تحميل رواية «أو أشد قسوة» PDF
بقلم سارة مجدي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بخطوات ثابتة وهيبة لا يستطيع أحد أن يخطئها، يدلف إلى مقر شركته. يقف الجميع احتراماً له، ولكن هو لا يلتفت يوماً وينظر لأحد. تلاحقه العيون.. منها من يعشقه، ومنها من يراه قدوة ومثل، ومنها من يحسده ويتمنى أن يكون مكانه. لكنه لا يهتم لكل ذلك. هو يعلم جيداً بما داخل قلوبهم، ويعلم من يحبه حقاً ومن يتعامل معه بشكل عادي لكونه صاحب الشركة وهم موظفين. ويعلم أيضاً من يكره، لكنه أبداً لم يُظهر اهتماماً بأحد. دلف إلى مكتبه وخلفه السكرتيرة الخاصة به، وبين يديها دفترها الصغير. خلع الجاكيت وعلقه في مكانه، وجلس ع...
رواية أو أشد قسوة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سارة مجدي
وصل الجميع إلى بيت سليمة.. في أبهى صور كان الجميع يتزين، فاليوم يوم مميز، أن أدهم من وهب حياته لعائلته يقع أخيراً في الغرام والحب، واليوم خطبته على من سكنت قلبه، خاصة بعد اكتشافهم لمرضه، ومقابلتهم للشخصية الأخرى في الكثير من المواقف ومعرفتهم بكم المعاناة التي يعيش فيها.
شُكران ليست راضية أن تكون خطبة حفيدها الأكبر وكبير عائلة الخشاب بسيطة هكذا.. لكن سعادة أدهم الواضحة على ملامحه تجعلها تقبل وترضى، ويرفرف قلبها من كثرة السعادة، خاصة وهي تشعر أنه يدبر لشيء ما، فهذه هي المرة الأولى الذي تسير خلفه سيارات حراسة، ست سيارات بمراكات عالمية، إحداهن مزينة بشرائط ملونة وزهور بيضاء رقيقة.. تصطف أسفل بيت سليمة المزين الآن بزينات الأفراح والإضاءات المختلفة، بعد أن ملئوا عنان السماء بأصوات البوق دليل على وصول العريس.. وصوت الزغاريط الذي يصدر من شرفات البيوت المجاورة لتزيد الأمر بهجة وسعادة.
وقف الحج يونس على باب البيت يرحب بهم ويستقبلهم بابتسامة بشوشة، وجواره بعض رجال عائلته.. حين دخلو جميعاً وجدوا صالة البيت قد خلت تماماً من أثاث البيت.. وأصبح هناك عدة طاولات صغيرة فوقها مفرش أبيض وعليه باقة صغيرة من الزهور.. وحول كل طاولة أربع كراسي مزينين بالساتان الأبيض.. وفي إحدى الجوانب وضع كرسيان مختلفان في الشكل للعروسين، والحائط من خلفهم مزين بالأزهار والشرائط الملونة.. كان أدهم يشعر بالسعادة وهو يرى كل هذا، وزاد هذا من سعادة شُكران، التي ربتت على كتف حفيدها وهي تقول برضى:
"مبارك يا حبيبي."
لينحني يقبل يدها باحترام وحب وهو يرد على مباركتها بامتنان.. اقترب عبدالله يناغش أدهم قائلاً:
"طبعاً كل ده بالنسبة ليك فلكلور يا ابن الأكابر."
لينظر له أدهم بغضب مصطنع ليقول عدنان ببشاشة:
"أحلى فلكلور والله.. مافيش أحلى من البساطة.. وبصراحة ما شاء الله البيت بقى ولا أجمل قاعة أفراح."
يومأ أدهم بنعم وهو يقول موضحاً:
"أنا مش فارق معايا الخطوبة هنا ولا في أفخر أوتيلات البلد.. اللي يهمني سليمة وأنها النهاردة تكون سعيدة وفرحانة وراضية."
ليطلق عدنان صفيرًا بصوت عالٍ وهو يقول بمرح:
"البوب وقع ولا حد سمع عليه.. صحيح الحب بهدلة."
كانت لبنى تتابع كل ما يحدث بانبهار وعدم تصديق.. إذا كانت تعتقد إنها تعرف زوجها جيداً فاليوم تكتشف به أحد الجوانب التي لم تراها سابقاً.
كانت ظلال ترتسم على وجهها ابتسامة رقيقة سعيدة ويدها بيد خطيبها.. تنظر لكل ما حولها بعيون مختلفة.. أن البساطة أحياناً تكون خاطفة للعيون ومريحة للقلب دون تكلف ومبالغة.. لكن مراد كان متحفظ بعض الشيء.. يشعر بالخوف من أن يتعرف أحد عليه.. فلا يعلم لماذا يشعر بهذا القلق إذا كان رجل الصناعة ابن الخشاب الابتسامة والثقة لا تفارقه.. وهو من خطب من هذا الحي الشعبي البسيط.. وغداً سيكون هذا الخبر بالبنط العريض في كل الجرائد والمجلات.
خرجت فاطمة من إحدى الغرف ترتدي فستاناً من الأزرق الغامق.. يزينه بعض الفصوص الفضية وحجاب فضي مميز يزين وجهها.. ترحب بهم ببشاشة وسعادة.. وأقتربت من شُكران تقبلها وتأخذ بيدها حتى تجلسها على أريكة صغيرة قريبة من الطاولة التي يجلس عليها كل من عدنان وظلال ومراد.
وحين جلست قالت لها فاطمة بحب:
"أنا جبتلك الكرسي ده مخصوص علشان تقعدي عليه براحتك وميتعبش ظهرك ورجلك."
لتربت شُكران على يد فاطمة بمحبة وقالت بصدق:
"كلك ذوق يا أم سليمة.. ألف مبارك علينا نسبكم."
بسعادة بالغة قبلت فاطمة كتف شُكران غير قادرة عن التعبير عن سعادتها بتلك الجملة.
يتابع أدهم ما يحدث وهو يشعر بالسعادة حقاً.. سليمة بقلبها الكبير وصدقها ملكت قلبه.. وعائلتها بأصلهم الطيب وطيبة قلبهم ملكوا قلوب عائلته.. هو لا يريد أكثر من هذا.. عائلة حقيقية تحاوطه بحب صادق ونابع من القلب.
جلس عبدالله ولبنى وأولادهم على الطاولة المجاورة لطاولة عدنان يداعب وجنة ابنته بمشاغبة.. ويهمس لابنه أن يستعد للرقص والاحتفال.. ويغمز لزوجته بمرح ويهمس بجوار أذنها بشيء لتنظر له بلوم مع ابتسامة خجل.. وبعد قليل حضر بعض من أفراد عائلة سليمة.. وتم التعارف بينهم وبين العريس وأهله. كانت الأجواء يملؤها الصدق والحب الصادق فقط دون مبالغة أو تكلف.. أو مجاملات ومصالح.
بعد قليل أخذ أدهم الحاج يونس جانبًا وقال بطريقة مباشرة:
"أنا عايز أكتب الكتاب يا حج يونس."
لترتسم الدهشة والصدمة على ملامح الحج يونس ليكمل أدهم كلماته موضحاً:
"بصراحة كده أنا بحب سليمة ومش هقدر أبعد عنها.. وبكل صراحة عايز أطمن إنها بقت مراتي.. وأصلاً إحنا مش هنطول في فترة الخطوبة.. أنا بدأت أجهز الدور الثاني في القصر علشان يكون خاص بيا أنا وسليمة.. وهيكون جاهز إن شاء الله خلال ثلاث شهور بالكثير.. فعلشان نكون على حريتنا أنا وهي ونقدر نشتري الحاجات ونتحرك براحتنا وهي تقدر تعمل كل اللي نفسها فيه في الجناح.. وحضرتك تكون مطمئن."
ظل الحج يونس صامتاً لعدة لحظات ثم قال:
"يا ابني الناس كلها عارفة أن دي خطوبة بس.. وكتب الكتاب يعني إشهار."
ليبتسم أدهم بشقاوة وهو يقول مقاطعاً لكلمات الحج يونس:
"يعني هي دي حجة حضرتك ومفيش اعتراض تاني؟ خلال عشر دقايق المأذون هيكون موجود وميكروفون متركب على الشباك علشان الإشهار وكتب الكتاب هيكون على عينك يا تاجر."
وتركه واقفاً في مكانه وخرج وهو يضع الهاتف على أذنه قائلاً:
"يلا دلوقتى."
وخلال ربع ساعة كان المأذون يجلس في صالة بيت سليمة.. التي تنظر الآن لوالدها بصدمة وهو يخبرها بقرار أدهم المفاجئ.. تشعر بالسعادة.. الصدمة.. الخوف.. لكنها تبتسم كالبلهاء.. ليضمها والدها بحب وهو يقول:
"مبارك يا حبيبتي.. مبارك.. أدهم بيحبك بجد.. حبه باين في عينيه.. وده مطمني عليك."
تومأ بنعم وهي تخبئ وجهها في صدر والدها الذي يضمها بقوة حانية.. فصغيرته.. وحيدته سوف تتزوج.. كبرت وسوف تغادر بيته لتسكن بيت شخص آخر يأخذها بكلمة الله.. لتنير بيته وحياته.. وبعدها يكون هناك الكثير من النسخ المصغرة منها.
وخلال لحظات كان قد تم عقد القران وعلى صوت المأذون الذي يصل للقاصي والداني في الحي وهو يقول "بارك الله لهما وبارك عليهما وجمع بينها في خير".
لتنهال المباركات على الثنائي المميز.. وصوت الزغاريط الذي يدل على السعادة والفرح ليس داخل البيت فقط ولكن على طول الشارع.. فالجميع يحب الحج يونس وفاطمة ويعتبرون سليمة ابنتهم.. وزادت البهجة حين بدأ رجال أدهم الذين يقفون أسفل البيت يوزعون العصائر على المارة بسعادة وابتهاج.
وفي وسط كل هذا كانت نظرات سليمة الخجلة تعانق نظرات أدهم السعيدة.. حين كان يردد الكلمات خلف المأذون كان قلبه يرفرف بسعادة.. ها هي سوف تصبح زوجته.. لحظات لحظات فقط وأنتهت كلمات المأذون وأعلنهم زوجين أمام الله والناس.. ليركض إليها يضمها إلى صدره بقوة.. يمرغ وجهه بين طيات حجابها يريد أن يشعر بكل بها بكل كيانه.. لكن ارتفاع صوت الأغاني وبدء عدنان وعبدالله في الرقص بسعادة جعله يبتعد عنها رغمًا عنه.. لكنه لم يبتعد بل ظل ممسك بيدها بين يديه وهم يستقبلون التهاني.. يقف عدنان أمام عبدالله يتمايل بحركات راقصة شبابية مميزة.. فكانت لبنى لأول مرة ترى زوجها في هذه الحالة.. وبدأ إياد يقلد والده في الحركات.. حتى أن مراد تحمس ووقف يحاول تقليد بعض الحركات وسط الشباب الذي يشارك عدنان وعبدالله الرقص.
كل هذا لم يكن يلفت انتباه أدهم رغم أنه يتابعهم بعينيه.. فعقله وروحه منذ اللحظة الأولى كانت مع من ملكت روحه وأصبحت زوجته.. لم تستطع عينه المقاومة أكثر.. فنظر لها أصبح لا يرى سواها.. برقتها التي تخطف نبضات قلبه دون مجهود.. بفستانها الذهبي الباهت.. الذي يظهر رقتها وصغر حجمها.. ويجعلها لا تبدو أكثر من أميرة غادرت كتاب الحواديت الآن.. كانت تشعر بالخجل من تأمله لها.. ويده التي تمسك يدها وكأنه يخشى أن تختفي أو تتركه وترحل.. لكن السؤال الذي يشغل عقلها تريد أن تفهم السبب.. رفعت عينيها إليه وقالت بخجل:
"ليه؟"
ليقطب جبينه رغم الابتسامة العريضة التي تزين شفتيه.. هو يفهم سؤالها غير المنطوق.. فأجابها بهدوء:
"علشان مسمحلكيش تبعدي عني.. أنا واحد مريض عندي شخصية تانية مشاغبة ومتعبة.. وخايف تغيري رأيك وتفسخي الخطوبة.. لكن لو السما انطبقت على الأرض ولو مهما ثامر عمل ملكيش مهرب مني.. انتِ كل حياتي ولو سبتيني هموت."
لتضحك بسعادة وهي تنظر له بخجل وحب.. حب كبير تتمنى أن يشعر به ويراه.. كان الحفل مميز ويخطف القلوب من رقته وجماله.. والبساطة جعلت كل شيء مميز والجميع سعيد.. حتى حين أخرجت شُكران العلبة المخملية التي تضم شبكة سليمة.. كانت حقاً رقيقة ومميزة.. أسوارة من السوليتير وخاتم نفس الشكل والحلق أيضاً.. وسلسال صغير نهايته قلب ماسي لامع يخطف الأنظار.. والدبلة من الذهب الأبيض مزينة ببعض الفصوص من الألماظ الحر.. شبكة تليق بابن عائلة الخشاب.. ورقيقة كالعروس.
بعد أن أغلق السلسال حول عنقها وضع الأسوارة في معصمها والبسها خاتمها والحلقة الذهبية.. وانحنى يقبل يدها بحب وهو يقول:
"مبروك عليا إنكِ بقيتي مراتي.. مبروك عليا وجودك في حياتي.. مبارك عليا أنتِ يا سليمة."
الخجل جعلها لا تستطيع الرد على كلماته التي لمست قلبها.. وجعلت روحها تسبح بين تيارات الحب المنعشة بحرية وانطلاق.
وبيد مرتعشة ألبسته خاتمه ليعود ويقبل يدها من جديد.. وبمشاغبة من عدنان وقفا الاثنان في منتصف الصالة في رقصة تجمع العروسين وحولهم كل من يحبهم بصدق يدورون ويصفقون.. والحج يونس يقف في أحد الأركان تتجمع دموع السعادة في عينيه.. وفاطمة لا يتوقف لسانها عن الدعاء لله أن يحمي ابنتها وزوجها من العين والحسد.
توقف الزمن في تلك اللحظة التي وجدها ممدة أرضاً تصرخ بصوت عالٍ.. هل سيتحول الحفل الذي أراد فيه إسعادها لحزن وألم؟ هل مازال هناك ألم جديد وحساب عليهم دفعه؟
كانت حنان تقف في أحد أركان الغرفة تنظر لجسد زيزي الممد أرضاً تستمع لصوت صرخاتها وعلى وجهها ابتسامة مرتعشة.. ونظراتها بين الانتصار والخوف خاصة والأصوات البعيدة تأتي إليها كأنها حلم.. من يصرخ طلباً للإسعاف.. وهناك من يطلب الشرطة.. لمن الشرطة؟ لها هي.. لماذا؟ ماذا فعلت؟ هي فقط كانت تأخذ حقها ممن أخذت كل شيء لنفسها.. الجمال.. الأدب.. حب الناس.. وقلب بيبرس.. منذ سنوات وسنوات كان بيبرس هو حلمها الكبير.. لكن بسبب عمله والدها كان دائماً يتحدث عنه أنه فاسد ولن يجد من يقبل بأن يزوجه ابنته.. فهمت أنه لن يكون لها يوماً.. فوالدها لن يقبل به.. لذلك قبلت بذلك العريس الذي تقدم لها.. لكن أن يصبح بيبرس لزيزي.. أن يحبها.. أن يعطيها ما كان من حقها.. قلبه.. هي لن تقبل أبداً.. هو لها فقط.. والآن سوف يبتعد عن زيزي.. لقد شوهتها ولم تعد جميلة.. الآن سيتركها.. لتضحك بصوت عالٍ جعل الجميع ينظر إليها باندهاش وصدمة واحتقار.. رافضين ما قامت به.
وبعالم آخر كان هو جاثياً بجانبها لكنه بوادٍ آخر.. هل هذا هو عقاب الله له؟ أن يحرمه منها ويخسر كل شيء.. لماذا؟ هل هذا العقاب الذي يستحقه بعد توبته؟ مؤكد لا.. إن الله رحمن رحيم قابل التوبة.. غفور ومؤكد يعلم صدق توبته.. لكن لماذا الآن.. لماذا؟
صوت بعض الناس من حوله يحاولون إبعاده عن جسدها حتى يقوم رجال الإسعاف بعملهم.. لكنه كان في قاع بئر سحيق يبتلعه لا يستطيع أن يرى النور أو يجد مخرجاً له.. وبقوة أبعده أحد الرجال.. ليقترب رجال الإسعاف يحملون جسد زيزي على السرير النقال.. وبدأ أحدهم في عمل الإسعافات الأولية لها.. وبدأوا في حملها وغادروا سريعاً.. لينتبه بيبرس لابتعادها.. ليركض خلفهم.. ورغم ضخامة جسده إلا أنه حشر نفسه داخل السيارة ينظر إليها وهي فاقدة للوعي.. وطبيب الإسعاف يكمل عمل الإسعافات الأولية.
كان الحديث دائراً بين رجلي الإسعاف أن الحالة ليست خطيرة.. لكن هو كان بعالم آخر.. ينظر لفستانها الأبيض التي أكله الأسيد.. ويتخيل شكل جسدها وما حدث به بسبب تلك المادة الحارقة.
دموع عينيه تسيل فوق وجنته.. ولسانه لا يتوقف عن الدعاء.. بحياته وبطول سنينها لم يقم بفعل مشابه.. لم يذكر الله ويرجوه شفاء شخص.. أو أن يترفق بقلبه ويرحمه من هذا الألم الحاد.. لكنه ظل يقول بكلمات غير مرتبة "أحميها يارب.. اشفيها يارب.. لو ده عقاب ليا أنا هي ملهاش ذنب.. أنا الشيطان اللي يستاهل ينطرد من جنتك ونعيمك.. لكن هي بريئة طاهرة.. نظيفة يارب.. أنا اللي كنت عايز أوسخها.. لو ده كله علشان قربي منها أبعد بس هي تكون بخير يارب.. يارب.. يارب".
وظل يردد كلمة يارب طوال الطريق.. يارب كلمة توسل لخالقه يتقرب بها إلى الله لعله يرحمه ويرحمها.. كلمة تحمل كل ما بداخل قلبه ولا يعرفه ويشعر به إلا الله.. هو موقن أن الله رحيم غفور.. لكن كبر ذنبه.. بعده عن الله طوال حياته يجعله يشعر بالخوف.. خائف من غضب الله.. خائف من عقابه.. موقن برحمته.. يرجو غفرانه.
وصلوا المستشفى أخيراً ومباشرة دخلوا بها إلى غرفة الطوارئ وأغلق الباب في وجهه حتى أنه لم يعرف أنهم أخذوها إلى غرفة العمليات.. لم تعد قدماه تحملانه ليجثو على ركبتيه أمام الباب ينظر إليه بضياع وتشتت.. رفع يده ووضعها على الباب وهو يقول:
"يارب تبقي بخير يا ست البنات.. يارب تبقي بخير يا ست زيزي."
وأحنى رأسه يبكي بقهر وقله حيلة.
بعد مرور أكثر من ساعة كان يجلس هو أرضاً بجوار باب الغرفة التي تضمها ولا يعرف عنها شيء.. حين لمح الطبيب يقترب منه وقف سريعاً ينظر إليه بصمت ورجاء.. لا يسعفه صوته الذي حشر في حنجرته على النطق والسؤال عن حالها.. ليشفق الطبيب على حاله وقال مباشرة:
"الحمد لله الحالة كويسة.. الأسيد اللي اترمي عليها من نوع ردي جداً.. ف على ما حرق طبقات الفستان والملابس اللي تحته.. تأثيره على الجلد كان ضعيف ده غير أنه نوعه سيء فمفعوله أقل."
ليفتح بيبرس فمه وبشق الأنفس نطق سؤاله:
"يعني إيه؟ مش فاهملي."
ليقول الطبيب ببعض التوضيح:
"المنطقة اللي اتشوّهت هي منطقة الكتف من فوق وجزء صغير من الذراع.. والتشوه مش كبير.. أنا هكتبلها مجموعة مراهم لازم تواظب على استخدامهم وان شاء الله هتكون بخير.. وبعدين عمليات التجميل دلوقتي تقدر تشيل كل ده ببساطة وترجع أحسن من الأول.. بس أكيد مش دلوقتي خالص."
"يعني هي كويسة.. وشها؟"
سأله بيبرس بعدم فهم وإدراك.. فصدمته حين رآها ممدة أرضاً فستانها قد احترق.. وصوت صراخها الذي مازال داخل أذنيه ويدها التي تغطي وجهها يجعله في حاله عدم توازن.. ليقول الطبيب بصبر:
"وشها كويس.. الأسيد وقع على كتفها بس.. ألف حمد الله على سلامتها."
وتركه وغادر.. ليجد نفسه وبدون لحظة تفكير يسجد لله شكراً.. وكل المارة ينظرون له باندهاش.. لكنه لم يهتم ولم يكن مدركاً لأي شيء.. ظل يبكي لبضع لحظات يحاول تمالك نفسه قبل أن يدخل لها.. وبعد بضع لحظات توجه إلى غرفتها.. فتح بابها ودخل بهدوء.. الموقف مشابه لموقف حدث منذ فترة.. حين أجرت جراحة الزائدة الدودية.. دخل إلى الغرفة وكانت أيضاً تنظر في اتجاه النافذة.. تنظر إلى السماء عبرها ومؤكد تبكي.. لكن في ذلك اليوم ظلت صامتة.. اليوم فاجئته وهي تقول قبل أن تراه:
"أنا فهمت الرسالة.. وقابلة عقاب ربنا."
لم يفهم مقصدها من الحديث.. لكن ألمه قلبه وهو يظنها تقصد به هو بذلك العقاب.. وقبل أن يقول أي شيء صدمته وهي تكمل:
"الجسم ده اللي ربنا أمرني إنه مينكشفش على حد أنا كشفته وعريته لأي حد.. وكنت مبسوطة بنظرات الإعجاب والرغبة والشهوة اللي كانت جوة عيونهم.. كنت بحس بيها كده إني نجحت.. خصوصاً وهما بيدفعوا ثمن نظرتهم لجسمي بالنقطة اللي كانت بتترمي عليا.. فربنا شوهه.. قالي أهو الجسم اللي كنتي فرحانة بيه في لحظة بقى حتة لحمة محروقة وكل اللي هيشوفها هيشمئز منها.. قالي شوفي نار الدنيا بتوجع إزاي ما بالك بقى بناري في الآخرة."
مع آخر كلماتها كان يجلس جوارها على السرير ينظر لتلك الضماضة الكبيرة التي تغطي كتفها بالكامل وجزء من ذراعها وقال بصوت مختنق:
"وأنا اللي كنت السبب إنكِ تكشفي جسمك ده للناس.. يا ترى عقابي هيكون إيه؟"
نظرت له بانتباه لكلماته وظهر التفكير على ملامحها.. لكنها ابتسمت ابتسامة صغيرة وهي تقول:
"بسم الله الرحمن الرحيم "وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ ۚ وَإِن تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَىٰ حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۗ إِنَّمَا تُنذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُم بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ ۚ وَمَن تَزَكَّىٰ فَإِنَّمَا يَتَزَكَّىٰ لِنَفْسِهِ ۚ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (18)" صدق الله العظيم".. محدش هيتحاسب عن ذنوب حد.. أنت أذنبت لما ساعدتني أشتغل هناك.. لكن مأجبرتنيش.. أنا اللي طلبت منك واترجيتك.. أنا شايلة وزري وانت شايل وزرك.. ولازم نتوب عنه ونستغفر.. والله غفور رحيم."
انحنى يقبل ظهر يدها المستريحة فوق السرير وقال بسعادة حقيقية:
"حمد الله على السلامة يا ست البنات."
على صوت ضحكتها انتبه من أفكاره لتقترب منه وهي تقول:
"افتكرت اللي حنان عملته فيا يوم كتب كتابنا."
يومئ بنعم.. لتضع يدها فوق كتفها المشوهه وقالت بصدق:
"رغم إني مش قادرة أسامحها.. لكن كمان من كل قلبي بشكرها.. الحرق ده بيفكرني بذنبي كل شوية وبيخليني ديما أفتكر ذنبي القديم وأرجع أتوب عنه وأستغفر.. ويثبت رجلي على طريق الحق طريق ربنا."
وضع يده فوق يدها وقال من الآيات التي بدأ يحفظها:
"بسم الله الرحمن الرحيم "وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ ۖ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَٰذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ۖ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ ۖ وَنُودُوا أَن تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ (43)" ربنا يثبتنا يا زيزي."
"يارب يا قلبي زيزي."
واقتربت منه أكثر وهي تقول بدلال:
"فاكر أنت عملت إيه بعد ما خرجت من المستشفى."
ليضحك بخجل رجولي وهو يومئ بنعم.
ليعودوا معاً لذكرى ذلك اليوم وما حدث لهم بعده.
بعد يومان من الحادث كان الطبيب قد طمئن بيبرس على حالة زيزي.. وبإصرار منه قرر هو خروجها.. ف يوم الحادث اتصل برجال الحي وطلب منهم أن يتركوا كل شيء كما هو ويكملوا ما بقى من عمل.. فعرسهم سيقام خلال يومين.. وقد كان.. أخذها من المستشفى إلى إحدى صالونات التجميل.. وهناك وجدت كل شيء مجهز ومعد لها.. وبرفق كان الجميع يتعامل معها وكأنها دمية مدللة.. وكل هذا بسبب الجرح الموجود في كتفها.. كانت سعيدة بكل ما يحدث معها من اهتمام ورعاية ودلال.. فهناك من تهتم ببشرة وجهها وفتاتان كل تمسك يد وتقوم بالكثير من الأشياء بها.. وكذلك قدميها.. فتوصيات بيبرس التي يقوم بها الجميع بكل طاعة والتزام هي أن تكون ملكة متوجة.
وبعد عدة ساعات كان ينتظرها بالخارج بأسطول من السيارات السوداء المزينة.. وقف أمام باب صالون التجميل بهيئته التي تخطف الأنفاس بحلته السوداء وأسفلها قميص أسود أزراره الأولى محلولة فزادت هيئته خشونة وفوضوية محببة لعينها التي تتأمله الآن بحب كبير.. وكان هو الآخر يتأملها بعيون العاشق بفستانها الذي يحدد جسدها برقة ونعومة.. ومن أسفل صدرها ينحدر باتساع بسيط حتى الأرض.. وطرحتها فوق رأسها تنافس بياضها سواد خصلاتها الناعمة وتمتد خلفها على الأرض.. مد يده لها فوضعت يدها الصغيرة في حضن يديه ونزلت درجات السلم بهدوء.. وحين وصلت إلى الدرجة الأخيرة اقترب منها يقبل جبينها بحب والعيون تقول الكثير من الكلام لكن الألسن لم تنطق بحرف.. لكن القلوب شعرت.. نزلت الدرج الأخير لتصدم من عدد السيارات التي تقف أمام صالون التجميل.. مزينة جميعها ببعض الورود.. لكن السيارة الخاصة بهم بها الكثير من الورود بيت الأبيض والأحمر وباقة كبيرة على مقدمة السيارة من نفس الألوان.. وباقة مشابهة على مؤخرة السيارة.. وكل سيارة يقف بجوارها رجل ضخم الجثة وبعض أهل الحي.. شباب وفتيات وبعض من الرجال أصدقاء والدها وزوجاتهم في تقليد في تلك الأماكن الشعبية أن يحضر الكثير من الناس لإحضار العروس من صالون التجميل.. وبعد أن ساروا خطوتين فقط.. ظهرت من العدم فرقة موسيقية تعزف النغمات والأغاني الشعبية المعروفة.. وبدأت تلك الكتل العضلية وبعض الشباب في الرقص بحركات مميزة أمامهم.. لينظر لها بيبرس بابتسامة صغيرة وهمس بجوار أذنها بشيء ما لتبتسم بخجل وعيونها تخبره كم هي سعيدة.. مرتاحة.
بالقليل من الوقت كانوا داخل السيارات متجهين إلى حيهم.. وهناك كان في انتظارهم فرقة أخرى تسير أمام سيارتهم.. تجعل حركة السيارة بطيئة وعلى الصفين أهل الحارة يباركون ويطلقون الزغاريط.. لكم ما لم تكن تتوقعه أن تترجل من السيارة لتجد والدها أمامها.. يجلس على كرسي متحرك ويرتدي حلة سوداء مميزة.. ينظر لها بابتسامة سعيدة ودموع السعادة تتلألأ داخل عينيه.. لتقترب منه سريعاً تضمه بسعادة وعدم تصديق.. اليوم فرحتها اكتملت.. اليوم عرسها ووالدها معها بجوارها يفرح بها.. ومعها.
وبعد لحظات كثيرة ظلت هي جاثية فيها أمام كرسي والدها.. قال أحد رجال الحي:
"حنان اتقبض عليها.. واعترفت إنها كانت عايزة تشوهك وأبوها وأمها سابوا الحارة ومشوا."
ارتسم الحزن على ملامحها لبضع لحظات.. لكنه لن يسمح بهذا.. اليوم لها.. لن يقبل أن يرتسم الحزن بهذا الشكل في عينيها وأن تختفي ابتسامته.. ليقترب منها وقال بأمر:
"اللي حصل خلاص عدى وخلص والنهاردة ليلتك.. ليلتنا يا زيزي.. مفيش النهاردة غير فرح وسعادة وبس.. ولا إيه رأيك يا ست البنات؟"
أومأت بنعم وهي تقف على قدميها جواره.. ليدفع هو كرسي الأستاذ حليم حتى وصلوا إلى الطاولة الكبيرة المزينة بالساتان الأبيض والزهور الحمراء.. الموجودة في منتصف الشادر.. ويجلس في منتصفها المأذون.
وبعد لحظات قال المأذون وأهل الحي تردد من خلفه "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكم في خير".
ليضمها إلى صدره وهو يهمس بجوار أذنها:
"الحمد لله.. الحمد لله.. وعد قدام ربنا أصونك وأحميكي وأشيلك فوق راسي."
لتنحدر دمعة واحدة من عينيها.. دمعة فرح وسعادة.. أين كانت؟ وأين أصبحت؟ وكل شيء بقدر.
ابتعد عنها لتقترب هي من والدها تقبل يديه وجبينه.. وفعل بيبرس بالمثل.. لتبدأ فقرات الحفل التي لم تنته إلا قبل أذان الفجر بنصف ساعة فقط.. ليعيد الأستاذ حليم إلى البيت.. وحمله وصعد بها إلى بيتهم كتقليد لبدء حياتهم الجديدة معاً وأن يحملها طوال حياته.. وبعد لحظات نزل من جديد ليصلي الفجر جماعة في المسجد ويعود سريعاً لعروسه.. وسط اندهاش وتعجب أهل الحي جميعاً من هذا التغير الكبير الذي حدث له.. رغم خوفهم منه ونظراته التي تجعل الرعب يسكن قلب أكبر الرجال.. لكن ما يحدث حقاً معجزة بكل ما للكلمة من معنى.
حين صعد إليها كانت قد بدلت لوالدها ملابسه وأطعمته وأخذ دوائه ونام.. وجلست هي تنتظره حتى يعود بفستانها.. لو سألها أحدهم ما أكثر شيء قد لمس قلبك وأسعدك في هذا اليوم المميز الجميل.. ل قالت تركه لها وذهابه لصلاة الفجر في المسجد.. إنها تنتظره الآن حتى تصلي الفجر خلفه.. وليصليه هو مرة أخرى.. لحظات وكان يملأ فراغ الغرفة بجسده الضخم لتقول هي سريعاً:
"عايزة أصلي وراك."
ظهر التوتر على ملامحه.. لكنها قالت له برفق:
"عايزين نتفق من النهاردة.. إن أي صلاة وانت موجود في البيت هنصليها سوا.. ماشي."
ابتسم لها وقبل جبينها وهو يقول بسعادة:
"ماشي."
ورغم توتره وقلقه.. ف هذه المرة الأولى التي يكون فيها إمام.. لكن هي كانت في قمة سعادتها.. وهي الآن تقف بين يدي الله خلف زوجها وحبيب عمرها الذي عاد إلى الله أخيراً.. وكانت هي أحد الأسباب.
بعد شهر.. يجلس معها على طاولة الطعام.. الهم.. يرسم على ملامحه.. لا أحد يقبل به ويريده في أي وظيفة.. هو لم يحصل على تعليم ولا يستطيع القراءة والكتابة.. وضعت أمامه الطعام وجلست جواره وهي تقول باستفهام:
"مالك بس يا بيبرس.. طول بالك.. طريق الحلال صعب صحيح.. لكن إن شاء الله جبر ربنا ليك ملوش حدود."
تنهد بتثاقل وقال بهدوء رغم كل شيء:
"عارف يا زيزي.. لكن مش هينفع نفضل عايشين كده من معاش أبوكي وبس.. بعد ما تبرعنا بكل الفلوس اللي أخدتها من الجوكر."
"أكيد مش هناكل بفلوس حرام واحنا بندور على رضا ربنا يا بيبرس."
قالت موضحة ومؤكدة على كل حرف.. ليضع يده الحرة فوق يدها التي تمسك بها يده الأخرى.. وقال بصدق وإيمان:
"عارف وفاهم ومنقشتش في الموضوع.. أول ما فتحتيه معايا ونفذت فوراً.. بس أنا بفكر معاكي بصوت عالي."
ظلت صامتة لبضع لحظات بعد أن انحنت تقبل يده بحب ودعم.. لتلمع عينيها بفكرة.. ابتسمت وهي تقول:
"أنا لقيت الحل."
نظر لها باهتمام لتقول هي بحماس:
"إحنا نبيع البيت ده.. وبيتك.. وبالفلوس نشتري شقة حلوة.. ونفتح مطعم أو كوفي شوب.. أنا أكون مسؤولة عن المطبخ.. وأنت الإدارة وشغل الصالة.. إيه رأيك؟"
لمعت عينيه بإعجاب شديد ورفع ذراعه يحاوط كتفها وهو يقول بإعجاب:
"فكرة تجنن وهنفذ من دلوقتي."
وغادر طاولة الطعام سريعاً لتقول له بلهفة:
"طيب أقعد كل الأول."
"بعدين يا زيزي.. بعدين.. لازم أكلم عامر السمسار علشان ننجز في التنفيذ البيع والشرا."
وخلال شهر كانوا قد افتتحوا المحل الجديد في نفس البناية التي يقطنون فيها.. مطعم وكوفي شوب "ست البنات".. فأصبح الأمر سهل على زيزي مراعاة والدها ومساعدة زوجها.
وضعت يدها على وجنته لتجعله ينتبه لها من أفكاره.. ينظر لها بعشق لتقول له بلؤم:
"بطل ذكريات وأطلع شوف الزباين.. عندنا شغل يا بيه."
ليبتسم وهو يقول بخضوع كما تقول لها الفتيات:
"أوامرك يا ريسة."
وتحرك يضع الأطباق والأكواب على الحامل وغادر المطبخ.. في نفس الوقت التي دلف عاملان آخران يحملان الصحون والأكواب الفارغة ويعاودوا الخروج ومعهم صحون وأكواب مملوءة بالطعام والشراب.
وفي هدوء الليل وعلى درجات السلم الخلفي للبناية التي يقطن بها.. كان ينزل درجات السلم بسرعة.. ليس خوفاً فقط من أن يراه أحد.. أيضاً لكونه يخشى المرتفعات ويشعر بالاختناق وهو ينظر لدرجات السلم صعوداً وهبوطاً.. وهو معروف بين جيرانه أنه لا يغادر بيته ليلاً إلا للضرورة القصوى.. لكن أن يغادر مرتان في الأسبوع وبهذه الطريقة لشيء مريب وسيفتح عليه وابل من الأسئلة.
وقف عند الباب الحديدي الصدئ ينظر في كل الاتجاهات يتأكد من خلو الشارع.. وبخطوات واسعة قطع المسافة بين البوابة والسيارة.. وبحركة سريعة كان يجلس داخل سيارة الأجرة التي تنتظره هنا في نفس المكان كل مرة.. ليتنفس الصعداء والسيارة تغادر الشارع وتخرج للطريق العام.. وحين وصلت السيارة إلى وجهتها.. وبالتحديد عند ذلك الشارع المظلم.. ترجل من السيارة بعد أن تأكد من خلو الشارع.. وبخطوات سريعة غادر السيارة ودلف إلى البناية المقصودة.. ومباشرة لتلك الشقة المفتوحة من أجل استقباله.. وفوق بابها لوحة معدنية كتب عليها "العيادة النفسية".. وأسفل تلك الكلمة اسم الطبيب "د. أكرم".
يقود سيارته يريد أن يختلي بنفسه.. يرثي حالة ووحدته الأبدية.. فبعد أن احتفل بخطبة أدهم وتم كل شيء على أكمل وجه وتكفل مراد بتوصيل جدته وظلال إلى القصر.. قرر هو أن يذهب إلى أي مكان خالٍ تماماً من البشر.
أغلق النوافذ وشغل مكيف السيارة.. ووضع بعض الموسيقى الصاخبة علها تغطي على صخب قلبه وعقله.. ورغم كل هذا لم يكن يقود السيارة بسرعة كبيرة.. لقد تعلم من الحادث الماضي الدرس جيداً ومؤكد لن يعيده مرة أخرى.. فلا يلدغ المؤمن من جحر مرتين.. كان يدندن مع الأغنية وبأصابعه فوق المقود يعزف الألحان.. يحاول أن يعيش لحظته الخاصة.. يتقبل القدر الذي مازال يصفعه.. مازال يخبره وبأقسى الطرق أنه مذنب وعليه التكفير عن ذلك الذنب.. لكن أمله.. وكما قال له أدهم يوماً "على الأقل هترجع لربنا نظيف يا عدنان".. فليتعذب إذاً في الدنيا ولا مشكلة لديه.. وليذهب إلى الله نظيف.. وهذه الأمنية أقصى ما يتمنى.
انعطف يميناً لكنه ضغط على المكابح بكل قوته حين ظهر شبح أسود يركض أمامه.. ظهر من العدم.
وبصعوبة كبيرة أوقف السيارة وظل يحدق أمامه بصدمة.. ثم ترجل منها بلهفة وقلق.. ليجد جسداً مكموماً أسفل السيارة.. جثا على إحدى ركبتيه لتظهر ملامح ذلك الشبح على ضوء السيارة.. إنها فتاة لا يستطيع معرفة سنها أو شكلها.. فالمكان مظلم وضوء السيارة مع وضعيتها أرضاً لا تسمح له بذلك.. ليقول بقلق:
"أنتِ كويسة؟ بتعملي إيه هنا؟ ظهرتيلي منين؟"
كانت تنظر إليه والدموع تغرق وجهها ولا تجيب على أي سؤال.. لكنها تضم جسدها بقوة.. ليقول بخوف حقيقي:
"فيه حاجة بتوجع؟ قومي طيب أوديكي المستشفى."
لتخفض عيونها قليلاً ثم قالت بصوت مختنق بسبب بكائها:
"أنت مخبطنيش.. أنا كويسة."
ظل ينظر إليها وإلى جلستها أرضاً.. والدموع التي تغرق وجهها.. ليقول باستفهام:
"طيب بتعيطي ليه؟ خوفتي؟"
هزت رأسها بلا.. وعلى صوت بكائها وذلك جعله يشعر بقلق.. ليقول من جديد:
"طيب مالك؟"
تراجع للخلف حين أجفلته وهي ترفع يدها تغطي بها وجهها وهي تبكي بصوت عالٍ.. ليشعر بالصدمة وعدم الفهم.. لكنه ظل صامتاً ينظر إليها ولا يستطيع فعل أي شيء.. لا يعلم إذا كان عليه أن ينتظرها حتى تهدأ أو يهدئها بنفسه؟ هل يتحدث إليها أم يظل صامتاً حتى تتحدث هي؟
لكنهم في منتصف الشارع.. هي تجلس أرضاً أسفل سيارته.. وسيارته متوقفة في منتصف الطريق.. ولكن مع حركتها الخفيفة لاحظ ذلك التمزق في كتف بلوزتها.. لتجحظ عينيه بصدمة وبدأ يتجول بعينيه فوق باقي جسدها.. ليلاحظ اتساخ يديها وبعض الجروح عليها.. وهناك فردة من حذائها مفقودة وحجابها منحصر عن شعرها.. وبعض الشعيرات مشعثة بشكل فوضوي يدل على بعض العنف.. خاصة مع اتساخ وجهها.. ليجد نفسه يقول بصوت غير مفسر:
"من الواضح أن وراكي حكاية كبيرة.. تعالي أوصلك لأي مكان أنتِ عايزاه وتحكيلي يمكن أقدر أساعدك."
نظرت إليه بأمل ورجاء وتألمت وهي تعتدل جالسة على ركبتيها وهي تقول بصوت مرتعش ما جعل عين
رواية أو أشد قسوة الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سارة مجدي
ظل صامت ينظر إليها بصدمة. بماذا تهزي هذه الفتاة؟ هل طلبت منه أن يتزوجها؟
لكنه خرج من صدمته حين أمسكت يده وظلت تقبلها بتوسل وهي تقول برجاء:
– أبوس إيدك وافق تتجوزني. أنا مش عايزة منك حاجة غير إنك تحميني. أكون في حما راجل يبعد عني الواغش الطمعان.
أبعد يده عنها وانحدرت عيناه لمكان تمزق قميصها. وإحدى قدميها الخالية من حذائها.
لتقول بتوضيح وهي تلملم أطراف قميصها تغطي جسدها:
– أنا ممكن أحكيلك كل حاجة عني من يوم ما أتولدت لحد اللحظة اللي ربنا بعتك فيها في المكان هنا علشان كلاب الشوارع تخاف وتسيبني وتجري.
شعر بألم حاد في قلبه. "كلاب الشوارع" وصف دقيق لكل من يتجرأ على حرمة غيره. وهو ذات يوم كان من هؤلاء الكلاب حتى لو كان الأمر يتم برضا الفتاة. لكن لا يليق بما كان يفعله إلا ذلك المصطلح. فلا يوجد من يفعل هذا الشيء مع كل من هب ودب إلا "كلاب الشوارع".
وقف على قدميه ينظر إليها من وقفته ببعض التفكير. وبعد لحظات مد لها يده وقال بصيغة الأمر:
– اقفي.
تمسكت يده بيدها المرتعشة. وبمجهود مضني وقفت هي الأخرى أمامه. جسدها يرتعش. شعرها الذي هرب من أسفل حجابها مشعث حولها. هيئتها تثير الضحك والشفقة. كما حاله. يثير الضحك والشفقة.
سار بها حتى باب الكرسي المجاور للسائق. ففتحه ودفعها ببعض الخشونة لتجلس. وهي أطاعت بصمت. أغلق الباب ببعض العنف ودار حول السيارة. وجلس على كرسي القائد. وبدون كلمة انطلق بالسيارة.
بعد لحظات من الصمت. وكلما زاد الظلام حولهم كانت تشعر هي بغباء ما فعلته. كيف تطلب من رجل لا تعرفه أن يتزوجها؟ رجل رآها على تلك الهيئة. كادت أن تُغتصب. ملابسها ممزقة. وبفردة حذاء واحدة والأخرى مفقودة. وبكل بجاحة تطلب منه أن يتزوجها. لا لم تكن بجاحة. كان يأس. محاولة بائسة منها بسبب الخوف وبسبب كل ما تراه يوميًا إذا كان في العمل. أو في الطرقات. أو في بيتها.
انحدرت دموع القهر والذل من عينيها. وأحنت رأسها بخجل وهي تقول بصوت مختنق:
– أنا آسفة على كل اللي قولته. ممكن تنزلني على أول الطريق العام. وكتر خيرك.
كان هو سارحًا في أفكاره من أول تحركه بالسيارة. يفكر في هذا القدر الغريب. كان منذ دقائق يفكر في كونه وحيدًا. وسيظل وحيدًا. يشعر بالأسف على نفسه وهو يرى أدهم سوف يصبح له بيت وزوجة. وكذلك ظلال سوف يصبح لها بيت وزوج وحياة حلوة تعيشها. وسيظل هو وحيدًا. جراء حماقته. وذنوبه. لتأتي تلك الفتاة التي لا يعرفها تطلب منه وبكل صراحة ووضوح الزواج. ولكن أي زواج هذا أيها المجنون؟ هل نسيت مرضك؟ وكونك لا تستطيع أن تكون زوجًا حقيقيًا لها وتهبها الأطفال التي تتمناها أي فتاة بعد زواجها. وإذا فرضنا كونها ستوافق على الزواج الشكلي منه أو بتلك الاحتياطات التي أخبره عنها الطبيب. كيف ستتنازل عن موضوع الأولاد. وكل هذا في كفة ميزان. وفي الكفة الأخرى حالها. وهيئتها وما فهمه من حديثها القليل.
أخذ نفسًا عميقًا وأخرجه بهدوء. يحاول أن يرتب أفكاره. ويجد مخرجًا لهذا المأزق. لينتبه من أفكاره على صوتها وكلماته.
لينظر إليها لعدة لحظات وكأنه شارد أو لم يسمعها. أو كأنه اكتشف فجأة أن هناك من يشاركه السيارة. تجاهل كلماتها ولم يرد عليها. لتقول من جديد:
– نزلني على أول الشارع.
دون أن ينظر إليها قال ببرود:
– أنا لو نزلت لك على أول الشارع بمنظرك ده. الناس هتمسك فيا ويطلبولي البوليس وألبس قضية اغتصاب.
شهقت بصوت عالٍ من أثر الكلمة عليها. لكنه في الحقيقة لم يهتم. وأكمل بنفس البرود:
– أنتِ مش شايفة منظرك وهدومك المقطعة وشعرك المنكوش. وجزمتك اللي معرفش ضاعت منك فين؟
قال آخر كلماته وهو ينزل لها شماسة السيارة لترى في مرآتها هيئتها المزرية. لترتب حجابها كيفما اتفق فوق رأسها. وبأحد أطرافه دارت كتفها العاري عن عينيه. لكن كلماته ألجمتها حقًا وأصبحت لا تعرف ماذا عليها أن تفعل. إذا عادت إلى بيتها بهذه الهيئة. ستكون رسالة واضحة لذلك الوغد المسمى زوج والدتها "إنك تستطيع فعل ما يحلو لك فقط أخذ غيرك ما تريد أخذه".
انحدر المزيد من الدموع. ليشعر ببعض الشفقة عليها وقال بهدوء:
– أنا هقف في مكان كده أجبلك بلوزة جديدة وجزمة. وبعد كده هنروح في مكان نقعد تاكلي لقمة وتحكيلي حكايتك بالتفصيل.
أومأت بنعم بصمت وقلة حيلة. وكان هو يدور في دوائر الحيرة والتفكير.
بطبعه الذي لا يتغير ينظر إلى من يجلس أمامه بهدوء. وصمت طويل لا يقطعه إلا إذا تحدث الجالس أمامه أولًا. وبالطبع في أول الجلسات حدث معه كما يحدث مع كل مريض يحضر إليه. ويتبع معه نفس السياسة. ثار وغضب وقال له:
– أنت دكتور على ما تفرج. هو أنا جاي ودافع فلوس عشان تسمعني سكوتك.
ويجيبه بنفس الكلمات التي يجيب بها الجميع:
– لا أنت جاي ودافع فلوس عشان أنا اللي أسمعك. وأنت اللي بتسمعني سكوتك.
يستفز من يجلس أمامه ببرود لينفجر في وجهه. وكم كان الانفجار صادمًا. هو لم يتخلص من صدمته الأولى حين دخل مراد من باب العيادة لأول مرة وتعرف عليه أكرم "مراد منير" مذيع الراديو الأشهر والأوسم. وكانت الصدمة التالية لحظة الانفجار حين انكشف له ذلك العالم الخفي لمراد منير السري الذي لا يعرفه أحد. حتى أنه بعد انفجاره. واكتشافه أنه قال كل شيء. وقف أمام أكرم يهدده أنه قادر على قتله. أو قتل كل عائلته إن عرف أي شخص أي شيء عن ما قاله الآن.
ليكون رد أكرم الصمت أمام هذا التهديد الصريح. والذي لم تكن المرة الأولى الذي يتعرض فيها للتهديد بهذا الشكل. لذلك كان هادئًا تمامًا وهو يجيبه أنه لن يخون مهنته. ولولا أمانته لما أصبح بذلك الاسم الكبير الذي يجعل شخصًا مشهورًا مثله يأتي إليه ليهدأ من بعدها. وعاد ليكمل حديثه.
كان أكرم يتذكر كل هذا وهو ينظر إلى مراد الممد على الأريكة أمامه في صمت. بعد أن قال له عند لحظة دخوله:
– أنا تعبت من كتر النفاق اللي أنا عايشه. أنا تعبت تعبت.
وظل صامتًا حتى الآن. مرت أكثر من ربع الساعة وهو صامت. ليقول أكرم بهدوء:
– بقالك سنين عايش كده. إيه اللي خلاك تتعب؟
وكانت الإجابة كلمة واحدة يعرفها جيدًا.
– ظلال.
أومأ أكرم بنعم ليكمل مراد كلماته بشرود:
– عشت عمري كله لنفسي وعلشان نفسي. جت هي في أقل من شهر قلبت حالي وكياني. وهدت كل العالم اللي كنت ببنيه لنفسي. خلتني أثور على حالي.
– ليه خطبتها طالما هي مسببة لك التعب بالشكل ده. ومخلياك عايش صراع نفسي مع نفسك؟
قال أكرم ببرود. لينظر له مراد بشر وغضب:
– بحبها. أنت إزاي أصلًا تسألني السؤال ده. ظلال ليا أنا بس. أنا عمري ما حسيت ناحية أي بنت باللي أنا حاسه ناحية ظلال. وبعدين يعني بعد ما خليت حد يدبر حادثة لعدنان اللي معرفش خرج منها إزاي عايش زي القطط بسبع أرواح. تقولي خطبتها ليه. أنا مستعد أقتل أي حد. أي حد يقف في طريقي إن ظلال تبقى ليا. حتى هي نفسه.
لم يظهر الغضب الذي اشتعل داخل صدره من أسلوب مراد في الحديث عن ظلال. لكن عليه أن يكون هادئًا حتى يستطيع أن يضع يده على كل الخيوط ويفهم كل شيء. عاد بذاكرته لأول مرة. ولأول جلسة حين انفجر مراد قائلًا:
– أنت فاكر نفسك مين؟ أنا مراد. مراد منير. أنا راجل بصباعي الصغير أحرك الكون كله. صحيح أنا بس مذيع راديو. لكن ده كله علشان التمويه مش أكثر. وبعدين رغم شهرة مذيعي الراديو مش زي بتوع التليفزيون. ف علشان كده كانت وظيفة مثالية ترضي بعض من غروري الذكوري. وكمان تخليني أعمل كل اللي نفسي فيه وتبعد عني شوية عنون المتلصصين والحشريين. واخترت أكون المذيع العازب اللي البنات كلها بتموت عليه.
شعر أكرم بالغباء للحظة ثم قال بهدوئه المعتاد:
– أستاذ مراد. أنا مش فاهم حاجة. ممكن توضح.
راجع مراد إلى الخلف حتى وصل إلى الأريكة وألقى بجسده عليها وأخذ نفسًا عميقًا وقال بإقرار:
– طبعًا مش هتفهم. صحيح أنت دكتور. لكن عمرك ما هتفهم وتوصل بذكائك للي أنا أقصده. غبي. لازم أقولها بصراحة ووضوح.
لم تظهر على ملامح أكرم أي تعابير واضحة. لكنه دون في مفكرته "أعراض نرجسية واضحة". وبكامل تركيزه عاد بنظره لمراد الذي لم يتوقف عن الحديث. لكنه جلس بشكل مريح أكثر على الأريكة ووضع ساقًا فوق الأخرى وهو يتحدث بثقة مبالغ بها.
– مراد منير هو الواجهة. هو الشخص اللي لازم الضوء يتسلط عليه. من يوم ما اتولدت وأنا محور اهتمام الجميع. الأشطر والأذكى والمميز. لكن في الحقيقة أنا مجرد شخص عاجز.
– عاجز؟!
ردد أكرم بعدم فهم. ليقول مراد بحاجب مرفوع وبغضب كبير:
– أنت مش هتفهم. محدش هيقدر يفهم ولا يحس بيا. مش هتفهم يعني إيه تكون راجل في الهيئة والشكل وتكون الدنيا كلها تحت رجلك. لكن عمرك ما هتكون راجل في عيون أي ست مهما كان.
خيال أكرم يصور له ما يعانيه مراد من مرض أو سبب تعبه النفسي. لم يكن أبدًا سيصل إلى تلك النقطة. لكن مراد كان بعيدًا تمامًا عن ما يدور داخل عقل أكرم. وأكمل بشرود:
– زمان كان كل تركيزي على الدراسة وتفوقي ونجاحي وحلمي اللي عايز أوصله. مؤسس نظام بتعصب لو فيه حاجة مش في مكانها. وفي مرحلة الجامعة لاحظت أني مش زي أصحابي اللي بيدوروا على متعة من شوية أفلام أو صور لبنات عريانة. هو أنا لاحظت متأخر الحقيقة. ما أنا زي ما قولتلك حلمي كان قدامي عيني ومش عايز غيره. وعمر ما في بنت أثارت جوايا أي مشاعر رجولية تخليني أبقى عايز أقرب منها. في الحقيقة مهتمتش بالموضوع وقولت أنا كل اللي عايزة أنجح في كليتي بتفوق عشان أقدر أحقق حلمي وأبقى أكبر مذيع راديو. من يوم يومي والراديو هو هدفي وحلمي. وسعيت له بكل طاقتي. لحد اليوم اللي فعلًا اتعينت فيه في القناة اللي بشتغل فيها وبقى ليا برنامج خاص بيا. برنامج باسمي مراد منير. مدير المحطة كان متحمس ليا جدًا وعلشان كده وافق على فكرة البرنامج اللي كانت جديدة وقتها. وقرر أصدقائي أنهم يحتفلوا بيا. والحفلة كانت في بيت واحد منهم. أبوه وأمه بره البلد من سنين وهو عايز حياته بالطول والعرض. لما وصلت لقيت بنات كتير. مع كل واحد فيهم بنت وبنات تانية بترقص. وبنت مخصوص علشاني. والكلام جه مباشر:
– عيش يا مراد بقا أهو حققت حلمك اتبسط بقى.
ومع آخر كلمة شاور على آخر أوضة وقالي:
– أوضة أبويا وأمي مش خسارة فيك. ليك النهاردة معزولة ومجهزة بكل اللي نفسك فيه. عيش.
قال كل ده وغمز ليا وهو بيحط جوه بقي برشامه صغيرة.
صمت مراد للحظات وظهر الذعر على ملامحه. وكأنه يعيش تلك اللحظات الآن. احترم أكرم صمته وظل يراقبه بهدوء. قدمه اليسرى تهتز. أصابع يده متشابكة بقوة حتى ابيضت مفاصلها. وهناك عند عرقه النابض في عنقه يظهر كم هو يتألم ويتعذب. وعظمه فكه يتحرك دليل على أنه يحاول السيطرة على نفسه. سجل كل ما يراه في مفكرته. حتى أكمل مراد كلماته:
– دخلت الأوضة واللي كانت فعلًا مجهزة بكل حاجة.
وبدأ يعد على أصابعه بصوت عالٍ نسبيًا:
– كانت عازلة للصوت وفيها أدوات كتير. أدوات للممارسات السادية. كل اللي ممكن تتخيله. حبال، كلبشات، كrabيج أنواع وأحجام، شمع… كل حاجة. ومعايا بنت كانت صاروخ. صاروخ في كل حاجة جميلة ودلوعة. عارفة هي هنا ليه وهتعمل إيه. وفي ثواني كان مفيش على جسمها حاجة تستره… لكن أنا.
قال آخر كلمة من بين أسنانه وكأنها تذبحه وهي تخرج من حنجرته. وأكمل بصراخ:
– أنا.
وكأني صخرة. مفيش شعرة فيا أتحركت.
تسأله أكرم بهدوء حتى تتضح الصورة له بشكل أوضح:
– يعني أنت مش منجذب للستات نهائي؟ طيب يعني منجذب للرجالة مثلًا؟
ابتسم مراد ببعض السخرية وقال بمرار:
– مجربتش يا دكتور أني أم mari الجنس مع رجالة علشان أعرف. أنا اخدت صدمة أني مش قادر أعمل أي حاجة مع البنت اللي زي القمر اللي بتعمل كل حاجة باحترافية. الحاجات اللي لو كانت بتعملها مع شخص طبيعي كانت خرجت من الأوضة على العناية المركزة أو حامل. لكن أنا ولا أي حاجة خالص. وعلشان أغطي على عجزي ده استخدمت كل الوسائل اللي موجودة في الأوضة وبغشومية. كتفتها. وغميت عينيها. واوهمتها إني بعمل زي أي راجل ما يعمل لو مكاني. وبدأت أضربها بالكرباج وأحرقها بالشمع. وأضربها على وشها لدرجة إنها نزفت من بقها. وسيبتها على حالها ده وخرجت من الأوضة بكمل لبسي وكأني كنت أسد في الأوضة وأنا كنت…
وترك جملته معلقة. لكن أكرم فهم ما يقصد جيدًا. ظل صامتًا لثوانٍ يحاول أن يجد كلمات مرتبة تصلح مع شخص مريض نرجسية رغم كونه عاجزًا جنسيًا. لكن مراد وكأنه قد انتبه لما قاله. وفي لحظة خاطفة كان يهجم على أكرم يهدده بسلاحه المرخص أنه سوف يقتله.
عاد أكرم من أفكاره وقال بهدوء:
– في حد بيحب حد وممكن يقتله. المفروض يكون سعادة الشخص ده أهم عندك من نفسك.
ليصرخ مراد بغضب هادر:
– ده لما تبقى ملكي ومعايا أسعدها ويبقى كل همي سعادتها وفرحها. لكن لو مع غيري هقتلها وأقتله.
شعر أكرم أن الأمر سيخرج عن السيطرة. فقال بهدوء:
– وهي دلوقتي معاك. خطيبتك. وأعتقد علشان خاطرها أنت جيت ليا هنا علشان نلاقي حل صح؟
أومأ مراد بنعم وعيناه تنظر إلى كل مكان وكأنه يفكر أو هناك شيء آخر بداخله يريد قوله ويخاف أو يفكر هل صحيح أن يقوله أو لا. ليحثه أكرم قائلًا:
– ظلال بالنسبة ليك إيه؟
– حلم.
بدون لحظة تفكير أجاب. ثم أكمل ببعض الشرود:
– حلم بعيد كان مستحيل يتحقق. وفجأة بقى ملك إيدي.
آخر كلماته كانت بإصرار وإقرار وكأنه أمر مفروغ منه. ثم رفع عينه إلى أكرم وقال بغرور:
– وطول عمرها هتفضل ملك إيدي. يا إما مصيرها الموت. ظلال ليا ومش لحد غيري.
إن وصف ما يشعر به أكرم الآن هو الخوف. لكن كلمة خوف لا تعبر حقًا عما بداخله. فما بداخله رعب وهلع. أن هذا الأمر لن ينتهي إلا بشكل مؤسف. وهذا ما يشعر به. ظلال في خطر. لكن عليه أن يفكر جيدًا فيما عليه فعله. ليكمل مراد بنفس الغرور:
– وبعدين هو لازم يعني علاقة جسدية. ما أنا ممكن أفهمها إني بحبها حب أفلاطوني خالي من الشهوات الإنسانية الحقيرة. مش عايز أشوفها مجرد عاهرة في سريري. وتتحول لمجرد جسد أطفي بيه شهوة جسدي. البنات بتحب الكلام ده جدًا يا دكتور صدقني. صحيح ظلال عملية شوية أو بتفكر بعقلها أكثر. لكن الرومانسية هي الأساس في حياة كل البنات.
بهدوء شديد وعقل ورزانة وعيون كالصقر تتابع كل انفعال يصدر ممن يجلس أمامه قال أكرم:
– لكن هي من حقها حياة طبيعية وأطفال. ربنا خلقنا وخلق جوانا شهوة الجنس لأعمار الأرض وكمان كنوع من أنواع المتعة الحلال في إطار الزواج. ليه تحرمها من كل ده؟
ليقف مراد بانفعال واقترب من المكتب والغضب يرسم على ملامحه وقال بصوت عالٍ:
– حراااااام. وهو مش حرام أحرم أنا من كل ده. مش حرام أكون راجل بالشكل ده. مش حرام.
ثار أكرم وصرخ في وجهه بالمقابل. فقد فاض به الكيل من كون مراد يعيش دور الضحية. وهو قد علم بمشكلته. وبدلاً من أن يبحث عن حل لها. يريد أن يظلم معه إنسانة لا ذنب لها.
– لا مش حرام لأنك مريض وكل مرض له علاج. لكن أنت عايز تعيش دور الضحية. بدل ما تفكر تدمر حياة ظلال وتحاول تقتل عدنان. مفكرتش ليه تروح لدكتور تشوف مشكلتك. وتلاقي ليها حل.
– أنت عايزني أتفضح. أروح لدكتور ذكورة ولو الخبر اتعرف يتقال عليا إني مش راجل.
صرخ مراد بغضب كبير بعد أن أوقع بعض الأغراض من فوق مكتب أكرم. ليضرب أكرم سطح المكتب بقوة وهو يقول:
– تتفضح تتفضح. كل اللي شاغل بالك إنك تتفضح. طيب ولما تتجوز ظلال وتعرف إنك مريض وأهلها يسألوا هتقولهم إيه. ولا هتجبرها تكذب. طيب هي هتستحمل ليه. هي أصلًا مش بتحبك يا مراد.
بصوت قوي لكن بهدوء هدر أكرم يجيب على كلمات مراد. وفي نهاية حديثه فجر القنبلة. ألقى بالحقيقة في وجهه دون رحمة أو شفقة. فمراد بحالته النرجسية تلك لا يستحق التعامل بهدوء وتروي. خاصة مع استعداده للأذى والقتل. وبنفس القوة والهدوء أكمل:
– أيوه مش بتحبك ودي حقيقة لازم تفهمها وتصدقها. واحدة عايشة عمرها كله جوه دايرة ابن عمها. وفي يوم وليلة وافقت عليك. مش هظلمها وأقول إنها بتنساه بيك. لكن ممكن تكون فكرت بالعقل وقالت متخدش اللي بتحبه وتاخد اللي بيحبها. لكن ده مش هيخليها تتحمل مرضك وعجزك واحتمالية شذوذك كمان.
اتساع عين مراد وصوت تنفسه العالي والسريع نبه أكرم لما يشعر به الآن. والصدمة التي تلقاها الآن كصفعة قوية فوق وجنته دون سابق إنذار. ليدور أكرم حول مكتبه ووقف جوار مراد وقال بهدوء:
– مراد. أنت هنا علشان أساعدك. أنت مريض نفسي وجسدي ومحتاجين نحل المشكلة النفسية في نفس الوقت كمان نكتشف مشكلتك الجسدية ونبدأ نحلها. علشان تقدر تعيش حياتك.
نظر له مراد وكأنه لا ينظر له. غيامة غريبة غطت عينيه جعلت الغرور يتساقط من نظراته. وبدا أمامه وكأنه طفل صغير حزين وخائف وقال بصوت ضعيف اختفى منه كل الصلف والغرور:
– ظلال مش بتحبني.
ربت أكرم على كتف مراد وقال بهدوء وكأنه أب يتحدث مع ابنه الصغير وينبه لخطأ قام به:
– علشان ظلال تحبك لازم أنت تكون تستحق حبها يا مراد. ولأنك بتحبها بجد هتعمل كل اللي تقدر عليه علشان تستحق حبها وقلبها وقربها منك. علشان تقدر تسعدها وتسعد جنبها. وتكون حياتكم حياة سوية وسليمة وسعيدة.
ظل مراد صامتًا تمامًا غير قادر على الرد أو الحديث. وتحرك يأخذ قبعته التي يختبئ بها عن عيون الناس. وتحرك في اتجاه الباب. ولكنه قبل أن يفتحه نظر إلى أكرم وقال برجاء:
– أرجوك ساعدني.
أومأ أكرم بنعم وابتسامة ثقة ودعم ترتسم على ملامحه. ليغادر مراد. وعاد أكرم ليجلس مكانه وهو يفكر. ماذا عليه أن يفعل؟
دلف إلى غرفته بعد أن ساعد أولاده في تبديل ملابسهم حتى ناموا. فقد قرر القيام بهذا بدلًا عنها حتى يريحها ويترك لها مساحة تستعد من أجله كما قالت له. فبعد ما حدث في خطبة أدهم والحالة التي عاشتها معه. بين اندهاش وسعادة. وزاوية أخرى ترى بها زوجها لأول مرة. جعلت بداخلها إحساس أنها تود أن تجدد اليوم حبهما. أن تخلق له حالة خاصة كما كانت تفعل قديمًا في بداية زواجهما.
وما إن دخلت غرفتهما أشعلت ذلك البخور التي كانت هجرته منذ سنوات لتمتلئ الغرفة برائحته المميزة. وأخرجت الغلالة البيضاء التي تذكرها بيوم زواجها والتي تخبئها ذكرى زواجهم من العام للعام. دلفت إلى الحمام وأخذت حمامًا دافئًا ووضعت تلك الكريمات المرطبة على جسدها لتعطره برقة. وارتدت غلالتها وتعطرت. جففت شعرها بالمجفف. ورفعته بشكل مميز ووضعت بعض مساحيق التجميل. وغادرت الحمام. تنير الشموع الموجودة على طاولة الزينة. وأخرجت ملابس عبدالله ووضعتها على السرير. جلست على الأريكة ممدة ساقيها بإغراء رقيق لعينه وهو يقف على باب الغرفة يتابعها بكل حب. مع كل حركة ولفته منها.
انتبهت له ولوقفته عند الباب. وأبتسمت وهي تقول:
– واقف عندك ليه؟ أنا في انتظارك.
ليخطو خطوة واحدة فقط إلى داخل الغرفة. وأغلق الباب خلفه وهو يقول:
– وأنا مشتاق.
لم ينتظر أن يبدل ملابسه. أو يستعد كما استعدت هي. فشوقه غلب كل شيء. وحبه غلفهما وغرقا سويًا في بحور الحب والعشق. يسقي كل واحد منهم الآخر حتى يرتوي. لكنه يطلب المزيد فيعطيه بكل حب ورغبة وسعادة.
بعد بعض الوقت كانت تريح رأسها فوق صدره العالي وذراعه يلتف حولها بقوة حانية. وعلى وجهه ابتسامة سعادة وراحة وجفنيه مرتخيان براحة. داعبت صدره العاري بأطراف أصابعها وقالت:
– أنا بحبك أوي يا عبدالله. من يوم قلبي ما عرف الحب. من لحظة ما شفتك لأول مرة وهو ميعرفش اسم تاني للحب غير اسمك.
ليضمها إلى صدره أكثر وقبل أعلى رأسها وقال بصدق:
– وأنا مفيش في حياتي ولا في قلبي. غيرك أنتِ يا لبنى. حياتي أنتِ محورها رمانة ميزانها. أنتِ حب حياتي. زوجتي وبنتي وحبيبتي وأختي وأمي. وأم أولادي. أنت الحياة وحلاوتها. والسند وقت مرارتها. أنتِ العظيمة اللي واقفة ورايا تدفعني للأمام.
صمت حين وصل إلى أذنه صوت شهقة مكتومة منها. ليمد يده يرفع وجهها إليه ليجدها تبكي. لكن عيناها وشفتاها تضحك. ينظر إليها بحيرة وخوف. لتقول هي بسعادة من بين شهقاتها الرقيقة:
– كلامك ده أغلى كلام سمعته. طبطب على قلبي وروحي. داوى كل الجروح. خلى لعمري اللي فات ثمن واللي جاي كمان. أنت فعلًا عظيم. أنت أعظم زوج وأعظم أب وأعظم حبيب. وأعظم دكتور نفسي.
ليضمها بقوة أكثر حتى أصبحت تتمدد فوقه. وظل يقبل كل شبر في وجهها. وتحولت تلك القبلات إلى قبل شغوفة. وأخذتهم إلى جولة أخرى من الحب والشغف.
وصل إلى مكان يعرفه جيدًا وأوقف السيارة في مكان هادئ وترجل منها وهو حائر. هل يتركها بالسيارة ومن الممكن أن يكون خلفها عصابة ما تريد سرقته. فيسرقون السيارة. لكنه نظر لها لثوان ثم غادر بعد أن أغلق السيارة عليها إلى وجهته. لعله يفهم وينتهي الأمر.
وكانت هي لا تتوقف عن البكاء. ماذا فعلت وقالت لذلك الرجل التي لا تعرف حتى الآن ما هو اسمه. لكن يأسها وخوفها هو ما جعلها تقول ما قالته. وبكل خزي تطلب من رجل تجهل هويته أن يتزوجها.
كانت غارقة في أفكارها لم تنتبه أن السيارة مغلقة عليها. وأنه غاب قرابة النصف ساعة. ولم تنتبه لكل هذا إلا حين سمعت صوت إنذار السيارة. حين فتحها وبابها وهو يفتحه. وحقيبة كبيرة ألقيت على قدميها مصاحبة لصوته. الأمر:
– البسي البلوزة دي والجزمة ورتبي حجابك وهيئتك وانزلي.
وعاد يغلق الباب بقوة وأعطاها ظهره. لتنفذ أوامره وهي تبكي بقهر. ثم جمعت ما كانت ترتديه داخل الحقيبة وفردة حذائها الوحيدة وضمتها إلى صدرها. وبأطراف أصابعها طرقت على الزجاج. لينظر إليها بطرف عينيه ليتأكد من ارتدائها للملابس. فدار حول السيارة وصعد إليها وقال ببعض الشر:
– حان وقت الحقيقة.
رواية أو أشد قسوة الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سارة مجدي
يجلسون داخل أحدى المطاعم الهادئة في ذلك الوقت من الليل، المكان التي رسيت عليه رحلتهم الغريبة. في تلك الليلة الغريبة بكل المقاييس، ينظر إليها الآن بوضوح أكبر وتفحص بعد أن ظهرت ملامحها له في الإضاءة الواضحة للمكان. فتاة سمراء، لكن تلك السمرة المحببة للعين، بعيون عسلية صافية. على ملامحها يرتسم الخوف مختلط ببرائة واضحة لعينيه الخبيرة بالفتيات. ويرى بوضوح أيضًا أن خلفها الكثير.
وبداخله إحساس يصرخ بصوت عالٍ أن تلك الفتاة بوابه توبته الحقيقية، وإنها رسالة أو اختبار من الله.
أجلّى صوته وقال بهدوء بعد أن قرب منها كوب الماء الذي وضعه النادل منذ لحظات، ورحل بعد أن طلب منه أن يحضر لهم وجبة خفيفة وعصير. حدثه يخبره أيضًا ولا يعرف من أين أتى هذا الحدث أنها بحاجة للطعام.
"اشربي شوية ميه واحكيلي حكايتك على ما الأكل يجي."
رفعت عيونها المروغة بالدموع ونفذت ما قال، فهي بالفعل تشعر بجفاف حلقها، وتريد من كل قلبها أن تخبر أي شخص بما يجيش بصدرها من خوف وضيق.
حين أنهت الكوب وضعته فارغًا على الطاولة وأسبلت أهدابها وهي تقول بصوت ضعيف:
"اسمي هوا، عندي 23 سنة. يتيمة الأب والأم، ومليش أي حد خالص. عايشة مع جوز أمي اللي معرفش حد غيره في حياتي كلها."
رفعت عيونها إليه وأكملت بصوت مختنق:
"أكيد متوقع باقي الحكاية. جوز أم شرير بيحاول يعتدي على بنت مراته. ده حقيقة، لكن هو مكنش كده زمان. كان طيب ومش بيسيب فرض. كان بيعاملني كويس حتى بعد موت أمي. حتى كنت بقوله يا بابا، هو اللي علمني الصلاة ولبسني الحجاب. لكن فجأة كل شيء اتغير وأتحول."
"ومعرفش ليه وأزاي. فجأة ساب شغله وقعد في البيت وبقى عصبي وبيزعق طول الوقت. وبعدين بدأ يضربني بسبب ومن غير سبب. وبعدها بقى فيه ناس غريبة بييجوا يقعدوا معاه واتحولت القعدات دي لسهر وشرب. وفي مرة بعد الناس دي ما مشيت حاول يعتدي عليا."
اختنق صوتها وغصة بكاء مريرة تؤلم حلقها، وانحدر دمعتان من عينيها لتسيل على طول وجنتيها. كان يشعر بنار حارقة داخل صدره، ليست شيئًا سوى حمية رجل يرى أمامه أنثى ضعيفة تواجه الحياة بكل مساوئها بمفردها.
أكملت بصوت باكي:
"الراجل التقي اللي بيصلي بقى بيلعب قمار، ويشرب خمرة وستات غريبة في البيت وقذارة ليل نهار. وكل ده وأنا ببقى حابسة نفسي في الأوضة. لحد ما في يوم لقيت باب الأوضة بيتفتح بيدخل عليا. وفي ظهره راجل شكله وحش كان داخل من الباب وهو موطي راسه. وبكل بساطة قاله هي ملكك وخرج وساب وقفل الباب وراه. طلع كان بيلعب عليا وخسر والمقابل إن الراجل اللي كسب يقضي معايا الليلة."
غضب ونار حارقة اشتعلت في جسده وهو يتخيل الموقف. ضم قبضته حتى ابيضت مفاصله.
اختنق صوتها أكثر بالبكاء وهي تكمل كلماتها التي تقطر ألمًا:
"قادر تتخيل الموقف؟ الراجل اللي رباني واللي المفروض يكون أمان هو اللي يحميني ويحافظ عليها يلعب عليا قمار ويخسرني. أنت متخيل."
"حصل إيه؟"
سألها بلهفة وقلق يريد أن يفهم ما حصل معها وإلى أين وصلت الأمور.
لتمسح دموعها وهي تقول بقهر:
"هجم عليا الراجل الغريب وهو يقولي: 'ليني يا حلوة وخليكي شاطرة كده وأسمعي الكلام علشان ملكيش مهرب مني'."
أغمضت عينيها للحظات ثم أكملت:
"لسه لمساته القذرة حاسة بيها على جسمي ومحاولاته إنه يقلعني كل هدومي. بكل طاقتي كنت بحاول أقاوهمه وأبعده، لدرجة إنه ضربني بالقلم أكثر من مرة علشان بقاومه. لكن إزاي ومنين لقيته بيبعد عني. مكنتش قادرة أشوف كويس أو أسمع من كتر الضرب اللي انضربته على ودني. لكن اللي قدرت أستوعبه إن الجيران سمعوا صوت صريخي وهجموا على البيت وأنقذوني ودفعوا للراجل الغريب فلوسه وحكموا على بابا إنه لو جاب حد تاني البيت يبقى حكم على نفسه إنه يسيب البيت والحارة كلها. ومن وقتها بقى الخطر كله هو. علشان كده بفضل في شغلي لحد بليل علشان أبقى بره البيت طول اليوم وأرجع بليل أقفل على نفسي الباب وأحط كرسي كبير ورا الباب علشان ميقدرش يدخل عليا الأوضة. وبفضل طول الليل نايمة مغمض عين ومفتحة التانية."
صمتت لثوان ثم قالت:
"هي دي حكايتي."
قاطعها قائلًا بغضب مكتوم:
"والمنظر اللي كنتي فيه النهاردة ده إيه؟!"
لتنحدر دموعها من جديد وهي تقول بحزن وقهر:
"ركبت الميكروباص علشان أروح. كان ثلاثة راكبين والسواق. وفضل واقف كتير علشان يحمل لكن مفيش زباين جت. واحد من الثلاثة قاله: 'يلا اتحرك يا اسطى، وان شاء الله تلاقي زباين في الطريق'. وسكت شوية كده وبعدين قاله جملة مفهمتهاش."
"جملة إيه؟"
نظرت له بابتسامة حزينة منكسرة:
"فهمت معناها بعد اللي حصل. قاله: 'معاك صيدة حلوة وليلتنا فل'. وبعدها طلعوا على الطريق ده اللي مش خط سير الميكروباص. وبعدها ربنا بعتك ليا علشان تنقذني منهم. نور عربيتك خلاهم يخافوا. وده اداني فرصة علشان أهرب منهم. ومكنش عندي حل غير إني أرمي نفسي قدام عربيتك. يا تموتني وأرتاح من الدنيا واللي فيها، أو تنقذني منهم."
صمتت وظل هو صامتًا ينظر إليها بتفحص. بخبرته يعلم جيدًا أنها لا تكذب. وبداخله يراها فرصة يأمن لها حياة جيدة بعيدًا عن كل هذا الخطر وفرصة له ليخلق له حياة. ولكنه سيضع شروطه، وبعد ما سمعه هي لن ترفض، هو موقن من هذا.
أحضر النادل الطعام ليشير لها أن تأكل. وبعد أن انتهت قال بهدوء:
"هوصلك علشان أعرف عنوانك. واديني رقم تليفونك وهكلمك علشان نتقابل ونتفق على كل حاجة."
رددت خلفه بغباء:
"نتفق على إيه؟"
"على الجواز."
رد بإقرار لتجحظ عيونها بصدمة، رغم أنها هي من طلبت، لكن أن يقولها هو شيء آخر.
عاد إلى بيته وهو ساهم وشارد، لا يظهر على ملامحه أي شيء، لكن تفكيره لم يتوقف لحظة منذ خروجه من عيادة أكرم. كل ما يفكر به هو كلمة أكرم: "ظلال مش بتحبك."
خلع القبعة ووضعها في مكانها على الرف داخل الخزانة، كذلك ساعته. ثم خلع حذاءه ووضعه في مكانه. أبدل ملابسه وأخذ حمامًا دافئًا بعد أن وضع كل ملابسه في سلة الغسيل. تمدد على السرير ينظر إلى سقف الغرفة وهو يردد: "ظلال مش بتحبني.. ظلال مش بتحبني.. ظلال بتحب عدنان."
لم يستطع النوم طوال تلك الليلة حتى أشرقت شمس اليوم الجديد. اعتدل جالسًا حين سمع صوت المنبه. أنزل قدميه أرضًا وأسند ذراعيه على ركبتيه وبين كفيه وضع رأسه وظل جالسًا على هذه الوضعية لعدة لحظات. ثم أمسك الهاتف واتصل بها كعادته. لتجيبه بصوت نشيط كعادتها:
"صباح الخير."
صمت لثوان ثم قال بأرهاق واضح:
"صباح الخير يا ظلال."
كان دورها أن تصمت وهي تشعر بالقلق. وقالت معبرة عن قلقها هذا:
"مالك يا مراد؟ أنت تعبان ولا إيه؟"
يجيب على تسألها بهدوئه المعتاد:
"مرهق شوية بس."
ثم سألها ببعض الشك:
"هو أنا ممكن أطلب منك طلب؟"
لتجيبه بتأكيد:
"أكيد."
دلك جبينه بأطراف أصابعه وهو يقول:
"ممكن تعدي عليا لأني مش قادر أسوق."
"طبعًا يا مراد. ساعة وهكون عندك."
وأغلقت الهاتف ليغادر هو السرير وتوجه إلى الحمام. وضع ملابسه في سلة الغسيل وأخذ حمامًا دافئًا وارتدى بنطالًا أسود وقميصًا رماديًا، وساعته الفضية، وحذاء رياضي أسود اللون. وصفف خصلاته كالعادة ووضع عطره المميز وزاده تلك المرة قليلًا. وتحرك إلى المطبخ يعد فنجان قهوته عله يهدئ ذلك الصداع الذي يكاد يفتك به من قلة النوم وكثرة التفكير وصوت أكرم الذي يتردد داخل عقله بوجوب العلاج. لكن أي علاج؟ العلاج النفسي أم العلاج الجسدي وإيجاد حل لضعفه الجنسي؟
أخذ نفسًا عميقًا محملًا برائحة القهوة. وبدأ في تناولها وهو يقف خلف زجاج الشرفة ينظر إلى الأفق بشرود. لم يقطعه سوى رنين هاتفه وصوتها حين أجابها تخبره أنها خلال خمس دقائق ستكون أمام بيته. ليغسل الكوب ويوضعه في مكانه وغادر المنزل وبداخله قد أخذ قراره، ولن يتراجع عنه. ظلال له هو مهما كان الثمن، ولن يقف أحد أمام هدفه.
عاد أكرم إلى بيته والأفكار تعصف برأسه. أن مهنته كطبيب نفسي جعلته يرى أغرب الحالات والأشخاص. الآن لا يجد ما يثير حيرته أو اندهاشه، رغم أنه ما زال يشعر بالصدمة مع كل حالة جديدة. أنه رأى الكثير من الحالات الصعبة. من اغتصب ابنته وأنجب منها. ومن تسبب في موت أخيه وابن أخيه وجعل زوجة أخيه تعمل بالدعارة. وهناك من صدم في زوجته التي خانته بعد سنوات كثيرة من العشرة والحبال.
الواقع أصبح بشعًا وذلك سبب صدمته في كل مرة. وأكثر مما كان أحد يتخيل أو يتصور. في أشد الأفلام والروايات سوداوية الأفكار لم يكن أحدًا يتصور ويتخيل كم الانحطاط الأخلاقي. والتدني الفكري ونسيان الدين والأخلاق.
حين فتح باب بيته وجدها تجلس أرضًا جوار علا تلون معها شيئًا ما. وحمزة الصغير يلعب جوارهم بسيارة الشرطة وبيده الأخرى مسدس أسود لامع يطلق طلقات صوتية ويتحدث بقوة وهو مقطب الجبين وكأنه ضابط شرطة يطارد مجموعة من المجرمين.
ابتسم ببعض الراحة. هنا بين جدران ذلك البيت جنته الصغيرة والآمنة. هنا فقط يشعر بالأمان والراحة. يشعر أن الدنيا ما زالت بخير. وأن هناك أناسًا جيدة ما زالت تعيش تحت سماء تلك الأرض. ابتسم بشرود وهو يتذكر كلمات تمام النادي له في آخر زيارة لهم للبلدة:
"يا دكتور أكرم، الدنيا لسه فيها الخير وإلا القيامة كانت قامت لأنها هتقوم على أشر الناس. وكل اللي بيحصل ده علشان الأرض بتتجهز للحدث العظيم. كل إنسان دلوقتي عنده خيارين ملهمش تالت. يتمسك بجمرة دينه، أو يعيش بحرية ناسي كل حاجة حتى نفسه. أزرع في ولادك كل أساسيات الدين والأخلاق. وأروي زرعتك بالحب والحنان والثقة. وتوكل على الله واستودعهم عنده واطمئن."
كلمات ذلك الرجل الذي حين تراه تشعر بالهيبة وحين تتحدث معه تشعر بحب كبير له ورهبة. رجل ندر أمثاله في هذه الحياة بقصة حبه لزوجته التي ما زالت تتناقلها الألسن. وعلاقته بوالديه وأولاده. خاصة بعد استشهاد أخيه. لذلك هو أخذ بنصيحته وبالفعل بدأ في فعل ما قاله وسعادته هي بكل ما شربته من عادات تلك الأسرة الكبيرة والأصيلة.
شعرت به فالتفتت تنظر له والابتسامة تزين وجهها لتجده شاردًا. تركت الأقلام من يدها ووقفت على قدميها وتوجهت إليه. السؤال واضح داخل عينيها لكنها لم تنطقه.
مد يده ليغلق الباب بالقفل الكبير. وأخذ يدها وسار إلى غرفتهم. أغلق الباب وأجلسها على السرير وهو يقول:
"من غير تفاصيل عايز آخد رأيك في حاجة."
أومأت بنعم. ليقول ببعض التوتر وهو يفرك يديه:
"لو فيه شخص مرتبط ببنت وسبب حادثة لابن عمها علشان كان فاكر إن فيه بينهم حاجة. ومستعد يقتل أي حد لو فكروا يبعدوها عنه. ده غير إنه يعني، مش راجل أوي يعني. مش عارف أقولك إيه. هو مش شاذ لكن مش بيجذب للستات. مش مهم ده دلوقتي. أنا دلوقتي المفروض أعمل إيه؟"
ألقى بكل ما لديه مرة واحدة ومع كل كلمة كان يقولها كانت عيونها تتسع بصدمة. حتى آخر كلماته لتشهق بصوت عالٍ. ليكمل هو كلماته:
"أنا خايف على خطيبته دي من أي تصرف أهوج منه. وإنه يفكر يأذيها أو يأذي أي حد. ويوقع نفسه في مشاكل كبيرة."
ظلت صامتة لعدة لحظات ثم قالت:
"لو ليها أب أو أخ. قولهم من غير تفاصيل كتير. يعني نبّههم واتفق معاهم إنك خلال فترة علاجك ليه إنهم ينتبهوا ليها ويحموها. دي مش خيانة لمهنتك ولا لأسرار المريض. بس طالما فيه خطر منه يا تبلغ الشرطة يا تقول لأهلها. علشان متحصلش كارثة في لحظة مش محسوبة."
أشار لها بيده مؤيدًا لكلماتها. وقال ببعض الشرود:
"معاكي حق. بكرة هروح لأخوها وأبلغه. وربنا يستر."
وقفت من جديد واقتربت منه ربتت على كتفه بدعم وقالت بصوت حانٍ:
"غير هدومك على ما أحضر العشا. الولاد مستنينك من بدري."
أومأ بنعم بعد أن قبل يدها المستريحة فوق كتفه بحب لتهديه أجمل ابتسامة تذيب الثلج من حول قلبه المحمل بكثير من الهموم. وهي وحدها من تستطيع أن تسقط كل تلك الهموم من فوق كتفيه.
التفت ينظر لها حين قالت ببعض المرح:
"ولا مش مهم العشا دلوقتي وأجي أعملك شوية مساج كده يريحك."
ابتسم وهو يتذكر كم من مرة كان عائدًا من العيادة مرهق الفكر والجسد ليجدها تنتظره بابتسامتها التي تمحي همومه في لحظة. وحين يلقي بجسده على الأريكة يجد الماء الدافئ مختلطًا ببعض العطور لتضع به قدمه. وبعد لحظات تدلكها بزيت خاص يجعل جسده بأكمله يسترخي ويرتاح.
لمس يدها اهتمامها. وحبها الكبير له هو سر الراحة الذي يشعر بها. اهتمامها الصادق الذي ينبع من قلبها هو سرها السحري. خاصة حين ينتهي الأمر بهم برأسه مستريح فوق فخذها ويدها تداعب خصلاته برفق ليغمض عينيه براحة وهدوء.
عاد من أفكاره وهو يقول بصدق:
"تسلميلي يا علياء. أنا مش عارف إيه هي الحاجة الحلوة اللي أنا عملتها علشان ربنا يكافئني بيكي. ربنا يبارك لي فيكي يا حبيبتي."
لتعود إليه تقبل وجنته بحب وقالت بصدق:
"انت هو الحاجة الحلوة اللي في حياتي. وأنا اللي محظوظة إني مراتك يا أكرم."
أحاط خصرها بذراعه الأيسر وبيده اليمنى داعب وجنتها بحب وانحنى يقبلها بشغف كبير. استسلمت له طواعية حتى احتاج كلاهما للهواء ليبتعد عنها وابتسامة راحة ترتسم على محياه. وقال بمشاغبة:
"تموتي في الانحراف. يلا يا ماما روحي جهزي العشا أنا جعان."
لتضرب صدره بقبضتها وهي تضحك بخجل وقالت بدلال:
"أمرك يا سي السيد."
وغادرت سريعًا ليقول هو بمرح:
"أنا أكرم مش سيد."
استيقظت من نومها على صوت هاتفها الذي لم يتوقف عن الرنين. دون أن تنظر إلى الاسم أجابت بصوتها الناعس:
"السلام عليكم."
"زوجتي العزيزة صباح الخير."
قالها أدهم بصوت ضاحك سعيد. لتبتسم بتلقائية وهي تقول بمرح:
"أسعد الله صباحك يا زوجي العزيز."
ليتنهد بصوت عالٍ وقال بعده لحظات:
"أنا النهاردة أسعد راجل على وجه الأرض. أنتِ بقيتي مراتي يا سليمة. مراتي ومن حقي أكلمك في أي وقت. وأبص في عينك من غير خوف ولا كسوف. أضمك لصدري بحب."
شعرت بالخجل وتلونت وجنتيها بحمرة الخجل. ولم تستطع أن ترد على كلماته ليكمل هو بحب:
"شوفي بقى يا زوجتي العزيزة. هعدي عليكي كمان نص ساعة نروح نفطر في مكان حلو أوي وبعدين نروح الشركة سوا. ماشي."
"ماشية."
أجابته بخجل فطري. وبعد لحظات أغلقت الهاتف في وجهه حين أرسل إليها قبلة أسماها قبلة الصباح المؤقتة حتى تصبح في بيته. خبأت وجهها في الوسادة لا تعلم هل تخبئ ضحكتها التي فضحت سعادتها؟ أم تحاول أن تخفي خجلها من سعادتها بما يقوم به من حركات جريئة؟ أم من حقيقة شعورها أنه يحبها وهي تبادله نفس الشعور؟
بعد لحظات غادر السرير وفراشات الحب تطوف حولها وداخل قلبها. وخلال نصف ساعة كانت قد استعدت. تقف أمام المرآة تنظر إلى نفسها بتأمل. تشعر أن بها شيء مختلف. هل ازدادت جمالًا؟ عيونها تلمع وتزداد تألقًا؟ هي لا تعلم حقًا لكنها في أسعد لحظات حياتها الآن.
غادرت الغرفة حين سمعت صوت جرس باب البيت. وقفت عند باب غرفتها لتجده يقف أمام والدها يضحكان معًا وكأنهما أصدقاء منذ زمن بعيد أو عشرة عمر. وحين اقتربت منهم سمعت والدها يقول:
"خلاص ماشي. بس هنستناك على الغدا النهاردة. وده مفيهوش نقاش."
ليبتسم أدهم وهو يقول بسعادة:
"وأنا مش هتناقش أصلًا ولا هفكر. هو الكلام ده فيه تفكير. هو فيه أحلى من الغدا مع حضرتك ومع ماما فاطمة."
ليبتسم الحج يونس براحة وهو يستمع لكلمات زوج ابنته المتواضع والحاني. وزاد شعوره بالاطمئنان على ابنته مع ذلك الرجل. نظر أدهم إلى سليمة وقال بمشاغبة:
"صباح الخير يا آنسة سليمة."
تلونت وجنتها بحمرة الخجل وأجابته بصوت ضعيف. شعر بسعادة كبيرة وهو يراها أمامه الآن زوجته. وبعد لحظات سوف يخرج معها بموافقة والدها ومباركته.
أشار إلى سليمة أن تسبقه إلى الباب. لتقبل رأس والدها وغادرت بابتسامة مشرقة تنير وجهها. لحقها أدهم ليغلق يونس الباب خلفهم وهو يدعو لهم بالسعادة والفرح. لكنهم لم يغادروا. وقفا الاثنان ينظران إلى الباب المقابل وسؤال واحد يدور داخل عقلهم. ماذا سوف يحدث إذا علم والديها بوجود ثامر؟ لتتحول الابتسامة إلى قلق وخوف في عينيه لتمسك سليمة يده تطمئنه بنظراتها لتعود ابتسامة صغيرة فوق شفتيه وتوجها إلى المصعد.
استيقظ على يد جدته التي تربت على كتفه بخشونة. فتح عينًا واحدة ينظر إليها وقال بمشاغبة:
"إيه الإزعاج ده يا شكران. أنا راجع متأخر امبارح وعايز أنام."
لتضربه على رأسه وهي تقول بغضب:
"قوم يا ولد عايزة أتكلم معاك."
كانت تتحدث بجديه ليعتدل جالسًا يفرق عينيه ثم قال ببعض الضيق:
"صحيت يا شكران. وكلي أذان صاغية."
"كنت فين امبارح يا ولد؟ هو مش كنا خلصنا خلاص من موضوع السهر والضياع ده."
لم تهتم لكلماته المرحة وقالت بضيق واضح وجدية شديدة. ليعتدل مرة أخرى وامسك يدها وهو يقول بصدق:
"هو إيه حكاية ولد دي يا شكران. أنا بقى عندي 32 سنة يا شكران يعني مش ولد. شوية احترام لكينونتي كرجل بالغ."
لم تهتم لكلماته المازحة وظلت على نظراتها القوية السائلة ليقول بهدوء موضحًا:
"هو إحنا فعلًا خلصنا من موضوع السهر والضياع ده يا جدتي. أنا امبارح كنت ناوي أروح أسهر شوية مع أصحابي كنوع من الترفيه كده لكن حصلت حاجة غريبة معايا يا شكران. حاجة كده خطفت قلبي وغيرت حالي."
قطبت جبينها أكثر لكن بحيرة وهي تقول بقلق:
"يعني إيه؟ إيه اللي حصل؟"
صمت لثوان يحاول استجماع أفكاره. يريد أن يخبرها عن هوا لكن بطريقة جيدة حتى يحافظ على صورتها أمامهم. انتبه من أفكاره على نظراتها المتفحصة. والقلق الواضح في عينيها ليقول موضحًا:
"شكلك هتخسري حفيدك التاني يا شكران. بنات حواء اتفقوا على أحفاد الخشاب وبيسرقوا قلوبهم يا شكران وأنتِ ساكتة كده."
ضربته على كتفه ورفعت عصاتها تهدده بها وهي تقول:
"يا ابني اتكلم بقى. وقعت قلبي."
"أنا بحب يا شكران. وقعت على بوزي في الحب. بنت سمرا بعيون عسلي خطفت قلبي."
قال آخر كلماته وهو يضع يده فوق موضع خافقه. وأكمل كلماته التي تحمل الكثير من الهيام:
"شوفتها ومن أول نظرة قلبي مبقاش في صدري. وأمبارح شوفتها تاني ورجع قلبي تاني اتخطف مني. فضلت ألف وراها كانت مع باباها بيشتروا حاجات ومشيت وراهم لحد ما عرفت عنوانهم. والنهاردة هخلي حد ثقة يسأل عليهم. بس."
كانت تبتسم بسعادة وهي ترى حفيدها الذي كان يسير على طريق الضلال يعتدل مساره يتقرب من الله. أصبح كتفه بكتف ابن عمه. رجل حقيقي يعتمد عليه. صحيح كانت تريده أن يخطب ظلال لكن لكل منهم نصيب مختلف. ونصيب ظلال مميز من كل الجهات شخص يشاركها شغفها. يعشقها وعشقه واضح في عينيه ولا يخطئه أحد. والآن يطمئن قلبها على حفيدها الأخير. لكن كلمة "بس" تلك التي نغزت قلبها. لتنظر له برجاء أن لا يقول ما يحزن قلبها لكنه قال بهدوء وثقة:
"واضح إنهم يعني من عيلة بسيطة. مش من عيلة كبيرة. حتى ممكن يكونوا أقل شوية من عيلة سليمة."
لترفع عصاتها تلك المرة وضربته بها على رأسه برفق ليتأوه وهو يضحك وقالت بلوم:
"ومن إمتى أنا بفكر بالطريقة دي. المهم البنت تكون كويسة ومؤدبة تصونك وتحبك وتسعدك. أنا مفيش حاجة تهمني يا عدنان غير إني أشوفكم مرتاحين وفرحانين مع اللي بتحبوهم بجد ومن قلبهم."
أنحنى يقبل يدها باحترام وتقديس وهو يفكر. هل ما قام به صحيح؟ بدأ سلسلة من الكذب ولا يعلم إلى أين ستصل به؟ لماذا أخبر شكران الآن؟ لماذا لم ينتظر حتى يتحدث مع هوا ويخبرها بحقيقته وحقيقة زواجهم؟ ربما رفضت. نفض عن رأسه كل هذه الأفكار. اليوم سوف يتصل بها ويقابلها ويخبرها بكل شيء. وإذا وافقت سوف ينفذ ما فكر به. والنية خير. أن يخرجها مما هي فيه. وأن يغلق أبواب الأسئلة والشك فيه.
يقف عند باب الشقة ينظر إلى هيئته قبل أن يذهب إلى المطعم. غادرت غرفة والدها وبين يدها الصحن الخاص به. روتينها اليومي تهتم بوالدها وترتب البيت ثم تلحق به في المطعم. جملية رقيقة كعادتها. بملابسها البيتية التي تلعب بأعصابه ومشاعره وتثير رجولته دون رحمة. وبدون قصد أيضًا. فهي بطبيعتها وكينونتها الرقيقة تثيره في كل لفة وحركة. ابتسم وهو يترك مفاتيحه وهاتفه على الطاولة الصغيرة جوار الباب. وبخطوات واسعة سار خلفها إلى المطبخ. كانت تقف أمام المغسلة شاردة. أو هكذا خيل له ليقترب منها وضمها من الخلف وقبل جانب عنقها وهو يهمس بجانب أذنها:
"هو إنتِ مش ناوية ترحميني شوية من جمالك ده اللي واكل عقلي ومخليني عامل زي العيل الصغير اللي عايز يفضل لابد في حضن أمه."
ابتسمت وهي ترجع رأسها إلى الخلف تريحها على كتفه العريض دون أن تعلق. ليقبل وجنتها برقة وقال ببعض القلق:
"مالك يا زيزي؟"
أخذت نفسًا عميقًا يحمل بعضًا من رائحته وقالت بصوت مختنق:
"حاسة إني تعبانة أوي. مش عارفة ليه حيلي مهدود. وحاسة إني عايزة أنام وأعيط."
قطب جبينه بحيرة. لكنه قال باستفهام:
"يمكن ده معاد العادة الشهرية. وأنتِ في الوقت ده مودك بيبقى غريب."
رفعت كتفيها وكأنها تقول له لا أعلم. ليضمها بقوة إلى صدره وقال بحنان:
"ارتاحي النهاردة. نامي براحتك. وأنا هبعتلك غدى من تحت ليكي ولأستاذ حليم. ولما أرجع من المطعم أبقى عيطي على كتفي زي ما أنتِ عايزة."
لتهز رأسها بنعم.
يقبل وجنتها وجانب عنقها مرة أخرى وتركها وغادر. كانت تتابعه بعينها بعيون زائغة ورؤية مشوشة. وقبل أن يغلق الباب سمع صوت هبدة قوية لتسقط الأشياء من يده وهو يركض إلى المطبخ من جديد بعد أن سقط قلبه بين قدميه مهشمًا.
وصل أكرم إلى مؤسسة الخشاب. وقد نوى أن يخبر أدهم بالأمر. ويرتب معه الخطوات القادمة من أجل مصلحة ظلال. وأيضًا حتى يستطيع تنفيذ خطته في علاج مراد. لكنه لم يجده ولم يجد سكرتيرته أيضًا. وموظف الاستقبال بالأسفل سمح له بالانتظار في غرفة الانتظار حتى حضورهم. بعد أن رفض أكرم أن يدخل إلى عدنان وأخبرهم أن الأمر شخصي وأنه يريد أدهم لا غيره.
وفي تلك الأثناء. كان مراد يقود سيارة ظلال التي تغط في نوم عميق من أثر المخدر الذي استنشقته غير واعية لما حدث بعدما طلب منها أن يقود هو السيارة ويعود السائق إلى القصر. طالبًا بعض الخصوصية معها خاصة وهو يريد التحدث معها في أمر هام. وكانت هذه أول خطوة في خطته. والخطوة الثانية هو إرساله إيميل إلى مدير المحطة يخبره أنهم سوف يأخذون إجازتهم السنوية. وها هو في طريقه لتنفيذ الخطوة الثالثة.
رواية أو أشد قسوة الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سارة مجدي
تنظر له بأبتسامة ناعمة خجولة ترتسم على ثغرها الملون بلون وردي هادئ لا يلفت النظر لكنه فعل بقلبه الافاعيل.
هو يراها نبتة صغيرة بها زهرة وردية اللون على اوراقها الصغيرة قطرات الندى التي تزيدها جمالًا ورقة.
بنظراتها التي تضمه اليها بحنان أم ولهفه عاشقة، وقلب محبه.
يرى في عيونها ما يزيد حبه لها خاصة وهي تمنح رجولته المخدوشة بسبب مرضة مكانة خاصة.
مد يده يمسك يدها المسترية فوق الطاولة وقال بحب كبير:
- أنا بحبك اوي .. معرفش أمتى وإزاي قدرتي تخطفي قلبي في وقت قليل أوي كدة تسكنيه وتملي كل ركن فيه .. وتحوليه من صحراء جرداء لا زرع فيها ولا ماء .. لجنة غناء مليانه حياة وسعادة وفرح.
أسبلت أهدابها بخجل فطري تنظر الي يده التي تحتضن يدها واتسعت أبتسامتها الخجلة ليكمل كلماته وكأنه يريد أن يخرج كل ما بداخله من مشاعر الان امامها.
يعترف أعتراف المجرم الذي يود التخلص من ذنبة وأعتراف العاشق الذي أضنى قلبه ليالي العشق والسهر.
- اول واحدة كنت خايف من رد فعلها على مرضي هو أنتِ .. لكن لما عرفت أن حتى شخصيتي التانية أختارت تسكن جمبك .. حسيت إنك ملاك ربنا باعته ليا علشان بس يطبطب على قلبي ويقولي أنت مش لوحدك يا أدهم نصك التاني جمبك ومعاك .. حواء اللي أتخلقت من ضلعك موجودة جمبك .. ومن أجمل ما خلق ربي.
رفعت عيونها اليه وبداخلها الكثير من الحديث التي تود البوح به له.
هو يستحق ان تقول ما بداخلها يستحق أن يعرف جيدا ما باخلها وما يحمله قلبها من أجله.
فقالت بنفس الابتسامة الناعمة:
- أنا كمان يا أدهم .. من أول مرة شوفتك فيها حسيت أحساس غريب أحساس إني أعرفك من زمان .. زي ما يكون متربين مع بعض أو إنك إبن الجيران اللي سكن حبه قلبي من يوم ما وعيت على الدنيا.
- المرض ده شيء ميقلش منك ده أختبار من ربنا .. وفيه منحة ومحنة هنمر سوا بالمحنة .. وننجح في الأختبار علشان نستحق المنحة.
- محدش له في نفسه حاجة وأي حد ممكن يتعرض للأكتر من كده بكتير .. يعني مثلًا لو بصيت على محنة أستاذ عدنان هتلاقيها صعبة أوي .. أختبار فوق الطاقة لكن لما ربنا أبتلاه بالمرض ده كان عارف كويس هو يقدر يستحمل ايه وميقدرش على أيه علشان كده أنت قد أختبارك .. وقد كل اللي جاي .. أيدي في أيدك هنعدي المحيط والمستحيل قدمنا هيبقى سهل وبسيط.
لمعت عينيه بدموع السعادة والفرح.
فتلك الجميلة الرقيقة بكلمات بسيطة أستطاعت أن تلون حياته بالوردي كما هي وردية رقيقة.
جعلت بداخله طاقة كبيرة لتحمل كل ما هو أت ومهما كان مرضه وأعراضه.
وتوابعه صعبه هو قادر على أجتياز هذا الامتحان.
رفع يدها الي شفتيه يقبلها وعينيه بعيونها.
لكن بدلًا من قبله على ظهر يدها كانت في باطنها وتحولت لعدة قوبلات متتاليه.
فوق أطراف الاصابع وبعد كل إصبح قبله في باطن يدها.
كانت تشعر بالخجل وعيونها تدور في وجوه الناس ترى هل يرى أحد ما يقوم به ذلك الرجل الذي أسر قلبها وعقلها وروحها بعشقة وحبه ورجولته الطاغية.
أبتسم لها وهو يقول:
- مليكيش دعوة بالناس واللي يشوفنا يشوفنا وفيها ايه؟ أنا بحبك ومستعد أصرخ بيها بصوت عالي في كل مكان وقدام اي حد.
أسدلت أهدابها بخجل ليقبل يدها مرة أخرى وقال بجدية حتى يخرجها من حاله الخجل تلك التي تلبستها ويشعر بها بسبب أرتعاشة يدها:
- دلوقتي عندنا مشكلة.
انتبهت جميع حواسها حين نطق كلماته.
ليقول هو بنفس الجدية:
- دلوقتي أهلك ميعرفوش حاجة عن موضوع مرضي .. وثامر لما بيبقا موجود بيروح الشقة اللي قصادهم يعني ممكن الصدف تجمعهم .. هيبقا ايه الحال وقتها.
زمّت شفتيها كالاطفال دليل على التفكير وظل هو يتأملها بسعادة.
ف رغم قلقه الحقيقي مما قاله منذ لحظات الا أنه مستمتع بكل لحظة تمر به معها.
ظلت هي على صمتها لكن في النهاية قالت بهدوء:
- وهناك اصلا مشكلة تانية .. أن ثامر مش بيحبني صحيح بقينا أصحاب شوية.
ورفعت أصبعيها الابهام والسبابة وقربتهم من بعضهم الا قليلا تعبيرًا عن حجم صداقتهم الضئيل.
وأكملت:
- لكن ده ميمنعش انه شايفني غفير.
- ده اعمى البصر والبصيرة .. هو فيه غفير قمر كده .. وصغير كدة .. وجميل كدة.
لتخبئ وجهها بيديها بخجل ليضحك بصوت عالي وهو يقول بمشاغبة:
- أموت انا.
أبعدت يدها تنظر له باندهاش ليقول بصدق:
- أنا بحبك يا سليمة .. ومستعد علشان خاطرك أعمل اي حاجة.
مدت يدها ليده ليمسكها بقوة حانية حين قالت:
- إيدي في إيدك هنعدي الصعب.
بعد مرور بعض الوقت كانوا قد انتهوا من تناول الطعام وشرب أدهم قهوته.
وقف وهو يقول بحماس:
- يلا بينا على الشركة .. النهاردة هندلها وإيدي في إيدك.
كانت تشعر بالخجل لكن حماسة بأظهار حبه لها للجميع جعلها هي الاخرى تريد أن يعلم الجميه إن ذلك الرجل المهيب هو زوجها، حبيبها.
في طريقهم الي الشركة ورد اتصال لأدهم يخبره أن هناك من ينظره ويرفض أخبارهم بأسمه أو سبب الزيارة ويقول ان الامر شخصي وهام.
شعر أدهم بالقلق لكنه لم يعلق بشيء سوا انه في الطريق.
والوقت الباقي حتى المؤسسة كان صامت تمامًا.
…………….
في الطريق الصحراوي كان يقود السيارة وأبتسامة انتصار ترتسم على ملامحه.
لكن تلك الابتسامة اختفت حين لاحظ على بعد عدة امتار كمين للشرطة.
أن تلك الكمائن عادية ومعتادة على ذلك الطريق.
ودائما كان يقابل فيها بالترحاب من الضابط الذي يرأس ذلك الكمين.
ومؤكد هذه المرة لن تختلف كثيرًا عن سابقيها هو فقط يرسم تلك الابتسامة الواثقة ويعرف عن نفسة سينتهي الامر ببساطة.
أقترب من مكان وقوف الضابط.
أنزل الزجاج ونظر اليه بأبتسامة واثقة وقال:
- صباح الخير.
ومد يده بالرخصة ليقول الضابط بترحيب بعد أن سأل عن شخصة وتأكد من هويته:
- أستاذ مراد مذيعنا المحبوب اهلا بحضرتك.
- اهلا بيك.
أجابه مراد بهدوء وثقة مبالغ بها.
لينظر الضابط في أتجاه ظلال الغافية بفعل المنوم وقال بأستفهام:
- عرفنا ان البرنامج في أجازته السنوية.
لينظر مراد الي ظلال وقال بتأكيد:
- فعلًا علشان كدة انا وانسة ظلال خطيبتي قررنا نغير جو شوية بعيد عن القاهرة وزحمتها.
ظل الضابط محافظ على أبتسامته وقال:
- طيب معلش ممكن بس حضرتك تصحيها علشان نشوف البطاقة بتاعتها.
وأقترب من النافذة أكثر وقال بصوت منخفض:
- أصل عندنا أخبارية أختطاف .. حضرتك فوق الشبهات أكيد وأكيد برده مقدر موقفي.
يظهر الغضب على ملامح مراد وقال ببعض الغرور:
- لولا اني مقدر كنت أفتكرت فعلًا أن حضرتك بتتهمني .. لكن على العموم أتفضلو.
أمسك حقيبه ظلال فتحها واخرج منها البطاقة واعطاها للضابط الذي أتسعت أبتسامته وهو يقول:
- حضرتك قد ايه رقيق مش عايز تصحيها وتزعجه.
لم يجيب مراد على كلماته ليعيد الضابط له البطاقة والرخص وقال بأدب:
- بعتذر لو ازعجناك لكن ده شغلنا.
وأشار له أنه يستطيع أكمال طريقه.
ليدير مراد المحرك وانطلق.
لتتحول ملامح الضابط وهو يتحرك الي سيارته الخاصة المركونه خلف مبنى الكامين.
وأمر الباقي بأكمال عملهم حتى يعود.
وصعد الي سيارته وسار خلف سيارة مراد وهو يخرج هاتفه يبحث عن رقم ادهم وهو يتذكر ما كان قديمًا.
منذ أكثر من خمسة عشر سنة.
كان يقود سيارته عائدا الي البيت بعد ان أصبح ضابط شرطة ها هو حلمه تحقق وأصبح الضابط أوس.
حينها وجد سيارة واقفة على إحدى جوانب الطريق وهناك شاب يماثلة في السن تقريبًا يحاول تبديل اطار السيارة وجوارة تقف فتاة في مرحلة المراهقة تنظر له وعلى وجهها أبتسامة جميلة وهو ينظر لها كل دقيقة وأخرى بضيق.
بإحساس المسؤلية الذي يفرضه عليه منصبه أقترب منهم اوقف السيارة وترجل منها وهو يقول:
- اي مساعدة؟!
نظر له الشاب وقال برجاء:
- لو معاك كوريك أكون شاكر جدًا.
تحرك أوس الي مؤخرة السيارة بعد أن أومأ بنعم وفتحها وأخرج “الكوريك” وعاد الي الشاب الذي كان يعافر مع السيارة والإطار.
جثى على أحدى ركبتيه وبدء في مساعدته وكانت الفتاة تحاول كتم ضحكاتها.
حين انتهوا وقف الشاب وقال لها بغضب مصطنع:
- لسه ليكي عين تضحكي .. أنا نفسي أفهم بتلعبي في عربيتي ليه وتشيلي منها الكوريك.
فلتت ضحه منها وهي تقول:
- مكنتش أقصد يا آبيه .. انا كنت بس بدور على الحاجات بتاعتي اللي وقعت في الشنطة وأنت قولتلي اركبي بسرعة .. نسيت أحط الكوريك تاني.
كان يتابع ما يحدث بينهم وأبتسامة متسلية ترتسم على ملامحه.
ألتفت اليه الشاب بعد أن ضربها على رأسها باصبعين من يده بمزاح خشن قليلًا لكن محبب.
ومد يده له بتحيه وقال:
- أنا متشكر جدا .. أدهم الخشاب.
ليضع أوس يده بيد أدهم وقال بترحيب:
- العفوا .. ده واجبي .. بس الخشاب الخشاب ولا تشابه أسماء.
ليبتسم أدهم وهو يقول بتأكيد:
- لا الخشاب الخشاب.
ليقول أوس معرفًا عن نفسه:
- أوس سالم ظابط شرطة.
وتبادلا الحديث قليلا والارقام أيضًا وتحرك أوس عائدًا الي سيارته ليسمع أدهم يقول:
- يلا يا ست ظلال أركبي.
لتضحك مرة اخرى بمرح وهي تقول بدلال:
- حبيبي يا أبيه هتجبلي أيس كريم صح.
لم يستمع لأجابه أدهم بسبب صعوده الي السيارة لكن ظل اسمها يتردد داخل أذنه ولن يكون كاذب لو قال انه يتردد داخل قلبه أيضًا.
لذلك المكالمات واللقائات لم تتوقف بين أدهم وأوس لسنوات.
حتى لو كانت متباعدة.
لكنها ومنذ ثلاث سنوات فقط منقطعه بسبب سفر أوس للعمل بسيناء لفترة وانشغاله الشديد.
لكنه عاد منذ شهر واحد فقط.
وكأن القد أعاده من أجل ظلال.
وصل أدهم الي الشركة يده بيد سليمة والجميع ينظر اليهم.
من لم يعلم بعد بخطبتهم ينظر لهم باندهاش ومن يعلم ينظر لهم بأعجاب.
وانتشر خبر خطبتهم بين الجميع.
حين وصل الي مكتبه وجد أكرم ينتظره هناك.
أقترب منه بهدوء وقال:
- حضرتك منتظرني.
أومأ أكرم بنعم ومد يده بالكارت الخاص به وهو يقول:
- انا دكتور أكرم .. دكتور نفسية وعصبية وجاي لحضرتك في موضوع مهم يخص أختك الانسة ظلال.
انقبض قلب أدهم لكنه أشار له على المكتب وهو يقول:
- طيب اتفضل نتكلم جوة.
ثم نظر الي سليمة وقال برجاء نطقه لسانة وعينيه:
- أطلبي لنا قهوة لو سمحتي وتعالي.
أومأت بنعم في نفس اللحظة رفعت الهاتف لأذنها تطلب القهوة.
وحين حضر العامل طرقت الباب ثم دلفت ليضع العامل القهوة أمامهم وغادر.
وجلست هي على الكرسي المقابل لأكرم الذي نظر لها باندهاش ليقول أدهم موضحًا:
- انسه سليمة خطيبتي .. تقدر تتكلم وتقولي ايه الحكاية.
بدء أكرم حديثة ببعض التردد حتى ينتقي كلماته:
- أستاذ أدهم أنا الدكتور الخاص بأستاذ مراد منير خطيب أختك.
قطب ادهم بين حاجبيه وهو يقول:
- وبعدين.
أبتلع أكرم ريقه وقال بإقرار:
- أعتقد أخت حضرتك في خطر.
ضرب ادهم على سطح المكتب وهو يقول:
- أتكلم على طول لو سمحت في ايه.
بدء أكرم يقص عليه ما رتبه بالفعل في عقله وهو ينتظر حضور ادهم:
- أنا مش هقدر أقول اي حاجة تخص أستاذ مراد لكن اللي لازم حضرتك تعرفه ان مراد وبسبب حبه الشديد لآنسة ظلال هو اللي دبر حادثة استاذ عدنان .. وأنه مستعد يعمل اي حاجة علشان ظلال تكون ليه رغم انه بيعاني من مشاكل صحيه تمنعه من اتمام زواجه بيها.
ححظت عيني أدهم بصدمة.
وأرتسم الخوف على وجه سليمة التي شهقت بصدمة.
لكن وقبل ان يقول أدهم اي شيء أو يوضح أكرم أكثر قطع رنين هاتف أدهم الحديث ليقطب أدهم حاجبية وهو يقرأة أسم أوس على الهاتف.
وبداخله صوت يقول له ان هذا الاتصال يخص ظلال وبالفعل اجابه بلهفة ليصله صوت أوس سائلا:
- أدهم أنت تعرف أن ظلال مع خطيبها رايحين الساحل؟
والاجابة كانت كلمة واحدة:
- لا.
ليقول أوس شارحًا ما حدث.
وانه خلفهم الان.
ليقول له أدهم ما قاله أكرم.
ليقول أوس بإقرار:
- يعني احنا بنتعامل مع واحد مريض نفسي .. تمام أنا وراهم يا أدهم هنفضل على تواصل.
أغلق أدهم الهاتف واتصل مباشرة بعدنان.
وأمره بالحضور فورًا.
وبسبب صوت ادهم وأسلوبه فهم عدنان ان هناك امر جلل قد حدث وخلال ثوان كان امامه ينظر له بأستفهام ليخبره بكل شيء.
ليرتسم الشر على ملامح عدنان وهو يقول:
- ابن (…..) .. يخطفها من وسطنا كدة وفاكر نفسه هيفلت.
ليقترب منه أدهم وقال بصوت مرتعش من القلق والخوف:
- أهدى يا عدنان .. أحنا اللي يهمنا دلوقتي سلامة ظلال .. أوس وراهم .. وانا وانت ودكتور أكرم هنتحرك دلوقتي علشان نلحقه .. وعايز التصرف يكون بهدوء لحد ما ننقذ ظلال.
وتحرك الثلاث رجال خلف بعضهم لكن صوت سليمة اوقف أدهم.
ألتفت ينظر لها لتقول له بقلق:
- انا خايفة على ظلال وعليكم .. مش يمكن يكون معاه سلاح.
أمسك يديها بين يده وقبلها بحب وقال مهدئا:
- معانا ظابط متقلقيش .. وأكيد مش هعمل حاجة متهوره .. لكن مينفعش أسيب أختي مع مجنون زي مراد قدر يخدعنا كلنا بمظهره المنمق وأسلوبه.
أومأت بنعم والدموع تتجمع في عينيها ليقترب منها أكثر وقبل جبينها وهو يقول:
- أدعيلي .. وأنا هطمنك.
وتحرك خطوة واحده ثم وقف وهو يقول:
- الشركة بين أديكي أتصرفي .. ومش عايز اللي حصل دة حد يعرفة .. وهتعبك لو أتأخرنا أرجوكي تروحي لجدتي متسبيهاش لوحدها لان اكيد هتحس ان فيه حاجة غلط تويهها لحد ما أكلمك.
أومأت بنعم وهي تقول:
- ربنا معاكم متقلقش.
ليغادر في نفس اللحظة التي أنحدرت دموعها فوق وجنتيها وهي تقوليارب أسترها يارب.
وصل مراد الي الشالية الخاص به في منطقة ” الساحل الشمالي”.
أوقف السيارة في مكانها المخصص أسفل مظلة حديدية كبيرة.
وكان أوس يقف على مسافة جيدة منه.
يراه بوضوح لكن أيضًا لا يلفت الانتباه اليه.
ظل مراد داخل السيارة ينظر الي ظلال الغارقة في نومها الاجباري.
جفناها الواسعان.
وحاجبيها الثقيلان والمرسومان بدقة يزيدان ملامحها جمال ورقة.
وطابع عربي مميز.
خاصة مع ذقنها المدبب قليلًا.
وأنفها المستقيم.
جميلة هي ومميزة في عينيه رغم ان جمالها ليس جمالًا صارخًا.
لكن به سحر يخطف دقات القلوب.
والنظرات أيضًا.
وكل هذا يخلفه ثقة نابعة من تميز شخصيتها التي تدركها هي جيدًا.
وأيضًا بسبب أصلها وعائلتها العريقة.
أبتسم ببعض السخرية وهو يتخيل هيئة عدنان حين يعلم بما حدث.
لا يظن أن أدهم سيكون عنيف في موقفه.
أنه عقلاني وودود.
وسيكون رد فعله رغم خوفه على اخته هادئ.
وهو سيبرر له الامر إنها كانت تشعر ببعض الاختناق وتريد بعض الهواء وقرر أخذها الي هنا حتى تريح أعصابها أو يقول له مثلًا انه كان يشعر بالاختناق بسبب بعض المشاكل في العمل وهي أقترحت عليه تلك السفرة حتى يريح أعصابه.
وليوحي له أن هناك شيء خاص جدًا سار بينهم.
وبذلك يسرع من تزويجهم.
وفي تلك الاثناء يتابع مع دكتور أكرم العلاج.
حتى إذا عُرف الامر يكون هناك رد رادع للجميع.
زوجته الجميلة أبنه الحسب والنسب.
أبتسم بأنتصار وخطته المحكمة تكتمل داخل رأسه.
فتح باب السيارة وترجل منها.
لتتأهب كل حواس أوس التي كانت تغلي الدماء في عروقة بحميه رجولية.
رافضة لكل ما يحدث.
لكنه الان وحتى كونه ضابط شرطة كيف يتدخل في الامر.
لا يوجد بلاغ بالاختفاء أو الاختطاف.
لذلك عليه أنتظار حضور أدهم.
أخرج هاتفه واتصل بأدهم الذي أجاب فورًا وهو يقول:
- أيه الاخبار يا أوس.
ليقول أوس بغضب:
- أنت فين يا أدهم وصلت لفين؟
أخبره أدهم بمكانه بالتحديد ليقول بضيق:
- يعني لسة قدامك على الاقل ساعة.
ليقول عدنان بغضب وصوت يشتعل بنار الغيرة والخوف:
- هما فين يا أوس .. بيعملوا ايه؟
ليجب أوس بما جعل قلوبهم تسقط بين أقدامهم خوفًا.
ويزيد من غضبهم الذي يحاولون السيطرة عليه:
- ظلال متخدرة.
ليطلق عدنان لفظ نابي ليقول أدهم بقلق:
- لي تعمل فيها حاجة .. أو تعتدي عليها.
خيم الصمت على الجميع حتى قال أكرم بإقرار:
- متقلقوش .. مش هيقدر.
نظر له عدنان بعيون تطلق شرارات الغضب وتاكد تفتك بكل من تنظر لهم:
- إيه اللي هيمنعه وهما لوحدهم وهي متخدره .. وهو كان غرده ايه من خطفها غير كده.
ليقول أكرم بأسف:
- مراد مش هيقدر يعتدي عليها ولا يقربلها .. لانه عنده مشكله صحية تمنعه من ده ولأني واجهته أنه مينفعش يظلمها معاه .. قرر يخطفها علشان يجبركم على انكم تجوزهم.
خيم الصمت القاتل على الجميع حتى أوس الذي كان يقترب بخطوات حسيسة فوق العشب الاخضر حتى يرى ماذا يفعل بظلال بداخل الشالية.
وقف مكانه مصدوم مما يسمع.
تبادل أدهم وعدنان النظرات وكأن كل منهم يقول .. ” ما هذا الحظ العثر الذي لكِ يا ظلال .. تتخلصين من مريض إيدز حتى ترتبطي بشبه رجل”.
ظل الصمت يخيم على الجميع وكل منهم بداخله الكثير من الاصوات والصراعات.
أكرم الذي يفكر بندم الان أنه افشى سر مريضه.
لكن كان يريد أن يطمئنهم فقط.
هو أب ويعلم جيدًا ما يشعرون به الان.
وأدهم الذي كان يلوم نفسه.
ويريد لأخته الابتعاد عن عدنان ف القاها في يد شبه رجل خسيس.
رغم مرضه ومعرفته به الان انه وبكل بجاحة قرر أن يظلم ظلال بدم بارد.
وعدنان الذي يلوم نفسه ويعذبها بسياط الضمير الذي يخبره وبكل صراحة ووضوح انه السبب في كل هذا.
لو كان مستقيم.
لو كان رجل حقيقي يحافظ على حرمات الناس لما فكر قذر كهذا أن يتعدى على حرمه أبنه عمه.
وكان اوس يفكر انه منذ رأها أول مرة لمست قلبه بلمسة مختلفه لم تنافسها فيها اي فتاة قابلها أو تعرف عليها.
لكنه فضل الصمت حتى تكبر تلك الصغيرة.
وللغرابه ظل يراها بعين قلبه الطفلة الصغيرة رغم مرور السنين.
ولم يتخيل إنها كبرت الي تلك الدرجة.
وأن هناك من سبقه لها لكنه مريض مجنون.
كان او من عاد لرشده وخرج من دائره الصمت ولوم النفس هو اوس الذي أقترب اكثر من الشالية ومن خلال النافذة الزجاجية نظر بنصف عين عبرها ليراه يحملها برفق ويضعها على الاريكة التي تتوسط الصالة.
وأقترب من قدميها يخلع عنها حذائها ووضعه بشكل مرتب أرضًا بجانب الاريكة.
وليزداد الاندهاش اكثر واكثر.
حين انحنى وبكل حب وتقديس قبل قدمها عده قبلات وبدء يداعب اصابع قدميها كأنه يداعب قدم طفل صغير.
ثم اقترب منها يتأمل ملامحها وهو يهمس لها بشيء ما.
ظل على وقفته يتابع ما يحدث والنار تشتعل بداخل قلبه تحرقه دون رحمة وغضب قوي يعصف به يجعله يريد ان يدخل اليه الان يقتله ويتخلص من جسدة في البحر.
الهاتف ظل مفتوح بينه وبين أدهم الذي ظل صامت لكن عينيه تغيرت نظراتها وتحولت لغضب ناري وكأنه يفكر في شيء ما ويقوم بالتخطيط له داخل عقله.
خلال ساعة او يزيد كان يعبر أدهم بالسيارة من بوابة القرية التي وصفها لهم أوس.
أوقف السيارة خلف سيارة أوس لكنه لم يفتح المزلاج وقال بصوت غاضب:
- مش عايز تهور .. وسيبوني انا اتعامل .. ولو أحتجت مساعدة هطلبها منكم .. والفون هيكون مفتوح مع اوس.
فتح مزلاج الباب وترجل من السيارة.
ليتابعه عدنان بعينيه وبداخله صوت يقول أن من تحدث منذ لحظات هو ثامر وليس أدهم ام اتحدت الشخصيتان.
ترجل من السيارة وخلفه أكرم الذي ظل هادئ وصامت.
انه لا يعرفهم ولا هم يعرفونه لكنه هنا من أجل المساعدة في السيطرة على مراد إذا لزم الامر.
ساروا خلف أدهم بخطوات متمهله وهادئة حتى وصلوا الي أوس الذي أشار الي النافذة لينظر منها أدهم بنصف عين كما فعل أوس قبلًا.
ثم عاد اليهم بعد ان تأكد أن كل شيء تحت السيطرة ولم يحدث شيء وان مراد يجلس على كرسي منفرد وظلال ممدده على الاريكة غائبة عن الوعي.
نظر الي أوس وقال:
- أنا هروح أخبط عليه عامل المفاجأة هيكون مهم وخليه يفتكر اني لوحدي والخط بينا مفتوح .. لو قولت شُكران كده هتزعل يبقى معناه تدخلوا ونتعامل سوا معاه.
لكن انا متأكد اننا مش هنحتاج كل ده.
ظل الثلاثة صامتون وهو لم ينتظر رد منهم.
تركهم خلفه وتوجه الي باب الشالية ليتأكد عدنان من احساسه.
من كان يقف امامهم ثامر وليس أدهم.
طرق أدهم الباب بشكل هادئ حتى لا يثير شك مراد.
كان أوس يتابع ما يحدث من النافذة ولاحظ التردد الذي ارتسم على محيى مراد الذي شعر بالاندهاش من ان يطرق احد الباب عليه لكنه قال لنفسه ربما يكون الحارس لذلك تحرك بهدوء وفتح الباب.
لترتسم الصدمه على محياه وهو يقابل ثامر لاول مرة وجه لوجه.
في جسد أدهم الذي يبتسم بشر وعينيه تنظر للواقف امامه بغضب مختلط جعلت رعشة خوف تسري في عروق مراد وهو يتراجع الي الخلف وأدهم يتقدم الي الداخل.
يتبع…
رواية أو أشد قسوة الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سارة مجدي
ظل بيبرس يتابع ما يقوم به الطبيب بترقب وقلق.
إنه منذ سمع صوت ارتطام جسدها بالأرض ورأها ممدة أرضًا بلا حول ولا قوة، سقط قلبه مهشمًا أسفل قدميه بخوف يصل إلى حد الرعب.
فما زال بداخل قلبه شعور الذنب وعظمة ما كان يقوم به، وخوفه الكبير من العقاب الذي يعلم جيدًا أنه يستحقه.
رغم يقينه الكامل برحمة الله ولطفه، لكن يبقى ذلك الهاجس الذي يهمس له بأن مازال هناك عقاب لابد أن تناله لتنال المغفرة كاملة.
انتبه من أفكاره على صوت الطبيب وهو يقول بهدوء وعملية:
- لا خير إن شاء الله.
اقترب منه وهو يقول بتوتر واضح:
- طمني لو سمحت.
أغلق الطبيب حقيبته وقال موضحًا:
- أنا مش لاقي أي مشكلة عضوية… احتمال تكون حامل… علشان كده هتحملوا التحليل ده.
ومد يده بورقة بها اسم التحليل واردف مكملًا:
- ولو النتيجة إجابية يبقى تشوفوا دكتورة نسا وألف مبروك.
كان يبتسم ويعود ليقطب جبينه، ينظر إلى الورقة بين يديه والطبيب الذي غادر، ويعود ينظر إليها وهي نائمة والذهول يرتسم على ملامحه، وسعادة تطفو في أفق حياته تجعله يريد أن يصرخ بصوت عالٍ حتى يسمع الكون كله بما يشعر داخل قلبه.
لكنه بدلًا من ذلك سجد لرب الكون وهمس لمكان سجوده بالحمدلله، فسمعها الله فوق سبع سماوات.
حين اعتدل من سجوده، أمسك هاتفه واتصل بالمطعم يخبرهم أنه وزيزي اليوم إجازة.
وأمرهم أيضًا بإخراج عدد من الوجبات توزع على المحتاجين.
ثم ترك الغرفة وهو يتصل مرة أخرى بمعمل التحاليل يطلب أن يحضر أحدهم إلى البيت ليأخذ منها العينة.
دلف إلى المطبخ وظل يدور حول نفسه.
السعادة والنشوة التي يشعر بها لا يستطيع وصفها حقًا.
فكم كان فضل الله عليه عظيم.
كيف كان ينتظر عقابًا جديدًا يكفر به عن خطأه العظيم ليجد رحمة الله تتغمده ويعطيه هدية عظيمة مثل هذه الهدية "ولد من صلبه ويخرج من رحم زيزي".
أي الهداية هذه وأي العطايا وأي كرم ورحمة من رب كريم رحيم.
فتح البراد ليخرج منه زجاجة العصير وافرغ منه القليل في كوب وأعاده إلى المبرد من جديد.
وعاد إلى غرفتها.
حين دخل وجدها تفتح عيونها وترفرف بأهدابها في هدوء.
اقترب منها وهو يقول بحب:
- كده تخوفيني عليكِ.
نظرت له وسؤالها الغير منطوق ظاهر في عينيها.
ليكمل هو بمحبة بعد أن وضع كوب العصير على الكومود:
- ساعة ما اغمى عليكي كنت حاسس إن قلبي هيقف من الخوف… لكن بقا لما جبت الدكتور…
- دكتور؟
قاطعته مندهشة.
ليمُسك يدها ويقبلها بحب جارف وشوق لا ينتهي وعاطفة متأججة لا تهدأ يومًا، وقال:
- أيوه دكتور… كنت هموت من الخوف… وحسيت إني كل حواسي وقفت ومرجعتش تشتغل تاني غير لما قالي خير إن شاء الله المدام حامل.
شهقت بصوت عالٍ.
ليقترب بوجهه من وجهها وأكمل شارحًا:
- طلبت المعمل علشان حد يجي ياخد منك عينة دم علشان نتأكد.
وانحنى يقبل يدها بتقديس أسري.
قشعريرة في جسدها بأكمله خاصة وهو يقول بصدق:
- شكرًا يا زيزي… أنتِ كنت باب التوبة اللي انفتح في وشي… طاقة النور اللي بددت عتمتي وقفت بيبان الخوف وفتحت أبواب النعيم والصدق والجمال في روحي… ودلوقتي ربنا بيهاديني بطفل مني ومنك… طفل من صلبي ومن رحمك فيه مني ومنك… فيه مني ومنك… فيه جمال وسعادة وفرح أكتر من كده.
الدموع تسيل فوق وجنتيها تأثرًا بحديثه الذي مس شغاف قلبها.
ودموع فرح من ذلك الخبر الذي جعلها تشعر بالسعادة وأن هناك ما هو يكمل حياتهم وعائلتهم الصغيرة.
ضمها إلى صدره بحنان وهو يحمد الله بصوت واضح.
لتردد هي أيضًا خلفه:
- الحمدلله.
***
تجلس خلف مكتبها تشعر وكأنها ضمت شجرة صبار كبيرة وانتشر الشوك في جميع جسدها.
ألم حاد منتشر في كل أنحاء جسدها.
لا هي قادرة على الجلوس ولا على الوقوف ولا على الشعور بالراحة بأي شكل من الأشكال.
تقوم بما عليها من أعمال بنصف عقل ونصف تركيز.
فقلبها وعقلها مع ذلك الذي خرج من باب مكتبها منذ أكثر من خمس ساعات وحتى الآن لا تعلم عنه شيء ولم يطمئنها بكلمة.
وتخاف أن يتأخر عن موعد انتهاء عملها.
أمسكت هاتفها تريد الاتصال به لكنها تراجعت خشية من أن تكون بسبب اتصالها إزعاج غير محبب الآن.
لتنتظر اتصاله هو.
وظلت تبحث في عقلها على حجة مناسبة تخبر بها والدها حين تذهب إلى السيدة شكران.
وأيضًا حجة أخرى تخبرها بها عن غياب أحفادها وذهابها لها.
وظلت الأفكار تتلاطم داخل عقلها بين القلق والخوف وبين محاولة تذكر ذلك الشخص الإعلامي المعروف الذي حضر حفلة خطبتها.
وكم كان منمق وصاحب ابتسامة ساحرة تخطف الأنظار.
وكيف كان ينظر إلى ظلال بحب وعشق كبير.
لكن هل الحب الشديد قد يصل بالإنسان إلى أذية من نحب؟
وبعيدًا عن كل قلقها وخوفها على أدهم، لكن ذلك السؤال ظل يتردد في عقلها طوال اليوم.
***
ظل أدهم يتقدم داخل الشاليه ومراد يتراجع إلى الخلف.
وجه أدهم خالي تمامًا من أي تعبير يوحي لمن ينظر له بما بداخله.
والتوتر والقلق يرتسم بوضوح على ملامح مراد الذي بدأ يهذي ببعض الكلمات:
- كنت هكلمك… أصل ظلال مكتئبة… أقصد أنا مكتئب شوية وهي… يعني هي قالت… نغير جو.
أوقف تراجعه الحائط الذي أصبح يستند إليه الآن بظهره يواجه نظرات أدهم.
أو هكذا كان يظن.
أما أدهم، رأسه جه اليمين وهو يقول ببعض التسلية:
- يعني أنت اللي كنت مكتئب… ولا هي؟! علشان بس أبقى فاهم.
فتح مراد فمه حتى يجيب، لكن أدهم أكمل حديثه:
- مش هتفرق… في جميع الأحوال أنا معتبر اللي حصل ده محاولة اختطاف.
لتلجظ عيون مراد وحاول فتح فمه مرة أخرى ليدافع عن نفسه.
لكن ثامر قال بغضب واضح:
- وخطف يعني شرف وعرض… يعني أنت كبيرك عندي طلقة في نص دماغك ومش هاخد فيك يوم واحد.
شعر عدنان بالخارج أن الأمور تكاد تخرج عن السيطرة وأن حضور ثامر جعل الغلبة لهم دون شك.
لكن لو نطق مراد اسم أدهم، ربما يتحول الأمر ويظهر التوتر وقلق على ملامح أدهم ويتحول الأمر عليهما.
اقترب قليلًا من أوس وهمس ببعض الكلمات.
لينظر إليه أوس بصدمة وعاد بنظره يتابع ما يحدث وعقله يحلل ويفكر.
ثم تذكر أن معهم طبيب نفسي.
عاد برأسه للخلف قليلًا وقال بهمس:
- واقف وراك دكتور نفسي اسأله… لو كده ندخل فورًا ومنستناش الإشارة.
التفت عدنان لأكرم واخبره بالأمر سريعًا.
ليفكر أكرم لثوان ثم قال:
- أعتقد أن الأمر مش هيكون بالتأثير اللي أنتو متخيلينه كمان هو مسيطر على الوضع وممكن دخولنا هو اللي يقلب الموازين.
عادوا بتركيزهم إلى ما يحدث داخل الشاليه.
كان ثامر لا يفصله عن مراد أي شيء.
يحاوطه بكل جسده.
يسند بيده على الحائط ويحاصره بينهم.
ينظر إلى وجه مراد الذي لا يفصله عن وجه ثامر سوا سنتيمترات قليلة:
- عارف أنا هعمل فيك إيه؟
هز مراد رأسه بلا وهو يفكر.
هل هذا هو أدهم الذي كان يظن نفسه قادر على خداعه؟
ها هو أكثر من يخيفه الآن.
وفي خضم أفكاره فاجئه ثامر بلكمة قوية في وجهه لحقها بلكمة أقوى في معدته.
ليسقط مراد أرضًا مستندًا برأسه على ركبة أدهم.
الذي تراجع خطوة للخلف.
ليتمدد مراد أرضًا غير قادر على الحركة.
لكن ثامر لم يتركه.
فركله في معدته بقوة حتى إنه دار حول نفسه ومرة أخرى تمدد على وجهه وهو يتأوه بشدة.
لم يحتمل أوس أكثر من ذلك.
فأشار لهم أن ينتظروا ودار حول الشاليه ودخل من الباب يحاول منع أدهم من ضرب مراد مرة أخرى وهو يقول متجنبًا نطق اسمه:
- خلاص مبقاش فيه نفس… خلينا نقعد ونحدد هنعمل إيه.
وأشار إلى جسد ظلال.
نظر له ثامر بنظراته القوية الثاقبة والتي تحمل الكثير من الانفعالات والتي بالفعل تختلف كثيرًا عن نظرات أدهم الهادئة.
لكنه تراجع إلى الخلف رغم أنه يتنفس بصوت عالٍ ونظراته ثابتة على جسد مراد.
ثم بعد لحظات نظر إلى أوس وكأنه يستوعب وجود أوس هنأ.
تراجع للخلف خطوة أخرى.
ليشير أوس لعدنان أن يأتوا هو وأكرم.
وحين دخلوا إلى المكان كان الدور على عدنان الذي رفع مراد عن الأرض وعاد يلكمه ويضربه.
ليقول أوس بغضب:
- خلاص بقى سيبوه متنسوش إن أنا ظابط ومش هسمح باللي بيحصل ده خصوصًا إننا لحد دلوقتي مش عارفين موقفها إيه.
أنهى حديثه وهو يشير إلى ظلال مرة أخرى والتي تجلس الآن تنظر إليهم جميعًا بصدمة وتشوش.
لم يتحرك أدهم من مكانه.
فشخصية ثامر ما زالت تسيطر عليه.
ليقترب عدنان منها وجثى على ركبتيه أمامها وهو يقول بقلق:
- أنتِ كويسة؟!
نظراتها الضائعة والمشوشة جعلتها تتأخر في الرد لعدة لحظات.
وكان القلق يعصف بالجميع.
حتى قالت:
- إيه اللي حصل؟! أنا فين؟
دارت بعينيها على جميع الوجوه حتى وقعت عينيها على مراد الفاقد للوعي ووجهه الملطخ بالدماء.
وبدأت ذاكرتها في الانتعاش وتذكر ما حدث.
ليسألها عدنان بقلق وخوف واضح:
- أنتِ قوليلنا إيه اللي حصل يا ظلال.
دارت بعينيها من جديد على كل الوجوه.
ثم همست بصوت ضعيف:
- مراد اتصل بيا زي كل يوم الصبح قبل ما بننزل الاستديو.
لكن المرة دي طلب مني أعدي عليه علشان هو تعبان ومش قادر يسوق.
فعلاً عدينا عليه.
لكن قبل ما يركب معايا طلب مني أخلي السواق يرجع الڤيلا وهو هيسوق علشان يبقى فيه شوية خصوصية.
وفعلاً خليت السواق يروح.
وبعد ما اتحركنا بالعربية شوية فضل يتكلم عن إنه مخنوق وتعبان ومحتاج إجازة.
وبعدين…
صمتت تحاول تجميع شتات أفكارها وأكملت بصوت مرهق:
- وبعدين اداني إزازة برفان وسألني إيه رأيي فيه.
شميته وقولتله حلو.
قالي رشي شوية على إيدك وشميه كويس.
عملت كده.
وبعدها حسيت إن دماغي تقيلة جدًا.
وآخر حاجة شوفتها وهو بيرش البرفان على وشي تاني.
تغلي الدماء في عروق ثامر.
ليقترب خطوة واسعة من جسد مراد وركله.
ليقترب أكرم من ثامر وقال بتعقل:
- أرجوك كفاية.
ولاحظ أنه مريض نفسي وتصرفاته غير محسوبة.
ابتسم ثامر بسخرية.
وتحرك ليغادر الشاليه وهو يقول:
- أنا مهمتي خلصت هنا… اعملوا اللي يعجبكم.
أنا في العربية.
وغادر دون أن ينتظر رد من أي منهم ودون أن ينظر ولو نظرة واحدة لظلال.
رغم إحساسه بألم قوي في قلبه لا يفهم سببه تجاهها.
انحدرت دموع ظلال وهي تشيع أخيها بنظرات كسيرة.
إنه غادر الآن دون نظرة واحدة لها.
ليقترب منها عدنان وقال بعطف:
- ده مش أدهم يا ظلال.
نظرت له باندهاش.
ليقول بإقرار:
- ده ثامر… متزعليش.
أومأت بنعم.
ليمُد يده لها حتى تقف بعد أن وضع حذائها أسفل قدميها.
وقفت وهي تشعر بدوار شديد.
لينظر عدنان إلى أوس وقال:
- أنا هخرج أنا وظلال وأنت اتصرف معاهم.
- هتقدموا بلاغ؟!
سأله أوس بحيرة.
ليجيبه عدنان قبل أن يغادر من الباب:
- رتب مع دكتور أكرم هو هيعمل معاه إيه… على ما يرجع أدهم ونشوف رأيه.
شعر أوس بالشفقة على أدهم وما أصابه.
لكنه لم يعلق بشيء.
فقلبه يؤلمه على طفلته التي سقطت في براثن ذئب ملون ومبهر بالشهرة وخداع الحب.
لكنه لم يظهر أي من هذا لأحد.
وانتبه لما يقوم به أكرم مع مراد.
بعد لحظات كان ثامر ينهب طريق العودة والصمت يخيم على الجميع.
لتغمض ظلال عيونها في محاولة للنوم والاسترخاء رغم ذلك الألم القوي الذي ينهش قلبها دون رحمة.
وظل عدنان يتابع الطريق وكل لحظة وأخرى ينظر إلى ظلال ليطمئن إنها بخير.
وفي اللحظة الأخرى ينظر إلى وجه أدهم يحاول أن يتبين منه هل عاد لطبيعته وشخصيته الأصلية أم ما زال ثامر حاضر في الأجواء.
لكن الإجابة وصلت إليه واضحة دون جدال.
حين ارتفع رنين هاتفه.
ليقطب ثامر حاجبيه وهو يجيب ببعض الغرور:
- هو علشان وقفنا اتكلمنا كلمتين في البلكونات خلاص بقينا أصحاب وبتتصلي بيا… جبتي رقمي منين يا غفير الدرك.
شعر عدنان بالاندهاش والصدمة من كلماته وأسلوبه.
إنه يختلف شكلًا وموضوعًا عن أدهم.
والسؤال من هي تلك الفتاة الملقبة بغفير الدرك.
وعلى الجه الأخرى فهمت سليمة أن من يتحدث لها هو ثامر.
فابتسمت وهي تقول:
- أنت اللي اديتني رقمك… علشان لو احتجت حاجة في الشغل.
ليضحك بصوت عالٍ وهو يقول:
- كلهم بيقولوا شغل وفي الآخر بيطلع إعجاب… المهم عايزة إيه؟
ضحكت بصوت عالٍ.
هي لن تنكر أبدًا أنها اشتاقت لذلك المشاغب ثامر.
أسلوبه وكلماته.
حركاته وانفعالاته.
صراحته التي تصل حد الوقاحة.
وجرأته التي كانت تسبب لها الحرج والخجل.
والآن تجعلها تشعر ببعض الخصوصية بينهم.
وكان هو يستمتع حقًا بصوت ضحكاتها الناعمة.
لكنه أراد أن ينهي الأمر.
لقد بدأ يتأثر بها حقًا وهذا لا يعجبه.
- ما تخلصي احنا هنقضيها ضحك.
صمتت فجأة وقالت بجدية رغم أنها ما زالت ترتسم على ثغرها ابتسامة ناعمة:
- لا يا فندم.
أنا بس كنت عايزة أعرف حضرتك راجع إمتى.
صمت لثوان ثم قال بهدوء:
- أنا راجع من الساحل… ومفتكرش هقدر أعدي على الشركة… تقدري تروحي.
- حضرتك قربت توصل على القاهرة؟
سألته بلهفة.
ليقول بمشاغبة:
- وأنتِ مالك يا حشرية… بس تقريبًا ساعة وأدخل القاهرة.
تنهدت براحة ثم قالت:
- تمام توصل بالسلامة.
هروح أنا بقى.
أغلقت الهاتف وهي تبتسم براحة.
صوته المرح وكلماته القليلة التي فهمت منها أنه عائد الآن إلى القاهرة أي أنه بخير.
لكن هل ظلال أيضًا بخير؟
نفخت الهواء من صدرها وهي تفكر.
هل تتصل بعدنان؟
أو تنتظر ساعة أخرى.
ارتاح قلبها للاختيار الثاني.
وعلى هذا الأساس غادرت الشركة بعد موعد انتهاء العمل مقررة العودة إلى بيتها وتنتظره هناك في شرفتها.
***
بعد مرور أكثر من ساعة أوقف ثامر السيارة أمام بوابة قصر الخشاب.
لينظر له عدنان وقال بابتسامة:
- شكرًا على وقفتك معانا… مش عارف من غيرك كنا هنعمل إيه.
ابتسم ثامر ابتسامة تحمل الكثير من الغرور وقال بتعالي:
- عفوًا.
هز عدنان رأسه يمينًا ويسارًا بتعجب.
ثم ترجل من السيارة وفتح الباب لظلال.
والسؤال واضح داخل عيونها.
لكنه أشار لها أن تسير في صمت.
عبروا البوابة لينطلق ثامر بالسيارة متوجهًا إلى شقته.
فغفير الدرك ينتظره.
***
وقفت ظلال أمام عدنان وهي تقول بقلق:
- أنا خايفة على أدهم… وخايفة منه شخصيته التانية دي.
صمتت لا تعرف بماذا تعبر عما تشعر به.
ليربت عدنان على كتفها وهو يقول بقلق:
- أنتِ شاغلة بالك بأدهم… ومقولتيش أي حاجة عن اللي حصل.
وحاسس إنك كأنك مش فاهمة اللي مراد عمله.
ابتسمت ببعض السخرية وقالت بحزن شديد:
- مصدومة يا عدنان… اللي بنحبهم محسوش بينا وجرحونا كتير ولسنين… واللي حبونا طلعوا مستعدين يأذونا علشان بس يثبتوا ملكيتهم لينا.
حالي بقى عامل زي ما شيرين بتقول “في عشق بيستنانا وعشق بنستناه وعشق بينسينا العشق اللي عشقناه.
القلب اللي بيجرحنا فيه حاجة أكيد جارحاه وجراحنا بتفكرنا بالقلب اللي جرحناه”.
بس أنا بقى لا فيه عشق بيستناني ولا عشق بستناه وقلوب جرحتني رغم إني مجرحتش حد.
وتركته واقفًا في مكانه.
ابتسامة حزن ترتسم على وجهه.
خاصة وهو يستمع لصوت تحطم قلبه بداخل صدره.
صغيرته تتألم.
تلومه دون لوم.
تذبحه دون سلاح حاد ودون أن ينزف قطرة دم واحدة.
قتلها رغمًا عنه وابتعد عنها حتى يحميها.
لتقع في من يؤلمها أكثرًا.
وكانت طعنتها الأخيرة.
حين نادته قائلة:
- عدنان تفتكر أنا مستحقش إن حد يحبني بجد… مستحقش ألاقي القلب اللي يستاهل قلب ظلال.
لكنها لم تنتظر منه إجابة.
عادت ابتسامة السخرية ترتسم على ملامحها.
وبخطوات سريعة قطعت الحديقة الكبيرة ودخلت إلى القصر.
وظل هو واقفًا في مكانه يتألم ويفكر.
ويتوهم.
ويتحسر ويلوم نفسه.
لكن قطع كل هذا رنين هاتفه.
ليخرجه من جيبه ليجد اسم هوا يملأ شاشته.
يذكره بوعد قد قطعه على نفسه.
وفتاة في حاجة إليه حتى يخرجها من بيئتها الموبوءة.
ماذا يفعل الآن؟
وماذا يفعل أساسًا؟
فأجاب على اتصالها وهو يتحرك في اتجاه باب القصر.
لكن بخطوات صغيرة بطيئة.
لكن تسمرت قدميه في الأرض حين سمع صوت صراخها الذي يصل إليه من مكان بعيد كأنها في مكان والهاتف في مكان آخر.
ليتحرك سريعًا إلى جراج القصر وأخذ أول سيارة قابلته وخرج تسابقه أفكاره السوداء وقلق قلبه.
غافلًا عن تلك التي تقف في شرفتها كعادتها تراقبه من خلف الستائر والدموع تغرق عينيها.
***
وصلت سليمة إلى البيت لتجد والديها في انتظارهم هي وأدهم لتناول الغداء.
جلست على كرسيها على طاولة الطعام ونظرت إلى والديها بأسف وقالت كاذبة ومعتذرة:
- معلش أدهم مقدرش يجي.
أصل ظلال حصل معاها مشكلة كبيرة في شغلها ومشي بدري من الشركة.
هو بيعتذر لكم ومش عايزكم تبقوا زعلانين.
ليربت يونس على يد ابنته وقال بابتسامة حانية:
- مفيش مشكلة يا بنتي.
المهم أخته بخير.
أومأت بنعم وقالت توضح بعض الأمور دون الإفصاح عن الحقيقة:
- اتخانقت هي وخطيبها… وبسبب كده وقفوا البرنامج متحججين بإجازة البرنامج السنوية.
وهي كانت تعبانة أوي ف أدهم مكنش ينفع يسيبها لوحدها.
ابتسمت فاطمة وقالت بفخر حقيقي بزوج ابنتها:
- أدهم راجل حقيقي وطبعًا أخته مسؤليته ولازم يقف جنبها ويدعمها ويسندها.
ابتسمت سليمة بسعادة أنها استطاعت أن تداوي الأمر دون أن يحزن والديها من أدهم.
تناولت طعامها سريعًا وقالت وهي تغادر الطاولة:
- أنا تعبانة جدًا ومحتاجة أنااااااام.
ليضحك يونس بصوت عالٍ وهو يقول:
- طبعًا طبعًا عايزة تناااااااامي وتطمني على أدهم.
أقصد يعني أخت أدهم.
ضحكت سليمة بخجل وغادرت ترافقها ضحكات والدها ودعوات والدتها بالسعادة.
***
دلفت إلى غرفتها واغلق الباب خلفها.
ومباشرة إلى الشرفة.
اتسعت ابتسامتها وهي تراه يقف هناك.
يرتدي بنطال أسود وتي شيرت من نفس اللون.
وبين أصابعه سيجارته الغير بريئة وبيده الأخرى كوب القهوة.
ظلت تتأمله بسعادة.
لكنه أجفلها حين قال:
- مش عيب بنت زيك المفروض إنها ملتزمة يعني تقف تتأمل راجل غريب كده.
تجاهلت كلماته وقالت مستفهمة:
- أنت شلت فاصل الأرابيسك ليه؟
أجابها بهدوء بعد أن أخذ رشفة من كوب قهوته:
- علشان تعرفي تتأمليني.
والتفت ينظر إليها جيدًا ثم قال:
- أنتِ إيه حكايتك معايا ها؟! عايزة إيه مني؟
اقتربت من سور الشرفة وقالت بهدوء:
- مش عايزة حاجة… أنا كنت فاكرة إن بعد آخر مرة اتكلمنا فيها إننا بقينا أصحاب.
ابتسم ابتسامته الجانبية التي يتشابه بها مع أدهم والتي خطفت نظراتها ونبضاتها منذ أول مرة رأتها فيه.
لم يعلق على كلماتها لكنه قال بهدوء:
- مش عايزة تسأليني كنت بعمل إيه في الساحل.
نظرت له وقالت ببعض الشك:
- هو أنا لو كنت سألتك كنت هتجاوب؟
هز رأسه بلا.
وابتسم وهو يقول:
- صراحة لا… وعلشان مسألتيش عايز أحكيلك.
- وأنا مستعدة أسمعك.
قص عليها كل ما حدث.
وكانت تستمتع له وقلبها يؤلمها على حاله وحال ظلال.
لكنها انتبهت من أفكارها حين قال بتفكير وحيرة:
- أنا مش عارف أنا ليه روحت معاهم أصلًا… وعلاقتي بالبنت دي إيه؟
عدنان أعرفه من الشغل… لكن مين الناس التانية اللي موجودين معانا… وليه أنا اللي كنت متصدر المشهد مش فاهم حاجة… ليه كانت فيه نار قايدة في عروقي بدل الدم… مش فاعل.
شعرت بالصدمة من حديثه الذي يخرج من قلبه وبضعف شديد وحيرة يعاكس هيئته المغرورة والمتكبرة.
وفكرت أن عليها التحدث مع الدكتور عبدالله في هذا الأمر.
لكنها رغم كل أفكارها قالت بهدوء:
- أنا معرفش حاجة عنك يا ثامر علشان كده مش هقدر أفيدك في إجابة سؤالك.
لكن أنت ممكن تعرف كل حاجة لو عايز من جواك تعرف بجد.
نظر لها وظهر على وجهه التفكير لعدة لحظات.
ثم ابتسم وهو يقول:
- دي تاني مرة أرتاح جدًا بعد الكلام معاكي… فيكي سحر غريب بيطمني وبيحسسني إن كل حاجة ممكن وسهل تتحل.
أنتِ مين؟
- سليمة.
أجابته بابتسامة حلوة ورقيقة.
ناعمة كنعومة ملامحها.
لتتسع ابتسامته التي تأثر بنبضاتها واعتدل واقفًا وهو يقول:
- المرة الجاية يا سليمة هعزمك على قهوة وهعملها لك بإيدي.
أومأت بنعم.
ليتحرك حتى يعود إلى شقته.
لتوقفه وهي تنادي عليه:
- ثامر.
التفت ينظر إليها فقالت بابتسامة قذفت داخل قلبه سهم الحب:
- أنا مبسوطة أوي بصداقتنا… أنت صديق متميز ومختلف.
من جديد أهداها ابتسامته الجانبية ورفع إصبعيه في تحية كتحية الكشافة ودخل إلى شقته.
التفتت لتتدخل غرفتها لتجد والدها يقف هناك جوار الباب ينظر إليها بشك وغضب واتهام واضح.
ليسقط قلبها أسفل قدميها.
***
هل جربت مرة ووقفت لترى طائر بريء يُذبح بيد من كان يطعمه ويسقيه؟
هل رأيت يومًا شخص يتحول لوحش لا يشبه وحوش الغابة في شيء بل هو أكثر وحشية وغدرًا؟
أهلاً بك في الواقع المرير.
أهلاً بك في عالم أشد قسوة من عالم الغاب.
رواية أو أشد قسوة الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم سارة مجدي
وصل عدنان إلى بيت هوا، يسبقه قلبه ولهفته. لا يعلم ماذا سيجد أو سيحدث، لكنه يعرف أن اليوم هو اختبار جديد، أو أخير. وخلاله سوف يجد طريقه الذي ظل يبحث عنه طوال حياته. ضل كثيرًا وتاه كثيرًا، حتى استطاع أن يصل إلى طريق الحق ووجد نفسه. لكن من الواضح أن الاختبارات لم تنته بعد.
أوقف السيارة وترجل منها. أوقف أول شخص قابله وسأله على بيت هوا، ليشير له على البيت. لكن في الحقيقة هو لم يحتج أن يسأل؛ صوت صراخها يصل للقاصي والداني، لكن وكأن الجميع على رؤوسهم الطير، لا أحد يتحرك.
ليركض إلى داخل البيت ليجد أمامه المشهد واضحًا كما وصفته له سابقًا. لكن ما يراه الآن أشد صعوبة. جمّدت الصدمة للحظات.
كانت شبه عارية بين ذراعي رجل ستيني يهذي ببعض الكلمات غير المفهومة، لكنها قذرة. وتلك العصفورة الصغيرة تقاوم بكل ما لديها من قوة واهية. وعلى أريكة قريبة منهم يجلس رجل في الستين أيضًا، يعد بعض المال. لعابه يسيل من كثرة شربه لذلك المشروب الرخيص الذي يريحه بين فخذيه، غير مبالٍ بصرخات تلك المكلومة.
كان يحاول استيعاب ما يراه أمامه، لكن صوت صراخها الذي شق صمته وشلّ عقله أعاده إلى وعيه. خاصة حين قالت اسمه بكل توسل:
"عدناااااااااااان!"
وبخطوات واسعة كان يقف بجانبها. وبقدمه ركل الرجل عنها، ومد يده يمسك بذراعها حتى يساعدها على النهوض وقال أمرًا:
"استري نفسك ولمي حاجتك."
لتركض إلى غرفتها سريعًا. حين اقترب هو من ذلك الرجل الذي يحاول الوقوف منذ ركله ولا يستطيع. لقد ذهب المشروب بعقله. وشيطانه الذي صوّر له أنه قد ينال تلك البريئة اليوم، فجعله يتناول بعض الأقراص الزرقاء. فلم يكن لديه القدرة على فعل أي شيء أو حتى الوقوف أمامه. ظل يركله ويركله. هيئة هوا وهي أسفله ذكرته بظلال وهي مع ذلك المريض مراد، غائبة عن الوعي. ظل يضربه وكأنه يضرب نفسه، أو يضرب مراد، أو يضرب أي رجل أخطأ يطلق على نفسه كلمة رجل وهو يستحل أعراض الناس.
ترك الرجل وتوقف عن ركله حين لاحظ أنه لم يعد يتحرك. ونظر إلى الرجل الذي كان مستمرًا في عد المال، رغم أنه ينظر له بخوف. فأقترب منه وأمسكه من ملابسه ولكمه في وجهه وهو يقول:
"راجل رخيص.. عديم الشرف وعديم الإحساس والرجولة.. مش دي بنتك اللي أنت مربيها؟"
كل ذلك واللكمات لم تتوقف على وجه الرجل العجوز الذي يبكي بقهر وحزن ويشعر بالغضب من نفسه وحاله. وأيضًا لا حول له ولا قوة. فقد أذهبت المخدرات وكثرة الشرب وقلة المال عقله وأخلاقه ودينه. عاش عمره كله رجلًا حقيقيًا مسالمًا، يعرف دينه جيدًا. ربّى يتيمة في بيته حتى تكون له من أسباب دخول الجنة، لكنه ضيع كل شيء.
فقال بتوسل:
"خدها من هنا.. كلاب الشوارع هيحافظوا عليها أكتر مني.. خدها."
في تلك اللحظة خرجت هوا من غرفتها ترتدي عباءة سمراء وحجابًا من نفس اللون. تمسك حقيبة كبيرة بين يديها. وجهها به بعض الخدوش، وعيناها من كثرة البكاء حمراء بشدة. نظراتها بها الكثير من الانكسار والخزي. والذي جعله يعرف بخروجها من حجرتها نظرات الرجل لها. ليلتفت لها لتخفض نظراتها أرضًا. ليشعر بالشفقة عليها.
ليترك الرجل ويتوجه إليها يحمل عنها حقيبتها. وقال بصوت أمر لكنه خرج حانيًا مشفقًا:
"يلا بينا.. مبقاش ليكي مكان في البيت ده تاني."
وبيده الأخرى أمسك معصمها وسحبها خلفه وغادر هذا البيت. خطواتها تلاحق خطواته. تنظر إلى بيتها التي لم تعرف بيتًا غيره طوال حياتها، والآن تغادره بلا رجعة. تغادره كسيرة، يغطيها الخزي من رأسها حتى أخمص قدميها.
واكتمل الأمر حين وجدت عند باب البيت كان أهل الحي يجتمعون. الغضب واضح على ملامحهم. ليصرخ بهم عدنان:
"جاين دلوقتي.. صوتها مالي الشارع وصوتها أتنبح من كتر الصريخ وأنتم عاملين مش سامعين.. أنا هاخدها من هنا.. من بيت الراجل اللي رباها زمان زي بنته ودلوقتي بيبعها للي يدفع. وهخدها من الشارع ده كله اللي أهله فيهمش راجل واحد قدر يحميها ويدافع عنها."
وتحرك في اتجاه سيارته. فتح لها الباب لتجلس في الكرسي الأمامي جوار كرسي السائق. أغلق بابها. ثم فتح الباب الخلفي ووضع الحقيبة على الأريكة الخلفية. وأغلقه ببعض العنف. ثم دار حول السيارة ليصعد إلى كرسي السائق. وبكل قوته ضغط عتلة البنزين وانطلق.
ليدخل كثير من الرجال إلى البيت بغضب كبير، خاصة بعد كلمات عدنان التي عرتهم وكشفت ضعفهم. أخذوا الرجلين من الشقة وألقوا بهم في الشارع. صارخين فيهم ألا يعودوا إلى هنا مرة أخرى. لم يعد لهم مكان هنا.
منذ صعدت إلى سيارته وغادروا الحارة بما فيها، وهي تريح رأسها على الزجاج تبكي بصمت. اهتزاز جسدها وتشنج يديها أخبره بحالها. يشعر بها وبما داخل قلبها من حزن وانكسار.
لكنه لا يعرف ماذا عليه أن يفعل أو يقول؟ أي كلام سيقال يطيب قلبها ويجعلها تمحو تلك النظرة الكسيرة والاستسلام الذي سكن عينيها وجسدها.
همس باسمها. لكنها لم تحرك ساكنًا. ليردد اسمها من جديد عدة مرات. ليلاحظ انكماش جسدها أكثر وأكثر. وكأنها تقول له: "لا أريد أن يتحدث إلي أحد". مؤكد تتمنى أن تختفي الآن من الوجود تمامًا ولا يتحدث أحد معها عن ما حدث.
لكنه قال بهدوء:
"أنا هحجز لك في أوتيل علشان تقعدي فيه يومين ثلاثة لحد ما تفوقي من صدمتك وتقدري تقرري خطوتك الجاية إيه."
أغمضت عيونها بقوة لتنهمر الكثير من الدموع وهي تفكر. ها هو قد تخلى عنها. لن يحقق وعده لها ولن يتزوجها. أخرجها من بيتها حتى يلقيها في مكان آخر حتى تلاقي مصيرها المحتوم. لكن على يد أشخاص لا تعرفهم. ماذا كانت تتوقع منه؟ وماذا كانت تنتظر؟ خاصة بعد ما رآها على تلك الحال.
وكان هو يفكر ويرتب أفكاره المبعثرة في كل اتجاه. مؤكد لن يتزوج ظلال ولن يضعها في هذا الموقف اللعين ويحرمها حياة طبيعية كاملة وأطفال تسعد بهم. وأيضًا حرام أن يظلم تلك الفتاة مستغلًا ظروفها. لكن ليأمن لها مكان أولًا وعمل آمن ثانيًا. ثم يخبرها بحقيقة أمره ويترك لها القرار.
تسير جواره منكسة الرأس. إنها لا تملك حق اختيار أو إبداء اعتراض على أي شيء يقوم به. لذلك تسير خلفه بصمت. وقف أمام الاستقبال وقام بكل الإجراءات. لكنها رفعت رأسها تنظر إليه بصدمة حين أجاب سؤال الموظف:
"أنا خطيبها."
والتفت لها بكل هدوء وقال:
"هاتي بطاقتك يا هوا."
أخرجتها له من الحقيبة وهي تشعر بعدم الفهم. ما سبب سؤال الموظف؟ ولما تلك الإجابة؟
لكنها لم تخرج أي شيء من أفكارها عن طريق فمها. كل شيء ظل يدور في دوائر حيرة عقلها دون هوادة أو رحمة.
وعند باب غرفتها وضع العامل الحقيبة هناك. ووقف هو أمامها بعد أن فتح لها الباب وقال:
"ادخلي خدي دش وأهدي ونامي شوية.. وبكرة هعدي عليكي نفطر سوا ونتكلم.. تمام."
دون أن تنظر إليه أومأت بنعم. ليقول لها بصدق لمس قلبها:
"ارفعي راسك يا هوا.. أنتِ معملتيش حاجة غلط ولا حرام علشان توطي راسك بالشكل ده.. احمدي ربنا إني وصلت في الوقت المناسب وقدرت أخرجك من هناك.. وصدقيني أنتِ أمانة في رقبتي ليوم الدين."
رفعت عيونها الحمراء والمتورمة من كثرة البكاء تنظر إليه بتوسل يقطع نياط القلب. ليكمل هو ببعض الشفقة:
"عارف إن الموضوع مش سهل.. والتجربة اللي أنتِ عيشتيها صعبة ومؤلمة.. لكن كله بيعدي صدقيني.. هتبقى ماضي وهتفتكريها كل فترة زي ما بتفتكري لما وقعتي وأنتِ صغيرة واتعورتي.. أو لما بتفتكري والدتك الله يرحمها.. ماضي وذكرى صحيح مؤلمة.. لكن هتبقى ذكرى صدقيني."
أومأت بنعم بصمت. ليقول أمرًا:
"ادخلي يلا واعملي اللي قولتلك عليه.. ولو جعانة اطلبي رقم ٩ واطلبي الأكل اللي انتِ عايزاه.. وأهم حاجة صلي ركعتين شكر لربنا إنه نجاكي.. ونامي وارتاحي.. عايزك بكرة كده نشيطة ومصحصحة."
عادت تهز رأسها بنعم من جديد. ليرفع يده بسلام وغادر. ظلت تنظر إلى ظهره وهو يتوجه إلى المصعد. وحين دخله التفت ينظر إليها وأهداها ابتسامة صغيرة شعرت بها على وجهها هي.
وحين أغلق المصعد دلفت إلى غرفتها وأغلقتها جيدًا. وكما طلب منها أن تفعل فعلت. لكنها لم تطلب طعامًا. تأكدت من إغلاق الباب جيدًا حتى الشرفة. رغم أنها في دور مرتفع. لكن من لدغ من الأحباب خاف من نسمات الهواء أن داعبت وجنتيه برفق.
لكن ورغم كل هذا حين وضعت رأسها على الوسادة استسلمت جفونها لسلطان النوم. وكأن أي شيء يخص عدنان يجعلها تشعر بالأمان والراحة.
ظلت سليمة واقفة تنظر إلى والدها بخوف، خاصة وأن نظرات الغضب لاول مرة تراها واضحة وصريحة بعيون والدها الحانية ديما والمشجعة. اقتربت بخطوات صغيرة من والدها وحاولت فتح فمها حتى تتحدث. ليقول هو بغضب:
"هو بقى اشترى الشقة علشان يشاغلك منها؟ ولا علشان يبقى قريب منك ويستغفلني؟ وعامل فيها راجل بيعرف إزاي يدخل البيوت من أبوابها؟"
كانت تهز رأسها بلا مع كل كلمة يقولها والدها. وانحدرت دموعها وهي تقول:
"متقولش كده على أدهم وتظلمه يا بابا.. أدهم مش كده.. بس.. بس أدهم عيان."
قطّب يونس حاجبيه وهو يقول:
"عيان؟ إيه علاقته ده باللي أنا شوفته دلوقتي؟"
اقتربت منه وأمسكت يده. ودلفت إلى الغرفة وأغلقت الشرفة جيدًا حتى لا يصل صوتهم إلى الخارج. حتى أنها أغلقت البرادي وكأنه ساتر آخر لعدم خروج الصوت مع احتمالية دخول ثامر إلى الشرفة في أي لحظة.
وعادت تجلس جواره وهي تقول:
"أنا هحكيلك لحضرتك كل حاجة.. بس توعدني يكون سر بيني وبينك.. ماشي؟ واوعدني كمان إنك تحاول تفهمني."
هز رأسه بنعم. لتقص عليه كل ما تعرفه عن مرض أدهم. وكم هي تحبه ولا تجد بداخلها رفضًا لكونه صاحب شخصيتين. وكيف أن شخصيته الأخرى هي من تسكن في الشقة المجاورة لهم. وأن هذا دليل على حب أدهم الكبير لها. فحتّى شخصيته الأخرى أرادت أن تكون جوارها حتى لو لم يكن يشعر بذلك. وأنها تتعامل مع ثامر كصديق ومدير عمل حتى الآن. وحتى تجعله يريد هو الآخر أن يتزوجها.
"أنا بحاول أخلي شخصيته ثامر كمان تحبني. ما أنا مش هستحمل إن ثامر يحب واحدة تانية ولا يفكر يتجوزها.. مش هستحمل. ف لازم أخليه يحبني ويتجوزني هو كمان."
ظل يونس صامتًا يتأمل ابنته التي تبكي من غيرتها وحبها الشديد لزوجها رغم صدمته من حديثها. ابنته ستتزوج اثنين. ولا يوجد قانون أو شرع يحرم هذا الموقف الآن لأنه وبكل بساطة هما نفس الرجل. ماذا عليه أن يقول الآن أو يفعل؟ هل يبعدها عنه ويحميها من كل هذا؟ أم يدعمها ويساعدها حتى تحقق هدفها؟
ربت على ساقها وهو يقول:
"ربنا يشفيه ويعافيه."
وأكمل ساخرًا:
"والحق.. وقعي سي ثامر ده في حبك بسرعة.. بدل ما.."
ولم يكمل كلماته وتركها معلقة في الهواء.
فنظرت له برجاء وتوسل. ليقف أمامها وقال بصدق:
"صعب يا بنتي أستوعب كل اللي أنتِ قولتي ده. وصعب عليا إني أأمن على بنتي مع شخص مريض نفسي وعنده شخصية تانية. وصعب أستوعب إنك هتبقي متجوزة اتنين. حياتك هتبقى عاملة إزاي؟ مستقرة ولا على كف عفريت؟ لكن في الحقيقة أنتِ فعلاً مراته. ده غير إن حتى الشخصية التانية واضح جدًا إنك بتحبيها كمان. مش عارف ده علشان أنتِ بتحبي أدهم أوي ولا هي شخصية تتحب فعلًا.. خليني بس كده أقعد مع نفسي شوية أفكر وأحاول أستوعب الموقف."
وغادر الغرفة.
ظلت جالسة في مكانها. تفكر وتحلل تتألم. وقلبها يرتجف الآن بخوف.
عاد عدنان إلى القصر مجهدًا وواضح على وجهه الحزن. شعرت به شكران كما شعرت بحالة ظلال الغريبة. لكن الأخيرة أخبرتها أنها تشاجرت مع مراد وتشعر ببعض الضيق ولا تريد الحديث عن الأمر. وحين سألتها عن أدهم قالت:
"أدهم مش موجود دلوقتي.. الموجود على الساحة الشخصية التانية.. ثامر."
فلم تشعر شكران بالخوف على حفيدها الكبير. وتشعر بالخوف من حفيدتها الصغيرة. لكنها لم تعلق. فهي لم تعتد على ظلال هكذا. وهذا يدل على أن الأمر بينها وبين مراد جلل.
جلس عدنان على الأريكة المجاورة لجدته بعد أن قبل رأسها ويدها. كانت ظلال تتجاهله بشدة. قالت شكران بقلق:
"مالك أنت كمان؟"
نظر لها وابتسم ابتسامة صغيرة. ثم قال ما فكر به طوال الطريق:
"فاكرة البنت اللي حكيت لك عليها؟"
أومأت بنعم وهي تقطب جبينها بقلق.
"والدها اتوفى النهاردة وحالتها صعبة أوي.. طول اليوم وأنا معاها علشان ملهاش أي حد خالص.. خلصت ليها كل الإجراءات ووصلتها ورجعت."
رفعت ظلال عينيها تنظر إليه بصدمة وألم قوي كأن قلبها بين قبضة أحدهم يعتصره دون رحمة. في الوقت الذي قالت فيه شكران:
"لا حول ولا قوة إلا بالله.. الله يرحمه ويصبرها."
ثم سألت باهتمام:
"طيب دلوقتي ناوي على إيه؟"
أخذ نفسًا عميقًا وألقى سهمه الأخير في علاقته ب ظلال حتى يغلق بابها إلى الأبد. يجرحها؟ نعم. يؤلم قلبها؟ نعم. ينحر روحها؟ نعم.
وهو كذلك كل هذه النعم يشعر بها أيضًا. لكن أحيانًا تقسو الأم على أولادها حتى تخرج بهم إلى بر الأمان. ومن الممكن أن تقوم بضربهم حتى تقومهم وتشردهم إلى طريق الصواب.
"أكيد مش هينفع أسيبها تعيش لوحدها. بس تعدي الثلاث أيام دول بتوع العزاء علشان الناس والجيران يعني. وبعدين أفتحها في الموضوع.. ولو وافقت هنكتب. بس واجبها تعيش معانا هنا."
أومأت بنعم رغم أن ما يحدث لا يروق لها. لو كانت ظلال على خلاف مع مراد، تتركه وبالأمر تتزوج عدنان. وهذا الشاب مفعم الرجولة يتزوج بتلك الطريقة دون عرس كبير. لكن ماذا بيدها أن تفعل. العقد قد انفرط ويدها المرتعشة لا تستطيع تجميعه من جديد.
أخذت نفسًا عميقًا وقالت بخفوت:
"خير إن شاء الله."
لتقف ظلال تنظر إليهم ببرود ظاهري. لكن هذا كان دليل على انهيارها الداخلي الذي ظهر في صوتها المختنق وهي تغني:
"كتير بنعشق ولا بنقول.. وكتير بنعشق ولا بنطول.. ومفيش حكاية بتستمر زي ما بدأت ليه على طول.. في عشق بيستنانا وعشق بنستناه وعشق بينسينا العشق اللي عشقناه."
حتى اختفى صوتها بعدما وصلهم صوت إغلاق الباب.
ماتت وانتهى أمرها. اليوم ذبحت بسبب الحب. وتعذبت بسبب الحب. وانتهكت أيضًا بسبب الحب. فإذا حدث لها كل هذا بسبب الحب، فماذا يحدث لو كرهتها الحياة وكرهها البشر.
أغمض عينيه بألم. لتقول شكران ما بداخل قلبها:
"ليه تسيب بنت عمك وأنت عارف إنها بتحبك ومن زمانها؟"
هو الباب الذي كان يخشى أن يفتح قد فُتح وعليه المرور منه رغم أنه مليء بالأشواك وعليه أن يسير فيه حافي القدمين.
ابتسم في وجه جدته وقال:
"ظلال أختي الصغيرة متربية على إيدي.. ليه أظلمها معايا وأتجوزها ومديهاش حقها من الحب اللي هي تستحقه يا جدتي.. وبعدين أنا بحب هوا."
"هوا؟"
وردت خلفه باندهاش. ليومئ بنعم. لتقول بابتسامة صادقة:
"اسمها جميل وغريب."
بالفعل اسمها جميل وغريب. وجديد أيضًا على مسامعه. ومعناه رائع ومميز.
وقف وهو يقول:
"أنا هطلع أرتاح.. يومي النهاردة كان طويل أوي أوي ومحتاج أنام."
"طيب وأدهم؟"
سألته بقلق. ليقول لها ببعض المرح:
"هو ثامر دلوقتي وقاعد جمب حبيبه القلب.. متقلقيش.. وسليمة هتعرف تخلي بالها منه."
ابتسمت شكران بسعادة حقيقية. ف تلك الفتاة سليمة سكنت قلبها منذ اللحظة الأولى. بنظراتها الصادقة تجاه أدهم وما عرفته من موقفها ودعمها له ولشخصيته الثانية أيضًا.
أغمضت عيونها تدعو لأحفادها بصلاح الحال والسعادة. ثم اتكأت على عصاتها ودلفت إلى غرفتها حتى تنام.
ظلت سليمة طوال الوقت تفكر ماذا عليها أن تفعل حتى تهون الأمر على والدها. وأيضًا ثامر.
وقفت مكانها فجأة وكأنها تذكرت شيئًا ما. وتوجهت إلى حقيبتها. أخرجت منها الهاتف واتصلت ب عبدالله الذي أجابها سريعًا متلهفًا وقلقًا.
أخبرته بكل ما حدث وما قاله لها ثامر هذه المرة والمرة السابقة حين كان يريد أن يوهمها أنه يقدم على الانتحار.
صمت عبدالله لعدة لحظات ثم قال:
"التجاوب اللي بينك وبين ثامر حلو جدًا وهيوصلك للهدف اللي أنتِ عايزاه.. وأنا هتدخل متقلقيش."
صمت مرة أخرى ثم أردف قائلًا:
"وبالنسبة لوالدك لو عايزني أتكلم معاه.. معنديش مشكلة.. أشرحله الوضع بشكل تفصيلي.. وأبسط استيعابه للحكاية وأخليه يقدر يتقبلها."
"ياريت.. أنا خايفة أوي من رد فعله ومن كتر خوفه عليا يطلب مني أسيب أدهم."
قالت بسرعة ولهفة. ليقول هو مطمئنًا:
"متقلقش.. أنا هاجي وهتكلم معاه.. وإن شاء الله كل حاجة تبقى كويسة."
أغلقت الهاتف وهي تشعر ببعض الراحة. ألقت الهاتف على السرير. ونظرت إلى الشرفة وابتسمت. أدهم حتى الآن لم يتصل بها. إذا فمازال ثامر حاضرًا.
فتحت الشرفة وخرجت إليها. لتجده يقف هناك. حين سمع صوت المزلاج يفتح وسمع صوت حفيف فستانها. ابتسم ابتسامته الجانبية الجذابة وقال:
"اتاخرتي كده ليه.. كنت عايز أعزمك على قهوة."
اقتربت من سور الشرفة وقالت بمرح:
"يعني العزومة راحت عليا؟ ولا أنت اللي بخيل أصلًا؟"
رفع حاجبه ينظر لها بمكر وغضب مصطنع. لتتسع ابتسامتها وهي تقول بصدق:
"على العموم مش مهم القهوة.. المهم إني لحقتك قبل ما تنام."
"ده أنتِ معجبة بقى؟"
سألها بغرور واضح. لتضحك وهي تقول:
"ده على أساس إن أنت كمان مش معجب بـ"
صمت. يتأمل ملامحها على ضوء غرفتها الذي جعلها تبدو كطفلة صغيرة. وشيء بداخل قلبه يقول له بكل صدق: "معجب ومغرم وغارق في العشق". لكنه قال بغرور:
"معجب بغفير الدرك ليه؟ معنديش نظر."
كلماته ثقيلة. لكنها تعرف وتفهم مقصده. لذلك قالت بثقة:
"أعتقد واحد زيك يوم ما يفكر يحب ويتجوز هيتجوز غفير درك زي حالاتي كده.. ومع ذلك.. شوف بقى لو غفير الدرك وافق عليك أصلًا."
وتحركت تعود إلى غرفتها بعد أن ألقت بالطعم الذي سيصيد لها حوتًا أبيض كبيرًا ومميزًا ك ثامر. رغم ضيقه من رحيلها السريع. إلا أنه ابتسم بسعادة. أنه يعشق لحظاته معها. وإن أراد أن يحسب عمره يريد أن يحسب فقط لحظاتهم سويًا.
ووجد نفسه يدندن ذلك السطر من أغنية سمعها في أحد الأفلام لمست قلبه رغم أن الأغنية بعيدة تمامًا عن قصته:
"قصة حب ناقصها شرح والكلام لسه له باقي."
يجلس يونس في غرفته يخبر فاطمة بكل ما عرفه من سليمة. لتشهق بصدمة في بداية حديثه. ثم تضحك بصوت عالٍ وهي تقول بمرح:
"أنا كنت عارفة إن بنتك مش هتحب حد عادي أبدًا.. وأدهم مش حد عادي خالص."
ثم ربتت على ساقه وقالت:
"متقلقش يا يونس.. ربك مش هيوجع قلب بنتنا لأنها طيبة وحنونة. ويمكن تكون هي فعلًا أنسب واحدة لأدهم لأنها قادرة تفهمه وتحتويه وتحبه وتحب شخصيته التانية كمان وتكون له صديقة وحبيبة وزوجة وحضن حنين يحتوي كل شخصياته."
صمتت للحظات ثم قالت:
"بس يارب الشخصية التانية دي كمان تحبها.. لأنها أكيد هتتوجع أوي لو حب واحدة تانية ولا فكر يتجوز واحدة تانية. وللأسف.. لا هنقدر نلومه ولا نعتبه.. مهو الموضوع مش بإيده."
"ما هو ده اللي أنا خايف منه يا فاطمة."
قال بقلق وحزن. وكاد أن يكمل حديثه ويخرج مكنون قلبه. لكن صوت جرس الباب أوقف كلماته على طرف لسانه. فغادر الغرفة. ليفتح الباب وخلفه فاطمة وسليمة. وقفت عند باب غرفتها حين رأت والدها قد فتحه بالفعل. ليصدم الجميع ب أدهم يقف عند الباب ينظر إلى يونس بنظرات تحمل الكثير من المكر والغرور. وقال بابتسامة شرسة:
"أنا ثامر جاركم وكنت جاي علشان عايز أخطب الآنسة سليمة."
رواية أو أشد قسوة الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم سارة مجدي
عاد أوس الي بيته بعد ذلك اليوم الطويل … مجهد يشعر بالالم في جميع انحاء جسده … قلقه على ظلال .. وسفره خلفها … والتعامل مع مراد وحديثه الطويل مع أكرم حتى يفهم حالته جيدًا .. ليستطيع التصرف وحماية ظلال … كل هذا لا يعتبر شيء في مقابل ما يقابله في عمله من خطر يوميًا لكن بما أن الامر يتعلق ب ظلال فقد انهكه بشدة
القى بجسده المنهك فوق الأريكة التي تعتبر سريره فهو في الغالب لا ينام في الغرفة الداخلية … بسبب وحدته ف من اول دخوله الي البيت يشعل التلفاز بصوت عالي يملىء به فراغ الوحدة القاتلة ويجلس على الأريكة يشاهد ما يعرض أمامه دون وعي او أدراك حتى يذهب في نوم عميق
منذ وفاه والدته حياته أصبحت تدور حول عمله فقط … لا أصدقاء مقربين … ولا عائلة تملىء ذلك الفراغ بالزيارات … لذلك وضع كل تركيزه في عمله حتى أصبح من أكفأ الضباط بالداخلية وله أسم وسمعه جيدة
أغمض عينيه بإرهاق لكن صورة ظلال وهي مخدرة … تجلس في سيارة ذلك الرجل متوجه بها لمكان معزول … وهيئتها وهي ممددة على الأريكة بلا حول ولا قوة تجعله يشعر بعدم الارتياح رغم انها الان امنه في بيتها وسط عائلتها
لكن النار تشتعل داخل قلبه بلا رحمه او هواده وهو يتذكر حين تجرء ذلك القذر وأقترب منها واستحل ما ليس له وقبل قدميها وداعب اصابعها بعشق
كيف يتجرء ويفعل ما فعله
ظلال من حقه هو .. هو من أحبها منذ وقعت عينيه عليها وهي مراهقة صغيرة … هو من أبتعد حتى يبني نفسه وتكبر هي … هو من لم يرى طوال حياته فتاة في جمالها وظل يحتفظ بحبها في قلبه كما يحتفظ العاشق بأول زهرة أهداها له المحبوب بين صفحات كتابة … ان قلبه يأن داخل تجويف صدره يطالبه بالاطمئنان عليها
هل يتصل بأدهم؟ … ويعود ليقول بقلق
-ما انا مش عارف هو حالته ايه دلوقتي وأخاف اسبب له هو كمان اذى
يصمت ثواني ثم يقول
-طيب هكلمه ومش هقول اسمه … هسأله عنها بس واطمن
ظل يفكر كثيرًا لكنه لن يستطيع ان ينتظر حتى الصباح القلق ينهش قلبه والخوف سيقتله
أمسك هاتفة الذي القاه على الطاولة المستديرة منذ اول دخوله الي البيت واتصل به … لكنه لم يتلقى اي رد
قطب جبينه بحيرة
لكنه اعاد الاتصال مرة اخرى … وأيضًا لم يتلقى رد … تنهد بهم … ثم فتح إحدى تطبيقات الدردشة … وارسل الي أدهم رسالة
“عايزة اطمن على ظلال … محتاجين نتكلم علشان نشوف هتعمل ايه مع مراد … دكتور أكرم حجزه في المستشفى ”
رسالة مكونه من مجموعة عنواين واسئلة دون ذكر اسمه ارسلها ثم تمدد على الأريكة بعد ان خلع حذائه … وكل دقيقة واخرى ينظر الي الهاتف … فهو في انتظار الرد … بلهفه عاشق للقاء الاول
~~~
الموقف بأكمله يثير الضحك … ثلاثتهم من جديد في صاله بيتها … يتحدثون في تفاصيل الزواج للمرة الثانية
يالا الغرابه انها ستتزوج زوجها مرة اخرى ولكن في شخصية ثامر … ذلك العابث الوقح طويل اللسان وقليل الحياء …. المميز في كل شيء حتى في قله الأدب … كانت تقف خلف باب غرفتها تتابع ما يحدث بالخارج وابتسامة واسعه ترتسم على وجهها خاصه مع تعليقات عدنان المرحة ورد عبدالله غير المصدق
فقد اتصلت بعبدالله مرة اخرى حين سمعت جملة ثامر لوالدها وهو يقف امام باب بيتهم … ليتصل هو بعدنان ويضمه في مكالمة جماعية لمناقشة الوضع الراهن والوقف على الاحداث آول بأول
فهذا حدث لن يتكرر كثيرًا … قال عدنان ببعض السخرية
-هبلغ عنك هتتجوزي اتنين يا سليمة … وابقى كده كمان خلصت من أدهم واستولى على الشركة
ليضحك عبدالله بصوت عالي وهو يقول
-يا ابني دي الحالة الوحيدة اللي حلال فيها انها تتجوز اتنين … بس مش عايزين الموضوع يتعرف ويبقى حصري بس لعيلة الخشاب
لم تستطع سليمة الرد …فهي تشعر بسعادة كبيرة لا تستطيع وصفها … وخوف كبير لا تعرف كيف تعبر عنه …. وترقب لما هو آت يحمل الكثير من الإثارة … ومشاعر مختلطة بين الرضا بأن شخصيتي أدهم اختارتها … وشعور اخر بالقلق من شكل الحياة وكيف ستتعامل معهم
وبالخارج كان يونس يود ان يصرخ في ذلك البارد الجالس امامه والذي يختلف كليًا عن أدهم ف أدهم لبق .. صاحب لسان حلو … يتحلى ببعض الحياء وكثير من الأدب .. لكن ذلك المغرور .. الذي يضع قدم فوق الاخرى غير مبالي باي اعتبارات للسن والاحترام … ويتحدث بغرور وتعالي … وبأسلوب فج قال
-الشقة اللي انا اشترتها قدامكم دي هي اللي هنتجوز فيها واهو سليمة تبقى جمبكم ومبعدتش عنكم وابقى انا عملت معاكم ومعاها الصح … واصلا انا بغيب ساعات كتير علشان الشغل ف متبقاش هي لوحدها … وكمان بعمل فيكم جميله بنا انكم معندكوش غيرها ف ابقى محرمتكوش منها
قال ثامر موضحًا … ليرفع يونس حاجبيك مرددًا
-عملت معانا الصح؟!
ورددت فاطمة بصدمة
-وجميله
ليبتسم ثامر ببعض السماجة واكمل باستفاضة في الحديث غير مبالي بصدمة يونس او فاطمة
-أصلًا الشقة فاضية انا مكنتش اشتريت غير كنبه في الصاله وهي كان فيها غرفة نوم والمطبخ لو مناسبين معها تمام نخليهم مش مناسبين نغيرهم عادي
أومأ يونس وهو يقول
-عارف ان استاذ إحسان باعها بيهم علشان مش محتاجهم أصلًا
اخرج ثامر إحدى اللفافات من علبه السجائر وامسكها بين إصبعيه الوسطى والسبابة لكنه لم يشعلها
لينظر يونس الي فاطمة بضيق في تفس الوقت التي كانت هي تكتم ضحكاتها بصعوبه … ليكمل ثامر حديثه
-يبقى ان شاء الله نكتب الكتاب الخميس الجاي … ونبدء نجهز الشقة وبعدها نعمل الفرح ايه رأيكم؟!
-طيب مش نشوف راي العروسة الاول وبعدين فين عيلتك يا ابني
قالها يونس من بين اسنانه ليقول ثامر بتأكيد
-هي أكيد موافقة … وانا مقطوع من شجرة ومليش حد … لكن هيبقا ليا ان شاء الله … سليمة وحضرتك وطنط
لتضحك فاطمة بصوا عالي وهي تقول ليونس
-دمه خفيف يا يونس انا موافقه عليه
ليرفع يونس حاجبيه بصدمه … في نفس اللحظة التي قال فيها ثامر
-خلينا نتكلم في التفاصيل والمهم
وبالفعل تم الاتفاق على كل شيء ليغرق عبدالله وعدنان في الضحك حين وصلهم صوت زغاريد فاطمة
وانهالت المباركات على سليمة … والمزاح على أدهم الذي أصبح له ضرة
هي أيضًا لم تستطع منع ضحكاتها المرحة ف الموقف برمته لا يناسبه سوا الضحك فقط
غادر ثامر بعد قرأة الفاتحة ليدخل يونس الي غرفة سليمة وهو يقول
-انا محتاج اسال شيخ في الحكاية دي … ده شخص تاني خالص غير أدهم … راح فين أدهم المؤدب المحترم اللي بيقولي يا عمي … ده بيقول سلام يا ابو سليمة كنت واحد صاحبة قاعد معاه على القهوة … لا وبيقول لأمك سلام يا حجة وقبلها طنط
كل هذا كان يصل الي عدنان وعبدالله الذين لا يستطيعون التوقف عن الضحك وقال الاخير مازحًا
-أدهم أخر الرجال المحترمين يا عمو
وحين استطاع عبدالله أخذ نفس قال
-قوليله لسة مشفتش حاجة … اكدي عليه محدش يشرب قهوة من ايد ثامر … خالطها بالمريجوانا
لتشهق سليمة بصدمة ليكمل هو من بين ضحكاته قبل ان يغلق الهاتف
-مبروك يا مرات الاتنين
لتظل عيونها على اتساعها من الصدمة … حين سمعت صوت شيء ما في شرفة غرفتها ليقول يونس ببعض الضيق
-كلمي خطيبك واوعي جوزك يعرف … انا هتجنن
وغادر الغرفة لتضحك سليمة بسعادة حقيقة وهي تتوجه الي الشرفة
~~~~
دخلت الي الشرفة لتجده يقف هناك كمان كان يقف قبل ان يأخذ تلك الخطوة الجريئة والمهمة …أقتربت من سور الشرفة ووقفت كما يقف هو دون ان تقول اي شيء
لينظر اليها لثوان طويلة ثم قال
-مبروك يا خطيبتي … انتِ عملتي فيا ايه علشان ثامر بجلالة قدرة اللي كان يعرف ستات بعدد شعر راسه يخطب غفير الدرك
نظرت له بنظرات تحمل الكثير من الغضب والغيرة واضحة على وجهها ليقول هو بمزاح
-يا بايرة غيرانه عليا اوي كده
لتبتسم وهي تقول بثقة
-انا مش بايرة … ومش غيرانه لكن كنت اتمنى انك تكون من غير علاقات … لكن اهو علشان تعرف الفرق وتقدر النعمة اللي في ايدك
ليضحك بصوت عالي وهو يقول بمرح
-أحب الواثق
ثم أعتدل في وقفته وهو يكمل بمشاغبة
-هو ده اللي بتمناه في شريكة حياتي أنها تكون عارفة قيمة نفسها كويس علشان تقدر تعرف قيمتي
-مغرور سيكا
ورفعت أصبعيها السبابة والابهام علامة على قدر الغرور ليضحك من جديد بصوت عالي .. لكن فجاة صمت ونظر لها ببعض التشتت ثم قال
-أنا أفتكرت أن عندي مشوار مهم .. سلام
ولم ينتظر ردها .. وأسئلتها وغادر الشرفه ثم أغلق بابها بقوة .. شعرت بالصدمه والخوف لكنها دلفت الي غرفتها تتصل بعدنان وتخبره بما حدث .. وطلبت منه أن يتصل بها
إذا عاد أدهم الي القصر.. ليطمئنها عدنان رغم أنه شعر هو الاخر بالخوف
…………..
تجلس على الاريكة الكبيرة تضع قدميها أسفلها وبين يديها طبق كبير به الكثير من الفاكهة وبعض الشوكلاتة .. وكوب من عصير البرتقال .. تشاهد فيلم كارتوني وفمها لا يتوقف عن مضغ كل ما تضعه داخله .. دون تفرقة بين الفاكهة أو الشوكلاته أو العصير .. يتابعها من باب غرفتهم وأبتسامة سعادة ورضى تزين وجهه .. حبيبته التي أصبحت تحمل بين أحشائها جزء منه ومنها .. دليل توبته ورضا الله عنه
أقترب بخطوات هادئه حتى لا يقطع أستمتاعها بمشاهدة الفيلم .. لكنها شعرت به وقالت بمرح
-نفسي لو ربنا رزقنا ببنت يكون شعرها طويل أوي كدة زي روبنزل
جلس جوارها وحاوط كتفهيها بذراعه وقال بحب
-بس أنا عايزها شبهك في كل حاجة .. شعرك وطوله .. لون عنيكي .. طيبة قلبك
كانت تنظر اليه وأبتسامة رقيقة تزين ثغرها .. رفعت يدها تداعب وجنته وهي تقول باندهاش
-للدرجة دي بتحبني يا بيبرس؟!
-للدرجة دي أنتِ كل دنيتي يا زيزي .. أنتِ باب توبتي .. حبيبتي وأم أولادي أن شاء الله .. رفيقة طريق .. دنيتي اللي متمناش حاجة تانية غيرها
أتسعت أبتسامتها الرقيقة وأقتربت منه تقبل وجنته بحب ثم قالت ببعض المشاغبة
-أتفرج معايا بقى .. وعلى فكرة انت أحلى من نيوجين
-مين؟!
سألها باندهاش لتقول موضحه
-بطل الفيلم
ليضحك بصوت عالي وهو يضمها أكثر الي صدره يشاهد معها ذلك الفيلم الذي لا يفهم منه شيء
……………..
وصل أدهم الي القصر متلهفًا ليرى ظلال .. لا يعلم لما يشعر أن هناك شيء ناقص .. هناك ألم قوي في قلبه .. وشعور غريب مختلط بين سعادة كبيرة تسكن قلبه .. وبين خوف لا وصف له .. وقلق من مجهول غريب
صعد درجات السلم راكضًا ومباشرة الي غرفة أخته .. ودون ان يطرق الباب دخل الي الغرفة ليجدها تجلس متكومة فوق الكرسي تضم ركبتيها الي صدرها والدموع تغرق عيونها .. ليسقط قلبه أسفل قدمية بحزن وشفقة .. وأقترب منها سريعًا وجثى على ركبتيه امامها وهو ينطق أسمها بأسف
لتنظر له بحزن شديد ليضمها الي صدره وهو يقول
-أنا أسف يا ظلال ..أسف يا حبيبتي .. أسف أسف
مع كل كلمة أسف يقولها كان صوت بكائها يرتفع حتى وصل الي أن يكون صراخ صراخ يحمل ألم قلبها وروحها .. ألم حبها لشخص ظنت أنه يحمل لها شيء خاص كما تحمل هي .. والم ثقتها في شخص يحمل لها الحب لكنه حب مريض يحمل بداخله الاذى واحساس وحده وضياع .. وكأن الارض بكل وسعها لا تساعها ولا تتحملها فوقها
شدد من ضمه لها حتى تخرج كل ما بداخلها .. وهي وكأنها كانت تنتظر ذلك الصدر الحاني حتى تشعر بأن لها مكان تصرخ به بكل ما تحملة من الم داخل صدرها … بعد نصف ساعة تقريبًا كان يجلس أدهم على الارض يستند الي الحائط وهي تجلس فوق ساقيه وتخبىء وجهها في تجويف عنقه كطفلة صغيرة بين ذراعي والدها .. أجلى أدهم صوته وقال بهدوء قدر أستطاعته .. فخرج صوته مختنق بحزنه عليها حاني بحبه لها
-بصيلي يا ظلال
ظلت لثوان كما هي ليربت على ظهرها بحنان لتبعد رأسها عن عنقه ورفعت عيونها تنظر اليه ليرفع يده يمسح الدموع عن وجنتيها وهو يقول
-عايز أسمعك
أخفضت رأسها تنظر الي يديها امستريحه فوق صدر أخيها ثم قالت
-عايزني أقول ايه؟!
-اللي جوه قلب ظلال .. الصرخة اللي طلعت منك وانت بتعيطي دلوقتي علشان نتخلص منها للأبد لازم تتكلمي قولي كل اللي جواكي وأنا هنا هسمعك بعقلي وقلبي مش بوداني بس … قولي كل اللي جواكي من غير خوف او حذر
عادت دموعها تنهمر من جديد وهي تقول
-هو انا وحشه يا ابيه .. متحبش .. مستاهلش أني اعيش سعيدة والاقي الحب اللي بجد .. الحب اللي استحقه؟!
-ليه بتقولي كده ؟.. أنتِ تستاهلي اللي أكتر من كده بكتير
قالها وهو يربت على وجنتها بحنان .. لتقول هي وصوت بكاء يعود للارتفاع
-طيب ليه عدنان محبنيش زي ما أنا بحبه .. ليه لما قررت أبعد عنه وأختار بعقلي اللي بيحبني يطلع حبه ليا حب مريض حب تملك .. لما عدنان حكالي اللي حصل مكنتش عارفه أفرح أنه بيحبني أوي كده .. ولا أخاف أنه من كتر ما بيحبني ممكن يأذيني عادي .. ليه عدنان يحب واحدة تانية ويقرر يقف جمبها ويدعمها ويديها قلبه ومشاعره وأنا لا … ليه انا قلبي يتوجع وانا بشوفه مع واحده تانية بتاخد منه اللي من حقي انا
شعر بالاندهاش من كلماتها .. عدنان وفتاة أخرى ما هذا الحديث لكنه تصور أن عدنان أوهمهم بهذا حتى يبعدها عنه تمامًا ويكمل اغلاق الابواب بينهم
أخذ نفس عميق وقال بهدوء بعد لحظات من التفكير
-ظلال الحياة مش سهلة ولا بسيطة .. ولازم نمر بمواقف صعبه توجع القلب علشان تعلم فينا ونفهم .. التجارب هي اللي بتقوينا وبتزود خبراتنا .. مش معنى أن قصة حبك اللي كانت من طرف واحد ولا معنى تجربتك مع مراد أنك أنتِ اللي وحشه .. هو بس ربنا عايزك تتعلمي .. علشان الاختيار الجاي يبقى أختيار صح بعقلك وقلبك .. مينفعش يكون أختيار قلب بس ولا اختيار عقل بس وهرجع أقولك تاني .. مش هنقدر نلوم عدنان على أنه محبكيش لان دي حاجة مش بأيده .. لكن نقدر نلوم مراد انه بدل ما يختار أنه يتعالج علشان يستحقك لا هو كان عايز يجبرك على أنك تفضلي معاه وغصب عنك وتبقي غطى لعجزه لو الخبر ده انتشر
كانت تستمع اليه وبكائها قد هدء لكن شهقاتها لم تهدئ … ليكمل هو بابتسامة رقيقة
-ظلال أوعي اي حاجة في الدنيا مهما كانت تهز ثقتك في نفسك واوعي تحاسبي حد على اللي ميملكوش والقلوب بأيد ربنا يقلبها كيفما يشاء .. حاسبي الناس على قرارتهم .. وتصرافتهم .. عدنان أنتِ بالنسبالة شيء غالي ومهم مشفتهوش كان عامل ازاي لما عرف اللي عمله مراد .. كان مستعد يموته .. إنك تكسبي عدنان أخ ليكي يا ظلال أحسن ألف مرة من إنك تكسبيه حبيب وزوج .. حتى لو بتحبيه طالما هو مش بيحبك وده لا غلط منه ولا منك يا حبيبتي
كان يجلس خلف بابها حين لاحظ دخول أدهم الي القصر .. أرسل رسالة لسليمة بوصوله .. وغادر غرفته ليطمئن عليه وعليها كان يبكي كما تبكي هي .. وهو يستمع لكلمات أدهم .. يبكي حبيبته كسيرة القلب والروح .. يبكي ضعفه .. وخطئه الذي جعله يبتعد عنها رغمًا عنه وعنها .. يبكي عجزه وقله حيلته في ان يرفع عن قلبها كل هذا الالم والعذاب
عادت الدموع تغرق وجهها من جديد ليضمها أدهم بقوة وربت على ظهرها وبيده الاخرى داعب خصلات شعرها وهو يقول
-وبالنسبة لمراد من دلوقتي تقدري تنسيه تمامًا.. أنا عارف إنك محبتهوش .. واللي حصل أثر عليكي ك بنت أستأمنت راجل على حياتها وقلبها وهو مكنش قد الامانه دى .. خدي وقتك في حزنك علشان بمجرد ما هنطوي الصفحة مش هنرجع لها تاني أبدا .. أتفقنا
أومأت بنعم ليربت على وجنتها بحنان .. ثم قال
-عايز ظلال القوية ترجع من تاني وردة البيت ده وشمعته المنورة
لتخبئ وجهها من جديد في تجويف عنقه وعادت تبكي لكن تلك المرة وكأنها تريد أن تقول “لن أبكي بعد الان ”
وظل هو يضمها بحنان ويربت على ظهرها حتى هدأت تمامًا وشعر بجسدها يسترخي بين ذراعيه ليقف على قدميه وهو يحملها بين يديه ليضعها على السرير وقبل جبينها واغلق الاضائه وغادر لتصطدم قدمه بعدنان الذي يجلس أرضًا .. ويبدوا على وجه المحتقن انه أستمع الي حديثم .. ليربت على كتفه ببعض الدعم وتوجه الي غرفته لكن صوت عدنان أوقفه في مكانه حين قال
-على فكرة ثامر خطب سليمة النهاردة
لتجحظ عيني أدهم بصدمه ونظر له ليبتسم عدنان بجانب فمه وببعض السخرية قال
-مبروك بقالك ضرة
ظل أدهم واقف للحظات يشعر بالصدمة والاندهاش وبخطوات سريعه توجه الي غرفته وهو يبحث عن هاتفه حتى يتصل بها ويفهم ما حدث وعاد عدنان يريح رأسه على الحائط وأغمض عينيه غير قادر على تركها بمفردها والذهاب الي غرفته
……………
عاد أكرم الي بيته لكنه لم يستطع أن يصعد الي شقته ما حدث من مراد حتى وصولهم الي المستشفى أرهقه وجعله في مزاج لا يتحمل ومؤكد زوجته وأولاده لا يستحقون منه أن يصعد اليهم بعد غياب يوم بأكمله وهو بتلك الحاله
لكن قلبها الذي يشعر به .. وحبها الكبير الذي يسكن قلبه ويجعلها تشعر به حتى لو لم تراه عيونها جعلها تتصل به وقبل أن يجيب رفع عينيه الي نافذه غرفتها ليجدها تقف هناك شبح أسود لا يظهر منه شيء بسبب الاضائه الضعيفة .. أجابها بصوته المرهق لتقول مباشرة
-أطلع يا أكرم حضني مكانك ومنتظرك يهون عليك كل صعب
تنهد بأرهاق واضح في تهدل أكتافه .. وصوته حتى جفونه المتثاقله .. ترجل من السيارة وبخطوات مرهقه صعد درجات السلم وحين وصل الي شقته وجد بابها مفتوح كعادتها تنتظره هناك بروحها الطيبة وقلبها الذي يطيب لقلبه البقاء جواره … ذراعيها مفتوحان له بترحاب دائم
أمسكت يده بعد أن أغلقت الباب ومباشرة الي غرفتهم كان يسير معها مستسلمًا تمامًا ليدها الحانية وحنانها الذي لا يوصف ولثقته أنه بعد ما تقوم به علياء سيستعيد نشاطه وصفاء زهنه .. أجلسته على الأريكة وجثت على ركبتيها كعادتها حين يكون في تلك الحالة …. تخلع عنه حذائه وجوربيه ووضعت قدميه في ماء دافئ به بعض الملح والزيوت الطبيعيه المنعشه كانت قد قامت بتحضيره حين رأته من النافذه وقبل ان تتحدث اليه عبر الهاتف
بدأت في تدليك قدميه بطريقتها المميزة ليغمض عينيه وأراح ظهره على الاريكه .. يتنهد براحه واسترخاء .. لا يعرف متى بدات تلك العادة لديها.. كلما وجدته في تلك الحاله .. تقوم بعمل جلسة مساج خاصة تساعده على الاسترخاء وصفاء الزهن وكل مرة تخبره ان راحه الجسد تبدء من القدمين وإذا استراح الجسد استطاع العقل العمل بشكل أفضل .. فتح عينيه وقال ببعض المرح
-تصدقي لايق عليكي دور أمينة
لتبتسم وهي تقول بمرح مشابه
-علشان انت أحلى سي السيد
صمتت لثواني لكن عيونهم لم تتوقف عن الحديث اخبرها كم هو ممتن لها … شاكرًا لعطفها وحبها الكبير … وتخبره هي انه سبقها في العطاء وكم تحملها وما تقوم به نقطة في بحر عطائه .. ليغمض عينيه براحه وهو يتذكر ما حدث ويفكر فيه لكن بهدوء وتعقل
بعد رحيل أدهم وعدنان وظلال .. حمل أوس مراد على كتفه المخدر اثر حقنه قام أكرم بحقنه بها حتى يصلوا الي القاهرة … وغادر الشالية يلحقه أكرم الذي أغلقه جيدا.. وضع مراد على الكرسي الخلفي وجلس خلف عجلة القيادة وجواره أكرم الصامت تمامًا
لكن أوس كان يغلي من الغضب فقال ببعض العصبية
-أنا متقيد بحاله أدهم ومش عارف أعمل في الكلب اللي ورى ده ايه؟!لو عليا
-ممكن تهدى علشان نقدر نتكلم
قاطعه أكرم بهدوء .. لينظر له أوس نظره خاطفه ثم عاد بنظره الي الطريق لكن كل تركيزه كان مع أكرم الذي قال
-مراد مريض وأي حاجة هتحصل أو اي أجراء هيبقى فيه شوشره عليه وعلى أنسه ظلال كمان .. والاحسن أن الحكاية تتلم .. وأعتقد أن أدهم وعدنان من بعد الموقف ده هيعملوا حسابهم كويس ده غير أني لازم أخد قرار دخول مراد المستشفى حتى لو ده عكس إيرادته لكن هو ده الحل الوحيد
ظل أوس صامت يفكر في كلمات أكرم .. لكنه قال ببعض التفكير
-مش عارف يا دكتور مش مرتاح من جوايه وحاسس أنه خطر على ظلال
شعر أكرم أن ظلال تحتل مكانه خاصه بداخل ذلك الرجل الذي يقابله لأول مرة .. في حقيقة الامر انه اليوم التقى بأربعه أشخاص لأول مره لكنهم وبكل حالتهم أثروا فيه بشده .. أدهم بتحوله من شخصية لأخرى حين حدث خطر لأخته .. وعدنان ذلك الرجل الذي يذوب عشقًا في ظلال وذلك واضح وضوح الشمس لكل من ينتبه لنظرات عينيه وتصرفاته .. لكنه في الوقت نفسه يبتعد عنها مسافات ومسافات رغم وقوفه بجانبها .. وذلك الرجل الذي يجلس جواره يبدوا عليه رجل قاسي وقوي شجاع مقدام لا يبالي بشيء .. كما يقول كتلاوج الضباط دون أن يخرج عن النص بحرف .. وظلال تلك الصغيرة والرقيقة .. عادية الملامح لكن بعيون تخطف النظرات وثقة نابعه بتلقائيه تجعل الجميع ينجذب لها
-على العموم أحنا هنطلع دلوقتي على المستشفى .. ولو أدهم قرر يقدم بلاغ ويتهم مراد بشكل رسمي أنا هكون جاهز بتقديم كافه الادله على أنه مريض نفسي
شعر أوس بالغضب وكاد أن يصرخ في وجه أكرم لكنه أبتسم وهو يقول باندهاش
-أنت غريب جدًا يا دكتور .. بتتكلم بهدوء شديد .. لكن انا متأكد أنك لو مكاني أو مكان أدهم هتبقى بتغلي من الغضب أكثر مننا
تنهد أكرم وأرخى رأسه الي الخلف قليلاوهو يقول
-مفيش راجل عنده نخوة يقبل اللي حصل ده … لكن مهنتي بتحكم عليا أشوف الموضوع من كل الاتجاهات يا حضرة الظابط .. أفهم اللي عمل كده عمله ليه وأيه دوافعه .. أنا شاركت في قضاية كتير جدا وكنت سبب في أن المجرم ياخد جزائة .. والمظلوم كمان ياخد حقة .. والمريض اللي عمل غلط بسبب المرض ياخد فرصته في العلاج
صمت للحظات ثم أكمل موضحا
-مثلا أدهم مريض …. عنده شخصية تانية مش هو اللي بيتحكم فيها .. الشخصية التانية دي هي اللي بتستغل جسمه .. يعني ممكن تعمل جريمة او مصيبة تفتكر وقتها أدهم يستحق العقاب؟!
ظهر التفكير على وجه أوس وكلمات أكرم تفتح له أبواب الفهم داخل عقله .. وتجعله يرى الامر من الجهه الاخرى
وبعد أكثر من ثلاث ساعات كانوا قد وصلوا أمام المستشفى .. وتم نقل مراد الي غرفته مع تشديد أكرم بعد دخول اي شخص له ورحل أوس على وعد بأتصال ولقاء حين يعود أدهم لشخصيته الحقيقة
عاد أكرم من أفكاره حين أنتهت علياء من جلسه المساج الخاصة والمميزة .. وقبل أن تحمل الماء وتغادر أمسك يدها يقبلها بحب وتقديس وشكر كبير .. ثم قال بصدق
-ربنا يباركلي فيكي يا علياء .. لو تعرفي بحبك قد ايه لو تشوفي قلبي من جوة شايلك ايه .. ويخاف عليكي قد ايه .. أنتِ دنيتي وجنتي وحياتي كلها
كانت تبتسم بسعادة ليضمها الي صدره بحنان ولا يعلم هل هو من يضمها أم هي من تحتويه بحنانها وقلبها الكبير .. ليت كل أنسان لديه عليائه الخاصة .. وليت كل إمرأة لديها أكرم خاص بها يستطيع أستيعاب دواخلها وروحها “رواية عشق الرجال”
…………….
وبداخل غرفته كان يستمع لها وهي تخبره بكل ما حدث .. تضحك مرة وتبكي مرة .. وكان هو يستمع لها وهو يبتسم .. ما أجمل من أن تكون أمرأته بتلك الحلاوة لسيت حلاوة الشكل .. هو يقصد حلاوة الروح والافكار .. أن تذوب بك عشقًا وبكل شخصياتك وتكون قادرة على أستيعابك بكل حالاتك
-يعني قدرتي توقعي أدهم الخشاب في حبك .. وقدرتي كمان على شخصيته التانية اللي محدش كان قادر عليها
لتضحك بصوت عالي وهي تقول بثقة
-طبعًا يا أبني .. دة أنا سليمة وبعدين طالما وقعتك أنت في حبي ف اكيد اقدر اوقع كل شخصياتك ولو عندك الف شخصية هخليهم كمان يحبوني
ضحك بصوت عالي انها قادرة على تحويل مأساته الي حدث مميز وحاله حب تغلف كل ما يحدث له بحلوه ومره .. وكأنهم في فيلم وتعرف نهايته السعيدة وتسير بخطواتها الثابته في هذا الاتجاه
أنتبه من أفكاره على صوتها وهي تقول ببعض القلق
-بس تعرف انا خايفة من حاجة .. رغم أني فرحانه أني هعيش تجربه الجواز بكل تفاصيله معاك مرتين وبشخصيتين مختلفين وهستمتع معاك في كل لحظة .. لكن في حاجات مش عارفة هتكون…
لم تستطع أن تكمل حديثها من الخجل .. فهم مقصدها فهي وضعت يدها على مخاوفه ببساطة .. لكنه قال بهدوء قدر أستطاعته حتى يهدئ مخاوفها رغم أنها ايقظت كل مخاوفه
-قبلها هنتكلم مع عبدالله في الموضوع ده ونشوف ممكن نحل الموضوع ازاي
ظلت صامته لعده لحظات ثم قالت مغيرة دفه الحديث
-ظلال عاملة ايه دلوقتي .. وقررت هتعمل ايه مع مراد؟!
تنهد بصوت عالي وهو يخبرها بما حدث مع ظلال ومدحت تصرفه وكلامه .. ثم تنهد بثقل وقال
-مش عارف أعمل ايه مع مراد .. لو أخدت إجراء قانوني الفضيحة مش هطوله هو بس لا ظلال كمان وخصوصا انها دلوقتي بقت مشهورة وأسمها معروف
تنهد مرة اخرى ثم قال بعد تفكير
-هقعد مع عدنان واوس ودكتور أكرم وهشارك كمان عبدالله ونشوف الحل المناسب
شعرت بثقل الهم فوق كتفيه فقالت له ببعض المشاغبة
-ايه رأيك تعمل نفسك ثامر وتيجي نجرب القهوة بتاعته المخلوطه بالمريجوانا
ليضحك بصوت عالي وقال
-والله فكرة .. بس أكيد مش هنشرب من القهوة بتاعة ثامر .. هنشرب من القهوة بتاعة سليمة
وأغلق معها الهاتف وتحرك ليغادر القصر من جديد ليصدم أن عدنان مازال يجلس عند باب غرفة ظلال وحين رأه قال له بتوسل
-أدخل طمني عليها بالله
ليقترب من باب الغرفه وفتحه بهدوء ليجدها تغط في نوم عميق فعاد وأغلق الباب من جديد ونظر لعدنان وقال
-نايمة .. روح أنت كمان نام وأرتاح بكرة محتاج مخك يكون صاحي ومركز علشان نشوف هنعمل ايه مع مراد
-هقتله
قالها عدنان بغل وغضب .. ليقول أدهم بلوم
-روح نام يا عدنان وأرتاح وشغل مخك شوية
وتركة وغادر ليتحرك عدنان بعد لحظات الي غرفته بعد أن وضع يده على باب الغرفة وقال بهمس
-نامي يا قلب عدنان ونبضه .. نامي وبكرة شايلك الاجمل والاحلى .. نامي وأعرفي أن في هنا قدام بابا خدام رهن أشارتك وهب نفسه بس لحمايتك .. حتى لو كان على حساب نفسه ودمه
…………..
تصارع يد تخنقها بقوة .. ويد أخرى تمزق ملابسها .. ويد أخرى تستحل جسدها .. ويد أخرى تضع فوق عنقها سكين حادة تنحره بها ببرود وكأنه يريد أن يعذبها أو يزيد عذابها أو يجعلها تشعر بما يحدث معها بالكامل أنه يريدها أن تتعذب فقط .. وصوت في أذنها كفحيح الافعى .. أو كنعيق الغراب يقول بكل كره
“أنت لازم تدفعي التمن .. أنتِ لازم تموتي .. أنتِ محدش بيحبك .. ملكيش مكان هنا”
رواية أو أشد قسوة الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم سارة مجدي
وصل أدهم إلى بيت سليمة وقلبه ونبضاته تسبقه، يريد أن يراها، أن يسمع منها وتسمعه، يريد أن يراها وكفى. وقبل أن يصعد اتصل بها، وحين أجابته سألها مباشرة:
"عمي صاحي؟"
شعرت بالاندهاش من سؤاله، لكنها قالت بهدوء:
"آه."
"بلغيه إني طالع وعايزه في كلمتي."
أغلقت الهاتف وتوجهت إلى غرفة والديها وأخبرت والدها الذي شعر هو الآخر بالاندهاش، لكنه سألها:
"متأكدة إنه أدهم؟"
أومأت بنعم ليهز رأسه بنعم، لتعود إلى غرفتها حتى ترتدي شيئًا مناسبًا. حين وصلها صوت جرس الباب، توجه يونس ليفتح، ليرى أمامه أدهم بنظراته المتواضعة وابتسامته المحببة، لكنها الآن تحمل الكثير من الأسف والاعتذار.
قال يونس مباشرة وبصدق يشوبه المرح:
"حمد الله على السلامة، طولت الغيبة."
ليضحك أدهم بخجل وقال بصدق يغلفه الاعتذار:
"أنا جاي مخصوص عشان أعتذر لحضرتك على كل اللي حصل، وإني خبيت عليك موضوع مرضي. كنت خايف إن حضرتك تحرمني من سليمة، وحضرتك متعرفش سليمة بالنسبة لي يعني إيه. وفي نفس الوقت كنت بقول لنفسي إن صاحبة الشأن عارفة وموافقة وراضية بيا بكل عيوبي، قابلاني بشخصياتي وده في حد ذاته شيء عمري ما كنت أتخيله أو أفكر إنه موجود في الحياة. أنا آسف يا عمي، أرجوك اقبل اعتذاري."
كان يونس يشعر بحال أدهم ويشفق عليه. ذلك الشاب يعجبه بشدة، رغم غناه الفاحش ومركزه الاجتماعي، إلا أنه لم يشعر يومًا بهذا المركز أو غرور الأغنياء المتعارف عليه. يتحدث بأدب ويحترم الكبير، ويعترف بخطئه ويعتذر. كم يحبه حقًا! لذلك رفع يده يربت على كتفه وهو يقول بابتسامة حقيقية:
"طيب، ادخل هنتكلم على الباب كده."
ليبتسم أدهم وهو يقول ببعض الأسف:
"الوقت اتأخر."
"أنا بس..."
قاطعه يونس وهو يقول بأمر:
"متعتذرش تاني، المرض مش ذنب عشان تعتذر عليه. وزي ما أنت قولت، صاحبة الشأن كانت عارفة وموافقة. بس خلي بالك بقى، دي بتحب ثامر."
ليضحك أدهم ببعض الخجل الرجولي وهو يقول بمرح:
"بقالي ضرة يا عمي، يرضيك كده؟"
لتصله ضحكتها المكتومة، ليرفع عينيه إليها. كانت ترتدي فستانًا طويلًا، ذراعيها مكشوفان، وشعرها به بعض التموجات الطبيعية ينسدل على ظهرها برقة ونعومة. وشفتيها قد تلونتا باللون الأحمر الهادئ، وعينيها تكحلت بالأسود فأصبحت أوسع تلمع بحب كبير. شعر يونس بالإحراج من وقفته وأدهم يتأمل سليمة بتلك الصورة. فتذكر غضبه من ثامر، فلكم أدهم في معدته وهو يقول:
"أنا واقف على فكرة، هي صحيح مراتك بس متنساش إنها لسه في بيتي."
ليخفض أدهم عينيه أرضًا وهو يتأوه بألم، لتضحك سليمة بصوت عالٍ، لينفخ يونس بغضب مصطنع ويتحرك في اتجاه غرفته وهو يتمتم:
"خلصت من وقاحة ثامر، يطلع أدهم أوضح."
ليضحك الاثنان بسعادة ليدخل أدهم البيت وأغلق الباب خلفه وهو يقول بانبهار:
"حورية من حوريات الجنة، إيه القمر ده؟"
لتخفض سليمة رأسها بخجل، أنها المرة الأولى الذي يأتي فيها أدهم لبيتها وتظهر أمامه بهذه الهيئة. شعر بخجلها وتوترها التي تحاول إخفاءه، وقال بصوت متأثرًا بجمالها ورقتها وهيئتها المهلكة، بقلبه يستغفر الله حتى يبعد الشيطان وأفكاره عنه:
"ادخلي البسي حاجة تانية واعملي القهوة، ومستنيكي في البلكونة."
وغادر سريعًا وهي تتابعه بابتسامة عاشقة.
تحركت بالفعل وقامت بصنع كوبين من القهوة، ووضعت سترة صغيرة فوق كتفيها وحجابها وخرجت إلى الشرفة، لتجده يجلس هناك بوقاره المعروف عن شخصية أدهم ينظر إلى السماء بتفكير.
"مست"
باسمـه لينظر لها بابتسامة وقال:
"عيون أدهم… سليمة، أنا بحبك."
قالها مباشرة ودون سبب، لتشعر بها بكل كيانها. لكنها لم تستطع أن تقول أي شيء. اليوم مميز بالنسبة لها، ثامر تقدم لخطبتها، وأدهم رآها بدون حجاب. جلست على الكرسي ونظرت له وهي تقول:
"سامعاك."
قصت عليه ما حدث مع ظلال. وبعد أن انتهى، صمت وعلامات التفكير ظاهرة على ملامحه، لتقول هي قاطعة حيرته:
"إيه ده؟ مراد مش هتفيد ظلال في أي حاجة، بالعكس هتسبب لها ضرر كبير. وكلام الناس هيجرحها ويوجعها أكتر من الحدث نفسه. الموضوع يخلص ويتقفل تمامًا أحسن. في الموقف اللي زي ده، البعد والتجاهل أحسن علاج، مع شوية اهتمام منك هتبقى كويسة."
أومأ بنعم مؤيدًا لحديثها، لتكمل هي ببعض التوضيح:
"كمان أنت عارف كويس معنى المرض النفسي، وإن الإنسان ممكن يتصرف تصرفات هو مش مدركها. الأحسن إنه يتعالج ويبعد عن ظلال بكل مشاكله وعقده، وهي أكيد ربنا شايل لها حاجة حلوة، لأنها تستاهل تبقى سعيدة."
ابتسم براحة وهو يقول:
"دايمًا كلامك بيريحني وبيحسسني بالراحة والهدوء."
لتبتسم بخجل وقالت ببعض المشاغبة:
"هو كمان بيقولي كده."
قطب جبينه وهو يقول بحيرة:
"هو مين؟"
"ثامر خطيبي."
لفظ نابٍ خرج من بين شفتيه لم يكمله، لكنها سمعته، لتكتم ضحكاتها بصعوبة. ليقول هو بغضب:
"ماشي يا سليمة، هي بقت كده؟ والبي بقى ليه قالك كده؟"
لتضحك بصوت عالٍ وهي تقول باندهاش:
"أنت غيران من نفسك يا أدهم؟ ما ثامر أنت، وأنت ثامر."
تنهد ببعض الضيق المصطنع وقال بعد أن أخذ نفسًا عميقًا:
"أنا عارف إنه موجود، لكن هو ميعرفش إني موجود. مجبر أتحمل إحساس الذنب، وأنت مجبرة تتعاملي مع شخصية تانية بطباع تانية، تعيشي دور اللي متجوزة اتنين فعلًا. رغم إني غيران وده غصب عني، لكن الذنب الأكبر اللي شايله جوه قلبي هو أنتِ."
ظلت تنظر إليه ببعض الشفقة، لكن يغلفها حب كبير، وقالت بصدق:
"أنا بحبك بكل حالاتك وشخصياتك، متشلش همي، أنا معاك لآخر الدنيا ولو هنروح فين، المهم إيدي في إيدك."
مد يده يمسك يدها ثم قبلها بحب، وأكملوا سهرتهم حتى أول خيوط النهار وتناول إفطاره معهم في جو عائلي مميز، حتى ورد له اتصال من عدنان يخبره أن أكرم يريد مقابلته.
يجلس الجميع في مكتب أدهم بعد اتصال أكرم بـ أوس وطلب لقاء عاجل بهم. لم يجد بد من الاتصال بعدنان وأخباره بما حدث، ليخبره أن أدهم عاد لطبيعته وليتقابلوا في الشركة. وبالفعل اتصل بـ أدهم الذي قضى ليلته في شقة ثامر.
كان أكرم أول المتحدثين، قائلًا بهدوء:
"أستاذ أدهم، حضرتك قررت هتعمل إيه؟"
ظل أدهم صامتًا للحظات، ثم قال بهدوء بعدما تذكر حديثه الطويل مع سليمة بالأمس وتأيدها لرأيه بأن أي رد فعل سوف يسيء لـ ظلال قبل مراد، خاصة وأن المجتمع الآن أصبح ينتظر كل ما هو فاضح ويتداوله ويزيد على الحقائق قصص وأخبار حتى يزداد الأمر إثارة، وأحيانًا تختفي الحقيقة كاملة تحت وابل الأكاذيب. ليتنهد ببعض الراحة لذلك القرار وقال:
"أنا مش هاخد أي إجراء قانوني. ظلال اسمها هيتمسح لو ده حصل، وظلال عندي أهم من انتقام وأهم من شخص مريض. المهم إنك تهتم بالموضوع يا دكتور أكرم، أنا مش عايز مراد يقرب من ظلال بأي شكل."
ليقول أوس بغضب:
"بس ده لازم يتعاقب."
شعر أدهم بالاندهاش من رد فعل أوس، لكنه قال بهدوء:
"تفتكر واحد زي مراد بشهرته وسمعته لما يتعرف إنه مريض نفسي ده عقاب شديد، هو نفسه مش هيستحمله. وبجد أنا خايف من رد فعله، علشان كده بأكد تاني عليك يا دكتور."
ونظر إلى أكرم وأكمل:
"تنتبه ليه كويس أوي وربنا يوفقك في علاجه."
كان عدنان صامتًا تمامًا، فمن هو ليتدخل في هذا الأمر؟ هو من ألقى بها إلى يد ذلك القذر، بغبائه وسوء تصرفاته ترك يدها وجعلها تقف في مهب الريح بمفردها، وكل من يريد يستطيع أن يتجرأ عليها.
انتبه من أفكاره على رحيل أكرم، لكن أوس مازال يجلس في مكانه مقطب الجبين، ليقول أدهم له مستفسرًا:
"حاسس إن فيه كلام عايز تقوله."
نظر له أوس لعدة لحظات بصمت وتأمل، قال بهدوء قدر استطاعته:
"فعلاً عندي كلام مهم عايز أقوله."
اعتدل أدهم في جلسته، حتى يستعد بتركيز لكلمات صديقه، الذي قال بثبات وقوة:
"أول مرة شوفتك فيها آنسة ظلال كانت معاك، ببرائتها وضحكتها خطفت قلبي. كنت بنتهز أي فرصة علشان أجي أزورك أو أشوفك علشان بس ألمح طيفها وأطمن عليها. لكن أنا كنت اتخرجت واشتغلت وهي كانت لسه في ثانوي، علشان كده قررت أبعد، قررت أحميها من نفسي ومن حبي الكبير اللي سكن قلبي من نظرة واحدة وضحكة من القلب. اشتغلت وسافرت، لكن فضلت هي ساكنة قلبي، مشفتش واحدة غيرها ولا قلبي دق لغيرها. ولما رجعت القاهرة كنت بفكر أجي وأتقدم لها رسمي، لكن كان فيه شوية حاجات لازم أخلصها وأتأكد منها، لحد اللي حصل."
صمت لثوانٍ ليلتقط أنفاسه، وكان على وجه أدهم ابتسامة صغيرة، وعلى وجه عدنان ملل لا تستطيع الكلمات وصفه أو شرحه، لكن أوس كان في عالم آخر لا ينتبه لأي منهم ولا يشغله سوى ما يدور برأسه ويشعر به في قلبه، فأكمل:
"كنت هموت يا أدهم وأنا شايفها متخدرة ومع راجل غريب. كنت هموت من الغيرة والقذر ده بيقرب منها وبيقلعها جزمتها واتجرأ أنه يبوس رجلها. ظلال حبيبتي أنا، ظلال لـ أوس مش لحد تاني. أنا مستعد أقتله لأنه فكر يأذيها، مستعد أسيح دمه لأنه لمسها، لا مش لأنه لمسها، لأنه لمس جزمتها. أدهم، أنا بحب ظلال وبطلب إيدها منك دلوقتي. عارف إنه لا وقته ولا مكانه خصوصًا بعد اللي حصل، لكن أنا مش هينفع أفضل ساكت أكتر من كده."
دمعة خائنة سالت فوق وجنة عدنان الذي مسحها سريعًا قبل أن يقف ويتحرك في اتجاه الباب وهو يقول:
"أنا عندي شغل."
شعر به أدهم لكنه لم يعلق، فليس بيده شيء يفعله من أجل ابن عمه. ليعود بتركيزه إلى أوس الذي ظهرت على وجهه معالم الحيرة، ليقول أدهم بابتسامة متسلية:
"الحب جابك على بوزك."
أومأ أوس بنعم، ليقول أدهم من جديد:
"ظلال نفسيًا دلوقتي مش في أحسن حالاتها، وعلشان كده مش هتقدر تاخد قرار صحيح، وعلشان كده كمان أنا هديلك فرصة إنك تقرب منها، تقدر تتغلغل لقلبها، تحاول تخطف دقاته زي ما هي خطفت دقاتك. ولو ده حصل، يبقى مبروك عليك ظلال ومبروك عليا زوج اخت محترم وواسطة."
ليبتسم أوس بسعادة وهو يقول بعدم تصديق:
"بجد يا أدهم؟"
"بجد يا أوس."
قالها أدهم مقلدًا له، ليقف أوس وهو يقول بسعادة:
"طيب يعني أتقرب منها إزاي؟ بقالي..."
ليضحك أدهم وهو يقول:
"يا عيني على الحلو لما تبهدله الأيام."
ليقترب أوس من المكتب وقال برجاء:
"قولي بقى هعمل إيه علشان أقرب منها؟"
لم يتحمل عدنان أن يبقى في الشركة، غادر سريعًا مقرراً التوجه إلى الفندق حتى يرى هوا ويطمئن عليها، ويخبرها بكل شيء. عليه أن يغلق تلك الأبواب ويرتاح، وإذا رفضت هوا سوف يسافر، لن يستطيع البقاء هنا ويرىها تتزوج، أو يرى شخصًا آخر بسبب غبائه يؤلم قلبها.
وصل إلى الفندق وطلب من موظف الاستقبال أن يخبرها أنه في انتظارها بالمطعم. وبعد أكثر من ربع ساعة كانت تجلس أمامه وهي تنظر أرضًا بخجل، ليقول هو محاولًا كسر حالة الخجل والتوتر التي تعيش فيها:
"عاملة إيه النهارده؟"
رفعت عينيها تنظر إليه وقالت بصدق كل ما كانت تشعر به ويسكن قلبها:
"أول يوم أنام فيه وأنا مطمنة، ومش خايفة إن حد يدخل عليا أو حد يأذيني."
شعر بألم قوي في قلبه وشفقة على فتاة برقتها تتعرض لكل هذا. تذكره بـ ظلال، كلاهما لا يستحق ما يحدث معه. أجلى صوته وحاول أن يجنب عقله أي أفكار سوى الموضوع الأساسي:
"اسمعيني كويس يا هوا، وفكري في كلامي كويس والقرار في إيدك في الآخر، وأنا مهما كان قرارك مش هسيبك، هأمن لك حياة كاملة شغل وسكن وأمان، يعني لو وافقتي أو رفضتي أنا مش هتخلى عنك كإنسانة أبدًا."
أومأت بنعم ليبدأ هو في إخبارها بمرضه وكيف أصيب به. كل هذا كان يقوله دون أن ينظر إلى وجهها، لكن في النهاية رفع عينيه لها وقال:
"أنا دلوقتي بعرض عليكي اسمي واسم عيلة الخشاب، لحد ما تقفي على رجلك وتبني نفسك، وأنا أبقى قدام الناس اتجوزت. ولو مكملناش مع بعض وقررتي إنك محتاجة حريتك، وقتها أقول اتعقدت ومش عايز اتجوز، ويمكن أموت بسبب المرض قبل ده كله وتبقي أرملة عدنان الخشاب وتورثيني وتبقى كده أمنتِ نفسك فعلًا ومن كل حاجة."
كانت تنظر إليه ببلاهة وضياع، ودهشة مخلوطة بصدمة، وإحساس بالضياع لا تفهم بالتحديد ما تشعر به. لكنه وقف على قدميه ينظر إليها من علو وقال:
"أنا بلغت أهلي إني عايز أخطبك وأن والدك اتوفى، وعشان كده هنتظر 3 أيام أعزاء قبل ما أكتب عليكي. يعني معاكي يومين تفكري وتبلغيني بقرارك."
صمت للحظات ثم أكمل بصوت رخيم:
"وزي ما قولتلك في جميع الأحوال ومهما كان قرارك أنا جنبك ومش هسيبك ولا أتخلى عنك. أنتِ بقيتي أمانة في رقبتي، يعني أوعي للحظة تفكري إنك مجبرة على الموافقة."
وغادر من أمامها تاركًا لها المساحة الكافية للتفكير، واتخاذ القرار. وكانت هي كالغريق الذي ألقي إليه طوق النجاة لكن حبله مقطوع. صحيح منع غرقها في أعماق البحر، لكنه لم يحمها من أمواج البحر الهائجة، ولم يمنع دخول المياه إلى جوفها، ولم يأخذ منها إحساس المرار والعذاب التي عاشته لسنوات، بل زادت عليها ما شعرت به من ألم في روح عدنان. ولم تستطع تجاهل إحساسها برغبة قوية داخلها تريدها أن تلحق به تضمه إلى صدرها كطفل صغير يلجأ إلى حضن أمه وقتما يشعر أن لا مكان له على هذه الأرض، لكنه قد رحل، ألقى قنبلته في وجهها ورحل.
أخذت نفسًا عميقًا وتحركت تغادر المطعم وتصعد إلى غرفتها، لكنها توقفت أمام مشهد خطف عينيها ونبضات قلبها.
كانت هناك سيدة تجلس أرضًا جوار زوجها المقعد، والواضح من ملامحه التي تحمل تشوهًا كبيرًا أنه تعرض لحادث قوي. تتحدث معه بمرح وابتسامة واسعة وهي تعيد ربط الشريط الخاص بحذائه، وهو ينظر إليها بحب كبير كما الحب الظاهر في عينيها. لتفكر: هل أي شيء في الحياة مضمون؟ الإجابة لا. هل تعرف شخصًا آخر تستطيع أن تستأمنه على سرها ولا ترى في عينيه نظرة احتقار أو تقليل؟ الإجابة أيضًا لا. عدنان رجل مكسور القلب والروح، وحيد رغم عائلته الكبيرة ويحتاجها كما تحتاجه هي، لذلك… هي موافقة ليس من أجل كل ما ذكره، رغم أنها متأكدة أن هذا سيكون ظنه بها. لكن لا يهم. الأيام كافية وكفيلة لتثبت له عكس أفكاره، وقادرة أيضًا على خلق حياة سعيدة لها وله، والأمل بالله دائمًا يفتح لنا الأبواب المغلقة.
رواية أو أشد قسوة الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم سارة مجدي
بعد مرور شهر، كانت تقف بسيارتها على أحد الطرق الخالية من المارة في هذا الوقت من الصباح، تشعر أنها ستنفجر من كثرة الغيظ والضيق.
هل هذا وقت نفاذ الوقود من السيارة؟ وفي هذا المكان الخالي من البشر.
إنه اليوم الأول لها لعودة البرنامج من إجازته، وعدم وجود مراد يزيد من توترها وقلقها.
استندت على السيارة وهي تتذكر ما حدث منذ أسبوع.
أنها ظلت حبيسة غرفتها لمدة أسبوعين، ترفض لقاء أي أحد.
ولولا أن أدهم كان، ورغمًا عنها، يخترق خصوصيتها ولا يقبل أن يعتزلها هو الآخر، ويكسر ذلك كل يوم.
بناءً على نصيحة سليمة له، بألا يتركها لهواجسها، وأن الفتيات حين يقلن "لا نريد أحد" فهنّردن كل من يحبوهن حولهن، يشعرونهم بحبهم وتمسكهم بها.
وحين قررت الخروج من غرفتها، وصلها اتصال من مدير المحطة يسألها عن مراد.
وأن موعد عودة البرنامج لم يتبقى له إلا أسبوعان، وعليهم التحضير لموسم جديد ويكون مميز.
لتغلق معه الهاتف وركضت إلى غرفتها من جديد تبكي.
بخوف.
هي لا تعرف شيئًا عن مراد منذ ما حدث.
هي لم تسأل، وأدهم لم يقل شيئًا.
حتى أنها كانت تتجنب جدتها لكي لا تعلم شيئًا عن عدنان وخطبته المزعومة من تلك الفتاة التي لا تذكر اسمها.
اتصلت بأدهم وهي تبكي وتشعر بالانهيار، ليركض إليها سريعًا.
وخلال جلستهم، اتصل بأكرم، الذي أخبره كل شيء يخص حالة مراد بالتفصيل.
"مراد مريض اضطراب الشخصية النرجسية، والمرض ده عبارة عن حالة مرَضية تؤثر على الصحة العقلية للمريض اللي ينتابه وقتها شعور مبالغ فيه بأهميته. ويحتاج إلى الاهتمام والإطراء من الآخرين بشكل زائد، ويسعى إلى ده بكل طاقته. ممكن يفتقر لقدرة فهم مشاعر الآخرين أو الاهتمام بيها. لكن ورا قناع الثقة المفرطة ده، فهو مش متأكد من تقديره لذاته، ويمكن أن ينزعج بسهولة من أقل انتقاد."
صمت لثوانٍ، ثم أكمل بشيء من التوضيح والشرح:
"بيأثر اضطراب الشخصية النرجسية على الذكور أكتر من الإناث، وغالبًا بيظهر في سن المراهقة أو في بداية البلوغ. وممكن تظهر سمات النرجسية على بعض الأطفال، ولكن ده بيكون غالبًا عاديً بالنسبة لأعمارهم ومش شرط يعني أنهم يكونوا مصابين باضطراب الشخصية النرجسية لما يكبروا. لكن للأسف مراد، المرض العضوي مع مرضه النفسي، خلاه سجين الوحدة والخوف من إنه يتعالج، وقرر يعمل ستارة حلوة وجذابة تجذب الأنظار ليه، وفي نفس الوقت تبعد الأنظار برده عن مشكلته الكبيرة."
كانت ظلال تستمع لكلمات الطبيب وهي تبكي بصمت، وأدهم يمسك بيدها يضمها بين يديه بقوة يدعمها.
ليكمل أكرم كلماته:
"مراد تقريبًا عنده كل الأعراض. يعني مثلًا، هو عنده إحساس عالٍ بشكل غير معقول بأهمية الذات، والحاجة إلى سماع عبارات الإطراء والإعجاب باستمرار وبشكل مفرط. والشعور بأنه يستحق امتيازات ومعاملة خاصة. متوقَّع ديمًا الحصول على التقدير والتكريم حتى بدون إنجازات. ديما تلاقيه بيضخم إنجازاته ومواهبه بشكل أكبر مما هي عليه. والانشغال بقى بتخيلات عن النجاح أو القوة أو التألق أو الجمال أو الرفيق المثالي. عنده إيمان ويقين بأنه متفوق على الآخرين، وأنه لا يمكن قضاء أوقاته إلا مع أشخاص مميزين زيه، وميقدرش يفهمه إلا المميزين من أمثاله. كمان عنده طبع الانتقاد والتعامل بتعالٍ مع الأشخاص اللي ميشكلوش أهمية خاصة من وجهة نظره. متوقَّع ديما الحصول على خدمات خاصة، ومتوقَّع أن كل الناس هتعمله اللي هو عايزه، ومن غير ما يطلب. ده غير كمان استغلال الآخرين للحصول على مراده. كمان عدم القدرة أو عدم الرغبة في تمييز احتياجات الآخرين ومشاعرهم. يعني مش بيفرق معاه الطرف الآخر هيحس بأيه. وكما حسد الآخرين واعتقاد راسخ أن الآخرين بيحسدوه. هتلاقوه ديما بيتصرف بطريقة متعجرفة وبيتباها ديما وواثق من نفسه لحد الغرور. كمان عنده إصرار على الحصول على الأفضل في كل شيء، كأفضل سيارة أو أفضل مكتب، أفضل زوجة على سبيل المثال."
خيم الصمت لعدة لحظات عليهم. عيون أدهم ثابتة على عيني أخته يدعمها بنظراته كما يدعمها بيده وقلبه.
ليكمل أكرم كلماته:
"طبعًا الأعراض دي ممكن تكون ظهرت ليكم، لكن مكنتوش تتخيلوا أنها مرض. لكن الحقيقة أن مراد وصل لمرحلة أنه ممكن يأذي أي شخص يقف في طريق تحقيق هدفه. وهنا بقى الخطورة. علشان كده مراد لازم يخضع للعلاج النفسي، وكمان علاج عضوي، علشان يوم ما نوصل لنوع ما من الشخصية السوية يقدر يعيش حياته بشكل طبيعي."
قطع أدهم استرسال أكرم وقال باستفهام:
"حالته إيه دلوقتي وتقبل فكرة وجوده في المستشفى؟"
"للأسف لا. ومن يوم الحادثة وإحنا بنحاول بس نخليه يتقبل الفكرة، والمستشفى ساكتة علشان الموضوع على مسؤوليتي. لكن للأسف لو فضل على رفضه ده هيخرج من المستشفى. لحد ما حصلت المعجزة وبدأنا فعلًا في العلاج."
أغلقوا الهاتف والقلق يسكن العيون ولا يحتاج للأفصاح عنه.
لكن أدهم قال بصدق:
"أنا مش عايزك تخافي. أنا في ظهرك ومش هقبل أن أي حد يأذيكي. ومراد لو قرب من خيالك هيكون آخر يوم في عمره."
لتلقي بنفسها بين ذراعيه وهي تبكي بخوف، تتشبث به ولا تعرف ماذا عليها أن تفعل حتى ينتهي ذلك الأمر.
وكان أدهم يتذكر حين اتصل به أكرم يطلب حضوره سريعًا إلى المستشفى.
وحين وصل، كان مراد في حالة هياج ولا أحد يستطيع السيطرة عليه، وكل ما يريده هو أن يرى ظلال.
حينها لم يكن أمام أكرم إلا الاتصال بأدهم.
أخبره أكرم بكل شيء، ثم أوضح قائلًا:
"أنت هتدخل له وتتكلم معاه بشكل جاد جدًا. وتوضح له قد إيه هو غلط في حق ظلال، وإنها سافرت لأي حد من قرايبكم بره مصر علشان تنساه وتتخطى القصة."
أومأ أدهم بنعم. وفجأة ارتسمت على ملامحه تلك الملامح التي رآها أكرم على ملامح أدهم يوم اختطاف ظلال.
وسؤال ملح طرق باب عقل أكرم كطبيب:
هل الشخصية الثانية لأدهم تحاول السيطرة على حياة أدهم بشكل كامل؟
دلف أدهم إلى الغرفة، حين كان مراد يجلس أرضًا يستند بظهره على الحائط، وعلى وجهه غضب كبير وصدره يرتفع ويعلو بسبب سرعة تنفسه.
حين شعر بدخول أحد إلى الغرفة، رفع عينيه وكاد يصرخ به أن يخرج ويحضر ظلال.
لكنه ابتلع كلماته وصراخه حين تلاقت عينه بعين أدهم.
أقترب أدهم، خطوة ثم خطوة ثم خطوة أخرى، ووقف ينظر إلى مراد من علو.
ليقف مراد أمامه وقال من بين أسنانه:
"المرة اللي فاتت أخذتني على خوانه وضربتني. لكن المرة دي بقا مش هسمحلك تمد إيدك عليا تاني."
ثم تحرك مبتعدًا عنه وهو يصرخ بصوت عالٍ:
"عايز أشوف ظلال. عايز أتكلم معاها."
"ظلال مش طايقة تبص في وشك."
قالها أدهم بهدوء يصل حد البرود، رغم أنه من داخله يشعر بشفقة كبيرة على ذلك الشاب الذي لا حول له ولا قوة.
مرضه قد استولى على كيانه وبدأ في تدميره.
بهتت ملامح مراد حين أكمل أدهم ببرود سقيعي:
"وأنا جاي أقولك كلمتين. يتبقى عاقل وتفهمهم وتنفذهم. يترسم دور الجنون كويس علشان لما الصحافة والإعلام توصلهم أخبارك، يبقى شكلك حلو في التقارير بتاعتهم."
تراجع مراد للخلف خطوتين وهو يهز رأسه يمينًا ويسارًا برفض وخوف يصل حد الرعب.
لكن أدهم أكمل حديثه متقمصًا لشخصية ثامر الوقحة:
"اللي زيك المفروض يستخبى. لحد ما يتعالج وبعدين يرتبط ببنات الناس. مش يفكر التفكير الإجرامي بتاعك ده. إنك تتجوز بنت من عيلة كبيرة تستخبى وراها وتداري فيها عجزك."
شهق مراد بصدمة. وشعر أدهم بالغضب من نفسه. هو لم يكن يومًا هكذا. كيف يعاير رجلًا بمرضه الذي ليس له دخل به.
لكن لا تراجع الآن، فأكمل بهدوء:
"انسى ظلال يا مراد. وخلي كل تركيزك إنك تتعالج وتبقى قادر بجد على مسؤولية جواز وزوجة. اتعالج من خوفك ونرجسيتك. اتعالج علشان ترجع مراد منير اللي الكل بيتمنى يبقى زيه."
انحدرت دموع مراد. وعاد ليجلس على الأرض وهو يقول كطفل يعترف لأمه بأخطائه:
"عارف إنّي غلطت في حق ظلال بس. بس أنا بحبها."
"الحب تضحية."
قالها أدهم قاطعة وحاسمة.
ليككمل مراد:
"مش هقدر أشوفها مع غيري."
"يبقى مش بتحبها. أنت عايز تملكها. ظلال بخفة دمها وشخصيتها القوية والهالة المميزة اللي حواليها. أنت عايز تمتلك كل دول. عايز تزيد هالة الضوء اللي حواليك علشان تخفي وراها عيوبك."
ليُبكي مراد كالاطفال وهو يقول:
"أنا بحبها. بحبها."
أشفق أدهم على حاله، لكن ليس بيده شيء يقدمه له. فمصير أخته ومستقبلها على المحك، ولن يجعل شفقته على مراد تكون سبب لجرح جديد في قلب ظلال.
ابتعد خطوة في اتجاه الباب ثم قال بإقرار:
"أخدت قرار إنك تتعالج أو لا. فكرت صح أو لا. ظلال ملهاش مكان في حياتك يا مراد. ولو فكرت تقرب منها بأي شكل من الأشكال، مش هيبقى ضرب. بس أنا عشان خاطر أحمي أختي مستعد أقتل."
صمت لثوانٍ ثم أكمل ناصحًا:
"ونصيحتي ليك فكر في مراد بس. اتعالج من كل الحاجات اللي أنت خايف منها. وأرجع أقوى وأحسن. ووقتها هتلاقي الإنسانة اللي تزيد نور حياتك وتسعدك. واللي هي أكيد مش ظلال."
غادر الغرفة ليجد أكرم يقف أمامه يبتسم ابتسامة صغيرة، لكن لها معنى لم يدركه.
فقال باستفهام:
"ممكن أفهم سبب الابتسامة دي إيه؟"
"أنت قلت له الكلام اللي فعلًا محتاج يسمعه. صفعته عشان يفوق ويرجع لوعيه. والباقي عليا أنا إن شاء الله."
أومأ أدهم بنعم وتحرك ليغادر بعد أن قال:
"مش عايز حد يعرف بزيارتي ليه. ولو احتاج أي حاجة اتصل بيا فورًا."
أومأ أكرم بنعم ليغادر أدهم المستشفى. ودخل أكرم إلى مراد حتى يبدأ معه أولى جلسات علاجه النفسي.
عاد أدهم من أفكاره، أخذ نفسًا عميقًا ثم قال:
"إيه رأيك إنك أنتِ اللي ترجعي وتقدمي البرنامج وتقدمي حجة مناسبة لغياب مراد؟ يعني تحفظي مكانه لحد ما يرجع، ولو مرجعش يبقى أنتِ مخسرتيش مجهودك وتعبك. وفي نفس الوقت حافظتي على تعب مراد طول السنين اللي فاتت. وكل حلقة لازم تذكري اسمه بشكل مختلف. زي مثلًا "اشتقنا لوجودك مراد"، "متنظرين رجوعك". أو لو مراد كان موجود احتمال رأيه يكون كذا."
كانت تستمع إليه بتركيز شديد. ونار خوفها هدأت قليلًا. واستعادت بعضًا من سابق عهدها بالهدوء والتفكير العقلي.
وها هي أول يوم عمل لها وتعطلت السيارة. والسائق قرر في إصرار غريب أن يذهب ليحضر الوقود.
توقفت سيارة سوداء عالية أمامها، وانخفض الزجاج الذي بجهتها، وسمعت السائق يقول باندهاش:
"آنسة ظلال؟! بتعملي إيه هنا في الوقت ده؟!"
لتنظر له باندهاش هي الأخرى. شاب أسمر عريض المنكبين بملامح خشنة وشارب كبير يزيد من هيئته الرجولية.
ارتعد جسدها خوفًا، فذكرى ما حدث من مراد مازالت حية بداخله.
رجل من السيارة لترى بدلته الرسمية، فشعرت ببعض الراحة. لكن من أين يعرفها؟
أقترب منها وهو يقول ببعض القلق:
"حضرتك واقفة كده ليه؟"
ظلت صامتة تنظر إليه ببعض الخوف. ليبتسم ابتسامة خشنة صغيرة وقال وهو يضع يده على صدره:
"أنا أوس صديق أدهم أخوكي."
لم تصدقه. أو من باب الحذر ابتعدت خطوة للخلف.
ليخرج هاتفه واتصل بأدهم.
بعد لحظات أجابه أدهم بصوت ناعس ليقول أوس بصوت قوي وواضح:
"صباح الخير يا هندسة. أنا لقيت آنسة ظلال واقفة على الطريق العام وتقريبًا العربية فيها مشكلة. وعايز أعرض عليها خدماتي بس هي خايفة مني."
صمت للحظة ثم قال:
"تمام. هديها التليفون."
وأبعد الهاتف عن أذنه ومد يده به في اتجاهها. ترددت للحظات لكنها أخذته في الأخير.
نظرت إلى الاسم لتجده أدهم الخشاب. ورقم أدهم يظهر أسفل الاسم.
وضعت الهاتف على أذنها ليأتيها صوت أخيها قلقًا:
"فيه إيه يا ظلال؟ مالها العربية وفين السواق؟ ومتصلتيش بيا ليه؟"
تنهدت براحة وهي تجيب كل تساؤلاته. ليقول لها بأمر:
"خلي أوس يوصلك عشان متتأخريش على شغلك. وكمان مينفعش تفضلي واقفة في الطريق كده لوحدك. وحساب السواق معايا."
أومأت بنعم وكأنه يراها. ثم مدت يدها بالهاتف في اتجاه أوس وقالت:
"آبيه أدهم عايزك."
استمع لكلمات صديقه وهو يومأ بنعم. ثم قال منهيًا الحديث:
"متقلقش عليها. أنا هوصلها وهطمنك."
أغلق الهاتف. وفي اللحظة فتح لها باب السيارة. لتتأكد هي من إغلاق سيارتها بالمفتاح البديل وصعدت إلى سيارة أوس.
أغلق الباب ودار حول السيارة وهو يقول لنفسه بسعادة:
"يا أفكارك يا أدهم."
~~~~~~~
تجلس في مكتبها الجديد داخل مؤسسة الخشاب كسكرتيرة خاصة لعدنان بيه الخشاب.
حتى الآن لم يعلن عدنان خطبته لها. لأسباب هو فقط الذي يعرفها.
وهي لم تفكر للحظة أن تسأله عن سبب تأخير الإعلان.
انتهت الأوراق التي كانت تعمل عليها وحملتها وتوجهت إلى مكتبه.
طرقت على الباب طرقة صغيرة ثم فتحت الباب ودخلت، لكنها لم تغلقه خلفه.
لاحظ هو هذه الحركة منذ اليوم الأول لعملها هنا.
وقبل أن يعقب، عقب أدهم الذي كان يجلس معه في مكتبه لمناقشة أمر ما:
"سليمة كمان مكنتش بتقفل الباب لما تدخل ليا المكتب."
إحساسه أنها كسليمة في بعض التصرفات يجعله يقتل وسواس خفي يأرقه من وقت لآخر.
فبعد موافقتها الذي كان يتوقعها من أجل ماله ومركزه. وحطمت هي كل هذه الأفكار حين رفضت المكوس في الفندق واختارت أن تأجر شقة صغيرة في إحدى البنايات القديمة في حي شعبي بسيط.
وحين دفع لها الإيجار أخبرته أنها سترده له حين تجد وظيفة.
ليقترح عليها أن تعمل معه في مؤسسة الخشاب، ولكونها ستكون قريبًا جدًا زوجته فلا ضرر في ذلك، وأنه لن يقبل أن تعمل في أي مكان آخر وتتعرض لما كانت تتعرض له سابقًا.
وافقت. ولكنها وضعت شروطها، أن تكون وظيفة حقيقية ليست مجرد وظيفة شكلية لكونها خطيبته، حتى يكون رزقها من تلك الوظيفة حلال.
وبالفعل منذ عملت معه وهي متفانية. تعمل بكل طاقتها، حتى أنها تضع حدودًا في التعامل والحديث خلال ساعات العمل.
لكن الشيطان رفض أن يتركه يرتاح. فبدأ يلعب بعقله ويصور له أنها وافقت على الزواج منه. حتى تفعل ما يحلو لها تحت مسمى هذا الزواج.
وبدأ يحيك له بوضوح خطتها الوهمية. أن تتزوجه وهي تعلم جيدًا أنه لن يكون زواجًا حقيقيًا، وليس فيه حقوق زوجية أو معاشرة وإنجاب أطفال. وتستغل هي هذا وتتعرف على رجال آخرين، تفعل معهم ما كان يجب أن يحدث بينهم.
لذلك في بعض الأحيان يغضب عليها بشدة حين يلمحها تقف مع أحد الموظفين. أو حين يراها تتحدث في الهاتف ويشعر أنها تتحدث بالألغاز.
يحاول قتل هذا الوسواس، لكن لا يعرف كيف.
كان شاردًا في كل هذا حين كانت هي تقف أمامه تبلغه ببعض الأشياء، لكنه لم يستمع لما قالت.
وضعت الملف الذي تحمله أمامه على المكتب وقالت بهدوء:
"أوراق المشروع كده كاملة. والتصاميم باشمهندس رامي هيخلصها ويسلمها النهارده. تحب حضرتك أحدد بكرة موعد مع شركة (...)؟"
أومأ بنعم وهو يقول:
"بس خليه بعد الساعة ١٢ عشان أناقش مع رامي في التصاميم."
كتبت في مفكرتها ما قاله. ثم نظرت إليه وقالت:
"أي أوامر تانية يا فندم؟"
هز رأسه بلا لتغادر بهدوء.
لكن الأفكار عادت إلى رأسه من جديد. وهي تتذكر ذلك اليوم الذي حضر إليها في الفندق حتى يعرف قرارها الذي كان متأكدًا منه.
لكنها حين أبلغته بشروطها، تلك النظرة التي كانت تذبحها اختفت وأصبح مكانها نظرات عدم فهم واستيعاب.
لكنها حقًا تشعر بالامتنان له على كل ما فعله من أجلها وما يفعله. رغم تصرفاته الغريبة في الآونة الأخيرة، لكنها ستتحمل. فما يقوم به لا شيء مقابل ما كانت تتعرض له سابقًا.
ثم أنها تعذره. وتشعر بالشفقة عليه.
جلست خلف مكتبها وبدأت في عمل اتصالاتها لتحديد الموعد.
وحين انتهت ارتفع رنين هاتفها، لتنظر إلى الاسم ببعض القلق.
شُكران، تلك الجدة الحنون التي حضرت بعد أسبوع من انتقالها لشقتها في البناية القديمة حتى تخطبها.
حين رأتها شعرت برهبة وبعض الخوف.
أقترب حتى يحييها، ومدت يدها لها لترفع شُكران يدها التي تجعد جلدها بسبب السنين وظهرت فيها العروق بشكل واضح، لتنحني هوا تقبل تلك اليد بإحترام.
لتربت شُكران على رأس هوا بحنان. فقد خطفت قلبها بتلك الحركة وقالت بحنان:
"عرفت تختار يا عدنان. جمال هادئ وأدب."
جلسة كانت حميمية ناعمة. أخبرتها شُكران برغبة عدنان في الزواج منها. وبكونها الكنة الثانية لبيت الخشاب. وأن لها جناحًا كبيرًا في القصر خاص بها. وإنها من اليوم مسؤولة من عدنان وعلى اسمه، وعليها إدراك معنى هذا والحفاظ عليه.
منذ ذلك اليوم هناك اتصالات متبادلة بينهم.
انتبهت من أفكارها التي لا تتوقف أبدًا وأجابت الاتصال ليصلها صوت شُكران غاضبًا بعض الشيء:
"هو مش أنا طلبت منك تجيلي عشان نشوف الحاجات اللي أنتِ عايزاها عشان نشتريها لك؟"
ابتسمت هوا وهي تقول ببعض الخجل:
"إزيك الأول يا شُكران هانم؟"
زمجر شُكران بغضب وهي تقول:
"هانم إيه؟ قول يدي يا جدتي زي ما سليمة بتقول لي، أو قوليلي يا نانا زي ظلال. أنتِ خلاص بقيتي واحدة من عيلة الخشاب."
تجمعت الدموع في عيني هوا تأثرًا بحديث شُكران، لكنها لم تستطع التعبير عن ما تشعر به بالكلمات.
لتكمل شُكران أوامرها:
"هستناكي النهاردة."
"بس أنا مش عايزة أتعبك معايا. أنا هشتري كل حاجة وإن شاء الله يعجبوكي."
قالت هوا سريعًا في محاولة لرفع الحرج عن نفسها فيما تريده شُكران. فهي مؤكد لن تقبل أن تشتري لها شُكران أغراضها الخاصة، عليها أن تشتريها هي بمالها، حتى لا يزيد إحساس عدنان أنها قبلت به من أجل ماله.
وكأن شُكران سمعت ما يدور في عقلها فقالت ببعض اللوم:
"أنتِ بنتي من أول لحظة شوفتك فيها، قولت إني كسبت بنت جديدة زي ما كسبت قبل منك سليمة. إزاي عايزة تمنعي أم من إنها تفرح ببنتها؟"
"يعني حضرتك اشتريتي الحاجات دي لسليمة؟"
سألتها هوا وهي تعلم الإجابة. وسألت هذا السؤال حتى تستطيع إقناع شُكران بعدم ضرورة ما تريد فعله.
لكن شُكران أجابتها بما جعل الدموع تسيل فوق وجنتيها:
"سليمة مامتها موجودة وهتعمل لها كل اللي هي عايزاه. لكن أنتِ لوحدك يا بنتي. بلاش تقسي على نفسك أوي كده. اعتبريني أمك وبلاش تزعليني وتوجعي قلبك وقلبي."
شق الأنفس منعت هوا خروج شهقات بكائها من فمها حتى لا تصل إلى شُكران.
لكنها وصلت إلى ذلك الذي واقف عند الباب يستمع لحديثها مع جدته منذ البداية.
إنها لمست قلبه حين رآها أول مرة وحركت به نخوته وحميته.
وفي المرة الثانية حركت به شهامته وأوقدت نار رجولته.
واليوم أطفأت نيران الشك والحيرة وأشعلت نيران المسؤولية.
أغلقت الهاتف بعد أن أخبرت شُكران أنها ستمر عليها بعد انتهاء العمل.
لكن كان له هو رأي آخر.
~~~~~~~~
كان يغلق زرار قميصه وهو يجيب على تساؤلات أدهم عبر الهاتف الذي وضعه فوق طاولة الزينة.
كانت تتابع ما يحدث من بعيد بابتسامة ناعمة رقيقة.
استقرت حياتها أخيرًا. واستطاع عبدالله أن يصل إلى مرحلة التوازن في حياتهما.
أولادها أصبح لهم وقت خاص مع والدهم. وهي أصبح لها وقت خاص معه. ووقت خاص لنفسها.
هو من قرر ذلك حتى تستطيع أن تفرغ كل شحنات الضغط النفسي، وبكل سعادة تستطيع إكمال مهامها.
لذلك كل يوم ساعة كاملة لها بمفردها. تقوم بما تريد. تدلل نفسها.
حتى هو أصبح يجد وقتًا لنفسه يخرج فيه طاقته السلبية وكل تلك الأشياء التي يستمع لها من مرضاه وتؤثر على أفكاره وروحه.
ويعود كما كان بكل نشاط وحيوية.
الشيء الوحيد التي لم تستطع وضع وقت معين له هي اتصالات أدهم. وبعض حالات الذعر التي تحدث معه، فتوتر عبدالله لوقت.
لكنها لن تيأس أبدًا.
انتبهت من أفكارها على صوته وهو يقول:
"صعبان عليا جدًا. الدنيا كلها فوق كتفه. ده غير إنه بيتخبط بين شخصيته وشخصية ثامر. تصدقي إنه بيغير على سليمة من ثامر."
لتضحك بصوت عالٍ وهي تقول:
"الله يكون في عون سليمة. الحقيقة مش عارفة هتلاقيها منين ولا منين."
ابتسم هو الآخر وقال ببعض الاندهاش:
"الحقيقة هي كل مرة بتفاجئني برد فعلها. وتقبلها غير المشروط لأدهم ومرضه وشخصيته التانية. وازاي قدرت في وقت قصير تبقى ملجأ أدهم الآمن ورمانه ميزان حياتها."
اقتربت منه وهي تقول بصدق:
"الست موجودة في حياة الراجل عشان تبقى رمانة الميزان. ربنا لما خلق ستنا حوا خلقها عشان سيدنا آدم ميبقاش وحيد. عشان تعمل توازن عاطفي ونفسي في حياته."
واقتربت أكثر وهي تكمل بكل صدق:
"الست لما بتحب يا عبدالله، مفيش حاجة في الدنيا تقدر تقف قصادها. حتى الشخص اللي بتحبه نفسه. هتكسر كل الحواجز. وتهد كل الأسوار. هي اللي بإيديها تخلق جنة حياتهم. أو تشعل نار جحيمهم."
أحاط خصرها برقة. وهمس بحب:
"وأنتِ رمانة ميزاني يا لبنى. ومن غيرك أضيع."
أمسك يدها يقبلها بحب واحترام وتقدير، وأكمل بكل حب:
"ربنا أكيد راضي عني عشان أنتِ في حياتي."
لتضمه بقوة وهي تقبل جانب عنقه بشوق ولهفة. ليهمس بصوت متأثرًا بلمساتها الحانية:
"شكلي كده مش هروح العيادة النهارده."
لتومئ بنعم وهي مازالت تخبئ رأسها في تجويف عنقه. لتلهب أنفاسها نيران رجولته، فعاد يفك أزرار قميصه من جديد.
~~~
تحمل الكثير من الحقائب وسير متهدلة الأكتاف خلف والدتها التي كلما رأت شيئًا أثار إعجابها على واجهة إحدى المحلات، تدخل ذلك المحل ولا تخرج منه إلا ومعها على الأقل خمس حقائب.
وكلما اعترضت هي، وبختها أمها وقالت بتباهٍ وسعادة:
"أنتِ عروسة ولازم تدخلي مش ناقصك حاجة. وعندك بدل الحاجة عشرة."
يئست تمامًا من أن تغير رأي والدتها في أن ما تقوم به مبالغ به وغير صحيح. لذلك آثرت الصمت وسارت خلف والدتها ككلب مخلص لسيدته تحمل الحقائب وتهز رأسها بنعم كلما سألتها والدتها رأيها في شيء ما.
وفجأة تحول كل شيء حولها. اشتعلت النيران داخل عيونها. ونار أخرى تلتهم قلبها وروحها.
وعيونها ثابتة على نقطة ما، غير واعية لكلمات والدتها التي كانت تنهرها لوقوفها في منتصف الطريق بهذا الشكل.
لكنها ظلت مكانها تنظر لما يحدث أمامها بعيون باكية.
فأمام إحدى البنايات القديمة الشاهقة، يقف هو بشكله العابث دائمًا، يضع يديه الاثنان داخل جيوب بنطاله، ينظر إلى تلك الفتاة التي تقف أمامه وتنظر له بتوسل ببرود شديد.
توقف الزمن. توقف الهواء. هي لا تعرف، لكنها تشعر بنفسها داخل دوامة كبيرة تسحبها إلى أعماقها دون رحمة.
وكأن قدميها ليس لها. تحركت بخطوات بطيئة في اتجاهه حتى أصبحت تجاورهما، ويصلها صوت تلك الفتاة بوضوح:
"ليه يا ثامر؟ هو أنا قصرت معاك في حاجة؟ أنت عارف إني بحبك ورضيت منك بالوقت الصغير اللي كنت بتحدده ليا كل فين وفين. راضية بلحظات بين دراعتك بحس فيهم إني ست بجد. ليه عايز تبعد عني؟ طيب أعيش خدامة ليك طول عمري زي الجواري بتوع زمان؟ لا هقولك اتجوزني ولا هيكون ليا طلبات. بس خليني معاك يا ثامر."
شعر بالضجر من كلماتها المكررة وكاد أن يتحرك مغادرًا، لكن عينيه اصطدمت بعينيها الباكية وهمسها باسمه.
ليجد نفسه يهمس باسمها بصوت مختنق.
وفجأة صرخ بصوت عالٍ وهو يمسك برأسه وسقط أرضًا مغشيًا عليه.
يتبع…
رواية أو أشد قسوة الفصل الثلاثون 30 - بقلم سارة مجدي
دخلت الي غرفتها بعد أن جلست مع جدتها لبعض الوقت.
لكن حين عرفت أن هوا قادمة اليها أخبرتها أنها تشعر بالصداع بسبب التوتر والقلق وتريد أن تنام.
وطلبت منها ان لا توقظها على موعد الغداء.
حين أغلقت باب غرفتها عليها وأخذت نفس عميق وهي تتذكر كل ما حدث معها صباحًا.
صعدت الي سيارة أوس وهي تشعر بالرهبة وبعض القلق وظلت صامتة تنظر له بطرف عينيها تتابع حركة يده وهو يقود السيارة.
وشعرت بالرهبه حين قال:
- ده شرف عظيم أنك تركبي معايا يا آنسة ظلال.
أبتسمت بمجاملة وقالت:
- ده من ذوقك بس.
قلبه يرقص من السعادة، يقفذ ك طفل صغير يلهوا ويلعب.
في صباح يوم العيد كان ينظر اليها وهو يقول لنفسه: "وأخيرًا ظلال في سيارته.. تجلس معه.. أول خطواته في طريقها.. ولن يتراجع".
أوقف السيارة تحت أحد الكباري الحديثة وترجل من السيارة بعد أن قال:
- ثواني وراجع.
أومأت بنعم وظلت تتابعه بعينيها وهو يدور حول السيارة.
ودخل إحدى محلات المشروبات السريعة وبعد دقائق عاد وبين يديه كوبان من القهوة.
مد يده تجاهها بأحدهم وهو يقول:
- أتفضلي قهوتك.. بلبن سكر زيادة.
شعرت بالاندهاش من كونه يعرف كيف قهوتها لكنها لم تعلق.
أبتسم هو بسعادة.
لمعه عينيها.. جعلت دقات قلبه تزداد من السعادة.
لقد أخذ خطوة أخرى في أتجاهه وشكر أدهم في سره.
أدار محرك السيارة وقال:
- متقلقيش هتوصلي في معادك.
- مش قلقانه.
أجابته بشكل تلقائي.
هذا حقًا ما تشعر به وقالته بصدق تام.
وبدون لحظة تفكير.
ليبـتسم أكثر.
ها هي خطوة أخرى.
تتناول قهوتها وهي تفكر.
من هذا الرجل؟
تشعر إنها تعرفه.
أو قابلته قبل هذا اليوم.
لكن أين لا تتذكر.
لكن هناك نوع من الالفه بينهم والامان.
أوقف السيارة أمام بوابه الاستديو.
وقبل أن تترجل منها قال بلهفه:
- أنا هستناكي هنا علشان أرجعك القصر.
نظرت له بأندهش وبعض الصدمة.
ليكمل كلماته بأبتسامة خطفت دقه من قلبها:
- مش هأمن أنك ترجعي مع تاكسي ومش عارف إذا كان أدهم هيبعت السواق بالعربية ولا لأ.
هتخلصي هتلاقيني مستنيكي هنا.
- أنا لسه قدامي على الاقل 3 ساعات.
قالتها بأقرار حتى تجعله يتراجع عن قراره.
ليبتسم وعينيه تنظر الي عمق عينيها.
تحاول سبر أغوارها.
أو وشم نظراته بداخلها وبداخل قلبها وعلى روحها.
لم تستطع الرد لكنها ترجلت من السيارة ودارت حولها حتى تدلف من البوابه.
ليقول من خلفها:
- آنسة ظلال.
التفتت تنظر اليه بأستفهام.
والحيرة تطل من عينيها.
ليقول بثقة:
- أن شاء الله الحلقة هتكون ممتازة.
أنتِ قدها وقدود.
والجمهور كله بيحبك.
شعرت بالاندهاش من كلماته وكأنه كان يشعر بقلبها الذي يرتعش داخل صدرها من الخوف.
ورهبه البدايات.
وجائت كلماته لتربت على قلبها تطمئنها.
وصلت الي الاستديو وهناك الجميع قابلوها بترحاب كبير.
ف خبر سفر مراد لظروف عائلية جعلهم يشعرون بالخوف من ايقاف البرنامج الي الابد.
لكن روجعها وموافقتها على تقديمه أعاد لهم الامل.
دخلت الاستديو وبداخلها ترتعش بخوف لا يوصف.
هنا الكثير من الذكريات مع مراد.
هنا بدأت تشعر بشررات حبه لها وأعجابه بها.
هنا كانت بدايه نجاحها وتحقيق حلمها.
واليوم تدخل الي هنا بعد الكثير من الاحداث وتجربة قاسية لا تستطيع محوها من ذاكرتها.
جلست على الكرسي الوحيد الموجود في المكان.
ونظرت الي الميكرفون الوحيد أيضًا.
جلست لتدخل الفتاة سما.
وضعت أمامها الاسكربت وهي تقول بأدب:
- ده أسكربت أفتتاحي للموسم.
فيه اي مشكلة؟
هزت ظلال رأسها بلا وقالت بأبتسامة مرتعشة:
- كويس.
صوت المخرج وصلها من الباب المفتوح وهو يقول:
- يلا كله في مكانه.
لتخرج سما وأغلقت الباب خلفها.
لتعتدل ظلال أمام الميكرفون.
ليقول المخرج بأبتسامة مشرقة:
- حمدالله على السلامة يا ظلال.
عايزين حلقه جامدة.
أومأت له بنعم.
ليرفع كف يده له وبدء في العد:
- 1،2،3،4،5.
هوا.
أبتسمت بثقة لا تعلم من اين تلبستها.
لكن كلمات اوس ترددت في أذنها.
لتقول بثقة:
- اهلا بيكم في أول حلقات الموسم الجديد من برنامج ساعة مع مراد.
لكن للأسف مذيعنا العزيز والغالي غايب عن البرنامج لفترة بسبب أسباب عائلية قهرية.
ونتمتى عودته بسرعة للبرنامج.
واتمنى انكم تتقبلوني لوحدي الفترة دي.
صمتت لثوان ثم قالت بثقة أكبر:
- خلينا نبدء حلقتنا بأغنيه الطير المسافر للعملاقة نجاة الصغيرة.
ودي أهداء من أسرة البرنامج للأستاذ مراد.
“وبعتنا مع الطير المسافر جواب. وعتاب. وتراب من أرض أجدادي
وزهرة من الوادي، وزهرة من الوادي
يمكن يفتكر لي هاجر ان لو في بلادو احباب
ان لو في بلادو احبابان لو في بلادو احباب
لو في بلادو حباب
وبعتنا، وقلنا يا نور عيونالي بعدت عنا، وحكايتك ايه
زهرة قلوبنا دبلت ودبنامن غير حبيبنا يرويها ايه
حبايبنا عاملين ايه
في الغربة واخباركم ايه
مرتاحين ولا تعبانين
فرحانين ولا زعلانين
مشتاقين ليكو مشتاقين
من عيونكن محرومين
وبعتولنا مع الطير الي راجعاوام سلاموكلام يمكن يريحنا ولا يفرحنا
ويقول للقلب انو فاكران لو في بلادو حباب”
أشار لها المخرج بأبهامه لها علامه أن الامور جيدة.
لتتنهد براحه.
وكان أوس يجلس في السيارة يشعر بالنار تتأكله.
ليتصل بأدهم لكنه لم يجيب.
لينفخ بضيق.
نار الغرية ستقتله وتجعله يذهب لذلك الوغد في المستشفى يقتله.
رغم معرفته بأتفاق أدهم معها بضرورة ذكرها لمراد في كل حلقة.
والتعامل بشكل عملي متحضر حتى لا تثير الشكو.
مرالوقت وهو يستمتع بصوتها عبر الأثير.
أغمض عينيه حين وصله صوتها وهي تقول من جديد:
- وبكدة نكون وصلنا لنهاية حلقتنا النهاردة.
كنت سعيدة جدًا بكل أتصالاتكم ورسايلكم.
ويارب أكون كنت ضيفة خفيفة عليكم.
ودلوقتي نسمع أغنية أنا بحبها أوي للجميلة شرين عبد الوهاب.
كتير بنعشق.
ليصرخ المخرج وهو يشير لها انها غير جاهزة.
لتبتسم وهي تقول:
- أنا بحب الاغنية دي جدا.
وعايزة اقولها ليكم بصوتي قبل ما تسمعوها بصوت شيرين.
واجلت صوتها وهي تقول:
” كتير بنعشق ولا بنقول .. وكتير بنعشق ولا بنطول
ومفيش حكاية بتستمر زي ما بدأت ليه على طول ”
كاد قلبه أن يغادر صدره من كثرة دقاته المتسارعة.
صوتها يلمس شغاف قلبه.
ويهز وتينه بقوة.
يجعله يود أن يصعد اليها الان يخطفها من مكانها ويسكنها قلبه يحميها من كل الدنيا ويطمئنها ويسعدها.
أشار لها المخرج انهم وجدوا الاغنية.
لتقول بأبتسامه مرحة:
- أسفة للتلوث السمعي اللي حصل ده.
وأسبكم مع الصوت المميز شيرين.
سلاااااام.
أشار لها المخرج بالانتهاء.
ل تأخذ أغراضها وتغادر الغرفة.
لتقف سما أمامها وقالت:
- حلقة بكرة عن ايه؟
ظلت ظلال صامته للحظات ثم قالت:
- عن الصدف.
يعني خلينا نشوف الصدف عملت ايه في حياة المستمعين.
وأنا هحكي كذا موقف عن الصدف كمان.
أومأت لها سما بنعم.
حين أقترب المخرج يحيها على ما قالته في بدايه الحلقة عن مراد.
وأن ما قالته زاد من معدل المشاهدة ومن اول لحظات البرنامج.
غادرت الاستديو لتصدم بأنه بالفعل يقف أمام البوابة ينتظرها.
وأبتسامته لم تفارق وجهه رغم طول فترة الانتظار.
أقتربت من السيارة ليترجل منها وهو يقول:
- الحلقة كانت تجنن برافو عليكي.
- سمعتها؟!
سألته ببعض الشك.
ليقول بتأكيد وعينيه تلمع بسعادة كبيرة لنجاحها الذي يسعده بشده:
- طبعًا مفيش حلقة ليكي بفوتها.
ومتوقع ليكي نجاح كبير.
أشار لها لتدور حول السيارة وفتح لها الباب لتصعد اليها.
ليقول بجهل مصطنع:
- على القصر ولا عايزة تروحي مكان تاني.
- لا القصر.
أنا تعبتك جدا الحقيقة.
ومش عارفة أشكرك ازاي.
السعادة تسكن قلبه وروحه.
وحين تصبح ملكة حياته سوف تكون الحياة أجمل وأسعد.
قال بصدق لمسها:
- أرجوكي متقوليش كده.
أنا في خدمتك ديما.
كلمته لمستها بشكل لا تفهمه.
لكنها لم تعلق وظلت عيونها معلقة على الطريق حتى وصلت الي القصر.
حين كادت أن تترجل من السيارة قال برجاء:
- ممكن تسمحيلي أجي أوصلك بكرة.
هستأذن من أدهم لو أنتِ وافقتي.
دون إراده منها أومأت بنعم.
ليبتسم بسعادة.
ليقول بسرعة:
- هتلاقيني واقف هنا الساعة 6ص.
أومأت بنعم وترجلت من السيارة.
وظل يتابعها بعينيه حتى أختفت من أمام نظره.
ليغادر والارض بكل رحابها لا تساع فرحته الان.
~~~~~~~~~~
تقف في مطبخ المطعم تشرف على كل ما تقوم به الفتايات.
كما هي أوامر بيبرس.
الذي جعلها تقسم بالله ويدها فوق المصحف الشريف أنها لن ترهق نفسها ولن تقوم بأي شيء سوا الاشراف فقط.
أبتسمت بسعادة وهي تتذكر أخر زياره للطبية وموقف بيبرس.
حين أخبرتهم الطبيبة انها تحمل بداخل رحمها طفلين.
ظل واقف امام الطبية فاغر الفاه والدموع تلمع داخل عينيه.
وحين أقتربت منه زيزي تربت على كتفه.
نظر لها وقال بعدم تصديق:
- أنتِ سمعتيها وهي بتقول إنكِ حامل في أتنين.
صح؟!
أومأت بنعم.
ليخر ساجدًا لله وظل كثيرًا جبهته تلتسق بالارض ولم يرفعها حتى ربتت زيزي على كتفه من جديد.
كانت الطبيبة تشعر بتأثر كبير بما تراه أمامها ومن صدق مشاعر هذا الاب.
وقف بيبرس وقال برجاء وتوسل والدموع تغرق وجنتيه:
- حضرتك متأكدة أنها حامل في توأم.
صح؟!
أومأت الطبيبة بنعم.
ليضم زيزي بقوة وهو يقول بصدق وقلبه ينبض بداخل صدره.
لكن صدا تلك الدقات تتردد داخل صدرها هي.
وظل يقول بصوت باكي:
- ربنا يخليكي ليا يا زيزي.
أنتِ سعادة الدنيا والاخرة.
أنت باب التوبة وباب الخير كله.
وفي سيارتهم كان كل دقيقة وأخرى يمسك يدها ويقبلها.
وفي المرة الاخيرة سحبت يدها من يده.
لينظر لها بأندهاش وقال بحزن:
- سحبتي أيدك ليه من أيدي؟!
أبتسمت أبتسامة صغيرة وقالت بصدق:
- هو أنت ليه شايفني الملاك في حياتك.
أنا وأنت بشر غلطنا وسندنا بعض علشان نصحح الغلط.
أنت كنت باب الخير والسعادة كمان يا بيبرس.
أنت حبيب طفولتي ومراهقتي.
والباب اللي أتفتح على الدنيا.
ورغم كل اللي حصل وكان لكن رجعنا لطريق ربنا.
وأهو ربنا بيكافئنا وبدل الولد رزقنا ب أتنين.
ثم أمسكت يده هي هذه المرة وقبلتها بحب كبير وأحترام أكبر.
وتقدير لا تستطيع الكلمات وصفحه أو شرحه.
وشعر هو بقبلتها وكأنها نسيم هواء في حر أغسطس.
او كشربه ماء تطفىء عطش إنسان يجوب الصحراء منذ أيام.
كباب جنة فتح أمامه وضوء نهار يبدد عتمه ليله.
بعد لحظات أوقف السيارة في إحدى شوارع القاهرة القديمة.
ونزل منها ووقف بجاور سيارته.
وكل شخص يمر عليه يخرج من جيبه بعض الاوراق الماليه دون عد ويضعها بيده.
وبدون أن يطلب كانت تصله دعواتهم بزيادة المال والبركة في العمر والحفاظ على الاولاد.
كانت تبكي بسعادة.
ف ها هي الحياة التي تتمنى أن انثى أن تحياها.
زوج محب.
وحياه في رضا الله.
ورزق حلال.
واولاد.
وكل هذه بفضل الله وبدون حول منهم ولا قوة.
ف لقد جبرها الله جبرًا يتعجب له أهل الأرض والسماء.
خاصة بعدما علمت ما حدث مع حنان.
فلقد طلقها زوجها بسبب تصرفاتها الخاطئة في حق والدته.
بكثير من الصلف والغرور.
هي ليست شامته بل شعرت بالحزن والشفقة عليها.
لكن أن يرى العبد انتقام الله في من أزاه وحاول بكل الطرق أن يسبب له المشاكل.
ل هو أحساس عظيم.
ولو تعرفون.
توقف الزمن لعدة لحظات.
كان ثامر ينظر في أتجاه سليمة التي تبكي بصمت.
ليشعر بألم قوي في قلبة.
وحين نطقت أسم أدهم شعر بألم قوي برأسه.
ثم شعر بالدوار وهو يصرخ بصوت مكتوم ثم سقط أرضًا مغشي عليه.
القت سليمة ما بيدها أرضًا وركضت اليه.
وجثت بجانبه.
رفعت رأسع ووضعتها على فخذها وهي تقول بخوف:
- ادهم ادهم أفتح عنيك ادهم رد علي.
لتقول الفتاة التي تجلس أسفل قدميه:
- أسمه ثامر يا حبيبتي.
وبعدين أنتِ مسكاه كده ليه.
لتشعر سليمة بالخوف وبدأت في البحث عن حقيبتها.
لتقربها لها الدتها وهي تقول:
- أطمني يا بنتي أن شاء الله هيبقا كويس.
أخرجت سليمة الهاتف وأتصلت بعبدالله.
وقبل أن يجيبها صرخت في الفتاة التي تحاول لمس جسد ثامر:
- أبعدي أيدك عنه بدل ما أقطعها.
لتـبتعد الفتاة بخوف.
وحين وصل ل سليمة صوت عبدالله قالت بخوف:
- الحق أدهـم.
وخلال نصف ساعة كان عبدالله وعدنان يقفون أمامها ينظرون الي أدهم بقلق.
وهي تقص عليهم ما حدث.
ليقول عبدالله أمرا وموجه حديثه لعدنان:
- شيله معايا.
خلينا نطلع على العيادة وهناك نتصرف.
وُضع أدهم في الكرسي الخلفي لسيارة عبدالله وجلست سليمة جواره وأنطلق سريعًا.
وجلست فاطمة بسيارة عدنان وساروا خلفها.
………………
وقفت هوا امام شُكران تشعر بالخجل وهي ترى كل هذه الملابس الخاصه بالعروس.
كانت شُكران تبتسم برقه وهي ترى معالم الخجل ترتسم بوضوح على وجه الفتاة.
التي قالت بصوت مرتعش:
- ايه كل ده.
وبعدين.
وبعدين.
- أنتِ علقتي.
قالت شُكران بمرح.
لتقترب هوا منها وجلست على ركبتيها وهي تقول والدموع تملئ عيونها:
- بس ده كتير أوي عليا.
أنا مش هقدر.
وضعت شُكران يدها على فم هوا تسكتها غصبًا وقالت بأمر:
- متكمليش كلامك.
لو والدتك كانت عايشة وجابتلك الحاجات دي كنت بردو هتقولي مقدرش.
لتقبل هوا يد شُكران بأحترام وقالت بحب:
- شكرًا انا مش عارفة اقول ايه او أشكرك ازاي.
على انك تقبلتي واحدة يتيمه زي في عيلة كبيرة زي عيلـ.
كملت تضربها شُكران على يدها بقوه جعلتها تتأوه بالم وقالت بلوم:
- ايه الكلام ده يا هوا.
امتى اليتم كان عيب او نقيصة في حد.
أنتِ ناسية ان الرسول عليه الصلاة والسلام كان يتيم.
ثم ربتت على وجنتها بحنان وأكملت:
- الانسان بتصرفاته.
باخلاقه.
وبعد كده انتِ من عيلة طيبة وعدنان عمره ما هيدي اسمه لبنت الا وهو متأكد انها تستحق تشيله.
ثم ابتسمت برقه وهي تكمل حديثها ببعض الشرود:
- اللي زي عدنان دار ولف وشاف كتير.
ووقت ما يقول عايز يتجوز بتبقى جوازة بعد مجهود وتفكير كتير اوي.
عادت بنظرها الي هوا التي تستمع اليها وبداخل عيونها دموع لم تغادر مقلتيها.
وقالت بصدق:
- وهو عرف يختار يا بنتي.
عدنان محتاج بنت هادية زيك كده وطيبة وعايزة تعيش.
أحفادي طيبين والحمدلله ربنا رزقهم بزوجات طيبين و حنينين زيك إنتِ وسليمة.
لم تجد هوا كلمات تعبر عن كل ما بداخلها.
ف القت بنفسها بين ذراعي شُكران تضمها بقوة.
لتربت شُكران على ظهرها بحنان.
وقلبها يخبرها ان تلك الفتاة بها شيء مختلف.
يلمس القلب.
لكن أيضًا بداخلها صوت يقول:
” هي افضل لعدنان ام ظلال”
لكن كفه هوا لها الحظ الوافر.
فلقد أختارها عدنان وانتهى الامر.
~~~~~~~~~~
في عيادة عبدالله يقف الجميع ينظروا الي جسد ادهم الممدد على الاريكة الكبيرة فاقد للوعي.
وعبدالله يجلس جواره يحاول اعادة الوعي له بعد ان حقنه بحقنه ما لم يعرف أحدهم ما هي أو ما الغرض منها.
لكن لم يهتم أحدهم لذلك.
ف كل ما يشغلهم هو الاطمئنان على أدهم وفهم ما حدث معه.
بعد لحظات بدأت جفون أدهم في الاهتزاز وفتح عينيه ببطئ.
كانت سليمة عيونها تذرف الدموع دون توقف.
قلبها يأن بألم.
تلوم نفسها.
هل أخطأت حين ظهرت أمامه في تلك اللحظة.
لكن قلبها الذي يدوب عشقًا فيه.
وروحها التي لم تستطع أن تفرق بين أدهم وثامر وذابت في كل ثناياها حروف أسمه بشخصياته.
لم تحتمل نار الغيرة وأن هناك من تلمسه بتلك الوقاحة.
حين فتح عينيه أول من رأه هي.
أبتسم وهو يهمس بأسمها.
لتقترب منه بشوق كبير وجثت على ركبتيها بجانب الاريكة.
لـمد يده يمسح دموعها وهو يقول بأرهاق واضح وصوت متقطع:
- بتعيطي ليه.
دموعك غالية.
فتحت فمها لكي تجيب على كلماته لكنها لم تستطع قول اي شيء.
ليقول عبدالله ببعض القلق قاطعًا تلك اللحظات:
- أنت كويس؟!
نظر اليه أدهم بغضب وقال من بين أسنانه:
- هيكون مالي يعني يا أرخم خلق الله.
لم يستطع اي منهم الضحك على مزحته.
وخيم الصمت عليهم جميعًا للحظات.
ليتأمل أدهم حاله وأين هو.
ليعتدل جالسًا وساعدته سليمة التي لم تتوقف على البكاء لحظة.
نظر الي الوجوه من حوله وقال باندهاش:
- هو فيه ايه؟
وأنا جيت أمتى عند عبدالله؟
ماما فاطمة كمان هنا.
ونظر الي سليمة التي مازالت على نفس جلستها أرضًا جوار ساقة.
وقال ببعض التردد يناشدها الصدق:
- ايه اللي حصل؟
كان عبدالله يفكر منذ أتصلت به سليمة واخبرته بكل شيء.
هل من المناسب اخبار أدهم بكل شيء أم أنه من الغلط خلط أحداث الشخصيتين في عقله؟
وهل هذا سيجعل شخصيته الثانية تضغى على شخصيته الحقيقة؟
فقال سريعًا قبل أن تقول سليمة ما حدث:
- أبدا أنت تعبت شوية.
وكنت في الشارع ف أتصلت بيا وجتلك.
وسليمة اتصلت بيك بس أنت مكنتش قادر ترد ف لما رديت عليها قلقت وخافت ف جت على طول هي ووالدتها.
لانهم كانوا في السوق بيشتروا جهازها.
وأنا أتصلت ب عدنان علشان يجي ويبقى معاك وأنت مروح.
نظر أدهم في وجوه الجميع وشعر ان هناك شيء غير مفهوم.
هناك شيء ناقص أو غير صحيح.
لكن دموع سليمة ويدها المرتعشة التي تمسك بها يده.
جلستها أسفل قدمية التي ألمت قلبه جعلته يتجاهل كل هذه الافكار.
ومد يده يحاول جذبها حتى تقف.
لكنها لم تطاوعه.
سقط قلبه أسفل قدمية بخوف.
خوف طغى على أي أفكار أو مشاعر تخصه.
أنها ليست بخير.
هو فنظر الي عبدالله الذي فهم نظرته.
وقال بهدوء:
- طيب يا جماعة تعالوا نطلع نقعد برة ونسيب سليمة مع أدهم شوية.
فهمت فاطمة حالة أبنتها.
وكان قلبها يتقطع من الخوف والحزن عليها.
كانت تود ان تأخذها بين ذراعيها تحميها من كل الالم الدنيا وشرورها.
ورغم شفقتها على أدهم لكن هو سبب ألم ابنتها.
أرادت أن تصرخ في وجهه وتطلب منه الابتعاد عنها.
لكن نظرة واحده الي وجه أبنتها التي لم تفارق عينيها وجه أدهم ويدها المتشبثة به كطوق نجاه جعلها تتحرك مع عبدالله صاغره.
لكن عدنان الذي كان يقف صامت كتمثال شمع لا يتحرك أو يتكلم.
و من الممكن أن نقول انه لا يتنفس أيضًا.
خوفه على أدهم جعله يفقد النطق.
ويفكر لماذا أصبح قلبه ضعيف الي تلك الدرجة مع كل ما يخص عائلته؟
وكأنه مغيب.
أقترب من أدهم الذي كان ينظر له بأندهاش.
وأنحنى يقبل رأسه بقوة وهو يقول بصوت مختنق:
- أنت كويس أوي يا أدهم لازم تكون كويس.
علشان كلنا بنحبك وكلنا محتاجينك.
علشان خاطري لأني من غيرك ولا حاجة.
لم يستطع أدهم الرد على كلمات أبن عمه.
لانه قالها وغادر سريعًا.
ليعود أدهم ونظر الي سليمة بعد أن أبتلع ريقة حتى يرطب حلقه الذي جف من كل ما حدث.
وقال:
- قومي يا سليمة من على الارض مينفعش قعدتك كده.
ظلت تنظر اليه والدموع تغرق وجهها.
وكأنها لم تسمعه.
وكأن ما حدث من أكثر من ساعة حدث الان ومنذ لحظات فقط.
ليجذب يدها من جديد لتنظر الي يده.
ومدت يدها الاخرى تمسك يده بقوة وقبلتها قبلة عميقة قوية.
وكأنه تود ان تجعله يشعر بما داخلها من قبلتها تلك ومن لمسه شفتيها لجلده.
لكن هذه القبلة مازادته سوى الم وخوف.
لينزل أرضًا جوارها وهو يقول:
- سليمة أنتِ مصدر أماني الوحيد في الدنيا دي كلها.
أرجوكي قوليلي الحقيقة.
فهميني في ايه؟
أنتِ ليه بتبكي؟
أنتبهت لحالها ولكلمات عبدالله.
وزاد بداخلها أحساس الذنب تجاهه.
لـتترك يده لتمسح دموعها بقوة وقالت بصدق كل ما قلبها:
- أدهم أنا بحبك.
أنت كل حاجة حلمت بيها في الحياة.
راجل حقيقي سند لعيلتك.
واقف في ظهر الجميع حنون.
ومرضك مش بأيدك ولا عيب فيك.
بس.
بس أنا بحبك اوي يا أدهم بحبك وبخاف عليك وبخاف منك.
بخاف تروح مني أو تسيني.
أدهم أنا.
قاطعها وهو يمسك كتفيها بحنان.
وعينيه تعانق خاصتها وسؤاله ظاهر فيهم بوضوح كوضوح المه وخوفه:
- أنتِ ايه؟
عملت ايه وجعك.
عملت ايه زعلك علشان تقولي كده؟
هزت رأسها بلا معنى وعادت دموعها تغرق وجنتيها وتحجب رؤيته عنها.
وكادت أن تقول اي شيء.
لكن عيونها اغلقت وسقطت بين يديه مغشي عليها.
ليضمها الي صدره بقوة وهو يصرخ بأسمها.
ويضرب وجنتها برقه ولكنها لا تستجيب له.
ليصرخ بأسم عبدالله الذي أقتحم الغرفة سريعًا.
فقد توقع حدوث هذا بسبب حالة سليمة التي لاحظها وفهمها.
ليقترب سريعا منه وقال بهدوء:
- متقلقش ده من الضغط العصبي وخوفها عليك.
وأبتعد خطوة وقال أمرا:
- شيلها ونيمها على الكنبه وأنا هجبلها حقنه.
ما أنا فاتح العيادة ده ليك نت ومراتك بس.
وضعها على الاريكة بحنان وأبتعد.
بعد أن كشف عن معصم يدها.
ليضع عبدالله الحقنة في وريدها وقال:
- هتبقى كويسة متقلقش.
أدي أخرة الحب.
لم يبتسم لكلمات صديقة.
لكن قبل أن يتحرك من جواره امسك ذراعة بقوة وقال بغضب مكتوم:
- عايز اعرف الحقيقة.