تحميل رواية «انجذاب الروح» PDF
بقلم زينب خالد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
كان المريض نائمًا على الفراش، يقف أمامه الطبيب يركب قسطرة لقلبه، وحوله طبيب مساعد وبعض الممرضات. هتف بنبرة هادئة من خلف الكمامة: "هاتي الإبرة عشان خلصت." تتف الممرضة معطيه له الإبرة بعملية: "اتفضل يا دكتور." انتهى من خياطة الجرح بعناية وسرعة فائقة. أنهى عمله ثم خرج من غرفة العمليات بجانبه الطبيب المساعد. تحدث بعدما أزاح الكمامة، متنفساً بعمق: "يدخل العناية لحد ما الحالة تستقر، بعدين يتحط في أوضة عادية. عايز متابعة باستمرار." أجاب الطبيب الآخر بجدية: "حاضر يا دكتور، متقلقش." خرج الاثنان بجانب بعض...
رواية انجذاب الروح الفصل الأول 1 - بقلم زينب خالد
كان المريض نائمًا على الفراش، يقف أمامه الطبيب يركب قسطرة لقلبه، وحوله طبيب مساعد وبعض الممرضات.
هتف بنبرة هادئة من خلف الكمامة:
"هاتي الإبرة عشان خلصت."
تتف الممرضة معطيه له الإبرة بعملية:
"اتفضل يا دكتور."
انتهى من خياطة الجرح بعناية وسرعة فائقة. أنهى عمله ثم خرج من غرفة العمليات بجانبه الطبيب المساعد.
تحدث بعدما أزاح الكمامة، متنفساً بعمق:
"يدخل العناية لحد ما الحالة تستقر، بعدين يتحط في أوضة عادية. عايز متابعة باستمرار."
أجاب الطبيب الآخر بجدية:
"حاضر يا دكتور، متقلقش."
خرج الاثنان بجانب بعضهما. ذهب مساعده لتفقد العناية قبل ذهاب المريض. أما هو، فوقف أمام عائلته. كانت عائلة المريض تنتظر خروجه حتى يطمئنوا عليه. عندما خرج، جرى عليه شاب قائلًا بصوت ملئ بالقلق والخوف:
"بابا عامل إيه؟ حابب أطمئن عليه."
رد بابتسامة مطمئنة:
"متقلقش، العملية نجحت، وهيخرج دلوقتي. هنحطه في العناية المركزة عشان نطمئن إن كل حاجة كويسة."
استطاع أن يزيل أي قلق واضطراب من قلوبهم. شكر على مساعدته لهم. ذهب من أمامهم متجهًا للغرفة لخلع ملابس العمليات، ثم اتجه لمكتبه.
في المكتب، فتح الباب ثم سار متجهًا للأريكة الموضوعة أمام مكتبه. جلس عليها بارتياح تام حتى هبطت مكان جلوسه. أرجع ظهره على الأريكة حتى ينام، وضع يديه على عينيه ليحجم النور عنه.
بعد مرور ربع ساعة، رن هاتفه. لم يستجب في أول مرة حتى رن مرة أخرى. أقفَل الصوت من الزر الجانبي، ولكن لم يفصل أبدًا عن الاهتتزاز دليلًا على إلحاح صاحبه. تحدث بغضب لعدم استطاعته النوم بشكل مريح:
"معرفش أريح خمس دقايق على بعض."
أخذ هاتفه من على المنضدة كي يعرف من يريده بإلحاح. نظر للرقم حتى ظهر اسمه. توعد له على إيقاظه من غفوته. رن بغلاظة:
"إيه يا زفت عايز إيه؟ مش أكنسل من مرة تفهم؟"
رد الآخر بتلاعب:
"كلمني بأسلوب أفضل من كده لو سمحت."
أجاب يزن بنبرة غاضبة:
"هتنجز وتقول عايز إيه؟ ولا أقفل في وشك."
عرف هذه النبرة جيدًا، لذلك قرر الكف عن استفزازه:
"خلاص خلاص... لازم تيجي عشان تتطمئن على الشحنة، وتمضي على شوية أوراق مهمة قبل ما تطلع."
أقفل الهاتف في وجهه دون الحاجة للإجابة. على الطرف الآخر، نظر للهاتف حتى رد بغيظ من إجابته، متوعدًا له:
"طب والله لما تيجي، هوريك تقفل كويس."
وضع هاتفه على وضع الصامت ثم وضعه في جيبه. نهض من على الأريكة، أخذ مفاتيحه، وخرج من الغرفة ومن المشفى كلها. كانت توجد سيارة حديثة الطراز موضوعة على جانب الطريق. ركبها، شغل المقود، وذهب متجهًا لبيته.
***
أما العمارة، أقل ما يقال عنها أيقونة من الرقي والهدوء. خرج من سيارته، وجه لبواب العمارة تحية له. دخل المبنى، استقل المصعد وصعد لشقته. فتح الباب، كانت الشقة عبارة عن قطعة فنية لا توجد بها غلطة. ألوانها مريحة للأعصاب، جميع الأثاث كلاسيكي هادئ. ولما لا، فهو من أهم الجراحين ورجال الأعمال في مصر والعالم العربي. دخل، أقفل الباب خلفه، رمى مفاتيحه على المنضدة الموضوعة بجانب الباب. سار لغرفته وهو يفتح أزرار قميصه واحدة تلو الأخرى. صعد على الدرج حتى وصل لغرفته. فتح الباب، خلع قميصه ورماه بإهمال على الأريكة. دخل المرحاض لأخذ حمام بارد، لعله يفيق.
خرج من المرحاض، كان على خصره منشفة كبيرة وقطرات الماء ما زالت تتساقط من شعره على عضلات جسده المشدودة. دخل لغرفة الملابس، كانت الملابس مرصوصة بدقة بالغة. انتقى بذلة زرقاء يزينها قميص أبيض. فتح الدرج، أخذ ساعته ذات الماركة. فتح درج آخر، أخذ حذاءه. انتهى من ارتداء ملابسه، وقف أمام المرآة، مشط شعره للخلف، وضع عطره بكثرة. ارتدى ساعته ثم خرج من الغرفة، أقفلها، ثم نزل الدرج. سار حتى وقف أمام الباب. أخذ مفاتيحه، هاتفه، وخرج من الشقة. استقل المصعد، خرج من البناية، ركب سيارته وانطلق للشركة.
***
أمام الشركة، نزل من سيارته، أقفل الباب، ثم دخل للداخل. وقف الجميع يحييه بابتسامة. ابتسم لهم. أما الفتيات، كانت تنظر له بهيام. غمز لهم بمرح. استقل المصعد، ضغط على الزر. دقائق حتى وصل لطابقه. خرج منه، رأته سكرتيرته الخاصة. ابتسم لها ودخل لغرفته. دخلت خلفه، جلس على مقعده.
قالت بسمة بابتسامة:
"صباح الخير يا دكتور."
ابتسم لها بينما فتح زر البدلة:
"صباح النور... بسرعة، إيه برنامج النهاردة؟"
تفقدت الحاسوب الذي بين يديها ثم قالت:
"حضرتك هتتفقد على الشحنة اللي هتطلع، وشوية أوراق متوقفين على توقيعك."
أجاب يزن عليها:
"حطي الورق... وبسرعة نسكافيه بتاعي عشان شوية وهيغمى عليا من النوم."
ضحكت بخفوت عليه ثم ردت:
"حاضر يا فندم، حالًا هيكون عندك."
وضعت أمامه الأوراق. همت بالانصراف. فتحت الباب ثم خرجت. في نفس دخول مالك صديقه.
تحدث مالك مبتسمًا:
"صباح الخير يا قمر."
ردت نسمة بابتسامة:
"صباح النور يا فندم."
خرجت، وأقفلت الباب خلفها. أمسك يزن بقلمه الخاص ثم حدفه عليه. اتجه نحو جبين مالك بشدة. تألم مالك بسبب شدة الحذف. قال بألم من الخبطة:
"الله يخربيتك."
رد بتشفى سعيدًا بما فعله:
"أحسن... هات القلم، خسارة إنه يترمى عليك."
التقط القلم من الأرض ثم حدفه عليه، ولكن انتبه لحركته. التقطه يزن في ثوانٍ، حيث رد باستفزاز مغيظًا له:
"مرة الجاية أحدفه كويس."
تحدث مالك بغضب طفيف:
"ولو ضربتك دلوقتي... وقمت عليك؟"
ابتسم له بتشفى ثم رد عليه بابتسامة بريئة:
"متخافش، هعالجك في مستشفى على حسابي... بعد اللي هعمله عشان خاطر مراتك ملكة الجمال."
صار ناحيته وهم يضم قبضته ليضربه، حتى نهض واتجه له. احتضنه يزن باشتياق متفاديًا قبضته:
"وحشني."
فرد يديه بعدما كان يضمها ثم شد من احتضانه قائلًا باشتياق مماثل لصديق عمره:
"وأنت أكتر... بعيدًا عن برودك ولعب العيال بتاعنا."
ضحك يزن، خرج من حضنه، وجلس على مقعده. بينما في المقابل له، جلس مالك قال معاتبًا على غيابه:
"كل دي غيبة؟ حتى الاتصال مش بتعمله."
أجاب عليه:
"غيبة إيه بس؟ ده كلهم يومين."
اعترض مالك ثم أجاب:
"برضه مش لازم تطمني عليك... بعدين كنت مختفي في المستشفى أكيد."
أجاب يزن:
"يعني هروح فين غيرها... بقالي يومين بايت في المستشفى. خصصت امبارح وأول عمليات والكشف بالمجان اللي بعملها كل شهر."
زفر بتعب من كثرة الوقوف على قدمه في العمليات من الواحدة للثانية. لم يكن يأخذ الراحة الكافية حتى يستطيع إنهاء أكبر كم من العمليات.
"مش قادر، هموت وأنام يومين واقف على رجلي. أنا جاي بالعافية."
أجاب عليه:
"كله في ميزان حسناتك... إحنا لازم ندور على شركة للشحن، عشان اللي بنتعامل معاهم بيتاخروا ده أولًا وحاسس إنهم بينصبوا بالفلوس ده ثانيًا. والتأخير مش حلو."
أردف يزن عليه مستفسرًا:
"تأخير تاني؟ جه الوقت اللي أفوقلهم فيه لأن عذرتهم كتير، والمفروض إنهم بيعملوا سمعة."
تحدث مالك موضحًا:
"سبتهم ليك، مردتش أجي جمبهم، ولا أتصرف."
أردفت بتفكير:
"أنا سبتهم كتير، جه وقت الجد. هروقهم أنا بمزاجي."
سند دقنه على قبضة يديه ثم رد مالك:
"هتعمل إيه؟"
ابتسم ابتسامة غير مبشرة بما هو قادم، حيث تحدث:
"يعني شحنة هتطلع زي ما هي... بس مفيش فلوس هتدفع، يعني هتطلع ببلاش... مع بلاغ صغير لكل رجال الأعمال أنها شركة مش ولا بد، والكل هيبدأ ينسحب مع شوية حاجات خفيفة كده محدش هيقف جمبه."
ابتسم ابتسامة مماثلة له، متحدثًا بمكر:
"يخربيت دماغك كده، هتجيبهم على الأرض."
استنطعت التفكير حيث أجاب:
"ولا أجيبهم المخزن مثلا؟ يتأدبوا؟ مش عارف، محتار."
أجاب عليه:
"مش سهل أنت خالص."
غمز له ثم ابتسم مجيبًا:
"عيب عليك، أنا يزن الجبالي، يعني مش أي حد."
ضحك الاثنان ثم رد مالك:
"غرورك هيوديك في مصيبة... يلا عشان تشوف الشحنة قبل ما تطلع."
أراح جسده للخلف حيث أجاب بنبرة هادئة:
"مش أنت خلصت كل حاجة؟ مش لازم أدور وراك. بعدين ده أنا مأمنك على حياتي كلها مش على شحنة."
نهض من مقعده بينما أجاب:
"طب اخلص عشان تروح تنام."
دخلت نسمة وهي تمسك النسكافيه الخاص به. وضعته على المكتب ثم خرجت ثانية. نهض الاثنان، أخذ يزن نسكافيه وشرب منه رشفة صغيرة وأخذه معه.
***
في المخزن، كان يمضي وبيده النسكافيه يتفقد الأدوية التي سيتم شحنها للخارج، وخلفه مالك يتحدث معه على الأمور الخاصة بالأدوية.
تحدث بينما يفحص بعينيه على الشحنة:
"كل حاجة تمام."
رد رئيسهم بعملية:
"كله جاهز يا فندم. الأدوية اتغلفت زي ما حضرتك شفت، وكل حاجة جاهزة مستنين أمر من حضرتك."
شرب من الكوب ثم تحدث بأمر:
"ابدأ الشحن... ربنا يوفقكم."
خرج الاثنان من المصنع. حتى أعطى يزن نسكافيه لمالك. قال بنبرة مرهقة من التعب:
"أنا هروح وأنت امضي على الورق، ولما هفوق... هشوف أعمل إيه في شركة الشحن."
ربط مالك على كتفه قائلًا بابتسامة بسيطة:
"خد بالك من نفسك وركز في سواقة، عشان عايز أروح البيت مش أروح المستشفى."
ضحك يزن بشدة، بينما أردفت حديثه بمزاح:
"عيب عليك، ده أنا أسوق وأنا مغمض."
ضحك مالك عليه وقال:
"طب يلا يا شاطر."
غادر يزن المخزن والشركة بأكملها. ركب سيارته وقادها متجهًا لبيته.
***
في البيت، فتح الباب، دخل. ظل يبحث عنها، لم يجدها، فخمن بوجودها في المطبخ. دخل بخطوات خفيفة.
في المطبخ، كانت تنتهي من إعداد الطعام لقرب ميعاد عودة حبيبها. كانت ترتدي بيجامة بلون سماوي. دخل بخفة حتى احتضن خصرها بتملك. وضع ذقنه على كتفها.
شهقت بفزع حتى ردت:
"خضتني يا مالك."
أكملت معاتبة:
"مش هتبطل بق."
قبل إحدى وجنتيها وقال باشتياق:
"تؤتؤ، أبدا، وحشتيني."
ردت سيدة كبيرة في السن بعدما دخلت ورأتهم بهذا المنظر:
"حرام اللي بتعمله في البت."
لف جسده حتى جحظت عيناه بصدمة من وجودها. أردف مالك:
"إيه ده؟ ماما، أنت هنا من امتى؟"
ردت عائشة ماكرة:
"من ساعة، وحشتيني."
احمرت وجنتيها من الخجل. حاولت أن تزيل يديه ولكن لم تستطع. ابتسم بسماجة وأردف:
"إيه ده؟ إيه اللي جابك؟ قصدي، إزيك يا ماما."
ترك خصرها بعدما فشلت في إزاحة يديه، واتجه ناحية والدته. أمسك يدها ولكن ضربته على رأسه. أمسك رأسه من الوجع:
"ليه كده بس؟"
أردفت بتشفى:
"عشان تبطل اللي بتعمله."
مسح على شعره وابتسم قائلًا:
"ليه بس يا ست الكل، ده أنا ابنك."
حتى أكمل بحنان وهو يقبل رأسها:
"عاملة إيه النهارده؟"
ردت عليه:
"حمد الله يا ابني... أنت عامل إيه؟ إيه اللي آخرك؟"
أجاب عليها:
"كان عندي شغل كتير... ويزن جه ومشي بسرعة عشان شحنة، هو مشي عشان تعبان... وأنا مكنش ينفع آجي غير لما تمشيه."
هتفت داعية له قائلة:
"ربنا يكرمك يا ابني ويفتح لك الأبواب المتقفلة."
أمنت على دعائها ثم تحدثت روضة:
"روح غير هدومك... عقبال لما أحط الأكل."
صار حتى خطف قبلة من وجنتيها وجرى سريعًا للغرفة.
***
على المائدة، كان يجلس على رأس السفرة، بجانبه على يمينه زوجته وعلى يساره والدته. كان يتناول الطعام.
أردف بتلذذ:
"يا خراشي، الأكل يجنن! تسلم إيدك."
ابتسمت له وردت:
"بالهنا يا حبيبي."
بعد تناول الطعام، كان الثلاثة يجلسون على الأريكة يتناولون كوبًا من الشاي. كان مالك ينظر بين اللحظة والأخرى في الساعة ينتظر خروجها. وضعت الكوب على المنضدة الزجاجية بعدما انتهت من شرب الشاي، حتى نهضت عائشة قائلة:
"أقوم أنا بقى عشان آخد الدواء وأنام."
تنفس بارتياح كبير ثم أجاب:
"يا آه! أخيرًا."
هتف سريعًا، قصدي، "ليه يا ماما؟ خليكي باتي معانا، بعدين ده أنتِ ساكنة فوقي."
هتفت رافعة حاجبها:
"بإمارة إنك كل شوية تبص في الساعة."
ضحكت روضة بخفوت على شكله، حتى مسحت على رقبتها. قبلتها روضة حتى هتفت:
"لو عاوزة حاجة رني عليا وأنا هطلعلك."
ابتسمت لها:
"متقلقيش علي."
صاروا معها حتى وصلت أمام الباب. فتحت الباب ثم خرجت متجهًا لشقتها. أقفل الباب. حاولت أن تهرب منه ولكن أمسكها بإحكام، لف يديه حول خصره.
تحدث مالك بنبرة ماكرة ناظرًا لعيونها:
"أنتِ فاكرة كده هتهربي مني؟"
حاولت أن تزيل يديه محاولة الفرار منه مجيبة:
"وسع كده عشان أدخل الحاجة جوة وأرتب الدنيا."
أجاب عليها بابتسامة:
"لا، سيبك من كل حاجة وخليكي معايا."
قبض على يديها وأخذها معه حتى جعلها تتمدد على الأريكة وهو بجانبها، واندس في حضنها، حاوط خصرها. أما هي، ظلت تلعب بأصابعها في شعره. شعر باسترخاء حتى ارتسمت على وجهه ابتسامة بسيطة. شعرت بها ضد رقبتها. قررت قطع هذا الصمت متحدثة بنبرة هادئة وما زالت يديها بين خصلات شعره:
"باين عليك تعبت النهارده."
شعرت بأنفاسه التي احتكت ببشرتها، التي ذفرها بتعب حيث قال بارهاق:
"كان عندي شغل كتير... والشحنة كانت هتتسلم النهارده."
ردت عليه بحماس:
"احكيلي بقى، يومك مشي إزاي؟"
قص لها ما حدث في يومه، ثم قصت هي أيضًا. تحدثت هي:
"ابقي اعزم يزن ييجي بكرة على الغداء."
أجاب عليها:
"هتعملي حاجات حلوة بكرة؟"
أجابت روضة:
"أكيد طبعًا... هعمل الأكل اللي بيحبه."
دائمًا ما يسعد كثيرًا وأنه استطاع أن يفوز بها. ابتسم بفخر حيث أخذها في حضنه بعدما اعتدل من جلسته، بينما قال بحب واشتياق ما زال يتودد بينهما:
"كل يوم بحمد ربنا... عشان جمعني بيكي بعد سنين من الحب."
لفت يديها جيدًا حول خصره حيث أردفت بحب:
"مش عارفة لو أنت مكنتش موجود كانت حياتي هتمشي إزاي... ثم أكملت: بكرة هطلع أشوف ماما وطلباتها، بعدين أعمل الغداء."
قبل رأسها، متنفسًا بعمق براحة شديدة، حيث قال بعشق دفين:
"بحبك."
رفعت رأسها بعدما ابتعدت عنه، ظلت تنظر لعينيه رمادية بعمق. دائمًا ما تحب أن تنظر لعينيه لأطول فترة ممكنة، لأنه يجعلها تذهب في مكان آخر خاص بهم، لا يوجد به أحد ولا أحد يتكلم، لكن العيون وحدها هي من تتولى كامل الحديث.
نهض على غفلة وهو يحملها كالأطفال، حتى صرخت:
"أنت بتعمل إيه؟"
رد ببرائة متجهًا لغرفته:
"أنا مبعملش حاجة خالص."
أجابت بتذمر:
"نزلني، بعرف أمشي."
دخل الغرفة وأقفل الباب بقدمه وظل واقفًا في المنتصف. أردف مالك بتعجب:
"إيه ده؟ هو أنا مقولتلكيش؟"
ردت باستغراب:
"قولت إيه؟"
أردف بحنان ناظرًا لعيناها:
"إن أميرتي وحبيبتي، هفضل أشيلها على طول لغاية لما أعجز وأمشي بعكاز."
ضحكت بصوت عالٍ، بينما وضعها على السرير برقة بالغة. تمدد بجانبها، أخذ رأسها وجعلها تتوسد على صدره. قبل رأسها قائلًا:
"تصبح على خير."
رفعت نفسها قليلًا وقبلت وجنتيه مجيبة:
"وأنت من أهله."
ثم اندست بين ثنايا عنقه وهي تحمد ربها على وجوده بجانبها.
***
في الصباح الباكر، غرفة الجيم. كان جسده يرتفع وينزل مرة أخرى يمارس الضغط، بينما التصقت بعض الخصلات على جبيته من شدة الحركة. رن هاتفه على اقتراب معاد نزوله. ارتفع جسده برشاقة، ظل يتنفس بصوت لاهث متعب والعرق يتصبب من جسده بغزارة. أخذ المنشفة، جفف بها وجهه، شرب قارورة المياه كاملة. أقفل هاتفه ثم خرج متجهًا لغرفته.
في الغرفة، نظر للمرآة وهو يقفل ساعته. وضع عطره. نظر لنفسه آخر مرة قبل أن يخرج. خرج من الغرفة، نزل على الدرج، دخل مطبخه، قام بعمل ساندوتش له، أكله سريعًا. خرج، أخذ مفاتيحه، فتح الباب ثم أقفله خلفه.
***
أمام العمارة، خرج منها، ركب سيارته، وضع مفتاحه ثم شغل المقود. شغل الكاسيت على أغانيه المفضلة.
بعد نصف ساعة، أمام الشركة، نزل من السيارة، رمى المفتاح للأمن، دخل. وقف الجميع يحييه، كانت على وجهه ابتسامة محببة. ركب المصعد، وصل لطابقه. فُتِح الباب وخرج من المصعد. ذهب للمكتبة حتى دخل وخلفه نسمة. خلع جاكته ووضعه خلفه على مقعده، جلس وهي واقفة أمامه.
تحدث يزن بابتسامة:
"صباح الخير."
ردت باسمة:
"صباح النور يا دكتور."
أردف حديثه بنبرة جدية:
"عايزك تجيب لي كل شركات الشحن الموجودة في السوق، عايزك تعرفي مين اللي بيتعامل معاهم، أرباحهم إيه، كل تفاصيل حتى لو صغيرة وهاتيهم."
أومأت برأسها موافقة ثم أجابت:
"حاضر. حضرتك طالب حاجة تاني؟"
أجاب عليها:
"لا، تقدري تتفضلي."
خرجت نسمة، أما هو، شمّر أكمام قميصه، ثم بدأ بقراءة الأوراق التي كانت موضوعة أمامه. فتح مالك الباب، دخل، جلس على المقعد المقابل له.
قال مالك مبتسمًا:
"صباحوو."
نظر للأوراق يوقع مكان اسمه. أجاب مركزًا على قرائتها قبل التوقيع:
"صباح النور."
تحدث مشاكسًا له:
"جيت على نفسي إنهاردة وهعزمك في البيت ومفيش أي اعتراض."
رفع عينيه من الأوراق وأجاب مضيقًا عينيه الزرقاء باستفسار:
"والمناسبة؟ جايب لي عروسة ولا إيه؟"
ضحك بخفة بينما أجاب بغلاظة:
"هتفرق معاك سبب العزومة؟ وحتى لو جبت لك هخليك تقابلها بره عشان سمعتك يا بيضة."
رمى القلم ولكن التقطه بسرعة مجيبًا بفخر شامتا به:
"مجدتش بعدين مرات أخوك عازماك بنفسها... عشان صعبت عليها وأنت بتاكل لوحدك كده."
أردف بتلاعب قائلًا بغلاظة قاصدًا استفزازه:
"والله مراتك دي بتفهم، مش زيك."
أجاب عليه ببرود:
"على فكرة العزومة اتلغت... شوف لك أي مطعم تتأوى فيه."
رفع حاجبه قائلًا بسماجة:
"مش جاي آكل عندك، أنا رايح عشان خاطر ملكة الجمال."
نجح في استفزازه. أجاب عليه بعدما نهض:
"همشي من هنا... عشان ما أعملش جريمة هنا."
***
في الشقة، ارتدت عباءة منزلية مطرزة باللون الأزرق وزينت شفتيها بلون الكمشيري الهادئ. انتهت، خرجت من الغرفة. كان مالك يفتح الباب بالمفتاح الخاص به، خلفه يزن. استقبلتهم بابتسامة واسعة.
قالت بابتسامة:
"حمد الله على سلامتكم."
هتف الاثنان:
"الله يسلمك."
دخل الاثنان حتى قبل مالك رأسها. ورفع يزن يديه ليسلم عليها، ولكن قبل أن ترفع يدها كان مالك يضع يديه.
جز على أسنانه وهتف بغيره:
"الاستهبال عالي أوي النهارده."
أردف بتلاعب ونبرة ماكرة:
"ملكة الجمال عاملة إيه؟"
منذ لقائهم الأول ودائمًا ما يناديها بهذا اللقب، حتى بعدما تزوجت بمالك ظل يناديها به. أجاب عليه:
"الله يسلمك. بقالك كتير مجتش."
رد باشتياق:
"عشان كده مفتقد أكلك أنتِ وطنط. أنت عارف شغل بين الشركة والمستشفى."
أجابت روضة:
"الله يعينك. طب اتفضلوا، الأكل قرب يجهز."
صار حتى جلس على الأريكة، بينما هتف مالك وهو يجز على أسنانه:
"خدي بالك، أخطائك كترت النهارده."
هتفت باستنكار:
"وأنا عملت إيه؟"
رد بغضب طفيف:
"لا معملتيش، أنا اللي عملت."
هتف يزن بصوت عالٍ:
"ملكيش دعوة به، تعالي هنا، وراكِ رجالة."
وضعت يدها على فمها وهي تكتم ضحكتها. صارت حتى جلست على الأريكة. أما هو، جلس بجانبها بوجه متهجم.
قال بنبرة ماكرة ممزاحًا له:
"إيه يا ابني، فين الابتسامة الحلوة؟"
ضحك الآخر باستفزاز له. ثوانٍ حتى ضحك جميعهم.
تحدث يزن وعقله لا يذهب صورة الطعام من أمامه:
"عملتي لي الحاجات اللي بحبها؟"
أجابت مبتسمة:
"متقلقش، ظبطت."
تحدث مالك والغيرة تكاد تنهشه من الداخل، رغم العلاقة بينهم التي تعد كإخوة، ولكن يغير عليها:
"ما أنت مش دافع حاجة من جيبك."
رفع كتفيه هاتفا بجدية بالغة:
"إيه ده؟ أنت متعرفش؟"
استغرب قليلاً من جديته حيث أجاب:
"لا معرفش."
أردف بمزاح:
"ماهو أنا اللي دافع فلوس الأكل."
أدرك ما يقوم به حيث أجاب بتعجب مصطنع:
"بجد؟ منين؟"
رفع القدم على الأخرى رافعًا لياقة القميص بكبرياء:
"كله اللي أنت فيه ده بفلوسي، مش أنا اللي بقبض."
نهض مالك ثم وقف أمامه متحدثًا:
"يزن، اطلع بره، مفيش أكل."
ردت روضة في هذه اللحظة بنبرة حازمة لكليهما:
"بس خلاص، أنتم الاتنين... وأنت يا مالك، اقعد."
هتف الاثنان بأن واحد:
"هو اللي بدأ."
أمسكت رأسها بتعب هتفت بتعجب:
"مش عارفة هتبطلوا إمتى لعب العيال... أنا هشوف الأكل أفضل."
تركتهم، أما هما، ظلوا يتحدثون عن بعض الأمور في العمل. وضعت آخر طبق على السفرة حتى نادت عليهم. جلس مالك على المقدمة، على يمينه هي، وعلى يساره يزن. وضع إصبع من المحشي في فمه حتى هتف بتلذذ:
"يا خراشي، إيه الجمال ده؟ حلو أوي."
ردت باسمه:
"بالهنا والشفاء."
قضوا مع بعضهم وقتًا ممتعًا بين مزاح يزن ومالك ومشاكستهم. كان يقف يزن على الباب حتى أتت ومعها شنطة صغيرة، حتى أعطته له.
تحدث مستفسرًا من الحقيبة:
"إيه ده؟"
ردت هي بالمقابل:
"حطيت لك باقي الأكل، وماما عملت لك أكل يدوبك يتجهز على التسخين."
لم يعرف كيف يشكرها على ما تفعله دائمًا. أجاب بابتسامة:
"مكنش له لازمة، تعبتي نفسك."
ردت معاتبة:
"إزاي؟ دي حاجة بسيطة."
سلم عليهم وقال مبتسمًا:
"يلا، مع السلامة."
هتف الاثنان:
"سلام."
أقفل الباب حتى لف بجسده كاملاً حتى أمسك خصرها. هتفت بتعب:
"اشتغلتِ النهارده كتير."
رفع حاجبه مردفًا بغيظ:
"وعملتي أخطاء أكتر."
رفعت حاجبها قائلة باستفسار:
"أخطاء إيه دي؟"
بدأ بالعد على أعصابه ما أخطأت به:
"أولًا، اللي أنتِ حاطاه في شفايفك. ثانيًا، هزارك معاه. ثالثًا، اللبس اللي أنتِ لابساه، وشايف إنك محتاجة تتعاقبي."
ردت بخوف منه:
"لوكا حبيبي، أنا حبيبتك... بعدين ده مش بيبان ويزن ده أخويا."
رد بهدوء:
"تؤتؤ، هتتعاقبي بردوا."
حاولت اصطناع البكاء لاستمالته:
"مش هعمل كده تاني... يرديك تزعل حبيبتك."
نفى برأسه، بينما لف خصلة من خصلات شعرها حول إصبعه:
"شغل العيال ده مش عليا."
وضع يديه خلف قدميها والأخرى على ظهرها حتى حملها كالعروس. هتفت بذعر:
"أنت بتعمل إيه؟"
مالك بابتسامة ماكرة لا تبشر بالخير:
"هعمل كل خير."
***
في القصر، في المرسم، كانت الموسيقى تعم في الغرفة بأنغام هادئة. أما هي، كانت تلم شعرها على هيئة كعكة فوضوية، تمسك الفرشاة وترسم بانسياب وهدوء تزامن مع الموسيقى. دخل حازم. لم تنتبه لدخوله حتى وقف بجانبها وهو يضع يديه في أحد جيوبه.
قال حازم بابتسامة يتفحص بعينيه اللوحة:
"الجميل بيرسم إيه؟"
انتفضت في مكانها من الخضة هتفت:
"حرام عليك يا حازم."
ضحك بخفة على هيئتها المذعورة:
"مش للدرجادى، بترسمي إيه؟"
رفعت كتفيها بتجاهل:
"محدش، سيبت نفسي هي اللي ترسم."
حازم بتشجيع وهو يقبل رأسها:
"وأنا متأكد إنك بترسمي الأفضل."
ابتسمت له حتى هتف وهو يشد يديها:
"طب يلا كفاية كده عشان تنامي."
هتفت معترضة:
"لسه مخلصتش."
أجاب عليها:
"مش عايز أسمع أي اعتراض يلّا."
نهضت معه بينما قالت:
"طب استنى ألم حاجتي."
أطفأت الموسيقى. لملمت أشياءها، أغلقت النور. أخذها حازم، خرج من الغرفة ممسكًا بيدها حتى أدخلها غرفتها.
في الغرفة، انتهت من غسيل يدها حتى خرجت. كان ينتظرها. وضعها على الفراش، وضع الغطاء عليها، قبل جبينها. هتف بابتسامة:
"تصبح على خير."
هتفت مبتسمة له:
"وأنت من أهله."
رواية انجذاب الروح الفصل الثاني 2 - بقلم زينب خالد
كان يقف أمام المرآه يقفل أخر زر في قميصه. ارتدى جاكت البدلة ومشط شعره للخلف. بدأت تتملل على الفراش حتى انقلبت ناحيته. نظر لها وعلى وجه ابتسامة هادئة محببة. اقترب منها حتى جلس على الفراش قريبًا منها. أبعد خصلات شعرها المتمردة على جبينها. كانت حواجبها معقودة بسبب أشعة الشمس التي لم تنهنئها على نومها. قبل إحدى وجنتيها. وجهت وجهها الناحية الأخرى.
هتف بنبرة منخفضة لايقاظها:
حبيبتي.. حبيبتي فوقي.
هتفت بخمول محاولة العودة للنوم:
سبيني عايزة أنام.
ابتسم بخفة حتى هتف بمداعبة:
طب خلاص براحتك.. هروح أشوف واحدة تحضر فطار بدل ما مراتي مش مهتمية بي.
دقائق حتى جحظت عينيها فجأة ونهضت سريعًا جالسة على الفراش محاولة فتح عينيها. هتفت بتركيز:
اسمعني كده عشان مكنتش مركزة.
رفع كتفيه ببراءة:
قولت صباح الخير يا حبيبتي.
ضيقت عينيها وردت بوعيد:
يعني مقولتش مثلا تروح تتجوز عليا.
رفع حاجبه قائلاً:
ما أنت صاحية أهو.. وعاملة نفسك نايمة.
اقتربت منه مضيقة عينيها قائلة بتوضيح:
أنت قد كلامك اللي قولته.
اقترب هو الآخر منها حتى لا يفصل بينهم إلا بعض أنشات قليلة قائلاً بقله حيلة مصطنعة مليئة بالحزن:
آه ماهو الاهتمام مبيطلبش.
ضمت قبضتها حتى ضربته على صدره وهو يحاول تفادي ضرباتها. ردت بوعيد له:
ابقي اعملها كده يا مالك.. وقول على نفسك يا رحمن يا رحيم وهي تكون قبلك.
قال وهو يحاول تفادي ضرباتها:
يا مجنونة اهدى.. بعدين أنا أقدر يا بيبى، هو أنا ليا غير حبيبتي دودو.
شعرت بالتعب حتى أوقفت ضربه تزفر بتعب من ضربه. أجاب مستفزًا إياها:
لما تعرفي تضربي.. ابقي اضربي كويس.
رفعت شعرها للخلف تعقصه على هيئة كعكة مجيبة ببرود تام:
متخافيش مرة جاية هاخد بالي.. وأخليك متعرفش على وشك.
نهضت من الفراش وهي تستشيط غضبًا منه. استمتعت وهي بداخل المرحاض صوت ضحكاته التي ترتفع مستمتعًا بما فعله.
على المائدة
لم تنظر له ولا مرة. وضعت الفطور بصمت. أما هو كان يعرف أنه است استفزها بشدة.
تحدث مالك بهدوء:
احتمال أتأخر النهاردة.
لم تعير له أي انتباه. ترك الطعام ثم نهض من المقعد وجلس على إحدى ركبتيه أمامه مردفًا بنبرة حانية:
ده قمر زعلانة مني.
أكملت طعامها بهدوء تام كأنه لم يتحدث. رفع يديه فلامست ذقنها حتى أدار وجهها ناحيته. نظرت له في عينيه.. أما هو تاه في بحور عينيها العميقة التي تسحبه للغرق ولكنه أحب هذا الغرق. قبل جبينها بخفة قائلاً محاولاً استمالتها:
أنا آسف.. شوفي عايزة إيه وأنا أعمله.
فكرت لدقائق حتى خطرت على بالها فكرة:
أولاً عايزة أخرج وحابة إني أتعشى بره.
ضحك بشدة على ما تطلبه. ستظل هكذا دائمًا تعتقد أنها فكرت في أصعب الأشياء وأنها حصلت على مرادها. نظرت له بعبوس محبب. حاول أن ينتهي من نوبة ضحكته.. ولكن لم يستطع. ضربته بقبضة يديها. أجاب عليها بابتسامته الساحرة:
أميرتي تطلب وأنا عليا أنفذ.. هرن عليكي لما أخلص الشغل.. تلبسي عقبال ما أجي. يلا عشان لازم أنزل.
قبل جبينها بحب. هتفت ناظرة لعينيه التي تعشق النظر داخلها:
تروح وترجع بالسلامة.
في القصر
ظل يرن المنبه حتى رفعت يديها بخمول تعبث بالمنبه. ضغطت على زر الإيقاف. انتهى رنينه. وضعت الوسائد على رأسها. تأففت بضجر ثم نهضت وهي ترجع شعرها للخلف. ضاعت قدميها على الأرضية. حاولت أن تفتح عينيها لتفيق. نهضت بخطوات بطيئة ثم اتجهت للمرحاض.
كانت تقف أمام المرآه ماسكة مجفف الشعر في يديها تجفف شعرها من المياه. ارتدت تي شيرت أسود مخطط بالأبيض مع بنطال بوي فريند وكوتش أسود مريح. انتهت من تجفيف شعرها حتى عقصته على شكل كعكة فوضوية. حددت عينيها بالآيلاينر وزينت شفاها بلون كاشميري. سمعت دقات على الباب. أخذت حقيبتها وهاتفها. فتحت الباب. كان واقفًا أمام الباب يرتدي بدلة بترولية مع قميص كحلي ومشط شعره بطريقة جذابة. قابلها وعلى وجهه ابتسامة:
كنت فاكرك لسه نايمة.. هاجي لسه أصحيكي.
هتفت منزعجة:
المنبه منه لله.. مش عارفة مين اللي اخترعه عنده شلل في دماغه.
ابتسم على انزعاجها مجيبًا:
طب يلا.
نزل الاثنان الدرج وذهبوا باتجاه السفرة حيث كان والدهم يجلس مترأسًا المائدة. على يمينه والدته. قبلت وجنتي سليمان وحنان. هتف بمرح:
صباح الجمال على ملكة جمال مصر الأولى.
ابتسمت له قائلة:
صباح النور يا حبيبي.. يلا عشان تفطروا.
انتهوا من الفطور. نهض الاثنان. قالت رهف بعدما وضعت هاتفها في حقيبة يديها:
باي يا بابا.
ابتسم لها قائلاً بحنان:
مع السلامة يا حبيبتي.. خدي بالك من نفسك.
أومات برأسها موافقة واتجهت مع حازم للسيارة لكي يوصلها قبل ذهابه للعمل.
أمام الجاليري
قبل جبينها مبتعدًا عنها متحدثًا بنبرة حانية:
لو حصلت حاجة ترني عليا.
قبلت وجنتيه بابتسامة:
حاضر يا زوما.
فتحت الباب ونزلت من السيارة. دخلت تجاه الجاليري. أما هو انطلق لشركته.
في شركة الأدوية
كان يجلس يتفحص الأوراق أمامه حتى سمع صوت ضجة في الخارج. ثوانٍ حتى تهجم عليه شخص في مكتبه. هتفت بصوت عالٍ بغضب:
مينفعش اللي حضرتك بتعمله ده.
رفع نظره له هتف وهو يعيد نظره للأوراق مرة أخرى بهدوء:
روحي يا بسمة.
كان يقف أمامه وعلامات الشر تتطاير من عينيه. ضرب بقبضته على المكتب حتى تحركت الأشياء. رفع نظره له كان يتلبس قناع الهدوء والبرود الشديد.
تحدث وقسمات وجهه مليئة بالعصبية:
يعني إيه فلوسي لغاية دلوقتي متجيش.
نظر لعينيه وأجاب بهدوء:
ملكش عندي فلوس.
أجاب بصوت عالٍ وجسده ينتفض من الغضب:
يعني إيه.
نظر له نظرة محملة ببرود تام:
يعني مفيش فلوس.. تحب أغنيها مثلاً ولا أكتبها على باب المكتب.
ضرب بقبضته مرة أخرى مردفًا بوعيد مبطن بالتهديد:
أنت عارف نتيجة الكلام ده.
هز رأسه نافيًا ضامًا قبضته بنبرة متأسفة مصطنعة:
لا مش فاهم للأسف.. ولغاية دلوقتي مقدر إنك في مكتبي وراجل كبير.
رفع إصبعه في وجهه وحديثه مليء بالتهديد:
هتندم.
اقترب بوجهه منه مجيبًا بنبرة جامدة قاسية:
مش يزن الجبالي اللي بيندم.. وخد بالك هتسمع الاسم ده كتير.. وحافظ على نفسك وشركاتك عشان أنت عارف الدنيا غدارة.
ابتسم في وجهه ابتسامة باردة مستفزة. أما الآخر كان وجهه عبارة عن كتلة نار موقودة من شدة الغضب. خرج بوجهه متهجمًا. أما الآخر أمسك هاتفه هتف بجمود:
عايز يعلن إفلاسه بكرة.
في الخارج
أتى مالك من مكتبه. كانت تقف بسمة بعدما خرج من مكتبه. تعجب من حالتها ووجهها القلق بينما رأى رئيس شركة الشحن يمر من جانبه ويكاد أن يفجر الشركة بما فيها. تحدث باستفسار لبسمة:
إيه اللي حصل.
أجابته:
هدد الدكتور جوه.. عشان موصلتش الفلوس.
أجاب عليها:
متعرفيش اللي حصل جوه.
هزت رأسها نافية قائلة:
معرفش بس طالع وعفريت الدنيا بتنط في وشه.
تركها ودلف للداخل ليعرف ما حدث. كان يزن ينظر أمامه في العدم حتى دلف مالك. هتف بنبرة مستفسرة عليه:
إيه اللي حصل.
انتبه له ثم نظر له مجيبًا بلامبالاة:
مفيش.
حرك حاجبيه بعدم فهم قائلاً:
أمل سمعت صوت عالي ليه.. كان جايب الشركة كلها.
أجاب بينما يحاول التركيز على الأوراق:
جاي يهددني لا وفين في مكتبي وفي شركتي. ابتسم بسخرية كويس أنه طالع سليم.. مش على آخر زمن اللي يهدد يزن الجبالي.
أجاب مالك:
وأنت هتعمل إيه.
رد الآخر بجمود:
بكرة تعرف. روح كمل شغلك.
لم يرد أن يضغط عليه. نهض وخرج من الغرفة مغلقًا الباب خلفه.
أمام البحر
كانت تجلس على المقعد المطل على البحر. كانت الأمواج هادئة تسير بانسياب تشعر بالراحة. اشتمت رائحة البحر الذي تعشقه. ظلت أمام البحر بعض الوقت حتى رن عليها حازم. كان يفتح باب سيارته حيث قال:
يلا جهزي عشان أجي آخدك.
تحدثت ناظرة للبحر:
ماشي أنا على البحر.
أمسك الوقود قائلاً:
ماشي، خدي بالك من نفسك.
أغلق الهاتف وضع المفتاح وبدأ في القيادة. ركن سيارته. فتح الباب ونزل منها. كانت تجلس على المقعد حتى صار ووقف خلفها. وضع يديه على كتفها. انتفضت. رفع يديه باستسلام قائلاً:
سرحانة في إيه.
هدأت بعدما أدركت لم يكن سوى حازم:
لا عادي.. يلا.
فصح بعينيه ثم قال باستفسار:
مالك.
أجابت بنبرة مرهقة:
عايزة أنام يلا.
نهضت معه أما هو نظر في أثرها وتعجب في حالتها. ركبت. أما هو سار فتح الباب وركب بجانبها وبدأ في القيادة.
في السيارة
كانت شاردة في الطريق حتى هتف بنبرة عاليه:
ممكن أعرف مالك.
رفعت كتفيها قائلة بنبرة عادية:
مفيش تعبانة شوية.
نظر لها وللطريق مرة أخرى مجيبًا:
طب حد ضايقك.
نفت برأسها مردفة:
لا مفيش.
لم يرض أن يضغط عليها. أما هي ظلت شارده في الطريق.
في القصر
دخلت السيارة عبر البوابات الإلكترونية. وصل أمام الباب. نزلت ونزل هو الآخر. طرقت الباب. فتح الباب. دخلت. استقبلتهم والدتهم. قبلت خد والدتها وقبل رأسها. قابلتهم مبتسمة مجيبة:
يلا الغداء جاهز.
أجابت رهف بنبرة متعبة:
مش قادرة.. هروح أنام.
قلق من نبرة صوتها حيث أردفت متفحصة إياها:
لا لازم تاكلي.
نفت رأسها نافية مجيبة:
لا مش هقدر هنام ومحدش يصحيني.
سارت حتى صعدت الدرج. هتفت باستنكار من حالتها وهي تراها تختفي ذاهبة لغرفتها:
مالها يا حازم حصل حاجة.
رفع كتفيه بعدم فهم قائلاً:
معرفش. حاولت أكلمها تقول لي تعبانة.
أكمل بحنان:
متقلقيش أنا هطمئن عليها تلاقيها عايزة تنام.
في الغرفة
بدلت ملابسها ثم دخلت المرحاض لأخذ حمام يزيل آثار الإرهاق. خرجت. رفعت شعرها للأعلى. ارتمت على الفراش احتضنت الوسادة. نظرت أمامها بشرود حتى نامت في سبات عميق.
صباح جديد وشمس مشرقة
في المشفى
كان يمر على جميع من في المشفى. معروف بـ جديته في عمله بجانب مزاحه. جميع العاملون يحبونه من أصغرهم إلى أكبرهم. كان يمسك الملف بيده وعلى وجهه ابتسامة هادئة. أردف يفحص بعينيه آخر تطورات:
لا كده تمام أوي.. كام يوم وأقدر أكتب لك على خروج.
أردف بنبرة واهنة ممتنًا له:
شكرًا يا دكتور.
رد بود مبتسمًا:
لا شكر على واجب ده شغلي.
خرج من الغرفة ركب المصعد. وصل لغرفته فتح الباب خلع البالتو. ثم لبس حلة. أخذ مفاتيحه وغادر المشفى متجهًا لشركته.
في الشركة
كان يضع كامل تركيزه وذهنه على الأوراق حتى دخلت السكرتيرة. أردفت بعملية وهي تضع الدعوة على المكتب:
مستر حازم الدعوة دي جت لحضرتك.
رفع ناظره أخذ الدعوة يتفحصها بتدقيق. أجاب:
تقدري تروحي.
خرجت وأغلقت الباب خلفها. فتح الدعوة كانت دعوة خاصة برجال الأعمال. وضعها بجانبه وأكمل تركيزه على الورق.
بعد ساعتين
نظر لساعة يده كان موعد الاجتماع أن يقترب. نهض ارتدى حلة وخرج بهيئته الجذابة كالمعتاد. استقل المصعد. وصل الطابق صار بكبرياء وهدوء المعتاد. فتح الباب وقف الجميع كتحية له. أشار للجميع بالجلوس. جلس على المقعد المترأس. أردف بصوت رخيم:
ابدأوا.
أما في الناحية الأخرى
كان يجلس الاثنان يراجعان الحسابات والمواد الكيميائية. أرجع جسده للخلف. حرك رقبته فصدرت صوت قوي بسبب تشنق عضلاته. أردف بتعب ظاهر على ملامح وجهه:
يا ختاي مش قادر أكمل أنا عايز سريري بتاعي.
ضحك باستهزاء راجعًا جسده للخلف:
خرع أوي.. أمل أعمل إيه. روحت مستشفى بعدين جيت.
رد باعتراض:
يا عم أنا صحتي على قدي. صحيح جتلك دعوة.
هز رأسه بإيجاب:
آه.
أجاب عليه:
هتروح ولا هتعمل إيه.
رد عليه:
لا هروح بدل القعدة بالليل.
أجاب الآخر:
وأنا هجيب روضة نفسح بـ بونايه شوية. هو أنت اللي وراء وقوع الشركة.
نامت على وجه ابتسامة مستمتعة:
ده سؤال ولا إجابة.
أجاب مالك بتساؤل:
كنت متوقع.. طب هنوفر شركة إزاي دلوقتي.
أجاب يزن:
لسه بشوف وبدور على شركة كويسة.
نهض مالك من الأريكة قائلاً:
طب هروح أنا سلام.
أجاب عليه:
سلام.
في المساء
في القصر
كان الجميع يجلس يشاهد التلفاز حتى أردف محدثًا ونظره ما زال يشاهد:
بعتت دعوة حفلة لرجال الأعمال.
رد سليمان بعدما التفت له:
وهتروح.
نظر له مجيبًا بتفكير:
بفكر أروحه.
هتفت بنبرة حماسية:
وأنا هاجي معاك.
رد باستهزاء عليها:
مش رايحين حفلة لـ نيكلوديون.
عبست وتغيرت معالم ملامحها ولكنها هتفت بغيظ:
شوفت يا بابا مش راضي ياخدني معاه.
أجاب سليمان عليه:
خدها معاك يا حازم.
رد باعتراض نافيًا برأسه:
لا مش هتيجي معايا.
ردت بغيظ تستشيط من الغضب لعدم موافقته:
شوفت..
أكملت بعناد:
هروح يعني هروح.
ضحك مستهزئًا بها:
شوفي مين يوديكى.
ردت حنان لاستمالته:
خدها يا حازم.. حرام على طول قاعدة في البيت مبتخرجش.
رفعت له حاجبها باستمتاع وابتسامة ماكرة ولكن ارتسمت على وجهها ملامح الحزن المصطنع:
أيوه فعلاً حرام عليك يا زوما.
رد بتعجب من حالتها:
بقيت أنا الشرير دلوقتي.. خلاص أمري لله وهاخدك.
نهضت وهي تسقف بحماس. اتجهت وقبلت وجنتيه. حضنها بحنان شديد. أما هو ظل ينظر بفخر دائمًا رغم ما يفتعلونه من مشاكل مع بعضهم البعض ولكن دائمًا سيظلون مصدر فخر له.
يوم الحفلة
في المساء
كانت تضع أقراط الأذن. عدلت شعرها. جلست على الفراش ترتدي حذاء ذو كعب عالٍ. انتهت. التقطت حقيبتها واتجهت لخارج الغرفة. نزلت على الدرج. كان ينتظرها. صفر بإعجاب حيث أردف وعينيه بها لمعة:
إيه الجمال ده.
ابتسمت بخجل وتمتمت بفخر:
مرسي.. أقل حاجة عندي.
أتى والديها وهم يرونها. أردف والدها بحنان:
ربنا يحميكي يا بنتي زي القمر.
أردف محاولًا إغاظتها:
أنا بقول اطلعي ومفيش حفلة.
جرت حتى أمسكت ذراعه وهتفت ببراءة:
لا يلا يا زوما.. مفيش أي اعتراض أنا لبست.
أردف وهو يأمرها بتعليماته:
تمشي جمبي ومتتحركيش هناك عشان مقلبش الحفلة عليكي وأنت حلوة كده.
قبلت إحدى وجنتيه بابتسامة:
يا خراشي على القمر لما يغير.
رفع ذراعه حتى أحكم يديها. واتجه بها للخارج. ركبوا السيارة واتجه للحفلة.
في الشقة
كان يقف ينتظرها حتى تنتهي. خرجت أمامه وعلى وجهها ابتسامة هادئة خجولة. ثبت ناظريه عليها لم يقدر على إبعادها. صفر بإعجاب واضح ونظراتها تكاد تلتهما. هتف بتوهان من جمالها:
إيه ده.
نظرت للفستان ودارت حتى رفرفت حولها. تمتمت بفرحة:
إيه رأيك؟ حلوة.
هتف بعشق خالص وعينيه تفحص كل انش بها:
حلو. بس ده كريم كرمل. اقترب منها حتى قبل إحدى وجنتيها ببطء وهدوء. وأنفاسه تلفح وجهها:
يلا عشان ثواني كمان ونلغي الحفلة خالص.
هزت رأسها بخجل حتى ذهبت من أمامه وهي تفتح باب الشقة. أما هو نظر في أثرها وحك في مؤخرة رقبته وعلى وجهه ابتسامة محبة عاشقة حتى سار خلفها متجهين للحفل.
أما الفندق
وقفت سيارة حازم أمام الفندق. نزل أولاً و قام بتعديل حلته ثم اتجه ودار الناحية الأخرى. فتح الباب لها حتى نزلت وهي تمسك بذراعه. أخذ سائق السيارة واتجه بها مع باقي السيارات. دخل الاثنان في طلة فاخرة. ولما لا فهو حازم المنياوي الذي اكتسح السوق بجدارة. تجمع حوله الصحافة ومراسلين التلفاز. قام بالإجابة على بعض من أسئلتهم وصار باتجاه المنضدة الفارغة. كانت تقف بجانبه وهي تتطلع على جميع من في الحفل. السيدات والفساتين التي اختيرت بعناية. والرجال الذين يرتدون بدل رسمية فاخرة.
تحدث حازم بابتسامة وعينه تتطلع على من في الحفل:
إيه رأيك.
أجابت بابتسامة:
حلوة الحفلة.. تغيير بدل قعدة البيت.
على بعد منهم كان يزن يقف بجواره بعض من رجال الأعمال يتحدثون عن السوق وما حوله. نظر حازم لجميع من في الحفل حتى رأى وجه شبيه لأحد. حاول أن يتطلع أكثر له حتى لم يصدق. التفت حازم لرهف موجها حديثه لها:
ثانية.. هشوف حاجة وراجع.
أومات برأسها حتى اتجه ناحيته ورآه من قريب. لم يصدق ما رآه حتى هتف بعدم تصديق:
يزن.
التفت يزن بتعجب للخلف لمناداة أحد لاسمه حتى رسم على وجهه علامات الدهشة. رد بعدم تصديق:
حازم.
احتضن الاثنان بعضهم بحنان أخوي شديد حتى ابتعدوا عن بعضهم. التفت يزن لمن كان يقف معهم:
معلش هستأذن عن إذنكم.
احتضن بعضهم مرة أخرى باشتياق بالغ. ابتعد عنه تحدث حازم بفرحة عارمة:
رجعت إمتى من السفر.
أجاب بسعادة للقائه معه:
بقالى فترة طويلة.
رد حازم بنبرة معاتبة:
جيت من السفر ومتكلمنيش.. بعدين عمو عامل إيه.
أجاب يزن بنبرة عادية:
توفى من فترة.
أجاب بأسف حقيقي لفقدان شخص عزيز على قلبه:
البقاء لله.. ربنا يرحمه.. على كده فاتني كتير بقى.
رد عليه:
ونعم بالله.
أردف حديثه بابتسامة:
فين مالك.. ولا بعدت عنه هو كمان.
أجاب عليه بابتسامة مماثلة:
لا لسه بنتواصل.. هو جاي في الطريق.
أخذه من ذراعه متجهًا نحو رهف:
تعالى أعرفك على رهف أختي.
مشى الاثنان حتى وقف حازم أمام رهف وقدمها لها:
رهف أحب أعرفك على صديق عمري يزن الجبالي.. ودي يا سيدي رهف أختي الصغيرة فنانة العيلة.
تلاقت أعينهم للحظات صغيرة. رفع يده أما هي مدت يديها ووضعتها في يده وسلمت عليه بابتسامتها الساحرة:
كنت بسمع اسمك على طول في البيت.. أهلًا بيك.
ابتسم لها متحدثًا:
وأنا مكنتش متوقع أن حازم عنده أخت زي القمر كده.
ابتسمت بخجل له مجيبة:
مرسي ده من ذوقك.
في هذه الأثناء دخل مالك ومعه روضة. بحث بعينه على يزن كان يقف مع حازم ورهف ولكن لم يتعرف عليهم.
روضة باستغراب:
مين اللي واقف معاهم.
أجاب عليها باستغراب:
تلاقيه حد من رجال الأعمال.
ذهب الاثنان تجاه يزن حتى هتف مالك بصوت عالٍ:
يزن.
التفت ثلاثتهم هتف بعدم تصديق:
حازم.. فينك يا ابن اللذينة.
ترك مالك يديها واحتضنه بقوة أخوية وحنان بالغ. ابتعد عن بعضهم بعد برهة من الزمن. مالك بعدم تصديق:
اختفيت فين.
أجاب الآخر:
والله سؤال يتسأل بالعكس.. اختفيتوا أنتوا فين.
رد مالك بابتسامة:
زي ما اختفيت أحنا اختفينا.
أجاب حازم بمكر ناظرًا لروضة:
بعدين أنت بقيت تعرف بنات.. اتطورت بقى.
ضحك ثلاثتهم حتى أجاب مالك واضعًا يديه على كتفها وقربها وابتسم وهو يقدمها:
وأنت مش هتبطل دماغك دي.. أحب أعرفك حرمنا المصون روضة.
رد بابتسامة مادًا يديه لروضة:
مش قولتلك فاتني كتير.. أهلًا وسهلًا. معلش نعتذر على كلام مش لطيف ده.
مدت يديها وسلمت عليه بابتسامة:
لا عادي ولا يهمك.. أهلًا بيك.
أشار بيديه لرهف التي كانت تراقب حديثهم بابتسامة بسيطة مقدمًا لها:
رهف أختي.
سلم عليها مالك بينما حضنتها روضة مجيبة:
إزيك يا رهف.
أجابت بابتسامة بسيطة:
الحمد لله أنت عاملة إيه.
ردت عليها:
كويسة الحمد لله.
هتف حازم ليزن ومالك:
لازم نتقابل بره عشان نشوف الحاجات اللي وقعت مننا دي.
قضوا مع بعضهم البعض سهرة رائعة بين مزاح ثلاثتهم وبدلت روضة ورهف أرقامهم على اتفاق بالاتصال والمقابلة.
رواية انجذاب الروح الفصل الثالث 3 - بقلم زينب خالد
يجلس الثلاثة على منضدة تطل على البحر مباشرة.
بدأ حازم بالحديث قائلاً بسعادة:
"واخيرا اتجمعنا.. فكرتونى بأيام الشقاوة."
رد عليه يزن بمزاح:
"محسسنى أنك كبرت.. لا يا حبيبي لسه أيام الشقاوة مستمرة عندي."
تذكر مالك أيام الجامعة وتجمعاتهم. رغم اختلاف كلياتهم، لكن دائماً كان هناك تواصل ومقابلات. لا يمر أسبوع دون الجلوس مع بعضهم في أحد الكافيهات.
قال بابتسامة وحنين لذكراهم:
"ورجعنا تاني بعد ما الدنيا فرقتنا عن بعض."
أجاب حازم عليه:
"الدنيا تلاهي.. مهما اتمسكنا ببعضنا هييجي اليوم والدنيا تفرقنا وده قانون الحياة.. لكن رغم كدة الذكريات هي اللي بتهون علينا أي فراق."
أجاب يزن بانزعاج:
"لايق عليكم قوي جو الدراما.. الحياة ناخد وندي بشكل ودي."
ضحك الاثنان عليه. هتف حازم بمرح:
"هتفصل زي ما أنت مش هتتغير."
تذكر شيئاً ما، حيث وجه حديثه لحازم:
"متعرفش شركات للشحن.. لأن الشركة اللي بنتعامل معاها فصلت معاهم العقد وحصلت مشاكل."
أجاب عليه:
"يعني تدور على حد غريب وسايب القريب."
عقد حاجبيه بتعجب، بينما قال باستغراب:
"قريب إزاي؟"
أردف عليه بتوضيح:
"يعني بدل ما تدور على شركة بره، شركتي موجودة.. انتوا ناسين إن بابا عنده شركة للاستيراد والتصدير."
أجاب مالك بتساؤل:
"وانت شغال معاه؟"
نفى برأسه مجيباً قائلاً موضحاً:
"بابا مبقاش قد الشغل ومشاكله.. فمسكت الإدارة مكانه وبقيت أنا اللي بديرها."
أجاب يزن بنبرة هادئة:
"خلاص نتفق على معاد.. محامين يجهزوا العقود ونتفق على يوم للتوقيع.. أنت ريحتني بطريقة، موضوع عامل مشكلة كبيرة.. وفرتلي مجهود كبير."
ابتسم قائلاً:
"دايماً في الخدمة يا باشا."
قضى الثلاثة اليوم في تذكر الذي مضى وأيام الجامعة. ودائماً ما كانت الفتيات تلتف حولهم بسبب عيون يزن ومالك التي كانت تخطف الأنفاس، وحازم بسبب جسده الضخم المليء بالعضلات. كانت الفتيات تحجج بأي شيء للنظر لعين يزن الزرقاء، لكن مالك مهما طلبت الفتيات منه أي شيء لرؤيته، لكن دائماً كان قلبه هائماً بشخص آخر لا يرى سواه.
***
**شركة الاستيراد والتصدير**
كان يترأس الاجتماع، يمسك بقلمه. وضع توقيعه على الأوراق وأخذها الآخر ووقع أيضاً. انتهوا من الأوراق والتوقيع اللازم. نهض المحامون ولم يتبق إلا الثلاثة.
أردف حازم بابتسامة:
"مبروك يا شباب."
تمم مالك بمزاح:
"مكنتش أتخيل إنك تكبر وتمسك شركة كبيرة."
رفع حاجبه باستنكار:
"ليه شايفني عيل صغير ولا إيه؟"
أجاب باستفزاز له:
"لا عيل في كي جي ون."
أردف الآخر بهدوء:
"بطلوا خناق زي العيال الصغيرة."
سأله حازم قائلاً:
"هتروح فين؟"
رفع كتفيه ثم أردف:
"يعني هروح فين.. هروح على البيت.. أجهز أكل أو أطلب دليفري.. وأدرس ملفات في المستشفى وأنام."
رجع جسده للخلف بينما قال بتساؤل:
"هتفضل كده كتير.. مش نفرح بيك ونجوزك؟"
أجاب عليه بقله حيلة متعباً من كثرة الحديث في هذا الموضوع:
"قوله عشان أنا تعبت معاه.. هيفضل قاعد لوحده لحد امتى."
تأفف يزن بنفاذ صبر مجيباً:
"خلصت من زنته.. عشان يجيلي زنك."
قال حازم:
"بنتكلم بجد.. أنت لحد دلوقتي ولا ارتبطت.. ولا اتعرفت على بنات حتى.. يعني الحاجات اللي بتتعمل معملتهاش."
أجابه بملاعبة:
"ومعملتش انت كمان ليه؟"
رفع حاجبه قائلاً:
"بتقلب عليا ترابيزة يعني.. أنا غيرك وأختلف عنك.. أنا في أختي وبابا وماما.. يعني مش قاعد لوحدي عكسك.. بعدين لسه مجاش النصيب."
أنهى هذا الحديث الذي يمقت منه متحدثاً:
"اديك قولت لسه مجاش.. لما يجي نبقى نشوف."
نهض حيث أقفل زرار بدلته. أخذ معه الهاتف بينما تحدث:
"همشي.. سلام."
خرج يزن وأقفل الباب خلفه. زفر مالك بضيق:
"مش عارف هيفضل كده لإمتى."
أجاب عليه:
"سيبه متضغطش عليه."
رد عليه:
"أنا عايز مصلحته."
أردف موضحاً:
"وهو كبير مش صغير.. وعارف مصلحته فين."
نهض مالك بجسده قائلاً:
"وأنا كمان أروح عشان اتغدى في البيت.. سلام يا زوما."
أجاب حازم بابتسامة:
"سلام."
خرج الآخر، أما هو ظل شارداً في نقطة وهمية حتى نهض هو الآخر وصار خارج الشركة.
***
**في الشقة**
فتح الباب ودخل بعد قفله. وضع المفاتيح على المنضدة الصغيرة. صعد على الدرج حتى وصل أمام غرفته.
**في الغرفة**
خلع الجاكت ورماه على الفراش، يليه القميص حتى ظل عاري الجذع. دخل غرفة الملابس واتجه ناحية الحمام ليزيل همومه وإرهاقه.
بعد مدة، خرج مرتدياً بنطال قطني خفيف. وقف أمام المرآة حتى أمسك الفرشاة ومشط شعره للخلف بعدما جففه من المياه.
خرج من الغرفة.
نزل من الدرج اتجه ناحية السماعات وأشغلها على موسيقاه المفضل. صار للمطبخ المفتوح على الصالة. وقف ليحضر طعاماً له. كان يقطع الخضراوات بسرعة ودقة. كان يذهب هنا وهناك حتى انتهى من إعداده. وبدأ في الطعام.
خرج من المطبخ ومعه كوب من النسكافيه الساخن. جلس على الأريكة وبدأ في مراجعة الملفات.
***
**يوم جديد بأحداث جديدة**
**في القصر.. على السفرة**
كان الجميع يتناول فطاره حتى أردفت بعدما ارتشفَت من العصير:
"اعزم يزن ييجي يتغدى معانا.. بقالي كتير مشوفناهوش.. كلمة ييجي وحشني."
أومأ برأسه قائلاً:
"حاضر هكلمه وأنا في العربية."
التفت لها متمماً بابتسامة:
"خلصتي؟"
هزت رأسها بإيجاب. نهضت ومعها حقيبتها قالت:
"سلام."
تحدثت بابتسامة:
"مع السلامة يا حبيبتي."
خرج الاثنان، ركبا السيارة. أوصلها للجاليري وذهب متجهًا لشركته.
***
**في الشركة**
كان يسير بينما الجميع يحييه باحترام. ركب المصعد وصل لطابقه. خرج منه وهو يسير بخطوات هادئة واثقة. فتح الباب وخلفه السكرتيرة. خلع جاكته وعلقه وجلس على المقعد. وضعت أمامه بعض الأوراق. وقفت أمامه ومعها الحاسوب. أردف بصوت رخيم:
"جدول أعمال."
تممت باحترام وصوت هادئ:
"حضرتك ده ورق المناقصة الجديدة.. وفي اجتماع بعد ساعتين مع الموظفين عشان المناقصة.. وفي اجتماع بعده بساعتين لتوقيع العقد مع الشركة اللي هتتعامل معانا."
أجاب بجدية:
"ماشي.. تقدري تمشي."
خرجت بعدما أغلقت الباب. أمسك هاتفه بحث عنه حتى وضعه على أذنه.
***
**في المستشفى.. في المكتب**
كان هاتفه يرن. فتح الباب بعدما مر على جميع مرضاه واطمأن عليهم وعلى سير المستشفى وأدائها. كان مازال يرن. صار حتى أخذه من على المكتب. وضعه على أذنه هاتفا بابتسامة:
"إيه مكالمة اللي على الصبح دي.. لو خطيبتك مش هتتصل دلوقتي."
ضحك بصوت عالٍ على الناحية الأخرى واردف:
"وانت تطول تكون مرتبط بيا."
هتف باستنكار مقلداً لسيدة كبيرة ساخطة:
"على أي يا خويا.. واخده الأمل يعني."
ضحك بشدة على تقليده. قال بعدما هدأ:
"متشكرين يا رئيس.. بعدين عزمتك النهاردة على الغداء."
ابتسم يزن قائلاً:
"ليه دابحين على شرفي."
حازم مجيباً:
"ظريف أوي.. لا يا سيدي الهانم والباشا طالبين يشوفوك النهاردة."
أجاب بصدق:
"تصدق وحشوني.. خلاص هخلص وأعدي عليكم."
أجاب عليه:
"ماشي.. متتأخرش.. ويلا كفاية عليك كده.. سلام."
قال يزن:
"سلام."
أنهى معه المكالمة. فتح الباب بقوة كاد أن يلتفت ليرى من القادر على فعل هذا. حتى هتفت بصوت متقطع وأنفاس متسارعة دليل على ركضها الطويل. قالت:
"الحقنا يا دكتور.. في شاب عمل حادثة كبيرة قوي ومحتاجينك في العمليات."
هتف سريعاً:
"طيب روحي.. وأنا جاي بسرعة."
ترك هاتفه وجرى سريعاً ناحية العمليات لتلبية نداءهم.
***
**عند الرابعة مساء**
وقفت سيارة في داخل القصر. نزل منها ومعه باقة كبيرة من الورود الزاهية ذات الرائحة المنعشة. وضع يده على الجرس حتى علا صوته في الأرجاء. تقدمت الخادمة حتى فتحت الباب. هتفت الخادمة باحترام:
"مين حضرتك؟"
تحدث بابتسامة لبقة وهدوء:
"يزن الجبالي."
أفسحت له المجال للدخول محدثة:
"اتفضل."
دخل يمسك بالبوكيه. أخذته منه الخادمة في نفس الوقت. كانت رهف تنزل على الدرج قابلته بابتسامة ساحرة. نزلت حتى وقفت أمامه ماددة يديها له:
"إزيك؟"
رفع يديه ووضعها في راحتها:
"الحمد لله.. أنت عاملة إيه؟"
أجاب بابتسامة بسيطة:
"الحمد لله."
سحبت يديها قائلة:
"تعالى.. ماما مستنياك على نار."
ابتسم بخفة حتى صار الاثنان للصالون، حيث وجد أن الجميع جالس.
وقفت وعلى وجهها ابتسامة متسعة. أمسك يديها وقبلها برقة شديدة متحدثاً:
"أنا قولتلك نتجوز.. وسيبك منه."
احتضنها بحنان بالغ. دائماً ما كانت تعامله كما تعامل حازم وأكثر. قالت باشتياق:
"وحشتيني قوي.. كل دي غيبة علينا."
تنهد تنهيدة طويلة قائلاً بابتسامة:
"حصل كتير قوي."
هتف بغيرة:
"هتفضل كتير في حضنها.. مش بتوزع أحضان."
خرج من حضنها ضاحكاً بشدة. وضع يديه على ذراعها يضمها له:
"أنا وهي أحرار.. بعدين دي خطيبتي."
أمسك الخدية التي بجانبه. وحدفها حتى أطاحتها. ضحك الجميع على غيرته. حتى ذهب واحتضنه رغم مناغشتهم الكثيرة، ولكن يعزه كوالده تماماً. دائماً ما يفتقدهم ويفقد حنانهم.
قال حازم متأثراً:
"أنا بقيت شاكك فيك.. شوية تحضن في ماما وشوية في بابا.. أنت مش مظبوط."
ضحكت رهف بشدة. ابتعد عنه حتى ضم قبضته:
"تحب أوريك مش مظبوط إزاي."
ابتعد بخوف مصطنع:
"وعلى أي.. الطيب أحسن."
جلس الجميع. هتفت بحنان:
"كل دي غيبة علينا."
أرجع شعره للخلف متمماً بلباقة:
"حصل معايا كتير وكل الأحداث جت وراء بعضها.. بعد ما جاتلي المنحة وسافرت برة.. عملت ماجستير ودكتوراه واشتغلت في مستشفى في لندن.. وحمد لله كان اسمي معروف.. وكنت من الدكاترة المشهورة فيها.. بس قررت إني مأسيبش بابا أكتر من كده.. وأنزل وكفاية قعدته لوحده.. قدمت استقالتي.. نزلت هنا وفتحت مستشفى خاصة بيا.. لكن بعديها بسنة.. بابا اتوفى.. وكان مالك الوحيد اللي جنبي.. لحد لما وقفت تاني على رجلي.. مسكت الشركة الأدوية ومالك أصلاً كان شغال مع بابا.. وبقيت يومي مقسم نص في المستشفى ونص في الشركة.. ولو ساعات مروحتش مالك بيسد مكاني.. حاولت أدور على حازم بس من مشاكل ومشاغل الدنيا اتوشوشت."
ربت على ظهره بحنان. بينما أمسكت بيدها الأخرى يده. تمتمت بحنان بالغ:
"أنت ابني زي حازم وأكتر.. في أي وقت إحنا موجودين."
ابتسم لحنانها قائلاً:
"عارف."
كانت رهف متأثرة بما سمعت منه حتى تجمعت الدموع في عينيها. التفت حازم حتى رآها. شهق باصطناع:
"منك لله خليت البنت تعيط."
نظر الجميع لها حتى مسحت الدموع المتجمعة بكف يديها وحاولت رسم ابتسامة مجيبة:
"لا مفيش.. اتأثرت بس."
نظر له نظرة وهي تزيل دموعها نظرة غير مألوفة. بينما أردف حازم:
"دي بتتأثر بسرعة."
هتف بدراما:
"يا ختااااااي دي مبدللاني."
ضربته على ذراعه بقبضتها بشدة. ولكن لم تؤثر فيه. هتفت بغيظ:
"محدش طلب رأيك. بعدين دي حاجة طارت في عيني."
هز رأسه مجيباً:
"أيوه صح.. أنا عارف."
هتف بعتاب لهم:
"خلاص بقى يا ولاد."
أتت خادمة هتف باحترام:
"الغداء جاهز يا فندم."
أجاب سليمان بعدما نهض:
"طب يلا."
**على السفرة**
جلس على مقدمة السفرة على يمينه زوجته وابنته وعلى يساره حازم ويزن. وشرعوا في تناول الطعام. قضى اليوم معهم كاملاً بين مزاح الثلاثة. بعض الذكريات عن الماضي. وارتاحت رهف ليزن وظلت تمازحه حتى نهض يزن ورحل. وصعد كل واحد منهم لغرفته.
***
**يوم الجمعة**
كان نائماً على بطنه وشعره المتناثر على وجهه. فتح عينيه وأغمضها مرة أخرى. دقائق حتى مد يديه وهو يعبث عن هاتفه على الكومدينو. عثر عليه وأخذه. نظر على الساعة ووضعه مرة أخرى. تقلب على ظهره. نهض وسند على ظهر الفراش. ظل مغمض عينيه بعض الوقت حتى نهض من الفراش واتجه ناحية الحمام. خرج من الحمام بعدما ارتدى تي شيرت أبيض وبنطال أسود. بدأ صوت الشيخ يعلو وهو يخطب صلاة الجمعة. خرج من غرفته. أخذ مفاتيحه وخرج ليلحق الخطبة.
**بعد صلاة الجمعة.. في الشقة**
فتح الباب بمفاتيحه. سمع صوت هاتفه وهو يرن. صار حتى أخذه ووجد مالك من يتصل به. وضع الهاتف على أذنه بعدما فتحه.
قال مالك:
"صباح الخير."
أجاب عليه:
"صباح النور."
أجاب بتساؤل:
"إيه يابني عمال أرن عليك."
تحدث بتوضيح:
"لسه راجع من الصلاة.. وكنت سايبه في البيت."
اقترح عليه فكرة حيث تحدث:
"فكرت نغير جو.. نروح النادي شوية."
أردف موافقاً:
"مفيش مشكلة."
أجاب مالك:
"طب خلاص هنفطر وننزل."
أجاب ينهي الحديث:
"ماشي.. أشوفك هناك."
أغلق الاثنان واتجه يزن للمطبخ لتحضير الفطور.
***
**عند مالك**
كانت تضع روضة أطباق الفطور على السفرة. بينما وضع الهاتف على الأريكة. اتجه للسفرة حتى جلس على مقعد. انتهت من وضع الطعام وجلست. بدأ مالك في تناول الطعام.
تحدث بعدما مضغ أول لقمة:
"اتصلت بـ يزن اتفقت نروح النادي نغير جو."
ابتسمت بسعادة متحدثة:
"فكرة حلوة.. كان نفسي أخرج.. بدل قعدة البيت لوحدي."
ابتسم لها مالك بحنان مجيباً:
"حسيت إنك نفسك تخرجي.. فقلت نغير جو.. أهم حاجة راحتك عندي."
تمتمت بابتسامة:
"ربنا يخليك ليا."
أجاب عليها بحب:
"ويديمك ليا."
***
**عند الساعة الثانية ظهراً**
أوصل يزن بسيارته أمام باب النادي. بينما الناس تسير داخل النادي وخارجه. أقفل السيارة إلكترونياً. أخرج هاتفه ورن على مالك. بعد دقائق حتى رد عليه. تحدث:
"أنت فين؟"
رد مركزاً على السيارة وحركة السير قائلاً:
"خلاص خمس دقائق وآجي عليك."
**بعد خمس دقائق**
وقفت السيارة أمام يزن. نزلت منها روضة حتى تحرك للامام. استقبلها بابتسامة معهودة. تحدث:
"صباح الخير على ملكة جمال مصر."
ضحكت بخفة وردت:
"صباح النور."
وضع يديه في جيوبه مجيباً:
"مبسوطة عشان خرجتي طبعاً."
أجابت والسعادة تفط من عينيها:
"أكيد طبعاً.. قعدة البيت مملة."
أتى مالك في هذه اللحظة. حضنوا الاثنان بعضهم. هتف يزن:
"يلا عشان ندخل."
دخل الثلاثة إلى النادي يمزحون بين بعضهم. بينما الفتيات كانت مشغولة للنظر لهم. خاصة يزن بطوله الفارغ وعضلات يديه وصدره القوي. أما عينيه، كانت الفتيات تكاد تقلب عينيهم لقلوب بسبب توهج زرقتها في الشمس. جلسوا في مكانهم المعتاد. أخرجت روضة من حقيبة يديها سماعة الأذن. ثم وقفت قائلة:
"هروح أتمشى شوية."
أجاب عليها:
"لسه داخلين شوية.. ونتمشى أنا وإنتي."
هزت رأسها نافية مجيبة:
"لا خليك.. عايزة أتمشى لوحدي في الشمس."
تحدث بنفاذ صبر:
"أنا قولت كلمة.. خليكي."
رد الآخر مهدئاً للجو المشحون:
"ما تسبها براحتها.. روحي أنت وخذي بالك من نفسك."
مشت سريعاً قبل أن يعترض مرة أخرى. أجاب بمرح بعدما ذهبت من أمامهم:
"سيبها براحتها.. تحس إنك كنت حابسها في سجن.. أكيد بتعذبها."
أجاب:
"لا أنا مش شرير كده."
ابتسم الاثنان حتى همت الفتيات من حولهم بشدة. تحدث بينما ينظر للفتيات التي لم تزيل أعينهم من عليهم:
"يا بني نقيلك واحدة كويسة.. بدل قعدتك لوحدك."
تحدث نافياً رأسه معترضاً:
"لا أنا كده كويس.. بعدين دول بنات فافي خالص أهم حاجة فسحات ونوادي وبنك مركزي."
ضحك مالك عليه وقال:
"مش هتبطل أبداً.. يابني عايز أخلص منك."
يزن بانزعاج:
"مش لازم دلوقتي جو بتاع مامي.. خليك في حالك بس."
على بعد منهم كان يقف شابان يراقبان روضة منذ دخولها. هتف وعيونه تلمع برغبة شديدة بمصاحبتها. رد صاحبه وهم يراقبونها. حتى نهضت وصارت لتتمشى قليلاً. تحدث بابتسامة راغبة:
"إيه الشمس اللي هلت علينا مرة واحدة."
رد عليه وعينيه مازالت تفحصها:
"جمال إيه بس.. دي فرسة."
تحدث الآخر:
"أنت شفتها هنا قبل كده.. أصل أول مرة أشوفها قمر ماشي."
تحدث صديقه:
"آه.. ساعات كده كل فترة بتيجي مع واحد من اللي هناك أو الاتنين بيجوا معاه."
تحدث الآخر وعينه تتطلع عليها برغبة:
"طب إيه مش نرحب ونعمل الواجب."
تحدث بابتسامة ماكرة متسعة:
"أكيد طبعاً."
ضحك الآخر مجيباً:
"عارفك كريم أوي في الحاجات دي."
ضحك الاثنان وظل يبحثون عنها حتى وجدوها تسير وحيدة وفي يديها هاتفها. تضع سماعة الأذن تستمع لأحد الأغاني. كانت تسير وعيونها بها لمعة فرحة وخروجها اليوم من المنزل بعدما تضايقت من كثرة الجلوس بمفردها كثيراً. رغم أن مالك يحاول أن يعوض غيابه طوال اليوم وتحب ذلك كثيراً، ولكن الملل الذي تشعر به يلازمها بعض الوقت. كم تتمنى أن يرزقها بطفل يملأ عليها حياتها ويسد فراغ يومها. وثانياً أن تسعد مالك بأن يصبح أب وهي تعرف كثير المعرفة، أنه سيكون من أفضل الآباء. لكن تعرف أنها إرادة الله عز وجل. وعندما سيحين الوقت سترزق بالطفل الذي تتمناه كثيراً.
ظلت تسير بعض الوقت مستمتعة بجمال الشمس وأشعتها المنيرة ونسائم الهواء الهادئة التي تجعل بعض من خصلاتها تتحرك نتيجة الهواء. لم تنتبه للشابين الذين يلاحقانها منذ أن نهض.
الشاب الآخر قائلاً بمكر:
"مش إيه يلات."
تحدث بتفاخر لذاته:
"عيب عليك.. مش هتاخد في إيدي غلوة."
الشاب الآخر أجاب بابتسامة قذرة:
"أنت هتقول لي ده.. أنت بنات بتترمى تحت رجليك."
اقترب الشابان منها حتى وقفا أمامها يقطعان سير طريقها. تحدث بابتسامة لزجة:
"أول مرة أعرف إن القمر بيطلع الصبح."
أقفلت الأغاني وتحدثت بغرابة مستنكرة بالذي يقف أمامها. أجابت:
"أفندم."
الشاب بابتسامة ماكرة:
"لقيت القمر ماشي لوحده.. فقلت أونسك."
تحدثت باقتضاب تتجنبهم مبتعدة:
"عن إذنك."
اعترض طريقها في محاولة مسك يديها متحدثاً:
"انت مالك قافشة كده ليه.. خليكي ريلكس كده.. هنتعرف بس."
سحبت يديها وتحدثت بغضب:
"انت إزاي تمد ايدك عليا.. إيه قلة الأدب دي."
سحب يديه قائلاً بمكر:
"مقبولة منك يا قمر."
اقترب منها مرة أخرى محدثاً بابتسامة ماكرة:
"تعالى نشرب حاجة فريش.. تهدى أعصابك كده."
تعالى صوتها متحدثة بانفعال شديد:
"انت قليل الأدب.. ابعد عني أحسنلك."
حاولت أن تذهب من أمامهم ولكن كان يعترض طريقها ويمسك ذراعها بقوة.
كان مالك ويزن يتحدثان ببعض الأمور. حتى سمع صوت روضة وصوتها بدأ يتعالى. في محاولة الاستغاثة بأحدهم. نظر للخلف قليلاً حتى رآها من على بعد وهناك شابان يعترض طريقها. غلت الدماء في عروقه من مشاهدة المنظر حتى نهض بعنف خلفه يزن متجه ناحيتهم يسير بخطوات غاضبة. حاولت سحب يديها لكن لم تعرف. وضع يديه على كتف الشاب. التفت له وتحدث بغرابة من وجوده:
"محتاج حاجة."
تحدث بابتسامة تحمل في طياتها الكثير:
"محتاج كتير."
سحب روضة من يديه وضم قبضته ولكمه على صدغه بقوة شديدة. حتى سقط على الأرض. رأى صديقه وهو يقع حتى ركع يطمئن. أمسكها وتفحصها بعناية وخوف. أما هي فعينيها ترقرت الدموع بها. وجسدها ينتفض من الخوف الشديد. تحدث بغضب شديد ورعب من حالتها:
"عملك حاجة."
تحدث وبدأ جسدها بالانتفاض أكثر:
"حاول يمسك إيدي عشان أمشي معاه."
غضب يزن من مجرد مسك الشاب ليديها ومضايقتها. أما مالك فا كان فكه يهتز من الغضب وعروق يديه بدأت في الظهور. تحدث بصوت ملئ بالغضب:
"خليك معاها."
التفت له بعدما نهض الشاب يمسح الدماء من شفتيه وتحدث مشتعلاً من الغضب:
"انت عارف أنت عملت إيه ولمين."
ابتسم ابتسامة غير مطمئنة بالمرة:
"لا مش عارف.. وحابب أعرف."
ضم قبضته وظل يضرب بوجهه ودماءه تفور بمجرد أنه تخيل مسكه لذراع محبوبته. جاء الشاب الآخر محاولاً بضربه ولكن انتبه مالك وظل يبرحهم ضرباً حتى امتلأ وجههم بالدماء. وتجمع الناس من حولهم حتى أتى صاحب النادي وبعض الأمن حتى فصلوهم عنه. أما هي كان يزن يحاول أن يهدئها. ابتعد عنهم أخيراً بعد معاناة. واتجه لها وضمها لصدره محاولاً التحكم بغضبه وغيرته الشديدة عليها. تفحص رئيس النادي منظرهم حتى صدم وهتف بغضب:
"إيه اللي حصل ده.. إحنا في نادي محترم مش في الشارع.. أنتوا عارفين دول ولاد مين."
تقدم يزن منه وابتسامة غير مطمئنة بالمرة:
"وإنت عارف أنا أبقى مين."
تحدث الآخر بغضب:
"أكيد واحد جاي يفرد عضلاته."
كان مالك يحاول تهدئة روضة ويبث لها بعض الكلمات المطمئنة. بينما يزن فا كان يقف ضاماً قبضته حتى سحب الدماء منها وأبيضت مفاصله. ولكن هتف ببرود منافٍ للبركان الهائج في داخله:
"آه أنا فعلاً جاي أفرد عضلاتي."
ضربه بقبضته على عينه ووقع على الأرض. نزل لمستواه هاتفا بجانب أذنه بنبرة تحمل كثير من التهديد:
"دي عشان تفكرك أنا مين.. أنا اللي جاي أفرض عضلاته.. يزن الجبالي.. وخليك فاكره."
نهض وتغيرت ملامحه في ثوان وارتسمت على وجهه ابتسامة بريئة كأنه لم يلكم أحد. تقدم منهم كان مالك مازال يحاول تهدئتها. هتف بابتسامة مشرقة بمزاح:
"ملكة الجمال لسه زعلانة.. بعدين ده الواد خرشمهم كلهم.. وأنت لسه بتعيطي.. ده أنت تزغرطي.. بقينا بلطجية وهنترمى في الشارع ويفصلونا من النادي.. وأنا بحب النادي ده.. فيه شوية صواريخ يجننوا."
كانت تبكي ولكن عندما استمعت لحديثه ضحكت في وسط بكائها. هتف بمزاح:
"أيوه يا ستي كده.. ده الوالد لو شوفتيه وهو بيغلي لو حطيت شاي كان هيطلع بخار بسرعة."
ضحكت بصوت عالٍ. بينما مالك تنفس بعمق أن محبوبته بخير. لكن سيعاقبها على ما اقترفته معه ولكن لاحقاً عندما ينقفل عليهما باب واحد. وضع يزن يديه على كتفه وسحبه معه مردفاً:
"يلا عشان جعان جداً جداً.. وهاجي على نفسي وأعزمكم."
نظر ليديه الموضوعة على كتفه وتحدث بضيق:
"لا كتر خيرك.. جاي على نفسك أوي."
تحدث يزن باستنكار منه:
"تصدق أنا غلطان.. طب أمشي أطلع برة.. وأنا هعزم ملكة جمال وناكل أنا وهي وننبسط."
ضحكت عليهم وعلى مشاغبتهم. قضوا اليوم في سعادة شديدة. رغم ما حدث معها ولكن يزن أخرجها من قلقها وحزنها بمرحه وخفة ظله.
**أمام النادي**
كان يزن يقف بجانب مالك بعدما صعدت السيارة. تحدث بصوت خافت يسمع فقط لكلامها:
"بلاش لما تروح تغلس عليها عشان عارفك."
تحدث باقتضاب:
"ربنا يسهل."
أجاب لتهدئته لأنه يعرف لم يمر هذا الحدث مرور الكرام:
"هيسهلها عارفين.. لكن أنا عارفك أكتر.. هتروح وتنكد عليها.. وبلاش تنكد وتقفل اليوم."
مالك باقتضاب:
"يلا عشان عايز أروح."
مسح وجهه بيده ثم أجاب:
"أنا عارف بس خف عليها شوية."
لم يستمع منه الرد بل صعد سيارته كأنه لم يتحدث ودار المقود وقاد بسرعة.
***
**في المنزل**
دخل الاثنان. كانت الابتسامة مرتسمة على ملامحها فرحة بما قضته اليوم. بينما مالك لم يتحدث. جلس على الأريكة. بينما دخلت لغرفة تبدل ملابسها. دقائق وخرجت. نهض من الأريكة. ودخل الغرفة. كل هذا ولم يتحدث بكلمة. جلس الاثنان على الأريكة. تحدث روضة بسعادة:
"اليوم كان حلو قوي.. بقالي كتير متبسطتش كده."
لم يدر وجه ولم ينطق. تحدثت بغرابة من حالته منذ مجيئهم:
"مالك من ساعة لما دخلنا.. متكلمتش وبكلمك مش بترد علي."
لم يعرها أي اهتمام إطلاقاً. تقدمت منه. ومدت يديه ودارت وجه لها. أزاح يديها من على وجه. ونهض. نهضت هي الأخرى وتحدث بضيق:
"على فكرة بكلمك."
أدار جسده ثم نهض متجه لغرفته. نهضت هي الأخرى اعترضت طريقه وتحدثت بغضب طفيف:
"كلمني زي ما بكلمك."
تحدث باقتضاب:
"وأنا مش عايز أتكلم.. واوعي عشان تعبان ومحتاج أنام."
نفخت بضيق وأجابت بنفاذ صبر:
"لا مش هتنام غير لما أفهم في إيه."
أجاب ببرود:
"وأنا مش هقول.. واوعي كده."
أزاحها من أمامه بيديه اتجهت له ومسكته من ذراعه:
"لا مش هتنام."
نفخ بضيق بينما أزاح يديها مجدداً قائلاً بغضب:
"طب تمام.. اوعي بقى من وشي.. عشان مش حابب أقعد معاكي.. فيا تدخلي.. يا أدخل أنا."
أردفت بصوت عالٍ نسبياً:
"عايزة أفهم في إيه.. اليوم كان حلو ومحصلش حاجة."
مسح وجه بيده وتحدث بنفاذ صبر:
"فعلاً مفهوش حاجة.. فاوعي من قدامي."
ربعت يديها على صدرها:
"لا مش همشي غير لما أعرف."
فكرت قليلاً وتحدث بغرابة:
"أنت مضايق من اللي حصل الصبح.. محصلش حاجة تستاهل كل ده."
هز رأسه بضيق متعللاً:
"فعلاً محصلش حاجة.. مسك إيدك بس."
أجابت بغرابة:
"على فكرة موضوع خلص وخلاص."
علا صوته عليها وتحدث بعصبية شديدة:
"لو هو خلص.. يبقى بنسبالك.. مش بنسبالي.. عشان تبقي تسمعي كلام تاني.. وتقومي تتمشي لوحدك."
رددت بعصبية مماثلة:
"وأنا أعرف منين.. إن هيحصل كل ده."
أجاب بعصبية وغيره شديدة تكاد تنهش قلبه كلما يتذكر:
"أنا عفاريت الدنيا بتنطط قدامي.. ولو ممشيتيش من قدامي مش هتعرفي إيه اللي هيحصل.. كفاية كل لما افتكر إنه مسك إيدك.. دي لوحدها بتخلي دمي يفور.. يعني إيه يمسك إيدك.. ولا شكلك وأنا بموت عليكي وأنت بتعيطي ومش عارف أعمل إيه ومتلخبط.. الحيوان اتجرأ وعملها.. أكمل بصوت عالٍ كان صداه يصدى في أركان المنزل.. عشان تبطلي متسمعيش كلام.. لما أقولك اقعدي.. وشوية وهنتمشى.. لا عايزة أمشي لوحدي.. وأنا أقولك طب استني شوية.. وقومي لسه جايين.. وأنت برضه مصممة.. عشان أنا عارف الأشكال الزبالة اللي موجودين في النادي.. ودي كانت نتيجة.. وجاية تقولي بعد كل ده كأن مفيش حاجة حصلت.. أنت مش ناسيه منظرك وأنت بتعيطي.. ولا جسمك وهو بيترعش.. ولا نسيتى بسرعة."
تقدم سريعاً وأخذ هاتفه ومفاتيحه وتحدث بانفعال وعروقه رقبته مشدودة:
"أنا همشي عشان ما اعملش حاجة أندم عليها."
فتح الباب وأغلقه بعنف أدى إلى رجفة الباب بشدة. أما هي جلست على الأريكة وبدأ الدموع في النزول كشلال. لم تعرف كيف توقفها وشعورها بارتكاب ذنب كبير لم تكن تقصد أن تفعله وتأنب نفسها على عدم الانصياع له ولاوامره ولكن قد فات الأوان.
رواية انجذاب الروح الفصل الرابع 4 - بقلم زينب خالد
بعد أذان الفجر، فتح الباب وسار بخطوات بطيئة مرهقة، وضع مفاتيحه على المنضدة. كاد أن يدخل لغرفته، لكن رأى جسدها الموضوع على الأريكة. ذهب نحوها، كانت تضع رأسها على ظهر الأريكة ضامة قدميها، بينما لفت ذراعيها عليهما.
وقف أمامها، نزل على أحد ركبتيه ليكون بمستواها. كان شعرها يخفي معظم وجهها. مد أنامله بهدوء وبطء، وأزاح بعض خصلات شعرها، ثم وضعها على جانب وجهها. رأى آثار دموعها وأهدابها المبتلة، مما يدل على أنها لم تنم إلا من وقت ليس ببعيد. تنهد بثقل متأملاً وجهها بعشق جارف، وعيونه تمسح على وجهها بعناية.
لو كانت استمعت لأوامره، لم يحصل كل هذا، ولكنها لا تنصاع لأوامره بسهولة. نهض، حتى مد أحد يديه، واحدة تحت ركبتيها والأخرى خلف ظهرها، حتى حملها بين يديه يضمها لصدره بحنان. أما هي، فوجهت وجهها تخفيه بين ثنايا عنقه. اتجه بها ناحية غرفتهم.
في الغرفة، وضع أحد ركبتيه على الفراش، ثم وضعها على الفراش بحرص شديد. ابتعد عنها ببطء واتجه ناحية الخزانة، أخذ بنطالاً خفيفاً، ثم سار ناحية المرحاض لأخذ حمام، لعلّه يريحه مما يشعر به. خرج من المرحاض واتجه ناحية الفراش، نام عليه. سحبها بهدوء ووضعها داخل حضنه، وضع رأسها على صدره، وسريعاً ما تعمق في النوم.
***
بعد أربعة أيام.
في مكتب حازم.
طُرقت السكرتيرة الباب، أذن لها حتى دخلت. وقفت أمامه هاتفة بعملية: "الوفد يا فندم هينزل شرم، حاجز فندق هناك وطلب إن الاجتماع يكون هناك."
رفع حازم ناظره من على الأوراق، ثم نظر لها بتركيز وفكر قليلاً، هاتفا بجدية: "والمقابلة إمتى؟"
هتفت بعدما نظرت في الحاسوب: "بعد يومين."
رد حازم بجدية: "تمام، جهزي كل حاجة وهاتي ورق الصفقة... واحجزي أربع سويت في الفندق اللي هينزلوا فيه."
تمتمت بعدما سجلت أوامره: "حضرتك تؤمر بحاجة تاني؟"
هتف حازم: "لا، تقدري تتفضلي."
خرجت بعدما أقفلت الباب خلفها. سحب هاتفه، وضعط على الشاشة حتى وضعه على أذنه منتظراً الرد.
***
في شركة الأدوية.
كان يتفحص الأوراق التي أمامه التي تخص مواد الأدوية وتركيبتها. أخرجه من تركيزه رنين الهاتف، رفع وجهه من الأوراق ونظر للهاتف ورأى اسمه. أخذ الهاتف ورد بابتسامة مشرقة: "السلام عليكم... زوما، فينك مختفي بقالك يومين؟"
رد حازم بابتسامة مماثلة: "لو كنت مهتم، كنت رنيت."
ضحك يزن مردفاً: "إيه يابني جو بنات ده؟ عامل إيه وأخبارك؟"
رد حازم: "حمد الله.. أنت عامل إيه في مرمطة الشغل؟"
أردف يزن: "حمد الله ماشية.. بعيداً عن إني مطحون بين المستشفى والشركة."
تحدث حازم بينما ينظر أمامه: "عشان كده هريحك شوية.. حجّزت لينا في شرم أنا وأنت ورهف ومالك ومراته."
تحدث يزن بمرح: "هوبااا... أنت ورثت من ورايا باين عليك مشريش ومش عارف تبزق فلوسك فين؟"
أجابه حازم بمرح مماثل: "عيب عليك يا بني.. إحنا جامدين.. مهم عندي شغلي بعد يومين، قولت نغير جو هناك بعيداً عن الشغل."
أكمل يزن حديثه مؤكداً: "فعلاً الواحد عايز يبعد شوية عن ضغط الشغل... ماشي، هقول لمالك ونتفق.. يلا سلام."
تمم حازم حديثه قائلاً: "سلام."
أقفل يزن الهاتف ووضعه بجانبه مرة أخرى. دخل مالك بملامح وجهه المتجهمة، جلس على المقعد المقابل له وأراح جسده للخلف. نظر له يزن حتى هتف مشفقاً عليه: "يابني حرام عليك اللي بتعمله ده... هي ملهاش ذنب."
أغمض مالك عينيه وتحدث بجمود: "لا ليها، لو سمعت كلام مكنش حصل كل ده... متتخيليش حسيت بإيه بمجرد بس إنه مسك إيديها... لولا إن الناس شلتني عنه... كان زمانه في خبر كان."
مسح يزن على وجهه وزفر بهدوء حزيناً على حالته: "حازم لسه مكلمني وقال نروح كام يوم في شرم، عنده شغل هناك.. حجز في فندق وعزمنا نروح نغير جو وبالمرة تصالحه."
تحدث مالك ومازال مغمض عينيه: "مش عايز أروح.. روح أنت."
أردف يزن بغضب طفيف: "لا هتيجي وهتقوم دلوقتي تروحلها.. وتصالح اللي مموته نفسها بسببك.. كفاية عليها أربع أيام وأنت بتتجاهلها."
انهض مالك وأقفل زر البدلة مكملاً بجمود: "ربنا يسهل."
غادر مالك واتجه ناحية بيته، أما يزن فتنهد بحزن على صديقه وحالته. نهض وأخذ هاتفه وأشياءه متجه لمكانه المفضل.
***
في الشقة... في المطبخ.
كانت تحضر الطعام ولكن عقلها لم يكن في محله. كانت تفكر في الأيام السابقة وتجاهله الكامل لها. كان فقط يجتمع معها عندما يحين الطعام، غير ذلك كان يتجنب لقائها.
اشتمت لرائحة غريبة، انتبهت للطعام كاد أن يحترق. أغلقت النار. استمعت لرنين الباب، تركت ما بيدها وذهبت لفتح الباب.
فتحت الباب، كانت تقف مبتسمة لها حتى تمتمت عائشة بعتاب: "لازم أنزل عشان أسأل."
حاولت روضة أن تبتسم لها ولكنها خرجت مصطنعة. عرفتها متممة معتذرة: "معلش أنا آسفة، كنت مشغولة في البيت... تعالي اتفضلي."
أفسحت لها المجال حتى دخلت، جلسا الاثنان على الأريكة. نظرت لعينها، كانت تخفي بهما مدى حزنها. اقتربت منها حتى ملمست على رأسها وأردفت عائشة باهتمام: "مالك؟ فيكي إيه؟ ومتقوليش مفيش عشان عينيكي بتقول غير كده."
حاولت أن ترسم ابتسامة ولكنها فشلت. ثوانٍ وأجهشت من البكاء. جذبتها لحضنها واحتضنتها بحنان ويديها تمسح على ذراعها. أردفت بحنان بالغ: "عيطي وطلعي كل اللي في قلبك."
كانت على شعره من البكاء، وما أن عثرت على من يحتويها وتبكي بأحضانها، وكانت هي خير ما فعلته معها. هدأت من البكاء ونهضت من حضنها ومسحت بأناملها آثار الدموع. ردت عائشة بحنان: "مش هتقوليلي مالك؟"
ابتسمت ابتسامة بسيطة وهتفت روضة ومازالت تمسح دموعها: "مفيش.. مضايقة شوية وجيتي في وقتك.. خليكي تتغدي معايا ومالك شوية وجاي."
مسحت عائشة على ظهرها وأكملت حديثها: "وأنا مكنتش هسيبك وأنت في الحالة دي."
في هذه الأثناء، فتح الباب ودخل مالك منه بملامح متجهمة. ألقى نظرة حتى رأى والدته. رسم ابتسامة بسيطة، تقدم منها حتى قبل رأسها مردفاً: "إزيك يا ماما... أخبارك إيه؟"
تحدثت عائشة باستغراب من حالتهما بعتاب: "لو كان حد منكم مهتم كان سأل."
تحدثت بابتسامة هادئة معتذرة منها: "معلش، مشغول شوية في الشغل."
نظرت لحالتهما واستنتجت بوجود مشكلة بينهم، فضلت أن تتركهم بمفردهم. نهضت تحدث روضة: "رايحة فين؟ خليكي اتغدي معانا."
ابتسمت عائشة لهم محدثة: "لا، هطلع عاملة أكل فوق... هاكل وأخد العلاج وأنام شوية."
تحدثت روضة: "على راحتك.. لو عايزة حاجة اندهي عليا."
مسحت على ذراعها متحدثة بحنان: "حاضر، متقلقيش عليا."
غادرت تاركة الاثنان حاملين هموم ليس لها آخر. نظر الاثنان لبعضهما حتى أخفض عينه وتحرك متجه للغرفة. أمسكت ذراعه ودموعها بدأت في النزول، قالت بنبرة ملؤها البكاء: "أنا تعبت من تجاهلك.. حرام عليك بقالك أربع أيام.. لا بتكلمني ولا قاعدة معايا، آخرك بتاكل وتقوم بسرعة... حرام عليك، أنا آسفة مش هعمل كدة تاني."
لفت ذراعيها حول خصره من الخلف واحتضنته بقوة باكية بشدة على ما وصل لهم. تألم لحالها بشدة على ما أوصلها له، ذهب كبرياؤه وعناده للجحيم مقابل حزن حبيبته. لفه بجسده واحتضنها بشدة حتى لم تعد قدماها تلامس الأرض. لفت ذراعيها حول عنقه بشدة وبدأت في البكاء. أما هو، كان قلبه ينشطر حزناً على بكائها. ظل يمسح على شعرها هامساً لها بكلام لتهدئتها.
تحدث مالك بقلب وصوت متعب: "خلاص أنا آسف.. أستاهل ضرب الجزم إني زعلتك."
ابتعدت عنه وأمسكت وجه بيدها وتحدثت روضة بنبرة متشنجة من البكاء: "لا متقولش على نفسك كده.. أنا اللي غلطانة، كان المفروض أسمع كلامك بس كنت عايزة أتمشى لوحدي."
وضع يديه على ثغرها مانعاً إياها من استرسال باقي الكلمات هامساً لها: "خلاص اللي حصل حصل... أنا اللي مقدرتش أتخيل المنظر، مجرد بس ما مسك إيديكي، أنتِ قطعة غالية مينفعش حد يقرب منها... تفضلي كده برونقك."
مسح بأنامله آثار الدموع مقبلاً وجنتيها مزيلا آثار الدموع. تأثرت بشدة مما يفعله. ابتعد مالك عنها ببطء هامساً بصوت ملء بالعواطف: "متتخيليش الأيام اللي فاتت عدت عليا إزاي... ميهونش عليا زعلك أبداً، لكن كان لازم أعمل عشان تتعلمي."
احتضنته روضة بكل جوارها هاتفة بأسف: "أوعدك مش هعمل حاجة تاني من غيرك."
هتف مالك بمكر وعيناه مليئة بالخبث: "طب إيه... أنا تعبان ومحتاج أرتاح."
ابتعدت عنه روضة هاتفة: "طب يا حبيبي روح غير وأنا هجهز الأكل بسرعة."
أغمض مالك عينيه بغيظ وهمس بكلمات حانقة. تحدثت روضة متعجبة من حالته مكملاً: "مالك يا حبيبي محتاج حاجة؟"
اقترب منها حتى همس بعض الكلمات في أذنها. شهقت بخجل شديد وضربت كتفه هاتفا بحنق: "مش عارفة إزاي طنط كده، وانت طالع وقح كده."
هتف مالك بابتسامة واسعة: "لا ماهي مكنتش فاضية تربي."
ابتعدت عنه هاتفة روضة بتسلية: "طب يلا ابعد كده عشان جعانة... وعايزة أنام."
هتف بكلمات خارجة هاتفا بغيظ كبير: "هو اليوم مش يومي أنا عارف."
ضحكت بصوت على تذمره. هتف بحنق وحواجبه معقودة: "اه اضحكي.. اضحكي... كله بيجي على دماغي أنا."
قبلت أحد وجنتيه واتجهت سريعاً ناحية المطبخ لتجهز الطعام. أما هو، وضع يده على شعره يعبث به متنهداً بعشق جارف واتجه ناحية الغرفة لأخذ حمام، لعله يزيل تعبه.
***
أمام البحر.
نزل من سيارته، أغلق الباب والتف ناحية البحر. سند على سيارته ظل دقائق واقفاً حتى قرر أن يجلس أمام البحر. بينما كان يسير بخطوات هادئة، كان يرى فتاة يتطاير شعرها بشدة الهواء. اقترب من المقعد، كانت جالسة على المقعد مستمتعة بهواء البحر. تنهدت بعمق، شعرت بظل منع عنها الضوء.
نظر لها بتمعن حتى تفاجأ بوجودها. أما هي، رفعت نظرها لترى من وقف أمامها. امتلكت المفاجأة كلاهما، ولكن ابتسم ما سريعا ابتسامته المعهودة ماداً يده. وضعت يدها وسلمت عليه حتى تحدث يزن ومازال الصدمة تحتل على وجهه: "إيه ده رهف... اللي جابك هنا؟"
ابتسمت رهف له متحدثة: "بحب أجي أعد هنا."
سحب يزن يده وهتف ومازالت الابتسامة مرتسمة على وجهه: "ينفع أعد معاكي... لأني أخدتي المكان اللي بحبه."
ابتسمت رهف له بهدوء: "اتفضل."
جلس بجانبها مع بقاء مسافة بلا بأس بينهم. ظل الصمت حليف الموقف. كان الاثنان يشاهدان البحر وأمواجه المتلاطمة. كانت الأمواج هادئة، منظرها يريح الأعصاب بشدة.
بدأ يزن الحديث ومازال وجهه ناحية البحر: "باين عليكي بتيجي هنا كتير."
هزت رهف رأسها بإيجاب مكملة: "فعلاً ده صديقي الوحيد."
أجاب يزن بهدوء: "ليه ملكيش صحاب؟"
أجابت رهف ونبرة صوتها تملؤها الحزن: "للأسف.. على طول لوحدي من وأنا صغيرة."
التف يزن وجهه للبحر مرة أخرى، ولم ينطق أي أحد بكلمة حتى نهضت ومعها حقيبتها. رآها وهي تنهض تحدث رهف: "هتروحي؟"
هتفت رهف بابتسامة مشرقة: "آه.. خلاص حازم جاي... ولازم أستناه عشان متأخرش."
هتف يزن بابتسامة: "سلميلي عليه."
تحدثت رهف بابتسامة: "الله يسلمك."
سلم الاثنان على بعضهما واتجهت ناحية أخرى حتى ابتعدت عنه. أما هو، ظل ناظراً للبحر بنظرات هادئة.
***
في القصر... غرفة الصالون.
كان الجميع يجلس حتى هتف حازم بابتسامة: "أنا مسافر شرم عندي شغل هناك.. وحجزت هناك وهاخد رهف أفسحها مع يزن ومالك ومراته."
تحمست بشدة حتى صقفت بشدة. ضحك الجميع عليها ونهضت سريعاً ناحية حازم تقفز عليه بسعادة. هتف حازم بخنقة: "الحقوني هتموتني."
ضربت كتفه حتى ضحكت بشدة عليها، واحتضنها بحنان بالغ. هتفت رهف متفشية: "أحسن... كده كده مش عايزآك وكان نفسي آخد أوضتك من زمان."
هتف حازم بحنق: "إيه يابنت الشر ده... ده بدل ما تقولي شكراً يا أخويا يا حبيبي.. أنا غلطان أنا بقول ألغي الرحلة أفضل."
أردفت رهف معتذرة وقبلت وجنتيه بشدة: "خلاص بقى يا زوما... يهون عليك اختك حبيبتك؟"
رفع حازم كتفيه وتحدث بضيق: "آه طالما فيها أوضتي."
ضحك والداهم عليهم وعلى مشاغبتهم. أما هم، ظلوا محتضنين بعضهم بحنان.
هتفت رهف بعدما جلست بجانبه وذراعها يحتضنها: "شوفت يزن النهارده."
أردفت حنان بابتسامة: "جالك الجاليري؟"
هزت رهف رأسها نافية وأكملت: "لا، كنت قاعدة معاه على البحر.. ولقيته قدامي، طلع بييجي البحر كتير."
أكمل حازم حديثه: "يزن على طول بيحب البحر زيك وخصوصاً لما يقعد قدامه."
تحدثت رهف: "بيسلم عليك.. اتكلمنا شوية وبعدين أنا قمت مشيت لما قربت تيجي."
حازم متحدثاً: "كلمته الصبح... كنت بقوله على رحلة.. مهم لو في حاجة ناقصاكي قوليلي نروح نجبهالك."
رهف بابتسامة: "لا كله حاجة موجودة... ربنا يخليك ليا."
ضمه حازم بحنان: "ويخليكي ليا."
هتف سليمان بعبوس مصطنع: "ده حازم طلع واخد الحب كله."
نهضت من جانبه واتجهت رهف تجاهه واحتضنته هاتفه بمشاكسة: "وانا أقدر.. أنت الأساس.. أنا براضيه بس عشان رحلة."
رفح حاجبه حازم هتفاً بغيظ: "بقت كده... طب أهو."
حذف الخديدة الموضوعة بجانبه، ضحكت باستمتاع شديد.
***
بعد يومان.
في الشقة.
خرجت من المطبخ ولديها بعض الطعام الخفيف، وضعتها في حقيبة يديها. أما مالك، أخرج الحقيبة من الداخل. هتف مالك متسائلاً: "خلاص يا حبيبتي جهزتي كل حاجة؟"
أجابت روضة متممة على الأشياء: "آه خلاص مفيش حاجة تاني."
رن هاتفه أخذه حتى أجاب واضعاً الهاتف على أذنه. مالك باهتمام: "خلاص ماشي أنا نازل أهو."
أغلق الهاتف متحدثاً: "يلا يزن مستنينا تحت عشان نتحرك."
أمسك الحقيبة وخرجا الاثنان من الشقة. ركبا المصعد دقائق حتى خرجوا منه.
أسفل البناية.
كان يقف سانداً على سيارته حتى رآهم خارجين من البناية. ابتسم لهم حتى تقدموا منه. هتف يزن بغزله المعهود: "صباح الخير على ملكة الجمال."
ضحكت روضة باتساع: "صباح النور.. عامل إيه؟"
أجاب يزن بمشاكسة: "طالما أنتِ بخير يبقى أنا بخير."
هتف مالك بحنق وغيره: "أجبلك أنت وهي شجرة وتعدوا تحتها؟"
هتف يزن مشاكساً به: "وماله وأنا أطول أعد مع ملكة الجمال بتاعتي."
مالك وعيناه تلتهب من الغيرة: "طب يلا اركب عشان متروحش ووشك فيه حاجة."
هتف بزن باستمتاع: "يبنتي تعالي معايا.. ده خسارة فيه حاجة."
ضحكت بشدة عليهم وأخرجت من حقيبتها بعض السندوتشات: "خد عشان لما تجوع في الطريق تلاقي مفطرتش."
أخذ يزن منها مردفاً: "شايف الناس اللي بتفهم."
سحبها من يديها دون أن يعيرها أي انتباه. ضحك عليه وعلى غيرته التي دائماً ما يثيره بها. وضع نظارته الشمسية، وركب السيارة ثم وضع السندوتشات بجانبه على المقعد، حتى تحرك الاثنان.
***
على الطريق.
في سيارة يزن.
أمسك هاتفه ورن على حازم. رد عليه حازم على الفور: "إحنا اتحركنا نتقابل على طريق *******."
وضع الهاتف وشغل إحدى الأغاني مستمتعاً بها.
***
بعد ثمان ساعات.
أمام الفندق.
ترجل الجميع من سيارته. ذهب حازم ليسلم على مالك وحازم. كذلك رهف وروضة.
روضة بابتسامة: "إزيك عاملة إيه؟"
رهف بابتسامة: "حمد الله... أنت أخبارك؟"
روضة متممة: "حمد الله بخير."
تحدث حازم: "يلا عشان الواحد أرهق من السفر."
داخل الفندق.
دخل الجميع. ذهب حازم باتجاه الاستقبال. هتف بابتسامة: "لو سمحت، كنت حاجز أربع أوض باسم حازم المنياوي."
طرق موظف الاستقبال بأصابعه على الجهاز حتى هتف بابتسامة: "أيوه يا فندم مظبوط.. عايزين بس حضرتك تمضي على بعض الأوراق."
بعدما انتهى من الأوراق اللازمة، هتف الموظف بابتسامة: "نورتنا يا فندم... هنده لحد هيجي يطلع الشنط لحضرتك."
هتف حازم بابتسامة: "شكراً."
ذهب حازم باتجاههم هاتفا معطياً لهم كروت الغرف: "يلا عشان طلعوا الشنط.. حاسس بإرهاق وهموت من التعب."
أخذ الجميع الكروت واتجه كل واحد منهم لغرفته. استبدل كل واحد منهم ملابسه واتجه مباشرة للنوم بعد ساعات طويلة مرهقة في السيارة.
***
في المساء.
غرفة يزن.
خرج من الحمام وحول خصره منشفة كبيرة. اتجه ناحية حقيبته وأخرج تي شيرت أسود وبنطال من نفس اللون. انتهى من ارتداء ملابسه. سرح شعره للخلف. وضع عطره بغزارة. أخذ أشياءه وخرج من الغرفة.
في الطرقة.
خرج من غرفته وجد حازم ينتظر. اتجه ناحيته. هتف بابتسامة هادئة: "واقف كده ليه؟"
رد حازم: "مستني رهف تخرج عشان نتعشى."
خرج مالك في هذه الأثناء بمفرده، اتجه ناحيتهم هاتفا بتعب: "مش قادر السواقة هدت حيلي... عايز أنام تاني."
رد حازم: "مين سمعك."
خرجت رهف مرتدية بلوزة بيضاء وبنطال أسود رافعة شعرها للأعلى على هيئة ذيل حصان، واضعة أحمر الشفاه. هتفت بابتسامة: "مساء الخير... نظرت لهم لم ترى روضة. هتفت روضة: "فين؟"
خرجت روضة هاتفة باسمة: "سمعت حد جايب في سيرتي."
قلب مالك عينيه متحدثاً باستفزاز: "يا ريتك اتكلمتي في فلوس.. مجتش جت بسرعة كده."
لكمته على ذراعه وهتفت روضة باستفزاز مماثل: "محدش وجهلك كلام أصلاً."
اتجهت روضة ناحية رهف واحتضنت ذراعها. هتفت وهي تسحبها معها للسير: "تعالي عشان الجو بقى خنيق أوي."
ضحكت رهف باستمتاع شديد، واتجهت معها للمصعد وخلفهم الشباب.
***
في المطعم.
كان يجلس الجميع وعلى وجوههم ابتسامة مستمتعة. هتفت روضة موجهاً كلامها لرهف: "قعدتي في البيت بعد الكلية زي.. ولا فيه حاجة معينة بتعمليها؟"
ردت رهف عليها: "لا، أنا فاتحة جاليري خاص بي."
تحدث حازم بفخر كبير: "دي يا ستي رسامة ماهرة جداً.. واشتركت في كذا مسابقة وكسبتهم كلهم.. بتعشق الرسم زي عينيها."
تحدثت رهف بخجل: "مش للدرجة دي."
أردف حازم بعدما هز رأسه بعدم موافقة على حديثها: "دي بتقول كده.. بتخاف من الحسد."
ضحكت روضة ثم أردفت: "متقلقيش هقيمها بنفسي.. هعملها تفتيش على الجاليري مفاجئ."
ضحكت رهف ثم أجابت: "وماله أنا كرهف راضية."
يزن موجهاً كلامه لحازم: "عندك شغل إمتى؟"
أجاب حازم عليه: "بكرة في اجتماع هنا في الفندق على أساسه هتتحدد كل حاجة بعدين نشوف."
رد مالك باستمتاع: "لا بلا شغل بلا قرف... أنا جاي انبسط هنا وأشوف مزز بيقولوا فيه شوية حاجات بتيجي هنا طلقة."
نظرت روضة له والغيرة تطق من عينيها: "وماله وماله... عشان يبقوا ساعتها يقروا الفاتحة عليك.. وأكسب فيهم ثواب."
وضع مالك يده على قلبه درامياً قائلاً: "ويهون عليكي؟"
ردت روضة بتعالي: "آه عادي ولا يهمني."
خطف قبلة سريعة من أحد وجنتيها وتحدث مالك بحب بالغ: "أنتِ عارفة إن قلبي مش بيشوف غيرك ولا يعرف يشوف."
خجلت روضة مما فعله وأشاحت نظرها عنه. هتف حازم بتذمر: "ما تراعي يا ابني إن في سناجل."
رد عليه مستفزاً له: "وأنت مالك أنت ومراته."
تحدث يزن بنفاذ صبر: "خلاص بقى شغل العيال ده."
نهض يزن آخذاً معه أشياءه ثم تمم: "أنا هقوم أنام أفضل من شغل العيال بتاعكم ده."
تركهم ونهض لغرفته. أما حازم ومالك، ظلوا يشاغبون بعضهم، أحياناً تشاركهن الفتيات وأحياناً تضحك عليهم.. حتى نهض كل منهم متجه لغرفته لأخذ راحته الكاملة.
***
في غرفة مالك.
كانت جالسة أمام المرآة تضع بعض الكريم المرطب على ذراعيها. أما مالك، كان يقلب على هاتفه يشاهد بعض الأخبار. نهضت من المقعد واتجهت بجانبه. شعر بها. ترك الهاتف على الكومدينو واتجه بجسده لها. ظل ينظر لها بنظرات محبة عاشقة تتفحص كل شبر من وجهها.
مد أنامله التي تقوم بمسح كامل على ملامحها. أما هي، زحف الخجل على وجنتيها وتحديقه بها. تحدث بخجل شديد: "هتفضل كده؟"
هتف بهمس خافت: "كده اللي هو إزاي؟"
لم ترد عليه بل نظرت لمكان آخر غير وجه. مد بأنامله لوجهها، وجهه لها وهتف بكلمات غزل حتى انسهرت بين يديه وانتهت ليلتهم رائعة.
رواية انجذاب الروح الفصل الخامس 5 - بقلم زينب خالد
على البحر،
حيث الشاطئ الممتلئ بالسياح الأجانب من مختلف بقاع الأرض بجانب بعضٍ من المصريين ذوي الطبقة المخملية...
هتفت رهف بفرحة عارمة حيث كانت ترتدي الزي الخاص بالسباحة:
البحر حلو قوي النهاردة... يلا يا زوما عشان ننزل.
أجابت روضة بسعادة مماثلة:
شكله حلو بحبه قوي... يلا يا مالك عشان نفسي أنزل، أنا جاية مخصوص عشانه.
ضيق يزن عينيه الزرقاوين هاتفًا بانزعاج قليلًا:
هو أنا ليه محدش قالي يلا يا يزن عشان أنزل... هل أنا بطاطس؟!
أجاب حازم عليه بسخرية:
لا، أسوأ كيس جوافة... حتى كيس جوافة ليه لازمة بناكله... لكن أنت يا عيني صعبت عليا.
أردف مالك بسخرية منه:
معلش هي السنجلة في المواقف اللي زي دي بتبقى وحشة.
ضحكت الفتاتان بصوت عالٍ على تعابير يزن الساخط منهم والضيق بسبب لقب السنجل.
لكن هتف يزن بتعالٍ مجيبًا عليهم:
يا ابني السنجلة جنتلة... إيش عرفك أنت!
أجاب حازم بسخرية:
لا ما إحنا واخدين بالنا.
خلع يزن تيشرته وظل بالشورت الأسود الخاص بالسباحة... حيث ظهرت عضلات صدره القوية وعضلاته السداسية الظاهرة باحترافية وذراعيه المشدودتين، نظرت له بعض الفتيات بسبب قوامه الممشوق المليء بالعضلات.
اتجه يزن ناحية البحر وأجاب بصوت عالٍ:
اللي يعرف يسابقني يبقى يقابلني.
خلع الاثنان تيشرتاتهم سريعًا... فسرعان ما اجتذبوا جميع من في الشاطئ لهم ولأجسادهم... أما الفتاتان فاتجهتا ناحيتهم... قضوا وقتًا رائعًا في البحر بين المسابقات، وأكثرهم من يستطيع عدم التنفس تحت الماء... ولعبت الفتاتان مع بعضهما.
بعد فترة،
كان الجميع يجلس في المطعم بعدما أبدل كل واحد منهم ملابسه وشعورهم بالجوع الشديد... أنزل النادل الأطباق الخاصة بهم... شرع الجميع في تناول الطعام، تحدثت روضة بعدما قطعت قطعة من اللحم:
اتفقنا أنا ورهف إنكم تنزلونا نلف في شرم ونسهر بره.
أجاب يزن بعدما هز رأسه بموافقته على فكرتهم:
فكرة حلوة... بس نطلع ننام الأول بعدين نتقابل بالليل.
وافق الجميع، بعد انتهاء الطعام ذهب كل واحد منهم لغرفته لينال قسطًا من الراحة...
_________________________
في المساء،
غيمت السماء بسحبها... وأنار القمر في بدره المكان فأبدت وكأنها مكان خيال... والهواء الهادئ الذي أضاف لمسة ساحرة.
غرفة رهف:
خرجت من الحمام، أخرجت من الدولاب بنطالًا أبيض فوقه قميص باللون الأبيض يعلوه جاكيت باللون اللبني... وقفت أمام المرآة تجفف شعرها بالمجفف وتركته به بعض التمويج.... وضعت لون شفاه أحمر فأبدت كالكرز الشهي الذي تود أن تقطفه، وزينت عينيها بالأيلاينر بأيدٍ محترفة.
وضعت بعض العطر ونظرت لنفسها وتعلو على شفتيها ابتسامة مليئة بالثقة... وضعت الهاتف في حقيبتها البيضاء وبعض من الأشياء... ارتدت كوتش مريح نظرًا لأنهم سوف يسيرون لمسافات كثيرة أسود.
خرجت من الغرفة واتجهت لغرفة حازم، طرقت على الباب حتى فتح لها ودخلت خلفه.
______________________
في غرفة حازم:
هتفت رهف بعبوس وهي تسير خلفه:
كل ده ولسه ملبستش، زمانهم خلصوا.
هم حازم بالرد عليها وسار ناحية الحمام:
جهز لي طقم عقبال ما آخذ دش سريع.
أخرجت له قميصًا أسود وبنطال جينز يطابق اللون وأخرجت الكوتش له واتجهت للخارج ناحية الصالون تشاهد التلفاز لحين انتهائه.
بعد نصف ساعة،
خرج وهو يقفل ساعته على معصمه، رفعت نظرها له وأعجبت بهيئته الجذابة التي تجذب أي شخص للنظر له.
هتفت رهف بإعجاب واضح:
إيه الجمال والشياكة دي... أنا متأكدة إن بنات مش هتسيبك بعنيهم، بس يبقى حد يفكر كده وأنا جنبك يبقى يومهم فل.
تعلقت بذراعه ثم قبلت وجنتيه اليسرى:
عشان أنت بتاعي أنا بس.
ابتعدت عنه ثم هتفت رهف بسعادة بعدما دارت بجسدها وعلى ثغرها ابتسامة كبيرة:
إيه رأيك... عجبك الطقم؟
صفر بإعجاب واضح من هيئتها تشبه الملاك برقتها وجمالها:
باين إن مشاكل هتكتر في شرم.
تعالت ضحكاتها، أخذ أشياءه واتجه خارج الغرفة متعلقة بذراعه.
على الطرقة،
خرج الاثنان وعلى وجههما ابتسامة سعيدة... أمسك الهاتف بيده ليتصل بمالك ولكن كان الباب يفتح وخرج منه مالك وروضة... كان يرتدي مالك تيشرت كحلي وبنطال جينز غامق، كان عطره قد ملأ الكوريدور كله... أما روضة ارتدت بلوزة بها تشجيرات يمتزج بين لونين مستردة وزيتي وبنطال زيتي، أما شعرها أخذت بعض منه ورفعته وتركت الباقي منسدلًا وبعض الخصل تزين جبهتها، زينت شفاها بلون كاشميري هادئ وزينت عينيها بالكحل.
حضنت الفتاتان بعضهما، هتف مالك باعتراض:
أمال لو مكونتوش سيبتوا بعض من كام ساعة.
أجابت رهف بإجابة مغيظة له:
محدش طلب رأيك... ولو لسه شايفاها هسلم عليها برضو.
أجاب حازم بعدم اهتمام:
سيبك منهم، فين يزن؟
خرج يزن هاتفًا بابتسامة:
سامع حد جايب في سيرتي.
كان يرتدي قميصًا كحليًا غامقًا تاركًا مقدمة القميص مفتوحة وبنطالًا باللون الأبيض ورفع شعره بتسريحة عصرية... نظر لهم ولكن اتجه بنظره ناحية رهف بنظرة مختلفة كانت تشبه الملائكة بثوبها الأبيض التي تجمعت به الأنوثة والجمال بآن واحد، أما روضة فكانت كما يقول لها ملكة الجمال التي دائمًا بأبسط الأشياء تجعلها رائعة، وتحدث موجهًا حديثه للفتاتين بإعجاب واضح:
إيه الجمال والحلاوة دي... دي شرم كلها هتقف على رجليها النهاردة... قمرات يا بنات قمرات.
زحفت الحمرة لوجنتيهما حيث أجابت روضة بابتسامة خجولة:
ميرسي يا يزن.
تقدم مالك باتجاه وعينه تطق من شرارة غيرته من غزله رغم أنه صديقه ويعرف نواياه ولكن لا يريد لأحد أن يغازلها غيره، لا أحد يدللها غيره لأنها هو من امتلكها فقط، تحدث بغضب طفيف:
أنت عارف لو مبطلتش تقولها كده تاني مرة جاية هيحصل إيه؟
وضع يده في جيبه وتحدث ببرود مغيظًا له:
لا مش عارف وحابب أعرف.
تحدث حازم لإلحاق مالك من جنون غيرته:
إحنا جايين نتفسح مش نتخانق... وأنت بطل مش واخد بالك إن أخوها واقف جنبها.
رفع يزن حاجبه وعلى ثغره ابتسامة ماكرة، هتف مالك بغضب مشيرًا له:
يعني شايف بيعمل إيه؟
كبتت روضة ضحكتها من الإفلات ولكن لم تستطع حتى انفجرت من الضحك تليها رهف... أخذ حازم مالك من يده واتجه به ناحية المصعد بينما أخذ يزن الفتاتين حيث تحدث لهم بمرح:
تعالوا وأنتوا حلوين كده... ملكوش دعوة بالغيرانين دول.
_____________________________
خليج نعمة،
يعتبر خليج نعمة من أشهر الأماكن التي يتواجد بها السياح من حيث أشهر المولات والمحلات الخارجية التي تبيع بعض الهدايا التذكارية بجانب المطاعم والكافيهات... كان الهواء منعشًا والأضواء المختلفة المتواجدة التي تشع بهجة وجعلت من المكان له رونق وجمال خاص به.
وصل الجميع وبدأ في التجول بين المحلات، كانت رهف وروضة يتجولان بجانب بعضهما خلفهما الشبان... كل من ينظر لهم يحسدهم على طلاتهم وجاذبيتهم... أرادت الفتاتان الدخول لأحد المحلات الشهيرة بماركات الميك أب.
وقف الشبان في الخارج واتجهت الفتاتان للداخل.
في المتجر،
كانت روضة تجرب لونًا جديدًا من أحمر الشفاه تحدثت لرهف:
شوفي ده كده حلو عليا؟
نظرت لها رهف باهتمام:
آه حلو بس أنا شفت لون تاني هيعجبك.
أخذوا يبحثون هنا وهناك حتى اشتروا بعض منهم، اتجهت روضة لمالك لأنها نست أن تأخذ الكريدت كارد الخاص بها.
في الخارج،
خرجت روضة لمالك ثم تحدثت:
مالك عايزة كريدت كارد لأني بتاعتي نسيتها في الفندق.
أخرج الكارت الخاص به... وهتف باعتراض بعدما دلفت للداخل مرة أخرى:
أنا عارف إني هيتخرب بيت أهلي النهاردة.
ضحك الاثنان عليهم حتى تحدث حازم والابتسامة ما زالت على وجهه وهو يربت على كتفه:
معلش يا حبيبي تعيش وتاخد غيرها.
التف بنظره حتى وجد فتاتين ينظران بإعجاب واضح، هتف حازم وعيونه تلمع بتسلية:
أهي دي حاجات حلوة ولا بلاش.
نظر لهم يزن حتى اعتقدوا أنهم معجبين بهم ثم رد:
شايفهم عاديين.
أجاب حازم باعتراض:
حرام عليك.
كادت الفتاتان أن تتجها لهم ولكن قطعوا عليهم خروج روضة ورهف ومعهما بعض الشنط.
تحدث يزن:
يلا نكمل.
كانوا ينطلقون بين المحلات يشاهدون المعروض حتى تحدثت روضة لمالك بحماس:
أنا عايزة السلسلة دي.
كان العقد عبارة عن جناحين بينهما خاتم رقيق كانت معجبة به، ذهب مالك لصاحب المحل حتى اشترى لها السلسلة وضعها في شنطة صغيرة أعطاها لروضة...
كانت رهف تنظر للأشياء المعروضة حتى لفت نظرها عقد يتدلى منه هلال وفي وسطه كرة ممتزج بها الألوان تخطف الأنظار... لمعت عيناها بشدة وهي تنظر لها، ألقى نظرة عليها وجدها تنظر للعقد وعلى عينيها تلمع من الإعجاب، ظل ينظر لها ولملامح وجهها الرقيقة، انجذب لجمالها ورقتها المعهودة وابتسامتها المشرقة، أزاح نظره بعدما تقدم منها حازم وقف بجانبها هاتفًا بحنان:
عجبتك حاجة؟
هزت رأسها دليلًا على موافقتها:
عايزة أجيب السلسلة دي.
وأشارت له على العقد الذي أعجبها من أول مرة، اشترى لها العقد وألبسها إياه وعيناها تلمع بها السعادة الشديدة... قضوا وقتًا بين المزاح والتقاط بعض الصور التذكارية ثم تناولوا الطعام في أحد المطاعم وعادوا بأدراجهم إلى الفندق مرة أخرى.
_________________________
في الصباح،
غرفة يزن:
تحدث مالك ليزن عارضًا عليه الفكرة:
أنا فكرت بما إني بقالي كتير ما عملتهاش مفاجأة... حجزت في اليخت هنقضي اليوم كله عليه وممكن أبات عليه لسه ما فكرتش.
ابتسم يزن لصديقه وأجاب:
فكرة حلوة بس بات عليه...
هتفرح أكتر، وخصوصًا أنها بتحب البحر.
أعطاه صندوق كبير مغلف باللون الأسود ثم تحدث:
هى هتصحى بعد شوية، أنت أديها الصندوق ده، هو جواه جواب فيه كل حاجة... وأنا هنزل أتمم على كل حاجة.
نهض مالك وبعده يزن، وهتف بعدما توجهوا ناحية الباب، هتف يزن:
لو عوزت أي حاجة رن عليا وأنا هخلصهالك... لينا اسمنا برضه.
ابتسم مالك له بامتنان:
عارف يا حبيبي... المهم بس متنساش الصندوق.
خرج مالك ليتأكد من كل الأشياء وظهورها على أكمل وجه.
________________________
في عند ساعة ثانية مساءً.
غرفة مالك.
تمللت على الفراش حتى اتجهت بجسدها الناحية الأخرى، دقائق حتى فتحت عينيها بخمول شديد، نظرت لم تجد مالك بجانبها... رفعت جسدها قليلًا وسندت على ظهر الفراش وهي تتثاءب، نادت بصوت مخمور ولم يزال النوم عليه:
مااااالك... مااااالك!
لم تلقَ أي رد، عقدت حاجبيها بغرابة، وضعت قدميها على الأرض واتجهت ناحية الحمام، ظلت تطرق عليه ولكن لم تجد رد... بحثت عنه في الجناح ولكن لم تجده، اعتقد أنه نزل لشيء طارئ، قررت أن تأخذ حمام لعلها تفيق من آثار النوم.
بعد فترة.
خرجت وهي تلف منشفة على جسدها والأخرى على شعرها... أزاحت المنشفة عن شعرها فنزل مموج مبلل بالمياه... في نفس اللحظة طرق الباب، لبست سريعًا تيشيرت أبيض بيتي وبنطال واسع أسود واتجهت ناحية الباب.
فتحت الباب قابلها يزن بابتسامته المعهودة:
صباح الخير على ملكة الجمال.
ابتسمت روضة بخفة وأجابت بمزاح:
مالك لو سمعك دلوقتي هتروح لمكان بعيد... كفاية اللي كان هيعمله إمبارح.
أجاب يزن بلامبالاة كأنه غير مهتم بغيرة صديقه:
ولا يعرف يعمل حاجة.
تحدثت روضة بتساؤل:
مالك مش معاك؟ أنا بدور عليه من ساعة لما صحيت مش لاقياه، قلت بيعمل حاجة في فندق تحت بس لسه مجاش.
يزن متحدثًا:
ده اللي جاي أكلمك عشانه.
أعطاها صندوق كبير مغلف باللون الأسود وأجاب:
مالك قالي أديكي ده... وكده أنا مهمتي خلصت.
عقدت حاجبيها باستغراب شديد:
مهمة إيه... وإيه الصندوق ده؟
تحدث يزن:
افتحي وأنتِ تعرفي... يلا أسيبك أنا بقى.
أقفل يزن الباب واتجه لغرفته، بعث رسالة له متممًا على إتمام المهمة.
أخذت معها الصندوق واتجهت للفراش، جلست عليه وفتحت الصندوق... لمعت عينيها من السعادة بشدة، كان الفستان يخطف الأنفاس ومعه لوازمه جميعها... عثرت على رسالة في ظرف أخذته بين يديها وبدأت في قراءتها:
حبيبتي من تربعت على عرش قلبي،
حبيت أخطفك انهارده بعيد عن الناس ونكون لوحدنا ونجدد شهر العسل بتاعنا... الفستان من أول ما عيني شافته وأنا متخيلتش غير وأنتِ لابساه، فعايز أشوف هيبقي اللي تخيلته ولا أروع من كده. تجهزي على ساعة أربعة، هتنزلِ الفندق هتلاقي سواق وعربية مستنينك وهيودوكي على المكان بتاعنا.
من حبيبك مالك.
شعرت بالسعادة تغمرها، مسكت الفستان وظلت تدور به حول نفسها والابتسامة مرتسمة على وجهها... نظرت للهاتف وجدت أنه لم يتبقَ إلا ساعة وربع فقط على الميعاد، اتجهت سريعًا لترتدي الفستان.
عند ساعة رابعة عصرًا.
كانت تقف تنقل بنظرها بين المارين، تنتظر السائق الذي تحدث عنه في الرسالة... تقدم منها سائق هاتفًا باحترام:
حضرتك روضة هانم؟
أجابت روضة:
أيوه.
تحدث بنبرة هادئة واحترام شديد:
اتفضلي معايا.
أشار بيده حتى ذهبت معه للسيارة... فتح لها الباب ركبت ثم أقفل الباب واتجه ناحية المقود سريعًا متجهًا للمكان المتفق عليه.
_____________________
في المطعم.
كانت تجلس رهف وحيدة لم تجد روضة في غرفتها حتى حازم تعذر اليوم لوجود عمل لديه وانشغاله اليوم بكامله فيه... كانت شاردة لم تنتبه ليزن ولا لجلوسه بجانبها، نظر لها بهدوء حتى تحدث:
رهف... رهف.
لم تنتبه له حتى تحدث بصوت عالٍ نسبيًا:
رهف!
انتبهت لصوت يناديها حتى التفتت بوجهها ورأت يزن جالسًا بالمقعد، تحدثت رهف بصوت رقيق:
معلش ما خدتش بالي... جيت من إمتى؟
أجاب يزن عليها:
من ثواني... فين حازم؟
أجابت رهف بصوت هادئ:
عنده اجتماع انهارده... قالي هيفضل بره طول اليوم.
أكمل يزن ببسمة:
وروضة ومالك خرجوا برضه، كده متبقاش غير إحنا.
هزت رأسها بموافقة، أردف يزن بعد دقائق:
أنا هقعد على البحر تحبي تيجي معايا؟
ردت رهف بابتسامة:
مفيش مشكلة.
تناولوا الطعام مع بعضهم واتجهوا للشاطئ وجلسوا على الرمال.
______________________
بعد نصف ساعة.
وقفت السيارة، نزل منها السائق واتجه ناحية الأخرى حتى فتح لها الباب... وضعت قدميها على الأرض ونزلت من السيارة، اتجه ناحية المقود وذهب بالسيارة... سارت بخطوات هادئة وتجول بعينيها تبحث عنه حتى وجدته واقفًا واضعًا يديه في جيوب بنطاله وعلى وجهه ابتسامة محبة، كانت وستظل وسامته تزداد مهما طال الزمن... كان يتحلى ببدلة سوداء وقميص أبيض الذي أظهر عضلات صدره القوية الذي دائمًا ما تحتويها به ويحميها من الجميع... أما هو فاتصنم مكانه من هيئتها، أقل ما يقال عنها شديدة الجمال... لم يتخيل أن الفستان بهذا الجمال، لكن عفوًا لم يتخيل أن يزداد الفستان جمالًا... رغم أنه تخيلها في عقله ولكن على الحقيقة اختلفت كثير... ثوب أزرق داكن به لمعان لطيف جعلها مثل الأميرات، يضيق عند الخصر، يحيط حملات الثوب كتفيها كأنه زوجها يغار عليها من المتطفلين، يظهر مقدمة صدرها يبرز بياض جسدها بشكل جذاب وشعرها الذي رفعت بعض منه وتركت الباقي منسدلًا على ظهرها أما خصلاتها التي تمردت على وجهها... أما شفتيها كان لها قصة أخرى حيث كان يحلم كثيرًا قبل ارتباط اسمه بجانب اسمها أنه يقتطفها ويذهب بها لمكان لم يتخيله أبدًا.
تقدمت منه حتى وقفت أمامه، كان يتطلع الاثنان على بعضهما وصوت الأنفاس الوحيد المسموع... كانت أعينهما هي من تتحدث فقط على حديث لم يقدر اللسان أن يتفوه به... اقترب منها حتى
مبحبش إني أصاحب حد من طبقتنا؛ لإن كلهم خداعين، بيحبوا يبانوا حلوين لكن يوم ما الفلوس تطير بتبان كل حاجة على حقيقتها.
أجاب يزن عليها معترضًا على حديثها:
مش دايمًا... بعدين مش كل الناس زي بعضها، أما البحر زي ما هو بيعلمك الغدر بيعلمك الهدوء والصبر.
أكمل يزن حديثه:
خريجة كلية إيه؟
ردت رهف عليه:
فنون جميلة.
تحدث يزن ونظره ما زال على البحر:
ليه ما اشتغلتيش في ديكور رغم إن عندك موهبة كبيرة؟ كنتِ هتقدري تعملي ليكي اسم.
التفتت له رهف مجيبة:
بحب أني أرسم، بلاقي نفسي أكتر في الرسم، رغم إن بابا اقترح عليّ أروح أشتغل في شركة من الشركات بس أنا كان حلمي إني أفتح جاليري خاص بيّ واتحقق الحلم.
التفت يزن هو الآخر لها مجيبًا بابتسامة:
أهم حاجة يكون عندك حلم عشان تحققيه... أحسن ما تعيشي بلا هدف زيك زي أي حاجة.
بدأت الشمس في الغروب، سعدت بشدة هاتفًة رهف بفرحة عارمة:
خلاص بقى عشان بحب أشوف الغروب.
ضحك بخفوت على تصرفاتها وقرر السكوت للاستمتاع بمنظر الغروب معها... قضى باقية اليوم معها، استمتعوا كثيرًا بحديثهم مع بعضهم البعض حتى نهضوا واتجهوا لغرفتهم.
في الفندق
أوصلها إلى غرفتها وعلى وجهه ابتسامة، وقف أمام غرفتها، أجاب واضعًا يديه خلف عنقه:
للأسف وصلنا... بس شكرًا على اليوم بدل ما كنت هقعد لوحدي كالمعتاد.
ضحكت رهف بخفوت متحدثة:
نحن دايمًا موجودين في الخدمة يا فندم... تصبح على خير.
أجاب يزن باسمًا:
وأنتِ من أهله.
فتحت باب الغرفة ودخلت للداخل، أما هو فاتجه لغرفته، قام بتبديل ملابسه ونام على فراشه.
عند الساعة الواحدة ظهرًا
في الغرفة
كانت نائمة بعمق في أحضانه ويديه تحضنها بشدة كأنه يود أن يضعها بين ضلوعه... تسللت أشعة الشمس على أعينهم، فتح عينيه بكسل شديد، وقعت عينيه على محبوبته... يا الله مهما كانت حالتها ستظل محتفظة بجمالها... هزها برفق لكي تفيق، همهمت بكلمات غير مفهومة، حاول معها مرة أخرى هتفت بتذمر:
عايزة أنام بس بقي.
ضحك بخفوت عليها ثم تحدث:
كفاية نوم كده.
لم تجب عليه، نهض بجسده للأعلى قليلًا لعلها تفيق، لم تشعر بها حتى قرص وجنتيها بشدة، تحدثت بألم:
بس بقى مالكش دعوة بحدودي.
تحدث محاولًا جعلها تفيق:
يلا كفاية نوم كده.
نهضت بغضب بعدما تأففت عن عدة مرات، أردفت بعبوس متذمرة:
حلو كده... أوف خلاص صحيت.
ضحك على هيئتها ثم تقدم قبل وجنتيها بعمق قائلًا بحب:
صباح الورد على أحلى واحدة.
تحول عبوسها لابتسامة محببة:
صباح النور.
تحدث مالك:
طب يلا عشان عشان نبدأ نمشي... النهاردة آخر يوم نقضيه مع بعض عشان نمشي بكرة.
أردفت روضة بعدم رضا وبنبرة حزينة متوسلة له:
خلينا قاعدين كام يوم تاني وهما يمشوا.
تحدث مالك محاولًا إقناعها:
لازم نمشي عشان الشركة سايبينها لوحدها.
نهضت بتذمر متجاهلة إياه وعلى ملامحها الحزن، أخذت ملابسها ودخلت للحمام بعدما أقفلت الباب بشدة دليل على غضبها... مسح وجهه بيده وتنهد بعمق، نهض وارتدى ملابسه وجمع حاجته.
بعد مدة
كانت تقف فوق اليخت... بعدما خرجت من الحمام... أتى مالك من الداخل بعدما أبدل ملابسه، أردف مالك بنبرة هادئة:
يلا عشان نمشي.
التفت لها بكامل جسده حتى وجد وجهها شديد العبوس والحزن. تنهد بقوة وتقدم منها حتى وقف أمامها وأمسك وجهها بكفي يديه الاثنتين مردفًا بنبرة حنونة:
ينفع أعرف الجميل زعلان ليه؟
هتفت روضة بنبرة بها طفيف من الغضب:
مش زعلانة.
تحدث مالك بدعابة:
والله... يبقى أنا اللي زعلان ومحتاج تصالحيني.
نظرت روضة له بقوة متحدثة:
والله أنت زعلان... أمال أنا أعمل إيه بقى أولع في نفسي؟
ضحك بشدة عليها وعلى تعابير وجهها... ثم أجاب بنبرة حنونة:
يا حبيبتي إحنا جينا هنا نقضي كام يوم... بعدين الشركة لوحدها، لو كان يزن هناك ما كنتش هشيل هم لكن يزن هنا وأنا كمان... ما ينفعش نسيب الشركة أكتر من كده... بعدين رهف لوحدها هناك ومحتاجة تكونوا مع بعض لإن بكرة هنمشي خلاص.
هتفت روضة بتذمر:
مش مقتنعة.
أجاب وحواجبه معقودة باستياء منها:
ما تبوظيش اليوم خليه يكمل زي ما هو... ثم أكمل بنبرة ماكرة: هو أنتِ هتفضلي حلوة كده لغاية إمتى ها؟
هربت روضة منها ابتسامة من أفعاله هاتفًة:
مش هتبطل بقى.
أجاب مالك وعينيه تلمع بتسلية وإجابة ماكرة:
لا مش هبطل... تحبي تشوفي مش هبطل إزاي؟
ردت روضة عليه باستفزاز:
لا مش حابة ويلا عشان نمشي.
تركته واتجهت للسلم ونزلت عليه، أما هو فتنفس بعمق وعلى وجهه ابتسامة واسعة.
في الفندق
كان ثلاثتهم يجلسون متحدثين في بعض المواضيع حتى جرت روضة ناحية رهف مقبلة وجنتيها بسعادة.
تحدث يزن بدعابة:
أهلًا بعصافير كناري.
تحدث مالك بسخرية:
أهلًا بيك يا خفيف.
أجاب حازم مستفزًا لمالك:
مش طولت شوية كل ده؟
تجاهله مالك كأنه لم يتحدث، أما يزن فضحك بصوت عالٍ فالتف جميع الناس لهم، أجاب محاولًا كبت ضحكاته:
يا لهوي عليك شكلك وحش.
رد حازم بامتِعاض:
دمك خفيف أوي... يلا عشان نتحرك ونلف شوية.
خرجوا من الفندق متجهين لبعض الأماكن وذهبت الفتيات للمول لشراء بعض الأشياء لهم وقضوا طوال اليوم بين المرح والسعادة حتى مر الليل عليهم وهم ما زالوا بالخارج... رجعوا للفندق في وقت متأخر واتجهوا لغرفهم متفقين على استيقاظهم باكرًا لمغادرة شرم.
في الصباح
كان الجميع يقف حتى هتف حازم:
كده خلاص كله جاهز وتمام؟
أجابت رهف:
آه خلاص.
تحدث حازم بهدوء:
اسبقوني بره وأنا هخلص الإجراءات وآجي.
أنهى جميع الإجراءات اللازمة وركب كل واحد منهم سيارته... واتجهوا للإسكندرية ومقر بيوتهم بعد قضاء وقت رائع مع بعضهم.
رواية انجذاب الروح الفصل السادس 6 - بقلم زينب خالد
بعد مرور أسبوعين.
بدأت الصداقة تأخذ مجراها بين يزن ورهف بعدما تبادل كل منهم الحساب الشخصي على موقع التواصل الاجتماعي.
في أحد مرات في شرم، والصداقة أخذت مجراها فعلاً.
في غرفة حازم.
نجده يجلس على الفراش، ساند ظهره على ظهر الفراش، مرتدياً بنطال باللون الأسود وتي شيرت كات بنفس اللون، بينما على قدمه الحاسوب الخاص به. كان يدقق النظر على أحد الملفات مندمجاً في القراءة. لم ينتبه لطرق الباب ولا لدخولها وجلوسها على الفراش. نظرت له، كان مندمجاً حتى نادت بصوت عالٍ نسبياً:
"حازم."
لم ينتبه لها في بادئ الأمر، حتى وضعت يديها على قدمه. ذعر من لمستها، وردت بغير قصد:
"أي مالك اتخضيت كده ليه؟"
رفع نظره، وارتسمت على شفتيه ابتسامة بسيطة، ثم قال:
"أنتِ دخلتي إمتى؟"
أجابت رهف:
"لسه داخلة. ناديت عليك مردتش، فا هزيت رجلك بس كده."
رد عليها بينما يضع الحاسوب على الكومودينو الموضوع بجانب الفراش:
"معلش، كنت مركز فا مخدتش بالي ولا حسيت بيكي."
رفعت كتفيها وردت بابتسامة بسيطة:
"عادي، ولا يهمك."
ضم ذراعه على بعضها وأردفت حازم بمزاح:
"وإيه اللي حدفك عليا؟ قصدي جيتي عليا."
ضحكت رهف، ثم ردت بمشاكسة:
"عادي، جيت أغلس عليك شوية."
فتح ذراعيه لها حتى لبت له نداءه. أخذها في أحضانه ورد بابتسامة محببة:
"وأنا معنديش مانع. بعدين بقالي كتير ما قعدناش مع بعض من بعد ما رجعنا من السفر."
دفنت نفسها أكثر في حضنه وأجابت رهف بنبرة مليئة بالعواطف:
"عايزة أعد طول اليوم كده."
ضحك عليها وأجاب من بين ضحكاته بغير تصديق:
"دي أوامر من رهف هانم نفسها. أوه، لا ده إحنا نوقف أشغالها عشان رهف هانم بقى."
ضربته في صدره بيديها وأردفت رهف بغيظ:
"تصدق إنك غلس. أنا غلطانة إني جيت أعد معاك."
حاولت أن تبتعد عنه، ولكن سحبها مرة أخرى بعدما ضرب بيده على رأسها. تأوهت من الألم، تحدث بتشفٍ:
"أحسن، تستاهلي."
ظل الصمت حليف الموقف بعض الوقت. تحدث حازم محاولاً كسر الصمت:
"وإنتي عملتي إيه فترة اللي فاتت؟"
أجابت بنبرة عادية وهادئة:
"مفيش جديد. أقعده في الجاليري، مرة حد يجي ومرة مفيش حد خالص. وبالليل برسم أو بقعد على فون، بس كده."
نهضت ونظرت له بارتباك:
"لكن في حاجة عملتها وأنت أول واحد تعرفها."
أجاب عليها ناظراً لها باهتمام وتركيز شديد:
"إيه هي؟"
هتفت رهف بنبرة يشوبها الارتباك، بينما تلعب في أصابع يديها:
"وإحنا في شرم، يزن أخد أكاونت الفيس بتاعي وأنا كمان، وبقالنا من ساعة لما رجعنا بنتكلم."
هتفت رهف سريعاً بخوف خوفاً من رد فعله:
"بس والله مش بنتكلم في حاجة غير بوست مثلاً نزلته أو العكس، مثلاً بيحكيلي عن يومه. لكن مفيش والله غير كده. وهو أصلاً محترم جداً ومش بيدخل في أي حاجة وبيعد يهزر كتير أكتر ما بيتكلم."
ظل ينظر لها باهتمام ولم يجب على ما قالته. أما هي، فكانت تنظر في جميع الاتجاهات إلا هو، خوفاً من رد فعله.
سحبها من يديها ووضعها في مكانها سابق، وتحدث بهدوء رزين يليق بشخصيته:
"ينفع أعرف إنتِ مرتبكة ليه وخايفة؟"
لم يجد إجابة منها، ولكن أكمل بدلاً عنها متحدثاً:
"إنتِ خايفة إن أتهور وأزعق وأتعصب والكلام ده؟ أو أعمل زي الإخوات الشداد اللي بيعملوا وأضربك وأعاقبك وكلام ده، صح؟"
هزت رأسها نافية على كلامه، ثم أكمل برزانة وحكمة:
"أنا قبل ما أكون واثق فيكي إنتِ، أنا واثق فيه هو وإن عمره ما هيخون أمانة. بعدين حتى لو بقيتوا صحاب، ليها ضوابط شوية. بعدين هو محترم ومش زي الشباب بتوع بنات خالص. هو حياته كلها كانت عيلته، وبعد ما اتوفوا بقي حياته شغل أو أقعد لوحدي. فا إيه المشكلة لما تكونوا صحاب؟"
أخرجها من أحضانه وتحدث رافعاً حاجبيه لها بعدم تصديق مستنكراً:
"ملقيتيش غير ده؟ ده بيهزر أكتر ما بيتكلم يا زين ما اخترتي يا بنتي."
لم تجب، ولكنها أحضنته بشدة على تفهمه الدائم لها. دائماً ما يدعمها، يفهمها من مجرد نظرة، يعرف حالها. لا يتركها دائماً إلا وهو سعيدة. هتفت رهف وهي مازالت قابعة في أحضانه بحب:
"أنا بحبك أوي. مش عارفة من غيرك كنت هعمل إيه."
بادلها حضنها بحنان أخوي شديد وأجاب عليها بابتسامة:
"ابقي فكريني أجيبلك شوكولاتة. بعدين أنا مبسوط إنك جيتي كلمتيني وصارحتيني. لو حد تاني كنتي هتخافي إنك تعملي حركة زي دي."
خرجت من حضنه وعلى وجهها ابتسامة سعيدة وأجابت:
"عشان أنت الوحيد اللي بتعرف مالي من نظرة عيني."
قبلت وجنتيه وهي سعيدة بما قامت به، بسبب خوفها من عدم تقبل الأمر أو عدم تفهمه. ولكن دائماً ما يفاجئها بحكمته وهدوئه في الحديث، لذلك دائماً ما تلجأ له للحديث عن أي شيء يرقها.
وضعت رأسها على الوسادة وأخذت الأخرى من خلفه وتحدثت:
"يلا اطفى النور عشان عايزة أنام. ومتنساش بكرة تجيبلي شوكولاتة بالبندق عشان بحبه."
نظر لها بصدمة وعدم تصديق وحاول إزاحتها من الفراش قائلاً:
"أوعي كده يا ماما. بتعملي إيه في سريري؟ روحي لسريرك بينده عليكي."
أجابت رهف براحة وعلى وجهها ابتسامة مغيظة له:
"لا، عاجبني السرير وهنام هنا. لو مش عاجبك، عندك أوض في القصر كله، نام في أي أوضة."
مسح وجهه بيده وتمم بكلمات حانقة متضايقاً منها، لكن حاول إزاحتها من السرير قائلاً:
"لا، مش هتنامي. أوعي كده."
أزاحت يديه وضربته ثم أجابت:
"أنت اللي أوعى بقى. عايزة أنام وأنت مزعج."
ححظت عينيه من الصدمة على وقاحتها معه، بينما قال:
"يعني نايمة على سريري ومش عاجبك وبتطرديني منه؟"
رفعت رأسها له وأخرجت لسانها باستفزاز وأجابت:
"آه، ولو مش عاجبك طلقني."
لم يرد عليها، ولكنه بدأ في ضربها كي تنهض من على السرير. أخذت الوسائد وظلت تسد ضرباته مع ضربة من أي منطقة تقابلها. ظل يضرب كل منهم الآخر حتى خارت قواهم ونام بجانبها بعدما أخذ وسادته وأزاح قدمها قليلاً هاتفا بحنق:
"أوعي كده، واخدة السرير كله."
أجابت رهف بضيق منه وغضب:
"براحتي، بحب أنام كده. أقولك، لو مش عاجبك نام على الكنبة."
تحدث حازم بتعالٍ مشيراً بإصبعه على نفسه:
"أنا حازم المنياوي اللي بنات كلها بتجري وراه وتتمنى نظرة منه، تطرديني من سريري وأوضتي؟"
أجابت رهف بنبرة مستفزة:
"آه. وبس بقى عشان أنام."
أطفأ الضوء من جانبه وضبط المنبه على ساعة الاستيقاظ المعتادة وأخذ وسادته، وسريعاً ما غطوا في نوم عميق بعد مناكفات بينهم وحرب قامت بينهم.
***
اليوم التالي.
في الجاليري.
كانت تجلس وحيدة، لم يأتِ أي أحد لشراء اللوحات. كانت تلعب بالقلم على المكتب بملل. زفرت بضيق وملل من وحدتها وعدم وجود أحد يونسها. أخذت الهاتف من جانبها وضغطت على الأزرار، وضعته على أذنها، منتظرة أن يأتيها الرد.
في الشقة عند روضة.
كانت تجلس تشاهد التلفاز على أحد مسلسلات الدراما، تتابع بتركيز مع الأحداث. حتى أضاء هاتفها وبدأ في رنين. نظرت للهاتف ثم أمسكته، ارتسمت على وجهها ابتسامة هادئة، وضعته على أذنه.
تحدثت رهف بابتسامة:
"روضة، إزيك؟"
ردت عليها بينما تتابع بعينيها المسلسل:
"الحمد لله. إنتِ عاملة إيه؟"
أجابت رهف بملل:
"قاعدة في الجاليري وزهقانة، فقلت أتصل عليكي."
ضحكت روضة وأجابت:
"ما زين ما اخترتي يا بنتي."
فكرت رهف لدقائق حتى أتتها فكرة وبدأت في عرضها عليها مردفة:
"ما تيجي تعدي معايا شوية. بدل ما أنا لوحدي ومحدش جه انهاردة خالص."
أجابت روضة بحيرة:
"مش عارفة. هتصل بمالك أقوله."
أردفت رهف بنبرة يائسة:
"لو مش فاضية خلاص، مش مهم."
لم ترد، أحزنها ردها. ردت روضة عليها:
"طب ابعتي لوكيشن وأنا هكلم مالك وأقوله."
ابتسمت رهف مرة أخرى بأمل أن تأتي:
"ماشي، وأنا هستناكي. سلام."
أجابت رهف بابتسامة:
"سلام."
***
في الشركة الدوائية.
مكتب مالك.
كان يتابع المواد الكيميائية الجديدة وتركيبتها. أرجع رأسه للخلف وزفر بإرهاق. تشنجت عضلات رقبته، حركها يميناً ويساراً، فأصدرت صوت طقطقة. مد يده وأخذ الزجاجة المليئة بالمياه، شرب منها وأراح رأسه على المقعد.
جاء في مخيلته طيف محبوبته وابتسامتها المرحة عندما يقوم بشراء بعض الأشياء التي تعشقها.
بدأ الهاتف في رنين. مد يده حتى أخذه، نظر لاسم المتصل. نمت على وجهه ابتسامة عاشقة حتى أجاب:
"جيتي في وقتك."
ردت بقلق من نبرة صوته:
"مالك يا حبيبي؟ فيه إيه؟"
أجاب مطمئناً لها:
"مفيش، متقلقيش. مطحون في الشغل بس."
تحدثت بعدما هدأ قليلاً:
"طب ارتاح شوية بعدين كمل عشان متتعبش."
ابتسم على قلقها الدائم عليه وحاول أن يبث لها الاطمئنان:
"حاضر، أنا فعلاً بعمل كده. مهم، اتصلتي ليه؟"
تحدثت بعبوس كأنه يراها:
"يعني هو أنا لازم يكون فيه حاجة عشان أتصل وأطمئن عليك؟"
ضحك عليها ثم أردف:
"ماهو عشان عارفك. مهم، إنك وحشتيني. اللي يسبني دلوقتي أسيب الشغل وأجيلك."
ابتسمت بخجل من أثر كلماته ورددت بحب:
"وأنت كمان وحشتني."
تحدث بمكر وعيناه تلمعان بالحب:
"طب إيه؟ مفيش أي تصبيرة لحد ما أجي؟"
هزت رأسها مكمله بابتسامة:
"تؤ تؤ، مفيش. رهف كلمتني وقالت لي إنها عايزاني أروح لها الجاليري عشان أعده لوحدها. تحدثت مكمله برجاء: ينفع أروح عشان خاطري؟ عايزة أنزل، زهقت من القعدة."
أجاب بابتسامة:
"ماشي، مفيش مشكلة. روحي وأنا هعدي عليكي لما أخلصه."
هتفت بفرحة كبيرة:
"أخيراً يا خراشي! أنا بحبك كتير أوي. مش بحبك من فراغ."
تقدم بجسده وسند ذراعه على المكتب متحدثاً:
"الله، كل ده؟ يا بركاتك يا رهف. مهم، تاخدي بالك من نفسك."
أجابت بسعادة بعدما نهضت من الأريكة وأطفأت التلفاز:
"حاضر، متقلقش. يلا سلام عشان ألحق أنزل."
ابتسم على سعادتها المفرطة لمجرد موافقته على نزولها ثم أجاب:
"ماشي، سلام."
صفقت بيدها بسعادة واتجهت سريعاً للغرفة لترتدي ملابسها. ارتدت بلوزة بلون البيج عليها فتاة وبعض الكلمات الإنجليزية وبنطال بوي فريند وتركت شعرها بتمويجه خفيف. وضعت أحمر شفاه بلون كشميري وبلاشر خفيف على وجنتيها وبعض من الماسكرا. أخذت حقيبتها وضعت بها لوازمها. خرجت من الغرفة، ارتدت كوتش أسود واتجهت سريعاً لرهف وهي تكاد أن ترقص من الفرحة.
***
أما الجاليري.
نزلت من السيارة، أعطت للسائق الأجرة بعدما أغلقت الباب. ذهبت السيارة من أمام الجاليري، أما هي، فظلت دقائق تراقب المكان حتى تقدمت بخطوات هادئة وعلى وجهها ابتسامة مشرقة.
في الداخل.
كانت تجلس والملل كاد أن يفتك بها. تتمنى أن تلبي روضة لطلبها وأن تأتي لتجلس معها، بدل جلوس كل واحدة منهم في مكان مختلف.
فتحت الباب ودخلت وعيناها تفحص المكان بإعجاب وانبهار شديد من تصميم المحل. ظلت تبحث عنها، وجدتها تجلس على المكتب الخاص بها وتلعب بالقلم بملل.
نادت روضة عليها بصوت عالٍ مليء بالحماس:
"رهف... رهف!"
انتبهت رهف لصوت ينادي عليها، وقعت عينيها على روضة وعلى وجهها ابتسامة مرحة. نهضت من المقعد اتجهت ناحيتها. احتضنتا بعضهما باشتياق بالغ لعدم مقابلة بعضهما منذ السفر واكتفوا ببعض الرسائل والمكالمات الهاتفية.
بعد مدة قصيرة ابتعدا عن بعضهما ومازالت الابتسامة مرسومة على وجوهما. تحدثت رهف بسعادة شديدة:
"فرحانة أوي إنك جيتي. مش متخيلة سعادتي قد إيه. تعالي أعدي."
أخذت يديها واتجهتا ناحية أريكة موضوعة في جانب بعيد نسبياً عن مكتبها. جلسوا عليها. هتفت روضة:
"قولت بما إن قاعدة لوحدي، جيت ألبي دعوة حضوري للجاليري."
ضحكت رهف مردفة بسعادة:
"أحسن حاجة عملتيها. حابة تشربي؟"
هزت روضة رأسها نافية مجيبة:
"مش محتاجة أي حاجة. أنا جايه عشان نقعد مع بعض."
هتفت رهف بتصميم:
"لا طبعاً لازم تشربي حاجة. تحبي أعملك معايا نسكافيه؟"
ابتسمت لها روضة مجيبة:
"ماشي. معلقتين سكر بس."
نهضت واتجهت ناحية الكاونتر الموضوع عليه بعض المشروبات وجهاز للقهوة وغلاي للمياه. وقفت تجهز لهم كوبان من نسكافيه.
كانت تجول بعينيها على المكان، من اللوحات وبعض الانتيكات الموضوعة. تحدثت روضة بنبرة منبهرة وهي تنظر للوحات:
"الجاليري بتاعك حلو أوي."
أجابت رهف بينما تضع المياه في الأكواب:
"ميرسي يا قلبي، ربنا يخليكي."
قلبت بالملعقة المشروب في الأكواب، وضعتهم واتجهت ناحيتها. أعطتها الكوب الخاص بها حتى أخذته بابتسامة بسيطة.
تحدثت روضة بعدما رشفة قليلاً من النسكافيه:
"اللوحات حرفياً حاجة خيال. حرام. الموهبة دي عندك من وإنتِ صغيرة ولا حبيتي إنك تتعلمي؟"
أجابت رهف عليها وهي تأخذ رشفة من المشروب:
"من ده على ده. كنت وأنا صغيرة كنت بحب أن أرسم وحصة الرسم. بعدين الموضوع كبر في دماغي وقررت إني أنميه. تابعت بعض القنوات على يوتيوب واتعلمت الأساسيات للرسم، بعدين لما بابا عرف قرر إنه يوديني كورس رسم. ولما نجحت وجبت مجموع في الثانوية قررت إني أدخل فنون جميلة."
تحدثت روضة:
"وفي إقبال ولا لسه في الأول الدنيا واقعة؟"
أجابت رهف:
"مكدبش عليكي، مش أوي يعني. يوم ممكن يجي كذا حد ويوم زي انهاردة مفيش دبانه حتى عدت قدام المحل."
وضعت الكوب على المنضدة وأدارت جسدها لها وتحدثت:
"طب مفكرتيش إنك تكبري الموضوع؟ تشوفي أي اللي مفروض يتعمل وتعمليها؟"
أجابت بابتسامة:
"حاولت بس للأسف مفيش أي أفكار. حتى معظم اللي بيجوا ناس معارف ماما وبابا. إنتِ عارفة الناس الأغنياء بتحب البيت فيه لوح وانتيكات."
فكرت روضة قليلاً ثم أكملت حديثها:
"طب دوري على مسابقات من اللي بتتعمل في محلية وفي عالمية. اعملي بيدج على فيس وابدأي اعرضي عليها لوحات بتاعتك، فأتجذبي ناس ليكي أكتر."
استمعت لها رهف باهتمام شديد وتركيز وأجابت معجبة بالفكرة:
"تصدقي مجاش في بالي خالص أفكر كده. آخر مسابقات شاركت فيها لما كنت في كلية أو كورسات اللي كنت بأخدها."
أكملت روضة حديثها:
"طب ليه مفكرتيش تشتغلي في شركة كمهندسة ديكور؟ دايماً شركات بتطلب الناس الموهوبة اللي زيك."
أجابت رهف عليها بوضوح:
"كنت مهتمية أكتر بالجاليري وأكبره."
تحدثت روضة نافية لما تقوله:
"لا فكري كده. إنتِ موهوبة وحرام موهبتك تكون مغمورة."
أردفت رهف بهدوء:
"وأنتِ مفكرتيش تشتغلي ليه بعد الكلية؟"
شربت قليلاً ثم ابتسمت روضة لها وأجابت:
"لأن أنا اتجوزت مالك بعد فترة من تخرجي من الكلية. بعدين مكنش عندي واسطة عشان أشتغل في أي شركة، لا ليا عم ولا ليا خال."
عقدت رهف حاجبيها باستغراب مردفة:
"مش المفروض ليكي عيلة؟ بعدين مش شرط تشتغلي بواسطه."
هزت روضة رأسها نافية مجيبة بتوضيح:
"لا، شرط. إنتِ بس عشان إنتِ مش محتاجة واسطة. لأنك إنتِ واسطة كلها. فا هتقدمي في أي حتة هيتوافق عليكي على طول. إنتِ بس مش واخدة بالك من الموضوع مش أكتر."
ثم أكملت حديثها تقص لها ما مرت به في حياتها لأول مرة لأي أحد، قائلة بنبرة حزينة: "أنا ماما وبابا ماتوا كنت في إعدادي بسبب حادثة عربية. ولأن ماما مكنش ليها غير تيتا، فا روحت عشت معاها وكنا بنعيش على معاش جدو. وقدرت تطلع معاش تاني بسبب إني يتيمة، بس طبعاً مكنش بيكفي غير يا دوبك مصاريف بيت وكان بالعافية الأكل. وفضلت عايشة معاها لحد ما ماتت وأنا في ثانوية. وهنا حصل الدروب، بعد ما كانت عايشة معايا بقيت لوحدي، لا ليا عيلة ولا قريب يسأل عليا. وفضلت عايشة على المعاش ودخلت بعديها كلية تجارة عشان أد مجموعي طبعاً، نظراً لإن مكنتش باخد دروس يدوبك بحاول أفهم أي حاجة من المدرسة اللي طبعاً محدش بيشرح فيها أو بيروح أساساً، بس يعني بعض الأحيان. فاكنت بذاكر لوحدي وده مجهودي اللي قدرت عليه. لأن أنا مكنتش بجيب كتاب أو أي حاجة من الحاجات دي، هو بس اشتريت كام كتاب كده اللي عرفت أحله كنت بحله ودخلت الامتحانات وحليت. جه وقت النتيجة طبعاً كنت مضايقة جداً وزعلانة بمقارنة الأرقام اللي زمايلي جابوها والكليات اللي هيدخلوها، بس حمدت ربنا على نعمة اللي أنا فيها، غيري مكنش تعليم أصلاً."
ترقرت الدموع في عينيها متخيلة الأيام العصيبة التي كانت تمر بها كأنها تعيشها مرة أخرى. وأكملت بصوت مليء بالبكاء: "أوقات كثيرة كانت بتمر عليا ممكن ما أكلش فيها، ومرة أعرف أعمل غدا، فا آكل. وطبعاً ما آكلش كله حتى لو جعانة عشان أسيب حبة لبكره. وساعات كنت بصعب على جارتنا فاكانت تبعتلي أكل وكانت بتعدي. حتى الكلية مكنتش بعرف أكفي مصاريفها، قدمت ورق يثبت إن يتيمة وتم إعفائي من جميع المصاريف، بس اضطريت أشتغل عشان أعرف أعيش."
سألتها رهف بنبرة حزينة بما مرت به:
"وكنتي بتشتغلي إيه؟"
أجابت عليها بتماسك:
"مرة أقف في محل هدوم، ومرة تاني أقف كاشير في سوبر ماركت. أي شغلانة ينفع اللي أنا أشتغلها عملتها، المهم أقدر أجيب فلوس أعرف آكل بيها النهارده."
كانت تستمع لها ولمعاناتها منذ الصغر، حزنت كثيراً عليها وعلى ما عانته. تحدثت رهف بنبرة حزينة:
"أنا آسفة والله مش قصدي إني أفكرك وأضايقك."
حاولت أن ترسم الابتسامة على شفتيها، ولكن لم تنجح. مسحت بعض الدموع التي تحررت من عينيها. تقدمت بجسدها منها وأخذتها بين ذراعيها. أجهشت الأخرى من البكاء بعد محاولة يائسة في كبته. تذكرت كل ما عانته كأنه يعاد مرة أخرى كشريط فيديو يتم عرضه أمامها. حاولت أن تهدئها، قالت بنبرة مرحة:
"يا خراشي! يعني أنا قولت تيجي تعدي معايا مش تنكدي عليا."
ابتعدت عنها متممة بنبرة أسف في محاولة لزحزحة دموعها:
"أنا آسفة. حقك عليا بس مقدرتش."
ردت رهف بابتسامة في محاولة تخفيف عنها:
"بهزر معاكي. لا فرفشي كده. بعدين مش لوحدك اللي عاني. يعني ده واحدة بتبقى مكبوتة أد كده."
انتقلت منها ضحكة من طريقة رهف وحديثها. أزالت جميع دموعها وحاولت أن تتحكم بنفسها حتى استطاعت، حتى لو بالقدر البسيط.
تكلمت روضة بابتسامة بسيطة:
"وإنتِ بقى يا سِت رهف محبتيش قبل كده؟ مكلمتيش مثلاً ولد يعني حاجات من البنات اللي بتعملها؟"
هزت رأسها نافية على حديثها واجابت بحسرة:
"ده كان حازم جاب خبري. ومكنش زماني قاعدة قدام بعض وكنتي تقري إنتي عليا الفاتحة."
ضحكت ضحكة عالية على حركات وجهها المتحسرة وضيقها. أردفت من بين ضحكتها:
"ليه مكنش فيه حد في الجامعة؟ كده ولا كده مراقبة وحاجات زي الروايات كده؟"
أزاحت بعض الخصلات التي نزلت على عينيها للوراء قليلاً، متممة بحسرة على حالها:
"مكنش ده بقا حالي. للأسف ياريت كان فيه حتى مراقبة من بعيد. متحسرنيش على حالي. بعدين مكنش فيه حد حلو."
رفعت حاجبها وأجابت بمكر:
"متأكدة إن مكنش فيه حد حلو؟ ما بلاش كلام ده."
أجابت الأخرى بلامبالاة:
"أحم... لا عادي كان فيه بس أنا اللي معجبنيش. بعدين بتوع بنات."
أكملت بنبرة حماسية:
"احكيلي إنتِ قابلتي إزاي مالك واتجوزتوا؟"
أخجلت روضة من حديثها وابتسمت. غمزة لها رهف بمكر قائلة:
"الله الله. ده الموضوع طلع كبير وأنا معرفش. احكيلي احكيلي."
بدأت تتحدث والابتسامة مرتسمة على شفتيها من تذكر قصة الحب والأيام التي عاشتها معه:
"أنا كنت في الكلية بتاعتي عادي الروتين اللي بيتعمل، ولو في ما بين محاضرة ومحاضرة ساعتين كنت بعدها على أي ركن فاضي كده أفضل قاعدة لوحدي. طبعاً زي ما إنتِ عارفة كان حازم ومالك ويزن صحاب من أيام الجامعة. كانت البنات كلهم بيموتوا عليهم. بس أنا مكنش في دماغي أصلاً، كان فيا اللي مكفيني. بس عرفت إن كان مالك أعجب بيا وكان على طول بيراقبني من بعيد وحفظ كل الأماكن اللي بقعد فيها. لغاية لما بدأ ينجذب ليا ولهدوئي. أنا كل ده مكنتش أعرف طبعاً ولا باخد بالي. لغاية في مرة لاحظت إن حد بيفضل يبصلي جامد وبيركز معايا، مخدتش بالي من الموضوع. بس بعدين بقيت أركز وحبيت الاهتمام بيا وبدأ الموضوع بانجذاب بينا، بس مكنش في كلام أو أي حاجة. لغاية لما اتخرجت وهو قبليها اتخرج ومتقابلناش تاني. زعلت جداً لأن بدأ إنجذابي ليه يتحول لبواذر حب، مكنتش أعرف إنه اتولد. اشتغل بعديها عند بابا يزن وكون نفسه. وجه هو ومامته اتقدم، بس طبعاً لأني لوحدي ومليش حد الموضوع تم بسرعة. واتجوزنا وكانت أحلى أيام عدت عليا ومازالت دايماً بيعوضني على اللي عيشته وشوفته وبحمد ربنا دايماً على وجوده جنبي، لو مكنش معايا، مكنتش حياتي هتبقى بالراحة دي ولا الحب ده."
تنصت لها بكل اهتمام والإبتسامة مرتسمة على شفتيها. هتفت رهف:
"إيه ده! إيه جمال ده. عشان إنتِ تعبتي فربنا كافئك على تعبك ومجهودك."
سندت روضة ظهرها على الأريكة ثم أجابت:
"في دي عندك حق. بس المهم إن زي ما قولتلك على شركة تشتغلي فيها وتنظمي وقتك بين الجاليري والشركة. أو هاتي حد يقعد مكانك وتعرفيه الشغل."
تمكنت جزء من الفكرة من رأسها، ولكن ليس موضوع سهل كما تعتقد. تخاف أن تترك جاليري مع أحد، تريد أحد أن يكون محل ثقة لا أن يسرقها. قررت أن تترك الموضوع جانباً في الوقت الحالي، لأنه يحتاج إلى كثير من التفكير والتخطيط كي تستطيع أن تنظم جميع الأشياء في أماكنها الصحيحة.
أجابت رهف عليها وعلى وجهها ابتسامة:
"هبقى أفكر حاضر. بعدين أنا فرحانة إني لقيت حد أصاحبه بدل الوحدة دي."
ابتسمت الأخرى لها بسعادة قائلة:
"وأنا كمان فرحانة، خصوصاً مكنش ليا غير كام بنت بس كنا زملاء بس مش أكتر. يارب تديم المحبة بينا."
أمنت على دعائها والسعادة تكاد تقفز من عينيها. جاءت كل واحدة للأخرى كنجدة من الوحدة التي تملكتهم، كأنها كالنجدة التي انتشلتهم من الظلام.
أضاء هاتف روضة وبدأ في رنين. أخرجته من الحقيبة، كان يصدع اسم حبيبي على الهاتف. تحدثت بابتسامة:
"هرد على مالك ثواني."
هزت رأسها دليلاً على موافقتها. وضعت الهاتف على أذنها حتى استمتعت لما يقوله حتى أجابت:
"حاضر. باي."
أقفلت المكالمة وأردفت روضة بأسف ونبرة حزينة:
"للأسف مالك جه وواقف مستني بره. مضطرة إني أمشي."
أجابت عليها باسمة:
"مش مهم، هنتقابل كتير متقلقيش. هزهقك."
ضحك الاثنان. وقفا الاثنان، احتضنت كل واحدة الأخرى بحب حتى تحدثت روضة:
"خدي بالك من نفسك. وفكري في اللي قولته لك. ولو عايزة أي حاجة ابعتيلي في أي وقت أو كلميني، أنا فاضية على طول."
أجابت رهف بابتسامة لها:
"حاضر، هفكر. يلا عشان ميستنانيش."
أوصلتها حتى الباب، فتحت لها الباب وتحدثت:
"وصلي لي سلامي لمالك."
أجابت روضة عليها:
"الله يسلمك."
خرجت من الجاليري وبدأت في السير لملاقاة مالك. بحثت عنه حتى عثرت على سيارته مركونة على جانب الطريق. عبرت الجانب الآخر من الطريق. كان جالساً بالسيارة ينتظرها. فتحت الباب وجلست بجانبه. لف جسده لها واستقبلها بابتسامته المعهودة. تقدمت بجسدها قليلاً ناحية الأخرى حتى قبلت وجنتيه ورجعت لمقعدها مرة أخرى. نظر لعينيها قليلاً تحدثت باسمة:
"مالك بتبص كده ليه؟"
تحدث ومازالت عيناه مركزة على عينيها:
"مالك، فيكي حاجة؟"
ارتبكت قليلاً وحاولت أن تبعد عينيها عن عينه لأنها تعرفه جيداً. سيقلق إذا علمت أنها بكت منذ قليل. ردت بتلعثم:
"مفيش حاجة. هيكون في إيه؟"
أجاب عليها بهدوء:
"لا، فيه. وهتقوليلي أو مش هنمشي من هنا النهاردة."
حاولت جاهدة ألا تتذكر مرة أخرى حتى ردت بنبرة حزينة. نظرت لعينيه جيداً قائلة برجاء:
"ينفع تاخدني في حضنك؟"
تقدم بجسده قليلاً حتى أخذها بين أحضانه. كان يحتضنها كأن الدنيا تعتمد على هذا العناق. لفت ذراعها حول خصره ودفنت وجهها في صدره كأنها تود أن تخترق أضلعه وتقيم بها. شد من احتضانه ويده تعبث بخصلات شعرها واليد الأخرى موضوعة على ظهرها تقربها منه. ظل بعض الوقت في هذا العناق الساحق. كانت تتنفس رائحته التي مازالت ولازالت تدمنها. تنهدت تنهيدة قوية، كانت تستمع لدقات قلبه كأنها معزوفة موسيقى تعزف لتريه كم أن قلبه لم يُخلق إلا لينبض لها فقط.
رفعت رأسها ونظرت لعينيه ومازالت داخل أحضانها. أردف بابتسامة مشرقة:
"بقيتي أحسن؟"
أجابت عليه ونمت على شفتيها ابتسامة:
"الحمد لله."
أرجع خصلات شعرها للخلف وراء أذنها وتحدث:
"أنا عازمك انهاردة على غداء بره من باب التغيير."
رجعت بجسدها لمقعدها، وضعت حزام الأمان وبدأ في القيادة متجهاً لأحد المطاعم.
***
البارت السادس الجزء الثاني.
في القصر.
على العشاء.
كان الصمت هو حليف المكان إلا من بعض أصوات المعالق والأشواك. أرادت والدتهم الخروج من الصمت حتى تحدثت وعلى شفتيها ابتسامة هادئة:
"عاملين إيه في شغلكم؟"
أجاب حازم بينما منشغل بتقطيع الطعام:
"الحمد لله، كله ماشي تمام."
أدارت رأسها ناحية رهف التي منشغلة بالطعام قائلة باهتمام وتساؤل:
"وإنتِ يا حبيبتي؟"
رفعت ناظرها لها وأجابت بنبرة هادئة:
"الحمد لله."
خيم المكان السكون مرة أخرى. تحدثت رهف فجأة:
"أنا عايزة أشتغل."
نظر الجميع لها باستغراب من قرارها المفاجئ حتى تحدث سليمان ليكسر استغرابهم:
"وإيه اللي فكرك بالموضوع ده؟ مش كنتِ مهتمية غير بالجاليري بتاعك؟ رغم إننا عرضنا موضوع ده عليكي."
رفعت كتفيها وردت بعدم اهتمام:
"مش عارفة، موضوع جه في دماغي."
تحدثت حنان باسمة مطمئنة لها:
"متقلقيش يا حبيبتي. إحنا معاكي في أي حاجة وأي قرار تاخديه."
منحت حنان ابتسامة ممتنة لما تفعله معها دائماً. نهضت من مقعدها هتفت والدتها:
"إيه يا حببتي قومتي ليه؟ إنتِ لسه مكلتيش."
أجابت رهف عليها بابتسامة هادئة:
"مش قادرة آكل. هطلع فوق على أوضتي."
صعدت الدرج متجهة ناحية غرفتها التي تقبع بالأعلى. تحدث سليمان:
"شوفي مالها، أنا حاسس بيها متغيره."
كان حازم يأكل بينما يجيب عليه:
"حاضر، متقلقش عليها."
***
في غرفتها.
كانت جالسة على الفراش ممسكة بهاتفها تتفحص أحد مواقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك". قام بنشر منشور وكتبت فيه "دائماً ما نحتاج لأشخاص لتنير لنا أشياء لم تخطر على عقولنا" وقامت بنشره. قام بعض من الأصدقاء بالتعليق على منشور، قامت بالرد عليهم. طرق الباب حتى دخل حازم. نظرت له بابتسامة. أقفل الباب خلفه وسار بخطوات متجهاً نحوها. جلس على الفراش والتف بجسده ناحيته.
تحدث حازم بعدما كتف يديه لصدره:
"عايزة أعرف إيه اللي قولتي تحت. بعدين مقولتيليش ليه ها؟"
أخذت نفس عميق وزفرته على مراحل. كانت أفكارها مشوشة، لا تعرف ماذا تريد وما لا تريده. تشعر بالفراغ داخلها، لا شيء جديد حتى ما كانت تحلم به وتريده لم يتحقق كما كانت تتخيل. فكرت كثيراً في كيفية التجدد، بعض الأحيان ولكن لم تلقي أي رد فعل.
كان يتابع كل حركة تقوم بها حتى تعابير وجهها. يعرف ما تشعر به، ولكنه يريد أن تتحدث من تلقاء نفسها لا أن يضغط عليها. أردفت بنبرة عادية:
"مش عارفة."
نظر لعينيها وتحدث:
"إيه اللي مش عارفة؟"
أرجعت شعرها للخلف ونظرت لعينيه أجابت بنبرة عادية:
"مش عارفة أنا عايزة إيه."
تقدم بجسده واتجه حتى جلس بجانبها وأخذها في أحضانه. أما هي، بدأت بالبكاء، لا تعرف مصدره.
تحدث حازم بنبرة قلقة:
"مالك؟ بتعيطي ليه؟"
تحدثت رهف من بين بكائها:
"مش عارفة. أنا مش بعيط."
أجاب حازم عليها مستغرباً:
"مش بتعيطي؟ أمل مين اللي بيعيط أنا؟"
حاول حازم تهدئتها وبدأ بالتربيت على ظهرها برفق:
"طب خلاص، أهدي. متعيطيش."
ابتعدت عنه ومسحت عينيها بكف يديها كالأطفال وتحدثت بنبرة مجهشة من البكاء:
"أنا مش عارفة أنا عايزة إيه. حاسة إني مشتتة، كل حاجة مش عارفة آخد ليها قرار. أكملت بقله حيلة: ولا عارفة حابة أعمل إيه."
حاول حازم أن يلطف الجو تحدث بمزاح:
"إيه كمية عارفة ومش عارفة دي. إنتِ داخلة مسابقة مين هيقول مش عارفة أكتر في كلام."
رسمت ابتسامة بسيطة على شفتيها. أردف حديثه:
"ينفع أعرف إيه مناسبة الشغل؟ ومن إمتى وإنتِ عايزة تشتغلي؟ أكيد مطلعتش فجأة في دماغك كده."
تنهدت تنهيدة قوية وقصت عليه ما حدث معها، عدم حديث عن حديث الخاص بروضة. أنهت حديثها بنبرة عادية:
"بس ده اللي حصل. ومش عارفة أعمل إيه."
سألها بصيغة أخرى حتى تستطيع الرد:
"طب إنتِ عندك مقدرة إنك توفقي بين الجاليري وشغلك؟"
لم تستطع الرد عليه. استشف من معالم وجهها كالمعتاد بأنها لا تعرف ولا تملك الإجابة. تهاون معها كثيراً في هذا الموضوع، كثرة ترددها وعدم الإقبال على الشيء. فكر ربما عندما تكبر يبدأ ترددها في النقصان، لكن للأسف خرج من توقعاته. وإنما كلما كبرت زادت عدم معرفتها وقلة تصرفها تزداد. ويجب الوقوف أمام هذه المشكلة بحزم وشدة حتى تفيق مما هي فيه. والإقدام وأخذ خطوة للأمام.
تحدث حازم بنبرة جامدة:
"وهو حضرتك لغاية إمتى صغيرة ومش عارفة تاخدي قرار؟ أي حياتك كلها هتوقفيها وأنا المفروض أفضل أحللك في مشاكلك؟ مش هتنضجي خالص."
هزت رأسها برفض قائلة بنبرة مليئة بالبكاء وعينيها تهدد بنزول دموعها:
"موضوع مش كده."
قاطع حديثها مردفاً حديثه بقسوة غير معهودة عليها:
"لا، هو الموضوع كده. قولتلك اشتغلي واعملي كارير وكيان ليكي وجريتي وراء فتح الجاليري وقولت ده هدفها وهتبقي تحققه وتكبره. لكن إنتِ مكبرتيش حاجة. ولا حتى حاولتي تشتغلي على نفسك وتعملي للجاليري اسم ويبدأ يظهر ويبان. إنتِ واقفة مكانك. وأنا المفروض كالمعتاد أحل معاكي. بس لأ. دوري لغاية كده وانتهى موضوع الشغل ده. يتفكر فيه مرة واتنين وتلاتة. لو مقبلتيش الموضوع هيتقفل نهائي. ولو جيتي في يوم واتنططتي كده مش هشغلك واخليكي قاعدة كده الناس كلها تروح وتيجي وتكبر نفسها وأنتِ خليكي زيك زي أي حاجة مركونة هنا ملهاش فايدة. عشان لما تندمي متقوليش أصل ياريتني. جو اللي كنت حنين وبطبطب عليكي ده انتهى. لأن باين تساهلت معاكي كتير. جه وقت اللي أقف فيه قصادك وأعلمك إزاي من أول وجديد. هسيبك تفكري وتقرري، وفي الآخر هبقى أعرف قرارك. ويا ريت مشوفكيش غير وأنتِ مقررة."
نهض بجسده واتجه نحو الخارج بعدما أغلق الباب بشدة دليل على غضبه وسخطه منها. نظرت إلى الباب وبدأت دموعها في الهطول من عينيها. نامت على الفراش واحتضنت الوسادة وبدأت بالبكاء الشديد. لم تعهد منه هذا الجانب، دائماً يصبح حنون معها، يعاملها كالأميرات. حتى عندما تسمع عن قسوته في العمل وجموده لم تصدق عن هذا الجانب. لكن رأت حازم الذي دائماً ما يخفيه عنها وعن شخصيته، بينما هي السبب وراء هذا الجانب. ظلت تبكي لكثير من الوقت حتى أرهقت عينيها ولم تقدر على فتحها. أما رأسها بدأ بالصداع الشديد. غرقت في النوم العميق والوسادة مبللة من كثرة البكاء.
***
في الصباح الباكر.
كان الجميع يجلس يتناول فطوره ما عدا رهف، لم تنزل من غرفتها. تحدثت حنان بقلق على ابنتها:
"البنت منزلتش لغاية دلوقتي. هنده على حد يصحّيها."
أجاب عليها حازم بعدم اهتمام:
"خليها زي ماهي. مبقتش صغيرة. يلا لازم أمشي."
نهض أخذ هاتفه واتجه للخارج. استغربت حنان بما قاله حيث قالت مخاطبة لسليمان:
"يعني إيه أسبها زي ما هي؟ باين عليه زعلها في حاجة."
أجاب سليمان عليها باهتمام:
"ولادك مش صغيرين. وحازم عارف هو بيعمل إيه ويتصرف إزاي معاها."
***
في نفس الوقت.
في الأعلى، حيث غرفة رهف.
فتحت عينيها بإرهاق، تحركت بجسدها حيث نامت على ظهرها. شعرت بالصداع الشديد، عرفت أنه من كثرة البكاء. تأملت قليلاً السقف بشرود. استمعت لوصول رسالة عبر تطبيق الماسنجر، حيث لم يكن إلا يزن الذي كتب: "الناس تصحى على صباح الخير وأنا أصحى على الناس عميقة 👀🤦".
نمت على شفتيها طيف ابتسامة تكاد تكون معدومة على مزاحه.
أجابت عليه: "عشان إحنا نختلف عن الآخرون."
كتب يزن: "اعترفي بوست ده متكتبش من فراغ، أي سببه؟ 👀🤔"
كتبت رهف: "لا عادي، مجرد جملة جت في دماغي 🤷".
كتب يزن: "تؤ تؤ، مش دي إجابة اللي أحب أسمعها 🌚🙂".
كتبت رهف: "هو إن يكون الشخص دايما متردد ومبيعرفش ياخد قرار معين ده غلط؟"
كتب يزن: "مين قال إنه غلط؟ أي مشكلة. إحنا مش زي بعض. في اللي عنده واجهة وهدف عايز يحققه وفي اللي دايماً بيحتاج شخص يوجه ويسانده. بس دي مشكلة. المشكلة إن الشخص ده يتعود على المساندة، لو راحت هيضيع ويروح معاه."
كتبت رهف: "للأسف أنا دايماً مترددة في قراراتي. مبعرفش أختار وبالنسبالي أي حاجة مش هتفرق. حيث بدأت في قص موضوع العمل وبما قاله حازم لها."
كتب يزن: "حازم عنده حق في كل كلمة قالها وهو صح. مينفعش تبقى الناس كلها تتغير وإنتِ واقفة مكانك. لازم تتغيري إنتِ كمان. حاولي تتغلبي على ده ومش عيب لو أخدتي قرار وطلع غلط، المهم إنك تتعلمي منه وتبدأي القرار اللي بعده تختاريه صح وبتأني. الحياة تجارب وإحنا كل يوم بنتعلم. مرة قرار يثبت معانا ومرة يفشل. المهم إنك تحاولي، دي أهم حاجة."
كتبت رهف: "وأنا أقول مصاحب حازم ليه. أتاريكم نفس النظام."
كتب يزن: "الموضوع مش نفس النظام ولا حاجة. الموضوع إن ده الصح والمفروض يتعمل. وبعدين متقلقيش، كلنا معاكي وجمبك. بعدين اكتسبتي صديق جديد أهو قمر وزي الفل 😌😎😎".
ضحكت رهف بشدة على ما قاله لها.
كتبت رهف: "متشكرين لخدمات سيادتك 😂".
كتب يزن: "موجودين في الخدمة يا فندم 😎😌. بعدين يلا بقى هوينا كده شوية. عندي مرضى وبيندهوا عليا."
ضحكت وكتبت: "ده على أساس إنك سامع وهما بيندهوا عليك 👀🙄".
ابتسم ثم كتب: "أمل أي في علاقة بيني وبين المرضى أقدر أسمعهم عن بعض 😂😋".
كتبت: "يلا روح شوف شغلك. باي."
كتب لها: "باي باي يا قطة 😌".
أقفلت معه الرسائل، وضعت الهاتف بجانبها وأخذت الوسادة في حضنها مرة أخرى. حيث أغمضت عينيها وهذه المرة وعلى وجهها ابتسامة مشرقة الذي استطاع أن ينميها على شفتيها بعدما كانت تبكي.
***
ساعة الرابعة مساء.
في المشفى.
كان يجلس يزن يتابع أخر أوراق وتنظمهم بشكل صحيح بعد قراءتهم. فتح الباب بشكل عنيف للغاية، رفع ناظره بقسوة مقرراً تعنيف من أقام بهذا الفعل الشنيع. تحدث الممرضة بأنفاس متسارعة وكلمات متقطعة:
"الحق يا دكتور. المريض في أوضة 105 قلبه وقف ومش عارفين نتصرف."
نهض بسرعة ومتجهاً بسرعة البرق ناحية الغرفة لإنقاذ المريض.
في الغرفة.
كان المريض جسده ينتفض بشدة وعائلته حوله تبكي بشدة مودعة إياه غير مصدقين لما يحدث. فتح الباب بعنف حتى دخل سريعاً للداخل. أبعد الناس التي تلتف حوله. فحص عينيه بكشاف صغير وعروق جسده. هتف بنبرة عالية للممرضة:
"كل الناس دي... خرجيها بره."
حاولت إزاحتهم ولكن كلما حاولت إخراجهم زاد تشبثهم وصوت العويل والبكاء يزداد. وجد أن الجميع مازال متواجد في الغرفة. تحدث يزن بعصبية ونبرة عالية محملة بالغضب:
"بره... كله بره."
خاف الجميع من نبرة صوته وخرجوا سريعاً بينما هو يحاول إنقاذه. تحدث للممرضة:
"هاتي لي حقنة... بسرعة وجهاز الإنعاش."
ذهبت سريعاً للخارج وجلبت ما طلبه. دخلت ثم أعطته الإبرة. بدأ بملء السرنجة ووضعها بالمحلول حتى فرغ الحقنة كلها في المحلول. لكن مازال صوت صفير الجهاز يدل على أن قلبه انتهى وحياته كذلك. هتف يزن:
"شغلي الجهاز بسرعة."
أخذ الجهاز بعدما وضعت به السائل، فركه ببعضه سريعاً وبدأ بوضعه على صدره. لكن لم يستجب. تحدث للممرضة:
"أعلى."
وضعه مرة أخرى لكن لا فائدة حتى زودت السرعة، وضعه مرة وراء الأخرى حتى بدأ الصفير يقل ويبدأ نبضات قلبه تعود مرة أخرى. أخذ تنهيدة قوية بعد مجهود كبير فعلوه. تحدث يزن:
"خدي دم بسرعة واعملي لي تحاليل. وتتعبي فوراً أول ما النتيجة طلعت."
خرج يزن من الغرفة وجد الجميع يلتف حوله منتظرين الإجابة التي أخذوها سابقاً. لكن تحدث يزن بابتسامة بسيطة معتذرة:
"الحمد لله قدرت أنقذه. وأتأسف على علو صوتي بس ده كان في مصلحة المريض."
تنفست عائلته براحة شديدة حيث أجاب أخيه:
"شكراً جداً يا دكتور على اللي عملته. إحنا اللي بنعتذر على عدم خروجنا من أول مرة، بس أكيد عاذرنا."
هز رأسه بتفهم قائلاً بتوضيح:
"عارف ومتفهم. الحمد لله الأزمة عدت على خير."
تحرك من أمامهم متجه لغرفته مرة أخرى وإكمال باقي عمله الذي تركه على وجه السرعة.
بعد ساعتين.
دلفت الممرضة بعدما طرقت الباب. وضعت أمامه نتيجة التحاليل الذي طلب فعلها. فتح الملف باهتمام، لكن تحولت عيناه من متفحصة مهتمة بالمحتوى إلى غضب مكبوت وزرقة عينيه الهادئة بدأت بالتحول لزرقة مليئة بالغضب. حتى معالم وجهه التي تبدلت كلياً، حيث أنها لا تبشر بالخير إطلاقاً.
رواية انجذاب الروح الفصل السابع 7 - بقلم زينب خالد
تجبيلى خلال عشر دقايق مسؤلين عن دور دة ومسئول المراقبه وبتوع الامن وحالا ... مضمنش لو أتاخرتى هيحصل أى.
خرجت سريعا لتنفذ بما طلبه. جلس هو يحاول فى تفكير من يستطيع أن يفعل هذا. أما أن يكون أحد أعداء المريض أو شخص يريد أن يشوه سمعته. لولا أنه وصل فى اللحظه المناسبه لكان فارق الحياه. حمد ربه أنه انقذه.
طُرق الباب ودخل الجميع مسئولين عن الدور أطباء وممرضين بما فيهم الامن ومسيول كاميرات المراقبه. وقف الجميع أمامه باحترام والهدوء هو مصاحب للمكان. كان ينظر لهم بتدقيق.
تحدث أحد الاطباء الموجودين باستغراب:
حضرتك طلبتنا يا دكتور ... فى حاجه معينه حصلت؟
شبك يزن يديه ببعضهم على هيئه قبضه حتى تحدث يزن مشيرا لاحد من الاطباء:
أنت مسئول عن حاله غرفه 105 بعدي.
هتف الطبيب بنبره هادئه مستغربا:
ايوة يا فندم.
أكمل يزن حديثه:
أخر مره شوفته امتى؟
أجاب الطبيب بإحترام:
الصبح أول لما جيت .. مريت على المرضى بتوعي ... بس ينفع أعرف ليه حضرتك مجمعنا؟
أجاب يزن محاولا كتم غضبه:
والله الحاله المسئول عنها حد دخل وأداله حقنه توقف نبضات القلب ... ولولا أن لحقته على أخر لحظه كان هيموت مننا.
علت الصدمه على وجوهم جميعا من كيفيه حدوث هذا فى وسط النهار.
نهض بجسده حتى اتجه وقف ناحيتهم ثم وضع يديه فى جيوبه ببرود وتحدث يزن:
اللى حصل ده مش هيعدى بالساهل.
حتى هتف بصوت عالى محمل بالغضب الشديد:
ازاى ده يحصل فى مستشفى وسط الكل اللى موجود .. وفى النهار حتى.
علت شفتيه متحدثا بسخريه:
ده وحصل الصبح أمل لو بالليل كان هيحصل أى.
وجه عينيه لمسئولين الامن وتحدث يزن بنبره مرعبه تحمل فى طياتها كثير:
وأنت حضارتكم واقفين نايمين على ودانكم أى حد يدخل كدة.
أنهى جملته حتى عالى صوته مره أخرى.
تحدث أحد مسئولى الامن بنبرة مرتبكه خائفه:
حضرتك دى مستشفى وده وقت زيارات .. أكيد دخل لزياره أى مريض .. منقدرش نشك فى كل اللى داخل.
تجاهلهم كليا وجه نظره لمسئول المراقبه وتحدث بجمود:
شريط يتفضي حالا ... وتجيوبى تيجى وأى تاخير أكيد مش هقول هيحصل اى .. لانى هعمل على طول.
تحدث يزن بصوت عالى والغضب يتملكه:
أى حد غلط هيتحااسب ... وهعرف مين اللى ساعدني.
نظر الجميع له بخوف من هيئته وخصوصا وهو يحاول أن يكبت غضبه. لأول مره يرونه بهذه الهيئه. دائما ما كان يمزح معهم ويعاملهم بحسن ولكن ما حدث جعل الامر ينقلب ويرونه بالوجه الاخر.
خرج الجميع سريعا من أمامه.
كان الغضب تملكه ظل يسير ذهاباً وإياباً فى الغرفه يريد أن ينفجر بأى لحظه. ظل منتظرا حتى يأتى شريط الفيديو.
دخل مسئول مراقبه ومعه الفيديو محمل فى فلاشه صغيره. أمره بأن يخرج.
إتجه بجسده للمكتب حتى جلس على المقعد وفتح الحاسوب وضع الفلاشه به ينتظر أن يتم تحميله. رأى رجل كان يرتدى زى الممرض مما يدل على أنه سرق ملابس من أحد الخزائن. كان يمشى بخطوات سريعه ظل يبحث عن الغرف كأنه يبحث عن غرفه معينه يريدها. وصل أمام الغرفه المنشوده حتى التف يمينا ويسارا حتى يتأكد من عدم وجود أحد أو كشف هويته. حتى وضع يده على المقبض ودخل للغرفه.
دقايق حتى خرج مره أخرى و ذهب بعيدا متجها للسلم الطوارئ حتى نزل سريعا على الدرج. خلع الرداء وخرج من الباب الخلفى لمشفى. كانت تنظره سياره حتى ركب بها.
أقفله بعنف وهو يتنفس بغضب شديده. كان المريض مقصودا. حاول أن يفكر بهدوء. ولكن لم يستطع. من فعل هذا فعل فعله بخطوات مدروسه حتى لا يشُك أحد به. قرر أن يستدعى أحد من أقارب المريض ليعرف بعض المعلومات. بعد هذا سيفكر ماذا سيفعل.
بعد فتره زمنيه.
كان يجلس شقيق المريض أمام يزن وعلى وجه الخوف لعل حدث شئ لاخيه.
تحدث بقلق:
فى حاجه يا دكتور .... أخويا حصله حاجه؟
تحدث حاول أن يبث الاطمئنان له حتى هتف يزن:
لا متقلقش حمدالله .... قدرت أسيطر على الموقف.
أجاب مستغربا:
أمل حضرتك طالبنى ليه؟
أجاب يزن عليه ناظرا له بهدوء:
ليكم أعداء .. أو فى خلافات بين أخوك وحد تانى.
تعجب قليلا ثم أجاب:
لا مفيش وأخويا طيب مبيقذيش حد ... بس شغله فى المحاماه فاتح مكتب ... ممكن يكون ليه أعداء بس عمر ما اتذاء من حد.
تحدث بجديه شديدة مسترسلا حديثه:
أنا شكيت فى الحالته خصوصا أن العمليه نجحت وفحوصات كلها سليمه .... وشكى طلع فى محله وحد دخل واداله حقنه توقف نبضات القلب.
به واقفا متحدثا بغضب. بعد ما استمع له ضرب على المكتب بيديه تحدث بنبره غاضبه:
ازاى ده يحصل فى مستشفى ... مش المفروض تكونوا مأمنين على حياه المرضي اللى عندكم؟
أجاب يزن عليه بهدوء نسبيا:
أنا مقدر حضرتك الحاله اللى أنت فيها ... بس ياريت تتفضل تعد عشان نعرف نحل مشكله.
ارتفع صوته مسترسلا بغضب:
أعد أى ومشكله أى ... حياه أخويا فى خطر وتقولى أعد ... أنا هقلب المستشفى باللى فيها طالما مش عارفين تأمنوا كويس على حياه المرضى.
ضرب بيده على المكتب بقوه وعرقه الذي يقع بين ثنايا رقبته بدأ بالانقباض والانبساط من الغضب وفكه الضاغط عليه متحدثا يزن بنبره غاضبة:
أنا قولت لحضرتك تقعد ... لغايه دلوقتي مقدر الحاله اللى أنت فيها ... ثانيه كمان ومضمنش ممكن أعمل أى.
جلس على مضض ووجه لا يبشر بالخير اطلاقا. أما الاخر حاول أن يستعيد هدوء حتى يستطيع أن يحل الامور بالطريقه الصحيحه.
هتف يزن بنبرة جديه:
أنا جبت حضرتك عشان تاخد احتياطك .. وتاخد بالك كويس من عيلتك ... وانا هعمل اللى اقدر عليه.
أجاب عليه بعدما هدا قليلا:
بس أحنا لازم نبلغ الشرطه.
سند بيده على المكتب وهتف بجديه:
مقدرش أنى ابلغ بحاجه وانا معيش دليل الكافى.
أجاب الاخر:
مش مفروض فى كاميرات مراقبه في مستشفى.
تحدث يزن بجمود:
فيه بس مش باين أى حاجة منه ... كأنه عارف أن فى كاميرات ... أنا ببلغ حضرتك عشان تاخد بالك من عيلتك ... وأنا هقوم بكل اللى عليا من ناحيتى.
هتف معتذرا منه وعلى وجه ابتسامه خجوله:
أنا اسف على اللى عملته ... بس ده أخويا واغلى ما عندي.
رسم يزن ابتسامه مطمئنه على شفتيه بمهاره:
أنا مقدر وعارف.
نهض بجسده حتى هتف:
عن اذن حضرتك.
أومأ له برأسه واتجه ناحيه الباب حتى خرج واقفل الباب خلفه. ارجع جسده للخلف حتى سند بظهره على المقعد ونظر للفراغ محاولا ترتيب جميع أفكارة قبل أن يخطو خطوة واحدة.
قام بتشديد جميع الإجراءات فى المشفى وجلب بعض من الرجال الامن يحاوطون المكان. وإجراءات أخرى من أجل سلامه المرضى وحياتهم.
***
فى منتصف الليل. في الحديقه.
كان يجلس على الاريكه يراقب النجوم بهدوء. تقربت منه بخطوات ثابتة حتى جلست بجانبه. نظرت له ثم رفعت رأسها ونظرت للسماء المضئيه الملئيه بالنجوم. كان منظر رائع مع بعض نسمات الهواء.
تحدث بجديه دون النظر لها ولكن عينه تنظر للسماء:
قررتى هتعملى اى؟
ابتلعت ريقها بخوف حتى هتفت بصوت خافت:
ايوة ... قررت أن اشتغل.
أكمل حديثه بنبره جامده ليست نبرة الدلال التى تعودت عليها:
سمعينى ... واتكلمى بصوت عالى مش سامع.
حاولت أن تجمع بعض الثقه حتى تستطيع التحدث أمامه حتى التفت رهف بجسدها له ونظرها عليه:
قررت أن انزل اشتغل ... وهحاول أوفق بينه وبين الجاليرى عشان مبعدش عن شغفى وهوايتي.
لم يستجب لها أو الالتفات والتحدث معها. ظل صامتا وعينيه ثابته لا تحيد عن السماء حتى أنها يأست من محاوله الرد عليها. التف بجسده ناحيتها وعلت على وجه ابتسامه فخورة بها حتى هتف حازم:
أنت أكيد عارفه أن ده لمصلحتك ... وأن أكيد عمرى ما هفكر أنى أذيكى حتى لو قسيت عليكِ شويه فا ده عشان شخصيتك ويقويها. ويبقى عندك ثقه بنفسه قبل قرارك.
أومأت رهف رأسها بايجاب حتى أكمل بنظره حانيه لها متحدثا بكلمات مشجعه تحفزها على القادم:
بس الاهم أن الحياه العمليه والشغل غير أى حاجة تانى. عايزه شخصيه قويه عندها ثقه بنفسها قادرة تتحمل مسؤولية كامله. لانك لو غير كدة هيعتبروكى واحده سهله .. واللى رايح واللى جاى هيدوس عليكى. وده عمرى ما هسمح بيه أبدا. أنت رهف المنياوى يعنى متسمحيش لحد أن يقرب منك أو يدوسلك على طرف. وأنا عارف أنك هتفكرى فى مصلحتك ومستقبلك. عشان كده كلمت من معارفى وهو راجل كبير وبشوش وهترتاحى معاه فى الشغل. وهو رحب بيكى وتقدرى تروحى فى أى وقت.
نظرت له نظره ممتنه لاخيها وفخورة بما دائما يفعله معها. مهما قسى عليها وعاملها بجمود يفعل ذلك لاجلها. ارتسمت رهف على وجهها ابتسامة شاكره حتى هتفت:
بس أنا حابه أروح بكره واعمل انترڤيو كأى بنت رايحه تقدم. مش عايزه أحس أنى بشتغل عشان اسمك واسم بابا.
ابتسم حازم لها ثم اجاب عليها:
متقلقيش هتبقي مقابله زى أى حد. وأنا فهمته لو مقبلتيش فى شغل ده حاجه ترجعله مش عشان كلمته يبقي هيوافق على تعينك على طول.
هجمت عليه واحتصنته بشده حتى رجع بجسده للخلف قليلا. ضحك على تصرفاتها الطفوليه. حتى رجع لوضعيته بادلها ويديه تمسح على شعرها حتى قبل رأسها. ابتعدت رهف عنه وهتفت بسعادة:
شكرا شكرا شكرا شكرا. لو قولتها من انهاردة لبكره مش هقدر أوافى بيها حقك.
عبثت يديه على شعرها حتى هتف حازم بجديه مزيفه وحاجبيه معقوده:
أنت لسه صاحيه. يلا على نوم مش من أول يوم هنقضيها كسلنه.
نهضت حتى جرت ناحيه الداخل حيث غرفتها هاتفه بصوت عالا:
فوريره. هتلاقينى صاحيه الصبح من النجمه.
ضحك حازم بشده حتى تنهد بعمق ونهض هو الاخر متجها لغرفته لينام قليلا قبل أن ينهض للعمل.
***
فى الساعه السابعه صباحا.
بدأ هاتفها فى الرنين على معاد المنبه. تقلبت إلى الناحيه الاخرى حتى فصل الهاتف. ولكن عاد فى الرنين مره أخرى. تأففت بحنق حتى مدت يديها ووجهت رأسها ناحيه الهاتف حتى أطفئته. أغمضت عينيها لكن تذكرت أن اليوم هو اليوم المقابله. فتحت عينيها سريعا. نهضت بجسدها ثم وضعت قدمها على الارض. حاولت فتح عينها لتستطيع النظر. نهضت بجسدها واتجهت إلى الحمام لاخذ حمام بارد لتفيق من أثار النوم.
وقفت أمام المرأة تعدل من هيئتها. تركت شعرها منسدل بتمويجه. ارتدت بدله نسائيه بيضاء وتوب بلون الاسود. جلست على الفراش ترتدى حذائها ذو الكعب العالي نسبيا بلون الاسود. أخذت حقيبتها وبعض الاشياء واتجهت خارج الغرفه لتناول الفطور مع عائلتها.
على الطاوله.
كان والدها يترأس الطاوله بجانبه والدتها. نزلت الدرج وعلى وجها ابتسامه. وقفت حتى قبلت وجنتيها بشده حتى ضحكت عليها والدتها وفعلت المثل مع والدها. جلست على مقعدها قائله:
صباح الخير يا حلوين.
ردت حنان باسمه:
صباح النور يا حبيبه مامان.
نظرت رهف حولها ولم تجده. هتفت متسائله:
حازم كل دة ولسه منزلش؟
نزل الدرج واتجه ناحيتهم متحدثا بصوت عالا:
سامع حد بيجيب فى اسمي.
ردت رهف مستفزه له:
لو كنت جبت سيره فلوس. مكنتش هتيجى بسرعه دى.
وقف بجانبها حتى قرص وجنتيها بشده. ضربت يديه الموضوعه حتى ابتعد عنها وجلس بجانبها.
قالت رهف بألم من يديه:
ااه. حرام عليك وجعتني.
رفع حازم حاجبه باستمتاع قائلا:
أحسن. تستاهلي.
ضربته بيدها على كتفه باستمرار حتى هتف سُليمان ليقطع شجارهم المعتاد:
خلاص بقا. مش كل يوم كدة.
نظر لبعضهم بشر حتى رفع حاجبها مستفزا لها وهى أخرجت لسانها.
تحدثت حنان مقاطعه لهم باستغراب:
أنت هتروحى الجاليرى. بس أول مرة تلبسى ستايل ده.
نظرت لحازم وعلى وجها ابتسامه واسعه. نظر لها نظره تشجيع. نظرت لهم وقالت مبتسمه:
أنا رايحه أعمل انترڤيو. عشان قررت أن اشتغل.
سعد والديها كثيرا بقرارها حتى هتف سُليمان بابتسامة:
قوليلى اسم شركه اللى رايحاها. واكلملك صاحب الشركه.
وضع حازم قطعه فى الطعام فى فمه ثم تحدث:
متقلقش كل حاجه جاهزه. أنا كلمت انكل حسين. بعدين هى هتروح تقدم كأى بنت وتبدا بقا تشوف مستقبلها.
قال سُليمان بابتسامه:
متقلقيش حسين كان صديق ليا. وهترتاحى معاه فى الشغل.
تحدثت حنان بنبره فرحه لما تقدمت بها صغيرتها:
ربنا يحميكم لبعض يا حبايبى. ويوفقك يارب فى حياتك.
نهضت من مقعدها وامسكت حقيبتها وبعض الاوراق هتفت باسما:
لازم امشى عشان الحق المقابله.
نهضت هو الاخر وقال:
يلا أوصلك فى طريقي.
ودعوا والديهم ثم خرجوا. ركبوا السياره واتجهوا للشركه.
***
أمام الشركه.
وصلت سيارته أمام الباب. وجه بصره لها وتحدث بنبرة مشجعه وتحفيزها على القادم:
مش عايزك تتوترى أو تخافى. تخدى نفس عميق وتدخلى بكل ثقه.
طمئنته رهف بابتسامة بسيطه ثم قالت:
متقلقش عليا. سايب وراك رجاله.
ضحك حازم ثم قبل جبينها وهتف مسرعا:
يلا عشان الحق أروح الشركه.
نزلت من السياره حتى شاورت له مودعا ثم تحرك بسيارته متجها لشركته. أما هى لفت جسدها ووقفت أمام الشركه تتأمله والمبانى العالى ودلوف الناس وخروجهم. أخذت نفس عميق وظلت تبث لنفسها بعض كلمات المشجعه حتى دخلت للداخل بخطوات واثقه.
فى الداخل.
وقفت أمام موظفه الاستقبال حتى ابتسمت لها وقالت:
لو سمحت كنت محتاجه أعرف مكتب المدير فينه.
نظرت لها بعمليه وهتفت:
حضرتك ليكى معاد سابق؟
أومأ برأسها مجيبا:
أيوة رهف المنياوى.
رددت الموظفه بعمليه:
اخر الدور هتلاقى المكتب.
أجابت شاكره:
شكرا.
كان الورق بيديها ممسكه به بشده كأن تستمد منه الطاقه والتشجيع. استقلت المصعد وضغطت على أخر زر موضوع بين الازرار. دقائق حتى اعلن المصعد عن وصوله. خرجت منه. وصوت كعبها العالى يصدر صوت على الرخام. تسير بخطوات واثقه تخبئ خلفه خوفها من القادم. وقفت أمام السكرتاريه.
قالت رهف بجديه:
لو سمحت كان عندى معاد مع المهندس حسين.
أجابت عليها بعمليه:
حضرتك ليكى معاد؟
أومأ رهف برأسها مجيبه:
رهف المنياوى.
رددت الاخرى:
اتفضلى هو منتظر حضرتك.
***
فى الداخل.
كان يجلس يتابع بعض الاوراق المهمه حتى طُرق الباب. أذن للدخول حتى فتحت الباب ودخلت ثم وقفت أمامه وعلى وجها إبتسامه ساحره. رفع رأسه ونظر لها وقال:
أكيد أنت رهف بنت حسين.
ردت رهف بنبره خجوله:
ايوة. اتشرفت بحضرتك.
أشار لها بالجلوس حتى جلست أمامه. أعطت له الملف حتى أخذه منها وقرأه بعناية شديدة. قال بانبهار متعجبا:
أنت سي فى بتاعك هايل. متفوقه فى كل الكورسات والكليه تقريبا. ازاى مقدمتيش فى شغل لغايه دلوقتي.
حاولت أن تجمع ثقتها لتُجيب عليه حيث أجابت:
كان عندى حلم أن أفتح جاليرى وحمدالله فتحته. بس حسيت أن اللى كنت بتمناه متحققش زى ما أنا عايزة. فقررت أنى أبدا شغل فى أى شركه يمكن أقدر أحقق اللى بتمناه.
سند بذراعيه على المكتب وأجاب بابتسامة بسيطة من لباقه كلامها:
وهتقدري توفقي بين الجاليرى وشغلك؟
أجابت رهف بحيرة:
مش عارفه. بس هحاول أنى اظبط امورى.
قال حسين:
خلاص تقدري تستلمي شغلك من انهاردة. معانا حاليا فندق هيتبنى ومحتاج التصميم الاولى ونشوف الدنيا ماشيه ازاى.
أجابته رهف باسمه:
وأنا هكون عند حسن ظنك. وان شاء الله هتعجبك الرسومات.
أجاب حسين بابتسامة:
وأنا منتظر.
رفع سماعه الهاتف ووضعه على اذنه بعدما ضغط على زر قال:
تعاليلى المكتب حالا.
ثوانى حتى طرق الباب ودخلت السكرتاريه وقفت أمامه حتى هتف:
توريها مكتبها الجديد مع إيناس. تديها الملف بتاع الفندق الجديد.
أومأ برأسها قائلة باحترام:
حاضر يا فندم.
نهضت من مقعدها وقالت رهف بامتنان وشكر:
شكرا لحضرتك.
ضحك لها وهتف:
مش عايز شكر دلوقتي. أنا عايز شغل حلو.
ابتسمت له وهزت رأسها موافقه. وخرجت معها لتُوريها مكتبها الجديد.
***
فى المكتب.
دخلا الاثنتان وتحدثت السكرتاريه مشيرة لمكتبها:
ده المكتب بتاعك. وأعطت لها ملف. وده ملف الفندق. اتمنى ليكى عمل موفق.
أجابت رهف بود:
شكرا.
نظرت للغرفه كانت الحوائط باللون الابيض يتكون من ثلاث مكاتب باللون الاسود وبعض ديكورات البسيطه. نظرت للفتاه الجالسه أمامها وتحدثت:
ازيك؟
تحدثت إيناس بابتسامة مماثله:
حمدالله. أنت جديده هنا.
تقدمت منها رهف حتى وقفت قبالتها ومددت يديها قائلة:
أنا رهف المنياوى.
نهضت واتجهت ناحيتها حتى سلمت عليها مبتسمه:
وأنا إيناس. واو أنت أخت حازم المنياوى ولا تشابهه أسماء.
ضحكت رهف ثم هتفت:
لا مش تشابه أسماء.
رددت الاخرى بحماس:
أخيرا هلاقى حد يونسنى فى مكتب دة. بدل ما أنا لوحدى على طول.
أجابت رهف ناظره للمكتب الفارغ الثالث فى الغرفه بنبره متعجبه:
مكنش معاكى حد هنا؟
هزت إيناس رأسها نافيه مجيبه بتوضيح:
كان في بس للاسف مشيو. كويس أنك معايا هنكون صحاب حلوين اوي.
ابتسمت رهف لها بفرحه عارمه وأجابت:
أكيد طبعا ده يشرفني. أنا هبدأ فى مشروع الفندق الجديد.
أجابت إيناس:
وأنا كمان بشتغل عليه. متقلقيش مستر حسين كويس جدا رغم جديته فى شغل لكن كلنا بنحبه وهترتاحي فى شغل. يلا عشان لازم أكمل شغلى.
جلست إيناس على مكتبها بينما اتجهت بجسدها للمكتبها الجديد. جلست عليه الابتسامه ارتسمت على وجها وهى تشعر بسعادة كبيرة بما حققته. وستعمل قصار جدها حتى تثبت جدارتها فى العمل.
***
فى القصر.
مر اليوم سريعا حتى عادت لمنزلها مع حازم بعدما انتهى من عمله.
كان الجميع يجلس في الصالون على الاريكه حتى تحدث والدها بسعادة:
أى يا حبيبتي. عملتى اى انهاردة احكيلى.
أجابت رهف بحماس زاد وهى تسرد أحداث يومها:
انكل حسين كويس جدا وابتديت شغل انهاردة على تصميم هيتعمل لفندق. واتعرفت على بنت معايا فى مكتب وكان يوم محمس جددا.
أجاب سُليمان عليها والإبتسامة تغزو وجهه:
عايزاك تشرفينى. والكل يشاور عليكى يقولوا مهندسه ديكور رهف المنياوى.
أجابت رهف بسعادة كبيرة:
متقلقش عليا.
قضوا بعض الوقت بين المزاح والاحاديث. صعد كل واحد منهم لغرفته خاصه رهف التى كانت سعيده بما فعلته به اليوم متمنيه بداخلها أن تسير الامور على ما يرام.
رواية انجذاب الروح الفصل الثامن 8 - بقلم زينب خالد
في الحديقة، كانت تجلس رهف على الأريكة ترتدي بجامة بيتية باللون الأسود، بينما ترفع شعرها على هيئة كعكة. بيديها الهاتف، طلبت رقم روضة ثم وضعته على أذنها متنظرة الرد.
"صباح الخير، عاملة إيه؟" قالت رهف بابتسامة.
"صباح النور، الحمد لله. إنتِ اللي عاملة إيه؟" أجابت روضة بابتسامة مماثلة.
"عملت كتير وعايزة أحكيلك حاجات أكتر."
أردفت بنبرة متوسلة: "ما تيجي نروح النادي النهاردة نتقابل هناك."
أمعنت قليلاً بالفكرة، لكن أجابت روضة بتفكير: "مش عارفة."
قالت رهف بنبرة حزينة متوسلة: "بليز بليز، عشان خاطري بجد. ينفع كده تزعليني؟ متخافيش، هخلي حازم يجي معايا. يعني مالك مش هيكون لوحده. عشان خاطري."
استسلمت روضة لنبرتها المتوسلة وقالت بقله حيلة: "هشوف مالك وهبعتلك."
سعدت رهف للغاية، ثم قالت: "يا خراشي على قمر بتاعي. يلا خدي بوسة عقبال ما أحضنك كتير أوي."
أعطتها قبله، حتى ضحكت روضة عليها ثم قالت: "طب يلا سلام عشان أقوله."
أجابت رهف: "سلام."
نهضت بجسدها واتجهت للداخل. كان حازم يجلس على الأريكة وبيده الهاتف، بينما والديها يشاهدون التلفاز. جلست بجانبه وقبلته من أحد وجنتيه.
"عايزة ألعب." تحدث حازم ولم يزل عينيه عن الهاتف.
"هو أنا باين عليا أوي كده؟" داعبت شعره قليلاً.
"أنا عن نفسي قفشتك على طول." هتف سليمان وهو يشاهد الأخبار.
رفعت رأسها بتعالٍ وتحدثت بعدما وضعت قدمها على الأخرى قائلة بكبرياء: "بما إني اتقفشت بسرعة، فا يلا عايزاك توديني النادي."
لم يزل عينه عن الهاتف، أجاب حازم: "حد قالك إني سواق اللي جابهولك بابي؟"
أجابت رهف باستفزاز: "آه، هو محدش قالك؟"
نظر لها رافعاً حاجبه قائلاً حازم ببرود: "لا محدش قالي، وأنا مش قادر أقوم. خلي السواق يوديكي."
تصنعت رهف الاندهاش وقالت متعجبة: "يا خبر، هو أنا مقولتلش؟"
يعرف هذه النبرة جيداً عندما تقوم بأفعال تقحمه بها. لف جسده لها، حتى هتف متصنع الابتسامة مجيباً: "لا مقولتيش. اشجيني."
خافت من نظراته لها، حتى رجعت بجسدها للخلف قليلاً محاولة الابتسام. ولكن أمسك ذراعها وأرجعها لمكانها مرة أخرى وتحدث بنبرة تحمل الغضب ولكن بدت باردة: "اسمعيني بقى، قولتي إيه؟ وتقولي كل حاجة عشان إيدي متسلمش عليكي."
وضعت يدها على وجهها كحماية وقالت بخوف: "لا، وعلى إيه؟ الطيب أحسن." أكملت بنبرة سريعة: "كلمت روضة واقترحت عليها نروح النادي. هي مكنتش راضية، بعدين قولتلها متخافيش مالك مش هيعد لوحده. حازم معايا ويعدوا يسلو بعض."
نظر لها والشرار يتطاير من عينيه، والغضب بدأ يتملك منه بما فعلته. خافت من نظراته. حاولت طلب المساعدة من والدها، ولكن لم يتدخل كأن الأمر لم يعنيه. مسح بيديه على وجهه بنفاذ صبر قائلاً: "ما كنتي تكلمي يزن بالمرة."
ابتسمت بوجه ببراءة متحدثة: "لا، ما أنت الخير والبركة. هتكلم مين؟"
صدمت أسنانه ببعضها، وفكه بدأ بالانقباض من الغضب بما فعلته. حاول أن يتحدث بنبرة عادية، ولكن لم يعرف، فخرجت محملة بجميع الغضب. حتى هي خافت منه ومن تحوله المفاجئ. كانت نيتها أن يخرج قليلاً ويرفه عن نفسه. هل هي أخطأت لهذه الدرجة؟ حاولت التفكير، حتى قال بغضب: "مش تيجي تقوليلي الأول، قبل ما تتصرفي من دماغك."
انكمشت في نفسها أكثر، وحاولت أن تزيل يديه، حتى هتفت بخوف: "قصدي إنك تفرفش كده، بدل الكبت اللي إنت فيه ده. يعني أنا غلطانة؟"
حرك رأسه بعصبية وتحدث: "لا، إزاي ينفع رهف هانم تغلط؟ حد اشتكالك إني زهقان، مخنوق مثلاً ومش طايق نفسي؟"
حاولت أن تزيل يديه عن ذراعها، حتى نجحت بصعوبة، وجرت من أمامه دون الرد عليه، هاتفة من الأعلى بابتسامة: "هحضرلك الهدوم عشان متتعبش يا حبيبي."
وجرت ناحية غرفته لتختار له ملابسه ليذهب معها. بينما هو ضرب بيده على الآخر بقله حيلة وغيظ من أفعالها.
***
في شقة مالك، وضعت الهاتف جانبها بعدما أقفلت مع رهف. كان مالك يمسك جهاز التحكم يغير بين القنوات.
"كنتُ بتتفقوا على إيه؟" تحدث بعدما ثبت على قناة وبدأ في المشاهدة.
تابعت معه التلفاز. "رهف كانت عايزاني أروح النادي نتقابل هناك، قولتلها أسألك الأول. وبتقول إن حازم جاي معاها."
"وأنتِ عايزة إيه؟" تحدث مالك باندماج مع التلفاز.
رفعت روضة كتفيها وأجابت: "مش عارفة، بس هي لحّت عليّ."
نظر لها وابتسم، حيث قال: "طب خلاص روحي البسي، وحضريلي معاكي هدوم. وهكلم يزن يحصلنا على هنا."
نهضت بجسدها واتجهت ناحيته، قبلته من وجنتيه وسارت للغرفة. أما هو، أخذ هاتفه حتى رن على يزن.
***
في شقة يزن، كان جالساً على الأريكة وأذنيه مرهفة السمع للموسيقى الصادحة، ينظر أماماً بشرود، حتى رن هاتفه. لم يستمع في البداية، حتى فصل وبدأ في الرنين مرة أخرى. انتبه له، وضعه على أذنه.
"إيه يا ابني روحت فين؟ برن عليك مش بترد." هتف مالك بقلق.
"كنت سرحان شوية، ومشغل أغاني بصوت عالي." أجابه يزن بنبرة عادية.
تنهد مالك وهتف بابتسامة: "طب إحنا هنتجمع في نادي رهف وحازم وأنا وروضة. تعالى غير جو واحكيلي مختفي فين بقالك يومين."
"مش قادر أقوم أجي." أجاب يزن بإرهاق.
"لا هتقوم وتيجي، عشان مجيش أنا أجيبك." رد الآخر بإصرار.
"على أساس كده هكش وأخاف؟" هتف يزن بنبرة ساخرة.
"ماشي، يلا هنستناك هناك، متتأخرش." رد مالك بسرعة.
أقفل الهاتف دون أن ينتظر الرد. حرك رأسه بقله حيلة، حتى نهض بجسده واتجه إلى غرفته ليقابلهم.
***
في النادي، كان الاثنان في مكانهما المعتاد منتظرين الباقي. رن هاتف حازم، أجاب عليه. كان مالك، شرح له مكان جلوسهم. رأت رهف روضة تأتي من بعيد، ابتسمت بفرح، لوحت لها حتى تقدموا منهم. حضن الاثنان بعضهما بشوق كبير. جلس الجميع.
"مختفي فين بقالك فترة؟" قال حازم.
"يزن بقاله كام يوم مجاش الشركة، وأنا مشغول بين مصنع وشركة." أجابه مالك بتوضيح.
"صحيح، هو فين؟" تسأل حازم.
"كلمته ييجي يعد معانا. أنا نفسي بقالي كام يوم، لا كلمني ولا شوفته." أجابه مالك.
شدت رهف روضة ناحيتها. حركت روضة المقعد ناحيتها حتى جلست بجانبها.
"فرحانة قوي إني شوفتك." تحدثت رهف بسعادة.
"وأنا كمان." أجابت روضة بسعادة لم تقل عنها. "احكيلي عملتي إيه؟"
ضحكت بخفوت رهف قائلة: "اسكتي مقولكيش، عملت إيه في حازم."
قصت عليها ما فعلته مع حازم. انتهت من سرد حتى انفجرت روضة من الضحك، حتى شاركتها رهف. هتفت روضة من بين ضحكاتها: "يخربيتك، حرام عليكي."
أردفت رهف بتعالٍ مشيرة لنفسها: "عيب عليكي، لما بعوز حاجة بعملهالهم."
"هااا... قوليلى أي حاجات كتير اللي عايزة تقوليها." تحدثت روضة بفضول.
كانت ستتحدث، ولكن قطع عليهم حديثهم قدوم يزن متحدثاً بابتسامة جذابة: "صباح الخير يا حلوين."
أجاب الجميع عليهم: "صباح النور."
جلس على مقعده ناحية الشباب، فكان ناحية يجلس الشباب بجانب بعضهم، بينما الناحية الأخرى الفتيات وبينهما المنضدة. وجه يزن نظرة لروضة وقال بابتسامته المعهودة: "ملكة الجمال، عاملة إيه؟"
"الحمد لله. فينك مختفي بقالك كام يوم؟" أجابت روضة باسمة.
"شويه مشاكل في المستشفى، فكان لازم أفضل موجود." أجاب يزن وابتسامته ما زالت مرسومة على وجهه.
شاور لرهف بيديه قائلاً: "الرسامة مختفية بقالها كام يوم."
تعجبت بأنه يعرف أنها في الفترة الأخيرة لم تفتح هاتفها كثيراً على مواقع التواصل الاجتماعي.
"وأنت عرفت منين؟ مش المفروض مشغول؟" أجابت رهف بتعجب متسائلة.
"عيب تسألي سؤال زي ده... يعني ساعات كنت بقعد شوية لما زهقت." أجاب يزن بفخر.
تقدمت رهف بجسدها للأمام قائلة: "هروح أتمشى شوية أنا وروضة."
نفى مالك برأسه متحدثاً: "لا، خليكم هنا."
"ليه؟ مش هنبعد؟ هنفضل قريبين من هنا." تسألت رهف.
صمم على رأيه، لا يريد ما حدث آخر مرة أن يحدث ثانية. قال بإصرار: "خليكم قاعدين. بعدين ما إنتُ جنب بعض، وإحنا ناحية تانية، يعني اتكلموا براحتكم."
سحبت روضة يديها حتى هتفت روضة بنبرة هامسة: "خلاص، ادينا قاعدين... عشان خاطري."
رجعت رهف بجسدها للخلف مرة أخرى قائلة بعدم فهم: "تشرحيلي حالا إيه اللي حصل؟"
قصت لها ما حدث معها حتى انتهت قائلة: "بس وفضلنا كام يوم متخانقين لغاية لما صالحته. الحمد لله إن موضوع عدى على خير."
قالت رهف بنبرة فرحة: "بصي بقى، هقولك خبر من العيار التقيل."
"من ساعة ما قعدنا، ما شوفتش أي أخبار." أجابت روضة باستفسار.
ضحكت عليها حتى وضعت قدميها على الأخرى بتعالٍ وفخر، حيث قالت بحماس: "اتعينت في الشركة، وبقيت مهندسة ديكور رسمي."
"بجد ولا بتهزري؟" ارتسمت على ملامح وجهها التعجب ثم انقلب بعد ذلك للفرح.
"والحاجات دي فيها هزار؟" أجابت رهف مستنكرة.
"مش قصدي... بس مكنتش متخيلة إنك هتأخدي الفرصة وتعملي كده فعلاً." أجابت روضة متعللة.
"قعدت مع نفسي وفكرت، إني مش بعمل حاجة في حياتي غير الجاليري. فكرت ليه موسعش مجال زي ما قلتي، فاخدت القرار وجه بنتيجة." أجابت رهف موضحة.
فرحت كثيراً لها، رغم أن فترة اللقاء والقرابة بينهم لم تُدم كثيراً، ولكن أحبتها كأختها، وتمنت لها السعادة بتحقيق أحلامها.
"مهم إنك تكوني قدها... وأشوف لكِ حاجات حلوة وتعقدي تتكبري عليا، ومعرفش أكلمك بعد كده عشان المهندسة مش فاضية." أجابت روضة بابتسامة.
ضحكت رهف ثم قالت: "عيب عليكي، مش هعرفك تاني أصلاً."
"كلبة." ضربتها روضة في ذراعها قائلة.
أما عند الشباب،
"حالا هتقوليلي مختفي فين، ومش بتكلمني ليه؟ لازم أكلمك أنا." قال مالك بغضب طفيف.
"قلب على ماما أوي... بس لايق عليه الدور." وجه يزن حديثه لحازم حيث أجاب بمزاح.
"انجز." أجاب مالك باقتضاب.
أخذ تنهيدة قوية وبدأ في قص ما حدث معه. أنهى حديثه قائلاً: "ولغاية دلوقتي معرفتش. اضطريت أعد فترة كبيرة في المستشفى وأظبط شوية حاجات... بس تعبت بجد، مكنتش بلحق أنام ساعتين على بعض."
"اللي عمل كده حاجة من الاتنين، يا إما حد على عداوة بيك وعمل حركة غدر، يا إما ليه حاجات مش ظريفة مع المريض." أجاب حازم على حديثه بعد تفكير.
"أنا فكرت إن فيه بينه وبين مريض حاجة، لأن أنا مليش علاقات اللي تعمل عداوة بيني وبين حد. وده اقتراح مستبعد. لكن اللي فكرت فيه خصوصاً إن اللي عرفته إنه محامي... وأكيد ممكن يكون ليه أعداء. وكده كده كلمت أخوه وحذرته ياخد باله من عيلته." رد يزن بجدية.
"وأنت دلوقتي هتعمل إيه؟" تحدث مالك بجدية.
"عادي ولا حاجة... عملت احتياطاتي اللازمة، وربك يسهلها." رد يزن.
"مش هتاكلوا؟ أصل أنا صحيت مأكلتش غير ساندوتش بسيط وجيت على هنا." تحدث يزن للفتيات.
"مش قولتلك تاخد بالك من صحتك... ولا حابب منظرك وهو كده؟" ردت روضة بعتاب.
مسح يزن على وجهه بنفاذ صبر وابتسم بخفة: "أخلص من مالك تطلع روضة... طب يلا يا شباب هعزمكم على مطعم جامد."
"لا هعزمكم أنا." أجاب حازم باعتراض.
رفع يزن حاجبه موجهاً نظره له: "إنت بتتكلم ليه أصلاً؟ مش أنا اللي اتكلمت، وأنا اللي عرضت، يبقى متفتحش بقك تاني."
"إنت حابب وشك يكون فيه كدمة؟ كده عشان تحلو صح؟" أجاب حازم بجمود.
ضحكت الفتيات عليهم. نهض يزن متحدثاً: "تعالوا ورايا... هوديكم مطعم بحبه."
نهض الجميع وراءه، وظلت تضحك فتيات على مزاح شباب مع بعضهم. ثم قضوا وقتاً رائعاً مع بعضهم.
***
في صباح جديد، في الشركة، في المكتب. دخلت رهف حتى وضعت حقيبة يديها على المكتب. لم تجد إيناس، فا عرفت ربما تأتي في الطريق. دخلت إيناس خلفها بعد دقائق قائلة مبتسمة: "صباح الخير على الجميلة بتاعتي."
ابتسمت رهف لها برقة ثم قالت: "صباح النور يا قمر."
جلست كل واحدة منهم على مكتبها وبدأ في العمل على المشروع.
بعد ساعتين، دلفت السكرتيرة متحدثة بعملية: "في اجتماع بعد ربع ساعة... مستر حسين طالبني أبلغكم عشان الفندق الجديد."
"ماشي... دقايق وهنيجي." تحدثت إيناس بابتسامة.
خرجت كي تخبر باقي المهندسين المشاركين في المشروع. نهض الاثنان ومعهما الأوراق الخاصة بالمشروع متجهين لغرفة الاجتماعات.
غرفة الاجتماعات، أتى بعض من المهندسين. دق الباب حتى دخلت إيناس خلفها رهف.
"صباح الخير عليكم." قالت إيناس بابتسامة.
"صباح النور." أجاب الجميع بود.
اتجهت ناحية المقعدين الفارغين. جلسا الاثنان حتى بدأت إيناس في تعريف رهف عليهم. وفي الوقت المحدد، دخل حسين خلفه السكرتارية. جلس مترئساً الطاولة بهيبته. رغم ملامح وجهه المريحة، ولكن وقت العمل يختلف كلياً عن شخصيته.
"دي مهندسة الجديدة. أكيد اتعرفتوا على بعض قبل ما أجي." تحدث حسين مشيراً لرهف. أكمل حديثه بجدية: "جمعتكم النهاردة عشان نتناقش في مشروع الفندق اللي اتوزع عليكم... ياريت نبدأ."
بدأ كل واحد منهم في تقديم تصاميمه أمامه حتى ينال على إعجابه والفوز بالمشروع. جاء دور رهف، كانت متوترة بالغاً. لأول مرة تجتاز هذا الاختبار من هذا النوع. دائماً ما كانت رسماتها تنال إعجاب الجميع، ولكن اليوم يختلف كلياً عن أي يوم آخر. أخذت نفساً عميقاً وزفرته على مراحل، لعله يزيح بعض من التوتر الذي تشعر به. حاولت أن تتشجع، تمتمت بداخلها ببعض الكلمات كحافز لها. نهضت من مقعدها ووقفت أمام الجميع بثقة شديدة. إنها رهف المنياوي، ابنة عائلة المنياوي. يجب أن يتفاخر بها والديها وأن تضيف الإنجازات لعائلتها. بدأت تشرح ما قامت به.
بعد ثلاث ساعات، "أنا فخور حالياً بالمجموعة اللي قدامي. ولو محدش اتوفق في مشروع ده، هيتوفق في التاني. وأنا اخترت رهف وإيناس وأحمد وأسامة. وأتمنى التوفيق للجميع." تحدث حسين بعملية شديدة.
نهض الجميع متجهين للخارج، بينما تسير رهف بجانبها إيناس، وعلى ملامحهم ترسم عليها الفرحة.
"بجد أنا فرحانة جداً... أول حاجة ليا هنا وقدرت أنجح فيها." قالت رهف مبتسمة بسعادة.
"والأحلى بقى، إننا هنكون مع بعض." أجابت الأخرى بسعادة مماثلة.
دخلا الاثنان المصعد. ضغطت رهف على الزر ثم قالت: "في البريك هعزمك النهاردة على الغداء."
نفت إيناس برأسها قائلة: "لا طبعاً... طلعة دي عليا، ملكيش فيه."
"لا... ده أول مشروع ليا وكمان بالنسبة إننا بقينا صحاب... متفتحيش بوقك تاني." ردت رهف بإصرار.
ضحكت إيناس ثم ردت: "طالما كده... أنا موافقة."
***
في المساء، طرقت الباب ثم دخلت. بحثت عنه بعينيها ولكن لم تجده، فاستنتجت أنه في الحمام. جلست على الفراش. خرج من الحمام تفاجأ بها تجلس على الفراش.
"ما سر هذه الزيارة السعيدة؟" تحدث حازم مبتسماً.
"عندي ليك خبر هيفرحك أوي." ابتسمت ملامحها حيث قالت.
"اشجيني." أجاب عليها وما زال واقفا.
وضعت قدم على الأخرى متحدثة بتعالٍ شديد: "المهندس اختارني أبقى من تيم مشروع جديد. قدرت أفوز بأول خطوة بتصاميم بتاعتي رائعة. لا داعي للتسقيف."
حرك كتفيه ثم تحدث بنبرة مستفزة: "ومين قال إني هسقفلك أصلاً."
أخذت الوسادة وقذفته ناحيته، حيث التقطها بخفة، بينما قالت: "هسقف أنا لنفسي." سقفت لنفسها فرحة بما قامت به، حتى أردفت: "مش محتاجة منك حاجة."
نظر لبعضهما البعض ثوانٍ، حتى فتح ذراعيه، بينما لبت ندائه وجرت ناحيته. حضنها، قبل فروة رأسها بحنان. ابتعدت عنه، حتى أجاب حازم بنبرة مليئة بالسعادة: "بعيداً عن هبل اللي عملناه." ضحكا الاثنان، بينما أكمل بكلمات محفزة: "بس فرحتي إنك أخدتي أول خطوة ناجحة... أو تاني خطوة عشان الدقة العلمية، وأنا منتظر منك دايماً الأفضل. أنا عايز أمشي أبقى رافع راسي وأختي تبقى رهف، عايز يبقى ليكي سمعة بين الناس، ليكي شخصيتك القوية اللي تجبر أي حد يحترمك من غير ما يعرفك، ومجرد ما اسمك يتسمع الناس تجري وراه. فاهمة قصدي إيه؟"
هزت رأسها بإيجاب، مردفة وعيناها بها لمعة من السعادة: "فاهمة... وأوعدك إنك هتكون فخور بيا دايماً."
مسح على كتفها بيديه قائلاً بابتسامة: "وأنا منتظر أشوف. مهم بقى يا ستي، حابة هديتك تكون إيه؟"
داعبت شعره وعقدت حاجبيها دليلاً على تفكيرها، حتى اتسعت عيناها من الفكرة التي أتت على بالها، قالت: "بص بقى... قلم وورقة معانا يا ست الكل."
ضرب بيده على جبينه قائلاً بقله حيلة: "ياختااااي، هنبدأ الطلبات اللي مبتخلصش. قوللي وسمعيني."
قالت بابتسامة عريضة: "بص يا زوما... هتفسحني يوم كله من الصبح لبالليل، وتغديني بره وتعشيني بردك. مجتش عليها. وتجبلي شوكولاتة اللي بحبها بس من الكبيرة هااا عشان متضحكش عليا. وهااا، أي تاني بس خلاص مفيش حاجة تاني."
جحظ عينيه بصدمة قائلاً ولم يزل مستوعباً ما تقوله: "كل ده ومش كتير؟ أمل لو سبتك تفكري شوية هتعملي إيه يا حبيبتي."
رمشت عينيها ببرائة شديدة. أمسكها من كتفيها ناظراً لها، ثم ابتسم ابتسامة لا تدل على الخير بتاتاً. أخذها في حضنه واتجه بها للخارج قائلاً بابتسامة ماكرة: "بس كده... دي رهف هانم تطلب واحنا ننفذ. يا خراشي."
"في رجل أعمال ناجح يقول يا خراشي؟" أجابت رهف باستغراب.
ابتسم لها ثم هز رأسه مجيباً: "آه أنا."
وقف أمام الباب حتى أخرجها من الغرفة وأقفل خلفه. لم تستوعب ما فعله، حتى أدركت بما فعله، لكن كان قد أغلق الباب. طرقت على الباب بقوة هاتفة بغيظ شديد: "ماشي يا حازم... خليك فاكرها عشان مش هنساهالك."
لم يصدر له أي ردة فعل، حتى ضربت بقدميها على الأرض بغيظ، متجهة ناهية غرفتها، وتتوعد داخلها بما سوف تفعله به.
***
بعد شهرين، في مكتب رهف. بدأ التقارب بين يزن ورهف. في البداية كانت متحفظة في إجابتها، لا تتحدث كثيراً، ولكن بخفة ظله ومزاحه الدائم، استطاع أن يكسر هذا الحاجز، حتى استطاعت أن تتحدث معه بكل أريحية. شعرت ببعض التعب، بينما تتطلع على أحد المشاريع. أمسكت هاتفها الموضوع على المكتب. ظلت تعبث على موقع الفيسبوك حتى قررت أن ترسل رسالة له. أرسلت له، ولكن ظهر آخر مرة نشط منذ ساعة ونصف. لم يجب عليها. تركت الهاتف وبدأت مرة أخرى في العمل.
في الشركة، غرفة الاجتماعات. كان يترأس الطاولة يتابع آخر تطورات المصنع والأدوية.
"لازم نجيب مصنع أكبر بجانب المصنع ده، لأن طلبيات ابتدت تزيد. وفيه شركات بره عايزة تتعاقد معانا. وده مش هيقدر يغطي كل تكاليف." تحدث مالك بعملية.
"إحنا هنكمل شغلنا الطبيعي. وأنا عرفت إن فيه مزاد على مصنع كبير. هشوف لو نقدر نضمه لينا بجانب ده. كده الاجتماع خلص، تقدروا تتفضلوا." أجاب يزن بجدية.
نهض الجميع وخرج الواحد وراء الثاني، حتى تبقي مالك ويزن.
"أنا عايز أروح لمراتي حبيبتي. أنا مالي ومال الشغل. الأيام الجاية بعيداً عن أنها هتبقى فترة مُهلكة، بس هنتنقل نقلة تانية خالص، وخصوصاً تعاقدات مع شركات بره." قال مالك بعدما أراح جسده للخلف على المقعد.
"تعرف نفسي في إيه؟" وضع يزن يديه خلف رأسه.
"إيه؟" رد مالك.
"آخد إجازة من كل حاجة، الشركة والمستشفى. وأجر يخت وأقعد في البحر وأنام بقى. ومحدش يزعجني وأقعد لوحدي." أردف يزن بابتسامة كأنه يتخيل هذا المنظر أمام عينه.
"وتقعد لوحدك في البحر؟" تحدث مالك.
نظر يزن له ورفع حاجبه مردفاً: "يعني هو البحر هيشتكي مثلاً عشان أقعد لوحدي؟ بتقول حاجات غريبة."
"والله إنت اللي بتقول حاجات أغرب. بعدين هتفضل لغاية إمتى لوحدك؟ لازم تتجوز وتبني عيلة تعيش معاهم، بدل وحدتك اللي هتفضل قاعد فيها. إيه اللي بتعمله في حياتك غير شغلك وروحك للبيت لوحدك؟ لا فيه زوجة توانسك ولا ابن تلعب معاه. ده أنا مقدرش أتخيل يوم واحد من غير روضة، حتى لو لسه مخلفناش، كفاية إنها معايا وجمبي. لكن إنت إيه بقى هتفضل بطولك كده؟ هتيجي في يوم وتزهق من حياتك وروتينك الممل. إذا مكنش جه اليوم ده." أجاب مالك عليه.
زفر يزن بضيق، حتى تقدم بجسده وسند ذراعه على المكتب متحدثاً بضيق من تكرار نفس الموال للمرة التي لا يعرف عدها: "هنخلص إمتى من موضوع ده؟ لما ألاقي المناسبة، يبقى ربنا يسهلها."
"يا يزن، إنت أخويا مش صاحبي، ومش هينفع اللي بتعمله. على الأقل روضة تشوفلك عروسة كويسة وشوف لو هترتاح معاها ولا لأ." أكمل مالك حديثه بنبرة هادئة بعدما ربت على ذراعه.
نهض بجسده واتجه نحو الخارج دون الرد عليه. أما مالك، زفر بضيق من حالته. كلما يتحدثا معاً في هذا الموضوع بالذات، دائماً إما أن يجيب عليه بكلمات مقتضبة أو ينهض مثلما فعل. يخاف عليه كثيراً ومن وحدته، رغم أنه يقضي معظم اليوم في المستشفى أو في الشركة، لكن رغم ذلك يخاف عليه. يحاول أن يساعده، ولكن يصدّه بكل الطرق.
***
في المكتب، دخل يزن حيث جلس على المقعد وأراح جسده للخلف. ثم نظر للسقف بشرود. زفر بضيق، لعله يهدئ ما في داخله. لما عليه دائماً أن يدخل في هذا الحديث، وهو يعرف تمام المعرفة الإجابة، ولكن عليه في كل مرة يجلسان بها يتحدث بها. يحاول أن يفهمه بشتى الطرق أن الموضوع ليس بيده، وأنه لا يمانع. لم يجد الفتاة التي يبحث عنها. لا يضع معايير معينة لفتاة، لا بالشكل ولا بعائلتها ولا حياتها القديمة. يبحث عن الفتاة التي توانسه، أن تقدر ظروف عمله، تسانده في جميع أوقاته. يبحث عن فتاة بسيطة في هيئتها وحديثها، مرحة مثله، تستطيع أن تجاري جنونه في أفعاله. لكن ينتظر الوقت المقدر له، الوقت الذي كتب له.
تقدم بجسده، حتى أخذ هاتفه، فتحه وجد رسالة مبعوثة من رهف. ارتسمت على وجهه ابتسامة تلقائية لا يعرف مصدرها، لكن يشعر تجاهها بعدما بدأت بالتحدث معه وجذب أطراف الحديث بينهم بالراحة معها. ومع حديثها، يشعر بأنه يحكي كل شيء، وهي ببساطتها تقدر تحتوي الموقف، وتساعده. راحة كبيرة يشعر بها تجاهها. يحاول أن يحافظ على أمانة صديقه، ليس من الشباب الذين يسعون خلف الفتيات أو اختلاق الأحاديث لكي تظل معه بالساعات. لا يمكن أن يخون أمانته التي أتمنه عليها. ولكن في بعض الأوقات، يمر الوقت بين أحاديثهم سريعاً.
بعث رسالة لها محتواها: "معلش كنت في اجتماع مهم... وسبت التليفون في المكتب."
عند رهف، كانت تحاول ضبط الزوايا بشكل صحيح. أصدر هاتفها صوت دليل على رسالة مبعوثة من أحدهم. تركت القلم من بين يديها وأمسكت هاتفها حتى ظهرت رسالة يزن. ابتسمت حتى كتبت: "عادي ولا يهمك... كنت بسأل عليك."
"حمد الله كويسة." سارع في الرد حتى كتب.
"مالك فيك حاجة؟" استغربت قليلاً حتى كتبت.
"اشمعنى... اللي خلاكي تقولي كده؟" ابتسم حتى أراد العبث قليلاً.
"عادي... مجرد إحساس 🤷." عبثت بيديها تكتب.
"مضايق شوية." رد عليها.
"مفيش حاجة مستاهلة." أجابت عليه.
"شويه وهرجع تاني... إنتِ عاملة إيه؟" أجاب الآخر.
"كويسة الحمد لله." ردت عليه.
كانت دائماً تخجل من فتح أي حديث، رغم أنه يتواصل معها منذ شهرين، ولكن حتى لو أزيلت بعض الحواجز، تظل تخجل. لا تستطيع أخذ راحتها بسهولة مع أي حد. حاولت تغير قليلاً من شخصيتها، ولكن بسبب عدم معرفتها لكثير من الأصدقاء وانغلاق الدائرة حولها، زادت من شخصيتها الخجولة. لكن مع روضة، شعرت بإحساس لم تشعر به من قبل، حتى أنها أحبت هذا الشعور وتجاوبت معها سريعاً. أما يزن، بدأت بالتجاوب معه تلقائياً. لم تجد حديث تتحدث به، تركت هاتفها وبدأت في استجماع تركيزها.
عند يزن، ترك هو الآخر هاتفه. لم يكن في حالة مزاجية لأي شيء. نهض جمع هاتفه ومفاتيحه واتجه خارج الشركة بأكملها، لعلى الضيق يذهب عنه.
رواية انجذاب الروح الفصل التاسع 9 - بقلم زينب خالد
في شقة مالك
فتح الباب بمفتاحه الخاص ودخل بخطوات مُرهقة. بحث عنها بعينيه حتى نادى عليها بنبرةٍ عالٍ:
"روضه يا روضه."
تفت روضة من داخل المطبخ مجيبة:
"أيوة يا حبيبي... أنا هنا."
سار حتى دخل لها، وقف على عتبة الباب حيث سند جسده على الحائط مربع يديه على صدره، يراقبها وابتسامةٌ محببةٌ مُرتسمةٌ على شفتيه. كانت تقف تنتهي من إعداد الطعام. التفت بجسدها له وعلى وجهها ابتسامةٌ ساحرة. تقدمت منه حتى تحدثت:
"حمد الله على السلامة."
أجاب مالك عليها بابتسامةٍ محببة:
"الله يسلمك."
قلقت من ملامح وجهه المرهقة، أردفت بنبرةٍ قلقة:
"مالك... فيك إيه؟"
أجاب مالك بنبرةٍ مرهقة:
"مفيش، تعبان شوية... محتاج أنام."
أجابت روضة بإصرار:
"أنا حضرت الأكل... كل ونام بعدها."
اعتدل في وقفته متحدثاً:
"لا هنام بعدين أبقى آكل."
أمسكت روضة يديه مكمله بأصرار:
"لا هتاكل. لو مأكلتش مش هاكل."
خضع لها وأومأ لرغبتها مجيباً باستسلام:
"خلاص، هدخل آخد شاور وأجى."
شعرت بأنه ليس بخير. تعرفه، دائماً في بعض الأحيان لا يرضى أن يظهر ضيقه لها. لم تجب عليه، بل لفت ذراعيها حول عنقه واحتضنته بحنيةٍ شديدة. لم يمانع، وأنما وضع يد على ظهرها والأخرى على خصرها. أخفى وجهه في عنقها متنفساً بعمقٍ شديد كأنه كان ينتظر هذا العناق. ظل هكذا بعض الوقت حتى ابتعدت عنه متحدثة بنبرةٍ حانية:
"يلا عقبال ما أحط الأكل."
بعد تناول الطعام
جلسا الاثنان على الأريكة. جلس مالك وظهره مسنود على الأريكة، بينما وضعت كوبان من العصير بعدما أعدته. جلست على الأريكة وهي أمامه، ربعت قدمها وسندت ذراعها على فخدها. تحدثت بفضول:
"ها قوللي مالك بقي."
أجاب مالك عليها بابتسامة:
"تعالى."
سحب يديها حتى أدارها وأراح ظهرها على صدره. لف ذراعيه حول خصرها. ظل الصمت هو من يغلف المكان. تركته ولم ترد أن تضغط عليه حتى يتحدث بمفرده. تحدث بعد فترةٍ من الصمت الشديد:
"زعلان على يزن... ومش بإيدي أعمله حاجة."
لفت روضة رأسها له مجيبة:
"زعلان من إيه؟ اتخانقتوا في الشغل؟"
هز مالك رأسه بنفي مردفاً:
"لا عشان الجواز... اتكلمنا تاني النهاردة بعد ما خلصنا الاجتماع... وهو كالعادة سابني ومشى."
رجعت برأسها مرة أخرى مجيبة بنبرةٍ هادئة:
"بلاش تضغط عليه بعدين... هو مش بإيده."
أجاب مالك بنبرةٍ متضايقة:
"أيوة عارف ده... بس بإيده إنه يدور ويشوف يتقدم بأي خطوة."
أجابت روضة بنبرةٍ هادئة:
"أكيد شاف ومعجبوش... ماهو كل يوم بيشوف في المستشفى في الحفلات اللي بتحضروها... لو كان في حاجة عجبتة كان قالك... سيبه على راحته."
تأفف بضيق وحزن على صديقه، يقلق عليه دائماً ومن وحدته الذي فُرضت عليه. قاطعت تفكيره متحدثة بقلقٍ استشعره هو:
"كنت عايزة أروح للدكتورة أكشف."
لفها بقلقٍ له واعترى وجهه القلق شديد متحدثاً:
"مالك فيكِ إيه؟ حاسة بحاجة وجعاكي؟"
نفت برأسها مكملة حديثها بتوترٍ بينما تفرك يديها:
"لا... كنت عايزة أروح لدكتورة نسا عشان أكشف."
زفر براحةٍ بأنه لم يصيبها مكروه، حيث تحدث باهتمام:
"في حاجة بتشتكي منها؟"
نظرت لعينيه مباشرةً ثم ردت:
"عايزة أشوف اتأخرت ليه في الحمل... بقالنا أكتر من سنة ومافيش حاجة حصلت."
وضع كفيه على وجهها مردفاً بحنانٍ شديد:
"وأي مشكلة بعدين... أكيد ربنا هيرزقنا... مهم أنك تصبري."
أجابت بإصرارٍ شديد لتنفيذ ما تريده:
"لا عايزة أروح... وأطمن بنفسي."
مسد على شعرها حتى جذب رأسها على صدره ثم قال:
"اللي تحبيه... بكرة هنروح سوا المستشفى عند يزن... عشان تطمني براحتك."
هزت رأسها حتى وضع قبلة على خصلات شعرها. ثوانٍ حتى قرع جرس الباب دليل على وصول أحدهم. رفعت رأسه من على صدره حتى وقف واتجه ناحية الباب ليرى من الطارق في هذا الوقت. فتح الباب حتى قابل والدته وعلى وجهها البشوش ابتسامةٌ بسيطة قالت:
"معلش لو جيت دلوقتي... بس زهقت أقعد لوحدي وجيت أشوفك وحشتني."
أتت روضة من خلف ظهره متحدثة بابتسامة:
"أنت بتسألني؟ ده بيتك يا ماما تعالي."
دخلت زهرة حتى أقفل مالك الباب خلفها ثم قبل رأسها بحنانٍ شديد. تحدثت زهره بعتاب:
"ولا حد منكم يسأل عني... والبه مش بيكلف نفسه يسأل عني لسه عايشة ولا موت."
أجاب مالك بأسف قائلاً بغضبٍ طفيف من نفسه:
"أسف يا ماما بجد... بس يزن كان مشغول وأنا كنت شايل الشركة كلها."
احتضنتها روضة بحنانٍ وعلى وجهها ابتسامةٌ قائلة:
"وأنا أقدر أزعل القمر بتاعي؟ أنا أسفة والله حقك عليا متزعليش منا."
أشاحت زهره وجهها عنهم قائلة بعتاب:
"لا لولا إن أنا نزلت مكنش حد منكم قرر يجي... رغم إن شقتين فوق بعض."
قبل رأسها متحدثاً بابتسامةٍ مشاكسة:
"خلاص يا زوزو... متزعليش بعدين مقدرش على بعدك ده أنت الحتة الشمال."
رفعت زهره حاجبها بسخريةٍ مجيبة:
"لا يا وله... اضحك عليا ب كلمتين."
خرجت من حضنها وأخذتها من يديها مردفة:
"طب تعالي أجيبلك عصير تهدّي بيه... ونصالح القمر بتاعنا."
***
في مساء اليوم التالي
في مبنى يقع في حي سكني إلا ما شعبي... حيث محلات البقالة ومحلات تجارية كل ما تتمناه تجده. في شقة تقبع في الدور الثالث من العمارة. نجد رجلاً يغزو الشيب رأسه يمتلك من العمر التاسع والستون يجلس أمام التلفاز يشاهد آخر الأخبار. يفتح الباب وتدخل فتاة على وجهها ملامح مجهدة. جلست على الأريكة وأراحت جسدها عليها بأريحيةٍ شديدة. ابتسم لها قائلاً:
"حمد الله على السلامة يا حبيبتي."
أجابت بابتسامةٍ مجهدة:
"الله يسلمك يا حبيبي... بقيت عامل إيه دلوقتي؟ التعب راح؟"
أجاب سمير عليها:
"الحمد لله يا بنتي أحسن من الصبح... عملتي إيه النهارده؟"
أراحت رؤى رأسها للخلف براحةٍ متممة:
"قضايا كانت كتير والشغل كتر... وكل قضية عايزة دماغ عن التانية... المهم مينفعش تنزل الشغل تاني خلاص. أنت بقيت تتعب من أقل مجهود... تروح بكرة تقدم استقالتك وأنا بشتغل والدنيا هتمشي."
أجاب عليها ورأسه منشغل بالشركة وكيفية الاستقالة:
"بس مقدرش يا بنتي... ده أنا خدمت عمري فيها من أيام حسين بيه بعدين جه مكانه حازم."
أرادت إقناعه بترك العمل والاهتمام بصحته جيداً. تقلق عليه دائماً عندما يذهب لعمله حيث قالت رؤى:
"يا بابا لازم تهتم بصحتك شوية وخلاص اشتغلت معاهم كتير جه وقت الراحة... بعدين أكيد ابنه هيقدر تعبك... وأنت كبرت مينفعش تهدر صحتك... أنا بخاف عليك."
فكر قليلاً بحديثها حتى فكر ربما ب فكرة تستطيع بحل المشكلة وتشعر ببعض الراحة. قال سمير:
"ماشي هقدم الاستقالة."
ضحكت لأنها نالت ما أرادته، ولكن اتمحت الابتسامة مرة أخرى من اقتراحه. أردف حديثه مكملاً:
"هتمسكي مكاني أنت الشغل."
اعترضت رؤى على حديثه مردفة:
"أمسك مكانك إيه يا بابا... هو حضرتك ناسي إني بشتغل في مكتب محاماة؟"
أمسك يديها بين يديه مكملاً حديثه بنبرةٍ هادئة:
"لا مش ناسي... بس أنا مقدرش أسيب شغل الشركة لحد تاني مقدرش أأتمن لحد."
تحدثت رؤى بتعجب:
"إحنا مالنا... أنت هتقدم الاستقالة وهو يشوف حد غيرك... وهو أكيد أدرى بمصلحته."
هز سمير رأسه بنفي مكملاً بإصرار:
"لا مالنا الشركة دي أمانة... وقضيت عمري فيها من ساعة ما استلمت الشغل من حسين بيه."
نفخت رؤى بنفاذ صبر محاولة استمالته عن قوله:
"يا بابا أنا أصلاً ليا شغلي وحياتي مينفعش إني أسيب كل ده... وأروح أمسك مكانك... بعدين مين قال إن ابنه ده هيرضى أصلاً."
هتف سمير بإصرار على قراره:
"ملكش دعوة أنت... أو هنزل أكمل شغلي عادي بعدين أحياناً كتير مبيبقاش الشغل كتير... تقدري تشتغلي في قضايا بتاعتك... بكرة تقولي لمستشار بتاعك وأنا هكلم حازم."
أتت في هذا الوقت والدتها من الغرفة بعدما استيقظت من غفوتها. رأتها جالسة بجانب زوجها قالت حانية:
"جيتي إمتى... حمد الله على السلامة يا حبيبتي... تحبي أحضرلك الغداء."
لم تجب عليها بينما نهضت واتجهت لغرفتها. ثم أقفلت باب الغرفة بغضب. استغربت من حال ابنتها واتجهت حديثها لزوجها باستنكار:
"مالها؟ قولتلها إيه؟ يخليها متعصبة."
راح جسده أكثر على الأريكة متحدثاً:
"مفيش قولتلها تمسك مكاني في الشركة."
جلست بجانبه وهي تحاول أن تفيق من أثر النوم قالت متعجبة:
"اللي بتقوله ده يا راجل... ماهي البت بتشتغل أنت ناسي ولا إيه."
أجاب سمير عليها بعدما مسك ريموت التلفاز مرة أخرى:
"لا مش ناسي... بس مقدرش آمن على شغل في الشركة غير ليها."
في الغرفة
رمت حقيبتها بعصبية وظلت تتجول في الغرفة بضيق وغضب من قرار والدها. لا تعرف ما تفعله ولا كيفية العمل بين جهتين. حتى والدها لم تعرف أن تثنيه عن قراره. يبدو الإصرار على قراره الذي يراه من وجهة نظره صحيح، لكنه ليس صحيحاً بتاتاً. قررت أن تأخذ حماماً بارداً لعلها يساعدها على التفكير. نامت على الفراش بعدما انتهت من حمامها. لم تشعر بالجوع فقررت النوم كحل أفضل. لا تعرف هل سيوافق مديرها على هذا القرار. أم المدير الآخر هل سيوافق على تعيينها وهي تعمل بمكان آخر. شعرت بالصداع من كثرة التفكير في الأمرين مع كمية القضايا التي عملت بها اليوم. قررت النوم وترك جميع كل شيء لتنعم بنوم هادئ.
***
في الشركة
كان يتفحص الأوراق الموضوعة أمامه باهتمام وتركيز عالٍ. دق الباب حتى دخلت السكرتيرة. قال بينما عيناه لم تزيح عن الأوراق بنبرةٍ جدية:
"خير."
أجابت بنبرةٍ عملية:
"أستاذ سمير المحامي مدير الشئون القانونية."
أجاب حازم بجدية:
"دخّليه."
خرجت من الغرفة وثوانٍ حتى دلف. ثم أقفل الباب خلفه. وقف له بابتسامةٍ مد يديه حتى سلم عليه بابتسامةٍ مماثلة. تحدث سمير:
"جيت من غير معاد، يارب مكونش عطّلتك."
أجاب حازم بابتسامة:
"تعطِّلني إيه؟ ولو تعطِّل أفضل لك أنت غالي عندي."
أجاب سمير عليه بطيبة:
"الله يخليك."
تحدث حازم باستفسار:
"سألت عليك قالولي إنك تعبان... مالك ألف سلامة عليك."
أجاب سمير بتوضيح:
"الله يسلمك... أنت عارف السن وحكمه... بس أنا كنت جاي لحاجة تانية."
انتبه حازم له بكامل تركيزه قائلاً:
"اتفضل."
تحدث سمير في عرض الفكرة عليه لعله يوافق على طلبه:
"أنت عارف إني كبرت والحمد لله فضلت ماسك الشركة من ساعة ما اتعملت أيام بشمهندس سليمان... جه الوقت اللي أرتاح فيه... وكنت جاي أقدم استقالتي بس حبيت إن بنتي هي اللي تمسك مكاني... ممكن تستغرب من الموضوع بس من ساعة ما مسكت الشغل ودي أمانة بالنسبالي... وحابب إني أسلمها مكاني."
صمت قليلاً لم يجيب على اقتراحه أو فكرته، بل فكر بتعجبٍ قليلاً من طلبه الذي إلى حد ما غريب. بالتأكيد يعرفه من أيام والده عندما كان يسمع اسمه كثيراً يتردد بين والديه في الحديث عن الشركة. وأنه ساهم كثيراً عندما كانت الشركة في انتكاسات دائمة بسبب السوق والمنافسة بين الشركات وخاصة في بداية افتتاح الشركة عندما كان يحاول والده أن ينهض بها وأن يبني اسماً له. كان يساعده دائماً في الإجراءات القانونية خاصة الصعبة عندما كان والده لا يجد حلاً لمشكلة ما كان يساعده، ويقدم له الحلول حتى نهض بالشركة ووضع اسمه بين رجال الأعمال. حتى ما وصلت بها الحال حتى بعدما تولى مسؤولية خلف والده وجاهد كثيراً ليثبت نفسه حتى ارتقى بالشركة. ووصل بها إلى أعلى المراكز حتى اكتسح السوق بجدارة ومساعدة موظفينه والمحامي. يعرف أمانته ولا ينكر مهاراته في إدارة الأعمال. ولكن يضع سؤال هنا لماذا ابنته ما المميز بقي حتى يترك لها كل هذا الحمل. هو ليس من الناس التي تذهب من العمل، ويترك ابنه يشغل مكانه. لابد أن يعرف لماذا ابنته التي يضع بها كامل الثقة لتمسك منصباً كهذا. إلا إذا أنها جديرة بهذه الثقة. ولابد أن يعرف ابنته وعن حياتها. وضع يديه في داخل بعضها على هيئة قبضة وسند بذراعه على المكتب حيث تقدم بجسده للأمام وأجاب بجدّيته المعهودة:
"طبعاً أنت غالي عندي وكل حاجة... بس مش غريب شوية إنك تمسك بنتك مكانك."
رد الآخر بجدية:
"زي ما قولتلك هي أنسب حد للمكان ده."
أجاب بكلمات قاسية قليلاً:
"انت عارف إن مش أي حد يقدر يمسك أي شغل هنا غير إنه يكون قدّه. بعدين سمعت إن بنتك بتشتغل اللي يخليها تسيب شغلها وتيجي هنا... وأنا إيه اللي يضمني إنها قد المسؤولية... بس آسف الكلام لوحده ميكفيش."
أجاب عليه متوقعاً رد فعله قائلاً سمير:
"لا هي مش هتقدر تسيب الشغل... هي هتشغّل الاتنين مع بعض... بعدين الأمور حالياً مستقرة ومفيش أي مشاكل... ولو في حاجة أكيد هتعرف تحلها وتوفق بين الاتنين... وتقدر تعمل انترفيو بكرة وتشوفها مناسبة ولا لأ... أعطاه ورقة استقالته... دي الورقة جاهزة على التوقيع بس."
فكر لثوانٍ بعدها أخذ حازم قلمه ووقع على الورقة وقدمه لها متحدثاً بابتسامةٍ قال:
"سعيد إني اتعاملت معاك لأنك شخصية محترمة وتستاهل التقدير... وبكرة إن شاء الله تيجي هنا الساعة تسعة عشان المقابلة."
نهض من مقعده وغمرته راحةٌ نفسية لتحقيق ما أراد. مد يده لها حتى وقف حازم وسلم عليه. تحدث حازم باسمًا:
"هفتقدك في الشغل... وتكون إجازة نهاية الخدمة كويسة... تروح الحسابات عشان يتصرفلك شيك."
سعد كثيراً ولكن باستحياءٍ قليلاً أجاب سمير:
"ملوش لزوم يابني."
أجاب حازم بهدوء:
"ده حقك... وحق المجهود اللي عملته هنا طول السنين."
شعر بالسعادة تغمره وأنه سيستطيع تأمين حياة ابنته. بهذا المبلغ وأن قراره في محله لأن ابنته تستحق هذه المكانة. قال سمير:
"أشكرك... وفرصة سعيدة عن إذنك."
اتجه بـ جسده للخارج ثم أقفل الباب خلفه. جلس على مقعده ورفع سماعة هاتف الشركة يطلب مدير الحسابات. تحدث حازم بجدية:
"أستاذ سمير هيجيلك دلوقتي."
تصرف له أكبر مكافأة من خزينة الشركة لنهاية الخدمة. وضع سماعة الهاتف ورجع بجسده للخلف بارتياح. يفكر قليلاً بهذه الفتاة التي وضعت في طريقه ووضع شرط لتقديم استقالته. لماذا هي. نظر للأمام بشرودٍ هاتفا:
"لما نشوف بكرة هتبقى عاملة إزاي... وتستاهلي الثقة دي ولا من أول محاولة هتفشلي."
***
مكتب المحاماة
جلست على المقعد وزفرت بإرهاق. أزالت بعضاً من قطرات الماء على جبهتها. دخل الساعي المكتب. رآته وهو يحمل كوب ماء. نادت عليه:
"عم إبراهيم كوباية الميه دي بسرعة."
اتجه ناحيتها بخطى سريعة. أعطاها حتى أخذتها منه سريعاً وشربتها على جرعةٍ واحدة. قال مشفقاً على حالتها:
"حرام الدنيا حر النهاردة."
أجابت بابتسامةٍ مرهقةٍ قليلاً:
"حالة طلاق ودي جلسة أخيرة... عقبال ما خلصت الإجراءات وجيت على طول... المهم المستشار جه."
أجاب إبراهيم بابتسامة:
"أه في مكتبه... ربنا يوفقك ويعينك."
نهضت وابتسمت له وتخطت للخارج قالت:
"يارب."
اتجهت إلى مكتب المستشار. وقفت أمام السكرتيرة وقالت:
"المستشار فاضي ادخله."
هزت رأسها إيجاباً حتى اتجهت للباب. طرقت الباب. ظلت تدعو في داخلها للموافقة على الجنون الذي فرضه عليها والدها. سمعت أذنه للدخول. تنفست بعمق وزفرته ثم فتحت الباب وعلى شفتيها رسمت ابتسامة. جلست أمامه متحدثة:
"صباح الخير يا مستشار."
ابتسم لقدومها. منذ أن عملت هنا رأى إصرارها واجتهادها. لذلك يوكل لها أصعب القضايا وفي كل مرة تثبت جدارتها لذلك يعتبرها كابنته. قال مبتسماً:
"جيت ملقتكيش كنتي في المحكمة."
أجابت رؤى ومازالت ابتسامتها مرسومة:
"كان عندي قضية طلاق بدري فا روحت وجيت... بس كنت حابة أحكي لحضرتك على حاجة لأن مش عارفة أتوصل لقرار... وحبيت آخد رأي حضرتك."
أجاب عليها:
"اتفضل."
قصت عليه ما دار بينها وبين والدها كاملاً حتى اختتمت حديثها قائلة:
"مش عارفة ليه متمسك بقراره... وأنا مستحيل أعمل اللي عايزه."
فكر قليلاً ثم تحدث:
"وأنت معرفتيش ليه مصمم؟ أكيد في سبب لده مش مجرد هيقرر وخلاص. والدك وقور بعدين ده مش أي حد... أكيد عارف هو بيعمل كدة ليها."
حارت قليلاً لأنها تعرف والدها ولكن أجابت بقلة حيلة:
"هو عايز كدة وخلاص... وأنا ليا شغلي الخاص مش هقدر أوفق بين الاتنين... وجيت عشان آخد نصيحتك."
ظل ينظر للأمام بصمت يفكر بتمعن حتى تحدث موجهاً نظره لها:
"طالما هو مصمم وافقي وبكرة روحي شوفي المقابلة هتمشي إزاي... وعلى أساسها حددي هتكملي ولا لأ."
أغضبته من إجابته لم تكن هذه الإجابة التي أرادت سماعها. تحدثت بغضب:
"حضرتك أنت كمان هو أي عامل لكم حاجة؟ مش هروح بكرة."
كلمها بلطف ولين حتى يوضح وجه نظره. قال بلين:
"يا رؤى أنت لسه في بداية طريقك. ومينفعش تشتغلي في مكان واحد... عشان تاخدي خبرة لازم تدوري الدنيا كلها... تشتغلي في مكان يوم ومكان تاني شهر وتعرفي اللي ينفع واللي مينفعش... مينفعش تثبتي على مكان واحد غلط. أمل هتاخدي خبرة منين؟ الخبرة مبتجيش غير من التجارب وإنك تلفي الدنيا كلها... أنا تعبت عقبال ما وصلت للمكتب ده موضوع مش من يوم وليلة... لا لازم يكون عندك الخبرة الكافية قبل ما تخطي لخطوة قدام عشان تبقي قدها وتقدر تواجهي مشاكلها... أي مشكلة تشتغلي هنا وهناك... جربي وشوفي الحياة تجارب... أنا راجل كبير وعارف بقول إيه الدنيا مش كل مرة هتقف معاكي في مرة هتغدر بيكي... فيا تقفي قدام غدرها وتواجهيها... ولما توقعي تقومي تاني... يا هتقعي ومش هتقومي تاني."
فكرت في حديثه حتى أجابت بقلة حيلة وبال مشغول بحديثه الذي غير مسار تفكيرها لمنظور آخر لم تنظر له من الأساس. قالت رؤى:
"هفكر في اللي قولته حضرتك... وأكيد هوصل لقرار... عن إذنك."
نهضت ببال مشغول وعقل يفكر في كل كلمة نطق بها وتعيد تحليل المشهد مرة أخرى. حتى توصلت بعد تفكير كثير وإعادة النظر من جانب آخر توصلت للذهاب للمقابلة غداً. على أساسها سيتحدد الكثير من الأمور. لكن ما شغل تفكيرها هذا المدير الذي سيوافق على تعيينها بكل هذه البساطة لمجرد طلب من والدها.
***
في المساء
كانت جالسة على الفراش وعلى قدميها الحاسوب تحاول أن تنسق الألوان مع بعضها. وضعت كامل تركيزها عليه على أن تخرجه في أبهى صورة. أصدر هاتفها رنيناً مخصصاً يعلن عن وصول رسالة من تطبيق "الماسنجر". لم تعير له أي انتباه إلا أن انتهت. نظرت بفخر لنفسها على ما فعلته. والابتسامة ارتسمت على شفتيها. صقفت بمرح لما أنجزته بعد ساعات من محاولة حتى أخرجته في أحسن صورة. لعلى ينال إعجاب المهندس كما نال إعجابها. أقفلت الحاسوب حتى شعرت ببعض الجوع قررت النزول للمطبخ والبحث على شيء يسد جوعها. نزلت على الدرج حتى اتجهت للمطبخ. فتحت الثلاجة ووقفت أمامها بحيرة تبحث عن شيء تستطيع أكله. دلفت الخادمة وجدت رهف واقفة أمام الثلاجة وبابها مفتوح وعلى ملامحها الحيرة في اختيار ماذا ستأكل. تحدث الخادمة مبتسمة على هيئتها:
"تحبي أساعدك في حاجة يا هانم."
انتفضت رهف من مكانها على أثر الصوت. نظرت لها بتفاجؤ من وجودها وجسدها مازال في أثر الخضة:
"مش تكحّي أو تعملي أي صوت."
خافت قليلاً وتحدثت وهي ناظرة للأرض باستعطاف قائلة:
"أنا آسفة يا هانم... حقك عليا سامحيني."
ابتسمت لها باطمئنان. بعدما هدأت من أثر الفزع حيث قالت رهف:
"مالك خايفة ليه؟ عادي بتحصل أنا اللي محسيتش... محتارة آكل إيه فا سرحت."
رفعت لها رأسها بتفاجؤ من ردة فعلها الغير متوقعة. توقعت أن تنهال عليها بالكلمات المسيئة. لكن خالفت كل توقعاتها حتى قابلتها بابتسامة مطمئنة. قررت أن تنسيها ما حدث وقالت بعفوية بعدما نظرت مرة أخرى للثلاجة بحيرة في ماذا تختار:
"متعرفيش الواحد منا لما يجوع بالليل يأكل إيه... لأني جوعت مرة واحدة ومحتارة آكل إيه."
أجابت الخادمة عليها ببساطة:
"طب أنت نفسك في حاجة معينة مثلاً."
أقفلت الباب وسحبت مقعداً حيث توجد منضدة صغيرة يحيطها أربع مقاعد. سحبت واحداً وجلست قائلة بتفكير:
"والله لو كنت أعرف، مكنتش الإجابة هتغلى عليكي."
ضحكت الخادمة على جملتها الأخيرة تحدثت بامتعاض:
"اضحكي اضحكي... ما أنت مش مكاني وتحسي باللي أنا فيه."
ظلت تفكر قليلاً بماذا تأكل. سؤال يصعب إجابته. لو كانت أمام تصميم لاستطاعت إيجاد حل. ولكن عند الطعام يعجز الجميع عن إجابة هذا السؤال كأنه من أحد الاختراعات الجديدة التي يصعب فهمها. وضعت يديها على وجنتيها وقالت الخادمة:
"هو في لانشون وفينو."
أومأت الخادمة برأسها مجيبة:
"أيوة موجودين."
نهضت مرة أخرى واتجهت لفتح ثلاجة للمرة التي لم تعرف عددها. ألقت نظرة متفحصة لها. أخرجت ما تريده ثم وضعته على رخام المطبخ. تحدثت للخادمة بلطف:
"خلاص روحي أنت... وأنا هعمل بنفسي عشان بمزاج."
ردت عليها بطاعة:
"اللي حضرتك تأمريه."
انزعجت قليلاً حيث قالت:
"بلاش حضرتك وحاجات كبيرة دي... أنا رهف على طول حتى اسمي سهل وبسيط." أكملت بمزاح: "بعدين ده منظر واحدة يتقالها حضرتك لا خالص."
ضحكت الخادمة واتجهت للخارج مرة أخرى. بينما وضعت اللانشون والفينو على الرخام ومعهم الجبنة. أخرجت هاتفها من جيب بنطالها وشغلت أحد أغانيها المفضلة. بدأت في عمل السندوتشات حيث فتحت الفينو بالسكينة. أخذت ملعقة ووضعت الجبنة فوقه قطعتين من اللانشون. بينما تتمايل على لحن الأغنية. انتهت من عمل الأربع سندوتشات. بدأت في تنظيف ما حولها وأرجاع كل شيء في مكانه. أغلقت الأغنية وأحضرت الطبق حيث وضعت ما قامت به. أمسكت الطبق في يد والهاتف في اليد الأخرى. خرجت من المطبخ. مشت حيث كانت ستضع قدمها على أول درجة ولكن استمتعت لصوت التلفاز. نظرت للهاتف باستغراب حيث كانت الساعة الواحدة والنصف. قررت أن تذهب وترى من يجلس في الصالة. سارت حتى وصلت للصالة حيث موضع التلفاز. رأت حازم بينما جالس على الأريكة يشاهد فيلماً أجنبياً. شعر بها حتى نظر لها. تحدثت باستغراب بأنه ما زال جالس حتى الآن ولم يذهب لغرفته:
"اللي مصحيك دلوقتي... مش المفروض بتأكل رز بلبن مع الملائكة."
تحدث حازم بعدما نظر التلفاز مرة أخرى حيث بدأ الإعلانات في الانتهاء ورجوع الفيلم مرة أخرى:
"تعالي اتفرجي... الفيلم لسه جاي بقاله ربع ساعة."
جلست على الأريكة الأخرى فردت جسدها ثم وضعت الطبق على قدميها. قال وهو يشاهد:
"مجيش نوم نزلت أعدت بره شوية... بعدين قلبت في التلفزيون لقيت الفيلم ده اتفرجت." نظر للطبق بينما أمسكت واحداً بدأت في أكله. "سندوتشات إيه."
أخذت أول قضمة وبدأت في أكلها ثم أجابت رهف:
"أصل محسيتش بيك واستغربت إنك المفروض نايم... كان عندي شغل خليته وحسيت إني جعانة نزلت عملت سندوتشات جبنة باللانشون."
أجاب عليها بينما يشاهد الفيلم بانتباه:
"هاتي واحد."
تحدثت رهف عليه ببساطة:
"لا... متتعبش أنا وأقف وفي الآخر حضرتك عايز تأكل على الجاهز... كفاية التلاجة اللي تعبت معايا في فتحها وقفلها عشان أشوف أكل إيه."
أجاب حازم عليها:
"اخلصي هاتى واحد وكُلي الباقي... أسكتي عشان عايز أركز باين عليه فيلم حلو."
وجهت عينيها نحوه بغيظ. أخذت من الطبق وأعطته. أخذه منها. وأكمل باقي المشاهدة بينما بدأ في الأكل حيث يحاول التركيز مع أحداث الفيلم. أرادت أن تستفزه قليلاً قالت:
"كل كل ما أنت بتاخد على الجاهز... لولا الفيلم الحلو مكنتش عبرتك بحاجة... بعدين لما تجوع اعمل لنفسك عشان مش كل شوية تاخد... عندك إيدين ورجلين تقف وتعمل."
ظل يأكل وهو يشاهد باهتمام شديد ولم يعقب على حديثها بل تركها تتحدث كيفما تشاء. يعرف جيداً كيف يستفزها كما فعلت معه الآن. لولا هذا الفيلم لكانت قامت معركة يومية كما يحدث كل واحد منهم يستفز الآخر على طريقته. ولكن يجلسان بجانب بعضهم يشاهدون الفيلم الذي بدأت أحداثه في إحداث إثارة ومتعة كأن لا أحد يتحدث مع الآخر. استفزت بعدم رده وقررت أن تؤجل هذا العراك والاهتمام بأحداث الفيلم.
***
بعد ساعتين ونصف
جلست على الفراش بعدما انتهت من مشاهدة الفيلم الشيق الذي لم تندم أبداً في مشاهدته. لكن كانت ستندم لعدم مشاهدتها. قررت أن تقلب قليلاً قبل النوم. فتحت هاتفها حتى وجدت رسالة من يزن. ضربت جبينها بخفة لأنها نسيت أمر هذه الرسالة التي علمت بوجودها. بعثت له رسالة لكن كان قد أغلق منذ ساعتين حيث كانت الساعة الثالثة فجراً. قررت النوم والاستيقاظ صباحاً حيث تعتذر له على عدم الرد وتشرح له لماذا لم تجب عليه.
***
الساعة التاسعة صباحاً
في الشركة
دخلت الشركة بكل ثقة وكبرياء عالٍ. جذب الأنظار بمجرد أن طرق صوت حذائها على الرخام. كانت ترتدي جاكت نسائي عملي بلون الزيتي وبنطال من الأبيض وحذاء من نفس اللون ثم تركت شعرها حر. جذبت أنظار جميع من في الشركة. كان الجميع يتهامس على هويتها ولمن هي قادمة. صعدت المصعد كما أوصى لها والدها. وصلت للطابق الأخير. سارت بكل ثقة عالية حتى وقفت أمام السكرتيرة. تحدثت بعملية شديدة بعدما رفعت نظارة الشمس على شعرها:
"أحب أعرف أستاذ حازم جوة."
رواية انجذاب الروح الفصل العاشر 10 - بقلم زينب خالد
شركه المنياوى
رفعت وجها ونظرت لها بعدما كانت تنظر للاوراق الموضوعه أمامها ردت عليها ب عمليه :
حضرتك عندك معاد سابق
أجابت بإبتسامة ثقه :
بلغيه رؤي سمير وهو عارف
نهضت ثم قالت :
ثوانى
سارت حتى طرقت الباب ثم دخلت .. كان ينظر أمامه بشرود ياخذ راحة صغيره ليستطيع أكمال باقي عمله .. وقفت أمامه كى تجذب إنتباه قالت :
فى واحده بره بتقول أنها رؤي سمير .. وواخده معاد لحضرتك
أنتبه لها ولما قالته تحدث بجديه :
دخليها
خرجت من المكتب لتبلغها .. أعتدل فى جلسته وتحدث بشرود :
لما نشوف حكايه تمسكه بيكى
دخلت وصوت كعبها يرن على الأرضيه دلفت حيث وقفت أمامه تنظر له بثقه شديده كأنها تتحداه .. نظر لها نظره متفحصة شاملة .. نظره ثاقبه كأنه يخترقها من داخلها ..لم يتحدث أحد منهم لكن النظرات هى من تدير جميع الحديث ... تنظر له كما ينظر لها قررت أن تبدا حديثها :
رؤي سمير .. أكيد عندك خلفية عن مجية انهاردة
نهض بلباقه حتى مد يده وضعت يديها فى يده تحدث بجديه :
حازم المنياوى
سحبت يديها من يديه حتى جلس كل منهم وضعت قدم على الاخرى أما هو كان يتفحصها بعينيه .. رأى عينيها المليئه بالثقه ولمح شعله غضب طفيفه لكن لا يعرف ما سببها .. بدأت هى الحديث قائله :
أكيد حضرتك عارف أنا جيت ليه مش محتاج أقول
ابتسم إبتسامه بسيطه ثم قال متفحصا لها :
باين عليكى مش حابه الشغل هنا ... و عنيكى فيها لمعه غضب كدة مش فاهم أى سببها
رفعت حاجبها بسخريه مجيبه :
ده أنت بتعرف تقرأ العيون كمان
أجاب بتوضيح :
طبعا مش لازم أعرف اللى قدامى بيفكر ازاى وعايز أى ... تقدرى تقولى خبره أكتسبتها ياريت تقولى اللى أنت عايزاه عشان نبقي واضحين
أرادت أن توضع له جميع الامور وعدم موافقتها على ما أقره والدها لعله يستمع لها ويلبى طلبها .. قالت موضحه بما تريده :
ندخل في صلب الموضوع على طول .. أنا مش حابه أنى اشتغل هنا لانى ليا حياتى وشغلى الخاص .. بس أضطريت أجى عشان بابا يقدر يقدم استقالته أكيد قال لحضرتك موضوع ده .. وأنا حابه أكمل فى شغلى ومينفعش أسيبه ولا اسيب القضايا ... واعتذر أنى أكمل مكان بابا وتقدر تقول لبابا أن محصلش توافق لقيت حد تانى .. موضوع سهل تقدر تلاقي أى مخرج للموضوع
لم يُجيب عليها لكن أجاب بشئ غير متوقع حيث قال بجديه متحديا اياها :
باين عليكى خايفه تشتغلى ل حسن الصوره اللى وصلتى تهتز .. حابب بس أوصلك طبيعيه الشغل عامل إزاى لان شغل مختلف .. ولازم تكونى أده ثم أكمل بسخريه وحده منها باين عليكى خايفه من أستاذ سمير يعرف أنه بنته مش أد الشغل اللى عرضه عليها ويحس أن أماله ضاعت
تفاجئت كثيرا من تغير كافه الحديث إلا شئ أخر لم تتوقع حدوثه هل هو موافق على قرار والدها المتهور رغم معرفته ب عملها الاخر ... أنه يتحدها أنها ستفشل فى ما وكلت إليه ترى نظره السخريه منها والاستهزاء بها وبعملها لكن هى المخطه لانها تركته يفكر بها بهذه الطريقة .. ستضع حد لهذا يتحداها كانت على علم أنه سينفذ طلب والدها .. لكن هى أرادت المحاوله لعله يستطيع التفهم بشكل متحضر لكن لا غلب كل توقعتها .. رأى تغير نظره عينيها عندما حاول الاستهزاء بها .. عرف جيدا أنها ليست من النوع المستسلم الذي فرض عليه الواقع دون مقاومه
تحدثت رؤي وعينيها تلمع بها التحدى قائله بكبرياء وثقه شديده :
أنا مش تلميذه لسه بتعلم جديد عشان أفشل .. باين عليك متعرفنيش كويس .. بس ملحوقه قريب هتعرف مين رؤي سمير
نهضت بجسدها ثم وضعت النظاره على وجها قائله :
نتقابل بكره .. الايام بينا كتير
خرجت دون الحاجه لسماع رده .. خرجت من المكتب وهى تكاد تغلى من الغيظ يقلل من شأنها لكن هى من تركت له هذه الفرصه ستريه من هى ... أما هو نظر لمكان وجودها وابتسم قائلا بتحمس للقادم :
واخيرا حاجه نتسلى بيها بدل ملل ده
_____________________
عند الواحده ظهرا
شقه مالك
تمللت على الفراش وهى تشعر ببعض المغص ببطنها فتحت عينيها بارهاق ثم وضعت يديها على بطنها تحاول أن تُخفف الوجع .. لكن لم يخف وأنما كلما تقدمت الثوانى كلما زاد تعبها حتى تذكرت أنها من الممكن أنها أتت لكن ليس معادها ... نامت على بطنها قليلا لعله يخفف الوجع ف تستطيع أن تنهض .. وضعت يديها على المنضده بجانبها حتى تهاتف مالك ليأتى سريعا أخذته ويديها ترتعش والألم يزداد .. كانت تمسك الهاتف بصعوبه لإرتعاش يديها .. حاولت أن تتصل عليه لكن لم يجب .. ظلت تحاول و تحاول لكن لا رد .. رنت على رهف لوجود إسمها بعد مالك دقائق حتى أجابت ..
أجابت رهف بابتسامة :
صباح الخير .. صح النوم ناس نايمه وناس طالع عينيها فى الشغل
أجابت روضة بنبره منبوحه وضعيف يكاد أن يسمع :
رهف الحقينى أنا بموت .. تعالى بسرعه
فزعت عندما أستمتعت لنبره صوتها هاتفه بقلق بالغ :
مالك فيكى أى .. حاسه بأى .. اتصلى ب مالك
لفت جسدها ويديها تمسك الهاتف والارتعاش مازال موجود شعرت بسائل لازج بين قدميها .. رفعت جسدها قليلا وهى تكاد تصرخ من الالم التى لم تستطع تحمله حاولت رهف أن تشتتها قليلا قائله :
روضه ردى عليا خليكى معايا .. أنا هاجى أهو
فى هذه اللحظه نظرت للفراش وجدته عباره عن بركه من الدماء ودماء تتدفق منها .. صرخت بشده حتى نبح صوتها لم تسطع التحمل والدوار يلتهما نحو الظلام وسقطت مغشى عليها ... سمعت رهف صوت صراخها بعد ذلك السكون التام تحدث باضطراب من إختفاء صوتها :
روضه .. روضه روضه ردى عليا
لكن لا حياه لم تنادى أخذت حقيبتها سريعا وخرجت تجرى حتى تستطيع اللحاق بها .. حاولت أن تتصل ب مالك ولكن تذكرت أنها لا تمتلك رقم هاتفه .. رنت سريعا على حازم حتى أجاب عليها من أول مرة هتف :
حبيبتي
تحدثت باضطراب وقلق على روضه محاوله اللحاق بها :
ابعتلى بسرعه رقم يزن بسرعه
استشعر نبره صوتها القلق :
حاضر .. حاضر .. فى أى
نظرت للطريق محاوله الاسراع قدر الامكان مجيبه :
روضه كلمتنى وتعبانه ومره واحدة صوتها اختفى .. ومالك مش بيرد عليها
أجاب عليها :
هبعتهولك أهو
____________________
فى الشركه
اقفل معها حتى أرسل لها رقمه .. أخذته حتى رنت عليه سريعا في نفس الوقت ... رأى رقم غريب يرن عليه ضغط على الزر ووضع الهاتف على اذنه هتف بجديه :
الو .. مين معايا
هتفت سريعا وهى تسرع حتى وصلت على بدايه الشارع التى تسكن به :
يزن أنا رهف .. روضه اغمى عليها في البيت ووصلت أول شارع .. ومش عارفه هدخل أزاى ولا أتصرف ومالك مش بيرد
نهض بإضطراب مما سمعه وحاول التركيز حتى يستطيع أن يتحدث تكلم بقلق شديد :
العماره رقم ١٠ هتطلعى دور تالت وفوقيها مامه مالك اطلعى عندها بسرعه وهى معاها المفتاح .. و أنا هتصل بالعربيه الاسعاف هتوصل بسرعه
اقفل معها وضغط على رقم المشفى تحدث مع مديرها قائلا بجديه محاولا التماسك حنى أجاب الطرف الاخر :
بسرعه عربيه إسعاف تروح عند مالك أبو الفضل والعنوان هبعته فى رساله .. فى أسرع وقت توصل هناك فى حاله مغمى عليها فى الشقه وهتلاقى ناس هناك
اقفل معه وسريعا خرج من المكتب يسير بسرعه متجه نحو مكتب مالك .. فتح الباب لكن لم يجده أخرج هاتفه من جيب بنطاله محاولا الاتصال به لكن لا رد .. أتى مالك بعدما كان يمر فى المصنع يطمئن على العمال وعلى تصنيع الادويه .. رأى يزن على بعد يقف ووجه يظهر عليه الاضطراب شعر بوجود خطب ما اتجه ناحيته حتى سأله مستفسرا عن حالته :
يزن مالك واقف كدة ليه
سمع صوته حتى رفع رأسه سريعا جاء حتى يتحدث لكن تراجع .. لا يعرف كيف يخبره أنها وقع مغمى عليها ولا أحد يعرف ما بها .. قلق من صمت يزن الغير مبرر عرف أن شي سئ حدث قال مالك بنفاذ صبر :
فى أى ما تقول على طول .. مش هتفصل ساكت كتير
حاول تمساك من أجل صديقه يعرف أنها قطعه من روحه لا يستطيع العيش بدونها ولا يعرف أن يمر يومه دون أن يتحدث معها .. رغم أنها ساعات ويغادر للمنزل .. أخذ نفس عميق ثم ذفره قائلا :
مالك هقولك على حاجه بس لازم تتماسك .. روضه مغمى عليها فى البيت ورهف راحت وبعتلهم عربيه الإسعاف على البيت .. ولازم نروح نلحقهم على المستشفى
رمش بعينيه سريعا كأنه يحاول أن يدرك ما حدث قال مالك بنبره عاديه خاليه من أى شئ :
أنت بتقول أى
حاول يزن الصمود أما صديقه يعاد تكرار حديثه متحفذا لاى حركه تصدر منه قائلا :
روضه راحت المستسفي .. ولسه مش عارف فى أى
لم يصدق مع سمعه كأنه القى عليه أحد دعباته السخيفه .. وقف ووجه لم يصدر عليه أى تعبير ينظر لعينيه نظره خاليه من الحياه .. يحاول التصديق لكن لم يعرف .. كان معا بالأمس وهم يشاهدوا التلفاز على أحد أفلامهم المفضله .. حتى أنه صباحا لم يرد أن يقظها حتى تنعم بنومها .. يحاول ويحاول لكن لم يعرف أن يصدق .. روضه قطعه منه ومن روحه في المشفى ولا يعرف السبب .. يحاول أن يحرك جسده لكن لا يستطع كأن أحد دلق عليه مياه متلجه لايعرف كيفيه الحركه .. قلق من صمته الذي طال حده هزه برفق من يديه محاولا جعله يتحدث قائلا بنبره حانيه :
مالك .. رد عليا .. لازم نلحق هناك عشان أعرف اتصرف
أخذه من يديه وهو يتحرك معه كا الاله لا يصدر منه أى رده فعل .. فتح باب السياره وساعده يزن ليركب وانطلق ناحيه الاخرى سريعا محاوله اللحاق قبل وصول السياره الاسعاف
___________________________
أمام العماره
أقفلت سريعا حتى ركنت سيارتها أمام العماره ودلفت سريعا حتى تستطيع اللحاق بها .. وصلت أمام شقه والدته وضعت أصبعها على الجرس ظلت تضغط عليه .. فى الداخل سمعت زهره صوت الجرس وهناك ضيف لا يكف عن الضغط
هتف بازعاج وهى تحاول المشي للحاق :
فى اى ياللى بتخبط على الباب .. الدنيا مجريتش
وأخيرا فتحت الباب حتى كادت أن توبخ من طرق عليها بهذه الطريقة .. تحدث رهف وصوت لاهثها مرتفع من سرعه الطلوع على الدرج متحدثه بسرعه :
طنط بسرعه عايزه مفتاح بتاع مالك .. روضه تعبانه ومغمى عليها تحت
ضرب على صدرها بيدها قائله بغير تصديق مما سمعتها :
يا خبر ابيض يا حبيبتي يا بنتى
حاولت أن تدرك سريعا حتى دلفت تأتى بالمفتاح ونزل الاثنان سريعا للشقه .. فتحت زهره بأيد مرتعشه خائفه عليها للغايه .. حتى أنها لا تعرف من هذه .. لكن الاهم الآن أن ترى روضه وتطمئن عليها .. دلفا الاثنان وركضت هى سريعا حتى رأت باب الغرفه مفتوح دلفت حتى وقفت متصنمه من هول الصدمه عليها .. جاءت من خلفها حتى تصنمت هى الأخرى من هول المنظر .. كانت روضه نائمه على الفراش ووجها شاحب للغايه كأنها تحارب للبقاء .. وحولها بركه من الدماء كثيره ..... ثوانى وقفا الاثنان لم يستطع أحد منهم أن يصدر أى تعبير على وجه .. أيقظهم من غفوتهم صوت جرس الباب هنا أدركت رهف ما يحدث كأنها كانت غائبة عن الوعى وأفاقت مره أخرى ... ركضت سريعا للباب وفتحته حتى وجدت المسعفين دلفوا سريعا للداخل أشارت لهم ناحيه الغرفه .. حملا جسدها ووضعوها على النقاله .. وخرجا سريعا للخارج للحاق وإنقاذها من الموت ... أدخلاها إلى السياره سريعا وضعوها على الفراش محاوله لايقاف النزيف اقفل الباب بينما نزلا الاثنان رهق وزهره ركبوا السياره متجهين خلف السياره الاسعاف محاوله اللحاق بها
____________________
فى المشفى
وصل يزن قبل سياره الاسعاف ركن سيارته بإهمال ونزل سريعا .. أتجه ناحيه مالك فتح الباب وأخذه من يده ومالك يتحرك معه كا الأله .. وصلت سياره الاسعاف بسرعه حتى أنها اصدرت صوت عالى بسبب احتكاك المقود .. نزل المسعفون بها وخلفه رهف تجرى سريعا بينما زهره تحاول اللحاق بهم .. رأئهم يزن جرى ناحيه روضه رأى مالك روضه وهى تحارب للبقاء هنا أدرك ما حدث ركض متجه لها تحدث لها بنبره حنونه ممسك بيدها قائلا بخوف شديد :
روضه حبيبتي .. قومى معايا متسبنيش عشان خاطرى
هتف يزن بنبره جديه :
اللى حصل
هتف أحد المسعفون :
حصل نزيف وبنحاول نوقفه
وصلا أمام العمليات نظر يزن لمالك الذي يمسك يد روضه بقوه هتف له :
مالك مينفعش تدخل .. أنا هدخل وأكون معاهم قال لاحد المسعفين دكتوره النسا تيجى بسرعه
أخرج الممرضين مالك من الغرفه وقف مالك بالخارج سند ظهره على الحائط .. أتت رهف خلفها زهره التى انهكها التعب من كثره الركض للحاق بهم .. وقفت زهره أمامه وضعت يديها على وجنتيه تنظر له بعاطفه أموميه ودموع تجمعت فى عينيها مما حدث تحدثت بنبره مجهشه بالبكاء :
ان شاء الله ربنا هينجيها وتقوم بالسلامه
لم يجيب عليها وانه نظر تجاه رهف التى جلس على مقعد مجاور ورأسها منحنيه للامام .. واضعه يديها الاثنان على شعرها محاوله طرد مشهد روضه الذي لا يذهب عن مخيلتها .. أخيرا تحدث لاول مره لها قائلا بنبره خاليه من أى شئ نبره جامدة :
اللى حصل ل روضه .. عايز اعرف كل حاجه
رفعت رأسها بعدما تنبهت لحديثه .. رأت المنظر أمام عينيها كأنه تجسد من جديد أمامها منظر غرقئنها بين دمائها .. هتفت وجسدها ينتفض من الرعب على صديقه عمرها قائله بنبره منخفضه :
رنت عليا بعد ما فضلت ترن عليك .. لقيتها تعبانه ومش عارفه أميز تعبانه من أى .. مره واحده صرخت بصوت عالى بعدين صوتها اختفى .. سبت اللى فى ايدى وركبت العربيه .. خدت رقم يزن من حازم وروحت بسرعه .. خدت المفتاح من طنط وفتحت لقيناها غرقانه فى دمها ونزيف مكمل ... لغايه لما جينا بيها هنا
لم يجيب عليها وأنما نظر لباب الغرفه رأى الطبيبه وهى تركض بسرعه حتى دلفت للداخل .. شعر بإنقباض غريب ب قلبه كأن روحه تحارب للبقاء حيه .. إنقباضه كا السكاكين التالمه التى تذبح روحك لكن ببطئ كأنها تتعمد أن تؤلم ب هذه الطريقه .. ضاق صدره والهواء بدأ يقل من حوله ظل يتنفس بسرعه حتى يستطيع إدخال الهواء إلى رئتيه .. أغلق عينيه بإرهاق حتى تجسدت صورتها أمامه وهى تحلق كالفراشه وإبتسامتها التى تثير ما بداخله من مجرد بسمه .. تفعل به الاعاجيب ابتسم لمجرد رؤيه طيفها الذي يحوم حوله .. يأمل ويدعو أن الله ينقذها مما هى فيه يتمنى أن يخرج أحد حتى يعرف ما حدث ويعرف ولو بأمل بسيط لبقائها على قيد الحياة سيتمسك به لكن هل حقا ستتركه وتغادر ؟ .. تهجر قلبه الذي امتلئ بحبها .. ستتركه هكذا بكل هذه البساطه ... يقسم أنه يتنفس فقط لمجرد وجودها ... لا لا قلبه ينفى خبر تركها له وعدته بعدم تركه مثلما وعدها بالوقوف بجانبها وتعليمها تفانين العشق على يديه ... مرت أكثر من ساعه مرت كالضهر وكأن الوقت يسير ببطئ متعمد لقتله .. مر ساعه على دخولها ولا أحد يخرج ليطمئنه حتى عندما خرجت الممرضه ركضت سريعا حتى جلبت أكياس من الدماء ودلفت سريعا دون الرد ..
بعد ثلاث ساعات
خرج يزن بينما اقتلع الكمامه من فمه ووجه لا يبشر بأى شئ .. تجمعت رهف وزهره أما هو ظل ينظر للباب الذي دخلت منه وأذنه متأهبه لسماع أى حدث سئ الذى يحاول الصمود لتقبله