تحميل رواية «انت لي» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
طوال عمري أحلم أن أقابل جنية شابة، صغيرة وجميلة وأنيقة، قادرة على التشكل بالصورة التي ترضيني. من أجل ذلك استمتعت بكل قصص الجان وشاهدت على التلفاز كيف تبدو الجنية أنيقة وجميلة ببياض الثلج في فيلم مملكة الخواتم. قرأت روايات العم حسن الجندي ولم أرَ خلالها إلا الرعب وفكرت في نفسي: لماذا كل هذا الجحيم؟ الأوصاف المرعبة؟ أين ذهبت الرومانسية والدلال؟ عملت على نفسي وزرعت بجوار منزلنا حديقة كبيرة المساحة، زرعتها بأشجار كبيرة وكل أنواع الورد وعشب أخضر على الأرض. سمعت جدتي تقول إن الجنيات لا يظهرن إلا بعد ا...
رواية انت لي الفصل الأول 1 - بقلم اسماعيل موسى
طوال عمري أحلم أن أقابل جنية شابة، صغيرة وجميلة وأنيقة، قادرة على التشكل بالصورة التي ترضيني.
من أجل ذلك استمتعت بكل قصص الجان وشاهدت على التلفاز كيف تبدو الجنية أنيقة وجميلة ببياض الثلج في فيلم مملكة الخواتم.
قرأت روايات العم حسن الجندي ولم أرَ خلالها إلا الرعب وفكرت في نفسي: لماذا كل هذا الجحيم؟ الأوصاف المرعبة؟ أين ذهبت الرومانسية والدلال؟
عملت على نفسي وزرعت بجوار منزلنا حديقة كبيرة المساحة، زرعتها بأشجار كبيرة وكل أنواع الورد وعشب أخضر على الأرض.
سمعت جدتي تقول إن الجنيات لا يظهرن إلا بعد البلوغ وانتظرت أن يكبر عمري حتى أصل ذلك السن.
ظننت أن خططي دمرت بعد وفاة والدي حيث أصبحت وحيداً، ولم أكن أدري أنها تنتظر تلك اللحظة بالذات لتظهر وتزهر حياتي.
لم يكن لدي أقارب، لذلك عندما التحقت بالجامعة تركت منزلي القديم المنزوي ورحلت نحو القاهرة.
استأجرت شقة، صاحبها الأحمق لا سامحه الله رفع السعر.
يا أستاذ، أنا أمنحك شقة فاخرة يلعب فيها الخيل.
كانت شقة فاخرة فعلاً ولم يكن يسكن أحد غيري بالبناية كلها لأنه لم يجد مغفلاً غيري يدفع كل هذه النقود.
بالجامعة كانوا ينعتوني بالـ "أنيق المنزوي".
الفتيات الثرثرات بالقسم أشاعن أني مريض نفسي.
"ألا ترون أنه يسرح شعره الناعم على جنب؟ وعيونه الخضر عميقة وواسعة تكاد ترون خضرة الأشجار بداخلها."
لم يدركوا أنني لست مريضاً نفسياً، بل كنت أربأ بنفسي عن العلاقات البشرية ووجع الدماغ.
لكنهم كانوا ينظرون إلي خلسة عندما أمر.
علمت ذلك بعد زمن طويل وكانت تعجبهم ملابسي الأنيقة.
حياتي كعازب كانت بمنتهى القسوة، خاصة بعد أن تبخرت أحلام الصبا بالجنيه الجميلة.
كنت مضطراً للطبخ وكنت دوماً أفشل، لكن لم أعترف أبداً بهزيمتي وكنت بكل جلافة أواصل الطبخ كل يوم.
حتى أنني رفضت عرض أم نهى جارتي التي سكنت حديثاً أن تطبخ لي، مع أنني كنت معجباً بـ نهى، لكن الاعتراف بالفشل بالنسبة لي غير موجود.
حتى وجدت الخلطة السحرية للطبخ، مع أني لم أغير المقادير.
تلك الليلة كنت قد صنعت صينية مكرونة باللحمة المفرومة ولم يعجبني مظهرها، حتى أنني لم أتذوق الطعام.
قلت: "سوف آخذ حماماً ساخناً بعدها أتناول طعامي."
انتهيت من الاستحمام وأكلت أجمل صينية مكرونة باللحمة المفرومة بحياتي.
لا أستطيع أن أصف شعوري لحظتها، الفخر الذي تملكني.
لكن الأمر لم يتوقف عند ذلك الحد، كل أصناف الطعام التي كنت أطهيها كان لها مذاق رائع.
عزوت ذلك للحمام الساخن الذي آخذه قبل تناول طعامي.
الغريب أنني كنت أصنع أطباقاً جديدة بمجرد مشاهدتي لها بالتلفاز وكانت كلها رائعة المذاق.
استمر ذلك الوضع لمدة شهر حتى أيقنت أني أعجوبة الطبخ غير المصنف عالمياً.
كنت جالساً بحالي أشاهد التلفاز وكان هناك مشهد ركيك بفيلم هندي دفعني للنوم حتى ينتهي البطل من الوصول راكضاً لحبيبته.
عندما استيقظت كان النور مطفياً، وذلك يحدث نادراً، ثم سمعت صوت خربشة بالحمام.
فعلت فلاش الهاتف ومشيت تجاه الحمام.
رواية انت لي الفصل الثاني 2 - بقلم اسماعيل موسى
على بعد خطوة من الحمام توقف الصوت، لكنني كنت مصممًا على رؤية ما بداخله، فأنا أكره الفئران أكثر من كرهي لنفسي.
كان المرحاض يبرق من النظافة، ولم أجد ما يجذب انتباهي.
قبل أن ألتفت، لمحت كلمة مكتوبة على مرآة الحمام: "أنت لي".
كانت مكتوبة باللون الأحمر.
دققت النظر، كانت الكلمة مكتوبة بخط رديء، لكن واضح.
من يعبث معي؟ انتهز وقت ذهابي للجامعة وفعل ذلك؟
كيف استطاع أن يفتح الباب؟
أصدرت مجموعة من لعنات البحارة الذين لا يتورعون عن التفاخر بعلاقاتهم الجنسية مع زوجاتهم وهم يحتسون الجعة.
كان الوضع محيرًا وغريبًا.
فكرت كثيرًا ولم أتوصل لنتيجة.
اشتعلت الأضواء مرة أخرى وذهبت للحمام لأتأكد مما رأيته.
كانت المرآة نظيفة مثل وجهي بعد الحلاقة.
خلال تلك الليلة، لم أتوقف عن التفكير.
إن آخر ما ينقصني أن أتوهم حدوث الأشياء قبل سن الأربعين.
وغفلت دون أن أشعر.
قريب الفجر، استيقظت مرة أخرى على صوت خطوات تعبر الشقة نحو الحمام.
مشكلتي أن لدي أذن هامستر تلتقط دبة النملة.
شغلت النور وسحبت المكنسة ومشيت تجاه الحمام.
وجدت الحمام خاليًا، وكلمة "أنت لي" مطبوعة على المرآة.
لم يكن تخيلًا أو حلمًا إذًا.
لكن كيف لم ألاحظها بالمرة الأولى؟ كيف اختفت؟
تملكني الرعب وشغلت القرآن لأحصل على الطمأنينة.
انتشر السلام بين جدران الشقة، ولم أفكر بالذهاب مرة أخرى نحو المرحاض.
ذهبت للجامعة وفكرت أن أخبر صديقي بما حدث لي.
وخشيت أن يقول إنني مجنون.
كنت مشهورًا بانزوائي، والآن أصبحت مجنونًا.
قال لي صديقي فور رؤيتي: "أنت أنيق بطريقة رائعة اليوم".
حملقت بملابسي وقلت له بفخر: "تلك عادتي".
قال: "لا، هناك شيء مختلف بك. خدودك متوردة مثل عروس ليلة الدخلة".
أشاعت كلماته بداخلي الاستياء، وكان علي أن أتأكد من شكوكه.
في حمام الجامعة، وقفت أمام المرآة.
كانت وجنتاي متوردتين كأن ألف قبلة من شفاه حورية طبعت عليها.
انبعث بداخلي هاجس غير مريح وجلست على دربزين الكلية شارد الذهن.
وكلما مرت فتاة، حملقت بي.
استولى علي الضيق وقررت أن لا أحضر المحاضرات ورحلت نحو شقتي.
قبل أن أضع المفتاح داخل الباب، سمعت صوتًا بالداخل.
ألصقت أذني بمعدن الباب.
كانت خطوات واضحة قادمة من غرفتي نحو الصالة قبل أن تتوقف.
نزلت درجات السلم بهدوء وتلصصت.
طرقت باب شقة أم نهى.
فتحت لي نهى الباب، وكنا قد اعتدنا أن نلقي تحية الصباح على بعض.
"صباح الخير، هل والدتك موجودة؟"
تبسمت نهى وبان صف أسنان التقويم في فمها.
"والدتي بالسوق، كيف أستطيع أن أخدمك؟"
قلت: "الأمر محرج بعض الشيء، لكنني أريد مساعدتك. قبل أن أفتح باب شقتي، سمعت صوت خطوات تمشي بالداخل، وأحتاج لشخص آخر ليؤكد لي الأمر قبل أن أتصل بالشرطة."
كانت نهى ترتدي مئزر الطبخ.
تركت باب شقتها مفتوحًا وصعدت معي درجات السلم.
وطلبت منها بهمس أن تضع أذنها على باب الشقة.
"انحنت نهى بحركة مغرية، وكان لها جسد أبيض طري، وألصقت إحدى أذنيها بالباب."
قالت: "أنا لا أسمع شيئًا."
خشيت أن تعتقد أنني تعمدت مغازلتها، لذلك شكرتها وطلبت منها أن تعود لشقتها.
صر المفتاح بباب الشقة وفتحته على مصراعيه.
حيث يوجد الحمام، توارت الخطوات مرة أخرى.
"هذه الشقة مسكونة، أقسم بالله."
داخل الحمام، حاولت أن أمسح الكلمة المكتوبة، لكنني فشلت.
كأنها مطبوعة مع زجاج المرآة نفسه.
ارتحت نفسيًا، وقلت: "ربما كانت تلك الكلمة مكتوبة قبل حضوري للشقة ولم ألاحظ ذلك."
شرعت بإعداد وصفة جديدة من الطعام كنت قد شاهدتها قبل مدة قصيرة.
عندما سمعت طرقات على باب الشقة.
فتحت الباب ووجدت أم نهى واقفة بكل حجمها الهائل الذي سد ضوء النهار.
"كيف حالك يا خالة؟"
كانت تلهث من صعود درجات السلم، فدعوتها للدخول.
ألقت بجسدها على الأريكة التي راحت تئن.
"نهى أخبرتني أنك كنت تسأل عني."
شرحت لها باختصار السبب.
"تلك هي ضريبة حياة العزوبية يا يوسف، لابد أن تتزوج!"
"أتزوج قبل أن أنهي دراستي يا خالة؟"
"لما لا؟ وهل أنتِ بنت؟"
قلت لها: "ليس كذلك، لكن لابد أن أنهي دراستي."
"ماذا تطبخ؟" سألتني، وانفها يغتص ب رائحة الطبخ.
"طبخة جديدة تعلمتها من التلفاز؟"
"هل يمكنني تذوقها؟"
كنت على وشك أن أخبرها أنني لم أصنعها بعد، لكنها سبقتني ودلفت إلى داخل المطبخ.
ضربت يدي ببعضها من الخجل وتلكأت لدقيقة.
عندما دخلت، وجدتها تتذوق الطعام بالملعقة.
"مذاقه رائع جدًا"، صرحت أم نهى، وقد كان لها تاريخ طويل مع الطبخ.
بينما كنت أنا أضرب أخماسًا بأسداس من هول المفاجأة.
الطعام لم يعد نفسه، وأنا لم أطبخه، ولم يدلف أي شخص غيري للشقة.
قالت: "ما بك، لماذا متوتر؟"
قلت لها: "لأن طبخي أعجبك."
"عليك أن تقوم بدعوتنا على العشاء يومًا ما، مؤكد أن طبخك سيعجب نهى جدًا."
لم تكد تنهي كلمتها حتى سقطت الصينية على الأرض.
قلت: "الحمد لله"، بينما راحت أم نهى تكيل الاعتذارات.
كان كل همي أن أتخلص منها، فقد كان جسدي يرتعش كله.
بعد أن أغلقت الباب، هويت على الأريكة.
بكل ركن من نواحي الشقة، لمحت عفريتًا، هكذا كان عقلي يخبرني.
توضأت بسرعة وصليت.
دعوت الله أن يحفظني ويحميني وقرأت بعض آيات القرآن.
من خلال النت، بحثت عن بعض الحوادث الغامضة التي تحدث مثل حالتي، ولم تزدني إلا بلبلة.
وضعت المصحف بجواري وتابعت فيلمًا أجنبيًا.
كانت الساعة تشير العاشرة ليلاً عندما سمعت صوتًا قادمًا من المرحاض.
قلت: "بسم الله الرحمن الرحيم."
تابع الصوت حركته، كانت صوت زحف على الأرض.
أول ما ظهر كان أصابع يد بشرية بأظافر طويلة خارج محيط الحمام.
ثم رأس مسجى على الأرض مغطاة بوشاح وشعر أسود طويل خلفها.
ثم ظهر باقي الجسد، كان مغطى برداء أسود كله، والرأس غاطسة بين اليدين نحو الأرض.
رفعت قدمي فوق الأريكة وفمي لم يتوقف عن الذكر.
"هل ترغب مني بالظهور؟" سمعت الصوت المحشرج المزعج، المخيف.
رواية انت لي الفصل الثالث 3 - بقلم اسماعيل موسى
قلت لا، لا، لا.
حسنًا كما ترغب.
تبخر جسدها في العدم واختفت الأصوات، عم سكون مزعج وجسدي يرتعش كضوء شمعة في هبة ريح.
رحلتي حقًا؟ لم أحصل على جواب.
وحتى يطمئن قلبي، وبعد أن شغلت القرآن، زرعت الشقة كلها ونحيت الحمام جانبًا لأطول فترة ممكنة. لم أجد لها أي وجود.
مع ذلك، كنت لا أزال لم أتمالك نفسي. إذا قدر لي أن أرى الصبح مرة أخرى، سأغادر تلك الشقة. كانت كل أمنياتي وأحلامي أن لا تظهر مرة أخرى.
وفكرت أن أنزل الشارع أو أن أطلب النجدة، لكن من من؟ وماذا سأقول له؟
استطعت أن أصنع كوب شاي وأنا أتلفّت من حولي. لم يكن هناك أي شيء غريب، لكن عقولنا هي من تقرر بتلك الحالات. شغلت كل مصابيح الشقة وتركت المذياع يعمل على صوت القرآن وحاولت النوم.
لم أنم طوال الليلة ولم تظهر مرة أخرى.
ذهبت للجامعة وكان عقلي يعمل بطريقة جد غريبة. انزويت أدخن لفافة تبغ على درابزين المدرج. كنت غير مهتم بأي شيء يحدث حولي.
قبل أن أنهي السيجارة، اقتربت مني فتاة بدفعتنا. كنت قد رأيتها أكثر من مرة. ألقت عليّ التحية وعرفتني بنفسها.
قلت لها: أنا يوسف.
لاحظت تغيبك عن المحاضرات، وقلت ربما تود باستعارة أجندتي التي أسجل بها كل الملاحظات؟
قلت: لما لا.
شكرتها وتبادلنا كلمات قليلة ورحلت.
عدت للشقة وأنا مقرر أن ألملم أغراضي وأرحل. وقلت في نفسي: لا مانع من طبخ وجبة قبل رحيلي.
انتهيت من الطبخ وكان مذاق الطعام سيئًا جدًا، رغم أني لم أغير المقادير. لماذا يحدث ذلك معي؟ لم أجد أي مبرر لفساد الطبخة وشعرت باستياء بالغ.
بحذر مشيت تجاه الحمام لأغسل وجهي. فعلتها بسرعة وعدت مرة أخرى لأتخلص من الطعام قبل أن أجمع ملابسي.
وجدت شكل الطعام تغير وروادتني نفسي أن أتذوقه ووجدت طعمه رائع. غير معقول، رددت أكثر من مرة.
أنت فعلت ذلك؟
وجهت سؤالي للفراغ.
نعم أنا!
أتاني الصوت بسرعة من العدم.
حاولت أن أتمالك نفسي.
كنت تفعلين ذلك دومًا؟
أجل، كل مرة كنت أتخلص من طعامك البشع وأطبخ غيره.
رغم وعيي واختلاطي لم أتقبل أن يوصف طبخي ببشع، لكن كنت مضطرًا لتمريرها.
إذا رغبت، يمكنني أن أعلمك فنون الطبخ؟
قلت لها: متشكر جدًا.
لماذا سترحل؟ وكيف علمتِ أنني سأرحل؟
سألتها تلك المرة والمصحف بيدي.
قلت: أنا أتابعك منذ مدة طويلة. أيضًا، كنت تقف مع فتاة جميلة اليوم؟
أنا مراقب؟
أنت لي!
ماذا تعني بقولك أنت لي؟
أعني إذا ذهبت لأي مكان سأكون موجودة.
أها، حتى إذا غيرت شقتي؟
حتى لو ذهبت للمريخ!
لكن يا ستي، أنا غير راغب بوجودك أو ظهورك.
ومن قال أنني سأظهر لك إلا إذا طلبت مني ذلك؟!
هذا وعد يعني؟
إنه أكبر من ذلك، إنه قسم أبناء الجان يا يوسف.
قلت: ارحلي من فضلك، أرغب بالجلوس بمفردي والتفكير بروية.
لم ترد، كانت قد رحلت.
بعدها ودون تفكير، تركت الشقة ورحلت نحو الشارع.
رواية انت لي الفصل الرابع 4 - بقلم اسماعيل موسى
تسحبت بالطريق على غير هدى وأنا لا أكاد أتمالك نفسي.
المعضلة أنك تتمنى وتحلم وتنتظر، وعندما تحين اللحظة تدرك أنك لست مستعدًا بعد.
جنيه بشقتي وتعد لي الطعام؟ لقد فاقت كل توقعاتي.
رحت أتلفّت من خلفي وكنت قد قطعت مسافة لابأس بها.
اتكأت على جدار وأخرجت لفافة تبغ لأدخنها.
ليس بعيد كانت هناك قطة سوداء لطيفة تتنزه أسفل الجدار، كانت تمشي بروية غير مبالية بالمارة.
توقفت على مقربة مني وكانت تنظر للشارع مثلي.
جعلت أتأملها وكان لها مظهر جميل ورائع.
وإذ لاحظت اهتمامي منحتني نظرة من عينيها الخضر، ثم أشاحت رقبتها للجهة الأخرى.
لكن تطفلي زاد نحوها، فألقت نظرة أخرى أطول من سابقتها.
عندها لم أملك نفسي، كانت عيونها تلك المرة زرقاء.
فركضت مرة أخرى لأن الجان يظهرون بشكل قطط.
كان الوقت بعد منتصف الليل حينما قررت الرجوع لشقتي.
طوال الطريق لم أتوقف عن قراءة القرآن.
فتحت باب الشقة وأنا أتوقع أن أجدها بالصالة بشكل مرعب يقطع الخلف.
لكنني وجدت الشقة منسقة ونظيفة.
كانت الأرضية تلمع مثل الذهب مع تغير بسيط بترتيب الأثاث.
أعجبني ذلك المظهر الجديد وجلست أتأمل جمال الزهور التي ملأت كل مكان.
كنت ممتنًا لها بداخلي، لكنني لم أصرح بذلك.
أشعلت لفافة تبغ وقبل أن أسحب منها سحبة سمعت صوتًا يقول: "تشرب شاي؟"
قلت: بسم الله الرحمن الرحيم.
ومططت أذني: تشرب شاي؟
تلك المرة كنت متأكدًا.
ساد الصمت للحظة ثم قلت: أجل!
بلحظة لمحت صينية الشاي تتحرك من المطبخ جهتي وفوقها كوب شاي ساخن قبل أن تستقر على الطاولة.
"أي أوامر أخرى؟"
قلت: شكرًا لك.
ثم أردفت: لحظة واحدة، لقد وعدتني أن لا تظهري حتى أطلب منك ذلك؟
"أنا لم أظهر لك، أنت سمعت صوتي فقط، لن أخل بعهودي أبدًا."
"أريد أن أخبرك بأمر ما!!"
"تفضل!!"
"لا أنكر أن لديك حسًا عاليًا بالديكور ولغة الورد، لكن هذه شقتي ولا أرغب مرة أخرى أن تغيري شيئًا دون إذني!!"
قالت بنبرة مكسورة وهي تضغط على الحروف: "حاضر رر."
كان لدي كلام كثير أريد أن أخبرها به، لكن ذهني لم يكن قد تقبل بعد أنني أتحدث للفراغ.
ثم إن الخوف لم يكن قد بارحني بعد.
"يمكنك أن ترحلي يا..."
"ما اسمك على فكرة؟"
"اسمي هيترا!!"
"وأنا يوسف!!"
"تشرفنا، أنا أعرف اسمك طبعًا، هل نسيت أنني جنيه؟"
"ارجوكي يا هيترا لا تذكري تلك الكلمة مرة أخرى لأنها ترعبني؟!"
"حاضر رر، لكن!!"
قلت في نفسي: لا توجد أنثى على الإطلاق بشرية كانت أو جنيه يمكنها أن تتخلى عن الثرثرة.
"هاتي ما عندك يا هيترا؟!"
"لكنك كنت تنتظرني منذ ولادتك، كنت تتوق لمقابلة جنيه، لقد اخترتك لذلك السبب!"
"صراحة، لا يمكنني أن أنكر ذلك، لكننا نرغب بالكثير من الأشياء قبل أن نتفاجأ أننا غير مستعدين بعد."
"متى ستكون مستعد؟"
"لا أعلم، أحتاج لوقت، وقت."
"حسنًا فهمت يا يوسف."
"لدي سؤال."
قلت وأنا أسحب سيجارة من العلبة قبل أن تطير القداحة في الهواء وتشعلها لي.
"منذ متى وأنت تتابعيني؟"
"يووووه، منذ مدة طويلة، من وقت كنت تفكر بي."
"الحديقة التي قمت بزراعتها من أجلي."
تذكرت الحديقة ولُمت نفسي لأنني ابتعدت عنها، ربما تكون ذبلت الآن.
"منذ مدة بعيدة لم أقم بريها!!"
"لا تقلق، لقد أوكلت المهمة لجنيه صغيرة لتعني بها."
"أنت لا تنسى شيئًا؟"
"على الإطلاق يا يوسف."
"حسنًا يمكنك أن ترحلي الآن!!"
"ستنام؟"
"ليس من شأنك يا هيترا ماذا أفعل، انصرفي الآن!؟"
غاب صوت هيترا وحل السلام والصمت مرة أخرى.
لم أكن متأكدًا من رحيلها، قمت بجولة خلال الشقة وارتحت لذلك.
رقدت على سريري.
هناك جنيه حقيقية تعيش معي.
ربما الليلة أو الغد تتلبسني، تلك مهمتها طبعًا.
يجب أن أرحل من هنا لأبعد مكان في العالم.
"وإذا رحلت من هنا هل تتخيل أنني لن أصل إليك؟"
لم يكن صوتًا تلك المرة، كان حديثها بداخل عقلي.
"أنت هنا؟ وإلى أين قد أرحل؟"
"ارجوكي لا تتلصصي على أفكاري، هل ذلك ممكن؟"
"سأحاول يا يوسف."
لم تظهر لذهني مرة أخرى تلك الليلة، كما أنني لم أستطع النوم إلا عندما رأيت الشمس.
فتحت عيني منتصف النهار، كانت عظامي تؤلمني واحتجت لوقت طويل لأترك سريري.
بالصالة حيث الطاولة وجدت الطعام معدًا وجاهزًا.
وقبل أن أدلف للحمام كانت المياه الساخنة تنهمر منه.
قلت بصوت واضح: "اتركي الحمام يا هيترا، لا يليق بجنيه محترمة أن ترى شابًا عاري الجسد!!"
"حاضر رر."
"أقسمي أنك رحلت؟"
"أقسم بالله رحلت!"
"حسنًا ذلك أفضل."
رواية انت لي الفصل الخامس 5 - بقلم اسماعيل موسى
بعد وفاة عائلتي شعرت بالوحدة، والآن فكرة أن هناك شخصًا آخر غيري بالشقة تزعجني.
انتهيت من حمامي ومشيت تجاه الطاولة حيث رصصت أطباق الطعام، تناولت لقمة ووضعتها بفمي، ثم أخرجت لفافة تبغ وأشعلتها.
"ستقتل نفسك بالتبغ؟"
التفتت جهة الصوت القادم من حجرة النوم، لم أفهم ما يعنيه بالضبط وجود هيترا بغرفتي.
"الجان لا يدخنون؟"
"بعضنا يدخن." ردت هيترا.
بدَرت مني ابتسامة دون سبب.
"ماذا تفعلين عندك؟"
"أرتب حجرتك يا باشا!"
"لماذا تستخدمين تلك اللغة السوقية التي امتهنها البعض الآن بقص حكاياتهم؟ ألست جنية مثقفة؟ أعتقد أن عمرك ربما مائتي سنة؟ وأنك تتحدثين العربية بطلاقة مثلي؟"
"باشا؟ لسنا بمركز شرطة يا أستاذة."
"يوسف؟ لا تحاول استفزازي، عليّ أن أحذرك!"
سرت تجاه غرفة النوم وكانت مرتبة بعناية، تناولت الوسادة وألقيتها على طرف السرير، طارت الوسادة وصفعتني بوجهي وطارت لفافة التبغ في الهواء، ثبتت لحظة ثم تحركت تجاه فمي.
"أنت كبير على تلك الأفعال الصبيانية يا يوسف، لست خادمتك حتى تفعل ذلك!!"
"أين قضيت ليلتك؟ بالمرحاض؟"
"اسمع، لأكون واضحة، معظم معلوماتك عن الجان محرفة، ليس كل الجان يسكنون المراحيض، أنا أكره رائحة النفايات البشرية أصلاً."
كان مزاجي معتدلاً وكنت مستعداً للممازحة أكثر، لكن سمعت طرقات على باب شقتي.
"اختفِ يا هيترا، اختفِ!"
"لا تفتحي الباب!" سمعت صوتها بعقلي.
"ليس من شأنك، إنها شقتي أنا!"
"لا تفتحي الباب!!"
"سأفتحه!" صرخت وأنا أفتح الباب.
كانت أم نهى أمام باب الشقة تلهث.
"كيف حالك يا يوسف؟"
"بخير الحمد لله، بالأمس حضرت لشقتك ولم أجدك؟"
"كنت بالخارج أتسلق بالأزقة، ربنا يسامح من كان السبب!"
"ماذا تقصد يا ولدي؟"
"لا تشغلي بالك، كيف أساعدك؟"
"الليلة عيد ميلاد نهى وأرجو أن تنضم لنا؟"
"لا تقبل!!" قالت هيترا.
"بكل سرور سأكون حاضراً."
"كما تعلم، نحن مقطوعون من شجرة، وجودك سيسعد نهى."
"نهى أكثر من أخت وأنت بمثابة والدتي، سأكون موجوداً الليلة."
"قلت لك لا تقبل؟" قالت هيترا بعد أن رحلت أم نهى.
"الجميل يغير؟"
"محال، أنا أغار من بشرية؟ ثم ها أنت بدورك تستخدم عبارات سوقية!!"
لم أتمالك نفسي وضغطت أكثر.
"يبدو أن لي مكان بقلبك؟"
لم ترد هيترا ولم أسمع صوتها بقية النهار.
"الأنثى حتى لو كانت جنية لا يمكن توقع أفعالها إذا أحبت!"
ذهبت للجامعة وعندما عدت لم أجد طعام الغداء معد كما توقعت، لم يحلق كوب الشاي بالهواء، لم تظهر هيترا.
"إذا كان ذلك سيكون سبب رحيلها، يجب أن أستغل ذلك."
تأنيقت بمعنى الكلمة، أطفأت الأنوار وهممت بالخروج.
"لا تتأخر؟"
كنت سعيداً بسماع صوتها بعد كل ذلك الوقت، مع ذلك أبديت تذمري وصفعت الباب خلفي.
لم تكن حفلة عيد ميلاد بالمعنى المتعارف عليه، تفننت أم نهى بصنع أطباق الطعام وأعدت وليمة من الدجاج واللحم.
انقضت أم نهى على الطعام تلتهمه بينما جعلت أنا ببطء أتناول طعامي وانزوت نهى بلا أكل بجواري.
"لن تأكل؟" سمعت صوت هيترا بعقلي، "إنها الآن تفكر بك وتراقبك، توقف عن أكلك بتلك الطريقة، لا تحاول أن تكون شخصًا مختلفًا!"
"لماذا لا تأكلين يا نهى؟"
"أبداً، سأبدأ الآن!"
"تأكل مثل قطة، بعد رحيلك ستلحس كل الأطباق، آه من النساء البشريات وحركاتهن؟"
"تشعرين بالغيرة مرة أخرى؟ ومن تكون تلك الفتاة حتى أغار منها؟"
"ألا تلاحظ أنها مسلوعة مثل عروسة المولد؟"
"احترمي نفسك!" صرخت بها.
"خير يا يوسف؟" سألتني أم نهى.
"آسف، لم أقصد شيئاً، كنت أطرد فكرة خبيثة من ذهني."
"انظر كيف تحملق بك كانك أعظم إنجازاتها بالحياة." كانت هيترا تتحدث بذهني، "ستعرض عليك الآن أن تقلَها معك للجامعة، لا تقبل؟"
"يوسف، إذا لم يكن لديك اعتراض، هل يمكنك أن تقلني معك للجامعة؟" طلبت مني نهى بأدب.
"لا مشكلة، سيشرفني ذلك يا نهى، سأعرج عليك قبل ذهابي للجامعة."
سمعنا صوت تهشم الأطباق بالمطبخ ومشيت أم نهى تجاهه وجسدها يهتز.
"يا لهوي!" صرخت أم نهى، وعندما وصلت هناك كانت معظم الأطباق مهشمة، وقبل أن نعود سقط كل الطعام على الأرض، كانت نهى بمنتصف المسافة بيننا وقد علق بها مفرش الطاولة؟!
"رعناء!" لامتها والدتها بنبرة غاضبة.
"انزويت بجانب الجدار، ما تفعلينه لا يليق بفتاة محترمة؟"
"توقف عن ما تفعله وسأتوقف أنا بدوري!" هددتني هيترا.
"لقد ظهرتِ على حقيقتك يا هيترا، أنت جنية مؤذية، كنت أشك بذلك والآن تأكدت من عدم إمكانية توقع ردود أفعالك."
"أنا غير محترمة يا يوسف؟ مؤذية وشريرة؟"
"نعم شريرة."
"سأخرج من حياتك يا يوسف كما دخلت، الوداع أيتها البشرية!!"
"مع من كنت تتحدث؟"
"لا أحد، علينا أن نعيد كل شيء لوضعه."
ساعدتهم بلم الأطباق وتنظيف الشقة ولم أتوقف عن التفكير بما حدث.
خلال جلسة الشاي كنت شارداً، كنت ألوم نفسي لعدم اقتصاصي من هيترا، كنت منزعجاً وحانقاً وخائفاً في نفس الوقت، تصور أنها من الممكن أن تؤذيني لم يفارق ذهني وشعرت برعشة تسري بجسدي.
رواية انت لي الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسى
خلال تلك الليلة والليالي التي تليها لم تظهر هيترا. كنت مندهشًا. مع الوقت أدركت أهمية وجودها بحياتي، مثلما لا ندرك قيمة أغلب الأشياء إلا بعد رحيلها.
بعد مضي أسبوع، أدركت تمامًا أن هيترا جنيه تمتلك شرفًا، لأن الثابتين على مبادئهم نادرون جدًا.
صليت العشاء وقرأت جزءًا من القرآن وجلست على الأريكة على وضوء.
"هيترا، ناديت عليها؟"
لم ترد هيترا.
"قلت هيترا، أنا لا أمزح الآن، عليك أن تظهري!"
"أظهر تقصد أن تراني؟" ردت بنبرة فرحة.
"انتظري، أنا أقصد حضورك بوجودك، وليس أن تظهري لي!"
"خائف أنت؟"
"لست خائفًا، لكنني لست مستعدًا." كذبت عليها ونسيت أنها تقرأ أفكاري.
"ماذا تريد؟" سألتني بنبرة غاضبة.
"أريد أن أعقد اتفاقًا يا هيترا."
"هات ما عندك."
"أن لا تحاولي أن تتدخلي بحياتي دون رغبتي، بالمقابل أتعاهد أن لا أسيء لك من قريب أو بعيد."
"موافقة." قالت دون تردد.
"متى ستسمح لي بالظهور؟"
"لا أعرف، لكن ليس الآن أرجوكي."
"تشرب شاي؟"
"حسنا، لا مشكلة."
لاحظت تلك المرة أن الصينية التي استقرت على الطاولة تحمل كوب شاي. وأدركت أن هيترا تجلس بجواري. كان كوبها مثبتًا بالهواء يتناقص بشكل بطيء.
"تشربين الشاي؟"
"أشرب الشاي، القهوة، الكابتشينو، الحلبه، الكركديه، ماذا كنت تعتقد مثلًا؟ أننا حيوانات؟"
"لم أقصد ذلك، لكنها غريبة."
"ما غريب إلا الشيطان يا يوسف."
طمأنتني كلمتها وجلسنا نتسامر لبعض الوقت حتى قررت النوم.
كنت أذهب للجامعة صحبة نهى كما وعدتها، وكانت هيترا تختفي من ذهني طوال تلك المدة ولا تظهر إلا عندما أعود للشقة. كانت حياتي قد بدأت تتغير، وشرعت أقيم بعض الصداقات بالجامعة، أغلبها مع فتيات.
كنت أترك معظم المحاضرات، فدوشت الأستاذة الجامعيين تقرفني. كان لي مكان ثابت بالجامعة، درابزين كلية التجارة. هناك كنت أدخن لفافات التبغ وأتصفح الجريدة وألتقي أصدقائي. ثم سمعت كلمة "تيكن" من جواري. التفت ولم أجد أي شخص.
كانت لي زميلة اعتادت أن تمنحني المحاضرات باستمرار، وكنت أتوقع حضورها تلك اللحظة. لم تكن قد ظهرت بعد عندما لكزتني هيترا بجانبي الأيمن وقالت: "تحرك الآن!"
"إلى أين؟"
"اعتبره معروف، سأوضح لك لاحقًا."
مشيت عشرة خطوات ورأيت لورا تقترب نحوي، وكانت هناك سيارة مسرعة تشق الطريق من خلفها.
"أسرع واجذبها الآن!"
لم أفهم ما علي فعله. كانت السيارة تسير بطريق مستقيم ولم أشعر بأي خطورة، لكن هيترا أجبرتني على الركض نحوها.
كانت لورا مندهشة لرؤيتي بتلك الصورة، لكن السيارة انحرفت تجاهها وسمعت صرخات الطلبة.
"كنت بالمكان المناسب." جذبتها في آخر دقيقة وسقطنا على الأرض. عبرتنا السيارة واصطدمت بالجدار. لم يكن لدي تفسير، كنت مبهوتًا مثلها. وكانت إجابتي على كل أسئلتها أني فقط شعرت بالخطر عليها.
أصبح ذلك الموقف حديث الجامعة، خاصة بعد أن اكتشفت الشرطة أن قائد السيارة كان ميتًا قبل اصطدامه بالجدار.
"لقد أنقذتني." قالت لورا. "أنا مدينة لك بحياتي."
تسللت من بين صديقات لورا. حتى تلك اللحظة لم أكن أصدق ما حدث. كيف علمت هيترا بتلك الحادثة؟ الغريب أن هيترا رحلت من عقلي ولم تظهر طوال ذلك الوقت، كأن الأمر لا يعنيها.
كنت ممتنًا لها ومرتعبًا بنفس الوقت. وما زاد روعي تلقي مكالمات كثيرة تطالبني بتفسير حلم، أو أن أخبرها عن المستقبل. أكثر ما أثر بي فتاة كانت والدتها مريضة بالسرطان تتوسلني عن وقت موتها. لم يكن لدي أجوبة. أغلقت الهاتف واختفيت من الجامعة لأسبوع كامل.
هيترا بدورها تعمدت الاختفاء. لم تعد تظهر إلا إذا طلبتها. سألتها: "لماذا فعلت ذلك؟ وكيف عرفت ما سيحدث؟"
قالت كلمة واحدة: "تيكن." ولم تنطق بأي كلمة زيادة.
بحثت عن كلمة "تيكن" وكنت أضحك على نفسي وأنا أقرأ الأجوبة. كانت الإجابة الأكثر منطقية أنها كلمة فرعونية وتعني الشيطان الذي يعوق سفر الفراعنة للجهة الأخرى.
الشيطان الذي رقمه ٦٦٦ وليس ٥٥٥ كما هو شائع. شيطان واسمه تيكن؟
خلال ذلك الأسبوع كانت علاقتي مضطربة مع هيترا. لم نتحدث كثيرًا ولم أعلم سبب جفائها إذا كانت راغبة فعلاً بالبقاء معي. شعرت أنها تتعمد ذلك ولم يكن لدي سبب منطقي.
رواية انت لي الفصل السابع 7 - بقلم اسماعيل موسى
عدت للجامعة بعد أسبوع، وحدث ما لم أكن أتخيله. الهالة التي ظننتها اختفت ارتفعت فجأة. لم أكن أنا السبب، لا يمكن أن أعتقد ذلك.
كنت جالساً على الأريكة مع أصدقائي تحت ظل شجرة كبيرة، وكانت المرة الأولى التي أغير فيها مكان جلستي. شعرت بالضيق وخيل إلي أنني سمعت كلمة "تيكن!".
قلت لهم: "يجب أن نرحل فوراً من هنا."
سألتني لورا: "لماذا؟"
قلت لها: "لا أعلم، لكني أشعر بالضيق من هذا المكان."
لم تجادلني لورا أكثر من ذلك. بعد الحادثة الماضية، كانت تنظر لي كولي أو مختار. تبعنا معظم أصدقائي وتخلفت عنا فتاتان. وصلنا درابزين كلية التجارة، وقبل أن أشعل لفافة تبغ، سمعنا صوت صراخ وجلبة. لم أتحرك من مكاني بينما ركض الآخرون تجاه صوت الصراخ.
رأيت مجموعة من أفراد الأمن تركض تجاه الصوت، حينها قررت الرحيل. لم يكن أحد بجواري. تسللت وقصدت شقتي. قبل أن أبارح حرم الجامعة، انهالت علي المكالمات. لم أرد وأكملت طريقي بعد أن أغلقت الهاتف.
وصلت بعد العصر. لم تظهر هيترا، لكن روحها كانت موجودة. وجدت طعام الغداء معد والشقة نظيفة. شعرت بالفرحة لعودتها، حتى لو من بعيد. وقلت في نفسي: "ربما حان الوقت لأسمح لها بالظهور."
حضرت الشاي بنفسي، كوبي شاي حلواني، وطلبت من هيترا أن تظهر. لكن هيترا لم ترد علي. شعرت بالإحباط ونمت بمكاني على الأريكة.
استيقظت على صوت طرقات على الباب. كانت الشمس قد غربت والشقة غارقة بالظلام. وجدت نهى على باب الشقة تستفسر عن سبب رحيلي دون أن أقلها معي. قلت لها: "شعرت بالتعب."
قالت: "هل علمت ما حدث بالجامعة؟"
أجبت: "لا."
قالت: "سقطت شجرة على طالبتين، ماتت واحدة فوراً والأخرى بالمشفى."
"تقصد الشجرة بجوار كلية الآداب؟"
"نعم، كيف علمت؟"
"توقعت ذلك، كانت مشقوقة وعلى وشك السقوط."
"غريبة، أنا أمر من هناك كل يوم ولم أرَ أي شيء."
"أصدقائك كانوا يبحثون عنكِ."
فتحت هاتفي ووجدت عدة رسائل من لورا وغيرها، ورسالة أخرى مشفرة من رقم غريب لم أفلح بقراءتها.
هاتفت لورا، وقصت لي ما حدث. قالت: "توفيت رباب، وسمر بالمشفى وطلبت أن تراك، حتى أنها طلبت من أخيها أن يهاتفك."
"توفيت رباب؟"
"نعم، لأنها لم تسمع كلامك."
أزعجني ردها. لم أرغب أبداً أن تتحول حياتي هكذا.
عندما زرت سمر بالمشفى، راحت تشكرني. قالت: "أنت سبب إنقاذ حياتي! بعد أن تركتنا قلت في نفسي إذا كان يوسف قد شعر بالضيق، فلابد أن يكون هناك سبب، لذلك حملت حقيبتي. كنت على وشك الرحيل عندما سقطت الشجرة، لم يصبني إلا أطرافها. شكراً لك."
قلت لها: "أرجوكي لا تخبري أي شخص عن ما حدث، إنها مجرد صدفة."
"رباب ماتت يا يوسف."
"ربنا يرحمها."
"انظر، هاتفها معي. لم أتجاسر على منحه لوالديها، قتلهما الحزن بعد سماع نبأ موتها."
حملت الهاتف بين يدي وسمعت هيترا تقول: "اتصل على رقمك!".
فتحت الهاتف المغلق، كتبت رقمي بهاتفها واتصلت به. ظهر رقمها عندي ولم أعلم ما يعنيه ذلك. حاولت أن أتواصل مع هيترا لكنها رحلت مرة أخرى.
مسحت رقمي من عند رباب، تركت الهاتف ورحلت. بطريق خروجي كان زملائي ينظرون إلي كقديس أو راهب أو وريث الخضر.
أقلتني لورا لشقتي. طوال الطريق وأنا أفكر لماذا طلبت مني هيترا ذلك. حملقت بهاتفي، رقم رباب، وفجأة أدركت المصادفة. الرسالة المجهولة التي وصلتني كانت من هاتف رباب، بعد وفاتها بأكثر من ساعة.
عاودت الاتصال بهاتف سمر، سألتها إن كانت أرسلت لي رسالة من هاتف رباب.
"الهاتف كان مغلقاً منذ لحظة وفاتها، أنت أول شخص لمسه يا يوسف."
فتحت الرسالة مرة أخرى، استدعيت هيترا التي اعتادت الغياب. قلت لها: "أرغب بفك شفرات الرسالة المبهمة."
"لست خادمتك، لا يمكنك أن تطلب مني ذلك يا يوسف."
"من فضلك، ماتت رباب وهذا أمر هام."
"عاهدني أن قرأت لك الرسالة أن تسمح لي بالظهور."
"أعاهدك يا هيترا."
بعد دقيقة من الصمت، كنا قد وصلنا خلالها لشقتي، تحدثت هيترا وكانت لورا لا تزال معي على السلم.
"من الأفضل أن لا تعلم فحوى الرسالة يا يوسف."
"لماذا؟"
"لا يمكنني أن أشرح لك الآن."
فكرت للحظة. "أخبرني على الأقل من قام بإرسال الرسالة."
"الرسالة من هاتف رباب بعد موتها ولم يرسلها لك شخص غيرها."
"ماذا تقصدين بشخص غيرها!"
"يوسف، ألن تسمح لي بدخول شقتك؟"
"تعلمي يا لورا أنني أعيش بمفردي، أنا آسف."
"لكن نهى تعيش هنا، ربما يمكنها أن تدخل معي!"
كانت نهى سمعت صوتي وفتحت باب شقتها. حملقت لورا بنهى وهي تقول: "نظرة واحدة، لن أمكث كثيراً."
طلبت من نهى أن تحضر والدتها وصعدنا جميعاً نحو شقتي. قبل أن أفتح الباب، شممت عبق رحيق الزهور الفواح القوي.
فتحت الباب بهدوء ولم يجرؤ أحدنا أن يدلف للداخل. وقف كل منا بمكانه يحملق بنظره داخل الشقة.
كانت المائدة معدة، مائدة طويلة مملوءة بأصناف مختلفة من الأطعمة. كان شكل الأطباق مختلفاً، يحمل طابعاً أرستقراطياً قديماً. دجاج، لحم، محاشي، مشويات، ورك خروف، سلطات متنوعة. وكانت الأزهار بكل مكان بالشقة. الجدران تزينت بلوحات جدارية مشهورة أعرف معظمها.
لكن المفاجأة الأكبر كانت عندما دلفت نحونا فتاة بارعة الجمال، ذات عيون زرقاء، شعر أصفر، وبشرة ببياض الثلج، ترتدي تنورة أنيقة قصيرة وضيق، وقميص أبيض ومأزر برتقالي اللون.
انحنت أمامي وقالت: "أنا آسفة يا سيدي، لم أسمع طرقك على الباب."
حتى لورا بكل جمالها بدت أمامها عاجزة وفقيرة، تحدق بها كأنها حورية. بدر هبط من السماء.
"لم تخبرنا أن لديك خادمة!" سألتني أم نهى وكانت عيناها على الطعام.
قلت لها: "نسيت، أنا آسف."
كان شغف أم نهى بالطعام أكثر من المفاجأة وحاولت استغلال ذلك. تمالكت نفسي وقلت: "هل الطعام جاهز؟"
"أجل يا سيدي، كما طلبت تماماً."
قلت لهم: "حاولت أن أعد مفاجأة من أجلكم." وجلست على الطاولة بجوار أم نهى.
رواية انت لي الفصل الثامن 8 - بقلم اسماعيل موسى
كان هناك دورق إيطالي مخروطي الشكل وثريّة يونانية ذات ألوان متسلسلة لقوس قزح. معظم أواني الطاولة كانت مجلوبة من الخارج.
لم تفلح ملحوظة نهى بأنها بالمرة السابقة لم ترَ أي شيء من ذلك أن تلفت انتباهي. بينما همست لها لورا:
"ألم تدركي بعد مقدار تميزه؟ أنا أشك أنه بشرى أصلًا."
وانخرطتا بضحك مشوب بالحذر.
كانت أم نهى تُثني على مذاق الطعام وتُعدد لي مخاوفها من تواجد خادمة بمثل كل هذا الجمال بشقة شخص عازب. كل ذلك وهيترا ترمقني بنظرة غريبة. كانت تلك هي اللحظة التي أدركت خلالها استحالة بقائي يومًا آخر بتلك المنطقة. كنت أعلم كلام الناس، الإشاعة التي ستسري بعد رحيل أم نهى.
قلت:
"هيترا، تعالي كلي معنا!"
جلست هيترا بجوار أم نهى. لم تتناول أي لقمة. الجان لا يأكلون طعام البشر، لكن لم يلاحظ أحد آخر سواي ذلك. كان لها جمال خارق وتصعبت عليّ خسارتها الوشيكة.
كان لهيترا بريق خاص ومرّت بي تلك اللحظة النادرة التي يخترق فيها قلبك حب شخص ما. تلك اللحظة الأعجوبة التي ترحل خلالها كل شكوكك ومخاوفك، تلقي بحذرك بعيدًا عنك، وتفتح ذراعيك للحياة متقبلًا بتلك اللحظة، وبكل الأحوال، ما يحمله لك المستقبل المبهم من مفاجآت.
"حتى لو مات الملك، سيظل قلبي نابضًا بحبك!!"
كان ذهني يعمل بطريقة جد سريعة بعد أن أيقنت استحالة بقائي بتلك الشقة. كنت أعلم أن الإشاعة بأن هناك فتاة جميلة تقطن معي بالشقة، حتى لو كانت خادمة، ستصبح على كل لسان. وقررت أن أرحل نحو منزلي الريفي البعيد المنزوي، الحديقة التي قمت بزراعتها، السكينة وراحة البال.
لكن بأي صفة ستكون هيترا موجودة بحياتي؟ إن الزواج من جنية لم يكن من ضمن خططي وليس شيئًا يفكر به المرء كل دقيقة.
قمت بإعداد أكواب الشاي بنفسي وانتظرت بفارغ الصبر رحيلهم. وأدركت هيترا ذلك. خلال لحظة، كانت كل هواتفهم تدق بمهاتفات طارئة واضطروا جميعًا للرحيل. أدركت حينها أنه لشيء جميل أن توجد بحياتك جنية حقيقية.
بعد انصرافهم، طلبت من هيترا أن تعيد المسروقات لأماكنها. دافعت هيترا عن رأيها، كان مبررها أنها لم تسرقهم، استعارتهم لوقت قليل لا أكثر.
"لأنك لن تخرج من أي نزاع مع أنثى منتصرًا."
كان عليّ أن أتقبل مبرراتها وأشكرها عن كل ما فعلته تلك الليلة. اختفى كل شيء وعاد الأثاث لطبيعته.
"لماذا ظهرتي يا هيترا؟" سألتها وهي تلف وتدور بالشقة.
"على أن أذكرك أنك سمحت لي بذلك."
تذكرت الرسالة، لكنك لم تفسري لي ما تعني يا هيترا؟
"قلت لك يا يوسف وأكررها، هناك أشياء بذلك العالم الأحمق من الأفضل أن لا تعرفها. لماذا تفتح بابًا جديدًا قبل أن تغلق أبوابك القديمة؟ لم يحن الوقت بعد يا يوسف. إذا كنت تثق بي، بالوقت المناسب سأخبرك لماذا تلقيت رسالة من شخص ميت."
"اجلسي بجواري من فضلك يا هيترا!؟ أنتِ جميلة جدًا، هل تظهرين دائمًا بتلك الصورة؟"
"تقصد الخادمة؟"
"لم يكن ذلك ما أعنيه بدقة، لكن!!"
"أجل، لأن الرجال يحبون أن تطيعهم زوجاتهم كخادمات دومًا."
"ثم هناك سبب آخر قرأت عنه بالإنترنت أخجل أن أعترف به."
"تتصفحين الإنترنت أيضًا؟ على حد علمي الجان يعرفون كل شيء!؟"
"لا وجود لكائن يعرف كل شيء يا سي يوسف. حتى الجان، هناك أمور محجوبة عنهم."
رواية انت لي الفصل التاسع 9 - بقلم اسماعيل موسى
مرة أخرى، عادت نهى لتطرق على باب شقتي.
طلبت من هيترا أن تختفي.
"لماذا؟" سألتني. "تخاف على مشاعرها؟" ألقت كلماتها بنبرة ساخرة.
لكني كررت طلبي: "اختفي، أرجوك!"
فتحت باب الشقة.
"لقد نسيت هاتفي هنا، سألقي نظرة بعد إذنك" قالت وهي تدلف للداخل.
"أين هيترا؟"
"هيترا رحلت، أنهت أعمالها وعادت لمنزلها."
"بتلك السرعة؟ بالنسبة لي، أطباق الوليمة كانت تحتاج لنصف يوم لتنظيفها. أنت محظوظ."
"ممكن سؤال يا يوسف؟"
"هيترا مسيحية؟ أم مسلمة؟"
"هيترا جنية" أجبت.
"يوسف، أنا لا أمزح، أخبرني."
"أعتقد مسلمة!!"
"قبل أن أنسى، والدتي بعد أن علمت بما فعلته بالجامعة تترجاك أن تلقي نظرة على صديقتها، تلبسها عفريت، أو عندها عمل سوف يهدم منزلها."
"لست جدال يا نهى، ولا عراف، أنا لا أعلم شيئًا بخصوص تلك الأشياء."
"سأخبرها بردك مع أنه سيكسر خاطرها. أليست مثل والدتك؟"
"أعتبرها والدتي طبعًا."
"طيب لا تغضبها بقى!"
"حاضر."
"سحر وشعوذة يا يوسف؟"
"نياها، نياها، نياها!"
"سوف تصبح مشهورًا عندما تخرج الجان من عليها (بقى). نياها نياها."
"هيترا، لو سمحتي، آخر ما أرغب به سخريتك. كيف علمتي أن عليها جان؟"
"تعلمتها في المدرسة الابتدائية بقريتنا يا سي يوسف!!"
تمعنت عن قرب بملامح هيترا النسوية. عينيها التي جنحت للخضرة.
"نياها، نياها، نياها."
"لماذا تضحكين حضرتك؟ قلت نكتة أنا؟"
"لا أحتاج أن أبرر أفعالي لأي شخص يا هيتراااااااااا."
"لا تضغط على الـ 'ر'، أنت تعصبني!؟"
"حاضر يا ست هيتراااااااا. نياها نياها نياها."
"أنت سمج!" صرخت هيترا وهي تذم شفتيها وتولييني ظهرها.
"علي أن أذهب عند أم نهى، قد تغضب مني ولا أرغب بذلك!!"
"فعلاً عليك ذلك، حتى لا تغضب أم نهى ونهى ولورا والعمارة والماره والأشجار والطيور."
"هل يزعجك أن أكون شخصًا اجتماعيًا!؟"
"ما يغضبني حقًا، محاولتك مضايقتي بأفعالك الصبيانية. لا تنسي أبدًا أنني أقرأ ذهنك وأفكارك."
"سلام يا نجم!!"
"نجم؟ تعالي هنا."
اختفت هيترا ولم تترك خلفها إلا عبير عطرها وطلتها الإغريقية.
كنت أعلم أن هيترا موجودة حولي، لست غبي. كنت أدرس الفترة الماضية، بطريقة ما استطعت أن أعرف كيف أميزها وأخفيت ذلك في عمق عقلي ولم أخبرها به.
الشقة على بعد عشرة درجات سلم، مع ذلك بدلت ملابسي وحملقت في المرآة. لأول مرة أدرك أن الحب يجعل الإنسان يبدو أجمل!!
"صديقتي يا يوسف، منزلها سوف يتهدم. انقذيها يا أخي مثلما فعلت مع سمر!!"
"لكني لست ساحرًا ولا عرافًا، كيف أفعل ذلك؟"
"افعلها من أجلي، وحتى لو لم تشفَ، تكون فعلت الواجب."
"لكن الوقت متأخر؟"
"وكيف ينام يا ولدي من تلبسه عفريت؟ كيف يقر لها عين من ابتلاها الله برجل ينغص عليها حياتها ولا يتورع من النظر على جسد امرأة تمر من أمامه. إن ما يسببه رجل أكثر بمراحل من ما قد يفعله عفريت!!"
"أجلّيها حتى الصباح!!"
"لماذا ليس الآن يا نجم؟"
"إن الحديث مع العفاريت السفلية لا يحلو إلا بعد منتصف الليل" قالت هيترا في ذهني!!
"لا تتحديني يا صغيرة الجان!!"
"صغيرة الجان؟ عندما يقلب عقلك ويركض خلفك بالشقة لا تنوح مثل طفل صارخًا باسمي!!"
"حتى لو مت، لن أطلب نجدتك."
"ممسوس، أقسم بالله ممسوس!" ضحكت أم نهى.
"لنذهب الآن، هي بنا."
رواية انت لي الفصل العاشر 10 - بقلم اسماعيل موسى
كانت الشقه منعزله تقع بحي عتيق بالطابق الثاني.
سيدة أربعينية جميلة لكنها لا تشعر بأي شيء من حولها. عيون مفتوحة ساهمة.
عندما دلفت للداخل صرخت: "اخرج من شقتي يا ملعون!"
لم يكن ذلك الاستقبال الذي انتظرته. وعندما جلست ورأيت الرعب بعيونها شعرت أن لدي قيمة لا أعرفها.
لم أكن أعلم ما علي فعله، لذلك جلست وطلبت كوب شاي. أشعلت لفافة تبغ واكتفيت بالصمت والمراقبة. حاولت أن أستحضر ما شاهدته وما سمعته من خلال الإنترنت.
فجأة وقفت تلك السيدة ومشت تجاهي وجلست فوق ساقي وقالت: "كيف أخدمك يا يوسف؟"
كان الصوت صوت هيترا، لكن لم أعتقد أن أخلاقها تصل لذلك الانحطاط. ثم إن هيترا أقسمت أن لا تحضر الليلة.
دفعتها برفق فغضبت: "أنا لا أعجبك صح؟"
قلت لها: "عليكِ أن تنصرفي من جسد تلك السيدة!"
"وبماذا ستصرفني؟ ما تحفظه من القرآن لا يكفي."
صلاتك، ثم أردفت بصوت محشرج: "أرحل قبل أن أغضب!"
بدأت قراءة القرآن كل ما أحفظه وكنت أصرخ كل مدة: "من أنت؟"
لكن لم أتلقى أي رد. كدت أن أشعر باليأس. قلت: "سأعتذر وأرحل، لقد فعلت الواجب."
لكن فتنة صرخت بنبرة متحدية: "أرحل قبل أن أفضحك! سأكشف سرك إذا لم تغادر الآن!"
فتنة مسكونة. ألقت أم نهى ملاحظتها.
شكرتها وطلبت منها الصمت: "علينا أن ندخلها غرفة مغلقة، لا أضمن ما سوف يحدث."
قلت وكلي رغبة أن لا يسمعوا ما سوف تقوله.
كانت لها ابنة يافعة ساعدتني بتكبيلها. أغلقت الغرفة علينا من الداخل وأمرتهم ألا يفتحوا الباب مهما سمعوا من كلام أو صراخ بالداخل.
جلست فتنة على طرف السرير بمياعة قبل أن تقول: "ألا تخشاني؟"
قلت: "لا."
"تعتقد أن هيترا ستحميك أليس كذلك؟"
قلت لها: "أرغب أن أعرف من يحدثني؟"
بدرت منها ضحكة: "وإن فعلت ذلك سأفعله من باب التسلي والسخرية. أنت توقن أن لا يمكنك تهديدي أو ردعي أو أمري؟"
قلت: "نعم!"
"ولد جيد"، قالت وهي تمرر أصابعها فوق شعري.
على مقربة مني جلست وقالت: "اسمي بريدا، عمري 350 عام."
"ما زلتِ صغيرة، لماذا تفعلين ذلك؟"
"صغيرة؟!"
"تحاول باستمرار أن تدفعني نحو الغضب بمقارنتي بخليلتك!!!"
"لست خائنة مثلها لأعشق بشري."
"هيترا تعشقني؟ أووووووو، ألا تعلم بعد؟ يالك من غبي أحمق."
"لقد عرفت اسمي، يمكنك أن ترحل الآن قبل أن أؤذيك."
"لا تستطيعي فعل أي شيء تجاهي، أنا لا أخشى الجان!!"
"من أين جاتك تلك الثقة؟"
"أن أشعر بأنفاسك اللاهثة من الرعب!!"
"لقد ابتل بنطالك." وحركت يدها تجاه ساقي!
"أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ابتعدي عني!!"
كنت قد تركت مكاني ودورت حول السرير.
تابعت ملاحقتي بسعادة: "أول مرة أقابل شيخ مثلك يهرب من طريدته."
"لست شيخ ولا يحزنون، مع ذلك أنا لست خائف منك!"
"لماذا تهرب إذاً؟ ألا تثق بإلهك!؟"
"أنا مؤمن والحمد لله ولن يصيبني إلا ما كتبه الله لي!"
"لماذا تهرب مني إذاً وتلهث كجرو أجرب؟؟؟؟؟"
"اثبت مكانك لن آكلك!"
شعرت بالغيرة على ديني وقلت: "سأقف بمكاني مهما حدث!!"
"لا تثق بجنية أبداً يا يوسف، لا تدعها تتلاعب بك."
سمعت صوت هيترا في ذهني ورحل عني الخوف.
وقفت ثابت بمكاني أردد القرآن. اقتربت حتى سمعت لهاثها لكنها لم تحرك يدها نحوي.
"خائفة؟" سألتها؟ "تفضلي، ضعي يدك اللعينة فوقي!!"
تغير صوتها وقامت بحركة ارتجاعية للخلف: "اخرج من هنا!" صرخت.
"ليس قبل أن ترحلي من جسدها، لا تجبريني على حرقك."
كانت للكلمة صدى. زحف صرصور على بطنها. امتعضت وانكمشت على نفسها: "اتركني بحالي!!"
"ليس قبل أن ترحلي؟!"
انطفأت الأضواء: "ترغب باللعب؟"
طار كل شيء بالغرفة وراحت أصوات مرعبة تخترق أذني. شعرت بالخوف، ارتعد جسدي لم أكن مهيأ لمثل ذلك الموقف، حيث الظلام وأصوات الجحيم من حولي. للحظة شككت أن حياتي على المحك.
قرأت من سورة طه، وسورة يس. بدأت الأصوات تخبو لكن الأثاث ظل يتطاير من حولي قبل أن يرتطم بالجدار خلف ظهري.
"بسم الله، بسم الله، بسم الله." لم أتوقف عن تكرار الكلمة وسط الغرفة المظلمة.
"لست شيخ ولا إمام، ليس لدي سواك يا ربي، أدعوك باسمك الأعظم أن تصرف تلك الملعونة التي شككت بذاتك على يدي أنا عبدك الضعيف يوسف."
سمعت صراخها ونحيبها. كما تستل شوكة من يدك رأيتها ترحل وهي تنتحب على مرأى الأضواء التي عادت للتو بصراخ مريع: "لن أتركك يا يوسف."
لم أتمالك نفسي وسقطت على الأرض مغمى علي.
أفقت بشقة أم نهى. كانت نهى ووالدتها بجواري وانهك العالم كله بجسدي.
"ماذا حدث؟" سألتهم؟
"سمعنا صراخ فتنة أن هناك رجل غريب معها بالغرفة ميت. عندما فتحنا الباب كنت أنت غارق بالعرق لكن فتنة كانت واعية ورحل الجان الذي كان يسكنها."
"تقصدين صديقتك برأت من سحرها؟"
"أصبحت مثل الوردة، أشكرك من قلبي يا يوسف."
"علي العودة لشقتي."
"لكنك لازلت مرهق"، قالت نهى.
"أشعر بتحسن، على الرحيل الآن."
وصلت شقتي وكنت أبحث عن هيترا. كنت أرغب بمعرفة ما حدث وهل تدخلت بنفسها في الجلسة؟
وجدت هيترا قلقة تنتظرني بحجرة النوم.
"ما رأيك؟" سألتها وأنا أتهاوى على سريري.
"لا بأس بك، لماذا فعلت ذلك؟"
"فعلته من أجل أم نهى"، أجبت!
"أنا أقصد لماذا احتجزت نفسك مع جنية حقيقية وأنت لا تملك الأسلحة المناسبة لمواجهتها؟"