تحميل رواية «انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث» PDF
بقلم نورهان العشري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ما حيلة قلبٍ اضناه شوقه إن كُتب على جبينه الفراق؟ لم يختر بإرادته نيران الجوى إنما باغته ونال منه سهمه الأفاق فثار وعصى وعلى نهجه لم يأبَ الإنسياق فخاب وخسر ولم يعد أنين قلبه أمرًا يُطاق ولكن المحبوب بات يتألم واكتوى فؤاده بنار الجور وضاق فهل كل الذنوب يمكن تكفيرها؟ وهل كل القلوب تُحسن الإرفاق؟ فالعشق داء لا يفلح معه دواء ولا يُداوي شجونه سوى التلاق ولكن الغفران بات شيئًا مستحيلًا وأصبح دربه وعرًا تملؤه الأشواك وصار تآلفنا حكاية كُتب على نهايتها الفراق. "أحب أكون الملاك اللي هيلم شمل العيلة من ج...
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم نورهان العشري
برقت عيناه من شدة الصدمة التي سرعان ما تجاوزها قائلًا بجفاء:
_ يعني إيه مش بنته؟
زفر سليم بغضب يشوبه الاشمئزاز:
_ يعني أكيد ما فيش حد هيرافق بنته!
عاوده شعور الصدمة من جديد، فأراح جسده فوق أحد المقاعد وهو يفرك عينيه بغضب. فهالها مظهره وهرولت تحاول التخفيف من حدة غضبه وتعبئه البادي على ملامحه، فوقفت خلف مقعده وامتدت أناملها الحانية تسكب الهدوء فوق أكتافه القوية عن طريق تدليكهم برفق. كان به مفعول السحر على قلبه الذي سكن بقربها. فأطلق نفسًا قويًا قبل أن يقطع كلمات سليم الممتعضة عن سفرتهم التي ضاعت هباءً:
_ بطل هري واسمعني. ناجي أكيد مخبي حاجة مهمة في القصر ده. مش معقول هيعمل كل ده عشان يلعب بينا. هو مش ساحر.
لم يكد سليم أن يجيبه حتى تدخل طارق الذي أخذ الهاتف منه وهو يزمجر غاضبًا:
_ بص يا سالم أنا مش هرجع غير ورقبة ناجي في إيدي، يا رقبته بجد، يا الحاجة اللي هتجيب رقبته الأرض. وأنا واثق إن الحاجة دي موجودة في القصر ده.
سالم بتحفيز:
_ تعجبني، وما تقلقش كل حاجة متأمنة كويس. أنت بس حاول تعرف أي حاجة عن البنت دي.
طارق مقاطعًا بحنق:
_ البنت دي متفرقلوش رجالتنا. لما دخلت القصر عشان تعمل صيانة للغاز، سمعوا صوته بيضربها وبيشتمها. دي مش أكتر من واحدة مرافقها.
سالم باندفاع:
_ حلو. يبقى حل اللغز عندها. هي الوحيدة اللي تعرف ناجي مخبي إيه في القصر ده.
استنشق أكبر قدر من الهواء قبل أن يقول بصرامة:
_ هعرف. لازم هعرف يا سالم. ولو حكمت هخطفها زي ما كنا مقررين ونبقى نقررها بطريقتنا.
سالم بفظاظة:
_ ده أضعف الإيمان يا طارق، وآخر حل هنلجأ له لو ضاقت بينا.
اختتم محادثته مع طارق، فاقتربت تحتوي رأسه بين ذراعيها. وقد وصلها ما يمر من ضغوطات وأزمات لا أحد منهم يعرف عنها شيء. ولأول مرة تشعر بأنها تريد أن تخبأه بين طيات صدرها الخافق باسمه لكي تحميه من كل ما قد يعكر صفو سماء عينيه.
تبدلت الأمور وأصبحت هي من تريد أن تفرض حمايتها حوله. فلا طاقة لها باحتمال ولو دقيقة واحدة بدونه.
رغمًا عنها كانت تشد من احتواءه. فشعر بخوفها الكبير عليه، فأخذت يديه تخففان من ذعرها بطبطبة حانية فوق ظهرها وكلمات رقيقة كان لها صدى كبير بداخلها:
_ أوعي تخافي أبدًا. أنا بعمل كل ده عشانكوا. عشان تعيشوا الدنيا اللي تستاهلوا تعيشوها.
كانت يديه تمسدان ذلك البروز البسيط في بطنها وكأنه يخاطب صغيره مثلما يخاطبها. فمدت يدها تحتوي كفه الخشن وهي تقول بلهجة تقطر عشقًا:
_ حضنك هو دنيتنا يا سالم. إنك تبقى وسطنا ده بالدنيا بحالها.
جذبتها كفوفه الحانية لتستقر جالسة بين ذراعيه، ناظرًا إلى غابتها الزيتونية التي وقع أسيرًا لها من الوهلة الأولى، وقال بلهجة حانية تخصها وحدها:
_ أكتر حاجة حبيتها فيكِ إنك قوية، شجاعة. حسيتك ضهر ممكن أتسند عليه. أميل مهما أميل هيشيلني.
صمت لثوانٍ يرتوي من دفء عينيها التي تضج بلوعة العشق، وتابع بينما أنامله تلهو بخصلاتها الحريرية:
_ مش عايزك تميلي أبدًا واوعي أشوف في عنيكِ نظرة ضعف واحدة. أنتِ ميليقش بيكِ دا.
سحب أكبر قدر كافي من أكسجينها الدافئ قبل أن يتابع بلهجة يغلب عليها الإعجاب الذي يعانقه عشقًا كبير لم يحاول إخفاءه:
_ أنتِ اتخلقتي عشان تكوني ملكة. ما فيش حاجة في الدنيا تهزها.
ارتج قلبها إثر حديثه العاشق الذي جعل عظامها تذوب من فرط التأثر. فقامت باحتواء عنقه بذراعيها وعينيها ترسلان سهام العشق إلى قلبه الموشوم بعشقها:
_ ملكة على عرش الوزان.
قالتها بدلال تعلم أنه يروق له كثيرًا، فأجابها بلهجة موقدة:
_ ملكة على عرش قلبي.
لثمت جبينه بقبلة دافئة تشبه دفء نبرتها حين قالت:
_ متزعلش لو الدنيا ممشيتش زي ما أنت مرتبلها، لأنها بتكون مشيت حسب ترتيب ربنا وده أحسن في كل الأحوال.
احتوت كلماتها نفسه المبعثرة وأسكنت ضجيج أفكاره، فأجابها بهدوء تجلى في سماء عينيه التي صفت كثيرًا:
_ الحمد لله على كل حاجة. ربنا مش هيضيعنا أبدًا.
طرقات بسيطة على باب الغرفة اخترقت عزلتها وجعلتها تترك الكتاب بيدها لتتوجه إلى ملاقاته، مع مراعاة رسم الجمود على ملامحها حتى تصفعه بحقيقة عدم رغبتها في أي تواصل معه.
فشلت مخططاتها حين فتحت الباب لتتفاجأ بعدم وجوده، إنما صندوق كبير يقبع أمام باب غرفتها. فخربش الفضول عقلها ليجعلها تنحني لتحمله وتضعه على الطاولة أمامها. فلفت انتباهها تلك الورقة الصغيرة التي التقطتها لرؤية ماذا بها:
_ قدامك بالظبط عشرين دقيقة تلبسي الفستان وتخرجي، وإلا هتلاقيني داخل لابسهولك بنفسي وأنا بصراحة هموت وأعمل كده.
اهتاجت مشاعرها وعلى وجيب قلبها الذي كان بداخله برعم أخضر صغير بدأ ينبت على استحياء، ليعيد وصالها مع الحياة من جديد.
ارتسمت ابتسامة بسيطة فوق شفتيها، سرعان ما محتها حين شاهدت ذلك الرداء الرائع الذي كان لونه كلون السماء، مطرز بلؤلؤات صغيرة منثورة بعشوائية فوق تلك القماشة الصغيرة التي تحيط بالكتفين، لينسدل بضيق على الخصر وما أسفله إلى أن ينتهي بدوران كبير يتوسطه فتحة طويلة تبرز ساقيها من الفخذ.
أخذت تدور به أمام المرآة وهي لا تصدق شدة بهاءه وجمال قصته التي كان يشوهها تلك الندوب فوق جسدها الظاهر من الفستان. فأخذت نبضاتها تتسارع وأنفاسها تتناحر بصدرها. أخذت تتراجع إلى الخلف وكأنها تهرب من المرآة التي تظهر بوضوح مدى السوء الذي بها. وحين التفتت إلى الجهة الأخرى وقعت أسيرة ليدين بقدر حنوهما بقدر شدة تمسكهما بها.
شهقة مكتومة خرجت من بين شفتيها حين وجدت نفسها وجهًا لوجه معه، ونظراته العميقة كانت تغازلها بطريقة دغدغت مشاعرها وأنسيتها حزنها الذي عجز أمام كلماته العاشقة:
_ لما شفت الفستان ده عجبني، بس لما شوفته عليكِ جنني. زي ما يكون متفصل عشان يليق بجمالك.
عند ذكره أمر جمالها المشوه تغلغل الألم إلى داخلها وتململت بين يديه وهي تقول بحزن:
_ سيبني. أنت بتضحك عليا.
شدد من احتوائها وهو يقول بلهجة موقدة:
_ مقدرش أسيبك ولا أضحك عليكِ. ليه بتقولي كده؟
تعاظم الألم بقلبها إثر كلماته وظنت بأنه يسخر منها، فخرجت منها صرخة غاضبة وهي تقول بحرقة:
_ بقول إيه؟ بقول إنك بتشوف، و أكيد شايف القرف ده. جمال إيه اللي بتتكلم عنه؟ كل التشويه ده وجاي تقولي جمال. بتتريق عليا.
قست عيناه ويديه التي لازالت تحتوي خصرها بالرغم من محاولتها الفكاك من بين قبضته، فهتف بنبرة حادة بعض الشيء:
_ بطلي فرك القطط ده عشان آخرته هتيجي على دماغك.
هدأت لثوانٍ تحاول أن تفهم ما يرمي إليه، فتابع بلهجة شغوفة أذابت أوصالها:
_ تشويه إيه اللي بتتكلمي عليه؟
امتدت أنامله تحتوي وجهها الذي اختفت منه معظم ندوبه وهو يقول بهسيس خشن:
_ العينين اللي قادرة تسحر أي حد وتجيبه على جدور رقبته دي مشوهة! الخدود اللي زي الورد دي مشوهة! الشفايف اللي طارحة فراولة هموت وأقطفها دي مشوهة؟
أخذت يديه تتجول على جسدها بحركات هادئة على نحو مثير، مما جعل عينيه تظلمان برغبة عاتية. فجاء صوته مبحوحًا حين أردف قائلًا:
_ عود البطل اللي مجنن أمي وملففني حوالين نفسي ده مشوه! يخربيت كده. ده أنا مبنمش الليل بسببه، وتقوليلي بتتريق!
تعاظمت دقاتها حتى أوشكت على تحطيم ضلوعها من فرط التأثر بكلماته التي أوقعتها في أسره. فهربت الحروف من بين شفتيها، ليتابع هو بلهجة لا مبالية:
_ إيه يعني شوية الخدوش دي اللي مضيقاكِ؟ اديني بس يومين وأنا أضيعهملك.
كان العبث يلون نظراته ويقطر من بين كلماته، وخاصةً حين قال جملته الأخيرة التي نبهتها أنها على وشك الوقوع في فخ هواه. فأخذت تتوسل إلى جسدها الانسلاخ عنه، ولكنه أبى الانصياع لها. فتجلت حيرتها في سماء عينيها الجميلتين. فشدد من احتوائها يقربها منه وهي هادئة تمامًا بين يديه، حتى شعرت بأنفاسه الدافئة خلف أذنيها التي أطربتها كلماته حين قال:
_ قدامك خمس دقايق تكملي لبس وتطلعي، وإلا ممكن أكلك كلك على بعضك بالحاجات اللي مش عاجباك دي.
زفرة قوية خرجت من بين شفاهها حين سمعت صوت باب الغرفة يُغلق، فسقطت جالسة على مخدعها والعبرات تنهمر من عينيها بغزارة تؤازر دقات قلبها الجنونية تأثرًا بوجوده الذي بقدر ما يروق لها بقدر ما يضاعف خوفها. فأخذت تهذي من بين شهقاتها:
_ يارب. أنا خايفة. أنا خايفة أوي يارب. يارب.
وكأنه شعر بمدى خوفها وتخبطها، فجاءها صوته المازح من الخارج:
_ ساندي انجزي. جايبلك فيلم جامد لبروس ويلز وجهزت كل حاجة، فاضل الفشار بس. لو مخرجتيش في خلال خمس دقايق هخليكِ أنتِ اللي تعمليه، وقد أعذر من أنذر.
ضحكة خافتة خرجت من جوف الوجع الكامن بصدرها حين أخذتها كلماته المازحة إلى منحنى آخر بعيد كل البعد عن ذلك الخطر. فشعرت بالهدوء الذي بدأ يتسلل إلى داخلها. فهبت من مكانها تكفكف عبراتها تريد الخروج لمعرفة ما يقوم بإعداده. وبالفعل، قبل أن تنتهي مدة الخمس دقائق خرجت من الغرفة لتتجمد بمكانها حين رأت كل تلك الزينة الرائعة التي تملأ الصالة وصورها منذ أن كانت طفلة التي تتعلق بخيط رفيع يجوب المكان من أوله لآخره. وبين كل صورة عدد سنوات عمرها إلى أن وصل إلى رقم أربعة وعشرون، فلم يكن هناك صورة. فتفاجأت به يقف خلفها ويديه تطوقان خصرها وهو يقول بمزاح:
_ اضحكي الصورة تطلع حلوة.
غافلتها ضحكة جذابة ولونت ثغرها ليستطيع التقاط صورة جميلة لها برفقته ليضيفها إلى عيد ميلادها القادم.
جاء صوته الجذاب خلف أذنها حين قال:
_ كل سنة وأنتِ منورة حياتي بوجودك.
كان جمال ما يحدث يفوق قدرتها على الاستيعاب، فهمست بخفوت:
_ أنت بتعمل في نفسك ليه كده؟ بتعافر وبتفحت في صخر لا عمره هيتأثر ولا هيلين.
قست أنامله فوق خصرها وهو يقول بعبث:
_ صخر إيه بس يا ملبن أنت؟
تجاهلت تأثير كلماته عليها وقالت تجادله:
_ عدي أرجوك اسمعني. أنت كده بتظلم نفسك. أنا عمري ما هقدر أرجع طبيعية تاني.
أوقفتها عن الاسترسال في الحديث تلك القبضة التي قست على خصرها بقوة توازي قوة نبرته حين قال:
_ أنتِ بتاعتي، مراتي، حبيبتي، أنتِ اللي اخترت أكمل حياتي معاها. وده أحسن قرار خدته في حياتي ومش ندمان ولا هندم عمري عليه.
_ عدي..
قاطعه بنبرة قاطعة:
_ أنا مش بطالبك بأي حاجة، وبقولك هستناك لحد ما تيجي بنفسك تترمي في حضني. وقتها مش هتخرجي منه أبدًا.
استهل نفسه لثوانٍ قبل أن تنتقل كفوفه إلى وجهها تحتويه بحنان تجلى في نبرته حين قال:
_ استسلمي. متعانديش قلبك وقلبي عشان مش هتقدري عليهم. أنا بدأت حياتي معاكِ ومش هينهيها غير الموت.
غلفت نظراته طبقة كريستالية من العبرات واهتزت نبرته حين أردف قائلًا:
_ أنتِ الحاجة الحلوة الوحيدة اللي خدتها من الحياة. أوعي تحرميني منك. كفاية إني أكون موجود في نفس المكان اللي أنتِ فيه.
جذبها قلبها جرًا ليُلقي بها بين ذراعيه. ولأول مرة تختار هي بدلًا أن يجبرها. فقد كانت فعلتها تلك إقرارًا منها بأنها باقية معه، وقد كان هذا أعظم انتصار حققه بحياته. فأخذ يدور بها وهو يهتف بنبرة يخالطها البكاء:
_ بحبك. بحبك. بحبككككك.
_ داخل الأوليمبيات حضرتك ولا حاجة؟
هكذا تحدث حازم بتهكم وهو يرى جرير الذي كان يقوم بتمرينات رياضية. فأدهشه الأمر لوهلة، أخذته لمقارنة غير عادلة بذلك الثلاثيني ذو الجسد المعضل والقوة المفرطة، وهو الشاب العشرينى الذي كان جسده واهنًا كمن أنهكه المرض.
_ وهو الإنسان لازمه سبب عشان يهتم بصحته؟
هكذا تحدث جرير بتهكم أغضب حازم الذي شعر بالدونية في نظراته، فهتف محاولًا استفزازه:
_ مش القصد بس، سنك وشغلك مش لائق معاهم الجو ده بصراحة!
قهقه جرير بصخب قبل أن يقول بنبرة ذات مغزى:
_ الشغل مش عيب. العيب إن الإنسان ميبقاش له شغلانة. يعني مثلًا لما حد ييجي يسألني بتشتغل إيه وأقوله راعي غنم، أحسن من لما حد يسألني شغال إيه معرفش أرد عليه. وهرد أقول إيه؟ عاطل وعالة على غيري.
انتفخت أوداجه غضبًا من كلمات جرير التي كان بها إهانة مباشرة إليه، فما كاد أن يجيبه حتى تابع الآخر وقال بإزدراء:
_ أما بالنسبة لسني فأنا تقريبًا أكبر منك بعشر سنين، لكن اللي يشوفني ويشوفك هيقولي بوسة وحطه جنب الحيط.
أنهى كلماته بقهقهات صاخبة جعلت جسد حازم يرتجف غضبًا لم يستطع التعبير عنه سوى بتلك الكلمات الهوجاء التي خرجت منفعلة حين قال:
_ اخرس. أنا أفرمك بإيد واحدة. أنا بس عشان قايم من عيا. لكن اتفرج عليا لما أشد حيلي هعمل فيك إيه؟
تفاجأ حين قام جرير بإلقاء قفاز بلاستيكي كان يرتديه ليقع أمامه مباشرةً. فقبض حازم جبينه ليقترب جرير منه وهو يقول بكلمات متوعدة:
_ بيقولك زمان لما كانوا الفرسان يحبوا يتبارزوا كان واحد بيرمي الخوذة قدام خصمه، ودي دعوة فيها تحدي كبير. وبما إنك لسه بتقاوح وشايف نفسك راجل يبقى قاتلني.
وكأن أحدهم ضربه بصاعق كهربائي حين سمع كلمات جرير الذي تابع قائلًا بجفاء:
_ قدامك شهرين من النهاردة. تشد حيلك وتستعيد صحتك عشان ميبقاش ليك حجة. وكرم مني هسيبك تتمرن معايا، و خلينا نشوف بقى مين هيفرم التاني؟
ذلك الوغد الماكر وضعه بين شقي الرحى. دفعه عن عمد إلى داخل هذا التحدي الغبي مستخدمًا كلماته الهوجاء التي ألقاها في لحظة غضب ليثأر لكبريائه، والآن لا مجال له للرفض.
ضيق عينيه لثوانٍ كان يحسم قراره، الذي بالرغم من صعوبته ولكنه وجدها فرصة لاستعادة بعض من نفسه الضائعة:
_ وأنا موافق. ولو هزمتك همشي من هنا.
هكذا تحدث حازم بصرامة قابلتها صرامة جرير حين قال:
_ موافق.
_ وبعدهالك يا بت بطني؟ هتفضلي قاعدة حاطة إيدك على خدك كده كتير؟
هكذا تحدثت رضا، والدة لبنى، بسخط من حالة ابنتها التي لا تبارح غرفتها حدادًا على ما مرت به ولم تستطع تجاوزه. لذا قالت بخفوت:
_ أنا تعبانة وعايزة أنام. لو سمحتي اخرجي واقفلي الباب وراكِ.
_ بقولك إيه يا بت، أنت اتعدلي. خلاص كل حاجة اتحلت والراجل كتر خيره جابلك حقك من عين أخوه. اتظبطي بقى وعيشي حياتك.
ارتفعت أنظارها المتألمة إلى والدتها التي كان ما حدث بالنسبة إلى بساطة تفكيرها وجهلها أكثر من كل لشفاء تلك الجروح العالقة بقلبها، والتي لم تجد شخصًا واحد ممن يحيطون بها يمكنها أن تشكوها إليه.
_ ماما أرجوكي أنا تعبانة أوي ومش طايقة أتكلم مع حد. ممكن تسبيني بقى أرتاح شوية؟
لم تستطع منع صرخاتها التي ملأت الغرفة:
_ بقولك إيه؟ إحنا اتمرمطنا وشفنا الذل بسببك. سيبنا بيتنا وحارتنا وأهلنا وجينا هنا عشان نحافظ على مشاعرك وعشان تنسي، إنما كده أنتِ لا بتنسي ولا بتعيشي ولا مخليانا ننسى ولا نعيش. حرام عليكِ بقى.
إلى هنا ولم تستطع منع نفسها من الصراخ قائلة:
_ أنا اللي حرام عليا ولا انتوا؟ محدش فيكوا حاسس بيا. محدش عارف النار اللي جوايا ولا مقدر العذاب اللي شوفته. مش قادرة أنسى. مش قادرة وانتوا مبتساعدونيش إني أنسى. ارحموني بقى. ارحموني.
ناظرتها رضا بألم حاولت إخفاءه قدر الإمكان قبل أن تقول بجفاء مفتعل:
_ يبقى تروحي تعيشي وسط الناس اللي بقيتي منهم، وتسبينا عشان نعرف نعيش.
برقت عينيها من شدة الصدمة وفغرت فاهها جراء كلمات والدتها القاسية، والتي اقتربت قائلة بنبرة مهتزة:
_ أنا هكلم سالم بيه عشان ييجي ياخدك تعيشي هناك زي ما طلب منك قبل كده.
همست بقهر:
_ ماما!
رضا بقسوة زائفة:
_ كفاية بقى أنتِ كده هتموتي وتموتينا. اللي حصل حصل. لازم تعيشي حياتك زي باقي الناس.
هتفت باستنكار:
_ أعيش في بيت اللي قتلني ودمر حياتي.
_ مبقاش بيته وهو مش عايش فيه. ده بيتك أنتِ، ودي حياتك أنتِ، ولازم تعيشيها وتخرجي بقى من القرف ده.
أنهت كلماتها وتوجهت للخارج بخطوات ثابتة، سرعان ما انهارت بأحضان زوجها ليحتويها ويشاركها البكاء لدقائق قبل أن يقول بمواساة:
_ متعمليش في نفسك كده. أنتِ عملتي كده عشان تساعديها.
أومأت رضا بحزن:
_ ياريت بس مندمنش بعد كده.
محمد بثقة:
_ أنا واثق في ربنا إنه بإذن الله عمره ما هيضيعنا. سالم الوزان ده راجل محترم وهيقدر يساعدها. يلا كلميه وقوليله إنك نفذتي اللي قالك عليه.
أطاعته حتى جاءها صوت سالم الهادئ حين قال بصدق:
_ بنتك واحدة منا وهتبقى وسط أهلها وعيلتها، وبإذن الله في وقت قليل هتلاقي تطور كبير في حالتها. أنا بنفسي هتأكد من ده.
_ ربنا يبارك لك يا سالم بيه. مش عارفة من غيرك كنا هنعمل إيه؟
سالم بصرامة:
_ أنا معملتش حاجة يا حاجة. ده حق بنتك ولازم تاخده. ولازم تعرفي إن القصر مفتوح لكوا في أي وقت تيجوا لـ لبنى. هي ليها في البيت زينا كلنا. أنا هاجي النهاردة بالليل آخدها أنا وفرح مراتي.
_ ربنا يبارك لك يا ابني. هنستناك إن شاء الله.
أغلقت الهاتف وهي تقول بنبرة متألمة:
_ يارب. يارب احفظ لي بنتي وأعفي عنها ومتضرنيش فيها أبدًا يارب.
_ في إيه يا مروان؟ مين الناس دي؟
هنا تحدثت شيرين باستفهام وهي ترى هؤلاء العمال يحملون أثاثًا جديدًا ويصعدون للأعلى. فأجابها مروان بملل:
_ في ضيف جديد جاي يعيش معانا في القصر. معرفتيش ولا إيه؟
شيرين باستفهام:
_ لا معرفتش. ضيف مين؟
مروان بتهكم:
_ إحدى ضحايا الذئب البشري بتاعنا. لبنى البنت اللي…
قاطعته شيرين بتفهم:
_ فهمت. طب مين اللي قرر كده؟
_ سالم هيكون مين يعني؟ أمي؟
شيرين بسخط:
_ ما تبطل رخامة ياض أنت. مالك في إيه؟
مروان بتهكم:
_ هيكون في إيه؟ كل سنة نلاقي ضحية جديدة للمعلم، ويروح الغلبان التاني يردم وراه ويجيبها تعيش معانا هنا. أنا خايف يطلع عنده عيال في الجامعة واحنا منعرفش.
ابتسامة سخرية لونت ملامح شيرين التي قالت بأسى:
_ الله يكون في عون سالم يا مروان. حازم ده ابتلاء صعب. هيعيش عمره كله يصلح وراه. أنا أكتر واحدة حاسة بيه.
مروان بتهكم:
_ ليه يا أمينة يا رزق؟ مالك يا أختي؟ ما أنتِ زي الضربة أهو وخدتي الواد الحليوة اللي فينا. وردة العيلة عايزة إيه تاني؟ هتنهبي؟
رغمًا عنها ابتسمت إثر كلماته، فتابع بمزاح:
_ أيوا كده اضحكي، يا شيخة الدهان شقق من نكدك أنتِ وأختك. إلا صحيح هي فين؟
_ قاعدة مع ريتال في الجنينة.
صاح مروان بذعر:
_ قاعدة مع ريتال! قلب أمك يا ريتال. زمانها وقفت نموها من كتر الكآبة؟ أما أروح ألحق البت اللي حيلتنا.
تركها وتوجه إلى الحديقة فوجد الفتاتين يجلسان على الأرجوحة و ريتال تمسك الهاتف تلعب أحد الألعاب، وبجانبها سما تحاول تعلم اللعب، لتقول ريتال بحنق:
_ سما يا حبيبتي، أنتِ اتعديتي من غباء عمو مروان؟
وصل حديثهم إلى مروان الذي تمتم بصدمة:
_ آه يا بنت الكلب يا ريتال، دي بتسيحلي قدام البت.
أجابتها سما باعتراض:
_ عيب على فكرة بقى، عمو مروان غبي؟
ريتال باستفهام:
_ هو أنتِ بتسألي بجد؟ ده منبع الغباء وكمان نصاب جدًا. قعدت شهر أعلمه اللعبة دي وفي الآخر معرفش، وكل مرة يقولي هنلعب على عشرين جنيه وأغلبه ويرجع في كلامه يقولي حرام. والمرة الوحيدة اللي سيبته يكسب صمم ياخد مني العشرين جنيه.
سما بصدمة:
_ أنتِ بتتكلمي بجد يا ريتال؟
ريتال بتأكيد:
_ آه والله يا سما. عارفة كمان هددني لو قولت لجدو مش هيوديني الملاهي تاني.
شهقت سما بذهول:
_ هو مروان بيروح معاكِ الملاهي؟
ريتال بتأكيد:
_ أيوااا بيلعب أكتر مني، وبيجيبلي الآيس كريم وياكله، والفشار وياكله، وأنا بسكت عشان هو عمي بس.
تدخل مروان مصعوقًا:
_ آه يا كلب البحر. بقى بتسيحيلي قدام البت بتاعتي؟ ده أنتِ يومك أسود النهاردة.
هبت الفتاتين من فوق الأرجوحة إثر هجوم مروان المُباغت الذي تابع بصياح:
_ ده أنا كنت خايف عليكِ من بؤسها طلعتي حقنة وأنا معرفش. ده أنا هوأدك. بقى أنا باكل منك الآيس كريم والفشار!
ريتال بجرأة:
_ أيوا بتاكله مني، وبتستغلني وكل شوية تقولي تعالي أجيبلك آيس كريم وأصدقك، اتاريك بتروح عشان تعاكس البنت اللي واقفة في المحل.
تدخلت سما بحدة:
_ الكلام ده صحيح يا مروان؟
خبت لهجته قليلًا قبل أن يقول محاولًا تهدئة غضبها:
_ سما يا حبيبتي، في حكمة بتقولك احترس من كل من اقترب من الأرض، ودي مش باينة من الأرض يبقى تصدقيها؟
شهقت ريتال قائلة:
_ أنت كمان بتتنمر عليا؟ كل الصفات السيئة دي في شخص واحد يا للهول!
مروان بحنق:
_ يا الهول إيه يا بت، أنتِ نسيتي أصلك ده أبوكي عبدة موته. يخربيتك هتتسببي في طلاقي. نهارك أسود.
التفتت ريتال إلى سما قائلة:
_ أيوا يا سما طلقيه. ده طلع فيه حاجات كتير وحشة. أنتِ لسه عالبر.
مروان باندهاش:
_ لسه عالبر! نهارك مش فايت. أنتِ بتتفرجي على رضوى الشربيني يا بت ولا إيه؟ وبعدين إيه طلقيه دي؟ العصمة في إيدي يا ماما.
نظرت ريتال لـ سما قائلة باستفهام:
_ صحيح الكلام ده يا سما؟
أومأت سما بصمت وسط ذهولها من هذا الثنائي.
فتابعت ريتال بامتعاض:
_ إزاي تعملي كده؟ إزاي تسيبيها في إيده؟ ده ممكن يضيعها في أي مكان، ده غير مسؤول.
إلى هنا واندفع مروان خلفها وهو يقول بصياح:
_ غير مسئول! أنا فعلًا غير مسئول على اللي هعمله في أهلك النهاردة، وربنا لهوريكِ.
حين كان على وشك القبض على ريتال الهاربة توقفت سيارة سالم أمام القصر، فهرولت الفتاة إلى فرح وهي تقول بلهفة:
_ انطي فرح. الحقيني.
تلقفتها يد فرح التي حالت دون سقوطها فقالت بلهفة:
_ في إيه يا ريتا مالك يا حبيبتي؟
ريتال من بين أنفاس لاهثة:
_ عمو مروان بيجري ورايا.
طلعت مروان بسخط قائلة:
_ مش عيب لما واحد طوله مترين زيك يجري ورا طفلة مش جايه ربع متر؟ هتكبر إمتى؟
مروان بحنق موجهًا حديثه إلى سالم:
_ عاجبك اللي بتقوله ده يا كبير؟
أجابه سالم بفظاظة:
_ أي حاجة فرح بتقولها بتعجبني.
امتقعت ملامح مروان الذي شاهد نظرات فرح المتشفية وهي تتأبط ذراع سالم وبجانبها تلك القردة الصغيرة التي شيعته بنظرات متشفية. فصاح بحنق:
_ حسبي الله ونعم الوكيل في الستات.
_ صفوت حبيبي. سرحان في إيه؟
هكذا تحدثت سهام بجانب صفوت الذي كان غارقًا في أفكاره ليجعله حديثها ينتبه إلى وجودها. فامتدت يديه تحتوي خصرها بحنو تجلى في نبرته حين قال:
_ واقفة هنا من بدري؟
_ يعني من شوية.
_ و متكلمتيش ليه؟
سهام بعشق ارتسم بعينيها وتخلل إلى نبرتها حين قالت:
_ كنت بملي عيني من ملامحك. أصلك واحشني.
قربها منه واضعًا قبلة دافئة بجانب عنقها قبل أن يرتفع برأسه يناظر عينيها التي لازالت تأسر.
_ تعرفي إني أنا كمان لسه قلبي ما ارتواش منك.
_ عارفة، وحاسة بيك. بس اللي متعرفهوش إني لسه مش مصدقة نفسي إني جوا حضنك.
لثم شفاهها بقبلة دافئة قبل أن يقول بعشق:
_ هتصدقي لما آخدك بعيد ونعيشلنا كام يوم كده لوحدنا عشان نتأكد إننا خلاص بقينا مع بعض.
زفر بقوة قبل أن يكمل:
_ اطمن بس عالولاد ونخلص من القرف ده وأفوقلك يا حلو أنت.
قال جملته الأخيرة بعبث جعل محصول التفاح الشهي ينبت فوق خديها. وسرعان ما تذكرت أمرًا فقالت بخفوت:
_ لسه بردو ما فيش جديد. جنة هتتجنن على سليم بالرغم من زعلها منه إلا أنها هتموت من القلق.
_ كلنا قلقانين يا سهام بس مقدمناش حاجة غير نصبر. وعلى فكرة هو كمان هيتجنن عليها. دا كل شوية يسأل عنها ويقولي متقولش لحد لما زهقني. دي فرصة عشان يعرفوا قيمة بعض، ويحترموا نفسهم.
سهام بتمني:
_ ربنا يرجعهم سالمين يارب وينصرهم.
آمن على دعائها بقلب يتوسل خالقه:
_ آمين يارب العالمين.
كان الأمر أشبه بالأفلام البوليسية، فقد كان الرجال يحاوطون المكان من جميع الجهات في انتظار الأمر بالتسلل إلى الداخل للحصول على مبتغاهم. بينما كان رأفت، ذلك الرجل المكلف بالدخول إلى البيت لمساعدة ادريانو، الرجل الذي يعتني بالحديقة، والذي لحسن حظهم كان يبحث عن أحد يساعده في الاعتناء بالحديقة، خاصةً بعد إصابته إثر لدغة أفعى جعلته يتعب لفترة. وقد كان كل شيء يسير حسب ما خطط له. فتسلل رأفت إلى الداخل بعدما وضع قطرات المخدر في العصير. وما أن سقط في نومته حتى تسلل إلى الداخل فوجد تلك الفتاة التي من المفترض أنها ابنة ذلك الوغد ترتدي ملابس مثيرة تبرز أكثر مما تخفي، وتقترب من أحد الرجال الذي رآه من قبل في هذا القصر ولم يتعرف إلى هويته ولم يستطع السؤال حتى لا يثير الشكوك. وقام بإرسال الإذن بالتسلل إلى الداخل بعدما اطمأن بأن جميع الحرس في الجهة الخلفية نيام. وانتظر إلى أن يأتيه الدعم. فسمع بعض مقتطفات من حديثهم:
_ يبدو عليك التعب. لما لا ترتاح قليلًا؟
أجابها الشاب باحتقار:
_ أن اغربي عن وجهي حتى أستطيع أن أفعل.
لم يردعها احتقاره وواصلت التقدم نحوه قائلة بدلال:
_ ماذا لو سمحت لي بأن أنال هذا الشرف؟
أجابها الرجل بتهكم لم يخلو من الاحتقار:
_ لا أحب تلك الخدمات التي تقدم بتلك الطريقة المبتذلة، كما أنني لا أضاجع العاهرات.
انتفضت الفتاة صارخة بغضب:
_ أيها الحقير ماذا تظن نفسك؟
لم تكد تنهي جملتها حتى وجدت كفه الغليظ يقبض على عنقها بقوة كادت أن تنتزع منها روحها، كما كانت لهجته تفعل حين قال:
_ أن تجرأ لسانك القذر علي مرة أخرى ستكون الثمن هي حياتك أيتها الساقطة.
جاءهم صوت عابث من الخلف:
_ ماذا تفعل يا ولد؟ هل هكذا تعامل النساء الجميلات؟
تقدم ناجي إلى وسط الغرفة، فترك رقبتها على مضض وهو يقول بتهكم:
_ عاهرتك لا تكتفي بك وأنا لا يروقني اللحم الرخيص، لذا أبعدها عني حتى لا أشويها على الفحم وألقي بها لكلابي.
قهقه ناجي بصخب يتنافى مع قسوة نظراته وهو يوجهها إلى الفتاة التي امتقع لونها حين رأته، ثم قال بنبرة صارمة:
_ إلى الأعلى.
طاوعته الفتاة وهرولت إلى الأعلى، فتوجه ناجي إلى غرفته الخاصة وهو يأمر هذا الرجل الغامض بفظاظة:
_ هيا إلى الداخل. أريد الحديث معك بأمر هام.
ها قد حانت الفرصة، وقام رأفت بإرسال كلمة السر المتفق عليها ليتسلل كلًا من طارق وسليم إلى الداخل. فقال الأخير بصوتًا خفيض:
_ إيه الدنيا؟
رأفت بهمس:
_ دخل هو والشاب اللي كنت قولتلك عليه، شكله غريب كده وقفلوا عليهم في أوضة المكتب، وتقريبًا ما فيش حد جوه غير البنت.
تدخل طارق بهسيس مرعب:
_ أنا هطلع أجيبها وأنتوا غطوا ضهري. وماركوس زمانه على وصول. أول ما نخرج من هنا هينزلنا مصر على طول.
رافت بقلق:
_ مين ماركوس ده؟
طارق بغموض:
_ واحد صاحبي هنا، شغال مع مافيا الشرق الأوسط وعارف هيعمل إيه. متقلقش.
تدخل سليم قائلًا:
_ طب يلا مفيش وقت. أنا هطلع أراقبلك الدور اللي فوق ورأفت هيراقب من هنا، وأي اشتباك الرجالة بره مستنيين الإشارة عشان يدخلوا.
توجه طارق إلى الأعلى وقام بفتح الباب بهدوء تام بعد ما أخبره رأفت عن غرفة الفتاة. فلم يجد أحد، ولكن استمع إلى صوت المياه قادم من دورة المياه، فتوجه ليأخذ مكانه. وما هي إلا دقائق حتى خرجت الفتاة تلف جسدها بالمنشفة لتتفاجأ بيد تكمم فاهها من الخلف. فلم تستطع حتى إخراج أنفاسها ليتخلل إلى أنفها رائحة المخدر الذي جعلها تذهب إلى غفوة طويلة. ليقوم طارق بحملها والتوجه إلى الأسفل، يقابله سليم الذي كان يريد الاستماع إلى ما يحدث في غرفة المكتب. ولكن خاب أمله. فما أن رأى طارق يخرج بالفتاة حتى تلقاها منه وتوجها إلى المطبخ ليغادرا المكان بأكمله. ولكن جاء ذلك الصراخ ليتجمد الجميع بمكانه:
_ انتقامك هتاخده بالطريقة اللي تعجبني، واعرف إن مهما كانت همت الوزان شيطان مش هقتلها. مش هقتل أمي مهما حصل.
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم نورهان العشري
تلاحقت الأنفس وتزاحمت بصدورهم فور تلقيهم تلك المفاجأة التي كانت كصاعقة برق جمدت ثنائي الوزان بأرضه لثوانٍ قبل أن يستفيق كلاهما على صوت "رأفت" القلق.
"إيه يا رجالة متنحين كدا ليه؟"
تبادل كُلًا من "طارق" و"سليم" نظرات مصدومة، سرعان ما تبدل حالها إلى غضب. تداركه "طارق" وتحولت نظراته إلى أخرى ذات مغزى، فباغت "سليم" "رافت" حين وضع الفتاة النائمة باحتضانه وهتف "طارق" قائلًا بلهجة بها طابع التصميم:
"خدها ع العربية، إحنا لسه ورانا شغل هنا."
تلى كلماته صوت "ناجي" الصارخ:
"انت اتجننت؟ بتملي شروطك عليا بعد ما أنقذتك من الشوارع ونضفتك بعد ما الهانم أمك رمتك."
تشدق "هارون" ساخرًا:
"أنقذتني عشان انتقملك منها ومن عيلتها صح؟"
وصل الأمر إلى ما لا يحمد عقباه، فاقترب "ناجي" قائلًا بلهجة يشوبها الألم:
"لا مش صح. أنقذتك عشان يكون لي ضهر أسند عليه لما أكبر وأعجز. أنقذتك لما عرفت بالجريمة اللي عملتها المحترمة أمك. كل دا عشان تحرق قلبي عليك. جاي انت دلوقتي بتكمل اللي هي بدأته."
كانت آخر جملة وقعت على آذان الرجال في الخارج، ليتحدث "سليم" وهم يتوجهان إلى الأعلى:
"أنا عايز أعرف إنت ناوي على إيه؟"
"طارق" بأعين يتطاير منها الشرر:
"ناوي أدوقه حرقة القلب بتكون إزاي؟"
اللمعت عيني "سليم" لوهلة تلاها كلماته المشبعة بحمية الغضب:
"أيًا كان اللي بتفكر فيه، إحنا لازم نفكر بالعقل. هنعمل إيه؟ مش فتونة يا طارق!"
زمجر "طارق" بوحشية:
"على ما نفكر ونخطط، هيكون الرجالة اللي تحت دي فاقت والكلب دا هيعرف إننا كنا هنا. وحتة البت اللي معانا دي لا هتشفع ولا هتنفع."
يعلم أنه الصواب على الرغم من صعوبته، لذا قال بحزم:
"عايزين خطة في أقل من دقيقة."
لمع وهج الاستمتاع بعيني "طارق" قبل أن يقول بغموض:
"موجودة."
***
"أنستونا وشرفتونا يا سالم بيه."
هكذا تحدثت "رضا" إلى "سالم" الجالس أمامها، وبجانبه "فرح" تشعر بتوتره الذي كان يحاول إخفاءه ببراعة، ولكن ليس عليها، لذا أرادت التخفيف عليه بأن تولت الحديث مع "رضا" والإجابة بود على كلماتها المرحبة، والتي كانت تخفي الكثير خلفها. هكذا شعرت "فرح"، ولكن جاءت كلمات "سالم" الجادة حين قال:
"لبنى جهزت؟"
ارتبكت المرأة كثيرًا وجاءت كلماتها متقطعة حين قالت:
"لبنى... جاهزة... أقصد... لسه... يعني بتجهز."
قاطعت تلعثمها "فرح" التي قالت بود:
"طب ممكن أدخل أطمن عليها وأشوف لو محتاجة مساعدة؟"
لوهلة شعرت المرأة بالتردد، ولكن نظرات "فرح" المطمئنة جعلتها تومئ بصمت، فأخذتها إلى غرفة طفلتها. وبعد أن تركتها "رضا" على الباب، أدارت مقبضه ودلفت إلى الداخل وقلبها يؤلمها مقدمًا على حال تلك الصغيرة، فقد كانت تتوقع أن ترى لوحة سيئة لفتاة محطمة كحال تلك التي كانت تحتضر منذ أكثر من عام ونصف.
لم تكلف "لبنى" نفسها عناء الالتفات لرؤية الشخص القادم من الخارج، بل تابعت النظر بشرود إلى النافذة. لتقترب "فرح" منها وقد شعرت برغبة كبيرة في عناقها كمحاولة للتخفيف عنها ولو قليلًا، فقد كانت فتاة صغيرة الحجم، لازالت جدائل المراهقة تنبلج من بين خصلاتها تحكي رواية مأساوية عن طفولة اغتيلت على يد ذئاب لا تعرف للرحمة سبيل.
"عاملة إيه يا لبنى؟"
تنبهت حواسها إلى ذلك الصوت الهادئ الذي يتساقط الحنان من بين نبرته، مما جعلها تلتفت بصمت لتقع عينيها على "فرح" التي لونت ثغرها ابتسامة عذبة تسللت إلى قلب "لبنى" التي حاولت التظاهر بالجمود حين قالت مستفهمة:
"إنتِ مين؟"
"فرح" بهدوء:
"أنا فرح مرات سالم."
امتقع وجهها وشوهت معالمه سخرية مريرة تجلت في نبرتها حين قالت:
"آآآه... البيه اللي جاي ياخدني عشان أخدمهم مقابل إنه ستر عليا وجوزني أخوه المجرم."
فزعت "فرح" للوهلة الأولى من كلمات "لبنى" التي تقطر ألمًا، ولكنها سرعان ما تجاهلت شعورها وقالت بحنو:
"إنتِ عايزة تقعدي مع أهلك يا لبنى؟"
كان استفهامًا ألقى بها في غياهب الحيرة، فهي لا تعلم بأي مكان تفضل البقاء أو أن كانت تريد البقاء بهذه الحياة من الأساس!
ابتلعتها دوامة الصمت مطولًا، إلى أن قطعت "فرح" صمتها قائلة باستفهام:
"طب أنتِ مرتاحة هنا؟"
كلماتها أوقدت بركانها الخامد، فصاحت مستنكرة بقهر:
"مرتاحة! هو أنا ينفع أرتاح أصلًا! الكلمة دي خلاص أنا عمري ما هعرفها أبدًا!"
كانت ترى بها شقيقتها، ترى لوعتها وعذابها وقلة حيلتها، فاغرورقت عيناها بالدموع وتحشرجت نبرتها حين قالت:
"أنا معرفكيش يا لبنى، بس أنا عايزة أساعدك."
"لبنى" بسخرية:
"عمرك ما هتعرفي، ولا جوزك اللي قاعد بره دا هيقدر يساعدني. فاكر لما ياخدني القصر بتاعكوا ويعيشني عيشة الغنية هنسى اللي حصلي؟"
خرجت كلماتها تصرخ من فرط الأسى:
"أنا اتدمرت. كل حاجة فيا اتكسرت ميت حتة. الحاجة الوحيدة اللي بتتمناها الموت. لو يخلص عليا يبقى فعلًا بيساعدني ويبقى والله كتر خيره."
كان الألم يتساقط من بين حروفها وعينيها ويتبلور بوضوح فوق معالمها وجسدها الذي يرتجف. فداهم "فرح" هاجس قوي بأن تلك الفتاة لم يحتضنها أحد منذ ذلك اليوم المشؤوم، لذا لم تتردد لثانية لتقترب منها وتقوم باحتضانها بقوة جعلت "لبنى" تتيبس بمكانها للحظات غير مدركة لما حدث للتو. هل يعانقها أحدهم؟ رغمًا عن صمت حروفها، عبر جسدها عن تأثره على طريقته، فصار يرتجف بين يدي "فرح" التي شددت من احتوائها أكثر، فصارت عبراتها تتقاذف كالمطر من بين مآقيها التي لم تجف يومًا ولم تجد من يمحيه أبدًا.
مرت دقائق غير معلومة و"لبنى" تنتحب وتشكو عبراتها ما عجزت الحروف عن التفوه به، إلى أن هدأت قليلًا، فرفعت "فرح" رأسها تناظرها بأسى أدهش "لبنى" كثيرًا، وكذلك فعلت كلماتها حين قالت بنبرة مشجبة:
"في كل الظروف اللي مرت عليا في حياتي مكنتش بتمنى أكتر من حد يحضني ويقولي كل حاجة هتبقى كويسة. وعشان كدا بقولك متقلقيش، كل حاجة بإذن الله هتبقى كويسة."
"لبنى" بشفاه مرتعشة:
"إنتِ متعرفيش..."
قاطعها "فرح" بحرقة:
"لا عارفة، وحاسة بيكِ وبوجعك، وعارفة إنك مش لاقية نفسك وسط أهلك، ودا وجع أكبر. هما مش فاهمين اللي جواكِ وعشان كدا مش قادرين يساعدوكي، ودا السبب اللي مخلي سالم عايزك تيجي معانا."
ارتجف جسدها وكذلك نبرتها حين قالت:
"بس أنا إزاي... إزاي أروح عند ناس معرفهاش، وإزاي هيتقبلوني وأنا... هتقبلهم."
تبدلت ملامح "فرح" ونظراتها لدى مرور شريط ذكرياتها مع شقيقتها حين انتقلوا للعيش هناك. خوفهم، قلقهم، ألمهم، وأخيرًا أراد الله أن تتبدل كل ذلك السوء.
شددت "فرح" على يد "لبنى" بين كفوفها وهي تقول بلهجة مطمئنة يشوبها الغموض:
"الناس دي مش وحشة زي ما أنتِ متخيلة، بالعكس. يمكن تلاقي وسطهم اللي ملقتيهوش هنا، وصدقيني يا لبنى أنتِ حظك أحسن من حظ ناس كتير."
قالت جملتها الأخيرة بلهجة مريرة لم تفهمها "لبنى" التي قالت بخفوت:
"هقدر أرفع عيني فيهم؟"
"فرح" بنبرة قوية:
"لازم ترفعي عينيك، أنتِ مغلطتيش. أنتِ ضحية. أوعي تباني مكسورة قدام حد."
همست بنبرة تتضور وجعًا:
"أنا مش بس مكسورة، أنا متفتتة خمسين حتة، وعايشة وجعهم كلهم في نفس اللحظة."
"فرح" بلهجة حانية:
"كل الوجع دا لازم تحطيله نهاية، وخليكي عارفة إنك مش لوحدك. كلنا حواليكِ."
انكمشت ملامحها بحيرة:
"كلكوا! كلكوا مين؟"
"أنا وسالم، وجنة أختي. هتحبيها أوي لما تتعرفي عليها. حتى ماما الحاجة أمينة صدقيني هتلاقي في حضنها حنان الدنيا كله. هي تبان قاسية وجامدة بس والله طيبة وحنينة فوق ما تتخيلي. الحقيقة إن الناس كلها في البيت دا بقت طيبة أوي. عشان كدا بقولك حظك أحسن من حظ غيرك."
لم تفهم الكثير مما تحويه كلمات "فرح"، ولكنها بالنهاية لم تكن مخيرة، لذا أومأت بصمت. فتابعت "فرح" بحنو:
"خليكِ عندك إيمان كبير في ربنا إنه عمره ما هيضيعك أبدًا، وأوعي تظلمي أنتِ كمان نفسك."
بعد مرور أكثر من ربع ساعة، أطلت عليهم "فرح" بجانبها "لبنى" التي كانت هادئة كعادتها على الرغم من حزنها الواضح بعينيها، وهي تعانق والديها، ولكنها أرغمت نفسها على عدم الاستجابة لطوفان العبرات الذي يهدد جسورها بالانهيار في أي لحظة.
من ملامح "فرح" ونظراتها فطن إلى أن هناك الكثير خلف صمتها، لذا اكتفى بجملة واحدة كانت مطمئنة لذلك البرعم الرهيف الذي يتخبط بين رياح القدر القاسية:
"أوعدك مش هتندمي إنك جيتي تعيشي وسطنا."
اكتفت بإيماءة بسيطة من رأسها، وانطلق "سالم" بسيارته قاصدًا قصرهم، وبعد وقت ليس بالكثير صف السيارة أمام باب القصر الداخلي، ثم التفت إلى "فرح" وأشار لها برأسه لتفهم ما يرمي إليه، فترجل تاركًا لها المجال في دعم تلك التي بدا الذعر على ملامحها. فالتفتت إليها "فرح" قائلة بلهجة يشوبها المرح:
"لبنى. يلا عشان ننزل. الكل هيتجنن ويتعرف عليكِ."
لجأت إلى الصمت كعادتها، ولكن داخلها كان هناك شعور امتنان لتلك التي كانت تحاول التخفيف من وطأة الموقف. وما أن خطت بأقدامها أول خطوة إلى داخل القصر حتى تيبست أقدامها والتفتت تناظر "فرح" بذعر تجلى في ارتجافة شفاهها حين قالت:
"إن... أنا... خا... خايفة."
حاوطت "فرح" كتفيها بذراعيها وهي تقول بحنو:
"متخافيش. صدقيني الناس اللي جوا دول أطيب مما تتخيلي وهترتاحي معاهم لدرجة إنك هتحسي إنك وسط أهلك. وبعدين أنا هنا أختك الكبيرة، أوعي تخافي طول مانا موجودة. اتفقنا؟"
تعاظم الشعور بداخلها حتى تناثر الدمع فوق وجنتيها بقلة حيلة، فامتدت أنامل "فرح" الحانية لتقوم بإزالته وهي تقول بلهجة محفزة:
"لا مش عايزة دموع من أولها. إحنا قولنا إيه؟ أنتِ مغلطتيش. وبنت قوية، مفيش حاجة تقدر تهزمك، سامعة يا لبنى؟"
تسلل شعور بالقوة إلى داخلها ولو كان خيطًا رفيعًا، ولكنه كان كافيًا لجعلها ترسم ابتسامة هادئة على شفتيها بعد أن عبأت صدرها بالهواء النقي لتخرجه بتؤدة وكأنها تطفيء حرائق الوجه الكامن بصدرها.
"يا مساء الحلويات."
جاءهم هذا الصوت العابث من الخلف ليخترق ذلك الشجن المحيط بهم، ففزعت "لبنى" حتى انتفض جسدها بجانب "فرح" التي رمقته بلوم قائلة بتقريع:
"يا ابني خلي عندك نظر، خضيت البنت."
"مروان" بمزاح:
"اخس عليا. بقى أنا خضيت القمر دا؟ لا بقى دا أنا لازم أصلح غلطتي فورًا."
"فرح" بتهكم:
"هتصلح إيه ولا إيه، إنت مصايبك كتير."
تجاهل حديثها وتقدم إلى "لبنى" التي كانت تفرق نظراتها بينهم باندهاش، فتقدم منها "مروان" وهو ينظر لـ "فرح" بسخرية:
"اركني أنتِ على جنب يا أم منصور دلوقتي. خلينا نتعرف ع القطة."
اقترب من "لبنى" لـ يعرف نفسه بلهجة فاحت منها رائحة الغرور:
"محسوبك مروان الوزان. الرجل الثاني للعائلة بعد الباشا بتاعنا. يعني دراعه اليمين، وحافظ أسراره. أي سر كدا ولا كدا تجيلي على طول."
أنهى كلماته غامزًا لـ يتفشى الخجل بوجنتي "لبنى"، فتابع "مروان" ناظرًا إلى "فرح" بتحدي:
"سيبك من أي حد عامل سبع رجالة في بعض. القصر دا تحت حمايتي، ومش القصر بس دا العب دا كله تحت أمر العبد لله."
لم تفلح "لبنى" في قمع ابتسامتها جراء كلمات "مروان" المازحة وتحديه المبطن مع "فرح" التي قالت بمزاح:
"معلش يا لبنى حظك السيء، خلاكِ تقابلي مروان أفندي أول واحد. لكن متقلقيش مش كلهم كدا."
"مروان" بتهكم:
"قصدك للأسف مش كلهم كدا. بصي يا بنتي العالم اللي جوا دول كلهم بؤساء كئيباء يجيبوا المرض. بما فيهم البت بتاعتي."
قال جملته الأخيرة بخفوت، فاتسعت ابتسامة "لبنى"، فصاح بتهليل:
"الله أكبر. أيوا كدا اضحكي، أنا بكره النكد قد ما بكره فرح بالظبط."
"فرح" بصدمة:
"بتكرهني يا مروان؟"
"هش هش، مش فاضيلك. متعرفناش يا قمر؟"
قال جملته الأخيرة بعينين ترتسم بهما العبث، فأجابته "لبنى" على استحياء:
"أنا لبنى."
"مروان" باستنكار:
"لبنى! إيه الاسم اللي اتلغى مع الملك فاروق دا؟"
تدخلت "فرح" تشاكسه:
"أنا بس اللي بقولها يا لولو."
"مروان" بتهكم:
"لولو! إيه لولو دا؟ هي رقاصة؟ بصي يا حلو انت. أنا بيني وبينك هقولك يا لولي. عشان انت حلو وصغنن كدا."
"فرح" بتهكم:
"وليه بينك وبينها يا جبان؟"
"مروان" بسلاسة:
"طبعًا جبان. اومال تسمعني بقولها يا لولي تفتكرني بخونها تقعد تعيط طول الليل والنهار نبص نلاقي البيت اتهد فوق دماغنا. يا بت دانا بضحي عشان خاطركوا."
لأول مرة تتدخل "لبنى" في الحديث قائلة باستفهام:
"هي مين دي؟"
"مروان" بمزاح:
"البت بتاعتي. النكدية اللي جيبالنا المرض كلنا من بؤسها. اللي كنت بقولك عليها من شوية."
لأول مرة منذ زمن تخرج ضحكاتها التي كانت تظن بأنها دُفنت بإحدى زوايا قلبها ولا مجال للشعور بمذاقها مرة أخرى، وهذا ما أثار دهشتها.
"بتعملوا إيه عندكوا؟"
كان هذا صوت "سما" التي أرسلها "سالم" لرؤية ما الذي آخرهم عن الدخول، فتفاجئت بثلاثتهم يقفون أمام باب القصر. وما أن رآها "مروان" حتى تمتم بتهكم:
"أهي النكدية وصلت. قصدي سما حبيبتي وصلت."
تقدمت "سما" لتزجره في كتفه وهي تقول بمزاح:
"نكدية في عينك."
"تعالي سلمي على لبنى وبعدين هكحيلك قال عليكِ إيه؟ دا قطع فروتك."
مدت "سما" يدها للفتاة بود:
"أهلًا بيكِ يا لبنى. أنا سما."
تمتمت "لبنى" بخفوت وهي تصافح "سما" التي قالت بوعيد وهي تنظر إلى "مروان":
"من غير ما تقولي يا فرح عارفة لسانه اللي متبري منه."
تدخل "مروان" بلامبالاة:
"الصراحة يا سمسمتي أنا ممرمط سمعتك في الوحل قدام الناس كلها. اكسفيني بقى ووريني ضحكتك الحلوة دي على طول."
قال جملته الأخيرة بلهجة عابثة جعلت وجنتي "سما" تتضرّج بالدماء، وكذلك "لبنى"، فتدخلت "فرح" قائلة بتقريع:
"أحرجت البت يا عم روميو."
"مروان" بمزاح:
"ما بلاش أنتِ."
تجاهلته "فرح" ووجهت أنظارها لـ "لبنى" قائلة:
"يلا عشان ندخل جوا الناس مستنيانا."
أومأت بصمت وتوجهت بجانب "فرح" للداخل، وأقدامها تكاد تتلاشى من فرط التوتر، فوصلها صوت "مروان" المشجع:
"اجمدي يا بنتي. حظك حلو أنا معاكِ."
التفت إلى "سما" قائلاً باستفهام:
"بقولك يا سمسمه هي أمك جوا ولا إيه؟"
"أيوا جوا."
هتف "مروان" من بين أسنانه:
"حظك أسود يا بنتي وأنا مش معاكِ."
***
بخطوات واهنة تقدمت لتفتح باب المنزل لرؤية ذلك المتطفل الذي يلح بالرنين وكأنه يعاند إرهاقها الذي كان يغريها بتجاهل هذا الضجيج، ولكنها بالنهاية أجبرت نفسها على التقدم إلى الباب لتفتحه، فتسمرت لثوان بمكانها حين شاهدت تلك المرأة والدة زوجها. ورغمًا عنها شعرت بخيط من الخوف يتسلل إلى قلبها، فحالها الآن لا يسمح بمواجهة عصفور صغير.
"إيه هتسبيني واقفة على الباب كتير؟"
تراجعت من أمامها وهي تتمتم باعتذار خفيض، إلى أن دلفت إلى منتصف الصالة الصغيرة، فلحقت بها بصمت لتتوقف أمامها وتبدأ حرب النظرات الصامتة من جانب تلك المرأة التي أرادت أن تترك أثرًا سيئًا في نفس تلك التي كانت ترتجف وكأن نسمة الهواء البسيطة قادرة على جرحها.
"عارفة أنا جاية ليه يا ساندي؟"
"ساندي" في محاولة منها لتجاهل خوفها الداخلي:
"أهلًا بيكِ في أي وقت يا طنط. دا بيتك."
قاطعتها "راندا" بجفاء:
"من غير خطب الترحيب اللي ملهاش لازمة دي. خلينا ندخل في الموضوع على طول."
بللت حلقها الجاف وقالت بنبرة متحشرجة:
"اتفضلي. سمعاكِ."
"هكلمك بمنتهى الصراحة. أنا مش شايفة إنك الزوجة اللي تليق بابني الوحيد، وبكل أدب وهدوء عايزة تخرجي من حياته."
تراشقت أسهم كلماتها في صدر "ساندي" التي من فرط الألم لم تفلح في قمع عبراتها التي تناثرت فوق خديها بغزارة. لتتابع "راندا" بلهجة أشد قسوة:
"أنا خايفة عليكِ. إنتِ عارفة عُدي أكتر مني وعارفة هو قد إيه عنيد، وقصتكوا بالنسباله رهان مع نفسه حالف يكسبه. جو إنه بيساعدك وبيقف جنبك دا جزء من تحديه لنفسه. إنتِ طبعًا فرحانة باللي بيعملوا عشانك، بس هتتوجعي أوي لما يزهق ويمل، ووقتها معرفش إذا كنتِ هتقدري تتغلبي على جرحك زي ما عملتي قبل كدا ولا هيموتك المرة دي."
لوهلة تمنت الموت فعلًا، حتى أنها أغمضت عينيها تستجديه. ولكن فجأة ظهرت أمامها صورته وهو يهمس:
"إنتِ الحاجة الحلوة الوحيدة اللي خدتها من الحياة، أوعى تحرميني منها."
تحاملت على وهنها وكان قلبها يؤازرها في ملحمتها الضارية، يذكرها بكلماته التي لثمت جراحها الدامية:
"استسلمي، متعانديش قلبك وقلبي عشان مش هتقدري عليهم. أنا بدأت حياتي معاكِ ومش هنهيها غير الموت."
فتحت عينيها لتتقابل بعيني "راندا" القاسية، فقد سلحتها كلماته ببعض القوة لتقف أمامها وتجابهها بنبرة مهتزة بعض الشيء:
"عُدي بيحبني وأنا بحبه، ومع احترامي ليكِ ولرأيك، بس مش هيفرق معانا في حاجة. عشان أنا وهو اخترنا نكمل سوى، وراضيين عن قرارنا دا جدًا."
انقشعت غيمة الهدوء التي كانت تتوارى خلفها وصاحت بغضب:
"راضيين إيه وزفت إيه؟ أنا ذنب ابني إيه يتحمل واحدة مشوهة زيك؟ يتحمل مسؤولية مريضة نفسية زيك ليه؟ عمل إيه في حياته؟"
"حبني. حبني ودي حاجة عمرك ما هتقدري تغيريها."
هكذا قاطعتها "ساندي" بعد أن أشعلت فتيل الغضب بداخلها، لينتفض كبرياؤها غاضبًا ويتصدى لهذا الهجوم الغاشم لتلك السيدة التي تجردت من كل مشاعر الإنسانية، فهتفت بغل:
"هغيرها وهخلص منك بأي طريقة."
"ساندي" بتهكم:
"وهتسبيه لمين لما تخلصي مني؟"
"راندا" بعدم فهم:
"تقصدي إيه؟"
"ساندي" باحتقار:
"يعني طول عمرك سيباهولي ومكنش بيفرق معاكِ وجوده من عدمه. دلوقتي لما تخلصي مني هتسبيه لمين؟ آه ماهو أنا نسيت أقولك إن طول عمري بالنسباله كل حاجة. عارفة دا حتى لما كان بيتعب ويمرض كنت بروح أنا أقعد جنبه. فكري كدا لما تخلصي مني هتقدري تاخدي من وقتك الثمين عشان تقعدي جنبه لما يتعب، ولا هتفضلي نفسك يفضفضلك لما يكون مخنوق أو متضايق؟ ولا هتقدري تطمنيه لما يكون قلقان قبل أي امتحان أو إنترفيو؟ لو هتقدري تخلي بالك منه أنا موافقة أسيبه."
تساقطت كلماتها كالمطارق فوق رأسها، حتى أنها شعرت بنسمات باردة تجتاح جسدها من فرط الحرج، فهي بالفعل لا تضمن أن تقطع وقتها الثمين لأجله أو لأجل أي إنسان آخر سوى نفسها!
"نورتينا يا راندا هانم. أعتقد معاد طيارتك قرب."
تفاجأ كليهما من صوت "عُدي" الماثل أمام باب الشقة، فلم تعرف "راندا" بماذا تجيبه، فأخذت تفرق نظراتها بين ولدها وبين "ساندي" التي لا تعلم متى جاء وهل استمع إلى حديثها مع والدته أم ماذا؟ فقد كان الغموض يلون حدقتيه ولم تهتز نظراته حين اقتربت منه والدته، وحين أرادت الحديث أوقفتها يديه التي وضعها أمامها لينهي الجدل قبل أن يبدأ، وبالفعل غادرت "راندا" تجر أذيال الخيبة خلفها. ليغلق "عُدي" باب الشقة خلفها، وإذا به يجد "ساندي" تندفع إلى غرفتها، فاقترب بخطٍ متلهفًا يستند على الباب المغلق يري د تحطيمه لـ ينتزعها من بين براثن الألم، ولكنه يخشى أن تلقي بوجهه كلمات والدته التي تجعله يكاد يجن من الغضب، لو لم تكن والدته لكانت تلقت منه أسوأ مصير يمكن أن تتخيله، ولكنه مكبل، غاضب، مشتاق، وأخيرًا عاشق. وكل حيلته لتجاوز كل تلك المشاعر الجارفة التي تكتنفه بشراسة، فأطلق زفرة حارة من جوفه وهو يرفع رأسه إلى الأعلى قائلًا بلهجة موقدة:
"يارب. أنا تعبت أوي."
لم يكد ينهي جملته حتى تفاجأ بباب الغرفة يفتح و"ساندي" تقف أمامه بهيئتها المبعثرة وهي تقول بلوعة:
"أنا مش موافقة أسيبك لأي حد. حتى لو كانت هي. أنا عايزك، ومش عايزة حاجة في الدنيا غيرك."
تيبس لثوان حين استمع لكلماتها التي لم يكن يتوقعها أبدًا، وخاصة بعد ما حدث مع والدته، ولكنه استجابة قلبه كانت أسرع من استيعاب قلبه، فقام بجذبها لتستقر بين ذراعيه يعانقها وكأنه يحتجزها بين قطبان ذراعيه يكبلها بأصفاد العشق الذي انتصر في النهاية.
***
كان يتحامل على نفسه لحمل تلك الأثقال، وفي داخله صوت قوي يلح عليه بأنك لست هذا الشاب البائس الذي أصبحت عليه!
كان يراقب ذلك الجرير منذ أسبوع، يستمع إليه وهو يحدث زوجته في الهاتف ويدللها ويتلقى منها عبارات العشق التي تجعله أحيانًا يتوافق معها ويتفاخر بقوته، وأيضًا استمع إلى مكالمة معه مع والدته وكيف كان يحدثها باحترام وشوق، وهي تخبره بأنها اشتاقت له كثيرًا وبأنه سيأتي لها بما يقر عينيها به.
وهنا بدأت الأسئلة تطن بعقله كالذباب: هل حقًا اشتاقته والدته أم أنه لم يترك لها ولو ذرة واحدة من الحب الذي يجعلها تشتاقه؟ هل يفتقده أشقائه أم لا يتذكره أحد من الأساس؟
كانت استفهامات لم يتوقع يومًا أن تتطرق إليها، ولكنها الآن تهاجمه بشراسة، وهو يقف عاجزًا عن الإجابة، أو لنقل يخجل من إجابات ستزيد من ألمه أكثر.
كان يقضي معظم الوقت في التمرين لتلك المواجهة بينه وبين هذا الرجل الذي بقدر ما كان يبغضه بقدر ما كان يحقد عليه، فهو يمتلك كل شيء، أو بالأحرى يمتلك ما أضاعه هو بغبائه ذات يوم.
تكالب عليه الشعور وتعانق الألم برفقة الوحشة بصدره، ليشكل طوفان من العبرات المريرة التي تمتد مرارتها من القلب إلى الصدر، فأخذ يبكي ويبكي ويبكي حتى صار بكاؤه نهنهات لم يهتم حتى بقمعها. فتوجه إليه جرير بخطوات ثابتة ليجلس بجانبه بصمت دام لوقت طويل، إلى أن هدأت نهنهات حازم الذي قال بنبرة متحشرجة:
"عندك حق. أنا عالة على أهلي وإخواتي. أنا ماليش مكان وسطهم. لما دورت جوايا ملقتش حاجة واحدة حلوة يفتكروني بيها، أو تشفع لي عندهم."
صمت يحاول قمع عبراته قبل أن يتابع بلهجة مشجبة:
"أنا كنت مفكر إني عايش حياتي بالطول والعرض ومستمتع بكل حاجة غلط عملتها، بس اكتشفت دلوقتي إن فيه حاجات أحلى وطعمها كان حلو أوي، بس أنا كنت غبي ومحستوش غير لما اتحرمت منها. أنا وحشني حضن ماما وأخواتي أوي. لمتنا على الأكل وهزارنا وضحكنا. كل الحاجات دي وحشتني. أنا كنت طايح في الدنيا بعمل كل حاجة غلط عشان أتمتع، واتارى إني كنت حارم نفسي من المتعة الحقيقية وسطهم."
التفت يناظر جرير الصامت وهو يقول بحرقة:
"أنا مش بس غبي. أنا وحش، وقذر، وحيوان. أنا مسبتش ليا خيط واحد بس يربطني بيهم ويخليني يبقى ليا عين أدخل بيتنا. أنا حكمت على نفسي بالموت وأنا عايش. موت نفسي في نظرهم، وموت ناس تانية كل ذنبها أنا حبيتها ووثقت فيا."
هب من مكانه وهو يدور حول نفسه قائلًا بضياع:
"أنا حتى لو موت نفسي بجد هروح جهنم. طب أعمل إيه؟ أعمل إيه عشان أرجع الزمن لورا وأصلح كل جرائمي في حقهم؟ أعمل إيه عشان أرجع إنسان نضيف تاني؟ أعمل إيه عشان أقدر أترمي في حضن أمي زي أي واحد في الدنيا؟"
سقط على الأرض بقوة وهو يبكي حتى شهدت رمال الصحراء على ندمه وألمه ولوعته، فهب جرير من مجلسه ليتقدم إليه يمد كفه بصمت، فرفع حازم رأسه يطالعه باستفهام، أجابه جرير بفظاظة:
"هعرفك تبدأ منين."
نصب عوده بصعوبة وتوجه خلف جرير الذي تفاجأ به يقوم بحمل سطل الماء وإغراقه به وهو يقول بغلظة:
"نضف نفسك من الوسخ اللي لحق بيك وتطهر عشان تقدر تقابل ربنا وتترجاه يقبل توبتك."
ناظره حازم بصدمة وقطرات الماء تتساقط من خصلاته لتغرق جسده بالكامل، فتركه جرير لبضع دقائق ليقوم بجلب ملابس نظيفة ووضعها بجانبه حتى يرتديها، وقد كان كالمغيب أمامه، لا جدال، لا تراشق بالكلمات، لا شجار، فقط هدوء وانصياع من جانب حازم الذي كان يتمنى ولو دقيقة واحدة من الماضي تعيده إلى قلبه الطمأنينة.
فرش له جرير سجادة الصلاة بخيمته التي كانت نظيفة مرتبة على عكس خيمته، فالتفت يناظره بنظرات وكأنه تخبره بأن المكان بمن يسكنونه.
"هتعرف تصلي ولا أعرفك؟"
حازم بارتباك:
"لا هعرف. كنت أحيانًا بصلي مع أخواتي."
تركه جرير في خلوته مع الله وتوجه إلى الخارج وبداخله يدعو الله بأن ينير قلبه هذا الشاب ويخرجه من ظلماته.
***
الحنين هو زائر غير مرغوب فيه، عادة ما يأتي في الليل ليطرق أبواب قلوب ظنت أنها استطاعت لملمة أشلائها ليبعثرها من جديد.
ماذا يفعل المشتاق إذا أهلكه الحنين؟ وأدمته لوعة الهوى؟
أخذت تنظر إلى السماء المتلألئة بالنجوم بأعين انطفأ بريقها، فعلى الرغم من أنها بدأت بجلسات العلاج النفسي وقد شعرت ببعض الهدوء النفسي، إلا أن غيابه اعترض طريق شفائها بقوة. كل الدقائق التي مرت بدونه حكايات حية لكونها شخصًا لا يكتمل إلا بوجوده. رغمًا عن ألمها وجراحها وجميع قراراتها بأن فراقهم أمرًا حتمي، إلا أنها تتألم وبشدة. تتقاتل الهواجس بصدرها وتجتاحها رغبة قوية في الاطمئنان عليه، ولكن كيف؟
كيف يمكنها أن تروي شوقها إليه وتطمئن قلبها الملتاع عنه دون أن يمس الأمر كبرياءها؟
وأيضًا شقيقتها التي لا تجيب على اتصالاتها، فقد كانت تشعر بالغضب منها وقررت أن تتركها لتستعيد سلامها النفسي بعيدًا عن كل شيء، هكذا كانت آخر رسالة نصية تلقتها منها.
حتى أن كلمات "سهام" المطمئنة لم تروي ظمأها ولم تهدئ من روعها، لذا وبـ لحظة جنون أمسكت هاتفها وقامت بالضغط على اسمه لتظهر لها صورته، ولأول مرة لم يجب عليها، بل لم يرن الهاتف من الأساس وكان خارج نطاق التغطية.
التفتت تنوي التوجه إلى الخارج، فقد قررت أن تتحدث مع "سهام" لمعرفة ماذا يحدث معهم في تلك السفرة اللعينة.
أما في الأسفل، فكان "عمار" يجلس مع "نجمة" في غرفة الصالون، وقد لاحظ ارتباكها، فهو لم يخبرها بقدومه على غير العادة.
"مالك يا ست البنات؟ مش على بعضك ليه أومال؟"
تنحنحت "نجمة" قبل أن تقول بارتباك:
"لأ. مفيش حاجة. مش على بعضي إزاي يعني؟ ماني زينة أهوة."
"عمار" بغزل:
"طبعًا زينة. دا إنتِ زينة البنات كلهم."
زحف الخجل إلى وجنتيها فأخفضت رأسها خجلًا، ليتابع "عمار" بنبرة مشتاقة:
"اتوحشتك چوي يا نچمتي."
"نجمة" بخفوت:
"تسلم وتعيش."
"عمار" بمزاح:
"لا تسلم وتعيش دي تقوليها لام محمد وهي تجيب لك العيش الصبح، انما أنا تقولي لي وإني كمان اتوحشتك يا جلبي. مش أنا جلبي بردو؟"
أخذت تتلفت في جميع الاتجاهات وهي تكاد تذوب خجلًا، جعل الكلمات تتلعثم فوق شفتيها حين قالت:
"أيوا. يعني. أصل. إني. بصراحة. خجلانة منك."
"نجمة إنتِ فين؟؟؟"
لم يكد "عمار" يجيبها حتى توقفت الكلمات على شفتيه وهو يرى "جنة" التي اندفعت إلى داخل الغرفة لتبحث عن "نجمة"، وإذا بها تجد نفسها وجهًا لوجه مع "عمار" الذي هب من مكانه وهو يقول بصدمة:
"چنة."
هبت "نجمة" من مقعدها وهي تضرب على صدرها قائلة بعويل:
"يا شندلتي."
تفرقت نظرات "عمار" بين كلاً من "جنة" المزهولة و "نجمة" المرتاعبة، وقال باستفهام:
"إنتِ من مِتى وإنتِ أهنه؟ وإني إزاي معرفش؟"
قال سؤاله الأخير وهو يناظر "نجمة" بعدم فهم، فأخذت تتلفت الأخيرة بكل الاتجاهات ما عداه، فاندفعت "جنة" تقول بتلعثم:
"أص... أصل... أصل أنا لسه... لسه جاية و..."
قاطعها "عمار" باستفهام:
"وجاية لوحدك ولا معاكِ جوزك وفرح؟"
تفاجأ ثلاثتهم من هذا الصوت الغاضب من خلفهم:
"جايه لوحدها بعد ما البيه جوزها رماها هنا عند قرايبه وداير يتسرمح في البلاد."
***
كان الجميع يتبادل النظرات بصمت، فقط ابتسامات عادية، بعضها صادقة والأخرى مجاملة، فمزق ثوب الصمت كلمات "مروان" المازحة حين قال:
"لا بس أنتِ محلوية يا عمتي. زي ما يكون بتحبي جديد."
"همت" بسخط:
"حبك برص. قل أعوذ برب الفلق. ربنا يكفيني شر عينك."
"مروان" باندهاش:
"همت. إنتِ بتخافي على نفسك من الحسد! يخربيت الثقة بالنفس."
زجرته "سما" في كتفه وهي تقول بخفوت من بين أسنانها:
"أتلم."
"لا بقولك إيه يا هانم هو أنا كل ما أتكلم كلمة هتزغرطيلي كدا! عايزة الناس تقول عليا مش مسيطر ولا إيه؟"
همهمت "ريتال" بجانب "سما":
"إيه دا هو بيشخط فيكِ يا سما؟"
"مروان" بحنق:
"وأنتِ مالك أنتِ يا شبر ونص؟ واحد وبيتكلم مع مراته تدخلي ليه؟"
"طب إني مراتك بقى ريتال تدخل براحتها."
التفت "مروان" إلى "سما" قائلاً بحدة مفتعلة:
"خلاص يا ريتال ادخلي براحتك."
قطع "سالم" مزاحهم حين قال بفظاظة:
"بطل هري في الفاضي، وقوم شوفلك حاجة مفيدة اعملها."
التفت إلى "لبنى" الجالسة بين "فرح" و "سما" وقال بلهجة ودودة بعض الشيء:
"نورتي البيت. اطلعي أوضتك عشان ترتاحي. متخليش الواد دا يقلبلك دماغك."
أومأت "لبنى" بلطف، فهي تعرفت على الجميع ماعدا "أمينة" التي أخبروها بأنها تعاني من صداع فذهبت للنوم مبكرًا، ولكن الجميع عاملوها بلطف، ولدهشتها لم تشعر بأنها غريبة عنهم، فقد حاوطتها الفتيات، حتى أن "سما" و"ريتال" تبرعوا لأخذها إلى غرفتها بعد أن توجه "سالم" إلى غرفة مكتبه وتبعته "فرح" التي ما أن أغلقت الباب خلفها حتى قالت من دون أي مقدمات:
"هو أنا ينفع أخطفك؟"
رفع رأسه من الهاتف وقال بخشونة محببة إليها كثيرًا:
"إنتِ تعملي اللي أنتِ عايزاه."
تقدمت منه بغنج انتشت له عينيه التي كانت ترمقانها بشغف لن تخطئ في فهمه، فتابعت دلالها قائلة:
"نفسي تبقى ليا لوحدي بعيد عن كل المشاكل والمسؤوليات اللي مبتخلصش دي."
نسي أو تناسى معها كل ما يثقل كاهله، فدكنت عينيه وهي تتلكأ في النظر إليها، وكأنه يتشرب مفاتنها بدايةً من وجهها مرورًا بجسدها الذي جعله الحمل يبدو أنثويًا أكثر، إلى فستانها الذي يصل لما بعد ركبتيها كاشفًا عن سيقانها الملفوفة بإغراء، فـ تحشرجت نبرته حين قال:
"طب قربي."
اقتربت تُلبي احتياجه إليها، فعينيه تلجأن إليها للهرب من كل شيء، فما أن اقتربت منه حتى اعتقلتها ذراعيه لتتربع فوق ساقيه براحة، ويداها تحيطان بعنقه، بينما أنامله تلتف بقوة حول خصرها لـ تلصقها به، ليتسنى له التنعم بمطالعة حسنها عن قرب، لتُشفي أوجاعه ويهدأ ضجيج أفكاره.
"تعرفي إنك علاج فعال لكل أنواع التعب."
لونت ثغرها ابتسامة رائعة قبل أن تقول بخفوت:
"طب تعرف إنت إن نفسي آخدك في مكان بعيد ميكونش فيه غيري أنا وأنت وحبنا، وقتها هعرف أعالجك صح."
استنشق رائحتها ليهدأ ضجيج نبضاته ويتحول عزفها إلى آخر مثير بقربها، فاقترب يريح رأسه فوق صدرها وهو يقول بنبرة متعبة:
"خليني في حضنك شوية."
"خليك على طول."
أخذت أناملها تعزف ألحان عاشقة بين خصلات شعره البني الذي دائمًا ما تغريها بالعبث بها، ولكنه الآن يريد أن يهدأ وستعطيه ما يريد وأكثر.
"قلقان من إيه يا حبيبي؟"
لم يرفع رأسه بل أجابها باختصار:
"طارق وسليم."
"مالهم؟"
"رميتهم في النار بإيديا. بس مكنش في قدامي حل تاني. الكل لازم يجازف."
لثمت جبينه بقبلة دافئة وهي تقول بحنو:
"بس أنا واثقة إنك مأمنهم في وسط النار دي كويس أوي. عمرك ما هتضحي بيهم."
زفر بقوة قبل أن يرفع رأسه يناظرها بضياع قلما ظهر عليه:
"حصل. مأمنهم كويس. بس حاسس إن فيه حاجة ناقصة. مفروض كانوا خلصوا من بدري بس لحد الآن مفيش خبر وصلني."
كانت لهجته يشوبها التوتر، لذا احتوت وجهه بكفوفها وهي تقول بلهجة مطمئنة:
"انت عملت اللي عليك وربنا عمره ما هيتخلى عنهم أبدًا، كمان انت عارف إن طارق وسليم رجالة وقدها. خليك واثق فيهم زي ما هما كمان واثقين فيك."
أومأ بصمت فتابعت بهدوء:
"اللي معاه ربنا ميخافش أبدًا يا سالم. مش دا كلامك ولا إيه؟ أنا بردو اللي هقولك."
دفن رأسه بين حنايا عنقها وهو يقول بتعب:
"قولي يا فرح. اتكلمي. عايز أسمعك. كلامك بيريحني."
"بحبك يا سالم، وواثقة في ربنا وبعدين فيك، وعارفة إنك مش هتجازف بأي حد فيهم إلا لو كنت عامل حساب كل حاجة، وهما كمان عارفين كدا. بس انت اللي اتعودت تبقى في وش المدفع في كل حاجة وديمًا معاهم وواقف في ضهرهم، ودا غلط."
رفع رأسه يناظرها باستفهام، فتابعت بنبرة عاشقة:
"عشان عملت من سالم الوزان أسطورة مش هتتكرر تاني ولا هييجي شبهها حتى."
صمتت لثوان تتشرب حلاوة ابتسامته الرائعة التي أضاءت معالمه قبل أن تتابع بدلال:
"سيب الناس تاكل عيش جنبك بقى يا باشا."
عض على شفتيه وعينيه تلتهماها التهامًا، بينما قست أنامله فوق خصرها قبل أن يقول بخشونة:
"جننتي الباشا."
أنهى كلماته واندفع يرتوي من رمق ريقها العذب، دافنًا جميع هواجسه، مطلقًا العنان لجيوش شوقه بتسيد الموقف، لتسحبه هي بعيدًا عن كل العام القلق التي تتفجر بقلبه مع مرور الوقت، تُلثم بحنانها اللامتناهي آثار الخوف المحفورة بقلبه، تعانقه بذراعي أم تحتوي صغيرها وتحميه من بطش العالم، بينما شفاهها تعزف على خاصته نغمًا من الشغف الخاص بين عاشق وامرأته، تقابل قسوته وعنفه باللين والرحمة التي تجمع بين رجل وزوجته، فكانت له كل ما يشتهي ويحتاج ليستكين ويرسو بسفينته الضالة فوق شاطئ صدرها الرحب.
***
دفع باب الغرفة بعنف ليرتد إلى الخلف مُحدثًا صوتًا عاليًا ضاع وسط زمجرته الغاضبة:
"اللعنة عليك و عليها وعلى تلك العائلة الحقيرة."
توقف لثوان لكي يسترد أنفاسه ويحاول إخماد نيران غضبه، ليتفاجأ بيد قوية تطوقه من الخلف وأخرى تُكمم فاهه، ليسقط في دوامة سوداء ابتلعته. فقام طارق بحمل جسده الضخم فوق كتفه ليتدلى نصفه الأعلى حتى وصل إلى ركبتي طارق الذي هتف بحنق:
"الله يخربيتك بغل."
همس سليم بخفوت:
"بقولك إيه الزفت دا تحت مش هنعرف ننزل بيه كدا مليون في المية هنتكشف."
طارق وهو يجاهد لحمل ذلك الجسد الضخم:
"إحنا كدا كدا هنتكشف في خلال عشر دقايق لو مخرجناش الحيوان دا أكيد هيطلع للبِت بتاعته."
"طب والحل؟"
طافت عيني طارق أرجاء الغرفة حتى سقطت فوق النافذة، فلمعت عينيه بوميض النصر وقال بعجالة:
"هحدفه من الشباك."
سليم بصدمة:
"إيه؟"
"مفيش وقت تتصدم. نط عشان تستلقاه مني. مفيش وقت."
كانت المسافة الفاصلة بين النافذة والأرض ليست كبيرة، ولكنها أيضًا ليست بالقليلة لكي لا تحدث إصابات، ولكن في نهاية الأمر رضخ سليم لخطته، فهي المجال الوحيد أمامهم للظفر بما جاؤا لأجله. وبالفعل قام سليم بالقفز من النافذة لـ يتلقاه رأفت من الأسفل، وعلى الرغم من أنها كانت سقطة قوية، ولكن الوقت لم يكن يسمح له حتى بالشعور بالألم ليعطي الإشارة لطارق الذي قام بتعديل وضع ذلك الضخم ليسقط دون أن يتسبب له الأمر بخسائر فادحة.
اعتدل طارق بجسده يتهيأ للقفز هو الآخر، وإذا به يتسمر بمكانه حين استمع إلى ذلك الصوت الآتي من خلفه:
"مكانك."
يتبع...
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم نورهان العشري
يُقال بأن الدفء عادةً ما يأتي بعد سقوط المطر. لهذا تركت قلبي في السماء يُعانِق الغيوم بخيط من الدعوات التي لم أكُف عن ترديدها مُنذ رحيلك، و في الأرض غفت روحي على أمل أن تُمطِر تلك الغيمات فيمسح المطر على قلبي بنسيم رائحتك و يتنعم وجداني بدفء حضورك.
توقفت الدماء في عروقه للحظات ليس خوفًا من ذلك القذر ولكن حرصًا على إتمام مهمتهم بأكمل وجه حتى لو اضطره الأمر لأن يكُن هو كبش الفداء في أسوأ الأحوال.
بكل ما يمتلك من هدوء التفت لرؤية ذلك المسخ الذي من الواضح أنه كان ثملًا و لكن ليس بالقدر الذي يجعله يغفل عن هوية ذلك الضخم الماثل أمامه.
"مين؟ طارق الوزان؟"
قالها «ناجي» بصدمة سيطرت على جميع حواسه للحظة كانت كهدية من السماء استغلها «طارق» الذي لمس الضياع بعيني خصمه فقام برفع قدمه ليركُل السلاح الذي يهتز بين يديه جراء ثمالته ثم قام بإعطاءه لكنه قوية في أنفه جعلت الدماء تنساب منها بغزارة لم تشفي غليل ذلك الذي كانت نيران الغضب تعميه.
فـ أمسكه من تلابيبه وهو يقول بقسوة مُرعبة انبعثت من مُقلتيه أولًا:
"سيبتك أول مرة تعيش عشان خاطرها و المرة دي هسيبك بردو عشان خاطرها. نصيحة مني بلاش تقع في أيدي التالته عشان و غلاوتها عندي ما هخلي فيك حتة سليمة يكفنوها."
لم يستطِع إجابته فقد كان الأمر اكبر من مستوى استيعابه فقد تكالبت عليه أخطاءه بداية من حالة السُكر اللعينة التي تُجرده من قوته ثم عنصر المُفاجأة الذي استغله «طارق» ببراعة إلى ضرباته التي ألحقت به ضررًا كبيرًا.
ولكن كل ذلك لم يردعه من اللحاق بذلك الذي كان يقطع درجات السلم مغادرًا هذا المكان. ولكن حظه تخلى عنه تلك المرة حين اخترقت إحدى الطلقات كتفه الأيمن فكاد أن يسقط وهو على أعتاب غرفة المطبخ ولكنه تماسك بصعوبة و استند بثقله فوق منضدة كبيرة تتوسط المكان وهو يستمع إلى جلبة كبيرة في الداخل يتسيدها صوت «ناجي» البغيض وهو يصيح برجاله لكي يلحقوا بهم.
فوصل إلى مسامعه صوت خطوات تأتي خلفه فعلم أنه وقع بين يدي الشيطان و اتباعه. ولكن للقدر دائمًا رأيًا آخر فقد اقتحم «سليم» الغرفة ليجد «طارق» يستند بثقله فوق الطاولة فهدرت الدماء بعروقه و خاصةً مع سماع تلك الخطوات القادمة فقام بإسناده وهو يقول بتحفيز:
"أجمد يا طارق. انا معاك."
«طارق» بنبرة مُتحشرجة من فرط الألم:
"اجري انت يا سليم. خد الواد دا لسالم. دا سلاحنا ضد الكلب ناجي."
زجره «سليم» بعنف وهو يهرول به قدر استطاعته لمغادرة المكان:
"اخرس ياد أنت. هتعرفني اعمل ايه ولا معملش ايه؟ اجري و انت ساكت."
علميًا كان الأمر مُستحيل خاصةً و أنه فقد الكثير من الدماء مما جعل جسده واهنًا لا يحتمل ذلك المجهود لذا هتف بنبرة مُتالمة:
"قولتلك سيبني. انا هعطلك. مينفعش نقع احنا اللتنين في ايده."
كان الأمر مُروعًا للحد الذي يفوق طاقته فصاح مُعنفًا:
"جينا سوى و هنرجع سوى. مش هسيبك ولو حكمت هنموت هنا مع بعض."
توقف «طارق» عن الركض بعدما بدا الضباب بالتشكل أمام عينيه فقال بوهن:
"بطل عناد يا سليم. مستحيل هقدر اجري المسافه دي كلها. الحق نفسك. اللي جاي محتاجك."
ببالغ الأسى أقر «سليم» بأنه مُحق ولكن ذلك القلب الذي تترسخ بداخله عقيدة الإيمان برب العالمين لا ييأس أبدًا لذا هتف «سليم» بقوة:
"ربنا مش هيضيعنا يا طارق. قول يارب."
تسلل يقينه إلى قلب «طارق» الذي أخذ نفسًا قويًا قبل أن تخرج الكلمات من أعماق قلبه:
"يارب. نجينا يارب."
فجأة سمعوا أصوات طلقات نارية لم تكُن إلا تضليل مُتعمد من قبل جماعه ..... الذي تدخل في الوقت المُناسب كما هو متفق عليه ليقترب «رأفت» الذي ساعد «سليم» في إسناد «طارق» ليصل الى السيارة التي انطلقت بكل قوتها.
انتفضت «جنة» في وقفتها حين سمعت صوت «ياسين» الغاضب آتي من الخلف و زمجرة «عمار» المندهش تأتي من الأمام وهي تقف كالغزالة وسط اثنين من الأسود لا تقو على مُجابهة أيًا منهمَ.
"في ايه بيحصل هنا؟"
كان هذا صوت «سهام» المُنقذ آتي من الاعلى لتتيبس مكانها مصدومة حين رأت المشهد ولكنها سُرعان ما تجاوزت عن صدمتها لدى كلمات «ياسين» الغاضبة:
"أحنا اللي عايزين نفهم يا سهام هانم في ايه بيحصل هنا؟ و ليه جنة هنا بقالها عشر أيام من غير ما حد يدينا خبر؟ و ليه سليم بيه داير يتسرمح في البلاد و سايب مراته عندكوا؟"
«سهام» بنبرة مُندهشة:
"كلام ايه دا اللي عتجوله يا ياسين؟ اني مفاهمش حاچة."
التفت إلى «نجمة» و عينيه ترمقانها بعتب كبير تجلى في نبرته حين قال:
"الكلام ده صوح؟ چنة أهنه من اكتر من عشر ايام؟"
بللت حلقها الجاف و حاولت السيطرة على دقات قلبها الهادرة قبل أن تقول بجفاء:
"أيوا. صوح."
برقت عينيه من إجابتها و إقرارها الخفي باستفهامه الذي يتجلى بوضوح في عينيه وهو هل تكذبين علي؟ و الإجابه كانت نعم أصابته في مقتل.
أنقذ الموقف تدخل «جنة» التي تجلت بالشجاعه لكي لا تورط أحد معها مثل كل مرة:
"نجمة ملهاش ذنب انا اللي طلبت منها متقولكش يا عمار."
التفتت الى «ياسين» قائلة بشجاعة:
"محدش له ذنب انا اللي طلبت منهم يخبوا وجودي عنكوا يا ياسين."
حامت الاستفهامات حولهم فنطق بها «ياسين» قائلًا بسخط:
"و ياترى عندك تفسير لطلبك الغريب دا يا جنة ولا لا؟"
«سهام» بنبرة صارمة:
"التفسير عندي أنا يا ياسين."
هكذا تحدثت «سهام» بنبرة صارمة فتوجهت الأعين إليها فتابعت بجفاء:
"ياريت نتكلم في اوضة المكتب."
تبعها الرجلان و خلفهم كُلًا من «نجمة» و «جنة» التي تهدلت أكتافها من فرط الإنهاك فـ العثرات لا تُبارحها اينما ذهبت.
«سهام» بعدما جلس الجميع بمكانه ليقوم «ياسين» بوضع هاتفه أمام عينه لتندهش حين رأت صورة تجمع «سليم» و إحدى الشقراوات بمقهى يبدو أنه ببلد اوروبي من مظهر الثلج المُتساقط خلف النافذة:
"قبل ما أحكيلك حاجه يا ياسين عايزة اعرف عرفت منين ان جنة هنا، و اتاكد أن سؤالي دا وراه سبب مُهم مش مُجرد سؤال!"
هكذا تحدثت «سهام» بعدما جلس الجميع بمكانه ليقوم «ياسين» بوضع هاتفه أمام عينه لتندهش حين رأت صورة تجمع «سليم» و إحدى الشقراوات بمقهى يبدو أنه ببلد اوروبي من مظهر الثلج المُتساقط خلف النافذة.
رفعت رأسها تسترق النظرات إلى «جنة» التي نهشها الفضول لمعرفة ماذا يحدُث، ليتحدث «ياسين» بجفاء:
"الرسالة المُلحقة بالصوره جوز بنت عمك رماها عند عمه في الصعيد و داير يتسرمح في البلاد. افتكر ان آن الأوان انك تفسريلي ايه اللي بيحصل؟"
كان الأمر ثقيلًا كثُقل شاحنة ضخمة مرت فوق قلبها لتدهسه دون رحمة فتسارعت أنفاسها و لا إراديًا اقتربت لتقف بجانب «سهام» وهي تلتقط الهاتف لرؤيه تلك الصورة التي افزعتها حد تدافق الدماء في أوردتها بقوة اضرمت الرجفة بسائر جسدها ولكن دهاء «سهام» أنقذ الموقف حين قالت بنبرة قوية:
"طيب مبدأيًا كدا الصورة دي مقصود بيها التضليل."
«ياسين» بجفاء:
"يعني ايه مفهمتش؟ تضليل مين؟"
«سهام» بهدوء:
"طبعًا انت اكيد عرفت موضوع ناجي و حازم واللي حصل مؤخرًا."
أومأ «ياسين» بصمت ولكن تجلى الغضب بوضوح في نظراته خاصةً حين لاحظ امتقاع وجه «جنة» فتابعت «سهام» قائلة:
"سليم و طارق في مهمة مقدرش اتكلم عنها، ولكن اللي مفروض الناس كلها تعرفه أنهم مسافرين سفرية شغل في برلين و البنت دي تبع الشركة الألمانية اللي متعاقدين معاها، و صورتهم دي تأكيد على ان دي مهمة شغل. دا كل اللي اقدر اقولهولك."
لم تروي كلماتها الغامضة ظمأ فضوله خاصةً وأن الأمر يخص ذلك الدنيء الذي ساهم في أذية «جنة» لذا هتف بجفاء:
"للأسف يا سهام هانم أنتِ مُضطرة تشرحيلي الموضوع تفصيلي لأني مش هسيبك بنت عمي لحظة واحدة هنا من غير ما يكون في سبب مُقنع لوجودها."
«سهام» بجمود:
"بنت عمك هنا وجودها هنا ليه مغزى كبير، واهو حصل."
تدخل «عمار» الصامت منذ البداية:
"تجصدي ايه؟"
«سهام»:
"اقصد أن في خاين وسطنا، ولحد قبل ما ياسين مكناش قادرين نقرر وضعه ولإن محدش يعرف بوجود «جنة» هنا غير ناس محدودة فالخاين اتعرف خلاص."
ارتجف قلب «نجمة» وانبثقت العبرات من مقلتيها فمنذ أن أتت تلك المرأة التي حسبتها يومًا والدتها وهي تعلم أن هُناك شيئًا خلف حضورها وقد كانت تأمل من كل قلبها أن يخيب ظنها ولكن للأسف ما خاب هو أملها بأن تحمل لها تلك المرأة ولو القليل من المشاعر.
نصبت عودها وهي تقول بنبرة مُتحشرجة:
"عن اذنكوا."
شاطرتها ألمها «سهام» التي خيمت الغيوم على عينيها هي الأخرى شفقة و حزن على طفلتها ولكن يجب عليها أن تضع حدًا لذلك الأمر الطارئ و تتعامل معه بذكاء:
"الخاين الست اللي اسمها نجيبة."
تشعب الألم بصدره حزنًا على حبيبته فقد أخبره «صفوت» قبل عدة أيام بأنه يشُك بأنها تعمل لصالح ذلك الرجُل و أنه عن قريب سيكتشف الأمر و قد كان يأمل هو الآخر بأن يخيب ظنها لأجلها ولكن دائمًا ما تأتي الرياح بما لا تشتهي السُفُن.
«ياسين»:
"طب و ليه احنا معندناش خبر؟"
هكذا استفهم «ياسين» فأجابته «سهام» بسلاسة:
"لو كنا قولنالكوا يبقى كأننا معملناش حاجه. لأن بكدا مش هيبقى في سر هتكشفه."
زفر «ياسين» بغضب وهو ينظر إلى «جنة» فرقت نظراته قليلًا و التفت إلى «سهام» قائلًا بهدوء:
"ممكن اقعد مع جنة شويه لوحدنا؟"
اومأت «سهام» برأسها ثم ارسلت نظرات مُشجعِة إلى «جنة» التي ابتلعت حرقتها داخل صدرها بصمت:
"تعالي يا جنة اقعدي احنا محتاجين نتكلم معاكِ."
هكذا تحدث «ياسين» بهدوء بعد أن خرجت «سهام» وأغلقت الباب خلفها فأطاعته «جنة» بصمت ليشرع «ياسين» في الحديث بلهجة ودودة:
"جنة أنتِ عندك شك اننا في ضهرك و جنبك؟"
«جنة» بخفوت:
"لا."
«ياسين» بلهجة يشوبها البعض العتب:
"يبقى ابسط حقوقنا عليكِ انك تكوني صريحة معانا."
أخذت نفسًا قويًا قبل أن تقول بجمود:
"عايز تعرف ايه يا ياسين؟"
«ياسين»:
"الحقيقة. حكاية الصورة دي، و سليم جابك هنا ليه؟ حصل بينكوا حاجه؟"
لم يكُن يحتمل قلبها أن يلومه أو يُزيد من اعباءه يكفيها عبأ وجودها بحياته لذا قالت بلهجة جادة:
"اللي حصل طنط سهام حكتهولك، و الصورة اللي معاك دي أنا عندي علم بيها من قبل ما تشوفها، و لو في حاجه تانيه مكنتش هاجي على هنا كنت هتلاقيني جايه على بيت جدي."
تدخل «عمار» الصامت منذ بداية الحديث:
"متوكدة يا چنة ان دي الحجيجة؟"
التفتت تُناظره بثبات تجلى في نبرتها حين قالت:
"متأكدة يا عمار، وهكذب ليه؟"
«عمار»:
"يمكن خايفة عليه منينا، و خصوصي أن اللي مانعنا ناخد رجبة الكلب اخوه انك مَرته.."
انتفض قلبها و تقاذفت دقاته و شرعت في نفس حديث «عمار» بلهفة حاولت التحكُم بها قدر الإمكان:
"الموضوع دا انتهى خلاص يا عمار، و ياريت متفتحش فيه تاني احترامًا لسليم و محمود. انا وسليم علاقتنا كويسه، و هو وقف جنبي كتير، و اعتقد اني لما اساعده بحاجه بسيطة زي دي فدا واجبي عشان أنا مراته. فياريت متكبروش الموضوع اكتر من كدا."
تبادل الرجلان النظرات قبل أن يومئ «ياسين» برأسه و هو يقول بخشونة:
"اعملي حسابك انك بالرغم من كل اللي قولتيه دا فأنتِ لازم تيجي تقعدي معانا لحد ما سليم يرجع من السفر ونعرف حكايه القصة دي ايه."
أوشكت على الإعتراض فانهى «عمار» النقاش قائلًا بصرامة:
"ولا كلمة يا چنة. چوزك و ساعدتيه على عيننا واچبك، و على راسنا. لكن كمان لازمن تجومي بواچبك مع عيلتك، وأبسط حاچة انك تحترميهم و تجدريهم و تجعدي وياهم مُعززة مُكرمة لحد ما ياچي چوزك ياخدك من عندينا."
لم يكُن هُناك مفر أمامها لذا اومأت برأسها قبل أن تقول بنبرة مُتحشرجة:
"حاضر يا عمار. أدوني فرصة يومين بس عشان طنط سهام و نجمة ميزعلوش، و على فكرة يا عمار نجمة كانت مُجبرة أنها تخبي عليك وجودي عشان الموقف اللي كنا فيه، فلو سمحت بلاش تظلمها."
اومأ «عمار» برأسه ولم يكد يُجيبها حتى استمع الى صوت الباب يُفتح ثم دلف «صفوت» إلى الداخل فقد كان عائدًا ببتو من عمله حين خاطبته «سهام» و أخبرته بعُجاله ما حدث:
«صفوت» بود:
"أهلًا بالعمارنة منورين يا رجالة."
هكذا تحدث «صفوت» بود قابله «عمار» بالسخرية:
"اول مرة ترحب بيا. استر يارب. أكيد في مُصيبة هتحصول."
«صفوت» بترحيب:
"اهلًا يا صفوت بيه. بعتذر جيت من غير ميعاد بس.."
قاطعه «صفوت» قائلًا:
"يا راجل تعتذر ايه و ميعاد ايه؟ دا بيتك. تيجي في أي وقت. بس ياريت تبقى لوحدك المرة الجايه."
قهقه كلا الرجُلين على جُملة «صفوت» الذي من الواضح أنه يمزح مع «عمار» الذي قال بتهكم:
«عمار» بتهكم:
"مجبولة منِك يا سيادة اللوا."
استرسل الثلاث رجال في أحاديث عابرة دوم أن يتطرق أيًا منهُمَ في تلك المواضيع الشائكة.
كانت تدور حول نفسها ذهابًا و إيابًا تنتظر وصوله بقلب يتقلب على جمرًا مُشتعِل ما بين الخوف عليه و على أشقائها من اندلاع حروبًا أخرى قد لا تحتمل توابعها.
«تهاني» بقلق:
"بقولك ايه يا كبير انا مُتحمس اوي."
ناظره «سالم» بجمود فتابع «مروان» بلهفة:
"اوعى تكون فاكر اني مُتحمس عشان العيال دول راجعين من السفر لا طبعًا دا احنا كنا مرتاحين من أشكالهم انا مُتحمس عشان في فرد جديد انضم للعيلة حتى لو كان ابن ستين كلب."
حاول قمع ابتسامته على حديث «مروان» الذي كان يُريد تهدئة حدة الموقف قليلًا ولكن الأمر كان مُقلقًا مُحيرًا خاصةً وأنه لازال هناك مسافة كبيرة تفصلهم عن مرفأ الأمان.
«سالم» باستفهام:
"تفتكر يا مروان هيبقى معدنه أصيل زي اخواته ولا هيطلع لأبوه؟"
كان استفهامًا يتمحور حوله الكثير و الكثير مما يُخفيه داخل صدره و قد شعر به «مروان» الذي اجابه بسلاسة:
"بص يا كبير انا خليت طارق حكالي عاللي حصل ستة و تسعين مرة و في كل مرة بيأكدلي أنه سمعه بيقوله مش هقول امي مهما حصل، فمن رأيي أنه جواه بذرة طيبة بس احنا لسه لا شوفناه ولا نعرفه و لا عايزين الصراحة."
ابتسم «سالم» على كلماته و قال باستفهام:
"هو انت هنتكلم جد أمتى؟"
«مروان» بمُزاح:
"اصلك مغمقها يا كبير و قامط الكرافتة على زورك اوي، محسسني أننا في أفلام ابيض و أسود بحبحها كدا الله يكرمك مش طالبة نكد و أن شاء الله هتبقى فل قول يارب."
تجاهل ثرثرته و قال بخفوت:
"يارب."
أضاف «مروان» بسعادة بالغة:
"أخيرًا هلاقي حاجه همت تتلهي فيها و تحل عني. يارب يطلع ليها خمس عيال تايهين."
زفر «سالم» بحنق و صاح بنفاذ صبر:
"اطلع بره."
اطاعه «مروان» على الفور ليصطدم ب«سما» التي كانت متوجهة للحديقه و بجانبها «ريتال» التي صاحت بتهليل:
"اهو مُرة اهوه مش كنتِ بتدوري عليه."
زفر «مروان» بسخط تجلى في نبرته حين قال:
"جوا كل انسان فينا سفاح صغير. بيطلع لما حد يعصبه و يخرجه من شعوره و خاصةً لو الحد دا مش باين من الأرض فـ اتقي شري يا بنت طارق."
«ريتال» بحزن:
"تصدق انا غلطانه إني كنت بحكيلها عن بطولاتك واحنا في أمريكا."
انقشعت غيمة غضبه بلمح البصر و قال بلهفة و عينيه تغازلان «سما» التي تدعي الغضب منه:
"صحيح يا ريتا؟ و قولتلها ايه بقى؟"
«ريتال»:
"قولتلها على الولاد الوحشين اللي اخدوا الكورة بتاعتي و احنا في الجنينة واني روحت اشتكيلك عشان تاخدلي حقي قومت انت اعتذرت من اخوهم الضخم دا و قولتلي عيب يا ريتال نعمل كدا مع أصحابنا. قد ايه كنت متسامح بالرغم من أنك في الأول كنت متعصب و ناوي تروح تكسرهم بس معرفش ايه غير رأيك."
«مروان» باندفاع:
"اكيد مخوفتش من اخوهم الضخم دا طبعًا. لكن انا في الحقيقة انسان مُتسامح جدًا."
«سما» بتهكم:
"مُتسامح اه؟"
«مروان» بحدة:
"ايه عندك شك في كدا ولا ايه؟ تقصدي ايه يعني؟ جبان انا ولا جبان؟"
تدخلت «ريتال» لتُجيبة:
"الصراحة يا عمو انا بردو قولت كدا. ممكن تكون خوفت من اخوهم أصله كان ضخم اوي."
كظم غيظه بصعوبة من تلك الثرثارة وقال بسخط:
"اخرسي يا بت هديكِ قلم اتففك سنانك. امشي من هنا. قال أخاف قال دانا كنت خاربها في أمريكا."
«سما» بسخرية:
"خاربها اه!"
«مروان» بحدة:
"ايش فهمتك انتِ؟ روحتي امريكا قبل كدا؟"
«سما» باندفاع:
"لا. مروحتش."
«مروان» براحة:
"طب الحمد لله."
صاحت «سما» بحدة:
"يالا يا ريتال مش فاضيين."
«مروان» بحدة:
"ايوا يالا يا ريتال من هنا احنا مش فاضيين. اقولك روحي كلي موز و أنتِ شبه القرود كدا."
انهى جملته و أخذ يد «سما» متوجهًا إلى الحديقة دون أن يعطيها الفرصة للاعتراض:
«سما»:
"ممكن اعرف بقى ساحبني وراك كدا ورايح فين؟"
«مروان» بوقاحة:
"بصراحة ناوي تحرش بيكِ."
صاحت في وجهه غاضبة:
"والله انا من رأيي انك تفكك مني خالص و تروح تدور على واحدة فرفوشة تنفعك."
اقترب منها يحاول أن يُراضيها:
"هو انا عيني تشوف غيرك بردو يا نكديه قلبي."
لم تفلح في قمع ضحكتها التي لونت ثغرها جراء كلماته فـ أخذت تلهو بدلال فوق اوتار قلبه الذي يفيض بعشقها:
«سما»:
"على فكرة أنا مش نكدية زي ما انت فاكر. انا بس حساسة شويه. لكن اللي يقدر بقى."
راق له دلالها كثيرًا فاقترب منها بينما يديه أخذت تلهو فوق قسماتها المُغوية:
«مروان»:
"وانا سيد مين يقدر والله. أنت بس شاور."
تغنجت وهي تقول بحزن زائف:
"مخصماك."
كان أكثر من يفهمها و قد وقع أسيرًا لنظراتها العابثة فأجابها بمُزاح:
"حبيب هارتي اللي فاقعلي مرارتي والله ما اقدر على خصامك أبدًا.."
ما أوشكت أن تجيبه حتى سمعوا صوت «سالم» الذي كان يستعجل «مروان» على القدوم ففطن الأخير الى أن الموعد قد حان فاقترب يُلثم خدها بعُجالة ليقول وهو يهرول تجاه «سالم»:
"لينا قاعدة يا بنت النكدية. بس ارجعلك."
مرت عدة ساعات إلى أن وصلت السيارات إلى المكان المنشود فترجل كُلًا من «سليم» و «طارق» الذي كان يُجبر ذراعه الأيمن ليقترب منه «مروان» يحتضنه بقوة فقد كان يُخبيء خوفه جيدًا حتى لا يُفسد صورته أمامهم ولكن بداخل قلبه كان يرتعب منذ أن علم بأصابته:
«مروان» مازحًا:
"ياخي راجع زي القرد اهو اومال فين البوكسات والشلاليط؟ حتة الخربوش دا بس؟"
هكذا تحدث «مروان» مازحًا فلكمه «سليم» في كتفه ليقترب هو الآخر يُعانقه بشوق قبل أن يُصيف «مروان»:
«مروان» مازحًا:
"سلومة الأقرع حمد لله عالسلامة. الصراحة مش وحشتنا خالص. مش كنت تتوه هناك يا راجل."
جذبه «سالم» من الخلف ليتقدم مُعانقًا «طارق» وهو يقول بثناء:
"أسد يا طارق طول عمرك. حمد لله على سلامتك."
«طارق»:
"الله يسلمك يا كبير."
التفت إلى «سليم» ليعانقه ثم تبادلوا السلامات تزامنًا مع انتهاء الرجال من حمل الرهينتين إلى الأعلى فتقدم الرجال الأربعة إلى تلك الغرفة التي بها المدعو «هارون» ليتحدث «سالم» بأمر:
"فوقوه."
ازال «سليم» تلك الرابطة السواء من فوق عيني «هارون» و قام «مروان» بسكب دلو المياة فوقه لـ يشهق «هارون» بعد أن أعادت إليه المياة وعيه فإذا به يجد نفسه أمام أربعة رجال تلتمع أعينهم بوميض مُخيف فتوقفت أنفاسه لـ وهله حين جاءه صوت «سالم» الجاف:
"أهلًا بيك في مصر يا هارون."
بلحظة انقلبت الأدوار و تبدل الشعور حين باغتهم «هارون» الذي ابتسم بمكر قائلًا:
"أهلًا بسالم باشا الوزان."
جفل الجميع من جملته و معرفته بشخصية «سالم» الذي كان يتحكم بانفعالاته إلى حد كبير ليقول بنبرة جافة:
"دا انت باين عليك عارفني كويس؟"
لم ينفك عن مفاجأتهم حين قال بنبرة واثقة:
"عارفك فوق ما تتخيل، و بصراحة كنت مستني المقابلة دي من زمان."
«سالم» بترقُب:
"من زمان من امتى يعني؟"
«هارون» بنبرة مُتسلية:
"من اول ما رجالتك دخلوا قصري!"
يتبع......
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم نورهان العشري
في الليلة التي سبقت فُراقنا أخبرتني بأنني أعظم جائزة منحتها لك الحياة، حتى أنني السبب الوحيد لبقائك على قيدها. وأن قلبي في أمان معك مهما كلفك الأمر. ولكن نسيت أن تُخبرني بأنك رجلًا لا يهاب الموت ولا يخشى الفراق، رجلًا كان قادرًا على إنعاش قلبي في لحظاته الأخيرة، وبنفس اللحظة قادر على إنهاء حياتي التي لا تكتمل بدونه.
كان الفراق اختياري، أعلم، ولكنني كنت ضعيفة أمام الألم، هزيلة أمام الوجع. فخصمي الآن كان أشد ضراوة مما سبق، وكان قلبي يُسانده. حتى أنني احترت، من منا المخطئ؟ وأي الذنوب التي ندفع ثمنها الآن؟ أم أن هذا ذنبي لأنني آمنت لدنيا غادرة لم تكن عادلة يومًا معي؟
جل ما أعرفه أنني خسرت معركتي مع الحياة بعد أن تركتني في المنتصف ورحلت. ورغمًا عني وعن كل شيء، أعدك أن يكون حبي لك أبديًا تمامًا كفراقنا، ولو أمضيت الباقي من حياتي وأنا أبكيك وأبكي قلبي الذي سيظل ينزف عشقًا حتى الموت.
***
أهلًا بسالم باشا الوزان.
جفل الجميع من جملته ومعرفته بشخصية «سالم» الذي كان يتحكم بانفعالاته إلى حد كبير، ليقول بنبرة جافة:
دا أنت باين عليك عارفني كويس؟
لم ينفك عن مفاجأتهم حين قال بنبرة واثقة:
عارفك فوق ما تتخيل، وبصراحة كنت مستني المقابلة دي من زمان.
قال «سالم» بترقب:
من زمان من امتى يعني؟
قال «هارون» بنبرة متسلية:
من أول ما رجالتك دخلوا قصري!
علقت الأنفاس بصدورهم جراء تلك القنبلة المدمرة التي ألقاها هذا الفتى بوجوههم التي انكمشت بصدمة، جراء قهقهات «سالم» التي اخترقت هذا الصمت الدائر بينهم. فأخذ «هارون» نصيبه من الصدمة حين سمع كلمات سالم الساخرة:
تعجبني، بحب أنا الناس اللي تجيب من الآخر، بدل ما نلف وندور على بعض بقى ووجع الدماغ دا.
تجاهل «هارون» صدمته من حديث «سالم» الذي يوحي بأنه لم يتفاجأ بكونه يعلم بمراقبتهم للقصر، على عكس ذلك الثلاثي الذي كانت أفواههم مشدوهة وأجسادهم متصلبة بفعل صدمتهم التي تجلت بوضوح في نظراتهم التي تفرقت بين كلًا من «سالم» و«هارون»، الذي استعاد ثباته وجأشه قائلًا بسخرية:
لا العفو، هو إحنا نقدر نوجع دماغ الباشا برضو!
شملته نظرات «سالم» المتفحصة لثوانٍ قبل أن تتبدل ملامحه، وكذلك نبرته حين قال بجفاء:
كنت عايز تهرب منه ليه؟
قال «هارون»:
ومين قالك إني عايز أهرب منه؟
قال «سالم» بفظاظة:
لو مش عايز تهرب، ليه مخلصتش عليهم أو حتى كشفتهم؟
استمهل نفسه لثوانٍ قبل أن يقول بمراوغة، على الرغم من قساوة نظراته:
وحد يقتل ولاد خاله بردو!
لاح شبح ابتسامة ساخرة على شفاه «سالم» الذي قال بدهاء:
صح، أنت صح. بس دا لما يكون متأكد فعلًا إنهم ولاد خاله!
تشابهت نبرته، وكذلك عينيه حين قال بقسوة:
مانا هنا عشان أتأكد.
قال «هارون»:
وبعد ما تتأكد؟
لم يفلح في إخفاء فحيح الكراهية الذي تفشى في كلماته الساخرة حين قال:
هاخدهم بالحضن.
قال «سليم» بسخرية جافة:
أو هتاخد تارك!
هكذا تحدث «سليم» بسخرية جافة جعلت نظرات «هارون» تتعلق بملامحه بقسوة، سرعان ما تحولت لتهكم حين قال:
حلو إنك عارف إن ليا تار معاكم.
تدخل «طارق» باستنكار:
معانا!
صحح كلماته قائلًا:
مع كل اللي آخر اسمه الوزان.
تدخل «سالم» الذي كان يراقب باهتمام كل ما يصدر من ذلك الغريب الذي يخفي الكثير والكثير:
وعلى كدا ناجي الوزان من ضمن اللي ليهم تار معاك؟
خطت كلماته حقل ألغام مدفونًا بقلبه الذي اهتاج احتجاجًا على نوبة الألم التي عصفت به، فصاح بلهجة قاسية فاحت منها رائحة الألم:
ميخصكش.
تدخل «مروان» الصامت من البداية:
اتكلم مع الكبير كويس ياض انت.
ارتفعت أنظار «هارون» القاسية إلى ذلك الشاب الذي يناظره بأعين يلمع بها الغضب، الذي انتقل إلى نبرته حين قال:
كبير عليك انت واللي شبهك، أنا ماليش كبير.
زمجر «مروان» بشراسة:
كبير عليك وعلى اللي خلفك، ومعرفش يربيك.
تدخل «طارق» مساندًا «لمروان»:
وهو ناجي الوزان هيعرف يربي بردو يا مروان!
اكتظت أوردته بالغضب، فكادت أن تنفجر عروق رقبته، يود الفتك بهم، ولكنه ذكر نفسه أنه مدرب على تحمل ما هو أقسى، لذلك قال بلهجة ساخرة تنافي ما يعتمل بداخله:
ولما هو مبيعرفش يربي اتجوزت بنته ليه؟ أن كنت انت ولا هو؟
برقت عيني «طارق» وكذلك «مروان» جراء كلمات «هارون» الساخرة، وقبل أن تتاح لهما فرصة الرد، تدخل «سالم» قائلًا بلهجة تحمل الكثير في طياتها:
أقولك أنا، عشان شيرين وسما تربية هِمت الوزان، وهِمت الوزان ست تتشال عالراس هي واللي منها. فكوه!
لم يناقشه أحد، بل توجه «طارق» بصمت ليحل وثاق «هارون»، الذي تجاهل أسهم كلمات «سالم» ومعانيها، ومارس أقصى درجات ضبط النفس حين قال ساخرًا:
قصدك اللي كان منها قبل ما ترميه!
قال «سالم» بنبرة قاطعة:
هِمت الوزان عمرها ما ترمي اللي منها، واللي قالك كدا دا مُختل، وأظن إنك أكيد عارف كدا.
أخذ يفرك يديه بتمهل، استغل كل ثانية به ليفكر جيدًا فيما هو قادم، فقاطع تفكيره «سالم» الذي قال بلهجة أقل حدة:
لحد ما أتأكد إنك فعلًا ابن هِمت الوزان، هتفضل هنا. ومش محتاج أقولك إني هعرف أجيبك لو روحت فين، ومن مصلحتك تفضل هنا دا لو عايز تعرف راسك من رجليك، ومين عدوك من حبيبك.
زمجر «هارون» بشراسة:
أنا عارف راسي من رجليا كويس، وعدوي هجيبه تحت رجلي حتى لو كان هو مين!
قست نظرات «سالم» وشابهتها نبرته حين قال:
هنشوف.
توجه الجميع إلى خارج الغرفة، ومنها إلى خارج المكان بأكمله، بعد أن شدد «سالم» من حراسته جيدًا. وحين استقل الجميع السيارة، كان أول المتحدثين هو «مروان» الذي قال باستنكار:
فهمني بقى إيه القصة دي؟ يعني أنت كنت عارف بوجود الواد دا ولا إيه؟
ناظره «سالم» بسخط قبل أن يقول بجفاء:
ليه؟ بشم على ضهر إيدي!
قال «مروان» بعدم فهم:
أومال إزاي متفاجئتش جوا لما قال إنه عارف إنهم كانوا بيراقبوا القصر!
قال «سالم» بخشونة:
أوعى تبين لخصمك إنه قادر يهزك أو يفاجئك، حتى لو حصل إيه. كدا تبقى بتساعده إنه يهزمك.
تابع «سليم» موضحًا:
مشفتوش اتصدَّم إزاي لما حس إن «سالم» ممكن يكون عارف إنه مكشفناش عن عمد.
قال «مروان» بانبهار:
تصدق عندك حق. الواد اتخض يا قلب أمه.
التفت ناظرًا إلى «سالم» بأعين يلمع بها الإعجاب، الذي تجلى في نبرته حين قال:
ياخي دايمًا بتبهرني، أبوسك ولا أعمل إيه؟
تدخل «طارق» متهكمًا:
وأنت أبهرتنا كلنا النهاردة لما شخطت فيه جوا.
أضاف «سليم» ساخرًا:
آه والله دخل فيه زي القطر، على الرغم إن الواد بغل طيب.
قام «مروان» بتعديل ياقة قميصه بغرور، فاحت رائحته من بين كلماته:
طبعًا يا ابني، أومال فاكرني إيه؟ دا حتة واد خيخة مياخدش في إيدي غلوة.
قهقه الثلاث رجال على كلمات «مروان»، فأضاف «طارق» بسخرية:
خيخة! دا قطم ضهري عشان أشيله من السرير للشباك.
قال «مروان» باندفاع:
ماهو كان متكتف يا أهبل، يعني لو اتحزمت ورقصتله مش هيقدر يعمل فيا حاجة.
تشدق «سالم» ساخرًا:
قول كدا بقى، الحماسة خدتك عشان كان متكتف؟
قال «مروان» بمزاح:
طبعًا، أومال أنا ممكن أضحي بنفسي وأحرم البشرية من جوهرة زيي مثلًا!
تدخل «سليم» ممتعضًا:
بمناسبة الجواهر، هنعمل إيه في البنت اللي جبناها معانا دي؟
قال «سالم» بتفكير:
خلوها شوية، هنحتاجها بعدين.
تحمحم «سليم» قبل أن يقول:
طب بقولك إيه؟ إحنا محتاجين شوية حاجات ليها.
قال «سالم» باستفهام:
حاجات زي إيه؟
قال «سليم» بنفاذ صبر:
هدوم. لما جبناها هنا مكنش معاها هدوم.
صحح «طارق» كلماته قائلًا بسخرية:
قصدك مكنتش لابسة هدوم!
قال «سالم» بصدمة:
نعم!
تدخل «مروان» باندهاش:
يعني إيه مكنتش لابسة هدوم دي؟
تولى «طارق» الإجابة بدلًا من «سليم» الذي بدا عليه الامتعاض:
لما خطفناها كانت لسه خارجة من الحمام، فمكنش قدامي وقت أسبها تلبس.
قال «مروان» باندفاع:
نهار أسود، جبتها ملط!
قال «طارق» بسخط:
لا يا خفيف، جبتها بالبورنس.
قال «مروان» بصياح:
اخس عليك وسايب الصاروخ! قصدي البت كدا من ساعة ما جيتوا. أوعى يا ابني أنت وهو، أنا رايح أوديلها هدوم.
تدخل «سالم» بنفاذ صبر:
اترزع يا ابني أنت.
التفت إلى «طارق» ليضيف بجفاء:
ابقى انزل أي محل اشتريلها فستان ولا حاجة.
صاح «مروان» معترضًا:
طارق! بقى مش لاقي إلا الذئب البشري دا اللي بعته عشان يوديلها هدوم! دا لو لقاها لابسة هدوم هيقلعها أصلًا.
لم يفلح «سالم» في قمع ضحكه خافتة تسللت إلى ملامحه قبل أن يقول بتحذير:
أتلم يا مروان، واحترم نفسك. طارق إنسان منضبط وخلص خلاص بقى متجوز.
تشدق ساخرًا:
منضبط مين ومنيل مين؟ بيقولك مستنهاش تلبس ولفحها على كتفه وجه. دا مش بعيد تلاقيها حامل أصلًا. هاتولي شيرين بنت عمتي.
تدخل «طارق» غاضبًا:
بطل ياض أنت. إيه جاب سيرة شيرين؟ وبعدين حامل مين وزفت مين؟ هتجيبلي مصيبة، وأصلًا مش أنا اللي لفحتها يا خفيف. دا سليم. أنا بس ناولتهاله وهو اللي شالها وداها العربية.
شهق «مروان» بصدمة كان لـ«سليم» نصيب الأسد منها، فصاح يعنف «طارق»:
سليم مين يا ابني أنت؟ عايز تخلص من المصيبة تقوم تلبسهالي! أنا مالي، هو كان في وقت اعترض حتى؟!
التفت «مروان» إلى «سليم» بنظرات تساقطت منها الشماتة التي تجلت في نبرته حين قال:
سلومة بيه، أكنك مغضب البت في أقصى الصعيد وعامل فيها شجيع السيما في بلاد الفرنچة! نهارك مش فايت. هاتولي جنة. فين جنة؟
برقت أعينهم جميعًا حين شاهدوا «سليم» الذي أخرج سلاحه وقام بشد اجزائه، قبل أن يمسك «مروان» من تلابيبه وهو يقول بهسيس مرعب:
يمين بالله يا مروان الكلب لو جبت سيرة جنة ولا عقلك وزك تحكي قدامها أي حرف عن البت دي، هفجر نافوخك. سامع.
قال «مروان» بذعر:
سامع. أقولك. محدش هيودي الفستان للمزة غيرك.
***
كانت تبحث بعينيها عنه في كل الاتجاهات، إلى أن توقفت أمام باب غرفته علها تلمح طيفه. فمنذ قدومه قبل عشرة أيام بذلك الجرح الذي لم تعرف سببه للآن، وقلبها بات كطفل صغير يريد التعلق بعنقه أينما ذهب. تخشى عليه من الهواء، وتخشى الإفصاح عما يدور بخلدها حتى لا يعلم إلى أي مدى أصبح يتربع على عرش قلبها.
"وبعدين بقى، معقول خرج من غير ما يقولي؟"
لم تكد تُكمل جملتها حتى وجدت يدًا قوية تعانق خصرها لتجذبها للخلف، فإذا به يُدخلها أحد الغرف، والتي كانت غرفة «ريتال». فأخرجت شهقة قوية سرعان ما لقِمها بفمه، يُرمم ندوب الشوق التي انحفرت بقلبه، يروي ظمأ روحه من وجودها الذي افتقده طوال سفرته التي كانت طويلة على عاشق مثله.
فصل اقترابهم بصعوبة، إذعانًا لهوانها بين يديه، فقد كان على وشك إزهاق روحها دون إرادته، فقد انصاع ملبيًا رغبات كلًا من قلبه العاشق وجسده الراغب، وكادت أن تكون هي ضحية نهم كليهما.
"طارق حرام عليك، كنت هتموتني. أنا بقيت أخاف منك."
كانت أنفاسه اللاهبة عكس أنفاسها المضطربة، التي هدأت للحظات حين قال بصوت أجش:
وحشتيني.
هدأت نبرة الخوف في لهجتها قليلًا لتقول بخفوت:
دي حجتك إنك قاسي معايا؟
رفع رأسه يطالعها بأعين يلمع بها العشق كشمس ساطعة في أوج الظهيرة:
مش محتاج حجة عشان أروي روحي منك، بس أنتِ فعلًا وحشتيني.
تنحى كل شيء أمام عشقه الجارف، وذابت حواسها في حضرة وجوده:
أنت كمان وحشتني. مكنتش أتخيل إن بعدك يأثر فيا كدا.
قال «طارق»:
أنا بقى كنت متخيل. قلبك قالي إنه ميقدرش على بعديه.
هكذا خاطبها بأعين يلمع بها المكر، ونبرة يفوح منها رائحة الكبر. فتغنجت قائلة:
ميقدرش على بعدك واحنا حبايب، أما غير كدا يقدر، ويقدر أوي كمان.
قهقه بصخب على حديثها قائلًا باستسلام:
لا، وعلى إيه خلينا حبايب. أصلًا إحنا منفعتش نكون غير حبايب، ولا إيه؟
كان المكر يُلون حدقتيه، فتجاهلت ضجيج مشاعرها تجاهه، وقالت بلهجة غلب عليها الحزن:
انتوا كنتوا مسافرين عشان حاجة تخص بابا صح؟
بدأ الغضب يتفشى في أوردته حين سمعها تناديه بذلك اللفظ الذي ينافي حقارته، فقال بجفاء:
انسيه يا شيرين. اعتبريه مات واندفن.
قالت «شيرين» بلهجة ملتاعة:
بس هو مماتش ولا اندفن يا طارق.
أجابها بأخرى حادة كنصل السكين:
يبقى تموتيه جواكِ. تمحيه من حياتك. مفهوم؟
تعاظم الغضب بداخلها، فهتفت بحرقة:
ولو أنا عملت كده هنرتاح؟
زمجر «طارق» غاضبًا:
وإيه اللي هيريحك دلوقتي؟
كانت فرصة ذهبية لم يسعها إلا أن تستغلها لصالحها، فهتفت باندفاع:
تجاوبني بصراحة. هو اللي عمل فيك كدا؟
باغتها إجابته الحادة ولهجته حين قال:
أيوا، هو اللي ضربني بالنار، وأنا كمان ضربته وكنت هموته مرة واتنين، وبسببك اتراجعت في آخر لحظة.
قال جملته الأخيرة صارخًا، مما جعلها ترتعب من مظهره، فقد بدأ كوّحش ضخم بعروق نافرة وأعين جاحظة، جعلتها تشعر برغبة قوية في الهرب، وقد لبتها على الفور حين استدارت لمغادرة الغرفة بأقصى سرعة.
***
لما أحببته؟
لم يسعني تجاوز هذا الاستفهام الذي هُزم قلبي أمامه. فكانت الإجابة رُغمًا عني وعن كل ما يقف أمامنا من عثرات:
لقد كان يُرمم بداخلي أشياء لم يكن مسؤولًا عن خرابها، فلم أستطع سوى أن أحبه.
***
بعد أن أطعمت صغيرها ووضعته في فراشه، شعرت بالملل الذي جعلها تتوجه إلى حيث أرشدها قلبها، وانصاعت خلف بؤرة الحنين التي جذبتها إلى تلك الحيوانات الرائعة لتتمتع برؤيتها واسترجاع ذكرياتها الرائعة معه. فراقت لها تلك الفرسة الرائعة الجمال، فاقتربت منها إلى أن وقفت أمامها لتمد يديها بحنو تداعب فوق خصلاتها الرائعة وهي تقول بمداعبة:
عاملة إيه يا جميلة؟
صهلت الفرس بقوة، فارسمت ابتسامة رائعة على ملامح «جنة» التي لا تعلم لما انتابها شعور عارم بالهدوء والطمأنينة، التي تحولت إلى صدمة جعلت أنفاسها تعلق بصدرها حين سمعت كلماته الساخرة:
إيه اللي مخرجك في الوقت دا؟ أوعي تكوني بتفكري تطيري لوحدك؟
لولا جملته الأخيرة، لظنت أنها واهمة وأصابتها حمى الشوق التي جعلتها تتخيل وجوده، ولكن لا، فهو هنا، وهذا هو السبب لتلك الطمأنينة التي غزت جسدها فجأة.
لكل ما تمتلك من ثبات، التفتت لتتقابل سمائها السوداء بخاصته الملبدة بعواصف وغيوم غاضبة. تجاهلتها عمدًا قبل أن تقول بجفاء:
أنت هنا من امتى؟
باغتها كلماته التي تنافي ما تحمله من مشاعر مع لهجته القاسية حين قال:
من وقت ما حسيتي بوجودي.
قالت «جنة»:
غريبة، أنا محستش إنك موجود خالص؟
قال «سليم»:
كذابة وفاشلة في الموضوع دا أوي.
تفشى الغضب في أوردتها، وكان خديها ساحته التي تخضبت، فبدت شهية رائعة لذلك الصائم عن العشق منذ رحيلها:
وياترى إيه اللي جابك؟
قال «سليم» بسخرية مريرة:
بلاش أجي، ولا مفروض إني مجيش غير لما سيادتك تقوليلي تعالي. ماهو أنتِ اللي بتقرري دلوقتي.
هكذا تحدث بسخرية مريرة، فأجابته بتهكم أغضبه:
والله أنا بقرر عن نفسي واللي يخصني وبس.
تشدق ساخرًا:
آه، كملي البوقين بتوع الستات دول، أنا حرة في نفسي وبدور على راحتي والكلام دا، بس يا ترى يا جنة لقيتي راحتك بعيد عني؟
قال جملته الأخيرة بعتاب قاسٍ لم تخطئ فهمه، ولكنها تجاهلته وهي تقول بجفاء:
راحتي دي تخصني، وكل واحد يدور على اللي يخصه بعد كدا.
قهقهات ساخرة اندلعت من جوفه، كانت أبعد ما تكون عن المرح، مما أثار استهجانها، خاصةً حين قال بنبرة تحوي الألم في طياتها:
راحتك دي تقريبًا اللي مكنتيش بتلاقيها غير في حضني. دلوقتي بقت تخصني؟
قالت «جنة»:
عايز إيه يا سليم؟
تجاهلت ما أشعلته كلماته في جوفها، وتحدثت بجمود يتنافى مع لوعة قلبها ونزيف الروح الذي لا يتوقف أبدًا، فهالها مظهره الغاضب وجمرتاه التي اشتعلت بنيران الجحيم الذي سكبته حروفه على مسامعها حين قال:
عايز اللي ليا. مش بتقولي كل واحد يدور على اللي يخصه وبس!
التزمت الجمود منهجًا في مواجهة رجل ينصهر الجليد في حضرته، وأمام عينيه:
بس أنت ملكش حاجة هنا.
ابتسامة ساخرة شوهت ملامحه حين أجابها مغلولًا:
دا مين اللي قال كدا؟
ضمت شفتيها بالحديث، فقالت باختصار:
أنا.
نالت ابتسامته الساخرة منها، فأردفت بحنق:
إيه مش من حقي أتحكم في حياتي وأمشيها زي ما أنا عايزة؟
اختصر أطنانًا من الوجع والعشق بجملة قاطعة:
لا، مش من حقك.
تجاهلت ثورة قلبها وسيل المشاعر الجارف الذي اكتنفها، وقالت ساخرة:
واستنى إيه من سليم الوزان غير كدا؟
اختصر الخطوات الفاصلة بينهم، وحاصرها بنظرات تعانق بها الغضب والألم معًا، وسكب حروفه على مسامعها بنبرة خشنة:
طب اعرفي بقى إنك أنتِ وابنك وحياتك وابني اللي في بطنك، وحتى الهوا اللي بتتنفسيه ملك لسليم الوزان يا جنة.
كان اعترافًا مروعًا بالحب، نُقشت حروفه فوق جدران قلبها، ولكن جملة واحدة كانت كافية لخطف جميع حواسها:
ابني اللي في بطنك!
لاحظ وقع كلماته عليها، فتابع بقسوة توازي قسوة يديه التي قبضت على رسغها بعنف:
لو فاكرة إني معرفش إنك حامل، تبقي غلطانة. أنا مفيش حاجة معرفهاش.
سؤال مرير عرف طريقه من بين شفتيها:
عرفت إزاي؟
قال «سليم»:
ميخصكيش.
اندلعت الحروب بجوفها، فأطلقت العنان لنيرانها أن تحرقه حين قالت بصراخ:
لا يخصني. وبعدين تعالي هنا. أنت مفكر إن كل حاجة هتتصلح لمجرد إني حامل؟
ضيق عينيه وقست لهجته حين قال:
لا، مفيش حاجة هتتصلح لمجرد إنك حامل. كل حاجة هتتصلح لما تعقلي.
صرخت بقهر فاض به قلبها:
وحتى لو عقلت، هقدر أسامح؟
تشابهت عينيه مع نبرته الجامدة حين قال:
اتعودتي تسامحيني، مش هتيجي عالمرة دي!
تحولت غيمات الحزن إلى ألسنة لهب مشتعلة، فأطلقت سهامها بغل:
تصدق إنك بجح. أنا مشوفتش في حياتي حد كدا. أنت مش طبيعي.
تجاهل ثورتها، على الرغم من أن كلماتها استقرت بمنتصف قلبه، وجاءت نبرته باردة حين قال:
هعمل نفسي مسمعتش وهعتبر إن دي لحظة غضب.
كلماته وضعتها على حافة الجنون، فنفضت يديها من يديه بعنف، وهدرت بصورة شبه هستيرية:
هتعمل نفسك مسمعتش. لا أنا بقى هسمعك. أنا بكرهك. بكرهك يا سليم يا وزان. بكرهك.
دوي صراخها في المكان المعزول من حولهم، وأخذ يتردد في الأرجاء، وكأن قلبه لم يكن يكفيه ألمه من كلماتها، لتتردد بكل مكان حوله، فتكالب عليه الشعور وتآزر به الغضب الذي أظلمت به عيناه، فتقدم نحوها بخطى وئيدة تحمل شيئًا ما أخافها، و خاصةً حين قال بهسيس مرعب:
حلو. أنا بقى هديك أسباب أكتر تستحق إنك تكرهيني كل الكره دا.
هوى قلبها بين ضلوعها، وابت قدماها الحركة، بينما همست شفتيها بذعر ارتج له سائر جسدها:
سليم. أنت هتعمل إيه؟
***
بعد مرور عشرة أيام، كانت الأمور على صفيح ساخن، ولكن بصمت. الجميع يترقب وينتظر دون أن يجرؤ أحد على الاستفهام أو السؤال، فالإجابة واضحة: لا شيء.
زفر «سالم» بغضب تجلى في ملامحه المكفهرة، وعينيه اللتان أرسلت سهامًا محذرة للجميع بعدم الاقتراب. ولكن لم تكن تشملها تلك التحذيرات، فوحدها من تجرأت على اقتحام قلاعه السرية ودك حصونه المنيعة.
رفع رأسه حين سمع قفل الباب يدور، ليستكين صدره وتهدأ دقاته حين شاهدها تقترب منه بخطٍ هادئة ونظرات يعرفها جيدًا. فأطلق تنهيدة قوية علها تطفيء الحرائق المندلعة في جوفه، قبل أن يعيد أنظاره إلى الأوراق التي أمامه وهو يقول بجفاء:
اعمليلي فنجان قهوة يا فرح.
تقدمت منه لتقف خلف مقعده مباشرةً، وتمد كفوفها الحانية لتقوم بعمل مساج خفيف لأكتافه المشدودة كحال جسده بأكمله، وهي تقول بنبرة لينة:
القهوة كتير كدا غلط عليك.
قال «سالم»:
متفتيش يا فرح. القهوة مش غلط ولا حاجة. روحي اعمليلي فنجان قهوة خليني أفوق.
على عكس المتوقع منها، فقد اقتربت لتُلثم عنقه بحنو تجلى في نبرتها حين قالت:
لو عايز تفوق، أنا هفوقك يا روحي. لكن مفيش قهوة تاني.
زفر بغضب، فتابعت تدليك عنقه بطريقة مثيرة، وهي تقول بهدوء:
بساعدك على التركيز على فكرة.
أجابها «سالم» بتهكم:
كدا بتساعديني أركز، أومال لو عايزة تلغي عقلي خالص هتعملي إيه!
قالت «فرح» بمزاح:
لما أكون عايزة أعمل كدا، هتعرف وقتها هعمل إيه.
نجحت في إقحام البسمة على ملامحه المكفهرة التي لانت قليلًا بفضلها، فتابعت بحنو:
بقالي من يوم ما طارق وسليم رجعوا وأنت حالك كدا. بدل ما تبقى مبسوط إنهم رجعوا بالسلامة.
قال «سالم» بجفاء:
ما هم رجعوا بكوارث معاهم. هما جايين فاضيين.
قالت «فرح» بتصحيح:
بس رجعوا، ودا المهم. فاكر من كام يوم كنت قلقان وخايف عليهم، جاي بعد ما رجعوا بدل ما تحمد ربنا تبقى متعصب كدا!
هدأت دواخله قليلًا قبل أن يقول بنبرة جافة:
طبعًا الحمد لله. بس اللي جاي يقلق يا فرح، وخصوصًا إنه مليان ألغاز.
دارت حول مقعده لتسكن في مكانها بجانب صدره وفوق قدميه، وهي تقول بنبرة متزنة:
هتتحل. بالهدوء والحكمة هتتحل. مش هقولك احكيلي، بس هقولك اهدى عشان تعرف هتتصرف إزاي.
صمت لثوانٍ، وعينيه تبحران فوق ملامحها بحب طغى فوق جميع هواجسه وتخبطاته، وبأنامل حانية قام بإرجاع إحدى خصلاتها إلى الخلف، قبل أن يقول بغموض:
فرح، تفتكري إيه رد فعل واحدة عرفت بعد حاجة وعشرين سنة إن ليها ابن؟
لوهلة انكمشت ملامحها بصدمة من فداحة استفهامه التي تعلم علم اليقين بأن خلفه الكثير، فقالت بترقب:
كان مخطوف يعني؟
تابع لهوه بخصلاتها الحريرية وهو يقول بنفي:
لا. متعرفش بوجوده من الأساس.
قالت «فرح»:
إزاي دا؟ هو في كدا؟
قال «سالم» بتفكير:
تفتكري في كدا؟
انحبست الأنفاس في صدرها وهي تقول بترقب:
مين الست دي يا سالم؟
قال «سالم» باختصار أدهشها:
عمتي!
شهقة قوية خدشت جوفها حين وقعت كلماته فوق مسامعها وقوع الصاعقة التي جعلت فكها يتدلى للأسفل من فرط الصدمة، فلم يستطع تجاوز ذلك الإغراء الذي تحدى ثباته بشراسة، فاقترب يغترف من حسنها ما يكفيه لحجب كل تلك الأفكار التي تعصف برأسه، حتى كادت أن تنفجر لولا وجودها الذي أحسن استغلاله حتى يهدأ، ولكن أي هدوء حين تتيقظ رغبته العاتية بها، والتي يحركها عشقًا جارفًا سيطر على كلاهما للحظات، قبل أن يفصل اقترابهم ويقول بصوت أجش:
أحسن حاجة في الدنيا دي إنك موجودة.
لم تفلح تلك المشاعر التي يثيرها داخلها في حجب فضولها الذي جعلها تقول بأنفاس مضطربة:
أنا دايمًا موجودة. بس ياريت تستغل وجودي دا وتفهمني إيه اللي بتقوله دا؟
زفر بحنق قبل أن يقول بفظاظة:
اللي سمعتيه.
قالت «فرح» بحنق:
متنقطنيش يا سالم.
احتدت نبرته قبل أن يقول بنفاذ صبر:
معنديش غير اللي قولته، وحتى دا كمان مشكوك فيه.
حاولت جره إلى الحديث قائلة بهدوء ثمين لم تكن تتحلى به:
طيب عرفت إزاي؟ متقوليش إن دي المهمة اللي كنت مكلف طارق وسليم بيها؟
قال «سالم» بخفاء:
أنتِ اللي قولتي مش أنا.
قالت «فرح» بحنق:
وأنت اللي هتكمل.
زفر بغضب وقص عليها ما حدث في تلك السفرة وذلك الشاب الذي من المفترض أنه الآن ابن عمتهم وذلك الحقير، ليختتم حديثه وهو يشير إلى تلك الأوراق التي تثبت صحة نسب ذلك الشاب إلى عمته.
هبت «فرح» من مكانها وهي تقول بصدمة:
انت بتقول إيه؟ بقى عمتك عندها ابن من ناجي؟ إزاي؟ هو دا معقول! خلفته امتى؟ أكيد مش ابنها! دي عمرها ما جابت سيرته ولا حتى قالت إن ليها ابن مخطوف ولا حتى ميت!
عند هذه النقطة أضاء عقله بوميض من الذاكرة منذ أكثر من ثلاثة وعشرين عامًا، حين قامت عمته بوضع مولود، ولكنه توفي يوم ولادته، ولكنه كان فتاة وليس صبيًا!
قال «سالم» بينما سبحت عينيه في بحر من الأفكار التي جعلت «فرح» تقترب منه قائلة باستفهام:
ما يمكن مشافتهوش أصلًا عشان تحكي عنه!
قال «سالم» وهو يسرد لقطات من الذاكرة البعيدة:
عمتي بعد ولادة سما خلفت بنت، ومفروض إنها اتولدت ميتة عشان كانت في السابع، والكلب دا سافر ليلة الولادة لما عرف إنها ماتت، وعمتي تعبت وجالها حمى من الزعل.
شهقت «فرح» بصدمة خيمت على كلماتها حين قالت:
انت بتقول إيه؟ أنا مش مصدقة نفسي. معقول يعمل كدا ويقهرها بالطريقة دي؟ طب لو كانت حجته معاها خلفة البنات، ماهي جابت الولد، إيه خلاه يخبيه عنها؟
اكتظت ملامحه بالغضب الذي انبعث من ملامحه حين قال:
عشان حقير وقذر. ناوي على الغدر من سنين. المشكلة دلوقتي، هتعرف عمتي والبنات إزاي بوجوده؟
دارت حول نفسها وهي تضع يدها فوق جبهتها وكأنها تعتصرها لإخراج أفكار وربما حلول لهذا المأزق، فاندفعت قائلة بقلة حيلة:
المواجهة هي أسلم حل يا سالم. ملهاش مخرج غير كدا.
قال «سالم» بحدة:
الكلام دا لو كان الوضع طبيعي. إنما دا أفكاره مسممة من ناحيتها. متضمنيش بيفكر في إيه؟
قالت «فرح» بسخط:
ما هم سمعوه وهو بيقول مش هقتلها. يعني بالرغم من كل الكره اللي جواه، هو مش وحش.
قال «سالم» بتعب:
دي الحسنة الوحيدة اللي في الموضوع، واللي مخليني متطمن، وفي نفس الوقت فتحت أبواب الشك جوايا.
قالت «فرح»:
تقصد إيه؟
قال «سالم» بتفكير:
أقصد إن في حاجة غلط. ناجي شيطان. شيرين عاشرته كام سنة وقدر يكرهها في الناس اللي اتربت معاهم عمرها كله. إزاي دا عايش معاه طول حياته وبيفكر كدا؟
استمهل نفسه يحاول جمع أفكاره قبل أن يتابع بجفاء:
كمان بيقوله أنقذتني عشان تاخد انتقامك. يعني من الواضح إنه عملية الإنقاذ اللي ضاحك بيها عليه تمت في وقت قريب، وإلا مكنش هيفكر فيه بالطريقة دي؟
قالت «فرح» بتفكير:
تصدق عندك حق. هو واضح إنه شايل منه، وممكن يكون دا السبب إنه فكره سايبه السنين دي كلها ورجعه لما حب ينتقم منكوا.
توقفت عن الحديث لثوانٍ، ثم هتفت بحماس:
بقولك إيه؟ هو مش ممكن يكون عمل معاه زي ما عمل مع نجمة؟
قالت «فرح»:
أقصد ممكن يكون سابه عند حد من معارفه يربيه لحد ما ييجي الوقت اللي هيحتاجه فيه.
لاحت بوادر الاقتناع على ملامحه من حديثها، ولكنه لم يقضِ على شكوكه كاملةً، فقال باستنكار:
نجمة مكنتش تهمه يا فرح. دا رماها مع ناس على قدّهم بهدلوا البنت. إنما دا مهما كان ابنه وهو محتاجه.
اندفعت قائلة باستفهام:
طب بقولك إيه، أوصفلي شكله كدا؟
ضيق عينيه باستفهام كان خشنًا حين قال:
يعني إيه؟
قالت «فرح» بتفسير:
يعني مثلًا شكله متبهدل، لكنته مثلًا بتوحي ببيئة معينة نشأ فيها. عندك نجمة لسه متأثرة بجو المكان اللي عاشت فيه، بالرغم من إنها بقالها كام شهر عايشة في بيت عمو صفوت. أكيد هو بردو في حاجة مميزة فيه بتدل على المكان اللي نشأ فيه، وإن كان عاش عمره كله مرفّه أو اتبهدل؟
أخذ يتذكر ملامحه وهيئته التي تدل على أنه خضع لتدريبات قاسية ولم يكن مرفّه بكل ما تحمل الكلمة:
هو ضخم كإنه قضى عمره كله بيتمرن. دا حتى أضخم من طارق. ملامحه خشنة، ولهجته فيها قسوة، متحسش إنه يا دوب عنده تلاته وعشرين سنة. واثق من نفسه، عنده ثبات انفعالي كبير، ذكي، وطبعًا واخد مكر ناجي، بس هو أذكى بكتير.
هتفت «فرح» بحماس:
هو دا! زي ما قولت، هو سابه عند حد يعرفه وكمان يعرف حكايته، وكان الوقت دا كله بيجهزه عشان يبقى شخص قوي ويقدر يواجهكوا وينتقم منكوا.
قال «سالم» بخشونة:
ماشي، هوافقك. بس مين الراجل اللي هيكون قريب من ناجي بالدرجة دي؟ ممكن يكون حد من رجّالته؟
قالت «فرح» بتحفيز:
موضوع رجّالته دا مش حاسه إنه صح. حل مستبعد، بس وارد. أنا حاسه إن اللي ربّاه حد تاني بعيد عن ناجي وعالمه.
أخذت الكلمات تتقاذف في عقله، تحاول أن تجد مخرجًا لتلك الأحجية التي كلما شعر بأنه وصل إلى حلها، يجد نفسه أمام اختبار آخر. ولكن فجأة توقف عقله عند نقطة ما جعلته يلتفت إلى الهاتف لإجراء مكالمة هاتفية، وحين أجاب الطرف الآخر، تحدث بغموض:
عملت إيه معاها؟
لحظات من الصمت كان يستمع إلى الجانب الآخر من الهاتف، ليقول بقسوة:
خليك محتفظ بيها شوية، يظهر إنها مخبية كتير.
قاطع حديثه دخول «سليم» إلى الغرفة، فقابلته «فرح» بأعين يلمع بها الغضب، وأشاحت بنظرها إلى الجهة الأخرى. فتجاهلها «سليم» الذي انتظر إلى أن انتهى «سالم» من مكالمته، ليقول باختصار:
أنا مسافر.
قال «سالم» بجفاء:
على فين؟
قال «سليم»:
الصعيد. عند صفوت.
ما أن تفوه بجملته، حتى التفتت «فرح» تناظره بصدمة سرعان ما تحولت لشعور عارم بالفرحة التي لم تخفَ على «سالم» الذي قال بدهاء:
ليه؟
تجاهل غضبه من استفهام «سالم» الذي كان يريد إرضاء حبيبته وهو غاضب منها وبشدة، فقال بجفاء:
رايح أرجع مراتي.
قال «سالم» بهدوء مثير للاستفزاز:
وهي مراتك قالتلك إنها عايزة ترجع؟
غزت الدماء عينيه التي تحولت إلى بركة حمراء يموج بها الغضب كأمواج عاتية قادرة على الإطاحة بالجميع، لذلك آثر الاختفاء من المكان بأكمله، فألقى جملته بحدة وهو يتوجه إلى باب الغرفة:
وهي الهانم كانت قالتلي إنها ماشية عشان تقولي إنها عايزة ترجع!
شيء ما داخلها أجبرها على التفوه بتلك الجملة الصاعقة:
على فكرة الهانم حامل، ومش هتتحمل أي ضغط عصبي في الوقت دا.
توقفت الدماء في أوردته، وطنت أذنيه حتى أنه ظن بأن ما سمعه كان مجرد تخيل منه، ولكن أي تخيُل يمكن أن يجعل قلبه يدق بصدره بتلك الطريقة، حتى أوشك على تحطيم ضلوعه، مما جعله يلتفت إلى «فرح» التي ما أن رأت ملامحه المشدوهة وصدره الذي يعلو ويهبط من فرط التأثر، حتى شعرت بأنها فعلت الصواب:
بتقولي إيه؟
قالت «فرح» بجفاء:
اللي سمعته. ربنا بعتلك معجزة عشان تصلح كل اللي عملتوه أنت وهي، وياريت تستغلوها صح.
لم يزد، فقد التهمت أذنيه كلمة "معجزة"، والتي كانت أمنيته التي لم يجرؤ على تمنيها ولو بينه وبين نفسه، ولكنها جاءت كغوث الأمطار على بقاع صدعتها عِجاف الفراق.
خروجه بتلك الطريقة كان إعلانًا صريحًا منه بأنه لم يجعل تلك المعجزة تذهب هباءً منثورًا، مما جعل شعورًا عارمًا بالسعادة يكتنفه، لم يمهلها الاستمتاع به حين جذبها من خصرها بغتة لتستقر بين ضلوعه التي كانت تخفق بعنف، تردد صداه على ظهرها الملاصق له، وجاء هسيسه الخشن كدغدغات أصابت سائر جسدها برعشة قوية تحمل من اللذة الكثير:
شايفك بقيتي تدي أوامر وأنا موجود؟ اسمي دا إيه؟
كان يمرغ أنفه فوق عنقها بشغف قاتل اجتاح جسدها كفيضان ضارٍ أصاب سدًا هشًا فأسقطه، فقد كانت قاب قوسين أو أدنى من السقوط بين ذراعيه لتتمزز بنعيم قربه الدافئ، ولكنها استجمعت ثباتها كي تجيبه بدلال:
بستغل سلطتي في مانع؟
كانت مثيرة دون حدود، تعزف بشفاهها ألحانًا مغرية لم يفلح في مقاومتها، فشدد من احتضانها حد الألم الذي آنت به ضلوعها في تلك اللحظة، ليقول بعبث أذاب أوصالها:
ما قولتلك قبل كدا أنتِ تقولي وأعملي اللي أنتِ عايزاه.
جاءت نبرتها عابثة حين قالت:
آهااا. دا أنت فوقتلي بقى.
نقشت ملامحه لحنًا مغريًا على خصرها قبل أن يقول بهسيس خشن:
لسه هفوقلك متقلقيش. أنا بسخن بس.
انفلتت منها ضحكة صاخبة خربشت ثباته الذي تلاشى أمام إغوائها، ليُديرها إليه مُلتهمًا ثغرها بقوة كانت تُخيفها سابقًا، والآن تُضرم نيران الشغف في سائر جسدها الذي يستجيب لقربه بسرعة البرق، فأصبحت تأخذ وتعطي بنهم لم تعد تخجل منه، وقد كان هذا أروع شعور عاشه معها، أن يشعر بلهفتها وتوقها لعشقه الذي كان ضاريًا للحد الذي جعله يغترف من حسنها بتلذذ أفقد كلًا منهما صوابه.
***
بمزيج من الأسى، أنعي حكاية عشق لم يكتمل ولن ينتهي.
ونجاته هي درب من دروب المستحيل.
عشقًا وُلد من رَحِم المعاناة، سُطرت حروفه بدماء القلوب، ارتوت جذوره بعبراتها، وأنجبت غصونه ثمار السعادة التي لم أجرؤ على تمنيها من الحياة يومًا. واليوم أنا قتلتها وبيدي نفذت حكم الإعدام بحق قلبي، وأنهيت كل شيء. وعذري البائس كان القصاص من ظلمات قدر لم يرحم ضعفي ولا وجعي يومًا.
***
بعد أن أطعمت صغيرها ووضعته في فراشه، شعرت بالملل الذي جعلها تتوجه إلى حيث أرشدها قلبها، وانصاعت خلف بؤرة الحنين التي جذبتها إلى تلك الحيوانات الرائعة لتتمتع برؤيتها واسترجاع ذكرياتها الرائعة معه. فراقت لها تلك الفرسة الرائعة الجمال، فاقتربت منها إلى أن وقفت أمامها لتمد يديها بحنو تداعب فوق خصلاتها الرائعة وهي تقول بمداعبة:
عاملة إيه يا جميلة؟
صهلت الفرس بقوة، فارسمت ابتسامة رائعة على ملامح «جنة» التي لا تعلم لما انتابها شعور عارم بالهدوء والطمأنينة، التي تحولت إلى صدمة جعلت أنفاسها تعلق بصدرها حين سمعت كلماته الساخرة:
إيه اللي مخرجك في الوقت دا؟ أوعي تكوني بتفكري تطيري لوحدك؟
لولا جملته الأخيرة، لظنت أنها واهمة وأصابتها حمى الشوق التي جعلتها تتخيل وجوده، ولكن لا، فهو هنا، وهذا هو السبب لتلك الطمأنينة التي غزت جسدها فجأة.
لكل ما تمتلك من ثبات، التفتت لتتقابل سمائها السوداء بخاصته الملبدة بعواصف وغيوم غاضبة. تجاهلتها عمدًا قبل أن تقول بجفاء:
أنت هنا من امتى؟
باغتها كلماته التي تنافي ما تحمله من مشاعر مع لهجته القاسية حين قال:
من وقت ما حسيتي بوجودي.
قالت «جنة»:
غريبة، أنا محستش إنك موجود خالص؟
قال «سليم»:
كذابة وفاشلة في الموضوع دا أوي.
تفشى الغضب في أوردتها، وكان خديها ساحته التي تخضبت، فبدت شهية رائعة لذلك الصائم عن العشق منذ رحيلها:
وياترى إيه اللي جابك؟
قال «سليم» بسخرية مريرة:
بلاش أجي، ولا مفروض إني مجيش غير لما سيادتك تقوليلي تعالي. ماهو أنتِ اللي بتقرري دلوقتي.
هكذا تحدث بسخرية مريرة، فأجابته بتهكم أغضبه:
والله أنا بقرر عن نفسي واللي يخصني وبس.
تشدق ساخرًا:
آه، كملي البوقين بتوع الستات دول، أنا حرة في نفسي وبدور على راحتي والكلام دا، بس يا ترى يا جنة لقيتي راحتك بعيد عني؟
قال جملته الأخيرة بعتاب قاسٍ لم تخطئ فهمه، ولكنها تجاهلته وهي تقول بجفاء:
راحتي دي تخصني، وكل واحد يدور على اللي يخصه بعد كدا.
قهقهات ساخرة اندلعت من جوفه، كانت أبعد ما تكون عن المرح، مما أثار استهجانها، خاصةً حين قال بنبرة تحوي الألم في طياتها:
راحتك دي تقريبًا اللي مكنتيش بتلاقيها غير في حضني. دلوقتي بقت تخصني؟
قالت «جنة»:
عايز إيه يا سليم؟
تجاهلت ما أشعلته كلماته في جوفها، وتحدثت بجمود يتنافى مع لوعة قلبها ونزيف الروح الذي لا يتوقف أبدًا، فهالها مظهره الغاضب وجمرتاه التي اشتعلت بنيران الجحيم الذي سكبته حروفه على مسامعها حين قال:
عايز اللي ليا. مش بتقولي كل واحد يدور على اللي يخصه وبس!
التزمت الجمود منهجًا في مواجهة رجل ينصهر الجليد في حضرته، وأمام عينيه:
بس أنت ملكش حاجة هنا.
ابتسامة ساخرة شوهت ملامحه حين أجابها مغلولًا:
دا مين اللي قال كدا؟
ضمت شفتيها بالحديث، فقالت باختصار:
أنا.
نالت ابتسامته الساخرة منها، فأردفت بحنق:
إيه مش من حقي أتحكم في حياتي وأمشيها زي ما أنا عايزة؟
اختصر أطنانًا من الوجع والعشق بجملة قاطعة:
لا، مش من حقك.
تجاهلت ثورة قلبها وسيل المشاعر الجارف الذي اكتنفها، وقالت ساخرة:
واستنى إيه من سليم الوزان غير كدا؟
اختصر الخطوات الفاصلة بينهم، وحاصرها بنظرات تعانق بها الغضب والألم معًا، وسكب حروفه على مسامعها بنبرة خشنة:
طب اعرفي بقى إنك أنتِ وابنك وحياتك وابني اللي في بطنك، وحتى الهوا اللي بتتنفسيه ملك لسليم الوزان يا جنة.
كان اعترافًا مروعًا بالحب، نُقشت حروفه فوق جدران قلبها، ولكن جملة واحدة كانت كافية لخطف جميع حواسها:
ابني اللي في بطنك!
لاحظ وقع كلماته عليها، فتابع بقسوة توازي قسوة يديه التي قبضت على رسغها بعنف:
لو فاكرة إني معرفش إنك حامل، تبقي غلطانة. أنا مفيش حاجة معرفهاش.
سؤال مرير عرف طريقه من بين شفتيها:
عرفت إزاي؟
قال «سليم»:
ميخصكيش.
اندلعت الحروب بجوفها، فأطلقت العنان لنيرانها أن تحرقه حين قالت بصراخ:
لا يخصني. وبعدين تعالي هنا. أنت مفكر إن كل حاجة هتتصلح لمجرد إني حامل؟
ضيق عينيه وقست لهجته حين قال:
لا، مفيش حاجة هتتصلح لمجرد إنك حامل. كل حاجة هتتصلح لما تعقلي.
صرخت بقهر فاض به قلبها:
وحتى لو عقلت، هقدر أسامح؟
تشابهت عينيه مع نبرته الجامدة حين قال:
اتعودتي تسامحيني، مش هتيجي عالمرة دي!
تحولت غيمات الحزن إلى ألسنة لهب مشتعلة، فأطلقت سهامها بغل:
تصدق إنك بجح. أنا مشوفتش في حياتي حد كدا. أنت مش طبيعي.
تجاهل ثورتها، على الرغم من أن كلماتها استقرت بمنتصف قلبه، وجاءت نبرته باردة حين قال:
هعمل نفسي مسمعتش وهعتبر إن دي لحظة غضب.
كلماته وضعتها على حافة الجنون، فنفضت يديها من يديه بعنف، وهدرت بصورة شبه هستيرية:
هتعمل نفسك مسمعتش. لا أنا بقى هسمعك. أنا بكرهك. بكرهك يا سليم يا وزان. بكرهك.
دوي صراخها في المكان المعزول من حولهم، وأخذ يتردد في الأرجاء، وكأن قلبه لم يكن يكفيه ألمه من كلماتها، لتتردد بكل مكان حوله، فتكالب عليه الشعور وتآزر به الغضب الذي أظلمت به عيناه، فتقدم نحوها بخطى وئيدة تحمل شيئًا ما أخافها، و خاصةً حين قال بهسيس مرعب:
حلو. أنا بقى هديك أسباب أكتر تستحق إنك تكرهيني كل الكره دا.
هوى قلبها بين ضلوعها، وابت قدماها الحركة، بينما همست شفتيها بذعر ارتج له سائر جسدها:
سليم. أنت هتعمل إيه؟
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم نورهان العشري
تلاحمت قلوبنا فمن يقدر على فراقها؟ واهتدت أرواحنا بعناق الأمل في غدٍ يجمعنا بعالمٍ يخلو من آثام الماضي وأخطاء الحاضر، فأنا بكل ما أملك من كبرياء وألم أحتاجك، ورغمًا عن غروري وعنادك سأصنع من حطامنا جدارًا قويًا تتكئ عليه قلوبٌ أضناها الأسى ولن يروي شجوجها سوى التلاقي.
تالله أستحلفكِ يا حبيبتي باسم الهوى الذي آلف بين قلوبنا يومًا أن تصفحي عن قلبٍ ما أعياه سوى الفراق.
إما أن يقتل وجعه المتمثل بها أو يُقتل عشقًا بين ذراعيها ولو كان قسرًا، لذا قمع رغباته الشيطانية في تلقينها عقابًا تستحقه، وقام بسفح شوقه فوق شفاهها بضراوة أفزعتها، فقد كانت قسوته أمرًا مستحدثًا بينهم، كذلك الألم الباتر الذي يجتاح صدره كلما تردد بمسامعه تصريحها المقيت بكرهها له، فأخذ يقسو في عناقه واحتوائه، وكأنه قاصدًا فرض سطوة وجوده على سائر كيانها الذي كان ينتفض بين يديه، ليكن بمثابة صاعقة كهربائية لقلبه الذي استفاق من لجة الغضب التي اجتاحته، ليدفع بتلك القسوة بعيدًا ويقايضها برفقٍ لا حدود له، فصار ينثر بتلات عشقه فوق ضفتي التوت خاصتها، وفوق قسمات وجهها، وكأنه يعتذر عن قسوته وقسوة العالم معها، مما أيقظ الوجع من ثباته اللحظية، لتجعلها تقول بأسى:
_ ابعد عني.
لم يرتضِ قلبه بغيرها، ولن تكتمل روحه دونها، ولن يقبل الهزيمة أو الارتضاء بفراقها، لذا غمغم بخشونة وهو يشدد من احتوائها:
_ هشش. سيبني أشبع منك وبعد كده اعملي اللي أنتِ عايزاه.
يرى العشق عيانًا في نظراتها، يستشعر الشوق الذي يتساقط مرافقًا لعبراتها، لذا قرر تجاهل صوت الكبرياء الذي يتحكم بها وقال بهسيس خشن:
_ اعتبريها لحظة مسروقة من الزمن. لا أنا ولا أنتِ هنتحاسب عليها، وخليكِ في حضني.
إغواء قاتل لقلبٍ يهفو لنسمة هواء قد تحمل رائحته. ذلك الرجل الذي ينحصر العالم بعينيه، ولو ذاقت من العذاب ألوانًا، يتحول رمادي أحزانها بحضرته إلى قوسٍ زاهٍ مشرق.
_ وحشتني قوي.
تغلب صوت القلب وتولى دفة القيادة، فقام بحملها بحنوٍ اشتاقت له كثيرًا بين يديه، حتى أنها غاصت معه للحد الذي جعلها غفلت عن تلك المسافة التي قطعها إلى غرفتها بالقصر، لتتفاجأ بصوت إغلاق باب الغرفة، فغمرتها موجة حياء قوية جعلتها تتململ بين يديه التي اشتدت وكأنها طوق حديد صُنِع من نيران العشق الغاشم، الذي جعله يزمجر محذرًا:
_ مش هسيبك. متحاوليش.
إعلان رائع كانت أكثر ما تحتاجه في تلك اللحظة، لذا استكانت بين يديه التي أراحتها فوق مخدعها برفق، لتجد نفسها في مواجهة ضارية مع عينيه اللتين تبدلت غيومهما العاصفة إلى أخرى داكنة أذابت عظامها لفرط ما تحمله من رغبة قوية ومشاعر عميقة، ولكنه لم يتحرك أو يقترب أكثر، بل ظل على حالته يطالعها بصمتٍ جعلها تهمس بخفوت:
_ ساكت ليه؟
_ وحشتيني.
باغتها إجابته، وكان الرد استفهامًا محيرًا من جانبها، لما لم تقترب إذن؟ وكأنه استشعر سؤالها ليجيبها بسلاسةٍ أهلكتها تحت وطأة ما تحمل من مشاعر:
_ بملي عيني من ملامحك. اضحكي.
رغمًا عنها تشكلت ابتسامة بلهاء على وجهها من كلمته التي بدت غريبة على الموقف المحيط بهم، ولكنها كانت بمثابة إطلاق سراح لأنفاسه الأسيرة بداخل صدره منذ رحيلها، والآن خرجت بسلام بعد أن قرت عينيه بضحكتها الرائعة.
_ وحشتني ضحكتك قوي.
رغمًا عنها انساقت خلف عشقها، فقد تخدرت أوجاعها أمام كل هذا الهيام الذي تراه يتساقط من بين حروفه المشبعة لقلبها وغرورها الأنثوي.
_ أنت كمان وحشتني قوي. أنا مش مصدقة إنك هنا.
انتشى قلبه بكلماتها التي أوقدت حمية العشق بقلبه، فاقترب يضم رأسه بين حنايا عنقها، تاركًا لشفتيه العنان لتنقش خطوط شوقه الضارية فوق ساحته، فغيبها معه في عالم رائع يعج بمشاعر ضارية، كان ختامه صرخة قوية شقت جوفها حين شعرت بأسنانة القوية تغرز بجلدها الطري، فدفعته عنها بغضبٍ تجلى في نبرتها حين قالت:
_ سليم. وجعتني. أنت بتستهبل؟
باغتها إجابته حين قال بغل:
_ آه بستهبل. زي ما أنتِ استهبلتي كتير وعدتلك. أقولك الصراحة أنا متغاظ منك أوي.
برقت عيناها من كلماته التي أوقدت نيران القتال بصدرها، فدفعته بيديها وهي تقول بحنق:
_ طب أوعى بقى وإياك تقربلي تاني.
لم يتزحزح قيد أنملة، على العكس شدد من إلصاقها به وهو يقول بوعيد:
_ مش عايز أفاجئك وأقولك إني مش هعمل حاجة بعد كده غير إني أقرب منك وأقرب أوي، لدرجة إني احتمال ألبسك كلبشات عشان متبعديش لحظة عني.
توقف عقلها عن العمل لثوانٍ، فكلماته توحي بمدى رغبته في قربها، ولكنها كانت تُقال بطريقة مستفزة، جعلتها تقول بسخرية:
_ ابقى شوف مين هيسمحلك!
_ بقى استغنيتي عني وروّحتي لدكتور نفسي يا ست هانم؟
لا ينفك هذا الرجل يفاجئها، حتى أن عقلها أصبح مرهقًا، وها هي لم يمضِ على وجودها معه سوى عشر دقائق، لذا أدارت رأسها للجهة الأخرى لتطلق العنان لزفرة حارة في العبور من بين شفتيها، علها تهدئ كل تلك النيران التي بداخلها، وسرعان ما توقفت الأنفاس بصدرها حين تفاجأت بشيء رطب يستقر فوق مقدمة صدرها، والذي كان عبارة عن قبلة رطبة نقشتها شفتاه فوق موضع نبضها، وحين التفتت تناظره باغتها حين قال بلهجة تحمل عتابًا خفي:
_ بتقوليله إيه أنا معرفوش؟
همست بأنفاس مقطوعة:
_ بقوله اللي في قلبي.
_ قلبك الخاين بيقوله أسراري ويخبيها عني!
_ قلبي مش خاين، قلبي لقى حد يسمعله من غير غضب وزعل وخناق.
قست عيناه وشابهتها لهجته حين قال بوعيد أخافها:
_ حلو. اديني سبب كمان عشان أخلص عليه!
هتفت بصدمة:
_ ليه بقى؟
«سليم» بنبرة جافة:
_ عشان شاركني في حقي إني أكون أنا الوحيد اللي عارف اللي جواكِ. أخد مساحات مش مسموح له بيها. مساحات تخصني أنا وبس. زي ما أنتِ كلك على بعضك تخصيني.
همست بنبرة ملتاعة تخفي ضجيج قلبها بكلماته العاشقة:
_ أنت عارف كل اللي جوايا بس مش قادر تفهمه.
_ محدش في الدنيا هيفهم اللي جواكِ قدي، ومحدش في الدنيا هيحس بيكِ زيي. حتى لو قسيت، حتى لو اختلفنا، حتى لو الظروف في وقت من الأوقات كانت أقوى مننا، أنتِ ليا بكل ما فيكِ. لازم تفهمي كده.
هتفت بلوعة:
_ سليم.
قاطعها بحدة:
_ متقاوحيش، ومتفكريش إني هقولك متروحيش. بس أنتِ بتضيعي وقتك، دكتورك موجود.
أجابته بعتب لامس زوايا قلبه:
_ الدكتور بيداوي مش بيجرح على فكرة!
رقت عيناه واقترب يزين جبهتها بقبلة اعتذار، غفل عن نطقه ليقول بعبث:
_ أنا بعمل كل اللي تتخيليه واللي مش تتخيليه، والجرح اللي سببته أقدر أداويه، ومفيش في الدنيا حد يقدر يعمل كده غيري ولا ميت دكتور.
اهتزت دواخله وزلزلت كلماته ثباتها، ولكنها لازالت موصولة بحبال جراحها منه، فقالت بجفاء:
_ مشكلتك إنك أناني. بتدي نفسك حقوق وتحرمها عليا.
_ أنا أناني فعلًا. بس أنتِ غبية عشان بتستنيني أديكِ حقوق هي أصلًا من حقك. مش محتاجة إعلان مني بيها.
يلاعبها ويلقي اللوم عليها إذن! تلك المرة باغتته حين قامت بدفعه لتصبح هي أعلاه بحركة خاطفة لم يتوقعها منها، كما كلماتها حين قالت:
_ حقوقي! قولتلي، طب وبالنسبة لغضبك اللي بيخلي قلبي يرجف من الخوف، ياترى له علاج أنا معرفوش دا كمان؟ الداء اللي معتقدش إنه له دوا في أي مكان في الدنيا؟ له عند سيادتك أي اقتراحات؟
تلك الحركة التي فعلتها وعينيها اللتين كانتا تبرقان غضبًا، أثنت عقله عن العمل، ليتوقف كل شيء أمام فتنتها التي يحاول منذ البداية مقاومتها حتى يصل معها إلى برٍ تأمن وقلبه على مرساه، لكن الآن تبدلت الرؤية وأصبح شوقه وفتنتها يتراقصان أمام نظراته بإغواء قاتل لم يسعه تجاوزه، لذا قال بنبرة موقدة وأنفاس مقطوعة:
_ دوايا ودائي في الدنيا أنتِ.
أنهى جملته، وبحركة خاطفة أمسك بيديها اللتان كانت تستند على صدره لتسقط فوق شفتيه مباشرةً، فقد نفذ مخزون الصبر لديه وضاق قلبه بكل ذلك الشوق الذي أغدقها به، حتى وقعت أسيرة بين ذراعيه لا تبغي الرحيل أبدًا، فالأسر بين يديه حرية، والعشق بين ذراعيه حياة لا تبغي سواها، فأخذت تبادله ضراوته بأشد منها، حتى تخلت عنه آخر ذرة تعقل لديه، ليُسقط جميع الأقنعة والحواجز بينهم، ويلتحم شقي الرحى في ملحمة شرسة طالت كل شيء حولهم، وصار صخب أصواتها سيمفونية عاشقة أطربت جدران الغرفة التي شهدت عن اكتمال قلوب ظنت أن الضياع مصيرها الدائم.
عند مرور تلك الآية الكريمة على مسامعه شعر بقشعريرة تضرب سائر جسده، فهل للغفران مجال أمام جبال الذنوب التي تثقل كاهله؟ أيُمكن لذلك القلب الذي لطخت صحيفته بقذارة الفواحش أن يعرف يومًا مذاق العفة؟
أنهى صلاته التي أصبحت أنيسة في صحراء حياته الموحشة، دربه الوحيد للخلاص من كل تلك الذنوب التي تثقل كاهله، ولدهشته العظيمة حين وجد بها لذة رائعة لم يصل لأدنى درجاتها سابقًا، على الرغم من كل ذلك البذخ والحياة الرغيدة والدلال، ولكنه كان غافلًا غارقًا في لذة الحياة الفانية، هائمًا على وجهه خلف شهواتها الزائلة التي لا تساوي مثقال ذرة من ذلك السلام الذي يشعر به الآن، ولكن يبقى السؤال حائرًا بين جنبات صدره: هل يستحق من مثله الغفران؟
قطع حبال أفكاره صوت «جرير» الذي قال بغلظة:
_ تقبل الله.
تمتم «حازم» مجيبًا:
_ منا ومنكم.
مازحه «جرير» قائلًا:
_ إيه يا شيخ حازم؟ أنت أدردرت ولا إيه؟ مالك مسهّم كدا؟
لم يلتفت لمزاحه، بل أطلق العنان لذلك الاستفهام الذي يؤرق لياليه وصباحاته، عله يجد عند ذلك الرجل الضخم إجابة قد يسكن لها قلبه:
_ هو اللي زيه باب التوبة ممكن يتفتح له؟
كان رجلًا ذا شكيمة وعقل راجح، وقد كان يلاحظ بدقة كل ما يحدث مع ذلك الشاب من تخبط واندثار، حتى أنه كان يتقصد تلاوة آيات التوبة التي من شأنها أن تسكن أنات قلبه المتواري في دروب الحيرة، لذا قال بصوته الخشن:
_ بسم الله الرحمن الرحيم. ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
واتبعها بآية أخرى أشد وقعًا على قلبه:
إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.
كان يستمع بقلبه الذي يهفو لهذا النسيم العليل الذي أضافته تلك الآيات على مسامعه، فتابع «جرير» بنبرة يشوبها اللين:
_ باب التوبة مفتوح على طول عمره، ما بيتقفلش في وش حد. ربك دا كبير أوي وكريم أوي، ورحمته واسعة بيغفر الذنوب جميعًا، ما عدا حاجتين: الشرك به وحقوق العباد.
اخفض رأسه يروي الأرض بعبراته التي تحمل رائحة الندم والقهر معًا، فهتف بنبرة معذبة:
_ حقوق العباد اللي في رقبتي كفيلة إنها تحنيها دنيا وآخرة وتقفل في وشي كل أبواب الرحمة.
«جرير» بتعقل:
_ ياخي سيبك من ذنوب العباد وارضي ربهم الأول، وهو قادر يحنن قلوبهم وينزل على قلبهم الرحمة والرأفة بيك.
رفع رأسه بلهفة، وكأنه الغريق الذي تلمس قشة نجاته:
_ تفتكر؟ يعني ممكن الناس اللي ظلمتهم يسامحوني في يوم من الأيام؟
«جرير» برزانة:
_ هسألك سؤال يا حازم، وتجاوبني عليه بصراحة.
_ اسأل.
_ في يوم من الأيام اتخيلت إنك تقعد قعدتك دي وتبكي بالشكل ده؟
لاح شبح ابتسامة ساخرة مريرة على شفتيه وهو يتذكر مجونه وتبجحه، وانزوى من بين حاجبيه أسفًا على تلك الأيام التي يتمنى لو أنها صفحات فيحرقها من كتاب حياته.
_ لا.
«جرير» بقوة:
_ يبقى تقول يا رب ومتتقاطعش. اعمل اللي عليك، وقلوب العباد لربهم. أهم حاجة في التوبة إنها تكون توبة نصوحة حقيقية. مترجعش فيها أول ما الكرب اللي أنت فيه يزول. الصدق مع ربنا دا عبادة عظيمة أوي. أوعى تعاهد ربك وتخلف عشان غضبه عليك هيكون عظيم، ووقتها فعلًا هتعرف يعني إيه ندم.
قشعريرة قوية ضربت سائر جسده الذي استنكر ما تشير إليه كلماته، وصاح باندفاع:
_ والله تبت ومن قلبي. والله ندمان ونفسي في أي فرصة تخليني أصحح أخطائي، أمحيها واعتذر لكل اللي أنا ظلمتهم في حياتي.
_ يبقى تسيب كل حاجة لربك. متعرفش بكرة فيه إيه. وبعدين تعالي هنا. أنت هتفضل قاعد كده طول النهار؟ مش ورانا خناقة كمان شهر ونص هضحضح عضمك فيها؟ ما تقوم كده تلعب لك شوية ضغط ولا تجري لك شوية، شوف أما أقولك. أنا مش هسمي عليك، أنا لسه متغاظ من النعجة اللي موتها لي دي وناوي آخد تارها.
ابتسم «حازم» على كلماته المشجعة وقال ساخرًا:
_ يا عم أنا موافق خد تارها دلوقتي، أهم حاجة مكونش شايل ذنبها هي كمان، دانا كده هدخل جهنم بصاروخ.
_ ربما يكفينا شر جهنم. متقولش كده. خليك عندك إرادة، أنت لسه في أول حياتك. خليها أيام تستحق إنها تتعاش. أيام تتحسب لك مش تتحسب عليك. اليوم اللي بيعدي مبيتعوضش.
أومأ برأسه وهو يعبئ صدره من أنفاس الصباح العطرة، ليقول بلهجة هادئة يملؤها التصميم:
_ عندك حق.
فجأة تحول «جرير» إلى وحش بعينين تبرقان ويتناثر منهم القسوة:
_ أنت كلت دماغي عالصبح ياد! قوم فز ورانا تمارين صباحية هتعملها، وشغل كتير هنخلصه، ومن هنا ورايح دا البرنامج اليومي لجنابك، مش فاضي لرغي الحريم بتاعك ده، وانشف شوية مش كل شوية تسحسل في دموع، مش ناقص نكد أنا.
فزع «حازم» من مظهره، وعلى الفور نصب عوده ليتوجه إلى حيث أشار له «جرير»، لينخرط معه في مجموعة من النشاطات الرياضية التي كانت في بدايتها خفيفة، ثم تحولت إلى مضنية، وقد كان هذا أكثر ما يحتاجه في حياته الشقاء، حتى يعلم قدر ما كان يحيا من رخاء ورفاهية.
_ أحكيلي يا ساندي. حاسة بأيه دلوقتي؟
أغمضت عينيها وهي تسحب أكبر قدر من الهواء داخل رئتيها، حتى تستطيع الإجابة بروية على هذا الاستفهام الذي لأول مرة تراوغها إجابته، فقد كانت دومًا تشعر بالسوء، والآن اختلف الأمر كثيرًا، لذا قالت بخفوت:
_ متلخبطة. شوية تايهة، بس على الرغم من كده مرتاحة.
الطبيبة بهدوء:
_ إزاي متلخبطة وتايهة وإزاي مرتاحة؟
ذرفت مشاعرها بأكثر الطرق اختصارًا:
_ متلخبطة عشان أخدت قرار إني أفضل معاه للأبد، وتايهة عشان حاسة إني استعجلت، ومرتاحة أوي وأنا جنبه. يعني حضنه بينسيني كل التوهة واللخبطة دي، والأهم من ده كله إني مبقتش خايفة زي الأول.
أومأت الطبيبة بابتسامة هادئة تلاها استفهامًا مُباغتًا:
_ لسه بتفتكري الموقف اللي عمله معاكِ قبل كده؟
فتحت عينيها على مصرعيها وهي تحاول محاربة شبح ذلك اليوم المقيت، لتقول في نهاية الأمر:
_ أول يومين نام فيهم جنبي، منكرش إني كنت خايفة منه. معرفتش طعم النوم وأنا بتخيل إنه ممكن يهجم عليا في أي لحظة. بس كان بيعمل حاجة بسيطة أوي بالنسبة للي خلتني أحسه.
_ حاجة إيه؟
انسابت عبرات هادئة من عينيها وهي تقول بخفوت:
_ كان بيطبطب عليا. طول الوقت بيطبطب عليا. كأنه بيقول لكوابيسي: أنا هنا جنبها. كأنه بيطرد الشياطين من جوه عقلي عشان متأذنيش.
_ طب لما كان بيعمل كده مكنتيش بتحسي بخوف منه؟
_ أبدًا. كان بيعمل كده بحنية بتخليني مش عايزاه يبطل، وكأنه ده دواء سريع المفعول عشان أنام مرتاحة، وأصحى متطمنة.
الطبيبة برزانة:
_ طب شايفة علاقتكوا فين بعد كده؟
أغمضت عينيها تاركة المجال لمخاوفها في الظهور على السطح:
_ خايفة أحلم إنها تدوم أصلًا. خايفة تحصل حاجة متخليهاش تكمل.
_ أنتِ قولتي لوالدة عُدي كده ليه؟ عشان بتحبيه ولا عشان شايفة إنك أحق بيه منها؟
خرجت كلماتها دون تفكير:
_ أنا أحق بيه من أي حد. هو محتاجني وأنا كنت دائمًا محتاجاله. هو دائمًا كان جنبي وأنا كنت دائمًا جنبه في الوقت اللي هي مكنتش بتتنازل عن ساعة من وقتها عشانه. أنا اللي كنت بهوّن وأطبطب في عز الوجع. عُدي جنبها هيضيع ويتوه، لكن جنبي هيكون في أمان، هيكون مطمن، هيكون بخير.
_ طب وأنتِ عايزاه مطمن وفي أمان وبخير ليه بعد اللي عمله معاكِ؟
كان استفهامًا مُباغتًا أطاح بسدٍ ظنت أنه منيع، ولكن الحقيقة أنه انهار أمام حقيقة تبلورت في إجابة ذلك السؤال:
_ عشان بحبه.
غافلتها الإجابة للحد الذي جعلها تنتفض من نومتها المريحة، لتنظر إلى طبيبتها بعينين تبرقان من وقع المفاجأة، لتقول الأخيرة بابتسامة هادئة:
_ إحنا خلاص خلصنا النهاردة، تقدري تروحي، ووقت ما تحبي حددي ميعاد الجلسة الجاية.
أخذت جملتها تتردد على مسامعها وهي تغادر عيادة الطبيبة النفسية الخاصة بها، حتى أنها لم تلاحظ تجهم ملامحها ولا شرود نظراتها التي توقفت عند ذلك الوسيم الذي يستند فوق سيارته بكسل، واضعًا يديه في جيوب بنطاله ينتظر قدومها، فلم تفته ملامحها ولا تبدل حالها قبل أن تأتي إلى هنا.
تجاهلته والتفتت لتجلس بجانب المقعد المخصص للقيادة، ولكن يديه لم تسمحا لها بفتح باب السيارة حين باغتها مستفهمًا بقلق:
_ مالك؟ في إيه؟ حاجة ضايقتك؟
التفتت تناظره وضجيج جملتها يتردد على مسامعها، فقد أعلنت أنها تحبه. هل فعلًا تحبه؟ أخذت عينيها تبحران على ملامحه بروية، وكأنها تتشربها، فلانت تقاسيمها المتجهمة وتبدلت نظراتها الضائعة إلى أخرى لاح بها شبح لحبٍ دفين لم تتعرف على ملامحه سابقًا، فغفلت عن نظراته التي شابها القلق، ليقترب محاوطًا وجهها بحنوٍ ينافي قلق حروفه حين قال:
_ ردي عليا. أنتِ كويسة؟
_ عُدي!
خرجت حروف اسمه عذبة من بين شفتيها، ولكن جمر القلق كان يحرقه من الداخل، لذا صاح بغضب:
_ ما تقولي حصل إيه؟ الولية اللي فوق دي ضايقتك؟
صمت لثوانٍ قبل أن يقول بسخط:
_ أنا كان قلبي حاسس إنها بتقوّمك عليا. والله لآطْلَع جايباها من باروكتها الصفرا دي.
بسمة هادئة لونّت ملامحها، جعلت قلبه يخر صريعًا في الحال، وخاصةً حين اقتربت قائلة بخفوت:
_ احضني.
وعلّ الحب عِناق؟
عانقها بكل ما أوتي من شغف، بكل ما يحمل بقلبه من هوى فاض به الصدر، فأخذ يشدد من احتوائه لجسدها حتى آنت العظام، وصرخت وجعًا كان الأجمل والأروع مذاقًا بين كل الآلام التي خابرتها في حياتها.
خيم الحزن على عالمها منذ ذلك اليوم الذي أتى به ورأى ابنته عمّه في قصرهم، تعلم بأنه له حق الغضب منها، ولكنه لها حق العتب عليه، فهي كانت ممزقة بين قسمها بالوفاء لـ«جنة» وبين ولائها لقلبه بألا يكون بينهم ما هو خفي، لذا لامت على قلبه قسوته واختارت أن تبتعد مادام لم يتفهم ثوابت شخصيتها ومبادئها، ولكن لكل منا مبدؤه التي لا تتململ وتتنحى إلا أمام عشقٍ بقدر ذلك الذي يحمله لها بقلبه، الذي أتى به جرًا لعتابٍ تكن نهايته ضحكتها الرائعة ووعدًا بالبقاء إلى الأبد.
_ مكشرة ليه عاد؟ ولا أكمن الدنيا ما تنورش غير بضحكتك البهية بتتجلّى عليها وعلينا؟
دق القلب بل تراقص حين استمعت لكلماته التي جعلتها تلتفت بلهفة لتقر عينيها برؤيته بعد أن أضناها شوقٌ لا يرحم:
_ وه. من ميتا وأنت هنا؟
هكذا تحدثت بتلعثمٍ التقطته عينيه العاشقة، والتي كانت تعانقها بطريقة زلزلت دواخلها وزعزعت ثباتها، وخاصةً حين أجابها بلهجة موقدة:
_ الوقت قدام عينيك الحلوة ما يتحسبش. ممكن أكون واقف من دقايق أو أقل، المهم إني رويت قلبي من شوفتك حتى ولو كان واخد على خاطره.
تلمع الحزن بنظراتها وكذلك لهجتها حين قالت:
_ أنت بردك اللي واخد على خاطرك؟ إيش حال لو مكنتش روحت وجولت عدولي، ولا أكأنك ما صدقت تلقى حاجة تخليك تبعد.
جاءتها إجابته الواثقة لتمحي أي ذرة شك في ثوابت عشقها بقلبه:
_ ما فيش حاجة واصل تقدر تبعدني عنك، ولا حتى أنتِ نفسك. إني زعلت وجوي، لكن ده مش معناه البُعد. لاهو إني كنت لسه دُقت قُربك يا بت الناس عشان أبعد!
غافلتها ابتسامة رائعة زينت شفتيها حين سمعت جملته الأخيرة، والتي قالها بسخطٍ يوحي بمدى شوقه وغضبه من وضعهما، لتقول بدلالٍ أضرم نيرانًا هوجاء بصدره:
_ وهو قُربي ده حاجة هينة أياك عشان تدوجه بسهولة! دا أنت لازم تتمرمط وتتبهدل لحد ما تنوله يا سيد الناس.
دكنت نظراته وتعانقت بهم الرغبة والعشق معًا، ليختصر الخطوات الفاصلة بينهم حتى صارت الأنفاس تتشارك بينهم، وهو يقول بنبرة شغوفة:
_ وإني قابل. أدوق النار وأبلع جمرها عشان أنول القرب. بس كله سلف ودين يا ست البنات، ولما تيجي تحت ضرسي.
صاحت باندفاع تقاطعه:
_ هتعمل إيه يعني؟
باغتها ابتسامته الرائعة وكلماته العذبة حين قال:
_ هخبّيك جوه قلبي وأقفل عليك بميت مفتاح يا نبض القلب وروح الروح.
كادت كلماته أن تصيبها بنزلة قلبية من فرط المشاعر التي قذفتها حروفه داخل صدرها، فخرجت كلماتها مبهورة كحال قلبها تمامًا:
_ وه. أنت بتجيب الحديث الحلو ده منين؟ أنا حاسة إن قلبي هيجف.
_ سلامة قلبك من كل شر. القلب بيقول اللي جواه، وبعدين هو إني مالك غير الحديث على ما ربنا يفرّجها علينا وتنحل عقدتنا.
ابتسمت على كلماته الساخطة، فاستطرد قائلًا بتحذير:
_ اللي حصل خلاص هننساه، بس إني يا بت الناس راجل أحب الوضوح والصراحة. أوعاك تخبي عني حاجة تانية واصل، ومن بعد ما تبقي مرتي مفيش بينا كلمة سر، دي فاهمة؟
أومأت بلهفة:
_ فاهمة.
_ يلا ندخلوا جوه. أمك الغلبانة ما تقدرش توقف قدام القطر أكتر من كده.
ابتسمت على كلماته وتبعته إلى الداخل، لتجد والديها ينتظران في غرفة الجلوس استعدادًا للفطور، ينتظران الجميع حتى تجمعهم مائدة واحدة، خاصةً حين أعلن «صفوت» عن وجود «سليم» قصدًا أمام «عمار»:
_ كويس إنك هنا عشان تقابل سليم، وبالمرة نفطر كلنا سوا.
رفع «عمار» رأسه وهو يبتسم بمكر قبل أن يقول بسخرية:
_ طبعًا ده من حسن حظي. أصله كان واحشني قوي.
ابتسمت «سهام» على كلمات «عمار» وهي تقول لأحد الخدم:
_ لو سمحتي اطلعي نادي على ست جنة وسليم بيه عشان الفطار.
أطاعتها الخادمة باحترام، فتوجه «صفوت» بنظراته لـ«عمار» قائلًا بغموض:
_ فكرني بعد الفطار عشان عايزك في موضوع مهم.
فطن «عمار» إلى مغزى حديثه، فاومأ برأسه دون حديث.
أخذت أنامله تلهو خصلات شعرها المشعث جراء أفعاله العابثة في الليلة الماضية التي شهدت ضراوة عشقهم، الذي تنحت أمامه جميع العثرات وتزلزلت في حضرته عقبات الحياة جميعها، ليغفو أخيرًا بين طيات صدرها هانئًا مرتاحًا، ولو كان ذلك لوقت قليل، فهو يعلم أن الصباح سيأتي بثورة جنونها مرة أخرى، فبالرغم من شوقهم الكبير إلا أنه لم يكن رادعًا لخلافاتهم ولم يحمل حلاً لمعاناتهم.
_ جنة. جنة قلبي. اصحي يلا.
هكذا بدأ يحاول إيقاظها، فتململت بين ذراعيه رافضة أن تعود لواقع قد يعيدها إلى بؤرة الخلاف بينهم مرة أخرى:
_ سيبني أنام شوية. لسه مشبعتش نوم.
_ بطلي كسل. في ناس مستنيانا تحت.
هكذا تحدث وأنفه يداعب أنفها بطريقة دغدغت حواسها، ففكت أسر عينيها لتتفتح رموشها وتسطح سماءها الرائعة أمام أنظاره العاشقة، فاقترب ينثر عشقه فوق جفونها بروية، كانت لها وقعًا قاتلًا على قلبها الذي تراقصت دقاته حد الجنون، ثم انخفض ليزرع الورود بجانب شفتيها المتورمتين إثر هجومه الكاسح ليلة أمس، قبل أن يرفع رأسه وهو يقول بنبرة موقدة:
_ لو تعرفي السلام اللي في عيونك قادر يريح قلبي إزاي؟ مكنتيش تقسي عليه في يوم!
اخترقت كلماته أعماق قلبها الذي ارتج تحت وطأة تأثره، وذلك التوسل الخافت الذي يصل عينيها بخاصته، فوجدت نفسها تهمس بخفوت:
_ أنا آسفة.
_ على إيه؟
_ على كل وجع اتسببتلك فيه. على تعب قلبي وقلبك الفترة اللي فاتت دي. بس أنا كنت خايفة. تايهة. عايزة أخرج من كل اللي أنا فيه بأقل الخساير، ونسيت إني ماليش مكان غير حضنك. فكرت إني بحميك وبحمي نفسي، بس الحقيقة إني مملكتش القوة اللي تخليني أعمل كده.
استمهلت نفسها بعد أن أعطتها عيناه الضوء الأخضر لكونه بانتظار سماع المزيد منها، فتابعت بنبرة يشوبها اللوعة:
_ وجعي وخوفي وقلة حيلتي اتجمعوا واستقووا على قلبي وخلوني أوجعك، وأنا كل اللي بتمنّاه في الدنيا دي حضنك. كنت بخبط بقسى وأنا في عز ضعفي. بضغط عليك وأنا نفسي أترمى في حضنك.
صارحته عينيها بحديث لم تفلح الكلمات في سرده، ولكنها كانت صادقة حين قالت:
_ مش هنكر قلبي وجعني ونار الغضب دبّت فيه لما عرفت إنه عايش، واتجددت كل جروحي اللي فكرتها دبلت، وكان نفسي فعلًا يدوق كل قهره دوقهالي، بس بعيد عنك أنت. أنت عوض ربنا ليا.
أفصحت عينيها عن مكنوناتها وهي تضيف بنبرة عاشقة حد النخاع:
_ أنت اللي جنتي يا سليم. أنا كنت في جحيم ونار بتاكل فيا، وأنت بس اللي دوقتني معنى الجنة. أنت اللي طيبت الجروح وداويت الألم.
تعانقت عبراتها مع كلماتها حين أضافت بعشق:
_ حضنك ده المكان الوحيد اللي ارتحت فيه، وبغبائي كنت هضيعه من إيدي. سامحني.
كانت كلماتها أكثر مما حلم يومًا، تحمل من الصدق ما جعل قلبه يرق حد الذوبان وروح ترفرف حد أن تطير بأجنحتها في سماء العشق، الذي جعله يقول بحنو:
_ أسامحك! أسامحك إنك أدّيتيني أحلى حاجة في حياتي. وجودك ده أحلى حاجة حصلتلي يا جنة. أنا اللي جنتك! أومال أنتِ تبقي إيه؟
ملّست أناملها على وجهه وهي تقول بحنو:
_ أنا عايزة أكون كل حاجة حلوة ليك.
ـ أنتِ فعلًا كده وأكتر كمان، وأنا اللي آسف مليون مرة على كل حرف قلته اتسبب في وجعك. يوم موت مروة كان يوم من أصعب أيام حياتي.
_ قست نظراته وتبلور بهم الألم حين قال:
_ تخيلي إنسان يموت بسببك وبين إيديك، وكل ذنبه إنه أنقذك من الموت! مروة جت برأتني عشان عارفة إن فراقك والموت عندي واحد.
تابعت يديها إضفاء السكينة على ملامحه المتجهمة في صمتٍ أتاح له فرصة مواصلة الحديث، قائلًا:
_ نفس اللي حصل معاكِ بالظبط. اجتمع غضبي وحزني وقلة حيلتي، ولقيت نفسي بطلع كل ده فيكِ، بالرغم من إن كل اللي كنت بتمنّاه في اللحظة دي حضنك وأعيط لحد ما نفسي يتقطع، لحد ما كل الوجع ده يروح ويختفي.
زفر ذرات الوجع العالقة بقلبه قبل أن يقول بلهجة هادئة:
_ مشكلتنا إننا اخترنا نرمي ذنوبنا على بعض، وفكرنا إن ده ممكن يريحنا، بس لو كنا دفناها في حضن بعض كنا ارتحنا فعلًا.
احتوت برأسه بين ذراعيها وهي تقول بمؤازرة:
_ عندك حق في كل كلمة قولتها، وأنا من النهاردة مش هبني بينا حيطان تاني ولا هسمح لحاجة تحرمني منك، هجري أترمى في حضنك حتى لو كنت أنت اللي موجعني.
أضاءت ملامحه ابتسامة عاشقة أظهرت ذلك الجويف الرائع في إحدى خديه، فاقترب يقتطف وعدها من فوق ضفتي الفراولة خاصتها بروية وشغف أذاب عظامها، ليفصل اقترابهم قائلًا بلهجة عاشقة:
_ أنتِ جنة قلبي ونور عيني، وطول ما أنا عايش مفيش وجع هيقرب من قلبك أبدًا.
_ توعدني؟
_ أوعدك وأدي إمضتي كمان.
اقترب ينقش وعده فوق موضع نبضها، يتلمس بشفاهه جلدها الأبيض قبل أن يرتفع برأسه يطالعها بعشقٍ سطرته حروفه حين قال:
_ حب الدنيا كله ميغلاش عليكِ، ياللي الروح استكانت بوجودك، والقلب نجاته كانت على إيديكِ.
خضت حربًا في اليوم الواحد، وعندما ألتقيكِ تسقط الراء ولا أتذكر شئ سوى وجودك بين أحضاني، حينها تتلمس روحي معنى السلام ويغفو قلبي آمنًا مطمئنًا.
كان الصباح مشرقًا كحال تلك الحورية النائمة على صدره بملامح فاتنة تحمل سلام العالم أجمع، تخبره بأن القادم رائع وأن المستقبل زاهي وأن تلك العقبات والأزمات ليس لها وجود.
امتدت يديه ترسمان ملامحها المنحوتة فوق جدران قلبه الذي يضج عشقًا وهيامًا، لا يعلم من أي جهة تسرب إلى قلبه؟ ولكنه عاشق لتلك المرأة لدرجة لم يتخيلها بحياته.
_ يا ريت كل حاجة في الدنيا تبقى شبهك.
خرجت حروفه همسًا عرف طريقه لقلبها، فبدأت ترفرف برموشها لتفتح أمامه مقاليد جنته بين عينيها الخضراء التي تحمل شعار السلام لعالمه.
_ صباح الخير.
هكذا تحدثت بنبرة متحشرجة دغدغت دواخله وأضرمت نيران الرغبة بثباته، لذا اقترب يلحم أنفه بخاصتها وهو يقول بنبرة موقدة:
_ صباح الفرح.
امتدت أناملها تسكب السكينة فوق ملامح وجهه وهي تقول بلهجة محبة:
_ يا رب يجعل حياتك كلها فرح.
أشرقت ملامحه بابتسامة رائعة وهو يقول بنبرة خشنة:
_ دي أجمل دعوة سمعتها في حياتي.
تراقصت البسمة على شفتيها حين سمعت كلماته، فاندفعت تمازحه قائلة:
_ طب يا رب يجعل في طريقك فرح، وفي صباحك فرح، وفي مسائك فرح، وفي حياتك فرح، وكل حاجة فرح في فرح.
قهقهة رائعة خرجت من بين شفتيه وهو يضمها لصدره قائلًا بصدق:
_ يا رب يا أحلى فرح في الدنيا.
عانقته بقوة ورأسها يستريح على موضع نبضه لتقول بحنو:
_ حساك أحسن النهاردة.
_ طبيعي وأنتِ جنبي هكون أحسن. اجلي إحساسك لما أنزل للغجر اللي تحت عشان تعرفي تحكمي صح.
هكذا تحدث بسخرية قابلتها مازحة:
_ طب ما إحنا كده عندنا الحل. كل ما الغجر اللي تحت يزهقوك هاجي أحضنك جامد أوي تقوم تبقى أحسن. إيه رأيك في الاقتراح ده؟
تراجع لينظر إلى داخل عينيها وهو يقول بنبرة رخيمة:
_ ليه الدنيا كلها متبقاش أنتِ وحضنك وبس؟
_ عشان أكيد هتزهق.
جملة كان يشوبها استفهام خفي جعله يقول بتخابث:
_ ما يمكن أنتِ اللي هتزهقي!
«فرح» بعشق تبلور في ملامحها ونظراتها وكذلك كلماتها حين قالت:
_ جنة حضنك دي نعمة ربنا اختصني بيها وأنا مقدرش أجحد بنعم ربنا عليا. تقولي أزهق! دانا لو عمري الجاي لحظة هختار أعيشها في حضنك.
عانقتها نظراته بشغف قاتل جعل الحروف تتلعثم فوق شفتيه لأول مرة، لا يعرف كيف يجيبها، بل لأول مرة يقف عقله عن العمل كليًا أمام عذوبة كلماتها وروعة نظراتها في تلك اللحظة.
_ غلبتيني يا فرح. أول مرة في حياتي أبقى مش عارف أقول إيه؟
تغنجت واضعة مرفقها تستند فوق ساحة صدره قائلة:
_ مش أول مرة أغلبك يا عيون فرح.
رفع إحدى حاجبيه إثر كلماتها، بينما تلكأت نظراته فوق مفاتنها الواضحة كالشمـس أمامه، تغريه بالاحتراق بين جنباتها، ليقول بهسيس خشن:
_ شامم ريحة غرور كدا مش مريحاني.
_ و متتغرش ليه؟ تقريبًا كده في واحد قالي: زلزلتِ عرش الوزان يا فرح. يبقى أتغر ونُص ورباع كمان.
هكذا تحدثت بدلالٍ كان يقوده إلى الجنون، فقام بعض شفتيه السفلية قبل أن يقول بوعيد:
_ هو إحنا فينا من كده؟ مش قلت دا سرنا؟
_ وهو أنا خرجته بره لا سمح الله؟ دانا حتى كتوّمة أوي والله.
عانقت يديه خصرها لتطفو بجسدها فوق ساحة جسده وهو يطالعها بشغفٍ أذاب عظامها، كما فعلت لهجته حين قال:
_ طب بما إنك كتومة بقى، ما تيجي أقولك على سر خطير.
نفذت سهام إغوائه إلى سائر جسدها، فتلاشى ثباتها أمام غزوٍ ضارٍ لا تجرؤ على مقاومته، فقالت بنبرة شغوفة:
_ بموت أنا في الأسرار يا وزان قلبي.
جملة فتحت أبواب الجنان على مصرعيها، فصار يغترف من خزائن نعيمها، ينهل من عذب شهدها، يتمزز من بحور هواها بنهم قاتل، وبالمقابل يغمرها بسيل عشقه الشره لها، ينقشه فوق معالم جسدها الذي كان يستجيب له بكل ما يمتلك من أحاسيس لم تعرف بوجودها سوى معه، ذلك الرجل الذي حطم قيود لعنتها وفك أسر قلبها، محررًا أجنحته لتعبر فضاء العشق الفسيح معه، والذي لا ينتهي مهما بلغت ضراوته.
ارتمت على صدره لاهثة، راضية، ممتنة لقدرها الجميل الذي جمعها بذلك الرجل الرائع، الذي لا تفلح الكلمات في وصف مدى عشقها له.
_ إحساسي بيكي في حضني دا أحلى إحساس حسيته في حياتي.
كانت جملته رائعة، خاصةً حين اتبعها بقبلة رقيقة فوق جبهتها، ليخبرها كم أنها أكثر من مرضية له كرجل، وعلى الرغم من قلة كلماته العاشقة لها، إلا أنه دائمًا ما يعزز من غرورها الأنثوي بكلماته البسيطة التي تشعرها بأنها ملكة متوجة على عرش النساء، لذا التفتت تعانقه بقوة وهي تقول بنبرة عميقة صادقة:
_ ربنا يخليك لقلبي.
بعد مرور نصف ساعة كانت تنزل معه الدرج، تمسك بيده كزهرة متفتحة في ريعان ربيعها، تشع جمالًا يخطف الأنظار والقلوب، وقد كانت «أمينة» أول من وقع عينيها على ذلك الثنائي الرائع، فابتهج قلبها عند رؤيتهم، وهمست تتلو آيات الذكر الحكيم لتحفظهم من كل شر، فلاحظ «مروان» تأثرها، فالتفت ليرى إلى ماذا تنظر، فإذا به يتفاجأ بقدومهم، فهتف بصياح:
_ صباح الفل على عم الكل.
التفت الجميع إثر جملته إلى الوافدين، لتتوالى عليهم تحية الصباح، ويقول «مروان» بمزاح:
_ منصور عامل إيه يا أم منصور؟
أغاظت «فرح» من ذلك الاسم وتكراره على مسامعها، لذا قالت بحنق مكتوم:
_ مصدّع. ياريت تحرمنا من صوتك البديع عشان إحنا لسه عالصبح.
واصل استفزازها قائلًا:
_ لا معلش بقى، منص حبيب عمه استحالة يصدع من صوتي. ده أنا الحاجة الحلوة اللي هينزل يقابلها في الدنيا دي.
«فرح» بسخرية:
_ لما دي أحلى حاجة إنه هيقابلك، أومال أنيل حاجة تبقى إيه؟
_ إنك أمه.
تدخل «سالم» محذرًا:
_ لم لسانك أحسن لك.
«مروان» بسخط:
_ لا بقى يا كبير، أنت كده مش بتعدل. هي اللي ابتدت.
تدخلت «فرح» بسخط:
_ هو أنت ضرتي ولا حاجة؟
«مروان» بغرور:
_ ضرتك؟ حصلت تحطي نفسك في مكانة واحدة معايا؟ لا ده إحنا كده لازم نحط النقط على الحروف بقى، وكل واحد يعرف مكانه!
تدخل «سالم» مبهوتًا من حديثه:
_ مروان أنت ليه محسسني إني واعدك بالجواز!
مروان باندفاع:
_ أنا ابنك الكبير وأنت باصم على الموضوع ده، وفي حضن بينا في الغيطان يشهد بكده. وبعدين هو كل حاجة جواز؟ فيه حاجات أهم بكتير، وعلاقات أسمى من كده.
هنا اندفعت «همت» قائلة:
_ ابن حلال. أياك بقى تصدعني كل شوية عايز أتزوج، عايز أتزوج. بما إن فيه علاقات أسمى، روح دور لك على بغل زيك اتبناه وسيب لي بنتي.
تدخل «طارق» بسخرية:
_ هدف قاتل في مرماك، وريني هتصد إزاي يا معلم.
برقت عيني «مروان» من حديث «همت» فقال بصدمة:
_ الاه! أنتِ قاعدة هنا من امتى؟ مش تكحي ولا تعطسي ولا تعملي أي منظر؟ وبعدين هو أنا عايز أتزوج بنتك ليه؟ مش عشان أجيب لك أحفاد تتلهي فيهم؟ وأهو بالمرة أحسن النسل في عيلتكم.
تدخلت «سما» قائلة بحدة:
_ ليه؟ وحد قالك إن نسلنا وحش ولا حاجة؟
تحولت نظراته إلى أخرى عاشقة وهو يقول بمغازلة:
_ الكلام مش ليكي يا حلو أنت. هو أنتِ في زيك يا بالوظة أنت.
_ احترم نفسك يا واد أنت. بتعاكسها قدامنا!
هكذا صاحت «همت» فأجابها «مروان» بتذمر:
_ ما أنتِ لو بتسبيني أعاكسها من وراكِ مكنتش فتحت بقي قدامك. قاطعه عليه مية ونور. حسبي الله ونعم الوكيل.
تدخلت «أمينة» التي التقطت عينيها تلك الفتاة التي كانت تقدم خطوة وتؤخر أخرى، فنادتها بحنو:
_ تعالي يا لبنى يا حبيبتي. واقفة عندك ليه؟
صاح «مروان» بمزاح:
_ خدي يا لولي. تعالي عشان تدافعي عني ضد هجمات السلطعون المتكررة. تعالي يا حليفتي اقعدي جنبي.
في البداية كانت محرجة، ولكن كلمات «مروان» بدلت حرجها إلى ذهول جعلها تقول بصدمة وهي تتقدم لتأخذ مقعدها بجانب «أمينة»:
_ أنا حليفتك! حليفتك في إيه؟
«مروان» ساخرًا:
_ في أي حاجة. المهم متضربش آخر اليوم لوحدي.
قهقه الجميع على كلماته، فيما ارتسمت ابتسامة خافتة على ملامحها، فقد بدت كطفلة ضائعة تشبه أخرى انشرح قلبها حين رأتها، فتقدمت قائلة بلطف:
_ أنا ريتا وأنتِ لبنى، صح؟
«لبنى» بخفوت:
_ صح. عاملة إيه؟
«ريتال» ببراءة:
_ من بره حلوة، من جوه زعلانة.
تدخل «مروان» ساخرًا:
_ ابتدينا جو الأرامل أهو. زعلانة ليه يا حزينة الأمل؟ سبونش بوب خلى بيكِ ولا مش لاقيين بامبرز في السوق!
التفتت «ريتال» تناظره بعينين تبلور بهما الحزن الحقيقي، والذي تجلى في نبرتها حين قالت:
_ لا دا ولا دا. بس كنت فاكرة إني عمري ما هزهق هنا ولا هحس إني لوحدي. بس لقيت نفسي لوحدي وأكتر من الأول كمان.
كانت كلماتها لها وقع السوط على قلب ذلك الذي كان قادمًا من الخارج، لتستوقفه كلمات صغيرته التي لم يعلم يومًا ما هي الطريقة الصحيحة للتعامل معها، وأتت كلمات «مروان» لتزيد من لوعته حين قال:
_ حقك يا بنتي والله. بس معلش أبوكي راجل مشغول لدرجة إنه ممكن يقضي خمس ست ساعات بيتمرن عشان عضلة التراي متاخدش على خاطرها، فمش فاضي يقول: أما أفسح بنتي ولا أخرجها. اعذريه، المسؤولية كبيرة عليه. في رقبته كوم عضلات بيجري عشان يربيهم.
كان يتقصد كل حرف يتفوه به، وعلى الرغم من أن كلماته مستفزة، ولكنها كانت صادقة إلى حد كبير، لذا تدخلت «شيرين» قائلة بحزن مفتعل:
_ كده حرقتي المفاجأة يا ريتا؟
تبلور الحماس في عيني الطفلة وصاحت باستفهام:
_ مفاجأة إيه؟
«شيرين» بحنو:
_ بابا كان متفق معايا إننا هنخرج بكرة ونروح الملاهي سوا، وكان محلفني مقولكيش عشان تبقى مفاجأة.
_ بجد يا أنطي شيرين؟
«شيرين» بطريقة مسرحية:
_ ومش كده وبس، لا. ده كمان كان ناوي إنه ييجي يحضر معاكِ الحفلة بتاعة النيو يير اللي في المدرسة، بس اشترط عليا إنه هو اللي يختار لك لبسك. قولتله لو وافقت يبقى تمام.
_ موافقة طبعًا. بس افرض كان ذوقه وحش زي عمو مروان هعمل إيه؟
تدخل «مروان» ساخطًا:
_ يادي النيلة على مروان وسنينه. أنتِ يا بت حد كلمك. لما أنا ذوقي وحش، أبوكي ذوقه إيه خراوي؟
«شيرين» بتحذير:
_ اتلم أحسن لك، ذوقه أحسن ذوق في الدنيا. كفاية إنه اختارني.
«مروان» بتهكم:
_ دي بجملة عمايله السودا. دي من علامات سوء الخاتمة يا بنتي.
كان غائبًا عن هذا الحديث الدائر بينهم، فقد كان هناك ما يشغله، ولم يغب ذلك عن عينيها، مما جعلها تقترب منه قائلة بخفوت:
_ في شبه منها؟
وصل إلى عقله المغزى خلف سؤالها، وقد أعجبه كثيرًا كونها تشاطره ما يفكر به، حتى ولو لم يُفصح عنه، لذا أجابها بخشونة:
_ نظرة عينيها، ورفعة حواجبها لما بتتعصب. حتى حركة وشها لما بتتريق.
_ الولد ده مترباش بره مصر. الولد ده اتربى هنا وفي مكان كان متساب فيه على سجيته. الغرب بيعرفوا يتحكموا في انفعالاتهم أوي، ودايمًا التحفظ بيكون مسيطر عليهم، خصوصًا لو في موقف هارون ده.
التفت يناظرها بأعينٍ تبلور بها الإعجاب، قدام صمتٍ بالف حديث بينهم، قاطعه حين قال بخشونة:
_ تعالي ورايا عالمكتب.
استأذن من الجميع وخرج وهي خلفه، فجاءها صوت «مروان» العابث:
_ أيوا الزقيلة ياختي. الزقيلة بعد كده هنجيبك من جيب الجاكت بتاعه.
التفتت تناظره شذرًا قبل أن تقول بشماتة:
_ اهري يا مهري وأنا على مهلي.
ثم انتقلت عينيها إلى «لبنى» التي كانت مبهورة بسلاسة ما يحدث حولها وبساطته، لتقول «فرح» بمزاح:
_ اختاريلك أي حلف غير الواد ده. إحنا باعتين ملفه للسرايا الصفرا.
انطلقت الضحكات حولهم، فيما تركتهم هي وذهبت إلى حيث ينتظرها لتدلف إلى داخل الغرفة وتغلق الباب خلفها، فإذا به يأمرها قائلًا:
_ بالمفتاح. اقفليه بالمفتاح وتعالي.
على ضجيج قلبها وتراقصت دقاته وهي تطiعه، لتتوجه إليه بخطٍ متغنج تحت أنظاره التي كانت تبحران فوق قسماتها بشغفٍ شمل جسدها بأكمله، لتستقر على شفتي التوت خاصتها، حين توقفت أمامه مباشرةً تستند على المكتب خلفها، فظهر بوضوح بروز بطنها الذي يحمل ثمرة عشقهم، فامتدت يديه تُمسدها براحة قبل أن يقول بلهجة خطرة:
_ من امتى وأنتِ بقيتي قريبة مني كده؟
أجابته بلهجة شغوفة خافتة:
_ من زمان أوي.
_ لدرجة إنك تفهمي وتعرفي بفكر في إيه من غير ما أقول؟
كانت النظرات التي تُطل من عينيه تُذيبان عظامها من فرط الشغف الذي نشب بسائر جسدها، فجاءت لهجتها خطرة حين قالت:
_ وأكتر من كده كمان. أنا لما بتتنهد بعرف التنهيدة وراها إيه؟ حزن، غضب، قلق.
عض على شفتيه بطريقة أضرمت نيرانًا هوجاء بثباتها، الذي تلاشى أمام تنهيدة قوية أطلقها من جوفه، تلاها كلماته حين قال بنبرة موقدة:
_ طب تقدري تقوليلي التنهيدة دي وراها إيه؟
كانت تشاطره رغبات القلب والجسد معًا، تحفظ عن ظهر قلب تقلب قوس عينيه الذي كان أكثر ما يميزه، ذلك الظلام الذي يجتاح عينيه حين يرغبها، لذا قالت بنبرة حارقة:
_ وراها شوق كبير أوي. نار عايزة اللي يطفيها.
أجادت وصف ما بداخله، فلاحت ابتسامة خطرة على ملامحه حين قال بخشونة:
_ طب وأيه ورا النار دي؟
_ أول مرة حاجة تستعصي على سالم الوزان. دا حدث قادر يسبب براكين مش مجرد نار.
دام الصمت لثوانٍ قبل أن تخترقه قهقه قوية تحمل رذاذ الغضب، الذي جعله يقسو على خصرها وهو يجذبها لتستقر بين ذراعيه قائلًا بحنقٍ يحاول كظمه قدر استطاعته:
_ عارفة أول مرة في حياتي أحس إني عايز أضرب حد لحد ما يموت في إيدي. عايز حقيقي أكسر عضمه عضمة عضمة لحد ما نفسه يتقطع من كتر الوجع. إزاي كان قادر يكون قذر كده معاها بالرغم من إنها رفعته وخلته بني آدم بعد ما أبوه رماه زي الكلب؟ إزاي الإنسان قادر يكون وحش كده!
امتدت أناملها تُمسد ذلك العرق النابض بالغضب في صدغه الأيمن في محاولة ناجحة منها لتهدئة نيران غضبه الموقدة، تلاها كلماتها الهادئة:
_ مشكلة الإنسان الكويس إنه دايمًا بيستنكر الوحش لما يشوفه. عشان بيحكم على الناس من منظوره ومن رؤيته. يعني أنت كنت عارف إنه وحش بس مش بالصورة دي. لكن طلع أوحش، وده سبب غضبك دلوقتي.
أومأ برأسه وهو يقول بجفاء:
_ إزاي هقولها إن ليها ابن بعد السنين دي كلها؟ إزاي هقولها إن الذلة اللي كان ماسكها لها طول حياتها كانت مجرد وهم استخدمه عشان يدبحها بيه كل لحظة؟ دي ممكن تموت فيها!
تابعت منحنى الهدوء معه وهي تحاول امتصاص أكبر قدر من غضبه حين قالت:
_ مش يمكن العكس وتكون دي المعجزة اللي هتحييها وتخليها تطمن وتحس إن الحياة ضحكتلها ولو لمرة واحدة!
لأول مرة يحمل استفهامه رائحة التوسل:
_ تفتكري؟
_ أنا متأكدة من كده. ناجي حالته مشخصة من زمان إنه مريض نفسي وهي عارفة كده، ومتوقعة منه أي شيء. مش هتتفاجئ إنه عمل كده، لأنها أكتر حد عاشرته، وبالتالي عارفة.
هدأت كلماتها من غضبه قليلًا، فأخذت عيناه تستعرضان ومضات من الذاكرة التي تحمل مواقف مهينة لذلك الرجل حولته من إنسان إلى مسخ، فتحدث بأسى حقيقي:
_ عارفة يا فرح، فيه مشكلة قاتلة دايمًا بيقع فيها الناس وبتتسبب في كوارث بيدفع تمنها الكل، حتى المذنب والبريء.
_ إيه هي المشكلة دي؟
«سالم» برزانة:
_ المقارنات. المقارنات دي بذرة الفتن في كل بيت وعيلة.
ضاقت عينيها بعدم فهم، ليتابع بخشونة:
_ لما تفضل تقارن بين ابنك وابن اختك وتقوله: ده أحسن منك. ده مجتهد وناجح عنك. الكلمتين دول لوحدهم قادرين يهدموا طموح إنسان ويحولوه لمسخ بيكره كل اللي أحسن منه.
أومأت برأسها مؤيدة حديثه:
_ فعلًا عندك حق.
_ أنا افتكر زمان قد إيه عمي رفعت كان قاسي مع ناجي لمجرد إنه مش ناجح في التعليم، وكان دايمًا يقارنه بوالدي. ونسي إنه كان ناجح في الزراعة والفلاحة وكل الأنشطة اللي من النوع ده. كان ممكن بشوية تشجيع يكون أحسن من كده، بدل تكسير الماديف والمعايرة بحاجة مش في إيده، وعلى فكرة ده سبب توتر علاقة أبويا الله يرحمه بعمي. المقارنات بردو من الأهل والعيلة، وده اللي خلاه يهرب لبعيد عشان يتفادى أي كلمة ممكن تهبط عزيمته أو تدمر طموحه. والنتيجة إننا مشتتين أهو، وأولاده فين وفين لما عرفوا إن لهم عيلة محتاجينهم.
احتوت رأسه بين ذراعيها وهي تقول بمؤازرة:
_ كل حاجة هتتصلح إن شاء الله وهيلم شملكم من تاني، أنا واثقة فيك. أنت تقدر تعمل كده.
ما كاد أن يجيبها حتى وصل إلى مسامعهم أصوات جلبة في الخارج اخترقت صفو العاشقين، فتوجه «سالم» ومن خلفه «فرح» لمعرفة ماذا يحدث، فتفاجأ الجميع بذلك الضخم الذي قال باستمتاع:
_ أهلًا يا ولاد خالي، والله لكم وحشة كبيرة أوي.
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم نورهان العشري
قُدت حروف الألم بشواظٍ مُشتعِلة فوق جُدران القلوب.
تروي فجيعة نعامةٍ هلِكت برائتها وتناثرت دمائها بين أروقة الدروب.
فالعشق كان إثمها، والشجو بات عُقبها، والقهر مارس فُحشة كسافحٍ لا رادع له، ظالمٍ لا يهوب.
لا البوح يقدر أن يفِ، والصمت لم يكُن وفي، والدمع طوفانه سخي لا تكفه فيض الصبوب.
تُرى هل من سبيل لـ نجاتنا؟ وثوب الروح أضحى هالكًا بُليت خيوطه ولفقتها إجثام الندوب!
أم أن الشِقاق بات رفيقنا برحلةٍ تأبى الفناء وهي غارقة بـين أوحال الذنوب؟
بالله أُناشدك يا قلبٌ ما أذلني سواه ألم يحِن الوقت كي تهجر العشق وأن تتوب؟
---
علقت الأنفاس بالصدور للحظة وتعُلقت الأعين مُلتحفة بنسيج الدهشة التي أفقدتهم النُطق جميعًا، فكانت وجوههم و كأنها قُدت من حجر.
وكم كان هذا مُرضيًا لذلك الفتى الذي بلغ مبلغ الرجال قبل أوانه وتجرع الحقد مغموسًا في قبح النذالة حتى اكتفى القلب وفاض وقرر أن يُدير لعبة الكبار على طريقته.
"ايه يا رجالة الوزان مش هترحبوا بيا ولا ايه؟"
هكذا تحدث «هارون» باستمتاع.
تجاهله «سالم» الذي قست عينيه واحتدمت ملامحه، ولكن جاءت نبرته فظة كالعادة.
"تعالى ورايا."
ذلك الرجل الفظ يُثير بداخله نوازع الغضب، وخاصةً حين يطلق أوامره واجبة التنفيذ كأسهم لا تُخطيء أهدافها أبدًا.
لذا أضرم نيران التحدي بينهم حين قال بجفاء:
"مش لما نتعرف على باقي أعضاء العيلة الكريمة الأول يا ابن خالي؟"
"خاله!"
كان هذا صوت «همت» التي انضمت للجميع في الخارج لمعرفة سبب تلك الجلبة.
فلتفت أنظارها ذلك الشاب الضخم الذي يمتلك عينين تُشبه الذئاب في حدتها، وارتجف بدنها كُليًا حين رأته، وخلفه تلك الفتاة الشقراء التي تُطالع بترقب ما يحدُث.
ولكن ما أثار ريبتها تلك الكلمة التي اخترقت سمعها، فهتفت مُستنكرة ونظراتها تتفرق بين «سالم» والغريب الذي لم يكُن أبًدًا غريب، بل كان أقرب من الوريد ذات يوم قبل أن تنتزعه يد الغدر لتفصل بينهم هوة ساحقة مُدججة بلظى الجحيم.
"معقول همت هانم الوزان بجلالة قدرها جاية تستقبلني؟ دانا حظي النهاردة من السما!"
سُرعان ما بدأ الجميع باستعادة وعيهم، ولكن كان عدم الفهم يُشكل علامات استفهام في نظراتهم.
ماعدا الرجال الثلاثة وبجانبهم «فرح» التي اقتربت من زوجها لتُعيد له بعضًا من هدوءه الذي كان يُجاهد بالسيطرة عليه.
وقد كانت مُحاولة دعم صامته منها لاقت صدى طيب الأثر لذلك الذي استعاد شكيمته وهو يقول بصوت جاف صارم لا يقبل الجدال:
"ورايا عشان تاخد ضيافتك. أن كنت فعلًا عايز تتكرم!"
حملت لهجته تهديدًا واضحًا انطبع في عيني كُلًا من «طارق» و«مروان» الذي اقترب لا إراديًا من «هِمت» في إعلان صريح منه أنها تحت حمايته.
لتندفع «شيرين» من خلفهم وهي تقول بتوجس:
"مين دا؟ وفي ايه بيحصل هنا؟"
"شيرين! ادخلي على جوا."
هكذا زجرها «طارق» بصرامة أشعلت شرارة الغضب بداخل «هارون» الذي استقرت نظراته على شقيقته التي لا تعرف بهويته.
ولكن سرعان ما تنبهت جميع حواسه حين سمع صوت «همت» الذي يتخلله الحيرة:
"ايه يا طارق؟ ما تقولولنا ايه اللي بيحصل؟"
نازعته رغبة عاتية بغرس بارود حقيقته بمنتصف قلبها.
ولأول مرة يضعف أمام أهوائه، فاقترب منها خطوتين حتى اشتبكت أعينهم في حديث صامت قطعه صوته الباتر حين قال بنبرة عميقة تعانق بها كُلًا من التشفي والاستمتاع:
"أنا هارون ناجي الوزان!"
أيعقل أن تكن عدة حروف بسيطة قادرة على سحق جسد بأكمله خلف طيات معانيها؟
للوهلة الأولى بدت غير مُستوعبة لما سمعته أُذناها، ولكن بعد ذلك تربعت الجملة كـ طلق ناري يعرف طريقه إلى الوتين.
فشعرت بـ انعزالها عن الواقع لثوان قبل أن يمُر شريط ذكرياتها الأسود أمام عينيها بلمح البصر لتبتلع جمر الأسى وهي تقول بنبرة هادئة أذهلت الجميع:
"هارون ناجي الوزان! يااااه. هو ناجي كان عنده ابن وأنا معرفش!"
تساقط لهيب الوجع من بين عينيها وهي تقول بابتسامة واهنة ونبرة حاولت التماسك قدر الإمكان:
"وياترى بقى انت ابن مين فيهم؟ معلش. أصله كان بيخوني مع كتير."
بأعماق القلوب دائمًا ما تكُن هُناك بؤر روحانيه تستشعر مدى الصدق، وإن كثُر الضباب وغامت الرؤيه.
ولكنه أختار أن يقمع تلك البؤرة وانصاع خلف استفهام مُلح طرأ على عقله: أيُمكن ألا تعرف الأم صغيرها؟
خلف هذا الاستفهام قست ملامحه أكثر وأسودت نظراته، فأجفله قولها المُهتز حين قالت:
"بس انت ملكش ذنب. انت بردو أخو بناتي."
بللت حلقها وحاولت اللحاق بأنفاسها الثائرة وهي تُضيف بشفاه ترتجف وحروف مُبعثرة:
"انت ابن فاطمة؟ ولا نرجس؟ ولا هناء؟"
صمتت وهي تومئ برأسها وتتلفت يمينًا ويسارًا، وعلى شفتيها ابتسامة واهنة تحمل آثار الخزي كما لهجتها حين قالت:
"أنا عرفاهم كلهم. اعرفهم واحدة واحدة. حفظاهم."
بتر صوت القلب وكُممت فاهه لتعلو راية الأنتقام في تلك اللحظة وهو يُجيبها قائلًا بنبرة جافة مُتحجرة:
"للأسف أنا مش ابن ولا واحدة فيهم. أنا ابن الست الوحيدة اللي متمنتش اكون ابنها!"
لم يكُن هُناك بُدًا من نزع الستار عن الحقيقة، فقد جاءت مشيئة الله لتحسم جدل عقله.
لذا أطلق عبارات التحذير قبل إضرام النيران:
"هارون يبقى ابنك أنتِ وناجي يا عمتي."
هكذا تحدث «سالم» واضعًا سيف الحقيقة الباتر فوق عنقها.
فبرقت عينيها للحظات غيبتها عن الواقع كل تلك الشهقات المصدومة والعبارات المُستنكرة التي قطعتها كلماته التي تحمل من الأسى ما يُذيب أعتى القلوب:
"لا. مسميش ابنها. اسمي كبش الفداء. القربان اللي قدمته همت هانم الوزان للشيطان عشان تفضل عايشه في مملكتها للأبد. معلش يا سالم بيه أنا بحب اكون دقيق في كلامي."
وجه جملته الأخيرة إلى «سالم» بنبرة ساخرة وأعين تتلوى بلظى الجحيم مما جعل الأخير يُطلق صفير انتهاء تلك الجولة:
"قولت اللي جيت عشانه. بعد كدا انت اللي هتسمع."
"يسمع ايه؟ هو في ايه؟ اللي انا بسمعه دا حقيقي؟ انتوا ساكتين ليه؟"
كان هذا صوت «شيرين» التي اجتاحتها نوبة جنونية من فرط الصدمة.
وشاطرتها «سما» الجنون حين قالت ساخطة:
"هو انتوا مش وراكوا إلا احنا. كل شويه حد ييجي يتسلى علينا؟ هنفضل نتأذي لحد امتى بسببه؟ ارحمونا بقى."
تدخل «مروان» يحاول تهدئتها:
"اهدي يا سما عشان تعرفي الحقيقة كلها."
"حقيقة ايه يا مروان؟"
كان هذا أول شيء يصدر منها ليُثبت أنها ما تزال على قيد الحياة التي انتزعت منها كل ماهو جميل سابقًا.
والآن تُعيده بأقسى الطرق وأشرسها.
التفتت إلى ذلك الجسد الضخم والتحمت أعينهم معًا للحظات قبل أن تقول بنبرة هادئة:
"انت يا ابني بتقول ايه؟ أم مين؟ وقربان ايه؟ أنا مش فاهمه حاجه. معلش أنا ست كبيرة ويمكن عقلي مبقاش يشتغل زي الأول. احكيلي الراجل دا عمل فيك ايه؟ ماهو أصله أذينا كلنا مش انت لوحدك."
كانت نبرتها هادئة يشوبها الارتجاف بفعل صدرها الذي كان يعلو ويهبط بجنون يوازي جنون أنفاسها.
وعبراتها المُنسدلة تحفر خطوط الوجع فوق معالمها، فبدت لوحة حية لشخص يُجاهد للهروب من شياطين الحقيقة التي إن طالتها ستُجهز حتمًا عليها.
"اللي سمعتيه و بتحاولي تنكريه بينك وبين نفسك عشان تفلتي من ذنبك أو يمكن عشان تحاولي تنقذي صورتك البشعة قدامهم."
اندفعت الكلمات من شفتيه كالأعيرة النارية التي وجب إيقافها في الحال.
لذا وما أن أنهى جملته حتى تفاجيء بتلك اليد التي سحبته من ياقة قميصه ليلتفت إلى الجهة الأخرى، وإذا بلكمة قوية اصطدمت بأنفه.
فكان وقعها عنيفًا حد تدافُع الدماء بغزارة لم يلتفت لها «سالم» الذي صاح بصوتًا جهوري أرعد الجميع:
"كنت عايز أكرمك يا ابن عمتي بس الظاهر إنك لازم لك رباية من أول وجديد."
شهقات متتالية تلاها صوت «فرح» التي اقتربت منه بلهفة:
"سالم."
تجاهل ذلك الضجيج ووجه حديثه إلى «طارق» آمرًا:
"الواد دا يتربط جنب الخيل زيه زيهم لحد ما ننضفه من جينات ناجي."
بلمح البصر كان «طارق» يُكبل ذلك الذي أوشك على الانقضاض على «سالم» ليقول الأخير بنبرة غليظة قادرة على بث الرُعب في النفوس:
"وبعدها نبقى نعمله احتفال يليق بيه، وبينا."
زمجر «هارون» بشراسة:
"متقلقش يا سالم يا وزان. اللي يليق بيكوا ده عندي أنا، وقريب أوي هعرفكوا كلكوا مقامكوا."
لم يُقاوم وإنما ترك «طارق» ليقوده بسلاسة كانت مُدهشة للجميع ممن لم ينتبهوا على تلك التي ترتجف في الزاوية.
ليأتيهم صوت «سالم» الصارم حين قال:
"خدي الضيفة يا فرح ووديها على أوضة تليق بيها، وتتعامل أحسن معاملة. ماهي بردو تخصنا."
قال جملته الأخيرة بنبرة فظة مُرعبة تحمل الكثير من المعاني.
فلم تجد بُدًا من إطاعته، ولكن فجأة تسمر الجميع حين شاهدوا تلك التي افترشت الأرض غائبة عن الوعي الذي كانت تُجاهده منذ أن سمعت تلك القنبلة التي لم يتسع عقلها لأستيعابها ولم يحتمل جسدها كل ذلك الضغط.
فسقطت بين يدي «مروان» الذي حال دون ارتطام رأسها في الأرض وصُرخ مُجفلًا:
"عمتي.."
"ماما.. همت.. عمتو.."
كل تلك الصرخات اندلعت من أفواه الجميع رعبًا على امرأة أغتيل قلبها ذات يوم على يد جبان.
ظنت أن بإمكانها أن تصنع منه رجلاً يستحق ودها، لم تكُن تعلم بأنها قدمت قلبها قربانًا لـ شياطين الجحيم التي تلاعبت بمصيرها وأسقطتها في بؤرة الأسى الذي لون حياتها بظلام دامس تاهت عنه شمس الأمل.
بعد مرور نصف ساعة غادر الطبيب الي أخبرهم بأنها تُعاني من صدمة عصبية ووصف لها عقار مُهدئ حتى تتجاوز تلك المرحلة بسلام مع وصايا قوية بعدم تعرضها لأي ضغط عصبي.
"ممكن أفهم ايه اللي بيحصل دا؟ يعني ايه دا اخونا؟ ويعني ايه ضحية؟ أنا مش فاهمه حاجه خالص!"
هكذا تحدثت «سما» بنبرة يتساقط منها القهر كما تساقط الدمع من مآقيها على كل تلك الكوارث التي تحدُث معهم لتُضفي المزيد من اللوعة والأسى على حياتهم.
ولكن كان هناك من يشاطرهم الألم أضعاف.
فجاء مجرورًا من قلبه ليحتوي وجعها بين جنبات صدره في عناق دافيء حنون يُشبه لهجته حين قال:
"قبل اي حاجة لازم تهدي. مينفعش تنهاري بالشكل دا. مش هتحمل."
كانت كلماته تحمل طابع التوسل الذي لامس قلبها المكلوم.
فخر بين ذراعيه يذرف شكواه بأسى.
ليتدخل «سالم» حاسمًا الأمر بنبرة جامدة حين قال:
"هارون يبقى اخوكوا شقيقكوا."
"ازاي؟ دا تقريبًا اللي يشوفه يقول اكبر مني!"
طرأ هذا الاستفهام بنبرة مقهورة كانت لـ «شيرين» التي حاوطتها يد «طارق» الحانية ليقول مُهدئًا:
"اهدي عشان تسمعي وتقدري تفهمي."
تابع «سالم» سرد الحقائق بأعين يتراقص بهم الغضب ونبرة يشوبها الجمود:
"من فترة طويلة واحنا حاطينه تحت المراقبة لحد ما قدرنا نعرف أن في حاجة مهمة مخبيها في قصره في ألمانيا، والحاجه دي كنا فاكرينها بنته الغير شرعية من ست أجنبية."
تعالت الشهقات من فم الجميع واندفعت «أمينة» باستنكار:
"يا ساتر يارب أعوذ بالله. بقى كمان له بنت غير شرعية؟"
"دا اللي كنا مفكرينه لحد ما عرفنا بوجود هارون."
اندفعت «فرح» لتفكيك قطع الأحجيه بسلاسة:
"كانوا مفكرين أن البنت اللي جت معاه دي هي بنته اللي مخبيها لكن طلع دا تمويه عامله، وابنه فعلا هو هارون.."
صمتت لثوان وقد لمع وميض قوي بعقلها وسرعان ما رفعت رأسها تُطالع «سالم» بنظرات ذات مغزى لتُتابع بتفكير:
"طب انتوا لسه عارفين موضوع بنته دا من كام شهر لما لاحظتوا تحركاته المُبهمة. معنى كدا أنه مكنش عايش معاه قبل كدا."
اندفع «مروان» قائلًا بإعجاب:
"تصدقي صح. إحنا فعلًا ملاحظناش أي حركة غير طبيعية في تصرفاته غير من وقت قريب. زي ما يكون قاصد يعرفنا أنه مخبي سر."
تدخل «سالم» موجهًا حديثه إلى «شيرين»:
"تعرفي حاجة عن القصر بتاعه اللي في مقاطعة… بما إنك كنتِ عايشة هناك؟"
صمتت لثوان تحاول الرجوع بالذكرى إلى البعيد لتقول بضياع:
"معرفش حاجة عنه أوي. مكنش بيحكيلي غير اللي عايزني أعرفه. لكن كان له دايمًا تحركات غامضة أنا معرفهاش ومكنش سامحلي أسأله."
أومأ «سالم» بكدر قبل أن يُتابع بجفاء:
"بعد ولادة سما عمتي حملت وولدت بنت وقالوا إنها ميتة. البنت دي تبقى هارون. طبقًا التقارير اللي وصلت لنا والتحاليل اللي عملناها هو فعلًا اخوكم، وده كل اللي نعرفه لحد دلوقتي."
"يعني دا ابني؟ دا فعلًا ضنايا؟"
كان هذا الاستفهام المُشبع بالأسى والحرقة لـ «همت» التي لم تفلح المُهدئات في إخماد ثورة قلبها المُلتاع.
لتقف على أعتاب غرفتها تستمع إلى حديثهم المرير الذي انفطر له فؤادها حد تقاذف الدمع من مآقيها وهوان أقدامها التي جعلتها تتربع على الأرض أسفلها.
فاندفعت الفتيات إليها ليُحاوطنها بحب وتعاطف كان له نصيب كبير في قلب «سالم» الذي اقترب بخطٍ حمل طابع اللهفة وجاءت لهجته مُشعجة حنونة:
"ايه يا همت يا وزان؟ فين الجبروت والقوة اللي كنتِ معروفة بيهم؟ طلع عندك ابن بعد السنين دي كلها. مفروض تفرحي. واجع قلبي كدا ليه؟ مش كفاية حرقتك السنين اللي فاتت دي كلها؟ بتكملي عاللي باقي منك."
"مبقاش باقي مني حاجة يا سالم؟ قلبي قايد نار. وكأن حد خبى فيه جمرة لا قادرة أطفيها ولا قادر أمحيها. بقى كل السنين دي وأنا عايشة بكسرتي وقهرة قلبي، هو في إيده مية اللي تطفي ناري وحايشها عني؟"
ارتفعت بعينيها تُناظر ذلك الجدار الفولاذي الذي أعماه الغضب، ولكن الثبات دربه الوحيد.
فتابعت بلهجة محشوة بالوجع:
"هان عليه حسرة قلبي يوم ما جابولي حتة لحمة حمرا وحطوها في إيدي وقالولي بنتك ماتت! دانا كنت ببكي من قلبي قبل عنيا. طب ليه؟ طب مانا مش بور، طب مانا مش ناقصة زي ما كان بيصورلي دايمًا. ليه عمل فيا كدا؟"
ارتفعت أنظارها إلى الجميع تتفرق بينهم بضياع وأسًى شاب لهجتها حين قالت بشفاه ترتجف ألمًا:
"دا وصلني لمرحلة إني أخاف أبص لـ ولاد اخويا لأحسدهم. خد ضنايا مني. وحرق قلبي عليه وحرق قلبه بكذبه وافتراه عليا. طب أنا عملت في ايه؟"
رفعت رأسها إلى «أمينة» تقول بنبرة محفوفة بالألم:
"أمينة. أنتِ كنتِ شاهد على كل حاجة. أنا كنت وحشة؟ أنا أذيته؟ أنا محبتش غيره في حياتي."
بترت شهقاتها الكلمات من على شفتيها، فأخذت ترتجف بقلب ينفطر ألمًا.
فاقترب «سالم» يحتوي رأسها بين ذراعيه وهو يقول بقلب يحترق كمدًا:
"العيب مش فيكِ. هو اللي حقير وكان عايز ياخد كل حاجة وينتقم مننا عشان كنا مراية لفشله."
خرجت منها آهة حارقة لا تسمن ولا تغني من جوع، فقد فاض الألم في قلبها للحد الذي جعلها تقول بشفاه مُرتجفة:
"يا حسرة قلبي على شبابي اللي ضاع وبناتي اللي اداسوا بالرجلين، وابني اللي أتيتِم وأنا على وش الدنيا."
غيب الألم عقلها، فأخذت تلطم خديها بعنف ارتج له قلوب الحاضرين.
ليحكم «سالم» الإمساك بكفوفها وهو يقول بقلبٍ مُلتاع ولهجة محرورة:
"حقك دين في رقبتي يا عمتي، ورحمة أبويا ما هسيبه، وهرجعلك ابنك تاني حضنك وهدوقه حرقة قلبك أضعاف. بس متعمليش في نفسك كدا."
كانت قلوب الفتيات تحترق ألمًا لم يفلح شيء في مداواته، خاصةً وأن تلك المُسجاة أرضًا والدتهم.
لذا اقتربن منها يحاوطنها بنحيب صامت أدمى قلوب الجميع حولهن.
فكان المشهد أكبر من قدرته على الاحتمال، خاصةً مع كل تلك النيران المُندلعة بجوفه حقدًا على ذلك المسخ الذي حول حياتهم إلى جحيم.
لذا غادر المكان بأكمله متوجهًا إلى غرفة مكتبه غافلًا عن تلك التي قادها قلبها إليه هلعًا من غضب لم تره منه قط.
وما أن دلفت إلى غرفة مكتبه حتى تسمرت في مكانها ذلك المقعد الذي شاهدته يطير في الهواء ليسقط فوق النافذة محطمًا إياها إلى أشلاء.
"سالم."
همست بذعر حقيقي يجوب قلبها منه وعليه، فقد خابرت اليوم إحدى حالته النادرة التي توحي بأنه شيطان قدم من الجحيم الذي كان يُلون حدقتيه في تلك اللحظة.
بصدر يعلو ويهبط من فرط الأنفعال وملامح وجه مكفهرة حد الفزع الذي جمدها بمكانها لثوان قبل أن تخطو إليه بقلب لهيف يبغي سحبه من بؤرة الجنون التي تكاد تُطيح به في تلك اللحظة:
"اهدئ يا سالم. اهدئ يا حبيبي."
لم تتبدل معالمه إنما كانت تزداد قتامة وتضيق عينيه بوعيد مُفزع جعل عقلها ينهار.
فصرخت بملء صوتها:
"سااااالم."
أعاده صُراخها من عالمه الأسود إلى حيث يقفان، وقد تبدلت الرؤية أمامه ما أن رأى ارتجافها وذعرها الذي جعل أسنانها تصطك.
ليحاول تنظيم أنفاسه قبل أن يقول بنبرة خشنة مقيتة:
"اهدي. أنا كويس. مفيش حاجة."
زاد ارتجافها وانهارت العبرات كصخور مُدببة تنشب حوافها فوق خديها.
ليقترب هو بهدوء يحاوطها بذراعيه، فتفاجيء بها تعانقه بقوة لم يعهدها منها.
وجاءت كلماتها لتصدمه حين قالت:
"فوق يا سالم. ارجوك فوق. كل حاجة هتتحل بس متعملش كدا."
حاول تهدئتها قائلًا بنبرة خشنة:
"اهدي يا فرح."
همست بحروف مُبعثرة من فرط ارتجافها:
"حاسة قلبي هيقف من الخوف."
كانت كلماتها كـ قنبلة نووية تفجرت بقلبه الذي لان حد اللهفة التي تجلت في نبرته حين قال:
"هش. بعد الشر عنك. متقوليش كدا تاني."
«فرح» بتلعثم من بين عبراتها:
"انت ممكن تضيع مني في لحظة. انت من شوية بس كان ممكن تبقى مجرم. أنا مش هتحمل كدا. انت مشوفتش نفسك كنت عامل ازاي؟"
ارتفعت بانظارها وكفوفها الحانية لتحتوي وجهه بين يديها وهي تقول بشفاة مُرتجفة:
"انت مش كدا. انت مش مجرم. انت سالم الوزان اللي مفيش حد يقدر يقف قدامه. طول عمرك حاكم كل حاجة بعقلك مش هتيجي دلوقتي تتخلى عنه. أرجوك يا سالم. أوعى أشوفك كدا تاني. إحنا محتاجينك. ابنك محتاجك وأنا هموت من غيرك."
كان حنانها وكلماتها ومدى إحساسها الذي وصله كإسفنجة سريعة الإمتصاص أخذت جميع ما علق بصدره من غضب ليحل محله هدوء وسكينة بعد أن أعادت كلماتها إليه رشده.
ليزفر بقوة نافضًا آخر ذرة جنون كانت تتملك منه وهو يضع رأسها بجوار قلبه الخافق بعنف قبل أن يقول بخشونة:
"متخافيش. أنا كويس. مفيش حاجة من دي هتحصل. كانت لحظة شيطان وراحت لحالها."
شددت من احتوائها لخصره حتى آلمتها أوتارها وصُبغت لهجتها بالهدوء حين قالت:
"استغفر ربنا، وأنا واثقة إن ليها حل. صدقني إن شاء الله ليها حل. عمتو همت قوية، وهي بس أول ما تفوق من الصدمة هتفرح."
رفعت رأسها تغمره بالأمل النابع من نظراتها ولهجتها حين قالت:
"آه هتفرح. عندها ابن بعد السنين دي كلها. هيكون عوض ليها عن كل العذاب دا. يبقى لازم تفرح. بس كل حاجة بتاخد وقت، وانت سيد العاقلين وعارف إن مفيش حاجة بتيجي خبط لزق كدا. مش دا كلامك؟ سيب الناس تستوعب الصدمة، وبعد كدا كل حاجة هتتحل إن شاء الله."
على الرغم من بعثرة كلماتها إلا أنها حملت رائحة السلام إلى قلبه الذي رق على حالها.
فقربها منه بغتة محاولًا إضفاء العبث في نظراته ولهجته حين قال:
"طب ما تجمدي بقى خلاص في ايه؟ معرفش إن قلبك ضعيف كدا."
«فرح» بلوعة:
"قلبي كان هيقف وأنا متخيلة إنك لو قدامك ناجي كنت قتلته. لا مش هخسرك. مش هقدر. حط الموضوع دا في دماغك، وافهمه كويس يا ابن الوزان."
ترقرقت رخات المطر على قلبًا فاض به الوجع وطغى.
لتأتي امرأة بنكهة الجنة ترتشف عبق آلامه وثقل أحماله لتُضفي السلام على حروب ومعارك يخوضها منذ سنوات.
وتُبدل بلمح البصر رمادية عالمه إلى ألوانًا زاهية تُشبه خضرة عينيها التي سكن الفؤاد بعمقها واهتدى:
"ابن الوزان بيعشقك يا فرح."
إجابتها كانت مُدمرة مُباغته كـ فيضان ضرب سدًا قويًا فأسقطه كما أسقطته أسيرًا بين شفاهها.
ترتشف عشقه من خمر ريقه العذب وكفوفها أسفل رقبته تقربه أكثر وأكثر حتى لا يفصلهما شيء ولو كان نسمة هواء دخيلة على التحامهم الذي لم يدم طويلًا.
فقد كانت قبلة خاطفة عذبة تؤكد حقوقها به وسطوتها على قلبه وتحمل تحذيرًا صريحًا بعدم تفريطها بما هو ملكٍ لها.
---
"عملت ايه يا عمار في اللي طلبته منك؟"
هكذا تحدث «صفوت» فشَرع «عمار» في الإجابة بسلاسة:
"الراجل ده مالوش في حاجة واصل. من بيته لشغله ومن شغله لبيته. لكن المرة الحية اللي عندك دي هي اللي وراها الجرار كله."
"ازاي؟"
«عمار» بتفكير:
"يعني جاعدة اهنه وسايبة دارها وعيالها ليه؟ الچيران لما سألناهم قالوا إن شوكتها جوية عليه، وإنه يوم العاركة كان راجع من شغله وجايب عجل وحاجات كتير لولاده دا اللي هما قالوه. ازاي هيكون ضربها وعمل كل ده فيها وليه؟"
«صفوت» بسخرية:
"كنت واثق من كدا أول يوم جت فيه. مرتحتلهاش ولا حسيت إن نجمة بتطمن معاها. بس المشكلة هنا إننا لازم نعرف إيه مصلحتها من ورا خدمة ناجي. فلوس مثلاً؟"
«عمار» بنفي:
"لاه. أنا جلبي حاسس إن في حاجة أكبر، ومتأكد إن الراجل ده ميعرفش باللي هي بتعمله، وخصوصي إنها كانت جايه من عند أهلها جبل ما ييجي بكام ساعة. حاسس إن في إنه في الموضوع."
«صفوت» باستفهام:
"هما أهلها دول من عندكوا ولا منين؟"
«عمار» بنفي:
"لا دي من الغجر وكانت متجوزة راجل تاني من العرباوية وكانت عايشة في الجبيلة بتاعته جبل لما ينحبس."
اندفع «صفوت» قائلًا بلهفة:
"لحظة واحدة. عيد اللي قولته كدا تاني. مين اللي من الغجر، وعرب إيه اللي هي كانت متجوزة منهم؟"
«عمار» بتفسير:
"الولية دي كانت من الغجر اللي بيلفوا في الموالد، ولافت على حد من البدو واتجوزها وراحت تعيش معاه اهناك في الجبيلة بتاعته بس الراجل جوزها ده كان ليه في تجارة المخدرات، واتقبض عليه ومات في السجن معرفش إيه اللي رماها علينا واتزوجت الجنايني بعدها."
أخذت الاستفهامات تطن برأسه كالذباب تتقاذفه الأفكار، يشعر بأن هُناك أشياء كثيرة كانت تُحاك خلف ظهورهم.
لا يعلم لما قام بربط الأحداث مع بعضها البعض ليتوقف فجأة عقله عن العمل حين دلف «سليم» من باب الغرفة قائلًا بمرح:
"أهلا يا عمار ازيك."
صافحه «عمار» بود يشوبه العتب حين قال:
"أهلا يا وزان عاش من شافك يا راجل. بقى أجده تاجي لحد اهنه ومتزورناش لا انت ولا جنة؟"
«سليم» بمُزاح:
"خلاص يا عمار ما انت عارف اللي فيها، وبعدين إحنا لسه هنا. هجيب جنة ونيجي نشوف الحاج عبد الحميد ونشوف حلا والجماعة كلهم."
"يبجى الغدا عندنا النهاردة."
هكذا اقترح «عمار» بود فوافقه «سليم» بدون نقاش.
ليلفت انتباهه «صفوت» الغائب كليًا عن حديثهم، فحاول «سليم» لفت انتباهه قائلًا:
"ايه يا سيادة اللوا فينك؟ مش معانا ولا ايه؟"
«صفوت» بشرود:
"لا أنا معاكوا. صباح الخير، كنتوا بتقولوا ايه؟"
تمتم «عمار» مازحًا:
"ياريت تفضل تايه كدا كتير خليني أعرف أشم نفسي شوية."
ابتسم «سليم» على كلماته قبل أن يلتفت قائلًا لـ «صفوت»:
"أنا هروح أنا وجنة نتغدى مع الجماعة عشان على بالليل هنسافر إن شاء الله."
"و مستعجلين على ايه؟ مش هتجعدوا معانا كام يوم؟"
هكذا تحدث «عمار» باستنكار فأجابه «سليم» بقلة حيلة:
"الوضع مش مظبوط يا عمار، ولازم نكون كلنا متواجدين ومصحصحين الفترة دي."
«عمار» بمؤازرة:
"الله يكون في العون. أنا رجبتي سدادة لو احتجتوني في أي وقت أنا في ضهركوا."
«سليم» بامتنان:
"راجل يا عمار، وقد الناس كلها."
التفت إلى «صفوت» قائلًا:
"طب هنمشي احنا بقى ونتقابل بالليل تمام؟"
«صفوت» بشرود:
"ماشي يا سليم. مفيش مشكلة."
---
"بص بقى انت ليك حق تزعل أيوا. لكن أنا ليا حق إني أحتفظ بشوية أسرار تخص عيلتي وخصوصًا إني مش متطفلة ولا باجي أسألك عن حاجة تخص أهلك كدا ولا لا؟"
هكذا تحدثت «حلا» بانفعال بعد أن اقتحمت غرفة المكتب بعد علمها بأنه متواجد وحده هناك.
فقد خاصمها منذ يومين حين استفهم عن هوية «لبنى» فاختارت أغبى عُذر يُمكن أن يُقنع رجل مثله.
"دي. دي واحدة قريبتنا، وحصلتلها حادثة فإحنا جبناها نعيش معانا. عطف يعني."
غضب يومها وأعطاها نظرة تحمل اللوم والخيبة معًا قبل أن يقول بسخرية:
"لما تحبي تكدبي عليا دوري على حجة مقنعة عشان ما أنامش عيل صغير قدامك."
مر يومان وهو لا يزال يتجنبها حتى قرضها الشوق من الداخل ولم يعُد قلبها يطيق مُر هجره.
وقد شعر بقرب انهيارها لذا نصب عوده يقترب منها وهو يقول بلهجة شائكة أرسلت ذبذبات خافتة إلى سائر أوصالها:
"لا مبتسأليش. بس لو سألتي يا هجاوبك يا مش هجاوبك. إنما أضحك عليكِ وأستغباكِ دا أسميه ايه؟"
احتقنت وجنتاها بدماء الخجل، فهو مُحق ولكن لا حيلة لها أمام اندفاعها وغبائها الذي جعلها تتفوه بتلك الترهات.
لذا رفعت رأسها وهي تقول بلهجة حاولت إضفاء الثبات عليها:
"سميه إني اتلخبطت وانت بتستجوبني زي القطر ومعرفتش أرد عليك أقولك إيه."
بهتت ملامحه من كلماتها فصاح باستنكار:
"مين دا اللي بيستجوبك زي القطر؟ دا هو سؤال واحد مفيش غيره."
«حلا» باندفاع:
"أيوا ما هو انت كنت بتبصلي بعينيك اللي بتلخبطني دي وبتخليني مش عارفة أنا بقول إيه."
ضيق نظراته فقد ألهبت كلماتها العفوية جمر الشوق بقلبه.
فاقترب منها بخطٍ وئيدة ونظرات داكنة جعلتها تفطن إلى فداحة ما تفوهت به.
ولكن حواء بداخلها استخدمت كل ذرة دهاء لديها لتُخفض بصرها بحزن مُفتعل بات يعرف ملامحه جيدًا.
فتوقف بعد أن أصبحت أسيرة بجسده الصلب والجدار خلفها، وقال بنبرة خطرة:
"بقى عنيا بتلخبطك؟"
أومأت برأسها بوداعة أهلكت حواسه.
ولو كان يعلم كل العلم بأنها مُخادعة، ولكن لم يحرم نفسه لذة الاندماج معها في لعبتها حين قال بلهجة شغوفة:
"و بتخليكِ مش عارفة بتقولي ايه؟"
أومأت للمرة الثانية بصمت تلاه صرخة خافتة حين قست أنامله على خصرها وهو يقول بنبرة خطرة:
"غلطانين. عايزين يتعلموا الأدب. مفروض بعد كدا أغبيهم عشان سيادتك تعرفي تستغفليني كويس."
إن كان يظن نفسه قادرًا على أن يُفاجئها فهي دائمًا ما تبهره.
حين قالت بلطافة أودت قلبه في قاع الجحيم:
"لا أوعى تعمل كدا. حتى لو بيوتروني أنا بحبهم أوي، وخلاص سامحتهم."
دام صمت مطبق من جانب ذلك الذي تصنم أمام طريقتها في قلب الأمور ليُصبح هو بدلًا من المُتدعي للمُتدعى عليه.
ليصل بالنهاية الأمر إلى خروج ضحكة مدوية من جوفه لم يستطع ردعها إثر مظهرها ومدى البراءة التي تدعيها.
فقام بعناق خصرها ليجعل أقدامها تتأرجح في الهواء كما تتأرجح دقات قلبه الهادرة عشقًا لها.
فقامت لاحتواء رقبته وهي تناظره بهدوء يحمل استفهامًا مُثيرًا:
"هل تستطيع مجابتي؟"
"أعمل فيكي ايه؟"
«حلا» بدلال جعل عظامه تأن من فرط التأثر:
"هاتلي بطيخ نفسي فيه."
برقت عينيه من كلماتها وقال باندهاش:
"هو الحمل ليه قالب معاكِ بكل الممنوعات كدا؟"
تبلور الحماس بنظراتها حين صاحت بلهفة:
"ممنوعات. الله. تصدق فكرة."
صمتت لثوان قبل أن تُطلق استفهامًا مُريعًا نال من ثباته بقوة:
"ياسين هو انت ليه مبتشربش حشيش؟"
"هاه."
تدلى فكه من فرط الصدمة من استفهامها الذي لم يتخيله بحياته.
لتقترب هي بكل ما تملك من رقة وتزين أسفل شفاهه بقبلة دافئة قبل أن ترفع رأسها وتقول برقة:
"كدا أنا صالحتك الدور عليك تصالحني، وطبعًا انت عرفت دلوقتي أنا نفسي في ايه."
بقى واقفًا كالصنم ينظر إليها لتمر بجانبه وهي تتوجه إلى باب الغرفة قبل أن تلتفت قائلة بمرح:
"وخلي بالك مش هقبل بأي بديل."
أنهت كلماتها واندفعت إلى الخارج لتتركه يحدق بالفراغ كالأبله.
---
"البنات فين؟"
هكذا تحدث «مروان» إلى «أمينة» التي كانت تجر أقدامها لتصل إلى الأريكة.
فهب «مروان» يُساعدها لتربت على يديه قائلة بتعب:
"نايمين في حضن امهم. يا حبايبي مش قادرين يسبوها."
زفر «طارق» بحرقة تجلت في نبرته حين قال:
"ربنا يستر عليها وميجرالهاش حاجة."
«أمينة» بأسى:
"طول عمرها حمالة أسية. أنا كنت ساعات بسأل نفسي هي ازاي قادرة تقف على رجليها بعد كل اللي شافته؟ اتاري اللي جاي أشد وأصعب."
استنكر حديثهم وذلك الألم الكبير الناتج عنه، فهتف بحنق:
"كفاية بقى. همت قوية، وهتقدر تعدي كل حاجة وهتبقى زي الفل. دي العفاريت والجن بيخافوا منها ياستي."
«أمينة» بشفقة:
"جن إيه وعفاريت إيه يا مروان قصاد عمايل الشيطان اللي كانت متجوزاه."
كان الألم يزحف إلى قلبه رغماً عنه وتحترق روحه حزناً عليها، ولكنه حاول نفض كل ما يعتريه وهو يقول بتهكم:
"الصراحة هي حظها أسود راجل ابن كلب وعيل ابن ستين كلب. مفيش غير سمسمتي هي اللي في البيعة."
رغمًا عنه خرجت كلماته غاضبة:
"ومالها شيرين إن شاء الله؟ مش عاجباك ولا حاجة؟"
«مروان» بسخرية:
"لا. حلوة وبسمسم يا خويا. ماهي كانت قارفة أمنا بردو بسببه. كل واحد من عياله يلفله لفة وياخد دوره وإحنا نستلقى كل قفا أنقح من التاني ومنقدرش نقول جاي حتى."
زمجر «طارق» محذرًا:
"متهلفطش في الكلام. شيرين ضحيته زيها وزي عمتي بالظبط. شيرين قلبها طول عمره أبيض ومن جواها نضيفة."
«مروان» بسخرية:
"هو أنا قولتلك جربانة! ماهي حلوة من بره ومن جوا بت بيضا وعنيها ملونة وشعرها أصفر أكيد قلبها أخضر شبه الخساية يعني."
قام «طارق» بقذف أحد الوسائد في وجهه، فاعتدل «مروان» مستندًا عليها براحة وهو يقول بامتنان:
"الله يباركلك والله كنت محتاج أقعد وأتجعص كدا عشان أعرف أفكر صح."
تدخلت «أمينة» بسخرية:
"وياترى فكرت في إيه يا خويا بعد ما اتجعصت؟"
«مروان» بجدية:
"أتأكدت مليون في المية إن البغل اللي اسمه هارون دا ابن عمتي."
«طارق» باستفهام:
"اشمعنا؟"
"غشيم زيها."
«أمينة» بحنق:
"تصدق إنك عيل جزمة."
"والله ما بهزر تحسيه قطر كدا. لما وقفوا قدام بعض تحسيه ابنها. هو بس اللي حلوف شوية لكن الملامح، نظرة العين، وحتى لما بتشفطر ببقها كدا وهي بتهزقني شبهها بالظبط."
أجابته «أمينة» بحماس:
"تصدق يا واد يا مروان عندك حق. دا شببها فعلا."
«مروان» بحماس:
"وخدي دي مني. الواد دا مش وحش. بغض النظر عن البكابورت اللي طفح في وشنا من شوية. بس الواد دا شارب المُر كاسات أنا قلبي حاسس."
زفر «طارق» بحنق وهو يتمتم ساخطًا:
"مش كان ناقصنا غير سي هارون دا كمان!"
«مروان» بسخرية:
"لا وشوف الرخامة اسمه هارون!"
«أمينة» باستفهام:
"وأنت الاسم يفرق معاك أوي يعني؟"
تشدق ساخرًا:
"أيوا مش هيبقى خال العيال، وبعدين أنا هنتظر إيه من واحد اسمه ناجي هيسمي هيثم مثلاً!"
صمت لثوان قبل أن يتمتم بسخرية:
"الحمد لله إن جدي مسبهوش يسمي سما. كام زمانه سماها نازك. كان زمان فضيحتي بقت بجلاجل."
نهرته «أمينة» بغضب:
"بطل ياد انت يا أبو لسانين."
«مروان» ساخطًا:
"أنا غلطان إني قاعد معاكوا هروح أشوف الكبير زمان فرح كلت ودانه وهي مدخنة من غير حاجة. يارب أروح ألاقيه بلعها وريحنا."
---
كان يحتضن كفوفها بحُب بينما يُتابع حديثه مع «عمار» في الجهة الأخرى.
إلى أن وصلت السيارة إلى قصر جدها الذي كان يستقبلهم بحفاوة شديدة.
وما أن رآها حتى أخذها بين ذراعيه في ترحيب كبير:
"يا أهلًا بالغالية. اتوحشتك يا بت الغالي."
"انت كمان وحشتني أوي يا جدو."
قام بتقبيل جبينها قبل أن يلتقط الطفل من بين يديها يناظره بحنو واضعًا قبله بسيطة فوق جبهته.
ليلفت مُرحبًا ب«سليم» بحفاوة:
"نورتنا يا سليم."
"نورك يا حاج عبد الحميد."
تبادل الجميع السلامات قبل أن يتقدمهم كُلًا من «عبد الحميد» و«عمار» للداخل.
لـ تستقبلهم «حلا» بفرح لا حدود له فأخذت تتعلق برقبة «سليم» كالطفلة وهي تصيح بفرح:
"سليييم. وحشتني اوي اوي. مش مصدقة اني شيفاك بجد."
«سليم» بحنو:
"انتُ كمان وحشاني أوي. عارف إننا مقصرين في حقك."
وضعت يدها تمنعه من الاسترسال في الحديث قائلة بحنو:
"الله يكون في عونكوا يا حبيبي. مفيش أي تقصير. أنا بكلم ماما على طول وبطمن عليكوا."
قبل جبينها بعرفان قبل أن يأتيهم صوت «جنة» المازح:
"شيلي ايدك من على رقبة جوزي لو سمحتي. أنا بغير."
قهقه الجميع على مزاحها فاندفعت «حلا» تُعانقها بقوة وهي تقول بشوق:
"لو مكنتش وحشاني مكنتش سبت رقبته على فكرة."
تبادل الجميع السلامات وأخذت «حلا» تُغدق «محمود» بقبلات مُشتاقة قبل أن تقول بحب:
"ياه لو أجيب بيبي قمر زيك كدا. دانا مش هبطل آكل فيه."
"ربنا يستر عليك يا محمود عمتك الحمل جاي معاها بالاكل احتمال لو جاعت تاكلك يا ابني."
كان هذا صوت «ياسين» الذي كان قادمًا لتوه للترحيب بهم فقهقه الجميع على كلماته.
فاندفعت «حلا» قائلة بتخابُث:
"لا مانا قررت أغير اهتماماتي. همتك بقى معايا."
"وه يعني إيه يا حلا هتغيري نشاطك. هتاكلي بني آدمين بعد كدا ولا إيه؟"
كان هذا استفهام «تهاني» فتعالت القهقهات حولهم.
لتندفع «جنة» قائلة بمُزاح:
"براحتك يا حلا لو يلزمك كتف ياسين خديه. كله فدا البيبي."
"أصيلة يا بنت عمي."
هكذا أجاب «ياسين» بمُزاح فتدخل «عبد الحميد» قائلًا بفخر:
"ولا يغلى عليكِ و على حفيدي أي حاجة يا حلا كتف كتف دوسي ولا يهمك أني في ضهرك."
أعجبها دلال جدها ل«حلا» وفرحته بحملها واندلعت رغبة قوية في التنعم بذلك الدلال هي الأخرى والذي حُرِمت منه في حملها الأول.
لذا اندفعت قائلة:
"طب خلي بالك بقى عشان تبقى في ضهري أنا كمان. أنا..."
بتر فرحتها اندفاع «سليم» الذي قاطعها قائلًا بجمود يُنافي بسمة كاذبة كانت ترتسم على شفتيه:
"أنتِ الناس كلها في ضهرك يا حبيبتي، وأنا أولهم ولا إيه؟"
شعرت لوهلة بضيق قوي في صدرها خاصةً حين قست أنامله على خاصتها بقوة لم تؤلمها بقدر ما آلمها تلك الفرحة التي بُترت على أعتاب شفتيها من قبله.
والتي تجاوزت عنها بشق الأنفس حين أومأت بصمت.
لـ يأتيها صوت «عبد الحميد» المُشجع:
"زي ما جالك سليم كلنا في ضهرك أنتِ ومحمود بس شدي حيلك يالا وخاويه."
جاءت إجابته لحظية حين قال بمراوغة:
"شويه كدا يا حاج عبد الحميد. يكون محمود شد حيله وهي كمان تسترد صحتها."
"أن شاء الله."
تبادل الجميع السلامات وسط ضحكات متبادلة بين الجميع عداها.
فذلك الثُقل الذي كان يرسو في قلبها حجب عنها الاستمتاع بوجودها بين عائلتها.
إلى أن جاء الوقت وطلب منهم الجميع الاستراحة قليلًا قبل موعد الغذاء.
فتبعته للأعلى إلى أن وصلت إلى غرفتها وقام بإغلاق الباب.
لتلتفت تناظره بعتب لم يخفى عليه ولكنه حاول تجاهله وخلع جاكيت بذلته ليقصد دورة المياه في تجاهل تام.
لم تفشل في فهمه ولكنها تحاملت على ذلك الألم الضاري الذي غزا قلبها في تلك اللحظة وأخذت تنتظره إلى أن خرج.
لـ تداهمه قائلة بنبرة مُتحشرجة:
"ممكن أعرف ليه مردتش تخليني أقولهم إنها حامل؟"
كانت نظراته جامدة وملامحه أيضًا وشابهتهم نبرته حين قال بنبرة أحد من السيف:
"عشان الحمل دا لازم ينزل."
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم نورهان العشري
داهمتها جملته لتستقر كـ طلق ناري اخترق منتصف قلبها الذي ارتج داخلها حين استمعت إلى جملته التي اختطفت الحياة من وجهها ليبدو شاحبًا، مبهوتًا، ساكنًا.
لتمتد يديه تُحيط بخصرها يقربها منه بحنو، لامس كلماته حين قال:
"يعني أول ما خلاص ابتديت ادخل جنتك عايزة تجيبيلي عزول ياخد مكاني فيها!"
كان مزاحًا ذو مذاق قاس على قلبها الذي استنكر كلماته، ولكن من شدة الألم لم تقو على الاعتراض. بدأ وجهها كساحة حرب لم يعرف أيًا من خصومها الانتصار يومًا، لذا قام بسحب أكبر قدر كافٍ من أكسجينها الدافيء داخل صدره قبل أن يقول بلهجة خشنة:
"مش هينفع يا جنة. مش هينفع دلوقتي خالص. جسمك مش هيتحمل."
زئير الوجع بداخلها انتفض لتُجيبه بحدة أجفلته:
"وانت مالك؟ معلش أنا اشتكتلك!"
"مش هستناكِ تشتكي."
قاطعته بـ قسوة مُطعمة بالألم:
"وانت تستناني ليه؟ في حين انك عادي تاخد قرار انك تقتلني وتقتل جزء مني بمنتهى الهدوء!"
ابتلع وقع كلماتها بداخل قلبه قبل أن يقول بهدوء:
"أنا ممكن أموت روحي لو طلبتي يا جنة. لكن مش هتحمل عليكِ الهوى، وقراري دا مش من دماغي، ولا بإيدي ولا بإيديك بردو."
ضاقت ذرعًا بكل تلك التناقضات المُـشبعة بالأسى، فنزعت نفسها من بين يديه وهي تصيح باعتراض:
"يعني إيه مش بإيدي ولا بإيدك؟ فهمني."
جذبتها يديه لتُعيدها إلى مكانها بين طيات صدره، فيما أخذت أنامله تُمسد عضلات ظهرها المتشنج وهو يُجيبها بنبرة تحمل الكثير من الطُمأنينة:
"مينفعش يحصل حمل بعد ما تخلصي رحلة الكيماوي غير لما يمر على الأقل ست شهور، ودا كلام الدكتور نفسه. أنا اتواصلت معاه لحد ما نروح ويشوف الحالة، بس بنسبة كبيرة لازم البيبي ينزل لإنه هيكون مشوه."
يموت الإنسان في حياته مرتين. مرة حين يأتيه الأجل، وآخرى حين يتعلق قلبه بحبال الأمل، وإذا بها شواظ من نار تكوي ثم تقتل.
سقطت الكلمات فوق ساحة قلبها كالأسهم المشتعلة التي سرت كهشيم في أوردتها، لتفر العبرات من مُقلتيها هاربة من ثقل الوجع الذي كان أضعافه بقلبه. فشدد من عناقها وهو يقول بنبرة مُهتزة:
"قولي الحمدلله يا جنة. قولي الحمدلله الذي لا يُحمد على مكروه سواه."
خرجت حروفها مُهتزة مُتألمة راضية:
"الحمد لله الذي لا يُحمد على مكروه سواه."
تنهيدة حارقة خرجت من جوفها وهي تستند على ساحة صدره الواسع الذي احتوى آلامها وعبراتها طوال الساعة المنصرمة، إلى أن هدأت غيومها وهي بين يديه فوق مخدعهما مستكينة، ولكنها برغم الألم راضية.
رفعت رأسها تناظره لتصطدم بجمرتيه المُشتعلتين، وكأن غيومه هي الأخرى ذرفت كثيرًا من الوجع، ولكنها لم تشعر به. فهمست باسمه بنبرة مُتحشرجة:
"سليم."
شعرت بأنامله تُمسد بطنها المسطحة بحنو، لامس كلماته حين قال:
"أصعب حاجة على الراجل في الدنيا أنه يحس بالعجز قدام اللي بيحبها، وأنا حسيت الإحساس دا معاكِ مرتين. مرة لما طلبتي مني أجيبلك حقك منه، والنهاردة وأنا شايف وجعك وعاجز إني أخفف عنك."
بارود كلماته تفجر في قلبها الذي انتفض لتهب جالسة نصف جلسة وهي تستند فوق صدره قائلة بنبرة مُوقدة:
"أوعى تقول كدا تاني. انت مش فاهم حاجة. انت لو مش موجود وبتتنفس أنا كان زماني ميتة. ميتة بالحيا يا سليم. مجرد جسم عايش يتألم وبس."
مدت أناملها تُلامس شعيرات ذقنه الغزيرة وهي تقول بصدق كان كشعاع نور اخترق ظلمته فأضاءها:
"انت الوحيد اللي بتفرح قلبي بتخليه يحس أنه عايش. لو كنت سمعت الكلام دا من الدكتور وانت مش جنبي كنت هقع من شدة الوجع. لكن وجودك هو اللي سندني."
جذبها لتستقر فوق موضع صدره، واضعًا قبلة دافئة فوق جبهتها قبل أن يقول بخشونة:
"إحنا مننفعش من غير بعض. دي الحكمة اللي دايمًا بطلع بيها من كل اللي بيحصلنا."
استكانت على صدره، واستكان بين ضفاف عشقها كليهما يتألم، ولكن غفوة العشق الذي جذبهما كانت كالبلسم الذي تطيب به الجراح.
"دوا إيه اللي بتاخديه دا؟"
كان هذا صوت "طارق" الخشن الذي اخترق سكونها، فانتفض جسدها مُرتعبًا لتلتفت إليه غاضبة:
"في حد يخض حد كدا؟ مش تكح!"
حدتها أغضبته، ولكن ذبول عينيها وبهوت ملامحها كانوا سببًا في تراجعه عن غضبه، ليقترب منها بجسده الضخم يحصرها بينه وبين طاولة المطبخ ليقول بنبرة شغوفة:
"سلامتك من الخضة. لو أعرف إن الجميل هيتخض كدا كنت خبيته في حضني."
ارتج قلبها لكلماته رُغم ثقل أوجاعه، فأخذت تناظره بعينين تشكوان الألم صمتًا، فلم تجد من الحروف ما يُمكن أن يُعبر عنه، ولكنه كان أكثر من يشعر بها. لذا احتوت كفوفه كفها الذي أغلقتْه على حبة دواء لمعالجة الاكتئاب الذي ظنت أنها هجرته وهجرها، ولكنه الآن يُعيد هجومه السابق بطريقة أشرس. فعادت لها نوبات الصداع مُجددًا، فلجأت إليه عله يُريحها.
"دوا إيه دا يا شيرين؟"
لم تستطع الكذب، فصارحته بملل:
"مهديء اتعودت أخده زمان."
تراقص شبح الغضب في نظراته لثوانٍ قبل أن يحتل محله العبث الذي تجلى في نبرته وهو يقول:
"مهديء! وهو أنا قصرت معاكِ في حاجة يا بنتي؟"
ابتسامة خافتة لوّنت ثغرها، ثم قامت بجذب يدها من بين يديه وهي تقول بنبرة جافة:
"مصدعة، وعايزة أنام يا طارق."
لم يُفلت يدها، إنما شدد من قبضته فوقها وهو يقول بنبرة ساخرة:
"ودا اللي هينيمك يا روح طارق؟"
"سيب إيدي."
لم يستجب لها، إنما اخترقها بنظراته ويديه تلامسان ملامحها بحنو، وبلهجة يطفو عليها الإعجاب تحدث:
"عارفة كل ما بقرب منك أكتر بتأكد إنك طفلة. حد بريء معندوش أي خبرة في أي حاجة. كل ثانية بتمر عليا جنبك بتثبتلي إني اخترت صح."
كلمات ليست كأي كلمات، إنما هي رذاذ مطر حانية احتوت تصدعات قلبها وروحها التي اهترأت بسبب ماضٍ مُشين وحاضرٍ أليم ومستقبلٍ تظنه جحيم، كونها تحمل اسم ذلك الرجل كأب. وكأنه طبيب بارع أتقن تشخيص المرض وقام بمداواته، لتنهمر مياه عينيها بغزارة وتنفلت الكلمات من بين شفاهها مجروحة كحال قلبها:
"أنا كنت وحشة أووي يا طارق. كل الناس اللي هنا دي اتأذت بسببي. بس أقسم بالله غصب عني. كنت فاكرة إنه على حق وأنهم على باطل. كان نفسي يرضى عني وياخدني في حضنه. كان نفسي أقدر أرفع راسي قدامهم. والله يا طارق ما كنت أقصد أأذي حد."
كان انهيارها لأمرًا جلل على قلبٍ لم يعرف للعشق سبيلًا سوى على يديها، لذا احتضنها بقوة وهو يُهددها كطفلٍ صغيرٍ يرتجف بين ذراعي أبيه، وكم كانت تتوق لذلك الإحساس الذي حاربت لأجله في الماضي وضحّت بالغالي والنفيس، ولكنها لم تجنِ سوى الخزي والألم.
"تفتكري لو انتِ وحشة كان ربنا هيعرفك حقيقته؟ لو انتِ كنتِ وحشة كان ربنا هيحنن قلوب الكل عليكِ بالشكل دا؟"
رفعت عينيها تستجدي الصدق في نظراته، فكان لها ما أرادت، فتهدلت أكتافها وهي تقول بحرقة:
"أنا مش قادرة أستوعب كل اللي بيحصل دا. بقى بعد السنين دي كلها يطلعلنا أخ. لا وايه؟ دا كاره ماما ومفكر إنها رمته. مش كفاية كل العذاب اللي شافته بسببه، كمان لسه مكمل في تعذيبها! هو دا يرضي ربنا؟"
"ربنا كبير يا شيرين و يمكن دا يكون عوض عمتي بعد كل العذاب اللي شافته معاه."
"عوض إيه يا طارق! دا مش طايقها وفاكر إنها رمته. تقولي عوض."
"مهمتنا إننا نعرفه الحقيقة عشان يقدر يحكم صح."
"انت كنت عارف بوجوده قبل ما ييجي هنا؟"
لا يعرف كيف الهرب من ذلك الاستفهام الذي كان يحمل همه كثيرًا، وها هو الآن يصطدم به:
"أيوا كنت عارف."
شهقت بصدمة:
"كنت و عارف ومقولتليش يا طارق؟"
"مش كل حاجة ينفع تتقال يا شيرين. أنتِ شوفتي بعينك الوضع كان لازم نتأكد الأول قبل ما نقول كل حاجة."
"واتأكدتوا؟"
"أتأكدنا."
"في إيه كمان معرفوش؟"
هكذا استفهمت بجفاء قوبل بالغضب من جهته حين قال:
"مفيش حاجة متعرفيهاش، وبعدين تعالي هنا. أنتِ توهتيني عالموضوع الأساسي. متاخديش الزفت دا تاني. سامعة ولا مش سامعة؟"
"على أساس إني باخده دلع! أنا باخده عشان أرتاح من كل اللي أنا فيه دا."
باغتها استفهامه الذي افتعل عاصفة هوجاء بين حنايا صدرها:
"وحضني كان قصر معاكِ في حاجة يا هانم؟"
برقت عينيها وتفشى الخجل في أوردتها حتى ترك بصماته فوق وجنتيها، لتخفض رأسها وهي تتمتم بتلعثم:
"أنا. يعني. محبتش أضايقك بهمومي."
بدأت أنامله بالعزف فوق خصرها فيما غازلتها حروفه حين قال:
"مش قولتلك إني كل ما بقرب منك بتأكد إنك بريئة وطفلة مبتعرفيش تستغلي مواهبك لصالحك أبدًا ولا تستعملي صلاحياتك."
أنهى كلماته بغمزة عابثة دغدغت مشاعرها، فهربت الحروف من فوق شفتيها تأثرًا بحديثه الذي أضرم نيرانًا أخرى داخل قلبها الذي اجتاحه شعور عارم من الذنب تجاهه وتجاه تلك النظرة التي يراها بها، وكشخص في موقفها، إما أن تربح الجولة كاملةً أو تخسر بشرف. لذا نظفت حلقها قبل أن تقول بنبرة جريحة:
"في حاجة مهمة لازم تعرفها قبل ما تقرر إني فعلًا حد بريء ولا لا؟"
تنبهت جميع حواسه لحديثها وظهر الاهتمام بنظراته قبل أن يقول بلهجة ثابتة:
"أيًا كان اللي هعرفه أنا نظرتي فيكِ مش هتتغير."
كان يخشى من الذي أضرم نيران القلق بجوفه، لذا اختار أن يبثها الأمان الذي تفتقده في تلك اللحظة حتى ينجو كلاهما من ما هو آتٍ، وقد شعرت هي به وبمحاولته في بثها ما يحتاج إليه كليهما، لذا تحلت بفضيلة الشجاعة قبل أن تقول بنبرة هادئة:
"لما كنت في ألمانيا حصلت مشكلة بيني وبين أحمد وروحت عند بابا وهو مكنش موجود وحازم كان لسه هناك واستغل موقفي وخدرني وصورني معاه صور مش كويسة."
كانت تطوف بداخل غرفتها وهي هائمة بمشاعر جديدة كُليًا عليها. لأول مرة بحياتها ترى رجلًا مثله. رجلًا كامل الرجولة وذو عنفوان وشكيمة، فظ، قوي، مُسيطر، ولكن يكمن خلف ألسنة اللهب المُطلة من عينيه حنان كبير لامسته في نظراته إلى تلك المرأة الحامل.
كلماته لازالت تتردد في أذنها. نظراته إليها وإلى الجميع انطبعت داخلها. وعوده لتلك المرأة ووالده "هارون"، وعنفوانه في التعامل معه، وتلك الهيبة التي تُحيط به تجعل الجميع يخشونه. كل تلك الصفات الرائعة التي اجتمعت به ألهبت مشاعرها وحركت غرائزها بصورة لم تعتدها من قبل.
تلك النظرة الخاصة التي حدجها بها زعزعت شيئًا ما لطالما كان مدفونًا بين طيات صدرها. أيعقل أن يدق قلبها عشقًا؟
لم تعرف العشق يومًا وهي بصحبة ذلك المسخ، بل لم تعرف معنى أن تذوب المرأة بين ذراعي رجلها، فقد كان الأمر حلمًا أكبر من حدود خيالها. فهي منذ أن وقعت أسيرة له وهي قد نست كل ما يخص أحلام المراهقة وحتى عنفوان الشباب. ولكن بنظرة واحدة إلى ذلك الرجل كانت كالتيار الكهربائي الذي أيقظ جميع حواسها دفعة واحدة، فطرح استفهام مثير في عقلها:
"كيف يُمكن للمرأة أن تشعر وهي بين ذراعي رجل مثله؟"
انتشى قلبها من مجرد التخيل وتعالت دقاته لتنتابها رغبة قوية لخلق فرصةً لها معه ولو كلفها ذلك الكثير.
طرق على باب الغرفة أخرجها من خضم تخيلاتها، لتتقدم وهي تفتحه بهدوء، فوجدت إحدى الخادمات تقول بلهجة أجنبية ركيكة:
"السيد يريدك في الأسفل."
فهمت أنه يريدها، فارتسمت ابتسامة هادئة على ملامحها، فقد أرادها في نفس التوقيت الذي كانت تفكر فيه في كيفية امتلاكه، واعتبرتها ضربة حظ، لذا أومأت برأسها وأغلقت الباب تنظر إلى جمالها في المرآة والذي كان مُشعًا رغم بساطة ذلك البنطال وتلك الكنزة الباهتة، وقد قررت أنها ستحاول استغلال كل ما تملك لـ تجلبه إليها في أقرب فرصة.
كانت تحمل قدح القهوة التي كانت تتفنن في تحضيرها له كأي شيء تفعله معه. دائمًا ما تجعل كل شيء منها مميزًا يترك بصمة واضحة وعلامة جيدة بداخله، لذا بالرغم من ذلك الألم في ظهرها إلا أنها تحاملت على نفسها وأعدتها له لتتوجه رأسًا إلى غرفة مكتبه. فإذا بها تجد تلك الفتاة تقف بمنتصف البهو تتلفت حولها وكأنها تبحث عن شخص ما، فبادرتها "فرح" القول بلهجة جامدة:
"هل تبحثين عن شيء؟"
التفتت "جوهرة" إلى ذلك الصوت الآتي من خلفها، فإذا بها تجد تلك المرأة الحامل التي تُعد الآن غريمتها، فيبدو أنها زوجة فارسها النبيل، فشملتها بنظرة كلية لم تُعجب "فرح"، ولكنها لم تُعلق، إنما انتظرت حتى تُجيبها "جوهرة" التي قالت بنبرة هادئة مُترفعة:
"أراد السيد سالم رؤيتي، ولا أعرف أين أجده، هل يُمكن أن تُرشديني إليه؟"
اختلفت نبرتها حين نطقت اسمه، أو هكذا ظنت "فرح"، ولكن لا تعلم لما تولد بداخلها شعور بعدم الراحة لتلك الفتاة التي تبدو نظراتها كبحرٍ أزرق عميق يُشعرك بالرهبة، ولكن بنهاية الأمر حسمت أفكارها وتحدثت بترفع:
"تعالي خلفي."
تقدمتها "فرح" بحركة مقصودة لتدلف إلى غرفة المكتب التي كانت خالية إلا من "مروان" و "سالم" الذي رقت نظراته وهو يراها تتقدم إليه حاملةً أكثر ما يحتاجه في تلك اللحظة، فتقبل منها القهوة بابتسامة هادئة قابلتها بأخرى دافئة تُشبه لهجتها حين قالت:
"شفتني وأنا طيبة وجايبالك القهوة لحد عندك."
لاح العشق في سماء عينيه لوهلة قبل أن يتبدل للجمود الذي تنافى مع لهجته العابثة حين قال:
"لا شفتك وأنتِ زي القمر وبتسمعي الكلام."
انتشى القلب بكلماته التي عززت من غرورها كثيرًا، وخصوصًا بوجود تلك الحسناء التي كانت تُتابع ما يحدث بترقب تخفيه جيدًا عن الأعين، ولكن للقلوب بصيرة لا تُخطئ أبدًا.
"تفضلي بالجلوس."
هكذا تحدث "سالم" بفظاظة وهو يُناظرها بجمود استلذت به كثيرًا، فملامحه الخشنة ونبرته الفظة وعينيه الجامدة كانا مثالًا للرجل المثير الذي تتمناه الكثير من الفتيات، لذا أطاعته وهي تتمتم بعبارات شكر مختصرة، ليبدأ "سالم" الحديث فور أن غادرت "فرح" التي شعرت بأنه من اللائق أن تغادر حتى ولو كان قلبها يقرضها من الداخل للمكوث معه وعدم تركه مع تلك الفتاة، ولكن وجود "مروان" هدّأ من روعها كثيرًا، على الرغم من أن ذلك الوغد أراد استفزازها حين قال بجانب أذنها وهي تغادر:
"متخافيش يا أم منصور معاهم محرم."
زجره بحنق، فتابع بتسلية:
"الكبير في أمانتي. الصاروخ يخصني أنا. حطي في بطنك بطيخة صيفي."
لم تُعره أي انتباه على الرغم من أنها غضبت من وصفه لتلك الفتاة بأنها جميلة، ولكنها في نهاية الأمر غادرت مرفوعة الرأس، ليبدأ "سالم" الحديث قائلًا بجدية:
"لم أحب الطريقة التي جلبناكِ بها من ألمانيا، ولكنك تعرفين لدينا نزاعات مع سيدك، وأنتِ بدون قصدٍ اقحمتِ بها، لذلك اعذريني."
كانت هائمة بداخلها من هيئته ورجولته الفظة وطريقته الخشنة في الحديث، حتى في الاعتذار يبدو رائعًا، لم تمس هيبته أبدًا، وقد كان هذا يروقها كثيرًا، ولكنها كانت تُتقن إخفاء جميع شعورها خلف ذلك البحر الأزرق الهادئ في عينيها، لتقول بلهجةٍ يشوبها الانزعاج:
"أقدر لك اعتذارك كثيرًا، ولكن ما الفائدة منه وأنا الآن بلا أي شيء. لا مال ولا مسكن ولا أوراق، وسيدي يرقد هناك بين الحياة والموت."
يعلم أنها امرأة لعوب، ذلك الهدوء القابع خلف زرقتها الداكنة لم يُريحه أبدًا، ولكنه قرر أن يصل معها إلى أقصى ما يُمكنه الوصول، لذا قال بخشونة:
"كل ما ذكرته يُمكن تأمينه عدا حياة سيدك فهي ليست بذات قيمة حتى أنظر لها."
أعجبها حديثه فقالت بنبرةٍ رفيعة جذابة:
"إذن سأنظر لها أنا، وسأطلب منك الإفراج عن هارون وإرجاعنا إلى بلدنا في أقرب وقت."
"بإمكاني إعادتك الآن لو أردتي، ولكن هارون ليس زائرًا لكي يعود، إنه ولأول مرةٍ بموطنه الأصلي، لذا اخرجيه من حساباتك."
"انت تتحدث عن كونه بجانب والدته التي ضحت به وهي رضيع. حبًا بالله أنت رجلٌ ذكي، كيف تتوقع منه أن يتقبلها؟ أو حتى يشعر تجاهها بأي مشاعر؟"
"هذا ليس من شأنك."
أجفلتها جملته لثوانٍ، فتابعت السير على خطتها باحترافية وهي تقول بسخط:
"بلى أنه من شأني، فأنا من عاشرت هارون لسنوات وأكثر شخص يعرفه، وهو صديقي، لذا فأنا يحق لي أن أقف أمامك الآن وأخبرك بأن تُطلق سراحنا."
تأكدت شكوكه حولها ووصل إلى مبتغاه معها، لذا رقّق من لهجته قليلًا حين قال:
"إذن إن كنتِ صديقته وأكثر من يعرفه، فهذا يعني أنكِ في بيتك، وإلى أن يصل هارون إلى معرفة الحقيقة ويختار في أي جهةٍ عليه الانضمام، أنتِ ضيفتنا، ما رأيك؟"
كان النرد في صالحها وحسمت جولتها الأولى لتترسم مكانها في ذلك البيت بجانبه، فانتابتها سعادة قوية خبأتها جيدًا في جوفها قبل أن تقول بنبرةٍ يغلب عليها الانزعاج:
"وهل وضعت أمامي أي خيار آخر؟"
"أنا لا أطرح الخيارات يا جوهرة. أنا أختصرها في طريق واحد يصل بي حيثما أريد."
رائع بكل ما تحمله الكلمة من معنى، هكذا رددت بداخلها وهي تناظره بعينين تلتمع بهما بريق الإعجاب الذي سرعان ما أطفأته وهي تقول بحنقٍ مفتعل:
"كلاكما أنت والسيد ناجي تملكان تلك العجرفة، ولكني سأتغاضى عنها مقابل البقاء بجانب هارون ومساندته. وهذا لا يعني أنني سأكون شخصًا متساهلًا مع أي خطأ بحقي أو بحقه."
شملتها عينيه بنظرةٍ أوقدت حمية الرغبة بقلبها التي تضاعفت حين قال بفظاظة:
"يُعجبني كون هارون يمتلك شخصًا مثلك بجانبه."
"أشكرك. هل يمكن أن أخرج الآن؟"
"تفضلي."
التفتت تنوي المغادرة، ولكن لم يُفُتها نظرات "مروان" التي يتساقط منها الإعجاب الذي تجلى في نبرته حين قال ما أن غادرت:
"بقى البت دي مطولة معانا؟ يخربيتك يا سما. طلقها قرب بنت الفقرية. أنا كدا اتأكدت إنها بومة."
"ليه أن شاء الله؟ بقى بتقارن سما بالبنت دي؟"
"ليه أهبل! مفيش وجه مقارنة أصلًا."
"قول لنفسك، هو في زي بنت عمتك!"
"الحمد لله إن مفيش، وبعدين دي مقارنة غير عادلة، زي بالظبط لما تقارن بين كفر الشيخ وشرم الشيخ كدا. الاتنين عندهم شيخ آه بس الأول شيخ جامع والتاني شيخ منصّر، وأنا بما إني فلاتي فـ هختار شيخ المنصّر."
"تصدق حلال اللي بتعمله فيك عمتك."
"ماهو ربنا خدلي حقي ورضاني. شوف سبحان الله عشان أنا نيتي طيبة ربنا بعتلي هارون يخلص تاري وجوهرة تطفي ناري. والله فعلاً الأعمال بالنيات."
ناظره "سالم" بحنقٍ تراجع على إثره "مروان" الذي قال بتملق:
"بس سيبك انت، سنترتها. البت يا قلب أمها مكنتش عارفة تروح فين منك؟ بس انت ليه يا كبير هتقعدها معانا؟ بتكافئنا يعني ولا إيه؟"
قال جملته الأخيرة باستفهام جعل "سالم" يقول بنفاذ صبر:
"بكافئك على إيه على لسانك اللي عايز أقطعه! البت دي ضيفة هنا، إياك حد يقربلها وخصوصًا انت. خلينا نشوف آخرتها إيه مع ناجي وأشكاله اللي شبهه دي."
"لا شبهه إيه. بقى لهطة القشطة دي شبهه؟ سما اللي طلعت شبهه مناخيرها كبيرة زيه."
لم يستطع منع ضحكة انفلتت منه إثر كلمات "مروان" العابثة، ليصيح الأخير مازحًا:
"شوفت أهو انت بتضحك تبقى شبهه. حسرة عليا وعلى بختي الأسود."
زجره "سالم" قائلًا:
"أتلم يا مروان، وخلي بالك من سما، هي محتاجالك الفترة دي."
"آه مانا واخد بالي، طلعت أطمن عليها قفلت الباب في وشي. قال إيه عمتي نايمة. طب ماهو دا المطلوب إنها تبقى نايمة عشان أعرف أواسيها. هواسيها إزاي وعمتي صاحية!"
تفهم "سالم" سخطه فقال بتعقّل:
"سما أقرب واحدة لعمتك، ودا مخليها عايزة تخفف عنها بأي طريقة عشان كدا هتلاقيها رخمت عليك، لكن هي محتاجالك."
"مانا عارف، وخصوصًا إن العبد لله حنين، بس هي اللي غشيمة. هو أنا اللي خبيت البغل دا وداريته عنهم؟"
"يا ابني افهم، هي بتحاول تفهم وتستوعب اللي حصل."
"اشمعنى طارق داير يطبطب ويحضن ويفهم ويستوعب مفيش أوكرة حتى اتقفلت في وشه! ولا أنا مكتوب على وشي حزين، الدنيا حزين الآخرة!"
ضاق ذرعًا بعناده فهتف غاضبًا:
"سما غير شيرين، ويالا من هنا صدعتني."
ما أن خرج "مروان" حتى أعلن الهاتف عن اتصالٍ كام من "صفوت" الذي ما أن أجاب "سالم" حتى صاح غاضبًا:
"انت بتستهبل يا سالم، إزاي تسهل له الدنيا عشان يهرب؟ افرض مكنش جه القصر كان هيطير منك؟"
"مكنش هيغيب عن عيني وهو عارف الكلام دا. كنت محتاج أعرف هيتصرف إزاي وتفكيره هيوديه فين؟"
"بس كانت مجازفة يا سالم، وانت شفت همت واللي حصلها."
"الخيرة فيما اختاره الله يا صفوت. ربنا أراد إنها تعرف عشان مبقاش ينفع حاجة. خلي اللعب على المكشوف."
"طب أنت ناوي على إيه؟"
"مش ناوي. هبقى رد فعل المرة دي."
"بمعنى؟"
"إحنا قدام احتمالين. يا إما ناجي قاصد إن كل اللي حصل دا يحصل. يا إما إننا فاجئناه، وموضوع إنه في العناية المركزة دا مش داخل دماغي. طارق عارف كان بيضرب فين بالظبط."
"يعني تفتكر هو قاصد يزرعه جوانا؟"
"وارد. كل شيء وارد. بس خلينا معاه لحد الآخر. هو ساكت وأنا ظاهريًا ساكت، لكن هـ أستغل الهدية اللي بعتهالي سواء بقصده أو لا. لحد ما كل واحد يضرب ضربته الأخيرة."
تفاجأ "صفوت" من حديث "سالم" الذي يحمل حقدًا واضحًا، فاتبع معه منحنى الهدوء قائلًا:
"تقصد إيه إنك هتستغل هديته؟"
"الواد دا هو اللي هاخد بيه تار أخويا اللي ضيع مستقبله، وحرمنا وحرم أمي منه."
"مُصرين بردو تمشوا؟ طب ما تقعدوا معانا كمان يومين."
هكذا تحدثت "حلا" بحزن إلى "سليم" الذي ما أن انتهى الغداء حتى عجل بـ مغادرتهم لكي يعود إلى القاهرة مرة أخرى، فالأوضاع هُناك مُحتدمة، هكذا أخبره "مروان" ليقرر بأنه عليه العودة في أسرع وقت.
"حبيبتي يا حلا، صدقيني ورايا شغل كتير. بس إن شاء الله الدنيا تظبط كدا وهجيب ماما والعيلة كلها ونيجي نزوركم."
تدخل "ياسين" يحتضن كتفيها وهو يقول بهدوء:
"والله يا سليم إحنا كان المفروض هنيجي نزور الحاجة أمينة بس حمل حلا كتفنا. غلط على البيبي السفر في الأول كدا."
"ولا يهمك أنا عارف. إن شاء الله لما تشد حيلها شوية تيجوا تقعدوا معانا يومين."
هكذا تحدث "سليم" فأجابه "ياسين" الذي كان يُتابع ملامح "جنة" الذابلة:
"إن شاء الله. أنتِ كويسة يا جنة؟"
حاولت أن تشحذ بعضًا من قواها لترسم ابتسامة باهتة على ملامحها قبل أن تقول بهدوء:
"كويسة يا ياسين. الحمد لله."
اقتربت "تهاني" تعانقها بقوة وهي تقول بجانب أذنيها:
"إن شاء الله دايمًا كويسة يا بتي. خلي بالك من نفسك ومن محمود."
"حاضر يا طنط. متقلقيش."
تقدمت "حلا" لتُمسك بيد "جنة" تجذبها إلى ركنٍ مُنعزل وهي تقول بمرح:
"عن إذنكم هنقول شوية كلام بنات على ما تشربوا القهوة."
لم تُمهلهم الوقت إذ جذبت "جنة" إلى الشرفة الخارجية للقصر لتُجلسها على أحد الأرائك وهي تقول بتحذير:
"قوليلي مالك فيكِ إيه؟ وإياكِ تخبي عليا. وشك متغير ولونك مخطوف وعينيكِ فيها دموع. سليم عملك حاجة؟"
لم تستطع مقاومة طوفان العبرات التي تدحرجت فوق خديها كصخورٍ مُدببة تترك آثارًا مؤلمة لا يُمكن محوها، فشُهقت "حلا" بصدمة، وسرعان ما جذبتها إلى أحضانها وهي تقول بتأثر:
"أنا قولت فيكِ حاجة؟ مالك يا جنة احكيلي. فيكِ إيه؟ مين زعلك كدا؟"
تعالت شهقاتها حتى بدت تؤلم صدرها الذي كان يعلو ويهبط من فرط الوجع الذي تجلى في نبرتها حين قالت:
"أنا حامل، والبيبي لازم ينزل."
شهقت "حلا" بصدمة تجلت في نبرتها حين قالت:
"إيه؟ بيبي إيه اللي ينزل؟"
"الدكتور قال لسليم إنه مينفعش حمل في الوقت دا وأن البيبي هيكون مشوه بنسبة كبيرة عشان جرعات الكيماوي اللي أخدتها."
تعاظم الأسى بصدرها على تلك المسكينة التي لا تنفك الحياة تُحاصرها بأزماتٍ وعواقب تفوق طاقتها وسنوات عمرها، ولكنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام حزنها، لذا قالت بنبرة هادئة:
"طب وأنتِ زعلانة ليه يا هبلة؟ دا أنتِ حقك تفرحي."
انتزعت "جنة" نفسها من بين يدي حلا وهي تقول بصدمة:
"أفرح! بقولك هنزل ابني يا حلا تقوليلي أفرح!"
"أيوا تفرحي. عشان حملك دلوقتي يعتبر معجزة ربنا بعتهالك عشان يقولك إنك تقدري تحملي. مش كنتِ مرعوبة لما عرفتي بموضوع الكانسر لتكوني مش هتعرفي تحملي تاني؟ شوفتي ربنا بقى وجماله. بعتلك حتة معجزة صغيرة تقولي يا جنة أنتِ تقدري تحملي. حتى لو هتضطري إنك تنزليه وتصبري شوية بإذن الله ربنا هيكرمك."
أضاءت تلك الفكرة عقلها وارتج قلبها من فرط الرهبة التي سرعان ما تحولت لابتسامة بلهاء أسعدت قلب "حلا" كثيرًا، والتي قالت بحماس:
"كنتِ خايفة وأهو ربنا طمنك. عارفة إن الموضوع صعب بس معلش، كل دي ابتلاءات عشان ربنا يشوفنا ناس مؤمنة وهنصبر ولا لأ؟ وأنتِ تستحقي كل خير ودايمًا افتكري إن في كل كرب مريتي بيه كان ربنا بينزل اليسر مع العسر. من بين حدوتة حازم ووجعها خرجتي بسليم ومحمود اللي لولاه مكنتيش عرفتي بتعبك واتعالجتي منه وهو لسه في أوله. شوفتي بقى ربنا رحمته واسعة إزاي؟"
تساقط الدمع من عينيها تباعًا مع كلماتها حين قالت بقلبٍ راضٍ ونفسٍ هادئة:
"ونعم بالله. عندك حق. الحمد لله أنا أقدر أخلف تاني. دا المهم. أنتِ عندك حق يا حلا."
عانقتها "حلا" بحنو تجلى في نبرتها وهي تقول:
"أنتِ طيبة أوي يا جنة واتظلمتي كتير. بس ربنا كبير والله وهيبعتلك فرح الدنيا كله."
شددت من عناقها وهي تقول بأمل:
"إن شاء الله."
رفعت "حلا" رأسها وهي تناظرها بعينين يخفيان الكثير مما جعل "جنة" تقول باستفهام:
"في إيه؟ حساكِ عايزة تقولي حاجة ومترددة؟"
تحمحمت "حلا" قبل أن تقول بخفوت:
"هو. هو أنتِ هتروحي مع سليم البيت؟"
"يعني إيه هروح مع سليم البيت؟ أومال هروح فين؟"
هكذا تحدثت "جنة" باندهاش قابلته "حلا" بالتردد لتحثها "جنة" على الحديث قائلة:
"في إيه يا حلا؟ مخبية عني إيه؟ أنتِ نسخة من مروان وبيبان عليكِ. احكي."
زفرت "حلا" قبل أن تقول حديثها دفعة واحدة:
"طب هو أنتِ استعديتي عشان تقابلي لبنى؟"
مر الاسم على عقلها دون أن يترك أثرًا، لهذا قالت باستفهام:
"لبنى مين؟"
لم يكن هناك مفر من إخبارها، لذا سحبت قدرًا كبيرًا من الأكسجين داخل رئتيها قبل أن تقول:
"لبنى البنت اللي حازم اغتصبها قبل ما يسافر جت عشان تعيش في القصر معاكوا!"
شهقة قوية خرجت من جوفها قبل أن تهب من مكانها وهي تقول بصدمة:
"إيه؟؟؟"
"جنة مش يالا اتأخرنا."
هكذا تحدث "سليم" يحثها على النهوض، فلم يفته ملامحها المصدومة، ولكنها سرعان ما استعادت جأشها وهي تلتفت إلى "حلا" قائلة بجمود:
"نبقى نكمل كلامنا في الفون."
أومأت "حلا" بصمت، فيما اندفعت لتبادل السلامات مع الجميع لتتوجه معه إلى السيارة لتبدأ رحلة العودة الهادئة، وحين لاحت معالم مدينة القاهرة التفتت إليه قائلة بهدوء:
"ينفع منروحش البيت على طول؟"
كان يشعر بأنه هناك شيء خلف هدوئها هذا، ولكنه أرجحه إلى أن الأمر بسبب الحمل، لذا قال بحنو:
"حابة تروحي فين؟"
"ممكن تروح أي فندق. يومين بس، وبالمرة نروح للدكتور ونشوف هنعمل إيه؟"
لم يُجادلها، إنما استجاب لذلك النداء المطل من عينيها لكي يحتوي بعثرتها التي اهتدت فوق ساحة صدره الدافئ، ليضع قبلة حانية فوق جبهتها بينما عينيه مازالت على الطريق أمامه وهو يُفكر كيف يُمكنه أن يخبرها بكل ما فاتها دون أن يُشير إلى الماضي بآلامه.
سبعة أيام بلياليها لم يُفارق مصحفه، وكأن هناك خيطًا خفيًا يربطه بتلك الحروف التي تخترق غياهب صدره، لوقد نورًا وسكينة وهدوءًا نفسيًا لم يختبره مُسبقًا، فقد كان كمن تاه بصحراء الحياة القاحلة وضاع بين رمالها الصفراء، نزل حتى ظن أنه هالك، ليأتيه ذلك الضوء الملائكي ليرشده إلى واحة سلام جعلته يرى صحراءه جنانًا خضراء يمرح بها، وهو يؤدي عمله بجد ومحبة بعد رحلة تمارين شاقة، ثم ينزوي في صومعته يقرأ ويتفقه في تلك الكتب التي لا يعلم من أين أتى بها ذلك الرجل الذي كان مدينًا له بحياته التي أصبحت الآن شيئًا ذا قيمة.
"صدق الله العظيم. فتح الله عليك يا شيخ حازم."
هكذا تحدث "جرير" بصوته الخشن، وهو لأول مرةٍ يبتسم بابتهاج لكونه يرى "حازم" الذي استعاد إنسانيته من جديد واتخذ مساره الصحيح في هذه الحياة، فقد راهن نفسه على نجاحه في مسعاه معه، والآن لاحت بوادر النصر على الرغم من أن الاختبار الحقيقي لم يأتِ بعد.
"صباح الخير. شيخ إيه يا عم، أنا لسه بقول يا هادي."
"طب يالا عشان الغدا عليك النهاردة."
"يعني إيه؟ متقوليش هتخليني أطبخلك!"
"ليه حد قالك إني عايز أنتحر! قوم يالا انت اللي هتجبلنا الأكل."
نصب عوده وهو يتقدم منه قائلًا بعدم فهم:
"يا عم فهمني تقصد إيه؟ هروح أشتريلك الأكل يعني؟"
"هو انت حيلتك حاجة؟"
هكذا تحدث "جرير" ساخرًا، فشاركه "حازم" المزاح قائلًا:
"على أساس إن المحلات مقطعة بعضها حوالينا! دا إحنا في المنفى دا من الله إننا مموتناش من الجوع."
"بتتريق مش عاجبك! احمد ربنا غيرك مش لاقي اللقمة."
لامست جملته شيئًا ما داخل قلبه حين تذكر موقفًا مع "سليم" حين أراد أن يشتري سيارة جديدة ولم يمضِ على شراء سيارته السابقة ستة أشهر:
"عربية إيه اللي تغيرها يا ابني! دي عربيتك مكملتش ست شهور. حرام عليك ربنا يحاسبنا!"
تذمر "حازم" قائلًا:
"يحاسبنا على إيه؟ هو انت بتأفور ليه؟ ما كل الناس بتغير عربياتها على طول جت عليا يعني!"
"يا ابني حرام دا تبذير. إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين."
صاح "حازم" ساخطًا:
"يا عم تف من بقك. هتشيطني عشان عايز أغير عربيتي! تبذير إيه دا انت بخيل وجلدة، واقفلي عالواحدة وبتديني بالقطارة. أنا بعد كدا هتعامل مع سالم. ماليش كلام معاك."
برقت عيني "سليم" من كلماته التي تحمل بهتانًا كبيرًا في حقه:
"أنا بخيل وباديلك بالقطارة! تصدق إنك إنسان جشع. دا انت بتاخد مصروف في الشهر قد اللي أسرة كاملة بتصرفه في تلت شهور وبرضو مش عاجبك. احمد ربنا في غيرك مش لاقي اللضى."
"وأنا مالي ومالهم. ذنب أمي إيه أدفع تمن إن في ناس مش لاقية. كل واحد وظروفه، وأنا ابن الوزان يعني أصرف براحتي. اعتبره من حقي في أبويا."
كان الجشع يتساقط من بين نبرته ونظراته، فتأثر "سليم" كثيرًا من رؤية شقيقه لتلك الدرجة من الجشع، لذا قال بخيبة أمل:
"بكرة تندم لما النعمة تزول من وشك. وقتها هتعرف إن الله حق."
أخفض "حازم" رأسه ولسان حاله يهتف بحرقة:
"عرفت إن الله حق يا سليم. عرفت."
سرعان ما زوى ما بين حاجبيه وهو يتذكر كلمات والدته المُوبخة التي قالتها لـ "سليم" إثر ما حدث:
"في إيه يا سليم؟ بتزعق لأخوك وتزعله ليه؟ ما براحته. إيه يعني أما يغير عربيته في السنة مرة ولا اتنين!"
"يا ماما أنتِ كدا بتبوظيه! غلط. دا تبذير ربنا ميرضاش بكدا أبدًا."
"انت اللي هتعرفني ربنا يا سليم! وياريت ربنا بيقولك تقف قدام أمك تزعق بالشكل دا!"
"يا أمي..."
قاطعته بحزم:
"ملكش دعوة بيه، وأوعى بعد كدا تمنع عنه أي فلوس يطلبها، وإلا هتزعل مني. حازم يركب أحسن عربية في أصحابه، هو ابن أي حد دا ابن منصور الوزان."
أطلق تنهيدة قوية قبل أن يرتفع برأسه لمطالعة "جرير" الذي تفهم ما يمر بداخله، فلجأ للصمت الذي قطعه "حازم" قائلًا بنبرةٍ مُتحشرجة:
"الحمد لله على كل حاجة."
"يالا. عشان هعلمك تصطاد النهاردة."
"نصطاد سمك؟"
خرج الاستفهام مندفعًا من بين شفتيه مما جعل قهقهة قوية تخرج من فم "جرير" الذي صاح بصوتٍ جهوري:
"يا ابني مكنوش يؤدبوك زمان ويريحونا من غبائك. غزلان يا خفيف."
انتابه الحرج الذي سيطر على لهجته حين قال:
"يا عم طلعت غصب عني مانا معرفش غيره بيصطادوه."
"طب قدامي. قدامي يا خويا خلينا نشوف قرفتك هتبقى إيه؟"
"لا بلاش تراهن أنا فقر طول عمري، وإلا مكنتش قابلتك."
"صفوت بيه. الست اللي قولتلي أجمع معلومات عنها تبقى مرات مجرم سابق كنت انت بتحقق في قضيته اسمه جندي الرفاعي. اللي مات محروق في السجن."
تلقى صفوت تلك المعلومات بصدمة، بينما أخذ يتذكر تلك القضية التي قضى بها أكثر من ثلاث سنوات ليتم القبض على أحد كبار تجار المخدرات في البلاد، وحين حالفه الحظ و قام بالقبض عليه توفي بعد سجنه في أسوأ ظروف قد يتوقعها أحد.
لا يعلم لما أخذه عقله إلى تلك القضية ليسترجع تفاصيلها التي فقد كان بها الكثير من الأحداث المشينة، فهو لا يزال يتذكر ذلك التحقيق الذي أجراه منذ أكثر من تسعة عشر عامًا.
عودة لوقتٍ سابق.
"ما تجيب من الآخر يا جندي، وتقول مين اللي مشغلك؟"
لم ترهبه معالم الرجل الذي يرتسم بهم الإجرام، ولا تلك النظرات المرعبة التي تطل من عينيه، ونبرته القاسية حين قال:
"إحنا بنشتغل لحسابنا يا بيه. قولتلك الكلام دا قبل كدا."
زفر "صفوت" حانقًا قبل أن يقول بجفاء:
"كل الكميات دي لحسابكوا! فاكرني مختوم على قفايا ياله؟"
شبح ابتسامة ساخرة لونت ملامحه بطريقة استفزت "صفوت" الذي برقت عينيه حين تمتم جندي بتهكم:
"لسه واخد بالك دلوقتي!"
زمجر "صفوت" بشراسة:
"بتقول إيه ياله؟ علي صوتك يا روح أمك."
ابتلع جمر الإهانة وهو يرتفع برأسه يناظره بعينين لونتهما السخرية:
"بقول حاميها حراميها."
برقت عيني "صفوت" بغضب جحيمي واقترب يمسكه من تلابيبه وهو يزمجر بوحشية:
"تقصد إيه ابن الكلب؟"
حاول التحدث وهو يُجاهد لالتقاط أنفاسه بصعوبة:
"انت. عا. عارف. كل. حاجة، و عامل. نفسك. مش. مش فاهم. عشان اسم العيلة."
انسل من بين يدي "صفوت" الذي أصابه الجمود لكلماته الغامضة والتي فتحت أبواب الجحيم في عقله، فقد كان يشتبه بمصادر أموال شقيقه ولكنه لم يكن يمسك عليه شيئًا، ولكن الآن دق هذا الوغد نواقيس الشك بعقله. ولكن قاطع تفكيره رنين هاتفه الذي جعله يتقدم ليُجيب بجفاء في حديث دام لعدة دقائق، أنهه وهو يرتفع برأسه يُطالع "جندي" بجمود تجلى في نبرته حين قال:
"ابنك نقلوه المستشفى امبارح الفجر، وحالته خطر. لسه بردو مُصر تخبي؟ اعمل خير حتى يقعد لك في ابنك يمكن ربنا يشفيه."
اهتز الرجل بدرجة كبيرة، ولكنّه أخفى ما ينتابه من ذعر خلف قناع من الجمود تجلى في نبرته حين قال:
"لو له عمر هيعيش سواء عملت خير أو شر."
زفر "صفوت" حانقًا ثم صاح مناديًا لذلك العسكري ليأخذه إلى الحبس، ولكن قبل أن يُغادر تحدث "صفوت" بنبرة ذات مغزى:
"فكر من هنا للصبح. أنا بايت هنا النهاردة. لو غيرت رأيك عرفني."
تعلقت نظرات "جندي" بـ "صفوت" لثوانٍ قبل أن يُغادر بصمت.
أخذ "صفوت" يتذكر تلك الليلة في منتصفها حين جاءه أحد العساكر يُخبره بأن المسجون بالأسفل يُريد التحدث إليه، وبالفعل أرسل في طلبه ليقول المدعو "جندي" بلهجةٍ يشوبها الألم:
"مش هفتح بقي بحرف إلا لو شفت ابني!"
بدأ الهواء النقي بالدخول إلى رئتيه ليقول بخشونة:
"موافق. بكرة زي دلوقتي هتشوفه."
"ولو فرض مَستنَاش لبكرة؟"
"لو مكتوبلك تشوفه هتشوفه، وبعدين هو خروجك من هنا سهل؟"
"مش خايف أهرب؟"
"لا. أنا وانت عارفين إنك مش هتعمل كدا."
لم ينسى ذلك اليوم المقيت حين ساعده لرؤية طفله الذي توفي بعدها بثلاث ساعات، فلم يكن يعرف كيف يُخبره أو أن كان عليه إخباره من الأساس، ولكنه أرجأ هذا الأمر إلى حين معرفة كل شيء منه، ليتفاجأ بـ إنذار حريق ضرب الحجز في الأسفل، وحينها توفي الجميع ومن بينهم جندي!
"ياترى سيادة النائب فاضيلي شوية؟"
هكذا تحدثت "فرح" وهي تدخل إلى غرفة المكتب لتجده يقوم بتحضير حقيبته للمغادرة، وحين رآها توقف عن فعل كل شيء وامتدت يديه ترحبان بها في دعوة صريحة لاقترابها، وهو يقول بخشونة:
"سيادة النائب لو وراه الدنيا كلها يسبها عشان خاطرك."
اقتربت تحاوط عنقه بدلال، بينما عاتبته نبرتها حين قالت:
"جيت متأخر امبارح ومصحيتنيش، وقمت من جنبي الصبح من غير ما تصحيني. كدا عندك غرامة تأخير امبارح وحضور وانصراف النهاردة."
دغدغت خصرها أنامله فيما غازلتها نبرته حين قال:
"وأنا بقول من امبارح ومزاجي وحش ليه؟"
"ليه؟"
استفهمت بدلال كان رائعًا كروعة كلماته حين قال:
"عشان مخدتش جرعة المهدئ بتاعي امبارح ولا حليت بالفراولة بتاعتي النهاردة."
"لا دا كدا خطر على صحتك. تعالى هنا."
اقتربت تعانقه بحنو كان في أمس الحاجة إليه، لتقتلع من قلبه أشواك القلق الذي تعلم كم يؤرقه ويشغل تفكيره، فكانت لحظات هادئة أدت مفعولها جيدًا، فرفع رأسه يُطالعها بحب تجلى في نبرته حين قال:
"ربنا يخليكِ ليا."
"ويخليك ليا. قولي مفيش جديد؟"
عاد الغضب يلوح بسماء عينيه ويتجلى بنبرته حين قال:
"لسه. محتاجين أي طرف خيط نبتدي منه."
"طب ما تتكلم معاه."
هكذا تحدثت بهدوء ليُجيبها بفظاظة:
"عشان أثبتله إنه نجح في إنه يلخبطلنا كل تفكيرنا."
"طب بص. إحنا نمسك الحكاية من الأول، وأكيد هتلاقي حاجة توصلنا لطرف خيط. بس الأول نرتب أوراقنا."
"رتبي."
شرعت في ترتيب أفكارها أولًا قبل أن تقول بعملية:
"أولًا الولد دا مترباش مع ناجي، ولا اتربى في بره مصر. يبقى معناه إنه اتربى هنا، واتربى تربية زي بتوع الجيش والشرطة كدا، ودا طبعًا باين على جسمه وعلى ثباته الانفعالي."
أومأ برأسه ليحثها على الحديث، فتابعت بتعقّل:
"وطبعًا ناجي كون إنه هو أخده وخباه العمر دا كله يبقى غالي عليه، وخصوصًا إنه وريثه الوحيد. يبقى أكيد هيسيبه عند حد محل ثقة مش أي حد والسلام."
بدأت بطرق أبواب موصدة داخل عقله الذي يأخذ يعمل في جميع الاتجاهات، لتتابع قائلة بحماس:
"كدا يبقى إحنا بندور على حد من الماضي. حد كان قريب من ناجي زمان. من تلاتة وعشرين سنة وأكيد أكتر، والفترة دي هو كان عايش معاكوا، فأكيد كان له حد قريب منه تعرفوه؟ افتكر كدا."
لا يزال على حالته الصامتة يُفكر في حديثها ويتذكر أفعال ذلك الرجل، فلم يكن له أصدقاء من وسطهم أو أقربائهم، فقد كان مكروهًا من الجميع، لم يكن يرى معه أحد كثيرًا، فكل من يصادقهم كانوا يشبهونه ولم يتطرق أحد منهم في التعرف إليهم.
زفر بقلة حيلة وتبلور الغضب بعينيه، فاقتربت منه تجذبه من يده وهي تقول بحماس:
"كدا مينفعش. قوم تعالى معايا."
زوى ما بين حاجبيه وهو يقول باستفهام:
"في إيه؟ وخداني على فين؟"
"هقولك على الحل السحري اللي بستخدمه لكل مشاكلي بس فيك مين يحفظ السر."
اندهش كثيرًا من حديثها، ولكن راقت له كلماتها وطريقتها، فترك نفسه لها لتقوده حيثما تشاء، فإذا بها تجذبه إلى السيارة وهي تقول بهدوء:
"يالا. اتفضل ورانا مشوار صغير."
تقود قلبه بمنتهى الاحترافية التي تجعله يتلقى الأوامر منها لأول مرة بحياته عن طيب خاطر، ولكنها كانت امرأته التي خُلقت منه واكتمل بها، لذا طاوعها دون حديث لتقوده إلى أحد محلات بيع ألعاب الأطفال، وإذا بها تشتري الكثير من الألعاب إلى أن امتلأت السيارة بهم، فلأول مرة يتحدث قائلًا بخشونة:
"أنا ساكت مش راضي أسألك. بس أنتِ أكيد عندك تفسير."
"طبعًا عندي. يالا بينا."
بعد عشرين دقيقة توقفت السيارة أمام مبنى كبير للأيتام، فترجلت "فرح" لتخاطب الحارس الذي بدا وكأنه يعرفها، فقد كان رجلاً في أواخر الخمسينات يبتسم لها بود وبشاشة مما جعل بسمة حانية ترتسم على ملامحه وهي تتقدم منه قائلة بلهجة رقيقة:
"لما بتضيق بيا بفرح غيري وبستنى نصيبي من الفرحة دي من ربنا."
قادته إلى الداخل ليرتج قلبه من مظهر الأطفال الصغار وهم فرحون للغاية بتلك الهدايا البسيطة وهي بينهم كالفراشة تنشر الفرح بكل مكان، فتضاعف عشقه لها، خاصةً حين اقتربت تقول بتأثر:
"فرحتهم متتوصفش إزاي؟ أنا بحس إن قلبي طاير وهو شايفهم فرحانين كدا."
احتوتها عينيه ويديه حين قربها لتقف بجانبه وهو يقول بنبرةٍ عاشقة:
"دانا اللي قلبي طاير عشان اخترتك من بين كل ستات الدنيا."
التفتت تناظره بحنو وهي تقول بلهجة هادئة:
"الصدقة دي عبادة عظيمة أوي، أنا لما بتضيق بيا الدنيا بنزل أمشي في الشارع أدور على أي حد محتاج وأساعده. عارف بترفع البلاء، وسبب من أسباب البركة، وبتضيع الخنقة وبتشرح القلب، دوا لكل مرض مالوش علاج. بتطهر المال، وبتؤمّن الإنسان من الخوف. بتطفي غضب ربنا. الصدقة دي حقيقي من أروع العبادات اللي ربنا أنعم علينا بيها. المفروض إننا نستغل النعمة دي."
كانت كلماتها مهيبة على الرغم من أنه يعلمها جيدًا، ولكنه كان يحب أن يستمع إليها كثيرًا، وكعادته معها يأسره حديثها ويستحوذ على جميع حواسه، فأجابها بحنو:
"كل كلامك جميل طبعًا بس صدقيني أنا بطلع حق ربنا من كل قرش بيدخل جيبي."
قاطعته بقوة:
"عارفة، وعارفة إن في ناس مخصوص بتعمل الموضوع دا. بس صدقيني إنك تنزل من بيتك عشان تعمل كدا بنفسك دي ثوابها عظيم، ونتائجها أعظم. إحنا بنصلي ونصوم ونصدق لينا إحنا. ربنا مش محتاج دا إحنا اللي محتاجينه، وعشان كدا إن شاء الله لينا مشوار زي دا كل شهر على الأقل ننزل بنفسنا ندي ربنا حقه."
كلماتها أضرمت الدفء بين حنايا صدره الذي عاهد ربه صامتًا على أن يكون هذا الأمر منهجًا له في العبادة طوال حياته، ولكنه اكتفى قائلًا بخشونة:
"بإذن الله طول ما ربنا مطول في عمري هنعمل كدا سوا."
"ربنا ما يحرمنا منك أبدًا و يطولنا في عمرك و يديمك نعمة في حياتنا."
احتواها بحنو، وبعد نصف ساعة كانت السيارة تصف في فناء القصر، ليتقابل الثنائي العاشق وجهًا لوجه مع "مروان" العابس الذي قال بتهكم:
"جوز الكناريا راجعين منين كدا عالصبح؟"
"مجبتش معاك دفتر الحضور والانصراف عشان نمضيه بالمرة؟"
"إيه دا إيه دا؟ أنتِ بتقلشي؟ حد قالك إن دمك خفيف؟ لا يا ست حلوتهم أنا بس اللي بقلش هنا، وكمان مش رايقلك."
"كل دا ومش رايق! ويا ترى مالك؟ قالب وشك ليه؟"
"والله كفاية الخلق اللي معاشرينها اللي تسد النفس دي."
هكذا تحدث "مروان" حانقًا، فأجابته "فرح" بسخرية:
"تقريبًا كدا مروان متنفضله و واخد استمارة ستة، ودا اللي مزعله."
صاح "مروان" بحنق:
"ياريت متنفضلي وبس. دانا شايل الطين والسخام على دماغ أمي ولا أكني أنا اللي خبيت المحروس. أنا مالي. راجل خاين وعيل واطي. دخلي أنا إيه؟"
غادرهم "سالم" الذي أتاه اتصال هاتفي فتوجه إلى غرفة المكتب، فيما قالت "فرح" باستفهام:
"أيوا فعلًا انت دخلك إيه؟"
"قولي للبومة اللي فوق دي. كل شوية لو سمحت سيبني عشان عايزة أقعد مع ماما، ولما ماما تنام لو سمحت سيبني عشان متضايقة وعايزة أنام، ولما أقرص عليها في الكلام ألاقي الهانم تقولي ما انت لو مش زي ناجي الوزان كان زمانك قولتلي من أول ما عرفت بوجود هارون. يا بنتي دي أسرار. يا بنتي مكنش ينفع. يا بنتي مكنش فيه فايدة. حمارة قاعدة تهزلي في راسي وبس."
صاحت "فرح" بتأثر:
"لا غلطانة سما. طب وبعدين هتعمل إيه؟"
"هعمل إيه؟ شايفة مناخيري حمرا إزاي؟ قفلت الباب على مناخيري! قال إيه هي لسه هتقيم العلاقة إذا كنت انفع راجل أحلامها ولا هتبقى همت الوزان جديدة!"
شهقت "فرح" بصدمة سرعان ما تحولت إلى تعبيرات مُحذرة وهي تشاهد تلك التي تهبط الدرج، فيما هو يُتابع الحديث قائلًا بحنق:
"قال أنا ناجي الوزان جديد! دا الشيطان بيقعد متربع قدامه ويقوله يا أبيه. دا راضع سم فئران. يرضيك تشبهني بيه؟ ناهيك عن إنه مناخيره قد الكوز. هل ينفع تشبهني بيه؟"
تحمحمت "فرح" وهي تحاول تحذيره، فيما الآخر وكأنه لا يرى شيئًا سوى غضبه الذي جعله يقول بسخط:
"قصيرة ومدورة ومتكلمتش. مش مبطلة عياط ليل نهار ومنكدة على أمي ومتكلمتش. الكل داير يحب في البيت دا وأنا ابن البطة السودا. فين الدلع، فين الحنية، فين الحب، فين جوهرة؟"
شهقت "فرح" بفزع حين رأت تبدل معالم "سما" التي استشاطت ما أن سمعت كلمته الأخيرة، فصاحت بعنف:
"آه قول كدا بقى. مش كفاية عمايلك! كمان بتعاكس ست هانم! عشان تعرف إنك زيه. كلكم زي بعض دم واحد وطينة واحدة."
نوبة ذعر اجتاحته حين سمع كلماتها، ولكنه سيطر عليها وهو يتلفت حوله قائلًا بأذنٍ تترقب السمع:
"أم منصور أنتِ سامعة الصوت اللي أنا سمعته؟"
كظمت ضحكتها بصعوبة وهي تقول:
"تقريبًا مصدر الصوت وراك!"
صاحت "سما" بنبرةٍ رفيعة غاضبة:
"أنا وراك. رد عليا."
تجاهلها عمدًا وهو يقول بسخرية:
"إيه دا مين داس على عروسته؟ في صوت عروسته. تفتكري جاي منين؟"
لم تفلح "فرح" في قمع ضحكاتها مما جعل "سما" تستشيط غضبًا، فصاحت باندفاع:
"بقى أنا عروسته! طيب انت بقى اللي جبت النهاية. طلقني!"
صمت مطبق سيطر على الجميع حين ترددت صدى كلماتها في الأجواء، وتسلطت الأعين فوق "مروان" الذي بدأ جامدًا بدرجةٍ مخيفة دامت لثوانٍ، ثم خرجت كلماته جامدة حين قال:
"هو أنا لا سمح الله كنت اتجوزتك عشان أطلقك!"
"نعم! يعني إيه دا؟"
"يعني لا بد أن أدخل بها. أطلق يعني اتجوز الأول. إنما اتجوز صُلَيْطِي وأطلق مُلَيْطِي دا على جثتي يا بنت همت."
تراجعت "سما" للخلف مذعورة من مظهره الذي جعلها تصيح بخوف:
"انت عبيط ولا إيه؟ كلام إيه اللي بتقوله دا؟"
أخذ يتقدم منها وهو يقول بنبرةٍ يتبلور بها الجنون:
"عبيط! أنا فعلًا كنت عبيط. هو اللي يتجوزك يبقى إيه؟ يا إما أهبل يا إما عبيط، وأنا بقى هطلع الاتنين على أهلك النهاردة."
"اعقل يا مروان!"
صاح وهو يهرول خلفها:
"لا بد أن أدخل بهااااا."
أخذت وضع المراقبة منذ ذلك اليوم، وها هي الآن تقف أعلى الدرج تنظر بترقب لتلك التي ترددت ضحكاتها في الأرجاء غافلة عن أعينٍ تتحين الفرص للغدر، فما أن توجهت "فرح" إلى غرفة الجلوس حتى هبطت الدرج لتتوجه إلى غرفة المكتب تطرق الباب بنغمةٍ خاصة تُشبهها كثيرًا، فأذن لها "سالم" بالدخول، لتتوقف عيناه على تلك التي كانت ترتدي تنورة قصيرة تصل إلى أعلى ركبتيها، وفوقها قميص قطني بفتحة دائرية عند الصدر ذو أكمام طويلة يجمع ما بين الاحتشام والأغراء، فلم يُعجبه ذلك الأمر، فهو أشبه بدس السُم في العسل، ولكنه تجاهل ما يدور بداخله حين وجدها تتقدم وعلى فمها ابتسامة مُنمقة يعلوها نظرات غير مريحة بالمرة:
"هل بإمكاني أن آخذ من وقتك قليلًا؟"
نظر إلى ساعته بعجالة قبل أن يقول بفظاظة:
"ماذا تُريدين؟"
تروقها فظاظته وتجاهله لجماله المُشع، فهذا يعني أنه صعب المنال، وقد كان هذا شيئًا بالجديد عليها في عالم الرجال، لذا قالت بنبرةٍ جذابة:
"أُريد رؤية هارون. أعلم أنك رجلٌ لا يرجع في كلمته وقد أمرت بتأديبه، ولكن ألا تُشفق عليه؟ ألا ينتابك الفضول لمعرفة ما يحمله بقلبه بسبب تلك المرأة؟"
"تلك المرأة هي والدته، وأي تُرهات أخبره بها سيدك الأحمق لا تُعطيه الحق في إهانتها."
هكذا تحدث بنبرةٍ قاطعة قابلتها بأخرى مستنكرة:
"الأمر يتعدى كونها ترهات. لقد كانت حياته صعبة بين أولئك المجرمين، ألا تعرف كيف تربى هارون؟"
خطت طوعًا إلى تلك النقطة، ولكنها حاولت جعل الأمر يبدو عفويًا، الأمر الذي تنافى مع تلك النظرة التي أطلت من عينها لوهلةٍ والتقمتها عينيه الخبيرة، لذا قال بفظاظة:
"لا أعرف ولا أريد أن أعرف شيئًا. إنه ابن عدوي، ولن أُشفِق على ما حدث أو سيحدث معه."
صمت لثوانٍ قبل أن يقول بسخرية:
"بالمناسبة. سيدك لا يزال في غيبوبته، ولا أظنه حين يستفيق سيكون سعيدًا حين يعلم بأنك تجلسين هنا تُفشين أسراره."
احتارت في ذلك الرجل كثيرًا. ألا يريد معرفة كل شيء عن "هارون" ليُساعد عمته؟ أم أنه يعرف كل شيء من الأساس ويقطع عليها الطرق؟ هل سيؤذي "هارون" بالفعل؟ أم سيساعده؟ تباين الشعور في نظراتها التي بدت ضائعة قبل أن تقول باستفهام:
"انت تُحيرني كثيرًا."
لاح شبح ابتسامة جانبية على فمه قبل أن يقول بخشونة:
"لما؟"
"لا أقدر على النفاذ إلى عقلك."
"لا تجهدي نفسك، فتلك الأمنية يستحيل حدوثها."
هكذا خاطبها بفظاظة قابلتها بنبرةٍ جذابة بها لمحة من الجرأة:
"ماذا لو كنت امرأة لا تؤمن بـ المستحيل!"
"هذا يعني أنكِ امرأة تحب المخاطرة."
"يُسعدني أن تُلاحظ ذلك."
رفع رأسه يُطالعها بنظراتٍ غامضة قبل أن يقول بنبرةٍ جافة:
"المرأة التي تحب المخاطرة لابد وأن تكون على قدر كافٍ من الذكاء، لذا أثبتي ذلك."
"ماذا تريد؟"
هكذا خرجت الكلمات من فمها باندفاع ليُجيبها بجمود:
"سأخبرك حين أريد شيئًا."
لم يتسن لها الحديث، فقد فتحت كلماته أبواب الأمل بداخل صدرها، وحين أوشكت على إجابته استمعت إلى قفل الباب يدور ودخول "فرح" التي اشتعلت شرارة الغيرة بقلبها حين رأت تلك المرأة تجلس مع زوجها، ولكنها حاولت كظم غيظها وهي تقول بنبرةٍ يشوبها التكبر:
"بحث الخدم عنكِ كثيرًا ليعلموكِ بأن إفطارك اليوم سيكون مع هارون."
التفتت "جوهرة" متصنعة الأسف حين قالت:
"آه. اعتذر لم أعلمهم بمكاني."
"إذن لا تكرري الخطأ مرة أخرى. هيا لكي لا تتأخري، فنحن نحب الالتزام في هذا المنزل."
كانت كلماتها تحمل معانٍ أخرى وتحذيرات لم تخطئ في فهمها، وقد كان هذا يزيد من لذة الأمر كثيرًا، لذا أومأت برأسها وهي تتوجه بخيلاء إلى الخارج، وما أن خرجت حتى التفتت "فرح" قائلة بلهجةٍ حاولت أن تصبغها بالجدية:
"مفروض كمان نص ساعة تكون في الشركة. عشان عندك اجتماع مع الشركة (...) ياريت متكونش ناسي."
ابتسم بهدوء على مظهرها وقد أيقن بأنها غاضبة، فحاول إخماد ثورتها قبل أن تبدأ حين قال بخشونة:
"حتى لو نسيت أنتِ موجودة، ودي حاجة مطمناني."
لاح شبح ابتسامة راضية على ملامحها قبل أن ترتدي قناع الجدية وهي تقول بهدوء:
"اطمن أوي أنا دايمًا موجودة."
لم يكد يُجيبها حين اندلعت صرخات هلع من الخارج، ليهرول وخلفه "فرح" لمعرفة ماذا يحدث، ليتفاجأ الجميع بـ "مجاهد" الذي صاح مذعورًا:
"الحقوا ست همت الخيل دهس عليها في الإسطبل."
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم نورهان العشري
علينا أن نُدرِك جيدًا بأن هُناك لحظات فاصلة في حياتنا لا يعود بعدها كل شيء كما كان.
لحظات أحيانًا من فرط مرارتها تشعُر أنها النهاية، ولكنها لم تكن سوى البداية.
أو لنقُل أنها ولادة روح جديدة بداخلك خُلِقت من رحِم المُعاناة و قساوة الخذلان الذي حتى و أن استطعت تجاوزه ستظل مرارته عالقة بجوفك لتُذكِرك بأن لا تغفر أبدًا.
_ أنت تُحيُرني كثيرًا. هيا أخبرني من هذا الخائن؟
«ناجي» بنفاذ صبر
_ لما تسألين كثيرًا. نفذي ما أخبرتك به فقط و التزمي الصمت.
اغتاظت من حديثه فقالت بسخط
_ لقد كدت أفقد حياتي بسببك، و بسبب أفعالك و ها أنا الآن وسط أولئك الناس الغُرباء مع ابنك المجنون هذا وتأمرني بأن التزم الصمت!
«ناجي» باختصار
_ نعم.
«جوهرة» بمكر
_ إذن لا تعول علي كثيرًا في مخططك فأنا اليوم خابرت مدى قوة اولئك الناس و خاصةً هذا الرجل سالم. لقد أمر بوضع هارون بجانب الأحصنة دون أن يجرؤ أحد على التدخل، و أيضًا كاد أن يقتله اليوم حين أُصيبت تلك السيدة.
تنبه «ناجي» إلى كلماتها وقال باستفهام
_ ماذا تقصدين و من التي أُصيبت؟
«جوهرة» بمكر
_ ماذا؟ ألم يُخبرك مُرشِدك السري بما حدث؟ إذن أنت في ورطة حبيبي و لن يُنقذك منها سواي.
اغتاظ من حديثها فنهرها غاضبًا
_ بإمكاني أن أجعل ذلك المُرشِد يُنهي حياتك ببعض قطرات من السُم لاتخلص منكِ للأبد. هيا اخبريني ماذا حدث؟
جفلت من نبرته وتهديده لذا اندفعت تخبره ماحدث اليوم لتنهي حديثها قائلة بحنق
_ و هي الآن بالمشفى و هارون مُحتجز في مكان ما لا أعلمه.
_ إذن اعلميه. يجب أن يعلم بأنني بين الحياة و الموت بسبب ذلك الحقير طارق، و انكِ وجدتي طريقة للتحدُث مع ألبرت الذي أخبرك بأنني في غيبوبة. يجب أن يظل حاقدًا على تلك العائلة حتى تأتي ساعة الصفر.
«جوهرة» باستفهام
_ وهل تظن بأن مجرد كلمات بسيطة ستؤثر على هارون؟ اللعنة أن نظراته تنفذ إلى أعماق كل فردًا منهم و كأنه يحاول قراءة داخله.
«ناجي» بشر
_ و لهذا استمعي جيدًا لما سأقوله. فكل شيء يصُب لصالحنا.
«جوهرة» باهتمام
_ اسمعك.
_ بصي بقى عشان أنا جبت اخري منك. أنتِ هـ تتظبطي يا بت أنتِ ولا لا؟
هكذا تحدث «مروان» بغضب إلى «سما» التي تراجعت إلى الخلف وهي تقول بغضب
_ أنا مظبوطة غصب عنك على فكرة.
«مروان» بحنق
_ مظبوطة! طب يا ترى بوش ولا من غير؟
«سما» بانفعال
_ أنت بتستظرف!
_ أحسن ما اديكِ قلمين على وشك يعدلوكي. عمالة تدلعي و اقول يا واد معلش يا واد اصبر. البت مصدومة. لكن خلاص جبت اخري. عايزة ايه أنتِ؟
باغتته حين قالت باندفاع
_ عايزة أطلق.
تجاهل كلمتها و كانه لم يسمعها وقال بصياح
_ متغيريش الموضوع قولي عايزة ايه؟
اغتاظت من بروده وصاحت بانفعال
_ بقولك عايزة أطلق ايه مبتسمعش؟
برقت عينيه و تحولت نظراته الى شيء أكثر خطورة مما هو مُعتاد منه و أخذ يقترب منها بتمهُل وهو يقول بهسيس خشن
_ عايزة تطلقي! قولتيها مرة قبل كدا و عدتها و رجعتي عدتيها دلوقتي و عدتها لكن تقوليها للمرة التالته. يبقى لا. معناها انك فايتك شويه حاجات و محتاجه تفهميها كويس. عشان مش مروان الوزان اللي يفضل مع واحدة مش عيزاه.
كانت تلك الشخصية التي تراها أمامها الآن جديدة كُليًا عليه لذا وقفت مبهوتة تنتظر كلماته التالية ليقول «مروان» بجفاء
_ مفكرة انك لما تطلقي و تقعدي جنب امك كدا تبقي البنت اللي ضحت عشان امها؟ تبقى غبية. عشان بعد ما العمر يجري بيكِ هتلاقي نفسك وحيدة ملكيش حد الكل ملهي في حياته وأنتِ ملكيش حياة.
كلماته كانت قاسية و قد كان هذا ما يُريده لذلك تابع بنبرة أشد قسوة
_ ولو بتحاولي تقنعي نفسك ان الرجالة كلها وحشة زي ناجي الوزان تبقى بردو غبية. الإنسان ربنا ميزه عن الحيوان بالعقل عشان يستخدمه. استخدمي عقلك و شوفي سالم، سليم، طارق، صفوت، و آخرهم أنا. افتكري كدا حد فينا شوفتي منه واحد في الميه من صفات ناجي الوزان؟
صمتت تحاول ابتلاع عبراتها الحارقة ليُتابع «مروان» بسخط
_ اجاوبك انا. لا، ولا عمرك هتلاقي حد زيه، ولا عمر حد فينا هيقولك يا بنت ناجي. عشان انتوا مش بناته هو. انتوا بناتنا احنا. تربيتنا احنا. ملكوش علاقه بيه غير اسم بس في البطاقة.
عرت كلماته عقد ضعفها ومكامن نقصها لذا صاحت من بين عبراتها
_ يعني مش هتيجي في يوم تقولي يا بنت ناجي؟ ولا هتخاف ولادك مني يطلعوله؟
صاح بنبرة قوية صادقة لا تحمل الكذب
_ لا. عمري ما هعمل كدا عشان أنا مش حقير، ولا شايفك بنته اصلًا، ولا حد من اللي هنا شايفين كدا. أنتِ اللي عامله زي اللي على راسه بطحة.
صاحت بقهر
_ دي الحقيقة. حتى لو مقولتهاش بلسانكوا هي في عنيكوا. حتى الأخ اللي طلعلنا بعد السنين دي كلها اسوأ منه.
_ مش قولتلك غبية. حكمتي علينا كلنا من غير دليل أدانه واحد. اسمعي. دور الضحية دا انا مابحبوش، و مابحبش مراتي تكون كدا.
صمت لثوان قبل أن يقول بلهجة أهدأ
_ اوعي تبيني نقط ضعفك لحد، ولا تسلمي لحد دراعك اللي بيوجعك علشان يمسكك منه.
انخرطت في نوبة بكاء مريرة وهي تقول من بين شهقاتها
_ أنا خايفة. خايفة اوي. خايفة على ماما و على اختي و عليكوا كلكوا. انا نفسي نخلص من شره بس للأسف شره مبينتهيش. احنا اللي مانعينكوا تخلصوا عليه. اعتبرونا مش موجودين و خلصونا منه بقى.
جذبها لتستقر بين ذراعيه وهو يقول بنبرة حانية
_ هشششش. اهدي. كل حاجه هتتحل. صدقيني والله كل حاجه هتتحل.
_ مبتتحلش يا مروان. احنا عمالين نغرق اكتر و اكتر.
نهاية واحدة فينا هتكون على ايد الراجل دا.
هكذا تحدثت بنبرة مُحترقة أصابت قلبه في الصميم فأخذ يُهدأها وهو يقول بحب
_ اوعي تقولي كدا تاني. محدش هيقدر يمسكوا بسوء طول ما انتوا وسطينا. صدقيني.
رفع رأسه يُطالعها بحب تجلى في عينيه و نظراته و نبرته حين قال
_ أنا افديكِ بروحي. اطمني. خليكِ واثقة فيا. محدش يقدر يمس شعره منك ولا من شيرين ولا من عمتي.
رفعت رأسها تُناظره بتوسل تجلى في نبرتها حين قالت
_ بجد يا مروان. أنا ميهمنيش نفسي قد ما يهمني ماما و شيرين. أنت متعرفش انا خايفة عليهم قد ايه؟
احتواها بين ذراعيه قبل أن يقول بحنو
_ اوعي تخافي وانا موجود. ان شاء الله هنعدي الأزمة دي كلنا سوى و محدش هيتأذي أبدًا.
شددت من عناقه وهي تقول بتمني
_ يارب.
_ هتفضل مش راضي تبص في وشي كدا كتير؟
هكذا تحدثت «شيرين» الى «طارق» الذي كان يُعطيها ظهره يقف أمام أحد النوافذ بالمشفى فهو منذ أن اخبرته عن تلك الحادثة يشعر بصدره يكاد يتفجر غضبًا حتى أنه لو كان يعلم مكان ذلك الحقير لكان الآن في عِداد الأموات، ولكن لحسن حظ هذا الحقير و سوء حظه فهو لا يعلم أين هو؟ ولا يستطِع تمرير ما حدث. غاضب منها وعليها و من كل شيء ولا يعلم ماذا يفعل ليُطفيء نيرانه الهوجاء الي تفتك بصدره دون رحمة و قد كان يخشى عليها منه و من غضبه لذا تحدث بنبرة جافة
_ أنا في العربية لو احتاجتي حاجه كلميني.
لم يُعطها الفرصة للحديث فقد اندفع للأسفل ليترُكها هي الأخرى بين نارين نار الخزي مما حدث و نار القهر من كل تلك العقبات التي تعرقل حياتهم لذا لم تستطِع منع نفسها من الهرولة خلفه ليتفاجأ بها تفتح باب السيارة و تستقل المقعد بجانبه لتقول بنبرة يغلُب عليها الغضب و نفاذ الصبر
_ ماهو احنا مش هنفضل كدا. يا تقولي ناوي على ايه يا تقولي اخرجي من حياتي و نخلص!
التفت مبهوتًا من جملتها الأخيرة فصاح باندهاش
_ نعم!
_ ايه مسمعتش؟
_ لا سمعت بس مش مصدق اللي بسمعه بصراحة!
اندفعت عبراتها كالأمطار تكوي خديها و قلبها فجاءت نبرتها محرورة حين قالت
_ اومال عايزني اقول ايه؟ من وقت ما قولتلك عاللي حصل مش طايق تبص في وشي. كإنك بتعاقبني على جريمة انا مرتكبتهاش. والله ما كنت اعرف، ولا قدرت اخبي عليك.
نعم هي مُحقة ولكنه كان غاضبًا يتألم كأسد جريح لا يقدر على مواجهتها ولا أن يأخذ بثأره من ذلك الوغد. مُقيد بالتزامه نحو عائلته ولا يملك أي سبيل ليخرج من تلك الدوامة القاتلة لذا هتف بعنف
_ أنتِ كمان كنتِ عايزة تخبي عليا؟
_ مقدرتش، و انت مقدرتش اني جيت صارحتك. عشان كدا بقولك لو شايف بعد اللي عرفته اني مليقش بيك عرفني.
جذبتها يديه لتغرسها بين ذراعيه عله يُطفيء ناره و نارها فشدد من احتوائها حتى تردد صوت شهقاتها بصدره الذي ارتج لألمها الكبير فأخذ يحاول تهدئتها قائلًا
_ اهدي، و بطلي كلامك دا.
«شيرين» بحرقة
_ اومال أفسر انك بتتجاهلني دا بأيه؟
زمجر «طارق» غاضبًا
_ تفسريه بأن جوايا نار من الحيوان دا مش عارف اطفيها ازاي؟ نار لو طالته مش هتخلي فيه حتة سليمة.
كانت تشعُر بمقدار غضبه من خلال انتفاضة جسده بيد ذراعيها لذا شددت من احتوائه قبل أن تقول بتوسل
_ أرجوك متخوفنيش. أنت شوفت كل اللي حصلنا و بيحصلنا. هو عقابه عند ربنا كفاية اللي عمله في جنة و لبنى.
زمجر «طارق» بوحشية
_ حيوان. كلب. لو طولته اقسم بالله هاكله بسناني و هخلص حق الكل منه.
«شيرين» في محاولة لتهدئته
_ والله هيدفع تمن كل اللي عمله دنيا و آخره. صدقني. ان مكنش بدأ يسدد ديونه من دلوقتي.
و بالفعل صدقت كلماتها فقد كان كالمجنون منذ الصباح حين استيقظ كما هي العادة ليجد المكان من حوله خالي تمامًا من أي حياة. لا وجود ل«جرير» ولا غنماته ولا أي شيء سوى تلك الخيمة الصغيرة التي كان ينام بها. مُنذ الصباح وهو يبحث كالمجنون ولكنه لم يجد شيء ليستقر به الحال باكيًا فوق سريره الاسفنجي. فاغمض عينيه وهو يشعر بكم هائل من الحزن فلم يتبقى له أحد حتى ذلك الرجل الي ظنه نجاته تخلى عنه أيضًا فأضحى شريدًا وحيدًا وسط صحراء قاحلة و قد صدح صوتًا ما داخله يخبره بكل أسى
_ لم يقبل الله توبتنا، فقد تخلى كل شيء عنا.
أخذ يبكي كالطفل الصغير وهو يتخيل أن يموت وحيدًا هنا و الأدهى من ذلك أن يذهب إلى خالقه مُثقلًا بكُل تلك الذنوب. حينها رفع رأسه إلى السماء يقول بتوسل
_ يارب كنت عايز أكفر عن ذنوبي. والله ما عايز غير كدا. اعيش بس لحد ما تسامحني.
أخذ يبكي لساعات حتى نال منه التعب ففرد عوده على ذلك السرير البسيط لتلامس يديه شيئًا أسفل وسادته والذي لم يكُن سوى ورقة مطوية مُدونة بها تلك الكلمات البسيطة
_ لو شايف ان حياتك تستاهل دافع عنها.
كانت تقف خلفه تناظره بغضب حاولت قمعه وهي تقول بعتب
_ و ليه مقولتليش؟
لم يلتفت مُتجاهلًا استفهامها عن قصد ليقول بنبرة جافة
_ من أول يوم دخلتي فيه البيت دا و الكل بيحترمك برغم الظروف وبرغم كل اللي حصل، و واحدة واحدة بذكائك قدرتي تكسبي محبتهم، و لما بقيتي مراتي بقى الكل يحبك و يحترمك ويقدرك أضعاف الأول.
التفت يناظرها بأعين لأول مرة تكُن قاسية بتلك الدرجة وهو يُتابع بجفاء
_ شوفتي قولتلك ايه في في الأول؟ الكل بقى يحبك. لما تخسري بايدك حبهم دا يبقى غباء منك مش مسموح بيه.
ترددت الكلمات داخل عقلها كسهام حارقة تكوي كبريائها وهي صامتة تستمع فقط ليُتابع بفظاظة
_ لما مرات الكبير تقف تزعق في اخوه بالشكل دا يبقى قلة ادب و قلة ذوق وأنتِ لا قليلة الادب ولا قليلة الذوق.
صمت لثوان قبل أن يقول بلهجة يشوبها عتب كبير
_ يصح اللي حصل منك يا فرح؟
ابتلعت جمر كلماته في قلبها الذي كان ينتفض ألمًا و رغمًا عن ذلك لازالت تقف مرفوعة الرأس تُجيبة بنبرة جامدة
_ لا. عارفه انه غلط، وغلط كبير كمان. بس.
قاطعها بنبرة جافة لم تعهدها منه
_ مفيش بس. ليكِ الف حق تزعلي بس ملكيش ولا حق انك تغلطي و تقللي من نفسك و من مكانتك و من سليم بالشكل دا. سليم كان قادر يرد عليكِ الكلمة عشرة بس هو برغم اللي حصل مقدرش يرفع عينه فيكِ، لكن بصلي! عرفتي غلطك وصل لحد فين؟
جاهدت حتى لا تنهمر جموح عبراتها التي تهتز جفونها من فرط ثقلها و قالت بلهجة مُرتجفة
_ عرفت. بس الغلط دا انت جزء منه. كنت قادر تأهلني نفسيًا للي حصل. لكن اتفاجئ بيه بالشكل دا!
_ عندك حق يمكن كان مفروض انبهك. لكن أنتِ شوفتي اللي حصل، و بصراحة متخيلتش أن فرح مراتي العاقلة الذكية يحصل منها موقف زي دا.
بلغت الأمور ذروتها و احتقنت دماء الغضب و الألم بصدرها فآثرت إنهاء ذلك الموقف المقيت عند هذا الحد بأن قالت بأنفاس مُتحشرجة و نبرة خافتة
_ عندك حق. عن اذنك.
لم يُطاوعه قلبه تركها في تلك الحالة لذا ما أن التفتت تنوي الخروج حتى اوقفتها كلمته حين قال بصرامة
_ استني.
توقفت بمكانها تحاول تهدئة انفاسها اللاهبة و ضربات قلبها التي سينفجر بها صدرها بأي لحظة ناهيك عن جفون تهدد بالخيانة و إطلاق العنان لفيضاناتها بالإنهمار وهذا تحديدًا ما لا تُريده.
جاهدت لتحافظ على ثباتها ولكن ليس أمام شخص يحفظ سكناتها المطبوعة فوق جدران قلبه الذي كان غاضبًا ولكنه بالنهاية عاشقًا لذا اقترب منها قائلًا بلهجة هادئة
_ سليم عمل الصح. لا أنتِ ولا هي كنتوا هتتحملوا موقف زي دا. جنة كانت بتتلكك عشان تنهار، و وجوده جنبها هو اللي خلاها تكون قوية. لو كنتِ هناك مكنتيش هتتحملي و بالتالي هي كمان مكنتش هتتحمل.
تعلم علم اليقين بأنه مُحق ولكن الأمر احزنها حد الغضب الذي تدافع إلى أوردتها فأعماها فلم تُفرق بين الخطأ و الصواب للحظات كانت قاتلة وها هي الآن تُحصي مرارة ما اقترفته يداها خزي من هذا الموقف لذلك حاولت شحذ الباقي من ثباتها وهي توميء برأسها قائلة بنبرة متحشرجة
_ فهمت.
حاربته بنفس سلاحه يعلم أنه كان قاسيًا قليلاً معها وها هي الآن تقسو عليه بأن تلتزم الصمت أمام عينيه على الرغم من أنه يعلم كم العبرات التي تحاول جاهدة التحكم بها كما يعلم أيضًا أنها ستضن عليه بالانهيار على كتفه لذلك لم يزيد في الأمر أكثر و أومأ برأسه لتتراجع إلى الخلف بخطٍ جاهدت لتكون ثابتة و قد توجهت رأسًا الى حظائر الخيول تعلم بأنه هناك فقادتها أقدامها حيث يجلس أمام أحبائه فوقفت خلفه قائلة بنبرة مُتحشرجة
_ سليم.
لم يتوقع قدومها فارتسمت الدهشة على معالمه و خاصةً و هو يشاهد ملامحها التي تضج بالكثير و توحي بأنها على شفير الإنهيار لذا أجابها بهدوء
_ تعالي يا فرح.
احتارت كيف تبدأ ولكنها أرادت الانتهاء سريعًا لذا قالت بخفوت و نبرة بها طابع الندم
_ أنا مقصدتش اللي حصل. أنا بس اتخضيت لما شفتك شايلها و داخل، كمان و موضوع الإجهاض دا. يعني.
صمتت لا تعرف كيف تصيغ كلماتها فكان الندم يتبلور بصدق في عينيها ولكنها تشبه أخاه كثيرًا في عنفوانه و شموخه لذا لم يجعل الأمر يطول أكثر إذ قال بهدوء
_ خلاص يا فرح محصلش حاجه. الموقف كان صعب علينا كلنا.
ابتسامة ممتنه لونت ثغرها كونه لم يُطِل في الأمر أكثر و تابعت بنبرة صادقة
_ حقك عليا. متزعلش مني.
لامست الكلمة داخله و قد شعر بأنها حقًا تقصدها لذا قال بمزاح
_ خلاص يا فرح احنا اخوات، و أنتِ كمان متزعليش مني انا مقصدش أهمشك من حياة جنة بس الموقف كان صعب، و كان هيبقى أصعب لو كنتِ موجودة صدقيني. أنتِ كمان مكنتيش هتتحملي.
اخفضت رأسها فهي شعرت بكل هذا الألم من مجرد كلمات ماذا لو كانت في هذا الموقف؟
اومأت برأسها وهي تقول بخفوت
_ حصل خير.
مازحها قائلًا
_ خلاص بقى متعيطيش مش زعلان يا ستي، بعدين هنعمل ايه يعني؟ عشان الواد منصور مضطرين نتحمل سيادتك.
ابتسامة صغيرة لاحت على شفتيها ولكنها لم تستطِع منع ذلك الاستفهام الذي خرج من بين شفتيها حين قالت بنبرة مُلتاعة
_ عيطت كتير؟
كان يعلم مقدار الألم بداخلها فهو يعلم كم تحب شقيقتها لذلك حاول التخفيف عنها قائلًا
_ يعني حاولت على قد ما اقدر اني مخليهاش تفكر أو تتكلم. ربنا سهلها من عنده يا فرح.
اومأت برأسها قبل أن تقول بنبرة مُتحشرجة بالبُكاء
_ طب اتألمت؟ كانت لوحدها ولا كنت معاها؟
«سليم» بلهفة
_ لا طبعًا مسبتهاش ولا لحظة، و الحمد لله الموضوع مكنش في ألم اخدت بنج، و الحمد لله فاقت كويسه متقلقيش.
_ الحمد لله. المهم مش عايزاك تزعل مني. جنة دي بنتي.
قالت جملتها الأخيرة بنبرة محرورة و قد بدأت قدرتها على الثبات في التلاشي لـ يتفهم «سليم» قائلًا بهدوء
_ عارف، و عشان كدا مردتش احطك في الموقف دا. صدقيني كنتِ هتتعبي. الحمد لله أنه عدا.
_ الحمد لله. أنا هسيبك بقى.
هكذا تحدثت فقد بلغ منها الوهن مبلغه ليلاحظ حالتها فقال بلهجة مرحة
_ لا ما خلاص أنتِ صالحتيني و هرجع البيت.
ابتسامة خافتة ارتسمت على شفتيها فمد يديه لـ تتأبط ذراعه وهو يقول بمُزاح
_ يالا يا ستي احسن تتكعبلي ولا حاجه عايزين الواد ييجي سليم.
توجهت معه إلى المنزل لتجد الجميع في غرفة الجلوس فانصبت جميع النظرات المندهشة فوقهم وهي تتأبط ذراعه و كأن شيئًا لم يحدُث فصاح «مروان» بتهكم
_ شوف مش دول اللي كانوا بيشدوا في شعر بعض من شويه؟ لحقتوا اتصالحتوا. دانا كنت ناوي احط التاتش بتاعي.
شاطره «سليم» المُزاح قائلًا
_ الحمد لله ربنا نجدنا. كان زمانا فاتحين الآلي لبعض يا فرح.
ابتسمت« فرح» على مزاحه و توجهت أنظارها إلى « أمينة» التي كانت الفرحة تملئ نظراتها لتقترب منها «فرح» تحتضنها وهي تضع قبلة قوية فوق رأسها لتشدد الأخرى من عناقها لتقول «فرح» بخفوت
_ هطلع اطمن على جنة و ارتاح شويه قبل معاد العشاء.
« أمينة» بحنو
_ روحي يا حبيبتي.
لأول مرة تحمد ربها على عدم وجوده فرؤيتها له في تلك اللحظة قد يجعلها تنهار بقوة وهذا ما لا تريده لذا توجهت إلى غرفتها رأسًا لتغلق الباب خلفها و تتوجه إلى مخدعها ترتمي باكية بصوت هز أرجاء الغرفة و مزق نياط قلبه فقد كان يتوقع ما حدث ويعلم بأنها ستؤجل انهيارها إلى أن تأتي إلى هنا و قد كان موجود ليمتص جميع أحزانها و غضبها فاقترب منها يحتضنها بقوة من الخلف وهو يقول بنبرة خشنة
_ يعني لو كنتِ اترميتي في حضني و عيطتي كان هيقولك لا؟
لا تُنكر صدمتها حين شعرت بوجوده ولكنها سُرعان ما تغلبت عليها و قامت بنزع نفسها من بين ذراعيه وهي تقول من بين شهقاتها
_ ابعد عني.
شدد من احتوائها وهو يقول بخشونة
_ مقدرش ابعد عنك.
هتفت وهي تقاومه
_ متقدرش تبعد عنني لكن تقدر تخبي عليا، و تسمعني كلام زي السم صح؟
جذبها بغتة مُستخدمًا قوته ليحكم قبضته حولها بين ذراعيه قبل أن يقول بجانب أذنها
_ حقك تزعلي عشان خبيت عنك بس انا اهم حاجه عندي في الدنيا انك تكوني بخير، و الموضوع كان هيبقى صعب عليكِ و مكنتيش هتقدري متروحيش، وانا بصراحة مكنتش حابب تروحي المستشفى في موقف زي دا.
استدارت تعطيه ظهرها وهي لازالت بين أحضانه لتقول بنبرة حزينة
_ ازاي بتقول كدا؟ دي جنة. عارف يعني ايه جنة؟ دي بنتي اللي مخلفتهاش. بنتي يا ناس.
التفتت برأسها قائلة بأسى
_ جنة دي مكنش حد بيسهر بيها في تعبها من يوم ما اتولدت غيري حتى و ماما عايشة. ازاي عايزين دلوقتي تحرموني من اني اكون جنبها في أصعب أوقاتها؟
هاله مظهرها و بكائها بتلك الطريقة و لأول مرة سيكون اناني وهو غير نادم بالمرة لذلك قال بعتب
_ طب وأنتِ يا فرح؟ مبتفكريش في نفسك خالص؟ لو أنتِ قدام جنة بتلغي نفسك وهي بتكون رقم واحد بالنسبالك فأنتِ بردو بالنسبالي رقم واحد.
همست بخفوت
_ يا سالم افهم..
قاطعها بصرامة
_ افهمي أنتِ. انا اكتر واحد عارف فرحتك بحمل جنة كانت ازاي، و اكتر واحد عارف كنتِ هتتقهري ازاي لو عرفتي باللي حصل، و لو كنتِ روحتي مكنتيش هتتحملي. استنى لما تقعي مني!
_ لا. بس على الأقل كنت تعرفني.
هكذا عاتبته بحزن فاقترب واضعًا قبلة دافئة بين عينيها قبل أن يتراجع قليلًا ليقول بحنو
_ حقك عليا، و خليكِ عارفه انك اغلى حد عندي في الدنيا، ولو في اي حاجه في مصلحتك هعملها من غير ما افكر ولا حتى ارجعلك.
دغدغت كلماته حواسها ولكن هناك بقايا حزن لازالت عالقة بثنايا قلبها لذا حين أوشك على الارتشاف من عذب ريقها تراجعت و التفت تعطيه ظهرها وهي تقول بتذمُر
_ مش كنت قليلة الذوق من شويه! دلوقتي بقيت اغلى حد عندك!
يعلم أنها أكثر من يُعاني بجانبه و يتحمل الكثير لأجله لذا لم يبخل عليها بدلاله حين اقترب ينثر عشقه فوق كتفها بتمهُل قاتل ليصل إلى أعلى رقبتها هامسًا بجانب أذنها
_ أنا عمري ما اقول عنك كدا. بس غلطة الكبير كبيرة، و أنتِ مكانتك كبيرة اوي و مقبلش أنها تتهز.
التفت تناظره وهي تقول بخفوت
_ أنا فعلا انفعلت و معرفش صوتي علي كدا ازاي؟ أنا حتى اتفاجئت أن الناس كلها حواليا بس منظر جنة و هو شايلها و الكلام اللي قاله جنني يا سالم. جنني.
«سالم» بهدوء
_ خلاص يا عيون سالم. انسي.
موقف و حصل وانا عارف وكلنا عارفين انك متقصديش، و بعدين جيالي أنتِ وهو مأنكجين بعض يا ست هانم؟
لاحت ابتسامة صغيرة على شفتيها قبل أن تقول بسخرية
_ اصلًا كنت دايخه و البيه كان خايف على منصور.
اقترب يشاكسها وهو يمرر أنفه فوق خاصتها قبل أن يقول بهسيس خشن
_ ام منصور عايزة قرصة ودن.
«فرح» بتهكم يتخلله بعض الدلال
_ و ابو منصور بقى عايز ايه؟
احتوى خصرها بين ذراعيه وهو يقربها منه أكثر قائلًا بخشونة اذابتها
_ تعالي وانا اقولك.
ما أن أوشك على اقتناصها بين طيات عشقه حتى صدح صوت طرق قوي على باب الغرفة يليه صوت «مروان» الذي قال بصياح
_ أبو منصور.
اغمض عينيه يستغفر ربه قبل أن يقوم بالفتك بذلك الوغد فحاولت «فرح» قمع ضحكتها بصعوبة وهي تمرر يدها بهدوء فوق خصلات شعره قائلة
_ الله اكبر. ابعد يا شيطان ابعد يا شيطان.
فتح عينيه بغتة قبل أن يقول بهسيس مُرعب
_ صح. هو شيطان. هروح اخلص الناس من شره. أنا كدا جبت اخري.
انهى كلماته و توجه إلى باب الغرفة لتحاول قمع ضحكتها بصعوبة و خاصةً حين شاهدت ملامح «مروان» الذي تصنم بمكانه من رؤيته لملامح «سالم» المُكفهرة فهتف بذُعر
_ ايه يا كبير؟ حصل ايه؟ الولية اللي جوا دي مزعلاك ولا ايه؟
اقترب «سالم» يمسكه من ياقة قميصه الخلفية وهو يزمجر قائلًا
_ لو مكنش في موضوع مهم جايبك هخلص عليك سامع؟
«مروان» بلهفة
_ هي قستك عليا أنا كمان؟ تشخط في سليم تحت و تقومك عليا هنا؟ هتودي الحاجه دار المسنين امتى؟
برقت عيني «سالم» بتحذير فصاح «مروان» باندفاع
_ الصاروخ عايزك تحت.
تركه «سالم» بغضب و توجه لغرفة الملابس وهو يرغي و يزبد فاقتربت «فرح» قائلة بتقريع
_ بقى أنا يا واطي بقويه عليكوا! تصدق انك تستحق كل اللي سما بتعمله فيك.
«مروان» بسخط
_ تتشك في قلبها سما بنت همت عاللي عملاه فيا. حسبي الله ونعم الوكيل.
«فرح» بتشفي
_ تستاهل، ولسه لما اقولها انك بتقول عالبت الصفرا دي صاروخ.
«مروان» بتهكم
_ صفرا! شوف ياخي حقد الستات!
«فرح» بحنق
_ مين اللي بيحقد يا أبو لسانين انت! أنا احقد على دي!
«مروان» بسخرية
_ يا بت. دا الحقد هينط من عنيكِ. ايوا شعر اصفر و عنين زرقا و عود البطل، و طبعًا أنتِ بالبطيخة دي يبقى البطل الله يرحمه. الله يعينك يا كبير والله.
لم يكد يُنهي جملته حتى فاجأته «فرح» و أغلقت الباب في وجهه وهي تُحاول السيطرة على نوبة غيرة جنونية اجتاحتها و خاصةً و قد عادت كلمات تلك الوقحة تتردد في أذنها منذ قليل فأخذ عقلها يعمل في جميع الاتجاهات لتقف عند نقطة واضحة تلك المرأة تُحيك لعبة قذرة و هي شبه متأكدة بأن زوجها الهدف من وراء لعبتها.
_ الحلو سرحان في ايه؟
هكذا تحدث «سالم» وهو يقف خلفها بعد أن قام بتبديل ملابسه و إرتداء قميص رياضي باللون النبيذي تاركاً أول ازراره مفتوحًا و أسفله بنطال مُريح باللون الأسود و صفف خصلاته البُنية بطريقة مُنمقة فقد كان يُشبه نجوم السينما بطلته الرائعة و التي خطفت قلبها لتقول بخفوت
_ الحلو اللي لبس و اتشيك من غير ما يستناني.
ابتسم على كلماتها قبل أن يقول بسخط
_ ما أنتِ شايفة مفيش حاجه بتستنى. الحمد لله اننا عارفين ناخد نفسنا.
ضاقت عينيها بمكر و أطلقت تنهيدة قوية قبل أن تخفض نظراتها وهي تقول بخفوت
_ هينفع تستناني اغير هدومي وانزل معاك؟
شعر بأنها ليست على ما يُرام فاقترب قائلًا بلهفة
_ فيكِ حاجه؟
«فرح» بخفوت
_ حاسة نفسي تعبانة شوية.
_ طب ارتاحي أنتِ و خليكِ هنا و أنا هخليهم يطلعولك العشا.
«فرح» بابتسامة واهنة
_ لا. أنا حابة انزل عشان الموقف اللي حصل دا، و كمان عشان متخنقش هنا لوحدي.
اومأ برأسه قبل أن يقول بهدوء
_ طب يالا وانا هساعدك تغيري هدومك و ننزل سوى.
اقتربت تعانقه بدلال تجلى في نبرتها حين قالت
_ لا يا روحي خليك هنا وانا هدخل البس في خمس دقايق و اجيلك.
اومأ بصمت فاندفعت إلى داخل غرفة الملابس غافلة عن تلك البسمة الماكرة التي ارتسمت على ملامحه فقد تيقن من أمر غيرتها التي تُخفيها ببراعة ولكنه أكثر من يعلمها لذا شعر بما يعتمل بداخلها و قد كان يروق له هذا الأمر كثيرًا.
بعد قرابة العشرون دقيقة وهو ينتظر وعلى عكس المتوقع لم يشعر بأي ملل فقد كان يعلم أن نتيجة انتظاره ستكون مُرضية و لكن الحقيقة أنها كانت مُبهرة فقد أطلت عليه بذلك الرداء الذي يُماثل لون ذلك القميص الذي يرتديه ولكنه كان عليها أكثر من رائع فقد كان فستانها يعانق جسدها بطريقة رائعة دون ابتذال ذو أكمام من قماشة الدانتيل التي التفت حول ذراعيها لتنتهي عند الرسغ بنقوش رقيقة ذو فتحة صغيرة تِبرز عنقها المرمري و قوسي الجمال خاصتها الذي يتمثل في عظمتي الترقوة فقد كان يعتبرهما بوابته إلى جنتها التي يود لو أنه لا يخرُج منها أبدًا، و وجهها البهي الذي أتقنت تزيينه دون إفراط و خصلاتها الرائعة التي رفعتها إلى الأعلى لتُزين وجهها البديع. كان جمالها آخاذًا للحد الذي جعله يتقدم لـ يحتوي أحد كفوفها واضعًا قبلة دافئة فوق راحته قبل أن يرتفع برأسه يُناظرها بأعين التمع بهم العشق و الإعجاب الذي تجلى بنبرته حين قال
_ هي الملايكه نزلت من السما عشان تعيش وسطنا؟
نثر الخجل محصول التفاح الشهي فوق وجنتيها فبدت رائعة للغاية قبل أن تقول بنبرة جذابة
_ ملايكه مرة واحدة!
«سالم» بخشونة
_ ماهو مفيش بشر حلو كدا؟
عانقت كفوفها رقبته قبل أن تقول بدلال
_ لا ما هوا انا اصلي لقيت سيادة النائب متشيك كدا و قمر قولت لا بقى لازم اتشيك انا كمان عشان أليق بيه.
زاد من ضمه إليها قبل أن يقول بنبرة صادقة
_ سيادة النائب دا قعد أربعين سنة مش شايف ان في ست تليق بيه لحد ما قابلك. لو حتى لابسة خيش مبيشوفش أجمل منك.
كلماته أثقلت غرورها الأنثوي و قوت دفاعاتها في تلك المعركة التي هي مُقبلة عليها والتي ستُحارب فيها بكل ضراوة حتى وإن كانت تجهل قوة خصمها ولكنها لن تخسر أبدًا لذا رفعت رأسها و استقامت بشموخ وهي تتأبط ذراعه ليهبطَ الدرج سويًا أمام أعيُن الأفعى التي كانت تشاهد هبوطهم بنظرات كارهه حاقدة رغمًا عن إتقانها تزييف ابتسامة هادئة لونت محياها و نبرة تشبهها حين قالت
_ اوه. انتمَ ثُنائي رائع. تليقان ببعضكما كثيرًا.
اومأ «سالم» بصمت بينما إجابتها «فرح» بترفُع
_ نعم نحن كذلك.
«جوهرة» بنبرة يملؤها المكر
_ و أيضًا يُعجبني كونكم تُجنبان علاقتكما عن خلافات العائلة.
قصدت «فرح» كل حرف تفوهت به حين قالت بهدوء
_ أي خلافات عزيزتي؟ نحن هنا عائلة واحدة و تلك الأحداث اليومية لا تُعد خلافات فنحنُ لا نسمح لها بالوصول إلى ذلك.
وصلها المغزى خلف كلمات «فرح» لذا اومأت برأسها قبل أن تتوجه بنظراتها إلى «سالم» لتقول بنبرة جذابة و عينين تشعان اغراء
_ سيد سالم هل يمكن أن نتحدث قليلًا؟
اومأ «سالم» فبادرت« فرح» الحديث لتكون هي من أقرت ما سيحدُث
_ روح انت يا حبيبي وانا هطمن على جنة على ما تخلص.
اومأ بصمت قبل أن يعطيها ابتسامة ساحرة و هو يتوجه إلى غرفة المكتب قائلًا بفظاظة
_ اتبعيني.
أجبرت نفسها على الالتفات حتى لا تُظهر لتلك الوقحة أنها تُراقبهم لتجد «نعمة» تحمل صينية الطعام ل«جنة» فاقتربت« فرح» قائلة بهدوء
_ دي لجنة يا دادا؟
_ ايوا يا حبيبتي.
«فرح» بلُطف
_ طب خليكِ انا هوديهالها.
كان هُناك أصوات جلبة في غرفة الجلوس فـ فطنت إلى أن الجميع بالداخل لذا أرادت الإطمئنان على شقيقتها أولًا فـ أخذت صينية الطعام و توجهت للأعلى قاصدة غرفة «جنة» و ما أن التفتت لتدخل إلى باب الغرفة حتى لفت انتباهها شيء مُريب جعلها تتسمر في مكانها …
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم نورهان العشري
على ماذا البُكاء؟
على عمر ضاع هباء؟
أم على أخطاء لم يعُد ينفع معها الدواء؟
أم على قلوب أضناها الندم وأهلكتها كثرة الأدواء؟
يا قلب خسرنا أمام القدر وغُلِقت أمامنا أبواب السماء.
فالظُلم ظُلُمات لا تنقشِع غيمتها أبدًا والمظلوم لا ينفك عن الدُعاء.
فأي طريق للتوبة يُمكنني المُضي به؟ وهل يفلح مع من ارتكب مثل جُرمي الإغضاء؟
فوالله لم يكُن الذنب استهانة بالوعيد ولم يكُن أبدًا هُزاء.
إنما كانت غفلة اجتاحت قلب كان يرتعب من فُقدان الأحِباء.
و الآن ذاق مُر الفقد وحصد ثمار طُغيانه، وهُدِرت دِماء عينيه في شئ يُشبه البُكاء.
تنبهت «فرح» لذلك الحارس الذي كان يُشير بيده بطريقة خفية إلى أحدهم فأثار هذا الأمر ريبتها لتقترب من أحد الطاولات وتضع صينية الطعام برفق لألا تُحدث صوتًا وبخطوات سُلحفية تقدمت لتقترب من الدرج لرؤية ذلك الشخص الذي يُشير إلية ولكنها لم تجد أحدًا.
خربش الفضول عقلها وشعرت بأن هُناك أمرًا ما يُحاك خلف ظهورهم وقد عزمت الأمر على معرفته لذا وضعت نُصب عينيها مُراقبة ذلك الحارس جيدًا.
توجهت مرة أخرى لتحمل الطعام وتتوجه إلى غرفة «جنة» التي كانت لتوها مُستيقظة لترى «فرح» التي دلفت إلى داخل الغرفة وهي تُناظرها بعتب لم يخلو من الشوق لتحتمل «جنة» على أوجاعها وتهب من مكانها لتحتضن شقيقتها التي افتقدتها كثيرًا وما أن رأتها «فرح» حتى صاحت بلهفة:
_ استني متتحركيش.
وضعت صينية الطعام وتقدمت لتتقابل الشقيقتان في منتصف الغرفة بعناق قوي دافيء مُحمل بشوق بالغ من جانب كلتاهما فتناثرت العبرات تعبيرًا عم ما يكتنفهما من مشاعر كون تلك المرة الأولى التي يفترقا فيها كل هذا الوقت وقد كان هذا أكثر من مؤلم على «فرح» التي قالت بعتب:
_ كدا بردو يا جنة؟ أهون عليكِ تعملي فيا كدا؟
رفعت «جنة» رأسها تُطالع شقيقتها بأسف تجلى في نبرتها حين قالت:
_ حقك عليا يا فرح. أنا عارفه انك أكيد زعلانه مني بس والله ما قدرت أقولك. قلبي مطاوعنيش أنكد عليكِ.
«فرح» باستنكار يخالطه العتب:
_ تتكدي عليا! على أساس أن أنا غريبة عنك يا جنة؟
«جنة» بلهفة:
_ لا طبعًا مش كدا. بس بصراحة مكنتش حابة تيجي المستشفى في ظرف زي دا. فال وحش يا فرح.
«فرح» باندهاش:
_ فال وحش! من امتى بتفكري بالشكل دا؟
«جنة» بحزن:
_ بعد كل اللي مرينا بيه دا لازم طريقة تفكيري تتغير يا فرح، ولازم أخاف على كل اللي بحبهم، وأحافظ عليهم من النسمة. انتوا نعمة من ربنا بتمنى يديمها في حياتي.
احتوتها «فرح» بين ذراعيها وقلبها ينتفض ألمًا على طفلتها التي كبُرت قبل الأوان. صفعات الحياة أشبعتها حد النُضج لذا شددت من احتوائها وهي تقول بحنو:
_ ربما يفرح قلبك يا حبيبتي ولا يحرمك من حبايبك أبدًا. أنا بس كنت عايزة أكون جنبك.
رفعت رأسها تطالع تلك الأم التي كافأتها بها الحياة والتي لن تجد من الكلمات الرائعة ما يُعطيها حقها لذا قالت بحب:
_ أنتِ دايمًا جنبي يا فرح حتى لو بعيد. أنا من غيرك ولا حاجة. أنتِ أمي وأختي وصاحبتي وحبيبتي، وأنا كمان بحاف عليكِ زي ما بتخافي عليا وأكتر. أنا قولت أخلص عشان أنسى، وفعلاً عايزة أنسى، وأنتِ كمان انسي. أنا واثقة إن ربنا هيعوضني.
أخذت «فرح» تتلمس ملامحها بحب تناثر من بين عينيها فتابعت «جنة» بنبرة قوية:
_ ومن النهاردة هكون حد تاني. هكون زي ما بتتمني تشوفيني. هرجع تاني جنة اللي بتضحك وبتفرح وبتتنطط. مش هسمح للحزن يضيع مني حياتي، ولا هسمح للماضي أنه يدمر مستقبلي.
رقص قلبها فرحًا من كلمات شقيقتها التي عزفت أنشودة سعيدة لطالما كانت أعظم أمنياتها في هذه الحياة لتقوم بجذبها داخل أحضانها وهي تقول بفرحة:
_ ياه يا جنة. أخيرًا فرحتي قلبي. أخيرًا فهمتي.
شددت من احتواء شقيقتها وهي تُجيبها بلهفة:
_ فهمت يا فرح، وبإذن الله هرجع جنة بتاعت زمان، وهترجع أيامنا الحلوة تاني. أنا واثقة إن ربنا هيقف جنبي.
_ أن شاء الله يا حبيبتي. يالا بقى عشان أأكلك، وأعملي حسابك من النهاردة أنا اللي ههتم بأكلك وصحتك. أنتِ لونك مخطوف وخاسة ومتغيرة، ودا مينفعش يا ست هانم.
قهقهت «جنة» على كلمات «فرح» التي لطالما كانت تُمطرها بها وهي في فترة المُراهقة إلى أن وصلت إلى الجامعة فأجابتها بمُزاح:
_ لا يا فرح يا حبيبتي أنتِ فهمتي غلط. أنا اللي هرجع جنة القديمة مش أنتِ.
ابتسمت «فرح» على كلماتها ولكنها قالت بحزم:
_ مفيش الكلام دا. اتفضلي اقعدي. عشان هأكلك بأيدي.
امتثلت «جنة» لأوامرها بمنتهى الحب فقد اشتاقت لتلك الأيام الجميلة حين كانت تمرض وتجلس شقيقتها بجانبها تطعمها وتُعطيها دوائها بكل حب إلى أن تسترد عافيتها وها هي تفعل ذلك الآن وسط ضحكاتهم التي اخترقها صوت باب الغرفة الذي أُغلِق بقوة وصوت غاضب جاء من خلفهم:
_ أهلًا. خيانة عُظمى في أوضتي وعلى سريري كمان.
التفت الفتاتين إثر كلمات «سليم» الغاضبة التي جعلت «فرح» تقول بتهكم وهي تُناظر «جنة»:
_ مين دا معلش؟ تعرفيه؟
قهقهت «جنة» على كلمات «فرح» وهي تقول بمُزاح:
_ ولا عمري شفته يا بنتي.
صاح «سليم» بصدمة:
_ وحياة امك، ولا عمرك شوفتيه! سيبتك معاها خمس دقايق خليتك تتنكري مني!
«فرح» بتشفي:
_ ولو سبتني نص ساعة كمان هتيجي تلاقي هدومك في أوضة عم مجاهد تحت. كل عيش بقى وظبط أمورك معايا عشان رقبتك في أيدي.
اقترب منهم ليجلس بجانب «جنة» يُبعثر خُصلات شعرها وهو يّمازحها قائلًا:
_ عاجبك كدا. خلتيها تبيع وتشتري فيا. ماشي لسه الليل طويل. كله هيخلص منك.
«فرح» بتحذير:
_ طب ابقى قرب منها كدا وشوف هعمل فيك إيه؟
«سليم» بسخرية:
_ هقول إيه بس كله عشان منصور.
رقت ملامح «فرح» وارتسم التوسل في نظراتها ونبرتها وهي تقول:
_ طب بقولك إيه أنا ممكن أتبرى من جنة بس تخلعني من اسم منصور دا كل ما بسمعه بحس إني هولد من الغيظ. بيجيلي مغص والله.
اندلعت قهقات قوية من فم كُلًا من «جنة» و«سليم» الذي قال بتشفي:
_ دا الاسم دا هو علاجك. عارفه أنا اللي هروح أكتبه بنفسي.
تفاجئ من تلك التي زجرته في كتفه بعنف وهي تقول بتحذير:
_ حيلك. حيلك. أنت بتتكلم مع أختي على فكرة، وبعدين يرضيك أبقى خالة عيل اسمه منصور!
«سليم» بتقريع:
_ اتلمي عشان دا اسم أبويا ماشي.
«فرح» بلهفة:
_ على دماغنا، وأنا معتزة جدًا بيه بعد اسم سالم في البطاقة بس يعني أبقى أم منصور دي. حرام يا سليم والحيوان اللي اسمه مروان دا مش مبطل يفكرني في الطلعة والنازلة لدرجة إني بقيت أدعي يارب تبقى بنت.
حاول قمع ضحكاته قبل أن يقول بتشفي:
_ يؤسفني أقولك يا فرح إنها لو كانت بنت هيبقى الموضوع كارثي برضو عشان أكيد هنسميها على اسم الحاجة.
برقت عيني «فرح» من كلماته فلم تستطِع «جنة» قمع ضحكاتها التي اخترقت قلب كُلًا من «فرح» و«سليم» فقد اشتاق كُلًا منهما لسماعها تدوي من جديد وتطرب أذانهم لذا قال «سليم» بتخابُث:
_ طب بقولك إيه أوعدك أفكر في الموضوع دا وأشوفلك حل بس اخلعي أنتِ دلوقتي.
فهمت «فرح» ما يُريد وأرسلت إليه ابتسامة ذات مغزى قبل أن تقول بتحذير:
_ الأكل دا كله يخلص، ولو مخلصش انت المسئول قدامي. اختي جت خست، واتغيرت عندكوا ودا عيب في حقك على فكرة. أنا قولتلك أهو.
برقت عيني «سليم» من حديثها وما أن غادرت حتى التفت إلى «جنة» قائلاً:
_ تصدقي بالله أنا بحس إن سالم وفرح دول توأم. نفس الصفات ونفس الطريقة ونفس التفكير. لايقين على بعض بدرجة مش طبيعية.
ناظرته بأعين ألتمع بهم نظرات الإعجاب بوسامته التي ازدادت ما أن نمت خصلات شعره من جديد وذلك التجويف في خديه الذي تعشقه لذا قالت بنبرة جذابة:
_ هما بس اللي لايقين على بعض؟
كلماتها دغدغت حواسه فاقترب يحتضن كتفيها يقربها منه واضعًا قبلة دافئة فوق جبهتها قبل أن يقول بنبرة شغوفة:
_ أنتِ كتير عليا يا جنة. أنا بحاول أكون شخص يليق بيكِ.
أن يتنازل شخص لأجلك ويُنحي جانبًا جميع صفاته الرائعة حتى يُعزز من مكانتك بجانبه لهو أجمل شعور يُمكن أن يُدركه المرء. كأن يقذف بداخلك جرعة كبيرة من الثقة والسكينة التي تحتاجها الروح لتحيا والقلب ليعشق.
ارتج قلبها لكلماته التي هام بها الفؤاد واستكانت بها الروح فاندفعت الحروف العاشقة من بين شفتيها:
_ بتقول إيه يا سليم؟ دانا اللي محظوظة بيك. أنت أحلى حاجة حصلتلي.
أجابتها عينيه العاشقة بنظرة هيام شملتها كُليًا وكأنها شيء مُبهر تبتهج العين برؤيته، وكذلك فعلت لهجته حين قال:
_ أنتِ بقى كل الحلو اللي في حياتي. ضحكتك اللي ضحكتيها من شوية دي عاملة زي المطر روت قلبي اللي كان ميت من العطش.
أحيانًا يتفاقم الشعور بداخلنا فلا تُسعفه الثمان وعشرون حرفًا لوصفه لهذا خُلِق العِناق فهو حديث من القلب للقلب يحكي عن شعور لا تفيه الكلمات ولكن تستشعره الروح.
اندفعت بين ذراعيه تشد من عناقه بكل ما أوتيت من حُب كان أضعافه بقلبه الذي اهتدى أخيرًا فوق مرساه الآمن بين طيات عشقها.
_ اخبريني ماذا لديكِ؟
هكذا تحدث «سالم» بفظاظة فأجابته «جوهرة» بنبرة جذابة وعينين تُريد اختراق أعماقه بقوة:
_ فكرت بحديثك فيما يخص هارون، واتخذت قرارًا أردت إعلامك به.
_ ماهو هذا القرار.
«جوهرة» بهدوء:
_ سأُساعدك ولكن بشرط!
ابتسامة ساخرة لاحت على زاوية فمه قبل أن يقول بتهكم خشن:
_ سأتغاضى عن أمر هذا الشرط ولكني أُريد أن أعرف من أين أتيتي بأمر مساعدتي هذا؟ أردتك أن تُساعدي صديقك لا أن تُساعديني أنا.
تشكل داخلها شعور عميق بأن هذا الرجل ذو دهاء كبير لذا استمهلت نفسها قبل أن تقول بنبرة رفيعة:
_ سيد سالم لقد مر عليا هُنا قرابة الأسبوع وقد رأيت بعيني كيف أنكم عائلة مُترابطة، وكيف أنك رجلًا قد تبذل الغالي والنفيس لأجل تلك العائلة، وبالمناسبة يُعجبني ذلك كثيرًا، ولهذا أُخبرك أنني سأُساعدك لاستعادة هارون وضمه لعائلته.
يعلم المغزى خلف كلماتها ولكنه واصل لعبته للنهاية إذ قال بخشونة:
_ أُكرر تُساعديه؟ فأنا لا يعنيني كثيرًا وجود ابن عدوي تحت سقفي، ولكني أيضًا لست رجلًا ظالمًا لذا سأُعطيه فرصة واحدة.
«جوهرة» باستنكار:
_ مهلًا ولكن على حسب علمي أن السيد ناجي له ابنتين وهما يعيشان معكم.
«سالم» بجفاء:
_ أجل صحيح ولكن وضعهم يختلف، فنحن من ربيناهم وهم ينتمون إلينا وهذا سيدك لا علاقة له بهم، وهارون ليس مثلهم ولن يكون.
جعلتها إجابته تشعر بالحيرة فهي بارعة بقراءة لغة العيون وقد كانت عيناه جامدة لا تهتز تمامًا كنبرته إذن فهو يعني ما يقول وهذا من شأنه أن يُسهل من مهمتها كثيرًا ولكن على العكس فهذا الشعور لا يبعث الراحة على نفسها. لن تُطيل في الأمر أكثر لذا قالت بلهجة هادئة:
_ إذن هل لي بسؤال؟
_ تفضلي.
«جوهرة» بأعين مُترقبة ونبرة هادئة:
_ هل صحيح أن والدة هارون لم تتخلص منه وتُلقي به إلى ذلك الرجل ليربيه؟
«سالم» بتهكم:
_ ذلك الرجل ليس أهلًا ليُربي قطة فكيف بإنسان؟ عمتي لم تقبل أن يقترب من واحدة من بناتها طوال هذه السنوات فلماذا ستفعل شيئًا مغايرًا مع هارون؟
خرجت الكلمات من فمها مُندفعة وهي تقول:
_ لا. لا أقصد السيد ناجي إنما ذلك الرجل البدوي الذي كان يُربي هارون. لقد وجده سيدي بعد أن أخبرته الخادمة بأنه له طفل على قيد الحياة.
ألقى الصياد الطُعم وابتلعته الفريسة بسذاجة ولكنه بقى ثابتًا لم يهتز على الرغم من ملاحظته لامتِقاع وجهها فقام بأخذها إلى مُنعطف آخر ليصرف انتباهها عن فداحة ما تفوهت به:
_ لا يُمكن أن تكون تلك التمثيلية حقيقة؟ تُريدون إخبارنا بأن هارون لم يُربى مع والده وبالتالي لن يُصبح مثله؟ مُحاولة جيدة جوهرة.
نطق اسمها بطريقة كانت مُثيرة على أذنيها وخاصةً وأن كلماته طمأنتها بأنه لم يُلقي بالًا لذلتها لذا تجاهلت حديثه وقالت بنبرة محرورة:
_ أووه. أعجبني اسمي من بين شفتيك كثيرًا، فأنتم العرب لكم لكنة رائعة في نُطق الحروف، ولكن تلك اللكنة زينتها نبرتك الخشنة فبدا اسمي رائعًا.
تبسِط الطريق أمامه لكي يصل بها إلى نقطة الخطيئة فهو يعلم ذلك منذ اللحظة الأولى ولكنه رجل يُتقن التجاهل يُجيد التلاعُب بخصمه حتى يهلك عن طيب خاطر لذا قال بلهجة خشنة:
_ نحن العرب مُميزون كوننا عرب، والآن هيا أخبريني قرارك هل ستُساعدي صديقك أم ستجعليه يخسر فرصته؟
أغضبها كثيرًا طريقته الماهرة في تجاهل ما ترمي إليه ولكن أعجبها تصرفه فهذا يزيد كثيرًا من مُتعة الأمر لذا رققت لهجتها حين قالت:
_ سأُساعد صديقي، وسأقف بجانبه، وسأبدأ من الآن ولهذا أردت رؤيتك هل يُمكنني أن أتحدث معه؟
أومأ «سالم» بصمت قبل أن يقوم بإمساك أحد هواتفه ليَستدعي أحدهم الذي ما أن قدم حتى أمره بفظاظة:
_ خذها إلى ذلك الفتى، واحرص على أن تُعيدها سالمة.
أومأ الحارس لينتظرها حتى تتقدم أمامه ولكنها لم تستطع الخروج قبل أن تلتفت إليه قائلة بنبرة جذابة:
_ أشكرك لحرصك على سلامتي.
لم تتغير ملامحه ولم يُكلف نفسه عناء الرد فقط إيماءة بسيطة من رأسه نجحت في إثارة حنقها لتتقدم أمام الحارس الذي أخذها إلى حيث يُحتجز «هارون».
كان المكان عبارة عن مخزن كبير مليء بالخردوات والكثير من بقايا الخشب أرضيته مليئة بالقش موحش يبعث على الرهبة الذي ملأ قلبها وقد توقعت أن تجد «هارون» مُعلقًا بسقف الغرفة ولكن على العكس وجدته يستلقي فوق سرير خشبي يكاد يتحمل ثُقله واضعًا إحدى يديه فوق رأسه ويبدو أنه مُسترخي فصاحت مُستنكرة:
_ لا تُخبرني أنك تشعر بالراحة في هذا المكان؟
رفع يديه من فوق رأسه يُناظرها بصدمة خفيفة فاعتدل جالسًا دون أن يُعلق فقط عينيه كانت على الحارس الذي تركهم دون حديث فاندفعت «جوهرة» لتعانقه بقوة أجفلته لثوان فما أن كاد يدفعها حتى همست بجانب أذنه:
_ عانقني فنحن أصدقاء.
لم يُعانقها فعليًا إنما حاوطتها يديه بتحفظ أغضبها ولكنها لم تُعلق بل تركته ما أن سمعت صوت قفل الباب فقد صح ظنها الحارس كان يُراقبها وقد تأكد من كونهم أصدقاء كما تحاول أن تُثبت للجميع ولابد سيُخبر سيده.
_ كيف حالك في هذا المكان؟
هكذا تحدثت بعد ما اعتدلت في جلستها ليُجيبها «هارون» بكسل:
_ أشعر بالملل هُنا.
«جوهرة» باستنكار:
_ هل تسخر مني؟
«هارون» بتهكم:
_ لا بل من عقلك الغبي. ماهذا السؤال؟ وما الإجابة التي تتوقعينها مني؟
طافت عينيها بلهفة في المكان فجاء صوته ليُعيد انتباهها إليه مرة أخرى:
_ لا يوجد كاميرات مُراقبة هُنا لا تقلقي.
زفرت براحة قبل أن تقول بنبرة جادة:
_ اسمعني جيدًا والدك في غيبوبة بسبب ذلك الغبي الذي ضربه بقوة في رأسه.
انتفض بجانبها قائلًا بغضب:
_ ماذا تقولين؟
_ إهدأ لأُخبرك ماذا حدث. لقد نجحت في التواصل مع ألبرت وهو من أخبرني بذلك، والأطباء يقولون أن حالته لا تُبشر بالخير.
زفرت بحزن نجحت في تضمينه لهجتها حين قالت:
_ لقد نجحوا في مسعاهم، وقد لا ينهض مرة أخرى.
هب واقفًا وهو يقول بانفعال:
_ كف عن تِلك التِرهات. سينهض مرة أخرى أنه رجل قوي.
_ أضناه الألم «هارون». إضافة إلى أن الجسد هلك من فرط ما احتمل، والآن جاء دورك. يجب ألا تترك ما حدث يمر هكذا، فانت رأيت بعينيك أولئك الناس كيف يكرهونه، وكيف يتعاملون معك كونك ابنه؟!
«هارون» بغضب ساخر:
_ أجل رأيت. لقد كادت الفتاة تقتلني دون حتى أن تعلم ماذا حدث؟ وأولئك الجرذان أرادوا الفتك بي لكي يُثبتوا رجولتهم أمام النساء، وهذا الرجل الكبير الذي يظن أنه يُعاقبني بتلك الطريقة. جميعهم أغبياء!
اندفعت «جوهرة» تقف خلفه وهي تُتابع بث سمومها قائلة:
_ ليسوا أغبياء بل يُعميهم الحقد، ويجعلهم يتصرفون كالهمج. لقد كان والدك مُحقًا أنهم يكرهونه ويكرهونك كونك ابنه.
«هارون» بنبرة جافة وملامح مُكفهرة:
_ أجل، وسأحرص على إعطائهم أسباب أخرى لكرهي.
التمعت عينيها بالإنتصار وتحدثت بتخابُث بجانب أذنه:
_ أعلم بأنك رجل حقًا وستحرص على معاقبة أولئك المجرمين، وقد أرسلني ذلك الرجل إلى هنا حتى أحاول أن أُثنيك عن ذلك. يبدو أنهم بالفعل يخشونك.
التفت يُناظرها باستفهام صامت فتابعت تقص عليه ما حدث لتختتم كلماتها حين قالت:
_ كانت تلك الطريقة الوحيدة لكي أقابلك وأخبرك ما يحدث، وقد اقنعته بأنني سأفعل ما بوسعي لذلك.
التفت «هارون» إلى الجهة الأخرى وهو يقول بغموض:
_ وأنا سأساعدك لكي تُقنعيه أكثر.
ارتفع أحد حاجبيها بعدم فهم فهالها صوته الغاضب حين صاح يُعنفها:
_ اغربي عن وجهي جوهرة والآن.
في البداية صدمها رد فعله ولكنها فهمت ما يُحاول أن يرمي إليه فتابعت تمثيليته قائلة بتوسل:
_ هارون اسمعني. الأمر ليس كما يبدو لك. هُناك الكثير مما لا تعرفه.
قاطعها غاضبًا:
_ لا أُريد معرفة شيء، ولا أُريد رؤيتك مرة أخرى إن كنتِ ستُكررين ذلك الحديث مرة أخرى.
«جوهرة» بتوسل زائف:
_ لن أكرره حسنًا ولكن يجب أن تستمع إلى والدتك. إنها ترقد بين الحياة والموت قد تكون فرصتك الأخيرة.
صمت لثوان قبل أن تُتابع بنبرة ذات مغزى:
_ سأتركك لتُفكر في الأمر.
_ اغربي عن وجهي. هيا اغربي.
هكذا صاح «هارون» فاندفع الحراس ليجدوا «جوهرة» تُهرول إلى باب المستودع بملامح نجحت في رسم الذعر بين ثناياها ليقوموا بإخراجها وإعادتها إلى المنزل غافلين عن نظرات الخديعة التي لونت أعين علمت جيدًا على أي أرض تقف.
كان يحتضن المصحف بقوة وشفتيه تُردد آيات الذكر الحكيم وكأنه يستأنس بها في تلك الليلة الموحشة التي يقضيها وحيدًا في صحراء قاحلة قد تبتلعه رمالها في أي لحظة فكان جسده يرتجف رغمًا عنه إلى أن توقف عند تلك الآيات الكريمة:
(قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (53) وَأَنِيبُوا إِلَىٰ رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لَا تُنصَرُونَ (54) وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (55) أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَىٰ مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ وَإِن كُنتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ (56)
شعر بأن تلك الآيات كالضماد التف حول قلبه المذعور أنها دعوة من رب العباد تُخبره بأن لا يقنط من رحمته نعم هو تحت رحمته وتحت حفظه وتحت سمائه. يستمع إليه إلى شكواه وخوفه وجزعه، وهو فقط من سيؤمن خوفه فأغلق الكتاب الكريم وخرج من خيمته وتوجه إلى الخارج يرتفع برأسه إلى السماء يدقق بها فوجد القمر يُنيرها والنجوم تُزينها فأخذ ينظر حوله فلم يجد تلك العتمة التي كان يظنها فقد كانت منبع تلك العتمة قلبه الذي صرخ بتضرُع:
_ يارب. أنت وحدك اللي سامعني. يارب أنا كنت وحش أوي. كنت شيطان. يارب أنا عملت كل حاجة وحشة في الدنيا. بس طمعان في رحمتك. طمعان في كرمك. طمعان تسامحني.
تساقطت عبراته بقوة وهو لا يزال يصرخ بتضرُع:
_ يارب. عشمان يارب. عشمان فيك يارب. أنا تعبت وانت شايف قلبي. شايف اللي فيه. حاسس بيا وبتوبتي.
اخترقت شهقاته سكون الليل وهو يتابع بنبرة متوسلة:
_ عايز أثبتلك وأثبت للكل إني تبت. عايز أجلك نضيف. يارب نفسي أجلك وأنا نضيف يارب. ساعدني وسامحني. سامحني يااارب.
خر ساقطًا على ركبتيه وهو يرتجف من فرط البُكاء ولسانه يبتهل ويتوسل:
_ يارب سامحني. يارب خليهم يسامحوني.
أخذ يبكي حتى جفت مياه عينيه وهلك الجسد الذي لم يسد رمقه شيء منذ الصباح ليتوجه بأقدام واهنة إلى منبع مياه يستخدمونه دائمًا للوضوء والشرب ليتفاجأ بفراء أبيض يقف عنده فتوقفت أنفاسه لثوان قبل أن ترتسم ابتسامة هادئة على وجهه فلم ينساه خالقه وأرسل إليه رزقه بين دروب الصحراء القاحلة ليخفق قلبه بعنف وداخله يُردد عبارات الحمد قبل أن يتحين للإنقضاض على هذا الأرنب البري الذي كان نهمًا في الارتواء من منبع المياه فغافله هذا الحجر الذي سقط فوق رأسه ليسقط في المياه وقبل أن تُتاح له الفرصة للهرب أحكم «حازم» الإمساك به كوليمة رائعة سيُنهي بها يومًا كان عصيبًا وبالفعل قام بذبحه وسلخه كما علمه «جرير» وقام بإضرام النيران ليقوم بشويه وعينيه تتابعان وجبته الرائعة بقلب راضٍ قرير وقد كان ذلك أعظم شعور قد خابره طوال حياته فدائمًا كان شخص صعب الإرضاء رغمًا عن جميع مُغريات الحياة حوله والتي كان الطعام يُعد من أتفه الأشياء التي كان يستمتع بها والآن تلك الوجبة البسيطة تُشعره بتلك السعادة.
وهُنا نصل إلى حقيقة ثابتة أن جمال الأشياء لا يكمن بكمها أو مدى جودتها إنما بتلك النفس الراضية التي تُقدر عطايا خالقها، فالرضا من نِعم الله علينا وهو المُكمل الرئيسي لجمال الأشياء في حياتنا فما أن يرضى الإنسان حتى تكتمل نواقص الأشياء حوله ويتولد شعور السعادة بداخله.
أنهى وجبته الرائعة وقام بغسل يديه والوضوء ليتوجه إلى خيمته يُصلي وقلبه هادئًا ساكنًا يحمد الله على كل شيء وقد كانت هذه المرة الأولى في حياته التي يُصلي بها ليحمد الله فقط وبعد أن انتهى من صلاته وختامها امسك ورقة «جرير» بين يديه وهو يقول بنبرة يملؤها التصميم:
_ هدافع عن حياتي وهخليها تستحق إني أعيشها، وإن شاء الله هخلي كل الجاي صح. صح وبس.
تقدمت لتفتح باب المنزل لتتفاجيء بوالدتها التي كان الحزن يكسو ملامحها وعلى غير عادتها لم تكن تضع مساحيق التجميل بل كان وجهها على طبيعته ولكنه كان شاحبًا مُرهقًا وكأنها كبرت عشر سنوات مما جعل حزنًا غريبًا يجتاحها ولكنها نفضته عنها وهي تقول بنبرة جافة:
_ أهلًا يا مدام منال في حاجة؟
أوجعتها كلمات ابنتها ولكنها نتاج زرعتها طوال تلك السنوات لذا تجاهلت حزنها وقالت بلهجة مُشجبة:
_ ينفع أدخل؟
تنحت «ساندي» جانبًا بعد دقائق من التفكير لتقرر أن تُدخلها لا تعلم لما ولكن كان هناك شيء يُحركها من الداخل وقد أطاعته ولكنها كانت تحاول أن تكون بعيدة قدر الإمكان حين قالت بجفاء:
_ تشربي إيه؟
«منال» بحزن:
_ أنا مش جايه أضياف يا ساندي. أنا جايه أطمن عليكِ.
لم تفلح في قمع كلماتها الساخرة المشبعة بالمرارة حين قالت:
_ غريبة. دانا كنت جنبك في بيت واحد وماكنتيش بتيجي تطمني عليا. جاية دلوقتي المسافة دي كلها عشان تطمني عليا!
اخفضت «منال» رأسها بأسى تجلى في نبرتها وهي تقول:
_ يا بنتي هتصفي إمتى بقى وتبطلي تعاقبنا. أنا وأبوكي كبرنا عشرين سنة في الكام شهر اللي فاتوا دول.
«ساندي» بقهر:
_ وأنا كبرت عمري كله جنبكوا من غير ما تاخدوا بالكوا مني. كنت بموت وأصحى وانتوا ولا انتوا هنا، وجاية تقوليلي هتصفي إمتى وصعبان عليكوا حالكوا في الكام شهر اللي فاتوا! دي فواتير سنين يا منال هانم وبتتسدد.
انفلت زمام عبراتها أمام كل هذا الأسى والحقد بقلب طفلتها التي كبرت على غفلة منها رباها الوجع وهذبها الأسى لتصبح على عرش المعاناة ملكة جميلة من الخارج مشوهة من الداخل وقد كان هذا أقسى ما مر عليها طوال حياتها لذا توجهت بأقدام خائبة إلى باب الشقة تنوي المغادرة بصمت فيبدو أن الطريق لا يزال موصدًا وأقفاله ضائعة لذا يكفيها أن تراها بخير فقط.
_ استني يا طنط منال. راحة فين؟
هكذا تحدث «عُدي» الذي كان يأخذ حمامه وخرج ليتفاجأ بوجود «منال» التي التفتت تناظره بأسى تجلى في نبرتها حين قالت:
_ ماشية. كنت جاية أطمن عليكوا وخلاص همشي.
«عُدي» باستنكار وعينيه تتفرق بين «منال» التي تنكس رأسها بحزن وبين «ساندي» التي تحاول الظهور بمظهر اللامبالاة ولكن يتبلور الحزن بعينيها:
_ تمشي فين؟ حد قالك إننا ناس بخيلة ولا إيه؟ وبعدين دا أنتِ حماتك بتحبك دانا عامل مكرونة بشاميل النهاردة. لازم تدوقيها.
ارتفعت عيني «منال» تتابع «ساندي» التي ناظرت «عُدي» بغضب تجاهله الأخير وقال بمزاح:
_ متخافيش كل حاجة مستوية. يعني مش هيجيلك تلبك معوي. ممكن شوية إسهال خفيف كدا بس.
ابتسمت «منال» قبل أن تقول بتلعثم:
_ مش عايزة. أضايقكوا يا ابني.
«عُدي» باستنكار:
_ تضايقي مين بس؟ بقولك عامل مكرونة بشاميل، وجتلي ضحية من السما. تقوليلي أضايقكوا. يلا تعالي اقعدي وأنا وساندي هنجيب الأكل.
وصلت إلى المطبخ وداخلها تريد إحراقه حيًا لذا ما أن دلف خلفها حتى التفتت باندفاع وهي تقول من بين أسنانها:
_ أنت قاصد إيه من اللي بتعمله دا؟
اندفاعها جعلها قريبة منه حد الخطر الذي لون حدقتيه فقد انتشى قلبه بقربها هكذا وخاصةً حين دغدغت أنفه رائحتها العطرة التي اشتاقها كثيرًا فجاء صوته مُتحشرجًا حين قال:
_ أنا مكنتش قاصد. بس دلوقتي أنا هبقى قاصد واحتمال مُتحرش كمان.
كلماته جعلتها تتنبه إلى موقعها القريب جدًا منه لتتراجع بلهفة ولكن هيهات فقد كانت يديه خلف ظهرها بالمرصاد لتُعيدها مرة أخرى إلى مكانها فقالت بتلعثم:
_ أوعى إيدك دي.
«عُدي» بعناد:
_ مش هوعى.
_ شيل إيدك أحسن لك، وسيبني امشي.
هكذا تحدثت من بين أسنانها فقد بلغ التوتر مبلغه منها وتقاذفت دقات قلبها بجنون لم تستطع تحمله وقد شعر هو. فلم يمنع نفسه من مبادلتها الجنون على طريقته حين قال بنبرة شغوفة:
_ هتعملي إيه لو مشيلتش إيدي؟
ضاعت أمام نظراته ونبرته ولم تعلم بماذا تجيبه وهي غارقة بتلك الطريقة في بحر عينيه الأسود الذي يُغريها بالغوص به حتى الغرق الذي بدا يلوح أمامها وهو يقترب كالمغيب منها وهي عاجزة بل مستسلمة كُليًا لمشاعر دافئة قوية تكتنفها لتحول بعدها إلى أخرى عاصفة وهي خاضعة بين ذراعيه وهو يرتشف من نبيذ ريقها الذي كان كينبوع مياه عذب وسط صحراء قاحلة فأخذ ينهل منه على استحياء كي لا يُخيفها وقد كان هذا يتطلب منه إرادة من حديد حتى لا يلتهمها بضراوة فقد كان يشتاقها حد الجحيم ولكنه بشق الأنفس استطاع أن يتراجع بعد أن شعر بحاجتها للهواء ليبتعد بعض إنشات عنها فلم يكن بُعدًا بالمعنى الحقيقي فلا يزالوا يتبادلوا الأنفاس الملتهبة التي تشبه لهجته حين قال:
_ أنا لو مت دلوقتي هموت وأنا مش عايز حاجة من الدنيا تاني.
حديثه عن الموت خفف من هول الكارثة التي حدثت قليلاً لتقول بلهفة:
_ إيه اللي أنت بتقوله دا؟ موت إيه وزفت إيه؟ أنت بتستهبل!
«عُدي» بصوتًا أجش من فرط ما يحمله من مشاعر جياشة:
_ بستهبل! دانا قلبي هيقف من فرحته.
تعاظمت دقات قلبها حتى آلمتها واحترقت أنفاسها بفعل كلماته وما أضرمته من نيران هوجاء بداخلها وخاصةً حين تابع بنبرة موقدة:
_ أنتِ كنتِ بين إيديا دلوقتي. من غير خوف.
وضع يديه فوق موضع قلبها النابض بجنون وهو يتابع:
_ قلبك اطمن في حضني. بيدق أوي بس مش من الخوف. أنا مش نفس الوحش اللي كنتِ شيفاه قبل كدا صح؟
كان استفهامًا يحوي توسل قاتل بألا تُطفيء شعاع الأمل بداخله لم تستطع إلا أن تلبي ندائه قائلة بصدق:
_ صح.
كانت كلمة بسيطة مردودها قوي للحد الذي جعل عينيها تبرقان حين شاهدت تلك العبرات التي غافلته لتجري فوق خديه تخبرانها أي شعور عارم بالسعادة جعلته يختبره فقام بجذب رأسها يلصق جبهتها بخاصته وهو يقول بنبرة محرورة:
_ ياااااه. دانا كنت بقول إني هموت قبل ما أسمع الاعتراف دا منك.
همست بحرقة:
_ بعد الشر عنك.
رفع رأسه قائلًا بنبرة موقدة بلهيب الصبوة:
_ بحبك. بحبك لدرجة إني عايز أشيلك وألف بيكِ وأصرخ وأقول للناس كلها خلاص نولت الرضا.
اخفضت رأسها خجلًا فقام بتزيين جبينها بقبلة دافئة وهو يتابع بنبرة يشوبها المزاح:
_ أمك سرها باتع. هطلع أبوسها دلوقتي.
عند ذكرها رفعت رأسها وقد عاد غضبها يطفو على السطح:
_ ممكن أعرف إيه اللي عملته من شويه دا؟ إزاي تعزمها عالغدا وانت عارف إني هتضايق؟
«عُدي» بتعقل:
_ عشان عارف إنك هتتضايقي أكتر بعد ما تمشيها بالطريقة دي.
اندهشت كونه يرى داخلها بتلك الطريقة ولكنها حاولت المناص منه قائلة بغضب:
_ أبدًا ماكنتش هتضايق ولا حاجة…
قاطعها بوضع إصبعه فوق شفاهها وهو يقول بهدوء:
_ ساندي. مش محتاجة تكذبي عليا عشان أنا أكتر واحد في الدنيا فاهمك. جه الوقت اللي تحاولي فيه تتصالحي مع الماضي، ودا عشانك. حتى لو مش هتسامحي ادي لنفسك فرصة تهدى وترتاح.
توقفت أمام كلماته بعجز فتابع بتعقل:
_ خدي هدنة. اللي في قلبك بيوجعك يبقى بلاش تزوديه. حاولي تتعاملي بهدوء مع المواقف بلاش تاخديها على أعصابك. اتعاملي معاها عادي. انسي حتى إنها أمك. اتعاملي معاها كأنها أم واحدة صاحبتك. جارتك. شوفي الدنيا هتبقى فيها إيه، وأنا معاكِ في أي حاجة.
راق لها اقتراحه فهناك شيء في أعماق القلب يناديها لتهدأ هذا أكثر ما تحتاجه الهدوء والسكينة لذا أومأت بصمت فابتسم بحب وقال بمزاح:
_ وبعدين لازم تكوني ممتنة ليها إنها هتشاركك في الجريمة بتاعتي يعني مش هتشيلي الليلة لوحدك.
ابتسمت على مزاحه ولم تُعلق وشرع الثنائي في تحضير الطعام وما هي إلا دقائق حتى كان الثلاثة حول المائدة يتناولون الطعام بصمت لم يخلو من نظرات الشوق من «منال» لابنتها والامتنان منها ل«عُدي» الذي أخذ يتحدث في أمور عديدة حتى انتهى الغداء وقد شعرت «منال» بأنه لا تريد أن تطيل الأمر أكثر حتى لا يأتي بنتائج عكسية لذا قالت بامتنان:
_ شكرًا يا ولاد عالغدا الجميل دا. بقالي كتير مأكلتش كدا.
«عُدي» بمزاح:
_ الهي يعمر بيتك يا شيخة. فتحتي نفسي. انفع شيف.
«منال» بابتسامة هادئة:
_ تنفع أحسن شيف. تسلم إيدك الأكل جميل.
_ تسلمي يا طنط. حضرتك نورتينا النهاردة. ياريت كل فترة نتغدى سوا كلنا.
اغتاظت من اقتراحه ولكنها لم تُعلِق بل اكتفت بابتسامة صامتة لتقول «منال» بحبور:
_ ياريت والله، وبالمرة أجيب رؤوف هو كمان دا هيتجنن عليكِ يا ساندي.
أومأت «ساندي» بهدوء قبل أن تقول بجمود:
_ آه إن شاء الله.
شعرت «منال» بأنه آن أوان الرحيل لذا قالت بامتنان:
_ شكرًا مرة تانية. أنا همشي بقى عشان متأخرش على رؤوف.
«عدي» باحترام:
_ العفو يا طنط على إيه؟ زي ما قولتلك حضرتك نورتينا.
أومأت بابتسامة ورفعت رأسها ل«ساندي» قائلة بنبرة يشوبها الرجاء:
_ أنا همشي. مش عايزة أي حاجة؟
صمتت لثوان وهي تناظرها بعينين خلت من الغضب لأول مرة ونبرة كانت صافية:
_ شكرًا.
كان الأمر رائعًا كونها لم تنهرها لذا اكتفت بهذا القدر وغادرت كالفراشة تهرول إلى زوجها الذي وجدته في غرفة مكتبه يجلس بوهن فوق مقعده ومن شدة فرحتها لم تلاحظ حالته فقالت بسعادة بالغة:
_ رؤوف. مش هتصدق حصل إيه النهاردة؟ أنا كنت مع ساندي واتغديت معاها واتكلمنا عادي واتقبلت كمان إني أروح لها تاني.
لم تظهر السعادة على ملامحه التي لاح عليها التعب مما جعلها تهرول إليه قائلة بلهفة:
_ مالك يا رؤوف فيك إيه؟
لم يتمالك نفسه وهو يضع يديه على قلبه بألم تجلى في نبرته حين قال:
_ تعبان. تعبان أوي يا منال.
أنهى جملته ليسقط من فوق كرسيه فاقدًا للوعي وسط صرخاتها المرعبة:
_ رؤؤؤووف!
قال يا قاعدين يكفيكوا شر الجايين. أوبا أوعى الصاروخ المصري.
هكذا تحدث «مروان» ما أن رأى «فرح» تُطل عليهم بتلك الهيئة الرائعة التي أعجبت جميع الموجودين فتحدثت «أمينة» بإعجاب:
_ اللهم صل على النبي. إيه الجمال دا يا فرح؟ ربنا يحميكِ يا حبيبتي.
تدخل «مروان» ساخرًا:
_ أنتِ يا ست أنتِ حالفة لا تعرينا وسط الحموات؟ إيه الكلام دا؟ بدل ما تقولي لها ادخلي سيقي المطبخ.
«أمينة» باستنكار:
_ هي مين دي اللي تسيق المطبخ يا واد أنت؟ مرات سيادة النائب سالم الوزان على سن ورمح تسيق مطابخ!
«مروان» بصياح:
_ يا ستي نفسي أشوفلك أي موقف حمواتي قبل ما أموت. لا. دا أنتِ لازملك كورسات كيف تُصبحين حما تنغص عيشة زوجة ابنها؟ إنما كدا محدش هيعرف يكلمها بعد كدا.
تحدثت «فرح» بعد ما ذهبت إلى مقعدها بجانب «سالم» الذي كان الإعجاب يطل من عينيه لتقول «فرح» بثقة:
_ والله يا مروان اللي عايز كورسات فعلاً هو أنت. في كيف تتعامل مع الهزيمة؟ يعني تتقبل كدا إنك رقم عشرة مثلًا.
«مروان» بتفكير:
_ رقم عشرة! ليه؟ آه على أساس إنك بالكرش دا تسعة في بعض يعني؟
تدخلت «ريتال» بصدمة:
_ إيه دا يا انطي «فرح» هو يقصد إنك تخينة أوي يعني قد تسعة؟
«مروان» بسخرية:
_ بتفهم البت دي طالعة لعمها.
لم تكن «فرح» أن تركت المعركة في منتصفها لذا قالت بنبرة ذات مغزى وهي ترى تلك الفتاة تدلف إلى داخل الغرفة:
_ I am a woman who is valued by ten women, not just nine (أنا امرأة تُقدر بعشر نساء وليس فقط تسعة).
هنا صاح مروان مُهللًا:
_ اللهم صلِ عالنبي أم منصور بتتكلم لغات.
ثم رفع نظراته قائلًا لـ «سالم» الذي كانت جميع خلاياه مع تلك المرأة الرائعة التي زعزعت كيانه وجعلت من قلبه عرشًا لها:
_ الثقة دي مش مريحاني. حاسس إنها هتطردنا من البيت قريب. احتمال أقوم ألاقي نفسي نايم في حضن عم مجاهد.
تعالت الضحكات على كلماته فأجابه «سالم» بنبرة رخيمة وعينيه تطالعها بإعجاب:
_ حقها. ست الحسن والجمال لو مكنتش تبقى واثقة في نفسها مين يبقى واثق!
يا إلهي شعرت في تلك اللحظة بأن قلبها تضخم من فرط عشق ذلك الرجل فكم كانت تتمنى لو تُترجم جملته لتصل لعقل تلك الحية ولكن يكفيها نظراته التي توحي بمدى العشق الذي يحمله لها في قلبه.
_ هل لي أن أعلم عن ماذا تتحدثون؟
هكذا تحدثت «جوهرة» فتدخل «مروان» قائلًا عن قصد:
_ إنه يقول بأنها سيدة الحسن والجمال لما لا تثق في نفسها؟ يغازل زوجته يا جوهرة. يا حلوة أنتِ يا مسكرة.
قال جملته الأخيرة باللغة المصرية ولكنها لم تلق بالًا لها فقد أعماها الغضب من كلمات ذلك العاشق الذي تريد أن تنتزع نظراته العاشقة تلك لهذه المرأة التي أصبحت غريمتها منذ هذه اللحظة وسوف تُنحيها من طريقها بشتى الطرق ولو تطلب الأمر أقذرها.
_ سيد سالم عُذرًا هل لي بحديث قصير معك قبل العشاء؟
«سالم» بفظاظة:
_ أقترح أن نجعل الحديث ينتظر فموعد العشاء قد حان.
كانت جملته كالوقود على نيران غضبها وبدأت بالتأكد من أن أمر «هارون» لا يعني هذا الرجل مثلما يدعي أو أنه بارع في التلاعب لذا اكتفت بابتسامة هادئة لم تُمحى طوال فترة العشاء على الرغم من مُزاح «مروان» الذي اقترب على إذن «فرح» قائلًا بخفوت:
_ أي خدمة ترجمتلك الجملة اللي كنتِ هتسمعيها للبت الصفرا. عدي الجمايل بقى.
تعمدت «فرح» تصنُع عدم الفهم حين قالت:
_ جملة إيه وبت صفرا مين؟
«مروان» بسخط:
_ بقولك إيه متعيشيش الدور. أنا فاقسك عشان الكبير دا يخصني أنا كمان. يعني إحنا في الهوى سوى، وبالبت الصفرا دا النيك نيم لجوهرة قلبي.
اندهشت «فرح» من حديثه قائلة بخفوت:
_ واد أنت حيرتني! أنت بتحبها ولا بتكرهها؟
«مروان» باندفاع:
_ أكره مين حد يكره النعمة؟ دا اللي يكرهها يعمى. أنا بس شايفها بتحوم حوالين الكبير ودا راجل منضبط. إنما أنا راجل صايع، وبحب الهلس قد عيني.
«فرح» بتحذير:
_ مروان اتلم. سما لو حطت الموضوع في دماغها مش هيحصل كويس.
«مروان» بسخرية:
_ ياريت نفسي تحطه في دماغها بدل فردة الجزمة دي.
اسكتي ياختي اسكتي. دي على بال ما تخرج من بؤسها وتاخد بالها إني بخونها احتمال تكون جوهرة حامل.
لم تفلح «فرح» في قمع ضحكاتها مما أثار غضبه فهي منذ بداية العشاء تتحدث بخفوت لذلك الوغد قاطع لحظاتهم الجميلة ليقول بجفاء:
_ أنا بقول لو مش جعان تقول عشان نعرف ناكل.
«مروان» بمزاح:
_ وهتقدر تاكل برضو من غير ما تشوف وشي السمح يا كبير!
قهقه الجميع ولكن ضحكة واحدة اخترقت قلبه كانت لتلك الجميلة التي منذ بداية الليلة وكأنها أقسمت أن تستأثر جميع حواسه وتترك قلبه يغلي في مراجل الشوق لحين ينفرد بها في عش الغرام خاصتهم.
_ اضحكي حلو يافرح هانم هخليكِ تضحكِ أنا لما نطلع فوق.
هكذا تحدث بخفوت بجانب أذنها بعد أن استغل انشغال الجميع في الطعام لتقترب منه قائلة بدلال:
_ اضحك براحتي مش أنا ست الحسن والجمال ولا إيه؟
طافت عينيه فوق ملامحها بعشق جارف تجلى في نبرته الخشنة حين قال:
_ تعرفي إن اللقب دا لايق عليكِ أوي. أنتِ فعلًا ست الحسن والجمال.
شعرت بلسعة العبرات في عينيها فقد كانت كلماته رائعة ذو وقع ساحق على قلبها وروحها وغرورها فكل شيء برفقة هذا الرجل رائع حد الأحلام، فهي حتى في أحلامها لم تتوقع أن تجد رجلًا مثله تجتمع له جميع الصفات الرائعة التي تشعر المرأة بأنها ملكة على عرش النساء.
_ سيد سالم لقد أنهيت طعامي سأنتظرك في الخارج.
اخترق صوتها البارد تلك اللحظة الرائعة بينهم وقد أغضب «فرح» ذلك كثيرًا فهي تعلم أنها تعمدت ذلك وقد اشتعلت غابات الزيتون خاصتها للحظة قبل أن تلتفت تناظرها باستخفاف شملها كُليًا، وكأنها تخبرها بأنها ضئيلة أمامها وأمام سطوتها عليه، وقد نجحت في تحريك زُرقتها الباردة لتموج بنظرة غاضبة كانت مُرضية ل«فرح» كثيرًا.
_ أنا أيضًا أنهيت طعامي. هيا بنا.
توجها معًا إلى غرفة المكتب لتقص عليه «جوهرة» ما حدث بينها وبين «هارون» وتختتم كلماتها قائلة بأسى مُفتعل:
_ أخشى أن عليك إعطائه فرصة أخرى، فأنت رجل عادل كما قلت من قبل لذا لن تكن قاسيًا معه.
أومأ «سالم» برأسه قبل أن يقول بخشونة:
_ لن أكون قاسيًا إن عاقبته على ما اقترفه. أما بخصوص تلك الفرصة فلن تطول ما أن تستيقظ عمتي وتخبرنا بما حدث حتى أقرر ماذا سأفعل به؟
«جوهرة» بنبرة جذابة:
_ يُعجبني كثيرًا ذلك الغموض الذي يحيط بك، ولا تقل لي أنه يميز جميع العرب؟
«سالم» بفظاظة:
_ لا لن أقول ذلك. بل سأتمنى لكِ ليلة سعيدة.
شعرت وكأن دلوًا من الماء قد سقط فوق رأسها حين قال جملته فبللت حلقها الذي جف من فرط الإحراج الذي جعلها تتحمحم قبل أن تومأ برأسها تستعد للمغادرة.
أوقفتها كلماته الجافة حين قال:
_ وأتمنى أيضًا أن تُفكري في طريقة لأنقاذ صديقك قبل أن يفوت الأوان.
أومأت بصمت بينما كل خلية في جسدها ترتجف حنقًا من هول الموقف.
كان يتمشى في غرفته يشعر بأن هُناك الكثير مما يُحاك خلف ظهورهم ومن الضروري كشفه قبل أن يقع أحدهم في فخ ما يحدث ولكنه في الحقيقة أيضًا كان يُجاهد لمنع شعور عارم بالرغبة في رؤية ذلك الفتى الذي من المفترض أنه ابن شقيقه!
كلمة شقيقه حين مرت على مسامعه جعلت ابتسامة ساخرة ترتسم على محياه فأي شقيق الذي يضع المواد المخدرة لشقيقه في حقيبة الملابس الخاصة به وهو ذاهب إلى كلية الشرطة؟ لولا أن ربه عادل لم يرض بضياع حلمه فقد وقعت الحقيبة منه في الطريق وتناثرت محتوياتها التي تجمدت الدماء في أوردته حين رأى ما بها ليلهمه الله التصرف بسرعة وقام بلملمة تلك القاذورات وإلقائها بعيدًا قدر ما سمحت قوته وأخذ يتفقد الحقيبة حتى تأكد من أنها خالية تمامًا من كل شيء ليعلم بعدها صدفةً بأنه هو من وضع ذلك السم بها ليتخلص منه.
سؤال طرأ على باله لم يستطع الفرار منه تُرى هل ذلك الفتى يشبه «ناجي»؟ تلك الصورة التي رآها على هاتف «سليم» جعلت قلبه يدق بقوة فقد كان يشبه والده رفعت الوزان. ملامحه تشبهه إلى حد كبير ولكن بها شبه أيضًا من والدته، ولكن ما يؤرق لياليه كيف هي طباعه؟
يخشى أن يكون يحمل طباع الشيطان تجري بين أوردته؟ ولكن هناك شعور قوي بداخله بأن هذا ليس صحيحًا لذا عزم على التحدث مع «سالم» في الأمر.
امسك هاتفه وتوجه إلى الحديقة ليتحدث في الهواء الطلق فأجاب «سالم» بعد لحظات:
_ أيوا يا صفوت.
_ صاحي؟
«سالم» بخشونة:
_ أيوا. في حاجة ولا إيه؟
«صفوت» بحيرة:
_ مش عارف يا سالم. مش مرتاح. موضوع هارون دا مش مريحني.
«سالم» باستفهام:
_ إيه بالظبط اللي مش مريحك؟
_ عايز أعرف رأيك فيه إيه؟ يعني حاسس إنه زي أبوه ولا؟
«سالم» بجفاء:
_ مفيش ولا يا صفوت؟ مش هنحط احتمالات. بالنسبالي هو ابن ناجي. ناجي اللي ضيع أخويا من بين إيدينا وبسببه اتجبرت أنفيه بعيد عننا العمر كله.
«صفوت» بصدمة:
_ تقصد إيه يا سالم؟ أنت ناوي تاخد هارون بذنب أبوه؟
«سالم» بقسوة:
_ هارون هيشيل شيلة أبوه، وزي ما هو وجعنا في أغلى حاجة عندنا أنا هوجعه في أعز حاجة عنده، وهارون هو أعز حاجة عنده.
«صفوت» بغضب:
_ بس دا ظلم يا سالم. هارون ممكن ميكونش زي أبوه. حرام تنتقم منه وتدفعه تمن ذنوب معملهاش.
«سالم» بجفاء:
_ نصيبه، ونهايته هتكون على إيد أبوه متقلقش.
صاح «صفوت» غاضبًا:
_ أنت كدا ظالم يا سالم. أنا عمري ما سمعتك بتتكلم بالحقد دا. أنت فعلاً ناوي تأذيه؟
«سالم» باختصار:
_ ناوي.
«صفوت» بحنق:
_ اقفل يا سالم.
اندفع «صفوت» إلى الداخل كالإعصار يرغي ويزبد غافلًا عن تلك التي سمعت كل شيء وهرولت إلى أحد الغرف تمسك بهاتفها تجري مكالمة هاتفية وما أن أجاب الطرف الآخر حتى هتفت بنحيب:
_ الحج. ابنك اللي ربيته وجولت عوضك من الدنيا هيموتوه ولاد الوزان، وهييشلوه ذنب أبوه.
رواية انشودة الاقدار "في قبضة الاقدار" الجزء الثالث الفصل الثلاثون 30 - بقلم نورهان العشري
_ طمني يا دكتور ماما عاملة ايه دلوقتي ؟
هكذا تحدثت «شيرين» بلهفة إلى الطبيب الذي طمأنها قائلًا:
_ اطمني مفيش حاجة تقلق. مجرد كسور بسيطة ودي هتتعافى مع الوقت، والجرح اللي في راسها سطحي. كلها حاجات بسيطة.
ـ طب يا دكتور هي ممكن تخرج على امتى؟
_ دلوقتي لو حبيتوا.
تدخل «طارق» يُجيبه بدلًا عنها:
_ طب ياريت تكتب لنا على خروج. عمتي أكيد مش هتحب تقعد في المستشفى أكتر من كدا.
_ هي هتصحى امتا يا دكتور دي نايمة بقالها كتير اوي؟
استفهمت «شيرين» بقلق، فطمأنها الطبيب قائلًا:
_ متقلقيش، احنا بنديها منوم عشان الكسور دي متتعبهاش، لكن لما تخرجوا هكتبلها على مسكنات قوية، ومع الوقت مش هتحتاجها أصلًا.
انصرف الطبيب تزامنًا مع بدأ استيقاظ تلك التي كانت تتخبط بين أوجاع الجسد والقلب، وإن كانت أوجاع الأخير أشد وأقسى، ولكن رغمًا عن ذلك كانت تقاوم، فهمست بخفوت:
_ شيرين.
هرولت «شيرين» إلى والدتها قائلة بلهفة:
_ ماما. حبيبتي. أنتِ كويسة؟
فاجأتها حين قالت بابتسامة واهنة:
_ أنقذ حياتي. ابني هو اللي لحقني. شفت في عينيه لهفة عليا. ابني مش بيكرهني يا شيرين.
لا تعرف بماذا تُجيبها، فالتفت لـ«طارق» الذي تقدم قائلاً باستفهام:
_ عاملة ايه دلوقتي يا عمتي؟
_ الحمد لله.
دارت عينيها في الغرفة حولها قبل أن تقول باستفهام:
_ الساعة كام؟
_ عشرة الصبح.
حاولت أن تعتدل فشعرت بألم حاد يضرب كتفها الأيمن، فخرجت منها صرخة خافتة، فاقتربت «شيرين» تسندها بلهفه:
_ راحه فين يا ماما؟ كتفك مكسور.
خرج صوتها مُتألمًا واهنًا:
_ عايزة اروح. لازم اخلي سالم يرجع هارون البيت. مش هسيبه يتبهدل أكتر من كدا.
تقدم «طارق» يجلس بجانبها وهو يقول بخشونة:
_ عمتي. أهم حاجة صحتك دلوقتي، ولما تبقي كويسه ابقي اعملي اللي أنتِ عايزاه.
حاولت أن تتحدث بملء صوتها فصاحت غاضبة:
_ أنا كويسة. مش هسيب ابني قاعد في اسطبلات الخيل، وأفضل نايمة هنا. هارون مش وحش. مش زيه. أنا عارفه.
قوموني.
تبادل الثُنائي النظرات، فأومأ «طارق» برأسه يُخبرها بأنه سيتصرف، وبالفعل توجه إلى الخارج و قام بالاتصال بـ«سالم» ليقص عليه ما حدث، فأجابه الأخير بحزم:
ـ خلي عمتك عندك كمان يومين.
«طارق» باندهاش:
_ ازاي يا سالم؟ بقولك الدكتور كتبلها على خروج.
قاطعه «سالم» بصرامة:
_ بقولك تقعد عندك يا طارق. مينفعش ترجع البيت دلوقتي. أنا هكلم الدكتور وأعرفه هيعمل إيه؟
زفر «طارق» بحنق بعد أن أغلق الهاتف ليجد «شيرين» تخرج من باب الغرفة وبعينيها استفهام صامت، فبادر بالإجابة عليه:
_ إنها مينفعش تروح النهاردة، ولا حتى بكرة.
_ إيه؟ يعني إيه الكلام دا؟
هكذا استفهمت باندهاش، قابله «طارق» ساخطًا:
_ يعني مينفعش. معرفش في إيه في دماغ سالم، بس هو قال هيكلم الدكتور وهيفهمه يعمل إيه؟
أنهى جملته تزامنًا مع قدوم الطبيب ومعه أحد الممرضات، وعلى وجهه أمارات قلة الحيلة وهو يتوجه إلى غرفة «همت»، وتبعته «شيرين» وخلفها «طارق»، الذي صحت توقعاته، فقد أعطاها الطبيب إبرة منومة، مما أغضب «شيرين»، الذي ما أن أصبحوا وحدهم حتى صاحت بانفعال:
_ هو يعني إيه اللي بيحصل دا؟
«طارق» بملل:
_ في خاين في القصر بيتجسس لحساب ناجي، وممكن يكون مش عايز العلاقة تتحسن بين عمتي وبين هارون دلوقتي لحد ما نعرفه. دا تخميني.
عند تلك النقطة سقطت فوق المقعد بقهر، تناثر من بين عينيها، ونبرتها حين قالت:
_ خاين. كمان. أنا تعبت بقى. أنا والله العظيم تعبت.
هو هيرحمنا امتى؟ هيحل عننا امتى؟
اقترب يحتويها بين ذراعيه يحاول امتصاص ذلك الوجع الذي يتساقط من بين عينيها، والذي كان أضعافه بقلبه، الذي لم يحتمل انهيارها، على الرغم من غضبه، ولكنه طمأنها بلهجة حانية حين قال:
_ هانت يا حبيبتي. كل حاجة هتنتهي قريب وهنرتاح كلنا.
رفعت رأسها تطالعه بأسى تجلى في نبرتها حين قالت:
_ أصعب وجع أن يكون أبوك أكتر حاجة بتتكسف منها في الدنيا. أبوك اللي هو مفروض سندك وضهرك والحاجة اللي بتفتخر بيها في حياتك، هو اللي يخليك تكره حياتك. أنا بكره حياتي وبكره نفسي بسببه يا طارق.
أنهت جملتها وانفلت زمام الوجع لـ يتناثر على هيئة شهقات متتالية احتواها صدره الذي عانقها بقوة، وكأنه يُريد إدخالها بين ضلوعه ليحميها من كل تلك الشرور المُحيطة بهم، فجاءت نبرته عاشقة محرورة حين قال:
_ مينفعش تقولي كدا عشان حياتك دي واقف عليها حياة ناس كتير، وأولهم أنا. أنا ماليش حياة من غيرك.
لثمت كلماته جراحها، ولكنها لم تفلح في إخماد تلك الحرائق المُشتعلة في جوفها، فهمست بأسى:
_ أنا تعبت أوي. تعبت أوي يا طارق.
رفع رأسها يحتوي بكفوفه الخشنة وجهها، وعينيه تُطالعها بنظرات عاشقة تشبه نبرته، حين قال:
_ وأنا فين يا روح طارق؟ تتعبي وأنا موجود! دانا عشان خاطر عينيك الحلوة دي أولع في الدنيا دي كلها.
انتزعها عنوة من بين براثن الألم، ولكنه ترك حوافر القلق تنهش بداخلها، فهمست باستفهام يرتعب قلبها من إجابته:
_ يعني مش هتزهق في يوم، ولا هتيجي تقولي يا بنت ناجي!
اقترب ينثر ورود عشقه فوق عينيها الباكية، وخديها المتوردان، قبل أن يرتفع برأسه قائلًا بمُزاح:
_ هو أنا ممكن أقولك يا بنت الجزمة لو ضايقتيني. لكن بنت ناجي دي يتقطع لساني لو قولتها.
ابتسمت على مزاحه، ليُتابع بنبرة جدية:
_ هو أنتِ بنته أصلًا! أنتِ من النهاردة بنتي أنا شيرين طارق الوزان. شيلي ناجي دا من حساباتك خالص.
كانت كلماته رائعة للحد الذي جعل ابتسامة جميلة تُلون ثغرها، فتابع بنبرة يشوبها الندم:
_ أنا مكنتش أب كويس لريتال. كنت بعيد عنها ومش عارف أقرب، لكن واثق إنك هتساعديني أقرب منها، وواثق إن حياتنا هتبقى جميلة.
تلك الكلمات قذفت في قلبها سعادة عارمة، جعلت الكلمات تخرج صادقة من بين شفتيها، حين قالت:
_ هنقرب منها سوا، وهنبقى ليها أحسن أب وأم. انتوا نعمة من ربنا في حياتي عمري ما هفرط فيها ولا هبطل أشكرُه عليها.
احتواها بين ذراعيه بقوة، وكأن الكلمات لم تعُد تُسعفه ليُخبرها عن مكنوناته، فقد كان داخله يرتج عشقًا لها، تلك المرأة التي أحيت بداخله شخصًا لم يكُن يعرفه، شخصًا يملك قدرة على العطاء والعشق أيضًا.
_ إيه يا حلا يا بتي مبتاكليش ليه؟
هكذا تحدثت «تهاني» إلى «حلا» الشاردة، فتنبهت الأخيرة إلى حديثها وقالت باستفهام:
_ بتقولي حاجة يا ماما؟
تدخل «عبد الحميد» قائلًا باهتمام:
_ مالك يا بتي؟ أنتِ بخير؟
«حلا» بخفوت:
_ بخير يا بابا الحاج متقلقش.
كان هذا يحدث أمام عيني «ياسين» الذي يلاحظ شرودها منذ البارحة، ولكنه لم يُريد أن يُضايقها أكثر، و خاصةً وهو يعرف السبب وراء حالتها تلك، وإن كان يستنكره، ولكنه سألها وكانت الإجابة المُعتادة:
_ أنا كويسة مفيش حاجة.
تدخلت «تهاني» قائلة باهتمام:
_ طب نفسك رايحة لحاجة مُعينة؟
«حلا» بابتسامة واهنة:
_ والله يا ماما ماليش نفس لحاجة. الأكل كتير قدامي أهو.
تدخل «عمار» بمُزاح:
_ يمكن البيه الصغير زهجان ولا حاجة؟
رفعت رأسها تُطالعه بحزن لم تُفصِح عنه، ولكن تفهمه «ياسين» جيدًا، لذا اقترب منها قائلًا بحنو:
_ مش هتيجي توصّليني طيب!
أجابته بهدوء:
_ آه طبعًا هاجي. بالهنا والشفا.
قالت جملتها الأخيرة وهي تنظر إلى الجميع حول الطاولة، قبل أن تتوجه خلف «ياسين» الذي اقتادها إلى إحدى غرف المنزل ليكُن على راحته معها، فما أن دلفت خلفه حتى جذبتها يديه لتستقر بين ذراعيه وهو يقول بحنو:
_ حلوة قلبي زعلانة ليه؟
رغمًا عنها تناثرت العبرات من عينيها وتبلور الحزن بنبرتها حين قالت:
_ قلبي واجعني على اخواتي أوي يا ياسين. عمالة أشوفلهم أحلام وحشة، وتعابين محاوطاهم في كل مكان، وأنا عمالة أصرخ ومش عارفة ألحق حد فيهم.
أدهشه خوفها الذي يتجلى بوضوح في نبرتها، وكذلك ارتجافة جسدها الذي يئن بين ذراعيه، فحاول التغلب على شعوره وقال بلهجة مُطمئنة:
_ اهدي يا حلا. مفيش أي حاجة من دي. أنتِ على تواصل دائم مع مامتك، ولو في حاجة كانت هتقولك.
تراجعت من بين ذراعيه قائلة بحنق:
_ التليفون مش هيغنّيني إني أشوفهم، وأطمن عليهم بنفسي يا ياسين. أنت ليه مش فاهم علاقتي بأهلي وقد إيه أنا مرتبطة بيهم.
«ياسين» بسخط:
_ بصراحة حاسس إنك مزوداها يا حلا. يعني أخوكي كان هنا وشوفتيه واطمنتِ عليه، مامتك بتكلميها كل يوم، وكمان سما عايزة إيه تاني؟
«حلا» باستنكار:
_ مزوداها! وكمان سليم أنا حتى ملحقتش أقعد معاه، وبعدين هو انت عادي تبقى بعيد عن أهلك وتطمن عليهم فون بس.
«ياسين» ببساطة أصابتها بالجنون:
_ الطبيعي إن الست بتتجوز وتروح تعيش في بيت جوزها مش العكس. وبعدين أنا منعتكيش تروحي عندهم لو مش غلط عليكِ عشان الحمل كنت ودّيتك تشوفيهم.
«حلا» بانفعال:
_ عارف؟ المستفز في الموضوع إنك شايف حاجة تافهة وإني مزوداها. دول أهلي. عارف يعني إيه أهلي؟ إني أكون بعيدة عنهم المسافة دي كلها صعب عليا. أنا بقالي كام شهر مدخلتش بيتنا، وانت مستهون بالموضوع بطريقة تغيظ.
زفر «ياسين» بنفاذ صبر، قبل أن يقول بحنق:
_ عشان أنتِ فعلًا مهولة الموضوع. بقالك كام يوم قالبة وشك، وملككيش مزاج تنزلي الجامعة، ولا حتى تنزلي من أوضتك، والكل ملاحظ. هل الموضوع مستاهل كل دا؟
حاولت ابتلاع جمرات غضبها وقررت أن تحسم هذا النقاش لصالحها، لتقول بنبرة هادئة ولكنها تحوي عتبًا:
_ لكن بالنسبالك مش مستاهل. عارف ليه؟ عشان مش ناقصك حاجة. أهلك حواليك، أصحابك، جامعتك، شغلك، مراتك. قولي يا ياسين حاسس إن حاجة ناقصاك؟
كان الحزن والتأثر يظهر عيانًا في نظراتها، على الرغم من أنها حاولت أن تكون هادئة، وقد آلمه ذلك، و خاصةً حين طرحت عليه ذلك الاستفهام الذي كانت إجابته ستزيد من الأمر سوء، ولكنها في نهاية الأمر قال بلهجة خشنة:
_ يا حلا يا حبيبتي دي سنة الحياة.
لم تنصع خلف طريقه في تغيير دفة الأمور، فتابعت بلهجة حادة بعض الشيء:
_ أجاوبك أنا. لا مش ناقصك حاجة. تعالى أنت بقى اسألني ناقصك إيه يا حلا؟ أقولك ناقصني إني أترمي في حضن مامي لما أكون تعبانة، وخصوصًا إن دا أول حمل ليا وأنا عاملة زي العبيطة مش فاهمة حاجة. ناقصني أصحابي أخواتي. ناقصني إني أشوف جدران بيتنا اللي وحشتني. أملي عيني منها. مفيش حاجة في الدنيا تغني البنت ولا تعوضها عن وجود أهلها.
شعر «ياسين» بأن هناك خطب ما في الأمر، وقد تسلل الخوف إلى قلبه من طريقتها وما يحويه حديثها من أمور مُبطنة، لتُتابع هي بنبرة مُعاتبة:
_ بيت أهلي دا نعمة من ربنا هفضل أتمنى أنه يديمها العمر كله، وأنت لازم تعرف إن زي ما ليك عليا حقوق عليك ليا واجبات، وأنا مش ملاك هدي من غير ما آخد.
زفر حانقًا وقال بنفاذ صبر:
_ ممكن أعرف أنتِ عايزة توصلي لأيه؟ قولي اللي عندك؟
اقتربت منه قائلة بنبرة هادئة لينة:
_ أنا عارفة إنك بتحبني، وعارفة إنك لسه متأثر باللي حصل قبل كدا، وظهور حازم مضايقاك، وأنا مقدرة دا. بس إنك تبعدني عن أهلي صعب. مستحيل هقبل بكدا. أنا بحاول أريحك على قد ما أقدر. لكن أنت بتيجي عليا أوي، أنا فعلاً مش قادرة أتحمل.
فطن إلى معرفتها بما حدث، فقال بجفاء:
_ أنتِ سمعتيني وأنا بتكلم مع الدكتور صح؟
_ صح، وعلى فكرة زعلت. لما تقوله ينبه عليا مفيش سفر قبل تلت شهور، وأنت عارف إن أعد الأيام عشان تقرب وأعرف أروح أزور أهلي، وتيجي أنت تحرمني من دا بالطريقة دي. ليا حق أزعل ولا لأ؟
عاتبته بطريقة أشعرته بالخجل من نفسه، ولكنه عاند ذلك قائلًا بجفاء:
_ دا جزاتي عشان خايف عليكِ!
«حلا» بحزن:
_ لا يا ياسين أنت كدا مش خايف عليا. أنت كدا أناني معايا. عشان الدكتور قالك إن الحمل مفيش فيه مشكلة وإني أقدر أسافر عادي، وممكن يديني مُثبت احتياطي.
تجاهل عتابها وتقريعها الخفي، وقال بنبرة جافة:
_ يعني عايزة إيه دلوقتي؟ عايزة تروحي عند أهلك؟
«حلا» باختصار وبنبرة جافة:
_ أيوه عايزة.
_ ماشي. شوفي عايزة تروحي امتى، وأنا هوديكِ.
هكذا تحدث بفظاظة، ففاجأته حين قالت بجمود:
_ بكرة.
أغضبه إصرارها على الرغم من أنه يعلم أنها تملك هذا الحق، ولكن شيء بداخله يجبره على إبعادها عن كل ما يُحيط بهم الآن، فالأجواء ملبدة بغيوم الماضي، والذي سيجعل مستقبلهم متضرر بصورة كبيرة، ولكنه لم يُفصح عن مكنوناته، وارتضى أن تراه أنانيًا على أن يضطر لشرح ما يُقلقه، لذا قال باختصار:
_ حاضر. جهزي نفسك.
خرج من الغرفة وهو غاضب وهي حزينة، يؤلمها كونه يُريد إبعادها عن عائلتها بتلك الطريقة، وإن كان ما حدث في السابق لا يزال أثره ممتدًا بداخله، ولكنها لا ذنب لها بكل ذلك، لذا توجهت إلى غرفتها باكية مُتألمة، بينما هو توجه رأسًا إلى «عمار» الذي تفاجأ من حديثه الغاضب:
_ عرفني ولاد الوزان وصلوا لحد فين مع الحيوان دا؟
«عمار» باستفهام:
_ تقصد أنهي كلب فيهم؟
«ياسين» باختصار:
_ عمهم.
_ ولا حاجة. إني مبسألش كتير، بس صفوت بيه بعت عايزني في موضوع مهم. هروح وأشوف. بتسأل ليه؟
«ياسين» بحنق:
_ حلا عايزة تروح تزورهم.
_ طب وأيه المشكلة؟
«ياسين» بانفعال:
_ مش عايزها تدخل في صراعاتهم دي تاني. يحلوا مشاكلهم بعيد عنها. عايز علاقتها بيهم تبقى سطحية. دي ناس مشاكلها كتير.
«عمار» بتعقُل:
_ وإحنا مشاكلنا أوقات كتير بتكون أكبر وأكتر. فكرك وجتها هتبقى حلا بنت أصول لو جالتلك خلي علاقتك سطحية بأهلك عشان مشاكلهم كتير؟
مسح على وجهه، فقد كان «عمار» مُحقًا، ولكنه يخاف عليها من نسمة الهواء، وأيضًا هو أكثر من يعرف بحبها لهذا الوغد، فقد رآها تُمسك هاتفها تتفحص الصور، والتي كانت صورته من بينهم، وقد أغضبه هذا كثيرًا، لذا صاح بانفعال:
_ لا مش هتبقى بنت أصول، بس الوضع هنا يختلف. حلا لو قابلت الحيوان أخوها دا أنا هطربق الدنيا فوق دماغهم. كمان قريبهم دا قاتل قتلة، شوفت عمل إيه في بناته وفي أهله. أضمن منين إن الأذى ميطولهاش هي كمان.
«عمار» بتفكير:
_ ليك حق تخاف عليها. بس برضو الحذر لا يمنع الجدر، وعشان كده لازم تهدى شوية، ومتخنقهاش يا ياسين. اشتري خاطرها وروح معاها لو جلجان عليها.
كان أكثر الحلول ضررًا بالنسبة إليه، لذا زفر بحدة قبل أن يقول بجفاء:
_ هشوف. ربنا يسهل. أنت هتروح لصفوت امتى؟
_ كمان ساعة.
_ ابقى عرفني هيقولك إيه؟
«عمار» بتهكم:
_ أكيد هيقولي كل حاجة إلا اللي أنا عايز أسمعه.
_ يعني إيه يا صفوت هنسافر أكيد؟
هكذا تحدثت «سهام» إلى «صفوت» الذي أجابها بهدوء:
_ آه هنروح نغير جو، وبالمرة نجمة تتعرف على أهلها. دي متعرفش فيهم حد.
اقتربت «سهام» تحتضن ذراعيه وهي تقول بنبرة ودودة:
_ طب ممكن نتكلم شوية؟
_ أكيد ممكن.
«سهام» بنبرة لينة:
_ اسمعني للآخر ويا ريت متقاطعنيش. موضوع إنك مأجل جواز عمار ونجمة دا بسبب ناجي، أنا مش بلعاه بصراحة. الولد محترم كل ظروفنا، والبنت بتحبه وروحها متعلقة بيه، واحنا مش عارفين هنخلص من الزفت دا امتى، الولاد حرام يفضلوا مرهونين كدا بسببه.
يعلم أنها مُحقة، ولكنه يخشى حدوث أي كوارث بسبب هذا الشقيق الذي يتجسد به الشيطان ليُعكر صفو حياتهم، لذا قال بتعب:
_ طب الحل إيه يا سهام؟ أنا خايف عليهم.
سهام بتعقُل:
_ إيه رأيك لو نستغل الغيبوبة اللي هو فيها دي ونكتب حتى الكتاب.
أوشك على مقاطعتها، فاندفعت قائلة بلهفة:
_ كدا كدا بيت العيلة في إسماعيلية واحنا ملناش حد هنا، لو مكنش شغلك كان زمان يا هناك يا في القاهرة. إيه رأيك نكتبه في القصر هناك، احنا كدا كدا مسافرين، والفرح بتاعهم هما هيعملوه هنا أصلًا؟ ها قولت إيه؟
بدا اقتراح مقبول بالنسبة إليه، و خاصةً وأن ذلك الشيطان في غفوة قد لا تطول، لذا أمعن التفكير قبل أن يقول بحيرة:
_ هو اقتراح مش وحش. بس تفتكري الوقت مناسب إننا نفتح الموضوع أصلًا؟
_ مناسب جدًا، ولو بتتكلم على سالم، وموضوع همت، فـ سالم شخص عملي جدًا وبيفكر دايمًا في المصلحة، ولو اتكلمت معاه هيقولك نفس رأيي. خلينا نرتاح بقى ونفرح، هنفضل لحد امتى مغمومين بسببه!
صمت لثوانٍ يُفكر في حديثها قبل أن يقول بهدوء:
_ ربنا يسهل.
تدلت على استحياء وهي تهبط من الدرج لـ تستقبله، ولأول مرة ترتدي مثل تلك الثياب التي أصرت عليها «سهام» لترتديها، والتي كانت عبارة عن بذلة طويلة بلون الكريمة مكونة من جاكت طويل يصل إلى ما فوق ركبتيها، وأسفله قميص من اللون البني الفاتح وبنطال من نفس لون الجاكت، وخصلات شعرها تتدلى بحرية خلف ظهرها، بينما كان وجهها مُنيرًا كالبدر بتلك اللمسات البسيطة من أدوات التجميل التي أبدعت في وصف حسنها، مما جعله يقف مُتسمرًا مبهوتًا من تلك الحورية التي هبطت من السماء لتسرق قلبه، فأخذ يُطالعها بانبهار كان جليًا على ملامحه، مما جعل الخجل يغمرها ويطبع أثاره فوق وجنتيها اللتين أنبتت زهورًا وردية كانت لها فتنة من نوعٍ خاص، جعلت الحروف تخرج عفوية من بين شفتيه حين قال:
_ هو الجمر نزل من السما، ولا إني اللي بحلم؟
اخفضت رأسها وهي تقول بخجل:
_ يمكن تكون بتحلم؟
«عمار» بنبرة خطرة:
_ يبقى أجرب عشان أتأكد ده حلم ولا حقيقة!
تراجعت خطوتين إثر كلماته وقالت بتحذير:
_ وه تجرب كيف يعني؟ هي وكالة من غير بواب!
«عمار» باستنكار:
_ ومالك هبيتي فيا زي وابور الچاز ليه كدا؟
اقترب خطوتين وعينيه تعانقها بنظرات شغوفة تُشبه لهجته حين قال:
_ وماله لما أجرب يعني! مش لاجيت حورية من السما واقفة جدامي. حد جالك عليا حجر!
لونت ثغرها بسمة رائعة قبل أن تقول بخفوت:
_ يعني اللبس دا حلو عليا صوح كيف ما أمي بتقول؟
طافت أنظاره فوقها بطريقة دغدغت حواسها كما فعلت لهجته الموقدة حين قال:
_ حلو بس! ده هياكُل منك حتة. برنسيسة. برنسيسة جلبي.
عبأت صدرها بأنفاس قوية مُثقلة بثقة كبيرة قذفتها كلماته بداخلها، لترفع رأسها تُطالعة بامتنان، فتابع بنبرة مُحذرة:
_ بس طبعًا اللبس الحلو ده مهيتلبسش غير جوه الدار. يعني متحلميش إنك ممكن تخطي خطوة واحدة بيه بره عتبة الباب، وإلا هتبجي سواد على الكل.
«نجمة» باندهاش:
_ ليه بجى إن شاء الله؟ أنت مش لسه جايل إنّي برنسيسة.
«عمار» بغضب:
_ وأنتِ حمارة. مسمعتنيش وأني بجولك برنسيسة جلبي. يعني إني بس اللي مسموحلي أشوفك حلوة أكده. إنما جدام الناس تبجي كيفك كيف مخيمر الغفير.
«نجمة» باستنكار:
_ مخيمر الغفير! لاه أني مش موافجة على الجوازة دي.
هنا صدح صوت عالٍ من خلفهم:
_ والله يا بنتي أنتِ بنت حلال. وفرتي عليا كتير. يالا بالسلامة أنت يا عمار معندناش بنات للجواز.
تفاجيء الثنائي من كلمات «صفوت» التي جعلت «عمار» يقول بصدمة:
_ إيه الحديت ده؟ انتوا عاملينلي كمين ولا إيه؟
«صفوت» بتهكم:
_ لا والله يا ابني. دا أنت اللي ابن حلال وبتقع لوحدك.
«عمار» بسخرية:
_ والله إني عارف إنّي مش هسمع منك حاجة تسُر أبدًا.
اقترب «صفوت» يحتوي كتف «نجمة» وهو يقول بتحذير:
_ متغيرش الموضوع، مزعل بنتي حبيبتي ليه؟
«عمار» باندهاش:
_ هو إني لحقت أتكلم من أساسه!
التفت «صفوت» إلى «نجمة» قائلاً باستفهام:
_ حصل إيه يا نجمتي؟ الواد دا زعلك؟
تدخل «عمار» مغتاظًا:
_ هي مين دي اللي نجمتك أنا اللي بجولها أكده. هنجطع على بعض ولا إيه؟
شعرت بسعادة عارمة كون هذان الرجلان الرائعان يتنافسان في تدليلها، فقالت بابتسامة رائعة:
_ ربنا يخليكوا ليا.
«عمار» بهيام:
_ ويخليكِ ليا يا جلبي.
صاح «صفوت» غاضبًا:
_ أنت هتحب فيها قدامي يا ابني أنت؟ اتلم أحسنلك.
«عمار» بسخط:
_ والله إني ملموم على جد ما أقدر. بالك أنت لو ملحقتنيش هنفرط وهتبجى فضايح.
«صفوت» بحنق:
_ طب ياخويا قدامي على أوضة المكتب، وأنتِ يا حبيبتي عايز فنجان قهوة من إيدك الحلوين دول.
«نجمة» بحبور:
_ عيني.
توجهت إلى المطبخ لتقوم بإعداد فنجان القهوة، فلفت انتباهها حركة ما في الحديقة الخلفية، فتوجهت لترى ماذا يحدث، فإذا بها تجد تلك المرأة «نجيبة» تقوم بدفن شيء ما بجانب شجرة كبيرة في الحديقة الخلفية، فدب القلق حوافره في قلبها من ما حدث.
_ يا بنتي أنتِ أساسًا واقفة علينا أنتِ وأبوكِ بخسارة. إحنا لولا الفضايح كان زمانا اتبرينا منكم من زمان.
هكذا تحدث «مروان» إلى «ريتال» التي ناظرته بصدمة من حديثه، ثم صاحت مستنكرة:
_ على فكرة بقى جدو بيحب بابي أكتر واحد، ودايمًا يقول إن هو شبهه وانت لأ.
«مروان» بتهكم:
_ طبعًا أنا مفيش حد شبهي أصلًا. أنا اللي مفيش منه يا بنتي. أنا بس اللي متواضع وقاعد معاكوا عادي.
جاء صوت ساخر من خلفهم:
_ ياعم التواضع اللي بينقط منك هنتزحلق.
هكذا تحدثت «جنة» فالتفت جميع الأعين تناظرها ليتجمد الجميع بأرضه حين شاهدوا «لبنى» التي تسير بجانبها، ويبدو أن الاثنتين كان يجمعهما حديث، فتبلور الترقب بنظراتهم، ليخترق «مروان» الأجواء قائلًا بمرح:
_ أهي واحدة مش جاية طول ركبتي وبتتريق.
«جنة» بسخرية:
_ اللي يشوفك يقول طويل أوي. أنت موهوم يا ابني.
توجهت لتجلس بجانب «أمينة» التي كان العتب يلون نظراتها، فتقدمت «جنة» تحتويها بحب وهي تقول بجانب أذنيها:
_ عايزة أقولك كلام كتير أوي بس لما نبقى لوحدنا. لكن مبدئيًا يعني حقك عليا.
ابتسمت «أمينة» بحب تجلى بنبرتها حين قالت:
_ بنتي حبيبتي اللي مغلباني معاها. بس مع ذلك مقدرش أزعل منها.
ابتسمت «جنة» بسعادة، فتدخل «مروان» قائلًا بسخرية:
_ أيوا ياختي أبلفي الست الطيبة أنتِ وأختك. فاكرين إنها ملهاش حد يوعيها!
تحدثت «أمينة» إلى «لبنى» قائلة بحنو:
_ تعالي يا لولو اقعدي جنبي. خلينا نشوف الواد اللي مصدعنا دا.
تقدمت «لبنى» تجلس بجانبها، فتدخل «مروان» ساخرًا:
_ ومتقعدش جنبي أنا ليه بعض؟ تعالي يا بت هنا جنبي أنا مش قولتلك أنتِ من الحزب بتاعي!
«لبنى» بخفوت:
_ حزب إيه؟ أنا ماليش دعوة بيك أصلًا.
«مروان» بصياح:
_ إيه؟ بتبيعيني أنتِ كمان. إيه الناس الواطية اللي أنا عايش معاها دي! مفيش صاحب يتصاحب!
تدخلت «فرح» قائلة بسخرية:
_ أومال سما فين تيجي تلمك؟
«مروان» بسخرية:
_ سما راحت تمارس الطقوس السوداء في المستشفى. هتقعد تندب هي وعمتي شوية. بتستمد طاقتها من النكد.
قهقه الجميع على كلماته، فجاءهم صوت «سليم» القادم من الأعلى:
_ أنت يا ابني مصدعنا ليه ما تقوم تشوفلك شغلانة؟
«مروان» بتهكم:
_ على أساس إنك ماسك الحي هنا ولا حاجة؟ ما أنت مُرابط في البيت أهو، والراجل الكوبارة بتاعنا هو اللي جايبها من شرقها لغربها من صباحية ربنا.
تدخلت «فرح» بحنق:
_ طب كويس والله إنك بتحس وبتشوف وعارف، بدل ما تسببه لوحده مروحتش معاه ليه؟
«مروان» بطريقة أغاظتها وهو ينظر إلى «جوهرة» القادمة من الداخل:
_ أصل الدكتور قالي أقعد في حتة طراوة.
تجاهلت قدومها وقالت بنبرة ساخرة:
_ حلو عشان لما سما تيجي هخليها تغيرلك الدكتور دا. أصله بيقول حاجات ميصحش.
«مروان» باندفاع:
_ شوفي يا أم منصور أنا مستعد أكتبلك الجنينة اللي ورا وتخلي سما تغير عليا.
تدخلت «جنة» القابعة بجانب «سليم» الذي يلف يديه حولها بتملك:
_ والله بتفهم. دي أشكال يتغار عليها!
التفت «مروان» قائلًا بتهكم:
_ واحدة متجوزة سلومة الأقرع وبتتكلم عن الأشكال. يا ماما دانا مشفق على البشرية من سلالتكم.
اخترق حديثهم «جوهرة» التي قالت بنبرة مُستفزة:
_ هل السيد سالم في الخارج؟
قمعت «فرح» رغبة قوية في إفراغ كوب الماء الذي أمامها فوق رأس تلك الشمطاء لـ تلقينها درسًا قاسيًا لـ ألا تذكر اسم زوجها أبدًا، ولكن صوت «مروان» أنقذها من أفكارها الجنونية حين قال:
_ أجل السيد سالم في الخارج، ولكن السيد مروان ينوب عنه في الداخل، فأنا الرجل الثاني في العائلة، وذلك الرجل هو العاشر بعدي، وهذا الضخم الذي حملك بردء الحمام لا نعتبره من العائلة وسنتبرأ منه قريبًا.
هنا تنبه الجميع لحديثه وامتقع وجه «سليم»، بينما قالت «فرح» باستفهام:
_ إيه مين اللي جابها بردء الحمام مفهمتش.
«مروان» باندفاع:
_ آه انتوا متعرفوش صحيح. الشيكولاته دي دخلت البلد ملفوفة في شوال. البغل عبده موته ابن المحظوظة لفحها على كتفه بالبرنص.
شهقات قوية خرجت من جوف الفتيات، بينما كاد «سليم» أن يموت من فرط الرعب أن يتفوه ذلك الأبله بأي شيء خاطئ، فالتفت «مروان» قائلًا بغباء:
_ متخافش مش هجيب سيرتك متقلقش.
تنبهت «جنة» لحديث «مروان» والتفت تقول باستفهام حاد:
_ مش هتجيب سيرته في إيه؟ انطق.
شعر «سليم» بألم حاد في معدته وتبلور الغضب في نظراته تجاه «مروان» قبل أن يقول بنبرة هادئة:
_ مفيش يا حبيبتي، هو أنتِ مش عارفه مروان وسخافته؟
«مروان» بحنق:
_ مين دا اللي سخيف يا ابني أنت؟ بقى أنا بداري على بلاويك. تقوم تقول عليا كدا؟
تدخلت «أمينة» قائلة بتحذير:
_ بطل هزارك دا يا مروان. بلاوي إيه يا ابني. كفايانا مرار.
تدخلت «جنة» بإصرار:
_ أنا مُصرة أعرف الواد دا يقصد إيه؟
«سليم» في محاولة لتهدئة الموقف:
_ يا حبيبتي دا واد لسانه فالت وعايز يضرب أسفين بينا، هتديله الفرصة!
حاولت التحلي بالهدوء والنظر إلى ملامح «مروان» التي كانت البراءة تُسيطر عليها بشكل كبير، فشعرت بأنه هناك خطب ما، فقالت بشك:
_ شكلك كدا مش مريحني!
«مروان» ببراءة:
_ بتكلميني!
_ أومال بكلم خيالك؟
«مروان» ببراءة مُستفزة:
_ طب خلي خيالي بقى يبقى يقولك بلاوي الأخ اللي عامل فيا جون استيسان وشغال موصلاتي. لا بس الصراحة آخر توصيلة كانت عنب، وأهو العنب قاعد مأنسنا أهو.
لحظة وبرقت عينيها بصدمة، فقامت بتوجيه نظرات غاضبة إلى «سليم» قبل أن تقول بنبرة خطرة:
_ جون استيسن وتوصيلة وعنب. أنا قلبي بيقولي إنك ليك يد في مجيء البت دي هنا. جاوبني بقى بهدوء كدا. طارق بس اللي مش مشترك في الجريمة دي ولا أنت كمان ليك يد فيها!
كان يود في تلك اللحظة إزهاق روح «مروان» الذي كان يُتابع ما يحدث باستمتاع، جعل «فرح» تقول بغضب:
_ هادم اللذات ومُفرق الجماعات. اعمل فيك إيه؟
«مروان» ببراءة:
_ بتكلميني؟
«فرح» بحنق:
_ كلمتك جنابك.
«مروان» ببراءة:
_ ربنا يسامحك.
_ رد عليا يا سليم.
تحمحم «سليم» قبل أن يقول بنبرة هادئة:
_ طب ممكن نتكلم لوحدنا؟
«مروان» باندفاع:
_ هي محتاجة كلام لوحدكوا؟ ماتقولها اللي حصل. الواد طارق جابها من فوق بالبرنص وسلمهالك، قوم أنت وصلتها العربية بالبرنص برضو.
«جنة» بصدمة:
_ يا نهار أسود.
«مروان» باندفاع:
_ أسود إيه يا بومة. هو في نهار أبيض أكتر من كدا! ياريتني كنت مكانه وربنا كنت شيلتها على كتفي وجبتها مشي من هناك لحد هنا.
اندفع «سليم» كالثور الهائج يُزمجر غاضبًا:
_ أنا قولتلك هخلص عليك، وحياة أمي مانسايبك. يانا يا أنت النهاردة.
كان عائدًا من شركته ينوي أن يتجهز للسفر إلى مسقط رأسه مدينة الإسماعيلية لعقد اجتماع مع مواطني دائرته ومعرفة أزماتهم والعمل على حلها، فقد كان هذا الأمر من ضمن مسؤولياته ويجب ألا ينساه في خضم ما يُعانيه، لذا عزم على السفر ليوم واحد والعودة غدًا صباحًا حتى لا يبتعد عن المنزل، فهو لا يستطيع المغامرة فلا يعرف ميعاد الضربة القادمة ولابد أن يكون دائمًا مستعدًا، فتفاجيء بـ«مروان» يُهرول وخلفه «سليم» يُمسك بقطعة حديدية، فأوقفهم نداءه الصارم حين قال:
_ مروان. سليم. في إيه؟
«سليم» بنبرة صارخة:
_ الواد دا جاب آخره معايا هخلص عليه النهاردة.
احتمى «مروان» خلف «سالم» قائلًا بأنفاس مقطوعة:
_ شايف يا كبير. بيستقوى عليا إكمني طيب وغلبان.
«سليم» بغضب جنوني:
_ طيب وغلبان الله يحرقك هتخرب بيتي.
«مروان» بسخرية:
_ أخرب بيتك إيه هو متنيل من غير حاجة أصلًا.
تدخل «سالم» بصرامة:
_ بطلوا لعب عيال انت وهو. إحنا فاضيين للكلام دا؟
كان الجميع مشغولًا بمشاهدة ماذا يحدث، فلم يرى أحد تلك التي تسللت إلى الحديقة الخلفية بخطوات متعثرة، فما أن استدارت إلى الجهة الأخرى حتى وجدت ذلك الحارس يقول بجفاء:
_ اتأخرتي ليه؟
_ مكنتش عارفه أجي، الكل عينه في وسط راسه.
الحارس بتقريع:
_ طب البوص باعتلك رسالة وبيقولك اظبطي نفسك وبعد كدا دبة النملة توصله. فاهمة؟
لم تكد تُجيبه حتى استمعوا إلى صوت شيء يسقط بقوة على الأرض، فخرجت شهقة قوية من فم المرأة، ليتوجه الحارس بخطٍ مرتبكة لمعرفة من الذي كان يُراقبهم، والذي برقت عينيه حين شاهد...