تحميل رواية «إنت عمري» PDF
بقلم امل مصطفى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في إحدى الأحياء الشعبية المتوسطة، تقف فتاة جميلة، رقيقة القلب والروح، تطرق باب المنزل بمرح وهي تدندن بحب. فتح الباب وقابلتها فتون ببسمة واسعة ارتسمت على ملامحها التي غزاها معالم الشيخوخة، عندما علمت هوية الطارقة. لهف قلبها قبل أقدامها اتجاه الباب، ترد روحها بتصرفات تلك الشقية التي أطلت عليها بوجهها الصبوح الذي يزيل الهم وينعش القلب. "صباح الورد يا فتون." ضمتها الأخيرة بقلب أم وهي تقبل وجنتها. "صباح الفل والياسمين على عيون حبيبتي." بحثت عشق بعينيها في المكان وهي تسأل: "فين بابا ناجي؟" شاورت لها ف...
رواية إنت عمري الفصل الأول 1 - بقلم امل مصطفى
في إحدى الأحياء الشعبية المتوسطة، تقف فتاة جميلة، رقيقة القلب والروح، تطرق باب المنزل بمرح وهي تدندن بحب. فتح الباب وقابلتها فتون ببسمة واسعة ارتسمت على ملامحها التي غزاها معالم الشيخوخة، عندما علمت هوية الطارقة. لهف قلبها قبل أقدامها اتجاه الباب، ترد روحها بتصرفات تلك الشقية التي أطلت عليها بوجهها الصبوح الذي يزيل الهم وينعش القلب.
"صباح الورد يا فتون."
ضمتها الأخيرة بقلب أم وهي تقبل وجنتها.
"صباح الفل والياسمين على عيون حبيبتي."
بحثت عشق بعينيها في المكان وهي تسأل: "فين بابا ناجي؟"
شاورت لها فتون: "جوه في البلكونة، رفض ياكل من غيرك."
دخلت عشق بابتسامة.
"قلب القلب أنت يا ناجي."
قابلها ناجي بفرحة وترحاب.
"أنت القلب والروح يا عشق، ربنا ما يحرمنا أبداً من دخلتك علينا."
جلست بينهم وهي ترفع قطعة من الخبز تضعها في طبق الفول أمامها، ثم ترفعها وتضعها بفم فتون وهي تردف: "ولا يحرمني منكم أبداً يا بابا."
ابتلعت فتون ما في فمها وهي تسألها بقلق: "برضه رايحة الشغل عنده؟ أنا قلبي مش مطمئن."
كست ملامح عشق الحيرة وهي تردف وفي داخلها نفس الخوف: "طب أعمل إيه يا ماما؟ قوليلي، أنا محتاجة مصاريف وهو الوحيد اللي مرتبه كويس."
نظر ناجي لفاتن بحزن لأنهم يقلقون عليها من تواجدها مع شخص مثل أمير. زاد قلقهم عندما أبلغتهم أكثر من مرة أنها لا تشعر بالارتياح من تصرفاته معها، لكنها دائماً تتصدى له بحدة. وليس بيدهم حيلة في إنقاذها من بين براثن هذا المستهتر إذا تجاوز حدوده معها، فهم كبار في السن ومعاشهم يكمل معهم الشهر بصعوبة. وإلا لم يتركها تعمل مع ذئب بشري مثل هذا الأمير، وهو اسم على غير مسمى.
فاق على تنهد عشق وهي تسترجع ابتسامتها حتى تخفف عنهم.
"لو حصل منه أي تجاوز تاني، أنا هسيب الشغل من غير تردد، بس عايزة دعواتكم دايماً. هو ده المهم، دعاؤكم ليا بحسه زي البلورة السحرية."
***
في مكان راقٍ، في مكتب الأمير، يجلس في كرسيه مثل شيطان يخطط كيف يوقع بها. وهي الوحيدة التي طالت تمردها، رغم ضعفها الذي يراه بعينيها، لكنها عفيفة لدرجة الاختناق، ما زاده إصراراً على الفوز بها بطريقة شريرة. ولم يهديه ربه للفوز بها بطريق الحلال وهو مقتدر، ليغرقه أكثر في سيئاته.
أخيراً ابتسم وهو ينادي على إحدى رجاله.
"اتصل بعشق ضروري ووصل المكالمة لمكتبي."
"أوامر سعادتك."
***
وصلت عشق المكتب وهي تقرأ الآيات القرآنية في سرها، مثل ما أوصتها فاتن. دخلت مكتبها تبحث عن الملف الذي طلبه في وقت غير مناسب. تشعر أقدامها ثقيلة من الرعب، لكنها لم تظهر ذلك حتى لا يستغل ضعفها. فهي تعرفه، لا يملك مشاعر، بل يملك حجراً بين أضلعه. لكن الحاجة التي ألقت بها على طرقه، لم تجد الملف في مكانه. تعجبت بشدة، فهي تتذكر أين وضعته جيداً.
توجهت اتجاه باب مكتبه، طرقته بهدوء حتى أذن لها بالدخول.
"مساء الخير يا بشمهندس أمير."
أردف ببرود وهو ينظر للشاشة أمامه دون أن يعيرها اهتمام.
"مساء النور، فين الملف؟"
فركت يديها بتوتر وهي تردف: "أنا كنت حاطاه في الرف الثاني بمكتبي، بس حالياً مش موجود."
وقف بغضب وهو يتحدث بصوت مرتفع جعلها تأخذ خطوة للخلف.
"بتستعبطي؟ ملف صفقة مهم زي دي بملايين مش عارفة هو فين؟"
عشق، وقد غشيت الدموع عينيها من الخوف أن يزج بها بالسجن.
"والله أنا برتب كل حاجة في مكانها، وأنا روحت ومتأكدة من كل حاجة، بس هدور تاني يمكن أنا مأخدتش بالي. أصل حضرتك صحيتني وجبتني على ملا وشي."
اقترب منها بخطوات مدروسة، بث الرعب بقلبها، وهو يمرر عينيه فوقها بطريقة جعلت جسدها يقشعر. تحولت لهجته من العصبية للين وهو يردف: "أنا غبي، حد يفزع من النوم ملاك زيك؟ اللي زيك يتصحي بطريقة جميلة وناعمة زيك كده."
كان يتحدث وهو يزيد اقترابه منها، وهي تعود للخلف وضربات قلبها في تزايد مستمر، حتى وجدت نفسها بينه وبين مكتبه. حاولت الابتعاد، لكنه حصرها وهو يقترب منها، وأنفاسه الكريهة تلفح وجهها. أغمضت باشمئزاز. اتسعت عينها عندما هتف: "مش عايزك تخافي، أنا هدلعك بس انت حني والملف موجود."
رفع إحدى يديه يمررها فوقها، لكنها حملت التمثال النحاسي القابع فوق مكتبه وضربته فجأة على رأسه بقوة لا تعلم من أين أتتها، ثم خرجت باب المكتب بسرعة قبل أن يراها رجاله.
***
تركض بفزع وهي تتلفت حولها بحثاً عن أي شخص يمد لها يد المساعدة. وجدت نفسها فجأة أمام سيارة مسرعة، خرجت منها صرخة مرعبة وهي تغمض عينيها وتنطق الشهادة. سمعت فرامل قوية وصدمة خفيفة أوقعتها وهي تتألم من قدمها.
بينما أدهم يجلس في السيارة يتابع أعماله على اللاب توب عندما توقفت السيارة فجأة. رفع عينيه عن الجهاز وهو يسأل إحدى رجاله: "إيه يا هاني؟"
رد هاني باعتذار: "أسف يا باشا، في بنت ظهرت فجأة قدام عربية خالد."
سأله باهتمام: "حصلها حاجة؟"
فتح باب السيارة حتى يلقي نظرة وهو يرد بعدم معرفة: "شكلها خبطة بسيطة، هنزل أطمن عليها؟"
نزل خالد وهاني، وصوت هاني كان الأسرع عندما سألها وهو يقترب منها: "انتي كويسة؟"
كانت تمسد قدمها وهي تبكي في صمت، لترد على سؤاله: "رجلي بتوجعني."
نزل أدهم يسأل هاني: "هي كويسة؟"
التف حوله جميع رجاله بشكل دائرة خوفاً عليه بأن يكون ما حدث مجرد كمين لسيده. اعتدل هاني باحترام وهو يرد: "شكلها إصابة خفيفة يا باشا، ممكن حضرتك ترجع العربية وخالد يتصرف."
تحدث أدهم وهو يستعد للركوب مرة أخرى: "هاتها العربية وديها مستشفى في طريقنا نطمئن عليها."
انصاع هاني لأوامره واقترب منها لكي يحملها. هتفت برفض عندما وجدته يقترب منها.
"لا لا، أرجوك متلمسنيش، أنا هقف لوحدي."
توقف أدهم من نبرة الخوف في صوتها وألقى عليها نظرة أخرى، وجدها تتألم وهي تحاول الوقوف. استغرب موقفها ولماذا لا تريد أن يساعدها. فضوله جعله يوجه كلماته إليها: "انتي بتتألمي؟ مفيش حاجة لو حد منهم رفعك لحد العربية؟"
رفعت وجهها بغضب حتى تعنفه من رؤيته أن حمل غريب لها شيء هين، لكن غضبها تلاشى وتوقف كل شيء حولها عندما طالعت ملامحه. (سوف نعرف بعدين سبب تأملها له، وهذا ضد تربيتها وأخلاقها).
صمتت وظلت تتأمل معالمه بلا وعي. قطع تأملها صوته وهو يتحدث بحدة: "يلا، مش هنقضي اليوم هنا؟"
أخفضت رأسها من حدته معها، ساندت على السيارة وهي تتمتم: "مالوش لزوم، أنا كويسة، وبعدين أنا الغلطانة لأن كنت بجري من غير ما أبص قدامي."
بدأت تتحرك بتعب. سمعت صوت تكرهه بشدة.
"البنت هناك أهي، يلا نجيبها؟"
شعرت بالخوف، تركت جميع الحضور وتحركت دون وعي خلف أدهم فقط، تحتمي بجسده منهم. لم يعلق. بينما توجه رجاله بأجسادهم نحو الصوت بعد أن كادوا يركبون السيارات، صنعوا دائرة حول سيده.
تحدث هاني بقوة: "أنتم مين وعايزين إيه؟"
أشار أحد الرجال على عشق وهو يردف: "إحنا عايزين البنت دي."
طريقتهم لم تعجب هاني الذي تحدث بغضب: "إحنا مش عجيبينك؟"
ارتفعت أمامهم أكثر من ثماني أسلحة. تحدث أحدهم بخوف: "أصلها سرقت الباشا بتاعنا، وعايزين نسلمها للبوليس."
خرجت عشق برأسها من خلف أدهم.
"انت كداب، أنا مش حرامية. الباشا بتاعك هو الزبالة وأنتم عارفين."
هتف أدهم وهو يوجه لها نظرة: "طب ليه خارجة في وقت متأخر لوحدك وبتجري بالطريقة اللي كانت هتضيع عمرك؟"
ردت بدموع خوفاً من أن يسلمها لهم: "أنا شغالة سكرتيرة عنده، وهو اتصل بيا بحجة أن مش لاقي ملف محتاجه ضروري في مناقصة بكرة ولازم يتراجع النهاردة. لما اعتذرت لأن الوقت متأخر هددني بالرفد وأنا محتاجة الشغل ده، فجيت أجيب الملف. ليه طلع شخص مش كويس ومش عايز الملف ولا حاجة، كان بيضحك عليا عشان عشان!"
فهم أدهم ما تقصده. لكنه حسها على إكمال كلامها: "وبعدين إيه حصل؟"
"ضربته بتمثال وجريت، ولو حضرتك مش مصدق ممكن تيجي معايا تشوف دماغه المفتوحة."
يعلم جيداً خبث الحريم عندما يريدون الوصول لرجل، لكنه لن يتركها حتى يتأكد من صدق كلماتها. لذلك تحدث بتهديد لهؤلاء الرجال: "ترجعوا شغلكم على رجليكم ولا تحبوا ترجعوا على نقالة؟"
نظر الرجال لبعضهم ثم انسحبوا في صمت.
***
عند أمير، وقف جوار الطبيب الذي يضمد جرحه. وعندما دخل عليه رجاله دونها، صرخ عليهم بغضب وهو يبعد الطبيب عنه بعنف، ويسأل رجاله عن مكان تواجدها. وزاد غضبه عندما صرح أحدهم بعدم مقدرتهم على الرجوع بها.
"يعني إيه معرفتوش تجيبوها؟ هي ملحقتش تبعد."
لكن رد أحد رجاله كان له صدمة عندما أردف بتلجلج: "إحنا شفناها بس ما قدرناش نجيبها."
أمير بغضب جحيمي: "حتة بنت مش قادرين عليها؟ ليه مشغل معايا شوية بهايم؟"
نظر رجاله لبعضه وتحدث كبيرهم: "لأ يا باشا، كان معاها 3 عربيات مليانة بودي جارد ومسلحين ورفضوا نأخذها."
تمتم لنفسه بصوت مسموع: "دول مين وإيه علاقتها بيهم؟"
رفع عينه لرجاله وتحدث بأمر: "روح استنى عند البيت. البنت دي لازم تكون عندي، ما عاش ولا كان اللي تمد إيدها عليا."
***
عند عشق، رفعت عينيها عندما سمعت صوت أدهم وهو يعرض عليها أن يقوم بتوصيلها. نظرة له بتوتر.
"لأ شكراً، أنا هركب تاكسي."
رد عليها بلا مبالاة: "براحتك." ثم وجه كلماته لحارسه.
"هاني، وقف لها تاكسي."
أوقف لها تاكسي. رجعت عشق على استحياء إلى أدهم وانحنت على شباك سيارته.
"احمم؛؛؛ هو ينفع حضرتك تمشي ورايا لحد ما أوصل البيت؟ خايفة يكون حد هناك."
نادى بصوت قوي خالد الذي رد باحترام: "أوامرك يا باشا."
طلب منه أن يتبع التاكسي بسيارته حتى يطمئن على سلامتها.
خالد: "أوامرك يا باشا."
تحركت أمام خالد، ركبت التاكسي الذي تحرك بها حتى وصل أمام حي شعبي. نزلت عشق وصعدت إلى شقتها. ظل خالد ينتظر حتى تصعد. عندما اختفت من أمام ناظره، دار بسيارته حتى يغادر، لكنه توقف فجأة عندما رأى انعكاس صورتها في مرآة السيارة وهي تركض خارج المنزل، تتوارى خلف الحائط. ونزل بعدها ثلاث رجال يقفون تحت المنزل.
قام بالاتصال على أدهم الذي رد بسرعة: "خير يا خالد."
"أنا وصلت البنت لحد البيت وتأكدت أنها طلعت وأنا ماشي شفتها نازلة جري وبتتدارى خلف البيت ونزل بعدها ثلاث رجال واقفين تحت البيت شكلهم ما شافوهاش وبيستنوها."
أتاه صوت سيده الحازم: "طيب هاتها الفيلا."
توتر خالد من مجادلة سيده، لكنه مضطر.
"بس يا باشا، البنت شكلها مش سهل توافق أنها تمشي معايا."
أتاه صوت أدهم: "الأمر، اتصرف. أهم حاجة ما حدش يقدر يلمسها."
نزل خالد والتف حول المنزل. سمعها وهي تحدث نفسها: "معقول لسه في بنات بالبراءة دي؟ أنا اتعقدت من اللي شوفته."
***
في فيلا أدهم، صعد إلى غرفة والدته وطرق على الباب بأدب، ثم دلف إلى الداخل. وجدها تجلس وفي يدها كتاب.
"مساء الخير يا أمي، ممكن تنزلي معايا شوية؟"
هي باستفهام: "خير يا حبيبي؟"
"أصل في بنت كانت في مشكلة وجبتها معايا لحد ما أخلص لها مشكلتها، وكنت حابب تكوني موجودة لما تيجي عشان تبقي مطمئنة." ثم أكمل بتوضيح: "هتقعد معانا يومين بس."
لم تصدق غادة أذنيها، ابنها سوف يأتي ببنت منزله الذي حرمه على كل جنس حواء، حتى صديقات أخته الوحيدة كان يرفض بصرامة عدم تواجدهم هنا. يتقابلوا فقط في النادي والحفلات خارج منزله. أنزلت أقدامها من الفراش تخفي حالة الصدمة التي تلبستها من حديثه وهي تردف: "لو أنت شايف أن مفيش مشكلة، خلاص، ثواني وأحصلك."
انحنى على يدها يقبلها.
"ربنا يخليكي ليا يا ست الكل."
نزل إلى بهو الفيلا ينتظر خالد.
***
عند خالد، في السيارة، رن هاتف عشق. فتحت الخط.
"السلام عليكم."
"أيوه يا حبيبتي، أنا بخير، متخافيش عليا."
"الكنتِ خايفة منه كان هيحصل، بس أنا ضربته وهربت."
"لأ متخافيش، بس أنا مش راجعة البيت النهاردة، خايفة يكونوا تحت البيت. الحمد لله ربنا رزقني بواحد كويس، وعدني يخلص الموضوع."
"لو سألك قولي متعرفيش عني حاجة، وغيري اسمي على التليفون عندك، وأنا هكلمك كل يوم."
"لإله إلا الله."
***
دخلت السيارة باب الفيلا، كان أمامها عدد كبير من الحرس. طلب منها النزول، لكنها رفضت النزول قبل أن تخرج للقائها إحدى نساء المنزل.
حدثها خالد ببعض اللين: "يا بنتي، يعني لو عايزين نأذيكي تاخدي قد إيه في إيدينا؟ يلا، ربنا يهديك."
رن جرس الفيلا، فتحت إحدى الخادمات الذي يحدثها: "بلغي أدهم بيه أن آنسة عشق معايا."
ثم أشار لعشق حتى تتقدمه وهو يردف: "يلا يا عشق، ادخلي."
حدثته برجاء: "تعالى معايا؟"
خالد: "برفض، مش هينفع أدخل جوه، الباشا مانع دخول الحرس عشان الحريم."
دخلت ببطء، وجدت أمامها أدهم ووالدته التي قابلتها بترحاب.
"أهلاً يا بنتي، نورتينا، اتفضلي."
ردت بخجل وتوتر: "شكراً لحضرتك، وأسفة على الإزعاج."
أدهم بهدوء وهو يطالعها من رأسها حتى أخمص قدميها: "اقعدي."
جلس على مقربة منها.
"عايز أعرف كل حاجة حصلت من يوم شغلك عند أمير ده لحد ما قابلتك. ممنوع تخبي أي حاجة عني، لأن لو عرفتها من بره، حسابك معايا هيكون صعب."
ضغطت والدته على يده حتى يهدأ، فهي ترى الرعب مرتسماً على ملامح تلك الفتاة. فركت عشق يديها بخوف من طريقته، لكن ابتسامة غادة المشجعة جعلتها تبدأ في سرد قصتها مع زير النساء.
استمعت غادة بوجع على ما مرت به، تسألها: "ليه ما قولتيش لحد من أهلك؟"
ردت بحزن: "أنا عايشة لوحدي، ماما وبابا وأخواتي ماتوا في حادثة."
"طيب ما فيش عم أو خال؟"
هي بنفي: "لأ، عمري ما شفت حد، وبعد ما أهلي ماتوا، ما فيش حد سأل."
وقف أدهم بحزم ينهي تلك المحادثة.
"خديها يا أمي غرفة الضيوف." ثم وجه كلماته لعشق: "أنا هشوف الموضوع ده، لو كنت صاحبة حق، هجبلك حقك لحد عندك. تصبحي على خير."
صعدت مع والدته في صمت ودخلت الغرفة. كانت كبيرة باللون الكريمي، ستائر وسجاد جراي، أثاث أبيض، غرفة خفيفة على القلب. بعد مرور الوقت، دق الباب. فتحت عشق وجدت أمامها والدة أدهم ومعها خادمة تحمل الطعام. دخلت وضعت ما في يدها وخرجت. مدت لها غادة بيجامة نوم قطن وهي تشرح لها نظام الغرفة.
"عندك الحمام، غيري هدومك وكلي سندوتشات، اشربي العصير وريحي جسدك شوية. أدهم يخلصك من كل مشاكلك."
عشق: "شكراً لحضرتك، تصبحي على خير."
***
في الصباح، ألقى التحية على والدته ثم جلس جوارها على مائدة الطعام.
"أسف جداً يا أمي أن حطيت حضرتك في موقف زي ده، بس كنت مضطر، البنت كانت مرعوبة."
تركت ما بيدها وهي تنظر بعيون ابنها تبحث عن أي شيء جديد قد طرأ عليه، لكن من الواضح أنه مجرد وهم بخيالها. لتردف: "مفيش إزعاج ولا حاجة، أنا بثق في تصرفاتك وعارفة أنك متعملش غير الأصول، والبنت باين عليها ضعيفة ومكسورة."
هتف بتحذير: "أرجوكي يا أمي بلاش طيبة قلبك دي، واحذري منها لحد ما أشوف حكايتها وأتأكد من صدق كلامها. حضرتك عارفة أن البراءة بقت تتغش، وأنا ليا أعداء كتير ومش ضامن حد. لو دخل قلبك شك في أي تصرف صدر منها، بلغي الحرس بسرعة، وأنا كمان عاطيهم أوامر."
"ليه كل ده؟ البنت باين عليها الطيبة والحنية."
أدهم بتحذير: "أمي، أرجوكي."
شعرت بضيق الذي تعلم سببه جيداً، لتردف بحنان: "حاضر يا حبيبي، اللي تشوفه."
وقف واقترب من رأسها يقبلها وهو يلقي عليها السلام. خرجت منها تنهيدة متعبة وهي تتابع سيره للخارج بحزن على فلذات قلبها الذين لم يجدوا الراحة في تلك الحياة القاسية. ودعت لهم بصلاح الحال، وأن تجد الفرحة طريق قلوبهم.
***
تململت عشق بابتسامة حانية، تشعر براحة لم تغزها منذ سنوات. فتحت عينيها بلمعة جميلة، تحركت عينيها في السقف والمكان حولها. قفزة فجأة بعدم استيعاب وجلست تنظر لمظهرها وتلك الغرفة، تسترجع ما مرت به بخوف. ضربت جبهتها.
"يا عشق، انت خوفتي ليه كده؟ أمير بعيد عنك، انت في بيت الراجل اللي أنقذك ومامته موجودة، يعني أمان."
وضعت يدها على قلبها وهي تتنهد براحة: "الحمد لله."
سمعت طرقاً، خافت على باب الغرفة. عدلت من هيئتها وتوجهت خلف الباب تسأل عن هوية الطارق. أتاها صوت الخادمة: "الهانم الكبيرة بتبلغ حضرتك أنها في انتظارك على الفطار."
"حاضر، قولي لها ثواني وأكون معاها."
تجهزت عشق للنزول، رتبت غرفتها وارتدت ملابسها، ثم نزلت درجات السلم وهي تبحث بعينيها عن مكان جلوس غادة. رآها سيدة كبيرة من الخدم نادتها: "اتفضلي معايا."
ابتسمت لها عشق بخجل وتحركت خلفها حتى غرفة الطعام، وجدت غادة في انتظارها.
"صباح الخير يا طنط."
غادة بترحاب: "صباح النور، اتفضلي يا عشق."
خرجت إحدى الخادمات تحمل صينية عليها طعام متوجهة لممر صغير، جذب فضول عشق التي ترجمته بسؤال: "هو في حد تاني عايش هنا؟"
غامت عينها بسحابة من الحزن تمطر وجعاً على قلبها وهي تردف: "أه، روان بنتي الصغيرة."
تعجبت وهي تسأل نفسها: هل هي طفلة صغيرة أم شابة ولا تريد الاختلاط بالغرباء؟ شعرت بغصة في حلقها أن يكون وجودها غير مرغوب فيه وهي تفرض نفسها على المكان، لذلك سألتها بلهفة: "هو أنا ممكن أدخل عندها بعد الفطار؟"
نظرة لها غادة بحيرة، لا تعرف ماذا تقول. هل لو وافقت على طلبها سوف ترحب بها روان التي لن ترى غريباً منذ سنوات، أم تقدر على غضب أدهم إذا علم أنها كشفت عن كنزه الثمين وهو أخته الوحيدة؟ فاقت على نداء عشق.
"لو ماينفعش خلاص، مافيش مشكلة."
"أبدا، مافيش مشكلة ولا حاجة، بس خايفة رد فعل روان يجرحك، لأنها اتعودت على وحدتها."
عشق بلهفة: "لأ، متقلقيش، أنا هتحمل رد فعلها مهما كان صعب." ثم أكملت طعامها بلهفة لرؤية تلك الفتاة.
***
عند فتون، جلست أمام طعامها هي وزوجها دون شهية. لقد تعودوا على وجودها حولهم بمرحها وابتسامتها التي تضمد جراحهم.
تحدث ناجي والقلق ينهش قلبه أكثر منها: "كلي يا فتون، أي حاجة عشان علاجك، كده غلط عليكي. ولو عشق كانت هنا كان زمانها زعلانة منك."
بكت فتون بحزن وهي تردف: "قلبي واجعني عليها. هي عوض ربنا عن جحود ولادنا، هي شمس يومنا وضحكة أيامنا، إزاي عايزني آكل وأنا مش عارفة هي عاملة إيه الوقت ولا مع مين؟"
وقف ناجي بحزن يضمها لصدره وهو يحاول تهدئتها لتجنب ارتفاع الضغط لديها.
"والله هي كويسة، وبعدين ما كلمتك بليل وقالت إن ربنا رزقها بناس كويسة. هتقف معاها ولما تخلصها من أمير ده هترجع تاني."
فتون بدموع: "منه لله، ربنا يخلص منه الظالم ده."
"يارب نجيها يا رب احفظها."
ضم كفها بين كفيه وهو يشجعها بابتسامة: "أيوه كده، ادعيلها، الدعاء بيغير الأقدار وربنا يحفظها لينا. لقينا في قلبها الحب والرحمة لينا أكتر من ولادنا اللي خلفناهم وتعبنا في تربيتهم."
***
عند عشق، تحركت نحو الغرفة التي أشارت عليها غادة. قامت بطرق الباب ثم فتحت فتحة صغيرة أطلت بوجهها الصبوح من خلالها مثل الأطفال. تحركت عينيها في المكان حتى كانت الصدمة عندما وجدت أمامها شابة جميلة جالسة على كرسي متحرك تقابلت العيون في نظرة تعجب من روان وأخرى حنونة من عشق التي تحدثت بابتسامة عذبة تلين القلب.
"ممكن أدخل؟"
لم تستطع روان السيطرة على نفسها من هيئتها الرائعة. ضحكت وهي تقول: "على فكرة، أنتي دخلتي خلاص."
اتسعت أعين عشق في زهول وهي تنكر ما تقوله روان.
"والله أبداً، دي رقبتي بس."
زاد ضحك روان على طفولتها وهي تردف: "خلاص يا ستي، ادخلي كلك، أنا مسامحة."
توجهت لها عشق بخطوات خجلة، مدت يدها وهي تعرف نفسها: "أنا عشق."
مدت روان يدها براحة غريبة غزتها منذ دخول هذا الملاك عليها.
"اسم جميل زيك يا عشق."
تورّد وجهها من الخجل. ضحكت روان بعدم تصديق.
"أنتي اتكسفتي؟"
تحاول مداراة خجلها وهي تردف: "لأ أبداً، أنا كويسة."
روان وهي تجذب يدها حتى تجلس جوارها: "تعالي بقي قوليلي بتعملي إيه عندنا وإزاي أدهم سمح بوجودك في البيت كده بالسهل؟"
لم تفهم عشق مغزى كلمتها ولماذا يعترض على وجودها وهي لم تتعدى حدودها.
"أنا جايه أستخبى عندكوا من الشيطان."
صدعت ضحكت روان مرة أخرى وهي تردف: "الشيطان مرة واحدة."
"أه والله، وهو فيه مشكلة من وجودي هنا؟"
روان بتأكيد: "أه طبعاً، أدهم مانع صنف حواء من الدخول البيت ده غير الخدم وبيكونوا كبار في السن، عارفهم. يلا احكي احكي خلينا نسلي."
قصت عشق كل ما حدث معها، وروان تستمع لها وهي تضحك.
"يعني صفيتي دم الراجل؟"
عشق برفض: "ده حيوان مش راجل عشان يضحك عليا، وهو شيطان عايز يدمرني."
عندما تأخرت عشق، قلقلت غادة على ابنتها وتذكرت تحذير أدهم لها لتتوجه بأقدام مرتعبة تحولت لزهول عندما استمعت لضحك ابنتها التي غادرتها منذ سنوات. توقفت جوار الباب تحاول السيطرة على دقات قلبها التي تعزف فرحاً من رؤية وجه ابنتها الذي ردت به الدموية من خلال تلك الفتحة بالباب.
"معقول تلك الغريبة استطاعت فعل ما عجزوا عنه بسنوات في دقائق معدودة؟"
فتحت الباب على آخره وهي مازالت في حالة صدمة لا تصدق أنها وافقت على تواجد عشق وتضحك بهذا الشكل كأنهم أصدقاء طفولة. رفعت روان وجهها عند فتح الباب لتجد ملامح الصدمة على والدتها. ابتسمت لها بحنان، تعلم جيداً أنها تسببت لهم في العذاب سنوات دون أن يكون لهم أي يد في ما أصابها. ضمتها غادة بفرحة وهي تقبلها.
"نورتي الدنيا يا قلب مامي."
حاوطت روان خصر والدتها بحب، بينما تتابعهم عيون عشق بدموع، لقد افتقدت حضن والدتها بشدة. توجهت لها غادة تضمها بشكر: "شكراً ليكي بجد، أنا مش عارفة أكافئك إزاي على رجوع بنتي للحياة."
خجلت عشق من موقفها وأردفت: "مافيش شكر يا طنط، أنا معملتش حاجة لكل ده، أنا حبيت روان جداً."
روان بحب زرع داخلها من أول نظرة لتلك الملاك: "أنا كمان حبيتك كتير."
ابتسمت غادة بمرح: "طيب أسيبكم أنا بقي، مش حابة أكون عزول."
ضحكت الفتاتان وطال بينهما الحديث كأنهم يعوضون سنوات الوحدة. وفي موعد الغداء، رفضت عشق ترك روان، بينما طلبت روان بإلحاح أن تتناول الطعام معها في غرفتها. مم طيب خاطر عشق بهذا التمسك. رحب غادة بتلك الفكرة حتى تخفف عن ابنتها، لكنها لا تعلم أنها بذلك سوف تحرك المارد بداخله.
***
نهاية البارت
أتمنى أن تنال إعجابكم
فضلاً وليس أمراً يا بنات، كل من ينهي القراءة يضغط لايك وكومنت. لا يأخذ وقت لكنه يفرق كثيراً معي وتعبيري منكم لتعبي.
•
رواية إنت عمري الفصل الثاني 2 - بقلم امل مصطفى
رفضت عشق ترك روان للغداء وحدها وطلبا الطعام داخل الغرفة.
ظلت عشق تحكي لها عن أصدقائها المجانين واختلاف شخصيتهم، ورغم ذلك علاقتهم قوية ولا يفارقون بعضهم.
قطع تواصل حديثها صوت الأذان بهاتف عشق.
"أعتذرت من روان حتى أقوم بتأدية فرضي."
"أنتي كمان بتصلي يا عشق؟ ماشاء الله عليكي جمال وتدين."
"عمري ما سبت فرض الحمد لله."
اخفضت روان عينها بحزن وهي تتمتم: "أنا نفسي أصلي يا عشقة."
توجهت لها وضمتها بقوة وهي تردف بسعادة: "بس كده من النهارده نصلي كل الفروض مع بعض."
عاد أدهم ووجد والدته في ريسبشن الفيلا تستقبله بوجه مشرق على غير العادة. نعم، هي دائما تستقبله بابتسامة، لكن اليوم يشعرها مختلفة أكثر إشراقا، كأنها عادت لطبيعتها قبل حادثة أخته الصغيرة.
"الحمد لله على سلامتك يا حبيبي."
اقترب منها، انحنى على يدها يقبلها.
"الله يسلمك يا حبيبتي."
جلس جوارها بإرهاق وهو يضع جاكيت بدلته على يد الأريكة التي يجلس عليها، يسألها بحنان: "كل يوم بيمر عليكي جمالك بيزيد يا غادة، وشك النهاردة زي البدر."
ابتسمت بخجل كأنها بنت تسعة عشر وهي ترد: "فعلا النهاردة يوم مميز جدا، والفرحة اللي حاسة بيها مافيش فرحة تعادلها غير يوم فرحتي بيك."
انكمشت ملامح وجهه بضيق: "إنت عارفة أن ده مستحيل يا أمي، بس خلينا في سبب فرحتك النهاردة، فرحيني معاكي."
سألته والدته عن وضع عشق. لا يعلم سبب تهربها من سؤاله، لكنه احترم رغبتها. دلك جبينه بيده وهو يردف: "كل كلامها صح، الأمير شخص سيء السمعة وكل يوم يغير سكرتيرته لأنهم هربوا من سوء أخلاقه، وتعتبر هي الوحيدة اللي استمرت معاه. وصراحة مستغرب جدا، لأن لبسها وتصرفها بيقول إنها متدينة، إزاي استحملت شخص فلاتي زي ده."
أكمل بتوضيح: "بس من وجهة نظري أن في واحد من سببين: أنه كان بيتلاعب بيها لحد ما يقدر يوصلها، أو أنها استحملت بسبب ظروفها الصعبة لأنها محتاجة الشغل ده."
خرجت من غادة تنهيدة ارتياح: "يعني البنت طلعت مظلومة، الحمد لله إن ربنا نجاها منه."
كأنه تذكر وجودها في منزله من حديث أمه، يحرك عيناه بالمكان وهو يسألها: "أومال هي فين؟ مش شايفها؟"
تحدثت غادة بفرحة: "ما ده سبب سعادتي، هي مع روان في غرفتها."
عقد حاجبيه مستغربا: "روان؟ روان وافقت إن حد غريب يدخلها؟"
اتسعت ابتسامتها وهي تحكي له: "دي من الصبح الضحكة ما فرقتش وشها، واتغدوا مع بعض."
عقله لم يستوعب ما يحدث. أخته التي انقطعت عن العالم الخارجي منذ سنوات، ورفضت تواجد أقرب أصدقائها في محيطها، تستقبل شخص غريب لا تعلم ماهيته. لكنه الآن يريد أن يأخذ قسطا من الراحة ثم يتفرغ للقادم.
وجه حديثه لوالدته: "ياريت تخليهم يجهزوا الغدا على ما أشوف روان."
صعد غرفته، أخذ شاور ثم توجه لغرفة أخته وطرق الباب.
"أمرت روان الطارق بالدخول."
"ابتسم لها."
"أخبار حبيبي إيه النهارده؟"
نظرت له بفرحة: "هناك ما يحدث." يرى أخته أكثر إشراقا من والدته، ولمعة عينها خير دليل. لقد اختفى الحزن والانكسار الذي لازمها سنوات. من تلك العشق وكيف يكون تأثيرها سريع وقوي بتلك الطريقة؟
لا يعلم هل يفرح أم يترك للشك مكان. أن وجودها السريع هذا خلفه كارثة أو خطر على عائلته الصغيرة. يجب أن يخرجها من هنا في أسرع وقت.
فاق على صوت أخته: "لقد شردت في تلك البهجة التي زارت منزله بعد أن هجرته من سنين طويلة."
"بخير يا حبيبي، أنا حبيت عشق جدا، ياريت تخليها هنا على طول."
جلس جوارها وهو يتحدث بهدوء: "ماينفعش يا حبي، هي ليها حياتها، ويوم ولا اتنين وترجع لها. بس ممكن تبقا تيجي تزورك!"
تغيرت ملامحها للحزن مثل شمس النهار عندما تحجبها سحابة مطر.
قبلها وهو يسأل عن سبب حزنها.
خفضت وجهها: "أنا ما صدقت ألاقي حد أرتاح معاه."
اعتصر الحزن قلب أدهم على صغيرته التي اشتاق لابتسامتها ومرحها، لكنه أراد إفاقتها وهو يردف بهدوء: "حبيبتي ماينفعش نجبر حد يفضل معانا. هي ليها حياتها، وجودها هنا حل مؤقت وخلاص، يوم أو اتنين وينتهي."
تعلم أن كلامه صحيح، لكنها تجرب إحساس وجود أخت لأول مرة. إنه شعور مختلف عندما تجد معك من يشاركك يومك بكل شيء. حتى أصدقائها لم تشعر بنفس حالتها الآن. يمكن لأن أدهم لم يوافق على تواجدهم هنا، وكلم مقابلاتهم بعض الساعات في النادي.
وجدته مازال يقف في انتظار ردها.
اضطرت أن ترد بحزن: "حاضر يا أبيه."
تركها وخرج.
بعد مرور ساعة، أتت عشق. ظلوا يتسامرون حتى أتى الليل.
"كفاية كده يا ريري، أنا هطلع أنام وأشوفك بكرة إن شاء الله."
"لا نامي معايا هنا بليز، نفسي أحس إحساس الأخوات اللي بيشاركوا بعض نفس الغرفة. أرجوكي، إنت متعرفيش أنك أول بنت تدخل البيت هنا، مش متخيلة الوحدة اللي أنا عايشة فيها من غير أخت."
ابتسمت عشق بحزن: "لا متخيلة وعايشة نفس إحساسك. أنا كمان كان نفسي في أخت تشاركني غرفتي وسريري، وتأخد هدومي تلبسها من ورايا وأنا أتخانق معاها وأطلب منها تغسلهم."
"تخيلي نفس تفكيري وأخبي منها الحاجات اللي بحبها علشان ماتلبسهاش وتبوظها."
جلست عشق جوارها مرة أخرى وهي تحارب دموعها وألا تحتضنها وتبكي بقوة وتحكي لها كم تتمنى عدم مغادرتها أبدا، وأنها للوهلة الأولى جعلتها أختها التي لم تنجبها أمها.
"لكنها بدأت تحدثها."
"أنا مش عايزة أزعجك، أنا بصحي قبل الفجر أصلي قيام الليل."
"مافيش مشكلة براحتك، بس أهم حاجة تفضلي معايا."
مسحت عشق على خصلات شعرها: "خلاص هروح أجيب بيجامة."
صعدت غرفتها، أتت بملابسها ثم عادت غرفة روان.
ونامت جوارها كأنهم أصدقاء من سنين. لقد وجدت كل منهم من تعوضها عن وحدتها التي استمرت سنين.
في الصباح.
استيقظ أدهم كعادته، أخذ شاور، ارتدى ملابسه وتوجه لغرفة أخته يصبح عليها ويقبلها وهي غافية كحاله كل يوم قبل أن يذهب لشركته.
دخل الغرفة بهدوء حتى لا يوقظها.
تيبست قدماه مكانها عندما وقعت عيناه على هذا الملاك النائم. اقترب ليتأكد مما يراه. خفق قلبه بجنون عندما طالع ملامحها الجميلة، بشعرها البني ذات الخصلات الذهبية الربانية وملامحها البريئة، طريقة نومها الطفولية.
فاق على عقله: "أنت اتجننت؟ بتفكر في إيه؟ اعقل كده. افتكر اللي حصل لأحمد ووعدك ليه."
حرر عيناه من أسر هالتها الخاطفة، اتجه نحو أخته ينحني عليها، يضع قبلته الصباحية.
فتحت عيونها الرائعة فجأة. كانت شفتاه على جبين أخته، وعيونه على عشق التي صرخت بقوة عندما رأته وهي بتلك الهيئة.
استيقظت روان من صوتها المرتفع، وصدم أدهم من فعلتها عندما جذبت الغطاء عليها كلها حتى اختفت تحته.
جلست روان بعدم اتزان وهتفت بفزع: "إيه؟ في إيه؟ إيه اللي حصل؟"
تحدث أدهم بعصبية من رد فعلها: "مش عارف، دي مجنونة دي ولا إيه؟"
تحركت قدماه للخارج بعصبية مفرطة، ونسي أنها في الأساس محجبة. سب تحت أنفاسه: "أنا غلطان إني جبتها هنا."
بعد خروجه، جذبت روان الغطاء من فوق عشق المتشبثة به وهي تهدئها: "حبيبتي محصلش حاجة لكل ده."
جلست عشق تبكي: "أنا خدت ذنب لأنه شاف شعري وجسمي."
ضمتها روان: "لا يا حبيبتي ربنا غفور رحيم، أنتي مش تقصدي. الغلط من عندي، هو متعود كل يوم يدخل يطمن عليا ويبوسني قبل ما يروح شغله، وأنا نسيت أعرفك أو حتى كنت عرفته إنك هتنامي معايا. وهو كان خبط. أدهم شخص محترم وبيحافظ على خصوصية الغير حتى لو في بيته."
خرج أدهم وهو غضبان مما حدث. سمع نداء أمه: "أدهم رايح فين يا حبيبي؟ تعال الفطار جاهز."
لم ينظر إليها وهو يرد: "لا مش عايز حاجة."
ترك والدته في حيرة من غضبه الظاهر. توجهت غادة إلى غرفة ابنتها، وجدتها تبكي.
"إيه حصل؟ مالها عشق؟"
"أبدا يا ماما، أدهم دخل زي كل يوم ما يعرفش أنها معايا. شاف شعرها بس، وهي بتعيط من وقتها."
اقتربت منها غادة تحاول تهدئتها: "أكيد أنتي عارفه أكتر مننا في الأمور دي، إن الحاجة لما بتحصل بدون قصد ربنا مش بيحاسبنا عليها. وهو ميعرفش إنك هنا ولا انتي تعرفي أنه بيدخل كل يوم لأخته. استغفري ربنا وقومي اغسلي وشك عشان نفطر."
استجابت عشق لغادة. دخلت الحمام تتوضأ، خرجت صلت ركعتين لله، ثم تناولت هاتفها تصبح على فاتن تطمئنها عليها.
أتت الخادمة بطعام الإفطار، لكن عشق طلبت منها وضعه في حديقة المنزل. نظرت إلى روان بابتسامة: "نخرج النهارده الحديقة؟"
وافقت روان دون مجهود، كأن ليس لها شأن بنفسها. ساعدتها عشق للجلوس على الكرسي المتحرك، دفعتها للخارج.
كانت غادة تجلس في الصالون تتناول قهوتها، لكن يدها توقفت في الهواء واتسعت عيونها بعدم تصديق عندما رأتها تخرج من غرفتها وهي تدفع كرسي ابنتها التي تتحدث بابتسامة معها.
سألت نفسها بتشتت: "من تلك العشق؟ مستحيل أن تكون بشر، لأن بنتها حبيسة غرفتها منذ ثلاث سنوات، حتى الكشف كانت رافضة له. لماذا تستجيب في لحظات لعشق؟ هي متأكدة أن خروجها فكرة عشق وليس فكرتها."
وقفت غادة وهي تسيطر على صدمتها. ركضت بسرعة تحتضن روان بدموع الفرحة من تلك الخطوة التي قد تغير من نفسيتها وقد تجعلها تعود راغبة في الحياة وتوافق على القيام بتلك العملية التي رفضتها من سنتين.
ظلت تقبل كل شبر بوجه صغيرتها وهي تردف بدموع: "أنا مش مصدقة روان كسرت سور الوحدة وخرجت للنور."
مسحت روان دموعها وهي تنظر لعشق بامتنان: "الفضل يرجع لعشق، لولا وجودها ماكنش ممكن أقدر أهد السور ده لوحدي أبدا وأشوف النور من تاني وأحس بالحياة."
جذبت غادة عشق لصدرها بحنان: "حبيبتي ربنا يخليكوا لبعض، ومن النهارده أنا عندي بنتين زي الورد، وأنا بعد كده أسمي ماما عبير مش طنط."
زادت عشق من ضمها بسعادة: "حاضر يا ماما."
جلسوا في الحديقة. المنظر جميل مهدئ للأعصاب. استنشقت روان جزء كبير من الهواء، حبسته داخلها. تناولا الفطار في جو من السعادة. تركتهم غادة في الذهاب إلى النادي. الآن فقط اطمئن قلبها على ابنتها.
جلسوا الفتيات يتحدثون.
"ممكن أسألك سؤال؟"
"أكيد طبعا، تقدري تسألي في أي حاجة عايزها."
"أنتم ما شاء الله مبسوطين ماديا، والطب كل يوم في تقدم، ليه ما فكرتيش تسافري بره تشوفي علاج لحالتك عشان تمشي وتعيشي حياتك؟"
غمضت عينها بوجع وهي تشرد أمامها: "أنا مش عايزة أمشي. أنا كرهت الناس والنفاق، عايزة أكون لوحدي. أنتي عارفة أنا لما عملت الحادثة خطيبي وحبيبي جه وقال معلش مش هعرف أكمل مع واحدة عجزة، متتخيليش الكلمة دي جرحتني إزاي؟ لا دي دبحتني في عجز احتياجي ليه. وبعدها بشهر أعلن خطوبته على صاحبة عمري. مافيش عندهم قلب. لما ينزلوا صورهم خلوا الصورة توصلني في عز دماري النفسي وتكون الضربة القاضية ليا بإمضاء أقرب اثنين ليا."
بكت وهي تكمل: "جرحهم ليا أقوى من عجزي."
"لا يا حبيبتي ما تبكيش، هم مايستهلوش دمعة منك. أنت عارفة ربنا بيبتلي كل إنسان على قد قوة احتماله، وده معناه أنك قوية جدا. ما تستسلميش للعجز والضعف."
"قومي وأنا هنا معاكي، مش هسيبك أبدا. صدقيني كله خير. أنت عارفه هم كانوا منافقين، مافيش حد منهم حبك أصلا، لأنه لو كان حبك كان رضى بكل ظروفك ويكون سند ليك في ألمك قبل فرحك. الشدة هي اللي بتبين معادن الناس. ده إنسان ندل ما يتزعلش عليه أبدا، وهي لو كانت بتحبك عمرها ما تقبل تكسرك بالشكل ده حتى لو بتحبه. إنسي الصفحة دي وربنا هيبعت لك الأحسن. عشان كده عايزاك قوية، ترجعي تمشي وتثبتي له إن بيك أو من غيرك هعيش، بالعكس هكون أحسن وأقوى. إيه رأيك؟"
"أنت كنت فين من زمان يا يعشق؟ أنا كنت محتاجة لك."
"كل شيء أوان يا حبيبتي. قولي دايما يا رب وهو يكون أمانك وسندك."
دخل أدهم مكتبه وهو يشتعل من كل شيء، من مشاعره التي تحركت لها، ومن صراخها لرؤيته لها وهي بتلك الهيئة، ومن تمنيه للقرب.
أردف مراد بتعجب من حاله صديقه: "مالك يا عم؟ داخل تخبط في الكل ليه كده؟ أنا أول مرة أشوفك كده."
"أنا غبي عشان أدخل واحدة زي دي بيتي، كان فين عقلي وإزاي أكسر قواعد حياتي اللي مشيت عليها سنين."
"مين دي؟ أوعى تكون قصدك على البنت اللي أنقذتها؟"
نظر له وما زالت ملامحه تحمل غضب: "آه يا سيدي. هي."
"هي لسه عندك؟"
نظر له بضيق: "آه، بقى ليها ثلاثة أيام داخلة الفيلا، وأختي اتعلقوا بيها."
"أنت عايز تفهمني أن روان خرجت من غرفتها؟"
أردف أدهم بنفي: "لا، بس قبلت إنها تدخل تقعد معاها، وكمان خليتها تنام معاها في سرير واحد. تخيل أختي اللي رافضة العالم الخارجي لمدة ثلاث سنين، دخلت واحدة ما تعرفهاش غير من يوم، كأنها مسحورة أو عليها جني."
رد مراد بفرحة كبيرة: "أكيد حست معاها بحاجة مش موجودة في الناس اللي تعرفهم، وده كل اللي يهمنا أنها تخرج من قوقعتها."
نظر له بأعين خبيرة: "لأنه يعلم عشقه الدفين لأخته."
"مش عارف عمتا، أنا ريحتها من أمير ده خالص ومش ممكن يتعرض لها، بس هي كانت محتاجة الشغل ده ضروري لأنها بتصرف على نفسها منه."
"خلاص ما فيش مشكلة، شوف لها شغل عندك."
ثار غضبه بدون سبب مقنع وهو يردف: "بقول عايزة أمشيها من الفيلا؟ تقول لي هاتها شغلها عندك؟ وبعدين من إمتى بشغل حريم؟"
أردف مراد بملل: "ابني مالك؟ هي هتقعد معاك في مكان واحد؟ شغلها في أي فرع من الفروع. وبعدين أنت عندك عمال متعرفهمش من كثرهم. خلينا في شغلنا، ولما أرجع بالليل أشوف الموضوع ده."
في المساء عاد أدهم وسأل والدته على عشق: "لو سمحت يا أمي ابعتيها المكتب، عايزها ضروري."
تعجبت غادة من طريقته، لكنها استجابت لطلبه ونادت الخادمة التي أتت على وجه السرعة.
"نادي عشق من غرفة روان، قولي لها أن أدهم عايزها في مكتبه."
وقفت بحيرة عندما أبلغتها الخادمة.
"روحي شوفي هو عايز إيه، أكيد حاجة خاصة بمشكلتك."
لا تعلم كيف تخبرها أن مجرد وجودها معه في نفس الفيلا يخطف أنفاسها عندما تسمع صوته فقط الذي عشقته، تتصارع ضربات قلبها بشكل جنوني كأنه سوف يخرج من بين ضلوعها، يركع بين يده ويطالبه بالاحتفاظ به بين أضلعه، فكيف لها بالجلوس أمامه في مكان ضيق لا يوجد به غيرهم.
"يلا يا عشق اتحركي، أدهم أخويا معندوش صبر إن حد يتأخر عليه."
تحركت بتوتر اتجاه مكتبه. وقفت برهة تنظم ضربات قلبها وتضم يدها بقوة حتى تسيطر على ارتعاشهم.
"طرقت الباب بضعف، لكنه سمعه وطلب منها الدخول."
دخلت بخطوات بطيئة، تخفض عينها حتى لا تفضح لهفتها لرؤيته. خرج صوتها ضعيف، زاد من نعومته: "حضرتك عايزني؟"
شاور لها دون أن يرفع عيونه.
"تفضلي اقعدي."
دخل في صلب الموضوع كأنه يخاف من الضعف: "أنا خلاص خلصت لك موضوع أمير، تقدري تعيشي حياتك عادي وترجعي بيتك."
رفعت عينها بسعادة: "والله بجد؟ يعني مش هيضايقني تاني؟"
لم يرفع عيونه عن الجهاز أمامه وهو يردف بثقة: "لا خلاص، هو كمان ساب البلد ومشى."
"ساب البلد مرة واحدة!"
أكمل عمله على الحاسوب أمامه وأردف بلا مبالاة: "طبعا اللي بطلبه بيتنفذ على طول."
نظرت له بخوف: "طيب شكرا جدا، تعبت حضرتك. أنا خارجه أفرح ماما وبكرة الصبح أروح."
"أخرج تلك الكلمات بصعوبة وهو يردف: "طيب وبالنسبة للشغل؟ ممكن تشتغلي عندي في الشركة لو حابة، رغم أني مش بشغل حريم، بس دي مكافأة مني لأنك سبب خروج روان من غرفتها."
وقفت بكبرياء: "شكرا لحضرتك، لحد كده أنت عملت معايا الواجب وأكثر. بعد إذنك."
خرجت عشق بفرحة: "ماما ماما."
"خير يا حبيبتي؟ كان عايزك ليه؟"
"خلاص يا ماما موضوع أمير انتهى، إن شاء الله الصبح أمشي وأرجع بيتي وحياتي. ياآآآه هم ونزاح."
"طيب يا حبيبتي خير، الحمد لله إن أنا اطمنت عليكي. بس موضوع أن أنت ترجعي البيت ما كانش ليه لازمة، ما أنت تعيشي معنا هنا كده كده أنت عايشة لوحدك."
تحدثت بامتنان: "لو كان لي أهل ما كانوا عملوا معايا اللي أنتم عملتوه، وكفاية لغاية كده وكثر خير أدهم بيه أنه هو اهتم بموضوع واحدة ما يعرفهاش. وإن شاء الله من الصبح آخذ حاجتي وأرجع بيتي."
سمعت صراخ خلفهم، التفوا ووجدوا روان خلفهم والدموع تغرق وجهها وصرخت بصوت عالي: "إنت خاينة زيهم، أنت زي وائل وماهي، كلكم شبه بعض، أنا بكرهك. عارفة بكرهك، مش عايزة أشوفك، يلا أمشي."
ظلت تصرخ حتى خرج أدهم بفزع على صراخها. وجدها في حالة انهيار لم يرها عليها منذ الحادثة. سأل بعصبية: "إيه؟ روان ماله؟"
توجه لعشق، جذبها من ذراعها بعنف وصرخ في وجهها: "إنتي عملت فيها إيه؟ خلاها توصل لكده؟ انطقي؟"
عشق وهي ترتعش بين يده من الخوف: "والله ما عملت حاجة، أنا بكلم مع ماما."
صرخ بغضب: "دي مش ماما، وأنا غلطان إني دخلت واحدة زيك بيتي. أطلعي خذي حاجتك وامشي حالا من هنا، يلا مش عايز أشوف وشك هنا مرة ثانية."
بكت بقهر من إحساس الظلم وطريقته الحادة معاها. صعدت غرفتها، تناولت حقيبة يدها ونزلت درجات السلم ببطء، الحزن يعتصر قلبها من تفكيرهم السيئ بها.
رواية إنت عمري الفصل الثالث 3 - بقلم امل مصطفى
صعدت عشق تبكي. فتحت باب الغرفة، بحثت عن حقيبة يدها، تناولتها وهي تشعر بالإهانة والقهر من هجومه عليها دون أن يفهم ما حدث. لكنها لن تبتعد قبل أن تبرر لروان ما حدث. توجهت إلى غرفتها ووقفت خلف الباب، تطرقه وهي تستعطفها:
"روان، أرجوك ما تعمليش فيا كده. أنا ما صدقت ألاقي أخت تعوضني عن وحدة السنين اللي فاتت. ننام مع بعض ونتشارك اليوم كله. أنا ما خنتكيش يا حبيبتي. أنا كنت هاجي كل يوم أشوفك وأروح على النوم."
تنهدت وهي تكمل:
"ما ينفعش أقعد مع أخوكي في نفس المكان وهو مش قابل وجودي. أنا كنت مضطرة الأيام اللي فاتت لأني كنت خايفة من أمير يعمل فيا حاجة. أرجوك ما تزعليش مني."
لم تتلق ردًا. جلست على الأرض بجوار الباب تبكي. فتحت روان الباب، وجدت عشق تجلس على الأرض. جذبت يدها. وقفت عشق بفرحة، يحتضنوا بعضهم ببكاء. تحدثت عشق معتذرة:
"أنا آسفة، مش قصدي أجرحك كده."
تلك روان الخبيثة ردت ببكاء:
"أنا هاسامحك بس بشرط."
سألتها بلهفة:
"أيه هو؟"
"إنك تعيشي معايا هنا وما ترجعيش بيتك."
جاء صوت من خلفهم:
"وهي موافقة طبعًا. بعد ما كان عندي بنت واحدة بقوا اتنين."
ضحكت الفتاتان بفرحة، غافلين عن تلك العيون التي تنظر لهم بسعادة. تركهما وصعد إلى غرفته.
في مكان بعيد جدًا، في إحدى منازل الصعيد، جلس رجل في العقد الثامن من عمره، يبدو عليه القوة والهيبة، على كرسي في مجلس الرجال، ينتظر على نار وصول ابنه وأحفاده، حتى يبشروه بعثورهم على ابنه الغالي والأقرب إلى قلبه، الذي دخل بينهم الشيطان منذ سنوات طويلة عندما تمرد الابن البار على والده وترك ابنة عمه التي أصر والده على تزويجها له وهو مازال في السنة الثانية من الجامعة دون إرادة منه، حتى لا يخطف من قبل فتيات البندر.
لكن إرادة الله فوق كل شيء، ووقع ابنه في عشق تلك الفتاة التي تشع جمالًا وخلقًا، رغم فقرها وضيق حالها بسبب فقد والدها وهي صغيرة وأمها من تكفلت بتربيتها.
أتي اليوم الذي وقع ذلك الحبيب المقرب لوالده عن باقي إخوته في غياهب العشق، وتمرد ووقف أمام والده لأول مرة مدافعًا عن حبه وتمسكه بها، مما جعل الوجه المتوحش لوالده يظهر ويقسو عليه ويهدده بالتخلص من تلك الحية التي جعلته يكسر كلمة أبيه، وقبلها كسر قلب ابنة عمه التي تعشقه منذ الطفولة.
لكن كل ذلك لم يردعه، بل زاد تمسكه بها واختفى عن عين والده سنوات. جن جنون المنشاوي الكبير وبحث عنه حتى يقتص منها بسبب خسارة ابنه، لكنه لم يعرف لهم طريقًا، حتى ظهر ابنه بعد سنوات عندما رزقه الله بطفله، وأراد وصل الحبال المقطوعة بينه وبين أبيه بجذب عاطفته عندما يرى حفيدته.
فذهب وحده لأبيه يطلب منه السماح في تركه يعود للعيش معهم بزوجته وابنته، حتى لا تترعرع بعيدًا عن أرضها وأهلها. لكن الشيطان أعمى والده، كيف له أن يكسر هيبته بين أبنائه بالموافقة على عودة ابنه العاق ورفض تواجده هو وأسرته، بل طرده أشر طرد، رغم محاولات ابنة أخيه وهي زوجة ابنه الأولى بالعدول عن قراره وأنها موافقة على تواجد زوجها و ضرتها معًا وأن هذا يعد عادي في عادتهم وهو تعدد الزوجات.
لكن المنشاوي الكبير رفض، مما جعل ابنه يعود مكسورًا وحزينًا من رفض أبيه له. ومرت سنوات أخرى ومرض الجد وأخذ منه شوقه لابنه مأخذه، وطلب من أولاده أن يبحثوا عن أخيهم الصغير والعودة به حتى يرتوي من رؤيته قبل أن يفارق الحياة.
وها هو ينتظر عودتهم بما يشفي حنين قلبه الذي تعب من التعلق بأحبال دائبة، كلما عادوا دون التوصل لمكانه. عاد من بحر ذكرياته على دخول ابنه الكبير، ملامحه لا تبشر بخير، وتأكد حدثه عندما هتف الابن بحزن:
"عرفنا طريقه أخيرًا يا بوي."
هتف المنشاوي بفرح وتهللت أساريره:
"فين يا ولدي؟ وكيفه وكيف عياله؟"
نكس الابن رأسه بوجع:
"مات يا أبوي هو وعياله."
صرخ الأب بغضب:
"جبر يلمك ويلم لسانك العفش ده! مين ده اللي مات؟ غور من جدامي!"
ثم وجه كلمة لحفيده الأكبر:
"جول إن أبوك بيكذب يا فهد، لأنه تعب من اللف على عمك يا ولدي. أنت الوحيد اللي حاسس بجدك ونار قلبه."
اقترب منه فهد بوجع لا يقل عن وجع جده، لأن محمود لم يكن مجرد عم بل كان صديق وحبيب. جثى أمام جده ومسك يده وهو يحاول إخراج كلماته:
"اتأكدت بنفسي يا جدي. عمي مات هو ومراته وصغاره في حادثة ميكروباص من خمس سنين."
لم يتحمل المنشاوي فكرة خسارة ابنه وأحفاده، ليمسك قلبه وهو يصرخ بقوة:
"ولدي!"
رواية إنت عمري الفصل الرابع 4 - بقلم امل مصطفى
في فيلا أدهم، في الصباح، قامت عشق تتوضأ لتصلي الضحى. هزت روان بحنان وهي تهتف.
فتحت روان عيونها بكسل وهي تهتف: "أيه مالك يا عشق؟"
عشق بحذر: "بص يا حبيبتي، أنا هروح البيت."
قاطعتها روان بحزن: "مش إحنا اتفقنا خلاص؟"
عشق: "أه يا حبيبتي خلاص، بس لازم أجيب هدومي وكتبي. أنا بقالي فترة مش بروح الكلية وممكن أترفد."
وافقت روان وهي تردف: "خلاص يا حبيبتي، بس خلي السواق معاكي."
عشق: "طيب، هطلب من ماما غادة تجيبلك الفطار هنا لحد ما أرجع."
روان: "ماشي يا حبي، مش هتتأخري."
خرجت عشق وجدت غادة وأدهم يتناولون طعام الإفطار. ألقت التحية: "صباح الخير."
تحدثت غادة بابتسامة: "صباح الخير يا حبيبتي، رايحة فين كده؟"
عشق بهتفات بأدب: "بعد إذنك، أنا هروح أجيب حاجتي من البيت لأن غبت عن الكلية كتير وخايفة أترفد."
رفع أدهم عينيه وجدها تخفض رأسها. تحدث نفسه: "ليه باعده عيونك عني؟ أنا اتعودت عليهم، كأن عايش عمري بيهم. من لحظة ما فتحتيهم وأنا قريب منك زي ضوء الشمس اللي نور عتمة حياتي، ومش بعرف أبدا يومي من غيرهم."
هتف بقوة: "حتى تنظر له، ماحدش يقدر يرفدك وأنا موجود."
رفعت عينها وهي تنظر له باستغراب من طريقته. لقد أراد طردها الليلة الماضية، والآن يعرض حمايته. ظل ينظر إليها. خجلت وأخفضت عينيها مرة أخرى.
شعر بانتشاء داخلي من رؤية عينيها. لا يعلم ماذا حدث له وكيف اخترقت كل دفاعات قلبه في عدة أيام. قام ثم قبل رأس والدته وهو يحدث نفسه: "كده أقدر أبدا يومي بمزاج عالي."
مر من أمامها دون كلام، ولكن ضربات قلبها زادت من مروره بجوارها بتلك المسافة الصغيرة. يااه، وجوده أمامها على أرض الواقع له مذاق مختلف عن عالم أحلامها. دخل إلى غرفة أخته يقبلها كعادته وتحرك للخارج. وجدها مازالت على نفس وقفتها وهي تنظر لطفيه بحزن من قسوته معها. كم تمنت أن ترى حنانه عليها مثل أمه وأخته. تمنت أن يقبلها مثلهم. بل أرادت أن تصرخ به وتطلب منه حقها فيه. لقد ظل ملكها هي فقط لثلاث سنوات متواصلة. وعدها أنه لها هي فقط وأن الحب والحنان زرعا داخله من أجلها. لقد احتل روحها وقلبها قبل جسدها. كيف تواجهه وتشتكي له لوعتها عندما ينظر إليها الآن دون اهتمام؟ تريد خطفه مرة أخرى لعالم أحلامها. هذا العالم الذي أغرقها به أدهم بالحب والغرام ونظرات يملؤها الشغف والتمني. كيف ينسى كل ذلك ويتحول معها لشخص بارد المشاعر؟ لقد حرمت من الحب والحنان فترة طويلة وهو اخترق عتمة لياليها حتى يعوضها كل ما افتقدته في غيابه.
عقلها: "أنتي مجنونة؟ متخيلة واحد زيه يبصلك؟ واحدة لا ليها أهل ولا سند ولا حتى أصل. أنتي من عالم وهو من عالم تاني. ده تشوفيه في أحلامك بس، لكن ما تتعشميش في أكتر من كده. فوقي يا عشق. ارحمي نفسك من الأوهام."
تحركت بأقدام مثقلة بالهموم للخارج. وجدت السواق في انتظارها. ركبت في صمت ثم انطلق لوجهته.
***
في الشركة، قام أدهم برفع السماعة الداخلية وتحدث للسكرتيرة: "خلي مدير الحسابات يجي بعد نصف ساعة. واطلبي مراد، عايزو حالا."
طرق الباب ودخل مراد بابتسامة: "صباح الخير يا بوص."
أدهم: "صباح النور. عملت إيه في المناقصة؟"
مراد: "رست علينا زي كل مرة، بس المرة دي الراجل هيجيله جلطة."
أدهم ببرود: "يستاهل عشان ماعندوش دم. أنا بكسبها بما يرضي الله. بقدم ورق زي ورقة، بس الأسعار بتختلف. يقول إني برشّي الناس عشان يزوروا الورق. أنا مش ممكن أسكت على اتهام زي ده."
تحدث مراد بصدق: "الكل عارف إنك من أنزه رجال الأعمال وبترضي ضميرك قبل مصلحتك."
رجع يجلس على مكتبه وهو يسأله عن عدوه اللدود: "عملت إيه مع أشرف السلاموني؟"
هتف مراد بثقة: "كل السوق بيخاف منك وبيعمل لك حساب. بس هو الانتقام عماه وعمال يخبط في أي حاجة عايز يأذيك." ثم تغيرت لهجته لقلق: "وأنا خايف المرة دي تصيب يا صاحبي."
هتف أدهم بإيمان قوي: "سيبها لله، كله نصيب. هو أنت فاكر إن الحرس ده هو اللي بيحميني؟ أنا جايبهم كده للضرورة، لكن متأكد إن المكتوب مافيش منه هروب، والعمر في إيد ربنا مش حد تاني."
أدهم: "المهم عايز أعرف كل خطوة يخطّيها تكون عندي. لازم عيونا تكون دايما عليه. ده غدار ومش عارف الخبطة ممكن تيجي إزاي. وأنا سمعت إنه دخل مع ناس شمال في تجارة الآثار والناس دي مالهاش كبير أو عزيز."
***
عند ناجي وفتون. كان على الباب خبط وطبل.
ناجي: "مش ممكن، دي طريقة عشق." قام بفرحة كبيرة. وجدها أمامه بطلتها الطفولية المرحة.
عشق: "إزيك يا أونكل؟ وإزي المزة بتاعتك؟"
ناجي بسعادة: "وحشتيني يا حبيبة الأونكل. والمزة جوه عايزة حد يصالحها، وأنتي أكتر حد عارف الطريقة."
غمزت له بشقاوة: "بس كده، دا أنا هاصالحها وأدلّعها كمان. أنا عندي كام فتون؟"
فتون وهي تمثل الحزن رغم قلبها الصاخب من فرحة رؤيتها: "بقالك كام يوم بعيدة ومش بتسألي. أنا زعلانة منك قوي."
قالت وهي تحتضنها: "غصب عني يا قلبي."
ضربتها فتون على ظهرها بحنان وهي تحتضنها: "ما تعنّيش تبعدي كده، فاهمه؟"
جلست بجوارها عشق وهي تقبل وجنتها: "هو لو ماكنش أمير الله يجحمه، كنت بعدت."
ناجي باهتمام: "احكي. إيه حصل يومها ومين ده اللي أخدك عنده؟"
قصت عليهم كل ما حدث لها منذ خروجها من المنزل حتى عودتها الآن.
وضعت فتون يدها تحتضن يد عشق بحزن: "حبيبتي يا بنتي، حظك إننا ناس كبار ومش عارفين نحميكي."
انحنت عشق على يدها تقبلها: "كفاية حبكم وحنانكم عليا من غير ثمن."
ثم سألت بحيرة: "هو فيه حد مكنش عنده عم ولا خال ولا ولاد عم ولا قرايب من أي نوع زيي كده؟"
ناجي: "الدنيا فيها كل حاجة. يعني حد يصدق إننا عندنا أولاد تعبنا في تربيتهم، علمنا وكبرنا، وفي النهاية كل واحد سابنا وشافوا حياتهم ونسوا إن ليهم أهل. حتى أحفادنا منعرفش شكلهم. ولولا ربنا عوضنا بيكي كان زمانا بنكلم نفسنا من الوحدة."
شرد كل منهم في حزنه وأوجاعه.
تحدثت فتون بقلب موجوع: "يعني أنتي هتعيشي هناك؟"
عشق بحيرة: "مش عارفة. إيه رأي حضرتك؟"
ناجي بهدوء: "لو ربنا جعلك سبب في شفاها، فدي حاجة كويسة وماينفعش تخلي بيها. أنتي قولتي بقالها سنين مقاطعة العالم الخارجي ورجعت عشانك، وده معناه إن في بينكم رابط رباني وأنها بتحبك وبترتاح معاكي. توكلي على الله وربنا يجعله في ميزان حسناتك. بس أوعي تنسينا."
هتفت بلهفة: "أنسى إزاي؟ أنتم أهلي الوحيدين في الدنيا دي. وبعدين أنا هازوركم وهاكلمكم كل يوم."
***
في الصعيد. جلس الجميع في حالة حزن على الجد الذي انهار بعد أن كان جبل شامخ يكتسب منه الجميع القوة والشموخ. بينما انهارت ابنة عمه عندما علمت خبر وفاته، رغم أنها لم تراه منذ سنوات طويلة أو حتى تسمع صوته، لكنها كانت تعيش على أمل رؤيته وعودة الطائر المهاجر لعشه في يوم من الأيام، لتنهار كل أحلامها. الآن فقدته للأبد ولا يوجد أي أمل في رجوعه. لقد حرمت منه في حياته وحتى في مماته حرمت من توديعه. لقد ضاع شبابها في انتظاره. لقد رفضت طلب عمها في تطليقها منه وكل عروض الزواج التي أتتها عندما تركها ابنه ورفضت أن تكون لشخص غيره وظلت على حلم رجوعه. لماذا تعيش الآن؟ لم يعد لديها سبب. أشفق على حالها كل رواد المنزل من سلفات وأحفاد، فالكل يحبها.
أما في الأسفل عند الرجال. تحدث بقلق: "حالته إيه الوقت؟"
محمد بحزن على جده: "بوادر جلطة، بس ربنا يعديها على خير. أهم حاجة مش يتعرض لأي زعل عشان تعدي."
فهد بوجع على جده: "طب قولي إزاي لمجرد إنه يفوق هيتكلم تاني في الموضوع؟ أنا عارف إنه روحه كانت في عمك محمود بالذات، وبعد كل السنين دي يلاقي ميت هو وولاده. مش سهلة عليه. بقالنا 3 سنين ندور وهو متوفي من 5 سنين."
أمل مصطفى: التفت إلى أخيه: "عايزك تاخد إجازة كام يوم أنت ومؤمن تنزلوا مصر وما ترجعش غير لما تعرفوا كل كبيرة وصغيرة. يمكن يكون تشابه أسماء ويكون عمك في مكان تاني. نسأل مرة واتنين لحد ما نتأكد إن اللي ماتوا في الحادثة دي هم فعلا."
***
عند عشق. جلسوا في الحديقة، هي وروان، يشاهدون فيلماً كوميدياً على اللاب توب. ضحكت روان بصوت مرتفع.
تيبست أقدام هذا المتيم بعشقها عندما تعرف قلبه قبل أذنه على صوتها الذي اشتاقه. حرك رأسه تجاه الصوت. وعندما وقعت عيناه على ملامحها شعر بأنفاسه تسحب من جسده وضربات قلبه توقفت وهو يتأمل معذبته. فقد أنكوى قلبه بنار الفراق وقتله شوق رؤيتها منذ تلك الحادثة وهي رفضت العالم. لم ترحم قلبه وهي تحكم عليه بالإعدام. رفع فونة، التقط لها أكثر من صورة دون أن تراه. ظل يتأملها. لا يعرف كم مر من الوقت وهو يقف بهذا الشكل. لقد نسي الزمان والمكان في وجودها.
مراد لنفسه: "أنت هتفضل كده؟ روح سلم عليها وملي عيونك منها عن قرب."
تحركت أقدامه في اتجاهها. مشتاق، تعب من طول الفراق.
تعجبت عشق من وجود شخص غريب في تلك المنطقة المحرمة حتى على الحرس، وسألت روان: "مين الشاب اللي جاي علينا ده؟"
رفعت روان عينها عن الجهاز أمامها. تعجبت من نظره المسلط عليها: "ده مراد صديق أدهم طول عمره معانا هنا، بس أنا مشوفتوش من زمان."
اقترب منهم وتحدث بفرحة شديدة لم يستطع إخفائها: "حمد الله على سلامتك يا آنسة روان، نورتي الدنيا كلها."
بابتسامة مجاملة ردت عليه: "الله يسلمك يا بشمهندس مراد. هو أنا كنت مسافرة؟"
تحدث بحب: "طبعاً! لما تحرمينا من طلتك دي 3 سنين كأنك كنتي مهاجرة. والله، كل حاجة النهارده ليها شكل ولون تاني. تحسي كده إن الشمس النهاردة قوية بس حنينة لأنها شافتك، والشجر لونه زاهي عن كل يوم، حتى العصافير النهاردة صوتها مبسوط بوجودك."
شعرت عشق برائحة عشق في الأجواء، لذلك قررت الابتعاد: "أنا هاروح أجيب حاجة نشربها."
كأن مراد لم يراها غير الآن. هتف باعتذار: "آسف يا آنسة عشق، ما أخدتش بالي."
تعجبت عشق من معرفته لها رغم أنها أول مرة تراه، لكنها تجاوزت تلك الفكرة وهي تردف: "مافيش مشكلة. تحب تشرب إيه؟"
مراد: "لا شكراً، أنا داخل أصل أدهم يغضب عليا وأنا مش قده. يرجع يعلقني."
ضحكت الفتاتان.
رن تليفونه برقم أدهم. رفع وابتسم: "مش قولت ربنا يرحمني." فتح الخط ومازالت عيونه على روان التي تململت بعدم راحة من نظراته.
مراد: "أيوه يا أدهم، ثواني وأكون قدامك."
التفت لها بحب: "أتمنى أشوفك مرة تانية، بعد إذنكم؟"
جلست عشق مرة أخرى وهي تريد أن تعرف ما يحدث وهل تعلم روان بمشاعر هذا العاشق الذي فضحته مشاعره من أول وهلة. شكله إنسان محترم ومحبوب من أدهم وإلا ما كانش دخله البيت.
ردت روان بشرود من نظراته وطريقة كلامه التي تراها لأول مرة. فهو معهم منذ سنوات، لكنه لم يتواصل معها بتلك الطريقة ولا مرة من قبل. أدهم يثق فيه جدا، ده صاحبه وأخوه وكاتم أسراره وأقرب شخص لقلبه.
***
دخل الفيلا بقلب ردت به الحياة، رغم علمه أنها لا تراه. وسابقاً ذبحته باختيار غيره وتجربة الحب معه، وهو من عاش وتمنى أن يكون أول شخص تعيش معه الحب ويكون أول من يدق قلبها لأجله، لكن هذا نصيبه أن يعيش يتمنى ما ليس له. فاق على صوت غادة التي تحدثت بحب: "أهلاً بالهارب اللي نسى مامته."
مراد بابتسامة: "مين ده اللي يقدر ينساك؟ أنت في بالي على طول، بس خلي ابنك يرحمني وألاقي وقت."
ضحكت غادة: "معلش يا حبيبي، ربنا يبعت له اللي تملكّه ويمشي وراها وترحمك منه."
أتهم صوته الغاضب من خلفهم، فهو يؤنب نفسه بسبب تلك المشاعر التي غزت قلبه في وجود عشق.
أدهم: "ما اتخلقتش اللي تمتلك أدهم الشهاوي ولا يجري وراها. وأنت يلا خلينا نخلص وإلا ما فيش غداء."
تحدث بمرح: "لا كله إلا الغداء."
غادة: "خلاص افرح بمراد."
هتف مراد بنفي: "أنا مع أدهم على الحلوة والمرة، وده عهد بينا. يعني لو اتجوز هاتجوز."
ابتسمت بحزن، فهي تعلم سبب هذا العهد الذي جعل ابنها يبتعد عن جميع بنات حواء. وتمتمت بدعاء: "ربنا ما يحرمكم من بعض أبداً."
***
بعد أسبوع. تحدثت عشق بتشجيع: "إيه رأيك لما نخرج ونروح النادي؟ نشوف ناس ونغير جو. كفاية لحد كده قعدتك في الفيلا."
نكست رأسها وهي تردف بحزن: "بس أنا مش مستعدة أشوف نظرة شفقة من حد. وكمان قلبي مش حمل أشوفهم مع بعض. مش ممكن يا روان، لسه بتفكري فيه بعد كل ده؟"
نظرت لها بنفي: "لا، ما عادش ليه وجود في حياتي. بس برضه مش سهل أشوف في عيونهم نظرة شماتة ليا في وضعي ده."
عشق: "حبيبتي، ده نصيب كان ممكن يحصل لأي حد فينا. وأنا معاكي مش هاسيبك ومش ممكن اسمح لحد يجرحك. استقوي بيا."
كلمات عشق ردت لها ثقتها بنفسها وأكدت ذلك وهي تردف: "خلاص، لما أدهم يرجع أطلب منه أروح النادي."
زادت دقات قلبها لسماع اسمه، لكنها تعلم رد فعله لو علم أن لها يد. بس بلاش تجيبي سيرتي، أصله مش بيطقني؟"
ضحكت وهي تتحدث: "أكيد هايعرف أنك أنتي السبب، لأن أنا بقالي سنين حابسة نفسي!"
شهقت عشق من ردها: "لا يا أختي، اعتبري أني ما قولتش حاجة. مالوا بيتكم جميل أهو شرح وبرح، ويكفي من الحبايب ألف!"
روان بضحكة جبانة: "جبانة جبانة، بس أعيش. هو العمر بعزقة؟ ميت مرة جبان أحسن من الله يرحمه."
***
دخلت غادة على الفتيات غرفتهم وهي تسألهم: "مش هتخرجوا تقعدوا معايا ولا أسيبكم وأخرج؟"
وقفت عشق تعدل ملابسها: "لا، خارجين أهو."
بينما هتفت روان برفض: "لا يا ماما، أنا عايزة عشق ترسم لي. ولا هي فنون جميلة على الفاضي؟"
عشق بثقة: "على الفاضي، ماشي. قبلت التحدي."
غادة: "لا كده أنا وجودي مالوش لازمة. هطلع أغير وأخرج." ثم تركتهم.
روان: "بس أنا عايزة أطلع حلوة يا عشق."
عشق: "أنتي قمر من غير أي حاجة. اجهزي وأنا هروح أجيب حاجتي من الأوضة."
تحركت روان اتجاه دولاب ملابسها بكرسيها: "ماشي، هستناكي بس بلاش تتأخري؟"
ركضت عشق للخارج بفرحة كبيرة. لقد تعلقت بروان وتتمنى إسعادها في كل لحظة حتى تخرجها من حزنها. اصطدمت فجأة في حائط. ردت إلى الخلف، ولكن يده القوية احتضنتها وجذبها لصدره. فتحت عينها ببطء مهلك الأعصاب. وجدته أمامها، بطلتها الجذابة الخاطفة لأنفاسها. شردت في وسامته. وظل هو الآخر يتأملها كأنه يحفر ملامحها في ثنايا قلبه. فاق على نداء والدته التي لم تر عشق المختفية أمام جسده: "أدهم، مالك واقف ليه كده؟"
أبعد عنها بغضب حتى يداري تأثيرها عليه وضعفه أمامها: "أنتي بتجري كده ليه؟ فاكرة نفسك عايشة في زريبة؟ مش تاخدي بالك من تصرفاتك ولا..."
رواية إنت عمري الفصل الخامس 5 - بقلم امل مصطفى
لكنها أجهشت في بكاء مرير، لا تعلم ما سبب هذا البكاء، لكنها تحتاجه الآن بشدة، كأنها تغسل أوجاعها بعد كبت سنوات، أو أرادت أن تظهر ضعفها أمامه هو بالذات، لا تعلم، كل مشاعرها في حالة تشتت، وكلماته الحنونة والعشق بعينيه زاد من ندمها.
هتف برجاء: "كفاية بكاء، قلبي مش هيتحمل أكتر من كده، وهاخدك في حضني قدام الناس دي كلها، وأخوكي يقتلني ويغسل عاره."
اتسعت عيناها بذهول من كلماته التي ينطقها بهدوء يدل على عدم هزاره. نظرت في عينيه، ابتسم وهو يؤكد على فكره: "أنا بتكلم جد، مش بهزر."
ابتسمت بخجل وهي تردف: "على فكرة ما كانش قصدي اللي أنت فهمته، أنا كنت خايفة عليك تضيع نفسك في حيوان زي ده."
للمرة الثانية يفهم معني كلماتها خطأ، عندما هتف لنفسه: "معقول ما يحدث؟ هل تخاف عليه؟"
نفي قلبه ما حدث وأكد عليه أنه حلم من نسج خياله، أو حدث لأذنه خلل أثر على سمعه. ليسألها بلهفة: "يعني أنت خايفة عليا؟ مش زعلانة لأن ضربته؟"
هزت رأسها بنفي: "لا مش خايفة عليه، بالعكس، ضربك ليه طيب نار قلبي وفش غليلي منهم."
عاشق متيم يتمنى نظرة رضا من معشوقته، نسي غضبه وتحدث بحب: "يعني أنتي مش بتحبيه؟"
تأملت لمعة عينيه ولهفته لترد بما يبرد نار قلبه: "حبه مات في قلبي يوم ما سابني في عز احتياجي ليه."
أخيرًا فرصته الذهبية أتت، سوف يثبت لها كم يعشقها، بل سوف يتفنن في إسعادها حتى يمحي كل أثر لوجوده في قلبها، في يوم من الأيام، بل سيجعلها تشعر أن أول نبضات قلبها كانت له فقط.
هتف بإصرار: "أعطيني فرصة وأنا أعوضك عن كل حاجة وحشة شفتيها في حياتك، سيبي نفسك ليا وأنت تعرفي أن فيه فرق كبير بين واحد يحبك وواحد يعشقك بجنون."
تتابع ما يحدث من بعيد وهي تضع يدها تحت وجنتها وعيونها تطلق قلوب، وهي تتمنى أن تعيش تلك المشاعر مع من ملك روحها وقلبها، فارس أحلامها ولياليها، أدهم. ولكن يبدو إنها سوف تعاني كثيرًا حتى تجعل هذا الوحش يشعر بها ويلين معها.
بعد مرور عدة أيام.
ذهبت عشق إلى جامعتها وهي في منتهى السعادة لأن خطوبة صديقتها عزة بعد يومين.
حضنتها عشق بحب: "مين يصدق حبيبي يلبس دبلة."
عزة بمرح: "أنا نفسي مش مصدقة، بس أعمل إيه يا أختي، الواد واقع، قولت أشفق عليه، أصله وحيد أمه."
عشق بمرح: "يا ضنايا."
ضحكوا بقوة، ثم توجهوا لمحاضرتهم.
مالت فريال على عشق تسألها: "لسه مرجعتيش البيت؟"
"لا، مش هقدر أرجع لحد ما أطمن على روان، وقتها هي تشوف حياتها وتسيبني أشوف حياتي."
عزة بغمزة: "يعني المز اللي أنقذك محصلش بينكم شرارة حب ولا حاجة زي الروايات؟"
ابتسمت عشق بتمني: "ياريت." ثم فزعت مما نطق لسانها لتري نظرات صديقتيها المرحة.
تخضب وجهها بحمرة الخجل وهي تصحح كلماتها: "إيه مالكم؟ بقول ياريت أعيش قصة حب زي الروايات، بس ريحوا نفسكم، هو مش طايق وجودي، ولولا تمسك أخته بيا وحالتها النفسية اتغيرت بسبب وجودي، كان فاتني طردني."
بعد انتهاء المحاضرة استعدوا للذهاب حتى يكملوا مستلزمات العروسة، لكن فريال هتفت بمرح: "يلا يا عشق نقرصها في ركبتها علشان نحصلها في جمعتها."
انحنت كل فتاة على ركبة، صرخت عزة: "الله يخرب بيت معرفتكم."
جذبت عشق يد فريال وابتعدوا عنها ممثلين الحزن من رد فعلها.
عزة بفزع: "استني يا بت أنت وهي، رايحين فين؟ طب أسمعوا، طاااه يا بنات، طب خلاص أنا آسفة."
التفتن لها بدهاء: "عفونا عنكِ، بس بشرط عايزين آيس كريم."
هتفت بحب: "بس كده، أنا ليا مين غيركم."
عادت الفيلا، غيرت ملابسها، استأذنت غادة أن تذهب عند عزة حتى يقوما بترتيب شقتهما لاستقبال الضيوف.
وفي طريقها للخارج قابلت مراد الذي ابتسم وهو يلقي عليها التحية.
داخليًا يريد حفر تمثال لها لأنها السبب في تلك السعادة الذي يعيشها حاليًا، ولولا ظروفها التي أوقعتها في طريق أدهم، كان لازال يعاني حرمان الحب ويتألم من بعد روان عنه.
"إزيك يا آنسة عشق، أخبارك؟"
ابتسمت بخجل وهي تنظر للأسفل: "الحمد لله بخير، أستاذ مراد، نورتنا."
"أنا مش عارف أشكرك إزاي على كل الفرحة اللي ظهرت في البيت ده من يوم ما دخلتيه، بجد كلنا مديونين ليكي."
"ما فيش شكر بين الأهل، وبعدين اللي حصل ده كله مكتوب، وربنا بس ميعاده كان لسه مجاش، بس ليا رجاء عند حضرتك."
هتف بسرعة: "طبعًا، أنا تحت أمرك في أي حاجة."
"أولًا أنا مش عايزة حضرتك تفهمني غلط."
تحدث بابتسامة: "طبعًا، أنا سامعك، بس بلاش حضرتك، أنتي زي أختي الصغيرة."
"شكرًا لذوقك، أنا عايزة أقول لو ناوي تخرج مع روان كتير، ياريت الموضوع يكون رسمي، أنت بترفعها بين إيدك وهي مش تحل لك، وده ذنب كبير ليكم أنتم الاتنين، أنتم في غنى عنه، ياريت ما تزعلش مني، أنا خايفة عليكم."
مراد بحنان: "أنا مستحيل أزعل منك أبدًا، أنتي ملاك ربنا بعتك لينا عشان تنوري حياتنا كلنا، وأنا مبسوط منك جدًا، كفاية إنك رديتي فيا الروح."
"حلم عمري إني أرتبط بيها، مش النهاردة، لا، من سنين فاتت، وأنت السبب إن أخيرًا قدرت آخد الخطوة دي."
دخل بحالة هيام وشجن من فكرة ارتباطه بها، يتخيل دبلته محتضنة أناملها، طرق الباب بمرح، لم يجد رد، فتحه، وجد أدهم يعطيه ظهره وينظر من الشباك المطل على حديقة المنزل.
أطلق صفير بفمه وهو يقترب من أدهم يهتف بمرح: "باشا مصر كلها منور."
وقف جواره ينظر للمناظر الطبيعية أمامه وهو يعبر عن فرحته: "تصدق يا صاحبي، النهاردة أسعد يوم في حياتي، وقررت آخد خطوة كنت أجلتها كتير قوي."
التفت له أدهم بعيون حمراء من الغضب وملامحه عابسة بشدة، يراها مروان لأول مرة، يخصه بها، ليسأله: "مالك يا أدهم؟ في حاجة مضايقاك؟ حصل حاجة من السلاموني؟"
خرجت كلماته حادة بها شك واتهام، جرح مراد عندما قال: "بعد كده شغلنا مع بعض بالشركة وبس، ما فيش شغل هنا ولا مقابلات."
مراد بصدمة: "أدهم، أنت بتطردني من بيتك؟"
شعر أدهم بندم شديد، ماذا حدث له؟ منذ رؤيته لتلك الفتاة، لقد بدلت أحواله وتغير تفكيره ونظرته للأمور، كيف استطاع جرح أقرب شخص لقلبه، مراد، الشخص الوحيد الذي يثق به ويأمنه بعد نفسه. حاول تصليح ما أفسدته غيرته: "أنا بتكلم لأن الوقت في حريم."
مراد بوجع: "طول عمري عايش هنا بين الحريم دي، بس أنت أدرى بمصلحة بيتك."
ثم تحرك للخارج، نادى مراد: "استنى."
لكنه لم يستجب له وتحرك بحزن، لم يتخيل أن يأتي اليوم الذي يتهمه صديق عمره بتلك التهمة الشنيعة.
عادت عشق.
دخلت الفيلا، وجدت من يجذبها من ذراعها بعنف وهو يهتف بغضب: "ممكن أعرف كنتم بتتكلموا في إيه مع بعض؟"
تحدثت بضيق: "ممكن تسيب إيدي."
تركها ونظر لها بغضب.
سألته ببرأة: "بتكلم مع مين؟"
رد بعنف: "أنتي هاتستعبطي عليا؟ مراد كان بيقولك إيه؟ كل ده؟" ولكنه أكمل قبل أن تدافع عن نفسها: "أنا مش ممكن أسمح بالمسخرة دي في بيتي."
نظرت له بزهول، هل يشك في أخلاقها ويراها فتاة عديمة الحياء؟
تحدثت وهي تختنق من إهانته لها: "بص حضرتك، أنا محترمة وعارفة حدودي كويس، أنا عشت أصعب فترة مراهقة لوحدي من غير أهل لمدة خمس سنين، يعني كل حاجة كانت مباحة وسهلة، بس أنا حافظت على نفسي رغم صعوبة الحياة اللي واجهتها، لأني بخاف من ربنا، وشرفي هو كل ثروتي، ومش هاسمح لأي حد مهما كان أنه يشكك في أخلاقي."
بكت بحزن: "وأنا الحمد لله، إطمنت على روان ووجودي ما عادش ليه لزوم؟"
شعر أدهم بيد باردة تعتصر قلبه وتحدث بقلق: "يعني إيه الكلام ده؟"
هتفت بما جعل قلبه ينتفض بين ضلوعه من الخوف: "يعني الوقت أقدر أرجع بيتي وأنا مرتاحة، وكثر خير حضرتك على كل اللي عملته معايا."
ثم تركته للحيرة والخوف ينهش قلبه.
تشعر بالاختناق ووجع قلبها في ازدياد، لم تعد تستطيع التواجد معه في نفس المكان وإلا خسرت كرامتها، وأيضًا لا تستطيع تركه، فهو لها كل شيء بالحياة، وهذا يجعلها في حرب دائمة بين قلبها وكرامتها منذ أن رأته. لكن تلك المرة لا يستطيع القلب الانتصار، لقد داس على منطقة محظورة على كل البشر.
دخل مكتبه وهو مثل الأسد الجريح، قام بتكسير مكتبه من شدة غضبه، وحدث نفسه كأنها شخص آخر: "ليه كده؟ كل ما أحاول أقرب تجرح فيها بالطريقة دي؟ أنا هموت عليها ورغم كده بموتها بكلامي، إزاي بحبها كده؟ وسايب ليك تجرح فيها؟ حرام عليك، سيبني أعيش معاها الإحساس ده. أنا اتولدت على إيديها، مش هأعرف أكمل من غيرها." وضع يده على قلبه لعله يهدئ عن تمرده الجديد عليه، هو دائمًا القوي على مشاعره، أما الآن قلبه تمرد عليه وأعلن العصيان وأحبها.
تنهد بحزن وحيرة: "يارب، أنا ماليش غيرك، خفف عني."
ظل مراد يسير بسيارته لا يعلم ماذا أصاب صديقه وكيف تحدث معه بتلك القسوة وهو يعلم أنهم كل عائلته. توقف فجأة واتسعت عيناه من تلك الفكرة التي مرت في خلده. ظل فترة يراجع ما يحدث ثم صرخ بصدمة: "مش معقول، أدهم بيغير علي عشق مني." صمت فترة ثم ضحك بقوة: "أدهم بيحب؟ مش ممكن، أدهم أخيرًا حب. ياااه يا أدهم."
"أنا مش مصدق إن الناس العابد." رفع هاتفه وقام بالاتصال على أدهم.
بينما هناك عند أدهم الذي يبحث عن أي سبب حتى يمنعها عن البعد، رن هاتفه، وعندما وجد اسم مراد يزين الشاشة، نسي أنه ندم على جرحه وفتح الخط وهو يردف بعصبية: "ممكن أعرف كنت بتتكلم مع عشق ليه؟"
أتته ضحكة صديقه التي زادت غضبه وثار أكثر عندما هتف مراد: "أوبس، إحنا بنغير."
صوته العاصف ألم طبلة أذنه عندما صرخ بنفاذ صبر: "مراد، أنا مش فايق لك."
شعر به وأشفق عليه عندما أردف: "مالك يا أدهم؟ عادي، كلام عادي على روان."
تحدث بحدة: "مالها روان؟"
مراد بهدوء: "بتقول نسرع في الارتباط لأن أنا برفعها بين إيديا وهي مش حلالي، بحمل نفسي ذنب، علشان كده بتصل بيك أطلب إيد روان."
تنهد بفرحة شديدة: "يعني ده بس اللي بينكم؟"
مراد بصدمة: "بينكم إيه يا عم؟ هو أنا شوفتها غير مرتين؟ إيه رأيك بقي في موضوعنا؟"
أنهى أدهم المكالمة بسرعة: "مش وقته يا مراد، مش وقته." وقفل الخط.
"لن تستطيع النوم هنا الليلة بتلك الحالة، نفسيتها في الحضيض، يجب أن تبتعد عن هنا يومين حتى ترتاح نفسيًا، منجرحة لذلك عليها خلق أي سبب تبرر به غيابها لروان." تريد سبب مقنع حتى لا تراجعها. ظلت تسير ذهابًا وإيابًا في غرفتها ومازالت دموعها تسيل، فصمت كلماته. فتحت الباب ونزلت درجات السلم وهي تحمل بين يديها حقيبتها، وضعتها جوار غرفة روان ودخلت.
اعتدلت روان بقلق: "مالك يا عشق؟ مين زعلك من أصحابك؟"
ارتمت عشق في حضنها تبكي وهي تردف: "ما فيش حد زعلني، بس طنط فتون مريضة، ولازم أروح أشوفها."
مسدت روان على ظهرها وهي تهدئ من خوفها: "متخافيش، بكرة تبقي بخير، روحي شوفيها، اطمني بنفسك وطمنيني."
ابتعدت عنها وهي تردف: "بس أنا مش عارفة أمتى أرجع، لأن زي ما أنتِ عارفة هي وانكل، ما فيش عندهم حد يخدمهم، ولازم أكون موجودة معاهم لحد ما حالتها تتحسن."
روان بحيرة: "يعني أنتِ عايزة تبقي هناك؟"
هزت رأسها موافقة، هي تبكي بوجع، ولم تكذب بأن فتون مريضة، لكن ليس المرض الذي يحتاج وجودها، لكنها مضطرة حتى تهرب من معذبها.
مررت روان يدها على وجنة عشق تزيل دموعها وهي تردف: "وقت ما توصلي طمنيني، وخليكي على تواصل دائم معايا يا حبيبتي."
وقفت عشق تودعها وهي ترد عليها بكلمة بسيطة: "حاضر."
سحبت حقيبتها وخرجت، قبل باب الفيلا، وقبل أن تبتعد سمعت صوته القوي الذي جعلها تتجمد مكانها: "استني عندك."
حالها يبكي الحجر، لم تعد تتحرك من الخضة بسبب صوته، وفي نفس الوقت ضربات قلبها التي تصدع في صدرها فرحة وتوتر ورهبة، لقد جُنّت من تداخل مشاعرها.
وصل بخطوات قوية ليصبح أمامها، لم ترفع عينها من الأرض، تطالع حذائه الفخم، حتى لم تسأل عن سبب وقوفه لها.
بينما هتف بصوت قوي: "أخذي شنطتك ورايحة فين؟"
"راجعة بيتي، هو أولى بيا علشان حضرتك ترتاح وبيتك يفضل متصان."
تنهد بضيق منها ومن نفسه: "أولًا وجودك مش مضايقني ولا حاجة، وبعدين هي وكالة من غير بواب؟ مش بتستأذني راجل البيت؟"
"على فكرة حضرتك اللي طردتني، وأنا مش ممكن أقبل وجودي في مكان اتهنت فيه أبدًا." ثم بكت من جديد وهي تردف: "حضرتك طعنتني في شرفي، ودي نقطة مش ممكن أسامح فيها."
بكاؤها أوجع قلبه، ولأول مرة في حياته يشعر بكل هذا الحزن من أجل فتاة، ضعفها يقتله، لكنه عاند نفسه وتحدث بحدة: "اتفضلي اطلعي غرفتك، ما فيش خروج من هنا، فاهمة ولا لا؟ أول وآخر مرة تتصرفي من نفسك."
رفعت عينها الباكية وهي تسأله: "هو أنا مسجونة عند حضرتك؟ أنت ملكش حكم عليا على فكرة."
رن هاتفه، رفعه يرى هوية المتصل، ثم رمقها بتحذير: "أنا مش فاضي للعب العيال ده، ثم أكمل: وبعدين إيه حضرتك اللي حطاها دايما في كل جملة دي؟"
نفخت وهي تردف: "مش راجعة بيتك تاني."
تحدث بصوت مرتفع: "عشق، اسمعي الكلام واطلعي غرفتك."
سحبت حقيبتها والتفت للداخل دون أي كلمة، تعجب لحالتها، لقد انسحبت للداخل دون أي اعتراض.
بينما هي تحول وجهها الباكي لآخر مبتسم وهي تحدث نفسها: "ناداني باسمي، قالي عشق، الله، أول مرة أسمعها منه بره أحلامي، قد إيه حروف اسمي ليها طعم تاني منه."
في غرفة روان، أغلقت الهاتف مع مراد الذي كان يبلغها أنه طلب يدها من أخيها وفي انتظار موافقته. احتضنت هاتفها، وعندما سمعت طرق الباب، وضعته بسرعة على أقدامها.
دخل أدهم وجد أخته مبتسمة باتساع، بينما هي تعجبت من ملامح أخيها الحزين وسألته بلهفة: "خير يا أبيه؟ في حاجة؟"
ردد بصوت متضايق: "عشق."
لم تفهم ماذا يقصد وسألته بحيرة: "مالها عشق يا أبيه؟"
تحدث بحرج يشعر به لأول مرة أمام أخته الصغيرة: "أنا ضايقتها، وهي مصممة تمشي."
تحدثت بفزع: "إيه؟ تمشي إزاي وتسيبني؟"
أدهم بنظرة رجاء: "حاولي معاها، بس عشان خاطري، بلاش تخليها تمشي."
نظرت له بذهول وعدم تصديق، فهو يكره الحريم ولا يحب التواجد معهم في أي مكان، حتى الموظفين لديه كلهم رجال، وكان يرفض تواجد صديقاتها بالمنزل، والآن يقف أمامها مثل طفل صغير يستجدي عطف أمه حتى تظل فتاة في منزله، ما يحدث مثل مطر في شهر أغسطس، شيء لا يستوعبه عقل.
"أبيه، أنت حبيتها؟"
رد بتوتر: "لا، الموضوع مش زي ما أنتي فاكرة، أنا بس مش بحب أظلم حد، وأنا ضايقتها جدًا، بس مش لازم تعرف إن ده طلبي إنك تمنعيها، دي حاجة بينا."
قامت روان بالاتصال على عشق التي فتحت الخط.
سمعت صوتها على الجانب الآخر: "إيه يا بنتي؟ أنتي فين؟ أخبارك؟"
أخبرتها عشق أنها لم تذهب عند فاتن وأنها تشعر ببعض التعب لذلك ظلت في غرفتها فوق.
لتهتف روان بتشجيع: "تعالي بسرعة، عندي لكِ خبر حلو."
أردفت باعتذار: "ممكن يا حبيبتي تخليها للصبح؟ أصل أنا تعبانة شوية."
روان بحزن: "خلاص براحتك."
عشق وهي تشعر بحزن في صوتها: "خلاص يا قلبي، ثواني وأكون عندك." غسلت وجهها، ثم نزلت السلم، توجهت لغرفة روان التي استقبلت دخولها بابتسامة حنونة.
"مراد طلب إيدي!"
عشق بفرحة كبيرة: "بجد؟"
"آه والله."
ضمتها عشق بسعادة: "ربنا يفرحك يا حبيبتي، مش قولتلك الضيق بعده فرج، وربنا عوضك راجل بجد مش الفرفور اللي كنتي بتحبيه!"
روان بضيق: "بلاش تفكريني، أنا مش عارفة كنت غبية إزاي كده!"
"انسي بقي، الحمد لله كده اطمنت قلبي عليكي، ومضطرة أرجع بيتي؟"
ردت روان بحزن: "ليه كده يا عشق؟ أنا محتاجة وجودك أكتر من الأول، ولا أنا مش زي أي عروسة محتاجة شوار؟"
تحدثت بطيبة: "خلاص موافقة، بس ليا شرط."
"أنتي تأمري يا قمر أنتِ؟"
عشق بضحكة: "تعملي العملية الأول قبل الفرح، أظن مراد يستاهل إنك ترجعي لحياتك عشانه، كفاية سنين العذاب اللي شفتها في حبك اليائس منه!"
"فعلاً، هذا ما فكرت به منذ أن شعرت بحب واهتمام مراد."
"بكرة هقول لأبيه أدهم يكلم دكتور ويشوف اللازم."
شعرت عشق غصة في قلبها عندما سمعت اسمه، فهو منبع حب وحنان معهم فقط، أما هي يغضب دائمًا عليه. تحتاج أن تختلي بنفسها لذلك قالت: "أنا هنام فوق النهارده، لأن مش بعرف أنام من جو العشق الممنوع بتاعك أنتي ومراد باشا!"
بعد يومان في غرفة عشق.
وقفت أمام المرآة تعدل ملابسها وتستعد للذهاب لحضور خطوبة صديقتها.
نزلت عشق وجدت غادة في الأسفل، هتفت باحترام: "ماما، أنا ماشية، وإن شاء الله مش هتأخر."
تأملت غادة جمالها الطبيعي برضا: "بسم الله ما شاء الله، عيني عليكي باردة، قمر 14 في تمامه يا قلبي."
عشق بخجل: "مش للدرجة دي يا ماما."
"غادة: أنا واحدة هتجنن عليكي، ارحمي الشباب."
احتضنتها عشق: "ربنا يخليكي ليا، أنتي وروان، عوض ربنا بعد سنين الوحدة."
غادة بحب: "أنا قولت لخالد يجهز ويوصلك عشان أكون مطمئنة عليكي."
ردت عشق: "حاضر يا حبيبتي، بعد إذنك." توجهت للخارج، وجدت خالد في انتظارها أمام السيارة، ابتسمت له وألقت عليه التحية.
خالد بنفس الابتسامة: "إزيك يا عشق هانم؟ اتفضلي." فتح لها باب السيارة.
وقفت أمام السيارة: "أنا مش هانم يا خالد، وأنت عارف كده كويس!"
تحدث بأدب: "الهانم الكبيرة والباشا بيقولوا عشق هانم، يبقي أنا هقول إيه؟" وأكمل بمرح: "بيننا بس هاقولك عشق، لأن لو حد عرف أخسر شغلي، يرضيكي!"
"لا طبعًا مش يرضيني." ثم أملته العنوان وتحرك بها.
في المساء عاد أدهم وجد أمه تجلس وحيدة.
سألها باهتمام: "ليه قاعدة لوحدك؟ فين البنات؟"
غادة وهي تشاهد المسلسل: "روان في غرفتها، وعشق خرجت."
وقف أدهم بغضب: "إزاي تخرج من غير إذني؟ وهي فين لحد دلوقتي؟"
غادة بهدوء: "يا حبيبي، هي ضيفة عندنا، واجب إكرامها، ما ينفعش تعاملها كده، بعدين هي أخدت الإذن مني إمبارح."
هتف بضيق: "ليه منك؟ هو أنا طرطور؟ وخوفي عليها مش تحكم؟"
صمت فجأة، يعلم أن أمه لن تمرر تلك الكلمة مرور الكرام.
نظرت له باستغراب، فهو لم يهتم بفتاة من قبل، وتشعر بتغيير غريب في شخصيته تجاه عشق. دائمًا صارم في موضوع دخول فتيات أو صديقات أخته البيت، والآن ترى اهتمام شديد بعشق وتصرفاتها.
تحدثت بخبث: "ليك حق تخاف عليها، البنت تتاكل أكل، ربنا يكون في عون شباب الحفلة."
تحدث بعصبية تغذيها غيرته: "أمي، أنا مش ناقص، الهانم راحت لوحدها."
غادة برفض: "لا، بعت معاها خالد."
في حفلة الخطوبة.
جلست عشق على طاولة تضم عائلة صديقتها فريال.
أتى من خلفهم صوت والدة عزة الحنون: "عقبالك يا عشق أنتي وفريال."
عشق وهي تقبلها: "في حياتك يا حب."
شاورت فريال لعشق: "يلا نطلع للبنت المجنونة دي، من وقت دخولها القاعة وهي مش مبطلة رقص، أنا مش عارفة إحنا أصحاب إزاي."
عشق بطيبة: "هي هربانة منها شوية، بس والله قلبها أبيض."
فريال بتأكيد: "عندك حق، يلا."
جذبتها عشق بحنان وهي تنهرها: "كفاية كده يا عزة، من ساعة ما جيتي وأنتي مش مبطلة رقص، الناس تقول عليكي عروسة مجنونة."
عزة بضحك: "لا تعالي أنتي ارقصي معايا."
عشق بزهول: "كان على عيني، بس والله ما ينفع وأنا بالحجاب ده، المرة الجاية أحضر ببدلة رقص."
وضعت فريال يدها على فمها تداري ابتسامتها وهي تردف: "الله يخرب بيتك، بتجيبي الكلام ده منين؟"
وضعت عزة يدها على عشق وفريال تضمهم لأحضانها.
عشق بتهديد: "لو مقعدتيش شوية والله أسيبك وأمشي."
عزة: "طيب خلاص يا أختي، بلاش تتحمقي كده، حتى يوم فرحي مش عايزاني أفرح وأفك عن نفسي؟"
عشق بنفي: "مين قال؟ أنا عايزة تفرحي على قد ما تقدري، بس بما يرضي الله، مش الرقص بين الشباب اللي يعبر عن الفرحة إزاي، تفرحي وأنتِ بتغضبي ربنا، افرحي واضحكي، بس في الحدود اللي ربنا صرحها لينا يا حبيبتي."
اتصل أدهم على خالد الذي رد بسرعة: "أيوة يا باشا."
"أنتم لسه في الحفلة؟"
"أيوة يا باشا."
"عشق هانم كويسة؟"
"أيوا يا باشا، أنا ماشي وراها زي ظلها."
أتاه صوت أدهم: "الأمر: خلي بالك منها، أوعي حد يضايقها."
"والله ياباشا، كل خطوة بمشكلة، كأن مافيش بنات في الفرح غيرها، رغم إنها الوحيدة المحجبة هي وصاحبتها."
"كل شوية شاب يضايقها أو عايز يتقدم ليها."
نسي خالد مع من يتحدث وأكمل بغباء: "هي الوحيدة اللي لافتة النظر."
أدهم بصوت قوي وغيره: "خااااالد، ما تنساش نفسك، إلزم حدودك وأنت بتتكلم عليها، يلا تعالوا، كفاية كده."
ابتلع خالد ريقه بصعوبة وهو يردف: "أوامرك ياباشا."
التفت ليراها ولكنه صدم مما رأى، سوف يقتله أدهم.
٠٠٠٠يتبع
رواية إنت عمري الفصل السادس 6 - بقلم امل مصطفى
رواية إنت عمري الفصل السابع 7 - بقلم امل مصطفى
في صباح يوم جديد، داخل مكتب أدهم، وجه حديثه لمروان:
"كده تمام، وكل حاجة جاهزة. طياراتكم تتحرك على الساعة العاشرة مساءً."
قلّب مراد الجوازات بيده، بينما أكمل أدهم:
"أمي وأختي أمانة معاك يا مراد."
"ماتقلقش يا أدهم، كله هيبقي خير. بس برده مش فاهم ليه رفضت عشق تسافر معانا؟ وجودها كان يفرق كتير مع روان."
ابتسم أدهم بحنان:
"أومال أنت لازمتك إيه؟ وكتبنا الكتاب ليه مش علشان تكون موجود جنبها؟ لو أنت مش قد المهمة دي، تمام قول، وأنا أسافر معاها أنا وعشق."
ضحك مروان بقوة:
"أشم رائحة حب في الأجواء. هي عشق تكون معاك أنت وبس؟ يظهر إنك بتوزعنا علشان يخلالك الجو يا بوص."
تحدث وهو يحاول إخفاء حقيقة مشاعره أمام صديق عمره خجلاً منه:
"وأنت هناك، ابقى خد كشف عند دكتور نفساني، أصل بقي عندك تهيئات وأوهام كتير وأنا خايف عليك."
مراد بصدق:
"بلاش تكابر، سيب نفسك لمشاعرك. أوعي تحرم نفسك من الحب والتمني، ده أجمل إحساس، حتى وقت عذابك برده بيكون ليه طعم تاني. بلاش تحمل نفسك فوق طاقتها يا أدهم."
***
في المساء، كانت الأجواء تحمل القلق والخوف والحزن. وقفت عشق بجوار غادة تحتضن روان، يبكين على فراق بعضهن ولو لفترة مؤقتة.
هتف أدهم بضيق:
"كفاية بقي، بقالكم ساعة بتعيطوا."
هتفت عشق:
"هتوحشيني، كان نفسي أكون معاكم."
أردفت غادة بحب:
"ماينفعش يا حبيبتي علشان جامعتك وأدهم. خلي بالكم من بعض."
"وأنتم يا ماما، طمنوني عليكم، وإن شاء الله ترجعوا مجبورين."
روان بتمني:
"ادعيلي يا عشق، أنا عارفة إن ربنا بيحبك ويتقبل دعائك."
ضمتها عشق مرة أخرى وهي تهتف:
"بدعيلك يا حبيبتي، وهفضل أدعي لحد ما تكوني معايا تاني."
بعد مرور الوقت، ركب أدهم السيارة، خرج بها من ساحة الانتظار بالمطار. بعد إقلاع الطائرة، هتف بحنان:
"كفاية يا عشق، بقالك قد إيه بتعيطي؟ زمانهم وصلوا وأنتي لسه بتعيطي. بتجيبي الدموع دي كلها منين؟"
قامت بإزالة دموعها وهي تهتف:
"أنت مش عارف، رغم المدة البسيطة اللي ماتعدتش الشهر، بقوا إيه بالنسبة ليا؟ هم بقوا كل حاجة عندي."
حدث نفسه بحيرة:
"وأنت كمان يا عشق، بقيتي كل حاجة في حياتي. مين يتخيل أن أسيب أمي وأختي في الظروف دي حباً في وجودي جنبك؟ آه، أنا وافقت على كتب كتاب مراد لأن عارف إنه اتعذب قد إيه في حب روان، وقولت دي فرصة تشوف حبه وخوفه عليها وتقدره. بس ده مش السبب الوحيد، أنا كنت محتاج نكون مع بعض لوحدنا، نقرب أكتر ونفهم بعض أكتر. محتاج اطمنانك. حبيبتي، أدهم ولا أنا بالنسبة ليكي مجرد أمان؟ لو لاقيتيه في مكان تاني هتسبيه؟ ووقتها يبقى حكمتي عليا بالإعدام."
"أدهم، يا أدهم."
نظر لها بشرود:
"في حاجة يا عشق؟"
"كنت بسألك رايحين فين؟ ده مش طريق البيت."
تحدث يحاول إخراج نفسه من تلك الحرب وهو يسألها:
"إيه رأيك أعزمك على العشاء؟"
هزت رأسها دون كلام. بعد مرور ساعة، وقف بها أمام مطعم كبير. نظرت للمكان بإعجاب شديد. تأمل علامات الطفولة على وجهها بسبب طريقة تأملها للمكان، مثل انبهار طفل بأضواء الملاهي. سألها بحنان:
"عجبك المكان؟"
"جداً جداً، ماكنتش أتخيل أن ممكن أدخل مكان زي ده. شكراً ليك."
طلبت البيتزا والهوت شوكلت، تأكل بإستمتاع وسعادة كبيرة لوجودها جواره. تتحدث بدون تكلف أو حدود. عشق، برائتها في كل شيء، في طريقة أكلها، وطريقة كلامها العفوية. وجدته يتأملها دون أن يأكل. شعرت بالخجل وهي تسأل:
"أنت مش بتاكل ليه؟ مش بتحب البيتزا؟"
ابتسم بحب:
"لا بحبها، بس حسيت بالشبع وأنا شايفك مبسوطة قدامي."
رغم كلماته التي تزيد خجلها، لكن قلبها يرفرف بين ضلوعها.
"مش معقول أدهم باشا."
رفعت عشق عينها لصاحبة الصوت، توقف الطعام بفمها بذهول وغيره، عندما وجدت أمامها امرأة طاغية الأنوثة، لبسها مثير لحد كبير، وتتحدث بطريقة ناعمة مغرية أمام أدهم. الذي هتف ببرود:
"أهلاً مدام سلمي. أخبار محمود باشا إيه؟"
تحدثت بدلال:
"يعني لو كنت بتسأل أو بنشوفك، كنت عرفت إننا انفصلنا من كام شهر."
هتف بصوت كفحيح الأفاعي:
"ليه كده؟ ده محمود باشا راجل يتاقل بالمال، ومش أي واحدة تستحقه."
هتفت دون حياء:
"مافيش توافق بينا. أنا محتاجة في حياتي راجل قوي يخرج الأنوثة اللي جوايا، مش كل حاجة طيب وحاضر."
رمقها بإحتقار، تحول لبسمة خفيفة عندما وقعت عيناه على تلك التي تفتح فاها بشكل مضحك وعينها تطل منها الغيرة، الذي جعل قلبه يرقص رقصة انتصار. عيناه تتأمله هيئتها تلك بإستمتاع لذيذ لم تلحظه تلك الصغيرة. بينما نظراته تلك لفتت نظر تلك التي لا تصدق ما تراه. أدهم الشهاوي، الذي كسر كبرياء الكثير من الحريم وهز ثقتهم بأنفسهم من رفضه المستمر لهم، وهذا كان يثير جنونهم به وتعلقهم به يزيد. فهو غير كل الرجال. ينظر بكل هذا الاهتمام لتلك الفتاة ونسي وجودها أمامه. زاد فضولها، ثم سألت وهي تشير على عشق التي فاقت أخيراً وابتلعت ما بفمها:
"آسفة، ما أخدتش بالي. مين دي؟"
رفع يده على الطاولة، يضم يد عشق بعشق حقيقي، وهو يردف بفخر:
"عشق مراتي."
شرقت عشق من وقع كلمته، فهي لم تتوقع أن يعلن ارتباطه بها أبداً. لقد ظنت أنه سوف يرتبط بها فترة حتى عودة أهله، ولن يخبر أحد.
وقف أدهم بلهفة يناولها كوب ماء ويساعدها على استرداد أنفاسها. وعندما هدأت، تناول منديل من جواره، ومد يده يمسح آثار الماء من على وجهها بحنان. جعل سلمي تشتعل من الغيرة وتتمنى أن تكون مكانها، حتى تتفاخر بين أصحابها بفوزها به. سألته بحقد:
"اتخطبتي إمتى؟"
رمقها بنظرة ساخرة:
"ده كتب كتاب، وإن شاء الله تكوني أول المدعوين على الفرح."
تجلس وهي تشعر بفخر شديد من حديثه عن ارتباطهم بكل هذا الاهتمام. وقبل أن تفهم، وقف وهو يجذب يدها بحنان:
"يلا يا حبيبتي."
توقفت عشق فجأة وهي تكرر:
"حبيبتي."
ابتسمت باتساع، ثم تحركت جواره مرة أخرى، حتى لا تتهور وتقبله أمام الجميع من فرحتها بتلك الكلمة. لم يهتم حتى بالاعتذار لتلك التي تتابعهم بعينين كارهة، وهي تردف بعد أن أشعرها بالإهانة لتركه لها بتلك الطريقة:
"ماشي يا أدهم، بقي ترفضني أنا وتبص لحتة عيلة زي دي؟ مشغلهاش عندي خدامة."
***
عودة إلى الصعيد، في منزل المنشاوي. دخل بسعادة كبيرة وملامحه تدل على الانتصار:
"عرفنا طريقها يا جدي خلاص."
تهللت أساريره من شدة الفرحة:
"بجد يا فهد؟"
"بجد يا جدي. وبكرة إن شاء الله هينزل عمي ومحمد وزين يجيبوها."
الجد بلهفة:
"كيف شكلها؟ عندها كام سنة؟"
فهد، تقديراً لحالة جده، تحدث بهدوء:
"بكرة يا جدي نعرف كل حاجة. إحنا عرفنا المكان، بس واحد تبع زين وصل لإسمها."
ثم تنهد بحزن:
"بس أكيد يا جدي مش سهل عليها تلاقي ليها أهل كده فجأة وتقبل بيهم. هي عاشت عمرها من غير ما يسألوا. فا عايز حضرتك متزعلش من رد فعلها."
تألم الجد من صحة كلام حفيده:
"لذلك أردف، أتحمل كل حاجة، بس تاجي وأشوفها بنت الغالي. نفسي أشم ريحته، وحشني جوي." ثم بكى بحزن.
اقترب منه فهد، يعز عليه أن يرى جده القوي الشامخ بهذا الضعف والانكسار الذي لا يظهر أمام غيره:
"أهدي يا جدي، ولما تيجي نعوضها عن كل حاجة."
تنهد الجد بندم:
"نعوضها عن إيه ولا إيه يا ولدي؟ عن عمرها اللي ضاع بعيد عن حضن أهلها؟ ولا عن أبوها اللي مات صغير وتركها للدنيا كبيرة زي الغابة من غير حماية ولا سند؟ أنا مش قادر أتخيل عاشت إزاي وحديها كل السنين دي، ويا ترى الدنيا خدت منها إيه علشان تقدر تكمل؟"
يستمع فهد له وهو يعلم أن وجود فتاة وحيدة في المدينة ليس شيء سهل، وأكيد أخلاقها تغيرت ولم تعد تناسب حياتهم. لكنهم سوف يتحملوا ويطهروا خطاياها بأنفسهم، لأنهم المخطئون الوحيدون، وهي مجرد طفلة ليس لها ذنب في شيء. يشعر بالحزن على جده، لقد فقد أقرب أبنائه لقلبه بسبب العناد، العناد فقط هو ما يخسر الإنسان كل شيء.
***
في فيلا أدهم. جلست عشق بملل، فمنذ عودتها من عند فتون وناجي وهي تجلس وحيدة، لأن أدهم مشغول هذا اليوم. جدال لذلك وافق على ذهابها لزيارتهم بشرط أن تعود مبكراً. ابتسمت وهي ترفع هاتفها لتقوم بالاتصال على غادة.
هتفت عشق بحنين:
"أزيك يا ماما، وحشاني أوي أنتي وروان."
أردفت غادة بحنان:
"وأنطي أكتر يا حبيبتي، بس أنتي عارفة من يوم ما وصلنا وإحنا بنعمل أشعة وتحاليل كتيرة قبل العملية. ربنا يوقف معاها وتقوم بألف سلامة."
"أنا عايزة أجي عندكم، أدهم قال هنيجي كمان يومين نشوفكم."
غادة بإطمئنان:
"إن شاء الله يا حبيبتي. قوليلي، أدهم عامل إيه معاكي؟ لو ضايقك ما تزعليش منه، أنا واثقة أنه بيحبك، ودي حاجة مش سهلة عليه."
عشق بسؤال:
"ليه يا ماما؟ إيه حصله؟"
"معلش يا حبيبتي، الموضوع ده حساس بالنسبة ليه، ولازم هو اللي يتكلم وقت ما يحس بده."
***
وصلوا أمام شركة من أكبر شركات الأمن والحراسة. نزل زين ومحمد وحمزة ودخلوا الاستقبال:
"لو سمحت، عايزين نقابل أدهم الشهاوي."
الموظف:
"فيه ميعاد سابق؟"
زين بنفي:
"لا، بس ممكن تقوله المقدم زين المنشاوي عايزه في موضوع عائلي."
هتف حمزة عم عشق:
"قوله حمزة يونس المنشاوي، وهو يعرف."
رفع السماعة وتحدث مع مكتب السكرتير الخاص، وبعد وقت:
"تفضلوا، الدور الثالث."
وصلوا أمام مكتبه، دلفوا للداخل. وقف أدهم وهو يستقبلهم:
"تفضلوا."
قام حمزة بتعريف نفسه:
"أنا حمزة المنشاوي، عم مراتك. وده المقدم زين ابني، وده الدكتور محمد ابن أخويا."
أدهم:
"تفضلوا."
أردف حمزة:
"إحنا بقالنا كام سنة بندور على أخويا، وعرفنا قريب أنه توفي هو وأسرته. ولما والدي عرف، تعب وأصر ندور تاني. عرفنا أن ليه بنت لسه عايشة، وجينا ناخدها، اكتشفنا إنها متجوزة، اللي هي عشق مراتك. فلو ينفع تيجي معانا عشان جدها يهدي ويرتاح."
أرجع أدهم ظهره على كرسيه وأردف بهدوء:
"بس هي ما تعرفش إن ليها أهل عندها عشرين سنة، وما شافتتش حد من أهلها ولا مرة. إزاي تكونوا أهل؟"
وقف زين وهو يخرج بعض الأوراق ويمد يده لأدهم:
"دي كل الأوراق اللي تثبت إنها بنتنا."
وضع الأوراق على جنب ببرود:
"أنا عارف إنها بنتكم، دي مراتي. وكان لازم أعرف كل حاجة عن أصلها قبل ما أعطيها اسمي."
محمد بلهفة:
"يعني هي عرفانا؟"
أدهم بنفي:
"لا طبعاً، أنا بس اللي عارف. ماكنش ينفع أزعلها وأكسر بخاطرها أنها من عيلة كبيرة وهي عايشة سنين يتيمة وحيدة وبتشتغل عشان تجيب مصروفها."
شعروا بالخزي من أنفسهم، وأخفض حمزة وجهه. فكيف يقابل أخيه وهم قد فرطوا في لحمه، وهو كان أطيب وأحن قلب فيهم.
حمزة ببعض اللين:
"ممكن حضرتك تتفهم وضعنا. حالة والدي الصحية في تأخر، ووجود أي حاجة من ريحة ابنه هتريحه كتير. ده طلب إنساني، أتمنى أنك مترفضوش."
***
وصلوا الفيلا. أدخلهم أدهم غرفة الضيوف، واستأذن منهم حتى يبلغها بوجودهم. صعد إلى غرفتها، طرق الباب. دخل وجدها تجلس وهي تقرأ كتاب بيدها. رفعت عينها تقابله ببسمة مشرقة، بادلها إياها وهو يجلس جوارها يتناول كف يدها بين كفيه حتى يدعمها:
"في ضيوف تحت عايزين يشوفوكي. مش عايزك تقلقي من حاجة، أنا موجود وعمري ما أسيبك، بس لازم تاخدي الخطوة دي عشان نقفل أبواب كتير مفتوحة من سنين."
تعجبت من طريقة حديثه، وهي تسأل عن هوية هؤلاء الذين يريدون رؤيتها. ثم وقفت فجأة بخوف:
"ماما فاتن وانكل ناجي حصلهم حاجة؟"
شعر برعبها ليرد بحنان:
"لا، هم بخير. بس دول ناس جديدة في حياتك. البسي عباية أو إسدال وتعالي معايا تحت، وانت تفهمي كل حاجة."
نزلت عشق ودلفت إلى غرفة الصالون، وجدت ثلاث رجال لا تعرفهم. شعرت بالخجل واستغربت من أدهم، فهي تشعر بغيرته عليها دائماً. من هؤلاء الرجال حتى يظهرها عليهم؟ ورغم حيرتها، ألقت التحية:
"السلام عليكم."
نظر لها الثلاثة ببلاهة من جمالها، هم لم يتوقعوا مثل تلك الفتنة. مال محمد على زين:
"مين دي؟"
زين بذهول:
"مش عارف. يظهر أنه تشابه أسماء."
عشق بصوت هادئ:
"السلام عليكم."
رد الجميع:
"السلام."
قام أدهم، أخذ يدها، أجلسها جواره. نظرت له بتساؤل. ليهتف بتمهل:
"دول أهلك يا عشق."
رفعت وجهها لهم، ثم رجعت بنظرها له تتأكد من صدق كلامه. هز رأسه ليؤكد ما يقصده:
"أنا ليا أهل؟"
"آه يا حبيبتي، دول أهلك. ده عمك حمزة." كررت الاسم بحزن: "حمزة، وده الرائد زين، وده دكتور محمد ابن عمك يونس."
عشق بدموع:
"يونس."
استغرب الجميع دموعها إلا أدهم، فهو يعرف ما تمر به. وجهت نظرها لعمها:
"طب ليه سبتوني كل السنين دي؟ وليه عمري ما شوفتكم قبل وفاة بابا؟"
حمزة بحزن من دموعها:
"جدك هو اللي يحكيلك كل حاجة."
"جدي؟ وعندي كمان جد؟"
أدهم وهو يحتضن يدها بين يديه ليطمئنها أنه معها:
"بصي يا حبيبتي، أنتي من عيلة كبيرة جداً في الصعيد، وأكيد في سبب للبعد ده."
هتف حمزة يستجدي عطفها:
"إحنا جايين ناخدك لأن جدك تعب لما عرف بموت ابنه وعايز يشوفك ويبرد نار قلبه على ابنه."
نظرت له بحيرة وتشتت دون رد. يعلم ما تمر به، لذلك هتف باحتواء:
"أنا معاكي. عايزه تروحي، هكون معاكي. ولو مش عايزه، مافيش حد يقدر يغصبك." ثم ابتسم لها حتى يخرجها من حزنها: "أهلك أول مرة يزورونا، عايزاهم يقولوا علينا بخلاء، مافيش غدا ولا إيه؟"
قامت تمسح دموعها:
"لا طبعاً، بيت أدهم الشهاوي بيت الكرم كله."
التفتت تغادر، ناداها عمها:
"عشق."
التفتت له، فتح لها يده. نظرت لأدهم، فأعطاه الإذن بعينيه. ذهبت حضنت عمها وبكت بشدة، فهي لا تعرف ماذا تفعل. هل تكرههم لأنهم تركوها كل تلك السنوات تعاني الوحدة وتواجه العالم الموحش وحدها؟ أم تسامحهم لأنهم كل ما تبقى لها من أبيها؟ وتكتفي بسنين البعد.
بعد مرور ساعة ونصف، وقفت على باب الغرفة وهي تبلغ أدهم بإنهاء تجهيز الطعام. وقف أدهم هو الآخر وقال بترحيب:
"تفضلوا يا جماعة، نورتونا."
جلسوا الخمسة على الطاولة في حالة توتر، وكل يسبح في تفكيره. بعد انتهاء الطعام، عرض عليهم أدهم المبيت والسفر نهاراً. لكن حمزة رفض، وهو يبرر سبب رفضه:
"أنا والدي بينتظر عودتنا على نار، ولأزم نطمنه عشان حالته متسؤش."
***
في الصعيد، عاد الجميع بقلق من رد فعل جدهم لعدم العودة بحفيدته. ثار المنشاوي الكبير وهتف بغضب لم يراه الجميع منذ فترة طويلة:
"فين حفيدتي يا حمزة؟ فين بنت أخوك؟"
هتف ذلك الأخير:
"أهدي يا بوي، والله هتيجي. بس المشكلة أن البنت طلعت متجوزة من شهرين يا بوي، وجوزها رفض تيجي لوحدها معانا، وهو مش فاضي في الوقت الحالي."
صرخ المنشاوي عليه:
"كيف مش فاضي؟ هو مش عارف إحنا مين؟ يفضي نفسه وياجي. جلبي جايد نار، نفسي أشوفها وأطلع فيها."
"كيف ده يا بوي؟ نجيبها من جوزها غصب؟ هي دي أصول؟"
"يا خير مين يطبق الأصول؟"
هديء صوت الجد، فهو خير من يعلم أن الزوج له مكانته التي لا يجب كسرها أو تخطيها، وخاصة لدى ناس تحكمها الأصول والعرف. ليهتف بسؤال يريد به تهدئة روحه:
"كيفها يا حمزة؟ مليحة؟"
ليؤكد ابنه على كلامه:
"مليحة يا بوي، متزوجة من راجل كبير في السوق وكلمته مسموعة. بس البنت انصدمت لما قالها دول أهلك. حزنت وبكت كتير يا بوي، وليها حق بعد السنين دي تعرف أن ليها أهل."
"أوصفيها يا ولدي، خليني أتشبع منها."
رد زين بسرعة:
"البنت حاجة صعبة يا جدي، مالهاش حل."
لطمت هند صدرها وهي تهتف:
"واه واه! لبسها عفش، ربنا يستر!"
أردف محمد برفض:
"لبسها إيه يا مرت عمي؟ دي مش بتسلم على رجالة."
نظرت له بحيرة:
"أومال قصدك إيه يا ولدي؟"
الجد بإستغراب من صمت حفيده الذي يراه صامتاً لأول مرة:
"مالك يا زين؟ جول أول مرة تكون ساكت كده. في حاجة ضايقتك؟"
أردف زين بحذر:
"أبدا يا جدي، بس خايف أتكلم. فهد يطخني عيارين."
الجد بعدم فهم:
"ليه بس يا ولدي؟"
رفع عيناه وهو ينظر اتجاه أخيه الكبير بتوتر:
"أصل يا جدي، عشق دي حاجة كده من الخيال، ماتصدقش من شدة جمالها إنها حقيقية. تحسها أجنبية أو صورة مرسومة. أنا صراحة مش مصدق إنها ممكن تكون بنت عمي، حتى اسأل محمد."
ليؤكد محمد كلامه:
"فعلاً يا جدي، أنا مع زين صاروخ يا جدي. يعني لو كنت لاقيتها بدري كان زماني متجوزها."
فهد بغضب وصوت حاد:
"أنت واقف من غير حياء ولا خشية تتغزل في بنت عمك قدامنا."
نظر لجده:
"شوفت بقي؟ عشان كده ماكنتش عايز أتكلم."
الجد بفرحة كبيرة:
"للدرجة دي عجبتك يا ولد؟" ثم أكمل بحزن وندم: "لما اتولدت عمك جاني يطلب العفو وأنه يجيبها حداي أشوفها وتتربى بيناتنا، بس أنا الشيطان كان عمايني. رفضت جلي يوميها لما تطل في وشها يا بوي، هتنسي كل شيء عفش بينا يا بوي. اعطيني فرصة أجيبها وأنا واثق أن النفوس هتتصافى. طردته وقلتله أنت وخلفتك محرم عليكم دخول أرض المنشاوي."
تلك الذكرى تعتصر قلبه بقوة. يريد البكاء، لكن أبداً لم يظهر ضعفه أمام أحد، حتى أولاده وأحفاده، إلا ولده الفقيد.
اقترب منه زين، الذي يشعر بالحرب الدائرة داخل قلبه:
"بكرة تشوفها يا جدي، وتقول عندي حق."
هتف حمزة بتحذير:
"لم الدور أنت وابن عمك. جوزها راجل صعب، ما تبصوش للهدوء اللي كان بيتعامل بيه. آه، إحنا ما بنخافش من حد، بس دي مرته ومن حقه يغير عليها ويحميها. ده أصول ما حدش يعديها."
ثم ضحك وهو يهتف:
"لو كنت شوفتهم يا بوي وقت ما دخلت علينا، فتحوا خشمهم كيف المسحورين. بس أكتر حاجة استغربتها، ليه لما سمعت اسم يونس وحمزة بكت؟"
***
في فيلا أدهم. بينما كان يجلس في غرفته يحاول طرد الأفكار التي تتلاعب به منذ ذهاب أهل عشق، ولا تعطيه فرصة للنوم. سمع طرقاً على باب غرفته. قام وفتح الباب، لكنه استغرب مما رآه وشعر بالصدمة.
***
... يتبع
انتهى البارت
رواية إنت عمري الفصل الثامن 8 - بقلم امل مصطفى
سمع طرق على باب غرفته، قام وفتح الباب. صدم من وقوفها أمامه في هذا الوقت. يعلم جيدًا لولا ظهور أهلها لما كانت تقف الآن أمامه.
أما هي، فقد وضعت يدها على عينيها عندما رأته يفتح الباب وهو يرتدي شورت فقط. ابتسم على خجلها رغم أنه أصبح زوجها. يعلم سبب زيارتها، لذلك أراد دعمها. سحبها من يدها وهي ما زالت مغمضة العينين.
هتف: "فتحي عنيكي يا عشق."
هي برفض: "لا، البس حاجة الأول."
ابتسم بحنان: "يا مجنونة، أنا جوزك."
هي بإصرار وخجل: "لا، بس كده عيب. البس وأنا أفتح."
تنهد بحب وسحب تي شيرت وارتداه.
"خلاص لبست."
نظرت له بخجل: "كده أحسن."
رتب وسادات الفراش على شكل مسند، ثم صعد فوق الفراش ومددها جواره. أطاعته دون كلام. يقدر حالتها الآن وما تمر به، لكنه لم يحب فرض نفسه عليها. أراد أن تأتي له بنفسها. حرك يده على رأسها بحنان.
"انتي خايفة من المواجهة؟"
تنهدت بتشتت: "مش سهل بعد العمر ده أعرف أن ليا عيلة كبيرة. وأنا اللي عشت سنين بتمني أجرب إحساس العائلة والسند. كنت بتمني أغمض عيوني من غير خوف أن حد ينتهك براءتي."
تحدث بصدق: "أنا معاكي وسندك. متخافيش من أي حد. طول ما أنا موجود وفيا نفس، مش ممكن أسمح لحد يأذيكي."
تحدثت بثقة: "أنا متأكدة من ده. بس تفتكر إيه يبعد الأهل عن بعض بالطريقة دي؟"
"كتير يا عشق. الدنيا فيها كتير، فيها أبشع السيناريوهات اللي ممكن تتخيليها. حكمي عقلك وأنتي تعرفي."
"بس أنا مش بمشي غير بقلبي."
شرد أدهم في ماضيه الموجع وهو يردف: "أوقات كتير القلب بيخون صاحبه، لكن العقل لا. نظرته للأمور واضحة وصريحة."
"بس بابا مجابش سيرتهم ولا مرة قدامي."
"أكيد يا عشق في سبب قوي منعه يتكلم عنهم. بكرة نروح ونفهم."
تأملت غرفته التي تزورها لأول مرة وهي تتحدث: "بس دي حاجة فيا مش بمزاجي. دايما قلبي هو المتحكم في قراراتي." ثم ابتسمت وهي تكمل: "غرفتك جميلة."
نظر لها بحب: "جميلة بوجودك فيها."
ابتسمت بخجل وهي تعتدل: "حقيقي كنت محتاجة أتكلم، بس أتمنى ما أكونش سببت لك أي إزعاج."
أدهم وهو يشدد من احتضانها: "رايحة فين؟"
"أنا هاروح أنام، وأنت كمان تاخد راحتك."
تحدث بحنان وهو يهمس: "لا، خليكي في حضني. الليلة دي ماحدش عارف الأيام مخبية إيه."
التفت لها وهي ما زالت بين أحضانه.
"ممكن نتكلم بصراحة؟ انتي جيتي ليا لأن مافيش غيري تتكلمي معاه في غياب ماما وروان، ولا علشان أنا جوزك؟"
شردت مع نفسها. نعم، في وجود روان ووالدته لم تأتها الجرأة للوقوف أمام بابه. لكن تلك الظروف التي تعيشها حاليًا لم تتمنى الكلام مع غيره. وإن لم تكن الفرصة تسمح، لإخراج ما بداخلها له. لغرقت ونادته في أحلامها حتى تتحدث معه عما يحيرها. لذلك هتفت: "لأنك جوزي وبرتاح معاك، وبستمد منك القوة."
فاجأها بسؤاله: "يعني لو كانت روان موجودة أو أمي، كنتي برضه هتجيلي؟"
اخفضت عينها بصمت ليعلم ردها، ويبتسم على براءتها التي جعلتها لا تستطيع الكذب عليه أو إظهار عكس مشاعرها. ضمها أكثر لأحضانه وقبل رأسها. وشعر أنه يفقد السيطرة على نفسه في وجودها بسبب براءتها وعفويتها. أما هي، فقد سكنت بين أحضانه ولأول مرة تنام بهذا العمق من سنوات، بسبب الأمان الذي تجده في قربه.
بعد مرور يوم، وصلت عشق أمام قصر كبير يدل على ثراء أصحابه.
"مسكت يد أدهم من التوتر الذي شعرت به. ضغط على يدها ليشعرها بالأمان. نزلت من السيارة وجدت عمها حمزة في استقبالها بابتسامة كبيرة، وشاور لها على الواقف بجواره. "ده عمك يونس."
ابتسمت له بطيبة: "انت عمي."
اقترب منها يونس بسعادة واحتضنها: "أه يا جلب عمك، نورتي البلد كلها."
تحدثت بأدب: "منورة بأهلها."
"وأنا عمك عبد الرحمن. أزي حضرتك؟"
شعرت عشق بسعادة كبيرة بتلك المقابلة وهذا العدد الكبير من الأهل، فهي قد تربت وحيدة دون أقارب.
"منورة يا بنت الغالي."
زين بسعادة: "تعالي أما أعرفك على باقي العيلة."
وقبل أن تتحرك قيد أنملة، كانت يد قوية تقبض على مرفق يدها مثل الفولاذ تمنع حركتها. رفعت عيونها تقابل نظرة عيونه المشتعلة من الغيرة. اخفضت عينها مرة أخرى لتسمع همسة: "مافيش حركة بعيد عني، وإلا هاخدك ونرجع تاني."
تعجب زين من عدم استجابتها، ومرر نظره بينها وبين أدهم الذي رمقه بنظرة حادة ليعلم أنه يشتعل من الغيرة، ففضل الصمت وشاور وهو يقف مكانه.
"ده المهندس فهد. كبيرنا كلنا وأخويا."
ابتسمت بحياء: "فهد حمد الله على سلامتك يا خيتي."
"الله يسلمك."
"وده مروان محامي. وده ياسين كلية شرطة. وده محمود كلية زراعة."
عشق وهي تكرر محمود.. ابتسم لها الجميع.
تحدثت بحب: "أنا فرحانة قوي بوجودي بينكم. مافيش أجمل من إحساس العيلة. كان نفسي يكون ليا أخ يحميني. ربنا بعتلي ماشاء الله رجالة تخزي العين."
يتابع فرحتها بعشق حبيبتة طيبة القلب، بريئة مثل الأطفال، لا تحمل داخلها كره أو حقد لأحد. لقد تقبلت وجودهم دون كلام أو عتاب، وهذا يجعل قلبه يدق بعنف بين ضلوعه من أجلها فقط.
في الداخل، وجدت رجل كبير ذو هيبة طاغية رغم كبر سنه. عرفت أنه جدها. توجهت ناحيته وانحنت تقبل يده باحترام. جعله يشعر بالندم على ترك ابنه كل تلك السنوات. يبدو من لبسها المحتشم وأخلاقها أنها تربت جيدًا، والأم هي من تربي. احتضنها وخانته دموعه.
"وحشتيني يا جلب جدك. سامحيني على هملي ليك أنتي وابني الغالي."
"سامحتك يا جدي، كفاية أنك من ريحة بابا الله يرحمه."
ضمها بقوة لأحضانه. لقد أظهرت أصلها الطيب، وعلم أنها أيضًا تشم بهم رائحة أبيها. كم ندم على إبعاده عنه كل تلك السنوات.
بينما يقف أدهم يتابع ما يحدث بقلب تأكله نار الغيرة برؤيته كل تلك العيون الذكورية التي تنظر لحبيبته. تمنى في قرارة نفسه أن يعود وألا يأتي بها هنا في معقل الرجال هذا مرة أخرى. كيف كان بهذا الغباء؟ لعن تهوره. لم يكن يستطع أحد إجباره القيام بتلك الزيارة، ولو أراد جدها رؤيتها، يأتي هو حتى باب منزله. لكن فرحتها التي تلتمع بعينها وهي تتلفت حول نفسها بتلك الفرحة، جعلته يتغاضى عما يريد فعله ويفضل سعادتها وراحتها على نفسه، حتى لو كان يختنق من الغيرة.
تعرفت على زوجات أعمامها وبناتهم. وعندما وصلت عند نعمة، شاور فهد: "دي ماما نعمة مرات أبوكي."
نظرت لجدها بحيرة، ثم لنعمة: "هو بابا كان متجوز على ماما؟"
جدها: "لا، أبوكي هو اللي اتجوز على بنت أخويا. وده سبب البعد والخلاف."
توجهت لنعمة التي تخفض عيونها في انتظار ثورة عشق ورفض تواجدها مع زوجة أبيها في نفس المكان. لكن ما حدث فاق كل توقعاتها، بل صدم جميع الحضور، حتى أدهم الذي يثق في نقاء روحها.
عندما وقفت أمام نعمة وتحدثت بصوت عذب لمس جميع القلوب: "ياريت تعتبريني بنتك تعويضًا عن اللي حصل."
"رفعت نعمة عيونها بذهول. لا تصدق ما سمعت، وحركت عينها بين الحضور. تخجل أن تسأل عما نطقت تلك العشق، لكن الصدمة التي تعتلي الوجوه أثبتت لها أن ما حدث صحيح. تعجز عن الرد بقلب ينتفض شوقًا لحبيب هاجر من ربيع العمر وتركها مثل شجرة بلا ثمار.
تلك الفتاة تمتلك قلب وحنان والدها. عندما اقتربت أكثر من نعمة التي علمت ما تنوي، لتضمها بقوة وهي تبكي من تأثرها. فهي لم تتوقع مثل هذا الفعل. تريد تضمد جرحها وتعوضها ما فقدت في غياب أبيها. كيف لها أن تكون بكل هذا النقاء؟
نظر لها الجميع باحترام. فرغم صغر سنها، لكنها لبقة وكلامها مريح، وهذا جعلها تدخل القلوب دون إذن.
أدهم لنفسه: "يا الله، هو في طيبة بالشكل ده؟ أنا مش مصدق."
رجعت جواره وهي تبتسم. بادلها الابتسام وهو في عالم أخر. طيبتها تأثره وتجعله في حالة من التمرد على نفسه.
همست له بسعادة: "أنا عندي عيلة كبيرة."
ضم أناملها بين كف يده: "آه يا حبيبتي، أنتي جميلة يا عشق وربنا عوض صبرك."
جلس الجميع على السفرة في جو من الألفة، بعيد عن عالم الأحقاد والضغائن. كل شخص على تلك الطاولة يتمنى السعادة للآخر. لقد نجح المنشاوي في جمعهم على الاتحاد والحب.
سألت قمر ابنة عمها بفضول: "انتي شبه مين يا عشق؟"
رفعت عشق نظرها عن طبقها وهي ترد بحب: "شبه ماما الله يرحمها."
انحنى مروان على محمد: "ليه حق عمك يسيب كل حاجة ويقف قصاد الكل عشانها؟"
وكزه محمد بخفة: "جوزها وابن عمك. متابعين كل حاجة زي الصقر اللي متابع فريسته. الله يخرب بيتك."
السؤال تلك المرة كان من نصيب عشق عندما أردفت: "انتي في سنة كام يا ياسمين؟"
"أنا وخلود في تالتة ثانوي."
تحدثت عشق بحماس: "عايزين مجموع كبير."
تململت خلود بضيق لأنه تشعر بعدم تخطيها تلك المرحلة بسلام، وهي ترد: "بس أنا مش بحب الفيزياء والمدرس بتاعها غتيت وخلاني مش بحبها."
علق زين بسخرية متعمدًا إغاظتها: "خلاص يوم الامتحان اكتبلهم مش بحبها تنجحي على طول."
نظرت له خلود بغضب طفولي ولم تتحدث خوفًا من أخيه.
بينما شجعتها عشق: "إن شاء الله يا حبيبتي. لو قعدت معاكم يومين نذاكر مع بعض، مش سيباكي غير لما تبقي أشطر من المدرس نفسه."
هتفت ياسمين: "بجد يا عشق بتعرفي تشرحي فيزياء؟"
ابتسمت لها: "آه والله."
لفت نظر الجد كلمتها: "لو قعدت." ماذا تقصد؟
"هو أنتم مش هتقعدوا معانا يومين؟"
اعتذر أدهم: "أسف والله، عندي شغل كتير وأجلته بسبب مشوار النهاردة ومراد مش موجود."
تحدث برجاء يراه الجميع لأول مرة. تعودوا عليه يأمر والجميع ينفذ.
"ممكن تسيب عشق معانا يومين؟ ملحقتش أشبع منها."
ردت عشق بسرعة كأنها تخاف بعده: "ماينفعش يا جدي. أسيبه، ماما وروان مش موجودين."
يعلم أن ما تشعر به اتجاهه إحساس المسؤولية لغياب أمه وأخته، وأن الأمر لو بيدها ما تركت هذا الجمع أبدًا. لذلك رفع عنها الحرج عندما أردف: "لا، خليكي. الخدم موجودين وأنا لما أخلص شغل آجي آخدك."
شعرت عشق بالحزن، فهي لا تريد أن تكمل يومها دون وجوده. رغم فرحتها بتلك الجلسة العائلية التي حلمت بها كثيرًا، لكن غيابه هو بالذات سوف يفرق معها كثيرًا ويكسر فرحتها تلك. مجرد سماع صوته فقط يعطيها الأمان.
لاحظ الجد لهفتها على زوجها، لذلك تحدث بابتسامة: "يعني إحنا مش هنقدر نعوض غيابه؟ ولا أنتي زهقت منينا؟"
عشق بتوتر تداري وجعها وخوفها من فقده: "أبدا يا جدي."
تحدث ياسين بفضول: "هو عمي مات إزاي يا عشق؟ ممكن نعرف؟"
قبضة باردة تعتصر قلبها لتلك الذكرى المؤلمة، وأردفت بحزن:
"بابا كان واعدنا يوم الخميس نخرج نتفسح. في اليوم ده المدرسة بدلت يوم السبت بالخميس لأنها مسافرة، ولخبطت لينا الدنيا. طلبت من بابا أعتذر، بس هو رفض وقال نتأخر شوية مش مشكلة. لكن حمزة بكى كتير لأن كان نفسه يروح الملاهي. قولت لبابا خلاص روحوا أنتم وأنا مرة تانية. ماما رفضت لأنها خافت تسيبني لوحدي، وبابا أقنعها أنهم هيرجعوا على ميعاد رجوعي. وفعلاً رجعوا، بس محدش منهم ظهر. فضلت أستنى عند طنط فتون. جانا خبر الوفاة إن الميكروباص تصادم مع مقطورة وولع بكل اللي فيه."
وبكت بحزن. ضمها أدهم: "حبيبتي، ادعيلهم بالرحمة."
بينما ساد المكان حالة من الحزن الشديد، كأن ما حدث من سنوات يحدث الآن أمامهم.
طلب أدهم الصعود بها غرفتهم التي جهزها الجد من أجلهم، حتى تستريح.
بعد صعودهم، ظل الكل في حالة صمت رهيب. وبينما سالت دموع نعمة بصمت قاتل، وانسحب أفراد العائلة بالتدريج من على الطاولة، وبقي الجد الشارد في ذنبه.
ظل في الغرفة ينتظر عودتها من غرفة زوجة أبيها، وهو في حرب مؤلمة خوفًا أن يلفت نظرها أحد أبناء عمومتها وتتركه من أجله. يحدث نفسه: "ماذا أصابك أدهم؟ منذ متى فقدت ثقتك بنفسك؟ ماذا حدث؟ نعم العائلة بها رجال وشباب كثيرين يخطفوا لب أي فتاة، لكنك لست بقليل ولا أحد بهم يوضع بمقارنة معك. كيف للحب أن يضعفك بهذا الشكل الذي لا أستوعبه. خوفك من تركها لك جعلك في حالة فقد ثقة. تبا لك ولهذا العشق. أدهم استرد ذاتك القوية الشامخة الواثقة. ولو حان وقت الفراق، ودعها بشموخ. ادعس قلبك الضعيف تحت قدمك. لو استسلمت الآن فلن تعود مرة أخرى."
رجعت لغرفتها، وجدته عابس الملامح. لا تعلم ما به، لكنه منطفيء عما قبل زيارتهم تلك. قضت عشق باقي اليوم في غرفتها، وأدهم لم يتركها. وعندما استيقظت، اعتدلت في جلوسها وهي تسأله: "ممكن فونك؟ عايزة أطمئن على ماما وروان."
مد يده بهاتفه وهو يسألها: "هو فونك فاصل؟"
شعرت بالخجل وهي تردف: "لا، شغال بس ماما هي اللي بتكلمني لأن باقتي مش تنفع مكالمات خارجية."
اتسعت عيناه بذهول: "باقة إيه؟ هو انت مش معاكي خط مفتوح؟"
وجوده معها يفرق كثير في مودها. مهما كانت حالتها، هو الوحيد الذي يستطيع بكلمة تغيير حالتها النفسية.
هتفت بمرح: "إحنا إيش وصلنا لمعالي الباشا؟ تليفوني الغلبان أبو باقة بـ 60 جنيه، وتليفون معاليك أبو خط مباشر."
ضحك بكل رجولة على طريقتها: "على فكرة أنتي مراتي، يعني لازم معاكي زي ما معايا بالظبط."
لم تركز مع كلماته، فقد تاهت في ضحكته التي خرجت من القلب. لأول مرة تمتمت بحب: "على فكرة ضحكتك جميلة جدًا. ليه مش بتضحكها على طول؟ خلي الدنيا تنور."
"ماذا يحدث لك أدهم؟ بكلمة واحدة منها تتحكم في كل مشاعرك، وأنت الذي عرضت عليك ملكات جمال لم يهزوا بك شعرة، بينما تلك الملاك تجعلك في حالة من فوران قاتل دون مجهود."
جذبها لصدره وتحدث بشغف يحمل حبها بين طياته: "أنتي سبب الضحكة دي. أنتي بس اللي تقدري تخرجيها بجد. من سنين طويلة ما ضحكتش من قلبي كده. بس غصب عني، مش هقدر أكمل معاكي."
لم تستوعب معني كلماته. ولما انقبض قلبها بتلك الطريقة وسيطر الخوف على مشاعرها وهي تردف بخوف: "يعني إيه؟"
ضم وجهها بين يديه يريد أن يعطيها فرصة الاختيار. يشعر بالرعب من فكرة اختيارها لعائلتها الجديدة عليه. ورغم غيرته التي تنهش روحه من فكرة كونها من نصيب أحد غيره، لكنه أبدًا لن يكون أناني في حبها. ابتلع ريقه بغصة في حلقه وهي يردف: "انتي الوقت بقالك عائلة فيها شباب كتير، وأنا أطمنت عليكي. يمكن نصيبك يكون مع حد منهم، وأكيد هيحافظ عليكي ويقدر يعطيكي الحب والحنان اللي مش هتلاقيه معايا."
دون إرادتها سالت دموعها من شدة وجع قلبها وهي تفرض نفسها على شخص لا يرغبها.
"أنا عارفه إنك مش بتحبني، وجوازك مني من باب الشهامة عشان تحميني."
مسحت دموعها التي غشيت عينها: "بس أنا والله مش عايزة منك حاجة. حب واتجوز، بس بلاش تطلقني. أنا عايزة أقابل وجه كريم وأنا مراتك، عشان خاطري."
شعرت أن خاطرها ليس له مكان لديه. غيرت كلماتها بسرعة: "لا، عشان خاطر ماما غادة وروان. ماتسبنيش. والله مش هخليك تحس بوجودي خالص."
أمل مصطفى. ضمها لأحضانه بقوة حتى يهدئها وهي تبكي على صدره برعب من فكرة تركه لها. بكائها مثل ماء حارق ينزل على قلبه بلا رحمة. حدث نفسه: "أسف، أسف يا صاحبي، مش هاقدر أوفي بوعدي ليك. مش قادر أتحمل أكتر من كده. مش كل الحريم زيه. مش قادر على جرحها أكتر من كده. أنا راحتي معاها. قلبي ملكها هي وبس. هي الوحيدة اللي قدرت تهز حصون قلبي اللي بنيتها كل السنين دي، وصعب عليا وجودها في حضني ومش قادر المسها. سامحني يا أحمد."
أغمض عيونه بشوق وهو يقبلها: "خلاص يا حبيبتي، أنا أسف."
ضم وجهها مرة أخرى بين كفيه وهو يهتف بشجن: "أنا فعلاً مش بحبك، أنا عشقتك عشق." ثم شاور على قلبه: "عشقك اخترق ده في لحظة من غير ما أدري. لقيتني مش قادر أتحمل بعدك لحظة. قسوتي عليكي ما كانتش كره، ده كان دفاع عن حصون قلبي اللي انهار في لحظة. وأنا اللي كنت فاكره أقوى حصون الأرض. أنا كنت فاكرك ووافقت عليا لأن مالكيش حد غيرنا، عشان كده عايز يكون ليكي القرار وأنا أنفذ طلباتك، رغم صعوبة سؤالي ده."
عشق وهي تمسح دموعها: "يعني بجد مش هتطلقني؟"
أغمض عيونه بقوة شوقًا لوجودها بين أحضانه وهتف بصدق: "لا يا قلبي، مش هاقدر أسيبك. أنتي كل حياتي يا عشق."
في المساء، تحدثت نعمة بسعادة. فهي حتى تلك اللحظة لم تصدق ما حدث وأن عشق تقبلت وجودها بتلك السهولة.
"كنت خايفة تكرهني لأني سبب بعد أبوها عن أهله، بس الحمد لله قلبي ارتاح. بجد لو هي زي مامتها، أنا عذرت محمود الله يرحمه على كل اللي عمله عشانها."
هتفت حميدة: "الحمد لله. أنا برضه استغربت لما شفتها محجبة وخجولة كده."
بينما قالت عواطف: "الحمد لله أنها طلعت محترمة ومتربية، وجوزها باين عليه بيحبها وشكله كيف رجالتنا قوي وليه هيبة."
"كله نصيب. الحمد لله. كل توقعاتنا فشلت وطلعت متربية ومحترمة وتقبلت وجودنا، وعمي الوقت ارتاح ووجودها هيخفف حزنه على ابنه وولاده."
نعمة: "والله أنا كلمت عمي كتير قبل كده وطلبت منه يسامحه ويبعت يجيبه هو ومراته يعيشوا معانا هنا، بس هو كان مجروح من عناد ابنه معاه ورفض."
رواية إنت عمري الفصل التاسع 9 - بقلم امل مصطفى
في مكان أخر عند مراد الذي لم يترك روان لحظة في الشهور المنصرمة، بل كان مثل ظلها إلا عند دخول الأشعة والعمليات. كان يموت حرفيًا من الخوف، وعندما تتألم يشعر بألمها. لم تتخيل أن هناك حب بتلك الطريقة، نظرة عيونه تخفف آلامها، اقترابه منها في لحظة بكائها وضم يدها بين كفيه ينزع منها كل الخوف.
بينما غادة تشعر أخيرًا بالراحة والاطمئنان على أولادها. عشق مراد لروان واضح وضوح الشمس، وأيضًا أدهم كان نصيبًا لا يقل عن روان. لذلك ظلت تسجد وهي تشكر الله على نعمه الكثيرة، وترجوه أن يديم الفرحة بقلب أولادها.
في المساء، قام أدهم على صوت طرقات خافتة على باب غرفتهم. قام ينادي عليها بحنان:
"عشق، تعالي."
"خبط على الباب."
جلست وهي تفرك عيونها وتسأل من الطارق.
ردت الخادمة: "أنا يا ست عشق، سيدي الكبير بيقول بيستناكم عشان العشاء."
"حاضر، ثواني ونازلين."
التفتت إلى أدهم بخجل تأخذ رأيه:
"ننزل ولا نكمل نوم؟"
تأمل هيئتها بغرام:
"بالنسبة للعايزة، فأنا عايز حاجات كتير."
وقبل أن تفهم مغزى كلماته، كان يحتويها بين أحضانه وهو يهمس بشوق:
"خليكي في حضني شوية، لأني هسافر الفجر."
رفع إحدى يديه يضع شعرها على إحدى كتفيها وهو يميل عليها يقبل عنقها بلطف. أغمضت عينيها، إنها تعيش معهم مشاعر جديدة عليها. بينما زادت قبلته حميمية جعلته يحترق شوقًا للمزيد. لكنه أبعدها وهو يزفر بقوة محاولًا السيطرة على نفسه، وتحدث بأنفاس ثقيلة:
"يلا ننزل، لأن لو طولت مش ضامن نفسي ومش هسيبك غير وأنتي مراتي."
قامت بتوتر وارتدت عباءة سماوي وحجاب درجة أفتح. أصبحت بهذا اللون الذي يتناسب مع لو عينيها، ملاك بحق. شعر بالغيرة لأن الجميع سوف يراها بتلك الهيئة التي خطفته من نفسه. رغم أنه طويل وواسع، لكنها لافتة بشكل ملحوظ.
سألها بضيق:
"هو مافيش غير العبايه دي؟"
نظرت لنفسها بالمرآة ثم سألته:
"لو مش عجباك أغيرها؟"
هتف بصدق:
"عجباني جدا، بس مش حابب حد غيري يشوفك بيها."
وافقت بهدوء:
"حاضر، ثواني أغيرها."
توجهت للداخل، أخرجت أخرى قامت بارتدائها وخرجت له.
عندما أطلت عليه، استغفر في سره:
"أعمل إيه أنا الوقت يابنتي، الله يهديكي. أنتي منورة لوحدك مش محتاجة حاجة."
"فاتحة."
"عشق بحيرة:"
"يعني أعمل إيه الوقت؟ مش معايا غيرهم."
جذبها من يدها وتحرك خارج الغرفة وهو يردف:
"ربنا يستره ويعدي اليوم ده على خير، بدل ما أرتكب جناية. وبدل ما حبل الود يتصل بينك وبين أهلك، أولع فيه وأخفيه."
لم تستوعب مقصده، لذلك فضلت الصمت وتحركت جواره.
نزل وهو يحتضن يدها بين يديه. جميلة تخطف القلوب، كان الجميع يتأملها مما جعلها تشعر بالخجل. أما هو فكان يشعر بغيرة قاتلة ولعن نفسه لأنه أتى بها بين هذا العدد من الرجال.
هتف جدها بلهفة:
"تعالي يا جلب جدك."
جلست جواره وأدهم بجوارها.
"فهد جهز لك نصيبك في ورث أبوكي، شوفي عايزه كيف."
لم تأتِ هنا من أجل المال، بل كل ما تتمناه العائلة فقط.
"أنا مش عايزة ورث يا جدي، أنا عايزاك أنت وعمامي. عايزة الدفء والحماية وبس، لكن الفلوس آخر همي، أنا بتدبر بأي حاجة."
رفض الجد بشدة وتحدث بإصرار:
"بس ده حقك وأنا مافيش حد يكسر كلمتي يا بنت محمود."
تنهدت بهدوء تحاول كسب رضاه:
"خلاص يا جدي، لو مصمم ممكن نعمل مشغل يفتح بيوت كتير للناس اللي محتاجة والمكسب تكفل بيه أسر اليتامى والمحتاجين. صدقة جارية على روح بابا وأخواتي. أو مستوصف لعلاج الناس الغير مقتدرة، لكن أنا مش هاخد فلوس."
انبهر الجد بتفكيرها غير المتوقع وتحدث بفخر ظاهر:
"إحنا نعمل كل اللي نفسك فيه، بس ورثك زي ما هو مش هتيجي جنبه. ونسمي المستوصف باسم ابني وأحفادي."
أعجب أدهم بالفكرة وهتف:
"وأنا عايز أشارك، سواء في ده أو ده."
بينما فهد، تلك الصخرة الذي يهابه الجميع ولا ينصاع لرأي أحد، تحدث بفخر حقيقي:
"يا عشق، أنا فخور بيكي. أنا كنت خايف يكون تفكيرك وأخلاقك كيف بنات البندر اللي يحبوا المظاهر ويجروا ورا شهوة المال. أكيد مشكلهم كده، بس الأغلبية الحمد لله. الحمد لله طلعتي إنسانية. وجودك شرف لأي مكان تدخلي فيه."
"دي شهادة أعتز بيها يا أبيه."
"قمر بفضول:"
"ممكن تحكي لينا عرفتي بشمهندس أدهم إزاي؟"
نظر كلا من أدهم وعشق لبعضهم ببسمة حنين لأول لقاء بينهم رغم ظروفهم، وبدأت سرد ما حدث ذلك اليوم.
"في ناس بتجري ورايا عشان تأذيني، وهو خلصني منهم."
قاطع كلامها صوت مروان المتعجب:
"يجروا وراكي ليه؟"
"بعد وفاة بابا، الراجل صاحب المحل سحبه مني لأن كنت صغيرة ومش هعرف أديره، بس اتصرف في البضاعة وعطاني حقها. مع مرور الوقت الفلوس خلصت والمعاش كان يكفي بالعافية مع الإيجار والدراسة. اضطريت أخرج أشتغل عشان أقدر أتكفل بنفسي، كنت بشتغل بعد الكلية."
نظر الجميع لبعضهم بخزي، فهم أصحاب الملايين وابنتهم تعمل حتى تحصل على قوت يومها. لم تلحظ تأثرهم بكلامها وهي تكمل:
"اشتغلت سكرتيرة في مكتب استيراد وتصدير، بس صاحب الشغل كان عينه زايغة. حاول بكل الطرق إن يقرب مني وأنا كنت بصد بعنف. حاولت كتير وأنا شغالة معاه أشوف شغل في مكان تاني، بس للأسف مرتبه كان مغري. أتاري هو عامل كده عشان يجذب البنات ويستغل احتياجهم، وأنا كنت مضطرة أتحمل عشان المرتب كان كويس وفي نفس الوقت مش مؤثر مع الكلية. وفي يوم اتصل بيه الساعة بليل عايز ملفات مهمة بتاعت مزاد. اعتذرت ووصفته ليه مكانها. غضب واتحجج إنهم مش لاقيه، ولو ما روحتش اعتبر نفسي يرفدني. صراحة أنا ماكنتش حمل أخسر الشغل ده. المهم قال إنه عايز يرجعه الوقت وأنا الصبح بكون في الكلية. أونكل ناجي وطنط فتون خافوا عليا وقالوا: سيبي الشغل أحسن. فهمتم إن المرتب ما عرفش أعوضه. روحت وجبت الملفات، بس طريقته وضحت ليا الوضع وإنه مش عايز الملف، كان ليه غرض تاني ومجهز كل حاجة ورجاله كانوا عارفين واقفين بره لأي طارئ. لقيته قريب مني ونظرته مش مريحة. سحبت تمثال نحاس كان على مكتبه ضربته على رأسه. صفيت دمه وخرجت بهدوء عشان رجاله مش يشكوا في حاجة. بلغتهم إنه مش عايز إزعاج. بصوا لبعض وطبعًا استغرب، بس أنا مثلت الدور كويس. خوفت لو حس بحاجة يمسكني لحد ما يفوق. خرجت أجري أقصى سرعة، بس لقيتهم ورايا. فضلت أجري لحد ما لقيت نفسي واقعة قدام عربيات الحرس بتاعت أدهم. ودي كانت أول مقابلة بينا ومن يومها وإحنا مع بعض."
شعر أولاد أعمامها بالغضب وتمنوا أن يخلعوا عينيه وقلبه. أما الجد، كان شعوره مختلف، غزاه ألم شديد بقلبه وشعر روحه تسحب منه. قام وطلب من عشق أن تأتي خلفه لغرفته. دلفت خلفه وأغلقت الباب، وقبل أن تتحرك كان جذبها في أحضانه وظل يبكي بحزن وتأنيب ضمير. فلو سامح ابنه على فعلته ما حدث كل ذلك. ظل يعتذر منها حتى تسامحه لأنه قصر في حق ابنه وحقها. لم تتحمل انهياره وهو بهذا السن، لذلك هتفت بدموع:
"كل ده نصيب يا جدي، أنت ملكش ذنب فيه صدقني."
"هو رفض، لا ليا إيه اللي حصل؟ أتجوز عادي عندينا الراجل يتجوز واحدة واثنين. كنت خايف تاخده مني وهددته بحرمانه من الميراث. مافيش حاجة خليته يفرط فيها. لحد تهديدي أن أدور عليها وأقتلها خلاه بعد عن عيوني وساب كل حاجة. أني خفت عليها ما عدتش عرفت طريقه، خفت تأخذه مني. ضيعته بإيدي. جاه وطلب السماح لما عرف أنها حامل وتحايل عليا يرجع عشان ولده يتربي. وسطنا ووعدني أنه يعدل بينها وبين نعمة، بس الشيطان كان واقف قدامي. هددت تاني بقتلها. جالي لما ولدت وكان نفس ردي. ودي كانت آخر مرة أشوف ولدي. اختفى من يومها. كان حريص جدًا، بعت ناس وراه عشان أعرف مكانه، بس كل مرة يختفي كأنه فص ملح وداب. وتجولي ماليش يد كيف ده؟ أنا دم ابني ومرته وولاده على يدي ليوم الدين. كأن ربنا انتقم مني على ظلمي لابني ومراته، لأن كنت فعلاً ناوي على أذاها لأنها سحرت لابني وخلته يعصاني، وهو الأقرب لقلبي. جالي يا منشاوي مش أنت رافض ولدك واحفادك؟ أنا خدتهم منك، موت بحسرتك عليهم."
"عشق بعقل وهدوء:"
"أنت مؤمن يا جدي وعارف إن كل شيء نصيب. وأنت كنت مجرد سبب في حكمة ربنا وتدبيره. ربنا اسمه الحق، استغفر كتير يا جدي على سوء ظنك به. وأنا الحمد لله راضية بنصيبي وبعد الضيق فرج. وربنا فرجها بزوج مافيش زيه في الكون وعيلة كبيرة وجميلة وأنا حبيتكم قوي. اهدِ واستغفر ربنا وادعيله بالرحمة."
عرض فهد على أدهم أن يخرجوا لرؤية اسطبلات الخيل، لكنه رفض بسبب قلقه على عشق.
"لا، عايز أطمئن على عشق الأول."
"فهد:"
"ما تقلقش، بس جدي متألم من اللي حصل معاها وإحنا موجودين على وش الدنيا. تعال نمشي شوية ونرجع يكونوا اتصافوا."
ذهبوا إلى اسطبل الخيل، اختار كل واحد حصان وتسابقوا وتحدثوا في الأعمال وأخذ كل واحد فكرة عن عمل الآخر. ورغم الوقت القصير، لكنهم شعروا بالألفة قربهم من بعضهم، فهم يشتركون في الشخصية القوية والذكاء. عاد بعد ساعة وجد عشق تجلس بين زوجات أعمامها.
حرك شفايفه:
"وحشتيني."
تورّد وجهها من الخجل.
"فهد وقد تابع ما حدث:"
"سيب البنت في حالها."
"أدهم بغمزة:"
"اللي غيران مننا يعمل زينا."
ضحك فهد بكل رجولة:
"أنت رايدني أتقطع تقطيع يا ولد؟ عندنا العشق عيب."
وقبل أن يرد عليه، سمع نداء المنشاوي الكبير الذي طلبه للتحدث معه على انفراد. وبعد مرور نصف ساعة، استأذن أدهم لأنه على سفر فجرًا. وقفت عشق وتوجهت معه الأعلى في صمت، فهي شاردة في أي وضع سوف تنتهي قصتهم.
عند أذان الفجر، قامت عشق تؤدي فرضها. وجدت أدهم يجلس على الفراش.
تحدثت بقلق:
"مالك؟ صاحي ليه الوقت؟"
تأملها بحب كأنه ينقل لها مشاعره:
"هتوحشيني يا عشق. أنا هصلي الفجر و مسافر."
"عشق بخوف:"
"أدهم، أوعي تنساني."
اقترب منها وحرك أنامله على وجهها:
"عمري ما أقدر أنساكي. أنتي النفس اللي بتنفسه والدم اللي بيجري في وريدي والقلب اللي بينبض بين ضلوعي."
صلوا فرضهم وارتدى ملابسه. نظرت له بشوق. هتف أدهم بغرام:
"لا عشق هانم كده خطر. ونظرتك دي ليها معاني كتير. أنا أضعف من إن أقاويمها."
ارتمت على صدره تحتضنه. رفعها بين يديه وضمها بقوة:
"متخافيش يا حبيبتي، أنا ما صدقت لقيتك ومش ممكن أفرط فيكي أبدا."
همست جوار أذنه:
"أنا بحبك."
نظر بعيونها:
"وأنا بعشقك."
ثم تركها وهو يشعر بروحه تسحب من جسده. أما هي فتشعر بانقباض غريب بقلبها.
نزلت نعمة وجدت عشق تجلس، يبدو على وجهها الحزن.
"مالك يا عشق؟ ليه قاعدة كده؟"
قامت عشق، ارتمت في حضنها وظلت تبكي. ضمتها نعمة بحب وسعادة. كم تمنت هذا الإحساس أن يكون لديها أبناء يرتمني في حضنها وقت التعب. جميع أبناء العائلة يعاملوها كأم، لكن إحساسها الآن مختلف لأنها قطعة من عشقها التي رفضت الجواز بعد تركه لها. مدت على ظهرها وهي تسألها عما بها:
"ليه كل ده يا حبيبتي؟ إيه حصل؟"
"عشق ببكاء:"
"أدهم وحشني، خايفة ينساني."
ضحكت نعمة على طفولتها وهي تضمها أكثر:
"كل ده عشان سافر؟ بكرة يرجع بالسلامة. قامت بإزالة دموعها بيدها."
"وبعدين مين يقدر ينسى القمر ده؟ الكل حبك من يوم واحد، تخيلي اللي معاكي من شهور. أهدي كده، أدعيله ربنا ينجيه ويرجعلك بالسلامة."
ثم جذبت يدها بحنان:
"يلا نشوف الخدم جهزوا الفطار ولا لأ."
يجلس أدهم في سيارته شارد في من ملكت روحه. مش قادر، دي وحشتني وأنا لسه سيبها من ساعتين، إزاي أقدر أتحمل أسبوع.
عقله: "لا، اجمد كده. أنت عمرك ما كنت ضعيف عشان حاجة زي دي تأثر فيك. عادي، متخليش قلبك هو اللي يتحكم فيك."
قلبه: "لا، عشق مش كده. لو كانت زي فرح، مش ممكن ترفض ورث بالملايين وتفكر في الأيتام."
رفع تليفونه، طلب صديقه حتى يفضفض معه عما يجول بخاطره ويعكر صفو حياته، على أن ينتشله من ما يتعب قلبه ويدله على طريق الصواب.
في مستشفى ألمانيا، يتابع دكتورة العلاج الطبيعي وهي تقوم بجلسات روان. لقد تألم كثيرًا، العلاج الطبيعي مؤلم أكثر من العملية التي أجرتها. قفز بسرعة عندما بكت من الألم وهي ترفض إكمال الجلسة.
"كفاية، أنا خلاص تعبت."
اقترب منها يضمها وهو يردف بعشق وتملك:
"خلاص يا قلبي، كفاية بس بلاش دموع."
وحدث الدكتورة أن تكتفي بهذا القدر اليوم. ألقت نظرة على انهيار روان لتوافق وتترك الغرفة بصمت.
"روان ببكاء:"
"أنا تعبت يا مراد، مش قادرة والله أكمل. غصب عني الوجع فوق احتمالي."
حملها مراد بين يديه وتوجه لغرفتها:
"خلاص يا قلب مراد، براحتك. ولو مش عايزة تكملي مش هنكمل. أهم حاجة عندي إنك تكوني مرتاحة."
وضعت رأسها على صدره من التعب وأغمضت عينها وهي تشعر بالأمان. ماذا فعلت حتى يكون مراد نصيبها؟ فهو نعم الزوج والحبيب الذي يحتويها بحبه وحنانه. ولو كانت حكمة الله من تلك الحادثة هي ترك وائل لها وتصبح نصيب مراد، فنعم تدابير الخالق عز وجل (تراه تدميراً وهو تدبير). تحدثت روحها بحزن على ما فات:
"كنت عميا إزاي عن العشق اللي بعيونه ليا لوحدي."
لقد رأت نظرات الممرضات له، مراد وسامته شرقية، بشرته قمحية، عيون عسلي، جسده رياضي، فهو وأخوها دائمًا يهتمون بصحتهم ويمارسون رياضات مختلفة ولم يقتربوا من التدخين يومًا. ورغم ذلك لم يهتم بنظراتهم رغم جمالهم الفاتن وهي التي لا تكن جوارهم شيء. عيونه لا ترى غيرها.
أجلسها على السرير بهدوء ودثرها جيدًا وينحني يقبل رأسها. رن تليفونه باسم أدهم.
"دثرها جيدًا وهو يردف:"
"ارتاحي الوقت وأنا خارج أرد على أدهم وراجع."
هتفت بتعب:
"سلم عليه كتير هو وعشق."
فتح الخط وهو يردف راد بسعادة:
"أدهم باشا، فينك يا راجل؟ أنت نستنا خلاص."
أتاه صوته متعب وحزين:
"حد ينسى أهله، بس مشغول شوية، أنت عارف."
تسلل القلق لقلب مراد الذي تحدث بلهفة:
"مالك يا أدهم؟ صوتك متغير ليه؟ فيك إيه يا صاحبي؟"
أردف أدهم بتنهيدة حارقة:
"تعبان يا صاحبي ومش عارف أخد قرار. بعشقها وكل ما أقرب منها أشوف أحمد بينا. نفسي أكمل معاها كل حياتي، نفسي أحب وأتحب وأكون أسرة زي الناس الطبيعية. كل ما أسمع صراخ أحمد ووعدنا ليه أحس إني خاين."
"مراد بحزن على حال صديقه:"
"وبعدين معاك يا أدهم؟ قولنا عشق غير فرح، وده نصيب. ولو كان أحمد عايش كان هو اللي شجع وأول واحد فرح عشانك. قلوبنا مش بإيدينا. سيب نفسك يا صاحبي، البنت تستاهل أنك تعطيها فرصة تانية وعيش حياتك. أوعي تظلمها، هي مالهاش ذنب في أي حاجة."
ثم تذكر ظهور أهلها، سأله باهتمام:
"عملت إيه مع أهلها؟"
تذكر ما حدث:
"متخيل، تعمل إيه؟ قابلتهم كأنهم مش غلطانين في حقها. ولو كنت شوفتها تقول طفلة مافيش جوه قلبها حقد أو كره، قلبها أبيض. حتى ورثها رفضته رغم إنه ملايين."
"مراد:"
"بتأكيد شوفت، مش قولتلك."
"أدهم بحيرة:"
"جدها عايز يعمل ليها فرح في البلد عشان الناس تعرف أنهم جوزوا حفيدةتهم وأنا لسه مش قادر آخد الخطوة دي. وفي نفس الوقت خايف رفضي يكسرها."
تكلم مراد بسعادة:
"خلاص كده، ما عدش عندك حجة."
ابتسم أدهم على حماس صديقه:
"أنا بستناك، مش هعمل حاجة من غير وجودكم. هانت يا صاحبي، كلها أسبوعين ونرجع ونكون مع بعض زي الأول."
أراد أن يوصيه على أمه وأخته رغم ثقته التامة في رجولة ونخوة صديقه:
"إن شاء الله أمي وأختي أمانة معاك."
"عارف أن روان ممكن تكون زعلانة مني لأن مزرتهاش في الفترة دي غير كام مرة، بس قولها تسامحني."
تحدث بهيام:
"دول في عيون قلبي يا أدهم. ثم أكمل:"
"روان عمرها ما تزعل منك، أنت مش أخ، أنت كنت ليها أب وأخ."
في غرفة نعمة، كانت تتحدث مع صورة زوجها التي تحتل ركن كبير على حائط غرفتها:
"أنا مش زعلانة منك يا محمود. بعد ما شوفت بنتك تأكدت أن كان ليك حق تجري وراها وأن ده غصب عنك. إذا كان كلنا تعلقنا بيها من يوم واحد. أنا مش قصدي الشكل خالص، رغم أنها تبارك الخالق فيما خلق، بس أنا بقصد روحها، طيبة قلبها. حاسة إني أعرفها من سنين، يمكن لأنك موجود بروحها."
سمعت طرق على الباب، أذنت للطارق بالدخول بعد أن مسحت دموعها. وجدت عشق تقف أمامها بخجل:
"ممكن أنام معاكي النهارده؟"
"طبعًا يا حبيبتي، دي غرفة محمود يعني غرفتك."
دخلت تتأمل كل شبر بها وهي تسألها:
"دي غرفة جوازك أنت وبابا، مش كده؟"
مررت عينها شوقًا لتلك الأيام وهي تهتف:
"آه يا حبيبتي."
وقفت أمامها وهي تسألها:
"كنت بتحبه؟"
"نعمة بخجل:"
"كان حب الطفولة والمراهقة والشباب."
"ياااه، كل ده."
جلسوا سويا على الفراش وبدأت نعمة تقص عليها قصة حبها لوالدها.
"كنت بحب أشوفه وهو ماشي بالفرس بتاعه، كنت طفلة صغيرة معرفش حاجة تحت رحمة ربنا غيره وقتها."
رفعت أناملها على وجنتيها:
"أنت واخد حنيته وطيبة قلبه. يهتم بالكل، رغم أنه أصغر أخواته، لكن كان خدوم جدًا. مافيش حد يقصده في حاجة ويتأخر عليه أبدًا. عمي متعلق بيه أكتر من الكل وكان بيخاف عليه من حنيته الزايدة أن حد يستغلها ويأذيه. كل يوم بيمر عليا بتعلق بيه ولأن لسه طفلة فهمت اهتمامه وحنيته عليا. حب وفضلت أرسم واتخيل حياتي معاه لما أكبر. لما جه يدخل الجامعة عمي صمم يكتب كتابه عليا، كنت أسعد واحدة في الدنيا. رغم إن كنت لسه صغيرة وموصلتش سن كتب الكتاب، بس ده كان منتشر عندنا. البنت اللي تجيب 18 سنة بدون جواز يقال عليها قطر الجواز فاتها. بس عمي حب يربطه بالبلد، خاف عليه الدنيا الواسعة والبنات الحلوة تاخذه مني. في سنة ثانية عمي طلب منه نعمل الفرح والدخلة، لكن محمود رفض بقوة، وكانت دي أول مرة يوقف في وش عمي وأول مسمار في فراقهم."
رواية إنت عمري الفصل العاشر 10 - بقلم امل مصطفى
في الأول رفض بس وافق بعد محايلة الكل. وهو في تالته كلية رجع قال لعمي إنه بيحب واحدة وعايز يتجوزها. عمي كان طلبه ده كيف احتلال اليهود لمصر. غضب، اتخانق لأول معاه وعاند جداً قصاده. ولما لاقاه مصمم جاله: "هحرمك من الميراث".
محمود قاله: "عادي ما تفرق، هشتغل وأصرف عليها وعلى كليتي".
جاله: "هتبري منك ولا أنت ابني ولا أعرفك".
رغم صعوبة ده على عمي، بس كان كل غرضه إن ابنه يخاف على زعله ويرجع حضنه مرة تانية. لكن أبوكي كان متعلق بيها جوي. وكلنا قولنا سحرتله المصروية علشان يوقف في وش أبوه وهو روحه فيه. وغاب عن البلد سنة بحالها، وبعدين رجع علشان جدك يتقبل مراته. عمي رفض، هدد إنه لو شافها هيقتلها ويخلص من سحرها. ومن يومها محدش شافه ولا سمع عنه خبر.
غير من كام شهر. مسحت دموعها.
"ليس سهل أن أعيد أحداث رفض زوجها لها وتفضيل أخرى عليها".
"عشق: طب ليه ما طلبتيش الطلاق وشوفتي حياتك؟"
تحدثت بمرارة: "وإيه عيشتي وحياتي من غيره؟"
"عشق": هي تحتضنها بحنان. "أنا بنته ومن ريحه، ويا ريت تعتبريني بنتي".
"كامل مصطفى": ضمتها نعمة بحب أمومي. "طبعاً أنا بشوف روحه فيكي".
"يعني ممكن أقولك ماما نعمة؟"
"أنا اللي بتمنى تقوليها وعايزة أسمعها منك على طول".
"طيب يا ماما ممكن أنام في حضنك النهارده؟"
ضمتها نعمة بحب. "طبعاً يا روح ماما". وناموا بهدوء.
بعد ساعتين سمعت أزيز تليفونها. قامت بهدوء حتى لا تستيقظ نعمة. التي قلقت فعلاً على حركتها، وتوجهت لباب البلكونة. ردت بصوت ناعم رقيق: "ألو".
وصلها صوت تنهيدة حارة ثم تلاها صوته: "وحشتيني يا عشق، وحشتيني لدرجة إني عايز أركب طيارة وأجيلك آخدك في حضني عشان أهدى وأعرف أنام. كام ساعة وهتجنن، مش عارف أعمل إيه. أول مرة أحس بالضعف والعجز ده".
لم يجد منها رد. نداها: "عشق".
حاولت استرداد نفسها من حالة التيه التي حدثت لها من كلماته التي يغلفها الشوق. هي لم تتوقع أن يتذكرها من الأساس. أخرجت صوتها: "آه آه، أنا سامعاك بس مش مصدقة إنك بتقول الكلام ده ليا. كأن حلمي أخيراً اتحقق وبقى واقع".
سألها بحب: "حلم إيه؟"
تمتمت بتوتر لأنها لم تكن تنوي كشف سرها الكبير بعد. "بعدين أحكيلك".
"أكمل بحزن": "أنا عارف إنك اندمجتي مع عيلتك ونسيتيني لأنك لقيت حد يعوضك غيابي".
حدثت نفسها بحزن: "ألم يعلم حتى الآن مكانته بقلبي؟ هل قصرت معه بإظهار حقيقة مشاعري؟"
بحثت في هاتفها وهو معها على الخط، وقامت بإرسال أغنية "نسيت أنساك" لفضل شاكر.
"الأغنية دي تعرفك مشاعري إيه في غيابك".
قام بسماع كلماتها. ابتسم: "بجد يا عشق؟ يعني ما فيش حد قدر يعوض غيابي؟"
"أبداً. لو بين مليون شخص ما فيش حد يعوض غيابك يا حبيبي".
أرسل لها أغنية "أنا اشتقتلك". سمعتها عشق وهي تدور بهاتفها في سعادة كبيرة وحضنت هاتفها بقوة.
"يجب عليه توضيح كل شيء وإخبارها بحقيقة مشاعره وأنه يمثل اللامبالاة، لكنه ينصهر من قوة انجراف مشاعره تجاهها". وهتف: "عشق، لما أرجع عايز أتكلم معاكي كتير".
ابتسمت بحب كأنه يراها: "أنا كمان يا أدهم عايزة أحكيلك حاجات كتير جداً وتعرف حقيقة مشاعري ناحيتك".
"أشوفك على خير".
"وإنتي من أهل الخير".
*************
عادت عشق لأحضان نعمة. نامت مثل الأطفال بلا هموم.
استيقظت في الصباح لم تجد نعمة جوارها. قامت تتوضأ، صلت فرضها ونزلت بسعادة تنادي: "ماما نعمة، يا ماما أنتي فين؟".
خرجت نعمة من المطبخ وقلبها يكاد يطير من شدة السعادة. الجميع يناديها بهذا اللقب، ولكن لأول مرة تجرب إحساسها من عشق. فهي قطعة من قلبها وزوجها المرحوم.
"أنا هنا يا قلب أمك، تعالي".
اقتربت منها عشق وقبلتها: "صباح الخير يا ماما".
"نعمة": "صباح النور يا قلب ماما".
سألتها بعتاب: "ليه يا ماما نزلتي من غير ما تصحيني؟"
تحدثت بحب: "قلت أسيبك ترتاحي". وضحكت لأنك طولت في السهر امبارح.
تحدثت بإحراج: "هو حضرتك كنت صاحية؟"
ضحكت على خجلها وهي تردف: "ربنا يسعدك يا حبيبتي".
"طيب يا ماما شوفي محتاجة أساعدك في إيه".
"روحي صبحي على جدك".
**************
توجهت لغرفة جدها. قامت بطرق الباب. أذن الجد بالدخول.
"عشق": بإبتسامة. "صباح الخير يا جدي".
"جدها": بفرحة كبيرة. "لم تزره من سنوات طويلة. صباح الورد والياسمين على قمر عيلة المنشاوي". اقتربت منها، انحنت تقبل يده. ضمها لحضنه بحب وحنان. "نورتي بيتك وأهلك ورجعتي لجدك روحه".
"منور بيك يا جدي أنت وعمامي. ما تتخيلش أنا فرحانة قد إيه بوجودي بينكم. الأهل والعزوة حاجة جميلة جداً حرمت منها سنين طويلة، بس الحمد لله ربنا عوضني أخيراً".
مدت يدها تساعده على الخروج. تحدث بضحك: "هو انت فاكرة جدك خلاص عجز؟ لا والله، أنا بقيت شباب بشوفتك. بس ده ميمنعش إني أمسك القمر بإيدي".
ابتسمت له وهي تهتف: "ربنا يعطيك الصحة والعافية يا جدي".
توجه للخارج، وجدت الجميع يتابع خروجهم بعيون مخدرة من صوته الذي ارتفع بالضحك لأول مرة منذ بعد ابنه الذي كان دائماً سبب ضحكته. هو قوي، حاد، صارم مع الجميع إلا مع ابنه محمود. يتغير، يلين، حنون. والكل كان يتعجب من شخصيته تلك التي لا تظهر لغيره. لذلك كل من أراد شيء يطلبه من محمود لعلمهم تأثيره على والده.
جلس على طاولة الطعام، يتبعه الجميع باحترام.
"عشق": "صباح الخير".
رد عليها الجميع: "صباح النور".
وجهت سؤالها لإبنة عمها: "ها يا خلود، مستعدة نبدأ النهارده؟"
"موافقة طبعاً، خليني أرتاح من عذاب المادة دي".
"خلاص بعد الفطار جهزي نفسك أنتي وياسمين".
"زين": "إيه رأيك يا شوشو أفسحك النهارده في البلد؟"
"عشق": "بجد؟"
"بجد طبعاً". صفقت بيدها تحت صدمة الجميع من تصرفها. "وأنا موافقة". لكن ملامحها تغيرت بتفكير.
تحدث فهد بسؤال: "مالك يا عشق؟ شكلك اتغير ليه؟ في حاجة؟"
هتفت بحيرة: "مش عارفة أدهم يوافق ولا لا".
دخلت قمر في الحوار تعطيها فكرة: "مش هو عارف إنك موجودة وجدك يعطيكي الإذن عادي؟ مش مهم تبليغه".
شهقت عشق بتعجب من حديث ابنة عمها عن الأمر كأنه هين. وهتفت برفض: "إزاي يا قمر؟ ده جوزي وكل خطوة بخطيها من غير إذنه ذنب. تخيلي بقى بلدكم دي كام خطوة؟". ضحكت: "ده أنا هروح جهنم حدف".
نظر لها الجميع باحترام.
"زين": بلهفة. "طب لو رفض مش هنخرج؟"
"عشق": "للأسف تبقى ضاعت الفسحة".
كانت نعمة تريد التحدث، ولكن قاطعها رنين هاتف عشق. التي تأملت هاتفها بحب عندما رأت اسم زوجها. اعتذرت من جدها للخروج حتى ترد على أدهم. تحركت بسرعة إلى الخارج وفتحت الخط بلهفة.
"صباح الخير يا حبيبي".
هتف بوله: "صباح النور يا قلب حبيبك. وحشتيني. قولت أكلمك قبل ما أروح الشركة وأتلبخ في زحمة الشغل".
"صحيتك؟"
"لا، أنا صاحية بدري. أنت كويس؟ حاسة في حاجة!"
يشعر بغربة غريبة دونها. رغم أن وجودها في حياته لم يتعد الثلاث شهور. كيف يحدث ذلك؟ فكرة عدم رؤيتها تسحب أنفاسه وتلقي به في بحر الشوق.
"عمري ما أكون كويس وأنتي بعيدة عن حضني. آه، كنا بنام كل واحد بغرفة، بس وجودك معايا في نفس المكان مريح جداً ليا".
"أيه رأيك أجي آخدك النهارده؟ ده لو مش حابة تفضلي".
"وإنت كمان يا أدهم وحشتني جداً رغم إنك ما فرقتنيش".
"أرجوك يا أدهم بلاش تشرب قهوة قبل الفطار علشان خاطري. أفطر واشرب عصير وخلي القهوة لما توصل المكتب".
تحدث بحب: "خايفة عليا؟"
"ما فيش عندي أغلى منك أخاف عليه".
"آه يا عشق لو كنتي قدامي الوقت".
"كنت هتعمل إيه؟"
"كنت خدتك في حضني وما سبتكش غير وإنتي مراتي".
خجلت ولم ترد.
"مش بتردي ليه؟ مش أنتي اللي بتدوبيني بكلامك العسل ده؟ بذمتك أعمل إيه لما أشوف الدلع والدلال والحنية دي كلها؟".
"وأنا عملت إيه بس؟"
"كلامك، خوفك عليا جنني. بيخليني أندم لأن مقابلتك قبل كده، وندمان على عمري اللي ضاع من غير وجودك. بتجنن من المشاعر اللي بجربها أول مرة معاكي. أنتي بس. نفسي أحبسك في غرفتي ما أخرجكش منها أبداً، بس هانت، كلها أسبوع".
"عشق": بخجل. "أدهم بلاش الكلام ده علشانك بتكسفني".
"قولي لي أعمل إيه بس؟ أنا عمري ما كنت أتخيل إني أقول الكلام ده لواحدة أبداً".
"عشق": بتهرب. "ينفع أخرج أتمشى في البلد شوية؟ مع زين ابن عمي".
"أدهم": بغيره. "نعم؟ وليه مش حد من عمامك؟ وليه مش واحدة من بنات عمامك؟"
"هو اللي عرض عليا، لكن لو أنت مش موافق خلاص مش مهم. لما ترجع بالسلامة أخرج معاك".
"أدهم": بحيرة. "فا كلامها يطيب خاطره دايماً. خلاص يا حبيبتي، اخرجي واتفسحي براحتك، بس خدي حد من بنات عمك، ولما ترجعي احكيلي عملتي إيه، روحت فين".
ردت بسعادة: "طبعاً كل حاجة هبلغها لك بالتفصيل الممل".
"خلاص يا روحي، خلي بالك من نفسك وأنا هكلمك بليل".
تحول صوتها من فرحة لشغف. "أدهم".
"عيون أدهم".
"أنت هتيجي إمتي؟ أنت وحشتني قوي".
"أنتي وحشتيني أكتر والله. ولولا السعادة اللي كانت بعيونك، ولولا خوفي على زعلك وكسر فرحتك بأهلك، كان مستحيل أمشي من غيرك. بس ما حبيتش أضيع فرحتك بعد حرمانك منهم كل السنين دي".
"******************"
أغلق معها الخط وهو يتنهد ويطلب من الله الصبر على الكام يوم الفاضلين. ركب سيارته وقام بالاتصال عليه فيديو. فتح الخط وقابله وجه مراد المبتسم وهو يهتف بمرح: "أخبارك يا عريس؟ عامل إيه؟"
ضحك أدهم بفرحة وهو يهتف بمرح: "أحسن منك طبعاً".
غمز مراد بشقاوة: "إيه ده؟ بقينا نهزر ونفسنا مفتوحة؟ يارب أوعدنا. مش كان الأصول أنا اللي أتجوز أول؟ حرام عليك أنا بحب على نفسي من سنين. لسه عايزني أستنى كمان شهرين؟"
"أدهم": بعناد مثل الأطفال. "ماليش فيه. أنت سايب الشغل على دماغي من 3 شهور. تيجي تستلم وأنا أرتاح شوية وبعد ما أقضي شهر العسل".
"مراد": بغلب. "على أساس إنك كنت بتتفسح مش كده؟ دول كانوا أصعب وأسوأ أيام عمري".
بعد فترة حدثتها. يعلم جيداً أنها لم تكن سهلة على مراد رؤيتها تتألم بتلك الطريقة. هو يعلم كم يعشقها. يعذر حالته ويحسده على قوته في نفس الوقت. فهو يعرف عشق من فترة بسيطة ورغم ذلك لا يتحمل أن يراها تتألم ولو مجرد خدش بسيط. كيف لشخص في قوته يكون بهذا الضعف أمام ألم من يحب؟ كيف يتحول ذئب شرس بنظرة من عينها لحمل وديع؟
حاول الخروج من عاصفة مشاعره وهو يستعيد مرحه. "لو مش عاجبك قراري نلغي الجوازة خالص".
"مراد": بسرعة. "لا عاجبني يا باشا. هو أنا أقدر أقول حاجة بعد كلام معاليك؟ رقبتي في إيدك".
ضحك أدهم: "أيوه كده اتعدل أحسن. أنت عارف قلبتي ها".
"الفستان وصلك؟"
"مراد": "آه، أنا استلمت امبارح. قدامنا أسبوع ونكون عندكم".
"مراد": "كل اللي أنا طلبته جهز".
هتف مراد بحب: "أنا وروان ومامتك جبنا كل حاجة. ما تتخيلش فرحتهم بالخبر ده. كان عندهم أهم من رجوع روان تمشي".
هتف بحنان: "ربنا يخليكم ليا وما يحرمنيش منكم أبداً".
"*************************"
دخلت ووجهها يبشر بالسعادة. وجدتهم في انتظار ردها.
"عملتي إيه؟"
وقفت وهي تهتف بمرح: "وافق طبعاً، أنت بتشك في قدراتي؟"
لم يتوقع محمد موافقته. لقد سخر من زين وكان يستعد لمضايقته. وعندما سمع كلام عشق هتف بتعجب: "يظهر أن تأثيرها قوي".
"عشق": بنفي. "أبداً والله، دانا مسكينة. هو أدهم بيعمل حاجة مش عايزها".
"هتف محمد بتوضيح": "علشان كده بقول تأثيرك قوي عليه، لأن اللي سمعناه عنه القوة والجبروت، وكل السوق بيخاف منه وبيعمل له حساب".
"هتفت حميدة بتعجب": "للدرجة دي؟"
"تولى مروان الرد": "أكتر إنسان اللي كان هنا حاجة تانية خالص غير اللي عرفناه عنه لما كنا بندور على عشق".
"عشق": برفض. "أبداً، ده ما فيش في حنية أدهم عليا أنا وماما وروان".
"رد فهد بهدوء": "إحنا مش قصدنا إنه وحش. الطبيعي إنه يكون حنين مع أهل بيته. لكن السوق محتاج القوة عشان يثبت نفسه ويفضل واقف على رجليه. واللي يغفل لحظة يوقع ويداس. عالم الأعمال ما فيش فيه رحمة زي الغابة بالظبط، البقاء للأقوى".
"بس أنا مش بحب الحياة دي".
"فهد": "دورنا نحميكم ونبعدكم عن الحياة دي".
"زين": "خلاص يا عشق ساعتين واعدي عليكي تكوني جاهزة".
أوقفته بتوضيح: "استني بس، هو ليه شرط، حد من البنات تيجي معايا، لأن ماينفعش أمشي معاك لوحدي".
"***************"
في مكان جديد. في إحدى المنازل الفخمة التي بنيت على الطراز الحديث. وقف يتحدث بقسوة وحقد. يفح كلماته مثل أفعى سامة تبخ سمها في كل مكان.
"أخيراً جه الوقت عشان آخد فيه حق ابني".
تحدث ابنه بعدم تصديق: "ما زال يفكر في الانتقام من أجل ابنه الخطأ بعد تلك السنين؟ حق إيه يا بوي؟ ابنك كان غلطان. التاني كان بيدافع عن شرف بنت غلبانة".
صرخ في ابنه الذي يعتبره عار عليه وعلى العائلة عندما رفض أخذ ثأر أخيه. "اسكت يا ولد جبر يلمك! كيف تتكلم على أخوك كده؟ يا ريت كان عايش وجتلوك أنت على الأجل كنت لاقيت راجل ياخد بتارك مش زيك".
تحدث إبراهيم بعدم رضا: "يا بوي أنت مش عايز تقول الحق ليه؟ لو كان ده حصل مع أختي أو بنتي ما كنتش اشتكيت. كيف ما عملوا؟ أنا كنت قتلته بيدي. كيف نرضاها لبنات الناس حتى لو كانوا غلابة؟"
رمقه والده بنظرة اشمئزاز ونفور: "طول عمرك جبان. علشان كده ما فيش حد هياخد حق أخوك. مصطفى غير سالم".
هتف إبراهيم بخوف: "لا يا بوي حرام عليك. سالم لسه صغير. كفاية اللي راح بسبب دلعك لمصطفى. ليه عايز كلنا ندفع ثمن دلعك و...؟ إحنا مش جد عيلة المنشاوي. ليه تفتح بحور دم يروح قصادها ناس كتير من عندنا مالهاش ذنب في أي حاجة. ابنك مات يا بوي وغسل عاره. ده لو فهد علم يخلص على عليتنا كلها قصاد بنت عمه. وإنت خبرة زين. جلبه ميت ومش بيعمل حساب لحد".
هتف الأب الحاقد بعناد: "والله لو العيلة كلها تتقتل قصاد إني أقتل بت محمود وأحرق قلوبهم وآخد تار ولدي ما يهمني وأعملها. رغم إن مش هتبرد ناري زي قتل محمود نفسه، بس حظه إنه اختفى، واهو غار في داهية قبل ما أفش غليلي فيه". ونظر لابنه وهو يكمل: "أنا بعتبرك ميت أنت كمان".
تابع إبراهيم خروجه وهو يستغفر ربه: "استر يا رب من الجاي ونجي بنتي وأخويا من شره". ولا أحد يعلم أسوأ مصير تم تجهيزه للانتقام من تلك الملاك دون وجه حق.
"*******************"
٠٠٠يتبع