تحميل رواية «إنت عمري» PDF
بقلم امل مصطفى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى الأحياء الشعبية المتوسطة، تقف فتاة جميلة، رقيقة القلب والروح، تطرق باب المنزل بمرح وهي تدندن بحب. فتح الباب وقابلتها فتون ببسمة واسعة ارتسمت على ملامحها التي غزاها معالم الشيخوخة، عندما علمت هوية الطارقة. لهف قلبها قبل أقدامها اتجاه الباب، ترد روحها بتصرفات تلك الشقية التي أطلت عليها بوجهها الصبوح الذي يزيل الهم وينعش القلب. "صباح الورد يا فتون." ضمتها الأخيرة بقلب أم وهي تقبل وجنتها. "صباح الفل والياسمين على عيون حبيبتي." بحثت عشق بعينيها في المكان وهي تسأل: "فين بابا ناجي؟" شاورت لها ف...
رواية إنت عمري الفصل الحادي عشر 11 - بقلم امل مصطفى
عاد زين في ميعاده المتفق عليه مع عشق، وجدها مازالت تشرح للبنات.
تحدث بملل: خلاص يا عشق، كفاية كده النهارده، عايز نلحق اليوم من أوله.
شكرته البنات وعشق وهن في منتهى السعادة.
حقيقي أنا حبيت المادة، يا ريت تعملي فينا ثواب وتيجي تفهمي المدرس بتاعنا طريقة شرح المنهج بدل ما هو عقدنا كلنا!
ضحكت عشق: وأنا موافقة، هاتيه الحصة الجاية وعرفيه أن الحصة بـ 200 جنيه لو عاجبه.
خلود: على الفرق في الشرح بينكم، تستاهلي خمسمائة جنيه الحصة. ده ما حدش بيفهم منه وبياخد مئتان الشهر. ربنا ينجحه.
هتف زين: أنتم وهي، خلينا نلحق نمشي.
نظرت له خلود بحزن وصعدت غرفتها دون كلام.
أما عشق، صعدت وارتدت ملابسها. كان عبارة عن دريس أبيض به فراشات زرقاء، وارتدت حجاب أزرق.
زين: بسم الله ما شاء الله. لا، أنا بقول خليكي في البيت أحسن.
تحدثت عشق بغضب طفولي: يعني أنت كنت بتضحك عليا؟ ماشي، أنا مخصماك.
نزلت تبحث عن نعمة لتشتكي لها.
عشق: زين، ماما ياماما..
خرجت نعمة: مالك يا حبيبتي؟
عشق بحزن: يرضيكي زين يضحك عليا؟ وبعد ما البس يقولي اقعدي في البيت أحسن.
نعمة بعدم استيعاب: لا، زين طول عمره راجل ومش بيرجع في كلامه.
عشق: ماشي، يعني أنا كذابة يا ماما؟
نعمة بحيرة: لا يا حبيبتي، مش قصدي. في إيه يا زين؟ مش عايز تخرجها ليه؟
زين بتوتر: بصي لها كده يا ماما.
رجعت نعمة بصرها إلى عشق: مالها يا حبيبي؟ بسم الله ما شاء الله، إيه من الجمال ولبسها واسع ومحترم.
زين تبرير: مش قصدي، قصدي إنها جميلة جدا وملفتة. أمشي بيها إزاي وسط البلد؟
خجلت عشق وتورد وجهها من شدة الخجل.
زين: طيب، بصي بقى شكلها إزاي لما احمرت؟ أعمل إيه؟ أقتل كل الرجالة النهارده؟ ولا تلبسيها نقاب أحسن.
نعمة برفض: نقاب إيه يا حبيبي؟ لا طبعًا، بنتي لبسها واسع ومحترم. خلاص، يلا يا عشق.
جذبتها نعمة لأحضانها، تقبلها قبل الذهاب: حطها في عينيك يا زين.
زين: أكيد طبعًا. بس ما حدش يستنى على الغدا. سلام.
***
وقفت تستنشق الهواء بمتعة كبيرة، وتتابع الفلاحين وهم في حالة نشاط مثل خلية نحل. الجميع يعمل ويشارك، رجال وحريم وأطفال.
"ياااه يا زين، المكان تحفة جدا. أنا مش مصدقة، ولا ريحة الأرض تحس فيها الطيبة والنقاء."
رأت فراشة جميلة، تركت ما بيدها وركضت خلفها بسعادة.
حدث نفسه بإعجاب شديد: ياريتني قابلتك من زمان، ماكنتش سبتك لحد أبدا. جمالك جنني. أنا لازم أكلم جدي لما أرجع.
***
على الغداء.
فهد بتعجب: كل ده زين مرجعش هو وعشق؟
نعمة بهدوء: لا يا حبيبي، قال مش هيرجع على الغداء.
تحدث بضيق: بقي ظابط ولسه مش عايز يعقل ويتحكم في تصرفاته؟ يلف بيها كل ده في البلد؟ إزاي؟ كان عندي في المصنع من 3 ساعات وطلبت منه ما يتأخرش.
الجد بصوت قوي: ومالوا يا ولدي؟ تلاقي عشق مبسوطة بالمناظر، عندنا حاجات مش بتشوفها في البندر.
فهد: أنا عارفه، مش ساب مكان في البلد غير لما يفرجها عليه.
تحدث فهد بعدم رضى: يا جدي، ما كانش لازم. كله في يوم؟ كان صبر عليها، هي مش متعودة على اللف ده وهتتعب.
الجد بفرحة لوجودها بينهم: لا ما تخافش، أكيد زين حطتها جوه عينه ومش ها يتعبها.
كل هذا الحديث أمام تلك الصامته من الخارج، بينما داخلها تغلي من الغيرة. فهو لأول مرة يهتم بفتاة من العائلة ويطلب الخروج بصحبتها. تريد أن تصرخ، تخرج ما بداخلها، لكنها لا تستطيع لأنها تعلم جيدا أنها سوف تكون نهايتها.
بينما ابنته عمها ياسمين، تجلس جوارها وهي تشعر بها بما تمر به، لكن ليس بيدهم شيء.
***
في مكان جديد وغريب.
يجلس رجلان، شكلهم غريب ومخيف في نفس الوقت، أمام نار يصنعوا عليها شاي.
يتحدث أحدهم بإنبهار: والله يا واد يا جعيدي، زي ما بحكيلك كده. بت لهطت جشطة زي اللي بنطلع عليهم في التليفزيون. جميلة الجميلات ماشية مع زين ولد المنشاوي. بيقولوا بنت عمه محمود. محمود وولاده ماتوا وما عدش غيرها. واه واه، أكيد شبه أمها، عشان كده عارض المنشاوي الكبير وخرج من تحت طوعه. والله يبجاله حج. أنا اتفاجأت لما شوفتها.
انتفض الاثنان على صوت صراخ كبيرهم: واد يا مخبل منك ليه سايبين شغلكم وجاعدين تتسامروا مع بعض؟ يومكم أسود. شكل و شوشكم.
وقفوا باحترام. بينما نفى جعيدي: أبدا يا كبير.
صرخ عليهم فاروق: هتنطق؟ كنت بتجول إيه؟ ولا أطخكم أنتم الاتنين.
تمتم حمد بخوف، فهو يعلم جيدا كبيرهم أنه لا يتراجع في قرار يأخذه، وأن أرواح البشر لا تعني له شيء.
حمد: خلاص والله يا كبير، كنا بنتحدد عن بنت محمود المنشاوي.
فاروق باستغراب: هو محمود جه هو وولاده البلد؟
حمد: لا، بيجولوا مات هو وولاده وبعتوا جابوا البنت الفاضله. بس بنت كيف الجمر، ماشوفتش حريم زييها قبل سابج غير في التلفزيون.
وقف فاروق يمسد شاربه الغليظ وهو يحدث نفسه باهتمام: للدرجة دي؟
حمد: والله يا باشا، لو شوفتها ما تقدر تبعد عينك عنيها أبدا. كأنها جمر في ليلة تمامه، بتنور وحديها.
فاروق وهو شارد: طيب شوفوا شغلكم، وإلا هخلص عليكم.
***
في المساء.
دخل زين وخلفه عشق تحمل حذاءها في يدها.
ضحك الجميع على هيئتها.
هند: واه يا عشق، أنتي ماشية حافية اكده في الطريق.
ردت بخجل: أعمل إيه يا طنط؟ رجلي مش قادرة منها. خروجة النهارده بعمري كله.
ابتسم الجد: أهم حاجة تكوني مبسوطة.
اقتربت عشق منه، تنحني تقبل يده: جدا جدا يا جدي، كانت فسحة تحفة. روحنا أماكن كتير وجميلة جدا، تهدئ الأعصاب. كان نفسي أنام فيها.
محمد وهو يميل على زين: غضب فهد لأنه متضايق جدا منك.
زين بتوتر: ليه؟ أنا عملت حاجة؟
مروان: شايف إنك زودتها وأنا معاه.
نظر له زين بسخرية: هو أنت فاكر نفسك في المحكمة؟ أنا بقا معايا اللي تخرجني منها زي الشعرة من العجين.
ضحك مروان: أنت بتحلم. مافيش حد يقدر يخلصك منه، حتى جدك.
زين بابتسامة خبيثة: لا، فيه.
ارتعد الكل من صوت فهد الذي تحدث بغضب، وخاصة زين: حمد الله على السلامة يا حضرة الظابط يا عاقل. حد يعمل في بنت عمه كده ويلف بيها؟ حسابك معايا.
لاحظت عشق توتر الجميع، لتهتف بدفاع: بعد إذنك يا أبيه فهد، أنا اللي طلبت منه يفرجني على كل الأماكن الجميلة عندكم. هو كان عايز يروح ونرجع يوم تاني، بس أنا صممت. الأماكن كلها كانت أجمل من بعض والوقت سرقنا. معلش، عشان خاطري، سامحه المرة دي.
اتسعت أعين الجميع بصدمة، وبعضهم شعر أن ما يحدث مجرد وهم يتمنى حدوثه. فهد لم يعط الفرصة لأحد يأخذ ويعطي معه بالكلام، أما ما يحدث الآن ليس مجرد كلام فقط، بل جعلته يتراجع عن قرار قد اتخذه.
عندما رمق فهد زين بنظرة وهو يردف بحدة: انكتبلك عمر المرة دي. وابتسم لعشق: عشان خاطرك يا عشق.
تحدث مروان بذهول: يابن الأيه؟ انكتبلك عمر جديد؟ احمد ربك.
تشاهد زين على نفسه، حمد الله على ذكاء ابنة عمه وحسن تصرفها.
زين، رغم مكانته وقوته وجبروته خارج المنزل، لكنه كالطفل الصغير أمام أخيه الكبير، لا يستطيع مجاراته أو رفع عيونه أمامه. وهذا ليس ضعفًا، إنما احترام وأخلاق وعادات وتقاليد تستوجب احترام الصغير للكبير.
نظرت له خلود بحزن، ولم تستطع الجلوس، صعدت غرفتها.
استغربت عشق من تصرفها، فهي لم تتحدث معها.
وقفت أمام نعمة وقبلتها: ماما، أنا طالعة لأن أدهم هيكلمني كمان شوية.
نعمة: طيب، خليكي أجهز لك وكل وبعدين اطلع.
عشق: هتف برفض: أتكلم مع أدهم الأول وبعدين أنزل.
صعدت السلم بسعادة.
أدت فرضها وجلست على السرير في انتظار مكالمة أدهم.
***
زين: جدي، لو سمحت عايزك في موضوع.
استجاب له الجد ودخل معه الغرفة وأغلق الباب خلفهم.
جلس الجد في انتظار حديثه، الذي كان صدمة حقيقية للجد.
عندما هتف زين: بص يا جدي، أنا كنت عايز أتجوز عشق. أنا أولى بيها من الغريب.
الجد: كيف ده؟ عايزني أطلقها من جوزها وأجوزها لك؟ بينك اتخبلت؟
زين بترجي: فقد جذبه جمالها الساحر وطفولتها في مشاعرها. أرجوك يا جدي، وافق، أنت بس وأنا هحطها جوه عيوني.
تحدث الجد بحزم يتخلله الحزن والندم: ما ينفعش يا ولدي، مش هكرر نفس غلطة زمان وأغصب على حد في الجواز. كفاية خسرت ابني وولاده بسبب قرار زي ده. بنت عمك بتحب جوزها وجوزها كمان بيحبها، وأنا مش ممكن أخرب حياتهم بيدي. انسى يا ولدي. جوزها لو عرف حاجة زي دي مش هايخليها تيجي حدانا مرة تانية، وأنا مش هقدر على بعدها. وهي هتخاف منك بدل ما تخسرها. اكسبها أخت ليك بدل ما تضيع خالص، وربنا يريح جلبك.
***
جلست تنتظر اتصاله بشوق كبير. تحدث نفسها: هل تبادر هي بالاتصال أم يكون مشغول ويزعجه؟
عندما رن هاتفها، تناولته بلهفة. أوصلها صوتها لروحه. شعر بخفقان قلبه من اللهفة الواضحة في صوتها.
أدهم: حمدلله على سلامتك.
عشق بحب: الله يسلمك.
سألها عن موعد رجوعها، وعندما أجابته هتف بعدم تصديق: يااه يا عشق، كل ده بره البيت؟
أجابته بافتتان: البلد جميلة جدا وفيها أماكن كتير تاخد العقل. زورنا مصنع اللحوم ومزرعة الدواجن والأرض بتاعت القصب. أماكن ساحرة جدا يا أدهم. وروحنا أرض زراعية كبيرة جدا، أكلنا فطير سخن وعسل. اليوم كان جميل جدا جدا، وكان يبقى أجمل بوجودك.
لا يعلم لماذا كل هذا الصخب داخله كلما تواصلوا معًا. يريد أن يشاركها كل لحظة عاشتها حتى قبل أن يقابلها.
عشق: معاكي صور للأماكن دي؟ عايز أشوفها.
خرج صوتها فرحًا من اهتمامه: أه، معايا كتير.
وقامت بإرسالها له صور كثيرة في أماكن مختلفة.
تصفحها وهو يحدثها: أنا كنت معاكي بروحي يا قمري.
خجلت لتهرب منه وهي تهتف بحنين: ماما وروان وحشني جدا، عايزة أروح ليهم.
أدهم: هانت يا حبيبتي، كلها أسبوع ويكونوا هنا. أهم حاجة عايزك تخلي بالك من نفسك لحد ما أجي آخدك.
***
بعد انتهاء المكالمة بينهم، توجهت عشق إلى غرفة خلود وقامت بالطرق على باب غرفتها. فتحت لها ياسمين.
ياسمين: اتفضلي.
دلفت للداخل بابتسامة كعادتها. وجدت خلود تجلس على طرف الفراش، يبدو عليها البكاء.
اقتربت منها بخضة: مالك يا خلود؟ طلعتي بسرعة كده ليه؟ إنت كنت بتعيطي؟
خلود بنفي: لا.
جلست عشق جوارها وتحدثت بحنان: مالك يا حبيبتي؟ مش إحنا أخوات؟ نتكلم ونفضفض لبعض.
لم ترد عليها. وجهت كلامها لياسمين: مالها يا ياسمين؟ في إيه؟ زعلها؟
قامت ياسمين بخفض وجهها ولم تتحدث.
أصابتها نغزة بقلبها، فهي تمنت العائلة والمودة. وما تراه الآن نفور وتجنب، لا تعلم سببه. لقد اندمجت معهم من أول يوم، فلماذا تحس الآن بعدهم؟
هتفت بإحراج: أنا آسفة، يظهر أنني أفرض نفسي عليكم. تصبحوا على خير.
وصلت للباب، وقبل أن تضع يدها على المقبض، تحدثت خلود ببكاء: أنا آسفة يا عشق، أنا كمان بعتبرك أختي.
رجعت لها عشق. قامت خلود باحتضانها وهي تبكي بشدة. ظلت عشق تمسد على ظهرها حتى هدأت.
خلود من بين شهقاتها: أنا بغير منك قوي.
تعجبت عشق من كلمتها وقررتها بعدم فهم: تغيري مني؟ أنا؟ طب ليه؟ عندي إيه مش عندك؟
تحدثت بحزن: كل حاجة، وأهم حاجة طيب.
عشق: زي إيه؟ فهمني.
خلود: أولاً جمالك اللي لفت نظر الكل، حب واهتمام الكل. فزت بيه من أول لحظة. حتى. حتى.
ولم تكمل. شجعتها عشق على إكمال كلامها حتى تعلم سبب تلك الفجوة التي بنيت بينها وبين بنات عائلتها التي لم تتخيل وجودهم حتى.
خلود: حتى زين.
عشق بابتسامة: أه، قولتي زين بقى كده؟
خلود: بصي يا حبيبتي، أنا بعشق جوزي لدرجة مش ممكن حد يوصل لها. ثانياً، زين أخويا وبن عمي مش أكتر.
خرجت كلماتها مشبعة بالغيرة: بس هو مهتم بيكي أكتر مننا.
عشق بهدوء: هو مهتم بيكي كأخت ليه أو بنت عمه اليتيمة، لكن مش اللي في دماغك ده.
تحدثت ياسمين لتلطيف الجو بينهم: أصلها بتحبه جدا وهو مش سأل فيها ودايما يتعمد يضايقها.
ضمتها بين أحضانها وتحدثت بفطنة: عادي، إحنا نقدر نلعبه ونخليه هو اللي يقدم فروض الطاعة والولاء ويطلب العفو كمان.
خلود بلهفة وتمني: إزاي؟
عشق بمرح: تتقلي يا أختي شوية، وبلاش يحس إنك مدلوقة عليه. وبلاش نظرة الغرام لما يكون قدامك أو تيجي سيرته. وقتها، هو اللي يتجنن علشان يعرف سبب التغيير ويجيب مائة فكرة وفكرة. هيعمل المستحيل علشان يلفت نظرك مرة تانية. وده دورك بقى. أما أنا، هلعب اللعبة الكبيرة.
وابتسمت: ربنا يوفقنا على جمع القلوب في حلاله.
***
في الصباح.
وقفت عشق أمام جدها تستعطفه: جدو، ممكن أخرج أتمشى شوية؟
الجد: استنى لما أي حد يرجع علشان أكون مطمئن عليكي.
عشق بلطف: أنا مش هبعد، ورقمي مع ماما نعمة. وحياتي يا جدي، وافق.
لم يستطع أن يكسر خاطرها، وفي نفس الوقت نسي أن هناك من يمتلئ حقداً وكرهاً لذُرية ابنه محمود.
الجد: خلاص يا حبيبتي، بس خلي بالك من نفسك وبلاش تتأخري عشان مقلقش.
انحنت تقبل يده بفرحة وهي تردف: حاضر يا جدي.
خرجت، تتحرك بهدوء وهي تشعر براحة نفسية شديدة من المناظر الساحرة حولها في كل مكان. حتى ابتعدت دون أن تشعر، وجدت نفسها في مكان لا تعرفه. وقفت تلتف حولها.
رواية إنت عمري الفصل الثاني عشر 12 - بقلم امل مصطفى
تتحرك وهي تتأمل كل شيء حولها بحب وقلب بريء، لكنها ابتعدت دون أن تدري ولم تعد تعرف أين هي.
تلتفت حولها وجدت أمامها مجموعة من النساء العاملات في الأرض، جلسوا تحت شجرة كبيرة وحولهم أطفال أعمارهم مختلفة يلعبون.
الكرة اتت باتجاهها، انحنت تتناولها بابتسامة ساحرة وتوجهت للأطفال.
وقفت بينهم ومازالت الكرة بيدها، "ممكن ألعب معاكم؟"
فرح الأطفال ورحبوا بالفكرة.
بينما ركضت إحدى السيدات نحوهم بخوف على طفلتها من تلك الغريبة. جذبت ابنتها ووجهت حديثها لعشق تسألها عن هويتها وماذا تريد من أولادهم.
ردت تلك الأخيرة التي أخبرتها اسمها بالكامل، مما جعل السيدة تتغير في المعاملة من الحدة للين.
"أنتي حفيدة كبيرنا المنشاوي؟ كيف ده؟ إحنا نعرف أحفاده كلهم."
"أنا بنت ابنه محمود."
"يا مرحب يا مرحب، اتفضلي معانا نضيفك."
تحركت عشق بجوارها وتناولت منها ابنتها، شكرتها وجلست معهم.
كانت تتوسطها سيدة عجوز سألت: "أكيد أنتي بنته من مراته الثانية اللي كسر كلام الكبير بسببها؟ لأن محمود وست نعمة مخلفوش بسببها."
أكدت عشق كلامها وهي تكمل: "أنا برده بنت ماما نعمة."
وسألتها السيدة مرة أخرى: "وأنتي كيف الجمر كده لأمك؟"
"أه يا جده، أنا شبهه ماما الله يرحمها."
السيدة العجوز بصدق: "أبوكي الله يرحمه كان زينة شباب البلد، ما بيتكبر على حد، طيب وحنين على الكل، حتى العمال اللي بيشتغلوا عندي في الأرض كان ينزل يوقف وسطيهم ويساعدهم."
شعرت عشق بفخر شديد من سيرة والدها الذي أخذت جزء كبير من حبه وحنانه، وزاد فرحتها من سماع الحكايات.
تلك العجوز التي قصت لها الكثير من أخبار البلد في زمن والدها، حتى تلك الحادثة الشنيعة.
مر الوقت بسرعة وبدأت الشمس تغيب.
جاء الأطفال إليها يطلبوا منها مشاركتهم اللعب، قامت وركضت بينهم وضحكتها المرحة ترن من شدة السعادة.
نظرت عشق للكبير وسألته عن مكان بيع الحلوى، ناولته المال ليشتري لكل الأطفال وهي معهم.
فرح الصغار وسأل كل شخص ماذا يريد حتى يأتيه به، وتركهم وذهب.
بينما رن فون عشق برقم نعمة التي تحدثت بخوف: "أنتي فين يا عشق لحد الوقت؟ مش قولتي مش هتتأخري؟"
"والله يا ماما توهت ومش عارفه أنا فين."
ثواني، سألت. توجهت لتلك العجوز تسألها عن اسم المكان.
تحدثت العجوز وأرسلت لها السلام: "جولي ليها أم الغوالي بتسلم عليكي."
"وهي كمان بتسلم عليكي يا جده."
"حاضر يا ماما هستناه."
بعد مرور ربع ساعة توقف أمامها فهد ونزل من سيارته وألقى السلام على الجميع.
وعندما فتحت عشق الباب وجدت نظرته تغيرت من القوة لشيء آخر. ليس حب وإنما حيرة.
عندما التفتت إلى مكان نظرته وجدت فتاة تقريبا في سنها أو أكبر بسنة تنظر له بحب وحزن في نفس الوقت.
ركبت السيارة وأغلقت الباب.
فاق فهد من حالة التيه التي تصيبه كلما رآها.
ركب سيارته وابتعد بها.
أما ماسة فقد توقفت تتأمل طيفه وهي تحبس دموعها بقوة لأنها تعشقه.
وما تراه الآن هز كيانها، تعلم جيدا أن ارتباطهم أو رؤيته لها من رابع المستحيلات لأن بينهم عداوة.
مجرد رؤية أي امرأة بجواره يقتلها حية.
العجز والضياع ما تشعر به، أنجدها سبب عذابها وسواد أيامها.
فهو يعتبرهم ألد أعدائه ودائما يحفر بيده بئر ينهي حلم قربها منه.
توجهت لها سلسبيل: "أيه يا بنتي؟ بقالي ساعة بكلمك، واقفة كده ليه؟"
فزعت سلسبيل عند رؤية دموعها لتسألها بقلق: "أيه حصل؟ بتعيطي ليه كده في الشارع؟"
ارتمت في حضنها وهي تبكي.
ظلت تبكي بعض الوقت.
سلسبيل بخوف: "مالك يا حبيبتي؟ أيه حصل؟ أنا سبتك دقايق بس."
تمتمت من بين شهقاتها: "شفت فهد."
شهقت سلسبيل بخوف من سماع أحد حديثهم والتفتت حولها وهي تحذرها: "تعالي نقعد في مكان لوحدنا، لو حد شاف انهيارك ده هيفهموا غلط والكلام ها يكتر في البلد."
جلست الفتيات في مكان بعيد هادئ.
سألتها سلسبيل عن ما أوصلها لتلك الحالة، فهي دائما تراه وتكون حالتها النفسية فوق السحاب من شدة سعادتها كأنها ليلة العيد.
"ماذا حدث اليوم لذلك التغيير؟"
"شفت النهاردة معاه واحدة جميلة جدا، ركبت معاه العربية، شكله كان مهتم بيها. وأنتي عارفة كل تعامله مع حريم بيته وأنا عارفاهم كلهم، لكن دي ملامحها أجنبية خالص وأكيد تبقى خطيبته. ومعنى أنه خطب يبقى مافيش أمل ليا معاه."
تأملت سلسبيل حالتها بإشفاق: "بصي يا حبيبتي، أنا مش قصدي أضايقك، بس أنتي كان عندك معاه أمل أمتى؟ كل حاجة حواليك بتقول أن ده مستحيل. ياما قولتلك شليه من حساباتك وعيشي حياتك. أنا خايفة عليكي من لحظة انهيارك، لو اتجوز، علشان خاطري وافقي على العريس اللي متقدم."
تعلم أن كلام ابنة خالتها صحيح، لكن ليس للقلب سلطان.
وهتفت مختنقة بدموعها: "غصب عني، مش بإيديا. مش أنا اللي قولت لقلبي حبه دوناً عن الناس كلها. قلبي مش ملكي بقي ملكه هو بس ومش قادرة أشوف نفسي ملك راجل غيره. أعمل أيه بس ياربي. تعبت والله تعبت."
ربتت عليها سلسبيل بحب: "خلاص أهدي واطلبي من ربنا يجعله من نصيبك."
عند فهد وعشق.
لم يتحدث منذ أن رآها، فهو يشعر نفس الإحساس كلما رآها يكون مشغول الذهن، مشتت المشاعر.
لا يعرف ماذا يحدث، عندما تقع عيونه عليها تتحول مشاعره لحنان، أو سعادة، أو تمني.
لا يعلم، لأنه ينكر تلك المشاعر، ولكن هناك شيء في نظرتها له دائماً تجذبه، كأنها تناديه أو تطلب منه القرب.
أخيراً استطاع الانتصار على حالته وهو يحدث عشق: "ليه خرجتي من غير ما يكون حد معاكي مننا؟"
هتفت بأسف: "أنا فكرت أخرج شوية لأن بعشق الأراضي الزراعية جداً وبنسى نفسي فيها."
تحدث بلين: "بعد كده لما تحبي تخرجي يكون معاكي حد مننا."
اخفضت وجهها باعتذار: "أسفة."
فهد وهو ينظر لها بحنان جديد عليه وخصها به: "أنا خايف عليكي وعايزك تصبري لحد ما البلد تعرف إنك بنتنا."
"حاضر يا أبيه."
في المساء.
جلست تحت ضوء القمر في انتظار زين الذي دلف.
وعندما وجدها توجه لها بابتسامة كبيرة: "مساء الخير."
وأكمل بمرح: "عمري ما شفت قمر بيبص على قمر."
ردت بخجل من مدحه: "مساء النور يا زين."
"قاعدة كده ليه لوحدك؟"
"كنت بستناك."
أنار وجهه زين من كلماتها: "خير."
ألقت طعمها وهي تردف: "أنت عارف إنك الوحيد اللي بتعامل معاه براحتي، ف حبيت آخد رأيك في موضوع قبل ما أعرضه على جدي وفهد علشان تقولي ينفع ولا لأ."
نظر لها باهتمام: "أنا معاكي في أي وقت تحتاجي مساعدة."
تحدثت بهدوء: "في واحد صاحب أدهم لما عرف أنه جاي البلد طلب منه يشوف له عروسة، أخلاق وبنت ناس. أدهم كلمني أشوف له كام عروسة نعرضهم على صاحبه، هو رجل أعمال كبير ووحيد أهله، محترم وبعت ليا صورته. ف أنا رشحت خلود، قولت أسألك أيه رأيك وتفتكر جدي وفهد ممكن يوافقوا."
شعر زين بغيرة قاتلة ونار اشتعلت بقلبه تحرق الأخضر واليابس، لا يعلم سببها.
فهي دائماً محط سخريته ويتلذذ بضيقها، لكن رده كان غير تصرفه عندما هتف بضيق: "نعم، وإشمعنى خلود يعني؟"
تحدثت بهدوء وهي تراه أمامها مثل الجمرة: "لأن خلود غير ياسمين وقمر. خلود ذكية وعندها طموح وعاملة حسابها إنها لما تخلص جامعتها تسافر مصر وتفتح شركة ديكور وتبني اسم لنفسها، فهي تكون مناسبة ليه أكتر. أما ياسمين وقمر مفيش عندهم استعداد يبعدوا عن البلد، وعارفة إن قمر لمحمد وياسمين لمروان. قولت بنت عمي أولى بيه، ده شاب ماشاء الله طول بعرض ورجل أعمال، حتى شوف."
فتحت هاتفه: "يري الصور، كان شاب مفتول العضلات بعيون رمادية وشعر قريب من الذهبي، وسيم لدرجة كبيرة ولن ترفضه بنات اليوم اللي تنظر للشكل الخارجي."
ظل ينظر للهاتف بعض الوقت ثم تركه وقال: "الهانم عارفة وموافقة طبعاً بعد ما شافت صورته."
أردفت بسرعة: "لا طبعاً، أنا مكلمتش حد غيرك، خوفت تحصل مشاكل من غير قصد."
لأول مرة يتعامل معها بتلك الحدة: "أولاً إحنا معندناش بنات تخرج بره، جدي وفهد مش يوافقوا. تاني حاجة الهانم دي حسابها معايا."
ثم تركها وذهب.
"شياطين الأرض تلاحقه."
في غرفة خلود.
تحمل بين يديها صورته وهو يرتدي الزي العسكري، تحدثه كأنه أمامها، تحكي له كل ما يعتلي قلبها ولا تستطيع قوله في الواقع.
"كم أنت قاسٍ يا زين، قلبي ملكتني وأنا لا أستطيع حتى كسب معاملتك الجيدة."
تشكي له حزنها من قسوته معها.
قفزت خلود بفزع ووضعت الوسادة على صورته عندما فتح باب غرفتها بقوة.
وقفت عندما وجدته أمامها ينظر لها بغضب واضح.
تحدثت بتوتر من وجوده معها في غرفتها في هذا الوقت بتلك الطريقة غير الحضارية: "زين، في حاجة؟"
قبض على ذراعها بقوة آلمها وهو يتحدث بغضب: "بقي الهانم بتفكر تدخل كلية وتقعد في مصر وتفتح شركة لأن طموحها عالي وأكبر من حياتنا؟"
ردت عليه بخوف من غضبه: "وفيها أيه؟ أكيد أنا بتعلم مش عشان أقعد في البيت."
تحدث بجنون: "ومين يسيب سيادتك تنفذي اللي في دماغك دا؟ أنا أقطع رقبتك ومافيش تعليم وعريس الغفلة اللي عشق جايباه!"
قال لها: "لو فكر بس يبص لك."
وأكمل بصراخ: "فاههمه ولا لأ."
خلود وهي لا تفهم عن ماذا يتحدث هزت رأسها: "حاضر حاضر."
هتف بتحذير: "لو عشق كلمتك ترفضي العريس وإلا هيكون رد فعلي صعب على الكل."
خلود بذهول من رد فعله الحاد والذي لا تعلم سببه وعن أي عريس يتحدث.
اتسعت عينها عندما تذكرت كلمات عشق.
لتتحول من عصفور مبتل يرتعش من الخوف لقطة شرسة تحافظ على الباقي من كرامتها التي سلبت في حبه.
وتحدثت بقوة خارجية: "أولاً أنت ملكش كلمة عليا، بابا وأخويا الكلمة كلمتهم، وأنا موافقة على أي قرار ياخدوا."
رمقها بسخرية واستهزاء: "إنتي قد كلامك ده؟"
ردت وقد هربت منها قوتها الوهمية: "لو سمحت يا زين، ماينفعش وجودك في غرفتي، لو حد شافك تحصل مشكلة كبيرة."
رمقها بنظرة طويلة ثم تركها وخرج بعنف.
جلست على طرف الفراش، تضع يدها على قلبها تسترد روحها التي سلبت من تلك المحادثة الغريبة.
تبسمت عشق بعد ما تركها زين.
فتحت تليفونها وتصفحت الصور، لم تجد صور خلود التي وضعتها على تليفونها عن قصد حتى ترى رد فعله.
"طيب ما إحنا بنحب أهو وبنغير كمان، طب ليه معذب البنت معاك؟"
دخل زين غرفته وهو يشعر بالضيق.
ظل يدور حول نفسه ولا يعرف ما به، ماذا حدث له عندما علم بفكرة ارتباطها برجل غريب.
"أليست تلك خلود الذي يتمتع بمضايقتها ويظهر بها كل العيوب؟ ماذا حدث الآن؟"
لم يعلم بوجود تلك المشاعر تجاهها إلا عندما شعر بضياعها.
لم يتوقع أن تتحول كل تلك المشاعر لغيرة وغضب من فكرة امتلاك آخر.
وقف ينظر لنفسه بصدمة لا يصدق حالته.
"إنه يختنق، دماؤه كلها ثائرة. أنا لازم أوقف المهزلة دي. بكرة قبل ما تضيع مني."
"طب تفتكر ممكن توافق وأنت دايماً تسخر منها وتضايقها؟"
رد بغضب: "ماليش فيه، مش هتكون لغيري حتى لو غصب عنها، إحنا مافيش عندنا بنات تقول رأيها في موضوع الجواز ده، حتى لو اتعلمت وضحكت على نفسها وافتكرت إن ليها شخصية برده."
بعد صعود زين ظلت على نفس وضعها شارده في أدهم تحدثه في خيالها.
"وحشتني قوي، نفسي أملي عيني منك، رغم أن صورتك محفورة جوه قلبي. أنا اتخلقت علشان أحبك وبس، لأ، أنا بعشقك. تفتكر ليا جزء جواك ولو بسيط؟"
قطع حديثها مع نفسها صوت فهد وهو يقول: "مساء الخير يا عشق."
عشق بإبتسامة: "مساء النور يا أبيه."
جلس جوارها وسألها بفضول لا يعلم سببه: "للدرجة دي بتحبيه؟"
تورّد وجهها من شدة الخجل وخفضت عيونها.
وهو فخور بحيائها، تواضعها، زهدها الواضح في متاع الحياة، وإلا ما رفضت ورث بهذا الحجم.
ورغم أنه لم يعرفها إلا من يومين، إلا أنه أحبها مثل قمر أو أكثر لأنه كان الأقرب لعمه محمود وشبع من حبه وحنانه، ويرى أنه آن الأوان تعويض بنته.
لذلك هي الوحيدة التي لها دلال عليه، ويسمح لها بالتحدث معه دون تكلف، وأوامرها تنفذ.
التفتت له وتحدثت بحماس: "أقولك سر مافيش حد يعرفه ولا حتى أدهم."
رواية إنت عمري الفصل الثالث عشر 13 - بقلم امل مصطفى
تورد وجهها بحمرة الخجل.
بابتسامة أجاب أكمل: إجابتك وصلت خلاص وأنا مبسوط جدا عشانك. أدهم راجل وفخر لكل إنسان يدخل حياته.
تحدثت بخجل: أنا خلقت لأجله. الأمان والراحة عندي هو وبس. ربنا عوضني بيه عن الحرمان اللي عشته قبل ما أقابله.
تحدث فهد بشرود: يا بخته. أنا مش بثق في حاجة اسمها حب لأنه بيضعف الراجل، وفي عرفنا عيب وعار.
تفهم ما يقوله، لكنها أردفت بنفي: الحب عمره ما كان ضعف، بالعكس الحب قوة يخليك تواجه الدنيا كلها عشان تحافظ على حبك وتعيش من غير خوف. بيخليك تملك الدنيا حتى لو مش معاك جنيه في جيبك. مشاعر الحب أجمل إحساس ربنا خلقه للراجل والست. أقول لك سر؟ ما فيش حد يعرفه ولا حتى أدهم.
نظر لها باهتمام: أنا سامعك.
تحدثت بخجل: أنا بحب أدهم من أربع سنين.
تحدث باستغراب: مش أنتِ بتقولي أول مرة تتقابلوا من ثلاث شهور؟
عشق بتأكيد: أه، دي المقابلة الحقيقية. لكن هو ما يعرفش إني بحبه من قبلها بثلاث سنين و8 شهور وأسبوع و12 ساعة و35 دقيقة.
فهد بصدمة: أنتِ حسباهم باليوم والساعة؟
هزت رأسها بتأكيد: أه. ده يعتبر يوم مولدي الجديد. كان هو فارس أحلامي لمدة ثلاث سنين بعد وفاة أهلي. كان يوم اشتد بيه الخوف والقلق. سجدت وطلبت من ربنا الأمان، وفي نفس اليوم ظهر هو ليا في أحلامي. بقي هو سبب أماني. ويوم ما كنت بهرب من رجالة أمير، تمنيت أنه يكون شخص حقيقي من لحم ودم يحميني منهم، مش مجرد شخص نسجه خيالي أو وهم زار أحلامي وأنا تعلقت بيه. ناديتُه في سري وأنا بتمني أنام عشان يظهر يخلصني منهم. بس ما كنتش أتوقع أنه يتجسد قدامي فجأة في عز احتياجي للحماية والأمان. وقعت قدام عربيته ونزل. لحظة ما عيوني شافته مش عارفة إيه حصلي. كأن الزمن وقف بيه لوهلة. تمنيت أقرب منه المسه عشان أتأكد أنا في واقع ولا حلم. ده مش من طبعي ولا أخلاقي، بس ما كنتش مصدقة. كأن صورته اللي في خيالي من سنين خرجت وتجسدت قدامي. بقت دم ولحم. كان إحساس فوق الخيال. فارس أحلامي بقى قدامي إنسان حقيقي. كأن ربنا عوضني بيه عن أهلي. أنا حكيت كل حاجة عني. دورك بقى.
ابتسم فهد وهو يحدث نفسه: بها شيء يجعل من أمامها يستسلم للحديث معها، بل يشعر بالراحة من تواجده بجوارها. هل هذا شعور الجميع أم هو فقط عرفانا منه لفضل عمه المتوفي؟ أحكي إيه.
نظرت له عشق: بتحبها من امتى؟ وليه ما اتجوزتش لحد النهارده وأنت كبير العيلة وتقدر تتجوز أربعة؟
نظر لها فهد بعدم فهم: هي مين دي؟
عشق بهدوء: البنت اللي كانت ماشية لما جت تاخدني.
معقول أخذت بالها من تلك الفتاة التي تجعل عقلي في حالة تشتت دون سبب. والله تلك عشق بها شيء لله، لكنه لن يظهر تلك المشاعر أبداً أمام أحد وهو يردف: مفيش حاجة، أنتِ بيتهيألك.
خرجت كلماتها موثقة بمشاعرها: نظرتك ونظرتها بتقول فيه وفي كثير كمان.
كيف أشعر بهذا الحرج أمام طفلة؟ ماذا حل بك فهد؟ لما أمامها تصبح طفل صغير تريد الحديث وإخراج ما بداخلك؟ تباً، يجب علي الابتعاد قبل أن تكشف تلك الملاك مشاعرك. وقف وهو يردف: لما أعرف في إيه صدقيني، أنتِ تعرفي قبل الكل. تصبحي على خير. وتحرك من جوارها. ذهب وهو لا يجد الرد على سؤالها.
عشق بنداء قبل أن يبتعد: أبيه فهد.
توقف والتفت لها.
تحدثت بحنان: الحب مش عيب ولا حرام، طول ما هو في إطار شرعي. مش عيب نظهر مشاعرنا لحبايبنا. صدقني لو ما جربتش الإحساس ده هتندم الباقي من عمرك. الحب بيخلينا نطير فوق السماء ونملك كل الكون بمشاعرنا وحبنا.
ابتسم لها وتركها وذهب.
في الصباح.
بغرفة عشق كانت تستعد للنزول عندما اقتحمت خلود وياسمين غرفتها.
تحدثت خلود بفرحة كبيرة: أنتي عملتي إيه لزين؟
نظرت لها بابتسامة: وأنتِ عرفتي منين؟
هتفت: جالي بليل وكان شكله يرعب.
نظرت لها عشق بذهول: بليل! ده مجنون. بقي أنا كنت فاكرة يستنى للصبح وبعدين يتكلم.
خلود بسؤال: هو إيه حكاية العريس اللي طالب مني أرفضه لما تكلميني؟
عشق بضحكة ناعمة: هي حصلت؟ ده طلع مغرم.
خلود بحيرة: يعني موضوع العريس ده مش بجد؟ أصله اتجنن خالص.
عشق: لا طبعاً، كل الموضوع من تأليفي عشان نحرك الجبل. والغيرة دليل الحب.
تحدثت ياسمين: لأول مرة أنا بقولها كده، مش مصدقة.
اقتربت منها عشق تضم وجهها بين يديها: في ناس حبهم كده، زي القط والفار، ورغم كده مافيش حد فيهم يقدر يبعد عن التاني لحظة. أوقات كتير منعرفش نحدد مشاعرنا، بنحتاج أي سبب يظهرها. وأنا عطيته السبب ده مش أكتر. والغيرة أفضل علاج لإظهار حقيقة مشاعرنا. هو كان بيحب يضايقك بس مش عارف إنك روحه، غير لما حس إنك ممكن تبعدي عنه. شوفي مقدرش يتحمل لحد ما النهار يطلع. مضايقته ليكي، مشاكساته، كل ده دليل الحب بس هو ما كانش عارف. ولسه اللي هيحصل. على الفطار دا أنا هخليه يعترف قدام الكل.
ارتمت خلود في حضنها: شكراً شكراً يا أجمل أخت.
اجتمع الكل على الفطار مثل العادة.
وجدهم يتوسط الطاولة، لكنه هتف فجأة: جولك يا يونس في عريس متقدم لبتك خلود؟
ارتفعت كل العيون باهتمام، بينما هتف يونس: خير يا بوي؟ وده نعرفه.
الجد بهدوء: كأنه يعرفهم فقط من طرف أدهم. نسيبنا بيقول رجل أعمال وبن ناس وضامنه برقبته، وأنا شايف أن الأوان حان لارتباطها.
ماذا يحدث؟ ألم أبلغه أنها تأخذ رأيه فقط ولن تبلغ جدها؟ ماذا فعلتي يا عشق؟ والله لن اسمح لأحد أن ينظر لها، ولو على جثتي.
كاد يونس يرد عندما قاطعه زين: كيف ده يا جدي؟ ومن متى بنعطي بنتنا للغرباء؟
أدهم: كيف ما بتجولوا راجل زين، واكيد مش هيجيب حد عفش.
زين: بحدة، لا يا جدي، أنا مش موافق.
نظر له الجميع بتعجب. بينما فهد تحدث بغضب: كيف تتحدد كده مع جدك وتعلي صوتك في وجوده؟
اخفض زين وجهه بإحراج: أسف يا جدي، حجك عليا. بس خلود ليا ومش هتكون لحد تاني مهما حصل. وأنا بطلب يدها منك يا عمي، وده آخر كلام عندي. ولو مش ليا مش هتكون لحد تاني.
ثم ترك المكان بغضب تحت صدمة الجميع، وأولهم خلود، التي لا تصدق ما يحدث. نظرت أمامها ببلاهة وفم متسع في حالة من الصدمة، مما جعل عشق تميل عليها تهتف بهمس: اقفلي بقك ده، هاتفضحينا. الله يخرب بيتك.
خلود بتيه: أنتِ سمعتي اللي أنا سمعته؟
ابتسمت عشق وياسمين، وعشق ترد: أه.
التفتت لها خلود بكل جسدها وهي تردف: وعايزاني بعد ده كله أكون طبيعية؟ دانا هصرخ من الفرحة.
نظر الجد لعشق وهو يغمز لها، فا ابتسمت له بحب.
جذبتها عشق لتقف وتصعد جوارها هي وياسمين، قبل أن ينفلت عيارها وتفضح نفسها أمامهم.
تحركت جوارها وهي مازالت على حالتها: أخيراً عشقها المستحيل. أعترف أمام الجميع أنها ملكه هو فقط.
دعت لعشق من كل قلبها، فهي سبب تحقيق حلمها.
في المساء.
طلب الجد رؤية عشق، التي أبلغتها نعمة بطلبه، لتنزل الدرج بسرعة وهي تتوجه لغرفته. تطرق بابها وبعد الدخول سألته بقلق: خير يا جدي؟ ماما نعمة بتقول حضرتك عايزني.
شاور لها الجد حتى تقترب من مكان جلوسه، ليرفع ذراعه يجذبها تحته وهو يردف: عايزك تجهزي نفسك عشان تروحي مع حريم البيت تختاري شوارك.
رفعت عينها بتعجب: بس أنا يا جدو متجوزة من كام شهر، والفيلا فيها كل حاجة.
تحدث بإصرار: لا، هتروحي تجيبي كل شوارك زي كل عرائس عيلة المنشاوي. أنتِ بنت محمود المنشاوي.
عشق: بس يا جدي.
الجد بتصميم: خلاص يا عشق، الكلام في الموضوع ده منتهي. ثم لان صوته وهو يردف: زي ما أنا بسمع كلامك، تسمعي أنتِ كمان كلامي.
تذكرة عشق حديثها مع الجد في الصباح، وكيف كان مقتنعاً ومرحباً لأبعد الحدود.
فلاش باك.
صباح الخير.
على أجمل جد في الوجود.
رد الصباح بضحكة: صباح النور على زينة عيلة المنشاوي وأجمل حفيدة في الوجود.
اقتربت منه تتعلق بعنقه: أنا ليا عند جدي حبيبي طلب.
الجد وهو يقبلها: أنتِ تأمري يا حبيبة جدك.
لا تعلم رد فعل جدها على كلامها، لكنها خطوة ويجب اتخاذها: أنا كنت عايزة حضرتك تساعدني أوفق راسين في الحلال.
الجد وهو يضحك: أنتِ هتشتغلي خطبة؟
عشق: إياك.
الجد: أه يا جدي.
عشق: وأنت تساعدني. زين بيحب خلود بس مش عارف.
الجد: وبعدين تعرفيه كيف؟
قبلة خده: بالغيرة يا جدي. الغيرة.
الجد: وأنتِ عرفتي منين بجي؟
وضعت يدها على قلبها: عرفت بده يا جدي، وأنا واثقة في كلامه. علشان خاطري خليك معايا.
قربها منه بحنان يشتم بها رائحة حبيبه: أنا موافق أكون معاكي. شوفي عايزة إيه وأنا أساعدك.
ضمت نفسها له بقوة وهي تهتف بمرح: يا جدو يا جامد.
فاقت عشق من تخيلها وصعدت ترى خلود، التي لحد الآن لم تستوعب ما حدث. وعشق تشعر بالخوف على قلبها، لا يتحمل ذلك الخبر.
كادت تدخل عندما ارتمت خلود في حضنها للمرة التي لا تعرف عددها منذ اعتراف زين بملكيتها له. وظلت تقبلها.
عشق: خلاص يا مجنونة، أنتي هتعملي زي أبو العربي؟ أنا هريها بوس. يععع.
ظلت خلود على وضعها، تبعدها عشق بضحك: أبعدي بقى. عرفتي أن مافيش في القلب غيرك يا قمر.
خلود: بمرح، قمر مين؟ سلامة الشوف، أنا خلود.
نظر كلا من ياسمين وعشق لبعضهما، لتهتف ياسمين: ياسلام على المزاج العالي، وبنعرف نهزر كمان. بركاتك يا زين باشا.
على الغداء جلس الجميع ما عدا زين، لم يأتي.
الجد بسؤال: فين أخوك يا فهد؟
أكمل طعامه وهو يردف بعدم معرفة: مش عارف يا جدي. واتصلت عليه كام مرة مش بيرد.
الجد بقلق: ضروري تخليه يرجع. وجوله بنت عمه ليه، هو أولى بيها من الغريب. وأنا ما يرضيني زعله.
فهد: باحترام، طلباتك أوامر يا جدي.
الجد: ربنا يبارك ليا فيك يا ولدي.
رجع زين، يبدو على ملامحه الضيق. قابلته عشق بابتسامة.
عشق: تعيش وتاخد غيرها يا حضرة الظابط.
زين بضيق منها: عشق، ابعدي عني الساعة دي. كفاية أنك نكستي وعدك معايا وبلغتي جدي.
ضحكت عشق وهي تقص عليه ما حدث، والفخ الذي نصب له حتى يعترف بحبه ويطلب يد خلود أمام الجميع.
اتسعت عيونه وهو لا يصدق أن ظابط مثله يقع في شرك شخص ببراتها.
زين: بقي أنتِ يا زردة تعملي كل ده فيه؟ أنا زين اللي بيتهز ليه رجالة بشنبات. والله ما يبان عليكي.
رفعت كتف ملابسها بغرور: يوضع سره في أضعف خلقه. وبعدين، إياك ثم إياك تستقل بكيد الحريم. إن كيدهن عظيم.
زين: بضحكة، أه والله. اللي تخلي جدي بجلالة قدره يشارك في لعبة زي دي، تبقا قادرة وجبارة. وإنحني أمامها بمرح ورفع لها القبعات كمان.
عشق بضحكة صاخبة: لا يا سيدي، اشكرني لما تعيش أجمل قصة حب. سلام.
صعد غرفته يأخذ شاور ويريح عقله من تلك الحرب الطاحنة التي وضعته بها عشق، وهو يلعن غباءه.
خرج من الحمام مدد جسده وهو يتعجب من هذا الشوق الذي زار قلبه من بعاد يوم. هل كان تعمده في إغاظتها؟ حب.
في المساء.
جلس الجميع في تجمع عائلي، يتحدثون في مواضيع مختلفة.
عندما أتى زين وألقى عليهم السلام: مساء الخير.
رد الكل السلام، ونادته والدته للجلوس، لكنه تقدم من جده. انحنى على يده يقبله باحترام، وهو يعتذر له عن طريقته الغير مهذبة في الصباح.
مسد الجد على رأسه وهو منحني يقبل يده: أنا عذرك يا ولدي.
بينما وقف فهد عندما رن موبيله وتوجه به للخارج ليتحدث بحرية أكبر.
نظر زين، تلاقت عيونه بعشق، التي تحاول كتم ضحكتها. ليرفع يده في الخفاء يستحلف لها، مما جعلها تقف وهي تستأذن جدها: بعد إذنك يا جدي، طالعة غرفتي. ورايا حاجات هعملها قبل ما أروح أنام مع ماما نعمة.
الجد بموافقة: اطلعي يا حبيبتي، خدي راحتك.
صعدت غرفتها وهي تضحك، أنها هربت من براثن زين.
نظرت لدولاب غرفتها وحدثته: يا ترى أنت جامد وتتحمل لو مسكت فيك، ولا توقعني؟ لازم أطلع كل الحاجات دي فوق.
عند فهد، وقف أمام البوابة الرئيسية، وجد أمامه أدهم، الذي نزل بسعادة لقرب لقائه بروحه التي فقدها في غياب عشق.
جاء بكل لهفة وشوق يضمها بين أحضانه ليرتاح من ألم الفراق الذي أتعبته كثيراً، كأنه خسر كل ملاذ الحياة في غيابها.
فهد: بترحيب، نورت يا أدهم.
أدهم وهو يسلم عليه ويحتضنه: ده نورك يا فهد. أخبارك وأخبار الناس اللي عندك إيه؟
تحدث فهد بخبث: أهلي ولا حد تاني.
تحدث أدهم بمرح: أكيد فاهم، أخوك يقصد مين. طيب تعال.
دخل أدهم، تحدث فهد بصوت مرتفع حتى تأخذ الحريم ساتر: أدخل يا أدهم، نورتنا.
تحمحم أدهم وهو يخفض رأسه. سلم على الجميع وعيونه تبحث عن دواء قلبه، الذي لا يهدأ من شدة خفقانه.
مال فهد على أذنه وهمس: مش هنا. ما تدورش كتير.
نظر له بسؤال: يعني الكل هنا؟ هي فين؟
تحدثت نعمة بأمر: اطلعي يا خلود، نادي عشق.
فهد: برفض، لا يا خلود خليكي. أدهم جاي تعبان وأكيد محتاج يرتاح من السفر. تعال لما أوصلك غرفة عشق.
نظر له أدهم بامتنان، فهو لا يريد غيرها الآن.
نظر للجد واستأذن منه يصعد ويرتاح ساعة من طول الطريق، ثم ينزل مرة أخرى.
الجد: بترحيب، براحتك يا ولدي، البيت بيتك.
أخذه فهد وصعد تحت نظرات الاستغراب من الجميع، بسبب معاملة فهد لأدهم، فهو يعامله بأريحية أكثر من أخوه وأولاد أعمامه.
وقف فهد، شاور له على الباب: هبعتلك حد من الخدم بالأكل وترتاح. وبكرة أشوفك.
تحدث أدهم بامتنان: شكراً ليك يا فهد. حقيقي مش قادر أقولك أنا تعبان قد إيه. صاحي بدري وخرجت من الشغل وركبت وجيت كام ساعة سفر.
تصبح على خير.
أدهم: وأنت من أهل الخير.
وقف ينظر للباب، يكاد قلبه يقف من سرعة خفقانه. طرق على الباب.
كانت عشق تقف على كرسي تضعه فوق كوميدينو الغرفة، حتى تصل لظهر الدولاب، وطلبت من الطارق الدخول.
فتح أدهم الباب بهدوء، وكأنه يفتح أبواب الجنة، وقلبه يرقص بين ضلوعه من سماع صوتها.
من كان يقول له أنه في يوم من الأيام يعيش تلك المشاعر ويجربها؟ لم يكن يصدق وينعته بالجنون.
رفع عيونه، رآها تعطيه ظهرها، ترتدي سلبت أسود كاب، وشعرها منسدل بطريقة رائعة. ظل يتأملها بشغف، يريد دمجها معه لتصبح جزء لا يتجزأ منه.
التفتت لترى من الزائر، اهتز الكرسي تحتها وصرخت وهي تسقط.
لكنها وجدت نفسها بين أحضان أدهم، ذلك الخبيث الذي ابتسم لها بشوق ولهفة. أجمل مقابلة في الوجود.
كأن لسانه مسجون منذ سنوات، واليوم فك حبسه لينطلق ويتغنى بعذب الكلمات: وحشتيني، وحشتيني جداً يا عمري. متعرفيش الأيام دي مرت عليا إزاي. أنا كنت بموت من شوقي ليكي. الحياة ماكنش ليها طعم ولا لون من غير وجودك.
وقبل أن تنطق أو تعبر هي أيضاً عن ما تشعر به الآن وهي بين أحضان حلم عمرها.
أسر شفتيها في قبلة شوق تحمل عبق حبهم الجميل. أراد سحقها بين ضلوعه: وحشتيني، وحشتيني.
الأن استوعبت ما يحدث. تعلقت أكثر بعنقه وهمسة بعشق: وأنت كمان وحشتني قوي قوي يا أدهم.
مرر يده بشغف على خصلات شعرها، التي تحتل جزء كبير من ظهرها، وهو يردف بغرام: أه، لو تعرفي بحبك قد إيه يا عشق. أنتِ عمري الجميل. العمر اللي كنت حاطط بيني وبينه حيطان وجسور، خايف على قلبي من لحظة ضعف. بس الوقت اكتشفت أنه أجمل حاجة ممكن أحس بيها. أنا بعيش روعة الإحساس ده معاكي. بتمني مخرجش منه أبداً.
تبادلت معه شغفه، وهو كان في عالم آخر يتذوق حلاوة وروعة قربها. أنسته كل شيء، لم يعد يفكر إلا بشيء واحد (يمتلكها) حتى يطفئ تلك النيران المشتعلة بداخله.
وضعها على الفراش. ينهل من عبق قربها. لم يتبق غير القليل لتصبح زوجته.
استطاع السيطرة على رغبته بها. ابتعد عنها وهو مازال يضمها بين أحضانه.
وضعت رأسها على صدره تشعر بأنفاسه العالية وضربات قلبه الصاخبة.
وفي رأسها سؤال واحد: لما لم يكمل زواجهم حتى الأن؟ تريد سؤاله، لكنها تخجل ولا تريد أن يراها سيئة الأخلاق. لذلك فضلت الصمت واستسلمت لشيطان فكرها.
رواية إنت عمري الفصل الرابع عشر 14 - بقلم امل مصطفى
وفي رأسها سؤال واحد. لما لا يكمل زواجهم؟ هل يراها غير لائقة له؟ أم لا يحبها؟ كيف لا يحبها وهي ترى شغفه وعشقه بعيونه التي تتأملها؟
أم هو في حالة صعبة يتمنى من الله أن يعطيه الصبر على تحمل اليومين الباقيين.
تحدثت بتوتر من ردة أدهم:
عيون وقلب أدهم. هو ممكن يعني أسألك على حاجة؟
إعتدل في جلسته بإهتمام:
طبعاً أنتي تسألي في أي حاجة.
هو يعني قصدي أنت.
فهم ما ترمي إليه، فإحتضن وجهها بين يديه وتحدث بغرام:
أنا بعشقك، وكل يوم بحلم بلحظة اللي هتتم فيها جوازنا. أنتي مش متخيلة ولا عارفة إحساسي إيه لما تكوني قدامي وفي حضني. كل ذرة فيا بتطالب بيكي وبتتألم من كبت مشاعري وإنتي بين إيديا ومش قادر أوصل لدرجة الكمال. بس كل ده علشان عايزك تلبسي الفستان الأبيض وتدخلي بيتك ملكة متوجة. وقتها مشاعرنا هتبقى مختلفة وسعادتك تكون أكبر وأروع. أنا مافيش حاجة تهمني غير إن أسعدك يا عشق. دي أهم خطوة في حياتي الجاية، فهمه يا حبيبتي.
جال في خاطرها كل الأشياء السيئة إلا تلك النقطة. لقد لمس روحها بتلك الفكرة، إذا هو لا يستعر منها بل يعززها ويرفع من شأنها. لذلك أرادت أن ترد له جزء من فرحتها.
عندما وقفت وهي تردف:
آه فهمتك وعايزة أوريك حاجة.
أبتسم لها:
موافق.
قامت عشق بفتح أحد الأدراج وأخرجت صورة كبيرة. جلست مرة أخرى جواره وأعطته الصورة.
أخذها منها نظر لها باستغراب:
هو مين في الصورة؟
لكنه لا يملك صورة مثلها في تلك الفترة. هيئته في تلك الصورة كانت وقت حزنه وحداده على صديقه المتوفي، ولم يكن له شهية لأي شيء، حتى أنه لم يتصور ولا مرة. من أين أتت بها؟
سألته بحيرة:
أيه مش عاجبك؟
لم يرفع عينه من الصورة ورد بحيرة أكثر منها:
جميلة، بس أنتي جبتي صورتي دي منين ورسمتيها إزاي؟
من خيالي.
لم يفهم مقصدها، لذلك قال:
مش فاهم. من يوم ما شوفتك وأنا حليق الذقن.
ابتسمت بحنين لتلك الذكرى وهي تضم الصورة بعشق وتهتف:
أنا أحكيلك قصتي كلها. أنا رسمتها من ثلاث سنين و 11 شهر و 14 يوم وخمس ساعات.
أدهم بذهول:
ثلاث سنين.
تحدثت بحب:
بعد ما أهلي توفوا فضلت شهور طويلة عايشة في رعب. كنت بخاف أغمض عيوني لحد يستغل وحدتي يتهجم عليا يسرقني أو يقتلني أو الأصعب. كل يوم يمر أقول تتعودي، بس محصلش. بالعكس، كل ما أكبر ألاقي كل العيون عليا يزيد رعبي أكتر وأفضل صاحية لحد ما أصلي الفجر ويظهر شعاع النهار. أنام ساعتين وأصحى أجري على مدرستي. ولما أرجع وأخلص مذاكرتي أنام ساعة كمان.
وفي يوم التعب والإرهاق تملك مني جدا. كان عندي امتحان الصبح مهم جداً ولازم آخد راحتي في النوم، بس من خوفي مقدرتش. يومها فضلت أصلي وأبكي وأنا بطلب من ربنا يطمني عشان أنام. غمضت على السجادة وأنا ببكي. فتحت عيوني كان النهار طلع وعندي شعور جميل وراحة نفسية هاجرتني من يوم وفاة أهلي. حاسة بالأمان اللي فقدته لأن شوفتك في الحلم.
تحدث بعدم تصديق:
حلم.
أه، شوفتك في حلمي. كنت قاعدة على صخرة في مكان واسع وظلمة، غير منور بسيط، أبكي وخايفة. سمعت صوت بينادي عليا. فضلت أتلفت حواليا لحد ما ظهرت أنت من الظلمة. ورفعت الصورة أمامه. كنت بنفس المنظر ده بالظبط. خوفت، حاولت أبعد، بس أنت ابتسمت ليا وقلت: "اهدي، متخافيش، أنا مش ممكن أذيكي. أنا أمانك."
رديت عليك:
بس أنا ما عرفكش.
قلت بثقة:
أنا كل حاجة ليكي، بس اهدي ونامي وأنا هفضل جنبك أحميكي لحد ما النهار يطلع.
سألتك:
أنت مين؟
قلت:
أنا قدرك ونصيبك. انتظريني.
من يومها وأنا بشوفك يومياً في أحلامي وبقيت بحب أنام عشان أشوفك وأتكلم معاك. قربنا من بعض جداً وبقيت جزء من حياتي اليومية والجزء الأهم كمان. النهار اللي كنت بنتظره بفارغ الصبر عشان أنام ساعة، بقيت بكرهه لأنه يبعدني عنك. رسمت الصورة دي وعلقته عندي على الحيطة. بقت معايا ليل ونهار. وفعلاً أنت كل حاجة في حياتي وما حدش يقدر يعوضني غيابك لا أهل ولا أصحاب.
ضمها بعشق:
معقول كانت أرواحنا متواصلة كل السنين دي من قبل ما نتقابل على أرض الواقع؟ هو في كده بجد؟
نظر بعمق عينها وهو يكمل:
وأنا عمال أدور على سبب واحد خلاكي دخلتي قلبي وملكيتيه بالسرعة دي. اتاري إحنا لبعض من سنين وأرواحنا تتلاقي وعاشت الحب من زمان.
رفع أنامله حركها على وجنتها بحنان:
أنتي حبي وجنتي على الأرض. أنت المياه اللي غسلت سواد قلبي من ناحية بنات حواء. أنا الوقت بس عذرت أحمد صاحبي الله يرحمه. إزاي نفسه هانت عليه وضحي بيها علشان واحدة ما تستاهل. أنا الوقت عايش نفس إحساسه. ممكن أعمل أي حاجة وتفضلي معايا وفي حضني وكل حاجة تهون فدا نظرة من عيونك.
استيقظت بإنزعاج من كثرة رن الهاتف الذي لا يتوقف. مدت يدها تتناوله بكسل وضيق. تري هوية المتصل الذي تعلمه مسبقاً. وعندما رأت اسمها غمضت بضيق وهي تفتح الخط تهتف بحده:
إيه يا ماسة على الصبح، عمالة ترن ترن صدعت أنا. زهقت منك ومن اليوم اللي أمك وأمي بقوا أخوات.
لم تهتم بكل هذا الكلام ودخلت في صلب الموضوع الذي عرفت مين هي.
اعتدلت سلسبيل وهي مازالت بين اليقظة والنوم:
مين هي اللي مين؟
أبعدت الهاتف عن أذنها عندما اخترقت سماعته صراخ ماسة التي هتفت:
سلسبيل، فوقي عشان تفهمي.
هتفت بها بإستنكار:
حرام عليكي يا ماسة، أنا نايمة بعد الفجر. في إيه؟
توسعت عينها عندما هتفت ماسة ببرود:
طب وأنا مالي، نمتي الفجر ولا حتى منمتيش خالص.
يا لكِ من وقحة يا ماسة. تيقظيني من نومي وبدل الاعتذار تتنمرين علي. تباً لكِ، سوف أرد لكِ الصاع صاعين.
طيب، وأنا كمان مالي. تصبحي على خير.
هتفت ماسة بلهفة واعتذار:
طيب خلاص خلاص. أنا آسفة.
ثم هتفت بهدوء:
البنت اللي كانت مع فهد طلعت بنت عمه اللي من القاهرة.
سألتها ابنة خالتها:
وأنتي عرفتي منين؟
سألت وعرفت.
قامت سلسبيل تعتدل من نومها بفزع. سألت:
إزاي؟ أنتي مجنونة لو حد عرف يقتلوكي. وبعدين معاكي يا ماسة، ليه مصممة توجعي قلبي عليكي؟
هتفت بهوس:
الموت أرحم من الإحساس اللي كنت عايشة فيه. ومن لحظة ما شوفتها راكبة جنبه. بس الحمد لله، قلبي دلوقتي ارتاح لما عرفت إنها بنت عمه وفرحها كمان أسبوع على واحد من مصر زيها.
تنهدت بإشفاق على صديقة عمرها وابنة خالتها، لكنها لابد أن تنصح حتى اللحظة الأخيرة:
حبيبتي، حتى لو متجوزتش برضه مش هيكون ليكي. أنتم بينكم عداوة وجدك عمره ما يوافق. فهد كبير عائلته مش هيحط إيده مع جدك.
اختنقت من تلك الحقيقة المرة لتهتف بوجع:
ليه كده؟ عايزة تضيعي فرحتي. سيبيني أعيش في أحلامي.
أوجعها صوتها الحزين لتهتف:
حبيبتي، أنا بحبك وخايفة عليكي من الصدمة. الأحلام الناس بتصحى منها، لكن أنت عايشة وهم وده أخطر بكتير.
هتفت برفض من تصديق ما تقوله سلسبيل:
لا، إن شاء الله ربنا هيطيب خاطري بس أنتي تدعيلي.
هتفت أيضاً:
ربنا يريح قلبك يا حبيبتي وتنولي اللي في بالك.
الفضول يأكلها. تريد معرفة ما حدث لصديقه أثر على شخصيته لتلك الدرجة. لقد شعرت حربه في المرتين التي تقرب منها. لذلك هتفت بحذر:
هو ممكن تحكي لي عن أحمد صاحبك؟
أبعد بصره عنها وتنهد بألم:
كنا ثلاث أصحاب زي التوأم. أحمد ومراد وأنا. ما كناش بنبعد عن بعض أبداً. آخر سنة لينا في الكلية ظهرت شيطانة هزت سعادتنا ودمرت حياتنا. منقولة عندنا من كلية تانية. بقالها أسبوع بس. كانت أول مرة نشوفها. اليوم الأسوأ في حياتنا. أنا ومراد ما قبلنهاش من أول طلة. بس للأسف الشديد، أحمد أعجب بيها جداً من أول نظرة. كأنها خطفته. وطبعاً بما إننا من أغنى شباب الجامعة، كان سهل عليه يقرب لها لأنها مادية جداً. هو قرب حب وهي قربت طمع وحقارة. حاولت أنا ومراد نبعده عنها، مستجبش. ولما كنت بشوف سعادته أسكت. ومراد يقول: "يومين ويبعد لما يكتشف حقيقتها." اتاريها زي السرطان اللي بينتشر في الجسم يدمره ومن المستحيل استئصاله. صرف عليها فلوس كتير جداً هدايا وفسح. حاولت تقرب مني أكتر من مرة، بس كنت بصدها. لدرجة إن في يوم ضربتها بالقلم.
شهقت عشق بعدم تصديق:
كانت مع صاحبك وتحاول معاك؟ دي مش طبيعية.
اشمئز وهو يتذكر ما حدث:
كرهتني في جنس الحريم. كانت وقحة لدرجة إنها تهددني تقول لأحمد إني بحاول أقرب منها. كنت شايف حالة صاحبي، خوفت تكون أول مسمار في نعش صداقتنا. بس أنا كنت عامل حسابي وسجلت لها مكالمات معايا ودورت عليها وعلى المكان اللي كانت فيه. وعرفت إنها عملت مشاكل كتير في الجامعة اللي كانت فيها بحاجات مشابهة. هددتها بكل ده. خافت تخسر البنك اللي وقعت عليه. بس كانت بتبعده عننا بطريقة غير مباشرة. سهر وفسح. حبه عماه عن حقيقتها اللي كانت واضحة للكل إلا هو. شخصية مادية حقيرة تدور على فلوسه وبس. زي ما بيقولوا: "مرايا الحب عاميه." اتفقت مع باباه لما ينجح في رابعة يكتب كتابه ويتجوز. باباه وافق ابنه الوحيد وعايز يفرح بيه. خطبها ولبسوا الدبل. صراحة حاولت أكتر من مرة أبلغه بكل حاجة. وفي آخر لحظة أخاف أخسره أو إن قلبه ما يتحملش خسارتها. أحمد حنية الدنيا فيه، قلبه طيب جداً.
قبل فرحهم بكم شهر، عمي حسن كان داخل صفقة بكل فلوسه وخسرها. ما عادش فاضل غير الفيلا والعربيات بس. لما وصلها الخبر، بدل ما تقف معاه وتسانده، جت صرخته قدامنا:
هو بجد الخبر اللي سمعته ده؟ باباك أعلن إفلاسه؟
رد بحزن شديد وهو غير متوقع لردها:
أه للأسف.
سألته ببرود:
وأنت هتعمل إيه دلوقتي وفرحنا وضعه إيه؟
جذبها من يدها حتى يحدثها على انفراد، لكنها جذبت يدها بعنف ولم تتحرك وهي تردف:
قول إيه العمل وقدام أصحابك.
شعر بالأسف من إحراجها له وهو يردف:
بابا يبيع الفيلا بتاعته ويبدأ بيها مشروع ويعيش معايا هو وماما لحد ما الوضع يتغير.
هتفت بغضب ورفض:
لا طبعاً، ماحدش يعيش معايا. ممكن يجيبوا شقة صغيرة على قد هم.
طريقة كلامها معاه قدامنا وعدم احترامها لمشاعره أو كسرته قدامها. شياطين الدنيا وقفت قدامي. عايز أكسرها، بس أنا عمري ما كنت همجي عشان أضرب واحدة. وقفت أشوف رد فعل أحمد. غضب جداً، صرخ فيها:
أنا مش ممكن أسيب أمي تعيش في شقة.
ردت بكل وقاحة:
طيب شوف، يا أنا يا هما.
نظر لها بصدمة يشعر بأن من تقف أمامه ليست حبيبته الذي كان مستعد يعمل المستحيل من أجل إسعادها. سألها بعدم اتزان:
قصدك إيه؟
خلعت دبلتها بدون لحظة ندم وهي تهتف:
يعني لو عايز نكمل مع بعض يبقى كلامي هو اللي يمشي، وإلا خلي دبلتك معاك. أنا عايزة أترفع لفوق مش أنزل تحت الأرض.
ردها أكثر وجعاً من صدمة إفلاسه. لقد خدعته ورسمت الحب. كان يتوقع منها في تلك الظروف الدعم الكامل، وهو الذي يحقق أحلامها قبل أن تنتهي. لم يتوقع منها تلك القسوة أبداً. لم تهتم لتلك الحالة من الضياع التي احتلت ملامحه وتركته وابتعدت كأنه مجرد عابر سبيل في حياتها.
عدى عليه أسبوع من أسوأ ما يكون وهو يتمنى أنها تيجي تعتذر وتقولها إنها بتحبه، وأسلوبها معاه من وقع الصدمة عليها. كله كان وهم، وهي ماجتش ولا عبرته حتى برسالة. آآه، هتجنن. مش عارف يعمل إيه هي أو أهله. بس أهله ما يستاهلوش إنه يبيعهم. عطوه كل حاجة حلوة في حياتهم. وكل ما والده يتصل بينا يسأل عن حالة ابنه نقوله زعلان عشانك. لو عرف الحصل بينهم كان نفذ طلبها عشان حالة ابنه تتحسن. بس للأسف مجاش في بالنا إن كل ده يحصل وأنها مش حب بس دي عشق، وإلا كان قدر يستغنى عنها بمرور الوقت.
بعد أسبوع راح يرضيها ويشرح لها موقفه. عاملته بتعالي وطردته. جاتله صدمة. حبس نفسه شهر في البيت. ذقنه كبرت، رفض الأكل. بعد جسمه الرياضي ووسامته بقى هيكل إنسان. أنا ومراد كنا دايماً معاه نحاول نخرجه من حالته. بقينا نتبادل الوقت، بس للأسف تأثيرها كان قوي جداً عليه. أهله زادوا حزناً. المال لما ضاع مزعلوش عليه قد زعلهم على حالة ابنهم اللي كل يوم في دمار.
في يوم ده كنا مضطرين وأنا ومراد نسيبه لأن عندنا ضغط شغل. اتصل بيه. لما فتحت الخط سمعت صوت بكائه. تخيلي راجل يبكي علشان كلبة ما تستاهل ظفره. بيتكلم وهو في حالة عدم اتزان وسايق السيارة بسرعة جنونية. قلبي اتقبض من حالته. حاولت معاه يهدي، بس كل حاجة خرجت عن السيطرة…
القاسية اللي قلبها حجر، اتصلت بيه وقالتله إن النهارده خطوبتها على واحد غني ويقدر يعيشها في المستوى اللي بتحلم بيه.
راح لها زي المجنون. أتحايل عليها تصبر عليه وهو يغير الوضع. ضحكت وردت عليه:
اللي تصبر بتكون بتحب خطيبها، لكن أنا مش بحبك. كنت عايزة فلوس وبس، ولا عمري هاحب واحد زيك. أنا عايزة راجل أخاف منه وأعمل له حساب مش أحركه زي ما أنا عايزة.
بسبب حبه ليها مقدرش يأذيها. خرج من عندها وهو بيكلمني بجنون بيحكي الحصل. هو منهار، يصرخ من الألم وهو بيطلب مني:
أوعدني يا أدهم، أنت ومراد، ما تسلمش قلبك لواحدة أبداً. الحب أسوأ حاجة في الدنيا. لما تسلم قلبك لواحدة ما تستاهل تتحكم فيك وتستغل حبك أسوأ استغلال. تذلك كلهم خاينين، كلهم زبالة، مش بيحبوا غير الفلوس.
أهدى يا أحمد، أهدى يا حبيبي، والله ما تستاهل دمعة من عيونك. أنت فين وأنا أجيلك.
صرخ برفض ودموع:
لا، افتح الإسبيكر عايز مراد يسمعني معاك. أسف يا أغلى وأحن أصحاب على عيني، بعدي عنكم.
صرخ عليه مراد بجنون:
إنت بتقول إيه يا أحمد، قصدك إيه؟ أوعى تضيع نفسك عشانها. بكرة تنساها، صدقني.
خرج صوت أدهم متوتر:
أهدى يا مراد. ثم وجه كلماته لأحمد: أرجوك يا أحمد، أنت فين؟ ارجع وأنا أخلص لك الموضوع. هعطيها اللي يكفيها عشان ترجعلك، بس أرجوك بلاش تهور. فكر في مامتك وباباك يعيشوا إزاي من غيرك.
مراد: أرجوك يا أحمد، ربنا يصلح الحال وترجع لك. أرجوك يا أحمد، إحنا هنموت من غيرك.
خرج صوته موجوع:
وترضها ليا يا صاحبي أن أعيش ذليل تحت رحمتها وتحركني بصباعها لما تحب، تعاملني علشان الفلوس ووقت ما تضيع ترميني.
زاد بكائه، فهو عاجز، يريد البعد ولا يستطيع. آلام قلبه من خسارتها أقوى من ذله لها. لذلك الحل الوحيد الذي وسوس له به شيطانه كان الأسوأ، وهو خسارة آخرته ودنياه. هتف بحزن:
كان نفسي أفضل معاكم لحد ما نعجز ونتسند على بعض، بس مش قادر. بعدها هايموتني. قولوا لأمي وأبويا يسامحوني.
صرخ مراد وأدهم:
لا يا أحمد، حرام عليك. ما تعملش كده.
خفض صوته وهو يودعهم:
سلام. ابقوا ادعوا لي.
محى دموعه:
سابني يا عشق. الموت كان عنده أهون من بعدها. خسر آخرته عشان كلبة. مقدرش يصبر لحد ما ربنا يبعت له اللي تطيب خاطره وتعرفه إن الدنيا لسه بخير. استلمت جثة أنا ومراد. كنا بنموت، بس حاولنا نتماسك عشان أهله. أمه ماتت ثاني يوم دفنه، وأبوه اتشل. ما حدش فيهم استحمل. وبعد كام شهر باباه توفى. أسرة بحالها اتدمرت بسبب الطمع. دورت عليها وكنت هاقتلها. مافيش حاجة تبرد ناري غير كده. بس مراد هربها. لما عرف عرفت بعدها بكام سنة. خاف عليا أقتلها وأتسجن ويبقى خسرنا إحنا الإثنين.
تفهمت عشق سبب قسوته عليها، وعندما كان يقترب منها يعتذر ويبتعد بسرعة كأن شياطين الأرض تركض خلفه. يحتضنها بقوة وهو يتحدث بشجن:
أنا قلبي دق ليكي من أول مرة شوفتك. لما رفضت مساعدة هاني عشان مش يمسك سندي وأنتي تعبانة، الموقف ده لفت نظري جداً. اتعاملت معاكي ببرود وقسوة. خوفت على قلبي منك. كنت بحمي نفسي من الحب والضعف. وكل ما قلبي ومشاعري تتشد ليكي أهرب وأداري ضعفي بعنف. معاكي، بس غصب عني قلبي عشقك.
تمتمت:
ربنا يرحمه برحمته الواسعة ويثبته يوم الحساب.
شاركها الدعاء وهو يردف:
يارب يا عشق. ادعي له أنتِ قلبك أبيض وربنا يستجاب منك.
رواية إنت عمري الفصل الخامس عشر 15 - بقلم امل مصطفى
تحركت عشق من جواره.
"أجيب لك أكل وترتاح شوية من الطريق."
جذب يدها، يجلسها مرة أخرى وهو يردف بغرام: "أنا ارتاحت لما شوفتك. وارتحت أكتر وأكتر لما كلمتك وخرج الحمل اللي في قلبي اللي شلته سنين لما هلكت."
سمعت طرق على الباب. ارتدت إسدالها وقامت بفتح الباب. وجدت أمامها الخادمة وهي تحمل الطعام.
"سي فهد بعت العشاء لسي أدهم."
تناولته وهي تشكرها ووضعته على طاولة مستديرة.
"حبيبي، العشاء جاهز."
ابتسم لها وهو يتحدث: "والله فهد ده حاسس بيّ. بعت العشاء وعايزني ما أنزلش. فاكرنا متجوزين بجد." وغمزلها: "عايز يعطيني مساحة علشان أتدلع."
تحدثت بخجل: "تفتكر ده قصده؟"
نزل من الفراش وتوجه لمكان الطاولة يجلس جوارها.
"طبعًا يا حبيبتي. هم عارفين إننا متجوزين من شهرين، يعني أكيد بقيتي مراتي فعلًا." واحتضنها وقبّلها بحب.
وهو يعتذر: "أسف لأن ظلمتك بسبب حاجة ملكيش ذنب فيها."
تعلقة عشق بعنق أدهم وهي تضع وجهها بين تجويف رقبته. أنفاسها وهي تتحدث تصطدم بجلد بشرته، يدغدغ مشاعره التي يسيطر عليها بقوة جبرية.
"أنا ما كانش يهمني غير وجودك معايا في نفس المكان. أسمع صوتك وأشوفك. ما فيش حاجة تانية تهمني."
أخذ نفسًا قويًا وهو يبعدها بحنان.
"لأ كده غلط. أنا بحاول أسيطر على نفسي علشان أوفي بوعدي وأنتي مش بتساعديني خالص."
"وبعد كده تلوموني علشان ما لبستيش الفستان."
هتفت بخجل من تفكيره: "خلاص خلاص، أسفة. بس ليا عندك طلب."
نظر لها في انتظار طلبها وهو يتناول الطعام.
"تأمرين؟"
"أنا نفسي أركب خيل معاك."
وضع قطعة طعام في فمها وهو يتحدث: "بس كده؟ حاضر. هخلي فهد يجهز لنا فرس وآخدك الفجر نروح نمشي شوية."
بعد أن تواصل أدهم مع فهد وطلب منه الفرس، ناموا. وقبل الفجر، نزل أدهم السلم ويده محتضنة يد عشق بحب.
ذهبوا إلى الإسطبل، وجدوا فهد ينتظره بابتسامة كبيرة.
عندما رأى لمعة عيون أدهم وتوهج وجههم من السعادة والحب، كأنه ليس هو نفس الشخص الذي صعد من عدة ساعات قليلة.
"أدهم، هو ده الفرس؟"
فهد وهو يمرر يده على الفرس بحنان: "ده فرسي، ما حدش بيركبه غيري. بس هو عارف المكان اللي رايحة."
ركب أدهم أولًا، وظل فهد يمسد فرسه حتى يعلم أنه يريد منه توصيلة.
جذب عشق يجلسها بين أحضانه وانطلق بهم.
أمام سعادة عشق وهيامها في فارسها الذي تشعر بجواره بأمان العالم وأن أحضانه درع واقٍ لها من شروره.
ظل فهد واقفًا ينظر لطيفه. أتت تلك الغريبة بباله وتخيل أنه يمتطي فرسه وهي بين أحضانه يذهب بها إلى مكانه المفضل.
هتف مستنكرًا من نفسه: "والله يا عشق، تأثيرك عفش عليا. الله يسامحك."
وصل الفرس إلى مكان هادئ جميل، عبارة عن بركة ماء ليست كبيرة ويحيط بها الزرع من كل الاتجاهات، كأنها مزرعة أو استراحة خاصة في مكان مفتوح. يتوسطها شجرة كبيرة ظلها يغطي مساحة كبيرة تكفي أكثر من خمسة أشخاص.
عشق وهي تتأمل المكان حولها على الضوء البسيط الناعم المنبعث من الشفق الأحمر الذي يفصل الليل عن النهار: "الله يا أدهم، المكان جميل جدًا."
قبلها وهو يقول: "جميل لأن عيونك شافته."
نزل من على صهوة جواده، قام بإنزالها. جلس تحت الشجرة وأجلسها على قدمه وأسند ظهرها إلى صدره. وضع يده حول خصرها.
وضعت يدها فوق يده بحب: "الشروق من هنا هيكون تحفة."
"فعلًا هيكون أجمل شروق شفته في حياتي لأنك في حضني وبين إيديه."
قام بفك حجابها وفك خصلات شعرها الناعم ووضعها على كتفها. وقام بإخراج هاتفه وأخذ صورًا كثيرة لها وهي في أحضانه وأوضاع رومانسية.
قام بتقبيل عنقها بنعومة ورغبة.
عشق وهي تحت تأثير قبلته الناعمة: "أدهم، ما ينفعش كده. حد يشوفنا."
"فهد بعتنا هنا وهو متأكد إن مفيش حد يشوفنا. لأن ده مكان خاص بيه. وبعدين لسه المكان ضلمة."
قام بلفها بين يديه وجعلها في أحضانه وقام بتقبيلها. رغبته بها في ازدياد.
وجد تنفسها فجأة على الأرض وهو فوقها. شعرت بفزع وهتفت برجاء: "وحياتي يا أدهم، بلاش كده. إحنا نعتبر في الشارع وفي الصعيد كده تبقى فضيحة."
تراجع على الفور عندما رأى الخوف بعيونها. جلس مرة أخرى وأخذها في أحضانه وهو يشعر ببركان ثائر بداخله من شدة رغبته ومشاعره الثائرة من قربها.
ظلوا وقتًا بسيطًا في صمت يحاول الخروج مما هو فيه، بينما هي تحدثت بخجل حتى تخلق بينهم حوارًا.
"ماما نعمة ومرات عمي عايزين يجيبوا الشوّار النهارده، وأنا معاهم. اختاره على ذوقي، إيه رأيك؟"
ما زال يتنفس بعمق لكي يخرج مما يشعر به وهو يسألها: "شوّار إيه؟ هو فيه حاجة ناقصاكِ؟"
تحدثت برفض: "لأ ما فيش، بس جدي مصمم وأنا مش حابة أزعله."
يتأملها وهي تتحدث، ابتلع ريقه بصعوبة وهو يردف ببطء: "بلاش النهارده. أنتِ وحشاني ومش عايزك تبعدي عن حضني."
تشعر بفرحة كبيرة من حبه والشوق الظاهر بعيونه.
"حاضر، نخليها لبكرة."
وضعت رأسها مرة أخرى على صدره. رفع يده يضمها أكثر له، واليد الأخرى مررها بين خصلات شعرها وهو ينظر أمامه يتمتم لنفسه: "بعشقك يا عمري. مهما قلت مش قادر أوصف السعادة اللي حاسس بيها من وجودك في حياتي."
حدثت نفسها: "آه لو تعرف أنت بالنسبة ليا إيه. أنت حلم عمري اللي عشت استناه سنين."
وقبل أن تستوعب، كان قد حملها بين يديه ونزل بها لتلك البركة وأسقطها لتصرخ من المفاجأة. وظل يناغشها وقت طويل.
في ألمانيا.
تتجول بين المحلات وهي في منتهى السعادة. لا تتخيل أن يأتي مثل هذا اليوم أبدًا.
أتاها صوت مراد بمرح: "وبعدين معاكي يا غادة؟ هتشتري البلد لعشق ولا إيه؟"
ضحكة غادة: "طبعًا، أنا عندي أغلى من أدهم. أنا لحد دلوقتي مش مصدقة إن ابني اللي كان كاره بنات حواء يتجوز وأشوف ولاده. ودي أجمل لحظة في حياة كل أم."
"أمل مصطفى."
تحدث بشقاوة: "طيب أنا يا قلبي، ما ليش من الحب جانب؟"
غادة وهي تقرص وجنته: "طبعًا ليك يا حبيبي، ده أنت آخذ حتة من قلبي."
ثم تحدثت بفضول: "تفتكر هو حبها بجد؟ يعني هيكمل؟ أصل أنا مش مصدقة. أقفل قلبه كل السنين دي وفتحوا فجأة كده في شهر."
مراد بتأكيد: "براءتها وطيبة قلبها اخترقوا قلبه. ده عشقها مش حبها. كل مكالمة بيني وبينه بتكون عنها هي وبس. ده بقى متيم يا غادة."
غادة بسعادة: "هي تحب، عاملة زي البلسم اللي بيشفي التعب. شوف روان كام سنة بعدت عن الناس ومن أول يوم استجابت ليها وفتحت لها قلبها."
تحدث بغرام: "روان؟ آه من روان. أنا كنت قربت أتجنن وأشوفها. تعبتني قوي بنتك دي."
ضحكت بمرح: "آه يا خلبوص. وما قولتش لمامتك ليه؟ كنت ريحتك من وجع القلب ده."
مراد: "بوجع. ما كانش يهمني غير إنها تشوفني. وده مش بإيد حد غير ربنا." ثم أكمل برضا: "الحمد لله ربنا عوض صبري وبقت ليا. وربنا يهدي ابنك ويسيبني أتجوز بقى. شكل وجع قلبي على إيد ولادك الاتنين."
عاد أدهم وعشق بعد الشروق، وجدوا الجميع على مائدة الإفطار.
"صباح الخير."
رد الجميع عليه: "الصباح."
انحنى وقام بتقبيل يد الجد، وفعلت عشق مثله. جلس الجميع.
نعمة بسؤال: "قررتي تروحي إمتى علشان جهازك يا عشق؟"
"آه يا ماما، بس بلاش النهارده، خليها بكرة."
رد زين: "وأنا يا جدي عايز أروح معاهم أجيب شبكة خلود."
وخلود وهي تشعر بالسعادة في نفسها: "أخيرًا، لبس دبلتك."
تحدث الجد برفض: "لأ، سيب الحريم هم مع بعض يكونوا براحتكم أكتر، وخلود تختار دهبتها زي عشق."
خلود وعشق في نفس الوقت: "ربنا يخليك لينا يا جدي."
ظلت عشق باقي اليوم في حضن أدهم الذي رفض النزول لتناول العشاء، وقامت نعمة بإرساله إلى غرفة عشق.
التي قالت بخجل: "هيقوولوا إيه الوقت؟"
أدهم بهيام وهو يحرك أنامله على وجهها بنعومة: "أنتِ وحشاني جدًا ومش عايز دقيقة تفوت وأنتِ بعيدة عن حضني. وبكرة هتقضي اليوم كله بعيد عني؟ ولا أنا مش وحش؟"
تحدثت بحب ولهفة: "لأ طبعًا، أنتِ بتوحشني وأنا وياك."
أدهم ضمها: "طيب أعمل إيه أنا بعد الكلمتين دول؟"
عشق وهي تضحك بمرح: "نتعشى."
أدهم: "يعني ده حلك؟ طيب اسمعي الحل اللي عندي وإختاري مما بين القوسين."
عشق وهي تضع يدها تحت وجنتها: "إيه الحل؟"
"أمل مصطفى."
"آخذ حبيبي في حضني وأفضل أتملى في جماله وكده أنام وأنا مبسوط وشبعان. إيه رأيك؟"
عشق وهي تمثل التفكير: "أنا بقول حلي أنا أحسن."
ضحكة أدهم بقوة: "كنت عارف إنك هتختاري الأسهل. يلا."
في الصباح، وقفت عشق ترتدي ملابسها. قام أدهم باحتضان خصرها الخلف وقبل عنقها بنعومة. تأثرت عشق من نعومة قبلته.
بينما هتف بغرام: "هتوحشيني الشوية دول."
التفت في حضنه: "أنت وحشتني من دلوقتي."
رمقها بنظرة شوق ورفعها بين يديه بهوس: "طيب أعمل إيه؟ ده أنتِ لو حد سلطك عليا مش هتعملي كده. كلامك كله بيجنني."
ابتعدت بوجهها عندما سمعت خبطًا على الباب. حاولت إجلاء صوتها.
"مين؟"
"هدى: الست نعمة بتقول لحضرتك يلا."
": حاضر، قولي لها ثواني ونازلة."
وضعت رأسها على كتفه: "عجبك كده؟ كنا هنتقفش ونروح في داهية."
ضحكة أدهم وهو يغمز لها: "دي تبقى أحلى داهية. ويطلبوا مني أصلح غلطتي وأنا هموت وأصلحها."
ابتسمت بخجل. تنهد وهو يهتف: "يلا، ادخلي اغسلي وشك اللي بقى نار ده قبل ما تنزلي."
سمعت كلامه وبعد الوقت نزلت. وجدت نعمة تحدثها بلهفة: "مالك يا حبيبتي؟ وشك أحمر كده ليه؟ أنتِ تعبانة؟"
عشق وهي تخفض وجهها من الخجل: "لأ يا ماما، أنا كويسة."
وكزتها عواطف في خصرها: "أنتِ ناسيه إن جوزها معاها فوق؟ بطلي تحرجي البنت."
شهقت نعمة: "آه والله، أنا ناسيه خالص."
عواطف بسخرية: "لأ يا حبيبتي، متنسيش بعد كده."
خرجت خلود وهي تتحدث: "أنا جاهزة، وياسمين كمان. يلا."
وجدوا سيارة تنتظرهم في الخارج. ركب الجميع وبعد وقت وصلوا أمام مول كبير.
نزلت عشق وهي تتأمل المكان: "أنا معرفش إن عندكم مول بالحجم ده."
خلود: "إحنا بلدنا قريبة من مكان سياحي. وطبيعي يكون فيه زي القاهرة."
في منزل المنشاوي، وقف الجميع على قدم وساق يجهزوا المكان قبل عودة عشق التي لا تعلم أنها سوف يقام لها حفل زفاف وترتدي الفستان الأبيض خلال يومين. لقد ظنت أن جدها يريد أن يجهزها فقط.
وقف جوار فهد وأخواته الذين يتابعوا تجهيزات الزينة والذبائح حتى تكون مفاجأة لعشق عند رجوعها ويرى سعادتها عندما تعلم أنها سوف تزف إلى حبيبها بعد يومين فقط وتكون ملكه.
بعد مرور أكثر من ثلاث ساعات، تعجب فهد من حالة أدهم الذي ظهر عليه التوتر والقلق. اقترب وهو يسأله.
فهد: "مالك يا أدهم؟ مش على بعضك ليه؟ روح كلمها."
لا يعلم سبب ما يشعر به، لكن هناك ألم بقلبه وضيق يحتل صدره، لذلك هتف بحيرة: "مش عارف ليه قلقان كده. كان لازم حد فينا يكون معاهم."
تحدث فهد بنفي: "المشوار ده بيكون حريم بس، علشان كده جدي رفض زين يروح معاهم. كلمها. قلقك يضيع."
ابتعد عنهم وهو يخرج هاتفه وقام بالاتصال على رقمها.
كانت تقف بينهم وعندما وجدت اسمه يزين شاشة الهاتف، أضاء وجهها وابتعدت عنهم وهي تفتح الصوت وتتحدث بصوت منخفض حتى لا يسمعه من بجوارها: "حبيبي، وحشتني."
أدهم وهو يبتسم: "أنتِ أكتر يا عمري. وصلت فين؟"
تأملت المكان بملل وهي تردف: "إحنا لسه في قسم المفروشات، عاملين يشتروا كل حاجة تقابلهم وأنا زهقت جدًا."
خرجت منه تنهيدة شوق: "علشان خاطر حبيبك، طولي في قسم اللانچيري. عايز أعوض الحرمان اللي عشته وأتدلع شوية."
أتاه صوتها الخجول: "أدهم، وبعدين معاك؟"
تحدث بمرح: "يعني أنا مستاهلش أتدلع يا حبيبتي؟"
رغم خجلها من كلماته، لكنها دافعت عن سلطته وهي تردف: "حبيبي يستاهل كل حاجة حلوة، بس أنا بتكسف ومش هعرف أجيب الحاجات دي."
حدثها بتهديد: "لو الحاجات مش عجبتني، أشتري أنا على ذوقي. وما أدرك ما ذوقي. أنتِ حرة. سلام يا قلبي."
عاد بوجه مشرق تزينه ابتسامة راحة.
فهد وهو يغمز: "طيب ما كنت كلمتها من الأول بدل النكد ده."
صدم أدهم كتفه بكتف فهد وهو يهتف بمرح: "أنت ما مافيش عندك حد تشتغل عليه غيري؟ أبعد بقى."
ضحكة فهد بقوة وهو يرد له صدمة كتفه: "لأ عندي."
غمز له أدهم: "طب خليك في حالك."
اتسعت عين زين الذي التف إلى مروان: "أنت شايف اللي أنا شايفه؟ أنا مش مصدق إن اللي واقف يضحك ويهزر كده فهد أخويا اللي كل الناس بتتعامل على أنه الأش. كيف سايب واحد غريب يمد إيده عليه؟"
مروان وهو يتابع وقوف أدهم وفهد مع بعضهم وانسجامهم السريع والغريب: "آه شايف ومش مصدق زيك."
رد محمد بتوضيح: "لأ مش غريب. فهد طول عمره شايل مسؤولية العائلة. ملوش أصدقاء ولا أصحاب غير جدي اللي كان دايما واقده تحت ذراعه. ويمكن ما كانش لاقي اللي يستحق صداقته أو قربه. واللي ملاحظ أن لاقاه في أدهم. بدليل إنهم قربوا لبعض في وقت بسيط جدًا يعتبر قياسي كمان."
زين وهو ما زال على صدمته: "ده أنا لو بهزر بس قدامه بيبقى عايز يقتلني."
في المول عند عشق.
هتفت نعمة وهي تحايلها: "تعالي يا عشق، يلا اختاري."
وقفت عشق على مقربة منهم، وجهها تحول للون وردي من الخجل وهي تهتف برفض: "لأ يا ماما، أتكسف."
نعمة بعدم رضى: "حبيبتي، أمال كنتِ بتلبسي إيه لجوزك؟"
خافت عشق أن تكشف وضعهم، لكنها حاولت تظهر طبيعية وهي تهتف: "لأ لأ طبعًا، ولا مرة لبست حاجات من دي."
عواطف بتعجب من حالتها: "أمال كنتِ بتلبسي إيه يا قلب أمك؟"
هتفت ببراءة: "كنت بلبس كاش وبرمودا يا طنط."
وجهت عواطف فمها وهي ترد بسخرية: "إيه يا أختي، بتقولي إيه؟"
وقفت بجوارها كلا من خلود وياسمين يدعمانها: "نختار احنا بدالها وسيبوا عشق. كفاية ضغط عليها لحد كده."
هتفت هند بحدة: "اتحشمي يا بنت أنت وهي. يلا يا عشق."
أعطتها ظهرها برفض ووجهها تورّد من الخجل.
حميدة: "والله ما كنت أصدق أن بنات البندر تخجل بالشكل ده أبدًا."
بعد الانتهاء من جمع كل حاجاتهم، حمل الغفر الشوّار على السيارات وعادوا على السرايا، بينما ذهبت الحريم لشراء الذهب بدون رجال.
جلس الجميع حول النار يتناولون القهوة. رن فون أدهم. استأذن وتحرك بعيدًا عنهم. فتح الخط وهتف: "مراد، أخبارك؟"
"مراد: بخير الحمد لله. هنكون في المطار الساعة 11 صباحًا."
"أنا هاكون في انتظارك." ثم سأله بلهفة: "أمي جنبك؟"
"آه، كلمها."
جذبت غادة الهاتف بسعادة: "أخبارك يا حبيبي؟"
"خير الحمد لله يا أمي. وحشتيني جدًا أنتِ وروان."
"وأنتِ أكتر يا قلب أمك. هانت، كلها ساعات ونكون عندك."
أدهم: "بحبك. تنوري يا حبيبتي. تلاقيني في انتظارك. بوسيلي بنوتي على ما أشوفها."
غادة: "إن شاء الله يا حبيبي. أنا مش مصدقة أن أخيرًا عقدتك اتفكت وهتجوز. الحمد لله."
تحدث بصدق: "كله بفضل دعاك يا ست الكل. ربنا ما يحرمني منك أبدًا."
تنهدت براحة: "ولا منك يا حبيبي."
رجع أدهم، جلس مرة أخرى جوار فهد وأخبره بأن والدته وصديق عمره وأخته سوف يأتون في الصباح الباكر وسوف يذهب لإحضارهم.
"يشرفوا يا أدهم، وإن ما شلتهمش الأرض نشيلهم فوق راسنا."
أدهم بامتنان: "قدها يا بيت المنشاوي وربنا يديم المعروف."
رن فون زين برقم خلود. أخذ الهاتف وابتعد عندما فتح سمع صراخها.
زين بقلق وصوت مرتفع: "مالك يا خلود؟ بتعيطي ليه؟"
حاول تهدئتها حتى يفهم ما تقوله: "طيب أهدي عشان أفهم. إيه اللي حصل؟"
"عشق مالها؟"
لا يعلم هل سمع اسمها بقلبه أم أذنه، لذلك وقف في غمضة عين هو وفهد. اقتربوا منه وقبل أن يسألوا عما حدث.
زين بصراخ من ذلك القلق الذي تسرب لقلبه: "أهدي، مش فاهم منك حاجة. مالها عشق؟"
زين بصراخ: "اتخطفت! إزاي؟ أنتم فين؟"
انجذب أدهم الهاتف بعنف وهو يهتف: "عشق؟ فين؟ أعطيني العنوان."
وقف أدهم بجنون مثل بركان ثائر سوف يقذف حممه في جميع الاتجاهات. يحرق اليابس والأخضر.
"عشق اتخطفت! مراتي اتخطفت وأنا موجود. والله لادفن كل شخص سولت له نفسه أذاها. ده يوم أسود على الكل."
رواية إنت عمري الفصل السادس عشر 16 - بقلم امل مصطفى
صرخ أدهم بجنون:
عشق اتخطفت! اتخطفت وأنا موجود! على وش الدنيا ده يوم أسود علي الكل.
وقف فهد لا يقل عنه غضب وهو يهتف:
مين جاله الجرأة يبص لحريمنا؟
وجه كلامه لفهد:
أنا عايز حد يقفل مداخل ومخارج البلد على أما ابعت أجيب رجالي.
فهد بغضب:
ماحدث! تبعت تجيب رجالتك ليه؟ إحنا مش قليلين!
زين بقوة:
يلا على المول أشوف الكاميرات.
فهد برفض:
لا، إحنا نقسم نفسنا مجموعات. مجموعة المول ومجموعة تروح تقفل الدنيا. وحد يروح المستشفى، ماما نعمة هناك تعبانة.
ركب الجميع السيارات. توجهت كل مجموعة إلي وجهتها. فهد وأدهم وزين إلى المول. وصلوا.
باقي رجال العائلة توجهوا لقفل جميع مخارج البلد.
وصل فهد وأدهم وزين، الذي طلب من صديقه يحضر له إذن تفتيش.
طلب زين رؤية الكاميرات بإذنه.
وصل محمد ومروان عند نعمة في المستشفى. وجدوا الجميع في حالة انهيار، ونعمة تصرخ بصوت مرتفع:
هاتولي بنتي! أنا عايز بنتي!
تركض عليها محمد:
أهدي يا ماما، إن شاء الله ترجع.
نعمة بالصراخ:
فين فهد؟ أنا عايزة فهد، هو كبيرنا، هو اللي يقدر يرجعها.
محمد وهو يتناول المهدئ حتى يحقنها:
مروان أمسكه.
مروان:
لا! أنا عايز بنتي، مش عايز أنام! هاتوا لي بنتي! لو كان محمود هنا ما كانش في حد قدر يلمسها.
سيطر عليها مروان وقام محمد يعطيها حقنة مهدئ.
بعد أن غابت عن الوعي:
مروان: أيه اللي حصل يا أمي؟
حميدة: إحنا كنا خارجين.
(فلاش باك)
خرج الجميع من المول.
تتعلق عشق بنعمة:
أيه رأيك يا موزتي في الحاجات اللي خلود وياسمين اختاروهم؟
جميلة يا قلب أمك، بس كنت عايزاك أنت اللي تختاري وتفرحي بحاجتك.
مالت عشق على وجنتها تقبلها:
أنا وهم واحد، بس أنت ما تزعلش يا قمر.
جذبتها نعمة فجأة لحضنها وهي تصرخ:
حاسبي يا عشق!
وجدت سيارة كادت تصدمها. وقبل أن يفوقوا من صدمتهم، أتت سيارة أخرى هامر. وقبل أن تعتدل، جذبها رجلان من أحضان نعمة التي صرخت بكل قوتها:
عشق!
صرخت عشق بخوف:
ماما!
وهي تمد لها يدها على أمل إنقاذها. كل واحدة يدها للأخرى ومعالم الفزع مرسومة على ملامحهم. واختفت السيارة في لمح البصر. وسقطت نعمة فاقدة للوعي.
(في المول)
عندما رأى أدهم الكاميرات، شعر بنار في قلبه وأراد إحراق البلد بأكملها. يتكرر الموقف أمامه مراراً وتكراراً، وأحدهم يجذبها بعنف. تواصل مع هاني وتحدث بقوة وغضب:
عايزك تجمع كل رجالنا وتكتر السلاح وتيجي في طيارة تكون عندي في خلال ساعات، فاهم؟ متسيبش حد.
ثم أغلق معه.
وجد زين يعيد تكرار المشهد وتوقف عند اقتراب السيارة.
فهد بغضب:
مش ده من رجالة فاروق؟
زين: أه. العربية اللي خبطتهم دي غريبة.
أدهم وهو يقترب:
وقف الصورة ورجع العربية.
أدهم بغضب:
العربية دي مش عندنا، ومافيش حد يقدر يعمل كده غير أشرف السلاموني. إيه اللي بيحصل بالظبط؟ إيه لم الشامي على المغربي؟ وليه الاتنين قصدينها هي بس؟
(في السيارة عند عشق)
أجرى أحد الرجال اتصال وانتظر الرد الذي أتاه بسرعة ليهتف:
أيوة يا باشا، هي معانا بس في مشكلة. أهلها اتحركوا بسرعة وقفلوا المخارج كله.
تحدث بغضب:
طيب والراجل اللي تبعنا؟
الرجل: يا باشا، مافيش غير الجبل. وبرضه مش هينفع، لأن زعيم المطاريد كان باعت ياخدها وإحنا خدناها من رجالتهم.
أشرف بتعجب:
ليه؟ هو أكيد مافيش بينه وبينهم مشاكل؟ هو عمره ما راح المكان ده، وعلشان كده قلت نقطة ضعف وبعيد عن رجالتة.
الرجل بحيرة:
مش عارف يا باشا، أنا بحكي اللي حصل.
طيب: أعطيني، أنا هكلمه.
(في مكان آخر)
رن هاتفه الذي فتحه ببرود. يأتيه صوت أشرف الغاضب:
أنت متفق معايا إنك تخرج رجالتى بيها.
أتاه صوت الرجل الغاضب:
أنا ما أعرفش إنهم اتحركوا بسرعة كده. مافيش قدامك غير الحل اللي عرضته عليك من الأول. أنت عايز تكسره، وأنا هعملك اللي أصعب من كده. فكرتي دي تدمره على الآخر لو هي بالنسبة له زي ما بتقول. وأنا سايب رجالتى بعربية مختلفة عند النقطة اللي اتفقت عليها. وهم هينقلوا رجالتك لحد ما الموضوع يهدى. غير كده، قول على رجالتك يا رحمن يا رحيم.
أشرف بتهديد:
ما لو رجالتى اتمسكت، هيعترفوا إنك ساعدتهم في دخول البلد والوصول ليها. وبرضه هيطولك أذاه. أدهم نابه أزرق ومش بيسيب حقه أبداً. اسألني أنا عنه.
الرجل بسخرية:
لو كنت بخاف، ما كنتش حطيت إيدي بإيده. وأنا عندي أولاد المنشاوي، أصعب كمان. أنا واحد مش بيسيب حقه ولو بعد سنين. شوف، مافيش ليك هنا غيري. ولولا الباشا الكبير حط الصفقة الأخيرة مقابل مساعدتك، أنا عمري ما كنت وافقت.
أشرف:
بس...
لأن ليس أمامه حل آخر.
طيب تمام، لما نشوف آخرتها.
تحدث الرجل بحقد:
بس في تغيير بسيط في الخطة.
تحدث أشرف بغضب:
إيه الكلام ده؟ مش ده اتفاقنا؟
(عند عشق)
تشعر بالفزع مما حدث معها وتمتمت ببكاء:
أنتم مين؟ وعايزين مني إيه؟
مرر أحد الرجال عيونه عليها بدونية:
لو على اللي عايزينه، فحنا عايزين كتير. بس للأسف، الموضوع مش في إيدينا.
عشق بخوف:
بس أنا ما عملتش لكم حاجة.
الرجل:
الآخر دي أوامر، وأنا عبد المأمور. رغم إن خسارة الجمال ده كله في الموت. بس زي ما قال لك، إحنا عبد المأمور ورقبتنا في إيديه. وهو مش بيرحم.
نظرة لهم عشق بيأس. يبدوا عليهم إنهم بعاد كل البعد عن ربهم. لذلك فضلت الصمت وتقوقعت على نفسها ولجأت لمن لا يغفل ولا ينام في سرها بكل ما تحفظ من الآيات القرآنية. وتودع أدهم بقلبها.
(في منزل المنشاوي الكبير)
خرج الجد لم يجد أحد في المكان، فالجميع غادر دون أن يبلغوه ما حدث خوفاً على صحته. بينما هو تعجب كثيراً من اختفاء الجميع. خرج إلى حديقة المنزل فلم يجد أحد أيضاً. نادى الغفر لم يرد. عاد إلى الداخل ينادي الخادمة:
بنت يا زهره.
جاءت زهره ويبدو على وجهها الحزن:
نعم يا سيدي.
الجد: فين الناس اللي في البيت؟
زهره بتوتر: خرجوا.
تحدث بتعجب:
كله خرج إزاي؟ مش في تجهيزات بتحصل؟ إزاي يسيبوا البيت كده؟
ابتلعت ريقها بخوف:
أصل بيقولوا ست عشق اتخطفت.
الجد بصدمة:
اتخطفت؟ كيف وإحنا موجودين؟ اتصل بفهد دلوقتي.
(خرج أدهم من المول)
أنا هطلع الجبل.
فهد: كلنا نطلع.
زين: نستدعي قوات، الموضوع مش فسحة. إحنا عايزين نرجع بيها.
تحدث فهد بقوة وبرود:
إحنا مش بنخاف من حد. أنا بس محتاج منافذ البلد تفضل مقفولة.
زين: كل المخارج مقفلة، البلد كلها خرجت.
استعد الجميع وركبوا سيارتهم وتوجه إلى الجبل.
رن هاتف فهد ووجد رقم جده. فتح الخط بسرعة:
أيوه يا جدي، خير؟
متقلقش، مش هنرجع من غيرها. مش عارف يا جدي، هي فين ولا مين اللي عمل كده. إحنا طالعين الجبل لأن رجالة فاروق كانوا في المكان. متقلقش يا جد، هتكون في حضنك النهارده.
بعد وقت طويل وصلوا الجميع إلى المكان المنشود، ونزل كل من أدهم وفهد وزين وباقي أولاد عمومته ومجموعة كبيرة من الرجال يحملون السلاح. خرج لهم مجموعة من قطاع الطرق يشهرون السلاح في وجوههم.
خرج فاروق بجسده القوي ووجهه القاسي مثل الحجر وهو يهتف بضيق:
خير يا فهد بيه، أيه سبب الزيارة وليه كل الرجالة دي؟
خرج صوت فهد عاصف:
فين بنت عمي يا فاروق؟
وقف يتحدث بهدوء:
وأنا أعرف مين بنت عمكوا؟ وإيه جابها حداي؟
هتف بغضب:
رجالتك كانت في مكان الاختطاف، ولولا العربية خبطتهم، كانوا هم هياخدوها.
رسم اللامبالاة وهو يردف:
يعني هتمنع رجالتى تروح في أي مكان؟ أنت منعتهم ينزلوا البلد، لكن مش كل مكان. دي الحكومة مش قادرة علينا، وأنت عايز تتحكم فينا؟
فهد بقوة يعلم فاروق مداها جيداً، لذلك لا يقف أمامه في شيء:
أنت عارف كويس أنا سيبك براحتي، وأنت واثق أن أنا أقدر أعمل معاك اللي الحكومة ما تقدرش تعمله. فلم الدور وقول هي فين.
تحدث بإيضاح:
أنا ما عرفهاش، ولما سمعت عن جمالها، قلت آخدها وأكمل نصف ديني. بس البهايم ما عرفوش يجيبوها.
لا يعرف أحد ماذا حدث بعد تلك الكلمة. لقد سمعوا صوت طرقعة اتبعها سقوط جسده جثة هامدة تحت أقدام أدهم، الذي رمق الجميع بنظرة قاتلة. رفع الجميع سلاحه.
هتف زين بأعين متسعة:
أيه اللي أنت عملته ده؟
بينما ألقى عليه فهد نظرة باردة ولم يهتم.
أردف أدهم ببرود:
دفعته ثمن تفكيره في مراتي.
ثم أشار على جثته وهو يتحدث بقوة:
وده مصير أي حد يفكر يبص لها.
لم يتوقع أحد شراسته تلك. نعم، يعلمون قوته وحدته في التعامل، وفهموا أن سببها رجالة أم هنا والآن هو أعزل. كيف أتى بتلك القوة التي جعلته يكسر عنق شخص بقوة فاروق قبل أن يتحرك أحد. نظر له الجميع بذهول وصدمة، وأولهم رجال فاروق. لقد كسر عنق سيدهم في لحظة دون أي مجهود، ولم يستطع أحد إنقاذه.
جاءوا يتحركون. أشار لهم ذراع فاروق اليمين بخفض السلاح. استجابوا له.
تحدث حمد:
إحنا ملناش مشاكل معاك يا فهد بيه. اللي أخذها ناس غريبة مش من البلد، لأن الرجالة لما جابوا رقم العربيات وسألوا عليها، عرفت أنها عربيات غريبة. بس أكيد لسه ما خرجتش من البلد. وأحنا معاك في الخدمة لو احتجت أي مساعدة.
وقف فهد يبحث عن أي أحد يكن لهم الضغينة. لم يجد. هم محبوبون من الجميع. فرغم سلطانهم وقوتهم التي يهابها الجميع، لكنهم أبداً لم يكونوا جبارين ولم يظلموا أحد يوماً أو يتعدوا على حقوقه.
تحدث أدهم:
أنا هفتش البيوت هنا بيت بيت. مش هفضل ساكت وأنا معرفش هي فين ولا مع مين.
فهد بتبرير:
إحنا هنا محبوبين ومافيش حد ممكن يشارك في أذانا، مهما كان ضعيف. بس هنحدد البيوت اللي ممكن يكون فيها شوية شر مدفون.
توجهوا جميعاً لأكثر من منزل. استسلم أهلها أمام سطوة السلاح وعدد الرجال الكبير. وليس أي رجال، بل فهد كبير عائلة المنشاوي. لا يظلم، لكنه لا يتهاون مع من يتعدى حدوده.
غضب أدهم وعصبيته أصابت بعض الأهالي بذعر. حاول فهد السيطرة عليه، لكنه أبداً لا يستجيب.
ظلوا ساعات طويلة في البحث. جن جنون أدهم. قلبه يؤلمه بشدة، لا يعلم ما بها وكيف يتعامل الآن، لكنه يثق تمام الثقة أنها في حاجة والرعب يأكلها.
هتف فهد بقسوة:
معدش غير بيت كبير عائلة شعلان. وده أكتر شخص بيكرهنا.
وصلوا أمام منزل حمدان، الذي خرج أمام البوابة عندما أبلغه الغفر بتواجد فهد وأولاد أعمامه يريدون تفتيش البيت.
وقف أمامهم بحقد وشماتة وهو يرى هذا القلق بعيون الجميع:
خير يا أحفاد المنشاوي، بيت إيه اللي رايدين تفتشوه؟
تحدث فهد بقسوة:
بيتك يا حمدان، زيك زي أي بيت بالبلد لازم يتفتش.
تحدث بغضب وصوت عالٍ يظهر أن المنشاوي الكبير نسي يربي أحفاده إزاي يتكلموا مع الكبار:
رد فهد بحدة:
لا علمنا نحترم الكبار لما يكونوا محترمين. وقصر، معندناش وقت للحكي ده.
صرخ حمدان بغضب:
مافيش راجل يدخل بيتي. واللي يفكر يهوب من البوابة، يبقى يتشاهد على روحه.
سحب أدهم زناد سلاحه وهو يتحدث بسخرية:
يبقى تتشاهد على روحك. أنا مش باقي على حد خالص.
تحدث إبراهيم بحنان:
مش محتاج كل السلاح ده يا فهد يا ولدي. البيت بيتك وتدخله في أي وقت.
سيبه يا بوي، يدخل يدور. دول ناس قلوبهم محروجة على بنتهم.
نظر له والده بغضب:
ما أنا جلبي اتحرج جبلهم على ولدي. خليهم يجربوا من نفسهم.
رفع فهد سلاحه هو الآخر وشاور لباقي الرجال:
ادخلوا. واللي يجف في طريقكم طخوه.
ووجه حديثه لإبراهيم:
بلغ الحريم يا حاج إبراهيم يخدوا ساتر، وأتمنى تسامحني على اللي بيحصل ده.
إبراهيم بأسف:
حجك يا ولدي. اتفضلوا.
جذب أبيه عن طريقهم هو وإحدى أبناء العائلة الذين لا يريدون أن تشتعل النار بينهم وبين تلك العائلة.
بينما يتابعهم حمدان وهو يضحك بسخرية. فهو يعلم جيداً أنهم لم يجدوا غير جثة هامدة. وهذا ما يشفي غليله منهم، ولا يهمه شيء آخر، حتى لو أبادوا كل عائلته. ما يهمه الآن أنه أخذ ثأر ابنه وأراحه بقبره. لذلك استسلم لكلام ابنه وهو ينتظر لحظة انكسارهم عندما يعلموا موتها.
قلب أدهم والرجال المنزل. لم يعثروا لها على أثر. خرج الجميع بإحباط شديد، فهذا كان آخر أمل لهم في عودتها.
(في اليوم التالي)
اكتشف إبراهيم حركة غريبة بالمنزل. نزل بسرعة حتى يعرف ماذا يحدث. وجد رجال أغراب. هتف بتعجب:
مين دول يا أبوي؟ واللي مقعدهم وسطنا وإحنا معانا حريم؟
ما لكش صالح، ده بيتي وأجيب فيه اللي أنا رايده. مش كفاية اللي عملته امبارح وخليت أحفاد المنشاوي يدهسوا حرمة بيوتنا وانت واقف كيف النطع؟ شوفت كيف الرجال اللي مش بتسيب حقها ولا بيهمها مين ما يكون. والله أنا بحسد المنشاوي على خلفته الزينة. كلهم رجال كيف الأسود. مش خلفيتي العار، حتى ما قدرت تجيب لي حفيد ولد يعوض خيبتي فيك.
نكس إبراهيم رأسه وهو يهتف:
عندك حق يا أبويا. علشان كده أنا آخد مراتي وبنتي وأمشي قبل ما نار الغضب تطولهم.
الأب بغضب:
مافيش حد خارج من البيت اليومين دول لحد ما أنا أقول. بعدها غور أنت ومراتك وبنتك وش الشؤم دول.
الإبن بحزن وهو لا يعلم مدى الكارثة التي فعلها والده:
كيفك يا أبوي، كيفك.
(عند أدهم)
لا يعلم كيف يتصرف. بحث في كل مكان وجميع المخارج مغلقة ولا يجدها. يتمنى الموت ولا يعيش تلك المشاعر التي تؤلمه بقوة. صورتها وهي تصرخ وتمد يدها لنعمة لا تفارق عينه. تلك الأيادي التي جذبتها من خصرها كأنها جنزير من نار يلف حول عنقه يخنقه.
رن هاتفه، رد بتعب:
ألو.
أتاه صوت مراد المرح:
أيه يا عريس؟ أنت نسيتنا ولا إيه؟ أنت لسه ما اتجوزتش؟ أومال بعد الجواز هتعمل إيه؟ بقالنا ساعتين في المطار وما جيتش تاخذنا.
خرج صوته مثقل بالهموم:
بأسف يا مراد، نسيت. هابعت لك هاني بالعربية.
شعر مراد بقلق شديد من نبرة صوته. سأله بقلق:
مالك يا أدهم؟ فيك إيه؟ صوتك مش عاجبني.
مختنق. لا يريد التحدث. ولولا خوفه الشديد عليها لترك نفسه لتلك المشاعر القاتلة حتى ينهي ذلك الألم.
هتف بحزن:
لما تيجي تعرف سلام.
نظر مراد للهاتف باستغراب. ضحكت غادة:
ماله أدهم؟ نسي معادنا ليه؟
مراد بقلق:
لا مش عارف. قال لما تيجي هتعرف. بس حاسس أن في حاجة كبيرة مضايقه.
غادة وقد تغيرت ملامحها:
خير يا رب.
(في غرفة المنشاوي)
وقف فهد يحايله:
وبعدين يا جدي؟ كل وخذ علاجك علشان لما عشق ترجع تلاقيك كويس.
هتف برفض:
لا تحرم عليّ الحياة بعدها. أنا مش عارف إزاي بنتنا تتخد من وسطنا وما نعرفش نحميها وإحنا كبار البلد.
والله يا جدي، أنا مش ساكت. وأدهم قالب البلد بيدور في كل البيوت. ومافيش حد فينا قادر يوقفه. لدرجة أن الناس خافت منه ومش عايز يفهم أننا محبوبين وسط ناسنا وما فيش حد ممكن يساعد في أذانا.
تحدث الجد بقسوة:
سيبه يعمل اللي هو عايزه. إن شاء الله يحرق البلد باللي فيها.
ما أنا ساكت يا جدي علشان عذره وحاسس بالنار اللي جوه قلبه.
(أتى هاني بهم من المطار ودخل من البوابة)
نزل الكل وجدوا في انتظارهم الحريم. ولم تجد ابنها. هناك شيء غريب يحدث.
بعد السلام والترحيب، سألت على عشق. انتفضت برعب مما قص عليها. تبكي روان بين أحضان أمها.
بينما في الخارج توجع مراد يبحث عن أدهم الذي أوصله له أحد رجال فهد.
الحزن غير معالمه. اقترب منه بسرعة وضمه بلهفة:
أجمد يا أدهم، صدقني هتلاقيها وهترجع لحضنك تاني.
أدهم بوجع:
ضاعت مني يا مراد، ضاعت ومش لاقي لها أثر. قلبي بيوجعني قوي، مش قادر أتحمل. روحي بتروح مني. حاسس بخنقة. بتوقف قلبي. أنا بمر بتجربة أحمد. خسارة اللي بنحبه مش سهل. دي كل المشاعر المؤلمة اتجمعت في قلبي. هموت من الفكر. مش عارف هي مع مين. يا ترى بيعاملوها حلو ولا بتتهان؟ يا ترى بتبكي من الخوف وبتنتظرني أخلصها؟ ولا وضع يده على قلبه:
ولا حد انتهك حرمة جسدها.
أغمض بقوة وهو لا يستطيع تحمل الفكرة.
مراد والقلق ينهش قلبه:
والله هترجع سليمة وبصحة، وهنجيب حقها كامل من اللي أذاها.
أدهم بقسوة:
ترجع بس، وأعرف مين فكر مجرد تفكير. وأنا أخليه يندم على اليوم اللي اتولد فيه ويتمنى الموت ومش يطوله.
(عاد مراد للداخل وجد غادة تقف على الباب وهي تسأله)
فين أدهم يا مراد؟
مراد بخوف من فقد صديقه الوحيد:
أدهم حالته صعبة، خايف يحصل له حاجة زي أحمد.
هتفت بخوف:
بعد الشر عليه. ما تقولش كده.
تمتم بحزن:
مش بياكل ولا بينام ولا بيهدى. عمال يلف زي المجنون اللي عقله طار منه.
تحدثت بلهفة:
أم على ولده؟ طب خليه يكلمني ولا أخرج أنا؟
هز رأسه بتأكيد:
لا. اخرجى أنت أحسن.
خرجت غادة ونادت ابنها الذي يتحدث في التليفون بعصبية وغضب شديد.
أغلق الخط وتوجه لها:
خير يا أمي؟ في حاجة؟
مدت يدها بالطعام:
أنا كنت جايبه لك حاجة تاكلها عشان تقدر توقف على رجليك.
هتف برفض:
لا مش عايز. عمرك شفتي ميت بياكل؟
غادة بفزع:
بعد الشر عليك يا حبيبي.
وضع يده على قلبه وهو يردف:
أنا ميت يا أمي. ميت من يوم ما ضاعت مني. وأنا موجود بس هي اللي خلتني بعافر ولسه واقف على رجلي. كل ده إحساسي أنها محتاجة وجودي. كان فاتك بتدعي لي بالرحمة.
تحتضنه برعب:
بعد الشر عليك يا عمري. هو أنا ليه غيرك أنت وأختك؟ أوعى تقول كده تاني.
أدهم وهو يمسح دموعها:
سامحيني يا حبيبتي، غصب عني. سامحيني.
(السلام عليكم)
الغفير: وعليكم السلام.
عايزة حاج.
ممكن أقابل فهد بيه؟
الغفير: معلش، هو مش فاضي دلوقتي.
معلش، خليني أقابله. الموضوع يخص عشق هانم.
الغفير بفرحة: طيب تعالي ورايا.
تحركت خلفه وهي ترتعش من رد فعله. هو ممكن يقتلها.
يا فهد بيه! يا فهد بيه!
تلتفت فهد و أدهم بسرعة حتى وقف أمام الفتاة وطلب من الغفر تركهم.
أدهم بعنف: أنت مين وتعرفي إيه عن عشق؟
كشفت وجهها بخجل. نظر لها فهد بصدمة: أنت؟
..... يتبع
يا ترى مين خطف عشق؟
ومين البنت دي؟
•
رواية إنت عمري الفصل السابع عشر 17 - بقلم امل مصطفى
وقفت أمام هذان المتوحشان بأقدام مرتعشة، تلعن غباء تصرفها، لكنها مضطرة حتى تنقذ حياة تلك الفتاة التي لا تعلم من رمى بها في طريق جدها. لذلك لابد لها من التحدث.
هتفت بحذر: "أنا عارفة مين خطف عشق."
فهم فهد أن جدها له يد بالموضوع، وأنه لن يمر مرور الكرام. لذلك سألها بحذر حتى لا تفزع أكثر: "وأنتِ عرفتي منين؟"
تحدثت بدموع: "لأن جدي هو اللي ساعد الراجل اللي خطفها."
هجم عليها أدهم بغضب. لقد تدمر وتألم كثيراً في الأيام الماضية بسببهم. لقد تشاهدت على روحها من هجوم هذا الأخير ونظرته القاتمة، لكنها لم تتوقع ما حدث. لقد وقف فهد بينهم مثل سد منيع وهو يهتف بلهفة: "إلا دي يا أدهم، إلا دي."
لا حظ خطأ ما تفوه به عدل كلامه: "هي مالهاش ذنب، هي جاية تساعدنا."
نظر لها فهد بإطمئنان وهو يشجعها على إكمال حديثها: "تعرفي تحددي مكانها؟"
ابتلعت ريقها بصعوبة، وهي تسرد عليهم ما حدث قبل أن تستطيع الهرب من منزلهم.
***
رجع والد ماسة إلى زوجته.
"أبويا شكله عامل مصيبة كبيرة، وهيأخذنا كلنا في الرجل."
تحدثت والدتها بخوف: "ربنا يستر، وبعدين البنت اللي حيلتنا ممكن تروح فيها."
وقف إبراهيم أمام ابنته وزوجته: "في حاجة مش طبيعية بتحصل وأنا مش عارف أتصرف. علشان كده لازم تخرجي من هنا يا ماسة وتروحي بعيد عن يد جدك. أنا كلمت عمك، وهو هيستقبلك."
ناولها حقيبة بها بعض المال: "دول كنت محتفظ بيهم علشانك، كلها فلوس حلال، ما دخلش فيها جنيه من فلوس جدك."
بكت ماسة وهي تنظر لهم بحيرة وتشتت: "بس يا بابا، أنا مش هعرف أتصرف لوحدي، وأنا عمري ما خرجت برة هنا."
اقترب منها والدها يضم وجهها ويشجعها: "أنتِ ذكية وتعرفي تتصرفي. المهم تهربي قبل ما أذى جدك يطول الكل. أنا اتحملت الأرف ده كله علشان أحميكي أنتِ وأمك منه."
"ما فيش غير مكان واحد ممكن أخرجك منه، الممر اللي جدك عامله لما بيهرب منه الآثار اللي بيخبيها تحت البيت. ما تخافيش، المكان مش مسكون زي ما بتسمعي، دي كلها تخاريف علشان يبعدوا بيها اللصوص."
احتضنت أمها، بكى الاثنتين.
"خلي بالك من نفسك يا جلب أمك، ولو في نصيب نتقابل من تاني."
نزل إبراهيم وخلفه ابنته على مسافة قريبة. سمع والده يتحدث بعصبية: "يلا يا بهايم منك ليه، شيل التبن ده وحط العربية مكانها وغطيها بيه. وأنت هات جلاليب تناسب حجمهم ده وخليهم يشتغلوا في الأرض."
دخل عليه إبراهيم يسأله بتعجب: "مين دول يا أبويا وكيف تقعدهم بينا؟"
تحدث والده بغضب: "مالكش صالح بأي حاجة هنا، لو باجي على عمرك."
رن هاتف والده الذي فتح الخط وتحدث بقوة: "أنا ما روحتش لحد، هو اللي جه لحد عندي طلب مساعدتي. وبعدين أنا كنت أعرفه منين؟ مش الباشا الكبير هو اللي عرفني عليه، لأن بينهم شغل وطلب مني المساعدة وأنا بنفذ أوامر الباشا. وبعدين يجلج من إيه، مصلحتي ومصلحته واحد. أنا عايز أكسرهم وأنتقم لابني وهو عايز يكسرهم. البلد هنا مقلوبة، بس على مين، إحنا خلاص دفناها كده. دوري انتهى، ابعت نصيبي لرجالته."
"ما ينفعش تخرج اليومين دول لحد ما فهد يهدي أو يعرف أن ما فيش فايدة."
انصدم إبراهيم مما سمع: "أنت عملت إيه يا أبويا؟ عايز تفتح بحور دم تاني ليه؟ وعلشان إيه؟"
"علشان أخذ حقي ابني، طالما ما فيش عندي رجالة تأخذه."
"ماسه، ابنك مين؟ ابنك المغتصب اللي مات في السجن من سوء عمله. فهد هيخرب البلد كلها ويمحي عيلتنا من الوجود. ذنبهم إيه الحريم والأطفال؟ أنا لازم أبلغ فهد عشان يلحق بنت عمه."
شاور والده لرجال السلاموني بلا تردد: "خذوه."
اتسعت عيونه، لم يتوقع ما يحدث: "إيه ده يا بوي؟ حتى ابنك مش باقي عليه؟ يا بوي ارحمنا من شرك وخاف على باقي ولادك."
أمرهم الجد: "خذوه. اربطوه وحطوه جوه العربية وغطوها تاني لحد ما نخلص من الوضع ده."
استجاب الرجال لأوامره.
ارتعبت ماسة عندما سمعت ورأت ما يحدث، خرجت مسرعة وهي تعرف من تقصد.
***
تحدثت ببكاء: "ده كل اللي حصل، والله."
أدهم برعب عليها: "يلا يا فهد، ما فيش وقت."
في ثواني معدودة تجهز كل رجال العائلة والحرس.
وقفت تشعر بضياع، لا تعرف ماذا تفعل بعد أن هربت من منزلها.
توقف فهد أمامها: "أنا هخلي حد يوصلك عند خالتك، متخافيش، ما فيش حد يقدر يأذيكي." ثم تركها وابتعد وهو يهتف: "زين، ابعت القوات والرجالة. خرج إبراهيم وهات الرجالة اللي هناك وربطهم لحد ما نرجع."
"ماشي، بس أنا جي أطمئن على عشق."
توجه الجميع إلى المقابر، وكلما اقترب كلما شعر أدهم بنبضات قلبه تقل من شدة خوفه من خسارتها. توقف أمام المقابر.
تحدث فهد بقوة بين الرجال: "ما فيش حد توفى في البلد من فترة، معنى كده أنها تكون جديدة. كله يدور، ولما حد يوصل ينادي."
تحرك الجميع، ومع كثرة العدد كان الموضوع سهلاً.
عند أدهم، يتحرك على نبضات قلبه وأقدام ثقيلة، لا يعلم ما ينتظره. فهي غائبة منذ ثلاث أيام. هل ما زالت حية ترزق أم فارقت تلك الحياة القاسية التي لا تناسب ملاك مثلها.
توقف أمام أحد القبور ومرر يده على بابها بحنان: "أنا متأكد إنك هنا، قلبي بيقول لي إنك موجودة هنا، بس خايف لما أفتح يكون الموت خطفك مني. مش عارف أعمل إيه، دليني."
فهد يتابعه بعيون صقر، يعلم حالته جيداً وما يمر به. وعندما وجده يقف بتلك الحيرة والرعب الظاهر، علم أنها في ذلك القبر. تحرك تجاهه بسرعة وأشار على أحد الرجال الذي يحمل بيده فأساً أن يأتي معه.
"هي دي يا أدهم؟ دي أجدد أسمنت موجود، حاسب علشان نكسر الباب."
اقترب أحد الرجال حتى يكسره. صرخ أدهم برفض: "استنى يا غبي، كده ممكن تأذيها."
أشار له فهد بالتوقف. بينما مد يده لخالد وهو يردف: "هات الخنجر ده يا خالد."
وقف هو من جانب وفهد من الجانب الآخر، يحاولون فتح الباب دون تكسيره حتى لا تصاب بأذى. فتح الباب وهو يشعر بضيق في صدره. وجدها تجلس في وضع الجنين. قفز داخل القبر بسرعة وضمها لصدره بجنون. وضع يده عند شفتيها يجس تنفسها. وجده يكاد يكون معدوماً، ووجهها قارب على اللون الأزرق.
لم يعد يتحمل كبت مشاعره أكثر من ذلك. همس بوجع: "لا تعشق، أوعي تسيبيني. قلبي مش حمل فراقك، أرجوك تمسكي بالحياة عشاني." هزها بحنان: "عشق، ردي عليا، أنا هنا يا حبيبتي، فوقي."
لم يجد رد، كأنها فارقت الحياة. صرخ على محمد: "تعال شوف فيها إيه."
وقف محمد على باب القبر يريد اخراجها حتى يدخل صدرها هواء نقي. مد يده لأدهم: "هاتها، لازم تخرج من الخنقة دي علشان أكشف عليها."
أدهم برفض: "لا، ابعد عنها، أنا هطلعها، أخرجها الأول ثم اتبعها."
وهو ما زال متمسك بها، ثم رفعها بين يديه وهو ما زال يحضنها. استدعى محمد المسعفين الذي تم تجهيزهم مسبقاً منذ علم وجودها في المقابر. جاء إليه الممرضين لأخذها منه.
أدهم برفض: "ابعدوا عنها، ما حدش يلمسها."
وقف فهد صلب صامد وهو يحدث أدهم الذي بدأ الدخول في حالة هياج: "اهدأ يا أدهم، لازم يخدوها. هي محتاجة تنفس صناعي، لازم تتحط على الجهاز."
حملها ووضعها في السيارة، لا يعرف كيف يقف على قدمه حتى الآن، غير أن احتياجها له هو ما يعطيه القوة لتلك اللحظة. ركب جوارها وتحركت السيارات الإسعاف.
***
في المستشفى، تم الكشف عليها من قبل محمد وأحد زملائه. تنفس بإرتياح وهو يردف: "هي نبضها ضعيف جداً، بس الحمد لله خير. وجسمها متعرضش لأي انتهاك أو عنف. هم شوية ضعف لأن ليها كام يوم من غير أكل والمكان مرعب والنفس مش كويس عليها."
اجتمع جميع العائلة في المستشفى في إنتظار تشخيص حالة عشق. خرج محمد هو وأحد زملائه. استقبلهم الكل بلهفة: "خير يا محمد؟"
ابتسم بحزن على ما وصلت إليه الأمور وهو يردف: "حالياً، كلنا نصلي ونحمد ربنا أنها لسه على قيد الحياة."
الكل في نفس الوقت: "الحمد لله."
أكمل: "بس في الطبيعي هتكون محتاجة رعاية أقل حاجة أسبوع لأن جسمها كان منهك من قلة الأكل والأكسجين، وتعرضت لضغط نفسي شديد وده محتاج متابعة بعد ما تفوق. بس حالياً هي تعتبر تمام الحمد لله."
هتفت نعمة بقلب ملتاع: "أنا عايزة أشوف بنتي يا محمد."
محمد بحب: "حاضر يا أمي، ثواني أدخلك لما أدهم يخرج، لأن كثر النفس غلط عليها."
***
جلس أدهم جوارها يضمها لصدره، لم يتركها ولم يسمح لأحد بالاقتراب منها. مر أسبوع وجع وحزن على الجميع في انتظار إفاقتها. بينما ظل محمد يعطيها أدوية تساعدها على النوم مع المحاليل التي تعلق لها بإستمرار تغذية عما فقده جسدها.
دخل محمد كعادته منذ أسبوع على أدهم الذي يجلس جوار عشق يضم كفيها بين راحة يده. ابتسم على عشقها لزوجته، الظاهر هو لم يترك المستشفى ولا لحظة منذ دخولها.
أردف يطمئنه: "على فكرة، هي كويسة، بس أنا عطيها مهدئ علشان جسمها محتاج راحة ومفعول المحلول هيكون أسرع من الأكل."
لم يرفع رأسه عن يدها وهو يردف بكره: "لو سبتها قبل ما تفوق، هخرج أقتلهم كلهم واحد واحد بإيدي. بس عارف أنها ممكن مش تسامحني، علشان كده مش عايز أسيبها. لأن طول ما أنا شايفها بهدي لحد ما تفوق، ووقتها أشوف أرجع حقها إزاي."
ابتسم محمد: "وعليه إيه؟ الطيب أحسن. خليك جنبها."
قام بالكشف عليها وتركهما لخلواتهما، خرج وهو يتمنى مرور الأمر على خير.
***
في منزل المنشاوي، تحدثت نعمة بحزن: "يعني كان فيها إيه لو سابني قعدت جنب بنتي أطمئن عليها."
غادة: "معلش يا أم عشق، ابني غيرته وحشة وعايز هو اللي يفضل جنبها."
"أنا ما قلتش حاجة، بس حتى كنت فضلت في الأوضة اللي جنبها علشان أرتاح."
تحدثت سلفتها حميدة: "مش محمد بيطمنك عليها كل يوم؟ وقال هانت، كلها بكرة أو بعده وتخرج بالسلامة."
***
يقبل يدها وهو يحدثها بوجع: "حمد لله على سلامتك يا عمري. عارفة أنا كنت بموت من الخوف أن أخسرك. قلبي معرفش الخوف غير من يوم ما ملكتيه. كل مرة أحس أن ممكن حياتي ميبقاش فيها عشق، قلبي ينتفض بينضلوعي كأنه بيلفظ أخر أنفاسه. وجع صعب قوي، لو كان جالك حاجة كنت حصالتك صدقيني. قلبي من غير وجود أنفاسك في الدنيا ميت. أنا بستناكي علشان تلبسي الفستان الأبيض وتفتحيلي أبواب جنتك، أتمتع بنعيم قربك يا عشق. عارف أن اللي حصل لك هيسيب أثر كبير جواك، بس أنا مش هستسلم، أفضل معاكي لحد ما تنسي كل حاجة إلا أدهم. أدهم اللي روحه مرتبطة بروحك، يا روح وقلب أدهم."
انتفضت بفزع تصرخ بحروف اسمه برعب شديد.
أدهم بسعادة وهو يضمها حتى تهدأ: "أنا هنا يا حبيبتي، أنا جنبك يا روحي، اهدئي."
تنتفض بين يديه بقوة وهي تتحدث بشكل هستيري. لا يفهم أغلب كلماتها، لكنه سعيد برجوعها له. ضمها بحنان وهمس جوار أذنها: "أنا هنا يا حبيبتي، أنتي في حضني خلاص."
رفعت عيونها تتأكد من وجوده، ثم انفجرت في بكاء شديد، أشعره بالعجز والضعف الذي قتل روحه، رغم قوته ونفوذه، لم يستطع توفير الحماية للإنسانة الوحيدة التي يجب عليه حمايتها.
دلف محمد مع إحدى الممرضات على صوت صراخها. وجد أدهم يضمها وهو يهددها وهي تبكي كأنه مخزون بداخلها منذ فترة. طلب محمد من الممرضة تجهيز حقنة مهدئ حتى يحقنها بها. أشار له أدهم بالرفض، وتركها تخرج كل الخوف بداخلها وهو يمسد جسدها بحنان في انتظار إخماد ثورة بكائها.
***
بعد وقت ليس بقليل، تراخت بين ذراعه وهي تتمسك به بقوة. لا يريد تجديد عذابها بسؤاله عما حدث معها، لكنه يحترق شوقاً لمعرفة كل لحظة مرت عليها في بعده.
كأنها شعرت به، تمتمت بتعب، وما زالت يدها تقبض على ملابسه وعينها الحمراء الدامعة في محيط عيونه: "أنا كنت خايفة قوي يا أدهم. صحيت لقيت نفسي في مكان ضلمة. ناديتك كتير، مش رديت. قرأت قرآن، طلبت من ربنا يدلك عليا علشان تخرجني. الوقت طال، فضلت أحسس حواليا يمكن ألاقي مخرج."
انتفض جسدها بشكل واضح وزادت دموعها وتقطعت كلماتها وهي تردف: "لقيت... لقيت عظم بشر وجمجمة." انهارت مرة أخرى من البكاء وجسدها في حالة صعبة.
شاركها دموعها وهو يهتف لها بعذب الكلمات حتى تستعيد هدوءها: "وحشتيني قوي يا عشق، وحشني صوتك، ملامحك. انسي كل حاجة، أنتِ هنا في حضني."
شعرت بشيء دافئ على عنقها. ابتعدت تنظر له، وجدت دموعه تسيل بصمت.
مدت يدها بلهفة وهي تردف: "حبيبي، ليه تبكي؟"
ابتسم من بين دموعه وهو يقبل أناملها التي تمحي دموعه من فوق وجنته: "مين في الكون يستحق دموعي دي غيرك يا عشق؟ مين تاني يستاهل يشوف دموعي وضعفي ده غيرك يا قلبي."
مدت أناملها تحدثه بحزن: "حتى أنا مستهلش دموعك دي. أوعي دموعك دي تنزل علشان أي حد."
جذبها لصدره بقوة: "أنت مش أي حد، أنت أنا."
وضعت رأسها على صدره براحة وهي تكمل قراءة آية الكرسي خمس مرات علشان ربنا يحميني من الخوف والوهم اللي مسكوا فيه. وفعلاً هديت وفضلت استناك.
هتف بوجع: "أسف لأن اتأخرت عليكي، سامحي تقصيري في حقك."
***
علم الكل أنها قد فاقت، واستعد الجميع للذهاب إلى المستشفى. دخلوا بوجه مشرق من السعادة للإطمئنان عليها. عندما فتح الباب وتزاحم الجميع عليه، حاول أدهم الاعتدال في جلسته حتى يستقبلهم، لكنها أبت ابتعاده، التصقت به مثل جلده، كأنه لو ابتعد يبتعد عنها الأمان والحماية.
ظلت في أحضانه، لم ترفع عيونها عن صدره، لم تسلم على أحد أو حتى ردت سلامهم. هو أمانها الوحيد، رغم الحزن الشديد الذي ظهر في عيون الكل، لكنها إنكمشت أكثر في أحضانه كأنها لا تعرفهم. كلما اقترب أحد لاحتضانها، وضعت وجهها في صدره. لم يتضايق أحد من فعلتها، بل عذروها، ما مرت به ليس بقليل أو سهل.
يشارك الكل في الحوار، علها تندمج معهم وتسترجع شخصيتها المرحة الحنونة، لكنها ظلت كما هي، تستمع لضربات قلبه وصوت أنفاسه القريبة منها حتى غفت مرة أخرى وهي تتمسك بقميصه بقوة خوفاً من تركها.
تأمل الجميع حالتها، تأكدوا أنه الشخص الوحيد بين البشر الذي ملكها، لا أصدقاء ولا أهل لهم تأثير في وجوده. أما هو، في تلك اللحظة، قلبه يرقص طرباً على تعلقها به، وتلك الأنامل التي كادت تخترق أنسجة قميصه من قوة قبضتها عليه. ليقترب من أذنها وهو يهمس بحب: "متخافيش، مش هقوم من جنبك لو إيه حصل."
تراخت إحدى قبضتها على القميص، بينما الأخرى ما زالت بوضعها. أنه أمانها الوحيد رغم وجود هذا العدد الكبير من العائلة المحبة.
***
في منزل خالة ماسة، جلست تلك الأخيرة تبكي في صمت وجوارها ابنة خالتها وصديقتها تحتضنها وتبكي على حزنها.
"بعدين معاكي يا حبيبتي؟ هتفضل على الحال ده لحد إمتى؟ بصي لنفسك في المرايا، بقيتي مجرد خيال. راحت فين ضحكتك؟ كده الكل ما كانش يبطل ضحك في وجودك."
خرجت كلماتها مطعمة بمرار: "حالك كده. كل حاجة راحت. مستحيل يبص لي بعد ما جدي دفن بنتهم حية واتفق مع عدوهم. جدي دمرني."
شاركتها سلسبيل حزنها وهي تحتضنها: "منه لله جدك، جواه شر يكفي بلد. أنا مش مصدقة أن أبوكي ابنه، مش أنا بس، كل الناس بتقول كده."
مسحت قلبها بوجع وهي تردف: "قلبي هيقف يا سلسبيل. أعمل إيه؟ كل ما أحاول أقرب خطوة، تيجي الظروف تبعدنا آلاف الخطوات."
سلسبيل بإشفاق: "ما فيش حاجة تنفع تتعمل يا ماسة، أنتِ عارفة كده. بس ندعي ربنا، لو ليكي خير معاه يقربه، وهو قادر على كل شيء. ده بيرزق النمل في حضن الحجر."
***
بعد مرور أكثر من يومين، كانت استعادت عشق جزء من روحها وهدوئها النفسي. استيقظت بخوف على طرق الباب. نظرت حولها لم تجده. نادت بصراخ: "أدهم! أدهم!"
خرج وهو يرتدي ملابسه على عجلة: "أنا هنا يا حبيبتي، ما تخافيش."
نزلت من السرير، ارمت في حضنه برعب. احتضنها بشدة، حزن على ما وصلت إليه. رفعت عيونها: "ما تبعدش عني ثاني."
نظر لها بشوق وعشق. انحنى يقبلها: "أنتِ اللي ما تبعديش عني. أنا كنت بموت في بعدك."
وضعت رأسها مرة أخرى على صدره براحة، فأراحها على الفراش وطلب من الطارق الدخول. وجد أمامه بنتين يبدو عليهما الحياء والحرج. عندما رأى وجهها شعر بغضب شديد. وقف حتى يطردها، لكن قبضت أنامل عشق على كف يده وهي تهتف بتعب: "خليهم يدخلوا، أرجوك."
امتص غضبه عندما وجد على وجهها الاستحسان، كأنها تعرفها. أشار لهم: "اتفضلوا."
تمتمت ماسة بخوف منه ومن نظرته: "أسفة لأن جاية من غير ميعاد، بس حبيت أطمئن عليها."
عشق بطيبة: "أنتِ تشرفي في أي وقت."
قام أدهم بإخراج زجاجات العصير وتحدث لعشق: "أنا هعمل مكالمة جنب الباب، لو احتجتي حاجة ناديني."
عشق بإبتسامة: "حاضر."
تركهم ووقف خارج الباب وهو متضايق من وجودها معها بعد ما حدث من جدها. بينما في الغرفة هتفت سلسبيل: "حمد لله على سلامتك."
ابتسمت لها عشق وهي تردف: "الله يسلمك."
أجهشت ماسة في بكاء: "أنا آسفة لأن كل اللي حصل لك كان بسبب جدي."
حاولت عشق عدم التفكير فيما حدث وهي تردف: "شوفي أنتِ بتقولي إيه، جدك يعني أنتِ ما لكيش ذنب، بتعيطي لي بقى."
ابتسمت وهي تمسح دموعها: "وبعدين أنا بقيت كويسة الحمد لله، آه لسه حاسة بخوف بس أدهم مش بيسيبني."
ماسة وهي تتذكر هجومه عليها: "لولا تدخل فهد ونظراته القاتلة، الآن ده كان عايز يقتلني. أنا بخاف منه."
عشق بإستغراب: "مين أدهم؟ هو في أحن منه في الدنيا؟" ثم سألتها: "اسمك إيه؟"
"اسمي ماسة وشاورت على ابنة خالتها: "ودي سلسبيل بنت خالتي."
"تشرفت بمعرفتكم يا بنات، وأنا عشق."
***
دخل فهد المستشفى. وعندما اقترب من ممر غرفة عشق، تعجب من وقوف أدهم خارج الغرفة التي لم يتركها منذ دخولها، وملامحه تحمل الغضب والضيق معاً.
ضحك فهد وهتف بسخرية على حاله: "هي طردتك ولا إيه؟ غريبة أنها سابتك تخرج من الغرفة."
أدهم بضيق: "أصل البنت عندها جوه."
"بنت مين؟"
تمتم بضيق: "اللي عرفتنا مكان عشق جوه، وأنا مش مرتاح لها، بس حسيت أن عشق مرتاحة لوجودها."
سكت، تردد من مجرد ذكرها. هو لا يعرف حتى الآن حقيقة إحساسه تجاهها.
أدهم: "إيه؟ الصنارة غمزت ولا إيه؟"
فهد: "صنارة إيه؟ إحنا بينا مشاكل من سنين، من قبل ما تتولد، وده السبب اللي خلى جدها يعمل كده."
كلماته جذبت فضول أدهم واهتمامه، لذلك سأله: "إزاي؟"
"عمي وباباها طول عمرهم أصدقاء قريبين جداً من بعض، ومامتها وماما نعمة برده أصحاب. باباها اتعرف على مامتها لما كان يجيء لعمي. المهم، عمها إنسان وحش جداً وفلاتي وبتاع ستات، وفي يوم اغتصب بنت ناس غلابة، والبنت كانت صغيرة، ماتت. وبما إن أهلها على قد حالهم ومش يقدروا ياخدوا حقهم، عمي طمنهم أنه يقف معاهم، وفعلاً اتحرك من غير ما حد يعرف وجاب تقرير المستشفى وسبب الوفاة، ورفع عليه قضية. وعمي كان محامي شاطر، اتسجن، وبعد ما قضى سنتين في السجن اتخانق مع ناس لابش وقتلوه. من يومها جدها عايز يأخد تار ابنه منا. باباها كان طيب وعكس باباه، حتى عمها الصغير، باباها سافروا علشان يبعد عن قسوة أبوه ويجنبه موضوع التار."
***
بعد مرور نصف ساعة، فتحت الباب وخرجت. وجدتهم أمامها. انخفضت عينها وتحركت بوجع جوار ابنة خالتها. ظل فهد ينظر في أثرها حتى ابتعدت عنه.
***
بعد مرور أسبوعين، تحدثت عشق: "ماما نعمة، عايزاك أنتِ وطنط عواطف."
نعمة: "طبعاً يا حبيبتي."
"بصي يا ماما، وأنتِ يا طنط، أنا كنت عايزة..."
قاطعتها عواطف: "مش ممكن نعمل كده، ده إحنا كلنا نروح في داهية."
"ماشي يا طنط، والله أنا آخذ رأيي جدي وهو موافق."
نعمة: "يا حبيبتي، ده أكبر من صلاحياتنا، وما نقدرش والله. أنتِ عارفة لو في حاجة في إيدينا مش هنتاخر، وأنتِ ما تعرفيش عاداتنا وإيه اللي ممكن يحصل، الدنيا تتقلب."
"علشان خاطري يا ماما، أنتِ وطنط، يعني تكسروا بخاطري."
فهد وهو يدلف للداخل: "ما عاش ولا كان اللي يكسر خاطر ست البنات. أنتم بتتعبوها ليه؟"
عواطف بتوتر: "أبداً يا ضنايا، بس لا أنا ولا مامتك يعني نقدر ننفذ طلبها وهي مش مصدقة."
تحدث بقوة: "طلبات عشق أوامر، شوفوا عايزة إيه، واعملوه."
نعمة: "يعني على ضمانتك؟"
فهد: "طبعاً، أنا عايز بس حد يعترض على حاجة هي عايزها."
عواطف: "خلاص، لو حد كلمني نقول دي أوامر فهد."
فهد: "أه."
ابتسمت عشق بحنان: "شكراً جداً يا أبيه، ما أتحرمش منك أبداً."
بادلها الابتسام وتحرك للداخل دون أن يعلم ما تخطط له تلك الصغيرة، وأن ما تقوم به لا يستطيع غيرها التفكير، مجرد فكرة في خياله، وإلا تكون نهايته.
***
قامت عشق بالاتصال على أدهم، الذي رد بحب: "عمري الجميل، وحشتني."
عشق بحزن: "باين، علشان كده سايبني من الصبح."
"طيب، البس واستنى قدام البوابة، ثواني وأكون عندك."
وارتدت ملابسها ونزلت بسرعة.
"قمر، بالراحة يا بنت، هتقعي. إحنا عايزين الفرح ده يتم بقي."
ابتسمت لها وهي تقبل وجنتها ثم أكملت: "هيكمل، هيكمل إن شاء الله."
حميدة: "والله البيت فيه بنات، بس عشق هي اللي خلت فيه روح."
وقفت أمام البوابة، وجدت سيارة كبيرة، ولكنها صرخت بقوة وهي تقفز من الفرحة.
رواية إنت عمري الفصل الثامن عشر 18 - بقلم امل مصطفى
وقفت عشق أمام البوابة كما أمرها أدهم. وجدت سيارة كبيرة نزل منها أدهم وخلفه ناجي وفتون وفريال وعزة.
صرخت عشق من السعادة وقفزت في أحضان ناجي وفتون:
"وحشتوني وحشتوني!"
قوبلت بحضن أشد سعادة، فهي عوضتهم عن غياب أولادهم.
"وأنتِ أكثر يا حبيبتي."
التفتت لفريال وعزة:
"أنا مش مصدقة إنكم هنا قدامي."
عزة بسخرية:
"ولا إحنا كمان جوزك جابنا بالاكراه غصب عن أهالينا؟"
نظرت له بإمتنان، فهم كل ما لديها من عالمها القديم. اقتربت منه بسعادة وشكرته. شبك أدهم أناملها بين أنامله وهو يردف بحنان:
"كنت عارف إن سعادتك هتكمل بيهم."
سندت رأسها على كتفه ورفعت يدها المحررة تحركها على ذراعه تعبيرًا عن عشقها لكل هفوة تحدث منه.
***
جلست معهم حتى تناولوا الطعام وتحدثوا وضحكوا. كان جوًا جميلًا خفف عن فتون كثيرًا، فأولادها قد تركوهم وسعوا وراء طموحهم دون النظر للخلف مرة أخرى، كأنهم أتوا على هذه الحياة وحدهم دون أم أو أب. بينما تلك عشق، في عز صخب حياتها الجديدة، لم تهملهم يومًا، ولو بمكالمة صغيرة في الصباح، أو تنكر وجودهم في حياتها بين كل هذا البزخ والنعيم الواضح في دنياها الجديدة.
توجه الجميع إلى غرفهم حتى يرتاحوا من تعب السفر.
***
رجعت عشق إلى غرفتها بعد أن بحثت عن أدهم ولم تجده. رنت عليه أكثر من مرة، لم يرد. شعرت بحزن وضيق أرهقا روحها لأنها لم تتوقع إهماله لها بتلك الطريقة، وخصوصًا تلك الفترة. هي لم تره منذ الصباح، اختفى مرة أخرى بعد أن أتى بأصدقائه.
أضاءت الغرفة، وقبل أن تغلق بابها، وجدت من يجذبها لأحضان. شهقت عشق وهي تلتفت، وجدته أمامها بابتسامة لعوب.
تحدثت عشق بعتاب به بعض الدلال:
"أنا زعلانة منك جدًا."
أغلق الباب بقدمه وهو يقربها من وجهه لتصبح في حِرم سطوته:
"وأنا مقدرش على زعل حبيبي. أنا بعمل كل ده عشانك يا قلبي. مين يصدق إن أدهم بجلالة قدره ياخد أوامر من حد."
نظرت له بحيرة وهي تسأل:
"أوامر من مين؟"
نظر لها وهو يردف بسخرية:
"من جدك يا ستي. أمر امبارح إن ما باتش معاكي في الغرفة، ولا أشوفك النهاردة، عشان بكرة الفرح وأكون مشتاق ليكي. ما يعرفش إن مشتاق حتى وإنتي بين إيديا."
رفعت عينيها وهي تسأله:
"يعني ده السبب بس؟"
قرص وجنتيها بحب:
"أومال إيه؟ يقدر يمنعني عنك. ورغم كده، مقدرتش أنام قبل ما أقولك تصبحي على خير يا أجمل عروسة في الكون كله."
عشق وهي تضمه:
"وأنت من أهل الخير يا أجمل وأحن عريس في الدنيا."
انحنى عليها يقبلها:
"النهاردة آخر يوم في العزوبية، والفضل يرجع ليكي يا حوريتي. سحرتيني وقدرتي تملكي القلب اللي زي الإعصار بيدمر كل اللي يفكر يقرب منه. حبك حوله نسمة صيف عذبة."
وقبل يدها وتحرك ليخرج مرة أخرى.
***
في اليوم التالي، دخلت نعمة على عشق بعد أن تم تجهيزها لتهتف بسعادة كبيرة:
"بسم الله ما شاء الله، البدر في تمامه. الله أكبر."
التفت لها عشق تضمها بفرحة، رغم وجودهم القريب من بعضهم، لكنها عوضتها ما فقدته من حنان واهتمام. وكانت نعمة لا تقل عنها شيئًا، فقد زادت من احتضانها وهي تبكي:
"ألف مبروك يا حبيبتي. ما لحقتش أشبع منك ولا من كلمة ماما."
عشق وهي تبكي:
"وبعدين يا ماما، أنا قلت لك أنا مش هبعد. كل فترة هاكون هنا."
هتفت غادة بعدم رضا:
"إيه ده؟ إنتِ بتعيطي كده الميك أب يبوظ؟"
قامت نعمة بمسح دموعها:
"فعلاً يا حبيبتي، كده لا."
***
في الخارج، وجه فهد حديثه لأدهم:
"عايزك في موضوع ضروري."
أدهم بتعجب:
"هو ده وقته بذمتك؟"
جذبه فهد بإصرار:
"تعال بس، دي ربع ساعة."
اتسعت عين أدهم وهو يردف:
"ربع ساعة إيه؟ أنا بستنى عشق تنزل. الوقت خلينا وقت تاني."
زاد إصرار فهد أمام رفض أدهم، مما زاد تعجب أدهم ليسأله:
"هو في سر ولا إيه؟ هي عشق طلعت مش بنت عمك؟"
ضحك فهد بقوة:
"لا بنت عمي والله، بس تعال معايا ومش هتندم."
اضطر أدهم أن يرضخ له لكي يخلص. ركب فهد سيارته. هتف أدهم بملل:
"هو مشوار طويل عشان عربية؟ سبحان مين مصبرني عليك."
"يلا بس أنت كده بتضيع وقت."
ركب جواره في صمت حتى وصل إلى المكان الذي شهد منه هو وعشق الشروق. مزين ومضاء، وفي الوسط كرسي أبيض. دفعه فهد وهو يهتف:
"روح عند الكرسي ده."
التفت له أدهم وتحدث بسخرية:
"ده وقت فوازير ولا إيه؟"
تحدث فهد بتشجيع:
"يلا."
استحرك أدهم بخطوات سريعة وقوية. وصل إلى الكرسي. تأمل المكان حوله. جذبه انتباهه صوت جيتار. التفت إلى صوته، ووجد عشق تخرج من خلف الشجرة وهي تعزف موسيقى أغنية "نفسي أقوله" لإليسا.
"نفسي أقوله كنت إيه قبله واستنيته ليه
كنت صورة حلوة ناقصة حاجة كملها بعينيه
كنت عايشة عمري خوف تحت رحمة الظروف
كنت قصة ناقصة تكمل أو كلام ناقص حروف
نفسي أقوله إيه كمان كنت أقابله من زمان
وردة دبلت وأما قرب فتحت قبل الأوان
نفسي أقوله ياه حلم كنت هموت وأطول
نفسي أقوله ياه إسم... إسم برتاح أما أقوله."
تعزف وهي تقترب منه بسعادة، بينما هو يلتهمها بعينيه. كم هي رائعة الجمال، بل ساحرة بكل المقاييس. ظلت تغني وهي تلتف حوله، بينما هو يحترق شوقًا لقربها وضمها، يغرق معها في بحر عشقها.
خرج الجميع من خلف الأشجار، البنات والشباب، ومعهم مصور يقوم بتصوير فيديو منذ دخول أدهم. الذي حملها بين أحضانه وهو يلتف بها بجنون عشقه.
قبل جبينها وأنزلها أمامه. تفاجأ فهد من وجود ماسة التي كانت تنظر له من وقت لآخر بخجل. قام زين بتشغيل أغنية، رقص عليها عشق وأدهم سلو.
أدهم وهو يضمها:
"عملت كل ده إمتى؟"
عشق:
"أنا طلبت من زين لأنه أكثر شخص رومانسي. عرضت عليه الفكرة ووافق، وهو اللي عمل كل حاجة. حبيت يوم فرحنا يكون مميز."
أمل مصطفى:
"لأن الأفراح هنا العريس مع الرجالة والعروسة مع الحريم، وأنا مش هضيع فرصة رقصة السلو ولا الفستان ده."
ابتسم بهوس من قلبه الذي ذاب عشقًا لتلك الملاك.
"وأنا كنت زعلان جدًا لأن مش عارف آخدك في حضني وأدور بيكي وأثبت للكل إنك ملكي أنا بس."
يكمل كلماته وهو يحقق ما كان يتمنى لهذا اليوم. ليسمع تصفيقًا حارًا من الموجودين الذين تأثروا بتلك الأجواء الرومانسية.
عاد الجميع. جلست عشق بين الحريم. ذهب أدهم بين الرجال. قام بالتحطيب هو وفهد في جو يتخلله الفرحة. يوم سعيد على الكل. بعد انتهاء الفرح، ودع أدهم وعشق الجميع وركبوا سياراتهم وتوجهوا للمطار.
***
بعد انتهاء الفرح وبعد ذهاب الجميع إلى منازلهم، تحدث فهد بحدة:
"عايز أعرف مين عزم عيلة الزيات."
"أنا اللي طلبت منهم."
توجه بنظره لجده الذي نطق بهذا الكلام.
فهد بسؤال:
"كيف ده يا جدي؟"
تحدث الجد بهدوء:
"سبب الخلاف مش موجود، وأنت عارف إن ولاده مش زيه. أنا قررت بعد اختفائه نفتح معاهم صفحة جديدة."
"جديدة يعني إيه يا جدي؟ إحنا بينا وبينهم مشاكل."
الجد بقوة ورفض وهو يتذكر كلام عشق:
"البنت شكلها بتحبه وهو بيحبها يا جدي. بالنسبة يا فهد، أنا طلبت إيد بنته ماسة ليك. ولو مش عايزها، ممكن نطلبها لأي حد من أولاد عمك. أنا ما حددتش لمين من غير ما آخد رأيك. قولت أنت كبير العيلة وأولى بيها."
***
في منزل إبراهيم، صعقت ماسة مما قص عليها والدها وهتفت بعدم تصديق:
"مش ممكن يا بابا، طلب إيدي؟"
إبراهيم:
"آه، يونس المنشاوي بنفسه هو اللي طلب."
الفضول والخوف يأكلها وهي تهتف:
"لأمين يا بابا؟"
نظر لها بحيرة:
"مش عارف، ما قالش مين. هو قال عايزين ناخد بنتك ونقوي العلاقات اللي بينا."
ماسة وقد تغيرت ملامحها بقلق:
"أن تكون من نصيب شخص آخر بالعائلة، وعندها تحدث الكارثة، فهي لن توافق أبدًا أن تكون لغيره. فما بالها إن كانت لشخص معه في نفس المنزل. ربنا يستر."
شعر والدها بتغير حالتها المزاجية، سألها بحيرة:
"مالك يا حبيبتي؟"
"أبدًا يا بابا، أنا طالعة."
نظر إلى زوجته:
"مالها بنتك يا خديجة؟"
هزت كتفها بعدم فهم:
"مش عارفة يا أبو ماسة. يمكن مش موافقة، وأنا عمري ما أغصبها. بس دي فرصة ننسى العداوة ونبدأ من جديد بعيد عن المشاكل."
صعدت ماسة غرفتها بحالة تيه غريبة. أغلقت الباب خلفها بإحكام، ثم ألقت حقيبتها وهي تجلس على طرف الفراش. تفتح هاتفها وتقوم بالتواصل مع ابنة خالتها التي ردت بلهفة يتأكلها الفضول لمعرفة ما حدث في الزفاف، وكيف كانت حالتها، وهل تقابلت مع فهد أم لم تراه، ويكون كل تجهيزها ذهب أدراج الرياح.
"هاا، قولي حصل إيه والفرح كان حلو ولا لأ، ويترى شوفتي فهد وهو شافك؟"
أصابها الخرس المفاجئ عندما اخترقت أذنها كلمات ماسة:
"المنشاوي الكبير طلب إيدي من أبويا."
ظل الصمت سيد الموقف لبعض الوقت، ثم صرخت سلسبيل بعدم تصديق:
"ده بجد ولا أنا بحلم؟"
أتاها صوت ماسة المتعب من الفكر:
"بجد."
اعتدلت سلسبيل في جلستها تسألها بتعجب:
"طب ليه مش حساك فرحانة؟"
أخرجت مكنون قلبها لعلها تجد الراحة:
"خايفة يكون مش فهد المقصود، أنا أموت فيه."
سلسبيل بثقة:
"مش هيتجوز حد قبل كبير العيلة."
تحدثت بتمني:
"ما زين خاطب خلود، وهو الصغير."
تنهدت سلسبيل بحزن:
"ليه يا حبيبتي؟ بتدوري على تعب نفسك وبس. سيبيها لله."
***
عند أدهم وعشق، حملها بين يده وكل ما فيه ينطق عشق وتمني. تتعلق به بخجل شديد. دخل غرفته بالفندق وأغلق الباب خلفه. وضعها على الفراش بحب. جلس جوارها ينظر لها فقط، كأنه لا يصدق أنها أخيرًا بين يديه. لا يوجد شيء في الوجود يستطيع التفريق بينهم الآن.
حرك أنامله على وجهها بحنان ونعومة وتحدث بهمس مثير:
"بحبك، بحبك بجنون. أخيرًا هنام وأصحى وأنتِ في حضني. عارفة، حتى لو زعلنا من بعض في يوم، وأنا متأكد إن ده مش هيحصل، مش هبعد برده عن حضنك. المفروض أنا اللي أكون أمانك وحضني ده ملاذك. بس الغريبة إن أنا بقولك حضنك ده أماني وراحتي، والكون كله بالنسبة ليا. الرجل القوي اللي كل الناس بتعمل له حساب، بين إيديك طفل صغير محتاج حنانك وحبك واهتمامك كمان. ولو حاجة منهم نقصت، يتعب ويضيع."
تجلس أمامه تستمع لكلامه، لكن روحها الآن تطفو فوق غيمتها الوردية في عالم آخر من الشوق والهيام. أخيرًا حقق الله حلمها بعد تلك السنين العجاف. هو يسمعها نفس كلام الغزل الذي ظل رفيق حلمها سنين.
قبل اللقاء. انتهى الكلام. ينحني عليها يقبلها بنعومة ويقبلها. لم يعد يستطيع الصبر أكثر من ذلك على بركان مشاعره الثائر. ساعدها في خلع فستانها وضم جسدها إلى صدره بقوة. يريد معاقبتها على تلك المشاعر الجامحة التي غزته بقوة. من قربها الآن فقط يستطيع الاستسلام لها ورفع رايات المجون والهوس.
أبعدته بخجل:
"أدهم حبيبي، تعال نصلي الأول."
أدهم وهو في عالم آخر من الرغبة والإثارة التي يعيشها لأول مرة بين يديها. لقد غزته تلك المشاعر منذ كتب الكتاب. لم يعيشها أو حتى يشعر بها قبل ذلك، كأنها خلقت داخله لأجلها فقط. خرج صوته بهمس مفعم بالمشاعر:
"مش قادر يا حبيبتي، نصلي بعدين."
أردفت برجاء:
"أرجوك يا حبيبي، أنت عارف إن أنا كمان ملهوفة عليك أكثر، بس خلينا نبدأ حياتنا بالصلاة عشان ربنا يبارك فيها."
تتحدث وهي مغمضة العيون بسبب لمساته الناعمة لها. همست:
"أدهم، خلاص يا حبيبي."
ينفخ مثل الأطفال وهو يبتعد عنها:
"أدهم، بالطريقة دي وأنتِ كمان مغمضة، مش قصدك أبعد أبدًا."
فتحت عيونها بخجل:
"نصلي الأول، وبعدين أعمل كل اللي نفسك فيه."
اقترب منها مرة أخرى وهو يهمس:
"أنا مش عارف أنا قبلك كنت عايش إزاي أو ليه. العشق اتخلق جوايا ليكي يا عشق. بعشقك يا عشقي."
"وأنا كمان بعشقك يا حلم عمري."
***
في فيلا أدهم، تحدث مراد بغيظ:
"عجبك كده يا غادة؟ أعمل إيه في ابنك الظالم ده؟ فيها إيه لو كنت اتجوزت أنا كمان."
"اتلم يا ولد، أنت بدل ما تدعي له بالسعادة والهنا."
زفر بقلة صبر:
"دعيت يا ستي وتمنيت له كل السعادة، بس أنا ذنبي إيه؟ الوقت بقى له شهر ومش عايز يرجع. أموت أنا بقى."
روان:: بلهفة:
"بعد الشر عليك يا حبيبي."
التفت لها بغرام:
"الله يسلمك يا عمري. أعمل بس إيه في أخوك ده؟"
رغم قلبها الذي يرقص بين ضلوعها فرحة بحياة أولادها التي غزاها الحب والرومانسية، لكنها تحدثت بسخرية مصطنعة:
"على فكرة أنا قاعدة معاكم يا نحنوح أنت وهي. اتلموا، أصل أخلي أدهم يأجل كمان شوية."
جلس أمامها بفزع وهو يقبل يدها:
"أبوس إيدك، ارحميني أنتِ وابنك. حرام عليكم يا ناس."
وقف وهو يجذب روان من يدها وتحدث إلى غادة:
"طب بعد إذنك نروح نتغدى في النادي، ده لو مش عند حضرتك مانع يعني."
غادة:: بضحكة:
"لا يا أخويا، مش عندي. مع السلامة، خلوني أرتاح من الزن شوية."
احتضن يدها بين يده وتحدث وهو في طريقه إلى السيارة:
"وحشتيني جدًا."
"وأنت أكثر."
مراد وهو يحكي لها عن تضحيته حتى يأخذها للخارج:
"أنا خلصت الشغل النهاردة بأعجوبة علشان آخدك مكان هيعجبك جدًا."
روان بفضول:
"مش أنت بتقول نتغدى في النادي؟"
غمز لها:
"دي مفاجأة."
ركب السيارة وتحرك إلى وجهته وهو سعيد بوجودها جواره. رغم أنه مر على ارتباطه أربع شهور، لكنه كل يوم يشعر أنه أول يوم له معها، نفس اللهفة ونفس العشق وتوتر القلب. كل مشاعره وليدة اللحظة، كأنها تتجدد مع بزوغ النهار. أغمض لها عيونها وهي مبتسمة حتى وصل أمام ملاهي دريم بارك. وعندما مر من البوابة كشف عيونها.
روان بشهقة فرحة:
"مش معقول، الملاهي! ياااه يا مراد، أنا من سنين طويلة ما دخلتهاش."
مراد:: بفرحة لفرحتها:
"بصي، هنتجنن أنا وأنتِ النهاردة ونعيش طفولتنا مع بعض. ما فيش لعبة مش هنجربها لحد ما نروح ننام من التعب."
جذبته من يده وهي تركض من السعادة.
***
عند ماسة، لم يستوعب عقلها ولا قلبها تلك الفرحة وهي تتحدث بسعادة:
"بجد يا بابا؟ أحلف؟ طب قول والله بجد."
نظر لها وإلى أمها، ولا يعرف ماذا يحدث لابنته العاقلة الرصينة.
إبراهيم::
"مالك يا بنتي؟ أنتِ مش عايزاه؟ لو كده أبلغهم. أنا مش ممكن أغصبك أبدًا."
ركضت بفزع على أبيها وهي تحتضنه:
"مين يرفض؟ يا بابا، أنا ما صدقت."
لحظة ما نطق به لسانها توترت:
"قصدي يا بابا، أنا ما صدقت أن العداوة انتهت أخيرًا."
إبراهيم وهو لا يعرف ما بها:
"فعلاً عداوة ما كانش لها أي لازمة. ربنا يرحمه، عمك ومش عارف جدك اختفى فين."
"أحسن يا بابا، مش عايزاه."
تحدث بحدة:
"بنت، مالك فيك إيه؟ ده مهما كان جدك."
"أسفة جدًا يا بابا، أنا هاطلع أكلم سلسبيل."
صعدت السلم بسرعة حتى لا تفضح نفسها أمامهم. قامت بالاتصال على ابنة خالتها:
"هو هو، أنا هتجنن من السعادة."
سلسبيل::
"قصدك فهد؟"
"آه، قصدي فهد. هتجوزه! ألف حمد لك يا رب، أنا مش مصدقة خالص. عقلي اتجنن. خايفة أعترف بحبي ليه، يتصدم فيه ويفتكرني قليلة حياة. أعمل إيه؟ مش قادرة أسيطر على نفسي من الفرحة."
سلسبيل بسعادة:
"لا، اهدي كده يا ماسة، ما ينفعش جنانك ده. كلنا عارفين إن فهد مالهوش في الكلام ده. اعترافك ليه هيجيب ألف فكرة في دماغه ومش عايزين فضايح."
***
تجهز الجميع للذهاب لخطوبة ماسة وفهد، الذي رفض إقامة حفل زفاف قبل رجوع أدهم. كان في استقبالهم إبراهيم وأخيه سالم الصغير الذي أرسل في طلبه بعد الاطمئنان من انتهاء التربين. بينما تقف ماسة بقلب يرتفع للسماء ينثر سعادته على الكون. تطل كل ثانية أمام الشباك حتى ترى فهد.
نهرتها ابنة خالتها:
"حرام عليكِ، اقعدي بقى زهقتيني."
ضحكة ماسة بغرام:
"أنا هتجنن ياختتتي، قلبي هيقف."
أمل مصطفى:
"نظرة لها وهي تقول يا خبر، معقول تحصل."
ماسة بسؤال:
"إيه اللي يحصل؟"
سلسبيل:
"إنك تتجنني من شدة السعادة."
"ما أنا مجنونة ومش مصدقة."
سلسبيل:
"مش قصدي، قصدي عقلك يخفف، بجد والله. حصل لناس كتير ما قدرتش تتحمل السعادة في بيت، بيتجننوا."
ماسة:: بخوف:
"لا، أتجنن إيه؟ كده مش هيتجوزني."
تنهدت سلسبيل براحة وهي أخيرًا تجد ما تضعفها به:
"آه، عشان كده اقعدي بقى واهدي واستغفري ربنا عشان تتهدي."
***
دخلت الحريم مع حريم المنزل غرفة العروسة، ودخل الرجال غرفة الرجال. يتحرك فهد بقوة وشموخ جوار جده. الجميع ينظر لهم باحترام شديد. وعندما جلس فهد، ترك لجده حرية التحدث في كل ما يخص الزواج. بينما نعمة حضنت صديقتها صفية بحب:
"أخيرًا يا صفية، هنرجع لبعض."
صفية بحب:
"أخيرًا منه لله الظالم."
نظرت اتجاه ماسة وقالت:
"بنتك كيفك، كيف القمر؟ ربنا يحميها."
أرادت صفية ضمان أمان ابنتها وتعزيزها بين أهل تلك العائلة الكبيرة خوفًا عليها من أي إيذاء، لتردف بمدح:
"أنا دلوقتي بس اطمنت عليها، لأنها هتلاقي أم تانية ليها هناك."
عواطف وهي تحتضن ماسة التي تجلس بخجل:
"بسم الله ما شاء الله، قمر يا حبيبتي."
خلود وياسمين:
"إحنا نبقى أصحاب يا ماسة."
ماسة:
"ده شرف ليا."
وتحدثت وهي تشير على ابنة خالتها:
"ودي سلسبيل أختي."
تعرفوا على بعضهم، ويبدو أن كل طرف كان يشعر بالقلق من الطرف الآخر، ولم يتوقعوا تلك المودة والحب من بعضهم. لا يجب الحكم على الناس من السمع أو الشكل، لابد من الاقتراب حتى تتضح الصورة.
تم كتب الكتاب وتعالت الزغاريد. جلست بين الحريم تفرك يدها تحاول السيطرة على تلك الرعشة التي أصابتها عندما رن صوت الزغاريد لتعلم أنها أصبحت على اسمه. تمتمت بالحمد في سرها، تريد الوقوف، تصرخ من شدة سعادتها، لكن خجلها منعها حتى لا يفكروا بها شيء. ظلت تنتظره حتى يلبسها شبكتها وتملي عيونها بملامحه الجذابة التي تعشقها، والتي سوف تتشرب منها لأول مرة عن قرب ومن تلك المسافة.
لكن أحلامها كلها ذهبت أدراج الرياح عندما وجدت عواطف تناوله لياسمين وتطلب منها مساعدتها في ارتداء شبكتها. غزا قلبها ألم شديد. شعرت أنها مثل طائر يجول السماء بفرحة كبيرة يتغنى بحريته، أصابته رصاصة خائنة من صياد غادر، وجد نفسه فجأة يسقط من ارتفاع شاهق على عنقه وفقد الحياة.
شعرت بها سلسبيل، لذلك اقتربت منها تربت على يدها وهي تدعمها:
"بكرة هتكوني معاه، وقتها تقدري تكسب قلبه."
نظرت لها بعينين حزينتين ثم اخفضتها في صمت.
رواية إنت عمري الفصل التاسع عشر 19 - بقلم امل مصطفى
سلسبيل بحب: بكره تكوني معاه تكسب حبه ووده، أصل ما فيش راجل يقدر يرفض حب كده.
ظلوا يغنون ويرقصون حتى أرسل الرجال في طلبهم لكي يعودوا للمنزل.
*********
بعد أسبوع من تلك الأحداث بفيلا أدهم.
هتفت غادة بترحيب: حمد لله على سلامتكم يا حبايبي، وحشتوني جدا.
احتضنتها عشق: حبيبتي يا ماما، وحشتيني والله.
أنتِ وروان أخباركم إيه يا قلبي.
اقتربت منها بسرعة تحتضنها بحب: وحشتني وحشتني يا عشق.
هيئتها مع والدته وأخته، الحب الواضح بعينهم لمس قلبه بشدة. ماذا يتمنى أكثر من ذلك؟ زوجة وحبيبة تبر والدته وتعشق أخته ويكونوا دائما سند لبعضهم.
أدهم: أحمم، أنا موجود معاها على فكرة.
اتسعت ابتسامتها وهي تردف بحنان: قلبي أنت وحشتني.
أدهم وهو يحضنها ويقبل جبينها: وأنتِ أكثر يا أمي.
نظرت لإبنها بفرحة كبيرة ورضا، فقد أنار وجهه. سعادة وراحة طاغية على ملامحه. كم تمنت أن تراه زوجاً وأباً، فقد فقدت الأمل في هذا الموضوع.
حتى ظهرت عشق لتقلب كل موازينه وتجعله هائماً في ملكوتها دون مجهود.
نظر لأخته وتحدث بعتاب: أنتِ يا زيزي، من إمتى ليكِ حضن غير أدهم؟
تركت عشق وتوجهت لأحضان أخيها وهي تتحدث: هتفضل طول عمرك السند والأمان الوحيد بعد ربنا.
سمعت صوت مراد الذي يتخلله الغيرة: وأنا إيه؟ خيال؟
رمق أدهم بنظرة تهديد: وأنت مين أنت أصلاً؟ ما لكش دعوة بأختي.
لم ترد أبداً، أحزنها بعد كم الحب والغرام الذي يغدقها به، لذلك أرادت جبر كسره بكلماتها الحنونة.
عشق: أنت جوزي وحبيبي، مكانتك كبيرة في قلبي، بس ما فيش حد ممكن ياخد مكانة الأب.
احتضانها أكثر وقبلها.
وجذب مراد أيضاً لحضنه: أنتم الإثنين حتة مني، وما فيش حد ياخد غلاوتكم عندي في قلبي.
تأملته عشق بهيام على حنانه واهتمامه الذي يشمل كل عائلته: ربنا يخليك لنا كلنا و تفضل سندنا.
ابتعد مراد وجذب غادة مكانه، ووقفت عشق في حضن أدهم بينهم. وأخذ مراد صورة سيلفي لهم، الخمسة، أجمل وأروع صورة.
سيلفي يجمع ما بين الصداقة و الأخوة والحب والألفة.
*********
بعد مرور أسبوع من رجوع أدهم.
تحدث بسخرية: مش فاهم، عايز تعمل فرحك مع فهد. إزاي تعمل الفرح بعيد عن هنا؟
مراد بإصرار: ما ليش دعوة، أنا كده كده ما ليش غيركم. ما يهمنيش أن حد يحضره، ومش هاستنى شهر كمان.
أكمل بإعجاب: بعدين جو الأفراح عندهم عجبني أكتر من المنظر اللي في أفراحنا، وهاحضر الفرح بجلبيه كمان تجديد. وهناك الناس بتتجمع بحب وتعاون، بيكون فيه بساطة في الموضوع.
أدهم: خلاص، اعرض الموضوع على فهد، وأنت خد رأي روان وماما.
مراد بثقة: أنا واثق أن روان موافقة، بس ماما من واحد في حجمك وشكلك غريب شوية، يعني مش مبلوع.
أدهم برفع حاجب: حاجة غريبة، خفة الدم دي؟ وبعدين أقول لها إيه؟ غادة؟ ولا يا مدام؟
رد مراد وهو يستعد للهروب من أمامه: أنا بقول لها غادة.
عاد مراد برأسه بعدم تصديق عندما قذف أدهم منفضة السجائر اتجاهه، لكنها كسرت في الحائط.
أدهم: عايز تقتل صديق عمرك وجوز أختك المستقبلي يا مجنون؟
وأغلق الباب بسرعة.
ابتسم أدهم بحب: ربنا يديم وجودك في حياتي يا حبيبي. وجودك هو اللي صبرني على خسارة أحمد، الله يرحمه.
*****************
في منزل إبراهيم.
دخل بتخاذل من رفض فهد العزومة. ركضت ماسة تستقبله وهي تسأله بلهفة: خير يا بابا، قال إيه؟
شعر بالحزن من أجل ابنته، فهو يجد في وجهها لهفة.
إبراهيم: معلش يا حبيبتي، اعتذر، قال مش فاضي.
كبتت دموعها وتركت ما بيدها: أه، طبعاً، أكيد واحد زيه مش هيكون فاضي.
ثم وجه نظرها لوالدتها: خلاص يا ماما، تعالي نشيل الأكل ده، وأنا هطلع أنام شوية.
اقترب منها والدها، ضم وجهها بين يديه: حبيبتي، فهد من الرجالة الشديدة اللي مش بتعترف بالمشاعر والحاجات دي اللي ممكن تلاقيها عند باقي الشباب، يعني يكون ملهوف على خطيبته أو يزورها كثيراً ويأخذها ويخرج، أو يحبها في التليفون. فهد راجل بحق، حياته ووضعه أجبروه يكون كده. يعني أبوه وعمامه موجودين، بس حاطين كل الحمل عليه، وما فيش حاجة ممكن تحصل من غير إذنه. علشان كده مش هتلاقي عنده اللي بتحلمي بيه.
آه، تلاقي السند وتلاقي الاحترام، لأن هو كويس جداً مع أهله، بس مش هتلاقي الحب والرومانسية اللي بتحلمي بيها.
رغم أني فرحان أن بنتي بقت زوجة لراجل بمعنى الكلمة اسمه، بس بيخرس الناس. بس كأب، كان نفسي تاخدي حد من ولاد أعمامه، ممكن تلاقي عندهم اللي تتمنيه.
ماسة بإختناق: هو نصيبي وأنا راضية بيه، ما تقلقش عليا.
قبلها من جبينها وتركها تصعد.
*****************
في منزل المنشاوي.
هتف الجد بسؤال: ليه يا فهد، رفضت عزومة الغداء؟
تحدث فهد بحدة: يا جدي، أنا ما ليش في الجو ده، ومش لسه صغير عشان أشيل زيارة وأروح عند أهل خطيبتي وأقعد أحكي في مواضيع أنا مش كده، وأنت عارف.
نظر له الجد وشعر بالحزن، فهو من صنع منه ذلك الجبل الذي يرى الاعتراف بالمشاعر عاراً، وأن الرجل يجب أن يكون مثل الصخر.
ولكنه أيضاً يكون عطوفاً وكريماً مع أهل بيته، أما من بالخارج فلا يجب أن يروا غير القوة فقط حتى يهابه الجميع. ليس بالظلم، بل القوة مع العدل والحكمة، وهذا خلق منه رجلاً بمعنى الكلمة، يجمع بين كل الصفات الجيدة.
لكنه ظلمه بتعليمه عدم إظهار مشاعره أو الاعتراف بها، حتى لا يكون نسخة أخرى من عمه محمود، الذي كان دائم الخوف والقلق عليه لأنه أطيب وأحن أولاده. مشاعره هي التي تتحكم به، وهذا جعله دائم الخوف عليه من كيد النساء.
الجد بهدوء: الغفر هو اللي كان ياخد الزيارة يوصلها قبلك.
البنت لسه صغار، وأنت عارف بنتك اليومين دول بيحبوا الراجل اللي بيهتم بمشاعرهم، وعايزين يخرجوا وي تدلعوا.
الأيام بتتغير يا ولدي، وأنت لو مش مرتاح للموضوع، ممكن تتراجع عشان لا تظلمها ولا تظلم نفسك.
كيف عمك ظلم بنت عمه وعاشت عمرها لا هي متزوجة ولا هي مطلقة.
تضايق من فكرة عرضها على أحد آخر من رجال المنزل كأنها بضاعة لمن يريدها، لذلك هتف بضيق: لا يا جدي، من ميت وإحنا نرجع في كلامنا، وبعدين ده نسب.
*****************
في غرفة أدهم وعشق.
جلس جوارها يتأملها وهي نائمة، وهو يردد كلمات:
قمر ومن السما نزلي دي. بسم الله ماشاء الله، تشوفه.
تسمى وتصلي علشان أوصافها ملهاش حل.
كلام أغانيه كله أقل، دي خير في حياتي جاني وهل، ومن حظي أنه متشال.
حرك أنامله على وجنتيها: كان نفسي تكوني معايا في اليوم ده. وجودك يفرق معايا كتير. مش متخيلة اليوم ده بيكون صعب عليا قد إيه.
واثق أنك لو هنا النهاردة، هبقى غير. كل سنة، وجودك في حياتي غيرني 180 درجة، كأن ما كنتش عايش من قبلك. بعشقك يا نور حياتي.
انحنى يقبلها، وقام أخذ شاور وارتدى ملابسه، ثم توجه للخارج.
قابلته غادة وهو يحمل وردة حمراء ويتوجه مرة أخرى ليصعد غرفته.
تحدثت بابتسامة حب: صباح الخير يا عمري.
توجه لها، انحنى يقبل يدها: صباح النور يا حبيبتي.
نظرت لتلك الوردة بيده. شعر بالحرج من والدته، وشعرت به، ربتت على كتفه: ربنا يهنيك يا حبيبي، ما تتصوريش أنا فرحانة قد إيه عشانك. وعشق تستاهل كل حبك، وكل يوم بدعي لك ربنا يديم عليكم السعادة.
قبل جبينها: السعادة هي وجودك معانا يا أمي.
أدهم: اطلع يا حبيبي، على ما أخلي الدادة تحضر الفطار.
صعد السلم، دخل غرفته، وضع الورد جوارها على الوسادة، وتحتها ورقة مكتوب عليها: صباح الخير على عيون حبيبي.
*********************
في منزل خالد، الحارس الشخصي لدي عشق.
أتت والدته على حياء، تجلس أمامه على تلك الطاولة شبه المتهالكة، وهي تردف: حبيبي، أختك عايزة فلوس الدروس، ومحمد وكرم عايزين برضه فلوس الدروس.
أكملت بحزن: معلش، أنا عارفة إن بتقل عليك.
كرم الجزمه بتاعته اتقطعت، يعني لو ينفع أجيب له واحدة رخيصة، أصل بتاعته شكلها مش حلو.
أكمل الطعام الذي بيده، ونظر لها بضيق لأنه يشعر بالتقصير في تلبية احتياجات أخواته الصغار، والذي يعتبر هو أبيهم وأخيهم الكبير. لقد حمل على عاتقه مسؤوليتهم وهو صغير.
هتف بحزن: لسه خمسة أيام على القبض يا أمي، وأنا بسيب لك الفلوس كلها، مش بسيب غير مصروف بسيط في إيدي. أنتِ عارفة، أنا لا بروح قهوة ولا بخرج مع أصحابي عشان أوفر مصروف البيت.
الأم بحزن على حال ابنها: عارفة يا حبيبي، ربنا ينتقم من اللي كان السبب، سابنا حمل عليك لوحدك.
قام ويضمها: ما تقوليش كده يا أمي، عمرك أنتِ وأخواتي ما كنتم ولا هتكونوا حمل عليا أبداً. بس أنتِ عارفة الحاجات اللي بتجيبها بالقسط لشوار ندى بيأثر معانا كتير.
هتفت بضيق: ويا ريت يا حبيبي، عارفة أخلص حاجة، أنا تعبت من حماتها وكبريائها اللي بتتعامل معانا بيه.
يعلم جيداً ما تتحدث عنه، لأن حمات أخته سليطة اللسان ومتكبرة.
ظروفها المادية: والله يا أمي، لولا أن البنت بتحبه وهو راجل وعارف أنه هيحافظ عليها، عمري ما كنت كملت في الخطوبة دي.
نظر في ساعته ليقف بسرعة وهو يردف: معلش يا أمي، أنا ماشي، لأن كده متأخر.
نظرت له بحنان وهي تتمنى له الراحة: مع السلامة يا ضنايا، ربنا يفتح لك أبواب الرزق وينجيك.
**************
في صباح يوم جديد.
ركبت غادة وروان وعشق السيارة، وتحركت إلى الصعيد.
في الطريق، عشق بحزن: أنا مش كنت عايزة أمشي من غير ما أشوف أدهم النهاردة. أول مرة أقوم مش ألاقي الوردة، وأرن عليه مش بيرد!
هتفت غادة بأسف: معلش يا حبيبتي، اليوم ده بيكون صعب على أدهم ومراد جداً، ويعتزلوا الناس في اليوم ده.
التفتت لها عشق باهتمام: ليه يا ماما؟
غادة: لأن النهارده ذكرى وفاة أحمد.
شهقت عشق، ووضعت يدها على فمها. تذكرته في الليلة الماضية وهو يحضنها، شعورها به مختلف تلك المرة، وكلماته مشبعة بوجع غريب عندما تحدث بحزن.
فلاش باك.
أدهم: كان نفسي ما تسافريش اليومين دول، بس أعمل إيه؟ ماما نعمة وفهد كلموني أكتر من مرة عشان تقضي معاهم أسبوع الفرح.
نظرت له بحيرة من طريقته، وهتفت: خلاص يا حبيبي، مش مهم أروح، خليني معاك.
قبلها: لا يا حبيبتي، أنا كده كده مش هاكون فاضي، وماما وروان هيروحوا عشان روان تختار ديكورات الفرح. إن شاء الله أحصلك أنا ومراد.
خرجت من شرودها تهتف بلهفة: أوقف يا هاني، أوقف.
توقف هاني فجأة.
بينما التفتت عشق لغادة وهي تردف: أنا هركب تاكسي وأرجع لأدهم يا ماما.
ابتسمت لها غادة بحب: يا ريت يكون أحسن يا حبيبتي. رغم أنه بيرفض كل الناس في اليوم ده، بس واثقة أنك الوحيدة اللي هيحب وجودك.
روان بلهفة: وأنا يا ماما؟
غادة برفض: هي هتكون مع جوزها، لكن أنتِ ما ينفعش. فرحك كمان أسبوع.
رفض هاني عودتها وحيدة، لذلك أوقف لها تاكسي، وأرسل معها أحد الحراس الذي يثق بهم.
**************
ظل أدهم ومراد في المقابر. تعتلي ملامحهم الحزن الشديد. يبدو.
وقف أدهم يرفع أكمام قميصه وهو يضع الأزهار ويرش الماء حول قبر أحمد ووالديه. هم لم ينسوه لحظة، ودائماً يقومون بزيارته، لكن هذا اليوم بالذات يقضوه جواره من الصباح للمساء، ويغلقوا هواتفهم حتى لا يلهيهم عنه شيء. فهم يشعرون بالندم حتى الآن لعدم تواجدهم جواره.
بينما وقف مراد يوزع ظروف بها الكثير من المال على جميع من يقف أمامه من أطفال وحريم ورجال. فهم ينتظروا هذا اليوم بفارغ الصبر كل سنة بسبب كرم أصحابه، لأنهم يوزعوا الكثير من الأموال. حتى رجاله وحرسه يعطيهم شهر زيادة في ذلك اليوم رحمة على روح صديقهم، لعل الله يغفر ذنبه بسبب كثرة الدعاء.
جلس أدهم على الأرض جوار القبر، هو ومراد الذي يتحسس القبر وهو يردد: وحشتني. يا حبيبي، وحشتني قوي. يمكن بنضحك وبنخرج وبنأكل، بس حزني عليك مش بيقل جوايا، وما فيش حاجة ممكن تنسيني زيارتك.
أكمل أدهم: وحشتني يا صاحبي، وحشتني خروجاتنا مع بعض، وحشتني ضحكتك. ما تزعلش مني لأني خلفت وعدي معاك، بس غصب عني. أنت جربت الحب قبلي وعارف صعب إنك تتحكم فيه بعد ما يدخل. سامحني يا أحمد.
**************
هتف بضيق: شكل بنتك حزين يا صفية، مش عارف أعمل إيه. مش قادر أتحمل حزن بنتي الوحيدة كده.
نظرت له وهي تهتف بضيق: الوضع غريب يا أبو ماسة. في عريس خاطب من شهر ونص، والفرح كمان يومين، ولحد النهارده لا شافها ولا كلمها ولا جه مرة يجبر خاطرها.
الأم تحزن: ما هي بتشوف أصحابها بيحبوا وبيخرجوا مع عرسانهم، وهي يا ضنايا عايشة كل يوم على أمل أنه ييجي، ومش بتسيب تليفونها، دايماً ماسكة.
عايشة كأنها مش مخطوبة.
تنهد إبراهيم بيأس: أعمل إيه؟ ما أنا عرضت عليها نرفض، بس هي أصرت على تكملة الارتباط.
الأم بحيرة: فعلاً، مش قادرة أفهم فيها إيه، حسها غريب.
************
رجع في المساء وهو يشعر بالاختناق. دائماً حالته صعبة في هذا اليوم، ويعتزل العالم حتى والدته وأخته. ولكن زاد عليه تلك المرة ضيقه. بعدها، كم تمنى أن تكون معه. كم يحتاجها ويحتاج حضنها.
قذف جاكيته بدلته على الكنبة وصعد السلم بأقدام ثقيلة. ليس لديه أي شهية للحياة.
فتح باب الغرفة بملل، تصطدم عيناه بها وهي تجلس على الفراش تنتظره. يبدو عليها القلق.
لم ينتظر شيء، ركض إلى أحضانها وضمها بقوة كأنه طفل وجد أمه بعد فراق طويل، وبكى في حضنها كما لم يبكي من قبل.
شاركته دموعه في صمت، لم تنطق بكلمة واحدة، تركته يفرغ كل أوجاع قلبه داخل أحضانها بترحاب.
أما هو فلا يعلم كيف استطاع أن يبكي أمامها مرة أخرى بهذا الشكل. هو يظهر ضعفه لها دوناً عن غيرها، حتى أمه وأخته لم يروا دموعه من قبل. ماذا بها يجعلني أفقد قوتي عليها؟
تحدث من بين شهقاته: وحشني أوي يا عشق. دي الذكرى السابعة على وفاته، ورغم كده مش قادر أنسي شكل جثته. مش قادر أتحمل إنه مات وإحنا بعيد عنه. إحساس أنه يتعذب لحد ما مات بيموتني.
أنا ومراد بنحاول نكمل عشان أهالينا، بس كنا كل يوم من جوانا بنتمنى الموت ونكون معاه.
لم ترد، تربت فقط على ظهره بحنان. تسمع له، لا تتحدث. ظل هكذا وقت طويل حتى خبت شهقاته التي كانت تمزع داخلها.
بعد فترة، رفع عيونه بحيرة: أنت رجعت إزاي؟
تحدثت وهي تنظر له بحب: ماما قالت وإحنا في الطريق إن النهارده الذكرى السنوية، بتكون تعبان. قلت ما ينفعش أسيبك في اليوم ده، أكيد هتكون محتاج وجودي.
ضمه مرة أخرى بعشق: أنا كنت محتاجك جداً، محتاج لك أكثر من أي حد ثاني.
مررت أناملها بين خصلات شعره: وأنا معاك في أي وقت. أنت أهلي وكل حبايبي.
ابتعد عنها عندما تذكر أنه منذ الصباح بتلك الملابس في المقابر: أسف، هدومي مش نظيفة.
اقتربت منه وضمته أكثر لأحضانها: هدوم إيه اللي بتتكلم عليها؟ ولو أصعب من كده مليون مرة، حضني ده بيتك يستقبلك في أي وقت وبأي وضع.
تأمل ملامحها بشغف واستكان مرة أخرى في أحضانها حتى يستمد منها القوة والراحة.
قامت بتجهيز الحمام له حتى يريح جسده من تعب اليوم. جذبت يده، أدخلته الحمام، وهو استجاب لها دون اعتراض.
نزلت تجهز وجبة سريعة، عصير وسندوتشات خفيفة، وصعدت مرة أخرى. كان قد خرج وهو يرتدي شورت وتي شيرت خفيف. جلس على السرير. جذبت الصينية على قدمها.
أدهم برفض: لا، مش هقدر آكل.
عشق بدلال تستخدمه لأول مرة حتى يستجاب لها، فهي تعلم أنه لم يتذوق الطعام منذ الصباح: حبيبي، العصير وسندوتش واحد بس، وحياتي ولا عشق مالهاش خاطر عندك؟
ماذا تقول تلك المجنونة؟ إذا لم يكن من أجل خاطرها، فمن يكون؟ هي فقط من يلقي تعبه وضعفه في حضنها، وهيا أيضاً من لها دلال وسطوة عليه. لذلك هتف: حبيبتي، خاطرك غالي، بس غصب عني.
عشق: وحياة عشق عندك، تشربه.
مد يده وهو ينظر لها، تناول منها العصير وهو يهمس: أنا ما عنديش أغلى منك يا عشق. وجودك في حياتي نعمة، هفضل أحمد ربنا عليها لأخر يوم في عمري.
ثم وضع رأسه مرة أخرى على صدرها، يحاول أن يستدعي النوم حتى يرتاح من الفكر، بينما عشق ظلت جواره حتى تناول الطعام وغفى في أحضانها مرة أخرى.
حمدت ربنا أن غادة تحدثت أمامها في هذا الموضوع. لا تعلم ماذا كان يحدث له وهو وحده بتلك الحالة.
*******************
في غرفة ماسة.
هتفت سلسبيل بضيق وهي تلعن فهد بداخلها: أنتِ بتعيطي ليه؟ الوقت شكله مغصوب عليا. أنا كنت فاكرة لما يخطبني هشوفه وأخرج معاه ونسهر طول الليل نتكلم ونحب بعض. بس ده كله طلع أوهام عايشة فيها لوحدي ومصدقة نفسي.
سلسبيل: إحنا عارفين من الأول إنك هتتعبي معاه، بس للأسف قلبك الغبي هو اللي اختاره واتعلق بيه.
سالت دموعها أكثر وهي تهتف: أنا وحشة للدرجاديعلشان مش طايقني ولا عايز يشوفني؟ قلبي مجروح أوي.
ومنه ورغم كده مش قادرة أبطل تفكير فيه.
ضمتها سلسبيل وهي تدعو لها بالراحة وأن يخفف عنها هذا الحزن الذي لا تستحقه.
رواية إنت عمري الفصل العشرون 20 - بقلم امل مصطفى
قلبي مجروح قوي للدرجة دي مش طايقني.
حتى اللي مش حبوا بعض برده بيزوروا عرايسهم ويتكلموا معاهم، حتى لو هيتخانقوا.
لكن بابا عزمني كم مرة ويحرجي.
"خلاص بقى يا حبيبتي، كلها لك كم يوم وتبقى معاه في بيته. حاولي على قد ما تقدري تليني قلبه."
"حاسة أن يوم فرحي هينام في غرفة تانية من كتر ما هو مش عايز يشوف خلقتي."
***
في الصباح، نزل أدهم وعشق. ركبوا السيارة وتحرك بها إلى الصعيد.
"هو مراد مش جاي معانا؟"
جذبها لأحضانه. "لا هيحصل لنا بعربيته. عايز أسافر وأنت في حضني وبس. نكون براحتنا، أنت مش شايفه ما فيش سواق ولا حرس المرة دي."
"فعلاً كنت هسألك."
قبل يدها. "عايز أعيش معاك كل حاجة شفتها قبلك وما كنتش أتوقع أن أتمناها وأحب أجربها. زي أن أسوق طريق طويل وأنت في حضني وأشغل أغنية هادية."
ابتسمت واقتربت منه أكثر. "وأنا كمان عايزة أعيش كل حاجة معاك."
"طيب تحبي تسمعي إيه؟"
"أي حاجة على ذوقك."
"خلاص المرة دي أنا والمرة الجاية أنت، موافق؟"
قامت بتشغيل أغنية إليسا:
"في عيونك أنا ممكن أضيع عمري وأضيع روحي وأضيع في عيونك
في عيونك حسيت بأمان، في عيونك قلبي أنا غرقان."
***
في الصعيد، قالت روان بلهفة.
"حبيبي وحشتني جدا، أخبارك؟"
ابتسم وهو يرد بحب. "بخير يا قلبي، أنت عاملة إيه؟"
تحدثت بحزن وأسف. "أنا كان نفسي أكون جنبك يا مراد بس غصب عني."
ردف مراد بحنان. "مين قالك أنك مش دايما جنبي؟ حتى قبل ما أخطبك كنت لما بكون تعبان بأخد صورتك في حضني وأنام. ولما بكون متضايق أو فرحان كنت بحكي لها كل حاجة جوايا، أسراري كلها معاها. حتى دموعي. مش محتاجة تكوني قدامي علشان تكوني معايا، أنتي جوه قلبي."
تسمعه ودموعها تسيل بصمت. هل يوجد حب بهذا الشكل؟ من يكون أعمى عن هذا العشق؟ كيف يعشقها من سنين وهي لا تعلم؟
"لو الحادثة دي حصلت ليا علشان أكون ملكك، أنا مش ندمانة وبحمد ربنا ليل نهار على وجودك في حياتي. تعال بسرعة لأنك وحشتيني جدا جدا."
اتسعت ابتسامته براحة. أخيراً سمع تلك الكلمات منها وبكل تلك اللهفة.
"وأنت كمان يا روحي وحشتيني." ثم أكمل بضحك. "أدهم رفض أركب معاه ومشي هو وعشق لوحدهم."
"يعني أنت جاي لوحدك؟"
ابتسم وهو يتذكر اتصال أدهم يبلغه أنه سوف يسبقه مع عشق وهو يحصله بسيارته.
"عايز يكون براحته يا ستي، مش عايز عزول معاه."
لم تصدق ما تسمعه وأردفت بشيء من الذهول. "لا ده أبيه اتغير 180 درجة وحالته بقت صعبة، والله عشق طلعت مش سهلة. اللي ما حدش عارف يعمله في سنين عملته في أيام."
"الحب بيعمل المعجزات، ربنا يهنيهم."
***
تمتمت نعمة بشوق. "كده يا عشق وحشتيني قوي."
"والله يا حبيبتي أنت كمان وحشتيني. وبعدين مش بتكلمك كل يوم؟"
سمعت صوتها وهي تنادي من بداية الباب. "ماما نعمة."
"نعومة وحشتيني يا قمر، فينك يا ماما."
قامت نعمة بسعادة. أسرعت خطواتها للباب. وجدتها تدخل وهي تمسك بيد زوجها الذي ترك يدها عندما رأى اللهفة في عيون نعمة.
ركضت لها عشق وحضنتها بحب.
"كده يا عشق، هان عليك ما تجيش كل ده؟ وأنتي عارفة إنك وحشتيني."
"والله يا ماما غصب عني، ما كانش ينفع أسيب أدهم."
تحدث أدهم بطيبة. "آسفين يا ماما نعمة، الغلط كان عندي المرة دي."
"لا يا ابني حاشا لله."
أتت غادة وهي تنظر لإبنها واحتضنته. "أخبارك يا حبيبي؟"
"الحمد لله يا أمي، بخير. ما تقلقيش عليا."
سمع من خلفه. "نورتنا يا عريس."
التفت أدهم بابتسامة. "أنت العريس يا باشا."
احتضنوا بعض وخرجوا الحديقة.
"ما شاء الله، شكلك جيت على الجواز وشك منور."
"أنا عمري ما كنت أتخيل أن أحب وأتجوز ولا أعيش السعادة اللي عايش فيها الوقت. وندمان على العمر اللي ضاع وأنا بعيد عنها."
ضحك فهد بقوة.
"إيه ده إيه ده، أنا بقيت بأقول شعر كمان."
ضحك بقوة هو وفهد. "يا خبر، أنت عارف لو كنت شوفتني من خمس شهور بس عمرك ما كنت تصدق إن نفس الشخص. الحب بيغيرك بشكل عجيب، أنت نفسك مش بتعرف نفسك. الدور عليك يا بو."
"لا أنا غيرك. أنا اتربيت على أن المشاعر والحب عار على الراجل لأنها ضعف وما ينفعش الراجل يظهر الجانب ده بالذات مع مراته."
"كنت زيك وأصعب كمان. أنا كنت شايف الحريم خاينين وقذرين بيدوروا على الفلوس وبس. وبعدين أنا مش ناسي لما وقفت قدامي وقلت إلا دي، إلا دي يا أدهم."
"لا مش قصدي اللي وصل لك، أنا قصدي إنها ملهاش ذنب."
"فهمني، هو مش أنت خطبتها ورجعت كتبت كتابك؟"
"أه بس ما شفتهاش. في الخطوبة قرأنا الفاتحة وهي مش موجودة، كانت في أوضتها. ويوم كتب الكتاب ما طلعتش. كنت مع الرجالة تحت وأمي هي اللي لبستها الشبكة ومن يومها ما رحتش هناك ولا كلمته."
"لا أنت حالتك صعبة."
***
في المساء، أخذت عشق الفتيات وتوجهت لمنزل ماسة، فهي لم تحضر كتب الكتاب وأرادت أن تراها وتبارك لها وتعطيها هديتها.
وقفت ماسة وأمها في استقبالهم بابتسامة كبيرة رغم الحزن الذي بداخلها. احتضنتها عشق كأنهم أصدقاء قدامى.
"ألف ألف مبروك يا عروسة، وأسفة جدا لأن ما عرفتش أحضر كتب كتابك."
"حسك معانا يا حبيبتي، وجودك كان يفرق كتير بس حمد لله على سلامتك."
"هو ممكن أنا وأنت ندخل مكان أوريك هديتي؟"
وقفت ماسة بترحيب. "طبعاً، تعال ندخل أوضتي."
حملت عشق الشنط من جوارها وهي تتأسف للفتيات. صعدت بها إلى غرفتها. فتحت الشنطة حملت منها علبة كرتون كبيرة وفتحتها.
"ده قميص ليلة الدخلة أبيض بروب."
"لا تقل عشق عنها خجلاً، لكنها مضطرة." "والله أنا مكسوفة برضه بس مش عارفة ليه جت الفكرة دي في دماغي."
فتحت علبة أخرى. "وده برفان حريمي بس مثير جدا، ما فيش راجل يقدر يقاومه. أنا اشتريت ثلاثة، واحدة ليا، واحدة لك، واحدة لروان. أتمنى ذوقي يعجبكم."
وفتحت علبة أخرى. "ودي سلسلة دهب."
"شكراً جدا ليكي يا عشق، حقيقة أنا مبسوطة جدا بمعرفتك."
"طيب ممكن تقولي الحزن اللي في عينيك ده سببه إيه؟"
"أبدا، حزن إيه؟ في عروسة تكون حزينة قبل الفرح بيومين؟"
"مالك يا ماسة؟ وعد، أي كلمة تقوليها مش هتخرج بره الغرفة دي."
"فهد مش عايزني في حاجة، غصب عليا الجوازة دي."
"فهد وغصب في جملة واحدة؟ مستحيل! يبقى أنت مش عارفه هتتجوزي مين."
"لا عارفه، بس ما فيش واحد يخطب واحدة بمزاجه. ومن يوم ما خطبها ما شافهاش ولا مرة ولا كلمها، يبقى مش بيحبها ولا طايقها."
جذبتها من يدها تجلسها جوارها وهي تهتف بهدوء. "مين قال كده؟ أبيه فهد بيحبك جدا كمان."
"تصدقين ما تقولي؟"
"بس يا حبيبتي، أنا عرفت أنه بيحبك من يوم ما كان جاي يأخذني. شفت نظرته ليكي، نظرتك ليه. عرفت أن في حاجة كبيرة في قلوبكم، بس واحد بشخصيته ووضعه مش سهل عليه يعترف بحاجة زي دي، هيحارب إحساسه ده لأنه فاهم أن الحب ضعف. وده هو دورك، طريقتك وأسلوبك وتحملك ليه لحد ما يعرف أن الحب مش ضعف، الحب حياة. لو دخلنا فيها هنتمني ما نخرج منها أبدا."
"صبري لحد لما نشوف أخره إيه."
نظرت لها ماسة بامتنان، فهي كانت محتاجة بشدة لتلك الكلمات التي تكون معها في وقت تعبها.
"مش يلا ننزل للبنات؟"
"أيوه."
***
"ماما أنا عايزك تعملي حساب الاثنين الحرس اللي معنا، في لحمه وبط لبيوتهم. ولو في فطير أو أي حاجة نجهز لهم."
"بس كده، حاضر يا حبيبتي. أحسن حاجة علشان تليق بيك."
قبلتها عشق. "حبيبتي أنت يا ماما."
***
جلس الحارسان يتابعوا ما يحدث من تجهيزات للزفاف، فقد طلب منهم أدهم الاستمتاع باليومين دون الالتزام بحراسته.
"الباشا بتاعنا اتغير كتير عن الأول. بقى اجتماعي شوية."
"لأزم يتغير معاه ملاك بقلب نقي. لأزم يحب الدنيا والحياة كمان. وبعدين هو دايما كويس معانا وبيراعي ربنا فينا."
"أنا مش قصدي كده، يعني دايماً مبتسم. ما كانش بيزور حد. حالياً جينا المشوار ده كم مرة."
"طيب خلاص، أحسن يرجع يسمع ويفهم غلط ونخسر لقمة عيشنا."
"أنا عن نفسي ما أتمنتش أسيب الشغل عنده أبداً. قليل لما تلاقي رجل أعمال في مكانته بنظافته وأخلاقه دي. على الأقل عارفين أن الفلوس اللي بتدخل بيوتنا مش حرام وهي مش ناقصة بهدلة."
***
وقف أدهم أمام فهد يحاول إقصائه عن تفكيره.
"يا عم هات عروستك وتعالى، مش خسران حاجة."
"لا، أنا بمشي على عاداتنا. مش هشوفها غير بعد الفرح في شقتنا."
"اعتبره فرحين، واحد هناك مع مراد والتاني هنا."
لا يريد فهد رؤيتها قبل الفرح حتى لا يضعف وهو يرى كل مشاعره تهفو إليها، خائف أن تفلت مشاعره أمام الناس وتكون أول نقطة ضعف توضع في سجله القاسي.
"يا أدهم، افهم. أنا ما ينفعش أمشي وأسيب الناس وأنا كبيرهم. لأزم أكون في وسطهم."
"ده يوم في العمر يا فهد، هتندم. وبعدين أعمامك وجدك موجودين."
"خلاص براحتك، أروح مع أختي ومراد وأرجع."
ركبت عشق جوار أدهم وفي الخلف قمر وياسمين. وخلفهم زين وخلود. وأمامهم مراد ورواني.
تحركوا خلف بعض بسرعة يتسابقون، وعندما يقتربوا من بعض تشاور الفتيات لبعضهم في مرح. حتى وصلوا إلى المكان المنشود.
جوارهم كاميرا فوق سيارة أخرى تصوره.
"منزل مراد وهو يرتدي بدلة شغل."
"وظل يرقص وأخذ صور كثيره للجميع."
"أرتدي جلباب فوق بدلته وظل يرقص مع زين المجنون الذي ترك أخيه حتى يمرح مع مراد. وبعد ساعة رجع مراد إلى كرسي بجوار فهد وروان جوار ماسة وسط الحريم."
***
بعد انتهاء الفرح، أخذ مراد يد روان وهو لا يصدق أنها أصبحت ملكه هو فقط.
ودعتها عشق وغادة بعد الكثير من البكاء.
ضم أدهم مراد بقوة وحب وهمس جوار أذنه. "حافظ على أمانتي."
"أنت عارف، أنا أفديها بحياتي."
"أنا واثق من كده، بس لأزم أكد عليك ترجعوا بألف سلامة."
وقف أمام أخته يضمها. "حطي مراد جوه عيونك، مش هتلاقي حد في الكون ده كله يحبك قده." ونظر لهم الإثنين. "خلي بالكم من بعض."
تحرك هاني بسيارة مراد، وخالد بسيارة أدهم وعشق وغادة التي أصرت أن تذهب معهم حتى المطار.
***
في غرفة فهد، ظلت على الفراش وقت كثير في انتظاره. مشاعرها بين خجل، توتر، ولا تعلم متى يطل عليها ويدخل الغرفة. قلبها يؤلمها من هذا التأخير. هي في الغرفة منذ ما يقرب الساعة ولم يأتِ حتى الآن. معقول يسيبني في يوم زي ده وينام في مكان آخر؟ مجرد الفكرة فتت قلبها لأشلاء.
بينما هو في الأسفل يجلس أمام فرسه بحيرة. لا يعلم ما به ولما تلك الحالة التي تلبسته؟ لما لا يفرح مثل أي شخص في وضعه؟ اليوم يومه ينتظره الكثير من الرجال بلهفة، بينما هو يشعر بأن اليوم هو قبض روحه. كيف يسلم كيانه لامرأة؟ كيف يسيطر على تلك المشاعر التي تحارب للخروج للحياة؟
وقف، فاجأه وأخذ قراره. هي ليس لها ذنب فيما يحدث له. لو لم يرغبها من الأساس، كان رفض الوضع ولن يغصبه أحد على شيء. مرر يده على ظهر فرسه وترك المكان في طريقه لغرفته.
سمعت باب الغرفة يفتح ويغلق مرة أخرى. شعرت رجفة خفيفة في جسدها مما سوف يحدث. كيف سوف يتعامل معها؟ هل يعاملها بلطف أم بجفاء؟ هل يكون لين معها أم قاسي؟ سمعت خطواته تقترب منها.
"دخل من الباب وهو لا يعرف كيف يتعامل معها. هو يشعر بشيء غريب تجاهها. يحارب ضعفه نحوها. وجدها تجلس تحت تلك الخيمة. سأل نفسه كيف استطاعت الجلوس كل هذا الوقت بذلك الشكل؟ هو في الخارج منذ فترة يحاول الدخول، ولكن شيء يمنعه ويطلب منه الهروب. هو لن يستطيع مقاومتها لأنها تؤثر به."
أقترب منها، رفع عنها تلك الخيمة. وجد وجهها أحمر من الخناق التي كانت فيه، تفرك يدها. وضع الشيء من يده جوارها وجلس أمامها.
"مبروك."
"الله يبارك فيك."
"ممكن أتكلم معاكي وتجاوبيني بصراحة؟"
"أنت حد غصبك على الجواز مني؟"
"لا، بابا عمره ما غصبني على حاجة."
"بداية مبشرة. طيب كويس. أنت كنت بتدرسي؟ كان بينك وبين أي شاب علاقة؟"
"يعني إيه؟"
توتر من نظرة عينيها الذي يراهم لأول مرة من هذا القرب. كم هي رائعة. سيطر على نفسه وهو يوضح مقصده. "يعني حبيت أو كنت بتحبي حد من زمايلك."
"أنا عمري ما حبيت حد غيرك."
شهقت مما قالت عندما وجدت نظراته مصدومة، وضعت يدها الإثنين على فمها بخجل ولعنت نفسها وتهورها.
"الله يخرب بيتك، ها تفضحيني، اتلمي يا بنت المجانين."
ابتسم على تصرفها الطفولي. "غيري هدومك."
"طبعاً هغير."
وجدته يجلس يخلع حذائه. في لحظة كانت تجلس على الأرض أمامه تخلع عنه حذائه.
"مبارك."
"بخلع حذائك."
"أنت مرات فهد المنشاوي، يعني ما تنحنيش قدام أي إنسان، فاهمه."
"بس أنت مش أي حد، أنت جوزي وده عادي."
"حتى لو أنا، أنتي أكبر من إنك تخلعيلي حذائي. أنتي ماسة فهد المنشاوي، عارفه يعني إيه؟"
"ماسة فهد المنشاوي."
"أنتي مكانتك عالية قوي، أوعي تقللي من شأنك مهما كانت الظروف."
شعرت بالراحة والأمان من تلك البداية وتذكرت كلام والدها. "فهد راجل بمعنى الكلمة وبيحترم أهل بيته جدا."
"الموضوع ده ما يقللش مني لأني بعمله بحب ورضي مش غصب."
"حبت."
توترت من حالته وشروده في كلمتها لترفع فستانها وهي تهرب من أمامه. "بعد إذنك، هاروح أغير."
وأخذت ملابسها ودخلت الحمام.