بصدق
-أوس انا من دلوقتي كل عيلتك … حبيبتك وزوجتك واختك وأمك واخوك وأبوك وعمك عيلك كلها … انا دنيتك .. اوعى تحس إنك لوحدك انا ديما جمبك
ظل ينظر اليها باندهاش وشعور بداخله ينبهه انها قد استمعت لحديثه مع عمه في الهاتف … والان وبكل صدق تخبره إنها كل عائلته
قبلت يده وهو الذي لم يفعلها معها من قبل … ف دون شعور منه رفع يدها لفمه يقبلها بعمق وعينيه مغمضه بقوة يستنشق عبيرها الذي يخطف انفاسه ثم ترك يدها ومازال مغمض العينين وقال بصوت متهدج من اثارته بها
-انزلي يا ظلال حالًا
لتفتح الباب وغادرت السيارة لكنها ظلت واقفة في مكانها تنظر اليه … مازال مغمض العينين لكنه سعيد … حين فتح عينيه وجدها تنظر اليه بعشق … ليهمس لنفسه
-جبتيني الأرض يا بنت الخشاب … لو مت دلوقتي هموت وانا فرحان وسعيد
شعر بان كل مشاعرة خارج سيطرته فأدار المحرك وغادر القصر بسرعة كبيرة … لتهمس لنفسها بوعد
-أوعدك اعوضك عن كل وجع والم جوة قلبك … و اعوضك عن سنين البعاد واعوض نفسي معاك
~~~~~~~
ليلة للحناء تجمعت الفتايات في منزل سليمة … في ليلة مبيت نسائية
وتجمع الشباب في قصر الخشاب في جلسة توديع العزوبية … وفي الحقيقة كانت جلسة لوضع خطة محكمة لإسعاد الفتايات وأفكارهم كانت كلها اكثر من رائعة ومختلفة ف العشق هو ما يحرك الأفكار وينميها والثلاث قد غرقوا في العشق.
وصلت شُكران ومعها ظلال وهوا الي بيت سليمة .. منذ الصباح والثلاث فتيات يخضعن لكل أنواع التعذيب من وجه نظرهم .. ف فتايات مركز التجميل لم يتوقفوا لحظة عن عمل المسكات وكل الاشياء الخاصة بالعروس حتى يخرجن بصوره مثالية في ليلة العمر .. وبالخارج تجلس شُكران وفاطمة يتناقشون في كل ما يخص العرس ويرسلون يونس أحيانًا لشراء بعض الاغراض حتى تكون حفل الحناء مميزة .. أو يطلبون من السائق الخاص ب شُكران ان يحضر الأغراض
كل هذا يحدث والشباب الثلاثه قد اختفوا تمامًا لا أحد يعرف عنهم شيء .. حتى ان عبد الله أوصل لبنى لبيت سليمة وأختفى هو الاخر
وكان دوره هو تنسيق كل ما يريدونه العرسان وتنفيذه بالشكل المناسب والذي يليق بهم
وبين غرفة الفتايات والصالة كانت لبنى هي نقطة الوصل تعطي رأيها للفتايات وبعض النصائح .. وتسعاد بالخارج السيدتان في ترتيبات الحفلة … والعرس .. والطفلان جلسى في غرفة التلفاز
في المساء حضرت الحنانة ومعها فتياتها يحيون ليلة الحناء بين رقصات نوبية وخليجية … هندية واجنبية ورقصات مصرية … وشاركت العرائس الفتايات في كل تلك الرقصات … وكل فتاة منهم كانت تدخل الي إحدى الغرف بالتناوب مع الحنانة حتى تقوم برسم الحنة للعروس … وتبخير جسدهن بروائحها مميزة
كانت سعادة شُكران وفاطمة لا توصفها الكلمات … تكفي تلك الدمعات التي تلمع داخل عيونهم كتعبير عما يجيش في قلوبهم من سعادة وفرح مرافقة لزغاريط من القلب
رقصت سليمة مع الفتايات بحركات رشيقة على موسيقى النغمات النوبية وشاركت هوا في رقصة هندية مميزة … وكانت المفاجئة حين غنت ظلال بعض الأغاني بصوتها المميز … وهي تتمايل بدلال
حتى ان لبنى شاركتهم الرقص والابتسامة ترتسم على ملامحها بوضوح … فعلاقتها مع عبدالله التي تسير الان بشكل صحيح وصحي جعل هذا يظهر على ملامحها ونسج خيوط السعادة بين عائلتها
ف كم كانت ليلة حناء مميزة لثلاث فتايات أكثر تميز
وفي قصر الخشاب كان الشباب يشرفون على تجهيزات حفله العرس بكل دقة وكل منهم يقوم بشيء ما حتى تصبح المفاجئة مميزة ف تسعد زوجته
~~~~~~~~~~
بعد انتهاء حفلة الحناء جلست كل فتاة في مكان هادىء تتحدث الي زوجها المستقبلي … الابتسامة تزين وجوههم يحاولون معهم بكل الطرق حتى يخبروهم عن ما قاموا به من تجهيزات لكنهم كانوا يرفضون الافصاح بآي شيء
وفي صباح العرس … وصلت سيارتان حتى تأخذ الفتايات الي مركز التجميل وبعدها تعود مرة أخرى حتى تأخذ شُكران ووالدي سليمة الي القصر
~~~~~~~~~~~
في المساء بعد ان تأكدت من كل شيء في حديقة القصر توجهت شُكران الي غرفة حفيدها الاكبر طرقت الباب ثم دلفت حين سمعت صوته يسمح للطارق بالدخول … وقفت تنظر اليه في حله العُرس … بهيبته التي تسعد قلبها وتبهجه خاصه وهي ترى فيه والده رحمه الله واطال لها في عمر حفيدها … التفت ينظر اليها وابتسامة واسعة ترتسم على شفتيه … لتذكر الله وتدعوا له بالسعادة حين انحنى يقبل يدها
لتربت على كتفه وقالت
-مبارك جوازك يا أدهم … ربنا يسعدك ويفرحك
-الله يباركي فيكي يا جدتي … امين يارب ببركة دعواتك ليا اجابها بنفس الابتسامة الرائعة لتقول هي بهدوء
-عايزة أنصحك نصيحه يا ابني … مراتك هي سترك وغطاك … سرك وبيرك الغويط … بابكم مقفول عليكم براه محدش يعرف عنكم غير كل خير … والراجل لما يعتذر لو غلط مقامة يكبر .. واخفض جناحك ليها هي مخلوقة من ضلعك يعني حته منك ونصك التاني بيها بتكتمل والكمال لله
أومأ أدهم برأسه نعم وانحنى مرة اخرى يقبل يد جدته لتربت على كتفه وهي تكمل
-سليمة عارفة اللب فيك وقبلاك بكل حالاتك ده ميقللش منك لكن يخليك تقدرها وتلتمس ليها الف والف عذر
أبتسم وعاد ليقبل يدها فقد وضعت يدها على ما بداخل قلبه … سليمة هي حياته الذي سيكافح من اجلها دائمًا تحركت لتغادر الغرفة
ليعود أدهم ينظر الي المرآة من جديد … وهو يقول بابتسامة واسعة
-امتى بقى مش مصدق انك تبقى في بيتي وبين أدينا دي هتيجي ابدا … يارب
رفع يده وهو يدعوا الله ان تمر الليلة بخير وتنتهي سريعًا وان تنال مفاجئته اعجابها
~~~~~~
توجهت شُكران الي غرفة عدنان بعد مغادرتها غرفة أدهم فتحت الباب وظلت واقفة في مكانها تنظر له وهو يصلي … كان يرتدي بذلته دون الجاكت وحذائه موضوع جوار السرير
ظلت تنظر اليه وابتسامة حزينة ترتسم على ملامحها
عدنان حفيدها المرح … يظنون إنها لا تعلم بما أصابه ولا تعلم مما يعاني …. يظنون ان هوا ظهرت له من العدم ويظنون انها مغيبة
لا يعلمون انها تعلم كل شيء منذ اليوم الاول … ومع ذلك كانت تريده ان يتزوج من ظلال … ابنه عمه وسوف تكون ستره وغطاه … وتحافظ على سره لكن حبه الكبير لها جعله يبتعد رغم كل ما قامت به من محاولات … لذلك لم يكن أمامها سوا هوا تلك الفتاة التي تربت صغيرًا في هذا القصر ورحلت مع والدتها قبل ان تكمل عامها الثالث … فرغم ان والده هوا كانت تعمل في القصر الا انها كانت صديقة مقربة من سيدات القصر والدة أدهم ووالده عدنان ومنها هي شخصيًا … لكن ذلك الرجل الذي تزوجها قرر عدم عملها لذلك تركت القصر لكن لم ينقطع تواصلها مع شُكران
لذلك حين قررت ان تجد من تكون ونيس لحفيدها تثق بها وفي اصلها لم يكن امامها سوا هوا … التي ساعدتها ظروفها المحيطة في وضعها في طريق حفيدها لأول مرة صدفة
لكن المرة الأخرى كانت من تخطيط شُكران حتى تعجل من إرتباط عدنان بها …. أخذت نفس عميق ورسمت ابتسامة حقيقة على وجهها حين التفت لها عدنان قائلًا بمرح
-سيدة القصر نازلة بنفسها تتفقد الرعية
اقتربت منه بهدوء حتى أصبحت امامه مباشرة … انحنى يقبل يدها الممسكة بالعصاة حين ربتت على كتفه وقبلت أعلى راسه قائلة
-مبارك يا عدنان … لو تعرف يا ايني فرحتي بيك ولهفه قلبي إني أشوفك سعيد ومتهني قد ايه
ابتسم وهو يقول بصدق
-انا سعيد جدًا يا جدتي … هوا قدرت تلمس قلبي وتطيب روحي وترسم السعادة اللي تخلي القلب يشعر بالراحة والأمان … عرفت جمبها معنى المودة والرحمة والراحة يا جدتي
كانت تستمع له وبداخله يشعر بالراحة والسعادة ها هو حفيدها الذي ظل لسنوات يتألم بصمت … يشعر بالراحة والسعادة ووجد من يتقاسم معه سره دون خوف ويقولها صريحه وواضحة انه سعيد
ربتت على وجنته وقالت بصدق وصوت مختنق من تأثرها ومجاهدتها لكتم بكائها
-وانا مش قادرة أوصف فرحة قلبي اني شوفت الابتسامه الصافية الصادقة على وشك من غير تمثيل وكذب فرحانه إنك لاقيت الراحة والامان وعلشان كده عايزة أوصيك على هوا … اوعى في يوم تستقوى عليها … لو في يوم غضبت منها أفتكر الجميل اللي لمس روحك فيها … وافتكر إنها امانك وراحتك وخليك عارف ان السعادة قرار قادرين ناخده وننفذه والحزن كمان
كان يستمع اليها بقلبه وعقله وروحه … يحاول استيعاب نصيحتها لكن بداخله يشعر ان هناك شيء اعمق واكبر تريد ان تضعه داخل عقله
لكنها لم تسمح باي تفكير او اسئلة وتحركت لتغادر الغرفة … لكنه ركض اليها يضمها بقوة من الخلف وهو يقول
-انا بحبك او يا شُكران …. بحبك اوي
لتنحدر دموعها وهي تربت على يده التي تضمها بقوة وانحدرت دموعها الغالية فوق وجنتيها حزنًا مختلط بسعادة وراحة
وكذلك هو ف الان ورغم ان سره مازال بينه وبين أدهم وهوا والطبيب لكنه يشعر ان الجميع جواره ويدعمه وهذا اكثر ما كان يتمناه
~~~~~~~~~
اغلقت باب غرفة عدنان بعد ان استعادت تماسكها وهدوها وتوجهت الي الغرفة التي يستعد بها أوس
طرقت الباب عده طرقات وانتظرته حتى يفتح
لم تمر سوا لحظتان فقط وكان يفتح الباب وهو يرتدي الجاكت توقفت يداه في الهواء ونظر أرضًا بخجل وهو يقول
-انا اسف يا شُكران هانم كنت فاكر اللي بيخبط أدهم او عدنان
لتبتسم له بود وهي تقول
-ولا يهمك يا ابني
ثم تأملت هيئته وهي تقول
-مبارك يا ابني ربنا يتمم لك على خير … انا زي والدتك وعايزة أنصحك نصيحة واتمنى إنك تقبلها مني
إقترب خطوة واحدة منها وانحنى بإحترام يقبل يدها وهو يقول
-نصيحتك فوق راسي يا شُكران هانم .. انا مليش عيلة وناس رغم انهم موجودين فعلًا لكن انتوا بقيتوا كل ناسي
ابتسمت شُكران براحة وهي تقول بصدق
-وأنت خلاص بقيت ضلع أساسي في عيلة الخشاب … خدت الضلع الأعوج وبقى ملكك .. حافظ عليه يا ابني … واوعى في يوم تقومة بالشدة هيتكسر في ايدك واللي بيتكسر حتى لو اتصلح بيقى مشوه وضعيف وعمره ما هيرجع زي الاول
أومأ بنعم لتكمل هي بحنان
-ظلال مفيش أطيب من قلبها … بسيطة بالكلمة الطيبة اللي خارجة من قلبك هتملك روحها وعقلها وقلبها … خليها شريكة حياة واعرف انك زي ما هتكون ليها راجل حقيقي بكل ما للكلمة من معنى هتكون ليك الست اللي بجد اللي تفرح قلبك وتسر عينك
بكل تقدير وإحترام انحنى يقبل يدها ثم اعتدل ونظر الي عينيها وقال بثقة وثبات
-أوعدك أكون ليها كل اللي هي بتتمناه وقلبي وحضني يبقوا بيتها وسكنها ويوم دموعها ما تنزل من عنيها هيكون يوم موتي
-بعد الشر عليك يا ابني … ربنا يفرحكم ويبارك في حياتكم
ربتت على كتفه وكادت ان تغادر ليوقفها صوته وهو يقول ببعض التردد
-شُكران هانم
نظرت له بنفس الابتسامة الحانية ليقول بتردد
-ممكن أقولك جدتي زي أدهم وعدنان وظلال
إتسعت ابتسامتها رهي تقول بسعادة
-لو مقولتليش كده هزعل منك اوي
ليقترب منها يقبل يدها للمرة الثالثة بسعادة وراحة فقد وجد مكان راحته ورست سفينته اخيرًا على شاطىء الامان وقال بصدق
-كله إلا زعلك يا جدتي
~~~~~~~~
في حديقة قصر الخشاب اجتمع كل اصحاب المجتمع المخملي ورجال الأعمال أصدقاء العائلة العريقة وكل ما يرتبط معهم بمصلحة
وأيضًا آهل سليمة من اهل الطبقة المتوسطة … في مشهد درامي لا يظهر سوا في الافلام القديمة
وفي مشهد مميز وقف الثلاث رجال امام البوابة الكبيرة لقصر الخشاب في انتظار السيارة التي تحمل بداخلها ثلاث أميرات تزف الي ثلاث أمراء مميزين في الهيئة والاخلاق
وقفت السيارة ليتقدم أدهم اليها وأخذ بيد أخته يساعدها على الترجل من السيارة
نظر لها بعين أب يرى أبنته قد كبرت واصبحت عروس
قبل جبينها وهو يقول
-مبارك يا حبيبتي
لتبتسم بخجل ليسير بها في إتجاه أوس الذي قبل أدهم بقوة ثم مد يده ل ظلال ليضع أدهم يد أخته بيد أوس وهو يقول
-مش هوصيك عليها يا أوس … لو زعلتها بعمرك
ليقبل أوس يدها وقال وهو ينظر الي عينيها
-أوعدك اصونها واشيلها جوة قلبي و جوة عيني وفوق راسي العمر كله
ليضحك أدهم بصوت عالي وهو يقول بمرح
-انا واقف هنا انت بتبص فين
ليشح له أوس بيده وابتعد أوس بظلال متوجهين الي المكان المخصص لهم لكن قبلها ضمتهم شُكران بسعادة وهي ترى صغيرتها بالفستان الأبيض وكذلك فاطمة اطلقت من اجلهم الزغاريط
ليعود أدهم من جديد الي السيارة وأمسك يد هوا التي نظرت له بأمتنان ودموعها تتلئلىء داخل عينيها ليقول لها بصدق
-من يوم ما دخلتي عيلتنا وأنتِ بقيتي اختي زيك زي ظلال واعرفي ان ليكي سند وعيلة بتحبك وبتحترمك … ولو في يوم عدنان زعلك انا اللي هقف له
بشعورها الداخلي بالسعادة والامتنان بكلماته انحنت تقبل يده التي تمس يدها ليسحب يده سريعًا وقال بلوم
-ليه كده يا هوا؟!
-انا اول مرة احس ان ليا أخ كبير وعيلة حقيقية شكرًا يا أستاذ أدهم بجد شكرًا
قالت كلماتها بصوت مرتعش ودمعه تسيل فوق وجنتها … ليهز أدهم رأسه بلا وهو يقول
-أزاي اخوكي و تقوليلي أستاذ … انا أدهم وبس
أومأت بنعم ليتحرك بها في إتجاه عدنان الذي كان يستمع لكلماتهم وقلبه يعتصره الالم … ويعدها امام الله ان يمحوا اي حزن داخل قلبها ويعوضها عن اي عذاب او الم مرت به … حتى قبلت يد أدهم فشعر بنار حارقة ليست غيرة ولكن الم وحزن على تلك الرقيقة طيبة القلب والروح التي لم ترحمها الحياة
وصلوا امامه ليمد يده لها بعد ان ضمه أدهم بقوة وبارك له … وقبل ان يقول اي شيء قال عدنان بصدق وحب
-هوا بقت ليا البيت والسكن والأمان وانا عمري ما افكر اخسر كل ده
لتبتسم بخجل ليقول أدهم بمرح
-كويس بس ده برده ميمنعش اني أقولك لو زعلتها انا اللي هقف لك واعرفك ان ليها اخ في ظهرها
ابتستم هوا ليقول عدنان بمشاغبة
-فرحانه أنتِ كده ها
أومأت بنعم ليقول بحب
-طالما فرحانة يبقى انا كدة مبسوط
وسار بها الي مكانهم المخصص بعد ان قبلوا يد شُكران وتلقوا التهاني من فاطمة
ليعتدل أدهم في وقفته ووقف كما كان يقف عدنان وأوس حين أقترب يونس من السيارة ومد يده لابنته وعلى وجهه إبتسامة سعادة
سعادة أب يوصل أبنته التي تربت بين ذراعيه وكبرت حتى أصبحت شابة كبيرة وجائها فارسها المغوار ليأخذها الي بيته بعد ان تأكد من إنها الفتاة المناسبة له
اليوم يسلمها بيده الي من إرتضى دينه واخلاقة
كانت تنظر الي والدها بابتسامة مختلطة بين حزن وفرح … اليوم تحقق حلمها وتصبح لأدهم الي الأبد … لكنها اليوم تترك والديها وبيتها التي عاشت به طوال حياتها
وقف يونس أمام أدهم وقال والدموع تلمع داخل عينيه
-يا ابني انا النهاردة بسلمك حته مني .. بنتي الوحيدة .. روح قلبي ونبض بيتي وسبب ساعدتي … ومن النهاردة بيتي هيضلم بسب غيابها وبيتك هينور بيها … عاشرها بالمعروف … ولو كرهتها رجعهالي بالإحسان
ليمد أدهم يده يمسك يد سليمة وجذبها الي جانبه وقال بصدق يصاحبة بعض المرح
-ان شاء الله هتفضل منورة بيتي على طول … واكيد هتجيلك ديما تنور بيتك وانت كمان يا عمي هتيجي عندنا وتنورنا … اووعدك اني اصونها واحفظها واحميها واحبها العمر كله
ثم اقترب من يونس خطوة وقبل اعلى رأسه بإحترام وقال
-يا زين ما ربيت يا عمي هفضل عمري كله أشكرك على هديتك الغالية وهحافظ عليها بروحي وأرجوك تسامحني علشان بتعبها معايا بشخصياتي الكتير
ليومأ يونس بنعم ودمعه وحيدة تسيل فوق وجنته لكنها دمعة سعادة وفرح وقال بصدق
-هي بتحبك وراضية بتعبها معاك وسعادتها عندي بالدنيا وسعادتها معاك … ربنا يحميكم ويحفظكم
ليقتربوا الاثنان منه يضمانه بسعادة ثم تحركا مبتعدين ليقبلوا يد شُكران وفاطمة وجلسوا في مكانهم
عاد يونس يقف جوار فاطمة التي كانت تنظر الي ابنتها بسعادة وراحة
~~~~~~~
بعد لحظات من تلقي التهاني من المعازيم وقفوا جميعًا في ساحة الرقص كل منهم بيت يديه عروسة في رقصتهم الاولى يتهامسون بحب
لكن عدنان كان في حالة مختلفه … ينظر الي هوا بتفحص جعلها تشعر بالاضطراب وقالت يصوت متردد
-مالك يا عدنان بتبصلي كده ليه
ليقول مباشرة
-ليه بوستي ايد أدهم؟!
اهتزت مقلتيها بتوتر وامتلئت عينيها بالدموع وقالت ب أعتذار
-انا اسفة مش هعمل كده تاني
-انا سألت سؤال مش دي الإجابة بتاعته
قال بهدوء شديد وهو يضمها الي صدره أكثر لتجيبه دون ان ترفع عينيها له
-معاملته الطيبة وانه يسلمني ليك بنفسه خلتني احسه اخويا ولو كان ليا اخ او ابويا كان موجود في يوم زي ده كنت أكيد هعمل كده معاه
وضع يده اسفل ذقنها وقال بابتسامة صغيرة
-يعني أنتِ بجد حاسة ان أدهم اخوكي وشُكران جدتك مش كده؟
أومأت بنعم … لتتسع ابتسامته وهو يقول بصدق
-طمنتي قلبي إنك طلعتي بتحبيهم زي ما هما بيحبوكي وشيفاهم عيلتك زي ما هما شيفنك فرد من العيلة … بس
قطبت جبينها بقلق وقالت بصوت مرتعش
-بس ايه
ليرفع كف يدها الي فمه يقبله بحب واحترام وقال بأمر
-اوعي تعملي كده تاني وتحمي راسك علشان تبوسي ايد حد … الوحيدة اللي تعملي معاها كده هي شُكران بس
تطبع قبلة على يده القريبة منه ليبعد يده وهو ينظر لها بغضب قائلًا برفض
-هو انا كنت لسه بقول ايه؟!
لتبتسم وهي تقول بوعد
-أوعدك مش هعمل كده تاني الا لجدتي شُكران وليك
ولم تدع له فرصة يعترض حين أراحت رأسها على صدره ليضمها أكثر وكأنه يريد أن يزرعها داخل قلبه
~~~~~~~
مرت فقرات العرس بشكل مميز ورقيق ليظهر عبدالله أخيرًا والذي لم يكن موجود منذ البداية …. أقترب من زوجته وهمس لها بعض الكلمات في أذنها ف ابتسمت وأومأت بنعم … ليقبل بعدها رأس ولديه وأقترب من شُكران يهنئها وكذلك يونس وفاطمة وفي هذا الوقت وضعت طاولة كبيرة في المتتصف وجلس أدهم وأمامه أوس وبينهم المأذون وتم عقد قران أوس وظلال الذي حين أستمع أوس لأخر كلمات الشيخ غادر مقعدة وحمل ظلال ودار بها بسعادة وسط تصفيق حار وزغاريد السعادة
ليجلس عدنان بعهدها في نفس المكان ووضع يده بيد أدهم التي وكلته هوا وبدء المأذون في قول كلماته وأدهم وعدنان يرددون خلفه ومع كلماته الاخيرة ” بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكم في خير كان يحزوا حزوا أوس لكنه لم يحملها بل ضمها الي صدره بقوة وكأنه لم يكت يصدق ان تلك اللحظة ستحدث في الحقيقة
لكن في لحظة خاطفة اغلقت الانوار وحين عادت كان العرسان الثلاثة وعبداللع قد أختفوا تمامًا ولم يظهر لهم اي أثر
وبدأت الهمهمات في العلو … حتى صدحت اغنية شعبية مميزة ودلفت من بوابه القصر فرقة كبيرة تحمل الطبول والمزامير بزيهم المميز الجلباب الصعيدي
تعلقت العيون بتلك الفرقة والتجاوب مع نغماتها المميزة المصاحبة لكلمات الاغنية
اللي ابوه صعيدي مايخافش
يا خلق اهم
الصعايدة اهم حضروا
حين دخلوا الثلاث عرسان فوق ثلاث جياد سمراء اللون يتمايلون بهم بحركات متمكنة ومميزة لكن الصدمة انهم لم يكونوا ببدلهم السوداء لكنهم كانوا يرتدون الجلباب الصعيدي وفوق رؤسهم العمامة البيضاء
لتقف الفتايات يصفقون بسعادة وفرح وانبهار
وشاركهم جميع الحضور التصفيق والتهليل لهم
رقصوا
الصعيدي دايما ريس
عشان متربي كويس
مستشار محامي و دكتور طيار و ظابط و مهندس
اهل الكرم ناس رجالة
في التجارة هما عدالة
هما اللي بنوا مصر يا ابوي
ليل نهار على السقالة
و داوينا داوينا داوي داوي
سيدي عبدالرحيم يا قناوي
واحد اتنين تلاتة اربعة هع
إقترب كل عريس من عروسه ومد يده لها لتضع يدها بيد زوجها ليساعدها على الجلوس امامه وكأنهم في لقطة سنيمائية مميزة يسطرها التاريخ وسوف تظل ذكرى مميزة لذلك اليوم
عادوا الرجال الي الرقص من جديد بخيولهم واذرعتهم تحاوط زوجاتهم
السعادة التي يشعر بها الجميع لا تصفها الكلمات ف كل ما يحدث كان درب من الخيال لم تتخيل اي عروس ان يحدث هذا في عرسها بذلك الجمال والروعة
لتقترب لبنى من أذن زوجها وهمست
-هو ده اللي كنت مشغول بيه
أومأ بنعم وعينيه تحمل تلف اعتذار … لتبتسم بمشاغبة وهي تقول
-عايزة اركب خيل والا هتنام على الكنبة لمدة شهر
ليبتسم بسعادة وهو يقول
-لبنى تأمر وعبدالله ينفذ
رجولة و شهامة صعيدي
بصمة و علامة الصعيدي
و كريم و حنين يا ابويا
بيحب بذمة صعيدي
عليه ربطة عمة الصعيدي و دي تاج على راسه يا ابويا
اقترب أوس من أذن ظلال وقال
-ايه رايك في افراح الصعايدة يا زوجتي المصون
نظرت له بسعادة وقالت بحب
-احلى فرح واحلى صعيدي … واللي تخلي صعيدي يحبها يبقى
-يبقى ايه؟
سالها بحاجب مرفوع وغضب مصطنع لتقول بصدق
-يبقى يا بختها
ليضمها الي صدره بقوة وعاد الي الرقص من جديد
صعيدي ليه اصول
صعيدي و قناوي صعيدي و دول على حق
سوهاجية مية في المية طيب و الاسياطة يقولوا الحق
المنياوية غالين عليا بني سويفاية دول اهل رضا
اقترب عدنان من أذن هوا وقال
-شوفتي جوزك وهو خيال
نظرت له وقالت بهدوء وخجل
-خيال … وفارس وراجل مفيش منه
-بجد يا هوا … أنتِ شيفاني كده
سألها ببعض الرجاء والتوسل لتقول بصدق وهي تريح رأسها على صدره
-انا مش لاقية كلام أوصف بيه انا شيفاك ازاي … أنت كل دنيتي يا عدنان وعمري كله بقى ملكك .. وهعيشه بيك وليك
ليضمها بيد وباليد الأخرى شد لجام الفرس لترقص بشكل أهدى وارق وهو يزيد من ضمها لتبتسم بسعادة وهي تعيد رأسها الي كتفه من جديد
الصعيدي مهما بيعلى عمره ما ينسى اساسه
مهما ربنا يديله ما بينساش اهله و ناسه
يعرف يحلم و يحقق احلامه
و كتاب الله و ربنا قدامه
اصله اللي فيها و كمان ادفو
الاقصر جميلة و اثارها فيها
كورنيش هيسحر يا خلق يا هوه
أبتسمت حين جلست أمامه لكنها همست بخوف مصطنع
-انا بخاف يا أدهم
-واه تخافي وانتِ بين دراعتي يا حبه الجلب
أجابها بلهجة صعيدية صحيحه لتبتسم باندهاش ليقول موضحًا
-الاصل صعيدي … والأخلاق مفيش منها .. ابن ناس واقدس الحياة الزوجية وبحبك
-واهه بتجول ايه أنت … استحي واجفل خشمك
اجابته بلهجته ليضحك بصوت عالي ثم قال
-ادي الفرس وادي الخيال … والحلم مش خيال وبقيتي خليلة ايامي ومن النهاردة كلي ملكك يا سليمة بسلمك النهاردة قلبي وحياتي وعمري كله وعارف إنك هتحافظي عليه.
امسكت يده ونظرت الي عينيه وقالت
-من النهاردة حياتنا وسكتنا واحدة … أوعدك ابزل كل جهدي علشان أسعدك واعيش معاك سعيدة لاني عارفة ومتأكدة إنك كمان هتعمل كده
ليقبل جبينها بقوة وهو يقول بصدق
-أوعدك
وعاد الي الرقص من جديد وسط التصفيق والتهليل والزغاريط
القيناوية غاليين عليا اشرفها مية مية يا خلق يا اهوه
طب ما الرهاينة عيني على الرهانية اهل الرهاينة دول ناس جدعان
لو من الكوامل اه من الكوامل دي فيها فاكهة اشكال و الوان
لو من البداري يبقى انت داري باللي بيحصل و مش غفلان
اه من الغنايم اصحى يا نايم اهل الغنايم دول ناس جدعان
ظل الثلاث يتمايلون بالأحصنة يمينًا ويسارًا والجميع من حولهم يتهامسون على اولاد عائلة الخشاب الذين يتزوجوا في يوم واحد ومن اشخاص بسيطة ومن عائلات ابسط غير معروفين في وسط رجال الاعمال والمال
والاكثر هذا المشهد البديع الذي لم يتخيل اخد حدوثه
وفي هذا الوقت لم تتوقف شُكران وفاطمة عن قرأة المعوذتين حتى تحميهم من عين الحسود
لو من الهلة و ناسك هلة يبقى انت مجدع و مش خوان
اهل الزرابى و الطوابية و العادوية في كل مكان
المنياوية غالين عليا و المنيا دية عروس الصعيد
بني سويفاية دول مية مية رجالة مجدع و قلب حديد
لو من الوسطة مش عايز وسطة دولا ناس السطة و ايد في الايد يا ابوي
حين انتهت الاغنية كان يقف العرائس والعرسان على باب القصر الداخلي يحيوا الضيوف ويلوحون لهم ثم انحنوا
وصعد كل منهم الي غرفتة
تمت ولكن ….
لنصمت هنا قليلًا ف للحديث بقية وابطالنا لم يصلوا الي بر الأمان بعد
انتظروا نوفيلا “وهبت عواصف القسوة”
قريبًا