تحميل رواية «أو أشد قسوة» PDF
بقلم سارة مجدي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
بخطوات ثابتة وهيبة لا يستطيع أحد أن يخطئها، يدلف إلى مقر شركته. يقف الجميع احتراماً له، ولكن هو لا يلتفت يوماً وينظر لأحد. تلاحقه العيون.. منها من يعشقه، ومنها من يراه قدوة ومثل، ومنها من يحسده ويتمنى أن يكون مكانه. لكنه لا يهتم لكل ذلك. هو يعلم جيداً بما داخل قلوبهم، ويعلم من يحبه حقاً ومن يتعامل معه بشكل عادي لكونه صاحب الشركة وهم موظفين. ويعلم أيضاً من يكره، لكنه أبداً لم يُظهر اهتماماً بأحد. دلف إلى مكتبه وخلفه السكرتيرة الخاصة به، وبين يديها دفترها الصغير. خلع الجاكيت وعلقه في مكانه، وجلس ع...
رواية أو أشد قسوة الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سارة مجدي
وصل عبدالله إلى الشركة ووجد سليمة تقف خلف مكتبها تطلب وجبة إفطار خفيفة. لينظر لها باستفهام. لتغلق الهاتف ووقفت أمامه تقص عليه كل ما حدث. وقبل أن يسألها حين استيقظ كان بأي شخصية، أجابته هي قائلة:
"لما فاق كان الباشمهندس أدهم، لأنه كان بيتكلم بذوق وأدب ونظرات عينيه ما فيهاش وقاحة."
أومأ بنعم مندهشًا من قدرتها على التفريق بين سن الشخصيتين، خاصة وهي لا تعرف أدهم منذ فترة طويلة. توجه إلى مكتب أدهم الذي شعر بالاندهاش حين وجده يقف أمامه ليقول بقلق:
"عبدالله… غريبة.. هو عدنان اتصل بيك ولا إيه؟"
"آه… كنت خايف عليك قلت يبقا موجود معايا."
أجابه عدنان بسرعة ليجلس عبدالله بجوار أدهم. لكنه ظل صامت ليشعر أدهم أن هناك خطب ما، خاصة مع نظرات عدنان القلقة. ليسأل بحذر:
"هو فيه حاجة حصلت؟"
لكن طرقات على باب المكتب ودخول سليمة وبين يديها علبة صغيرة بها بعض الشطائر على حامل وجوارها كوب من العصير. أعطى بعض الوقت لعبدالله حتى يرتب ما يريد قوله.
وضعت سليمة ما بيدها على الطاولة أمام أدهم وقالت بابتسامتها التي خطفت نبضات قلبه منذ اللحظة الأولى:
"أنا هلغي من قائمة المواعيد الموعد الأول لحد ما ترتاح حضرتك شوية، ولسة ساعتين على الموعد الثاني."
"شكرًا يا آنسة سليمة."
قالها أدهم بامتنان. لتغادر بهدوء. ليجلس عدنان على الكرسي المجاور للأريكة حين قال عبدالله:
"أنا قابلت الشخصية التانية يا أدهم."
لينتبه كل من أدهم وعدنان لكلمات عبدالله. لكن أدهم قال بصدمة:
"إزاي؟ وإمتى؟"
كذلك عدنان الذي شعر بالخوف للحظة. لكن عبدالله قال بهدوء:
"اهدوا علشان نقدر نتكلم."
وقص عليهم كل ما حدث منذ محادثة سليمة حتى تلك اللحظة. ليقف أدهم قائلًا بصدمة:
"يعني أنا بشخصيتي التانية ساكن جنب سليمة وهي بقت عارفة كل حاجة."
ليقف عدنان خلفه قائلًا بتردد:
"علشان كده بعد ما فاق قربت مني وقالت متخافش ده باشمهندس أدهم، وبصراحة اتفاجئت من كلامه."
ليقف عبدالله وقال موضحًا:
"في الحقيقة هي قادرة بكل بساطة تفرق بين الشخصيتين. قالت أكتر من مرة باشمهندس أدهم محترم، لكن ثامر قليل الأدب."
"ثامر."
نطقها أدهم وعدنان معًا. ليقول عبدالله موضحًا:
"ده اسم الشخصية التانية."
ليرفع أدهم يديه يمسد جبينه لعدة لحظات. ثم قال بعد أن نفخ الهواء من صدره:
"يعني الشخصية التانية اسمها ثامر وساكن جنب سليمة.. وبيشرب ماريجوانا مخلوطة في القهوة.. شخص وقح وقليل الأدب.. وايه تاني؟"
لم يجيب أحد على سؤاله. ليعود ويجلس على الأريكة ينظر إلى صديقه وابن عمه بتشتت وضياع.
ليشفق عبدالله على حاله. فأقترب منه وجلس جواره وقال بهدوء وروية:
"المهم إننا قابلنا الشخصية التانية وبدأنا نعرف تفاصيل عنها.. وبكده ممكن نقدر نسيطر عليها.. بلاش يأس أرجوك."
ظل أدهم صامت لدقيقة كاملة. كان كل من عبدالله وعدنان يشعران بالشفقة عليه. لم يتحمل عدنان أن يراه على تلك الحالة. فأقترب منه وجلس على ركبته أمامه وقال بابتسامة صادقة:
"متخافش يا أدهم، كلنا معاك وحواليك.. حتى الآنسة اللي بره دي."
وقال الأخيرة بغمزة شقاوة. ليبتسم أدهم للحظة. ثم ضربه بقوة على كتفه جعله يقع للخلف جالسًا. ثم قال:
"ملكش دعوة بسليمة يا عدنان."
ليرفع عدنان حاجبيه بصدمة مصطنعة ووضع يده على صدره وقال بحزن:
"عيب عليك يا أدهم، دي هتبقى مرات أخويا."
ليضحك عبدالله وعدنان بصوت عالي. وظل أدهم على عبوسه لعدة ثوان. ثم ضحك هو الآخر بصوت عالي.
لتصل صوت ضحكاتهم إلى تلك الجالسة بالخارج. لتبتسم براحة وبدأت في استكمال عملها براحة.
***
أنهت ظلال البرنامج بمرحها المعتاد. فالمناقشات والجدال مع مراد والمتصلين جعلها تنسى ولو قليلًا ما حدث. وكان.. ويختفي حزنها وانغلاقها وانطلقت تجادل وتدافع عن رأيها بحماس كبير.
كان يجمع أوراقه لكن عينيه لا تفارقها.
"عارفة إنك إعلامية ممتازة."
نظرت إليه باندهاش وابتسامة رقيقة ترتسم على محياها. ليكمل هو لكن وعينيه تنظر إلى الأوراق بين يديه:
"لأنك قدرتي تنسي كل اللي مضايقك وتعبك، وبقيتي بس ظلال المذيعة المحترفة والمتمكنة."
اخفضت ظلال عيونها أرضًا وقالت بسعادة:
"دي شهادة ووسام من إعلامي كبير زيك.. وتخليني أفتخر بنفسي."
ينظر لها ونفس الابتسامة على ملامحه وقال بصدق:
"صدقيني أنتِ ليكي مستقبل هايل.. وهتبقي إعلامية مميزة وممكن يكون ليكي فرصة كبيرة في التليفزيون."
ظلت صامتة تنظر إليه بنظرات تختلط بها السعادة والإعجاب.. والاندهاش.
وظل نظره ثابت وكأنه يحاول سبر أغوارها.. تاركًا لها كل الوقت في استيعاب كلماته.. وأيضًا كل الوقت التي تريده في تأمله. شعرت بالخجل من نظراته وتأملها له. فخفضت عينيها وهي تقول:
"هو أنت بجد يا مراد؟"
ظهر الاندهاش على ملامحه خاصة مع تقطيبه حاجبيه التي لم تستمر أكثر من ثانية. وهو يسألها:
"يعني إيه أنا بجد؟"
رفعت عينيها تنظر إليه بثقة وقالت بثبات:
"أنت إعلامي كبير.. رغم طبعًا صغر سنك.. لكن محدش يقدر ينكر قدراتك وامكانياتك.. وقدام الخبرة الكبيرة واسمك الكبير في مجال الإعلام.. لكن ما فيش غرور.. متجدد.. بتقبل تسمع كل الآراء حتى لو عكس رأيك.. والأكثر من كده.. إزاي بتسيب ليا مساحة كبيرة في الحلقة.. مش عايز تبقى أنت بس اللي ظاهر.. لا أنت عايزني أنجح.. لو حد غيرك…"
رفع يده يطالبها بالتوقف وأبتسم ابتسامة صغيرة لكنها صادقة. وأقترب قليلًا منها قائلًا:
"لو تعرفي كلامك ده بالنسبة ليا إيه.. خصوصًا إنه منك أنتِ بالتحديد يا ظلال… لكن أنا مش ملاك ولا شخص مثالي.. لكن أنا شخص واعي وفاهم إني لو فضلت متمسك بأفكاري بس هفضل في مكاني.. وهبقى دقة قديمة زي ما بيقولوا.. أنا لازم أجدد."
صمت لثوان وتحولت ابتسامته لشيء آخر لم تستطع ظلال تفسيره. لكنه لمس شيء بداخلها.. جعل دقة بقلبها تختلف عن مثيلاتها. لتخفض عينيها. لكنها رفعتهم سريعًا حين قال:
"أنتِ مميزة بالنسبة ليا.. وفي مكانة خاصة جدًا… وعايز أشوفك ناجحة ومحققة حلمك.. اللي هو حلمي.. لإنك…"
صمت غير قادر على الإكمال.. أو صمت حتى يجعلها تسأل.. هي ماذا؟ أو صمت ليثير فضول الأنثى بداخلها. ورغم كل هذا كاد أن يكمل. لكن دخول مساعده المفاجئ جعله يبتلع باقي كلماته غصبًا.. ويشعل نار فضولها أكثر.
"أستاذ مراد مدير المحطة عايز حضرتك."
كانت كلمات المساعد سريعة ويظهر على ملامحه الضيق. ليقف مراد بعد أن قال لظلال:
"استنيني علشان هنروح نفطر سوا.. أنا مش هتأخر."
أومأت بنعم ليغادر مع مساعده الذي بدأ يخبره بما سمعه.
لتتحول نظرات مراد التي كانت منذ ثوان قليلة سعيدة ومبتسمة لشيء أخر. تجعل كل من يراه الآن يشعر بالخوف.
***
تقف عند طاولة الطعام تضع الأغراض المدرسية في حقائب أبنائها. لكن عقلها شارد فيه. إنه لم ينم ولم يغادر مكانه من جوار السرير. ظل بعد حديثها له على نفس الجلسة دون حرام. ولم يتحرك إلا بعد الاتصال الذي وصله من عدنان. وفهمت منه أن أدهم صديق عبدالله الوحيد مريض وأنهم في حاجة إليه. لكن ما فعله قبل أن يغادر هو ما جعل قلبها يتأرجح من جديد.. بين فكرة إعطائه فرصة جديدة.. وبين قرار عقلها بضرورة إنهاء تلك المهزلة.. والاكتفاء بكل تلك الخسائر التي يشعرون بها.
أغمضت عينيها لثواني لتتذكر كلماته الأخيرة قبل رحيله:
"عارف إني مستاهلش.. وعارف إني خسرت واستاهل أعيش بالخسارة والحسرة طول عمري.. بس أرجوكي يا لبنى أديني فرصة.. فرصة واحدة بس.. أنا بحبك يا لبنى وبطمن بوجودك.. ويمكن ده اللي خلاني فاكر إني مهما عملت عمري ما هخسرك.. وطلعت أكبر حمار.. أنا آسف حقك عليا.. بس ارجوكي فكري.. فرصة واحدة بس.. ارجوكي."
وانحنى يقبل رأسها وكتفها.. ثم ضمها بقوة كطفل صغير يحاول أن يحصل على بعض من حنان أمه الغاضبة منه. وغادر ليبدل ملابسه.. لكنه عاد من جديد. ولكن تلك المرة لم يتحدث. لكنه أمسك يدها من أسفل الغطاء وقبلها عدة مرات.. والأخيرة شعرت بها أنها قبلة توسل ورجاء لمست قلبها.. ألمته بشدة. لكنها لم تستطع رفع الغطاء عن وجهها والنظر إليه. ليغادر هو بصمت. وعادت هي إلى البكاء.
عادت من أفكارها على صوت مزاح ابنتها مع أخيها تخبره بفخر إنها قد نالت منه بسبب خسارته أمامها هي ووالدها بالأمس. لينظر لها بازدراء ولم يعلق. ثم أقترب من والدته وقال:
"ماما أنتِ كويسة.. عينك؟!"
لم يكمل حديثه.. لتضمه لبنى بحنان وقالت:
"الجو اليومين دول مش حلو فعملي حساسية في عيني."
ثم ربتت على ظهره وهي تقول بتأكيد:
"خلي بالك من أختك.. أنت راجلها اللي يحميها ويخاف عليها.. وأنا ببقى مطمنة عليها وأنت معاها."
أومأ بنعم وبداخل عينيه سعادة كبيرة وفخر رجولي رغم صغر سنه. وتحرك وهو يقول بأمر مرح:
"يلا يا بنتي أنتِ سلامة ولازم أخلي بالي من كل."
تضحك أخته بسعادة وتحركت خلفه بعد أن ضمت والدتها وأهدتها قبلة صغيرة.
أغلقت لبنى الباب خلفهم وعاد عقلها لحيرته من جديد.. والدموع صديقه أيامها.
***
أخذت الأوراق التي كانت جاهزة بالفعل وظلت تنظر إلى الباب بتوتر وقلق لعدة لحظات. ماذا عليها أن تفعل معه؟ هذا هو السؤال الذي يدور داخل عقلها. لكن كلمات عبدالله لها قبل رحيله تتردد في أذنها ترشدها لفعل الصواب:
"أدهم عرف إنك عارفة.. اتعاملي عادي جدًا وياريت ميشوفش في عينك أي نظرة من نوع الشفقة أو عدم الاستيعاب أو الرفض.. علشان كل ده هيأثر جدًا في علاجه.. وإحنا على معادنا وهشرحلك كل حاجة بالتفصيل."
وقفت بعد أن أخذت عدة أنفاس متلاحقة وطرقت الباب ودخلت بهدوئها المعتاد.
كان يتابع خطواتها وهي تقترب منه بترقب وقلق وكأنه طالب ينتظر نتيجة امتحان لم يبلي فيه حسنًا ويعلم أنه سوف يرسب. حين وقفت أمام المكتب مدت يدها بالأوراق وهي تقول:
"خلينا نستغل الوقت الفاضي والراحة دي وحضرتك تمضي بقى على كل الإيميلات والفاكسات المتأخرة."
أخذ منها الأوراق وأشار لها أن تجلس.
لتتحرك وتجلس مكان ما أشار لها. لينظر للأوراق وهو يقول بابتسامة متوترة:
"أكيد جواك أسئلة كتير.. وتخيلات وتوقعات."
لتنظر إليه بابتسامتها التي يعشقها.. تلك التي خطفت نبضاته. وقالت بصدق استشعره بكل جوارحه:
"ده حقيقي طبعًا ولو قولت غير كده أبقى كذابة.. بس كمان أنا عارفة إن ده شيء شخصي جدًا ومش شرط أعرف كل التفاصيل. وإن ده قرارك وقت ما تحب تقول هتقول."
أبتسم لها وهو يقول بمرح:
"يعني نفسك تعرفي شوية تفاصيل."
شعرت بالخجل وتلونت وجنتيها بحمرة لذيذة لعينيه. لكنه قال بصدق:
"صدقيني أنا كمان عايز أعرفك ومش بس شوية تفاصيل.. بس اصبري عليا أفهم أنا وبعدين هفهمك كل حاجة."
شعرت أن كلماته تحمل معنى أكبر مما تبدو. ظلت تنظر إليه. لكنه أخفض عينيه إلى الأوراق وبدأ في القراءة والتوقيع حتى انتهى من كل الأوراق. رفع عينيه ينظر لها ومد يده بالأوراق وهو يقول:
"مضيت على كل حاجة أهو.. مدير شاطر وبسمع الكلام.. من فضلك اطلبي لي فنجان قهوة أشربها علشان أفوق قبل أول موعد."
وقفت وهي تبتسم على كلماته. لكنها قالت بهدوء:
"حاضر يا باشمهندس."
وتحركت لتغادر. لكنها وقفت عند الباب ونظرت إليه وهي تقول بمرح:
"بس حضرتك بتبقى مختلف تمامًا وأنت ثامر.. جريء كده وكلامك قليل الأدب ونظراتك جريئة.. بس هو إيه ثامر ده.. جبت الاسم ده منين؟! من قلة الأسماء يعني؟"
ليضحك بصوت عالي.. غير مصدق. إنها حولت مأساته لفيلم كوميدي. تقبلها للأمر دون تعقيد.. وبلا نظرات شفقة.. أو خوف جعله يشعر إنه قادر على مواجهة أي شيء. حتى إنه للحظة تخيل إنها تجلس جواره تمسك بيده.. تربت عليها برقة وحنان وتشجعه.
أخذ نفس عميق به بعض الراحة. وهمس لنفسه باندهاش:
"شكلك وقعت يا أدهم ولا إيه؟"
***
إنها المرة الأولى التي يحضر فيها إلى الملهى نهارًا. هو معتاد على الحضور ليلاً. لذلك كان يشعر بالاندهاش من المكان وبعض الغربة أو الوحشة. لقد كان المكان خالي تمامًا من البشر. الطاولات غير مرتبة.. والكراسي موضوعة فوق الطاولات بشكل مقلوب.
خطواته تعرف طريقها جيدًا.. إلى غرفة الجوكر. سوف ينهي معه الأمر اليوم. عليه أن يخرجها من ذلك الوحل الذي أوقعها فيه بيده. يجب أن تعود زيزي من جديد تلك الفتاة البريئة صاحبة الابتسامة الرقيقة.. سيدة حيهم وسيدة قلبه. عليه أن يعيد كفتي الميزان لتتوازن. العقل يقول إنه هو من كان عليه التغير. عليه أن يرتقي بنفسه حتى يصبح لائق بها.. لا أن يسقطها هي من برجها العاجي.. ويغرسها في وحل الشرف.
وصل أخيرًا أمام باب غرفة الجوكر. لكنه وقبل أن يطرقه أو يفتحه وصله صوت الجوكر وهو يقول بصوت غريب أثار اشمئزاز بيبرس:
"يا باشا هي يعني فيها إيه زيادة.. دي قفل.. أنا فاهم دماغك وديما بريحك.. ده أنت بتلف تلف وترجع لي أنا في الآخر."
ليجيبه ذلك الباشا قائلاً بصوت أجش:
"صحيح أنت ديما بتريحني.. وفاهم دماغي.. وعارف إزاي تبسطني.. بس أنا ليا مزاج فيها.. البت دي بلدي.. جسم يهبل.. وعنيها النعسانه دي.. برائتها اللي عايز أنا بأيدي أقطفها.. وأكون أول واحد يدوق الشهد والعسل المصفى الطبيعي."
نار تشتعل بداخله تحرقه بلا رحمة. هو موقن أن حديثهم هذا يخص زيزي. لم يعد يحتمل. ليفتح الباب وبداخله قد قرر اليوم هو قاتل أو مقتول من أجلها. لن يغادر هذا المكان إلا وقد أنهى ذلك الأمر إلى الأبد. لكنه وقف مكانه غير قادر على الحركة. وكأنه تمثال من الشمع. عينيه جاحظة تكاد تغادر محجرهما. فمه مفتوح بصدمة. وانفاسه قد توقفت داخل رئتيه. لا هو قادر على إخراجها.. أو إدخال بعض الهواء لصدره عله يبقى على قيد الحياة.
توقف الموقف على الجميع. والصدمة واضحة على الوجوه الثلاث.. بل الأربعة. كان الجوكر وذلك الرجل المدعو الباشا في وضع حميمي يهتز له عرش الرحمن. وترتر يجلس في أحد الأركان جوار الأرجيلة وبعض الطعام. هو أيضًا مجرد من ملابسه. صدمة ما يراه أمامه الآن هو صدمة لا يستطيع عقله تصديقها أو استيعابها.
لكنه تدارك نفسه سريعا وقرر استغلال الأمر لمصلحة زيزي. أخرج سلاحه الذي سلمه له الجوكر مع أول يوم عمل في هذا المكان. وأغلق الباب بهدوء وأبتسم ابتسامة ثقة. تحمل الكثير من الاشمئزاز والتهديد. ليقول الباشا بصوت مرتعش:
"أنت.. أنت…"
"أنت بتهته ليه.. اهدى كده ومتخافش.. أنا مش هفضحكم بس ليا شروط عايزها تتنفذ وهمشي من هنا ومش هتشوف وشي تاني."
قال بيبرس بهدوء حذر. والجدية ترتسم على ملامحه الخشنة. وحاجبيه المرفوعين بشر. ليقول الجوكر بصوت عالي:
"أنت اتجننت يا بيبرس.. أنت نسيت نفسك."
"طيب بدل ما تزعق كده ما تحاول تستر نفسك.. ولا عادي وقفتك قدامي كده؟"
نظر الجوكر إلى نفسه لينتبه أنه كان بلا ملابس. ليتحرك خطوة حتى يحضر ملابسه. ليرفع بيبرس سلاحه في وجه الجوكر وهو يقول بأمر:
"اقف مكانك يلا ومتتحركش.. هتفضلوا بمناظركم دي كده لحد ما آخد اللي أنت عايزه وأمشي."
ثم أخرج هاتفه وبدأ يلتقط لهم بعض الصور. ثم قال:
"ده بس علشان ضمان الحق."
ليقول الباشا بتوسل:
"عايز كام وتنهي الموقف ده وتمسح الصور.. اللي تطلبه هتاخده."
ظل بيبرس ينظر إليه بتقزز. ثم قال موجهًا حديثه لخامس (الجوكر):
"أنا مش عايز فلوس.. أنا عايز عقد زيزي.. وعقدي.. واوعدك همشي من هنا ومش هتشوف وشي نهائي.. حتى أنا بوعدكم إني هنسى نهائي إني شفت خلقكم."
ظل خميس صامت ينظر إلى بيبرس بغضب. الآن يخسر كل ما كان يسعى إليه ويتمناه. لقد حلم بالكثير من خلف زيزي. والآن يأتي هذا القذر يهدم له أحلامه. ويحطم له كل الآمال في مكاسب كبيرة. الآن عليه الخضوع لبيبرس وترك تلك الغزال الشارد يفلت من يده. هو لن يقبل بهذا. ليصرخ به الباشا:
"أنت لسه بتفكر.. نفذ له اللي هو عايزه.. خلينا نخلص.. ولا أنت عاجبك وقفتنا قدامك كده؟"
نظر خميس إلى الباشا. وقال باستسلام:
"أوامرك."
وتحرك إلى الخزنة الموجودة بجوار المكتب فتحها وأخرج عقد زيزي.
ليقول بيبرس بأمر:
"والعقد بتاعي كمان."
لينظر له خميس بغضب وغل. لكنه عاد يبحث في الأوراق حتى أخرج عقده هو الآخر.
وقبل أن يتحرك. قال بيبرس بابتسامة سمجة:
"هو مفيش مكافأة لنهاية الخدمة المقرفة دي؟"
ليخرج الجوكر عن السيطرة وصرخ به بعد أن نطق لفظ نابى:
"أنت بتلعب في عداد عمرك يا بيبرس."
"أنا لعبت فيه من يوم ما اشتغلت في المكان القذر ده.. ومن يوم ما بأيدي سلمت زيزي لواحد قذر زيك.. وأهو بصلح غلطي."
قال بيبرس بصوت عالي. ثم أشار له وأكمل:
"حط بقى كل الفلوس اللي في الخزنة جوة شنطة حلوة كده مع العقود علشان أمشي أنا وأسيبكم بقى تكملوا القرف اللي انتوا بتعملوه ده.. أو يمكن ربنا يتوب عليكم وأبقى كسبت فيكم ثواب بدل ما تتحشروا يوم القيامة مع قوم لوط وتتشووا في نار جهنم."
ليتحرك خميس يضع المال والعقود بالحقيبة. واقترب من بيبرس الذي خطف الحقيبة بقوة وألقى عليهم نظرة خاطفة وهو يقول:
"أول ما أخرج من هنا وعد همسح الصور بتاعتكم.. وهكسر التليفون وأرميه علشان مش عايز حاجة تفكرني بيكم."
وسار عدة خطوات لكن للخلف حتى تبقى عينيه عليهم ولا يقوم أي منهم بحركة مفاجئة. حين أغلق الباب أطلق ساقيه للريح راكضًا إلى الخارج. والابتسامة تزين ملامحه.. غافلاً على ما ينتظرهم من أهوال منذ تلك اللحظة.
يتبع…
رواية أو أشد قسوة الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سارة مجدي
وصل بيبرس الي المستشفى سعيد بما قام به … في خياله لم يكن يتوقع ما حدث .. وكيف سير القدر له تلك اللحظة ليرى ما راى .. ويكون هذا سبب في إنهاء الأمر دون مماطله او عنف … او كما كان يظن ويتوقع بالقتل
… دخل الي غرفتها والابتسامة تزين وجهه .. لتنظر له باندهاش وبعض القلق .. ليغلق الباب خلفه ورفع الحقيبة أمامها وقال بسعادة:
-خلاص … اطمني الموضوع خلص … عقدك وعقدي في الشنطة دي .. وخلصنا من الكبارية .. والجوكر وترتر وكل حاجة … وكمان معايا مكافئة صغيرة من الجوكر كده علشان نبدء حياتنا بمشروع صغير على قدنا
لتبتسم بسعادة ثم أغمضت عينيها وظلت تردد براحة:
-الحمدلله … الحمدلله
وعادت تنظر اليه تسأله بتوسل:
-أنت بتتكلم جد .. يعني خلاص … الكابوس ده خلص … هرجع تاني زيزي بتاعة زمان
وضع الحقيبة أرضًا وأقترب منها وهو يقول بصدق واسف:
-ايوة خلص خلاص .. اصحي من الكابوس .. وعيشي الحياة اللي نفسك تعيشيها يا ست زيزي .
تجمعت الدموع في عينيها ليقترب منها أكثر وقال برجاء:
-سامحيني يا ست زيزي .. سامحيني علشان أقدر أسامح نفسي
-مسمحاك يا سي بيبرس .. خلينا ننسى كل اللي حصل كأنه محصلش
قالت بصوت ضعيف من آثر كتمها للبكاء .. لينحني يقبل يدها برفق .. ولم يبتعد كثيرًا عن يدها لكنه نظر لها برجاء وقال بتردد:
-ست زيزي ينفع أقولك اللي في قلبي .. ينفع اتجرء وأطلب الطلب اللي عشت عمري كله أحلم بيه
أومأت بنعم … ليقبل يدها مرة أخرى وأقترب أكثر ينظر الي عمق عينيها وقال بصدق:
-انا من يوم ما وعيت على الدنيا وفهمت يعني ايه راجل وست .. وعرفت يعني ايه قلب بيدق علشان خاطر حد … عرفت ان قلبي بيدق ليكِ أنتِ بس … وعيني مشافتش حد غيرك أنتِ بس … وحلمي إنك تكوني ليا انا بس
أخفض عينيه بخجل رجولي .. يزيد من وسامة خشونته .. فهي لم تكن تتوقع ان ذلك الجسد الضخم يحمل بداخل قلبة تلك المشاعر الرقيقة .. وانه يخاف ويخجل … لتبتسم وهي تغلق أصابعها على يده وقالت بخجل انوثي رقيق:
-انا موافقة يا سي بيبرس .. وهو ده حلمي انا كمان ومن زمان
ليشهق بصدمة .. لا يعرف هل يبتسم لكلماتها التي تسعد قلبه وتنعش روحه .. ام يحزن لغبائه كونه فكر في اسقاطها في وحل الخطىء حتى تتساوى الرؤس ويظفر بها .. والآمر أسهل من كل هذا كان عليه فقط ان يسألها الوصال
أخفض عينيه لثوان يحاول استيعاب كل ما يحدث معه كل تلك السعادة .. المشاكل التي إنتهت دون مجهود يذكر
لكنه رفع عينيه اليها وقال:
-هروح أشوف الدكتور علشان نعرف هتخرجي أمتى؟ واعملي حسابك مش هتروحي الا واحنا كاتبين الكتاب
ولم يسمح لها بالرد وخرج من الغرفة لتنحدر دموع السعادة من عيونها
أغمضت عينيها وتنهدت براحة وهي تنظر الي تلك الحقيبة التي تحمل لهم بداية جديدة وهمست:
-الحمدلله … الحمدلله
~~~~~~~~~~
بعد رحيل بيبرس ارتدى الثلاث ملابسهم سريعًا بعد ان تأكدوا من غلق الباب بالمفتاح … وحين انتهوا جلس الجوكر والباشا سويًا بعد أن امر الأول ترتر بالخروج … ولكن لا يبتعد عن باب المكتب ولا يسمح لأحد بالاقتراب
نظر الباشا الي الجوكر وقال بخوف:
-تفتكر مسح الصور؟!
ليبتسم الجوكر ابتسامه مستهزئه وهو يقول بغضب واضح:
-لو عمل كده يبقى غبي .. لاني مش هرحمه … بيبرس كتب شهادة وفاته بأيده
ليقترب الباشا من الجوكر وقال بصوت يحمل الكثير من الغضب:
-هنعمل ايه دلوقتي مع ابن(..) ده … لازم يدفع الثمن .. لا مش بس يدفع الثمن ده لازم يموت وميبقاش لا هو ولا البت زيزي إي أثر
رفع الجوكر حاجبيه وزم شفتيه وهو يردد:
-فعلا … لازم يموت
وارتسم على وجهه معالم التفكير مع ابتسامه قوية واثقة وكأنه وجد الحل أخيرًا
ليفتح الباب وقال موجهًا حديثه لترتر:
-اتصل ب (…) عايزه قدامي خلال ساعه
-أمرك يا جوكر
قالها ترتر بصوته المائع وتحرك بخطواته المتمايلة لينفذ ما أمر به وهو يهمس لنفسه
-والله الملبن خسارة في الموت
~~~~~~~~~~
ظلت تنتظره لوقت طويل … لكنه لم يعود لها .. حتى انه لم يرسل لها اي رسائل .. نظرت الي ساعتها وغادرت الإذاعة … ف لتذهب الي البيت وغدًا تفهم ماذا حدث معه؟!
لكنها عند البوابة وجدته يقف هناك … يستند الي سيارته … ومساعده يقف خلفه ويبدوا عليه التوتر
أقتربت منهم بخطواتها الواثقة حين رأها ذلك الشاب تلون وجه بخوف شديد لكنها لم تهتم لأمره واقتربت أكثر من مراد … الذي لم يشعر بها وباقترابها فقد كان سارح لتقول هي بصوت هادىء:
-مالك يا مراد؟! واقف كده ليه؟ ايه اللي حصل؟
نظر إليها طويلا ولم يقل شيء … ولاحظت نظره غريبه بعينيه لم تستطع تفسيرها … ثم أتخذ وجهه ملامح البرود وعدم المبالاة وقال:
-مدير المحطة عايز يغير أسم البرنامج … ساعة مع مراد وظلال … ايه رأيك؟
ظهرت الدهشة على ملامحها وقالت بقوة ورفض:
-لا طبعًا مينفعش .. البرنامج ده بتاعك يا مراد انا ضيفة فيه … يمكن في المستقبل يكون ليا برنامج لوحدي .. لكن الأكيد اني مش هاخد البرنامج اللي تعبت فيه لحد ما بقا البرنامج الاول إذاعيًا
وتحركت من امامه عائدة الي مبنى الإذاعة ومباشرة الي غرفة مدير المحطة غير مبالية بندائاته المتكررة … ابلغته برفضها للفكرة .. وابلغته أيضًا انها تفضل الرحيل عن سرقة مجهود شخص أخر
غادرت مكتب المدير ومباشرة الي بيتها ولم ترد على كلمات مساعد مراد الذي اخبرها ان الأخير ينتظرها في مكتبه
وداخل سيارتها كانت تشعر بالضيق .. لم يمر بضع دقائق على حديثهم ويحدث هذا الموقف … هي لا تستطيع فهم الحكمة من كل هذا … ولكن هي مقتنعه تمامًا بموقفها … إذا قرروا رحيلها فهي غير مبالية ومؤكد ستجد مكان أخر … وإذا قرروا إستمرارها فهي لديها بعض الشروط وسوف تضعها
دخل المساعد الي مكتب مراد وأخبره بما حدث … ليشعر بالاندهاش … ماذا فعلت لدى مدير المحطة؟ ولماذا رحلت فورًا؟
أمسك هاتفة ليتصل بها لكن الهاتف الداخلي للمكتب علي رنينه … ليترك هاتفه واجاب بترقب … ليصله صوت مدير المحطة يخبره برفض ظلال للاقتراح … وانها مستعدة للانسحاب من مشاركة مراد في برنامجه
أغلق الهاتف بعد ان أكد على مدير المحطة رغبته الشديدة في إستمرار ظلال معه … وابلغه انه سيتحدث معها
اغلق الهاتف وهو يشعر بالاندهاش … هذه فرصة كبيرة بالنسبة لها … وخطوة هامة في طريقها المهني … لكنها وبأخلاق الفرنسان وكبرياء عائله الخشاب الذي عرف عنها الكثير رفضت كل هذا … أمسك هاتفة ليتصل بها … لكن وجد هاتفها مغلق … شعر بالضيق لكنه سيظل خلفها ولن يتركها ابدا
~~~~~~~~~~~
حين وصلت الي البيت من يراها يجدها هادئه لا مبالية لكن من داخلها طفلة صغيرة تريد ان تبكي او تصرخ .. تضرب الأرض بقدميها باعتراض … تتشبث بالحلوى الخاصة بها وترفض بشدة تركها لغيرها
لكن للأسف هي لا تستطيع فعل اي شيء من هذا كبريائها لن يسمح لها
…. لم تدخل الي القصر .. أخذتها قدميها لمكانه المميز والخاص … والتي حلمت كثيرًا ان تجلس فيه جواره يتحدثون … ويتسامرون … يتغزل بها ويخبرها كم يحبها … لكن لم يحدث اي من هذا ولن يحدث يومًا
جلست في نفس البقعة التي يجلس فيها عدنان دائمًا … وبدأت في التفكير … في حبها لعدنان التي تتغافل عنه تمامًا حين تكون في حضره مراد …. وعملها الذي اتى اليها دون مجهود منها او بحث … مرض أدهم وتلك الحالة التي وصفها عبدالله لهم …. ما حدث اليوم كلمات مراد ونظرات عينيه … كلمات مدير محطة الإذاعة عن مدى خفة ظلها وأسلوبها المميز .. صوتها الذي وقع المستمعين في عشقه منذ اللحظة الأولى … الإعلانات التي إرتفعت في البرنامج بسببها وبقدرتها على أخد مكانة أكبر الان وان يصبح لها برنامج خاص باسمها
لكن هي لن تفعل هذا بمراد … آنه إعلامي مميز تتعلم منه كل يوم شيء جديد … هو من قدم لها تلك الفرصة الكبيرة … ومؤكد لن تطعنه في ظهره صحيح هي ستقوم بكل خطوة في طريقها العملي وستحقق طموحها لكن ليس بالغدر بمن ساعدها وفتح لها الطريق
نظرت الي هاتفها لتجد إشعارات كثيرة تدل على إتصالات مراد المتكررة … هي فعلّت تلك الخصية التي تجعل من يتصل بها يظن ان الهاتف مغلق حتى تترك له مساحة للعقل .. دون أي انفعال عاطفي غاضب كان او سعيد
أخذت نفس عميق … وهي تفكر هل أدهم بخير الآن؟ … وعدنان ما هذا السر الكبير الذي يخفيه عن الجميع؟
نعم هي تعلم انه يخفي سرًا كبير … هي أكثر من تعوفه … هناك في عمق عينيه صرخة حبيسة … تريد ان يستمع لها أحد … لكنه أغلق الأبواب حتى أمام كونهم أولاد عم .. وذات يوم كانوا اصدقاء مقربين … كانت تريد ان تخبر أدهم بما تفكر فيه لكن كيف الآن وهو بهذه الحالة
تنهدت بهم وأراحت رأسها الي الخلف بعد آن إتصلت بأخيها … حين وصلها صوته الحاني … قالت بابتسامة:
-طمني عليك يا آبيه عامل إيه؟ وهترجع أمتى لآنك واحشني جدًا
-وأنتِ كمان يا ظلال … تصدقي حاسس اني بقالي كتير بعيد عنك … حقك عليا يا حبيبتي … قصرت في حقك
إتسعت ابتسامتها مع كلماته الحانية وقالت بصدق:
-متقولش كده يا أدهم … أنت مصدر أماني .. أنت أبويا وكل ما ليا .. ديما فاردة ظهري وماشية بثقة وقوة علشان عارفة إنك موجود … ولازم تعرف اننا كلنا جمبك ومعاك … سندك زي ما أنت سندنا
ظل صامتًا متأثرًا بكلماتها التي لمست قلبه … ربتت على روحه … جعلت بداخله إحساس بالقوة … هو ليس بمفرده … وكسرت فكرة كونه لابد ان يكون قوي دائمًا … فكرة ممنوع ان تتألم .. تشتكي … أن تمرض … ممنوع عليك السقوط فهناك من سيسقط بسقوطك … وزرعت بدلًا عنها … فكرة … أنت لست بمفردك … هناك من يمسك يدك … يدعمك … أنت أنسان يضعف أحيانًا .. يسقط ويعود ليقف على قدميه من جديد .
ليقول بعد أن أخذ عده انفاس براحة وسكينة:
-أنتِ كبرتي إمتى يا بت أنتِ؟! … انا هخلص شغل بدري النهاردة وهرجع البيت عايز أقعد معاكي كتير جدًا عايز أسمعك … وأطمن عليكي.
-وانا مستنياك .. وعندي كلام كتير اوي اوي عايزة اقوله ليك وأخد رأيك في موضوع كده
أغلقت الهاتف … وقد تبدل حالها الي سعادة وراحة كمان فعلت مع أدهم أيضًا الذي أكمل عمله بنشاط وقوة ف أخته مازالت تراه بطلها وسندها رغم حالته … وسليمة تقبلت ما هو فيه دون شفقة او نفور .. ف ماذا يريد أكثر؟
~~~~~~~~~~~~
حين غادر شركة أدهم كان كل تفكيره ينصب على زوجته … كيف يبدء في إصلاح ما أفسده … أول شيء إتصل على سكرتيرة عيادته وطلب منها إلغاء كل مواعيده اليوم وغدًا والاعتذار للمرضى وقال كاذبًا انه مريض ولا يقدر على الحضور … صعد الي سيارته وتحرك بها وهو يفكر … ما هي الأشياء التي تفضلها زوجته … انه لا يتذكر أخر هدية أحضرها لها … ولا يتذكر اسم عطرها المفضل … حتى انه لا يذكر إي أنواع الزهور تحبه … تنهد بضيق من نفسه … لكنه سيحاول .. وبكل طاقته
أوقف السيارة أمام محل الزهور … وترجل من السيارة يتطلع الي كل تلك الأنواع بصده وشعر بالحيرة
أقتربت البائعة منه وهي تقول بابتسامة بشوشة:
-اهلا يا فندم أقدر أساعد حضرتك في حاجة؟!
نظر لها بحيرة .. لكنه قال بابتسامه خجولة:
-بصي انا مزعل مراتي وعايز أصالحها .. بس مش عارف أنهي نوع ورد من الأنواع الكثيرة دي ينفع
أبتسمت الفتاة برقة وتحركت في إحدى الاتجاهات وأمسكت زهرة بين يديها وهي تقول:
-الورد له لغة .. يعني مثلًا الوردة الحمرة يعني الحب والجمال وبتقول للي بتهاديها بيها أحبك من كل قلبي … والوردة البيضة بترمز للنقاء والطهر والوردة الصفرا بتقول للي بتهاديها بيها مش هتكون لحد غيري .. ولو مثلًا هاديتها وردة زرقة ده معناه الغموض والخيال … الورد لغة وعالم وعلشان تعتذر يبقا تهاديها زهور الاوركيد الأبيض هي هتقولها على كل الاعتذارات اللي جواك
نظرت اليه وقالت بأبتسامة واسعة:
-ها أجهز بوكية من الاوركيد؟!
أومأ بنعم لتبدء هي في صنعه وهو يراقب يدها المحترفة في ترتيب الزهور .. وتزينها … وحين أنتهت أقتربت منه وبين يدها بطاقة صغيرة وقلم وقالت ببعض المرح:
-اتفضل أكتب اعتذراتك هنا
أبتسم عبدالله وبداخله إحساس غريب لقد عاد مراهقًا … يبحث عن معاني الزهور حتى يهادي حبيبته … ويحاول جاهدًا كسب ودها وقلبها … أخذ من يدها البطاقة والقلم حين أشارت له على استاند في أحدى أركان المحل … ليتحرك الي هناك وبدء في التفكير … ماذا يكتب وظل هكذا لعده دقائق .. ثم أبتسم وبدء يخط على البطاقة ما شعر به وما أراد قوله
حين أنتهى أخذت الفتاة البطاقة منه وضعتها بشكل واضح وثابت في وسط الباقة
دفع لها المال وشكرها ورحل … وبدء من جديد رحله أخرى للبحث عن شوكولاته مناسبة … وسوف يشتري لها عطر على ذوقه ويتمنى ان ينال رضاها
بعد ساعة تقريبًا كان يوقف سيارته اسفل البناية … حمل الأغراض متجاهلا نظرات حارس العقار الزاهله
طرق على باب البيت عده طرقات … لم يفتح الباب بمفتاحة كمًا إعتاد … يريد ان يفاجئها .. يعلم ان جرحها كبير .. وذنبه في حقها عظيم … ويعلم ان الطريق أمامه طويل .. وليس بأشياء بسيطة كهذه سوف يمحوا سنوات من الألم والحزن … لكن عليه ان يخطوا في اتجاهها بخطوات واسعة وثابته وعليه ان يمحو كل لحظة حزن ويبدلها بلحظات حب واحتواء وتفهم … هو يدرك ان ليس اهتمامه بها وحدها هو المشكلة … عليه تحمل مسؤلية اولاده … ويرفع عن كاهلها بعض العبء يشعرها بوجد كتفه جوار كتفها
حين فتحت الباب كانت الصدمه والاندهاش واضحين على ملامحها لكن بعد ذلك تحولت ملامحها لحزن وخصام رغم تلك اللمعة التي يراها في عينيها وهي تنظر الي ما يحمله بين يديه
لم يقل شيء لكنه دخل وأغلق الباب بقدمه … ظل الموقف ثابت لعده لحظات حتى مد يده بالعلبة الموجودة في يده اليمنى وقال بتردد:
-دي شوكلاتة وبرفان … يمكن يكونوا مش النوع اللي أنتِ بتحبيه … لكن انا حاولت ومش هبطل أحاول
أخذت العلبة من يده دون تعليق … لكن من داخلها قلبها يقفز كالأطفال بسعادة … ويصرخ بمرح
وزاد ذلك الإحساس حين قرب منها باقة الزهور وهو يقول:
-انا مش هتكلم بس لو سمحتي اقرأي الكارت
وضعت العلبة على الطاولة التي بجانبها وأخذت منه الباقة بيد وبالأخرى أخدت البطاقة تقرأها بعينيها
“أصبحت كمراهق صغير أدور على محلات الزهور والشوكلاته والعطور … أبحث لكِ عن هديه مناسبة .. تلك الزهور حتى تبلغك اعتذاري .. ف لقد علمت ان الاوركيد البيضاء هي المناسبة للأعتذار … وانتظري المزيد ف انا الان اقوم بدراسة لغة الزهور وأريد أن أحدثك بها”
تجمعت الدموع في عينيها وكذلك هو ليقترب منها يضمها بقوة وهو يقول:
-هفضل أعتذر لك كل يوم … وهمشي مشاوير ومشاوير علشان أعوضك عن كل اللي التقصير اللي قصرته في حقك … حقك عليا يا لبني … انا اسف.
وانحنى يقبل يدها مرارًا وتكرارًا رفعت يدها الأخرى تريد ان تضعها فوق راسه تداعب خصلاته شعره لكنها لم تستطع ف ظلت يدها متعلقة في الهواء كان يشعر بها وبكل ما تمر به وتعانيه لذلك اعتدل يقبل راسها وهمس جوار إذنها:
-خدي حقك مني زي ما أنتِ عايزك .. لكن بلاش تحزني و لو للحظة واحدة
لتنحدر دموعها فوق وجنتيها ليقبل وجنتيها عدة قبلات حتى تزوق ملوحه دموعها ليغمض عينيه بألم
~~~~~~~~~
عاد بيبرس الي غرفة زيزي وعلى وجهه ابتسامة واسعة .. أغلق الباب خلفة وهو يقول:
-الدكتور وافق إنك تخرجي بس بشروط يعني راحة تامة ومفيش اي مجهود
لتبتسم بسعادة من إهتمامه وكلماته … وكل ما يحدث معها … لكن وكأنها كانت قد فقدت ذاكرتها والان عادت … لتشهق بصوت عالي وهي تقول بقلق:
-أبويا
التفت اليها وترك الاغراض التي كان يجمعها في الحقيبة وقال مطمئنًا:
-انا روحت امبارح بليل .. بعد ما الحاره كلها نامت اكلته واديته الدوا واهو انت رايحه له دلوقتي اطمني
رغم احساسها بالخوف من كونة دخل الي منزلها ليلًا ومؤكد بشكل يثير الشك لو لاحظه احد … لكنها أيضًا شعرت ببعض الراحة والامان جوار رجل يفكر في كل شيء يخصها … يهتم لتفاصيلها … ابتسمت له إبتسامه حلوه جعلت نبضات قلبه تتسارع ليعود لجمع الأغراض سريعًا ودون ان ينظر لها قال:
-هروح انادي الممرضة علشان تساعدك تغيري هدومك
وغادر الغرفة سريعًا لتضحك بصوت عالي لكنها شعرت ببعض الالم في جرحها لتضع يدها فوق الجرح وعادت الابتسامه من جديد ترتسم على ملامحها
~~~~~~~~~
إقترب عدنان من مكتب سليمة ووقف امامه ينظر اليها بتأمل … فتاة قصيرة .. بملابس محتشمه وجه خالي من مساحيق التجميل … انها بالفعل النوع المفضل لأدهم … هل من الممكن ان تكون هي الشريكة المناسبة لأدهم؟ … هل تستطيع الوقوف بجانبه؟ وتحمل كل ما سيحدث معه في رحله مرضه؟ مرض تلك الكلمة التي أصبحت تذبحه بلا رحمه … أنتبهت لوقوف أحدهم أمامها رفعت عينيها لتجده عدنان وقفت وهي تقول:
-تحت أمرك يا باشمهندس عدنان
أبعد عن رأسه كل الأفكار وقال بهدوء:
-انا مش جاي أمرك بحاجة يا آنسه سليمة … انا بس عندي سؤال لو تسمحي لي؟!
أومأت بنعم ليكمل كلماته:
-عرفتي إمتى حاله أدهم؟
-ايه حالة دي؟! باشمهندس أدهم مريض والمرض ده قدر واختبار من ربنا … بيبقا عايز يشوف العبد هيقول الحمدلله راضي يارب ويبدء ياخد بالأسباب ولا لأ .. ويتقرب من ربنا يشكره ويدعوه ولا لأ
قالت كلماتها وكأنها تدافع عن نفسها … ولا تتكلم عن شخص أخر … لكن كلماتها لمست داخله ذلك الوتر الذي يأن بألم مكتوم … ووجد نفسه يهمس دون صوت
-الحمدلله … راضي يارب المهم رضاك عليا
وليزداد احساسه بالاندهاش حين شعر برغبه قوية في الصلاه … الوقوف بين يد الله يتوسله ان يرحمه مما هو فيه… انتبه من افكاره حين أكملت هي كلماتها:
-واجابه سؤال حضرتك … انا لاحظت تغيره في أوقات كتير قبل ما اشوفه في العمارة … باشمهندس أدهم محترم جدًا ونظراته كلها تقدير وإحترام بيحافظ على مواعيد الصلاه .. ومش بيتطاول بالكلام .. لكن ثامر بقا
وأكملت كلماتها وكأنها قطار سريع يرفض التوقف في إي محطة:
-قليل الأدب وسافل وعينيه تندب فيها رصاصه … وتصرافته كلها وقاحة ومش بشوفه بيركعها
كان عدنان مع كل كلمه تتسع عينيه بصدمه تشابه تلك الصدمة التي ترتسم على وجه أدهم الذي يقف عند باب مكتبه فقد كاد يغادر المكتب ليجد عدنان يقف امامها فوقف يتابع ما يحدث والغيرة تلتهم قلبه
لكنه لم يكن فقط مصدوم فقد كانت هناك ابتسامة صغيرة ترتسم على شفتيه
خاصة حين قال عدنان سريعًا:
-خلاص فهمت … على العموم يا آنسة سليمة انا بعتذر بالنيابة عن أدهم على وقاحة ثامر .. ويعني
لم تدعه يكمل حديثه وقالت بفم معوج:
-وأنت اقصد حضرتك تعتذر ليه أصلًا محصلش حاجة … وبعدين انا بعرف أتعامل مع ثامر ده متقلقش … ورصيد باشمهندس أدهم الخلوق كبير الصراحة ويخليني اكبر دماغي من تصرفات ثامر ده
ليضحك أدهم على حديثها وكذلك عدنان الذي ضرب كف بكف باستسلام وقال بيأس:
-تمام … أدهم لوحده ولا فيه حد عنده
-لا يا فندم لوحده … اتفضل
ليحرك رأسه يمينًا ويسارًا باستسلام وتوجه لمكتب أدهم الذي عاد الي الداخل سريعًا حتى لا يلاحظ أحد استماعه لكل ما قيل لكن لن ينكر سعادته بما حدث … شعور الاهتمام شيء مميز خاصه حين يأتي من أقرب الناس
~~~~~~~~~
جلس عدنان لأكثر من نصف ساعة مع أدهم يتناقشون في بعض الأمور الخاصة بالعمل… ولكن أهم ما حدث في تلك الجلسة
حين قال عدنان بحذر:
-أتصل بشُكران يا أدهم … قلقانه عليك ومنتظرة مني إتصال علشان اطمنها لكن لو الاتصال جه منك أنت هيبقى أحسن
تنهد أدهم ببعض الحزن وقال بشرود:
-انا عرف اني قلبت لكم حياتكم … خوفت ظلال وخلتها تحس بعدم الأمان وشُكران وجعت قلبها من تاني بعد ما خسرت ولادها الاتنين واتحملت لوحدها تربيه أحفادها ومسؤلية العيلة ترجع تاني تشيل همي وتخاف علشان المرض الغريب اللي بقا عندي
ثم نظر الي عدنان الذي كسى وجهه الحزن وقال باندهاش:
-وأنت حسيتك فجأة كده كبرت .. ويقيت شايل المسؤلية .. بطلت سرمحة شمال ويمين .. وبنات
ليرفع حاجبية بصدمه وقال بحزن مصطنع:
-ايه يا أدهم التسيح ده فيه ايه مش كده … وبعدين انا راجل اوي واعجبك … ووقت الشدة شديد ووقت القوة قوي … اوي اوي
واخفض صوته في أخر كلماته ليضحك أدهم بصوت عالي وقال يشاركه المرح:
-الناظر في نفسك … هات يا ابني تليفونك اكلم شُكران من عليه
أعطاه الهاتف لتظهر لمحه حزن في عينيه حاول اخفاؤها سريعًا
وضع أدهم الهاتف على اذنه متوقع هجوم قوي منها وهذا بالفعل ما حدث:
-هو أنت مش قولتلي هتكلم عبدالله وتطمني … يا ابني حرام عليك انا قاعدة على أعصابي من امبارح
-حقك عليا يا جدتي … أنا أسف
قالها أدهم بهدوء وحزن لتقول هي بلهفه:
-أدهم حبيبتي … أنت كويس يا ابني … طمني عليك .. كنت فين طول الليل .. وليه مكلمتنيش من الصبح؟!
ابتسم بحزن والم وقال بصدق من جديد:
-اسف اني خوفتك عليا .. حقك عليا انا فعلًا غلطان ..وشويه وهكون واقف قدامك تعملي فيا اللي نفسك فيه … وهحكيلك على كل حاجة
أخذت انفاسها ببعض الراحة … ودعت له هو وعدنان وظلال وأغلقت الهاتف
ليمد يده بالهاتف الي عدنان وقال بمرح؛
-رحمتك من التهزيئ ومن كلام جارح كتير كنت هتسمعه
ليضحك عدنان باستهزاء وهو يقول بغرور مصطنع:
-يا ابني انا لو متهزئتش من شُكران كل يوم أخاف واحس ان فيه حاجة غلط
ليضحك أدهم من جديد بصوت عالي
غير عابيء بتلك التي تجلس في الخارج يتقافز قلبها على نغمات ضحكته … وتبتسم كالبلهاء
~~~~~~~~~
انهى كل الأعمال بشكل سريع … يريد ان يعود الي البيت … يطمئن جدته واخته … وفي الاساس حتى يطمئن نفسه بهم
رغم عدم رغبته في ترق تلك الفتاة غريبة الأطوار بالخارج … انها حقًا مميزة ولا يعلم ما هو هذا الشيء الجيد الذي قام به في حياته حتى يرزقه الله بتلك الانسانة … تدخل حياته وتهون عليه الكثير وبأقل مجهود منها
أخذ سترته وغادر مكتبه ليجدها منهمكة في العمل تسجل شيء ما على الحاسوب .. ليغلق باب مكتبه حتى يصدر صوت كي تنتبه لكنها كانت في أشد حالات التركيز .. ف أقترب منها بهدوء … ليشعر بالصدمه وهو يرى ما تبحث عنه
شعر بسعادة غامرة … إنها تهتم به .. تهتم بما يعاني تريد ان تفهم حتى تستطيع المساعدة
عاد بهدوء مرة اخرى في إتجاه مكتبه وفتح الباب من جديد .. وقال بصوت عادي قدر إمكانه:
-آنسة سليمة
لتنتفض واقفة وظهر على وجهها التوتر والقلق … كان يود ان يضحك على حالها هذا لكن كل حركة منها تزيد احساسه بالحب تجاهها
لذلك تجاهل كل شيء حتى لا يحرجها وقال بهدوء:
-انا تعبت النهاردة … لو لسه فيه مواعيد ممكن تأجليها لبكرة
بتوتر امسكت بمفكرتها تنظر اليها ثم قالت بصوت مرتعش:
-مكنش فيه غير معاد واحد مع رئيس قسم المبيعات وده سهل يتأجل طبعًا
أومأ بنعم … وتحرك خطوة ثم وقف من جديد وقال:
-أنت كمان يلا روحي كفاية شغل النهاردة
من كثره توترها وخوفها من انكشاف أمرها رغم انها اغلق الحاسوب لكنها لم تستطع الرد على كلماته ف أومأت من جديد بنعم
ليرفع يده بتحيه في الهواء وقال بابتسامه تخطف أنفاسها:
-سلام يا سليمة
وغادر من أمامها سريعًا … تنفست الصعداء حين غادر ولم يكتشف ما كانت تقوم به .. وحين جلست من جديد قطبت جبينها بحيرة وهي تسأل نفسها:
“هل قال سليمة فقط دون لقب آنسه… هل كان ثامر من يقف أمامها ولم تنتبه”
كانت تود ان تركض خلفه حتى تتأكد لكن مؤكد انه قد غادر
ظلت تفكر كثيرًا لكنها لم تستطع إيجاد تفسير .. لكنها أنتبهت ان عليها الإتصال بالطبيب .. فها هو لديها وقت فارغ وتستطيع العودة الي البيت في موعدها
حين اجابها اخبرته بما حدث … ليخبرها على عنوان إحدى المقاهي على النيل وانه خلال نصف ساعة سيكون هناك
كان يتحدث وهو يقف عند باب المطبخ يتابعها وهي تحضر الغداء صامته لكن لغة العيون تتحدث يمد يده بالأغراض لها .. تأخذها دون كلمه حتى رن هاتفة ليجيب وهو يقف جوارها وحين أغلق الهاتف … قال بتوضيح:
-دي سكرتيرة أدهم وهروح أقابلها علشان نتكلم في موضوع أدهم … ساعتين بالكثير وهرجع
لم تجيب على كلماته … ليقترب منها يقبل جبينها وأكمل:
-هكون موجود على الغدا … ومحضرلك مفاجئه
أيضًا لم تعلق على كلماته ليبتسم ابتسامه طفولية بريئة وغمز لها وغادر
لتبتسم … لن تنكر ان ما يقوم به يسعدها … لكنها لن تلين عليه ان يبذل الكثير والكثير
~~~~~~~~~
جلست أمام عبدالله الذي كان ينتظرها في إحدى المقاهي على النيل وهي تقول ببعض الضيق والسرعة:
-انا مش هقدر اتأخر .. ف لو سمحت قول اللي عايزه بسرعة
ابتسم عبدالله من أسلوبها لكنه قال بهدوء:
-انا مقدر موقفك وأكيد مش هسبب ليكي أي مشكلة وعلشان كده هندخل في الموضوع على طول
وبدء يخبرها بكل شيء كانت تشعر بالاندهاش والصدمة … وبعض من الشفقة لكنها قالت بعد ان انهى حديثه:
-بس انا عارفة ان الأمراض اللي زي دي مش بيكون ليها علاج … يعني بتحاولوا تسيطروا بس على الشخصية التانيه
شعر بالإعجاب وبعض الاندهاش من اهتمامها بحاله أدهم وطريقة علاجه وقامت بالبحث عن الامو في محاولة للفهم وبداخله زاد إحساسه بإنها تكن بعض المشاعر الخاصة أيضًا له
فقال بتوضيح:
-كلامك صح … للأسف في بعض الأمراض النفسة مش بيكون ليها علاج شافي .. هو بس بنخلي الحالة تحت السيطرة مش أكثر .. وحالة أدهم للأسف من النوع ده
ظهر الحزن على ملامحها ليكمل كلماته:
-أدهم مش محتاج شفقة .. أدهم محتاج قلوب بتحبه .. تقدر تسنده وتدعمة … محتاج كل اللي جواهم إحساس طيب نحيته ويقدروا يقفوا جمبه بقوة
ظلت صامته لعدة لحظات تفرك يديها بقوة وعينيها ثابته تتابع حركة يديها .. لكن عقلها كان يطرح عليها السؤال المهم … هل تستطيع الابتعاد عن أدهم؟ والاهم من هذا …هل هي قادرة على دعمة ومساندته؟
لتتذكر تلك اللحظة حين دخلت اليه بالأوراق بعد ما حدث ورحيل الطبيب ونظرة عينيه المترقبة لرد فعلها … وابتسامة الراحة التي ارتسمت على وجهه حين وجدها تدعمة بأسلوبها وطريقتها الخاصة … وتلك الضحكة التي خطفت قلبها وجعلته يقفز راقصًا على نغماتها المميزة
رفعت عينيها الي عبدالله وقالت بثقة:
-قولي الطريقة الصح في التعامل مع الشخصية التانية لما تظهر
ليبتسم براحه … وأخذ نفس عميق وقال:
-اسمعيني كويس
~~~~~~~~~~
يسير جوارها يدعمها في سيرها … تسير برفق تستند على ذراعه لانها تشعر بألم قوي مع كل خطوة لكنها كانت تتحمل … انها تريد العودة الي منزلها .. رؤيه والدها والاطمئنان عليه .. بداخلها شعور بالطهر تريد ان تشعر به داخل بيتها … تريد التخلص من كل آثر لتلك الكارثة التي كانت تقوم بها … الفضيحة على وجه الدقة … نظر لها بابتسامة واسعة وقال بسعادة:
-نطلع على المأذون نكتب الكتاب ونرجع الحارة وأحنا الاتنين جداد ناس غير الناس زيزي مختلفه وبيبرس جديد قولتي ايه
ابتسمت لكلماته لكنها قالت بصدق:
-يرضيك أتجوز من غير رضا أبويا وموافقته … يرضيك يتكتب كتابي واهل الحاره ميشهدوش على جوازنا ويفرحوا معانا
صمتت لثوان ثم قالت ببعض المرح:
-وبعدين في عروسة يبقا شكلها كده أصبر بس لحد ما افك السلك
هز رأسه بموافقة على حديثها … وقال باستسلام:
-معاكي حق .. غلبتيني … أوصلك البيت وعلى طول هروح للحج عرفة أطلب منه يروح معايا لأمام الجامع علشان يقنعه يبقوا معايا وانا جاي اطلب أيدك
لتشعر بخجل فطري … خجل فتاة سوف يتحقق أكبر أحلامها وأخيرًا وهو إرتباطها بمن يعشقه قلبها
تحرك بالسيارة بعد أن نفخ الهواء من صدره مصاحبًا لقوله:
-أجمد يا بيبرس أجمد … هانت خلاص
ليزداد إحساسها بالخجل … لكن يغلفه سعادة لا وصف لها
حين وصلوا الي الحي لم يوقف السيارة في مكانها بعيدًا عن الحي .. ولكنه أصر على الدخول بها الي حارتهم … ف حالة زيزي الصحية لن تتحمل سير تلك المسافة … وهناك سببًا أخر هو الان يملك قلبها لذلك لا يخشى حديث اي أحد لكن هي قلبها وقع أسفل قدميها … وهو يتقدم بالسيارة داخل الحي … نظرات من يراهم تحمل الكثير … أكثر من الاندهاش .. أو الصدمه كونها تجلس داخل سيارة بيبرس … هناك نظرة ازدراء وكأنهم يروهم في وضع مخل … او بفعل فاضح … لكنها الان تفهم … ها هو كبوسها يتحقق
الحي بأكمله مجتمع أسف بيتها والجميع يبدوا في حاله غضب …
قبل ذلك بقليل … كان كل اهل الحي يجتمعون اسفل بيت زيزي … ينتظرون نزول الرجال الذين صعدوا ليتأكدوا مما قالته حنان… عن كون بيبرس بالأعلى … شاهدته يتسلل الي الليت ليلا ولم يخرج حتى تلك اللحظة
ليغضب اصحاب الدم الحار من اهل الحي .. بسبب ذلك الفعل المشين من ابنه حارتهم وابنه أستاذ حليم المعلم الفاضل الذي تربى على يديه الكثير … لكن الرجال خرجوا من بوابة البيت يقولون بغضب:
-أحنا كسرنا الباب ومفيش حد فوق غير أستاذ حليم ونايم
لينظر الجميع الي حنان التي أقسمت إنها رأت بيبرس يدخل الي البيت متسللًا يتلفت حوله ولم يخرج حتى لحظة اخبار رجال الحارة
ليشعر الجميع بالحيرة
لكن حينها توقفت سيارة بيبرس قريبًا من الجمع اصطفوا جميعا على الجانبين بشكل يشبه الدائرة .. ينظرون لهم باندهاش ليترجل بيبرس من السيارة ودار حولها يدعم زيزي حتى ترجلت هي الاخرى ووقفوا امام أهل الحارة والجميع في حاله تحفز … خاصة بيبرس الذي شعر بالخوف عليها فجسدها ينتفض بقوة
وكانت هي في واد أخر والكابوس يرتسم أمام عينيها الان بكل تفاصيله الجميع يقفون في شكل دائري .. ونظرات الغضب تملىء عيونهم … تنتظر الان ان ترى والدها يخبرهم انه قد تبرى منها ويفعلوا بها ما يريدون … نظرت الي بيبرس هل بيده الان حجر سوف يلقيه عليها … هل اهل الحارة يحملون الان بين ايديهم ما سيرجمونها به … كانت تشعر أن الأرض تميد بها وأخر ما رأته اقتراب رجال الحي منهم والشر واضح في عيونهم … سوف تفقد وعيها الان علها لا تشعر بالرجم او تموت في سلام … لكن صوت طلقات ناريه صم أذنيها وصوت الشهقات يصل اليها وكأنه حلم بعيد وكلمه دماء دماء تتردد في أذنها وكانت هي أخر شيء تعيه مع صوت صرخات عالية ينفطر لها القلب
يتبع….
رواية أو أشد قسوة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سارة مجدي
إن السجن ليس فقط الجدران الأربع وليس الجلاد أو التعذيب، إنه بالدرجة الأولى خوف الإنسان ورعبه، حتى قبل أن يدخل السجن، وهذا بالضبط ما يريده الجلادون وما يجعل الإنسان سجيناً دائماً.
زيزي
حيرت قلبي معاك
حيرت قلبي معاك.. وأنا بداري واخبي
قل لي أعمل إيه وياك.. ولا أعمل إيه ويا قلبي
بدي اشكي لك من نار حبي..
بدي احكي لك ع اللى فى قلبي
وأقولك ع اللى سهرني.. وأقولك ع اللى بكاني
وأصور لك ضنا روحي.. وعزة نفسي منعاني
لأول مرة منذ سنوات تستمع إلى الأغاني… لكن اليوم هذا هو شعورها… الحيرة قلبها يؤلمها لما يعانيه أدهم… وبداخلها رغبة قوية في ضمه إلى صدرها.
أن تمسح على رأسه بيدها وهي تقرأ له آيات الشفاء عله يعود كمل كان وتطيب روحه… ويطمئن قلبه.
لأول مرة تشعر بهذا الجنون… تعترف الآن لنفسها أنها مغرمة به… والآن هي تريد أن تسمع صوته.
ودون شعور منها وكأن شخصًا آخر يتحكم بها اتصلت به.
حينها كان يجلس جوار جدته وبالجهة الأخرى تجلس ظلال التي تحتضن ذراعه بقوة وتريح رأسها على كتفه… يخبرهم بكل ما حدث. وما قاله عبدالله عن تلك الشخصية الأخرى وكيف استطاع مقابلته.
ومع كل كلمة كانت شُكران تستغفر الله بصوت مسموع… وتهمس بصوت لا يسمعه غير أدهم.
اللهم أن عبدك أدهم مريض لا تأخذه فيما يحدث منه دون إدراك ووعي وأغفر له وسامحه.
كانت ابتسامة السعادة على وجهه لا مثيل لها.
عكس عدنان الذي يسكن قلبه الحزن والخوف والوحدة رغم تلك الابتسامة التي تزين شفتيه.
اقتربت ظلال من أذن أدهم وقالت:
عايزة أخد رأيك في حاجة.
وأنا كمان.
همس هو الآخر بكلماته لتبتسم وهي تغمز له بشقاوة وقالت:
هسبقك على الجنينة بعد ما أعمل اتنين نسكافيه.
أومأ لها بنعم لتغادر الغرفة… لينظر أدهم إلى جدته وقال ببعض التوتر:
فيه موضوع عايز أتكلم معاكي فيه… بس أشوف زئردة اللي برة دي عايزاني في ايه… وأنتِ تكوني خلصتي على الأستاذ اللي هناك ده وتعرفي هو عقل أمتى؟
قبل رأسها بحنان ولحق بأخته بعد أن غمز لعدنان ببعض المرح.
ليقترب عدنان من شُكران وهو يقول:
بقا يا ناس القمر ده جدتي… طيب يا حلو أنت مرتب؟
لتضحك شُكران بصوت عالي وهي تقول:
قال ويقولوا عقل قال… أنت لو عقلت القيامة تقوم.
ليضحك هو الآخر بصوت عالي وانحنى يقبل يديها عدة مرات… وعقله يفكر ماذا ستقول ظلال لأدهم وقلبه يئن بألم.
***
جلس جوار أخته في الحديقة… ينظر لها بتفحص… لتقول هي ملوحة أمام وجهه:
بلاش النظرات دي… انا عايزة احكيلك موقف حصل في الشغل وتقولي اتصرفت صح ولا لا… وتقولي كمان اعمل ايه في اللي جاي.
ارتسمت الجدية على ملامحه وهو يستمع لها تقص عليه كل ما حدث معها… حتى أنها أخبرته عن إحساسها بنظرات مراد واهتمامه بها وبوجود وقت خاص بينهم يتحدثون فيه عن كل شيء في الحياة.
صمتت وظل هو صامت يتأملها… ويفكر.
هل استطاع مراد صرف قلبها عن حبها الكبير لمراد… أم اكتشفت هي حقيقة مشاعرها وان ما كان بداخلها لعدنان هو مجرد حب مراهقة أو تعود فقط… أو رغبة في الحصول على ذلك الشاب الذي تركض خلفه الكثير من الفتيات وتراه حقها.
خرج من أفكاره حتى يجيب على أسئلتها الواضحة في عينيها:
اتصرفتي صح جدا كمان… فعلا ده برنامج مراد ومينفعش اسمك يبقا عليه وكأنه صحبته… وبكرة ظلال هيبقا ليها البرنامج الخاص بيها… اللي هيكون فكرتها هي… اللي هتبنيه خطوة خطوة بتعبها ومجهودها.
صمت لثوان قليلة ثم أكمل بابتسامة حنون:
ردي على مراد وشوفي هيقول ايه بعد ما عرف موقفك… واتصرفي زي ما قلبك يقولك… الصح جواكي واضح وعقلك يوزن بلد.
دربت على وجنتها بحنان وقال ببعض الغيرة الواضحة:
واضح كده ان استاذ مراد ده معجب… وشكلي كده همنعك أصلًا من الشغل معاه.
لتضحك ظلال بمرح… واقترب منه وهي تقول بدلال:
وانا مش معجبه بحد غيرك أنت يا أدهم.
ابتسم ولكن قبل أن يجيب سمع صوت هاتفه… لتتسع ابتسامته وأجاب سريعًا على الاتصال… وهو يبتعد قليلا عن مكان جلوس ظلال.
سليمة.
شعرت بالخجل من نطقه لاسمها دون آنسة وبتلك الطريقة التي لمست قلبها… فظلت صامته ليقول من جديد ولكن ببعض الإحباط واختفت الابتسامة عن وجهه:
سليمة أنتِ قفلتي ولا أصلًا كنتِ متصلة غلط؟
لا مش متصلة غلط.
أجابته بصوت ضعيف لتعود الابتسامة إلى وجهه من جديد… خاصة حين أكملت:
بعتذر عن الإزعاج بس كنت عايزة اطمن على حضرتك.
يتفهم رسميتها… يذوب في رقتها وخجلها… ويتشوق دائمًا لسماع صوتها… ليجيبها:
مفيش إزعاج يا سليمة… بالعكس شكرًا على سؤالك عليا.
زاد إحساسها بالخجل… وظلت تلوم نفسها على هذا الاتصال ليكمل كلماته:
وبعدين لو سمحتي متعتذريش تاني… أنت تتصلي في أي وقت.
ظلت صامتة لينظر إلى الهاتف حتى يتأكد إذا مازالت معه على الخط أم أغلقت ليجدها مازالت معه ليبتسم بمرح وهو يقول بمشاكسة:
مش أنتِ السكرتيرة بتاعتي يعني من حقك تتصلي بيا في أي وقت… ده غير بقا إنك…
وصمت دون أن يكمل كلماته حتى يجعلها تشعر بالفضول وتتحدث لكنها أغلقت الهاتف.
ليضحك بصوت عالي… وشعر بداخله روح طفل عابث يريد الركض واللعب والحب…. فأرسل لها رسالة قبل أن يعود ويجلس أمام أخته التي تنظر إليه بداخل عينيها سؤال واضح وابتسامة مرح على شفتيه.
ليقترب منها وهمس قائلًا:
هو ده الموضوع اللي كنت عايزة أكلمك فيه واخد رأيك اكلم شُكران ولا هترفض؟
لتصفق ظلال بسعادة وهي تقول بمرح:
وهبقا أخت العريس يا بشر… لقد هرمنا من أجل تلك اللحظة.
أمسك يدها واجلسها من جديد وهو يقول:
أقعدي يا قردة واسمعيني.
وأخبرها بكل ما يشعر به… وبسعادته أنها علمت بحالته وتقبلته دون نفور أو رفض… ولم يلمح حتى في عيونها خوف.
وحرصها على فهم حالته والبحث عنها.
تفتكر يا آبيه نانا هترفض واحدة زي دي؟ طيب ليه؟ أولًا هي زي أنت ما بتقول من بيت طيب… محترمة محتشمة… وأنت بتحبها… متقبلة مرضك… دي فيها كل المواصفات دي تدخل موسوعة جينيس.
قالت كلماتها بمرح وسعادة واضحة… ثم وقفت وهي تمسك يده وتقول:
يلا ندخل نفاتحها في الموضوع… مفيش وقت.
سار خلفها على وجهه ابتسامة سعيدة… ورغبة قوية تجتاح كل كيانه تجعله يشعر أنه قد ملك العالم بما فيه.
***
وصلت سليمة إلى البيت لا تستطيع تحديد شعورها… سعيدة بكونها اطمأنت عليه… وقلقة بسبب تطور حالته أو أن تزداد سوءًا… وخجولة من تهورها واتصالها به بتلك الطريقة خاصة بعد رسالته المرحة.
((بتقفلي السكة في وشي… شكرًا يا سليمة… مخصوم لك يومين😂))
ومت شوقة لعودته لشخصية ثامر… ذلك الرجل العابث الذي يسكن في الشقة المجاورة… تشتاق لسماع صوته وهو يغني… ورائحة قهوته المميزة… وتفاصيله التي تختلف تمامًا عن تفاصيل شخصية أدهم.
فقد لاحظت أنه دائمًا لا يرتدي ملابس علوية… وحين كان يجلس بالشرفة ممدد القدمين كانت تلاحظ أنه حافي القدمين.
شخصية تشبه الأشرار في الأفلام وعند هذا الخاطر خبأت وجهها بيديها تخبئ ضحكتها وخجلها.
كانت حينها تقف خلف باب بيتها تستند عليه بعد أن أغلقته لتقول فاطمة بتعجب:
مالك يا سليمة واقفة كده ليه وبتضحكي زي الهبلة؟
لوت سليمة فمها وقالت بغضب مصطنع بعد أن أبعدت يدها عن وجهها:
ايه زي الهبلة دي يا ماما… انا بس كنت بفكر في حاجة كده.
ليكون الدور على فاطمة في لي فمها وهي تغادر من أمام سليمة تضرب كف بكف وهي تقول:
ربنا يثبت علينا العقل والدين ويهديكي يا سليمة يا بنتي.
ليضحك والدها بصوت عالي وهو يقول بمرح:
بتحطوا نفسكوا في مواقف بايخة.
لتقترب منه وهي تقول بلوم مصطنع كطفلة صغيرة:
كده ياسي بابا… شكرًا على الدعم.
ودخلت غرفتها تتدعي الغضب لكنها في الحقيقة تهرب… لن تستطيع أن تكذب ولن تستطيع إخبار والدها بالحقيقة… فالهروب هو الحل الوحيد حتى تجد الشجاعة لتقول ما بداخل صدرها.
***
وصل عبدالله إلى منزله وبين يديه قالب من الحلوى التي يتذكر جيدًا عشقها له… أين كان هذا القالب من عقله حين اشترى صباحًا الزهور والعطر والشوكولاتة… لكن لا يهم… هو في الأساس لن يتوقف عن محاولاته في كسب ثقتها… طرق الباب ليسمع صوت ابنه يقول:
أنا هفتح يا ماما.
وحين فتح الباب قال باندهاش:
بابا مفتحتش بالمفتاح ليه؟
علشان شايل يا لمض… وبعدين كنت عايز أعمل مفاجأة لماما بس أنت بوظتها لما فتحت الباب.
وضربه برفق على وجنته ليبتسم الصغير وهو يقول بمشاغبة:
أدخل أعمل لها المفاجأة في المطبخ ولا تزعل.
ينظر له عبدالله بحاجب مرفوع ليغمز له الصغير وغادر متوجهًا إلى غرفته.
ليبتسم عبدالله وهو يهمس لنفسه:
كبر أمتى الواد ده؟
توجه إلى المطبخ كانت تقف هي وابنته يعدان الطاولة للغداء فقالت الصغيرة بمرح حين رأته:
بابا.
وركضت إليه تضم ساقيه بقوة ليداعب خصلات شعرها وهو يقول بسعادة:
حبيبة بابا.
وانحنى قليلا يقبل أعلى رأسها وهو يقول:
جايبلكم حاجة حلوه علشان تحلو بيها بعد الغدا.
تهتف الصغيرة بمرح ليقترب هو من لبنى يقبل أعلى رأسها ثم وجنتها… وكتفها وهمس جوار أذنها:
دي الحلويات اللي أنتِ بتحبيها… كنوع من الاعتذار.
وحين ابتعد وجدها تنظر إليه بصمت لكن عينيها تتحدث.
(( أين كان كل هذا الاهتمام من قبل؟ ))
لكنه ابتسم لها وتحرك ليضع الحلوى بالثلاجة… وحين التفت لاحظ باقة الزهور الخاصة به قد وضعت في مزهرية مميزة وتزين بها منتصف الطاولة وفي الصحن المخصص لها قد وضعت الشوكولاتة.
جلس الجميع على طاولة الطعام يتحدثون ويمزحون وصوت ضحكاتهم كانت مثل أجمل الأغاني في أذنيه… ليقول إياد بسعادة وفرح:
النهاردة يوم حلو أوي علشان حضرتك معانا.
لتظهر معالم الحزن على وجه لبنى التي نظرت إلى عبدالله بلوم وكذلك عبدالله لكنه قال بصدق:
صدقني يا حبيبي هيتكرر كتير… ومش هبعد عنكم تاني أبدًا يا حبيبي.
صمت لثوان قليلة ثم قال بألم شعرت به لبنى من كل قلبها:
لو فاكرين بس أنتوا اللي محتاجين وجودي وسطكم وحضني… فعايز أقولكم بالعكس أنا اللي محتاج وجودي معاكم واني أحس بيكم حواليا ديما وبحضن أديكم… حقكم عليا في غيابي بس أنا اتعلمت الدرس خلاص.
كانت لبنى تستمع له بكل كيانها وتشعر بما يريد إيصاله لها وللأولاد.
لذلك قالت:
طول ما احنا عايشين بنتعلم يا عبدالله… ولما الدنيا تدينا فرصة تانية لازم نحافظ عليها لأن مفيش فرصة ثالثة.
فهم مقصدها وابتسم وهو يومئ بنعم لتقترب منه الصغيرة حبيبة وهي تقول:
ايه رأيك نلعب بلايستيشن ونغلب إياد؟
هنلعب بلايستيشن ونغلب إياد.
ونظر إلى لبنى وهي تقول:
وماما تعملنا فشار.
لتبتسم لبنى وهي تقول:
أحلى فشار علشان عيونكم.
***
لم يعد يتحمل… هاتفها معلق منذ رحيلها من الاستديو صعد إلى سيارته وقد قرر الذهاب إليه.
لم يفكر في ماذا سيقول أخيها؟ أو ماذا سيكون موقفها من وجوده أمامها في بيتها؟ كل ما يفكر فيه الآن هو غير مستعد أن يخسرها… وتغادر حياته… ألا يصبح بها كل يوم يجادلها ويسمع ضحكتها… ويحرم من تناول وجبة الإفطار معها يستمع لحديثها يبتسم مع ابتسامتها ويحزن حين يلمح تلك الدمعة داخل عينيها.
أوقف السيارة أمام البوابة الحديدية لقصر الخشاب ليقترب منه أحد أفراد الأمن يسأله ماذا يريد… ومن هو؟ ليخبر أمن البوابة أهل البيت الذين سمحوا بدخوله.
قبل ذلك بقليل كان أدهم يتحدث مع جدته حول سليمة ورغبته في التقدم إليها… وكم شعر بالسعادة حين وافقت جدته مباشرة دون جدال خاصة بعد حديثه عنها بتلك الطريقة التي أوضحت كم هو يحبها… وضحك بصوت عالي على تعليقات عدنان الوقحة بعض الشيء.
حين ارتفع صوت الهاتف الداخلي لتركض ظلال تجيب استمعت ما قاله رجل الأمن لتنظر إلى أدهم برجاء ليقترب منها سريعًا وأخذ الهاتف ودون أن ينظر لها سمح بدخول مراد.
أغلق الهاتف وعاد بتركيزه إلى ظلال وقال:
اطلعي غيري هدومك و عايزك في أحسن حالاتك أوك.
أومأت بنعم ولكن قبل أن تتحرك قال أدهم بطريقة موحية:
الحركة دي ليها معنى كبير يا ظلال… مراد مش عايز يخسرك لا على مستوى الشغل ولا على المستوى الشخصي… خلي الكلام ده قدام عينك وأنتِ بتتعاملي معاه.
تلونت وجنتيها بلون الخجل ليتحرك عائدًا إلى مكان جلوس جدته وأشار لها أن تصعد إلى غرفتها… لتركض على السلم سريعًا وهي تشعر بالسعادة وبعض القلق.
أخبر أدهم جدته بما حدث لتتوجه هي الأخرى إلى غرفتها حتى ترتدي شيء ملائم ووقف أدهم وعدنان في استقبال مراد… رغم تلك النيران التي تشتعل بداخل قلبه ولو سمح لها بمغادرة صدره لأحرقت العالم أجمع لكنها ستظل داخله هو فقط يكتوي هو فقط بها.
***
رحب أدهم بمراد ترحيب يليق بشخصية كمراد منير الإعلامي المعروف… وأيضًا بشخصية أدهم الخشاب.
كذلك عدنان الذي حاول يظهر بارد وثلجي كعادته لكن مراد شعر أن ذلك الشخص لا يحبه وهناك حاجز غير مرئي بينهم وهذا بالفعل ما كان يشعر به عدنان.
جلسوا جميعًا ببهو القصر يتبادلون أطراف الحديث…؟
حتى حضرت السيدة شُكران الذي وقف لها مراد احترامًا وهي رحبت به بوقار كم شعرت به إنسان لطيف ومهذب… وشعر هو بسنهم ببعض الألفة التي لا يشعر بها في أغلب الأوقات فهو لا يحب الاختلاط بالناس كثيرًا لكن من أجل ظلال هو على استعداد لفعل أي شيء وكل شيء.
كانت ظلال تقف عند أعلى الدرج تشعر بالتوتر… تحاول أن تستمع لما يقال بالأسفل كم شعرت بالسعادة بالحديث اللطيف الدائر بينهم… حتى أنها كانت ودون وعي منها… تتجاهل فكرة وجود عدنان معهم… كيف هذا هي لا تعلن ولت ترهق نفسها بالتفكير.
أخذت نفس عميق وبدأت في نزول الدرج خطوة خطوة بكبرياء تتسم به شخصيتها… كما اعتاد عليها مراد أن يراها ليقف ينظر إليها ويتابع خطواتها وهي تقربها منه.. هل اشتاق إليها لهده الدرجة؟ أم خوفه من خسارتها هو ما يجعل نبضات قلبه تتسارع؟ كان كل من أدهم وشُكران يشعران بالسعادة بما يلاحظونه على مراد ونظرات عينيه التي تلتهم ظلال بإعجاب شديد… دون تطاول أو فظاظة وأدهم بالأخص لإدراكه لكل ما كان يحدث بينهم خلال الفترة الماضية… وتمنى أن يسعد الله أخته مع شخص كمراد قادر على احتوائها ومتمسك بها.
اقتربت منه ظلال ترحب به بهدوء وجلسوا جميعًا لبعض الوقت يتحدثون أحاديث عامة.
حتى قال مراد موجهًا حديثه لأدهم:
أنا عايز استأذنك بس أتكلم مع الانسه ظلال فيه شوية مشاكل كده في الشغل وعايزين نتناقش فيهم قبل حلقة بكرة.
نظر أدهم لظلال ثم قال بهدوء:
طبعًا أكيد.
ووجه حديثه لأخته:
ظلال اتفضلي أنتِ وأستاذ مراد في الجنينة علشان تقدروا تتكلموا براحتكم.
لتقف ظلال تشير لمراد أن يسير معها لكنه اقترب أولًا من شُكران يقبل يدها وقال:
أنا اتشرفت جدًا بمقابلة حضرتك شُكران هانم.
وتحرك مع ظلال يتحدثون بهمس لا يسمعه أحد… وحين خرجوا من باب القصر هتف عدنان بغضب:
ازاي تقبل بحاجة زي كده يا أدهم… إزاي؟
ولم ينتظر أن يستمع لرد أدهم وغادر القصر… صعد إلى سيارته واخر ما كان يراه هو ظلال تضحك على شيء ما قاله مراد… ليضغط على البنزين أكثر وأكثر… لتزداد سرعة السيارة أكثر وأكثر.
حتى أصبح الطريق أمامه وكأنه شريط فيديو سريع جدًا لا يستطيع تميز تفاصيله… وفي لحظة كل شيء توقف والدماء فقط هي ما يراها بعينه.
يتبع…
رواية أو أشد قسوة الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سارة مجدي
"تليفونك لية يا ظلال؟!"
كانت تجلس أمامه بكبريائها الذي هو جزء من شخصيتها، تضع قدم فوق الأخرى، تنظر إليه بثقة وقوة. ابتسمت بدلال حين سألها ذلك السؤال بلهفة وقلق واضح.
"كنت عايزاك تاخد قرارك بهدوء ومن غير..."
"من غير إيه وقرار إيه أصلًا يا ظلال؟!"
قاطعها بعصبية واضحة، ثم اقترب منها قليلًا وقال بصدق:
"انا مش مستعد اخسرك يا ظلال، ولو في المقابل اني ارمي كل تاريخي ورا ظهري… مستعد أسيب البرنامج كله ليكي و…"
رفعت يدها حتى تسكت كلماته وقالت باندهاش:
"ايه اللي أنت بتقوله ده؟ انا مش فاهمة حاجة يا مراد… ليه بتقول كده؟ ومين قالك اني لو حتى سيبت البرنامج في يوم إنك هتخسرني كفانز ليك او كصديقة حتى؟"
"بجد يا ظلال بجد؟"
"عمري ما هخسرك؟"
أومأت بنعم ليكمل كلماته برجاء واضح:
"حتى لو قولتلك إني بحبك…"
تختفي ابتسامتها تدريجيًا، وظهرت الصدمة على ملامحها. صحيح هي ترى اهتمامه بها، تشعر أن هناك شعور ما بداخله لها، لكن في أقصى خيالها لم تتصور أن يقولها لها بتلك الطريقة.
ظلت صامتة تنظر له بعدم استيعاب، ليهمس باسمها راجيًا:
"ظلال…"
رمشت عدة مرات، ولكن قبل أن تقول أي شيء، وجدت أدهم يركض من باب القصر في اتجاه سيارته وهو ينادي بصوت عالٍ على أمن البوابة أن يفتحها. لتركض إليه بخوف وخلفها مراد، لكن قبل أن تصل له كان انطلق بالسيارة بسرعة جنونية.
لتنظر إلى شُكران التي تقف عند الباب تبكي بقهر. التفتت إلى مراد الذي قال لها بأمر وهو يشير إلى سيارته:
"اركبى خلينا نلحقه…"
لتصعد إلى جواره، قلبها يضرب بقوة داخل صدرها من الخوف. كان مراد يشعر بها، لذلك ضغط على مبدل السرعة بكل قوته لتتحرك السيارة بسرعة مغادرة القصر حتى يلحق بأدهم.
---
كان الجميع ينظر إلى جسدها الممدد أرضًا، وذلك الوحش الضخم الجاثي بجانبها يحاول إفاقتها بخوف وهلع لا يفهمه أي من الواقفين. لكنها وكأنها ترفض تمامًا العودة إلى الحياة. أغلقت عينيها ترفض أن تفتحها من جديد.
نظر إلى تجمع الناس من حوله وقال بصوت عالٍ:
"حد يجيب ماية ولا برفان ولا أي حاجة علشان أفوقها…"
اقتربت إحدى النساء وبين يدها بصلة، تنظر إليه بنصف عين وتلوي فمها بعدم رضا. وضعت على أنف زيزي، لا لم تقربها، بل وضعتها بقوة على أنفها حتى كادت أن تضعها داخل أنفها بالقوة.
لتشهق زيزي بقوة وظلت تسعل، ليضمها بييرس إلى صدره ببعض الراحة، وحتى يبعدها عن يد تلك السيدة.
حين فتحت عيونها، عاد لها خوفها من جديد، وارتعش جسدها في انتظار لحظة الرجم. كان لا يفهم ماذا أصابها، لكنه يدرك أن ما يحدث حولهم هو ما كانت تخشاه أن يلاحظ الناس علاقتهما.
قطع أفكاره حين قال أحد رجال الحي بصوت قوي:
"أنت وهي جاين منين كده؟! احنا عايزين نفهم إيه علاقتك بيها…"
شعر بيبرس بالغضب من السؤال، ومن الأسلوب، وشعر أن هناك شيئًا ما هو لا يفهمه. وخوفه عليها جعل عقله لا يعمل بشكل سليم، لكن من أجلها سيكون قوي كما اعتاد، لا يهمه أحد. ساعد زيزي على النهوض، وجعلها تستند على مقدمة السيارة بعد أن ربت على كتفها بدعم، وأومأ لها بعينيه أن تطمئن.
ثم اعتدل في وقفته أمام الرجل الذي تحدث وقال:
"رغم إن سؤالك مش عاجبني… ووقفتك دي كمان مش نازلة لي من زور… لكن هقولك، وده مش عشان أرضيك لا، ده عشانها هي وبس…"
وأشار بيده في اتجاه زيزي، وأكمل بهدوء رغم نظراته القوية:
"الست زيزي تعبت امبارح… وأنا ساعدتها تروح المستشفى وعملت عملية المصران الأعور، ولسة راجعين من المستشفى دلوقتي…"
لتلتفت الجميع إلى حنان التي بهتت ملامحها وانسحب اللون من وجهها، وتحولت لدمية من شمع، لونها أصفر من كثرة الخوف.
خيم الصمت لثوانٍ على الجميع. لكن حاولت حنان أن تتحدث أكثر من مرة حتى وجدت صوتها أخيرًا، فقالت بكلمات متقطعة:
"أنت كداب، أنا شفتك امبارح بليل وأنت داخل البيت عندها تتسحب زي الحرامية…"
اعتدل بيبرس في اتجاهها، وخطى خطوة واحدة وهو يحرك رقبته يمينًا ويسارًا وهي تصدر ذلك الصوت الذي يجعل الجميع يرتعش خوفًا، حتى أنها كادت أن تفر هاربة من أمامه، لكن قدميها لم تطيعها.
لوى فمه إلى الجانب في حركة سريعة، ثم قال من بين أسنانه:
"الأستاذ حليم كان لوحده في الشقة والراجل مريض وبنته في المستشفى طول النهار، جيت بليل أكلته واديت له الدوا ورجعت تاني المستشفى، فضلت قاعد قدام أوضتها لحد ما الدكتور سمح لها بالخروج، وأهو جاين قدامكم…"
والتفت ينظر إلى باقي أهل الحي وقال بصوت جهوري:
"اللي مش مصدق عنده مستشفى (…) يروح يسأل فيها ويتأكد… لكن وديني اللي حصل ده ما هيعدي بالساهل يا حارة، عشان مش الست زيزي بت الأستاذ حليم اللي يتشك في أخلاقها وتصرفاتها… ولا أنا الراجل اللي يقف وقفة اللي عامل عاملة دي، وكل واحد قال كلمة هيتحاسب عليها…"
وتحرك في اتجاه زيزي حتى يساعدها في الصعود إلى منزلها. لتوقفه إحدى النساء بعد أن لمت شفاهها بتلك الحركة الشعبية الشهيرة، قائلة:
"عنك يا أخويا، ميصحش تطلع معاها فوق… إحنا هنطلعها ونطمن عليها ونساعدها كمان عشان الجرح…"
ليرفع بيبرس حاجبه بشر وقال بصوت عالٍ:
"وماله، كله بثمنه… ووقت الحساب قرب…"
وقبل أن يتحرك أي منهم، دوى صوت طلق ناري. وفي لحظة واحدة كان جسد بيبرس ممددًا أرضًا أسفل قدمي زيزي التي تشعر بالصدمة والخوف، حتى أن عيونها الجاحظة قد تحجرت.
لكن شهقات الجميع تصل إليها، وبعض الكلمات: "اتصلوا بالإسعاف… حد يتصل بالبوليس… شوفوا مين اللي جري ده…"
لتنتبه لما هي فيه. الحقيبة.. هاتف بيبرس.. عليها أن تحمي نفسها بما حصل عليه بيبرس، وإلا يقع أي من هذا بين يدي الشرطة أو أهل الحارة.
فأقتربت من جسد بيبرس وكأنها تريد أن تطمئن عليه، لكنها وبدون أن ينتبه أحد، مدت يدها داخل جيب سترته وأخذت الهاتف. وعادت تقف جوار السيارة، بعد أن حملت الحقيبة الصغيرة التي تخفي العقود والأموال.
الجميع في حالة صدمة وعدم تصديق. كيف يحدث كل هذا؟ لكن ما حدث كان فرصة جيدة لحنان حتى تهرب من ذلك الموقف المُشين التي وضعت نفسها فيه بسبب رغبتها في كسر أنف زيزي. ها هي من أصبحت الملامة والمخطئة.
حضرت سيارة الإسعاف وحملت بيبرس الذي غاب عن الوعي. كانت تود أن تذهب معه، لكن حالتها الصحية.. والأشياء التي بحوزتها ووالدها.. وموقف أهل الحي، كل هذا يمنعها من الذهاب.
حين تحركت سيارة الإسعاف تحمل بيبرس وأحد رجال الحي، ولحقوا بها بعض الشباب والرجال.
سمحت لقدميها بالتحرك إلى داخل البيت بصحبة بعض النسوة، الذين لم يتوقفوا عن الثرثرة بكل ما قالته حنان. لكنها كانت في وادٍ آخر، قلقة على بيبرس والخوف الأكبر ممن فعل هذا. مؤكد دورها هو التالي.
لم تتحمل الثرثرة، فقالت بهدوء قدر استطاعتها:
"البيت بيتكم… لكن أنا بجد تعبانة جدًا ومحتاج إني أرتاح. الجرح شَدّت عليا أوي…"
لتلوي النساء فمها وغادرن الواحدة تلو الأخرى. لتغلق أخيرًا الباب خلفهم وتنفست الصعداء. كل ما تعرفه الآن أن مصدر أمانها قد غُدر به، ومن وقف أمامهم لن يتركه يعيش لحظة وينعم بحياته.
وعليها هي الأخرى أن تستعد لتلك اللحظة التي ستكون فيها هي الجسد الممدد أرضًا وقد فارقت الحياة جسدها. لتنحدر الدموع من عيونها دون توقف وهي تقول:
"مش مكتوب لك توبة يا زيزي.. خلاص الوحل بقى نصيبك وقدرك…"
---
انقلبت السيارة عدة مرات، ومع كل مرة كان يصرخ بصوت عالٍ بكلمة لم تكن واضحة، لكن صدى تلك الكلمة كان يتردد في أركان المكان حتى وصلت لعنان السماء، واستمع لها الطير فوق الأشجار ليترك أعشاشه في فزع وخوف.
حين استقرت السيارة أخيرًا، بدأ الناس في التجمع حول السيارة ومحاولة فتحها وإخراجه منها. لكنه وبكل ما يملك من قدرة صرخ بهم:
"محدش يلمسني… محدش يلمسني…"
ليقول أحد الرجال بشفقة:
"اهدأ يا ابني.. إحنا بس خايفين للعربية تنفجر، خلينا نطلعك…"
"محدش يلمسني… أنا كلي بنزف… محدش يلمسني…"
عاود عدنان الصراخ رغم ألمه وجروحه المنتشرة، لكن خوفه من أن يصاب أحدهم بذلك المرض اللعين كانت تخيفه لدرجة تجعله يتجاهل آلامه غير المحتملة.
سمع صوت سيارة الإسعاف، ليبتعد الناس عن سيارته. وحين اقترب المسعف منه قال عدنان بصوت ضعيف:
"أنا عندي الإيدز… محدش يلمسني… محدش يلمسني…"
لتلتقف يد المسعف في الهواء، وتبادل هو وزميله النظرات المشفقة على ذلك الشاب. ثم بدأوا في إخراجه من السيارة.
ليردد عدنان بألم:
"سيبوني أموت، مش عايز حد يتعدي مني…"
ليقول المسعف موضحًا:
"متقلقش، إحنا لابسين جوانتي… والكمامات كمان وعارفين إحنا بنعمل إيه، اهدأ…"
وحمله على السرير النقال ووضعه بالسيارة. وظل أحدهم جوار السيارة حتى لا يقترب أي شخص منها، وحتى يخبر الشرطة بالأمر. فلابد من تحذير الجميع حتى لا يتعامل أي شخص مع دماء المصاب دون حذر وتنتقل له العدوى.
كان مغمض العينين يشعر بما يقوم به المسعف، لكن عقله لا يفكر سوى في كون سره قد انكشف. ها هي الفضيحة قادمة لا محالة. عدنان الخشاب، ابن عائلة الخشاب الشهيرة، بطل الملاكمة، الدنجوان الذي لا يهتم لأحد، حبيب الفتيات مريض بالإيدز. يعلم جيدًا إذا انتشر الخبر ما سيقال عنه، سوف يفضح أمره.
ليردد قلبه بلا توقف: "اللهم استرني فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك". يعلم ما يحدث معه هو ثمن ما قام به من كبائر، ويعلم أن عقاب الدنيا لا يساوي شيئًا أمام عقاب الآخرة.
حين وصل إلى المستشفى، كان المسعف يمنع أي شخص من الاقتراب منه متحتجًا بكونه به الكثير من الكسور. ورغم أن هذا سلوك غريب، إلا أن الجميع انصاع له.
حتى وصل إلى الغرفة المخصصة للكشف والمعاينة. همس للطبيب بسر عدنان ليشعر بالصدمة والحيرة، لكنه طلب من جميع من في الغرفة الخروج إلا واحدة فقط من الممرضات. طلب منها التعقيم جيدًا وارتداء القفازات وأيضًا قناع الوجه، وبدأ في معاينة عدنان الذي غاب عن الوعي بعد أن شعر أنه بين يدٍ أمينة.
وفي مكان الحادث، لم يتوقف رنين هاتف عدنان ولو لحظة. ليجيب المسعف عليه عن طريق مكبر الصوت. أخبر من يلح في الاتصال أن صاحب الهاتف أصيب في حادث ونقل إلى مستشفى (…).
---
وصلت سيارة الإسعاف إلى المستشفى وتم أخذ بيبرس مباشرة إلى غرفة العمليات وسط قلق الجميع. لكن وكأنها كانت فرصة لرجال الحي حتى يتأكدوا من حديث بيبرس. ويا خوفهم إذًا كان حقيقيًا. والخوف الأكبر من انتقام بيبرس وما سيقوم به ذلك الضخم فيهم ردًا على اتهامهم.
ذهبوا جميعًا إلى استقبال المستشفى، لكن تقدم أحدهم حتى وقف أمام موظفة الاستقبال وألقى السلام باحترام وقال باستفهام:
"لو سمحت كنت عايز أسأل عن واحدة اسمها زيزي حليم. هي جت عملت عملية هنا امبارح…"
نظرت إليه الفتاة بشك، ليقول بسرعة موضحًا:
"هي في أوضة نمرة كام؟ إحنا قرايبها وجيرانها عايزين نزورها ونطمن عليها…"
نظرت الفتاة في الدفتر أمامها ثم قالت بإقرار:
"هي خرجت يا فندم بناءً على طلب المرافق ليها…"
أومأ الرجل بنعم والتفت ينظر إلى باقي الرجال خلفه بتوتر. ليعرف الجميع أنه لم يكن يكذب. وعليهم الآن الاستعداد لما سيفعله بهم بيبرس بعد خروجه من هنا. وعليهم أيضًا أن يجهزوا اعتذارات ملائمة، لعله يغفر لهم خطأهم.
---
جلست على السرير تبكي بخوف بعد أن اطمأنت على والدها وأطعمته وأعطته دوائه.
تفكير.. تفكير في كل ما حصل. هذا كابوسها كان على وشك الحدوث. فضيحة مدوية كادت أن تحدث لها بين أهل الحي. ولكن الله أراد لها فرصة جديدة.
لكن ماذا ستفعل مع من حاول قتل بيبرس؟ هل هي المقصودة بذلك الفعل وتلك رسالة موجهة لها هي؟ يريدون إخبارها بضعفها كونها أضعف من أن تقف أمامهم. وبحركة إصبع ها هو مصدر أمانك قد سقط أسفل قدميك غارقًا في دمائه. فماذا ستفعل بكِ أنتِ؟
هل عليها الآن الاختباء؟ أم عليها العودة لذلك المكان؟ إنها حتى لم تعرف بعد ماذا فعل مع الجوكر حتى وافق على رحيلها بتلك السهولة. كل ما قاله لها أن بداخل هاتفه ما يدين الجوكر ويجعله غير قادر على الوقوف أمامه.
بيد مرتعشة أمسكت الهاتف وفتحته. لا تعلم عن ماذا تبحث، لكن هنا يختبئ مصدر الأمان الوحيد لها الآن. وحين وصلت إلى ملف الصور، بدأت تضرب وجنتيها وهي تقول بنواح:
"يا نهار أسود يا نهار أسود…. انتهيتي يا زيزي انتهيتي…"
---
أوقف السيارة في موقف المستشفى كيفما اتفق وركض إلى الداخل يسأل عن ابن عمه وأخيه. الخوف ينخر بروحه دون هوادة. رحمة أنه أحد الشخص الوحيد الذي يثق به ويطمئن لوجوده جوار أخته وجدته خاصة في لحظات غيابه وحضور شخصية ثانية.
وقف أمام موظف الاستقبال وقال بصوت مرتعش من الركض:
"في شخص وصل في حادثة…"
"في غرفة المعاينة…"
أجابه الموظف وهو يشير إلى أحد الأبواب المغلقة. ليتوجه إلى هناك في نفس اللحظة التي دخل فيها مراد وظلال إلى المستشفى يلحقون خطوات أدهم.
فتح أدهم الباب ودخل مسرعًا لتوقفه الممرضة بإشارة من يدها وهي تقول:
"مينفعش كده يا أستاذ، اطلع برة…"
لم يهتم لحديثها وكلماتها وأقترب من عدنان وهو ينادي باسمه بخوف.
ليقف الطبيب أمامه وقال ببعض الغضب:
"أنت مين؟ وإزاي تدخل هنا؟"
"عايز أطمن على أخويا…"
قالها أدهم بصدق وخوف حقيقي. ليقول الطبيب في محاولة لطمأنته:
"إحنا هنقوم باللازم، متقلقش… بس من فضلك اطلع برة…"
لكن همسة عدنان باسم أدهم جعل الأخير يتجاهل الطبيب ويقترب من ابن عمه. رفع يده حتى يمسك بيده ليصرخ به عدنان بخوف رغم الوهن والألم:
"متلمسنيش… أبعد عني يا أدهم أبعد…"
ظل أدهم يتأمل جسد ابن عمه والدماء التي تغطي بعض من ملامحه وملابسه وقال بخوف صادق:
"أنا جنبك يا عدنان مش…"
"قولت لك ابعد، مش عايزك تتعدي… ابعد عني…"
صرخ عدنان بصوت عالٍ ليقترب الطبيب وقال بأمر:
"لو سمحت مينفعش تلمسه، مش بس عشان الكسور اللي عنده، كمان لأنه مريض HIV… أكيد مش عايز تتعدي…"
اتسعت عينا أدهم بصدمة. ونظر إلى عدنان الذي قال بصوت ضعيف:
"ابعد عني يا أدهم، ابعدوا كلكم سيبوني أموت. اللي زي لازم يموت.. أحسن من الفضايح أو يكون سبب في نقل عدوى لأقرب الناس له… سيبوني أموت…"
بانهيار ودموع تملأ عينيه قال أدهم:
"اخرس، أوعى تقول كده.. أنت هتخف وبعدين العلم كل يوم بيتطور وأكيد هنلاقي علاج…"
ونظر للطبيب حتى يؤكد حديثه، لكن الطبيب أخفض رأسه دون رد. ليقول عدنان بضعف:
"ملوش علاج يا أدهم… الموضوع مش جديد، أنا مريض من سنين…"
صدمة.. ما يسمعه الآن هو صدمة. كيف هذا؟ وكيف لم يعرف؟ وكيف استطاع إخفاء الأمر عنهم؟ الكثير والكثير من الأسئلة. لكنه أغمض عينيه لثوانٍ وعاد إلى وعيه وهو ينظر إلى الطبيب وقال بأمر وكبرياء عائلة الخشاب وغرور غير معتاد عليه.. وشر كبير يظهر في عينيه التي تنظر إلى الطبيب والممرضة:
"انقذ ابن عمي، ولو حد عرف قول على نفسك ومستقبلك يا رحمن يا رحيم أنت فاهم…"
رغم ارتعاش ذلك العرق النابض بعنقه، إلا أنه قال بهدوء:
"أنا أقسمت على الحفاظ على أسرار المرضى يا أستاذ، متقلقش… ممكن بقا تسيبنا نخلص شغلنا…"
أومأ أدهم بنعم وابتعد عدة خطوات إلى الخلف. لكن عينيه كانت ثابتة على عدنان الذي غاب عن الوعي.
لتنحدر تلك الدمعة من عينيه بقهر وخوف. ولكنه تحرك في اتجاه الباب. وقبل أن يفتحه سمع الطبيب يقول للممرضة:
"جهزي أوضة العمليات ومش عايز حد معانا غير دكتور البنج…"
يغمض أدهم عينيه وهو يقول:
"اللهم إني أستودعك أخي وابن عمي يا من لا تضيع لديه الودائع…"
وفتح الباب ليصدم بوجود ظلال ومراد أمامه. ليحاول التماسك قدر إمكانه. اقتربت ظلال منه وقالت بقلق:
"إيه يا آبي؟ مين اللي جوه؟"
"عدنان…"
أجابها بحزن. لتشهق بصدمة واضعة يدها على فمها. ليسأل مراد بقلق حقيقي:
"إيه اللي حصله؟"
"حادثة…"
أجاب بأقتضاب وابتعد خطوة. ليجيب اتصال شُكران التي انهارت في البكاء حين علمت بما حدث لعدنان. فماذا سيحدث لها حين تعرف عن مرضه الخطير؟ مؤكد سيتوقف قلبها حزنًا.
التفت والهاتف على أذنه حين فتح باب غرفة المعاينة، وخرج الطبيب والممرضة يدفعون السرير النقال. ليغلق الهاتف وأقترب سريعًا من ظلال يضمها إلى صدره حتى لا تقترب من عدنان وتقوم بلمسه في لحظة ضعفها وحزنها على ما حدث له.
لتخبئ وجهها في صدر أخيها وهي تقول:
"عدنان يا آبي… عدنان…"
ليضمها بقوة إلى صدره يحميها ويطمئنها ببعض الكلمات كون عدنان قوي البنية وأنه سوف يعود لهم أقوى من ذي قبل. لكنه في الحقيقة هو من يريد هذه الضمة حتى يشعر ببعض الأمل. فهو الآن يضم أخته الذي ينبض قلبها ودقاته بحب عدنان.
---
يجلس في مكتبه في حالة ترقب وانتظار. لقد أرسل من سينتقم له من ذلك القذر بيبرس، ويخلصه منه. حتى تصبح زيزي بمفردها لا سند لها ولا داعم، ويعود من جديد قادرًا على إحكام يده حول عنقها.
لكنه لم يعد حتى الآن. هل أخفق في مهمته؟ أم وقع وتم القبض عليه؟
إذا حدث هذا فقد ضاع للأبد. كان على وشك مغادرة الغرفة للبحث عن ترتر، لكن الأخير اقتحم الغرفة وهو يقول:
"جساس برة يا جوكر.. ونفذ اللي انت عايزه…"
ليبتسم الجوكر بسعادة حين دخل الجساس من الباب ينظر إلى الجوكر بفخر:
"كله تمام يا جوكر.. بيبرس في المستشفى بين الحياة والموت…"
ليعود الجوكر يجلس على الكرسي وهو يبتسم بتشفٍ وسعادة. سوف يضرب الحديد وهو ساخن. أمسك هاتفه واتصل بها. ظل الرنين حتى كاد أن ينتهي الاتصال. لكن صوتها الواهن وصله ليقول بغرور:
"مفيش حد يقف قدام الجوكر.. واللي يفكر أنا بعرف إزاي أدوسه بجزمتي…"
لم تجب على حديثه سوى بشهقة بكاء مكتومة. ليضحك بصوت عالٍ، وأكمل بتجبر:
"تخفي يا مزة.. وتنزلي الشغل.. والا انت عارفة ممكن يحصلك إيه.. وعرفتي أنا ممكن أعمل فيكي إيه أو أعمل إيه في أي حد يقف قدام رغباتي…"
أغلق الهاتف وبدأ في الضحك بصوت عالٍ. ليقول ترتر بمدح بتلك الطريقة المائعة:
"جوكر.. يا جوكر.. وديما الجوكر بيكسب…"
أراح رأسه على الكرسي وأغمض عينيه وهو يقول:
"بيبرس ده حمار.. لو مكنش قلبه رهيف كان بقى أحسن من الجساس وكان بقى إيدي اليمين وبقى معاه فلوس ميحلمش بيها…"
في تلك اللحظة اقترب جساس وهو يقول:
"طيب اديني حقي بقا يا جوكر.. عشان أنا لازم أختفي…"
لينظر له الجوكر بجانب عينيه وقال بلهجة غير قابلة للنقاش:
"لما أسمع خبر موت بيبرس.. لأني لو مسمعتوش أنت مش هتلحق تسمع حاجة أصلًا…"
ظل الجساس واقفًا في مكانه ينظر إلى الجوكر بنظرات باردة، لكن أسفلها الكثير من الغضب والكراهية والحقد. لكنه أومأ بنعم وغادر بصمت.
ليقترب ترتر من الجوكر بعد أن شيّع بنظراته الجساس وقال بصوته المائع:
"الجساس يتخاف منه يا جوكر…"
لينظر إليه الجوكر بنظرة طويلة. ثم قال بأمر متجاهلاً حديثه:
"اطلع برة.. ومش عايز حد يدخل عليا.. والنهاردة في البروجرام إن زيزي مسافرة وهترجع بعد أسبوع…"
"أوامرك يا جوكر…"
وغادر وهو يتمايل يمينًا ويسارًا. وحين أغلق الباب. أمسك الجوكر هاتفه واتصل بالباشا يطمئنه ويطلب منه لقاء قريب، فقد اشتاق إليه بشدة.
---
ظل واقف أمام غرفة العمليات يشعر بالحيرة والخوف. لا يعلم ماذا عليه أن يفعل؟ لقد علم بالأمر منذ ساعة ولا يتحمل كتمانه. فيكف تحمل عدنان؟ كيف صمت كل هذا الوقت؟ ألـهذا ابتعد عن ظلال؟ ألـهذا أصبح أهدأ؟ واقترب منه وحاول حمل عبء الشركة معهما؟
ماذا عليه أن يفعل الآن؟
في تلك اللحظة فتح باب غرفة العمليات وخرج الطبيب ينظر إلى أدهم بنظرات فهمها أدهم جيدًا. لينظر إلى ظلال ومراد ثم قال:
"طمني يا دكتور…"
ابتلع الطبيب ريقه وقال بعملية:
"أستاذ عدنان عنده كسور في ثلاث ضلوع وكسر في رجله اليمين ودراعه الشمال وشرخ في دراعه اليمين.. وجرح قطعي في الرأس مع ارتجاج…"
كل كلمة يقولها الطبيب كانت ظلال تشهق بصدمة.
ليضمها مراد إلى صدره بحنان دون أن يشعر. وهي بسبب حالتها لم تشعر بنفسها وهي تخبئ وجهها في صدره. لم يلاحظ أدهم ما حدث حيث تنحى جانبًا بالطبيب يسأله عن ما يخفونه عن الجميع. ليقول الطبيب له موضحًا:
"المرض ممكن يتنقل عن طريق العلاقات الجنسية لو أي طرف منهم مصاب.. نقل دم كان يحمل المرض.. أو تلامس الجرح أو أخذ إبر بين شخص سليم وشخص مصاب.. يعني الأسباب كثيرة لكن فيه وسائل وقاية كثيرة تخلي الإنسان المصاب يعيش حياته بشكل طبيعي نسبيًا…"
أغمض أدهم عينيه بصدمة. ليقول الطبيب بإقرار:
"أنا هتابع حالته بنفسي.. لكن من الأفضل أنه يكون في مكان معزول عشان العدوى.. لأنه لو فضل هنا الموضوع هيتعرف…"
ليظهر التفكير على ملامح أدهم الذي قال باستفهام:
"محتاج يفضل في العناية قد إيه؟"
"لحد ما يفوق ونطمن على تأثير الارتجاج…"
أجابه الطبيب بتوضيح. ليقول أدهم بشرود:
"تمام وأنا هرتب كل حاجة…"
يتبع…
رواية أو أشد قسوة الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سارة مجدي
تدارك مراد الموقف سريعًا حين استعاد عقله وعيه بعد ضمّها تلك،
والذي كان يشعر بها وكأنه الآن فقط أصبح له سبب وهدف للبقاء على قيد الحياة…
وانه خلق فقط لتلك اللحظة…
وبعد ظلال برفق رغم أنه كان يود أن يضمها أكثر يخفيها عن العالم والناس،
لكنه فعل رغم هذا وهو يقول:-
-إن شاء الله هيبقى كويس يا ظلال متقلقيش.
لم تجب على كلماته،
عقلها لا يستطيع استيعاب ما حدث…
عدنان خرج من القصر غاضبًا…
هي لاحظت تغيّر ملامحه حين أفاق أدهم على جلوسها مع مراد بمفردهم…
وبَدَا بداخلها أمل جديد…
وحين خرج من باب القصر تعمّدت إظهار ابتسامتها حتى تثير غيرته أكثر وأكثر،
لكنها أبدًا لم تكن تتخيل أن الأمر سوف يصل إلى هذا الحد.
أقترب أدهم من مكان وقوفهم وضمّ أخته إلى صدره وهو يقول:-
-القعدة هنا ملهاش لازمة يا ظلال…
روحي علشان جدتي متبقاش لوحدها..
وانا هفضل هنا..
ولو حصل حاجة هتصل بيكي على طول.
هزّت رأسها عدّة مرات ليربت على ظهرها بحنان وقال:-
-ظلال شكرًا محتاجاكي..
انا قلقان عليها وهي لوحدها كده بعد ما عرفت اللي حصل…
لو سمحتي روحي دلوقتي..
وبكرة انت وهي تيجوا تطمنوا عليه.
ابتعدت عنه قليلاً وهي تومئ بنعم…
لينظر إلى مراد وقال بإرهاق:-
-معلش هنتبع معانا وتروح ظلال…
شكرًا يا مراد على وقفتك معانا.
ليقل مراد بصدق:-
-أرجوك متقولش كده يا أدهم…
بلاش تحسّسني إني غريب عنكم وانا نفسي أبقى قريب قوي.
قال آخر كلماته وهو ينظر إلى ظلال نظرة خاطفة وعاد بكامل اهتمامه لأدهم من جديد وأكمل كلماته:-
-متقلقش أنا هوصلها وهطمّن على شكرًا هانم وبكرة الصبح هكون عندهم وأوصلهم لهنا…
أطمِن.
ابتسم أدهم ابتسامة صغيرة ممتنّة ليشير مراد لظلال حتى تتقدّمه،
لكنها ضمّت أخيها مرة أخرى وهي تقول برجاء:-
-عدنان هيبقى كويس مش كده؟!
هزّ أدهم رأسه بنعم…
ثم قبل أعلى رأسها وهو يقول:-
-عدنان قوي وربنا رحمته واسعه..
احسني الظن بالله يا ظلال وقولي على طول يارب وإن شاء الله خير.
لتردّد خلفه:-
-يارب.
ابتعدت عن أخيها تنظر له بحزن ثم سارت جوار مراد بصمت،
وحين صعدوا إلى السيارة قال مراد بمواساة رغم الغيرة التي تكاد تقتله:-
-إن شاء الله هيبقى كويس…
واضح إن علاقتكم قوية أوي، اللي يشوف خوفك عليه يقول إن فيه قصة حب كبيرة مش مجرّد ابن عمك.
ضربت كلماته عقلها والمَتْ قلبها…
لكنها قالت بحذر لكن ابتسامة الحنين رغمًا عنها ارتسمت على شفتيها:-
-عدنان صديق الطفولة…
والصديق الصدوق..
حارس شخصي والسند اللي كنت بتحامى فيه..
وبغلط على حسّه.
شعر بالغيرة تحرق قلبه..
لكنه أخفاها وهو يقول بمواساة:-
-إن شاء الله هيقوم بالسلامة..
وهتبقى في مواقف كتير تخلق ذكريات أكتر.
نظرت له بإمتنان وقالت بصدق شاكرة:-
-شكرًا يا مراد على وقفتك جمبي..
وعلى كلامك.
-هزعل منك على فكرة.
قال كلماته بلوم لتبتسم له وهي تريّح رأسها على الكرسي تدعو الله من قلبها أن يعود عدنان كما كان…
ولكن ما يقلقها حقًا..
حين يعود ماذا سيحدث؟ هل سيفكّر بالاقتران بها؟ وماذا ستقول لمراد؟ ماذا سيكون ردها على كلماته التي قالها قبل دقائق من معرفتهم بحادث عدنان؟
تنهّدت بصوت عالي والحيرة تختلط بالخوف..
فيزيد إحساسها بالضياع.
~~~~~~~~
ظل واقفًا أمام غرفة الرعاية ينظر إلى جسد ابن عمّه بحزن…
لا يعرف ماذا عليه أن يفعل؟ يريد أن يتحدث مع شخص ما يثق به..
ويستطيع الاعتماد على كونه لن يفشي السر أبدًا…
أخرج هاتفه حتى يتصل بعبدالله لكن هاتفه كان مغلقًا…
ضرب رأسه في الزجاج أمامه عدّة مرات ثم توقّف فجأة حين اتّته فكرة مجنونة لكنه سيفعلها.
توجّه إلى مكتب الطبيب…
يخبره أنه سيرْوح لمدة ساعة وسيعود حتى يستعدّوا لنقل عدنان إلى مكان خاص.
غادر المستشفى وبداخل سيارته كان يفكّر فيما سيقوم به…
وكيف سيتعامل مع حالة عدنان دون تشهير أو أن يصل الأمر للصحافة أو المنافسين…
فوقتها ستحطَم كل شيء وتنتهي عائلة الخشاب إلى الأبد.
~~~~~~~~
ظلّت على جلستها لا تعرف ماذا عليها أن تفعل؟
تهديد الجوكر واضح وصريح…
وبكل بساطة أخبرها ودون خوف أنه من قتل بيبرس…
وأوضح لها ما هو قادر على فعله لو وقفت أمامه وتمسّكت بقرارها.
فركت جبينها بإرهاق…
فألم جرحها شيء وألم رأسها شيء آخر…
أما ألم قلبها…
فهذا وحده كافٍ أن يميتها ويحييها ألف مرّة وكل مرّة أصعب من التي سبقتها.
انتفضت حين سمعت رنين هاتفها..
أمسكت الهاتف تنظر إلى ذلك الرقم الغير مسجّل بخوف تشعر أن الجوكر سوف يخرج لها من الهاتف،
وبيد مرتعشة أمسكته ورفَعَتْه على أذنها بعد أن قبلت الإتصال…
لتتسع عينيها بصدمة حين وصلها صوت محَدِثْها وهو يقول:-
-أيوَه يا زيزي أنا بيبرس.
قبل ذلك بقليل…
كان بيبرس في غرفته التي نُقِلَ إليها بعد الانتهاء من العملية…
لم يكن الأمر خطيرًا…
لقد كان مصابًا بطلق ناري في الكتف فقط وتم إخراج الرصاصة وحالته مستقرّة…
حين نُقِلَ إلى الغرفة بِسَاعَة فتح عينيه يستوعب أين هو؟ وماذا حدث؟
ليغمِضَ عينيه من جديد والذكريات تتهافت عليه ليهمس باسمها بقلق وخوف،
حين فتح باب الغرفة…
شعر به لكنه لم يكن قادرًا على فتح عينيه…
يستمع لنقر خطوات من دخل الغرفة على الأرض المثقلّة..
توقّع أن يكون الطبيب…
أو إحدى الممرّضات…
لكن من دخل الغرفة لم يقترب منه…
لم يشعر بأحد يتحسّس حرارته أو يضع دواء في المغْرِزِ الموجود في ذراعه.
ليفتح عينيه بإعياء ليجد شخصًا قوي البنيان…
لم يتبيَّنْ ملامحه بوضوح ليقول ذلك الشخص بصوت أجش:-
-حمدالله على السلامة يا بيبرس.
ليهمس بيبرس باسم من يقف أمامه بصدمة…
ليبتسم ذلك الشخص حتى ظهرت أسنانه وقال ببعض المرح:-
-طول عمْرَكْ لماح يا صاحبي.
وأقترب خطوة لتظهر تفاصيله بوضوح للراقد على السرير وأكمل:-
-أنا رديت ليك الدين القديم يا بيبرس…
الجوكر آمر بقتلك..
بس أنت كان ليك دين في رقبتي..
واهو الحمدلله سدّيته.
كان بيبرس يَشْغَرْ بالصدمة…
والإمتنان…
وخوف..
ليس على نفسه ولكن هو يخاف عليها…
ماذا حدث لها..
وكيف حالها الآن…
لكنه عاد بكامل تركيزه..
إلى الجساس الذي يقف أمامه الآن وتذكّر ما يتحدث عنه الأخير…
منذ ثلاث سنوات كان الجساس يعمل مع أحد الرجال الخارجين عن القانون…
وَعَمَلُهُمْ كان يشمل الكثير كالسرقة والقتل والاختطاف…
وفي إحدى المرّات أُصيب الجساس وتَرَكَهْ رجال ذلك الرجل غير مهتمّين بأن يموت أو يتم القبض عليه…
في ذلك الوقت مرّ بيبرس من ذلك الشارع المُقْفَهَرْ وسمع صوت أنينه أقترب منه وتفحّصه،
وحين لاحظ إصابته حَمَلَهْ على كتفه وتوجّه به إلى بيته وهناك ساعده وظلّ في منزله عدّة أيّام حتى استعاد صحّته…
ومنذ تلك اللحظة أصبحا صديقين دون أن يعلم أحد…
ولذلك حين طلب الجوكر منه أن يقتله لم يرفض..
فهو أفضل من غيره..
لذلك نَفَذَ ما طُلِبَ منه لكنه أصابه في كتفه مجرّد إصابة منها يكون قد نَفَذَ الأمر ومنها يكون ردًّا لصديقه الدين…
عاد بيبرس من أفكاره وقال بصوت ضعيف:-
-شكرًا يا صلاح..
أنا مش عارف.
لم يدَعْهُ الجساس يكمّل كلماته وقال بابتسامة خَشِنَة:-
-كفاية إنك قولتّلي يا صلاح..
دي أحلى شكرًا ممكن أسمعها.
وأقترب أكثر من السرير وقال بصوت منخفِض:-
-الجوكر كلم واحدة وهدّدها أنا مش عارف هي مين بس كان بيقولها إنها شافت بعينيها اللي حصل ليك.
تجحّظ عيون بيبرس بغضب…
ليفهم الجساس أن تلك الفتاة تخصّ بيبرس بشكل خاص جدًا.
فقال من جديد:-
-أنا جاهز وفي الخدمة لأي حاجة أنت عايزها يا بيبرس.
نظر له وقال بصوت ضعيف:-
-معاك تليفون؟
أومأ الجساس بنعم وهو يخرج الهاتف من جيب بنطاله…
حين أصبح في يده طلب رقمَها بلهفة وخوف…
وحين وَصَلَهْ صوتُها قال:-
-أيوَه يا زيزي أنا بيبرس.
لَتَشْهَقْ بصوت عالي وهي تقول بلهفة وخوف واضح:-
-بيبرس..
أنت كويس؟ بتتكلم منين وإزاي؟
أخذَ عدّة أنفاس متلاحِقَة ثم قال بصوت ضعيف:-
-أنا عرفت إن الجوكر كلمك..
متخافيش أنا هخلّص الموضوع ده نهائي…
وقبل ما تفكّي السلك…
طول ما فيّا نفس لا هترجعي للي كنتِ فيه ولا حد هيشوف كعب رجلك.
لتبكي بصوت عالي بكاء يقطّع نياط القلب ليغمِضَ عينيه بألم وقال باعتذار وأسف:-
-أنا آسف يا زيزي..
ذنبك في رقبتي..
وعلشان كده عايزك تطمّني…
أقسم بمن لا إله إلا هو لِرَجْعِ الأمان لحياتك من جديد.
أغلق الهاتف وأعاده لصلاح وهو يقول:-
-عايز منك خدمة كمان.
ليضْرِبْ صلاح رقبته بيده وهو يقول:-
-وانا رقبتي سدادِهْ.
-أسمعني كويس بقى.
~~~~~~~~
وصل إلى المكان الذي كان يقصده…
نظر إلى مرآة السيارة فوجد شعره غير مرتب…
فابتسم وهو يتخيّل الأخَرْ مؤكّد هو لا يهتم بخصلات شعره أن تكون مرتّبة….
ولا يهتم أن يكون حسن المظهر…
هكذا كان يشعر بداخله…
لذلك لم يهتم أن يرتب خصلاته…
وشكر الله في سرّه أنّه خرج بملابس رياضيّة مريحة..
فلم يتكلّف بارتداء ملابس رسميّة كما هي عادته في كل مرّة يغادر فيها القصر.
ترجَّلَ من السيارة…
وتوجّه إلى البناية..
ليقف الحارس يُحِيّهْ وهو يقول:-
-حمدالله على السلامة يا بيه…
بقالك كام يوم غايب.
كان سيبتسم بهدوء ويجيبه بتلقائيّة…
لكنه تذكّر أن هذا الرجل لا يعرف أدهم..
لكنه يعرف ثامر جيّدًا.
فرفع حاجبَهْ ببعض الشّرْ وقال:-
-وأنت مالك أغيب أهاجر أنت دخلك إيه؟!
وتركَهْ وتوجّه إلى المصعِد..
لِيَلْوِيَ الحارس فَمْهُ وهو يقول بحزن:-
-مش عارف أطلع منه بمعلومة واحدة…
ولا بقشيش حتى.
وعاد ليجلس على الأريكة الخشبيّة بعد أن ألْقَى نظرة سريعة لظهر أدهم الذي يقف الآن ينتظر المصعِد.
حين وصل إلى الدور الموجود به شِفْتَهْ نظر إلى الشقّة المجاوِرَةْ بابتسامة بسيطة لكنّها تدلّ على كم اشتياقه…
وسعادته بأن شخصيّته الأخرى أيضًا وقَعَتْ في حبّها..
فلا خوف من كونه قد يصبح خائنًا لهَا.
أقْتَرَبَ من باب شقّته وبَدَأْ في البحث عن المفتاح المناسب حتى وَجَدَهْ.
أغلق الباب خَلْفَهْ بهدوء…
ومباشرة إلى الشرفة…
التي تُجاوِرْ غرفتَها.
أخرج هاتفَهْ وأتصل بِها…
إنّه حقًا يريد أن يتحدّث معها إنّه يشعر جوارها بالأمان…
وجهُها وملامحُها رَدُودُ أفعالِها كل هذا يجعله يشعر برغبة قويّة في قرْبِهَا.
لحظات مرّتْ وهو يستمع إلى رنين الهاتف حتى شعر باليأس والإحباط،
لكن عادت الابتسامة ترتسم على ملامحِهْ حين سَمِعَ صوتَها تقول:-
-السلام عليكم.
-وعليكم السلام…
ازيك يا سليمة.
ردّ على سلامِها وهو يريح رأسَهْ على قِمَّةِ ظَهْرِ الكرسي ثم قال بإرهاق واضح:-
-آسف إنّي بتصل بيكي…
بس كنت محتاج أتكلّم معاكي شويّة.
شعرتْ أنّ قلبَها سيتوقّف من كثرة تسارُعِ دقاتِهِ..
صوتُهُ المنخفِضْ..
كلماتُهُ التي لَمَسَتْ قلبَها بصدْق.
لكنّها قالتْ بِرَسْمِيَّةٍ بسبب خجلِها والتزامِها:-
-مفيش داعي للاعتذار يا باشمهندس.
ابتسم على خجلِها الواضح من ارْتِعَاشَةِ صوتِها…
ولم يشعر بالضيق بسبب رسميّتِها فهو قد أصبح يفهمُها جيّدًا…
أخذَ نفسًا عميقًا ثم قال:-
-سليمة أنا عندي موضوع كبير ولما فكّرتْ ممكن أتكلّم فيه مع مين…
يحفظ السر وأقدر أخرج كل اللي جوايا قدّامه من غير ما أحس بكسوف ولا خوف…
ملقتش حد غيرك.
إذا قالتْ إنّ قلبَها خَرَجَ من مكانِهْ وبَدَأْ في القفْزِ في الهواء…
هل سيصدّقُها أحد؟
وإذا قالتْ إنّ أنفاسَها غادَرَتْ صَدْرَها ولم تعُدْ…
هل سيصدّقُها أحد؟
وإذا قالتْ إنّ عيونَها الآن تَخْرُجْ تلك القلوب الحمراء…
هل سيصدّقُها أحد؟
ورَغْمَ كل هذا قالتْ بصوتٍ مُرْتَعِشٍ أظْهَرَ تأثيرَ كلماتِهِ عليها:-
-ده شرف ليا كلامك يا باشمهندس…
خير إيه اللي حصل؟
-أنا في البلكونة ممكن تخرجي للبلكونة بتاعتك الأوّل؟
قال كلماتِهْ بِرَجَاءٍ لَمَسَ قلبَها…
لكن خوفًا طبيعيًّا بَدَأَتْ تشعرُ بهِ وَهَاجَسْ ما بداخلِها…
إنّ من يُحَدِّثُها تلك الشَّخصيَّةُ العَابِثَةُ المُسْتَهْتِرَةْ…
لِتَقُولْ بِصَوْتٍ مُرْتَعِشٍ:-
-هو…
هو مين اللي بيكلّمني دلوقتي؟
-أدهم يا سليمة.
قالَها بشكلٍ قاطِعٍ صَمْ أكمَلْ بِأَلَمْ:-
-قولتْ أستغلّ أنّ شخصيتي التانية اخْتَارَتْ تسْكُنْ جَمْبَكْ…
واني زي ما قولتّلك لما فكّرتْ أتكلّم مع حد عارف ومتأكّد إنّه هيحفظ سرّي ملقتش غيرك..
علشان كده جِيتْ هنا.
كانتْ في تلك اللحظة تَرْتَدِي إسْدَالَها على عَجَلْ وهي تستمِعُ لِكَلِمَاتِهِ بِقَلْبٍ يَتْقَافِزْ كَالْأَطْفَالْ…
وكَأُمٍّ تَخَافْ عَلَيْهِ مِنَ التَّعَلُّقْ وَذَهَابْ كُلِّ شَيْءْ أَدَارَجَ الرِّيَاحْ تَرِيدْ أَنْ تُوبِخَهْ لَكِنَّهُ يَرْفُضْ أَنْ يَسْتَمِعْ لِأَيِّ كَلَامٍ عَقْلَانِيٍّ…
فَأَدْهَمُ الْخَشَّابْ بِكُلِّ مَا يَمْلِكْ مِنْ مَالْ وَسُلْطَةْ حِينَ بَحَثْ عَنْ شَخْصٍ يَثِقْ بِهِ لَمْ يَجِدْ سِوَاهُ.
تَوَجَّهَتْ إِلَى الشَّرْفَةِ بِخُطُوَاتٍ خَجُولَةْ…
لِيَعْتَدِلْ فِي جَلْسَتِهِ يَنْظُرْ إِلَى شَرْفَتِهَا مِنْ بَيْنِ فَتْحَاتِ الْأَرَابِيسْكْ حِينَ سَمِعَ حَفِيفَ الْإِسْدَالِ عَلَى الْأَرْضِ لِتَقُولْ هِيَ بِخَجْلٍ بَرِيْءٍ حِينَ لَاحَظَتْ وُجُودَهُ يَاالشَّرْفَةِ بِالْفِعْلِ:-
-حَضْرَتْكَ كَوِيْسْ؟!
-لا…
مش كويس..
محتار..
وخايف أجابها بتلقائية وصدق، لمستها مع كل حرف من حروف كلماته…
ليكمل وهو يريح ظهره من جديد على الكرسي… ويمدد قدميه على الكرسي الآخر لكن دون أن يتخلى عن حذائه…
لتتأكد بالفعل إن من يجلس أمامها الآن هو بالفعل أدهم وليس ثامر… رغم ملابسه الرياضية وشعره المشعث…
قالت بهدوء: - ليه كل ده؟ ايه بس اللي حصل؟
أخذ نفس عميق وأخرجه من صدره بهدوء وبدأ يخبرها بكل شيء… وكانت هي مع كل كلمة تتسع عينيها بصدمة… وتكتم بيدها فمها حتى لا تغادرها شهقة صدمة تجرحه أو تجعله يندم على حديثه معها.
صمت لثوان وهي احترمت ذلك الصمت… ثم أكمل بحزن: - انا حاسس اني عاجز… انا ومرضي اللي بيخليني أتوه عن دنيتي الحقيقية وابقى شخص تاني… قولت هيبقى عدنان موجود ويسد مكاني… لكن طلع عدنان محتاج ليا اكتر… محتاج دعمي وحمايتي كمان.
- أنت مش عاجز. المرض ده إختبار من ربنا ليك… حتى مرض أستاذ عدنان اختبار ليه وليك لإنك عرفت… ليه، علشان ربنا يشوفه هيتعظ… هيتوب… هيرجع عن الطريق الغلط اللي هو كان ماشي فيه ولا لأ.. وأنت ربنا بيقولك انا بحبك فَ فيبتليك علشان يسمع منك الحمدلله راضي يارب.. المهم ميكونش ده غضب عليك.
كان يستمع لكلماتها وهو ينظر لوجهها من فتحات الأرابيسك… لكنه يريد أن يراها… بهدوء أنزل قدميه واقترب من سور الشرفة ينظر إلى ملامح وجهها.
لتبتسم له رغم الدموع التي تسيل فوق وجنتيها وأكملت بصدق وثقة: - أنت قدها يا أدهم… قد مرضك… وقادر انك تدعم ابن عمك.. وتساعده… وقادر تعبر بيه من المحنة دي.. صحيح مرضه خطير.. وملوش علاج.. صحيح ان حياته فيها محظورات كتير.. لكن لسه عنده فرصة… يتوب ويرجع لربنا… وأنت أتمسك بإيمانك بربنا واعرف ان كل ده له حكمة… حتى لو مفهمتهاش دلوقتي… أتمسك بعيلتك وحبك ليهم هيقويك.
أخفض عينيه للحظات… ثم رفعها ينظر لها بحب لا تخطئه عين وقال: - سليمة انا بحبك… تقبلي تتجوزيني.
رواية أو أشد قسوة الفصل السادس عشر 16 - بقلم سارة مجدي
سليمة أنا بحبك… تقبلي تتجوزيني؟
قال كلماته وهو ينظر لعمق عينيها عبر الشرفة وبعد أن أخرج رأسه من النافذة الصغيرة المفتوحة.
ظلت تنظر إليه بصمت وشحنات من الخجل والسعادة تحيط بهما غير مرئية ولكنها محسوسة. كان هو يخبرها بما داخل قلبه، وكانت هي تستمع بقلبها.
هذا ما لم تتوقعه لكنها سعيدة به. حائرة كيف تتصرف؟ لكن بداخلها صوت يقول: اهربي. أدهم مريض. هناك شخصية أخرى له حتى لو كان الأمر خارج عن إرادته، لكن هذا واقع قائم وما لديه من مسؤوليات تجاه عائلته. فهل ستستطيع أن تكون على قدر مسؤولية كونها زوجة أدهم الخشاب؟
قطع أدهم أفكارها وقال برجاء:
كنت خايف ترفضي، لكن بما إنك سكتي وبتفكري ده معناه إنه فيه أمل. بس أنا عايز أقولك حاجة مهمة أوي يا سليمة.
كل هذا الوقت وذلك الحديث الطويل، الهواتف كانت فوق أذنهم يستمعون لبعضهم عن طريقها رغم قرب المسافة بينهم، لكنه الآن أنزل الهاتف وقال وعيناه بعينها:
أنا محتاجك في حياتي… أنتِ مصدر أمان بالنسبة ليا… والدليل على كده إن لا أختي ولا جدتي عرفوا بموضوع عدنان وجريت عليكي أنتِ أتكلم معاكي.
سليمة، كانت عيونها تلمع بها الدموع وهي تستمع لكلماته التي تطارد كل مخاوفها وتخرجها خارج قلبها بلا عودة. تشعرها أن لها قيمة ومكان بهذا العالم. كيف تتحمل فكرة أن يقف أمامها رجل كأدهم الخشاب يخبرها بصدق أنه بحاجة لها، يخبرها أنها هي سليمة مصدر أمانه، فماذا عليها أن تقول الآن؟ أو كيف توقف دقات قلبها التي تشبه طبول الحرب داخل صدرها؟
ليكمل هو كلماته وعيناه مازالت تحتضن عينيها:
سليمة، أنتِ من يوم ما اشتغلتي معايا وأنا قلبي اتعلق بيكي. رقتك، أدبك، أخلاقك وتدينك… حتى شخصيتي الثانية اختارتك أنتِ وجت سكنت جمبك. سليمة، تقبلي تتجوزيني؟
دون إرادة منها، أومأت بنعم. ليبتسم وهو يقول بسعادة:
أطمن على عدنان وأول حاجة هعملها إني هاجي أخطبك.
بكى تعلق بشيء، لكن دمعة خائنة غادرت عينيها. ليبتسم وهو يقول:
دموعك غالية… لكن لو كانت دموع الفرح يبقى خلاص سماح المرة دي.
أومأت بنعم مرة أخرى، ليأخذ نفس عميق وهو يقول بحزن:
ادخلي بقا… وأنا هرجع على المستشفى… بس ممكن قبل ما أمشي أطلب منك طلب… لا مش طلب هو رجاء أو توسل.
تُشهق بصدمة بسبب كلماته، ليكمل هو بابتسامته التي تخطف أنفاسها ودقات قلبها:
ممكن أبقى اتصل بيكي… أشحن طاقة أمان وأطمنك عليا.
تخفض عينيها وهي تبتسم بخجل وأومأت بنعم، ثم ركضت إلى داخل الغرفة. ليقول هو بسعادة:
سلام يا سليمة.
وأغلق الهاتف وظل واقفاً يستنشق بعض الهواء الذي مازال يحمل بعض من رائحتها، ثم غادر الشرفة ثم الشقة بأكملها.
وكانت هي تقف بجوار باب الشرفة تستند إلى الحائط تضم الهاتف إلى صدرها وابتسامة سعادة وعدم تصديق ترتسم على ملامحها الرقيقة.
وبسعادة بالغة همست لنفسها:
أدهم بيحبني… أدهم محتاجني… أنا بحب أدهم.
***
وصلت ظلال إلى القصر وقبل أن تترجل من السيارة قال لها مراد:
أنا هنتظرك هنا… أدخل اطمني على جدتك وطمنيني… ولو محتاجين حاجة عرفيني أعملها ليكم قبل ما أمشي.
كانت تنظر له بامتنان وأومأت بنعم وفتحت الباب وترجلت من السيارة وسارت بخطوات بطيئة، فهي تشعر أن قدميها كهلام وجسدها يؤلمها وكأنها تعرضت لحادث قوي وتصادم جسدها بحائط صلب. وكان هو يراقب خطواتها وبداخله إحساس كبير بالشفقة والخوف عليها… وإحساس آخر بالغيرة يكاد يفتك بقلبه دون رحمة. رغم دهشته مما يشعر به وكيف تملك منه هذا الشعور تجاه ظلال؟ هو لا يجد إجابة مناسبة توصف ما يشعر به. هو مراد منير المذيع المعروف، من كانت حياته تدور في دوائر منتظمة دون انحراف أو خروج عن المعروف. الآن أصبحت حياته بها تدور حول ظلال فقط. ويالا الغرابة، هو يشعر بالسعادة بكونه تعلق بها. فلا أحد يعرف ما كان يعانيه في وحدته الإجبارية التي فرضها على نفسه منذ امتهانه لمهنة المذيع.
اختفت داخل القصر بعد أن نظرت له نظرة خاطفة. ظل يضرب بأصابعه فوق المقود وهو ينتظر ظهورها من جديد أو اتصال منها. وفي الحقيقة هي لم تتأخر، وجد اسمها ينير شاشة هاتفه وحين أجاب جاءه صوتها القلق وهي تقول بلهفة:
مراد تعالى بسرعة.
فتح باب السيارة وترجل منها سريعاً وركض في اتجاه باب القصر ومن عند الباب وجدها تجلس أرضاً جوار جدتها تهمس باسمها وهي تمسك يدها. أقترب منهم سريعاً وهو يقول بقلق:
فيه إيه؟ إيه اللي حصل؟
رفعت له وجهها المبلل بالدموع وهي تقول بخوف:
مش عارفة… تقريباً سكرها مش مظبوط.
ظل صامتاً لثوانٍ ثم قال باستفهام:
فيه جهاز قياس سكر هنا ولا ناخدها المستشفى على طول؟
وقفت وتحركت في اتجاه غرفة شكران وهي تقول بتأكيد:
لا فيه… ثواني هجيبه وهجيب الدوا كمان.
غادرت بعد لحظات لتجده يجلس كما كانت تجلس منذ قليل على ركبتيه جوار جدتها يمسك بيدها وينادي عليها برفق ويطلب منها أن تفتح عينيها.
أخرجت ظلال الجهاز من علبته وبدأت بأخذ نقطة من دماء جدتها ليبدأ الجهاز في العد لتُشهق وهي تقول بخوف:
سكرها عالي قوي.
ألقت الجهاز من يدها وبدأت في ملء حقنة الأنسولين بالدواء وامسكت ذراعها وبدأت في إعطائها الدواء.
في تلك اللحظة كان مراد يتصل بطبيب معرفة يخبره بالموقف. فقال له الطبيب إن لم تستجيب لهم خلال الربع ساعة فلابد من نقلها للمستشفى. وأخبره أيضاً أن يضاعفوا كمية الأنسولين.
ظل الاثنان يجلسان جوار قدمي شكران يترقبان استيقاظها ويتابعون عقارب الساعة وكأن بها سر الحياة.
الدقائق تمر بطيئة والقلق وصل بهم إلى أشده لتصرخ ظلال بيأس وحزن وخوف شديد:
هتفوق إمتى… أنا تعبت وخايفة أوي… عدنان بين الحياة والموت وهي كمان وأنا لوحدي هنا وأدهم لوحده هناك… وبعدين…
لم يتحمل كلماتها ألمها، خوفها ليضمها إلى صدره وهو يقول بصدق متألماً:
أنتِ مش لوحدك يا ظلال… أنا معاكي وجمبك… أيدي في إيدك ومش هسيبك أبداً.
كانت تحاوط خصره بذراعيها ومع كلماته كانت تتشبث بقميصه بقوة. ظلوا هكذا لعدة ثوانٍ تصل إلى دقيقة كاملة هي تبكي بخوف، وهو يربت على ظهرها ويهمس جوار أذنها ببعض الكلمات حتى يطمئنها. وفي خضم تلك اللحظة التي اختطفها مراد للمرة الثانية في تلك الليلة وصلهم صوت أنين خافت لتبتعد ظلال عنه بسرعة وأقتربت من جدتها وهي تقول:
ناناه… أنتِ سمعاني… ناناه.
كانت شكران تئن بألم وتحرك رأسها يميناً ويساراً بحركة بسيطة لكنه جعلهم يشعرون ببعض الراحة، أنها ستصبح بخير وهذا وحده كافٍ أن يرسم ابتسامة راحة فوق وجه ظلال وجعلها تقول بأمل:
الحمد لله يارب… بدأت تفوق… يارب كمل سترك علينا واشفيها واشفي عدنان.
ثم نظرت إلى مراد وقالت بصدق وامتنان:
أنا مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه… شكراً يا مراد بجد شكراً.
لينظر لها بلوم وقال ببعض الحزن:
ليه عايزة تحسسيني إني غريب عنك… يا ظلال أنا قولتلك إني بحبك يمكن يكون ده إحساس من طرف واحد وأكيد مش مجبرة على إنك تبادليني نفس الإحساس والشعور… لكن على الأقل ياريت تقدري إحساسي ومشاعري.
شعرت بالخجل فأخفضت رأسها قليلاً تنظر أرضاً ليكمل هو كلماته:
روحي هاتي كوباية ميه لجدتك على ما تفوق.
قال ذلك شفقة بها وبقلبه الذي كان يرتعش بخوف كطفل صغير في ليل يوم من أيام الشتاء الباردة وحده في الطرقات المظلمة، يشعر بالرفض والنبذ.
وقفت حتى تنفذ كلماته لكنها ظلت واقفة مكانها تنظر إليه في جلسته تلك على ركبتيه وقالت بصدق:
مش هنكر إن في جوايا شيء ليك.
رفع عينيه ينظر إليها فأصبح المشهد وكأنه يجلس على ركبتيه متوسلاً راجياً، وهي تقف بشموخها المعهود، لتكمل كلماتها الصادقة:
لكن فيه من الماضي ذكرى للأسف بحاول أتمسك بيها بأمل عشت عليه عمري كله… رغم الجرح والألم لكن مقدرتش أنسى أو أتخطى… عارفة ومتأكدة إن الحلم القديم هيفضل حلم… وحب المراهقة هيفضل حب مراهقة، عمره ما هيتحول لحب حقيقي ويبقى واقع أعيشه زي ما كنت بتمنى.
كان قلبه يصرخ طالباً لرحمتها فهو لا يتحمل ذلك الاعتراف الذي يذبحه دون رحمة أو شفقة.
لكنها أكملت وكأنها تريد إخراج كل ما بداخلها غير واعية أو مدركة لكن تتحدث:
أنا مش هقدر أرد على كلامك… محتاجة أحسم الموضوع مع نفسي الأول. أولاً أنا مش خائنة ومقدرش أوعدك بقلبي وهو لحد دلوقتي بيتمنى شخص تاني. وفي نفس الوقت مش قادرة أتجاهل إحساسي بيك يا مراد.
جلست أمامه من جديد وهي تقول بصدق:
ممكن تصبر شوية عليا؟
كانت عيناه شديدة الحمرة بسبب منعه أن يظهر الدموع في عينيه. كبرياؤه وكرامته لن يسمحوا له أن يظهر ضعفاً أمامها رغم رغبته الشديدة في التوسل لنيل قلبها. لكن في نهاية الأمر أومأ بنعم وقال بصوت متحشرج:
لأنك استثناء ولأنك مش حد بالنسبة ليا… أنا هديكي الفرصة دي… لكن لازم تعرفي حاجة… مراد منير مش بديل ولا استبن… يعني لو قررتي تبقي معايا مش هقبل بالقليل ولا هقبل بالبواقي… هنا متطلب وغيور… متملك لأبعد الحدود… ومعنديش استعداد أتنازل عن جزء بسيط فيكي لماضي عدى وفات… ولا حتى لذكرى عابرة… ولا لحنين للحظة مرت وفاتت.
ظلت صامتة تنظر له تستمع لكلماته، ترى انكساره رغم أنفه الشامخ وكلماته القوية. ثم أومأت بنعم دون رد.
لينتبهوا لبعض الهمهمات من شكران… لتقف سريعاً حتى تحضر كوب الماء. وبدأ مراد في محاولة إفاقتها.
بعد أن أخذ نفس عميق وأخرجه ببطء لعله يهدئ من ضربات قلبه وذلك الألم الذي ينخر روحه.
***
ينتظرها في غرفتهم، فقد ذهبت لتطمئن على الأولاد في غرفتهم. يقف أمام النافذة ينظر إلى السماء ونجومها اللامعة وعلى شفتيه ابتسامة صغيرة سعيدة. اليوم لأول مرة منذ زمن بعيد يضحك بصوت عالٍ كالأطفال. يضحك من قلبه بسعادة ومرح. لا يحمل هم، لا يشعر بالضيق، لا يشعر بالمسؤولية. كان اليوم بين أولاده كطفل مسلهم. يصرخ بصوت عالٍ حين يحرز هدف ويشعر بالضيق حين يحرز ابنه هدف. حتى أنه أخرج لسانه لأياد حين أحرز آخر هدف كحبيبة. لضحك لبنى على تصرفاتهم بسعادة.
وكم شعر بالدفء حين جلسوا جميعاً على الأريكة وعلى أقدامهم شرشف ملون وبين يد كل منهم صحن كبير من البوشار يشاهدون فيلم كارتون.
حتى غفا أبناؤهم بين ذراعيهم على وجههم ترتسم السعادة بوضوح.
حملهم عبد الله إلى غرفتهم وترك لبنى تكمل المهمة وسبقها إلى غرفتهم بعد أن أعاد ترتيب الصالة ووضع الصحون بالمطبخ.
حين خرجت لبنى من غرفة أبنائها توجهت للصالة لتشعر بالصدمة وهي ترى الأرائك مرتبة والشرشف مطوي على ذراع الأريكة… كل شيء في مكانه.
توجهت إلى المطبخ لتجد الصحون الفارغة هناك والأكواب. بسعادة تشعر بها لأول مرة منذ سنوات تحركت بحماس تضع الصحون والأكواب داخل المغسلة الإلكترونية للصحون وضغطت على زر التشغيل. ثم قررت أن تصنع كوبان من الشاي بالنعناع لها وله. يستحق أن يجلس معها جلسة هادئة يتحدثون. يكفي ما يشعر به. هي تعرف عبد الله جيداً، سوف يشعر بالضغط وأن عليه التقصير في عمله من أجلها. عليها أن تضع معه الخطوط العريضة من أجل علاقة سوية يستطيع فيها أن يهتم بمرضاه وبعمله بصفة عامة. ويستطيع أن يعطي بعض الوقت بها ولأولادهم.
أخذت الأكواب وتوجهت إلى غرفتهم. حين فتحت الباب التفت ينظر لها وحين لمح ما بين يديها أقترب منها يحملهم عنها لتقول هي بابتسامة حلوة تخطف نظرات عينيه وتشعره بالسعادة:
قلت بعد دوشة الأولاد أعملنا كوبيتين شاي بالنعناع علشان تهدي أعصابك.
وضع الأكواب على الطاولة الصغيرة ونظر لها بحب وهو يقول:
تسلم إيدك يا حبيبتي.
وأقترب منها وأكمل كلماته وهو ينظر إلى عينيها بحب وشوق مخلوطين بالأسف:
أنا آسف يا لبنى… أنا فعلاً كنت حارم نفسي من سعادة كبيرة دفنت نفسي وسط مشاكل الناس والأمراض النفسية اللي بتضغط على أعصابي كل يوم… كنت محتاج ألاقي المكان اللي أبقى فيه عبد الله ببساطة ومن غير تعقيد.
ربتت على كتفه بدعم وتشجيع وقالت بابتسامتها الناعمة التي تمسح الحزن عن قلبه:
ده بيتك يعني المكان اللي ترتاح فيه من كل الضغوط اللي فوق كتافك. هنا…
وأشارت على صدرها وأكملت:
هنا مكانك الحضن اللي ترمي فيه همومك وتبقى مطمئن وأنت فيه.
صمتت لثوانٍ… وأقتربت منه الخطوة الفاصلة بينهم. رفعت يدها تداعب وجنته برقة وأكملت كلماتها التي تربت على روحه:
أنت دكتور نفسي يعني بتعالج الناس من الأمراض اللي ملهاش أعراض واضحة ولا ممكن تعرفها بأشعة ولا تحليل. والناس اللي جواها بيغلي ومفيش ترمومتر يقدر يقولك درجة حرارتهم كام.
رفعت يدها الأخرى وداعبت خصلات شعره برقة واتسعت ابتسامتها أكثر وهي تقول:
أنا مش عايزك تسيب مسؤولياتك ولا تتخلى عن شغلك ولا مرضاك. أنا بس عايزك تقدر تقسم وقتك بين شغلك وبين بيتك وأولادك. وشوية وقت صغير قد كده ليا.
وأشارت بأصبعيها السبابة والابهام لتتسع ابتسامته وهو يمسك يدها يقبلها عدة قبلات وعيناه بعينيها ثم قال:
أنا بحبك أوي… واسف أوي… ووحشتيني أوي.
تضحك بخجل أنثوي رقيق، لكنها استجابت للمساته على جسدها ثم أقترابه منها ليقبلها بشغف وحب واشتياق متبادل.
***
لم تكن تصدق أذنيها وهي تستمع لصوته الواهن، لكن ذلك الإحساس بالأمان والراحة جعلها تتأكد. إن بيبرس بخير وهذا هو المهم. والأكثر من ذلك أنه وعدها بإنهاء الأمر.
أغمضت عينيها تتذكر كلماته:
"أنا عرفت إن الجوكر كلمك… متخافيش أنا هخلص الموضوع ده نهائي… وقبل ما تفكي السلك… طول ما فيا نفس لا هترجعي للي كنتِ فيه ولا حد هيشوف كعب رجلك… أنا آسف يا زيزي… ذنبك في رقبتي… وعلشان كده عايزك تطمنيني… أقسم بمن لا إله إلا هو هرجع الأمان لحياتك من جديد."
فتحت عيونها التي امتلأت بالدموع وتحاملت على ألم جسدها وتوجهت إلى الحمام، ولأول مرة منذ سنوات طويلة تتوضأ. وحين سمت الله وبدأت في غسل يديها بدأت الدموع تنهمر من عيونها. كلما غمرت وجهها بالماء تشعر بالدموع تنافس مياه الوضوء في تطهيرها. حين انتهت من الوضوء خرجت من الحمام تحاول تذكر ذلك الدعاء الذي كان يقف والدها جوار باب الحمام مع كل فرض يخبرها به بعد انتهائها من الوضوء.
أغمضت عينيها وصوت والدها يأتي من بعيد من الماضي السعيد:
"أشهد أن لا إله إلا الله، وحده، لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. وفي الترمذي: اللهم اجعلني من التوابين، واجعلني من المتطهرين. وفي عمل اليوم والليلة للنسائي: سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك، وأتوب إليك."
لتردد ذلك الدعاء ودموعها ترفض التوقف. عادت إلى غرفتها وظلت تبحث عن أسدالها بعد دقائق حتى وجدته.
ارتدته بشوق ثم فرشت سجادتها ووقفت تستقبل القبلة ومازالت الدموع تغرق عينيها. رفعت يدها لتكبر.
ومن جديد حاولت تذكر دعاء استفتاح الصلاة ليأتيها صوت والدها من جديد وهو يحاول تحفيظها ذلك الدعاء وهي صغيرة:
"سبحانك اللهم وبحمدك وتبارك اسمك وتعالى جدك ولا إله غيرك. اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب، اللهم نقني من خطاياي كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس،، اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والماء والبرد."
بدأت في قراءة القرآن دموعها ترفض التوقف. تشهق بصوت عالٍ وجسدها ينتفض بقوة. وعند سجودها علت صوت بكائها وهي تدعو بكل كيانها:
"إلهي، إنك تقبل التوبة عن عبادك، وتعفو عن السيئات، وتحب التوابين، فاقبل توبتي، واعفُ عن سيئاتي، وأوجب لي محبتك. اللهم إني أتوب إليك من كل ما خالف إرادتك، أو زال عن محبتك من خطرات قلبي، ولحظات عيني، وحكايات لساني، توبةً تسلم بها كل جوارحة من جوارحي من الذنوب والمعاصي."
وحين انتهت من صلاتها ظلت جالسة مكانها تبكي وقلبها يبتهل بالدعاء. وبتلقائية وجدت نفسها بعد أن انتهت من قراءة آية الكرسي والتسبيح… تدعو لبيبرس:
"اللهم إني أسألك التوفيق والهداية لبيبرس، والرشد والإعانة، والرضى والصيانة، والحب والإنابة، والدعاء والإجابة. اللهم ارزقه نوراً في قلبه، وزينة في وجهه، وقوة في عمله. اللهم اهده لما تحب وترضى، اللهم هبه علماً ينتفع به، وعملاً يقربه إليك، وهب له صبراً وثباتاً في الدين."
ودون إرادتها عادت تبكي بصوت عالٍ وهي تكتشف إن تعليم والدها لها لن يكن هباء منثوراً. وإنها كانت تلميذة نجيبة تحفظ وتفهم وتدرك. هي فقط تاهت عن الطريق الصحيح لوقت ليس بالقصير. تغلب عليها شيطانها لعدة سنوات ولكنها عادت ولن تعود لضلالها القديم من جديد ولو كان الثمن روحها وعمرها.
رفعت رأسها ويديها وهي تقول: "عدت إليك ربي تقبلني في عبادك الصالحين واحمني من نفسي الأمارة بالسوء."
انتبهت على أصوات عالية تأتي من الحي. وقفت تلملم أطراف أسدالها وتوجهت إلى النافذة فتحتها وهي تتطلع فيما يحدث في الحي تحاول فهم ما يحدث.
الكثير من الرجال… يتجمعون أسفل منزل حنان يتشاجرون مع والدها وخطيبها. غاضبون مما قامت به حنان وادعائها الزور في حق زيزي وبيبرس. وإظهارهم بهيئة رجال غرر يسيرون خلف أي شخص ولا يوجد داخل رؤوسهم عقل.
وصل لها صوت أحدهم وهو يقول:
تطلع دلوقتي تعتذر من زيزي… ولما بيبرس يخرج من المستشفى هنعمل قاعدة ونراضيه.
وافق الجميع على ما قيل. لتنظر إلى السماء والدموع تغرق وجهها من جديد وهي تقول:
اللهم استرني فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك.
انتبهت لاقتراب الأصوات من بيتها. وصعود بعض النساء بصحبة حنان ليشهدون على الحديث.
وقفت مكانها تفكر ماذا عليها أن تفعل.
طرقات النساء على باب المنزل أخرجها من أفكارها لتسير بخطوات بطيئة بسبب جرحها وحين فتحت الباب وجدت واحدة من النساء تقول بابتسامة واسعة مبالغ فيها:
ازيك يا زيزي دلوقتي عاملة إيه وجرحك أخباره إيه؟
ثلاث أسئلة جميع إجابتهم "الحمد لله". لتجيبها زيزي بهدوء وصوت هادئ:
الحمد لله… اتفضلوا.
لتقول واحدة أخرى بابتسامة سمجة:
لا يا حبيبتي إحنا جايين النهاردة علشان حنان تعتذر لكِ عن الغلط اللي حصل. هي كانت خايفة عليكي بس معرفتش تتصرف.
ظلت زيزي صامتة تنظر إلى حنان التي تنظر لها بغل وغضب لكنها ابتسمت وهى تقول:
حنان صديقة طفولتي وفي مقام أختي… وعلى قد محبتها على قد زعلي.
صمتت لثوانٍ تتابع نظرات النساء لها… ثم أكملت بنفس الهدوء:
عفا الله عما سلف… وهو برائتي بانت قدام أهل الحارة كلها لإن مش بعمل حاجة غلط.
كادت واحدة من النساء أن تقول شيئاً لكنها صمتت حين أكملت زيزي ببعض الحزن:
بس ياريت تتقوا الله قبل ما تقولوا أي كلمة في حق أي حد خصوصاً لو الكلام ده يمس شرف وعرض الناس… لأن الكلمة اللي بتتقال ممكن تموت ناس… وتقفل الدنيا في عينيهم.
وعادت بنظرها إلى حنان التي مازالت تنظر لها بغضب وقالت بابتسامة:
ها يا حنان كنتِ عايزة بقا تقولي إيه؟
لتكشر عن أنيابها وكادت أن تنقض عليها تضربها وتقطعها بأسنانها لكنها قالت بصوت مختنق:
أنا آسفة يا زيزي.
ليُحسسها إحدى النساء قائلة:
وإيه كمان يا حنان؟
نظرت لها حنان بغضب لعدة ثوان ثم عادت بنظرها إلى زيزي وقالت:
أنا غلطت في حقك واللي عملته غلط فلو سمحتِ سامحيني.
لتبتسم زيزي بهدوء وهي تقول:
ما أنا قولتلك عفا الله عما سلف.
تركض حنان إلى الأسفل وهي تبكي بقهر لتنظر زيزي لباقي النساء وقالت بترحيب زائف:
يا جماعة مينفعش الكلام كده من على الباب… اتفضلوا.
لتربت أحداهن على كتف زيزي وقالت بابتسامة:
تسلمي يا حبيبتي مرة تانية إن شاء الله… يلا سلام وعليكم.
ونزلوا جميعاً خلف بعضهم… لتغلق هي الباب واستندت عليه وهي تقول لنفسها:
من يوم يومك وأنا بشوف في عينيكِ كره ليا يا حنان لكن متخيلتش أبداً توصل للشرف والعرض والفضايح اللي تسبي في موت البني آدم وهو حي.
ثم أغمضت عينيها وتنهدت لعدة مرات حتى تهدأ من نبضات قلبها لتسيل دموعها فوق وجنتيها من جديد وهي تقول:
اللهم عفوك ورضاك.
***
يقف في إحدى الأماكن المظلمة… ينتظر ظهور الهدف. وحين ظهر على باب المكان دوى طلق ناري صم الأذان وسقط ذلك الجسد أرضاً فاقداً للحياة.
رواية أو أشد قسوة الفصل السابع عشر 17 - بقلم سارة مجدي
وصل أدهم إلى المستشفى ومباشرة إلى غرفة الطبيب. أراد أن يتحدث معه بشكل مفصل ودقيق، لأن ذهنه كان صافيًا ويستطيع ترتيب أفكاره لما في صالح عدنان، بل بما في صالح العائلة.
حديثه مع سليمة ربت على قلبه، مده بالقوة والثبات. أعطاه القوة التي تجعله قادرًا على فعل المستحيل.
جلس أمام الطبيب الذي بدأ يشرح بعض الأمور بتفصيل، كالموانع والمسموح به في التعامل مع مريض HIV، والذي كان يعرفها تقريبًا أدهم. فخلال طريق العودة كان يستمع لفيديوهات طبيبة تشرح كل شيء يخص مرض HIV.
وبعد حديث مطول بالتفصيل في كل نقطة، قال الطبيب بإقرار:
"وجود أستاذ عدنان هنا سيجعل الموضوع يُعرف كما قلت لك قبل ذلك. فقدام حضرتك حل من اثنين. لو فيه قدرة مادية، نصنع له غرفة رعاية كاملة والممرضة التي كانت معي تتابع حالته أربعة وعشرين ساعة، وأنا أتابع حالته يوميًا. أو الحل الثاني، أنك تسفره بره، وأكيد حضرتك تقدر توفر له طيارة طبية خاصة. وأنا برجح الحل الثاني لأكثر من سبب. الأول، الإمكانيات التي يمكن أن تتوفر له بره مؤكد أكثر بكثير من الذي يمكن أن نوفره ونقدمه له هنا. كمان علشان السرية وأن الخبر لا ينتشر."
كان أدهم يستمع ويفكر في الحلول المقترحة، أيهم أفضل. كان له أسباب أخرى يفكر بها. فإذا بقي بالبيت، ستعلم جدته وأخته بالأمر، وهما الأهم بالنسبة له من أي أحد آخر. وإذا جعله يسافر إلى الخارج، ستكثر الأسئلة، لكن ذلك أقل وطأة عليهم من معرفتهم بحقيقة الأمر.
أخذ نفسًا عميقًا ونظر إلى الطبيب وقال:
"جهز كل الإجراءات لسفره. وأنا هتولى أمر الطيارة. ولو ينفع حضرتك ترافقه للخارج، أبقى شاكر جدًا، وباللي أنت تحدده طبعًا. وسفرك وإقامتك على حسابنا."
ابتسم الطبيب وهو يقول:
"متقلقش يا أدهم بيه. خلال ٢٤ ساعة كل حاجة هتكون جاهزة."
خرج أدهم من غرفة الطبيب وعاود الاتصال بعبدالله، الذي أجابه بصوت ناعس:
"أيوة يا أدهم."
بصوت جاد قال:
"أنا في طريقي ليك. انزل."
وأغلق الهاتف ليشعر عبدالله بالقلق والاندهاش. وظل ينظر إلى الهاتف، لتقول لبنى بقلق:
"في إيه يا عبدالله؟"
"أدهم جاي وعايزني أنزله. صوته قلقني."
نظر لها وقبل جبينها وهو يقول بابتسامة صغيرة:
"ارجعي كملي نومك. وأنا هنزل أشوفه عايز إيه. وربنا يستر."
أومأت بنعم وعادت تضع رأسها على الوسادة، وأغمضت عينيها مستسلمة لنوم هانئ بعد جولة حب، وعودة عبدالله التي تعشقها لها من جديد.
~~~~~~
وقف يستند على سيارته، ينتظر صديقه الذي أقلقه ولا يستطيع تخمين ما حدث. والذي زاد من قلقه أكثر أنه لا يجيب على الهاتف.
لكنه بعد عدة دقائق اعتدل حين اقتربت سيارة أدهم منه وترجل منها بجسده الرياضي وهيبته. لم تقل يومًا هيبته سببها وقار أدهم وملامحه الرجولية. وفوق كل هذا، لديه جاذبية لا ينكرها أحد. لكنه الآن يبدو مهمومًا، متهدل الأكتاف، وكأنه يحمل فوق كتفيه جبلًا ضخمًا.
حين وقف أمام عبدالله، قال بشكل مباشر:
"عدنان عمل حادثة وعايز أسفره بره."
اعتدل عبدالله وهو يقول بصدمة:
"حادثة وتسفره بره! هي حالته خطيرة للدرجة دي؟!"
أخذ أدهم نفسًا عميقًا والتفت ينظر إلى الجهة الأخرى وقال بصوت واهن:
"لا، الحادثة بسيطة الحمد لله. شوية كسور على جروح. لكن المشكلة مش هنا. المشكلة أن عدنان مريض HIV، وأنت فاهم طبعًا ده معناه إيه. علشان كده عايز أسفره بره."
شهق عبدالله واتسعت عيناه بصدمة. وخيم الصمت على الصديقين لعدة لحظات. ظل خلالها أدهم يعطي لصديقه ظهره، لكن عبدالله فهم الآن ما يمر به صديقه. شعر بالشفقة عليه، لكن هذا ليس وقتها. ليقترب منه ووضع يده فوق كتف أدهم وضغط عليه ببعض القوة كنوع من الدعم وقال:
"تمام يا أدهم، أنا هرتب كل حاجة. قولي بس هو فين دلوقتي وكل حاجة هتكون جاهزة في أقرب وقت."
لينظر له أدهم بحزن شديد وقال برجاء:
"مش عايز حد يعرف يا عبدالله. حتى ظلال وشُكران. مينفعش حد يعرف الموضوع ده. إمبراطورية الخشاب هتنهار وتنتهي يا عبدالله. محدش عرف الموضوع ده غير انت وسليمة. إنتوا أكتر اتنين أنا بثق فيهم."
ليربت على كتفه من جديد وقال بتفهم، رغم أن هناك الكثير من الكلام الذي يريد أن يقوله تعليقًا على ثقته في سليمة السريعة والقوية:
"فاهم يا أدهم، متقلقش."
أومأ بنعم وتحرك في اتجاه سيارته وهو يقول:
"هبعتلك عنوان المستشفى واسم الدكتور علشان ترتبوا كل حاجة."
صعد إلى السيارة ليقترب منه عبدالله وهو يقول مستفهمًا:
"رايح فين؟"
رفع عينيه لصديقه وقال بإرهاق واضح:
"على القصر عايز أمهد الموضوع لجدتي وظلال وأشوف كذبة مناسبة لموضوع سفره ده."
أومأ عبدالله بنعم ليتحرك أدهم مغادرًا، ليظل عبدالله واقفًا لعدة لحظات في مكانه يشعر بالهم. ليهمس بدعاء:
"الله يعينك يا صاحبي."
ثم صعد إلى شقته، التفكير يفتك به. كيف حدث هذا؟ صحيح عدنان له الكثير من المغامرات النسائية، لكن ليس لهذه الدرجة التي تجعله يصاب بهذا المرض.
دلف إلى غرفته وعقله شارد بين الكثير من الأفكار، حتى أنه لم ينتبه لأن لبنى تجلس على السرير تنظر إليه بقلق.
جلس على الأريكة بإنهاك. والسؤال الأهم يدور في رأسه. إذا كان هذا حاله حين علم بالأمر، فما حال أدهم؟ كيف استقبل الخبر؟ وكيف سيكون حاله وهو يكذب على جدته وأخته؟
شعرت لبنى بالخوف الشديد بسبب حالته تلك. غادرت السرير واقتربت لتجلس جواره وهي تسأل بحذر:
"فيه إيه يا عبدالله؟ مالك؟ أدهم كويس؟"
نظر لها لعدة لحظات بصمت ثم قال:
"عدنان ابن عمه عمل حادثة وحالته خطيرة وهيحتاج يسافر بره. علشان كده أدهم محتاج مساعدتي في الإجراءات."
"لا حول ولا قوة إلا بالله. ربنا يشفيها."
اعتدل ليواجهها بكامل جسده. ومد يده يمسك يدها وهو يقول باعتذار:
"أنا آسف يا لبنى، بس أنا لازم أنزل أدهم لوحده ومحتاجني جدًا."
ووضعت يدها على فمه وقال بلوم:
"مش محتاج تعتذر ولا تبرر. يا عبدالله، أنا قلت لك أنا مش عايزك تفضل قاعد جنبي. لا، أنا بس عايزك تقسم وقتك. وقت لشغلك ووقت ليا ولولادك ووقت حتى لنفسك. وبعدين دلوقتي صاحبك الوحيد في مشكلة، طبعًا لازم تكون جنبه وتسانده."
ليقبل يدها برقة لتكمل كلماتها وهي تساعده على الوقوف:
"قوم خد دش على ما أجهز لك الهدوم."
أومأ بنعم وتحرك إلى الحمام، لتفتح الخزانة وأخرجت ملابسه ووضعتها على السرير، ثم توجهت إلى المطبخ تعد له إفطارًا خفيفًا، فهي تعلم جيدًا أنه لم يهتم بتناول أي شيء طوال انشغاله مع صديقه.
~~~~~~
عادت شُكران إلى وعيها، لكنها مازالت غير قادرة على التحدث أو الحركة. لذلك لم يستطع مراد ترك ظلال بمفردها وظل معها بالقصر.
كانت هي تجلس أرضًا جوار جدتها، ويجلس هو على الأريكة المقابلة يقاوم النعاس بشق الأنفس، لكن في النهاية استسلم للنوم. لتبتسم ظلال وهي تتوجه إلى غرفة جدتها، وعادت من جديد وهي تمسك بين ذراعيها شرشفًا خفيفًا، وضعته فوقه. لكنه لم يشعر بها، فقد كان يومه شديد الإرهاق، فاستسلم لسلطان النوم سريعًا.
عادت تجلس جوار جدتها بعد أن عدلت الغطاء فوق قدميها. أراحت رأسها على قدم جدتها وأغمضت عينيها واستسلمت هي أيضًا لسلطان النوم.
دلف أدهم من باب القصر ليصدم بما رآه، لكنه ظل واقفًا في مكانه يحاول تحليل الأمر، لكن عقله لم يكن في حالة جيدة ليستوعب أي شيء.
أقترب من أخته وجدته وجلس على إحدى ركبتيه وهو يهمس:
"ظلال... ظلال."
فتحت عينيها بتثاقل، وحين اتضح وجه أدهم لها قالت بلهفة:
"عدنان كويس؟!"
أومأ بنعم. ثم قال باستفهام:
"هو مراد بيعمل إيه هنا؟"
اعتدلت في جلستها وقصت عليه كل ما حدث، ليقول بقلق وهو ينظر إلى جدته:
"طيب متصلتيش ليه؟ كنا نقلناها المستشفى."
"متقلقش يا أدهم، أنا كنت متابع مع دكتور صديقي وهو طمنا."
كان هذا صوت مراد الذي استيقظ منذ بداية حديث ظلال وأدهم. ليعتدل أدهم ينظر إليه وقال بإمتنان رغم عدم استساغته للموقف:
"شكرًا يا مراد على وقفتك مع ظلال وأنك مسبتهاش لوحدها."
أبعد الشرشف عنه واعتدل واقفًا وهو يقول:
"همشي أنا بقى. ولو احتجتم حاجة أنا موجود وفي الخدمة."
وقف أدهم ليحيه وجدد شكره من جديد، ليغادر مراد القصر. ليعود أدهم إلى ظلال وساعدها في إدخال جدتهم إلى غرفتها.
وحين غادروها وأغلق الباب، وقف أمام ظلال وقال بهدوء قدر استطاعته:
"عدنان محتاج يسافر بره... علشان الكسر اللي في دراعه ميأثرش عليه وعلى لعب الملاكمة."
لتمسك يده وهي تقول بتوسل:
"عدنان هيبقا كويس يا آبيه، مش كده؟ أنت مش بتكذب عليا، صح؟"
ليضمها إلى صدره بحنان وهو يقول:
"متقلقيش يا حبيبتي، كل حاجة هتبقى كويسة. صدقيني."
لكن بداخله يدعو الله أن يسترها معه، وأن يمر كل شيء بخير. فهو يشعر أنه لم يعد لديه طاقة لتحمل أي شيء آخر.
~~~~~~~~
هناك في وسط ذلك الظلام الدامس، يشعر بأنه مقيد وكأنه مكبل الذراعين والساقين. لكن بطريقة تجعل كل طرف من أطرافه في اتجاه، وجسده معلق في الهواء. لا يرى أي شيء، لكنه يشعر بالخوف، يشعر بالرهبة. وهناك إحساس آخر لا يستطيع وصفه الآن، لكنه يطغى على أي شعور آخر.
كان يحاول استبيان أين هو وماذا يحدث معه؟ ومن فعل به هذا؟
حاول استجماع قوته حتى يحرر نفسه من تلك القيود، لكن حين حاول التحرك سمع صوتًا قويًا له صدى يهز القلوب، يحمل الكثير من الغضب، يقول بأمر:
"أثبت مكانك."
توقف عن الحركة، لكن رغمًا عنه ارتعد جسده بقوة. رهبة وخوفًا. ليعود الصوت من جديد يقول بصوته القوي صاحب الصدى:
"كنت فاكر إنك هتعيش حياتك بالطول والعرض وتستحل ما حرمه الله. تستحل أجساد حرمت عليك إلا بالحق. ناسي إن ربنا شايفك ومطلع عليك وعلى أعمالك. وأن كل ده هيعدي من غير عقاب."
انحدرت دموع عدنان وهو يقول بحزن شديد وأسف:
"عارف إني غلطان. عارف إني زاني. عارف إني استحليت المتع المحرمة وشيطاني غواني وضحك عليا ونفسي الأمارة بالسوء سهلت لي الحرام."
خيم الصمت الموحش على المكان ليزداد خوف عدنان وارتجاف جسده. لتصدر تلك السلاسل صوتًا عاليًا. ليعود الصوت من جديد هادرًا:
"أثبت مكانك."
ليعود الصمت يغلف كل شيء ويسبب الرهبة في القلوب. ليقول الصوت من جديد في نفس اللحظة التي اشتعلت تلك السلاسل التي تكبل ذراعيه وساقيه والنيران تتصاعد حتى كادت أن تصل إلى جسد عدنان.
"يا ترى أنت مستعد للحظة نزولك القبر والملايكة تسألك." ليهز عدنان رأسه بلا عدة مرات والخوف يسيطر عليه بشدة. خوف من احتراقه بالنار وخوف من الله وحسابه. ليعود الصوت من جديد وهو يقول:
"من ربك؟ ما هو دينك؟ من هو نبيك؟"
ليصرخ عدنان بصوت عالٍ والنار تطول جسده تلتهمه جزءًا جزءًا. ليعود الصوت من جديد وهو يقول:
"من ربك؟ ما هو دينك؟ من هو نبيك؟"
ليصرخ عدنان بصوت عالٍ والنار تلتهمه بالكامل وصدى الصوت المخيف يتردد في أذنه.
"من ربك؟ ما هو دينك؟ من هو نبيك؟"
في وسط كل هذا، كان جسده الموصول بالأجهزة ينتفض بقوة، وكأن أصيب بمس كهربائي يسير في جسده بقوة كبيرة. ليركض الطبيب إلى غرفة الرعاية يحاول السيطرة على تلك الحالة الغريبة غير المفهومة. وبعد معاناة استطاع تهدئة الوضع قليلًا.
لكن عدنان كان مازال يعاني. مستوى الأكسجين يقل. وجسده مازال ينتفض حتى لو بدرجة أقل. ويديه في حالة تشنج. كان الطبيب يحاول فتح عينيه، لكنه يغلقهما بقوة شديدة. وقبل أن يبتعد الطبيب حتى يحضر قناع الأكسجين، فتح عدنان عينيه على اتساعهما وهو يقول بصوت عالٍ:
"ربي الله. ديني الإسلام. محمد بن عبدالله رسولي."
ليبتعد الطبيب برهبة إلى الخلف. وظل عدنان لدقيقة كاملة يردد تلك الكلمات.
حين استعاد الطبيب ثباته مما كان يحدث، اقترب من عدنان وقال في محاولة لتهدئته:
"أهدى يا عدنان، أهدى. أنت لسه عايش. ربنا كتب لك عمر جديد. أهدى."
لينظر له عدنان وعيناه تمتلئ بالدموع وهي يقول بصوت متهدج:
"لسه عايش... عمر جديد... لسه عايش."
ليخرج الطبيب من الخزانة الجانبية حقنة مهدئة، وحقن بها عدنان وهو يقول له:
"أهدى. كل حاجة هتبقى كويسة."
لتبدأ أنفاس عدنان في الهدوء تدريجي وجفنيه في التثاقل، حتى عاد الهدوء من جديد داخل غرفة الرعاية. ليتنهد الطبيب ببعض الراحة.
وتحرك باتجاه الباب، لكن قبل أن يخرج نظر مرة أخرى تجاه عدنان ثم خرج وهو يقرر الاتصال بأدهم ليخبره بكل ما حدث.
فجسده مازال ينتفض بصدمة وخوف. فما حدث بالداخل يثير الرهبة في النفس والخوف.
كيف فوق ذلك الجسد الذي سقط أرضًا منذ لحظات فاقدًا للحياة بعد تلك الرصاصة التي اخترقت قلبه دون خطأ.
ينظر إليه بتشفي ورأسه الساقطة بين قدميه بلا حول ولا قوة بعد غرور وتكبر وتلك النظرات التي كان ينظر بها لكل من هم أقل منه، وكأنه خلق من طينة مختلفة غير باقي البشر.
ابتسم بتشفي، فها هو لقد تخلص الآن من الباشا، ودور الجوكر هو القادم.
أخذ نفسًا عميقًا وهو يتذكر حديثه من الجساس:
"اسمعني يا صلاح، أنا عايز منك خدمة."
اقترب صلاح من سرير بيبرس وقال بصدق وهو يضرب بيده على عنقه:
"أنت عارف إن رقبتي ليك سداادة يا بيبرس. وفي ضهرك."
ليغلق بيبرس عينيه لثوان ثم حاول الاعتدال ليساعده صلاح وهو يقول بلوم:
"الجرح لسه حي يا بيبرس."
"مفيش وقت أفكر في خدش صغير زي ده. وفيه حياة واحدة بريئة كل ذنبها إنها وثقت في ندل زيك."
قاطعه بيبرس وهو يقول بألم. ليجلس صلاح على طرف السرير وقال باهتمام:
"وأنا معاك وسداد يا بيبرس. قولي المطلوب إيه."
أغمض عينيه لعدة لحظات بحزن ثم تحولت لغضب عاصف وهو يقول:
"الجوكر لعب معايا وعمل الدنيئة. طلع واطي وشمال. ماشي في طريق الحرام كل اللي ممكن تتخيله، حتى إنه بيبيع نفسه ليدفع ثمن متعته. ودلوقتي عايز يدمر بنت غلبانة ظروفها صعبة والعوز والحاجة رموها في طريقي، وبدل ما أساعدها شوفتلها شغل مكسبة سريع عند كلب زي الجوكر ميعرفش الرحمة. اشتغلت رقاصة وبسببها الصالة زباينها زادت، لكن هو طمع في فلوس الشمال. والرجالة اللي ريلت عليها وعايزة تدوق من جرة العسل. ولما وقفتله قرر يقتلني ويخلص عليا بمساعدة الباشا علشان يستفرد بيها ويبعها للي يدفع أكتر."
وعند ذكر الباشا كانت مصاحبة لكلماته غمزة فهمها صلاح دون الحاجة لتفسير. فمن يعمل في مجالهم يعرف جيدًا من هو الباشا، وما يستطيع القيام به، ومدى نفوذه وقوته.
لكن رغم كل شيء كان يستمع إلى كلماته ونار حارقة تشتعل داخل صدره. يتخيل أخته، أو ابن عمه، أو أي فتاة من معارفه في هذا الوضع. شعر بقبضة يده المضمومة تكاد تتهشم، ليقول من بين أسنانه:
"خطتك إيه؟"
"اسمعني كويس."
وها هو نفذ أول خطوة في الخطة. اصطاد الباشا وهو يغادر إحدى البيوت المشبوهة، وبرصاصة واحدة من سلاح يخص رجل من رجال الباشا اخترقت قلبه دون رحمة. وسقط جثة هامدة.
نظر إلى صلاح الذي يقف في إحدى الحارات المظلمة يبتسم بسعادة. ليتحرك بيبرس في اتجاهه وهو يقول:
"خلينا ننفذ الخطوة الثانية. قبل خبر خروجي من المستشفى ما يوصل للجوكر."
~~~~~~~~
جلست سليمة جوار والديها يشاهدون التلفاز بعد تناول العشاء. لكنها كانت في مكان آخر. لا تعي لما يعرض أمامها، أو إلى الحوار الدائر بين والديها. نظرت إلى والدها نظرة خاطفة، ثم نظرة تشبهها لوالدتها، وقالت فجأة:
"أنا داخلة أنام."
لينظر والديها إليها باندهاش وقال والدها بتعجب:
"مالك يا سليمة؟ بقالك فترة متغيرة. حالك مش عاجبني يا بنت فاطمة."
لتنظر إليه بخجل وقبل أن تقول أي شيء، قالت والدتها وهي تربت على ظهرها بحنان:
"مالك يا بنتي؟ إيه اللي قالب حالك كده؟ ومخليكي ديما سرحانة وكأنك في وادي تاني."
اخفضت سليمة رأسها بخجل وحيرة. بداخلها الكثير والكثير التي تريد أن تخبر به والديها. لكن كيف تقوله؟ إنها لا تستطيع توقع ردود أفعالهم. لكنها قالت بصدق:
"الحقيقة في كذا موضوع عايزة أتكلم فيهم معاكم. بس كمان مش عارفة هو صح أتكلم دلوقتي ولا لازم أستنى شوية."
تنهدت بهم ثم رفعت عيونها إلى والدها وقالت برجاء:
"حضرتك بتثق فيا ولا لا؟"
ليربت والدها على يدها وهو يقول بصدق:
"بثق فيكي، ثقتي في نفسي يا سليمة."
ربتت والدتها على يدها الأخرى كأنها تقول "وأنا أيضًا". لتبتسم سليمة ابتسامة صغيرة وهي تقول بتوسل:
"ممكن بس تدوني شوية وقت وأنا لوحدي هاجي وأقولكم على كل حاجة."
أومأ والدها بنعم رغم ذلك الإحساس الداخلي الذي يخبره أن هناك أمرًا كبيرًا يحدث مع ابنته. يشعر أن هناك ما يجب فعله من أجلها. وكأن هناك خطرًا ما يحيط بها هو لا يراه، لكن يشعر به بقلبه.
اتسعت ابتسامتها ووقفت حتى تقبل رأسه وبداخلها تعتذر منه عن صمتها، عن إخفاء كل ما تمر به عنه. وفعلت المثل مع والدتها وقالت بصوت منخفض:
"تصبحوا على خير."
ليردوا لها تحية المساء بصوت هامس وكل منهم ينظر إلى الآخر بقلق وحديث صامت ينصت له كلا القلبين ويفهمه، يدل على خوف كبير مشترك على وحيدتهم. لكن لينتظروا بعض الوقت عل الأمور تكون بخير.
توجهت سليمة إلى غرفتها بخطوات ثقيلة. لكنها ظلت واقفة هناك لعدة دقائق تنظر لهم بحزن وإحساس بالذنب. لكن ما جعلها تتحجر في مكانها حين سمعت والدتها تقول:
"هو ميعرفش الساكن ده هيجي إمتى؟"
"أنتِ عارفه بواب عمارتنا حشري أوي وبيدخل في كل حاجة وعامل نفسه فاهم في كل حاجة. لكن مع الساكن ده بالتحديد شكلة كده مش عارف ياخد منه لا حق ولا باطل."
لتضحك فاطمة ببعض المرح وقالت بشماتة واضحة:
"تصدق فرحانة فيه. بس برده هيجي إمتى ده نفسي أعرف مين ده اللي قدر يقنع إحسان ببيع الشقة. يمكن نقدر نقنعه يبيع لينا الشقة علشان خاطر سليمة."
لم يعلق على كلماتها، فعقله سارح في حال ابنته.
أما هي فـتنهدت بعد أن استمعت لحديثهم. "ثامر". لقد اشتاقت له ذلك العابث، مقطب الجبين، وقح النظرات. رغم كل هذا، إلا أنها اشتاقت له، فهو جزء لا يتجزأ من أدهم. لذلك هي حقًا تحبه.
دخلت إلى غرفتها وهي تنتظر الغد بشوق ولهفة. وسؤال هام يدور في رأسها. هل سيحضر إلى الشركة غدًا؟ لكنها ابتسمت وهي تقول لنفسها:
"حتى لو مش هيجي ممكن أتصل بيه أسأله هو مجاش ليه؟ أو أسأله عن أي حاجة في الشغل وأسمع صوته."
خرجت من أفكارها على صوت وصول رسالة على إحدى تطبيقات الدردشة. لتمسك هاتفها بلهفة واتسعت ابتسامتها وهي ترى اسمه أمامها.
فتحت الرسالة بسرعة ولهفة لتجدها رسالة صوتية. زادت دقات قلبها. ها هي ستستمع لصوته.
"السلام عليكم... سليمة، أنا مش هقدر آجي المؤسسة بكرة. عايز أخلص موضوع سفر عدنان. وجدتي كمان تعبت جدًا علشان قلقها عليه. ومحتاج أنام شوية. الصداع هيفرتك دماغي وحاسس إني هفقد أعصابي. الغي كل مواعيدي وأجل أي شغل. المهم خلي بالك من نفسك ولو احتجتي أي حاجة كلميني، وحتى لو محتاجتيش كلميني برده. تصبحي على خير."
ظلت تستمع لصوته مرارًا وتكرارًا. وابتسامة سعادة ترتسم على وجهها وعينيها تخرجان الكثير من القلوب الحمراء، خاصة مع كلماته "خلي بالك من نفسك ولو احتجتي حاجة كلميني، وحتى لو محتاجتيش كلميني برده." وظلت على هذه الحالة عدة لحظات حتى انتبهت أن عليها الرد على تلك الرسالة.
لكنها لن تستطيع تسجيل رسالة صوتية. سوف تخجل. وأيضًا هي في الأساس لا تجد صوتها، فقد هرب منها من كثرة السعادة التي تشعر بها.
نظرت إلى هاتفها وأعادت التسجيل من جديد ثم كتبت:
"وعليكم السلام. مفيش مشكلة خالص يا باشمهندس. أنا هلغي كل المواعيد. ربنا يعينك ويقويك ويشفي أستاذ عدنان وجدة حضرتك. وخلي بالك من نفسك. كان الله في عونك."
ضغطت على سهم الإرسال ثم أغمضت عينيها بخجل. لكنها فتحتهم على اتساعهم حين سمعت صوت وصول رسالة جديدة.
وكانت رسالة صوتية أيضًا. فتحتها سريعًا ليصلها صوته الغاضب وهو يقول:
"باشمهندس وحضرتك في جملة واحدة. ماشي يا سليمة، حسابك معايا بعدين."
لتضحك بمرح وسعادة وهي تضم الهاتف إلى صدرها ثم رفعته إلى فمها تقبله عدة مرات.
والقت بنفسها فوق السرير وأغمضت عينيها وهي تقول:
"هو النهار أتأخر ليه؟"
~~~~~~~~
بداخل تلك السيارة الصغيرة التي تتسع لأجسادهم الضخمة بصعوبة، يتجهون إلى تنفيذ الجزء الثاني من الخطة.
القضاء على رأس الأفعى. لكن هناك شيء واحد ناقص وعليه أن ينهيه أيضًا.
أخذ هاتف صلاح الملقى أمامه على تابلوه السيارة واتصل بها. عليه أن ينهي الأمر ويلهيهم بشيء أكبر من مجرد قضية قتل. فضيحة مدوية تأتي بالجميع وتسقط كل الأقنعة.
اتصل برقمها ووضع الهاتف على أذنه ينتظر ردها. لكنها تأخرت. فاتصل مرة أخرى وقبل أن ينقطع الاتصال أجابته بصوت لاهث:
"السلام عليكم... أيوه يا بيبرس."
"أنتِ كنتِ نايمة ولا إيه؟"
سألها ببعض القلق لتجيبه بعد تنهيدة بسيطة:
"لا، كنت بصلي."
ليحل الصمت عليهم عده لحظات. يشعر فيها هو بقدسية تلك الكلمة "كنت بصلي". وارتجف جسده وكأنه يشعر بالبرد. الصلاة، تلك الكلمة الذي لم ينطقها لسانه يومًا. ذلك الفعل الذي لم يقوم به ولو لمرة واحدة.
لتكمل هي ببراءة غافلة تمامًا عن ما يشعر به:
"زمان مكنتش بفوت فرض يا بيبرس، بس شيطاني غلبني وبعدني عن ربنا. خلاني استسهل الحرام وأدور على حل بين إيدين البشر مهما كان حرام ويغضب ربنا. ورب البشر هو القادر على كل شيء. رجعت له يا بيبرس، رجعت له ومتأكدة من رحمته ومغفرته وإنه أكيد هيتقبلني ويغفر لي ومش ناوية أبعد تاني يا بيبرس، مش هبعد أبدًا."
تجمعت الدموع في عينيه. وانحشر صوته في حلقه غير قادر على الكلام. لتكمل هي كلماتها التي تلمس قلبه وكأنها عصا سحرية. تذيب ذلك الجليد الذي يغلف قلبه منذ سنوات. وتلك القسوة التي تسبب بها الحرام. وقشرة الذنوب التي تمنع دخول النور إلى قلبه.
"ولو تعرف حسيت بإيه وأنا بتوضى وبصلي كأني بتسلخ من جلدي القديم. بطهر الجسم اللي لوثته نظرات الناس في الحرام وأنا بتمايل قدامهم علشان يدفعوا الثمن. ناسيه النار اللي هتحرق الجسم ده يوم القيامة. فضلت أعيط وأعيط وأنا بدعيله من قلبي إنه يغفر لي كل اللي فات ويسترني دنيا وآخره."
انحدرت دمعة وحيدة من عينيه وكادت أن تلحقها أخرى وأخرى، لكنه حاول التماسك قدر الإمكان. اجلاء صوته وقال بحشرجة:
"ربنا يتقبل منك يا ست زيزي."
وصمت للحظة ثم قال ببعض التوتر:
"اسمعيني كويس."
صمتت تستمع لكلماته ثم قالت بتوتر وخوف:
"حاضر، هعمل كده حالًا. بس..."
"بس إيه؟"
سأل ليحثها على إكمال كلماتها لتكمل بصوت قلق:
"أنت هترجعلي مش كده؟ مش هتأذي نفسك."
ظل صامتًا لثوان ثم قال بابتسامة صغيرة:
"أنا كل حاجة هعملها النهاردة علشان خاطرك يا زيزي. علشان متخسريش نفسك ولا تقعي تاني في الغلط. ومتبعديش تاني عن ربنا. ومتخسريش الطهر اللي أنتِ فيه. أوعي تبطلي صلاة مهما حصل. أوعي تبعدي عن الطريق الصح تاني أبدًا مهما حصل. أوعديني."
"أوعدك."
قالتها بصوت مرتعش باكي ليغلق الهاتف بعد أن أكد عليها تنفيذ ما طلبه منها.
في هذا الوقت، كان صلاح يستمع لكلماته ويرى تعابير وجهه المتألمة. ليقول بإبتسامة صغيرة محاولًا إخراجه من تلك الحالة:
"عشت وشوفتك بتحب يا بيبرس."
ليبتسم بيبرس بسخرية وهو يقول بتأكيد:
"طلع مفيش حد كبير على الحب ومفيش حد قلبه في إيده. سبحان مقلب القلوب كيفما يشاء."
"طول عمرك بذرتك نظيفة وطاهرة يا بيبرس. شبه بذرتي، لكن الظروف الصعبة وإحنا طلعنا أضعف بكتير مما كان متخيلين. فاكرين نفسنا أشطر من الشيطان وقادرين نغلبه."
قال صلاح بإقرار وكأنه في جلسة اعتراف. ليومأ بيبرس بنعم ليكمل صلاح كلماته:
"لما نخلص مهمتنا النهاردة. وعد، همشي عدل. هتوب وأتجوز وأعيش حياة نظيفة بعيد عن كل الهم ده. لو هشتغل كناس ولا حتى بواب عمارة أو حتى بياع سريح، المهم شغلانة حلال."
تنهد بيبرس بتثاقل وهو يقول:
"نرجع بس بالسلامة."
لينظر له صلاح ببعض القلق. لكن الإصرار هو ما كان يرتسم داخل عيونهم. فقد قررا إنهاء الأمر ولن يتراجعوا أبدًا.
~~~~~~~~
وصلوا أمام الملهى الليلي وفي أكثر الأماكن ظلمة، أوقفوا السيارة. ينتظرون اللحظة المناسبة لتنفيذ مخططهم مع وصول شخص ما يحمل شيئًا مهمًا لهم. لن تكتمل خطتهم دونه. إن بيبرس ينوي تفجير قنبلة كبيرة. سوف تلتهم كل شيء. هو لن ينتقم له فقط، سوف ينتقم لكل من طغى عليهم الجوكر أو ظلهم أو سلب منهم شرفهم، مستغلًا ظروفهم الصعبة واحتياجاتهم للمال والعمل.
نظر إلى صلاح الذي يظهر الحماس على ملامحه، غير عابئ بحياته أو مهتم إذا كان الأمر سينتهي وقد كتب لهم عمر جديد أو تنتهي حياته في تلك الليلة. وكل هذا من أجل شيء لا يخصه ولا يمسه، هو فقط يدعم صديقه، يساندة بكل إخلاص.
شيء جديد يكتشفه في نفسه وفي من حوله. أن له صديقًا حقيقيًا يسير معه للموت دون خوف. والفضل من جديد يعود لزيزي.
~~~~~~~~
وصل عبدالله إلى المستشفى ومباشرة سأل عن الطبيب الذي أرسل أدهم اسمه له. طرق على باب المكتب ودلف وهو يقول:
"دكتور مختار؟"
"أيوة يا فندم، مين حضرتك؟"
رفع الطبيب رأسه عن الكتاب الذي بين يديه وأجابه بهدوء. ليدخل عبدالله وأغلق الباب خلفه وهو يقول بعملية شديدة:
"أنا دكتور عبدالله السعيد، من طرف أدهم الخشاب. وجاي علشان أنسق معاك كل حاجة تخص عدنان وسفره."
ليقف الطبيب يرحب به وبدأ يخبره بكل ما قام به. ليقول عبدالله:
"تمام، هتأكد من تجهيز الطيارة على ما تتواصل مع المستشفى وتأكد الحجز معاهم. أنا كلمتهم واتفقت على كل حاجة. لكن لازم تكلمهم علشان لو فيه أي شيء محتاج يكون متوفر وقت وصول عدنان."
وأعطاه ورقة صغيرة مكتوبًا بها تفاصيل المستشفى وطرق التواصل. ليومأ الطبيب بنعم وبدأ في التنفيذ.
ليخرج عبدالله هاتفه واتصل بأدهم الذي أنهى صلاته للتو بعد أن أخذ حمامًا دافئًا عله يهدئ من ذلك الألم الذي يؤن في جميع أنحاء جسده.
"أيوة يا عبدالله."
"استمع لكلمات عبدالله المتسائلة عن موضوع الطائرة الطبية التي ستنقل عدنان إلى الخارج. ثم قال:
"متقلقش، أنا اتصلت باللي هيخلص الموضوع واديتة رقمك علشان يتواصل معاك. وأنا هنام ساعتين بس وهجيلك."
صمت مرة أخرى ثم قال:
"تمام، إن شاء الله خير. أنا عرفت ظلال إنه محتاج عملية خطيرة في دراعه علشان يقدر يكمل لعب الملاكمة. وشُكران سكرها عالي جدًا ونايمة. ربنا يستر لما تصحى وتعرف."
استمع من جديد لكلمات عبدالله ثم قال:
"تليفوني مفتوح لو فيه أي حاجة كلمني عبدالله. أنا زي ما قلت لك هنام ساعتين وهتلاقيني عندك. وعارف إنك قدها وقدود."
أغلق الهاتف وتوجه إلى السرير وأغمض عينيه يحاول أن ينام، لكن هيهات. فالأفكار تعصف به من كل الاتجاهات. لكنه ظل ممدد جسده على السرير مغمض العينين عله يحصل على بعض الراحة.
وعند عبدالله نظر إلى الطبيب الذي كان منهمك في شيء ما. فقال حتى ينبه لانتهاءه:
"عملت إيه؟"
"تمام، بعت الميل وتم الرد وكل شيء جاهز. الطيارة تبقى جاهزة نتحرك على طول."
كل هذا كان يقوله وهو ينظر لبعض الأوراق. ثم رفع عينيه وهو يقول:
"أنا بس هروح البيت لمدة ساعة أجيب حاجاتي وأرجع. أنا كلمت أمي وهي جهزت كل حاجة. هروح أجيبهم وأرجع."
ليقترب عبدالله من المكتب وقال بتوضيح:
"أنا مش عايزك تسيب المستشفى خالص. مش عايز حد يدخل لعدنان غيرك. مش عايزين أي مجازفة. قولي عنوانك فين وأنا هروح أجيبه."
ليقف الطبيب ودار حول المكتب وهو يقول:
"تمام، مفيش مشكلة. بس أكد لها إن حالة المريض اللي أنا مسؤول عنه حرجة جدًا وإني مش قادر أسيبه. هي عارفة بس أكد لها الكلام علشان تبقى مطمئنة."
أومأ عبدالله بنعم وغادر بعد أن أخبره بالعنوان. وبعد نصف ساعة عاد ومعه الحقيبة الخاصة بالطبيب.
بعد ثلاث ساعات كان الجميع في المطار وانتهت كل الإجراءات. وها هو سرير عدنان يدخل الطائرة استعدادًا للسفر. ليوقف أدهم الطبيب وقال له برجاء وتوسل:
"أرجوك خلي بالك منه. هنبقى أنا وعبدالله على تواصل يومي معاك. ومؤكد هنيجي زيارات كمان. ولو احتجت أي حاجة اتصل فورًا."
أومأ الطبيب بنعم وقال لأدهم بعملية شديدة:
"متقلقش يا أدهم بيه. كل شيء هيكون كويس. وأصلًا حالته مش خطر. إحنا كل الحكاية علشان الناس والإشاعات اللي ممكن تطلع أو الخبر ممكن يتسرب. كمان المستشفى دي متخصصة في الأمراض المناعية يعني أستاذ عدنان هيكون هناك في إيد أمينة."
تركهم وتوجه إلى الطائرة لينغلق بابها وبدأت في التحرك استعدادًا للإقلاع.
ليربت عبدالله على كتف أدهم ببعض الدعم وقال بمواساة:
"إن شاء الله خير. متقلقش، هيقوم ويبقا زي الفل."
لينظر له أدهم بنظرة غائمة وقال بألم:
"لو على شوية الكسور ف أكيد هيبقا كويس. لكن اللي أنا وأنت وهو عارفينها، فهو عمره ما هيبقى زي الفل."
أومأ عبدالله بنعم لكنه ربت على كتفه من جديد وهو يقول بإقرار:
"كل حاجة ليها حل يا أدهم. وفيه وسائل كتير ممكن تخليه يعيش حياته بشكل طبيعي زيه زي أي حد."
نظر إليه لعدة لحظات ثم أومأ بنعم وتحرك ليتوجه إلى السيارة. يتذكر كلمات شُكران حين علمت بالأمر. صوتها الضعيف، وجهها الشاحب، والدموع التي تلمع داخل عيونها.
"قولي الحقيقة يا أدهم. أنا هستحمل بس متخبيش عليا. حفيدي ماله؟"
لـيجـثـو على ركبتيه أمامها وامسك بيدها يقبلها عدة مرات وهو يقول بصدق خاصة وهو ينظر في عيونها حتى ترى صدقه ويرتاح قلبها:
"والله هو كويس. بس أنتِ عارفة الملاكمة عنده إيه. وعشان أما يخف إن شاء الله يقدر يرجع يلعب من غير مشاكل ولا علاج طبيعي. ولا قدر الله ميقدرش يلعب تاني. قررت أسفره علشان يهتموا بيه ويرجع زي الفل."
ظلت صامتة تحدق في عينيه ثم قالت بقلب أم يتألم:
"يعني هو كويس؟"
"والله كويس. متقلقيش. والدكتور معاه وأنا هخلص حاجات مينفعش تتأجل وهسافر له على طول."
عاد من أفكاره يشعر أن العالم بكل ما فيه من اتساع يضيق به ويراه كنفق ضيق مظلم وهو بداخله يشعر بالاختناق.
نظر حوله ليجد أن خيوط النهار بدأت تبدو ظلمة الليل. صحيح مازال الوقت باكرًا، لكنه قرر الذهاب إلى الشركة. هو غير قادر على مواجهة جدته وأخته والأسئلة التي لا تتوقف حتى دون أن ينطقون بكلمة واحدة.
وصل إلى الشركة فلم يكن هناك أحد غيره والأمن. الذين شعروا بالاندهاش من حضوره باكرًا، لكن لم يعلق أي منهم ولو بحرف.
وصل إلى مكتبه وحين دخله أغلق الباب خلفه وظل واقفًا في مكانه عدة لحظات ثم توجه إلى الأريكة بجسد منهك وتمدد عليها واضعًا ذراعه على عينيه. وخلال لحظات غط في نوم عميق.
~~~~~~~~
وصلت إلى الشركة في معادها كلها حماس وشغف للعمل. صوته العصبي في آخر رسالة له، وهو يتوعدها.
"باشمهندس وحضرتك في جملة واحدة. ماشي يا سليمة، حسابك معايا بعدين."
جعل الابتسامة ترتسم على ملامحها منذ البارحة. تشعر أن الحياة مختلفة وبها شيء ما يلمس روحها.
وضعت حقيبتها على المكتب وبدأت في عمل روتينها اليومي في تنظيف مكتبها وترتيب الأوراق وتعطير المكتب حتى تشعر بالراحة وهي تعمل ما تحب. لكن اليوم تريد أن تفعل المثل في مكتبه. صحيح هي كانت تعطره يوميًا حتى أنه في أول مرة تقوم بهذا قال لها برقة لمست قلبها:
"وجودك في الشركة فرق حتى في جوها وريحتها. المكتب بقى مكان مريح للأعصاب وكأننا في الجنة."
لتبتسم لتلك الذكرى. وبحماس توجهت إلى مكتبه. فتحت الباب ودلفت مباشرة إلى المكتب ترتب الأوراق. وتضع الملفات على جوانب المكتب والأقلام في مكانها. عدلت من وضع الجهاز اللوحي والهواتف ومن وضع الكرسي. وأمسكت المعطر وقبل أن تفعل أي شيء شهقت بصدمة حين وقعت عينيها على جسده الممدد على الأريكة غارقًا في النوم.
أقتربت بهدوء منه تتأمله. رغم أن ذراعه يخفي عينيه، إلا أن الإرهاق واضح عليه، خاصة مع نومه هنا بتلك الطريقة. شعرت بالشفقة على ما يمر به وكل ما يعانيه. رفعت يدها تود لو تستطيع أن تمسح على رأسه بحنان. أو تربت على كتفه بدعم. أو تضمه إلى صدرها يختبئ بين ضلوعها بعيدًا عن كل ما يؤلمه ويرهق قلبه وروحه. لكن يدها ظلت معلقة في الهواء.
انتبهت أن الشمس تكاد تصل إلى جسده وقد تقلقه. فبهدوء شديد توجهت إلى النافذة واغلقت الستائر. ثم أشعلت مكيف الهواء لكن على درجة منخفضة. وغادرت المكتب بحذر حتى لا يستيقظ ويأخذ ما يحتاجه من الراحة.
~~~~~~~~
بعد أكثر من ساعة فتح عينيه بتثاقل ورفع ذراعه عن عينيه يحاول إدراك أين هو. ليتذكر أنه بالمكتب. اعتدل جالسًا يفرك جبينه ليشعر بنسمة هواء خفيفة تأتي له من المكيف. ليشعر بالاندهاش. هو يتذكر جيدًا أنه لم يكن قادرًا على فعل أي شيء، فقط تمدد على الأريكة ولم يدرك أي شيء آخر.
ظل ينظر إلى المكيف والستائر وابتسم بسعادة مؤكدة سليمة هي من فعلت هذا. أغلقت الستائر وأشعلت المكيف حتى يرتاح في نومه. إن وجودها في حياته يجعل كل شيء مريح ومميز.
توجه إلى الحمام الصغير الموجود في مكتبه غسل وجهه حتى يستعيد نشاطه وأعاد ترتيب خصلات شعره وملابسه.
وعاد يجلس خلف مكتبه بعد أن فتح الستائر. رفع سماعة الهاتف وطلبها أن تحضر له. لكنها قبل أن تدلف إليه اتصلت بالكافتيريا وطلبت له بعض الشطائر وكوب من العصير.
ودخلت إليه وهي تحمل بين يديها الأغراض ليبتسم بسعادة لا يستطيع وصفها. ذلك الاهتمام منها بالتحديد يلمس قلبه وروحه.
وضعت ما بين يديها أمامه وهي تقول:
"أكيد حضرتك مأكلتش حاجة. علشان كده جبت لحضرتك السندوتشات دي والعصير. علشان يديلك الطاقة ونشاط."
كان ينظر لها بهدوء ولكن من داخله سعيد. وحين انتهت من كلماتها قال لها من بين أسنانه:
"اتنين حضرتك في جملة واحدة يا سليمة. على العموم، هعديها لك."
قال آخر كلماته وهو يمد يده يأخذ أحد الشطائر وبدأ في تناولها وأكمل قائلًا:
"علشان اهتمامك بيا بس مش هعاقبك على كل حضرتك والرسمية في الكلام. وبجد... أنا متشكر أوي يا سليمة. مش بس علشان السندوتشات. علشان الستارة والتكييف وإنك سمعتيني. شكرًا على وجودك في حياتي اللي مهون عليا كل اللي أنا فيه."
شعرت بالخجل من كلماته ولم تستطع الرد أو قول أي شيء.
لم يرد أن يخجلها أكثر وظل يتناول الشطائر بصمت حتى استعادت قدرتها على الحديث وقالت بصوت مرتعش:
"تحب حضرتك أظبط المواعيد ولا زي ما قولتلي امبارح؟"
"لا، الغي كله. أنا فعلاً مش قادر أتعامل مع أي حد. هاتيلي بس الأوراق اللي عايزة توقيع. وظبطي اجتماع مع المهندسين علشان أشوف آخر تطورات المشاريع. مش عايز أحل حاجة أو يبقى فيه أي تقصير لأني يمكن أسافر لعدنان."
قال كلماته وهو يتناول كوب العصير. لتقول ببعض الشرود فقط شعرت بوغزة مؤلمة في قلبها مع ذكره لكلمة سفر:
"حاضر."
أخذت الأغراض وغادرت المكتب وبعد لحظات دخل موظف المطبخ بكوب قهوة قد طلبها له حتى يستعيد نشاطه بالكامل.
~~~~~~~~
بعد مرور ثلاث أيام كان يقف أمام الطبيب يستمع لما يقوله بصدمة. ما هذا الذي يهذي به ذلك الطبيب. كيف يخبره بكل هذا البرود أنه على وشك خسارة أخيه. ماذ عليه أن يفعل أو يقول الآن.
"لله الأمر من قبل ومن بعد. إنا لله وإنا إليه راجعون."
تتبع...
رواية أو أشد قسوة الفصل الثامن عشر 18 - بقلم سارة مجدي
خرج آخر زبائن الملهى. تحرك حراسه إلى مكان استراحتهم. اقترب شبح أسود كبير من السيارة يحمل حقيبة متوسطة الحجم. ودون حديث، وقف جوار نافذة بيبرس وأعطاه الحقيبة وظرف كبير وغادر بصمت.
لينظر بيبرس إلى صلاح وقال باستفهام مرح:
"هو على طول صامت كده؟"
ليضحك صلاح وهو يقول بمرح مشابه:
"بيعمل دايماً بصمت، لكن شغله كله في الصميم."
ليشعر بيبرس بالراحة وهو يتفقد محتويات الظرف. "ها هي الخطوة المنتظرة على وشك الحدوث."
عاد بنظره على صلاح وقال له بهدوء:
"يلا بينا."
ليبتسم صلاح دون أن تظهر أسنانه رغم اتساع الابتسامة. لتظهر ابتسامة شريرة خاصة مع تلك اللمعة الراضحة في عينيه، ثم قال:
"خلينا نخلص البشرية مش بعض الأشرار."
ليضحك بيبرس بصوت عالٍ وهو يخرج قفازين. ألقى أحدهم لصلاح وارتدى الآخر. بدأ في إخراج ذلك السلاح الكبير من الحقيبة ووضع به كاتم للصوت. وأعطاه لصلاح. ثم أخرج الآخر وفعل به المثل. ثم ألقى الحقيبة على الكرسي الخلفي. ترجلا من السيارة بعد أن خبأ الظرف في جيب سترته وتحرك في اتجاه غرفة الحراس.
بخطوات محسوبة ومعرفة جيدة بتفاصيل المكان، توجهوا أولاً لغرفة استراحة الأمن التي تحوي أربعة من الرجال ضخام الجثة. ودون إصابات خطيرة، جعلهم جميعًا في لحظة واحدة ممدودين أرضًا دون أن يرى أي منهم من فعل بهم هذا. وتحرك في اتجاه الملهى. يعلم جيدًا أين الجوكر الآن وماذا يفعل بالتحديد. ويعلم أن الطريق إليه خالٍ تمامًا. عمله هنا لسنوات جعله يعرف جيدًا متى يستطيع تنفيذ مخططه.
حين دخلوا من البوابة، أغلقها صلاح جيدًا وسار خلف بيبرس بخطوات مدروسة. يتوقعون ظهور ترتر في أي لحظة، لكنه لم يظهر. لينظر بيبرس إلى صلاح ببعض القلق. ليهمس صلاح قائلاً:
"يمكن جوه معاه."
ليرفع بيبرس كتفيه بلا علم. لكن صوت خطوات جعلهم يختبئون خلف أحد الأبواب. وظل بيبرس ينظر إلى الخارج بعين واحدة حتى رأى ترتر يقترب من غرفة الجوكر وهو يحدث نفسه:
"كل حاجة فوق راسي، روح يا ترتر.. تعالى يا ترتر.. أعمل يا ترتر.. أوف بقا.. أنا مش حمل كل ده.. لكن يلا كله يهون قدام رجولة الجوكر وإحساسه.. يالهوووي علية وعلى جماله."
كل هذا كان يقوله وهو يتمايل أمام المرآة التي تحتل إحدى جدران ممر الغرف. ليشعر بيبرس بالغثيان وهمس صلاح بتقزز:
"عيل (..) بصحيح.. تفو عليك وعلى اللي وصفك من الرجالة."
كتم بيبرس ضحكته بصعوبة وعاد يتابع حركات ترتر المائعة. وكل علامات التقزز ترتسم على ملامحه. حتى انتهى ترتر مما يفعل وتوجه إلى غرفة الجوكر. ليشير إلى صلاح حتى يلحق به.
وفي حركة مباغتة، وقبل أن يغلق الباب، كان يدفعه بيبرس بقوة ليسقط ترتر أرضًا متأوهًا كالنساء بصوت مائع. جعل صلاح يركله بقدمه وهو يقول:
"ما تسترجل يا جدع.. قرفتني."
انتفض الجوكر متراجعًا للخلف بصدمة حين وجد بيبرس يقف أمامه بكامل صحته. وخلفه الجساس يرفعون السلاح في وجهه. لقد وقع في الفخ وهو من ظن أنه استطاع أن يتخلص من بيبرس وفي نفس الوقت كسب الجساس في صفه.
ظل بيبرس ينظر إليه بانتصار. يغلف تلك النظرة ازدراء يفهم الجوكر سببها. جفت الدماء في عروقه وهو يرى ما يحمله بيبرس بين يديه. وقبل أن يقول أي شيء، قال بيبرس بأمر:
"اقفل الباب يا صلاح.. واهتم بترتر.. علشان خاطري."
ليبتسم صلاح وهو يقترب من ترتر الذي يغطي وجهه بخوف وقال بتسلية:
"متقلقش.. أنا مش بمد إيدي على الحريم."
أقترب بيبرس من الجوكر وهو يقول:
"كنت فاكر إنك خلصت مني.. مش كده؟"
لوى فمه للأسفل قليلاً. أكمل بحزن مصطنع:
"معلش بقا.. طلع خبر كاذب.. ورجعتلك من جهنم علشان أحاسبك على الأرض.. وبعدين أبعتك فوق تتحاسب تاني."
تراجع الجوكر خطوة للخلف وهو يقول برجاء:
"بيبرس.. أنت عارف إني بحبك.. وأنت أحسن جارد عندي.. أنت بس اللي عملت فيها دكر ووقفت في صف زيزي وعايز تطلع بدور البطولة."
ارتعشت يده وهو يمسك بالمال الموضوع فوق المكتب وأكمل في محاولة لإقناع بيبرس بالعدول عن قتله:
"خد الفلوس دي.. حلال عليك.. والفلوس التانية كمان اللي أنت أخدتها أنا مسامح فيها.. وخلينا ننهي الحكاية هنا.. قولت إيه؟!"
ليضحك بيبرس بصوت عالٍ. ثم قال بعيون تطلق شرارات الغضب:
"ده كان زمان.. قبل ما تفكر تغدر بيا.. وتهدد زيزي.. دلوقتي أنت بتلعب في الوقت الضايع يا خميس.. نهايتك قربت وهتقابل وجه كريم.. الجحيم في انتظارك.. بس قبل ما تمشي بقا عايز أقولك.. إن الباشا سبقك لفوق.. مستنيك على الجريل مع قوم لوط."
ليسمع صوت ضحكات صلاح المكتومة جعله رغمًا عنه يبتسم. لكنه أكمل بشر واضح:
"وأحب أقولك كمان.. إن بوعدك موتك مش هيعدي كده.. لا أبداً.. أنت هتمشي وسايب وراك فضيحة كبيرة."
وأخرج الظرف الأبيض من جيب سترته وأخرج ما به. والذي لم يكن سوى صورة مع الباشا التي التقطتها لهم. ألقاها في الهواء لتتناثر في كل مكان. وبعدها مباشرة، أطلق النار على الجوكر. ومن خلفه أطلق صلاح النار على ترتر. طلقة واحدة في منتصف رأسه. ثم بصق عليه وهو يقول:
"في داهية."
وقف الاثنان مكانهم ينظرون إلى تلك الأجساد الغارقة في الدماء وهي ملقاة أرضاً. ليقول صلاح بصوت هامس:
"صحيح.. للموت هيبة كده وبتأثر على الواحد من جوه.. لكن أنا سعيد إني خلصت البشرية من ترتر ده قبل ما يتكاثر ويملى البلد."
لا يعرف هل يضحك على كلمات صلاح. أم يبكي كونه أصبح قاتل. اليوم قتل إثنين. وأصاب أربع رجال. وقبل كل هذا كان يعمل في حماية ذلك المكان الذي يضم كل المحرمات. يرى ويسمع لكنه لم يكن يتكلم. لكن هل لو تاب بصدق وعاد إلى الله سيتقبله؟ سيغفر له ذنوبه؟
أخذ نفسًا عميقًا وهو يقترب من المكتب يجمع ما عليه من أموال. أعطى صلاح نصفهم. ووضع الباقي في جيوب سترته. وتأكد من وجود الصور واضحة لمن يدخل الغرفة. وغادروا الملهى كما دخلوا. لكن بعد أن قاموا بمسح تسجيلات كاميرات المراقبة. وفي الحقيقة كان هذا تفكير صلاح. ف بيبرس كان غشيماً في تلك الأمور. وبالسيارة قال بيبرس لصلاح:
"وصلني المستشفى. وبعدها من أبعد مكان عن الكباريه اتصل بالشرطة وبلغ عن موت الباشا وموت الجوكر.. وارمي تليفونك في النيل."
أومأ صلاح بنعم دون رد.
ظلت زيزي طوال الليل حتى توسطت الشمس السماء تفكر لماذا يريد هذه الصور؟ ماذا سيفعل بها؟ وكيف علم بأمر مكالمة الجوكر لها؟ أسئلة كثيرة ظلت طوال الليل تدور في رأسها ولا تجد لها إجابة. تشعر أن هناك شيء كبير سيحدث. قلبها يؤلمها بشدة. ولا تفهم السبب سوا أن هناك خطر كبير يحيط ب بيبرس. غلبها النعاس وثقلت جفونها وغطت في نوم عميق.
وبالخارج بالتحديد أسفل بيتها كان هناك جسد متوسط يقف في الظل. يراقب الموقف جيدًا وينتظر اللحظة المناسبة للتدخل وإنهاء الأمر.
عاد بيبرس إلى المستشفى من جديد. ومباشرة إلى الغرفة المخصصة وكأنه لم يغادر المستشفى من الأساس. أقترب من السرير وربت على كتف الشخص النائم في مكانه. لينظر بعين واحدة له. وحين تأكد من بيبرس. غادر السرير ليقول له بيبرس بصوت منخفض:
"الجساس مستنيك برة.. ومعاه الحساب اللي اتفقنا عليه."
ليبتسم الشاب بسعادة ورفع يده بالتحية وغادر. ليغمض بيبرس عينيه. يشعر بإرهاق شديد ويشعر أن الجرح يؤلمه بشدة. ارتدى زي المستشفى من جديد وتمدد على السرير وأغمض عينيه. لكنه لا يتحمل ذلك الألم. فرفع يده السليمة وضغط ذلك الزر الموجود بجوار السرير. لتحضر الممرضة وهي تقول بابتسامة بشوشة:
"حضرتك نمت كتير أوي."
لم يستطع أن يجيب عليها. لكنه جاهز في إخراج صوته:
"الجرح تاعبني جدا."
لتتحرك إلى الطاولة الجانبية وأخذت أحد الحقن ووضعت بها الدواء وحقن به عن طريق الكالونا الموصولة في يده وهي تقول:
"ده مسكن هيريحك إن شاء الله."
حين انتهت غادرت بصمت. ليغمض هو عينيه في محاولة للنوم. لكنه لم يستطع حتى بدأ مفعول المسكن وعادت بعض الراحة لجسده.
لم تستطع الذهاب إلى الاستديو. لم تنم جيدًا. تشعر أنها مستنزفة. عقلها غير قادر على استيعاب كل ما حدث. حادث عدنان. وسبقه اعتراف مراد بحبه لها. مرض جدتها. وحديثها. وكل هذا الضعف الذي ظهر أمام مراد ولم يظهر أمام أحد غيره. حتى أنها شعرت بالاندهاش من نفسها. أنها تشعر بالضياع. تحتاج أن تخرج ما بداخلها لأحد تثق فيه. تريد أن تخرج لشخص ما كل تلك الخيوط المشتبكة. ويقوم هو بترتيبهم وفك تشابكهم. لكن أدهم ليس في حاله تسمح له بمساعدتها. فيكفيه ما هو فيه. ماذا تفعل والى أين تذهب؟
بداخل الاستديو يجلس مراد في مكتبه بعد انتهاء البرنامج. يشعر بالضيق. إنها لم تحضر اليوم. افتقدها والبرنامج فقد جزء من روحه بغيابها. ومعظم الاتصالات كانت تسأل عنها. ويدعون لها بالشفاء والعودة سريعًا. أخرج هاتفه واتصل بها. أجابته بصوت مرهق. ليقول لها مباشرة:
"وحشتيني.. مفتقدك.. البرنامج وحش من غيرك.. الدنيا كلها ضلمة وكئيبة."
لم تجب على كلماته. ليكمل هو دون توقف:
"عارف إني مندفع في مشاعري.. وإني المفروض مقولش الكلام ده.. بس دي مشاعري يا ظلال.. غصب عني."
"فاهمة يا مراد.. بس أنت كمان لازم تفهم وتدرك إني مش هقدر أبادلك."
قاطعها وهو يقول بسرعة:
"أنا فاهم يا ظلال.. كلامك طول الليل بيتردد في ودني.. بس ده ميمنعش إني أقولك إن أنا وكل مستمعينك افتقدناكي النهاردة."
ابتسمت بسعادة حقيقية. وقالت بصدق:
"أنا كمان افتقدت الاستديو والشغل جدًا.. بس كمان محتاجة شوية وقت."
لم يدعها تكمل كلماتها أيضًا وقال بصدق:
"عارف يا ظلال.. خدي وقتك.. بس نصيحة.. الشغل ملوش علاقة بأي حاجة شخصية.. الشغل هيخرج الطاقة السلبية اللي جواكي وكل اللي بتمري بيه."
صمتت. ليست لكونها غير قادرة على الرد. ولكن لكونها تفكر في صدق كلماته. هي تعي ذلك تمامًا. لكنها تشعر أنها منهكة وفاقدة للقوى. كأنها كانت تخوض جولة ملاكمة. أو ماراثون للركض. أخذت نفسًا عميقًا وقالت بهدوء:
"اطمني بس على نناه.. وهرجع على طول."
أغلق الهاتف. وقد عادت إليه ابتسامته. صوتها.. حديثها.. رقتها.. حتى تلك التنهيدة التي أشعلت النار في صدره. كل شيء بها ومنها يسعده وبشدة.
بعد مرور يومين. أيام خرج أدهم من غرفته متوجهًا إلى غرفة أخته. لقد قرر السفر إلى عدنان. عليه أن يفهم كل شيء. يبحث جيدًا عن علاج لعدنان وعن كل السبل الممكنة وغير الممكنة التي يستطيع تقديمها لعلاجه ومساعدته. فما قرأه عن مضاعفات ذلك المرض جعله يشعر بنار حارقة في داخله. وخسارة قريبة ووشيكة. طرق باب غرفة أخته ودخل بعد أن سمع صوتها تسمح له بالدخول. وقف أمامها لتركض إليه تلقي بنفسها بين ذراعيه. لتقول بضيق:
"هطمني صح؟"
ربت على ظهرها بحنان وقال بهدوء قدر استطاعته:
"هطمنك.. بس عايز كمان أسافر وأنا مطمن عليكي.. وعلى شكران.. ولو احتجتي أي حاجة كلمي عبدالله."
ماشالت لمحت الفكرة في رأسها مع ذكره لاسم عبدالله. وبشرود أومأت. قبل أعلى رأسها وغادر متوجهًا إلى غرفة جدته. التي لم تستعد قوتها بالكامل. انكسرت بسببه وبسبب عدنان. فماذا سيحدث لها إذا علمت بما أصاب عدنان حقًا؟ إذا علمت بما يخفونه عنها؟ أخذ نفس عميق وترك على باب غرفتها. ودخل يرسم على وجهه ابتسامة واسعة وهو يقول:
"عايزة حاجة من بلاد الفرنجة.. غير إنك تطمني على عدنان؟"
"رجع لي أخويا سالم.. ارجعوا املوا عليا البيت واتجوزوا وخلفوا واملوا البيت عليا بالعيال."
قالت كلماتها بصوت مختنق والدموع تتجمع في عيونها التي تحيطها خطوط الزمن. ليركض إليها يقبل يدها وهو يقول بحزن:
"أحلامك وكلامك أوامر يا شكران هانم.. هروح أجيب الواد ده من برة وأول ما نرجع نروح علشان أخطب سليمة ونفرحك."
ابتسمت رغم الحزن الساكن في عيونها. ليقبل يدها من جديد. لتنحني تقبل رأسه وهي تدعو له. غادر غرفتها يشعر أنه يحمل فوق كتفه حملاً ثقيلًا. اتصل بعبدالله. الذي أجابه سريعًا. وقبل أن يقول أدهم أي شيء قال هو:
"كل حاجة تمام يا أدهم.. أنا بتواصل معاهم كل شوية.. وعدنان فاق وبقا زي الفل.. وممكن يرجع معاك."
ظل صامتًا لعدة لحظات بعد أن قال عبدالله كلماته. ثم قال:
"خلي بالك من جدتي وظلال.. هما في أمانتك لحد ما أرجع."
"إيه يا ابني.. هو أنت مهاجر؟ ده أنت رايح بلاد الغرب.. يمكن تغير رأيك وتشوف عروسة تانية غير آنسة سليمة."
قال كلماته ببعض المرح. ليقول أدهم بتحذير:
"عبدالله.. كله إلا سليمة.. ماشي."
"ماشي يا عم الحبيب.. تروح وترجع بالسلامة.. ونفرح بيك إن شاء الله.. ونفرح كمان بـ روج عدنان بالسلامة."
في طريقه إلى المطار. ورغم إنها تعرف جيدًا أنه سوف يسافر اليوم. لكنه لا يستطيع أن يسافر دون أن يسمع صوتها. عليه أن يخبرها أنه يحبها. ويخبرها أنه سيشتاق إليها. ويخبرها أنه حين يعود سوف تصبح خطيبته. سوف يخبرها بكل ما بداخله. كل هذا كان يفكر فيه والهاتف فوق أذنه. ابتسم بتلقائية حين وصله صوتها.
"السلام عليكم."
"وعليكم السلام.. ازيك يا سليمة."
حال آخر ما أصبح عليه. راحة وسكينة وهدوء هو ما يشعر به الآن. صوتها يجعل كل العالم من حوله يتحول إلى مرج أخضر كبير لا يسكنه سوا الطيور وبعض الفراشات. وأرانب بيضاء تقفز بسعادة. كانت صامتة لا تستطيع الرد على كلماته من كثرة الخجل. رغم أن سؤاله عادي. ليكمل هو كلامه:
"أنا في طريقي للمطار.. وإن شاء الله مش هطول.. ولما هرجع إن شاء الله هاجي بقا علشان أخطبك.. أنا عند وعدي."
أيضًا لم تستطع الرد على كلماته. ليقول بجدية حتى يرحمها من الخجل:
"خلي بالك من نفسك والشغل.. أجلي كل حاجة لحد ما أرجع.. ولو احتجتي أي حاجة ابعتيلي رسالة وهتصل بيكي.. وأنا كده كده هتصل بيكي يوميًا.. بس لو حصل أي حاجة تواصلي معايا."
"حاضر."
قالتها بصوت مرتعش. ليابتسم حين سمع تلك الكلمة منها. لكنه تذكر شيء مهم فقال بشك:
"سليمة.. هو امبارح حصل حاجة عايزة تقوليها ليا؟"
صمتت لثواني وهي تتذكر ظهور شخصية ثامر بالأمس. خاصة حين حضر رجل أعمال منافس لأدهم. فبعد عشر دقائق من المقابلة وبعز الكثير من الكلمات المستفزة ظهر ثامر بغروره وعجرفته. ووضع حد لذلك الرجل الذي خرج وهو يترجف خوفًا. أخبرته بذلك ليسألها بقلق:
"عملت إيه بالظبط يا سليمة.. عايز أفهم.. ببقا عامل إزاي؟"
صمتت لثوان ثم قالت بصدق:
"كنت قوي.. بارد.. مغرور.. عندك ثقة بالنفس تخلي اللي قدامك يخاف منك.. قادر تسيطر على كل اللي قدامك.. كنت قوي بس."
"بس إيه؟!"
سألها يحثها على الإكمال. لتقول بصوت مرتعش قليلاً:
"كنت رغم كل ده.. مثالي.. أنت مش بتيجي على حد.. أنت بس بتحافظ على اللي ليك.. فارس نبيل.. عارف كل أسلحتك وقادر على الانتصار من غير أي غش."
تنهد براحة. وقال ببعض المرح:
"أنتِ بتعكسيني يا آنسة.. لا لو سمحتي.. أنا شبه خاطب وبحب خطيبتي."
لتضحك بخجل. ليقول بعد أن أخذ نفس عميق براحة:
"كدة أقفل وأنا مرتاح.. سلام يا سليمة.. لا إله إلا الله."
"محمد رسول الله.. إن شاء الله ترجع بالسلامة."
أغلقت الهاتف. لكن هناك في عمق قلبها غصة مؤلمة لا تفهم سببها.
يتبع…
رواية أو أشد قسوة الفصل التاسع عشر 19 - بقلم سارة مجدي
بعد مرور ثلاثة أشهر … يجلس في مكتبه يباشر عمله بكل نشاط.
منذ عودته إلى الوطن وهو يشعر بنفسه وكأنه شخص آخر.
تلك الحادثة جعلت منه شخصًا جديدًا تمامًا.
ما كان يراه في أحلامه في تلك النومة الإجبارية جعلته يحاسب نفسه حسابًا عسيرًا.
وطوال الوقت يردد ما كان في حلمه الأول: "رضيت بالله ربًا، وبالإسلام دينًا، وبسيدي محمد صلى الله عليه وسلم نبيًا ورسولًا".
ثلاث مرات بعد صلاة الفجر ومثلهم بعد صلاة المغرب.
حتى أن إحدى الممرضات كانت ترددها بلكنتها العربية المتكسرة وتسأله عن معناها.
أبتسم وهو يتذكر ما حدث كله بعدما فتح عينيه في المستشفى التي تم نقله إليها.
يتطلع في وجوه الأطباء والممرضين الذين يحوطونه باهتمام خاص.
الكثير من التحاليل والأشعات وفحوص شاملة وكأنه فأر تجارب نجح في تجاوز كل الاختبارات.
وأصبح الحيوان المعجزة الذي نجا من وسط كل تلك التجارب الفاشلة السابقة.
كان يرى انبهار الطبيب المرافق له ويشعر أنه سيتوقف قلبه أو ستخرج عيناه من محجرها من كثرة الانبهار.
حتى وصل أدهم إليه بعد ثلاثة أيام.
عند وصوله شعر أن هذا هو الحساب الثاني، خطوة أخرى عليه أن يخطوها فوق تلك القطع الزجاجية المهشمة بقدمه العارية.
سوف يتلقى اللوم والكلمات القاسية والتعنيف والعتاب القاسي الذي يستحقه.
سيتحمل نظرات الازدراء أو الكره.
سيتحمل كل شيء، لكنه أيضًا سيسعى بكل طاقته لنيل غفرانه.
حتى لو ظل طوال حياته يتوسله ويرجوه حتى ينال صفح وغفرانه.
لكنه صدم بشدة حين وصل أدهم ودخل الغرفة بعد حديث طويل مع الطبيب.
ظل واقفًا بجوار الباب ينظر إليه بنظرات لم يفهمها في البداية، لكنه كان يشعر أن هناك من يعتصر قلبه بقوة.
خوف يحتل كل حنايا جسده دون رحمة.
دموع تتجمع في عينيه تجعل رؤيته مشوشة، فلا يرى تلك الدموع التي تلمع داخل عيني أدهم.
الذي ركض إليه في لحظة ليضمه إلى صدره بقوة، غير مراعٍ لتلك الكسور والجروح المنتشرة في جسد عدنان.
الذي أنَّ بخفوت وهو يقول بصوت متقطع:
"أدهم.. أد.. أد..هم.. أدهم".
يردد اسمه وكأنه طوق النجاة، كأنه الترياق الذي سيشفيه من كل السقم.
ظل أدهم يضمه بقوة لعدة لحظات ثم همس بصوت متحشرج:
"حمد الله على السلامة يا عدنان.. حمد الله على السلامة يا ابن عمي وأخويا.. يا سندي وقوتي".
ثم ابتعد قليلاً وهو ينظر إلى وجهه بتأمل ملامحه المنهكة وهو يقول:
"خوفتني عليك.. خوف أول مرة أحس بيه.. رعب خلاني أحس إني هموت.. أنا مكنتش عارف إني بحبك أوي كده وأني بخاف عليك أوي كده".
سالت دموع عدنان على وجنتيه وهو يمسك بيد أدهم يقبلها وهو يقول باعتذار ورجاء وتوسل ويعترف بكل أخطائه:
"أنا آسف يا أدهم.. سامحني يمكن ربنا يسامحني.. أنا عارف إني ارتكبت معاصي كتير.. استحليت الحرام.. زنيت.. مراعتش حرمات الناس.. كنت بكلم دي ودي.. وأخرج مع دي ودي.. وأنا عارف إن ظلال بتحبني وعارفة بكل غرامياتي.. لكنها منتظراني.. مستنياني.. استقويت وأنا فاكر إني هلف وألف وهارجعلها.. بنت عمي بقا اللي متربية على إيدي.. عارفها وضامنها.. كنت فاكر إن حساب ربنا بعيد أوي.. لكن القلم اللي أخدته ساعة ما عرفت بمرضي خلاني أفوق.. خلاني أبعد عن كل الحرام.. والله بعدت.. وخلاني كمان أبعد عن ظلال.. ظلال حب عمري وحياتي.. كل حاجة ليا في الدنيا.. وبقيت بدل ما أسعدها.. أعمل كل حاجة عشان أخليها تكرهني وتبعد عني.. تشوف حد تاني غيري يصونها ويحبها ويحافظ على قلبها الطاهر ويسعدها".
كانت الدموع تغرق وجهه وهو يتحدث بكل هذا الألم والانكسار.
شاركه أدهم الحزن والألم، لكنه ظل صامتًا يستمع لحديث أخيه ونزيف روحه.
"عارف أنا كل يوم كنت بتوجع وأنا شايف الحزن في عينيها.. نظرتها ليا اللي كلها لوم وعتاب كان بيدبحني.. لكن كنت بفكر نفسي إني بقيت منفعتهاش.. أنا موبوء.. مريض.. ورغم إن مرضي مجاش من النجاسة اللي عشت فيها عمري كله.. وجالي بسبب دم ملوث اتنقل ليا في عملية جراحية.. لكن عقاب ربنا كان صعب.. إنك تحس إنك نجس.. مش نضيف وقذر.. وأي لمسة منك لأي شيء هيتلوث.. هيبقى هو كمان نجس زيك".
أغمض أدهم عينيه بألم وهو يستمع لكلمات عدنان التي تشبه الخناجر تنغرس في القلب تقتل بلا رحمة.
لكن عدنان كان غارقًا في اعترافاته، لم يلاحظ ذلك الألم وتلك الدموع والحزن والانكسار الذي كسى ملامح أدهم.
هو في الأساس داخل دوامات من الألم والحزن والحسرة.
"عارف كنت بخاف أوي لما أقعد آكل معاكم.. وأخاف من هدومي لو اتغسلت مع هدومكم.. كنت بسهر ليالي وليالي.. أفتكر يا ترى لمست حد منكم وأنا مجروح.. لدرجة إني كنت عايز أعملكم تحاليل.. كنت بفكر ألف مرة قبل ما ألمسك أو المس جدتي.. قبل ما أخرج من أوضتي.. أرش مليون مرة المطهر على إيدي وهدومي.. عشان محدش يتأذي منكم بسبي.. بقيت أطهر كل حاجة بلمسها بإيدي.. بقيت أحس إن لازم أبقى منبوذ.. أستحق أبقى منبوذ لأني قذر.. قذر يا أدهم".
تلك الكلمات كانت خناجر وسهام قاتلة.
أغمض عدنان عينيه لثوان وقال بصوت بلا روح:
"يوم ما عرفنا بمرضك.. كنت بصرخ من جوايا: 'أنا كمان مريض.. أنا كمان محتاج دعم.. أنا كمان محتاج أحس إنكم خايفين عليا.. محتاج أحس إني مش قذر.. مش نجس.. وكلب أجرب لازم أفضل بعيد عنكم'".
فتح عينيه ونظر إلى أدهم، ليهول الأخير ما يراه داخل عيني ابن عمه.. ضياع.. طفل صغير تائه من والديه يشعر بالخوف والضياع.. ذعر واحتياج للأمان.
ليضمه بقوة وكأنه يريد أن يزرعه داخل صدره.
ليكمل عدنان كلماته:
"محتاج أحس بالطهر يا أدهم.. أنا خايف من مقابلة ربنا وأنا بكل النجاسة دي.. عايز أتوب.. عايز أتوب وربنا يغفر ليا ذنوبي.. عايز أموت وأنا نظيف يا أدهم".
ابتعد بقوة من أحضان أدهم يقول بهستيريا وهو يضرب على جسده وكأنه ينفض شيئًا ما عن ملابسه:
"إبعد عني.. أنا مش نضيف.. هوسخك.. هنجسك.. أنا مش طاهر.. أنا قذر يا أدهم.. قذر".
ليعود أدهم يضمه إلى صدره بقوة وهو يقول بصوت مختنق من البكاء وبنبرة صادقة لمست قلب عدنان:
"أنت أطهر قلب.. وأطهر إنسان.. أنت نظيف يا عدنان.. نظيف.. نظيف يا أخويا.. نظيف".
بكاؤه بصوت عالٍ كالطفل يقطع نياط القلب.
وأدهم يشعر بالخرس لا يجد ما يقوله لابن عمه، لا يعي أي شيء سوى أن عدنان يحتاج إلى عناقه بقوة، أن يظل بين ذراعيه كطفل صغير يحتمي من العالم داخل أحضان والدته.
لذلك كان يتشبث بملابس أدهم بقوة، حتى أن هناك جزءًا صغيرًا قد تمزق من قميص أدهم.
لكن من منهم يبالي أو يهتم.
عاد من أفكاره والدموع تلتمع في عينيه.
أن تلك اللحظات ستظل تؤثر به وبأدهم بشكل كبير.
لم يتوقف أدهم من وقتها عن ضمه إلى صدره، وكأنه يخبره بأصدق لغة أنه لا يخشى شيئًا وأنه ليس قذرًا وأنه لا يلوث من يقترب منهم.
صحيح هناك نظرة في عيون أدهم لا يفهمها، لكنه لا يهتم.
فمن يوم عودته والجميع يتعامل معه وكأنه طفل مدلل، خاصة جدته التي ظلت لأسبوع كامل تنام معه بالغرفة وترفض أن تتركه.
ورغم أنه تأكد بنفسه من حديث أدهم وأن لا أحد يعرف بخصوص مرضه، إلا أن ذلك الإحساس البغيض بالقذارة لم يفارقه.
تنهد وهو ينظر إلى تلك الصورة التي يضعها أمامه دائمًا من حفل خطبة ظلال ومراد، تضمه هو وأدهم وشكران تتوسطهم ظلال وخطيبها.
ويضعها هنا أمامه حتى تذكره دائمًا أن تلك الخسارة الكبيرة هو يستحقها.
استغفر بصوت مسموع وهو يغادر مكتبه متوجهًا إلى الحمام الملحق بمكتبه حتى يتوضأ.
فكلما شعر بالحزن أو بألم داخل قلبه يتوجه إلى الله عز وجل خالقه يتوسل له أن يغفر له أخطائه ويلهمه الصبر على قضائه وتحمل قدره.
انتهى من صلاته ودعائه لله، واعتدل يرتدي حذائه وهو يفكر: اليوم خطبة أدهم وسليمة.
ابتسم تلقائيًا، فتلك الفتاة بها شيء مميز يجعل أدهم بجوارها مختلفًا حقًا.
ابتسم ببعض المرح: اليوم مميز بالنسبة له.
أدهم ها هو وأخيرًا يأخذ خطوة مهمة في حياته وعليه أن يقف بجواره.
لذلك، وبأمر حازم، أخبره أنه اليوم إجازة، وهو سيهتم بكل شيء يخص العمل، وسوف يزين السيارة أيضًا، ويحضر الحلوى والهدايا المفترض أخذها معهم إلى بيت العروس.
توجه إلى مكتبه وضغط زر الاستدعاء ليدلف شاب في منتصف العشرينيات يقول بأدب:
"تحت أمرك يا أستاذ عدنان".
ليبتسم عدنان له بحبور وقال بهدوء:
"أنا ماشي.. أجل باقي المواعيد لبكرة.. ومتعملش حساب أدهم أو آنسة سليمة في أي اجتماعات بكرة كمان".
أومأ الشاب بنعم وغادر بهدوء.
أجمل ما يميز هذا الشاب أنه هادئ تمامًا، لا يتحدث كثيرًا، ينفذ الأوامر دون نقاش.
والأكثر روعة به أنه شاب وليس فتاة، يساعده على أن يعف نفسه ولا يدع له مجالًا لمجرد التفكير.
بذلك الشارب واللحية اللذان يزينان وجهه بوضوح.
ضحك بصوت عالٍ وهو يقول بتفكه:
"بقيت مثير للشفقة يا عدنان.. بقيت مثير للشفقة حتى من نفسك".
وأخذ أغراضه من فوق المكتب وغادر.
***
يجلس في المغطس داخل غرفة السباحة بصالة الألعاب الرياضية الموجودة داخل القصر.
يحاول الاسترخاء والهدوء.
أن اليوم هو اليوم الذي ينتظره منذ ثلاث شهور وأخره عنه الكثير.. مرض عدنان وتعافي ظلال من حبها لعدنان وخطبتها لمراد.
أراح رأسه للخلف يستمتع بتلك الدغدغة اللطيفة من مياه المغطس والتي تسبب لجسده استرخاء من نوع خاص.
لكن عقله كان هناك بعد ذلك اليوم الذي وصل فيه للمستشفى عند عدنان وجلس معه في تلك الجلسة الطويلة المليئة بالمشاعر المتضاربة.
بين حزن وغضب.. وقلق يصل حد الرعب.. وبعد الاطمئنان.. بين حزن وشفقة.. وفخر وسعادة.
ليصدم بعدها بما سمعه من الطبيب وهو يتحدث بلغته الأم التي يفهمها أدهم بوضوح ويستطيع التحدث بها بطلاقة:
"سيد أدهم.. لابد أن تعرف أن هذا المرض منتشر الآن بشكل كبير.. بسبب التجارة غير المشروعة في الأعضاء والدم أيضًا.. وما حدث مع ابن عمك شيء يحدث كثيرًا.. ألم تستمع لنشرات الأخبار وهي تتحدث عن الكارثة التي حدثت في إحدى الدول المتقدمة؟ هناك أكثر من ثلاثون ألف مريض تم نقل دماء ملوثة لهم وأصبحوا الآن مصابين بمرض نقص المناعة.. هذا المرض أصبح يشبه كثيرًا مرض السرطان.. بالطبع مع اختلاف الأعراض والعلاج وأيضًا المحاذير".
لم يشعر أدهم بالتحسن أبدًا بعد حديث الطبيب.
أن ما يتحدث عنه بكل تلك البساطة والبرود هو حياة بعض البشر.
وحياة من يتعامل معهم على جهل بمرضهم.
أنهم أناس على المحك بين الحياة والموت.
لكن الطبيب أكمل كلماته ببرود صقيعي:
"ابن عمك يستطيع التعامل بشكل طبيعي.. هذا المرض ينتقل فقط عن طريق الدم أو العلاقات الجنسية الكاملة.. حتى في هذا الأمر هو يستطيع أن يمارس حياته بشكل طبيعي لكن ببعض الضوابط والمحاذير.. كاستخدامه للعازل.. لكن بالطبع هو لا يستطيع الإنجاب.. لأنه ببساطة سينقل المرض لزوجته وهي ستنقله لأولادها".
كانت عين أدهم تتسع بصدمة من حديث الطبيب الفج.
لكنه لم يعلق بشيء.
هذا ليس بالأمر الهام الآن، لكن ما يهمه حقًا هو الاطمئنان على حالة عدنان.. وإلى أي مدى تطورت تلك الحالة.
ليكـمل الطبيب كلماته بنفس البرود:
"السيد عدنان مريض من سنوات بهذا المرض.. وكما علمت هو يلتزم ببعض الأدوية التي وصفها له الطبيب حين ذاك.. يستمر بعمل الرياضة والأكلات الصحية.. لكن هذه الأدوية لابد أن يتم تبديلها.. فهناك الكثير من الأدوية الحديثة التي ستفيد حالته".
أومأ أدهم بنعم ببعض الراحة، لكنها لم تستمر كثيرًا.
حين أكمل الطبيب كلماته قائلًا:
"عليك أن تتوقع تدهور حالة ابن عمك في أي وقت.. فنقص المناعة تعني أنه معرض للكثير من الأمراض دون جهاز مناعي يدافع عن جسده.. فمن الممكن أن يصاب بالسل كمثال".
حشرت الكلمات في حلق أدهم فلم يستطع أن ينطقها ولا أن يبتلعها مع تلك المرارة القوية.
ما هذا الذي يهذي به ذلك الطبيب؟
كيف يخبره بكل هذا البرود أن خسارة أخيه وشيكة وبشكل مؤلم؟
ماذا عليه أن يفعل أو يقول الآن؟
"لله الأمر من قبل ومن بعد.. إنا لله وإنا إليه راجعون".
لم يفهم الطبيب ما قاله أدهم ليكمل كلماته بعد أن خلع نظارته الطبية:
"هذا وارد وبشكل كبير.. أو أمراض السرطان.. أو الكثير من الأمراض الخطيرة.. عليه الحذر وعليكم مراعاة أن يكون كل ما يحيط به صحيًا".
فتح أدهم عينيه وتلك الدمعة الحبيسة تلمع داخل عينيه لتلك الذكرى المؤلمة.
لكنهم استطاعوا تخطي كل هذا حين ظهرت نتائج التحاليل والأشعات وأثبتت أنه بحالة جيدة.. وأن ذلك المرض اللعين لم يسبب له المشاكل بعد.
"بعد".. كلمة ثقيلة تدل على أن هذه المتاعب قريبة جدًا.
كشخص يمتلك قدرة خارقة بأنه حين يبلغ سنًا محددًا يستطيع أن يرى شبحه الخاص الذي سيقبض روحه.
وكلما كان بعيدًا عنه كان عمره طويلًا، وكلما اقترب يعلم بأن ساعته تقترب.
لكن حين وصل للسن المناسب وبدأ في رؤية ذلك الشبح خاصته وجده يقف على بعد متر واحد فقط منه.
وفي اللحظة التي تليها سقط جثة هامدة.
أخذ نفسًا عميقًا ثم أسقط نفسه داخل المغطس وظل هناك تحت المياه حتى شعر بحاجته للهواء لكنه لم يخرج.
ظل يحارب ويحارب ويحارب حتى شعر بالاختناق بالفعل ليخرج رأسه من المياه وهو يشهق بقوة.
لكنه بابتسامة صغيرة نظر إلى ساعة يده وقال بهدوء:
"فضلت دقيقة ونص.. فيه تقدم فعلًا.. ثامر ده قوي ومثابر.. وأنا مش أقل منه".
حين أنهى حديثه مع نفسه ضحك بصوت عالٍ ثم أكمل همسه قائلًا:
"بقيت مجنون رسمي يا أدهم.. بتتكلم عن ثامر ده كأنه شخص تاني خالص غريب عنك.. وكأنه مش أنت بس بشكل أجرأ.. وقدرات أنت كنت بتتمنى تبقى فيك".
عاد رأسه للخلف مرة أخرى باسترخاء وهو يبتسم.
اليوم سوف تصبح خطيبته.. اليوم سوف يصرخ بحبها وعشقها الذي سكن قلبه وروحه دون مجهود يذكر منها.
يتذكر جيدًا ما قامت به طوال فترة الثلاثة أشهر.
كيف كان يتصل بها من الخارج يشكو لها ضعفه وخوفه وتستمع هي له بكل رحابة صدر.
وتتحدث معه بهدوء حتى تريح قلبه وتخرج كل قيح الأحداث المؤلمة التي يمر بها.
حتى بعد عودته كان متلهفًا لرؤيتها أكثر من أي شيء.
ومن المطار مباشرة توجه إلى المؤسسة.
وهناك بجوار باباها ظل واقفًا يتابع حركات أصابعها فوق لوحة المفاتيح.
وهي تكتب بعض الأشياء بتركيز شديد.
يقاطعها اتصال، فتحرك يدها اليسرى تمسك بالهاتف تجيب ويدها اليمنى مستمرة في النقر على الحروف باحتراف وثبات.
تغلق الهاتف وتعود يدها بجوار الأخرى من جديد تنقر على المفاتيح بحرفية متناهية الدقة.
لم يعد يحتمل.. يريد أن يرى عينيها.. ويرى ابتسامتها حين تراه واقفًا أمامها وهي تعتقد أنه ما زال هناك.
خطى بهدوء لداخل المكتب وتلك السجادة الكبيرة التي أصرت هي في وضعها على الأرضية الثقيلة للمؤسسة وكأنها تظن نفسها في بيتها.
تمتص صوت خطواته فلا تصل لها.
حتى وقف أمامها مباشرة لكنها كانت في أوج تركيزها.
لكن للحظة توقفت يدها في الهواء وسكنت حركات أصابعها الرشيقة فوق لوحة المفاتيح.
حين شعرت بذلك الظل الكبير الذي خيم عليها.
لترفع عيونها تنظر لمن يقف أمامها.
لتشهق بصدمة وهي تنطق باسمه دون ألقاب:
"أدهم".
ليبتسم بسعادة.
رؤيتها ترد له روحه وتعيد إليه نفسه التي تتوه منه في دروب القلق والخوف.
وصوتها كانغام الموسيقى يسعد روحه.
وقفت وهي تنظر إليه مباشرة بدون تصديق.
لكنه جعلها تصدق بالطريقة الأكثر تميزًا:
"وحشتيني أوي يا سليمة.. وحشتيني لدرجة إني مكنتش عارف نفسي وأنا بعيد عنك".
لتشهق من جديد لكنها وضعت يدها على فمها تكتم تلك الشهقة وهي تقول بتأثر:
"أدهم".
"قلبي وروحه.. شبيكِ لبيكِ.. أنا بين أديكِ".
أجاب ندائها بصوت جعل كل خفقاتها تشعر بالخجل.
ليرحم خجلها خاصة وهي قد أخفضت رأسها وأصبحت تخفي عنه عينيها التي تشع بأمان كبير قادر على طمأنة العالم أجمع.
ليقول ببعض المرح:
"أنا جيت من المطار على هنا.. الشغل وحشني أوي وكنت قلقان عليه الصراحة.. لأنه كان تعبان امبارح شوية".
لترفع له عيونها الزاهلة وهي تردد خلفه بتعجب:
"الشغل كان تعبان امبارح؟!".
ليومئ لها براءة الأطفال وهو يكمل:
"وكنت خايف عليه أوي أوي.. وفضلت أدعي ربنا وأنا بصلي الفجر إنه يحميه ويباركلي فيه".
"الشغل؟!".
سألته ونظرات عينيها تخبره بكم هي مشوشة حتى إنها لا تعي أنه يتحدث عنها.
ليكمل بنفس البراءة:
"أه.. حتى قالي امبارح وهو بيكلمني.. هنام بقا عشان تعبانة أوي وعندي شغل كتير بكرة ومديري مش موجود وكل حاجة فوق راسي".
لتتسع عيونها بصدمة للحظات ثم أغلقتها بخجل وبعض الإحراج.
ليقترب من وجهها وهمس جوار أذنها:
"كان لازم أشوفك أول ما وصلت.. هسيبك تكملي شغلك.. وهروح أنااااااااااااااااااااام وأشوفك بكرة وهنتكلم كتير".
كانت وجنتاها تتلونان بألوان الخجل التي تنعش رجولته وتسعده بشدة.
ليرفع إصبعيه في تحية كتحية الكشافة وغادر.
لتظل على وقفتها تنظر إلى الباب بعدم تصديق وهمستها تصل له:
"أدهم رجع".
فتح عينيه على صوت هاتفه الذي أعاده إلى الواقع من جديد ليمسك به ويرى اسم عدنان، أجابه بابتسامة واسعة:
"ها يا ابني.. خلصت اللي وراك وجبت الحاجات اللي قولتلك عليها ولا لسة؟".
ليقول عدنان بتذمر طفولي:
"أوامرك كلها اتنفذت يا سيدي.. أي أوامر تانية قبل ما أوصل الفيلا.. ولا العبد الحبشي اللي اشتريته لسه وراه حاجة تانية".
ليضحك أدهم بانشداه وسعادة وهو يقول بصدق:
"يا ابني مش أنت اللي تطوعت عشان أنا النهاردة عريس".
ليصدر عدنان صوتًا يدل على ضيقه المصطنع.
ليكمل أدهم بنبرة حالمة:
"أنا مش مصدق يا عدنان إني خلاص هخطبها.. نفسي أقدر أقنع والدها إننا نكتب الكتاب.. ادعيلي".
ليقول عدنان بصوت عالٍ كأنه يتمنى تحقيق تلك الأمنية حتى يتخلص من أدهم وطلباته:
"يارب يوافق يارب عشان أنا اللي تعبت.. وعشان نخلص بقا من الأوفر".
ليضحك أدهم بسعادة على تذمر عدنان الطفولي والذي ينعش قلبه خاصة وهو يراه استطاع التغير بالفعل.
تقرب إلى الله.. التزامه بالقواعد التي وضعها له الطبيب بل وابتعده نهائيًا وبشكل كامل عن ظلال.. وذلك كان من أهم الأسباب التي جعلتها تستطيع أخذ قرارها في ارتباطها من مراد أو لا.
***
وبداخل تلك الغرفة الأنثوية الرقيقة التي تسكنها ظلال.
كانت تجلس في منتصف سريرها تتحدث إلى مراد بهدوء قدر استطاعتها، علها تستطيع امتصاص غضبه غير المفهوم بالنسبة لها وأيضًا غير المبرر.
لكنها وللعجب هادئة رغم كل شيء.
"أنا مش فاهمة دلوقتي.. أنت متعصب ليه؟ إيه الجديد اللي حصل عشان الغيرة دي كلها؟ عدنان من يوم ما اتولدنا وأحنا عايشين مع بعض في نفس البيت.. جدتي وأدهم موجودين كمان في البيت.. ده غير إن أنا قبلت أتخطب ليك وده معناه إني اخترتك أنت.. قدرت أتغلب على كل هواجس الماضي واخترتك.. وده يطمنك ويخليك تنسى أي كلام أنا قولته قبل كده.. لأني لو كنت عايزة أنسى عدنان بيك.. كنت وافقت على كلمة بحبك اللي قولتهالي يوم الحادثة.. ولعبت الدور اللي أنت عايز تعيشيني فيه دلوقتي يا مراد".
صمت غير قادر على الرد أمام كلماتها المرتبة والعقلانية.
خاصة مع هدوئها الشديد وثقتها أيضًا.
هو يعلم جيدًا أنه يبالغ في غيرته، لكن كل هذا بسبب حبه الكبير لها.
ذلك الحب الذي لم يجربه من قبل.. قلبه الذي أغلقه لسنوات وسنوات حتى وصل لسن الخامس والثلاثين دون أن يفكر في الحب أو الارتباط أو الزواج.
ظل الصمت سيد الموقف لعدة لحظات حتى تنهد هو وقال باعتراف:
"أنا بحبك يا ظلال.. أنتِ أول حب في حياتي.. أنت دنيا مكنتش بفكر أدخلها أبدًا.. ولما لقيتك مقدرتش أقاو ومقاومتش.. ولا أقوم الحياة اللي بتترسم قدامي بكل جمال ورقة.. بريشة فنان متميز عارف هو بيعمل إيه بالظبط.. ظلال.. أنا إنسان موسوس بالنظام والترتيب.. موسوس إن كل حاجة تكون في مكانها وفي وقتها.. جيتي أنتِ وكل حاجة بقت لا في مكانها.. ولا عارف أرجعها لمكانها.. أنتِ اسمك ظلال.. لكن خليتي حياتي بسببك بقت كلها نور.. وخايف النور ده يكشف ظلامي ووساوسي ومخاوفي وعيوبي وتكون النتيجة إنك تبعدي عني".
لأول مرة منذ وافقت على الارتباط به، يتحدث معها بتلك الطريقة.
يوم موافقتها على الارتباط به كان بعد رجوع عدنان من الخارج بشهر.
كانت في هذا الوقت تحاول تجنبه والتقرب لعدنان في محاولة بائسة منها ليراها كما تتمنى ويتحقق حلمها.
لكنه وقف أمامها وبهدوء شديد قال:
"ظلال.. أنتِ بنت عمي وأختي الصغيرة.. أختي اللي ربيتها على إيدي.. أختي اللي بخاف عليها من الهوا الطاير.. واللي هقف جمبها وجمب أدهم وهو بيسلمها لعريسها اللي يستاهلها".
كانت الدموع تتجمع في عيونها، لكن رغم كل شيء شامخة برأسها للأعلى.
تأبى أن تنهار أمامه أو تتوسله الوصال.
ليكمل صفعها حتى تبتعد عنه دون رجعة.
ورغم أنها تتألم، لكن ألمه هو أكبر بكثير، هو من يعشقها.. يقرر الابتعاد عنها بإرادته.
والأكثر يقوم بجرحها وطعن قلبها بخنجر بارد حتى تبتعد عنه تمامًا.
واضعًا مصلحتها نصب عينيه غير مبالٍ بألمه هو.
جرحه لن يندمل يومًا، لكن جرحها هي مؤكد سوف يندمل.
ستجد من يحبها حقًا.. يدللها.. يعرف قيمتها ومعدنها ويبذل كل ما يستطيع حتى يسعدها.
"ولازم يفهم إني هطلع عينه لو زعلك في يوم.. ويمكن نتجوز في نفس اليوم.. ادعيلي بس ألاقي بنت الحلال اللي أمها غضبانه عليها".
وربّت على وجنتها وهو يرسم ابتسامة واسعة وغادر.
لتتحول ابتسامته لبؤس شديد.. وحزن عميق.. وألم ارتسم على ملامحه وحنى ظهره.
وظلت هي واقفة في مكانها الدموع تغرق وجهها ونشيج منخفض يصدر عنها.
ليضمها أدهم بقوة وهو يقول:
"أنا معاكي يا حبيبتي.. عيطي.. من حقك.. لكن لازم تتخطي.. صحيح منقدرش نلوم عدنان إن قلبه محبكيش زي ما أنتِ حبتيه.. لكن أنتِ قادرة على إنك تنسي.. وتبقى تجربة مؤلمة تتعلمي منها".
أومأت بنعم وهي تخبئ وجهها في صدره تبكي بصوت عالٍ.
ليشد من ضمها وهو يشكر عدنان بداخله.
ما قام به رغم صعوبته فهو عمل نبيل.. وكما يدعم ظلال في هذه الحالة.. فعليه أن يفعل المثل معه هو يستحق هذا بكل المعاني.
في ذلك الوقت ظلت ظلال في غرفتها تبكي أحيانًا.. تهدأ وتعود لتبحث عن تبريرات وأحتمالات.. تبحث عن شعاع نور أمل كاذب أن ما يقوم به له سبب.. أن هناك ما يمنعه من الارتباط بها.
لكنها وبعد مرور أسبوعين كان قرارها الأخير.
طوت صفحة عدنان.. فلا أمل بعد كل هذا بينهم.
عادت إلى عملها.. وأول يوم لها كان مراد في انتظارها في مرآب الاستديو.
ينظر لها بشوق ولهفة.
أقترب خطوة وذراعاه تريد أن تضمها بقوة.
لكنه أنزلها وهو يقول بصوت مرتعش ظهر فيه شوقه الكبير لها:
"حمد الله على السلامة.. المحطة والبرنامج كانوا وحشين أوي من غيرك".
ظلت تنظر إليه بتتمعن وبداخلها أخذت قرارها.. سوف تغلق عينيها التي لا ترى سوى عدنان.. وترى مراد بكل تفاصيله.. وتسعد قلبها بحبه الكبير الواضح.
إذا لم تستطع أن تحيا مع من تحب.. إذاً لتعيش مع من يحبها ويسعدها ويسعد بها.
ومنذ ذلك اليوم بدأت تتجنب عدنان كما يتجنبها.
تسعد بلحظاتها مع مراد.. حتى تلك الليلة يوم احتفال القناة بذكرى أول حلقة من البرنامج والذي هو نفسه يوم ميلاد مراد.
وبعد الاحتفال في القناة مع كل العاملين ومدير المحطة.. خرجا سويًا للاحتفال.
وهناك وبعد الكثير من الكلام قالت له بخجل:
"كل سنة وأنت طيب يا مراد.. عقبال سنين كتير جاية حلوة وأنت ناجح ومكسر الدنيا".
"وأنتِ معايا يا ظلال.. هي دي أمنيتي في عيد ميلادي السنة دي".
قاطع كلماتها وهو يقول بكل حب وشوق.
لتبتسم بخجل ليكمل هو بتوسل يلامس قلبها ويربت على جرح قلبها بسبب رفض عدنان لها:
"أنا بحبك يا ظلال.. بحبك جدًا.. جدًا.. جدًا.. أنتِ بقيتي كل حاجة في حياتي.. اللي اتحولت من حياة رتيبة ومملة لحياة كلها حياة وحب وسعادة بصوت ضحكتك ونظراتك اللي بتجنن".
لترفع عيونها له وقالت بصوت ضعيف بصعوبة سمع:
"أنت عارف مكان أدهم.. ولو تقدر تقوله الكلام ده قول له.. وأنا لما يسألني هقوله موافقة".
توقف الزمن.. أو الهواء.. توقفت الساعة.. أو أنفاسه هو.. لا يعلم.. كل ما يعلمه أنه سمع منها الآن ما رد له نبضات قلبه المسلوبة منذ أول مرة رآها.
لا يهم توقف الزمن.. لا يهم أي شيء.. ما يهمه الآن أن ظلال تعطيه الضوء الأخضر حتى يقترب ويأخذ خطوة حتى تصبح له.
أخذ نفسًا عميقًا وهو يقول برجاء:
"ظلال.. أنتِ قولتي إيه؟ بالله قوللي إني سمعت صح.. أنتِ وافقتي أني أخطبك من أدهم صح؟".
أومأت بنعم بخجل وابتسامة خطفت قلبه المسلوب بالأساس ولا تفارقه.
كان يريد أن يغادر مقعده ويركع أمامها يقبل يديها ويوعدها بالحب الأبدي.
لكن الناس المحيطين بهم جعلوا ذلك العاشق المجنون الذي اكتشفه في نفسه مؤخرًا يظل جالسًا في مكانه.
وبعدها كانت الخطوة التي أغلقت قلبها تمامًا من عدنان.. حين كان يجلس بجوار أدهم يجادل مراد ويتوعده بأقصى عقاب إذا حزنت بسببه يومًا.. وبكل قوة وثبات يخبره أنه كأدهم بالضبط وسوف يقف في وجهه دائمًا من أجلها.
عادت من أفكارها على صوت مراد وهو يقول:
"أنا كل اللي محتاجه يا ظلال إن قلبي يطمن.. مستاهلش إني أطمن".
"تستاهل يا مراد.. ومفيش حد غيرك يستاهل.. ولازم تعرف إن لو لقدر الله افترقنا.. عدنان مش هيكون السبب.. ويا ريت نقفل الموضوع ده نهائي.. عدنان ابن عمي وفي مقام أخويا وبس.. ويا ريت تتعامل معاه زيه زي أدهم بالظبط".
جاوبته بثقة وقوة ألجمت لسانه لثوان.. لكنه في النهاية تنهد براحة وقال بهمس:
"بحبك".
"وأنا كمان يا مراد.. بحبك".
ليغلق الهاتف معها بعد أن ظل يتحدث معها لأكثر من ساعة.
عن التغيرات الذي يقوم بها في شقته من أجلها.. وأرسل لها بعض الصور لتختار ما تريده.. وأنه في انتظار قرارها الأخير عن موعد عرسهما.
***
تجلس في غرفتها منذ الصباح تستعد كأي عروس بوضع المساحيق على وجهها والاسترخاء حتى تبدو أمام العريس وأهله ببشرة نضرة.
خاصة وهي لا تضع الكثير من مساحيق التجميل.. فقط كحل أسود يحدد عينيها.. وبعض الحمرة الخفيفة على الوجنتين وملمع خفيف لشفتيها.. أقرب للمرطب.
لكن تلك الجلسة تحولت لحلقة من الذكريات خاصة بعد تلك الليلة التي اعترف لها فيها بحبه ورغبته في الارتباط بها.
واليوم الذي تلاها حيث وجدته نائمًا في مكتبه.
ثم ما حدث خلال فترة سفره.
كان يتصل بها كل يوم صباحًا يطمئن عليها وعلى سير العمل وإذا كانت بحاجة لسؤاله عن شيء.
وفي المساء يتصل مرة أخرى حتى يقص عليها كل ما حدث معه.
ورغم أنها كلها أمور مكررة، لكنها كانت تستمع له في كل مرة بتركيز شديد وتجيبه باهتمام أشد.
وذلك كان يجعله يشعر ببعض التحسن وبعض المؤازرة.
لم يتجاوز معها في الحديث، لكنه كان يخبرها في كل مرة كم يرتاح للحديث معها ويشعر بالأمان والدعم.
حتى أنه في إحدى تلك المرات قال لها بوضوح وصراحة:
"من أول مرة شوفتك فيها.. هيئتك، صوتك، أسلوبك في الكلام.. خلاني أحس بحاجات أول مرة كنت أحسها.. وقتها سيطر عليا إحساس إني عايز أشوفك كل يوم.. عايز أسمعك كل يوم.. ولما اكتشفت إنك عارفة بموضوع مرضي.. كنت خايف أشوف في عينك نظرة خوف أو رفض.. لكن اتفاجئت بنظرة الدعم والتشجيع.. وقبول ودعم اللي خلاني لما عرفت مشكلة عدنان لقيت نفسي بجري عليكي أنتِ.. ودلوقتي ورغم كل المسافات وأنك في قارة وأنا في قارة.. لكن حاسس إنك واقفة جنبي وسنداني".
شعرت حينها برغبة قوية في ضمه إلى صدرها.. أن تخفيه عن العالم أجمع.. أن تحمل بدلًا عنه كل تلك المشاكل والهموم.
ابتسمت بخجل وهي تتذكر ذلك اليوم الذي تفاجئت به يقف أمامها في مكتبها بالمؤسسة وكانت تظنه ما زال بالخارج.
ليصدمها بأنه أتى ليراها مباشرة بعد وصوله حتى أنه لم يذهب إلى بيته ولم ينم.
تتذكر جيدًا أن بعد رحيله ظلت أكثر من نصف الساعة سارحة وعلى وجهها ابتسامة بلهاء.
ولم يخرجها من تلك الحالة سوى اتصال هاتفي.
تنهدت ببعض الراحة وابتسامة شقاوة ترتسم على محياها وهي تتذكر ذلك التحول الذي حدث له وظهور ثامر العابث وما حدث بعد ظهوره وكل الأحداث التي تلاها.
كانت تجلس في مكتبها ترتب بعض الأوراق استعدادًا لاجتماع هام وطارئ ليطلب منها الحضور.
لكن صوته كان غاضبًا بشدة.
دلفت إليه بعد أن طرقت الباب عدة مرات لكنه لم يسمح لها بالدخول.
لتفتح هي الباب ودخلت ليصدمها صوته وهو يقول:
"خبطي بعد كده خبطة واحدة وأدخلي.. أنتِ مش داخلة عليا أوضة نومي ف هتلاقيني قالع مثلًا".
شهقت بصوت عالٍ من كلماته الوقحة.
ليرفع عينيه إليها لتفهم أن من يتحدث هو ثامر وليس أدهم.
كشرت حاجبيها وهي تنظر له ببعض الشر.
ليكمل هو وقاحته المحببة على قلبها للأسف:
"وبعدين أكيد أنا مش هفكر أغريكي.. أنتِ مش من نوعي المفضل".
لتغمض عينيها بشر وقالت من بين أسنانها:
"وأنت كمان مش من نوعي المفضل.. وأنا هنا عشان الشغل مش عشان أعجب بيك ولا أوقعك في شباك حبك".
لتظهر الصدمة على ملامحه وهو يقول بغضب مجروح:
"ليه بقا إن شاء الله مش قد المقام.. ولا مش وسيم ورجولة.. وطول بعرض وعيوني تجنن وكاريزما".
لتبتسم ببعض الاستهزاء وقالت بعدم مبالاة:
"بالعكس خالص.. أنت مش من النوع اللي يعجبني ولا من النوع اللي يملى عيني أصلًا".
كاد أن يجيب عليها لكن رنين هاتفه قطعه.
لينظر إلى الاسم وأبتسم بشر وهو يجيب مدللًا لمن تحدثه:
"حبيبتي.. وحشتيني يا بت.. فين الغيبة دي كلها.. هان عليكي ثمورتك.. وحشتني شقاوتك.. أخبار الوحمة إيه؟".
رغمًا عنها ورغم أنها تعلم جيدًا أن تلك الشخصية الأخرى وأن لها شطحات.. لكن نار حارقة اشتعلت داخل قلبها.
وقبضة من حديد اعتصرته حتى كاد نبضها يتوقف.
تجمعت الدموع في عينيها.. وهي تستمع له يتغزل في من تحدثه بكل تلك الفجاجة والوقاحة.
لكنه صمت تمامًا حين لاحظ حالتها.
هناك في عمق قلبه شيء ما كان يؤلمه.. دموعها أو حزنها.. هو لا يعلم.
لكنه وجد نفسه يغلق الهاتف وظل ينظر إليها بصمت حزين.
لترفع عيونها لعينيه لبضع لحظات ثم قالت بصوت مختنق:
"حضرتك عايز حاجة مني.. ولا ممكن أرجع مكتبي؟".
أقترب عدة خطوات وكان يريد قول أي شيء لكن عقد لسانه وشعر أن لا يوجد ما يقال أو هو لا يعرف ماذا عليه أن يقول بالتحديد.
يعتذر.. لماذا؟ هي لا تخصه بأي شيء حتى يعتذر لها عن مغازلة غيرها.
لكن لماذا هي تتألم؟.. وقلبه يتألم على ألمها.
لكنه هز رأسه بلا.. لتعطيه ظهرها وغادرت مهرولة.
ليجد قدميه تأخذه إلى الباب يفتحه برفق.. ينظر إليها وهي تضع رأسها فوق ذراعيها المستريحتين فوق المكتب تبكي بقهر.
لماذا؟ هو لا يفهم.
ظلت طوال اليوم تتجنبه وكذلك هو.. وفي نهاية اليوم غادر دون أن يتحدث إليها بحرف.
وحين عادت إلى بيتها أول ما فعلته حين دخلت الشقة ركضت إلى غرفتها ومنها إلى الشرفة تبحث عن أي أثر له.
سمعت صوتًا صادرًا من الشقة وبعدها بلحظات صوت تهشم شيء ما وصوته الغاضب وهو ينطق بعض الألفاظ النابية.. ثم هدوء تام.
ظلت واقفة في مكانها لا تعرف كيف تفسر ما شعرت به من غيرة ونار حارقة تلتهمها من الداخل.
صوت تحريك الكراسي نبهها من أفكارها لتنظر عبر ثقوب الأرابيسك لتجده جالسًا على أحد الكراسي ويمدد قدمه على الكرسي الآخر وبين يديه كوب قهوته صاحبة الرائحة المميزة.
لا يرتدي سوى بنطال بيتي فقط لتشهق بصدمة وخجل.. وركضت إلى الداخل ليبتسم هو بشقاوة فقد لاحظ وقفتها وشرودها وحرك الكرسي بصوت عالٍ لتنتبه لحضوره.
وبعد أكثر من ساعة دخلت إلى الشرفة من جديد لتجده ما زال هناك على نفس الوضعية.
لتعود إلى الداخل وظلت على هذا الحال حتى الليل تنظر إليه لتجده بنفس الوضع حتى اكتشفت أنه كان نائمًا.. لتبتسم رغم عنها.
فدخلت حتى تتناول الغداء مع والديها وكانت حينها شارده تمامًا وذلك زاد من قلق والديها.
لكنها في الحقيقة لم يكن لديها مبرر أو توضيح تقوله لهم.. فانسحبت إلى غرفتها متحججة برغبتها في النوم.. ولكنها كانت تريد أن تطمئن عليه.
لتجده قد غادر وأبواب الشرفة مغلقة لتعرف أنه رحل.
شعرت بالاحباط وهي لا تعرف أين ذهب.
وسؤال حارق كاد يقتلها.. هل ذهب للقاء تلك الفتاة؟
في صباح اليوم التالي ذهبت إلى المؤسسة ويرتسم على وجهها الحزن والغضب في مزيج غريب.. وكل هذا يغلفه الصمت.
حتى لو أخبرها أنه سوف يخطبها.. لكنه لم يصبح خطيبها بعد.. كما أنها غير قادرة على محاسبته على ما قامت به شخصيته الأخرى.
لكن ماذا تفعل في تلك الغيرة التي تنهش قلبها كذئب جائع؟
حين حضر كانت ابتسامته الودودة المريحة للقلب والنفس ترتسم على محياه.
لكنها قابلته بذلك الوجه غير المفسر.
وزاد الأمر أنها تتحدث معه برسمية شديدة.. في أي حديث هناك كلمة "حضرتك ويا بشمهندس.. وأحيانًا يا فندم".
ولا تعطيه فرصة لسؤالها عن أي شيء.
لكن على نهاية اليوم لم يعد يتحمل.. فكثرة العمل والمقابلات كانت تقف في صفها وتضع حاجزًا غير مرئي بينهم.
لكن لن يدعها تذهب اليوم دون أن يفهم سبب ذلك الحزن المخلوط بغضب.
رفع الهاتف وبكل رسمية طلبها:
"آنسة سليمة.. ممكن تجيلي لحظة لو سمحتي".
"حاضر".
أجابته بهدوء ظاهري يصل لحد البرود.
لحظات وسمع طرقاتها الرقيقة على الباب.. سمح لها بالدخول.
وقفت أمامه وبين يديها المفكرة الخاصة بها والقلم وقالت:
"تحت أمر حضرتك".
"لا.. هذا كثير جدًا.. هو لم يعد يتحمل".
غادر مكتبه ووقف أمامها وهو يقول ببعض العصبية:
"فيه إيه يا سليمة.. مالك؟ أنا عملت حاجة تزعلك؟".
لمعت شرارة غضب قوية في عينيها.. لكنها أسبلت جفنيها وقالت:
"لا يا فندم".
ليصرخ بصوت مكتوم:
"بطلي بقا.. طول اليوم يا فندم وحضرتك وأوامرك.. يا سليمة لو عملت حاجة ضايقتك قوليلي.. امبارح واقع مني ومش فاكر حصل فيه إيه وده معناه إن الشخصية التانية هي اللي كانت موجودة.. لما كنت ثامر.. تطاولت عليكي بالكلام أو بالفعل؟ أرجوكي قوليلي كل حاجة من فضلك".
صمت ينتظر أن تجيب تساءلاته أن تطمئن قلبه.
ليتحول الغضب الذي كان يملأ قلبها إلى شفقة وحزن لتسبل أهدابها من جديد وقالت بحرج:
"قولتلي إنك مش من النوع اللي أنا بحبه.. وإنك مش هتعاكسي ولا حتى هتحاول تقربي مني.. وتغازلني".
اتسعت عيناه بصدمة من وقاحة الأسلوب.. وما سبب لها من جرح.. لكنه لم يكن يتخيل أن القادم أصعب.
حين أكملت بصوت مختنق:
"وفيه واحدة اتصلت بيك وفضلت تتكلم معاها وتقولها.. تقولها.. تقولها".
"وأقولها إيه؟!".
قال ببعض العصبية يحثها على إكمال كلماتها.
لتنحدر دمعة من عينيها وهي تقول بصوت ضعيف:
"كنت بتحب فيها.. وواضح إن فيه بينكم علاقة قوية.. كنت بتسألها عن.. عن".
"عن؟!
سأللها بصوت مختنق.
لتغمض عينيها بقوة وهي تقول بصوت يكاد يسمع:
"كنت بتسألها عن الوحمة".
لو سأله أحد الآن هل يتنفس فالإجابة لا.. وإذا سأله هل ما زال هناك نبض بقلبك؟ فالإجابة أيضًا لا.
خيم الصمت عليهم لعدة لحظات أو دقائق.
كل منهم يحارب الكثير من المشاعر والأحاسيس.
هي تحاول منع المزيد من الدموع من الانحدار من عينيها.. وهو كان يحاول أن يجد كلمات يواسيها بها وتكون مناسبة وكافية للاعتذار.
لكنه وجد نفسه يقول بحزن شديد وخجل:
"مفيش كلمات أو اعتذارات تكفي للي أنتِ سمعتيه يا سليمة.. ولا للجرح الواضح في عينيكِ اللي أفديه بحياتي وروحي.. كلمة أسف مش هتشفي الجرح.. لكن للأسف ده أنا شخص مريض.. عندي شخصيتين.. والشخصية التانية للأسف مليش عليها سيطرة ولا بقدر أتحكم فيها.. بس ده ميخليكيش تستحملي أو تقبلي.. أنتِ مش مجبرة أكيد.. دي مشكلتي أنا يا آنسة سليمة.. ومن كل قلبي.. أنا آسف.. آسف".
وتركها تشعر بالصدمة من حديثه وغادر المكتب بل والمؤسسة ككل.
ماذا الآن؟.. هل تخلى عنها؟.. هل هو الآن يترك يدها التي كاد أن يمسكها؟.. والسؤال الأهم ماذا عليها أن تفعل الآن؟
رواية أو أشد قسوة الفصل العشرون 20 - بقلم سارة مجدي
عادت من أفكارها عن تلك اللحظة المؤلمة والتي استمر أثرها معها طوال ذلك اليوم. كانت حزينة ولا تعرف ماذا تفعل أو تقول.
لكنها حين عادت إلى بيت ألقت بنفسها بين ذراعي والدتها تبكي بصوت عالٍ، وكأنها تريد إخراج ذلك الألم الذي يعتصر قلبها وروحها مع تلك الدموع التي تغادر عينيها.
ظلت والدتها تضمها إلى صدرها وتربت على ظهرها بحنان، وتسألها بقلق:
- مالك يا بنتي فيه إيه؟ ليه كل الدموع دي؟
- أحضنيني بس يا أمي، محتاجة حضنك، محتاجة أحس بالأمان بين إيديكي وبس.
سالت من بين شهقاتها وهي تتشبث بملابس أمها بقوة، لتضمها فاطمة بحنان وبدأت في تمسيد ظهرها برقة وهي تقرأ بعض آيات الذكر الحكيم.
وبعد قليل من الوقت قالت سليمة بصوت مختنق تحاول طمئنة والدتها:
- متقلقيش يا أمي، كل الحكاية حصلت مشكلة كبيرة النهاردة في الشغل. وكنت خايفة أوي ومكنتش عارفة أتصرف. علشان كده لما خلصت وكل الأمور اتحلت حسيت إني محتاجة أعيط في حضنك وأحس بالأمان.
لتربت فاطمة على وجنة ابنتها وهي تقول بابتسامة حانية:
- حبيبتي الصغيرة البريئة، الشغل كده يوم فوق ويوم تحت ضغط ومشاكل. ولازم تبقي قد المسؤولية اللي أنتِ شيلاها.
وأبعدتها قليلًا عن حضنها وأكملت وهي تربت على صدرها بثقة، وتنظر إلى عينيها بحنان وحب:
- لكن كمان هنا مكانك وقت ما تحتاجيه. هنا عيطي وافرحي، هنا بيتك ومكانك ليوم ما أموت.
لتضمها سليمة بقوة وهي تقول:
- بعيد الشر عنك يا أمي، ربنا يبارك في عمرك وصحتك وتفضلي ديمًا منورة حياتي وبركة بتنورلي طريقي ودعوة بتحميني من كل شر.
وبعد بعض الوقت جلستهم بين ذراعي والدتها تتمتع ببعض الدفء والأمان.
تركتها ودخلت إلى غرفتها تحتمي فيها من كثرة التسائل ونظرات القلق، ولتكون فيها على طبيعتها حزينة حائرة.
صوت حركة من اتجاه الشرفة جعلها كالمنومة، تتوجه إليها لترى ما هذا الصوت. أمن الممكن أن يكون أدهم أتى إليها ليعتذر لها عما قاله. بخطوات مترددة وقلب متلهف فتحت أبواب شرفتها تنظر إلى الخارج بحذر.
لتجده يجلس على سور شرفته وساقه إلى الخارج عاري الصدر وبنطال بيتي أسود. وشعر مشعث ينظر إلى السماء بشرود. لتشهق بصدمة وخوف وبلهفة وقلق.
دخلت سريعًا إلى شرفتها وهي تقول:
- أنت قاعد كده ليه هتقع؟ إحنا في الدور الرابع. انزل بسرعة انزل أبوس إيدك.
نظر لها بعبث وحاجبين مرفوعان وقال ببعض الغرور:
- معتقدش إنك خايفة عليا بجد ولا حتى مهتمة. أنتِ مش بتحبيني. وبعدين أنتِ مالك أصلًا؟
حاولت أن تهدأ، وتبحث في عقلها على ما تقوله له حتى يتعقل ويعود لوعيه وينزل عن السور. إن من يجلس أمامها الآن هو ثامر بكل غروره وعناده. لكنها ظلت لثوانٍ عديدة تنظر إليه بعيون متسعة، والكلمات حشرت داخل حلقها، وكأن عقلها أصبح خاويًا تمامًا من الكلمات.
لينظر لها بطرف عينيه وقال بنزق:
- ادخلي ادخلي ومتعمليش فيها مهتمة. أصلًا أنا حياتي مش مهمة لحد. لا ليا أصحاب ولا أهل. ولا حبيبة. أعيش لمين؟
- ليك.
أجابته سريعًا وبلهفة. لينظر لها بصدمة. لتكمل كلماتها وهي تقترب من سور شرفتها:
- عيش ليك أنت، مش لازم تعيش عشان خاطر حد. أنت مهم لنفسك. ده غير بقى إن الانتحار حرام، وأكيد مش عايز تقابل ربنا وأنت عامل الذنب الكبير ده.
كان ينظر إليها ويستمع إلى كلماتها بصوتها الحاني المرتعش. يلمس ذلك الشيء الموجود في تجويف صدره ويجعله ينبض دون سبب. والأكثر الآن أنه ينبض بلهفة للاستماع أكثر وأكثر لصوتها وكلماتها.
وكأنها كانت تشعر برغبته وتسمع صوته الداخلي. أكملت بهدوء:
- مش كل الحاجات اللي بتروح مننا بتكون خسارة. ممكن يكون خسارتنا ليها مكسب لينا. ربك عالم ومطلع وعارف وهو أدرى بالخير فين. ارضى وهتلاقي كل حاجة حلوة بعد كده.
ظل ينظر إليها طويلًا حتى ظنت أنه يفكر في كلماتها وقد اقتنع بها. لكنه ابتسم بسخرية وهو يقول:
- ذنب إني أموت نفسي ده هيكون أبسط الذنوب اللي أنا ارتكبتها. أنا زنيت. سرقت وافتريت. خربت بيوت ناس كتير أوي يا قطة. فدور الواعظ ده اعمله مع حد تاني غيري. أنا أبواب الجحيم مكتوب عليها اسمي.
لاشهق بقوة من قسوة التشبيه والخوف الذي يسكن قلبها من أن يكون قد فعل كل هذا فعلًا. لكن عاد ذلك الصوت يخبِرها من جديد. “ده ثامر مش أدهم. ثامر الشخصية اللي أدهم ملوش تحكم فيها ولا في تصرفاتها. أدهم مريض يا سليمة. مريض ومحتاجك. هو قالك كده؟ قالك محتاجك. هتسبيه يا سليمة؟”
لتجد نفسها تجيب بشكل قاطع:
- لا.
لتبتسم وهي تقول:
- إن الله غفور رحيم. تقدر تتوب. وترجع لربنا. عارف هحكيلك قصة.
نظر لها باهتمام وعلى وجهه ابتسامة صغيرة متسلية. لكنها لم تهتم. إنها فقط تريد أن تشغل عقله عن فكرة الانتحار.
- في قصة عن سيدنا موسى عليه السلام إنه سأل ربه يومًا يا رب.. ماذا تجيب عبدك العاصي إذا ناداك قائلًا يا رب؟
فقال المولى سبحانه وتعالى لنبيه موسى: يا موسى.. أقول: لبيك عبدي لبيك عبدي لبيك عبدي. ثلاثًا.
ثم سأله موسى: يا رب.. وماذا ترد إذا ناداك عبدك الصالح قائلًا: يا رب؟
فقال المولى سبحانه وتعالى: يا موسى.. أقول: لبيك عبدي.
فقال موسى عليه السلام: يا رب.. ناداك عبدك العاصي فقلت لبيك عبدي ثلاثًا.. وناداك الصالح فقلت لبيك عبدي واحدة؟
فقال المولى عز وجل: يا موسى.. حينما ناداني عبدي الصالح اعتمد على عمله. وحينما ناداني عبدي العاصي اعتمد على رحمتي؟
وفيه أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم زي مثلًا عن أنس رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لله أشد فرحًا بتوبة عبده حين يتوب إليه من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة فانفلتت منه وعليها طعامه وشرابه، فيئس منها فأتى شجرة فاضطجع في ظلها قد يئس من راحلته، فبينما هو كذلك إذا هو بها قائمة عنده فأخذ بخطامها ثم قال من شدة الفرح: اللهم أنت عبدي وأنا ربك. أخطأ من شدة الفرح.
وقال صلى الله عليه وسلم: والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون فيستغفرون الله فيغفر لهم. رواه مسلم من حديث أبي هريرة.
وقال الله عز وجل في حديث قدسي: يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ولا أبالي… الحديث رواه الترمذي.
شوفت بقى إن رحمة ربنا ملهاش حدود. ومينفعش إنك تقنت من رحمة الله. مهما عملت مهما كانت ذنوبك استغفر ربنا بقلب صادق وارجعله هتلاقيه فاتح لك بابه ومرحب بيك وفرحان كمان. ودع مش معناه إنك مش هتغلط تاني. لا هتغلط وتتوب وربنا يغفرلك ويسامحك.
اختفت تلك الابتسامة المتسلية التي كانت ترتسم على شفتيه وحل محلها ابتسامة رائقة هادئة. ودون شعور منه وجد نفسه يستغفر بصوت مسموع. ليقشعر بدنه برهبة وبدأ يدرك أين هو ولماذا صعد إلى هذا المكان؟ كان عائدًا من الخارج يشعر أن هناك شيئًا ما يخنقه. يشعر أن هناك شيئًا حدث معه يضايقه لكنه لا يتذكر. أعد قهوته الخاصة ومن شدة غضبه غير المفهوم سقط الكوب من يده وأعاد إعدادها من جديد وتناولها علها تهدأ من ذلك الألم الذي يحتل صدره لكنه لم يشعر بالراحة. توجه إلى الشرفة ينظر إلى خاصتها. يريد أن يراها لكنه وجد الشرفة مغلقة. وبدون لحظة تفكير صعد ليجلس في ذلك الشباك الصغير. لقد حشر جسده حرفيًا فيه. وليزيد خطورة الأمر أخرج رأسه وذراعيه للخارج أيضًا. بتلك الوضعية الخطيرة وكأنه كان يشعر إذا فعل هذا سيراها.
تحرك ونفذ دون تفكير ولم يخب إحساسه. لكن الآن وبعد حديثها هذا بدأ يعتدل وأنزل قدمه اليمنى وخلفها اليسرى. وحين استقام واقفًا تنهدت هي براحة واضعة يدها فوق خافقها متمتمة بالحمد لله. ليبتسم بسعادة لا يفهم سببها. لكنه نظر لها عبر فتحات الأرابيسك وقال بصدق استشعرته كل خلاياها:
- شكرًا. أنا أول مرة حد يكلمني كده وأحس بخوف حد عليا كده. طول عمري لوحدي. حتى أنا مش فاكر مين أهلي ولا أي حاجة عن طفولتي ولا شبابي. تجاهلت كل ده وعشت بالطول والعرض. تعرفي يمكن أنا محتاج حد في حياتي يقولي ده حلال وده حرام. كده صح؟ لا كده غلط.
أدار وجهه للجهة الأخرى وهو يقول بخجل رجولي غريب على شخصية ثامر التي تعرفها جيدًا:
- شكرًا يا سليمة.
وتحرك ليغادر الشرفة حين سمع رنين هاتفه. لتتحفز كل حواسها لذلك الاتصال. وكأنه شعر بها أو أراد أن يريحها. هو لا يجد تفسيرًا لذلك الشعور الذي اجتاحه حين قرأ اسم نفس الفتاة التي حدثته يوم كان في المؤسسة وجعله يتصرف بتلك الطريقة. وقف عند باب الشرفة وأجاب بصوت حاد بعض الشيء:
- قولتلك متتصليش تاني.
وأغلق الهاتف ودون أن ينظر إليها دخل إلى شقته. لتبتسم ببعض الراحة وعادت إلى غرفتها من جديد.
في صباح اليوم التالي وصلت الشركة لتجده هناك حضر باكرًا. ومن مكتبها كانت تستمع لصوت سقوط شيء ما. أو كسر كوب يلحقه بدخول عامل المطبخ للتنظيف. إذًا هوعصبي بعض الشيء. لكن السؤال هنا. من الذي بالداخل؟ ثامر أم أدهم؟ ومهما كان لماذا هو غاضب؟ ابتسمت ببعض الشقاوة وهي تدخل إليه. فمن مهام السكرتيرة أن توفر سبل الراحة لمديرها مهما كانت شخصيته. الهادئ الرزين. أو العابث المشاغب.
ودون أن تطرق الباب دلفت إليه لتجده يقف أمام النافذة الزجاجية الكبيرة يتطلع إلى الشارع. يديه معقودتان خلف ظهره. شعرت بتحفزه لحظة دخولها. لكنها ظلت صامتة تتأمل وقفته لعدة لحظات ثم قالت ببرود:
- أدهم بيه حضرتك عندك معاد بعد نص ساعة مع شركة (..). أأكد المعاد ولا ألغيه؟
التفت لينظر إليها بنظرات مبهمة لكن الغضب أحد تكوينات نظراته. هي تشعر به. وهناك شيء آخر لكنها لم تستطع تحديده ماهيته بالتحديد. هل هو حزن أم خوف؟
ظل الصمت سيد الموقف لعدة لحظات حتى قال بهدوء ظاهري:
- ألغيه.
- تحت أمر حضرتك.
أجابته بعملية شديدة. لكن نظراتها كانت تحمل حزنًا استشعره بكل ذلك الحب الذي يسكن قلبه من أجلها. تحركت لتغادر ليتحرك خطوة واحدة مصاحبة لرفع ذراعه وكأنه يحاول الإمساك بها. لكنه لم يكمل. ظل واقفًا في مكانه ويذكر نفسه إنها تستحق شخصًا سويًا بلا عقد نفسية.
لكنها هي توقفت عند الباب قبل أن تفتحه لثانية واحدة فقط ثم عادت تنظر إليه وهي تقول بصوت حيادي:
- أنا اتكلمت مع ثامر امبارح.
ظهر القلق على وجهه وكاد أن يبرر أو يوضح. حتى أنه كان يريد الاعتذار. حتى قالت سريعًا:
- كان عايز ينتحر من بلكونة شقته اللي جنب شقتي. كان حاسس إنه مضايق وفيه حاجة ناقصاه. حتى قالي إنه مش فاكر أهله مين أو حاجة عن حياته اللي فاتت. مفتقد حد يعرفه الحلال والحرام والصح والغلط. شكرني لأني اتكلمت معاه ونصحت. يعني تقدر تقول بقينا أصحاب. حتى البنت أيها دي لما اتصلت بيه زعق لها وقالها متتصلش بيه تاني.
أنهت حديثها وهي تشعر بالاستمتاع وهي ترى نظرة الاندهاش والصدمة على ملامحه. وأكملت ببعض المشاغبة:
- يعني أي حاجة بيني وبين ثامر تخصني أنا وثامر وبس يا باشمهندس أدهم بيه.
لقت كلماتها الأخيرة بلوم واضح. يشوبه كبرياء. تخبره أنها لا تبالي. إذًا أرادت أن يتراجع فيما قاله لها.
كانت تستمتع كثيرًا بتعابير وجهه المصدومة. لكنها لم تنتظر لوقت طويل حتى يقول أي شيء لها. دارت بهدوء وعلى وجهها ابتسامة صغيرة. ها هي فجرت قنبلتها وعليه الآن أن يكون بشجاعة ثامر.
ظل صامتًا وابتسامة صغيرة ترتسم على ملامحه. إنه بشخصياته الاثنين وقعا في غرامها وذلك حقًا يسعده. جلست خلف مكتبها وهي تفكر ماذا سيفعل الآن؟ لكنه صدمها. فبعد خروجها بدقائق قليلة غادر مكتبه ودون أن ينظر لها قال:
- ألغي مواعيدي كلها النهاردة.
وغادر المكتب بل والشركة بأكملها. وحتى موعد انتهاء العمل لم يعد. شعرت بحزن شديد وألم قوي في قلبها. لقد تعلقت به. قلبها الذي كانت تخبئه داخل علبة مغلقة استطاع هو بهدوء أن يتسلل داخل تلك العلبة ليلمس قلبها برفق. وبكل قوة وشجاعة كانت تراه يحارب هاجس مرضه. لكنه الآن. الآن. شعرت بالعجز من إيجاد كلمة مناسبة تليق بوصف حالته. بداخلها صوت يقول "ما يمر به ليس هين". وصوت آخر يقول "لابد أن يكون قوي. من أراد الحب عليه أن يكون فارس فوق صهوة حصانه لا يخاف الموت".
كان طريق عودتها إلى البيت ثقيلًا. لقد ظلت طوال اليوم تفكر ماذا عليها أن تفعل. وكان القرار الأخير هي أن تترك العمل. وهذا القرار رغم أنه يريح كرامتها. إلا أنه يؤلم قلبها جدًا. طرقت على باب بيتها طرقات متتالية تريد أن يفتح أمها الباب حتى تختبئ داخل غرفتها. تبكي بحرية. رفعت رأسها الذي كان منحنيًا حين فتح الباب لتصدم به يقف أمامها. أدهم. بوجهه المشرق وابتسامته التي تعشقها. وهيبته التي تضغى على كل شيء وتجعل من ينظر إليه يهابه دون سبب. لكنها تفهم السبب. ظلت نظراتها معلقة به. والغباء في أبهى صوره يرتسم الآن على محياها. هل من يقف أمامها ثامر؟ أو أدهم؟
ليقول بهدوء قاطعًا عنها حيرتها. ومجيبًا على سؤالها غير المنطوق:
- هتفضلي واقفة كده كتير مش ناوية تدخلي ولا إيه يا آنسة سليمة. عمي وطنت مستنينك جوة.
- أدهم.
لم يكن همسها باسمه نداء ولكنه أجاب السؤال الذي كان يدور في رأسها. صوت والدها أخرجها من صدمتها حين قال برفق وابتسامة سعادة:
- تعالي يا سليمة. الباشمهندس أدهم جه النهاردة علشان يطلب إيدك. وكنا مستنين رجوعك علشان نعرف رأيك. طالما رفضتي تبلغيه بيه في الشركة.
نظرت إلى أدهم بصدمة واستفهام لتتسع ابتسامته المشاغبة. وهو يبتعد عن الباب والتفت إلى والدها وقال:
- أدهم على طول يا عمي إن شاء الله. أنا هبقى ابنك بعد ما نسمع موافقة آنسة سليمة إن شاء الله.
وبسبب صدمتها من الموقف وتلك الحركة غير المتوقعة. خاصة بعد تفكيرها السلبي طوال اليوم. لم تستطع الرد. لتتكفل والدتها بإنهاء ذلك الموقف وهي تضمها إلى صدرها بحنان وتقول ببشاشة:
- السكوت علامة الرضا.
ولحقها بزغروطة تحمل الكثير من السعادة والفرح. بعد ذلك تحول الموقف لجلسة ودية رقيقة. وسعيدة. بها ألفة غريبة. لقد وجد أدهم في والدها شيء كان يفتقده. وجد والده رحمه الله. وشعر براحة وحب بسبب طبيعة أمها الحنونة. ولم يغادر قبل تحديد موعد لزيارة أخرى يحضر فيها عائلته. وحينها تم تحديد موعد الخطبة بعد خطبة ظلال ومراد لرفض سليمة أن تكون خطبتها معهم في نفس اليوم. ليس لشيء سوا خوفها وخجلها من جو الإعلام والصحافة والصور الذي سيتسم به حفل خطبتهم. وأحترم أدهم رغبتها وبكل حب.
عادت من أفكارها على صوت والدتها تخبرها أن تذهب إليها لتأخذ رأيها في الضيافة. فـ أيضًا لم تريد سليمة حفل صاخب وأجلت ذلك لعقد القران والعرس. وأدهم رغم رغبته في إسعادها بحفل يليق بها لكنه لم يعترض أيضًا.
خرج من الباب المطبخ لذلك المطعم البسيط يحمل بين يديه حامل كبير فوقه بعض صحون الطعام وكذلك بعض المشروبات. يدور على الطاولات يضع المطلوب عليها بابتسامة بشوشة ويغادر للطاولة الأخرى. حتى ينتهي كل ما فوق الحامل ويعود من جديد إلى المطبخ. لكن حين دخل اتسعت ابتسامته وهو يراها تقف هناك تشرف على إحدى الفتيات وهي تعد أحد الصحون وتعدل عليها بهدوء. رغم أن هناك بعض الضيق داخل عينيها لكنها هادئة رغم كل شيء.
أسدل جفنيه وهو يتذكر كل ما حدث معهم خلال الثلاث شهور الماضية وبالتحديد بعد يومين من قتله للجوكر. فتح عينيه صباحًا ليجد الطبيب يقوم بمعاينته وخلفه يقف ضابط شرطة وعسكري. ابتلع ريقه ببعض الخوف وهو يهمس: "كنت عارف". لكن لا يهم. يكفي أنه أنهى معاناة زيزي حتى لو كان الثمن حياته. هي تستحق وهو كان نذل كبير وافق على سقوطها في الوحل ظنًا منه أنه يقلل المسافة بينهم. ولهذا لا يهم أي شيء. بمجهود مضني حاول الاعتدال. ليساعده الطبيب ثم غادر الغرفة ليقترب الضابط ويجلس على الكرسي القريب من السرير وقال بهدوء:
- حمد الله على السلامة. المستشفى بلغت إنك أصبت بطلق ناري. تفتكر مين اللي عمل فيك كده؟
شعر بالغباء للحظات من السؤال غير المتوقع. لكنه تدارك الموقف وقال بهدوء صادق:
- معرفش. أنا في حالي من شغلي للبيت.
ليومئ الضابط بنعم لكنه سأله من جديد:
- إيه علاقتك بخميس السيد الشهير بالجوكر؟
ابتسم بيبرس بسخرية وقال بضيق واضح:
- كنت شغال جارد في الملهى بتاعه. لكن هو كان عايز مني أعمل حاجات تانية غير الحراسة. وعشان كده سبت الشغل من فترة.
أومأ الضابط بنعم وقال بهدوء مستفهمًا:
- كان ليه أعداء كتير؟
- هو مين؟
سأله بيبرس باندهاش مصطنع لم يلاحظه الضابط. ليجيب تسأل بيبرس موضحًا:
- الجوكر.
هز بيبرس رأسه بلا معنى وهو يجيب بإرهاق:
- أنا كل شغلي كان حراسة باب الملهى. وأنا والجوكر مش أصحاب عشان أعرف تفاصيله أو علاقاته الشخصية أو حتى خلافاته مع مين. حتى لما طلب مني إني أوصل بنات للزباين واستناهم عشان أرجعهم رفضت وسيبت الشغل. هو صحيح قعد يزعق ويقولي مش هلاقي شغل وهلف. هارجعله وساعتها لو بوست جزمته مش هيرحمني. لكن أنا لو هموت من الجوع مش هبقى قرني. لمؤاخذة.
صمت لثوانٍ ثم قال باستفهام:
- هو إيه اللي حصل عشان كل الأسئلة دي يا بيه؟
ليجب الضابط بتوضيح:
- امبارح تم قتل الجوكر وعامل عنده اسمه ترتر في مكتبه الأول. وكان فيه صور بتدل على وجود علاقة محرمة بين الجوكر ورجل الأعمال المعروف بالباشا اللي اتقتل في نفس اليوم. صحيح أنت بعيد عن الشبهات لكن كان لازم أسألك.
ليرسم بيبرس تعابير الصدمة والاندهاش على ملامحه ولم يعلق. ليقف الطبيب وهو يقول:
- حمد الله على سلامتك. وأكيد هنبلغك بنتائج التحقيق. وإن شاء الله نوصل للجاني اللي عمل فيك كده.
تنهد بيبرس براحة حين غادر الضابط. ابتسم وهو يقول براحة لم يكن يومًا يحلم أن يشعر بها. أن الله يعطيه فرصة جديدة:
- الحمد لله. يارب أقبل توبتي. واغفر ذنبي وارحمني. صفحة جديدة يارب. صفحة جديدة ومن أول السطر.
مر يومان وخرج بيبرس من المستشفى. ومباشرة من المستشفى إلى بيت زيزي. ولكن لم ينسى أن يأخذ معه شيخ الجامع بعد أن تحدث معه أكثر من ساعة يخبره عن توبته ورغبته في الزواج من زيزي. وبالفعل خلال طريقهم إلى بيت زيزي. قابلوا والد حنان في طريقهم. ليطلب منه الشيخ الذهاب معهم. كنوع من تعويض ورد لاعتبار زيزي وبيبرس التي حاولت ابنته تشويه سمعتهم. جلسوا في غرفة الأستاذ حليم يتحدثون إليه وهو ينظر إليهم بنظراته الحزينة طوال الوقت منذ ما حدث معه. لكنه حين دخلت زيزي إلى الغرفة اقتربت من السرير وجلست بجوار والدها وقالت بصوت هامس بجوار أذنه:
- بيبرس راجل حقيقي يا بابا. تاب عن الطريق الوحش وعايز يعيش حياة نظيفة. وأنا كمان عايزة اللي يحميني من الناس ويقدر يقف في وش أي حد. أنا تعبت يا بابا. تعبت وأنا بحارب الدنيا لوحدي. وكل من هب ودب بيحاول ينهش فيا. ده غير إنه بيحبني وهيصوني ويشيلك معايا.
كانت الدموع تتجمع في عينيه وهو يستمع لكلماتها التي كانت تجلد روحه كل ليلة. لا يحمل هم شيء أكثر من همها وخوفه عليها. حين كانت تقوم بخدمته ورعايته ويرى الدموع تتجمع في عينيها. حين كان يستمع لصوت بكائها وهي تظن أنه نائم. حين كان يستمع لنواحها وهي تتوسل لله أن يسترها وأن تستطيع أن تجد المال حتى تأتي بعلاجه. أدار عينيه في اتجاه بيبرس الذي ينظر في اتجاههم بوجل وخوف. القلق يرسم على محياه. ترقب للموافقة ورجاء وتوسل ألا يغلق بابه في وجه. ليغمض عينيه ويفتحها أكثر من مرة. ليقول والد حنان بسعادة:
- مبروك يا بيبرس. ألف مبروك يا زيزي يا بنتي.
ووجه حديثه للشيخ قائلًا:
- إحنا يوم الخميس الجاي نكتب الكتاب. ما هو مينفعش يبقوا مخطوبين وهي تعتبر عايشة لوحدها بردك.
أومأ الشيخ بنعم ليقول بيرس بشر وهو ينظر لوجه والد حنان:
- أنا داخل البيت من بابه. والست زيزي مقامها عالى. ومحدش يجرؤ يقرب منها غير بحلال ربنا. وأنا أكتر واحد في الدنيا عارف قيمتها كويس واللي هيجيب سيرتها هقطع حسه من الدنيا كلها مش بس هقطع لسانه.
ليبتلع والد حنان ريقه بخوف وقال بابتسامة مرتعشة:
- آه آه آه طبعًا أومال إيه. هو أنا قولت غير كده.
ليبتسم بيبرس بجانب فمه ثم نظر إلى الشيخ وقال:
- يوم الخميس بعد العصر نتجمع هنا عشان كتب الكتاب. وأنا هتكل بالفرشة والزينة وفستان العروسة وكافة شيء.
قال آخر كلماته وهو ينظر إلى زيزي التي تنظر إليه بسعادة مخلوطة بقلق. وعدم فهم. ليقفوا الرجال حتى يرحلوا ليشير لها أن تقترب وقال بهدوء وصوت منخفض:
- هاتلي تليفوني. أول ما أطلع بيتي هكلمك وهفهمك كل حاجة.
أومأت بنعم وركضت إلى غرفتها لتحضر هاتفه. وعادت وهي تقول:
- كان فصل وأنا شحنته. كلمني هموت من القلق.
ابتسم لها وقال بصدق:
- متخافيش ربنا معانا. أروح آخد دش كده وأصلي وأكلمك.
وغادر سريعًا لتبتسم بسعادة. هل قال سيصلي؟ هل ما سمعته حقيقة. أنها تحتاج أن تشكر الله. لكن أولًا. نظرت إلى غرفة والدها وتوجهت إليها. جثت بجوار سريره تنظر إليه بابتسامة صادقة وحقيقية. ابتسامة غابت عنها منذ سنوات. يراها الآن بوضوح. ابنته تحب بيبرس هذا واضح. تفتقد إلى الأمان. تحتاج إلى من يسندها في تلك الحياة. وهو قادر على هذا. لقد لمس حبه لها في نظراته الصادقة الموجه إليها بلهفة وشوق. لينتبه من أفكاره على صوتها وهي تقول بصدق وسعادة:
- قالي هيروح يصلي يا بابا. قالي متخافيش ربنا معانا. بيبرس بيتغير. عايز يبقى نظيف. أنا فرحانة أوي أوي.
وانحنت تقبل يد والدها وهي تقول برقة:
- ربنا يخليك ليا يا حبيبي. هروح أصلي ركعتين شكر لله وأرجعلك على طول.
حين انتهت من صلاتها سمعت رنين هاتفها. لتقف سريعًا تلملم أطراف أسدالها تمسك بالهاتف وهي تجيب بلهفة. ليصمت لثوانٍ يستمع إلى صوتها المتلهف له. والسعادة الرنانة به. ليرفرف قلبه بسعادة لا مثيل لها. ابتسم حين قالت:
- طمني بقى عايزة سعادتي تكمل.
يقص عليها كل ما حدث دون أن يغفل عن أي جزء. وكانت هي تستمع بوجل وترقب. وفي نهاية حديثه. قال بصدق:
- أنا نويت أتوب يا زيزي. وهعمل كل حاجة عشان ربنا يغفرلي ذنوبي كلها. أنا عملت كتير وقتلت الجوكر والباشا وترتر. لكن لو مكنتش عملت كده كانوا هما اللي هيقتلونا يا زيزي. تفتكري ربنا هيقبلني؟ والله كانت نيتي إني أحميكي وأكفر عن ذنبي في حقك.
كانت دموعها تغرق وجهها وهي تستمتع لكل ما قام به من أجلها. أن قتل النفس شيء لا يستهان به. وأن لهدم الكعبة أهون عند الله من قتل النفس. لكن ماذا كان سيفعل؟ إنه كما وصفه بالتحديد. إن لم يقتلهم لكانوا قتلوه وأصبحت هي تحت رحمتهم وكانت وقعت إلى الأبد في وحل لا طهارة لها منه.
عاد من أفكاره حين سمع صوتها وهي تقول ببعض الغضب:
- هو أنت واقف كده ليه؟ ولا عاجباك البنات وهي رايحة وجاية قدامك؟
ليبتسم وهو ينظر إليها بحب وقال بصدق:
- أنتِ عارفة كويس أوي إن مفيش واحدة غيرك تملى عيني وقلبي. وبعدين أنا كنت سرحان بفتكر اللي فات.
ليرتسم على وجهها ابتسامة رقيقة وهي تقول:
- مين كان يقول إن ربنا يكرمنا الكرم ده كله.
تمتموا بالحمد لله وهم يتذكران ما مضى بابتسامة رضى رغم الألم.
يوم الخميس وبعد صلاة الظهر بدأ بيبرس وبعض رجال الحي بتجهيز شادر كتب كتاب زيزي وبيبرس. اليوم وأمام الجميع سوف يرفع شأنها وسط الجميع. سوف يكيد الأعداء ويفرح قلبها في كل لحظة بهذا اليوم. وها هو يعلق بيديه كل الأضواء التي سوف تضيء ليلتهم اليوم. وكل من يمر عليه يحيه ويباركه والنساء تتهامس على العريس الذي يعلق "كهرب" فرحة بيده. وكل هذا لم ينسى تلك الهدية الكبيرة التي أحضرها لزيزي اليوم. فستان عرس مميز. وكل الأغراض التي ستحتاج إليها. والأكثر فتاة متخصصة من مركز التجميل حتى تزينها وتدللها. وتكون اليوم في أبهى صورها.
لكن وسط كل هذا كان هناك عيون حاقدة تشاهد ما يحدث بغل وكره. تنظر إلى ما بين يديها وابتسامة شر واضحة ترتسم على محياها الذي تحول من جمال بريء إلى وجه قميء.
تركت نافذتها وتوجهت إلى خزانتها تخرج تلك العباءة الملونة ووضعت وشاحها فوق رأسها وتوجهت إلى بيت صديقتها القديمة وعدوتها اللدودة وهي ترسم ابتسامة واسعة. وعند باب بيت زيزي بدأت تزغرط بسعادة واضحة للجميع. صعدت إلى الأعلى والزغاريط التي تطلقها تردها بعض نساء الحي والفتايات الموجودات في البيت يساعدون زيزي ويرتبون البيت ويجعلوه جاهزًا لاستقبال العريس المنتظر.
ظلت تدور بعينيها في المكان وهي تفكر. لماذا؟ سؤال كان يؤرقها طوال حياتها ولا تجد له إجابة. ما الفرق بينها وبين زيزي؟ ما الذي يميزها ويجعلها دائمًا تتفوق عليها؟ لماذا يتحقق لزيزي كل ما تمنته هي لنفسها وكأن قدرها قد كتب لزيزي ولم يتبقى لها سوى الفتات وفقط. تأكدت أن كل الفتيات مشغولان ويعملون بجد واجتهاد. اقتربت من غرفة زيزي وفتحت الباب وهي تبتسم بسعادة كبيرة. قائلة بمبالغة:
- ألف مبروك يا صاحبة عمري ألف مبروك يا حبيبتي. تستاهلي كل خير والله.
نظرت لها زيزي عبر المرآة وهي تقول بهدوء حذر رغم الابتسامة الصادقة على وجهها:
- الله يبارك فيكي يا حنان. عقبال ليلتك يا حبيبتي.
اقتربت منها وضمتها بقوة وهي تربت على ظهرها ببعض الخشونة وأكملت قائلة:
- أحلى عروسة في الدنيا والله. يا بخت بيبرس بيكي.
تقول زيزي بسعادة وخجل:
- يا بختي أنا بيه.
تقول الفتاة التي كانت تقوم بتزيين زيزي:
- لو سمحتي يا آنسة بس عشان أخلص شغلي أنا متأخرة أساسًا.
لتبتعد حنان قليلاً وهي تقول بابتسامة واسعة مبالغ فيها:
- آه يا حبيبتي ومالو. معلش بقى أصل فرحتي بصاحبة عمري متتوصفش.
وقفت بجوار الكرسي الخاص بزيزي تتابع ما يحدث أمامها عن كثب. وفي لحظة غادر الفتاة حتى تحضر بعض الأغراض من الخارج. وكل شيء تحول في لحظة من زغاريط فرح وسعادة ليرتفع صوت صراخ زيزي الذي جعل بيبرس يترك ما بين يديه ليسقط أرضًا مهشمًا وصعد إلى الأعلى ساقية تسابق الريح. ليجد الفتيات مجتمعات أمام باب غرفة زيزي التي مازالت تصرخ. ليخترق ذلك الجمع دون مراعاة لأي شيء ليجدها ممدة أرضًا تخبئ وجهها بكفيها والفستان من أول الكتف قد اختفى تمامًا وأثر حرق كبير يحتل مكانه. ليسقط قلبه أسفل قدميه والصورة بالكامل تتضح أمامه. لقد خسر.