تحميل رواية «انا لها شمس» PDF
بقلم روز امين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
شخصيات رواية «أنا لها شمس» عائلة غانم الجوهري البطلة: إيثار غانم الجوهري، تبلغ من العمر ثمانية وعشرين عامًا، ممشوقة القوام، تمتلك جسدًا أنثويًا تُخفِي معالمهُ خلف الثياب العملية التي ترتديها دائمًا، والمكونة من بِذل نسائية كلاسيكية، مما أعطاها مظهرًا جادًا أكدته تلك النظارة الطبية التي ترتديها، بجانب رسمها للجدية فوق ملامحها، تمتلكُ عينين واسعتين ذات أهدابٍ كثيفة، مما جعل من عسليتيها ساحرة لمن ينظر بهما، رغم اكفهرار ملامحها طيلة الوقت، تخرجت من كلية التجارة قسم إدارة أعمال لتعمل مديرة مكتب لشركة...
رواية انا لها شمس الفصل الحادي والسبعون 71 - بقلم روز امين
ودبت بقبضتها داخل كفها الآخر لتتابع قاصدة بحديثها يوسف:
- بس شوفتك بجح وقاصد تحرق دم ابني، وأنا اللي ييجي جنب ابني أنهشه بسناني، آه.
انتبه فؤاد وبحسه القضائي فطن بأن عزة علمت شيئًا سيقلب الموازين رأسًا على عقب، فأشار بكفه إلى يوسف المصر على إبعادها عن المشهد:
- سيبها يا يوسف، واضح إن عندها كلام مهم عاوزة تقوله.
ساد الهرج والمرج بين الجميع وبدون أن يشعر يوسف أشار إلى فريال لتنتشل تلك المرتعبة وهو يقول برعب ظهر بعينيه:
- إبعدي بيسان ونزليها عند الباشا يا عمتي.
نفذت كلامه وابتعدت بابنتها وانضمتا إلى جمهور المتفرجين.
ارتعد قلب "نبيل" وشعر بأن حقيقة اتفاقه مع ساندي على وشك الافتضاح فصاح بحدة ونظرات زائغة أكدت لفؤاد صحة شكوكه:
- يسيبها إيه حضرتك، دي ست مجنونة وواضح قوي إنها متفقة مع البيه علشان يبوظوا عليا أنا وبيسان فرحتنا.
رمقه يوسف بنظرات نارية قبل أن ينطق موبخًا تحت دموع وشهقات بيسان:
- احترم نفسك وراعي إني عامل حساب لأصحاب البيت اللي إحنا موجودين فيه، وإلا كنت عرفت أرد على وقاحة أشكالك كويس في حقي وفي حق عزة.
أسرع "ماجد" مهرولًا يحتوي نجلته الباكية وشقيقها أيضًا ووقف الجميع يشاهد العرض الذي أصر فؤاد على اكتماله، حيث نطق بإصرار صارم:
- قولي يا عزة اللي عندك.
نطقت تحت هلع "نبيل" وإصابة قلب "ساندي" بالذعر:
- هقول يا باشا، من ييجي نص ساعة كده، ببص حواليا ملقتش الواد مالك.
رفع ذاك المشاكس كفه ليخبرها:
- أنا كنت في التواليت يا زوزة.
أغمض فؤاد عينيه وبات ينظم أنفاسه يستدعي من خلالهم الصبر لتحمل ابتلاءاته المتمثلة في ذاك المشاغب الصغير "مالك" وتلك الكارثة الكبرى "عزة"، جذبته إيثار من رسغه وهي تقول:
- اسكت يا جلاب المصايب.
بينما أكملت عزة مسترسلة:
- أنا ملقتش الواد من هنا قمت اتجننت، قلبت البيت كله عليه ولما وصلت للجنينة اللي ورا.
وأشارت بسبابتها بين "نبيل" و"ساندي" وهي تقول بحماس زائد:
- لقيت عريس الغفلة واقف مع البت اللي هناك دي.
التفت الجميع نحو الإشارة، لينتفض جسد "ساندي" وبتلقائية وضعت كفها فوق فمها ليظهر الذعر عليها:
- ولما قربت شوية سمعتها بتقول له، برافوا عليك يا واد يا نبيل، لعبتها صح وعرفت تفرق بين "يوسف" وخايبة الرجا "بيسان".
سألها فؤاد مضيقًا بين عينيه:
- هي قالت له خايبة الرجا "بيسان"؟!
- لا يا باشا، ده تجويد من عندي.
قالتها بطريقة كوميدية جعلت جميع من بالحفل يطلقون الضحكات بعدما فقدوا السيطرة من مشهد تلك السيدة الكوميدية، لينطق فؤاد بعدما فقد صبره:
- مش وقت تجويد يا ماما، قولي اللي سمعتيه بالضبط من غير ما تضيفي ولا تغيري حرف واحد.
- عيني.
قالتها وهي تشير بين عينيها لتتابع بعدما أشار لها أن تكمل بحدة فتابعت هي بثرثرتها المعتادة:
- المهم علشان مطولش عليك، قولي طولي وخدي راحتك في الكلام يا عزة.
زمجر فؤاد لتتابع هي بإشارة مرتعبة من كفيها:
- خلاص، هكمل وأنا مخروسة.
وتابعت وهي تتناقل النظر بين كلا المتهمين:
- البت دي قالت للمنيل ده، بصراحة يا نبيل، خليني أسقف لك على اللعبة الحلوة اللي دخلت على المغفل "يوسف" والغبية "بيسان"، لدرجة إن محدش منهم شك ولا سأل التاني هو متغير من ناحيته ليه؟
أشارت إلى "نبيل" وتابعت:
- رد عليها الواد الأصفر ده وقال لها.
قطع حديثها "نبيل" بصياح وعينين تطلق شزرًا من شدة غضبه:
- أنت ست بيئة وقليلة الأدب.
وتابع وهو يشير إلى فؤاد بحدة نابعة من شدة توتره:
- أنت لازم توقف المسخرة دي فورًا يا سيد المستشار.
أوقفه فؤاد بإشارة حادة من عينيه:
- مش أنت اللي هتقولي أعمل إيه ومعملش إيه؟!
هتف الآخر وهو يتطلع إلى "ماجد" في محاولة أخيرة منه للنأي بحاله من تلك الفضيحة المدوية:
- لو المهزلة دي ما اتوقفتش حالًا يا دكتور "ماجد"، أنا هاخد عيلتي وامشي حالًا.
لو علم ما يحمله قلب ماجد له من بغض واحتقار ما كان لينطق بكلماته التي لم يلتفت لها ماجد من الأساس واكتفى برمقه بنظرة مستهينة، ما كان أمام عاطف السرجاوي خيارًا سوى أن يساند نجله ليكتسب تعاطفه مرة أخرى فنطق ويا ليته لم يفعل:
- انتوا جايبنا هنا تهزقونا ولا إيه يا بهوات، لا ومن مين، من حتة خدامة مستعناش أشغلها عندي.
احتدمت عزة وتوعدت له بسريرتها، وتابع عاطف وهو يجذب نجله من رسغه:
- يلا يا ابني نمشي بلاش قلة قيمة.
قطع طريقه يوسف حيث تحدث بحدة بالغة:
- حد قال لك إن الدخول لعرين الأسد زي خروجه؟!
وتابع بصياح أرعب "عاطف" ذلك الرجل صاحب الفكر البسيط:
- انتوا مش هتطلعوا من هنا غير لما عزة تخلص كلامها ولعبة ابنك الو...
حول بصره على ذاك الناظر له بتحدٍ وحقد، لو وُزع على قبيلة لكفى وفاض:
- وساعتها نبقى نحدد مصيركم.
ازدرد لعاب عاطف بينما خرج صوت ناهد برعب:
- هات "نبيل" ويلا نمشي من هنا يا عاطف، ده إحنا باين علينا وقعنا في وسط عصابة.
- الوقت هنشوف مين اللي تفكيره تفكير عصابات يا مدام.
جملة قالها فؤاد ليتابع بإشارة للحرس المنتشرين داخل الحفل، وعلى الفور حاوطوا نبيل وجميع أفراد عائلته، لترتعب ناهد وتهرول إلى زوجها تتمسك برسغه بينما تابع فؤاد بإشارة لتلك المبتسمة بشماتة من مشاهدة ذعر السيدة والسيد:
- عزة، كملي وانجزي.
وتابع بسخط مؤكدًا بذات مغزى:
- إنجزي، فاهماني يا عزة.
أومأت عدة مرات متتالية:
- ولو عزة متفهمكش، مين اللي يفهمك يا باشا.
زمجر بصوت أرعب جسدها لتهتف سريعًا قبل أن يفقد أعصابه:
- خليني أكمل لكم، المهم الواد نبيل قال للبت ساندي، منكرش إن غباء وعِند الجوز الأغبياء دول.
قالتها وهي تتنقل بأصبعها بين "بيسان" و"يوسف" الذي أراد الفتك بها لكنه تحلى بالصبر لتتابع هي مسترسلة بطريقة تمثيلية:
- ساعدني كتير في نجاح الخطة.
وتابعت بما أوجع قلبي العاشقين وأخجلهما من نفسيهما:
- كل واحد فيهم كرامته كانت أغلى عنده من حبيبه، وكل واحد اتمسك بكبريائه وعشان كده نجحت خطتي الشيطانية. والبت ردت عليه وقالت له: أنا لازم أرجع الحفلة قبل ما المغفل "يوسف" يحس بغيابي ويشك فيا.
اشتعل داخل "يوسف" والتف يناظر "ساندي" التي حركت رأسها تنفي نعتها له بالـ"مغفل" ليعود ببصره سريعًا إلى "عزة" التي تبسمت بسخافة وتابعت باستخفاف:
- دي كمان تجويدة من عندي.
توعدها بنظرة من عيناه لتحيل عنه نظرها وتكمل:
- وفي الآخر سلموا على بعض وقالها: الفار وقع في المصيدة ومبقاش قدامه غيرك.
رمقها يوسف بسخط من جديد لتهتف عاليًا بتنصل:
- لا دي مش تجويدة، ده كلامها وأهي قدامك أهي حتى اسألها.
شهقت ساندي ودموع الندم تزرف بقوة.
شعر "فؤاد" بالريبة فأشار إلى "ماجد" وتحدث بصوت مرتفع:
- ماجد، أنا هنهي المهزلة دي.
كأنه كان ينتظر الإشارة لينطق هاتفًا بملامح وجه حادة:
- إنهي يا سيادة المستشار.
على الفور أمسك بمكبر الصوت "الميكرفون" وتحدث إلى الحضور تحت استنفار الجميع وحماسهم للاستمتاع بما يجري:
- إحنا آسفين ليكم جدًا يا جماعة، الحفلة اتلغت.
وتابع مشيرًا بكفه نحو البوابة الخارجية للقصر:
- تقدروا تتفضلوا، ومرة تانية بتأسف لكم بالنيابة عني وعن الباشا وعن دكتور ماجد.
هتف نبيل بحدة وغضب بالغ تحت ارتياح قلب بيسان المترقبة لما سيحدث والمتمعنة بملامح وجه يوسف تترقب ردات فعله بقلب شغوف ينتظر حدوث المعجزة:
- مش من حقك تلغي الحفلة من غير ما تاخد رأي أصحاب الشأن.
نطق كلماته الأخيرة مشيرًا بينه وبين بيسان التي رمقته ببغض رغم ارتيابها مما يحدث، بينما أشار له فؤاد بصرامة بأن يلتزم الصمت ورمقه بنظرات مرعبة جعلته يقف يغلي كبركان خامد على وشك الانفجار.
تعالت الهمهمات وكثرت الأحاديث الجانبية فيما بين الحضور ليعلو صوت "عاطف" الذي هتف بأسلوب خالٍ من اللباقة وأداب الحوار:
- حيلك حيلك يا عمنا، حفلة إيه دي اللي اتلغت، وناسي وحبايبي اللي أنا عازمهم دول، ده واحد صاحبي جايب لي نمرة رقاصة وخلاص جاية في الطريق.
تعالت أصوات عائلة العريس باعتراضات وغضب من القرار، ليقرر فؤاد انتهاز الفرصة لتبكيت ماجد فأشار له بحاجب مرفوع مستنكرًا الوضع، لينكس الآخر رأسه خجلًا من ذاك النسب المخجل التي بلته به ابنته العنيدة، أشار فؤاد إلى عاطف وتحدث مهددًا وهو يرمقه شزرًا:
- كلمة كمان وهكلم الشرطة وأخليها تيجي تلمكم وترميكم في الحجز لحد ما يبان لكم صاحب.
ارتعب الرجل وتحدث أحد رجال العائلة وهو يجذب عاطف من ذراعه بهلع:
- يلا بينا نمشي من هنا يا أبو نبيل، الناس دي شكلها واصلة وإحنا مش قدهم.
اقتنع وبالفعل تحرك الرجل إلى نبيل بعدما بدأ الحضور بالانصراف وانفض الجميع من حوله ليجذب نجله من رسغه بحدة وهو يقول:
- يلا بينا نمشي من هنا بدل ما نخرج على التخشيبة.
رمق والده بحدة ليتابع الرجل بصرامة وتوبيخ:
- كلني يا واد بعنيك كلني، أهو ده اللي إنت فالح فيه.
وتابع مرتابًا:
- ده إنت شكلك عامل مصيبة مخليه خال البت مش طايقك.
نطق بقوة وثبات يُحسد عليه:
- البيه مش طايقني علشان ابن مراته، بس أنا مش هسكت، هفضحه وهعريه قدام عيلته كلها.
انضمت إليهما ناهد التي تحدثت مستعطفة نجلها:
- يلا نروح يا ابني، الناس شكلهم ناويين لك على نية سودة.
بغرور وثقة تحدث:
- إهدي يا ماما واثبتي، وصدقيني، أنا اللي هفوز زي كل مرة.
تسحبت ساندي تختبئ وسط الخارجين كي تنأى بحالها من تلك المواجهة التي ستطيح أرضًا بكرامتها وعزة نفسها، وما أن اقتربت من البوابة الخارجية حتى تفاجأت بقبضة من حديد تقبض على كتفها لتلتفت برعب، وجدتها تلك السيدة التي هتفت بحدة:
- رايحة فين يا حلوة، هو دخول الحمام زي خروجه؟
انتفض جسد الفتاة رهبة لتنطق مستعطفة:
- من فضلك سبيني أمشي.
نطقت من بين أسنانها:
- على جثتي تطلعي من هنا إلا لما أخلي فضيحتك إنت والواد الملزق ده بجلاجل، هو أنتوا وقعتوا مع أي حد، دي أنتوا وقعتوا تحت إيدين عزة اللي مبتِرحَمش.
وجذبتها لتسحبها للداخل ممسكة بكتفها كما المخبرين.
بعد قليل، انفض الجمع وانسحب جميع المدعوين لم يتبقى سوى نبيل وعائلته وعائلة ماجد وساندي، حتى أحمد الزين انسحب مصطحبًا عائلته تحت ضجر وسخط نجوى وسميحة اللتان اعترضتا بغرض البقاء للمشاهدة، لكن أحمد أصر على الذهاب لحساسية الموضوع وخصوصيته.
وقف فؤاد بمنتصف الحديقة والجميع يلتفون من حوله هو وعزة وساندي ونبيل، وتحدث مشيرًا إلى نبيل:
- اتفضل فسر لنا الكلام اللي عزة سمعته ده؟
بكل جرأة وضع كفيه داخل جيبي بنطاله ليتحدث بثقة وثبات اصطنعهما ببراعة:
- أفسر إيه حضرتك، هو أنت بردوا مصدق الست المجنونة دي.
وتابع مشيرًا بين كل من يوسف وعزة:
- دي الخدامة اللي ربت يوسف، وأكيد دي لعبة حبكوها الاتنين مع بعض علشان يفرقوا بيني وبين حبيبتي، وللأسف اللعبة دخلت على حضرتك ولغيت الحفلة من غير حتى ما تتأكد من الحقيقة.
صاح يوسف وفؤاد بنفس التوقيت:
- اخرس يا حقير.
ليتابع يوسف بعدما أفسح له المجال والده الروحي:
- أنا مش خسيس زيك علشان أعمل خطط ومؤامرات، شغل النسوان ده بتاعك إنت.
وتابع فؤاد بإشارة تهديدية من أصبعه تحت أنظار الجميع المترقبة بتمعن:
- أحسن لك تعترف باللي حصل علشان أرحمك وأخليك تخرج من هنا في أمان إنت وأهلك.
أقبل "نبيل" بخطوات سريعة صوب "بيسان" لينطق في محاولة خبيثة للتأثير عليها:
- إنت ساكتة ليه يا بوسي، اتكلمي وقولي لهم على اللي شوفتيه بعيونك من البيه، دافعي عن حبنا؟
كانت تنكمش على حالها تبكي داخل أحضان والدتها وتهز رأسها بانهيار وتشتت واضحين، إلى هُنا تجرأت "عالية" صديقتها بعدما رأت انهيارها لتهتف بعدما تسلحت بالشجاعة:
- كلام عزة كله صح، إنت يا حقير اللي خططت لكل ده، وأنا بغبائي ساعدتك من غير ما أحس، استغليت سذاجتي وغبائي واستخدمتني في لعبتك الرخيصة.
بدأت بقص كل ما لديها تحت ذهول "بيسان" ودموعها المتساقطة كالأمطار لتهتف بعدما هرولت تحتوي كتفيها:
- ليه عملتي فيا كده يا عالية، إزاي تبقي عارفة الحقيقة طول الوقت وشيفاني وأنا بتدمر قدامك ومتقوليليش، هونت عليكِ، إزاي انطقي؟
- خوفت يا بيسان.
نطقتها بدموع وضعف وتابعت:
- خوفت من تهديد الحقير ده ليا.
- أنا آسفة.
وتابعت وهي تتطلع على يوسف الواقف مذهولًا:
- سامحني يا يوسف.
استمع الجميع لتصفيق حار من نبيل الذي تحدث متهكمًا:
- برافو يا "عالية"، تمثيلك هايل، ده حتى أنا صدقتك، إنتِ لازم تقدمي في نقابة المهن التمثيلية.
وتابع تحت ذهول الجميع من كم البجاحة لديه:
- يا ترى "يوسف" إدى لك مبلغ كويس تمن البؤقين الفارغين دول؟
وتابع لقلب الطاولة وزرع الشك في قلوب المحيطين:
- المبلغ يستاهل يعني إنك تشهدي زور علشان يكمل أركان التمثيلية الساقطة اللي عاملها على الكل دي؟!
رمقه يوسف لينطق باشمئزاز:
- حقيقي مشفتش لا أحقر ولا أوطى منك.
- المفروض تتكسف من نفسك يا يوسف.
قالها نبيل لتصرخ تلك الصامتة "بيسان" بعدما انهار تماسكها:
- كفاية بقى، حرام عليكم كفاية.
وتابعت وهي تترجى فؤاد:
- اطرده بره هو وعيلته وخلصني منه يا خالو.
رمقها يوسف بنظرات مرعبة قبل أن يهتف بتصميم:
- مش قبل ما حقيقة المحترم اللي روحتي رميتي نفسك في ناره تنكشف قدام الكل.
وهرول على ساندي يصرخ بحدة وعينين تطلقان شزرًا:
- ساكتة ليه؟ خلي عندك ضمير وانطقي وقولي اللي حصل؟
ارتفعت شهقاتها للأعلى لتصرخ "بيسان" وهي توبخها:
- حقيرة، ربنا ينتقم منك.
بكت بقوة لتهتف من بين دموعها:
- أنا عمري ما كنت حقيرة ولا وحشة، طول عمري رافعة راسي لفوق وفخورة بنفسي وعيلتي، طول عمري وأنا نجمة عالية بعيدة عن إيدين الكل.
وتابعت وهي تتعمق بعيني يوسف والعشق يملأ مقلتيها:
- لحد ما حبيته، سكنني حبه واستولى على كل قلبي.
اشتعل قلب "بيسان"، وودت لو أن لها الأحقية لانتزعت شعر رأسها بالكامل وأبرحتها ضربًا لتهدئ نار غيرتها المستعرة، بينما تابعت الأخرى بعدما أمسكت ذراعيه باحتواء:
- أنت نقطة ضعفي الوحيدة يا يوسف.
لم تشعر "بيسان" بحالها وهجمت تنتزع كفيها وتبعدها عن حبيبها تحت احتراق قلب نبيل واشتعال قلب "يوسف" مجددًا بالغرام، صرخت بها بتملك:
- ابعدي إيدك عنه يا حقيرة.
ابتلع لعابه حين أمسكت بكفه تبعده للخلف تحت انتفاضة قلبه الذي ما زال ممتلئًا بعشق تلك الحورية.
تابعت ساندي وهي تشير إلى نبيل بدموعها:
- لحد ما في يوم نبيل ظهر قدامي.
قصت على الجميع جل ما حدث من البداية إلى اللحظة التي استمعت إليهما عزة.
اقترب فؤاد ليواجه نبيل وبدون مقدمات، نزل بصفعة قوية على وجهه وتحدث بعينين تطلقان شزرًا:
- ده حق بنت أختي.
اعتدل نبيل ليطالعه بذهول وعدم استيعاب لما حدث ليفاجئه بأخرى أقوى وهو يقول:
- وده علشان ابني.
انقض يوسف على نبيل لينتشله من أمام فؤاد وأمسكه من تلابيب بدلته ونطق وهو يهزه بعنف:
- بقى واحد واطي زيك يلعب عليا أنا.
صرخ نبيل هاتفًا:
- بيسان بتاعتي أنا، ومش هسيبك تتهنى بيها يا يوسف.
تبادلا الاشتباكات وقبل أن تتحول إلى ضرب مبرح هرول الجميع وقاموا بتخليصهما من قبضات بعض ليهتف فؤاد وهو يحتضن يوسف ويكبل جسده المنتفض من الخلف:
- اهدى يا يوسف، اهدى يا ابني، ده حقير ما يستاهلش توسخ إيدك علشانه.
صرخ يوسف محاولًا الفكاك بجسده بمنتهى الغضب:
- سيبني يا بابا، خليني آخد منه حق وجعي وأفش غليلي.
هتف علام بحكمة وثبات موجهًا حديثه إلى عاطف السرجاوي:
- خد ابنك وعيلتك واخرج من هنا وإوعى تخليني أشوف وش حد فيكم مرة تانية، وياريت تفهم ابنك إن اللي عمله ده لو اتكرر تاني، أنا همحيه من على وش الأرض.
وتابع مهددًا في إشارة إلى استخدام سلطته:
- هخلي أمن الدولة يخفوه في سجونهم والدبان الأزرق مش هيعرف له طريق.
انتفض قلب الرجل رعبًا ونطق بحروف مرتعبة:
- أمرك يا باشا، ابني هسفره بلاد بره، مش هقعده في البلد خالص، بس أبوس إيدك يا بيه تسيبه لي، ده أنا ما حلتش من الدنيا غيره.
نطق علام بصرامة:
- طب مش كنت تعلمه الأدب والأصول علشان ما يجيبلكش التهزيق وقلة القيمة.
أخذ عاطف نجله الثائر وهرول خلفهم ما تبقى من العائلة بعد أن هرب أكثرهم خشية من طوفان "فؤاد".
هرولت بيسان إلى ساندي لتدفعها للأمام نحو الخارج وهي تقول بغضب وغيرة:
- اطلعي بره أنت كمان، ولو شوفتك مرة تانية حوالين يوسف هقتلك.
نطقت الفتاة بانهيار:
- هسيبهولك، بس ياريت تعرفي تحافظي عليه.
خرجت مهرولة تلملم بقايا كرامتها المهدورة وتلعن بسريرتها اليوم الذي استمعت به إلى وسوسة ذاك الشيطان "نبيل"، ما جنت من تلك التجربة سوى جلب الفضيحة لحالها وإهدار كرامتها وهي التي طالما عاشت مرفوعة الرأس.
أما "عالية" حاولت لمس يد صديقتها كي تواسيها لتبتعد الأخرى للوراء وهي تقول:
- امشي يا "عالية"، وياريت ما أشوفش وشك تاني أنت كمان.
بكت الفتاة بشدة لتقترب منها فريال التي ربتت على ظهر تلك الفتاة اليتيمة:
- ما تزعليش يا حبيبتي واعذريها، اللي حصل لها ده كله مش قليل، ده برضه يوسف، حب العمر.
نطقت بدموع وضعف:
- أنا مش زعلانة منها يا طنط، أنا زعلانة من نفسي وإني كنت السبب من غير ما أقصد في أذيتها.
- روحي وهي لما تهدى هخليها تكلمك.
استمعت الفتاة لحديث فريال وانسحبت بعدما انسحب الجميع ولم يتبقى سوى ماجد وعائلته حيث نطقت نوال بذهول:
- يا ستار يا رب، هي الدنيا جرى فيها إيه، الناس عمالة تخطط في أذية بعض وناسيين إن الدنيا متفاتة.
وتابعت وهي تربت على ظهر ماجد تحت نظرات عزة المستنكرة:
- الحمد لله اللي ربنا نجاك منهم يا حبيبي، عملك الحلو ودعوات أمك قعدوا لك ونجوك.
لوت عزة فاهها بسخرية وهمست لحالها:
- عمله الحلو، هيجيب الحلو منين وهو ابنك يا عقربة.
ارتخى جسد يوسف بين أيدي فؤاد وإيثار التي احتضنته وهي تقول بأسى وألم تحت نظرات بيسان العاشقة والتي تمنت لو أن لها الحق باحتضانه هي الأخرى والتخفيف من آلام ما يشعر:
- اهدى يا قلب ماما، اهدى يا حبيبي.
كان يتنفس بلهاث بينما صاح ماجد ناهرًا ابنته وهو يهز ذراعها بغضب:
- عاجبك الفضيحة اللي سببتيها لنا دي، أنا وجدك وخالك وجدتك ذنبنا إيه في تفاهتك، كل زملائي في الجامعة أنا وجدتك حضروا الفضيحة وشافوا النسب الزبالة اللي بليتنا بيه.
جذبت فريال ابنتها من يده بينما هتف علام بحدة:
- خلاص يا ماجد، مش وقت كلامك ده، البنت منهارة قدامك ومش متحملة.
نطق بجنون يكاد يفقد من خلاله عقله:
- هتجنن يا باشا، اللي حصل ده فضيحة بكل المقاييس.
تحرك فؤاد ليحتضن الفتاة التي انكمشت تبكي بشدة داخل أحضانه تحت نظرات يوسف الغاضبة منها وعليها:
- واللي أنت بتعمله ده هو اللي هيلغي اللي حصل؟
جاور عليوة نجله وتحدث بهدوء وعقلانية:
- يلا يا ابني نروح على بيتك علشان تهدى.
هتف ماجد وهو يشير لنجله:
- يلا يا فؤاد، هات أختك وماما وحصلونا أنا وجدوا وتيتا.
- حاضر يا بابا... قالها الفتى ليقطع حديثه صوت خاله قائلًا بجدية:
- سيب فريال وبيسان هيبقوا يحصلوكم بعدين يا ماجد.
قطب جبينه ليرمق يوسف بحدة وهو يقول:
- يعني إيه أسيب بنتي وأمشي يا سيادة المستشار.
- يعني زي ما سمعت، تسيب بنتك وتتفضل على بيتك يا ماجد... جملة شديدة اللهجة نطق بها فؤاد بملامح وجه أظهرت كم استيائه ووصوله للمنتهى من الغضب، ابتلع لعابه ليجذبه عليوة قائلًا بهدوء:
- امشي معايا يا ابني.
لتؤكد نوال وهي تحثه على الحركة بجوارها قائلة باستحسان لفكرة ارتباط حفيدتها بذاك الذي أصبح ثريًا وذات منصب سيادي:
- اسمع الكلام أمال يا ماجد.
يلا معانا يا فؤاد.
انسحبوا إلى منزل ماجد.
أما فؤاد وقف يتطلع على يوسف وبدون مقدمات، لكزه بذراعه بحدة ليهتف بعينين تطلقان سهامًا نارية تعود لخيبة أمله في نجله البكري:
- وأنت يا عبقري زمانك، يا اللي ضيعت عمري في تربيتك وكنت فرحان بنفسي قوي وفاكر إني ربيت راجل ما فيش في ذكائه، حتة عيل ما يسواش مليم يعلم عليك؟!
يعمل خطة ما تسواش تعريفة وتعدي على عقلك يا عبقري اللي بقول عليك أنت الوحيد اللي وارثني.
وصرخ يسأله بجنون وعدم إدراك لما حدث:
- ليه يا يوسف، ليه؟!
صرخ بصوت محتقن ونظرات تحمل أعلى درجات الجنون:
- مكنتش فايق يا بابا، الحقير اختار الوقت الصح، كنت مشغول ليل ونهار في الاختراع.
التفت إلى تلك المنهارة تزرف دموعًا من دم، وتابع وهو يرمقها بغضب جحيمي لو خرج لحطم المكان برمته:
- كنت بسابق الزمن وبحفر إسمي على الصخر علشان أكون جدير بالهانم.
وتابع بحدة أكبر وصراخ أظهر وجع روحه:
- علشان محدش يقلل مني ولا يعايرني زي ما بنت الأصول عملت وعايرت أمي بتاريخ عيلتي.
هزت رأسها لتهتف بشهقات عالية:
- كان غصب عني يا يوسف، وإنت مشيت وسيبتني لظنوني.
هتف فؤاد لكلاهما وهو يشير إلى آخر الحديقة:
- خدها وروحوا اتفاهموا لوحدكم.
تحركت لتتبعه، وحين استقرا شهقت بدموع الألم وهمست بانكسار تلومه بعينيها:
- إنت بعدت عني وأنا مبقتش فاهمة أي حاجة، كنت محتاجة منك تديني وعد وتطمني على نفسي معاك، كلمة واحدة لو كنت قولتها كنت هستناك العمر كله من غير ما أفتح بقي.
واسترسلت تنطق الكلمة بقهر:
- إطمني واستنيني، مهما حصل هنكون لبعض، مكنتش عاوزة منك أكتر من وعد.
صرخ يصيح بجنون:
- والسنين والعشرة اللي بينا، مكنتش وعد؟! حبنا اللي عيشنا عمرنا كله نحميه ونراعيه ونكبره، مكنش بالنسبة لك وعد؟! خوفي عليك وحمايتي ليك طول السنين دي كلها مكنش وعد؟!
وتابع بذهول وكل خلية في جسده تنتفض غضبًا:
- ده أنا كنت بخاف عليك من نفسي قبل الغريب، كنت ماشي وراكي زي ظلك علشان أحميك، كنت محتاجة إيه إثبات أكتر من عقد الثقة اللي بنيناه طول السنين؟!
تابع متسائلًا بحدة:
- ردي عليا كنتي عاوزة إيه أكتر من كده؟!
صرخت بانهيار بعدما ضغطت عليها كلماته:
- العبرة دايمًا بالخواتيم يا يوسف، وإنت عيشت عمرك كله تحميني وتطمني، بس عملت إيه آخر فترة، سيبت البيت ومشيت وسيبتني.
وصرخت وهي تشير على حالها:
- أنا جيت لك بدل المرة اتنين وتلاتة، اتخليت عن كرامتي ورميتها تحت جزمتك علشان خاطر عيونك، كنت محتاجة أحس إني مهمة عندك وتتمسك بيا ولو لمرة واحدة في حياتك،
وتابعت بألم يمزق قلبها وشعور التخلي يضنيها:
- كان نفسي مرة واحدة تختارني يا يوسف، لكن إنت في كل مرة اتحطيت فيها جوه اختيار، كنت بتختار أي حد إلا أنا يا يوسف، إلا أنا.
نطق موضحًا بضعف:
- أنا عمري ما اتخليت عنك، طول الوقت وإنت على قايمة أولوياتي.
صرخت باعتراض:
- محصلش، ده مجرد كلام، بدليل إنك سيبتني واخترت زينة.
نطق مفسرًا:
- "زينة" كانت مريضة وفي أمس الحاجة ليا، لو سيبتها كانت هتضيع.
- وأنا؟!
قالتها باعتراض لتتابع بلوم صارخ من عينيها:
- مضعتش لما سيبتني؟!
نطق يلومها بحدة:
- كل كلامك ده مش مبرر بالنسبة لي، لو فيه ثقة بجد كنتي استنتيني العمر كله حتى ولو زي ما بررتي، إني مقولتلكيش تستنيني.
صرخت بحدة رافضة حديثه:
- كل اللي حصل كان نابع من حبي ليك.
وتابعت بوجه ملطخ بسواد الكحل العربي الذي اختلط بدموعها ليشكل خطًا جاريًا من السواد:
- إنت مش متخيل حجم الوجع والنار اللي شعللت في قلبي.
وصاحت تدبدب بقدميها في الأرض بعدما ضرب جنون الغيرة عقلها:
- وأنا شيفاك بعنيا وإنت بتأكل واحدة غيري بالشوكة في بقها.
هتف بصوت حاد مرعب:
- وبدل ما تيجي تسأليني وتستفسري مني عن اللي شفتيه، تروحي ترمي نفسك بين إيدين أكتر واحد بيكرهني في الدنيا كلها، وتجري على أمي توجعيها بكلام نزل على قلبها زي الخناجر.
- غيرتي عليك عمتني، مبقتش شايفة قدامي، كنت عاوزة أنتقم منك واكسرك.
نطقتها بانهيار وتابعت بدموع تجري كشلالات فوق وجنتيها:
- حبيت أدوقك من نفس كاس الغدر اللي شربتني منه، علشان أشوف قلبك وهو بينكوي زي ما دبحتني بإيديك.
اتسعت عينيه لينطق بعدم استيعاب لحجم شرها:
- للدرجة دي بتكرهيني؟!
- للدرجة دي مجنونة بيك وبحبك.
قالتها باستسلام وضعف ليهز رأسه قائلًا:
- خيبتي أملي فيك وضيعتي الثقة الكبيرة اللي كانت بينا، كسرتي بإيديكي الصورة المثالية اللي عشت عمري كله أرسمها لك.
اعتدل ليذهب، هرولت تتمسك بكفيه وهي تستعطفه بنظراتها الذليلة:
- سامحني وانسى، خلينا نبدأ من جديد.
- صعب، ده إذا مكانش مستحيل.
كلمات قالها بخيبة أمل كبيرة وتابع وهو يتحسس بذلته:
- شايفة البدلة اللي أنا لابسها دي؟!
ازدردت لعابها وهي تتطلع على ما يرتديه ليتابع هو بكسرة وغلبة الرجال:
- دي البدلة اللي اشتريتها علشان اليوم ده، واللي المفترض إنه كان يبقى يوم خطوبتنا، بس إنت حولتيه لخطوبتك إنت على راجل غيري.
فغر فاها لتتعمق بعينيه بذهول وهي تستمع لسيل اعترافاته، تابع هو بدموع تتلألأ بمقلتيه بعدما أصبح الوضع فوق احتماله:
- قبل المؤتمر بخمس أيام، جهزت كل حاجة، بدلة الخطوبة والخاتم اللي هقدمه لك قدام العيلة كلها وأنا بطلب إيدك وسطهم.
شهقت تحرك رأسها لتتطاير من عينيها دموع الندم ليتابع هو باستسلام مؤذي لقلبه وقلب الجميع وهم يراقبون انفعالاتهما من بعيد:
- ده أنا كتبت أسامينا على الدبل، إنت متخيلة إنت عملتي فيا إيه؟!
أقبل عليها وقبض على ذراعيها بعنف ثم تابع وهو يهزها بقوة:
- مقدرة حجم خسارة قلبي وكسرته يا سعادة السفيرة؟!
ضغط على حروف كلمته الأخيرة للتأكيد ثم تابع بإفاضة:
- في عز ما أنا بسابق الزمن وبجهز لكل حاجة، ومقرر أجي لك طاير بعد المؤتمر وأطلب إيدك من أبوك وأقف في وشه علشان أتمم خطبتنا بأسرع وقت.
توقف ليأخذ نفسًا عميقًا كي لا يصاب بذبحة صدرية من شدة انفعاله ثم تابع وهو يرمقها وغضب العالم أجمع احتشد بمقلتيه:
- وفي عز فرحتي بإني خلاص قربت ألمس كل أحلامي بإيديا وأضمن وجودك معايا باقي العمر، أمي تكلمني قبل المؤتمر بساعات.
وتابع مؤكدًا بحسرة ظهرت بمقلتيه:
- بس ساعات، وتقول لي إن الهانم اتخطبت، لا وكمان بتعيري أمي بيا؟!
كانت تستمع لكلماته والذنب والندم يجلدان قلبها وكأنهما سوط عذاب، مع كل كلمة تخرج منه تزرف عينيها دموعًا والقلب ينزف دمًا، نطقت وبعينيها ألف اعتذار:
- أنا آسفة يا حبيبي.
برغم عذاب روحها الذي لمسه وندمها الظاهر بشدة من بين كلماتها، ووقع كلمة "حبيبي" على قلبه العاشق، إلا أنه نطق بجمود يعود لغضبه العظيم من أفعالها وما قامت به من إهانات مبالغ بها بحق رجولته، ناهيك عن خطئها الجلل بحق امرأة حياته الأولى "والدته":
- الآسف فات أوانه خلاص.
تمسكت بكفه وشددت بقوة لتهمس برجاء وهي تتعمق بعينيه:
- بلاش تضيع حبنا يا يوسف.
- حبنا؟!
قالها ساخرًا ليتابع بسؤال متهكم:
- هو فين حبنا ده؟!
لتتبدل ملامحه لحادة صارمة مخيفة:
- اللي بينا كان وهم وانكشف وظهرت حقيقته قدام أول اختبار حقيقي، بيت من الرمل بنيناه وحلمنا يكمل، ومع أول موجة اتنسف وجرفته الماية معاها وضاع أثره.
هتفت بحدة تعود لرفضها فكرة الانفصال:
- كفاية عناد يا يوسف، أنا تعبت ومش هقدر أتحمل قسوتك عليا أكتر من كده.
سحب كفه من بين راحتيها لينطق بهدوء صارم:
- أنا لا بعاند ولا بقسى عليك علشان أعاقبك يا بيسان، أنا واخد قراري النهائي من وقت مكالمة أمي ليا.
اتسعت عينيها تسأله بلوم:
- جبت منين كل القسوة دي؟!
- منك.
قالها بجمود لتسأله بنظرات مستسلمة:
- يعني كده خلاص، حكايتنا خلصت؟!
ثبت على موقفه الزائف وتحدث عكس ما بقلبه:
- للأسف، حكايتنا خلصت من زمان.
أومأت عدة مرات بابتسامة تجمع ما بين الألم ومرارة الخذلان، وبدون إضافة حرف واحد انسحبت تجر أذيال خيبتها العظيمة برأس منكس وذراعين مهدولتين، كان مظهرها كفيلًا لتعاطف الجميع معها، هرولت فريال تساندها ولحقت بهما "عصمت" التي أرادت الاطمئنان على حفيدتها، تحركن لخارج البوابة تحت نظرات الجميع المشيعة ما عدا ذاك العنيد الذي والاها ظهره كي لا يضعف ويلحق بها مهرولًا.
أخذ ينظم أنفاسه ليستعيد تماسكه كي لا يظهر بصورة رجل مهزوم أمام عائلته، ثم استدار وتحرك ليقف على مسافة كبيرة من تجمع العائلة، نطق بصوت رغم محاولاته المستميتة خرج ضعيفًا:
-يلا يا زينة علشان نتحرك.
هبت إيثار واقفة وبلمح البصر كانت تجاوره وهي تقول:
-يلا فين؟ إنت بايت هنا النهارده.
حرك رأسه بنفي، وقبل أن تخرج كلماته هتفت بصرامة ورفض لا يقبل المناقشة:
-ريح نفسك، أنا مش هسيبك وإنت في الحالة دي.
"وزينة..." قالها مستسلمًا ليتابع:
-هعمل معاها إيه؟
وقبل أن تجيبه خرج صوت فؤاد القوي:
-ما تتحججش بـ"زينة"، زينة هتبات مع تاج في أوضتها.
تنفس لينطق علام مشيرًا له بمجاورته:
-تعالى علشان نتكلم يا حضرة الظابط، ولا هتهرب زي ما عملت قبل كده؟
بتحدي أجاب:
-الهروب للناس الجبانة، وأنا عمري ما كنت جبان يا باشا!
أشار مرة أخرى ليتنهد باستسلام، ثم تحرك ليجلس بالمقعد المجاور إلى علام الذي نطق بنظرات ازدرائية:
-قولت إيه لـ بيسان خلاها تجري وهي منهارة بالشكل ده؟
أجاب بهدوء ظاهري:
-قولت لها اللي كان لازم يتقال.
رفع فؤاد حاجبه ينتظر إجابة الشاب الذي تابع مسترسلًا:
-كل حاجة خلصت.
برغم غضب "إيثار" من "بيسان" وما فعلته بنجلها الحبيب، إلا أنها لا تنكر حزنها العميق على ما أصابها، والأكثر هو حزن نجلها العميق الذي تراه ظاهرًا من عينيه، برغم إعجابها الشديد بحفيدة "أيمن الأباصيري" وعقدها النية على أن تفاتحه بأقرب وقت، إلا أنها جنبت ذاك الاقتراح وتمنت من عمق قلبها عودة يوسف إلى تلك الحبيبة التي لم يدق قلبه لسواها طيلة سنواته الاثنتين والعشرين، لذا تحدثت بنبرة متأثرة:
-بلاش تعاند قلبك يا يوسف، إنت بتحبها، وعمر قلبك ما هيرتاح مع غيرها.
احتدمت ملامحه وامتلئت بشرارات الغضب ليهتف محتدًا:
-ملعون قلبي اللي هيذلني ويخليني أرجع لواحدة باعتني مع أول موقف، وياريته كان حقيقي!
-يا خسارة يا يوسف، كنت فاكرك تربية علام زين الدين بجد... كلمات جالدة لذات الشاب نطق بها "علام" ليتابع بلوم حاد:
-يعني فوق إن حتة ولد حقير قدر يخدعك بكل بساطة وخلاني أتحسر على تربيتي ليك، كمان محمل البنت الضعيفة اللي ملهاش أي ذنب كل الغلط، وكأنك بريء قوي ومغلطتش في حاجة.
رفع حاجبه وسأله مستنكرًا:
-وإيه هو غلطي من وجهة نظرك يا باشا؟!
نطق بحكمة:
-إنك اتصرفت بغموضك المعتاد في موضوع مينفعش فيه الغموض، يا غبي افهم، البنت كانت محتاجة منك وعد يطمنها.
نطق بحدة:
-وسنين عمري اللي ضيعتها في حبها، مكنتش كفاية تطمنها؟!
لاحظ فؤاد حدة الشاب في حديثه وتعديه حدود اللباقة المعتادة منه في مناقشاته السابقة مع علام، فأراد أن ينهي ذاك النقاش الحاد كي لا يفقد يوسف تماسكه أكثر ويحدث صدامًا بين غاليه:
-اطلع خد حمام بارد وحاول تنام يا "يوسف"، وبكرة تكون هديت وتكمل كلامك مع الباشا.
كانت كلماته بمثابة طوق نجاة فهب واقفًا وتحدث مستأذنًا بوجه عابس:
-تصبحوا على خير.
تحدث فؤاد إلى الأولاد:
-تاج، خدي زينة واطلعوا غيروا هدومكم علشان ترتاحوا.
وتابع وهو ينظر لنجله العاقل:
-وإنت يا زين، يلا على أوضتك يا حبيبي.
تحدث الفتى:
-حاضر يا بابي.
انصرف الجميع ليميل بجذعه على حبيبته يمسك بكفها ويحثها على النهوض وهو ينطق بنبرة هائمة كي يصعد معها ليرتوي من عشقها ويرتمي داخل أحضانها الحنون لتسكن روحه وتستكين، وكأن ما يحدث من حوله لا يعنيه:
-يلا يا حبيبتي علشان تغيري فستانك وترتاحي إنت كمان.
أومأت وقبل أن تنهض نطق علام بإشارة حازمة من كفه:
-اقعد يا باشا، عاوزك في موضوع مهم إنت والمدام.
ضيقت بين عينيها لتحولهما سريعًا تتطلع على ذاك الحنون الذي ينطق بذاك اللقب للمرة الأولى بحياته، تعجب أيضًا فؤاد من حدة والده بالحديث وبدون اعتراض جلس وتحدث مستفسرًا:
-خير يا باشا؟!
-مفيش حاجة عاوز تقولها لي إنت ومراتك يا فؤاد؟!
نطقت بحروف مرتابة وشعورًا بالخوف اجتاح كيانها:
-حاجة زي إيه يا بابا؟!
ابتسامة ساخرة ارتسمت بجانب ثغره وشعورًا بالمرارة والخذلان اجتاح روحه لينطق بخيبة أمل:
-إنت اللي هتقولي لي إنت وسيادة المستشار.
وتابع بحدة ولوم غاضب:
-اللي مرشح يكون عضو في هيئة المحكمة الدستورية العليا ويكمل مشوار علام زين الدين.
على الفور أيقن بعلم والده بما حدث بذاك اليوم المشؤوم فتحدث خجلًا بعينين زائغة لم يجرأ بالنظر بها بخاصتي والده:
-اللي حصل كان غصب يا باشا.
هتف موبخًا:
-ده كلام غير مسؤول ميطلعش من قاضي محترم.
بعينين متوسلتين تحدث:
-مقدرتش أتحكم في غضبي وغيرتي.
-قصدك مقدرتش تتحكم في خيبتك... جملة صعبة نطق بها علام نزل وقعها على فؤاد زلزل كيانه، فتلك هي المرة الأولى التي ينهال عليه والده بالتوبيخ بدون رحمة مما جعل إيثار تنطق للدفاع عن ساكن الروح:
-فؤاد ملهوش ذنب في اللي حصل يا بابا.
-إنت تسكتي خالص، دورك لسه جاي يا أستاذة... قالها بحزم ليستطرد كلامه بتعنت ولوم شديد ظهر بعينيه وبين الحروف:
-يا اللي المفروض بقيتي ليا أقرب من بنتي، ده أنا كل أسراري معاكي، بتكلم معاكي في كل حاجة تخص العيلة أكتر ما بتكلم مع عصمت نفسها، وآخرتها إيه، تخبي عليا علشان تداري على خيبة جوزك الثقيلة.
هتف بعناد وحدة بعدما فاض به من سيل الإهانات التي غدقه بها والده أمام امرأته:
-أنا مش خايب يا باشا ولا ندمان على اللي حصل، ولو اليوم رجع واتعاد تاني هكرر نفس اللي عملته، وهقطع نفسه من كتر الضرب.
نطق علام متهكمًا:
-برافو عليك يا سيادة المستشار.
أجاب والده مفسرًا:
-أنا هنا مكنتش بتصرف بعقل سيادة المستشار، أنا اتصرفت بقلب راجل دخل لقى واحد حقير واقف قصاد مراته ومقرب منها.
التفت إلى زوجته وتحدث:
-سيبنا لوحدنا.
-خليني معاك... قالتها بضعف نابع من خوفها عليه ومنه ليحتد على والده بالحديث فانتفض جسدها من حدة كلماته النابعة من اشتعال جسده الغاضب بفضل استماعها لإهانته على يد أبيه أمامها:
-قولت لك ادخلي جوه.
ابتلعت لعابها وهبت سريعًا لتهرول للداخل كي تجنب حبيبها اشتعال روحه أكثر، تحرك بمقعده ليلتصق بمقعد أبيه وتمسك بكفيه كطفل صغير وهو يقول بوجه ظهر التألم على تقاسيمه:
-إنت ليه مش قادر تفهمني يا بابا.
تيقن علام أن ما سيقوله ولده نابعًا من القلب طالما ناداه بـ"بابا" بالفعل أكمل بكلمات لامست قلب أبيه وزلزلت سباته:
-فكرة إن مراتي اللي بعشقها كانت في حضن راجل غيري قبل ما تبقى معايا بتقتلني، برغم كل السنين اللي فاتت إلا إني مش قادر أتخطى النقطة دي.
احتدت ملامحه وامتلأت بالقسوة والغضب وهو ينطق بهسيس من بين أسنانه:
-ابن الكلب قالها لي بكل وقاحة يومها، ضغط بكل قوته على جرحي وهو باصص في عنيا وبيقول لي إنها كانت مراته.
وتابع مرددًا كلمات عمرو التي يتردد سمعها بأذنيه:
-خلفت منها أغلى وأقرب ولد لقلبها، واللي بيفكرها دايمًا بيا.
وإلى هنا لم يعد يتحمل، صرخ وهو يضغط بكامل قوته على كف أبيه دون شعور منه:
-كنت عاوزني أعمل إيه، قولي يا بابا؟! لو كنت مكاني كنت هتعمل إيه؟
لم يعثر بداخله على كلمات يطفئ بها لهيب نجله الحبيب سوى حضنه، نعم لقد جذبه ليسكنه داخل أحضانه ويشدد من ضمته بذراعيه الحنونين، ليتفاجأ بشهقات نجله العاقل وهو يبكي على كتف أباه كطفل صغير وجد ملاذه، بات يمسح بحنان على ظهره ويقبل شعر رأسه كمن يهدهد صغيرًا بعمر الخامسة، انتفض جسد كلاهما على إثر استماعهما لأصوات صرخات متتالية تأتي من منزل فريال ليبتعدا سريعًا.
وبالأعلى كان يجلس على طرف الفراش ساندًا بكفيه، يهتز بجسده بالكامل في حركات تظهر توتره وحدة غضبه، يفكر فيما حدث وهل سيستطيع نسيانه والعودة مرة أخرى لتلك الغبية أم سيبتعد للأبد ويكمل طريقه بعيدًا عن خطته التي رسمها بصحبتها، انتفض جسده هو الآخر حين استمع لصوت تلك الصرخات، هرول إلى الشرفة ليفتحها وينظر على منزل ماجد، ارتعب قلبه حين استمع إلى صرخات فريال وهي تقول:
-........
رواية انا لها شمس الفصل الثاني والسبعون 72 - بقلم روز امين
أجابتْه بحدة لينتبه:
- كفاية تضغط على أعصاب البنت أكتر من كده، هو أنت مش شايف حالتها عاملة إزاي؟!
وتابعت بحكمة:
- زائد إن اللي حصل حصل وخلاص، ونرفزتك ولومك ليها مش هيفيدوك لا أنت ولا هي، بالعكس، هيوسع المسافة والفجوة بينك وبين بنتك أكتر، إنت أب، وده أكتر وقت بنتك محتاجة لك فيه جنبها.
توقفت لتعيد تنظيم أنفاسها ثم تابعت بإرشاد:
- اطلع خد بنتك في حُضنك وطمنها، حسسها إنك واقف جنبها وبتدعمها، مش واقف ضدها.
زفر بقوة ليؤكد عليوة على حديث عصمت:
- يسلم لسانك يا دكتورة، كلامك كله صح.
بينما لوت نوال فاها اعتراضًا على وقوف زوجها بصف تلك المرأة ضد نجله لتنطق بمساندة ذاك الذي طالما رأته على صواب فيما يخص لوم زوجته وأبنائه:
- لا طبعًا، كلامك ده هيقويها أكتر ويخليها متحسش بالمصيبة اللي وقعتنا كلنا فيها يا دكتورة، بيسان غلطت لما وقفت في وش أبوها واتحدته واتخطبت للواد ده غصب عنه.
وتابعت لتلقي كامل اللوم في إتمام تلك الخطبة على زوجها:
- وإنت السبب في كل اللي حصل ده، لأن ماجد كان رافض وإنت اللي زنيت عليه لحد ما وافق غصب عنه يا عين أمه.
طالعتها عصمت ببغض لتقليلها من شأن زوجها بذاك الشكل المهين أمامها ونجله، وحملت عصمت عليوة الذنب الراجع لضعف شخصيته، رفعت عينيها وهي تشاهد نزول ابنتها من فوق الدرج لتسألها بلهفة واهتمام:
- طمنيني يا فريال، بيسان هديت؟!
جاورت والدتها الجلوس ثم تنهدت بأسى ظهر فوق ملامحها الحزينة:
- بتقول إنها هديت يا ماما، دخلت الحمام غسلت وشها وطلبت مني أسيبها لوحدها علشان تنام.
رمقها ماجد بحدة قبل أن ينطق بنبرة أظهرت كم سخطه على الفتاة:
- ولسه ليها نفس تنام بعد الفضايح اللي عملتها لنا؟!
لم تعد تتحمل أسلوبه الحاد وتلك المعاملة السيئة والتعنيف المستمر لابنتها فتحدثت بحدة تعجب هو منها:
- كفاية يا ماجد، أنا تعبت من أسلوبك ده.
وتابعت ناهرة تحت استشاطة قلب نوال التي صمتت فقط لوجود عصمت:
- كل كلامك اللي قلته من شوية وصلنا فوق أنا والبنت، يعني فوق ما هي منهارة من اللي حصل، تسمع كلامك اللي زي السم بدل ما تطلع تاخدها في حضنك.
قبل أن يجيبها استمعوا جميعًا لصوت الفتى وهو يصيح من أعلى الدرج:
- إلحقي بيسان يا مامي.
هرول الجميع وهم يتخبطون أثناء صعودهم الدرج بعدما رأوا بأعينهم هلع الفتى، هتفت فريال صارخة وهي تسأله بقلب يشعر بأن صغيرتها أصابها مكروهًا:
- مالها أختك يا فؤاد؟!
نطق الصبي بصوت متقطع هلع وملامح وجه فزعة نتيجة ما رأته عينيه:
- كنت داخل أطمن عليها، خبطت عليها مرضتش، قلقت، دخلت لقيتها...
لم يستطع متابعة حديثه من شدة الشهقات، هرول الجميع إلى الغرفة كي يكتشفوا ما حدث بأنفسهم، توقفت أقدامهم عن الخطوات وكأنهم تسمروا بأرضهم، أعين متسعة دقات قلوب تدق بقوة تكاد تُسمع من شدة قوتها، عقولًا لا تستوعب ما تراه الأعين، فقد كانت الفتاة تتوسط فراشها الأبيض والذي تلطخ بدمائها التي انسالت بفضل قطع شريان يدها بعدما قررت الرحيل وترك كل هذا الوجع خلفها كي ترتاح الروح ويتوقف العقل عن التفكير للأبد، بلحظة فقدت شتات عقلها واتبعت وسوسة الشيطان الرجيم الذي اقتحم عقلها ورسخ بداخله أن فكرة إنهاء الحياة هي الحل الأوحد لإنهاء الآلام، وأنها ستريحها من جميع المواجع التي سكنت فؤادها واستوطنت، انتفضت أجساد الجميع على إثر صرخة فريال التي هزت أركان الشارع بأكمله وهي تقول بعدما عادت إلى وعيها:
- بيســـان.
هزت صرخاتها المتتالية المكان برمته ليستمع إليها جميع من بمنزل علام زين الدين، هرولت نحو الفراش كي ترفع جسد ابنتها التي فقدت وعيها بالكامل بسبب فقدانها الكثير من الدماء أثناء قطع الشريان الرئيسي، باتت تصرخ مستغيثة وهي ترى جسد ابنتها يترنح بين يديها كجثة هامدة:
- ردي عليّ يا بنتي، عملتي في نفسك كده ليه؟!
صرخات متتالية خرجت من نوال المذهولة وعليوة الذي يهز رأسه بعدم استيعاب بينما هرولت عصمت نحو الخزانة وقامت بإخراج قطعة من الملابس وتوجهت إلى حفيدتها، قامت بلف القماشة فوق الجرح الغائر كي يتوقف النزيف، ثم أمسكت عرق عنقها النابض تستكشف من خلاله النبض، وبعدها صرخت مستنجدة إلى ذاك الواقف مصدومًا وهو يتطلع على ابنته بشرود:
- اطلب الإسعاف بسرعة يا ماجد.
وأثناء ما كان يحاول الاستيعاب ولج يوسف الذي قطع المسافة بلمح البصر، اتسعت عينيه وهو يرى حبيبة القلب ممددة فوق الفراش بعدما وضعت فريال رأسها لتتوسط وسادتها البيضاء كوجهها الملائكي، بات يحرك رأسه يمينًا ويسارًا في محاولة منه على استيعاب المشهد، ليتدارك الموقف سريعًا وبلمح البصر كان يرفع جسدها بين يديه وهو يصيح بكامل صوته:
- إسبقني على تحت وشغل عربيتك بسرعة يا دكتور.
طالعه ماجد بتيهة وشرود ويبدو عليه عدم الإدراك ليصرخ به يوسف بقوة:
- فوق يا دكتور واتحرك، بيسان لازم توصل المستشفى في أسرع وقت، اتحرك.
قال كلمته الأخيرة بصراخ جعل جسد ماجد ينتفض وكأنه للتو فقط قد عاد له الوعي، هتفت عصمت التي جاورت يوسف لإسناد رأس الفتاة:
- بسرعة يا ماجد.
هرول الجميع خلفهما، هتف فؤاد الذي ولج للتو إلى المنزل:
- مالها يا يوسف؟
أجابته عصمت وبعد قليل كان يوسف يقود سيارة ماجد الجالس بجواره ينظر إلى ابنته ودموع الندم واللوم يغرقان وجهه، أما يوسف فكان يسابق الزمن عبر قيادته للسيارة وهو يراقب الطريق تارة وينظر إلى تلك التي تتوسط عصمت وفريال المنتحبة، وصل إلى المشفى بوقت قياسي، طاقمًا كاملًا من الأطباء وطاقم التمريض يقف بانتظار الحالة بعد مكالمة هاتفية قام بها فؤاد إلى مدير المشفى، انتشلوا الفتاة سريعًا وفي خلال دقائق معدودة كانت الفتاة تقبع داخل غرفة العمليات، نطق الطبيب بعدما فحص الحالة:
- الجرح عميق جدًا والبنت نزفت كتير، هنحتاج نقل دم، والمشكلة الكبيرة.
ترقب الجميع كلمات ذاك الذي صمت ليتحدث فؤاد بقوة:
- كمل يا دكتور.
تابع الرجل يخبرهم بوجه آسف:
- النبض ضعيف جدًا يا سيادة المستشار، إحنا هنوقف النزيف ونخيط الجرح، وربنا يستر والحالة متنتكس.
اختفى الطبيب خلف حجرة العمليات ليبدأ، الجميع يقف مترقبًا خارج الغرفة، يوسف وقلبه الصارخ اللائم وهو يعنفه ويحمله كامل الذنب بما أقبلت عليه الفتاة، وماجد وشعوره الذي لا يختلف كثيرًا عن الأول، عصمت التي طلبت من إحدى العاملات مُصحفًا “القرآن الكريم” لتتلو بعض السور كي يهدأ قلبها، عليوة نوال حتى الفتى، وفؤاد وإيثار التي تجاور فريال في محاولة منها للمواساة والتهدئة، بلحظة وبدون مقدمات نهرتها لتبعد يدها تحت انتفاضة جسد الأخرى، تطلعت إلى يوسف وماجد وتحدثت بسخط وهي ترمقهما بنظرات نارية:
- بنتي لو جرى لها حاجة إنتوا الاتنين اللي هتبقوا مسئولين قدامي.
تحرك يوسف ليقف مقابلًا لها وهو يقول بدموعه التي لم يستطع التحكم بها:
- بوسي هتقوم وهتبقى كويسة يا حبيبتي.
نفضت يده التي لمست خاصتها لتنهره بحدة:
- أوعى تنطق اسم بنتي على لسانك، إنت السبب في كل حاجة وحشة حصلت لها، حتى الولد الحقير اللي خدعها كان بسببك إنت، هي قربته منها بسببك إنت.
- إهدي يا حبيبتي... قالها يوسف بهدوء في محاولة منه لاحتواء فزعها لتصرخ وهي تُبعده من جديد:
- أنا مش حبيبتك، أنا لو فعلًا غالية عندك وطمر فيك حبي وتربيتي ليك مكنتش أذيت بنتي بالشكل ده.
أقبلت عليه لتدفعه بكفيها على صدره:
- كنت عملت حساب لغلاوتي عندك ومكنتش وصلتها للتفكير في الانتحار.
نزلت دموعه وهو يستمع لاتهامها الصريح، أجابها بشهقة شقت صدر الجميع فما أقساها وأصعبها دموع الرجال:
- مهما قولتي وعملتي أنا عازرك، ومعاك كل الحق، مقدرش ألومك.
رمقته بازدراء قبل أن تتطلع لذاك المنزوي جانبًا يدعو الله بسريرته ألا تتذكره ولكن دعوته لم تستجب، فقد جاء دوره لتنطق وهي ترمقه شزرًا واشمئزاز:
- وإنت، جهز نفسك كويس واستعد للي جاي يا ماجد، لأن بنتي لو جرى لها حاجة، مش هقعد على ذمتك يوم واحد، وهخلص منك حق السنين اللي عشت فيها مخروسة وساكتة على كل القهر والتسلط اللي مارسته على بنتي.
لم يستطع مجابهة غضبها ففضل الصمت لكن نوال لم تتبع نهج ابنها ونطقت ويا ليتها لم تفعل:
- عيب عليك الكلام ده يا بنت الأصول، دي بنته زيه زيـ...
قطع حديثها تلك التي صرخت تنهرها بحدة وغضب:
- اسكتي، مش عاوزة أسمع صوت حد فيكم، إنت فاهمة.
قالت كلمتها الأخيرة بتهديد بإشارة من يدها ليهرول عليها فؤاد يحتويها بأحضانه وهو يقول:
- إهدي يا حبيبتي واطمني، والله هتبقى كويسة.
- بنتي يا فؤاد...
قالتها بصوت يتمزق ألمًا ودموعًا تشق القلب قبل مجرى العين، ضمها أكثر لأحضانه، وتحدث وهو يملس على رأسها ليحتوي انهيارها:
-هتبقى كويسة، والله لتخرج وتبقى كويسة.
لم تكتفِ تلك المرأة اللعينة بما أصاب فريال من جنون، ضرب صوابها بفضل صورة ابنتها التي لم تفارق خيالها لتهتف مشتكية إلى فؤاد:
-عاجبك اللي أختك بتقوله ده يا سيادة المستشار؟
نطق بأعين تطلق شزرًا ولهجة تهديدية صريحة:
-فريال تقول اللي هي عايزاه كله، ومش من حق أي حد مننا يعترض، لأن ببساطة الوضع اللي هي فيه ما يسمحش بالعتاب ولا بالمساءلة.
وتابع بحدة تعود إلى حدة غضبه من تلك السيدة ونجلها:
-ولو حضرتك مش قادرة تتحملي وجعها تقدري تستني تحت في الكافيتريا.
كادت أن ترد عليه فقاطعها زوجها في محاولة منه لامتصاص غضبها:
-خلاص يا نوال، كلام سيادة المستشار عين العقل، ولو فعلًا مش هتتحملي انزلي على الكافيتريا.
جذبت رسغها بقوة من بين راحته لتنطق بسخط:
-أنا قاعدة ومش منقولة من هنا لحد ما بنت ابني تطلع وأطمن عليها، ما حدش يقدر يمشيني من هنا.
صدقت عصمت وأغلقت كتاب الله "القرآن الكريم" ثم نطقت ودمع يسكن مقلتيها ويفيض:
-ما حدش طلب منك تمشي يا مدام نوال، كلام سيادة المستشار واضح، بنتي تعبانة ومقهورة على بنتها.
وتابعت بحدة وحزم أوقف نوال عند حدها:
-ومش من حق أي حد يحاسبها على أي كلمة تقولها لا الوقت ولا حتى بعدين.
وتابعت بعدما وقفت وهي ترمقها متعجبة:
-وبعدين هو حضرتك في إيه ولا في إيه؟ بنت ابنك جوة في العمليات والمفروض تدعي لها تخرج بالسلامة.
كانت كلماتها حاسمة لدرجة جعلت الجميع يصمت، وصلت إيثار إليها وتحركت بها لتحثها على الجلوس مرة أخرى:
-ارتاحي يا ماما وحاولي تهدي علشان ضغطك ما يرتفعش.
مر الوقت على الجميع بصعوبة بالغة، قلوب ترتجف خوفًا من فكرة الفقد لشابة بمقتبل العمر، وأم تتلهف لخبر يطمئنها عن فلذة كبدها التي ترقد بالداخل تصارع الموت، أما عن ذاك العاشق وقلبه المتألم، فقد اقتحمت قلبه عدة مشاعر متضاربة آلامها فوق احتماله، منها الشعور المميت باللوم مع تحميل الذنب بالكامل لحاله، هرول الجميع يتسابقون على الطبيب الذي خرج من غرفة العمليات لينطق يوسف متلهفًا:
-طمنا يا دكتور من فضلك.
ابتسم يجيبهم بطمأنة:
-الحالة استقرت الحمد لله، والنبض انتظم والمريضة استعادت وعيها.
حالة من السعادة غزت قلوب الجميع بينما تطلع الطبيب إلى فؤاد وتابع بتوصية:
-البنت لازم تتابع مع أخصائي نفسي يا سيادة المستشار، لأن اللي حصل ده مؤشر خطير وانعكاس لحالتها النفسية المتدمرة.
هتفت فريال برجاء:
-ممكن أدخل لبنتي يا دكتور؟
أجابها بوجه بشوش:
-دي غرفة عمليات يا هانم وممنوع أي حد يدخلها غير الدكاترة والممرضين، الحالة هتخرج حالًا وتتنقل على الغرفة اللي اتخصصت لها.
وتابع مشيرًا لإحدى العاملات:
-وصّلي الهوانم لغرفة المريضة علشان ينتظروها هناك يا عبير.
صاحت فريال بحدة مبالغ بها وكأنها تحولت، اتسعت عينيها بغضب وهي تقول:
-أنا مش هتنقل من مكاني غير لما بنتي تطلع وأشوفها بعيني وأطمن.
أشار فؤاد إلى الطبيب فتفهم الآخر وصرف العاملة ثم تحدث إلى فؤاد بصوت خفيض:
-المفروض إني كنت أبلغ الشرطة عن الحالة حسب القوانين اللي حضرتك عارفها، لكن أنا ما عملتش كده علشان خاطرك يا سيادة المستشار.
-متشكر يا دكتور، وأنا مقدر جدًا اللي حضرتك عملته، وأوعدك إنه مش هيتكرر تاني.
داخل منزل علام زين الدين
جالسًا فوق الأريكة ببهو المنزل، مستندًا على عصاه برأسه المنكس وقلبه متألمًا على حفيدته التي لا يعلم إلى الآن شيئًا عنها حيث أبلغه فؤاد بأنه سيقوم بإبلاغه على الفور حين يطمئن على الفتاة، شعر بكف حنون تتحرك على شعره لينطق صاحبها بصوت تغلغل بروح علام:
-مش تزعل يا حبيبي، بيسو هتبقى كويسة.
رفع رأسه يتطلع على الصغير وبنبرة حنون تحدث:
-إن شاء الله هتبقى كويسة يا مالك.
سألته تاج المجاورة له:
-هي إيه اللي حصل لها يا جدو؟ أنا مش فاهمة حاجة.
-أكيد عمو ماجد الشرير قتلها... نطق بها ليتابع بوجه عابس:
-مش شوفتي كان بيزعق لها إزاي برة في الجنينة.
وتابع بلهفة وفخر بشقيقه البكري:
-بس جو البطل أنقذها يا تاج، أنا شوفته وهو شايلها وبيركبها العربية، بس هي كانت ميتة شوية.
استرسل وهو يشير بكفه:
-مش ميتة خالص يعني، بس أكيد الدكتور هيديها حقنة تصحيها تاني.
ابتسامة طفيفة خرجت من جانب فم علام على حديث حفيده الصغير لتتحدث تاج ناهرة شقيقها:
-ممكن تبطل فتي يا مالك.
صاح معترضًا على إهانته:
-أنا مش بفتي يا تاج، أنا عارف كل حاجة.
وتابع باتهام:
-أنتِ اللي سطحية زي ما زينو قال عنك.
رمقته بحدة وقبل أن تنطق أوقفتهم عزة التي حضرت من المطبخ حاملة كأسًا من المشروب البارد:
-بطلي مناقرة أنتِ وأخوكِ وإكبري، جدك فيه اللي مكفيه مش ناقص صداعكم.
وأشارت إلى زين وزينة وتحدثت:
-شايفة أخوكِ وزينة قاعدين محترمين وعاقلين إزاي.
هتفت الفتاة بحدة رافضة نهرها أمام الجميع:
-قولي له هو الكلام ده يا ست عزة، هو اللي بيغيظني بكلامه.
-خلاص يا تاج... قالها علام لينهي ذاك النقاش العقيم، انساقت الفتاة لحديث جدها وتحدثت عزة:
-خد يا باشا كباية الليمون دي علشان تروق بيها دمك.
سألها بنبرة قلقة:
-إيثار ما اتصلتش بيكِ يا عزة؟
-لا يا باشا... قالتها وهي تناوله كأس العصير لتتابع مسترسلة كي يطمئن قلبه:
-بالله عليك لتهدي علشان ما تتعبش، والست بيسان هتبقى زي الفل.
رفعت كفيها متطلعة للأعلى:
-إلهي ينتقم منهم اللي كانوا السبب، البت يا عين أمها ما استحملتش تبان قدام الناس كلها إنها اتغفلت من الواد الملزق.
رمقها وكأنها ذكرته:
-وهو مين اللي بيّن للكل إنها اتغفلت يا عزة؟
ابتلعت ريقها ليتابع هو متوعدًا:
-حسابك معايا بعدين، نطمن على البنت الأول وبعدها نتحاسب.
جحظت عينيها قبل أن تنطق بتملص:
-اللاه، طب وأنا مالي يا باشا، ما فؤاد باشا هو اللي قال لي كملي وأنتِ عارفني، ما أقدرش أرفض لحد منكم كلمة، آه.
تحدث بعدم رضا:
-ما شاء الله على الباشا بتاعك وتصرفاته مؤخرًا، الظاهر إن من كتر العشرة طبعك بهت عليه.
التزمت الصمت فصاح الصغير يذكر جده:
-جدو، شوفت الراجل التخين اللي بيقول ألاجة؟
تمعن الجميع ليتابع ذاك المشاكس حديثه:
-ده كان بيقول لبابي إن صاحبه جايب له رقاصة، يعني إيه رقاصة يا جدو؟!
اتسع بؤبؤ عين عزة، وعلى الفور بعثت إليه إشارات بالعين واليد ليتوقف، بينما تحدث علام بجدية:
- عيب الكلام ده يا مالك، الراجل ده شخص مش سوي، علشان كده لازم تمسح كل كلامه اللي قاله من دماغك.
- أوك، يا جدو.
أقبلت عليهم سعاد لتتحدث بجدية ورزانة:
- سعادة الباشا، منظم الحفلة بيبلغ حضرتك إنه وصل الأكل لدور الأيتام التلاتة اللي فؤاد باشا بلغه بأسمائهم.
وتابعت:
- وبيبلغ جنابك إن الجنينة رجعت زي ما كانت يا أفندم، وبيستسمح حضرتك إنهم يمشوا.
نطق يسألها:
- الناس كلها اتعشت يا سعاد؟
- أيوه يا أفندم، أنا بنفسي باشرت على الموضوع وفضلت مع الشيف لحد ما اتأكدت إن كل العمال أكلوا.
نطق بهدوء:
- شوفي لو لسه ليهم باقي حساب أديهولهم.
نطقت تخبره:
- لا يا باشا، الراجل بلغني إن سيادة المستشار ادى له حسابه كله قبل بداية الحفلة، هو بيستأذن حضرتك كنوع من التقدير لشخص جنابك.
أومأ لها وانصرفت السيدة وتبعتها عزة التي فرت هربًا من أمام علام.
شعر الصغير بالنعاس وبات يتثاءب فشعرت به زينة التي تحركت إليه وتحدثت:
- تعالى أنيمك في سريرك يا مالك.
تشبث بساق جده وتحدث رافضًا:
- أنا مش هطلع إلا لما بيسان ترجع.
نطق علام بهدوء:
- سيبه جنبي يا زينة.
تمدد الفتى ليضع رأسه فوق ساق الجد الذي تبسم وبات يلمس شعر الصغير الذي غفى بسلام.
*****
عودة إلى المشفى من جديد.
استقرت الفتاة داخل الغرفة وسط سعادة الجميع والتفافهم حولها، جلست فريال بالمقعد المجاور للتخت يقابلها بالمقعد المقابل عصمت، أما فؤاد وقف بجوار والدته محتضنًا إيثار، بينما يقف يوسف منزويًا على باب الغرفة يتطلع بشوق وندم وعشق تخطى الحدود إلى تلك التي تتجاهل وجوده، نطقت فريال وهي تتحسس كفها بعناية:
- هونت عليك تخضيني بالشكل ده يا قلبي؟
وتابعت بدموعها:
- وازاي هانت عليك نفسك يا بيسان؟!
أشار لها فؤاد بأن تنتبه ولا تتطرق إلى اللوم والعتاب، فتوقفت وتحدث ماجد:
- حمدالله على سلامتك يا حبيبتي.
بمجرد وصول صوت والدها إلى أذنها عادت لأذهانها كلماته اللائمة والجالدة لذاتها، أغمضت عينيها نوعًا من الهروب وأيضًا الرفض، مما أدخل ماجد داخل حالة من الحزن والألم، الجميع يتحدث ويطمئن عليها ولا جواب منها، فقد اكتفت بغلق أجفانها نوعًا من الهروب، انضمت إيثار إلى نجلها لتتحدث إليه بصوت هامس:
- روح يا يوسف.
نطق باستماتة وإصرار:
- مش همشي يا ماما، لازم أتكلم مع بيسان.
نطقت بتفكير عقلاني:
- محدش هيسمح لك، ياريت تمشي قبل ما ماجد ياخد باله من وجودك ويطردك، وساعتها أنا مش هسكت له وهتحصل مشكلة.
بدلًا من انسحابه انطلق صوته القوي قائلًا وهو يتوجه إلى الداخل متخطيًا وجود والدته:
- لو سمحتم، أنا وبيسان لازم نتكلم لوحدنا.
ضغطت على كف والدتها وكأنها تترجاها عدم تركها بمفردها مع ذاك الحبيب، بينما انفجر ماجد الذي تذكر وجود الشاب فنطق معنفًا بطريقة فظة:
- أنت واقف هنا بتعمل إيه؟ امشي اطلع برة واياك أشوفك بتحوم حوالين بنتي تاني.
هتف يوسف بقوة استمدها من تلك التجربة المريرة:
- أنت اللي هتخرج حالًا، ومش هسمح لك تاني تتدخل في حياتنا وتدمرها أكتر من كده.
جن جنون "ماجد" تحت ارتعاب الفتاة وقبل أن ينطق أوقفته إشارة حازمة من يد فؤاد الذي نطق ناهرًا الجميع:
- بعد إذنكم الكل يطلع برة.
وتحرك باتجاه ماجد وتحدث:
- يلا معايا يا دكتور.
هرولت نوال لتجذبه من رسغه وهي تحثه على الخروج:
- يلا يا ابني ربنا يهديك.
خرج الجميع ما عدا فريال المتمسكة بكف ابنتها، اقترب فؤاد من يوسف لينطق محذرًا:
- لو كلامك ليها هيبقى شبه كلامك اللي قولته في الجنينة، يبقى تطلع معايا أنت كمان وتسيب البنت ترتاح.
- متقلقش يا بابا، كل حاجة هتتحل النهاردة بإذن الله.
وتابع برجاء:
- بس أنا محتاجك جنبي أنت والباشا.
نطق فؤاد داعمًا نجله:
- أنا في ظهرك يا يوسف، متقلقش.
وتابع بمشاكسة:
- بس أنت صلح اللي هببته مع البنت يا بيه.
اقترب على شقيقته ثم وضع كفه على كتفها وتحدث:
- تعالي معايا يا حبيبتي.
نطقت بحدة ولوم:
- عاوزني أسيبها معاه علشان يقهرها تاني بكلامه يا فؤاد.
بالكاد أقنعها لتتحرك بجواره وقبل أن تخرج طالعته بنظرات عاتبة ليبادلها بأخرى آسفة، أغلق فؤاد الباب ليقترب يوسف من تلك التي ارتفعت شهقاتها لتسيل على إثرها الدموع الغزيرة، جلس بجوارها ليقترب من أذنها وهمس بصوت جعل جسدها ينتفض:
- فتحي عيونك وبصي لي.
شهقت ليتابع بنفس الطريقة:
- واجهيني وقولي لي ازاي جالك قلب تعملي كده فيا؟
- عاوزة تمشي وتسيبيني وأنت متأكدة إن وجودي بعدك شيء مستحيل.
وبصوت يقطر عشقًا تابع:
- أنا مقدرش أعيش من غير وجودك يوم واحد يا بيسان.
فتحت عينيها لتلتفت إليه وبصوت لائم تحدثت:
- ما أنت قدرت وعيشت.
- قد كده مش حاسة بحبيبك؟... قالها متأثرًا لتنزل دموعها، مد يده يجففها ثم قرب كفه المبلل بدموعها من شفتيه وقبلها تحت انتفاضة قلبها النابض بعشق ذاك الفارس، نطق بأعين لائمة:
- إزاي هانت عليك روحك يا قلب حبيبك.
أجابته متأثرة بدموعها الحزينة:
- كنت هعيش في الدنيا أعمل إيه بعد ما قولت لي إن كل اللي بينا انتهى.
ضيق بين عينيه ليسألها بصوت هز كيانها:
- وأنت بقى صدقتي إن اللي بينا فعلًا انتهى؟!
أومأت بإيجاب، ملس على خدها بنعومة بكفه في حركة أذابت روحها:
- ده لأنك غبية يا حبيبي، مقدرتيش تفهمي إن كل اللي قولته كان كلام من ورا قلبي.
- يعني أنت مكنتش هتسيبني بجد؟
ابتسم يجيبها ومازال يداعب وجنتها بأنامله:
- أسيبك إزاي بعد ما عملت المستحيل علشان أقرب المسافة ونقدر نتجوز قبل ما نخلص الجامعة.
كان لكلماته وقع السحر على قلبها العاشق ليتراقص فرحًا وتحوم من حولها فراشات الغرام الهائمة، سألته بلهفة ظهرت بداخل عينيها:
- هو إحنا ممكن نتجوز واحنا لسه بندرس؟!
أومأ بعينيه مبتسمًا ثم سألها بصوت ناعم أنهى على ما تبقى من صبر لها:
- لو حبيبي عاوز كده، نتجوز فورًا.
وتابع يسألها:
- إيه رأيك نتجوز في أجازة السنة دي؟
سألته بنظرات متوسلة:
- أنت بتتكلم بجد يا يوسف؟
أجابها هامسًا:
- وهي الحاجات دي ينفع فيها الهزار يا روح قلب يوسف؟
- يعني أنت بجد مش هتسيبني تاني؟!
وتابعت متوسلة:
- ولا بتقولي الكلام ده علشان عاوز تخرجني من الحالة اللي أنا فيها؟
نطق بثقة:
- أنا ببلغك باللي هيحصل يا بوسي.
بسطت كفها تتحسس به وجنته وهي تقول بعدما جنبت حيائها وكأن ما استمعته منه أفقدها الصواب:
- أنا مش مصدقة اللي بسمعه منك يا يوسف، حاسة إني جوة حلم وأنت كالعادة مشاركني فيه.
وتابعت وهي تميل برأسها بدلال:
- قولي إن ده مش حلم، وإنك بجد معايا وإن كل كلامك ده هتحققه.
نطق بثقة عالية:
- هيتحقق وأسرع مما تتخيلي.
اختفت الابتسامة من فوق شفتيها لتنطق بعدما نزلت من سماء الأحلام لتصطدم بأرض الواقع:
- وتفتكر بابا هيسمح لنا نحقق الحلم؟
- مش عاوزك تفكري في أي حاجة تعكر علينا فرحتنا... قالها بثقة ثم تابع ليطمئنها:
- بابا وجدو علام هيساعدوني، متقلقيش.
رفع كفها وقربه من فمه ليطبع بداخله قبلة تنم عن عشق عظيم يسكن فؤاده، تنهدت بسعادة سكنت عينيها لينطق بعينيه قبل الشفاه:
- إوعي تخوفيني عليك تاني.
نطقت بنعومة أثارته:
- عارف يا يوسف.
تمعن النظر بمقلتيها لتتابع مسترسلة بطريقة طريفة:
- لو أعرف إنك هتتغير كده وتسمعني كل الكلام الحلو ده، كنت انتحرت من تاني يوم سيبت فيه البيت ومشيت، وكنت جنبت قلوبنا كل الوجع اللي عيشناه.
أجابها بيقين:
- مش يمكن ربنا عمل كل ده علشان كل واحد فينا يعرف قيمة وغلاوة التاني عنده.
- أنا بحبك قوي يا چو، وحياتي من غيرك ملهاش أي معنى... لتتابع بنظرات متوسلة:
- إوعى تسيبني تاني.
- عمري ما هسيبك.
قالها مؤكدًا ليتابع هائمًا بعد تنهيدة حارة:
-ده أنتِ النور لعيوني يا بوسي، فيه حد يعيش محروم من نور عنيه؟
بالخارج، فور خروجهم من الغرفة وابتعادهم كما طلب منهم فؤاد كي لا تستمع الفتاة إلى مناوشاتهم وتنتكس حالتها أكثر، هتف ماجد وهو يقول بحدة:
-أنا خرجت وسيبت بنتي معاه احترامًا بس ليك ولكلمتك يا سيادة المستشار، لكن أنا موقفي من الولد ده لا اتغير ولا هيتغير.
هتفت إيثار تنهره بحدة لأجل ابنها:
-اسمه حضرة الظابط يوسف البنهاوي، يعني لما تجيب سيرته تتكلم عنه باحترام وأدب.
هتف بحدة أظهرت تعنته تجاه الشاب:
-إن شاء الله يوصل لرئيس الوزرا، ده مش هيغير من نظرتي ليه.
هتف فؤاد بعدما توقف بينهما:
-ممكن مسمعش صوت حد فيكم.
التزم كلاهما الصمت لينطق فؤاد بجدية:
-يوسف طلب مني وإحنا جوة أبلغك إنه طالب إيد بيسان يا ماجد.
-وأنا مش موافق يا سيادة المستشار... قالها برفض قاطع وتابع بعد احتراق روح إيثار:
-ولو أخر راجل في الدنيا بردوا مش موافق.
-يبقى تطلقني يا ماجد... انتبه الجميع على صوت فريال التي وقفت لتتابع بشموخ:
-طالما حياة بنتك متهمكش للدرجة دي، يبقى أنت كمان متلزمنيش.
اتسعت عينيه ذهولًا تحت صمت عصمت وفؤاد وترك القرار لها، بينما ارتعبت نوال من فكرة تخلي زوجة ابنها عنه وطرده من جنة نعيمها ونعيم عائلتها فتحدثت بنبرة جديدة عليها:
-استهدي بالله واخزي الشيطان يا فريال، دي كلمة بردوا تقوليها لجوزك أبو عيالك؟
هتفت بقوة أذهلت الجميع:
-وإذا كان جوزي راجل أناني مبيفكرش غير في نفسه وغروره، وإذا كانوا عياله أخر شيء بيفكر فيه، يبقى أعيش معاه واكمل ليه؟!
نطق مفسرًا بعتاب:
-شايفاني أناني علشان خايف على بنتي يا فريال؟
-خايف عليها من إيه يا دكتور؟!... جملة قالتها بسخرية لتتابع بحدة:
-بنتك هانت عليها روحها وانتحرت علشان يوسف قال لها كل اللي بينا انتهى، مصعبتش عليك وإنتَ شايفها غرقانة في دمها؟!
صمت ومازال يحاول إدراك كلماتها وثورتها العارمة لتتابع هي بقوة وحسم شديد:
-رفضك لجواز بيسان من يوسف، قصاده طلاقي منك يا ماجد.
شعر بصغر حجمه عندما وضعته امرأته أمام اختيارين كلاهما أمر من الآخر، نطق بانهزام في محاولة منه لتحسين صورته التي تشوهت أمام الجميع:
-عاجبك اللي أختك بتقوله ده يا فؤاد؟!
أجابه فؤاد بجدية:
-فريال أم بتدور على مصلحة بنتها وبتحمي حياتها.
بنبرة ضعيفة تحدث:
-يعني إنتَ موافقها على كلامها المهين اللي قالته لي في حضوركم ده؟
أجابه متنصلًا كي يغلق عليه جميع الأبواب ويحاصره في الزاوية:
-دي حاجة ترجع لها هي.
رأت نوال اهتزاز نجلها وانتهاء حججه لتنطق وهي تمسك بكفه:
-يا باشا ربنا ما يجيب شر أبدًا، الدكتور ماجد موافق على جواز بنتنا من يوسف.
وتابعت وهي تنظر إلى إيثار الساخطة على ماجد والصمت كاد أن يقتلها:
-حضرة الظابط راجل محترم، وكفاية إنه ابن مدام إيثار ومتربي في وسطيكم.
طالع والدته بتشتت لينطق عليوة بعدما قرر التدخل:
-بعد إذنك يا سعادة المستشار، هنقعد مع ماجد عشر دقايق بس، وبعدها هو بنفسه هيبلغكم بموافقته.
انسحب ثلاثتهم لتنطق عصمت وهي تتلفت من حولها بحثًا عن الفتى:
-"فؤاد ماجد" فين؟!
نطق فؤاد يطمئنها:
-طلبت منه يقف على الباب جنب أخته، محبتش يسمع كلامنا مع أبوه.
اقتربت إيثار من فريال وسألتها:
-إنتِ كويسة؟
هزت رأسها بنفي وبدون سابق إنذار انسابت دموعها الغزيرة وهي ترتمي بين أحضان زوجة أخيها:
-بنتي كانت هتضيع مني في غمضة عين يا إيثار.
نطقت تطمئنها:
-قدر الله ما شاء فعل، اهدي يا قلبي، هي الحمد لله بقت كويسة.
تحدثت عصمت بهدوء:
-اهدي يا فريال وبطلي عياط، ربنا يهدي ماجد ويوافق ويخلصنا بقى من وجع القلب ده.
-هيوافق... قالها فؤاد بثقة ليتابع مشيدًا بتصرف شقيقته:
-فريال حصرته في خانة اليك، بقى مجبر على الاختيار الأوحد اللي هيضمن له بقائه وسط عيلة "علام زين الدين"، والاحتفاظ بالصورة والمكاسب اللي قدر يحققها طول السنين اللي فاتت.
نظرت عليه ثلاثتهن ليقطع تفكيرهن حضور ماجد بصحبة نوال وعليوة الذي تحدث بابتسامة بعدما أقنعا ولدهما:
-مبروك يا جماعة، أهو دكتور ماجد وافق.
لم يرى ماجد أي رد فعل سعيد أو منبهر من هؤلاء الأربعة وكأنهم كانوا متوقعين الموافقة، حيث تحدث فؤاد بلامبالاة وهو يدس كف يده داخل جيب بنطاله:
-تفكير سليم يا ماجد.
لم يكن الأمر يشكل صعوبة أمام والديه حتى يقنعاه، فقد حذرته نوال من التمسك بذاك الموقف المتعنت الذي سيفقده جميع مكتسباته التي حصل عليها فور تمسكه برأيه، فوافق على الفور، ولا ننكر شعوره الكبير بالخوف على ابنته التي كادت أن تفقد حياتها في سبيل الحب.
تحرك فؤاد صوب غرفة بيسان ليدفع الباب دون استئذان قاصدًا، رأى الفتاة تتحسس ذقن الفتى وبدوره يزيد هذا الكف قبلات نهمة حيث تسرح شفتاه وتمرح براحتها، انتفض كلاهما لينطق فؤاد وهو يسحب يوسف من ياقة قميصه الخلفية:
-والله كنت متأكد.
وتابع:
-على برة يالا.
نطق يوسف بدهاء متجنبًا ذاك الموقف:
-طمني عملت إيه؟
-بتوهني حضرتك؟... قالها فؤاد ليتابع متهكمًا:
-عامل عليا ذكي وبتوهني وناسي إنك تربية إيدي؟
ثم حول بصره على ابنة شقيقته واسترسل معنفًا:
-وإنتِ يا ماما يا اللي كنت فاكرك قطة مغمضة.
استرسل بعتاب متهكم:
-بتلعبي له في دقنه يا حنينة؟ أمال في الخطوبة هتعملي له إيه؟
خفضت بصرها بخجل فتحدث هو:
-أنا الكلام ده ميلزمنيش... قالها بحدة وجدية أرعبت كلاهما ليتابع:
-إحنا كده نكتب كتاب على طول.
اتسعت أعينهم لتهتف الفتاة بلهفة:
-بابي وافق يا خالو؟
أجابها بملاطفة:
-وإنتِ فاكرة إن أبوكي ده يقدر يرفض لي طلب؟
تطلعت بحزن إلى يوسف لتنطق متأثرة:
-شوفت إنك بعدت ووجعت قلوبنا علشان وهم، لو كنت وسطت خالو من الأول مكناش مرينا بكل الوجع ده يا يوسف.
نطق بثبات وثقة:
-مكنش ينفع أتقدم لأبوكي قبل ما أثبت له ولنفسي قبله إني جدير بيكي وأستاهلك.
-اطلع برة يالا... قالها فؤاد بسخط مفتعل ليتابع مسترسلًا وهو يشير إلى الفتاة:
-وإنتِ يا ماما، قومي غيري هدومك خلينا نروح.
سأله يوسف باهتمام ودهشة:
-هو ينفع تروح النهاردة بجد؟
أجابته فريال التي ولجت بصحبة الجميع:
-الدكتور سمح لها وقال ينفع تروح.
اقتربت تقبل ابنتها الجالسة فوق السرير:
-حمد لله على السلامة يا قلب ماما.
-الله يسلمك يا حبيبتي... قالتها بصوت سعيد ووجه تتدفق منه الحياة ليتعجب الجميع من تبدل حال الفتاة، نطقت فريال بمداعبة:
-هي القعدة مع يوسف بتحلي قوي كده؟
مالت على أمها تسألها بهمس:
-مامي، بابي وافق فعلًا على يوسف؟!
-آه يا حبيبتي وافق.
اقترب منها ماجد ليجلس بجوارها، أمسك كفها يحتضنه بين راحتيه ثم تحدث وهو يطلب العفو منها بالقلب قبل اللسان:
-حمد لله على سلامتك يا ماما.
ابتسمت تجيبه بهدوء:
-الله يسلمك يا بابي.
باغتها بجذبها لتسكن أحضانه، ورغمًا عنه نزلت دموع الندم بعدما رأى سعادة نجلته، وبلحظة شعر كم هو حقير أناني، جل ما كان يفكر به هو الانتصار وذل إيثار وكسرها عن طريق رفض نجلها، مجنبًا سعادة ابنته وما تريده، شعرت الفتاة بعذاب والدها وندمه فاحتوت ظهره بيدها وباتت تحركها باحتواء وحنو نال استحسان الجميع.
نظر ماجد إلى فريال يطلب منها السماح فتنهدت بهدوء قبل أن تشيح عنه بصرها.
عاد الجميع إلى منزل علام بينما ذهب عليوة وزوجته إلى منزلهما. هرولت الفتاة ترتمي بأحضان جدها الذي أصر على أن ينتظرها لكي يطمئن عليها بنفسه، تحدثت بندم وخجل:
- أنا آسفة يا جدو.
نطق بكلمات تحمل الكثير من المعاني:
- حمد الله على سلامتك يا حبيبتي، ارتاحي الوقت ونتكلم بعدين، لأن اللي حصل شيء خطير وميخرجش من حفيدة علام زين الدين أبدًا.
أومأت له لينطق فؤاد وهو يشير إلى يوسف وماجد المتقابلين:
- الباشمهندس يوسف طلب إيد بيسان من دكتور ماجد وهو وافق يا باشا.
رفع علام حاجبه إلى ماجد ليسأله ممازحًا:
- وافقت كده منك لنفسك من غير ما تاخد رأيي يا ماجد؟
نطق ماجد باحترام:
- بيسان بنت سعادتك واللي تأمر بيه جنابك كلنا هنفذه.
- متشكر يا ماجد...
وتابع مشيرًا إلى يوسف يستدعيه ليجاوره الجلوس:
- تعالى يا حبيبي.
جلس ليحتضن علام كلاهما بحب، تقابلت نظراتهم وابتسم كل منهما للآخر تحت سعادة قلبيهما وقلوب الجميع. بعد حوالي نصف ساعة، وأثناء انشغال الجميع وقف بجوارها عند البوابة الحديدية لينطق بعينين تنطق عشقًا:
- تصبحي على خير يا حبيبي.
- وأنت من أهله يا يوسف، إوعى تنام وكلمني، أنا هستناك.
نطق من باب الحرص عليها:
- هكلمك شوية صغيرين وأسيبك تنامي علشان ترتاحي وتقومي لي بالسلامة بسرعة.
- أنا راحتي في قربي منك يا حبيبي...
نطقت بها لتخرج تنهيدة حارة تنم عن مدى انزعاجها من المستقبل:
- من كتر ما أنا خايفة نبعد تاني مش عاوزة أضيع لحظة واحدة في قربنا.
- مش عاوزك تفكري بالطريقة السلبية دي تاني.
وقبل أن تجيبه أقبلت عليهما إيثار وتحدثت بسعادة ظهرت فوق ملامحها:
- مبروك يا حبايبي.
نطقت بيسان وهي ترتمي بأحضانها بدلال كما السابق:
- الله يبارك فيك يا طنط.
تنهدت براحة وشعور رائع بالاطمئنان والاستكانة وهي تحتضن نجلها الحبيب وقلبها يتراقص فرحًا وهي ترى السعادة تحوم حول نجلها وحبيبته الغالية، قرر الجميع محو الماضي من الذاكرة ومنح المستقبل فرصة للتعافي والعيش بقلوب لا يشوبها الحقد والانتقام.
بالأعلى، داخل حجرة فؤاد، كان يحتضن حبيبته التي حُرم منها لعدة أيام كثيرة ولم تتح له الفرصة إلى الآن لتعويض حال فقدان حنانها، تحدث إلى تلك التي لا تستطيع فتح أهدابها:
- الليلة انضربت يا إيثو، كان نفسي في شوية مساج يفكوا ظهري القافش على رأي عزة.
ابتسمت لتجيبه بصوت ناعس وأعين مغلقة:
- بكرة بقى يا حبيبي، أنا مش قادرة أفتح عيوني من كتر النعس.
تنهد يجيبها بتعب:
- كان يوم طويل ومتعب، أنا مش مصدق إنه خلص.
وتابع يسألها:
- اطمنتي على مالك واتأكدتي إنه في سريره يا بابا؟
لم يجد منها جوابًا فتأكد من دخولها في سبات عميق من خلال تنظيم أنفاسها، شدد من احتضانه ودفن رأسها بتجويف عنقه ليلحق بها بعد قليل.
______________
بعد مضي يومان، كان يجلس داخل مكتبه المتواجد بالمنزل، ممسكًا بجهاز الحاسوب الشخصي له، ضغط على إرسال ملف يبعثه لشخص ما، ثم ابتسم بسخرية مع شعور جيد بلذة الانتصار.
وبنفس ذات اللحظة بالطابق العلوي، استمعت إلى صوت رنين هاتفها الجوال، لتجيب على الفور، وما أن استمعت لكلمات المتصل حتى خرجت منها صرخة، وضعت كفها على فمها وباتت تحرك رأسها غير مدركة لصحة ما استمعت إليه.
رواية انا لها شمس الفصل الثالث والسبعون 73 - بقلم روز امين
ارتفع صوت تلك المرأة وهي تقول:
- هو فيه حد ياكل محشي وبط ويدخل ينام؟ ما لازم الكوابيس تطبق على نفسها.
رمقها فؤاد بحدة لتنطق بارتياب تحت شهقات تلك الساكنة أحضان زوجها:
- هروح أعمل لها كباية ليمون تروق بيها دمها.
هربت سريعًا لتنطق عصمت في محاولة منها لتهدئة زوجة نجلها:
- إهدي يا حبيبتي، وقومي كده جهزي نفسك علشان مقابلة بالليل.
نطق الصبي مستفسرًا:
- هو إيه اللي هيحصل بالليل يا نانا؟
ابتسمت تجيبه:
- يوسف هييجي علشان يخطب بيسان.
صفق الصغير بينما نطقت "تاج":
- أخيرًا هنرتاح.
اقترب زين من شقيقته وجاورها الفراش كي يقترب من والدته ثم وضع كفه يحتوي خاصتها وهو يقول بنبرة حنون:
- أنتِ كويسة يا مامي؟
خرجت من أحضان حبيب الروح لتقترب وتضم أنجالها الثلاث، تنفست بعمق تستنشق روائحهم العطرة لتقول:
- أنا كويسة طول ما إنتم في حضني وبخير.
تنهد فؤاد حزنًا لحالتها وبعد مرور بعض الوقت تحدث لأبنائه التي ما زالت تلك المرتعبة تحتضنهم بقوة وكأنها تخشى أن ينتشلهم أحدهم من أحضانها:
- زين، خد إخواتك وروحوا أوضكم وسيبوا مامي علشان ترتاح شوية.
- حاضر يا بابي.
قالها الفتى باحترام، ثم انصرف بصحبة أشقائه، اعتدل يقابلها لينطق بعدما احتوى وجنتيها بعناية:
- أنا جنبك، وولادنا كويسين، واللي حصل لك ده مجرد كابوس مش لازم تدي له أكتر من حقه.
قاطعته:
- أنا شوفت بابا.
سألها بهدوء:
- طب دي حاجة المفروض تفرحك، أنتِ لما كان بابا ما بيزورش أحلامك كذا أسبوع ورا بعض كنتي بتزعلي، وتقعدي تدعي لربنا كتير علشان ترجعي تشوفيه تاني.
نزلت دموعها لتنطق بشهقات مرتفعة:
- كان شكله حلو قوي، وضحكته هادية، عيونه بتشع حنان زي ما كان طول عمره، بس كان جاي ياخد حاجة مني.
هزت رأسها بتيهة وتشتت لتتابع:
- مش فاكرة أو قادرة أحدد إيه هي بالظبط الحاجة دي، تقريبًا كانت جوهرة.
وهزت رأسها لتتابع بنفي:
- لا مش جوهرة، أنا مش قادرة أفتكر، بس هي كانت حاجة غالية قوي لأني كنت ماسكة فيها ومتبتة، وهو كان بيشدها مني ويقولي سبيها يا إيثار، هي خلاص، مكانها بقى معايا.
برغم عدم اعتقاده بالأحلام إلا أنه لا ينكر تأثره بحديثها، نطق بملاطفة كي يخرجها مما هي فيه:
- إوعي تكوني عاملة الفيلم الهندي ده علشان تغلوشي على إنك كبرتي وبقيتي أم العريس.
ابتسامة طفيفة خرجت من جانب ثغرها ليتابع هو بنبرة تنطق عشقًا:
- قومي يا حبيبي جهزي نفسك، النهاردة المفروض أجمل يوم في عمرك، ابننا أخيرًا قلبه هيرتاح ويطمن بقرب حبيبته.
تنفست بعمق، ثم احتوت وجنته تتلمس بكفها شعيرات ذقنه النابت وهي تقول بأعين تفيض من العشق ما يكفي لدهر:
- ربنا يخليك لينا يا فؤاد، كملت معايا المشوار لآخره وكنت قد المسؤولية والوعد اللي وعدته لي.
وتابعت تذكره:
- لما قلت لي أنتِ وابنك في حمايتي، ويوسف ابني ومش هسيبه غير لما أوصله لبر الأمان.
اغرورقت عينيها بالدموع لينطق وهو يحاول النهوض:
- على فكرة، أنتِ دمك تقيل النهاردة، ويلا بقى بطلي كسل وقومي خدي شاور علشان تصحصحي.
أرادت أن تدلل خليل روحها فتحدثت بدلال أبدل حالتها:
- مش حابة آخده لوحدي، ممكن تيجي معايا يا فؤاد.
اتسعت عينيه ثم تحدث بعدما سال لعابه وهو يراقب نظراتها العاشقة:
- حبيبة حبيبها تأشر وفؤاد عليه التنفيذ.
مال بجذعه يحملها بين يديه لتلف ساعديها حول عنقه وتدفن وجهها داخل ثنايا عنقه لتهمس بكلمات جعلت قلبه يشتعل بغرامه ثم توارى كلاهما خلف باب الحمام ليحيا داخل عالمهما الخاص، "عالم العشاق".
داخل منزل عمرو البنهاوي
ولج لداخل غرفته الخاصة يجول بعينيه الأركان باحثًا عن زوجته التي تقطن بغرفتها منذ أن صعدت قبل حوالي الساعتين دون أن تخبره، وجدها تستند بذراعيها على سور الشرفة الحديدي تتطلع للأمام بشرود وملامح وجه حادة، اقترب عليها ليحتضنها من الخلف وتحدث هامسًا بجوار أذنها:
- واقفة لوحدك ليه يا حبيبتي.
تبسمت بهدوء وصمت مريب تعجب له الآخر فسألها:
- مالك يا "رولا"؟
أخذت نفسًا عميقًا ثم تحدثت وما زالت على حالها:
- ما فيني شي حياتي، شردت شوي في حياتنا من قبل.
ثم اعتدلت تكمل مستطردة بنظرة حالمة:
- أديش كانت رواق وحلوة كتير، ما تركنا شبر بفرنسا إلا وبرمنا فيه، كل مكان إلنا معه ذكريات حلوة.
ابتسم لها ثم تحدث:
- وهنا كمان هنعمل ذكريات حلوة.
ابتسمت ساخرة لتنطق:
- ما في هون غير المشاكل والصريخ طول الوقت، من وقت ما إجينا لهون والمشاكل عم تلاحقنا متل ضلنا، ما بتتركنا نتهنى لحظة.
وتابعت:
- وكل هيدا كوم، وإمك وقعدتها هون كوم لحاله، هيدا المرة فظيعة يا عمرو، من أول مرة شافتني فيها وهي مانا طايقتني.
أجابها نافيًا بالزيف ككل حياته:
- بالعكس يا حبيبتي، دي ماما بتحبك جدًا ودايمًا تتكلم عنك كويس.
ابتسمت ساخرة لتجيبه بتهكم:
- إي مصدقتك حياتي، ما أنا بشوف بعيوني كل شي.
شعر بريبة من هدوئها ونظراتها الخالية من التعبير فأراد أن يسحبها لعالمه ككل مرة، كي يستحوذ على لبها، مال بجزعه عليها وكاد أن يلتقط شفتيها كي تغوص معه بعالم الأحلام لكنها باغتته بابتعادها للخلف ولأول مرة بحياتها لم تستجب لرغبته، أمسك رسغها كي يمنعها الرحيل ليسألها متعجبًا:
- مالك يا "رولا"؟!
- قلت لك ما فيني شي.
نطقت جملتها بهدوء ليسألها من جديد بجبين مقطب:
- واللي حصل ده أفسره بإيه؟!
جذبت يدها من خاصته لتنطق بهدوء:
- ما لي رواق يا عمرو، كتير تعبانة، راح روح شوف نور وسليم، اللي فوق الساعتين تاركتهم للماما، والله حرام بيكونوا كتير تعبوها.
نطقت كلماتها وانسحبت للداخل لتترك له الغرفة بأكملها تحت استغراب عمرو الذي امتعضت ملامحه وهو يعاود النظر للأمام هامسًا لذاته:
- مالها دي كمان!
______________
داخل غرفة مكتب علام زين الدين تتوسط الفتاة تلك الأريكة يجاوراها جديها حيث حضرت بناءً على طلب من علام الذي تحدث إليها بنبرة حاسمة:
- من ساعة اللي حصل وأنا مش لاقي الوقت المناسب اللي نقعد فيه ونتكلم.
سألته الفتاة بوجه بشوش يشع بالحياة:
- خير يا حبيبي.
نطق بحسم وجدية:
- للأسف يا بنتي، هو ما كانش خير خالص.
ضيقت بين عينيها غير مستوعبة حديثه المبهم لتنطق عصمت بهدوء:
- جدو عاوز يكلمك في الغلطة اللي ارتكبتيها في حق نفسك يا بيسان.
- دي مش غلطة يا دكتورة.
قالها بحزم ليتابع رامقًا الفتاة بحدة:
- دي جريمة ومن عظائم الذنوب، وكبيرة من الكبائر اللي نهى عنها الله في القرآن الكريم، نسأل الله الغفران.
وتابع مستشهدًا بـ آيات الله الحكيم:
- قال الله تعالى في كتابه العزيز (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا).
نكست رأسها للأسفل تتوارى بنظراتها خجلًا لتنطق بصوت بالكاد يسمع:
- أنا آسفة يا جدو، اللي حصل كان غصب عني، في لحظة حسيت إن الكل محملني ذنب كل حاجة وحشة حصلت معاه.
وتابعت بدموعها التي انسابت رُغمًا عنها تأثرًا بالموقف:
- يوسف اللي عيشت حياتي كلها بتعامل على إني مراته المستقبلية، فجأة يحصل كل ده بينا ويقولي إن خلاص، حكايتنا خلصت.
وتابعت بشهقة ونظرة يأس قطعت بها نياط قلبي جديها:
- حتى بابي ما رحمش ضعفي وانهياري، كنت سامعة كل كلامه معاكي يا نانا، فجأة حسيت إن الدنيا كلها اسودت في وشي.
أخفضت عصمت بصرها لتتابع الفتاة بقهر:
- قلت لنفسي ياه، للدرجة دي أنا سبب لكل مشاكلكم، للدرجة دي ما حدش حاسس بيا حتى أبويا وحبيبي.
وتابعت باتهام صريح لجديها:
- حتى أنت يا جدو وكمان نانا، كلكم ما حدش فكر يدعمني ويقف جنبي، ما حدش فكر يحل لي مشكلتي مع يوسف.
نطق يجيبها بلوم لطيف:
- هو حد كان يعرف إن فيه مشكلة أصلًا علشان يحلها لك يا بيسان، أنتِ خبيتي عن الكل وأظهرتي عدوانيتك اتجاه إيثار ويوسف، وحتى أنا عاملتيني كعدو لما سألتك مالك.
مالت بيسان برأسها لتصيح بدموعها الغزيرة إلى علام:
- كنت عاوزني أعمل إيه بعد كل الضغوط اللي اتعرضت لها دي يا جدو؟
وتابعت:
- وتفسير إيه اللي هفسرهولك بعد ما شوفت حبيبي بعيوني وهو بيأكل بنت تانية في بوقها.
هتفت عصمت بلوم:
- وأهي طلعت خطة معمولة عليكم.
- وأنا كنت هعرف منين يا نانا؟!
أجابها علام:
- مهي دي النقطة اللي بنتكلم فيها يا بوسي، لو جيتي وصارحتيني وقتها كنت جبت يوسف وسألته ومكناش وصلنا لكل ده.
وتابع وهو يحرك رأسه مستنكرًا:
- مش تخبي لا وكمان تروحي ترتكبي معصية كبيرة كانت ممكن لو لا قدر الله محدش أنقذك ترميكِ في الدرك الأسفل من النار.
بكت بغزارة وشهقات مرتفعة تسرد شعورها:
- كنت حاسة إني لوحدي، الشيطان اتملك مني وفي لحظة وسوس لي وقال لي، محدش بيحبك، والكل محملك الذنب، فقررت أسيب لكم الدنيا كلها علشان أريحكم، وأرتاح أنا كمان من الضغط النفسي اللي أصبح غير محتمل.
تحدث شارحًا بإبانة:
- ده والعياذ بالله كُفر وقنوط من رحمة ربنا، الإنسان في وقت الضعف ده لازم يتسلح بقوة إيمانه بالله، يقرب من ربنا أكثر ويرهب الشيطان، يحاول يقرب من حبايبه مش يرفض تدخلاتهم وقربهم زي ما عملتي في الأول.
وتابع جالدًا ذات الفتاة دون رحمة لكي تتعظ وتشعر بعظمة الذنب التي قامت عليه:
- يا خسارة يا بيسان، خيبتي أملي فيكِ، بقى حفيدة علام زين الدين تكون بالضعف والهوان ده؟!
أمسكت كفه وتحدثت برجاء:
- سامحني وأنا هوعدك إنها غلطة ومش هتتكرر.
تحدث بجدية:
- عاوزك توعديني إن عمرك ما هتلجأي للتفكير الضعيف ده تاني، ولا تخلي الشيطان يقدر يتملك منك.
وتابع ناصحًا:
- اقفلي كل الثغرات قدامه بتسلحك بالقُرب من ربنا سبحانه وتعالى، النجاة في القُرب من ربنا وذِكره، وكل الهلاك في البُعد عنه.
حركت رأسها بإيماء عدة مرات ليتابع مسترسلًا:
- وعاوزك كمان توعديني إن أي حاجة تحصل معاكِ تلجأي لي أنا ونانا، أو خالك وماما.
أكدت على حديثه ليسحبها داخل أحضانه تحت شهقاتها المرتفعة التي تتزايد وكأنها تغسل قلبها وتُريحه، بات يمسح على ظهرها بحنان بالغ شاركته اللحظة عصمت التي مسحت على رأس الفتاة وباتت تهدئها ببعض الكلمات.
بعد توقف الفتاة عن البكاء نطقت عصمت بصوت متأثر:
- قومي يا حبيبتي علشان تلحقي تجهزي نفسك قبل يوسف وأهله ما يجوا.
نطقت بنظرات متوسلة إلى علام:
- جدو، ممكن تطلب من بابا يعامل يوسف وأهله كويس.
أجابها بثقة:
- أبوكِ مش غبي علشان يتعدى حدود اللباقة والأصول على ضيوف في بيتي يا بيسان.
وتابع وهو يربت على كفها:
- اسمعي كلام نانا وروحي جهزي نفسك، ومش عاوزك تشيلي هم للموضوع ده.
*****
ليلًا
تهيأ الجميع لاستقبال يوسف وشقيقته بالإضافة إلى عمه حسين وعائلته حيث طلب يوسف منه الذهاب معه كي لا يظهر بدون عائلة أو سندًا له، وطلب من عمه ألا يخبر عمرو بآمر الزيارة، جلس علام برفقة العائلة وماجد ووالديه في انتظار يوسف الذي ولج للتو بصحبة إيثار التي أصرت على انتظار نجلها بالحديقة ومرافقته للداخل، كان اللقاء ودودًا للغاية بين الجميع وخصوصًا علام الذي رحب بحسين كثيرًا، حتى ماجد لم يجرأ على النطق بحرف مؤذي لأي شخص خشية غضب علام، وفؤاد الذي ظهر كـ والدًا ليوسف وليس زوجًا لأمه، بدأت نوال حديثها متخطية زوجها وماجد:
- ويا ترى هتقعد بيسان فين بعد الجواز يا حضرة الظابط؟!
وقبل أن ينطق قاطعه صوت إيثار التي نطقت بفخر:
- في الفيلا اللي بعد قصر الباشا ببيت واحد.
طالعها يوسف باستغراب لتبتسم وهي تجيبه:
- دي المفاجأة اللي كنت محضراها لك يا حبيبي، بس لما الأمور اتطورت أجلتها لليوم ده.
ثم نظرت للفتاة التي انكمشت على حالها خشية من مصيرها المجهول، ثم تحدثت بابتسامة صافية كرسالة طمأنة منها:
- أنا قولت الفيلا أنسب من الشقة علشان زينة تاخد راحتها معاكم، وكمان تبقى قريبة مننا ويبقى فيه فرص نشوف بعض أكثر.
ردت إليها الروح وابتسمت بشدة لتنطق بيسان التي تشعر وكأن سعادة الكون بأكمله تحوم من حولها:
- ده أحلى قرار حضرتك أخذتيه يا طنط.
وتابعت وهي تنظر للفتاة تحت استياء ماجد ليس من فكرة سكن الفتاة مع ابنته بل ما جن جنونه أن الفكرة خرجت من إيثار التي من الواضح بأنها بدأت بالتحكم في مصير ابنته من الآن على حد تفكيره:
- أنا مبسوطة قوي يا زينة إن إحنا هنعيش مع بعض.
هتفت تاج الأخرى بسعادة:
- أنا كمان مبسوطة قوي إن زينة ويوسف هيعيشوا جنبنا، برافو يا مامي.
رأى يوسف السعادة في وجوه الجميع حتى علام وعصمت وفريال الذين أثنوا على الخطوة وشكروا من خلال كلماتهم اللطيفة إيثار، نطق بجدية:
- متشكر يا حبيبتي إنك فكرتي وتعبتي نفسك، وحقيقي الفكرة حلوة قوي، بس اسمحي لي، أنا اللي هدفع ثمنها.
بإشارة من عينيه حثه فؤاد على الصمت وهو يقول بحكمة:
- بعدين يا حضرة الظابط، الكلام في الأمور المالية دي تتم بينك وبين ماما، مش على العلن كده.
- عين العقل يا باشا... قالها حسين الذي تابع مسترسلًا:
- أنا سعيد جدًا إن أنا بين حضراتكم النهاردة، واتشرفت إني شوفت حضرتك يا علام باشا.
ابتسم له علام وتحدث:
- الحقيقة أنا اللي اتشرفت بمقابلتك يا أستاذ حسين، من كتر كلام حبيبي يوسف عنك وعن أخلاقك كان نفسي أشوفك، والحمد لله حصل واتشرفنا كلنا بزيارتك أنتَ والمدام والأولاد.
ابتسم وشكره لينطق فؤاد بجدية:
- خلونا ندخل في الجد.
تمعن الجميع لينطق مسترسلًا وهو ينظر إلى ماجد:
- أنا شايف إننا نكتب كتاب على طول يا ماجد، والفرح في الأجازة، يعني بعد ثلاث شهور إن شاء الله.
وتابع قاصدًا:
- منعًا للمشاكل وحماية لبوسي أكثر، أهي تبقى في عصمة راجل وتحت حمايته وبالك يرتاح من ناحيتها لحد ميعاد الفرح.
تطلعت بيسان إلى حبيبها الذي شعر بسهم نظراتها العاشقة وهي تخترق قلبه ليصلا معًا لأعلى شعورًا بالسعادة، بينما نطق ماجد بريبة:
- ما كفاية خطوبة في الأول يا سيادة المستشار.
- اسمع مني يا ماجد، كده أحسن للكل... ابتسم يوسف إلى بيسان التي فهمت مقصد خالها بينما فسره ماجد أن فؤاد يخشى من افتعال ماجد لمزيدًا للمشاكل الناتجة عن خروج الحبيبان بشكل مبالغ فيه أو تأخرهما لوقت متأخر بالليل، تطلع يوسف إلى علام طالبًا منه العون فتدخل على الفور لينهي الموقف بقوله:
- أنا كمان شايف إن ده أفضل يا ماجد.
على الفور وافق لتنطلق الزغاريد من العاملات فور الاتفاق على كل شيء يخص عقد القران وتحديد الحفل بعد أسبوع من الآن تحت نظرات ماجد وإيثار كلًا للآخر كأنهما عدوان.
*****
مر الأسبوع على خير بدون أدنى مشاكل تحت احتراق قلبي عمرو وإجلال حيث علم عمرو من خلال رصد رجاله التي يضعها للتجسس على نجله، حيث رصدوا التجهيزات التي يقوم بها الجميع، هتف بغضب وهو يجوب بهو المنزل إيابًا وذهابًا:
- أنا مش قادر أصدق إزاي ابني يعمل فيا كده، إزاي يشمت فيا العدو ويروح يخطب بنتهم، لا وفوق كل ده ميبلغنيش حتى علشان أروح معاه وهو بيخطبها.
- هديلي حالك يا عمرو، الزعل والقهرة ما بيسوا لك يا زلمة... جملة نطقتها رولا ببرود ظهر عليها من خلال جلوسها الشامخ وهي تريح ظهرها للخلف وساقها تعتلي الأخرى، التفت يناظرها باستغراب لتحولها الجذري بالفترة الأخيرة، لم يكن هذا حديثها من قبل، نطق متعجبًا حالتها:
- بتتكلمي وكأن الأمر لا يعني لك، أنا مقهور من تصغير ابني ليا وأنتِ ولا على بالك.
- شو بدك أعمل؟! بروح فجر لك القصر اللي وقع فوق راسهن لحتى ترتاح حضرتك؟!
قالت كلماتها لتنهض منتفضة وهي تقول منسحبة للأعلى:
- وجعني راسي من كُتر الحكي والنق، راح أطلع لحتى أريح راسي شوي.
- خذيني معك "رولا"... قالتها "نائلة" لتتابع وهي تتناقل النظرات بين عمرو وتلك الـ إجلال التي تشاهد ما يحدث بصمت مريب:
- عشوي وراح أختنق من هاديك الأجواء.
وتابعت بضجر ظهر بين فوق ملامحها:
- يا الله شو بشتهي نهار واحد يعدي على هالبيت بدون نق وصريخ، يا زلمة كيف متحملين حالكن بهالطاقة السلبية اللي معبية المكان.
قررت إجلال الخروج عن صمتها:
- اتيسري على فوق مع بنتك وورينا جمال خطوتك.
- لو الأمر بايدي كُنت بترك لك البلد وبروح من وشك... قالتها وصعدت للأعلى بصحبة نجلتها، هتفت إجلال قائلة وهي تشيع خطواتهما:
- اللي ما اتنصفت في ولا جوازة من جوزاتك الثلاثة يا عمرو يا ابني.
هتف بحدة أظهرت كم الغضب الكامن بداخله:
- سيبك من جوازاتي وخلينا في المهم يا ماما.
دار حول نفسه بجنون:
- أنا حاسس إن عقلي هيشت لو محضرتش خطوبة يوسف.
نطقت بلامبالاة:
- قوم البس وروح واحرق دمهم.
أجابها بعقلانية:
- مش هينفع، الخطوبة بدعوات خاصة، ده غير إن أكيد اللي اسمه فؤاد علام منبه على الحرس بتوعه، ده مش بعيد يكون مديهم أوامر لو شافوني يضربوني بالنار ويقول إني كنت بتهجم على بيته.
- طب هتعمل إيه؟!
- مش عارف، مش عارف يا ماما...
وتابع بسخط ظهر بعينيه:
-وكله كوم وندالة ابنك حسين معايا كوم تاني.
نطقت ساخطة:
-ده عيل خايب من يومه، خسارة تحطه في بالك.
-ماشي يا فؤاد يا علام، ماشي... قالها بتوعد، وهو يدور حول نفسه بجنون. بالأعلى، ولجت نائلة تتفقد ابنتها وجدتها تجلس على حافة الفراش، تتطلع أمامها بذهن شارد، نطقت باسمها فلم تنتبه فعادت بصوت أعلى لترد عليها بتيهة:
-إي ماما.
-شو بكي حياتي، مانك سامعتيني؟!
تنهدت لتنطق:
-متأخذيني، كنت شاردة.
-بشو شاردة يا تؤبريني؟... قالتها نائلة بحيرة لتتابع مسترسلة:
-يا ماما ريحيني وقليلي شو يلي مغيرك؟ إلك كام يوم مانك عبعضك، دائمًا شاردة وبس أحاكيك بلاقي عقلك مانو معك.
أجابت رولا بمراوغة:
-لا تشغلي بالك فيني يا ماما، بتعرفيني مابحب أقعد بمكان البابا مانه فيه.
نطقت مشككة بصحة حديثها:
-البابا سافر ليتابع شغله بفرنسا وماضل كتير لحتى يرجع، لو بتشوفي حجة غير هيك بيكون أفضل.
نطقت رولا بضجر:
-قلت لك لا تشغلي بالك فيني.
هتفت المرأة بحيرة:
-وبمين أشغل بالي إذا ماشغلته بيك يا تؤبريني؟
تابعت بقلق عندما قابل حديثها صمت مريب من ابنتها:
-إصحك تكوني بتفكري بشيء خطة من خططك الخيبانة وتورطي حالك من جديد منشان هالأهبل جوزك.
وتابعت بنظرات نارية:
-إصحك لارا، إصحك.
-طمني بالك ماما، مفي شي من يلي براسك... قالتها بهدوء مريب عكس شخصيتها مما جعل المرأة تترقب ملامحها بريبة وقلق.
بدأ الحفل داخل قصر علام زين الدين وكان رائعًا بكل المقاييس، منظمًا من قبل أكبر شركة متخصصة في تنظيم هذا النوع من الحفلات، وما زاده رونقًا هو مباشرة إيثار وفريال بالإضافة إلى عصمت لكامل التجهيزات والتدخل بأدق التفاصيل، الجميع في أوج سعادتهم بعقد قران ذاك الثنائي القريب من قلوب الجميع، حضرت "منيرة" و"عزيز" و"وجدي" وعائلة كل منهما وأيضًا "أيهم" وزوجته "أميرة" التي نطقت بحديث موجه إلى "منيرة":
-نورتي القاهرة يا ماما، خليك بقى عندنا كام يوم تغيري فيهم جو.
أجابتها بهدوء:
-تسلمي يا بنتي، مبقتش أقدر أقعد برة بيتي بقى خلاص.
حاوط أيهم كفها وتحدث:
-هو بيت ابنك مش بيتك ولا إيه يا أم عزيز.
بيتي وكل حاجة يا حبيبي، بس أنت عارفني يا أيهم، من أيام المرحوم أبوك وأنا متعلقة ببيتي ومبحبش الطلوع برة.
حضر يوسف برفقة شقيقته وعمه وأولاده لتتحرك إيثار بصحبته نحو الطاولة الكبيرة التي تجمع والدتها وأشقائها الثلاثة، هتف أيهم وهو يقف في استقبال يوسف:
-أخيرًا العريس وصل.
ابتسم ليحتضن خاله العزيز ومنه إلى عزيز الذي ربت على ظهره وهو يقول بفخر:
-والله وبقيت راجل تملى العين يا يوسف، مبروك يا ابني.
تحدث بابتسامة باهتة تعود إلى ما فعله عزيز بوالدته الغالية والتي لم تتوانى عزة في إخباره به:
-الله يبارك في حضرتك.
وانتقل للتو إلى وجدي الذي تحدث بسعادة نابعة من القلب:
-مبروك يا حبيبي، عقبال التمام يا غالي.
احتضنه وتحدث بابتسامة عريضة:
-متشكر يا خالو، عقبال أولاد حضرتك.
جاء دور منيرة ليميل الشاب على كفها يقبله إكرامًا لمكانتها العالية في قلب والدته برغم كل ما حدث بالماضي، لكنها بالنهاية تظل والدتها وقد تركت الماضي خلفها بالفعل، ثم مال على رأسها وهو يقول:
-نورتي الدنيا كلها يا تيتا.
-مبروك يا حبيبي... قالتها وهي تملس على رأسه بحنان، لم تكن بصحة جيدة بل بدى عليها الإعياء مما جعل إيثار تسألها وهي تحيط كتفيها بعناية:
-مالك يا ماما، صوتك وشكلك مش عاجبيني.
-مفيش يا بنتي، شوية تعب في صدري والدكتور أداني علاج ليهم وهبقى حلوة بإذن الله.
نطقت بإصرار:
-مينفعش الكلام ده يا ماما، أنت تطلعي من هنا على أيهم وأنا هفوت عليك بكرة، نروح مستشفى دكتور أحمد الأباصيري يعمل لك فحوصات كاملة علشان أطمن عليك.
-متشيليش همي يا بنتي، بقولك أنا كويسة.
سألها عزيز من باب الفكاهة:
-أمال الولية اللي إسمها عزة فين كده، مش شايفها، ليكون الباشا طردها لجل لسانها الطويل.
-لساني مهما طول مهيجيش نص لسانك اللي بينقط... وصمتت تلك التي باغتتهم من الخلف ليدخل الجميع في نوبة من الضحك حتى يوسف، وأكملت عزة وهي ترمقهم جميعًا بنظرات ازد رائية:
-منورين.
ليقاطعها عزيز بفكاهة جديدة عليه معها:
-الحق عليا إني مراعي العيش والملح وبطمن عليك.
إطمن على نفسك يا أخويا وسيبك مني، أنا قد حالي... ثم تابعت وهي تسأل منيرة:
-إلا قولي لي يختي، هي الداية لما ولدتك فيه، سحبته من لسانه؟!
وضعت إيثار يدها على فمها تداري ضحكتها ثم تحدثت بإشارة حازمة من عينيها:
-عزة، وبعدين؟
نطق عزيز:
-سبيها يا إيثار، أنا واخد على طولة لسانها من زمان.
أجابته وهي ترمقه مستنكرة:
-اللي يسمعك يفتكر إننا كنا عشرة عمر، ده أنا لا كنت بطيق لك ريحة، ولا أنت كنت بطيق خلقتي.
ثم تابعت وهي تتبادل النظرات بين أيهم ونوارة:
-أنا من بيت الحاج غانم كله مليش غير أيهم ونوارة حبايبي.
نطقت نوارة بوجه بشوش كعادتها:
-إن شالله تسلمي يا خالة عزة.
بينما ألقى لها أيهم قبلة بالهواء قبل أن يأتي فؤاد ويرحب بهم بحرارة ثم تحدث إلى أيهم:
-"أيهم"، عاوزك.
ابتعدا جانبًا وتحرك يوسف إلى طاولة علام ينتظر خروج العروس، تحدث فؤاد إلى أيهم وهو يترقب جلوس سميحة بنظرات مبهمة:
-عملت لي إيه في موضوع سميحة؟
بظبط الدنيا بحيث محدش يقدر يثبت علينا أي غلطة يا باشا... قالها لينطق فؤاد مؤكدًا:
-عاوزك توقعها في غلطة متتغفرش يا أيهم، وعاوز الخسارة تبقى كبيرة علشان العقاب يبقى أكبر.
نطق أيهم للأمانة:
-بس كده الشركة هتتعرض لخسارة مالية كتيرة يا سيادة المستشار.
-مش مهم، المهم أخلص من سميحة بسرعة، لازم ترجع على دبي في أقرب وقت يا أيهم.
وتحدث متوعدًا وهو يحك ذقنه:
-علشان تبقى تلعب مع فؤاد علام بعد كده.
نطق أيهم بريبة:
-إيثار لو عرفت هطربق الشركة واحتمال ترفدني فيها، أختي وأنا عارفها، معندهاش تهاون في الشغل وأكتر حاجة بتكرهها هي المؤامرات وتلفيق التهم للناس.
نطق بثبات وثقة:
-ده مش تلفيق يا أيهم، ده إبعاد أذى، سميحة بلا مخي ولا وعي، حقدها هو اللي بيحركها على حسب الهوى، واللي زي دي يتخاف على الشركة منها، أنا مش هسيب شقى وتعب عيلتي ومراتي في الشركة يضيع على إيد واحدة تافهة زي سميحة.
نطق أيهم بعقلانية:
-كلامك صح يا سيادة المستشار، الباشمهندس بسام على قد كرهه لإيثار بس مؤخرًا شغال من نار في الشركة، وبيسعى ويجتهد لمصلحتها.
تذكر حين ذهب إلى الشركة وتحدث مع بسام كابن عم يخشى على مصلحة العائلة، وطلب منه عدم الانجراف إلى سميحة في مخططاتها وأيضًا ترك الضغينة الساكنة بقلبه تجاه إيثار، وطلب منه العمل مع إيثار لا ضدها لرفعة الشركة، وعده أن يمنحه أسهمًا بنسبة خمسة بالمئة مما أرضى بسام وبالفعل بدأ بالعمل مع إيثار بدلًا من شقيقته الغبية التي فتنت إلى عمها على نجله وبهذا التصرف قد كتبت شهادة خروجها الأبدي من شركة الزين.
جانبًا تقف زينة وجنة التي سألتها بنبرة حماسية:
-أخبار رامي إيه؟
نطقت بنبرة حزينة وقلب يتمزق:
-مبيكلمنيش ليه كام يوم يا جنة، هتجنن وأعرف السبب.
-طب مسألتيهوش ليه؟
-لا طبعًا، أتكسف.
هتفت جنة معترضة:
-هو أنت يا بنتي هتفضلي عبيطة وهبلة كده لحد إمتى، كلميه في التليفون وقولي له مالك، إيه اللي مغيرك.
وتابعت مبررة:
-مش يمكن عملتي حاجة زعلته من غير ما تاخدي بالك؟
-أنا معملتش حاجة والله يا جنة...
قالتها بحزن، ثم تابعت:
- وبعدين هو شافني في الجامعة مرتين، وكل مرة بيعمل نفسه مش شايفني ويتدارى مني، وأنا كرامتي غالية عندي قوي، مش هسمح لحد يدوس لي عليها حتى لو كان باسم الحب.
قاطع حديثهما انضمام يوسف الذي حضر بهيئته الخاطفة للأنفاس ليحتوي كتف شقيقته وهو يقول لابنة عمه:
- عقبالك يا جنة.
بابتسامة واسعة أجابته:
- متشكّرة يا يوسف، مبروك.
أومأ لها ثم أمسك كف شقيقته وبدأ يحثها على الاستدارة حول نفسها لينطق منبهراً بثوبها:
- ده إيه الجمال والشياكة دي كلها يا قلبي، طب ينفع كده تخطفي الأنظار من عروستي؟
برغم ما يسكنها من حزن، إلا أن ذاك الشقيق الغالي باستطاعته إخراجها من جميع أحزانها، بالفعل ابتسمت وتحدثت إليه:
- وأنا مهما لبست واتشيكت هاجي إيه في جمال بيسان.
نطق بأعين صادقة لبث الثقة بداخلها:
- إنتِ أجمل بنت في الدنيا كلها.
أشارت له فريال فانسحب مستأذنًا ليصل إلى فريال التي قالت له:
- إنتَ فين يا يوسف، عمالة أدور عليك من بدري.
- موجود يا حبيبتي.
- بيسان بتقول لك استناها هنا علشان تاخدها من إيد ماجد لحد ترابيزة المأذون.
نطق معترضًا:
- مينفعش يا عمتي، أنا لسه ماليش صفة علشان آخدها من أبوها، ده "بروتوكول" خاص بالفرح.
انضمت إليهما إيثار فتحدثت فريال بتفهم:
- أنا عارفة إن كلامك ده هو الصح وحاولت أقنعها بيه، بس عروستك بتدَلَّل علينا يا سيدي، عاوزاك تمسك إيدها وتمشي بيها قدام كل الناس.
وتابعت متأثرة:
- بيسان بتعوض كل اللي فاتكم يا يوسف.
تحدثت إيثار خشيةً على ابنها:
- سيبيكي من دلع البنات ده يا فريال، ماجد هيزعل من الحركة وهيحط ابني في دماغه أكتر.
ابتسمت بدلال، وهي تنطق متفاخرة بحالها:
- لو على ماجد انسَي، من يوم كلامي معاه في المستشفى وهو ماشي زي الألف، الكلمة اللي بقولها بتتنفذ.
ضحكت إيثار بنعومة وتحدثت كنوع من الملاطفة:
- كان لازم يشوف العين الحمرة علشان يتضبط يعني.
عادت السؤال على يوسف الذي رفض الأمر لينضم فؤاد متسائلًا عما يدور بين الثلاثي فقصت عليه إيثار ما حدث لينطق مؤكدًا على حديث الشاب:
- يوسف معاه حق يا فيري، روحي خلي جوزك يطلّع بنتك وقولي لها تبطل دلع، المأذون هنا من ربع ساعة.
تحركت فريال لتستدعي زوجها بينما وقف فؤاد أمام الفتى يعدل له ربطة عنقه ليسأله يوسف بارتباك:
- شكلي حلو يا بابا؟
- زي القمر يا قلب أبوك.
من شدة صدقه عندما نطق بهما تأثرت إيثار وكادت أن تبكي ليتابع فؤاد:
- تعالى يا حبيبي نقف عند ترابيزة المأذون نستنى ماجد.
تحرك بجانب كلاهما ليميل هو على أذن حبيبته هامسًا:
- النهاردة مش هتنازل عن الجاكوزي.
ضحكت بدلال، ليتابع وهو يتأملها بنظرات هائمة في العشق:
- مش هينفع ما نختمش الليلة في الجاكوزي بعد جمالك ده كله.
همست بملاطفة:
- اتلم يا فؤاد الولد يسمعنا.
ضحك بقوة ليجيبها بمشاكسة:
- ده على أساس إنه بريء وكده، ده مش بعيد البيه يسبقنا على هناك هو وبنت ماجد بعد كتب الكتاب.
همست بملاطفة:
- الولد طالع لك يا باشا.
ابتسم بغمزة من عينيه ووصل الثلاثة إلى الطاولة ليقف يوسف بالمنتصف لتجاوره وهي تتمسك بكفه:
- مبروك يا حبيبي.
- الله يبارك فيكِ يا ماما.
هرول مالك إلى شقيقه يتشبث بساقيه وهو يقول:
- عارف يا يوسف بيسان هتتجوزك ليه؟
أجاب شقيقه بملاطفة:
- ليه يا مالك باشا؟
رفع ذراعيه يستعرض بهما وهو يقول:
- علشان إنتَ سوبر هيرو، البطل اللي أنقذها وصحّاها بعد ما كانت ميتة.
- ماشي يا عم اللمض.
حضرت أيضًا زينة وتاج وزين الدين مما جعل فؤاد يطلب من المصور التقاط بعض الصور العائلية للاحتفاظ بتلك المناسبة السعيدة.
انتفض قلب يوسف حين رأى شمسه تشرق لتملأ دنياه نورًا وحياته سرورًا وتدخل الدفء على قلبه البارد ليشتعل بنار الهوى، تسمرت عينيه على تلك الجميلة التي خرجت لتوها من البوابة الداخلية متأبطة يد والدها الذي وبرغم عدم تقبله لشخص يوسف كونه ابن إيثار التي اتخذها عدوة، إلا أنه كان سعيدًا حينما رأى سعادة ابنته المبالغ بها، فتلك المرة الأولى التي يراها سعيدة لهذه الدرجة، فقد كان الحبور يسكن عينيها ويفيض، تصفيق حار من الحضور كان معها بكل خطواتها وأصوات الشباب الصاخبة المهللين بظهور العروس، كانت تتحرك بثوبها الزهري الأشبه بأثواب الأميرات، تطلعت على فارسها بقلب يدق كطبول الحرب، أسرتها طلته المهلكة لقلبها العاشق، فقد كان جذابًا للحد الذي جعل الهيام يتملك من كل ذرة بها وبات جسدها منتفضًا، ودت لو أن لها الحق لهرولت ترتمي بأحضانه كي تتذوق طعم حنانه للمرة الأولى، تحمحمت وتحركت حتى وصلت إلى الطاولة، سحب يوسف لها المقعد ثم اتخذ مكانه بجوار المأذون، بالجهة الأخرى جلس ماجد وبعينيه دموعًا وهو يشاهد نجلته تستعد لأن تكون ملكًا لرجل غريب عنها سيخطفها من بين أحضانه، انضم للطاولة علام، حسين وفؤاد، شرع المأذون الشرعي في إتمام إجراءات عقد القران حتى وصل لجملته الشهيرة التي تمناها كلاهما وانتظراها لأعوام: "بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما بخير، أسأل الله لكما التوفيق وأن يرزقكما بالذرية الصالحة".
انطلقت الزغاريد من الجميع وأسرعت كلٌّ من فريال وإيثار بتهنئة أبنائهما لتتحدث إيثار بملاطفة:
- عارفة لو زعلتي ابني هعمل فيكِ إيه؟
ضحكت وتحدثت:
- ولا هتعملي أي حاجة، إنتِ بء يا إيثو.
بينما احتضن فؤاد يوسف وربت عليه بقوة وتحدث:
- مبروك يا حبيبي.
- الله يبارك فيك يا بابا.
احتضن يوسف أيضًا حسين الذي هنأه بحفاوة وصدق، اقترب يوسف من عروسه لتنطق فريال التي أقبلت عليه لتتحسس ظهر الفتى:
- مبروك يا حبيبي، خلي بالك من بوسي يا يوسف.
ثبّت عينيه بمقلتي حبيبته وتحدث بنبرة أظهرت مدى عشقه:
- مكانها جوه قلبي يا عمتي.
ارتعش جسد الفتاة وما زاد من انتفاضته هو اقترابه منها ليمسك كفيها ويميل ليضع فوقهما قُبلة أثبتت عشقه العظيم، وبدون مقدمات ضمها لصدره وقام بالتشديد عليها مما جعلها تشعر وكأنها فراشة تطير بأجنحتها الملونة وتنطلق كي تستمتع بأجواء الربيع، همس بجانب أذنها لينهي على ما تبقى من صبرها في عشقه:
- مبروك يا حبيبي، وأخيرًا بقيتي ملك لحضني.
ابتلعت ريقها لتهمس هي الأخرى:
- مبروك يا يوسف.
أبعدها قليلًا ليحتوي وجهها بكفيه ثم مال يقبل وجنتيها بنعومة أسرت كلاهما لدرجة جعلتها تشعر بعدم الاستطاعة بالتنفس بشكل طبيعي من شدة إحراجها، اقترب فؤاد منهما حين رأى ماجد يخرج نارًا من أذنه من شدة الغضب والغيرة فتحدث:
- اتلم يا حبيبي وما تنساش إنكم واقفين وسط الناس.
وتابع بمشاكسة:
- ماجد على تكة وهيخرج التنين اللي جواه عليك.
تحمحم قبل أن ينطق:
- أنا آسف يا بابا، نسيت نفسي من الفرحة.
- افتكرها تاني وخاف على نفسك من ماجد، الراجل لو افترسك مش هعرف أحوشه عنك.
التف الجميع حول العروسين للتهيئة، وبعد مدة استمعا لصوت المسؤول عن الموسيقى يستدعي العروسين ليفتتحا الرقصة.
صعدا إلى المكان المخصص لهما ليقربها منه، وبدأ أولى خطواتهما يرقصان على كلمات أغنية "في عيونك" غناء إليسا. كانا يتراقصان على كلمات الأغنية، همست تتغنى وهي تتمعن بعينيه:
أنا ممكن أضيع عمري وأضيع روحي وأضيع في
في عيونك
حسيت بأمان
في عيونك
قلبي أنا غرقان
على كيفك وديني
على كيفك وناديني
وإرميني وخليني في عيونك
لو حد عايزني في حاجة بجد يحلفني بعيونك
تنهد وضمها إليه بقوة لتنطق هي مع كلمات الأغنية:
آه، تعالى أتصالح على نفسي وأنا وياك
وأعيش جوا سلام إيدك وأموت وأنا بهواك
تعالى أتصالح على نفسي وأنا وياك وأنا وياك
وأعيش جوا سلام إيدك وأموت وأنا بهواك
والحياة في هواك تبقى حياة
في عيونك
الشرق وليله وسحره
في عيونك
الغرب نسيمه وبحره
بتغرب في بلاد وأجمع كل ورود بغداد
علشان عندي الليلة ميعاد جوا عيونك
تيجي نسمة من بيروت على خدي تفوت توحشني عيونك
في عيونك
وطني وبلادي
في عيونك
أرضي وميلادي
وحياتك دفيني وفي ذاتك خبيني
من العالم وإحميني في عيونك
وعلى ورقة ياسمين أكتب أسامينا حروفها بلونك
آه، تعالى أتصالح على نفسي وأنا وياك
وأعيش جوا سلام إيدك وأموت وأنا بهواك
تعالى أتصالح على نفسي وأنا وياك وأنا وياك
وأعيش جوا سلام إيدك وأموت وأنا بهواك
والحياة في هواك تبقى حياة
في عيونك
انتهت الأغنية ليضمها تسكن أحضانه، وبلحظة رفعها وبات يلف بها ليتطاير فستانها كفراشة منطلقة وسط الزهور. كانت سعيدة للحد الذي جعلها تتيقن أنها لم تكن تحيا قبل اليوم، ستعلنها أمام الجميع أن اليوم هو بداية مولدها الحقيقي، بينما هو فالفرحة لم تسع قلبه، فاليوم قد حقق حلم حياته الذي تمناه بصحوه ومنامه.
صعد زملاؤهم وشباب العائلة كي يشاركوهم الفرحة والرقصات الشبابية، حيث انطلق يوسف ليعبر لحبيبته عن سعادته.
جلست إيثار بجوار والدتها لتنطق منيرة بما فاجأ إيثار:
عايزة أطلب منك طلب يا بنتي
نطقت بلهفة وهي تشدد من احتضان كفها:
عيوني ليكِ، يا ماما، أؤمري يا حبيبتي
نطقت والندم بعينيها:
عوزاكي تسامحيني، إغفري لي أي حاجة وحشة عملتها فيكِ
ابتسمت تجيبها ببشاشة وجه وصدق:
أنا سامحتك من زمان قوي يا ماما، من يوم ما زورتك أنا وفؤاد وكل واحدة قالت اللي في قلبها وأنا سامحتك
طلبت بهدوء:
جددي العهد تاني بالمسامحة
مسمحاكي يا ماما... قالتها إيثار لتبتسم منيرة وربتت على يد ابنتها بحنان.
اقتحم مالك هدوئهما ليهتف:
مامي هو أنتوا مش هتفتحوا البوفيه، ولا هتستنوا لما الخطوبة تبوظ زي بتاعت الراجل التخين، والأكل يترمي تاني؟
هتفت تعنفه:
يا ستار، إقفل بقك وبطل نق خلي اليوم يعدي على خير
مط شفتيه للأمام لتسحبه منيرة وهي تقول:
تعالي يا مالك متزعلش
سألها الصغير:
نانا، هو أنتِ هتقعدي معانا هنا زي يوسف وزينة؟
نطقت بهدوء:
لا يا حبيبي، أنا هروح بقى، كفاية عليا كده
نبهت عصمت عن افتتاح البوفيه وتحرك الجميع ليأكلوا من قائمة الأصناف العديدة التي أعدتها عصمت وإيثار وانتهى اليوم على خير.
ولج يوسف مع بيسان بعدما استأذن من علام وطلب منه الانفراد بحبيبته التي أصبحت زوجته شرعًا ليقترب عليها فور إغلاقه للباب. التصق بجسدها ثم تعلقت الأعين لتذوب وهي تتنقل بين النظرات والتطلع للشفاه المرتعشة من شدة الاشتياق، وبلحظة مال عليها ليلتقط كرزتيها ويذوب كلاهما بتذوق أول قبلة لهما.
رواية انا لها شمس الفصل الرابع والسبعون 74 - بقلم روز امين
نطقت بابتسامة تشق دموعها:
-دي دموع فرحتي يا حبيبي.
-حتى لو كانت دموع فرح، مش عاوز أشوفها... ليتابع متأثرًا بما حدث لهما طيلة الفترة المنصرمة:
-كفاية علينا اللي شفناه وعيشناه، من النهارده مش عاوز أشوف غير ضحكتك وبس، فهماني يا عمري؟
وتابع مؤكدًا:
-ضحكتك وبس.
اتسعت ابتسامتها ورفعت أصبعها تتلمس ذاك الخاتم الألماسي وفصوصه المبهرة لتنطق مفتتنة بجماله:
-الخاتم حلو قوي يا يوسف، كان هيغمى عليا من كتر الفرحة وإنت بتلبسهولي قدام الكل.
-كنت متأكد وأنا بشتريه إنه هيعجبك... نطقها بثقة وتذكر اليوم الذي ابتاعه لأجلها هو والبدلة التي ارتداها بذاك اليوم المشؤوم.
هتفت وهي متلهفة بحماس:
-هو عجبني بس يا حبيبي؟ ده هوّسني يا جو، ومش أنا بس، دول صاحباتي وبنات العيلة كانوا هيتجننوا عليه.
وتابعت وهي تبتسم بدلال مفرط:
-كلهم حسدوني عليه وعليك يا حبيبي.
وبلحظة تحولت عينيها لمشتعلة وهي تقول:
-النار قادت في قلبي وأنا بشوف نظرات الإعجاب مالية عيونهم وهما بيبصوا عليك.
بنعومة أجابها:
-وحبيبي زعلان ليه؟ خليهم يبصوا، أنا أصلًا لا شفت ولا بشوف ولا هشوف غير عيونك، قلبي اتختم بعشق عيونك يا عيوني.
ومال يرفع كفها ليقربه من فمه، تلمس الخاتم بشفتيه ثم تجول بهما يتنقل على أصابعها جزءًا جزءًا يقبله على حِدة مبللًا إياهم برطوبة شفتيه الغليظة مما جعل جسدها ينتفض شوقًا.
رفع رأسه يتطلع على عينيها المغرمة لتبتسم برقة ثم ألقت برأسها فوق كتفه وتنهدت براحة وسلام لم تشعر بهما منذ الكثير، لفت ذراعها حول عنقه لتزيد من جنونه وهي تداعب شعيرات رأسه بنعومة جعلته يغمض عينيه ويتنفس بعمق ليدخل في حالة من جنون العشق حين شعر بأنفاسها الحارة تلفح عنقه، ضمها بجنون وبات يتذوق شفاها مرارًا حتى فزعا كلاهما على صوت فتح الباب ليجحظ يوسف وهو يتطلع على ذاك المشاكس الصغير الذي دفع الباب على مصراعيه لتتسع عينيه من المشهد، تحمحم يوسف بينما هبت بيسان واقفة يعتريها الخجل بعدما استمعت إلى صوت الصغير:
-إنتوا بتعملوا إيه؟!
ازدرد يوسف ريقه لينطق متلعثمًا نتيجة تعثر الكلام:
-إيه اللي عملته ده يا مالك؟!
وتابع بحزم بعدما استطاع تمالك حاله:
-إنت ازاي تدخل علينا كده من غير استئذان؟!
-إنتوا بتعملوا إيه يا يوسف؟... نطقها متجاهلًا لوم أخيه الذي ارتبك من سؤال الصغير لينقذه دخول عزة التي هرولت عليه تنتشله من ذراعه وهي تقول:
-يا واد إيه اللي دخلك هنا، مش أنا وأبوك قولنا لك متدخلش.
هتف صائحًا في محاولة منه للفكاك من قبضتها:
-إوعي يا زوزة، هقعد مع يوسف حبة.
-يوسف مش عاوز يشوف خلقتك... قالتها وهي تجاهد مع ذاك المشاكس بجذبه من رسغه لينجح في إفلات حاله منها ويسرع إلى يوسف المتخشب، سألته عزة بعدما لاحظت وقوفه متخشبًا:
-مالك يا يوسف؟
ثم تابعت بعدما نظرت على تلك المنكمشة على حالها:
-فيه إيه، إنتوا واقفين مبلمين كده ليه إنتوا الاتنين؟!
تحمحم يوسف لينطق وهو يسحب بيسان من كفها يحثها على الجلوس:
-مفيش يا عزة.
لم يتراجع وكرر السؤال:
-هو أنت كنت مقعد بوسي على حجرك ليه يا جو؟!
-ينيلك يا شبر ونص... نطقت بها عزة وهي تحاوط فكها بينما هتف يوسف بحدة:
-مالك، عيب اللي بتقوله ده.
بتلك اللحظة دخل فؤاد الصغير وتحدث إلى شقيقته:
-بوسي، بابي بيقول لك يلا علشان تسلمي على جدو عليوة ونانا قبل ما يروحوا.
أغمض يوسف عينيه يستدعي الصبر ليفتحهما من جديد وهو ينظر على حبيبته التي تعلم جيدًا أن أباها استدعاها لعدم راحته لوجودها مع الحبيب خلف الأبواب المغلقة، تأسفت بعينيها ليشير لها باستسلام نحو الباب، وبرغم حيائها لم يمنعها وجود الجميع من الإقبال عليه والارتماء داخل أحضانه، وبدوره ضمها بساعديه القويين ومال يقبل رأسها لتبتعد ناطقة بدلال حزين:
-كلمني أول ما تروح، وأول ما تصحى من النوم كمان كلمني.
-متقلقيش يا حنينة هيكلمك... جملة ساخرة نطق بها فؤاد الذي ولج للتو ليشهد ذاك المشهد الدرامي، طالعه كلاهما ليتابع بابتسامة:
-روحي علشان باباكي وابقي تعالي بكرة إفطري معاه في الجنينة.
ونطق وهو يغمز بعينيه إلى نجله:
-عزة هتجهز لكم أحلى فطار للعرايس.
واسترسل موجهًا حديثه إلى عزة:
-متنسيش تجهزي لهم الفطير والعسل يا عزة، واتوصي بالحمام المحشي فريك.
-عيني... قالتها بإشارة بين عينيها لتنطق الفتاة بلهفة تسأل حبيبها:
-هو أنت هتبات هنا بجد يا يوسف؟!
رفع كتفيه مع مط شفتيه بعدم المعرفة ليجيبها فؤاد:
-بتسألي مين يا ماما ده قرار علام باشا.
وتابع حديثه إلى يوسف يعلمه:
-زينة طلعت تغير هدومها وهتنام مع تاج، وإنت يلا علشان الباشا مستنيك يشرب قهوته معاك.
تحرك ليقبل عليهما ثم جذب الفتاة لأحضانه وتحدث مقبلًا رأسها:
-مبروك يا قلبي.
ابتسمت ودفنت حالها بأحضان ذاك الخال الحنون وهي تقول:
-ميرسي يا خالو.
تركها ليجذب ذاك الواقف أمامه وبحنان الكون بأكمله شدد من احتضانه رافقته كلمات ذاك الحنون:
-مبروك يا حبيبي.
-الله يبارك فيك يا بابا... نطقها بحب وامتنان اهتز له قلب فؤاد الذي شدد من ضمته ليقطع اندماجهما دخول إيثار حيث تحدثت إلى بيسان:
-بوسي، مامي اتصلت تستعجلك.
نطق ذاك المعترض بجدية بعدما فاض به:
-هو فيه إيه، لا فيه إيه بجد؟!
وتابع بحدة أظهرت كم استيائه:
-على فكرة النهارده كتب كتابنا، يعني من حقي أقعد مع مراتي شوية.
تنفس فؤاد بعمق، قبل أن ينطق بجدية:
-مخلصتش يا يوسف، الأيام جاية كتير والعمر كله قدامكم.
مال على أذنه هامسًا:
-الراجل خايف على بنته وعنده حق، ولا نسيت اللي عملتوه في المستشفى ومكنش فيه بينكم حاجة، فما بالك وهي خلاص، بقت مراتك شرعي يا حبيبي.
أخذ نفسًا عميقًا ليزفره بقوة كي يخرج غضبه، اقتربت إيثار لتتمسك بكف الفتاة المتشبثة بأرضها تتطلع بتيهة وحالمية على رجل أحلامها الذي أصبح للتو ملكًا لها، وتحدثت:
-يلا يا حبيبتي، ماجد زمانه مشعلل ولو اتأخرتي خمس دقايق كمان هييجي ياخدك بنفسه.
-حاضر يا إيثو... قالتها بحزن، لتقترب من يوسف من جديد وتلقي بحالها داخل أحضانه واضعة رأسها فوق موضع قلبه مباشرة كي تستمع إلى دقات قلبه الصارخة بعشقها، مال فؤاد على أذن زوجته:
-شايفة البنت هتموت عليه إزاي، مش عاوزة تخرج من حضنه، مش زي ناس هموت وأدخل معاها الجاكوزي بقى لي أسبوع وهي مطنشاني.
بنبرة ظهرت جادة تحدثت:
-تصدق بالله يا فؤاد، أنا هخلي الباشا يشيل لك الجاكوزي ده من هنا ويهد الأوضة كلها.
-ده كده يبقى بيهد تاريخ فؤاد علام كله وساعتها هيبقى عليا وعلى أعدائي... نطقها بجدية أدخلتها في نوبة من الضحك لينتبه يوسف ويطلب من بيسان المغادرة، انصاعت خلف طلبه وخرجت بصحبة شقيقها المتبرم من موقفه.
خرج من الحجرة بعد عدة دقائق قليلة تاركًا الجميع، رأى عصمت تحتضن الفتاة بسعادة، أقبل عليهما لتنطق عصمت وهي تقترب عليه تحتضنه:
-مبروك يا حبيبي، ألف مبروك يا يوسف.
-الله يبارك يا تيتا.
نطق فؤاد الصغير وهو يزفر ضجرًا:
-يلا يا بوسي.
أشار لها بعينيه لتمضي بطريقها مع شقيقها وتحدثت عصمت للشاب:
-الباشا مستنيك في الليفنج روم يا يوسف.
-هطلع أخد شاور سريع وأنزل له بسرعة...
نطقت بجدية:
- بس متتأخرش، إنت عارف جدك بيحب ينام بدري.
- متقلقيش يا حبيبتي، أقل من نص ساعة وأكون عنده.
***
أما بداخل الغرفة مازال الزوجين يتحدثان ليقطع حديثهما ذاك المشاغب:
- بابي، عارف يوسف كان مقعد بيسان على حجره وبيبوسها من بوقها.
اتسعت عيني إيثار التي صاحت بارتباك:
- ولد، اطلع على اوضتك يلا.
أمسكه فؤاد قبل أن ينطلق مهرولًا وتحدث بابتسامة مزيفة:
- لا يطلع مين، ملوك حبيب بابي هيقعد هنا.
وأجلسه فوق المقعد ليتابع وهو يربت على ساقيه كالأسد الذي يجهز فريسته قبل أن يلتهمها:
- ويحكي لي على كل حاجة بالتفصيل الممل، مش كده يا حبيب بابي؟
***
تشجع الأبله وبدأ يحكي بلهفة وحماس تحت ارتباك إيثار التي بدأت بلطم خدها برفق:
- بص يا بابي، أنا قولت لـ زوزة، يا زوزة أنا عاوز أدخل عند چو أقعد معاه، هي قالت لي مش هينفع عشان هو عريس.
كان يستمع إليه محركًا رأسه بإيماءة تصاحبها ابتسامة مرسومة بدقة تحت ارتعاب إيثار التي لوت فاهها تنتظر انفجار البركان، ليتابع الصغير هامسًا بحماس:
- أنا بقى فضلت مراقبها، وخليتها دخلت المطبخ تعمل لـ نانا الشاي بالنعناع اللي طلبته منها.
وأشار بكفيه في مشهد تمثيلي:
- واتسحبت وروحت فاتح الباب بسرعة، علشان لو خبطت زوزة هتسمعني وهتيجي تقفشني.
***
- بسم الله ما شاء الله عليك، عبقري يا حبيبي... قالها بهدوء ما قبل الانفجار ليتابع محفزًا:
- كمل يا بابا كمل.
تحفز ليكمل:
- روحت فاتح الباب بسرعة، لقيت چو قاعد على الكرسي اللي هناك ده، وبوسي قاعدة على حجره، عارف يا بابي لما جدو بيقعدني على حجره ويبوسني من هنا.
وأشار على خده ليتابع بابتسامة بلهاء وهو يشير على شفتيه:
- بس چو كان بيبوسها من هنا.
***
- كمان هتشبه جدك وتسوء سمعته... قالها فؤاد بهدوء قبل أن يهب واقفًا وبكامل صوته صاح:
- يا عزة، إنت يا هانم!
***
ارتجف جسد إيثار وحضرت عزة مهرولة:
- نعمين يا باشا؟!
تطلع يرمقها بافتراس ثم هتف من بين أسنانه بزمجرة:
- أنا مش مأكد عليك متسيبيش الواد ده لوحده ومتخليش يدخل عند أخوه.
***
أشارت بكفها أظهر كم الرعب الذي سكنها جراء هيئته التي توحي بوشوك انفجار:
- وغلاوتك عندي يا باشا فضلت مرقباه، بس سهاني لما دخلت أعمل للست الدكتورة كباية شاي بالنعناع، أصلها متشربوش أبدًا غير من إيدي، آه.
وتابعت بثرثرة كالعادة وهي تهز رأسها بافتخار متناسية غضب الآخر:
- بتقول لي يا عزة أنا مبتمزجش غير من كباية الشاي بالنعناع اللي بشربها من....
قطع حديثها بذهول، حتمًا ستصيبه تلك المرأة ذات يوم بسكتة دماغية:
- إنت إيه يا ست إنت، إنت عاوزة تجننيني؟!
***
سألته بذهول من حدته:
- ليه يا باشا، هو أنا عملت حاجة؟!
تدخلت إيثار حين رأت زوجها يقترب على عزة كالأسد المنقض على فريسته فهرولت لتخبئها خلفها وبدورها تمسكت الأخرى بثوبها كالفأر المذعور، لتنطق إيثار هامسة من بين أسنانها:
- إخلصي وانطقي من غير رغي كتير أبوس إيدك.
- عيني... لتتابع ومازالت تختبئ خلف إيثار:
- وهو راح مسهيني ودخل عند أخوه، وغلاوتك عندي هو ده كل اللي حصل يا باشا.
***
استدار ناحية نجله فهرولت إيثار إلى ذاك الصغير الجالس يهز ساقيه ببلاهة ولا مبالاة ووقفت أمامه تمنع بذراعيها اقتراب زوجها وهي تترجاه:
- علشان خاطري بلاش تنكد عليه في يوم زي ده، أخوه بايت وفرحان بلمة اخواته حواليه.
توقف يطالعها بحدة لتتابع وهي تربت بكفها على صدره:
- وحياتي عندك يا فؤاد.
لم يستطع الصمود أمام توسلاتها وتحدث بكظم:
- خليها تاخده من قدامي تطلعه أوضته وميخرجش منها لحد ما أشوف هعمل معاه إيه.
- حاضر... قالتها بطاعة وتابعت وهي تقترب عليه:
- تعالى نطلع اوضتنا علشان تغير البدلة وتلبس ترنج مريح.
فهم مغزى حديثها التي تعمدته كي تهدأ من ورعه، أغمض عينيه وزفر ليخرج شحنة غضبه بينما انتشلت عزة الصغير وهرولت للخارج وهي تقول:
- تعالى يا آخرة صبري يلي قللت قيمتي معاك وجايب لي الكافية.
***
في منزل ماجد
ولجت بصحبة الفتى لتجد والديها يجلسان في بهو المنزل فتحدثت وهي تجوب المكان بعينيها:
- فين جدو ونانا؟
***
- مشيوا لما لقوكي اتأخرتي... قالها ماجد فتيقنت أن أباها استدعاها للخوف عليها ليس إلا.
وتحدث بوجه بشوش:
- اطلعي يا حبيبتي غيري هدومك وارتاحي.
وقفت فريال لتحتضن الفتاة وهي تقول:
- مبروك يا روح قلبي.
***
- ميرسي يا مامي... نطقتها وسعادة الدنيا تقطن فؤادها.
***
صعد يوسف إلى غرفته وخلع عنه حلته وبدأ يفك ربطة عنقه وإذ برنين هاتفه يرتفع معلنًا عن وصول مكالمة هاتفية، نظر بشاشته وزفر حين رأى نقش اسم "عمرو البنهاوي" وهو يكرر اتصاله اللا عدد له اليوم وبكل مرة يواجه نفس المصير "عدم الرد"، قرر الإجابة لغلق ذاك الموضوع وتحدث بحدة:
- أفندم.
صرخ ذاك الواقف تحت البناية الخاصة بنجلاه وحوله رجال حراسته قائلًا:
- إنت فين يا محترم، مرجعتش بيتك لحد الوقت ليه؟!
هتف يوسف بحدة مماثلة لحدة ذاك الغاضب:
- وإنت إيه اللي يخصك إذا كنت أرجع ولا ما أرجعش؟! وبعدين إنت عرفت منين أصلًا إني مش في البيت؟!
***
صاح بغضب نم عن كم الانزعاج:
- لأني واقف متلقح قدام بيتك من ساعة ما حفلة كتب كتاب إبني المحترم ما خلصت، جاي أبارك لابني اللي معزمنيش، إبني اللي صغرني وفضحني وفضح نفسه قدام الناس كلها.
وصرخ يلومه:
- بقى بتكتب كتابك من غير أبوك يا يوسف، ومش كده وبس، رايح تخلي الراجل اللي سرقك مني وكيلك في العقد؟!
***
صاح بحدة بالغة مدافعًا عن فؤاد:
- قصدك أبويا اللي رباني وخد باله مني لما أنت رميتني وهربت علشان تعيش حياتك وتتجوز وتخلف.
صرخ بجنون يدافع عن حاله:
- قولت لك ألف مرة أنا مهربتش، هو اللي لفق لي تهمة بالإتفاق مع أمك علشان يبعدوني عنك.
***
بنبرة تقطر اشمئزازًا أجابه:
- هو أنت مبتزهقش من كذبك ده؟
***
هتف مدافعًا عن نفسه:
- أنا مش بكذب يا يوسف، وعيب تكلم أبوك بالطريقة دي.
***
صاح يجيبه بحدة:
- إنت اللي بتجبرني إني أعاملك بالشكل ده، ولعلمك، أنا مكتفتش بكلام عزة ليا عن الماضي واللي إنت وأهلك عملتوه في أمي.
***
وتابع مسترسلًا مع تزامن دخول إيثار التي استمعت إلى صوت نجلها فحضرت لتطمئن عليه:
- أنا تحريت من خلال مصادري وعرفت بشاعة حقيقتكم، عرفت اللي أفظع بكتير من اللي قالتهولي عزة.
وتابع بتحذير:
- وقبل ما تخترع كذبة جديدة افتكر إني بقيت ظابط في المخابرات الحربية، يعني معلوماتي كلها موثقة بأدلة.
تنهد عمرو بعدما فشل أمام دهاء نجله وتحدث مغيرًا الموضوع:
- هتيجي أمتى؟
***
نطق بجدية:
- أنا بايت، ريح نفسك وارجع لمراتك وعيالك.
احتد داخله وهتف رافضًا:
- أنا مش موافق إن بنتي تنام برة بيتها، اتفضل هاتها لي على بيتي حالًا.
***
نطق بحدة متهكمًا:
- أجيبها لك علشان تشغلوها خدامة تاني، ده في أحلامك، وبعدين امتى كانت زينة بنتك؟
وزفر ليكمل باستياء من حاله:
- أرجوك كفاية لحد كده وإقفل، لأني مش حابب أغضب ربنا وأغلط فيك أكتر من كده.
***
- ماشي يا يوسف، أنا هسيبك لأن من الواضح إنهم عرفوا يكرهوك فيا صح، بس مش هيأس من محاولاتي، وأكيد هييجي اليوم اللي هعرف أرجعك لحضن أبوك تاني.
اشمئز يوسف وأغلق لتتنهد إيثار وهي تقول:
- عايز منك إيه؟
***
نطق بابتسامة ساخرة:
- الباشا بيلومني علشان وكلت أبويا عني في كتب الكتاب، وإزاي معزمهوش؟
***
تنهدت بأسى ظهر بعينيها ثم زفرت لطرد تلك المشاعر السلبية، أقبلت عليه لتحتوي وجنتيه قائلة بابتسامة أدخلت على قلب الفتى السلام:
- حبيبي، النهاردة أسعد أيام حياتك، خليك في فرحتك وإوعى تدي لأي حد الفرصة في إنه ينزع منك سلامك.
وتابعت:
- إدخل خد شاور على ما أطلع لك ترنج من الدولاب، وانزل بسرعة علشان جدك واخواتك مستنيينك تحت.
احتوى كفيها وقرب أحدهما من شفتيه يقبله، ثم تعمق بعينيها وتحدث ممتنًا:
- لو عشت عمري كله أشكرك على كل اللي عملتيه علشاني مش هقدر أوفيكي حقك.
***
نطقت بملاطفة كي تخرجه من حالة التأثر تلك والاندماج بها ووصولهما للبكاء:
- بطل كلام خايب ويلا علشان متتأخرش على جدك.
أومأ لها وتحدثت هي:
- ادخل الحمام وأنا هحضرلك هدومك.
انتهى يوسف من الاستحمام ونزل إلى الطابق الأرضي، ووجد الجميع بانتظاره. قضى ليلة سعيدة مليئة بالضحكات والحديث المثمر، وبعد مدة اتجه كلٌّ إلى غرفته ليخلدوا للنوم، سوى فؤاد الذي أصر على الاستمتاع مع زوجته داخل حجرة الجاكوزي، وبالفعل اتجها واستمتعا معًا ليسرقا من الزمن سعادتهما.
بعد مرور يومين.
اتصل يوسف بوالد زوجته وأخذ منه الإذن بأن يصطحب "بيسان" في جولة إلى مزرعة الخيول لقضاء بعضٍ من الوقت. وافق "ماجد"، وحدد يوسف الموعد الرابعة عصرًا، والآن أصبحت الثانية والنصف. خرجت من الحمام مرتدية "البرنس"، أخذت نفسًا عميقًا وهي مغمضة العينين مما دل على وصولها لحالة عالية من الاسترخاء. تحركت إلى هاتفها الجوال والتقطته من فوق الطاولة لتضغط رقم "سيد قلبها"، انتظرت سماع صوته بإبتسامة رائعة وكأنها تنتظر بزوغ فجر العيد.
على الجهة الأخرى، كان يغط في سباتٍ عميق فوق فراشه، استمع إلى رنين هاتفه الجوال فتملل وفرد ذراعيه بتكاسلٍ، بسط ذراعيه يلتقط هاتفه كي يجيب على "آسرة القلب"، يعلم أنها هي لذا أجاب سريعًا لينطق بصوتٍ أجش بفضل نعاسه الشديد:
- حبيبي.
- نعم! قالتها وهي تتخصر لتتابع بتبرمٍ:
- شكلك لسه نايم يا حضرة الظابط؟
ابتسم ليجيبها بأجفانٍ مغلقة:
- ما أنتِ صحتيني أهو يا حبيبي.
نطقت بانزعاجٍ ظهر بين نبراتها الحادة:
- إنتَ بتهرج يا يوسف، هتلحق تجهز إمتى؟ لسه هتاخد شاور وتلبس وتسوق من عندك لحد هنا.
وتابعت بصوتٍ يملؤه خيبة الأمل:
- هنروح المزرعة إمتى؟ اليوم هيخلص ومش هنلحق نركب خيل.
سحب جسده ليستند على ظهر التخت قبل أن يتحدث بنبرة تدعوها للسلام:
- يا قلبي إن شاء الله هنلحق نعمل كل اللي خططنا له وأكتر كمان، ثقي في حبيبك بقى.
نطقت بجدية تحثه على الإسراع:
- طب يلا اتحرك يا أستاذ، ولا هتفضل تكلمني كده من على السرير؟
ضيق بين عينيه ثم سألها:
- وإنتِ عرفتي منين إني لسه على السرير؟!
بصوتٍ يحمل كل معاني العشق تحدثت:
- علشان حافظة أنفاسك يا حبيبي، من صوتك ونفسك أقدر أفهم وأعرف اللي لسانك منطقش بيه.
أغلق معها وبأقل من النصف ساعة كان يخرج من غرفته ليجد شقيقته جالسة تتطلع أمامها بشرودٍ وقد استوطن الحزن ملامحها، تحدث إليها متسائلًا:
- قاعدة كده ليه يا زينة؟
انتبهت لخروجه ثم أجابته بوجهٍ ارتسم العبوس عليه:
- مفيش، بريح دماغي من المذاكرة شوية.
تنهد بحزنٍ لأجلها ثم تحدث قبل أن يتحرك:
- ذاكري وخلي بالك من نفسك، ولو احتجتي أي حاجة رني عليا.
وتابع يخبرها:
- أنا طلبت لك غدا البواب هيستلمه من الدليفري ويطلعهولك بنفسه، وأنا مش هتأخر إن شاء الله.
- حاضر يا يوسف، روح وانبسط مع بوسي ومتشيلش همي، أنا كويسة.
قاد سيارته وزفر بقوة ليعود بذاكرته إلى ما قبل العشرة أيام، حيث هاتف رامي وطلب منه تحديد موعدٍ، وبالفعل تقابلا في مكانٍ عام، بعد الترحيب تحدث يوسف بجدية:
- أنا هدخل في الموضوع مباشر لأني مبحبش اللف والدوران.
- ولا أنا بحبهم يا باشمهندس...
قالها رامي لينطق يوسف من جديد:
-كده نبقى متفقين.
وسأله مباشرة:
-إنت عاوز إيه من أختي يا رامي؟
ارتبك الشاب قليلًا ثم استجمع نفسه ليجيب بجدية وصدق:
-عجباني أخلاقها وشخصيتها.
سأله يوسف بجدية:
-وبعدين؟
أجاب الشاب:
-هتقدم لها أكيد، بس مستني أخلص السنة دي وأستلم شغل وكنت هتقدم لها على طول.
-كده تمام قوي، إنت اثبت لي إنك راجل محترم، علشان كده هكلمك بكل وضوح قبل ما تفكر تتقدم.
وأكمل يشرح له وضع زينة وكل ماضي والديها بكل شفافية، وترك له حرية الاختيار. لم ينس تلك الصدمة التي رآها على وجه الشاب وهو يخبره بماضي سمية. لم يكن يتمنى أن يفعل هذا ولكنه أراد حسم ذاك الموضوع قبل أن تتورط شقيقته أكثر بالتعلق بالشاب وبعدها يحدث ما لا يحمد عقباه وتتعرض لانتكاسة جديدة تجبرها للعودة داخل قوقعتها. طلب رامي من يوسف منحه بعض الوقت للتفكير قبل أن يتخذ قرارًا مصيريًا كهذا.
بينما يوسف تحدث بجدية:
-أنا مش مستني منك رد ولا عاوز أحطك في موقف محرج لينا إحنا الاتنين، أنا شرحت لك كل حاجة بالتفصيل وبأمانة علشان تبقى عارف كل حاجة عن البنت اللي المفروض هتكون مراتك.
وتابع مدافعًا عن شقيقته:
-وأظن أنا مش محتاج أتكلم على أخلاق أختي اللي إنت بنفسك أشدت بيها وكانت السبب الرئيسي للفت انتباهك، كل اللي بطلبه منك لما تاخد قرار تبقى راجل وإنت بتنفذه، يعني لو قررت تكمل ياريت تبلغني، ولو قررت تبعد يبقى من الأفضل تكلم زينة وتقول لها إنك فكرت في موضوعكم وحسيت إن شخصياتكم مش مناسبة لبعض.
وتابع بحزم:
-بس من اللحظة دي تبعد عن أختي نهائي وتبلك كل حساباتها من عندك، لأني لو عرفت إنك مكمل رغم قرارك...
لم يدعه يكمل تهديده لينطق:
-مفيش داعي لكلامك ده يا باشمهندس، أنا عندي أخت واللي مرضاهوش عليها مقبلهوش على بنات الناس، وحتى لو أنا وحش، مش زينة اللي يتعمل فيها كده.
زفر يوسف بقوة وعاد بتفكيره للواقع. بعد قليل كان يقف مستندًا على سيارته أمام منزل ماجد في انتظار بيسان حيث أخبرها عبر الهاتف أنه ينتظرها بالخارج. خرج ماجد عليه ليعتدل يوسف بوقفته احترامًا لذاك الذي أقبل عليه يسأله بجدية:
-واقف برة ليه يا باشمهندس؟
-مستني بيسان حضرتك...
قالها بجدية لينطق الآخر بنبرة تحمل بين طياتها لطف ولين لأول مرة يلتمسهما:
-طب أدخل استناها جوة، عيب وقفتك دي يا يوسف، إحنا بقينا أهل خلاص.
تشوش عقله ولم يستوعب ما إذا كان هذا الشخص الذي يقف أمامه هو ماجد بشحمه ولحمه، ذاك الرجل الذي لم يبغض شخصًا بحياته مثلما بغضه، لينطق الآخر مسترسلًا حديثه بتأثر ظهر عليه:
-أنا عارف إنك مستغرب كلامي ومش مستوعب تحولي الجذري في معاملتي ليك، بس أنا عاوز أبدأ معاك صفحة جديدة، أنا سلمتك بنتي خلاص، أغلى حد في حياتي، وعرفت إني قد إيه كنت غلطان لما شوفت سعادتها في عنيها.
وتابع ماجد بتنهيدة حزينة:
-من يوم ما اتنقلت من هنا وحتى من قبلها بكام شهر، مشفتش الضحكة طالعة من قلب بنتي غير وإحنا في المستشفى، وبرغم إنها كانت تعبانة بعد كمية الدم اللي نزفته، إلا إنها بمجرد ما دخلت عليها واتكلمت معاها بنتي دبت فيها الحياة من تاني، وكأن روحها كانت سيباها ورجعت لها معاك.
كان يستمع إليه والذهول حال عقله، فأخر شخص توقع أن يستمع منه تلك الكلمات هو ماجد، لم يكتف بما قاله فقد باغته بالتمسك بكفيه وهو يترجاه بعينيه:
-علشان كده بطلب منك تخلي بالك منها، إوعدني إن اللمعة اللي ظهرت في عيونها مع رجوعك تفضل سكناها.
وتابع يحثه على الوعد فبالنهاية هو أب يحمل مشاعر بقلبه لا يسعها الكون:
-إوعدني يا يوسف.
ازدرد ريقه كي يتخطى صدمته ليجيبه بجدية:
-قبل ما أوعدك يا دكتور عاوزك تعرف حاجة مهمة هتريحك لو فهمتها.
تمعن ماجد ليتابع يوسف بصدق شديد:
-بيسان هي النفس اللي من خلاله لسه عايش ومكمل، وياريت تفهم إن أنا وهي جسدين بقلب وروح واحدة، يعني مينفعش حد فينا يكمل من غير التاني، ولا حد فينا يجرح التاني، لأن بقاء كل واحد مننا بخير، معتمد على سعادة التاني.
صدق كلماته وصل إلى عمق قلب ماجد ليتابع الآخر يوعده:
-وبالنسبة للوعد فأنا هوعدك باللي يطمن بالك ويريحه، أنا بوعدك إني أتقي الله فيها وأعاملها باللي يرضي ربنا، وهعاملها بالمعاملة اللي أتمنى يتعاملوا بيها أخواتي "زينة" و"تاج".
تنهد ماجد براحة ليقطع اندماجهما خروج بيسان التي اقتربت عليهما بترقب وريبة خشية من أن يكون والدها قد أزعج حبيبها كما المعتاد، ليفاجأها ماجد بابتسامة وهو يحتويها بذراعه ليقول إلى يوسف:
-خلي بالك منها يا يوسف، وأكد على "سلامة" يخلي باله من ربط السرج بتاع زغلول وأمانه.
نطق بهدوء:
-متقلقش يا دكتور، أنا بنفسي هربط لها السرج وأمن عليه.
تخطت سعادتها عنان السماء وهي ترى ذاك الحوار الدائر برقي بين أحب رجلين والأقرب إلى قلبها، فتح يوسف الباب إلى بيسان لينطق ماجد وهو يفك ذراعه من حول كتف الفتاة:
-إبقى هات زينة وتعالوا بكرة اتعشوا معانا يا يوسف.
اتسعت أعين بيسان، فقد فاق حديث والدها جميع التوقعات، نطق يوسف بهدوء:
-إن شاء الله يا دكتور، بعد إذن حضرتك.
استقلت مقعدها ليغلق لها يوسف الباب ثم انطلق وما إن ابتعد عن أعين ماجد حتى فتح ذراعه يستقبلها:
-تعالي.
فكت حزام الأمان لتهرول ترتمي بين أحضانه، لف ساعده يحتويها ثم مال يقبل رأسها مع متابعته للطريق، نطق بصوت حنون:
-وحشتيني يا عمري.
شددت من احتضانه وباتت تتمسح بوجهها على صدره كي تشبع روحها من حنانه ورائحة عطره الرجولية، ابتعدت بعد مدة لينطق وهو يضحك متهكمًا:
-دكتور ماجد ده غلبان قوي، قال إيه بيطلب مني أاكد على "سلامة" يأمن لك سرج الحصان بتاعك.
جذبها بقوة لترتطم بصدره ثم نطق وهو يغمز لها بعينه:
-ميعرفش إن حبيبي هيركب معايا على نفس الحصان، وهخده قدامي علشان يكون قريب من قلبي.
رجفة قوية أصابت قلبها وتضاعفت ضرباته وعلى إثره بدأ صدرها يعلو ويهبط، وجهها تلون بالأحمر الداكن وتدفقت به دماء الخجل مما زادها حسنًا وضاعف جمالها، بعد قليل كان يتحركا داخل المزرعة بأياد متشابكة متجهين إلى الإسطبل، أسرع عليهما "سلامة" متحدثًا:
-يا ألف أهلًا وسهلًا بالعرسان، نورتوا المزرعة.
-متشكر يا عمي سلامة...
قالها يوسف ليتابع الآخر بنبرة حماسية:
-عشر دقايق وهكون مجهز لكم زغلول وزهرة.
نطق بجدية:
-جهز زهرة بس يا عمي سلامة.
ضيق الرجل بين عينيه ليسأل:
-ليه يا باشا، هي الست بيسان مش هتركب الحصان بتاعها؟!
-هتركب معايا يا سلامة...
قالها ثم تابع بجدية:
-ولو فؤاد باشا أو دكتور ماجد أو أي حد سألك، هتقول إن كل واحد ركب حصانه، اتفقنا يا سلامة؟
ارتبك الرجل من نظرات يوسف لينطق متلبكًا:
-أوامرك يا حضرة الظابط.
وانطلق سريعًا نحو الإسطبل لتتحدث هي:
-حرام عليك رعبت الراجل، ده من كتر ما اترعب من بصاتك افتكر إنك ظابط ولأول مرة يقولك يا حضرة الظابط.
قهقه ليجيبها:
-كان لازم البصة دي علشان يخاف وميفتنش علينا، خالك أكيد مش هيفوت الموضوع وهيسأله.
ابتسمت له، ثم هرولت حين لمحت زهرة لتتلمس وجهها وهي تقول:
-وحشتيني يا زهرة.
باشر يوسف بنفسه على ربط السرج وتأمينه ثم صعد على ظهر الفرسة وثبت حاله، أمسك كف الحبيبة وجذبها لأعلى لتجلس أمامه بقلب ينتفض عشقًا ممتزجًا بالخجل، انطلق بها نحو الأراضي الواسعة ليختفي من أمام ذاك الذي نطق بحيرة:
-ده إيه الورطة اللي اتحطيت فيها دي يا سلامة، لو كذبت على واحد فيهم والتاني عرف هيخفيني ورى الشمس، ده واحد مستشار والتاني ظابط، ده غلب إيه ده بس يا ربي.
عودة إلى العاشقين، أسرعت الفرسة ورمحت بهما بسرعة فائقة بناءً على توجيهات يوسف لها، باتت ترمح بانسيابية تحت استمتاع الحبيبين بقرب روحيهما، فعلاوةً عن أنهما يمارسان هوايتهما المفضلة "ركوب الخيل"، تتلاصق أرواحهما والأجساد، يا لها من سعادة تخطت جميع الحدود، مر الوقت وبدأ الظلام يخيم على المكان تحت استمتاع كلٍ منهما، وجه يوسف الفرسة إلى أن تهدأ من حركتها فباتت تتهادى بمشيتها، أمسك رأس حبيبته ليريحها للخلف فاستقرت على كتفه وتحدث هو:
-عارفة أنا بحلم باللي إحنا عايشينه ده من أمتى؟!
نطقت وهي سارحة في السماء تتطلع على لمعة نجومها بانبهار وسعادة:
-من إمتى؟
-من لما كنا في أولى ثانوي، أول مرة اتمشينا فيها لوحدنا بالأحصنة وكنا ماشيين بالراحة زي كده بالضبط، وقتها اتكلمنا كتير قوي، فاكرة؟
تابعت هي لتكمل على حديثه، بتأكيد:
-طبعًا فاكرة، كانت أول مرة تعترف لي فيها بحبك بالكلام، قبلها كانت النظرات هي اللي بتتكلم.
يوسف بقلب ينطق عشقًا:
-من أول ما بدأت أوعى لنفسي وأنا بحبك يا بيسان، ده يمكن كمان من أول ما وصلت للقصر مع ماما.
نطقت بهمس حالم:
-وأنا كمان يا يوسف، من أول ما عيوني فتحت على الدنيا لقيتك إنت قدامي، أول نبضة من قلبي كانت باسمك، حبيتك بجنون وكنا وقتها في إعدادي، حبيتك قوي لدرجة إني كنت بموت من الغيرة لما كنت ألاقيك واقف من بنت غيري.
ابتسم يعترف لها للمرة الأولى:
-كنت بتعمد أقف مع البنات علشان أشوف غيرتك وهي قتلاكي، وبعدها كنتي بتصعبي عليا وأبقى عاوز أجري عليكِ وأحضنك، وأقول لك متزعليش، أنا قلبي مفيهوش غيرك.
مطت شفتها وهي تقول:
-ده أنت طلعت شرير بقى يا حضرة الظابط.
-والله أبدًا، أنا كنت بحاول أتأكد من حبك ليا مش أكتر.
تنفست براحة لتسأله بعدم استيعاب:
-يوسف، هو احنا بجد اتجوزنا؟
قهقه عاليًا ونطق يجيبها:
-أنا ليا تلات أيام كل يوم بأكد لك الخبر وبرضه مش مصدقة وتسألي.
ثم جذبها ليقربها عليه وهو يقول:
-شكلك حبيتي موضوع الإثبات العملي وأنا وحياة أمي ما هخزلك.
جذبت حالها منه لتنطق مرتجفة بعدما ألصقها بشدة:
-إبعد يا يوسف، مينفعش اللي إنت بتعمله ده.
وتابعت وهي تتلفت من حولها:
-وبعدين حد يشوفنا.
نطق مفسرًا:
-أولًا طول ما احنا مع بعض مش عاوز أسمع كلمة مينفعش وميصحش، إنتِ مراتي وكل حاجة تنفع وتصح.
وتابع وهو يتطلع من حوله في الظلام المحيط بهما:
-ثانيًا الدنيا ليلت ومحدش يقدر يشوفنا، ده غير إن المنطقة مقطوعة هنا أصلًا، يعني حججك كلها فارغة، شوفي لك حجة تانية.
تبسمت ليجذبها من جديد ويعيش معها لحظات طالما تمناها كلاهما.
بعد مدة أخذها وذهب إلى مطعم وتناولا عشائهما باستمتاع هائل.
صباح اليوم التالي مباشرةً
مر على منزلها واصطحبها حتى يوصلها بطريقه إلى الجامعة، توقف بسيارته ليترجل ثم استدار يفتح لها باب السيارة، تمسكت بكفه وترجلت لترفع قامتها بكل فخر، أخيرًا تزوجت بمن عاشت حياتها تتمنى قُربه، ليتحقق الحلم وينول كلًا منهما المراد، تأبطت ذراعُه ليُسرع عليهما زملاء دراستها، حيث أن اليوم هو الأول لنزولها إلى الجامعة، بعد قليل انفض الجميع من حولهما ليتفاجأ بوقوف ذاك الحقود جانبًا مع صديقه وهو يرمقهما بنظرات حاقدة، تحدث إليها بهدوء:
-خليكِ مكانك وراجع لك على طول.
تمسكت برسغه تحثه على التوقف:
-بلاش يا يوسف علشان خاطري.
طالعها باطمئنان وهو يربت على كفها بحنان بالغ رغم ما يشعر بِه من نار مستعرة:
-متخافيش.
تركها ترتجف وتحرك باتجاه ذاك الحقود وبدون مقدمات سأله بحدة ظهرت بنظراته والكلمات:
-إنت إيه اللي جابك الجامعة تاني، مش أبوك قال للباشا إنه هيسفرك ويخلص الناس من قرفك.
نطق بمراوغة وبرود استفز به الآخر:
-أب وغلط، هنعلق له المشانق ولا إيه يا هندسة.
وتابع بابتسامة مستفزة:
-ولو جاي تحاسبني على كلام أبويا، روح الأول حاسب أبوك على أفعاله.
قطب جبينه يسأله بحدة:
-ومال أبويا بكلامنا.
نطق بغل:
-البيه أبوك هو اللي جه لحد عندي وشجعني على الخطة اللي عملتها، ساعدني علشان أفرق بينك وبين حبيبة القلب.
هتف يوسف مشككًا:
-إنت كذاب.
رفع كتفيه وأجاب بلامبالاة:
-وأنا هكذب في حاجة زي كده ليه، قدامك نادر أهو حتى إسأله.
وتابع ساخرًا:
-وهنروح بعيد ليه، متروح تسأل الباشا أبوك، ده حتى راجل واصل وهينفعك، هو اللي ظبط لي كل حاجة وبعت لي رجالته تراقب الدنيا لحد ما الموضوع ظبط.
وتابع وهو يتطلع على نادر:
-ما تقوله يا نادر.
هتف بقوة أظهرت صرامته:
-لا يقول لي ولا أقول له، أنا اللي هقول لك كلمتين ولو حابب تتقي الله في نفسك تسمعهم وتنفذهم بالحرف، ولو مش حابب يبقى أنت الجاني على روحك، ومتنساش إنك واقف قدام ظابط في المخابرات.
تنفس بعمق ثم تابع بجدية وصرامة:
-بيسان خلاص بقت مراتي وتخصني، يعني لو فكرت بس تبص لها من بعيد، والله، والله كمان مرة يا نبيل ما هرحمك.
واسترسل بتهديد مباشر:
-وقد أعذر من أنذر.
لم ينتظر الرد وتحرك باتجاه حبيبته المترقبة بجسد ينتفض رعبًا، لينطق نادر بجدية:
-أحسن حاجة إنك كشفت له وش أبوه الحقيقي، الواطي اللي ورطك وطلع منها زي الشعرة من العجينة.
ربع ساعديه ونطق بهدوء مميت:
-مش نبيل السرجاوي اللي يتختم على قفاه ويسكت يا نادر، لا ومن بجاحته متصل بيا يهددني لو جبت سيرته.
رواية انا لها شمس الفصل الخامس والسبعون 75 - بقلم روز امين
ابتسمت بحنو، وعينين تنبعثان منهما حنان وطمأنة الدنيا بأكملها:
- علشان خاطري متزعلش يا حبيبي، هو مش كفاية إن بوسي بقيت معاك ولا إيه؟
نطقت كلماتها الأخيرة بميل خفيف من رأسها، زاد من الدلال لينطق بابتسامة تسللت من بين حزنه:
- أنت بالنسبة لي الدنيا كلها يا بوسي.
نطقت وهي تتمسك بيده:
- طب يلا بقى اعزمني على تشيز كيك.
لم تكن تريد أكل الحلوى بالتأكيد، وإنما احتواء حبيبها ما كان يشغلها، وأرادت أيضًا إبعاده عن افتعال المشاكل. هو يعلم هذا جيدًا، لذا تحدث كي يطمئنها:
- حبيبي متقلقيش عليا، أنا رايح جامعتي علشان عندي محاضرات مهمة ولازم أحضرها، ادخلي أنت كمان علشان كده هتتأخري.
وتابع بغيرة عمياء:
- مش عاوز أكرر كلامي تاني، بس زي ما قولت لك، تبعدي عن أي مكان ممكن يجمعك باللي اسمه نبيل، اتفقنا؟
- أوكيه، اطمن يا بيبي...
قالتها بطاعة ودلال لينطق هو مبتسمًا:
- بيبي؟
قالتها بدلال مفرط أرادت به الانخراط بعالمها ومحو ما حدث منذ قليل:
- آه بيبي، أنت من النهارده هتبقى ابني، وهدلعك وأخاف عليك وهعمل لك كل اللي يريحك.
ربما نطقت بكلماتها دون أن تدري مدى وقعها على قلب ذاك العاشق، الذي اكتفى بكلمة واحدة عبر من خلالها عن مكنون قلبه:
- بحبك.
انتفض قلبها فرحًا وابتسمت وطل الغرام من بين العيون. تحرك تاركًا المكان بعدما شيع دخولها للجامعة تحت اشتعال روح ذاك الواقف يراقب انفعالاتهما.
استقل سيارته وبغضب ضغط زر الاتصال وتحدث بعدما أتاه صوت ذاك الذي نطق متلهفًا بأمل جديد:
- ازيك يا حبيبي، عامل إيه؟
قبض على كفه بقوة مفرطة حتى ابيضت يده وخرجت كلماته جادة بالكاد سيطر على حاله:
- أنت فين؟
- في البيت.
أجابه عمرو لينطق هو بصرامة:
- استناني، نص ساعة وأبقى عندك.
سأله عمرو متعجبًا حدة صوته:
- فيه حاجة ولا إيه يا يوسف؟ أنت وأختك كويسين؟
- لما أجي هتعرف كل حاجة.
أغلق الهاتف فاستغرب عمرو الجالس بين العائلة يتناول طعام الإفطار. سألته إجلال الجالسة بجواره:
- عاوز إيه ابن إيثار؟
احتدت ملامحه ليصيح بحدة أرعبت الأطفال:
- مية مرة قولت لحضرتك ابني اسمه حضرة الظابط يوسف، ابن إيثار دي مش عاوز أسمعها تاني.
هتفت نائلة بحدة وصرامة:
- شو بك يا زلمة، رعبت الزغار بصريخك، هدي لي صوتك شوي.
احتدت ملامح إجلال وتحدثت بحدة مبالغ بها:
- والله عال، مبقاش إلا الحريم اللي هتخرس الرجالة في بيوتها.
أشارت بكفها وهي تقول:
- دخيلك يا ستهم، ما بدي فوت معك بخناق من أول الصبح، والله بشتي شي يوم أتروق وأشرب قهوتي ع رواق من غير نق وطق حنك فاضي.
همست الصغيرة تشتكي إلى أبيها:
- بابي، فيك تخلي تيتا التخينة تهدي حالها شوي، كتير عم يزعجني صوتها.
تنهد عمرو وتحدث بنبرة مستسلمة:
- حاضر يا حبيبتي.
كانت "رولا" الحاضر الغائب بتلك الطاولة، فقد باتت تراقب الجميع في صمت على غير العادة.
بعد قليل حضر يوسف ليجد والده وإجلال بانتظاره، بينما صعدتا نائلة و"رولا" بصحبة الصغار. وقف عمرو يستقبله فصاح الشاب بوجهه قائلًا بنظرات مليئة بالاحتقار:
- هو أنا مش هخلص من لعنتك دي أبدًا، لحد امتى هفضل متحمل قرفك وقذارتك يا أخي، لحد امتى قولي؟!
أشارت إجلال بعصاها التي تستند عليها إلى يوسف وتحدثت إلى عمرو مستنكرة:
- عشان تبقى تصدقني لما قولت لك ده تربية مُرة ومفيش منه رجا.
لم يعر كلاهما لحديث تلك الشمطاء. سأل عمرو نجله:
- فيه إيه يا ابني؟ هو كل ما أمك وجوزها يحرضوك عليا تيجي تصرخ في وشي وتدخل عليا بزعابيبك دي؟!
هتف ساخرًا:
- المرة دي مش جاي لك من طرف أمي وجوزها يا عمرو بيه، جاي لك من طرف شريكك.
ضيق عمرو جبينه فتابع يوسف بصوت مختنق:
- شريكك اللي اتفقت معاه على كسر ابنك وخسارته قدامه.
انتفض قلب عمرو وارتبك ليسترسل يوسف وقد تجمع خذلان العالم أجمع بعينيه:
- جاي لك من طرف نبيل اللي اتفقت معاه عليا، يا اللي المفروض إنك أبويا.
كانت إجلال تعلم ما حدث من عمرو فتحدثت بلامبالاة وصوت عال:
- أبوك مغلطش يا واد، ده كان بيبعدك عن الناس السوء اللي دافن نفسك في حضنهم.
وتابعت بتفاخر تحت اشتعال قلب عمرو منها فقد كان ينوي الإنكار وكالعادة أفسدت خطته:
- طب ده كان حاطط لك عينه على حتة بت هيخطبها لك، تحل من على حبل المشننقة، بس أنت اللي فقري زي أمك وملكش في الطيب نصيب.
كان يتبادل النظرات بينهما بذهول وعدم استيعاب:
- انتوا إيه عصابة؟! مفيش في قلوبكم ذرة رحمة؟!
نطق عمرو معترفًا:
- أنا كنت بدافع عن حقي فيك، قولت أبعدك عنهم علشان أقدر أقربك مني وترجع تعيش في حضن أبوك وخيره.
صاح يوسف بجنون بعدما أفقداه اتزانه بحديثهما:
- أنهي حق وأنهي حضن وأنهي خير؟! الحضن اللي كان بيبدل الستات زي تبديل الشرابات؟! في الوقت اللي كنت حارم ولادك منه؟!
وتابع متجاوزًا رغمه عنه:
- ولا المال الحرام اللي جايبه من سرقة ونهب ثروات البلد.
- تجارة الآثار مش حرام...
قالتها إجلال لتتابع بلامبالاة:
- جدك نصر الله يرحمه سأل شيخ وقاله مش حرام طالما بتخرج لها الزكاة كل سنة.
- وهو مهرب الآثار هيعرف إيه غير شيخ بالأخلاق دي؟...
وتابع محذرًا:
- اسمع يا عمرو يا بنهاوي، باللي عملته ده أنت قطعت بإيدك آخر أمل بإن ممكن يكون فيه علاقة بينا في يوم من الأيام.
واسترسل مجنبًا أخلاقه التي تربى عليها:
- ومن النهارده مش عاوز أشوف وشك في أي مكان أنا فيه، وقسمًا برب العزة، ما تحاول تدخل في أي شيء يخصني أو يخص أختي.
وصاح متوعدًا:
- وحياة أمي، اللي ما فيه أغلى منها عندي، لأكون مبلغ عنك المخابرات، وهراقبك بنفسي لحد ما أكشف ألاعيبك وكل شغلك الشمال، وساعتها وحياة أمي مرة تانية ما هخليك تلمح نور السما بعيونك تاني.
تابع تهديده وكل ذرة بجسده تنتفض غضبًا:
- لآخر مرة هقولها لك وده علشان خاطر ربنا، ابعد عن طريقي يا عمرو يا بنهاوي.
أنهى كلماته واندفع مغادرًا كـ ثور هائج لا يرى أمامه من شدة الغضب، بينما صرخت إجلال وهي تشيع رحيله:
- اتفوا عليك عيل ناقص رباية.
وكأنه فاق من صدمته على صوتها، اعتدل يطالعها ثم انفجر بها لائمًا:
- هو أنت كان لازم يعني تنسحبي من لسانك وتأكدي له إني فعلاً اتفقت مع الزفت اللي اسمه نبيل ده؟!
أشاحت بكفها بلامبالاة لينطق هو بغل من بين أسنانه:
- وأنت كمان يا ابن الـ......
سبه بلفظ نابٍ ليتابع متوعدًا بشر:
- وحياة أمي لأخليك تندم على الدقيقة اللي فكرت تلعب معايا فيها.
- لك شو ما أحقرك يا زلمة...
قالتها رولا التي كانت تتسمع على حديثهما من فوق الدرج لتقرر التدخل فور رحيل الشاب، وتابعت وهي ترمقه باحتقار:
- من كل عقلك رايح تتفق عا ابنك مع غريمه؟! يا الله يا يوسف، أديشك معتر وبلا حظ، والله هالشاب مرتب وما بيستاهل يكون إله بي متلك.
وتابعت بذهول:
- كيف طاوعك قلبك تعمل هيك بابنك يا زلمة؟
- رولا، اطلعي من نفوخي علشان أنا على آخري، دنيتي كلها بتتهد فوق دماغي، يعني من الآخر كده مش ناقص تقطيع، عندك كلمة حلوة قوليها، معندكيش يبقى تسمعيني سكاتك.
رمقته بازدراء استفزه فقرر مهاجمتها قائلًا بهجوم حاد:
- بلاش تبصي لي البصة دي وتحسسيني إنك ملاك وتفرقي عني، أنت كمان مش بريئة.
وتابع مهاجمًا:
- ولا نسيتي اللي عملتيه في إيثار واتفاقك مع بنت عم الحقير جوزها.
- ما في تشابه بين اللي عملته أنا واللي عملته أنت...
قالتها بحدة لتتابع بما زلزل كيانه:
- أنا حيالله اتفقت على مرة كانت بتشاركني بيوم من الأيام في جوزي، يعني بتكون عدوتي.
وسألته باشمئزاز:
- بس أنت شو عملت؟ أذيته لابنك، اللي من دمك ولحمك، وقفت تطلع عليه وهو بيفرفر قدام عيونك، وبالأخير طلعت أنت اللي طاعنته بخنجر خيانتك له، يا الله أديشني مصدومة فيك.
نطقت متأثرة:
- يا عيب الشوم عليك يا عمرو، يا عيب الشوم عليك، قل لي عاشي؟
طالعها منتظرًا لتسترسل برهبة:
- بلشت أخاف على سليم ونور منك.
صعدت الدرج لتتركه بصدمة من حديثها وتغيرها الكلي معه.
ليلاً بإحدى النوادي الخاصة المتواجدة على شاطئ النيل، يجلس يوسف يقابله فؤاد الذي هاتف الفتى وحدد موعدًا للقاء بعدما أخبرته بيسان بما جرى خوفًا منها عليه، فحضر لمؤازرته والتحدث معه للتخفيف عنه وأيضًا تحجيم غضبه.
رفع فؤاد قدح قهوته وارتشف منه القليل ثم تحدث بعينين تجوب المكان بلامبالاة مفتعلة كي يحث الشاب على تخطي الأمر:
- أنا مش عارف إنتَ متضايق ليه، هي دي أول مرة يحزلك يا ابني؟
- أنا عارف إنها مش أول مرة وإنه إنسان بشع، بس عمري ما اتخيلت إن درجة حقارته توصل للدرجة دي.
قال كلماته بعدم استيعاب ليتابع بعقل يرفض الاستيعاب:
- ده وجع قلبي وحسسني بالعجز والذل يا بابا، إنتَ متخيل أنا كنت حاسس بإيه وأنا شايف البنت اللي بنيت كل أحلامي على إنها مراتي، بتسبني وتروح ترمي نفسها لأكتر واحد بيكرهني.
تنفس بعمق قبل أن ينطق بجدية:
- بمناسبة البنت يا بيه، تقدر تقول لي إيه اللي إنتَ هببته في مزرعة الخيل ده؟!
ضيق بين عينيه وسأله مدعيًا عدم الإدراك:
- حضرتك بتتكلم عن إيه بالظبط؟!
- يوسف.
قالها بتحذير ليتابع ببعض الحدة:
- مبحبش اللف والدوران وإنتَ عارف كده كويس.
زفر بهدوء كي يستطيع مجابهة ذاك الداهي وتحدث بجدية:
- أنا تربيتك يا باشا، يعني أنا كمان لا ليا في اللف ولا الدوران.
- يبقى تتكلم على طول يا يوسف.
وتابع لائمًا:
- ينفع تركب إنتَ وبوسي على نفس الحصان؟! وقدام الرجالة اللي شغالة في الاسطبل يا يوسف؟! هي دي الرجولة اللي علمتها لك؟!
ارتبك من حدة فؤاد وتوعد بسريرته لذاك الوغد الذي وشى عليه "سلامة"، لملم شتاته وتحدث مبررًا:
- أنا معملتش حاجة حرام، دي مراتي حضرتك.
نطق يقاطعها:
- على الورق يا حبيبي.
- لا يا بابا، مراتي شرعًا وقانونًا، وأي حاجة بتحصل بينا فهي حلال.
بنبرة صارمة هتف فؤاد وهو يرمقه بحدة:
- أنا مش بجادل معاك ولا جاي أتناقش في الحلال والحرام، أنا بتكلم في عُرف وأصول.
وتابع شارحًا:
- والأصول بتقول إن طالما محصلش زفة وأبوها سلمها لك بفستان فرحها ووصلها لحد بيتك، فمش من حقك تتجاوز حدودك معاها.
نطق مدافعًا عن حاله:
- بس أنا متجاوزتش يا بابا.
رفع حاجبه الأيسر بتهكم، وتلك الابتسامة الساخرة على ثغره:
- ولا، متستعبطش، هو لما تقعدها على حجرك وأخوك يفتح عليك الباب ويلاقيك سايح معاها، ولا لما تركبوا سوى على نفس الحصان وتلف بيها المزرعة ده مش تجاوز؟! مالك فضحك قدام البيت كله وحكى اللي شافه يا غشيم.
قالها موبخًا ثم تابع بإبانة:
- أنا فوت بمزاجي اللي حصل في البيت وقولت عريس وفرحان بكتب كتابه على البنت اللي بيحبها.
وتابع بتهديد مفتعل:
- إنما بعد اللي حصل في المزرعة أنا بنفسي هكلم ماجد وأخلي المقابلات في البيت وتحت عيون ماجد شخصيًا.
ازدرد ريقه وخشي تنفيذ تهديده فتحدث بهدوء لإرضائه:
- خلاص يا بابا حقك عليا، وصدقني اللي حصل ده مش هيتكرر تاني، بس بلاش تكلم دكتور ماجد في الموضوع ده.
ناظره بقوة وثبات:
- إمشي عدل واتظبط وأنا مكلموش.
- حاضر يا باشا.
قالها بطاعة لينطق الآخر بممازحة لكسر تلك الأجواء المشدودة:
- مش هتعشينا ولا إيه في أم الليلة دي؟
ابتسم بسعادة وتحدث متلهفًا:
- أؤمر سعادتك، تحب تاكل إيه؟
وأشار إلى النادل الذي حضر ليملي عليه كلاهما ما استقرا عليه من اختيار الطعام ويرحل لتجهيزه.
تناول الطعام في جو ملئ بالأحاديث الودودة وبعد الانتهاء من العشاء تحدث فؤاد قاصدًا:
- حاسب إنتَ المرة دي، إنتَ مش بقيت ظابط مخابراتي والفلوس بقت على قلبك قد كده.
ضحك وتحدث وهو يخرج البطاقة البنكية الخاصة به:
- وماله يا باشا، هحاسب بس متتعودش على كده.
مساء اليوم التالي مباشرةً
داخل منزل "ماجد عليوة"، يجلس بصحبة والداه ببهو المنزل يحتسون مشروبًا باردًا وهم ينتظرون قدوم يوسف وشقيقته، تحدثت نوال إلى نجلها:
- معزمتش إيثار وسيادة المستشار ليه مع يوسف وأخته يا ماجد؟
- الهانم رفضت يا ماما.
قالها ماجد ليرتشف بعضًا من المشروب ثم استرسل ساخطًا:
- فريال عزمتها وهي بكل جليطة رفضت.
استمعت لحديث زوجها وهي مقبلةً عليهم فتحدثت بدفاع عن زوجة شقيقها:
- أنا مقولتش إنها رفضت يا ماجد، بلاش تكبر الموضوع.
ارتبك قليلًا فلم يكن بحسبانه استماع زوجته للحديث، لملم شتاته وتحدث بثبات مفتعل:
- أمال إيه اللي حصل يا فريال؟
نطقت بهدوء وسكينة:
- مفيش يا ماجد، الست قالت إن دي أول زيارة ليوسف في بيتنا بعد كتب الكتاب، وشافت إنه يُستحسن يكون لوحده علشان يبقى فيه جو من الألفة بينا وبينه.
احتوت نوال فكها وتحدثت بنبرة حادة متهكمة:
- قصدك إيه إنتِ ومرات أخوكِ بالكلام ده يا فريال، يعني أنا وجوزي اللي حاشرين نفسنا في حياتكم؟!
نطقت متعجبة من حدة السيدة:
- العفو يا طنط، أنا مقصدتش أي حاجة من اللي حضرتك فهمتيه.
وتابعت باحترام واتباعًا للأصول التي تربت عليها:
- وبعدين هو حضرتك وعمو حد غريب؟! إنتوا أصحاب بيت وطبيعي جدًا تكونوا موجودين في يوم زي ده.
هدأت نوال بعدما تطلع عليها ماجد وطالبها بالهدوء، بينما تحدث عليوة بنبرة ودودة:
- ربنا يكرم أصلك يا بنتي، نوال متقصدش طبعًا، مش كده ولا إيه يا نوال؟
تنفست بعمق للتخلص مما أصابها من حدة جراء حديث زوجة نجلها وتحدثت بنفاق:
- آه طبعًا يا أبو ماجد، دي فريال وإيثار سيد من يفهموا في الأصول، وبعدين إحنا خلاص بقينا أهل.
وتابعت بزهو وحبور صادق لأجل حفيدتها:
- دي مهما كان أم حضرة الظابط يوسف، جوز بنت إبني الغالية.
ابتسمت لها فريال بمجاملة وتحدثت منسحبة:
- هدخل أشوف البنات خلصوا الأكل ولا لسه، وطبعًا مش محتاجة أقول إن البيت بيتكم.
نزلت بيسان الدرج بهرولة وسعادة وهي تنطق متلهفة:
- يوسف جه يا بابي.
- بالراحة وإنتِ نازلة لتقعي من على السِلم.
قالها عليوة بقلب حنون، فأجابته بحبور وهي تقبل خده:
- متخافش عليا يا جدو.
وهرولت إلى الحديقة تستقبل حبيبها تحت نظرات ماجد الذي تنهد باستكانة بعدما رأى بعينيه سعادة ابنته التي رُدّت إليها.
كان يتحرك هو وشقيقته حاملين باقة من الزهور الرائعة وعلبة من الشوكولاتة الفاخرة. وقفت أمامه وبدون خجل ارتمت داخل أحضانه وهي تقول بحفاوة:
- وحشتني يا چو.
ابتعد قليلًا للخلف وبات يتلفت من حوله، باحثًا بعينيه عن أعين فؤاد التي تشبه جهاز الرادار. تعجبت لأمره ثم تجاهلت الأمر وقامت بالترحيب بالجميلة زينة:
- وحشتيني يا زينة.
نطقت بهدوء:
- أنتِ كمان وحشتيني قوي يا بوسي.
ولجا للداخل، قابلتهما إحدى العاملات وتناولت منهما الهدايا. قابلتهما فريال التي احتضنت يوسف وهي تقول لائمة:
- إيه يا حبيبي اللي أنتَ جايبه معاك ده، هو أنتَ غريب يا يوسف؟
أجابها بهدوء:
- دي حاجة بسيطة يا عمتي.
احتضنت أيضًا الفتاة وربتت على ظهرها قائلة:
- نورتي يا زينة.
أجابت بخجل:
- متشكرة يا أفندم.
أشارت لهما للداخل ليقف الجميع لاستقبالهما. تحرك يوسف إلى عليوة وتحدث بنبرة ودودة لذاك الرجل طيب القلب:
- إزاي حضرتك يا أفندم؟
قابله الرجل بترحاب عالي فتابع وهو يصافح المرأة:
- إزاي حضرتك؟
ابتسمت لتجذبه لأحضانها مقارنةً بفريال وتحدثت وهي تربت على ظهره تحت تعجب الشاب:
- إيه حضرتك وحضرتك دي يا يوسف، أنتَ خلاص يا حبيبي بقيت واحد من العيلة، وبقيت عندنا زيك زي بيسان وفؤاد بالظبط، يعني من النهاردة تقول لي يا تيتا ولجدك عليوة يا جدو.
ابتسم يجيبها بتقدير:
- ده شرف كبير ليا يا أفندم.
أقبل عليه ماجد وحاوط كتفه متحدثًا:
- تعالى ارتاح يا يوسف.
وأشار له على المقعد ثم رحب بالفتاة:
- نورتي يا زينة، اتفضلي اقعدي يا حبيبتي.
بادلته الابتسامة وجلست ليتفاجأ الجميع بصوت ذاك المشاكس الذي حضر مهرولًا:
- حضرة الظابط چو.
فتح يوسف ذراعيه وتحدث بوجه أنير برؤية ذاك الحبيب:
- أهلًا أهلًا بمالك باشا.
ألقى بجسده في أحضان شقيقه الذي احتواه بحنان. تحدثت عزة التي تابعت حضوره:
- مساء الخير عليكو.
ردد الجميع تحيتها وتحدثت نوال:
- إزيك يا عزة؟
- إن شاء الله تسلمي يا هانم.
وتابعت وهي تتحدث إلى يوسف:
- فؤاد باشا بيقول لك خلي بالك كويس من مالك.
فهم الرسالة الموجهة، فلم يكن حضور الصغير إلا رسالة تحذيرية من فؤاد إلى يوسف، أراد إخباره أن ذاك المشاكس هو رادار التسجيل الذي سيسجل له تجاوزاته إن حدثت. ابتسم ساخرًا، تحدثت فريال بلطف:
- اقعدي اتعشي معانا يا عزة.
- تسلمي يا بنت الأصول، أنا هروح علشان ده ميعاد قهوة فؤاد باشا... وتابعت بفخر:
- حاكم الباشا ميعرفش يشربها غير من إيدي، أمال.
وتابعت قاصدة بحديثها يوسف:
- الباشا الكبير بيقول لك إبقى عدي عليه علشان عاوزك في موضوع.
- حاضر يا عزة...
صاح الصغير وهو يشيع رحيلها:
- باي باي يا زوزة.
أشاحت بكفها دون أن تلتفت:
- باي باي يا أخويا.
نطق ذاك المشاغب بملاطفة:
- عمتو، هو انتوا عاملين أكل إيه النهارده؟
أجابته بحنو:
- كل اللي ملوك بيحبه.
- يعني عاملين بيتزا؟!
أجابته بابتسامة:
- لا يا لمض، مش عاملين بيتزا.
مط شفتيه ليقبله يوسف وهو يسأله:
- أطلب لك بيتزا يا حبيبي؟
نطق بعبوس:
- خلاص بقى هاكل معاكم أي حاجة.
نطقت نوال وهي تشير إلى فريال وكأنها سيدة المنزل:
- قومي يا فريال خلي البنات تجهز السفرة.
أخرج يوسف علبة من جيب بدلته ليفتحها وإذ بها إسوارة من الألماس الحر تفاجأت بها بيسان التي اشتدت سعادتها حتى وصلت عنان السماء، بينما اتسعت أعين نوال وسعد قلبها كثيرًا. جلس الجميع يتناولون الطعام في جو مليء بالألفة والمحبة السائدة بين الجميع. تحدث فؤاد الصغير إلى يوسف:
- يوسف، هو إنتوا فعلًا هتعيشوا معانا هنا في الكمبوند؟
- آه يا حبيبي، أخدنا الفيلا اللي بعد قصر الباشا.
- وزينة هتقعد معاكم يا چو؟... قالها الصغير ليهلل مصفقًا بعدما أكد يوسف ونطق بسعادة بالغة:
- أنا بحب زينة قوي، عشان هي جميلة وبتحكي لي حكايات حلوة كل ما تيجي عندنا.
نطقت بسعادة مماثلة:
- بس كده يا مالك، لما أعيش هنا كل يوم هحكي لك حكاية.
- وعد يا زينة؟
- وعد يا ملوك.
لوت نوال فاها اعتراضًا، بينما وضعت بيسان مزيدًا من اللحوم المشوية داخل صحن حبيبها وهي تقول بنعومة:
- كل اسكالوب يا يوسف.
أجابها بابتسامة حنون:
- ما أنا باكل أهو يا بوسي.
كل كمان... قالتها بحنو ونظرات متشوقة للحبيب. ابتسم لها وأبعد نظره عنها احترامًا لدكتور ماجد وكامل الحضور. انتهى الجميع من العشاء وانتقلوا إلى الحديقة ليكملوا سهرة جميلة مليئة بجو مليء بالود والحميمية بين الجميع. بعد مدة ذهب ليجلس مع علام وأشقائه لمدة ساعة وبعدها عاد لمنزله هو وشقيقته الحزينة.
بنفس التوقيت
كان يقود سيارته في طريق هادئ عائدًا إلى منزله بعد أن تناول العشاء مع صديقه نادر. قطع طريقه سيارتان ليتوقف مضطرًا. أشار بكفه من نافذة السيارة قائلًا بحدة:
- مش تفتح يا حمار منك ليه.
لم يكمل جملته ليجد ذراعًا لرجل ضخم يهاجمه من نافذة السيارة ويخرجه بعدما فتح الباب عنوة عنه. نطق برعب ظهر بين عينيه:
- إنتوا مين وعاوزين مني إيه؟
- عمرو باشا البنهاوي باعت لك معانا هدية صغيرة... قالها الرجل الضخم ليتبعها بلكمة قوية جعلت عنقه يلتوي للجهة الأخرى. بات يلكمه واحدة تلو الأخرى حتى وقع أرضًا ليهجم عليه ثلاثة رجال وكل منهم يركله ببطنه وظهره وجميع جسده حتى أصبح كجثة هامدة لا يحرك ساكنًا. مال أحدهم عليه لينطق بكلمات تهديدية:
- لو جبت سيرة عمرو باشا واتهمته، هنجيبك ولو كنت جوه حضن أمك، وساعتها مش هنسيبك غير وإنتَ قاطع النفس ومقابل وجه كريم.
هز رأسه نافيًا وبرغم عدم قدرته على نطق حرف إلا أنه جاهد وهمس:
- والله ما هجيب سيرته، بس سبوني.
استقل الرجال سيارتهما وظل هو ملقى على الأرض حتى اكتشفه بعض المارة وطلبوا له سيارة الإسعاف.
فجر اليوم التالي
كانت تغط في سبات عميق داخل أحضان زوجها، تمللت على صوت هاتف فؤاد الذي فتح عينيه بصعوبة ليتناول هاتفه بتملل. رأى اسم "وجدي الجوهري" فتعجب وعلم أن هناك خبرًا سيئًا بالتأكيد، فما زال الوقت مبكرًا. أخذ هاتفه وخرج كي لا يزعج خليلة الروح، أجاب بهدوء:
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
رد وجدي التحية فسأله الآخر سريعًا:
- خير يا وجدي، فيه إيه؟
أجاب بصوت مختنق باكي:
- أمي في ذمة الله، ياريت تبلغ إيثار لأني ما حبتش أقولها الخبر وهي نايمة.
وتابع بشهقة خرجت عنوة عنه:
- الدفنة هتكون الساعة سابعة الصبح إن شاء الله، ياريت جنابك تجيبها حالًا علشان تودعها وتقف على غُسلها.
- لا حول ولا قوة إلا بالله، إنا لله وإنا إليه راجعون، البقاء لله يا وجدي، وأنا هبلغ إيثار وهنتحرك حالًا.
أغلق معه وأطبق عينيه بقوة، ثم أخذ نفسًا عميقًا استعدادًا لإلقاء ذاك الخبر المشؤوم على زوجته. تحرك للداخل فوجدها تجلس على الفراش والذعر يملأ ملامحها. حركت رأسها يمينًا ويسارًا وسألته:
- أوعى تنطقها يا فؤاد، ما تقولهاش أرجوك.
تصنم بوقفته لتتابع هي بحالة من الإنكار:
- هي أكيد تعبانة شوية وهجيبها هنا لدكتور أحمد وهتبقى كويسة.
تحرك إليها بحذر ثم جاورها الجلوس، أمسك كفيها وتحدث متأثرًا:
- هوني على نفسك يا حبيبتي، وقومي البسي علشان تلحقي تودعيها.
- لاااااااا...
قالتها بتأوه مكتوم مع إنكارها الشديد بتحريك رأسها لتتابع بعدما سال شلال دموعها المتألمة:
- أمي بخير، لسه بدري يا فؤاد، أنا ما لحقتش أعوض معاها سنين الحرمان اللي عيشتها أنا وهي.
وتابعت بدموع وانهيار:
- أنا وعدتها إننا هنروح الحج السنة دي كمان مع بعض، هي قالت لي إنها كانت مبسوطة قوي لما روحنا مع بعض من سنتين، وأنا وعدتها إني هحجز لينا السنة دي كمان، وفرحت قوي، وقالت لي إنها مشتاقة لزيارة بيت الله.
ضمها لأحضانه بعدما لاحظ هزيانها وتحدث وهو يملس على شعرها بحنان واحتواء:
- الله يرحمها يا حبيبتي، وحدي الله يا إيثار ويلا قومي علشان تلبسي.
اشتد بكائها ثم وبدون وعي أطلقت صرخة تعبيرًا عن آلام قلبها المبرح، فاق جميع من بالبيت على إثر الصرخة. شدد من ضمتها وتحدث بألم ينخر بعمق قلبه لأجلها:
- اهدي يا بابا، علشان خاطري اهدي وحاولي تتماسكي، حقك عليا، والله حقك عليا.
بعد قليل ساعدتها عصمت وعزة على ارتداء ثوب أسود وتجهز الجميع للذهاب معها ومساندتها في تلك المصيبة التي حلت عليها، وما من أعظمها مصيبة. ذهبت بصحبة زوجها وعصمت وفريال وماجد وأيضًا بيسان التي أصرت على مرافقة والدة زوجها للمؤازرة والوقوف معها. يوسف حضر أيضًا وترك زينة في منزل عمه خوفًا على تأثر الفتاة إذا ذهبت إلى القرية ومسها أحدهم بالحديث عن سمعة والدتها السيئة، ففضل بقاءها بصحبة بنات عمه حيث ذهبت زوجة عمه بصحبة حسين لأداء الواجب.
توقف أسطول من السيارات تابع لسيادة المستشار فؤاد علام الذي ترجل من السيارة ليتجه للجهة الأخرى لمساندة زوجته المنهارة. تحركت بجواره بتشتت وعقل ناكر لكل ما يحدث، تحت احتراق روح عمرو الواقف بجوار عزيز ووجدي وأيهم وجميع رجال القرية الذين حضروا لتشييع جثمان الفقيدة حسب العرف والتقاليد والأصول. هرول الجميع إلى إيثار للمواساة واحتضنها أشقائها الثلاث، ثم تحركت للداخل بمساندة عصمت وفريال وبيسان.
قابلتها نوارة بدموعها وتحدثت:
- البقية في حياتك يا إيثار، الله يرحمها آخر اسم نطقته كان اسمك، كان نفسها تشوفك بس ما لحقتش يا نضري، سبحان الله موتتها كانت سهلة وروحها طلعت بسلام.
لم تستمع لحديثها بل كانت تتطلع على وجوه الجميع بذهن شارد لم يستوعب بعد حجم الكارثة. تحدثت عصمت بوقار:
- دخليها يا حبيبتي لمامتها خليها تودعها.
نطقت زوجة عزيز بهدوء:
- حاضر يا ست الدكتورة.
وتابعت وهي تتجه بإيثار نحو الغرفة بينما وقفت عصمت وفريال وبيسان تنتظرن بالخارج:
- تعالي يا أختي معايا.
ولجت بساقين مرتجفتين للداخل، توقفت لدقيقة تحاول إدراك ما يحدث ثم تحركت إلى تلك الممدة فوق الفراش. جلست بجوارها وبيد مرتعشة رفعت الغطاء لينكشف وجهها المنير. سبحان من أبدع برسم ملامحها الحسناء، فقد زادها الموت نورًا تجلى بملامح وجهها وسنها الضاحك. تبتسم وكأنها تستقبل الموت بترحاب ورضى. مررت كفها على جبهتها مرورًا بوجنتيها وباتت تتلمس جميع ملامحها. مالت بشفتيها تتلمس بهما وجنتيها وبدأت بسحب أكبر قدر من رائحتها لتحبسها برئتيها علها تحتفظ بها الباقي من العمر. نطقت بدموعها الأليمة:
- ماما، أنا جيت، قومي يا حبيبتي علشان تقعدي معايا، طب أنا جعانة، قومي اعملي لي برام الرز المعمر من إيدك، تعرفي إن نفسي فيه بقى شهر بحاله، وكنت هاجي لك الأسبوع ده علشان آكله من إيدك.
شهقت لتنطق بحرقة ووجع:
- يا ماما قومي حرام عليكِ ده أنا ما صدقت.
شهقت وهي تتابع بقهر وقلب ينزف دم:
- أنا لسه ما شبعتش منك ولا لحقنا نعوض اللي فات، قومي ما توجعيش قلبي، كفاية عليا وجعي على أبويا اللي لحد الوقت لسه ما تنساش.
وإلى هنا بدأت تدرك الوضع، فصاحت بشهقات تقطع أنياط القلوب:
- آاااااه يا وجع قلبي عليكِ يا منيرة.
اقتربت منها المرأة المسؤولة عن تجهيز الموتى لمثواهم الأخير وتحدثت:
- وحدي الله يا بنتي وقومي علشان نجهزها للدفن، الوقت بيمر والرجالة مستنية.
بعد مرور بعض الوقت تجهزت منيرة لمثواها الأخير تحت نزيف قلب إيثار وهي تساعد في تجهيز والدتها الأخير. ذهب الرجال لدفنها وجلسن السيدات بالمنزل لاستقبال المعزيات. حضرن جميع سيدات القرية وبالأخص أصحاب الطبقة الغنية، فقد أتوا للتملق لزوجة سيادة المستشار الجليل وليس لابنة قريتهم. حضرت أيضًا "إجلال" وزوجة شقيقها السيدة "شريفة" كما حضرت "أزهار" التي بدا على وجهها الإرهاق والإعياء الشديد. جلست بيسان بجوار والدة زوجها وتحدثت:
- كفاية عياط يا طنط، كده ممكن تتعبي، ادعي لها يا حبيبتي، وإن شاء الله هي في مكان أحسن.
تبعها صوت عصمت التي نطقت وهي تربت على كف الأخرى باحتواء:
- هوني على نفسك واصبري على الابتلاء يا إيثار، قولي اللهم آجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها.
كررت كلمات عصمت بدموعها والشهقات:
- اللهم آجرني في مصيبتي، وأخلف لي خيرًا منها.
نطقت إجلال الجالسة بأريحية:
- البقية في حياتك.
وتابعت بكبرياء:
- الله يرحمها، كانت ولية غلبانة وشربت المر والفقر مع أبوكِ.
لم تكن بحال يسمح لها بمجابهة تلك المرأة الجبروت والرد عليها بما يليق بوقاحتها، بل كان صوتها بغيضًا للدرجة التي جعلت إيثار تريد الصراخ وصم أذنيها، بينما تحدثت عصمت بدفاع عن زوجة ابنها بالرغم من جهلها بشخصية إجلال:
- كلنا فقراء إلى الله يا مدام.
ابتسمت ساخرة لتنطق وهي تشملها من أعلى الرأس إلى أخمص قدميها:
- أنتِ بقى حماتها الجديدة؟
تطلعت عصمت على تلك المرأة البغيضة وأجابتها بهدوء:
- أنا مامت جوزها، وتقدري تقولي إني مامت إيثار التانية.
- أنعم وأكرم، أنا بقى الست إجلال بنت الحاج ناصف، وشهرتي في البلد ستهم...
قالتها بتكبر لتتابع بكبرياء أكبر:
- بس ده مش اسم شهرة وبس، دي صفة طلعها عليا أبويا الحاج ناصف الله يرحمه، أبويا طول عمره وهو شايفني ست الناس كلها، والبلد كلها وافقته عليه بعد ما حسوا إني فعلًا ستهم.
لم تعر عصمت أي اهتمام لحديثها واكتفت بالتطلع عليها باستنكار، بينما مالت شريفة بجزعها وتحدثت متهكمة إلى أزهار:
- مش هنخلص من قصة أبو زيد الهلالي اللي عاشت عمرها كله تحكي وتزيد فيها.
- ربنا على الفاجر والمفتري يا "شريفة"...
جملة نطقت بها أزهار بصوت واهن لتنطق شريفة وهي تتفحص وجهها:
- مالك يا أزهار؟
نطقت المرأة بإرهاق شديد:
- مش عارفة يا شريفة، بقى لي مدة تعبانة قوي وصحتي كل يوم في النازل، وروحت يا أختي لدكتور المركز، قال لي ده إرهاق وتعب من السكر والضغط اللي عندي، وكتب لي على علاج وباخده ومفيش فايدة.
________________
بالخارج عند الرجال، في سرادق عزاء مهيب قام على تجهيزه "أيهم" إكرامًا لوالدته الحبيبة. وقف يوسف بجوار أخواله يتلقى العزاء في جدته. جاوره فؤاد مؤازرًا له، وأثناء همسهما قاطعهما صوت بغيض يحفظه كلاهما عن ظهر قلب:
- تسمح يا باشا؟
تطلع كلاهما عليه ليشير بكفه مسترسلًا بعداء:
- عاوز أقف جنب ابني وآخذ معاه عزا جدته.
أشار على الرجال المصطفين بنظام وتابع قاصدًا استفزاز فؤاد وخروجه عن شعوره:
- زي ما أنتَ شايف، كل اللي واقف في الصف عيلة واحدة، ولادها وأحفادها، وأنا واحد من عيالها حتى اسأل إيثار وهي تقول لك إن حماتي كانت بتحبني زي عيالها ويمكن أكتر.
احتدم داخل يوسف وكاد أن يرد فأجبره فؤاد على الصمت حين قال:
- أنا هقف في آخر الصف يا حبيبي، ومتقلقش أنا جنبك، وقت ما تحتاجني هتلاقيني.
قبل أن يجيبه الفتى هتف عمرو بحدة وغضب عارم أظهر نار قلبه:
- يوسف مش محتاج لا ليك ولا لغيرك، فلوس أبوه وعزه يكفوه العمر كله.
لم يعر حديثه اهتمام فؤاد الذي تعامل معه بتجاهل تام أشعل نار عمرو الذي كان يتيقن من ثورة فؤاد ليقف أمام الجميع ويتهمه بافتعال المشاكل والتعمد لإفساد ليلة المرأة.
أشار فؤاد بعينيه إلى ذاك النبيه يوسف حيث فهم إشارة أبيه الروحي والتزم الصمت كي تمر الليلة بسلام.
خرج فؤاد من الصف ليعود لمقاعد المعزيين فرآه عزيز فلحق به سريعًا وتحدث:
- رايح فين يا باشا؟
نطق برزانة:
- هقف آخر الصف يا عزيز.
تحدث بإصرار:
- والله ما يحصل أبدًا، ده أنتَ تقف مكاني أول الصف.
تحدث فؤاد بعقلانية:
- ما فيش داعي، خلي الليلة تعدي على خير.
أصر عزيز فقبل فؤاد تحت إصراره لكن رفض تخطي أبنائها فوقف بالترتيب الرابع بعد عزيز ووجدي وأيهم وتلاه أحفاد الرجال الثلاثة ثم يوسف وعمرو بآخر الصف مما أشعل نار حقده أكثر وأكثر على ذاك الـ"فؤاد" الذي جاء وانتزع منه كل شيء كان ملكًا له بالماضي.
حضر وفد من رجال الجهاز المخابراتي المصري تقديرًا إلى الضابط يوسف البنهاوي مما جعل أعين الجميع تنظر إليه نظرة فخر وكأنه ابن القرية بأكملها. تنفس فؤاد بسكينة وهو يرى شأن نجله يرتفع يومًا بعد الآخر. من جانبه نظر الشاب إلى فؤاد وشمله بنظرات شاكرة ممتنة لكل ما وصل إليه ونسب الفضل إليه.
بعد قليل، ولَج يوسف لمساندة والدته والاطمئنان عليها، تهافت صوت النسوة وهن يبادرن بتقديم واجب العزاء له، فجميعهن بات يحترمنه بعدما رأى جميع ساكني القرية ذاك المؤتمر وإلى أين وصل الشاب من علو شأن. ابتعدت بيسان ووقفت بجانب زوجها كي تفسح له المجال لمشاطرة والدته الحزن. احتضنها وقبّل رأسها وهو يقول بصوت حزين لأجل والدته المنهارة:
- البقاء لله يا حبيبتي.
- لا إله إلا الله... قالتها بقلب يحترق على فقيدة قلبها الغالي.
مال على رأس عصمت وقبّلها مما أشعل قلب إجلال فقررت الانتقام الفوري:
- أصيل ومتربي يا يوسف، وارث الرجولة والجدعنة من جدك نصر يا حبيبي.
لوت أزهار فاها متهكمة، بينما رمقتها إيثار باشمئزاز، فمجرد الاستماع إلى نبرات صوتها البغيض يذكرها بما عانته على أيادي تلك المرأة المتجبرة. تابعت كي تزرع الفتنة بين الأم وابنها:
- على طول بييجي يسأل على أبوه وأخواته ويتغدى معاهم كل فترة.
اتسعت أعين إيثار ذهولًا ودهشة لتزيد الأخرى النار حطبًا كي يزيد لهيبها ويشتعل أكثر:
- ويا سلام لو تشوفيه مع مرات أبوه، بيعزها زي عنيه.
ارتجف الفتى لتتوجه نظرات إيثار إليه كسيوف مسنونة لتكمل تلك الحية الرقطاء:
- ولا أخواته، سليم ونور، اليوم اللي بييجي فيه عندنا ما بينزلش نور من على حجره، ما بتاكلش غير من إيده.
شعر كأن جدران المنزل بأكملها انهارت فوقه بينما صرخ قلب إيثار معلنًا عدم تحمله لكل ما يجري. الكل في حالة من الذهول، إيثار، فريال، عصمت، بيسان التي تطلعت على وجه حبيبها الشاحب في حين تابعت تلك الحرباء:
- وارث الأصل من جده.
إلى هنا لم تتحمل أزهار أرملة هارون حديث تلك المستفزة لتهتف بحدة وغضب ظهر بصوتها رغم وهنها الشديد:
- أنهي أصل اللي بتتكلمي عنه ده يا إجلال، هو نصر ده كان حد يعرف له أصل من فصل؟ الله يسامحه أبوك هو اللي بلانا بيه وزرعه وسطينا.
صاحت إجلال بصوت غاضب زلزل جدران المنزل:
- اخرسي يا ولية يا معيوبة يا خاطية، الحاج نصر كان سيدك وسيد بلدك بحالها.
ساد الهرج والمرج المكان وتعالت همهمات نسوة القرية لتهتف أزهار بابتسامة شامتة:
- سيد مين يا مرة، ما بقاش إلا رد السجون ده كمان، دي آخرته كانت على إيد عيل ما يسواش ثلاثة مليم.
وتابعت بتشفٍ:
- بخمس تلاف جنيه ادبح واترمى في حمام السجن زي الخروف.
كان يوسف وعصمت وفريال وبيسان يتابعون ما يحدث بأعين متسعة وأفواه مشدوهة، بينما تهز إيثار رأسها مستنكرة، على صوت إجلال التي فجرت قنبلتها الموقوتة حيث هتفت بعدم خوف من الله:
- غريبة، مع إني سمعت إنه قتله من غير ولا مليم، قتله قصاد ليلة قضاها معاكي يا ولية يا ناقصة يا بتاعت الرجالة.
اتسعت أعين الجميع من تدني مستوى الحوار لتهتف أزهار بغضب في دفاع عن شرفها:
- اخرسي قطع لسانك يا حرباية، ده أنا أشرف منك ومن بلدك بحالها، أنا مرة حرة وشعري ما اتفردش غير على كتف جوزي.
قررت "شريفة" زوجة الحاج "محمد ناصف" التدخل بعدما هاج المكان وتحدثت بملامة:
- عيب يا حاجة إجلال، الكلام ده تطير فيه رقاب.
- مش مصدقاني يا شريفة، أنا عارفة حقيقتها الـ... من زمان وحطاه في قلبي وساكتة.
وتابعت وهي تتناقل نظرها بين نسوة القرية:
- فكركم هي قتلت الحاج نصر لأجل ما تاخد تار هارون زي ما قالت؟
تطلعن الجميع إلى بعضهن فتابعت بكذب وافتراء:
- ده علشان الحاج الله يرحمه كان شاهد على فضيحتها في المركز، كان ماشي بعربيته هو وعلي السواق وشافوها طالعة مع واحد في عمارة، الله يرحمه كان نبيه وشك فيها، قام طلع وراها وخلى السواق يخبط، ولما الراجل فتح له هجم الحاج نصر ولقى الخاطية دي في قلب السرير.
صرخت أزهار دفاعًا عن نفسها وهي تقول بانهيار:
- يا كذابة يا بنت الـ...، والله لأوريكي.
هجمت عليها لتبعدها زوجة طلعت وبعض النسوة اللواتي لُمن على إجلال قائلين:
- اتقي الله يا ستهم، ده قصف محصنات وإنت مش قد حسابه عند الله.
وقفت إجلال وهي تقول:
- أنا واحدة بتتقي الله، ولولا معايا الدليل على كلامي ما كنتش نطقت وكنت فضلت مكملة وسترت عليها.
وأشارت على أزهار:
- الولية الخاطية دي عندها الإيدز، ومش قايلة لحد علشان سترها ما يتفضحش.
ابتعدن الجميع عن أزهار حتى شريفة وبدأن بالنظر عليها برهبة وذعر لتتابع تلك الحية الرقطاء بمسكنة:
- وأنا خلاني أتكلم غير خوفي من ربنا وعليكم، الناس ذنبها إيه يتعدوا بسبب واحدة زانية زي دي، ولو مش مصدقين كلامي ودوها لدكتور الوحدة يعمل لها تحليل الإيدز، ولو ما طلعش عندها، حياتي تبقى التمن.
تفاجأ الجميع بصرخات إيثار التي انفجرت بعدما فاض بها ولم تعد تتحمل كل ما يحدث من مهاترات. تلك الصرخات والاتهامات والأصوات الصائحة الصادرة عن الجميع ذكرتها بما حدث لها في ثالث أيام وفاة والدها، وكأن تلك الليلة تحولت إلى شريط سينمائي لتدور عجلة الأحداث صوب أعينها. تذكرت إذلالها والعجز الذي شعرت به حينها. هبت واقفة وصرخت بانهيار حاد:
- اطلعوا بره، اطلعوااااااا.
هرول يوسف يتمسك بذراعها لتدفعه بكفيها وقد أصابها الجنون فصرخت بأعين غاضبة:
- ابعد عني، أوعى تلمسني، إنت كمان اطلع بره.
اتسعت أعين يوسف بينما تحدثت فريال:
- اهدي يا إيثار وفوقي لنفسك.
دفعت يدها وصرخت وهي تتناقل النظرات بين الجميع:
- اطلعوا كلكم، مش عاوزة أشوف ولا واحدة منكم هنا، اطلعوااااااا.
انتهت من كلماتها لتسقط أرضًا مغشيًا عليها. حملها يوسف واتجه مهرولًا لإحدى الغرف وسط ارتعاب عصمت وفريال وبيسان ونوارة اللواتي لحقن به، بينما أمسكت النسوة في بعضهن، وتهجمت أزهار وزوجة نجلها على إجلال حيث خلعت أزهار نعلها وقامت بضرب إجلال به وسط ذهول جميع النسوة وهلعهن من لمس أزهار لإحداهن.
رواية انا لها شمس الفصل السادس والسبعون 76 - بقلم روز امين
لم يستطع نطق حرفٍ واحد وهو يرى جحيم ذاك الغاضب، وقبضته التي تشد من كتفه غير عابئٍ بأظافره التي غُرست بلحم ذاك الـ"عمرو"، مما يدل على مدى وصول الآخر للمنتهى من الحِدَّةِ والغضب، فك قبضته ليرمقهُ بنظرةٍ مشتعلة للمرة الأخيرة قبل أن يتجه بخطواتٍ واسعة ويلجُ الغرفة صافقًا الباب خلفه في وجه ذاك المتطفل الحقير.
انتفض داخلهُ رعبًا حين وجد غاليته ممددة فوق الفراش كجثةٍ هامدة، والجميع يلتف حولها بوجوهٍ هلعة يحاولون إفاقتها دون فائدة، فرق بيداه بيسان وفريال ليرتكز بركبتيه فوق الفراش، بات صدرهُ يعلو ويهبط وهو ينطق متلمسًا بشرة وجنتها برعبٍ ظهر بنبرات صوتهِ المرتجفة:
-إيثار، فوقي يا بابا.
هتفت عصمت وهي تتمسك بكف ابنها للمؤازرة حين رأت رعبه بعينيه:
-متخفش يا حبيبي هي كويسة، نوارة راحت تجيب لها دكتور جنبهم هنا.
نطق متلهفًا وهو يتبادل النظر بينها وبين آسرة الكيان:
-مالها يا ماما، إيه اللي حصل؟!
أجابته للطمأنة:
-مفيش يا حبيبي، أكيد إجهاد وضغط من الزعل.
هرولت ابنة عزيز التي ولجت لتوها من الخارج، تناول يوسف قنينة عطرٍ كان قد طلبها منها للمساعدة في إعادة الوعي إلى والدته، قرب يوسف زجاجة العطر من أنف والدته وهو يناشدها بصوتٍ يقطرُ ألمًا على غالية القلب:
-فوقي يا ماما، فوقي علشان خاطري.
احتوت بيسان الواقفة خلفهُ كتفيه بعناية وهمست بنبرة حنون:
-اهدأ يا يوسف، طنط هتفوق وهتبقى كويسة.
خبط فؤاد على وجنتها برفقٍ وهو يقول:
-حبيبتي، فوقي يا قلبي، فوقي يا إيثار.
بدأت بتحريك أهدابها تحت ترقب الجميع، وما أن رأت وجه الحبيب حتى همست وهي تتمسكُ بكفه بوهنٍ شديد:
-فؤاد.
نطق متلهفًا كي يطمئن قلبها:
-أنا هنا يا بابا، متخافيش.
أطبقت جفنيها من جديد وكأنها تريد الهروب من ذاك العالم المخيف بأكمله ماعدا ذاك الحبيب الذي تمسكت بكفه بقوة رغم تعبها الشديد، تنفست بوهنٍ فسألتها عصمت بنبرة قلقة:
-أنتِ كويسة يا إيثار؟
حركت رأسها بضعفٍ واستمعت إلى صوت يوسف وهو يقول:
-طمنيني عليكِ يا ماما.
فتحت عينيها فالهروب لم يكن يومًا دربها، سألتهُ بفتورٍ وصوتٍ واهن:
-أنتَ فعلًا زورت أبوك ومراته؟
ابتلع فؤاد لعابه بينما حرك الشاب رأسَهُ والألم يقفزُ من عينيه فتابعت بإعياءٍ شديد:
-روحت لإجلال واتغديت معاها يا يوسف؟!
قرر فؤاد التدخل لرفع الحرج عن الشاب:
-مين يا حبيبي اللي قال لك الكلام ده؟!
أجابت فريال نيابةً عن صديقتها:
-الست اللي اسمها إجلال، دي ست بشعة يا فؤاد.
أعادت طرح السؤال مرةً أخرى والألم ينخر بقلبها يتلهفُ النفي:
-اتكلم، روحت البيت عند أبوك؟
نطق فؤاد ظنًا منه أن باستطاعته إنهاء ذاك النقاش:
-بعدين يا حبيبتي، أنتِ تعبانة والمناهدة دي غلط عليكِ.
نطقت بصوتٍ بالكاد يُسمع من شدة الإنهاك:
-مش هرتاح غير لما أسمع إجابته عليا يا فؤاد.
أجابها بحزمٍ علها تتراجع:
-ده لا مكان ولا وقت الكلام ده يا إيثار.
-رد عليا... قالتها بنبرة أخافت الجميع ليشير فؤاد بعينيه للشاب يحثه على الاعتراف فمال برأسِه رافضًا فحثه الآخر مرةً أخرى حيث أصبح لا مفر أمامه من الاعتراف، نطق بصوتٍ مرتبك:
-الموضوع طويل ومحتاج شرح وأنتِ تعبانة يا حبيبتي.
لم يمنعها إعيائها الشديد من إصرارها حيث نطقت بعنادٍ كعادتها:
-أنا عايزة إجابة بكلمة واحدة بس، يا أه يا لا.
طالعته منتظرة فتحدث:
-روحت بس ده...
قاطعته بإشارة من كفها وتابعت:
-أكلت على سفرتهم؟!
-يا ماما أرجوكِ... قالها الشاب متوسلًا بعيناه وبصوتهِ المترجي فتابعت هي:
-جاوبني.
نطق محتدًا لعدم إعطائه الفرصة لشرح ما حدث وأوصله لتلك النقطة:
-الموضوع كبير ومينفعش أقولك أه أو لا من غير ما تفهمي أبعاده والظروف اللي حكمت عليا بكده.
نطقت بنبرة حادة لا تقبل المناقشة:
-أه أو لا؟
كاد أن يعترض فتحدث فؤاد رأفةً بحال حبيبته المنهارة:
-خلاص يا يوسف، ريح ماما ونتكلم في التفاصيل دي بعدين.
طالعته تنتظر الإجابة فتحدث بضيقٍ:
-آه يا ماما روحت واتغديت معاهم، ارتحتي؟!
كان وقع الكلمة عليها كزلزالٍ عظيم زلزل حياتها بالكامل، بلحظة رأت عناء ومشقة طيلة السنوات ذهبوا هباءً بارتماء نجلها بأحضان من قاموا بظلمها وجعلوها تتذوق المُرين، أخذت نفسًا مطولًا ثم أغمضت عينيها وهي تهمس إلى زوجها:
-خليه يطلع برة يا فؤاد.
اتسعت أعين الجميع وعيني يوسف فأشار له فؤاد متحدثًا:
-اطلع برة الوقت يا يوسف.
كاد أن يعترض فاحتوت عصمت ذراعه وهمست بنبرة متفهمة لحال تلك المكلومة:
-اطلع يا حبيبي، بعدين لما تهدأ ابقَ اقعد معاها واتكلموا.
تسمر بقدميه فاقتربت عليه فريال وتحدثت وهي تجذبهُ برفقٍ من رسغه:
-تعالَ معايا يا يوسف، ماما تعبانة ومش هينفع تناقشها أو تتجادل معاها الوقت نهائي.
ألقى نظرة أخيرة على تلك التي تغلق جفنيها بقوة رافضةً رؤية وجهه مما زلزل قلبَهُ وشعر كأن أحدهم غرس نصل سكينٍ مدببٍ بمنتصف قلبه فسال على الفور نزيفهُ، ربتت بيسان على ظهره بحنانٍ وحثته على الخروج بجوارها هي وفريال.
عودة إلى الخارج فور دخول الرجال، هتف عزيز بنبرة حادة:
-فيه إيه يا ولية منك ليها؟
لاحظ ابتعاد الجميع ورعبهن فتحرك ليفض هو الاشتباك بين المرأتين لتهتف إحداهن قائلة بذعرٍ:
-متقربش يا سي عزيز، الحاجة أزهار عندها الإيدز.
اتسعت أعين عزيز وأيهم الذي هتف بغضبٍ حاد:
-إيدز إيه وتخاريف إيه اللي بتقولوها دي.
وتابع وهو يشير بكفه للخارج:
-يلا يا ست أنتِ وهي على برة، روحوا كملوا ردحكم ده بعيد عن عزا أمي.
-مفيش خشى ولا حرامنية للميت... قالتها شريفة لتتابع إحدى السيدات:
-والله عيب عليكم، كسفتونا وقصرتوا رقبتنا قدام الناس الغريبة.
أمنت جميع النسوة على حديثها.
فاق عمرو من غيبوبة عشقه الواهم ليهرول ويجذب تلك المرأة ويبعدها عن والدته بقوة جعلتها تسقط أرضًا، بات يعدل لوالدته ثيابها بينما رمق الأخرى بنظراتٍ حادة قبل أن ينطق ناعتًا المرأة:
-ابعدي إيدك القذرة عن ستك وتاج راسك يا خاطية.
ازهلت المرأة وباتت تتلفتُ من حولها بتشتُتٍ على لمز وهمز النسوة عليها ونظراتهم المتوجسة التي يشوبها الاتهام، صرخت تبرأ حالها ويداها مستندة على الأرض بإعياءٍ شديد:
-أنتوا بتبصوا لي كده ليه؟!
أنتوا صدقتوا كلام مرات القاتل وابنه عليا؟! أنا أزهار يا أهل البلد، أزهار اللي الغلط عمره ما عرف بابي ولا دق عليه.
ضحك عمرو ساخرًا وهو يرميها بالباطل بلا خوفٍ من الله:
-مرضك فضحك وفضح مشيك البطال اللي عيشتي عمرك كله تداريه، بس آن الأوان الكل يعرف حقيقتك الو......، مفيش حاجة بتفضل مستخبية.
لم يعد بمقدور أيهم تحمل تلك السخافات أكثر من هذا فصاح بحدة بالغة:
-خذ أمك وقريبتك واطلعوا برة يا عمرو، وخلوا عندكم دين واحترموا حزننا على أمي اللي مكملتش ساعات.
نطق كي يظهر بصورة الفارس:
-عندك حق يا أيهم، خالتي أم عزيز مكنتش تستاهل يتعمل كده في العزا بتاعها.
وتابع وهو يرمق تلك المنهارة على الأرض:
-الله يسامح اللي كانت السبب.
حضر نجل الحاج محمد بعدما علم من أحد الفتية ما حدث بالداخل وتحدث إلى عمرو:
-عمي عمرو، جدي محمد عاوزك أنتَ وجدتي أزهار وجدتي إجلال في البيت عنده حالًا.
خرج مصطحبًا والدته ليصيح أيهم في النسوة بحدة بعدما فقد السيطرة على اتزانه:
-اللي هتكمل العزا باحترام ومن غير صوت يا أهلًا بيها ونشيلها فوق دماغنا، وأي واحدة هتعمل دوشة وتقعد ترغي في اللي حصل تتفضل تقعد قدام بيتها على المصطبة وتلم حواليها الحريم وتتكلم هناك براحتها.
نطقت إحداهن بمساندة:
-عندك حق والله، اللي حصل ده لا يرضي رب ولا عبد.
تزامن خروج يوسف من غرفة والدته مع خروج عمرو وهو يساند إجلال ليرول عليهما وهو يقول مشمئزًا:
-لحد إمتى هفضل متحمل قرفكم وفضايحكم اللي مبتخلصش، قول لي لحد إمتى؟!
توقف عمرو وسألهُ بريبة:
-فيه إيه يا يوسف؟! مالك؟!
هتف محتقنًا وهو يشير إلى تلك المتجبرة:
-اسأل الهانم والدتك، اللي مكفهاش اللي عملتوه فيا أنا وأمي العمر كله جاية تفتن بيني وبينها بالكذب.
وتابع مشمئزًا:
-مش عيب ست كبيرة زيك كده وتكذب وتلفق كلام علشان تفرق بين أم وابنها.
واسترسل مذهولًا:
-هو أنتِ مش بتخافي من ربنا؟!
شيلاها من حساباتك خالص؟!
كانت ترمقه بحدة كحدة الصقر، وتحدثت بجبروت دون مراعاة لانهيار الشاب:
-افتريت عليك في إيه يا واد؟ أنت مش جيت عندنا بدل المرة تلاتة، وكلت معانا وشيلت إخواتك؟! اللي يسمعك يصدق إنك بريء بجد؟!
امتعضت ملامحه وقد بدا عليه شدة الغضب، بينما احتوتْاه فريال وبيسان التي تحدثت وهي تتطلع على المرأة بحذر:
-تعالى نخرج بره علشان تهدى شوية.
-اسمع كلام الحلوة واطلع معاها يا حنين، شكلك وارث أبوك في المحن مع النسوان.
كلمات متهكمة أطلقتها تلك البغيضة ليصرخ بها عمرو مستفهمًا:
-أنت عملتي إيه تاني؟!
-عرفت السنيورة أمه الحقيقة بدل ما هي نايمة على ودانها.
رمقها يوسف مشمئزًا لتكمل:
-قلت لها إن ابننا بيزورنا وبياكل من عيشنا وملحنا، كفرت ولا يكونش كفرت؟!
صاح عمرو لائمًا بحدة وقوة:
-ليه عملتي كده، ليه؟!
أشاحت بكفها غير عابئة بغضبه لتسحب فريال يوسف إلى الخلف وتبعده عن هؤلاء الأشرار، انسحب عمرو بصحبة والدته بينما تحدثت فريال بمؤازرة:
-اهدأ يا يوسف، الكلام مع الناس دي زي قلته يا حبيبي.
-أنا مش واجعني غير أمي.
قالها بألم وتابع بعدم استيعاب:
-دي صدقتها ومدتنيش فرصة أشرح لها يا عمتي.
تمسكت بيسان بكفه، وتخللت أصابعها مع خاصته ليهدأ قليلًا بينما تحدثت فريال:
-إوعى تلوم على إيثار يا يوسف، إيثار معذورة، دي واحدة مصدومة من موت أمها ومش في كامل وعيها.
شددت بيسان من ضمتها ليده وتحدثت بنبرة رقيقة كالنسيم:
-حبيبي اهدأ علشان خاطري، صدقني كل حاجة هتبقى كويسة.
وكأن كلماتها نسائم عطرية نزلت على روحه لتشملها بالسكينة، طالعها بحب وأومأ لها لتبتسم له برقة أذابت قلبه، تبسمت فريال وهي ترى ذاك العشق الهائم بين الشريكين.
***
داخل الساحة الخاصة بمنزل السيد "محمد ناصف" اجتمعت عائلة ناصف بالكامل بناءً على طلب محمد بذاته وأنجال أزهار وأزهار بذاتها التي هتفت بدموع وانهيار:
-أنا عاوزة حقي من أختك وابنها يا حاج محمد، عاوزة حق شرفي اللي بقى لبانة تتمدغ عليها نسوان البلد في الرايحة والجاية.
هتف يجيبها بصرامة وهو يرمق شقيقته بازدراء:
-حقك هيوصلك كامل يا أم أحمد، خلينا الأول نفهم الموضوع.
هتف عمرو ببجاحة وعدم خوف من الله بعدما قصت عليهم تلك المرأة التي لا تخشى الله ما لفقته لتلك المسكينة ظلمًا وافتراء:
-كل الكلام اللي ستهم قالته صحيح، أبويا كان عارف فضايحها علشان كده وزت عليه وقتلته بحجة قتل خالي هارون.
هتف الحاج محمد باتهام صريح:
-وأنت بقى عرفت منين إن عندها المرض ده يا سي عمرو؟!
وتابع متهكمًا:
-ولا تكونش بقيت بتضرب الودع وإحنا ما نعرفش.
ابتسم بشر وهو يتذكر حبك جريمته وعدم تركه ثغرة واحدة تدعو للشك وتفتح بابًا للتساؤلات، حيث ذهب إلى معمل التحاليل المتواجد بالمركز والتي تتردد عليه السيدة "أزهار" دومًا لعمل الفحوصات اللازمة الدورية لمريضة سكر وارتفاع ضغط الدم مثلها، وكما فعل مع الصيدلي اتفق أيضًا مع الأخصائي على فحص دم شامل وخاص بمرض نقص المناعة المعروف بـ"الإيدز":
-لا يا خالي ما بضربش الودع ولا حاجة.
وتابع شارحًا باستفاضة:
-كل الحكاية إن من حوالي أسبوعين كنت مودي ماما لمعمل التحاليل علشان الدكتور كان طالب منها تحليل بول، وزي ما الكل عارف إن دكتور المعمل ده عارف العيلة كلها لأن تقريبًا البلد كلها بتروح عنده، في وسط الكلام قال لي أنا عاوز أقول لك حاجة مع إن الأمانة العلمية تحتم عليا السرية، بس الموضوع خطير وممكن يتسبب في أذى للناس علشان كده قلت إني لازم أتكلم.
وقال لي إن الست أزهار راحت له من فترة تعمل تحليل أنيميا الدكتور طلبه منها علشان الدوخة والهمدان المستمر معاها من مدة، وفعلاً عملها ولما شك في العينة اتصل بابنها تاني علشان يجيب أمه وياخد منها عينة جديدة ويحللها، وبعدها اكتشف المصيبة دي، إن الست المحترمة عندها الإيدز نتيجة مشيها الشمال.
أوشك نجل أزهار على الجنون لدرجة أنه بدأ يشك بصحة الحديث من شدة دقة التفاصيل التي رواها ذاك المدعو "عمرو".
هتف شيخ القرية قائلًا بنصح:
-اتقِ الله يا عمرو، ده قذف محصنات وأنت مش قد حسابه من المولى عز وجل.
وتابع مستشهدًا بكلمات الله:
-قال الله تعالى في كتابه العزيز: "إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ."
نطق متنصلًا من جريمته:
-وأنا كنت ألّفت الكلام ده من عندي يا سيدنا الشيخ؟!
وأشار بكفه إلى السيدة "أزهار" المنهارة وتابع مسترسلًا:
-أهي الست قدامكم أهي ودكتور التحاليل موجود، اتفضلوا خدوها واتأكدوا بنفسكم، ولو ما ردش عليكم كلامه روحوا لمعمل غيره واتأكدوا.
وتابع كالشيطان:
-ده جزائي يعني إني خوفت على أهل بلدي للمرض ينتشر ويهلك الجميع، مش برضه بيقولوا الساكت عن الحق شيطان أخرس يا شيخ؟!
تطلع الجميع بعضهم إلى بعض، وتحدث نجل أزهار بحدة:
-وبأمارة إيه الدكتور يبلغك أنت وما يقولش لابنها؟!
رفع كتفيه للأعلى ونطق بلامبالاة:
-والله السؤال ده بقى تروح تسأله للدكتور ذات نفسه.
هتف محمد بعدما تشتتت أذهان الجميع:
-خلاص يا جماعة، من بكرة الصبح الحاجة أزهار تروح معانا معمل التحاليل ونتأكد من الكلام ده.
وتابع متوعدًا وهو يرمق عمرو الذي بات يبغضه بقوة:
-وعهد الله يا عمرو الكلام ده ما يطلع من تأليفك لأكون قاتلك بأيديا، وحتى لو طلع صح برضه هتتحاسب أنت وأمك على الفضايح اللي عملتوها قدام أهل البلد والناس الغريبة في عزا الست.
وتابع محتقرًا كلاهما:
-تفضح اللي منك قدام الغرب يا قليل الأصل والعقل أنت وأمك.
هتف الشاب بغضب مدافعًا عن شرف والدته:
-أنا متأكد إن الكلام ده كله ما حصلش، وقتلك هيكون على أيديا أنا يا عمرو يا بنهاوي، بس أنا هحترم رأي عمي الحاج محمد وهستنى لحد ما نتيجة التحليل تظهر.
وتابع متوعدًا تحت ابتسامة الآخر المستفزة:
-وبعدها حسابك هيبقى عسير معايا.
***
داخل الغرفة المتواجدة بها إيثار، انتهى الطبيب من فحصها تحت ترقب فؤاد وعصمت التي أصرت على مجاورتها، سأله فؤاد بجدية:
-خير يا دكتور؟!
تحدث الطبيب بعملية:
-خير إن شاء الله، يظهر إن المدام اتعرضت لضغط عصبي شديد.
وتابع قائلًا:
-أنا عارف إن الظرف صعب وما ينفعش أقول أبعدوها عن الأجواء دي، بس على الأقل تحاولوا تهونوا عليها.
بعد انصراف الطبيب تطلع فؤاد ليجد والدته تجفف حبات العرق السائلة من جبين زوجته وهي تقول:
-أظن سمعتي بنفسك كلام الدكتور، حاولي تهدي نفسك بقى علشان صحتك، ولادك محتاجين لك يا إيثار.
جاورها فؤاد الجلوس على طرف الفراش ورفع كفها يقبله دون كلام، فقد اكتفى بتعبير العيون، ثم تحدث بحذر:
-موضوع يوسف فيه تفاصيل كتير، وما ينفعش تزعلي من ابنك من غير ما تسمعيه، متعودتش منك تعاملي يوسف بالشكل ده يا إيثار، الولد منهار بره.
لا تأثير لحديثه عليها، كل ما تفهمه الآن هو أن نجلها التي حاربت الكون بأكمله لأجل أن تبعده عن عائلة كانت ستدمر مستقبله بالتأكيد، وبالنهاية ماذا حدث، ذهب إليهم ورمى حاله بين أحضانهم، تطلعت إليه وتحدثت برجاء:
-وديني عند قبر ماما يا فؤاد.
نطقت عصمت بعقلانية:
-ما ينفعش تسيبي عزا والدتك وتخرجي يا إيثار، كده تبقى إهانة للناس اللي جاية لك.
-ناس مين يا ماما...
قالتها بصوت بائس، لتنطق الأخرى وهي تقول بعزيمة:
- إوعي تخلي أفعال واحدة جاهلة وحقودة زي الست دي تأثر عليك بالسلب، إنتِ إيثار الجوهري الست القوية، مرات فؤاد علام وأم أحفاد علام زين الدين.
وتابعت بعز وفخر:
- لازم راسك دايمًا تكون مرفوعة لفوق، وإوعي تدي لأي حد فرصة إنه يكسرك.
سألها فؤاد عن مغزى حديثها:
- ست مين دي يا ماما؟
ثم تطلع على زوجته التي أمسكت كفه سريعًا وتحدثت خشية من أن يتهور:
- مفيش حاجة حصلت.
وتابعت كي تستحوذ على تركيزه:
- خليك معايا ومتسبنيش.
تبادل النظرات بينها وبين والدته التي حثته على احتواء هلعها، فتنهد ومال يقبل رأسها ويمسح عليها بحنان وهو يقول:
- أنا معاك يا حبيبي، مش هسيبك يا بابا متخافيش.
خرج فؤاد من غرفة زوجته، وجد يوسف وفريال وبيسان مستندين على حائط الغرفة، فتحرك إليهم لينطق يوسف متلهفًا:
- ماما عاملة إيه؟
أومأ بجدية:
- كويسة، جدتك معاها متقلقش.
وتابع بإملاء:
- خد عمتك وبوسي وروحوا يلا.
نطق رافضًا بحدة:
- أنا مش هسيب أمي ومش هتحرك من هنا غير ورجلي على رجلها.
- أمك نفسها مش هتقعد هنا أكتر من كده... نطقها ليتابع بجدية وصرامة:
- أنا هاخدها واطلع القرافة هتزور جدك وجدتك وهنطلع من القرافة على القاهرة على طول.
- خلاص هستنى معاكم.
هتف بجدية:
- يا ابني افهم بقى ومتوجعش قلبي معاك.
انضم أيهم إلى الجمع وتحدث بنبرة خجلة:
- أنا آسف جدًا يا جماعة على اللي حصل.
أشار فؤاد بكفه قائلًا بتهوين:
- متتأسفش، اللي حصل ده وارد يحصل في أي مكان ومع أي حد.
أكملت على حديثه فريال كي تعفيه الحرج:
- هو انتوا مالكم باللي حصل يا أيهم علشان تتأسف.
قاطع فؤاد حديثهم بنفاذ صبر قائلًا:
- خلينا في المهم يا أيهم، أنا شايف إن أخرك في العزا ده النهارده، كفاية اللي حصل وأقفلوا بابكم واحزنوا مع نفسكم.
وتابع:
- أنا عن نفسي هاخد مراتي معايا، إيثار نفسيتها تعبانة ولو قعدت أكتر من كده هتنهار.
- عين العقل يا سيادة المستشار، أنا بنفسي كنت هقول لك كده... وتابع أيهم:
- بس معلش اتغدوا الأول وبعدين ابقوا امشوا براحتكم.
نطق فؤاد قاصدًا يوسف:
- يلا يا يوسف، خد حماتك ومراتك وبالسلامة.
نطقت فريال برفض قاطع:
- ريح نفسك يا فؤاد، أنا مش هتحرك من هنا غير مع إيثار وماما.
وتابعت وهي تشير إلى يوسف:
- خد أنتَ بوسي معاك وأنا هاجي معاهم.
كاد أن يعترض فقاطعه فؤاد:
- خلصنا يا يوسف، اسمع الكلام بقى.
نطق وهو ينظر إلى باب الحجرة بتشتت:
- طب خليني أدخل أطمن على ماما قبل ما أمشي.
أجابه مقتصرًا:
- أمك مش طايقة تشوف وشك، ولو دخلت لها هتتعبها أكتر.
نطق متوسلًا:
- طب اتكلم معاها يا بابا، قول لها على اللي حصل وبرر لها موقفي، ما أنتَ عارف كل حاجة.
- هتخليني أشك في ذكائك ليه يا ابني.. وتابع مفسرًا:
- أمك لو عرفت إني كنت عارف وخبيت عليها هتخرب الدنيا، وهتقلب عليا أنا كمان.
تحركت أميرة زوجة أيهم من جوارهم حاملة بين يديها صينية عليها صحن من الحساء الدافئ وبعض الدجاج المسلوق لتقدمه إلى إيثار.
خرج يوسف من المنزل واتجه صوب سيارته، فتح الباب لزوجته واطمأن على جلوسها ثم أغلق الباب واتجه للمقابل ليستقل مقعده، وبسرعة البرق كان يخرج من تلك القرية الملعونة، اقتربت عليه تسأله وهي تربت على كفه الممسك بمقود السيارة:
- حبيبي، ممكن من فضلك متزعلش.
طالعها بنظرات تقطر حزنًا على ما جرى فتابعت متأثرة من حالة الحزن التي شملته:
- كل حاجة هتبقى كويسة مع الوقت، طنط إيثار متقدرش تستغنى عنك أبدًا.
أومأ بصمت وتابع مراقبة الطريق ثم ناظرها مرة أخرى وتحدث:
- بوسي.
- نعم يا حبيبي... قالتها متلهفة لينطق بجدية:
- أنا عارف إن الكلام ده مش وقته، بس أنا عاوز منك حاجة.
- حاجة إيه يا يوسف؟... نطقتها وانتظرت بتمعن، ليتابع هو بطريقة لينة:
- مش شايفة إن خطوة الحجاب جه وقتها؟
وتابع بابتسامة جذابة أذابت قلبها:
- مش إحنا كنا متفقين زمان إن أول ما نتجوز هتلبسي الحجاب؟
راوغته بحديثها:
- بس احنا لسه متجوزناش رسمي يا حضرة الظابط.
- بوسـي... قالها بحزم، لتطلق ضحكاتها وهي تقول:
- خلاص متبقاش قفوش كده.
وتابعت بنظرات حنون أربكته:
- عاوزني ألبسه إمتى؟
- الوقت قبل كمان شوية... وتابع تحت فراشات العشق التي حامت من حولها تأثرًا بطيب حديثه وروعة نظراته:
- مش عاوز حد يتمتع بجمال حبيبي غيري، كل حاجة فيكِ ملكي يا بوسي، وأنا راجل حر وغيرتي نار، مبحبش حد يشوف مفاتن مراتي.
ما كان منها سوى الانصياع وأسرعت بفك وثاق حزام الأمان لتقترب منه وتلقي برأسها على كتفه لتتنعم بدفء قربه، تنهد براحة وحاوط كتفها بذراعه ثم نظر أمامه ليتابع الطريق بصمت تام وسكينة شملت روحه.
ولج الأشقاء الثلاثة إلى شقيقتهم فوقف فؤاد وفريال وعصمت أيضًا التي تحدثت باحترام وتقديرًا للحظة:
- إحنا هنطلع نقعد بره مع الستات وانتوا خدوا راحتكم.
تحدث فؤاد إلى زوجته:
- أنا واقف بره يا إيثار.
أومأت له بهدوء، جاورها عزيز الفراش وتحدث وهو يحتوي كفها:
- شدي حيلك يا إيثار، الله يرحمها كانت بتحبك قوي، وهي بتطلع في الروح نطقت إسمك أخر حاجة.
نزلت دموعها وتحدثت:
- هي تعبت إمتى، وليه ما اتصلتوش بيا علشان أجي أشوفها؟
تحدث وجدي الجالس بجوارها على الطرف الآخر من الفراش:
- ولا تعبت ولا كان فيها أي حاجة، دي حتى كانت كويسة عن كل يوم، واتعشت معانا وشربنا الشاي، وكل واحد مننا طلع على شقته وفضلت معاها إيثار بنت عزيز علشان تبات معاها زي كل يوم.
وتابع متأثرًا:
- على الساعة اتنين بالليل لقينا البنت بتصرخ وتنده علينا، نزلنا نجري كلنا لقيناها تعبانة ومش قادرة تاخد نفسها، جريت أنا جبت الدكتور عبدالله، على ما وصلت كان السر الإلهي طلع لخالقه.
تابع عزيز على حديثه قائلًا:
- آخر حاجة قالتها خلوا بالكم من بعض وخلوا بالكم من إيثار.
فلتت دمعة من عينيه وهو يتابع متأثرًا:
- وخلوا إيثار تسامحني.
لم تستطع الثبات ودخلت بنوبة بكاء هيستيرية لينضم أيهم لجوارهم ويلتفوا جميعًا محتضنين شقيقتهم لتتعالى أصوات شهقاتهم وبكائهم الحار حزنًا وألمًا على فراق غاليتهم، يا الله، لا يوجد ألم بالعالم يوازي ألم رحيل الأم.
نطق وجدي وهو يتمسك بكف شقيقته بمؤازرة واحتواء:
- إحنا معاكِ وعمرنا ما هنسيبك، وده بيتك زي ما هو بيتنا بالظبط، تيجي فيه وتباتي زي ما كنتي بتباتي مع أمك بالظبط، والأوضة دي هتفضل مقفولة ليكِ زي ما هي.
تابعت بصوت متهدج من شدة البكاء:
- ابقوا اسألوا عليا يا وجدي، بلاش تحسسوني إني بقيت يتيمة الأب والأم.
نطق أيهم بحنو:
- أنا معاكِ على طول يا إيثار، واخواتك مش هيسيبوكي.
انفجرت بالبكاء ليزداد نحيبها، شاركها أشقائها البكاء وهم يحتوون بعضهم البعض وحال قلوبهم الحزن والألام.
تحرك فؤاد قبل غروب الشمس بزوجته إلى المقابر، بينما انتظرت فريال وعصمت في السيارة.
تحدثت عصمت وهي تتطلع على إيثار من بعيد:
"مسكينة إيثار، ربنا يصبر قلبها."
وتنهدت لتتابع بتأثر وهي تتذكر مشهد رحيل والدتها:
"مفيش أصعب من موت الأم."
ربتت فريال على كفها وتحدثت بنبرة غلب عليها الحنان:
"ربنا يبارك لي فيكِ يا ماما وتفضلي منورة حياتنا طول العمر."
ثم ألقت برأسها على كتف عصمت التي احتوتها بلف ذراعها حولها بعناية.
نطقت فريال بذهول:
"مش قادرة أتخيل إزاي واحدة زي إيثار كانت معاشرة ست بالحقارة دي."
نطقت عصمت بجدية:
"إيثار جذورها طيبة وأصيلة، علشان كده ربنا نجاها من بين أيديهم هي وابنها."
أما إيثار فجلست بجوار قبر أمها وانهارت وسالت دموعها كشلال وهي تقول:
"وحشتيني من الوقت يا ماما، هقدر على فراقك إزاي يا حبيبتي؟ الله يرحمك ويغفر لك ذنوبك ويجعلك من سكان الجنة يا ماما."
أمسكت حفنة من الرمال بقبضتها وتحدثت وهي تشدد عليها:
"أنا مسامحاكِ يا ماما، سامحتك على كل حاجة وأي حاجة حصلت زمان، يا ريت إنتِ كمان تكوني مسامحاني على أي تقصير مني في حقك، سامحيني وارتاحي يا حبيبتي."
جلس القرفصاء ليجاورها مربتًا على ظهرها بحنان واحتواء. أخرجت من حقيبتها كتاب الله "المصحف الشريف" وبدأت بتلاوة سورة "يس". ودعت أباها أيضًا بقراءة القرآن والدعاء له، ثم ألقت نظرة وداع عليهما قبل أن تتحرك بجوار زوجها. استقلت المقعد الأمامي بجوار فؤاد بينما عصمت وفريال بالكنبة الخلفية.
سألتها عصمت بحنو:
"إنتِ كويسة؟"
أطرقت برأسها ثم أسندتها للخلف وقاد فؤاد السيارة إلى أن وصل إلى كوبري الخروج من القرية. سالت دموعها بغزارة بعدما تذكرت ليلة خروجها من الكوبري ذاته وبصحبة الشخص ذاته "فؤاد" بعد وفاة والدها. علا صوت شهقاتها لتفك حزام الأمان وتهرول لأحضان زوجها لتحتمي بداخلها من الزمان والبشر. احتضنها وبات يهدهد فيها وأيضًا عصمت وفريال حيث بدأت كلاهما بالتربت على ظهرها بحنو علها تهدأ. باتت تلوم حظها العاثر وتتساءل بينها وبين حالها، لِما ارتبط وفاة كلٍ من والديها بذكرى بشعة سترافقها للأبد.
***
وصل يوسف إلى مسكنه ورافقته تلك التي أصرت على الحضور معه وعدم تركه لحاله في ظل عدم وجود زينة بالمسكن حيث ما زالت بمنزل عمها.
نطقت وهي تجاوره الدخول:
"ادخل خد شاور على ما أكلم المطعم وأطلب لنا غدا."
تحدث بهدوء وقد بدا عليه الإنهاك:
"اعملي حساب زينة معانا."
وتابع بتوصية:
"ومعلش تكلميها يا بوسي وقولي لها إني هبعت لها سواق تبعي يجيبها حالًا."
أطرقت رأسها للأسفل قائلة بحزن عميق:
"هو أنتَ مش حابب نقعد مع بعض يا يوسف؟"
اقترب ليحتوي وجنتيها ومن ثم قبل إحداهما وتحدث بنبرة حنون:
"ليه بتقولي كده يا حبيبي؟"
نطقت بيأس:
"تصرفك ملوش معنى غير كده."
نطق بإبانة:
"وجودك معايا هنا لوحدنا غلط يا بوسي، ولو دكتور ماجد عرف مش هيسكت وطبعًا عنده حق، وشكلي هيبقى بايخ قوي قدام جدي والعيلة كلها."
رفع ذقنها للأعلى يجبرها على النظر بعينيه ثم تحدث بنبرة حنون:
"ترضيها على حبيبك؟"
ابتسمت لتحرك رأسها بنفي، فما شعر بحاله سوى وهو يهبط على شفتيها مرتشقًا ليذوب معها بقبلة رقيقة ثم ابتعد عنها وهو يقول:
"اتصلي بزينة وأنا هكلم السواق يروح لها حالًا."
أومأت بطاعة وتحرك هو واختفى داخل غرفته ليأخذ حمامًا دافئًا علّه يزيل عنه عناء ومشقة اليوم.
رواية انا لها شمس الفصل السابع والسبعون 77 - بقلم روز امين
"أذناب الماضي" الجزء الثاني من أنا لها شمس
خرجت الفتاة تحت استغراب بيسان فتابع يوسف وهو يشير إلى حبيبته:
- باركي لـِ بوسي، هتتحجب خلاص.
ابتسمت الفتاة وتحدثت بسعادة ظهرت فوق ملامحها:
- مبروك يا بوسي.
أجابتها بسعادة نابعة من قلبها العاشق وهو يرى سعادة حبيبها لذاك القرار:
- الله يبارك فيكِ يا قلبي.
تابع يوسف وهو يشير لشقيقته:
- خدي بوسي جوه في أوضتك وخليها تختار حجاب من عندك علشان تلبسه وهي مروحة.
طالعته بدهشة فتحدث هو بملاطفة:
- مش اتفقنا ولا إيه؟
راوغته بالإجابة باعتراض لطيف:
- أوك، بس مش لازم يكون النهارده.
- حبيبي... قالها بهدوء وتابع مشيرًا إلى باب المسكن:
- ادخلي اختاري الحجاب علشان مش هتخرجي من الباب ده النهارده غير وأنتِ لابساه، ومن تدابير ربنا إنك لابسة بدلة محتشمة تنفع مع الحجاب.
ضيقت ما بين عينيها فاقترب عليها ومال بطوله ليتابع بهمس أربك كيانها:
- مش أنتِ قلتي من شوية ما بحبش حد يسكن حضن حبيبي غيري، أنا كمان بغير على حبيبي ومش عايز حد يستمتع بشعره غيري.
دارت فراشات الغرام من حولها لتشعر وكأن قلبها يرفرف من شدة سعادته، هرولت نحو الفتاة وتحدثت بنبرة حماسية:
- يلا يا زينة.
استمع إلى رنين جرس الباب فتحدث:
- ده أكيد الدليفري جاب الأكل، يلا بسرعة علشان نتغدى وألحق أروحك بدري يا بوسي.
بعد قليل خرجت من الغرفة مرتدية الحجاب ولأول مرة يراها به، يا الله كم زادها نورًا وحشمة وأظهر استدارة وجهها، تسمرت عيناه على وجهها وجمال ملامحها التي برزت مع تحديد الحجاب لها، أما هي فكانت تتطلع على نظراته المنبهرة ببالغ من السعادة، تاه كلاهما في أعين الآخر حتى أخرجهما صوت زينة التي تحدثت بفخر وهي تشير إلى زوجة شقيقها الجميلة:
- إيه رأيك في بوسي بالحجاب يا يوسف؟
- هايلة... قالها بانبهار وتابع وهو يقترب عليها:
- زي القمر يا حبيبي، مبروك.
ابتسمت وأجابته:
- الله يبارك فيك يا جو.
كان صوتها رائعًا جذبه للحد الذي جعله يغرق ببحر عيناها، تحمحم منتبهًا لحالته ووجود زينة فتحدث مشيرًا نحو الطاولة:
- يلا يا زينة افتحي الأكل ورصيه.
هرولت بيسان مع زينة وقاموا برص الأطعمة وبعد عدة دقائق كانوا يلتفون حول الطاولة يتناولون الطعام بهدوء، ترأس يوسف الطاولة ليجاوراه عزيزتا عينيه، سرح فيما حدث وكأنه عاد من عالم الأحلام مع حبيبته ليصطدم بأرض الواقع اللعين، تنهد بضيق ظهر بينًا فوق ملامحه وبدأ مضغه للطعام يبطأ نظرًا لتشتته، تطلعت زينة إلى تلك التي تقابلها الجلوس واستفسرت بعينيها عما يحدث لشقيقها، طالعتها الأخرى بنظرات عابسة، فقررت أن تسأله مباشرة:
- مالك يا يوسف؟!
تنفس بعمق حاول به ضبط النفس ثم أجابها بصوت طغى عليه الحزن:
- مفيش حاجة يا حبيبتي.
نظرت إلى بوسي وجدتها تطالعه والألم يسكن عينيها لأجله فنطقت بإصرار:
- هو أنا مش عارفاك يا يوسف، أنتِ وبوسي شكلكم مش طبيعي.
ثم ضيقت عينيها وتابعت بتفكير:
- وبعدين هو أنت جيت بدري إزاي، مش قلت إنك هتبات مع خالتي إيثار في البلد؟
أغمض عينيه في ألم ثم فتحهما من جديد وأجابها بأسى:
- البركة في جدتك.
طالعته بدهشة لتتطوع بيسان بقص ما حدث رأفةً بحبيبها وكي تعفيه الحرج، انفطر قلب زينة حزنًا على شقيقها وما عاناه مع تلك العائلة الملعونة، أمسكت كف شقيقها بمؤازرة ليبتسم لها للتخفيف عنها، بعد انتهائهم من الطعام بدل ثيابه سريعًا وتحدث لشقيقته:
- أنا هنزل أوصل بوسي وهرجع على طول، ساعة بالظبط وهرجعلك.
وتابع بسؤالها:
- مش عايزة حاجة أجيبها لك معايا وأنا جاي؟
- عايزة سلامتك يا يوسف... وتابعت من باب الحرص على راحة شقيقها:
- ما تتأخرش علشان تيجي تنام، شكلك مرهق قوي.
بعد قليل كانت تجاوره الجلوس بالسيارة، تنظر عليه بهيام وهو يقود متطلعًا أمامه بتركيز لتنطق بإعجاب:
- تعرف إني حابة علاقتك مع زينة قوي.
مطت شفتيها ثم تدللت متابعة:
- بس في نفس الوقت بغير منها.
ابتسم بخفة فتابعت بصوت ونظرات تقطران أنوثة:
- بيبي.
- قلبه... قالها وهو يطالعها بلهفة واشتياق لتتابع بجرعة أكثر من الدلال بعدما نجحت بسحبه من تلك الحالة المؤلمة:
- مش هتحضن حد تاني غيري، أنت وعدتني؟
بالفعل استطاعت سحبه من عالم الأحزان وتلك الأفكار الضبابية التي سيطرت عليه بفضل ما حدث، لم يعتنِ ولم يشغل باله بكل ما حدث بقدر ما أوجعه تصرف والدته، تبسم لها وتحدث مراوغًا:
- خلينا نتفق الأول.
- نتفق، بس على إيه؟!
رفع يده وقرص أنفها بخفة قائلًا بغمزة من عينيه:
- طول ما حبيبي بيسمع كلام حبيبه ويريحه، أنا هنفذ له كل اللي هو عايزه.
فراشات الغرام تراقصت من حولها تأثرًا بجاذبية حبيبها الفريدة وعشقه الظاهر بعيناه، نطقت هامسة بسحر والهيام يكاد يقفز من عينيها:
- أنا كلي ملكك، وأي حاجة هتقولي عليها هعملها لك على طول، بس أنت حبني يا يوسف.
- هو أنا مش بحبك يا حبيبي؟!... قالها مندهشًا لتجيبه بدلال:
- حبني أكتر، نفسي أحس معاك شعور إني المميزة عندك.
- طب ما أنتِ فعلًا مميزة قلبي... قالها بصدق وتابع بجدية وهو يتنقل ببصره بينها وبين متابعة الطريق:
- بصي يا حبيبي، أنا عايزك تكبري عقلك وتبصي لأحداث الفترة اللي فاتت بموضوعية علشان تقدري تتخطيها.
وتابع بإبانة:
- أنا عارف إنك بتحبي زينة جدًا، بس مش عاجبني إنك رابطة طلوعي من قصر الباشا وسكني مع زينة بإني فضلتها عليكِ واختارتها قصاد التخلي عنك، الموضوع ما بيتحسبش كده يا بوسي.
واسترسل بمسؤولية:
- زينة أختي اللي مالهاش غيري وكانت محتاجة لي، ولو ما كنتش أخدت الخطوة دي كانت هتضيع حرفيًا.
كانت تطالعه بحزن لمهاجمة أحداث تلك الفترة لعقلها، فتابع هو ناصحًا:
- لو حابة ترتاحي معايا ونعيش مبسوطين لازم تفرقي بين علاقتي بيكي كحبيبة وزوجة بلاقي معاها سكني وراحة قلبي، وما بين علاقتي بأمي وأختي اللي أنا مسؤول عنهم وعمري ما هتخلى في يوم من الأيام عن المسؤولية دي، حتى لو زينة اتجوزت، برضه هتفضل مسؤولة مني وهفضل أراعيها لآخر يوم في عمري.
بسط كفه يحتوي خاصتها وتابع باسترسال:
- لو فهمتي كده هترتاحي وتريحيني.
أخذت نفسًا عميقًا دل عن قمة راحتها وبكامل سعادتها رفعت كفه إلى موضع شفتيها ومالت تضع قُبلة عميقة داخله عبرت بها عن كامل الرضى عن حديثه إليها، رفعت عينيها تطالعه وهي تقول بنظرات الغرام ناطقة:
- أنا بحبك قوي يا يوسف، وعلشان خاطر عيونك أنا هعمل كل حاجة تريحك وترضيك، أهم حاجة إنك ما تبعدش عني تاني.
قالت جملتها الأخيرة بنظرات توسلية شقت بها قلبه لنصفين ليسرع بالرد متلهفًا:
- أنا عمري ما بعدت أولاني علشان أبعد تاني.
أشار لها وعلى الفور فكت حزام الأمان وهرولت ترتمي بأحضانه للتنعم بدفئه ورائحته المسكرة لعقلها، بات يمسح على ظهرها بحنان كي تصل لمرحلة السلام النفسي تحت راحة قلبه عليها.
وصل بها أمام المنزل وترجل ليفتح لها الباب، تشابكت يداهما ليدخل مجاورًا لها، وجد ماجد ووالديه يجلسان في حديقة المنزل بانتظار وصول إيثار والجميع، ألقى عليهم تحية السلام وبعد المصافحة تحدث ماجد مستفسرًا:
- أنتم كنتوا فين كل ده، أنا كلمت ماما وقالت لي إنها بعتتك مع يوسف من بدري؟
نطق سريعًا قبل تهور تلك الحبيبة وإبلاغه بالحقيقة:
- أنا وبوسي دخلنا مطعم اتغدينا فيه.
نطقت نوال بعتاب للشاب:
- مش عيب يا حضرة الظابط تتغدوا بره وأنت جاي على بيت خطيبتك؟!
- معلش يا تيتا، أصلي تعبان من السفر واليوم كان طويل، قلت نتغدى وأوصلها وأرجع البيت على طول علشان ألحق أنام.
تطلعت على الجميع ثم سألتهم بابتسامة هادئة:
- محدش هيقول لي مبروك؟
قطب ماجد جبينه وهو يطالعها بعدم إدراك لجملتها فابتسمت وهي تشير على غطاء الشعر "الحجاب" الموضوع على رأسها ليسألها ماجد باستغراب:
- إيه اللي أنتِ لابساه ده؟!
نطقت بحماس زائد وفخر:
- أنا اتحجبت يا بابي.
نطقت نوال وهي تطالعها بتمعن:
- ده أنا كل ده فاكراكِ لابساه علشان العزا؟!
- وإيه اللي طلعها في دماغك مرة واحدة كده؟! ... قالها ماجد بجدية متعجبًا ليجيبه يوسف نيابةً عن زوجته:
- أنا اللي طلبت منها تلبسه يا دكتور.
ضيق بين عينيه وتحدث وهو يشمله بنظرات ترقبية:
- مش بدري شوية على التحكمات دي يا يوسف، اصبر على الأقل لما تبقى في بيتك؟!
تطوع عليوة بالرد عن الشاب:
- هي طاعة ربنا والهداية ليها مواعيد يا ماجد؟!
وتابع وهو يهنيء الشاب:
- برافو عليك يا حضرة الظابط، طلعت راجل وعليت في نظري يا ابني.
- متشكر يا جدو...
قالها مبتسمًا ليتابع الرجل بملاطفة حفيدته:
- مبروك يا حبيبتي، شكلك زي القمر في الحجاب.
أكدت نوال على حديثه تحت عدم ارتياح ماجد لاستحواذ الشاب على عقل ابنته:
- جدك عنده حق يا بيسان، وشك منور في الحجاب ومخليكي زي القمر.
- ميرسي يا نانا.
نطق ماجد بجدية في محاولة لتغيير الموضوع:
- على فكره يا يوسف، أنا كنت جاهز أنا وبابا وماما ورايحين العزا.
وتابع بإبانة:
- اتصلت بعمتك فريال علشان تبعت لي اللوكيشن قالت لي إنهم شوية وهيتحركوا علشان مامتك تعبت.
تحدث عليوة معتذرًا عن عدم حضورهما باكرًا:
- والله يا ابني ما أخرنا على الواجب غير سفر جدتك نوال عند أختها الفيوم، أختها كانت تعبانة وهي سافرت تشوفها وليها يومين عندها.
أضافت على حديثه نوال مبررة:
- أنا أول ما عمك ماجد كلمني وقال لي الخبر، أخدت أول قطر مكيف ونزلت على القاهرة على طول، وسيبت أختي وهي لسة تعبانة علشان أجي أقف مع مامتك في حزنها.
نطق يوسف برسمية:
- تسلمي يا تيتا، كلك واجب.
- واجب إيه بس يا حبيبي، إحنا خلاص بقينا أهل وحزنكم حزننا... وتابعت بنفاق وزيف:
- ربنا وحده اللي يعلم غلاوة أمك في قلبي عاملة إزاي، ومش علشان بقينا نسايب، أنا طول عمري أقول عليها ست محترمة وبنت أصول.
وأشارت إلى زوجها المصدوم:
- حتى اسأل جدك عليوة كنت بقول له إيه عليها.
- طبعًا، طبعًا... قالها عليوة وهو يحرك رأسه متعجبًا حال زوجته، بينما رد يوسف بهدوء يعود لطبيعته:
- تسلمي يا تيتا، ربنا يبارك في حضرتك.
استرسل مستأذنًا:
- أستأذن حضراتكم.
سأله ماجد بجدية:
- طب استنى لما مامتك تيجي ونروح معانا عند الباشا؟
خشي من تجاهل تلك الغاضبة له والتقليل من شأنه أمام أهل زوجته فنطق متعللًا:
- مش هينفع يا دكتور، أنا حرفيًا فاصل ومحتاج أنام.
تفهم الوضع فتمسكت تلك الصغيرة بكفه وتحدثت وهي تميل برأسها:
- طب اشرب فنجان قهوة الأول.
- القهوة هتفوقني وأنا عاوز أنام.
وتابع بإرهاق بدى عليه:
- عاوزة حاجة؟
- سلامتك، لما توصل البيت إبقى طمني عليك... قالتها بأعين تقطر حنانًا واهتمام فابتسم لها وانسحب بعد الاستئذان من الجميع، وما إن اختفى طيفه خارج البوابة حتى نطقت نوال باستجواب للفتاة:
- إلا قولي لي يا بيسان، هو فيه حاجة حصلت في العزا؟!
مطت شفتيها وسألتها باستغراب:
- حاجة زي إيه يا نانا؟!
نطقت وهي ترفع حاجبيها بتفكر:
- أي حاجة غريبة، ما هو مش معقول واحدة تسيب عزا أمها اللي ما كملتش فيه كام ساعة، وترجع على بيتها كده من غير سبب؟!
هتف عليوة مؤنبًا زوجته على فضولها القاتل:
- ما لناش دعوة يا نوال، سيبي الناس في حالها.
- هو أنا قولت حاجة... قالتها بسخط وتابعت بحدة وهي تتطلع على الفتاة:
- ما تنطقي يا بيسان، هو أنا هاشحت منك الكلام؟!
- هقول لك إيه يا تيتا إذا كان ما فيش أي حاجة حصلت أصلاً... وتابعت مستأذنة:
- بعد إذنكم، أنا طالعة آخد شاور وأنام، تصبحوا على خير.
- اطلعي يا حبيبتي ارتاحي... قالها ماجد لتهتف نوال بحنق وهي تتابع انصراف الفتاة:
- طول عمرك لئيمة وولائك لأهل أمك مش لينا.
دافع ماجد عن ابنته:
- هي مين دي اللي لئيمة يا ماما، وبعدين حضرتك شاغلة دماغك ليه قوي كده بالموضوع، إحنا مالنا باللي يرجع واللي يقعد، إحنا لينا واجب نعمله سواء هناك أو هنا وخلصنا.
نطق عليوة منضمًا لرأي نجله:
- قولها يا ابني، حكم أنا تعبت من كتر القوالة.
هتفت باحتدام:
- خلاص، اتفقت عليا مع أبوك، هأخرص خالص علشان أريحكم.
وتابعت وهي تتطلع بساعة يدها بحدة وغضب:
- هي اتأخرت كده ليه البرنسيسة دي كمان.
دق عليوة على كفيه بيأس من تصرفات تلك المرأة ذات الطباع السيئة.
أما بالخارج فور خروج يوسف من البوابة الحديدية وجد شقيقاه التوأم يهرولان عليه تحت التفات الحراسة المشددة من حولهما، لتسأله تاج بنبرة لاهثة:
- فين مامي يا چو؟
أجابها بهدوء:
- جاية في الطريق مع بابي.
هتفت من جديد بانزعاج:
- طب هي كويسة؟
ملس فوق شعرها بحنو وأجابها:
- الحمد لله يا حبيبتي.
سأله الفتى متعجبًا:
- أنت سبت مامي وجيت لوحدك ليه يا يوسف؟
أجابه متنهدًا:
- عمتك اللي طلبت مني أجيب بوسي بدري علشان باباها ما يزعلش يا زين.
أومأ له بتفهم فاحتواهما بأحضانه وسأل الفتى:
- فين أخوكم؟
نطق زين:
- قاعد مع جدو في الجنينة، جدو ما سابهوش لحظة من ساعة ما مامي مشيت، لأنه كان منهار ومش مبطل عياط من وقت ما شاف مامي بتعيط.
تنهد بأسى لحال شقيقه فسألته تاج:
- مش هتيجي تشوفه وتسلم على جدو؟
نطق متحججًا:
- مش هينفع يا حبيبتي أنا تعبان وفاصل، هاروح أنام وهاجي بكرة أقضيه معاكم إن شاء الله.
- بجد يا چو؟... قالها الفتى بسعادة ليؤكد عليه الشاب وتابع متحدثًا:
- يلا روحوا وخليكم جنب مالك لحد بابا ما ييجي.
وافقاه وتحركا بجوار رجال الحراسة تحت نظراته المشيعة لهما حتى ولجا لباب القصر واطمئن عليهما وبعدها استقل سيارته وانطلق بقلب ينشطر حسرة جراء ما حدث.
داخل منزل علام زين الدين.
وصل فؤاد وتحرك ساندًا زوجته المنهارة، وما إن ولجت داخل المنزل حتى هرولت عليها عزة تحتضنها وهي تقول بألم يشطر قلبها لأجل تلك الابنة الغالية:
- قلبي عندك يا بنتي، شدي حيلك وادعي لها بالرحمة.
ارتمت داخل أحضان عزة وانسابت دموعها بغزارة، لتربت الأخرى عليها بحنو، وتحدثت بحدة بعدما علمت ما حدث في العزاء من "نوارة" التي أخبرتها بجميع التفاصيل وأصغرها كما المعتاد:
- كان نفسي أكون معاكِ علشان أعرف الحرباية اللي اسمها إجلال دي مقامها وأوقفها عند حدها.
وتابعت مبررة بصدق:
- بس انتِ عارفة، أنا مبأمنش على عيالك مع حد وخصوصًا إن الدكتورة هي كمان مش موجودة.
حركت رأسها بأسى، هرول عليها أطفالها الثلاث لينطق مالك متأثرًا وهو يقف عند قدميها:
- اتأخرتي ليه يا مامي، أنا كنت خايف عليكِ قوي.
حمله فؤاد وتأثر بهيئة الصغير وحزنه البادي عليه، قبل وجنته وتحدث وهو يملس على شعره بحنان:
- مامي كويسة يا مالك، متخافش يا حبيبي.
بسط الصغير كفه ليحتوي وجنة والدته المحتضنة شقيقاه حيث ارتمى كلاهما داخل أحضانها كي يؤازراها ويطمئنا خوفهما عليها، تبسمت لصغيرها واقتربت عليه تحتضنه وما زال فؤاد يحمله بعناية، ابتسم لها وهو يقول:
- انتِ وحشتيني قوي يا مامي.
قابلت حديث أطفالها بصمت، وحدها الدموع هي من تعبر عن حالها.
احتضنت عصمت تاج التي كانت تبكي تأثرًا بحال والدتها ثم سألت عزة:
- الباشا فين يا عزة؟
أجابتها بحماس بعدما تذكرت:
- قاعد في الليفنج ومعاه دكتور ماجد والأستاذ عليوة ومدام نوال، قاعدين مع الباشا جوة مستنيينكم.
تحدثت فريال وهي تحتوي كتف زوجة شقيقها:
- تعالي سلمي عليهم واقعدي خمس دقايق بس وبعدها اطلعي ارتاحي.
حركت رأسها وتحدث فؤاد وهو يحتويها بين أحضانه:
- تعالي يا حبيبي.
ولجت بجوار زوجها ليقف ماجد ووالديه حيث أقبلت عليها نوال تحتضنها وتربت على ظهرها وهي تقول:
- البقاء لله يا حبيبتي.
- لا إله إلا الله.
وقف أمامها عليوة وتحدث واضعًا كفاه بجواره باحترام:
- البقاء لله يا بنتي، الله يرحم والدتك ويغفر لها ويسكنها الفردوس الأعلى اللهم آمين.
نطقت بصوت واهن وهي تستند بكف زوجها:
- الدوام لله، متشكرة يا أستاذ عليوة.
نطق أيضًا ماجد بنبرة جادة من باب تأدية الواجب لا غير:
- البقاء لله يا مدام إيثار.
- لا إله إلا الله.
استند ذاك الحنون على عصاه ليفتح ذراعيه لاستقبال تلك الابنة الغالية التي تحركت إليه وارتمت داخل أحضانه لتشرع في بكاء مرير تأثرًا بحنان ذاك الأب الروحي الذي نطق متأثرًا:
- الله يرحم ماما ويبارك في عمرك يا بنتي.
خرجت من بين أحضانه لتميل على كفه تضع قبلة احترام وتقدير وامتنان لذاك الحنون، أسندها فؤاد لتجلس وجلس الجميع فتحدثت نوال باعتذار:
- إحنا والله كنا جايين لك حتى اسألي فريال.
نطقت عصمت بتفهم:
- فريال قالت لنا على اللي حصل يا مدام نوال، أنتوا أولاد أصول وطول عمركم معانا.
أومأت لها بينما نطق فؤاد بحرص على صحة حبيبته وراحتها الجسدية والنفسية معًا:
- بعد إذنكم يا جماعة، إيثار تعبانة جدًا والدكتور قال إنها لازم ترتاح.
وتابع معتذرًا وهو يساعدها على الوقوف:
- أنتوا مش أغراب طبعًا.
نطق عليوة متفهمًا للأمر:
- اتصرف براحتك واعتبرنا مش موجودين يا سيادة المستشار، إحنا أهل ومفيش بينا أعذار.
شكره فؤاد وتحرك بجوار زوجته ضاربًا بالتقاليد عرض الحائط مقابل صحة خليلة الروح، قابلته عزة التي أسندتها بجواره إلى أن وصلت لغرفتها، نطق فؤاد بهدوء:
- جهزي الحمام لإيثار علشان تاخد شاور يا عزة.
تحدثت وهي تخرج لها ثيابًا من الخزانة:
- انزل أنتَ يا باشا للضيوف وأنا هخليني معاها.
نطق بنبرة حاسمة لا تقبل النقاش:
- جهزي الحمام وانزلي عشي الولاد، وبعدها جهزي عشا خفيف لإيثار وهاتيه هنا.
أشارت بكفها ثم همست بنبرة واهنة:
- مش هقدر آكل حاجة.
- اعملي اللي قولت لك عليه يا عزة... قالها بتصميم، وتابع وهو يشمل تلك الجميلة بنظرة عشق:
- واعملي حسابي في الأكل علشان هاكل هنا مع حبيبي.
احتوت عزة كفًا بالآخر ثم هتفت بابتسامة سعيدة:
- تصدقي بالله، أنتِ الحاجة منيرة ماتت وهي بتدعي لك.
خرجت عزة بعدما ملأت حوض الاستحمام بالماء الدافئ والصابون ذو الرائحة العطرة، ساعدها بخلع ثيابها وأنزلها بالحوض ثم غمر جسدها تحت الماء، بدأ يغسل لها شعرها وجسدها بعناية وحنان جعلها تدخل في حالة عالية من الاسترخاء والراحة النفسية، غسل جسدها بالماء النظيف وساعدها بارتداء الملابس ثم دثرها تحت الغطاء بعدما مشط لها شعر رأسها، دللها للحد الذي جعلها تشعر بأنها ابنته وليست زوجته، أحضرت عزة الطعام وجلس يطعمها بيديه، نطقت بصوت متأثر وهي تبتعد بفمها:
- كفاية يا فؤاد، مش قادرة آكل ثاني.
- أنتِ مأكلتيش حاجة أصلاً، ومتنسيش إنك بتاخدي أدوية يعني لازم تاكلي كويس.
استمعا لخبطات فوق الباب وما إن سمح فؤاد للطارق بالدخول فتح الباب وولج أطفالهم الثلاث، هرول الصغير وبلمح البصر كان يقطن أحضان والدته التي احتوته وشددت من احتضانها، أغمضت عينيها لتشتم رائحة عنقه مما حسن من حالتها المزاجية، جاورتها تاج التي رمت رأسها فوق كتفها وتحدثت باشتياق وحنين:
- وحشتينا قوي يا مامي، البيت كان وحش قوي من غيرك.
- هي لحقت تبعد يا أوفر... قالها فؤاد ليدخل الصغير في حالة من الضحك تحت ابتسامة الفتاة من مداعبة والدها، وقف فؤاد وتحدث لذاك المحترم الواقف بعيدًا:
- تعالى يا حبيبي اقعد جنب ماما.
شكره زين وجاور والدته التي احتوته وقبلت رأسه فتحدث الفتى كرجل كبير:
- البقاء لله يا مامي، حاولي تتجاوزي اللي حصل وبلاش دايرة الحزن تسحبك جواها، ادعي لتيتا كتير وفكري تعملي لها صدقة جارية تفيدها.
تنفست بفخر وهي تستمع لصغيرها العاقل، لطالما شعرت برجاحة عقله وتفكيره السابق لسنوات عمره وهي تتحدث معه، ملست فوق شعره وهي تقول:
- حاضر يا زين.
نطق فؤاد وهو ينظر إلى شاشة الهاتف على اسم ذاك الذي يهاتفه للمرة العاشرة على التوالي:
- خليكوا جنب مامي وأنا هرد على التليفون ده وراجع على طول.
نطق الصغير بعبوس وأسى وهو يملس على خد والدته:
- مامي، هي نانا منيرة راحت عند ربنا ومش هترجع ثاني زي القط مشموش؟!
وتابع بحزن بدى على ملامحه البريئة:
- مشموش بيوحشني قوي وكتير ببقى نفسي أشوفه وألعب معاه، وكنت فاكر إنه هيظهر بعد وقت، بس مش ظهر، وزوزة قالت لي إن اللي بيروح عند ربنا كده خلاص.
وتابع بألم:
- هي نانا كمان مش هتظهر ثاني خلاص؟!
تألمت لحديث الصغير لتنهره تاج بنظرات تحذيرية:
- مالك، مامي تعبانة ومش هتقدر تتحمل كلامك السخيف ده.
نطق بحدة وهو يرمقها بغضب حاد على إخراجه من تلك الحالة وعدم احترامها لمشاعره:
- بس يا نجرسية.
برغم ما بها من حزن عميق واقتحام مشاعر الفقد والألم لقلبها إلا أن ذاك المشاغب نجح بدخولها في نوبة من الضحك مع زين بينما سألته تاج وهي تشمله بازدراء:
- نجرسية؟! أنتَ بتقول إيه يا سخيف أنتَ؟!
حاولت إيثار إخفاء ضحكتها بينما هتف الصغير وما زال الغضب يعتريه من تلك التي لم تحترم تعبيره عن مشاعره تجاه فقدان قطته وجدته أيضًا:
-بقول إنك نجرسية زي ما قال زين عنك، يعني مش بتحسي بالناس والمشاعر اللي عندهم ومش بتحبي غير نفسك وبس.
تطلع على شقيقه وتابع مستشهدًا به:
-صح يا زين، مش أنتَ قولت لي كده عنها لما كنت بقول لك إنها مش زعلت على مشموش، صح؟
عدّل الفتى من وضعية نظارته الطبية وشعر بالحرج وهو يصحح لشقيقه:
-اسمها نرجسية يا مالك، مش نجرسية، وبعدين أنا قولت لك إن فيها صفات تندرج تحت صفات الشخصية النرجسية، لكن مش معنى كلامي إن "تاج" شخصية نرجسية، هي يمكن تكون شخصية أنانية.
هتفت بانزعاج، بدى واضحًا فوق ملامحها وقد اغرورقت عينيها بالدموع:
-والله يا زين لأقول لبابي إنك بتقعد مع مالك تتنمروا عليّ وتشككوا في شخصيتي.
خرجت والدتهم عن صمتها حين انفلت زمام الأمور بين أبنائها وتحدثت وهي تحتوي وجنة الفتاة:
-أخوكِ أكيد ما يقصدش المعنى اللي وصل لك يا حبيبتي.
وتابعت وهي تتطلع على الفتى:
-اعتذر لأختك حالًا يا زين، وتاني مرة ما تتكلمش عنها مع أي حد، وخصوصًا مالك.
شعر الفتى بالإحراج وتحدث وهو يحتوي كف شقيقته التوأم:
-سوري يا تاج، صدقيني ما كنتش أقصد أي إهانة، ده كان مجرد تحليل لموقف معين.
وتابع متوعدًا:
-آخر مرة.
تفهمت الموقف فهمست إيثار بأذن صغيرها القاطن بأحضانها فتحدث معتذرًا هو الآخر:
-أنا كمان سوري يا "تاج".
وتابع مشترطًا بإشارة من سبابته بما جعل ابتسامة إيثار ترتسم فوق ثغرها من جديد:
-بس مش وعد إني هبطل أضايقك، الأول أنتِ تبطلي ترخمي عليّ وأنا بعدها أبطل.
فتحت ذراعيها لتحتوي ثلاثتهم وتضمهم تحت ارتياح قلبها وسعادة الصغار.
______________
أما فؤاد فكان يتحرك داخل الممر المؤدي للغرف وهو يتحدث لذاك القلق على والدته:
-والله يا ابني كويسة، ارتاح أنتَ بس ونام.
سأله يوسف باستماتة:
-طب حضرتك هتوضح لها اللي حصل النهارده، صح؟
نطق يجيبه باعتراض:
-يا حبيبي توضيح إيه اللي هوضحه النهارده، أمك مش قادرة تفتح عينيها من التعب يا يوسف.
تحدث بإصرار:
-خلاص هاجي بكرة ونتكلم معاها أنا وأنت.
تنفس يستدعي هدوئه ثم أجاب شارحًا الوضع:
-طب اسمعني وفكر في كلامي بالعقل، إيثار مش هتعدي الموضوع بسهولة وأنتَ عارف كده كويس، المشكلة إن الموضوع جاي مع وفاة جدتك، وأمك نفسيتها وحشة جدًا ومحتاجة تحس بالاحتواء من الكل.
وتابع بعقلانية:
-تخيل بقى في عز حزنها ده وتعرف كمان إني كنت عارف ومخبي عليها، ساعتها مش هتفسر موقفي على إنه خوف واحترام لمشاعرها، بالعكس ده شيطانها هيصور لها إني تعاملت بلامبالاة وإن مش فارق معايا إذا كنت بتتعامل مع الناس اللي أذوها بشكل طبيعي ولا لأ، وده هيعمل فجوة بينا وهيخليها تبعد وتتجنب وجودي.
وتابع بحزم وإصرار:
-وده اللي مستحيل أسمح بإنه يحصل، على الأقل في الوقت الحالي وفي عز حاجتها لوجودي جنبها.
أخذ نفسًا عميقًا وتفهم موقف فؤاد لكن بالوقت ذاته لا يستطيع تجاهل حزن والدته منه وتحمل تلك المشاعر، يريد الاعتذار منها والرجوع للوقوف معها ومؤازرتها في ذاك الوقت الحرج من حياتها، نطق متسائلًا باستسلام:
-طب حضرتك شايف الوقت المناسب امتى؟
احتد عليه فؤاد في الحديث:
-مالك يلا فيه إيه، أنتَ عمرك ما كنت زنان بالطريقة دي؟!
نطق بنبرة حادة متأثرة:
-فيه إن أمي مجروحة وحزينة على فراق جدتي وبدل ما أخفف عنها وأواسيها بقيت سبب إضافي لوجع قلبها.
وتابع بلوم:
-وحضرتك لا حاسس بيّ ولا بالوجع اللي أنا فيه.
زفر بقوة لطرد تلك المشاعر السلبية وأجابه بصدق:
-والله يا ابني حاسس ومقدر اللي أنتَ فيه كويس، بس فيه الأهم فالمهم يا يوسف، والأهم حاليًا هي مشاعر إيثار وإننا نحاول نسيطر على تعبها النفسي ونخفف عنها مصيبة موت أمها، والمهم إننا نبرئك قدامها وده لو اتأجل يومين تلاتة الدنيا مش هتخرب يعني.
تفهم الفتى الوضع وأغلق الهاتف ليعود فؤاد إلى زوجته وأنجاله يجلس معهم لعدة دقائق معدودة ثم طلب أن ينسحب كلٌ منهم إلى غرفته ليأخذ هو حبيبته ويتسطحا لتغفو سريعًا داخل أحضانه في نومٍ مليءٍ بالكوابيس التي باتت تهاجمها طيلة الليل جراء فقدانها لوالدتها العزيزة.
بعد يومين داخل قرية آل "ناصف"
بالتحديد داخل منزل نصر البنهاوي، تتوسط إجلال الجلوس بأريكتها يجاورها شيطانا الإنس التي أنجبتهما ليعيثا في الأرض فسادًا وما تركا ذنبًا صغيرًا كان أو كبيرًا إلا وفعلًا دون الشعور بالذنب، كانوا يتناولون مشروب الشاي الساخن فسألهما طلعت بريبة:
-أنتَ متأكد من نتيجة التحاليل بتاعت أزهار يا عمرو ولا هتكسفنا مع أهل البلد وتخلي خالك محمد يقلب علينا ويخربها فوق دماغنا؟
ارتشف بعض الشاي ثم تحدث بثقة عمياء:
-متأكد زي ما أنا متأكد إني شايفك قدامي الوقت.
سأله من جديد:
-طب الصيدلي أكد لك إن حقن الفيتامين الملوثة بالإيدز دي هتشتغل معاها على طول ولا يكونش لسه ما ظهرش في دمها؟
هتفت إجلال بتقريع لنجلها البكري:
-ما توجعش دماغنا بقى بأسئلتك الهبلة دي يا سي طلعت.
وتابعت ساخرة:
-شكل قاعدتك الكتيرة في حضن بنت الثمانية عشر سنة نضحت عليك وخلت عقلك صغر زي عقلها.
عبست ملامحه فتحدث عمرو منتشلًا شقيقه من دوامة ذاك الشعور بالحَنَق من والدته بسبب أسلوبها الساخر منه:
-طلعت من حقه يطمن بردوا يا ماما.
وتابع بزهو لطمأنة شقيقه:
-اطمن يا طلعت، أخوك ما سابش ثغرة واحدة تعدي من تحت إيده، بعد ما الدكتور حقن أزهار بثلاث حقن ملوثين بدم من مريض إيدز، روحت لدكتور المعمل بتاع التحاليل، وزي ما اشتريت الصيدلي اشتريت الدكتور وقولت له إني شاكك في واحدة قريبتنا عندها الإيدز بسبب مشيها البطال، وهي زبونة عندك هنا، اترعب وسألني على اسمها فقولت له عليه وأكد لي إنها فعلًا بتيجي تحلل عنده باستمرار، فطلبت منه يعمل لها تحليل للإيدز ولو اتأكد يقول إن هو اللي قالنا أنا وأمك ويحكي القصة اللي بلغت بيها خالك وباقي أهل البلد.
سأله طلعت مستفسرًا:
-طب هو وافق على كده؟
-الفلوس بتلين الحديد يا طلعت... قالها بابتسامة شر وتابع بملامح وجه حادة:
-بس طلع حقير وطمع لما شك إن الموضوع ممكن يبقى وراه مصلحة كبيرة ليّ، طلب نص مليون جنيه بحاله.
اتسعت أعين طلعت ونطق بذهول:
-يا نهار أبوه أسود، نص مليون جنيه؟!
هتفت إجلال بحنق وشر:
-مش خسارة في فضيحة الملعونة اللي غدرت بأبوكم.
وتابعت بارتياح:
-أخيرًا روح الحاج نصر هترتاح في تربتها.
واسترسلت وهي تربت على فخد نجلها بفخر وزهو:
-تسلم دماغك اللي خططت ولا الشياطين يا عمرو، أنا كنت عارفة إن نصرتي هتكون على ايديك.
طالعها طلعت باستياء، ليقطع حديثهم دخول زوجة طلعت وهي تقول بتلبك خشية من بطش تلك المتجبرة "إجلال":
-حفيد الحاج محمد جه وبيبلغك يا ستهم إنه مستنيكي أنتِ وسي عمرو وسي طلعت في بيته بعد صلاة العصر.
ابتسامة نصر ظهرت على ثغر عمرو الذي تحدث بنبرة جادة:
-يبقى كده نتيجة التحاليل وصلت لهم.
هتفت إجلال موبخة الفتاة:
-واقفة بتعملي إيه عندك يلي تنشكي، غوري يلا على المطبخ كملي الغدا.
نظرت إلى زوجها تستعين به فسحب عنها عينيه فتنهدت بيأس وانسحبت تجر أذيال خيبتها بزوجها. اقتحم حسين الغرفة وهو يقول بلا مقدمات:
-لسه قدامكم فرصة تراجعوا نفسكم وتنأوا بروحكم من نار جهنم.
اتسعت أعين الجميع في حين هتفت إجلال بحدة وسخط بالغين:
-أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، هما بيطلعوا إمتى دول.
بينما نطق طلعت متهكمًا:
-يخي طب ارمي السلام الأول بدل ما أنتَ داخل هجم علينا كده.
ظهرت شياطين الإنس والجن على ملامحه مما حدث وافترائهم على السيدة أزهار في يوم عزاء منيرة، فقد حضر تلك الفضيحة وعاد مع والدته وشقيقاه وبات ينصحهما في الله بلا فائدة، فعاد مع زوجته إلى القاهرة وحضر اليوم في محاولة أخيرة بالنصح وحثهم على التراجع قبل فوات الأوان. تحدث وهو ينظر بأعين عمرو:
-قول الحقيقة ونجي نفسك يا عمرو، أنتَ مش واعي أنتَ بتعمل في روحك إيه؟ قذف المحصنات من أعظم الكبائر وعقابه عند الله بيكون دنيا وآخرة.
ابتلع ريقه بصعوبة وهو يلتفت مواجهًا عيناي شقيقه بافتراء وقلب كالحجارة وأشد قسوة:
-الكلام ده للي بيفتري يا شيخ حسين، لكن أنا الحمد لله مفتريتش على حد، بالعكس أنا بنور أهل البلد وبجنبهم مصيبة كانت هتودي البلد كلها في داهية.
هتف حسين في محاولة لإيقاظ ضمائرهم:
-يا أخي اتقي الله، خالتك أزهار دي نعرفها من لما كنا عيال، وياما دخلنا عندها وكلنا عيش وملح في بيتها.
وصرخ بجنون:
-دي ولية عدت الخمسة وستين سنة يا ناس، قولوا كلام يتعقل.
نطقت إجلال بتجبر وعدم خوف من الله:
-هو حد قالك إنها ماشية في البطال الوقت، الكلام ده من أيام المرحوم أبوك.
وأشاحت بكفها وهي تتهرب بعينيها:
-يعني عدى عليه ييجي خمستاشر سنة، ويا عالم يمكن لسه مكملة.
وتابعت بسخط ظهر بحدة عينيها وصوتها الغاضب:
-اللي ما شوفتك محموق الحمقة دي لما المدعوقة أزهار قتلت أبوك وخلت سيرتنا على كل لسان، جاي تتحمق وإحنا بناخد بتاره؟!
أجابها بألم:
-أنا محموق من خوفي عليكم يا أما، حرام تظلموا إنسانة بالزور، طب فكروا في عيالها الرجالة، هيمشوا في البلد إزاي وبأي عين هيبصوا في وش الناس؟!
-تتحرق هي وعيالها... قالتها إجلال ليكمل طلعت على حديث والدته بحقد وضغينة:
-وإحنا كان ذنبنا إيه لما اطردنا طردة الكلاب من بلدنا واتحرمنا من خيرنا وعيشنا في الغربة شحاتين مش لاقيين حتى اللقمة؟!
اتسعت عينيه باندهاش وتحدث:
-يعني هترد الظلم بظلم أكبر يا طلعت؟!
نطق عمرو بنبرة مليئة بالقسوة:
-خرج نفسك من الموضوع ده يا حسين وخليك بعيد زي ما أنت، ولعلمك، كل واحد ظلمنا وجه على أمك وعلينا دوره جاي في الحساب، واللي حصل ده مش بس فضيحة لأزهار وعيالها.
ليتابع والشر تملك من عيناه:
-ده فضيحة لكل عيلة ناصف قدام البلد كلها، ولسه، التقيل جاي ورا.
اتسعت عينيه وهو يتطلع على ملامح والدته السعيدة وهي تناظر نجلها بزهو وفخر وسألها بذهول:
-إزاي رضيتي الفضيحة على عيلتك يا أما؟!
ردت بجحود دب الرعب في قلب حسين:
-عيلتي أول ناس جم عليا أنا وعيالي، وأنا قلبي أسود ومينساش القسية أبدًا.
طالع جميعهم بنظرات مذهولة غير مستوعبة لما يراه ويستمع إليه، وكأن الشيطان تلبس عقولهم ووضع الله على قلوبهم غشاوة. تركهم وذهب إلى منزل خاله بعدما وجد الجدال غير مجدٍ لتلك القلوب المليئة بالحقد والضغينة.
عصرًا بمنزل الحاج محمد
ظهرت نتيجة التحاليل وأظهرت صحة حديث إجلال لتصرخ أزهار بصوت اهتزت له أركان الحجرة بأكملها:
-أنا بريئة يا ناس، والله العظيم ما فيه ظفر راجل لمس طرف جلبيتي.
التفتت إلى تلك الحقيرة وتابعت:
-ردي وبرأيني يا إجلال، خافي ربنا أنتِ وعيالك.
نطقت بطغي واستخفاف من عقاب الله:
-أبرأك إزاي وإذا كان ربنا اللي كشف سترك وفضح مشيك البطال بالمرض، بذنب اللي عملتيه في الحاج نصر، الراجل الشريف العفيف اللي سترك وغطى عليكِ وأنتِ نكرتي معروفه وقتلتيه لأجل ما تخبي على مشيك العوج.
جميع من بالغرفة يطأطأون رؤوسهم أرضًا خزيًا وعارًا بعدما قرأ عليهم أخصائي التحاليل نتيجة التأكيد وسرد عليهم ما حدث، وعندما سأله الحاج محمد مشككًا في روايته عن عدم إخبار نجلها أجاب أنه كان محرجًا وتحدث إلى عمرو والسيدة إجلال لمعرفته صلة القرابة ولرفع الحرج عنه في إخبار نجلها بحقيقة مرض والدته المخزي.
صرخت أزهار وهي تتطلع إلى شريفة زوجة السيد محمد:
-دافعي عني يا شريفة، ده إحنا كنا أكتر من الأخوات.
نزلت دموع السيدة ونظرت أرضًا، فتابعت صراخها وعقلها يكاد أن يذهب ويتركها:
-ساكت ليه يا حاج محمد، إوعاك تكون صدقت ظلم أختك وولادها ليا؟!
هرولت على كتاب الله الموضوع فوق طاولة جانبية وأمسكته ثم وضعته فوق جبينها وصرخت بقلب تكاد دقاته أن تتوقف من هول ما وقع عليها من ظلم:
-وكتاب الله أنا بريئة، وما في راجل لمسني غير الحاج هارون جوزي الله يرحمه.
قُبل حديثها بصمت مخزي ورؤوس محنية سوى من تلك الشامتة ونجلاها طلعت وعمرو الذي نطق بتشفي:
-صدقتني يا خال، صدقت إن أبويا كان راجل شريف ومات ظُلم منها ومنكم.
طالعه الرجل بحدة وتحدث:
-خد أمك وأخوك وغور من بيتي، وبيتي محرم عليكم ليوم الدين.
وتابع بذات مغزى:
-وإوعي تفتكر الموضوع انتهى لحد كده.
ثم تطلع إلى إجلال وتحدث أمرًا بسخط:
-وأنتِ، من النهارده ملكيش طلوع من بيتك عقابًا على الفضيحة اللي لطختي بيها العيلة كلها.
كادت أن تعترض فهتف الرجل بصوت غاضب كالإعصار رعب الجميع:
-ورب الكعبة لو رجلك خطت بره بيتك لأكون قاتلك بأيدي يا إجلال.
احترق قلبها وانسحبت مع نجلاها بينما هدر نجل أزهار وهو يجذبها من شعرها بقوة متغاضيًا عن إعيائها وكبر سنها:
-يلا قدامي، منك لله، فضحتينا ومرمطي اسمنا على آخر الزمن.
تحركت بجواره بتيهة وشرود وباتت تتلفت وسط الوجوه علها تحصل على من يصدق على قصتها فلم تجد سوى نظرات الاحتقار والخزي والعار.
رواية انا لها شمس الفصل الثامن والسبعون 78 - بقلم روز امين
وصل عمرو إلى الطريق الرئيسي ليجد شقيقه حسين ينتظر إحدى السيارات الأجرة لتقله إلى القاهرة، توقف ليشير إليه:
- تعالى معايا علشان أوصلك يا حسين.
أشار بكفه كي يتيسر:
- طريقي غير طريقك يا عمرو.
نطق يجيبه بلوم وتأنيب:
- طول عمر طريقنا كان واحد يا حسين، وكنت فيه كسبان قيمتك ما بين الخلق.
وتابع وهو يشمله بازدراء:
- بص لنفسك وشوف الحالة اللي وصلت لها لما شردت وبعدت عننا.
- أنا راضي بأي حال وصلت له وبقول الحمد لله إنه نور بصيرتي، عايش أنا وولادي في نعمة وفضل من ربنا.
وتابع قاصدًا حديثه:
- وأهم حاجة إني لما بحط راسي على المخدة بالليل بقدر أنام وأنا ضميري مطمن، وإن لو ربنا أخذ أمانته وأنا نايم هقابله وأنا مطمن ومرتاح، كفاية إني همشي ورقبتي ما فيهاش دين لحد.
تملل وهو يحرك رأسه بضجر وسخرية:
- بقيت ممل قوي يا حسين، قلبت درويش.
- كمل طريقك يا عمرو...
قالها وهو يشير للأمام وتابع مسترسلًا بألم لأجل شقيقه الأصغر:
- ويارب يا ابن أبويا تفوق من غفلتك قبل فوات الأوان.
- سلام يا شيخنا...
قالها متهكمًا وهو يشير بكفه صوب رأسه وانطلق مسرعًا بسيارته تحت حزن ذاك الشقيق على ما أصابه من خيبة، ظل يشيع رحيله ليقطع شروده وجدي الذي انضم إليه حيث كان يتابع وقوفهما من أمام باب مطعم المشويات الخاص به وشقيقاه:
- ماشي خلاص يا حسين؟
- إن شاء الله يا وجدي.
تحدث وجدي بأسى تجلى بين نبراته وداخل نظرات عينيه:
- عاجبك اللي حصل من إخواتك والحاجة إجلال في عزاء أمي يا حسين؟
نطق باستسلام وأسى:
- اللي حصل لا يرضي رب ولا عبد يا وجدي، وأنا بتأسف لك بالنيابة عنهم.
نطق بصدق تجلى بنبراته:
- والله ما فارق معايا إنهم بوظوا ليلة أمي الله يرحمها قد ما أنا زعلان على الست أزهار، اللي حصل ده فضيحة للكل يا حسين، والست مظلومة ومجني عليها.
وتابع مشككًا في رواية عائلته:
- إحنا في بلد صغيرة يا حسين، والست اللي لامؤاخذة سمعتها مش ولابد بتتعرف، وبتبقى باينة للجميع، ودي ست الكل يشهد لها بالسمعة الطيبة والأخلاق العالية، والشهادة لله طول عمرها ملازمة بيتها وخطوتها لبرا عزيزة.
واسترسل مستاءً:
- يا ناس، إذا كان المتكلم مجنون، واجب على المستمع يبقى عاقل.
تنهد الرجل وأجابه بخجل اعتلى ملامحه البشوشة:
- الله يسامحهم ويهديهم، أنا لسه جاي من عند ولادها، قلت لهم أمكم أشرف ست في الدنيا، ولو الدنيا كلها شكت فيها أنتم تكذبونهم وتقفوا في ظهرها.
نطق وجدي بأسى:
- الله يكون في عونهم، اللي حصل يكسر ظهر أجدعها راجل.
قطع حديثهما حضور عزيز الذي نطق عاتبًا وهو يشير إلى مطعم عمرو المكتظ بالزبائن مقارنة بمطعمهم الخالي من البشر:
- يرضيك قطع الأرزاق اللي أخوك أتسبب لنا فيه ده يا حسين، يرضي مين الخسارة دي يا ناس، أخوك بيبيع بالخسارة علشان يدمرنا، بيبيع الوجبة بنصف سعرنا يا حسين.
ده إحنا لولا الكام سواق اللي بيعدوا من على الطريق بيشتروا مننا، كان زمانا قفلنا المحل وقعدنا في البيوت جنب نسوانا، وياريت أخوك سايبنا في حالنا.
وتابع مشيرًا إلى أحد العمال الجالس أمام باب مطعم عمرو:
- ده مقعد لنا واحد مخصوص يسرق الكام سواق اللي ما يعرفوش الأسعار عندهم، وأول ما يقول لهم على السعر طبعًا بيجروا عليهم ويسيبونا.
- لا حول ولا قوة إلا بالله...
قالها وهو يحرك رأسه ضاربًا كفًا بالآخر باستياء وشعورًا بالعجز يزداد حيال ما تفعله عائلة الأشرار التي ينتمي لها، فقد تجبروا وعاثوا في الأرض فسادًا.
أما أزهار فقد اعتكفت داخل غرفتها، باتت تقضي معظم وقتها بين السجود والركوع والدعاء لله والتوسل إليه بإظهار براءتها وعفتها أمام الجميع، سجدت تبكي بدموع وقهر وهي تدعو أن ينتقم لها الجبار من كل من قام أو شارك بظلمها وتلويث شرفها، وأن يطيل الله بعمرها حتى ترى بأم أعينها انتقام الواحد الأحد لها.
داخل قصر علام زين الدين
ولجت زينة إلى القصر بصحبة بيسان بعدما تحدثت إليها عبر الهاتف وطلبت منها أن تصطحبها إلى إيثار حتى تقوم بتقديم واجب العزاء إليها، استقبلتهم عزة التي تحدثت إلى الفتاة بحميمية وود:
- تعالي يا بنتي اقعدي لحد ما أطلع أديها خبر.
سألتها بيسان مستفسرة:
- هي لسه حابسة نفسها في أوضتها يا عزة؟!
- ولا طلعت منها من ساعة ما رجعت من بلد الهم والغم، بلد الشؤم والندامة، كل زيارة ليها ترجع لنا بمصيبة...
قالتها بسخط لتتابع وهي تتناقل بين الفتاتين نظرات الازدراء:
- وكله بسبب البيه اللي اسمه يوسف، آه يا ناري ما أشوفه قدامي.
وتابعت بحدة ساخطة:
- بقى الواد بعد اللي أمه عملته معاه ده كله، يروح يرمي نفسه في حضن العقربة إجلال وعيرة الرجالة اللي اسمه عمرو، أمال لو ما كنوش هما السبب في خراب حياته كذا مرة، كان عمل معاهم إيه الموكوس؟!
هتفت بيسان بحدة وهي ترمقها بنظرات فتاكة كالصقر الذي ينوي افتراس ضحيته:
- اتلمي يا عزة واتكلمي كويس عن الباشمهندس.
أشاحت بكفها بسخط تجلى بنظراتها وهي تقول:
- والنبي تتنيلي أنت والباشمهندس بتاعك.
- بلاش تظلمي يوسف وتيجي عليه أنت كمان يا عزة...
قالتها الفتاة بحزن يشطر قلبها لأجل شقيقها الغالي وتابعت بعدما أخذت نفسًا مطولًا:
- عمومًا أنا جاية النهارده مخصوص علشان أحكي لخالتي إيثار اللي حصل، يوسف ما بينامش يا خالتي، طول الليل قاعد في الريسيبشن وحاطط إيديه على دماغه من كتر الهم والزعل.
- ياريتني أقدر أعمل حاجة علشان أخرجه من اللي هو فيه...
جملة نطقت بها بيسان بتأثر لتشملها عزة بسخرية وهي تقول:
- سيبي الواد في حاله خليه يذاكر يا أختي، الواد داخل على امتحانات ومحتاج يركز في مذاكرته.
طالعتها بتجهم لتتابع وهي تشمل الأخرى بحدة:
- اتلقحوا جوه على ما أطلع أديها خبر هي والباشا.
- هو خالو فوق؟!
سؤالًا طرحته بيسان لتجيبها عزة بعدما رفعت كفيها للسماء:
- إلهي يكسب ويربح دنيا وآخرة فؤاد ابن عصمت.
وتابعت بثرثرة:
- من يوم اللي حصل وهو واخد أجازة من شغله وقاعد جنبها.
مصمصت شفتيها وهي تضرب كفًا بالآخر وتابعت بأسى:
- البت دي أصلها غلبانة وشافت كتير في حياتها، عشان كده ربنا كرمها براجل زي الفل.
تركتهما وصعدت للأعلى وانسحبت الفتاتان إلى حجرة الاستقبال، وجدتا الصغير يجلس وحيدًا يتابع أحد برامج الأطفال عبر شاشة التلفاز المعلقة، ابتسم بسعادة وهرول إلى زينة مرحبًا بها لتستقبله الفتاة بابتسامة:
- إزيك يا ملوك، وحشتني.
- أنت كمان وحشتيني يا زينة، يوسف جه معاك؟
حركت رأسها بنفي ليطأطأ رأسه وعاد يستقل مقعده من جديد، جاورته بيسان وسألته:
- أنت قاعد لوحدك ليه يا حبيبي؟
ربع ساعديه ونطق بحدة وشفاه ممدودة بحزن:
- عشان أنا مخاصمهم كلهم.
سألته بيسان:
- كل البيت؟
أومأ لها فتابعت وهي تمسح على شعره باهتمام:
- ويترى ملوك مخاصمهم كلهم ليه؟!
طالعها بحزن ظهر بعينيه وتحدث:
- علشان طلبت يجيبوا لي قط جديد بدل مشموش ومامي رفضت، وخلت بابي كمان يرفض، وحتى جدو ونانا طلبت منهم يخلوا مامي توافق، وهما كمان رفضوا.
تحدثت إليه بهدوء:
- مش إحنا اتكلمنا قبل كده في الموضوع ده يا مالك، وقلنا إن مامي خايفة عليك من إعادة تجربة مشموش يا حبيبي.
سألتها زينة بفضول:
- هو إيه اللي حصل للقط بتاعه؟
همست كي لا يستمع الصغير ويصاب من جديد بنوبة من الحزن عند تذكره لما حدث للقط:
- كان عنده قط جميل قوي، خالو جابهوله بعد إلحاح كبير منه، رغم إن طنط إيثار كانت رافضة الفكرة، القط عاش معاهم سنتين بحالها، ومالك اتعلق بيه قوي، وبصراحة كلنا اتعلقنا بيه لأنه كان لطيف بشكل كبير، وكان طول الوقت قاعد جنب مالك وبيلعب معاه، ما كانش بيفارقه غير وقت النوم وبأمر من إيثو وتحت عياط مالك، فجأة ومن غير أي حاجة القط مات وهو قاعد في حضن مالك.
اتسعت أعين زينة وتابعت الأخرى مسترسلة:
- فضل يصرخ وهما بياخدوه منه علشان يدفنوه وما كانش راضي يسيبه أبدًا، وقعد فترة كبيرة على ما قدر يتجاوز حزنه عليه، بس زي ما أنت شايفة، كل فترة بيفتكره ويحن له، ويطلب قط بديل، وإيثو رافضة الفكرة نهائي علشان خايفة عليه، لأن وقتها اتأثر وتعب وهي كانت بتنيمه في حضنها لأنه كان بيقوم مخضوض من النوم ويصرخ وهو بينادي على القط.
- يا حبيبي...
قالتها زينة بتعاطف، وهي تنظر للصغير بتأثر.
بالأعلى، ولجت بعد أن دقت الباب مستأذنة، وجدت تلك الحزينة متسطحة بوسط الفراش والحزن والألم يسكنان عينيها. خرج فؤاد من الحمام ذقنه ملطخة بصابون الحلاقة ليسألها باهتمام:
- فيه حاجة يا عزة؟
سحبت عنه بصرها على استحياء من مظهره حيث كان يرتدي قميصًا بحمالة على بنطال قطني، وتحدثت:
- دي زينة أخت يوسف تحت، جاية علشان تعزي إيثار.
أقبل عليها يسألها بحنان:
- قادرة تنزلي يا حبيبتي ولا عزة تطلعها لك هنا؟
نطقت وما زالت تستند برأسها على الوسادة:
- أنا هنزل يا فؤاد.
بعد مرور حوالي نصف ساعة، كانت تجلس بجوار الفتاة بعدما احتضنتها وقدمت لها واجب العزاء بحرارة وأسى، نطقت على حذر واستحياء مترقبة ردة فعلها:
- خالتي، أنا جاية النهارده علشان أعزيكي وكمان أوضح لك اللي حصل والظروف اللي أجبرت يوسف يروح عند بابا ويتغدى هناك.
وبدأت بسرد تفاصيل ذاك اليوم الذي بعث ذاك الندل برجاله كي يقوموا باختطاف ابنته، وتحدثت بعدما انتهت من التفاصيل:
- وهو ده كل اللي حصل والله يا خالتي.
وتابعت تحت احتقار إيثار لذاك الحقير عمرو:
- ولو مش مصدقاني تقدري تسألي سيادة المستشار.
قطبت جبينها لتتابع الفتاة:
- مهو عارف كل حاجة.
هتفت باندهاش:
- عارف إيه، وماله فؤاد بالموضوع!
أجابتها بتوضيح:
- يوسف كان قال لي في مرة وإحنا بنتكلم إنه عارف، وسأله عن الموضوع ويوسف حكى له كل التفاصيل.
هبت واقفة وقد جن جنونها وظهرت الشياطين على وجهها لتجذب الفتاة رسغها وهي تقول:
- رايحة فين، مش هتكلمي يوسف في التليفون زي ما وعدتيني في الأول إن الكلام لو أقنعك هتكلميه وتنهي الخلاف؟!
جذبت ذراعها وتحدثت على عجالة:
- بعدين يا زينة، هكلمه بعدين.
وهرولت بخطوات واسعة وهي تقول:
- فؤاد، يا فؤاد!
أجابتها عزة التي تحمل قدحًا من القهوة بين يديها بطريقها لإيصاله إلى فؤاد الجالس في الحديقة:
- الباشا قاعد مع بيسان والولاد في الجنينة، وأنا عاملة له القهوة أهو وهوديها له.
- رجعي القهوة وتعالي خدي الولاد علشان عاوزة البيه في موضوع مهم... نطقت كلماتها وهي تهرول بتخبط للخارج فنطقت عزة:
- يسترها عليك ربنا من غضب بنت منيرة يا باشا.
وتابعت وهي تتطلع إلى الفتاة التي خرجت من الحجرة تترقب من حولها بخجل:
- إنتِ قولتي لها إيه يا موكوسة؟!
خرجت لتجده جالسًا بجوار أطفاله وبيسان بينما يقبع الصغير فوق ساقيه حيث كان يحتضنه بدلال ويحاول مراضاته وإقناعه بطرد فكرة جلب قط جديد إلى القصر، تحدثت بنبرة غاضبة ووجه متجهم:
- زين، خد إخواتك ودخلهم جوه عند جدو، وإنتِ كمان يا بوسي.
واستطردت وهي تشير بكفيها:
- سيبوني كلكم مع بابا شوية.
هب واقفًا مقتربًا عليها يسألها بهلع بعد انصراف الصغار:
- مالك يا بابا، فيه حاجة حصلت أنا ما أعرفهاش؟!
صاحت بأعين تطلق شزرًا لو خرج لأحرق بطريقه الأخضر واليابس:
- هو إنتَ فيه حاجة بتحصل ما تعرفهاش يا باشا؟!
وتابعت متهكمة على حالها:
- أنا اللي عايشة زي الهبلة في وسطكم، بقى بتستغفلني إنتَ وابني يا فؤاد؟!
هتف بحدة كي يحجم غضبها العارم:
- إهدي وفهميني بالراحة إيه اللي حصل.
أسرعت زينة إليهما وتحدثت بأسف وندم إلى فؤاد:
- أنا آسفة يا سيادة المستشار، شكلي جيت خربت الدنيا، وبدل ما أصلح بين خالتي ويوسف، عملت مشكلة بينكم إنتوا الاثنين.
نطقت وهي تتعمق بعيني زوجها:
- لا يا حبيبتي إنتِ كتر خيرك، جيتي فوقتيني وعرفتيني قد إيه أنا طلعت مغفلة كبيرة، وقد إيه جوزي وابني مستهيفيني ولا عاملين أي حساب لكرامتي بين الناس.
أخذ نفسًا مطولًا ثم زفره وقد تيقن بفطانته ما حدث، نطق بهدوء قاصدًا الفتاة:
- ما حصلش حاجة تستدعي أسفك يا زينة، ادخلي يا حبيبتي مع بيسان والأولاد جوه وإحنا شوية وهنحصلكم.
انسحبت للداخل والخجل يعتريها، بينما نطق هو بملامح وجه جادة:
- عاوزة إيه يا إيثار؟
اغرورقت عيناها بالدموع وهي تسأله بلوم:
- عاوزاك تديني سبب واحد يخليك تقبل عليا الإهانة دي.
نطق مستقطبًا:
- أي إهانة اللي بتتكلمي عنها، ومين ده اللي أهانك؟!
هتفت بصرامة وحدة:
- فؤاد، بلاش تتذاكى عليا وتراوغ في الكلام وفي الآخر تقلب الترابيزة عليا زي عوايدك.
أشار على نفسه ليجيبها مشدوهًا:
- أنا بقلب الترابيزة عليكي يا إيثار؟! هو إنتِ فيه حد بيعرف ياخد معاكي حق ولا باطل؟!
بهدوء نطقت وقد غلبتها دموع الحزن والألم:
- طب ممكن تفهمني اللي حصل؟
أغمض عينيه وزفر كي يتخلص من حدته، ثم اقترب منها يحتوي كتفيها وهو يقول:
- حبيبتي إهدي، الموضوع مش مستاهل كل زعلك ده، وسواء أنا أو يوسف خبينا عليكي علشان ما نجرحش مشاعرك ولا نزعلك.
ساعدها على الجلوس وبدأ بقص كل ما حدث وبرأ حاله هو والفتى، لتأخذ نفسًا هادئًا وتحدثت:
- طب ليه ما قولتليش كده من الأول وفهمتني؟
أجابها مقتضبًا:
- علشان خفت عليكي لتنهاري أكتر لما تعرفي إني كنت عارف، ولأني عارف دماغك هتوديكي لفين خبيت وقولت لما أعصابك تهدى هفهمك بهدوء.
وتابع بعشق يقطر من عينيه:
- ما كانش ينفع أبعد عنك وإنتِ في الظروف دي.
- أنا بحبك قوي يا فؤاد... قالتها بأعين ممتنة عاشقة ليجيبها بنبرة حنون محتويًا كفيها:
- وفؤاد بيعشقك يا عيون فؤاد من جوه.
وتابع بغمزة من عينيه مشيرًا إلى حجرة الجاكوزي:
- هي حبيبة حبيبها مش هتحن عليه وتكافئه بجلسة جاكوزي ولا إيه؟
ابتسمت بخفة تعود لشدة حزنها على العزيزة أمها، ليتابع هو ساخرًا في محاولة منه لإخراجها من تلك الحالة التي لا تليق بجمالها:
- أنا قربت أنساكي يا بابا.
تبسمت واحتضنها وتحركا للداخل كي ينضما إلى العائلة والترحيب بالفتاة كي لا تشعر بالذنب.
عاد عمرو إلى منزله مشتاقًا لصغيريه بعد ابتعاده عنهما لثلاثة أيام، هرولت الفتاة عليه وهي تصرخ باسمه بلهفة وسعادة، تلقفها بيديه وبات يقبل وجنتيها الناعمة بنهم وهو يقول:
- حبيبة البابا، وحشتيني يا نور قلبي.
نطقت وهي تداعب شاربه بأناملها الصغيرة:
- اشتقت لك كتير يا بابا، ما بقى تغيب عنا كل هالقد.
نطق وهو يداعب بطنها بدلال لتعلو قهقهات الصغيرة:
- تؤبريني ملكة نور.
توقفت عن الضحكات كي تسأله متعجبة وهي تتلفت من حولها باحثة عن تلك السمينة:
- بابا، وينها التيتا التخينة؟! ليه ما إجت معك؟!
خرجت "رولا" بتلك اللحظة من حجرة تحضير الطعام لينظر عليها وهو يجيب طفلته:
- تيتا رجعت بيتها خلاص، وبعدين مش أنا قولت لك عيب نقول عنها تيتا التخينة.
أومأت له واقتربت عليه رولا وهي تقول بابتسامة متصنعة:
- حمدالله عسلامتك.
أجابها وهو يقترب عليها ويضع قبلة على خدها:
- الله يسلمك يا حبيبتي.
وتحدث وهو يجوب بعينيه المكان:
- سليم فين؟!
- راح عالنادي مع الماما.
أفلت الصغيرة التي هرولت للداخل ثم اقترب عليها ولف ذراعيه حول خصرها ليجذبها عليه وهو يقول في محاولة للملاطفة:
- يعني إحنا لوحدنا في البيت.
حاولت التملص وهي تقول:
- بلا سئالتك يا عمرو.
- هو فيه إيه يا رولا؟!... قالها باستغراب ليتابع بحدة وشك في أمرها:
- بقى لك مدة كل ما أقرب لك تبعديني، وبتتعمدي ما تقعديش معايا في مكان واحد، هي إيه حكايتك بالضبط؟
هتفت بحنق أظهر حدة غضبها:
- يلي بيسمعك بيقول إن حياتنا كتير هادية وأنا يلي عم أخلق المشاكل، مانك ملاحظ يا عمرو، حياتنا ما بقى فيها تنتوفة خصوصية يا زلمة، البيت صاير متل السويقة، ضجة وصريخ طول الوقت، وبالأخير بتحط الحق عليي؟!
تنهد بأسى لأجلها بعدما اقتنع بحجتها، أقبل عليها وتحدث وهو يحتوي كتفيها:
- عندك حق يا حبيبتي، أهي ماما رجعت لبيتها والدنيا هتهدى شوية.
وتابع بحزن مصطنع كي يكسب تعاطفها من جديد:
- أنا آسف إني تعبتك ودخلتك في مشاكلي اللي ما بتنتهيش، بس إنتِ عارفة من الأول إن حياتي مش سهلة وإن خيانة مراتي ليا دمرتني.
حدقت عيناها في ذهول وغضب لتهتف وهي ترمقه بسخط:
- دير بالك عحكيك يا عمرو، أنا بكون مرتك، هاديك المرة بتكون طليقتك مانا مرتك.
ابتلع لعابه عند إدراكه للخطأ الذي اقترفه فتحدث متراجعًا:
- أكيد يا حبيبتي طبعًا، ذلة لسان مش أكتر.
تمعنت بالنظر لعينيه وصمت رهيب حل عليها أثار حيرته لكنه أصر على متابعة سحبها إليه من جديد، جذبها ليسكنها بأحضانه ونطق بخبث وهو يملس على شعرها:
- إنتِ مراتي حبيبة قلبي، كفاية إنك عوضتيني بولائك وإخلاصك ليا عن الخيانة اللي شوفتها على إيد إيثار والحقيرة سمية.
ابتعدت عنه وتحدثت مستفسرة:
- عذكرك للست إيثار خانون، فيني أعرف بأي صفة تروح لعزا إمها وتضلك هونيك لتلات أيام؟!
تركها وتحرك لإحدى المقاعد ليجلس، بعدما وجد صعوبة في الاستحواذ على عقلها كما كان بالسابق، تحدث بنبرة ضعيفة مستعطفًا إياها:
- ما أنا قلت لك وإحنا ماشيين أنا وستهم يا حبيبتي، إننا رايحين نقف مع يوسف، وإن عيب قوي ما نحضرش عزا الست، لأننا في بلد أرياف والكل هناك عارفين بعضهم.
هتفت تسأله بحدة:
- أوك، ما أنا مختلفين بهاي النقطة، بس شو معناتها وجودك معه للتلات أيام؟!
- يا حبيبتي التلات أيام دول أنا قعدتهم مع ماما، كنا بنحل مشكلة خاصة بأرض بابا الله يرحمه.
وتابع بأسى ظهر بعينيه رغم محاولاته المستميتة لعدم إظهار مشاعره الخاصة بعشقه المجنون بتلك الإيثار:
- أساسًا العزا خلص أول يوم وإيثار تعبت ورجعت على القاهرة.
ما عقلبها شر حياتي... قالتها ساخرة. لاحظها فأراد تحويل مجرى الحديث قائلًا:
- إنتوا معندكوش أكل تعشوني ولا إيه؟ أنا واقع من الجوع يا قلبي.
رفعت حاجبها تعلم أنه يراوغ بالحديث فأرادت مجاراته باللعب:
- بتؤبرني حياتي، عطيني خمس دقايق وبيكون الأكل جاهز.
نطقت كلماتها وانصرفت إلى المطبخ ليزفر هو براحة ويلقي بجسده للخلف باسترخاء.
***
داخل الشرفة الخاصة بمسكنهم، يقف ذاك الشاب بقلب حائر وعقل يكاد ينفجر من شدة التفكير والتشتت، لقد أوشك على فقدان عقله منذ ليلة أمس، فقد غلبه الحنين إلى الحبيبة التي استحوذت على قلبه فقام بفتح تطبيق الواتساب ليراجع حديثهما مسبقًا عل رؤيته لكلماتها معه تهدأ من ثورة حنينه إليها، لكنه صدم حين رأى تلك الحبيبة قد قامت بحظر رقم الهاتف الخاص به، جن جنونه وبات يبحث عن جميع التطبيقات ليفاجأ بحظرها لجميع مواقعه الخاصة بالتواصل الاجتماعي وحظر جميع أرقام هواتفه حيث يمتلك شريحتين، بات يفكر ويفكر حتى اهتدى لحسم قراره أخيرًا قبل فوات الأوان.
بنفس التوقيت، يتمدد فوق فراشه بجسد مرتخي وعقل شارد وقلب حزين، فمنذ أن أبعدته والدته عن حياتها أصبح الهم خليلًا لا يفارقه، استمع إلى رنين هاتفه، ضيق بين حاجبيه متعجبًا حين وجد اسم المتصل: "رامي كمال"، فقد اعتقد عدم إعطائه جوابًا إلى الآن بمثابة انسحاب من حياة شقيقته البريئة، أجاب عليه بعدما رد التحية قائلًا بصوت خال من التعبير:
- خير يا أستاذ "رامي"؟
نطق الشاب بجدية:
- حابب أبلغ حضرتك إني فكرت كويس في كلامك وحسمت قراري خلاص.
ارتعد قلب يوسف وحبس أنفاسه ينتظر استماع القرار بقلب يرتجف، فكلمة واحدة من ذاك الشاب ستحدد مصير شقيقته، إما بالسعادة والحياة الهانئة، أو الحكم عليها بالتعاسة الأبدية، تابع الشاب حديثه وقد فازت مشاعر القلب على رجاحة العقل وتحكماته:
- أنا يشرفني إني أتقدم لك وأطلب إيد زينة للجواز، وأتمنى إنها توافق وتكون شريكة حياتي.
أغمض عينيه وتنفس براحة بعد أن اطمأن على مستقبل شقيقته وبرغم سعادته إلا أنه سأله من باب التأكيد والاطمئنان:
- متأكد من قرارك ده يا رامي، أنا مش عاوز أي أذى يصيب زينة.
وتابع بشبه تهديد:
- مش هسمح ولا هسامح أي حد يأذي أختي حتى ولو بكلمة.
نطق برجولة ورصانة نال بها إعجاب يوسف:
- عيب يا حضرة الظابط، إنت بتكلم راجل مش عيل متهور.
وتابع بجدية:
- أنا الكلمة عندي بمثابة عقد، وقبل ما أبلغك بقراري أنا درسته كويس قوي، وما جيتش بلغتك بيه غير بعد ما اتأكدت إني مستحيل أعيش حياتي وزينة مش فيها.
اطمئن قلب يوسف وتحدث بأسف إلى رامي:
- متزعلش مني يا رامي، بس أنا من حقي أخاف على كسرة قلب أختي، وخصوصًا بظروفها اللي إنت عرفتها كويس.
نطق رامي بصدق تجلى بنبراته:
- وأنا مقدر جدًا خوفك عليها، وعاوز أقول لك على حاجة، أنا احترمتك بشكل لا تتخيله لما جيت وحكيت لي على موضوع والدة زينة الله يرحمها، واحد غيرك كان خبى عليا الموضوع وسابه للظروف، وكان برر لنفسه إني احتمال أعيش مع زينة ومعرفش أي حاجة عن ماضي والدتها.
كل ما تحدث الشاب وتعرف عليه أكثر ينال احترامه وترتفع مكانته لديه أكثر، نطق بجدية:
- أنا ليا عندك طلب وياريت توعدني إنك تحققه لي يا رامي.
أجابه رامي:
- لو في إيدي تحقيقه تأكد إني مش هتأخر أبدًا يا حضرة الظابط.
- أولًا كده إنت تبطل كلمة حضرة الظابط دي، إحنا هنبقى نسايب خلاص، يعني ملوش داعي ننده على بعض بالألقاب.
وتابع بصوت يشوبه الألم:
- ثانيًا، مش عاوز زينة تعرف إني حكيت لك حاجة، ولا حتى تعرف إنك على علم بالموضوع ده، زينة حساسة قوي من ناحية ماضي أمها، وطالما نويت تكمل حياتك معاها، فياريت تمحي الماضي كله وتنسى إني اتكلمت معاك عنه.
- اطمن يا يوسف... قالها بتودد ليتابع برجولة:
- أنا أصلًا كنت هعمل كده من غير ما توصيني.
نطق يوسف بسعادة ظهرت بنبراته:
- بقول لك إيه، زينة برة، راحت تعزي أمي في وفاة جدتي، لو فاضي تعالى، وأنا هطلب عشا ونستناها لما ترجع ونتعشى مع بعض.
وتابع بشعور هائل من الحبور لأجل شقيقته:
- نفسي أشوف فرحة المفاجأة في عينيها.
- موافق جدًا... قالها بحماس ليتابع:
- يلا بسرعة كلم الدليفري، وأنا هجيب الحلو والحاجة الساقعة معايا.
- اتفقنا... أغلق كل منهما وهرول يسابقان الوقت للانتهاء قبل عودة زينة للمنزل.
بعد قليل، عادت الفتاة إلى المنزل لتنتفض هلعًا وهي ترى رامي يقف أمام طاولة الطعام وبيده باقة من الزهور يرتبها ويضعها بالتناسق داخل المزهرية الكريستالية، لينطق بجدية وهو يتابع رص الزهور دون الالتفات لها:
- كل ده تأخير يا هانم، على العموم لينا كلام بعدين بخصوص الموضوع ده، يلا بسرعة هاتي الصحون من المطبخ، الكباب والطرب قربوا يبردوا.
التفت إليها وتابع وهو يشير بسبابته:
- وإنت عارفة، الطرب لما بيبرد ما بيتاكلش.
كانت تستمع إليه مشدوهة بذهول من هول صدمتها، جاهدت لإخراج صوتها:
- إنت دخلت هنا إزاي؟!
رفع حاجبه الأيسر ونطق مستنفرًا:
- بذمتك ده وقت الأسئلة دي، بقول لك الطرب والكفتة والكباب هيجلدوا، تقولي لي دخلت هنا إزاي؟
وتابع بملاطفة أراد بها التخفيف من حدة الموقف:
- مش كفاية بقى لي نص ساعة قاعد برص لك في الورد وأحط الشمع في الشمعدان علشان نتعشى على ضوء الشموع وريحة الزهور.
كادت أن تتحدث فقاطعها خروج يوسف من غرفته بعد انتهائه من صلاة العشاء:
- يلا يا زينة اغسلي إيدك وتعالي علشان نتعشى.
نطقت بأعين متسعة:
- هو إيه اللي بيحصل هنا يا يوسف؟
أجابها بهدوء:
- بعد ما نتعشى هنتكلم يا زينة.
- مليش نفس... قالتها بحدة ثم رمقت رامي بنظرات لائمة وتحركت مسرعة على غرفتها وما أن أغلقت الباب حتى شرعت في بكاء مرير يقطع نياط القلب، دق الباب ودخل يوسف يسألها:
- ليه الدموع دي يا زينة؟
ارتبكت من شقيقها وتحدثت بارتباك:
- عندي صداع.
- زينة، أنا عارف اللي بينك وبين رامي.
انتفض جسدها هلعًا ليتابع وهو يقترب عليها:
- ما تخافيش، أنا مش جاي ألومك ولا أحاسبك، وعارف إن مشاعرنا مش بإيدينا، وعارف كمان إن أختي بميت راجل وعمرها ما تغلط.
وتابع بجدية:
- أنا لما عرفت اللي بينكم روحت له وقولت له يا إما ياخد خطوة جادة ويطلب إيدك، يا إما يختفي من حياتك خالص.
نزلت دموعها وهي تقول بشهقة قطعت بها نياط قلب شقيقها:
- واهو سمع كلامك واختفى فعلًا يا يوسف.
وتابعت بألم وقلب نازف:
- إيه بقى اللي جابه هنا؟!
وضع كفيه داخل جيبي بنطاله القطني وأجابها:
- رامي خد وقته في التفكير يا زينة.
صاحت بحدة واعتراض:
- وهو موضوع ارتباطه بيا كان محتاج كل الوقت ده يا يوسف؟!
أجابها باستفاضة:
- آه محتاج يا زينة، ده أصعب قرار ممكن البني آدم ياخده في حياته كلها، ده تحديد مصير، وأنا أكبر مثال قدامك أهو، برغم إني اتولدت واتربيت على حب بيسان، إلا إني أخدت سنين علشان أجمد قلبي وأقدر أخد الخطوة.
هتفت برفض لموقفه:
- ما تحاوليش تبرري له تصرفاته، إنت ظروفك غيره.
نطق موضحًا للفتاة عل ثورتها تستكين:
- وهو كمان ظروفه مش سهلة يا زينة، ما تنسيش إنه لسه طالب وبيدرس، هيروح يقول لأبوه إيه، أنا عاوز أخطب وأبقى أصرف عليا أنا وخطيبتي؟!
سألته بحدة:
- وإيه اللي اتغير، ما هو لسه طالب؟!
- رامي في الفرقة الرابعة وفاضل له بالضبط حوالي شهرين ويخلص، وهو ما شاء الله بيشتغل من وهو في تانية جامعة، وقال لي إنه مرتاح في الشركة اللي هو شغال فيها، والمدير واعده إنه هيعينه بشهادة التخرج أول ما يخلص.
ظل يتحدث معها حتى اقتنعت واستمع كلاهما إلى صوت رامي من الخارج وهو يقول بتذمر:
- وبعدين بقى، ما قولنا الطرب هيجلد.
ضحكت وخرجت بصحبة شقيقها ليقبل عليها. وبلحظة باغتها وهو يركع بإحدى ركبتيه أرضًا كما هو المعتاد في دول الغرب، ثم فتح علبة بها خاتم ذهبي بسيط ابتاعه قبل قليل وهو في طريقه إلى هنا، نطق بأعين يملؤها الحنين والاشتياق:
- لو قبلتي تتجوزيني هكون أسعد إنسان في الدنيا.
وتابع بصدق يقطر من بناويتيه الساحرة:
- ووعد مني عمري ما هزعلك ولا هخلي دموعك تنزل بسببي في يوم من الأيام.
شهقت تخبئ فمها بكفيها بذهول، تحاول استيعاب ما يحدث فتحدث من جديد بأعين نادمة:
- أنا آسف يا زينة.
ابتسامة واسعة صاحبتها دموعها الغزيرة التي انهمرت من شدة تأثرها باللحظة، حاوط يوسف كتفها لتتطلع عليه، حثها على الموافقة بنظراته المشجعة فالتفتت تطالع ذاك المنحنى الذي مال برأسه، يتوسلها ويحثها على الموافقة، فمالت برأسها بموافقة انصياعًا لأمر الهوى.
اشتدت سعادته وأخرج الخاتم لتمد الفتاة بيدها وما أن شرع في تلبيسه حتى صدح صوت يوسف محذرًا:
- من غير لمس يا حبيبي.
ابتسم الشاب وحاول قدر الإمكان عدم لمس أصابعها إلى أن انتهى ليجد كف يوسف تقبض على كتفه قائلًا وهو يحثه على الوقوف:
- قوم افرد ظهرك يا عم روميو.
ضحك كلاهما ليحتضنه يوسف مباركًا له، ثم أقبل على شقيقته وسحبها لأحضانه بسعادة وهو يملس على ظهرها وحجابها وينطق قائلًا بحنان تخطى الحدود:
- مبروك يا حبيبتي.
شددت من احتضان يوسف لها وتحدثت بصوت تتراقص نبراته:
- الله يبارك فيك يا يوسف، ربنا يخليك ليا وما يحرمنيش منك أبدًا.
تحرك إلى الطاولة ليأخذ الطعام وهو يقول:
- هدخل الأكل الميكروويف خمس دقايق لأنه فعلًا برد ومش هنعرف ناكله كده.
اقترب عليها بعد اختفاء يوسف ونطق بعتاب هز كيانها:
- هونت عليكِ تعملي لي بلوك يا زينة؟ للدرجة دي ما كنتش فارق معاكِ؟
تنهدت بأسى لتجيبه بعتاب مماثل:
- أنا اللي المفروض أسألك يا رامي، إزاي هان عليك زعَلي، أنا كنت هموت وأنا بشوفك بتتجاهل وجودي وبتبعد عن أي مكان ممكن يجمعنا سوا.
أجابها:
- كان غصب عني يا حبيبتي.
تصبغت وجنتاها بالأحمر الداكن من شدة خجلها ليتابع رامي موضحًا ما حدث:
- ده كان اتفاقي مع يوسف وكان لازم أطلع راجل معاه.
- أنتَ سيد الرجالة كلهم يا رامي... نطقتها بصوت هائم وهي تواري نظراتها عنه خجلًا.
انتفض قلبه عشقًا تأثرًا بهيئتها لينطق مسحورًا:
- أنا شكلي كده هطلب من يوسف نكتب الكتاب على طول.
انتفض جسده حين استمع لذاك الذي خبط على كتفه قائلًا بسخرية:
- ده في أحلامك يا حبيبي، انسى يا باشا.
وتابع ساخرًا:
- قال كتب كتاب قال، مش عيب عليك تيجي تبيع الماية في حارة السقايين؟
تحمحم الفتى وتحدث مستفسرًا:
- فيه إيه يا يوسف، هو أنتَ ظبطني وأنا بقول لها حاجة عيب لا سمح الله؟
تقدم من الطاولة ليضع أحد صحون السلطة الخضراء وتحدث إلى زينة:
- خرجي المشاوي وهاتيها يلا يا زينة.
انصرفت بخجل ليتابع يوسف برفض دون تبرير:
- انسى.
ابتسم الشاب وهز رأسه متعجبًا، التف ثلاثتهم حول الطاولة وبدأوا يتناولون الطعام بشهية مفتوحة وهم يتبادلون فيما بينهم أطراف الحديث لتنسى الفتاة أن تبلغ شقيقها بما حدث مع إيثار.
رواية انا لها شمس الفصل التاسع والسبعون 79 - بقلم روز امين
أغلق معها بعدما قرر الذهاب إلى شقيقته وسؤالها عما دار بذاك اللقاء.
ولجت إلى غرفتها وهي في قمة السعادة، أخذت تدور حول نفسها بذاك الثوب الذي يشبه الفراشة، توقفت بعد أن استمعت إلى صوت شقيقها وهو ينتظر السماح له بالدخول فتحدثت بنبرة تقطر حماسًا وسعادة:
-اتفضل يا يوسف.
تخطى بساقيه للداخل وتحرك إلى أن وصل أمامها ثم تحدث يسألها بجبين مقطب:
-مش حابة تقولي لي حاجة يا زينة؟
ضيقت بين حاجبيها تسأله مستغربة:
-حاجة زي إيه؟!
-أي حاجة خاصة بيا وبزيارتك لأمي النهارده؟!
تمعنت بكلماته وباتت ترددها بعقلها وفجأة شهقت وهي تضع كفها الرقيق على فمها مرددة حينما تذكرت:
-يا نهار أبيض، أنا ازاي نسيت أبلغك حاجة مهمة زي دي.
ابتسم ساخرًا وهو يقول:
-لا والله.
تبسمت وتحركت لتقابله الوقوف:
-إنت عرفت منين؟! خالتي إيثار كلمتك؟!
-بيسان قالت لي من شوية، بس معرفتش تفاصيل.
وتابع متهكمًا:
-فلو وقت جنابك يسمح ياريت تطلعيني عليها.
ضحكت بسعادة ثم جذبت كفه وتحركت صوب الفراش ليتجاورا الجلوس وبدأت بقص كل ما صار تحت ضحكات يوسف المقهقهة وهو يقول:
-يعني روحتي تصلحي الامور بيني وبين أمي، قومتي منيلة الدنيا بينها وبين الباشا.
رفعت كتفيها تحدثه:
-مكنش قصدي والله يا يوسف.
وتابعت بأسى تشكي حالها:
-أنا عارفة إني مدب وبغرق في شبر ماية، علشان كده مش هتدخل لحد في أي حاجة تاني.
كان يضحك على طريقتها الطفولية وحديثها لينطق وهو يضمها بأحضانه:
-إنت جميلة ومعندكيش لؤم البشر وده بسبب إنعزالك عن الناس، إنت بس محتاجة تشتغلي على نفسك شوية وده هيحصل طول ما إنت منتظمة في جلساتك النفسية مع الدكتور.
عاد من منزل حبيبته بقلب هائم ومشاعر راقية جديدة على قلبه، يشعر أنها أصبحت ملزمة منه وبأن سعادتها باتت مسؤليته، ولج إلى منزله وجد والديه وشقيقته يجلسون بغرفة المعيشة يشاهدون أحد المسلسلات العربية، تنهد وطلب منهم الانصات إليه للتحدث في أمر غاية في الأهمية، فأنصت الجميع وتحدث هو بصوت جاد:
-بابا، أنا قررت أتجوز.
وافقاه الجميع وذلك لتيسير أمور الزواج بالنسبة له حيث تحدث والده:
-وماله يا ابني، وأهي شقتك جاهزة والحمدلله.
كان والده قد ابتاع له شقة في منطقة متوسطة الحال بعدما باع قطعة أرض كانت ورثًا له وبدلًا من أن يحتفظ بثمنها داخل أحد البنوك أراد استثمار المال على هيئة شقة وكتب عقدها إلى نجله الوحيد كمساعدة منه على أعباء الحياة، نطقت والدته بتوق:
-شكلك اختارت العروسة خلاص يا رامي.
-إن شاء الله يا ماما... قالها برزانة لتهتف شقيقته "نهى" بنبرة متلهفة:
-حد نعرفه يا رامي؟!
أجابهم بجدية:
-واحدة معايا في الجامعة، لسة في الفرقة الأولى كلية علوم، اسمها زينة.
نطق والده سريعًا:
-أهم حاجة تكون من عيلة محترمة وبنت ناس يا ابني.
تحمحم مبتلعًا لعابه ثم تحدث بجدية:
-أخوها راجل محترم جدًا، أظن انتوا تعرفوه، لأن ما شاء الله هو شاب ناجح جدًا وجه على التلفزيون في مؤتمر خاص بالمخابرات المصرية.
وتابع بعدما عرض لهم الفيديو المتواجد على الإنترنت عبر الهاتف وانبهر الجميع بالشاب:
-وأبوها رجل أعمال كبير وحد كويس، أنا شوفته.
وتابع مفتخرًا بأخلاق حبيبته:
-واللي أهم من كل ده هي أخلاق البنت واحترامها ولبسها المحتشم.
-وأمها بتشتغل ولا قاعدة في البيت زي أمك يا رامي؟ سؤالًا وجهته والدته السيدة "سماح" بممازحة فأجابها بثقة بعدما قرر تحمل مسؤولياته تجاه تلك الحبيبة حيث اتخذ حمايتها على عاتقه ما دام حيًا:
-والدة زينة متوفية يا ماما.
-حبيبتي يا بنتي، يعني يتيمة يا قلبي... قالتها المرأة وهي تشعر بالأسى تجاه الفتاة، تحدث والده بثقة:
-أنا واثق فيك ومتأكد انك هتختار بنت محترمة تقدر تأمن على اسمك معاها يا ابني.
وتابع بجدية:
-خد لنا ميعاد مع باباها علشان نقابلهم ونتعرف عليهم وعلى البنت.
في اليوم التالي مباشرة، هاتفت إيثار نجلها وطلبت منه الحضور لإنهاء ذاك الخصام الذي أثر بداخل نفس كل منهما، حضر بسيارته وتحرك داخل الحديقة ليرى الجميع بانتظاره بجوار حوض الزهور العزيز لدى قلبه و علام لتشاركهما بزراعته منذ أن كان طفلًا، ارتجف قلبها بسعادة حين رأت ملاكها يهل عليها بطلته المبهرة والشوق يملأ نظراته إليها، لم تنتظر مجيئه فقد تخطى الصبر حدوده وذاب القلب اشتياقًا لضمة الحبيب، تمعن الجميع وهم يتطلعون بترقب شديد لقاءهما الفريد من نوعه، فعلاقتهما ليست كعلاقة أم بنجلها البكري فقط، بل هي علاقة معقدة لا يفهمها سوى من كان شاهدًا على ما مر به ذاك الثنائي من صعوبات وعراقيل جعلت من طريقهما صعبًا مليئًا بالتحديات والمواقف التي تطلبت منهما الكثير من الصمود وتحمل المشقة للتغلب عليه حتى وصلا لما هما عليه الآن.
وقفا ليتطلع كل منهما بتمعن لملامح الآخر وعلى بغتة جذبت نجلها الحبيب لتسكنه داخل أحضانها وباتت تشدد من ضمتها له بقوة لتهبط دموع الحنين تغرق وجنتيها بغزارة، نطق وهو يربت على ظهرها بحنو واشتياق لرفيقة الدرب والمشقة:
-أنا آسف يا ماما.
-شش... قالتها بحزم لتوقفه وما زالت تشدد من ضمتها له وهي تقول:
-مش عاوزة أسمع منك أي مبررات يا حبيبي، أنا عرفت اللي يخليني أشفع لك أي حاجة عملتها.
ابتعدت ثم احتوت وجنتيه وهي تقول باشتياق جارف:
-وحشتني يا قلب ماما، وحشتني قوي.
جفف دموعها وتحدث متلهفًا:
-إنت كمان وحشتيني قوي يا ماما.
وتابع مسترسلًا وهو يدللها بملاطفة:
-إيثو.
نطقت بسعادة:
-يا عيون إيثو.
نطق مترجيًا بعينيه:
-ممكن متبعدنيش عنك تاني، ازعلي مني بس من غير ما تبعديني.
لامست وجنته بحنان مفرط وهي تقول:
-أنا لا بقدر أبعد ولا بزعل منك يا حبيبي، دي كانت وزة شيطان وراحت لحالها.
-صبري ليه آخر على فكرة... جملة نطقها فؤاد كي ينهي ذاك المشهد المؤثر للجميع وتابع مازحًا:
-مراتي دي اللي جنابك عمال تحضن وتبوس فيها، واخد لي بالك يا حبيبي.
أطلق الجميع ضحكاتهم وسأل فؤاد والده بملاطفة:
-يرضي سعادتك اللي بيحصل ده يا باشا؟!
أجابه علام وهو يترقب إقبال يوسف عليه:
-حفيدي يعمل اللي هو عاوزه، معاه حصانة.
نطق فؤاد بممازحة جديدة:
-طبعًا هتقف في صفه كالعادة، مهو الحفيد البكري اللي ليه حتة زيادة في القلب.
ربتت أيثار بسعادة على ظهر يوسف الذي توجه إلى علام بقلب لا تسعه الفرحة، مال على رأسه يضع قبلة احترام وفوق ظهر كفه الممسك بعصاه وتحدث بامتنان وكثيرًا من العرفان:
-أنا مليش غير محبة الباشا الكبير ورضاه عليا، ربنا يخليك ليا يا حبيبي.
ربت على وجنته لينطق بنبرات تقطر صدقًا وحنانًا:
-وحشتني يا يوسف، طمني عليك يا حبيبي.
-أنا بخير طول ما أنت وصحتك بخير يا جدو.
اتجه إلى عصمت وتحدث بابتسامة حنون:
-عاملة ايه يا حبيبتي.
نطقت المرأة بسعادة عارمة تعود لحبها الشديد لمن تربوا على يديها:
-بخير يا يوسف، طمني عنك وعن زينة يا حبيبي.
احتضن زين الدين وتاج وقبل كلاهما بحرارة بينما احتضن الصغير ساقيه متشبثًا بهما وهو يقول:
-حبيبي يا حضرة الظابط.
حمله وبات يقبل وجنتيه وجلس حاملًا إياه فوق ساقيه، حضرت عزة أيضًا واحتضنته مهللة بحضوره، بعد الاطمئنان على أحوال الجميع قص عليهم ما حدث بشأن زينة وتحدث إلى الجميع بحيرة من أمره:
-لأول مرة أحس إني متكتف ومش عارف أخد قرار.
وتابع متنقلًا ببصره بين الجميع:
-أستقبل العريس وعيلته في شقتي وأبعت أجيب أبوها وعمي حسين يحضروا الاتفاق؟ ولا أدعي عمي حسين لوحده وأقول لهم إن أنا المسؤول عنها وأبوها متجوز وبعيد عن حياتنا.
نطق فؤاد بحكمة وضمير متيقظ مجنبًا العواطف كي لا تتحكم وتؤثر على قراره:
-الاقتراحين غلط وهيقللوا من اختك قدام خطيبها وعيلته يا يوسف، ده نسب ولازم كل حاجة تتم على أكمل وجه وعلى حسب الأصول، ومهما كانت بشاعة عمرو وسوء علاقتكم بيه بس في الآخر هو أبوها، وعدم حضوره هيقلل من شأن زينة قدام عيلة خطيبها وهيحطها في موقف مش هيتنسي.
كان يجلس بجسد مائل للأمام مستندًا بمرفقيه على ساقيه وسأله بحيرة:
-طب أعمل إيه يا بابا؟ دبرني؟
أخذ نفسًا مطولًا قبل أن ينطق بما يمليه عليه ضميره وحسب ما أمرنا به الشرع والعرف والتقاليد والأصول:
-لازم الاستقبال الأول يتم في بيت أبوها.
اتسعت عينيه دهشة لينطق مقاطعًا بحدة تحت ذهول إيثار من اقتراح زوجها العزيز:
-اللي حضرتك بتقوله ده مستحيل يتم يا بابا.
قاطع حديثهما رجل الحكمة والمواقف الصعبة "علام":
-فؤاد معاه حق يا يوسف، الأصول أصول يا ابني وملهاش علاقة بشكل علاقتك مع عمرو البنهاوي.
-جدك وباباك معاهم حق يا يوسف... جملة نطقتها عصمت ليسألها مشتتًا:
-حتى إنت كمان يا تيتا؟!
وتابع وهو يتطلع لتلك المستمعة بصمت:
-إنتِ إيه رأيك يا ماما؟
صمتت لبرهة تستعيد توازنها قبل أن تنطق بصوت أظهر ترددها وحزنها:
-أنا مليش رأي ولا علاقة بالموضوع ده يا يوسف.
رأى علام حزن يوسف وتشتته لأجل والدته وعدم رغبته بإحزانها فتدخل من باب الحرص على العلاقة بين الابن والأم:
-بعيدًا عن تحفظك وحساسية الوضع يا إيثار، بس أنا مش عاوزك تزعلي من ابنك لأن ده وضع مفروض عليه وللأسف ملوش فيه أي اختيار أو إرادة.
أومأت بتفهم لتنطق بألم جاهدت لتخفيه:
-شوف رأي بابا وجدو واعمل بيه يا حبيبي.
سألها مترقبًا بتحفظ:
-يعني مش هتزعلي مني لو أخدت زينة وروحنا بيته يا ماما؟!
-مش هزعل يا حبيبي... نطقتها بزيف وقد شعر بها الحبيب الذي أمسك كفها ورفعه لمستوى فمه ليضع قبلة حنون كمواساة.
همس مالك يسأل شقيقيه بعدم استيعاب لكل ما يجري من حوله:
-هو مين عمرو ده؟
أجابته تاج بهمس حذر:
-ده بابا يوسف.
-يوسف مين؟!
-يوسف أخونا يا مالك... قالها زين بجدية لينطق الصغير مستغربًا:
-بس يوسف ابن بابا.
همست تاج في محاولة منها للتفسير:
-لا يا مالك، مامي كانت متجوزة راجل تاني قبل بابي، وعندها منه ولد، اللي هو يوسف أخونا.
عقله الصغير لم يستوعب كل تلك الحقائق فأراد أن يريحه بتكذيب ونعت تلك التي تقف له بندية:
-إنتِ سخيفة يا تاج، وأنا عارف إن إنتِ بتقولي كده علشان تخليني تايه، بس أنا أذكى منك على فكرة، ومش هصدق كلامك ده يا نجرسية.
-تافه... نطقتها وهي تشمله باشمئزاز.
-نجرسية... قالها وهو يغيظها ليهب واقفًا وقد وقف في المنتصف وهو يشيح بكفيه:
-ممكن تسكتوا وتسمعوني.
توقف الجميع عن الكلام ونظروا إلى ذاك الصغير بتمعن ليتابع وهو يشيح بكفيه بيأس وأسى:
-أنا كمان عاوز أخد رأيكم زي چو، ودماغي متشتتة وتعبانة زيه.
وتابع وهو يترجى الجميع:
-أنا عاوز مشموش جديد.
تحدث يوسف بتلقائية:
-بسيطة، نجيب لك مشموش، إيه رأيك يا بابا.
نطق الصغير بحدة وغضب:
-بابي هيقول لك.
وتابع مقلدًا والده بحركات تهكمية:
-أنا مليش دعوة، إسأل مامي، ولو وافقت أوك.
وتابع مؤنبًا والده:
-مع إن مفروض بابي يكون هو اللي يطلع الحاجات دي، بس هو مش بيحب يزعل مامي وبيسمع كلامها.
-ولد... قالها فؤاد بحزم وسأله تحت ضحكات الجميع:
-إنتَ بتجيب الكلام الكبير ده منين؟!
أشار إلى تلك التي أقبلت عليهم حاملة صينية مرصوص عليها بعض كؤوس مشروب الفراولة الطازجة:
-عزة هي اللي قالت لي.
تطلع عليها فؤاد بأعين تطلق سهامًا نارية مما جعلها ترفع كتفيها لأعلى وعلامات الذعر بدت فوق ملامحها حين رأت غضب ذاك الشرس:
-اسم الله على مقامك يا باشا، مالك؟!، بتبص لي كده ليه؟!
سألها بنبرة حادة:
-إنتِ قولتي الكلام ده فعلًا لمالك؟!
اتسع بؤبؤ عينيها على وسعيهما ونطقت بحركات نافية من رأسها:
-أنا ماقولتش حاجة، وماعرفش إنتوا بتتكلموا عن إيه أصلًا.
هتف الصغير يستعرض على تلك الغافلة تهمتها:
-مش إنتِ اللي قولتي لي إن بابي بيسمع كل الكلام بتاع مامي، ومش بيحب يزعلها.
ارتبكت وحولت بصرها على الفور لذاك المستشاط نارًا ليتابع ذاك المشاكس بما جعل فؤاد يخرج نارًا من أذنيه:
-ولما قولت لك، ليه مش هو اللي بيقول القرارات، قولتي لي علشان بيخاف من قلبتها عليه.
أشارت بكفيها بحماية:
-وربنا ما حصل يا باشا، الواد ده بيجود من عنده.
ضحكت إيثار بينما نطق فؤاد بعدما كظم غيظه تحت ضحكات الجميع على تلك السيدة البلهاء وعفويتها المحبوبة لديهم:
-اختفي من وشي يا عزة، وحسابنا بعدين.
هرولت تتخبط بمشيتها بعدما رمقت الصغير بنظرات متوعدة بينما هتف هو بعدم صبر:
-يا بابي بقى، أنا عاوز مشموش.
نطق بعناد وندية لصغيره:
-مفيش قطط هتدخل البيت ده تاني نهائي يا مالك، ومن غير ما تاخد رأي ماما كمان، مبسوط كده؟!
تذمر الفتى ودبدب بقدميه يدق الأرض بهما وتحرك إلى يوسف يشتكي أبيه، بينما لفت انتباه الجميع دخول عائلة ماجد بأكملها وبعد السلام والتحية تحدث ماجد قاصدًا الجميع:
-بعد إذن علام باشا، أنا عازم الكل على الغدا النهاردة.
تحدثت عصمت بعملية:
-العدد كبير يا ماجد والشغالين عندك مش هيلحقوا يجهزوا أكيد، خلينا نتغدى هنا أفضل.
نطق مفسرًا:
-أنا عملت حسابي وطلبت أكل من برة خلاص يا دكتورة، لما عرفت من بوسي إن يوسف هنا النهاردة قولت نتجمع ونتغدى مع بعض.
وماله يا ماجد، عزومتك مقبولة... جملة قالها علام سعد بها ماجد أما فؤاد فمال على حبيبة القلب يسألها:
-لو مش حابة تروحي قولي وأنا هعتذر لهم.
-لا يا حبيبي،... وتابعت وهي ترى فرحة نجلها وهو يهمس لحبيبته التي جاورته الجلوس وسعادة الدنيا تسكن عيناه:
-مش حابة أكسر فرحة ابني، وبعدين أنا ودكتور ماجد بقينا نسايب خلاص، وبكرة يجمعنا حفيد، فلازم نيجي على نفسنا شوية علشان خاطر راحة ولادنا.
-بعشق حبيبي وهو عاقل يا ناس... قالها بابتسامة وغمزة لتجيبه هائمة:
-وأنا بعشقك في كل حالاتك يا قلب ونور عين حبيبك.
قالتها برقة أذابت قلبه وتابعت بجدية:
-حبيبي.
-نعم يا روحي.
-أنا عاوزة أرجع الشركة بكرة علشان أتابع شغلي... وتابعت بعدما أطلقت تنهيدة حارة:
-عاوزة ألهي نفسي في الشغل وأنسى بيه حزني.
تنهد بأسى لأجلها فاسترسلت بحزن عميق:
-صورة ماما وهي متكفنة ما بتروحش من بالي يا فؤاد، يمكن لو انشغلت بالشغل أنسى.
احتوى كف يدها وبات يربت على قلبها بكلماته الحنون حتى هدأت واستكانت روحها.
بعد مرور يومين، داخل شركة الزين:
حضرت اليوم لتتابع سير العمل بعد انقطاع دام لفترة ليست بالقليلة، جلست بمكتبها وبدأت بمتابعة العمل على جهاز الحاسوب، استمعت إلى بعض الطرقات فوق الباب فسمحت بالدخول للطارق، خطى "بسام" بساقيه وتحدث مرحبًا بابتسامة خفيفة تعود لراحته النفسية من اتجاه إيثار بعد اتفاق فؤاد معه وإعطائه نسبة من حصته:
-حمدالله على السلامة يا أستاذة، نورتي الشركة.
حركت رأسها بامتنان وهي تقول:
-الله يسلمك يا باشمهندس، متشكرة لذوقك.
-إنتِ كويسة؟
طالعته بنظرة احترام:
-أنا بخير الحمد لله.
تحدثا قليلًا واطمئن عليها ثم انسحب للخارج وتوجه إلى مكتب شقيقته ليتحدث بلوم:
-إيثار وصلت لمكتبها.
-عرفت... قالتها بملامح وجه جادة لينطق هو بعملية:
-طب ليه ما روحتيش تعزيها؟!
تأففت ونطقت بتملل:
-إنتَ بقيت سخيف ولحوح قوي يا بسام.
وتابعت وهي ترمقه بترقب واستغراب:
-وبعدين تعالى هنا، من امتى كل الاحترام والحنية دي من ناحية الست إيثار؟!
وابتسمت ساخرة:
-كل ده علشان الخمسة في المية اللي ضافهم لك فؤاد على الأسهم بتاعتك؟! شراك بيهم يا ابن الزين؟!
تنهد ونطق بصدق يعود لأصالة معدنه وطيبة أصله:
-هتصدقيني لو قولت لك إن القصة بعيدة كل البعد عن النسبة اللي ضافها لي فؤاد، ما أنكرش إن الشيطان وزنني في الأول واتملك من تفكيري، وبقى يحركني حقدي وغلي اللي اتخلقوا من ناحية إيثار لدرجة إني مشيت زي الأعمى وراه، وخطط لأذية الشركة وضياعها.
وتابع مشيرًا لفضلها:
-وعلى فكرة يا سميحة، إنتِ ليكِ فضل كبير في رجوع الوعي لعقلي.
وبات يذكرها:
-فاكرة لما قولتي لي أنا عمري ما أذي شغل عيلتي ولا أبدي مصلحتي الشخصية على حساب مصلحة واسم العيلة اللي أبويا وعمي بنوه بدم وسهر وتعب سنين.
تنهدت براحة وهي تستمع لكلماته، فحقًا مهما شرد الإنسان وزرع الشيطان بقلبه الضغينة تجاه أحدهم، يظل الأصل غالب وهو من يتحكم بنا، تابع بإبانة:
-وكلام فؤاد معايا كمل الصورة واقتنعت إن فعلًا العيلة هي الأساس ولازم كلنا نتكاتف ونجنب خلافاتنا الشخصية قصاد مصلحة العيلة.
أومأت بموافقة فتابع مستغلًا حالة التراخي:
-قومي معايا علشان تقدمي لها واجب العزا، عيب يا سميحة، دي مهما كان مرات ابن عمك واللي ماتت دي أمها، كفاية إنك رفضتي تروحي لها القصر معايا أنا وبابا وماما، يبقى على الأقل تعزيها هنا علشان الموضوع ما يكبرش أكتر من كده.
حركت رأسها بموائمة وبعد قليل كانت بمجاورة شقيقها الذي تحدث مجنبًا شقيقته حرج اللحظة:
-سميحة جاية لحد عندك علشان تعزيكي يا أستاذة إيثار، وزي ما ماما قالت لك إنها كانت مصابة بدور برد وخافت تعديكي.
تمعنت إيثار تنتظر ردها فتحدثت رُغمًا عنها وبكبرياء:
-البقاء لله يا مدام.
-لا إله إلا الله... قالتها لتتابع وهي تشير للمقاعد:
-اتفضلوا اقعدوا نشرب قهوة مع بعض.
بعنجهية ردت:
-أنا ورايا شغل ومش فاضية، بعد إذنكم.
رفع كتفيه معتذرًا فقابلته بتفهم وانصرف بعدها إلى مكتبه.
انتهى اليوم بسلام، وأثناء ما كانت تلملم أشيائها الخاصة استعدادًا للعودة إلى منزلها وجدت من يفتح الباب ويدخل لينشرح قلبها ويرفرف عشقًا عندما رأت سندها وخليل الروح والأيام يقف بطوله الفارع وهيأته الجذابة مقبلًا عليها بابتسامته الرائعة وهو يقول:
-حبيبة حبيبها خلصت شغل ولا لسه؟
-فؤاد!
إنت بتعمل إيه هنا؟!
قالتها بابتسامة سعيدة ممتزجة بنظرات متعجبة.
اقترب وضمها بين أحضانه، وضع قبلة حنون فوق جبهتها وهو يقول:
- جاي علشان آخدك للبيت يا قلبي.
فراشات الغرام تراقصت من حولها وهي تتطلع عليه بنظرات تهيم عشقًا في ذاك السند. رمت رأسها تسندها على كتفه وأغمضت عينيها بسلام كأنها تسلمه زمام أمورها ليديرها كما يروق له ويحب. همست برقة ونعومة أذابت قلبه المسلم بغرامها:
- إنت إزاي كده؟ إزاي قادر تستحوذ على كل ذرة فيّا وتذوّبني فيك كل يوم زيادة عن اللي قبله؟ إزاي قادر تحافظ كل السنين دي على درجة غلاوتك اللي بتزيد في قلبي يوم عن يوم يا فؤاد؟
- علشان إنت تستاهلي اللي أكتر من كده بكتير يا نور عيني.
أبعدها ليحاوط وجنتيها بكفيه وهو يقول متعمقًا بالساحرة عيونها:
- هو إنت مش واخدة بالك إنت عملتي فيّا إيه؟ إنت حولتي حياتي من صحرا فاضية لبستان فيه كل أنواع الزهور بألوانها المختلفة.
وتابع بأعين بالعشق ممتلئة:
- أحييتي روح أبويا وأمي وحولتي البيت لجنة بوجودك فيه إنت وولادي. أنا مهما أعمل وأقدم لك عمري ما هقدر أوفي دينك عليّا وعلى أهلي.
انفرجت ابتسامتها بينما امتلأت عيونها بدموع الفرح وهي تقول:
- سيد قلبي وتاج راسي إنت يا فؤاد.
تبسم ومال يضع قبلة بجانب شفتها ليتحول الأمر من عادية لشغوفة ما جعله يبتعد قائلًا:
- أنا شايف إننا نروح ونكمل كلامنا في أوضة الچاكوزي.
أخرجتها جملته المازحة من حالة الهيام لتبتسم وهي تقول:
- يظهر إن الچاكوزي استحوذ على عقل وقلب الباشا بطريقة خطر.
أجابها ناطقًا بملاطفة:
- والأمور خرجت عن السيطرة حضرتك ولازم نحتويها في أقرب وقت علشان نلحق ننقذ ما يمكن إنقاذه.
ضحكت لينطق هو هائمًا:
- يلا بينا.
وتابع مسترسلًا:
- يكون في معلومك، إحنا هنتغدى بره.
رفعت حاجبها ليتابع هو من باب الحرص على صحتها النفسية:
- أنا عازمك نتغدى مع بعض في أي مكان مفتوح على النيل، وأهو تغيير لكسر الروتين، وبالمرة أحب فيكي شوية بعيدًا عن ضرتي "مالك".
قهقهت بشدة لتنسحب بجواره حتى وصلا لباب المصعد فوجد بطريقه بسام الذي تحدث وهو يعانق ابن عمه بحفاوة:
- الشركة منورة يا سيادة المستشار.
- بوجودك يا باشمهندس.
قالها بسعادة وتحدثا لبعض الوقت ثم توجه للأسفل حتى وصلا إلى سيارته التي فتحها بعناية لأجل امرأة حياته تحت نظرات سميحة التي رأتهما أثناء خروجها من باب الشركة، نظراتها كانت أشبه بسهام مسنونة لو أطلقت لأوقعت إيثار صريعة في الحال.
***
تحدث يوسف إلى أبيه بالاسم من خلال الهاتف وأخبره بقصة الخاطب واتفقا على أن الزيارة ستتم داخل منزل عمرو مما جعله سعيدًا للغاية وتوسم في القادم خيرًا. واليوم هو موعد الزيارة الرسمي فتوجه يوسف مصطحبًا شقيقته وبيسان الذي أصر على وجودها بصحبته باعتبار أنها زوجته رسميًا ولابد من حضورها والوقوف بجانب شقيقته في يوم مهم كهذا. وجه يوسف أيضًا الدعوة إلى عمه حسين وعائلته فرحب الرجل لأجل الفتاة التي قام هو وزوجته على رعايتها منذ أن كانت طفلة. وصل يوسف وشقيقته وزوجته استقبلتهم رولا بترحيب شديد تحت غياب نائلة التي أصبحت لا تطيق حضور أي زائرين بالمنزل. احتضنت الفتاة قائلة:
- مبروك حياتي، الله يهنيك ويجعلها جوازة العمر إن شاء الله، بتستاهلي كل الخير يا بنت.
اتسعت ابتسامة زينة وشكرتها من قلبها بينما هرولت الصغيرة "نور" من يوسف وهي تقول بحميمية:
- يوسف، كتير اشتقت لك أنا.
قبلها بنهم وتحدث بحبور يعود لحبه للفتاة:
- وأنت كمان وحشتيني جدًا يا نور.
اقتربت رولا من يوسف لتقول بصدق:
- كيفك يا يوسف؟
- أنا بخير الحمد لله.
قالها بجدية لتتابع وهي تتطلع بإعجاب على بيسان:
- ما شاء الله مرتك مثل القمر، بتستاهلوا بعضكن.
- ميرسي.
قالتها بيسان لتتابع بملاطفة وهي تضحك بسعادة:
- على فكرة، أنا بعشق اللهجة اللبنانية وبحب أسمعها جدًا، فبليز اتكلمي بيها طول ما إحنا هنا.
ضحكت بشدة لتجيبها:
- بس هيك، إنت بتأمري حياتي.
نطقت بيسان بحماس وممازحة من جديد:
- ممكن أسمع واحدة "تؤبرني".
علت ضحكات رولا التي تحدثت بملاطفة:
- دخيلك يؤبرني دلالك، شو مهضومة إنت.
أحاط عمرو كتف يوسف تحت نفوره وتحدث إلى بيسان بحفاوة بعدما قرر جذبها لعالمهم كي تندمج معهم وتسحب معها يوسف:
- منورة بيت حماك يا مرات ابني.
برغم عدم ارتياحها لشخصه إلا أن نطقه لكلمة "مرات ابني" نالت إعجابها بل اقشعر لها الجسد لتنطق بسعادة بالغة شملت روحها:
- ميرسي يا عمو.
نطق من جديد تحت اشمئزاز يوسف لاستغلاله الفرصة ومحاولة التقرب الجسدي المنفر بالنسبة له:
- على فكرة، ده بيت جوزك هو كمان، يعني تقدري تجيبيه وتيجي وقت ما تحبي.
وأشار للأعلى بغمزة وملامح وجه خالي من الحياء والأدب:
- وليكم أوضة فوق، جهزتها لكم مخصوص لما عرفت بكتب الكتاب، ممكن تطلعوا ترتاحوا فيها على ما الضيوف يوصلوا.
إلى هنا لم يستطع يوسف الصمود فقد تخطى حدود الأدب واللباقة معه وما زاد من حنق الشاب هو خجل زوجته ورعشة جسدها التي شعر بها. سحب كتفه من تحت يده وتحدث بحدة بالغة:
- ده مش بيتي ولا عمره هيكون، وبالنسبة لبيسان فهي تعتبر خطيبتي ومش مسموح لك تتخطى حدودك في الكلام معانا بالشكل السخيف ده.
سحبها من يدها وتحرك بعيدًا عنه ليهمس الآخر بسخط:
- طالع قفِل زي اللي مربيك.
لف بصره يتطلع على ابنته الواقفة تتحدث باندماج مع رولا وتحدث:
- مبروك يا حبيبة بابا.
- متشكرة يا بابا.
نطقتها بهدوء لتنطق رولا وهي تتطلع على ثوبها وحجابها وزينة الوجه الخفيفة:
- حياتي يا زينة، كتير طالعة بتجنني، الفستان والميكب وكل شيء بياخذ العقل.
سعدت الفتاة بحديثها، أما يوسف الذي اصطحب حبيبته وخرج إلى الحديقة لينطق وهو يحتوي كفيها بعناية كي يستطيع السيطرة على رعشة جسدها:
- أنا آسف يا قلبي.
- ما تتأسفش يا حبيبي، إنت ملكش ذنب في اللي هو قاله.
نطق بجسد مشتعل غضبًا:
- أنا ما كنتش حابب أجيبك معايا علشان كده، بس ما كانش ينفع نسيب زينة لوحدها في يوم مهم زي ده.
نطقت للتخفيف من ثقل ما يحمله بقلبه:
- ما تكبرش الموضوع يا يوسف، أنا مش زعلانة بجد، بس متفاجئة من جرأة باباك.
- قصدك وقاحته.
قالها بحدة لتبتسم وهي تقول:
- بصراحة هو راجل مسخرة.
وتابعت بجدية:
- بس مراته شكلها طيبة ولذيذة.
قطع اندماجهما وصول عائلة حسين، وتبادل الجميع السلام وتحدثت مروة إلى يوسف:
- إزيك يا حبيبي عامل إيه؟
- بخير يا طنط الحمد لله.
تابعت مروة وهي تحتضن بيسان:
- وحشتيني يا بيسان.
نطقت الفتاة بحميمية وابتسامة ودودة:
- وحضرتك كمان وحشتيني جدًا.
بعد قليل وصلت عائلة رامي وانبهروا بكل ما رأته أعينهم، بدايةً من المنزل وفخامة أثاثه وجمال واحترام العروس، رزانة شقيقها وجمال زوجته ولباقتها، حتى عمرو فقد ظهر بصورة الرجل اللبق المحترم كما أوصاه يوسف وشدد عليه، رولا وجمالها واستقبالها الرائع للجميع وتقديمها لواجب ضيافة هائل قد أشرف عليه فريق مسؤول قد استدعاه عمرو للاهتمام بتقديم الطعام والحلوى المتنوعة والمشروبات الرائعة.
تحدثت سماح والدة رامي بحفاوة:
- ما شاء الله عليكِ يا زينة، اسم على مسمى يا حبيبتي.
والتفتت تتحدث إلى نجلها:
- يا زين ما اخترت يا رامي.
ابتسم لوالدته والتفت يتطلع على تلك التي زادها الخجل جمالًا وتوهجًا لوجهها، نطق والد العريس كما المعتاد بعد أن تقدم بطلب العروس للزواج من نجله:
- اتفضل قول لنا طلباتك كلها وإحنا تحت أمرك يا عمرو بيه.
طالعه يوسف يذكره من خلال عينيه بما تم الاتفاق عليه بينهما:
- إحنا ما لناش أي طلبات مادية يا أستاذ كمال، اللي يقدر عليه رامي يعمله في شقته، واللي يقصر فيه أنا أسدده.
وتابع بمفاخرة:
- أنا حتى مستعد أشتري لهم فيلا هنا جنبي وأفرشها لهم بس رامي يوافق.
بكل رجولة وعزة نفس نطق الفتى:
- متشكر لحضرتك يا أفندم، أنا عندي شقتي الحمد لله، بابا هو اللي شاريها لي بفلوسه.
وتابع بكبرياء:
- هي آه مش في منطقة راقية زي بيت حضرتك، بس يكفي إني هعيش أنا ومراتي في ملكي.
برغم نظرات يوسف المحذرة له لمخالفته لما اتفق عليه إلا أنه استمر في سخافاته ليقول باستفزاز:
- طب مش تاخد رأي زينة الأول، مش يمكن حابة تقعد جنب أبوها وتتنعم في عزه.
نطق الفتى برجولة وثقة:
- مش محتاج أسأل لأن الموضوع بالنسبة لي محسوم يا عمرو بيه.
وتابع وهو يتطلع إلى الفتاة يستطلع رأيها ويحثها على مساندته:
- وأظن زينة رأيها من رأيي، ولا إيه يا زينة؟
قرر يوسف التدخل لإنقاذ شقيقته الخجولة وتحدث بصرامة وجدية:
- طبعًا رأيها من رأيك يا رامي، إحنا متفقين على كل حاجة، بابا بيهزر مش أكتر.
تحمحم فور استشعاره غضب ولده فتحدث متراجعًا:
- طبعًا بهزر، إحنا بنشتري راجل.
تدخل حسين لإصلاح حديث شقيقه المتعالي:
- وابننا باين عليه الرجولة والاحترام، وإحنا مش عاوزين أكتر من راجل نطمن على بنتنا وهي معاه.
أجابه كمال الذي أعجب بشخصيات حسين ويوسف للغاية ولمس غرور عمرو:
- ربنا يكرم أصلك يا أستاذ حسين.
بينما نطق رامي وهو يتطلع على تلك التي تنظر أرضًا من شدة خجلها:
- عاوز حضرتك تطمن يا عمي، زينة هتكون في عينيا إن شاء الله.
همست جنة ابنة حسين وهي تتطلع إلى رامي:
- العريس زي القمر يا زنزون، ألف مبروك يا قلبي.
وتابعت بسعادة بالغة ودعوات صادقة:
- ربنا يتمم لك على خير يا رب.
- تسلمي يا جنة، عقبالك يا حبيبتي.
قالتها بسعادة، أقبلت رولا من الداخل تتقدم عاملات التقديم وهن يحملن بين أياديهن واجب الضيافة:
- أهلًا وسهلًا فيكن، شرفتونا.
وتابعت وهي تشير للعاملات:
- قدموا الحلو لضيوفنا يا بنات.
انتهى اليوم وقد اتفق الجميع على إقامة حفل الخطبة بعد أسبوعين مروا سريعًا، واليوم هو الموعد المتفق عليه، فقد تجهزت حديقة منزل عمرو لاستقبال المعازيم وأصبحت على أكمل وجه، حضر أهل العريس وكان يوسف وحسين وعائلته وعمرو وعائلته وطلعت باستقبالهم، بينما إجلال باتت تنتحب نادبة حظها العسر لعدم تمكنها من الحضور وذلك اتباعًا وخضوعها لقرار شقيقها الحاج محمد ناصف بوضعها تحت الإقامة الجبرية ووضع غفير تابع له أمام منزل نصر للمراقبة ومتابعة الداخل والخارج، حضرت عائلة رامي وكان الحفل رائعًا، تغيبت عائلة علام بالكامل برغم مكانة يوسف لديهم، وهذا ما زاد من جنون عمرو الذي كان متجهزًا لحضور حبيبة القلب إلى منزله ومنى قلبه برؤيتها، سأل نجله بأعين حائرة تتلفت بترقب:
- هي إيثار مش هتيجي ولا إيه يا يوسف؟!
أجابه متهكمًا بحدة:
- وماما إيه اللي هيجيبها هنا إن شاء الله؟!
أجابه بثقة ولم يلحظ تلك التي تتسمع على حديثهما من الخلف:
- تيجي علشان تقف معاك وتفرح لأختك.
وتابع بخبث:
- ولا أنت للدرجة دي مش فارق معاها، لو كان حد من عيال الحقير اللي خانتني معاه ما كنتش اتخلت عنه أبدًا.
هتف من بين أسنانه متوعدًا:
- قسمًا بالله كلمة كمان على أمي وهاخد أختي ومعازيمنا وأخرج أكمل الخطوبة في أي أوتيل بره وأخلي منظرك قدامهم زي الزفت.
ارتبك من حدة نجله وتراجع سريعًا:
- خلاص يا حبيبي، أنا هسكت خالص علشان ما تزعلش.
في المكان المخصص لجلوس العروسين، بسطت والدة رامي ذراعها بعلبة بها سلسال بسيط وإسوارة وقدمتهما لنجلها الذي ساعد زينة في ارتدائهما تحت انتفاضة قلبها وعدم استيعابها أنها أصبحت خطيبته رسميًا، كل هذا تحت صدوع الموسيقى والأغنية الشهيرة المرتبطة بتلك المناسبة "يا دبلة الخطوبة" تبادل العروسان خواتم الخطبة تحت إطلاق الزغاريد من الجميع وتهليل بيسان وجنة وتقى اللواتي يقفن بجوار العروس.
نطق رامي وهو يمسك كفها الرقيق بسعادة:
- ألف مبروك يا زينة، أخيرًا بقينا لبعض.
- مبروك يا رامي.
قالتها بنظرات تحمل من العشق والحنان ما جعل قلب ذاك الفارس ينبض بقوة، نطق مسحورًا وهو يتعمق بعينيها:
- عينيكي حلوة قوي يا زينة، فيها سحر عجيب، بتخطف أي حد يبص جواهم.
تبسمت خاجلة ليتابع بغيرة على الحبيبة:
- أوعي تبصي في عيون حد غيري يا حبيبتي.
كانت تتلفت من حولها لتنطق بهيام وسعادة:
- أنا مبسوطة قوي يا رامي، مش مصدقة اللي بيحصل من حواليا.
اقترب يوسف من المكان المخصص للعروسين وقدم لشقيقته إسوارة من الذهب الخالص وقام باحتضانها بحنان من شدته كادت أن تبكي، نطقت وهي تطالعه بامتنان وعرفان:
- ربنا يخليك ليا وما يحرمنيش منك أبدًا يا يوسف.
قطع حديثهما اقتراب عمرو الذي فتح علبة كبيرة بها طقم من الألماس الخالص الذي أبهر الجميع ومن بينهم سماح والدة العريس التي انبهرت به ودعت لنجلها بالسعادة والتمام، بينما ابتسم يوسف ساخرًا من ذاك الذي لم يترك فرصة إلا واستغلها لصالح استعراضه لماله والغنى الفاحش أمام الجميع.
اقترب يوسف من والد العريس وتحدث تحت نظرات عمرو المترقبة:
- بعد إذن حضرتك يا أفندم، ماما وجدي علام باشا زين الدين منتظرين حضرتك والعيلة الكريمة في قصر الباشا بعد ما تخلص الحفلة هنا.
وتابع مسترسلًا تحت اشتعال روح عمرو حيث احتدت ملامحه غضبًا وقسوة:
- عاوزين يحتفلوا بزينة ويقدموا لها هدايا الخطوبة في حضوركم.
اقترب على أباه وبسبابته نطق مهددًا بسهام نارية انطلقت من مقلتيه:
- قولتها لك قبل كده وهأقولها لك تاني، احمد ربنا ألف مرة إني متربي صح وعارف ديني وحدودي اللي وضعها لي ربنا، وإلا كان هيبقى لي تصرف تاني معاك.
ثم تابع وهو يتطلع إلى تلك الـ"رولا":
- ويا ريت تحترم الست اللي أنت متجوزها وتبطل تجيب سيرة إيثار الجوهري.
ازدرد لعابه رعبًا من وجود رولا ليسترسل يوسف بدهاء بعدما أراد زرع الفتنة بينهما كعقاب عما اقترفه بذكر اسم والدته:
- اللي من الواضح إنها شاغلة دماغك قوي، لدرجة إن ما فيش جملة واحدة طول ما إحنا بنتكلم خالية من اسمها.
تنهدت بمرارة تطالع عينيه التي تهربت من مواجهتها فتابع يوسف بصرامة لا تقبل المناقشة:
- ولآخر مرة هأكد عليك، كلامك اللي قولته من شوية بخصوص زينة ده تنساه نهائي، أختي مسؤولة مني أنا، وزي ما جبتها معايا هتمشي برده معايا، وبلاش تحاول تعمل مشاكل قصادي لأنك للأسف، لسه ما تعرفنيش يا...
توقف صامتًا لبرهة ثم تابع متهكمًا عليه:
- يا عمرو بيه.
احتوى كف حبيبته وتحرك بجوارها منطلقًا للخارج بسرعة هائلة تحت احتراق قلب ذاك الذي لم يجرأ على نطق كلمة واحدة من شدة الصدمة، مهما جال بخاطره لم يكن يتوقع أن يفعل نجله القريب من القلب ما فعله هذا.
تطلع على تلك التي تواجهه بنظرات خالية من التعبير، تحمحم كي ينظف حنجرته ويستطيع إخراج الحروف بشكل أوضح:
- طبعًا أنتِ مش هتصدقي ولا كلمة من اللي قالها يوسف.
أصابته الريبة من صمودها وعدم تعبيرها عن الغضب كعادتها، فتابع كي يشتت ذهنها ويسحبها لعالم كذبه من جديد:
- هو قال كده علشان يضايقك لما أنا وقفت له ورفضت إن زينة وأهل خطيبها يروحوا عند فؤاد علام بعد ما تخلص حفلة الخطوبة هنا.
- بلا سخافتك يا عمرو.
قالتها بهدوء، لتتابع بتأكيد زائف:
- أكيد ما صدقته لهالحكي، وبعرف شو يلي عم بيدور بعقله ليوسف.
تنهد براحة ظهرت فوق ملامحه لتقترب هي عليه تتلاعب بأنامها بربطة العنق:
- بس بليز يا عمرو، ما توقف بوجه لإبنك منشان ما يعند معك وتخربوا فرحة البنت.
وتابعت من نبع ضميرها الذي استيقظ وأشفق على حال الشاب والفتاة من وقاحة وكذب وشرك ذاك الفاقد لكل معاني الأبوة:
- اتركوا المخلوقة تفرح بلا مشاكل وتعقيد.
أومأ بموافقة.
أما بالخارج، ما أن تحركا خارج الغرفة حتى تحدث بحدة بالغة إلى حبيبته:
- تاني مرة لما تلاقيني واقف معاه في أي مكان ياريت تبعدي وما تدخليش.
نطقت برفض وعدم استيعاب:
- عاوزني أسيبك لوحدك وأنت بتخانق معاه يا يوسف؟!
توقف ليتعمق بعينيها وهو يقول بحدة لا تقبل المناقشة بعدما أفقده ذاك الرجل اتزانه النفسي واستنزف طاقته الإيجابية:
- بيسان، الموضوع مش مطروح للمناقشة، ده أمر ويتنفذ من غير جدال.
اتسعت عينيها فتلك هي المرة الأولى التي يتحدث معها بتلك الفظاظة بل ووصل الأمر به إلى أن يأمرها، هذا ما لم ولن تتقبله، مهما كانت درجة عشقها وتعلقها به، وقفت بندية وهي تقول بحزم وحدة:
- كده العنوان غلط يا يوسف، مش أنا اللي أتعامل بالشكل ده ولا أنا اللي يتوجه لي أمر واجب التنفيذ.
تابعت برفض تام استفزه:
- ونصيحة مني بلاش تتعامل معايا بشخصية حضرة الظابط اللي بيدي أوامر ومنتظر التنفيذ من غير نقاش، لأن ساعتها رد فعلي مش هيعجبك.
قطب جبينه يتمعن النظر بوجهها فبادلته بنظرات مشتعلة وانطلقت باتجاه الخارج لتقف مع جنة، زفر يخرج ما بداخله من حدة كي لا تلحظ زينة ويصيبها التوتر.
بعد قليل انتهى الحفل تحت نظرات عمرو ويوسف والتحدي الظاهر بينهما، طلب يوسف من رامي وعائلته اللحاق به إلى قصر علام زين الدين تحت استشاطة قلب عمرو المستعر وبرغم هذا كظم غيظه وتحكم بأعصابه على قدر المستطاع، وقف يوسف أمام تلك الـ "رولا" التي أحسنت استقبال الجميع وتحدث بنبرة صادقة:
- مش عارف أشكر حضرتك إزاي على الاستقبال الرائع ووقوفك النهاردة جنب "زينة".
أجابته بتأثر:
- ما بقى تقول هيك يا يوسف، أنا ما عملت إلا واجبي، أنت وزينة بتستاهلوا كل الخير، والله بيعلم قديش بحبكن.
مال برأسه قليلًا يشكرها بينما احتضنتها زينة وقدمت لها الشكر أيضًا وكذلك بيسان ثم انصرف الجميع متوجهين إلى الخارج تحت احتراق قلب عمرو وشعوره المرير بالهزيمة أمام الفتى.
طلب يوسف من رامي أن ينضم إليه بالجلوس بسيارته بجوار زينة بالكنبة الخلفية وذلك لعدم امتلاك رامي سيارة خاصة به، فتح الباب لتلك التي ما زالت غاضبة منه ولا تلتفت إلى وجهه، استقلت مقعدها المجاور له ليلف هو للجهة الأخرى ويستقل مقعده خلف طارة القيادة، تطلع على تلك الغاضبة التي تنظر من النافذة كي تحرمه طلتها عقابًا على تعديه حدود اللباقة بالحديث معها، زفر بقوة كي يخرج ما بداخله من حدة وسخط إثر تعامله المباشر مع ذاك البغيض "عمرو"، التف إلى شقيقته وحبيبها وجدهما يتبادلان النظرات والهمسات وفراشات الغرام تحاوطهما من كل اتجاه، ابتسم لهما وتحدث بسعادة بالغة ظهرت من خلال نبراته:
- مبروك، عقبال التمام.
- الله يبارك فيك يا يوسف... قالها الفتى وهو يربت على كتف الآخر بعينين تقطر شكرًا وامتنانًا، بينما ابتسمت الفتاة لذاك الحنون وتحدثت تشكره:
- ربنا يخليك ليا وما يحرمنيش منك أبدًا يا يوسف.
انطلق متجهًا صوب قصر علام، مال رامي على جذعه وهمس بأذن الفتاة:
- أنا ما عنديش مانع إنك تحبي أخوك وتعبري له عن ده، بس كمان ما تنسيش رامي حبيبك من الدلال.
تبسمت بخجل، فتابع همسه من جديد:
- مش ناوية تريحي قلبي وتقوليها بقى يا زينة؟
طالعته بعدم استيعاب وسألته بسذاجة:
- هي إيه يا رامي؟!
- بحبك... قالها بأعين تجول على شفتيها مطلقًا العنان لخياله مما أدخل تلك الصغيرة في حالة من الارتباك ودارت بعينيها تترقب شقيقها خشية أن يكون قد لاحظ فتابع الآخر دون رحمة لقلبها عديم الخبرة:
- عاوز أسمعك وأنت بتقولي لي بحبك يا رامي.
تلعثمت بالرد ودارت عينيها تتلفت بنظرات زائغة:
- أرجوك بلاش الكلام ده يا رامي، كده يوسف ممكن ياخد باله ويزعل مني.
برغم تتوقه لسماع الكلمة وهي تخرج من بين شفتيها إلا أنه شعر بسعادة عارمة وشكر الله على تلك الجوهرة المصونة والدرة المكنونة.
بالمقعد الأمامي، يجلس خلف عجلة القيادة بعدم راحة وقلب حزين لأجل غضب الحبيبة منه، تحمحم كي تنتبه فلم تبدِ ردًا فابتسم محركًا رأسه على تلك العنيدة، ساقه قلبه وحنينه فبسط كفه من الأسفل بحرص كي لا يلحظاه ذاك الثنائي، وصل لكفه فانتفض القلب من لمسة كلاهما للآخر، لف أصابعه لتتغلغل بين خاصتها، التفتت تطالعه بنظرات حزينة لائمة، بادلها بأخرى نادمة وهمس بشفاه مثيرة جعلت من الرعشة تسري بكامل جسدها:
- أنا آسف.
لم تشعر سوى وهي تبتسم وتتشابك أناملها ليلف هو أصابعه كي تحتوي خاصتها وشدد كل منهما من قبضة الآخر، تلاقت الأعين وانتفضت القلوب ليخرج كل منهما تنهيدة حارة وتجولت أعين كلاهما فوق شفاه الآخر يمنيان حالهما بقبلة تبدأ حنونة ثم تتحول إلى شغوفة نهمة يعبر من خلالها كلاهما عما يكن بقلبيهما الممتلئين بالعشق والغرام.
بعد قليل وصل يوسف إلى القصر بصحبة العائلة التي انبهرت بذاك الصرح، تم استقبالهم على أكمل وجه من الجميع ليقف السيد كمال الذي تحدث إلى علام وهو يتطلع عليه بدهشة شديدة وعدم استيعاب أنه يقف أمام ذاك القامة القانونية الموقرة:
- أهلًا وسهلًا يا جلالة المستشار، أنا مش مصدق نفسي إني واقف قدام قامة عظيمة زي حضرتك.
تبسم علام ونطق بتواضع لطالما تميز به ولمسه كل من تعامل به:
- الله يعزك يا أستاذ كمال، أنتم شرفتونا النهاردة، وعاوز أقول لك إن زينة مش بس أخت يوسف، لا، إحنا بنعتبرها بنتنا.
وتابع بكلمات أراد بها رفع شأن الفتاة أمام عائلة الخطيب:
- يعني أنتم حاليًا نسايبنا.
- لينا جزيل الشرف يا باشا... قالها جميع رجال العائلة المصطفين باندهاش من هول المفاجأة، بداية من كمال ونجله رامي مرورًا بأشقاء كمال وأنجال عمه الذي أصر علام عزيمتهم بالكامل إكرامًا لتلك الفتاة المسكينة التي عاشت حياة صعبة بفضل ذاك الابتلاء العظيم المسمى بوالدها.
أشار فؤاد بالجلوس إلى الجميع ليتخذ كل مقعده بتلك الطاولة الكبيرة وتحدث بترحيب:
- اتفضلوا يا جماعة، شرفتونا.
احتضنت إيثار الفتاة وتحدثت إلى "سماح" والدة رامي:
- على فكرة يا مدام سماح، تقدري تعتبريني حماة رامي، لأن زينة زيها زي يوسف بالظبط.
وجهت شقيقة سماح سؤالًا إلى إيثار:
- هو أنت مامت حضرة الظابط يوسف؟!
تبسمت وما زالت تحتوي كتفي زينة التي ارتفعت معنوياتها إلى عنان السماء بفضل احتواء عائلة علام زين الدين لها واستقبالهم الرائع لعائلة رامي، نطقت إيثار بنبرة رقيقة:
- أيوه يا أفندم.
استغربن جميعهن لجمال إيثار وتحدثت إحداهن بتعجب:
- بسم الله ما شاء الله، مش باين عليك خالص السن، اللي يشوفك يقول إنك أخته الكبيرة.
- مرسي يا أفندم على المجاملة اللطيفة دي... قالتها بلطف لتهتف فريال بحفاوة وهي تحتضن الفتاة من الاتجاه الآخر:
- وأنا بقى أبقى عمة زينة، يعني هبقى حماة رامي برده.
نطقت سماح بممازحة:
- ده كده رامي هيبقى له حموات كتير قوي.
ضحكت زوجة عم رامي وهي تقول بممازحة:
- وكله إلا الست بتاعة تؤبرني، دمها زي العسل، هي كمان قالت لرامي من اليوم وطالع أنا بكون حماتك يا تؤبرني.
أطلقن النسوة ضحكاتهن السعيدة لتهمس فريال إلى زوجة شقيقها:
- هما بيتكلموا عن مين؟
- مرات الجبان عمرو... همست بها، حضرت عصمت وهي تتحرك بين الضيوف وخلفها العاملات يحملن الأطعمة والمشروبات ويقمن برصها فوق الطاولات برتابة ووجوه مبتسمة، قدم علام هدية ثمينة للفتاة دون أن يكشف عنها بل ناولها إياها بابتسامة حنون، كما فعل جميع أفراد العائلة مثله سوى من تلك المراهقة تاج التي كشفت عن هديتها وكان عبارة عن "قرط" من الذهب الخالص قد استعانت بوالدتها في اختياره وتحدثت تحت انبهار زينة:
- إيه رأيك يا زينة، عجبك الحلق؟!
- حلو قوي يا تاج، تسلم إيدك يا حبيبتي... احتضنتها الفتاة بحفاوة، أخذ يوسف جميع الهدايا وسلمها إلى عزة، كانت تستعد لوضعهم داخل السيارة الخاصة بيوسف لتباغتها إحدى شقيقات والدة العريس حيث نطقت بعدما تملك منها الفضول:
- ما تجيبي يا حبيبتي الهدايا تفرجينا عليها.
تطلعت عزة إلى عصمت فأشارت لها بإيماءة، فتحدثت عزة وهي تشير إلى الطاولة:
- وما له يا حبيبتي اتفرجي، اركني الكاسات دي على جنب.
وضعت العلب وبدأت بفتحها واحدة تلو الأخرى تحت ذهول وانبهار جميع أقرباء رامي اللواتي أخذن يقلبن الجواهر بين أصابعهن، كانت الهدايا جميعها ألماس إلا من هدية إيثار فكانت عبارة عن عقد من الذهب الأبيض رائع المظهر جعل الجميع ينبهر بسحره.
كان هناك من يقف بعيدًا يشعر بالحزن والغيظ من شكر زينة لتلك النجرسية مثلما يطلق عليها، ظل واقفًا مكانه يراقب الجميع حتى رأى عزة تتحرك إلى الداخل بعدما وضعت الهدايا داخل سيارة يوسف، ذهب خلف عزة إلى المطبخ وتحدث بتذمر وهو يدبدب الأرض بقدميه:
- أنا زعلان قوي يا زوزة.
- ليه يا عيون زوزة، تكونش عاوز تخطب أنت كمان؟! ... قالتها وهي تقوم برص بعض قطع الحلوى داخل الأطباق، تابع الفتى تحت ابتسامات العاملات على تلك العلاقة العجيبة:
- لا، أنا زعلان علشان كلهم جابوا هدايا لزينة إلا أنا، و"تاج" كمان جابت لها وكانت بتغيظني وهي بتدي لزينة الهدية.
- طب والعمل؟... قالتها لتتابع تسأله:
- هنعمل إيه الوقت في المشكلة دي؟
- مش عارف...
قالها مشحًا بيداه ثم وضع سبابته على مقدمة رأسه يفكر ويدور بعينيه بين العاملات لينطق بعدما اهتدى لتلك الفكرة:
- لقيت الحل.
تطلعن جميعهن على ذاك الذي هرول إلى السيدة سعاد الجالسة فوق مقعدها باحترام، لينطق مشيرًا إلى ذاك القرط الذهبي بأذنيها:
- هو حضرتك ممكن تديني الحلق ده علشان أديه لزينة.
اتسعت عيني المرأة ذهولًا، فتابع وهو يميل برأسه بأعين مترجية:
- بليز، هو أكبر من الحلق بتاع "تاج"، فأكيد "زينة" هتفرح بيه أكتر وكده هعرف أغيظ "تاج".
- الحقيقة يا مالك أنا والآنسة زينة مش أصدقاء للدرجة اللي تخليني أديها الحلق بتاعي.
قالتها بملاطفة جعلت الجميع يدخلن في حالة من الضحك، زفر من جديد وخرج من حجرة الطعام متجهًا إلى حجرة المعيشة كي يجلس وحيدًا مع أحزانه، وما أن فتح باب الحجرة المظلمة حتى وجد خيالًا يتحرك قليلًا فصرخ وهو يهرول خارجًا ويصيح:
- شبح، شبح.
تزامنت صرخاته مع دخول فؤاد من الباب الرئيسي للمنزل ليهرول عليه يسأله بفزع على صغيره الهلع:
- مالك يا حبيبي؟!
نطق متلعثمًا وهو يبتلع لعابه مشيرًا إلى باب الغرفة المظلمة:
- شبح هنا يا بابي، تخين قوي، واقف في مكانه بس بيتحرك شوية صغيرين.
نطق لتهدئة صغيره الحبيب:
- اهدى يا حبيبي، أنت أكيد بيتهيأ لك.
بصياح متقطع وجسد مرتجف تحدث مؤكدًا:
- لا يا بابي، أنا شوفته بعنيا كان بيتحرك، نصه أسود والنص التاني مش أسود.
اتسعت عيني فؤاد وهو يرى انتفاضة جسد الصغير الدالة على صدق حديثه فنطق وهو يتجه نحو الغرفة:
- خلي مالك معاكي يا عزة لحد ما أشوف إيه حكاية الشبح ده كمان.
نزلت لمستوى الصغير تسأله بتوجس وخيفة:
- إلا قولي يا مالك، النص اللي مش أسود ده، لونه بيج؟
رفع كتفيه مستفسرًا:
- يعني إيه بيج؟!
صمتت لتتابع بترقب توجه فؤاد صوب تلك الغرفة المظلمة ليتحرى ويكشف عن هوية ذاك الشبح.
ترى من يكون هذا الشبح؟!
رواية انا لها شمس الفصل الثمانون 80 - بقلم روز امين
- حاضر يا باشا.
نطقتها باحترام وتحركت لتختفي داخل المطبخ، وانصرف فؤاد بالصغير. تنهد يوسف بحزن وهو يقول بصوت يقطر ألمًا:
- اطلعي عند زينة.
أخرجت صوتها بصعوبة، تعود لحرجها الشديد:
- وإنت مش هتطلع معايا؟!
- هخرج بعدك، ما يصحش نخرج من هنا مع بعض.
خرجت دون أن تنبس ببنت شفة، وتوجه هو إلى أقرب مقعد ليرتمي بجسده عليه. مال للأمام واستند بمرفقيه على حافتي المقعد، وبدأ يمرر كفه بحزن على وجهه. أغمض عينيه بقوة وتمنى لو أن ما حدث منذ القليل كان كابوسًا ينتهي بفتح أهدابه من جديد.
تذكر ما حدث منذ أكثر من عشرة دقائق من دخول مالك إلى الغرفة. كان يقف بصحبة والدته جانبًا يتحدثا بخصوص ما حدث داخل منزل عمرو، وأخبرها عن استقبال رولا وتغييرها الكبير تحت لامبالاة الأخرى مما يحدث بمنزل ذاك البغيض. أقبلت عليهما بيسان وشاركتهما الحديث، ثم انسحبت إيثار للاهتمام بالضيوف وتركت العاشقين. ظلا يتبادلان نظرات الوله والغرام مما حرك مشاعر كلاهما نحو الآخر. تحمحم يجلي حنجرته قبل أن ينطق بهروب من تلك المشاعر الجياشة التي اقتحمت صدره وهو يرى أعين تلك الهائمة وسطو سحرهما على قلبه. لطالما كان لعينيها السحر الأكبر والكلمة الأخيرة عليه:
- أنا هدخل جوه أخلي عزة تعملي فنجان قهوة، ما شربتش غير فنجان من أول اليوم وحاسس ببداية صداع.
نطقت بصوت طغى عليه غرامها:
- أنا جاية معاك.
لطالما كان هذا هو حالها معه منذ الصغر، فقد تعودت على ألا يفترقا أبدًا، وأن تتبعه كظله، وما حدث مؤخرًا من ابتعاد سافر جعلها تخشى تكرار تلك الفترة الملعونة من حياتها. لذا فهي الآن تعوض حالها وتعوضه بالاقتراب. ولجا للداخل وجد عزة تنزل من فوق الدرج. على الفور سألت من تربى على يدها واتخذت منه حفيدًا لم ينعم الله عليها به على أرض الواقع، فأتى بذاك الخلوق كعوض لها:
- إيه يا حبيبي، سايب الناس ليه، عاوز حاجة أعملها لك؟!
نطق بوجه بشوش كعادته معها:
- آه يا حبيبتي عاوز شوية قهوة من إيدك، وياريت لو قرص مُسكن علشان الصداع.
- بس كده، عيني.
قالتها وهي تشير بين عينيها، ثم سألت الفتاة باهتمام:
- وإنتِ يا ست البنات، مش عايزة النسكافيه بتاعك؟
حركت رأسها بنفي:
- ميرسي يا عزة، لسه شاربة عصير حالًا.
ثم اقتربت من يوسف ونطقت بدلال وهي تحرك أناملها على حلة بدلته:
- هبقى آخد حبة قهوة من فنجان يوسف.
طار قلبه وعلى من دلالها الأنثوي تحت تلك التي لوت فاهها تبرمًا وهي تقول:
- محن البنات مين قده.
وانسحبت لداخل المطبخ. وقفت بجواره ينتظران القهوة. سقط على سهوة سلسالها لتشهق بعدما رأته يستقر على الأرض، ومالت سريعًا تلتقطه وهي تقول بحزن كسى ملامحها:
- السلسلة اللي إنت جايبها لي بعد ما رجعنا لبعض انكسرت يا چو.
امتلأت عيونها بلمعات الدموع وذلك لمكانة السلسال لديها. هدأها بقوله وهو يتناولها منها:
- ما تزعليش يا حبيبتي هصلحها لك.
تمعن بالنظر عليها فوجد خللًا بسيطًا بالقفل الخاص بها. ضغط عليه بأسنانه وعاد لمكانه. اشتدت سعادتها، وبلحظة كانت تواليه ظهرها وترفع الحجاب مما أظهر جزءًا كبيرًا من مؤخرة العنق. استشاط غضبًا وأمسك كفها ينزله بعنف وهو يعنفها بسخط:
- إنتِ اتجننتي يا بيسان، معرية رقبتك والبيت مليان رجالة غريبة؟!
ارتبكت وتحدثت بنبرة متلبكة:
- ما أخدتش بالي، نسيت.
رمقها بنظرات حارقة أرعبتها فتابعت متأسفة:
- خلاص بقى، حقك عليا.
تابعت وهي تشير إلى تلك الغرفة:
- تعالى لبسها لي جوه هنا.
طالعها بهدوء قبل أن يجيبها متهربًا:
- حبيبتي الخطوبة خلصت خلاص، شيليها في شنطتك لحد ما آخدها لك للجواهرجي يأكد على القفل.
مطت شفتيها بحزن ثم نطقت بوجه عابس:
- الشنطة اديتها لمامي وبعتتها البيت عندنا مع ماجدة، وبعدين السلسلة دي مش بتفارق رقبتي من يوم ما جبتها لي، دي عليها اسمك يا چو.
تبسم لبرائتها وانسحب بجوارها إلى الغرفة وتوقف بالمنتصف. رفعت الحجاب وكشفت عن عنقها المرمري ليبتلع الشاب ريقه. لفها حول العنق وبدأ بغلق القفل جيدًا بأياد مرتبكة وصدر يعلو ويهبط من شدة اشتياقه لتلك الحبيبة. اعتدلت وباتت تتطلع داخل عيناها وبجرأة لفت ذراعيها حول عنقه تتعلق به وقامت بوضع قُبلة حنون فوق وجنتها وهي تقول:
- ميرسي يا حبيبي.
لم يشعر بحاله سوى وهو ينساق لنداء قلبه ويميل يلتقط شفتيها ويذوب معها داخل قُبلة فاق منها سريعًا حين وجد الباب مفتوحًا. لا يعلم ما حدث لعقله حين رأى عينيها وهي تطالبه بالمزيد من القبلات لتروي عطش روحها. بدون إرادة منه وكأن شيئًا خفيًا يقوده رَغمًا عنه. انسحب إلى زر الإنارة وقام بغلقه ليعود سريعًا إلى تلك الجميلة وبات يزيد من قبلاته النهمة لها مع ضمتها للقرب من قلبه. توقف سريعًا ثم همس بأذنها بنبرة زلزلت كيان الفتاة:
- يلا يا حبيبتي نخرج علشان محدش ياخد باله من غيابنا، كمان علشان زينة.
وافقته الرأي ولن يخفي عن حاله شعوره بالخجل الذي تملك منه، لكنه قدم الأعذار لحاله، فمنذ أن أعطى وعدًا إلى فؤاد لم يقترب عليها. والآن هو معها ولحالهما وثالثهما الشيطان. كاد أن يتحرك فباغتهما الصغير بالوقوف عند الباب وشاهد خيالهما من خلال إسقاط ضوء بسيط من الخارج عليهما.
زفر بقوة وهو يتذكر ما حدث. خرج من الغرفة بأياد مهدولة ليجد عزة تنتظره بأعين لائمة. أقبلت عليه وتحدثت بخوف الأم على نجلها:
- أنا عارفة إنك بتحبها، والبت حلوة وتستاهل، ومراتك ما قولناش حاجة.
وتابعت بلوم وعتاب:
- بس أبوها مأمنك عليها، وإنت طول عمرك قد كلمتك من وإنت عَيّل صغير، تقوم تخيب على كُبر؟!
نطق متأثرًا بصوت حزين:
- أنا مكسوف من نفسي قوي يا عزة، مش عارف هحط عيني في عين بابا إزاي بعد ما خليت بوعدي ليه وكسرت كلمته.
مررت كفها على رسغ الشاب وهي تقول بنبرة تقطر حنانًا للتخفيف عنه:
- الباشا بيحبك وروحه متعلقة فيك، غلاوتك عنده من غلاوة أمك، اطلع اتكلم معاه وقول له مش هعمل كده تاني.
أمسك كفها وقام بتقبيله ثم طالعها بنظرات حنون:
- ربنا يخليكِ ليا يا عزة.
- ابعد عن البت بيسان وخليك في مذاكرتك، أنا بقول لك أهو.
قالتها بتحذير جعله يدخل بنوبة من الضحك المهموم. خرج يتلفت بعينيه عن فؤاد فوجده يقف بجوار السور يتحدث إلى أحدهم عبر الهاتف. أقبل عليه وتوقف بعيدًا حتى انتهى من مكالمته واقترب ينطق بخزي:
- أنا عارف إنك زعلان مني وليك حق حتى ما تبصش في وشي، وبرغم كده أنا جاي أتأسف لك وهتحمل أي كلام تقوله لأن معاك كل الحق.
- على أساس إن عندك دم وهيأثر فيك الكلام؟!
قالها ساخرًا تعجب له يوسف فقد توقع ثورة غاضبة تنفجر بوجهه لينطق الآخر بحدة:
- عارف إنها زفت مراتك وعارف إن غصب عنك بتتشد لها، بس ده غلط وعيب يا يوسف.
وتابع بحذر مُحب:
- خاف على أختك ليترد لك فيها يا حمار، وبعدين مستعجل على إيه كتك خيبة؟!
وتابع وهو يرمقه بازدراء:
- ده أنا أول مرة أخدت أمك في حضني كان بعد جوازنا بشهرين.
أجابه ساخرًا كي يلطف الأجواء بينهما:
- طب ده إخفاق من جنابك، أنا ذنب أمي فيه إيه؟!
- ما تتلم يالا وتفهم الكلام.
اقترب عليه ثم مال يقبل كتفه وهو يقول باحترام:
- حقك عليا، وأوعدك مش هتتكرر تاني.
تحدث مستسلمًا:
- وحياة أمك إيثار لو قعدت تحلف لي من هنا للسنة الجاية ما هصدقك، ما إنت وعدتني يا حبيبي ولسه قافشك من قفاك، ولولا ستر ربنا عليك كان زمان مالك مطلعك مسرح قدام الضيوف وفاضحك فضيحة السياسي لما يخرج من منصبه.
ارتفعت قهقهاته بسعادة لمرور الموقف على خير. أقبلت عليهما إيثار وتحدثت بابتسامة:
- ما تضحكوني معاكم.
احتوى فؤاد كتفها وبات يغمرها بكلماته المعبرة عن غرامه لينسحب يوسف وسأل فريال عن بيسان أبلغته أنها شعرت بدوار فعادت للمنزل. حزن لأجلها وعلم أنها فضلت الهروب من أمام فؤاد. انتهت السهرة وانصرف الضيوف، وتحرك يوسف وزينة عائدين إلى منزلهما.
داخل منزل ذاك الصيدلي معدوم الضمير، دكتور فريد، يجلس بجوار صغيره الوحيد صاحب السبعة أعوام، المسطح فوق الفراش بجسد هزيل مريض من غير حول منه ولا قوة. فبعد ما فعله فريد بتلك المسكينة أزهار وخلط المرض بدواء الفيتامين وحقنها به، انقلبت حياته رأسًا على عقب. حيث بدأ نجله يشعر بهزلان وفقدان وزن وارتفاع حرارة دائمة. فبدأ بعرضه على طبيب الوحدة المحلية، وعندما فشل في التشخيص ذهب لأكثر من طبيب حتى وصل لاستشاري كبير في القاهرة. وهنا اكتشف الكارثة الكبرى، الصغير مصاب بسرطان الدم، والصدمة الكبرى أن المرض بالمرحلة الرابعة، أي الأخيرة، ولا أمل من الشفاء، هكذا أخبره الطبيب. كان ينظر لجسد نجله الذي أصبح نحيلًا هزيلًا بفترة قصيرة، نزلت دموعه تسري على وجنتيه وحل بقلبه الحسرة والألم والندم. رفع رأسه وتحدث هامسًا إلى الله باعتراض وعدم أدب مع الله:
- ليه يارب تختار لي العقاب الصعب ده؟ طب أنا اللي غلطت، كنت عاقبني أنا وسيب ابني.
حضرت والدته من منزلها للاطمئنان على الصغير فوجدت نجلها يبكي، وضعت كفها تحتوي كتفه وهي تقول بأسى وحزن يشق قلبها على حفيدها الوحيد:
- اجمد امال يا فريد واذكر الله، متعملش كده قدام الواد، صدقني هيصحى ويبقى كويس.
حرك رأسه بيأس لتيقنه من عدم صحة حديثها، فقد وصل الصغير لأواخر المرحلة وهو الآن في مرحلة الاحتضار، وفي انتظار عودة الأمانة إلى بارئها.
خرجت والدة الزوج واتجهت للأم المتواجدة بغرفة صنع الطعام، حيث تصنع حساءً ساخنًا للصغير بدموعها المنهمرة التي تحاكي حال قلبها المتمزق. هتفت المرأة لائمة زوجة الابن بنحيب وتبكيت:
- ياما قولت لك تشوفي نفسك وتجري على الخلفة علشان تخاوي الواد مسمعتيش كلامي، أهو حتة الواد اللي حيلتكم بيروح منكم واحنا واقفين متكتفين.
شهقت الأم وتحدثت بدموعها الأليمة:
- الله يخليك يا خالتي أنا مش متحملة، كفاية عليا اللي أنا فيه الله لا يسيئك.
وتابعت تذكرها:
- وبعدين أنت بتكلميني كأن أنا اللي فيا عيب الخلفة وهجري عليه، أنت ناسيه إن فريد هو اللي عنده المشكلة علشان كده الدكتور قالنا إن مستحيل يحصل حمل طبيعي.
نطقت المرأة وهي تشيح بكفها بحدة وآمر:
- خلاص، يبقى تحجزوا كشف عند الدكتور بكرة وتروحي علشان يشوف لكم موضوع الحقن المجهري زي ما حصل مع علي.
اتسعت عينيها ذهولًا من قسوة تلك المرأة والآلية التي تتحدث بها دون الالتفات للمشاعر الإنسانية وما تشعر به تلك المكلومة من حسرة على صغيرها:
- أنت بتقولي إيه يا خالتي، دكاترة إيه وحقن مجهري إيه اللي عاوزاني أعمله وابني في الظروف دي؟!
وتابعت بإبانة تذكرها بما حدث بالماضي:
- أنت ناسيه لما عملت الحقن في علي قعدت شهور الحمل كلها راقدة على ظهري علشان الحمل يثبت.
ثم صمتت وتذكرت قبل عام حين ذهبت لزيارة الطبيب بصحبة زوجها فريد لتكرار تجربة الحمل مرة أخرى، وحديث الطبيب بعدما أجرى لهما جميع الفحوصات اللازمة، فقد أخبرهما بأسف أن فريد لم يعد باستطاعته الإنجاب مرة أخرى بسبب تشوه الأجنة والإصابة ببعض الالتهابات والمشاكل الأخرى التي فرضت استحالة الإنجاب لديه مرة أخرى.
داخل شركة الزين.
تم ضبط مخالفات خطيرة من قبل محاسبين ومحامين الشركة مما يضر بالشركة ويعرضها لخسارة مالية فادحة، وإثبات تورط سميحة بالتعمد لجلب الضرر. وعندما وصل الأمر إلى إيثار على الفور أبلغت فؤاد وأودعت بين يديه التصرف بذاك الملف الحساس. اتصل فؤاد بعمه أحمد وطلب عقد اجتماع عاجل ومصغر يختصر على أفراد العائلة فقط لحساسية الأمر وخصوصيته. اجتمع فؤاد وأحمد وإيثار وبسام وأيضًا سميحة التي صرخت بعدما عرض فؤاد التهم الموجهة إليها من قبل المحاسبين والمحامين المعينين بالشركة والمعنيين بدراسة ومراجعة أي أوراق أو اتفاقات مبرمة خاصة بالشركة، هتفت بصياح وجنون رافض:
- أنا لا يمكن أقبل أسلوب التشكيك اللي بتكلمني بيه ده يا فؤاد.
وتابعت محذرة وهي تشير بسبابتها:
- أنت كده بتوجه لي اتهام صريح بالتواطؤ والرشوة، وده اتهام لا يمكن أقبله منك أو من غيرك.
نطقت إيثار في دفاع عن زوجها الغالي:
- سيادة المستشار ما وجهلكيش أي اتهام يا دكتورة، إحنا مجتمعين النهارده علشان نسمع تفسيرك على بنود الصفقة اللي تمت عن طريقك وبموافقتك وإمضائك.
هتفت بتهديد ووعيد تحت استغراب الجميع وهم يرون اشتعال عينيها:
- أنت متتكلميش خالص ولا صوتك يطلع.
وتابعت بإهانة:
- المفروض إن ده اجتماع عائلي يعني سيادتك ملكيش مكان بينا.
- عندك يا سميحة... قالها ذاك الأسد بإشارة من كفه وهو يدافع عن أنثاه ليتابع بشراسة وحدة ظهرت بنبرات صوته الخشن:
- يا ريت تلتزمي بالهدوء وآداب الحوار بينا ده أولًا، أما بقى بالنسبة لتفسير أستاذة إيثار فهو نابع من حرصها على عدم تفكك أعضاء مجلس الإدارة والوصول لحل عن طريق المناقشة بهدوء وإيضاح كل النقاط أمام الجميع.
واسترسل بصرامة وحدة ظهرت بعينيه المحتدمة:
- أما بقى بالنسبة لعيلة الزين وخصوصية الاجتماع فأحب أفكرك إن اللي بتوجهي لها الكلام دي تبقى مراتي، وأم أحفاد عيلة الزين، يعني عضو مؤصل وليه جذور ثابتة في العيلة.
كانت تستمع إليه وعروق جسدها بالكامل تتنافر غضبًا، بينما والدها وشقيقها لا يجدان ما يدافعان به عن تلك المندفعة التي تحركها كراهيتها وحقدها الظاهر للأعمى على تلك الإيثار. لقد عانى أحمد كثيرًا من رؤيته عشق ابنته لابن عمها الذي يعتبرها شقيقه ثانية له، بينما هي ما زال عشقه يجري بشريانها كالدماء إلى الآن. أمسك بسام الملف وقلب بأوراقه بين يديه، بات يتمعن بالإمضاء وسألها وهو يعرض أمام ناظريها أحد الأوراق:
- دي إمضتك يا سميحة؟
نطقت متلعثمة:
- أيوة فعلًا إمضتي، وأنا فعلًا اللي مررت الصفقة وخلصت كل الأوراق بتاعتها، بس ده كان تحت إشراف المحامي.
قطع حديثها فؤاد الذي نطق بجدية:
- المحامي نفسه هو اللي اتصل بيا وبلغني بعد ما وصل الملف لأستاذة إيثار وشاف فيه مخالفات تخسر الشركة فلوس كتير جدًا، وممكن تعرضها للإفلاس لو ملحقناش الوضع قبل ما يتفاقم يا دكتورة.
سألته بتلعثم:
- قصدك إيه يا فؤاد، إن أنا بلعب لحسابي وباخد رشاوي من العملاء علشان أمرر الصفقات؟!
- أنا مقولتش كده... نطقها نافيًا لتقاطعه سريعًا بمهاجمة:
- كلامك ملهوش معنى تاني؟
أجابها بجدية:
- وليه ما افترضتيش خيار الإهمال وعدم تحملّك للمسؤولية؟!
ازدردت لعابها لأن هذا ما حدث بالفعل، هي لم تعطِ للعمل حقه ولم تقرأ بتمعن وجدية بنود العقد وتدرسها كما يجب أن يحدث، بينما قامت بوضع توقيعها استنادًا لرأي المحامي، في حين أبدل أيهم نسخة العقد المخالف الذي أعطاه له فؤاد في وقت سابق وهو بطريقه إلى مكتب سميحة لوضع التوقيع الأخير عليه عن طريق السكرتيرة التي أخذت أوامرها من فؤاد علام مباشرة. بعد المناقشات والمداولات التي كشفت عن تقصير سميحة بالعمل ووضعها في خانة الشك للجميع، قرر أحمد إبعادها عن الشركة نهائيًا وأن عليها تقديم استقالتها غير المسببة الآن، مما جعلها تدخل في حالة من الهياج المعترض:
- حضرتك كده بتظلمني يا بابا، وبتديهم الفرصة يتكلموا عني ويشكوا فيا وفي ذمتي وضميري؟!
- سميحة... قالها الرجل بحزم ليتابع بشراسة وحسم لقراره حرصًا على إنقاذ حياة ابنته الزوجية:
- أنت هتنفذي الأوامر ومن غير نقاش، ويكون في علمك، أنت مش بس هتسيبي الشركة، أنت هتسيبي مصر كلها وترجعي على دبي مع جوزك وأولادك.
اتسعت عينيها لتنطق بذهول:
- ده حضرتك عاوز تخلص مني بقى؟!
نطق بصرامة ليحثها على الصمت والعودة إلى العقل:
- اعقلي وسيبك من شغل المراهقين والعند بتاعك ده، حياتك ومستقبلك هناك في دبي، ارجعي استأنفي شغلك هناك وخلي جوزك يرجع لشغله، عيالك نفسهم مش مرتاحين هنا، يبقى إيه اللي يجبرك على القعدة في مصر؟!
تطلعت إلى فؤاد بنظرات متألمة متأملة ولو لنظرة من عينيه يخبرها من خلالها أنها خطرت ولو لمرة على باله ولام حاله على خسارتها، استشاطت داخل تلك الأنثى الشرسة وهي تشاهد نظرات الوله والغرام تقفزان من مقلتي تلك الوقحة عديمة التربية إلى زوجها، بينما فؤاد منشغلًا بقراءة أوراق العقد وبنوده ولا يبالي لنظراتها ولا لوجودها من الأساس. لاحظ أحمد تعدي نجلته حدود الأدب فهتف بقوة وغضب ظهر بعينيه المستشاطة:
- الاجتماع انتهى، قومي لمي حاجتك وروحي.
صمت مريب من الثلاثة تحت احتدام قلبها، فقررت الصراخ وهي تتشبث بفرصة أخيرة:
- بس قرارك ده فيه ظلم ليا وتعنت يا بابا.
وتابعت تشير على شقيقها المستمع الصامت منذ بداية الاجتماع:
- حضرتك ليه مأخدتش موقف زي ده ضد بسام لما غلط بدل المرة اتنين وكان هيضيع الشركة خالص؟!
- أولًا، لأن بسام معملش كارثة خسرت الشركة ملايين زي ما إنتِ عملتي، وثانيًا وده الأهم هو إن ده شغل بسام الأساسي وشركة عيلته وأولاده من بعده، ولازم يدير نصيبه لنفسه ويتعلم ويكبر فيه، لكن إنتِ من أول يوم مسكتي فيه هنا وإنتِ دخيلة على الشركة لأن ببساطة ده مش مجالك ولا بتفهمي فيه.
وتابع الرجل مستشهدًا:
- والدليل على كلامي هي النتيجة الكارثية اللي وصلنا لها.
وقف فؤاد وتحدث وهو يميل على رأس عمه ليضع فوقه قبلة احترام:
- بعد إذن حضرتك يا عمي، أنا هروح مكتب إيثار أنا وبسام علشان نقابل المحامي ونشوف هنقدر نحجم خسارتنا إزاي، ونشوف الإجراءات والتدابير اللي ممكن نتخذها علشان نحمي بيها الشركة بعد الثغرات الكارثية اللي اتذكرت في العقد.
وقف أحمد وتحدث بحسم وقوة وهو يطالع ابنته:
- خليك هنا أنت وبسام وإيثار وشوفوا شغلكم.
وتابع:
- سميحة هتروح على مكتبها لآخر مرة علشان تلم حاجتها الشخصية وتكتب استقالتها علشان تقدمها لإيثار وتمضي عليها.
نزلت دموعها وتطلعت على الجميع قبل أن تلقي بنظرات ساخطة وتنطلق بحدة بطريقها إلى الخارج.
لملمت أشيائها وقامت بتقديم استقالتها اتباعًا لأوامر والدها، وانتهى الاجتماع على خير وخسارة الشركة بعض الخسائر المالية، أصر فؤاد بتحملها جميعًا تحت اعتراض أحمد لكنه بالنهاية رضخ بعد إصرار فؤاد العجيب الذي يعود لتحمله نتيجة ما حدث بتخطيط منه.
بعد قليل خرج فؤاد وتوقف داخل الممر مع أيهم ليقول له باستحسان وثناء على ما قام به من خطة محكمة الدهاء:
- برافو عليك يا أيهم، الخطة اتعملت بذكاء لدرجة إن مفيش مخلوق شك ولا سميحة نفسها.
تحدث أيهم بعملية:
- هتشك إزاي يا باشا وهي مقصرة وعاملة كارثة فعلًا، ده لولا إهمالها واعتماديتها على المحامي وغيره من الموظفين في مراجعة البنود كانت كشفتنا ومكنتش الخطة تمت بالسلاسة دي، صدقني لو ده محصلش بتدبير منك كانت فعلًا الشركة اتعرضت لكارثة على إيد الدكتورة، لأن للأسف كل الشركة عارفة عدم مهنيتها في الشغل.
نطق فؤاد بإيضاح:
- متنساش إني عامل حساب للنقطة دي كويس وعلشان كده مسلمتهاش منصب إداري إلا آخر شهرين لما قررنا نرخي لها الحبل اللي هتلفه حوالين نفسها، خصوصًا إن من غبائها هي اللي طلبت ده وألحت علينا نسلمها بعض المهام الإدارية علشان تتساوى بإيثار.
واسترسل ضاحكًا:
- بعد ما أنت تعمدت تضايقها وترمي لها في وسط الكلام أهمية دور إيثار القيادي.
ضحك وتذكر تنفيذه للخطة ثم تحدث بثناء:
- الله أكبر عليك يا سيادة المستشار، دماغك توزن بلد، رسمت لها خطة ورخيت لها الحبل لحد ما شنقت نفسها بيه.
همس فؤاد بحرص عندما وجد إقبال زوجته عليهما:
- اسكت علشان إيثار جاية بدل ما تشك فينا ودي حنبلية، يعني ممكن تقلب لنا الدنيا.
نطقت بابتسامة لغالياها:
- واقفين بره ليه؟!
- مفيش، كنت بسأل أيهم عن أحوال عزيز ووجدي.
أومأت بتفهم وتحدثت إليه:
- طب يلا يا حبيبي علشان نروح للأولاد.
وتابعت لشقيقها:
- عاوز حاجة يا أيهم؟
- سلامتك يا حبيبتي.
قالها وانصرفت بجانب حبيبها الذي أصبح مطمئنًا على أمانها بعدما أبعد تلك الغبية عن الشركة بل البلد بأكملها وذلك عقابًا لها على التواطؤ في أذيتها مع تلك الـ رولا.
****
عودة من جديد إلى محافظة كفر الشيخ.
تحديدًا داخل منزل أزهار، فتح نجلها الباب ليجدها متسطحة باستسلام فوق السرير، تطلع على صينية الطعام ليجد الصحون كما هي لم تُمس، زفر بضيق واستسلام وهو يقول:
- برضه مش عاوزة تأكلي.
لم ير منها سوى عينين مفتوحتين ويد تُحرك حبات سبحة بين أناملها بتسلسل مع حركة خفيفة لشفاه زرقاويتان من شدة المرض الذي بدا عليها بشدة مع تزامن انقطاعها عن الطعام.
زفر بحدة ليتابع والدموع تحجرت بمقلتيه لأجلها:
- إنتِ بتعملي في نفسك وفينا كده ليه، كلي وخدي علاجك علشان تقدري تصلبي حتى طولك، ولا عاجبك رميتك دي على السرير زي الجثة؟!
خرج منها صوتًا ضعيفًا مستسلمًا لم يعد يريد أن يحيا بين هؤلاء من يدعون أنهم بشر، وما هم أكثر من مجموعة من الذئاب لا تملك من الرحمة ولا الإنسانية مثقال ذرة:
- المفروض تفرح إني بعجل بموتي علشان أدفن وتدفن معايا فضيحتي، وتقدر ساعتها تعيش حياتك إنتِ وإخواتك براحتكم.
صرخ بانهيار وقد شعر بعدم قدرته على التحمل أكثر:
- كفاية بقى، كفاية حرام عليكِ، إنتِ ليه مش حاسة بيا ولا بالنار اللي جوايا، أنا اتنفيت وانكتب عليا الحبس زيي زيك بالظبط، الفرق بينا إنك محبوسة في أوضتك وإرادتك، لكن أنا محبوس جوه نفسي وبالغصب كمان.
وضعت كفيها تغلق بهما أذنيها مما زاد من غضبه وانشقاق قلبه عليها، خرج مندفعًا لتقابله زوجته وهي تسأله:
- مكلتش برضه؟
هز رأسه بنفي وظهر الأسى فوق محياه فسأله شقيقه الصغير:
- طب والعمل، هتسيبها كده كتير، دي كده بتنتحر.
تنفس قبل أن ينطق بعدما عزم الأمر:
- أنا رايح الصيدلية أجيب البنت اللي شغالة مع الدكتور فريد تعلق لها محلول يغذي جسمها، وبالمرة أجيب منه حقنة الفيتامين اللي بتاخدها عنده كل شهر.
****
بعد قليل كان يقف داخل الصيدلية لتستقبله الفتاة وهي تقول:
- أومر يا أستاذ.
دار بعينيه ونظر على ذاك الصيدلي يتطلع عليه وهو يضع رأسه بين كفيه والهم والحزن يقفزان من منظر تنكيس رأسه.
نطق قاصدًا إياه كي ينتبه:
- السلام عليكم يا دكتور فريد.
رفع رأسه بإرهاق يتطلع على صاحب الصوت وما أن رآه حتى انتفض جسده وأصابته الرعشة، تمالك من حالة جلد الذات وتحدث:
- وعليكم السلام.
نطق الرجل:
- كنت عاوز أستأذنك تديني جلوكوز للحاجة أمي لأنها مانعة الأكل.
وتابع وهو يشير إلى الفتاة:
- والأنسة مهجة تيجي معايا تركبه لها.
ارتعب جسد الفتاة ونظرت للطبيب تحرك رأسها بإشارة رافضة ونظرات زائغة مرتعبة، شعر الرجل بطعنة خنجر مدبب في وسط قلبه وأصابته خيبة الأمل من رد فعل الفتاة، ولما سيلوم عليها وجميع أهل البلدة أصبحوا يتعاملون معهم على أنهم وباء يجب الابتعاد عنه.
تنهد الطبيب وتحدث ببقايا ضميره الذي استيقظ بعدما ابتلي نجله الوحيد بذاك المرض القاتل:
- أنا هاجي أركب لها المحلول بنفسي.
وكأنه أحيا روحه فهتف بلهفة وحماس ظهر بصوته:
- ربنا يسترك دنيا وآخرة يا دكتور، ومعلش ليا طلب كمان، ياريت تجهز حقنة الفيتامين اللي أمي كانت بتاخدها عندك كل شهر.
بمجرد الاستماع إلى حديث الشاب ذكره بقذارة ما قام بفعله في تلك المسكينة، شعور يلح عليه بأن يصرخ معترضًا ويقوم بتكسير كل شيء من حوله، ليت الزمان يعود به ما كان سمح لنفسه باتباع "شر البلية" "عمرو" و"إجلال" والانجراف وراء خطتهما الحقيرة، ربما لو تخلى عن المال الحرام وكف عن أذية المرأة لكان نجله الآن بصحة تامة كما كان.
بعد قليل توجه فريد وخطى بساقيه إلى حجرة أزهار، شعور بالمرارة أصابه وبات ضميره يصرخ وهو يرى حالة المرأة، حمل نفسه كامل الذنب فيما وصلت إليه تلك المسكينة من حالة صحية بجانب فضيحة لم يسبق وتعرضت لها حتى من هُن يسلكن طريق الشيطان كـ سمية وغيرهما من الزانيات الخاسرات لدينهن ودنياهن وآخرتهن إن لم يتوبن لله توبة نصوحة قبل أن توافيهن المنية.
اقترب عليها وارتدى قفازات اليد لحمايته ثم تحدث وهو يجهز المحلول:
- إزيك يا ست أزهار.
لم تجبه لحالتها المزرية وزهدها لجميع مظاهر الحياة فتابع بقلب يصرخ لأجلها:
- ناوليني إيدك علشان أعلق لك الكانيولا.
بعد قليل كان يقف داخل الصيدلية لتستقبله الفتاة وهي تقول:
- اؤمر يا أستاذ.
دار بعينيه ونظر على ذاك الصيدلي يتطلع عليه وهو يضع رأسه بين كفيه، والهم والحزن يقفزان من منظر تنكيس رأسه، نطق قاصدًا إياه كي ينتبه:
- السلام عليكم يا دكتور فريد.
رفع رأسه بإرهاق، يتطلع على صاحب الصوت وما أن رآه حتى انتفض جسده وأصابته الرعشة، تمالك من حالة جلد الذات وتحدث:
- وعليكم السلام.
نطق الرجل:
- كنت عاوز استأذنك تديني كلكوز للحاجة أمي لأنها مانعة الأكل.
وتابع وهو يشير إلى الفتاة:
- والآنسة مهجة تيجي معايا تركبه لها.
ارتعب جسد الفتاة ونظرت للطبيب تحرك رأسها بإشارة رافضة ونظرات زائغة مرتعبة، شعر الرجل بطعنة خنجر مدبب في وسط قلبه وأصابته خيبة الأمل من رد فعل الفتاة، ولماذا سيلوم عليها وجميع أهل البلدة أصبحوا يتعاملون معهم على أنهم وباء يجب الابتعاد عنه. تنهد الطبيب وتحدث ببقايا ضميره الذي استيقظ بعدما ابتلي نجله الوحيد بذاك المرض القاتل:
- أنا هاجي أركب لها المحلول بنفسي.
وكأنه أحيا روحه فهتف بلهفة وحماس ظهر بصوته:
- ربنا يسترك دنيا وآخرة يا دكتور، ومعلش ليا طلب كمان، ياريت تجهز حقنة الفيتامين اللي أمي كانت بتاخدها عندك كل شهر.
بمجرد الاستماع إلى حديث الشاب ذكره بقذارة ما قام بفعله في تلك المسكينة، شعور يلح عليه بأن يصرخ معترضًا ويقوم بتكسير كل شيء من حوله، ليت الزمان يعود به ما كان سمح لنفسه باتباع "شر البلية" "عمرو" و"إجلال" والانجراف وراء خطتهما الحقيرة، ربما لو تخلى عن المال الحرام وكف عن أذية المرأة لكان نجله الآن بصحة تامة كما كان.
بعد قليل توجه فريد وخطى بساقيه إلى حجرة أزهار، شعور بالمرارة أصابه وبات ضميره يصرخ وهو يرى حالة المرأة، حمل نفسه كامل الذنب فيما وصلت إليه تلك المسكينة من حالة صحية بجانب فضيحة لم يسبق وتعرضت لها حتى من هن يسلكن طريق الشيطان كـ سمية وغيرها من الزانيات الخاسرات لدينهن ودنياهن وآخرتهن إن لم يتوبن لله توبة نصوحة قبل أن توافيهن المنية. اقترب عليها وارتدى قفازات اليد لحمايته ثم تحدث وهو يجهز المحلول:
- إزيك يا ست أزهار.
لم تجبه لحالتها المزرية وزهدها لجميع مظاهر الحياة فتابع بقلب يصرخ لأجلها:
- ناوليني إيدك علشان أعلق لك الكانيولا.