تحميل رواية «إنت عمري» PDF
بقلم امل مصطفى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى الأحياء الشعبية المتوسطة، تقف فتاة جميلة، رقيقة القلب والروح، تطرق باب المنزل بمرح وهي تدندن بحب. فتح الباب وقابلتها فتون ببسمة واسعة ارتسمت على ملامحها التي غزاها معالم الشيخوخة، عندما علمت هوية الطارقة. لهف قلبها قبل أقدامها اتجاه الباب، ترد روحها بتصرفات تلك الشقية التي أطلت عليها بوجهها الصبوح الذي يزيل الهم وينعش القلب. "صباح الورد يا فتون." ضمتها الأخيرة بقلب أم وهي تقبل وجنتها. "صباح الفل والياسمين على عيون حبيبتي." بحثت عشق بعينيها في المكان وهي تسأل: "فين بابا ناجي؟" شاورت لها ف...
رواية إنت عمري الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم امل مصطفى
كانوا في الطريق العودة من المطار. تبكي غادة من الحزن على بعد ابنتها، الذي يحدث لأول مرة.
مسحت عشق دموعها وقبلتها بحب.
"ماما، هي دلوقتي فرحانة، ليه تبكي؟ إحنا ندعيلها ربنا يهنيها وبكرة ترجع لك بألف سلامة."
"أول مرة تبعد عني."
عشق وهي تضع رأسها على كتف غادة.
"حبيبتي، ربنا ما يحرمك منها أبداً. سعادتك من سعادتها، وهي فرحانة دلوقتي، وده شيء يفرحك."
ربتت غادة على يدها وهي تردف بحب.
"ربنا يخليكِ ليا يا حبيبتي."
"ابتسمي بقى يا ماما بدل ما أعيط أنا كمان."
جلست عشق بين غادة وأدهم، ذلك الذي ينبض قلبه بين ضلوعه باسمها. هي تأثرت بحنانها على أمه وأخته. وضع يده على يدها وضم أصابعها بين أصابعه وضغط عليهم بحب.
ابتسمت دون أن تنظر له وأغمضت عينها على كتف غادة.
***
في غرفة مراد.
تشعر بكل شيء جميل، أخيراً الدنيا تضحك لها. أزالت تلك الغشاوة عن عينيها. نظرت له، وجدته يلتهمها بعيونه التي تعشق أدق تفاصيلها. خفضت وجهها.
جذبها مراد لأحضانه وهو يحمد ربه أنها الآن له بين أحضانه. كم تألم من حبها لذلك القذر، كم بكى وانهار عندما علم بما حدث لها وأنها لن تستطيع السير مرة أخرى. كم تمنى ضمها لأحضانه.
زاد ألمه وعذابه عندما علم اعتزالها للجميع. قفلت في وجهه آخر أبواب الرحمة. لم يجد من يشعر به ويرحم عذاب قلبه. كيف يطلب منهم رؤيتها وهي رفضت الجميع، وليس له حق في هذا الطلب.
أغمض عيونه من وجع قلبه من مجرد ذكري. حرك يده على ملامحها، لا يعرف متى استطاع إحتلال كيانه بتلك الطريقة.
***
عند فهد.
خرجت من الحمام تتحرك بخجل، ترتدي القميص هدية عشق لها، أبيض بروب فوق الركبة. نثرت من العطر وهي تتمنى أن تلفت نظره أو ترى بعيونه نظرة إعجاب لها.
يجلس على طرف الفراش ينظر للأرض، يحاول ترتيب أفكاره. يجب أن يدخل عليها اليوم، هذا عرفه. لكنه يريد أن يعطيها فرصة حتى تتعرف عليه.
رفع عينيه عندما اشتم شيئاً جذب كل حواسه. ويا ليته لم ينظر، فقد رآها في هيئة خطفت أنفاسه. ظل يتأملها كأنه قد تجمد أو تحول تمثالاً.
تورّد وجهها أكثر وهي تهمس: "أنا خلصت."
قام واقترب منها كالـمغيب، وداخله حرب طاحنة بين قلبه وعقله.
"مالك يا فهد؟ إيه حصل؟ سيطر على نفسك شوية، من متى الحاجات دي بتفرق معاك."
هتف قلبه: "لازم تفرق، دي حبيبتي مش أي واحدة. طبيعي ما أقدرش أقـاومها، دي بالنسبة ليا كل الحياة."
"حبيبتك وحياة؟ من امتى وأنت كده؟"
"من لحظة ما بقت من نصيبي وحلالي. أنا أصلاً ليها وبس."
جذبها بلطف يقربها منه. شعر برجفة جسدها من لمسته. انحنى عليها يقـبلها بإشتياق. اكتشفه من كلام عشق وأدهم. هما رأوا حبه لها. قبـله كانت تذوب بين يديه.
عشق له وهي مغمضة العيون. عندما فصل قبـلته، تمسكت به أكثر ووضعت رأسها على صدره بحب وخجل. ضمها له بسعادة وحملها بين يديه وذهب بها إلى غيمتهم الوردية.
***
عادت عشق وأدهم لمنزلهما.
قبل أن تبتعد، وجهت عشق حديثها لخالد في شنطة العربية.
"سبتيلك واحد لك وواحد لهاني."
خالد: "شكراً جداً يا هانم."
دخلوا إلى الفيلا.
غادة بتعب: "أنا هطلع أرتاح يا ولاد."
عشق وأدهم: "تصبحِ على خير."
جلس أدهم دون أن يتحدث معها.
عندما صعدت غادة، التفتت عشق لأدهم وهي تستغرب تصرفه. اقتربت منه بسؤال.
"مالك يا حبيبي؟ فيك إيه؟"
نظر لها بدون رد.
جلست على قدمه.
"روان وحشتك؟"
أردف: "آه."
حركت يدها على وجنته.
"بكرة ترجع بالسلامة."
رد بضيق: "إن شاء الله."
"مالك يا حبيبي؟ ليه بتقصر معايا في الكلام؟ كأنك مش عايز تتكلم معايا. أنا عملت حاجة ضايقتك؟"
خرجت كلماته تعبر عن مدى غيرته.
"طول الطريق نايمة في حضن أمي وسايبا حضني، وأنتي عارفة إني بغير عليكي حتى من أمي."
نظرت له بعدم تصديق. وحشها وحبيبها يقوم بمثل تلك الأعمال الصبيانية، يغضب منها لأنها غفت دون إرادة منها في حضن أمه.
كأنه فهم ما تحدثت به نفسها.
"آه يا عشق، أنا معاكي زي الطفل الصغير اللي بيغير على أمه من كل الناس، عايزها ليه وبس. كنت أتوقع أغير من كل الناس إلا أمي وأختي. بس معاكي كل مشاعري وتصرفاتي بتتحور بشكل غريب، كأن حد تاني بيتحكم فيها مش أنا. وحقيقي بقيت بحب الإحساس ده معاكي. أرجوكي بلاش تحطيني تاني في الوضع ده."
اعتدلت لتقوم، جذبها في حضنه بقوة.
"ماتبعديش."
وضعت يدها حول عنقه.
"ومين قالك إني أقدر أبعد؟ أنت حلم عمري."
تعبت كلماتها بقبلة رقيقة على وجنته.
وقف وهو يحملها.
"لأ، دي مش اللي بتصالحني."
ضحكت على جنونه وتغيّره المستمر أمامها، فهو مثل عيشة السماء تمطر والشمس ساطعة.
***
فتح خالد حقيبة السيارة، وجد بها سلتين كبار من الصعيد.
نظر له هاني: "دي فيها إيه دي؟"
خالد: "مش عارف. كل واحد ياخد بتاعته ويشوفها في البيت."
ركب خالد السيارة، أوصل هاني تحت منزله وتوجه إلى منزله. أوقف السيارة وحمل السلة. دخل إلى منزله. فتحت أمه الباب وهي تحتضنه لأنه غائب منذ أسبوع.
"حمد لله على سلامتك يا ضنايا."
خالد وهو يحتضنها: "الله يسلمك يا أمي. أخبارك وأخبار أخواتي؟"
"خير يا حبيبي، بخير. أنا كنت قلقانة من تأخيرك ده."
انحنى يحمل السلة من جوار الباب يدخلها للمنزل.
أمه بتعجب: "إيه ده كله؟ إيه ده كله؟"
"والله مش عارف يا أمي. عشق هانم قالت ده بتاعك."
قامت أمه بفك الرباط ورفعت القماش من فوق السلة.
"بسم الله ما شاء الله. إيه ده كله؟" وقامت برفع الأشياء.
"جبنة قريش، سمنة، وفطير. إيه ده؟ ده فيه بط وفراخ ولحمة."
خرجت ندى على الكلام. احتضنت أخيها بحب.
"حمد لله على سلامتك يا أبيه."
خالد وهو يحتضنها: "هو ما فيش عندك مدرسة النهارده؟"
ندى بخجل: "أصل ما دفعتش الدرس والمستر قال ما حدش يجيء من غير الفلوس، واتكسفت أشوفه في المدرسة. هو ينفع أعزم سيد على البط؟"
خالد وهو يقبل رأسها: "آه طبعاً."
التفت لأمه: "ما تنسيش يا أمي تعملي حساب أم أحمد في أي حاجة، وكمان أم زينهم ظروفهم أصعب مننا."
أمه بتأكيد: "أكيد يا حبيبي، ها بعتلهم."
جلس خالد وهو يناديها: "تعالي يا أمي، عايزك."
تركت ما بيدها وتوجه للجلوس أمامه تسأله بقلق: "خير يا حبيبي؟"
رفع يده بالمال.
"خدي هاتي لمحمد وكرم كل واحد جزمة جديدة. أعطي ندى فلوس الدروس، وهاتي لها طقم جديد."
الأم وهي تتناول المال: "بس كده، مش هنعرف ندفع القسط."
خالد برضا: "الحمد لله يا أمي. أنا كنت ناسي خالص إن الباشا بيعطينا كل سنة في نفس الميعاد مرتب شهرين في شهر واحد."
ندى وهي تحتضنه: "يعني هجيب طقم جديد أخرج بيه مع أصحابي في الدرس؟"
حرك يده على رأسها بحب: "آه يا حبيبتي، أنا عندي مين غيركم."
الأم بسعادة: "الله أكبر، الله أكبر. ربنا يزيدك يا حبيبي من خيره ويخليك لينا."
قبلها خالد من رأسها.
"أنا هدخل أنام لأن تعبان من المشوار."
وقفت الأم وهي تحمل المال بين يدها بفرحة.
"طيب يا حبيبي، مش تاكل لقمة قبل ما تنام؟"
رد برفض وهو يتجه لغرفته.
"لأ يا أمي، أنا بقالي كام يوم بأكل لحوم. أكلي انتِ، أخواتي، اطبخي اللي نفسهم فيه. تصبحي على خير."
اقتربت منها ندى بسعادة.
"ماما، خلي البط علشان سيد. أنتي عارفة إنه بيحب البط."
"حاضر يا عيون أمك. ربنا يبارك في عمرك ويحفظك يا ضنايا، وينتقم من أبوك اللي ضيع شبابك في شيل الهم والحمل التقيل ده."
***
في الصباح.
فتحت عيونها على صوت حركة في الغرفة. وجدته يقف أمام المرآة يعدل عمامته. شعرت بالخجل. جذبت عليها الغطاء.
"صباح الخير."
فهد بدون أن يلتفت لها: "صباحية مباركة يا عروسة."
ردت بخجل: "الله يبارك فيك. هو أنت خارج؟"
توجه لها في حاجة.
نظرت له بتوتر: "لأ أبداً، كنت بس بسأل بس أصل النهارده..."
ولم تكمل. تريد أن تخبره أنه لا يجب عليه تركها يوم صباحيتها والنزول. في عادتهم، لا يغادر العريس من غرفته قبل أسبوع. وخروجه سوف يجعل القيل والقال حولها، لكنها فضلت السكوت.
يعلم جيد ما تريد قوله، لكنه لن يظهر ذلك وهو يرى الحيرة بعينيها.
"الشال في الدرج علشان أهلك وأهلي."
هزت رأسها بخجل.
قبل أن يتحرك، هتفت بلهفة: "مش هتفطر؟"
"هفطر تحت، أمي جهزت الفطار."
تركها وخرج.
ما زالت على وضعها، تحدث نفسها بحيرة.
"أنا ليه حاسة إنه غير إمبارح؟ كأنه شخص تاني."
تذكرت ليلتهم، كم كان حنون ولين معها. لم يكن عنيف كما كانت تسمع عن باقي الرجال، بل كان متفهم خوفها. صبر عليها لأبعد الحدود حتى أصبحت زوجته.
ذهبت للحمام، أخذت دش دافئ يساعد على تسكين ألم جسدها. وارتدت عباءة تستعد للصلاة.
***
في الأسفلت.
تجتمع حريم الدار عندما وجدوه ينزل السلم. رنت الزغاريد والتهاني. توجهت له أمه وهي تحتضنه.
"ألف مبروك يا حبيبي، يارب يرزقك بالذرية الصالحة. نزلت ليه يا ضنايا؟ أنا كنت هبعتلك الفطار فوق."
فهد برفض: "لأ، أنا هفطر مع جدي وبعدين أخرج شوية."
نظرت الحريم لبعضهن، فهذا ضد عادتهم التي تربوا عليها.
هتف الجد من خلفه: "كيف تخرج يوم الصباحية كده؟ أنت عايز الناس تتكلم علينا."
خرج صوته قوي: "مين ده اللي يقدر يجيب سيرتنا؟"
الجد بحكمة: "يا ولدي، دي عاداتنا وأنت كبيرهم، يعني أولى تحترم عاداتنا علشان هم يحترموها. وبعدين إللي هيتكلم هيكون من وراك مش قدامك."
"يا جدي، أنت عارف إني مش هقدر أفضل أسبوع في الغرفة. وبعدين أنا حر في حياتي، الناس مالهاش دخل."
ثم تركهم وتوجه للخارج.
***
تنام في أحضانه براحة. يشعر بسعادة ومشاعر كثيرة لا يستطيع كل كلام الحب وصفها. تجف الأقلام وتنتهي الأوراق، ولا يستطيع أحد وصف ما يشعر به الآن. هو فقط يستطيع الإحساس به. يتمنى أن يصرخ من شدة سعادته بوجودها بين أحضانه.
انحنى يقبلها من وجنتها وقام وهو يتمنى ألا يبتعد عنها لحظة.
قام بتجهيز الفطار ووضع العصير والفاكهة. وأخذ وردة بيضاء من أمامه ووضعها على الصينية. حملها وتوجه بها إلى السرير ووضعها جواره. ينحني على شفاها يقـبلها بنعومة وحب.
فتحت عيونها وجدت نفسها في حضنه. يقـبلها بحرارة. ابتعد عنها بابتسامة عريضة عندما فتحت له جنة عيونها.
"صباح الخير على أجمل ملاك في الكون."
روان وهي تشعر بالخجل من نظرته وقربه الشديد لها: "صباح النور."
جذب الصينية ووضعها أمامها.
"يلا عشان تفطري ونأخذ اليوم من أوله."
هتفت بابتسامة: "أنت جايب الفطار في السرير عشاني؟"
يقبل يدها وهو يتحدث: "أنا أعمل أي حاجة عشان راحتك يا عمري."
تناولت قطعة توست ووضعت عليه مربى وأطعمته بيدها. في حب تناولها منها وقبل أطراف أصابعها.
***
"صباح الخير يا أمي."
تركت ما بيدها وهي ترد: "صباح النور يا حبيبي. أنا كلمت روان واطمنت عليها."
اتسعت عيناه وهو يسأل نفسه: "متى استيقظت ومتى اتصلت بهم؟"
ضحك وهو يردف: "ومراد سابها ترده؟ وهو يقدر يمنعها؟ ده أنا كنت أروح بنفسي أخنقه."
تحدث بهدوء: "يا أمي، هي الوقت بقت على ذمة راجل، وأنتي عارفة إنه بيعشقها وهيحطها جوه عيونه. سيبيهم، وهم كل ما يحتاجوا يتكلموا هايطمنونا. بلاش تزعجيه."
هتفت بحزن: "أنا إزعاج يا أدهم؟"
وقف بسرعة وقبل رأسها ويدها.
"أنا مش قصدي يا أمي، أنتِ نور حياتنا. بس حابب مراد يقفل على نفسه شوية لأنه تعب كتير."
وافقته بهدوء: "عارفة يا حبيبي، ربنا يهنيهم. عشق مانزلتش ليه؟"
"لسه بدري على محاضرتها، فقولت أسيبها شوية ترتاح."
***
"صباح الخير يا خالد."
خالد بابتسامة: "صباح الخير يا عشق هانم."
هتفت بملل: "برضه هانم؟ أنا وأنت لوحدنا وأنت أخويا."
ابتسم بامتنان: "ده شرف ليا. وحقيقي مش عارف أشكرك إزاي على الزيارة الجميلة بتاعت امبارح."
عشق بطيبة: "دي حاجة بسيطة، وبعدين ما ينفعش تغيب عنهم أسبوع وترجع بإيدك فاضية. ربنا يخليك ليهم."
"ويخليكي يا أطيب وأحن أخت في الدنيا."
***
عند ماسة.
بعد الانتهاء من حمامها وفرضها، سمعت طرق على الباب. قامت بفتحه، وجدت أمامها أمه وزوجات أعمامه وهم يزغرطوا.
"صباحية مباركة يا ست العرايس."
تورّد وجهها بخجل وهي تنحني تقبل يد أمه.
"الله يبارك فيكي يا ماما."
نعمة وهي تحتضنها: "مبروك يا حبيبتي."
"الله يبارك فيكي يا ماما نعمة."
جلسوا الجميع، وهي كانت تشعر بالحرج وتمنت تواجده. أتت لهم بالشال. زغرطة أمه بسعادة واحتضنتها مرة أخرى.
"أمل مصطفى."
نعمة بهدوء: "كلي لقمة لأن أهلك على وصول. صفية كلمتني وقالت إنهم في خلال ساعة يكونوا هنا."
تمتمت برفض: "أنا هستنى سي فهد لحد ما يجي عشان آكل معاه."
نظروا لبعضهم وشعرت نعمة بالحزن من أجلها. يبدو عليها الحب واللهفة لزوجها، وفهد سوف يكون نسخة أخرى من عمه ولن تجد منه غير الجفاء. هي ترى نفسها في ماسة، لقد تركها في صباحية زواجهم ونزلوا، وهذا عيب في عادتهم. وأيضاً تناول طعام الغداء معهم في الأسفل وطلب من أمه أن ترسل لها الطعام.
عواطف: "طب صبري نفسك بأي حاجة على ما يرجع، لأن أهلك لو شافوكي ضيفانة أكده يقولوا جوعنا بنتهم."
ماسة: "حاضر يا ماما."
بعد ساعة.
سمعت طرق على الباب. اصطحبه صوت أمها. فتحت بسعادة وهي تحتضنها.
"ألف مبروك يا حبيبتي."
"بسم الله، الله أكبر. رقيتك من كل عين شافتك وما صلت على النبي."
جلسوا على الفراش. الأم باطمئنان: "خير يا ضنايا؟ عمل معاكي إيه؟"
ماسة بخجل: "الحمد لله يا ماما."
لم تكتفِ الأم بهذا الرد لتسأل: "يعني الحمد لله يا بنت أبوكي؟"
قامت وناولتها الشال. رنت الزغاريد مرة أخرى. ابتسم والدها الذي كان يجلس وسط الرجال بفخر وقام يحتضن فهد مرة أخرى.
"أنت الوقت بقيت ابني وغلاوتك من غلاوة ماسة."
***
مرة أخرى بغرفة ماسة.
"عاملك كويس ولا قاسي؟"
"كان قاسي يا حبيبتي."
تمتمت بخجل: "كان حنين جداً يا ماما، وكان صبور عكس ما الناس بتقول عليه. كلامهم كان مخوفني إنه ممكن ياخدني بالغصب أو يكون عنيف معايا، بس الحمد لله."
الأم بسعادة: "الحمد لله طمنتيني أنا وأبوكي، ما نمناش من القلق."
نظرت أمامها وهي تردف بحب: "قولي لبابا يطمن. كلامه على فهد كان صحيح. راجل بمعنى الكلمة وحنين مع أهل بيته جدا."
قامت وقبلتها ووعدتها بتكرار الزيارة.
***
في السيارة.
نظر لزوجته بجانب وجهه.
"شكلك مبسوطة، يبقى الحمد لله. مش كده؟"
تحدثت صفية بسعادة: "الحمد لله يا أبو ماسة. كان كويس معاها، وقلقنا طول الليل كان على الفاضي."
تمتم إبراهيم بالحمد.
"الحمد لله، كنت واثق إنه هيطلع إنسان كويس ويراعي ربنا فيها."
***
في مكان بعيد عن البشر، في إحدى صحارى مصر.
توقفت سيارتان. نزل أدهم من إحداهما، وخلفه هاني وعمرو. وقف هاني يحرك قدمه على الرمال بشكل مدروس. ليفتح باب على بعد عدت أمتار. تحرك أدهم بخطوات قوية. نظر من ذلك الباب الذي أسفله سلم مصنوع عدت درجات من الخشب، ثم الباقي حجر مرصوص بشكل متقن.
المكان بالأسفل خانق وبه بعض الإضاءة الخفيف. وبعد نزولهم، أغلق الباب مرة أخرى.
بعد عدت أمتار، وقف أدهم يبتسم مثل شيطان وهو يرفع يده باتساع.
"أهلاً بكم في مقبرتي. أتمنى تكون تمت ضيافتكم على أكمل وجه. ولو في حاجة ضايقتكم أو رجـالتي قصرت، قولوا. أنا تحت أمركم."
ثم ضحك بتوحش.
"مش دي المقبرة اللي كانت سبب اتحادكم على دفن مراتي حية عشان تكسروني؟"
يصرخ أشرف بخوف: "والله هو اللي صمم يدفنها، وأنا قولتله لأ، أنا هاخدها عندي تقعد معززة مكرمة وأهددك بس من غير ما حد يمسها. هو اللي رفض."
تحدث حمدان بتعب: "من أول لحظة وقفت فيها قدام بابي وأنا عرفت إنك مش سهل."
ضحك أدهم بقوة وهو يقترب منه، يقف أمامه نمر شرس.
"وأنا وقتها شوفت في عيونك شر موصلش ليه إبليس. بس من سوء حظك إنك وقعت في طريقي. في مثل بيقول: اتقِ شر الحليم إذا غضب. وأنت شـاغـبتني. لا، أنت خبطت بكل قوتك على باب المارد اللي جوايا. صحيته من غفوته الطويلة عشان تقابل أسوأ مصير في حياتك. بس بجد أنت تستحقه."
حرك نظره بينهم بهيئتهم المزرية من الضرب والجوع والمكان غير مهيأ.
"لازم تدفعوا تمن كل لحظة حسيت فيها بالخوف، الوجع، الجوع، وهي متستحقش كده. بس إزاي شياطين زيكم هتحس بملاك زيها؟"
هتف حمدان بغضب: "بنت محمود مش ممكن تكون ملاك، دي شيطان زي أبوها وتستحق. بس كان نفسي تموت عشان ناري تبرد."
في لحظة، كانت قبضة أدهم تقع في معدة حمدان جعلته يصرخ بألم. اتبعته لكمة أخرى بوجهه جعلته ينزف بشدة.
"اللي زيها عايش بحفظ الله وحماه. الموت ليك أنت وأمثالك. عمري إيدي ما اتمدت على راجل كبير مهما حصل، بس أنت شيطان في هيئة إنسان وده حلال فيك."
حاول استرداد هدوئه وهو يستعيد ابتسامته ويشرح لهم مصيرهم.
"أنا فضلت أفكر أعذبكم إزاي؟ جت أفكار كتير، كلها أقل من اللي تستحقوه. عشان كده جمعتلكم كام حاجة هتحصل بترتيب معين."
شاور على قفص خلفهم.
"ده قفص فيه أكتر من نوع من الثعابين السامة، عليه قفل هيفتح بعد وقت بسيط. لو عدوا من غير ما يصبوكم في باب تاني هيخرج منه عقارب."
شاور على قفص أكبر.
"وده فيه فئران متوحشة جعانة بقالها أسبوع. بس متقلقوش، هم هيفضلوا معاكم لحد ما الجوع يقرصهم ومافيش مخرج ليهم غير الباب اللي أنا هخفيه خالص. تموتوا هنا زي الكلاب من غير محد يشوفكم ولا يترحم عليكم."
تمتم أحد الحرس بكلمات غير مفهومة. شاور أدهم لهاني الذي استجاب له وفك لاصق فمه.
صرخ الحارس برجاء: "أرجوك ارحمنا، أنا عبد المأمور، مقدرش أقول لأ، وأنا معملتش فيها حاجة."
توجه له أدهم: "بكرة إيدك القذرة دي لمستها وانت بتسحبها من الطريق." ثم صرخ بغضب: "أنا جبتكم انتو الاتنين بس، رغم إني عارف باقي الحرس، لكن العقاب ليكم انتوا لأنكم لمستوها، إيديكم القذرة دي لمست جسمها."
بكى الحارس وهو يهتف: "آسف يا باشا، طب اقطع إيدي وبلاش تقتلني، أنا ورايا عيال، والله اختفي خالص وماحدش يعرف طريقي ولا هقول أي حاجة، بس سيبني."
كان يبكي هو والآخر.
ابتعد عنه أدهم وهو في طريقه للخارج، تتبعه صرخات الخوف والرعب من الجميع، إلا حمدان الذي اتبعه بعيون يملؤها الحقد والغل.
خرج أدهم، وقف يستنشق الهواء النقي. فما حدث الآن ضد أخلاقه، لكنهم من بدأ، والعين بالعين والسن بالسن، والبادي أظلم. هم وضعوها حية في هذا القبر دون أي شفقة، وهو يرد لهم ما فعلوه فقط. هي وضعت دون ذنب. أما هم، يستحقون ما هو أسوأ من ذلك.
بينما أغلق الباب مرة أخرى، ووقفت مقطورتان تحمل رمال تسكب محتواها على المكان، تخفي معالمه مثل باقي الكثبان الرملية في المكان.
***
تجهزت ماسة وجلست تنتظر عودته، لكن انتظارها طال حتى منتصف الليل.
وضعت يدها على قلبها بحزن وعلمت من تصرفاته منذ الصباحية أنه يتهرب منها، وأن ما حدث الليلة الماضية مجرد حفظ ماء وجههم أمام أهاليهم فقط منعا لكثرة الكلام.
كادت تغضب عندما سمعت فتح الباب. دخلت تحت الغطاء ومثلت النوم، تري ماذا يفعل عندما يجدها نائمة.
رواية إنت عمري الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم امل مصطفى
دخل الغرفة خلع ملابسه وتمدد على الكنبة ولم يقترب من الفراش.
بعد وقت بسيط، رفعت ماسة نفسها ترى ماذا يفعل.
عندما رأته يتمدد على الكنبة، أعطته ظهرها وهي تبكي بصمت.
فما فعله يدل على أنه لا يطيقها، وهذا ألمها بشدة.
بينما هو يحارب كل ليلة نفسه حتى لا يقترب منها وترى ضعفه مثل المرة الماضية.
ظلوا على هذا الوضع أسبوع، تنزل في الصباح تجلس معهم وتصعد قبل رجوعه بأوامر من عواطف حتى تتجهز له وتحضر له ملابسه وحمامه.
فلا أحد يعلم أنهم يعيشون في غرفة واحدة مثل الأغراب.
تقربت من الفتيات ووجودهم معها خفف عنها كثيراً.
وفي يوم آخر، نفس روتين باقي الأيام.
صعدت بملل.
جلست على طرف الفراش تتذكر صعوده بعد أن تنام ونومه على الكنبة دون أي كلام.
تستيقظ في الصباح لا تجده، وعندما تصعد كما تفهمها عواطف يخرج من الغرفة بسرعة هروباً من مشاعره، بينما هي فهمتها نفور منها.
نزلت الدموع من عيونها ولم تشعر به عندما فتح الباب.
عندما دخل وجدها تجلس بتلك الهيئة الحزينة، تضايق من نفسه ولامها.
إقترب منها ومد يده يمسح دموعها.
فاقت على يده، مسحت دموعها بسرعة واعتدلت في جلستها.
فهد: مالك يا ماسة؟ حد ضايقك؟
تحدثت بتوتر وهي تنزل من الفراش: أبداً، أنا كويسة والكل هنا بيتعامل معايا بحب واحترام.
وقفت تجذب حجابها حتى تترك له الغرفة قبل أن يفعل هو.
أوقفها صوته: رايحة فين؟
لم ترفع عينها وهي ترد: خرجت من الغرفة علشان تكون براحتك.
جذبها من يدها يمنع حركتها، خرج صوته محمل بمشاعره التي يحاول دفنها: وأيه يمنع راحتي في وجودك؟
تحدثت بحزن وهي تحبس دموعها: لما بدخل وأنت هنا علشان أشوف طلباتك بتخرج على طول، عرفت إنك بتنزل لأن وجودي مضايقك.
جذبها بسرعة لصدره وهو يهتف: عمر وجودك ما ضايقني، سامحيني.
أجهشت في بكاء مرير وهي تخرج ما تحمله في قلبها منذ خطوبتهم.
أنا عارفة إنك مش بتحبني وإنك مجوزني جوزني غصب علشان تعالج المشاكل اللي بين العيلتين، بس أنا بحبك وعمري ما حبيت حد غيرك، وكل اللي محتاجة منك فرصة بس.
تركها تخرج ما بداخلها، ثم تحرك بها وأجلسها أمامه على الكنبة ورفع وجهها وهو يمسح دموعها بيده وهو يهتف بصوت أجش: أولاً، أنا مافيش حد يقدر يغصبني على حاجة مش عايزها.
ثانياً، أنا جوايا ليكي مشاعر جميلة بس مش قادر أفك حصارها وأعطيها الحرية لأنها غريبة عليا ومش قادر أثق فيها.
ثم سألها بلهفة: أنتي بتحبيني بجد؟
هزت رأسها موافقة وهي تردف: وكنت أموت لو اتجوزت واحدة غيري.
ضحك فهد بقوة: للدرجة دي؟ وده من أمتي؟
من سنين طويلة، من أول مرة قلبي عرف اللهفة والاشتياق وأول دقة قلب كانت ليك.
ولما شوفتك مع عشق قبل ما أعرف أنها بنت عمك ومتزوجة، كنت هتجنن، فضلت ٣ أيام لا بأكل ولا بنام لحد ما عرفت علاقتك بيها.
إبتسم لها بحب: وأنا كمان بحبك يا ماسة من زمان، بس ما كنتش أعرف لحد ما عشق وأدهم وجهوا مشاعري ليكي، أو ممكن تقولي أن الكل كان شايف حبي ليكي إلا أنا.
ولما كنتي تدخلي عليا بهرب مش علشان مش بحبك، لا علشان قلبي يتحول لطبول حرب بين ضلوعي عايز يهرب بين إيدك.
رفعت عيونها بعدم تصديق ومسحت دموعها وهي تسأله تتأكد مما سمعت: بتحبني بجد؟
ابتسم بحنان وهو يمرر يده على ملامحها: بجد يا ماسة قلبي.
***
وقف زين بضيق من تأجيل زواجه الذي لا يجد لذلك التأجيل سبب، وقرر التحدث مع جده وأخذ موقف.
توجه لمكان جلوسه ودخل في صلب الموضوع: أنا عايز أتجوز يا جدي، فهد اتجوز خلاص وأنا عايز أتجوز.
تعجب الجد من طريقته واصراره الغريب على الزواج وهو الذي لفترة قريبة لم يفتح الموضوع: مالك مستعجل على إيه؟ اصبر.
تحدث برجاء: معلش يا جدي، كلم فهد علشان خاطري، أنا زهقت من الكلام معاه.
أتى صوته القوي من خلفهم: الكلام مع مين؟
التفت له بقلق: مع عمي، أصل مش بيسمع الكلام.
ابتسم الجد عندما رأى خوفه من أخيه وهتف بتأكيد: حدد فرح أخوك يا فهد، خليني أشوف أولادكم قبل ما الحق ياخذ حقه.
ينحني كل واحد منهم بلهفة، يقبل يده وهم يتمتمون: ربنا يديم وجودك في حياتنا يا جدي.
***
في فيلا أدهم.
يقف مراد محتضن روان بوضع رومانسي، بينما تقف عشق على مقربة منهم ترسم لهم صورة.
وعندما دخل أدهم من الباب، تمتم مراد بتبرم: تعال يا ابني شوف مراتك دي، بقى لها ساعة موقفنا كده علشان مصممة ترسم لنا صورة.
إقترب منها أدهم وهو يحتضن خصرها ويقبلها: بتتعبي نفسك كده ليه؟
طالعت وجهه بحب: عايزة أرسم لهم صورة للذكرى بعد رجوعهم من شهر العسل.
مراد بملل: وليه كل ده؟ ما في تليفون، ضغطته و نبقى اتصورنا للذكرى برضه.
تحدثت بتوضيح: أنا قصدي تكون من صنع إيديا.
هتف مراد بضيق: بس أنا رجلي وجعتني من الوقفة.
يعني عايز تفهمني وروان في حضنك وتبص في عينها؟ فاكر رجلك أصلاً.
تحدث أدهم بضيق: أنت تعبها ليه معاك؟ ما توقف عدل بقي.
تحدث مراد بسخرية: لا والله، هي اللي تعبت وأنا والمسكينة دي بقالنا ساعة واقفين، ربنا على الظالم.
نظر له أدهم بتحدي: ها يا حبيبتي، متضايقة من حركته؟ تحب أسمره في الأرض علشان ما عدش يتحرك؟
عشق ببسمة: لا خلاص، أنا كده مش عايزاهم، خلصنا.
جذب يد روان وجلس على الكرسي أخيراً: أنا بعد كده مش هاخليك ترسميني.
روان بدفاع عن عشق: أنا اللي طلبت منها.
نظر لها بحب: وأنا تحت أمر حبيبي لو عايزة نكمل عادي.
جذب أدهم يد عشق وهو في طريقه للداخل وهتف بسخرية: لا والله يا خفيف، لو بوست الأيادي مش اخليها ترسمك تاني.
***
في غرفة فهد.
استسلم لمشاعره وقضى معها ليلة مميزة، وقرر أخذ نصيبه من الحياة ولو بالقوة، وسوف يعيش معها مشاعره تلك ولن يدفنها مرة أخرى مهما كانت النتيجة.
في الصباح وهو في عمله، أراد أن يبتعد بها فترة يقضي شهر العسل، هو لن يخرج من البلد قبل ذلك، ولن يتحدث مع أحد من ابناء عمومته أو أخيه فيما يريد حتى يحافظ على صورته التي رسمها في أعماقهم.
لن يساعده أحد غير أدهم، لذلك قام بالاتصال عليه يعرض عليه فكرته ويطلب منه ترشيح مكان مميز يقضي به أسبوع.
عندما أجاب عليه أدهم بعد التحية والسلام، عرض عليه فيلاته بالساحل وشرح له مميزاتها: أنه أكثر خصوصية، وبها حديقة كبيرة، وبسين خاص، وايضاً شاطيء خاص، وهو افضل بكثير من الفنادق، وسوف يشعر هناك براحة وخصوصية أكبر.
وافق فهد، وقام أدهم بتبليغ الحرس والخدم حتى يستقبلوه ثم يتركوا المكان.
في المساء صعد غرفته وجدها تنتظره بلهفة، لقد أنار وجهها وزاد إشراقاً منذ اعترافه لها بحبه واهتمامه، والقرب الذي حدث بينهم جعلها أجمل وأكثر إشراقاً.
استقبلها بين أحضانه وانحنى على أذنها وهو يهمس: وحشتيني جداً.
ضمته أكثر وهي تهتف: وأنت أكتر بكتير.
نظر داخل عيونها بحب وهو يهتف: عايزك بعد ما نتعشى تجهزي شنطة لينا علشان هنسافر يومين نتفسح.
لم تستوعب ما يقوله وهتفت بصدمة: بجد؟ يعني هنخرج بره الصعيد؟
لا يعرف لما شعر بفرحتها داخل قلبه، كيف يحدث هذا؟
انحنى يقبلها وهو يهتف بجد: بجد.
في الفجر ركب السيارة وتوجه إلى الساحل، كان طريق طويل ولكنها كانت تطير من شدة الفرح، وهو لاحظ ذلك ووضع يده على يدها، فانتفضت بخجل من فعلته.
ابتسم وهو ينظر لها وهي تتورد من الخجل: فهد، أنت مكسوفه مني؟
ماسة بتوتر: لا أبداً، بس اتفاجئت.
ابتسم وهو يسألها بحنان: مبسوطة؟
نسيت خجلها وهي تهتف بفرحة: جداً جداً يا فهد، أنا أول مرة أخرج من الصعيد ومش مع أي حد، ده مع حلم حياتي كلها.
توقف فجأة على الطريق عندما وجد سيدة تصرخ وهي تتمسك بطفل، بينما يحاول رجلان جذبه منها بالقوة ويتطاولوا عليها بالضرب حتى يستطيعوا تخليصه.
سألته ماسة بحيرة: وقفت ليه؟
فتح باب السيارة وهو ينزل ويأمرها بعدم فتح الباب.
مرت عينها على المكان الشبه مقطوع بخوف عليه أن يصيبه مكروه.
بينما هو تحرك بخطوات قوية حتى توقف جوارها يسحب الطفل المنفطر من البكاء يريد أمه.
تحدث فهد بصوت قوي عاصف: إيه اللي بيحصل بالضبط؟
نظر له الرجلان بتقييم وتحدث أحدهم بفظاظة: وانت مالك يا جدع؟ أنت شوف حالك ومالك صالح بينا.
غضب فهد من طريقته وتحدث بهدوء يسبق العاصفة، بينما تتابعه تلك التي تحتضن صغيرها بارتعاش: أنتم مين وإزاي تمد يدك أنت وهو على حرمة لا حول لها ولا قوة؟
تحدث الآخر: مرات أخونا هربانة بولدنا وعايزين نرجعها.
مرر نظره بينهم يرى الرعب بعيونها وهي تحتضن صغيرها، بينما نظراتهم تشملها بتوعد وتحذير.
سألها فهد: ليه أخده ولدك من أهله؟ دي مش أصول.
تحدثت بخوف: دول مش أهل، دول عصابة عايزني اتنازل عن مال اليتيم اللي ميعرفش حاجة تحت رحمة ربه، وإلا يأخذه مني ويطردوني من البلد، وأنا مش هفرط في ابني ولا في حقه.
حاول عم ولدها الهجوم عليها وهو يسبها: أحنا عصابة يا بنت الـ... الغلط على أخوي الله يرحمه لما جاب واحدة من الشارع.
وقف فهد بغضب بينهم وهو يشاور لها: روحي عند مرتي في العربية.
تحركت بسرعة، بينما هاجموا الاثنين على فهد الذي وقف لهم بشموخ وضرب الأقرب له.
شهقت ماسة بفزع عليه وعينها تراقب ما يحدث بخوف وحيرة، هل تنزل أم تظل مثل ما طلب منها؟
بينما تلك السيدة جلست تضم ابنها بقوة ودموعها تسيل في صمت وتدعو الله أن يتغلب عليهم حتى لا تعود معهم مرة أخرى.
استجاب الله لها وعاد لهم فهد دون خدش واحد، وعندما ركب سيارته سألته بلهفة: أنت كويس؟ فيك حاجة؟
نظر لها بطمئنان: متقلقيش، أنا كويس.
وبعد أن تحرك وقف أمامهم وهم يتألمون، يبصق عليهم ثم يسرع بالسيارة.
ساد الصمت ثم هتفت السيدة بعد أن تأكدت من ابتعادها عنهم: ربنا يبارك في عمرك ويحفظك لشبابك ويكفيك شر الظلم والظالمين، بحد ما نجدتني أنا واليتيم ده من يدهم.
سألها فهد: أنتي منين وولدك من عيلة مين؟
أنا من كفر الرجايبة وجوزي الله يرحمه من عيلة محفوظ أبو دهب، لو تعرفه.
فهد بتفكير: أيوه عارف، كفر الرجايبة بتاع رجب الصاوي؟
أيوة الله ينور عليك، هو جوزي مات بقاله سنتين، ولد محمد كان عنده كام شهر، ومن يومها وهم مخلين حياتي جحيم علشان الكام فدان اللي ورثهم، عايزين يبيعوني الأرض أو أسيب الولد وأمشي.
كلمت ناس كتير علشان يساعدوني بس محدش بيحب المشاكل.
فهد باطمئنان: متخافيش، محدش يقدر يجور على حق ولدك، أنا هنزلك الموقف و أركبك خط بلدنا هي جبل الكفر بكام قرية، تروحي هناك هكلم حد من أهلي يستقبلك وتفضلي هناك معزة لحد ما أجيب لك حقك، أنا عارف رجب الصاوي معرفة شخصية.
ربنا يجعل سكتك خير وبركة زي ما رحمتنا من البهدلة ويبارك لك في السنيورة اللي معاك.
وصلوا بعد كام ساعة ووجد الحرس والخدم في انتظارهم، وبعد دخول الفيلا وإنبهار ماسة بجمالها لأنها على الطراز الحديث، طلب أدهم وبلغه وصولهم لكنه لا يريد حرس أو خدم فترة تواجده، وأمرهم أدهم بترك المكان أسبوع حتى يأمرهم بالرجوع.
***
عند خالد.
رن فونه برقم أحد أصحابه: خالد، أخبارك يا وحيد؟ عاش من سمع صوتك، بقالك فترة مخفي، فينك؟
أتاه صوت صاحب الطفولة وابن حارته: أنا موجود، بس أنت اللي كبرت علينا.
خالد بضحكة: أبداً، حالي من حالك.
تعجب خالد من لهجة صديقه التي تحولت جدية وهو يردف: طيب، كنت عايز أقابلك بعد الشغل في مصلحة تكسب منها قرشين حلوين ينفعوك في جواز أختك.
أردف خالد باستغراب من طريقة كلامه: ماشي، نتقابل كمان ساعة.
بعد مرور ساعة، وصل خالد في المكان المتفق عليه، وجد وحيد يجلس على قهوة بلدي.
إقترب منه ليقف وحيد يستقبله بترحاب، زاد حيرة خالد الذي دخل في صلب الموضوع: خير يا وحيد، شغل إيه ده؟
خرجت حروف كلماته بحذر في انتظار رد فعل خالد: حفيد السلاموني بيعرض عليك تشتغل لحسابه.
قطب خالد ما بين جبينه وهو يردف: هو أنا اشتكيت لك من شغلي؟
هتف وحيد بتوضيح: أفهم، بس هو عايزك تفضل مع أدهم وتنقل له أخباره.
جذبت الكلمات انتباه خالد: قصدك جاسوس مزدوج؟
ضحك وحيد وهو يردف: عليك تشبيه يا جدع، أي حاجة زي كده.
يعني القبض يبقى من هنا وهناك وما فيش حد يعرف غيرنا إحنا الثلاثة.
تمتم خالد بتفكير: هو موضوع مغري، بس لو حد عرف هروح في داهية، والباشا بتاعك أول واحد يبيعني خوفاً من أدهم باشا.
حاول وحيد طمأنته حتى يوافق، فهو له نسبة من هذا الاتفاق: ما تقلقش، لما تشوف المبلغ اللي يوصلك كل أول شهر يجمد قلبك.
سأله خالد بفضول: يعني قد إيه؟ وليه أنا بالذات؟ ما في حوالي مائة حارس بالشركة.
وحيد: أولاً، المرتب ٣ أضعاف مرتبك من أدهم.
أما ليه أنت؟ مش أنت أول واحد، هو حاول مع ناس كتير غيرك بس رفضوا.
و هعرفك مين علشان تاخد حذرك منهم، وفي سبب تاني لاختيارك وهو الأهم.
تابعه خالد بفضول شديد وهو يكمل: لأنك حارس مراته، وهي نقطة ضعفه الوحيدة.
خالد ببهوت: عشق؟ قصدى عشق هانم؟ وهي إيه دخلها بالموضوع؟
أردف وحيد بلا مبالاة: ده كلام ملناش فيه، هم كبار مع بعضهم حروبهم على القوة والجاه مش بتنتهي، والغلابة اللي زينا مجرد بيادق في إيدهم لكسب الحرب.
علشان كده اسمعها نصيحة يا ابن الناس، إحنا بنتعب وبنجازف بحياتنا علشان لقمة العيش وبس.
هتف خالد باقتناع: عندك حق، بس خلي الباشا بتاعك يزود شوية، عايز أجهز أختي.
أنار وجه وحيد وهو يتخيل مكافأة: إقناعك تمام، هابلغه وهايوصلك خط جديد بتليفون صغير ما حدش ياخد باله منه توصلك كل التعليمات، سلام.
***
في فيلا أدهم بالساحل.
حملها فهد بين يديه ونزل بها البول، بينما هي تشعر بالذعر لأنها لم تنزل المياه من قبل.
هتف بمرح بقصد تخفيف توترها: ما ينفعش تخافي وأنتي معايا كده، أزعل.
تمتمت وهي تنظر له برعب: والله غصب عني يا حبيبي، مش قادرة، أنا عمري ما نزلت مياه.
أنا شايلك، خايفة ليه؟ حاولي تنسي خوفك وتتحركي عادي.
هتفت برجاء: طيب معلش، بلاش تزعل، بس والله مش هتكون من أول مرة.
التفتت بها للسلم ووضعها على حافة البول، ثم غطس في الماء.
ظل فترة ولم يصعد، شعرت بفزع، فكرة أن تخسره أوجعت قلبها، صرخت باسمه، ولكنها لم يصعد.
لم تتردد لحظة، قذفت نفسها في الماء مرة أخرى، تلك المرة بإرادتها، تدبش في الماء، تعافر الغرق من شدة خوفها عليه.
صعد فهد وهو يحملها عندما وجد قواها قد خارت، تعلقت به تتأكد أنه بخير.
سألها بقلق: أنا كويس، أنا كويس، كنت بهزر معاكي، كنت حابب أشوف بتحبيني لدرجة أنك تجازفي بنفسك ولا تفضلي في مكانك من الخوف، بس طلعت غالي قوي عندك.
ضربت بيدها في صدره وهي تبكي: أنا كنت هموت لو حصلك حاجة.
ضمه بقوة لحضنه يهتف بتحذير به بعض المتعة: أنت عارفه لو حد غيرك اللي مد أيده عليا كده كان حصله إيه؟
نظرت له بخوف وهي تتمتم: أسفة، مكنتش أقصد.
ابتسم باتساع وهو يضمها مرة أخرى ويهمس: بقول لو حد غيرك، مش انتي، أنا كلي ملكك يا ماسة.
هو لا يصدق ما تفوه به لسانه ولا ما يشعر به الآن، والمتعة التي يجربها بسبب هذا العشق الذي ظهر بكل قوته في تلك الأسابيع القليلة.
بعض مرور الوقت حملها وخرج من البسين.
***
في غرفة عشق.
جلست تتصفح ما هو جديد في الجروب الذي تتابعه، وجدت أبيات شعر أرسلها أحدهم لحبيبته.
دخل الغرفة وجدها مندمجة مع شاشة هاتفها ويزين وجهها ابتسامة عذبة.
أدهم بغيره: إيه اللي شدك لدرجة إنك مش تحسي بوجودي ومبتسمة كمان؟
عشق وهي ترفع عيونها عن الهاتف: أبداً، الجروب اللي أنا فيه، في شاب بيحب بنت وتعب يبعتلها كلام حب على هيئة أبيات شعر وهي ولا هنا، تعال أقعد جنبي عشان أقرأ لك.
حبيبتي
بين جنون الحب أجدك أنتِ
وبين هذيان الروح أجدك أنتِ
وبين حنين الشوق أجدك أنتِ
أنتِ نبضه في قلبي تغفو وأنا أرتوي
أنتِ حياة تسطو وتعشق الاحتلال
فأنتِ وحدكِ معلقة بين أنفاس الروح
وفي قلبي لكِ حنين حتى وأنا معكِ
فأنتِ حبيبتي ومنكِ الروح تستمد أنفاسها
وأنتِ عبق سعادتي..... منكِ وإليكِ الحب
لكِ العشق كله... أحبك حبيبة الروح
أيه رأيك؟
أدهم بعدم رضا: عادي يعني، مافيش فيه حاجة تخليكي مبسوطة كده.
لا تصدق ما يقوله، فكل كلمة كتبت بحب ولمست مشاعرها تثنيه عن موقفه: بالعكس، ده جميل جداً، بيدل على أنه إنسان حساس.
وقف أدهم بغيره وتوجه للباب مرة أخرى حتى يغادر، ولكنها لحقته وهي تتعلق بذراعه: أنت رايح فين؟
خارج لحد ما تخلصي الشعر بتاعك.
عشق وهي تقف أمامه: أنت متضايق علشان الشعر؟
لا يا عشق، اعملي اللي يريحك.
إرتمت بحضنه: أوعى تزعل مني، رفعت الهاتف وخرجت من الجروب ولفته الهاتف، أنا خرجت خالص من الجروب، بس أنت متزعلش مني.
حاول السيطرة على ضيقه وهو يردف: أنا مقدرش أزعل منك، بس حسيت بغيره أن فيه واحد عجبك ولفت نظرك غيري.
عشق بلهفة: أبداً، عمر ما في حد غيرك يلفت نظري أو يعجبني، أنا مش بتكلم عن الشخص، أنا قصدي طريقة التعبير عن المشاعر.
رفعها بين يديه وهو يهمس: يعني أنا مش بعرف أعبر عن مشاعري أحسن منه؟
تقدري تنكري؟
عشق وهي تفهم مغزى كلامه: أكيد طبعاً، ما فيش حد يعرف يعبر أحسن منك.
طيب تعالي علشان فيه كام بيت شعر جدد عايز أخد رأيك فيهم.
تمتمت بخجل به بعض الدلال: أدهم، ماما مستنية تحت علشان نتغدا ونروح لـ روان.
أدهم وهو يقبلها: لا، ماما راحت، أصل أنا قولتلها إنك مش فاضية وراكي شعر كتير النهاردة.
شهقت عشق بخجل: قول والله إن ماما مشيت وسابتني؟
أدهم بغمزة: والله مشيت وسابتك.
***
في الصعيد تحديدا أمام مدرسة ثانوية بنات، يقف زين يستند على سيارته في انتظار خروج أخته وخطيبته اللاتي أقبلن عليه بفرحة كبيرة.
فتح الباب يدخلهن حتى يبتعد عن هذا الزحام، وسأل خلود أولاً: ها، عملتي إيه في أكتر مادة مش بتحبيها؟
تحدثت بثقة: ده كان زمان قبل ما عشق تشرحها بطريقة سهلة، ثم نظرت له بفرحة: قفلت طبعاً.
أنار وجهه وهو يهتف بسعادة: يعني مجموع كبير؟
هزت رأسها: إن شاء الله هندسة.
بس في بيتي يا حلوة، مش هصبر أكتر من كده.
وإقترب ليقب*لها.
ياسمين بخجل: أحم إحم، نحن هنا يا أبيه. طبعاً نسيتني لما شفتها.
إلتفت لها بضيق: أنت هنا من امتى؟
هتفت بزعل: معقول ما أخدتش بالك من أختك الوحيدة؟
لعن زين تهور كلماته ليبتسم وهو يهتف بهزار: معاكي يا أختي، هتقلبيها نكد ليه؟
هتفت ياسمين بسخرية: متى كل هذا الغرام والانسجام؟ لو حابب أنزل وأفضيلك الجو أنزل.
زين: يا ريت، قصدي ما أنا هنزلك عند البيت و هخرج أنا وخلود شوية.
تتابع ما يحدث بقلب يرفرف من الفرحة التي تشعر بها في وجوده وتصرفاته.
أما ياسمين فكانت تدعو لهما.
***
بعد أسبوع من تلك الأحداث في منزل المنشاوي، هتف الجد بشوق: أنا اتوحشت الولاد فهد وعشق.
تحدث محمد بعدم تصديق: كله كوم وفهد كوم يا جدي، مين كان يصدق أنه يبعد أسبوع بحاله.
أكدت عواطف كلماته: أه والله اتوحشته جوي، الله يهنيه، سيبوه طول عمره عايش لشيل حمل ومشاكل العيلة بس.
رد محمد بموافقة: عندك حق يا جدي، سيبه يرتاح شوية.
ثم أخرج هاتفه وهو يكمل: هتصل بيه تشوفوا وتكلمه.
***
في غرفة صفية.
تحدثت كانت نعمة لتطمئن على ماسة لأنها لا تكلمهم: نعمة بضحكة: بخير يا حبيبتي، كلمناهم وشوفتها على التليفون اللي بيدوسوا عليه ده، ليها حق تنسانا، المكان جميل هناك.
ربنا يهنيهم يا نعمة، أنا كنت خايفة عليها من فهد يبهدلها معاه ويقسي عليها، بس الحمد لله ربنا خيب ظني.
هتفت نعمة بعدم رضا: لا يا صفية، ملكيش حق، كل ولادنا رجالة وبيعملوا حريمهم بما يرضي الله، حتى محمود الله يرحمه رغم أنه كان مغصوب عليا، بس كان حنين جدا معايا وبيحترمني.
ندمت صفية من مضايقة صديقتها وهتفت بخجل: ما تاخذنيش يا أختي، مقصدش، بس الكل عارف فهد أنه شديد وصعب عن باقي ولادكم.
هتفت نعمة: مع الغريب يا صفية، لكن معانا ما فيش في حنيته ولا طيبة قلبه، ده ماسة ربنا بيحبها عشان بقت من نصيب زينة شباب عيلة المنشاوي كلها، وبكرة تشوفي بعيونك أنه فهد شايلها من على الأرض شيل.
***
في شركة السلاموني.
في مكتب حفيده الذي يبحث عنه بكل مكان، اعتدل في جلسته عندما بلغته السكرتيرة بوجود وحيد في الخارج.
وعندما دخل لم يعطيه فرصة الجلوس وهو يسأله: خير، عملت إيه معاه؟
زي ما اتفقنا يا باشا، قولتلك هو الوحيد اللي يوافق لأنه حماة أخته، فضحاهم في المنطقة علشان الجواز، وهو مش عارف يعمل حاجة بمرتبه.
رغم أنه غبي، لو قصد الباشا بتاعه كان يقوم معاه بالواجب وأكتر، أصل ما تأخذ نيش يا باشا، رغم فلوسه دي، بس عنده ضمير وبيحب يساعد المحتاج وبيخرج كتير.
تحدث رائف بصوت عاصف: وحيد، إعدل كده في الكلام، أصل تلميحك مش عاجبني، وأنا اللي مش يعجبني بمسحه على طول.
وحيد: هو يستسلم؟ أنا أقدر أقول حاجة برضه تضايق معاليك؟ وجود اللي زينا عشان خدمتكم وبس.
تأمله رائف بسخرية: أه، اتعدل، وأعرف إن دوركم في الحياة الخدمة والطاعة، غير كده يداس عليه.
يلا روح خد الظرف من السكرتيرة وما أشوفش وشك لحد ما أحتاجك.
وحيد وهو ينحني أمامه: أوامر معاليك.
وعندما خرج وأغلق الباب، التفت يبصق عليه، يلعن أبو الحوجة اللي تذلنا لكلب زيك.
وتوجه يستلم الظرف وهو يحدث نفسه: والله أنت غبي يا خالد، تسيب الباشا بتاعك اللي بيعاملك باحترام ورحمة، علشان واحد شمال وحقير زي ده.
ثم تنهد بوجع: أنا بلومه ليه؟ ما أنا بايع نفسي علشانه برضه، ربنا يتوب علينا من الذل ده ويهديك يا خالد وتشوف الصح وتعملها، محدش يخون واحد زي أدهم ده أبداً.
***
يتبع
رواية إنت عمري الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم امل مصطفى
قاد خالد السيارة يصطحب عشق حتى يوصلها. رن هاتفه أكثر من مرة برقم والدته.
خالد بإحراج: آسف مدام عشق، ممكن أرد على البيت؟
عشق بطيبة: طبعاً يا خالد، أنت بتستأذن؟
فتح الخط بتعجب من اتصالها في هذا الوقت.
خالد: خير يا أمي؟
تخلل الخوف صوته وهو يردف: إيه؟ إزاي عملت كده؟ وأنت فين دلوقتي؟ خلاص يا أمي، هوصل مدام عشق وأجيلك على المستشفى. سلام.
شعرت عشق بتغير معالمه وصوت القلق.
عشق: خير يا خالد، مين تعبان عندكم؟
خالد بتوتر: أختي. أوصل حضرتك وبعدين أروح أطمئن عليها.
عشق: لا، تعال نروح نطمئن عليها. ما ينفعش تسيب والدتك. افرض محتاجين حاجة ضروري. يلا يا عامر، أطلع على المستشفى.
هتف خالد برفض وهو يتحدث رسمية: ما ينفعش يا فندم، حضرتك كده تتأخري على ميعادك.
عشق بإصرار: يلا يا خالد. أصل نروح أنا وعامر وبس.
مرور ثلاثون دقيقة.
وقفت السيارة أمام مستشفى حكومي قديم.
نزل خالد وهو يؤكد على عامر: اغلق السيارة جيداً، ثواني مش هتأخر على حضرتك.
فتحت عشق الباب ونزلت: لا، أنا جايه معاك أطمئن على أختك.
أطاعها خالد لعلمه بعدم التوصل لشيء من الكلام معها، فهي تملك قلباً من ماس.
سار أمامها في عجلة وهي تحركت خلفه. وصل إلى سيدة كبيرة تجلس على كرسي متهالك أمام باب غرفة ومعها طفلين في حوالي السابعة والعاشرة من عمرهم.
وقفت عشق على مسافة قريبة.
تحدث خالد بلهفة: خير يا أمي، أيه اللي حصل؟
وقفت فردوس تستقبله ببكاء: حماتي. الله ينتقم منها، جت الصبح وقالت لو ما جهزتش على آخر الشهر ها أفسخ الخطوبة وأجوز ابنه. لأن بقالنا سنتين موقفين حاله ومش بنعمل حاجة. حاولت معاها بس عصبت عليا وسيبتني ومشيت. أختك فضلت تعيط وقفلت عليها غرفتها. قولت سبيها شوية لما تهدي وبعدين أتكلم معاها. خلصت شغل البيت ودخلت، خبطت عليها مش بترد. قلقت، ندهت على أشرف بن الجيران، جه فتح الباب، لاقيتها سايحة في دمها. جبناها وجينا. أختك كانت هتضيع مني. هانت عليها نفسها وانتحرت. منها لله حماتها.
خالد بغضب: من فكرة خسارة ابنته واخته الوحيدة. لما تفوق حسابها معايا عسير، وأنا مش عايز الخطوبة دي خلاص. جابوا أخرهم معايا.
تمتمت فردوس بحزن: أنت عارف خطيبها بيحبها وبيشاريها ويصبر علينا العمر كله. بس أمه هي السبب. بتعمل كل ده علشان تجوزه بنت أختها. وأكيد جت من وراه. لما اتصلت بيه لاقيته غير متاح. عرفت أنه لسه في شغله.
اختنق خالد مما يحدث لأنه يعلم جيداً مدى حب سيد لأخته وغير أنه صديقه، فهو رجل بحق يعتمد عليه.
خالد بضيق: خلاص يا أمي، هتكلم معاه.
سمعت عشق من خلفه: سلامتها يا طنط. ألف سلامة.
التفت لها خالد بإحراج: آسف يا فندم. الكلام أخذنا ونسيت حضرتك.
عشق بابتسامة: ولا يهمكم.
مررت فردوس عينها على عشق من رأسها حتى أخمص قدميها غير الواضحة من لبسها الطويل.
فردوس: بسم الله ما شاء الله، مين دي يا خالد؟
شاور على عشق وهو يتحدث باحترام: مدام عشق، صاحبة الشغل بتاعنا.
ثم وجه كلامه لعشق: هي دلوقت نائمة. ممكن أوصل حضرتك وبعدين أرجع لها.
عشق برفض: نستنى أطمئن عليها. وجلست جوار والدته التي تأملتها بإعجاب شديد تواسيها.
رأت عشق بنت تسند رجل كبير. قامت بسرعة سندته قبل أن يفلت من البنت.
عشق: احاسب يا حاج.
الرجل: بتعب خلاص يا بنتي، معدش في صحة.
عشق بمرح: صحة إيه يا حجوج، أنت علاجك جوازة جديدة. تخف وتبقى حصان.
ضحك الرجل بألم: الله يحفظك، عروسة مرة واحدة.
عشق: آه طبعاً.
تفاعل مع كلماتها وهو يردف بمرح رغم ألمه: طيب عندك عروسة؟
عشق بغمزة: شاور أنت بس، وأنا تحت أمرك.
ابتسم براحة: طيب اتجوزك أنت يا قمر علشان أرجع شبابي.
عشق بضحكة: ما تعززش عليك والله، بس للأسف متكلمين عليها. وإحنا صعيدة يا أبوي، مش بنرجع في كلامنا واصل.
ضحك الرجل والفتاة على طريقة كلامها باللهجة الصعيدية.
بينما تتابع والدة خالد ما يحدث باستغراب: هي دي يا أخويا، مراة الرجل الغني اللي صاحب القصر والشركات؟
ابتسم خالد على كلام عشق: آه هي يا أمي.
والدته: غريبة يا أخويا، دي طيبة قوي. حبوبة كده وبسيطة.
خالد باحترام: دي ملاك يا أمي. بتحب كل الناس وقلبها أبيض زي الرضيع اللي ماتلوث بحقد البشر. ما شفتش في برائتها وتواضعها أبداً.
والدته: آه يا حبيبي، باين عليها. أنا شفت ناس كثيرة من الأغنياء دول، بس هم مش زيها كده وبيتكبروا علينا.
وقفت عشق مع البنت وجدها أمام كشف الباطنة.
تحدثت البنت بهدوء: لو سمحتي، الدكتور موجود؟
الممرضة: لا.
الفتاة بأدب: طيب هيجي أمتى؟
الممرضة ببرود وهي ترى هذا العجوز يتألم: مش هييجي.
تدخلت عشق في الكلام بهدوء: طيب، لو سمحتي شوفي أي حد ييجي يساعده لأنه بيتألم جداً.
ردت الممرضة بفظاظة: إحنا نعملك إيه يا أختي؟ ما تخديه أي مكان تاني. هو أنا هلف أدورلك على دكتور؟ وبعدين ما فيش دكاترة النهاردة.
عشق بضيق من تلك الباردة: طيب، قولي نروح فين وإحنا نروح، وخليكي مكانك.
الممرضة بنرفزة: بقولك إيه، أنا مش عايزة صداع على الصبح.
ركض خالد بغضب عندما سمع طريقتها في الكلام: أنتي اتجننتي؟ أنتي عارفة اللي واقفة قدامك دي مين ومرات مين؟ دا أنتي يومك أسود.
عشق برفض من تكملة كلامه: لو سمحت يا خالد.
خالد برفض: معلش يا فندم، لازم تعرف مقامها.
غضبت الممرضة من كلامه وهتفت بردح: نعم نعم يا عنيه، مين ده اللي يعرفني مقامي؟
صرخ عليها خالد بصوت عاصف: أنا يا حيوانة، اللي هعرفك تتكلمي معاها إزاي.
وقفت عشق بينهم وهي تنهي الموضوع: خلاص يا خالد، تعال نوديه مستشفى بره.
خالد بمغزى: وليه مستشفى بره؟ ده تليفون صغير من حضرتك المستشفى دي تتقلب وييجي أحسن دكاترة.
عشق: والدكتور معاده لسه ما خلص، علشان يمشي. ولو غايب بيكون في دكتور نباطشي.
فهمت عشق ما يرمي إليه من تسيب في تلك المستشفى وأن بإمكانها إصلاح ذلك.
رفعت هاتفها وقامت بالاتصال على أدهم، الذي رد بلهفة: حبيبي، أخبارك؟
عشق: الحمد لله بخير.
أدهم نظر في ساعة يده وهو يهتف: أنتي مدخلتيش المحاضرة ولا إيه؟
عشق: لا، أنا مروحتش. بعدين هقولك. أنا الوقت في مستشفى...
أدهم بقلق: مستشفى؟ ليه؟ أنتي فيكي حاجة؟
شعرت بقلقه لتهتف بسرعة: لا، مش أنا. بس في حالة محتاجة دكتور باطنة ومش موجود في معاده. والحالة تعبانة جداً. ممكن تتصرف في الموضوع ده؟ وضع المستشفى كله غلط.
أدهم: حاضر. هكلم وكيل أو وزيرة الصحة.
عشق: لا، مش عايزة تطوير الموضوع. بلاش. أنا عايزة حد مسؤول عن المستشفى.
الممرضة بسخرية: بس معاكي فلوس، كنت دخلتيه مستشفى يا أختي بدل ما أنتم بتتمنظروا علينا.
اتسعت عينا أدهم بذهول من تلك وكيف تتحدث مع زوجته بتلك الوقاحة.
أدهم بحدة: مين اللي بتتكلم معاكي بالمنظر ده؟ وإزاي تسمحي لها بكده؟
عشق بهدوء تحاول السيطرة على غضبها: أبداً يا حبيبي، ده ممرضة.
أدهم بغضب: كمان؟ طيب اديني خالد.
عشق بخوف: والله هي ما تقصد حاجة.
أدهم بغضب: عشق، أعطيني خالد.
أخذ خالد الهاتف بتوتر مما يحدث.
خالد: أمرك يا باشا.
أدهم بغضب: الممرضة دي ما تروحش في أي مكان لحد ما أجي.
خالد بقلق من خسارة عمله عندما يعلم أنه سبب دخولها مثل هذا المكان: أوامر معاليك يا باشا. سلام.
جلست عشق جوار الرجل العجوز.
عشق: معلش يا بنتي، ربنا يكفيك شر الظلم. سببنا لك مشاكل.
لم تعرف مدى غضبه مما حدث وهي تهدئ توترها.
عشق: ما فيش مشاكل ولا حاجة يا حج. نور، أنا كنت بتكلم معاها عادي. ربنا يخفف عنك يا رب.
جاء مدير المستشفى وخلفه اثنان من الدكاترة.
قامت الممرضة بالوقوف.
المدير: خير يا فندم؟ حضرتك مدام أدهم باشا.
عشق: أيوه.
مرر عيونه بين الحضور وهو يسألها باحترام: فين الحالة اللي مع حضرتك؟ هشوفها بنفسي.
وقفت تساعد الرجل الكبير وهي تردف: اتفضل يا حاج نور.
دخل الرجل وحفيدته غرفة الكشف.
بينما جلست عشق جوار خالد تلاحظ توتره خوفاً من رد فعل أدهم على ما حدث منه.
عشق بطمئنان: ما تخفش من حاجة. أدهم مش ممكن يضرك.
كيف يشرح لها ما يشعر به الآن خوفاً من أن يخسر عمله ويصبح عاطلاً؟ لو تأخر يوم على طلبات البيت سوف يفضح بين الناس.
خالد باختناق: حضرتك متعرفيش أنا محتاج الشغل ده قد إيه. لو عرف سيادته إن أنا السبب في وجودك هنا، يغضب ويطردني.
عشق: ما تخافش، والله أنا مش ممكن أسبب لك أي أذى. أنت أخويا.
تتابعها الممرضة بغل وتتمنى أن تتخلص من تلك الابتسامة التي تزيد وجهها إشراقاً.
بعد كشف الدكتور خرج.
عشق: خير يا دكتور؟
الدكتور بعملية: القولون عنده ملتهب جداً، وده غلط في سنه. أنا كتبت له علاج ولازم يأكل سوائل لمدة أسبوعين لحد ما يخف، وإلا تجيله مضاعفات.
كاد ينهي كلماته عندما دخل أدهم بطلته الرجولية الخاطفة للأنظار، يتقدم بقوة وشموخ. ملامحه تحمل ما يشعر به من غضب. خلفه الحرس الخاص.
أدهم بغضب: فين الممرضة دي؟
اقتربت منه عشق بحب وابتسامة حانية. جذبها أحضانه.
أدهم: هي فين دي يا خالد؟
خالد بشماتة وهو يشاور على تلك التي ابتلعت لعابها وانكمشت على نفسها من هيئته المرعبة: أهي يا فندم.
الدكتور: أهلاً وسهلاً، أدهم باشا. أنا كشفت بنفسي على المريض.
أدهم بعدم اهتمام: اسمك إيه؟
الممرضة بخوف: أنا... أنا...
الدكتور: خير يا فندم، عملت إيه؟
أدهم بصرامة: اسمك إيه؟
الممرضة: أنا فاطمة.
هتف بصرامة: أنت إزاي يا حيوانة تكلمي مراتي بالطريقة دي؟
فاطمة بخوف من هيئته: آسفة يا فندم، والله أنا ما كنتش أعرفها.
تدخل الدكتور في الحوار حتى يطفئ نار غضبه.
الدكتور: أعطيها جزاء، يافندم، لو يرضيك.
أدهم بسخرية: لا، ما يكفينيش. رفدها لسوء أخلاقها.
رضخ المدير لأوامره خوفاً على مركزه.
المدير: اللي حضرتك تؤمر بيه. تتشطب من المهنة لسوء أخلاقها.
عشق بطيبة: أرجوك يا أدهم، بلاش تقطع عيشها.
الممرضة وهي تقترب من يد عشق لكي تقبلها: أرجوك يا هانم، أنا آسفة والله. أبوس إيدك، ده أنا بجري على كوم لحم.
جذبت عشق يدها وهي تستغفر ربها.
بينما يتابع جميع من في المستشفى وبينهم والدة خالد ما يحدث.
تدخلت سيدة كبيرة في الحديث وهي تهتف: والله عندك حق يا باشا. ده أسلوبها وحش. زقتني وزعقت فيه علشان بسأل على الدكتور هيجي أمتي ومش مراعية سني.
نظر لها أدهم بغضب، ثم نظر إلى مدير المستشفى.
المدير: إيه رأيك؟
المدير: اللي تؤمر به يتنفذ.
الممرضة ببكاء: والله يا باشا، حقك عليا. خلاص أبوس إيديها ورجليها كمان، بس بلاش تقطع عيشي.
ضغطت عشق على يد أدهم. وعندما وجدها تبكي هتف بلهفة: ما لك يا قلبي؟ بتبكي ليه؟
قلبها الأبيض لا يتحمل أن يرى ما يحدث لذلك. هتفت: بلاش تقطع عيشها علشان خاطري. أنا سامحتها، وحياتي يا أدهم. خلاص.
قام أدهم بإزالة دموعها وضمه لأحضانها دون أن يراعي حساب لمن حوله.
أدهم: خلاص يا حبيبتي، علشان خاطرك بس.
ثم نظر للممرضة بحدة: أحمدي ربك أنها بتملك قلب نضيف، وأنها سامحتك، وإلا كنت مسحتك من على وش الأرض.
ثم وجه كلامه لمدير المستشفى: والدكتور اللي غايب لازم يتحاسب. والتسيب ده هبلغ عنه. ولازم كل حاجة تتغير في المستشفى دي.
المدير بخوف: إحنا آسفين يا باشا، والله كل حاجة هتتعدل. ممكن حضرتك تيجي فجأة. ولو في حاجة غلط، من حقك تتصرف.
جذب أدهم عشق لأحضانه وترك المكان.
عشق وهي تسير جواره: سلامتها يا طنط. ألف سلامة.
والدة خالد: الله يسلمك يا بنتي.
خرج أدهم وعشق وخلفهم الحرس، حتى خالد.
توقفت عشق أمام المستشفى وقد أخذت قرارها أن تمد يد المساعدة لذلك العجوز الذي حملت معالمه الحزن عندما ناوله الطبيب روشتة علاجه.
نظرت لأدهم وهي تتسأله: أدهم، معاك فلوس؟
ضحك أدهم بحب: أكيد يا روحي، معايا. خير يا قلبي، عايزة إيه؟
عشق: دايماً معاك الخير. أنا قصدي فلوس نقدي، مش في الفيزا. لأن عايزة مبلغ على الفلوس اللي معايا أعطيهم للحاج نور. الراجل التعبان ده، أصل شكل ظروفهم صعبة ومحتاج علاج.
قام أدهم بإخراج كل النقود من جيب بنطاله.
أدهم: اتفضل يا حبي.
نظرت عشق للمبلغ الكبير بسعادة: شكراً يا حبيبي.
عشق بحرج: طلب كمان.
احتضن وجهها بين كفيه بحنان: أنت تأمري يا قلبي. شوف أي حاجة عايزها، شاوري بس.
خجلت من طريقته تلك. بالطريق، لكن لابد من إبعاد الخطر عن خالد. لذلك هتفت: خلي خالد مع أمه وأخته. بلاش يمشي. أخته تعبانة.
أدهم بتعجب: يعني أنت هنا علشان أخت خالد؟
عشق: أه. هحكي لك كل حاجة بعدين. موافق؟
قبلها من وجنتيها: أنا كلي ملكك، حبيبي أبو قلب أبيض.
ثم أكمل بغرام: عارفه أكتر حاجة بتشدني ليكي إيه؟
شاور على قلبها وهو يكمل: ده. بحس معاه بالراحة والأمان. عندك استعداد تضحي براحتك علشان تشوفي غيرك مبسوط؟ ممكن تجوعي علشان ناس غريبة عنك تشبع؟ أنا بحبك قوي يا عمري. نفسي أخبيكي جوه قلبي من قسوة الأيام وغدر الناس.
مررت عينها على ملامحه بعشق: متخافش عليا، طول ما ربنا معايا وأنت بعده، عمر ما حد يقدر يأذيني.
عند الجد أنور.
في طريقه للخروج من المستشفى، حدث حفيدته بحزن: أيه رأيك؟ مشوار زي قلته. سمعت كلامك، جيت كشفت، شوفتي حصل إيه؟ برضه كتب لي على علاج من بره. نجيبه منين دلوقتي؟
الفتاة بحزن: مش عارفة والله يا جدي. أنا كان قصدي تكشف ويعطيك من عندهم أي حاجة مسكنة. طلع ما عندهمش ضمير.
الجد: معلش يا حبيبتي، سامحني لأن جبتك المشوار ده وأنت تعبان على الفاضي.
الجد: برضه الحمد لله يا حبيبتي، أنت مالكيش ذنب.
وصلوا على باب المستشفى، وجدوا عشق في انتظارهم بابتسامة كبيرة.
عشق: لا تعلم كيف دخلت عشق قلبها من أول طلة بتلك السرعة. هتفت بابتسامة: هو حضرتك لسه هنا؟ أنا اسمي عشق. مش حضرتك؟ وبعدين كنت بستنى جدي علشان أوصله.
تحدث الجد بطيبة: ملوش لازمة التعب يا بنت، كفاية البهدلة اللي حصلتلك بسببنا.
عشق بنفي: ما فيش تعب يا جدي. مش أنا زي حفيدتك؟ وأوعدك المرة الجاية المستشفى هتكون غير كده، وكل حاجة تبقي فيها.
يقف على بعد أمتار قليلة بقلب يهفو إليها عشقاً، يتأمل طيبتها وتواضعها يزيد من عشقه لها وقلبه يشعر بالخوف الشديد عليها.
اقتربت من أدهم: ممكن نوصل الحاج نور؟
ابتسم أدهم: أنا بضعف قدام نظرة عينيكي دي ومش بقدر أرفضلك طلب.
شاور لعامر أن ينزل يأخذ يد الرجل الكبير يساعده على الركوب، بينما هو توجع لسيارته.
ركب أدهم سيارته وعشق سيارتها في الخلف جوار الجد. وقطعت ورقة من دفترها ووضعت بها المال ووضعته على قدم الجد.
الجد: إيه ده؟
علم أنها رزق من عند الله جعلها في طريقهم حتى يخفف عنهم محنتهم ويطيب خاطرهم.
مدت عشق يدها تسحب الروشتة من يد حفيدته وهي تهتف: معلش يا عامر، ممكن تقف عند صيدلية؟
عامر باحترام: حاضر يا فندم.
وقف عامر أمام صيدلية كبيرة وقامت عشق بإعطائه الروشتة والمال. وبعد فترة، وقفت سيارة عشق أمام حي شعبي.
نزلت تودعهم وهي توجه كلماتها للفتاة: خلي بالك من جدك يا زينب، وأنا هبقى أطمئن عليكم إن شاء الله.
ثم هتفت بحنان: هبقى أجي أشوفك يا جدي.
الجد: ده شرفك كبير يا بنتي. سكة السلامة، ربنا معاكي ويجعل كل خطوة ليكي خير يا قلب الخير كله.
ركبت السيارة مرة أخرى وبعد وقت بسيط توقف عامر.
عشق بتعجب: واقف ليه يا عامر؟
عامر: الباشا طلب حضرتك تركبي معاه.
عشق: وأنت هتروح فين؟
عامر: ماشي.
عشق برفض: لا، سيب العربية عند خالد وأنا هقول لأدهم.
عامر: أوامر.
نزلت عشق وجلست جوار أدهم الذي ضمها له بحب دون كلام حتى توقفت السيارة أمام شركته.
في منزل الجد أنور.
وقفت ابنته سناء تستقبلهم بلهفة تريد الاطمئنان على والدها الذي لم تستطع الذهاب معه لأنها تعمل بإحدى مصانع الملابس وتعود بعد انتهاء المستشفى.
سناء: حمد الله على السلامة. خير يا زينب، عملتوا إيه؟
ابتسم والدها على لهفتها: صبرك علينا يا سناء، مش لما ندخل ونرتاح.
سناء بحرج: معلش يا بابا، عايزة أطمن. أنت اتأخرت وأنا كنت قلقانة عليك.
جلس الجد: الحمد لله، إحنا ربنا رزقنا بملاك يوقف معانا.
نظرت له بعدم فهم: ملاك إيه يا بابا؟
سناء بصوت عالٍ: عملتي إيه في جدك يا بت أنت؟
رجعت زينب بكوب ماء حتى تعطي جدها علاجه وهي تردف بإعجاب: آه والله يا ماما، أخده جمال الملائكة وقلبهم الأبيض الجميل. تحسيها كده مش زينا.
ضحكت سناء بمرح: مالك يا أختي أنتي وجدك؟ هم كانوا بيوزعوا في المستشفى حبوب هلوسة؟
قص عليها والدها ما حدث.
سناء: مازالت لا تستوعب ما حدث. معقول لسه فيه حد بيحب يساعد الناس؟ ده حتى الناس اللي معاها فلوس بيستغلوا ضعف وحاجة غيرهم وبيداروا علشان فاكرين لو ساعدوا المساكين فلوسهم تقل.
أكملت زينب بإعجاب: آه يا ماما، لو شوفتي جوزها وهو داخل. ما شاء الله، طول بعرض وجمال. ووراه الحرس. كل المستشفى كانت واقفة تتفرج عليه، ولا نجوم السينما. دخوله ترعب وفي نفس الوقت تشدك.
ثم أكملت بحالمية: نفسي أتزوج واحد يبقى طول بعرض كده.
ألقت عليها سناء لعبة البرشام وهي تهتف بغضب: اتلمي يا بنت، إيه الجنان ده؟
تذكر الجد ما أعطته له عشق. مد يده في جيب جلبابه وأخرج الورقة وهو يناولها لزينب.
الجد: خدي يا زينب، شوفي إيه ده.
تناولت الورقة من جدها وفتحتها، لكنها تسمرت من الصدمة.
رواية إنت عمري الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم امل مصطفى
ناولها الجد ما بجيبه وهو يسألها:
"دول إيه يا زينب؟"
تناولت من يد جدها تلك اللفة وفتحتها. نظرت لما بين يديها بأعين متسعة وفم مفتوح، لأنها لم تر ربع هذا المال أو تمسكه من قبل. تمتمت وما زالت على صدمتها:
"دي فلوس يا جدي؟"
سألها بلهفة يتمنى الرحمة حتى يخف الضغط عن حبيبته وابنته الوحيدة. هو رجل كبير في السن وقد خارت قواه وأصبح كل الحمل عليها، ولم تعد تستطيع توفير قوت يومهم وتكاثرت عليهم الديون وهذا يكسره.
"يعني نقضي نسد فلوس البقال ونجيب شوية أكل في البيت."
تحدثت دون أن ترفع عينها عما بيدها:
"فلوس كتير يا جدي، مبلغ عمري ما شفته قبل كده."
تناولهما الجد وقام بعدهم. صدم:
"إيه ده؟ 5000 جنيه! مش ممكن!"
ثم بكى بحرقة:
"ألف حمد وألف شكر ليك يا رب. أنا مش مصدق. يعني نقدر ندفع الإيجار المتأخر علينا ونجيب شوية حاجات نبيعهم ونعيش منهم يا كريم يا رب، فضلك ملوش أول من آخر. ألف حمد وألف شكر ليك يا رب."
***
وصل أدهم أمام شركته التي تزورها عشق لأول مرة.
"دي شركتك؟"
ضغط على أناملها الساكنة في حضن كفيه وهو يهتف:
"وشركتك. كل حاجة ملكي، ملك حبيبي."
تمتمت بمشيئة الله:
"ما شاء الله يا أدهم، جميلة جدا. ربنا يبارك لك فيها."
دخل أدهم بطلعته الرجولية التي لا تليق بغيره. تسير جواره تشاهد الشركة بإعجاب شديد. تصميمها يدل على الرقي والشياكة.
وقف السكرتير باحترام شديد وهو يحاول عدم إظهار ذهوله من وجه أدهم المشرق وتلك التي يسحبها معه بحب.
"حمد لله على سلامة معاليك."
"الله يسلمك يا أحمد. عايز اتنين عصير ليمون وممنوع أي اتصالات ولا أي حد يدخل علينا."
هز رأسه وهو يهتف:
"أكيد طبعًا. علم وينفذ."
دخلت عشق المكتب، دارت حول نفسها بابتسامة طفلة.
"المكتب فخم، يعكس شخصية صاحبه من فخامة وشياكة وقوة."
اقترب منها بحب:
"عجبك؟"
التفتت بفرحة:
"جميل جدا، بيعكس شخصيتك من القوة والغموض. أنا فرحانة جدا لأن دي أول مرة أزور مكتبك."
ثم على غير العادة اقتربت منه تمد يدها على جاكيت بدلته وهي تقرب نفسها منه بدلال:
"أنا بعشق أي مكان روحك فيه، بس مش بحب الغموض اللي بشوفه في عيونك."
أدهم وهو يتأمل ملامحها بعشق، فقد تاقت نفسه لها. يريد أن ينالها بشدة. همس:
"أنا كتاب مفتوح قدام حبيبي، فين الغموض ده، اللي يشوف ضعفي قدام عيونك مش يصدق أن ده أدهم."
جذبها أكثر لتحتضنه يريد تقبيلها، لكنه توقف عندما سمع طرق على الباب. أخذ يدها يجلسها على الكنبة، ثم أمر الطارق بالدخول. جاءه السكرتير وهو يحمل العصير ووضعه أمامه وخرج دون أن يرفع عيونه عن الأرض.
رفع أدهم الكأس وقربه من شفتيها. تورّد وجهها من الخجل.
"أدهم، أنا بعرف أشرب لوحدي."
همس بوله:
"لا، أنا عايز أسقي حبيبي بنفسي."
فتحت شفتها تتناول بعض قطرات العصير، ثم أخذ الكأس بعدها وشرب من نفس المكان بحب. وهو يسألها عن سبب ذهابها لهذا المكان.
قصت له ما حدث. وبعد الانتهاء:
"والله خالد ما كانش راضي، بس أنا صممت، وطبعًا هو ما يقدرش يرفض ليا طلب."
عشق وهي تخفض وجهها:
"وكنت عايزة منك طلب."
أدهم وهو يعلم ما تريد، فهو حفظها مثل اسمه:
"اطلبي."
"كنت عايزة آخد أخته وأجيب لها من الفلوس اللي معايا كل حاجة ناقصاها وأغلى كمان من اللي حماتها عايزاه، علشان بعد الجواز ما تكسرش عينيها."
أدهم بحب:
"أنت معاكي فيزا. هاتي كل اللي نفسك فيه من بتاعتي، مش بتاعة فهد."
"عشق: وليه ما جبش من اللي فهد عطيها لي؟ ما فيها فلوس كتير."
"لأنك مراتي يا عشق، وما حدش غيري يصرف عليك."
قبلته عشق من وجنته حتى تمتص الضيق الذي غزا صفاء ملامحه وهي تهتف:
"ربنا ما يحرمنيش منك أبدا."
جذبها مرة أخرى وتاه معها في دوامة عشقهم. حاولت تعدل هيئتها بعد أن بعثر مشاعرها وملابسها معا. نظرت له بلوم على ما حدث. بينما هو تحدث بمرح:
"بلاش نظرة عيونك دي، أنا بضعف قدامها. هنسى المكان تاني. أنا مش بكتفي منك، وصراحة مش ضامن حد يفتح الباب فجأة."
قامت بفتح عيونها على مصرعيها واعتدلت في جلستها وهي تتحدث بهمس:
"أنا مش هاجي معاك هنا تاني."
ضحكة أدهم بقوة وإنحنى يقبل جبينها وهو يقرص أرنبة أنفها:
"أخلص شوية الشغل دول ونروح على طول، لأن غادة عاملة حفلة محشي النهارده وعازمة روان ومراد."
هزت عشق رأسها وهي تموت خجلا منه.
***
خرج خالد وهو يحمل أخته وخلفه أمه وأخواته. وجد عامر في انتظارهم. تعجب من تواجده حتى الآن وسأله:
"أنت لسه هنا ليه يا عامر؟"
نزل عامر يفتح له الباب ليضع حمله وهو يهتف:
"دي أوامر ست عشق. ألف سلامة عليها يا أم خالد."
تمتمت فردوس بالحمد. بينما وضع خالد أخته وجلست أمه وأخيه جوارها وأخذ أخيه الصغير معه. بعد أن وصل البيت حمل أخته، أدخلها غرفتها ثم وقف أمامها باختناق. لا يصدق أنها فعلت بنفسها ذلك دون أن تفكر بمن حولها. بينما هي اخفضت وجهها بخجل منه. تعلم جيدا أنه الآن في أشد غضبه، ولولا حبه لها لأخرج غضبه منها ومن نفسه ومن الدنيا كلها.
تحدث باختناق:
"ليه كده يا ندي؟ عملوا معاكي إيه؟ تستاهلي عليه كل ده؟ عايزة تموتي كافرة وتخسري دنيتك وآخرتك وتكسريني من بعدك؟ ليه مفكرتيش فيه ولا في أمك؟ إحنا بنعمل المستحيل علشان نجيب لك حاجتك. جيت على نفسي، رفضت الارتباط رغم إصرار أمك وسني اللي بيكبر يوم بعد يوم، كنت بفكر فيك وبس، عايز استرك واطمن عليكي. كنت أهم عندي من نفسي. الناس تقولي هتتجوزي إمتى؟ تيجي صورتك قدامي أقول: لا، أوعي تسمحي لحاجة تضعفك، دي بنتك الوحيدة، دوري على نفسك بعدها."
ابتلع غصة مريرة بحلقه وهو يكمل:
"طيب وإخواتك الصغيرين؟ أقول لا، ندي أهم، هم رجال وفي يوم هيكبروا ويشيلوا معاك المسؤولية. وبعدين ظروفك مش سامحة، الوقت تفتح بيتين، البنت سترتها أهم. إزاي تدوري على نفسك وتسيب أمك وإخواتك اللي ميعرفوش غيرك من يوم ما فتحوا عيونهم على الدنيا. وبعد ده كله عايزة تحرقي قلبي عليكي؟ ده جزائي يا ندي؟ عمري ما هنسى اللي عملتيه ولا عمري هسامحك على وجع قلبي لما حسيت إنك هتروحي مني."
ثم تركها وترك المنزل وهو في أسوأ أيام حياته. لأول مرة يشعر بالفشل وأنه لم يكن الأخ الجيد الذي حافظ على أخواته من صفعات الحياة.
بينما وقفت فردوس جوار الباب تستمع لكلماته كأنها سكين يقطع بروحها ودموعها تسيل من الحزن عليه وعلى حاله وهي الضعيفة العاجزة التي ليس بيدها شيء. دخلت لإبنتها التي تبكي وهي تحدثها بعتاب:
"عجبك كده حال أخوكي؟ أخوكي بيتعب ومش مقصر معانا، مصروف بيت ومدارس وشوار. بيعمل كل اللي يقدر عليه، بيستخسر في نفسه هدوم ولا حتى يقعد مع أصحابه على القهوة علشان يوفر فلوس الأقساط بتاعتك. حتى لو مش عارف يكمل جهازك، بس كفاية أنه بيتعب، بيعمل اللي عليه، متحمل همنا. واحد تاني كان شاف نفسه وقال: وأنا مالي، ما أبوك عايش وهو ملزم، بدل ما هو ماشي صايع ورا الحريم."
لم تعد تتحمل أكثر من ذلك لأنها تعلم جيدا ما يتحمله أخيها. هتفت ببكاء:
"أنا آسفة يا ماما، والله غصب عني. أنتي عارفة أنا بحبه قد إيه، بس بحب أبيه خالد أكتر من أي حاجة في الكون. قوليله يسامحني علشان خاطري، لحظة شيطان وما عدتش هتتكرر، بس بلاش يزعل مني."
***
في صباح يوم جديد. نزلت سناء بملامح أخرى أكثر إشراقا وجمالا، كأن المال الذي أرسلته عشق زال ملامح التعب والإرهاق عن جلدهم. صدق من قال: "أن الدين هم بالليل ومذلة بالنهار". تشعر أنها تتنفس أخيرا بعد سنوات من الاختناق. تنزل درجات السلم كأنها فراشة خفيفة لا تحمل للدنيا هم. وأكثر همها هو الإيجار المتراكم عليها وجعلها تحت رحمة صاحب المنزل الذي يتلاعب على وتر أنه يريدها في الحلال حتى يخفف عنها الحمل، يرحمها من العمل والتعب الذي لا تستطيع سد حاجتها. حان الآن فك أغلاله من حول عنقها وتفوز بحريتها.
توقفت أمام محل صاحب المنزل الذي وقف بلهفة يستقبلها بترحاب يخصها به دونًا عن غيرها. فهو يرى بها كل مقومات الزوجة من أخلاق وجمال الذي لم يتأثر بظروفهم الصعبة، وأيضًا الجدعنة لأنها لم تنخلط ظروف بعد وفاة زوجها، بل عافرت وحاربت حتى تحافظ على بناتها من الشوارع والكلاب المفترسة.
"أهلاً أهلاً بست الستات اللي مافيش زيها في الشارع كله."
نفخت سناء بضيق من مدحه المستمر لها. نعم ترى الشوق بعينيه لأجلها، لكنها لن تسمح لرجل آخر يدخل حياتها بعد وفاة زوجها الحبيب، فهي كرست حياتها من أجل بناتها الثلاث ووالدها فقط. هتفت بضيق:
"إزيك يا حج شوقي؟"
"شوقي بخير لما بشوف طلتك يا ست البنات."
نهرته بحدة:
"وبعدين معاك يا حج شوقي؟ حاسب على كلامك معايا، أنا ماليش في اللون ده وأنت عارف."
هتف بلهفة:
"عارف يا أم البنات. أنا قصدي شريف. صعبان عليا تعبك، عايز أقعدك وأسترك وكل طلبات أوامر بدل بهدلتك عند الناس في المشغل."
هتفت بحدة تقطع عليه وصلة حديثه:
"أنا جاية علشان أدفع الإيجار اللي علينا." ثم رفعت يدها بالمبلغ: "ألفين جنيه بالكمال والتمام وهات الشيكات."
نظر شوقي للمال بصدمة ومد يده يتناولهم وهو يسألها بتعجب، فقد فشل مخططه في الضغط عليها بتقديم الشيكات للحكومة مقابل أن توافق على الزواج منه وتعطي ابنتها لابنه الذي لا يقل حاله عن حال أبيه. الآن لا يستطيع رفض أخذ المال، ليس لديه أي حجة. لكنه سألها بضيق:
"جبتي الفلوس دي كلها منين يا ست سناء؟"
نظرت له بتحدي:
"من عند ربنا يا حج شوقي، أظن ملكش دعوة جبتهم منين. المهم الإيجار يتدفع، يلا هات الشيكات، أصل مش فاضية."
أخرج الشيكات من الخزنة بضيق. أخذتهم منه بفرحة وهي تردف:
"عد فلوسك قبل ما أمشي وتأكد."
تمتم بصدق:
"البيت أمان يا أم زينب. طول عمرك أمينة والمال يزيد معاكي مش يقل."
تركته وهي تشعر براحة لم تشعر بها من مدة طويلة. ثم توجهت لسوبر ماركت صغير. الذي يجلس صاحبه يراجع نفسه فيما يريد فعله. يريد أن يطلب منها جزء من الدين لضيق الحال، لكنه يصبر نفسه إنها تسعى على يتامى وتسد ما تستطيع عليه. دخلت عليه مبتسمة وجدته شارد. هتفت:
"صباح الخير على عيونك يا راجل يا طيب."
وقف محسن وهو يهتف بترحاب:
"صباح النور يا بنتي."
وقفت سناء أمامه:
"كنت عايزة أعرف حسابي يا راجل يا طيب."
هتف بطيبة:
"ما فيش فرق يا أم البنات."
تحدثت بشكر:
"كتر خيرك يا عمي محسن، كفاية صبرك علينا، وأنا عارفة أن ظروفك مش ماشية."
توجه لدفتر الديون، فتحه ورجع لها بورقة.
"500 جنيه."
سناء وهي تخرج المبلغ من محفظة يدها:
"اتفضل يا عمي محسن."
لم يصدق الرجل ما يرى، كم هو كريم ورحيم بعباده، لأنه كان يريد طلب ثلاثون جنيه أو خمسون فقط لأنه يعلم الحال جيدا. لم يتوقع أبدًا أن تسد كل دينها دفعة واحدة، وبسبب هذا المال يستطيع هو الآخر شراء بضاعة جديدة بالمحل. تناول منها المبلغ بفرحة وهو يدعو لها بسعة الرزق:
"ربنا يوسعها عليكي يا بنتي، أنت بنت حلال وتستاهلي كل خير."
"الله يعزك يا عمي محسن. خد جهز اللي في الورقة دي، هعطيك حسابهم وأنا راجعة."
***
في فيلا أدهم. نزلت عشق في الصباح تلقي التحية على غادة التي تتناول فطارها.
"صباح الخير يا أمي."
"صباح النور يا حبيبتي، تعالي افطري."
جلست جوارها وهي تهتف:
"أنا هشرب العصير بس."
ثم سألتها:
"حضرتك هتروحي إمتى عند طنط جيجي؟"
"على الساعة عشرة إن شاء الله."
"عشق: والله يا ماما لو ما كانش المشوار ده ضروري كنت جيت معاكي."
تتفهم غادة الوضع الذي قصته عليها عشق أمس، لذلك هتفت بحنان:
"عارفة يا حبيبتي، ربنا يوفقك يا رب. المهم تخلي بالك من نفسك."
انحنت عليها عشق تقبلها وهي في طريقها للخارج. وجدت خالد وعامر في انتظارها. ألقت عليهم تحية الصباح ثم ركبت السيارة وهي تحدث عامر:
"خد النهارده إجازة. خالد هو اللي يسوق."
انصاع عامر لأوامرها:
"حاضر يا فندم."
أخذ خالد مكانه، ينظر لعشق بالمرآة في انتظار تحديد وجهتها.
"عايزة أروح محل حلويات."
"حاضر."
ثم تحرك بالسيارة. وبعد فترة نزلت عشق وخالد خلفها. قامت بشراء أنواع مختلفة من الحلويات. وقفت على الحساب وحمل خالد الأشياء ووضعها في السيارة. ركب ونظر لعشق مرة أخرى يسألها عن وجهتها التالية.
"هنروح فين؟"
"بيتك."
نظر لها خالد باستغراب:
"بيتنا؟"
"أه بيتكم. عايزة أطمئن على ندى."
خالد بإحراج:
"هي الحمد لله بقت بخير."
تعلم جيدا ما يشعر به الآن وما يدور بخلده، لذلك أرادت رفع الحرج عنه بمرحها:
"أنت بخيل ولا إيه؟ مستخسر فيه كوباية شاي؟"
أمل مصطفى. هتف بسرعة:
"أبدا! والله حضرتك تنوري."
هتفت بسخرية:
"مش باين يا خالد."
هتف بتوضيح حتى لا تعطي سوء النية لكلماته:
"والله حضرتك فهمتني غلط، أنا قصدي أن الحارة مش قد المقام ولا البيت."
"عشق بإبتسامة: ما لكش دعوة بيه. أنا رايحة على طنط فردوس وندي، لما أبقى أجي بيتك اعترض."
ابتسم خالد أيضًا:
"اللي تأمري بيه."
وتحرك حتى توقف أمام المنزل. نزل يفتح لها الباب ثم نزلت وطلبت منه حمل الحقائب. ظلت تنتظره حتى تسير خلفه لأنها لا تعلم في أي دور شقتهم. ودخل أمامها، طرق على الباب. قابلته أمه بخوف عندما رأته عاد بعد وقت قصير في غير ميعاده وهتفت برعب:
"حبيبي خير؟ أوعي يكون الباشا بتاعك طردك علشان وديت مراته المستشفى."
غمز لها حتى لا تسترسل في حديثها وتزيد من إحراجه أمام عشق.
"لا يا أمي، وسعي بس. اتفضلي يا عشق هانم."
دخلت عشق وسلمت على فردوس التي تلفتت حولها بإحراج ولا تصدق أن ابنة القصور تزور منزلهم المتواضع.
"أهلاً وسهلاً، اتفضلي."
رتبت على الكنبة حتى تجلس عشق.
"آلتي تحدثت بتلقائية: هي ندى لسه نايمة؟ أنا مردتش أفطر وقولت أفطر معاكم."
"فردوس بترحاب يتخلله الخجل: أنتي تشرفي في أي وقت. هو إحنا نطول ناس عزيزة وغالية زيكي تتنازل وتفطر معانا؟ ثواني أصحيها."
توجهت لغرفة ابنتها بتلبك وهتفت على ابنتها:
"قومي يا بت الهانم اللي أخوكي بيشتغل عندها جاية بنفسها تطمن عليكي، فوقي بسرعة."
فتحت ندي عينها بتعب وهي تتألم من جرحها. تمتمت بعدم فهم:
"هانم مين؟"
هتفت فردوس بعجالة:
"مش وقته خالص، يلا أنا هدخل أجهز الفطار على ما أنتي تجهزي. كفاية كسفتنا قدامها وبيتنا كده."
***
عند عشق وخالد. هتفت عشق:
"أنا عايزك تكلم خطيب أختك وتطلب منه يجهز هو ومامته علشان نروح نجيب حاجة ندى النهارده."
جاء يتحدث، خرجت ندي. قامت عشق تستقبلها ببسمة حنونة وهي تهتف:
"حمد لله على سلامتك يا ندي، كده تخضينا عليكي؟ ده خالد كان هيتجنن."
"ندي: بإحراج. لحظة شيطان والحمد لله اتعلمت منها كتير."
مررت عشق يدها على كتف ندي بحنان:
"طيب الحمد لله إنها عدت على خير. أوعدك إنها تكون آخر الأحزان."
هتفت فردوس بتأنيب:
"أنت واقف كده ليه يا خالد؟ روح هات فول وطعمية."
توجه خالد للخارج يأتي بطلب أمه وهو لا يستوعب حتى الآن ما يحدث. هل عشق بمنزلهم تتناول معهم فول وطعمية؟
جهزت فردوس وندي فطار مصري جميل ووضعته على الطاولة الصغيرة وشاركتهم عشق رغم رفض خالد. وجلسوا يتناولوا الطعام. هتفت والدته بترحاب:
"أهلاً وسهلاً يا أهلاً وسهلاً يا بنت الأصول. زيارتك دي فوق راسنا، نورتينا ونورتي الحارة كلها."
"عشق بطيبة: منورة بأهلها يا طنط وربنا ما يحرمك من جمعتهم أبدا."
وجهت فردوس كلمها لخالد:
"على فكرة خطيب أختك جه، كان مخضوض عليها وقال إنه ما كانش يعرف باللي حصل، وكان نفسه يشوفها ويطمئن عليها، بس أختك رفضت تقابله."
"أه يا خالد، متنساش تتصل بيه بعد الفطار علشان ناخد اليوم من أوله."
هتف خالد بتوضيح:
"هو حضرتك عارفه مامته طالبة أوضة نوم بكام؟ فوق الـ 15000 جنيه ورفضت تختار حاجة أقل، هي قصدها تعجزنا علشان تفركش الخطوبة."
"أيه؟ 15000! لا طبعًا. إحنا عندنا كام ندي؟ هي واحدة بس. يجيلها أحسن وأغلى حاجة."
تمتم خالد بأسف:
"هو حضرتك عارفه أنا بقبض كام؟"
لم يعجبها الانكسار بكلماته لتهتف بتشجيع:
"وبعدين معاك يا خالد. أسمع الكلام من غير ما تتعبني."
وقف باحترام:
"أسف يا فندم."
تركهم وخرج يبلغ سيد وأمه. جلست عشق وجذبت ندي جوارها تسألها بحنان:
"نفسك في إيه؟"
نظرت لأمها بخجل ثم عادت بنظرها لعشق وهي تهتف برضا:
"أنا أبيه خالد بيجبلي على قد ما يقدر، وهم لو مش عايزين يصبروا أنا مش هضغط أخويا وأزعله."
"بتحبيه؟"
تفاجأت ندي من سؤال عشق الصريح وفركت يدها وهي ترد بخجل جدا. تدخلت فردوس بالحوار وهي تمدح خطيب ابنتها:
"صراحة الواد يتحب، أدب وأخلاق جدع، بس أمه قوية وشايفة إنه كتير على بنتي، وبنت أختها أولى بيه. ماسكة ودانه وبتزن إننا مش هنعرف نجهز وهيفضل مربوط جنبنا سنين لحد ما يكبر. صراحة فعلاً إحنا مش هنقدر نجهز زي الناس، لأن الشقة ما شاء الله كبيرة، محتاجة ناس معاهم فلوس. ورغم ده كله هو مش بيسأل في كلامها وده يزود غضبها علينا، وكل فترة تعمل معانا مشكلة من وراه."
رفعت عينها وجدت خالد يقف جوار الباب. سألت:
"أيه يا خالد؟ هنمشي ولا لسه مش جاهزين؟"
تحدث بنفي:
"زمانه في الطريق."
شاورت عشق لوالدته وهي تهتف بتشجيع:
"يلا يا طنط أنتي وندي."
خجلت فردوس مما يحدث وهتفت بحجة:
"لا يا حبيبتي مش هينفع أجي معاكم، الولاد لما يرجعوا من المدرسة يروحوا فين؟"
"لأزم تفرحي بحاجة بنتك. أنتي لسه واقفة يا ندي؟"
نظرت لأخيها الكبير. عشق بمرح:
"هو يقدر يقول حاجة؟ أرفضه على طول."
خالد بمرح:
"يلا يا بنتي خلصينا، مش عايز أترفد. سيبي المفتاح مع الجيران يا أمي."
بعد خروج الجميع مدت عشق يدها لخالد:
"ناولته الفيزا. خليها معاك. كل حاجة تعجب ندي، هاتيها. ملكش دعوة بأسعار. مش عايزة أفكرك، هنخلص كل شوارها النهارده، اللي هي تختاره ييجي من غير تفكير."
لا يعرف ما الخير الذي فعله، جعل ربه راضي عنه كل هذا الرضا عندما وقعت عشق في طريقه. أبدًا لم يعاملها منذ أول لحظة غير أنها أخت ثانية له. منذ أن وجدها تختبئ خلف حائط منزلها القديم، خوفها وبرائتها لمست قلبه ووعد نفسه حمايتها مثل ندي. تمتم بحب:
"أنا مش مصدق أن في ناس زيك عايشين وسطنا، بتلاقي سعادتك في إسعاد الناس. ربنا يخليكي. حقيقي كان يوم ما شوفتك أجمل يوم في عمري يا أحن وأطيب أخت في الدنيا."
خرجوا وجدوا أم سيد وجوارها ابنة أختها، كأنها تريد إظهار عجزهم أمامها. تحدث خالد بعصبية مع سيد:
"مامتك قصدها إيه وهي جايبة بنت خالتك معاها؟"
نظر سيد لأمه بلا مبالاة وهو يهتف:
"سيبك منها، أختك في قلبي وعيوني، وكل اللي هي بتعمله ده ميفرقش معايا."
يعلم جيدا أنه لا يرى غير أخته، لكن الموقف ضايقه جدا وهتف بصدق:
"حبك ليها هو اللي مصبرني لحد الوقت."
رأت عشق التكبر والكره في عيون حماتها وابنة أخته. لندي التي تشعر بالخوف وثقتها في نفسها مهزوزة. فاقت على سؤال سيدة الفظ:
"وأنتي مين يا أختي؟"
"أنا عشق يا طنط، صديقة ندي."
"سيدة بسخرية، فهي تعلم أنهم منقطعين وليس لهم أقارب: أومال ليه أول مرة أشوفك؟"
جذبت عشق يد ندي في طريقها لركوب سيارتها وهي تهتف:
"لأن كنت مسافرة ولسه راجعة من كام يوم."
توقفت عشق عن إكمال سيرها عندما سمعت كلمات سيدة لخالد الذي تجمد مكانه بغضب عندما هتفت:
"مش هتنازل عن الأوضة اللي اخترتها."
التفت لها عشق:
"يا طنط ندي غالية جدا عندنا وكل حاجتها تخلص النهارده وأحسن من طلباتك كمان."
نظرت كلا من سيدة وابنة أختها لبعضهم بعدم ارتياح لتلك العشق وثقتها الزائدة في الكلام. ركبت عشق سيارتها وخالد ركب جوار سيد.
في سيارة عشق:
"سيدة: هي دي عربيتك؟"
"أه يا طنط."
هتفت بتعجب:
"باين عليها غالية قوي."
هتفت عشق بلامبالاة:
"ولا غالية ولا حاجة، دي بمليون و200 ألف بس."
شهقت:
"سيدة: إيه؟ بكام؟"
"عشق: أه يا طنط، دي عربية الحرس بتاعي، دفع رباعي."
اتسعت أعين سيدة بصدمة هو:
"وإنتي عندك حرس كمان؟"
"عشق بهدوء بعد أن وصلت لما تريد: أه يا طنط، بس عطيتهم إجازة النهارده علشان أخرج مع ندي، أصل حضرتك ما تعرفيش غلاوة ندي عندي، دي أختي ومش ممكن أتأخر عليها أبدا."
كانت ندي ووالدتها يشعرون بالفخر من كلام عشق ورأوا القلق المرسوم على وجه سيدة والضيق على وجه ابنة أختها، مما جعلهم يشعرون ببعض الراحة. رن موبايل عشق وعندما ردت توقفت:
"أيه بتقول إيه؟"
٠٠٠٠
يتبع
رواية إنت عمري الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم امل مصطفى
************
توقفت عشق عندما وجدت رقم خالد يزين شاشة هاتفها أيوة يا خالد خير أيه بتقول أيه صوتك مش واضح
مول أيه طيب تمام استني امشي وراك لأن معرفش مكانه أوك سلام
بعد فتره توقفوا أمام مول كبير ونزل الجميع
تأملت فردوس المكان بإنبهار وهي تسأل هو أيه المكان ده
ردت عليها عشق ده يا طنط مول لتجهيز العرايس فيه كل حاجه
بدل ما تخرجي من مكان لمكان جمعوا كل حاجه هنا
حدثت سيدة ابنة أختها أيه يا اختي المكان ده هم اللي زيهم يعرف يجيب حاجه من هنا
إبنة أختها بعدم رضي ربنا يستر يا خالتي ومش يفضحونا في المكان الأسعار هنا غاليه .
سيده بشماته يعني غرف النوم هنا أغلي من السعر اللي طلبته علشان نفركش الجوازة
ضحكة ابنة اختها بسخرية كتير يا خالتي مش هتلاقي السعر ده هنا أصلا
دخل الجميع المول وكان في إستقبالهم المسؤل عن المكان بأوامر من أدهم الذي سأل مين مدام عشق
عندم شاور خالد عليها توقف الرجل بإحترام طيب اتفضلي معايا يا فندم شرف كبير إن حضرتك تشرفينا في مكانا المتواضع ده
نظر الجميع لبعض
إلا خالد الذي يعرف قوة ونفوذ سيده
حضرتك تحبي تشوفي أيه الأول
غرف النوم مش كده يا ندي ندي لم تستطع الرد من الإنبهار الذي يفرضه عليها المكان .
الرجل تمام اتفضلي سيادتك ودخل الإسانسير وتوقف في الدور الثالث أمام قاعه ضخمه جدا من غرف النوم علي كل الأشكال
اقتربت عشق من ندي اختار اللي يعجبك ملكيش دعوة بالسعر
انحنت مريم علي خالتها معقول يا خالتي تجيب أوضتها من هنا ده أخوها كان مستغلي أوضه ١٥٠٠٠ الف يقدر علي الأسعار دي أزاي أنا مش مرتاحة للموضوع
تحدثت سيدة بغيظ أنت مش شايفه البنت اللي ماشيه معاها ركبه عربيه ثمنها كام والراجل مستقبلها إزاي
مالت فردوس علي عشق معقول الأوض هنا رخيصه كده ماكانش حد تعب شوفي دي ٣٠ جنيه ودي ٤٥ يا بلاش
عشق بضحكه ٣٠ الف يا طنط مش جنيه
فردوس بصدمه يعني دي ب ٦٠ ألف ودي ٧٥ ألف
أه يا طنط
سيد لخالد وندي إحنا ايه جبنا هنا يا خالد الأسعار هنا غاليه وبعدين أنا كنت طلبت من صاحب المعرض
يعمل لنا واحدة أخت اللي أمي مصممه عليها بنص الثمن
تأمل خالد المكان حوله بحيره والله ما عارف يا سيد
سيد ::طيب يلا نمشي علشان الإحراج نقول مافيش حاجه عجبتنا
تمتم خالد بتشتت عشق مصممه علي المكان ده
سيد بغمزه خالد بجلالة قدره واحدة تمشي كلامها عليه
غريبه هي السناره غمزة ولا أيه
اتسعت اعين خالد بصدمه من تفكير صديقه وهتف بحده سنارة أيه يا عم دي مرات أدهم الشهاوي ومحترمه و بتعشق جوزها جدا وهو بيدوب فيها لو سمع حاجه زي دي هيفجر الحاره كلها
ضم سيد ما بين حاجبيه بتعجب وهو يهتف أدهم الشهاوي اللي بتشتغل عنده
أه هو بشحمه ولحمه .
سيد ::بس اللي يتعامل معاها ميحسش ده شوف حط ايديها في إيد أمك أزاي و ماشيين يضحكوا .
خالد ::أنا نفسي مش بصدق اللي بيحصل ده أصل الناس دي معديه خالص حتي أهلها من كبار الصعيد و غنيين جدا
*********
تتابع عيون ندي تري تعبيرات وجهها تريد معرفة ما يعجبها أكتر
خلاص يا ندي أخر كلام أه يا خالد
تدخلت عشق بس دي أجمل يا ندي
ندي وهي تنظر للسعر أه جميله بس دي عجباني أكثر
عشق وهي تجذبها من يدها لا دي عجباكي أكتر
اخفضت ندي وجهها بإحراج عرفتي أزاي
أنا متبعاكي ومتابعه نظرتك خلاص حضرتك ناخذ دي ولا أيه رأيك يا طنط
فردوس وهي تنظر للسعر بإحراج اللي تشوفيه يا بنتي أنا مش بعرف في الحاجات دي .
طيب العنوان يا فندم و الفاتوره بإسم مين
عشق الفاتوره بإسم خالد والعنوان في الأخر لأن لسه هنروح أقسام كتير .
ندي أيه رأيك نجيب مراتب فايبر بدل القطن
ندي بحيرة مش عارفه
إلتفتت عشق لسيده أيه رأيك يا طنط لو بتجيبي لبنتك أنهي أفضل
سيده :: الفايبر أحسن كتير وبنات العيله الوقت بيشتروا الجاهز أنضف و أقيم خلاص توكلنا علي الله .
إختاروا جميع الشوار و كله علي ذوق ندي التي كانت تتهرب من الإختيار ولكن أمام إصرار عشق تفعل ما تطلبه منها
تحدث خالد بإرهاق تعالوا نأكل أنا تعبت .
جلس الجميع في كافتيريا المول يتناولوا السندوتشات والعصائر
فردوس بفرحة الحاجه كلها جميله وفخمه بس غاليه
خالد ::يا أمي المول ده للناس المرتاحين ماديا
هتفت سيدة بتعالي وياتري الفلوس دي منين سالفهم ولا نصبت علي الراجل اللي شغال معاه .
لنها وكفي تحدث خالد بغضب أنا لو حرامي ولا بقبل علي نفسي قرش حرام كنت جوزتها من زمان وبعدين جبتهم منين ده ميخصش حد أنتي طلبتي أوضه ب١٥٠٠٠جالك وحده ٤٠٠٠٠ألف
عوجت فمها من حديثه وهي تهتف مش بطمئن علي فلوس الحاجه اللي داخلة بيت أبني
تحدث سيد بضيق كلام حضرتك غلط و ميصحش يتقال ولا أنتي مش شيفاني راجل قدامك .
هتفت بسرعة فشر مين يقدر يقول كده انت راجل وسيد الرجاله
تضايقت عشق من طريقتها وهتفت حضرتك خالد فوق مستوي الشبهات ولو ماكانش راجل وأمين وأخلاقه عاليه عمر جوزي ما كان عينه الحارس الشخصي ليا .
نظرة ندي لملامح أخيها بدموع فقد كسرة فرحتها بإهانة أخيها وأبيها
هي لم تري أبيها وهي طفله ذات عدت أعوام أسفه جدا يا أبيه لإني السبب في ده كله و إلتفتت لسيده التي كانت
تنتظر تلك اللحظه من سنين أنا ممكن أتحمل منك أي حاجه إلا إهانة أخويا والتشكيك في أخلاقه ثم خلعت دبلتها و أعطتها إيها .
نظر لها سيد بألم لهذه الدرجه لا يعني لها شيء أم هو رخيص في نظرها أم أنه لعبه بين يديها هي وأمه
لم يعجب خالد تصرف أخته وهتف بعتاب أيه ده يا ندي
مسحت دموعها بحزن بعفيك يا حبيبي من أي إهانه أنت عندي حاجه كبيره يلا يا ماما
وقف سيد بوجع وهو يطالع ملامحها الحزينه للدرجه دي أنا رخيص عندك بتخلعي دبلتي بكل سهوله شكرا ليكي بعد إذنكم .
حاول خالد إيقافه إستني يا سيد لكنه تركه دون رد
تحرك بخطوات سريعه يريد الابتعاد عن المكان بقدر المستطاع يشعر بالاختناق لأنها لم تهتم بمشاعره أمام
الجميع يعلم جيدا ان امه تجاوزت كل الحدود وأنهم تحملوا منها فوق طاقتهم لكن لم يتوقع هذا الموقف منها بالذات
أما هي سالت دموعها بعجز هي في حيره بين كرامة أخيها وقلبها
ضمتها عشق خلاص يا قلبي دي لحظة شيطان وهتعدي
بينما تحدثت فردوس بعصبية وهي تترك المكان ياريت تكوني إرتحتي الوقت لما كسرتي قلوبهم وفرقتيهم مبروك عليكي وعلي أختك .
نزل الجميع توجهوا إلي سيارة عشق ماعدا سيده ومريم
وقفوا علي جنب الطريقة
رجعت لها عشق بسؤال هو حضرتك وقفه ليه كده
هنشوف تاكسي ونرجع
عشق بإصرار لا حضرتك جايه معانا وترجعي معانا
حتي لو كل واحد هيروح لحاله بس إحنا أكلنا مع بعض عيش وملح
ركبت هي وابنة اختها جوار فردوس التي تريد ترك السيارة لكنها خافت علي زعل عشق
بينما ندي منهاره من البكاء رغم محاولتها المستمية للسيطرة علي نفسها أمام أكثر اثنين يشمتوا بها لكن دون ارادتها قلبها ينزف قبل عيونها
ركبت هي وبنت أختها في الخلف جوار فردوس
لم تعد سيدة تتحمل بكائها نعم كانت تريد لأبنها نسب يرفع الرأس ويكون سند له عند غدر الايام وأن تدخل
عروسته بما يجعلها تتباهي به أمام اهلها وجيرانها
و حاربت كثيرا لإبعاد ابنها عنهم لكنها لا تعلم لما تألم قلبها لبكاء تلك الفتاه ونظرة الانكسار بعيون ابنها
اخرجت الدبلة من حقيبتها وهي تهتف كفايه يا ندي عياط خدي يا حبيبتي إلبسي دبلتك .
مريم بإستنكار أنتي بتقولي أيه يا خالتي أنت عايزاها ترجع ليه بعد ده كله .
تمتمت بضيق وهي تلعن اختها اللي استلمتها تبث سمها في أذنها كل يوم بأن تلك العروس واهلها لا يناسبوا ولدها
وبدل أن يسحبهم هو لمستواه سوف يجذبوه لمستنقعهم
وتصبح محط سخرية جيرانها علي عزال ابنها المتهالك البالي
شوفت نظرة الانكسار في عين إبني وأنا مش ممكن اكون سبب كسرة خاطره ولا قلبه أبدا خدي يا ندي وربنا يهنيكم أمل مصطفى.
إلتفتت لها ندي بعدم تصديق
هزت سيده رأسها بالموافقه
أخذت ندي الدبله لبستها وهي تقبلها بحب
تابعت سيده فعلتها بندم لأنها تري كم هي تعشق ابنها
بينما تمتمت عشق بالحمد في نفسها
*************
تحدث خالد بعتاب إحنا سيبنا الحريم لوحدها ما ينفعش كده
::رد بحزن عايزني أفضل بعد ما خلعت دبلتي بالشكل ده
سيد أنت صاحبي قبل ما تكون خطيب أختي وعارف أخلاقي وكلام مامتك كان صعب
هتف معتذر أسف يا خالد حقك عليا أنا عارف وفاهم وتعبت اتكلم معاها بس خالتي وبنتها مغميين عنيها
شرد خالد في ذلك اليوم وهو يهتف بحزن أختي بسبب كلام مامتك فكرت في الإنتحار وكانت هتروح مني وأنت عارف أنا مش أخ كبير أنا أب
حد غيري كان فسخ الخطوبه من زمان واللي مصبرني أنت وحبك ليها البنت لسه صغيره
و محتاجه الأمان وأنا مش هسمح أن حد يبهدلها
هتف سيد بحزن علي ما سببه لهم من اوجاع يعني أنا اللي ممكن أوافق بده
طيب خليها تركب معاك وترضيها بكلمتين عارف إنها الوقت مموته نفسها من العياط
************
رن فون عشق برقم خالد ردت أيوه يا خالد طيب تمام
وقفت عشق علي جانب الطريق و أمامها سيارة سيد نزل خالد وفتح الباب لأخته وانزلها ومسح دموعها روحي
لخطيبك راضيه بكلمتين لأن اللي أنتي عملتيه عيب في حقه يلا
تحركت ندي بسرعه وركبت جواره وتحرك بالسيارة في صمت
بينما طلب خالد من عشق النزول حتي يسوق هو وتحرك بالسيارة
************
ركبت جوار خطيبها بخجل
نظر لها بسخريه يتخللها العتاب يعني لبستي الدبله تاني
ندي بخجل مامتك هي اللي عطيتها ليا
ما كنتش مصدق إنك تخلعيها بسهوله كده ده الوعد اللي و عدناه لبعض أنا ما تتخلعش غير يوم الفرح لنقلها وبعد كده متخرجش من إيدينا غير في الموت
تعلم جيدا مدي جرحه لكن وجع اخيها كان قوي تمتمت بصوت منخفض أنا أسفه بس مامتك كلامها دايما لينا قاسي وجارح خالد صعب عليا لأنه تعب معانا ويستاهل التقدير والاحترام
سيد أنا عارف إنها بتعطي كلام صعب ومش عجبني تصرفاتها بس مش عارف أعمل معاها أيه وأنتي مش
يرضيكي أزعلها وتغضب عليا بس يكفيكي أن كل ده
مقلش حبي ليكي ولو للحظه وأنا دايما براجعها وبقف قصادها بس ماينفعش أعمل كده قدامكم
بس أنا تعبت من إحساس إننا أقل منكم يا سيد
وضع يده فوق يدها
( طبعا ده شرعا حرام لأن مش مكتوب كتابهم )
مين يقدر يقول كده أنتي تاج فوق رأسي و أخوك طل عمره راجل من وهو صغير جدع وصاحب صحبه و بمليون راجل
كفايه أنه ضيع عمره عشان يحميكم من غدر الأيام وهو مش دوره وأنا بتباهي بيه بين أهلي و اصحابي
**********
عادت عشق منزلها في شدة ارهاقها
صعدت غرفتها أخذت شاور وإرتدت قميص رقيق وجلست في إنتظاره وهي حزينه
بعد مرور أكثر من نصف ساعه سمعت فتح باب الغرفه ودخل أدهم الغرفه وهو يحمل الورد والشيكولاته
ووضعهم أمامها مساء الخير يا حبيبتي
عشق مساء النور حمدلله علي سلامتك
لفت بجسدها للجهة الأخري
إبتسم علي تصرفها فهو يعلم سبب حزنها لف من حول الفراش ورفع أمامها بوكيه الورد أسف يا قلبي غصب عني
تناولت الورد ضمته لصدرها
أدهم وهو يجلس جوارها علي الفراش يعني تحضني الورد و دومي حبيبك لا
عشق الورد مش زعلني ولا أهملني
أدهم وهو يقترب منها وأنا أمتي زعلتك أنا حبيبك وأنتي عمري
ثم أكمل بندم غصب عني يا عشق كنت مضغوط جدا النهارده وعارف إن خالد مش هيسيبك
أنا كنت عايزه أسمع صوتك بس وأنت قافل فونك طول اليوم
إحتضنها غصب عني أسف والله المفروض كل فتره
أكلمك وأشوف عملتي أيه سامحيني بقي
لانت ملامحها وحشتني ماعنتش تغيب عليا كده لأزم تكلمني أكتر من مره أنت بتوحشني قوي
هتف بشغف وأنت بتوحشيني أكثر وطول اليوم طيفك م فارقش بالي سامحيني يا عمري آخر مره و ناولها الشيكولاته
فتحتها بسعاده ورفعت قطعه فمه فقبل يدها وهو
يتناولها هاخد شاور و أرجعلك أشوف عملتي إيه النهاردة
*********
في منزل خالد جلس أمام أمه بفرحة ليس بعدها فرحه وهو يسألها أيه يا أمي ندي مبسوطه
اتسعت ابتسامتها وهي تردف هي مبسوطه بعقل مين كان يصدق أن ده كله يحصل نجيب كل الحاجه في يوم واحد و أغلي وأجمل من حلمنا
وحماتها تتقبلها أخيرا
تمتم بالحمد وهو يهتف الحمد لله على كل حال وإن شاء الله الحاجه توصل علي شقتها بعد بكره
نورح نستقبلها كلنا و نستلم الحاجه ونحدد الفرح
أنتي عارفه أن شقته خالصه وكانت وقفه علي شوار ندي
بس مش عارف هعمل أيه في كتب الكتاب أبلغه
ولا لا
رأت الحيره بعيونه وقررت حسم حيرته بلاش تروح يا حبيبي إحنا مانفرقش معاه بحاجه وكده كده هو
أخر مرة شافها من ١١ سنه ولا هيهتم ويمكن كمان مش فاكر أن عنده ولاد
تحدث بحزن يعلم جيدا صدق كلامها لكنه مضطر أنا عارف كل ده يا أمي بس الأصول أن والدها عايش وهو يكون وكيلها أنا هعمل الأصول والواجب أروح أبلغه وهو حر عايز يحضر ويكون وكيلها براحته مش عايز عادي
سألته بتعجب يعني أنت عارف مكانه
طافت سحابة حزن بعيونه وهو يهتف ب اشمئزاز
أه يا أمي أنا متابع كل خطواته وعارف اتنفس كام مره وأكل أيه هو أب ما يشرفش بس مضطر علشان أخلص ضميري قدام ربنا
ربتت علي كتفه بحنان ربنا يخليك لينا
ثم دخلت غرفتها حتي لا يري الخوف الذي زارها من سيرته
فهي لا تتمني رؤيته ولا تريد إعطائه الفرصه حتي يعود لحياتها التي اصبحت أكثر راحه في بعاده جلست علي
طرف الفراش تمحي دمعتها عندما تذكرت تلك الليلة التي هجم عليها مثل القضاء المستعجل
فلاش باك
بعد انقطاع أخباره ثلاث سنوات متتاليه كانت الاسعد بالنسبه لها ثم فجأه ظهر في ليلة سوداء تعد الأسوأ في حياتها
عندما زارها وهي وحيدة في ليله تحكم به شيطانه و سكره حاولت منعه دخول المنزل وعندما ظل يطرق عليها الباب بعنف حتي التم الجيران اضطرت تدخله
خوفا علي ابنها الغائب من شره لكن الشر الأكبر كان من نصيبها عندما علمت المخزي من زيارته توجهت لغرفه
اطفالها تطمئنهم و طلبت من ندي التي تبكي بخوف من صوت صراخ والدها في الخارج ذلك الوالد الذي لم تراه أو تتذكر
معالمه أن تضم أخيها في صدرها وتنام ولا تفتح الغرفه مهما حدث إلا لأخيها خالد فقط
وعندما خرجت من غرفتهم وجدته ينظر لها بشهوة اقشعر لها جسدها رغم أنه زوجها لكنها أبدا لم تتقبل لمسته يوم
اقترب منها يقبلها حاولت التحمل حتي ينتهي قبل أن يتصادم مع خالد الذي كان صاحب الاثني وعشرون سنه
في هذا الوقت
خوفا عليه من غضب والده المنزوع الرحمه
لكنها لم تستطع كبت نفورها منه لذلك انهال عليها الصفعات
حتي تورم وجهها ورغم هذا الألم الذي ينهش جسدها وتريد الصراخ حتي تعبر عما تشعر به من ألم جسدي
ونفسي لم يكن ذلك أيضا من حقها خوفا علي طفليها في الغرفه المجاورة وبعد الإنتهاء منها بصق عليها وترك المنزل ولم يعد منذ ذلك الوقت اتكتشف بعدها أنها حامل بطفلها الاخير الذي لم يعلم وجوده حتي الأن
وعندما عاد خالد من عمله وعلم ما حدث أراد الذهاب إليه وأخذ حقها لكنها ارتعبت عليه وبكت وهي تطالبه
الرجوع عما يرد وأنه لو ذهب لوالده سوف تموت قهرا لذلك استجاب لدموعها وهو يضمها بحزن علي حالها
***************
في منزل سيدة
عادت هي وابنة اختها تعلم جيدا ما ينتظرها من ثورة أختها الكبري حنان التي استقبلتها بغضب حتي قبل ان
تجلس أيه اللي انت عملتيه ده يا سيدة أزاي بعد ده كله توافقي تدخلي بنت البلطجي الأمارتي عليتنا تسيبي بنت
بنت الحسب والنسب وةتاخدي دي
جلست سيده وهي تهتف بقلة حيله أعمل أيه يا حنان عملت كل اللي طلبت حتي يوم ما حاولت تنتحر لما
هددت بفسخ الخطوبه كنت اخسر ابني ومن يومها مش بيبات في البيت وقالي لو كان حصلها حاجه كنت
خسرتيني معاها وأنت قلتيلي ده كلام بس وقت ما
تختفي هينسي ويعيش بس النهارده نظرته ليها بعد ما خلعت دبلته و جعتني أنا كل مرة بتعب ابني قبلهم لحد كده كفايه مش هأذي ابني تاني
حنان بحده انت عارفه معني كلامك ده أيه أنك بتخسريني بتخسري أختك الوحيدة
اخفضت سيده وجهها ابني بيضيع مني وأنا ميهمنيش غير مصلحته
اتسعت اعين حنان بعدم تصديق أن اختها تمردت عليها بعد تلك السنوات وخرجت عن طوعها وقفت بحده
خلاص يا سيدة انت اختارتي انسي ان ليكي اخت اسمها حنان وعمري ما هسامحك علي كسر قلب بنتي أبدا
يلا يا مريم
وقفت سيده امامها برجاء بلاش نحط الولاد بينا انت عارفه ان بحب بنتك واتمني ليها الخير وبكره ربنا يعوضها واحنا هنفضل طول عمرنا اخوات
دفعتها حنان بعيد عن طريقها دون رد
جلست سيده تراجع نفسها فيما حدث لتشعر براحه غريبه في قرارها وأن راحة ابنها أهم من كل شيء
**************
في منزل المنشاوي
تحديدا بغرفة فهد
جلس جوار تلك الغافيه يتأمل ملامحها بحنان وهو يحرك أنامله علي و جنتها لا يصدق نفسه أو مشاعره التي
جعلته ينتظر نومها حتي يجلس جوارها كل هذا الوقت دون ملل حتي قارب علي الفجر تذكر أدهم وهو يحمل
عشق أمامه علي الفرس وتمني تجربتها معها فقط
ابتسم برضي لتلك الفكرة وقرر تنفيذها
قام يهزها بحنان وهو يهتف ماسة حبيبتي أصحي نخرج شويه ماسة
فتحت عينها بكسل وهي تحاول استيعاب ما يحدث
ابتسم وهو يكرر أصحي يا حبيبتي
اعتدلت في جلستها وهي تفرك عينها بإستغراب هو النهار طلع ولا احنا لسه بليل
قبل بين جبينها وهو يقف إحنا الفجر يلا
اتسعت عينها وهي تسأل نفسها نخرج الفجر نروح فين
لكنها وقفت تتوجه للحمام تغسل وجهها وخرجت ترتدي عبائتها السوداء
تحركت جواره في صمت حتي وصلوا اسطبل الخيل
نظرة له بحيرة
لكنه ابتسم وصعد فوق صهوة جواده ومد لها يده مسكتها بقوة جذبها بسعادة ورفعها بين أحضانه وركض بفرسه
بسرعه بينما هي تمسكت به بقوة لا تصدق ما يحدث لقد ذاب جبل الجليد وظهر وجهه الحقيقي فهد شخص
رومانسي دفن تحت انقاض الهيبة و المسؤلية والقوة وضعت رأسها علي صدرة تستمتع بسمفونية أنفاسه و دقات قلبه
وصل إلي مكانه المفضل أنزلها وجلس جوار الشجره
تأملت المكان حولها بفرحه وهي تسأله مش هو ده المكان اللي كان فيه فرح عشق
أيوة ده مكاني الخاص ولما طلب أدهم فرس علشان ييجي هنا جيتي في بالي علي طول و تمنيت أن أركب حصاني زيه وأنتي في حضني
بس ما كنتش متخيل أنه ب الروعه والجمال ده ثم جذبها بشوق
تاهت بجمال كلماته و تمتمت بتقطع يعني أنت بتحبني من زمان
مش هقدر أقول حب بس كل مره شوفتك كنت بحس بحاجات غريبه عليا مافيش عندي خبرة في التعامل مع الحريم بس إحساس كل مرة حلو مريح
عشق و جهتني في نفس اليوم أن نظرتي ليكي كلها حب وأنا مصدقتش
أتاري حبي ظاهر للكل إلا أنا
ضمت نفسها له أكثر أنا بحبك قوي يا فهد ومش مصدقه حبك وحنانك عليا ربنا يخليك ليا خايفه كل ده يكون حلم جميل .
قبلها وهو يتمني ألا يفوق من حبها أبدا
**************
خرج أدهم وجدها في انتظاره
صعد علي الفراش يتمدد وهي في أحضانه
جمع خصلات شعرها علي جنب وهو يهتف ها اليوم كان عامل أزاي يا حبيبتي
جذبت يده تضمها بين يدها وهي تسرد له ما حدث ندي كانت فرحانه وجبنا كل حاجه ناقصه
كنت مبسوطه من الفرحه اللي في عيونها هي وخالد وأمها بس حماتها عملت مشكله نكدت علي الجميع
أمل مصطفى
تعجب أدهم من تلك المرأه لقد أتوا بكل ما تريده وأكثر لما هذا النكد ليه تاني مش جالها أحسن من اللي هي طلباه
أه بس طعنت خالد في أخلاقه و قالتله أنت نصبت علي الراجل اللي شغال معاه ولا سالف الفلوس
تحدث أدهم بغضب من تلك المرأه خالد من الشباب المكافح محترم وعنده ضمير وإلا عمري ما كنت شغلته معايا
الحمدلله الموضوع عدي علي خير
لا تعلم كيف أصبحت علي الفراش وهو فوقها عندما هتف بخبث أنا موضوعي لسه معداش علي خير
واغرقها في بحر من القبلات الدافئه يعتذر لها عن تقصيره اليوم
ودون أن يدري غرق هو أيضا في بحر عشقها
*****************
في اليوم الثالث
وصل خالد أمام ملهي ليلي وهو يشعر بالضيق
هو لم يراه منذ سنوات و يشعر بالإشمئزاز منه فهو أسواء مثال للأبوه ترك صغاره وركض خلف الرقصات وبنات الليل
دون أن يلتفت يوما خلفه حتي يطمئن علي حالهم كبيره
كان بعمر الثامن عشر وصغيره كان مازل في بطن أمه لم يري للدنيا نور نزل من السيارة
سأله صديقه عامر أدخل معاك
هتف خالد برفض لا خليك مش هتأخر أنا أصلا قرفان إن داخل مكان زي ده وعارف إن هشوف مناظر تكسرني .
تحرك لذلك النادي بخطوات قوية واثقه لقد تعمد
المجيء قبل الزحام حتي لا يري اشياء تزيد من كره لوالده فالسمع غير الرؤية
أوقفه الحرس علي الباب وهم ينظرو له بريبه من طريقة دخوله
هتف خالد بضيق في أيه
كان سؤال الحرس غريب علي المكان عندما سأله أنت جاي لحد خالد
نظر له خالد بسخرية لا زبون وبعدين غريبه من أمتي الكباريه يمنع حد من الدخول
الحارس
لا مش بنمنع حد أنت وجه جديد ولازم نعرف سبب الزيارة نظر له بسخريه وتحرك للداخل
أما عامر لم يرتاح للوضع ودخل خلفه دون أن يراه تحسبا لأي قلق
تحرك خالد بهيئته الجذاب شاب وسيم بجسد رياضي قميص يتماشي لونه مع بشرته مثني الاكمام يسير بخطوات ثابته قويه مم لفت نظر الفتيات المتواجدين
بحث عنه بعيونه حتي توقف عند ما رأي ما كان يخشاه والده يجلس بين فتيات الليل إحداهن علي قدمه يقبلها
وهو يضحك توجه له وهو يشعر بالضعف هو لم يتمني أب بمثل تلك القذارة لكن ما باليد حيله
توجه له حتي توقف أمام طاولته وهو يخفض عيونه يستغفر ربه مما يري وهو يتمتم بصوت منخفض به بعض الحدة أخبارك
رفع شهاب عيونه وعندما عرف من ملامحه هويته
تحدث بسخريه أهلا بابن أمه أيه ده كبرت وبقيت راجل ملو هدومك
رمقه خالد بغضب من هذا الحجر كيف يقابل ابنه الذي لم يراه منذ 10 سنوات بهذا البرود ألا يملك قلب أو مشاعر
تدخلت إحدي الفتيات بإعجاب شديد وهي تقف تقترب من خالد مين ده يا شهاب
شهاب بسخريه لاذعه إبني البكري يا أختي
الفتيات بإعجاب شديد وعدم تصديق إبنك ب الحلاوة و الشياكه دي إزاي
البنت وهي تضع يدها علي كتفه تتحسسه ما تقعد معانا تنورنا
نفض خالد يدها بتقزز ابعدي إيدك دي
شهاب وهو يضحك بقوه ابعدي عنه أصله طالع زي امه بتاع مبادئ وأخلاق ضحكة الفتيات وهو يكمل تلاقيه عمره ما لمس واحدة قبل كده
اتسعت أعين خالد من وقاحته وطريقه كلامه الفظه أمام أبنه الكبير - ماذا يفعل مع شخص مثله يجب عليه
الخروج من هنا بأقصي سرعه صدره لا يطيق تلك الروائح الكريه لذلك هتف بقوة
ممكن كلمه لوحدنا .
شهاب برفض وهو يحتضن الفتاه دول عائلتي أتكلم براحتك قدامهم .
بس أنا عايزك لوحدك .
شهاب ده مكان شغل و الزبائن بدأت تهل مش شؤون طلبه إحنا
تأمله خالد بحزن داخلي ولعن نفسه ألف مره من طريقه تفكيره وأن يجعل شخص مثل ذلك ولي أخته
أنا كنت جاي اعمالك إعتبار و أقولك إن كتب كتاب
ندي بعد بكره لو حابب تكون وليها .
شهاب بضحكه وهو يقف أمامه ابتلع ريقه بصعوبه عندما لاحظ فرق الطول والجسد
داري قلقه من هيئة خالد المهيبه في كلماته هتجوزها
صغيره ليه كده ماكنت تشغلها وتخليها تجيب مصروفها الأول بدل ما تبقي عاله زي أمك .
اقترب منه خالد خطوة افزعت أبيه وهو يهتف بغضب جيب سيرة أمي في مكان زي ده مره تانيه ومش هتعرف غير شغلك .
ضحك والدة بقوة فهو في مركز قوته وبين رجاله ومهما كانت قوة ابنه لا يضاهيهم شيء الكثرة تغلب الشجاعه
واهم أنت شهاب الغضب والانكسار يعطي الشخص قوة مضاعفه
وهتف بسخرية هتعمل أيه يعني يا بن فردوس أنت جيلي في شغلي وبين رجالتي تهددني .
خالد بغضب أنا لا يهمني أنت ولا رجالتك وضرب علي صدره بقوة أخافت شهاب القلب ده جمد وقسي من يوم ما رميته وهو لسه صغير و جريت وري العاهرات
ولولا أمي اللي ربتني صح كنت عرفتك مقامك .
أنا كنت جاي ابن لابوه علشان خاطر أختي بس
لكن من اللحظه دي كل حقوقك عندنا سقطت حتي أمي هطلقها غصب عنك مستحيل اسيبها تفضل علي ذمة واحد زيك
اعتدل شهاب في وقفته وهو يهتف روح العب بعيد يا شاطر وأمك عمري ما هطلقها لأخر يوم في عمرها خليها كده معلقه تحت مزاجي شاور لإحدي الرجال هو وزميله .
الذي أتي علي وجه السرعه وهو يهتف خير يا معلم .
شاور شهاب علي خالد الذي لم يهتز بصوا للوش ده كويس و احفظوه ماعدش يدخل من الباب ده أبدا وإلا تخسروا شغلكم
الحرس أوامرك .
هتف خالد بحقد تفتكر واحد زيي يشرفه أنه يكون موجود في مكان زي ده ولا يدخله تاني أنت كده قفلت أخر ما بينا
الحارس وهو يخبط خالد في كتفه يلا قدامي .
خالد وهو يلتفت له بغضب أنت قد الحركه دي .
الحارس وهو ينظر لزميله بسخريه أه ولم يكملها حيث هجم عليه خالد ليخرج به جام غضبه من أبيه ومن الأيام
إبتعد شهاب هو و البنات عندما وجد غضب أبنه الذي أفقد الحارس وعيه من أول هجمه وقبل أن يستعد الأخر كان يضربه في رأسه ثم اتبعه لكمه قوية جعلته يفترش الطاوله خلفه
نادا شهاب باقي الحرس جاء أحدهم وهو يحمل السلاح نظر خالد لأبيه هل هان عليه إبنه لتلك الدرجه ولكن قبل أن يستوعب ما يألم قلبه كانت انطلقت رصاصه غادره
في صدر خالد
***************
٠٠٠٠٠٠ يتبع
رأيكم في الاحداث
رواية إنت عمري الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم امل مصطفى
وقف خالد يتصارع مع الحارس، لكن والده نادى باقي الحرس الذين ركضوا اتجاهه. نظر خالد لوالده بعدم تصديق يأمر بقتل ابنه. لم يفق من ذهوله عندما انطلقت رصاصة غادرة لصدره، ولكن عامر تدخل وقام بضرب حامل السلاح وأخطأت الرصاصة هدفها. حدث اشتباك أدى إلى خروج جميع من في الكباريه ما عدا الحرس وخالد وعامر، الذي اتصل بأصدقائه قبل دخوله استعدادًا لأي ظرف، فهو من كان يقوم بتوصيل أخباره لخالد ويعلم جيدًا شره.
دخل الكل ووجدوا خالد وعامر محاصرين.
شهاب بشماتة: وريني يا حيلة أمك هتعمل إيه.
خالد وهو يهجم عليه بغل: هعمل كده. وحكم يده على رقبته ووجه له السلاح.
صدع صوت قوي غاضب في المكان. التفت الكل لصاحب الصوت ووجدوا صاحب المكان ورجاله وهو يصرخ على شهاب يسأله: عم يحدث؟ في إيه يا شهاب ومين ده؟
لعن شهاب في سره زوجته وابنها وهو يهتف: ده ابني.
الرجل: حل مشاكلك بره هنا يا شهاب وكل الخراب اللي حصل تدفع ثمنه أنت وابنك معاك.
رد خالد بغضب: أنا مش دافع حاجة، خليه هو يدفع دم قلبه.
رمقه الرجل بنظرة تقييم، لم يجد بعينيه الخوف بل الغضب. وأراد جس نبضه: مفيش حد يتعدى على أملاكي ويخرج سليم، اسمع الكلام أحسن لك.
هتف خالد بثبات: حقك خذوه مني، لكن صاحبي مالوش ذنب، خرجه وأنا معاك.
وافق الرجل على ترك عامر وطلب خالد من عامر الخروج.
خالد: اخرج يا عامر، ده حساب بيني وبين الراجل ده.
عامر وهو ينظر له بحيرة، فهو لا يريد تركه وفي نفس الوقت يشعر بالخوف على زوجته وابنه، فهما اثنين وأمامهم عدد كبير ومسلح. لم يستطع ترك صديقه وهتف بإصرار: لا يا خالد مش سيبك.
خالد بضيق منه: اخرج يا عامر علشان خاطر ابنك، أنا مش خارج من هنا حي.
عامر برفض: لا. وهجم على الواقف خلفه وحصل اشتباك مرة أخرى، لكن هذه المرة جاء أصدقاؤهم.
حدثت حرب طاحنة. هرب شهاب تاركًا خلفه ابنه يواجه مصيره، ابنه الذي يراه وهو يتحرك للفرار بنفسه.
صدع صوت الرجل مرة أخرى بصوت عالٍ: بس خلاص، خد رجالتك وامشي.
توقف خالد وهو ينظر له باشمئزاز: هو خائف على مصلحته، ووالده لم يخف على لحمه ودمه.
خرجوا.
تحدث خالد وهو يسند عامر: أنت غبي، مش قلت لك ما تخرجش من العربية.
عامر: اعمل إيه يعني، ما كانش ينفع أسيبك.
تحدث خالد بحدة: افرض كان حصل لك حاجة، ابنك ومراتك كانوا يعملوا إيه.
رمقه عامر بسخرية: بتهزر مش كده؟ ما أنت أمك وأخواتك برضه يعملوا إيه من غير...
قطع حوارهم كلمات هاني التي جعلت الدماء تجف بعروقهم وهو يهتف: مش وقت الكلام ده، الباشا عايزنا.
توقف خالد عن المشي وهو يلتفت بنظره لهاني: هو الباشا عرف منين؟
توجه هاني للسيارة وهو يردف: لما عامر كلم محمود، كنا معاه. ما هو اللي طلب مننا نيجي نوقف معاك.
***
عند شهاب، وقف يطرق باب منزله الذي يسكن به مع بعض فتيات الكباريه بعنف. فتحت له فتاة اسمها حليمة. دخل شهاب وهو يسب ويلعن طليقته وابنه الذي خرب حياته في دقائق معدودة، جعله يخسر ما جمعه في سنين. هو يعمل قوادًا لعدد من الفتيات والحريم وصاحب الكباريه لن يتركه حتى يعوض تلك الخسائر، وهو مضطر لفعل ما يريده لكي تستمر مصلحته.
الفتيات بسؤال: أنت كويس؟
شهاب بغضب: ابن أمه كان هيموتني والكباريه اتكسر.
لبلبة بإعجاب: أنا مش مصدقة يا شوشو أن ده ابنك.
شهاب بغضب: ولا أنا مصدق. أنا كنت سايبه حتة عيل عنده 15 سنة، كنت بروح وأجي عليهم لحد ما بقى عنده 18 سنة. عامل زي العصاية. بقى عامل زي الطور يعدي في الحيط، مش عارف البومة أمه كانت بتعلفه إيه. ده ضرب الجموسة حلمي اللي كنا بنخوف به الزبائن. صراحة يا شوشو، ده غيرك خالص. أخ أخ رجولة رجولة يعني طول بعرض وحمش كده. لما ميرنا قربت منه كان عايز يقتلها عليه. نظرة بن الأيه تهوس.
شهاب بغضب: مالك يا ****** أنتم وهي؟ هو أنتم أول مرة تشوفوا رجالة؟ دانتم لفينها.
***
في الفيلا، يتحرك أدهم في حديقتها بضيق. وعندما دخل رجاله وجدوه في شدة غضبه. وقف الجميع أمامه. نظر في وجوههم يرى مدى إصابتهم، لكنه شعر بالرضا عندما وجد إصابات بسيطة لا تذكر. تحدث بغضب: ممكن أعرف إيه اللي بيحصل من ورايا ده؟ ها تشتغلوا بلطجية؟
هتف خالد بخزي: الغلط من عندي سعادتك، محدش منهم له ذنب. دي كانت مشكلة عائلية وأنا موافق على أي عقاب تشوفه مناسب.
مرر أدهم عينيه على خالد الذي عاد مهزومًا نفسيًا وليس جسديًا. هناك شرخ في روحه مستحيل مداواته. أمر الجميع بالانصراف وتركهم منفردين.
توجه بنظره لخالد: إيه اللي خلاك تروح عنده؟
أردف بألم: كنت ببلغه ميعاد كتب كتاب بنته الوحيدة. زي الأغراب كان عندي أمل أنه يكون اتغير وحس بالأبوة ناحيتنا، بس للأسف طلب من رجالتة تقتل ابنه. أكمل بروح مذبوحة: تخيل حضرتك أب ماشافش ولاده من 11 سنة، لما ابنه يروح له بدل ما ياخده في حضنه يأمر رجالتة بضربه؟
أشفق أدهم على حاله وهتف بضيق من ذلك الأب الجاحد: أنت راجل ومش محتاجه في حاجة، أنت ولي أمر أختك. أراد أن يخفف عنه هذا الألم الساكن بعينيه وهتف بتشجيع: وأنا كمان هكون شاهد على العقد، ولا تزعل.
اتسعت عينا خالد بفرحة. لولا خجله كان حضنه من فرحته. قد تكون بالنسبة لأدهم مجرد كلمات نطقها، لكنها بالنسبة لخالد معروف كبير طوق به عنقه لآخر العمر، وجبر خاطر ليس بعده جبر وسند له من كل تلك الأوجاع. أزال إحساسه المستمر بعدم وجود سند له. وهتف بتلجلج من عدم وجود كلام يعبر عما يشعر به: وجود حضرتك شرف كبير لينا، أنا فرحتي بكلام حضرتك أكبر بكتير من فرحتي بجواز أختي.
ابتسم له أدهم وهو يشاور له: طيب يلا روح وانسى خالص كل اللي حصل. أنت الوقت أخ وأب في نفس الوقت، لازم طول الوقت تظهر قوي متماسك حتى لو جواك منهار.
***
في المساء، دخل أدهم غرفته يبحث عنها بعينيه. وعندما وجدها تخرج من غرفة الملابس هتف بحب: ها حبيبي خلص لبس ولا لسه؟
ابتسمت بحيرة: عايزة أعرف رايحين فين علشان أشوف لبسي مناسب للمكان ولا لاء.
تحدث أدهم بهيام: حبيبي المكان هو اللي يليق بيها مش العكس. شوفي اللي يعجبك وأنا هستناكي في المكتب تحت.
نزلت وهي ترتدي فستانًا أزرق وحجاب أبيض جعلها مثل فراشة ناعمة رقيقة.
أدهم بصفارة إعجاب: إيه الجمال ده كله وبتقولي مش عارفة يناسب المكان ولا لاء. دا حبيبي آيه من الجمال والرقة.
ابتسمت بحب وهي تهتف: وأنا ميهمنيش غير عيونك.
أخذ يدها، انحنى عليها يقبلها بمنتهى الرقة التي تناسب فراشته، ثم وضع يدها بحنان على ذراعه وتوجه بها للخارج. فتح لها باب السيارة وبعد أن جلست توجه هو لعجلة القيادة.
وبعد وقت بسيط توقف أمام كافيه في مكان بعيد عن الزحام. دخل المكان وهو ينحني عليها يسألها: إيه رأيك في المكان؟
لم ترفع عينها وهي تهتف: أي مكان أنت فيه يعجبني من غير كلام، كفاية أنه اختيارك.
قبل أن يرد، توقف الويتر على مقربة منه يساعده على الوصول لطاولته. جلس هو وعشق وطلب لها الطعام على ذوقه.
***
عاد خالد منزله بملامح تحمل الهم والوجع، كأنه شاخ، لا يصدق أن والده حاول قتله دون أن يرمش له جفن. فهمت فردوس حزن ابنها من هيئته وعلمت أن زوجها ما زال يحمل جبروت وقسوة قلب. اقتربت منه تواسيه دون أن تعلم ماذا حدث.
فردوس: معلش يا حبيبي، أنت عملت اللي عليك وهو حر، كفاية أنه خسر ابن زيك فخر وشرف لأي أهل.
خرجت حروف كلماته حزينة متألمة وهو يهتف: تفتكري ليه بيكرهني كده؟ أنا مشوفتش في عيونه لمحة حب أو حنان ليه.
فردوس بحزن: أبوك طول عمره قلبه قاسي وجاحد ومش مصدق إنك ابنه.
رفع عينيه بصدمة من مغزى كلمات والدته التي يسمعها لأول مرة: قصدك إيه؟
فردوس: فاكر إني خونته.
تأملها بتعجب وهو يهتف: إيه؟ يحط في دماغه فكرة زي دي.
خرجت منها تنهيدة متألمة من تلك الذكرى وبدأت سرد ما حدث لأول مرة: كنت بحب واحد وهو بيعشقني، على قد حاله آه بس راجل جدع وعنده ضمير وابن حلال وكل الناس بتحبه. أبوك كان بيغير منه قوي لأنه محبوب من الكل. ولما أبوك طلب إيدي، قبله أنا رفضت، لأن طول عمره شمال والناس كلها عارفة أنه ماشي في كل حاجة تجيب فلوس. لما وافقت على أيمن، أبوك اتجنن، إزاي أرفضه وأوافق على واحد زي ده وقلب الدنيا. تالت يوم الخطوبة منه لله، أبوك حط لأيمن حشيش وبلغ عنه. اتقبض عليه ومعرفتش أطلعه لأن محتاج محامي كبير وفلوس كتير والإمكانيات متسمحش. بعد أسبوع جاني أبوك وهو شمتان فيه وعرض عليا الجواز. اتخانقت معاه وطردته. خرج من عندي شوه سمعتي إن أنا... بكت بحرقة كأنها تعيش ما حدث من سنوات مرة أخرى. قال إن أنا كنت ماشية معاه في الحرام. أبويا متحملش كلام الناس ومات. الجاحد مصبرش علينا لما نفوق، جه طلب إيدي من أمي، وافقت علشان تلم لسان الناس، ما إحنا بقينا اتنين ولاية من غير راجل. وفعلا اتجوزنا جوازة الندم. ضرب وإهانة وقلة أدب لأن دايما برفض قربه مني. حياتي معاه كلها غصب في غصب. مكرهتش حد في حياتي قده. وبعد ست شهور من جوازنا خرج أيمن، معرفش إزاي ولا مين ساعده. أنا مشفتوش من يوم ما اتقبض عليه. جه عند أم زينهم وقالها أنه مسافر ومش راجع هنا تاني، بس نفسه يشوفني مرة أخيرة من غير ما أعرف علشان ما يسببش ليا أي مشاكل، ماهو عارف جبروت أبوك. يومها أم زينهم جت خبطة عليا طلبت مساعدتها في تقوير الكوسة. وفعلاً روحت عملت الشاي وقعدنا نتكلم ونحكي وإحنا بنشتغل. أتاري أيمن واقف ورا باب غرفتها اللي قدامي وأنا معرفش. قعدت معاها ربع ساعة وبعدين روحت شقتي.
***
عند أدهم، هتف بتشجيع: تعالي نرقص.
تحدثت بخجل: لا، اتكسف. أنا حاجة غريبة بين الناس دي، شوف لبسي ولبسهم. حاسة إن الكل بيتفرج عليا.
جذب يدها وهو يقف بإصرار: طبعًا ملاك زيك لازم يكون محط أنظار الجميع. أنت الشمس اللي يستمدوا منها ضوئهم، وهم مجرد نجوم.
ابتسمت له بحب ووقفت أمامه. جذبها بحنان لصدره وتحرك معها على أنغام الموسيقى الهادئة.
على طاولة أخرى، تحدث أحدهم بذهول: مش مصدق عيوني، ده حلم ولا علم؟ معقول اللي بيرقص قدامنا ده أدهم الشهاوي.
صديقه: والله ولا أنا. ده عمره ما وافق على حفلات ولا كلم حريم ولا رقص. أول مرة أشوفه كده.
الأول: يابني دي أكيد مراته، أنا سمعت أنه اتجوز من كام شهر.
رمقتهم أخرى باستخفاف: أنا شايفة إنها مش من مستواه، شايف لبسها.
رد عليها: المشكلة مش في لبسها، المشكلة إنها قدرت توقع واحد زي ده. كان حلم كل البنات والحريم اللي حواليه.
تحدثت الأخرى بغيرة: وأنا كنت منهم. وكل مرة أحاول أقرب منه يبص لي من فوق لتحت كأني حشرة ويمشي. لما يقعد نروح نسلم عليه ونبارك له.
عند أدهم، تعلقت عينها بعينه: أنا بعشقك ومش مصدقة لحد الوقت إني مراتك.
ضمها بغرام: وأنا كمان بعشقك يا عمر أدهم الجميل. وبالنسبة لإثبات إنك مراتي... حملها ودار بها.
عشق بخجل وهي تتمسك به: أدهم الناس يا حبيبي.
هتف بغرام: أنا نفسي أصرخ بحبك قدام العالم كله من السعادة اللي عايشها في وجودك واللي حاسس بيها الوقت. أنا كنت قبلك فاقد الحياة. عايز كل الناس تشوف الملكة الجبارة اللي قدرت تحتل قلعة أدهم الشهاوي من غير سلاح ولا جنود، خليته يستسلم في وقت قياسي وبدل ما يحزن على احتلالها رفع الراية البيضاء وهو في منتهى السعادة والرضا.
تاهت في معسول كلماته لدرجة أنهم لم يلاحظوا انتهاء الأغنية. لكن نظرة من حولها جعلتها تفوق وهي تهتف: الأغنية خلصت والناس بتتفرج علينا.
هتف بحب: انسى الناس والدنيا لما نكون مع بعض. همس بابتسامة جذابة: بحبك.
عشق وهي تبادله بنظرة أخرى شغوفة: وأنا كمان بحبك.
وجد الجميع يصفق لهم. كادت تفقد وعيها من شدة الخجل، وهو لم يرحم ضعفها بل قبل جبينها وأخذها وعادوا للطاولة.
***
عودة لخالد، الذي يستمع لحديث أمه بعقل مشتت وهي تكمل: لقيت أبوك راجع بغضب، شدني من شعري وضربني من غير ما يسأل ولا يعرفني في إيه. فضل يضرب فيه وهو بيكرر كلمتين: خاينة وقذرة. ومن شدة الوجع بقيت أستنجد بالجيران وأنا بدعي عليه. لحد ما جت أم زينهم تسأله بيعمل كده ليه وحرام عليه ضربه المستمر ليا. سابها وقال لها: أنت فاتحة بيتك للوساخة. غضبت وقالت له إن أيمن أرجل وأشرف منك، على الأقل مش بياخد حاجة بتاعة حد. وهو طلب يشوفها من غير ما هي تعرف لأنه بيفهم في الأصول. وقتها حسيت إن قلبي بيبكي على أيمن، حسيت إن خاينة لأيمن مش لأبوك. أيمن كان جاي يودعني من غير ما أعرف. عرفت بعدين إن واحد من رجالة أبوك شافوا أيمن وهو طالع، فكر أنه جاي عندي، اتصل بأبوك. ولما طلع وراه لاقاه داخل شقة أم زينهم. وبعدها جت أخذتني ولما روحت شقتي هو خرج بعدها. كل ده أنا ما كنتش أعرف أي حاجة من دي غير بعدها بفترة. يأذن السميع أن بعد أسبوعين طلعت حامل. لما عرف جن جنونه وفضل يضرب فيه علشان يموت الجنين، بس ربنا أقوى من أي شيء. منزلتش وفضلت في المستشفى شهر. مجاش ولا مرة بص عليا. ورغم كرهي ليه وأي حاجة منه حتى أنفاسه وقربه ليا، بس مقدرتش أكرهك. بقيت خايفة عليك من أذاه. ربنا جعلك عوض لي وسندي في الحياة.
قام خالد يضمها لصدره بحزن على حالها. لا يعلم يواسيها أم يواسي نفسه على حظه العسر الذي جعله ابن لذلك الأب. قبل رأسها وهو يتعهد أن يعوضها كل ما عانت مع قاسي القلب من أجلهم.
بكت في حضنه: سامحني يا حبيبي، كان نفسي يكون ليكم أب غيره، بس النصيب حكم وإحنا ملناش يد فيه.
***
عند أدهم، بعد أن جلس على طاولته هو وعشق، سمع صوت قطع وصلة غرامهم.
رجل: مساء الخير يا أدهم باشا.
رفع عينيه وجد أمامه رجلان من صغار رجال الأعمال. هم أكبر منه سناً ولكن هو أعلاهم شأناً.
أدهم: مساء النور. خير.
الرجل الأول: إحنا مبسوطين إننا شوفنا سعادتك.
الرجل الثاني: حبينا نمسي على سيادتك.
بينما هتفت تلك الفتاة وهي تشاور على عشق: هي دي صاحبتك.
نظر لها أدهم نفس نظرة الاشمئزاز: أنا مش بصاحب يا مدام، دي مراتي.
الرجلان: ألف ألف مبروك يا فندم.
حدثهم بلا مبالاة: طيب ممكن نقعد في هدوء شوية.
اعتذر الجميع وتركوه بعد أن تمنوا لهم أمسية طيبة.
عادوا إلى طاولتهم بإحراج ما عدا تلك التي كانت تسب في سرها: قليل الذوق وبارد، يستاهل واحدة عرة زي دي.
***
في إحدى الحارات الشعبية، أمام منزل خالد الذي وقف بتوتر، فـ أدهم سوف يحضر كتب كتاب أخته. هو لا يصدق التغيير الجذري في شخصية سيده. هو قبل وجود عشق في حياته لم يكن يحضر تلك المناسبة في أفخم القاعات، أم الآن يحضرها برضا في مثل هذا الحي الشعبي.
سمع صوت سيد خطيب أخته من خلفه: مالك يابني؟ الأصول أكون أنا اللي متوتر كده لأن كتب كتابي النهاردة، لكن أنت ليه مش واقف على بعضك كده؟
التف له بتعجب وهو يسأل: أنت بجد مش عارف سبب التوتر ده؟ لما واحد زي ده يتنازل ويتعاطف علشان يحضر كتب كتاب أختي اللي أبوها رفض يحضره. بس هقولك إيه؟ ما أنت مش عارف قيمة شخص زي ده. الناس دي نفوذها بيكون أقوى من وزير الخارجية نفسه.
وافقه سيد: لا، أنا فاهم وعارف ومقدر كمان، بس عايزك تهدي.
وصلت السيارات. نزل أدهم وهو يأخذ يد عشق ينزلها. التف حوله رجاله بمنظر مهيب لفت نظر جميع الناس، بما فيهم سيدة التي هزها الحدث وشعرت بالفخر لوجود مثل هذا الشخص في كتب كتاب ابنها. تتفاخر بهذا النسب الذي كانت ترفضه أمام عائلتها وبعض جيرانها.
تحدثت فردوس: ده شكله حاجة كبيرة خالص.
فردوس بفخر: طبعًا، ده الباشا بتاع خالد، راجل واصل خالص.
تمتمت سيدة بفرحة: باين، باين.
حدث أدهم رجاله: أنتم جايين علشان تحضروا كتبكتاب أخت صاحبكم، يعني انطلقوا براحتكم، وسيبوني أنا مش محتاج حد يحرسني.
تحدث خالد بفخر: شرفتني يا أدهم بيه، ده شرف ليا وللحارة كلها وجود معاليك بينا. اتفضل حضرتك معايا.
تحركت عشق وهي تهتف: أنا داخلة عند ندي.
أدهم برفض: لا، استنى أوصلك. تحركت جواره حتى دخلت. وعندما اطمئن عليها، خرج مع خالد إلى الصوان. وجد العريس والمأذون في انتظار حضوره. شاور خالد لأدهم: اتفضل حضرتك.
أدهم: اتفضل فين؟ شرف ليا إنك تكون ولي أختي.
تحدث أدهم برفض: ماحدش يستاهل المكان دي غيرك، أنت اللي ربيت وكبرت.
خالد باحترام: حضرتك عزوة وفخر لينا كلنا.
جلس أدهم جوار المأذون ووضع يده بيد سيد.
عند عشق، دخلت بسعادة وهي تبحث عن ندي. احتضنتها بسعادة: عروستنا الجميلة، ألف مبروك يا حبيبتي.
ندي بسعادة: الله يبارك فيكي. مبروك يا طنط فردوس.
فردوس وهي تحتضنها: الله يبارك فيكي يا أميرة يا بنت الأمراء.
عشق وهي تهمس لها: اتفضلي يا طنط، دي هدية ندي، ابقى أعطيها لها بعد ما الناس تمشي.
تناولتها فردوس وهي تنظر داخل الشنطة، وجدت علبة قطيفة. قامت بإخراجها وفتحتها، وجدت طقم ذهب.
فردوس: إيه ده يا بنتي؟ كده كتير.
عشق بطيبة: مفيش حاجة تغلي على نوده.
فردوس: خلاص لأزم تلبسيها.
عشق: يا طنط بعدين لما نكون لوحدنا.
فردوس بإصرار: والله أبدا. اقتربت من ابنتها: شوفتي يا ندي هدية عشق.
ندي وهي تنظر لها بإعجاب: شكراً يا عشق، مهما قولت مش ممكن أعطيكي حقك.
جلس وحيد يتابع دخول أدهم ومعاملته مع خالد وهو يندب حظه: داتنا نيلة في حظنا الهباب، حد يصدق أن باشا زي ده يدخل حارتنا المعفنة دي علشان يحضر كتبكتاب أخت حارس عنده ما يسواش تلاتة مليم؟ زي ما كل البشوات بيبصوا لينا. والله يا خالد تبقي غبي لو نفذتهدف حفيد السلاموني. لو الباشا بتاعي يعاملني كده كنت أفديه بروحي.
عندما ابتعد خالد عن أدهم، اقترب منه وحيد بسرعة وهو يجذبه من ذراعه على جنب: عايز تغدر براجل زي ده؟ يا خالد، أول مرة أعرف إنك بالغباء ده. حافظ على النعمة اللي بين إيدك وحطه فوق رأسك.
خالد بغضب: أنت اتجننت؟ إزاي تتكلم كده في مكان زي ده؟ اعمل حسابك لو روحت في داهية هشدك معايا، وإياك ثم إياك تتكلم في الموضوع ده في مكان عام، وإلا هبلغ حفيد السلاموني إنك بعته لأدهم.
اتسعت عينا وحيد بصدمة من التغيير الجذري في شخصية خالد، الذي أقسمت كل الحارة أنه لم تجرِ في عروقه نقطة واحدة من دم أبيه القذر، لأنه شخص سيء السمعة والخلق وله بصمة في كل منزل بالحارة. أم خالد طيب الخلق ويساعد كل من يحتاج مساعدته. معقول ظهرت عليه جينات والده الآن وأصبح يملك ندالته وسوء خلقه. ابتعد وحيد عن المكان وهو حزين على صديقه الذي خسره في لحظة.
في الداخل، اقتربت عشق من ندي ببسمة حانية تلبسها هديتها تحت أنظار الجميع. فجأة سمعوا صوت طلق ناري وصاحبه صراخ. وقع قلب عشق وهمست: أدهم.
***
....يتبع
رواية إنت عمري الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم امل مصطفى
انتفضت عشق عندما سمعت صوت طلق ناري وهمست برعب: "أدهم".
وجد أدهم نفسه محاطاً بجميع رجاله. صرخ بهم بغضب: "بتعملوا إيه؟ عشق أهم! إبعدوا كده، إبعدوا عنه."
ولكن ليس بالكثير، حتى خالد بينهم.
تحرك أدهم ليطمئن على عشق، وجدها تركض بخوف وترتمي بحضنه وهي تبكي: "أنت كويس؟ فيك حاجة؟ رد عليا."
أدهم بحب: "أنا بخير وكنت جاي أطمئن عليك."
تنهدت براحة: "أنا بخير بس خوفت لما سمعت الطلق والصراخ، جت في بالي على طول."
يهتف سيد معتذراً: "ده شاب مسدس الأفراح علق معاه والطلقة جت في صحبه، بس خير، جت في رجله وراح المستشفى."
تحدث أدهم: "يلا نروح ولا عايزة تقعدي شوية؟"
"براحتك، كتب الكتاب تم الحمد لله على خير."
جذب يدها بحنان: "طب يلا."
وقبل أن تتحرك، سمعت نداء ندي: "تريد أن تسلم عليها قبل الذهاب."
أخذها أدهم من يدها وتحرك للسيارة.
تحرك هاني وعامر. أدهم برفض: "لا خليكم، أنا هاخد العربية وأروح."
يهتف هاني بمحايلة: "طب حد يكون مع سيادتك؟"
أدهم: "وبعدين يا هاني، لو حصل حاجة هرن عليكم."
ركب السيارة وعشق جواره. تحرك. وفي الطريق جذبها لحضنه: "خوفتي عليا يا عشق؟"
وهي تقترب منه أكثر: "لو ما خفتش عليك أخاف على مين؟ أنا عارفة إن بقي ليا عيلة بتحبني وبتخاف عليا، بس حقيقي أنت كل عيلتي وحياتي، ومقدرش أكمل فيها من غيرك."
انحنى يقبل رأسها وهو يوافقها: "أنا زيك، كملت بيكي ومن غيرك مافيش حياة، أنت ليا كل الحياة."
تحدثت بدلال: "هو ينفع يعني، لو مش يضايقك ننزل على البحر وناكل ذرة؟"
نظر لها دون كلام. فهمت صمته رفض. تمتمت بحرج: "طيب خلاص، أنا عارفة إن عمرك ما قعدت في أماكن من دي."
حرك أنامل يده على ظهر يدها وهو يهتف: "أنا أعمل أي حاجة تسعدك يا عشق، وأجرب معاكي كل حاجة حرمت نفسي منها."
بعد وقت بسيط، توقف على جانب الطريق. أخذ يدها وهو يمر الطريق حتى وصل أمام الكورنيش. وقف أمام بائع الذرة وتناول منه اثنين. مد يده لها بواحد. أخذته بسعادة وجلسوا على كرسي مصنوع من الخرسانة.
وجد طفلاً ينظر لإحدى الباعة المتجولين نظرة حرمان.
نداه أدهم. أتاه الطفل بحذر والخوف ظاهر عليه. سأله أدهم بطيبة: "أنت جعان؟"
الطفل وهو يرتعش: "آه؟"
"طيب روح خد اللي أنت عايزه وأنا أحاسب."
الطفل برعشة: "مش راضي، تعال قوله أنا طلبت منه ومش وافق يعطيني سندوتش أنا وصاحبي."
دمعت عيون عشق.
وقف أدهم دون تردد: "طيب تعال معايا." تحدث للرجل: "أعمل كل الكمية اللي يطلبوها هو وصاحبه."
تحدث الرجل على سبيل النصيحة: "يا بيه دي عيال عاملة زي الجراد بتاكل مش بتشبع ومش عايزين يدفعوا، سيبك منهم؟"
تحدث أدهم بحدة: "لو مش عايز تبيع نشوف غيرك، لكن ما تتدخلش في اللي مالكش فيه!"
الرجل: "اللي تشوفه، أنت حر."
أدهم للطفل: "نادي صاحبك وتعال خد الأكل." ناوله ورقة بـ 100 جنيه وخد: "لو تجيب عصير ولا مياه، وأنا ثواني وراجع."
الطفل بسعادة: "حاضر."
عاد أدهم لعشق: "تعالي معايا نجيب هدوم للطفل ده وصاحبه، أنا بردت من شكله."
عشق وهي تقف بسعادة: "حاضر."
ركبت جواره بحنان وراحة. فرغم قوته، لكنه يملك قلباً يشع حب وحنان.
عاد أدهم وجدهم مثل ما تركهم. ناداه. ركضوا له بسعادة كأن ما أكلوه رد بهم الروح.
أدهم: "ادخلوا العربية." استجابوا له. "كل واحد فيكم ليه شنطة، خدواها وتقلوا هدومكم."
"شكراً يا عمو."
أدهم: "العفو." ناولهم بعض المال: "ودول خليهم معاكم لو حبيتوا تجيبوا حاجة، وأول وآخر مرة تركبوا عربية مع حد غريب."
الطفل: "إحنا مش بنركب مع حد، بس أنا حسيت فيك الطيبة والشهامة وده سبب إننا ركبنا معاك."
ابتسم له أدهم بإعجاب شديد، يبدو عليه الذكاء. أخرج كارت وناوله له مع بعض المال وهو يردف: "طب يا لمض، ده الكارت بتاعي لو احتاجتوا أي حاجة في أي وقت، أنا معاكم."
صباح الخير يا حبيبي.
قابله ابتسامته: "صباح الجمال على قلب حبيبك."
تقترب منه ماسة وهي تحتضنه: "كنت عايزة أكلمك في موضوع بس مش عايزك تغضب عليا."
ترك ما بيده وهو يهتف بإستغراب: "أغضب عليكي ليه؟"
رطبت شفتها بلسانها من توترها وهي تهتف: "كنت عايزة أروح أكشف أشوف ليه مافيش حمل؟"
"إحنا لسه متزوجين من أربع شهور بس."
ماسة بتوتر: "خايفة يكون عندي مشكلة؟"
جذب يدها يجلسها على قدمه: "إيه؟ أنتي زهقت مني خلاص وعايزة تتلبخي بالأطفال؟"
نظرت له بعشق وتحدثت برفض: "عمري ما زهقت منك، بس كنت عايزة أفرحك بطفل يشيل اسمك وأنت كبير العيلة."
هتف برضا: "دي حاجة بتاعت ربنا، وبعدين الناس بتدور بعد سنة مش بعد شهرين، بعدين أنا حبيت فيكي الزوجة البشوشة، مش حابب الوش النكدي ده. ها هتزعلي جوزك قبل ما يمشي؟"
ماسة وهي تحتضنه: "حياتي فدا حبيبي كله، إلا زعلك أبداً."
احتضنها بحنان وقبل جبينها: "يلا عشان نفطر."
***
في الكباريه.
"شهاب الباشا عايزك جوه المكتب."
طرق شهاب الباب ودلف: "أوامرك يا باشا."
شاور له: "تعال أقعد يا شهاب، عايزك."
"أنا تحت أمر معاليك، لو عايز لبن العصفور أجيبه تحت رجليك."
ولع سيجارة وهو يهتف: "أنا عايز ابنك."
رفع شهاب حاجبه وهو يهتف: "ابني؟ ابني مين؟"
تحدث الرجل بغضب: "شهاب، فوق معايا، عايز خالد ابنك يشتغل معايا. الواد عجبني، راجل وقلبه جامد ووفي، ضحى بنفسه علشان يحمي صحبه، وده مش موجود في رجالتنا، وأنت عارف يعني لو حد دفع لهم أكتر يبيعوني في لحظة، بس اللي زي ابنك يضحي بنفسه عشان غيره لأنه حاسس بالمسئولية."
هتف شهاب بضيق وغيرة: "بس للأسف يا باشا، ابني طالع زي أمه نزيه وعنده مبادئي ومش يمشي في شغلنا ده ولا يقبله. والباشا بتاعه مدلعه ومش ممكن يسيبه."
الباشا بتفكير: "ثعبان خلاص، نخلي الباشا بتاعه هو اللي يطرده بفضيحة."
فرك شهاب رأسه: "بس إزاي وهو مش قابلني؟"
"إزاي دي سيبها لبعدين."
***
احتضن يدها بيده وهو يتمشى على الشط.
عشق وهي تقترب منه بدلال: "حبيبي الحنين أبو قلب كبير، أنا مبسوطة جداً جداً وفخورة بيك، شوفت نظرة الرضا والإمتنان والبسمة البريئة دي عند ربنا حاجة كبيرة جداً."
جذبها أكثر يحتضنها: "أنتي أستاذتي وقدوتي، حبي، حناني كان لأمي وأختي ومراد، بس من يوم ما دخلتي قلبي وشاف قلبك الكبير اللي يساع الكون كله، حنانك وعطفك اللي بيطول أي حد تعرفيه، عرف قلبي إن السعادة الكاملة هي في إسعاد الغير مش النفس بس. لما بشوفك وأنتي فرحانة إن حد ابتسم في وشك، عشقتك. أتمنيت أكون زيك وأسعد الكون كله وأساعد أي حد محتاج جه في طريقي. ربنا يخليكي في حياتي نور وفرحة، ويخليك ليا يا حبيبي."
أكملت وما زال هو يحتويها بين ذراعيه: "الجو جميل جداً، أنا وأنت والليل والبحر، وكل فين وفين لما نقابل ناس."
خلعت حذائها، انحنت تحمله. تابع ما تفعله بتعجب: "بتعملي إيه؟"
"عايزة أحط رجلي في المية."
هتف معترضاً: "لا، الجو برد."
عشق وهي تقترب من الماء: "طب سيبني أحط صباعي، لو برد مش هبل رجلي كلها."
وافق وهو يطلب منها أخذ حذائها حتى تستطيع حمل فستانها: "طيب هاتي الشوز بتاعك."
شهقت عشق بخجل ورفض: "لا طبعاً، عيب تشيل الشوز بتاعي."
يهتف بضيق: "اسمعي الكلام، أول مرة أحسك عنيدة."
هتفت بتوضيح: "أنا مش عنيدة بس مكسوفة منك، إزاي أعمل كده؟"
"عااااشق."
"حاضر حاضر اتفضل." تناول منها الحذاء. اقتربت من الماء ووضعت قدمها وهي تنظر له وتضحك بسعادة.
ابتسم لها بحب، لكن تلك الخبيثة رفعت الماء بيدها وقذفته به.
نظر لها أدهم بذهول وصدمة، لم يتوقع أن تصل لهذا الحد. صرخ عليها: "عاااشق! إنتي قد الحركة دي؟"
عشق بضحكة: "آه." وكررت فعلتها مرة أخرى وركضت تبتعد عن غضبه.
ترك حذائها على الأرض وخلع حذائه وقذف فوقهم جاكيت بدلته وركض خلفها.
ضحكت وهي تنظر خلفها، رأته اقترب منها. صرخت وهي تسرع من ركضها، لكنه لحقها ووجدت نفسها بين أحضانه.
عشق وهي تنهج: "خلاص أسفة، أسفة والله، آخر مرة."
مرر عيونه عليها بخبث وهو مستمتع بما يحدث، فهي قد كسرت له دائرة الروتين اليومي وحياة رجل الأعمال. أرجعت له شبابه المسلوب في دنيا المال والأعمال، وعاد يستقبل الحياة بصدر رحب ولا يهمه نظرات الناس له. يعيش مشاعره بلا قيود.
حملها وهو ينوي قذفها في الماء.
عشق وهي تضحك: "حبيبي، أسفة والله، كنت بهزر معاك."
لم يتراجع وما زال يتوجه بها للماء. قبّلها من وجنتها: "حقك عليا، سامحني كده هبرد بجد."
توقف عن السير وأنزلها وهو يسألها: "آخر مرة؟"
تحدثت بمرح: "آه."
ابتسم بخبث: "كلماته غير فعله." وهو يهتف: "خلاص آخر مرة." وقذفها فجأة في الماء: "وأنا كمان آخر مرة، أدهم الشهاوي مش بيسيب حقه."
شهقت عشق من المفاجأة، لقد أمنت له وصدقته. هناك فرق كبير بين يده ويدها، فقد غرق وجهها وصدر فستانها. جلست على الرمال وهي لا تستطيع إمساك نفسها من شدة الضحك. جلس جوارها وجذبها له، وهو يشاركها الضحك.
***
عندما دخلوا الفيلا، صدمت غادة من هيئتهم وهتفت بذهول: "إنتوا كنتوا فين يا ولاد؟ هو كتب كتاب ولا...؟"
أدهم وهو يقترب منها بإبتسامة: "البنت دي خطر على حياة ابنك يا أمي."
تحدثت غادة بإنكار: "عشق وخطر؟ دي بلسم."
اقترب منها بعدم رضى وهو يشرح لها ما حدث: "أنتي عارفة يا أمي أنا كنت فين الوقت وبعمل إيه؟ ابنك جري حافي على الشط واترش بالمياه، حضرتك متخيلة الهيبة ضاعت؟"
غادة بضحكة: "هيبة إيه؟ عيش حياتك وما تدورش على حد. العمر بنعيشه مرة واحدة. ربنا يسعدكم يارب، يلا اطلعوا غيروا بدل ما تاخدوا برد."
***
عند مراد.
هتف مراد بإحباط وهو يستمع لأدهم الذي يقص عليه متعته الليلة الماضية وما فعلته به عشق: "بقي يا عم، أنت عايش في العسل وأنا مش عارف آخد مراتي مشوار؟ أنا وصلت قدام باب النادي خلاص."
ضحك بقوة على كلماته أدهم وهو يهتف مستنكراً ما يقوله: "أنا اللي بحسدك يا أدهم، وكلامك ده إيه؟ قر؟ يلا سلام يا عم، خليني أشوف مزتين."
عود بالوقت عشر دقائق قبل دخول مراد من الباب.
جلست روان على طاولتهم بالنادي تنتظر مراد الذي طلب منها انتظاره حتى يتناول معها الغداء هناك. وبينما هي جالسة شاردة في حياتها الجميلة معه، وجدته آخر شخص تتمنى رؤيته الآن يجلس أمامها دون إذن. توترت من وجوده وهي وحدها.
"وحشتيني، وحشتيني جدا يا روان. أنا عارف إنك ندل وإني خسارة فيك، بس حقيقي أنا بحبك وبحبك قوي كمان. بس حسيت بخوف، ما عرفتش أتصرف. حاولت أرجع، حاولت كتير. عارف إني غلطان؟"
هتفت بضيق: "لو كنت فضلت جنبي كنت حاولت وحاربت عجزي وضعفي عشانك، عشان وجودك جنبي. لكن أنت مش كفاك إنك تكسرني لما سبتني في الحالة دي؟ لا كملت عليا لما خطبت صديقتي المقربة، يعني مش دبحتني، لا دوست على جثتي كمان."
"آسف، آسف. أعطيني فرصة تانية." وضع يده فوق يدها وهو يرجوها أن تسامحه.
لا تعلم ما حدث، جعلها بدل أن تبعد يده تنظر جوارها لتقع عينها عليه، يقف هناك مذبوحاً وحيداً ينزف دماً.
انتفض قلبها بقوة من هول هيئته. يقف على مسافة ينظر لهم بصدمة وعدم تصديق. سحبت يدها بفزع، فهي لم تستوعب ماذا حدث. تحرك إلى الخارج دون رد فعل. ماذا يفعل وهو الدخيل عليهم؟ لم يكن الحب غصباً يوما. تركها برضاه، لا يريدها أن ترى ضعفه. ركب سيارته ودموعه تسيل من شدة ألم قلبه. لم يفكر يوما أنه سوف يوضع في هذا الموقف على يدها؟
عندما رأت نظرته وهيئته توحي بأنه سوف يفعل بنفسه شيء، ركضت خلفه وهي تناديه، لكنه لم يتوقف. جلست على الأرض تبكي واتصلت به أكثر من مرة لم يرد. خرج وجدها تجلس على الأرض تبكي بانهيار.
جلس جوارها: "ما تبكيش يا روان."
نظرت له بإشمئزاز وهتفت بحدة: "أبعد عني أحسن لك." ثم بكت وهي تدعو: "منك لله، مش كفاك خربت حياتي زمان، جاي تخربها النهاردة كمان؟ أنت عارف لو خسرت مراد هقتلك بإيدي. أنا ما صدقت ربنا عوضني راجل زيه سند وحماية وسر بسمتي."
"روان، إنتي بتحبيه؟"
تحدثت بسخرية: "لو ما حبيتش مراد، مين ممكن يتحب؟"
وقف وهو ينظر لها بندم وتركها.
***
جلس أدهم يراجع تلك الملفات أمامه وصورة عشق تناغش مشاعره. يريد ترك كل ذلك والهروب لدنياها التي تجعله شخصاً آخر.
رن هاتف أدهم برقم روان. رده بإبتسامة، لكنها تلاشت من بكائها ووقف بقلق: "مالك يا روان؟ ماله مراد؟"
"أهدي كده وأنتي بتكلميني إزاي ده حصل؟ طيب اقفلي."
قام بالاتصال على صديقه. أكثر من مرة لم يتلقى الرد. يعلم جيداً أين يكون بتلك الحالة، لذلك خرج يقود سيارته وتوجه بسرعة للمقابلة. وصل أمام قبر أحمد وجد الباب مفتوح. دخل وهو يعلم كيف سوف تكون حالة مراد. رفع له عيونه وهي مثل الدماء من كثرة البكاء. جلس جواره واحتضنه: "ليه ما جتش ورميت تعبك في حضني ليه بعدت؟"
هتف بوجع: "لأنها أختك وملهاش غيرك."
"وأنت صاحبي وأخويا، وقولتلك قبل كده أنتوا الاتنين حتة مني." تمسك مراد به بقوة وبكى بمرار: "لسه بتحبه يا أدهم؟ روان ما حبتنيش، لسه وائل جواها. أنا بموت يا أدهم، مش قادر أتحمل."
أدهم بخوف على صديقه: "بعد الشر عليك يا حبيبي، والله بتحبك أنت ومنهارة من خوفها عليك لتعمل حاجة في نفسك. كلمتني وكل همها ألحقك."
تحدث بوجع: "حسيت نفس إحساس أحمد، أتمنيت الموت لأن الألم أقوى من احتمالي. مش مصدق إن الطعنة تيجي منها هي." ثم أكمل بإنكسار: "هي وافقت عليا شفقة مش حب."
"لا حب وحب كبير كمان." كان هذا رد روان.
مسح دموعه بسرعة حتى لا ترى انهياره. جلست جواره وهي تبكي: "أسفة يا حبيبي لأن كنت سبب دموعك دي، بس والله لو كنت صبرت لحظة كنت هتشوفني وأنا بضربه بالقلم."
وقف أدهم يترك لهم مساحة يتصافوا وخرج، يعلم أن حبهم سوف يردهم سالمين.
"أنا تعبان قوي يا روان، الألم فوق احتمالي. كنت أتوقع الغدر من كل الناس وكنت هقدر أتحمله إلا منك أنت. الضربة منك بموت. إحساس صعب قوي إنك تعيش العمر لشخص واحد وتكتشف إنك ولا حاجة في حياة الشخص ده." يتحدث وهو يبتعد عنها بعيونه.
"رفعت يدها لتجعل وجهه اتجاهها: "أنا بحبك وعمري ما هاحب غيرك، حتى لو أنت مش شايفه، هاتفضل نبضات قلبي ده ملكك لوحدك، ومستعدة أقضي الباقي من عمري أثبتلك حبي لحد ما تقتنع وتشوفه."
سند رأسه على القبر خلفه: "ياريت كنت فقدت بصري قبل ما أشوف المنظر ده."
رفعت يده وقبلتها وهي تبكي: "بعد الشر عليك يا حبيبي، أوعي تقول كده تاني."
سحب يده: "أرجوكي سيبيني لوحدي، مافيش حد ولا حاجة تقدر تخفف ألمي ده غير الموت."
وقفت وهي تتحدث بقهر: "يبقي أنا اللي لازم أموت وأريحك مني خالص يا مراد. أنت فعلاً خسارة فيا، بس قبل ما أمشي أحب أقولك أنك الوحيد اللي في قلبي، وأنا بعد ما حبيتك اكتشفت إن علاقتي بوائل عمرها ماكانت حب."
ركضت وهي تمحي دموعها التي منعت عنها الرؤية.
وقف مراد بخوف من كلماتها وركض خلفها وناداه بصراخ. التفتت له وهي ترجع للخلف دون ان ترى تلك السيارة المسرعة.
مراد بصراخ: "رواااان! لا لا."
رواية إنت عمري الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم امل مصطفى
كادت السيارة تصدمها عندما جذبها من الخلف ليحتضنها وهو يرتعش من فكرة أن يأخذها الموت منه.
ظل يحضنها وهو مغمض العينين، يحمد الله على عدم خسارتها.
فاق على صوت أحد المارة: "الحمد لله يا أستاذ، عدت على خير."
ظلت متجمدة من الصدمة والخوف من تكرار محنتها وعجزها مرة أخرى، لكن هذه المرة لن تتحمل.
استعادت صوتها حتى يخفف قوة ضمته التي تألمها: "مراد، أنا بخير، متقلقش عليا."
لفها بين يديه، يرى وجهها. ظل يمرر عينيه على ملامحها، ثم ضمها مرة أخرى كأنه لا يصدق أنها بين يديه وبخير.
***
في مكان آخر، تحدثت عشق بالهاتف: "طيب يا زينب، ممكن تقابليني؟ إحنا وصلنا الشارع اللي نزلت جده فيه."
"أمشي منين طيب؟"
"خلاص، أنا بستناك."
أغلقت زينب الهاتف وهي تنظر لوالدتها التي كانت تتابع المحادثة.
"عشق هانم واقفة على أول الحارة بتقول جاية تشوف جدي."
"هنعمل إيه يا ماما؟"
سناء بفرحة: "روحي يا قلب أمك هاتيها، وأنا هعمل عصير وأجهز حاجة. ده كله من خيرها."
ارتدت زينب عباءتها السوداء ولفت حجابها بإستعجال، وخرجت بسرعة لتقابل عشق.
أسرعت في خطواتها عندما رأت السيارة. تلربكت وتبدل حالها عندما وجدت نفسها أمام خالد. زاد توترها وشعرت بخجل لا تعلم سببه. تثاقلت خطواتها حتى أصبحت أمامهم.
فتح خالد باب السيارة لعشق التي نزلت بسعادة وهي تحتضن زينب.
"أزيك يا زينب؟ وأزي جدوا أنور؟"
ابتسمت بخجل من تواضعها وهي تتمتم: "كلنا بخير الحمد لله، والفضل يرجع لكم."
مررت عشق يدها على كتفها: "ما تقوليش كده، الفضل دايما لربنا."
قام خالد بإخراج الزيارة وأغلق الباب. تحركت أمامه عشق وزينب وهو خلفهم حتى اقتربوا من المنزل.
ناداها شاب: "مين دول يا زينب؟"
نظرت له بضيق وتحول خجلها إلى حدة: "أظن دي حاجة ما تخصكش."
لم يعجبه طريقتها الحادة التي تستخدمها دائما معه، ليردف بغضب: "لا يهمني، وأنتي عارفة."
لم تعر غضبه أي اهتمام، ووجهت حديثها لعشق: "آسفة جدا، اتفضلي؟"
عشق بغمزة: "هو فيه جو ولا إيه؟"
تحدثت زينب بنفور: "أبدا، هو عايز يخطبني غصب. وأنا مش بطيقه ولا هو طموحي."
وصلوا أمام المنزل، وجدوا سناء في انتظارهم على الباب بسعادة لأنها سوف ترى الملاك كما وصفوها لها.
عندما وجدت عشق، كبرت: "بسم الله ما شاء الله، ربنا يبارك. معرفوش يوصفوا جمالك."
عشق بخجل: "أزي حضرتك يا طنط؟"
سناء وهي تحتضنها: "لا طنط إيه، أنا ماما سناء. اتفضلوا."
رغم بساطة المنزل، أحست فيه عشق بالدفء والجو الأسري. منزل بسيط، نظيف ومرتب، وروح الحب تفوح منه.
سألت زينب: "فين جدي العجوز؟ ده مش عايز يشوفني؟"
سمعت من خلفها ضحكته: "هو جدك يطول ملاك زيك تيجي تشوفه وتطمن عليه." ثم أكمل بمرح: "هي الصنارة غمزت ولا إيه؟"
عشق بضحكة عذبة: "طبعًا، مين يقدر يقاوم وسامتك؟ كفاية عيونك اللي لون الزرع والخير ده."
سلمت عليه وجلست بجواره، يبدو عليه الراحة عن تلك المرة.
كان ما زال خالد يقف بتلك الأشياء، بينما عيون زينب تتابعه بفضول وخجل.
نادتها عشق: "تعال يا خالد، دخل اللي معاك."
توجهت له سناء بإحراج: "متأخذنيش يا ابني، اتلخبطت."
قابلتها ابتسامته المطمئنة: "ولا يهمك يا أمي."
لا تعلم لما قفز قلبها بين ضلوعها، لقد جذبتها الكلمة وشعرت بها بشدة من طريقة نطقه.
"اتفضل يا ضنايا."
عشق بهدوء: "طيب يا خالد، تمشي وساعة تيجي تاخدني؟"
تحدثت سناء برفض: "لا ساعة إيه، هتتغدي معانا؟"
هتفت بلباقة: "والله يا ماما ما ينفعش، لأن أدهم مش بياكل من غيري."
سناء بإصرار: "يبقى ساعتين."
تحدث خالد: "لا، أنا مش همشي وأسيبك. أنا قاعد على القهوة اللي في وش البيت، ولما تخلصي رن عليا."
خرج خالد، وأغلقت سناء الباب وهي ترحب بعشق.
"ثواني وجيالك."
عشق بحنان: "براحتك خالص." ثم وجهت نظرها للجد أنور: "أخبارك يا جدي؟ بتأخد علاجك ولا إيه؟"
ابتسم بحب: "نحمد ربنا اللي جعلك سبب في نجدتنا. الفلوس..."
رفضت إكمال كلامه: "الفلوس دي مش مني، ده رزق ربنا هو اللي بعته. جعلني سبب مش أكتر."
وجدت زينب تجلس شارده، لتظن أنها تفكر فيما حدث من ذلك الشاب، لتسألها: "قوليلي يا زينب، مين الشاب ده؟"
خرجت سناء على كلماتها لتسأل بإستفهام: "شاب مين؟"
تحدثت زينب بضيق: "أمير يا ماما، بيسأل دول مين؟ وكلمني بطريقة ضايقتني كأنه ولي أمري."
تحدثت سناء بعصبية: "هو مش خلاص خلصنا من الموضوع ده؟"
حاولت عشق تلطيف الجو لتردف: "ما يمكن بيحبها يا ماما سناء."
فيها إيه؟ سيطرت سناء على ضيقها، لقد نسيت أنها ضيفة ولا يجب الحديث أمامها بتلك الطريقة. لكن تواضع عشق جعلهم يمحو التكليف.
"لا، إحنا كان علينا إيجار متأخر وباباه كان بيلوي دراعي عشان يتجوزني وابنه يتجوز زينب، وهي رفضت. والفلوس جت نجدة وبرضه مش بيسكت."
سألتها: "أنتي يا زينب معاكي شهادة إيه؟"
"أنا معايا دبلوم صناعي قسم تفصيل، وماما هتشوف لي شغل في المصنع معاها."
عشق: "هو حضرتك شغالة في مصنع؟"
"آه، ده مشغل بيصنع العبايات."
"وزينب ما شاء الله، طالعة موهوبة زي باباها الله يرحمه. وكلمت صاحب المشغل بس لسه مردش."
"إن شاء الله خير."
***
بينما خالد يجلس يحتسي كوبًا من الشاي، أتاه شوقي وولده. جلسوا أمامه دون إذن، وشاور لصبي القهوة الذي أتى على الفور: "هات حاجة ساقعة للضيوف."
تابع خالد ما يحدث ببرود دون الاعتراض أو الكلام معهم.
"في انتظار باقي الحوار." هتف شوقي بسؤال: "هو أنتم تعرفوا ست سناء منين؟ هي طول عمرها مالهمش حد."
رد خالد بحدة: "أولًا، دي حاجة ما تخصكش. وما عندناش حريم تيجي سيرتها على القهوة." نظر للشاب بحدة: "وأنت لو اعترضت طريق الأنسة زينب، أنا اللي هكون في وشك." ثم أكمل بوعيد وصوت حاد: "أنا مليش في التهديد، أنا بنفذ على طول."
رن هاتفه، تحدث الألغاز، ثم وقف وهو ينادي على صبي القهوة وترك له المال وخرج دون أن ينظر له.
نظر شوقي لأبنه بتعجب: "مين دول يا واد؟ شكل حد هيخطف مننا البت وأمها دي تبقى كارثة."
***
طرق باب زينب مرة أخرى. توجهت للباب وعندما فتحته وجدت فتاة صغيرة تتعلق بقدم زينب التي انحنت عليها تحملها وتقبلها: "شوشو حبيبة زوبة، حمد لله على سلامتك يا قلبي."
دخلت زينب وتلك الصغيرة تحتضن عنقها وتضع قبلة لطيفة على وجنتها، ويسير خلفها فتاتان من هيئتهما هما توأم.
عشق بابتسامة: "الله! مين القمر ده؟"
زينب وهي تنزلها: "دي شوق القمر بتاع البيت."
أخذتها عشق على قدمها وهي تقبلها: "ما شاء الله، إيه الجمال ده كله؟ يظهر إن جدو بهت على الكل."
شوق وهي تضع يدها على وجه عشق: "وأنتي كمان جميلة وعيونك لون السماء."
ضحكت وهي تقبلها: "قلبي أنتِ."
سناء وهي تضع يدها على كتف كل فتاة وتتحدث بفخر: "دول هنا وجني في الصف السادس الابتدائي."
سلمت عليهم بابتسامة: "والله معرفش إن في بنات جميلة في سنكم. بس وعد، المرة الجاية أجيب لشوق عروسة جميلة وشيكولاتة كتير."
عشق وهي تتخيل حمل سناء وحيدة دون رجل كم هو ثقيل، لكن يد الله تخففه.
جلسوا يتحدثون ويضحكون، وسرحت عشق في أخواتها ووالديها، كم جو جميل ودافئ.
ومر الوقت ووعدتهم بتكرار الزيارة.
جاء خالد على الباب. أسرعت زينب بفتحه، تحدثت بخجل: "تعال، اتفضل."
اخفض خالد عيناه وهو يحدثها: "أنا كلمت الشاب ده أنه لو عاد يعترض طريقك، أنا هربيه."
رفعت عيونها باستغراب من لهجته التي بها بعض الغيرة، وقبل أن ترد سمعت صوت عشق من خلفها: "أنا جاهزة يا خالد."
***
قاد خالد السيارة في صمت، ولا يعلم سبب هذا التصرف غير المدروس. هل سوف يترك عمله حتى يمنع عنها مضايقات أمير؟ ومتى وعد وأخلف؟
لمح صورة عشق وهي مبتسمة شارده. هتف وهو ينظر لها في المرآة: "شايفك مبسوطة؟"
"جدا يا خالد، أنا عشت سنين وحيدة ومحرومة من جو الأسرة معاهم. افتكرت على طول بابا وماما وأخواتي، الله يرحمهم."
تمتم بها بالرحمة: "الله يرحمهم."
نظرت له عشق بسؤال: "خالد، أنت ما فكرتش تخطب؟"
تحدث برجولة: "الحمل كبير ومش عاطيني فرصة أفكر، بس حاسس أن ناوي أعطي نفسي فرصة. تفتكري ينفع؟ وفي واحدة ممكن تقبل تتجوز في شقة مع أهل جوزها؟"
هتفت بحكمة: "والله الموضوع ده يرجع لحسن الاختيار ونوعية الواحدة اللي هترتبط بيها."
"إيه رأيك في زينب؟"
توتر من الفكرة ورد: "يعني تخرج من هم لهم، حرام. وبعدين شكلها صغيره على."
أردت بابتسامة: "سيبك من السن، أنا قصدي الفكرة. البنت كويسة، ومن معاملتهم مع بعض بتقول إن متربية صح، فيه ترابط وألفة بينهم ودي حاجة كويسة. وبعدين خلاص، يعتبر اطمنت على ندى بقت في بيت جوزها. وأخواتك لسه عليهم بدر."
نظر أمامه وهو يتمنى ما حدش عارف الأيام مخبية لينا إيه.
***
بعد مرور أسبوع.
في شركة أدهم، وجد الباب يفتح ودخل منه مراد، الذي رفض أدهم تواجده منذ آخر مرة في المقابر. أراد أن يعطيه فرصة يستعيد نفسه.
طالع هيئته، يبدو عليه التعب. وقف أدهم يستقبله: "جيت ليه النهاردة؟ مأخدتش مراتك وخرجت في أي مكان ليه تغير جو؟"
جلس مراد وهو ينظر له بتشتت داخله. غير مستقر. لقد مر هذا الأسبوع صعب. قد يكون العمل أفيد له تلك الفترة عن الجلوس في المنزل الذي كان دمار. ترك الخيال لفكره.
جلس أدهم أمامه: "أنت خايف من روان يا مراد؟"
رد بحزن: "خايف أكون ظلمها بوجودها معايا. خايف تكون عايشة معايا جسد وروحها في مكان تاني، ويكون حبي عامي عيني عن الحقيقة."
تحدث أدهم بقوة: "لو هي فعلا معاك وبتفكر فيه، أنا اقتلها."
رغم المه وتعب روحه، لكنه أبدًا لن يسمح بإيذائها بكلمة. وهتف بضيق: "ومين ها يسمح لك تأذيها؟"
رفع أدهم حاجبه بتحدي: "ومين يقدر يمنعني ولا يوقف في طريقي؟"
تحفز كل عرق بجسده وهتف بقوة أكبر: "أنا يا صاحبي، أنا اللي هقف في وشك ومش ممكن أسمح ليك أو لغيرك أنه يلمسها. لو هي قالت أنها عايزاه، أنا هوديها له بنفسي. أنا بعشقها، فاهم يعني إيه راحتها عندي أهم من تعبي!!"
اقترب أدهم منه: "هون على نفسك يا حبيبي، روان بتحبك صدقني. ولو شاكك ولو بنسبة واحد في المية أنها بتفكر فيه، كنت هقولك. انسى عشان ترتاح وخدها روحوا مكان بعيد يومين."
***
جلست روان تبكي في حضن عشق التي رق قلبها لحالها، تشتكي لها حال مراد الذي تبدل وأصبح مهموم، رافض الطعام والكلام أيضًا، دائمًا شارد، فاقد الشهية. ومهما حاولت إخراجه مما هو فيه تفشل فشل ذريع، كأنها تعود معه لأسوأ لحظة في حياتهم.
مسحت عشق خصلاتها وهي تهتف بحنان: "اهدي يا حبيبتي، والله هيرجع تاني ويبقى أحسن من الأول. مراد بيعشقك ومش ممكن يفرط فيكِ."
رغم قلب غادة الذي يؤلمها بشدة على حال مراد وابنتها، لكنها تجد ابنتها أخطأت وتستحق هذا العذاب، لكن مراد لا يستحق أبدًا ما يشعر به.
لذلك تحدثت بغضب: "أنتي تستاهلي! لو كنتِ فاكرة مراد أصلًا، كنتِ مشيتي من المكان اللي هو فيه ومش عطيتيه فرصة يكلمك وتردي عليه. مش تمسك إيده كمان وجوزك يشوفك كده؟ عايزاه يفكر إزاي؟ لو كان جه وأنتي بتضربيه بالقلم، كان جه وكمل عليه. لكن يلاقيه حاطط إيده على إيدك وأنتي ساكتة، يبقى أنتي موافقة وعاجبك اللي بيحصل. وليه حق يفكر أن لسه بينكم حاجة؟"
هتفت عشق بلوم: "أرجوكي يا ماما، براحة شوية. هي ما عرفتش تتصرف من الصدمة والموقف. لكن هي بتعشق مراد. أرجوكي بلاش تزودي همها."
تحدثت روان ببكاء: "أنتي طول عمرك بتحبي أدهم ومراد أكتر مني؟"
التفتت لها غادة بصدمة: "إيه الكلام ده؟" اقتربت منها بسرعة تجذبها من أحضان عشق: "أنا أمك يا غبية، وكنت بعاملك بحنان عشان ما يحسش بالوحدة أو أنه غريب. وبعدين لأن أمك وبحبك بعرفك غلطك. ماينفعش أقولك أنتي صح وأنا شايفة بتدمرى حياتك."
أمل مصطفى.
عشق بتشجيع: "خلاص يا جماعة، بكرة الأمور ترجع أحسن من الأول. بس بلاش تبعدي عن حضن جوزك. ارجعي بيتك، اتحمليه مهما عمل لحد ما يهديه."
هتفت روان وهي تمسح دموعها: "حاضر."
***
في منزل المنشاوي، مساءً. نزلت الدرج بملل بعد أن نام الجميع لأنها لم تراه اليوم. وقبل أن تبتعد عن آخر درج، وجدت يد تجذبها بقوة في مكان مظلم. شهقت خلود وهي تسأل بفزع: "مين؟"
همس زين بشوق جوار أذنها: "أنا يا حبيبتي، زين."
هتفت بخوف وتوتر: "زين، لو حد شافنا كده هتحصل كارثة وممكن يقتلونا؟"
رد زين: "أنتي مراتي وأنا مسافر مهمة ممكن أتأخر فيها شوية، وأنا بقيت مهووس بيكي ووحشتيني من قبل ما أسافر. أعمل إيه يا خلود، مش عارف. ممكن أرجع من المهمة دي ولا لأ. عايز أشبع منك؟"
خلود بفزع وهي تضع يدها على شفتيه: "بعد الشر عليك، أوعي تقول كده تاني. أنا أموت فيها."
ابتسم بحب: "لو رجعت من المهمة دي على خير، جدي قال يحدد فرحنا."
ضمها وقبلها بشغف. تجمد جسدها من الصدمة. لقد تم كتب كتابها من شهرين ولم يقبلها ولا مرة. كيف حدث ذلك؟
ضمها مرة أخرى بفرحة لم تكتمل عندما سمع صوت حركة خلفه. مسكت خلود به في رعب.
ربت عليها باطمئنان وهمس جوار أذنها: "متعمليش صوت."
وعندما اطمأن من ابتعاد الأقدام، حضنها وطلب منها الصعود. وبعد صعودها جاء يتحرك، سمع من خلفه صوت جده الذي تحدث بحدة: "تعال معايا غرفتي في لحظة."
تحرك خلفه وهو يشعر بالضيق من هذا الموقف الذي وضعها ووضع نفسه فيه.
التفت له الجد بعد دخول غرفته: "أنت اتجننت في عقلك؟ إزاي تعمل كده في بنت عمك؟ إزاي تسمح لنفسك تحطها في الوضع ده؟ افرض حد من الخدم شافكوا هتبجا فضايح؟"
قال باعتذار: "أسف يا جدي، بس هي مراتي على سنة الله ورسوله."
تحدث الجد بغضب: "كأنك نسيت عوايدنا. مراتك لما تدخل بيتك قدام الناس كلها وفي غرفتك يا زين. غير كده، لا. احمد ربك إن فهد مش هو اللي شاف المنظر ده، وإلا كان جالك."
هتف بضيق: "أنا أعلم جيدًا أنه تجاوز كل الحدود وكل كلام جده صدق. لذلك، والله يا جدي، أنا طلبت كام مرة أتزوج وماحدش وافق، كأني عيل صغير أو لسه هكون."
تعجب الجد من الضيق بصوته وسأل: "مالك يا زين؟ فيك إيه؟ مش عادتك ترد عليا كده؟"
هتف بحزن: "أسف يا جدي، بس حاسس إن مش هرجع من المهمة دي وخلود هاتوحشني."
الجد بخلعة: "ليه يا ولدي بتجول أكده؟ بعد الشر عليك."
"والله يا جدي، ده إحساس كبير جوايا المرة دي."
هتف الجد بلهفة: "طب اعتذر يا ولدي، بلاها المهمة دي؟"
هتف برفض: "لا يا جدي، من أمتى بنخاف أو نستسلم."
***
في اليوم التالي، عند عودة عشق من جامعتها، شعرت بإحساس غريب. تشعر بعدم ارتياح منذ الصباح، أما الآن فالإحساس مضاعف. هتفت فجأة: "أوقف، أوقف يا خالد."
توقف مرة واحدة باستغراب من طريقته. نزلت بسرعة تبتعد عن السيارة ووقفت تستفرغ ما في جوفها.
نزل خالد خلفها وبيده زجاجة مياه وهو يسألها بقلق: "أنتِ كويسة؟"
شارت له ألا يقترب وهي تتناول منه زجاجة المياه. قامت بمسح وجهها وما زالت تعطيه ظهرها، تقف تريد الجلوس من شدة التعب، فقد خارت قواها من الوجع.
خالد بقلق: "تعالي أسندك تقعدي شوية."
عشق وهي تمد له يدها: "تعال بس ساعدني أقعد على الحجر ده."
اقترب منها سندها حتى جلست على حجر كبير تحت الكوبري.
خالد بسؤال: "حاسة بأيه؟"
"بطني بتوجعني جدا."
"ممكن تكوني خدتي برد؟"
"مش عارفة، بس ممكن يكون كلامك صح."
"طيب تعالي ارتاحي في العربية، المكان هنا مش كويس وريحته وحشة جدا."
استجابت له ووقفت حتى تدخل السيارة.
توقفت عن السير عندما تخيلت طرف قدم إنسان خلف الحجر. نظرت لخالد وهي تلتف حول الحجر وصرخت بفزع.
"خالد، في إيه؟ مالك؟"
توجه حيث تنظر، وجد طفل في عمر أخيه كريم.
"عشق، ده ميت مش كده؟ شكله مش بيتحرك؟"
خالد وهو ينحني عليه يرى نبضه: "لا، حي بس درجة حرارته عالية جدا."
عشق بدموع: "طيب شيله بسرعة وتعال نأخذه مستشفى."
حمله خالد بسرعة ووضعه في الخلف، وجلست عشق بجواره. ثم قاد بسرعة وهو يلعن الأهل الذين يلقون أولادهم في الشارع دون وجه حق.
***
عند مراد.
عندما دخل المنزل وجدها تضع الطعام ويبدو على وجهها البكاء. تألم قلبه مما يحدث بينهم. اقترب منها ووضع يده فوق يدها وهي تستعد لوضع الأطباق. نظرت له بحزن وزادت دموعها في صمت. رفع يده قام بمسح دموعها ورفع يدها بيده الأخرى ووضعها على قلبه وتحدث بهمس متألم: "من عمره ما دق غير ليكي من وأنتي لسه في أولى ثانوي. ورغم ده كله مش قادر أكرهك ولا أبعد عنك، رغم إحساس الغدر والخيانة اللي ضربوني في مقتل. أنا محتاج منك تريحيني، قوليلي الحقيقة وأنا صدقيني هعمل كل حاجة تريحك، بس ارجوك انتشليني من الدوامة والضياع."
أمل مصطفى.
نظرت بعمق عيناه بقوة وهي تهتف: "عمري ما خنتك يا مراد، وعمري ما هعملها. أنا بعشقك يا قلبي، بلاش تعطي فرصة للشيطان وحيوان زي ده أنه يدمر حياتنا الجميلة. أنا بحبك ومقدرش أكمل من غيرك. وحياة روان عندك، صدقني، أنت ليا أبويا وأخويا وحبيبي ومافيش في حياتي غيرك. عارفة إن غلطانة لأن ماكنش عندي سرعة بديها، بس والله الصدمة كانت أقوى مني."
أغمض عيونه بألم كلما تذكر يده فوق يدها وهي لم توقفه.
"طيب جهزي هدومك ويلا."
وضعت يدها على فمه: "أوعي تقول هروح بيت أهلي."
قبل يدها التي على فمه: "مش قادر أفرط فيكي. إحنا مسافرين يومين."
***
في غرفة فهد.
دن هاتفه. اعتدل ورد: "عشق، أخبارك؟"
سمع بكائها على الطرف الآخر وهي تتحدث. جلس بطريقة أفزعت ماسة التي اعتدلت بدورها.
"مالك يا عشق؟ فيكي إيه؟"
عشق ببكاء: "تعال حالا، أنا عايزاك."
"طيب اهدي بس، أنا جايلك، بس قولي مالك؟"
"في حاجة حصلت بينك وبين أدهم؟"
"لا يا أبيه، أنا محتاجة لك، أرجوك ما تتأخرش."
"حاضر يا عشق، بطلي عياط وأنا مسافة الطريق هكون عندك."
قفل معها وقام يرتدي ملابسه.
ماسة بسؤال: "مالها عشق؟ فيها إيه؟"
هتف بحيرة: "مش عارف، بس منهارة جدا. أول مرة أشوفها كده."
أرادت أن تكون بجواره وجوار عشق، لكنها لا تعلم رد فعله لذلك هتفت بحذر: "هو ينفع أجي معاك؟"
التفت لها وجد في عيونها نظرة الرجاء. ابتسم بهدوء: "طيب يلا البسي."
قفزت بسعادة وقبلته.
رواية إنت عمري الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم امل مصطفى
نزلت عشق أمام مشفى كبير. حمل خالد الطفل وتوجه للداخل.
دخل به غرفة الكشف. حاولت عشق الثبات حتى تطمئن عليه، لكنها شعرت بالإعياء. لذلك سألت عن التويلت. تحركت ببطء. وجدت خالد بجوارها. هتفت برفض:
"خليك جنبه لما نطمئن عليه."
قال الدكتور:
"بيكشف عليه وأنا عايز أطمئن عليكي، شكلك تعبانة جداً."
تحدثت بتعب:
"ارجوك متسيبوش، شكله مريض قوي وأنا داخلة حمام الغرفة."
دخلت الحمام بسرعة وظلت تستفرغ حتى خارت قواها. لم تعد قدماها تحملانها، لذلك جلست على أرض الحمام.
بينما تحدث الدكتور لخالد:
"إزاي تسيبوه كده؟ ده عنده نزلة شعبية حادة وكان ممكن يحصله مضاعفات من ارتفاع الحرارة. لو كنت اتأخرت ساعة كمان كان حصله تشنجات؟"
ردد خالد:
"الحمد لله، خير. إحنا ما نعرفش هو مين."
حس على وجهه بحنان:
"الحمد لله إننا لحقناه."
تركه الدكتور وخرج بعد أن ركب له المحاليل. ألقى نظرة على الباب، لقد تأخرت بالحمام. طرق عليها الباب. لم تستجب. طرقه مرة أخرى وهو ينادي عليها. لم ترد. خبط الباب بكتفه بقوة. دخل بإحراج وقلق. وجدها تفترش الأرض.
خالد بفزع:
"عشق! عشق قومي!"
حملها وخرج ينادي على أحد ليسعفه. ركض إليه دكتور وممرضة وهو يسأل:
"ما أصابها؟"
خالد بحدة:
"وأنا أعرف منين؟ بقالها ساعة بتستفرغ ولاقيتها فاقدة الوعي."
الدكتور وهو يكشف عليها:
"هي متجوزة ولا آنسة؟"
خالد:
"لا متجوزة."
نظر للممرضة:
"نادي دكتورة وفاء بسرعة."
رفع خالد هاتفه وطلب أدهم، الذي رد بسرعة عندما رأى رقمه:
"خير يا خالد؟"
خالد بتوتر:
"ممكن حضرتك تيجي مستشفى ...؟"
وقف أدهم:
"مالها عشق؟"
خالد:
"تعبت شوية وبعدين فقدت الوعي."
لم يعطه فرصة للإكمال. خرج من مكتبه بسرعة. دخلت الدكتورة وطلبت منه الخروج. وقف جوار الباب. وجد أدهم يدخل ويبدو على وجهه الرعب.
أدهم:
"إيه ده يا خالد؟ مالها عشق؟"
خالد:
"تعبت في الطريق واستفرغت. وهنا دخلت الحمام ولما اتأخرت ومش بترد عليا، لقيتها فاقدة الوعي والدكتورة معاها جوه."
قام بفتح باب الغرفة بلهفة.
الدكتورة بغضب:
"إيه ده؟ أنت داخل كده ليه؟ مش تستأذن؟"
نظر لها نظرة نارية أخرستها. توجه لعشق بلهفة:
"مالك يا حبيبتي؟ إيه حصلك؟ حاسة بإيه؟"
الدكتورة:
"هو حضرتك جوزها؟"
أدهم:
"أه، أومال أخوه؟"
نظرت له بحرج:
"مبروك مدام عشق حامل."
نظر لها بعدم تصديق، ثم نظر لعشق وهو يقبلها بحنان:
"مبروك يا قلبي."
اعتدلت في جلستها بتعب:
"الطفل عمل إيه؟"
نظر لها بحيرة:
"عن أي طفل بتتحدث؟ طفل مين؟"
قص لها ما حدث. نادا خالد الذي دخل وهو يخفض عيونه.
خالد:
"حمد الله على سلامتك يا عشق هانم."
عشق بتعب:
"الله يسلمك يا خالد. الولد طلع عنده إيه؟"
رد باحترام:
"عنده نزلة برد حادة وقلة غذاء. ولو اتأخر في علاجه كان هيموت لأن درجة حرارته عدت الـ ٤٠."
عشق:
"الحمد لله. أنا عايزة أشوفه."
اتسعت عين أدهم وهتف برفض:
"استنى لما أطمن عليكي ونشوف الحركة كويسة ولا غلط."
عشق:
"حبيبي أنا مش مسافرة، ده خطوتين. وحياتي يا أدهم، شكله صعبان عليا قوي."
أخذها ودخل الغرفة. وجد ممرضين يحملوه وهو يرتدي زي المستشفى. سألتهم بخوف:
"مالوا؟ رايحين بيه فين؟"
الممرضة:
"عملية. كل شوية ندخله تحت المياه علشان الحرارة تنزل."
اقتربت منه عشق تتحسس حرارته، ولكنها رجعت خطوة عندما تبينت ملامحه. شعرت بدوامة تسحبها داخلها بلا رحمة لتفقد الوعي. لحقها أدهم الذي حملها بين أحضانه بخوف وتملك. وذهب بها لغرفتها.
قام بالاتصال على أمه التي أتت على وجه السرعة بعد مرور وقت بسيط. دخلت غادة وهي تكاد تطير من السعادة. احتضنت ابنها بسعادة شديدة وهي تقبله:
"ألف مبروك يا عمري، يتربي في عزك يا رب."
قال:
"الله يبارك فيكي يا أمي. بس أنا خايف على عشق، دي تاني مرة تفقد الوعي في ساعة."
غادة باطمئنان:
"ماتقلقش، هم أول ٣ شهور صعبين وعشق أكلها ضعيف. بس بالغذا والفيتامينات هتكون بخير."
استيقظت وهي تبكي.
أدهم بلهفة:
"مالك يا حبيبتي؟ إيه تعبك؟"
عشق:
"أنا عايزة أشوف الولد."
قال برفض:
"لا، أنتي تعبانة ومحتاجة ترتاحي."
عشق بانهيار:
"أرجوك، أنا لازم أشوفه. وحياتي يا أدهم!"
أدهم:
"قولت لا يا عشق يعني لا."
غادة:
"إهدي يا حبيبتي، العياط غلط عليكي. إهدي."
عشق:
"أرجوكي يا ماما، لازم أشوفه. أرجوكي يا أدهم."
أدهم وهو ينظر لها مستغرباً حالتها:
"ماله الولد ده؟ الدكاترة معاه ليه منهارة كده؟"
عشق:
"أرجوكي يا أدهم، علشان خاطري."
أدهم:
"طيب، مش همشي. شيلني أنت؟"
قال خالد:
"خلاص يا حبيبي، ريحها."
توجه لها:
"حاضر يا أمي."
حملها وتوجه بها إلى غرفة ذلك الطفل ووقف بها أمام سريره. نزلت عشق وهي تسند على أدهم. تأملت وجهه ودموعها تسيل. ثم طلبت من أدهم أن ينظر على ظهره هل يوجد وحمة سوداء. فتح أدهم قميص المشفى وألقى نظرة، ورجع بنظره المصدوم لعشق:
"كيف علمت مكانها؟ هل من الممكن؟"
عشق:
"في ولا لأ؟"
أدهم وهو يعتدل:
"آه فيه. عرفتي إزاي؟"
عشق بهمس:
"مش معقول يونس."
اقترب منها أدهم:
"بتقولي إيه؟"
عشق:
"يونس أخويا. ده يونس."
رجع بنظره لذلك الطفل ثم حدثها:
"أنتي قولتي إنهم كلهم ماتوا في حادثة من خمس سنين أو أكتر؟"
عشق:
"أيوه، الظابط بلغني إن الميكروباص تصادم مع مقطورة بنزين ومافيش حد خرج منه حي. بس ده شبه بابا خالص والشامة دي هو وارثها من بابا."
******************
نزل فهد وجواره ماسة. تعجب الجد من ذهابه دون أن يخبره وسأله:
"رايح فين يا فهد؟"
فهد:
"مسافر عند أدهم يومين يا جدي."
هتفت نعمة بلهفة:
"طيب ممكن أجي معاك؟ عشق وحشتني أوي."
نظر لها فهد بحيرة، فهو لا يريدها أن ترى انهيار عشق. ولو رفض سوف تحزن. فهمت تردده، أنه يريد يومين مع زوجته ولا يريد عزول. لذلك هتفت بخجل من صمته الذي طال:
"خلاص، خليها مرة تانية."
اتخذ قراره، فقد يخفف وجودها عن عشق الذي لا يعلم ما بها.
"لا يا ماما، تعالي معانا."
وافقه الجد لأنها سوف تترك المنزل لأول مرة منذ سنوات.
"روحي معاهم يا نعمة، بس ما تجيش من غير عشق، أصلها وحشتني جداً."
******************
اتصل فهد بأدهم بعد سفر استمر ٤ ساعات. وصف له أدهم المكان وكان في انتظاره على بوابة المستشفى. سلم عليه وعلى نعمة التي تحدثت بخوف:
"مالها عشق؟"
أشار له ليتبعوه:
"بخير. تعالوا نطلع."
وصلوا أمام جناح. عندما دلفوا من الباب، قامت عشق وهي تركض على نعمة تبكي في حضنها. بطريقة فزعت نعمة التي هتفت بقلق:
"مالك يا قلبي؟ فيكي إيه؟ ليه بتبكي كده؟"
التفتت لفهد:
"أبيه."
وكادت تقترب، لكن يد أدهم كانت أسرع وأقوى عندما أوقف قربها وجذبها لأحضانه. نظر لها بغيره قاتلة:
"لو كنتي عملتيها كنت قتلتك يا عشق."
هكذا همس لها أدهم. أما فهد فقد ابتسم على غيرته الواضحة وضوح الشمس. لكن ما يشغله الآن حالتها تلك، ليسألها:
"مالك يا عشق؟"
توجهت للطفل الممدد على السرير وبكت:
"ده أخويا يونس."
أتى دور فهد في الصدمة الذي سألها:
"مين؟"
أما نعمة كانت في لحظة جواره تتأمل ملامحه كأنها ترى أمامها عشقها. حركت يدها على وجهه وتحدثت:
"محمود."
نظرت لها عشق:
"مش كده يا ماما؟ شبه بابا."
نعمة بدموع:
"آه، الله يرحمه."
فهد وهو يقترب:
"يرى ملامحه. يا ماما، يخلق من الشبه أربعين."
عشق وهي تكشف ظهره:
"ودي كمان؟"
نظرت نعمة:
"دي كانت عند محمود، الله يرحمه."
تحدث أدهم:
"عشق صممت تعمل تحليل الـ DNA. ولما النتيجة تطلع نتأكد."
نظرت لفهد وهي تردف:
"إيه رأيك يا أبيه؟ لما تعمله أنت كمان؟"
فهد:
"تمام، مافيش مشكلة."
"في الطبيعي كان بيحتاج مدة كبيرة عشان يظهر ومعامل قليلة جداً اللي بتعمله. حالياً بالاجهزة الحديثة مش بيحتاج وقت كبير."
****************
في منزل سناء. هتفت زينب:
"ماما، أنا عايزة آخد رأيك في حاجة."
سناء:
"قولي يا حبيبتي، كل اللي نفسك فيه."
زينب:
"أنا الوقت بشتغل معاكي في المصنع. بقول لو نشوف جمعية ندخلها ونقبضها في الأول وأجيب ماكينة أعمل شغل هنا جنب المصنع لتحسين الدخل."
هتفت سناء بإعجاب شديد:
"فكرة حلوة يا زينب، بس هتبقى تعب عليكي؟"
زينب:
"مافيش حاجة لما أتعب سنة أو اتنين وبعدين نرتاح. المبلغ اللي أنتي عيناه من الفلوس أبقى أجيب بيه خامات، نظبط أمورنا ونعمل كام قطعة كده حلوة ونعرضها عندنا. ولو اتسحبت هانتعرف وهيكون علينا طلب. وأنا وأنت نشتغل من البيت بدل الشغل عند الناس."
سناء وهي تحتضنها:
"وأنا موافقة يا حبيبتي، ربنا يكملك بعقلك."
زينب وهي في حضنها:
"هي عشق ما قالتش هتيجي امتى؟"
تحدثت سناء وهي تنظر لابنتها:
"عشق، برده؟ هو أنا ما كنتش شايفه نظراتك ووشك اللي بيحمر كل ما يبص ناحيتك؟"
ردت زينب بخجل:
"هو ممكن الإنسان يحب حد ما شافوش غير مرتين بس ويحس أنه هو ده الشخص اللي بيتمنياه؟"
زادت سناء من ضمها وهي تهتف بحنين:
"ومن مرة واحدة كمان. أنا شفت باباك. مرة واحدة حسيت أن روحي اتعلقت بيه وحياتي كانت ناقصة لحد ما هو ظهر."
"الحب جميل قوي يا زينب. بس الحب الطاهر البريء اللي يكمل بالجواز."
تنهدت بتمني:
"يارب يا ماما، يفكر فيه أو أكون لفت نظره."
سناء بحنان:
"مين يقدر يقاوم واحدة في جمالك ده؟ كفاية الغمزات القمر دي."
“*****************”
في منزل خالد. عاد وهو يشعر بالإرهاق، فقد كان يوم صعب. وما زاد صعوبته الخوف والقلق على عشق. حالتها كانت توجع القلب. لقد اتخذها أخت ثانية مثل ندى منذ أول يوم رآها.
دخل من الباب وجد أمه تجلس أمام التليفزيون تشاهد المسلسل التركي.
خالد:
"مساء الخير يا أمي."
التفتت له وهي تخفض الصوت:
"أحضرلك العشاء يا حبيبي؟"
خالد:
"ياريت يا أمي، لو حاجة سريعة على ما آخد دش وأغير لأن عايز أنام."
خرج وجد والدته وضعت الطعام وجلست في انتظاره. جلس جوارها وبدأ في تناول طعامه. نظر لها بابتسامة.
خالد:
"عشق حامل."
فردوس:
"يألف نهار أبيض، يا ألف نهار مبروك. طب خليني أبارك لها."
خالد:
"مش هينفع الوقت، لما أكون معاها لوحدنا. هخليكي تكلميها."
فردوس:
"عقبال ما أفرح بيك يا حبيبي وأشيل عيالك."
خالد:
"ما أنا كنت عايز آخد رأيك في الموضوع ده."
فردوس بسعادة:
"يعني عايز تتجوز؟"
خالد:
"لسه بدري على الجواز. في بنت عجباني وكنت عايز أخطبها، بس صراحة مش عارف أهلها ممكن يوافقوا ولا لأ."
فردوس:
"ومين يرفض شاب زيك؟ ما شاء الله طول بعرض وشهامة."
خالد بأسف:
"الطول والعرض مش هم اللي هياكلوا بنتهم ويغطوها في البرد. مين ها يوافق أن بنتهم تعيش مع أهل جوزها وكمان وضع حياتنا ده."
فردوس:
"ماتقلقش، إن شاء الله هيوافقوا."
دخلت غرفتها وخرجت بعلبة صغيرة بها خاتم وسلسلة.
"دول كنت شايلهم علشان اليوم ده. ورغم الظروف اللي مرينا بيها رفضت أطلعهم وقولت دول لعروستك."
خالد وهو يقبل يدها:
" جبتيهم منين دول؟"
فردوس:
"دهب أمي الله يرحمها. ثمنهم يبقوا أغلى من دهب الوقت. هات بيهم خاتم ودبلة وأنا هعمل جمعية وندهن أوضتك ونجبلك عفش جديدة."
خالد بإحباط:
"لو وفقوا نبقى نشوف موضوع الجمعية ده."
فردوس:
"يارب يا حبيبي يسعدك ويريح قلبك زي ما أنت بتريح قلوبنا."
****************
فتح عيونه بتعب وجد نفسه في مكان لا يعرفه. اعتدل في جلسته وهو ينظر حوله، وجد ناس تجلس معه في نفس الغرفة.
وقفت عشق بلهفة:
"يونس حبيبي، حمدالله على سلامتك."
ابتعد عنها وهو يهتف:
"يونس مين؟ أنا اسمي البرنس. أنا إيه جابني هنا؟"
عشق وهي تقترب منه تحضنه:
"أنا أختك عشق. عارفة إنك مش فاكرني لأنك كنت صغير."
قفز من فوق السرير قبل أن تلمسه. نظرت له بحيرة:
"أهدي يا حبيبي، أنا مش ممكن أذيك."
خرجت كلماته حادة عنيفة:
"أنا محدش يقدر يأذيني."
تحدثت نعمة بدموع:
"تعالي يا حبيبي، أنا ماما نعمة."
نظر في عينها مثل ذئب يقيم فريسته، لكنه ضعف أمام هذا الحنان في نظرتها ودموعها. تمنى أن يصدقها ويرتمي في حضنها. يبدو عليها الطيبة، لكنه يعرف طريق أمه وقسوتها التي جعلته يهرب من المنزل.
توجه إلى الباب حتى يهرب. فتح الباب فجأة وظهر عليه شخص ضخم يرتدي جلباب. وقف فهد أمامه يسأله:
"أنت رايح فين؟"
عاد يونس بحذر، عدت خطوات للخلف وهو يهتف بعنف:
"أنت مين؟ أنت كمان؟ هو أنا وقعت وسط عصابة؟ لا أنا لحمي مر وماحدش يقدر عليا."
قفز على السرير الذي تقف عشق جواره وسحب مشرط ووضعه على عنق عشق. في دخول أدهم الذي رفع سلاحه دون أن يراعي طفولته وخوفه الواضح بعيونه.
أدهم بغضب:
"أنت بتعمل إيه؟ يلا اتشاهد على روحك؟"
عشق ببكاء:
"لا يا أدهم، إلا يونس. أنا ممكن أموت وراه."
نظر لها أدهم بخوف شديد وهو يتخيل ماذا يحدث إذا لم يلحقها من ذلك الوحش الصغير. هتف بصدق:
"ده مش أخوكي يا عشق، ده كلب صعران مش عارف يميز بين صحبه وعدوه. لا، هو بس خايف. أنت مش عارف كان شكله إيه وهو مرمي في الشارع؟ أرجوك؟"
يونس:
"حبيبي، أنا أختك الكبيرة عشق. كنت فاكرة إنك ميت مع بابا وماما وأخوك حمزة. أه، شيلتك وأنا بذاكر وياما حميتك. والشامة اللي في ضهرك دي يوم ما شوفتها وأنت مولود كنت في سنك. وقولت لماما أنا عايزة واحدة زيها. يومها ضحكت وقالتلي دي مش بتتباع، دي جايه من عند ربنا زي بابا بالظبط."
"بابا."
ليؤكد كلامها خلع قميصه وراني. سكن لحظة، تركها بعدها وابتعد.
ركض عليها أدهم حضنها وهو ينظر بقسوة لذلك الطفل:
"أوعدك لو ما طلعتش أخوها، أقتلك بإيدي علشان اللي عملته فيها."
أما فهد نظر لذلك الشرس، هو يتعامل بشراسة حتى يحمي نفسه، وهذا يدل على أنه ليس لديه من يحميه.
رجع يونس بظهره وجلس على الأرض في ركن من الغرفة يتأمل الجميع بحيرة وتشتت. ثم تحدث:
"إزاي أنتي أختي وهي أمي؟ وأنا أصلاً هربان من أمي وأبويا لأنهم قاسيين وبييعذبوني لما يلاقوا الفلوس أقل من اللي هم عايزنها؟"
سايره فهد في الكلام حتى يعلم ما عاناه:
"فلوس إيه؟ أنت بتبيع حاجة؟"
رد بتلقائية:
"لا، بسر."
عشق ونعمة بشهقة:
"تسرق؟"
هز رأسه وهو يكمل:
"كنت بسرق من ناس ومن المحلات. هو عودني على كده. الأول ياخدني معاه ويعرفني أعمل إيه، ولما لقاني ذكي وبتعلم بسرعة سابني في المنطقة بتاعته وراح هو مكان تاني."
يستمعون له بعدم تصديق لأنه يتحدث عن الأمر كأنه شيء عادي، لا يخجل من كونه لص وسارق. طريقته في الحديث مختلفة عن عمره، كأنه شاب في العشرين.
وجه له أدهم سؤال:
"إيه اللي خلاك تهرب؟"
ابتسم بسخرية:
"كنت بنزه نفسي وأجيب أكل نضيف أتفسح وأعطيهم الباقي. جبت لبس خبيته بعيد عن البيت. ولما لقيت الفلوس كل فترة بتقل بدأ هو ومراته يضربوني ويحبسوني من غير أكل كام يوم. مثلت عليهم إني ندمان واتعلمت من غلطي. ولما سابوني هربت بقالي ٦ شهور."
كادت عشق تساله أين كان ينام عندما طرق الباب ودخل الطبيب بالتحاليل.
عشق بلهفة:
"خير يا دكتور؟"
الدكتور:
"التحاليل مطابقة بنسبة ٩٠×١٠٠."
عشق:
"يعني أخويا مش كده؟"
الدكتور:
"آه، النسبة دي صلة دم من الدرجة الأولى."
توجهت له عشق وهي تحتضنه وتبكي:
"كنت عارفة."
بكى في حضنها:
"يعني الناس دول مش أهلي؟"
عشق:
"لا يا حبيبي، إحنا أهلك."
الدكتور:
"هو ممكن يخرج امتى؟"
"هو بقاله ٣ أيام بياخد علاج. أنا شايف أن حالته محتاجة متابعة يومين كمان."
****************
نادا خالد ندى بغرفتها، التي طرقت الباب ودلفت للداخل.
ندى:
"خير يا أبيه؟ حضرتك طلبتني؟"
جذب يدها يجلسها أمامه ومرر يده على وجنتها بحنان:
"بنتي وحبيبتي، بكرة هتبقي أجمل عروسة في الكون. لحد الوقت مش مصدق أنك كبرتي وهتروحي من بيت لحياة جديدة. بس كل اللي واثق فيه أني ربيتك صح. عايزك تكوني مع أهل جوزك واجهة جميلة لينا ولبيتنا. عايز الكل يحلف بأدبك وأخلاقك."
"عارف أن أمه صعبة وهتتعبك قوي، بس معلش اتحملي علشان حبيبك. هو يستاهل أنك تتغاضي عن مساوئ أمه. مش بقولك تبقي ضعيفة أو تقبلي الإهانة. أنا عايزك تبقي حكيمة في تصرفاتك وردود أفعالك. امتصي غضبها ببسمة أو كلمة حلوة علشان حياتك تمر. لكن وقت الإهانة أو حد يحاول يمسك بسوء، هتلاقيني قدامك أحميكي من أي شر مهما كان مين. أوعي تخافي أبداً من حد طول ما أنا موجود."
بكت ندى وهي ترمي بحضنه الذي استقبلها بحنان الكون. مسد ظهرها وهي تهتف ببكاء:
"مافيش واحدة تنكسر أو تضعف وهي أخوها خالد. هبقى دايماً قوية بيك يا بابا."
نطقتها بإحساس شديد:
"أنت أبويا وأخويا وسندي. ربنا ميحرمنيش منك أبداً."
هتف باختناق وهو يحارب دموعه:
"هاه، وبعدين؟ مش عايزين دموع النهارده بالذات علشان يصبح وشك زي البدر. مش عايزين الناس تقوله جايب العروسة الدبلانة دي منين؟"
ابتسمت وهي تمحي دموعها:
"أوعدك يا أبيه أن أكون عند حسن ظنك بيه ودايماً أرفع راسك ويحلفوا أن مشافوش تربية أحسن من تربية خالد."
ابتسم لها وهو يهتف:
"عارف يا حبيبتي، أنا صراحة مكنتش عايز جواز قبل ما السنة تخلص علشان الامتحانات اللي على الأبواب. بس سيد وعدني أن هيكون عون ليكي. الشهرين الجايين، يلا قومي نامي علشان بكرة اليوم صعب وطويل."
****************
ظلوا يومين آخرين بالمستشفى في انتظار تحسن حالته، بينما استأذن خالد الغياب اليوم من أجل زفاف أخته الذي لا يستطيع تأجيله لأنه تم تحديدها يوم كتب الكتاب.
تواصل فهد مع جده يخبره بتلك المفاجأة الصادمة للجميع. من يتوقع أن يظهر له حفيد آخر بعد تلك السنوات حي معافى. ذلك الخبر رد به الروح أكثر وأكثر.
****************
في قاعة جميلة وقف سيد بقلب ينبض بفرحة يستقبل محبوبته التي تضع يدها بيد أخيها الذي يزفها إليه.
بينما وقفت فردوس تتابع ما يحدث بدموع الفرحة. بينما جلست سيدة تحاول رسم الفرحة من أجل ابنها، بينما داخلها بحر من الأحزان على أختها التي تخلت عنها في أكثر أيامها احتياجاً للدعم.
اتسعت ابتسامة سيد عندما توقف خالد أمامه وهو ينقل يد أخته من يده يضعها بحب على يد سيد وهو يهتف:
"أنا عطيتك قلبي، حافظ عليه."
ثم أكمل بتهديد مرح:
"أوعي تزعلها يوم، أصل أخليك تودع شبابك يا سيد وأنت عارف."
ضحك سيد على كلماته التي تخفي ما يشعر به الأن. بان أحدهم يسحب روحه من جسده. ونظر لتلك التي تتورد خجلاً.
قال بخجل:
"أرجوك يا نودي، لو زعلتك في يوم فكريني أن أخوكي اسمه خالد. مش عايز أودع شبابي."
ثم أكمل وهو يهتف برجاء:
"بلاش تفتني عليا لو في يوم اتجننت وزعلتك. أنا برده زي جوزك."
ضحك جميع أصدقائهم. احتضن سيد خالد وهو يردف:
"أمانتك في قلبي يا صاحبي."
توقفت فردوس أمام طاولة سيدة وهتفت بإبتسامة:
"إيه يا أم سيد؟ ده مش مكانك. أنت أم العريس ومكانك هناك جنب ابنك في الكوشة. يلا عايزين الولاد يفرحوا، ده يوم في العمر."
نظرت لها سيدة بتشتت وألقت نظرة على ابنها وهو يتحرك على نغمات الموسيقى بعروسته، والفرحة تشع من عيونه وتصرفاته. أخذت قرارها: نعم، ابنها يحتاج وجودها وهي لن تكسر فرحته من أجل أي شخص، حتى لو كانت أختها التي محت ما بينهما بالجفاء والبعد. ومن لم يفرح بفرحة ابنها الظاهرة أمامها الأن، لن تحتاج وجوده.
في وقت أخرجها ابنها يراقصها على تلك الأنغام. ابتسمت باتساع وهي تضمه لأحضانها تشاركه فرحته. ليزيد من ضمها وهو يضحك ويقبل جبينها. بينما اقتربت منها ندي بحذر، خائفة من تعرضها للإحراج أمام كل هذا العدد. رأت سيدة نظرة الخوف بعيونها. ابتسمت في وجهها وهي تجذبها لأحضانها:
"ألف مبروك يا ندي، أنت الوقت بقيتي بنتي التانية ومرات الغالي. افرحي يا حبيبتي، ربنا يهنيكم."
ابتسم سيد الأن، اكتملت فرحته بتقبل أمه حبيبته. بينما اتسعت عيون ندي من الموقف وهي في حضنها. أشار لها سيد الذي يقف خلف أمه ويرى الذهول مرتسم بكل صورة على ملامح ندي. أن تصدق ما يحدث الآن، أمه تتعامل بطبيعتها بعد أن خرجت من تأثير أختها القاسي وعادت لقواعدها سالمة.
رواية إنت عمري الفصل الثلاثون 30 - بقلم امل مصطفى
عاد الجميع إلى الفيلا.
عشق لم تترك أخيها لحظة، تضمه تحت ذراعها وتتحرك جواره، تصعد معه إلى الغرفة التي جهزت من أجله.
أخرجت له ملابس حتى يبدل ملابسه، تهتف بحنان: "أنا هغيرلك."
تحدث يونس برفض: "أنا صغير عشان حد يغير لي هدومي. على فكرة أنا راجل وبعمل كل حاجة لنفسي."
"وكنت بحمي نفسي من كلاب الشوارع."
عشق وهي تضمه ببكاء: "أجمل راجل في الوجود."
نظر لها مستغربًا حالتها الباكية وسألها بفضول: "إنتي بتبكي كتير ليه؟ جمدي قلبك كده عشان تقدري تعيشي في الدنيا دي وإلا الوحوش هتاكلك."
نظرت له بابتسامة: "ما فيش حد يقدر يقرب مني طول ما أخويا سندي موجود."
"غير على ما أجيب لك أكلك."
نزلت عشق وجدت الجميع في انتظارها.
بينما عيون أدهم تشتعل من الغيرة، يرى هذا الطفل غريمه من أول وهلة، جذب كل اهتمامها بعد أن كان هو اهتمامها الأول، جاء من يشاركه حبها واهتمامها.
"حبيبتي تعالي اقعدي، أنت لسه حامل في الأول وده غلط عليكي." كان هذا رأي جدتها.
اقتربت من مكان جلوسها بتعب وهي تهتف بحنو: "شكله تعب كتير يا ماما، شايف دموعي ضعف، وإن كده الناس هتأذيني."
أكد فهد على كلامها: "فعلاً كلامه ونظرته أكبر من سنه، الشارع دمر براءته وحوله وحوش."
شرد أدهم في حياته الحالية، كيف يصبح وضعه مع عشق في وجود هذا الدخيل؟ لم يشارك في الحوار، بل عيونه على تلك التي لم تجف دموعها ولم تنظر له منذ نزولها. هذه الحركة أشعلت نار الغضب بداخله.
لاحظت أمه صمته الغريب، لذلك سألته غادة: "مالك يا حبيبي؟"
تنفس بضيق دون أن يبعد عيونه عنها، يحاول جذب عينها: "أنا كويس يا أمي، ما تقلقيش."
أتت الخادمة بالطعام.
وقفت عشق مرة واحدة تصعد معها مرة أخرى.
دخلت الغرفة بعد أن أنهى ارتداء ملابسه.
جلس على طرف الفراش.
جلست جواره وبدأت في إطعامه وهو استجاب لها.
هذا الاهتمام والحنان جديد عليه، يجربه لأول مرة، وما أجمله من إحساس.
دخل أدهم الغرفة، وقف ينظر لهم دون كلام.
رفع عيونه وجد نظراته الشرسه.
ابتسم يونس، ذلك الطفل الذي يملك ذكاء وخبث لا يناسب سنه، عندما هتف: "على فكرة أنا أخوها، مش هاخدها منك ولا حاجة."
هتف أدهم بغيرة وغضب: "محدش يقدر ياخدها مني، واللي يفكر مجرد تفكير يبقى آخر يوم في عمره."
وقفت عشق تقترب منه، تحاول امتصاص غضبه التي لا تعلم سببه: "حبيبي أهدي، ده طفل."
نظر لها بضيق عندما تدخل يونس بأسلوب فظ، كأنه يتمتع بما يرى من اشتعال ذلك العاشق: "طيب، لما مفيش حد يقدر ياخدها، ليه الغيرة اللي باينة في عيونك دي؟"
نظرت له عشق وهي تضغط على شفتيها بمعنى: "كفاية."
نظر له أدهم بعدائية وتحرك للخارج: "من يمنعه عنه؟ هي فقط."
خرجت عشق تتحرك خلفه: "أدهم، أدهم حبيبي، استني."
توقف دون أن يلتفت لها.
دارت حوله حتى أصبحت أمامه: "متزعلش منه، ده لسه صغير وبكرة نعلمه طريقة الكلام."
تحدث أدهم بسخرية وهو يقترب منها: "ده طفل رباه الشارع، يعني دماغه أكبر مننا، ومش سهل يتروض، عيونه تتحداني ولسانه بيقول كلام تاني."
"أنا رايح أنام."
قبضت على يده تستعطفه: "معلش، استحملني، فضل جنبه لحد ما ينام وأحصلك بسرعة."
مررت عيونه عليها بخوف داخلي من خسارتها.
هو أناني في حبها ولن يقبل أبدًا أن يكون رقم اثنين في حياتها، ولو استمر الوضع سوف تفقد حياتهم هدوءها لأن نار غيرته سوف تحرق الكل.
تركها وتحرك اتجاه جناحه في صمت.
***
في منزل الجد.
سمعت سناء طرق الباب، هتفت من الداخل: "افتحي يا زينب."
تركت ما بيدها وهي تردف: "حاضر يا ماما."
فتحت الباب وتسمرت مكانها من المفاجئة.
"مين يا زينب؟" لم تتلقى رد.
خرجت ترى ما يحدث، وجدت الاثنين يتأملون بعضهم بشوق.
قطعت حبل وصالهم عندما أبعدت ابنتها من أمام الباب.
بضيق من جنان رد فعلها وهي دائمًا زينة البنات في تصرفاتها وحيائها: "ماذا حدث؟"
"تعال يابني، اتفضل."
هتف خالد بإحراج: "إزيك يا أمير؟"
رغم تعجبها من وجوده الآن أمام بابها، لكن تصرفه في خفض عيناه وأخذ ساتر جوار الباب جعلها تهتف بإستحسان: "الله يسلمك يا حبيبي، اتفضل."
سألها خالد بحرج: "هو جدي أنور موجود؟"
"آه، تعال يا زينب، صحي جدك، اتفضل."
دخل خالد، جلس في زاوية لا تكشف أهل البيت في انتظار الجد أنور، الذي خرج له بابتسامة ترحيب: "أزيك يابني؟ أخبارك وأخبار عشق؟"
خالد وهو يقوم يستقبله: "بخير يا جدي، بس عندها قريبها اليومين دول، وأنا كنت هستنى لحد ما تفضي، بس قلت أجي أنا بنفسي أحسن."
تحدث الجد بترحيب: "تشرف وتنور في أي وقت، ده بيتك."
دخل خالد في الموضوع بدون مقدمات: "أنا كنت جاي أطلب إيد كريمتك زينب."
تحمل صينية بها واجب الضيافة وهي في طريقها للخارج.
اخترقت كلماته قلبها قبل سمعها.
اهتزت الصينية من رعشة جسدها وسقطت منها على الأرض.
مما جعل أمها تركض عليها بفزع، هي وخالد الذي هتف بلهفة: "إنتي كويسة؟ فيكي حاجة؟"
نظرت سناء لهفة هذا المغرم الظاهرة، وعلمت أن ما أصاب ابنتها قد أصابه.
ابتسمت زينب بتوتر: "لا، أصل أصل رجلي اتعلقت في المشاية."
أشارت له سناء بحنو: "ارجع أنت يا حبيبي وإحنا نحصلك."
جذبت ابنتها للمطبخ: "الله يخربيتك، ما تروحي تقولي له أنا بحبك. أحسن."
ورد وجه زينب بخجل وهي تهتف بصوت منخفض: "آسفة يا ماما، بس ما كنتش متوقعة."
تعلم ما تشعر به ابنتها، فقد عاشته من قبل.
لذلك لم ترد الضغط عليها وهي تهتف: "طيب، أعملي حاجة تانية على ما ألم الإزاز اللي اتكسر."
***
***
***
جلست عشق على الفراش، تجلس أخيها بين أحضانها وهي تهتف: "تعال نتفرج على صورك وأنت صغير."
جذبت ألبومًا، فتحت صورة كان بها رجل شبيه يونس، وجواره امرأة شديدة الجمال، بينهم طفلة صغيرة.
"ده بابا، أنت شبه ودي ماما، وأنا اللي في النص. وده حمزة وأنت الصغير اللي أنا شايله. ده كان أول عيد ميلاد ليك. ودي وأنت كان عندك ثلاث سنين وحمزة كان عنده سبعة. ودي صورتنا كلنا ولما بقي عندك خمس سنين."
ظلت تتحدث معه فترة طويلة.
تعلم جيدًا أنه لم يتذكر شيء من ذلك، لأن سنه آنذاك لا يسمح له بتذكر شيء.
كم تمنت أن تسأله كيف نجوا من تلك الحادثة وقد توفي الجميع، لكنها تعلم جيدًا أنه لن يتذكر.
***
في غرفة أدهم، يشعر بإختناق شديد.
لقد تركته منذ ساعتين ولم تحضر حتى الآن.
مل من الانتظار وقد مر وقت طويل.
خرج من الغرفة بضيق، وعندما فتح الباب وجدها نائمة في حضنه وهو متمسك بها.
شعر بغزة بقلبه، آلمته بقوة.
لأول مرة تنام بعيد عن أحضانه منذ زواجهم، حتى لو تأخر بالخارج لم تكن تغفل إلا بين أحضانه.
ظل على وقفته تلك بضع دقائق، ثم خرج بضيق، يحاول السيطرة على بركان غضبه.
يستدعي النوم الذي عانده هو أيضًا ولم يستطع إيجاده.
عندما سطع ضوء النهار، وقف يرتدي ملابسه وخرج من المنزل.
***
استيقظت عشق وجدت نفسها ليست في غرفتها، ووجدت أخيها في حضنها.
ابتسمت بحب وقبلته، وخرجت لتذهب لأدهم وتعتذر له.
لم تجده.
نظرة اتجاه فراشهم، وجدته كما كان، يبدو أنه لم ينم به.
نظرة للساعة بيدها، ما زال الوقت باكرًا على ذهابه.
نزلت السلم، وجدت نعمة وماسة.
اقتربت منهم، اعتذرت لماسة لأنها لم تقابلها بالطريقة اللائقة.
ردت ماسة بتفهم: "أنا مقدرة يا حبيبتي، ربنا يبارك فيه."
وجهت لها نعمة الحديث: "إحنا لازم نأخذه ونروح البلد، جدك هيتجنن من ساعة ما عرف الخبر، بيكلمني كل دقيقتين."
تمتمت ماسة بخجل: "أنا كنت عايزة أكشف هنا قبل ما أرجع يا ماما."
"نعمة: طيب نقول لفهد وبعدين نروح."
سمع فهد كلامهم وهو في طريقه للداخل، ووجه كلماته لماسة التي صدمت من استماعه لكلماتها: "أنا مش موافق، مش إحنا اتكلمنا لما يعدي على جوازنا سنة؟"
لم تكن عشق معهم، بل مشغولة بهاتفها، تحاول التواصل مع أدهم حتى تعلم أين ذهب في تلك الساعة المبكرة.
نفخت بضيق شديد لأنه لا يرد على اتصالها.
استأذنت منهم وصعدت إلى غرفتها ترتدي ملابسها.
بينما جلس فهد جوار ماسة وهو يحدثها بعتاب: "ليه عايزة تكسري كلمتي؟ مش إحنا اتفقنا خلاص؟"
اخفضت وجهها بحرج وهي ترد بصوت منخفض: "نفسي أفرحك، مش قصدي أبدًا كسر كلمتك. لا عشت ولا كنت عشان أكسر لك كلمة."
ابتسمت نعمة بحنان على ذلك الوحش الذي يحمل كل هذا الحنان واللين لزوجته، وهي تهتف: "سيبها على الله يا حبيبتي، وربنا صاحب الشأن مش مستعجل، يبقى خلاص."
نزلت وهي تحدث نعمة: "ماما، أنا هروح عند أدهم. لما ماما غادة تصحي عرفيها."
أوقفها فهد: "استني يا عشق."
استجابت له وهي تريد الركض للبحث عن حبيبها الذي تركها لأول مرة دون أن يبلغها عن وجهته أو يترك لها زهرتها الصباحية.
"أنا لاحظت تغيير أدهم من وقت ما جينا. نظراته ليكي فيها حزن، إحباط، ونظراته ليونس فيها عداوة. خلي بالك، غيرة الراجل صعبة، وبذات لو حس أن حد هيشارك اهتمام مراته. حاولي تمسكي العصاية من النص. أخوكِ على عيني، بس جوزك أهم من الكل. شخص بقوة وعنفوان أدهم مستحيل يتقبل أن يكون رقم اتنين في حياتك، أنت بذات."
صدمت عشق من كلماته وتساءلت نفسها: "ماذا حدث؟ هل أدهم يغير من أخيه؟"
تمتمت بحيرة: "ما فيش حد بعدني عن أدهم. أنا قلبي بيوجعني عليه وعلى حاله، ومش مستوعبة لحد الوقت إن أخويا عايش وأنا معرفش. ولما صورته وهو مرمي جنب حجر تحت الكوبري، قلبي بيتعصر. وده سبب إن بحاول أعوضه. وأكيد أدهم فاهم وعارف ده."
ابتسم فهد: "أدهم اعتبر يونس غريمه في حبك، وده هيخليه مش طايق وجوده. لازم تبقي حكيمة في تصرفاتك عشان تقربيهم من بعض، وأنا واثق في فطنتك وحسن تصرفك."
***
خالد: "بص يا حج نور، أنا في رقبتي أمي وأخواتي الصغيرين، وأختي اللي جوزتها من شهر. ظروفي على قدي، يعني لو ما عرفتش أجيب شقة بره هتجوز مع أمي وأخواتي. أنا حبيت أفهمك الوضع عشان تاخدوا قرار على نور."
سأله الجد: "يعني والدك متوفي؟"
أردف بخجل: "لا، عايش بس ميت من حياتي أنا وأمي من ١١ سنة، من يوم ما رمانا أنا وأخواتي وهم لسه لحمة حمراء. صراحة، أمي كانت دائمًا تصر على ارتباطي، بس ما كانش ينفع أفكر في نفسي وأسيب أخواتي لأن ظروفي ما كانتش تسمح. بس بعد جواز أختي ولما شفت زينب، قلت يمكن ربنا يعوضني بيها خير."
وقف وهو يستعد للذهاب: "أنا هستنى ردكم، ومهما كان الرد، أنا هفضل في مقام حفيدك."
لم يعطه أنور فرصة للتحرك عندما تحدث: "يابني، أنت تشرف أي بيت، ولو لفيت الدنيا مش هلاقي راجل ليها أحسن منك. بس بنتي وولادها تعبوا جدًا في حياتهم، ومحتاجين حد ينتشلهم من الفقر ده."
ابتلع خالد غصة مريرة بحلقه وفهم سبب تلك المقدمة.
هو لا يلومهم.
"ما تكملش يا حج نور، أنا فاهم كل ده ومقدره، وما أقدرش ألومك، وهفضل ليك حفيد لو احتجتني في أي وقت تلاقيني تحت أمرك. بعد إذنك."
هتف بحزن: "مش عايزك تزعل مني يا بني."
تحدث خالد بكسرة: "مقدرش أزعل منك يا راجل يا طيب."
خرج خالد، ركب السيارة وتحرك بها وهو يشعر بالإختناق.
توقف في الطريق وسند رأسه على دركسيون السيارة.
يجلد نفسه على تهوره: "كنت فاكر إيه؟ هيقولك وماله، خدها على حبال إيديك. وفيها إيه يعني؟ أنا مش بني آدم وليا حق أعيش زي باقي الناس. لا يا خالد، الراجل عنده حق. يعني يخرجها من فقر لقحط."
***
وصلت عشق أمام شركتهم، متوجهة لباب غرفته.
طلبت من السكرتير أن تدخل دون أن يخبره.
وافق.
دخلت وجدته يجلس على الكرسي، يرجع رأسه على ظهر كرسيه، مغمض العيون، ويضع ذراعه على رأسه.
رن هاتفها، حمل الهاتف ووضعه مرة أخرى.
تقربت منه بوجع وهي تهتف باختناق: "ما كنتش أصدق إنك تعمل معايا كده."
تفاجأ من وجودها واعتدل في جلسته، وجدها تقف على مقربة منه وعيونها تلمع بالدموع.
وقف أدهم بإحراج: "عشق، معلش، أنا..."
نظرة له بإنكسار: "مش محتاج تبرر. آسفة جدًا على الإزعاج."
التفتت تخرج من المكان حتى تحافظ على كرامتها أمام من أمام أقرب شخص لروحها.
قفز من فوق الكرسي وجذبها لأحضانه: "آسف يا عشق، بس غصب عني. ظهوره ضيع فرحتي بإبني اللي كنت بستناه على أحر من الجمر. خطفك مني بلحظة. أنتي من وقت ما هو ظهر نسيتي الدنيا، أهملتيني. أنا حاسس بغيرة صعبة هتموتني، مش قادر أتخيل أن أكون رقم 2 في حياتك، وأنت اللي عودتيني أن الأهم فيها."
شهقة بفزع: "بعد الشر عليك يا حبيبي."
التفتت ووضعت رأسها على صدره: "أنا بحاول أعوضه الحب والحنان اللي افتقده. شكله وتصرفاته تدل على قسوة الناس والأيام عليه. في بعدنا بس ما فيش حد ممكن ياخد مكانتك في قلبي ولا يشاركك فيها."
همس بحزن: "عشق، أنتي سبتيني ونمتي في حضنه وأنا منمتش من ساعتها. النار اللي جوايا ذبحت روحي وسرقت النوم من عيني، وبذات لما رجعت لقيتك نايمة في حضنه."
نظرت له بندم وتذكرت كلمات فهد: "ماذا فعلت؟ وكيف لم تستوعب أنه غار عليها من أمه؟ فكيف له قبول شخص مثل أخيها؟"
اقتربت منه بحنان ورفعت كف يدها تحتوي به وجنته، ليغمض عينها بتأثر من لمستها.
أراح وجنته داخل كفها وهو يقبل باطن كفيها بعشقه.
هتفت بغرام: "إيه رأيك لما نفرد الكنبة دي وآخدك في حضني تنام ساعة أو اتنين؟ ووعد مش هنام بعد كده غير في حضنك."
تأمل ملامحها بحب: "موافق."
كلم سكرتيره وأمره بمنع أي شخص من الدخول وتأجيل كل شيء إلا انت.
تمددت وأخذته في حضنها، وعندما وضع رأسه على صدرها شعر بأنه الآن بين داره وسكناه، لذلك غفا بسرعة وأثبت لها أن لا حياة بدونها.
ظلت تمسد على ذراعه بحنان وهي تلوم نفسها على تلك المشاعر المؤلمة التي زارته بسبب إهمالها له.
***
خرجت سناء وخلفها زينب الباكية، وهي تسأل والدها بعتاب: "ليه يا بابا قلت له كده؟"
الجد بتبرير: "عايزاني أوافق على واحد بظروفه دي إزاي؟ كفاية عليها هم وتعب لحد كده، عايز حد يريحها يعيشها في مستوى أحسن من مستوانا. أنا عارف إنه راجل ويحافظ عليها، بس هتتعبك. كفاية أنتي وافقت على الحب ونسيت أن الحياة مش حب وبس، وأنك شايفه وضعك. جمالك إنطفى وشايلة حمل خمس أفراد."
زينب بحزن: "بس أنا يا جدو عندي طموح وفي إيدي أصنعه، تأكلني الشهد، هتبقى إيدي بإيده لحد ما نوقف على رجلينا مع بعض. أرجوك يا جدي، بلاش تكسر بخاطره."
"يده، أول طلب أطلبه منك."
تمتم بحزن: "ما عادش ينفع بعد ما رفضته، أتصل بيه وأقوله أنا موافق؟ مش ممكن أرخصك مهما حصل."
***
بعد أن تحسنت صحة يونس، أصر فهد على الذهاب به لمكان والديه الوهميين الذي أعطاهم عنوانهم.
يونس وذهب معهم.
تحرك فهد وأدهم بسيارة أدهم، بينما خلفه حرسه.
أوقفها بعيدًا عن مدخل تلك الحارة التي تفوح منها رائحة الفقر.
تحرك يونس أمامه.
وهو في طريقه هتف أحد الجيران: "حمدلله على سلامتك يا برنس، كنت فين؟ ده أبوك قلّب عليك الدنيا."
بينما تجلس مني تجهز الطعام الذي تركته عندما سمعت كلمات جارهم وركضت على الشباك وهي تنادي زوجها الممدد بغرفته: "الواد رجع يا حسن."
قفز ذلك الذي كان يجلس بغرفته يأكل نفسه من توقف حاله منذ مغادرة هذا الطفل الذي يعد بنك الحظ بالنسبة له.
فتحت الباب تستقبله حتى تعنفه، وقبل أن تتوجه له، وجدت خلفه حائطين بشريين.
شعرت بالرعب من هيئتهم وهي تحاول غلق الباب مرة أخرى وتلطم خدها: "الواد جايب معاه الحكومة."
اتسعت عيون حسن وقبل أن يتحرك، وجد نفسه أمام فهد وأدهم.
نظر ليونس وهو يصرخ: "برنس مين ده؟ يونس محمود المنشاوي."
واقترب منه يقبض على عنقه بعنف: "لاقيتيه إمتى وفين؟"
يونس: "مين يا باشا؟ ده ابني وهربان مني بقاله كام شهر."
وقفت زوجته وهي تؤكد كلماته: "أيوة يا باشا والله ده البرنس ابننا، بس واد شقي و بتاع مشاكل، لو عمل حاجة غلط سامحه."
وقف يونس وهتف بقوة لا تناسب سنه: "أنا عمري ما حسيت إنكم أهلي، بس كنت بكذب نفسي لأن معرفش غيركم. قولولي أنا مين."
يصرخ فهد به وهو يلكمه بقوة بفم معدته ثم وجهه: "قول أنت لاقيته فين، ولا أعجز جسمك جزء جزء لحد ما تنطق."
ثم أكمل بسخرية: "بس مش عارف وقتها هينفع تتصلح ولا لأ."
نظر له بخوف وهو يمسح الدماء الخارجة من فمه: "لاقيتيه في طريقي وأنا راجع مرمي على الرمل، قاطع النفس."
سأله أدهم بفضول: "كان جنب عربية ولا قريب من حادث؟"
هتف حسن: "أه، كان في حادثة كبيرة يومها، بس هو كان بعيد عن النار بشوية. خدته وديته المستشفى، وكنت ناوي أسلمه للبوليس، بس مراتي قالت لي: سيبه ينفعنا في كبرنا، لأن إحنا مش بنخلف."
اقترب منه فهد يضربه وهو يهتف بحقد: "ينفعك إزاي؟ لو كنت علمته صنعة أو خليته يتعلم، كنت شيلتها لك جميلة وعوضتك. لكن أنت علمته السرقة."
اقترب يونس وهو يضرب حسن بغضب: "يعني كل ده وأنتم مش أهلي؟ أنا بكرهك."
ونظر لمني: "وبكرهك أنت كمان."
جذبه فهد من يده وخرج من المكان، بينما ظلت مني تندب حظها.
ركب الجميع وتوجه للصعيد.
خافت عشق من غيرة أدهم ونامت في حضنه.
بينما يونس استقر في أحضان نعمة التي تغدقه بحبها وحنانها الذي جعله يشعر معها بالأمومة الحقيقية.
حدثت أدهم: "سبحان الله، ربنا ليه حكمة في كل حاجة. يعني نلاقي أخويا بعد خمس سنين عشان ماما نعمة هي اللي تربيه ويعوضها الحرمان."
انحنى يقبل رأسها المستقرة على صدره وهو يهتف: "ربنا ليه حكمة بكل شيء."
وصلوا أمام المنزل، وجدوا جدهم في انتظارهم بنفسه.
فتح أحضانه ليونس وهو يتوجه ناحيته.
نظر لعشق التي هزت رأسها.
توجه لجده الذي تأمله بحب، فهو نسخة مصغرة من ابنه، كأنه يراه وهو في نفس السن.
ظل يقبله ودموعه تسيل بعدم تصديق أن يجد حفيده الذي كان بين الرماد.
صدع صوت طلقات نارية في كل مكان، إعلان رجوع حفيده الغالي.
أقيمت الذبائح، وكل شخص يتناول نصيبه يدعو بالصحة وطول العمر ليونس.
طلبه منه الجد الصعود وارتداء جلباب حتى يقف بين الرجال الذين أتوا يشاركون فرحته.
نزل المنزل ووقف بين الرجال، ورغم صغر سنه، لكنه كان يتمتع بالحضور، شخصية قوية، لبقة، يتمتع بنظرة شرسة ورثها من جده.
أتى أحد الرجال بفرس يرقص به، طلب يونس الركوب.
لكن فهد رفض خوفًا عليه.
أما الجد وافق حتى لا يحزنه، فهو أصغر أحفاده وسوف يكون أغلاهم.
ركب فوق الفرس لكنه أوقعه.
وقف الجد بقلق، تحول ابتسام بإتساع عندما وجده يقف بسرعة رغم عنف الوقعة.
وركض خلف الفرس حتى يوقفه، وبعد محاولات كثيرة أوقفه وسحبه إلى مكان يستطيع الصعود عليه وركبه وهو يضربه حتى يتحرك، لكنه رفض.
اقترب منه فهد ووقف أمام الفرس وتحدث بطريقة لا تقبل النقاش: "اسمع اللي هقوله ليك، ويتنفذ بالحرف الواحد، وإلا هتكون آخر مرة تركب فيها فرس."
أخذ يده ووضعها بحنان على رأس الفرس وهو يتحدث: "الخيل العربي قوي ومش يقبل الإهانة أبدًا، ولا ينسى الأذية، ورغم كده الحنية هي اللي بتأثر فيه. عامله بحنان يكون لك أوفى من الإنسان. العنف مش يخليه يستجيب، بالعكس يتمرد وممكن يغدر. حسسه إنك قريب منه وفاهمه."
حرك يده أكثر من مرة وابتعد وتحرك يونس والحصان، صفق له الجميع.
***
بعد مرور أسبوع، عادت عشق بعد أن رفض الجد عودة يونس معها، فهو لن يتركه لحظة بعد الآن.
يبتعد عنها، لذلك تفهمت عشق الوضع وعادت مع أدهم.
وفي الصباح وهي تجلس جوار غادة، اتها اتصال من زينب التي قصت عليها ما حدث ببكاء.
لذلك طلبت منها أن تأتي لزيارتها وهي سوف تتصرف مع خالد وجده.
لأول مرة في حياتها تكذب على والدتها وتخبرها أنها ذاهبة بعد العمل للبحث عن خامات جديدة.
تعلم جيدًا أن والدتها لن توافق على ذهابها لمكان به خالد.
خرجت من المشغل وركبت تاكسي، أنزلها أمام الفيلا.
رنت عشق على خالد وطلبت منه أن يقابل زينب عند البوابة.
انتفض قلبه عند سماع اسمها وتحرك نحو الباب بغيرة لأن زملاءه سوف يرونها.
وجدها تقف بخجل عندما ناداها خالد: "أزيك يا آنسة زينب، اتفضلي معايا."
تحركت جواره دون كلام، وعندما ابتعد عن أصحابه هتفت بحرج: "على فكرة أنا موافقة على طلبك."
توقف ونظر لها: "طلب إيه؟"
زينب وهي تفرك يدها: "إننا نتخطب."
رمقها بإبتسامة حزينة: "بس جدك رافض، وهو عنده حق، كل إنسان يحلم بالأحسن لنفسه، تخيلي أولاده بيكون الإحساس مضاعف."
هتفت بإنكسار: "أنت مش عايزني خلاص؟"
هتف برفض: "أنا عمري ما تمنيت حد في حياتي غيرك، بس فعلاً ظروفي ووضعي مش مناسب لأي حد."
تحدثت تشجعه: "أنا عندي مشروع أبدأ بيه ونوقف على رجلينا مع بعض. أنا جبت ماكينة وهعمل شغلي الخاص وأعرضه في المحلات وبكرة هكبر."
اتسعت عيونه مما تنطق به: "هل تراها صغير لتلك الدرجة؟"
لقد رفض عمل أمه رغم إصرارها حتى تساعده في تخفيف حمله.
"ماذا تقول تلك المجنونة؟" وترجم أفكاره في كلمة حادة: "يعني قصدك تصرفي عليا؟"
هتفت بسرعة عندما لاحت لها ملامحه المتجهمة: "لا مش قصدي، أنا بتكلم ممكن نشارك بعض والمشروع يكبر ونبني حياتنا طوبة طوبة."
رد برفض: "مش هقدر أطلبك من جدك تاني."
اخفضت وجهها بتيه: "عارفة إن صعب تحرج نفسك مرة تانية عشان."
هتف في نفسه: "أنا ممكن أعمل أي حاجة عشانك يا زوبة، بس أنا مستخسرك في البهدلة."
لتخرج منه الكلمات عكس ما يشعر.
لو ظلت أمامه أكثر من ذلك، سوف ينهار ويخرج عن هدوئه ويطلبها مرة أخرى من جدها.
لذلك أغلق على نفسه وعليها باب الأوجاع، وهو يرد ببرود: "يلا أوصلك عشان أرجع البوابة."
نظرت له بحزن وتحركت جواره، تشعر بقلبها يبكي لأنها تعيش إحساس الحب واللهفة لأول مرة معه، وهو يصدها ولا تعلم شيء عن حربه التي تفتك به.
بينما هو يخطف لها نظرات هائمة من وقت لآخر وهي تتحرك جواره.
"حلمك قدامك ومش قادر تلمسه، لأول مرة أكره ظروفي وألعنها."
***
ماسة: "عايزكِ في أوضتي."
"حاضر يا ماما."
تحركت خلفها وهي من داخلها تعلم ماذا تريد.
أغلقت عواطف خلفها الباب: "إنتي بقالك أربع شهور متجوزين وما فيش حمل حصل؟"
"أنا طلبت كام مرة من فهد نروح لدكتورة وهو رفض وقال لما يعدي سنة."
شهقة عواطف بزهول: "سنة بحالها؟ كيف ده؟"
"ممكن حضرتك تقنعيه ونروح؟ أنا عايزة ولد منه النهاردة قبل بكرة. يمكن يسمع كلامك."
"خلاص، أنا هخلي عمك يكلمه ويشوف، بس بلاش يعرف إني كلمتك في الموضوع ده."
"حاضر."
"محتاجة مني حاجة تانية؟"
"لا يا حبيبتي. ربنا يرزقكم بالذرية الصالحة."
"مالك يا ماسة؟ بقالك فترة شارده ومش عجباني؟"
هتفت بحزن: "خايفة يا ماما نعمة لحد الوقت وأنا مش حامل، وخايفة يكون عندي مشكلة وفهد رافض إني أكشف. وده تعب أعصاب."
ربتت على يدها بإطمئنان: "أنتم لسه صغيرين، ما تتسرعيش. كل شي بأوانه."
دخل فهد هو ويونس والقوا التحية.
توجه يونس لنعمة التي استقبلته بحنانها المعهود.
بينما فهد تأمل ماسة التي ابتسمت في وجهه، ولكن عيونها تفضح حزنه.
منذ فترة لا يعجبه حالها، دائما شارده ومتجهمة الوجه، وعندما تشعر بوجوده تمسح دموعها وتبتسم.
طلب منها فهد الصعود معه لفوق: "حاضر."
دخل غرفته وأغلق الباب: "ليه دايما شايفك حزينة كده؟"
أردفت بتوتر: "أبدا، أنا كويسة."
جذبها وأجلسها على قدمه: "هتكذبي عليا؟ أنا بفهمك من نظرة عنيكي. برده نفس الموضوع اللي شاغل بالك، مش كده؟"
تحدثت وهي تخفض عيونها: "عايزة أطمن، خايفة يكون عندي حاجة وأنت تسيبني."
رفع وجهها وهو يتحدث بصوت رجولي خشن: "أنا بحبك، عارفة يعني إيه؟ يعني خلفتي أو لا، مش ممكن أسيبك."
تمتمت بخوف: "بس عمو محمود ساب ماما نعمة واتجوز عليها."
ابتسم بحنان وهو يمرر يده على ظهرها: "اتجوز عليها مش عشان الخلف، اتجوز لأنه مش بيحبها. مامت عشق هي أول حب. وضعنا مختلف، أنا بحب ماسة وبس، ومش ممكن أشوف غيرها."
نظرت بعمق عيناه تبحث عن صدق كلماته، لأنها تعلم حتى لو أحبها، سوف يدفعه الجميع للبحث عن زوجة أخرى من أجل الخلف، ولن يستطيع أحد الوقوف أمامه لأنه حقه، وعاداتهم تعطي هذا الحق للرجل بقوة.
تنهد بحزن على تشتتها وحيرتها وهو يردف: "أنت مش بتثقي فيه؟"
هزت رأسها بصمت.
"أنا عايزك انت بس، وأوعدك مهما حصل ما فيش واحدة تاخد مكانك في قلبي أو حضني مهما كانت الظروف."
احتضنته وهي تهتف: "وماسة بتعشقك ونفسها تكون جنبك لآخر العمر."
قبلها ورفعها بين يديه ليعيش معها في عالمه الخاص.