تحميل رواية «انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث» PDF
بقلم نورهان العشري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ما حيلة قلبٍ اضناه شوقه إن كُتب على جبينه الفراق؟ لم يختر بإرادته نيران الجوى إنما باغته ونال منه سهمه الأفاق فثار وعصى وعلى نهجه لم يأبَ الإنسياق فخاب وخسر ولم يعد أنين قلبه أمرًا يُطاق ولكن المحبوب بات يتألم واكتوى فؤاده بنار الجور وضاق فهل كل الذنوب يمكن تكفيرها؟ وهل كل القلوب تُحسن الإرفاق؟ فالعشق داء لا يفلح معه دواء ولا يُداوي شجونه سوى التلاق ولكن الغفران بات شيئًا مستحيلًا وأصبح دربه وعرًا تملؤه الأشواك وصار تآلفنا حكاية كُتب على نهايتها الفراق. "أحب أكون الملاك اللي هيلم شمل العيلة من ج...
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم نورهان العشري
اخترق الصوت خلوتهم فارتعبت المرأة، فنهرها الحارس قائلًا:
_ لفي من الباب التاني بسرعة.
أطاعته بلهفة، بينما هرول الحارث لرؤية مصدر ذلك الصوت. ولكنه وجد قطة صغيرة قد أوقعت أحد أواني الزرع فتحطمت. بالرغم من كل شيء، أخذ يمشط المكان بنظراته لمعرفة إن كان هناك أحد قد رآهم أم لا. ليعود بنظراته إلى تلك المزهرية المحطمة ليجذبه شيء لامع من بين حطام الآنية، والذي لم يكن سوى قرط ماسي صغير. وهذا يعني أن امرأة كانت هنا، ولكن من تلك المرأة؟
_ أنتوا مش هتكبروا أبدًا!
هكذا تحدث سالم غاضبًا، فأجابه مروان بملل:
_ والله قوله الكلام ده. أنا كنت قاعد في حالي، قام زي الطور يجري ورايا، ويقولي هخلص عليك. يرضيك يا كبير!
جن جنون سليم من كلماته وصاح غاضبًا:
_ بقى أنا جريت وراك من الباب للطاق كدا! مش أنت اللي لسانك فالت ولبستني في حيط!
مروان بجدية زائفة:
_ يا عبيط افهم. أنا بعمل لمصلحتك.
سليم باستنكار:
_ مصلحتي! تخرب بيتي وتقولي مصلحتي!
ضاق ذرعًا من أولئك الحمقى فتركهم ليتوجه إلى الداخل ليجيب على هاتفه، بينما تابع مروان موضحًا:
_ هي البت جنة مش المفروض عرفت قيمتك وربنا هداها وبدأتوا صفحة جديدة؟
سليم بجفاء:
_ مفروض طبعًا، قبل ما تتنيل أنت وتبوظ كل حاجة.
مروان بتوضيح:
_ يا ابني وأنت تضمن منين إن الكلام ده صح. أنتوا اتصالحوا بالليل ولا بالنهار؟
تذكر سليم تلك الليلة الرائعة التي قضاها بين ذراعيها، فلانت ملامحه وارتسمت ابتسامة رائعة فوق شفتيه. فصاح مروان قائلًا:
_ بدل ضحكت كدا يبقى بالليل.
زجره سليم قائلًا بجفاء:
_ اتلم يا زفت أنت.
_ يا ابني مش القصد. بس أنا عارف الحريم. وبعدين كلام الليل مدهون بزبدة، يطلع عليه النهار يسيح. يبقى لازم يكون في اختبار قوي لمدى ثقتها فيك، وإنها فعلاً اتغيرت ومش هتقعد تقرفنا كل شوية غضبانه. فاضيين إحنا؟
لوهلة أقنعه ذلك الوغد بوجهة نظره، فأجابه سليم بتفكير:
_ أيوا. وبعدين هي لازم تكون عارفة إني عمري ما أعمل حاجة وحشة تغضب ربنا. الموقف كله كان غصب عني، ومكنش في وقت حتى أعترض.
مروان باندفاع:
_ تعترض إيه! أنت تطول؟
_ بس يا زفت أنت.
تابع مروان إقناعه قائلًا:
_ يا ابني مش القصد. بس أنت راجل مُرزق، حد يقول للرزق لا! واقف لا بيك ولا عليك لقيت واحد بيحط مزة في حضنك هتقوله لا!
سليم باحتقار:
_ تصدق إنك واد عينك زايغة وواطي! ولسه بتلوم على طارق! أنت يا ابني مش متجوز؟
مروان باندفاع:
_ والمصحف ما حصل. أنا متجوز! كان على عيني.
سليم بحنق:
_ اومال سما دي تبقى إيه؟
مروان بتهكم:
_ تكفير ذنوب. أو تقدر تقول عملي الأسود في حياتي، هي وعمتك.
سليم بتقريع:
_ يا ابني افهم. سما بتمر بمرحلة صعبة، هي وعمتك وشيرين. لازم تقف جنبها.
مروان بحنق:
_ والمصحف هموت وأقف جنبها، هي اللي مش راضية. يا بنتي أنا جوزك. طب ابن خالك. طب سبيني أعمل أي منظر، مفيش. عندك امبارح قعدت أطبطب وأنهن وأسف على ناجي وعلى شجرة العيلة نفر نفر عشان خاطرها، وربنا هداها. طلع النهار العفريت حضرتك، وهوب سابتني وراحت تزور أمها لوحدها. على الرغم إننا متفقين نروح سوا.
سليم بتفكير:
_ هي سما تحسها غريبة فعلًا.
مروان بحنق:
_ غريبة ومريبة، واحتمال تكون ملبوسة كمان. ماهو أنا أصلي مبخت.
لفتت انتباههم جوهرة التي تقدمت إلى الداخل، فاستفهم سليم قائلًا:
_ هي إيه الدنيا؟
مروان بسخرية:
_ الدنيا خربانة. الست جوهرة عينها من الكبير، وفرح بكرشها ده يا عيني مش عارفة تعمل إيه ولا إيه!
تنبه سليم لكلماته، فقال مصدومًا:
_ بتقول إيه؟
مروان بحنق:
_ اللي سمعته. حركاتها وتلميحاتها مقفوشة أوي.
سليم بتحفز:
_ ده حنا على كدا لازم ننبه سالم.
مروان بسخرية:
_ سالم مين اللي تنبهه؟ ده الباشا يا ابني. ده يطبقها ويحطها في جيبه الصغير، هي وعشرين زيها. أنا مش خايف غير على فرح. تحسها على آخرها ومش عايزة تبين، وبتتعامل على إن المواضيع عادية.
سليم بتفكير:
_ تفتكر فرح حست بحاجة؟
_ حست إيه؟ بقولك على آخرها. أنا اللي مش مريحني إن البت دي نظراتها فيها غدر، خايف تأذيها.
هكذا تحدث مروان لأول مرة بجدية تحمل طابع القلق الذي عرف طريقه إلى صدر سليم، الذي قال بتذمر:
_ بقولك إيه أنت هتقلقني ليه!
مروان بتقريع:
_ ما لازم تقلق، أومال أنت عايش معانا جبلة؟ ما كلنا قلقانين. وبعدين الحكاية لسه مطولة. وطول ما هي مخلصتش البت دي هتفضل هنا، وأنا دي أكتر حاجة مخوفاني.
سليم بتفكير:
_ يبقى كدا عيننا لازم تكون في وسط راسنا. دي كدا ناوية توسخ.
مروان بجمود:
_ أنا عيني عليها في كل مكان. يا أخي ده أنا بفكر أروح أبَات معاها في الأوضة.
قال جملته الأخيرة مازحًا، فزجره سليم قائلًا:
_ يا أخي مبتكملش جملة مفيدة أبدًا.
مروان ساخرًا:
_ طب خد واحدة مفيدة أهي. جالك الموت يا تارك الصلاة.
لم يفهم سليم معنى حديثه إلا حينما اتجه بعينيه إلى ما يناظره مروان، فوجد جنة تتقدم تجاههم بخطٍ غاضب وأعين ينبعث منها الشرر. فاردف مروان بحماس:
_ بص بقى يا ريس. سيبلي الطلعة دي وأنا زي ما عكتها هصلحها.
سليم بحنق:
_ تصلح إيه الله يخربيتك! دي زي ما تكون جايه ترتكب جناية!
مروان بسخرية:
_ بس متقاطعش. يالا أنت اخلع وأنا هفهمها.
_ اخلع إزاي يعني؟
هكذا استفهم سليم بحنق، فأجابه مروان بعجالة:
_ إعمل نفسك بتتكلم في الفون وابعد.
طاوعه سليم، الذي لأول مرة يشعر بالخوف من مظهرها الذي يبدو وكأنها ستقيم القيامة احتجاجًا على ما حدث. وعلى الرغم من عدم ثقته في ذلك الوغد، إلا أنه يأمل أن يستطيع إصلاح الأمر.
جن جنونها حين رأته يتحدث على الهاتف ويبتعد، وما أن أوشكت على ملاحقته حتى أوقفتها كلمات مروان المعاتبة:
_ ده كلام؟ بقى المارون جلاسيه بتاع البيت يتحول لهولاكو كدا عشان سلومة الأقرع؟
توقفت جنة قائلة باستنكار:
_ هولاكو! مين هولاكو ده؟
مروان بسخرية:
_ وكمان جاهلة؟ يا حظك المايل يا سليم.
جنة بغضب:
_ بطل استظراف وحسابك معايا بعدين.
مروان بتهكم:
_ ولا بعدين ولا قبلين. تعالي هنا بس. عاملي فيها سبع رجالة في بعض وأنتِ لو حد نفخ فيكِ هتطيري كدا.
اقتربت منه حانقة والعبرات تكاد تنبثق من مقلتيها، فتابع مروان قائلًا:
_ من غير يمين يابنتي. قولتله يا سلومة ما اجتمع رجل وامرأة إلا وكان الشيطان ثالثهما. مسمعش كلامي.
برقت عينيها وتبدل الحزن إلى الصدمة، وهي تقول:
_ نهار أسود! هما اجتمعوا فين؟
مروان باندفاع:
_ إيه ده هما اجتمعوا؟
جنة بسخط:
_ مش أنت اللي لسه بتقول؟
مروان باندفاع:
_ يادي النيلة يا مروان. أنت عايز تصلح بينهم. بقولك إيه أنا مقولتش حاجة. أنتِ اللي قولتي.
صاحت جنة بانفعال:
_ مروان اتظبط معايا.
مروان بمهادنة:
_ بقى دي آخرة تربيتي فيكِ! كلمة تجيبك وكلمة توديكِ كدا! معندكيش عقل! بقى جوهرة الحلوة المسكرة هتبص لسلومة الأقرع بردو.
خرجت الكلمات منها مندفعة، وهب القلب للدفاع عنه:
_ ومتبصش ليه! هي تطول. هو في زي سليم!
مروان بتخابث:
_ ولما مفيش زي سليم ياختي مشحططاه وراكِ ليه؟ هاه. الواد حليوة وجان ومتري.
رفع رأسه للسماء قائلًا:
_ سامحني يارب عالكذب ده.
ثم تابع بتقريع:
_ تسبيه كدا فريسة للفتيات الحسنوات. ده بدل ما تثبتي فيه. عمالة تمرمطي في اللي جايبينه. أكمن حماتك هطلة فاكرة إن مفيش حد هيوقفك!
أوشكت على الحديث، فلم يُمهلها بل صاح محذرًا:
_ كل شوية تغضبيلنا بقى. فاضيين إحنا. الست الصح متسبش بيت جوزها. اطردي في الشارع. هو ابن حلال ويستاهل، إنما أنتِ متخرجيش. وبعدين ابننا ميتعيبش بقى.
جنة باندهاش:
_ هو أنت شوية تقول عنه كلام حلو وشوية تقول عنه كلام وحش. أنا اخترت فيك.
مروان بجدية زائفة:
_ أيوا يا بنتي ما هو ابننا بردك. أي نعم هو كشري، ودمه يلطش، وعصبي، وعلى طول عاملنا المية حداشر بتاعته دي، وبوزه يقطع الخميرة من البيت، بس ابننا. يعرنا. نرميه يعني!
_ اوف بقى. بس بردو أنا هتشل. إزاي يشيل البت دي؟
مروان بجفاء:
_ يا بنتي حد يقول للنعمة لا. وبعدين تعالي هنا. أنتِ كاشفة نفسك كدا إزاي؟ مش المفروض تداري شوية يا هبلة. متبينيش للراجل إنك بتغيري عليه عشان ميتمرعش عليكِ. اتعلمي من أختك، هتتجلط يا عيني ومش قادرة تفتح بقها.
جنة بتفكير:
_ تصدق أنت عندك حق. إيه ده لحظة واحدة. مالها فرح؟ بعد الشر عنها. هو في حاجة أنا معرفهاش؟
مروان بتقريع:
_ هو أنتِ بقيتي تعرفي حاجة؟ بقيتي زي قلتك في البيت، ودا مش عاجبني يا أم محمود. لازم لنا قاعدة. انجري روحي صالحي سلومة الأقرع وتعالي وأنا أحكيلك.
شعرت جنة بالحماس والفضول لمعرفة ماذا حدث في غيابها، فهتفت بلهفة:
_ قشطة استناني.
مروان بتهكم:
_ هجهز اللب والسوداني على ما تيجي.
كانت تسير بخطٍ متعثرة، وقلب ينتفض داخل صدرها الذي أخذت أنفاسه تتناحر، ودقاته تتقاذف حتى تردد صداها في أذنها. فلم تعرف كيف وصلت إلى غرفتها لترتمي فوق سريرها بتعب وإرهاق، وكأنها كانت في سباق للعدو. والحقيقة أنها كانت تتسابق مع الزمن لتنجو. فبعد ذلك المشهد الذي رأته، شعرت بالذعر يتملكها بطريقة غريبة. فهي لا تسمع سوى جملة واحدة:
_ دبة النملة توصله!
تلك الجملة أصابتها بالذعر. فمن هذا المقصود؟ ولحساب من يعمل ذلك الحارس؟ والسؤال الأصعب والأقسى: هل نعمة خائنة؟
انتفض جسد فرح وهي تتخيل أن تكون تلك المرأة التي من المفترض أنها أكثر شخص موثوق في قاطني ذلك المنزل خائنة! استنكر عقلها تلك الجملة، ولم يقبل عقلها باحتمال أن تكون فعلًا خائنة. ولكن في تلك الأمور يحب أن تُنحي القلب جانبًا، فالأمور معقدة والخطأ عواقبه وخيمة وخسائره فادحة، قد تكون أرواحًا لا ذنب لها.
شعرت بألم حاد في أسفل بطنها، ربما من فرط التوتر الذي وقعت تحت وطأته. فما أن ضربت يدها تلك المزهرية بالخطأ، حتى انتفض قلبها وهي تستمع لصوت أقدام ذلك الحارس تقترب. لولا ذلك الحاجز الذي يفصل الزراعات عن بعضها والذي اختبأت خلفه، لكان مصيرها مجهولًا الآن. فلو كان فعلًا خائنًا، لربما كان قتلها، وخاصةً أن هذا الجزء من القصر لا يوجد به كاميرات مراقبة، فهو خاص جدًا لكونه بجانب المسبح.
زفرت الهواء المكبوت بصدرها دفعة واحدة، وأخذت تحاول تنظيم أنفاسها الهاربة، ولكن ذلك لم يكن يكفي. فقد شعرت بحاجتها لوجوده. تحتاج لأن تستشعر دفء ذراعيه وأمانها بداخله، لذا تحاملت على آلامها وتوجهت للأسفل تنوي الارتماء بين ذراعيه تنشد الراحة والأمان.
_ طيب يا صفوت. أنا كدا هغير البلان، وبدل ما عمتي تيجي على هنا تطلع على إسماعيلية تقعد معاكم يومين على ما نيجي إحنا.
صفوت بتفكير:
_ طب وهارون؟
سالم بتهكم:
_ ده واحد من العيلة. يعني لازم يكون موجود معانا في أي مكان.
زفر صفوت حانقًا:
_ حاسبها كويس يا سالم؟
سالم بخشونة:
_ سيبها لربنا. إن شاء الله هتعدي. بس أنت خلي عينك في وسط راسك.
_ متقلقش. أنا ظبطت كل حاجة هنا.
طرق على باب الغرفة جعله يقوم بإنهاء المكالمة، فقد توقع الشخص القادم، وصحت توقعاته حين وجدها جوهرة، التي أطلت عليه بجمالها البهي وخطواتها الرشيقة وهي تتهادى بمشيتها إلى أن وصلت إليه قائلة بنبرة جذابة:
_ كنت أود أن أقول صباح الخير، ولكن يبدو أن الصباح بدأ عندك منذ زمن.
سالم باختصار:
_ أجل. تفضلي.
تربعت على المقعد أمامه وعينيها لا تفارقان خاصته، لتقول بنبرة رفيعة:
_ مابك؟ يبدو أنه لم يكن صباحًا مشرقًا بالنسبة لك؟
سالم بلامبالاة:
_ لا. لمَ تظنين ذلك؟
جوهرة بنبرة جذابة:
_ يبدو على ملامحك الوجوم، وعينيك ليست صافية، هناك غيوم كثيرة في سمائها. ولهذا أقول إن صباحك لم يكن مشرقًا.
باغتها إجابته حين قال بفظاظة:
_ تخمينك خاطئ، فلا يوجد غيوم وما شابه. يبدو أنكِ تعانين من الفراغ هنا فبدأت بتوهم بعض الأشياء.
أصابتها كلماته في الصميم، فهو يحقر من شأنها وشأن اهتمامها به، لذا حاولت قمع غضبها واستغلال الأمر لصالحها، لذا قالت بلهجة خافتة:
_ لا. ليس الأمر كذلك، بل أنا فقط مهتمة بالأطمئنان عليك لا أكثر.
سالم بفظاظة:
_ هذه الأمور من اختصاص زوجتي، فاحذري قد تغضب منكِ وهنا ستكونين في مأزق كبير.
جوهرة بجرأة:
_ ولما سأكون في مأزق؟
سالم بلهجة جافة لم تخلو من التحذير:
_ لأنني لن أسمح بذلك، ولا أحب أن يتعكر مزاجها لأجل تفاهات. والآن جوهرة، هل لي أن أعلم ما هي خطتك التالية مع صديقك؟
تجاهلت استفهامه، وقالت بجرأة أضرمت نيران القلق بصدره:
_ ألأنها تحمل طفلك؟
سالم بنبرة جافة وعينيه أرعدت سماءها بتحذير:
_ لا. لأنها في المقام الأول زوجتي، وأنا أقدرها كثيرًا. والآن لنعد إلى موضوعنا الأساسي والوحيد، فأنا لست برجل صبور. عليكِ أن تعرفي هذا.
تشكلت سحابة من الغضب في سماء عينيها التي دكنت جراء كلماته التي أضفت وقودًا فوق نيران الحقد بقلبها، لتقول بنبرة ذات مغزى:
_ نتشارك في تلك الصفة سيد سالم، فأنا لست امرأة صبورة أيضًا، كما أنني ماهرة في تحقيق أهدافي، ولا أتنازل بسهولة.
ضيق ما بين حاجبيه قبل أن يقول بجفاء:
_ ما الذي علي فهمه من حديثك هذا؟
جوهرة بتخابث:
_ أقصد أنني لن أترك هارون إلا بعد ما أقنعه بالحقيقة. أليس هذا هو ما نتحدث عنه!
لم يرتح لمغزى كلماتها، ولكنه أومأ برأسه قبل أن يقول باختصار:
_ نعم.
جوهرة بنبرة لعوب:
_ لهذا أخبرك أن تطمئن، فأنا وضعت الأمر برأسي وانتهى.
ضيق ما بين عينيه قبل أن ينصب عوده وهو يقول بجفاء:
_ موعد الغداء اقترب، هي لنذهب.
طاوعته بصمت وتقدمته وهي تحاول قمع نظراتها الشيطانية، التي ما أن لمحت فرح تهبط الدرج حتى لمعت بخبث. وفجأة ارتمت فوق صدر سالم، الذي كان خلفها، وهي تصيح بألم زائف:
_ أووه. قدمي.
لم يكن أمامه مفر من إسنادها، وهو يقول باستفهام:
_ ماذا هناك؟
لم يكن قد رأى فرح، التي انتفضت كل خلية بصدرها ما أن شاهدت تلك المرأة تكاد تكون بين أحضان زوجها بتلك الطريقة، فتيبست أقدامها غير قادرة على الحركة، غافلة عن أعين يلمع بهم المكر الذي ينافي لهجتها حين تصنعت الألم قائلة:
_ لقد التوى كاحلي بطريقة سيئة. من فضلك ساعدني.
زفر سالم حانقًا من هذا الموقف السيء، وقام بإمساك كفها ويده الأخرى على مقربة من خصرها دون أن يلمسها. ولكنه فجأة استشعر وجودها، ليرتفع برأسه يجدها تقف في منتصف الدرج بأعين يلمع بهما الغضب الذي ينافي وهن ملامحها. فلعن داخله، وإذا به يجدها تواصل هبوط الدرج لتتقدم نحوهم وعينيها وكأنها خاصمته، فكانت مسلطة على تلك التي تدعي الألم تحاول الارتماء بثقلها فوقه، على الرغم من شعورها بنفوره منها، ولكن ذلك لم يردعها من التحدث بنبرة خافتة مغوية:
_ أووه. أشعر بألم كبير في كاحلي.
لم يكن معها، بل كانت جميع حواسه تتركز حول تلك التي أبت إعطاءه ولا نظرة واحدة من عينيها. وبالمقابل اقتربت قائلة بنبرة متهمة:
_ ماذا حدث؟ هل كسرت قدمك أم ماذا؟
رفعت جوهرة رأسها، وداخلها يشعر بسعادة عارمة. فرغم هدوء أعصاب فرح، إلا أن هناك نيران تنشب في غاباتها الخضراء. لذا قالت بمكر أنثوي:
_ لقد لويت كاحلي بطريقة سيئة. أخشى أن يكون هناك كسر.
فرح بأسف زائف:
_ أووه. عزيزتي. كم هو مؤسف ذلك. ولكن الجيد بالأمر أن تتعلمي ألا تنظري للأعلى، وإلا في المرة القادمة قد تكسرين عنقك.
حانت منها نظرة قاسية حدجته بها، قبل أن تتراجع برأس مرفوع وبنية شامخة تتوجه إلى الأعلى، مما جعل الغضب يجتاحه كطوفان، جعله يزمجر بصوت جهوري:
_ نعمة.
هرولت نعمة إلى حيث يقف سالم، الذي قال بجفاء وهو يتوجه إلى الأعلى:
_ شوفيها مالها.
ما أن غادر، حتى همهمت جوهرة بوعيد:
_ سنرى أيتها العاهرة، من منا ستكسر عنقها في المرة القادمة؟
بخطوات غاضبة توجه إلى غرفته، ليجدها تقف أمام النافذة تُعطيه ظهرها، على الرغم من أن باب الغرفة أصدر صوتًا عاليًا حين أغلقه، ولكنها لم تلتفت. لذا تقدم منها وهو يحاول تهدئة غضبه بشتى الطرق، ليقف خلفها مباشرةً قائلًا بلهجة خشنة:
_ فرح.
التفتت تناظره بصمت، وملامح هادئة تنافي ذلك الغضب الهائل بغاباتها الزيتونية. فلعن بداخله للمرة التي لا يعرف عددها، فقد كان موقفًا مريعًا بالنسبة له، وتبريره له هو السخافة بعينها، فقد كان الأمر برمته لا يليق به، ولكنه لسوء حظه يمس أغلى ما يملك. لذا تجاهل كل شيء وقال بنبرة هادئة:
_ الموقف اللي حصل تحت ده كان سيء، أنا عارف. بس أنتِ كمان عارفاني كويس.
فرح بجفاء:
_ عرفاك، ومش مستنية منك تبرير. لإني عارفة إنه بردو ميلقش بيك ولا بيا.
امتدت أنامله تلامس ملامحها بحنو، تجلى في نبرته حين قال:
_ أنا عارف إنك عاقلة وذكية. بس بردو حقك عليا.
لامست كلماته قلبها، ولكن كان التوقيت وتوالي الأحداث وقعه سيء عليها، إضافة إلى خوفها من كل ما يحدث. لذا قالت بلهجة جافة:
_ مش معنى إني ذكية وعاقلة إني هسمح لموقف زي ده يتكرر تاني.
لم يعجبه لهجتها، ولكنه كان يُقدر غضبها، لذا قال بجمود:
_ الموقف كان قضاء وقدر يا فرح.
فرح بجفاء:
_ طب ياريت لما القضاء والقدر ده يحصل تاني متكونش أنت موجود أو حتى في الصورة. عشان مش ضامنة رد فعلي هيبقى عامل إزاي؟
كان الغضب يموج بحدقتيها ويتجلى بوضوح فوق معالم وجهها، لذا استمسك بآخر ذرات الصبر لديه، وقال محاولًا انتزاعها من بين براثنه:
_ أول مرة أشوفك وأنتِ غيرانة على فكرة!
حاولت التغلب على ألمها الجسدي، وذلك الوجع الذي ينغز بصدرها جراء صورة تلك الحقيرة وهي متعلقة بزوجها، وقالت بجفاء:
_ الموضوع مالوش علاقة بالغيرة. بس مش هسمح أبدًا بأن أي حاجة تقلل من احترامي. كمان أنا لو هغير أغير من حد يكون ند ليا، وأنا مفيش واحدة تنفع تبقى ند ليا يا سالم يا وزان.
يبدو أن وقع الأمر هائل عليها للحد الذي جعله يتغاضى عن لهجتها وكلماتها الغاضبة، ويقترب محاوطًا خصرها ويديه تُمسدان وجنتيها المشعلة، وهو يقول بنبرة خشنة:
_ أنا أكتر واحد عارف الكلام ده. ماهو سالم الوزان لما اختار مختارش أي حد. اختار ست الحسن والجمال.
رغبة عاتية في البكاء اجتاحتها، ولكنها لن تبكي، خاصةً أمامه بعد ذلك الموقف الذي انطبع في قلبها الذي نشب به القلق حوافره. وقد أيقنت بأنها مقدمة على معركة ضارية مع تلك المرأة، فكل ما بها يثير ريبتها، وهي شبه متأكدة من أنها افتعلت تلك الواقعة. وما يثير حنقها أنها تكاد تجزم بأن زوجها يعلم ما يُحاك ضده، فكيف يتعامل مع الأمر؟ لا تكن معهم حين يتحدثون، وكبرياؤها يأبى أن تكون متواجدة لألا تسمح لتلك الحقيرة بأن تشعر بغيرتها، ولكنها غاضبة لحد الألم. لذا تراجعت من بين ذراعيه وهي تقول بجمود:
_ هاخد شاور وأريح شوية على ما ييجي معاد الغدا.
انفلتت من بين ذراعيه، ولم يوقفها، فهي غاضبة وهو غاضب، بل أكثر، فهو يكاد يستشيط غضبًا من كل ما يحدث. وقد بدأت أعظم مخاوفه بالحدوث، وهو لا يملك أن يلومها أو حتى أن يغير أي شيء في الوقت الراهن. لذا ترك الغرفة بأكملها وغادر، لتطلق العنان لانهيارها، فقامت بالارتماء فوق مخدعها تبكي حيرتها وغضبها وألمها وكل شيء.
_ ممكن أعرف بقى إيه اللي حصل بالتفصيل؟
هكذا تحدثت جنة بنبرة خافتة يشوبها الحزن، الذي جعله يقترب منها قائلًا بعتب:
_ وهتصدقيني ولا هتتجنني زي ما عملتي من شوية؟
جنة بخفوت:
_ أنا عمري ما كذبتك قبل كدا عشان أكذبك دلوقتي.
راق له هدوؤها الممزوج بالحزن، وأيضًا إجابتها التي أشعرته بالسعادة. فاقترب منها قائلًا بنبرة خشنة:
_ الموقف كله مكملش دقيقة. كنا فاكرين إنها بنت ناجي، وكان مفروض نجيبها هنا. طارق طلع أوضتها ولقيته جايبها وبحالتها دي. ملحقتش أستوعب الصدمة، سمعنا صوت هارون وعرفنا إن هو ابن عمتي همت مش هي. مكنش قدامنا وقت نفكر. اضطريت آخدها عـ العربية عشان طارق يستنى هارون فوق. ده كل اللي حصل.
كانت تعلم بأنه رجل صادق، لا يُغريه الكذب ولو كان سيُنجيه، لذا تجاهلت غيرتها وقالت بنبرة خافتة:
_ تمام. حصل خير.
برقت عينيه وهو يستمع إلى إجابتها، وقال بلهجة غير مصدقة:
_ أنتِ بتتكلمي بجد؟ حصل خير فعلًا ولا أنا سمعت غلط!
جنة بتعقل:
_ لا مسمعتش غلط. هعمل إيه يعني؟ أنت كنت مضطر ومكنش قدامك غير كدا، وأنا مينفعش أحملك فوق طاقتك أو ألومك في حاجة خارجة عن إرادتك.
شعر في تلك اللحظة أن صغيرته نضجت حقًا، وأنها قد تعلمت دروس الحياة جيدًا. وقد انتابته سعادة قوية جعلته يقوم باحتواء كفها بين يديه، واضعًا قبلة دافئة بين راحته، وهو يقول بحنو:
_ يسلملي العاقل. اللي مش عايز يحمل حبيبه فوق طاقته.
حاولت قمع ابتسامتها، فلم تفلح، فدارت وجهها للجهة الأخرى لتقول بخفوت:
_ اومال فاكرني ست مفترية مثلًا؟
أدارها لتقف بين يديه، وهو يقول بنبرة عاشقة:
_ أنتِ ست البنات كلهم.
غزى الخجل وجنتيها، فـ أخفضت رأسها وهي تقول بخفوت:
_ ست البنات مرة واحدة!
احتواها بين يديه وهو يقول بصدق اخترق أعماق قلبها:
_ بقى متعرفيش إنك في عيني ست البنات كلهم! أنتِ اختصار لكل حاجة حلوة في حياتي يا جنتي.
ما أن أوشكت أن تجيبه، حتى أتاهم صوت صارخ من خلفهم:
_ نهار أسود! أنتوا واقفين بتعملوا إيه لوحدكوا كدا من غير محرم! عايزين تفضحونا؟
استغفر سليم في سره، وهو يغمض عينيه بغضب تجلى في لهجته حين قال:
_ نفسي أخلص عليه.
قهقهت جنة بصخب على كلماته، وهي تقول من بين ضحكاتها:
_ يالهوي! وهو البيت يبقى له طعم من غير مارو؟ لا يا سولي ملكش حق.
سليم مبهوتًا من ضحكتها الرائعة وذلك اللفظ التحببي الذي نادته به:
_ إيه؟ قولتي إيه؟
جنة بدلال:
_ قولت سولي. بدلعك بلاش؟
سليم بلهفة:
_ بلاش إيه؟ إياكِ تقوليلي حاجة تانية غيره. بس بلاش قدام كلب البحر ده، عشان هيسيحلنا عـ الفضائيات.
تقدم مروان منهم تزامنًا مع وصول سيارة طارق، الذي كان يُقل سما إلى المنزل، فاندفعت الأخيرة إلى الداخل بغضب، فهتف مروان حانقًا:
_ أهي الأرملة السوداء بتاعتي شرفت أهي.
سليم بتشفي:
_ والله تستاهلها. دي اللي هتطلع عليك القديم والجديد.
مروان بسخط:
_ ماهو اللي هتعمله فيا هطلعه عليكوا. وحياة أمي لهتسبب في طلاقكوا كلكوا، بس الصبر.
التفت إلى سما، التي كانت تأخذ طريقها إلى باب القصر، فصاح بغضب:
_ أنتِ يا ولية واخدة في وشك ورايحة فين؟ ملكيش راجل يحكمك! بت! أنتِ ياللي تتشكي في صوابع رجلك استني.
تقدم طارق منهم وهو يقول بحبور:
_ إزيك يا جنة عاملة إيه؟
جنة بلهجة ودودة:
_ الحمد لله يا طارق. أنت عامل إيه؟
_ الحمد لله. بنحاول نعيش زي البني آدمين. ما أنتِ شايفة اللي بيحصل.
هكذا تحدث طارق حانقًا، فأجابته جنة بمواساة:
_ معلش يا طارق. هنعمل إيه؟ لازم نتحمل كلنا لحد ما الغمة دي تخلص. طمنيني على عمتو همت وشيرين؟
طارق بخشونة:
_ الحمد لله بخير، وشيرين هناك معاها. أنا جيت آخدلها هدوم وشوية حاجات كدا لحد ما نشوف هنعمل إيه.
_ ربنا يعينك. خليك جنبها. هي أكيد محتاجاك الفترة دي.
طارق بحزن:
_ الحقيقة هي محتاجانا كلنا يا جنة. شيرين حساسة أوي، والموضوع الزفت ده عاملها عقدة. لازم تحس إن الكل حواليها وبيحبوها.
جنة بلهفة:
_ ده طبعًا. كلنا أخواتها، ولازم نكون جنبها. اطمن أنا هروح أنا وسليم النهاردة إن شاء الله نطمن عليهم، وهشوف لو فرح جت معانا.
ابتهج قلبه لحديثها، فقال بلهجة مرحة:
_ على فكرة البيت كان مضلم من غيرك، والواد ده كان دمه يلطش. اكسبِ فينا ثواب، ومتجلبيش عليه تاني.
ابتسمت جنة بمرح قائلة:
_ عشان خاطركوا بس. هاجي على نفسي.
قهقه الثلاثة، فتوجه طارق للداخل، فاعتقلت يد سليم خصرها، وقال الأخير بوعيد:
_ لا والله. بقى عشان خاطرهم هتيجي على نفسك!
جنة بمرح:
_ أيوا اومال أسيب الناس تتظلم معاك يعني. بضحي أهو. أنا أصلي شمعة تحترق من أجل الآخرين.
ضيق عينيه بمكر تجلى في نبرته حين قال:
_ لا، إحنا نطلع نشوف موضوع الاحتراق ده فوق، عشان ده موضوع خطير وفيه تضحيات عظيمة، وأنا عن نفسي راجل فدائي.
قهقهت على كلماته العابثة، وتوجه الثنائي إلى الداخل.
هرول الثنائي إلى المشفى بعد مكالمة منال لهم، والتي كانت تبكي بانهيار وهي تخبرهم عن نقل رؤوف إلى المشفى إثر إصابته بذبحة صدرية مفاجئة. فلم تحتمل ساندي، التي أخذ جسدها يرتعش من فرط الصدمة وربما الخوف، فقام عدي باحتوائها وهو يقول بنبرة جادة:
_ اهدي. هيبقى كويس إن شاء الله. مفيش حاجة تخوف. قولي يارب.
أخذت عبراتها تتناثر بقوة فوق خديها، وجسدها ازدادت رعشته، فقام بهزها بقوة تجلت في نبرته وهو يقول:
_ ساندي. اهدي، وقولي يارب. سمعاني. قولي يارب.
خرجت الحروف مبعثرة من بين شفاهها:
_ ي. ا. ر. ب.
_ قوليها من قلبك. بصوت عالي.
هكذا حثها على التمسك بحبال الإيمان القوية، لتستمع إلى حديثه وتقول بنبرة يشوبها الثبات:
_ يارب.
أخذ يومئ برأسه لتُعيدها مرارًا وتكرارًا، لتخرج الأخيرة من فمها بكل ما يعتمل بداخلها من وجع وسوء:
_ يااااااااارب.
أخذها بين ذراعيه بقوة وهو يقول بلهجة مطمئنة:
_ إن شاء الله هيبقى كويس، وكل حاجة هتتصلح. متخافيش.
ممتنة للقدر الذي جعلها بجانبه الآن، فقد كانت تشعر بالخوف الذي يضرب سائر جسدها فيجعل رعشة قوية تجتاحه، وهي غير قادرة على التحكم بها، لولا يديه الحانية التي تقبض بقوة على يديها من حين لآخر، وكأنه يخبرها أنه بجانبها، فتهدأ ويسكن جسدها. إلى أن وصلا المشفى، فما أن شاهدتهم منال حتى هرولت تحتضن ساندي وهي تقول بذعر من بين عبراتها:
_ الحقيني يا ساندي. أبوكي بيروح مننا.
رغمًا عنها وعن آلامها، وجدت نفسها تعانقها بقوة، وكأنها تشاركها في حمل ذلك الثقل الذي يكاد ينتزع الحياة من ملامحها، وخرجت كلماتها مواسية، لا تعلم من أين جاءت:
_ إن شاء الله هيبقى كويس. بس أنتِ قولي يارب.
كانت تردد كلماته التي طمأنتها سابقًا، لتفعل المثل مع والدتها التي أخذت تقول بتوسل:
_ يارب اشفيه يارب.
كانت يديه الحانية تمر فوق ظهرها، وكأنه يبثها طاقة كبيرة على المواصلة والبقاء صامدة، وهي التي كانت هشة، باستطاعة نسمة الهواء أن تبعثرها، لولا تلك الصخرة التي حين تراجعت للخلف بكامل ثقلها، وجدت أنها تحتويها بجميع ما تحمل من أوزار وخطايا وآلام. كان هو الجدار والمتكئ والسند الذي تحتاجه طوال حياتها، ولكنها لم تكن تدرك قيمة ما لديها حتى أوشكت على فقده. فالحياة دائمًا تعطينا الدروس على هيئة صفعات قاسية تترك بصماتها في نفوس البشر التي لا تدرك حجم النعم إلا حين ترى النقم، حينئذ تتبدل رؤيتها للأمور، وتنحصر أمانيها حول ما ظنته يومًا لا قيمة له، ولكن بات الآن أقصى أمانيها دوامه.
خرج الطبيب من الغرفة، فهرول عدي إليه قائلًا بلهفة:
_ طمنا يا دكتور حالته عاملة إيه؟
_ الحمد لله قدرنا نسيطر على الموضوع، بس لسه الخطر قائم. واضح إنه اتعرض لصدمة شديدة وهي اللي اتسببت في الذبحة اللي حصلتله.
لم يكد ينهي جملته حتى جاء صوت من خلفهم:
_ إيه يا جماعة طمنوني على رؤوف؟
كان هذا صوت منير، المحامي الخاص بشركة رؤوف، والذي أجابته منال باكية:
_ أنت اللي مفروض تقولي رؤوف حصل معاه إيه يخليه يتصدم لدرجة إنه يجيله ذبحة صدرية يا منير؟
استأذن الطبيب، فأجابها منير بحزن:
_ للأسف النهاردة رؤوف خسر أهم صفقة للشركة، وبنسبة كبيرة هيعلن إفلاسه.
شهقات قوية خرجت من فم الأم وابنتها، فاقترب عدي يعانق حبيبته وهو يقول بنبرة جافة:
_ إزاي دا يا متر؟ عمو رؤوف من أكبر رجال الأعمال وثروته تقدر بملايين، فجأة كدا يوصل للإفلاس.
منير بجفاء:
_ رؤوف بقاله فترة بيغرق، وللأسف كان بيقاوح، ومكنش بيسمع الكلام، وعنده هو اللي وصله لحد كدا.
لم يرتح عدي لهذا الرجل، لذا قال بنبرة يشوبها الوعيد:
_ لا الموضوع شكله كبير وعايزله قاعدة يا متر. نطمن على عمو رؤوف وهجيلك أفهم منك كل حاجة.
منير بفظاظة:
_ وتفهم مني بصفتك إيه؟
عدي بنبرة جافة حازمة:
_ بصفتي جوز بنته الوحيدة.
أومأ منير بصمت، وقد تنامى بداخله شعور بعدم الارتياح لهذا الشاب، فقال بنبرة ودودة إلى منال:
_ ألف سلامة يا منال هانم. لو احتاجتي أي حاجة كلميني.
أومأت منال بصمت، فانصرف منير تحت أنظار عدي الحارقة، والتي تحولت إلى اللهفة ما أن رأى ساندي ترتجف بين يديه وهي تقول بأسى:
_ يعني بابا خلاص. هيعلن إفلاسه؟ كل اللي قعد يبنيه في سنين هيضيع في لحظة! ده كل اللي كان بيمنعه إنه يلاحظ وجودي خلاص راح منه!
أسندها عدي، وقد شعر بمقدار الأسى في صوتها، فاحتواها بضمة قوية، وقد عزم أن يبدد ذلك الحزن الكامن في عينيها بأي طريقة كانت:
_ مفيش حاجة ضاعت. كل حاجة هتتحل خليكِ واثقة فيا.
همست بتوسل:
_ عدي. بابا خسر كل حاجة، وأول اللي خسره أنا.
_ مفيش الكلام ده. مفيش أي خساير. عايزك تثقي فيا. باباكِ هيقوم وهيبقى زي الفل وهياخدك في حضنه. في أحسن من كدا؟
أغمضت عينيها وهي تتذكر آخر مرة عانقته بها، فقد كانت منذ زمن بعيد، أبعد من أن تتذكره. فهبطت دمعة محرورة من عينيها، لتلتفت وتضع رأسها فوق صدره وهي تقول بخفوت:
_ متسبنيش يا عدي. خليك جنبي.
عدي بنبرة حنونة صادقة:
_ جنبك لآخر العمر يا عمري.
خيم الليل على تلك المزرعة التي سكن قاطنيها وخلدوا إلى النوم، غافلين عن شياطين تتخذ من الليل ستارًا لأفعالها. فقامت بالتسلل إلى المكان المنشود، ليقوم أحد الرجال بالحفر يدويًا حتى وصل إلى كيس بلاستيك، فقام بفتحه واستخرج حلقة من المفاتيح، ليتوجه إلى الداخل بهدوء ويقوم بوضع إحداهما في قفل باب المطبخ، الذي انفتح بسهولة، ليُشير إلى الرجال خلفه بالتسلل حتى وصلوا إلى منتصف الصالة الكبيرة، وبدأوا بالانتشار وأخذ أماكنهم. ليتوجه كبيرهم إلى الأعلى وهو ينظر إلى الأبواب الموصدة، ليجد ضالته في الباب الثالث كما أخبرته تلك المرأة. فقام بالتسلل بخفة ليقوم بفتح الباب بهدوء، متوجهًا إلى تلك النائمة بسلام، فقام باستخراج أحد المناديل المشبع بمخدر قوي، وبلمح البصر قام بجذب الغطاء ووضع المنديل فوق المرأة النائمة، ليتفاجأ بأنها إحدى العرائس!
صُعِق الرجل حين لم يجد ضالته وشعر بأن هناك شيء خاطئ، ليتفاجأ بذلك النور الذي أُضيء في الغرفة، وضربة قوية فوق مؤخرة رأسه أفقدته الوعي في الحال.
_ صفوت بيه الأمور تحت السيطرة.
هكذا تحدث الحرس إلى صفوت، الذي كان في طريقه إلى مدينة الإسماعيلية، ومعه كُلًا من سهام ونجمة وحلا ونجيبة، التي كانت تنتفض من فرط الذعر حين سمعت كلمات صفوت الغاضبة:
_ بتقول إيه؟ حرامية حاولوا يسرقوا البيت؟ إزاي حصل الكلام دا؟
صمت لثوانٍ قبل أن يقول بغضب:
_ طب كتفوهم وسلموهم للمديرية، وأنا هكلم الظابط حسام يعمل اللازم، وهتابع معاكوا.
أغلق صفوت الهاتف، فاندفعت سهام قائلة:
_ في إيه يا صفوت وحرامية إيه؟
صفوت بغضب:
_ مسجلين خطر هاجموا على المزرعة، بس الحراس مسكوهم، وهييسلموهم للمديرية عشان يحققوا معاهم ويعرفوا جايين من أنهي داهية دول.
شهقات قوية خرجت من أفواه النساء، فتابع صفوت حانقًا:
_ هوصلكوا وأرجع أشوف الموضوع ده.
سهام بلهفة:
_ طب وكتب الكتاب؟ هتلحق ترجع؟
صفوت بسخط:
_ ما أنتِ شايفة يا سهام اللي حصل؟ حد كان على باله إن في ناس تجيلها الجرأة تدخل بيتي بالطريقة دي؟
تدخلت نجمة قائلة بذعر:
_ دول لازم جلبهم ميت. طب وليه يدخلوا بيتنا؟ جايين عايزين إيه دول؟
اندفعت نجيبة لتقول بلا احتراز:
_ أكيد جايين يسرقوا. اومال يعني هييجوا ليه؟
صفوت بتهكم:
_ وهو في حد عاقل يفكر يسرق بيت مدير الأمن بردو يا ست نجيبة؟
شعرت بفداحة ما تفوهت، فـ امتقع وجهها ولم تستطع النطق بأي شيء. فتدخلت سهام قائلة:
_ الحمد لله إنك جت في بالك فكرة السفر بالليل دي، وإلا كان زمانا موجودين والحرامية دول هناك. الحمد لله ربنا قدر ولطف.
صفوت بجمود:
_ الحمد لله. فعلًا قدر ولطف.
كانت حلا مشغولة عن كل ما يدور حولها، فلم تشارك بالحديث، بل اكتفت بالصمت، فقد كان الألم بقلبها يطغى على كل شيء، للحد الذي جعلها تقاوم عبراتها بشتى الطرق. فكلما تذكرت ما حدث قبل ساعات من الآن، يضيق صدرها وتتزايد الآلام.
_ بجولك إيه يا ياسين أنا مش عاجبني اللي بتعمله مع مراتك ده.
هكذا تحدثت تهاني بغضب، قابلة ياسين بنفاذ الصبر، حين قال:
_ بعمل إيه يا أمي؟ ما أنا سبتها تروح معاهم على الرغم إن أنا مش موافق أصلًا إنها تسافر، بس مردتش أزعلها.
تهاني بغضب:
_ لهو أنت بتتمنن عليها لما تخليها تروح بيت أهلها؟ من ميتا وأنت ظالم يا ولدي!
ياسين بغضب:
_ أنا مش ظالم يا أمي. أنا من حقي أحمي بيتي وأحمي مراتي وابني من شر الناس دي. مشاكلهم مبتخلصش، وأفلامهم كتير، وأنا مابحبش كدا، وأظن إن ده من حقي.
تهاني بسخط:
_ حجك مجولناش حاجة. بس هي فين حجها لما تبجى بتتجتطف يا جلب أمها عشان تزور أهلها. مفكر إن لو أهلها شيطاين هتجدر تمنعها عنهم! البت معندهاش أغلى من أهلها يا ابني اسألني أنا.
ياسين بعناد:
_ وده غلط. مفروض يبقى بيتها وحياتها وجوزها في المقام الأول.
صاحت تهاني بانفعال:
_ أيوا دي صوح. بس بردو أهلها ليهم حق فيها، ومش معنى إنك مش طايق أخوها إنك تمنعها عنهم وتاخدهم بذنبه. أنت ناسي إننا لينا بنتين هناك، والناس مهيحوشوش بناتنا عنينا أبدًا. هما أحسن منك ولا إيه؟
ياسين بانفعال:
_ إحنا اللي أحسن منهم، وبناتنا لما يجوا عندنا بيزيدوا مبينقصوش. إنما مراتي لما تروح هناك أنا مش ضامن ممكن يحصلها إيه. ومع ذلك حطيت في بقي جزمة قديمة وسبتها تروح.
_ بعد إيه؟ بعد ما كسرت خاطرها وسبتها تروح أول مرة عند أهلها مع عمها؟ بدل ما تعززها وتروح بنفسك توديها عنديهم.
أغضبه حديثها الذي لامس بقعة الندم بقلبه، ولكنه عاند قائلًا:
_ تحمد ربنا إني وافقت إنها تروح، وعلى فكرة أنا بردو مش هروح أجيبها لأني مش طايق أروح هناك. لما تبقى تزهق منهم وتعرف قيمة بيتها تبقى هي تيجي.
تفاجأت تهاني من حديث ولدها الذي جعلها تقول بغضب:
_ وماله يا دكتور. بس خليك كد كلامك بجى عشان أنا بنفسي اللي لو لجيتها رايدة ترجع هجعدها لحد ما تِعرف إن الله حج وتفهم حجوج مراتك عليك، وتشيل المخفي حازم ده من دماغك خالص.
لم تكن تريد الاستماع إلى حديثهم، حتى أنها لعنت تلك الصدفة التي جعلتها تقف لتستمع إلى كلماته القاسية، التي على الرغم من تأثيرها المريع عليها، إلا أنها مدتها بقوة كبيرة جعلتها ترسم أجمل ابتسامتها وهي تودع الجميع، وهي ترتدي قناع الفرح كونها ذاهبة لرؤية عائلتها. فحين عانقها عبد الحميد قائلًا بعتب:
_ أكده يا حلا فرحانة ولا أكني حابسينك وبنعذبوكي هنا إياك؟
حاولت إضفاء المرح على لهجتها والشوق أيضًا، حين قالت:
_ والله أبدا يا بابا الحاج، بس أهلي وحشوني أوي وبيتنا كمان. حاسة إني عايزة أطير وأروحلهم.
كانت تعلم أنها تثير غضبه، وقد كان هذا أقصى ما تتمناه في تلك اللحظة أن تعاقبه على حديثه المشين بحقها وحق عائلتها، وقد كان هذا بداية الطريق لتعليمه آداب التعامل معهم في المستقبل.
_ هتوحشينا يا بتي. اللي مصبرني إننا هناجابل في كتب الكتاب آخر السبوع إن شاء الله.
عانقتها حلا بحب كبير لتلك السيدة العظيمة التي لا تقبل في الحق لومة لائم، وقالت بحب:
_ وأنتِ والله هتوحشيني يا ماما حقك عليا والله. أصلا لما تيجي هخليكِ تقعدي معايا مش هسيبك تروحي.
عبد الحميد باندهاش:
_ وه. ناوية تجعدي هناك على طول ولا إيه؟ لا اسمعي أما أجولك البيت مينفعش من غيرك، وبعدين عايزين نجهزوا للبيه الصغير اللي مش مصدقين إمتى يشرفنا؟
تجاهلت استفهامه في البداية، وقالت بمرح:
_ والله يا بابا أنا عن نفسي بتمنى ييجي النهاردة قبل بكرة، حاسة إني تعبت وزهقت وأنا لسه في الرابع.
تدخل صفوت، الذي لاحظ حالة ياسين الجامدة:
_ إن شاء الله ييجي بالسلامة، وتفرحوا بشوفته يا حاج عبد الحميد. مش يالا بقى يا حلا عشان نلحق نمسك الطريق في النور؟
حلا بابتسامة تخفي الكثير:
_ يالا يا عمو.
التفتت إلى ياسين بنفس ابتسامتها المشرقة، لتقترب تعانقه بصورة خاطفة، وهي تقول بمرح:
_ خلي بالك من نفسك يا دكتور وقور. هتوحشني والله.
شعر بالاستخفاف والسخرية يقطران من بين كلماتها، لذا قال بجفاء:
_ خلي بالك من نفسك، ومن اللي في بطنك. مش هوصيكِ.
حلا بمرح:
_ فعلًا متوصنيش وفر توصياتك. أنا رايحة للدلع والاهتمام كله. متقلقش. خلي بالك أنت على نفسك.
عودة للوقت الحالي. تعلم كم أغضبته وتنوي إغضابه أكثر من ذلك، لكي يتعلم كيف يحترمها ويحترم أهلها وعلاقتها بهم. وإن كان خائفًا عليها كما يزعم، فلابد له من أن يعلم كيف يتعامل معها.
كان ينام كعادته فوق ذلك السرير المهتريء، فـ تفاجيء بصوت الباب يُفتح، وإذا بـ جوهرة تطل منه، فهتف بسخط:
_ ما السوء الذي فعلته بحياتي حتى أراكِ دائمًا بوجهي؟
جوهرة بسخط:
_ أنت ناكر للجميل، أتُعرف ذلك؟
_ وأنتِ لعينة. ما الذي أتى بكِ؟
جوهرة بنبرة حادة:
_ أريد أن أجعلك تعرف الحقيقة، فأنت صديقي ولا أقبل بأن أراك في هذا المكان أبدًا، ووالدتك التي تحتضر من أجلك…
قاطع حديثها صوت تكه الباب التي وصلت إلى مسامعهم، فتقدمت وعلى وجهها ابتسامة لعوب تشبه لهجتها حين قالت:
_ ما رأيك هل أنا بارعة في التمثيل؟
هارون بسخرية:
_ تُجيدين فعل كل ما هو سيء.
جوهرة بتذمر:
_ أنت تظلمني!
_ هيا أخبريني ما الجديد؟
جوهرة متصنعة الحزن:
_ والدك حالته مثل ما هي، والبرت غاضب للحد الذي يجعله يتأهب للهجوم على القصر بأي وقت.
انتفض هارون ذعرًا، ولكنه حاول الثبات قدر الإمكان، فقال باستفهام:
_ هل ألبرت هنا؟
جوهرة بترقب:
_ نعم، وهو ينوي الانتقام لصديقه.
حاول السيطرة على ما يعتريه من خوف، وقال بجفاء:
_ أنا من يجب عليه الانتقام وليس هو. لذا أخبريه ألا يفعل شيئًا قبل أن آمره.
جوهرة بقلة حيلة:
_ لا أملك سبيلًا معه، وهو غاضب، تعرفه جيدًا.
_ إذن أوصليني به.
_ لا يمكن ذلك.
حاول قمع غضبه وخوفه بقدر الإمكان، لتتابع جوهرة بمكر:
_ ولكني أعتقد أنه سيبدأ بتلك المرأة، والدتك المزعومة. تعرف، فهي السبب بكل شيء حدث له منذ البداية.
كلماتها قذفت الرعب بقلبه، فـ تلاحقت أنفاسه رغمًا عنه، وتولد بداخله طوفان من الغضب الذي جعله يريد أن يفقع عيني تلك الحية التي تتابع تأثير الحديث عليه بترقب، تحفظ بدقة كل ما يمر على ملامحه من انفعالات، لذا حاول أن يكون ثابتًا حين قال:
_ ليس الآن. هناك الكثير مما يجب عليه فعله معها قبل أن تأتي تلك الخطوة.
جوهرة باستفهام:
_ وهل قبلت أخيرًا أن تتخلص منها؟
_ لا لم أقبل ولن أفعل، وطرق الانتقام لا تتلخص جميعها في الدماء. هناك الكثير منها أشد وقعًا من ذلك.
زفر بقوة قبل أن يقول بلهجة آمرة:
_ أخبري ألبرت بأن ينتظر، وإلا سيجد نفسه في مواجهتي. أنا من سيأخذ انتقامه من تلك العائلة، وليس هو أو حتى والدي.
كانت لهجته تتضمن بها قدرًا كبيرًا من الشر، ما جعلها تقول إلى ناجي، الذي على الجهة الأخرى من الهاتف:
_ لا يزال حاقدًا، بل أكثر من ذلك، فقد رأيت في عينيه نيرانًا هوجاء تنتظر الإذن لتحرق الجميع.
ناجي بسعادة:
_ يالها من أخبار مفرحة. فأنا أعلم هذا الداهية سالم. أنه قادر على إدارة العقول بطريقة لا تتخيلينها. ولكن الآن أنا مطمئن بأن سمومي لازالت تسري بشرايين هارون.
ودت لو أخبرته أنه يستطيع إدارة القلوب أيضًا، ولكنها اكتفت قائلة بسخرية:
_ اطمئن، فتأثيرك أقوى من أن يُمحى بسهولة.
كانت تتلفت يمينًا ويسارًا وهي ترتعب من أن يتكرر ما حدث عصر اليوم، إلى أن وصلت إلى ذلك المكان المنشود، فوجدت هذا الحارس يقف في انتظارها، فهتفت بحنق:
_ الله يخربيتك! هتوديني في داهية؟ عايز إيه؟
الحارس بجفاء:
_ الداهية هتاخدك فعلًا لو مسمعتيش الكلام. لازم تعرفي بنتك وبنتها قدام عينينا دايمًا وتحت أيدينا، فظبطي نفسك كدا أحسنلك.
نعمة بذعر:
_ عايزين إيه المرة دي كمان؟
الحارس بقسوة:
_ تسمي فرح!
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم نورهان العشري
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم نورهان العشري
كان «هارون» يرقد في الظلام فوق مخدعه بعد أن جرفته غفوة قصيرة ليستيقظ بعدها على أصوات رجال كثيرة بالخارج. وما هي لحظات حتى سمع صوت باب المخزن يُفتح، فإذا به يجد ملثمين يقتحمون المكان.
هتف باندفاع:
_ انتوا مين؟
لم يكد يُنهي جملته حتى قام أحدهم بالكشف عن وجهه، ليتوقف العالم عن الدوران من حوله للحظة لم تدُم طويلًا، إذ تفاجيء بجميع الأنوار تُضاء لتغمر المكان بأكمله. وصوت «صفوت» الوزان يقول بتهكم:
_ والله زمان يا جنيدي! عاش مين شافك يا راجل!
توقف الزمن لثوانٍ بينما احتقنت عيني «جنيدي» بالدماء وهو يطالع «هارون» الذي كانت صدمته عظيمة، لا يدري ماذا يحدث؟ ومن أين يعرفون والده؟
التفت «جنيدي» يطالع صفوت بجمود ينافي غضبه الداخلي من انكشاف مخططه، فإذا بالأخير يتابع بتهكُم:
_ هو دا بقى وعد الرجالة؟ ياخي دانا عملت فيك جميلة تخليك تعيش عمرك كله شايلني على راسك. أخرتها تغدر بيا! وشوف ربنا ولو بعد حين تقع في أيدي بردو!
«جنيدي» بجهامة:
_ الغدر جاي من جواكوا يا صفوت بيه. ما قولتلك زمان وانت مفهمتش. حاميها حراميها.
تدخل «سالم» بجفاء فقد فطن إلى ما يرمي إليه بحديثه:
_ كونك مفهمتش طول السنين اللي فاتت دي أن الحرامي دا مش مننا يثبت أنك غبي.
تدخل «هارون» قائلًا بعدم فهم:
_ انتوا تعرفوا بعض منين؟
تولى «صفوت» الإجابة حين قال بغموض:
_ السؤال دا هيجاوبك عليه جنيدي بنفسه.
اغتاظ «جنيدي» من حديث «سالم» فقال بغلظة:
_ هارون مالوش ذنب في مصايب ناجي، ومش هسمح لحد أنه ياخده بذنبه.
«سالم» بجفاء:
_ لو ع الذنب فكل اللي يقرب للكلب دا شال نصيبه وأكتر كمان. ولو كنت خايف عليه يبقى تفهمه الحقيقة كلها.
تقدم «هارون» ليقف في المنتصف بين «جنيدي» التي كانت عيناه تقطر غضبًا، و«سالم» الذي كانت ملامحه حادة كـ نظراته، يشبهه «صفوت» إلى حد كبير. فتحدث «هارون» يناظر «جنيدي» بنبرة يملؤها الاحترام:
_ انت تعرف حاجة غير اللي قولتهالي؟
التفت «جنيدي» إلى ذلك الطفل الذي أُلقي في طريقه ذات يوم كمنارة أضاءت حياته التي أظلمت ما أن علم بموت صغيره. فعاد بالزمن لما قبل تسعة عشر عامًا.
***
كان يستلقي على ظهره يذرف وجعه بصمت وهو يتذكر ملامح صغيره الشاحبة والتي توحي بأن النهاية السوداء قد اقتربت. فتعاظم الألم بصدره وتفشت علة الحزن بداخله وهو ينتظر ذلك الخبر المُريع لأي أب في هذه الحياة. قرر أن ينهيها باعتراف مفصل عن جميع جرائمه ومن شاركه بها، لعل ذلك يخفف من ذنوبه التي دفع ثمنها طفله الصغير. ولكن، تفاجأ حين دخل عليه أحد العساكر خلسة وهو يقول بخفوت:
_ تليفون عشانك.
أعطاه الهاتف وخرج مهرولًا، ولكنه قد علم هوية المتصل لذا أجاب بنفاذ صبر:
_ عايز إيه؟
«ناجي» بهسيس مرعب:
_ اهدى كدا واسمع. ابنك هسفره يتعالج بره، وأنت هيتمحي اسمك من سجلات الحكومة وهتبقى بني آدم تاني خالص تقدر تعيش وتستمتع بفلوسك من غير أي خوف. قدامك خمس ثواني تفكر عشان التنفيذ هيكون في خلال نص ساعة.
«جنيدي» بترقب:
_ ولو موافقتش؟
«ناجي» بقسوة:
_ يبقى قول على ابنك وأمه يا رحمن يا رحيم. دا غير اللي هعمله فيك، وبردو محدش هيقدر يقرب مني، ولا حتى حضرة الظابط اللي شايف نفسه دا هيقدر يعملك حاجة.
أطلق سُبة نابية من فمه فقد كان يعلم أنه لا يتحدث فقط. لذا استجمع جأشه قبل أن يقول بغلظة:
_ موافق.
_ تعجبني. في خلال نص ساعة السجن هيولع باللي فيه، وحبايبي هيخرجوك هما عارفين إزاي.
«جنيدي» باستفهام:
_ وابني ومراتي!
«ناجي» بسخرية أتقن إخفاءها:
_ هتطلع من عندك تسلم عليهم قبل ما يسافروا بره عشان ابنك يتعالج.
لم يتجاوز الأمر الدقائق التي ذكرها فقد ضرب حريق هائل المكان بأكمله. ولم يكد يفهم ماذا عليه فعله حتى وجد من يُكمم فاهه من الخلف ويجره بعد أن سقط مُغشيًا عليه. ليستيقظ بعدها في فراش غريب ومكان لا يعرفه. فبدأ باستعادة الأحداث السابقة لينتفض من فوق مخدعه وهو يهرول إلى باب الغرفة. فقام بفتحه ليجد نفسه في بيت كبير مكون من طابقين ذي أساس مريح يبدو كبيت ريفي. ولكن، لم يكن في حال تسمح له بتفقد المنزل. فقد صار يهرول كالمجنون يبحث عن أي شخص ليفهم ماذا حدث وليطمئن على طفله وزوجته. فلم يجد أحد. وفجأة علا صوت بكاء طفل في إحدى الغرف. في البداية ظن بأنه يتوهم، ولكن عاد الصوت بقوة فتوجه إلى تلك الغرفة وقام بفتح بابها ليتفاجأ بطفل صغير في عمر الرابعة يتوسط فراش ضخم ويبدو بأنه خائف. اقترب منه بخطوات سلحفية فقد رق قلبه لذلك الطفل الباكي. فقد كان تقريبًا في عمر ولده الذي لا يعرف ماذا حدث له؟
تربع على السرير أمام الطفل وأخذ الاثنان يتطلعان إلى بعضهما البعض وكأن كلًا منهما يحاول النفاذ إلى أعماق الآخر عله يجد الأمان. فكان لقاءً صامتًا دام لدقائق لم يقطعه سوى رنين هاتف بجانب السرير جعل الاثنان ينتفضان خوفًا. فتدارك جنيدي الأمر وقام بالربت على كتف الصغير كتصرف عفوي قبل أن يقول بهدوء:
_ ماتخافش. دا التليفون بيرن.
ناظره الطفل بهدوء وقد شعر ببعض من السكينة تجاه ذلك الغريب. الذي رفع سماعة الهاتف دون أن يتفوه بحرف، فقط ينتظر بترقب. فإذا به يستمع إلى صوت «ناجي» الذي كان حزينًا جامدًا:
_ أخيرًا صحيت.
«جنيدي» بجفاء:
_ أنا نايم بقالي قد إيه؟
_ أسبوع.
«جنيدي» بصدمة:
_ إيه؟ أسبوع؟
«ناجي» بجمود:
_ أيوا.
«جنيدي» بلهفة:
_ ابني ومراتي سافروا؟
«ناجي» بترقب:
_ سافروا ورجعوا.
«جنيدي» بذعر:
_ تقصد إيه؟
«ناجي» بحزن زائف:
_ ابنك تعيش أنت. للأسف حالته كانت حرجة، والدكاترة مقدروش يعملوا حاجة. صدقني عملنا المستحيل بس دا عمره.
سقطت السماعة من يده ولم يستطع سماع أكثر. فقد تزاحمت العبرات في مُقلتيه واهتاج قلبه بألم عظيم شعر به يكاد يفتك بعظام صدره. فقد حدثت أسوأ مخاوفه. توفي صغيره دون حتى أن يودعه، أن يحتضنه، أن يُقبله.
بكى حتى أوشك أن يذرف روحه مع تلك العبرات التي تتساقط كالمطر من بين مآقيه. ولكن، تفاجأ بتلك اليد الصغيرة تقوم بمسح عبراته. ليلتفت فيجد ذلك الطفل ملامحه حزينة وشفتاه ترتجف، فيبدو أنه يجاهد ألا يبكي. فتعلقت عينا «جنيدي» بملامحه الجميلة. ولكن، صُدم حين وجد الطفل يقترب منه ليُعانقه بقوة وكأنه يُشاطره حزنه.
مر يومان وهو بجانب ذلك الطفل لا يتحدثان، فقط يُطعمه بصمت وينام بجانبه وهو يحتضنه باكيًا على ولده الراحل. وذلك الملاك لا يفعل شيئًا سوى أن يحتضنه وكأنه يحاول التخفيف عنه عن طريق العناق الذي كان أكثر ما يحتاجه ليرمم ذلك الشق في روحه. ولكن، في اليوم الثالث زارهم الشيطان الذي كان يُتقن دوره ببراعة وهو يُمثل الحزن الذي تجلى في نبرته حين قال:
_ قلبي عندك يا جنيدي. الضنا فراقه صعب، بس أنت راجل وقدها.
تجاهل كلماته الخاوية وقال بجفاء:
_ ضحى مراتي فين؟
تحمحم «ناجي» قبل أن يقول بجمود:
_ ضحى للأسف بعد موت ابنك أصرت أنها ترجع لأهلها، واترجتني إني أبلغك أنها طالبة الطلاق.
طلقة ثانية اخترقت قلبه المكلوم. فقد تخلت عنه حبيبته وهو في تلك الحالة ضائع، شريد، مجروح، يُعاني من أصعب ما قد يواجه المرء في حياته وهو فقدان شخص عزيز.
_ هي قالتلك كدا؟
«ناجي» بجمود:
_ أيوا قالت. دي كمان مردتش تيجي تقابلك. بص من الآخر قالت كلام يضايق، وأنت مش حمل وجع قلب. سيبها تروح لحال سبيلها وشوف أنت نفسك وحياتك.
«جنيدي» باستنكار:
_ حياتي! هي فين حياتي دي؟ ما كل حاجة خلصت خلاص ومبقاش في حياة.
أخرج «ناجي» حزمة من الأوراق من حقيبته وناولها له وهو يقول بهدوء:
_ شعبان مرزوق. دا اسمك الجديد. ودي شهادة ميلادك وبطاقتك. والبيت دا متسجل باسمك هو والأرض اللي حواليه. دي مزرعة موالح محتاجة حد يعمرها. أنا عارف إنك بعد اللي مريت بيه مش هتقدر تكمل في شغلنا تاني، وأنا مش هضغط عليك. بالعكس، أنا هساعدك.
ناظره «جنيدي» بريبة فتابع ناجي بنبرة جادة لا تقبل الشك:
_ كل العرب اللي هنا تحت طوعي، وكلهم حبايبي، ومن النهاردة بقوا رجالتك. كل اللي عايزة منك حاجتين. أول حاجة تربيلي هارون ابني.
برقت عينا «جنيدي» فقال باندهاش:
_ تقصد الطفل اللي هنا دا؟
«ناجي» بحزن زائف:
_ أيوا هو. أمه رمته وهو حتة لحمة حمرا عشان ترضي أبوها وعيلتها وتحرق قلبي. وأنا مش عايزه يطلع زيي ولا يتبهدل معايا. عايزاه يطلع أحسن واحد في الدنيا. وأنت عارف أنا معنديش حد أقدر أئتمنه عليه. غيرك!
«جنيدي» باندهاش:
_ واشمعنى أنا؟
«ناجي» بنبرة مُشجبة:
_ عشان أنت أب، وعارف يعني إيه ضنا. وأنا عارف إنك محتاج حد يعوضك عن ابنك اللي راح. وهارون هو الوحيد اللي هيقدر يعمل كدا. أنت محتاجه وهو محتاجك. عايزك تربيه صح وتطلعه راجل يملى العين. هسيبه أمانة عندك لحد ما أحس إني أستاهل إنه يكون معايا.
كان بارعًا في التسديد على نقاط ضعف الشخص الذي أمامه. فقد كان يعلم ويراقب حالته منذ أن استيقظ وشاهد تلك العلاقة الصامتة التي نشأت بينه وبين الصغير عن طريق كاميرات خفية في المكان. وعلى الرغم من غضبه الداخلي كون طفله ارتاح لذلك الرجل، ولكنه مُجبر أن يتحمل لأجل الوصول إلى هدفه والذي بدأ بالتحقق حين قال «جنيدي» بجفاء:
_ وإيه هو الطلب التاني؟
_ كل فترة هبعتلك مجموعة شباب تعملهم فترة تدريب زي اللي بعتك خدتها في أمريكا. عايزهم يطلعوا من تحت إيدك ولا أكنهم كانوا في الصاعقة. مش عايز أكتر من كدا.
لاح شبح ابتسامة ساخرة على شفتيه قبل أن يقول بسخط:
_ دلوقتي بس عرفت إنت بعتني هناك ليه؟ بس اشمعنى أنا؟
«ناجي» بجدية:
_ عشان أنت راجل، وكنت عارف إنك هتتحمل وهترفع راسي، وهقدر أعتمد عليك. وده فعلًا اللي حصل. وأنا عايز هارون يطلع زيك كدا.
وبالفعل قام بتربيته وكأنه ولده. حتى أنه صار يُعلمه كل ما هو جيد إلى جانب تلك التدريبات التي اجتازها «هارون». فصار يُغدق عليه من كل شيء، حتى حنانه لم يبخل عليه به. فقد كان يعتبره ولده الحقيقي. إلى أن جاء ذلك اليوم وطلب منه هذا الحقير أن يُعيد الأمانة. وحينها سقط قلبه بين ضلوعه وهو يتخيل أن يُفارقه ولده الحبيب. فقد كان «هارون» يعلم من البداية أنه ليس والده الحقيقي، ولكنه كان يتجاهل تلك الحقيقة. وأن هذا الرجل هو من ربّاه وبات يعتبره والده. إلى أن قابل «ناجي» الذي لم يتوانى عن بث سمومه في عقله. وذلك لم يُعجب «جنيدي» الذي عارضه بقوة:
_ مش هسمحلك تدخل هارون في لعبتك. هارون بره الليلة دي كلها.
«ناجي» بمهادنة:
_ هارون دا ابني يا جنيدي متنساش دا. وأنا عمري ما هأذيه. بس لازم يعرف الحقيقة، وأن أمه اتخلت عنه ليه، وهي مين؟ دا حقه عليا.
«جنيدي» بسخط:
_ طب وليه مش عايز تقوله إنك انت اللي اديتهولي أربيه؟
«ناجي» بألم زائف:
_ عشان مش عايزه يعرف تاريخي الأسود، وإني ليه مقدرتش أحتفظ بيه. يكفيه صدمته في أمه. لو بتحب هارون اسكت، وأوعى تقوله حاجة غير اللي أنا قولتهوله. من غير حاجة هو متدمر بسبب أمه، وإنه يعرف إنها رمته بالطريقة دي. عايزاه يتصدم فيا أنا كمان؟
وضعه بين شقي الرحى في مواجهة قلبه الذي ينفطر ألمًا على ولده الروحي. وهو يبكي حين علم كيف تخلت عنه والدته. فلم يُرِد أن يزيد من آلامه أكثر وانصاع لأفكار ذلك الشيطان.
***
_ مجاوبتش على سؤال هارون ليه يا جنيدي؟
لا يعرف بماذا يُجيب. فقد علم مؤخرًا بأنه سقط في فخ ذلك الحقير حين تقابل مع زوجته السابقة «ضُحى» والتي تفاجأت بحديثها بأن من أجبرها على تغيير اسمها والابتعاد عنه هو «ناجي» الذي هددها بقتله. ويشاء الله بأن تذهب لرؤية والدته وهي تحتضر لتتفاجأ به هناك. ويبدأ الاثنان بتبادل العتب لينفرط عقد الأسرار ويعلم بأنهما كانا ضحية لهذا الشيطان.
تدخل «سالم» قائلًا بتحريض:
_ تفتكر واحد زي ناجي دا قتل ابنك وفرقك عن مراتك ونفاك الفترة دي كلها يستاهل تكون عندك ولاء ليه؟
توحد العقل والقلب عند نقطة هامة وهي تلك الجملة التي كانت كالسيف الباتر على عنقه:
_ قتل ابنك!
صاح مستنكرًا:
_ أنت قلت إيه؟ قتل مين؟
تدخل «صفوت» بلهجة متعاطفة:
_ ناجي منع الدكاترة إنها تعمله العملية عشان يموت، وللأسف فصلوا عنه الأجهزة بأمر منه. ولو مش مصدق أنا ممكن أسمعك دا من الدكتور نفسه.
وكانت الكلمات كمطارق قوية سقطت فوق قلبه الذي كانت آلامه حادة للحد الذي يجعله يشعر بأن الأرض تميد به. فبدأ جسده يترنح. فإذا ب«هارون» يندفع بلهفة لإسناده وهو يقول بذعر:
_ أبويا.
أمر «سالم» أحد الحرس قائلًا:
_ اطلب دكتور محي الدين بسرعة.
أطاعه الحارس بينما حاول «جنيدي» التغلب على ألمه وهو يلتفت إلى «هارون» قائلًا بلهجة تتضور وجعًا:
_ اطمن عليا أبوك قوي. أنا خدت نصيبي الحلو من الدنيا فيك. لكن حقك عليا تعرف الحقيقة كلها. ناجي هو اللي جابك لعندي عشان أربيك. أنا كذبت عشان خفت عليك لما لقيتك منهار بعد ما عرفت حقيقة إن أمك رمتك، وده أنا اتأكدت إنه مش صحيح.
«هارون» بصدمة:
_ بتقول إيه؟
حاول «جنيدي» التغلب على ألمه قائلًا بخشونة:
_ بقولك الحقيقة. ضحى هي اللي قالتلي بنفسها.
هنا تنبه «سالم» إلى أمر ما أن تلك المرأة في تواصل مباشر مع ذلك الشيطان. إذن هناك خطر محدق على حياة أحبائه. فصاح مستفهمًا:
_ لحظة واحدة. ضحى دي اللي هي نجيبة مراتك؟ وهي عرفت الكلام دا منين؟
«جنيدي» بتأكيد:
_ معرفش. ناجي بعد ما طلقتها أجبرها تتجوز الراعي عشان تربي بنت الباشا.
كان يشير إلى «صفوت» بحديثه. ليُكمل حديثه بأسى:
_ وكان بيسكتهم بالفلوس. الراعي مكنش يعرف حاجة، كان بيربي بنت يتيمة لقاها. لكن نجيبة فضلت على تواصل مع ناجي وكانت بتاخد منه فلوس وتعينها عند أهلها. ولما أنا عرفت حرمت عليها تدخل عندنا تاني. وهي عشان تراضيني عرفتني بنيتكم ناحية هارون، وأن الست أمه مرمتوش زي ما كنت فاكر.
أخذ عقله يعمل في جميع الاتجاهات. ف«ناجي» لن يخبر تلك المرأة بأسراره. إذن لابد وقد علمت من أحد آخر. ولكن من؟ هناك اثنان من الخونة لا ثالث لهم. «رامي». وقد تخلص منه منذ عدة أيام.
***
_ خير يا كبير.
هكذا تحدث «مروان» بمرح قابله «سالم» بنبرة جافة:
_ اقعد. في موضوع مهم لازم نتصرف فيه.
«مروان» بترقب:
_ حصل إيه؟
«سالم» بجفاء:
_ الكلب اللي اسمه رامي شاكك في فرح وعايز يتخلص منها.
«مروان» بصدمة:
_ بتقول إيه؟ الله يحرقه. و شك فيها إزاي؟
_ فرح شافته وهو بيتكلم مع دادا نعمة في الجنينة، وفردة الحلق بتاعتها وقعت وهو لقاها وخدها وطلب من دادا نعمة إنها تسمها.
هتف «مروان» بحنق:
_ آه يا كلب. صدق مين قال رامي رامي كلب حرامي!
توقف «سالم» عند تلك الجملة لثوانٍ قبل أن يقول بحماس:
_ بس.
_ لقاها. هو كلب وحرامي فعلًا. بقولك إيه؟ الواد دا لازم نتخلص منه، وبطريقة متبينش إننا كاشفينه. نلبسه قضية سرقة الحلق بس من غير ما نكون إحنا اللي مبلغين عنه.
هكذا تحدث «سالم» فصاح «مروان» بحماس:
_ الباقي كمالة عندي أنا يا كبير.
«سالم» بسخرية:
_ أشجيني.
_ بص يا سيدي. الواد دا جشع، وإلا ما كانش هيعض الإيد اللي اتمدتله ويخون اللي مشغلينه والست اللي جابتله الشغل. يبقى إحنا إيه؟ نعرفه قيمة الحلق اللي لقاه وإنه بثروة كبيرة.
أضاف «سالم» مكملًا فكرة «مروان»:
_ يقوم يروح يبيعه.
«مروان» بصياح:
_ اللهم صل ع النبي. يكون قبلها العبد لله بلغ الجواهرجية كلهم بأن فيه حلق مسروق مننا وأوريهم صورة الحلق عشان لو جه حد يبيعه يتعرف إنه حرامي. وبكدا نخلص منه ونزيحه من طريقنا بطريقة غير مباشرة، ونوصي عليه حبايبنا في الحجز، ونبقى مطمنين على منصور وأمه.
«سالم» بتهكم:
_ أول مرة تقول حاجة صح في حياتك.
«مروان» بفخر:
_ يا باشا أنا عندي درر وجواهر في دماغي والله بس عايزة اللي يستلقطها.
«سالم» بفظاظة:
_ بمناسبة الجواهر البت دي عايزك تكون زي ضلها، وتبعدها عني بأي طريقة. فرح تعبانة وبتحاول تداري على قد ما تقدر، وأنا مش عايز أضغطها أكتر من كدا.
«مروان» بلهفة:
_ عيني. أنت تؤمر. لو عايزني أبات كل ليلة تحت سريرها أنا موافق. إحنا عندنا كام أم منصور يعني؟
«سالم» بجفاء:
_ خف شوية أحسنلك.
«مروان» بمرح:
_ لا بقولك إيه أنا عايز شغلي يبقى على نضيف. وبعدين أنت مش واثق في قدراتي؟ طب إيه رأيك بقى إن من خلال تركيزي الشديد معاها اتأكدت إنها بتفهم عربي.
«سالم» باستفهام:
_ نعم! وإيه اللي خلاك متأكد كدا؟
«مروان» بغرور:
_ مش بقولك شغلي على نضيف. يا باشا دي بتركز في كل حرف بيتقال، ويبان على وشها. والدليل لما شفتك بتتغزل في أم منصور وشها جاب ألوان. أنا عارف الشغل دا اسمع مني.
«سالم» بتفكير:
_ لو كدا. يبقى الموضوع له تخطيط تاني خالص. المهم أعمل اللي قولتهولك وخلصني من الكلب دا عشان أقطع أي تواصل مع ناجي جوه القصر. وبعدين كله بحسابه.
***
تبقى «جوهرة»! تلك الحية الرقطاء. لقد صدق ظن «مروان» فهي تتحدث العربية بطلاقة. فقد علم ذلك حين استمع إلى حديثها مع ذلك الحقير في الهاتف وقراءتها لمذكرات عمته التي أمر «سما» بإعطائها لها ليتأكد من حديث «مروان». وقد صدق ظنها. فهي لا تعلم بأنه يراقب الهاتف الذي تتحدث به بعدما أمر مروان بإضافة برنامج تجسس على الرقم الذي في هذا الهاتف الذي أعطاه رامي لنعمة والتي بدورها وضعته أسفل وسادة جوهرة. فقد كان يدير خيوط اللعبة بين أنامله. وقد ساعده في ذلك غباء خصمه. فقد توقع أنه من المفترض أن يحاول التواصل مع تلك المرأة ليكمل مخططاته من الداخل.
***
_ سالم بيه حضرتك بعتلي؟
«سالم» باحترام:
_ تعالي يا حاجة نعمة. اتفضلي اقعدي.
اقتربت «نعمة» لتجلس على المقعد أمامه تنتظره أن يبدأ بالحديث. فقال بنبرة هادئة:
_ أنتِ شوفتي اللي حصل طبعًا، وعرفتي إن عمتي طلع ليها ابن من الحقير دا.
«نعمة» بقهر دفين:
_ شوفت يا ابني وعرف. أنا معرفش دا جنسه إيه؟ إزاي يكون دمه نفس دمكوا؟
«سالم» بمرارة:
_ للأسف دا ابتلاءنا من زمان، وإحنا على قد ما نقدر بنحاول ننقذ نفسنا وننقذ اسم العيلة من شره.
«نعمة» بتأثر:
_ ربنا يعينكوا يا ابني، ويعينك أنت بالأخص. حملك تقيل.
_ الحمد لله على كل حاجة. المهم عايز أتكلم معاكِ في موضوع، وأتمنى متتخضيش، وترُكزي معايا وتفهمي اللي هقوله. عشان الغلطة عندنا بفورة.
«نعمة» بترقب وقد أقلقتها كلمات «سالم»:
_ قول يا ابني سامعاك.
«سالم» بخشونة:
_ ناجي مش هيسكت على اللي حصل، وفي الأغلب هيحاول يستغل اللي حصل دا في مصلحته، وأكيد هيحاول يتواصل مع البنت اللي فوق دي. وعشان يعمل كدا عايز حد يكون من البيت، ويكون موثوق فيه من جهتنا.
تنبهت «نعمة» لحديثه وقالت بريبة:
_ تقصد إيه؟
«سالم» بجمود:
_ وارد إنه يحاول يتواصل معاكِ، ويضغط عليكِ عشان تساعديه.
هبت «نعمة» من مجلسها وهي تقول بقهر دفين:
_ أساعده! بعد ما قتل جوزي وحرق قلبي عليه أساعده! دانا لو طايلة آكله بسناني هعملها.
أومأ برأسه قبل أن يقول بهدوء:
_ طب اقعدي يا حاجة. خلينا نكمل كلامنا.
جلست «نعمة» بوهن بعد أن هاجمتها ذكريات الماضي الأليم ونبشت كلمات «سالم» جرحها الدفين. فتابع الأخير بهدوء:
_ اللي جاي صعب، وأنا عارف قد إيه أنتِ بتحبي البيت دا واللي فيه. وعشان كدا هطلب منك تساعديه.
«نعمة» بصدمة:
_ إيه؟
«سالم» موضحًا مقصده:
_ أنا عايزها توصلها. عايز أعرف بيفكر في إيه؟ وعايزاه يفتكر إني مصدق تمثيليته. لازم أكون على علم بكل خطوة بيخطيها، عشان ميفاجئنيش. وأنا واثق إنه هيحاول يتواصل معاكِ. ممكن يبتزك. ممكن يهددك. وعشان كدا أنا حطيت حراسة مُشددة على بنتك وجوزها وبنتها.
شهقت «نعمة» بذعر فاندفع «سالم» يُهدئ من روعها:
_ متخافيش عليهم. الحارس بتاع العمارة بتاعتهم من رجالي، والناس اللي ساكنين في الشقة اللي قصادهم بردو من رجالي، حتى السواق بتاع مدرسة بنتهم والمشرفة بتاعتهم من رجالي. يعني متقلقيش. أنا بقولك عشان متتخضيش. دا الكارت الوحيد اللي في إيده يضغط عليكِ بيه.
طمأنتها كلماته ولكنها لم تمحي آثار الخوف من قلبها. فالتفتت إليه قائلة بقلة حيلة:
_ طب العمل يا ابني؟ أنا مقدرش أخونكوا، ولا أغدر بعشرة السنين.
«سالم» بلهجة ودودة:
_ أنا عارف، وعشان كدا بقولك لو ضغط عليكِ وافقي، وكله هيبقى تحت عيني. فيه خاين هنا حوالينا، ولازم أعرفه، ودا اللي هيظهره. كمان زي ما قولتلك لازم أعرف بيخطط لأيه وناوي على إيه؟ فهمتيني؟
أومأت «نعمة» برأسها قبل أن تقول بحزن:
_ فهمتك. ربنا يا ابني يعينا، ويسترها من اللي جاي.
«سالم» بهدوء:
_ ربنا كبير وعادل أوي، وعمر الظلم ما بينتصر أبدًا. اطمني وقولي يارب.
لم يمضِ يومان على هذا الحديث حتى جاءته «نعمة» مُهرولة لتقول بذُعر:
_ سالم بيه.
«سالم» بجفاء:
_ ولا كلمة. روحي أوضة الحاجة هتلاقيها فاضية تحت المخدة في تليفون. خديه وابعتيلي كل اللي حصل في رسالة صوتية، وأنا هقولك تعملي إيه؟
قامت بما أمرها به لتجد الهاتف وتقول بتسجيل رسالة صوتية فحواها:
_ فاكر رامي الواد اللي من الحتة بتاعتنا اللي جبتهولك عشان تشغله هنا. لقيته جايلي امبارح وبيقولي إن فيه حد عايز يكلمني. ولما رديت لقيته الحيوان ناجي. وزي ما قلت بيهددني ببنتي وحفيدتي مقابل إني أساعده. أنا بالرغم من إنك قايللي بس كنت هموت من الرعب. إحنا مش قد الراجل دا يا ابني، وأنا مش عارفة أعمل إيه؟
يعلم كم هو حقير وكم الضغط النفسي الذي مارسه على تلك المسكينة. لذا أجابها في رسالة صوتية بلهجة هادئة ودودة:
_ اهدي يا حاجة نعمة، واعرفي إنك واحدة مننا. مش هسمح لكلب دا يقرب منك ولا من اللي يخصك. متخافيش. عايزك تطاوعيه، محتاجين نعرف ناوي على إيه وبيخطط لإيه، ومتقلقيش ربنا معانا وإن شاء الله هتعدي على خير. بس أنتِ اجمدي شوية.
طمأنتها لهجته فأخذت تنظم أنفاسها قبل أن تعيد إرسال رسالة صوتية فحواها:
_ ربنا يستر. أنا المفروض هبلغه النهاردة بقراري مع الكلب اللي اسمه رامي دا. معرفش إزاي مكشفتش حقيقته القذرة دي قبل ما أجيبه بأيدي يشتغل عندكم.
جاءه الرد من «سالم» ليطمئنها أكثر:
_ يمكن خير، ويمكن ربنا أراد إننا نعرف عن طريقه الحيوان دا بيفكر إزاي. المهم عايزك تكوني حذرة في التعامل معاه. والفون دا هيفضل في أوضة الحاجة. كل ما يحصل حاجة تبعتيلي منه. مش عايز أي كلمة تتنطور هنا أو هنا. عايزك هادية وطبيعية خالص. عشان نكون ماشيين صح.
***
_ أنت بتقول إيه؟ يعني كل الكلام اللي قالهولي كذب؟
هكذا تحدث «هارون» بأسى. فتحامل «جنيدي» على نفسه ليقوم باحتواء وجهه بين يديه وهو يقول بأسف:
_ للأسف آه. ناجي دا شيطان وقدر يلعب بينا كلنا. بس أنا أوعدك هاخد تاري وتارك من عينيه.
أي ثأر سيُطفئ تلك النيران المُندلعة بقلبه حين سمع أحاديثه المُلفقة عن والدته التي ألقت به ذات يوم في أحد الطرقات المهجورة فقط لتفجع قلبه؟ أي شيء في هذا العالم سيجعله يتجاوز ذلك الشعور المرير بكونه منبوذًا من أحب الناس إليه؟
لقد عاش سنوات عمره يخشى أن يتطرق إلى هذا الأمر مع ذلك الرجل الحنون الذي ربّاه، وقد تقبل حقيقة بأنه عائلته الوحيدة. ليأتي ذلك الشيطان ويبثه سمومه التي لوثت عقله. فأخذ يشحن الكره والبغض داخل قلبه لهذه المرأة وتلك العائلة. وقد كان ينوي تنفيذ مخططه ذلك اليوم حتى يجعلها تتحسر على ما فعلته به.
***
تخلص من ذلك السلسال الذي ظن أولئك الحمقى بأنهم قيدوه به، وقام بالقفز من أعلى سور حظائر الخيول وتوجه رأسًا إلى نافذة غرفة والدته. ليقوم بتسلق الشجرة الكبيرة التي أمامها. وما أن وصل إلى أعلاها حتى قام بالقفز برشاقة إلى داخل الشرفة. ليتوجه بخط سلحفية وأعين صقرية تتجول في المكان برمته قبل أن يقوم بفتح باب الشرفة الذي كان مواربًا. فإذا به يقف لثوانٍ مُحدقًا بذلك الجسد النائم على السرير. وقلبه يُخبره بأن ما سيفعله خطأ. ولكن، تجاهل وجيب قلبه وهو يتذكر تلك الليلة المشؤومة حين ذهب لخطبة إحدى الفتيات في قريتهم. ولكن، تفاجأ برفض والدها المُهين له حين أخبر «جنيدي» بأنه غير معلوم الأصل. وقد كانت ذلك أول سهم ينغرز بقلبه جراء فعلتها. والتي على إثرها أخبره «جنيدي» الحقيقة بأنه ليس والده، إنما وجده ذات يوم ملقى أمام مزرعتهم وقد قرر تربيته.
حين أوشك من الاقتراب من السرير تفاجأ بصوت جاف أصابه بالذعر، وخاصةً بأنه علم هوية صاحبه على الفور:
_ متحمس أعرف ناوي تعمل إيه في والدتك؟
لعن «هارون» بداخله قبل أن يلتفت ليجد ذلك الظل الضخم أمام باب الغرفة. فزفر حانقًا قبل أن يقول بسخرية:
_ سالم باشا الوزان. ملك اللعبة.
أطلق ضحكة ساخرة من فمه قبل أن يتابع بتهكم:
_ ياراجل هو أنت مفيش حاجة بتفلت منك كدا. دا أنت رخم زي ما سمعت عنك!
أضاء «سالم» النور وهو يُجيبه بفظاظة:
_ لا معلش أنا أرخم بكتير من اللي اتقالك. بس هعمل إيه بقى. معنديش أغلى من عيلتي، وأهلي.
لاح شبح ابتسامة ساخرة على شفاه «هارون» الذي قال بتهكم يخفي بين طياته مرارة قاسية:
_ آه طبعًا. وخصوصًا إن العيلة دي كلها في إيدك بيتمنولك الرضا ترضى. مش رموك وأنت لسه طفل صغير، واتخلصوا منك كأنك زبالة. شيء مالهوش تمن.
«سالم» بفظاظة:
_ الكلام اللي بتقوله دا يزعل أوي. لو كان حقيقة. أنا عارف إنك مكنتش هتأذيها. على الأقل جسديًا. بس كنت هتسمعها اللي يموتها. وعشان كدا أنا قولت ألحقك.
«هارون» باستنكار:
_ تلحقني!
«سالم» بتأكيد:
_ أيوا ألحقك. أنا عارف إنك ذكي، واللي صدمني أكتر إنك طلعت عارف ربنا. أنا شوفتك وأنت بتصلي، ويمكن دا اللي شفعلك عندي وخلاني أشوفك بنظرة تانية خالص.
زمجر «هارون» ساخطًا:
_ بلاش الكلام دا عشان مش هياكل معايا.
تابع «سالم» متجاهلًا حديثه:
_ شيلت اسم ناجي من جنبك، وقولت أديله فرصة. بس خلي بالك أنا مبديش الفرصة مرتين.
«هارون» بجفاء:
_ تقصد إيه؟
«سالم» بفظاظة:
_ هعقد معاك اتفاق. هثبتلك بالدليل إن عمتي مش رمتك، ولا كانت تعرف بوجودك أصلًا. وأنت بالمقابل تمحي اسم ناجي من ذاكرتك.
صمت لثوانٍ قبل أن يقول بتعجرف:
_ وانت كسبان إيه لما أمحي اسم ناجي من ذاكرتي؟ متقوليش دا جزء من انتقامك منه عشان أخوك.
«سالم» بجفاء:
_ سكة الانتقام دي مش سكتي، ولا أخلاقي. أنا بس بحافظ على العيلة اللي أنا كبيرها، واللي كل فرد فيها مسئول مني. وأنت كمان من ضمنهم.
أوشك على الاعتراض فجاءت نبرة «سالم» قوية وكذلك ملامحه حادة حين قال:
_ مش هنهرى كتير. اللي ليك عندي أثبتلك براءة أمك، وبعد كدا أنت اللي هتختار تعمل إيه؟ ولحد اليوم دا مش عايز منك غير تسكت وتتفرج وأنا بكشفلك حقيقته.
خربشت كلماته الفضول بقلبه لذا استفهم بفظاظة:
_ إزاي؟
«سالم» بجفاء:
_ هتعرف كل حاجة في وقتها. أهم حاجة اللي اسمها جوهرة دي تسايرها، وأوعى تثق فيها. خلي بالك هي وسيلته في التأثير عليك، وأنت مش غبي.
«هارون» بسخرية:
_ هو عارف إني مبطيقهاش أصلًا.
«سالم» بخشونة:
_ الوضع اختلف، وهو عايز يستغله لصالحه، وإحنا كمان. بس الفرق إننا هننتصر في النهاية، ودا هتشوفه بعينك. ولو أنت ذكي كنت هـ تسأل نفسك هو فين من وقت ما إحنا جبناك على هنا؟
كان استفهامًا مُلحًا لا يزال يُردده عقله ولكنه لم يجد أية إجابة تُرضي فضوله. لذا تولى «سالم» ذلك الأمر حين قال:
_ ناجي هيحاول يلعب من تحت لتحت. يعني مفروض إنه حاليًا في غيبوبة بسبب إن طارق ضربه على دماغه. ودا اللي هتعرفهولك جوهرة. دا بعد ما أنا أطلب منها تقنعك ببراءة عمتي، وبكدا هفتحلها المجال إنها تقابلك وتتكلم معاك.
تجاهل ذلك الصدق في حديثه وقال بتذمر:
_ كلامك مش منطقي، وأنا واثق إنه هيقلب الدنيا فوق دماغكوا. هو بس بيخطط.
_ وأنا مستني. ولو محصلش اللي قولتهولك يبقى أنت صح، ووقتها اعمل اللي تعمله.
كان مُقنعًا بطريقة أثارت غضبه ولكنه أقنع نفسه بضرورة الهدوء. فهو في كل الأحوال لا يريد سوى الحقيقة. لذا أخذ قراره النهائي قائلًا باختصار:
_ موافق.
تفاجئ حين مد «سالم» كفه الخشن ليُصافحه وهو يقول بنبرة جادة:
_ اتفاق راجل لراجل. وأنا عارف إنك راجل، وهثق فيك إنك هتبقى قد كلمتك معايا وهتصبر لحد ما أثبتلك الحقيقة.
كان الأمر في قرائته عظيمًا. فذلك الرجل حقًا غير متوقع. وبالرغم من كل شيء فقد تشكل بداخله شعور كبير من الاحترام له. لذا مد يده ليُصافحه وهو يقول بنبرة جادة:
_ تقدر تثق فيا. أنا كل اللي يهمني الحقيقة.
***
_ دلوقتي أنا نفذت اتفاقي معاك وعرفت الحقيقة فين. الجاي هسيبهولك تقرر هتعمل فيه إيه؟
هكذا تحدث «سالم» بخشونة. فقد بلغ الخوف مبلغه منه وقد شعر بضيق كبير في صدره وكأن القلب يشعر بساكنه. فقد تعاظم بداخله إحساس قوي بأن حبيبته ليست بخير. لذا غادر دون أن ينتظر رد «هارون» و قام بإلتقاط هاتفه ليتحدث إلى «مروان» قائلًا بقلق:
_ فرح فين يا مروان؟
_ فرح جوه مع البنات. طمني عملتوا إيه؟
«سالم» بحدة:
_ مش وقته دلوقتي. المهم اطلع طمني عليها. تليفونها مقفول.
«مروان» بقلق:
_ هو في حاجة يا كبير؟
زمجر «سالم» غاضبًا:
_ اسمع اللي بقولك عليه. عايز أسمع صوتها دلوقتي حالًا وشوفلي اللي اسمها نجيبة دي بتعمل إيه، والزفتة جوهرة دي.
تحرك «مروان» من مكانه وهو يحاول تهدئته:
_ جوهرة طول النهار قدام عيني معملتش أي حاجة تثير الشك غير إنها بتحاول تتواصل مع رامي ومش عارفة. واللي اسمها نجيبة دي راحة جاية مع الشغالين طول النهار. مفيش حاجة تقلق يعني.
لا يعرف لما هذا الألم الدامي الذي ينخر بصدره ويُخبره قلبه بأنها تحتاجه. لذا هتف آمرًا:
_ طب اطلع اديها التليفون.
توجه «مروان» إلى الداخل فوجد الجميع ماعدا «فرح». فبدأ القلق يتسرب إلى داخله. فتقدم إلى «أمينة» يهمس بجانب أذنها:
_ هي فرح فين؟
أجابته بسلاسة:
_ طلعت ترتاح شوية. في حاجة؟
لم يُرِد أن يُقلقها فقال بنفي:
_ لا كنت عايز أسألها على حاجة.
رفع رأسه يطالع «جوهرة» التي بدا على ملامحها الراحة والهدوء. وقد أثار هذا ريبته. لذا اقترب من «جنة» قائلًا بخفوت:
_ تعالي عايزك.
أطاعته «جنة» وسارت خلفه إلى أن وصلا إلى بداية الدرج. فقال «مروان» بقلق:
_ بقولك إيه اطلعي لفرح الأوضة واديها التليفون قولي لها إن الكبير عايز يكلمها ضروري.
أطاعته «جنة» قائلة بمزاح:
_ حاضر. أول مرة أشوفك بتتكلم جد. هبتدي أقلق.
«مروان» بسخط:
_ لازم تقلقي كونك بني آدمة يعني عايشة معانا وقرفانا في عيشتنا. فلازم تقلقي شوية. اتنيلي اطلعي لها وأنا وراك لو في حاجة ناديني.
أخذت منه الهاتف وصعدت إلى الأعلى وقامت بالطرق على باب الغرفة قبل أن تقوم بفتحه و دلفت إلى الداخل لتتفاجئ بتلك المُلقاة على الأرض وأسفلها بقعة من الدماء. فصرخت بملء صوتها:
_ فرررح.
انخلع قلب ذلك الذي كان ينتظر على الهاتف وقد صح ظنه. فقد حدث شيء سيء لحبيبته. وكأن أحدهم طرق فوق قلبه بمطرقة حديدية حين سمع كلمات جنة المذعورة:
_ الحقوني. أختي بتموووت.
هرع «مروان» إلى الداخل وكذلك الجميع ممن استمع لصراخ «جنة». فتفاجئوا بفرح التي كانت غارقة بدمائها. فتعالت الصرخات. ليندفع «مروان» ويتحسس عرقها النابض فوجدها لازالت على قيد الحياة رغم بركة الدماء التي تسبح بها. فصرخ بالجميع:
_ بطلوا صويت. فرح لسه عايشة وهننقلها المستشفى.
صمت الجميع. فقام «مروان» بحملها وهرول إلى الأسفل لينظر إلى «حلا» آمرًا:
_ كلمي ياسين وعمار يقابلونا عالمستشفى بسرعة.
«حلا» بذعر:
_ حاضر.
كان يقف في شرفته بملامح واجمة وقلب يعتصره الألم والشوق لتلك التي برحيلها سرقت معه راحته التي تبين أنها تكمن في وجودها بجانبه. فقد كان يشعر بالسعادة وهو يحبسها في قفصه الذهبي. ولكنه لم يكن يتخيل أن يطير عصفوره الرائع ويغادره بتلك الطريقة. يعلم بأنها غاضبة منه، ولكنها بارعة في إخفاء غضبها. وقد كان هذا يُثيره بشدة. ولغباوه أعلن راية التحدي أمام أنثى تخطت في حبها حدود العشق. فصارت تحفظ حتى أنفاسه. وصار هو أمامها كالكتاب المفتوح تتلاعب به كيفما تشاء. وقد تيقن من ذلك البارحة حين هاتف «فرح» بحجة الاطمئنان عليها وعلى «جنة».
_ عاملة إيه يا فرح. طمنيني عليكي.
«فرح» بحبور:
_ حلوة الحمد لله. أنت عامل إيه؟ وطنط تهاني؟ ارتحتوا من المشوار ولا لسه؟
«ياسين» بهدوء:
_ الحمد لله. كلنا بخير، وماما نايمة شوية. أول ما دخلت البيت افتكرت بابا الله يرحمه، وقعدت أعيط فدخلتها تنام.
«فرح» بتعاطف:
_ ربنا يرحمه ويصبركوا. مش هتيجوا بقى عايزين نشوفكوا؟
«ياسين» بسخرية:
_ آه طبعًا هنيجي. مش فرحكوا بعد بكرة؟
_ وهو انتوا لازم تيجوا عالفرح يعني! وبعدين هي حلا مش وحشتك ولا إيه؟
ارتج قلبه حين سمع اسمها. ولكنه تجاهل ضجيج دقاته وقال بلهجة مُتحشرجة:
_ أكيد وحشتني. بس قولت أسيبها مع حبايبها شوية.
«فرح» بتخابث:
_ ياعم لا. تسيب مين؟ دي من وقت ما جت مش عارفة ألم على جوزي، ونفس النظام جنة. الهانم من رقبة دا لرقبة دا، وهما الصراحة مش مصدقين إنها في وسطهم ناقص يجيبولها حتة من السما. دا حتى سالم مش مخليها تنزل السلم، ولا أكنها أول واحدة تحمل. لو سبتها أكتر من كدا احتمال أجلك غضبانة.
أنهت جملتها وهي تضحك بصخب قاصدة إضرام تلك النيران التي اندلعت بقلبه. فهي سعيدة بين أشقائها وعائلتها وهو كالغبي يتلظى بنيران الشوق هنا. لذا هتف بحدة:
_ والله. طب خليها بقى لحد ما تولد بدل الهانم مبسوطة أوي كدا.
تلألأت عينا «فرح» بالخبث وهي تغمز ل«حلا» التي تجلس بجانبها تستمع لما يقوله. فأجابته «فرح» بجدية:
_ بصراحة يا ياسين محدش يلاقي الدلع وميتدلعش. وحلا من زمان دلوعتهم كلهم. كلهم روحهم فيها. أنت عشان معندكش إخوات بنات مش فاهم الموضوع دا. دا حتى مروان اللي قارف الناس كلها لو حلا طلبت منه لبن العصفور بيجري يجيبهولها. مش مصدق أمتى تولد ويبقى خالو.
أهتاجت غيرته إضافة إلى غضبه المُروع وهتف حانقًا:
_ وطبعًا الهانم مقضياها هيء والميء مع الحيوان دا؟ ولا عاملة احترام لحد!
عاتبته «فرح» بلطف زائف:
_ إيه ياسين اللي بتقوله دا! خلي بالك كلامك دا غلط ومينفعش يخرج منك. مش واثق في مراتك ولا إيه؟ وبعدين مروان وحلا إخوات وبالرغم من هزارهم وضحكهم إلا أن في حدود بينهم طبعًا.
لعن نفسه وغيرته وغضبه الذان أوصلاه لتلك الحالة. وقال بعجالة لكي يُنهي تلك المحادثة اللعينة:
_ معلش يا فرح أنا أعصابي مشدودة شوية. المهم إني اطمنت عليكوا. هبقى أكلمك تاني سلام دلوقتي.
أنهى المكالمة ولا يدري شيء عن تلك القهقهات التي اندلعت من جوف كلاهما «فرح» و« حلا» التي قالت بتشفي:
_ وحياة أمي لهخليه يقول حقي برقبتي ابن العمارنة.
أجابتها «فرح» بتشجيع:
_ يستاهل. أوعي تفرطي في حقك. لازم يفهم إن أهلك ليهم احترامهم وإن علاقتك بيهم دا شيء مفروغ منه. ياسين مش وحش بس كل راجل وله طبع، وأنتِ شطارتك إنك تحطي النقط على الحروف وتفهميه حقوقك كويس وإنك مش هتتنازلي عنها ولو حصل إيه.
_ فعلًا دا اللي ناوية أعمله.
***
دوي رنين هاتفه ينتزعه من ذكرياته السيئة. فتقدم ليلتقطه. فضرب قلبه تيار الهوى لتتزايد دقاته بجنون حين وجد اسمها يُضيء هاتفه. فحاول السيطرة على ما يعتريه وأجابها بجفاء:
_ ألوو.
_ الحقنا يا ياسين. فرح بتنزف و واخدينها عالمستشفى.
دب الذعر في قلبه فهتف بعجالة:
_ اهدي يا حلا، وقُوليلي مستشفى إيه؟
أخبرته باسم المشفى فقال بحنو:
_ طب اهدي يا حبيبتي وأنا هقابلكوا على هناك حالًا.
أغلق الهاتف وهرول إلى الأسفل ليتقابل ب«عمار» الذي قال بمزاح:
_ إيه السنيورة وحشتك وناوي تحن وتشوفها ولا إيه؟ لو أكده تعالى معايا أنا رايح هناك.
باغتته كلمات «ياسين» المرتعبة حين قال:
_ فرح تعبانة ونقلوها للمستشفى وأنا رايح لهم دلوقتي.
انتفض «عمار» قلقًا وهتف بلهفة:
_ بتجول إيه؟ فرح مالها؟
_ معرفش. اللي عرفته إنها نزفت جامد وهما طالعين بيها عالمستشفى دلوقتي.
«عمار» بلهفة:
_ طب يالا بينا نحصلوهم.
***
كان الألم غائرًا والذعر يجتاح قلبه دون رحمة. يؤازره شعور قوي بالذنب كونه أغفل عن حمايتها. لا يعلم ماذا حدث ولكنه يشعر أن يد الغدر طالتها. فتغيب عقله وهو يُهرول إلى سيارته دون النظر إلى ما يحدث خلفه. فأوقفه صوت «صفوت» حين ناداه صارخًا:
_ رايح فين يا سالم؟ لسه مخلصناش شغلنا، وسليم وطارق مستنيانا في المينا. فرغوا شحنة المخدرات في البحر.
وقاطعه «سالم» بحرقة لم تظهر يومًا عليه:
_ فرح.
«صفوت» بصدمة:
_ مالها فرح؟
اكتفى بجملة واحدة ولكنها خرجت كشجرة شوك تمزق لفائف الصوف دون رحمة:
_ بتضيع مني.
كان مظهره كرجل في السبعين من عمره. فقد شابت ملامحه وارتسم الوهن بنظراته وشفاهه التي ترتجف ألمًا. الذي انتقل ل«صفوت» فقال الأخير بنبرة قوية:
_ اهدى يا سالم. إن شاء الله فرح هتبقى بخير. روح أنت وأنا هكمل هنا، وهخلي طارق وسليم يوصلوك. خلي إيمانك بربنا كبير.
خرجت كلماته مُعذبة مُتوسلة حين قال:
_ ونعم بالله.
لا يعلم كيف كان يقود سيارته؟ لا يرى شيء سوى ضحكاتها بين يديه ومقتطفات من حديثها الرائع:
_ هو أنا ينفع أخطفك؟
_ يا ترى سيادة النائب فاضيلي؟
_ سيب الناس تاكل عيش جنبك يا باشا.
_ أنت مقولتليش بحبك غير أربع خمس مرات بس!
_ أنا محدش يمشيني على مزاجه يا سالم يا وزان.
هتف قلبه بنبرة مُحرقة:
_ سالم الوزان هيضيع من غيرك يا فرح.
أخذ يحاول تجاهل ذلك الألم الدامي في كتفه الأيسر وأطلق جأشه مكبوتة بصدره قبل أن يقول بنبرة مُوقدة:
_ لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
لأول مرة يُطلق العنان لـ عبراته لتنهمر فوق خديه بتلك الطريقة. حتى أنه لم يمنع شهقاته التي اخترقت سكون السيارة التي كانت كوحش ينهب الطريق. كذلك الوحش الذي ينهب بقلبه فيجعل آلامه مُروعة. وخاصةً حين أخذ يدق على الهاتف عل أحدهم يُجيبه ويُطمئن ذلك القلب الذي سيتوقف من فرط الخوف على محبوبته. التي كانت ترقد في عالمْ آخر غير واعية لتلك الشهقات من حولها. فقد أدخلوها إلى غرفة العمليات فور وصولها. وكان الجميع في الخارج على صفيح ساخن. العبرات غزيرة والشهقات تصم الآذان والقلوب تتفتت ألمًا. بينما الأجساد واهنة من فرط الخوف. الذي حاول «مروان» التغلب عليه. فـ هدر بعنف:
_ في إيه؟ أنتوا بتولولوا عليها كده ليه؟ فرح كويسة وبخير، وداخلة تولد. مالكم في إيه؟ ادعولها ربنا يقومها بالسلامة.
أنهى كلماته تزامنًا مع قدوم كلًا من «ياسين» و« عمار». فتوجه إليهم «مروان» قبل أن يصلوا إلى تواجد النساء:
_ بقولكوا إيه؟ فرح حالتها خطر. الموضوع مش ولادة عادية، وأنا مش عايز حد منهم يعرف.
أهتاج «ياسين» غاضبًا:
_ بتقول إيه؟ يعني إيه مش ولادة عادية؟
«مروان» بحدة:
_ وطي صوتك. سالم جاي في الطريق، وكمان طارق وسليم. أنا هرجع المزرعة دلوقتي عشان أشوف حصل إيه. أنا شاكك في حاجة وربنا يستر.
«عمار» بحدة:
_ واحدة من الكلاب اللي هناك دول ليها يد في اللي حصل لفرح صوح؟
أومأ «مروان» بصمت فتابع «عمار» بحنق:
_ خليك يا ياسين اهنه مع الحريم لحد لما الرجالة يوصلوا. وأني هروح مع مروان.
أومأ «ياسين» بصمت. فتوجه كلًا من «عمار» و«مروان» إلى المزرعة. وما أن وصلا حتى أخرج «عمار» سلاحه ينوي الفتك بتلك الساقطة. فنهرُه «مروان» قائلًا:
_ لا. المواضيع دي مش هتتحل كدا. والرصاصة اللي هتطلع دي غالية لحد رخيص ميستاهلش. هتريحه من مصير أسوأ من الموت.
تجاهل «عمار» حقده وغضبه وأدخل سلاحه في جيبه. فقال «مروان» بخفوت:
_ لما ندخل عايزك تركز أوي في ردود الأفعال اللي هتشوفها. أنا لازم أعرف حصل إيه بالظبط.
«عمار» بسخط:
_ ما نحبسهُم الاتنين وندوروا فيهم الضرب لحد ما يعترفوا باللي حصل.
«مروان» بحزم:
_ غلط. نبقى كدا كشفنا نفسنا في الوقت الغلط. اسمع بس كلامي.
دلف الاثنان إلى المنزل فصاح «مروان» مُهتاجًا:
_ دادا نعمة. شكرية. رمضان. انتوا فين؟
هرول جميع الخدم وأطلت عليهم «جوهرة» من الأعلى لترى ماذا يحدث وكل خلية بداخلها مُتحفزة لما هو قادم:
_ أيوا يا مروان بيه؟
«مروان» بصراخ:
_ مين كان في المطبخ النهاردة غيركوا؟
«نعمة» بلهفة:
_ إحنا بس يا مروان، وكانت معانا الست اللي اسمها نجيبة دي.
_ هي فين؟
أجابه «شعبان» وهو يقول بلهفة:
_ متعرفش من وقت اللي حصل لست فرح وهي مش موجودة.
صرخ «مروان» بصوت كـ الزئير:
_ مجاهد. يا مجاهد.
هرول «مجاهد» هو الآخر ليُجيبه بلهفة:
_ أيوا يا سي مروان.
_ تقلبلي الدنيا على بنت الكلب دي. الست فرح بين الحيا والموت، واللي حصلها ده مش طبيعي. عايز أعرف حصل إيه بالظبط؟ كلت إيه؟ شربت إيه؟ مين طلع أوضتها فوق؟
كانت عينا «عمار» على تلك التي تقف في منتصف الدرج تحبس أنفاسها. وقد لمعت عينيها لوهلة حين سمعت تلك الأخبار السعيدة، والتي أثلجت صدرها. وخاصةً أنها تخلصت من تلك المرأة الأخرى بعد أن نفذت ما طُلِب منها.
_ مروان بيه؟
التفت مروان إلى أحد الحرس فوجده يقول بلهفة:
_ فيه حاجة مهمة لازم تشوفها.
تبع «مروان» الحارس إلى حيث الحديقة الخلفية للبيت فتفاجئ بتلك القطة التي من الواضح أنها ماتت مسمومة. فقد كان هناك سائل أبيض يسيل من بين شفتيها وبجانبها طبق من اللبن.
صاحت «نعمة» بصدمة:
_ دانا اللي حطتلها اللبن دا تشربه.
ثم شهقت بذعر:
_ ونفس العلبة دي شربت منها ست فرح.
هبط قلب «مروان» بين ضلوعه وهو يتخيل نفس المصير لزوجة ابن عمه. فهمس بلوعة:
_ يعني فرح اتسممت!
يتبع….
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم نورهان العشري
بأنفاس مقطوعة وقلب يحترق كمدًا، تتلظى دقاته بين ألسنة جحيم مشتعل، وصل إلى المشفى. توجه بأقدام مرعبة لا تقوى على حمله، فقد بدأ ككهل في السبعين من عمره يحمل من العلل ما يصعب وصفه ويشق احتماله.
انطلقت الهتافات من الجميع حين شاهدوا مظهره المزري، ثياب مبعثرة ووجه مغبر وعينان كأنهم مغموسان في قهر جهنم الذي كان يلون حدقتيه باللون الأحمر القاني. فقد كان الوجع يتساقط من بين مآقيه طوال الطريق، لا يقدر على ردعه ولا يملك القدرة على احتماله.
"سالم... فرح بتروح مننا يا سالم."
لم يكن ينقصه سوى تلك الجملة التي كانت كالسيف الباتر الذي نحر قلبه. فانتفض يطالع "جنة" بنظرات مستنكرة، غاضبة، متألمة.
توجهت "حلا" تحتضنها وهي تقول بلهفة: "بعد الشر عنها. فرح هتقوم وهتبقى كويسة. دي ولادة عادية يا جنة. اجمدي كدا."
رفع عينيه إلى عيني شقيقته يطالعها بنظرات تتوسل أن يكون ما تخبره به صحيحًا. فأومأت بابتسامة عذبة وهي تقول بحنو: "إن شاء الله هتقوم بالسلامة. احنا بس كلنا ندعيلها."
كان دعمًا يحتاجه كالغريق الذي يبحث عن قشة نجاته، والتي تتمثل بتلك المرأة التي ترقد في داخل هذه الغرفة، التي يمنع نفسه بصعوبة عن تحطيم بابها ليقوم بهزها بعنف ثم يتوسل إليها بألا تغادره.
صدح توسل خافت في أعماقه يناجي قلبها الموصول بقلبه: "تماسكي حبيبتي لأجل قلبٍ ما دق لسواكِ. أعيدي لروحي حياتها، ولنفسي سلامها، واعلمي أن الحياة لا تصلح بلاكِ."
كان مشهدًا تتقطع لها نياط القلوب. فلأول مرة ينحني ذلك الجبل الشامخ وتتهدل أكتافه من فرط الحزن والألم الذي كان يتجلى بصدره الذي يعلو ويهبط بقوة، ويديه التي كانت بها رجفة غير طبيعية، وكأن هناك تيارًا كهربائيًا يسري بأوردته. مما جعل "ياسين" يتقدم ليقف بجانبه وهو يقول بمواساة: "إن شاء الله هتقوم بالسلامة يا سالم. ادعي لها."
كان في عالم آخر، لا يرى ولا يسمع سوى ضحكاتها وهي بين يديه تتغنج تارة وتخجل أخرى. تغمره بعشقها ثم تتمنع ليغدق عليها من بحور هواه. كان يبحث بعينيه في وجوه الجميع عله يراها، لا يصدق أنها ترقد بالداخل، وقلبه يخبره بأن الأمر ليس عاديًا كما يصوره الجميع. هناك ألم قاتل في صدره يخبره بأن هناك أمرًا جلل قد أصابها، وأن يد الغدر قد نالت من برائتها.
قطع تفكيره صوت باب الغرفة الذي انفتح وخروج الطبيب الذي بادرهم قائلاً بتعب: "مش عارف أقولكوا إيه يا جماعة غير إن ربنا رحيم بيكوا."
"تقصد إيه يا دكتور؟" سأل "ياسين" باستفهام.
"مبدئيًا كدا المدام للأسف كان عندها حالة تسمم."
شهقات قوية خرجت من أفواه الجميع ذعرًا مما سمعوه. فلم يحتمل ذلك الذي انتفض قلبه للحد الذي جعله يزمجر في الجميع بشراسة: "بس."
التفت إلى الطبيب قائلاً بأنفاس مقطوعة ولهجة خشنة، ولأول مرة تكون مهتزة: "مراتي حالتها إيه؟"
قال الطبيب بتعاطف: "الحمد لله قدرنا نلحقها في الوقت المناسب، والطفل كمان. من حسن حظه إن المشيمة منفصلة عنه بقالها ٢٤ ساعة، وده سبب النزيف اللي حصلها. وعلى الرغم من إن الموضوع ده خطير، بس الحمد لله إنه حصل لأنه مكنش واصله غذا منها، وإلا كان هيتأثر هو كمان. عشان كده بقول ربنا رحيم بيكوا."
تدخلت "أمينة" بلهفة: "يعني حفيدي وأمه بخير يا دكتور؟"
"إحنا وديناه الحضانة وإن شاء الله هيبقى بخير. بالنسبة للأم فإحنا عملنا اللي علينا. السم كان قوي، لكن من حسن حظها إن النزيف ده حصلها، وقدرنا ندخل في الوقت المناسب. كمان اللبن اللي شربته هدى شوية من مفعول السم. لكن بردو مقدرش أقول إنها تجاوزت مرحلة الخطر. عمومًا إحنا نقلناها العناية المركزة، وإن شاء الله تتحسن."
"عايز أشوفها."
كانت تلك الجملة الوحيدة التي استطاع أن يُخرجها من بين شفاهه التي تشققت من فرط الأسى بقلبه. فجف حلقه وبهتت معالمه، بينما أظلمت عيناه بطريقة مروعة. فقد بدا شخصًا آخر لم يستطع أحد التعرف إليه. لذا ابتعد الجميع من طريقه حين اقتادته الممرضة ليتجهز من أجل الدخول إلى غرفة العناية المشددة.
كان بكل خطوة يخطوها في طريقه إليها يشعر بألسنة اللهب تحرق أحشاءه من الداخل، بينما قلبه وكأنه يضخ جمرات الندم إلى أوردته، فتتفشى آلام عظيمة بسائر جسده الذي لم يكن قادرًا على التحكم به، فصارت يداه ترتجف رغماً عنه. إلى أن وصل إليها.
سهم غادر أصاب قلبه في المنتصف وهو يراها ترقد كجثة هامدة، ينغرس بها الكثير من الخراطيم والمحاليل المغذية. فهتف قلبه ملتاعًا: "أين جميلتنا؟" كان مظهرها شاحبًا وملامحها باهتة، تغلق جفونها على غاباتها الرائعة التي أسقطته في هواها صريعاً ذات يوم. واليوم سيسقط صريعاً إن لم يراها تشرق من جديد.
"فرح."
خرج همسه خافت، متألم، حزين. يعج قلبه بنيران الندم والذنب تجاه حبيبته وامرأة حياته على ما حدث لها بسببه. فقد شمل الجميع بحمايته وفعل الممكن والمستحيل لردع الأذى عنهم، ليطاله ذلك الأذى في أعز وأغلى الناس إلى قلبه.
جاء همسه لأول مرة متوسلاً: "أول مرة أنادي عليكِ ومتروديش عليا. وحشني صوتك، ووحشتني عينيكِ قوي."
تناثر الدمع حارقًا من بين مآقيه، واشتد الألم بصدره حتى آنت ضلوعه. فمد يده ليحتضن كفها وكأنه يحتمي بها من وجعه الضاري، ثم أطلق جأشه المكبوث من أعماق صدره قبل أن يقول بنبرة تتضور وجعًا: "أنا آسف. آسف عشان معرفتش أحميكِ. قومي يالا عشان أجيب لك حقك مني."
فاض الوجع وطغى للحد الذي جعل شهقة قوية تخرج من جوفه وهو يتابع بنبرة محشوة بالأسى: "قومي عشان وحياة ربنا مش هقدر أعيش لحظة واحدة من غيرك يا فرح."
امتدت يديه تتلمس ملامحها الهادئة إلى أن وصلت إلى خدها الشاحب، فاقترب ناثرًا اعتذارات مريرة فوق ملامحها قبل أن يقول بنبرة مشجبة: "فاكرة لما قولت لك سالم الوزان هيهد الدنيا عشان خاطرك؟ الدنيا هدته من غيرك، ومش هيقوم له قومة تاني غير لما تفتحي عينيك وتنوري حياته من جديد."
رغبة ملحة ضربت قلبه في تلك اللحظة بأن يحملها ويهرب بها من كل هذا السوء المحيط بهم. يريد أن ينجو من كل هذا الأسى الذي يحدق بهم من كل حدب وصوب، ولكنه لأول مرة بحياته يكون مكبل قليل الحيلة. هناك غصة تمتد من الحلق إلى القلب تمنع الهواء من المرور إلى رئتيه، أو غيابها هو السبب.
اقترب مرة أخرى يلثم جبينها بقبلة دافئة، قبل أن يرتفع لتحتضن عينيه ملامحها التي يعشق، ليخرج الكلمات من فمه مرتجفة كحال قلبه حين قال: "أنا عارف إنك مش قاسية، ومش هتعملي فيا كده. مش هتسبيني. أنتِ وعدتيني، وأنا عارف إنك عمرك ما هتخلفي وعدك أبدًا."
كان يتلهف لأي بادرة حياة منها تعيد الحياة لقلبه من جديد كما اعتاد منها، ولكن اليوم كان الأمر مختلفًا. فهي بعيدة تمامًا عن واقعه، وقد كان هذا أقسى ما مر عليه بحياته.
تراجع ينوي المغادرة، وإذا بجملتها المعاتبة ترن بأذنه: "على فكرة انت مقولتليش بحبك غير أربع خمس مرات بس."
توقف أمام باب الغرفة يحاول استعادة أنفاسه من بين براثن الألم الضاري الذي وقع تحت سطوته، قبل أن يلتفت قائلاً بلهجة تئن وجعًا: "بحبك يا فرح."
***
"جوهرة…" هكذا صدح صوته مجلجلاً في بهو القصر، مما جعل الجميع ينتفض حوله، إلا من تلك التي كانت ثابتة وكأن الأمر لا يعنيها. فترجلت من الدرج وهي تقول بهدوء: "ماذا هناك؟"
حاول "مروان" كبح جماح غضبه بصعوبة بالغة، قبل أن يتقدم منها قائلاً بهسيس مرعب: "تعرفين أن فرح قد تعرضت للتسمم؟"
"أوه يا إلهي. ماذا تقول؟ كيف حدث ذلك؟" قالت "جوهرة" بصدمة أتقنت تزييفها.
أخذ يعض على شفتيه محاولاً التحكم بأعصابه قدر الإمكان وهو يقول بجفاء: "هذا تحديدًا ما أردت أن أعرفه منكِ."
"عفوًا. مني؟ ما الذي تريد معرفته مني؟" قالت "جوهرة" باستنكار.
اقترب "مروان" منها للحد غير المسموح به، فأصبحت عيناه في مواجهة مباشرة من عينيه، للحد الذي جعل دقات قلبها تقرع كالطبول، خاصة حين قال بلهجة قاسية غير معهودة منه: "هل لكِ يد فيما حدث معها؟"
كانت عيناه تعريانها بطريقة أجفلتها. فمن أمامه ليس هذا الفتى العابث الوسيم، إنما رجل مرعب للحد الذي جعل تفكيرها يتخبط لثوانٍ قبل أن تجيبه بنبرة حاولت أن تكون ثابتة قدر الإمكان: "على الرغم من ذلك الضغط الذي تضعني تحت طائلته، ولكني لا أعلم شيئًا عما حدث لها. وحين يعود عقلك إلى العمل مجددًا، أريدك أن تعلم بأن هذا الاتهام لم يمر هكذا أبدًا."
لازالت عيناه تتفحصانها بطريقة مربكة، ولكنها لم تعلم عن مدى الجهد المبذول من جهته لألا يكسر عنقها في تلك اللحظة. فقد رأى الكذب بعينيها. ولكن مهلاً، فهو سيستمتع بتعذيب الحية قبل أن يقطع رأسها.
"لحسن حظك لم تتعرفي على الوجه الآخر لي. ولكن أقسم بأنني لو علمت بأن لكِ يدًا فيما حدث لفرح، سأجعل السماء تبكي دمًا عليكِ. عزيزتي جوهرة."
قال جملته الأخيرة بسخرية وهو يشملها بنظرة محتقرة، قبل أن يلتفت موجهاً حديثه للجميع: "محدش يدخل ولا يخرج من المزرعة لحد ما أعرف مين الكلب اللي عمل كدا. ولحد ما أعرف مين هو الكل في نظري مدان. كلكوا متهمين لحد ما أعرف مين عمل كدا."
قال جملته الأخيرة وهو يرمقها شزرًا، ليلتفت متوجهًا للخارج ليجد "عمار" الذي كان يجري اتصالاته بأحد الرجال.
"اجلبوا إسماعيلية كلها. إني واثق إن المرأة دي ملحقتش تبعد."
أنهى مكالمته والتفت إلى "مروان" الذي كان يتحدث مع "حلا" في الهاتف، فأخبرته بما حدث، ليُنهي المحادثة قائلاً بعجالة: "فرح نقلوها العناية المركزة، وسالم هناك. أنا لازم أروح له. ربنا وحده عالم بيه…"
قاطعه "عمار" بتفهم: "روح ومتجلجش. إني هتابع كل حاجة هنا. وأي جديد هيحصل هقولك. وأنت كمان طمني على فرح أول بأول."
ربت "مروان" على كتفه قائلاً بامتنان: "مش عارف أشكرك إزاي يا عمار."
"تشكرني إيه يا ابني أنت. فكرك إننا بقينا صحاب ولا إيه؟ نطمنوا على فرح ونمسك بنت المركوب دي، وهلخبط لك معالم وشك تاني."
هكذا تحدث "عمار" محاولاً تبديد غيمة الحزن التي تحيط بهم، فابتسم "مروان" بهدوء قبل أن يقول بتمني: "يا عم أنا موافق. هي كدا كدا ملخبطة. المهم نطمن على فرح، ونخلص من القرف ده."
"إن شاء الله. قول يارب."
"يارب."
أنهى كلماته وتوجه إلى المشفى ليجد الجميع هناك عدا "سالم". فهتف مستفهماً: "سالم فين؟"
أجابته "حلا" بأسى: "راح يشوف فرح."
أومأ بصمت، فالتقمت عينيه "جنة" التي كانت تنتفض بين أحضان "أمينة" تذرف خوفها وألمها على هيئة عبرات غزيرة. فهي لأول مرة تختبر ذلك الألم المريع. فقد كانت "فرح" دائمًا بجوارها تحاوطها من جميع الجهات، والآن غائبة. وقد كان هذا أقسى من أن تحتمله، لذا أخذت تبكي بأسى، وداخلها يتوسل لرب العباد بأن يعيدها بينهم من جديد.
اقترب "مروان" قائلاً بتعاطف: "جنة. فرح بخير. اللي أنتِ بتعمليه ده غلط."
"فرح بتضيع مننا يا مروان. فرح اتسممت." قالت "جنة" بحرقة.
"بعد الشر عنها. متقوليش كده. قولي فرح إن شاء الله هتقوم بالسلامة. قولي يا جنة." قال "مروان" بقوة.
قال جملته الأخيرة بنبرة مهتزة وكأنه يتوسل إلى الله بأن يعيدها إليهم سالمة، فـ أطاعته "جنة" قائلة بتوسل: "إن شاء الله هتقوم بالسلامة."
"جنة."
أتاها صوته من بعيد لينتشلها من بحر الألم الذي كاد أن يغرقها، فالتفتت لتناظره بلهفة جعلتها تندفع إلى أحضانه وهي تصرخ باكية. فـ التفتت يداه حولها، غارساً إياها بجانب قلبه الملتاع حزنًا عليها وعلى شقيقه وزوجته التي طالتها يد الغدر التي ينوي قطعها. ولكن صبرًا.
"فرح يا سليم. فرح."
"هتبقى كويسة إن شاء الله. متقلقيش. فرح قوية ومش هتستسلم بسهولة. صدقيني." قال "سليم" بلهجة حانية.
دفنت رأسها بصدره تحاول كتم شهقاتها التي أخذت تتردد بين ضلوعه، تحكي مقدار الوجع الكامن بصدرها. فأخذ الجميع ينتحب بصمت وأسى. فـ توجه "طارق" بدوره إلى "شيرين" فهو أكثر من يعلم بما يدور بقلبها وما يعتمل في عقلها، وأي شعور بالذنب يكتنفها تجاه ما حدث. لذا جذبها إلى صدره واضعًا قبلة دافئة فوق خصلات شعرها قبل أن يقول بخفوت: "أوعي تفكري تحملي نفسك ذنب مش بتاعك، وافتكري إن الراجل ده مش أبوكي. مالكيش علاقة بيه. أنتِ بنتي أنا. فاهمة؟"
كانت قبضتها تعتصر قميصه بقوة وهي تقول بشفاه مرتجفة: "أنا خايفة أقرب من جنة. خايفة تقولي أنتِ بنت اللي عمل كدا. أنا أقسم بالله قلبي واجعني على فرح أوي."
"هش. مش محتاجة تحلفي، ومحدش يقدر يقولك كدا. أنتِ مش بنته. أوعي تنسبى نفسك ليه، ومتقلقيش فرح إن شاء الله هتبقى كويسة. أهم حاجة ندعيلها كلنا." قال "طارق" بخفوت.
خرجت الكلمات متوسلة من بين شفاهها: "يارب تبقى كويسة. يارب تقوم بالسلامة يارب."
كان يبحث عنه في المشفى وداخله يتوسل إلى الله أن يرحمه ويخفف عنه هذا العذاب الذي لابد وأنه يقتات على روحه في تلك اللحظة. ولكنه توقف عند باب المشفى يبحث في الحديقة عله يجده، إلى أن توقفت عينيه عند ذلك المكان الذي حتمًا سيلجأ إليه. فقادته أقدامه إلى المسجد لتتأكد ظنونه، فقد كان يصلي. اختار أن يذرف وجعه بين يدي خالقه، فصار يبكي كطفل صغير ينتفض من فرط الألم الذي يجيش بصدره ولا يعرف كيف يتخلص منه. كل ما استطاع قوله هو جملة واحدة تحمل بطياتها الكثير: "يارب متضرنيش فيها."
صمت لثوانٍ قبل أن يتابع توسله بنبرة أعمق وتوسل كبير: "يارب مش عايز من دنيتي غيرها."
أنهى صلاته وكل خلية بجسده ترتجف، ليقوم بإسناد جذعه على ذلك العمود الخرساني بجانبه ليغمض عينيه وشِفاهه لا تنفك تردد: "رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين."
اكتنفته نفحات روحانية جعلت قلبه يهدأ قليلاً، وعادت دقاته إلى طبيعتها، فأخذ يتلو ما يحفظه من آيات الذكر الحكيم، وكأنه يحتمي بها من ذلك الوجع الذي يهاجمه بشراسة. وقد كان إيمانه هو السلاح الرادع له، فقد أسلم أمره لله وقلبه متيقنًا من الإجابة، يستند على حديث يستند على قول الله تعالى في الحديث القدسي.
"يارب أنا عارف إنك مش هتخذلني."
هكذا كان يردد وقلبه يتوسل، إلى أن شعر بيد أحدهم تربت على كتفه وصوت يعرف جيدًا يبثه الأمل بنبرة قوية: "بإذن الله ربنا مش هيخذلك ولا هيضرنا فيك ولا فيها."
التفت "مروان" ليجلس في مقابله وهو يتابع بنبرة مشجعة: "أحسن حاجة فيك ياخي إنك دايمًا بتلجأ لربنا. يعني أنا أول ما دخلت جوا وملقتكش عرفت إنك هنا على طول."
فجأة جالت على باله فكرة رائعة تشبه صاحبتها، فنظر إلى "مروان" بطريقة جعلت الأخير يقول بلهفة: "إيه يا كبير؟ أنت بتزغرلي كدا ليه؟"
نصب عوده ووثب قائمًا وهو يقول بنبرة خشنة: "قوم معايا."
طاوعه "مروان" صامتًا ليتوجه معه إلى السيارة، ومنها إلى وجهة غير معلومة، ولكنها لم تبقى كذلك لوقت طويل، فقد تفاجأ به يقف أمام أحد المولات الكبرى ويقوم بالتسوق. جعد "مروان" ما بين حاجبيه وهو يراه يحمل كل تلك المؤن ومعه اثنان من العمال بالمكان، ثم يتوجه إلى مكان بيع ألعاب الأطفال. فقال "مروان" بغباء: "إيه ده؟ هو ده وقت يشتري لعب للواد منصور ولا إيه؟"
كان يمشي خلفه يتابع ما يحدث بوجه تلونه الدهشة، ولكنه لم يكن ليجازف بالسؤال عن السبب، اكتفى بالمراقبة وحمل ما أمره به إلى أن اكتظت السيارة بكل تلك المشتريات، ليقود "سالم" السيارة متجهًا لأحد دور الأيتام الكبيرة. وعلى الرغم من أن الوقت قارب على الثانية عشر صباحًا، إلا أنه شعر بحاجته لأن يرتاح لذلك، فتتبع نصيحتها ذلك اليوم: "لما بكون مخنوقة أو متضايقة بنزل الشارع أساعد أي حد، وقتها برتاح."
وبالفعل، قام بتسليم كل المشتريات لصاحبة الدار التي قالت بحبور وامتنان: "شكرًا أوي لحضرتك. متعرفش إحنا كنا محتاجين للحاجات دي قد إيه، وخصوصًا حاجات الأكل والشرب. الدار كبيرة، وللأسف مش كل التبرعات بتغطي متطلبات الأطفال."
"كل شهر هاجي بنفسي أعرف الدار محتاجة إيه، وهوفّر كل احتياجات ومتطلبات الولاد. أنتِ بس عرفيني، وده رقمي خليه معاكِ. أوعي تترددي تكلميني في أي وقت." قال "سالم" بخشونة.
اغرورقت عينا المرأة بتأثر تجلى في نبرتها حين قالت: "مش عارفة أقولك إيه بجد؟ ربنا يبارك لك ويجبر بخاطرك ويحفظ لك كل حبايبك."
خرجت كلماته تحمل جمر اللهفة والألم معًا: "يارب. ادعي لي الدعوة دي كتير. ربنا يحفظ لي حبايبي ويبارك لي فيهم."
انتهت المهمة وعادوا إلى المشفى، فكان "سالم" صامتًا، وقد احترم "مروان" رغبته في الهدوء ولم يتحدث. ليتقابل مع كل من "طارق" و "شيرين" التي ما أن رأته حتى تساقطت العبرات من مقلتيها، وخرجت كلماتها متقطعة حين قالت: "سالم. أنا مش عارفة أقولك إيه؟ أنا آسفة. إحنا كلنا آسفين."
"متتأسفيش يا شيرين. محدش له يد في اللي حصل ده. أنا اللي معرفتش أحمي مراتي." قال "سالم" بنبرة خشنة.
"كلام إيه ده يا كبير؟" صاح "مروان" باستنكار.
ثم جاءهم صوت "سليم" من الخلف ليقول بنبرة غاضبة: "إيه اللي بتقوله ده يا سالم؟"
"بقول اللي حصل. فرح بين الحياة والموت بسببي." قال "سالم" بجفاء.
"لا يا سالم. مش بسببك. ده بسببنا وبسبب اللعنة اللي اتلعنا بيها يوم ما جينا للدنيا ولقينا الراجل ده أبونا." قالت "شيرين" بلوعة.
تدخل "طارق" غاضبًا: "استني أنتِ يا شيرين. بتقول إيه يا سالم؟ مين اللي بين الحياة والموت بسببك! أنت إيه ذنبك؟ ده أنت عامل زي الحاوي اللي عمال يسايس في التعابين من كل ناحية. بتحمل نفسك ذنب مش ذنبك ليه؟"
هدر "سالم" بعنف: "عشان هو كدا. قعدت أساير في التعابين لحد ما سمهم طالها."
"وإنت كنت تعرف منين إن ده هيحصل؟ أنت بني آدم لحم ودم مش خارق. طبيعي إن في حاجات متبقاش عامل حسابها." قال "مروان" بغضب.
"عملت حساب كل حاجة إلا دي. كنت بحمي الناس كلها من شره وعايز نخرج من دوامته بأقل الخساير، بس للأسف خسرت أغلى حاجة عندي." صرخ بصوت هز أرجاء المشفى حولهم.
"مخسرتهاش يا سالم. فرح لسه عايشة وإن شاء الله هتبقى كويسة. إنت بس اهدى. وبعدين زي ما مروان قال لك، إنت بشر وعمرك ما كنت هتقدر تعمل أكتر من اللي عملته. إحنا دلوقتي مفروض نهدي عشان نعرف مين فيهم عمل كدا، وعشان إحنا في مرحلة مينفعش نهدى كل اللي فات، وخصوصًا إننا قربنا خلاص." قال "سليم" بنبرة هادئة ولكن قوية.
تدخل "مروان" مساندًا لحديث "سليم": "أنا واثق إن اللي عمل كدا نجيبه. طول الوقت كنا مركزين مع جوهرة وتوقعنا إنها هتضغط على داده نعمة عشان تأذي فرح، لكن إنها تخلي نجيبة تعمل كدا ده اللي فاجئنا، خصوصًا إن مفيش أي حوار حصل بينهم خالص. أنا مراقب الاثنين."
"داده نعمة! وإيه اللي دخل داده نعمة في الموضوع؟ فهموني؟" شهقت "شيرين" بصدمة.
تولى "طارق" الإجابة قائلاً بخشونة: "لما هارون وصل القصر، شكينا إن فيه خاين بيساعده من حوالينا، بس مكناش عارفين مين. ولما حصل اللي حصل وسالم رماه في الإسطبل، طبعًا كنا مراقبينه، فبالتالي الخائن ده مش هيعرف يتواصل معاه. فـ توقعنا إن ناجي هيلجأ لحد جوه القصر عشان يتواصل مع جوهرة، لأنه طبعًا مش هيسيبهم وسطنا كدا من غير ما يستغل ده لصالحه."
"لحظة واحدة. يعني هو كان قاصد إن هارون ييجي القصر وماما تعرف بوجوده؟" قالت "شيرين" باستفهام.
"أيوه. كان عايز يضربنا من جوه. وعشان داده نعمة هي أكتر حد موثوق فيه بالنسبالنا والوحيدة اللي من الشغالين ليها كل الصلاحيات في البيت. توقع سالم إنه ممكن يضغط عليها إنها تساعده بأنه يهددها بنتها وحفيدتها. وخصوصًا إنه معلم عليها قبل كدا، وكان السبب في قتل جوزها." قال "مروان" بحنق.
"قتل جوزها! أنا مش قادرة أتخيل إنه بني آدم. طب وإنتوا اتأكدتوا إزاي إنه مش مجند حد تاني غير داده نعمة؟" شهقت "شيرين" بفزع.
"كنا مراقبين الكل. لكن هي الوحيدة اللي كشفنالها ورقنا وسالم كلمها ونبهها إنه ممكن يحاول يعمل كدا. مكناش نقدر إننا نستنى لما هو يعمل كدا الأول، وسالم كان عايز يطمنها. محدش عارف لو مكنش حذرها كان هيحصل إيه؟ أو كان رد فعلها هيبقى إيه؟ الست خسرت جوزها قبل كدا، وأكيد مش هتكون عندها استعداد تخسر بنتها أو حفيدتها." قال "سليم" بجفاء.
وضعت "شيرين" يدها فوق جبهتها بتعب تجلى في نبرتها حين قالت: "طب وبعدين؟ يعني هو كده اكتشف إن داده نعمة مسلماه لينا ولا إيه؟ أشمعنى خلى نجيبة هي اللي تعمل كدا؟"
"عشان عارف إن نعمة أضعف من إنها تعمل كدا. مهما كان بيهددها، وكمان كان قاصد يضللنا. عشان لو هي مسلماه لينا هو يضرب ضربته بعيد عنها، وللأسف نجح في ده." تدخل "سالم" بنبرة جافة.
"طب دلوقتي نجيبة هربت وده بيثبت التهمة عليها. مفروض نتصرف مع جوهرة إزاي؟" استفهم "مروان" قائلًا.
"كأن مفيش حاجة حصلت." قال "سالم" بجفاء.
برقت أعين الجميع، فقال "مروان" باندهاش: "بس يا كبير إحنا كدا…"
قاطعه "سالم" بجفاء: "إحنا منعرفش مين الخاين، ومفروض بندور عليه. هو مفكر كدا، وأنا هثبت له إنه صح. لحد ما أطمن على فرح، ووقتها هعامله بنفس أسلوبه، ومش هستنى عليه لحظة واحدة. خلاص اللعبة خلصت."
قال جملته الأخيرة بملامح مكفهرة وأعين تلمع بها ألسنة اللهب. فـ تبادل الجميع النظرات لوهلة، ثم اجتمعت تعابير وجوههم جميعًا على شعور واحد وهو الرغبة في الانتقام.
***
مر يومان لم يحدث بهما جديد سوى أن الطفل قد تحسنت صحته، وقد كانت "أمينة" تلازمه كظله، وكانت أول من حمله لتقر عينيها به، وكأن عناقه كان كالبلسم الشافي الذي جعلها تبكي من شدة فرحتها بوجوده بين ذراعيها. فقالت بتأثر: "أخيرًا خدتك في حضني. كنت خايفة أملحقش اليوم ده. بالرغم من كل الوجع والحزن اللي إحنا فيه، بس أنا قلبي فرحان بيك أوي. يا غالي يا ابن الغالي."
اقترب "سليم" منها واضعًا قبلة حانية فوق جبهتها وجبهة الطفل، وهو يقول بتأثر: "أخيرًا الوزان الصغير شرفنا. تعالي يا جنة شوفي حلو إزاي؟"
هكذا أشار إلى "جنة" التي تقف حزينة واجمة عند باب الغرفة، فتقدمت بضع خطوات لتقع عينيها على تلك الكتلة من اللطافة القابعة بين ذراعي "أمينة". فاغرورقت عينيها بالدموع وقالت بتأثر: "شبه فرح أوي. لازم نخلي سالم يشوفه."
أطلقت "أمينة" زفرة حارة من جوفها، فهو لم يُلقِ نظرة واحدة على صغيره، وحين طلبت منه ذلك أجابها بجفاء: "لما فرح تقوم بالسلامة هنشوفه سوا."
كان حديثه ينافي تلك اللوعة في نظراتها، فهي تعلم كم كان يتمنى مجيء صغيره إلى هذه الحياة وكم كان يتلهف لرؤيته، ولكن ليس دونها. فقد كان يجالسها طوال اليومين المنصرمين، لا يتركها سوى للصلاة التي كان يخرج بها مكنونات صدره المكتظ بالألم، ثم يعود ويجلس بجوارها، وكان عينيه لا تمل من رؤية ملامحها كما لم يمل من محادثتها.
"مش آن الأوان بقى تفتحي عينيك الحلوين؟"
رقت نبرته حين تابع بعتب: "مصعبتش عليكِ يا فرح! طب موحشتكيش! قلبك قاسي ليه كدا؟ اصحي بقى. قوليلي أنا أهو يا سالم يا وزان. مش هسيبك أبدًا."
استنشق عبير أنفاسها قبل أن يتابع بلهجة تحمل من الشوق أثقالاً: "وحشتني سالم الوزان منك أوي. اصحي نتخانق وبعدين آخدك في حضني وأقولك بحبك يا ست الحسن والجمال."
طالع ملامحها بشوق جارف قبل أن يضيف بحنو: "مش عايزة تشوفي ابننا؟ أقولك على سر؟ أنا عمري ما كنت هسميه منصور! أنا كنت بحب أرخم عليكِ، كنت بحب ملامحك وإنتِ متعصبة، بس خلاص مش هضايقك تاني."
وضع يديه فوق جبهته يحاول تجاوز ذلك الألم المرير الذي يحتل منتصف حلقه، ليتفاجأ بضغط خفيف فوق يده الممسكة بخاصتها وصوتها المتحشرج وهي تقول بمزاح: "يعني هتسبني أسمي الاسم اللي نفسي فيه؟"
من هول الصدمة ظن أنه يحلم، ولكن ارتجافة قلبه الذي لامس أوتار صوتها جعلته ينتفض من مكانه ليقع أسيرًا لغاباتها الزيتونية التي أشرقت على كونه فأنارت العالم من حوله، لتخرج ضحكة خافتة من بين شفتيه قبل أن يقول بعدم تصديق: "فرح. أنا. مش بحلم. أنتِ. أنتِ. رجعتيلي تاني؟"
قاطعته بخفوت: "أنا مسيبتكش عشان أرجع لك. أنا على قلبك العمر كله يا سالم يا وزان."
اهتاج قلبه فرحًا وصاح بلهجة عاشقة: "يا روح قلب سالم الوزان."
اقترب يعانقها بقوة آلمتها، ولكن تلك السعادة في صوته وعينيه جعلتها تبادله العناق على قدر طاقتها، إلى أن تركها وهو يعاود النظر إلى عينيها بعدم تصديق ليهتف بحبور: "الحمد لله. كنت عارف إن ربنا مش هيضيعني أبدًا. كنت عارف إنه مش هيردني أبدًا. الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات."
كانت فرحته عظيمة ووقعها أعظم على تلك التي رأت في عينيه من العشق ما جعل العبرات تتدفق من مقلتيها. فارتاعب قلبه حين شاهدها وقال بلهفة: "تعبانة؟ حاسة بأيه؟"
"متألمة شوية. لكن أنا هتجنن وأشوف ابني."
أومأ برأسه وضحكة رائعة مرسمة فوق ملامحه، قبل أن يقول بحبور: "حالاً هخليهم يجبوه وهخلي الدكتور ييجي يطمن عليكِ."
ما هي إلا دقائق وقد تفشى خبر استيقاظها كالنار في الهشيم، فغمرتهم موجة من السعادة، وخصوصًا حين طمأنهم الطبيب على استقرار حالتها. وجاءت تلك اللحظة المرجوة حين اقتربت "جنة" وهي تحمل الطفل لتعطيه لـ "سالم" الذي كانت دقاته تتقاذف بين ضلوعه وهو يحمل صغيره، ذلك الطفل الجميل الذي كان يمتص إصبعه وهو نائم كالملاك. فأخذت عيناه تطوف على ملامح وجهه بحب كبير، ويديه التي كانت ترتجف من شدة تأثره، إلى أن اقترب واضعًا قبلة دافئة فوق جبهته وهو يقول بحنو: "حبيب أبوك."
ثم ناوله لـ "فرح" التي كان جسدها يرتجف من فرط التأثر حين أخذت الطفل من بين يدي "سالم"، ليتولد بداخلها شعور قوي بالرهبة التي تحولت إلى شعور لا متناهي من السعادة. فجاءها صوت "مروان" العابث حين قال: "إيه شعورك يا أم منصور وأنتِ واخدة منصور في حضنك كده؟"
أطلقت العنان لقلبها بالإجابة فقالت بتأثر: "كأني شايلة قلبي في إيدي بالظبط."
"والله يا شادية يا أختي أتمنى تفضل دي إجابتك بعد ما تقضي الليلة معاه." قال "مروان" بتهكم.
تدخلت "حلا" مازحة: "والله يا فرح في رأيي متستعجليش بردو. استني لما تقضوا كام ليلة مع بعض وابقي قرري قلبك ولا لأ؟"
"قلبها إيه؟ ده صرع اللي خلفونا معاه عياط طول الليل." صاح "مروان" بتهكم.
"عندك اعتراض؟" قال "سالم" بتحذير.
"لا طبعًا يا باشا أنا أقدر. سليم باين هو اللي كان بيشتكي؟" قال "مروان" بتملق.
تفاجئ "سليم" من حديثه فصاح معترضًا: "أنا اعترضت ولا فتحت بقي يا ابني أنت؟"
تجاهلهم "سالم" والتفت ناظرًا إليها قائلًا بلهجة خشنة وعينان تقطران شوقًا: "هتسميه إيه؟"
تدخل "مروان" بسماجة: "إيه ده الواد اتكتب خلاص منصور. إنتوا هتحمرقوا ولا إيه؟"
شعرت "فرح" بالحرج فقد كان الجميع بالغرفة يناظرونها بترقب، فقالت بتلعثم: "أنا مش معترضة عالاسم والله…"
قاطعها "سالم" قائلًا بخشونة: "هش. عايزة تسميه إيه؟"
صمتت قليلاً وتحلت ببعض القوة لتقول بسعادة: "نفسي أسميه سليم."
تفاجأ الجميع من حديثها وهب "مروان" من مكانه قائلًا بصدمة: "إيه تسميه إيه؟ سليم مين؟ سلومة الأقرع؟ أنتِ يا ست انتِ جاية تشليني؟ على جثتي يحصل الكلام ده."
تفاجأ "سليم" من جملتها وكذلك الجميع، فتحدثت "أمينة" بلطف: "ده ابنك يا فرح سميه الاسم اللي تحبيه. إحنا كنا بنهزر معاكِ يا حبيبتي، وإنتِ مش مضطرة ترضي حد."
"عارفة يا ماما والله. بس حقيقي. أنا نفسي أسميه سليم." قالت "فرح" بصدق.
ابتسم "سالم" بخفوت فقد كان يعلم السبب خلف رغبتها في تسميته بهذا الاسم، وكذلك "جنة" التي تقدمت تحتضن رأسها بقوة وهي تقول بتأثر: "أنا بحبك أوي."
تدخل "مروان" ساخطًا: "طبعًا ما انتوا مطبخينها سوا. طب بعد إذن الحب اللي مولع في الدرة ده. ممكن أعرف إيه سبب اختيارك للاسم المهبب ده؟"
"أولاً عشان هو واخد أغلى حاجة عندي." قالت "فرح" بصدق.
كانت تناظر "جنة" وهي تتحدث، ثم وجهت أنظارها إلى "سالم" وقالت بحب: "وعشان هو حبيب حبيبي."
ثم التفتت موجهة نظراتها إليه قائلة بصدق: "وعشان أي واحدة في الدنيا تتمنى ابنها يكون زيه. حقيقي يا سليم أنا لو قعدت عمري كله أشكرك على حبك لجنة وحنيتك عليها مش هقدر أوفي حقك. جنة دي بنتي اللي متمناش في الدنيا حاجة غير سعادتها وراحتها، وإنت السبب إنها تكون سعيدة ومرتاحة كده."
"لا مش قادر. مرارتي خلاص هتتفقع. كان عندي حتة حصوايه صغيرة بقوا ستة وتسعين." صاح "مروان" بسخط.
تأثر الجميع من حديثها، وأولهم "سليم" الذي احتار لماذا يجيبها، فقد فاجأته بكلماتها التي أثلجت صدره كثيرًا، فقال بتأثر: "أنا مش عارف أقولك إيه يا فرح. بس جنة دي كل حياتي، ووجودها هو سبب سعادتي أصلًا، فمش محتاجة تشكريني. أنا اللي فعلًا بشكرك على الكلام الحلو ده."
لم تكد تتحدث حتى صاح "مروان" موجهًا حديثه لـ "شيرين": "إنتِ يا مخفية أنتِ وهو اختك دي لو مكنتش اتجوزتها كانت هتبور. يمين بالله لو ما سميتوا أول عيل مروان لهكون مسخمط عيشتكوا. أنا قولتلكوا اهو."
قهقه الجميع على كلماته، فقالت "فرح" تواسيه: "مروان متزعلش. إنت عارف غلاوتك عندنا كلنا. البيبي الجاي إن شاء الله."
"تعرفي تسكتي خالص. قال البيبي الجاي إن شاء الله! بتثبتيني! لا الله الغني عنك وعن عيالك. تبقى روحي شوفي مين هيربيهولك." قال "مروان" بسخط.
"ماهو أكيد مش أنت طبعًا اللي هتربيه. إحنا ناقصين عاهات!" قالت "جنة" بسخرية.
"مين بتتكلم عن العاهات معلش! آه عقلة الإصبع! معلش أصل الصوت جاي من تحت الأرض فـ مسمعتش." قال "مروان" بتهكم.
التفت إلى "سالم" قائلًا بسخط: "عاجبك كده يا كبير!"
كان يقمع ضحكاته بصعوبة، ولكنه تدارك الأمر موجهًا حديثه إلى فرحته وحبيبة قلبه: "ست الحسن والجمال أمرت وأمرها واجب التنفيذ."
ثم التفت يناظره بقلة حيلة: "موضوعك مش في إيدي للأسف."
"لا أنا هخرج أحسن ما أطلع من هنا مجلوط." قال "مروان" بسخط.
قهقه الجميع على حديثه، وبعد مرور ساعتين تركوا "فرح" لترتاح وتجمع الرجال في المقهى الخاص بالمشفى، بعد أن ذهب "سليم" لإعادة السيدات إلى البيت، ليقول "طارق" بتعب: "ادينا اطمنا على فرح وسليم الصغير. هنعمل إيه بعد كدا؟"
"انت شايف إيه؟" قال "سالم" باختصار.
"نلعب على المكشوف يا سالم. هارون وعرف الحقيقة، وده اللي كان مسكتنا. الخونة وعرفناهم، ونقدر نتصرف معاهم ومعاه. أنا شايف إننا نستفزه عشان يخرج من جحره، ووقتها نقطع رقبته ونخلص."
"الخوف لا يكون في تعابين تانية مش عاملين حسابهم، وخصوصًا إنه مبيتواصلش مع جوهرة، وده في حد ذاته يقلق." قال "سالم" بتفكير.
"عشان كده بقولك نلعب على المكشوف. جوهرة كارت محروق بالنسباله، لأنه أكيد واثق إننا كشفناها بعد حركة فرح دي. إحنا لازم نقطع عرق ونسيح دمه." قال "طارق" بنفاذ صبر.
كان الأمر أشد خطورة من السابق، وقد تبدلت جميع الأشياء بعينه، يريد القصاص والخلاص في آن واحد، لذا قال بغموض: "إحنا هننكشه في الأول، وهنشوف رد فعله إيه، وخصوصًا إن اللي اسمه ألبرت ده في مصر، وأكيد مش جاي يلعب."
تدخل "مروان" في الحديث قائلًا باستفهام: "طب إمتى عمتي هتعرف إن هارون عرف الحقيقة؟"
"لما يكون هو جاهز يواجهها." قال "سالم" باختصار.
فأجابه "مروان" بنفاذ صبر: "هارون هو سلاحنا يا سالم. إنت بتفكر تحمي الكل، بس مقدمناش غير كده."
"بغض النظر إنه واحد مننا. لكن عشان هو سلاحنا لازم هنحافظ عليه، وعشان تبقى عارف هو مش مجرد سلاح، هو القاضية لناجي بس تتوجه صح." قال "سالم" بفظاظة.
ضاق ذرعًا من هذا الحديث فقال بتهكم: "أومال الغندور فين؟"
"مين الغندور؟" قال "سالم" باستفهام.
"الحيلة. حامي الحمى. سلومة بيه كعب الغزال. شفت مرات وعمايلها بقى. أنا أشخط في الموزة عشان خاطرها، وفي الآخر تسمي الواد سليم! آه يا ناري منها." قال "مروان" بسخرية.
ابتسامة قوية ارتسمت على ملامحه، قبل أن يقول "طارق" بخشونة: "معلش يا مروان. إنت الكبير، وبعدين إنت شايف حالتها وسالم مضطر يسايرها."
أكد "سالم" على حديث طارق قائلًا: "أهو طارق قالك أهو."
فجأة سمعوا صوت إنذارات سيارة الشرطة والكثير من الهرج والمرج في الخارج، فتوجهوا لرؤية ماذا يحدث، فإذا بأحد رجال الأمن يتوجه إلى "سالم" قائلًا: "سالم بيه عربية حضرتك بتولع بره وفيها حد."
انتفض الرجال الثلاثة وهرولوا إلى الخارج ليتفاجؤوا بالسيارة التي تفحمت وبداخلها شخص ما، ليحاول رجال الإطفاء إخماد الحريق قبل انفجار السيارة، وقد نجحوا بصعوبة وقاموا بإخراج تلك الجثة التي كانت بالداخل، والتي من ثيابها الباقية على جسدها تبين أنها "نجيبة"!
"نجيبة!" صاح "مروان" مصدومًا.
"إيه اللي جابها هنا في العربية بتاعتك يا سالم؟" تدخل "طارق" مبهوتًا.
هنا دق ناقوس الخطر عقله وارتعب قلبه ليهتف بذعر: "فرح وسليم."
***
في مكان آخر، كان "سليم" يتوجه بخطى متلهفة إلى غرفة الأطفال، وبداخله رغبة قوية لرؤية ذلك الطفل الجميل الذي من حسن حظه أنه يحمل نفس اسمه. كان الأمر رائعًا بالنسبة إليه حين اختارت فرح أن تطلق تسميته باسمه، فقد شعر بشعور خاص ذو نكهة رائعة بأن الله قد عوضهم عن طفلهم الراحل بهذا الطفل الرائع الذي لا يعتبره ابن شقيقه فقط، فهو ابنه وقطعة من روحه، وسيبقى هكذا للأبد، حتى ولو أنجب عدة أطفال، فسيظل هو و"محمود" طفلاه وأعز أحبائه.
التفت ليدلف إلى داخل الغرفة ليتفاجأ بذلك الجسد الضخم الذي يرتدي زي الأطباء ينحني فوق الطفل. فقال "سليم" بجفاء: "إنت مين؟"
تصنم الرجل بمكانه دون أن يجيبه، ليُعيد "سليم" استفهامه بصورة أحد: "بكلمك على فكرة. لفلي هنا إنت دكتور إيه؟"
أنهى جملته وهو يضع يده فوق كتف ذلك الطبيب ليلتفت إليه، فإذا به يتفاجأ بذلك النصل الحاد يخترق صدره… ووويتبع.
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم نورهان العشري
توجه «سليم» بخطٍ مُتلهف إلى غرفة الأطفال، بداخله رغبة قوية لرؤية ذلك الطفل الجميل الذي من حسن حظه أنه يحمل نفس اسمه. كان الأمر رائعًا بالنسبة إليه حين اختارت «فرح» أن تُطلِق تسميته باسمه، فقد شعر بشعور خاص ذي نكهة رائعة بأن الله قد عوضهم عن طفلهم الراحل بهذا الطفل الرائع. لم يعتبره ابن شقيقه فقط، بل ابنه وقطعة من روحه، وسيبقى كذلك للأبد. حتى ولو أنجب عدة أطفال، فسيظل هو و«محمود» طفليه وأعز أحبائه.
التفت ليدلف إلى داخل الغرفة، ليتفاجأ بذلك الجسد الضخم الذي يرتدي زي الأطباء ينحني فوق الطفل.
«سليم»: انت مين؟
تصنم الرجل بمكانه دون أن يُجيبه.
«سليم»: بكلمك على فكرة. لفلي هنا انت دكتور إيه؟
أنهى جملته وهو يضع يده فوق كتف ذلك الطبيب. ليلتفت إليه، فإذا به يتفاجأ بذلك النصل الحاد يخترق صدره. شعر بألم قاتل جعله يتأوه بصراخ وصل إلى مسامع ذلك الرجل المُكلف بحماية الطفل. سقط الهاتف من يده وهو يهرول إلى غرفة رعاية الأطفال. كان حين رأى «سليم» يتقدم للغرفة قد تراجع ليُجيب على الهاتف، وهو مطمئن بأن الصغير في رعاية «سليم».
بالرغم من آلامه الدامية، هوى قلبه بين ضلوعه وهو يرى ذلك الضخم يحاول كتم أنفاس الصغير. تحامل على وجعه وقام بإلقاء نفسه فوقه ليحاول منعه من إيذاء الصغير الذي أخذ يصرخ. ففزع الرجل وقام بضرب «سليم» في مكان الجرح. بسرعة التف ليحمل الصغير، وحين التفت ينوي الخروج به، تفاجأ بلكمة قوية في أنفه. فتراجع للخلف عدة خطوات، ولم يكد يلتقط أنفاسه حتى باغته الحارس بأخرى أشد منها. ليهتز توازنه ويتراجع للخلف، فيصطدم بسرير الطفل.
سقط من بين يديه وكاد أن يصطدم بالأرض لولا ذراعي «سليم» الذي كان يُجاهد حتى لا يسقط مُغشيًا عليه من فرط الألم وفقدانه الكثير من الدماء. وحين رأى الطفل يكاد يسقط من يد ذلك الرجل، اندفع ليلتقطه قبل أن يرتطم بالأرضية الصلبة. وقد كانت عينا الصغير آخر شيء شاهده قبل أن يُغلق عينيه مستجيبًا لتلك الهوة العميقة التي ابتلعته. فلم يستمع لتلك الصرخات التي اندلعت من أفواه الجميع، وأولهم تلك التي شعرت بانشقاق روحها حين رأته يسقط أرضًا.
«جنة»: سليييم.
كان الرجال في طريقهم إلى الأعلى حين استمعوا لصرُاخ «جنة» التي اندفعت إلى حيث يرقد «سليم» الغائب عن الوعي، وبأحضانه الطفل. فأخذت تحرك رأسها يمينًا ويسارًا وهي ترى شحوب ملامحه وتلك البركة من الدماء التي تُحيط به. لتخرج الكلمات مُرتجفة من بين شفاهها.
«جنة»: سليم. لا. انت مش هتسبني صح. سليم رد عليا. أنا آسفة. مش هزعلك تاني والله. بس رد عليا.
كان مشهدها مؤلمًا يتقطع له نياط القلب. فالتفت الحارس الذي كان يُكبل الرجل من الخلف وصاح.
«الحارس»: شيرين هانم. نادي الدكتور. اكتمي مكان الجرح عشان النزيف يقف بسرعة.
استغل الرجل أن الحارس كان اهتمامه مُنصبًا على «جنة» ليقوم بدفعه بكتفه بعُنف ويلوذ بالفِرار. وما كاد أن يُغادر الغرفة حتى تفاجأ ب«سالم» ومعه كُلًا من «مروان» و«طارق» يهرولون إلى الغرفة. فإذا بالأخير ينطلق نحوه، فأخذ يعدو بأقصى سرعته. بينما دلف «سالم» إلى الداخل ومن خلفه «مروان». ليتجمد الاثنان حين شاهدوا «سليم» الكبير الغارق في دمائه، و«سليم» الصغير القابع بين أحضانه، و«جنة» المُرتجفة والتي تُحاول كتم الدماء بيديها وهي تصرخ بأن يُغيثها أحد.
وسرعان ما اندفع «سالم» إلى أخيه يحاول إفاقته وهو يقول بنبرة مُرتعشة.
«سالم»: سليم. فوق يا سليم.
بينما «مروان» أخذ يصرخ بالخارج.
«مروان»: عايزين دكتور بسرعة.
كانت ملامحه تُحاكي الموتى في شحوبها، بينما جفونه مُنغلقة بسلام يُنافي ذلك الجحيم الذي يُحيط بهم خوفًا من فُقدانه. فاندفع «مروان» يأخذ الطفل من بين أحضانه وهو يقول بنبرة صارخة من بين عَبَراته.
«مروان»: سليم. متهزرش. قوم بقى يا عم.
ما إن انتهى «مروان» من جملته، كانت الغرفة تمتليء بالكثير من الأطباء والممرضين ليقوموا بنقل «سليم» إلى غرفة العمليات، تاركين خلفهم قلوبًا تحترق من فرط الخوف.
بعد مرور نصف ساعة، كان الجميع على صفيح ساخن أمام غرفة العمليات. بعد أن أمر «سالم» أحد الحرس بأن يُعيد «أمينة» إلى المنزل بحجة أنها تحتاج إلى الراحة، حتى لا تعلم ما ألم بولدها الحبيب. ليتبقى في المشفى كُلًا من «سالم» و«مروان» و«فرح» و«شيرين» و«طارق» و«جنة» التي كانت جالسة كتمثال جميل نُقِش على ملامحه الوجع الذي كان يتساقط من بين مآقيها بصمت يُنافي صرخات قلبها المُلتاعة. فقد اختبرت الكثير من الأوجاع في حياتها، ولكن ذلك الوجع كان أشد وأقصى. فهي قاب قوسين أو أدنى من خسارة ذلك الرجل الذي تتمحور حياتها بأكملها حوله. ذلك الرجل الذي أعاد النور لعينيها والسلام لقلبها. والآن هو في الداخل يُواجه الموت وهي عاجزة عن مساعدته أو الوقوف بجانبه. لا يُمكنها سوى البكاء فقط.
شعر بيدين حنونتين تُحيطان كتفيها لتعلم صاحبتهم. وقامت بإسناد رأسها على كتف شقيقتها وهي تقول بنبرة مُتحشرجة.
«جنة»: معقول هيمشي قبل ما يعرف أنا بحبه قد إيه؟ معقول هيسبني قبل ما أثبت له إني اتغيرت، وإني عرفت قيمته؟
تعاظم الألم بصدر «فرح» حزنًا على شقيقتها وذلك القابع بالداخل. ولكنها تحلت ببعض الشجاعة لتقول بقوة.
«فرح»: متقوليش كدا يا جنة. إن شاء الله هـ يقوم بالسلامة. ادعيله.
كان الوجع بصدرها أبلغ من أي وصف. فكل ما بداخلها يحثها على الصراخ، بينما هي عاجزة عن التنفس. تتقاذفها الهواجس التي تقود عقلها إلى الجنون، بينما قلبها يلفظ أنفاسه الأخيرة. فقد اجتاح تفكيرها فكرة هوجاء ونطق بها لسانها.
«جنة»: ربنا بيعاقبني. أنا عارفة. كان معايا وفي حضني ومكنتش عارفة قيمته. ودلوقتي بتمنى بس نظرة منه.
تخبطت سُحبها فأمطرت ألمًا لامس قلب «فرح» التي شددت من ضمها ولم تدري ماذا تقول وكيف تُهديء من روعها. وفجأة خرجت المُمرضة وهي تقول بلهفة.
«الممرضة»: محتاجين دم بسرعة.
اندفع «مروان» قائلًا بلهفة.
«مروان»: أنا هتبرع له. فصيلة دمنا واحدة.
انتفضت من مكانها وهي تقول بلهفة.
«جنة»: وأنا كمان ممكن أتبرع. هو اتبرعلي بالدم قبل كدا. يعني فصيلتنا واحدة.
ناظرها «سالم» بشفقة لم تتجاوز حدود شفتاه، ليقول بخشونة.
«سالم»: أعتقد مينفعش يا جنة. أنتِ مبقالكيش كتير مخلصة جرعات الكيماوي.
تهدلت أكتافها وامتقع وجهها. وقد كانت على وشك السقوط. لـ تحتضنها «فرح» وهي تقول بلهفة.
«فرح»: جنة.
اقترب «سالم» منها وقام بإسنادها هو الآخر لتجلس على المقعد خلفها. وقد علا نحيبها بشكل مُوجع. ليقول الأخير بلهجة هادئة.
«سالم»: مش مفروض كبرنا وبقينا أقوى من كدا؟
التفتت تناظره بأسى تجلى بنظراتها ونبرتها حين قالت.
«جنة»: كنت أقوى وهو جنبي.
«سالم»: وهو لسه جنبك، وهيفضل جنبك وجنبنا كلنا. لازم تكوني قوية عشان يقدر يتسند عليكِ لما يقوم بالسلامة.
آزرته «فرح» قائلة.
«فرح»: ينفع لما يخرج من العمليات يشوفك منهارة كدا! فين اللي اتفقنا عليه؟ فين اللي وعدتيه بيه؟
أغمضت عينيها بأسى وشفاهها تُردد بلوعة.
«جنة»: أصعب حاجة في الدنيا لما تحسي إن أغلى شخص في حياتك بيروح منك، وأنتِ حتى مش قادرة تقوليله استنى.
كلماتها اخترقت قلوبهم، وخصوصًا حين تابعت بلهجة مُثقلة بالوجع.
«جنة»: نفسي أقوله متمشيش. أنا محتاجالك. في حاجات لسه معشنهاش.
اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ جَهْدِ البَلاَءِ، وَدَرْكِ الشَقَاءِ، وَسُوءِ القَضَاءِ، وَشَمَاتَةَ الأَعْدَاءِ. اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ زَوَالِ نِعْمَتِكَ، وَتَحَوُّلِ عَافِيَتِكَ، وَفُجَاءَةِ نِقْمَتِكَ، وَجَمِيِعِ سَخَطِكَ. اللَّهُمَّ اجْعَلْ عَمَلَنَا كُلَّهُ خَالِصَاً لِوَجْهِكَ الكَرِيمِ.
«شيرين»: مروان.
اخترق صوتها قلبه المكلوم، فقد كان يتسطح على السرير ينتظر إلى حين انتهاء عملية سحب الدماء منه، تاركًا العنان لعبرات غزيرة تتدافع من عينيه لم يقدر على ردعها. فمن يُنازع الآن بين الحياة والموت هو شقيقه وصديقه، الذي على الرغم من جدالهم الدائم فهو يُحبه كثيرًا. لم يلتفت لها، أنما سارع بمسح عبراته بأطراف أنامله قبل أن يضع ذراعه فوق رأسه ليحجب ضعفه عن عينيها وهو يقول بنبرة جافة.
«مروان»: نعم.
اقتربت منه لتجلس بجواره، واضعة أناملها الرقيقة فوق ذراعه لتجذبه بلطف، تجلى في نبرتها وهي تقول.
«شيرين»: يعني انت لما تحط إيدك على وشك كدا وتداري عيونك مني مش هعرف إنك كنت بتعيط؟
لم يروق له أن يُعري ضعفه وألمه أمامها هكذا، فانتزع يده منها وهو يقول بخشونة.
«مروان»: عياط إيه أنتِ هبلة! ده أنا عيني اتطرفت.
أخفضت رأسها وقد شعرت بألم عميق يغزو قلبها من إصراره على إخفاء ضعفه أمامها، وكأنها شخصًا غريب وليست زوجته وحبيبته. لذا قالت بلهجة حزينة.
«شيرين»: قد كدا شايفني غريبة عنك!
أدار رأسه للجهة الأخرى قبل أن يقول بجفاء.
«مروان»: فكريني كدا أنتِ امتى كنتِ قريبة!
كان مُحقًا، فهي دائمًا كانت بعيدة، والمؤلم في الأمر أن ذلك كان بإرادتها. لذا قالت بلهجة يشوبها التوسل.
«شيرين»: طب ولو قولتلك إني في اللحظة دي نفسي أكون قريبة منك أوي. عارف؟ أنا أول ما شيرين قالتلي طلعت أجري عشان أكون جنبك عشان عارفة قد إيه انت بتحب سليم. وعارفة إنك أكيد زعلان عشانه.
لم يستطع الصمود أكثر، فهتف بلهجة حارقة.
«مروان»: زعلان بس! أنا هتجنن. لو كنا بدرنا خمس دقايق بس كنا لحقناه، ومكنش الكلب دا قدر يعمل عملته.
انتفضت كل خلية في جسده وهو يقول من بين عبرات مقهورة.
«مروان»: أنا شفته كان سايح في دمه. كان نفسي أهزه وأقوله يا عم أنا آسف مش هرخم عليك تاني بس قوم.
كان يطحن أسنانه بغل وهو يقاوم انفجاره الوشيك ليُضيف بأسى.
«مروان»: كان نفسي أقوله انت أخويا الكبير اللي بتمنى أكون زيه. سليم مش ابن عمي وبس. ده أخويا وصاحبي. الوحيد اللي قالي صلي. الوحيد اللي كان بيقولي حلال وحرام. لو أنا إنسان كويس دلوقتي فبسبب سليم.
هالها انهياره بتلك الطريقة، فاقتربت تعانقه بلهفة. بادلها إياها بأضعاف مُضاعفة، فتلك أول بادرة تقرب منها إليه، وقد جاءت في أكثر وقت يحتاجه. فبكى بحرقة، كذلك هي. إلى أن هدأت ثورة انفعالهم، فأخذت يديها تمسد خصلات شعره لتهديء من حالته قليلًا قبل أن تقول بنبرة خافتة.
«شيرين»: قال وأنا اللي كنت فاكرة إنك يا أبي سالم أقرب واحد ليك في العيلة. فاجئتني على فكرة.
«مروان»: أنا مقربتش من سالم غير لما قبل ما أسافر بحاجات بسيطة تقريبًا بعد ما خلصت جامعة، وكنت منبهر بشخصيته زي ما كنت منبهر بشخصية سليم وأنا لسه طالب في ثانوي.
صمت لثوانٍ قبل أن يُتابع بحزن.
«مروان»: أقولك على حاجة؟ أنا كنت كل ما أقرب منه، كنت ألاقي حازم يتضايق، ويفضل يرخم عليا. كتير كنت بحب أقعد أتكلم معاه وأسمعه، وهو كمان كان بيحب يتكلم معانا ويسمع مننا. الغريب بقى إن حازم مكنش بيحب يقعد يتكلم مع إخواته زيي. بس مكنش بيحبني أتكلم مع حد فيهم أو أقرب منه.
شعور عارم بالغضب اجتاحها تجاه ذلك الفتى، فهتفت بصدق.
«شيرين»: عارف كان بيعمل كدا ليه؟ عشان لما سالم وسليم يقربوا منك، هيعرفوا الفرق الكبير اللي بينك وبينه، وهيِعرفوا قد إيه هو وحش أوي.
أومأ «مروان» برأسه قبل أن يقول بجمود.
«مروان»: الله يسهله. المهم دلوقتي سليم.
«شيرين»: إن شاء الله هيقوم بالسلامة وهترجعوا تتجمعوا من تاني كلكوا مع بعض.
رفع رأسه إلى السماء وهو يقول بنبرة مُوقدة.
«مروان»: يارب.
أعوذ بكلمات الله التامات، التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما خلق وذرأ وبرأ ومن شر ما ينزل من السماء ومن شر ما يعرج فيها ومن شر ما ذرأ في الأرض وبرأ ومن شر ما يخرج منها ومن شر فتن الليل والنهار ومن شر كل فتن الليل والنهار ومن شر كل طارق يطرق إلا طارقاً يطرق بخير يا رحمن.
من أصعب الأمور التي تُلقى على عاتق إنسان أن يُجبر على مواساة شخص وهو يحمل نفس ألمه، بل وأعظم. لذلك لم يتحمل كل هذا القهر الذي يتساقط من بين حروفها. فنصب عوده ووثب قائمًا ليقف أمام غرفة العمليات وداخله هُناك شيء يحترق. فلم يكد يرتاح لنجاة حبيبته، ليختبره القدر بإصابة شقيقه وصديقه، جزء من روحه. أطلق الهواء المكبوت بصدره دفعة واحدة قبل أن يقول بنبرة مُلتاعة.
«سالم»: ربي إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين.
فرت دمعة هاربة من طرف عينيه، فسارع بمحوها. وأخذت شفاهه تتلو ما تيسر من آيات الذكر الحكيم، وكأنه يختبئ خلفها من ذلك الوجع الذي يكاد يفتك بصدره. فمن يراه من الخلف وهو يقف شامخًا كالجبل، لا يتخيل مدى الأسى والحزن بقلبه. وحدها كانت تعلم ما يشعر به وما يُعانيه، وقد أشفق عليه قلبها الذي كان يود معانقته ألف عام ليمحي عنه كل هذا الحزن.
جذب أنظارهم قدوم شيرين تحمل الطفل بين ذراعيها. فنهضت جنة من جانبها لتتوجه إليه، تناظره بحنو يعانق الألم الذي تجلى بنبرتها حين قالت.
«جنة»: سليم. يا أغلى اسم في حياتي. لو تعرف فرحتي إنك اتسميت على اسمه؟ اتسميت على اسم أعظم راجل في الدنيا. لما تكبر هقولك هو عمل إيه عشانك؟ لحد آخر لحظة كان بيحميك. شفت هو عظيم قد إيه؟
أغمضت عينيها بقوة وداخلها يُردد بلوعة.
«جنة»: يارب متحرمنيش منه. يارب نجيه.
كانت تلك الدعوة تخرج من بين شفاهه حين شعر بها تحتضن ذراعه من الخلف. فأطلق تنهيدة قوية وداخله يتمنى لو أنه استطاع أن يرتمي بين أحضانها ليبكي حتى تجف أنهار الدمع في مآقيه. فقد نال منه التعب الذي تجلى في نبرته حين التفت يُناظرها لتأسرُه غاباتها الزيتونية التي حملت السلام لعالمه ذات يوم، والآن تبثه السكينة والاطمئنان الذي تجلى في نبرتها حين قالت.
«شيرين»: بإذن الله هيقوم وهيبقى كويس. أنت بس قول يارب.
تعانقت نظراتهم لثوانٍ وكأنه يُخبرها أي وجع يجيش بصدره، بينما هي تُمسد بحنانها ألمه. ليخرج صوته خشنًا حين قال.
«سالم»: يارب.
أخذت أناملها الحانية تُمسد كتفه علها تبثه بعض الهدوء والسكينة، فقد كانت تخشى عليه من السقوط. فقد ثقل الحِمل كثيرًا وهو ليس بجبل. وقد نجحت في مسعاها، فقد هدأ قليلًا. ولكن نيران الخوف لازالت تنهش بصدره، فأخذ يُحاربها قائلًا.
«سالم»: لا إله إلا الله الحليم الكريم. لا إله إلا الله العلي العظيم. لا إله إلا الله رب السماوات والأرض ورب العرش العظيم.
بعد وقت ليس بكثير، خرج الطبيب من غرفة العمليات ليهرول الجميع إليه قائلين بلهفة.
«الجميع»: سليم عامل إيه يا دكتور؟ طمنا يا دكتور؟
«الطبيب»: اطمنوا يا جماعة. الطعنة كانت بعيد عن الأماكن الحيوية في جسمه، يعني مفيش منها خطر. الخطر كان في النزيف. هو فقد دم كتير. لكن نقدر نقول الحمد لله هو بخير دلوقتي.
تعالت عبارات الحمد من فم الجميع، وهدأ قلب تلك التي شعرت بأن روحها قد عادت لها من جديد. فرفعت رأسها للسماء قائلة بامتنان.
«جنة»: ألف حمد وشكر ليك يارب.
كانت عينا الطبيب تحمل كلمات لم تُقال بعد، وقد فطن «سالم» إلى ذلك من نظراته التي خصه بها. وقد نوى الذهاب إليه للاطمئنان على شقيقه، فقلبه لا يزال قائمًا إلى الآن. ولكنه لم يُرد الحديث أمامهم، لذا انتظر إلى أن انصرف الطبيب و قام برفع هاتفه لإجراء مكالمة تليفونية عاجلة.
«سالم»: أيوا يا صفوت انت فين؟
«صفوت»: أنا داخل على المزرعة أنا وهارون.
«سالم»: أنا مش في المزرعة، أنا في المستشفى. سليم كان هيروح مني النهاردة هو كمان بسبب الحقير دا.
صاح «صفوت» بصدمة.
«صفوت»: بتقول إيه؟
«سالم»: اللي سمعته.
«صفوت»: احكيلي حصل إيه بالظبط؟
زفر بقوة قبل أن يقول بخشونة.
«سالم»: بعت كلب من بتوعه دخل الأوضة اللي فيها الولد على إنه دكتور، عشان كدا الحارس مشكش فيه، وسليم كان بالصدفة رايح هناك. معرفش حصل إيه جوا، بس أكيد شك فيه، وضرب سليم بالسكينة في كتفه.
«صفوت»: لحظة واحدة بس. داخل على إنه دكتور! داخل يخطفه يعني ولا إيه؟
«سالم»: اللي دخل الأوضة دا عارف إنه عمره ما هيعرف يخرج بالطفل، يبقى الموضوع مكنش خطف.
تعاظم الغضب بصدر «صفوت» الذي حاول تدارك غضبه وقال بنبرة هادئة.
«صفوت»: اسمعني يا سالم كويس. ناجي بدل لجأ للقتل، يبقى مبقاش في إيده حاجة يعملها. كل البيبان اتقفلت في وشه، حيله خلصت. وكمان دا معناه إن موضوع شحنة المخدرات وصله. يبقى نهدى عشان نحسبها صح.
«سالم»: مبقاش ليها حسابات يا صفوت. اللعب هيبقى عال مكشوف، والمرادي هبقى فعل مش رد فعل.
«صفوت»: ناوي على إيه؟
«سالم»: هارون معاك مش كدا؟
«صفوت»: معايا.
«سالم»: حلو. اسمعني كويس.
لا إله إلا الله، الحليم الكريم، سبحان الله رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك والغنيمة من كل بر والسلامة من كل اثم، اللهم لا تدع لي ذنبا إلا غفرته، ولا هما إلا فرجته ولا حاجة هي لك رضا إلا قضيتها يا أرحم الراحمين.
«همت»: في إيه يا شيرين؟ قلبي مش مرتاح. حاسة إنكم مخبيين عني حاجة.
هكذا تحدثت «همت» مع «شيرين» عبر الهاتف، لتقول الأخيرة بتلعثم.
«شيرين»: مفيش حاجة يا ماما. هيكون في إيه يعني؟
«همت»: اسألي نفسك يا ست هانم. فاكرين هتضحكوا عليا؟
«شيرين»: هنضحك عليكِ ليه يا ماما؟ مش فاهماكي الصراحة. هو إحنا عملنا إيه؟
«همت»: الودودة اللي في التليفونات، والبت أختك اللي طلعت تجري زي المجنونة. كل دا و مفيش حاجة. بس أنتِ اتعدلي وانطقي حصل إيه بدل ما هاجي أكسر دماغك عندك؟ يكون الواد مروان عايز يستفرد بيها من ورايا؟
«شيرين»: يستفرد بمين يا ماما بس! ده حاله يصعب عالكافر. سيبه باللي هو فيه.
«همت»: آآآه، وإيه بقى اللي هو فيه؟ زي الشاطرة كدا تقوليلي في إيه أحسنلك.
زفرت «شيرين» بقلة حيلة، فقد سقطت في فخ والدتها، لذا قالت بتوسل.
«شيرين»: طب ماما بالله عليكِ ما تجيبي سيرة لحد، وخصوصًا طنط أمينة.
«همت»: طنط أمينة في سابع نومه. خدت دواها ونامت. اخلصي قولي حصل إيه؟
قصت «شيرين» عليها ما حدث، إضافة إلى حادثة «فرح» كاملة، لتشهق «همت» بصدمة.
«همت»: بتقولي إيه يا شيرين؟ وسليم عامل إيه دلوقتي؟
«شيرين»: الحمد لله الدكتور طمنا عليه. الضربة مكنتش في أماكن حيوية في جسمه، بس نزف كتير.
تساقطت العبرات من عينيها حزنًا، إضافة إلى شعور عارم بالذنب تجاه عائلتها. فهي سبب تلك اللعنة من بدايتها، لذا قالت بنبرة مُتحشرجة.
«همت»: ابقي طمنيني على سليم كل شوية، وخلي بالك من اختك، وأوعوا تبعدوا عن ولاد خالكوا. محدش يعرف بيفكر في إيه؟
أنهت المحادثة مع «شرين» وهي تتذكر معاناتها السابقة معه، إضافة إلى ذلك الذنب الذي لا يزال كالجمر المُشتعِل بين طيات صدرها، حين طاوعت شيطانها واستمعت لذلك الحديث المسموم، وقامت بوضع تلك الحبوب اللعينة في العصير حتى تُجهِض «جنة». حتى وإن سامحها الجميع، فهي لم ولن تُسامح نفسها. تُريد أن تُكفر عن ذنبها، لذلك قررت أن تبدأ في معاقبة تلك الحية أولًا. فتوجهت إلى غرفة «جوهرة» التي تفاجأت بباب غرفتها يُفتح بقوة، فشُهقت بفزع وقالت بغضب.
«جوهرة»: هل جُننتي؟ كيف تقتحمين غرفتي هكذا؟
ابتسامة ساخرة لونت ملامحها قبل أن تُجيبها قائلة.
«همت»: لا بلاش الجو دا، عشان خلاص بقى كل حاجة اتكشفت. لعبتك الحقيرة أنتِ والكلب اللي مشغلك خلاص اتعرفت، ودلوقتي أنا بقى هاخد منك حق فرح اللي حاولتي تقتليها، وسليم اللي راقد في المستشفى بسببكوا.
لم تُمهلها الفرصة لكي تتجاوز صدمتها، فقد جذبتها «همت» من خصلات شعرها بعنف وقامت بضرب رأسها في الحائط. ثم أخذت تُكيل لها الضربات بيدها السليمة، وهي تسبها بغضب. بينما حاولت «جوهرة» الفكاك من قبضتها، فتلك المرأة أقوى مما تبدو عليه، أو ربما القهر الساكن بصدرها يمدها بتلك القوة. لتقوم «جوهرة» بتوجيه ضربة قوية إلى يدها المكسورة، فتراجعت «همت» للخلف وهي تنحني من شدة الألم. لتقوم «جوهرة» بتجريد أحد المزهريات من فوق الطاولة وترفعه حتى تنهال به فوق رأس «همت». فإذا بأحدهم يدفعها من الخلف لتسقط على الأرض. فما أن التفتت حتى وجدت تلك الفتاة المراهقة التي دائمًا ما كانت تجدها مُنطوية على نفسها. فالتَمعت عين «جوهرة» بالشر حين سمعت صراخ لبنى.
«لبنى»: سبيها يا مجرمة حرام عليكِ.
اهتاجت «جوهرة» من صراخها وقامت بجذب إحدى قطع المزهرية التي تحطمت، وهرولت تجاه «لبنى» وهي تقول بعربية صحيحة.
«جوهرة»: أنا هوريكِ المجرمة هتعمل فيكِ إيه؟
تجمدت الدماء في أوصال «لبنى» ولم تعد قادرة على التنفس، وقد أيقنت بأنها هالكة لا محالة. فأغمضت عينيها وهي تتوقع أن تقتلها في الحال، لتتفاجأ بصوت قوي من خلفها جعل جسدها ينتفض.
«هارون»: ماذا تفعلين يا حقيرة؟
عندما فتحت عينيها، وجدت نفسها تغوص في كتلة من العضلات لرجل يفوق حجمها بكثير. حتى أنه كان يُمسك «جوهرة» بيد، وبالأخرى يُحاوطها كي يحميها من تلك المجنونة التي أخذت تصرخ بجنون.
«جوهرة»: سيبني انت كمان. والله لـ هخلص عليكوا كلكوا.
لم يكن صعبًا السيطرة عليها، فقد قام برفع كفه الضخم ليهوي فوق وجنتها بصفقة قاسية طرحتها أرضًا، وهو يصيح بانفعال.
«هارون»: بقى بتستعبطيني يا بنت ال…..
جذب انتباهه صوت تأوه خافت يصدر من آخر الغرفة، فرفع رأسه ليجد «همت» متكومة على نفسها تبكي من شدة الألم. فهرول تجاهها بقلب مُرتعب وعقل لا يدري ماذا عساه أن يفعل. يشعر بالذنب والألم تجاه تلك المرأة التي تذوقت ألوان العذاب على يد هذا الطاغية الذي لم يكتفِ، بل كان يُحضر نهاية مأساوية للجميع، ومن بينهم هي. فقد أخبره «صفوت» بما فعله «ناجي» بالجميع، وأولهم والدته. جلس على ركبتيه وأخذ يُناظرها بعينين تباين بهما الشعور، ولكن تسيده الندم. فوجد نفسه يقترب تلقائيًا من يدها السليمة التي تحاوط بها يدها المكسورة، وقام بوضع قبلة دافئة فوقها، قبل أن يرفع رأسه وهو يقول بأسى تجلى في نبرته وتساقط من بين مآقيه.
«هارون»: أنا آسف.
ارتجف قلبها حين سمعت اعتذاره، وبهتت ملامحها من فرط الصدمة. حتى أنها نسيت ألمها لوهلة، وقد ظنت بأنها واهمة، لذا قالت باستفهام.
«همت»: قولت إيه؟
«هارون»: بقولك أنا آسف. سامحيني. والله كان غصب….
لم تُمهله الفرصة لإستكمال حديثه، فقامت بجذبه إلى أحضانها بيدها السليمة وهي تقول من بين انهيارها.
«همت»: تعالى في حضني.
احتضنها «هارون» بقوة وهو يبكي كالأطفال، فقد كان مشهدًا يُدمي القلوب. لقاء تأخر لثلاث وعشرين عامًا، فراق، ولوعة، وصدمة تلو الأخرى حتى هلكت القلوب وأدماها الوجع. والآن طاب وطابت الروح بذلك العناق القوي الذي جعل عيني «صفوت» تدمع بتأثر. فقد كان هو و«هارون» أمام باب القصر حين استمعوا لصرخات قادمة من الأعلى، فهرول الاثنان إلى مكان الصراخ ليتفاجئوا ب«جوهرة» التي كادت أن تقتل «لبنى» لولا تدخل «هارون» في الوقت المناسب. اقترب «صفوت» من «جوهرة» المتألمة وقام بجذبها من خصلاتها إلى الخارج، وهو يصرخ في أحد الحرس والذي أتى مُهرولًا. ليقوم «صفوت» بدفعها قائلًا بأمر.
«صفوت»: البت دي تتحبس في المخزن لحد ما أفضالها، وعايز عليها حراسة مشددة. دبة النملة متوصلهاش.
أطاعه الحارس وهو يُكبل «جوهرة» التي أخذت تركله وهي تصيح وتصرخ. فتجاهلها «صفوت» الذي التفت إثر صوت «سهام» المصدوم.
«سهام»: صفوت.
هرولت إليه لتعانقه بقوة، فقد كانت نائمة وبجانبها «نجمة». فهي منذ أن حدث ل«فرح» لم تُبارحها خوفًا من أي مكروه قد يُصيبها، حتى أنها كانت تنام بجانبها حتى تستطيع الاطمئنان عليها. وأثناء نومهما سمعت أصوات جلبة في الخارج، فارتعبت من أن يكون هناك دخلاء بالخارج، فقام بإغلاق باب الغرفة بالمفتاح وخرجت لمعرفة ماذا يحدث، وإذا بها تراه وكأنه حلم. فهتفت تُناديه، وحين التفت إليها لم تستطع إلا أن تُهرول إليه لترتمي بين ذراعيه، فقد كان الذعر يجتاحها وتحتاج لأمان وجوده.
«صفوت»: اهدي يا حبيبتي أنا هنا خلاص.
«سهام»: مش مصدقة نفسي. أنت بجد هنا؟
شدد من عناقها وهو يقول بحنو.
«صفوت»: حقك عليا. اتأخرت عليكوا بس غصب عني.
لم يكد يُنهي جملته، إذا ب«هارون» يخرج وهو يحمل «همت» قائلًا بلهفة.
«هارون»: لازم نوديها لدكتور بسرعة. دراعها واجعها أوي.
صُدمت «سهام» حين رأته يحمل «همت»، فقالت باندهاش.
«سهام»: هو أنا لسه مصحتش من النوم ولا إيه؟ أنت بتعمل إيه هنا؟
تقدم «صفوت» إلى «هارون» وقال بحزم.
«صفوت»: وديها أوضتها، وأنا هبعت حد من الغفر ينادي على دكتور مهدي في المزرعة اللي جنبنا ييجي يشوفها.
أطاعه «هارون» على الفور وتوجه خلفه كُلًا من «سهام» و«لبنى» التي كانت خائفة كثيرًا، فلم تستطع البقاء وحيدة، فسارت خلفهم لتجده يضعها فوق مخدعها، قبل أن يلتفت ناظرًا إليها وهو يقول بلهجة آمرة.
«هارون»: اجري هاتيلها ميه وشوفيلها أي قرص مسكن بسرعة.
ناظرته «لبنى» بصدمة من لهجته الآمرة وطريقته الفظة، فكانت تناظره باندهاش، مما جعله يقول بغضب.
«هارون»: أنتِ. مش بكلمك؟
ارتعبت من صراخه، فقالت بعدم فهم.
«لبنى»: أنت بتكلمني أنا؟
«هارون»: لا بكلم الحيط اللي وراكي ومستنية يرد عليا!
التفتت باندفاع لتجد الحائط خلفها، فجرفها شعور عارم بالخجل من نظراته الساخرة. فجرت أقدامها لتهرول إلى الخارج لتترك ذلك المتغطرس اللعين وتذهب إلى المطبخ لتبحث عن أي شيء كما أمرها، وهي لا تعلم أي شيء لهذا المكان سوى تلك الغرفة التي خُصصت لها. فمضى بعض الوقت وهي حول نفسها في المطبخ الكبير ولم تجد به أحد لتسأله، فالجميع نيام. لذا توقفت في المنتصف بعد أن شعرت بالدوار لتقول بغضب.
«لبنى»: والله ما حد حيط غيره. دا غبي ولا إيه؟ فاكرني خدامة عنده!
«هارون»: وكمان بتكلمي نفسك! الست قاعدة تتألم فوق وأنتِ هنا بتكلمي نفسك! مفيش أدنى إحساس بالمسؤولية خالص؟
انتفض جسدها حين سمعت صوت «هارون» الغاضب بالخلف، فوَدت للحظة لو تلتفت لتدق عنقه، ولكن هيهات أن تستطيع حتى أن تصل لكتفه، فهو ضخم بالدرجة التي تجعلها تبتلع غضبها خوفًا من بطشه. لذا التفتت قائلة بنبرة يشوبها الحدة.
«لبنى»: والله الناس كلها نايمة وأنا معرفش الأدوية فين؟
«هارون»: إيه دا هو أنتِ مش من الخدم؟
«لبنى»: لا.
هتف متذكرًا.
«هارون»: أيوا أيوا افتكرت. مش أنتِ البت اللي كنتِ عمالة تلفي حوالين الإسطبل واحنا هناك؟
طفح الكيل، فذلك الضخم الغبي سليط اللسان يُثير حنقها بطريقة لم تختبرها مُسبقًا. لذا هتفت باندفاع.
«لبنى»: بت أما تبتك إيه بت دي؟
تلك الفتاة القصيرة الغبية تسبه! من يرى حجمها أمامه سيضحك ملء فمه، فبإمكانه ابتلاعها في التو واللحظة. ولكن مهلًا، فهو في مزاج سيء ولا يملك وقتًا لها، لذا قال بجفاء.
«هارون»: طب اجري يا شاطرة من هنا بدل ما أنفخ فيكِ أطيرك.
قالها وتجاوزها ليبحث عن أقراص دواء مسكنة لوالدته، لتشعر بتيار من الغضب يسري حارقًا في أوردتها. فأرادت رد الصاع صاعين لتقول بسخرية.
«لبنى»: على فكرة عيب تبقى زي الهلف كدا ولسانك طويل!
توقف عن البحث والتفت يُناظرها بغموض قبل أن يقول باستنكار.
«هارون»: هلف! أنتِ متربية فين يا ماما؟
شبكت يديها حول بعضهما البعض وقالت بتهكم.
«لبنى»: أيًا كان المكان اللي متربية فيه مش هتفرق. المهم إني اتربيت. الدور والباقي عاللي مشافش أي نوع من أنواع التربية.
قالت جملتها والتفتت برأس مرفوع تُغادر المطبخ. وبعد أن ابتعدت خطوتين من الباب، سمعت صوت زمجرة قوية أرعبتها لـ تُطلق قدميها للريح وهي تقول بذعر.
«لبنى»: يا ماما.
ربّ اشرح لي صدري، ويسر لي أمري، واحلل عقدةً من لساني، يفقهوا قولي، اللهم استودعك ما أتعلمه، فردّه إليّ عند حاجتي إليه، ولا تنسينيه يا رب العالمين، اللهم أخرجنا من ظلمات الوهم، وأكرمنا اللهم بنور الفهم، وافتح علينا بمعرفة العلم، وحسن أخلاقنا بالحلم، وسهل لنا أبواب فضلك، وانشر علينا من خزائن رحمتك يا أرحم الراحمين.
كانت تُطعِم صغيرها الذي يتوسط أحضانها، وعيناها تحتويه بحب كبير. فلقد انتظرت تلك اللحظة منذ أول يوم علمت بحملها، وهي تتوق لأن تأخذه بين ذراعيها وتملأ رئتيها من رائحته العطرة. وها هو حلمها يتحقق، رغمًا عن تلك الطريقة المؤلمة التي حدث بها، ولكنها راضية، فرب الخير لا يأتي إلا بالخير.
اقتربت تضع قبلة دافئة فوق جبهته وهي تقول بحنو.
«فرح»: أخيرًا معايا وفي حضني. لو تعرف استنيت اللحظة دي قد إيه؟
كان مشهدهما رائعًا للحد الذي جعله يتناسى أحزانه لوهلة، وهو يقف أمام الباب يُطالعهما بأعين تلمع بالعشق والخوف معًا. فقد كان يخشى أن يطالهم الأذى أكثر من ذلك. كان قلبه يتوسل إلى خالقه بأن يحفظهما ولا يُريه في أيٍ منهما بأسًا يُبكيه.
«فرح»: واقف من امتى؟
أخبرها قلبها بأن خليلها بالقرب منهما، فرفعت رأسها لتجده مُستندًا على باب الغرفة. فشعرت بشوق جارف يجتاح قلبها إليه، وقد كان يُشاركها شعورها هو الآخر. ليُجيبها بخشونة.
«سالم»: مبقاليش كتير.
«فرح»: طب قرب.
أطاعها ليتقدم منهما ويجلس أمامها على السرير، وعيناه تتفرقان بينها وبين صغيره الذي شعر بوجوده. فأخذ يُحرك قدميه ويديه بطريقة لطيفة رسمت ابتسامة جميلة فوق ملامح والديه. فقد كانت لحظة رائعة يحتاجها كثيرًا لتُعطيه دفعة قوية حتى يستطيع أن يواجه القادم.
«فرح»: شبه مين؟
هكذا استفهمت «فرح»، فأجابها وعيناه ما زالت مُعلقة بصغيره.
«سالم»: مش شبه حد. هيبقى شبه نفسه. مش عايزة يبقى زي حد. عايزاه أحسن مننا كلنا.
طافت عيناها فوق ملامحه التي تفيض بالرجولة ووسامته التي تُذيب قلبها، الذي انتفض واهتاجت دقاته عشقًا لتقول بلهجة شغوفة.
«فرح»: بس أنا بقى عايزة يبقى شبهك انت.
ارتفع رأسه يُطالعها، فامتد كفها يحتوي ملامحها وهي تمرر أناملها فوق تقاسيمه التي تعشقها، قائلة بخفوت.
«فرح»: عايزاه ياخد ملامحك، وعنيك، وضحكتك، وحتى تكشيرتك. عايزاه نسخة منك. عايزة سالم الوزان تاني في حياتي.
لم تكن عيناه صافية، بل كانت سُحبها مُلبدة وغيومها تُهدد بالانفجار في أي لحظة. ولم يخفَ ذلك عليها، وقد كانت تُريد أن تُهديء من الغضب وتمتص هذا الحزن الذي يُخيم على سمائه. وبالرغم من ذلك، كانت صادقة للحد الذي جعل كلماتها تُلامس قلبه. فمد كفه يجذب كفها ليضع قبلة حانية في باطنه، قبل أن يرفع وجهه قائلًا بخشونة.
«سالم»: سالم الوزان تاني؟ مزهقتيش؟
حاول إضفاء بعض المرح على حديثهم حين قالت.
«فرح»: اممممم. بتحاول تجرجرني عشان أقولك إنك حبيبي وإني عمري ما أزهق منك أبدًا. لا متحاولش مش هقول.
ابتسم على مُزاحها قبل أن يقول بنبرة يشوبها الحزن.
«سالم»: حقك عليا يا فرح.
تألم قلبها لكلماته ولعينيه التي غامت أكثر، فقد كانت تعلم أن هناك حرائق مُشتعلة بداخله. لذا شددت من احتوائها ليده قبل أن تقول بحنو.
«فرح»: أوعى تقول كدا، وأوعى تفكر إنك قصرت في حمايتي أبدًا. أنت راجل مؤمن و عارف إن الحذر لا يمنع قدر، وأنت عملت اللي عليك وزيادة. متحملش نفسك فوق طاقتها. قول الحمد لله إننا بخير وبس.
أوشك على الحديث، فقاطعته بقوة.
«فرح»: قول الحمد لله. محدش بيشوف غير اللي مكتوب له، واللي حصلي دا كان مكتوب لي، ده قدري. إيه هتمنع القدر ولا إيه؟ الحاجة الوحيدة اللي بترد القدر هي الدعاء.
لانت لهجتها قليلًا وهي تُضيف.
«فرح»: ادعي يا سالم. قول يارب، وربنا بإذن الله هـ ينجينا كلنا.
كلماتها كانت تعرف الطريق إلى جراحه لتُخدرها، مما جعله يقول بنبرة هادئة.
«سالم»: بإذن الله.
تابعت بنبرة مُشجعة.
«فرح»: ربنا ده رب المستحيل. قادر على كل شيء. توقع منه اللي عمرك ما كنت تتخيل إنه يحصل، ومتقولش إزاي؟ بس خليك عندك يقين بأنه عمره ما هيضيعك. وأنت بتدعي خليك على يقين من الإجابة. ده سر من أسرار استجابة الدعاء على فكرة.
أضاءت كلماتها شعلة الأمل في نفسه، وهدأ صدره واستكانت أنفاسه قليلًا ليقول بنبرة خشنة.
«سالم»: ونعم بالله يا فرح.
«فرح»: طمني سليم عامل إيه؟
«سالم»: كويس الحمد لله. الدكتور قال ممكن يفوق في أي وقت. بس هيسبوه تحت الملاحظة النهاردة كمان عشان يتطمنوا عليه.
«فرح»: إن شاء الله هيقوم وهيبقى زي الفل.
«سالم»: إن شاء الله.
انخفضت نظراته فوجد الصغير يغط في نومٍ عميق، فقام بوضع قبلة دافئة فوق جبهته قبل أن يتناوله منها ليضعه في مخدعه بجانب مخدعها. ثم عاد مرة أخرى إلى مكانه بجانبها ليُناظرها مُطولًا قبل أن يقول بلهجة مُشجبة.
«سالم»: تخيلي في يومين يتقلب الحال وأبقى مُعرض أخسر أغلى ناس عندي في الدنيا. أنتِ وسليم.
«فرح»: تعرف إن انقلاب الحال ده أكتر حاجة بخاف منها، وعشان كدا الدعاء ده مبيفارقنيش. (اللهم لا تُغير علينا الحال إلا لأحسنه) (اللهم إنا نعوذ بك من زوال نعمتك وتحول عافيتك وفجأة نقمتك وجميع سخطك).
باغتتها كلماته حين قال بلهجة خافتة.
«سالم»: أنتِ جميلة أوي يا فرح.
روى الخجل وجنتيها، فنبت محصول التفاح الشهي ليجعلها في أبهى صورها في عينيه التي لونها شوقه الجارف لها. ففتح ذراعيه وهو يقول بلهجة شغوفة.
«سالم»: قربي هنا.
لبت نداء الشوق القاتل في مقلتيه، وتعانقت الصدور بقوة. فقد كان كلاهما يحتاج هذا العناق كثيرًا ليُطفئ نيران الشوق والألم معًا. ولأن اللحظات الجميلة دائمًا قصيرة، فقد دوى رنين هاتف «سالم» ليتراجع الأخير يلتقط الهاتف من جيب سترته. فتغيرت ملامحه لثوانٍ قبل أن يقول بجفاء.
«سالم»: شوية وراجعلك.
ما أن أغلق باب الغرفة، حتى أجاب على الهاتف ليأتيه أكثر صوت يبغضه في هذه الحياة.
«ناجي»: قلبي عندك يا سالم يا حبيبي. طمني سليم عامل إيه مات ولا لسه؟
بشق الأنفس استطاع التحكم بغضبه ليقول بجفاء.
«سالم»: سليم الوزان ميموتش على إيد كلب أبدًا. الدور والباقي عليك. خاف على نفسك.
قال جملته الأخيرة ساخرًا، فقهقه «ناجي» بقوة قبل أن يقول ساخرًا.
«ناجي»: متقوليش إنك خايف عليا؟ وبعدين تعالى هنا. من امتى قلبك بقى خفيف كدا! مكنوش شوية سم في كوباية لبن دول! طب لعلمك بقى. دي كانت جرعة مخففة، أنا قولت أعجل بس بالولادة شوية.
على الرغم من غضبه من حديث ذلك الحقير، ألا أنه أدرك بالفعل أن حديث «صفوت» صحيح. لذا قال بخُبث.
«سالم»: مكنتش مخففة ولا حاجة يا ناجي. يظهر إن جوهرة بتاخد أوامرها من حد تاني.
الغضب سيد الخطأ، وقد أعماه غضبه ليسقط في الخطأ الذي حاول تداركه، ليقول بسخرية.
«ناجي»: دي جوهرة وهي جوهرة فعلاً. على فكرة البت عينها منك. بس انت اللي تقيل حبتين.
«سالم»: لا عينها مني إيه بس! دي حتى مرتبطة.
كان أغبى من أن يعلم مغزى حديثه، فقهقه بصخب قبل أن يقول بغرور مريض.
«ناجي»: هي قالت لك ولا إيه؟ ولا تكون حاولت معاها ورفضتك؟ معلش بقى. ماهي اللي تبقى مع ناجي الوزان متعرفش تبقى مع غيره.
«سالم»: لا تعرف.
اغتاظ من جملته فصاح محذرًا.
«ناجي»: اللي حصل لسليم والمحروسة مراتك قرصة ودن عشان متفكرش تقرب من حاجة تخصني تاني، وعلى فكرة الواد اللي مسكتوه دا جاي بتلات قروش عشان يقتل وبس. المرة الجاية هتيجي في سليم الصغير. خلي بالك.
جاء وقت ضربته القاضية ليقول بسخرية.
«سالم»: لسه غبي زي ما انت! طبعًا كل دا عشان شحنة المخدرات اللي اتبدلت صح!
صاح «ناجي» بغضب مُميت.
«ناجي»: متفكرش إنك كدا بتأذيني، أو بتضرني تبقى عبيط. أنا أجهز ألف شحنة غيرها في ظرف كام ساعة، واللي حصل دا يعرفك إن أنا ميتعلمش عليا.
«سالم»: لا بيتعلم عليك، وطلعت انت اللي عبيط. عشان المرة دي إحنا مالناش يد في اللي حصل.
«ناجي»: تقصد إيه؟
«سالم»: اسأل ألبرت وجوهرة.
هب «ناجي» مع مقعده وهو يقول بحنق.
«ناجي»: يا تقول في إيه يا صدقني المرة دي الضربة هتصيب..
«سالم»: اتكلم على قدك، ولما تحب تعمل راجل اعمل راجل عاللي غفلوك، ولبسوك العمة وبدلوا المخدرات وخدوا الشحنة الأصلية لحسابهم.
«ناجي»: ومفروض إني أصدقك! عبيط أنا؟
«سالم»: ما قولتلك أه، وعمومًا جدعنة مني هثبت لك.
«ناجي»: إزاي؟
«سالم»: شوف الفيديو اللي هيوصلك دلوقتي عالايميل بتاعك، وبعد ما تشوفه أعرف إن سالم الوزان مبسبش تاره أبدًا.
أغلق الهاتف وقام بمهاتفة «مروان»، وما أن أجاب الأخير حتى تحدث «سالم» بجفاء.
«سالم»: ابعت الفيديو إياه لناجي دلوقتي.
أطاعه «مروان» ليقوم بإرسال ذلك الفيديو إلى «ناجي» الذي كان يُحصي الدقائق للتأكد من حديث «سالم». ليصل إلى مسامعه أخيرًا صوت رسالة قادمة على البريد الخاص به، وما أن فتحها حتى تجمدت الدماء في عروقه حين شاهد «جوهرة» بين ذراعي ألبرت في أحد اليخوت الخاصة به في القاهرة.
«مروان»: إيه يا كبير اللي حصل؟ خلتني أبعت الفيديو ده للحيوان ليه؟
هكذا تحدث «مروان» بعد أن صعد إلى «سالم» ليجيبه الأخير بخشونة.
«سالم»: جه وقته.
«مروان»: طب في حاجة حصلت ولازم تعرفها؟
«سالم»: حاجة إيه؟
لم يكد «مروان» يُجيبه حتى صدح صوت من خلفهم.
«الضابط»: أنت سالم الوزان؟
التفت كلاً من «مروان» وسالم إلى مصدر الصوت، فتبين أنه ضابط ومعه مجموعة من العساكر خلفه. فأجابه «سالم» باختصار.
«سالم»: أيوا أنا.
«الضابط»: اتفضل معايا.
«سالم»: اتفضل معاك فين؟
أجابه الضابط بنفاذ صبر.
«الضابط»: مطلوب القبض عليك.
اندفع «مروان» بغضب.
«مروان»: تقبض على مين أنت اتجننت؟
«سالم»: بس يا مروان. ممكن أعرف مطلوب القبض عليا بتهمة إيه؟
«الضابط»: بتهمة قتل ضحى السيد مرزوق.
يتبع…
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم نورهان العشري
تبادل الرجلان النظرات لثوانٍ قبل أن يقول مروان بسخرية:
"والله عيب عالنجوم والكواكب اللي على كتافك دي. تقبض على مين يا ابني؟ دا عضو مجلس شعب! هما أمثالكم اللي ضيعوا البلد."
بادله مصطفى سخريته قائلًا:
"محدش فوق القانون يا حضرة. مش معنى إنه عضو مجلس شعب إنه ميتحاكمش لو ارتكب جريمة!"
تدخل طارق القادم من الخلف ليقول بسخرية:
"طب وبالنسبة للحصانة اللي معاه يعمل بيها إيه؟"
تهكم مروان بوقاحة:
"أنا عارف يعمل بيها إيه، بس طبعًا عمري ما هقول عشان الكبير ممكن يدفني حي."
لم يستطع سالم قمع ضحكة خافتة ظهرت على محياه، ولكنه سرعان ما عاد لجموده حين استمع لحديث مصطفى الذي تابع بتسلية:
"الحصانة بتسقط لما سيادة النائب يرتكب جريمة بشعة زي دي."
اندفع مروان ساخرًا:
"هي لحقت سقطت؟ دي الولية لسه متأكلتش! الحياة في مصر بقت سريعة جدًا ياخي."
أردف طارق بتهكم:
"سريعة ومريبة."
تدخل سالم بجفاء:
"بس انت وهو. اتفضلوا معايا يا حضرة الظابط."
"أوباش."
هكذا تحدث مصطفى مازحًا بخفوت موجهًا حديثه إلى كل من طارق ومروان، قبل أن يتوجه برفقة سالم إلى ركن منعزل ليقول الأخير باستفهام:
"حصل إيه يا مصطفى؟"
"طبعًا سيادتك عارف بالبلاغ اللي جانا من يومين باختفاء ضحى، وأنها كانت في إسماعيلية في المزرعة الخاصة بعيلتكم، وبعدها اختفت وأهلها فقدوا أي تواصل معاها. وامبارح المستشفى بلّغتنا باللي حصل في عربيتك والجثة اللي كانت جواها. من نص ساعة بالظبط اتقدم بلاغ للنائب العام برفع الحصانة عنك مرفق بفيديو ليك وأنت بتعذب المجني عليها. وبناءً عليه إحنا هنا."
صُدم سالم عند سماعه كلمات الضابط، ولكنه سرعان ما تجاوز صدمته ليقول بجفاء:
"الفيديو ده مليون في المية متفبرك، ودا مش صعب إثباته."
مصطفى مؤيدًا حديثه:
"ده شيء مؤكد، ودا يخلينا نعرف إن اللي عمل كده قصده التشويش على حضرتك وإثارة فضيحة."
سالم بحنق:
"أو إنه يلهيني."
مصطفى بتفكير:
"جايز. وعمومًا ضحى لسه عايشة، وعلى الرغم من إنه مستحيل، بس عندنا أمل إنها تفوق ونعرف منها مين عمل فيها كده؟"
سالم بتهكم:
"وتفتكر اللي عمل فيها كده هيسيبها تفوق أو تقول حرف!"
"في كل الأحوال، إحنا كنا لازم هنسمع أقوالك في اللي حصل لأنها كانت في عربيتك. وعمومًا إحنا فرّغنا كاميرات المستشفى، واللي بتوضح إنك كنت متواجد هنا الأيام اللي فاتت كلها. كمان محاولة قتل سليم دي جت في صالحك، لأن التزامن بينها وبين حادثة العربية أكيد مش صدفة."
سالم باستفهام:
"قدرتوا تستجوبوا الحيوان اللي عمل كده؟"
مصطفى بتهكم:
"الحقيقة لأ. والبركة في طارق أفندي وفعلت سنانه ولخبطت معالم وشه. أول لما يقدر يتكلم هناخد أقواله."
سالم بجفاء:
"أنا واثق إنكم مش هتعرفوا تطلعوا منه بحاجة. إن مخلصش عليه."
"والله يا سالم بيه، إحنا بنعمل أقصى ما عندنا. زي ما أنت عارف الوضع حساس، وأي غلطة مش في صالحنا، خصوصًا بعد بدأنا نمسك خيوط شبكة المخدرات بتاعتهم. دي فيها ناس تقيلة أوي."
سالم بحنق:
"ناس معندهاش ضمير. المهم، أنت أكيد عارف هتعمل إيه. لو فيه جديد بلغني."
"حاضر. ومتقلقش، إحنا زودنا المراقبة حوالين المستشفى وجواها كمان."
سالم بخشونة:
"ربنا يستر."
ودّع سالم مصطفى، ثم عاد أدراجه إلى حيث يقف كل من طارق ومروان، الذي قال بتهكم:
"إيه ده؟ هو صاصا مشي؟ ياخي كنت عايز أرخم عليه شوية."
سالم بحزم:
"مش طالبة سخافة عشان أنا قرفان."
مروان بسعادة تجلت في ملامحه:
"أما أنا بقى سعيد وفرحان وأنا متخيل نوجا وهو بيتفرج على شريط الفيديو الرهيب اللي أنا بعتهوله. ياه، لو كان ممكن أشوف وشه دلوقتي!"
طارق بملل:
"على فكرة ناجي مكنش عاشقها يعني عشان يزعل، وممكن ميتأثرش بيه أوي."
مروان باندفاع:
"إزاي يا ابني ميتأثرش بيه؟ ده فيديو مؤثر جدًا. أنا اتفرجت عليه ييجي تلتميت مرة، وكل مرة بتأثر."
ناظره الرجلان بحنق، فرسم ابتسامة بلهاء على ملامحه، ليقول سالم بجمود:
"اللي هيوجعه المخدرات. وبعدين ناجي أكتر واحد قلبه أسود في الدنيا. يعني حتى لو هي متفرقش معاه، لازم هينتقم. وإحنا المفروض نستغل دا."
جاءهم صوت جاف من خلفهم:
"ياترى هتستغلوه إزاي؟"
كان هذا صوت هارون، وبجانبه صفوت الذي أومأ برأسه إلى سالم، ففهم الأخير ماذا يقصد، ليتواجه مع هارون قائلًا بخشونة:
"حمد لله على السلامة."
هارون بجمود:
"الله يسلمك."
سالم باستفهام:
"ناوي على إيه؟"
لونت الحيرة معالمه، إضافة إلى خيبة الأمل التي تجلت في صوته حين قال:
"مش عارف."
طارق بجفاء:
"لازم تعرف وتحدد موقفك. يا معانا يا علينا."
رمقه هارون باستخفاف، قبل أن يوجه حديثه إلى سالم قائلًا بجفاء:
"عايز أشوف أخواتي هما فين؟"
أجابه مروان بسخرية:
"قاعدين يندبوا جنب جنة قدام أوضة سليم."
ظهر الخزي بعينيه، ينافي لهجته، حين قال بجمود:
"اتأكدت إن هو اللي عمل كده؟"
أومأ سالم بصمت، فأضاف مروان ساخرًا:
"اتأكدنا وبس! ده البيه كان متصل يشمت كمان."
استفهم سالم قائلًا:
"أنت كنت مصدقه؟"
احتار بماذا يجيبه، فما أخبره به كان قاسيًا مروعًا للحد الذي جعله يتمنى لو أنه كان كاذبًا. وحين تأكد من كذبه، تفشت لعنات الحزم بقلبه، إضافة إلى الخزي من ذلك الوالد الذي تمنى دومًا أن يتعرف إليه، ليتفاجأ بأنه أسوأ أب على الإطلاق.
زفر بقوة وهو يحاول التغلب على ذلك الحريق الناشب بداخله، ليقول بجمود ينافي لوعة قلبه:
"في الأول لما سمعت منه، أتمنيت يكون بيكذب. ماهو مفيش أم تكون بالبشاعة دي، ولا أهل يكرهوا ابنهم كده. وبعد لما اتأكدت إنه بيكذب، أتمنيت لو كان فيه حاجة واحدة صح قالها. حاجة واحدة تشفع له وتخليني أقدر أسامحه."
تشارك الرجال الأربعة في شعور الشفقة على ذلك الولد الذي لم يكن سوى ضحية أخرى لذلك الشيطان الذي لم ينجُ من بطشه أحد.
تحدث مروان بلهجة ودودة بعض الشيء:
"بص، متدوروش عشان مش هتلاقوا. اللي زي ده جاي الدنيا يرازي في خلق الله وبس. اسألني أنا."
هارون باستفهام:
"وأنت كمان؟ ليه عملك إيه؟"
مروان بقهر:
"عقد لي أمك، وطلّع عليّ كل حاجة وحشة عملها فيها. يا ستي أنا مالي! يا ستي سبيني أتجوز أنا والبت اللي هتخلل جنبك دي. مفيش فايدة."
ابتسم الجميع، فتدخل صفوت قائلًا بسخرية:
"لا، ده مروان عادي. اتعود عليه كده."
استفهم هارون بحرج:
"هو فعلًا موضوع جوهرة وألبرت ده؟"
أجابه سالم باختصار:
"صحيح."
هارون باستفهام:
"عرفتوا إزاي؟"
تولى طارق الإجابة هذه المرة:
"لما كنا مراقبينكم في ألمانيا وسمعناها هي وناجي بيتخانقوا. يومها راحت لألبرت بالليل أوضة نومه. ومن أول ما جه مصر وهي بتتواصل معاه."
أومأ برأسه، قبل أن يطلق زفرة حادة من جوفه، ليقول بعدها بحزن:
"ناويين على إيه معاه؟"
أعاد سالم صياغة السؤال قائلًا:
"أنت ناوي على إيه؟"
امتزجت الحيرة مع اليأس في عينيه، قبل أن يحسم قراره قائلًا بجفاء:
"هقولك زي ما قلت له قبل كده. مش هاذيه حتى لو كان أسوأ راجل في الدنيا. ده أبويا مهما كان."
صيحات استنكار خرجت من فم طارق ومروان، بينما ظفر صفوت حانقًا، ليقطع سالم الحديث قائلًا بحسم:
"وأنا مش هطلب منك كده، ولا أنا كمان هعمل كده. أبوك سابش فرصة لحد يأذي. هو أذى الكل، وأولهم نفسه."
لم يريحه حديث سالم، ولكن آثر تغيير الحديث حين قال:
"على فكرة، هو مش هيصدق بسهولة إن ألبرت يخونه."
سالم بخشونة:
"هيصدق لما يشوف بعينه."
هارون بصدمة:
"يعني إيه؟ أنت..."
تدخل مروان قائلًا:
"إحنا مصورينهم، وهم في اليخت بتاعه هنا في مصر."
هارون بصدمة:
"لحظة واحدة. يعني هي خرجت تقابله وهي هنا؟ طب إزاي؟"
أجابه سالم قائلًا:
"من أول ما ألبرت جه مصر وهي على تواصل معاه لحد ما طلب منها إنها تقابله. وتاني يوم ده رامي الحارس اللي كان ناجي مجنده في القصر كان نازل السوق هو والحاجة نعمة، اللي شافت جوهرة رايحة الجراج، وقالت لي. وراقبناهم لحد ما نزل نعمة في السوق ونزلها هي في شارع جانبي بعيد عن السوق شوية، كان مخبيها في شنطة العربية عشان نعمة متشوفهاش. وبعدها جت لها عربية وصلتها اليخت بتاعه، وبعد تلات ساعات رجعتها تاني مكان ما نزلها رامي اللي كان مستنيها هناك."
وضع هارون يده فوق رأسه، فقد توالت الصدمات فوق رأسه. فقد كان يتمنى لو أن الثلاث سنوات الماضية تنمحي من حياته، ولا يتعرف لذلك الرجل أبدًا. فقد كان يكفيه ذلك الأب الروحي الذي رباه على كل شيء جيد، ليتفاجأ بأنه ابن أسوأ شخص بالعالم. والذي يتوقع منه رد فعل مروع لما حدث، فما أن يرى ذلك التصوير الذي يتحدثون عنه، حتمًا سيقيم القيامة.
"اللهم رب السموات، ورب الأرض، ورب العرش العظيم، ربنا ورب كل شيء، فالق الحب والنوى، ومنزل التوراة والإنجيل والفرقان، أعوذ بك من شر كل ذي شر أنت آخذ بناصيته، أنت الأول فليس قبلك شيء، وأنت الآخر فليس بعدك شيء، وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء، اقضِ عنَّا الدَّيْنَ وأغننا من الفقر."
"و بالفعل كانت الجدران تهتز من صرخاته حين شاهد ذلك المقطع الفاضح لتلك الحقيرة وهذا الخائن. فقد كان يومًا سيئًا منذ بدايته حين جاءته هذه المكالمة التي كانت بداية الحريق."
"عودة للأمس"
"أنت بتستعبطني يا ناجي؟ مش عارف أنت بتتعامل مع مين؟"
ناجي بفزع:
"فيه إيه يا حجاج؟ حصل إيه؟"
صاح الرجل بصوت جهوري يحمل وعيد وتهديد صريح:
"حصل إيه؟ أنت عبيط ولا بتستعبط! فاكر إنك ممكن تضحك على حجاج الوالي! ده أدَفنك حي ولا إنك تستغفلني. الظاهر إنك خلاص راحت عليك. عايز نهايتك تبقى سودا، وأنا عينيا ليك. هخليها أسوأ مما تتخيل."
لم يعد يحتمل ما يحدث، لذا صاح بانفعال:
"هتقعد طول اليوم تهدد من غير ما تعرفني حصل إيه؟"
حجاج بجهامة:
"بقى أنا تلبسني العمة وتبعتبلي دقيق بدل المخدرات! فاكرني فاتح فرنة! اسمع لما أقولك. الخمسين مليون بتوعي يرجعولي النهاردة لو عايز تفضل عايش لبكرة، ومتفكرش إني هصهين عالـ حركة دي! لأ. أنا ما عاش ولا كان اللي يغفلني، واللي حصل ده الكبار لازم يعرفوا بيه."
جن جنونه حين استمع لكلمات حجاج، ولم يصدق ما حدث، لذا صاح بغضب:
"ده أنت بقى اللي بتستعبطني. أنت فاكر إني أهبل عشان أصدق كلامك ده! تلاقيك عامل الحركة دي كلها عشان تلهف الفلوس والمخدرات! لأ، مش أنا اللي يتعمل معايا كده. فوق. أنت عارف كويس أنا مين وأنت بتتكلم مع مين، والكبار اللي أنت بتهددني بيهم دول أنا معاهم من سنين وعارفين شغلي كويس."
دق الرعب أوتاده في قلب حجاج، الذي هدأ انفعاله ولانت لهجته قليلًا حين قال:
"أنا مش هضحك عليك. الشحنة زي ما هي، تقدر تبعت الراجل بتاعك وهو يتأكد بنفسه. أنا أكيد مش هضر نفسي. أنا محتاج الشحنة دي وأنت عارف كده، يبقى مش هوقف حالي، ولا هفكر أنصب عليك، ما أنت أكيد هتعرف."
حديثه مقبولًا بالنسبة إليه، وهو يعلم أن هذا الحجاج أضعف من أن يلفق كذبة مثل هذه، لذا قال بجفاء:
"هبعتلك راجل من بتوعي يتأكد بنفسه، وياويلك لو كنت بتكذب عليا."
أغلق الهاتف وقام بالاتصال بألبرت، ليأمره بضرورة التحري عن الأمر، وما هي إلا ساعة واحدة حتى أتاه اتصالًا هاتفيًا منه:
"ماذا حدث ألبرت؟"
"الرجل مُحق سيد ناجي، فالمخدرات تم استبدالها."
أطلق صرخة عالية وأخذ يطلق السباب دون وعي، ليتابع ألبرت قائلًا بعملية:
"بدلًا من السباب وإطلاق اللعنات، علينا أن نعيد للرجل أمواله حتى لا تهتز صورتك أمام الرؤساء، وبعدها لنعاقب من فعل ذلك."
ناجي بحنق:
"أقسم، سأدق عنق ذلك الحقير الذي تجرأ ولعب معي هذه اللعبة القذرة."
ألبرت بقسوة:
"إذن لنبدأ بفعل ذلك الآن."
ناجي باستفهام:
"ماذا تقصد؟ هل تعرف من فعل هذا؟"
"ومن غيره؟"
ناجي بتفكير:
"تقصد سالم الوزان؟"
ألبرت بتأكيد:
"نعم. أعتقد أنه استغل مرضك المزعوم ليضرب ضربته. فهو بالتأكيد يعلم خطورة هذا الأمر في عالمنا، وبهذا يضمن أنه سيقضي عليك بسهولة ودون أن يتدخل."
بدا كلامه مقنعًا كثيرًا، لذا اهتاج ناجي قائلًا بانفعال:
"ذلك الحقير. أقسم، سأقتله بأبشع الطرق."
ألبرت بقسوة:
"الموت رفاهية كبيرة لا تمنحها بسهولة. سأرسل له تحية خاصة ستجعله يفكر كثيرًا قبل أن يعبث معك مرة أخرى."
ناجي بحنق:
"ماذا ستفعل؟"
"سأجعله يتحسر على طفله. فإن كان الحظ معه مرة ونجت زوجته، فلن يكون معه دائمًا ولن ينجو الرضيع."
ابتسم ناجي بشر:
"أعجبتني الفكرة كثيرًا، وأنا سأرسل له هدية ليلتهي بها وتجهز على ذلك الاسم البغيض إلى الأبد."
"عودة للوقت الحالي"
صاح ناجي وهو يقوم بضرب الطاولة أمامه لتنقلب ويتناثر كل ما فوقها، وهو يصيح بصوت جهوري هز أرجاء القصر:
"آه يا ابن الكلب! والله لهوريكوا النجوم في عز الضهر، وهعرفكم مين هو ناجي الوزان."
"اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي التي فيها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت راحة لي من كل شر."
"لا يمر الليل مرور الكرام على العاشقين، فإما أن يأتي حاملاً الحنين في جعبته، أو يأتي محملاً بنوبات شوق ضارية تزعزع ثبات أعتى القلوب، فكيف بقلب رهيف على غرارها؟"
"ليلة طويلة مرت عليها وهي حاملة بقلبها جمرات الحنين والشوق، حنين لوجوده وشوق لرؤيته. وكلاهما أشد وأقوى من الآخر، ولا قدرة لها على مقاومة أي منهما. وحين لجأت للنوم تخلى عنها، لتقضي ليلتها برفقة طيفه الذي لا يفارقها أبدًا، إلى أن أتت الفتيات إليها، لتقوم سما باحتضانها قائلة بمواساة:"
"إن شاء الله هيخف ويقوم بالسلامة."
"جنة بخفوت:"
"إن شاء الله."
"ارتجفت شفاه سما دلالة على مقاومتها رغبة ملحة بالبكاء، لتتعثر الحروف فوق شفتيها حين قالت:"
"حقك عليا. لو بإيدي آخد تار سليم منه هعمل كده ومش هتردد ثانية. لو كان ينفع أفتديه وآخد الطعنة دي مكانه، والله ما كنت هفكر ثانية واحدة. صدقيني يا جنة."
"احتوتها جنة بين ذراعيها وهي تشعر بالألم والشفقة على حال تلك الفتاة التي تتلخص مأساتها في هذه الحياة في والدها."
"متقوليش كده يا سما. أنتِ ذنبك إيه؟"
"سما من بين عبراتها:"
"على الأقل مش هسمع اسمه ولا سيرته تاني. هتخلص من العار اللي ملاحقني طول ما أنا بنته."
"اقتربت شيرين تربت برفق على خصلات شقيقتها وهي تقول بأسى:"
"إحنا مجروحين زيكوا وأكتر يا جنة، وفي نفس الوقت خايفين نقرب منكم لا تلوموا علينا، أو تحملونا ذنبه."
"جنة بلهفة:"
"أوعي تقولي كده. إحنا كلنا في مركب واحدة، وإحنا عارفين قد إيه أنتوا أكتر ناس اتأذيتوا منه. محدش فينا عمره هيلوم عليكم ولا هيفكر يشيلكم ذنبه."
"همست سما من بين عبراتها:"
"إحنا بنحبكم أوي والله يا جنة. يا ريت لو في إيدينا أي حاجة نعملها عشان نمنع أذاه عنكم، بس إحنا حتى مش قادرين نمنع أذاه عننا."
"لم تعرف جنة بماذا تخبرها، فقامت بضمها بيد، وبالأخرى شيرين، التي كانت لا يقل حالها عن حال شقيقتها، فقد كان حالهم محزنًا، وخاصةً لذلك الثلاثي الذي كان يناظرهم بقلب ينفطر ألمًا على وجعهم، وقد كان شعوره مختلف تجاههم. فمن بين كل تلك المآسي، أصبح لديه أم تعاني من العذاب والذنب، وشقيقتان بقلب مكسور وشعور عارم بالخزي من أفعال والدهم، وقد كان يتشارك مع الجميع في شعورهم، لذا عزم على مساندتهم جميعًا، وهو أولهم."
"مهما حاولنا إننا نبعد عنهم الإحساس بالذنب مفيش فايدة. شايفين إنهم عشان بناته يبقى يتحملوا نتيجة أفعاله."
"هكذا تحدث طارق بلهجة خافتة ولكن حزينة، وأيده مروان قائلًا بأسى:"
"ياخي صعب أوي لما بنتين زي الورد ينطفوا بالشكل ده بسبب أبوهم، ويبقوا كارهين يسمعوا اسمه. بدل ما يكون هو سندهم في الدنيا دي، يكون هو سبب خوفهم وكسرتهم بالشكل ده!"
"كانت كلماتهم كالخناجر تمزق قلبه، فهو مثلهم. يشاركهم الشعور بالذنب والخزي من ذلك الرجل، ولكن لا يملك رفاهية الانهيار ولا البكاء، لذا تجاهل حديثهم وتقدم إلى حيث تقف الفتيات، فأثار وجوده حفيظة الجميع وتبلور الترقب في نظراتهم. ليقترب مروان يحاوط كتف سما، وكذلك فعل طارق مع شيرين، فتجاهل فعلتهم ووجه حديثه إلى جنة قائلًا بنبرة جامدة:"
"الف سلامة عليه. إن شاء الله يخف ويرجع أحسن من الأول."
"ابتسامة بسيطة ارتسمت على شفاهها قبل أن تقول بنبرة هادئة:"
"الله يسلمك. إن شاء الله."
"شعرت جنة بالحرج من وجودها بينهم، فقالت بخفوت:"
"أنا هدخل أطمن على سليم، عن إذنكم."
"دَلفت إلى داخل الغرفة، تاركة المجال للجميع بالحديث، ليتحدث هارون موجهًا حديثه إلى شيرين قائلًا بلهجة هادئة:"
"إزيكم يا شيرين."
"شيرين بتحفظ:"
"الحمد لله."
"التفت لينظر إلى سما قائلًا بنفس لهجته:"
"عاملة إيه يا سما؟"
"سما بخفوت:"
"كويسة."
"ارتفعت نظراته لتتفرق بين الشقيقان، ليقول بجفاء:"
"عايز أتكلم مع أخواتي على انفراد."
"نظر كل من طارق ومروان إلى بعضهما البعض، ليقول الأخير باستنكار:"
"إخواتك وعلى انفراد! ده أنا اللي جوزها من قبل ما نعرفك مقعدتش معاها على انفراد."
"وأيده طارق قائلًا بجفاء:"
"انفراد إيه وبتاع إيه؟ ما تتكلم قدامنا. هو إحنا غرب!"
"لم يجبهم، إنما نظر إلى شقيقاته وهو يقول بنبرة جادة:"
"ياريت كل واحدة تطلب من جوزها يسيبنا نتكلم على راحتنا. ممكن؟"
"اغتاظ الرجلان من حديثه، بينما شعرت الفتيات بفضول كبير للتحدث معه والتعرف إليه، لذا ما أن هم طارق بالحديث، حتى باغتته شيرين قائلة:"
"طارق معلش تسيبنا شوية شوية؟"
"هتف مروان بتشفي:"
"يالهوي عالكسفة اللي أنت فيها يا حازم حازم. تسيبنا شوية! مفيش بربع جنيه سيطرة خالص كده!"
"اغتاظ طارق من حديثه وما أوشك على الرد، فاجأته سما حين قالت بخفوت:"
"وياريت أنت كمان تسيبنا لوحدنا يا مروان!"
"شهق مروان بصدمة:"
"نعم! أنت كمان تسيبنا يا مروان! يخربيتك. بت أنتِ إحنا مش لسه فاتحين صفحة جديدة امبارح، يا اللي تتفتح دماغك أنتِ. إيه ذاكرة السمكة! بتبيعيني في أول محطة على طول كده، يخربيتك."
"سما بتوضيح:"
"مش ببيعك والله، بس..."
"قاطعها هارون الذي قال بصرامة:"
"ياريت بلاش كلام كتير ملوش لازمة. طلبت منك بكل ذوق تسيبنا لوحدنا. اتفضل يالا."
"عض مروان على شفتيه بحنق، وخاصةً حين شاهد نظرات التشفي من قبل طارق، ليتوعد لها من بعيد وهو يغادر برفقته، تاركين هارون الذي وزع نظراته بينهم، قبل أن يقول بنبرة هادئة:"
"ما تيجوا ننزل نشرب حاجة تحت؟"
"تلمع الخوف بعيني سما وارتجفت شفتيها، وارتفعت أنظارها تلقائيًا إلى شيرين، التي كانت حالتها لا تقل عنها خوفًا، ولكنا حاولت الثبات قدر الإمكان وهي تقول:"
"وننزل تحت ليه؟ ما نتكلم هنا أحسن."
"شعر بخوفهم، وقد أغضبه ذلك. فما فعله ذلك الشيطان جعل شخصية كل منهما مهزوزة، يفتقران إلى الثقة، ولهذا رسم ابتسامة مطمئنة على ملامحه حين قال:"
"متخافوش أوي كده. أكيد مش هخطفكم يعني. أنا هنا مخطوف أساسًا، وأنا اللي مفروض أخاف على فكرة."
"قال جملته الأخيرة مازحًا، فابتسمت سما على حديثه، بينما شيرين لازالت تتخبط، لذا تابع بلهجة جادة:"
"هقعد في الكافتيريا تحت. إحنا هنا في جناح العمليات، وأكيد مش هنحكي هنا!"
"تطلعت الفتيات إلى بعضهن البعض، قبل أن تطاوعانه، ليتوجها ثلاثتهم إلى الأسفل، وبعد وقت قصير شرع هارون في الحديث قائلًا بجدية:"
"طبعًا أنتوا أكيد مش واثقين فيا. يعني متعرفونيش، ولسه عارفين من شهر إن ليكم أخ، وخصوصًا إن عندنا أب زي ناجي."
"هتفت سما باندفاع:"
"الراجل ده مش أبويا. مفيش أي صلة تربطني بيه."
"هارون بحزن:"
"ياريت. ياريت ميكونش فيه أي صلة بتربطنا بيه. بس كل إنسان في الدنيا مبتلى في حاجة في حياته، وإحنا ابتلاءنا جاي فيه، وعلى قد ما هو ابتلاء صعب، بس مش هنقول غير الحمد لله على كل شيء."
"تحدثت شيرين بجفاء:"
"يعني عرفت حقيقته! واتأكدت إن ماما مظلومة؟"
"هارون بنبرة مشجبة:"
"عرفت، وهتصدقيني لو قولتلك إني كنت حاسس بكده، وعشان كده جيت على هنا. أنا كنت عارف إنهم بيراقبوا القصر."
"شيرين باستفهام:"
"وأنت تعرفهم منين؟"
"هارون بسخرية:"
"البركة في ناجي بيه. كان عايزني أعرف أعدائي كويس."
"سما بلهفة لم تستطع أن تخفيها:"
"يعني أنت كنت عايز تيجي عشان تشوفنا!"
"اهتز قلبه رغمًا عنه من كلماتها، وقال بلهجة حانية:"
"هتصدقيني لو قولتلك آه؟"
"أومأت سما بنعم رغمًا عنها، وبدأت جفونها بالاهتزاز من فرط ما تحمله من عبرات، لتقول بنبرة ترتجف ألمًا:"
"هصدقك. قلبي بيقولي إنك مبتكذبش، وكمان ربنا عارف إننا مش وحشين عشان يبقى أبونا وحش وأخونا كمان وحش."
"بكل طاقته يحاول أن لا يتجاهل تلك الضغينة التي تزداد بقلبه تجاه ذلك الرجل يومًا بعد يوم، ولكن الآن لم يستطع تجاوزها، فهذا المسخ قام بإيذاء الجميع، حتى أقرب الأقربين إليه."
"سما بطلي شغل عيال، وامسحي دموعك دي."
"التفت هارون يناظرها، وقد أعجب ببقايا القوة التي لازالت تتحلى بها، لذا قال بلهجة هادئة:"
"سيبيها. يا بختها إنها قادرة تعيط."
"باغتتها إجابته، فبرقت عينيها من الصدمة، فتابع بسخرية مريرة:"
"العياط بيريح، الدموع دي بتمسح على القلب وبتغسله من الحزن اللي ممكن يقضي عليه في لحظة."
"تأثرت كثيرًا من حديثه، فقالت باندفاع:"
"أنت نفسك تعيط؟"
"ابتسم هارون على كلماتها، قبل أن يقول بمزاح:"
"تخيلي واحد زي الهلف زيي كده يعيط!"
"ذكره هذا اللقب بتلك الفتاة الصغيرة صاحبة العينين البنيتين الكبيرتين، وذلك الجسد الأنثوي الصغير، وتلك الخصلات البُندقية التي تعقصها كذيل حصان يتدلى بحيوية خلف ظهرها. كل تلك الصفات تجعلها جميلة بطريقة مختلفة، ولكنه لا يعلم ما هي صلة قرابتها بمن في القصر، فحين أخبره والده عن الجميع، لم يأتِ على ذكرها أبدًا."
"مش أحسن ما الحزن يقضي عليك!"
"أخرجه من شروده صوت شيرين المليء بالأسى، فقال بنبرة جافة:"
"هضيع من عمري قد ايه وأنا ببكي، وفي الآخر مفيش حاجة هتتغير."
"سما باستفهام:"
"وأنت عايز تغير إيه؟"
"هارون بصدق:"
"كل حاجة. عايز أغير كل حاجة. عايز أعيش لأول مرة حياة طبيعية وسط عيلة وأهل يخافوا عليا وأخاف عليهم. أنا كانت أمنية حياتي من وأنا صغير إن يكون عندي أم أترمى في حضنها. كنت طفل مش فاهم حاجة، ولما كبرت وفهمت طلبت من أبويا، أقصد الراجل اللي رباني، إنه يتجوز ويجيب لي أم. بس هو كان رافض. لحد ما بدأت أتأقلم على حياتي كده. بس كانت دي أعظم أمنية اتمنيتها في حياتي."
"اخفض رأسه يحاول إخفاء تلك الدمعة الهاربة من عينيه، ليقول بنبرة جريحة كحال قلبه:"
"عشان كده مش هسامحه."
"رغمًا عنها امتد كفها، ربتت على خاصته فوق الطاولة، ليرفع رأسه يطالع سما، التي قالت من بين عبراتها الخرساء:"
"عشان شوه صورتها في عينك!"
"هارون بقهر لم يفلح في إخفائه:"
"عشان بعد ما رفعني لسابع سما وقال لي إنها عايشة وموجودة، دفني في سابع أرض لما قالي إنها رمتني واتخلت عني. ودي كانت أول مرة أبكي فيها وأنا كبير كده. لكن مصعبتش عليه."
"أخذ نفسًا قويًا قبل أن يتابع بأسى:"
"يومها قالي مش عايزك تبقى ضعيف. عايزك قوي، جبار. عشان يخافوا منك، ويعملوا لك ألف حساب، وعشان تاخد تارك وتاري منهم."
"شهقة قوية شقت جوف شيرين، التي قالت من بين انهيارها العظيم:"
"ده نفس اللي قالهولي. أوعي تبكي. عايزك جامدة. محدش يقدر يكسرك. عشان تاخدي تارنا منهم."
"دقيقة صمت أحاطت بهم، كان يتخللها بعض الشهقات من جانب الفتيات، بينما هو كان يقمع حزنه وانهياره بشق الأنفس، إلى أن استطاع تجاوز تلك الغصة القوية في منتصف حلقه، ليمد يديه، واحدة تحتضن كف سما، والأخرى تحتضن كف شيرين، وهو يقول بنبرة متحشرجة:"
"من النهاردة أنا موجود وهحميكوا منه، ومن أي حد يفكر يأذيكم. ربنا له حكمة في كل حاجة حصلتلنا، ولو كل العذاب اللي شوفناه في حياتنا نهايته إننا نتجمع سوى ويتلم شملنا، فأنا راضي."
"اهتز قلب سما، التي قالت من بين شهقاتها:"
"طول عمري كان نفسي يكون ليا أخ أتسند عليه، وأجري عليه لو حد زعلني. إحساس إن مالكش ضهر صعب أوي. بس النهاردة ودلوقتي بالذات حسيت إن بقى عندي سند، ودا أحلى إحساس في الدنيا."
"شدت يديه فوق خاصتها، بينما ارتسمت ابتسامة رائعة على شفتيه، ليجذبه صوت شيرين المهتز:"
"هتقدر تقف قدامه؟ ده وحش أوي. لو اعتبرك عدوه مش هيسمي عليك. ده حاول يقتلني قبل كده، ومفرقتش معاه، ولا اتهز فيه شعرة واحدة."
"شدد من احتضانه لكفها، وهو يقول بجفاء:"
"متخافيش عليا. مش هيقدر يأذيني، ومش هسمح له يأذي حد فيكم. من النهاردة أنتوا في حمايتي."
"ابتسمت شيرين من بين عبراتها، لتقول بشفاه مرتعشة:"
"ياريتك ظهرت من زمان. ما كنا اتبهدلنا كده."
"عجز اللسان عن وصف ذلك الشعور الرائع الذي يتخلله أمان واحتواء ودموع فاضت بها القلوب، ودعوة صامتة من هارون، الذي فتح ذراعيه إليهما، لتدفع الفتاتين إلى أحضانه، تعانقانه بقوة وسط انهيارهم ومرارة ما يشعرن به، والتي انمحت إثر ذلك العناق الحنون الذي يتلخص به معنى العوض."
"ماشي يا سما الكلب، أما علقتك من ودانك اللي شبه ودان الفيل دي؟"
"هكذا تحدث مروان الغاضب، وبجانبه طارق الذي لا يقل غضبًا عنه، والذي سرعان ما تجمدت الدماء في أوردته حين شاهد ذلك العناق الثلاثي بينهم، ليندفع مروان قائلًا بصدمة:"
"نهار أسود. اللي أنا شايفه ده حقيقي! ده بيحضنهم. قعد معاهم خمس دقايق وخد حضن المطارات ده! وأنا اللي كاتب كتابي بقالي سنة متشحتف على مسكة إيد! يا ابن الصايعة."
"على الرغم من غيرته الهوجاء، إلا أنه تفهم حالتها وما تمر به الآن، لذا سيطر على حالته وقال بجفاء:"
"بطل سخافة واحترم مشاعر الناس!"
"مروان بحنق:"
"احترم إيه وأنيل إيه؟ معاك طبنجة! أنا هخلص عليهم وأنت تخلص على ناجي ومرات عمي تسم همت، ونبقى ارتحنا خالص. ما أنا مرارتي مبقاش فيها مكان لحصاوي تانية. في خطر على حياتي. هتجلط يا عالم هتجلط."
"طارق بسخط:"
"ياريت عشان نرتاح."
"مروان بصدمة:"
"أنت جبلة ياله! ما تيجي أغزك كده أشوف اللي بيجري جوا ده دم ولا بنزين؟"
"لا يا ظريف أوي."
"مروان بسخط:"
"ظريف إيه يا ابني؟ الحضن ده مش بيحرك أي حاجة جواك؟ رغبة في القتل مثلًا! رغبة في اللطم على وشك من حظنا الفقر يعني!"
"طارق بسخرية:"
"قصدك حظك أنت الفقر! أنا حظي حلو، وراضي بيه. الدور والباقي عليك يا بائس."
"قال طارق جملته وعاد أدراجه للأعلى، ليتنبه مروان لكلماته، فهتف مفكرًا:"
"راضي بيه، وحظه حلو؟"
"فجأة صاح ساخطًا:"
"آه طبعًا ما أنت تلاقيك خاربها، وأنا الغلبان الحزين اللي وقعت في أم أربعة وأربعين وأمها."
"نفخ ثاني أكسيد الكربون من أنفه بغضب وهو يقول باستنكار:"
"شوف البت ماسكة فيه إزاي! الهي يمسكك سلك عريان يا سما يا بنت همت."
"اللهم افتح علينا فتوح العارفين بك، وأنزل علينا يا ربنا من خزائن فضلك ورحمتك ما تثبت به أفئدة المسلمين. اللهم انقلنا إلى أحسن حال، انقلنا من الضيق إلى السعة، ومن الغضب إلى الرضا."
"هل يمكن أن يصل بنا العشق للحد الذي يجعل ملامح شخص ما تنطبع بداخلنا؟ أن تصبح أنفاسه هي أكسجيننا النقي؟ أن ينتشي القلب حين يلامسه وترتوي الروح حين تراه؟"
"تلك المرحلة من العشق تدعى الهيام، وهي حالة فريدة من نوعها لا يصل إليها الإنسان بسهولة ولا يستطيع التراجع عنها أبدًا."
"لو تعرف بحب ملامحك دي قد إيه؟ ولا مرة وقفت قدامك وكنت قادرة أشيل عيني من عليك. كنت بحس إني عايزة أغرق في تفاصيلك أكتر."
"صمتت لثوانٍ قبل أن تقول بخفوت:"
"أنا كتير أوي كنت بستكثرك عليا وأقول معقول الراجل ده بيحبني أنا؟ الراجل اللي مفيش زيه في الدنيا اختارني أنا من وسط كل البنات دي؟"
"استنشقت عبير أنفاسه قبل أن تقول بهمس:"
"يا ريت ينفع أرجع الماضي من تاني، وأنا مكنتش أضيع لحظة واحدة بعيد عنك. مكنتش هفارق حضنك أبدًا."
"أخذت أناملها الرقيقة ترسم ملامحه الرائعة بخفة الفراشة التي تتنقل بين الزهور، بينما هي تضع رأسها فوق على مقربة كبيرة منه حتى تعانقت أنفاسهم، وقد كان هذا السبيل الوحيد لجعلها تشعر بالهدوء والسكينة التي جعلتها تغفو دون أن تدري، فلم تشعر بتململه بجانبها، ليقوم بفتح عينيه أخيرًا، وكان أول ما وقعت عليه أنظاره صفحة وجهها الرائع الذي كان مقابلًا لوجهه، مما جعل ابتسامة بسيطة على شفتيه، فقد كان هذا أقصى أمانيه أن يجدها أمامه بتلك الصورة التي تمكنه من نثر عشقه فوق ملامحها بخفة، متجاهلًا ذلك الألم الذي يجتاح جانبه الأيسر، ولكن فكرة مجنونة انتابته، ليحاول أن يعتدل من نومته وهو يئن من الوجع، وبكل ما يمتلك من قوة، قام بإحاطة خصرها بيده السليمة لجعلها تشاركه السرير، فإذا بها تشعر بما يحدث، ففتحت عينيها بصعوبة لتقول وهي في حالة من التوهان:"
"سليم أنت صحيت بجد ولا أنا بحلم؟"
"ابتسم على حديثها وعلى تعبها الجلي على ملامحها والذي يجعلها في تلك الحالة، فقال بخفوت:"
"بتحلمي. قربي مني نحلم سوا."
"أطاعته وهي بين اليقظة والنوم، ورفعت جسدها، وبمساعدتها جعلها تستلقي بجانبه على السرير، فأخذ يحاول استرداد أنفاسه، فقد كان مجهودًا شاقًا عليه، ولكن قلبه يشعر بالراحة لكونها بجانبه، فقام بالتشديد من احتوائها وهو ينثر عشقه فوق جبهتها، لتقوم بإحاطة خصره بحركة عفوية مثلما كانت معتادة أن تفعل، فابتسم بخفوت قبل أن يغمض عينيه طالبًا بعض الراحة."
"اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي وشر الشيطان وشركه."
"يعني عمتي أدتها العلقة التمام؟ جدعة والله بردت ناري شوية."
"هكذا تحدث سالم بتهكم بعد أن قص عليه صفوت ما حدث، ليجيبه الأخير قائلًا:"
"آه والله، هي بردت نار الكل. بس الحمد لله إننا وصلنا في الوقت المناسب، وكمان لولا ستر ربنا وتدخل لبنى، مكنش حد عارف كانت ممكن تعمل في همت إيه."
"سالم بخشونة:"
"ربنا مبيعملش حاجة وحشة. يمكن الموقف ده كمان يكون سبب إن قلبه يلين من ناحيتها."
"ارتسمت ابتسامة هادئة فوق ملامح صفوت، الذي قال باعتزاز:"
"الولد ده مش شبه ناجي خالص يا سالم. تحس إنه شبهنا وشبه أبويا الله يرحمه. أنا كنت حاطط إيدي على قلبي ليبقى عندنا ناجي جديد."
"سالم بسخرية:"
"ناجي جديد إيه يا صفوت، إحنا كده على رأي مروان نروح ندفن نفسنا أحسن."
"تبسم صفوت قبل أن يقول بجدية:"
"طب أنا متابع التحقيق مع اللوا نجدت، واتواصلت مع النائب العام، وحوار رفع الحصانة ده متقلقش منه. كل ده غرضه التشويش مع محاولة القتل الفاشلة بتاعته دي، كان عايز يضربك من جميع الجهات. لكن الحمد لله ربنا كبير، وأنت متقلقش."
"سالم بجمود:"
"مش قلقان. بس لازم نفكر صح عشان نخلص منه المرة دي. كفاية أوي كده."
"صفوت بغموض:"
"طب إحنا كده المفروض نخرج من المستشفى عشان نقدر نكمل اللي بدأناه."
"سالم بخشونة:"
"نطمن على سليم الأول وبعدين نخرج، وأول ما هو يبدأ يتحرك هناخد إحنا الخطوة الجاية."
"صفوت باستفهام:"
"سليم لسه مطلعش من العناية المركزة بردو؟"
"لأ. الحمد لله حالته مستقرة، بس هو في أمان هناك أكتر. الدكتور طمني، بس فيه حاجة مقلقاني أوي."
"صفوت باستفهام:"
"حاجة إيه؟"
"ما أن أوشك أن يجيبه، حتى سمع نداء الممرضة من خلفه:"
"سالم بيه."
"التفت سالم يناظرها قائلًا:"
"نعم."
"الممرضة بحرج:"
"أخو حضرتك فاق. بس..."
"سالم باستفهام خشن:"
"بس إيه؟ حصل حاجة؟"
"تدخلت فرح الآتية من الخلف قائلة بمرح:"
"بس مش عايز يقابل حد دلوقتي."
"اقترب منها سالم وهو يحمل طفله من بين يديها ليحتضنه بحب، قبل أن يقول باستفهام:"
"يعني إيه مش فاضي يقابل حد؟ هو قالك كده؟"
"تجاهلت استفهامه وقالت بحبور:"
"إزيكم يا عمو، عاملين إيه؟"
"صفوت بود:"
"إزيكم يا فرح. حمد لله على سلامتكم."
"فرح ببشاشة:"
"الله يسلمك."
"التفتت إلى سالم، الذي قال باستفهام:"
"فيه إيه يا فرح؟"
"اقتربت منه قائلة بخفوت:"
"مش فاضي يا سالم. مش لازم تستفسر يعني."
"قطب جبينه بعدم فهم، فصاح صفوت ساخرًا:"
"هتلاقي أخوك خاربها في العناية المركزة يا عم، مش فاضي يشوف حد."
"أخفضت فرح رأسها خجلًا وهي تحاول قمع ضحكاتها، بينما سالم ابتسم بهدوء وقال بتهكم:"
"ربنا يستر عليه ومروان ميشوفوش، وإلا هيخلي فضيحته بجلاجل."
"صفوت بسخرية:"
"ده مروان اللي هيزعل أوي لما يعرف اللي حصل لجوهرة."
"تنبهت فرح وقالت باستفهام:"
"ليه هو إيه اللي حصلها؟"
"صفوت بمزاح:"
"همت رنتها علقة محترمة."
"ابتهجت ملامحها وارتسمت ابتسامة عريضة على شفتيها، بينما اندفعت الكلمات من بين شفاهها:"
"بجد يا عمو!"
"التفت سالم يناظرها بخبث تجلى في نبرته حين قال:"
"ومالك فرحانة أوي كده؟"
"سُرعان ما تداركت الأمر ومحت تلك البسمة العريضة من فوق شفتيها، ليمنعها رنين هاتف صفوت من إجابته، ف تراجع الأخير ليجيب على هاتفه، فالتفتت قائلة بكبرياء وتعالٍ:"
"لا، وأنا هفرح ليه؟ أنا بس استغربت."
"اقترب منها قليلًا وهو يحني رأسه بجانب رأسها قائلًا بعبث:"
"طب عيني في عينك كده يا أم سليم."
"ارتسمت بسمة تشفي على شفتيها وهي تقر معترفة:"
"بصراحة فرحانة لدرجة إني عايزة أبوس عمتو همت من بقها. أينعم كان نفسي أنا اللي أديها العلقة دي، بس يلا، المهم إنها خدتها."
"عض على شفتيه من تلك المرأة التي يعشقها، فها هي تظهر أنيابها بشراسة تروق له كثيرًا، لذا قال بعبث:"
"طب ما تديني أنا البوسة دي وأنا وعد مني هخليكِ تديها بدل العلقة عشرة."
"زحف الخجل إلى وجنتيها ليضفي عليها حمرة رائعة مع تلك الابتسامة الجميلة التي زينت محياها، وحين أوشكت أن تجيبه، صدحت صرخات الطفل، لتقوم بأخذه من بين ذراعي سالم، وهي تقول بمزاح:"
"بتغيري على مامي ياروحي. لا متزعليش، مش هبوس حد غيرك."
"سالم باستنكار:"
"إزاي دا؟ اعملي حسابك، أنا عايز أخ لسليم في أقرب وقت."
"فرح باندفاع:"
"يبقى أكيد مش مني."
"سالم بمكر:"
"ماشي براحتك، هشوف جوهرة كده رأيها إيه في الموضوع ده."
"فرح بشراسة:"
"والله! طب جرب كده، وأنا مش هخليك تشوف تاني أصلًا."
"ابتسم بمرح قبل أن يقول بوقاحة:"
"أحبك وأنت شرسة كده."
"أخذت تتلفت حولها، وقد غمرها الخجل من كلماته العابثة، لتنهره قائلة:"
"سالم، بطل، إحنا في المستشفى."
"أجابها بنبرة مشتاقة:"
"وحشتيني."
"فرح بخجل:"
"مانا معاك أهو."
"الحمد لله إنك معايا."
"أجابته بمرح:"
"على قلبك العمر كله يا..."
"قاطعها بصرامة:"
"اياكِ تكمليها."
"استفهمت باندهاش:"
"ليه كده؟"
"سالم بخشونة:"
"عشان مش ضامن نفسي واحنا قدام الناس كلها. آه صحيح، قوليلي سليم مش فاضي بيعمل إيه؟"
"أجابته بخفوت:"
"عيب على فكرة!"
"برقت عينه وقال باستنكار:"
"عيب! هي وصلت للعيب؟ ده يومه مش معدي، ده أنا هطربق المستشفى على دماغه."
"فرح بلهفة:"
"لا، أنت فهمت إيه؟ هو بس نايم وجنة جنبه."
"سالم باستنكار:"
"لأ والله! بس كده؟ إحنا نروح أحسن، بلاش فضايح."
"تقدم الطبيب من كليهما ليقول موجهًا حديثه إلى سالم:"
"سالم بيه."
"قدم سالم من الطبيب قائلًا باستفهام:"
"فيه إيه يا دكتور؟"
"الست اللي اسمها نجيبة دي عمالة تهلوس بكلام مش مفهوم، مفهمتش منه غير اسم سالم، وكلام كتير تاني مش قادر أفسره."
"تحفزت جميع حواسه وقال بخشونة:"
"طب أنا ممكن أشوفها؟"
"الطبيب بأسف:"
"مش هينفع، خصوصًا إن فيه ناس متهمينك بقتلها."
"طب والحل؟ واضح إنها عايزة تقولي حاجة، وأنت شوفت منظرها جاير، متتحملش لحد ما هما يستجوبوها."
"صمت الطبيب لثوانٍ قبل أن يقول:"
"طب تعالى معايا."
"تبعه سالم ليتوجه إليها بعد أن ارتدى ثياب أحد الأطباء حتى لا يتعرف أحد إلى هويته، ليدلف أخيرًا إلى غرفتها، فقال بنبرة خشنة:"
"نجيبة."
"بشق الأنفس التفتت تناظره، فهاله مظهرها المريع، فقد كانت ملامحها مشوهة بالكامل، ولكنه حاول إبقاء عينيه عليها وهو يقول بلهجة جافة:"
"ليه عملتي كده في فرح؟"
"حاولت إخراج صوتها بصعوبة حين قالت:"
"سـ. سـ. ها..م!"
"توقفت الدماء بعروقه حين سمع حروفها التي تحمل اسمًا واحدًا لم يخطئ في فهمه:"
"سهام!"
"اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَلَيْكَ تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِعِزَّتِكَ، لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ أَنْ تُضِلَّنِي، أَنْتَ الحَيُّ الَّذِي لَا يَمُوتُ، وَالجِنُّ وَالإِنْسُ يَمُوتُونَ."
"ما لسه بدري!"
"التفت عدي إلى مصدر الصوت القادم من هذا الركن المظلم، ليجد ساندي التي كانت تنتظره، وعلى وجهها إمارات الغضب، فاقترب منها بعينين يرتسم بهما العبث الذي تجلى في نبرته حين قال:"
"إيه، إحنا هنبدأ في نكد الستات ده من أولها ولا إيه؟ لأ يا عم، متفقناش على كده."
"لا تبتسم، ولم تروق لها مزحته، فقد كانت تعيش الجحيم طوال الأيام المنصرمة وهي تراه يبتعد عنها، فلم تعد تراه كثيرًا، يخرج في الصباح ولا يعود إلا في منتصف الليل. لم يعد يمازحها، وتوقف عن السؤال عن أحوال والدها، فبدأ القلق ينهش في داخلها، ولم يعد قلبها يتحمل ذلك الألم الدامي وهذا الرعب الذي سيطر عليها من فاجعة فراقه، أو أنه سئم منها ووجد أخرى تعطيه ما تمنعه عنه."
"أجابته بلهجة جافة:"
"أنا بهزرش. ممكن أعرف بتروح فين وبتتأخر بره ليه كده؟"
"اقترب منها عدي لحد الخطر، وهو يقول بهسيس جعل دقاتها تتقاذف بين ضلوعها:"
"وحشتك؟"
"تراجعت خطوتين لتبقى في منطقة الأمان، لتقول بتلعثم:"
"جاوبني لو سمحت."
"كان يأكل الخطوات التي تبعدها عنه، وهو يقول بصوت أجش:"
"لو مجاوبتنيش أنتِ مش هجاوبك."
"ضاقت ذرعًا بما يمارسه من سحر على جميع حواسها، لذا قالت بانفعال:"
"عدي."
"كان انفعالها دليلًا على بداية انهيارها، لذا تابع بإلحاح وهو يثبت عينيه على خاصتها:"
"وحشتك؟"
"كانت أضعف من أن تقاوم شعاع السحر المطل من عينيه، وقد تجمع كل شيء ضدها، بداية من ذلك الشوق الضاري الذي يجيش بصدرها، إلى قربه منها بهذا الشكل، إلى خوفها، لتقول بخفوت:"
"وحشتني."
"هسهس قائلًا:"
"قد إيه؟"
"عاتبته عينيها أولًا حين قالت بنبرة مشجبة:"
"كتير أوي لدرجة إن قلبي بقى يوجعني من طول غيابك."
"اختلطت أنفاسهم، حين اقترب يحتضن ذراعيه بيديها، قبل أن يقول بحنو:"
"سلامة قلبك من أي وجع. ينفع قلبك يوجعك وأنا موجود. طب الناس تقول عليا إيه؟"
"قال جملته الأخيرة بمزاح ليقلل من انفعالها الذي كان يتجلى بوضوح على ملامحها، لتُعاتبه قائلة:"
"بطل هزار."
"طب اضحكي وأنا أبطل."
"لون الخبث نظراته ولهجته حين قال:"
"هزغزغك."
"ارتعشت وحاولت الإفلات من بين براثنه وهي تقول بتحذير:"
"إياك."
"لم تكد تكمل الكلمة حتى اندفع ينفذ تهديده، وهي تتلوى بين يديه وصوت ضحكاتها بملء المكان، لتحاول الفرار منه وهي تصيح قائلة:"
"خلاص يا عدي مش قادرة."
"سقطت فوق الأريكة وهو بجانبها يتخبطان بضحكاتهما الرائعة، لتحاول أن تعتدل فتجد نفسها قريبة منه لحد الخطر، إلى أن تلامست أنوفهم، وأضحت عينيها في مواجهة مباشرة مع خاصته التي دكن لونها وضَاقت حدقتاها، مما ينذر بأن الخطر قادم، وقد تجلى بلهجته حين قال:"
"ساندي. أنا مبقتش قادر أبعد عنك أكتر من كده."
"كانت لحظة خاطفة، تتوسل عينيها بأن تعطيه الإذن بالولوج إلى جنتها التي يشتهيها بكل جوارحه، ولدهشتها، قد كانت تتمناها هي الأخرى. غيبتها نظراته عن الواقع، وحجب شوقها إليه صوت العقل، لتقول بنبرة خافتة:"
"ولا أنا قادرة أبعد عنك أكتر من كده."
"برقت عينيه للحظة قبل أن يقول باستفهام:"
"كلامك ده معناه خطير أوي."
"باغتته حين قالت بهمس:"
"عارفة، وموافقة."
"فُتِحت أبواب الجنة على مصرعيها، فلم يستطع سوى أن ينغمس في نعيمها بلا هوادة، فقام بحملها كالعروس وعينيه تعانق خاصتها، وتحيطها بسحر الهوى الذي يجيش بصدره تجاهها، فتوجه إلى غرفتها، ليضعها فوق مخدعها، وهو يقول بصوت أجش:"
"أنا عشت طول عمري أتمنى اليوم اللي تبقي فيه مراتي وفي حضني. أوعي تبعديني عني تاني."
"لم ينتظر حتى يستمع إلى إجابتها، بل اندفع يرتشف من شهد عشقها ويرتوي بريقها العذب، وقلبه يترنح فرحًا بعد أن أتم اكتمالهم روحًا وجسدًا، ليقضي بحنانه على جميع هواجسها، ويقتلع جذور الخوف من قلبها، ويزرع بتلات العشق بصدرها، لتنتهي ليلة بألف ليلة وليلة، عاشت بها أروع اللحظات برفقته، بعد أن خلعت عنها ثوب الضعف وأسلمت نفسها وروحها له، ليجعلها تحيا معه من جديد، بعد أن ظنت بأن الحياة بداخلها ماتت، وأنها مجرد جسد مشوه لا يحق له سوى العذاب، فإذا بها يُلثِّم كل ندوبها وخدوشها، وكأنه يخبرها بأن كل تلك الندبات لا تزيده إلا ولعًا بها، فتضاعف عشقه بقلبها للحد الذي جعلها تفتقد وجوده صباحًا وتشعر بالوحشة حين وجدت السرير خاليًا من دفء حضوره، لـ تجتاحها موجة من خيبة الأمل كونه تركها في الصباح بعدما حدث بينهم البارحة، وإذا بها تسمع صوت هاتفه يصدح في الخارج، فابتهج قلبها كثيرًا وتحاملت على آلام جسدها لتقوم وترتدي قميصه الملقى فوق أرضية الغرفة حاله كحال كل محتوياتها، لتندفع إلى الخارج ومنه إلى المطبخ بعد أن اشتمت رائحة شهية، وما أن كادت لتخطو خطوة واحدة إلى الداخل حتى أصابها طلق ناري في منتصف قلبها حين سمعت كلماته الهامسة:"
"متقلقيش يا روحي، مقدرش أتأخر عنك أبدًا."
"يتبع….."
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم نورهان العشري
داهمتها جملته لتستقر كـ طلق ناري اخترق منتصف قلبها الذي ارتج داخلها حين استمعت إلى جملته التي اختطفت الحياة من وجهها ليبدو شاحبًا، مبهوتًا، ساكنًا لتمتد يديه تُحيط بخصرها يقربها منه بحنو لامس كلماته حين قال:
_ يعني أول ما خلاص ابتديت أدخل جنتك عايزة تجيبيلي عزول ياخد مكاني فيها!
كان مُزاحًا ذو مذاق قاس على قلبها الذي استنكر كلماته ولكن من شدة الألم لم تقو على الاعتراض فبدا وجهها كساحة حرب لم يعرف أيًا من خصومها الانتصار يومًا لذا قام بسحب أكبر قدر كافي من أكسجينها الدافيء داخل صدره قبل أن يقول بلهجة خشنة:
_ مش هينفع يا جنة. مش هينفع دلوقتي خالص. جسمك مش هيتحمل.
زئير الوجع بداخلها انتفض لتُجيبه بحدة أجفلته:
_ وانت مالك؟ معلش أنا اشتكتلك!
_ مش هستناكِ تشتكي.
قاطعته بـ قسوة مُطعمة بالألم:
_ وانت تستناني ليه؟ في حين إنك عادي تاخد قرار إنك تقتلني وتقتل جزء مني بمنتهى الهدوء!
ابتلع وقع كلماتها بداخل قلبه قبل أن يقول بهدوء:
_ أنا ممكن أموت روحي لو طلبتي يا جنة. لكن مش هتحمل عليكِ الهوى، وقراري دا مش من دماغي، ولا بإيدي ولا بإيديك بردو.
ضاقت ذرعًا بكل تلك التناقضات المُـشبعة بالأسى فنزعت نفسها من بين يديه وهي تصيح باعتراض:
_ يعني إيه مش بإيدي ولا بإيدك؟ فهمني.
جذبتها يديه لتُعيدها إلى مكانها بين طيات صدره فيما أخذت أنامله تُمسد عضلات ظهرها المتشنج وهو يُجيبها بنبرة تحمل الكثير من الطُمأنينة:
_ مينفعش يحصل حمل بعد ما تخلصي رحلة الكيماوي غير لما يمر على الأقل ست شهور، ودا كلام الدكتور نفسه. أنا اتواصلت معاه لحد ما نروح ويشوف الحالة، بس بنسبة كبيرة لازم البيبي ينزل لإنه هيكون مشوه.
سقطت الكلمات فوق ساحة قلبها كالأسهم المشتعلة التي سرت كالهشيم في أوردتها لتفر العبرات من مُقلتيها هاربة من ثقل الوجع الذي كان أضعافه بقلبه فشدد من عناقها وهو يقول بنبرة مُهتزة:
_ قولي الحمدلله يا جنة. قولي الحمدلله الذي لا يُحمد على مكروه سواه.
خرجت حروفها مُهتزة مُتألمة راضية:
_ الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه.
تنهيدة حارقة خرجت من جوفها وهي تستند على ساحة صدره الواسع الذي احتوى آلامها وعبراتها طوال الساعة المنصرمة إلى أن هدأت غيومها وهي بين يديه فوق مخدعهما مستكينة، ولكنها برغم الألم راضية.
رفعت رأسها تناظره لتصطدم بجمرتيه المُشتعلتين وكأن غيومه هي الأخرى ذرفت كثيرًا من الوجع، ولكنها لم تشعر به فهمست باسمه بنبرة مُتحشرجة:
_ سليم.
شعرت بأنامله تُمسد بطنها المسطحة بحنو لامس كلماته حين قال:
_ أصعب حاجة على الراجل في الدنيا إنه يحس بالعجز قدام اللي بيحبها، وأنا حسيت الإحساس دا معاكِ مرتين. مرة لما طلبتي مني اجيبلك حقك منه، والنهاردة وأنا شايف وجعك وعاجز إني أخفف عنك.
بارود كلماته تفجر في قلبها الذي انتفض لتهب جالسة نصف جلسة وهي تستند فوق صدره قائلة بنبرة موقدة:
_ أوعى تقول كدا تاني. انت مش فاهم حاجة. انت لو مش موجود وبتتنفس أنا كان زماني ميتة. ميتة بالحيا يا سليم. مجرد جسم عايش يتألم وبس.
مدت أناملها تُلامس شعيرات ذقنه الغزيرة وهي تقول بصدق كان كشعاع نور اخترق ظلمته فأضائها:
_ انت الوحيد اللي بتفرح قلبي بتخليه يحس إنه عايش. لو كنت سمعت الكلام دا من الدكتور وانت مش جنبي كنت هقع من شدة الوجع. لكن وجودك هو اللي سندني.
جذبها لتستقر فوق موضع صدره واضعًا قبلة دافئة فوق جبهتها قبل أن يقول بخشونة:
_ احنا مننفعش من غير بعض. دي الحكمة اللي دايمًا بطلع بيها من كل اللي بيحصلنا.
استكانت على صدره واستكان بين ضفاف عشقها كلاهما يتألم، ولكن غفوة العشق الذي جذبتهما كانت كالبلسم الذي تطيب به الجراح.
_ دوا إيه اللي بتاخديه دا؟
كان هذا صوت «طارق» الخشن الذي اخترق سكونها فانتفض جسدها مُرتعبًا لتلتفت إليه غاضبة:
_ في حد يخض حد كدا؟ مش تكح!
حدتها أغضبته، ولكن ذبول عينيها وبهوت ملامحها كانوا سببًا في تراجعه عن غضبه ليقترب منها بجسده الضخم يحصرها بينه وبين طاولة المطبخ ليقول بنبرة شغوفة:
_ سلامتك من الخضة. لو أعرف إن الجميل هيتخض كدا كنت خبيته في حضني.
ارتج قلبها لكلماته رُغم ثقل اوجاعه، فأخذت تناظره بعينين تشكوان الألم صمتًا، فلم تجد من الحروف ما يُمكن أن يُعبر عنه، ولكنه كان أكثر من يشعر بها، لذا احتوت كفوفه كفها الذي أغلقت على حبة دواء لمعالجة الاكتئاب الذي ظنت أنها هجرته وهجرها، ولكنه الآن يُعيد هجومه السابق بطريقة أشرس، فعادت لها نوبات الصداع مُجددًا فلجأت إليه عله يُريحها.
_ دوا إيه دا يا شيرين؟
لم تستطع الكذب فصارحته بملل:
_ مهدئ اتعودت أخده زمان.
تراقص شبح الغضب في نظراته لثوان قبل أن يحتل محله العبث الذي تجلى في نبرته وهو يقول:
_ مهدئ! وهو أنا قصرت معاكِ في حاجة يا بنتي؟
ابتسامة خافتة لون ثغرها، ثم قامت بجذب يدها من بين يديه وهي تقول بنبرة جافة:
_ مصدعة، وعايزة أنام يا طارق.
لم يُفلت يدها إنما شدد من قبضته فوقها وهو يقول بنبرة ساخرة:
_ ودا اللي هينيمك يا روح طارق؟
_ سيب إيدي.
لم يستجيب لها إنما اخترقها بنظراته ويديه تلامسان ملامحها بحنو، وبلهجة يطفو عليها الإعجاب تحدث:
_ عارفة كل ما بقرب منك أكتر بتأكد إنك طفلة. حد بريء معندوش أي خبرة في أي حاجة. كل ثانية بتمر عليا جنبك بتثبتلي إني اخترت صح.
كلمات ليست كأي كلمات، إنما هي رذاذ مطر حانية احتوت تصدعات قلبها وروحها التي اهترأت بسبب ماضي مُشين وحاضر أليم ومستقبل تظنه جحيم كونها تحمل اسم ذلك الرجل كأب، وكأنه طبيب بارع أتقن تشخيص المرض وقام بمداواته، لتنهمر مياه عينيها بغزارة وتنفلِت الكلمات من بين شفاهها مجروحة كحال قلبها:
_ أنا كنت وحشة أوي يا طارق. كل الناس اللي هنا دي اتأذت بسببي. بس أقسم بالله غصب عني. كنت فاكرة إنه على حق وأنهم على باطل. كان نفسي يرضى عني وياخدني في حضنه. كان نفسي أقدر أرفع راسي قدامهم. والله يا طارق ما كنت أقصد أأذي حد.
كان انهيارها لأمرًا جلل على قلبًا لم يعرف للعشق سبيلًا سوى على يديها، لذا احتضنها بقوة وهو يُهددها كطفل صغير يرتجف بين ذراعي أبيه، وكم كانت تتوق لذلك الإحساس الذي حاربت لأجله في الماضي وضحت بالغالي والنفيس، ولكنها لم تجني سوى الخزي والألم.
_ تفتكري لو أنتِ وحشة كان ربنا هيعرفك حقيقته؟ لو أنتِ كنتِ وحشة كان ربنا هيحنن قلوب الكل عليكِ بالشكل دا؟
رفعت عينيها تستجدي الصدق في نظراته، فكان لها ما أرادت، فتهدلت أكتافها وهي تقول بحرقة:
_ أنا مش قادرة أستوعب كل اللي بيحصل دا. بقى بعد السنين دي كلها يطلعلنا أخ. لا وايه؟ دا كاره ماما ومفكر إنها رمته. مش كفاية كل العذاب اللي شافته بسببه كمان لسه مكمل في تعذيبها! هو دا يرضي ربنا؟
«طارق» بحنو:
_ ربنا كبير يا شيرين، ويمكن دا يكون عوض عمتي بعد كل العذاب اللي شافته معاه.
«شيرين» بتهكم مرير:
_ عوض إيه يا طارق! دا مش طايقها وفاكر إنها رمته. تقولي عوض.
«طارق» بإصرار:
_ مهمتنا إننا نعرفه الحقيقة عشان يقدر يحكم صح.
جال استفهام «طارق» على عقلها فهتفت متسائلة:
_ انت كنت عارف بوجوده قبل ما ييجي هنا؟
لا يعرف كيف الهرب من ذلك الاستفهام الذي كان يحمل همه كثيرًا، وها هو الآن يصطدم به:
_ أيوا كنت عارف.
شهقت بصدمة:
_ كنت وعارف ومقولتليش يا طارق؟
_ مش كل حاجة ينفع تتقال يا شيرين. أنتِ شوفتي بعينك الوضع كان لازم نتأكد الأول قبل ما نقول كل حاجة.
همست بخفوت:
_ وأتأكدتوا؟
«طارق» باختصار:
_ أتأكدنا.
_ في إيه كمان معرفوش؟
هكذا استفهمت بجفاء قوبل بالغضب من جهته حين قال:
_ مفيش حاجة متعرفيهاش، وبعدين تعالي هنا. أنتِ توهتيني عن الموضوع الأساسي. متاخديش الزفت دا تاني. سامعة ولا مش سامعة؟
«شيرين» بسخط:
_ على أساس إني باخده دلع! أنا باخده عشان أرتاح من كل اللي أنا فيه دا.
باغتها استفهامه الذي أفتعل عاصفة هوجاء بين حنايا صدرها:
_ وحضني كان قصر معاكِ في حاجة يا هانم؟
برقت عينيها وتفشى الخجل في أوردتها حتى ترك بصماته فوق وجنتيها، لتخفض رأسها وهي تتمتم بتلعثم:
_ أنا. يعني. محبتش أضايقك بهمومي.
بدأت أنامله بالعزف فوق خصرها فيما غازلتها حروفه حين قال:
_ مش قولتلك إن كل ما بقرب منك بتأكد إنك بريئة وطفلة مبتعرفيش تستغلي مواهبك لصالحك أبدًا ولا تستعملي صلاحياتك.
أنهى كلماته بغمزة عابثة دغدغت مشاعرها، فهربت الحروف من فوق شفتيها تأثرًا بحديثه الذي أضرم نيرانًا أخرى داخل قلبها الذي اجتاحه شعور عارم من الذنب تجاهه وتجاه تلك النظرة التي يراها بها، وكشخص في موقفها، أما أن تربح الجولة كاملةً أو تخسر بشرف، لذا نظفت حلقها قبل أن تقول بنبرة جريحة:
_ في حاجة مهمة لازم تعرفها قبل ما تقرر إن فعلاً حد بريء ولا لأ؟
تنبهت جميع حواسه لحديثها وظهر الاهتمام بنظراته قبل أن يقول بلهجة ثابتة:
_ أيًا كان اللي هعرفه أنا نظرتي فيكِ مش هتتغير.
كان يخشى من الذي أضرم نيران القلق بجوفه، لذا اختار أن يبثها الأمان الذي تفتقده في تلك اللحظة حتى ينجو كلاهما من ما هو آت، وقد شعرت هي به وبمحاولته في بثها ما يحتاج إليه كلاهما، لذا تحلت بفضيلة الشجاعة قبل أن تقول بنبرة هادئة:
_ لما كنت في ألمانيا حصلت مشكلة بيني وبين أحمد وروحت عند بابا وهو مكنش موجود وحازم كان لسه هناك واستغل موقفي وخدرني وصورني معاه صور مش كويسة.
كانت تطوف بداخل غرفتها وهي هائمة بمشاعر جديدة كُليًا عليها. لأول مرة بحياتها ترى رجلًا مثله. رجلًا كامل الرجولة وذو عنفوان وشكيمة، فظ، قوي، مسيطر، ولكن يكمن خلف السنة اللهب المطلة من عينيه حنان كبير لامسته في نظراته إلى تلك المرأة الحامل.
كلماته لازالت تتردد في أذنها. نظراته إليها وإلى الجميع انطباعت داخلها. وعوده لتلك المرأة ووالده «هارون» وعنفوانه في التعامل معه، وتلك الهيبة التي تُحيط به تجعل الجميع يخشونه. كل تلك الصفات الرائعة التي اجتمعت به ألهبت مشاعرها وحركت غرائزها بصورة لم تعتدها من قبل.
تلك النظرة الخاصة التي حدجها بها زعزعت شيء ما لطالما كان مدفونًا بين طيات صدرها، أيعقل أن يدق قلبها عشقًا؟
لم تعرف العشق يومًا وهي بصحبة ذلك المسخ، بل لم تعرف معنى أن تذوب المرأة بين ذراعي رجلها، فقد كان الأمر حلمًا أكبر من حدود خيالها، فهي منذ أن وقعت أسيرًا له وهي قد نست كل ما يخص أحلام المراهقة وحتى عنفوان الشباب، ولكن بنظرة واحدة إلى ذلك الرجل كانت كالتيار الكهربائي الذي أيقظ جميع حواسها دفعة واحدة، فطرح استفهام مثير في عقلها:
_ كيف يمكن للمرأة أن تشعر وهي بين ذراعي رجل مثله؟
انتشى قلبها من مجرد التخيل وتعالت دقاته لتنتابها رغبة قوية لخلق فرصةً لها معه ولو كلفها ذلك الكثير.
طرق على باب الغرفة أخرجها من خضم تخيلاتها لتتقدم وهي تفتحه بهدوء، فوجدت أحد الخادمات تقول بلهجة أجنبية ركيكة:
_ السيد يريدك في الأسفل.
فهمت أنه يريدها، فارتسمت ابتسامة هادئة على ملامحها، فقد أرادها في نفس التوقيت الذي كانت تفكر به في كيفية امتلاكه واعتبرتها ضربة حظ، لذا أومأت برأسها وأغلقت الباب تنظر إلى جمالها في المرآة، والذي كان مشعًا رغم بساطة ذلك البنطال وتلك الكنزة الباهتة، وقد قررت أنها ستحاول استغلال كل ما تملك لتجلبه إليها في أقرب فرصة.
كانت تحمل قدح القهوة التي كانت تتفنن في تحضيرها له كأي شيء تفعله معه. دائمًا ما تجعل كل شيء منها مميزًا يترك بصمة واضحة وعلامة جيدة بداخله، لذا بالرغم من ذلك الألم في ظهرها إلا أنها تحاملت على نفسها وأعدتها له لتتوجه رأسًا إلى غرفة مكتبه، فإذا بها تجد تلك الفتاة تقف بمنتصف البهو تتلفت حولها وكأنها تبحث عن شخص ما، فبادرتها «فرح» القول بلهجة جامدة:
_ هل تبحثين عن شيء؟
التفتت جوهرة إلى ذلك الصوت الآتي من خلفها، فإذا بها تجد تلك المرأة الحامل التي تعد الآن غريمتها، فيبدو أنها زوجة فارسها النبيل، فشملتها بنظرة كلية لم تعجب «فرح»، ولكنها لم تعلق، إنما انتظرت حتى تجيبها جوهرة التي قالت بنبرة هادئة مترفعة:
_ أراد السيد سالم رؤيتي، ولا أعرف أين أجده، هل يمكنك أن ترشديني إليه؟
اختلفت نبرتها حين نطقت اسمه، أو هكذا ظنت «فرح»، ولكن لا تعلم لما تولد بداخلها شعور بعدم الراحة لتلك الفتاة التي تبدو نظراتها كبحر أزرق عميق يشعرك بالرهبة، ولكن بنهاية الأمر حسمت أفكارها وتحدثت بترفع:
_ تعالي خلفي.
تقدمتها «فرح» بحركة مقصودة لتدلف إلى غرفة المكتب التي كانت خالية إلا من «مروان» و«سالم» الذي رقت نظراته وهو يراها تتقدم إليه حاملة أكثر ما يحتاجه في تلك اللحظة، فتقبل منها القهوة بابتسامة هادئة قابلتها بأخرى دافئة تشبه لهجتها حين قالت:
_ شفتني وأنا طيبة وجايبالك القهوة لحد عندك.
لاح العشق في سماء عينيه لوهلة قبل أن يتبدل للجمود الذي تنافى مع لهجته العابثة حين قال:
_ لا شفتك وأنتِ زي القمر وبتسمعي الكلام.
انتشى القلب بكلماته التي عززت من غرورها كثيرًا، وخاصةً بوجود تلك الحسناء التي كانت تتابع ما يحدث بترقب تخفيه جيدًا عن الأعين، ولكن للقلوب بصيرة لا تخطيء أبدًا.
_ تفضلي بالجلوس.
هكذا تحدث «سالم» بفظاظة وهو يناظرها بجمود استلذت به كثيرًا، فملامحه الخشنة ونبرته الفظة وعينيه الجامدة كانا مثالًا للرجل المثير الذي تتمناه الكثير من الفتيات، لذا أطاعته وهي تتمتم بعبارات شكر مختصرة، ليبدأ «سالم» الحديث فور أن غادرت «فرح» التي شعرت بأنه من اللائق أن تغادر حتى ولو كان قلبها يقرضها من الداخل للمكوث معه وعدم تركه مع تلك الفتاة، ولكن وجود «مروان» هدأ من روعها كثيرًا، على الرغم من أن ذلك الوغد أراد استفزازها حين قال بجانب أذنها وهي تغادر:
_ متخافيش يا أم منصور معاهم محرم.
زجرته بحنق فتابع بتسلية:
_ الكبير في أمانتي. الصاروخ يخصني أنا. حطي في بطنك بطيخة صيفي.
لم تعيره أي انتباه على الرغم من أنها غضبت من وصفه لتلك الفتاة بأنها جميلة، ولكنها في نهاية الأمر غادرت مرفوعة الرأس، ليبدأ «سالم» الحديث قائلًا بجدية:
_ لم أحب الطريقة التي جلبناكِ بها من ألمانيا، ولكنك تعرفين لدينا نزاعات مع سيدك، وأنتِ بدون قصد اقحمتي بها، لذلك اعذريني.
كانت هائمة بداخلها من هيئته ورجولته الفظة وطريقته الخشنة في الحديث، حتى في الاعتذار يبدو رائعًا، لم تُمَس هيبته أبدًا، وقد كان هذا يروقها كثيرًا، ولكنها كانت تتقن إخفاء جميع شعورها خلف ذلك البحر الأزرق الهادئ في عينيها، لتقول بلهجة يشوبها الانزعاج:
_ أقدر لك اعتذارك كثيرًا، ولكن ما الفائدة منه وأنا الآن بلا أي شيء. لا مال ولا مسكن ولا أوراق، وسيدي يرقد هناك بين الحياة والموت.
يعلم أنها امرأة لعوب، ذلك الهدوء القابع خلف زرقتها الداكنة لم يريحه أبدًا، ولكنه قرر أن يصل معها إلى أقصى ما يمكنه الوصول، لذا قال بخشونة:
_ كل ما ذكرته يمكن تأمينه عدا حياة سيدك فهي ليست بذات قيمة حتى أنظر لها.
أعجبها حديثه فقالت بنبرة رفيعة جذابة:
_ إذن سأنظر لها أنا، وسأطلب منك الإفراج عن هارون وإرجاعنا إلى بلدنا في أقرب وقت.
«سالم» بسخرية:
_ بإمكاني إعادتك الآن لو أردتي، ولكن هارون ليس زائرًا لكي يعود، إنه ولأول مرة في موطنه الأصلي، لذا أخرجيه من حساباتك.
«جوهرة» بتخابث أخفته جيدًا خلف ستار الاستنكار الغاضب:
_ أنت تتحدث عن كونه بجانب والدته التي ضحت به وهي رضيع. حبًا بالله أنت رجل ذكي، كيف تتوقع منه أن يتقبلها؟ أو حتى يشعر تجاهها بأي مشاعر؟
_ هذا ليس من شأنك.
أجفلتها جملته لثوان، فتابعت السير على خطتها باحترافية وهي تقول بسخط:
_ بلى إنه من شأني، فأنا من عاشرت هارون لسنوات وأكثر شخص يعرفه، وهو صديقي، لذا فأنا يحق لي أن أقف أمامك الآن وأخبرك بأن تطلق سراحنا.
تأكدت شكوكه حولها ووصل إلى مبتغاه معها، لذا رقق من لهجته قليلًا حين قال:
_ إذن إن كنتِ صديقته وأكثر من يعرفه، فهذا يعني أنك في بيتك، وإلى أن يصل هارون إلى معرفة الحقيقة ويختار في أي جهة عليه الانضمام، أنتِ ضيفتنا، ما رأيك؟
كان النرد في صالحها وحسمت جولتها الأولى لتترسم مكانها في ذلك البيت بجانبه، فانتابتها سعادة قوية خبأتها جيدًا في جوفها قبل أن تقول بنبرة يغلب عليها الانزعاج:
_ وهل وضعت أمامي أي خيار آخر؟
«سالم» بدهاء أخفاه جيدًا خلف نبرته الجامدة:
_ أنا لا أطرح الخيارات يا جوهرة. أنا أختصرها في طريق واحد يصل بي حيثما أريد.
رائع بكل ما تحمله الكلمة من معنى، هكذا ردت بداخلها وهي تناظره بعينين لمع بهما بريق الإعجاب الذي سرعان ما أطفأته وهي تقول بحنق مفتعل:
_ كلاكما أنت والسيد ناجي تملكان تلك العجرفة، ولكني سأتغاضى عنها مقابل البقاء بجانب هارون ومساندته. وهذا لا يعني أنني سأكون شخصًا متساهلًا مع أي خطأ بحقي أو بحقه.
شملتها عينيه بنظرة أوقدت حمية الرغبة بقلبها التي تضاعفت حين قال بفظاظة:
_ يعجبني كون هارون يمتلك شخصًا مثلك بجانبه.
_ أشكرك. هل يمكن أن أخرج الآن؟
_ تفضلي.
التفتت تنوي المغادرة، ولكن لم يفُتها نظرات «مروان» التي يتساقط منها الإعجاب الذي تجلى في نبرته حين قال ما إن غادرت:
_ بقى البت دي مطولة معانا؟ يخربيتك يا سما. طلقها قرب بنت الفقرية. أنا كدا اتأكدت إنها بومة.
«سالم» بحنق:
_ ليه إن شاء الله؟ بقى بتقارن سما بالبت دي؟
«مروان» باندفاع:
_ ليه أهبل! مفيش وجه مقارنة أصلًا.
_ قول لنفسك، هو في زي بنت عمتك!
_ الحمد لله إن مفيش، وبعدين دي مقارنة غير عادلة زي بالظبط لما تقارن بين كفر الشيخ وشرم الشيخ كدا. الاتنين عندهم شيخ آه، بس الأول شيخ جامع والتاني شيخ منطقة، وأنا بما إني فلاتي فهختار شيخ المنطقة.
«سالم» بتقريع:
_ تصدق حلال اللي بتعمله فيك عمتك.
_ ماهو ربنا خدلي حقي ورضاني. شوف سبحان الله عشان أنا نيتي طيبة ربنا بعتلي هارون يخلص تاري وجوهرة تطفي ناري. والله فعلاً الأعمال بالنيات.
ناظره «سالم» بحنق تراجع على إثره «مروان» الذي قال بتملق:
_ بس سيبك انت سنترتها. البت يا قلب أمها مكنتش عارفة تروح فين منك؟ بس انت ليه يا كبير هتقعدها معانا؟ بتكافئنا يعني ولا إيه؟
قال جملته الأخيرة باستفهام جعل «سالم» يقول بنفاذ صبر:
_ بكافئك على إيه؟ على لسانك اللي عايز أقطعه! البت دي ضيفة هنا، أي حد يقربلها وخصوصًا أنت. خلينا نشوف آخرتها إيه مع ناجي وأشكاله اللي شبهه دي.
«مروان» باندفاع:
_ لا شبهه إيه. بقى لهطة القشطة دي شبهه؟ سما اللي طلعت شبهه مناخيرها كبيرة زيه.
لم يستطع منع ضحكة انفلتت منه إثر كلمات «مروان» العابثة، ليصيح الأخير مازحًا:
_ شوفت أهو انت بتضحك، تبقى شبهه. حسرة عليا وعلى بختي الأسود.
زجره «سالم» قائلًا:
_ أتلم يا مروان، وخلي بالك من سما، هي محتاجاك الفترة دي.
«مروان» بجدية:
_ آه مانا واخد بالي، طلعت أطمن عليها، قفلت الباب في وشي. قال إيه عمتي نايمة. طب ماهو دا المطلوب، إنها تبقى نايمة عشان أعرف أواسيها. أواسيها إزاي وأنا عمتي صاحية!
تفهم «سالم» لسخطه فقال بتعقل:
_ سما أقرب واحدة لعمتك، ودا مخليها عايزة تخفف عنها بأي طريقة، عشان كدا هتلاقيها رخمت عليك، لكن هي محتاجاك.
«مروان» بحنق حاول إخفاءه قدر الإمكان:
_ مانا عارف، وخصوصًا إن العبد لله حنين، بس هي اللي غشيمة. هو أنا اللي خبيت البغل دا وداريته عنهم؟
_ يا ابني افهم، هي بتحاول تفهم وتستوعب اللي حصل.
هكذا تحدث «سالم»، فصاح «مروان» حانقًا:
_ اشمعنى طارق داير يطبطب ويحضن ويفهم ويستوعب، مفيش أوكرة حتى اتقفلت في وشه! ولا أنا مكتوب على وشي حزين الدنيا حزين الآخرة!
ضاق ذرعًا بعناده، فهتف غاضبًا:
_ سما غير شيرين، ويالا من هنا صدعتني.
ما أن خرج مروان حتى أعلن الهاتف عن اتصال جاء من «صفوت»، الذي ما إن أجاب «سالم» حتى صاح غاضبًا:
_ أنت بتستهبل يا سالم؟ إزاي تسهله الدنيا عشان يهرب؟ افرض مكنش جه القصر كان هيطير منك؟
«سالم» بجفاء:
_ مكنش هيغيب عن عيني وهو عارف الكلام دا. كنت محتاج أعرف هيتصرف إزاي وتفكيره هيوديه فين.
«صفوت» بحنق:
_ بس كانت مجازفة يا سالم، وأنت شفت همت واللي حصلها.
«سالم» بخشونة:
_ الخيرة فيما اختاره الله يا صفوت. ربنا أراد إنها تعرف عشان مبقاش ينفع حاجة. خلي اللعب على المكشوف.
«صفوت» باستفهام:
_ طب أنت ناوي على إيه؟
«سالم» بغموض:
_ مش ناوي. هبقى رد فعل المرة دي.
_ بمعنى؟
«سالم» بخشونة:
_ إحنا قدام احتمالين. يا إما ناجي قاصد إن كل اللي حصل دا يحصل. يا إما إننا فاجئناه، وموضوع إنه في العناية المركزة دا مش داخل دماغي. طارق عارف كان بيضرب فين بالظبط.
_ يعني تفتكر هو قاصد يزرعه جوانا؟
هكذا استفهام «صفوت»، فأجابه «سالم» بخشونة:
_ وارد. كل شيء وارد. بس خلينا معاه لحد الآخر. هو ساكت وأنا ظاهريًا ساكت، بس هـ أستغل الهدية اللي بعتهالي سواء بقصده أو لأ. لحد ما كل واحد يضرب ضربته الأخيرة.
تفاجأ «صفوت» من حديث «سالم» الذي يحمل حقدًا واضحًا، فاتبع معه منحنى الهدوء قائلًا:
_ تقصد إيه إنك هتستغل هديته؟
«سالم» بقسوة:
_ الواد دا هو اللي هاخد بيه تار أخويا اللي ضيع مستقبله، وحرمنا وحرم أمي منه.
★★★★★★★★
_ مصرين بردو تمشوا؟ طب ما تقعدوا معانا كمان يومين.
هكذا تحدثت «حلا» بحزن إلى «سليم» الذي ما إن انتهى الغداء حتى عجل بمغادرتهم لكي يعود إلى القاهرة مرة أخرى، فالأوضاع هناك محتدمة، هكذا أخبره «مروان» ليقرر بأنه عليه العودة في أسرع وقت.
_ حبيبتي يا حلا، صدقيني ورايا شغل كتير. بس إن شاء الله الدنيا تظبط كدا وهجيب ماما والعيلة كلها ونيجي نزوركوا.
تدخل «ياسين» يحتضن كتفيها وهو يقول بهدوء:
_ والله يا سليم، إحنا كان المفروض هنيجي نزور الحاجة أمينة بس حمل حلا كتفنا. غلط على البيبي السفر في الأول كدا.
_ ولا يهمك، أنا عارف. إن شاء الله لما تشد حيلها شوية تيجوا تقعدوا معانا يومين.
هكذا تحدث «سليم»، فأجابه «ياسين» الذي كان يتابع ملامح «جنة» الذابلة:
_ إن شاء الله. أنتِ كويسة يا جنة؟
حاولت أن تشحذ بعضًا من قواها لترسم ابتسامة باهتة على ملامحها قبل أن تقول بهدوء:
_ كويسة يا ياسين. الحمد لله.
اقتربت «تهاني» تعانقها بقوة وهي تقول بجانب أذنيها:
_ إن شاء الله دايمًا كويسة يا بتي. خلي بالك من نفسك ومن محمود.
«جنة» بهدوء:
_ حاضر يا طنط. متقلقيش.
تقدمت «حلا» لتُمسك بيد «جنة» تجذبها إلى ركن منعزل وهي تقول بمرح:
_ عن إذنكم هنقول شوية كلام بنات على ما تشربوا القهوة.
لم تُمهلهم الوقت إذ جذبت «جنة» إلى الشرفة الخارجية للقصر لتُجلسها على أحد الأرائك وهي تقول بتحذير:
_ قوليلي مالك فيكِ إيه؟ وإياكِ تخبي عليا. وشك متغير ولونك مخطوف وعينيكِ فيها دموع. سليم عملك حاجة؟
لم تستطع مقاومة طوفان العبرات التي تدحرجت فوق خديها كصخور مدببة تترك آثارًا مؤلمة لا يمكن محوها، فشهقت «حلا» بصدمة وسرعان ما جذبتها إلى أحضانها وهي تقول بتأثر:
_ أنا قولت فيكِ حاجة؟ مالك يا جنة احكيلي. فيكِ إيه؟ مين زعلك كدا؟
تعالت شهقاتها حتى بدت تؤلم صدرها الذي كان يعلو ويهبط من فرط الوجع الذي تجلى في نبرتها حين قالت:
_ أنا حامل، والبيبي لازم ينزل.
شهقت «حلا» بصدمة تجلت في نبرتها حين قالت:
_ إيه؟ بيبي إيه اللي ينزل؟
«جنة» بنبرة مشجبة:
_ الدكتور قال لسليم إنه مينفعش حمل في الوقت دا وأن البيبي هيكون مشوه بنسبة كبيرة عشان جرعات الكيماوي اللي أخدتها.
تعاظم الأسى بصدرها على تلك المسكينة التي لا تنفك الحياة تحاصرها بأزمات وعواقب تفوق طاقتها وسنوات عمرها، ولكنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام حزنها، لذا قالت بنبرة هادئة:
_ طب وأنتِ زعلانة ليه يا هبلة؟ دا أنتِ حقك تفرحي.
انتزعت «جنة» نفسها من بين يدي حلا وهي تقول بصدمة:
_ أفرح! بقولك هنزل ابني يا حلا تقوليلي أفرح!
«حلا» بتأكيد:
_ أيوا تفرحي. عشان حملك دلوقتي يعتبر معجزة ربنا بعتهالك عشان يقولك إنك تقدري تحملي. مش كنتِ مرعوبة لما عرفتي بموضوع الكانسر لتكوني مش هتعرفي تحملي تاني؟ شوفتي ربنا بقى وجماله. بعتلك حتة معجزة صغيرة تقولك يا جنة أنتِ تقدري تحملي. حتى لو هتضطري إنك تنزليه وتصبري شوية بإذن الله ربنا هيكرمك.
أضاءت تلك الفكرة عقلها وارتج قلبها من فرط الرهبة التي سرعان ما تحولت لابتسامة بلهاء أسعدت قلب «حلا» كثيرًا، والتي قالت بحماس:
_ كنتِ خايفة وأهو ربنا طمنك. عارفة إن الموضوع صعب بس معلش كل دي ابتلاءات عشان ربنا يشوفنا ناس مؤمنة وهنصبر ولا لا؟ وأنتِ تستحقي كل خير ودايمًا افتكري إن في كل كرب مريتي بيه كان ربنا بينزل اليسر مع العسر. من بين حدوتة حازم ووجعها خرجتي بسليم ومحمود اللي لولاه مكنتيش عرفتي بتعبك واتعالجتي منه وهو لسه في أوله. شوفتي بقى ربنا رحمته واسعة إزاي؟
تساقط الدمع من عينيها تباعًا مع كلماتها حين قالت بقلب راضٍ ونفس هادئة:
_ ونعم بالله. عندك حق. الحمد لله أنا أقدر أخلف تاني. دا المهم. أنتِ عندك حق يا حلا.
عانقتها «حلا» بحنو تجلى في نبرتها وهي تقول:
_ أنتِ طيبة أوي يا جنة واتظلمتي كتير. بس ربنا كبير والله وهيبعتلك فرح الدنيا كله.
شددت من عناقها وهي تقول بأمل:
_ إن شاء الله.
رفعت «حلا» رأسها وهي تناظرها بعينين يخفيان الكثير، مما جعل «جنة» تقول باستفهام:
_ في إيه؟ حساكِ عايزة تقولي حاجة ومترددة؟
تحمحمت «حلا» قبل أن تقول بخفوت:
_ هو. هو أنتِ هتروحي مع سليم البيت؟
_ يعني إيه هروح مع سليم البيت؟ أومال هروح فين؟
هكذا تحدثت «جنة» باندهاش قابلته «حلا» بالتردد لتحثها «جنة» على الحديث قائلة:
_ في إيه يا حلا؟ مخبية عني إيه؟ أنتِ نسخة من مروان وبيبان عليكِ، احكي.
زفرت «حلا» قبل أن تقول حديثها دفعة واحدة:
_ طب هو أنتِ استعديتي عشان تقابلي لبنى؟
مر الاسم على عقلها دون أن يترك أثرًا له، قالت باستفهام:
_ لبنى مين؟
لم يكن هناك مفر من إخبارها، لذا سحبت قدر كبير من الأكسجين داخل رئتيها قبل أن تقول:
_ لبنى البنت اللي حازم اغتصبها قبل ما يسافر جت عشان تعيش في القصر معاكم!
شهقة قوية خرجت من جوفها قبل أن تهب من مكانها وهي تقول بصدمة:
_ إيه؟؟؟
_ جنة مش يلا اتأخرنا.
هكذا تحدث «سليم» يحثها على النهوض، فلم يفته ملامحها المصدومة، ولكنها سرعان ما استعادت جأشها وهي تلتفت إلى «حلا» قائلة بجمود:
_ نبقى نكمل كلامنا في الفون.
أومأت «حلا» بصمت، فيما اندفعت لتبادل السلامات مع الجميع لتتوجه معه إلى السيارة لتبدأ رحلة العودة الهادئة، وحين لاحت معالم مدينة القاهرة التفتت إليه قائلة بهدوء:
_ ينفع منروحش البيت على طول؟
كان يشعر بأنه هناك شيء خلف هدوئها هذا، ولكنه أرجحه إلى أن الأمر بسبب الحمل، لذا قال بحنو:
_ حابة تروحي فين؟
_ ممكن تروح أي فندق. يومين بس، وبالمرة نروح للدكتور ونشوف هنعمل إيه؟
لم يُجادلها إنما استجاب لذلك النداء المطل من عينيها لكي يحتوي بعثرتها التي اهتدت فوق ساحة صدره الدافئ، ليضع قبلة حانية فوق جبهتها، بينما عينيه مازلت على الطريق أمامه وهو يفكر كيف يمكنه أن يخبرها بكل ما فاتها دون أن يشير إلى الماضي بآلامه.
سبعة أيام بلياليها لم يفارق مصحفه، وكأن هناك خيطًا خفيًا يربطه بتلك الحروف التي تخترق غياهب صدره، لوقد نورًا وسكينة وهدوء نفسي لم يختبره مسبقًا، فقد كان كمن تاه بصحراء الحياة القاحلة وضاع بين رمالها الصفراء، نزل حتى ظن أنه هالك، ليأتيه ذلك الضوء الملائكي ليرشده إلى واحة سلام جعلته يرى صحراءه جنانًا خضراء يمرح بها، وهو يؤدي عمله بجد ومحبة بعد رحلة تمرينات شاقة، ثم ينزوي في صومعته يقرأ ويتفقه في تلك الكتب التي لا يعلم من أين أتى بها ذلك الرجل الذي كان مدينًا له بحياته التي أصبحت الآن شيئًا ذا قيمة.
_ صدق الله العظيم. فتح الله عليك يا شيخ حازم.
هكذا تحدث «جرير» بصوته الخشن وهو لأول مرة يبتسم بابتهاج لكونه يرى «حازم» الذي استعاد إنسانيته من جديد واتخذ مساره الصحيح في هذه الحياة، فقد راهن نفسه على نجاحه في مسعاه معه، والآن لاحت بوادر النصر على الرغم من أن الاختبار الحقيقي لم يأتِ بعد.
_ صباح الخير. شيخ إيه يا عم أنا لسه بقول يا هادي.
«جرير» بمرح:
_ طب يلا عشان الغداء عليك النهاردة.
«حازم» بعدم فهم:
_ يعني إيه؟ متقوليش هتخليني أطبخلك!
«جرير» بسخرية:
_ ليه حد قالك إني عايز أنتحر! قوم يلا أنت اللي هتجبلنا الأكل.
نصب عوده وهو يتقدم منه قائلًا بعدم فهم:
_ يا عم فهمني تقصد إيه؟ هروح أشتريلك الأكل يعني؟
_ هو أنت حيلتك حاجة؟
هكذا تحدث «جرير» ساخرًا، فشاركه «حازم» المزاح قائلًا:
_ على أساس إن المحلات مقطعة بعضها حوالينا! دا إحنا في المنفى دا من الله إننا مموتناش من الجوع.
_ بتتريق مش عاجبك! احمد ربنا غيرك مش لاقي اللقمة.
لامست جملته شيئًا ما داخل قلبه حين تذكر موقفًا مع «سليم» حين أراد أن يشتري سيارة جديدة ولم يمضِ على شراء سيارته السابقة ستة أشهر:
_ عربية إيه اللي تغيرها يا ابني! دي عربيتك مكملتش ست شهور. حرام عليك ربنا يحاسبنا!
تذمر «حازم» قائلًا:
_ يحاسبنا على إيه؟ هو أنت بتأفور ليه؟ ما كل الناس بتغير عربياتها على طول جت عليا يعني!
_ يا ابني حرام دا تبذير. إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين.
صاح «حازم» ساخطًا:
_ يا عم تف من بقك. هتشيطني عشان عايز أغير عربيتي! تبذير إيه دا أنت بخيل وجلدة، واقفلي عالواحدة وبتديني بالقطارة. أنا بعد كدا هتعامل مع سالم. ماليش كلام معاك.
برقت عيني «سليم» من كلماته التي تحمل بهتانًا كبيرًا في حقه:
_ أنا بخيل وباديلك بالقطارة! تصدق إنك إنسان جشع. دا أنت بتاخد مصروف في الشهر قد اللي أسرة كاملة بتصرفه في تلت شهور وبرضو مش عاجبك. احمد ربنا في غيرك مش لاقي اللضى.
_ وأنا مالي ومالهم. ذنب أمي إيه أدفع تمن إن في ناس مش لاقية. كل واحد وظروفه، وأنا ابن الوزان يعني أصرف براحتي. اعتبره من حقي في أبويا.
كان الجشع يتساقط من بين نبرته ونظراته، فتأثر «سليم» كثيرًا من رؤية شقيقه لتلك الدرجة من الجشع، لذا قال بخيبة أمل:
_ بكرة تندم لما النعمة تزول من وشك. وقتها هتعرف إن الله حق.
اخفض «حازم» رأسه ولسان حاله يهتف بحرقة:
_ عرفت إن الله حق يا سليم. عرفت.
سرعان ما زوى ما بين حاجبيه وهو يتذكر كلمات والدته المؤنبة التي قالتها ل«سليم» إثر ما حدث:
_ في إيه يا سليم؟ بتزعق لأخوك وتزعله ليه؟ ما براحته. إيه يعني أما يغير عربيته في السنة مرة ولا اتنين!
«سليم» بحنق:
_ يا ماما أنتِ كدا بتبوظيه! غلط. دا تبذير ربنا ميرضاش بكدا أبدًا.
«أمينة» بغضب:
_ أنت اللي هتعرفني ربنا يا سليم! ويار ترى ربنا بيقولك تقف قدام أمك تزعق بالشكل دا!
_ يا أمي...
قاطعته بحزم:
_ ملكش دعوة بيه، وأوعى بعد كدا تمنع عنه أي فلوس يطلبها، وإلا هتزعل مني. حازم يركب أحسن عربية في أصحابه، هو ابن أي حد دا ابن منصور الوزان.
أطلق تنهيدة قوية قبل أن يرتفع برأسه لمطالعة «جرير» الذي تفهم ما يمر بداخله، فلجأ للصمت الذي قطعه «حازم» قائلًا بنبرة متحشرجة:
_ الحمد لله على كل حاجة.
_ يلا. عشان هعلمك تصطاد النهاردة.
_ نصطاد سمك؟
خرج الاستفهام مندفعًا من بين شفتيه مما جعل قهقهة قوية تخرج من فم «جرير» الذي صاح بصوت جهوري:
_ يا ابني مكنوش يؤدبوك زمان و يريحونا من غبائك. غزلان يا خفيف.
انتابه الحرج الذي سيطر على لهجته حين قال:
_ يا عم طلعت غصب عني مانا معرفش غيره بيصطادوه.
_ طب قدامي. قدامي ياخويا خلينا نشوف قرفتك هتبقى إيه؟
«حازم» بسخرية:
_ لا بلاش تراهن أنا فقر طول عمري، وإلا مكنتش قابلتك.
جميعنا نملك صندوقًا أسود بداخل قلوبنا تجتمع به جميع الخيبات والخسارات التي لا نجرؤ على التحدث عنها، فذكريات المرء لا تتبخر مع سنوات العمر ولا خيبات الإنسان تمحي آثارها أعظم انتصاراته.
_ صفوت بيه. الست اللي قولتلي أجمع معلومات عنها تبقى مرات مجرم سابق كنت أنت بتحقق في قضيته اسمه جندي الرفاعي. اللي مات محروق في السجن.
تلقى صفوت تلك المعلومات بصدمة، بينما أخذ يتذكر تلك القضية التي قضى بها أكثر من ثلاث سنوات ليتم القبض على أحد كبار تجار المخدرات في البلاد، وحين حالفه الحظ وقام بالقبض عليه توفي بعد سجنه في أسوأ ظروف قد يتوقعها أحد.
لا يعلم لما أخذه عقله إلى تلك القضية ليسترجع تفاصيلها، التي فقد كان بها الكثير من الأحداث المشينة، فهو لا يزال يتذكر ذلك التحقيق الذي أجراه منذ أكثر من تسعة عشر عامًا.
عودة لوقتٍ سابق:
_ ما تجيب من الآخر يا جندي، وتقول مين اللي مشغلك؟
لم ترهبه معالم الرجل الذي يرتسم بهم الإجرام ولا تلك النظرات المرعبة التي تطل من عينيه ونبرته القاسية حين قال:
_ إحنا بنشتغل لحسابنا يا بيه. قولتلك الكلام دا قبل كدا.
زفر «صفوت» حانقًا قبل أن يقول بجفاء:
_ كل الكميات دي لحسابكوا! فاكرني مختوم على قفايا ياله؟
شبح ابتسامة ساخرة لونت ملامحه بطريقة استفزت «صفوت» الذي برقت عينيه حين تمتم جندي بتهكم:
_ لسه واخد بالك دلوقتي!
زمجر «صفوت» بشراسة:
_ بتقول إيه ياله؟ علي صوتك يا روح أمك.
ابتلع جمر الإهانة وهو يرتفع برأسه يناظره بعينين لونتهما السخرية:
_ بقول حاميها حراميها.
برقت عيني «صفوت» بغضب جحيمي واقترب يمسكه من تلابيبه وهو يزمجر بوحشية:
_ تقصد إيه يا ابن الكلب؟
حاول التحدث وهو يجاهد لالتقاط أنفاسه بصعوبة:
_ أنت. عا. عارف. كل. حاجة. وعامل. نفسك. مش. فاهم. عشان اسم العيلة.
انسل من بين يدي «صفوت» الذي أصابه الجمود لكلماته الغامضة والتي فتحت أبواب الجحيم في عقله، فقد كان يشتبه بمصادر أموال شقيقه، ولكنه لم يكن يمسك عليه شيئًا، ولكن الآن دق هذا الوغد نواقيس الشك بعقله، ولكن قاطع تفكيره رنين هاتفه الذي جعله يتقدم ليجيب بجفاء في حديث دام لعدة دقائق، أنهاه وهو يرتفع برأسه يطالع «جندي» بجمود تجلى في نبرته حين قال:
_ ابنك نقلوه المستشفى امبارح الفجر، وحالته خطر. لسه بردو مصر تخبي؟ اعمل خير حتى يقعد لك في ابنك يمكن ربنا يشفيه.
اهتز الرجل بدرجة كبيرة، ولكن أخفى ما ينتابه من ذعر خلف قناع من الجمود تجلى في نبرته حين قال:
_ لو له عمر هيعيش سواء عملت خير أو شر.
زفر «صفوت» حانقًا ثم صاح مناديًا لذلك العسكري ليأخذه إلى الحبس، ولكن قبل أن يغادر تحدث «صفوت» بنبرة ذات مغزى:
_ فكر من هنا للصبح. أنا بايت هنا النهاردة. لو غيرت رأيك عرفني.
تعمقت نظرات «جندي» ب«صفوت» لثوان قبل أن يغادر بصمت.
أخذ «صفوت» يتذكر تلك الليلة في منتصفها حين جاءه أحد العساكر يخبره بأن المسجون بالأسفل يريد التحدث إليه، وبالفعل أرسل في طلبه ليقول المدعو «جندي» بلهجة يشوبها الألم:
_ مش هفتح بوقي بحرف إلا لو شفت ابني!
بدأ الهواء النقي بالدخول إلى رئتيه ليقول بخشونة:
_ موافق. بكرة زي دلوقتي هتشوفه.
«جندي» بنبرة جافة يشوبها الخوف:
_ وافرض مستناش لبكرة؟
_ لو مكتوبلك تشوفه هتشوفه، وبعدين هو خروجك من هنا سهل؟
«جندي» باستفهام:
_ مش خايف أهرب؟
_ لا. أنا وأنت عارفين إنك مش هتعمل كدا.
لم ينسى ذلك اليوم المقيت حين ساعده لرؤية طفله الذي توفي بعدها بثلاث ساعات، فلم يكن يعرف كيف يخبره أو أن كان عليه إخباره من الأساس، ولكنه أرجأ هذا الأمر إلى حين معرفة كل شيء منه، ليتفاجأ بإنذار حريق ضرب الحجز في الأسفل، وحينها توفي الجميع ومن بينهم جندي!
_ يا ترى سيادة النائب فاضيلي شوية؟
هكذا تحدثت «فرح» وهي تدلف إلى غرفة المكتب لتجده يقوم بتحضير حقيبته للمغادرة، وحين رآها توقف عن فعل كل شيء وامتدت يديه ترحبان بها في دعوة صريحة لاقترابها وهو يقول بخشونة:
_ سيادة النائب لو وراه الدنيا كلها يسبها عشان خاطرك.
اقتربت تحوط عنقه بدلال، بينما عاتبته نبرتها حين قالت:
_ جيت متأخر امبارح ومصحيتنيش، وقمت من جنبي الصبح من غير ما تصحيني. كدا عندك غرامة تأخير امبارح وحضور وانصراف النهاردة.
دغدغت خصرها أنامله فيما غازلتها نبرته حين قال:
_ وأنا بقول من امبارح ومزاجي وحش ليه؟
_ ليه؟
استفهمت بدلال كان رائعًا كروعة كلماته حين قال:
_ عشان مخدتش جرعة المهدئ بتاعتي امبارح ولا حليت بالفراولة بتاعتي النهاردة.
_ لا دا كدا خطر على صحتك. تعالي هنا.
اقتربت تعانقه بحنو كان في أمس الحاجة إليه، لتقتلع من قلبه أشواك القلق الذي تعلم كم يؤرقه ويشغل تفكيره، فكانت لحظات هادئة أدت مفعولها جيدًا، فرفع رأسه يطالعها بحب تجلى في نبرته حين قال:
_ ربنا يخليكِ ليا.
_ ويخليك ليا. قولي مفيش جديد؟
عاد الغضب يلوح بسماء عينيه ويتجلى بنبرته حين قال:
_ لسه. محتاجين أي طرف خيط نبتدي منه.
_ طب ما تتكلم معاه.
هكذا تحدثت بهدوء ليجيبها بفظاظة:
_ عشان أثبتله إنه نجح في إنه يلخبط لنا كل تفكيرنا.
_ طب بص. إحنا نمسك الحكاية من الأول، وأكيد هتلاقي حاجة توصلنا لطرف خيط. بس الأول نرتب أوراقنا.
«سالم» باختصار:
_ رتبي.
شرعت في ترتيب أفكارها أولًا قبل أن تقول بعملية:
_ أولًا الولد دا مترباش مع ناجي، ولا اتربى بره مصر. يبقى معناه إنه اتربى هنا، واتربى تربية زي بتوع الجيش والشرطة كدا، ودا طبعًا باين على جسمه وعلى ثباته الانفعالي.
أومأ برأسه ليحثها على الحديث، فتابعت بتعقل:
_ وطبعًا ناجي كون إنه هو أخده وخباه العمر دا كله يبقى غالي عليه، وخصوصًا إنه وريثه الوحيد. يبقى أكيد هيسيبه عند حد محل ثقة مش أي حد والسلام.
بدأت بطرق أبواب موصدة داخل عقله الذي يعمل في جميع الاتجاهات، لتتابع قائلة بحماس:
_ كدا يبقى إحنا بندور على حد من الماضي. حد كان قريب من ناجي زمان. من تلاتة وعشرين سنة وأكيد أكتر، والفترة دي هو كان عايش معاكم، فأكيد كان له حد قريب منه تعرفوه؟ افتكر كدا.
لا يزال على حالته الصامتة يفكر في حديثها ويتذكر أفعال ذلك الرجل، فلم يكن له أصدقاء من وسطهم أو أقربائهم، فقد كان مكروهًا من الجميع، لم يكن يرى معه أحد كثيرًا، فكل من يصادقهم كانوا يشبهونه، ولم يتطرق أحد منهم في التعرف إليهم.
زفر بقلة حيلة وتبلور الغضب بعينيه، فاقتربت منه تجذبه من يده وهي تقول بحماس:
_ كدا مينفعش. قوم تعالي معايا.
زوى ما بين حاجبيه وهو يقول باستفهام:
_ في إيه؟ وخداني على فين؟
«فرح» بغموض وعينين يتراقص بهما المكر:
_ هقولك على الحل السحري اللي بستخدمه لكل مشاكلي، بس فيك مين يحفظ السر.
اندهش كثيرًا من حديثها، ولكن راقت له كلماتها وطريقتها، فترك نفسه لها لتقودها حيثما تشاء، فإذا بها تجذبه إلى السيارة وهي تقول بهدوء:
_ يلا. اتفضل ورانا مشوار صغير.
تقود قلبه بمنتهى الاحترافية التي تجعله يتلقى الأوامر منها لأول مرة بحياته عن طيب خاطر، ولكنها كانت امرأته التي خُلقت منه واكتملت بها، لذا طاوعها دون حديث لتقوده إلى أحد محلات بيع ألعاب الأطفال، وإذا بها تشتري الكثير من الألعاب إلى أن امتلأت السيارة بهم، فلأول مرة يتحدث قائلًا بخشونة:
_ أنا ساكت مش راضي أسألك. بس أنتِ أكيد عندك تفسير.
«فرح» بثقة:
_ طبعًا عندي. يلا بينا.
بعد عشرين دقيقة توقفت السيارة أمام مبنى كبير للأيتام، فترجلت «فرح» لتخاطب الحارس الذي بدا وكأنه يعرفها، فقد كان رجلاً في أواخر الخمسينات يبتسم لها بود وبشاشة، مما جعل بسمة حانية ترتسم على ملامحه وهي تتقدم منه قائلة بلهجة رقيقة:
_ لما بتضيق بيا بفرح غيري، وبستنى نصيبي من الفرحة دي من ربنا.
قادته إلى الداخل ليرتج قلبه من مظهر الأطفال الصغار وهم فرحون للغاية بتلك الهدايا البسيطة وهي بينهم كالفراشة تنشر الفرح بكل مكان، فتضاعف عشقه لها، وخاصةً حين اقتربت تقول بتأثر:
_ فرحتهم متتوصفش إزاي؟ أنا بحس إن قلبي طاير وهو شايفهم فرحانين كدا.
احتوتها عينيه ويديه حين قربها لتقف بجانبه وهو يقول بنبرة عاشقة:
_ دانا اللي قلبي طاير عشان اخترتك من بين كل ستات الدنيا.
التفتت تناظره بحنو وهي تقول بلهجة هادئة:
_ الصدقة دي عبادة عظيمة أوي. أنا لما بتضيق بيا الدنيا بنزل أمشي في الشارع أدور على أي حد محتاج وأساعده. عارف بترفع البلاء، وسبب من أسباب البركة، وبتضيع الخنقة وبتشرح القلب، دوا لكل مرض ملوش علاج. بتطهر المال، وب تأمن الإنسان من الخوف. بتطفي غضب ربنا. الصدقة دي حقيقي من أروع العبادات اللي ربنا أنعم علينا بيها. المفروض إننا نستغل النعمة دي.
كانت كلماتها مهيبة على الرغم من أنه يعلمها جيدًا، ولكنه كان يحب أن يستمع إليها كثيرًا، وكعادته معها يأسر حديثها ويستحوذ على جميع حواسه، فأجابها بحنو:
_ كل كلامك جميل طبعًا، بس صدقيني أنا بطلع حق ربنا من كل قرش بيدخل جيبي.
قاطعته بقوة:
_ عارفه، وعارفه إن في ناس مخصوص بتعمل الموضوع دا. بس صدقني إنك تنزل من بيتك عشان تعمل كدا بنفسك دي ثوابها عظيم، ونتائجها أعظم. إحنا بنصلي ونصوم ونصدق لينا إحنا. ربنا مش محتاج دا، إحنا اللي محتاجينه، وعشان كدا إن شاء الله لينا مشوار زي دا كل شهر على الأقل ننزل بنفسنا ندي ربنا حقه.
كلماتها أضرمت الدفء بين حنايا صدره الذي عاهد ربه صامتًا على أن يكون هذا الأمر منهجًا له في العبادة طوال حياته، ولكنه اكتفى قائلًا بخشونة:
_ بإذن الله طول ما ربنا مطول في عمري هنعمل كدا سوا.
_ ربنا ما يحرمنامنش منك أبدًا ويطولنا في عمرك ويديمك نعمة في حياتنا.
احتواها بحنو، وبعد نصف ساعة كانت السيارة تتوقف في فناء القصر، ليتقابل الثنائي العاشق وجهًا لوجه مع «مروان» العابس الذي قال بتهكم:
_ جوز الكناريا راجعين منين كدا عالصبح؟
«فرح» بسخرية:
_ مجبتش معاك دفتر الحضور والانصراف عشان نمضيه بالمرة؟
«مروان» بسخط:
_ إيه دا إيه دا؟ أنتِ بتقلشي؟ حد قالك إن دمك خفيف؟ لا يا ست حلوتهم أنا بس اللي بقلش هنا، وكمان مش رايقلك.
«سالم» بتهكم:
_ كل دا ومش رايق! ويار ترى مالك؟ قالب وشك ليه؟
_ والله كفاية الخلق اللي معاشرينها اللي تسد النفس دي.
هكذا تحدث «مروان» حانقًا، فأجابته «فرح» بسخرية:
_ تقريبًا كدا مروان متنفضله وواخد استمارة ستة، ودا اللي مزعله.
صاح «مروان» بحنق:
_ ياريت متنفضلي وبس. دانا شايل الطين والسخام على دماغ أمي ولا أكني أنا اللي خبيت المحروس. أنا مالي. راجل خاين وعيل واطي. دخلي أنا إيه؟
غادرهم «سالم» الذي أتاه اتصال هاتفي فتوجه إلى غرفة المكتب، فيما قالت «فرح» باستفهام:
_ أيوا فعلًا أنت دخلك إيه؟
«مروان» بحنق:
_ قولي للبومة اللي فوق دي. كل شوية لو سمحت سيبني عشان عايزة أقعد مع ماما، ولما ماما تنام لو سمحت سيبني عشان متضايقة وعايزة أنام، ولما أقرص عليها في الكلام ألاقي الهانم تقولي ما انت لو مش زي ناجي الوزان كان زمانك قولتلي من أول ما عرفت بوجود هارون. يا بنتي دي أسرار. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي م
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم نورهان العشري
كان الأمر برمته كارثي للحد الذي جعل الأجساد تتخشب و العقول تتوقف عن العمل. الثواني الفاصلة بين إطلاق النار على «جنة» و تلقي «حازم» الطلقة بدلًا عنها و بين خطفها ضئيلة جدًا بالمُقارنة بحجم الكوارث التي حدثت بها، فحتى «جرير» الذي كان يُعرف عنه سُرعة البديهة و خفة الحركة تجمد أمام هذا المشهد الذي اعتصر فؤاده على ذلك الفتى الذي لا يعلم كيف تغلعلت محبته إلى داخل قلبه الذي انتفض لدى رؤية دماءه فوق الأرض و ما كاد أن يصل إليه حتى اختطف أولئك الرجال تلك الفتاة التي و كأن الحظ ضل طريقه إليها لتقع فريسة بين قلوب اسودت من فرط احتراقها فلم تعُد تعرف معنى الرحمة أو الشفقة، و لهذا صرخ ذلك الجريح بين يدي شقيقه قائلًا بألم:
_ خدوها. خدوها يا سالم. الحق جنة.
انتفض «سالم» ذُعرًا وهو يرى شقيقه يُنازِع الموت بين يديه بينما صرخات مُفزِعة مُتفرقة انطلقت من الأفواه المُحيطة به و كان من بينهم صرخة مفزوعة استقرت في منتصف قلبه الذي تمزق بين الجميع في تلك اللحظة فزمجر بانفعال:
_ اوعوا كدا. خلوه يعرف يتنفس.
كان هذا صوت «سالم» الذي أزاح الحرس من حوله لـ يُمسِك بكف «حازم» يُقبله قائلًا بـ شفاه ترتجف:
_ حازم. انت كويس. خد نفسك. انا هوديك المستشفى، و المرة دي مش هسيبك تموت. مش هسيبك أبدًا.
آلمه قلبه من فرط سعادته لسماعه كلمات شقيقه التي كانت إعلانًا صريحًا بالغُفران فهتف بنبرة مُعتذرة:
_ مقدرتش امنعهم ياخدوها.
اقترب «سليم» منه بحذر و قلبه يرتعب من هذا الوداع الذي يلوح بالآفاق:
_ انت هتبقى كويس، و كمان جنة. انا عارف. مش هخسر حد فيكوا.
همس «حازم» بنبرة خافته وهو يُجاهد ألمه و دوامة سوداء تُغويه حتى يستسلم لها:
_ حقك عليا. ياخويا.
أنهى جملته التي عرفت طريق أعماق «سليم» الذي أخذ يتراجع إلى الخلف و هو عاجز عن إقصاء عينيه بعيدًا عن شقيقه لتفزعه صرخة «مروان» حين اقترب يقود أحد السيارات قائلًا:
_ هاتوا يا سالم يالا بسرعة.
اعتدل «سالم» يحاول حمله فاقترب «جرير» ليُساعده فحدجه سالم بنظرة مُرعبة تحمل من اللوم الكثير كما جاءت نبرته حين قال:
_ هي دي الأمانة يا شيخ جرير!
جملة كانت كسيف باتر يعرف جيداً كيف تُدق الأعناق ولكن الوقت لم يُسعفه للإجابة فقد حمل «سالم» «حازم» بين يديه ليُدخله السيارة وسط هرج و مرج من الجميع و ما أوشك على الركوب بجانبه حتى تفاجئ من «هارون» الذي تدخل بلهفة:
_ استنى يا سالم. انا هركب معاه، و هحاول اوقف النزيف. انا اتدربت على حاجات زي دي قبل كدا. الحق انت الحاجه أمينة قبل ما تعرف اللي حصل.
ما أن ذُكِرت والدته حتى شعر برجفة قوية تضرب قلبه الذي لوعته فكرة ان تعرف والدته بما حدث، فإن تحمل قلبها خسارة عزيزه لمرة فحتمًا لن يتحملها الثانية لذا ارسل نظرة مُمتنة إلى «هارون» قبل أن يتركه فانطلقت السيارة بأقصى سرعتها ليصدُر عن أحتكاك إطارتها بالأرض صوتًا مُريعًا كصوت «طارق» الذي صاح يُعنف الحرس:
_ انتوا يا بهايم. اللي حصل ده حصل ازاي؟
نطق الحارس بلهفة:
_ يا طارق بيه ملحقناش. ضربوا نار من بعيد و حازم بيه جري اخد الطلقة مكان الهانم وفجأة جت عربية بسرعه شدتها و جريت و كل دا و هما بيضربوا نار مقدرناش نرد عليهم خوفنا على جنة هانم. حتى لما حاولنا نلحقهم كانوا بيضربوا عشوائي.
تدخل «صفوت» حانقًا و هو يُمسِك بهاتفه يتواصل مع جميع الدوريات في المنطقة:
_ طب قولي. خدتوا رقم العربية؟ شفتوا حد من اللي كان موجود فيها؟
_ العربية كانت من غير نمر، و اللي جواها كانوا مُلثمين.
لم يُزِد في الحديث بل اندفع للتواصل مع الشرطة، ليسود الجو حالة من الهرج بينما لازال أحدهم لازال يُعاني من صدمته مثل «فرح» التي كانت مُتجمدة بمكانها و قد تشوشت الأصوات حولها الا من صوتًا واحد راح يعلو أكثر فـ أكثر داخل عقلها:
_ تلك المرة خسرت شقيقتها.
برقت عينيها و أخذ جسدها يرتجِف حتى كادت تسقُط لولا ذراعين تحملان حنان العالم أجمع حاوطتها وهو يقول بقوة:
_ فرح. بصيلي يا فرح.
حين لم تُجيبه احتدت نبرته كما ازداد ضغطه فوق ذراعيها وهي يهزها بقوة قائلًا:
_ فرح. فوقي و بصيلي.
شهقة قوية كان أول استجابة لها لما يحدُث لتصرخ بفزع:
_ جنة. جنة يا سالم.
«سالم» بطمأنة:
_ جنة كويسة. أن شاء الله هتبقى كويسه. متقلقيش.
هربت الكلمات من بين شفتيها لتتساقط من مقلتيها وهي تلتفت تلقائيًا لرؤية ذلك الأسد الجريح الذي يُزمجِر هنا و هُناك بلا هوادة و كأن أحدهم غمس سهمًا مُشتعِلًا بمُنتصف قلبه وهو مُكبل عاجز عن إنتشاله، و التخلُص من ذلك الألم المسعور الذي يكاد يفتك به، فلم تحتمل ما يحدُث بغرس نفسها بداخل أحضانه تكتم صرخاتها بصدره الذي أرتج إثر لوعتها و حريق روحه لشعوره بالعجز عن إضفاء الأمان بقلوب أحبته ليشعُر بيد قوية تربُت على كتفه ليلتفت فإذا به يجد «عبد الحميد» الذي قال بنبرة قوية:
_ رچالتنا بيدوروا في كل مكان. خد فرح چوا و تعالى عشان نعرفوا هنتصرفوا ازاي؟
اومأ «سالم بصمت لينظُر إلى «فرح» التي كانت ترتعِب فقام بحملها و الدلوف بها إلى الداخل.
في الداخل اهتاجت «حلا» قائلة بانفعال:
_ في ايه انت و هو؟ خلونا نطلع نشوف في ايه بره؟
الحارس باحترام:
_ يا ست هانم مهينفعش. فيه ضرب نار بره، و ياسين بيه أمرنا منخرجش حد منكوا واصل.
صاحت «أمينة» بنبرة مُهتزة:
_ ولادي بره عايزة اطمن عليهم.
_ اطمني يا حاچة كلياتهم بخير.
تدخلت «شيرين» بحنق:
_ و نعرف منين؟ سيبونا نخرج نتطمن بنفسنا.
و أيدتها «همت» التي صاحت بذُعر:
_ يا ابني احنا مش ناقصين وجع قلب سيبونا نطلع نشوف في ايه؟
الحارس بعناد:
_ يا هانم على عيني. بس ياسين بيه هيجطع رجبتي لو حد منكوا خطى خطوة واحدة.
ربت «تهاني» على كتف الحارس بلطف:
_ الصبر وانا هشيع حد يشوف في ايه؟
ما أن أنهى جملته حتى جاء «ياسين» القادم من الخارج لتقول «أمينة» بلهفة:
_ اهو ياسين جه اهو. طمني يا ابني.
اقترب «ياسين» واضعًا قبلة دافئة فوق جبهتها وهو يقول بحنان يوازي شفقته على تلك السيدة التي ذاقت الويلات و لا ينقصها ما حدث منذ لحظات لذا هتف مُطمأنًا:
_ اهدي يا حاجه في ايه؟ ليه القلق دا كله؟ دا واحد من الرجالة كان بيضربوا نار عشان الفرح و للأسف جت في واحد صاحبه و نقلناه المستشفى، و أن شاء الله هيبقى كويس. متقلقيش.
هتفت «أمينة» بلهفة:
_ صحيح يا ابني بالله عليك. انا قلبي هيقف.
«ياسين» بطمأنة:
_ صحيح يا حبيبتي. متقلقيش.
تنفس الجميع الصعداء بينما كانت هي تُحاول ألا تتأثر بوجوده و ذلك الحنان الذي يقطر من بين نبرته و عينيها لوالدتها، و رغمًا عنها شعرت بالإمتنان له على فعلته، و بينما كانت غارقة بأفكارها تفاجئت بيده الذي جذبتها إلى أحضانه بقوة اجفلتها واضعًا قبلة دافئة فوق خصلاتها تضمنت الكثير مما لم تفهمه، فقد كان يعتذر، يؤازر، يُشفِق عليها من تلك الحقيقة التي تجهلها، و أخيرًا غاضب يتوعد بالهلاك لمن تجرأ على المساس بأبنه عمه:
_ طب يالا يا حاچه ندخل چوا بدل وجفتنا دي. روكبنا من الخضة وچعتنا.
هكذا تحدث «تهاني» إلى «أمينة» و الجميع و قد كانوا بحاجة للراحة بعد تلك الدقائق الصعبة التي عاشوها لتبقى بمفردها معه فهمس بجانب أذنها حين لامس رجفة جسدها بين يديه:
_ متخافيش. انا جنبك.
جملته أعادتها إلى واقع أليم و شعور مُروع لازالت غصته تفطر قلبها من الداخل لذا تململت بيد ذراعيه لتقول بجفاء:
_ ربنا معايا، و اخواتي بعده، فالحمد لله مش محتاجه لحد تاني.
تفهم ما تمُر به، وقد كان يتوقع و يرتضي بـ ذلك و أكثر لذا اكتفى بجملة واحدة حتى لا يُزيد من الضغط الماثل فوقها:
_ حتى لو مش محتجاني انا جنبك.
جاهدت حتى تظل على جفاءها، و قد قررت إعطاءه السُم على هيئة جُرعات لم تكُن قاتلة ولكن وجعها مُميت لذا طافت أنظارها الساخرة على ملامحه وكأنها تخبره أنها لا تُصدقه لـ تتراجع إلى الداخل بدون التفوه بكلمة واحدة، فالتجاهُل هو بداية طريقها الشائك معه، و قد أتت طريقتها بثمارها فقد شعر بألم حاد في قلبه لكونها تجاهلته على الرغم من أنه عرف مقدار خطأه و لكن تألم لهذا لم يستطِع منع نفسه حين قال:
_ و هفضل جنبك العمر كله.
مر الوقت ثقيل على الرغم من كل تلك الجلبة و البحث المُضني الذي لم يُثمِر عن شيء ملموس مما جعل «سالم» يطلِق صرخة غاضبة وهو يضرب يده في حائط المشفى ليقترب منه «مروان» قائلًا بقوة:
_ اهدى يا سالم. كل حاجه هتتحل بإذن الله.
ناظر «مروان» ساخطًا:
_ ايه اللي هيتحل بالظبط؟ حازم اللي جوا بين الحيا و الموت، ولا جنة اللي مش عارف هي فين؟ و لا سليم اللي قرب يتجنن وهو مش مش لاقي مراته! و لا ماما اللي متعرفش اي حاجة، و مش عارف هنخبي عليها لحد امتى؟ ولا فرح..
صمت لثوان وقد شعر بدقات قلبه خناجر تتسابق داخل صدره حتى تقضي عليه وهو يتذكر حين اقترب يضعها فوق مخدعها ليجدها تُشدِد من قبضتها على قميصه وهي تقول بنبرة مُشبعة بالأسى يخالطه التوسل الذي يتساقط من عينيها مع عبراتها:
_ جنة يا سالم.
لأول مرة لم يستطِع بثها الأمان الذي تحتاجه ولكنه حاول الثبات قائلًا بخشونة:
_ متخافيش.
عاد إلى واقعه على يد «مروان» الذي ربت فوق كتفه بقوة وهو يقول ببسالة:
_ كل دا هيتحل بأمر الله. اسمع مني. انا عارف اللي جواك. بس انت معندكش رفاهية الإنهيار. الكل مسنود عليك بعد ربنا، وانت قدها. اللي معاه ربنا ميخافش يا كبير. مش دا كلامك؟
أراد الصراخ لا البُكاء في تلك اللحظة فقد كان وليمة للحزن و الأسى ليقول لأول مرة بنبرة مُشبعة بالألم:
_ ونعم بالله. لكن انا مش واثق في نفسي المرة دي يا مروان.
ولكنها كانت لحظة حصاد لزرعته الصالحة حين صاح «مروان» بقوة:
_ ياخي انا واثق فيك. قول يارب انت بس.
همس بحرقة:
_ يارب.
كان «هارون» يُشاهِد ما يحدُث بقلب ينفطر ألمًا فقد سيطر عليه هاجس قوي بأن الفاعل هو شيطانهم المريد، فلم يستطِع عقله تخيُل أنه قد مات، وقد شعُر بأن «سالم» يُشاطره نفس تفكيره حين سمعه يقول ل«مروان» بقسوة:
_ يا ويله لو كان هو اللي ورا اللي حصل دا.
«مروان» بصدمة:
_ سالم. بتقول ايه؟ تقصد مين؟ متقوليش ناجي! دا مات وشبع موت.
«سالم» بسخرية مريرة و حيرة جراء تخبط عقله و ضياعه أمام هواجس تؤرقه:
_ محشستش ولا لحظة أنه مات. طول الوقت جوايا احساس بيقولي ازاي هيموت بالسهولة دي؟
«مروان» بتعقُل:
_ ازاي يكون نجي من كل اللي حصل دا؟ مش في تحاليل أثبتت أن جثته كان من ضمن الجثث اللى كانت في اليخت؟
_ حازم عامل ايه؟
هكذا تحدث «طارق» الذي كان مظهره يُشبه رجال العصابات يرتسم الإجرام على ملامحه و بجانبه كُلًا من «عمار» و «ياسين» و «عبد الحميد» الذي أعاد سؤال «طارق» بنبرة جافة:
_ اخوك كيفه يا سالم؟
«سالم» بجفاء:
_ لسه منعرفش حاجه.
«عبد الحميد» بنبرة حادة:
_ چينا عشان نعمل الواچب، واني طبعًا مجدر خوفك و جلجك على أخوك، لكن بعد اللي حوصول ده التار مبجاش تارك لوحدك يا ولد الوزان.
زفر «سالم» غاضبًا قبل أن يقول بخشونة:
_ رجالتي مش ساكتين، و اظن انت شايف بعينيك.
تدخل «عمار» بحدة:
_ شايفين يا سالم. ياريت تكون انت اللي شايف.
«سالم» بقسوة:
_ تقصد ايه؟
تدحرجت عيني «عمار» بين الجميع لتستقر على «هارون» قائلًا بحدة:
_ اللي حوصول دا مش طبيعي، و لو كان ناچي دا لساته عايش يبجى أكيد في خاين في داركوا.
قاطع استرساله في الحديث يد «سالم» الذي امتدت لتُدير رأسه إليه و هو يقول بـ جهامة و نظرات سوداوية:
_ بيتي نضيف مفهوش خونه، ولو كان في قبل كدا فـ دا كان عن معرفة مني، و تخطيط كمان. دماغك متروحش بعيد يا عمار عشان منخسرش بعض في أكتر توقيت غلط.
تلقائيًا أخذ الجميع موضعه ليكون المشهد كالآتي «سالم» و يحاوطه كُلًا من «طارق» و «هارون» بملامح مُتجهمة و نظرات سوداوية، و في المُقابل «عبد الحميد» يحاوطه حفيديه «عمار» و «ياسين» بملامح مُكفهرة و نظرات مُتوعدة فساد صمتًا قاتل تتخلله أنفاس قوية تُنذِر بأن القادم سيئًا، فكان من يراهم من بعيد يظن بأن هناك نزال سيُقام بين العائلتين في حلبة المشفى إلى أن اخترق ذلك الجو المشحون صوت «مروان» الذي صاح غاضبًا:
_ في ايه يا جماعه؟ ايه جو مصارعة الثيران دا؟ بدل ما تقفوا في وش بعض. أقفوا جنب بعض. هو دا الوقت اللي الناس مفروض بتقف فيه جنب بعضها.
تدخل «ياسين» بحدة:
_ واحنا جينا نقف جنبكوا. بس سالم بيه الكلام معجبهوش، و مش عايز يعترف بغلطه، و مُصِر يعرض عيلته كلها للخطر!
برقت عيني «سالم» و ما أن أوشك على الحديث حتى تدخل «مروان» بصوت جهوري:
_ سالم الوزان عقله يوزن بلد يا ياسين يا عمران، و خلي بالك من كلامك، و بعدين كلامكوا دا يُعتبر إهانة لينا احنا مش عيال صغيرين قدامكوا، و سالم لو مش عاقل و كبير كان حاسبكوا على الغلط دا بس هو عمل حساب للنسب اللى بينا. ماهو لما تتهموا واحد مننا باتهام خطير زي دا يبقى غلط كبير في حقنا كدا ولا لا يا حاج عبد الحميد؟
كان حديثه مُقنعًا و محاولة جيدة لحقن الدماء التي كانت على وشك أن تسيل لو انساق كل طرف حول غضبه لهذا تحدث «عبد الحميد» بتعقُل:
_ احنا منجصدش يا ابني نتهمكوا. احنا في الآخر أهل و چنة بتكوا زي ماهي بتنا.
تدخل «طارق» الذي شاهد «سالم» و قد كان الأخير في حالة نادرة و مقيتة من الغضب. لذا قال يُهدأ من حدة الموقف أكثر:
_ كُلنا في مركب واحدة يا حاج عبد الحميد، و اللي عمل كدا في جنة و حازم حتى لو كان اخويا هعاقبه عقاب الملكين.
هدأ الجميع لـ لحظات و فشلت مـحاولة الشيطان في زرع الفتنة في نفوسهم لتمُر دقائق بسيطة قبل أن يخرُج الطبيب من غرفة العمليات فـ هرول «سالم» إليه قائلًا بلهفة:
_ طمني يا دكتور.
الطبيب بطمأنة:
_ الحمد لله. قدرنا ننقذه، الطلقة كانت قريبة من الشريان الرئيسي للقلب لكن مأذتوش.
رُدت روحه إليه في تلك اللحظة و ما كاد الطبيب يُغادِر حتى رن هاتفه و قد كان «صفوت» الذي ما أن أجاب «سالم» حتى صاح بلهفة:
_ حالة سليم صعبة اوي يا سالم، و مش عارفين نسيطر عليه.
هتف «سالم» بخشونة:
_ جراله ايه؟
هُناك ألم لا نستطِع وصفه، و لا نملك القدرة على محوه، و التعايش معه يُشبِه قطعة ثلج أُلقيت في قعر الجحيم قائلين لها لا تذوبي!
كانت حالته لا تفي الكلمات لوصفها. خائف، مُرتعِب، عاجُز. مُتألم و كأنه يتقيأ روحه، فقد كان يدور حول نفسه كالمجنون بعد أن بحث بجميع الطُرُق باحثًا عن سراب يحمل رائحتها، ولكن بائت كل محاولاته في إيجادها بالفشل الذي جعل منه وليمة للجنون خصوصًا حين وجدوا السيارة التي اختطفتها وهي مُتفحمه تُشبه علبة من الصفيح الذي أكلته النيران حتى أسود لونه. عند تلك اللحظة برقت عينيه و غاب عقله عن العمل ليخرج كل شيء عن سيطرته فأخذ يركُل بيديه و قدميه في السيارة المُتفحمة و هو يصيح كالأسد الجريح فحاول الحرس السيطرة عليه و معهم «صفوت» ولكن باءت كل محاولتهم بالفشل فلم يجد الأخير مفر من مُهاتفة «سالم» الذي تحولت نظراته الى شيء يُشبِه الجحيم حين لاحظ تراجع «هارون» إلى الخلف وهو يتحدث إلى أحدهم على الطرف الآخر، و سُرعان ما غاب عن ناظريه ليقوم بقسوة:
_ قوله مراتك الليلة هتبات في حضنك.
تحققت أسوأ مخاوفه حين شعر بإهتزاز هاتفه بجيبه ليتراجع عن ذلك الجمع وداخله يتمنى لو يحدُث شيء يُكذِب هذا الهاجس المُريع الذي يُسيطر عليه، و لكن دائمًا تأتي الرياح بما لا تشتهي السُفُن ليجد قلبه يهوى قلبه بين ضلوعه حين سمع ذلك الصوت الذي جعل جسده يقشعِر و خصوصًا تلك الضحكات المُروعة المتبوعة بكلمات يفوح منها القيح:
_ ابني الغالي. اللي باع أبوه و قضيته و رمى نفسه في حضن أعدائي. عامل ايه؟
انمحت من عقله جميع ما درسه عن و تدرب عليه في ضبط النفس و التحكم بانفعالاته لتخرُج كلماته مُتلعثمة حين قال:
_ أن. انت. انت لسه. لسه عايش؟
قهقهات مقيتة تُغلفها قسوة مُرعِبة تخللت لهجته على الرغم من سخرية كلماته حين قال:
_ دا سؤال بردو؟ لسه معرفتش قدرات أبوك! ياخي عيب.
قست كلماته حين تابع بتوعد:
_ ولا حتى الموت يقدر عليا، و خصوصًا أن لسه مخدتش تاري من الكلاب اللي محاوط نفسك بيهم.
تقاذفت دقاته داخل صدره قبل أن يقول بنبرة حاول جاهدًا جعلها ثابتة:
_ عملت فيها ايه؟
«ناجي» بتهكم:
_ بخير. متقلقش. مش هضيع فرصة اني اشوف الحسرة في عين سليم و أنا بقتلها قدامه.
كان قد انزوى بأحد الممرات وهو يهتف من بين إسنانه:
_ اوعى تفكر تقربلها. انا اللي...
قاطعه «ناجي» بقسوة:
_ انت تقرر دلوقتي اذا كنت معايا أو ضدي. شفت ابوك راجل حقاني ازاي؟
شعر بالأرض تميد به و لم يعرف ماذا عليه أن يفعل؟ فقد كاد أن يفقد عقله ليأتيه صوت «ناجي» القاسي:
_ قدامك لحد الفجر. تقرر، ولو معايا يبقى تقابلني عند المكان بتاعنا.
صاح «هارون» حانقًا:
_ انت بتقول ايه؟ انت اكيد اللي حصل دا أثر على عقلك! انا مش هروح في أي حتة، و هقول لسالم على كل حاجه.
_ بتكلم مين يا هارون؟
هكذا استفهم «مروان» بجفاء ليلتفت «هارون» بلهفة قبل أن يتحمحم بخفوت قائلًا:
_ لا دي شيرين. كنت بطمنها. في جديد؟
«مروان» بجفاء:
_ لا.
مرت الدقائق كـ حوافر تدهس فوق قلوبهم دون رحمة. الجميع يُعاني الجميع خائف حتى اولئك الذي كانوا يجهلون حقيقة ما يحدُث لم تنجو قلوبهم من الألم و الخوف، فـ الشعور السيء تفشى في صدور الجميع، والخوف من تحققه كان أسوأ ما في الأمر، فبعد أن اطمئن «سالم» أن حالة حازم مُستقرة و أنه يرقد بالعناية المُركزة لم يتوانى عن رؤيته حتى يطمئن قلبه ولو قليلًا لذا اقترب يُلثِم جبين شقيقه قبل أن يرفع رأسه يُطالعه بحنان تجلى في نبرته حين قال:
_ اوعى تمشي. قاوم عشان خاطري، و خليك فاكر ان ولاد الوزان مبيستسلموش.
توجه الرجال المزرعة بعد أن اهتم «سالم» بتأمين المشفى ليطمئن أن شقيقه بسلام ليُغادر و لأول مرة بحياته يتجمع بداخله كل هذا الغضب الذي جعل من ملامحه صورة حية للشيطان الذي خرج من محبسه ينوي الانتقام بأبشع صورة مُمكنة.
حانت لحظة الإختيار، و كأن الحياة تضعه في المنتصف بين قطارين إحداهما يحمل لائحة كُتِب عليها عذاب الحق و الآخر كُتِب عليه نيران الباطل، وهو مُجبر على الاختيار بين كليهما.
ابتسامة ساخرة لاحت على ملامحه، فقد اختارت الحياة بدلًا عنه لتجعله يستفيق وهو في أجمل لحظات حلمه بوجود والدته و شقيقتيه بجانبه على كابوس حقيقة انتمائه لذلك الرجُل، ولم تكتفي بذلك بل قيدته في قاع جحيم مُستعِر تأجج له صدره وهو يخطو كل خطوة تجاه ذلك المكان الذي يود لو يندثر من على خريطة هذا العالم الشاسع الذي شعر به يضيق من حوله، ولكنه أجبر نفسه على المُضي في دربه الوعِر الذي اختاره بكل ما أوتي من بأس.
فُتِحت البوابة الأمامية و توجه إلى الداخل و قد التقمت عينيه المكان الذي كان مُدججًا بالرجال و القناصات المُختبئه بخُبث في كل الزوايا تتحين الفُرصة للفتك بمن يُفكِر الاقتراب من هذا المكان.
كان المكان هادئًا حد الرُعب حل ما به يبعث على النفور رغمًا عن نظافته ولكن يكفي أن يكون مأوى الشيطان:
_ نورت. كنت مُتأكد انك استحاله هـ تخذلني.
ابتلع جمرات غضبه الحارق من كلمات «ناجي» المُستفزة و خاصةً حين أردف بجفاء:
_ عشان انت مش زيهم و لا شبههم. انت شبهي انا بس انت اللي بتكابر.
أخذ ينظُر إلى تلك البقعة المُظلمة التي تحجب ملامحه فقط جسده ليهتف بحنق:
_ شبهك في ايه؟ انت مفيش حد شبهك، و لا يعرف حد يرقى شبهك.
صاح «ناجي» بغرور مريض:
_ طبعًا. ناجي الوزان نسخة واحدة مش هتتكرر.
قاطعه «هارون» باحتقار:
_ دا من رحمة ربنا بينا. انت غلبت الشيطاين في شرهم. انت مش بس بتوسوس للناس انت كمان بتهيألهم كل فُرص الغلط، و لو ربنا هداهم بتجبرهم عليه.
قال جملته الأخيرة صارخًا فتقدم منه «ناجي» بخطوات بطيئة ليخرُج من ظلامه إلى ذلك النور الذي أبرز تشويهًا كبيرًا في وجهه ذو مظهر بشع تقشعر له الأبدان وقد شعر «هارون» بسوط جلدي يلسع جسده بقوة ولكنه حاول تدارك رد فعله بشق الأنفُس و خاصةً حين استمع الى كلمات «ناجي» المُحتقنة بسموم و كراهية لا حدود لها:
_ كويس انك عارف، و كويس أننا وصلنا للنقطه دي، و أظن انك شوفت بعينك انا اللي بنتصر في النهاية. عملوا المستحيل علشان يقضوا عليا، و معرفوش. بس النهاردة انا هخلص عليهم كلهم.
هتف «هارون» بنبرة جافة قاسية:
_ جبتني هنا ليه؟
«ناجي» بشر:
_ علشان اخيرك.
«هارون» باستنكار:
_ تخيرني!
«ناجي» بجفاء:
_ حياتك قصاد حياة امك و أخواتك!
«هارون» باندهاش:
_ نعم!
«ناجي» بصرامة:
_ اختار.
هتف «هارون» بحنق:
_ انت عارف كويس اوي اني هختارهم من غير تفكير. أنا عايز اعرف ايه اللي ورا الاختيارات دي.
«ناجي» باستمتاع:
_ ذكي. طالع لأبوك.
لم تنمحي نظرات الغضب من عينيه ليقول «ناجي» بشر:
_ بص وراك.
التفت «هارون» للخلف لتظهر شاشة كبيرة بعرض الحائط و ما أن ضغط على أحد الأزرار حتى برقت عينيه حين شاهد ذلك المشهد المُرعِب لعدد كبير من السيارات وجيش من رجال المُدججين بالأسلحة و ذخيرة تكفي لهدم ذلك المكان و جعله رمادًا.
التفت «هارون» بذعُر تجلى في نبرته حين قال:
_ انت هتعمل ايه؟
_ سألتني ايه اللي ورا الاختيارات دي. وانا هقولك. تنقذ نفسك بأنك ترفض الطلب اللي هطلبه منك، و تنقذ امك و اخواتك بأنك تنفذ طلبي و اللي هو انك تغتصب البت مرات سليم.
بهتت ملامحه و برقت عينيه من هول ما سمعه و قد شعر في تلك اللحظة بأن عقله توقف عن العمل ليُتابِع «ناجي» بقسوة:
_ باين عليك لسه مفهمتش. ابسطلك الأمور. لو رفضت تنفذ طلبي هتخرج من هنا زي ما جيت بس على ما توصل هيكونوا امك و اخواتك بقوا بقايا بني آدمين. احتمال متلاقيش حاجه باقيه منهم تدفنها، و لو اختارت امك و اخواتك، و نفذت طلبي. هتخرج بردو من هنا على رجليك بس هتشوف الوش التاني لولاد الوزان اللي هيقطعوك بسنانهم. ها لسه مفهمتش!
شعر للحظات بأنه على وشك السقوط فقد سمع عن هذا الرجل ما يجعل الأبدان تنتفض ذُعرًا ولكن ما يُعايشه الآن معه تخطى حدود المعقول فهاهو يُضحي به بعد أن كان يُخبره بأنه فعل كل شيء لأجله:
_ انت بتقول ايه؟ انت عايز تعمل فيا انا كدا؟
«ناجي» بسلاسة:
_ انا راجل حقاني يا هارون، و انت من البداية عارف قانوني. أنا عمري ما سامحت في الخيانة. مع إني اتخليت عن مبادئي عشان خاطرك و مردتش اخلص عليك بنفسي بسبب خيانتك ليا.
«هارون» بصدمة:
_ انت ازاي كدا؟
«ناجي» بنفاذ صبر:
_ بقولك ايه احنا رغينا كتير و انا صدعت قولي هتختار ايه؟
تجاهل «هارون» حديثه عمدًا و قال بصياح:
_ انت مفكر أن ولاد الوزان مش هيقدروا يوصلولك! سالم المرة دي ناوي يخلص عليك بنفسه.
«ناجي» بسخرية:
_ وانا مش ممانع. يتفضلوا ينوروني و الشاطر يطلع من هنا سليم؟
تحرك «هارون» بعشوائية في المكان وهو يصيح بغضب:
_ طبعًا ما انت مأمن نفسك. بس تفتكر الكام قناص اللي انت منطورهم في المكان دول هيخلصوا على مين ولا مين؟
«ناجي» بسخرية:
_ الكام قناص! كل برج في الأبراج دول فيه قناص عشرين برج محاوطين المكان مستنيين اي كلب يفكر يدخل عشان يصطادوه. انا مبسبش حاجه للحظ.
تراجع «هارون» إلى الخلف وهو يُمرر يديه بين خصلات شعره قائلًا باندهاش:
_ تصدق عندك حق. انت مبتسبش حاجه للحظ. بس تفتكر انت كدا تبقى فايز! يعني لما تدارى ورا شويه ألاعيب و رجالة كدا تبقى انت قوي؟ كدا هتستمتع بانتصارك!
اشعرته كلمات «هارون» بالدونية للحظات و سرعان ما تجاوز شعوره لـ يقول بقسوة:
_ متشغلش بالك بالموضوع دا. انا عارف هستمتع ازاي؟ دلوقتي دورك عشان تختار.
كان يحشره في الزاوية لـ يحاول تفادي ذلك المأزق اللعين إذ باغته قائلًا:
_ انت نجيت ازاي من حادثة اليخت؟
جاءت لحظة أخرى مُثيرة لذا هتف ضاحكًا:
_ لا ماهو انا عشان قلبي طيب و مظلوم. ربنا نجاني. لحسن حظي كان ضهري للباب و شدة الانفجار دفعتني في المية، و بصراحة دا كان احسن ليا علشان الأغبية اللي زيكوا يفكروني موت، و اعرف اخطط على رواقة.
التقمت أعين «هارون» شيء ما من النافذة فتبدلت ملامحه و ارتسمت ابتسامة خيبة على ملامحه قبل أن يقوم بنزع تلك السماعة الصغيرة من أذنه وهو يقول بنبرة جافة:
_ أو يمكِن اللي حصل دا عشان تموت ألف مرة لما تعرف أن اللي انتصر مش انت، ولا عمرك هتنتصر ولا بعد مليون سنة.
«ناجي» بصدمة وعينيه تتفرقان ما بين «هارون» و تلك السماعه المُلقاه أرضًا و ذلك الميكرفون الدقيق الذي قام بسحبه من بين طيات ملابسه لتتبدل ملامحه حين تابع «هارون» بسخرية مريرة:
_ انا كنت حاسس على فكرة. قولت لا يُمكن تكون نهايته سهلة كدا.
برقت عيني «ناجي» ليُتابع «هارون» ساخرًا:
_ اه. لو كنت موت محروق كان هيبقى أهون بكتير عليك من انك تموت محصور وانت شايف كل خططك بتتقلب ضدك.
هتف «ناجي» بصدمة:
_ تقصد ايه؟
أخذ «هارون» يدور حوله كالفهد و هو يقول بلوعة و لهجة جافة:
_ اقصد انك قدمت لولاد الوزان كل حاجه حلوة بعمايلك فيهم. من اول موضوع حازم اللي بسببه سليم حب جنة و اتجوزها، و سالم حب فرح و اتجوزها. كنت مفكر انهم هيطردوا ماما و أخواتي بعد اللي شيرين عملته و ميبقاش ليهم غيرك بس اللي حصل العكس. خدوهم في حضنهم. دول حتى اتجوزوا منهم.
كان الأمر يُمزقه فلن يكُن يراه بهذا المنظار ولكنه تجاهل ضجيج غليله و قال بجفاء:
_ ولا يفرق معايا. بكرة احسرهم على بعض.
«هارون» بسخرية ولا زال يدور حوله حتى كاد أن يُجن:
_ مش هتقدر. الناس دي ممكن ترمي نفسها في النار عشان بعض. حتى حازم اللي استخدمته عشان تدبحهم بيه. هو اللي فدا جنة بروحه. على الرغم من كل اللي حصل، و خد دي كمان. اخواته سامحوه، و احتمال كبير كمان يرجع يعيش وسطهم تاني.
ثارت ثائرته و هتف باستنكار فقد كان «هارون» ناجحاً في لعبة الأعصاب تلك إلى حد كبير:
_ استحالة. ازاي بعد ما عمل فيهم كل دا!
«هارون» بقسوة:
_ ماهم بني آدمين طبيعيين مش زيك. اتعلموا يحبوا بعض مهما حصل. بس انت عمرك ما اتعلمت تحب حد، وعشان كده عمرك ما اتحبيت من أي حد.
أنهى «هارون» كلمته قبل أن تمتد يديه لتقبض على ملابسه من الخلف ليجذبه بقوة و يُجلسه على أحد المقاعد و يقترب بشفتيه من أذنه قائلًا بهسيس مُرعِب يسكُب الرصاص بين حروف كلماته:
_ دا حتى أنا كمان نابني من الحب جانب. فاكر البنت الغلبانه اللي دخلتها في انتقامك و خليت حازم يضيع مستقبلها؟ اهو انا بقى محدش سرق قلبي غيرها.
شهقة قوية خرجت من جوف ذلك الذي صرعته القنبلة الأخيرة ليُتابِع «هارون» بقسوة:
_ بعدتني عنك عشان ميبقاش ليك نقطة ضعف، و قعدت عمرك كله تحارب في الناس و تسرق باليمين و الشمال عشان وريثك اللي هييجي يشيل اسمك و ياخد كل حاجه، و في النهاية يقع في حب واحدة من ضحاياك.
صمت لثوان قبل أن يُتابِع بهسيس ساخر:
_ و مش بس كدا. انا نسيت اقولك. انا هطلق لبنى من حازم و اتجوزها. عشان بحبها. شكرًا يا والدي العزيز.
_ لاااااا.
صرخة قوية شقت جوف «ناجي» الذي لم يحتمِل أن تكُن تلك الفتاة من نصيب ولده الذي كان يريد أن يجعله امتداد له. أراد محو كل ما هو يحمل لقب تلك العائلة ليجعله ملكًا عليهم. أراد سلبهم كل شيء ليجعله من نصيبه. كان يود أن يُعطيه كُل ما حُرِم منه، ولكن الآن هُدِم كُل شيء. و خسِر كل شيء فلم يعُد يتحمل جسده ما يحمله قلبه من شرور و كراهيه ليسقط أرضًا بعد أن شُل كامل جسدهو كان ذلك تزامنًا مع دلوف الجميع إلى الغرفة فوجد نفسه وجهًا لوجه مع اولئك الذين لم يكره بحياته سواهم. ترتسم على وجوههم نظرة شامته لما آل إليه حاله ولكن ما فعله بهم كان مُريعًا للحد الذي جعل «سالم» يوجع سلاحه نحو رأسه فانتفض «هارون» الذي رغمًا عنه و عن كل ما حدث يتألم لأجل ذلك الرجُل المُلقى أسفل قدميه ليصبح بغضب:
_ لا يا سالم. اتفقنا مفيش دم.
لم يستطِع مع عبراته الغزيرة وهو يخفض رأسه قائلًا بأسى:
_ هو خلاص مبقاش بيشكل أي خطر ليكوا.
لم يكد يُنهي جُملته حتى تفاجيء بصوت رصاصة جاءت من خلفه ليلتفت مذعورًا فإذا به يتسمر بمكانه حين وجد رأس أبيه تنفجر منه الدماء.
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم نورهان العشري
الكارثي في الأمر أنه لم يكن مجرد غياب!
بل كان كنزع الروح من الجسد الذي كُممت أصوات استغاثاته فلا يملك رفاهية الصراخ، والأقسى من ذلك أن تلزمه الحياة بأن يحيا!
كأن تلقي بأحدهم بين أمواج بحر هائج وتأمره بأن يبقى على قيد الحياة في حين أنه لا يجيد السباحة! بربك أليس الأمر مجحفًا؟
كان هذا حال قلبي الذي لم يكن يجيد الحياة دونك، فلم يكتفِ بترديد ذلك الاستفهام المؤلم على مسامعي منذ أن غادرتني إلى الآن، وكما هي عادتي لازلت أتواري خلف جدار من الكبرياء الواهي أحاول إقناعه بأن الأمر ليس خطيئتي إلى أن ذقت لوعة ما اقترفته يداي حين اصطدمت بصخرة فراقك الذي كان أبديًا هذه المرة.
تمر الأيام مثقلة بحنين وأوجاع تمنى أصحابها التخلص منها سالكين جميع الطرق والدروب في رحلة طويلة تبدأ بالتناسي وتنتهي بالنسيان الذي هو عبارة عن رحمة من الله تتنزل فوق القلوب التي أضنتها فواجعها وأهلكتها مصائب الزمن لتبدأ الجروح في الالتئام رويدًا رويدًا ثم يبدأ ذلك الضباب في التلاشي فتصفو سماء الحياة من جديد.
مرت ثلاثون ليلة على تلك الليلة التي سطرت نهاية عهد قديم في رحلتهم وخطت بداية جديدة للجميع دون استثناء.
"بتقول إيه يا سالم؟ معقول حازم جاي هنا؟"
هكذا هتفت أمينة بقلب تنتفض دقاته حد الألم وشفاه ترتجف حروفها حد التلعثم، وأعين تهتز جفونها من فرط البكاء.
ليقترب سالم يحتضنها بحنو تجلى في نبرته الخشنة حين قال:
"سالم عمره كذب عليكِ يا أم سالم؟"
انتفض جسدها من فرط التأثر والبكاء الذي جعل كلماتها تخرج متقطعة حين قالت:
"أبدًا. بس... بس قلبي مش مصدق من فرحته. كان نفسي أشوفه قبل ما أموت. أنا اللي ظلمته يا سالم. أنا السبب في كل اللي حصل وحصلكوا."
هدهدها كطفل صغير يحاول احتضان ألمها وتهدئة آهاتها المذبوحة ندمًا وذنبًا، ليقوم باحتواء وجهها الذي تشكلت به بعض التجاعيد التي لونها الألم، لذا أجابها بصرامة لم تخلو من الحنان:
"متقوليش كدا تاني. محدش بيعلم الغيب، وكل اللي حصل ده مقدر ومكتوب للكل. بطلي تلومي نفسك. أنا مقدرش أشوفك في الحالة دي."
أوشكت على الحديث فعاتبها قائلًا:
"عايزة تزعليني يعني! طب وغلاوتي عندك تبطلي تلومي نفسك. لما تتعبي دلوقتي نعمل إيه إحنا؟ ده إحنا عايشين في الدنيا دي بحسك يا أم سالم."
امتدت كفوفها تحتضن وجهه وهي تقول بفخر يمتزج بحب كبير تجلى في نبرتها حين قالت:
"والله يا سالم أنت أغلى حاجة عندي. حنيتك دي لو اتوزعت على الدنيا دي كلها تكفي وتفيض. ربنا ما يحرمني منك ويرضيك ويرضى عنك يا ابني."
لثم كفوفها بحنو قبل أن يقوم باحتضانها وداخله يتمنى من الله أن يمر كل شيء على ما يرام.
كان لقدومه وقع خاص على الجميع وشعور متباين بينهم، وحدها كانت خائفة، بل مرتعِبة، فالجميع كل يملك درعه الخاص الذي يمكنه في الصمود أمام هجمات الحياة وتقلباتها، حتى جنة الوحيدة التي تذوقت ويلتها وعاشت نفس تجربتها المريرة تملك رجلًا يمكنه هدم العالم بأكمله لأجلها، أما هي لم تكن تملك شيئًا، وعائلتها ألقت بها أمام عتبة غرباء دون النظر إلى مصيرها أو الشفقة على حالتها، وإن كان الحظ في صفها ووضعها بين أناس تعج قلوبهم بالرحمة ليصبحوا بمثابة عائلة ثانية لها، ولكن هل سيبقون هكذا بعد عودة هذا الشيطان؟
ينخلع قلبها من شدة الفزع حين تتخيل أن تراه أمامها مرة أخرى. تتمنى الموت في هذه اللحظة خشية أن تتجدد آلامها من جديد بلقائه.
ذلك الهاجس يثير زوبعة من المشاعر داخل قلبها ويولد بداخلها رغبة ملحة بالهرب، ولكن أين يهرب الإنسان وهو منبوذ من أقرب الأماكن إلى قلبه؟
لا أهل ولا عائلة ولا هوية. فقدت كل شيء دفعة واحدة والآن عليها المواجهة! كمحارب يقف بمنتصف المعركة أعزل في مواجهة أقوى خصومه وأشرسها.
أي ظلم هذا الذي تقترفه هذه الحياة في حق تلك البريئة؟
وهل من سبيل للنجاة من بطشها والظفر بروحها المهلهلة؟ لتستطيع لملمة خيوطها والظفر بحياة تشبه الحياة!
"كنت بتحبه؟"
شهقة خافتة شقت جوفها حين استمعت لذلك الاستفهام المريع الذي انتشلها من بحر حزنها الأعظم، لتنتفض في جلستها وتهب واقفة لتجد نفسها في مواجهة ذلك الكاسر الذي يشبه النمر بعينيه التي تحيطها بنظرات تبث الذعر بقلبها، إضافة إلى ضخامته وملامحه الوسيمة التي تشوهها تلك التجعدة المرسمة في جبهته.
"ردي عليه. أظن سؤالي مش صعب للدرجة دي!"
ضاق ذرعًا من سكوتها، فهذا الاستفهام يؤرق لياليه منذ أن بدأت صورتها باحتلال قلبه كامحتل غاشم استوطن أرضًا، ولن يتركها إلا بإراقة الدماء.
القلق من إجابتها ينخر في قلبه بلا رحمة، وصمتها لا يساعده أطلاقًا، لذا احتدمت ملامحه أكثر لتفقد قدرتها على النطق وتلجأ للهرب، ولكن ما أن التفتت حتى قبضت على معصمها أصابعه كالمقصلة، ليقوم بإدارتها إليه بعنف يشبه نبرته حين قال:
"بتهربي ليه؟ السؤال صعب ولا مش عارفة تنطقيها؟"
صمت لثوانٍ قبل أن يضيف بلهجة تئن ألمًا:
"مش طالب منك غير إجابة بـ آه أو لا."
كان الكلام يتدفق من بين شفاهه وكأنه يحاول إقناعها بالحديث حتى ولو كان مرًا، فالصمت حنظل.
"س... سيبني."
هذا كل ما استطاعت أن تتفوه به، ليتنبه ليديه التي تقبض على معصمها الرقيق بقوة حتى كاد أن يتحطم من وطأة قسوته، فتركها بلهفة وعيناه تطلقان مئات الأعذار دون أن يتلفظ بحرف واحد منهم.
"مَقصَدش أخوفك أو أأذيكي. عايز بس إجابة لسؤالي!"
حاولت تجاهل دقاتها الهادرة، فقد كانت عيناه تربكانها كثيرًا كما كانت تلك العينين تفعلان بهما.
نعم، كانت تعشق ذلك الحازم بينها وبين نفسها، فقد كان بطل أحلامها التي أوقد بها نيران الغدر لتحترق، وينطفئ عالمها الوردي إلى الأبد.
"سؤال ميخصكش والإجابة مش هتفيدك بحاجة يبقى مالوش لازمة تعرفها."
هتف بجفاء:
"أنا أدرى باللي يخصني."
"أيوا حبيته."
اخترقت كلماتها صدره كرصاصة طائشة أصابت أكثر وتر حساس بداخله، لتخرج كلماته جافة بنبرة متحشرجة:
"ناوية تكملي معاه؟"
"لا طبعًا."
هكذا صرخت بقوة وكأن استفهامه تهمة مشينة أرادت محوها تمامًا، فباغتها كلماته حين قال:
"يبقى تطلبي من سالم يطلقك منه."
هتفت بصدمة:
"إيه؟"
أجابها بحدة:
"اتصدمتي ليه؟ قوليله طلقني منه. مش عايزة أشيل اسمه. وفرصة إنه جاي النهاردة. يعني سهل كل حاجة تخلص."
ابتسامة ساخرة لونت ملامحها، فياليت الأمر بهذه السهولة، فلو طلبت الطلاق أين المأوى؟ فحتمًا لن يرحب بها والداها، ولم يتقبل وجودها أحد هنا.
هطلت دمعة غادرة من بين جفونها لتستقر فوق صدره كجمرة مشتعلة بنيران الغيرة الهوجاء التي سرعان ما تفضها بعيدًا ليقنع نفسه بأنه يفعل ذلك تكفيرًا لذنب أباه الراحل.
"سكتي ليه؟ لو خايفة أنا في ضهرك."
"ليه؟"
هكذا استفهمت بريبة نجحت في أن تنحي جميع شعورها جانبًا لمعرفة سبب اهتمامه الكبير بها، فباغتها إجابته حين قال:
"لو عايزني أتدخل وأتكلم مع سالم معنديش مشكلة، المهم تخلصي."
أعادت استفهامها بقوة:
"ليه؟"
للمرة الثانية يتجاهل استفهامها قائلًا بجفاء:
"لازم تتحرري منه النهاردة قبل بكرة؟"
صاحت بعناد غاضبة:
"ليه؟"
انبثقت الكلمات من فمه غاضبة مشتعلة عاشقة:
"عشان واقف بيني وبينك."
صاعقة برق قوية ضربت قلبها الذي تعثرت نبضاته أمام كلماته، فلم تستطع الصمود أمام نظراته التي تبددت لأخرى غامضة، فأخذتها أقدامها لتهرول إلى الداخل وكأن شياطين العالم السفلي تلاحقها.
كان كل ذلك يحدث أمام زوج من العيون المشفق على كل يحدث مع كليهما، ولذلك قررت المساعدة.
كان يصفف خصلات شعره أمام المرآة يطلق صفيرًا رائعًا يدل على أنه في أسعد حالاته، لتقترب منه تحمل جاكت بدلته لتساعده في ارتدائه وهي تناظر سعادته بقلب مبتهج، فقد اشتاقت لرؤية صفاء عينيه وبريقها اللامع، فارتسمت ابتسامة رائعة على ثغرها التوتي، ليلتفت ناظرًا إليها ونجوم العشق تلمع بسماء عينيه، ليمتد الصمت بينهم لثوانٍ تولت الأعين الحديث قبل أن يقول بنبرة خشنة:
"تعرفي إن ضحكتك دي تاني أحلى حاجة في الدنيا؟"
ارتفع إحدى حاجبيها وهي تقول باستفهام:
"وإيه أول حاجة؟"
أجابها هامسًا بخشونة:
"حضنك."
تلون خديها بدماء الخجل لتخفض رأسها، فامتدت ذراعاه تحيطان بخصرها يقربها منه ليروي عينيه من حسنها، فحاوطت عنقه بيديها لتقول بهمس:
"أحلى حاجة في الدنيا إنك موجود فيها. ربنا ما يحرمني منك أبدًا."
عبأ صدره من عبير أنفاسها العطرة قبل أن يقول بنبرة عاشقة:
"ولا يحرمني منك يا ست الحسن والجمال."
"فرح" بحبور:
"أول مرة أشوفك مرتاح كدا من زمان. معقول عشان خلصت من ناجي ولا عشان حازم جاي البيت!"
امتدت يديه لتسكن رأسها فوق صدره يقبلها قبل يقول بارتياح:
"عشان حاجات كتير أولهم إن حازم جاي وآخرهم إني أخيرًا مطمن على كل اللي حواليا."
همست باستفهام:
"حاسة إنك تقصد عمتك وبناتها؟"
"دول أكتر ناس كنت قلقان عليهم. بس عشان عمتي اتظلمت كتير ربنا عوضها بهارون."
رفعت رأسها تناظره قبل أن تقول باستفهام:
"قد كده هو كويس؟"
"سالم" بخشونة:
"من أول ما عرفته كان عندي إحساس إنه مش وحش أو على الأقل مش شبه أبوه، بس الحقيقة موقفه الأخير أكد لي إحساسي ده."
عودة لما قبل شهر من الآن.
أظلم العالم من أمامه ولم يعد يحتمل تلك الجمرة المدفونة بين طيات قلبه، لذلك حسم قراره وتوجه إلى غرفة المكتب ليجد الجميع محتشد، الأعصاب مشدودة، والبحث مستمر عن جنة بكل السبل الممكنة.
"أنا عرفت جنة فين."
تجمد الجميع للحظات ليهب سليم من مكانه متوجهًا إلى هارون يصيح بلهفة:
"بتقول إيه؟"
هارون بثبات:
"بقول عرفت جنة فين؟"
صاح طارق بجفاء:
"ما تنطق يا عم فين؟"
هارون بجفاء ينافي لوعته الداخلية:
"ناجي الوزان مات."
زمجر سالم بشراسة:
"كنت حاسس."
هتف سليم بحنق:
"قولتلك قولتلي جنيدي بعتلي الفيديو بتاع اليخت وهو بيتحرق."
تجاهل صفوت كل شيء واقترب من هارون فقد لاحظ حالته ليقول بهدوء:
"هارون. أنا عارف اللي جواك وحاسس بيك. بس أنت راجل مؤمن، وده ابتلاؤنا."
أومأ برأسه ولا يزال يقف بشموخ قائلًا بجفاء:
"الفيلا اللي خدني عليها أول ما عرفت إنه أبويا. على طريق (...) هو موجود هناك."
هتف ياسين باستفهام:
"وعرفت منين؟"
تجاهل نظرات الشك التي تقطر من نظراته وقال بجفاء:
"هو اتصل عليا، وعايزني أروحله."
عمار بغضب:
"والكلب ده عايزك تروحله ليه؟"
ياسين باستفهام:
"سيبك من عايزه يروحله ليه؟ اللي أهم من كده هو إنه جاي يقولنا عادي كده!"
شعر سالم بما يحمله هذا الشاب من قهر لذلك قال بصرامة أخرست الجميع:
"ولا كلمة. تعالي يا هارون."
تقدم هارون منه ليقف سالم بجانبه موجهًا حديثه الصارم للجميع:
"كلنا هنا في مركب واحدة، وهارون واحد منا، ومش هسمح بأي تلميح لشيء مش كويس وقتها هعتبره غلط فيا أنا شخصيًا."
صمت الجميع ليبدأ هارون في سرد ما حدث بينه وبين ناجي، ليهتف سليم غاضبًا:
"وإشمعنى جنة اللي يفكر يخطفها؟"
هارون باختصار:
"معرفش."
تدخل سالم مفكرًا:
"ناجي مش غبي، واتقرص قبل كده لما وثق في شيرين، أعتقد إنه عمره ما هيسلم لهارون، وفي دماغه حاجة."
صفوت بتأكيد:
"عندك حق. بس هارون لازم يجاريه، ويروحله."
مروان باندفاع:
"وإحنا هنسيبه يروح لوحده؟"
ياسين بجدية:
"أكيد لا طبعًا. جنة لوحدها هناك لازم نلحقها، ده مجنون محدش عارف ممكن يعمل فيها إيه!"
كلمات ياسين كانت كوقود إضافي فوق نيران قلبه، فهتف بغضب حارق:
"أنا مش هستنى خططكم. أنا هروح أجيب مراتي ولو هولع في أي حد يقف في طريقي."
أنهى كلماته واندفع إلى الخارج، وما كاد أن يصل إلى الباب حتى وجد طارق يقف أمامه كسد منيع تزامنًا مع كلمات سالم الصارمة:
"مراتك هتيجي بالعقل مش بالتهور يا سليم. اللي أنت بتعمله واللي ناوي عليه ممكن تأذيها."
تدخل صفوت مؤيدًا:
"سالم عنده حق يا سليم. اصبر نفكر بعقل. ناجي مجنون ولو حس بالغدر وارد جدًا يأذيها."
كانت كلماتهما كشاحنة ضخمة تمر فوق قلبه لتمزقه من الداخل، فصاح بصوت هز أرجاء المكان:
"مش قادر أصبر. مراتي لوحدها بين إيدين واحد مختل مبيكرهش في حياته قدنا، وبتقوليلي اصبر. طب أجيبه منين الصبر ده؟ وأنا قلبي بيتحرق في اللحظة ميت مرة من الخوف عليها."
أشفق الجميع عليه ليقول هارون بنبرة جافة من فرط الألم والشفقة على حال الجميع:
"اطمن. أنا واثق إنه مش هيأذيها. هي مجرد طُعم ليكوا. أو وسيلة ضغط عليا."
هتف طارق حانقًا:
"في الحالتين لازم نستعد ونعمل حساب كل حاجة."
سالم بفظاظة:
"عشان كده أنا موافق على كلام صفوت. هارون لازم يروح وينقلنا كل حاجة بتحصل هناك. أكيد هو واخد جميع احتياطاته."
سليم بغضب:
"وإحنا لازم نكون وراه. أنا مش هقعد هنا استناه لما ينقلنا الأخبار. مش هقدر أستحمل."
سالم بحسم:
"ده اللي هيحصل من غير ما تقول."
تدخل مروان مستفهمًا:
"طب والناس اللي هنا هنسيبهم لوحدهم؟"
سالم بنفي:
"لا طبعًا."
تدخل صفوت قائلًا:
"مينفعش يستنوا هنا هما كمان!"
عمار باستفهام:
"تِقصد إيه؟"
أجابه صفوت قائلًا:
"لدواعي أمنية لازم نخرجهم من المزرعة بطريقة سرية وآمنة."
تدخل عبد الحميد الصامت منذ بداية الحوار:
"يبقى ييجوا المزرعة عِندِنا. قريبة ومتأمنة زين، ومحدش هيتوقع إنهم هنا، ده لو شك من الأساس إنهم خرجوا، وانت ياسيادة اللوا بتقول إنهم هيخرجوا بطريقة سرية؟"
أيده صفوت قائلًا:
"اقتراح معقول، وخصوصًا إنها قريبة مش بعيدة، وده هيسهل علينا الموضوع."
هتف ياسين باندفاع:
"أيوه فعلًا المزرعة عندنا أأمن مكان ليهم."
تحدث سالم بنبرة جافة يشوبها السخرية:
"والله اللي مكتوبله حاجة بيشوفها حتى لو كان فين، وعمومًا أنا موافق على اقتراحك يا حاج عبد الحميد. خلينا نطمن عليهم عشان نشوف هنعمل إيه بعد كده."
تساءل مروان باستفهام:
"طب هو هينقلنا كل اللي بيحصل هناك إزاي؟"
تولى صفوت الإجابة قائلًا:
"عن طريق سماعة صغيرة جدًا هيلبسها هارون في ودنه هيقدر يسمعنا من خلالها، والسماعة دي معاها مايك بردو نفس حجمها هنحطه في هدومه عشان نقدر إحنا نسمع كل اللي بيتقال."
هارون باستفهام:
"طب السماعة دي متأكد إنها مش هتبان؟"
تمتم مروان بسخرية:
"هتبان إزاي في ودانك اللي قد الستالايت دي؟"
طمانه صفوت قائلًا:
"متأكد طبعًا. متقلقش."
عودة للوقت الحالي.
هتفت فرح باندهاش:
"ده انتوا ولا كأنكم كنتوا في فيلم أمريكي."
أيدها سالم ساخرًا:
"عندك حق. بس صدقيني لولا تساهيل ربنا مكنتش حاجة تمت."
هتفت بلهفة:
"الحمد لله. ربنا كبير. أنا منساش اليوم ده طول حياتي. حسيت إن روحي بتروح مني من كتر القلق والرعب وجنة مع الراجل ده."
سالم بخشونة:
"الحمد لله عدت."
استفهمت فرح بخفوت:
"سالم أنت قلتلي إنه اتشل من كلام هارون ليه؟ بس مش غريبة إن الكلام اللي قالهوله هارون ده يأثر عليه بالشكل ده!"
جعد ما بين حاجبيه قبل أن يقول بتفكير:
"كلام هارون كان صعب خصوصًا إنه عرفه إن كل خططه كانت في النهاية في صالحنا، بس أعتقد إننا مسمعناش كل حاجة. بردو هارون بالرغم إن معدنه كويس إلا إنه غامض ومش مفهوم. أنا واثق إنه مخلي حاجة."
برقت عينيها بنظرة ذات مغزى وظهر التوتر جليًا على ملامحها، وقد لاحظ ذلك ولكن قبل أن يبدأ بالاستفهام جذبته إلى منطقة أخرى أقل خطرًا حيث قالت مستفهمة:
"طب معرفتش بردو مين اللي ضرب نار على ناجي؟"
ابتسامة خافتة لونت ملامحه قبل أن يعود بذاكرته إلى ذلك اليوم.
عودة إلى وقتًا سابق.
"جايك بنفسي عشان آخد حلا بتي يا سالم."
هكذا تحدث عبد الحميد وهو يجلس مع سالم بعد مقتل ناجي بأسبوع، فرحب سالم به بحبور:
"نورتنا يا حاجة عبد الحميد. اتفضل. تشرب إيه؟"
عبد الحميد بنبرة ذات مغزى:
"لا هشرب ولا هاكل. إني جاي آخد حلا، وإنتوا اللي هتيجوا تتغدوا عِندينا. دي الأصول بعد كتب كتاب عمار ونجمة. إني مردتش أعمل أي حاجة إلا لما حلا ترجع تنور بيتها من تاني. إني راجل بعرف في الأصول."
قال جملته الأخيرة بنبرة ذات مغزى فأجابه سالم بجمود:
"على عيني وعلى راسي عزومتك يا حاج عبد الحميد، بس حلا اختي مش هتدخل بيتكم لا زايرة ولا متزورة."
غضب عبد الحميد من حديثه فقال باعتراض:
"ليه الحدِّيت الماسِخ ده يا سالم؟"
سالم بجفاء:
"عشان حفيدك مسابليش أي فرصة للاختيار يا حاج عبد الحميد، وهو اللي حكم على نفسه بكده."
عبد الحميد بحدة:
"تِقصد إيه؟ أوعاك تكون بتتكلم في طلاق يا سالم؟ لله إني كده هغير نظرتي فيك؟"
سالم بفظاظة:
"نظرتك فيا تخصك لوحدك، والأصول اللي كنت بتتكلم فيها من شوية دي من باب أولى كنت تعرفها لحفيدك، لأنه لو كان عمل بيها مكنش وصلنا للنقطة دي!"
تعاظم غضب عبد الحميد من طيش حفيده وأفعاله النكراء، فحاول الضغط على سالم بطريقة كانت أكثر من خاطئة:
"معاك إن حفيدي غلط، بس أنت راجل عقلك يوزن بلد، وأكيد مش هتسيب غلطة زي دي تخسرنا بعض. إحنا في بينا نسب تاني. أوعاك تنسى!"
سالم بتعقل:
"لا مش ناسي، وبعيد عن أي حاجة انتوا نسايبي وأهل الغالية."
احتدت لهجته وأصبحت خطرة حين أردف:
"لكن اختي خط أحمر، وعمري ما هتهاون في حقها أبدًا."
زفر عبد الحميد حانقًا، فتابع سالم بتقريع:
"بناتكوا هنا بيتعاملوا أحسن معاملة. متشالين فوق الراس محدش بيدوس لهم على طرف. سليم لما زعل جنة أنا وقفتله. لكن حفيدك لما جه على اختي محدش وقفه، وأنا اديته فرصة وهو من غبائه ضيعها."
عبد الحميد باستفهام:
"فرصة إيه؟"
"لما روحت آخد حلا. مردتش آخد اختي من بيته غير لما تستأذن منه، واتجاهلت شكل اختي اللي كان واضح أوي هي حزينة قد إيه؟ والبه عمل إيه؟ قفل تليفونه ومردش عليها. كدا هو قطع على نفسه كل الطرق للصُلح."
كان يلعن ياسين بداخله ولكنه لم يفصح عن ذلك، فقد أوقعه هذا الثعلب في فخ محكم لا مخرج منه إلا بأعجوبة، لذا تحدث بجفاء:
"لكن ياسين وجت الجد وجف معاكوا. كلياتنا وجفنا جاركوا."
"عارف، وبغض النظر عن إن جنة بنتكوا انتوا كمان، لكن ده دين في رقبتي ليكوا اختي مش هتسدده. أنا اللي ملزم بيه. كفاية أوي ظروف جوازها اللي أنا لحد دلوقتي مش راضي عنها."
عبد الحميد بنفاذ صبر:
"طب والحل إيه دلوقتي؟"
سالم بجفاء:
"مفيش أي كلام قبل ما حلا تقوم بالسلامة. صحتها هي واللي في بطنها أهم من أي حاجة في الدنيا، وبعد ما أطمن عليها اللي هي عايزاه هعمله."
عبد الحميد باستفهام ماكر:
"حتى لو قالت إنها رايدة ياسين!"
سالم بجفاء:
"حتى لو قالت عايزة نجمة من السما. أهم حاجة عندي راحتها، وإنها تكون مبسوطة. أنا مش ظالم يا حاج عبد الحميد."
أومأ عبد الحميد باستحسان ليقينه من أنها تعشق حفيده، لذا قال بارتياح:
"وأني واثق من أكده، وعارف إنك عادل وتعرف ربنا، عشان كده كنت رايد أشيل عن كتفك الحمل!"
أضرمت جملته نيران الفضول بقلب سالم الذي قال باستفهام:
"تقصد إيه؟"
لم يكد ينهي جملته حتى طرأ على باله هاجس فهتف مستفهمًا:
"أنت اللي قتلته!"
عبد الحميد بتأكيد:
"أيوه. كنت عارف إنك مش هتقدر تعملها، ولا حد منكم هيقدر يقتله، لو كنت هتقدر كنت عملتها من زمان، لكن إني راجل صعيدي ودا تاري والتار حدانا ميخلصش غير بالدم، وأدينا خدته وريحت العالم منه."
عودة للوقت الحالي.
طال صمته فقالت باستفهام:
"سالم. سرحت في إيه؟"
خبأ هذا السر بصدره لذا تجاهل استفهامها الأول وجذبها معه في عالمه الوردي حين قال:
"فيكِ. بقى كل الجمال ده قدامي وعايزاني مسرحش فيه؟"
نثر الخجل وروده فوق ساحة وجهها الصبوح لتهتف بنبرة خافتة:
"مش ملاحظ إنك بقيت تعرف تثبتني!"
طافت عيناه على ملامحها بعشق كبير قبل تقسو أنامله على خصرها الرقيق وعيناه تخترقان أعماق قلبها بغمزة عابثة تشبه كلماته حين قال بهسيس خشن:
"وأنتِ مش ملاحظة إنك عمالة تحلوي أكتر وأكتر."
ابتهجت لغزله الذي يعزز من غرورها الأنثوي كثيرًا ويضاعف ثقتها بنفسها، لذا هتفت بنبرة عاشقة:
"عيونك عشان حلوين بس شايفني حلوة."
عض على شفتيه قبل أن يقول بنبرة خشنة:
"طب بقولك إيه. الواد سليم عايز أخ ما تيجي..."
"لااااااا."
هكذا قاطعته صارخة بقوة ليحاول قمع ضحكاته بصعوبة حين صاحت بحنق:
"أنا لسه ما صدقت إن البيه بدأ نومه ينتظم. دنا كان فاضلي تكة وأتحول زومبي من كتر السهر. انسى الموضوع ده عشر سنين قدام."
يروق له غضبها وخجلها وانفعالها وكل شيء منها، لذا قال باختصار:
"هنشوف."
التفت يستكمل ارتداء ملابسه في حين بدأت بالتخبط مجددًا قبل أن تبغته باستفهام شائك:
"بقولك إيه؟ هو أنت مفكرتش في مصير لبنى وحازم؟"
التفت يناظرها بترقب وعينين التهمت تخبطها ببراعة ليقول بجفاء:
"إزاي؟"
نظفت حلقها وحاولت أن تجعل نبرتها ثابتة حين قالت:
"يعني أنت وعدت لبنى إن الوضع مش هيطول، فعشان كده بسألك ناوي تطلقهم إمتى؟"
كلماتها أشعلت هياجًا عظيمًا بداخله وبددت صفاء عينيه بغيوم غاضبة وربما حزينة، ليقول بجفاء:
"هي اتكلمت معاكِ؟"
"فرح" بخفوت:
"لا. بس..."
قاطعها بقسوة:
"يبقى متدخليش في اللي ملكيش فيه. أنا نازل."
أوقفته حانقة:
"سالم."
حانت منه التفاته بسيطة حين تابع:
"السواق هييجي دلوقتي عشان ياخدك أنتِ والبنات ولو حابين تروحوا المزرعة عند جدك معنديش مانع."
أنهى جملته وخرج صافقًا الباب خلفه، ولكن لم يفتها تلك النظرة المشجبة التي ملأت عينيه وكأنه أحدهم نثر رماد الحزن في سمائه لتنطفئ نجومه اللامعة ويمتطي بريقها، فشعرت بالأسى لأجله وهتفت بقلق:
"استرها من عندك يارب وعديها على خير."
"ما تبطل عياط ياد يا ابن الزنانة."
هكذا هتفت مروان وهو يحمل سليم الذي كان يبكي كثيرًا حتى ضاق ذرعًا من بكائه فلم يعد يحتمل وتابع حانقًا:
"طبعًا أنت أمك مسلطاك عليا عشان تقرفني وهي مستفردة بالراجل اللي حيلتنا فوق."
ازداد بكاء الرضيع فتدخلت ريتال قائلة بتقريع:
"في حد يقول لطفل الكلام ده يا عمو؟"
مروان بسخط:
"وهو انتوا أطفال يا عين عمو! ده إحنا لو مستلقطينكوا من الأحداث مش هتبقوا كده. اتنيلي وروحي هاتيلي طبق محشي من جوه خلينا ناكل الواد ده هتلاقيه جعان أنا عارف."
ريتال بصدمة:
"بتقول إيه يا عمو! طفل عنده تلت شهور تأكله محشي!"
مروان بصياح:
"إيش فهمك أنتِ يا اللي مش باينة من الأرض. أنا وأنا قده كنت بفطر مكرونة بشاميل وبتغدى محشي. عايزينه يطلع راجل كده مش عيل خرع."
ريتال باندهاش:
"بجد يا عمو! إزاي ده؟"
مروان بإقناع:
"يا بنتي هو أنا هكذب عليكِ! طب اسألي عبده موته أبوكي. فكراك هو بقى زي البغل كده من السيريلاك! ده اتفطم على صوباع ممبار يا ماما."
بهتت معالم الصغيرة من حديثه فتابع موجهًا كلماته الساخرة إلى ذلك القادم من الخلف:
"أهو عندك عمك هارون اقطع دراعي لو مكنش راضع فتة، ومفطوم على كبد وكلاوي بني آدمين. لا ومش أي بني آدمين! دي ناس مليون في المية كانوا عندهم اكتئاب مزمن. ماهي التكشيرة اللي مصدرهالنا طول الوقت دي مش طبيعية."
طالعه بحنق قبل أن يكمل حديثه ساخطًا:
"هيجب لنا الفقر هو والمخفية سما مراتي."
هارون بجفاء:
"أنا مصدع ومش طلباك يا مروان."
مروان بتهكم:
"بقولك إيه مصدع ولا مش مصدع أنت من يوم ما شوفنا سحنتك وانت مكشر كده. مش عايزين حجج فارغة."
أنهى كلماته حين شاهد جنة التي كانت تتوجه للخارج برفقة سليم ليقول بصياح:
"الخرابية بتاعتنا رايحة فين؟"
صاحت تشاكـسه:
"مالكش فيه."
مروان بحدة:
"بقولك إيه يا ولية أنتِ الخمسين ألف جنيه بتوع الهدية اللي انكسرت دول هيتخصموا من ورث جوزك. أنا بقولك أهو."
قهقهت بسعادة قبل أن تقول لتغيظه:
"يالا يا بخيل يا جلدة."
مروان بغضب:
"قصدي مدبر وبيحافظ عالقرش. مش مبذر زيكوا. هتتسخطوا قرود يا بت."
هتف سليم حانقًا:
"طب ارجع لخبطله معالم وشه ده ولا إيه؟"
جنة بلهفة:
"هدي نفسك يا سولي، وخلي الموضوع ده ليوم تاني عشان أتفرج عليك وانت بتغيرله ديكورات وشه."
سليم بنبرة عاشقة:
"سولي دي بتودي أمي في داهية."
التقمت أذن مروان كلمته الأخيرة فصاح مذعورًا:
"داهية إيه نهاركوا أزرق."
التفت إلى هارون قائلًا باستفهام:
"هو مش أبوك مات يا ابني. داهية إيه تاني؟ أنا هحجز طيارة وأروح لـ دولت كدا كتير. الله يخربيت اليوم اللي رجعت فيه."
لم يفلح الجميع في قمع ضحكاته على حديث مروان حتى هارون المتجهم الذي تبدلت ملامحه حين شاهد لبنى التي تهبط الدرج فصاح مروان يناديها بخبث:
"بت يا لولي. تعالي جنبي نندب شوية، وياريت تنادي سما بتحب الأجواء دي أوي."
ارتسمت ضحكة صافية على ملامحها قبل أن تقول بهدوء وهي تحاول أن تتجنب نظرات ذلك النمر الموجهة صوبها:
"حاضر. شوية وراجعالك."
تبدل جمود نظراته إلى نيران مشتعلة التقمها ذلك الماكر فهتف بتخابث:
"وماله. استناك يا جميل. دي أحلوت عالآخر."
لم يفلح في قمع كلماته حين هدر بعنف:
"أنت يا ابني ما تتلم، وتحط حدود شوية في التعامل."
مروان بسلاسة وهو يجلس فارداً قدميه بارتياح:
"أنا صايع وكل اللي هنا عارفين. خلي حدودك لنفسك ياخويا، وبعدين الحدود دي تتحط لأمثالك أنت وأبو قردان اللي كل شويه ناططلنا ده."
كان يقصد عمار الذي دلف إلى القصر لتوه ليستقبله طارق القادم من الأعلى ويتوجه به إلى حيث يجلس مروان وهارون وريتال التي كانت تلاطف الصغير الذي صرخ باكيًا فحمله مروان وهو يقول بسخرية:
"حبيبي يا ابني. اتخضيت انت كمان. حاسس بيك يا حبيب عمك. ماهي كده إذا دخلت الشياطين اتخضت الملائكة."
ريتال بتصحيح:
"على فكرة المثل كده غلط يا عمو."
مروان بحنق:
"قومي اخفي من وشي يا بت أنتِ."
"دقت على باب الغرفة فجاءها صوته يأمرها بالدخول، لتقوم بفتح الباب وتدلف إلى الداخل، فقابلها بابتسامة هادئة وهو يقول بخشونة:
"أهلًا بـ دكتورة المستقبل. تعالي يا لبنى ادخلي."
انشرح صدرها بلقبه الذي ما انفك يناديها به، لتتقدم إلى الداخل وداخلها يتمنى لو يسير كل شيء على ما يرام.
جلست أمامه على المقعد وأخذت تناظره بصمت لم تفلح في قطعه، ليُبادر هو بالحديث قائلًا:
"إيه أومال البنات فين؟ مش مفروض هتتغدوا بره النهاردة؟"
أومأت بصمت والحروف تتأرجح فوق شفتيها ما بين الذهاب والعودة، لتقرر أن تبوح بما يعتمل بداخلها حين صاحت بلهجة مرتجفة:
"انت عايزني أخرج معاهم عشان مش أشوفه صح؟"
تفاجئ للحظات من حديثها ولكنه كان فرصة عظيمة لن يفوتها، لذا قال بهدوء:
"أنتِ عايزة تشوفيه؟"
هتفت بلهفة:
"لا."
انطفأ بريق الأمل بداخله ولكنه ما زال يحاول التمسك بحبال الصبر، لذا قال بنبرة هادئة:
"طبعًا ده حقك، وأنا في بداية كلامنا عايزك تعرفي إني عمري ما هجبرك على حاجة. أنا معاكِ في كل اللي أنتِ عايزاه."
رغمًا عنها خرج نفس قوي من أعماقها فقد أراحتها كلماته إلى حد كبير، ليندهش سالم قائلًا:
"أنتِ كنتِ عندك شك في كلامي ده؟"
"لا. مش كده. بس كلامك طمني أكتر."
سالم بتفهم:
"لا اطمني، واطمني أوي كمان. بس في شوية حاجات عايزك تحطيها في اعتبارك، وأنتِ بتفكري في اللي جاي."
لبنى باستفهام:
"حاجات إيه؟"
استعاد حديثه مع جرير الذي برر ما حدث قائلًا:
"مقدرتش أمنعه إنه يشوفكوا حتى لو من بعيد يا سالم. حازم بقى أحسن مما تتخيل. لدرجة إني مقدرتش أزعله ولا أكسر بخاطره لما شوفت في عينيه قد إيه انتوا وحشوه."
أكد حديث جرير محاولته في الدفاع عن جنة وتضحيته بحياته في سبيل إنقاذها، لذا تحدث سالم بخشونة:
"حازم اتغير أوي يا لبنى. مبقاش الشاب المستهتر بتاع زمان. لا. ده بقى راجل بمعنى الكلمة. راجل تقدري تعتمدي عليه."
لمح بوادر الخوف على ملامحها فقال بلهجة هادئة:
"للمرة التانية أنا مش هجبرك على حاجة. بس حبيت تعرفي ده. حازم اتربى من أول وجديد أنا نفسي مكنتش مصدق إن ده حازم أخويا. عايزك تفكري وتستخيري ربنا قبل ما تقرري أي حاجة بخصوص موضوعك أنتِ وهو."
كانت تود الصراخ بأنها تريد الخلاص، ولكن كلماته كممت فمها، فقد لمحت بعينيه طيف من التوسل ألا ترفض حديثه، وقد كان هذا يفوق توقعاتها، فهي عهدته قوي صارم دائمًا، لذا امتنانًا لما فعله معها لم تنطق بشيء، فقط هزة بسيطة من رأسها لتقوم من مكانها متوجهة إلى باب الغرفة لتتجمد بمكانها حين سمعت كلماته التي أصابتها في مقتل:
"على فكرة يا لبنى حازم مقربلكيش. اللي عمل كده سعيد."
"حانت اللحظة المرتقبة للجميع، فقد كان يخطو إلى المزرعة وبداخله زوبعة من المشاعر يتوجها اللهفة ويعانقها الشوق، يغلفهم الندم على كل ما اقترفه من آثام أبعدته عن أحبائه.
كان أن خطا أول خطواته إلى داخل المزرعة حتى شعر بأن نسمات هوائها العليلة لفحته ليأخذ نفسًا قويًا مريحًا ملأ رئتيه، فحتى هواء بيته مختلف.
امتدت يد جرير تربت بقوة فوق كتفه وهو يقول محفزًا:
"إيه يا عم. ما تيالا اتشجع كده. ده الحبايب متجمعين كلهم مستنيينك."
التفت يناظره بأنفاس متسارعة وابتسامة مهتزة من ردة فعل الجميع، ولكنه لم يعلق بل أخذ يواصل تقدمه ليتفاجأ بتلك التي شقت نهنهات الفرح جوفها وهي تراه قادمًا أمامها، فلم تعد قادرة على الصبر إذ تركت يد سالم وتوجهت إليه تقابله بلهفة أم عاد غائبها وُشفي مريضها وكبر صغيرها وأخيرًا اهتدى ذلك الضال الذي أدمى قلبها ألمًا، ليندفع هو الآخر وصوت نهنهات يخترق آذانهم ليتقابل الاثنين في عناق قوي تلاحمت به الأجساد والقلوب التي علت آهاتها وتحولت إلى نحيب، فأخذ حازم يضم والدته بقوة وهو يقول من بين عبراته الغزيرة:
"سامحيني يا أمي. سامحيني يا غالية. حقك عليا."
أجابته أمينة بحرقة من بين أنهار الوجع المتساقط من بين مآقيها:
"وحشتني يا نور عين أمك."
أخذ يقبل يديها وكتفيها وذراعيها وهو يهتف بحرقة:
"حقك عليا يا غالية. حقك عليا يا ماما. أنا بحبك أوي والله."
تفاجأت حين ترك يديها وسقط يقبل أقدامها وهو يقول بقهر تُكلله عبرات الندم:
"سامحيني يا غالية. سامحيني. أنا آسف والله. أنا آسف يا ماما."
ارتمت بجانبه تحتضنه بقوة وهي تهتف بحرقة وتأثر من فعلته:
"مسمحاك يا قلب أمك. مسمحاك."
عانقها بقوة وداخله ينتفض ألمًا وندمًا وشوقًا، فقد حُرم من دفء أحضانها التي تحوي براح العالم أجمع، بينما حشر نفسه في تلك الدنيا الفانية لاهثًا خلف ملاذات زائفة لا تساوي مثقال ذرة أمام شعوره الآن بين ذراعي والدته، فاراح رأسه فوق صدرها ليستكين صدره، ليتفاجأ حين وجد ذراعين قويتين لشقيقه الأكبر وهو يعانقهما والدمع يتساقط من بين مآقيه، وقد كانت هذه هي المرة الأولى الذي يراه بها يبكي، فاقترب منه يمسك كفه يقبله بندم تجلى في نبرته ودموعه التي لا تنضب:
"سامحني يا سالم. سامحني يا أخويا وأبويا وكل حاجة."
جذبه سالم إلى أحضانه، فرغمًا عن كل شيء فهو طفله الأول وشقيقه الأصغر قطعة من روحه، أجبره واجبه ومبادئه على نفيه وإبعاده حتى يختبر مرارة أفعاله ويحصي نتائجها، ولكن الآن هُزم أمام عبرات أخيه وندمه، ورغمًا عن كل شيء لم يستطع إلا أن يحتويه بداخل أحضانه، ولكم كان ذلك الواقف بعيدًا يتمنى لو يعانق شقيقه بقوة ويخبره بأنه يفتقده، يشتاقه، ولكنه لا يجرؤ على السماح، ولكم كان ذلك مؤلمًا، فهو شقيقه الأصغر من تربى على يديه، ولكنه للأسف لم يُحسن تربيته، لذلك لم يحمله الذنب وحده فقد تشارك الجميع في هذا الذنب، لذا حين اقترب منه حازم يقول بخزي ونبرة متوسلة:
"مش هقدر أقولك سامحني. عشان عارف إنه صعب. بس هقولك حاجة واحدة بس. لو مت هيكون تمن راحتك أنا موافق. والله موافق يا سليم، وهكون مبسوط كمان..."
لم يكمل جملته فقام سليم بجذبه داخل أحضانه بعنف وهو يبكي هو الآخر، فقد تغلبت مشاعره على غضبه ولم يستطع إلا أن يقول بلهفة:
"بعد الشر عنك."
وضع بين شقي الرحى من ناحية غضبه وغيرته مما حدث في السابق، ومن ناحية أخرى مشاعره تجاه شقيقه الذي يحتضنه بقوة وكأنه القشة التي ستنقذه من الهلاك.
"يالا ندخل جوه. الحرس حوالينا في كل مكان."
تراجع سليم، ولكن يد حازم لم تفلته بل ظل متمسكًا به ليهتف بخفوت:
"ادخل البيت يا سليم ولا لا؟"
تدخلت أمينة بلهفة:
"طبعًا تدخل يا حازم ده كلام؟"
"لو سمحتي يا ماما."
"مش هدخل غير لو سليم قالي ادخل."
التفت إلى سليم قائلًا بابتسامة هادئة:
"لو مش عايزني أدخل أنا مش زعلان. أنا كفاية عليا إني شفتكوا. مش عايز حاجة من الدنيا تاني."
حاول منع تلك الغصة التي تشكلت في حلقه وهو يقول بنبرة متشرجة:
"ادخل يا حازم."
توجه سالم يعانق شقيقيه وهو يأخذ كل واحد منهما تحت ذراعيه قائلًا بنبرة حاول صبغها بالمرح:
"يالا منك له وحشتني قعدتنا سوا. أنا فضيتلكوا البيت كله عشان ناخد راحتنا."
ابتسم حازم بسعادة محاولًا تجاهل مرارة الندم التي تمتد من الحلق إلى القلب، وحاوط والدته بيديه ليتوجها إلى الداخل، فإذا به يجد شقيقته تحاول أن تتقدم منه ببطنها المنتفخ، فهرول هو إليها خوفًا من أن يصيبها مكروه ليحتويها بين ذراعيه بقوة ويقبل رأسها وسط عبرات غزيرة توحي بمقدار الندم والشوق من جهته، وقد كان له نصيبًا كبيرًا من ذلك الشوق بقلبها، فهتفت قائلة:
"مش مصدقة إني شايفاك قدامي."
حازم بندم:
"سامحيني يا حبيبتي. أنتِ كمان اتأذيتي بسببي."
حلا بلهفة:
"أوعى تقول كده تاني. أنا أفديك بروحي يا حازم. أنت روحي أصلًا."
بعد وقت قليل تجمع الأشقاء لأول مرة منذ زمن بعيد، فقد كانت عيني أمينة تناظرهم بعدم تصديق، هل حقًا ما تراه؟ هل تجمع أبناءها فلذات كبدها معًا مرة أخرى؟
رفعت رأسها إلى السماء وهي تهمس بخفوت:
"أحمدك يارب وأشكر فضلك. نولتهالي قبل ما أموت."
"إيه يا أم سالم؟ مش هتشوفي الأكل جهز ولا إيه؟ حازم أكيد وحشه أكلك."
أضاف حازم بلهجة ودودة منكسرة:
"لا وحشني. أنا مدوقتش حاجة حلوة من بعده."
تناثرت عبراتها بشدة وهي تحاول النهوض بمساعدة حلا التي تلقت نظرة ذات مغزى من سالم، لتقول أمينة بلهفة:
"عيني. طبخالك كل حاجة بتحبها."
دلفت أمينة إلى الداخل بينما سالم نصب عوده واقفًا وهو يقول بمزاح:
"هروح أشوف سليم الصغير صاحي ولا لا؟ فرح ما صدقت جبناله مربية عشان تساعدها، هربت وسابته للغلبانة اللي فوق أكيد جابلها انهيار عصبي."
أومأ حازم بابتسامة حانية ليخرج سالم تاركًا الشقيقان بمفردهما، فلابد أن هناك ما يقال بينهم، ولكن بالرغم من ذلك فقد دام الصمت لدقائق فقط، نظرات متبادلة ليتحمحم سليم قائلًا:
"عامل إيه؟"
حازم بهدوء:
"الحمد لله."
أومأ سليم بصمت فأردف حازم بلهجة مشجبة:
"طمني عليك؟"
سليم باختصار:
"بخير الحمد لله."
كان هناك الكثير مما يختبئ خلف ذلك الصمت، الذي قرر حازم قطعه قائلًا بابتسامة بسيطة:
"مش أنا بقيت بصحى أصلي الفجر كل يوم؟"
ابتسم سليم بهدوء قبل أن يقول باندهاش:
"بجد!"
حازم بلهفة:
"آه والله. ده أنت مش هتصدق. أنا كمان بقيت بصلي القيام، حتى أنا ختمت المصحف أربع مرات الشهر اللي فات مرة في القيام، ومرة قراءة، وبقيت أحفظ كمان، وبصوم."
كانت لهفته في الحديث لها وقع قوي على قلب سليم الذي يشعر بأن من أمامه هو ذلك الفتى الذي لم يبلغ من العمر الخامسة عشر قبل أن تشوهه الحياة. نعم هي تلك البراءة وذلك النقاء الذي يشع من عينيه ونبرته الهادئة في الحديث، وابتسامته البسيطة.
ترى هل بعض الدلال يفسد المرء ليحوله إلى وحش! التغافل عن أخطاء يظنها البعض بسيطة قد يخلق إنسانًا جاحدًا لا يبالي لأحد!
وهل الإفراط في العطاء ينمي بذرة الأنانية والجشع في النفوس إلى هذه الدرجة؟
كلها أخطاء في ظاهرها بسيطة ولكنها يمكن أن تؤدي إلى كوارث كالذي حدث مع شقيقه الذي قرر الآن أن يعطي نفسه فرصة لمسامحته، لذا قال بلهجة ودودة:
"ما شاء الله. فرحتني أوي."
حازم بنبرة تقطر ندمًا:
"ياريت أكون سبب فرحتكم ولو مرة واحدة. مش عايز غير كده."
حاول تجاهل تلك الغصة بقلبه وقال بلهجة خشنة:
"خليك على الطريق اللي أنت ماشي فيه ده، وإن شاء الله مش هيحصل غير كل خير. مفيش حاجة في الدنيا دي أحسن من إن الإنسان يكون مع ربنا. إحنا أصلًا اتخلقنا عشان نعبده."
حازم بتأثر:
"ونعم بالله. تعرف لما كنت بتقولي الكلام ده زمان. كنت بتضايق وبتخنق. بس دلوقتي أنا حاسه لدرجة إن قلبي بيدق لما بسمعه."
ابتسامة هادئة لونت ثغر سليم قبل أن يقول:
"ربنا يهديك كمان وكمان وينور بصيرتك."
"أمين يارب العالمين."
هكذا أجابه حازم ليقرر سليم البدء في الحديث لذا قال بهدوء:
"طبعًا أنا لازم أشكرك عشان أنقذت حياة مراتي."
لم يريد حتى ذكر اسمها أمامه وقد تفهم حازم الأمر فقال بخفوت:
"متشكرنيش أنا كان لازم أعمل كده."
لم يطل في الأمر إنما تابع حديثه قائلًا:
"أنا عارف طبعًا إن ماما وحشاك و بيتك كمان واحشك، ومن حقك ترجع تعيش هنا تاني، وعشان كده أنا هاخد مراتي وأمشي."
تفاجأ حين أجابه حازم مازحًا:
"إيه يا عم ارجع فين؟ ارجع أعيش في البيت الكئيب بتاعكم ده! لا يا سيدي أنا ليا خططي. اقعد أنت في بيتك براحتك. أنا ناوي أعمل بيت ليا لوحدي، وانتوا ابقوا تعالوا زوروني فيه وبالمرة تدوقوا أكلي. أخوكم بقى شيف قد الدنيا."
اندهش من طريقة حديثه ومراعاته لشعوره، وأيضًا كيف أنه حول الأمر إلى مزحة حتى ينهيه بلباقة، فوجد نفسه يبتسم بهدوء قبل أن يقول:
"والله أنت فاجئتني بالموضوع ده."
حازم بمزاح:
"ولسه هتنبهر لما تدوق."
على غفلة منه وجد نفسه يشاطره مزاحه قائلًا:
"ربنا يستر ومنتسممش كلنا."
ارتج صدره حين وجد سليم يبادله المزاح فهتف وابتسم قائلًا بلهفة:
"لا متخافش. والله أنا مبكذبش عليك. أنا فعلًا بقيت بعرف أطبخ. أنا اتغيرت أوي يا سليم، وأوعدك مفيش أي حاجة هتيجي من ناحيتي تضايقك تاني. أو تضايق أي حد فيكم."
لهفته وتوسل عينيه يوحيان بصدق حديثه، لذا رفع يديه ليربت بقوة فوق ساقه وهو يقول بلهجة يشوبها الحنان:
"مصدقك يا حازم، وأنا أوعدك إنك هتلاقيني جنبك لو احتاجتني في أي وقت."
كان هناك رغبة قوية تنازع داخله ولا يجرؤ على البوح بها، ولكن كلمات سليم شجعته ليقول بخفوت:
"أنا عارف إني ماليش عين أطلب منك حاجة. بس... بس في حاجة. أنا. كنت. كنت. نفسي أطلبها منك."
تحفزت جميع خلاياه وتقاذفت دقاته ليقول بترقب:
"اطلب."
حاول اختيار كلماته وداخله يرتعب من الرفض ليقول بتلعثم:
"كنت... كان نفسي... بعد... إذنك يعني. لو وافقت. ينفع أشوف محمود؟"
يتبع...