تحميل رواية «انتقام عبر الزمن» PDF
بقلم الهام عبد الرحمن
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كانت تجلس كعادتها بين صفحات كتبها تقرأ كل هذه السطور في فرحة وسعادة. فهي تملك مكتبة أسطورية بها الكثير من الكتب الأثرية التي ورثتها عن أبيها. فتلك المكتبة هي ملاذها الوحيد بعد وفاة والدها، كانت كلما شعرت بالحنين لوالدها هرولت إلى تلك المكتبة وتجلس بها لتقرأ مقتنياتها الثمينة، وتشعر وكأن طيف والدها يحتويها بذلك المكان. كانت تشعر بالدفء والأمان الذي حرمت منه بوفاة والدها. فمنذ وفاته استغل عمها صغر سنها وانتقل هو وزوجته للعيش معها بحجة مراعاتها، حيث أنها كانت طفلة ذات 10 سنوات. توفت والدتها وهي تلد...
رواية انتقام عبر الزمن الفصل الحادي عشر 11 - بقلم الهام عبد الرحمن
في منزل بسمة كان يجلس كرم في حجرته شارداً، حزيناً يتذكر مشهد أبيه وحالته الرثة التي آل إليها، ويتذكر كيف كانوا يعيشون قديماً، قبل وفاة والدتهم وكيف كانت حياتهم مليئة بالفرحة والبهجة، وكانوا ينعمون بالهدوء والسكينة.
إلى أن مرضت والدتهم وطالت فترة مرضها، وبدأت تلك الأفعى بالظهور في حياتهم، وكأنها حبيبة تهتم لأمرهم، فهي ابنة عم والدهم، توفى زوجها ولم يرزقها الله بأطفال، ولكنها من النساء اللائي تهتم بمظهرها الخارجي وتضع الكثير من مساحيق التجميل، وتتحدث بالعين والحاجب.
دخلت بسمة بعد أن طرقت الباب عدة مرات، ولم يسمعها كرم بسبب شروده، فوقفت أمامه وحركت يدها أمام وجهه، فانتبه أخيراً لوجودها، ونظر لها بوجه متجهم، ثم تحدث بصوت يملأه الحزن.
كرم بحزن: خير يا بسمة، في حاجة؟ إيه اللي لسه مصحيكي لحد دلوقتي؟
بسمة باهتمام: مفيش، كنت قايمة أشرب ولاقيت أوضتك منورة، قولت أطمن عليك. مالك يا كرم؟ فيك إيه يا حبيبي؟ إيه اللي قالق منامك بالشكل ده ومطير النوم من عينك، لدرجة إنك ما حسيتش بيا وأنا بخبط على الباب، ولا حسيت حتى بوجودي معاك في الأوضة؟
اعتدل كرم في جلسته، ومسح وجهه بكفيه، ثم تنهد تنهيدة حارة وصمت قليلاً. فجلست بسمة بجواره، وربتت على قدمه، ثم تحدثت بحنان وحزن.
بسمة بحنان وحزن: ياااه يا كرم، من زمان ما شفتكش بالحالة دي، إيه اللي حصل خلاك رجعتلها تاني؟
كرم بوجع: بابا يا بسمة، شوفته النهاردة في الموقف.
بسمة بضيق وعصبية: وإيه اللي فكروا بينا تاني؟ هو مش طلعنا من حياته وباعنا واشترى الست هانم بتاعته؟
كرم بحزن: لو كنتي شوفتيه النهاردة، كان حاله صعب عليكي، أبوكي ما عادش زي الأول.
بسمة بغل وكراهية: يستاهل كل اللي جراله، هو اللي سمح للحرباية دي تدخل حياتنا، من يوم ما جت تزورنا وشافت ماما وهي تعبانة، وعملت نفسها حبيبة وخايفة علينا وعلى بابا، وإن مين اللي هيخدمنا. قدرت تضحك على ماما لما خليتها هي اللي طلبت منها تقعد معانا، أنا صحيح كنت صغيرة، لكن فاكرة كل حاجة، فاكرة دلعها على بابا، وطول الوقت مخلياه يحس بتقصير ماما لحد ما زهق من تعبها.
ثم انفجرت بالبكاء وأكملت: عمري ما هنسى يا كرم، لما قرر يتجوزها، ودخل عند ماما بكل جراءة يبلغها بقراره، قالها الخبر بكل دم بارد وخرج، ولا كأنه عمل حاجة. وقتها دخلت على ماما وشوفت وجع وقهر الدنيا كله في عينيها، وما عداش عليها اليوم إلا وهي بين إيدين ربنا.
صمتت قليلاً وبدأت شهقاتها تزيد، ثم أكملت: عارف يا كرم، قبل ما تموت بصيتلي بوجع وقالتلي: "سامحيني يا بنتي، أنا اللي دخلت الحية دي البيت، أنا اللي سمحت أحط البنزين جنب النار، كان قلبي حاسس إن في حاجة بينهم"، وأهي الحقيقة ظهرت قدامي كدا. يا محسن، هانت عليك العشرة؟ كدا قدرت تبص لواحدة تانية وروحها طلعت وهي مقهورة من شريك حياتها اللي باعها وباع ولادها وعشرة عمرهم.
انتفض كرم من مكانه وأخذها بين أحضانه وهو يحاول تهدئتها ويطيب بخاطرها.
كرم بحزن وأسى: اهدي يا بسمة، اهدي يا حبيبتي، أنا حاسس بيكي وبالقهر اللي جواكي، لأن في أضعاف أضعافه جوايا. كفاية إني اتحرمت من عاطفة الأمومة، واتحرمت من السند والضهر، لاقيت نفسي بعافر في الدنيا لوحدي، شايل همي ومسؤولية طفلة لازم تتربى وتتعلم. كنت لما أحس الدنيا بتضغط عليا بالقوي، ما كنتش بلاقي الصدر الحنين اللي أترمي في حضنه عشان يهون عليا. كنت بقع وأقوم عشانك يا حبيبتي، عشان أبقى سندك وظهرك وأمانك، عشان ما تلاقيش نفسك فجأة لوحدك في الدنيا. كان نفسي تكملي تعليمك وتدخلي الجامعة، لكن انتي فضلتِ تبقي مع جنة.
بسمة ببكاء ووجع: حرمني من أمي يا كرم، في عز ما كنت محتاجة ليها. أنا اتعلقت بجنة وطنط علا عشان أعوض حرماني من أمي. البنت غير الولد، البنت دايماً لأم في حياتها في تفاصيل، كير لا أب ولا أخ يقدروا يسدوا مكانها. لولا طنط علا ربنا يكرمها، هي اللي كانت معتبراني زي جنة بالظبط، وكانت بتنصحني وتفهمني، كفاية إنها علمتني إزاي أحافظ على نفسي وأرضي ربنا. أنا عمري ما هسامحه أبداً، أبداً، وعمر قلبي ما هيصفى ليه. خليه مع الست هانم بتاعته، خليه يشبع بيها وينسانا بقا، كفاية أوي لحد كدا. هو مش قالها زمان إن إحنا بالنسباله موتنا مع ماما الله يرحمها؟ خلاص، جاي عاوز إيه من الأموات؟
كرم: يا بسمة، بابا متدمر خالص، مش هو ده بابا اللي أعرفه، بقا إنسان هش وضعيف. بابا اللي كان الناس كلها بتحلف بشياكته، بقا عامل زي الغلابة والمساكين اللي مش لاقيين تمن اللبس. حتى بقا مبهدل في نفسه أوي، كأن مفيش ست في حياته تهتم بيه. على قد ما أنا شايل منه، على قد ما صعبان عليا وهو مكسور ومذلول بالشكل ده. ويا عالم الست دي عاملة فيه إيه، وصلته للحالة دي.
بسمة: بردو ما يخصنيش، هو اللي حابب كدا، وهو اللي اختار. ومهما قولت يا كرم، قلبي مش هيحن ليه.
كرم: لا والله، أنا مش بقولك كدا عشان أحنن قلبك على بابا، مفيش حد بيتحكم في مشاعر حد يا بسمة، بس أنا فعلاً قلقان عليه وعاوز بس أفهم. دا مهما كان بابا، ومش معنى إنه ظلمنا إن إحنا كمان نتخلى عنه. دا ربنا عز وجل قال في كتابه العزيز: "ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما". ورسولنا الكريم أوصانا على صلة الرحم في حديثه الشريف: "من سره أن يمد له في عمره ويوسع له في رزقه ويدفع عنه ميتة السوء، فليتق الله وليصل رحمه". صدق رسول الله. ولولا إني ما أعرفش عنوانه، كنت روحت وسألت عليه. على العموم، أنا هعدي عليه في شغله وأطمن عليه. أنا قلبي مش مطاوعني أشوفه بالمنظر ده وما أحاولش أعرف حتى هو ماله، مش يمكن محتاج مساعدة وكان جاي يلجألي، ولما لقى معاملتي جافة معاه، اتحرج يطلب.
بسمة: انت حر يا كرم، أنا ما أقدرش أمنعك، لكن ما تحاولش في يوم تجبرني إني أعامله كويس أو أتواصل معاه.
كرم: بتهيألي يا بسمة، أنا عمري ما جبرتك على حاجة، وأظن انتى عارفة دا كويس أوي، لأن دي مش أخلاقي. أنا بس عاوز أطمن عليه مش أكتر. يلا بقا يا حبيبتي، كفاية كدا، قومي اغسلي وشك وروحي يلا عشان تنامي، ما تنسيش عندنا شغل الصبح والوقت اتأخر.
بسمة وهي تقبله من وجنته: تصبح على خير وسعادة يا أحن أخ في الدنيا، ربنا يخليك ليا وما يحرمنيش منك أبداً، ويعطيك من فضله وكرمه.
كرم بابتسامة: وانتى من أهل الجنة يا قلب أخوكي، ربنا يديمك نعمة في حياتي.
كانت جنة تنظر لقاسم والتوتر يملأ أوصالها، فكانت تشعر بالخوف من أن يكون قد علم أنها تحدث شخصاً على الهاتف، ولكن قطع تفكيرها صوت قاسم وهو يحدثها.
قاسم: إيه اللي لسه مصحيكي لحد دلوقتي يا جنة؟ الوقت اتأخر يا حبيبتي.
جنة بارتياح: مفيش حاجة يا عمو، أنا بس ما جاليش نوم، فقولت أقرأ قصة على الموبايل وأنام.
قاسم: شكل الموبايل ده هيعلمك السهر، ودا هيخلي تركيزك ضعيف وصحتك هتبقى مش كويسة. اقفليه ونامي يلا، أصل بعد كدا هاخده منك عشان ما تسهريش عليه بالليل. وبعدين قصة إيه اللي مخلياكي ما حسيتيش بخبطي على الباب؟ دا أنا خبطت كتير أوي وفين وفين لما رديتي.
جنة: ها.... مفيش، دي قصة كدا اسمها "عاشق بدرجة مجنون"، لكاتبة اسمها إلهام عبدالرحمن، والقصة حلوة أوي يا عمو.
قاسم بفضول: عاشق بدرجة مجنون، معنى كده إنها قصة حب؟ امممم، يعني هو اتجنن بسبب الحب؟
جنة: لا مش كدا، هو كان بيحب واحدة لمدة 10 سنين، وبعدين يوم فرحها فقدت الذاكرة وما بقتش عارفاه، واتخيلت نفسها واحدة تانية متجوزة وعندها بنت، وعاش معاها مأساة وبيحاول يقنعها إن هو جوزها، لكن هي فضلت رفضاه.
قاسم بعقلانية: اااه، قصة حلوة، بس شكلها كدا بتحرك المشاعر وتخلي أي واحدة تحب تعيش قصة حب، ودا ممكن يوقعها في الغلط، صح ولا أنا غلطان يا جنة؟
جنة بابتسامة: اطمن يا عمو، أنا تربية طنط علا وحضرتك يعني، عمري ما هعمل حاجة غلط. وبعدين هو أنا بخرج ولا بروح في أي مكان عشان حتى تبقى قلقان إن يكون في فرصة لكدا؟ وعارف يا عمو، الكاتبة دي كل رواياتها فيها نصايح حلوة أوي ومفيدة.
قاسم: ربنا يحميكى يا بنتي ويحفظك انتي وكل اللي زيك. يلا قومي بقا نامي، وأنا كمان هروح أنام.
وعندما اتجه صوب الباب ليفتحه ويذهب، سمع صوت جنة تناديه، فالتفت لها ورد قائلاً.
قاسم: خير يا جنة، في حاجة يا حبيبتي؟
جنة: هو أنا ممكن أعرف إيه اللي غيرك من ناحيتي كدا؟
التفت لها قاسم بابتسامة هادئة وقال: بيتهيألي كده أحسن، ولا إيه رأيك؟
جنة: أكيد طبعاً أحسن، وحتى زمان كنت متقبلة منك أي حاجة لأني بحبك مهما عملت، بس اللي نفسي أعرفه، ليه كنت بتعاملني كدا؟ ليه كنت قاسي معايا كدا، رغم إن قلبك طيب وأنا كنت متأكدة إنك حنين، وأهو حنيتك غلبت قسوتك.
قاسم: بلاش تنبشي في الماضي يا جنة، خليكي عايشة في الحاضر ولحظاته الجميلة، استمتعي بيها وعيشي يا بنتي، وربنا يقدرني أعوضك عن القسوة والحرمان اللي عشتيهم بسببي. يا ريت يا بنتي لو بتحبيني، بلاش تفتحي الموضوع ده تاني.
ثم تركها وذهب، ونظرت جنة في إثره، وأصرت في نفسها على معرفة الحقيقة. ثم تذكرت فجأة خالد الذي أغلقت بوجهه، فأسرعت وقامت بإرسال اعتذار له تخبره فيه بما حدث وسبب إغلاقها معه الحديث، فتقبل اعتذارها، وظل يتحدثان سويا حتى شارف الوقت على الفجر دون أن تشعر، فغلبها النعاس دون إرادة منها.
وحينما حل الصباح، حاولت علا إيقاظها ولكنها لم تستجب لها، فتركتها علا لتنال وقتاً أطول من النوم حتى يستريح جسدها. وحينما أقبل الظهر، قامت علا بإيقاظ جنة، ولكنها كانت غاضبة بعض الشيء، ونظرت لها جنة بتساؤل.
جنة: مالك يا طنط علا؟ شكلك متضايق كدا ليه؟
علا بضيق: انتى كنتي سهرانة على التليفون يا جنة؟
جنة بخجل من نفسها: معلش يا طنط علا، والله أنا آسفة، مش هتتكرر تاني. أنا عارفة إن كان المفروض أصحى بدري، بس غصب عني والله، اعتبريها آخر مرة.
علا بحدة قليلاً: لا يا جنة، مش هتبقى آخر مرة، طالما سمحتي بيها مرة وبدأ النت يشدك، يبقى ما توعديش، لأنك مش هتعرفي تنفذي وعدك. وبتهيألي إن أنا حذرتك من الموضوع دا قبل كدا، وشكلك هتمشي في تيار النت، ودا عامل زي سكة الندامة اللي يروحها ما يرجعش. تقدري تقوليلي إيه اللي شدك فيه كدا عشان تسهري طول الليل وما تقدريش تصحي؟
جنة بتردد: بصراحة.... أنا...
بصي يا طنط علا أنا عمري ما كدبت عليكي ومش عاوزة أكدب عليكي عشان كده هقولك الحقيقة. أنا امبارح كنت بكلم خالد، ده طلع مش زي ما انتي كنتي فاكرة خالص، والله ده طلع إنسان محترم ومكافح ومؤدب، والله.
علا وهي تحاول السيطرة على نفسها:
محترم؟ ومؤدب؟ ومكافح؟ اااه، واضح كده إنكم اتكلمتوا كتير لدرجة إنك عرفتي عنه كل حاجة. انتي شايفة إن اللي عملتيه ده صح؟ رغم إني حذرتك يا جنة قبل كده من إنك تكلميه.
جنة بحزن:
أنا آسفة والله يا طنط علا، أنا ما كانش قصدي إني أغلط، بس والله كل اللي حصل مجرد كلام عادي، يعني زي أي اتنين بيتكلموا.
قاطعتها علا بحدة قائلة:
أي اتنين! انتي بتستهبلي يا جنة؟ راجل وبنت شابة زيك يتكلموا في أنصاص الليالي؟ بالله عليكي يا شيخة الكلام هيبقى عادي زي ما بتقولي؟ ولو بقا عادي أول مرة، هل هيفضل كده على طول؟ ده الحديث الشريف بيقول "ما اجتمع رجل وامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما"، يعني آجلا... عاجلا.
الشيطان هيخليكم تغلطوا وأنا مش هسمح إن ده يحصل.
جنة ببكاء:
للدرجة دي شايفاني وحشة يا طنط علا؟ طيب اسمعيني بالله عليكي الأول وبلاش تحكمي عليا بالشكل ده. أنا هقولك ليه هو بيتكلم بالليل بس. ثم قصت لها كل شيء قاله خالد لها.
علا وهي تحاول تهدئة نفسها حتى لا تفزع جنة:
بصي يا حبيبتي، أنا معاكي إن ظروفه متسمحلوش يكلم حد إلا بالليل كده. بس انتي بقى ليه سمحتيله إنه يتكلم معاكي وتاخدي وتدي معاه في مواضيع تخص حياته؟ انتي شايفة إن دي حاجة كويسة؟ حتى لو انتي بتتعاملي بفطرتك وعشان انتي أول مرة تتعاملي مع رجالة، فحاسة إن ده وضع جديد عليكي وعاوزة تجربي وتتكلمي. لأن دي طبيعة البشر، كل جنس يميل إلى الجنس الآخر. بس صدقيني هو عمره ما هيثق فيكي. عارفة ليه؟ لأنك كلمتيه في وقت متأخر من ورا أهلك، يعني انتي كده بالنسباله إنسانة خاينة للأمانة. كان ممكن تنهي الموضوع باعتذارك ليه، لكن انتي فضولك هيضيعك وأنا مش هسمحلك تضيعي نفسك. وعشان كده أنا هاخد الموبايل ده ومش هتاخديه تاني.
جنة ببكاء:
لا عشان خاطري يا طنط علا، بالله عليكي ما تاخديهوش مني. أنا ما صدقت ألاقي حاجة تسليني وأنا خلاص مش هكلمه تاني.
علا بحزم:
جنة... خلاص، أنا قولت مش هيفضل معاكي يعني مش هيفضل معاكي. انتهينا. لما أحس إنك رجعتي جنة اللي ربيتها، ساعتها هبقى أرجعهولك.
ثم أخذت الهاتف وخرجت من الحجرة تاركة جنة تبكي وتلوم نفسها على تهاونها في حق نفسها. فعلا معها حق، لأن خالد لن يراها غير إنسانة مستهترة خانت ثقة أهلها وتحدثت مع شخص غريب في وقت متأخر.
رواية انتقام عبر الزمن الفصل الثاني عشر 12 - بقلم الهام عبد الرحمن
في مقر عمل كرم، استأذن كرم رئيسه بالذهاب لرؤية والده. بالفعل، ذهب كرم إلى عمل والده ليطمئن عليه، حيث كان يعمل مديرًا عامًا بمديرية التموين.
حينما وصل إلى مقر عمل أبيه، صعد إلى مكتبه ولكنه لم يجد والده، فسأل أحد زملائه.
كرم: السلام عليكم، أنا كرم ابن الأستاذ محسن عبد الجليل.
زميل محسن: أهلاً يا ابني، ازيك عامل إيه؟ وأخبار والدك إيه، صحته كويسة دلوقتي؟
كرم باستغراب: تعبان... هو بابا ما جاش الشغل بقاله قد إيه لو سمحت؟
زميل محسن بدهشة: إيه ده يا ابني، هو انت ما تعرفش إن باباك واخد إجازة مرضي شهر، عدى منهم أسبوعين؟
كرم بتوتر وتردد: أصل الحقيقة إحنا مش عايشين مع بعض، فلو أمكن حضرتك تديني عنوانه عشان أطمن عليه، وأكون شاكر لحضرتك جداً.
زميل محسن: آه طبعاً، تحت أمرك. والدك إنسان محترم وخلوق والكل هنا بيحبه وبيحترمه، لكن الفترة الأخيرة دي ما أعرفش إيه اللي جراله، بقى مبهدل في نفسه وحاله ما يعلم بيه إلا ربنا.
كرم بقلق: طيب أرجوك اديني العنوان بسرعة.
زميل محسن: ثواني يا ابني، هكتبهولك في ورقة أهو.
أخذ كرم الورقة التي دُون بها العنوان وذهب مسرعًا إلى منزل والده، وقلبه يعتريه القلق. وحينما وصل، وقف أمام الباب وتردد قليلاً في الطرق عليه، فهو لا يريد أن يرى تلك الأفعى. ولكنه استجمع شجاعته أخيرًا، فقد تغلب حب والده في قلبه على كراهية تلك الأفعى المسمومة التي دمرت لهم حياتهم. طرق الباب، وحينها استمع لصوت تلك الأفعى فريال.
فريال بصوت مرتفع: شوف مين على الباب يا موكوس واتحرك بدل ما انت مالكش لازمة كدا وقاعدلي زي قرد قطع في البيت.
غلى الدم في عروق كرم، وأراد أن يفتك بها، فكيف لها أن تتحدث إلى أبيه بتلك الطريقة المهينة؟ وبعد لحظات، قام محسن بفتح الباب، وكان يبدو عليه الانكسار. وحينما رأى كرم أمامه، ارتمى بين أحضانه وبكى بشدة. فشدد كرم من احتضانه هو الآخر.
كرم بحزن على حال والده: بابا حبيبي، وحشتني قوي. مالك يا حبيبي، إيه اللي عمل فيك كدا؟
محسن ببكاء: كرم ابني، أنا مش مصدق إنك هنا واقف قدامي وبتكلمني، أنا مش مصدق نفسي بجد. انت يا كرم جاي تطمن عليا بعد كل اللي عملته معاكم؟
كرم: اهدى يا بابا، بلاش دموعك دي. اللي حصل حصل، خلينا فيك دلوقتي. طمني عليك وقولي مالك، فيك إيه وإيه وليه مبهدل في نفسك بالشكل دا؟
فريال: هيكون ماله يعني يا أخويا، ما هو زي القرد أهو، كنت جيت لاقيته ناقص إيد ولا ناقص رجل.
كان ذلك صوت فريال التي كانت تقف في وسط صالة المنزل وتضع يدها في خاصرتها وتهتز وهي تتحدث. رفع كرم رأسه ونظر في اتجاهها، ولكنه سرعان ما أدار وجهه باشمئزاز. فقد كانت ترتدي فستانًا يفضح أكثر ما يستر، فقد كان قصيراً يصل إلى الركبة ومفتوحاً ببزخ أعلى الصدر، كما أنه كان يحدد معالم جسدها بشدة. وتضع الكثير من مساحيق التجميل، تاركة شعرها الغجري ينسدل حول أكتافها، وترتدي خلخالاً بقدمها وتمضغ العلكة بفمها، وكأنها فتاة من فتيات الليل.
فريال: إيه يا أخويا، بتدور وشك الناحية التانية ليه؟ مش عجباكك يا سى كرم ولا إحنا مش قد المقام؟
محسن: في إيه بس يا فريال، مالك داخلة على الحامي كدا ليه؟ هو كرم داسلك على طرف؟
فريال بحدة: انت مش شايف قلة ذوقه، جاي بيتي من غير إحم ولا دستور. وكمان بيدور وشه الناحية التانية لما شافني، تقولش شاف عفريت.
كرم وهو ما زال ينظر بعيداً عنها: لو سمحتي، أنا مفيش بيني وبينك أي كلام. أنا جاي لبابا، وبعدين عاوزاني أبصلك ازاي وانت واقفة بالمنظر اللي انتي فيه ده؟
شهقت فريال ولطمت على صدرها: نااااعم، منظري ما له منظري يا عينيا، إيه شايفني عريانة ولا خارجالك ملفوفة بملاية؟
كرم: أنا مش هرد عليك لأن عمري ما هنزل للمستوى السوقي دا. لو سمحت يا بابا، خلينا نخرج برا نتكلم مع بعض.
محسن بانكسار: خلاص يا كرم، استناني تحت انت لحد ما أغير هدومي وأجيلك.
فريال بحدة: تنزل فين يا محسن؟ مفيش خروج، اللي عاوزين تقولوه اتفضلوا قولوه هنا قدامي. ثم نظرت لكرم بتحدي وأكملت: مش يمكن جاي عاوز يقلبك في قرشين؟
محسن بانكسار: قرشين إيه يا فريال؟ ايش ياخد الريح من البلاط؟ هو أنا حلتي حاجة يا ست فريال والبركة فيكي.
كرم بحزم: أنا هستناك تحت يا بابا، يا ريت ما تتأخرش عليا.
ثم ذهب مسرعاً قبل أن تزيد تلك الأفعى أي كلمة أخرى ويفقد سيطرته على نفسه معها. نظر محسن بقهر لفريال، ثم دخل حجرته وارتدى ملابسه ونزل إلى أسفل حيث ينتظره كرم، ثم ذهبا سوياً إلى أحد الكافيهات.
كرم بغضب مكتوم: إيه اللي أنا شوفته دا يا بابا، ازاي تسمح لواحدة زي دي تعاملك بالحقارة دي، وازاي تقف قدامي باللبس بتاعها دا، للدرجة دي مش عاملة لحضرتك اعتبار؟
محسن بانكسار: غصب عني يا كرم، ما أقدرش أقولها تلت التلاتة كام. سامحني يا ابني إني حطيتك في موقف زي دا. يا ريتني ما اتجوزتها. أنا دلوقتي بس عرفت قيمة أمك، الست اللي كانت زي الجوهرة. أنا عارف إن ربنا بينتقم مني على اللي عملته في أمك، وأديني بشرب من نفس الكاس دلوقتي.
كرم باهتمام: انت قلقتني يا بابا، قولي عملت فيك إيه الحرباية دي؟
محسن بحسرة: بعد وفاة مامتك، فريال منها لله ما ادتنيش فرصة حتى أحزن عليها. فضلت محاصراني وعيشتني فترة وكأني شهريار وهي جارية عندي بتلبي كل طلباتي. فضلت تهتم بيا وتدلعني وتبخ سمها في وداني إني كنت مدفون بالحياة وإني استحملت أمك بمرضها وإني لازم أفوق لنفسي وأعيش حياتي وأعوض السنين اللي ضاعت من عمري. هي السبب في إني أطردكم وأسيبكم. حتى القرشين اللي كنت محوشهم للزمن عشان أربيكم بيهم، خدتهم وما خلتش حيلتي أي حاجة. حتى مرتب أول بأول واخداه، لدرجة إنه ما بقاش يكفيها. ساعتها بدأت تبان على حقيقتها وبدأ لسانها يطول. ولما أخدت موقف وضربتها بسبب قلة أدبها عليا، أجرت ناس بلطجية واتكاتروا عليا وضربوني وعدموني العافية ومضوني على وصولات أمانة بمليون جنيه. وأجبرتني أدور على شغلانة تانية عشان أكفيها. وأنا خلاص ما بقتش قادر وصحتي بقت في النازل، حتى هدومي متبهدلة ومش عارف أشتري طقم جديد. وما بقتش عارف هروح شغلي ازاي. اضطريت أعمل تعبان عشان آخد إجازة مرضي وما أروحش الشغل، وأهو كدا كدا المرتب هاخده. وبروح الشغل التاني على الأقل محدش فيها هيقولي لبسك مبهدل ليه.
كرم بتساؤل: ليه هو حضرتك بتشتغل إيه؟
محسن بانكسار: بشيل رمل وزلط يا كرم يا ابني، أي حاجة تجيب فلوس علشان أسد بقها وما تدخلنيش السجن.
كرم بحدة: دا لا عاشت ولا كانت، دا أنا أوديها في ستين داهية. هي البلد ما فيهاش قانون ولا إيه؟ دي ممضياك بالإكراه. انت تطلقها وتيجي تعيش معانا تاني، وأنا اللي هقف قصادها. واوعى تخاف أبداً، أنا في ضهرك يا بابا.
محسن: يا ريت ينفع يا ابني، الكلام سهل أوي. لكن حلني لما تقدر تثبت إن الإمضا كانت بالإكراه. أكون مت في السجن.
كرم بتساؤل: أومال هتفضل تحت رحمتها كدا وتسيبها تهينك بالشكل ده؟
محسن بقلة حيلة: طيب قولي يا ابني، أعمل إيه؟ لو كان معايا فلوس كنت رميتهالها وخلصت منها. لكن ما باليد حيلة. دا حتى الشقة اللي قاعدين فيها خليتني كتبتها باسمها.
كرم: طيب إيه الحل دلوقتي؟ أنا مش هقدر أعيش وأرتاح في حياتي وانت عايش بالشكل دا يا بابا.
محسن: سيبها لله وهو يدبرها من عنده. المهم إنك رجعتلي تاني يا ابني، وعقبال بسمة ما تحن عليا هي كمان ويتلم شملنا من تاني.
ظل محسن وكرم جالسين سوياً يتجذبان أطراف الحديث. ثم استأذن كرم من والده ليذهب على وعد بالعودة مرة أخرى. وبعد أن ذهب كرم، قام محسن بالتحدث في هاتفه إلى أحد الأشخاص وقال:
محسن باهتمام: آه، هو لسه ماشي حالا... لا، ما فتحتوش، اصبر بس عليا شوية، ماينفعش أفاتحه في الموضوع دلوقتي. خلاص خلاص، هحاول أفاتحه في أقرب فرصة، بس انت اصبر عليا شويه، ماشي؟ يلا سلام.
كانت بسمة تقف في سنتر أدوات التجميل الذي تعمل به، حينما دخل عليها شاب يبدو من ملابسه أنه ميسور الحال، كما أنه من الشباب الذين يهتمون بلياقتهم البدنية.
الشاب: لو سمحتي يا آنسة، كنت عاوز أشتري هدية للقطة بتاعتي، بس بصراحة أنا ما بفهمش في حاجات البنات دي.
بسمة وهي تنظر له بدهشة: نعم.... قطة؟ اااه قصدك الجيرل فريند بتاعتك؟
الشاب بضحك: اسم الله عليكي يا مثقفة، أيوا الجيرل فريند. قوليلي بقا إيه أحسن حاجة ممكن أقدمها؟ أصلها بتحب الميك اب أوي.
بسمة: يعني حضرتك عاوز هدية في حدود قد إيه؟
الشاب: لا اصرفي وكلفي، ما يهمكيش. الفلوس دي آخر حاجة أفكر فيها. أنا أهم حاجة عندي المزة بتاعتي تبقى مبسوطة، عشان تعرف تبسطني أنا كمان.
بسمة باشمئزاز: خلاص يا فندم، أنا هعمل لحضرتك بوكس شيك إن شاء الله هيعجبها.
الشاب: خلاص تمام، شكل ذوقك حلو يا قمر.
نظرت بسمة للشاب بضيق، ثم أخذت بوكس الهدايا وبدأت في انتقاء بعض أدوات التجميل ووضعتها في البوكس. ثم تقدمت من الشاب وسألته إذا كان يريد شيئاً آخر.
الشاب: لا كدا تمام، البوكس شكله روعة أوي. عاوزك بقا تعمليلي واحد تاني، بس المرة دي شوفي الحاجات اللي انتي تحبيها وحطيها فيه.
بسمة بدهشة: واشمعنى يعني اللي أنا أحبه؟
الشاب: عشان البوكس دا هيبقى هدية ليكي انتي يا قمر، أصل انتي ذوقك عجبني أوي ودخلتي مزاجي على الآخر.
بسمة بحدة: ناااعم يا حيلتها، دخلت مزاجك!
إيه يا عينيا، دخلت مزاجك إزاي؟ هو انت مفكرني إيه إن شاء الله؟ كان حد قالك عليا إني واحدة مش ولابد عشان أقبل من شاب ما أعرفهوش هدية؟ انت هنا في مكان محترم يعني، تقف وتتكلم بأدب واحترام.
الشاب: إيه في إيه يا آنسة؟ أنا حر، شوفت حاجة عجبتني وحبيت أعبر عن إعجابي بيها، ما حصلش حاجة يعني. وبعدين هو انتي تطولي أصلاً تتعرفي عليا وتبقي الجيرل فريند بتاعتي؟
بسمة بحدة: شكلك كدا عاوز تتربى من أول وجديد. انت فاكر نفسك شهريار؟ دا انت ما تسواش في سوق الرجالة قرش تعريفة. يلا يلا من هنا بدل ما أفرج عليك أمة لا إله إلا الله وأعرفك مقامك.
الشاب بحدة: أنا هعرفك مقامك يا حشرة، والله لأفعصك. انتي مش عارفة بتكلمي مين؟ أنا عاوز أعرف ازاي يشغلوا ناس زيك في مكان محترم زي دا. أنا هوديك في ستين داهية. هو فين صاحب المكان دا ولا المدير؟
بسبب تلك المشادة تجمع بعض العاملين بالمكان حول بسمة لمعرفة ما حدث. حاولوا تهدئة الشاب حتى لا يتسبب في طردها من عملها، ولكنه أصر على مقابلة المدير. وبعد لحظات وصل مالك المكان ودخل بكل وقار. نظر إلى بسمة والشاب ثم تحدث بهدوء.
يونس مالك المكان: خير يا أستاذ، في إيه حضرتك؟ إيه المشكلة اللي مخلياك بتتكلم بالصوت العالي ده؟
الشاب بصوت عالي: انت مشغل عندك ناس مبتفهمش ازاي تتعامل مع الناس المحترمين. الهانم مش عارفة تشوف شغلها كويس. هو مش الزبون دايما على حق؟ أنا بقا عاوز حقي من البني آدمة دي ولازم تتطرد من هنا حالا.
يونس بهدوء: لو سمحت وطي صوتك، انت في مكان محترم ودا مكان أكل عيش مينفعش فيه الصوت العالى. وانت فعلاً عندك حضرتك حق لأن الزبون دايما على حق.
ثم نظر باتجاه بسمة التي نظرت له بدهشة وصدمة. ونظر لها الشاب بتشفي وغرور. فأكمل يونس حديثه.
يونس وهو ما زال ينظر لبسمة: الزبون المحترم فعلاً هو اللي على حق. ثم استدار له ووجده ينظر لبسمة بشماتة فأكمل قائلاً: واللي هو مش حضرتك طبعاً.
فانصدم الشاب ونظر بدهشة ليونس وتحدث بحدة: انت اتجننت؟ انت عارف أنا مين عشان تفضل عليا واحدة زي دي؟
يونس ببرود: ميهمنيش أعرف، كفاية أخلاق حضرتك اللي واضحة قدامي واللي ماتدلش على إنك انسان محترم. ياريت بقا تحافظ على اللي باقي من كرامتك وتتفضل من غير مطرود ومتورنيش وشك تاني هنا.
الشاب بغضب: أنا فعلاً اللي غلطان إني جيت مكان بيئة زي دا. انتم ماتستاهلوش واحد محترم زيي يدخل يشتري من عندكم. ثم تركهم وذهب. واستدار يونس للجميع وطلب منهم أن يذهبوا ويباشروا عملهم. ثم اقترب من بسمة وتحدث بهدوء.
يونس بهدوء: آنسة بسمة، أنا اللي بقولك أهو. أي واحد يحاول يتجرأ عليكي أوعي تخافي وتسكتي. خدي حقك وعمر ما حد هيعملك حاجة طالما ما عملتيش حاجة غلط. أوعي تكوني ضعيفة قدام أي مخلوق. أظن رسالتي وصلت. ياريت تكملي شغلك ولا كأن أي حاجة حصلت. ثم ابتسم لها وتركها وذهب.
مرت الأيام وما زالت جنة معاقبة من علا. فعادت كما كانت تقوم بمساعدة علا في الأعمال المنزلية. ووقت فراغها تقضيه بالمكتبة تقرأ ما بها من كتب زاخرة بالمعلومات القيمة التي تساعدها على تنمية عقلها. ولكنها أيضاً كانت تفكر في خالد وتسأل نفسها هل شعر بغيابها؟ هل حاول معرفة سبب هذا الغياب؟ أم أنها لا تشكل له فرقاً. أما قاسم فكان يحاول تعويض جنة وذلك عن طريق معاملته الحسنة لها وإحضار كل ما تحبه وتشتهيه والجلوس معها وممازحتها. ولكن ظل عقلها مشغولاً بسبب معاملته السابقة لها والتي كانت تتميز بالقسوة. وحاولت معرفة السبب من علا ولكنها رفضت أن تبوح لها بشيء بناءً على أمر من قاسم. أما كرم فكان محسن دائم السؤال عنه محاولاً التقرب إليه. وكرم لم يقصر معه أيضاً في السؤال كما أنه كان يقدم له بعض المساعدات المادية.
وفي إحدى الليالي لم تستطع جنة النوم فقد جافاها من شدة التفكير. وكانت الساعة شارفت على الثالثة فقررت جنة أن تلهي نفسها بالقراءة. وبالفعل قامت وذهبت إلى المكتبة. وحينما تناولت كتاباً لقرائته تذكرت ذلك الكتاب الذي طالما حذرتها جدتها من قرائته. فاتجهت إليه وتناولته وجلست على الأريكة. ثم تحسسته بيدها فبدأت الأضواء على غلافه بالسطوع. وحينما فتحته حدث ما لم يكن في الحسبان.
رواية انتقام عبر الزمن الفصل الثالث عشر 13 - بقلم الهام عبد الرحمن
كانت جنة تجلس على الأريكة ممسكة بيدها هذا الكتاب العجيب الذي بدأ غلافه يشع ضوءا أرجوانيا فزادها ذلك فضولا. أصرت على فتحه وقراءة محتواه.
وحينما فتحته وجدت به رسومات كثيرة لغابة أشبه ما تكون بغابة سحرية، كل رسمة تتوسط صفحة من صفحات الكتاب وحولها الكثير من الرموز الغريبة وأسفل كل صورة بعض الكلمات الغير مفهومة.
حاولت قراءة تلك الكلمات ولكنها فشلت في فهمها. حتى وصلت لتلك الصفحة في منتصف الكتاب وحاولت قراءة الكلمات أسفل الصورة التي بدت لها وكأنها كلمات بسيطة ولكن دون معنى.
فكانت المفاجأة بعد قراءتها أن شع ضوء شديد من الكتاب وتحولت تلك الرموز حول الصورة إلى رموز مضيئة ثم بدأت في الابتعاد عن الصورة وتطايرت.
فارتعبت جنة من ذلك المنظر وألقت الكتاب أرضا بعيدا عنها وحاولت الهروب من المكتبة ولكن قوة رهيبة ألصقتها بمكانها على الأريكة. كذلك حاولت الصراخ والإستنجاد بعمها أو زوجة عمها ولكن هيهات فقد اختفى صوتها.
فبدأ الهلع يملأ أوصالها وتساقطت دموعها ورددت فى نفسها: "ليتني استمعت إلى نصيحتك يا جدتي."
ظلت تنظر إلى الكتاب الذي سقط مفتوحا، وظلت أوراقه تتراقص يشع منها ضوء شديد ويتطاير خارج هذه الأوراق تلك الرموز التي كانت تزين صفحاتها. ثم تحولت الصورة في منتصف الكتاب إلى صورة مجسدة.
حيث خرج من كل صفحة على جانبي الكتاب فروع لأشجار يغلب عليها الضوء الزهري والأرجواني وتناثرت على الصفحات حشائش خضراء يتزينها زهور. ثم تقوست تلك الفروع فأصبحت كبوابة سحرية يتطاير فوقها فراشات مضيئة باللون الذهبي وأخرى باللون الأرجواني. كما ظهرت بعد الفراشات باللون السماوي ولكن كانت أكبر حجما.
ظلت جنة تنظر لما يحدث أمامها وهي جاحظة العينين وأخذت تتأمل تلك البوابة فرأت من خلالها قصر وكأنه مملكة ولكن صورتها غير واضحة قليلا.
وفجأة اتسعت تلك البوابة ووجدت نفسها تسير دون إرادة منها وتدخل من تلك البوابة. وفجأة تحولت ملابسها من منامة بيتية بسيطة إلى فستان زهري رقيق وشعرها أصبح منسدلا على أكتافها.
ظلت تسير خطوات بسيطة حتى توقفت أمام شلال من الماء يكسوه أضواء غريبة وكأنها مصابيح تزينه لها ألوان مبهجة. حوله فروع لأشجار تنبت أوراق قليلة تقف بجوار ذلك الشلال فراشة ضخمة ذات لون سماوى تشع هي الأخرى ضوءا جذابا.
وقفت جنة أمام تلك الفراشة تنظر لها بذهول يعجز لسانها عن النطق. حتى تفاجئت بذلك الصوت الصادر من تلك الفراشة.
الفراشة: "أهلا بك يا حفيدة رقية الغالية لقد طال انتظارك فتاتي الجميلة."
جنة بذهول: "من انت وكيف أتيت إلى هنا وكيف تتحدثين وانت مجرد فراشة؟ انتظري.... ما هذا لماذا أتحدث الفصحى؟"
تحدثت الفراشه برقة وهدوء: "أنا فراشة العالم السحري. أما كيف أتيت إلى هنا فذلك لأنك قرأت الكلمات أسفل الصورة والتي هي بمثابة مفتاح لعالمنا. وأنا أتحدث لأننا بعالم سحري وسترين هنا كل ما هو غريب. أما أنك تتحدثين الفصحى فلأنه عالم لا يقبل سوى بالرقي والفصحى من طرق التحدث الراقية."
جنة بخوف: "ولماذا أتيت إلى هنا أيتها الفراشة؟ وهل لك اسم أناديك إياه؟"
الفراشة: "لقد أتيت إلى هنا بسبب أمنية أرقتك خلال الفترة الماضية وتريدين معرفة جوابها. وذلك الإلحاح في قلبك ساعدك في فتح تلك البوابة. أما اسمي فهو بيرهات وتعني الذكرى. فأنا جوابك لذلك السؤال الذي طالما أرقك. قد وضعتني هنا جدتك الحبيبة حتى ما إذا حالفك الحظ واستطعت دخول هذا العالم أن تحصلي على جواب سؤالك وحل مشكلتك."
جنة وقد بدأ يزول عنها الخوف قليلا: "ماذا تقصدين ما هو هذا السؤال الذي تقصدينه؟ وما هي تلك الذكرى التي تركتها لي جدتي؟ ولماذا تركت لي ذكرى وهي كانت دائمة التحذير لي بعدم فتح الكتاب إلا بعد اتمام عامى الواحد والعشرون؟"
الفراشة بيرهات: "لا أستطيع إظهار تلك الذكرى إلا إذا سألتي سؤالا مباشرا عنها. أما جدتك فقد تركت لك تلك الذكرى حتى لا تأكل الكراهية قلبك تجاه شخص قريب منك. وكانت دائمة التحذير لك لأن العالم السحري يبدو جميلا جذابا. ولما لا فهو سحري ولكن ليس كل ما هو جميل يحوي في باطنه نفس الجمال الظاهري. فدائما يوجد الشر حيث يوجد الخير."
جنة بفهم: "وها أنا علمت سؤالي."
الفراشة بيرهات: "والآن أطلقيه لكي أتحرر فقد انتظرت سنوات طوال."
جنة: "لماذا كان عمي قاسم قاسي القلب معي؟ لماذا جعلني أعيش حزينة في كنفه رغم حبي له؟"
الفراشة بيرهات: "الآن سوف ترين كل شيء انظري إلى ذلك الشلال لتري ما حدث في زمن فات وانقضى."
التفتت جنة إلى ذلك الشلال ونظرت بقلق وبدأت تلك الذكرى في الظهور. حيث رأت قاسم وهو طفل عندما نجح بالشهادة الإعدادية وكيف أن والده حرمه من التعليم العالي وجعله يعمل بالمحل خاصتهم. كما رأت والدها أيضا حينما نجح بالشهادة الإعدادية وكيف أن جدها أصر على أن يكمل تعليمه ليدخل أعلى الجامعات.
رأت عمها قاسم والحزن ينهش قلبه وحلمه يضيع بين يديه حينما أصر والده على عدم إكمال تعليمه المتوسط أيضا. وظل هكذا لم يحصل سوى على الشهادة الإعدادية. رأت اهتمام جدها بوالدها بسبب مرضه واعتماده الكلي على عمها في العمل ودلاله لوالدها. رأت حب والدها المستمر لعمها كما رأت كراهية عمها لوالدها وحقده عليه.
رأت ذكرى مريرة أخرى لعمها بعد أن أصبح شابا يافعا. حينما ذهب إلى جدها يطلب منه أن يذهب معه لطلب يد إحدى الفتيات في حيه للزواج ولكنه صدم حين استمع لرد والده والذي قال بتهكم: "لا أستطيع الذهاب واحراج نفسي معك فتلك الفتاة جامعية كيف ستقبل بك وانت لم تكمل تعليمك؟!"
فرد قاسم: "ولكني أحبها يا أبي وأريد أن أتزوجها مهلا ألم تكن انت أبي سبب عدم إكمال تعليمي رغم أنك ساعدت أخي الصغير ابراهيم لاستكمال تعليمه؟!"
فرد عليه والده: "هل هذا وقت إحياء تلك الذكرى التافهة مرة أخرى؟ اتركك من تلك المواضيع فلدي زوجة مناسبة لك أما تلك الفتاة فهي تناسب أخيك ابراهيم أكثر فهو جامعي مثلها."
شعرت جنة بانقباض قلبها حينما رأت تلك الذكرى وكيف أن عمها قاسم نظر لوالده وهو جاحظ العينين يشعر بالنار تأكل قلبه. فأشاحت بوجهها بعيدا وسقطت بعض دموعها. ثم استعادت رباط جأشها ونظرت مرة أخرى إلى ذلك الشلال لترى بقية الذكريات.
فرأت عمها قاسم وهو يتزوج علا وكيف كان حزينا وكيف أنه لم يستطع الاقتراب منها ومعاملته القاسية لها. ولكنها استطاعت أن تجبره على حبها بل عشقها. وكيف لا فقد تعدى عشقه الحدود فقد رفض نصيحة والده بالزواج من أخرى لينجب ويصبح له ذرية واكتفى بوجود علا في حياته تلك السيدة الطيبة الحنونة رقيقة القلب جابرة الخواطر.
كما أنها رأت والدها والذي أصر على الرفض من تلك الفتاة لأن أخيه كان يريدها لنفسه. ورأت أيضا يوم ولادتها وكيف أن عمها قاسم كان يحملها بين يديه يشع وجهه سعادة وفرحا. رأت تعلقه الشديد بها وفرحته وكأنها ابنته هو. واهتمامه بها وعدم تركها لحظة لدرجة إنها تساءلت أين ذهبت تلك المحبة.
رأت وفاة والدتها وحزن أبيها ومواساة عمها لوالدها. رأت وفاة جدها والوصية الملعونه التي تركها ومعها خطاب موجه لقاسم. فكانت تلك الوصية تنص على أن المحل من نصيب ابراهيم وقاسم هو الذي يديره ويعطي إيراده لإبراهيم ويأخذ قاسم راتبا مناسبا له.
رأت عمها وهو يثور أمام أخيه والمحامي بعد قراءة تلك الوصية فناوله المحامي ذلك الخطاب المرفق مع الوصية ففتحه وقرأ محتواه.
عبد المقصود والد قاسم: "قاسم ولدي الحبيب أعلم أني تحاملت عليك كثيرا ولكن على من أتحامل وانت ولدي الأكبر وسندي بالحياة سامحني يا ولدي فقد ظلمتك كثيرا ولكن ليس بإرادتي فقد ابتلاني الله بمرض أخيك وقد علمت من الأطباء أن حياته لن تطول هو الآخر فأحببت إسعاده ولقد كتبت المحل بإسمه وأعلم أنه بعد وفاته انت من سترثه وستربي ابنته وبذلك يكون عوضك الله عن عدم انجابك وأعاد إليك إرثك مرة أخرى."
نظر قاسم لهذا الخطاب بكل كراهية وظل يتحدث بصوت عالي وحاد ويردد قائلا.
قاسم بقهر ووجع: "ظلمتني طوال حياتي لأن ولدك الآخر لن تطول حياته كان بامكانك إسعادنا نحن الاثنان ولكن ولدت الكراهية بدلا من الحب في قلوبنا ماذا استفدت أبي الآن وقد تركت أخ ينتظر وفاة أخيه حتى يحصل على حقه ماذا استفدت الآن والكراهية أكلت قلبي كما تأكل النار الهشيم لا سامحك الله والدي على ما جعلتني أعيشه."
رأت كيف حاول والدها إرجاع المحل ليتشارك هو وأخاه فيه بشرع الله ولكن رفض قاسم واعتقد أن أخيه يمن عليه وسيطر عليه شيطان نفسه ولم يرى حب أخيه له وزادت كراهيته أكثر وأكثر. ويا ليت تلك الكراهية اقتصرت فقط على ابراهيم ولكن شملت تلك الصغيرة اليتيمة التي لا حول لها ولا قوة. فبعد أن كان ملتصقا بها طوال الوقت أصبح لا يقربها وينفر منها.
شعرت جنة بالحزن والقهر ووجع القلب على حال عمها قاسم والتمست له العذر في معاملته القاسية معها وسامحته وأصرت على أن تعوضه على كل ما حدث معه.
انتهت الذكريات ونظرت جنة للفراشة بأعين دامعة وتحدثت بصوت رخيم.
جنة: "شكرا لك أيتها الفراشة بيرهات لقد أثلجتي قلبي بمعرفة الحقيقة وأدعو الله أن يعينني على تعويض عمي العزيز والآن أخبريني كيف أعود إلى عالمي؟"
الفراشة بيرهات: "ستستطيعين الخروج بسهولة بعد حصولك على المفتاح من الجزيرة القمرية."
جنة بدهشة: "مفتاح.... وجزيرة قمرية!"
وأين أجد تلك الجزيرة؟
الفراشة بيرهات: ستذهبين عبر ممر الفراشات الذهبية
وستمرين بالنساء ذات الرداء الأبيض ولكن إياك والنظر إليهم ففي لحظة مرورك عليهم هن لا يشعرن بك ولكن إن نظرتي لهم وهم يؤدون تعويذاتهم احترقتي وتحولت إلى رماد.
ثم ستمرين بقصر شهبانو أي قصر الملكة وهو قصر ضخم أبيض كالكريستال يشع أضواء جذابة حوله شجيرات كأنها مغطاة بالثلج يحاوط هذه الشجيرات وأرضية القصر الضباب وكأنه يسبح بين السحب.
لا تغرك هذه المناظر الجذابة فتاتي الطيبة فكما قلت لك سابقا حيثما يوجد الخير يوجد الشر أيضا فملكة هذا القصر سيدة يافعة لا ترتدي سوى الأبيض لها شعر رمادي غجري يصل إلى أسفل ظهرها ترتدي تاجا كأفرع الشجر يزينه بعض أحجار الزمرد لها ذئب ضخم ذو فراء أبيض يهابه كل من في الغابة فهو حارسها الوحيد.
آجلا عاجلا ستلتقين بها ولكن ليس الآن فإياك ثم إياك أن تنبهري بشيء. بعد القصر بعدة أمتار سترين سلم يحاوطه الزهور وأعلاه القمر كبدر ستجدين أعلى السلم مفتاحا يحلق بالهواء هذا هو أحضريه وعودي بسرعة.
اه نسيت اخبارك أن كل ممر تمرين فوقه ستتغير ملابسك بألوان تناسب المكان الذي تمرين عليه فلا تنزعجي ولا تخافي حينما تعودين بالمفتاح سيعود كل شيء كما كان وستضعين المفتاح في هذا الجانب من الكتاب وأشارت إلى غلاف الكتاب وحينما وحينها ستفتح البوابة مرة أخرى وتخرجين منها وتعودين مرة أخرى إلى نفس الوقت الذي دخلت فيه إلى عالمنا وهنا تنقضي مهمتي فقد أتممتها على أكمل وجه بعد انتظار دام لسنوات وسأذهب للقاء جدتك الحبيبة فسلامي لك حبيبتي الغالية وأتمنى حينما تعودين إلى هنا ألا تخسري خسارة عظيمة كما خسرت جدتك حياتها.
جنة بدهشة: انتظري أيتها الفراشة بيريهات أخبريني كيف فقدت جدتي حياتها؟
الفراشة بيرهات: ليس مسموح لي بإخبارك فسوف تعلمين حينما تعودين مرة أخرى إلى هذه البوابة وأتمنى أن لا تعودين إليها مرة أخرى والآن اذهبي سريعا قبل أن يتحول القمر من حالته وتسجنين هنا إلى الأبد هيا أسرعي فتاتي الغالية.
ثم بدأت في الإختفاء وهي تردد: حافظي على حياتك.. حافظي على حياتك.. لا تنبهري بأي شيء فحيثما يكمن الخير يكمن الشر معه.
نظرت جنة في إثرها ثم نفذت ما أمرتها به تلك الفراشة وعادت بالمفتاح ووضعته بغلاف الكتاب وفتحت البوابة مرة أخرى وخرجت منها ووجدت نفسها جالسة على الأريكة بمكتبة منزلها تمسك بيدها الكتاب وترتدي نفس المنامة البيتية التي كانت ترتديها سابقا وكانت الساعة الثالثة وكأن شيئا لم يحدث ونظرت إلى الكتاب وسؤالا يراودها هل ستعود فعلا إلى تلك الغابة السحرية مرة أخرى وتعيش مغامرة جديدة أم أنها ستهاب الرجوع بسبب تحذير تلك الفراشة لها؟
والآن قررت أنها ستكتفى بتلك الحقيقة التى توصلت إليها وستترك مسألة رجوعها إلى تلك الغابة لوقت آخر ثم ذهبت لتنال قسطا من النوم.
رواية انتقام عبر الزمن الفصل الرابع عشر 14 - بقلم الهام عبد الرحمن
في صباح اليوم التالي استيقظت جنة من نومها وهي تشعر بإرهاق شديد بسبب ما مرت به. فظلت جالسة قليلًا على فراشها تحاول استدعاء توازن جسدها. وبعد قليل قامت وتوضأت وأدت فرضها، ثم ذهبت إلى المطبخ وقامت بإعداد العديد من الأصناف لطعام الإفطار، ثم وضعتها على طاولة السفرة.
ذهبت لإيقاظ عمها وزوجة عمها، ولكنها تفاجأت قبل أن تتحرك بوجود عمها يقف خلفها يلقي عليها الصباح. فالتفتت له ونظرت له بشوق شديد وكأنها لم تره منذ سنوات.
"يسعد صباحك يا أحن وأطيب عمو قاسم في الدنيا كلها."
قاسم باستغراب وهو ينظر يمينًا ويسارًا: "إيه دا هو الدلع دا ليا أنا؟"
جنة بابتسامة حب: "طبعًا هو في حياتي عمو قاسم غير واحد بس."
قاسم بضحكة خفيفة: "شكلك قايمة رايقة على الصبح، إيه نمتي كتير ولا إيه؟"
جنة بحب وحنان: "طبعًا لازم أبقى رايقة وفايقة ومبسوطة كمان، وأنا ربنا رازقني بأحن أب وأم في الدنيا كلها."
قاسم بدهشة: "أب..." ثم شرد قليلًا في لذة تلك الكلمة وكيف أنها أثرت على قلبه ومشاعره.
جنة بتردد: "هو أنا ممكن أطلب منك طلب وما ترفضوش؟"
قاسم بجدية: "أؤمري يا حبيبتي عاوزة إيه؟ محتاجة فلوس؟"
جنة بتلعثم: "لا الحمد لله مش محتاجة لحاجة، بس هو... أنا... يعني... أنا ممكن أقولك بابا؟"
قاسم بذهول: "بابا! انتي يا جنة عاوزة تناديلي بابا؟"
جنة وقد اعتقدت أنه سيرفض: "أرجوك أوعى تقول لا." ثم ارتمت بين أحضانه وبدأت في البكاء وأكملت من بين دموعها: "أنا اتحرمت من ماما قبل ما أشوفها واتحرمت من بابا وأنا ما أعرفش أب وأم غيرك انت وطنط علا. هي طول عمرها عاشت أم ليا وانت كمان كنت أب ليا، ربتني وعلمتني وصرفت عليا واهتميت بيا."
قاسم بأعين دامعة: "ليه يا جنة؟ ليه انتي صافية أوي كدا؟ ليه قلبك مليان طيبة بالشكل دا؟ إزاي قادرة تسامحيني بعد كل اللي عملته فيكي؟ إزاي قادرة تحبيني كدا؟ قلبك دا مصنوع من إيه؟"
جنة بابتسامة باكية: "مش يمكن عشان عارفة قد إيه انت إنسان طيب بقسوة مش حقيقية؟ مش يمكن عشان عارفة الحقيقة وعارفة قد إيه انت اتعذبت في حياتك."
قاسم باستغراب: "عارفة؟ عارفة إزاي؟ ومين حكالك وعارفة إيه بالظبط؟ علا حكت ليكي حاجة؟"
جنة بلهفة: "لا لا لا لا أبدًا، طنط علا عمرها ما قالتلي حاجة تخصك. مفيش على لسانها غير إنك طيب وحنين بس قاسيت كتير في حياتك. يا عمو انت ما شاء الله عليك ذكي وناجح في شغلك، يعني كنت هتبقى حاجة كبيرة أوي لو كنت كملت تعليمك. أنا مش عاوزة أتكلم في اللي فات لأنه خلاص حصل. بس يكفيني إنك موجود في حياتي وإنك أب حنين وجميل. أنا بحبك أوي يا بابا."
قاسم بأعين باكية وتنهيدة وهو يجذبها داخل أحضانه: "آآآآه يا جنة انتي فعلا اسم على مسمى. جبرت قلبي بعد سنين حرمان. قوليها تاني يا بنتي، قوليها واروي قلبي المحروم بقاله سنين من إنه يسمع ويتمتع بأحلى كلمة في الدنيا."
جنة ببكاء وهي تحتضنه بقوة: "بابا قاسم، هفضل أقولها باقي عمري كله. بابا... بابا..."
كانت تقف علا على باب الحجرة وتنظر لهم بسعادة وحب وعينها تذرف الدموع فرحًا من كم هذه المشاعر التي تولدت بين ليلة وضحاها داخل قلوب قاسم وجنة. ورددت في نفسها: "سبحان مقلب القلوب. إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء."
علا من بين دموعها: "وأنا يعني بنت البطة السودا ولا إيه يا ست جنة؟ يعني هو بابا وأنا هفضل طنط علا؟ ماليش نصيب يتقالي ماما؟"
جرت جنة وارتمت بين أحضانها وأمسكت يدها وقبلتها وقالت: "أنا ما عرفتش أم غيرك ليا. انتي اللي ربيتي وتعبتي وسهرتي وذاكرتي. بس كنت خايفة أجرح احساسك لما أقولها وأنا مش بنتك بجد." ثم نظرت لقاسم وأكملت بتردد: "كنت خايفة من عمو قاسم لأنه كان رافض وجودي. لكن دلوقتي خلاص. أنا مش هقول غير ماما وبابا. أنا ماليش غيركم وما أعرفش أب وأم غيركم."
في مقر عمل كرم كان ينهي كرم بعض الأوراق حين أتاه اتصال هاتفي من رقم غير معروف هوية صاحبه.
كرم: "ألو... السلام عليكم مين معايا؟"
الشخص: "حضرتك الأستاذ كرم محسن؟"
كرم: "أيوا يا فندم مين حضرتك؟"
الشخص: "أنا جبت نمرة حضرتك من والدك الأستاذ محسن. أنا آسف إني ببلغ حضرتك إن والدك تعبان شوية، يا ريت حضرتك تيجي تاخده لأنه مش قادر يمشي لوحده."
كرم بلهفة: "ماله في إيه؟ إيه اللي حصله؟ طب قولي بسرعة من فضلك. العنوان فين؟"
قام الشخص بإعلام كرم بالعنوان واستأذن كرم من رئيس عمله وذهب مسرعًا حيث يوجد والده. فاستقبله الشخص الذي هاتفه.
كرم: "بابا فين لو سمحت؟ أنا كرم محسن مش حضرتك اللي كلمتني دلوقتي؟"
الشخص: "اهدى يا أستاذ. والدك بخير اطمن. تعالى معايا أنا هوديك عنده. هو ما كانش ينفع نسيبه هنا وهو دايخ بالشكل دا لأن دا سوبر ماركت. فأخدته وديته للمسجد اللي هناك دا وشيخ المسجد قاعد معاه. شكله عنده هبوط سكري. هو والد حضرتك عنده السكر؟"
كرم بتردد: "مش عارف. وصلني بس ليه وأنا هاخده على أقرب مستشفى عشان أطمن عليه."
وصل كرم إلى المسجد حيث يجلس والده فأقبل عليه بلهفة ووجده مسطحًا على الأرض يظهر عليه الوهن الشديد، كما يوجد جرح ليس بكبير أعلى جبينه.
كرم بلهفة: "بابا مالك يا حبيبي؟ فيك إيه وإيه اللي جرحك كدا؟" ثم التفت إلى الرجل وسأله: "هو وقع واتعور ولا إيه؟"
الرجل: "لا يا أستاذ. هو كان مجروح كدا. هو أصلًا ما وقعش. إحنا لحقناه أول ما حس بدوخة وشربته عصير. وبعدين وصلته للمسجد عشان يرتاح لحد ما انت توصل."
كرم: "قوم يا بابا تعالى نروح يلا أي مستشفى عشان أطمن عليك."
محسن وقد عزت عليه نفسه والتمعت أعينه بالدموع: "مالوش لزوم يا كرم يا ابني. أنا بقيت كويس الحمد لله. هم شوية دوخة بسيطة بسبب قلة الأكل والإجهاد. والحمد لله ربنا سترها. أنا بس عاوز أتكلم معاك ضروري. اسندني وخلينا نروح في أي حتة نقعد شوية ونتكلم."
كرم بحنان وخوف على والده: "حاضر يا حبيبي. ثانية واحدة بس هخرج أوقف أي تاكسي عشان ما تتعبش من الوقفة."
بعد دقائق قليلة دخل كرم بعد أن استوقف سيارة أجرة وأسند والده وذهبا سويًا إلى أحد المطاعم. ثم طلب له أشهى المأكولات وشرعا في تناول الطعام. وأثناء ذلك نظر كرم إلى والده الذي يتناول طعامه بصعوبة وهو شارد الذهن. ثم سأله باهتمام.
كرم: "خير يا بابا؟ موضوع إيه المهم اللي كنت حضرتك عاوز تكلمني فيه؟ والأهم من دا الجرح اللي في دماغك دا اتجرحته ازاي؟"
محسن بتلعثم: "أنا... أنا... يا كرم يا ابني.... بصراحة..."
والله ما عارف أبدأ منين وأقولك إيه.
ثم بدأت دموعه في الهطول وهو يردد: يا ريتني ما بعت الغالي بالرخيص.
كرم بقلق: في إيه يا بابا؟ قلقتني عليك يا حبيبي. ولازمته إيه الكلام دا دلوقتي؟
محسن ببكاء: عشان البني آدمة اللي أنا متجوزها. اللي اشتريتها وبعتكم. اللي مضيتني على وصل أمانة بمليون جنيه لما تعبت وما عدتش قادر أشتغل ولا أوفرلها طلباتها. بدأت تقل أدبها عليا جامد. ما حستش بنفسي إلا وأنا بضربها. لاقيتها بتهددني إنها هتسجنني بوصل الأمانة. وأنا ما حيلتيش اللضا عشان حتى أعطيهولها وأخلص منها. وما بقتش عارف أتصرف إزاي. يابنى دا وصل بيها الحال إنها تخبطني في دماغي بالطبق اللي كان في إيديها وتطردني من بيتي. أنا بقالي يومين بنام على الأرصفة في الشوارع يا كرم يا ابني.
كرم بدهشة وغضب: إيه؟ بتقول إيه؟ بتنام على الأرصفة؟ إزاي كل دا يحصل وما تقوليش؟ هى فاكرة نفسها إيه؟ دى واحدة ولا تسوى. أنا هعرفها مقامها وأعرفها إزاي تتطاول عليك بالشكل ده.
محسن بقلة حيلة: اهدى يا كرم. إحنا مش هنقدر نعملها حاجة لأن هى مسكانى من إيدى اللى بتوجعنى. متنساش دول مليون جنيه.
كرم بضيق ووحدة: والمفروض هنسكت على إهانتها دي؟ وبعدين إزاي يجرالك كل دا وتنام على الأرصفة؟ إزاي متجيش بيتك تاني وتقعد معايا أنا وبسمة؟
محسن بخجل من حاله: وتفتكر كان يجيلى عين أرجعلكوا تاني بعد ما اتخليت عنكم في عز ما كنتوا محتاجينلي؟ تفتكر بسمة كانت هتقبلني تاني في حياتها؟ بتهيألي اللي عملته هو الصح. أنا ما أستحقش أي رحمة ولا تعاطف منكم.
كرم بذهول: انت بتقول إيه يا بابا؟ انت مهما حصل منك هتفضل أبونا اللي ربانا. وبعدين إحنا اتفقنا ننسى اللي فات. وإن كان على بسمة فصدقني هي قلبها أبيض. ومع الوقت هتسامحك. ما انت عارف الستات بيتضحك على عقلها بكلمتين. يعني شوية حنية منك على كلمتين حلوين مني هتلين وتحن وتسامحك. والزن على الودان أمر من السحر يا أبو كرم.
محسن برجاء: يسمع من بوقك ربنا يا كرم يا ابني.
كرم: بص يابابا أنا هحاول أجيب قرض ونديه للست دي. وبعدها تطلقها وتيجي تعيش معانا.
محسن بحزن: ياريتها بالسهولة دي يا حبيبي. انت موظف يعني مش هتقدر تجيب قرض عالي بالشكل ده. وهي عمرها ما هتقسط المبلغ. بالعكس دي هتبقى عاوزة تعجزنا عشان أتسجن وتشمت فيا.
كرم بنفاذ صبر: طيب والحل؟
محسن بتردد: مفيش غير حل واحد بس.
كرم بتساؤل: إيه هو؟ قولى عليه.
محسن: نبيع البيت.
كرم: إزاي وانت كاتبه باسمها؟
محسن: لا ماهو أنا مش قصدي البيت بتاعي. أنا أقصد البيت بتاعك انت وأختك اللي ورثتوه من مامتكم.
كرم بذهول: انت بتقول إيه يا بابا؟ انت واعي للكلام اللي بتقوله دا؟ يعني هي تاخد بيتك منك وحضرتك تيجي تاخد البيت اللي حيلتي أنا وأختي واللي آوينا وتبيعه وتديلها فلوسه.
محسن: يا كرم يا ابني افهمني. أنا لو ما اتصرفتش بأسرع وقت هروح في داهية. والبيت بتاعك انت وأختك في واحد تقيل قوي ومعاه فلوس. لو فضل عمره كله يصرف فيها مش هتخلص. وهو عاوز البيت بأي تمن. يعني المليون بالنسباله شوية ملاليم. فاحنا هنطلب اللي إحنا عاوزينه وهو مجبر إنه يدفع عشان ياخد البيت.
كرم بفهم: ااه. يبقى هو دا اللي رجعك لحياتنا تاني. مش حتة بقا إنك ندمان وعاوز تلم الشمل والكلام دا كله. أنا آسف يابابا. أنا معنديش بيوت للبيع.
محسن: يا كرم يا ابني أرجوك بلاش تتخلى عني. أنا ممكن أروح في داهية بالشكل ده. بلاش تتخلى عني. أنا أبوك. هترضى إني أترمى في السجن؟
كرم بصرامة: آسف. معنديش كلام تاني أقدر أقولهولك. وياريت متفتحش معايا الموضوع ده تاني.
محسن بانكسار: اللي تشوفه يا كرم.
كرم: يلا بينا خلينا نروح عندي في البيت.
محسن: وبسمة هتقدر تقنعها بوجودي معاكم.
كرم: سيبها لله. لما نوصل نبقى نشوف هنعمل إيه معاها.
بعد مدة وصل كرم ووالده محسن إلى منزل كرم وصعدا سويا. وجلسا ينتظران قدوم بسمة حيث لم تكن انتهت من عملها بعد. وبعد فترة من الزمن حضرت بسمة وحينما دخلت إلى المنزل تفاجأت بوجود والدها. فنظرت لهم بصدمة وسقطت حقيبة يدها أرضا. فوقف محسن وحاول الاقتراب منها ليسلم عليها. ففرت مسرعة إلى حجرتها. فالتفت ونظر إلى كرم بإنكسار ثم تحدث قائلا.
محسن بانكسار: مش قولتلك بلاش يابني؟ أنا كنت متأكد إنها يستحيل تتقبلني في حياتها. أنا همشي يابني عشان مسببش أي مشكلة بينكم.
كرم: استنى بس يابابا هتروح على فين؟ أنا هدخل أكلمها. وياريت متزعلش منها واعذرها.
ترك كرم والده واتجه إلى حجرة أخته بسمة. فوجدها تجلس على الفراش حاملة بيدها صورة والدتها وتبكي بحرقة. فنظر لها كرم بشفقة وجلس بجوارها. فتحدثت بقهر.
بسمة بقهر: انت وعدتني يا كرم إنك مش هتجبرني أتعامل معاه ولا أكلمه. ليه خلفت وعدك؟ ليه جبته هنا؟ البني آدم دا. أنا مش عاوزة أشوف وشه ولا أتعامل معاه بأي شكل. أرجوك خليه يمشي من هنا. وحياتي عندك يا كرم. مشيه. أنا مش هستحمل أعيش معاه تاني.
كرم بهدوء: بسمة أولا. أنا مش هحاسبك على الكلام اللي انتي قولتي دا لأني مقدر مشاعرك كويس. وأنا مش بجبرك تتعاملي معاه ولا حاجة. ثانيا الحكاية إنه واقع في مشكلة وأنا بحاول أساعده مش أكتر.
بسمة بغل: ميخصنيش. مشاكله يحلها بعيد عننا. هو جاي يفتكرنا دلوقتي لما وقع في مشكلة.
كرم بحدة بسيطة: بسمة لاحظي إن اللي بتتكلمي عليه دا أبونا. يعني مينفعش نتخلى عنه. وربنا مش هيباركلنا في أي حاجة لو اتخلينا عنه. ياريت تفهمي كدا. أنا مش هرمي ابويا في الشارع عشان زعلانين من تصرفاته. الأصيل مش بيبان غير في وقت الضيق.
بسمة بقلة حيلة: خلاص. يبقى مالوش دعوة بيا. ولا يتعامل معايا بأي شكل. وينسى خالص إن له بنت اسمها بسمة.
كرم: حاضر. هقوله. بس انتي بردو حاولي تهدى شوية وتتأقلمي على الوضع ده. لأن الموضوع شكله هيطول.
خرج كرم واتجه إلى والده وطلب منه أن يصبر قليلا على بسمة حتى تهدأ. وأن الزمن كفيل بمعالجة كل شئ. ثم أدخله حجرة والدته لينام بها.
مرت عدة أيام ولم يحدث شيئا جديدا. فجنة حياتها الآن مليئة بالمحبة والسعادة. وكرم يحاول تهدئة الأوضاع بين والده وبسمة. أما بسمة فلم تستطع مسامحة والدها ولا الاقتناع بوجوده معهم. كما أنها أخبرت كرم بعدم ارتياحها لوجوده. ولكن كرم أخبرها أن هذا الشعور نتاج غضبها منه. وفي إحدى الليالي خرجت بسمة لتملأ قارورة المياه الخاصة بها. فاستمعت إلى صوت والدها وكأنه يتشاجر مع أحد في الهاتف. فاقتربت أكثر من باب حجرة والدها لتستطيع سماع ما يقول. فشهقت بصوت مكتوم وجحظت عيناها بشدة وقالت هامسة.
بسمة بهمس: أنا كان عندي حق. أنا ماكنتش مرتحالك من الأول. بس اصبر عليا. أما أوريك مبقاش أنا بسمة.
رواية انتقام عبر الزمن الفصل الخامس عشر 15 - بقلم الهام عبد الرحمن
دخلت بسمة حجرتها وظلت تجوب فيها إيابا وذهابا وهي تشعر بالحيرة، أتقوم بإعلام كرم أم أنه لن يصدقها وسيظن أنها تريد التخلص من وجود والدهم؟ ثم بدأت تتذكر حديث والدها مع هذا الشخص الغريب حينما كانت تمر من أمام حجرة.
محسن: "يا مصطفى باشا، أنا والله مش مقصر وبحاول معاه بس الواد راكب دماغه ومش عاوز يبيع البيت."
الشخص: "..."
محسن: "لألألألأ، هو ما يعرفش حاجة، أنا مفهمه إني مديون بيهم لمراتي، دا لو عرف الحقيقة هيركب دماغه أكتر ومش بعيد يبلغ البوليس وساعتها هنروح في داهية."
الشخص: "..."
محسن: "حاضر والله ياباشا، هحاول معاه تاني بس اديني انت فرصة واحدة بس."
الشخص: "..."
محسن بلهفة: "لا ياباشا بلاش بالله عليك تأذيه، هو إن شاء الله هيرضى."
بسمة في نفسها: "ياترى مين دا اللي كنت بتكلمه يابابا؟ وليه عاوز منك تخلي كرم يبيع البيت؟ وليه هيأذيه لو رفض؟ أنا حاسة إن دماغي هتفرقع، حرام عليك ظهرت ليه في حياتنا تاني؟ جاي وجايب معاك القلق والخوف والخراب، أنا عمري ما هسامحك أبداً لو أخويا جرى له حاجة. بس دلوقتي لازم أفكر في طريقة عشان أعرف بيها الحقيقة وأنقذ أخويا كرم منه ومن شره."
ظلت تفكر وتفكر إلى أن شعرت بأن قواها أُنهكت وقد حلت عليها نسمات الصباح ولم يغمض لها جفن، فذهبت لتوقظ أخيها كرم حتى يستعد للذهاب إلى عمله، ثم قامت بإعداد طعام الإفطار وجلست هي وأخيها ووالدها يتناولون الطعام، وكل شخص منهم يفكر بشئ في عقله. فكرم يشغل باله كيف سينقذ والده من براثن تلك الأفعى وتسديد دينه، ومحسن يفكر كيف سيقنع ابنه كرم ببيع المنزل حتى يرضى الشخص المجهول. أما بسمة فكان كل ما يشغل تفكيرها هو كيفية انقاذ أخيها والتخلص من ذلك الأب الذي لا يبالي بحياة أولاده، وقد قررت أخيراً بأن تقوم بمراقبته حتى يتسنى لها معرفة من الشخص المجهول الذي يريد منزلهم ويكون في يديها دليل قوي تستطيع إدانة والدها به أمام أخيها.
انتهى الجميع من تناول طعامهم وذهب كرم وبسمة إلى عملهم، بينما ظل محسن في المنزل. كانت بسمة تقوم بأداء عملها ولكنها كانت تشعر بدوار نتيجة عدم نومها طوال الليل وتفكيرها المستمر، وكان هناك من يراقبها عن كثب ويشعر أنها تعاني خطباً ما. وخلال لحظة اختل توازن بسمة وكادت أن تسقط أرضاً لولا أن لحقها مسرعاً وتلقفها بين ذراعيه، فنظرت له بوهن ودهشة.
بسمة بوهن: "مستر يونس!!"
يونس بلهفة وقلق: "بسمة انتي كويسة... حاسة بإيه؟"
ثم قام بإسنادها وأجلسها على أحد المقاعد وأحضر لها كوباً من الماء، فتجمعت بعض زميلاتها حولها لمحاولة مساعدتها والاطمئنان عليها.
بسمة بوهن وهي تضع يدها على جبهتها: "متقلقش يامستر يونس أنا كويسة، هي شوية دوخة بس لأني مطبقة من امبارح ولسه مانمتش."
يونس بتساؤل متناسياً من حوله: "وإيه بقا اللي كان مسهرك طول الليل وخلاكي متناميش؟ أوعي تكوني مرتبطة بحد ودا سبب سهرك."
شعرت بسمة بصدمة من كلام يونس واحمرت وجنتاها بشدة خجلاً من زميلاتها الملتفات حولها ونظرت له بدهشة وأعين جاحظة، فشعر يونس بفداحة ما نطقه فاستدرك كلامه بابتسامة مشاغبة.
يونس: "ولا كنتي بتتفرجي على فيلم كرتون وشدك؟ أصل أنا عارفك عاملة زي الأطفال."
نظرت الفتيات إلى بعضهن وهن يبتسمن بخجل على تصرفات مديرهم، والتي أظهرت لهن اهتمامه ببسمة التي كانت تشعر بالخجل الشديد، فهي أدركت أنه يحاول حفظ ماء وجهه حتى لا يظن أحد بها السوء نتيجة كلامه، فجعل كلامه وكأنه مزحة.
بسمة بخجل: "لا أبداً مفيش حاجة من دي، كل الحكاية إن كان عندي أرق بسبب حاجة في البيت عندي، وبعتذر لحضرتك، أنا هقوم أغسل وشي دلوقتي وهبقى كويسة إن شاء الله."
يونس بحنان: "متشغليش بالك بحاجة دلوقتي غير صحتك وقومي يلا، أنا هوصلك وبلاش تيجي الشغل بكرا ارتاحي الأول ولما تحسي إنك كويسة ابقي تعالي، هو إحنا يعني عندنا كام بسمة عشان نهتم بيها."
انتبه يونس لما قاله فأغمض عينيه ثم تنحنح بحرج وأكمل قائلاً: "حد فيكم يابنات ييجي يساعدها وواحدة تيجي معانا وأنا بوصلها."
بسمة بحرج: "مالوش لازوم يامستر يونس، أنا هروح لوحدي مش عاوزة أتعب حضرتك معايا."
يونس بحزم: "أظن أنا قولت كلمتي وانتِ عارفة كويس إن كلمتي واحدة ومبحبش أكرر كلامي. ثم التفت إلى الفتيات وأكمل قائلاً: ياريت تتفضلوا على شغلكم وكفاية عطلة لحد كدا، واستني انتي ياريهام عشان تساعدي بسمة."
أومأت ريهام برأسها وذهبت باتجاه بسمة لتساعدها وذهبت الفتيات لاستكمال عملهم. كما ذهب يونس إلى سيارته منتظراً بسمة وريهام.
ريهام لبسمة: "بت يابسمة انتي أخدتي بالك من كلام مستر يونس؟"
بسمة باستغراب: "ماله هو قال حاجة وأنا ما أخدتش بالي منها؟"
ريهام بغمزة: "واضح كدا والله أعلم إن مستر يونس عينه منك."
بسمة بحدة وتوتر: "عينه مني إزاي يعني؟ ماتخلي بالك على كلامك ياريهام، الراجل ما قالش حاجة غلط ولا رفع عينه فيا وكلنا عارفين قد إيه مستر يونس راجل محترم ومؤدب، فبلاش تلميحاتك دي أنا معنديش استعداد يطلع عليا سمعة بطالة بسبب هزار سخيف."
ريهام بتبرير لموقفها: "يابوسى أنا مقصدش حاجة وحشة والله، أنا بس قولت اللي شوفته واللي كلنا خدنا بالنا منه، لكن انتي مركّزتيش كويس، شكل مستر يونس معجب بيكي، وبعدين دي مش حاجة وحشة، مش يمكن عاوز يتقدملك وتبقى من نصيبه وساعتها تبقي صاحبة الهيلمان اللي إحنا فيه دا وترتاحي وتبقى سيدة القصر."
بسمة بحزم: "لو سمحتي ياريهام قفلي على الموضوع ده، أنا أصلاً دماغي مش فايقة للحاجات دي، خليني في اللي أنا فيه ويلا بينا بقا مستر يونس مستني بقاله كتير."
ذهبت بسمة وريهام وركبا مع يونس في سيارته، وقام بإيصالها إلى منزلها، ثم عاد هو وريهام إلى السنتر لاستكمال عملهم.
صعدت بسمة إلى منزلها وحينما دخلت قابلها والدها، فاستغرب من مجيئها مبكراً على غير عادتها، فاقترب منها قائلاً.
محسن بتساؤل: "إيه اللي جابك بدري يابنتي فيكي حاجة ولا إيه؟"
بسمة بضيق: "أظن دا شئ ما يخصكش، وياريت بلاش تعيش معايا دور الأب اللي قلقان على بنته، لأنه مش لايق عليك."
محسن بانكسار: "أنا عارف إني مكنتش أب كويس، لكن والله أنا بحبكم ومقدرش أشوفك كدا وما أطمنش عليكي، دا انتي بنتي."
بسمة بزهق: "يوووه، ولا تطمن عليا ولا أطمن عليك، الشويتين اللي بتعملهم دول مش داخلين ذمتي بتعريفة، فياريت توفر عليا وعلي نفسك الاسطوانة المشروخة دي لأني مش مصدقة منها أي حاجة."
ثم تركته وذهبت إلى حجرتها لتنال قسطاً من الراحة.
جلس محسن على الأريكة في صالة المنزل ينظر في أثرها بحزن ويلوم نفسه على ابتعاده عن أولاده ويتحسر على فقدانه لمحبتهم، وأن كل ما يجمعهم الآن هو مجرد عطفهم عليه وكأنه شخص مسكين يستحق الشفقة. وفي أثناء شروده أتاه اتصال هاتفي، فنظر إلى الهاتف بابتسامة ثم تحدث قائلاً.
محسن بابتسامة: "وحشتيني ياروح قلبي، كدا متكلمنيش من امبارح؟ فريال أنا مشتاقلك موووت ونفسي أجلك أوى."
فريال بلهفة: "أوعى تعمل كدا أصل كل اللي عملناه يبقى مالوش لازمة، اصبر شوية لحد ما نخلص من السبوبة دي وبعدين يتلم شملنا تاني يا عيون فريال وقلبها."
محسن: "أمري لله هصبر بس عشان رضاكي عليا يا حياتي."
فريال بدلع: "ياراجل السبوبة تستاهل، دا خير بالكوم، حد يقول للرزق لأ، وابنك لو عرف اللي فيها مش هيسكت، دا وش فقر من يومه أنا عارفاه، بومة زي أمه الله يجحمه مطرح ما راحت."
محسن وكأنه مسلوب الإرادة: "والله يافريولتي أنا مكنتش عايش، أنا كنت مدفون بالحياة وانتِ اللي رديتي فيا الروح."
فريال: "طيب أوعى تنسى تشرب العصير اللي بعتوهولك، وأوعى تخلي حد من المقاطيع اللي عندك يدوقوه، خسارة في جتتهم."
محسن بتلذذ: "تعرفي إني مبقتش أعرف أشرب أي عصير غير اللي بتعمليهولي بإيدك ياقلبي، عشان كدا قبل مابخلص ببعتلك تجيبيلى تاني."
فريال بدلع: "طبعاً ياحبيبي، دا أنا بعملهولك مخصوص مخلوط بحبي ليك، بقولك إيه اقفل دلوقتي لحد يسمعك وانت بتكلمني ويعرف السر اللي بينا."
محسن: "عندك حق، دا البت بسمة رجعت النهاردة بدري ومتلقحة جوا."
فريال بعصبية: "وبتكلمني ياموكوس وهى عندك؟ انت عاوز تودينا في داهية ولا إيه؟ اقفل يلا بسرعة ومتكررهاش تاني وتكلمني بس لما تكون لوحدك، انت فاهم."
في منزل جنة مساءً، كانت جنة تجلس في الشرفة تشعر بالملل، فلم تعد لديها الرغبة في دخول المكتبة لما تشعر به من رهبة، فما عاشته ليس بقليل ولا هين.
دخلت علا عليها ووجدتها شاردة، أمامها كوب الشاي الذي برد، نظرت للكوب ثم لها وجلست بجوارها وتحدثت بهدوء.
علا بهدوء: "مالك ياجنة سرحانة في إيه؟ دا حتى شايك برد."
جنة بزهق: "زهقانة ومتضايقة، دا حتى المكتبة مبقتش حابة أدخلها ولا جايلى نفس أقرأ."
علا بتساؤل: "وإيه اللي اللي مزهقك ياست البنات؟"
جنة: "مش عارفة، بس أنا لا بخرج ولا بروح ولا باجي قاعدة زي أي كرسي في البيت، مفيش حاجة تسليني، هو... يعني... ممكن تديني الموبايل تاني؟ ووالله مش هسهر عليه تاني عشان خاطري وافقي، أنا بجد زهقانة وكان هو مسليني، وحياتي ترضى."
علا بعد تفكير: "ماشي ياجنة، بس ياريت تلتزمي بكلامك المرة دي، واعرفي يابنتي إني عملت كدا وأخدته منك عشان كنت خايفة عليكي، أنا هقوم أجيبهولك ياحبيبتي، على العموم هو مقفول ومرمي في الدولاب من يوم ما أخدته منك."
أحضرت علا الهاتف وأعطته لجنة التي فرحت كثيراً وظلت تقفز كالأطفال، تركتها علا وسط فرحتها ودخلت إلى حجرتها. وقامت جنة بفتح هاتفها فوجدت الكثير والكثير من الرسائل التي قام خالد بإرسالها، ففتحتها وبدأت في قرائتها وتهللت أساريرها وقرعت دقات قلبها كالطبول، وظلت مترددة أترد عليه أم لا، فها هو ظل متذكرها، ظلت هكذا إلى أن قطع شرودها تلك الرسالة التي أرسلها خالد.
رواية انتقام عبر الزمن الفصل السادس عشر 16 - بقلم الهام عبد الرحمن
كانت جنة تنظر إلى هاتفها بصدمة. لم تكن تتوقع أن بمجرد فتحها إياه سيراسلها خالد. ولقد علم الآن أنها رأت الرسالة، فلن تستطيع تجاهله. فظلت تنظر لتلك الرسالة ولا تعرف بماذا تجيب خالد.
خالد: جنة وحشتيني أوي أوي. إيه كل الغيبة دي؟ ليه اختفيتي فجأة كدا؟ طمنيني عليكي. أنا كنت هتجنن من اختفائك المفاجئ دا.
جنة في نفسها: طيب أرد أقول إيه دلوقتي؟ دا بيقولي وحشتيني للدرجة دي. أنا فارقة معاه وغيابي أثر فيه. هو قلبي بيدق كدا ليه؟ هو أنا ليه حاسة إن هو واحشني أوي كدا أنا كمان؟
خالد: جنة ليه مش بتردي عليا؟ هو انتى زعلانة مني في حاجة؟ أرجوكي اتكلمي.
جنة بتردد: أنا مش زعلانة منك في حاجة. بس مش عارفة أرد بإيه على كل كلامك دا!
خالد: يا الله! أنا مش مصدق أخيراً رديتي عليا بجد. أنا كنت مفتقدك أوي. كنت حاسس بفراغ كبير في غيابك. رغم إن إحنا ما اتكلمناش غير فترة بسيطة، لكن بجد عملتي فرق كبير في حياتي.
جنة بخجل: مش للدرجة دي يعني. هو أنا يعني عملت إيه؟ دا كانت مجرد دردشة بينا.
خالد: الدردشة اللي من وجهة نظرك بسيطة، بالنسبة ليا كانت حاجة كبيرة. أول مرة ألاقي حد يسمعني ويطيب بخاطري. جنة انتي فيكي حنان وطيبة ما شوفتهاش حتى في اخواتي. اللي المفروض هما اللي يكونوا مكانك ويواسوني، لكن هما كانوا جايين عليا أوي عشان خاطر خالتي وبنتها.
خالد: هو ممكن أطلب منك طلب؟ بس بالله عليكي ما تفهميني غلط ولا ترفضي.
جنة: خير يا رب. طلب إيه دا؟
خالد: عاوز أتكلم معاكي صوت. أرجوكي بلاش ترفضي. وحياة أغلى حاجة عندك توافقي. بجد محتاج أسمع صوتك.
ظلت جنة مترددة لفترة، هل توافق أم لا؟ ولكن كان بداخلها مشاعر غريبة أول مرة تعيشها. فكانت تشعر بفرحة وسعادة عارمة وهو يترجاها لسماع صوتها. فشعرت وكأنها إكسير الحياة بالنسبة إليه. فقررت أخيراً أن تحدثه. فأرسلت له رقم هاتفها. ولم ينتظر خالد لحظة واحدة واتصل عليها مباشرة حتى لا يدع لها فرصة للتراجع. نظرت جنة للهاتف الذي صدح رنينه فردت سريعاً قبل أن يسمع صوته أحد.
جنة بتردد وصوت هامس: ألو. السلام عليكم.
خالد بفرحة: دا بجد؟ انتي بتردي عليا؟ يعني أنا مش بتهيأ لي إني سامع صوتك دلوقتي؟
جنة بابتسامة خجل: طيب ممكن تخليك معايا لحظة؟ هدخل أوضتي بس عشان أعرف أكلمك.
دخلت جنة حجرتها مسرعة، ثم تحدثت بخجل ودقات قلبها تتزايد.
جنة: أيوا معاك. اتكلم. خير؟ كنت عاوز تكلمني صوت ليه؟
خالد: بصراحة مش عارف. بس كنت مشتاقلك أوي. وبما إني شوفت صورتك على الفيسبوك، فكنت عاوز أكمل الصورة في دماغي بصوتك. انتي أصلاً ما فارقتيش خيالي طول الفترة اللي فاتت. بصي والله أنا مش بعاكس ولا بقول كلام مجاملة. بس والله أنا حاسس ناحيتك بمشاعر مش عارف امتى ولا إزاي. لكن لما اختفيتي لاقيت نفسي كل يوم بحلم بيكي وبتخيل صوتك في وداني وانتي بتكلميني. بقيت عامل زي المجنون. نفسي أوصلك بأي شكل. بقيت أبعتلك رسايل كل يوم أحكيلك فيها عن تفاصيل يومي واستنى تفتحي وتردي عليا. أنا خايف دلوقتي أكون بحلم زي كل يوم ويكون اللي أنا فيه دلوقتي مجرد وهم. أرجوكي اتكلمي. قولي أي حاجة. بس بالله عليكي أوعي تزعلي مني أو تعمليلي بلوك.
جنة بتردد: يا خالد... أنا.... أنا مش عارفة بجد أرد عليك أقولك إيه. انت فاجئتني بكلامك دا. أنا أول مرة حد يقولي كلام زي دا. أنا بجد متوترة أوي.
خالد بفرحة: يا الله! أنا ما كنتش عارف إن اسمي حلو كدا. حاسس كأني أول مرة أسمعه طالع منك كأنه نغمة موسيقية.
جنة بخجل: خالد أرجوك بلاش الأسلوب دا. أنا مش متعودة على كدا. بالله عليك ارحمني وراعي إن عمري ما مريت بأي تجارب.
خالد: أنا بس مش مصدق نفسي. أنا عارف إن كلامي دا شباب كتير بتقوله للبنات عشان يوقعوهم في شباكهم. لكن بجد أنا حاسس بإحساس حلو أوي وانتي بتنطقي اسمي بالطريقة دي.
جنة بتساؤل: طريقة؟ طريقة إيه؟ أنا بقول اسمك عادي.
خالد بهيام: بقا الدلع دا كله وانتي بتنطقي اسمي ومش عاوزاني اتجنن؟ دا أنا حاسس إن هعملك زي عبد الحليم وأغنيلك دلوقتي.
جنة بخجل كاد يفتك بها وصوت متقطع: خا... لد.. أر... أرجوك أنا مش قد كلامك دا. انت بتعمل فيا كدا ليه؟
خالد بحب: عشان حبيتك بجد. مش هقول إعجاب. لا حبيتك. عارفة يا جنة؟ أنا ما شوفتش الإحساس دا مع مراتي. ولا المشاعر دي اللي أنا عايشها معاكي دلوقتي. اللهفة اللي كانت فيا أول لما فتحتي وقرأتي رسايلي. الإشتياق اللي كان في قلبي وانتي مختفية وما أعرفش عنك حاجة. كل دي مشاعر أول مرة أجربها. أنا كمان أول مرة أعيشها.
ظلت جنة صامتة ولا تستطيع الرد. فناداها خالد مرة واثنان وثلاثة. إلى أن استمع لتنهيدة حارة خرجت من بين شفتيها. ألهبت قلبه وأشعلت جسده بمشاعر جمة. فلم يستطع كبح جماح مشاعره.
خالد بهمس: اااه يا جنة. تنهيدتك دي ولعت في جسمي. بجد محتاجلك أوي أوي. عشان خاطري اتكلمي. عاوز أسمع صوتك. قوليلي مشاعرك ناحيتي. يا ترى حاسة نفسي إحساسي؟ بلاش تفضلي ساكتة كدا. قوليلي أي حاجة. أنا هتجنن. ما بقتش قادر أستحمل. مفيش ست في الدنيا قدرت تعمل اللي انتي عملتيه فيا.
جنة وقد تاهت عن الدنيا: خالد أرجوك بلاش تحاصرني بالمشاعر دي كلها. أنا مش قد كل دا. صعب عليا في يوم وليلة إن يبقى في مشاعر بيني وبينك وإحنا يا دوبك لسة عارفين بعض.
خالد بهمس: ششششش. أنا عارف ومتأكد إن في مشاعر في قلبك ناحيتي. بلاش تنكري. سيبي نفسك يا جنة وقولي. قولي إنك عاوزاني. قولي إنك حبتيني. قولي إن كل حتة في جسمك بتنادى باسمي وبتقول عاوزاك يا خالد. قولي يا قلبي. قولي إنك محتاجالي زي ما أنا محتاجلك.
جنة بدون إرادة وبهمس ورقة: محتاجالك يا خالد. محتاجة مشاعرك دي. أنا بعيش معاك لحظات عمري ما عشتها. محتاجة أسمع كلامك اللي هز قلبي من جوه. نبرة صوتك هزت كياني. انت عملت فيا إيه؟ أنا جسمي كله ما بقاش فيه أعصاب. حاسة كأني مسلوبة الإرادة.
خالد: جنة أنا نفسي أحضنك أوي. نفسي تكوني معايا دلوقتي. نفسي تكوني مراتي. محتاجلك أوي. دوبتيني بصوتك اللي كله أنوثة ورقة. حرام عليكي. ما بقتش قادر أستحمل. أنا نفسي أشوفك أوي.
جنة: طيب هعمل إيه وهتشوفني ازاي؟ بس دا إحنا بينا مسافة كبيرة. انت من محافظة وأنا من محافظة تانية خالص.
خالد بتفكير: طيب إيه رأيك نتكلم مكالمة فيديو؟ حتى نشوف بعض على طبيعتنا؟
جنة: لا لا لا لا طبعاً! ما ينفعش. إيه اللي انت بتقوله دا؟ وبعدين أنا بلبس البيت وقاعدة براحتي. وكمان ما يصحش نفتح فيديو. خالد أنا حاسة إنك بتجري أوي في العلاقة دي. إيه؟ في إيه؟ لسة بتقولي إنك بتحبني وفي إيه عاوز نتقابل ونتكلم فيديو؟ اصبر شوية عشان خاطري. أنا لحد دلوقتي مش قادرة استوعب إني بكلم شاب وإن هيبقى بينا علاقة. بلاش تخوفني منك عشان خاطري.
خالد بحنان: يا قلبي. أنا من شوقي ليكى مستعجل. أعمل كل حاجة حلوة معاكي. أشوفك وآخدك في حضني وأحس إنك ملكي.
جنة بتردد: خالد بلاش حبيبتي وقلبي. أنا مش مرتاحة وانت بتقولي الكلام دا. خليه لما يبقى في حاجة رسمي بينا. لكن دلوقتي هحس إني إنسانة مش تمام.
خالد بحزن: ليه يا جنة؟ عاوزة تحرميني من الإحساس الحلو دا؟ وبعدين إحنا لسة بنتعرف على بعض. يعني مش هينفع أي حاجة رسمي دلوقتي. لما ناخد على بعض الأول عشان ما حدش فينا يندم بعد كدا.
جنة بدهشة: ناخد على بعض الأول...
دا اللي هو ازاي مش المفروض ناخد على بعض واحنا مخطوبين وبنعرف طباع بعض وبناء عليه هنكمل أو لا. أنا دلوقتي مش فاهماك، هو انت عاوزنا نتكلم كدا على طول من ورا أهلي يا خالد؟
خالد: لا يا حبيبتي، أنا ما أقصدش طبعًا. كل الحكاية إني مش عاوز أعيد التجربة بتاعتي تاني، وفي نفس الوقت مش عاوز أظلمك معايا. عاوز أعيش معاكي قصة حب الأول، وكمان عشان انتي تكوني اتأكدتي من مشاعرك ناحيتي. لكن تعالي كدا نفرض مع بعض إني جيت وخطبتك، وانتي ما حسيتيش ناحيتي بمشاعر قوية زي دلوقتي، هتبقى اتحسبت عليكي خطوبة والناس ما بترحمش. أنا خايف عليكي يا قلبي، عاوز لما آجي وأخطبك بجد نكون متأكدين من مشاعرنا 100% عشان ما يحصلش انفصال بعد كدا. وما تنسيش إنك هتسيبي أهلك وتعيشي في محافظة تانية، فلازم تبقي على يقين إنك واخدة القرار الصح.
ظلت جنة تفكر في كلامه للحظات وشعرت باقتناعها بما يقول، فتحدثت برقة.
جنة: انت عندك حق، بس أنا خايفة حد يعرف إني بكلمك ويعملولي مشكلة.
خالد: ما تخافيش يا روحي، إحنا كدا كدا هنتكلم بالليل بعد ما تتأكدي إنهم ناموا عشان محدش يحس بيكي، ونقدر نتكلم براحتنا.
جنة بقلق: هحاول بس ما أوعدكش. وفي طلب كمان، أرجوك بلاش الكلام اللي انت بتقوله دا. قلبي وروحي وحبيبتي، انت كدا بتوترني.
خالد بحزم: جنة، أنا بقول اللي قلبي بيطلبه مني ولساني بيترجم كلام قلبي، دي حاجة مش بإيدي يا حبيبتي. أنا عارف إنك ما عشتيش أي تجارب قبل كدا والكلام دا جديد عليكي. عايز منك بس تسيبيلي نفسك وأنا هعلمك يعني إيه حب، وصدقيني مش هتندمي.
في منزل بسمة وكرم، ظلت بسمة تراقب والدها وتتنصت عليه لعلها تستمع لإحدى مكالماته أو تعلم على ماذا ينوي. حاولت مرارًا إخبار كرم ولكنها كانت خائفة من عدم تصديقها. استغلت بقاءها في المنزل ومثلت أمام والدها وكرم أنها مريضة وستلزم الفراش. حاول كرم أن يأخذها للطبيب لكي يطمئنوا عليها، ولكنها طمأنته أنها بخير وأن كل ما تحتاجه هو بعض الراحة. ذهب كرم إلى عمله وتأكد محسن أن بسمة غطت في نوم عميق، ولكن الحقيقة هي كانت تمثل بأنها نائمة حتى تستطيع معرفة نواياه. فذهب محسن إلى حجرته وقامت بسمة من فراشها مسرعة وتسللت خلفه ووقفت أمام باب حجرته تتنصت عليه، فاستمعت له وهو يتحدث في الهاتف. فاقتربت أكثر من الباب لكي تستطيع معرفة ما يقوله هو وهذا الشخص.
محسن: يا مصطفى باشا، ازاي بس عاوز تقابله؟ دا ابني وأنا عارفه، قفل ممكن يودينا كلنا في داهية.
مصطفى: ........
محسن: طيب يا مصطفى باشا، افرض إنه عصلج ورفض ووقفلنا فيها، دا البيت تحته آثار ياما ومش هينفع نسيبها للحكومة. إحنا أولى بيها.
مصطفى: ..........
محسن بخوف: لا يا باشا بلاش بسمة. هو إن شاء الله هيوافق، وإن رفض ساعتها ابقوا اعملوا اللي انتم عايزينه.
جحظت عينا بسمة وظلت تردد في نفسها وهي تلطم على صدرها: آثار البيت تحته آثار وعاوز تكوش عليها، وكمان مش فارقين معاك، عاوزهم يؤذونا عادي كدا بالنسبالك. ثم نظرت للباب بغل وفتحتته ووقفت أمام والدها وهي تنظر له بكل حقد وكراهية وتحدثت من بين أسنانها.
بسمة من بين أسنانها: أنا عمري ما كنت أتوقع إنك بالحقارة دي. انت أب؟ انت بقا بدل ما ترضى بالحلال عاوز تاخد حق مش حقك. الآثار اللي انت عاوز تكوش عليها دي ملك الدولة مش ملك أفراد. وعشان عارف إن اخويا راجل دوغري وحقاني مش فارق معاك تأذيه أو تأذيني. هو إحنا ولادك بجد؟ انت ازاي أبونا؟ ليه بتعمل فينا كدا؟ ليه مش فارقين معاك؟ دا الحيوان بيحاجى على عياله، لكن انت عادي نتأذي عشان تنول غرضك.
هوى محسن بيده على وجه بسمة وصفعها بشدة وصرخ فيها بقوة.
محسن بحدة وصراخ: بتتصنتى عليا ياقليلة الرباية؟ هو دا الأدب اللى أخوكى علمهولك؟
بسمة بحدة: أخويا اللى بتتكلم عنه دا هو اللى رباني وعلمني واهتم بيا مش زيك. سيبتنا وجريت ورا واحدة متسواش وجاي دلوقتى عاوز تاخد بيتنا اللي حيلتنا عشان أغراضك الدنيئة.
محسن بحدة: اسكتي انتي مش فاهمة حاجة. البيت دا تحته آثار ياما، لما مصطفى باشا ياخدها هيدينا تلتها. عارفة يعني إيه التلت؟ لكن الحكومة كل اللي هتديهولنا 10% وابقى قابليني كمان إن اديتهولنا، دا غير إنكم هتخسروا البيت. يعني ممكن تديكم تمن البيت بس. افهمي يا بسمة، دا خير كتير يا بنتي، وما تخافيش ما حدش هيقدر يإذيكم. بس حاولي تقنعي كرم وتخليه يوافق على بيع البيت. دول ناس كبار إحنا مش قدهم وأنا خايف عليكم.
بسمة بحدة وشجاعة: انت عمرك ماخوفت علينا، انت كل اللى هامك مصلحتك انت والأفعى بتاعتك خطافة الرجالة. وأنا يستحيل أبيع بلدي ولا أقنع أخويا إنه يقبل مال حرام. أنا هبلغ عنكم البوليس ومش هسكت. لازم أحمي كرم أخويا منكم.
وهمت بالذهاب لتغيير ملابسها لتذهب إلى قسم البوليس، ولكن نظر محسن حوله بتوتر ووجد أمامه مزهرية فأمسكها وضرب رأس بسمة بها فوقعت أرضًا مغشيًا عليها. ونظر لها بجنون وتحدث قائلًا.
محسن وقد مسه الجنون: كنتي عاوزة تبلغي عني يا بنت الرفدي؟ عاوزة تضيعي فرصة عمري اللي مستنيها من زمان؟ دا لا عشتي ولا كنتي.
ثم أمسك الهاتف واتصل على مصطفى.
محسن: ايوا يا مصطفى باشا، إلحقني. البت بنتي سمعتنا وإحنا بنتكلم وكانت عاوزة تبلغ عننا.
مصطفى بحدة: وهي فين دلوقتي؟
محسن: متلقحة قدامي أهي. أنا ضربتها على دماغها، بس مش عارف أعمل إيه ولا أتصرف إزاي. خايف الواد كرم يرجع ويشوفها كدا، ولا تحكيله ونروح في داهية.
مصطفى: طيب خلاص اتكتم انت بقا وأنا هبعتلك حالا رجالة بعربية مخصوص تجيبوا فيها البنت من غير ما حد يحس، وأنا اللي هتصرف. انت الواحد ما يعرفش يعتمد عليك.
وبعد مدة أتت السيارة وقام الرجال بمساعدة محسن بنقل بسمة إلى مكان آمن حتى لا يستطيع كرم الوصول إليها ولا تستطيع هي الإبلاغ عنهم.
رواية انتقام عبر الزمن الفصل السابع عشر 17 - بقلم الهام عبد الرحمن
عاد كرم من عمله ودخل شقته فوجد والده يجلس في شرفة المنزل هادئًا يتلذذ بشرب كوب من العصير. فجلس بجواره على أحد المقاعد والابتسامة تعلو ثغره.
كرم: "إزيك يا بابا؟ ما شاء الله شايفك مزاجك عالي وقاعد هادي. لا وبتشرب عصير كمان ومروّق على نفسك. طيب اعزم عليا وقول لي: اتفضل يا كرم يا ابني."
محسن وهو يبعد كأس العصير عن متناول يد كرم: "لا، العصير ده بتاعي أنا وبس، محدش يشرب منه غيري."
كرم باستغراب: "أنا بهزر يا بابا. بألف هنا ليك يا حبيبي. أومال بسمة فين؟ هي لسه نايمة ولا إيه؟"
محسن بتوتر: "لا، دي خرجت من بدري وقالت إنها رايحة عند واحدة صاحبتها، بس مش فاكر اسمها إيه."
كرم باستغراب: "خرجت! خرجت إزاي وهي تعبانة؟ يعني هي ما راحتش الشغل عشان ترتاح، تقوم تخرج عند صاحبتها."
محسن: "ما أعرفش والله يا ابني. مش يمكن ما حبتش تقعد معايا؟ انت عارف إنها لسه مش متقبلة وجودي."
كرم: "معلش يا بابا، شوية شوية عليها وهي إن شاء الله هتتقبل وجودك في حياتها. بسمة حنينة وقلبها طيب زي أمي الله يرحمها. وعلى العموم، أكيد هي عند جنة، هي أصلاً ما لهاش أصحاب غيرها. أنا هتصل عليها عشان تيجي ونتغدى سوا."
محسن بلهفة: "لا، استنى. ما تتصلش."
كرم باستغراب: "ليه يا بابا؟ هو في إيه بالظبط؟ مش عاوزني أكلم بسمة ليه؟ هو حصل حاجة بينكم وحضرتك مش عاوز تقول لي؟"
محسن: "مفيش حاجة حصلت يا ابني. أنا بس عاوزك تيجي معايا مشوار ضروري. فعشان كدا بقولك ما تتصلش عليها عشان ما تجيش تقعد لوحدها."
كرم بتساؤل: "مشوار؟ مشوار إيه ده؟"
محسن: "لما نروح هناك هتعرف كل حاجة. أنا أصلاً مستنيك من الصبح. يلا، يلا عشان ما نتأخرش على الناس."
ذهب كرم ووالده محسن واستقلا سيارة أجرة، والتي توجهت بهم إلى أحد المناطق الراقية في المدينة، حيث توجد فيلا كبيرة على مساحة شاسعة. فاستغرب كرم من تواجده في ذلك المكان وما هي المصلحة التي تخص والده في ذلك المكان الفخم. ذهب والده وتحدث لأحد الحراس الموجودين، فقام الحارس باتصال هاتفي ثم أدخلهم إلى الفيلا، حيث استقبلهم كبير الخدم وأجلسهم في الصالون. ثم ذهب ليخبر مصطفى بحضورهم. بعد دقائق نزل إليهم مصطفى وصافحهم وجلس واضعًا قدمًا على الأخرى.
محسن بترحاب: "مصطفى باشا، أخبار معاليك؟ أنا جبت لك كرم أهو عشان حضرتك تتفاهم معاه براحتك."
نظر إليه كرم باشمئزاز، فكيف لوالده أن يضع ولده في هكذا موقف؟ كيف له أن يضعه أمام الأمر الواقع دون أن يخبره أنهم سيأتون للتفاوض على بيع المنزل، رغم أنه أخبره برفضه. ألا يخجل هذا الأب عديم القلب من نفسه؟
مصطفى بحزم: "كدا مهمتك انتهت يا محسن. اتفضل امشِ انت ونسبتك هتوصلك لحد عندك. ويا ريت ما أشوفش وشك تاني. وكلامي دلوقتي هيبقى مع كرم."
نظر لهم كرم نظرة ثاقبة ولم يعقب على حديثهم، بل وضع قدمًا على الأخرى هو الآخر وجلس بثقة زائدة منتظرًا حتى خرج أبيه. ثم تحدث بثقة وجمود.
كرم: "ها، بقا ليه عاوز تشتري البيت بتاعي بالذات؟ ويا ريت ما تقوليش عشان عاوز أبني مكانه عمارة أو هتشتريه هو والبيوت اللي حواليه وتعملوا قرية سياحية. أنا عاوز الكلام الحقيقي اللي مخليك مصمم على شرا البيت بالشكل دا."
مصطفى بابتسامة إعجاب: "يعجبني ذكائك، وعشان كدا هكون صريح معاك وأقولك على اللي فيها. أصل أنا بحب الكلام الدوغري، مبحبش اللف والدوران لأنه بيضيع الوقت."
كرم بانتباه: "اتفضل. أنا سامعك، كل آذان صاغية."
مصطفى: "أولاً، أنا مش محتاج بيتك في حاجة، أنا محتاج اللي مدفون تحته."
كرم بدهشة نجح في إخفائها: "وإيه هو اللي مدفون تحته؟ كنز؟"
مصطفى: "لا، مش كنز، بس اللي هيوصلنا للكنز مفتاح مقبرة الملكة خنتكاوس التالتة. الشيخ اللي عرف مكان المقبرة هو اللي حدد مكان المفتاح، واللي بالصدفة طلع مدفون تحت البدروم بتاع بيتك على بعد عشرة متر. وطبعًا لما ناخد المفتاح هنقدر نفتح المقبرة بكل سهولة."
كرم بتفكير: "ونسبتي في الموضوع دا كام على كدا."
مصطفى: "أنا اتفقت مع محسن على التلت."
كرم بثقة: "اتفاقك مع بابا دا تنساه خالص. البيت باسمي أنا وأختي، بابا مالهوش حاجة فيه. والتلت دي نسبة قليلة أوي على مقبرة ملكة اللي مفتاحها عندي أنا. فعشان نقصر في الكلام، أنا هاخد النص، ودا آخر كلام عندي."
مصطفى بسخرية: "النص مرة واحدة؟ طب إيه رأيك في اللي يخليك تدينا البيت من غير ما تاخذ ولا مليم؟"
كرم بتساؤل وابتسامة ساخرة: "ودا إزاي إن شاء الله؟ هتخطفوني وتجبروني على البيع ولا إيه؟"
مصطفى بضحكة مستفزة: "لا، إحنا مش هنخطفك. إحنا خطفنا خلاص بسمة أختك. هي منورة عندنا لأني كنت متوقع إنك هترفض، عشان كدا عملت حسابي وخطفتها ووديتها في مكان الجن الأزرق ما يعرفش يوصل له. وطبعًا لو ما وافقتش انت اللي هتخسر والبيت بردو هاخده. فيا ريت نمشيها بالذوق بدل ما تخسر أختك الوحيدة، ويمكن حياتك كمان."
كرم بثقة وجمود: "بقولك إيه، لو فاكر إنك كدا خوفتني تبقى غلطان يا باشا. أنا اللي يهمني الفلوس. مقبرة يعني آثار كتير، لا ومش أي مقبرة دي مقبرة ملكة يعني مليانة خيرات لا تعد ولا تحصى. وأنا المفتاح معايا لأنه مدفون في بيتي. يبقى إيه بقا؟ نلايمها وتزود النسبة عشان ما يبقاش فيه شوشرة والخسارة مش هتبقى ليا لوحدي، لا انتم كمان هتخسروا."
مصطفى بتهكم: "طيب ما كنت تقول كدا من الأول. دا أبوك طالع بيك السما وبيقول إنك شريف وهتبلغ البوليس. طيب كنت وفرت علينا المدة اللي فاتت دي."
كرم: "أديك عرفت يا باشا. ودلوقتي نتفق بقا عشان كلنا نبقى مرضيين. واه، لازم أحضر فتح المقبرة عشان أتأكد إنكم مش هتضحكوا عليا وتستغفلوني في النسبة بتاعتي. معلش يا باشا، الحق حبيب الله. ومن الآخر كدا، المفتاح هيفضل معايا لحد ميعاد فتح المقبرة. ها، قولت إيه؟"
مصطفى بخبث: "تمام يا كرم، بس المحروسة أختك هتفضل معانا. ما هو أنا كمان لازم آخد احتياطاتي منك، ووجودها معانا هيخليك ما تلعبش بديلك."
كرم: "أنا قولتلك يا باشا، أنا ما يفرقش معايا غير الفلوس. لأن بصراحة أنا عاوز أقوم على وش الدنيا. بس انت ما يرضكش يا باشا إني أبين قدام أختي عديم الشهامة والنخوة؟ تقدر تاخد الضمان اللي يعجبك، بس أنا ما ينفعش أسيب أختي مع رجالة غريبة، ولا إيه؟ وبعدين إحنا هنروح من بعض فين؟"
مصطفى بخبث: "عندك حق. على العموم، انت هتروح مني فين؟ دي مصر كلها أوضة وصالة. يعني يوم ما تفكر تغدر، مفيش حتة فيك يا مصر تقدر تخبيك عن عيني، وساعتها هخليك تشتهي الموت وما تطلوش."
كرم: "اطمن يا باشا، أنا عقلي مش صغير ومش ناوي أضحي بثروة زي دي. دا أنا ما صدقت الدنيا هتضحكلي أخيراً. اطمن. المهم دلوقتي أختي فين؟"
مصطفى بحزم: "قبل ما توصل بيتك هتكون هي هناك في سريرها. بكرا الساعة 12:00 بالليل رجالتي هتيجي وتطلع المفتاح."
كرم: "خلاص اتفقنا ياباشا. عن إذنك أنا دلوقتي."
في منزل جنة، كانت تجلس في حجرتها بعد انتهائها من الأعمال المنزلية، تؤنب نفسها في أنها كيف سمحت لنفسها أن تحدث شخصًا غريبًا. كيف وافقت أن تعطيني رقم هاتفها له؟ كيف لها أن توافق على إقامة علاقة حب دون ارتباط رسمي؟ ظلت تلوم نفسها وتجلدها وتذكر نفسها أن هذه خيانة ثقة. ترى ماذا سيكون موقف زوجة عمها إذا علمت؟ هل ستسامحها وستعذر قلبها البريء الذي دق بالحب وهو لم يكن يعلم ما معنى تلك الكلمة؟ أم ستفقد الثقة بها وتعنفها؟ ظلت هكذا إلى أن أتتها رسالة على هاتفها، وبالطبع لم يكن سوى خالد.
خالد: "إزيك يا قلبي؟ وحشتيني. ما قدرتش أستنى لغاية بالليل عشان أكلمك. قولت أخطف لحظة كدا من الشغل أكلمك فيها وأرجع تاني قبل ما حد ياخد باله. ها، بقا قوليلي عاملة إيه؟ طمنيني عليكي؟"
رأت جنة الرسالة وظلت في حيرة، أترد عليه أم لا؟ حينما تأخرت على خالد في الرد، أرسل لها مرة أخرى.
خالد: "جنة، مالك يا روحي؟ ما بترديش ليه؟ هو انتي زعلانة مني في حاجة؟"
جنة: "خالد، أنا زعلانة من نفسي أوي. وبعدين كلامك دا بيزود إحساسي بالذنب. في إيه؟ لسه قايل امبارح إنك معجب بيا. وفي إيه؟ كل شوية تقول لي: قلبي وروحي وحبيبتي."
خالد: "طيب اهدي كدا بس وفهميني بالراحة. إيه اللي مزعلك وليه حاسة بالذنب من كلامي؟"
جنة: "أنا مش قادرة أسامح نفسي وأنا بكلمك من ورا أهلي. حاسة إني بجد مش مرتاحة ومش هقدر أعمل كدا. عشان خاطري، ما تزعلش مني. أنا مش هتكلم تاني. ولو لينا نصيب مع بعض، ربنا هيجمعنا حتى لو مش بنتكلم."
خالد مسرعًا: "استني بس يا جنة. هو إيه اللي حصل لكل دا؟ عشان خاطري بلاش تبعدي عني. وبعدين أنا بحبك وعاوز أتجوزك. بس بردو مش عاوز أستعجل عشان دا جواز مش لعبة. وكلامي معاكي عشان بس نعرف بعض وناخد قرار بدل ما نتسرع ونرجع نندم. عشان خاطري وحياتي، بلاش تسيبيني. أنا ما صدقت لاقيتك. ولو عاوزة آجي أخطبك دلوقتي، أنا موافق يا ستي. بس اديني فرصة بس شهرين عشان أنا ليا فلوس برا ومش هتيجي إلا بعد شهرين. انتي ميرضكيش آجي أتقدملك وأنا محلتيش أي حاجة ولا معايا حتى تمن الشبكة."
جنة: "طيب خلاص، أنا موافقة أستنى الشهرين دول. بس مش هنتكلم مع بعض لحد ما تجهز وتيجي. اتفقنا."
خالد: "لا، أبوس إيدك. أنا ما أقدرش أقعد شهرين من غير ما أكلمك وأسمع صوتك اللي جنني وقلب كياني. وحياتي يا جنة، بلاش تقسي عليا كدا."
جنة بتردد: "بس أنا خايفة يا خالد لو حد من أهلي عرف هيزعلوا مني أوي ومش بعيد يرفضوك لما تيجي تتقدملي."
خالد: "إن شاء الله محدش هيعرف حاجة. بس خليكي انتي معايا ومتبعديش عني عشان خاطري."
جنة بخجل: "حاضر، مش هبعد وهستنى الشهرين دول يعدوا وتيجي تتقدملي رسمي."
خالد: "إن شاء الله يا حبيبتي. هسيبك أنا دلوقتي عشان الشغل وهبقى أكلمك بالليل. سلام يا روحي."
في منزل كرم، دخل كرم مسرعًا إلى حجرة شقيقته ليطمئن عليها، فوجدها نائمة ورأسها مغطى برباط طبي. فاقترب منها واطمأن أنها بخير، فدثرها جيدًا وخرج يبحث عن والده. فوجده يجلس في حجرة يمسك بصورة والدة كرم ويبكي. فنظر له كرم بجمود ثم تحدث قائلاً.
كرم: "أنا عاوز أعرف إيه اللي انت عملته ده، هو أنا للدرجة دي مش فارق معاك؟ زمان بعد موت ماما بعتنا وسيبتنا نواجه الدنيا لوحدنا، ودلوقتي عاوز تضيعنا؟ انت عارف إن بسمة كانت مخطوفة، يعني كانت ممكن تضيع للأبد."
كرم ببكاء: "يا ابني أنا أعمل إيه؟ أنا اتفاجئت بواحد بيكلمني وبيقولي إنه خطف بسمة، ولو مجبتكش وروحتلهم هيأذوها. ودي بنت غصب عني خوفت عليها، دي بنتي برضه، فاضطريت آخدك معايا من غير ما أعرفك عشان متبلغش البوليس. هو أنا كده غلطان؟"
كرم بعدم ثقة: "هحاول أصدقك، المهم إن بسمة موجودة معانا دلوقتي، بس هي وصلت هنا إزاي؟"
محسن بتوتر: "أنا.. أ.. أنا كنت قاعد مستنيك لما ترجع. فجأة سمعت صوت جرس الباب، ولما روحت أشوف مين، لاقيت بسمة مرمية قدام الباب، فخدتها ودخلتها أوضتها. يظهر إنهم كانوا مخدرينها، لأنها لحد دلوقتي مش دريانة بالدنيا اللي حواليها."
كرم براحة: "الحمد لله إنها بخير." ثم همّ للذهاب، فاستوقفه محسن وسأله بتردد.
محسن بتردد: "هو انت عملت إيه مع مصطفى باشا؟"
كرم بجمود: "أظن ده شيء ما يخصكش. البيت ملكي أنا، واللي هيجي بتاعي أنا وبس. بس ممكن أديك منه جزء عشان تقدر تبدأ حياتك من جديد بعيد عننا، وكفاية اللي شوفناه منك لحد دلوقتي."
محسن بحدة: "بس أنا اللي جايب الناس، وأنا اللي عرفتك على الخير اللي موجود في البيت، يبقى المفروض ليا نسبة محترمة، مش ملاليم هترميهالي وخلاص، ولا إيه يا سي كرم؟"
نظر له كرم باشمئزاز: "اطمن يا... محسن بيه، مش هتاخد ملاليم ولا حاجة، هتاخد كل اللي نفسك فيه. أنا اتفقت مع مصطفى باشا على النص، مش التلت زي ما كان بيضحك عليك."
محسن بضحك: "بجد يا كرم؟ بجد يا ابني؟ أخيراً هنودع الفقر ونبقى على وش الدنيا."
كرم: "هتاخد نصيبك، ويا ريت ميبقاش ليك وجود في حياتي أنا وأختي مرة تانية، حتى لو فيك إيه. انسى إن ليك ولاد، زي ما إحنا هنسى إن لينا أب."
رواية انتقام عبر الزمن الفصل الثامن عشر 18 - بقلم الهام عبد الرحمن
بعد قليل استيقظت بسمة فظلت مسطحة على فراشها مغمضة العين. شعرت بوجع رأسها فتحسست مصدر الألم بيدها ثم تأوهت بشدة وفتحت عينها واعتدلت في جلستها. ثم شعرت بالاستغراب والدهشة فتحدثت إلى نفسها بوهن.
بسمة في نفسها: إيه دا هو أنا دماغي بتوجعني كدا ليه وإيه الرباط اللي على دماغي دا أنا اتجرحت امتى! ااااه أنا مش فاكرة حاجة.
ثم بدأت بالنداء على أخيها كرم. دخل كرم مسرعًا إلى حجرة أخته بعد أن استمع لمناداتها له وتحدث بلهفة.
كرم بلهفة: أيوا يا حبيبتي أنا هنا أهو عاملة إيه يا روحي حاسة بإيه دلوقتي؟
بسمة بتأوه ووجع: اااه دماغي بتوجعني أوي يا كرم هو إيه اللي حصل أنا اتجرحت ازاي؟
كرم بدهشة: هو انتي مش فاكرة أي حاجة يا بسمة من اللي حصلتلك؟
بسمة بوجع وهي تمسك رأسها: لا مش فاكرة. آخر حاجة فاكراها إني كنت تعبت في الشغل ومستر يونس وريهام وصلوني وجيت نمت علطول وبعدها مش فاكرة أي حاجة. قولي يا كرم هو إيه اللي حصل بالظبط؟
كرم بابتسامة: بصي يا حبيبتي الكلام اللي بتحكيه دا كان امبارح وانتي فعلا رجعتي ونمتي. والنهاردة الصبح قومتي فطرتي وكنتي رايحة عند جنة ودوختي ووقعتي على السلالم ودماغك اتخبطت. ويظهر إن الخبطة جت جامدة شوية عشان كدا مأثرة على تركيزك. على العموم أنا هاخدك ونروح للدكتور عشان أطمن عليكي ونشوف إيه حكاية اليوم اللي وقع منك دا في الذاكرة. يا لهوي يا ناس أختي فقدت ذاكرتها بس أوعي تنسيني يا بت.
بسمة بضحك ووجع: أنساك إيه يا ابني دا انت قدري. هو حد يعرف ينسى قدره. مفيش عريس حلو كدا وعضلات وغني ييجي يخطفني منك ساعتها هنسى اللي خلفوك أساسًا.
كرم من بين أسنانه: تنسي اللي خلفوني عاوزة تتجوزي وتسيبيني يا بنت نعمات. طيب إيه رأيك إني هطفشلك العرسان وأخليكي كدا قاعدة معايا العمر كله.
بسمة بحب وحنان: وانت تفتكر إني أقدر أستغنى عنك لحظة واحدة. دا انت أبويا قبل ما تبقى أخويا. انت اللي ربتني وعلمتني. انت اللي اتمرمطت عشان توفرلي القرش وتوفرلي حياة كويسة. خليتني عزيزة في عيون الناس كلها. علمتني الطيبة والحنية. كل حاجة في الدنيا تتعوض إلا الأخ دا. لو الواحد وقع ولا اتخبط ما بيقولش غير أخ. ربنا يجعلك دايما سند ليا وتكون حمايتي وأماني علطول ويرزقك باللي تفرح قلبك يا رب.
احتضنها كرم بشدة ونزلت دمعة هاربة من عينيه فمسحها سريعا وقبلها من رأسها وربت على ظهرها.
بسمة: اااه حاسب ياعم دماغي. يخربيت اللحظات المؤثرة. بقولك إيه أنا جعانة أوي ومش فاكرة اذا كنت أكلت ولا لا. إلا قولي هو أنا كنت طبخت الغدا النهاردة ولا وقعت قبل ما أجهزه؟
كرم بضحك: لا وقعتي قبل ما تجهزيه يا لمضة. شكلك كنتى قصداها عشان ما تعمليش أكل النهاردة وتتدلعي علينا.
بسمة بحزن مصطنع: طيب أنا جعانة يا كرومتي. غربان بطني بتزعق جوا. ممكن تطلبلي أكل من برا. أديك شايف أهو أنا ما أقدرش أقوم أعمل حاجة. ااااه يا دماغي.
كرم: اه دا انتى داخلة على طمع بقا. لا أنا هقوم أعملك أنا أكل دلوقتي وسيبك من أكل المطاعم دا مفيش فيه أي فايدة.
بسمة ببكاء وعويل مصطنع: اااه ياني يا اللي أخويا مستخسر فيا تمن وجبة بيتزا وتشيكن ستربس. يا غلبانة ياني دا أنا لسة قايلة فيك قصيدة دلوقتي ياعديم الضمير. تقوم تستخسر فيا كام ورقة بمية. دا حتى بيقولوا إني أختك الوحيدة.
كرم: بااااااس خلاص يا أختي بطلي نواح. هروح أجيب الموبايل وأطلبلك اللي انتي عاوزاه. أعوذ بالله صدق اللي قال عليكم زنانين ونكديين.
بسمة بابتسامة: تشكر يا ذوق. ربنا يخليك ليا. ربنا ما يحوجك لحد. ربنا ما يوقعك في ضيقة.
كرم بصراخ: باااااس. هو انتى هتشحتي. يا لهوي أنا هقوم أطلبلك الأوردر قبل ما تاكليني.
خرج كرم سريعا ثم عاد مرة أخرى وفتح الباب وأطل برأسه منه وقال: يا ريت تقومي تلبسي وتجهزي لحد ما الأكل ما يوصل عشان أول ما تخلصي ننزل نروح للدكتور عشان نطمن عليكي.
بسمة بابتسامة: حاضر يا حبيبي ربنا يخليك ليا.
في منزل جنة كانت علا تجلس أمام التلفاز تشاهد أحد الأفلام وكانت جنة تجلس بجوارها شاردة قليلا. فلاحظت علا ذلك فأغلقت التلفاز ونظرت لها بتساؤل.
علا: مالك يا جنة شكلك عاوزة تقولي حاجة بس مش عارفة تبدأي منين.
جنة بتردد: دايما كدا قفشاني يا ماما.
علا بحنان: طول عمري بفهمك من نظرة عينيكى يا حبيبتي. دا أنا اللي مربياكى. ها بقا قوليلى فى إيه؟
جنة بقلق: بصراحة في حاجة حصلت وعاوزة أحكيلك عليها بس خايفة تزعلي مني.
علا بانتباه: وأزعل منك ليه يا حبيبتي. هو انتي عملتي حاجة غلط؟
جنة بحزن: بصراحة اه. بس بالله عليكي تسمعيني وتفهميني وأوعي تزعلي مني. أنا هحكيلك على كل حاجة لان أنا ما اتعودتش أخبي عنك أى حاجة.
علا: قولى يا حبيبتى انا سامعاك.
قصت جنة كل ما حدث بينها وبين خالد دون أن تنقص أو تزيد كلمة. فصمتت علا قليلا ثم تحدثت بهدوء حتى لا تفزعها.
علا بهدوء: جنة يا حبيبتي تعالي كدا نحلل مع بعض اللي حصل وانتى بنفسك هتحكمي اذا كان اللي عملتيه صح ولا غلط. أولا كلمك من ورا أهلك واتفق معاكي إنه يكلمك بالليل بعد ما ننام. هل دا كدا إنسان كويس ولا حرامي؟ صمتت جنة فأكملت علا: هقولك أنا دا يبقى انسان حرامى لأنه بيسرق لحظات من عمرك في الخفا من ورا أهلك لأنه عارف إنه بيتسلى. لكن لو كان عاوزك بجد كان دخل البيت من بابه مش دخلك من سكة نتعرف الأول.
جنة: ازاى بس ياماما وهو قالى إنه عاوز يتجوزنى وقال إن هو مش عارف ييجي دلوقتي علشان له فلوس برا مش هتيجي إلا بعد شهرين عشان لما ييجي يطلب إيدي يقدر يشتري الشبكة وما يبقاش قليل في نظركم.
علا بجدية: يا حبيبتي الكلام دا مجرد عذر قالهولك عشان تفضلي تكلميه ويدي لنفسه وقت يقدر يتسلى معاكي فيه. وبعد الشهرين هيقولك أمك في العشة ولا طارت. دا بني آدم مش دوغري ولا أمين. دا كفاية إنه خرج أسرار بيته ليكي وشهر بطليقته اللي هي بنت خالته. هو حب يطلع نفسه قدامك المظلوم اللي ضحى بكل حاجة. يا حبيبتي لما تيجي تسمعي المشكلة لازم تسمعيها من الطرفين مش من طرف واحد عشان تعرفي الحقيقة. لكن انتى عشان طيبة ومالكيش تجارب صدقتيه.
جنة: طيب أنا اعمل إيه دلوقتي شوري عليا يا ماما.
علا بحنان: طيب أنا هسألك سؤال بس تجاوبي عليا بصراحة. انتى وانتى بتكلميه بتبقي مبسوطة وفرحانة ولا خايفة وقلقانة.
جنة بحزن: طبعا كنت ببقى خايفة وقلقانة لأنكم مش عارفين وكنت بخاف عمو قاسم يعرف ويزعل مني ويرجع يعاملني بقسوة تاني.
علا بابتسامة: شوفتي بقا إن اللي كان بيحصل دا كله كان غلط في غلط. لأنه لو كان صح كنت عملتيه قدام الدنيا كلها من غير ما تخافي. يا حبيبتي دا شيطان في صورة بني آدم هيفضل يجرجر فيكي لحد ما تمشي في سكته. وأول ما تنفذي اللي هو عايزه منك هيقولك أنا بريء منك ويحسسك إنك إنسانة مش كويسة وإنك كان عندك القابلية إنك تغلطي. وساعتها هتحسي بالندم والاكتئاب لأن بكل بساطة قدر يحولك من إنسانة بريئة نضيفة ونقية لشيطانة زيه. بلاش يا بنتى السكة دي. اسمعي كلامي وقاومي شيطان نفسك وابعدي عنه. اقفلي أي طريق يوصلك منه وارجعي جنة الملاك الطيب. وحطى في اعتبارك دايما إن ربنا شايفك ومطلع على أفعالك. ربنا ما بيحبش يشوف عباده على معصية. ولو كل بنت عملت حساب لربنا وإنه شايفها صدقينى مكانش هيبقى فيه البلاوى اللى بتحصل وبنسمع عنها طول الوقت. ربنا يهديكى يا حبيبتي ويبعد عنك ولاد الحرام. اوعديني يا جنة إنك هتبعدي عن البني آدم دا. مش دا اللي يليق بيكي يا حبيبتي. انتى تستحقي واحد أحسن من كدا بكتير. واحد يقدر قيمتك. واحد يحبك في النور من غير خجل. واحد يخليكي ملكة مش يحولك لشيطانة.
جنة: عندك حق يا ماما وأنا بجد هعمل بنصيحتي وربنا يقويني ويبعد عنى شيطان نفسي. ثم ارتمت بين احضانها وأكملت ببكاء: ربنا يخليكى ليا بجد مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه. ادعيلي دايما عشان ربنا يفضل راضي عني ويقوينى آخد الخطوة دى وقلبى مايتوجعش.
علا بحب: دعيلك يا روح قلبي من كل قلبي. ربنا يرضى عنك ويزيدك من فضله ونعيمه ويبعد عنك شياطين الإنس والجن.
بعد دقائق قامت جنة ودخلت حجرتها وأمسكت هاتفها لتغلق كل شيء يسمح بوصول خالد إليها. ولكنها وجدت منه رسالة قادها فضولها أن تقرأها قبل غلق كل شيء. فكانت الرسالة تنص على.
خالد: جنة حبيبتي وحشتيني أوي. تعرفي إن طول الليل كنت بحلم بيكي. كنتي لابسة فستان فرح جميل أوي وعمك واقف جنبك بيسلمك ليا وأخدتك وحضنتك أوي. ما كنتش مصدق إنك خلاص بقيتي ملكي وروحنا على بيتنا. قد إيه كانت فرحتي بيكي ملهاش حدود وانتى موجودة بين ايديا. كنت بشيل طرحتك وانتى مكسوفة أوي وأول ما فكيت سوستة الفستان وشك إحمر أوي وكنتى هتموتي من الكسوف. كانت ليلة ولا ألف ليلة وليلة. حسيت كأنها بجد مش حلم. بجد أنا مشتاقلك ونفسي أشوفك وأقعد معاكي. نفسي بقا الحلم دا يبقى حقيقة.
ظلت جنة تنظر للرسالة وقلبها يخفق بشدة. فكل هذه المشاعر لم تعش مثلها من قبل وتؤثر بها بشدة. فطوال حياتها عاشت بدون حب وتعاملت بقسوة. لولا زوجة عمها هى الوحيدة التى كانت تهون عليها حياتها. ثم حدثت نفسها بهمس.
جنة: لما هو بيكدب عليا وشيطان زي ما ماما قالت عليه قلبي بيدق أوي كدا ليه أول ما أقرأ رسايله أو أكلمه. طيب أعمل إيه دلوقتي أنا حاسة إني عاوزة أكلمه وفي نفس الوقت خايفة يطلع زي ما ماما قالت وساعتها أنا اللي هندم. يا ترى أطاوع قلبي ولا أسمع كلام ماما.
أمسكت الهاتف ونظرت له مطولا. ثم أخذت قرارها وقامت بالإتصال وانتظرت الرد.
رواية انتقام عبر الزمن الفصل التاسع عشر 19 - بقلم الهام عبد الرحمن
في منزل بسمة، كانت بسمة تستعد لارتداء ملابسها للذهاب مع كرم إلى الطبيب، حين سمعت رنين هاتفها.
بسمة: ألو، ازيك يا حبيبتي؟ عاملة إيه؟
جنة: انتي فين يا حيوانة؟ بقالك يومين مختفية، لا بتيجي ولا بتسألي. أنا زعلانة منك أوي على فكرة. أنا عندي كلام كتير كان نفسي أحكيهولك، بس انتي مش موجودة عشان أكلمك. سايباني وما بتسأليش عليا.
بسمة بصراخ: إييييه؟ هو خدوهم بالصوت ليغلبوكم ولا إيه يا ست؟ طب لاقيتيني ما سألتش عليكي، اسألي انتي. ولا هي الكونتيسة ما بتحبش تسأل على الجواري بتوعها؟
جنة: ما تتلمي يا زفتة! إيه ماسورة كلام واتفتحت بجد؟ قوليلي كنتي فين بقالك يومين؟ انتي وحشتيني أوي. محتاجة أتكلم معاكي في حاجات كتير حصلت وعاوزة أحكيهالك.
بسمة: أنا كمان في حاجات كتير عاوزة أحكيهالك، بس لما أرجع من عند الدكتور هبقى أكلمك.
جنة بلهفة وقلق: ياساتر يارب! دكتور إيه؟ مالك يا حبيبتي؟ فيكي إيه؟ خير؟ انطقي يا بت، قلقتيني عليكي!
بسمة: يا حبيبتي، اطمني. أنا كويسة والله، بس حصلتلي حاجة تافهة كدا. أنا فقدت الذاكرة ياجنة.
جنة بدهشة: نااااعم؟ فقدتي إيه يا عينيا؟ فقدتي الذاكرة؟ دا اللي هو ازاي؟ وانتي أهو بتكلميني وعارفاني. انتي بتشتغليني يا بسمة يا بنت نعمات.
بسمة: هو إيه حكاية بنت نعمات دي اللي كل واحد فيكم يقولهالي؟ شوية كرم وشوية انتي. يا بنتي افهمي، أنا وقعت على السلم وأنا كنت جاية أقعد معاكي، ودماغي اتخبطت جامد. ففي تفاصيل يوم رايحة مني مش فاكراها. وأديني أهو رايحة للدكتور عشان يشوف في إيه. فهمتي؟
جنة: ياحبيبتي، كل دا حصلك وأنا معرفش؟ ألف مليون سلامة عليكي. طيب أنا هلبس بسرعة وأجي معاكي. مش هسيبك لوحدك. رجلي على رجلك. أنا كمان عاوزة أطمن عليكي.
بسمة: يا حبيبتي، ما لوش لزوم. وبعدين ما هو كرم معايا. ما تتعبيش نفسك يا قلبي.
جنة بحزن: تعب إيه يا حمارة انتي؟ احنا اخوات. هو أنا ليا غيرك؟ وبعدين أنا استحالة أسيبك تروحي لوحدك. يلا يلا، ما تعطلنيش. خليني ألحق ألبس واستأذن عمو قاسم. اوعي تمشي انتي وكرم، والله أزعل منكم.
أغلقت جنة الهاتف وذهبت سريعا إلى عمها قاسم واستأذنت منه، ثم استعدت وذهبت إلى منزل بسمة. تركت الباب، ففتحه لها كرم ووقف أمامها ينظر لها، وتعلو على ثغره ابتسامة هادئة. ألقت عليه السلام، ولكنه لم يجب، وظل ينظر لها وكأنه مسحور بها. فحركت يدها أمام وجهه ونادته برقة وابتسامة خجلة. فانتبه على نفسه ودعاها للدخول.
كرم: تعالي يا جنة، ادخلي ثواني لحد ما الكونتيسة بسمة تجهز.
جنة بابتسامة: هي لسة ما جهزتش؟ دي بالها طويل أوي.
كرم بضحك: الحمد لله مش طالعالي. أنا برئ من تصرفاتها.
جنة بضحك: الحمد لله. أومال عمو محسن فين؟
كرم بامتعاض: نايم في أوضته ولا داري بحاجة. ولا كأن اللي تعبانة دي بنته.
جنة: معلش يا كرم، اللي مر بيه مش سهل برضو. اعذره. وما تنساش إنه باباك. ربنا يهدي الحال بينكم ويهدي بسمة وتقدر تتقبله في حياتكم.
كرم بندم: يظهر إني غلطت لما جبته يعيش معانا تاني يا جنة. والله لولا الملامة، أنا كنت أجرتله شقة بعيد عننا يعيش فيها. بسمة صحتها في النازل ومابقتش عجباني من يوم ما عاش معانا. ما هو أنا مش هصلح حاجة وأبوظ حاجة تانية. أنا مش حابب أخسر أختي الوحيدة.
جنة بهدوء: إن شاء الله مفيش خسارة ولا حاجة. الأمور هتبقى تمام. يلا بقا استعجل الكونتيسة. خلينا نمشي.
بعد مدة، كان كرم وبسمة وجنة في عيادة الطبيب. والذي طمأنهم بأن ما تعانيه بسمة شيء طبيعي، بسبب أنها تعاني من ارتجاجا بسيطا في المخ إثر اصطدام رأسها. وأن هذا العرض الذي تعانيه من فقدان ذاكرة مؤقت سيزول خلال أيام مع الراحة. بعد ما اطمأن كرم على بسمة، أخذها هي وجنة وذهبوا إلى منازلهم. جلست جنة في حجرتها تمسك هاتفها وتنظر إلى رسالة خالد. تريد بشدة أن تتحدث معه، ولكنها أيضا تخاف من تحذير علا. فها هي الآن تعيش بين نارين، نار إرضاء علا التي ربتها وتهتم لأجلها. ونار مشاعرها التي سيطرت عليها لأول مرة بحياتها. فقررت أخيرا عدم الرد عليه، لحين طلوع الصباح والذهاب لبسمة والحديث معها وأخذ رأيها في هذا الموضوع.
حل الصباح بنسماته الرائعة. واستيقظت جنة من نومها وأعدت طعام الإفطار. واستأذنت عمها وزوجته بالذهاب لبسمة للاطمئنان عليها. وبعد قليل ذهبت إلى منزل بسمة. فكان كرم في ذلك الوقت في عمله، ووالده محسن ذهب خارجا بعد أن سلم على جنة. جلست جنة مع بسمة في حجرتها وقصت عليها كل ما حدث مع خالد وزوجة عمها ونصيحة علا لها بعدم الإنصات لذلك الشاب والإبتعاد عنه. كما أخبرتها عن رسالته التي أرسلها وقرأتها، ولكنها لم تجب عليه حتى الآن.
بسمة: طيب لو هنفترض إنه إنسان كويس زي ما إحساسك بيقولك يبقى ليه يستنى شهرين طيب ما ييجي ويتقدم ويقول إنه مش هيلبسك دهب إلا بعد شهرين لكن لا هو إنسان مش تمام والدليل إنه من البداية ما كانش حابب يتقدم كان عاوز يفضل يكلمك من ورا أهلك ولما ضغطتي عليه وقولتيله إنك مش هتكلميه تاني دخلك من سكة إنه عاوز يتقدملك بس مفيش معاه فلوس دلوقتي وهو عارف ومتأكد إنك قلبك طيب وهتتعاطفي معاه وتفضلي تكلميه يعني من الآخر كدا زي ما طنط علا قالتلك ابعدي يا جنة الواد دا مش من مقامك ولا قيمتك انتى إنسانة نضيفة من جوا وبرا لكن هو واحد حابب يتسلى.
جنة بحزن وبكاء: طيب ليه قلبي بيدق أوي كدا لما أسمع صوته أو أشوف رسايله ليه حابة أكلمه ليه متعلقة بيه كدا ومش قادرة أبعد!
بسمة بعقلانية: لأنك بكل بساطة عمرك ما عشتى مشاعر حب مع أي حد ما حسيتيش إحساس كلمة حلوة بتطلع من راجل لست فلما خالد سمعك كلامه الحلو حسيتى بفرحة فرحة طفل صغير جاله لبس العيد ودي فرحة مؤقتة يا جنة عشانكدا بلاش يا حبيبتي تمشي ورا قلبك وعواطفك حكمي عقلك أقولك أنا هثبتلك إن الواد دا مش تمام عشان نقطع الشك باليقين إيه رأيك؟
جنه بتساؤل: ودا هتعمليه ازاي يا ست بسمة؟
بسمة بجدية: هاتيلي اسم الأكونت بتاعه وأنا هتصرف وهثبتلك إن هو شيطان في صورة بني آدم وبعدين يا هبلة هو انتى مستعجلة على إيه دا انتى لسة 21 سنة يعنى لسة صغيرة مش يمكن ربنا شايلك نصيب أحسن راحة يا أختي تحبيلي واحد كان متجوز ليه كنتى بايرة ولا بايرة ويا ريته حتى حب.
جنة: خلاص بقا يا بسمة مش مستاهلة تقطيم مشاعرنا مش بإيدينا ويمكن اتأثرت واتعلقت بيه عشان هو أول واحد اهتم بمشاعري وكلمني بطريقة لطيفة ما انتى عارفة إن أقرب طريقة لقلب البنت ودنها ولا إيه طول عمري عايشة ما بسمعش غير أصعب كلام بيأذي مشاعري جه خالد وسمعني أحلى كلام عشان كدا اتعلقت بيه حتى وأنا مصدقاكم وعارفة إنه مش مناسب بس أنا عاملة زي الطفل اللي جابوله لعبة وفرح بيها وبعد شوية قالوله لا إحنا هنرجعها ونجيبلك غيرها لأنها مكسورة وممكن تأذيك ففضل متمسك بيها لأنه خايف خايف اللعبة الجديدة ما تجيش وساعتها يبقى خسر اللعبة المكسورة.
بسمة بدهشة: انتى مختلفة يا بنتي يعني ترضي بحياة ما فيهاش كرامة عشان بس خايفة إن ربنا ما يبعتلكيش نصيب كويس يراعي ربنا فيكى انتى عارفة إنك لو كملتي مع شخص زي دا مش هتبقي مبسوطة ولا مرتاحة في حياتك حتى لو هو صدق واتقدملك دا إنسان مريض ما سترش على بنت خالته وطلعها هي الغلطانة وهو الملاك البريء تاني حاجة بلسانه حكالك إن هو لما كان بيتضايق منها كان بيكدب عليها ويقولها إنه مسافر تبع الشغل عشان ما يقعدش معاها ويريح دماغه منها يعني أصلا واحد مش بيتحمل المسؤولية فازاي كنتى مفكرة كدا إنه هيبقى واحد مختلف معاكي اذا كان اللي من لحمه ودمه ما فرقتش معاه.
جنة بحزن: غصب عني يا بسمة قلبي مش راضي يسمع كلام عقلي وخايفة أضعف المهم سيبك مني أنا قوليلي لسة مش عاوزه تسامحي عمو محسن ليه مش عاوزة تديله فرصة يا حبيبتي دا باباكي بردو.
بسمة بغل: مش عارفة حاسة إن وراه مصيبة مش مرتاحاله خالص يا جنة وكفاية إنه السبب في موت ماما بعد ما قهرها أنا عمري ما هسامحه أبدا.
جنة وهي تحتضنها: خلاص يا حبيبتي اهدي وإن شاء الله ربنا يهدي الحال ما بينكم قوليلى عملتي إيه في شغلك كلمتي مستر يونس عشان يعرف إنك تعبانة بدل ما يخصملك من مرتبك؟
بسمة بابتسامة هائمة: يونس لا ما هو أنا أصلا لما تعبت هو وصلني بعربيته لحد البيت ولما اتصل امبارح يطمن عليا وعرف اللي حصلي اتخض أوي لدرجة إنه كان عاوز ييجي يطمن عليا لكن طبعا ما كانش ينفع لأن الوقت كان متأخر أوي.
جنة بخبث: هو أنا ليه شايفة قلوب طايرة من عينيكى يا بت انتى؟
بسمة بخجل: ولا قلوب ولا حاجة الراجل بس كان ذوق معايا وغير وقفته معايا قبل كدا لما واحد ضايقني في السنتر بصراحة تحسى كدا إنه جنتلمان وكيوت وقمر وكاريزما حاجة كدا ولا في الأحلام.
جنة بضحك: وإيه كمان يا ضنايا دا شوية شوية هتقوليلي عريس يا أماي جوزهولي يا بوي زى مسعدة اللى فى فيلمالبحث عن فضيحة.
بسمة بضحك: يخرب بيت شيطانك إيه يا بت الخفة اللي بقيتي فيها دي بقولك إيه قومي يلا روحي على بيتك عشان تلحقي تساعدي طنط علا في تجهيز الغدا بدل ما تقول إني عطلتك وتزعل مني وهي زعلها وحش وأنا مش قد زعلها بصراحة.
ذهبت جنة إلى منزلها وحل المساء وأتى رجال مصطفى وقاموا بالحفر من داخل بدروم المنزل وبالفعل استطاعوا التوصل إلى مفتاح المقبرة والذي أخذه كرم واحتفظ به معه لحين الذهاب وفتح المقبرة كما اتفق مع مصطفى.
محسن: ما تجيب يا كرم يا ابنى المفتاح دا أخبيهولك لحد ما نعرف الميعاد اللي هيفتحوا بيه المقبرة.
كرم بجمود: الموضوع دخ ما يخصكش وأظن أنا قولتلك قبل كدا انت كل اللي ليك نسبتك وبس أما المفتاح إنك تاخده انسى خالص إن حاجة زي دي تحصل. ثم تركه وصعد إلى شقته.
بسمة بنعاس: إيه ياكرم إيه الخبط والدق اللي تحت دا أنا حاسة إن دماغي هتنفجر وبعدين دا الوقت متأخـر أوي كدا ممكن الجيران يشتكوا.
كرم: معلش يا بسمة كان في ماسورة بتسرب تحت وكان لازم ألحقها قبل ما تغرق الدنيا وتضرب أساس البيت.
بسمة: طيب الحمد لله إنك لحقتها ثم اقتربت منه ونظرت له بتمعن وأكملت: مالك يا كرم شكلك متغير في حاجة مضايقاك يا حبيبي؟
كرم بجمود: مفيش حاجة يا حبيبتي أنا كويس ادخلي نامي وارتاحي انتى.
أومأت بسمة برأسها وهمت بالذهاب إلى حجرتها ولكن استوقفها صوت كرم وهو يسألها بتردد.
كرم: هي جنة عندها مشكلة يا بسمة يعني في حاجة مضايقاها؟
بسمة بتردد: ها... لا... أبدا مفيش حاجة مضايقاها ليه بتقول كدا؟
كرم وهو ينظر لها نظرة ثاقبة: أصل رجعت النهاردة بدري عشان نسيت ورق مهم وسمعت صوت عياطها وهي قاعدة معاكي فقولت يمكن في حاجة مضايقاها وبما إن عمها قاسم بقا كويس معاها وطنط علا أصلا عمرها ما زعلتها يبقا أكيد فى حاجة تانية وأنا حبيت أعرف منك يمكن أقدر أساعدها.
بسمة وعينيها تنظر في جميع الاتجاهات ما عداه: لا... لا أبدا هو بس مفيش حاجة يا كرم اطمن يا حبيبي.
كرم: أول مرة تكدبي عليا يا بسمة كان نفسي انتي اللي تحكيلي من نفسك بما إنك عارفة مشاعرى ناحيتها ها بقا قوليلى مين خالد يا بسمة اللي ظهر في حياة جنة وفي إيه بينهم وبقالها قد إيه بتكلمه؟
بسمة بدهشة: انت سمعتها وهي بتحكيلي؟
كرم بحزن: للأسف ويا ريتني ما سمعتها بس يمكن ربنا عمل كدا عشان أخرجها بره قلبي صحيح أنا الوحيد اللي هتعذب لكن دا أحسن ليا وليها.
بسمة بحزن على أخيها كرم: صدقني جنة بنت خام عشان كدا اتضحك عليها بسهولة وانت كمان غلطت لما فضلت تحبها من بعيد لبعيد كان ممكن تحتويها وتحسسها بحبك لكن خوفك ادى فرصة لغيرك يقدر يوصل لقلبها الواد دا مش سهل دا دخلها من سكة الاستعطاف هي متعاطفة معاه بس وفاكرة كدا إن دا حب هو فضل ملاحقها بإهتمامه ووقعها في شباكه بلاش تظلمها يا كرم وما تبعدش عنها.
كرم بتساؤل: وانتى طلبتى الأكونت بتاعه ليه أوعى يكون اللى فى دماغى صح؟
بسمة بتوجس: بصراحة... بس بالله عليك ما تزعل مني أنا كنت ناوية...يعنى...ناوية إنى أكلمه وأثبتلها إنه إنسان مش كويس عشان تبعد عنه بدون راجعة.
كرم بحدة: واللهكان قلبى حاسس إنك ناوية على كدا انتى اتجننتي يا بسمة كنت هتكلمي شاب عشان تبعديه عن صاحبتك افرضي قلبك مال ليه انتى كمان غصب عنك ماهو على رأى المثل تيجى تصيده يصيدك.
بسمة بلهفة: لا والله يا كرم أنا عارفة ومتأكدة إنه لعبي وبعدين أنا بس كنت هوريها إنه هيقبل يتكلم مع اي حد غيرها عادي لكن ما كنتش هكلمه يعني وأتمادى في الكلام معاه.
كرم بجدية: خلاص انتهينا هاتيلي اسم الأكونت بتاعه وأنا هتصرف وعلى الله أعرف إنك كلمتيه وكمان ما تقوليش لجنة إني عرفت فاهمة يا بسمة؟
بسمة: حاضر...
حاضر مش هقول لها والله.
مر يومان لم يتصل مصطفى بكرم ليعلمه بميعاد فتح المقبرة. تحسنت حالة بسمة الصحية وعادت إلى عملها، ولكن لا تزال لا تتذكر شيء عن سبب وقوعها واصطدام رأسها. ازدادت تعلقها بيونس الذي يظهر اهتمامه بها طوال الوقت.
أما جنة فحدث ولا حرج. كان خالد يحاصرها برسائله واتصالاته المستمرة، والتي كانت تتهرب من الرد عليه. وأحيانًا كانت تنكث بوعدها وترد. فظلت تعاني من تأنيب الضمير وحاولت جاهدة الابتعاد. انتظرت حتى تقوم بسمة بكشفه وإثبات لها أنه بالفعل يتسلى بها. وظل الحزن مسيطرًا عليها، وكأن السعادة ليست من نصيبها أبدًا.
وفي نهاية اليوم الثاني، قام مصطفى بالاتصال على كرم وأبلغه أن المقبرة لن يستطيعوا فتحها إلا وقت اكتمال القمر ليصبح بدرًا. وذلك لن يحدث إلا بعد ستة وعشرون يومًا، فهم في السابع عشر من الشهر الهجري.
وخلال تلك المدة، استطاع كرم أن يتواصل مع خالد من أكاونت مزيف، وكأنه فتاة. استدرجه بالكلام واستخدم برنامجًا لتغيير الأصوات حتى يستطيع إقناع خالد بأنه فتاة. وبالفعل تجاوب خالد معه وفعل كما فعل مع جنة واعترف بحبه ليستدرجها ظنًا منه أنها فتاة.
وحينما حصل كرم على ما أراد، أغلق الأكاونت المزيف وأعطى الدليل لبسمة، والتي بدورها أخبرت جنة. فثارت وشعرت وكأن قلبها تمزق. كيف لها أن تسمح لقلبها بالتحكم بها بذلك؟ كيف لها أن تهين نفسها وتصغرها هكذا؟ كيف سمحت له بالتلاعب بمشاعرها؟ لقد حذروها جميعًا، ولكنها لم تنصت لأحد.
حاولت التماسك بشدة أمام بسمة لحين ذهابها. وبعد أن ذهبت بسمة، تركت لنفسها العنان. فظلت تبكي بشدة وقامت بوضع الوسادة فوق وجهها لتكتم صرخاتها حتى لا يستمع أحد لها. ثم قامت فجأة ونظرت لنفسها بالمرآة، وحدقت بصورتها المنعكسة، ثم قامت بمسح دمعاتها المنسابة على وجنتيها بقوة وتحدثت من بين أسنانها بحدة.
جنة بحدة:
والله لأندمك على كل لحظة شغلت قلبي وخدعتني فيها. وحياة كل دمعة نزلت من عيني وحياة كل إحساس ذنب حسيته بسببك لأعرفك مين هي جنة. جنة الطيبة المنكسرة هدفنها. واللي هتشوفها دلوقتي جنة جديدة. جه وقت الانتقام. هنتقم لكل سنين عمري وانتقامي هيبقى فيك انت يا خالد وانت اللي ولعت نار الانتقام جوايا.
ثم ذهبت باتجاه المكتبة ووقفت أمام رف الكتب وأمسكت الكتاب السحري. نظرت له والغل يملأ أوصالها. ثم قامت بفتحه على صفحة المنتصف وبدأت بقراءة تلك الكلمات التي بدورها فتحت لها البوابة السحرية لتعود إلى ذلك العالم السحري مرة أخرى. ولكنها دخلته هذه المرة بقلب ملئ بالغل والحقد بدلًا من النقاء والطيبة.
رواية انتقام عبر الزمن الفصل العشرون 20 - بقلم الهام عبد الرحمن
حينما فتحت البوابة السحرية لم ترى جنة ما رأته سابقا، ولكن تغيرت منامتها كالسابق، رأت أمامها ممرا ملئ بالأشجار كأنها حلقات تكسوها زهور خلابة يشع منها أضواء جميلة.
سارت جنة في هذا الممر وهى منبهرة بهذا المنظر الخلاب، ظلت تسير وتسير وكأن هذا الممر لا ينتهي، إلى أن رأت إحدى الأشجار تنير بشدة ويوجد عليها شيء غريب. اقتربت من تلك الشجرة لترى هذا الشيء، فوجدته جنية صغيرة لها أجنحة تتناثر عليها قطرات من الضوء، وردائها من أوراق الشجر، تضع زهرة أرجوانية بجانب شعرها، تطير حولها فراشات رقيقة، ويتدلى من تلك الشجرة شيء غريب وكأنه مصباح يتناثر منه الضوء، وهي تمد يدها إليه وكأنها تستمد طاقتها من ذلك الضوء. اقتربت منها جنة بهدوء حتى لا تفزعها، فتحدثت جنية دون أن تلتفت لها.
"مرحبا بك مرة أخرى في عالمنا السحري أيتها الفتاة جنة."
"مرحبا بك أيتها الجنية الجميلة."
التفتت لها الجنية وابتسمت برقة، ثم طارت اتجاهها ووقفت أمامها وتحدثت بهدوء.
"أشكرك فتاتي على اطرائك لي، وبالمناسبة لي اسم تستطيعين مناداتي به وهو رميزان."
"رميزان! وما معنى ذلك الاسم؟"
"هذا الاسم يعني المرشدة أو الدليلة، فأنا سأكون مرشدتك في رحلتك داخل عالمنا، ولكن كوني حذرة فتاتي الجميلة، فالعالم السحري خلاب من الخارج ولكن يحوي في باطنه بعض الشر، فحذاري أن تضيعي بين طياته."
"وكيف يحدث ذلك؟"
"إذا استسلمت إلى الحقد داخل قلبك ورغبتك بالانتقام."
"ولكني عشت حياة مريرة وجاء هو وخدعني، علق قلبي به واستغلني، كان يريد أن يطمس ملامح روحي البريئة." ثم اختنق صوتها بالبكاء وأكملت: "كنت سأتركه وشأنه إذا تحدث إلى فتاة أخرى، ولكنه تحدث إلى صديقتي، صديقتي التي هي أكثر من أخت لي، تحدث إليها بكل كلمات الحب التي قالها لي، جعلني أشعر وكأني شيء عديم القيمة، هشة، لن أرتاح أو يهدأ لي بال إلا إذا علمته درسا لا ينساه، لابد وأن يعلم أن الفتيات ليست لعبة بين يديه."
"إذا، لن يستطيع مساعدتك غير العرافة هيڤين أي الليل، وذلك لارتدائها الأسود دائما، هي من تستطيع تحقيق رغبتك، وأنا سأساعدك للوصول إليها."
"وكيف سنصل إليها؟ وهل سيستغرق هذا وقتا؟"
"سنذهب أولا إلى الجهة الجنوبية حيث توجد الغابة الفطرية، وهي غابة متشابكة الأشجار، ولابد أن تكوني حذرة وأنتِ سائرة بها، ولا تنخدعي بأي شيء جميل في تلك الغابة حتى لا تختفي بداخلها، أرجو منكِ أن تسيري خلفي ولا تفعلي شيئا دون علمي."
"حسنا، سأنفذ كل ما تأمرينني به، ولكن ماذا سنفعل بعد ذلك؟ هل العرافة هيفين موجودة داخل تلك الغابة الفطرية؟"
لم ترد الجنية رميزان، وإنما طارت أمامها وتتبعتها جنة دون أن تتحدث مرة أخرى، واتجهوا إلى الجهة الجنوبية وظهرت أمامهم معالم الغابة الفطرية. نظرت لها جنة بانبهار، فرغم تشابكها إلا أنه يوجد بها سحر خفي يخلب الأنظار. فقد كان الفطر بها يبدو عملاقا، كما كان يوجد فطر صغير الحجم، وكانت تنتشر الأزهار ويوجد مياه أسفل تشابك الأشجار. كان يوجد طائر برتقالي اللون على إحدى الأشجار.
ظلت تنظر له جنة وكأنها مسحورة. وفجأة توقفت عن السير وبدأت في مد يدها تحاول لمس ذلك الطائر، ولكن لحسن حظها رأتها الجنية رميزان، فاتجهت لها مسرعة وأمسكت يدها ووضعت عليها بعض قطرات من الضوء، فاستفاقت جنة ونظرت لها باستغراب.
"ماذا حدث؟ لماذا توقفنا؟ أبلغنا وجهتنا؟"
"ألم أحذركِ بأن لا تتأملي شيئا وتنبهري به؟ لقد كدتِ توا أن توقظي تنين الغابة."
"ماذا! تنين الغابة!! كيف ذلك؟ أنا لم أفعل شيئا."
"كيف ذلك وقد كدتِ تلمسينه بيدك." ثم أشارت إلى الطائر البرتقالي.
"اه تقصدين ذلك الطائر الصغير؟ أيلقب بالتنين؟ لا تخافي أيتها الجنية رميزان، لقد أعجبني شكله ولونه الساطع فأردت لمسه فقط."
"وهذا بالظبط ما حذرتكِ منه. لا تنبهري بشيء أرجوكِ، ولا تلمسي شيء، فهذا الطائر الذي تظنينه أنه صغير ما هو إلا تنين ضخم شرس، وهو الآن في وقت سباته، إذا لم ألحقكِ وأمنعكِ من لمسه كان استيقظ وابتلعكِ بداخله وتختفين إلى الأبد وستظلين حبيسة كغيرك."
شعرت جنة بالخوف وتحركت مسرعة بعيدا عنه وهي تردد.
"لا لا لا لا لن ألمس شيئا، أعتذر حقا أيتها الجنية، هلمي بنا نبتعد عن هنا فأنا لا أريد البقاء في ذلك المكان، هيا هيا أسرعي."
طارت أمامها الجنية رميزان حتى توصلت إلى بركة مياه، فتوقفت الجنية ونظرت لها.
"والآن ستعبرين تلك البركة بمفردك، وحينما تصلي إلى نهايتها ستجدين منزلا داخل شجرة ضخمة، هذا هو منزل العرافة، سأنتظرك هنا فتاتي حتى تنتهين وتعودين إلي."
"أسأذهب بمفردي؟ ألن تأتي معي؟ إني خائفة جدا."
"لا تخافي عزيزتي، فأنتِ فتاة شجاعة، ولكن هنا نهاية مطافي، فالجنيات أمثالي محرم عليهم عبور تلك البركة، هيا عزيزتي لا تضيعي وقتك."
نظرت إليها جنة وهي تشعر بالخوف، ثم التفتت وأخذت نفس عميق ونزلت إلى البركة، والتي لم تكن عميقة، وظلت تسير بعض الوقت بها إلى أن وصلت لجزء منها فشعرت ببعض الإجهاد، فجلست على إحدى الصخور، فانتشرت حولها الكثير من الفراشات المضيئة وكأنها تنير دربها في ذلك الليل، فتنهدت جنة وتمنت أن تستطيع تحقيق أمنيتها وتعود بسلام لعالمها. اقتربت منها إحدى الفراشات المضيئة وتحولت إلى زهرة، فأمسكتها جنة وأخذتها بين يديها وكأنها مصباح سينير دربها لمنزل العرافة.
وأكملت سيرها إلى أن وصلت إلى منزل العرافة، فوقفت أمام الباب وأخذت نفس عميق واستجمعت شجاعتها وطرقت الباب، ففتح ولم تجد أحد أمامها، فدفعته بتوجس ودخلت إلى المنزل.
"أيوجد أحد هنا؟ أيتها العرافة أين أنتِ؟"
فجأة أغلق الباب خلفها وسمعت صوت يناديها، فاتجهت ناحية الصوت فوجدت سيدة جميلة وكانت ترتدي الأسود كما أخبرتها الجنية رميزان، وأمامها كتاب صفحاته سوداء، تنتشر الكثير من الشموع حولها، فنظرت لها تلك السيدة بجمود ولم تتحدث.
"انتِ العرافة هيڤين أليس كذلك؟"
"اجلسي أيتها البشرية، فاليوم ستحققين رغبتك، ولكن..." صمتت العرافة وتحركت باتجاهها وتحسست وجهها بأصابعها ذات الأظافر الطويلة.
"ولكن ماذا؟"
"لابد أن تخسري شيئا مقابل تحقيق رغبتك."
"أخسر! أخسر ماذا؟ ولماذا أخسر؟"
"الكتاب هو ما يحدد الخسارة، أما لماذا تخسرين فهذا هو قانون عالمنا، للحصول على أمنية لابد أن تخسري شيئا في المقابل أو تنفذين أمرا يطلب منك، وليس لك سوى ثلاثة أمنيات."
"هل لي الخيار في ذلك؟"
"لا، فالكتاب هو من يحدد، أتخسرين شيئا أم تنفذين أمرا."
"وهل هذا سيحدث قبل أم بعد تحقيق الأمنية؟"
"وهل حينما تشترين سلعة أتدفعين بعد استعمالها أم قبل ذلك؟!"
"فهمت عليكِ، إذا، قومي بعملك، ولكن انتظري، إذا طلب مني الكتاب شيئا مستحيلا، هل أنا مجبرة على تنفيذه؟"
"إذا تنازلت عن أمنيتك فأنتِ لستِ مجبرة على شيء."
"حسنا، إذا هيا افعلي ذلك."
قامت العرافة بفتح إحدى صفحات الكتاب وقالت بعض الكلمات الغير مفهومة، فازدادت النيران من الشموع وتراقصت أوراق الكتاب بشدة وكأن الهواء يداعبها، ثم توقف كل شيء وظهر قصران على جانبي الكتاب، فاقتربت جنة ونظرت بتمعن، ثم رفعت رأسها للعرافة ونظرت لها بعدم فهم، فوجدت العرافة تنظر بذهول وتردد.
"ليس معقولا، ليس معقولا، أيعقل أن تكون تلك الفتاة هي المختارة؟!"
"أيتها العرافة ماذا بك؟ بماذا تهمسين؟ ماذا يعني ما حدث؟ أنا لا أفهم شيئا."
أخذتها العرافة وجلسوا سويا على الأريكة وأمسكت يد جنة بين يديها وتحدثت بهدوء.
"كنت أعتقد أنك مجرد بشرية حمقاء تسعين وراء تحقيق أمنياتك فقط، ولكن اتضح أنك خلاص هذا العالم من الشر."
"أنا!!"
كيف ذلك؟
العرافة هيڤين: القصران اللذان شاهدتهما الآن هما قصران لملكتين هذا العالم، إنهما أختان ولكن كتب عليهما الافتراق، وأصبحت لكل واحدة مملكة خاصة بها. فإحداهما هي ملكة النور وتحكم بحكمة وعدل وتنشر السلام، والثانية ملكة الظلام تحكم بقوة وشدة وتسعى للسيطرة. بينهما عداوة شديدة نشأت منذ الصغر، وذلك بسبب نبوءة قالت إن إحداهما ستقضي على الأخرى.
جنة: ومن قال هذه النبوءة؟
العرافه هيڤين: إنها ساحرة النار، وهي تظهر عند ميلاد أبناء الملوك. فحينما ولدت ملكة النور تنبأت لها ساحرة النار بأنها ستحكم المملكة بعدل وسلام، ولكن حينما ولدت أختها تنبأت ساحرة النار بأن إحداهما ستقضي على الأخرى. خافت الملكة الأم كثيراً وحاولت أن تزرع المحبة في قلب الأختين. ولكن حينما كبرت الأخت الصغرى وعلمت أن أختها ستحكم المملكة بمفردها بدأت تشعر بالغيرة، ومن هنا ظهرت الكراهية. فاضطر الملك إلى إبعاد الفتاتين عن بعضهما وأن تحكم كل منهما مملكة. ولكن الأخت الصغرى ظلت حاقدة على أختها، فقد اعتقدت أن والدها فعل ذلك لحل الموقف وليس لأنها تستحق ذلك. وظلت العداوة بينهما حتى بعد وفاة والديهما. وقد ظهرت نبوءة في كتب السحر لدينا أن هناك من سيأتي وسيصلح كل شيء ويوحد المملكتين ويعيد الحب والصفاء بين الأختين. ولكن لم أتوقع يوماً ما أن هذا الشخص مجرد فتاة صغيرة تسعى بدورها للانتقام، مجرد بشرية. هذا شيء عجيب فعلاً.
جنة: ولكن كيف سأفعل ذلك؟ أنا مجرد فتاة بسيطة، كيف لي أن أجعل مملكتين تتحدان مع بعضهما مرة أخرى؟ أنا لن أستطيع فعل ذلك، سوف أتنازل عن أمنيتي وأذهب إلى عالمي.
العرافه هيڤين: سبق السيف العزل فتاتي الصغيرة، فهذا طلب الكتاب وليس الخسارة. فلو كنت ستخسرين شيئاً في مقابل أمنيتك وقتها فقط تستطيعين التنازل عن الأمنية، أو إذا طلب شيئاً مستحيلاً لا تستطيعين تنفيذه. أما هذا فليس طلباً أو أمراً أو حتى خسارة، إنها نبوءة ولابد من تنفيذها. وليس لك الخيار في ذلك، فلن تستطيعين العودة إلى عالمك قبل تنفيذ النبوءة.
جنة بخوف: ولكني خائفة ولن أستطيع حسن التصرف.
العرافة: إذن اطمئني فتاتي الصغيرة، كل من في الغابة سيعاونك لتحقيق تلك النبوءة. فقد تشتت منا الكثير وتفرق الأحباب بسبب الصراع الدائم بين الملكتين. أرجوك أنتِ آخر أمل لنا، أرجو منك أن تساعدينا. أعلم أن الطريق صعب، ولكن نقاء قلبك سيهون كل صعب.
جنة بحزم: حسناً، إذاً سأنفذ ما طلبه الكتاب وسيكون الله في عوني. فهذا في النهاية عمل خير، وأرجو من الله أن أكون سبباً في نهاية عذابكم وأن يعم السلام في عالمكم مرة أخرى.