تحميل رواية «انا لها شمس» PDF
بقلم روز امين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
شخصيات رواية «أنا لها شمس» عائلة غانم الجوهري البطلة: إيثار غانم الجوهري، تبلغ من العمر ثمانية وعشرين عامًا، ممشوقة القوام، تمتلك جسدًا أنثويًا تُخفِي معالمهُ خلف الثياب العملية التي ترتديها دائمًا، والمكونة من بِذل نسائية كلاسيكية، مما أعطاها مظهرًا جادًا أكدته تلك النظارة الطبية التي ترتديها، بجانب رسمها للجدية فوق ملامحها، تمتلكُ عينين واسعتين ذات أهدابٍ كثيفة، مما جعل من عسليتيها ساحرة لمن ينظر بهما، رغم اكفهرار ملامحها طيلة الوقت، تخرجت من كلية التجارة قسم إدارة أعمال لتعمل مديرة مكتب لشركة...
رواية انا لها شمس الفصل الحادي والستون 61 - بقلم روز امين
داخل منزل عمرو البنهاوي، خرجت رولا من غرفة إعداد الطعام تتحرك بغنج وجسد رشيق، تتقدم تلك العاملة التي تحمل بين يديها بعض الكؤوس الممتلئة بمشروب بارد، أقبلت على والدة زوجها التي تحمل سليم الصغير فوق ساقيها وتداعبه بمحبة ودلال مفرط يرجع لعشقها الهائل لأحفادها الذكور وبالأخص أنجال نجلها المفضل عمرو، برغم عدم ارتياح رولا لتلك الإجلال ونظراتها المريبة التي تشملها بها منذ أن حضرت بالصباح، إلا أنها استقبلتها بحفاوة داخل منزلها إكرامًا لزوجها الذي اختارته بالقلب قبل العقل.
نطقت وهي تتقدم العاملة:
أهلًا وسهلًا فيكِ يا ماما.
وتابعت بابتسامة صافية مشيرة للعاملة:
تعي يا إلينا، قدمي العصير للماما.
طالعتها بنظرات يملؤها الازدراء وعدم القبول لشخصها، فمنذ اللحظة الأولى التي وطأت بقدميها المنزل صباح اليوم، وهي تتطلع عليها بنظرات يملؤها عدم القبول والاحترام وذلك لطبيعة ثيابها العارية وطريقة تفكيرها المتحررة والتي لن تنال بها إعجاب تلك الشمطاء.
نطقت بصوت حاد تصحبه نظرة ساخطة كمن تنظر لألد أعدائها:
بقول لك إيه يا أختي.
أمعنت الأخرى النظر لتنطق باحترام:
إيه ماما؟
لوت تلك المتجبرة فاها لتتابع بتهكم واضح:
كلمة ماما دي تبطليها، مبحبهاش.
وتابعت ساخرة:
بتجيب لي كرشة نفس.
استدعت الكثير من الصبر لتتحمل تلك المستفزة لتبتسم وهي تسألها بمنتهى الهدوء:
شو حابة إلك لأئلك اللي بترتاحيلو؟
بوجه متجهم هتفت بسخط واستنكار:
يختي أنا مش فاهمة حاجة من كلامك الملخفن ده، ما تكلميني عدل زي ما بكلمك.
أخذت تقلب عينيها بضجر قبل أن تأخذ نفسًا مطولًا كي تستطيع ضبط انفعالاتها كي لا تنفجر بوجهها، لتسألها ببرود:
شو يلي ما فهمتيه من حديثي لحتى فسر لك إياه يا ماما؟
بنفاذ صبر هتفت الشمطاء:
أول حاجة تبطلي كلمة ماما دي.
شو بدك إلك؟ قالتها لتتراجع سريعًا وهي تقول في محاولة منها لتفسير حديثها باللهجة المصرية في خطوة ذكية منها:
أنتِ حابة أقول لك إيه؟
ابتسامة ساخرة خرجت من جانب ثغرها لتنطق متهكمة:
طب ما أنتِ حلوة وبتعرفي تتكلمي زينا أهو! كان ليه بقى عوجة اللسان دي من الأول؟
انتفخت أوداجها لتنطق بتململ، فقد باتت على وشك فقدان صبرها على احتمال تلك المرأة البغيضة وطباعها البشعة، لتنطق بحدة بعض الشيء أظهرت بداية فقدانها للسيطرة:
ما تتوقعي إني رح كلمك بالمصري عطول، هايدي لكنتي وفيكي تتقبليها وتحاولي تفهمي شو بدي إلك.
وتابعت بحنق يرجع لرفضها أسلوب تلك المتعجرفة:
ماني مضطرة أضغط ع حالي لحتى راضيكي يا...
توقفت وتابعت تسألها متهكمة:
ما قلتِ، شو بدك إنده لك؟!
ستهم، إندهي لي بستهم. قالتها بحدة لترد تلك الداهية بنفس طريقة الشمطاء المتهكمة:
شو، اسم الله عليكي، فهمتي عليّ من غير ما فسر لك.
احتدت ملامحها وكادت أن تنهرها ليقطع اندماجها ذلك الرجل ضخم البنيان الذي ولج من باب المنزل ليقول بصوت متحشرج قوي:
الأمانة وصلت يا ستهم.
تنفست بصوت عالٍ كي تكبح جماح غضبها بسبب تلك التي لم تقدم لها فروض الولاء والطاعة، لتنطق بصرامة للرجل:
دخلوها.
أشار بكفه للخارج وما هي إلا ثوان ودخل رجلان يرتديان ملابس رسمية "بدل" باللون الأسود، بنفس ضخامة الرجل الذي سبقهما، تتوسطهما فتاة يبدو عليها الهلع من نظراتها المذعورة وهي تتلفت حولها يمينًا ويسارًا بأعين زائغة.
صرخت الفتاة وهي تحاول التملص من بين قبضات هذين الثورين:
سيبوني حرام عليكم، أبوس أيديكم رجعوني من مكان ما أخدتوني.
هتفت رولا تسأل الرجال وقد أصابتها حالة من الذهول:
مين هيدي البنت، وليش عاملين فيها هيك؟!
الموضوع ما يخصكيش يا مرات ابني. قالتها إجلال لتضع قدمًا فوق الأخرى وهي تتابع مسترسلة لتشير إلى هؤلاء الرجال الذين وضعهم عمرو بأمرتها للحماية في القرية وتنفيذ أوامرها:
دول رجالتي والبت دي تخصني.
بحدة هتفت مستنكرة:
كيف ما بيخصني وأنتِ وهادول التيران مفوتين هالبنت عبيتي كأنها مخطوفة؟!
للحظة شعرت الفتاة بأن تلك المرأة الشقراء هي خلاصها من بين أيادي هؤلاء الذئاب التي لا تدري إلى الآن ما المغزى من وراء خطفها أو من هم بالأساس.
صرخت مستنجدة بها:
أنا فعلًا مخطوفة، الناس دول خطفوني من العربية وأنا مروحة على بيتي.
وتابعت بنظرات مترجية:
أبوس إيدك رجعيني لأخويا.
اتسعت عينا رولا لتهتف بذهول وهي تتطلع نحو إجلال:
يا الله، صحيح يلي عم تقوله هالبنت؟
لم تعر حديثها أي اهتمام وتحدثت إلى الفتاة تسألها بتجاهل تام للأخرى:
أنتِ زينة؟
أومأت عدة مرات بفزع وما زالت تحاول الفكاك لتتابع الأخرى بطمأنة وهي تتطلع على ملامحها وثيابها المرتبة:
ما تخافيش، أنتِ لا مخطوفة ولا دياولو.
وبنبرة جافة تحدثت:
أنا جدتك إجلال.
ارتعب داخل الفتاة أكثر لعلمها إجرام تلك المتجبرة وعدم تقبلها لها منذ أن جاءت للحياة.
نطقت من جديد وهي تعطي أوامرها للرجال:
سيبها يا بغل منك ليه واطلعوا على برة.
تركوا الفتاة وخرجوا لتهتف وهي تشير بجانبها:
تعالي يا بت اقعدي جنبي.
ابتلعت زينة ريقها وتسمرت لتفزع بهلع حين استمعت لصياح إجلال:
مالك متخشبة زي اللوح كده ليه؟
وتابعت وهي ترمقها:
واخدة نفس تناحة أمك سمية الله يجحمها مطرح ما راحت.
نزلت دموع الفتاة قهرًا جراء الإهانة التي تعرضت إليها بينما تحركت تجر ساقيها كي لا تعرض حالها للمزيد من الإهانات، بينما أشرفت الأخرى على حافة الجنون لتسأل بغضب:
يا الله رح جن، عقلاتي ما عم يستوعبوا يلي عم يصير هون، فيكِ تفهميني مين هالبنت وليش جايبتيها بهالطريقة؟
وصاحت بحدة تستدعي العاملة:
ألميرا تعي بليز.
أتت الفتاة مسرعة لتشير الأخرى بهلع:
خدي سليم ونور وطلعيهم ع غرفهن.
وتابعت بإشارة تحذيرية:
وما بتنزليهن لهون لحتى أنا إلك.
أخذت العاملة الصغار تحت غضب وحدة إجلال لكنها فضلت الصمت كي لا تفتعل المشاكل لنجلها مع تلك المرأة القوية، جاورت الفتاة جلوس جدتها مع اتخاذها للحذر.
أعادت رولا سؤالها مرة أخرى بلهجة أكثر حدة وعينان تطلق شزرًا يوحى لوصولها لمنتهى الاستفزاز والغضب:
هلأ بتقولي لي مين هاي البنت، وإلا وحياة البابا أتصل بالدرك لييجو ويتابعوا هنن الموضوع؟
لم تفهم مغزى حديثها لذا نطقت تجيب على أسئلة تلك الحانقة بهدوء:
دي زينة بنت جوزك.
شو؟! قالتها متعجبة لتتابع:
بنته لمين؟
بنت جوزك يختي. قالتها بفقدان صبر لتتابع مستنكرة:
أنتِ طارشة ولا إيه حكايتك؟
بصوت منخفض وعقل مشوش سألتها:
بنته لعمرو بتقصدي؟
رفعت حاجبها للأعلى لتنطق متهكمة:
هو أنتِ عندك جوز غيره يا معدولة!
حركت رأسها بذهول وتيه لتنطق بعدم استيعاب:
شو يعني بنته، هو ما جاب غير يوسف من هيديك المرة يلي اسمها إيثار، هيك حكالي.
أجابتها بلامبالاة عن جهل:
مهي دي مش بنت المحروقة إيثار، دي بنت الحرباية سمية، مراته التانية.
جحظت عيناها وانتفض جسدها لتسري به نارًا اشتعلت لتوها وهي تقول:
شو، مرته التانية؟! ليش ابنك كان عنده مرة تانية؟!
ضحكت المرأة عندما تيقنت عدم إخبار نجلها لتلك الشقراء عن زواجه الثاني لتنطق من بين قهقهاتها الشامتة:
لهو أنتِ ما كنتيش تعرفي؟
لا، لهلأ ل عرفت، حضرة المحترم ابنك ما قلي، بس وحياة البابا... قطع صراخها الحاد دخول عمرو مصطحبًا شقيقه حسين وعائلته، لينسحق عندما شاهد تلك المنكمشة على حالها تنهمر دموعها بصمت مرير، لتهتف مروة التي هرولت إلى الفتاة كي تحتوي هلعها:
زينة، اسم الله عليكِ يا بنتي، مالك؟
ألقت الفتاة حالها داخل أحضان مروة لتدفن رأسها بهروب من الجميع، بينما نطق عمرو بذهول وعدم استيعاب لما يحدث:
مين اللي جاب زينة هنا يا ماما؟
أنا اللي خليت رجالتي يجبوها. قالتها بقوة لتتابع غير عابئة بما جلبته من مصيبة لنجلها:
مفيش حد هيجيب يوسف هنا غيرها.
ابتلع عمرو ريقه وتيبس جسده منتظرًا جحيمه المحتوم، بينما هرول حسين على والدته التي شعرت بحنين لذاك الابن حيث لم تراه عيناها منذ أن خرج من القرية منبوذًا هو وشقيقاه.
جثا على ركبتيه ليميل على كف يدها يقبله لينطق بكلمات صادقة:
وحشتيني يا أمي.
بادلته الكلمات وضمته لصدرها كأي أم اشتاقت لولدها، بعد تبادل الأحضان أشار لأنجاله الثلاث ليصافحوا جدتهم حيث قابلت الفتاتين ببرود لتستقبل أحمد بحفاوة وهي تربت على ظهره وتقول:
كبرت يا أحمد وبقيت راجل ملو العين.
ابتسم لها وبادلها طيب الكلمات والابتسامات تحت عدم تقبل جنة وتقى لتلك الجدة الثقيلة.
صدح صوت هاتف زينة ليعلو داخل حقيبتها، أسرعت لتخرجه وبلحظة أنير وجهها حين رأت نقش اسم شقيقها لتقول بسعادة وكأنها وجدت الخلاص:
ده يوسف.
وقبل أن تفتح عليه اختطفتها تلك الجبارة لتفتح سريعًا وهي تقول:
ازيك يا يوسف.
أنزل هاتفه يتأكد من رقم شقيقته بعدما استمع لصوت حاد لامرأة مسنة، فقد كان ينتظر وصول شقيقته التي هاتفته منذ أكثر من نصف ساعة وأبلغته أنها بطريقها للمنزل، وبناءً عليه أخرج الطعام المجهز من قبل عزة، من المبرد وقام بتسخينه وجلس بانتظار شقيقته وحين تأخرت عن موعد العودة قام بالاتصال بها للاطمئنان.
نطق بجدية يتساءل:
مين أنتِ؟ ده تليفون أختي زينة.
تحول صوتها الحاد لنبرة حنونة تعود لحنينها وحبها الفطري لذاك اليوسف منذ أن كان صغيرًا:
أنا جدتك يا غالي يا ابن الغالي، ستهم يا يوسف، نسيت صوتي؟
زاد رعبه على زينة وتذكر مرضها ليهتف بحدة متجاهلًا تلك النبرات والكلمات الحنونة، فكل ما فكر به هو شقيقته وليذهب الجميع إلى الجحيم:
أختي وصلت عندك إزاي؟
وهنا استمع لصياح زينة التي صرخت مستنجدة:
إلحقني يا يوسف.
وتابعت بنبرة تقطع أنياط القلوب:
تعالى بسرعة خدني من هنا.
اشتعلت نيران قلبه ليتناسى صلة قرابته بتلك المرأة، ليهتف بحدة ضاربًا بكل شيء عرض الحائط بعد استغاثة زينة له:
قسمًا بربي، لو حد لمس زينة لأوديكم في ستين داهية كلكم.
اتسعت حدقتا المرأة لتنطق بعدم استيعاب:
أنتَ بتهددني يا واد؟
شعر حسين أن زمام الأمور سيفلت فأخذ الهاتف سريعًا ليحادث نجل شقيقه كي يسيطر على غضبه:
إهدى يا يوسف، زينة قاعدة مع جدتها وأهي كويسة أهي، وأنا وخالتك مروة والأولاد كلنا معاها.
هتف من بين أسنانه بغضب:
كويسة إزاي وهي بتصرخ بالشكل ده يا عمي، وبعدين ما أنتَ عارف إن أختي مريضة.
قبل أن يتحدث حسين قاطعه ليقول بنفاذ صبر:
عمي من فضلك، خلي أحمد يبعت لي اللوكيشن حالًا.
أغلق على الفور وانتزع عليقة مفاتيحه الخاصة ليهرول للخارج في طريقه لإنقاذ شقيقته من أيادي هؤلاء المعتادين على الخطف والإجرام.
عودة لمنزل عمرو، الذي ظل متسمرًا بأرضه مشيحًا ببصره عن مرمى تلك الغاضبة التي قررت الانفجار بعدما فاض بها الكيل جراء تجاهل زوجها وشقيقه وزوجته وأنجاله لها، فمنذ دخولهم لم يلتفت أحد لها.
صرخت تسأله بغضب لو خرج سيحرق جميع من بطريقه:
فيك تشرح لي وتقلي مين هيدي البنت يا عمرو بيه؟
هتفت إجلال بنبرة حادة:
ما قلت لك بنته وخلصنا يختي.
وأشارت بكفها للأعلى:
اطلعي هاتي العيال لعمهم علشان يشوفهم، وقولي للي في المطبخ يجهزوا الغدا على ما يوسف ييجي، وشوفي الخروف جهز ولا لسه.
صاحت بصرامة وقوة:
ولادي ما بينزلوا لهون قبل ما أفهم من الزلمة يلي متجوزته، مين هيدي الزينة وكيف ما جاب لي سيرتها من قبل.
تحرك إليها وقام باحتواء كفها برعاية لينطق بهدوء:
تعالي نطلع على أوضتنا وأنا هفهمك على كل حاجة.
نفضت كفها لتهتف وهي تطالعه بازدراء:
تفهمني شو يا عمرو؟ بتحكي لي قديش خدعتني وتضحكت عليّ وعلى البابا؟!
بصعوبة أقنعها بالصعود للأعلى لتنطق مروة وهي تشيعهما بنظرات مستنكرة:
إيه الست القوية دي؟
إزيك يا ست مروة؟ جملة متهكمة قالتها إجلال لتنطق مروة بارتعاب، فبرغم مرور كل تلك السنوات وبرغم ظهور علامات الزمن على وجه تلك المرأة لكنها ما زالت متجبرة عديمة الرحمة كما كانت وكأن الزمان لم يمر من حارتها:
تسلمي من كل شر يا ستهم.
أما بالأعلى، جذبها لأحضانه بدهاء كي يستطيع السيطرة على كبح غضبها الحاد، لتنتفض مبتعدة:
ما تحاول تقرب مني.
طب إهدي وأنا هفهمك على كل حاجة.
قص لها حكايته مع سمية وكيف استطاعت خداعه ولف شباكها حوله لاصطياده، وادعى كذبًا أنه كان أداة لانتقام سمية من صديقتها لعشق سمية له من قبل، وأنه برغم معرفة إيثار بغرام صديقتها به إلا أنها حاربت بقوة للحصول عليه وباتت تلفت نظره إليها بشتى الطرق، وبالنهاية وقع في شباك تلك البنت الفقيرة التي تسلقت على أكتافه للحصول على مستوى مادي مرتفع، وبعد أن حصلت عليه تركته وذهبت لمن هو أعلى، وكيل النائب العام، ادعى باستكانة أنه كان أداة انتقام بين كلتا الأفعوان ووقع في شباك مكرها. ولشدة عشق تلك البلهاء له، صدقت حديثه بعد أن ارتمى بأحضانها وبكى كي تصفح عنه.
سألته بهدوء:
وليش ما قلت لي من قبل؟
بوجه حزين مفتعل أجابها بصوت مستكين:
اتكسفت منك يا رولا، أصلي كنت هقول لك إيه؟
وتابع ناظرًا للأسفل بخزي مفتعل:
أنا الراجل الساذج اللي اثنين ستات عملوه لعبة بين أيديهم وقدروا بكل احترافية يخدعوه.
جذبته لحضنها وباتت تربت على ظهره بحنان وهي تقول:
ما تزعل حبيبي، الله انتقم لك من هاي الخبيثة سمية وماتت بأبشع طريقة، والدور راح يجي على هالحرباية.
وتابعت بتوعد:
وراس البابا لأخليها تعفن بالحبوس، ومبكون اسمي "رولا إلياس" إذا ما بندمها هي وهداك المغرور جوزها، وبدفعهن ثمن خيانتهن غالي كتير.
تنفس براحة وابتسامة خبيثة ظهرت على محياه، ليخفيها سريعًا قبل أن يبتعد عن أحضانها، حاوط كفيها ونطق برجاء خبيث:
رولا أنا محتاج لك جدًا النهاردة.
بلهفة أجابته:
عيوني إلك يا تؤبرني، أنت بتأشر وأنا بنفذ في الحال.
قبل كفها بنظرة امتنان وتحدث:
عاوزك تتكلمي شوية مع يوسف لما ييجي، وتحاولي تقنعيه إنه يقبل وجودي جنبه.
نطقت بتأكيد:
من دون ما تقول حياتي، أنا بعمل أي شيء لحتى أشوف السعادة بعيونك.
وتابعت وهي تحاوط وجنتيه بعدما استمعت لتلك الحكاية المؤثرة التي نسجها من وحي خياله وصدقتها تلك البلهاء المبتلية بداء العشق اللعين:
يا الله شو بحبك يا عمرو، كل ما بعرفك أكثر، عم حبك وموت فيك أكثر.
حبيبة قلبي أنتِ يا رولا. قالها ليحتضنها مبتسمًا بانتصار.
بعد قليل، وصل يوسف وولج للداخل كالثور الهائج لتهرول زينة عليه ليسألها بلهفة وخوف:
أنتِ كويسة؟ فيه حد منهم عمل لك حاجة أو آذاكِ؟
وقف حسين يحتويه ليخفف من وطأة حدته وخوفه على شقيقته:
إهدى يا يوسف، أختك بخير وأهي زي الفل قدامك أهي.
لم يكتف بحديث عمه فطالع زينة التي هزت له رأسها بإيماءة وابتسامة بعدما هدأ روعها بوجود مروة وعائلتها، فقد اختفى هلعها فور اندماجها بالحديث مع جنة وتقى وأيضًا مروة وإجلال التي حاولت إظهار الجانب الحنون لها لاستقطاب قلب يوسف، وحتى رولا التي حزنت لأجلها.
نطقت لتهدئة شقيقها:
أنا كويسة يا يوسف.
أمسك كفها ليقول على عجلة:
طب يلا، هاتي شنطتك ويلا علشان نروح.
طب سلم الأول على جدتك اللي ليها سنين نفسها تشوفك يا يوسف. قالها عمرو متأثرًا ثم تابع وهو يشير إلى صغيريه:
وتعالى شوف إخواتك واتعرف عليهم.
خرج صوت الشاب غاضبًا لينطق بغضب عارم لو انطلق لأحرق عمرو والجميع:
أنتَ لسه ليك عين تتكلم بعد اللي عملته، أحمد ربنا إن أختي بخير وما حصلهاش انتكاسة من الرعب اللي شافته على إيد المجرمين رجالتك، وإلا قسمًا بالله، كنت بلغت عنك ولا همني إنك أبويا.
هتف حسين بنبرة جادة:
عيب يا يوسف اللي بتقوله ده، ده برضه مهما كان أبوك يا ابني.
صاح موبخًا بأعين تشتعل نارًا:
هو فيه أب عاقل ومحترم، يبعت لبنته رجالة غريبة تخطفها يا عمي؟!
وجه بصره نحو ذاك الواقف وقلبه يتمزق صدقًا على نظرة نجله الحبيب الدونية له، وتابع الفتى بغيرة قاتلة على شقيقته:
طب سيبك من إنه حرام لأني عارف إن موضوع الحلال والحرام ده ما يفرقش معاك.
واسترسل متسائلًا بجلد لذات الآخر:
نخوتك ما نقحتش عليك وأنتَ عارف إن فيه رجالة غريبة هتلمس بنتك بإيديهم اللي هقطعها لهم إن شاء الله؟!
قررت إجلال التدخل بعدما رأت اندفاع وثورة الشاب وتيقنت من صعوبة التفاهم معه:
أبوك ما لوش دعوة يا يوسف، أنا اللي عملت كده وأمرت الرجالة بتوعي يجيبوا لي زينة.
طالعها بازدراء بعد نطقها لكلمة رجالها، يا الله، ما أتعس من حظك يا يوسف، حتى تلك العجوز تمتلك عصابة لحالها، ألهمني الصبر يا إلهي.
وتابعت تلك الشمطاء بتأثر واستكانة بعدما قررت اللعب على أوتار قلب الشاب:
بعد ما عمك حسين قال لي في التليفون إنك رافض تيجي تشوفني، ما كانش قدامي حل غير كده يا ابني.
تدخلت زينة بعدما رأت تأثر الجميع وحزن عمها حسين، فتحدثت لشقيقها:
خلاص يا يوسف، ما حصلش حاجة.
تطلع إليها لتتحرك الصغيرة صاحبة السبع سنوات وتهزه من ساقيه:
أنت أخي يوسف؟
نظر للأسفل ليرى ذات الوجه البريء وهي تقول بابتسامة يا الله من جاذبيتها:
البابا كتير حكى لي عنك، قال لي يوسف رح يحبك كتير بس يتعرف عليكِ.
لا يعلم لما لان قلبه لتلك البريئة، ما شعر بحاله سوى وهو ينزل لمستواها ويجثو على ركبتيه أمامها، مرر إبهامه على وجنتها ليسألها بهدوء:
أنتِ اسمك إيه؟
نور. وأشارت على شقيقها حيث تحمله إجلال:
وهاديك يلي حاملتها التيتا بيكون أخي سليم، وهلا لتعرفت عليك أنتَ وأختي زينة.
وتحدثت بحنو وسعادة تعود لبرائتها:
كنا اثنين واليوم صرنا أربع إخوة.
وسألته بابتسامة بريئة:
ما هيك يا جو؟
تنفس بثقل يجثو فوق صدره، ما هذا الرجل الذي ابتلي به كأب، كم طفل جاء به على الدنيا وظلمه، أجاب الصغيرة بسخرية وهو يتطلع لأبيه:
السؤال ده تسأليه لأبوكِ، يا عالم، إن كنا أربعة ولا لسه فيه حاجة تانية ما ظهرتش.
ضحك الجميع على اعتبارها مزحة، برغم واقع الجملة المرير.
أمسكت الطفلة يده وهي تقول مثلما وصاها عمرو:
تعا لتشوف سليم وتبوسه.
نظر إلى زينة التي أومأت له لتحثه على الموافقة، فتحرك حتى وصل إلى إجلال التي ما أن وصل لعندها حتى انهار جبل جليدها لتنهمر دموعها الصادقة، منذ صغره قد وضع الله بذرة حبه داخل قلبها القاحل كالصحراء، فسبحانه مؤلف القلوب.
اقترب عمرو يحمل صغيره يعطيه لزوجته، لتحتوي هي وجنتي الشاب ودموعها تنهمر بشدة، لان قلب يوسف وما شعر بحاله سوى وهو يحرك أنامله الحنون فوق وجنتيها المجعدة، ليزيل تلك الدموع التي نزلت على قلبه آلمته.
احتضنته بقوة وعلت شهقاتها تحت تأثر الجميع باللحظة وبكائهم، استغل عمرو الوضع وجلس بجوار نجله، وضع كفه على شعر الفتى، ثم بأصابع يده بدأ يتخلل خصلاته الناعمة بقلب يرتجف من شدة الاشتياق وفائض الحنان.
استند على كتفه وبكى متأثرًا، يا له من شعور مميت لرجل لا يستطيع حتى لمس نجله المقرب إلى قلبه، شعر بدموع والده تسري على كتفه، صوت شهقاته المكظومة يخترق أذنيه ليصمها يوسف، تجرأ عمرو بعدما شعر باستكانة جسد وروح نجله، لف ساعديه حول كتفه ليضمه لصدره أكثر ويتنفس براحة وهو يشم رائحة صغيره الذي حرم منه سنوات وسنوات رغما عنه.
همس يوسف لجدته بعدما رأف بحالها:
كفاية عياط، إهدي لو سمحتي.
اعتدل ليبتعد بجسده ويفلته عن عمرو، وداخله عدة مشاعر مختلطة هاجمته بشراسة، ما بين حيرة وألم وشعور رهيب بالذنب تجاه والدته "إيثار"، للحظة انتابه شعور بالخيانة لتلك الأم التي سهرت وتعبت وحاربت بكل ما أوتيت من قوة حتى صنعت منه رجلًا، بينما هو الآن داخل أحضان هؤلاء من ظلموها وجعلوها تحيا مشاعر مميتة وتواجه بحياتها أصعب المواقف.
تحدثت إليه إجلال بنبرة حنون وصوت باك:
هتتغدى معايا ومع أبوك، مش كده يا يوسف؟
لم يشعر سوى وهو يومئ لها بإيجاب لينفرج ثغرها بابتسامة واسعة وهي تقول إلى رولا:
قولي لهم يجهزوا السفرة.
بعد قليل، كان الكل مجتمعًا حول طاولة الطعام، الكل سعيد حتى زينة التي ولأول مرة تتلقى اهتمامًا من جدتها ورولا وحتى عمرو الذي ضغط على حاله كثيرًا ليتعامل معها متجنبًا شعور الرفض المرافق له دائمًا تجاه تلك الخطيئة والتي تذكره دائمًا بإثمه الكبير وخسارته لحبيبة القلب والروح، إلا ذاك المشتت يوسف، فجزءًا منه وافق على انضمامه لطاولة الطعام رفقًا بتلك المسنة ودموعها التي تأثر به قلبه، والجزء الآخر يصرخ رافضًا البقاء مع هؤلاء من دمروا حياة والدته من قبل، وحياته بعدها، أما عن شقيقته فحدث ولا حرج، صراع نفسي رهيب تعرض له.
أمسك عمرو قطعة من اللحم يضعها داخل صحن الشاب ليهتف بسعادة بالغة وعينين لامعة تعكس حالته:
ذوق البوفتيك ده يا يوسف، هيعجبك قوي، والصوص بتاعه رهيب.
بصوت حاد أجابه:
ما بحبش البوفتيك.
حزن قلب الأب بينما طالعته شقيقته باستغراب، فهذا الصنف من الطعام تحديدًا هو المحبب لديه، لكنها اكتفت بالصمت وعذرت شقيقها، هي أيضًا لن تتقبل عمرو حتى مع تغيره ذاك بمعاملتها، يكفي أنها ذاقت الأمرين بفضله طيلة سنواتها.
انتهى الطعام ولم يتناول الفتى سوى بضع لقيمات تناولها تحت ضغط وإصرار من إجلال، خرج للحديقة بعد أن أبلغهما بضرورة إجراءه لمكالمة، بالفعل تحدث إلى والدته وكأنه يعتذر لها بتلك الطريقة، تحدث بحنان وغمرها بكلمات عطوفة حتى هي استغربت وسألته هل هو بخير، فألصق الفعل لحنينه إليها والاشتياق.
انتهى من المكالمة ليقف بطوله الشامخ واضعًا كفيه بجيبي بنطاله ينظر للسماء وصفائها المبهر، شعر بصوت أقدام تأتي من خلفه، نظر بطرف عينيه وجدها تلك الرولا التي تحدثت وهي تناوله مشروبًا دافئًا:
عملت لك النسكافيه يلي بتحبه، سألت زينة وهي خبرتني.
بسط كفه وتناوله ليقول بهدوء:
متشكر، تعبتي نفسك.
لا تعب ولا شيء. قالتها بهدوء لتتابع بعدما جاورته الوقوف:
سامحه للبابا واعطيه فرصة ليقرب منك يا يوسف.
وتابعت بألم يملؤ صوتها:
البابا كتير تعب في بعده عنك، ما كان إله سيرة غيرك طول هالسنين يلي قضاهم بعيد عنك.
نطق بوجه متجهم:
الكلام سهل بالنسبة لك لأنك ما عيشتيش تجربتي، ولا اتأذيتي زيي.
نطقت بعقلانية:
ما تحكي في اللي فات وانساه، اعطي لحالك فرصة واعطي لعمرو مثلها، اقعد معه وخرج يلي محبوس بقلبك، بلكي وقتها بترتاح وبتقدر تسامح.
طالعها بتمعن واستغراب، تنفس وتحرك في طريقه للداخل وهو يقول بعدم ارتياح لشخصها:
بعد إذنك، لازم أمشي أنا وزينة لأن عندي شغل مهم.
بصباح اليوم التالي، داخل حجرة نومهما الخاصة، خرجت من الحمام بعدما تنعمت بحمام دافئ أنعش جسدها، تطلعت على زوجها الغافي بعمق، وتحركت نحوه، وبيدها الحنون لامست ذقنه وهي تقول برقة:
فؤاد، فؤاد.
إممم. همهم بها بصوت متحشرج وعيناه ما زالتا مغلقتين ليخرج صوتها من جديد وهي تناديه:
حبيبي، اصحى يا روحي.
رفع أهدابه بالتدريج لينطق بصوت متحشرج ولهجة حادة:
عاوزة إيه إيثار؟
قوم يا حبيبي علشان ننزل نفطر مع بابا والأولاد.
تقلب بالفراش ليعطيها ظهره العاري وتابع بصوت ناعس:
سيبيني نايم وانزلي أنتِ.
مش هينفع، الأولاد ما بيصدقوا يوم الويك إند ييجي علشان يفطروا معاك.
زفر بحدة وجذب أحد الوسائد الصغيرة يضعها فوق رأسه لينطق متذمرًا:
يو بقى، قلت لك انزلي وسيبيني.
تنهدت بأسى، قلبها يتألم للحال الذي آل إليه زوجها الحبيب، فمنذ ذاك اليوم وهو يتجنب الجلوس في حضرة العائلة، حتى هي لم يعد يتحدث معها بأريحية كـ قبل، ماذا يحدث له بحق الله؟ لم تجد تفسيرًا لتلك الحالة، هل هي بداية أعراض اكتئاب يعيشه بفضل جنون غيرته المهولة على امرأة حياته، أم هناك سبب آخر لا تعلمه، نعم تشعر بفوران الدماء بجسده كلما تذكر أنها كانت ملكًا لغيره قبل أن يمتلك كيانها قبل الجسد، كلما قام الشيطان بالوسوسة له ولاحت بمخيلته مشاهد حميمية لها مع ذاك الحقير ثارت براكين غضبه.
جذبت تلك الوسادة اللعينة تبعدها لتنطق بإصرار:
عارفة إن مش هيجي لك نوم وأنا بعيدة عنك.
طالعها بحدة وكاد أن ينطق لتقطع كلماته بحديثها الناعم المصحوب بنظرة يملؤها الهيام مع لمسة أكثر حنانًا فوق وجنته:
وحياة إيثار عندك يا حبيبي، يلا قوم.
وتابعت:
ما أنتَ عارف، يومي ما بيبدأش وشمسي تنور غير لما أشوف عيونك الحلوة وهي بتبص لي برضى.
أغرقها بنظرات عاتبة وكأنه يحملها ذنب نار غيرته عليها، اقتربت عليه وتحدثت بنبرات تملؤها الأنوثة:
طب قولي على اللي مزعلك مني، مش يمكن أقدر أمحي لك زعلك ده.
هتقدري تمحي سنين عمرك اللي عيشتيها قبلي يا إيثار؟ قالها ولوعة الألم تملأ عينيه لتنزل كلماته على قلبها كخنجر مدبب غرس بكل قوة بمنتصف القلب ليدميه في الحال، ليتابع بقهر ظهر من نبراته:
تعرفي تشيلي من دماغي فكرة إني مش الراجل الأول في حياة حبيبتي؟!
وتابع متأثرًا:
تقدري يا إيثار؟
حاوطت وجنتيه بعناية واقتربت من وجهه حتى لافحت أنفاسها العطرة وجنتيه لتنطق بجنين يقفز من مقلتيها:
طب أنا هقول لك كلمة واحدة بس، متأكدة إنها هتريح قلبك وتهدي نارك.
تمعن ينتظر لتتابع بفراشات تهيم حولهما:
الست اللي تتجوز فؤاد علام وتجرب حضنه، مستحيل تشوف في الدنيا راجل بعده.
وتابعت مسترسلة وفراشات الغرام تتراقص من حوليهما:
أنتَ محيت الماضي بكل ما فيه يا فؤاد، بألمه ووجعه وكل ذكرياته الخبيثة، من اللحظة الأولى اللي بقيت فيها ملكك، اختزلت في عيونك كل رجالة العالم.
اقتربت أكثر لتنطق أمام شفتيه بصدق وتأثر:
النظرة منك بعمر بحاله يا حبيبي، كل يوم بعيشه معاك هو حياة جديدة بالنسبة لي، اديت لي كل حاجة ممكن تحتاجها ست من راجل، الأمان الحب، العزة والكرامة، التفاهم والاحترام، الاستقرار، البيت والعيلة واللمة، رفعت شأني وعملت لي قيمة قدام الكل.
مالت تطبع قبلة حنون فوق شفتيه لتتابع هامسة برقة:
أنتَ كل حاجة حلوة، أنتَ مكافأة ربنا ليا يا حبيبي.
ابتعدت من جديد لتنطق غامزة بعينيها:
وبعدين يا سيادة المستشار، عيب عليك لما تكون فؤاد علام، وتسلم عقلك للشيطان.
لم تدر أنها بتلك الكلمات البسيطة قد أنعشت قلب ذاك العاشق وأعطته دفعة قوية من الثقة بالنفس، حاوط خلف عنقها ليجذبها برقة عليه ملتهمًا شفتاها بين خاصتيه ليذوب معها، قطع اندماجهما تلك الطرقات المندفعة على الباب لتبتعد بارتياب بعدما استمعت لصوت فتح الباب، ليطل ذاك المشاغب الصغير برأسه وهو يقول بابتسامة تملأ وجهه البشوش:
اتأخرت ليه يا بابي، جدو مستنيك علشان نفطر.
طالع زوجته بابتسامة ساخرة ليتحدث وهو يشير بكفه ناحية ذاك الحبيب المستحوذ على القلب:
ابنك هيجيب لي جلطة في مرة من دخلاته دي.
بعد الشر عنك يا عمري. قالتها بابتسامة حنون ليهرول الصغير ليصعد التخت ويرتمي بأحضان والده الذي ضمه بقوة وبات يشم رائحته العطرية، بينما تحركت هي لتنتصب أمام مرآة زينتها وتبدأ بتصفيف شعرها.
نطق الصغير وهو يتحسس صدر أبيه باستغراب:
هو أنتَ ليه نايم من غير فانلة يا بابي؟!
فانلة؟ قالها مذهولًا من أسلوب نجله المتدني في الحديث ليتابع مشيرًا لزوجته:
نهاية عزة هتكون على إيدي والسبب مالك.
تعالت ضحكات الصغير ودفن رأسه بأحضان والده ليحتويه بذراعيه ويزيده من قبلاته النهمة ومداعبته تحت قهقهات الآخر الذي نطق من بين ضحكاته المتعالية:
كفاية يا بابي هموت من الضحك.
قول حرمت أقلد كلام عزة وأنا أسيبك.
حرمت خلاص، حرمت. قالها تحت ضحكاته وسعادة أبيه وإيثار التي تتابعهما بسعادة هائلة.
نطق وهو يحاول إبعاده:
قوم يلا علشان ننزل لجدو.
نطق بدلال وهو يرتمي بأحضانه من جديد:
لا خليني شوية كمان في حضنك.
وبعدين في دلعك ده يا ملوك.
وحياتي يا بابي. قالها بدلال مفرط ليجيبه فؤاد:
بابي جعان وعاوز ياكل.
زفر الصغير ثم تحدث متمسكًا بعنق غالي قلبه:
طب خلاص، هننزل ناكل بس بشرط.
رفع حاجبه الأيسر مستنكرًا وهو يقول:
على آخر الزمن شبر ونص زيك هيتشرط على فؤاد علام؟!
يا بابي بقى. قالها بتأفف من سخرية والده ليقول الأخير بضحكة:
خلاص ما تتقمصش قوي كده، إيه هو شرط الباشا؟
هبات في وسطيكم هنا النهاردة. نطق بها لتهتف إيثار مستنكرة:
نعم، ده على جثتي إنه يحصل.
بحالة من الهلع والرفض التام تابعت مستشهدة بما سبق، تحت ضحكات فؤاد التي صدح صوتها بالمكان:
آخر مرة بيت معانا خبطني بإيدك في عيني، قعدت ساعة منورة ومش شايفة بيها، والمرة اللي قبلها ركبتك رشقت في كليتي.
يا بابي بقى. قالها متذمرًا يطلب توسط والده بينما تملص الآخر مشيرًا على زوجته:
وأنا دخلي إيه، كده الأمر خرج من إيدي وبقى في إيد الرياسة.
وقف على الفراش ليقول وهو يرفع كتفيه بلامبالاة:
خلاص، مامي تنام في أوضتي وأنا هنام معاك هنا.
رفع حاجبه الأيسر لينطق مستنكرًا بملاطفة:
كده بقى أنتَ لعبت في ثوابت فؤاد علام، وأنا اللي ييجي جنب ثوابتي، ما برحمش أمه.
أطلقت ضحكة وهي ترى زوجها يمدد الصغير وينقض عليه يداعب بطنه بأنامل يده من جديد لتتعالى قهقهاته وتملأ المكان.
بعد قليل كانت تجاوره النزول ليسألها باستغراب:
هي عزة فين يا حبيبي، أنا ليا كام يوم ما شفتهاش.
ضحكت وهي تهمس بملاطفة:
مستخبية منك، من يوم اللي حصل منها في النادي وهي ما بتخرجش من المطبخ طول ما أنتَ في البيت.
تعالت ضحكاته على تلك الجبانة وأفعالها.
صباحًا داخل محافظة كفر الشيخ، بحجرة المعيشة، يلتف الجميع حول تلك الطاولة الأرضية "الطبلية" يتناولون وجبة طعام الإفطار.
تحدث وجدي يتعجل شقيقه:
كل بسرعة علشان تروح المطعم يا عزيز، العمال شغالين لوحدهم.
بنبرة مهمومة تحدث عزيز:
شغل إيه وعمال إيه يا وجدي، هو عاد فيه شغل، ما حالنا وقف خلاص بعد اللي عمرو البنهاوي عمله فينا.
أجاب برضى:
الحمد لله على الستر يا عزيز، أهو اللي بييجي من المحل ساترنا وأهي ماشية.
هتف يعقب على حديث شقيقه بعدم رضا:
أهو أنتَ بنفسك قلت، ساترنا، بعد ما كان مغرقنا في الخير بقينا ممشيين نفسنا بالعافية يا وجدي.
نطقت منيرة بقهر:
حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا ابن إجلال، ربنا ينتقم منك بحق ما ضيقتها على عيالي، ربنا يضيق عليك عيشتك يا بعيد.
نطقت كلماتها لتسعل بشدة تحت زعر وجدي الذي ناولها كأس الماء، ارتشفت منه القليل لتلهث أنفاسها بقوة.
تحدث وجدي وهو يحتوي كتفها:
صحتك مش عجباني اليومين دول يا أما، إن شاء الله هوديكي لدكتور المركز بكرة.
نطقت معترضة بصدر يعلو ويهبط وأنفاس غير منتظمة:
أختك ودتني مستشفى كبيرة لما كنت عند أيهم آخر مرة يا ابني، والدكتور اداني شنطة علاج قد كده، ولا فايدة فيها.
صمت وجدي ليتابع عزيز ندبه كالنساء:
إيه رأيك يا وجدي لو نكلم جوز إيثار يشوف لنا حل مع عمرو؟
رد عليه بصرامة:
سيب أختك وجوزها في حالهم يا عزيز، كفاية اللي عملته علشانا لحد النهاردة، بلاش ندخلها في حاجات ممكن تتسبب لها في مشاكل مع جوزها المستشار.
صدقت الأم على كلام نجلها قائلة بحرص على ابنتها:
أخوك عنده حق يا عزيز، سيبوا أختكم في حالها.
بمنزل عليوة عبد الحميد، يحتسي مشروب الشاي الساخن بحضرة والديه لتهتف نوال بنبرة تهكمية:
هي الهانم مراتك ما بقتش تيجي تزورنا ولا هي ولا أولادك ليه يا ماجد؟
لتتابع بحدة واستياء:
ولا خلاص، ما بقناش قد مقام بنت الأكابر.
أجابها نافيًا اتهامها الباطل لزوجته:
كلام إيه بس اللي بتقوليه ده يا ماما، الأولاد داخلين على امتحانات وأنتِ عارفة إن فؤاد ثانوية ولازم يركز في مذاكرته، وفريال قاعدة معاهم طول الوقت، دي حتى ما بقتش تخرج مع أصحابها ولا بتروح بيت باباها زي الأول.
ارتشفت بعضًا من المشروب ثم لوت فاها مغمغمة بحنق:
خليك أنتَ كده دافع لها طول الوقت، زي ما تكون عينتك المحامي بتاعها.
هز رأسه نافيًا:
دفاع إيه بس يا ماما، أنا بقول اللي حاصل وشايفه قدام عيني.
نطقت بلهجة تحريضية:
إوعي تكون بتطاطي لها يا ماجد، صنف مراتك فريال ده ياخد على دماغه يمشي مظبوط.
حرك الرجل رأسه مستنكرًا تحريض زوجته لنجلها:
لا حول ولا قوة إلا بالله، أنا مش فاهم أنتِ ليه بتكرهي البنت بالشكل ده ودايمًا تقوي ابنك عليها، مع إنها بتحبك وعمرها ما آذتك حتى بكلمة.
طالعته بحقد دفين لتنطق مستنكرة:
وهي لما تحرم ابني وأولاده من ورثها، وترمي مالها كله للعقربة مرات أخوها، تبقى ما بتأذينيش يا سي عليوة؟!
رد ماجد على كلمات والدته اللاذعة بلهجة معترضة:
ماما الله يخليكِ كفاية، أنا ما صدقت الدنيا ظبطت بيني وبين فريال، وإلى حد ما بدأنا نرجع زي الأول.
وتابع بغموض لطمأنتها:
وبالنسبة لموضوع الورث أنا مش هسكت، وهبدأ أكلمها فيه الفترة الجاية.
وتابع بدهاء:
بس الموضوع محتاج خطة بذكاء، مش كلام مباشر.
ارتسمت الفرحة على وجهها لتنطق بلهفة ظهرت بعينيها:
أيوا كده يا حبيبي، شغل دماغك معاها، دي فلوس متلتلة وتستاهل تحارب وتخطط علشانها.
وتابعت بتحريض مبطن:
على الأقل علشان عيالك ما يبقوش أقل من عيال أخو مراتك.
أومأ لها وهب واقفًا ليتحدث:
أنا همشي علشان عندي شغل للجامعة محتاج أخلصه.
تحدث والده بحميمية:
إبقى هات فريال والأولاد وتعالوا اتغدوا معانا يوم الجمعة الجاية يا ابني.
حاضر يا بابا.
قالها بهدوء لينصرف تحت استياء نوال وعدم تقبلها لوضع نجلها مع عائلة زوجته.
بنبرة لائمة حدثها عليوة:
اتقي الله في ابنك وسيبيه في حاله، بطلي وسوسة بدل ما تخربي بيته.
نطقت بحدة عبرت بها عن غضبها المكنون:
ما حدش خيبه من الأول غير كلامك ده.
وتابعت بإلقاء اللوم عليه:
بسببك فضل ساكت كتير وواقف يتفرج على الهانم وهي بتفرط في حقه وحق أولاده، الله يسامحك يا عليوة، الله يسامحك.
لله الأمر من قبل ومن بعد. قالها باستكانة وضعف ليرفع كوب المشروب ويرتشف ما تبقى بصمت.
باليوم التالي، ولجت إيثار إلى الشركة تحت تأمين الحراسة لها، تحركت إلى المصعد الكهربائي لتطأ قدميها المصعد حيث فتح بابه أحد الرجال، وقبل انضمامه للمصعد وإغلاق الباب فوجئت إيثار بيد سميحة تقتحم المكان لتمسك يد الرجل وتدفعه بعيدًا وهي تقول بحدة أظهرت مدى غضبها:
خليك برة وخد الأسانسير التاني.
طالعتها إيثار لتنطق مستنكرة تحت استياء الرجل من تصرفها الهمجي:
اللي أنتِ بتعمليه ده غلط، ما ينفعش تتعاملي مع الحرس بتوعي بالهمجية دي.
لم تعر لحديثها اهتمام وضغطت زر تسجيل الصعود لتنطق ببرود أشعل نيران الأخرى:
أنا أعمل اللي أنا عاوزاه ومش من حق أي حد يعترض.
خلعت عنها تلك النظارة الشمسية لتتابع مسترسلة بكبرياء متمعنة بالنظر بمقلتيها:
دي شركة عيلتي، ومش واحدة دخيلة على العيلة زيك هي اللي هتيجي وتفرض عليّ قوانينها.
وتابعت بخيلاء:
القوانين هنا أنا اللي بحطها يا مدام.
تأكدي إن الموضوع ده مش هيمر من غير حساب. جملة حادة نطقت بها إيثار لتستطرد بصرامة:
اللي سيادتك طردتيه من الأسانسير ده مش مجرد Body Guard عادي، ده من أكفأ ضباط الحراسة في البلد كلها يا أستاذة.
Oh my god. نطقتها بذهول مفتعل لتتابع ساخرة:
طب مستنية إيه يا بيبي، بسرعة طلعي تليفونك وكلمي فؤاد واشتكي له كالعادة.
وتابعت متهكمة بطريقة درامية مدعية التأثر:
خليه يتصل ببابي وييجي يعمل لنا اجتماع أولياء أمور، ويعنفني فيه قدامك علشان يشفي غليلك ويحسسك إنك مديرة إدارة بجد.
برغم اشتعال روحها من حديث تلك الإمعة وسخريتها الواضحة إلا أنها استطاعت كبح جماح غضبها لتنطق بنبرة كبرود الثلج أثارت بها غضب الأخرى:
أنا مش هرد عليكِ، لأني أكبر من إني أرد على مهاترات.
توقف المصعد لتخرج منه برأس شامخ متجهة إلى مكتبها لتضحك الأخرى وهي ترى ضابط الحراسة يلحق بها، بتلك اللحظة خرج بسام من المصعد المجاور ليسألها وهو يشيع خطوات إيثار:
بتضحكي على إيه، ضحكيني معاكِ.
أجابته باقتضاب:
لا ده كيد نسا ما لكش فيه.
طالعها بتمعن يسألها:
ما بقيتش فاهمك يا سو، ولا عارف دماغك فيها إيه، وده ما كانش اتفاقنا من الأول.
هتفت بحدة بالغة:
أنتَ اللي اختارت وحولتنا لحزبين يا بسام، يوم ما اتخليت عني قدام بابي وبرأت نفسك، فاكر؟
طالعها بغيظ لتناظره بحدة أظهرت كم الغضب الكامن بداخلها لتتحرك مسرعة باتجاه مكتبها ليضيق هو بين عينيه مستنكرًا طريقة شقيقته المتهورة.
بعد انتهاء ساعات العمل الرسمية بشركة الزين، بأحد الأماكن العامة داخل العاصمة القاهرة الكبرى، تجلس سميحة على إحدى الطاولات تحتسي مشروبًا باردًا بانتظار صاحبة مكالمة الأمس التي طلبت منها موعدًا للحديث بأمر هام.
رفعت كأس العصير لتحتسي بعضه ثم تركته من يدها عندما رأت امرأة جذابة تقبل عليها لتبسط ذراعها وهي مبتسمة:
كيفك سميحة خانوم.
أهلًا. قالتها باقتضاب لعدم معرفتها بشخص تلك المرأة التي أصرت على مقابلتها برغم عدم سابق المعرفة، لتتابع الأخرى:
بعرفك ع حالي، معك "رولا إلياس"، سيدة أعمال ومديرة إدارة شركة الصخرة.
أرجعت ظهرها للخلف لتحيط ذقنها بأناملها وهي تقول مع رفعة حاجبها الأيسر:
آه، كده الأمور اتضحت بالنسبة لي، وفهمت سبب المقابلة.
ما أنا جاية لك مخصوص لهيك. قالتها مؤكدة لتتابع باستئذان:
بتسمحي لي أقعد؟
أشارت بكفها نحو المقعد لتنطق ببرود:
أكيد.
جلست وعلقت حقيبتها بطرف المقعد لتنطق بعملية:
راح أدخل بالموضوع عطول منشان لا ضيع وقتي ولا وقتك.
ياريت. قالتها سميحة وهي تمعن النظر بتلك المرأة الغامضة لتنطق الأخرى:
أول شيء، أنا بعرف العداوة يلي بينك وبين هديك المرة يلي اسمها "إيثار".
وأشارت مفسرة:
مرته لفؤاد ابن عمك.
أشارت سميحة بكفها:
كملي.
باقتضاب تحدثت:
بدون الدخول بتفاصيل ما راح تفيدنا بشيء، أنا وأنتِ مصلحتنا واحدة، اجتمعنا ع كره هالمرة.
وتابعت بعرضها الذي أتت من أجله:
بتقبلي تحطي إيدك بإيدي لندمرها اثنتينا؟
إزاي؟ قالتها بغموض أثار حفيظة الأخرى نحو تلك المرأة وما استمعته قبل عن حماقتها وتسرعها، وتعجبت من المعلومات التي وصلتها عنها من طيش ورعونة، ولكن ما استطاعت تكوينه أنها أمام امرأة داهية غامضة حريصة، وبرغم ريبتها منها لكنها استمرت بعرضها:
إذا بتوافقي ع عرضي بندخل بالتفاصيل.
اعتبريني موافقة وادخلي بالتفاصيل. جملة نطقت بها ابنة عائلة "الزين" لتتابع الأخرى عرضها:
صفقة بسيطة رح تمرري ورقها ع مكتب هالحية وتاخدي توقيعها بمعرفتك.
وتابعت بابتسامة يملؤها الشر:
هالصفقة بتكون نهايتها، بتقضي بقية حياتها بالحبوس، وبهيك بنكون خلصنا منها للأبد.
بابتسامة ساخرة نطقت:
وبالمرة تخلصي من الشركة المنافسة لشركتك وتهدي كل تعب عيلتي في طريقك.
وتابعت متهكمة:
لا شاطرة يا مدام إلياس، وذكية كمان.
نطقت متعجبة بتصنع:
شو دخل عيلتك والشركة بهالقصة، هي يلي راح تنأذي ما غيرها، هاد وعد مني.
وتابعت بمراوغة وكذب:
تعتئدي لو إني راح أأذي عيلتك، من كل عقلك راح آجي لعندك وبقلك هالكلام يا دكتورة؟
تحدثت بعدم استيعاب:
طب اشرحي لي يمكن أفهم، إزاي هي هتتحبس من غير الشركة ما تتأذى؟!
أجابت بمراوغة:
هيدا شغلي يا دكتورة، أنا معي فريق عمل متكامل، ما شاء الله عليهم بيخزوا العين، عندهم خبرة بكل المجالات، وهنن راح يظبطوها بحيث تظهر هي المرتشية واللي باعت ضميرها بدون علم باقي الشركاء.
واستطردت بدهاء جذب انتباه تلك التي استوطن عشق الفؤاد بقلبها وأغلق عليه:
ومكافئتي لك، إنك أنتِ يلي راح تكشفيها قدام الكل.
وتابعت مفسرة:
وبهيك الشركة ما بتنأذي، وزي ما قلت لك بالأول، بنخلص منها اثنتينا.
وتابعت بغمزة ذات مغزى:
وبهيك بيرجع لك حبيب القلب بعد ما بتظهري قدامه وقدام الكل بدور البطلة يلي أنقذت شركة عيلتها.
وتابعت بتفخيم لترسيخ الفكرة برأسها:
اسم الله عليكِ، قديش لابق لك دور المنقذ.
تبسمت وأخذت تقلب حديث تلك الشيطانة بداخل رأسها بعدما استمالت للفكرة تحت ابتسامة الأخرى الساخرة وهي ترى لمعة عيني تلك الساذجة.
عند غروب الشمس، بالحديقة الخاصة بمنزل دكتور ماجد، يجلس بجوار زوجته يحتسيان قهوة العصاري معًا، ويتبادلان أطراف الحديث فيما بينهما بود بعد محاولات عدة من ماجد لعودة العلاقات والثقة فيما بينهما من جديد، بالفعل استطاع نوعًا ما، فقد بدأت فريال باستمالة قلبها من جديد لحبيب الروح.
تحدث بابتسامة ساحرة أجاد صنعها بجداره:
بعد امتحانات الأولاد، هاخدك ونطلع على الساحل، نقضي الإجازة كلها هناك.
نطقت تسأله بسعادة:
طب وشغلك الإداري في الكلية، هتعمل فيه إيه؟
ده هو يوم واحد في الأسبوع، هبقى أجي وأرجع لكم في نفس اليوم.
تحدثت بعينين هائمتين من اهتمام زوجها الزائد عن الحد وتلك المشاعر الجميلة التي يغمرها هو بها في الفترة الأخيرة:
بس كده هتتعب قوي يا حبيبي.
بأعين عاشقة أجابها:
أنا كلي فداكِ يا حبيبتي، أهم حاجة عندي إنك تكوني مبسوطة.
بسطت كفها تحتوي خاصته بسعادة لتعبس ملامحه وهو يقول باستياء مفتعل:
هو بس فيه مشكلة واحدة هتقابلنا.
إيه هي يا حبيبي؟ قالتها بريبة لتغيير ملامحه ليجيبها بدهاء:
إننا ما نملكش فيلا في الساحل، والإيجار هناك بقى غالي جدًا، يعني مستحيل هنقدر على تسديد إيجار ثلاث شهور فترة الإجازة.
ابتسمت وعادت تجيبه بلامبالاة:
هي دي مشكلة يا ماجد؟
طالعها بتمعن لتجيبه:
وإحنا ليه نأجر أصلًا، وبعدين ما إحنا طول عمرنا وإحنا بنروح في فيلا فؤاد وقت ما نحب.
أجابها بكلمات سامة ليدس لها تلك الأفكار الخبيثة كي تعيد تفكيرها من جديد بدخولها شريكًا للشركة:
اديكي قلتِها بنفسك، فيلا فؤاد، يعني حتى مش ملك الباشا الكبير.
سألته متعجبة حديثه:
وفؤاد وبابا إيه يا ماجد! ما الاثنين بالنسبة لي واحد.
ده بالنسبة لك أنتِ يا حبيبتي، لأن واحد أبوكِ والتاني أخوكِ، فأنتِ حاليًا مش حاسة بالفرق.
وتابع بخ سمّه بالحديث مسترسلًا:
لكن لو جيتي تبصي لها في المستقبل، تفتكري بعد عمر طويل، زين ومالك أولاد أخوكِ هيعاملوا فؤاد ابنك نفس المعاملة اللي بيعاملها لك أخوكِ؟
هز رأسه بأسى ليعبس قليلًا وهو يقول:
ده لو سمحوا له أصلًا يقرب منهم أو من ممتلكاتهم.
توقفت للحظة تستوعب حديثه الواقعي إلى حد كبير ليقطع حديثهما دخول سيارة بيسان التي توقفت بغتة لتحدث صوتًا مزعجًا نتج عن احتكاك إطارات السيارة بالأرض، التفتا والديها ليراها تخرج من السيارة وتدفع بابها بحدة بالغة، توسعت خطواتها وهي تقترب عليهما بوجه متجهم ينذر بقدوم كارثة كبرى.
وصلت لهما وبدون مقدمات تحدثت بصوت حاد وعينين تطلق شزرًا لو خرج لأحرق الأخضر واليابس:
بابا، فيه عريس متقدم لي، وأنا موافقة عليه.
هب واقفًا وبلحظة كان أمامها لتحتد ملامحه بغضب حاد تجلى على محياه، وبصرامة هتف معترضًا بعبوس منفعل:
لو بتتكلمي عن الولد اللي اسمه يوسف فأنتِ بتحلمي يا بيسان.
رفعت قامتها للأعلى لتجيبه بصرامة وصوت متهدج من شدة الغضب:
ومين قال لحضرتك إن يوسف لو اتقدم لي هوافق.
قطب الأب جبينه يريد تفسيرًا فتابعت تجيبه:
ده واحد زميلي في الجامعة، اسمه "نبيل السراجاوي".
اتسعت حدقتا فريال التي استندت بكفيها على حافتي المقعد لتقف وتخرج كلماتها مصعوقة:
أنتِ بتقولي إيه يا بوسي؟
بعناد وقوة أجابتها:
اللي سمعتيه يا مامي.
ثم تابعت بعدما أشاحت بوجهها تناظر أبيها بقوة وحزم:
وياريت حضرتك تحدد لنبيل ميعاد في أسرع وقت، علشان يجيب أهله وييجوا يطلبوني رسمي.
قالت كلماتها واندفعت للداخل كالثور الهائج لا ترى أمامها لتتسع ابتسامة ماجد بعدما غمره شعور هائل بالنصر، بينما ارتمت فريال بجسدها فوق المقعد من جديد وحال عينيها الذهول وعدم الاستيعاب.
رواية انا لها شمس الفصل الثاني والستون 62 - بقلم روز امين
عزيزي قاتل الحلم الجميل، يا من كنت للقلب والروح الخليل، أستميحك عذرًا بأن تستمع إلي للمرة الأخيرة، فوعدًا لن أقوم بإزعاجك بعد الآن. سأحزم أمتعتي تاركة خلفي ذكرياتنا والحكايات، وسأمضي برحيلي الأبدي من متاهة دروبك، لكني أولًا أردت أن تستمع لاعترافي وتطلع على خطيئتي بحق ذاتي. أجاهز أنت سيدي؟
إذًا فلنبدأ بأول الاعترافات، إليك أقر واعترف أني قد هزمت بل تم تدمير جل كياني. لقد سحقت سعادتي تحت نعالك ثم رحلت بكل دم بارد، تاركًا بالقلب ندبة من المحال محوها، محدثًا في الروح غصة مذاقها مرًا كالعلقم، وجرحًا عميقًا نازفًا يأبى أن يلتئم.
عفوًا، بل أنا من ترفض أن يلتئم. أتدري لماذا يا قاتلي؟
لكي لا أنسى ما فعله قلبك الجاحد بوجداني، هذا هو وعدي الأول لك. أما الآخر فدعنا نطلق عليه تحدي أكثر منه وعدًا، فعهدًا علي من الآن وصاعدًا، لن ترى مني سوى تلك الفتاة القوية التي لا تقهر حتى في أحلك المواقف. وعهدًا مضافًا، بأن أكوي قلبك وأحوله لجحيم مستعر مثلما فعلت بخاصتي. فقط انتظر.
ألقت بكلماتها وهرولت للأعلى تحت صدمة والديها كلٌ على حسب هواه. تطلعت فريال إلى زوجها ليصيبها شعورًا سيئًا بعدما لمحت تلك الابتسامة الواسعة المرتسمة على محياه، نطقت بصوت خفيض:
- إنت مالك مبسوط قوي كده ليه يا ماجد؟
حول بصره صوبها لينطق بذات الابتسامة السخيفة:
- وإيه اللي يمنع انبساطي يا فريال؟
وقف مقابلًا لها ليمرر أنامله فوق وجنتها وهو يقول باستفزاز:
- بنتي أخيرًا عقلت وعرفت مصلحتها كويس.
حركت رأسها تنطق بقلب نازف لأجل صغيرتها:
- بنتك مدبوحة يا ماجد، معقولة كرهك ليوسف عمى عيونك عن إنك تشوف وجعها؟!
- هتنسى يا فريال...
قالها بثقة ليتابع ببريق زهو تجلى بعينيه:
- صدقيني هتنسى وجعها بمجرد ما تتجوز واحد يليق بيها.
هتفت متسائلة بحدة:
- وإنت كنت لسه شوفته ولا عرفته علشان تحكم إنه يليق بيها؟!
أجابها بقوة وحقد على الفتى:
- أي حد غير ابن إيثار هيكون مناسب ليها، ده غير إنه أكيد مستواه المادي والفكري هو وعيلته مرتفع، لأنه عارف هو بيتقدم لمين.
تعمقت بعينيه ثم هزت رأسها بيأس من الحديث مع ذاك الذي أصبح صعب المراس. انصرفت من أمامه لتهرول بخطواتها للداخل ومنه للطابق العلوي، شيع رحيلها بابتسامة سعيدة وهو يقول بصوت مسموع:
- برافو عليك يا بيسان، عرفتي تاخدي بتاري كويس قوي من إيثار.
وتابع بشماتة ظهرت جليًا بنظراته الحادة:
- وهتخليني أستمتع وأنا شايف حزنها وهي واقفة تتفرج على كسرة قلب ابنها.
بالأعلى، اقتحمت غرفة ابنتها لتجدها تقف أمام الشرفة تنظر للسماء ودموعها منهمرة كشلالات متدفقة. هرولت لتقابلها بأعين تشتعل غضبًا وهي تقول بحدة:
- ممكن تفسري لي الهبل اللي قلتيه قدام باباكي تحت ده؟!
بحدة جففت دموعها لتناظر والدتها وبقوة تحدثت:
- ده مش هبل، ده قرار أخدته وأنا بكامل إرادتي.
سألتها بجنون رافض:
- قرار إيه، يطلع مين نبيل ده أصلًا؟!
رفعت قامتها للأعلى لتجيبها بكبرياء:
- معايا في الجامعة ودايمًا بنتكلم، طلب يقابل بابا من مدة، وأنا شايفاه شخص مناسب جدًا.
- وليه مجبتليش سيرته قبل كده؟
- مجتش مناسبة...
قالتها باستهانة ولامبالاة لتسألها فريال بحيرة وجنون:
- ويوسف يا بوسي؟! وحبكم الكبير؟!
تحولت نظراتها بصرامة لتجيبها بقوة:
- الحب اللي بتتكلمي عنه ده طلع وهم يا مامي.
وتابعت بنظرات مستوحشة وصوت يريد الصراخ بعلو ما فيه:
- يوسف نفسه طلع كدبة كبيرة صدقناها كلنا واتغشينا فيها.
انتابتها الريبة لتسألها مستفسرة:
- معناه إيه كلامك ده؟
توقفت لتأخذ نفسًا مطولًا تستعيد به توازنها قبل أن تنطق بهدوء زائف:
- ولا حاجة.
وتابعت مسترسلة بقلب يغلي كفوهة بركان:
- بس أنا اكتشفت إن بابي كان عنده حق في كل الكلام اللي قاله عنه، أنا وهو مفيش حاجة بتجمعنا، علاقة غير متكافئة بالمرة، لا فيه بينا تكافئ مادي ولا عائلي ولا حتى مستوانا التعليمي والثقافي واحد.
وتابعت بغرور نابع من حقدها عليه:
- أنا هبقى سفيرة، وهو طلع ولا نزل حتة مهندس.
اتسعت عيني فريال بشدة لتقول بذهول وعدم استيعاب لتحول ابنتها لأخرى بشعة لا تعرفها:
- إنت اتجننتي، إنت سامعة نفسك بتقولي إيه؟!
وتابعت وهي تهز رأسها بانزعاج:
- أنا مش مصدقة اللي أنا بسمعه منك ده.
بلحظة طرأت على بالها فكرة فضيقت عينيها تسألها بترقب شديد:
- إنت اتكلمتي مع يوسف؟ قال لك حاجة زعلتك وهي اللي مخلياكي قالبة عليه بالشكل ده؟!
صرخت بهيستيريا وهي تشيح بكفيها:
- مشوفتوش يا ماما، مشوفتوش، ومن فضلك بقى سيبيني لوحدي، عاوزة أغير هدومي وأنام.
ازدردت لعابها وسألتها بترقب:
- مش هتنزلي تتغدي؟
- أكلت ساندوتش في الجامعة، من فضلك اخرجي وسيبيني.
شعرت الأم بغصة مرة تقف بمنتصف حلقها، تلك هي المرة الأولى التي ترى فيها ابنتها على هذه الحالة. يبدو من شدة عصبيتها أن شيئًا جللًا قد حدث بينها وبين ذاك الحبيب "يوسف". لم تجد ما يقال ففضلت الخروج وترك تلك المنهارة. تحركت صوب الباب لتغلقه خلفها وما أن تأكدت الأخرى من غلقه حتى ارتمت فوق الفراش وانفجرت دموعها علت شهقاتها وباتت تتذكر ما حدث منذ ما يقرب من الساعتين.
عودة لما قبل الساعتين وأكثر
كانت تتحرك بجوار صديقتها "علياء" داخل فناء الجامعة، كم كانت ملامحها حزينة متألمة. هكذا أصبح حالها مؤخرًا بعدما هجرها "يوسف"، فمنذ أن تعمد تجاهلها على حد تفكيرها وأصبح الهم والحزن رفيقيّ دربها. تحدثت صديقتها لتخرجها من تلك الحالة التي لا تليق بتلك المرحة على الإطلاق:
- تعالى نروح الكافيه نشرب أي حاجة قبل المحاضرة ما تبدأ.
حركت رأسها بلا فتابعت علياء بمحاولة أخرى:
- طب وآخرة السكوت اللي إنت فيه ده إيه؟
تنهدت لتنطق بنبرة انهزامية:
- سيبيني وروحي إنت يا علياء، أنا أصلًا مش هحضر المحاضرة الجاية وبفكر أروح، دماغي مشتتة ومش هعرف أفهم حاجة.
- مش هسيبك يا بيسان...
ثم استرسلت متأثرة لحال صديقتها:
- أنا مش عارفة إنت عاملة في نفسك كده ليه، قلت لك كلميه، مش يمكن عنده ظروف منعته إنه يكلمك طول الأسبوع اللي فات، أو يمكن يكون تعبان.
تحولت ملامحها لمتوحشة قبل أن تهتف بحدة واستنكار:
- لا تعبان ولا عنده ظروف، الأستاذ عايش حياته طبيعي جدًا.
وأشاحت بكفيها مستنكرة:
- بيخرج وبيعمل كل حاجة تبسطه، إلا إنه يقدرني ويعاملني على إني حبيبته.
قطبت علياء جبينها لعدم استيعاب حديث الأخرى فتابعت بإيضاح:
- "تاج" قالت لي إنه عزمهم على الغدا في النادي من كام يوم، وإن اليوم كان لطيف جدًا والباشا كان مبسوط وفرحان بلمة عيلته حواليه.
لم تخبرها الفتاة "تاج" بشأن عمرو وزيارته المزعجة التي قلبت الموازين، وذلك إتباعًا لتوصيات "فؤاد" للجميع لحرصه على الحفاظ على الشكل العام لـ "يوسف" وألا تتشوه صورته بأعين أفراد العائلة.
لتنطق بألم ينخر بعمق قلبها وغمامة من الدموع غامت ببنيتاها:
- يوسف مبقاش بيحبني ولا عاوزني يا علياء، هو مرتاح في بعده عني.
أجابتها بنفي لروايتها:
- ولما هو مرتاح في بعادك، تقدري تقولي لي معناه إيه الكلام اللي قالهولك في المزرعة؟! إنت بنفسك قلتي إنه كان رومانسي جدًا معاك، وإنكم قضيتوا وقت هيتحفر في ذكرياتكم ومش ممكن تنسوه.
هزت رأسها بيأس تملك منها:
- مش عارفة يا عليا، حقيقي مبقتش عارفة أحدد مشاعره من ناحيتي.
نطقت الفتاة بشيء من العقلانية:
- يا حبيبتي هو باعد علشان باباكي والكلام الصعب اللي قاله له، اصبري يا بوسي.
أخرجت تنهيدة شقت صدرها شقًا لتنطق الأخرى بهدوء:
- خليكي هنا، هروح أجيب نسكافيه لينا نشربه واحنا بنتمشى.
أومأت لها وانتظرت مكانها، عقلها مشتت للغاية. أفعاله الغامضة تدفعها دفعًا نحو حافة الجنون، تعلم أن شخصيته غامضة منذ الصغر، فلطالما كانت تلك هي أكبر عائق بعلاقتها معه، وكانت أغلب مشاكلهما بسبب عدم البوح بكل ما يدور داخله ويجول بخاطره. تفاقم ذاك الإحساس وزاد أضعافًا في ابتعاده وتركه لقصر علام زين الدين.
أقبلت علياء خاوية اليدين لتنطق بريبة ظهرت بصوتها:
- بوسي، أنا عرفت من البنات إن فيه مكان قريب من هنا فتح جديد، بيقولوا الأجواء فيه حلوة قوي، وبيقدم مشروبات تجنن، تعالي نروح نجربه.
لم ترق لها الفكرة فتحدثت برفض تام:
- مش قادرة أخرج، أنا هروح أفضل.
نطقت الأخرى بتصميم:
- متبقيش رخمة بقى، تعالي نروح وننبسط، وأهو تفصلي شوية من النكد اللي معيشة نفسك فيه ده.
- مش قادرة يا لولو...
قالتها بوهن لتقطع الأخرى حديثها بإصرار منافي لطبيعتها غير اللحوحة. وافقت بيسان بعد إلحاح من الأخرى ليتحركا صوب المكان المنشود. توقفت بسيارتها وترجلت بجوار صديقتها ليلجا داخل المكان. توقفتا على الباب وباتت تتجول بعينيها لاستكشاف المكان، وحقًا كان رائعًا بكل تفاصيله. تنهدت براحة وبلحظة تجمدت بصدمة مما تراه بأم عينيها، إنه "يوسف" لا غير. ذاك الحبيب الذي استوطن عشقه ثنايا الروح. نعم هو، لكنه لم يكن بمفرده، بل يجالس إحدى الحسناوات ويبدو عليه الراحة والسكون والتنعم النفسي. تعمقت بالنظر بملامحه رأته منسجمًا لأبعد حد، ابتساماته الواسعة تملؤ وجهه وتنيره. رأت سعادته حقًا، هي تحفظ تعبيرات وجهه عن ظهر قلب، وتعلم أنه الآن بأحسن حالاته. جحظت عينيها حين وجدته يبسط ذراعيه ليقرب صحن الحلوى الخاص به لتلك الجالسة بالمقابل، فأشارت له بدلال نحو الحلوى ليقوم بإعادة صحنه من جديد وأمسك الشوكة الخاصة به وقام بقطع جزءًا من حلوى كعكة الشيكولاتة الذائبة (مولتن كيك) وقام ببسط يده باتجاهها، لتفاجأه الأخرى بلمس كفه وتقريب الشوكة من فمها تحت احتراق قلب بيسان. صرخ قلبها من شدة أنينه، سرت النار بجسدها وللحظة شعرت بالرغبة في الهجوم عليهما والإمساك بصحن الحلوى وإلصاقه بوجه ذاك الـ "يوسف" ليتلطخ بمعجون الشيكولاتة الذائبة وتتوه معالمه، والالتفات للأخرى لتنتيف شعرها البني وعدم تركها حتى تنتهي من آخر شعرها لتصبح صلعاء، لكن تراجعت بآخر لحظة استماعًا لصوت العقل وأيضًا امتثالًا لكرامتها والكبرياء.
لم تكن هي الوحيدة التي صدمت من ذاك المشهد الغريب، فقد هزت علياء رأسها استنكارًا وأقسمت بداخلها أن لو أحدًا قص لها ما رأته الآن ما كانت لتصدقه مهما كان شخصه.
هزت ذراع صديقتها وهي تقول بعدم استيعاب:
- أكيد فيه حاجة غلط إحنا مش فاهمينها.
وبرغم مثولها بمكان الحدث إلا أن داخلها رافض ذاك الواقع المرير لتتابع وهي تجذبها من كفها للداخل:
- تعالي ندخل نسأله، ونشوف مين دي اللي قاعد معاها.
كانت تتابع نظراتهما وابتسامة يوسف التي تنير وجهه وشغفه بالحديث الظاهر من حركات يديه وتعبيرات وجهه الحماسية. انتزعت كفها من يد علياء لتنطق بقلب يغلي كفوهة بركان:
- أسأله عن إيه، ما كل حاجة واضحة قدامنا زي الشمس.
وتابعت ساخرة بقلب دامي:
- واضح إن الباشمهندس بيعيش قصة حب جديدة، وأنا من غبائي قاعدة مستنياه كل يوم علشان يرجع لي.
نطقت بكلماتها وهرولت للخارج، دموعها منهمرة كشلالات متدفقة داخل معابرها. لحقت بها صديقتها وهي تهتف باسمها:
- استني يا بوسي.
أثناء هرولتها صوب سيارتها وجدت ذاك الـ "نبيل" يقدم عليها بصحبة أحد أصدقائه، يبدو أنه حضر أيضًا لتجربة ذاك المكان الجديد. جففت دموعها بحدة وهي تنظر عليه، أسرعت بخطواتها لتقف أمامه وهي تقول:
- ممكن نتكلم لوحدنا دقيقة.
انفرجت أساريره لينطق على عجلة:
- أكيد طبعًا.
أشار لصديقه ليسبقه للداخل فتابع هو بلهفة مصطنعة:
- إنت كويسة؟!
أومأت بنعم، جاورتها علياء الوقوف وهي تتطلع بذهول إلى نبيل، بينما سألته الأخرى بقوة وإصرار تجلى بنظراتها الصارمة:
- إنت لسه عاوز تتقدم لي؟
نطق مسرعًا بأعين تفيض لهفة:
- أكيد، ده الحلم اللي أنا عايش علشان أحققه يا بوسي.
أطبقت الفتاة على يد صديقتها علها تفيق من حالة الانتقام تلك. لم تبالي وتحدثت بحدة وصوت متهدج من شدة غضبه:
- أوك، أنا هكلم بابي النهاردة، وهاخد لك منه ميعاد، علشان تيجي إنت وأهلك تطلبوني رسمي.
أقبل عليها ليحيط كفها بخاصته وصوته يتراقص من شدة حبوره:
- وأنا مستني، ووعد عليا، هخليكي أسعد إنسانة في الدنيا.
انتزعت كفها غير عابئة بكلماته حتى أنها لم تستمع إليها من الأساس. أسرعت صوب السيارة لتستقلها، بينما هزت علياء رأسها استنكارًا.
عودة للحاضر
تعالت من جديد شهقاتها، اعتدلت لتستند على الفراش وتحركت في اتجاهها إلى الحمام لتغيير ملابسها بأخرى بيتية مريحة.
***
كان يجلس بسيارته متجهًا بطريقه لمنزل والده، يستمع بمزاج حسن لصوت مشغل الأغاني التي تصدح بصوت مرتفع ويردد معها الكلمات الإنجليزية بسعادة، يشعر وكأنه امتلك العالم بأسره. استمع لصدوح صوت الهاتف فضحك حين رأى نقش اسم تلك البلهاء، ضغط على سماعة الأذن لينطق ببرود وكأنه لم يفعل شيئًا:
- علياء، ازيك.
بدون مقدمات صاحت تلك الجالسة بغرفتها بنبرة صارخة:
- اسمعني كويس يا نبيل، أنا مش مغفلة علشان أصدق إن يوسف يعمل كده في بيسان، فياريت تقولي الحقيقة، لأني متأكدة إن إنت ورا اللي حصل ده.
أجابها ببرود أعصاب يُحسد عليه:
- إيه جو نظرية المؤامرة اللي إنت عايشة جواها دي، هكون أنا اللي ورا الموضوع ازاي، أمال لو مكنتيش شايفة بنفسك البيه وهو مندمج مع المزة بتاعته، وبيأكلها المولتن كيك بنفسه.
انتابها الشك من كلماته لتسأله سريعًا بريبة:
- وإنت عرفت منين إنه أكلها بإيده، وازاي عرفت إنهم كانوا بياكلوا مولتن كيك أصلًا وإنت مدخلتش؟!
رفع حاجبه لثواني ثم تحدث بثبات يحسب له:
- كنت موجود قبل ما تيجوا ومراقب المكان من بعيد، ارتحتي يا علياء.
سألته بارتياب بعدما ساورها الشك:
- موجود ازاي وأنا سايباك في الجامعة يا نبيل؟!
نطق متخطيًا تشكيكها:
- بصي بقى يا علياء، من الآخر كده، بيسان أخيرًا بقت ليا، وسواء اتكلمتي أو لا، فهي مستحيل ترجع للواد ده تاني، وياريت متنسيش إنها شافته بنفسها يا أستاذة.
نطقت بجدية ترجع لحرصها على أمر صديقتها:
- هقولها إن الموضوع كله من تدبيرك يا نبيل.
أراد تشتيت ذهنها وبعثرة أفكارها فتحدث بخبث:
- طب افرضي إني فعلًا دبرت الميعاد بين عبقري زمانه والبنت اللي أنا أصلًا معرفش اسمها إيه، وأول مرة أشوفها في حياتي كانت النهاردة.
وتابع بكلمات تبدو منطقية:
- أنا كمان اللي خططت وخليت البيه يأكلها في بقها بالشوكة بتاعته؟!
ستجن، ستفقد عقلها بالتأكيد، برغم رؤيتها للمشهد لكن عقلها رافض استيعابه، إنه "يوسف"، كيف استطاع الإقبال على فعل الخيانة، أصبحت تتأكد أن لذاك الـ "نبيل" يدًا في الموضوع، لكن هيئة "يوسف" وارتياح روحه واستكانته، كل هذا جعل أفكارها تتضارب وتتداخل ببعضها لتصيب بالتشتت، خاصة جزئية إطعام الفتاة للحلوى. هتفت مهددة ضاربة بكل مبرراته عرض الحائط:
- أنا هقول لبيسان على اللي حصل وهي حرة، يا تروح تسأل يوسف وتفهم منه ويبرر لها، يا تتلاشى الموضوع لو مصدقة اللي شافته، وتكمل معاك.
بنبرة صوت مخيفة هددها قائلًا:
- طب اسمعي بقى يا علياء، لو كلمة واحدة خرجت منك لبوسي، أنا هقول لها إن الموضوع ده كله من تخطيطك إنت، لأنك بتغيري منها ومن زمان.
هتفت تنفي حديثه الخبيث:
- بيسان لا يمكن تصدق كذبتك الحقيرة دي.
أجابها بقوة مستشهدًا:
- لا هتصدقني لسبب، فاكرة لما وقعتك في الكلام وقعدتي حكيتي لي كل حاجة عن "يوسف"؟ وإنه مش ابن خالها، وإنه مجرد ابن مراته.
وتابع مذكرًا إياها:
- ولما "بيسان" عرفت مني وقتها زعلت منك ولامتك، وقعدت أكتر من أسبوع مبتتكلمش معاك بسبب كده، فعادي، هقول لها إن الموضوع ده كله من تأليفك علشان تبعدك عني، وده بسبب غيرتك منها اللي بتخليكي تحاولي تبعدي عنها وتخربي أي علاقة بأي شاب يقرب منها.
شهقت من وضاعته لتهتف بقوة:
- آه يا حقير.
قطع وصلة سبها لينطق بحزم:
- إهدي يا علياء وفكري في مصلحة صاحبتك لو بتحبيها بجد، أنا أكتر واحد هيقدر يسعدها.
وتابع مدعيًا الصدق في محاولة لتهدئة روعها وجذب ثقتها به من جديد:
- ده غير إني فعلًا مش أنا اللي دبرت القصة.
وتابع:
- بصي يا علياء، أنا مش هكدب ولا هخبي عليك، وهحكي لك الحكاية بالظبط وبمنتهى الأمانة، أنا ليا فترة مأجر شخص علشان يتابع اللي اسمه "يوسف" وينقل لي أخباره، على أمل ألاقي له ثغرة أستغلها وأعرف أدخل بيها لقلب ودنيا بوسي.
تعالت قهقهاته الشامتة ليكمل مسترسلًا:
- وبصراحة الغبي قدم لي أكتر مما كنت أتمنى، وأنا استغليت الوضع لصالحي كعاشق، أظن ده مش غلط، ولا إيه يا علياء؟!
نطقت مشككة برواياته:
- مش عارفة ليه مش قادرة أصدقك يا نبيل.
- دي مشكلتك...
قالها بثقة ليتابع:
- أتمنى الموضوع يتقفل لحد هنا.
واسترسل بتهديد مبطن:
- لأن صدقيني لو اتفتح إنت أكتر حد هيتأذي، وتأكدي إني مش هتهاون في تدمير علاقتك بـ "بيسان".
وتابع بإصرار وثقة:
- وبرضه هتجوزها.
واسترسل بشر تجلى بنبراته الغاضبة:
- ولعلمك، لو اللي اسمه "يوسف" ده هيقف عقبة في طريق وصولي لـ "بوسي"، معنديش أدنى مشكلة في إني أخفيه من الدنيا بحالها.
ارتجف جسدها من تهديد ذاك الحقير المباشر لتغلق الهاتف دون أن تنبس ببنت شفة.
أراحت ظهرها تلصقه بالمقعد لتأخذ نفسًا وتزفره بحدة وهي تتذكر مدى غبائها وكيف حولها هذا الحقير إلى دمية بين يديه لتنفيذ جزءًا من خطته.
عادت بذاكرتها
عودة لما قبل الساعتين والأكثر
تحركت بطريقها إلى الكافيتيريا لجلب مشروبًا لها ولصديقتها التي تنتظرها بفناء الجامعة. قطع طريقها "نبيل" الذي تحدث إليها قائلًا:
- علياء ازيك.
أومأت له فتابع مرتديًا قناع البراءة:
- بقولك، أنا شايف بوسي نفسيًا مش ألطف حاجة ليها كام يوم.
أجابت بعفوية:
- ده حقيقي يا نبيل.
تحدث بدهاء:
- طب بقول لك إيه، فيه كافيه فاتح جديد قريب من هنا، بيقدم مشروبات وحلويات هايلة، والمكان مريح جدًا، بيطل على النيل وبيقدم ميوزك هادية بتروق الأعصاب.
وتابع مسترسلًا:
- أكيد الموضوع ده هيفرق جدًا مع بيسان.
سألته بجبين مقطب:
- وإنت هتيجي معانا يا "نبيل"؟
أجابها نافيًا:
- أكيد لا، أنا بكلمك علشان "بيسان" مش أكتر.
أقنعها بحواره وصدق حديثه لتنطق سريعًا:
- أوك، ابعت لي اللوكيشن حالًا وأنا هطلع أقنعها.
وبعد مدة حدث ما حدث وتحركت تساند تلك الباكية بعدما رأت يوسف في ذاك الوضع. طلبت منه "بيسان" تجديد طلب الزواج وبعدما تحدثا هرولت "بيسان" إلى سيارتها، أما هي فوقفت تنظر إليه لتنطق بعدم استيعاب لسرعة الأحداث وبدأت تربط الخيوط ببعضها:
- إيه اللي إنت عملته ده؟
تنفس منتشيًا ليرفع رأسه عاليًا وهو يقول بثقة وزهو بحاله:
- أنا معملتش أي حاجة، الغبي اللي جوه هو اللي عمل، وإنت بنفسك شوفتي.
حركت رأسها لتنزل دموعها وقبل أن تلحق بصديقتها تحدث "نبيل" بقوة مهددًا إياها:
- أوعي تفكري تحكي لـ "بيسان" أي حاجة يا عليا، لأني ساعتها هقلب التربيزة عليك.
وتابع بتشكيك أراد به زعزعة أفكارها:
- ده غير إن الموضوع كله حصل بمحض الصدفة، ربنا حب يكشف ستر الباشمهندس، ويزيل عنه قناع المثالية اللي طول الوقت لابسه لنا.
انتهى شرودها بالماضي لتشهق بشدة وحيرة شديدة تملكت منها، ماذا عليها أن تفعل الآن؟ هل تتحدث إلى صديقتها وتخبرها بكل ما حدث وتدع قرار الاختيار بين يديها؟ أم تتخذ من الصمت ملاذًا لاتقاء شر ذاك الوضيع الذي هددها بشكل صريح بفضح أمرها والافتراء عليها؟ ولم يكتف بذلك فقط، بل هددها بإنهاء حياة "يوسف" بذاته، وهي الآن أصبحت بين نارين.
***
عودة إلى يوسف، انتهى من تناوله للحلوى والقهوة الذي تناولهما بصحبة صديقته "ساندي"، وتحرك مستقلًا سيارته في طريقه للمنزل. وصلت إليه المكالمة المرتقبة التي كان ينتظرها على أحر من الجمر. ضغط زر الإجابة على الفور لينطق الطرف الآخر:
- ازيك يا باشمهندس.
أجابه بتوقير لشخصه المرموق:
- أنا بخير يا سيادة اللواء.
نطق المسؤول بحفاوة:
- عندي ليك خبر هايل.
- خير يا أفندم؟
تحدث بوقار وهدوء:
- جهاز المخابرات، قرر يعلن عن مشروع التطوير بتاعك.
اتسعت عينيه وباتت دقات قلبه تتقافز فرحًا ليسأله بعدم استيعاب لذاك الخبر الذي سيقلب حياته رأسًا على عقب ويعلي من شأنه:
- معقولة اللي بسمعه من جنابك ده.
وتابع بذهول:
- بس ازاي ده هيحصل يا أفندم والموضوع كان سري جدًا.
- ده من حظك الحلو يا سيدي...
قالها الرجل بمرونة ترجع لتواصله الشخصي مع يوسف لعدة أشهر سابقة لمتابعة ذاك التطوير، ليتابع بإبانة موضحًا:
- السيد رئيس الجهاز المخابراتي قرر الإعلان عن مشروعك وخروجه للنور قدام العالم كله من خلال مؤتمر هيتذاع بعد يومين مباشر على التليفزيون المصري، وإنت هتحضره وتكون ضيف الشرف فيه.
وتابع مفسرًا للشاب:
- لأن زي ما أنت عارف، العالم كله أصبح بيغلي على صفيح ساخن، ومصر محتاجة في الفترة دي تكشف عن بعض تطوراتها في السلاح الجوي، كرسالة رادعة لدول العالم أجمع وخصوصًا الدول المعادية لينا.
وتابع بفخر واعتزاز:
- الجهاز قرر الكشف عن مشروعك لتطوير سلاحنا الجوي وبالتحديد الطائرات الحربية ورفع كفائتها، وزي ما هو معروف للكل، إن مصر تمتلك ثامن أكبر قوة جوية وأكثرها تطورًا في العالم، بس بعد اختراعك ده يا باشمهندس، الأمور هتختلف وأكيد هنتنقل لمركز أعلى، وده اللي مصر حابة تعلنه قدام العالم كله.
قضى شهورًا في كد وتعب وهو يعمل على مشروع تطوير أنظمة الأسلحة الذكية، والصواريخ والقنابل الموجهة، حيث سيحسن من توجيه الأسلحة بدقة وكفاءة أعلى.
عمل لشهور كي يقوم بتقديمه كهدية لبلده ولرفعة شأنها بين الأمم ولم يكن ينتظر مكافأة لحاله. ساعده بالوصول إلى مسئولي جهاز المخابرات "فؤاد علام" حيث أخبره "يوسف" بالفكرة وقام "فؤاد" على تشجيعه. توسط فؤاد وكان همزة الوصل بينه وبين ذاك اللواء الذي زوده بجميع المعلومات لمساعدته في إنهاء التطوير، وأيضًا قام بتشجيعه حتى انتهى. برغم الحماس الزائد لم يأتِ بمخيلته أن يتم الإعلان عن المشروع وخروج اسمه للنور، إنه لفخر لا يضاهيه شيء على الإطلاق.
قطع شروده صوت اللواء حيث قال بجدية:
- رئيس جهاز المخابرات مستنيك بنفسه بكرة في مكتبه الساعة تسعة صباحًا، علشان تنسق معاه الموضوع.
نطق بصوت ينتفض فرحًا لشعوره بنصر الله له:
- إن شاء الله هكون هناك في ميعادي بالظبط يا أفندم.
أغلق مع الرجل ليضغط تلقائيًا على رقم فؤاد الذي أجاب سريعًا من حديقة المنزل:
- إيه يا حبيبي، أخبارك إيه.
نطق بانتشاء:
- عندي ليك خبر بمليون جنيه يا بابا.
تحدث الآخر متحمسًا:
- طب يلا فرحني معاك.
أجابه بحماس كبير وبات يقص عليه ما حدث منذ القليل تحت سعادة قلب الآخر الذي هتف بفخر:
- ألف مبروك يا حبيبي، متتصورش فرحتي بيك النهاردة قد إيه.
وبنبرة متأثرة نطق تحت تأثر الآخر:
- أنا فخور بيك قوي يا ابني.
أجابه بامتنان:
- كل ده بفضل ربنا وفضلك يا بابا، إنت اللي شجعتني لما فاتحتك بفكرة التطوير.
قاطعه لينطق متحمسًا:
- كل ده بفضل مجهودك وذكائك بعد فضل ربنا عليك.
نطق بصوت حماسي:
- بابا، عاوز أطلب منك طلب.
- إنت تؤمرني يا جو...
قالها فؤاد بمحبة صادقة لينطق الآخر بحبور:
- مش عاوزك تجيب أي سيرة عن الموضوع لـ ماما، وزي ما فضل سر بينا لشهور، هيفضل لحد يوم الإعلان، عاوز حضرتك تجمع العيلة كلها في اليوم ده وتقعدوا قدام التليفزيون.
وتابع بصوت متأثر:
- عاوز أشرف أمي قدام العيلة، نفسي تحس إن تعبها معايا طول السنين دي مراحش هدر.
برغم تأثر فؤاد بحديث الشاب إلا أنه انتهز الفرصة لتنبيه الفتى بشكل غير مباشر:
- كلامك يحترم يا يوسف، بس أنا عاوزك تاخد بالك أكتر من كده على إيثار، وخلي بالك، مش بس الموضوع ده هو اللي هيخليها تحس إن تعبها مراحش هدر.
وتابع تحت فهم الآخر لمغزى حديثه:
- لازم تعرف إن إيثار عمرها ما حبت ولا إدت لحد اللي ادتهولك، لا أنا ولا حتى إخواتك قدرنا نوصل لمكانتك في قلبها، فاهمني يا ابني؟
فهم بفطانته مغزى الحديث وماذا يقصد ذاك الداهي، يعلم أن لا شيء يخفى عليه، بحكم عمله وبحكم أنه "فؤاد علام".
***
قبل تلك الأحداث بحوالي بضع ساعات، تحديدًا بالساعة الثانية عشر صباحًا.
داخل جامعة القاهرة، خرجت زينة من المحاضرة قاصدة كافيتيريا الجامعة كي تتناول شطيرة تسد بها جوعها. ولجت إلى المكان وجلست تتناول الشطيرة، وأثناء ما كانت تمشط المكان بعينيها رأت ذاك الشهم الوسيم "رامي كمال"، حيث كان يترقب جلوسها هو الآخر. لحظات قصيرة تعلقت بها عينيهما لتسحب خاصتها سريعًا كي تغض البصر بعدما أصيب جسدها بقشعريرة فور رؤيتها للساحرة عيناه. ابتسم على ذاك الخجل الذي جعل من وجنتيها كثمرات التفاح الطازج. لا يعلم ماذا يحدث له مؤخرًا بشأن تلك الفتاة، فقد باتت تستحوذ مؤخرًا على جزء ليس بالهين من تفكيره، وبدأ يستشعر بشيء ما يتحرك بمشاعره تجاهها. لقد استطاعت لفت انتباهه لاختلافها عن البقية، فهي خجولة على خلق محتشمة الثياب والفكر. كانت تمضغ الطعام بصعوبة بعدما لاحظت نظراته المصوبة عليها. استمعت لصوت يوحي بوصول رسالة نصية إلى الهاتف، أخذها الفضول لفتحها وما أن قرأت فحواها وشاهدت بعض الصور المرفقة لها حتى جحظت مقلتيها وكادت أن تخرج من هول ما رأت. ألقت بالشطيرة داخل الصحن وحملت هاتفها وحقيبة يدها لتهرول تجر ساقيها المرتجفتين. ألحق بها رامي مهرولًا بعدما دفع حساب قهوته، ليخرج خلف تلك التي هرولت خارج الجامعة بهيئة لا تبشر بخير. وجدت آخر شخص توقعت رؤيته بتلك اللحظة، "عمرو"، والدها الذي قرر أن يقوم باستغلالها للتقرب من نجله حيث علم قيمتها لديه، فقرر أن يحضر إليها ويصطحبها إلى المنزل وبالمرة يرى نجله الحبيب الذي مازال يتهرب من اتصالاته حتى بعدما تناول الطعام معهم. لم تدرِ سوى وهي تهرول إليه وتلقي بحالها داخل أحضانه طالبة منه العون وهي تقول بصوت يرتجف من شدة هلعه:
- إلحقني يا بابا، أنا في مصيبة.
استمع ذاك القريب منهما حديثها ليتعجب من والدها الذي يراه للمرة الأولى وبصحبته أسطولًا من السيارات ورجال الحراسة.
رواية انا لها شمس الفصل الثالث والستون 63 - بقلم روز امين
"أتدرين، أكثر ما أوجعني من الرحيل ذاته، هو وقوعه من دون وداع، رحلتي دون إبداء حجة لاتخاذك منفردة هذا القرار المصيري، لتتركيني في حيرة من أمري واقفًا على رفات أحلامي، أتأمل بعمق وحال عقلي هو الذهول محاولًا استيعاب حجم الدمار، وأتساءل، ما الذي حدث؟ ومتى؟ وكيف؟
بالله، أخبريني ماذا سأفعل بقلب ما زال بلهفة حبك نابضًا؟ كيف سأسكت صدى صوتك المرافق لي بصحوتي ومنامي؟ ذكرياتنا والضحكات التي يصدح صوتها في ثنايا مسامعي، أمنياتنا أفكرتِ بها؟ أتذكرين أسماء أطفالنا التي اخترناها معًا بعد عناء من التفكير؟ ماذا سنفعل بها؟ هل سنتقاسمها بيننا؟
بالله لا تتركيني لحيرتي بلا إجابات.
أليس من العدل أن تخبريني ما وراء تبديد آمالنا وضياع الأحلام؟ أواعية أنتِ لما فعلتِ؟ لقد حولتِ رونق أحلامي إلى كوابيس مفزعة، لا عليكِ عزيزتي، دعكِ من كل مهاتراتي، ولتلقي بكل ما هزيتُ به الآن في جب النسيان، ولتستمعي جيدًا إلى حزمة قراراتي، سأنتصر على هزيمتي الساحقة في معركة غرامك، سأجاهد لسحق آلامي وآهاتي وإخراج عشقك من الوجدان، وسأستطيع هزيمة طغيانك بقوة الإيمان، سأتابع طريقي كفارس امتطى جواد الرحيل بصمت دون الالتفات لما فات، وداعًا أبديًا يا من احتلتني عشقًا وشيدتِ معها قصورًا لأكتشف بنهاية المطاف، كم كانت واهية هي ومصنوعة من الرمال."
"يوسف عمرو البنهاوي"
بقلمي "روز أمين"
_________________
لم تشعر بحالها سوى وهي تهرول إلى والدها وتلقي بحالها داخل أحضانه طالبة منه العون وهي تقول بصوت يرتجف من شدة هلع ما رأت:
- إلحقني يا بابا، أنا في مصيبة.
استمع ذاك القريب من وقوفهما حديثها ليتعجب من والدها الذي يراه للمرة الأولى وبصحبته أسطولًا من السيارات ورجال الحراسة.
برغم غصته المرة وعدم سكونه النفسي بكل مرة يرى بها تلك الخطيئة، إلا أن قلبه للحظة ارتجف خشية من أن يكون أصابها مكروهًا، فبنهاية المطاف هي ابنته شاء أم أبى، من الظاهر أن ما زال جزءًا منه إنسانًا يشعر بآلام الآخرين، نطق مستفسرًا باستغراب:
- مالك يا زينة، إيه اللي حصل؟!
ابتعدت عن أحضانه وما زالت تتشبث بساعديه كالغريق الذي يتعلق بقشة، تلفتت حولها بهلع لتتفاجأ بذاك الـ "رامي" يقف خلفها مباشرة، ولم يتردد بسؤالها النابع من خوفه عليها:
- مالك، فيه حد بعت لك حاجة خوفتك؟
وضعت كفها على فمها وباتت تتمعن النظر إليه بحيرة قاتلة، أتخبره بما حدث بحكم سابق معرفته بذاك الندل "مازن"، أم تنتهج الكتمان للحفاظ على الشكل العام لها أمامه، بلحظة حسمت أمرها وقررت مشاركته للفاجعة عله يستطيع الوقوف بجانبها بحكم شهامته التي تعلمها جيدًا من مواقفه السابقة، نطقت بنبرة مرتجفة من شدة هلعها:
- الحيوان اللي اسمه "مازن"، باعت لي رسايل بيهددني بيها.
سألها "رامي" مستفسرًا:
- عبارة عن إيه الرسايل دي؟
ضيق "عمرو" عينيه ليسألها متعجبًا بعدما وجدها تحادث ذاك الشاب بأريحية:
- مين ده يا زينة؟!
التفتت من جديد لأبيها لتنطق والهلع ما زال يتملك من جسدها المرتعش:
- ده الأستاذ "رامي كمال"، طالب في الفرقة الرابعة كلية تجارة.
ابتسم الفتى على روتينية حديثها وعفويتها، فأراد التدخل حتى يرفع عنها الحرج أمام أبيها:
- أنا زميل زينة هنا في الجامعة، وعارف الولد اللي بيضايقها.
- بيضايقك إزاي؟ سؤالًا طرحه "عمرو" بقلب مرتجف صدقًا على تلك المسكينة تعيسة الحظ، وقبل أن يكمل حديثه أشار الشاب بكفه جانبًا:
- فيه كافيه قريب جدًا من هنا، تعالى حضرتك نقعد فيه ونفهم من "زينة" إيه اللي حصل، وبالمرة أحكي لك على اللي حصل قبل كده من الولد اللي اسمه "مازن" وصاحبه إياد، ونرتب مع بعض تحركاتنا.
أومأ له وتحرك الجميع وجلسوا، جن جنون "عمرو" فور مشاهدته لبعض الصور التي أرسلها ذاك الحقير عديم الأخلاق للفتاة، وكانت عبارة عن صور مركبة بوجه "زينة" على جسد أخرى عارية تمامًا سوى من قطعتين ملابس فاضحتين، ويبدو من هيئة الصور الخلاعة، وما ثار من غضبه هي تلك الرسائل التهديدية المرفقة للصور، حيث طلب منها الاتصال به كي يساومها أو بمعنى أوضح يتم ابتزازها بتلك الصور المفبركة.
لم تتجرأ على إعطاء الهاتف إلى "رامي" لرؤية الصور لسببين، أولهما لقبح وبشاعة المنظر، والسبب الآخر والأهم هو وجود وجهها على ذاك الجسد، حتى ولو كانت الصور مركبة والكل يعلم هذا، لكن يبقى الخجل والحياء هما أهم ما يميزا الفتاة، كور عمرو كفه حتى ابيضت عروقه وبرزت ليهتف بسباب حاد أخجل الفتاة أمام زميل دراستها:
- يا ابن الـ ...، وحياة أمي لعلقه على باب الجامعة، وخلي دكر من أهله ييجوا يخلصوه من إيدي.
نطق الشاب بمنتهى الذكاء:
- إهدى يا "عمرو" بيه وحاول تتمالك أعصابك، الموضوع محتاج يتحل بمنتهى الهدوء علشان سمعة "زينة".
وتابع بحرص وخوف عليها:
- الموضوع حساس ومحتاج تعامل من نوع خاص.
لم يقف سوء حالتها النفسية وعدم تركيزها حائلًا بأن تستمع لكلماته مستشعرة من بين حروفه حنانه والخوف عليها، مما جعلها تشعر ببعض السكينة رغم ما تعيشه من حدث مرعب من الممكن أن ينهي على مستقبلها بالكامل، هتف عمرو بطريقة متهورة كعادته:
- أنا الكلام ده مينفعنيش، الواد ده لازم يتعمل معاه الصح علشان يبقى عبرة لأي كلب يتجرأ على بنت عمرو البنهاوي.
وتابع بزهو وغرور:
- ده مجنون ولعب في عداد عمره، ما يعرفش هو وقع نفسه مع مين.
نطقت وما زال صوتها مرتجفًا بتأثر:
- من فضلك اسمع كلام "رامي".
حركت رأسها لتتابع بترجي أظهر كم ارتعابها:
- أنا مش عاوزة شوشرة.
وتابعت بلهفة حين تذكرت:
- خلينا نكلم يوسف وهو هيتصرف.
صمت يتمعن بكلاهما ليتحدث لغرض في نفس يعقوب:
- خليني أنا أحل المشكلة الأول وبعدين نبقى نبلغه.
ليتمعن بعيني الفتاة مسترسلًا بإقناع:
- مش عاوزين نشغله عن دراسته.
أومأت بطاعة حرصًا على مستقبل شقيقها الغالي، ليتابع هو حديثه بسؤاله إلى الشاب:
- قولي يا "رامي"، أنت تعرف عنوان بيت الواد ده؟
تمعن الشاب قليلًا لينطق بهدوء:
- الحقيقة ما عرفش، بس بسيطة، ممكن أسأل واحد صاحبي في اتحاد الطلبة.
قام بإجراء اتصالاته لمعرفة عنوان المدعو مازن وبالفعل حصل عليه واتجه عمرو إلى العنوان بأسطول سياراته ورجاله مصطحبًا معه زينة ورامي الذي أصر على مرافقتهم للمساعدة، ولسوء الحظ أو لحسنه لم يعثروا على الشاب بسبب هروبه، حيث أبلغه أحد أعضاء اتحاد الطلبة بالجامعة بعدما شعر بريبة من سؤال "رامي" لأحدهم عن عنوان الآخر، وكان الشاب على صلة قرابة من المدعو مازن فعلى الفور أبلغه عبر الهاتف ليسارع الآخر بالاختباء فور تيقنه السبب.
أجرى "عمرو" بعض الاتصالات ببعض معارفه وفعل كل ما بوسعه للعثور على الفتى دون فائدة، وكأن الأرض انشقت وابتلعت الشاب، صدح صوت هاتف الفتاة وكان المتصل "يوسف" الذي سألها بجدية:
- أنتِ فين يا "زينة"، وإيه اللي أخرك لحد الوقت؟
ازدردت ريقها لتجيبه بصوت مختنق بالدموع:
- أنا شوية وهاجي.
سألها متوجسًا بعدما شعر بخنقتها:
- مالك يا زينة، أنتِ فيه حاجة مزعلاكِ؟
انفجرت بالبكاء لتنتحب مستنجدة بشقيقها:
- يوسف، أنا في مصيبة.
انتفض من مقعده ليهرول باتجاه الشرفة لا يدري لما وهو يسألها بلهفة:
- فيه إيه، انطقي، طب أنتِ فين؟
وأثناء ما كان عمرو يجري اتصالًا آخر محاولًا إيجاد حل للمشكلة التي قرر استغلالها للتقرب من نجله والفتاة وتقديم نفسه إليهما بشكل جديد، والظهور بصورة الأب حامي الحمى لأولاده، لاحظ بكاء الفتاة وانتحابها أثناء محادثتها لأحدهم، على الفور تيقن من أنه نجله الحبيب، أنهى المكالمة سريعًا ليقترب منها متسائلًا:
- ده يوسف؟
أومأت بدموعها ليزفر بحدة لاعنًا غبائها بسريرته ثم انتزع الهاتف منها لينطق بصوت حنون محاولًا طمأنة عزيز الفؤاد:
- ما تقلقش يا يوسف، دي مشكلة بسيطة وأنا هحلها من غير شوشرة.
- مشكلة إيه؟ قالها بحدة ليتابع بغضب متعجبًا تواجده بصحبة شقيقته:
- ثم أنت مين أصلًا علشان تكون موجود مع أختي، لا وبتحل لها مشاكلها كمان!
- أنا أبوها يا يوسف لو نسيت، قالها بجدية مصحوبة بلوم ليصيح الآخر متهكمًا بغضب:
- سلامات يا أبوها، ده من إمتى يا بيه؟!
وتابع ساخرًا:
- ومشاكل إيه دي اللي جاي تحلها لأختي، إذا كنت أنت أصلًا أكبر مشكلة في حياتها.
أغمض عينيه ليزفر محاولًا السيطرة على غضبه كي لا ينفجر بوجه نجله، فهو في حاجة إلى قربه ورضاه لا غضبه وابتعاده، تحدث بهدوء عكس ما يدور داخله من براكين خامدة:
- إهدى يا يوسف وخليني أشرح لك الموضوع.
- مش عاوزك تشرح لي حاجة، اديني زينة علشان أعرف مكانها وأجي آخدها.
- طب ممكن تهدى وتسمعني، قالها بصوت جاهد ليخرج هادئًا وتابع متسائلًا:
- أنت في البيت؟
بنفاذ صبر أجابه بنعم ليخبره:
- طب خليك مكانك، وأنا ربع ساعة بالكتير هبقى عندك أنا وزينة.
أغلق معه ليقف منتظرًا، بات يجوب المكان بغضب حاد، مجبرًا هو على تحمل ذاك الدخيل على حياتهما والذي ما بغض بكامل حياته مثله.
*****
كان يجلس بحجرة المكتب المتواجدة بالمنزل، منشغلًا بتخليص بعض الأوراق الموضوعة فوق سطح المكتب الخشبي، وأثناء اندماجه استمع لبعض الطرقات الخفيفة فوق الباب ليصدح صوته الحاد آمرًا الطارق بالدخول، فتح الباب لتطل تلك الفتاة اللعوب "هند" تتحرك بغنج نحوه في تمايل بجسدها وهي تحمل بين كفيها قهوته، اقتربت من المكتب لتضع الصينية وتقول بصوت ناعم وحروف مثيرة مقصودة:
- القهوة يا باشا.
وتابعت وضع كأس المياه الباردة لتميل بجسدها متعمدة إغرائه، لينطق وهو يتمعن النظر بملامحها كصقر يراقب فريسته بدهاء ما قبل الانقضاض:
- أنتِ مين سمح لك تدخلي عليّ وأنا بشتغل؟
وتابع بحدة:
- ثم أنا مبلغهم في التليفون إن وداد تحديدًا هي اللي تجيب لي القهوة؟
ارتبكت بوقفتها وتحدثت:
- وداد مش موجودة يا باشا.
وتابعت بدلال رغم سوء موقفها:
- راحت تودي بنتها لدكتورة أمراض النسا.
رفع حاجبه قبل أن ينطق بحزم مخيف:
- طب اسمعيني وافهمي كلامي كويس لأني ما بأعيدش الكلمة مرتين، أي حاجة خاصة بي ما تجيش ناحيتها نهائي، وطول ما أنا موجود في البيت، ما أشوفش خلقتك دي قدامي، مفهوم؟
انتفض قلبها رعبًا من أسلوب التهديد الذي اتبعه معها وقبل أن يقوم بطردها من المكتب دخلت تلك التي حضرت للتو من الشركة حيث تأخرت عن موعد العودة بفضل اجتماع هام، ومن سوء حظه أرادت رؤيته أولًا قبل الصعود للطابق العلوي، اتسعت عينيها ذهولًا لتنطلق عليهما بخطوات واسعة وأعين تشع نارًا موقدة، من يرى تجهم وجهها يجزم أنها على مشارف ارتكاب جريمة قتل أحدهم، واجهت وقوف الفتاة لتنهرها قائلة:
- أنتِ إيه اللي مدخلك هنا؟
- أنا مش قلت لك... اقتطم جملتها وهو يقول بإشارة من يده تابعتها نظرة أجبرتها على الصمت:
- خلاص يا بابا إهدي، الموضوع ما يستاهلش.
حول بصره إلى العاملة وتابع بنظرة شرسة:
- اطلعي برة، وزي ما قلت لك، طول ما أنا موجود في القصر مش عاوز أشوف خلقتك قدامي.
ازدردت ريقها وتحركت للخارج مهرولة بساقين تتخبط ببعضهما من شدة التوتر والهلع، أغلقت الباب خلفها وهرولت إلى حجرة تحضير الطعام لتصيح تلك الحانقة بحدة بعدما فقدت السيطرة على نفسها من شدة الغيرة على رجلها:
- البت دي لازم تمشي من البيت حالًا.
وقف يستدير حول المكتب لحتى وصل أمامها واحتوى وجنتيها قائلًا بذات مغزى:
- إهدي، وكل اللي أنتِ عاوزاه هيحصل.
ارتجف جسدها من شدة الاشتعال ونطقت بإصرار متجاهلة طمأنته:
- مشيها حالًا يا فؤاد.
أومأ بعينيه ليجيبها بهدوء عجيب:
- هتمشي صدقيني، بس اصبري.
طالعته بنظرة مستفهمة ليكمل مستطردًا بإبهام:
- همشيها بكرة.
صاحت بصراخ وقلب مشتعل:
- وليه مش النهارده، وليه مش حالًا؟!
اقترب من وجهها ليميل مستندًا بجبينه على خاصتها:
- بتثقي في حبيبك ولا لأ؟
ابتلعت ريقها متأثرة بهالة حضوره واقترابه الطاغي لتهز رأسها بنعم فمال على كريزتيها مقتطفًا قبلة سريعة ليبتعد مسترسلًا بذات مغزى:
- بكرة هعمل لك اللي أنتِ عاوزاه كله، وبالمناسبة، العيلة كلها متجمعة هنا بعد بكرة.
قطبت جبينها تسأله:
- تقصد مين بالعيلة؟
أخذ نفسًا مطولًا ليجيب:
- إحنا، وعيلة عمي أحمد بالكامل، وعيلة فريال.
- ليه، فيه إيه يا فؤاد؟! قالتها باستغراب وريبة ليجيبها بغمزة:
- هتعرفي بعدين.
بنفاذ صبر تحدثت ببعض من الحدة تعود لريبتها:
- فؤاد، أنا ما بأحبش جو المفاجآت وأنت عارف كده كويس.
وتابعت بأسلوب جاد:
- فيا ريت تقول لي فيه إيه؟
اضطر تغيير استراتيجيته معها لعدم إفساد ليلة الفتاة وتضييع عنصر المفاجأة عليها:
- ما فيش يا حبيبي.
وتابع بمراوغة:
- من زمان ما اتجمعناش، قلت نعمل عشا لطيف ونتجمع كلنا في سهرة حلوة.
واسترسل ليقطع عنها حبل الأفكار قبل أن تداهمه بأسئلة أخرى:
- يلا علشان نتغدى، أنا جوعت.
سألته باهتمام:
- أنت ما أكلتش معاهم؟
- تؤ، قالها متابعًا مع غمزة:
- ما أنتِ عارفة، فؤاد ما بيعرفش يستطعم الأكل غير في حضرة حبيبة حبيبها.
ألصقت حالها به أكثر لتنطق بهمس وأنوثة بعدما احتل غرامه كيانها:
- يخلي لي فؤاد، وعيون فؤاد، وقلب فؤاد، وكل فؤاد.
داعب أنفها بخاصته لينطق هامسًا بنعومة:
- طب يلا يا نور عين فؤاد غيري هدومك بسرعة، علشان فؤاد ميت من الجوع.
هرولت للخارج ولكن قبل صعودها للدرج ولجت للمطبخ تستدعي عزة قائلة بنبرة جادة:
- حصليني على فوق.
وتحركت دون النظر للفتاة التي ابتلعت ريقها لتهرول لداخل الحمام تحدث إحداهن عبر الجوال:
- أيوه يا مدام، الوضع هنا بقى صعب، فؤاد باشا ده طلع شراني قوي، ونظراته ليا مش مريحاني.
وتابعت تبتلع لعابها وهي تتذكر نظراته المخيفة:
- ده زي ما يكون فاهم الليلة كلها، نظراته ليا النهار ده كانت مرعبة.
على الطرف الآخر نطقت بنفاذ صبر:
- ما تتعبينيش معاكِ بقي، ده أنتِ طلعتي زنانة قوي.
وتابعت ناهرة:
- أمال لو كنتي عملتي حاجة من اللي اتفقنا عليها، ده أنتِ حتى ما عرفتيش تشديه ناحيتك وتزرعي الفتنة والشك بينهم.
لوت هند فاهها وتحدث ساخرة:
- أشد مين يا هانم، ده مش شايف ست غيرها في الدنيا كلها، ده ما بيطقش تبات ليلة واحدة وهي زعلانة منه.
هتفت المرأة بتهكم:
- أوف، كفاية بقى صدعتيني، خليكِ ماشية زي ما أنتِ، وأهم حاجة تنقلي لي كل حاجة بتحصل جوة القصر بالتفصيل، وخصوصًا بين فؤاد والزفتة مراته.
___________
بالأعلى، ولجت لغرفتها، فكت حجابها بحدة وألقت به فوق المقعد، خلعت عنها البليزر لتنطق تلك التي ولجت لتتحرك إليها متسائلة بارتياب:
- مالك مش على بعضك كده ليه؟
بدون سابق إنذار انفجرت بها:
- قاعدة لي أنتِ مرتاحة في المطبخ، وسايبة البت الحقيرة دايرة تحوم ورا جوزي.
وتابعت بوجه مشتعل:
- البنت بتستغل غيابي وتخلق أي فرصة تقرب فيها من فؤاد يا عزة.
اقتربت منها في محاولة لكظم غيظها:
- طب إهدي ما تعمليش في نفسك كده، كل مشكلة وليها حل.
وتابعت بما اعتقدته نصحًا ولم يكن سوى قنبلة موقوتة انفجرت بقلب الأخرى:
- هو أنتِ فاكرة نفسك لسه عيلة صغيرة للعصبية دي يا إيثار، إهدي لتجي لك جلطة بعد الشر.
فغر فاهها واتسعت عينيها على مصراعيهما بصدمة من حديث تلك البلهاء حيث أشعل النار بداخلها وجعلها تقارن بين عمرها الذي تعدى الأربعين، وعمر تلك العاملة التي بريعان شبابها، لتهتف بأعين مشتعلة:
- اطلعي برة يا عزة، ولو خايفة على نفسك، ما تخلينيش ألمح طيفك النهارده.
تراجعت للخلف خشية غضبها لتنطق بحروف متقطعة:
- الله أكبر، بسم الله الرحمن الرحيم، مالك اتحولتي كده ليه، هو أنا قلت لك حاجة غلط لا سمح الله، ده أنا خايفة عليكِ.
- امشي يا عزة من قدامي، صرخت بها لتهرول الأخرى صوب الباب وفتحته ليباغتها دخول ذاك المشاغب حيث صاح بمشاغبة:
- يلا يا مامي علشان تتغدي.
تحرك مهرولًا إليها لتجذبه عزة من رسغه وهي تهمس بترقب لملامح تلك الشرسة:
- تعالى هنا رايح فين.
وهمست له:
- ابعد عنها الساعة دي، حكم دي مش طايقة نفسها واللي هيقرب منها هتاكله بسنانها زي أمنا الغولة.
أفلت ذراعه لينطق وهو يتأمل وجه غاليته:
- أوعي، هحضن مامي، مش شوفتها لما جت.
رمقتها بحدة:
- سيبيه وانزلي جهزي الغدا وباشري عليه بنفسك.
وتابعت متوعدة بكفها:
- وإياك أنزل ألاقيكِ هربانة ومستخبية في المطبخ يا عزة.
أسرعت هاربة من أمام تلك الغاضبة ليهرول الصغير على والدته التي احتضنته وقبلت كل إنش بوجهه.
بعد قليل كانت تجاور زوجها والصغير حول طاولة الطعام استعدادًا لتناوله، أقبلت عليهم عزة تحمل دورق المشروب، تهربت بنظراتها بعيدًا ثم نطقت بصوت يكاد يسمع:
- العصير يا باشا.
رفع عينيه لأعلى يتأملها مبتسمًا فحقًا اشتاق لرؤياها، نطق في محاولة لملاطفة تلك العزيزة التي استطاعت بعفويتها أن تحصل على مكانة داخل قلبه:
- كفارة يا عزة.
ابتسمت خجلًا ليتابع مداعبًا تحت نظرات إيثار القاتلة لها:
- أخيرًا حنيتي علينا وقررتي تتعطفي وتورينا طلعتك البهية.
بادلته المداعبة قائلة:
- أنا قلت أريحك شوية من خلقتي وأشوف هوحشك ولا لأ.
ابتسم وقرر بث الرعب بأوصالها قليلًا لمعاقبتها:
- أوعى تكوني فاكرة إني نسيت عملتك السودة إياها، ولا هفوتها لك كده بسهولة.
بعفوية تحدثت لإلهائه:
- أنهي عملة فيهم بالظبط يا باشا؟
قام بحمل بعض من الأرز المطهي ورفعه باتجاه فمه وقبل إدخاله تحدث بمشاكسة:
- لكِ حق تتوهي، ما أنتِ بلاويكِ كتير وسجلك مليان.
وتابع بمراوغة:
- بس ما أبقاش فؤاد علام إن ما توبتك يا عزة.
تحمحمت وتحدثت إلى إيثار لمراضاتها:
- أصب لك عصير يا ست الستات؟
ردت باقتضاب متجاهلة نظراتها:
- مش عاوزة منك حاجة.
- طب بالإذن أنا بقى، قالتها وهي تضع الدورق استعدادًا للهروب ليقطع لحظتها ذاك الذي صدح مشاغبًا:
- هو أنتِ مش شيفاني يا زوزة؟
طالعته بغل وهي تسأله:
- يا غلبك يا عزة، عاوز إيه أنت كمان؟
رمقها فؤاد بنصف عين اعتراضًا على أسلوبها الغير لائق مع الفتى، لكن ماذا بيده ليفعله مع تلك التي عاش يوجهها مرارًا لسنوات ولم تستجب، وأخيرًا استسلم بالأمر الواقع وتقبلها كما هي إكرامًا لما عانته مع زوجته وحمايتها لها ولصغيرها طيلة سنوات وما زالت، أما الصغير فاستند للخلف ليقول بكبرياء:
- صبي لي كاس عصير زي بابي.
- حاضر يا آخرة صبري، نطقتها من بين أسنانها لتطلق بعدها العنان لساقيها هاربة، تطلع فؤاد لحبيبة الروح سائلًا ليطمئن:
- مالك يا حبيبي؟
- سلامتك يا فؤاد.
- مالك بجد، فيه حاجة حصلت بينك وبين عزة؟
تدخل ذاك المشاكس بالحديث:
- لما طلعت أنده لمامي، عزة شدتني ومش كانت عاوزاني أقرب.
ونطق واشيًا:
- وقالت لي، ما تقربش من أمك، دي عاملة زي أمنا الغولة وهتاكلك.
احتدت ملامحها وتحولت لتهب واقفة وهي تصرخ بعلو صوتها في طريقها للمطبخ:
- عزة، تعالي لي هنا حالًا!
نطق فؤاد لنجله بعدما شعر باقتراب العاصفة:
- شديت الفتيل يا ملوك، برافو عليك يا حبيب بابا.
رفع كتفيه للأعلى ناطقًا بعدم استيعاب الجملة:
- فطير إيه يا بابي اللي شديته؟
- فطير إيه يا عم الحلواني أنت كمان، وتابع مداعبًا:
- قوم ناخد لنا ساتر تحت السفرة قبل ما حرب الحلل والطاسات تبدأ.
*****
بنفس التوقيت تقريبًا، داخل مسكن يوسف البنهاوي، حضر هو وزينة وأيضًا "رامي" حيث طلب منه عمرو الذهاب معهما للاستعانة بالمعلومات التي بحوزته عن ذاك الحقير، جن جنون يوسف بعدما استمع من جميع الأطراف، ليصرخ في وجه شقيقته بحدة بالغة:
- أنتِ إزاي تخبي عني حاجة زي دي؟!
ارتعبت من هيئته الغاضبة، فتلك هي المرة الأولى التي تراه فيها بهذا الشكل الجنوني، نطقت وهي تنكمش أكثر:
- خوفت، خوفت يا يوسف.
هتف متغاضيًا عن نظراتها المرتعبة:
- من إيه، خوفتي من إيه يا زينة؟!
تابعت بنفس الرجفة وأعين زائغة تحت غضب رامي من أسلوب الشاب الخالي من الرحمة مع شقيقته:
- خوفت أقول لك تعمل معاهم مشكلة، ويتكاتروا عليك ويضربوك.
زفر حانقًا ومرر أصابع يده بخصلات شعره الفحمي يشدد عليه بقوة زائدة قبل أن يصيح من جديد متجاهلًا ولأول مرة حالتها النفسية:
- تمام قوي يا زينة، اتفضلي بقى شوفي نتيجة خوفك وصلتنا لإيه.
قرر رامي التدخل بعدما اشتعل داخله من غضب الشاب وعدم مراعاته لهلع الفتاة، فتحدث بجدية وخشونة:
- أستاذ يوسف حاول تهدى، صراخك على أختك مش هيحل المشكلة.
تطلع إليه بحدة لكنه استطاع السيطرة على حالة الغضب التي تملكته نتيجة هلعه على شقيقته وشعوره بالإخفاق في حمايتها، وأيضًا تعرضها لتلك المشكلة الكبيرة التي ستؤثر حتمًا في حياتها وتعيدها لنقطة الصفر، نطق بهدوء استدعاه بصعوبة:
- أنا متشكر جدًا يا أستاذ رامي على مواقفك النبيلة مع أختي.
وأشار بكفه باتجاه الباب:
- واتفضل حضرتك وما تعطلش نفسك أكثر من كده.
واسترسل متذكرًا:
- يا ريت بس قبل ما تمشي تسيب لي اسم الواد الحقير وصاحبه وعناوين بيوتهم وأرقام تليفوناتهم.
أجاب الشاب برجولة:
- أنا تحت أمرك في كل المعلومات اللي أنت محتاجها.
وتابع برجاء:
- بس يا ريت بعد إذنك تخليني معاكم لحد الموضوع ما يتحل، أنا عندي معلومات كتير وأكيد هفيدك.
وقبل أن يرد عليه انطلق صوت عمرو الذي ما زال يتابع اتصالاته:
- اقعد وإهدى يا يوسف وأنا هحل الموضوع بعلاقاتي.
لم يتحمل كلماته وانفجر صارخًا به:
- متشكرين لأفضال جنابك، اتفضل حضرتك روح لمراتك وولادك وسيبنا في حالنا.
وتابع ببسالة:
- أنا كفيل بمشكلة أختي ومحدش هيحلها غيري.
امتلأت ملامح عمرو غضبًا ليصيح بقلب مشتعل:
- طبعًا هتجري على اللي اسمه فؤاد وتستنجد بيه؟
وتابع مسترسلًا بتحذير شديد اللهجة نابعًا من غيرته:
- بس أنا مش هسمح لك تقلل مني قدامه وتحسسه إنكم ما لكوش أب يا يوسف.
برغم ما يشعر به الشاب من آلام شديدة تنخر بعمق قلبه، إلا أن ما قاله ذاك الرجل أدخله في نوبة من الضحكات الساخرة لينطق وهو يتحرك بدائرية داخل فناء المسكن بجنون:
- أب، وأنت إمتى كنت أب ولا اتحملت مسئوليتك ناحيتنا؟!
توقف فجأة ليرمقه بنظرات غاضبة متسائلًا بلوم:
- أنت مصدق نفسك فعلًا؟!
نطق الرجل بنبرة انهزامية وكأنه يترجاه:
- جربني المرة دي يا يوسف وسيبني أقف جنبكم، المشكلة بسيطة، ولو هتوصل لأني أراقب أهله وأخلي رجالتي تخطف حد منهم علشان الواد يظهر هعمل كده.
دقق النظر نحوه لتحتد ملامحه بغضب عارم تجلى على محياه ليصيح محذرًا بصرامة:
- أنا بحذرك، أوعى تتدخل بأي شكل من الأشكال، وإلا قسمًا بالله هزعلك.
جحظت عيني الرجل ليتابع الآخر تهديده المباشر:
- أوعى يغرك صغر سني وتستقل بي، أنا عامل زي موج البحر، قلبتي غدارة وممكن تندمك وتخطف عمرك كله في لحظة.
وتابع بحصافة ورثها من خلال عشرته بالراقي "علام":
- حق أختي هييجي بالقانون، أمور البلطجة وشغل عصابات حواري شيكاغو ده ما يمشيش معي.
تألم قلب "عمرو" من عدم لين قلب نجله الغالي له، بينما نزف قلب "رامي" على تلك المنكمشة تشاهد بنظرات صارخة ودموع منهمرة ما يحدث بين أبيها وشقيقها وعلاقتهما المشوهة، لم يستطع فهم ما يدور من حوله لكنه استنبط من الحديث أن الوالد والأبناء ليسوا على وفاق، وبأن تلك العائلة منفرط عقدها، تحرك إلى المنضدة وأفرغ من الدورق كأسًا من المياه وتقدم به نحو تلك المسكينة التي لا يشعر بمعاناتها أحد، حيث الجميع منشغلًا بخوض معاركه الخاصة:
- اشربي يا زينة.
تمسكت بالكأس بكلتا يديها ليرتجف من شدة انتفاضة جسدها وتناثرت منه بعض القطرات وهي ترتشف ليقع البعض على ملابسها، احترق فؤاده عليها ليهمس قائلًا بحميمية ممتزجة بنظرات حنونة إشفاقًا على حالتها:
- ما تخافيش، كل حاجة هتبقى كويسة.
نطقت بشفاه مرتجفة وأعين نادمة:
- أنا آسفة، تعبتك معي ودخلت بسببي في حوار ما لكش علاقة بيه.
همس بنفس الهدوء لبث الطمأنينة بداخلها:
- أوعي تقولي كده، أنا مش هسيبك غير لما نلاقي الحيوان ده والبوليس يقبض عليه، ونحذف كل صورك اللي عنده.
حركت رأسها مرارًا لتنطق متنصلة بدموع حارة:
- والله العظيم ما هي صوري يا "رامي"، وحياة ربنا مش صوري.
أجابها بيقين ونظرات هادئة:
- أنا متأكد من ده.
غاصت عينيها بخاصتيه وشعور غريب اقتحم قلبها ليهزه بعنف، هدأت دقات القلب قليلًا لتصمت ويتحرك هو باتجاه يوسف بعدما اطمئن عليها نسبيًا، أمسك يوسف هاتفه الجوال وقرر يهاتف اللواء التابع لجهاز المخابرات يستعين به، استبعد اللجوء إلى فؤاد كي لا يتسبب لحاله الحرج أمامه أكثر، يكفيه ما يشعر به دومًا بالتقزم تجاه تلك العائلة العريقة، كان داخل عمرو مشتعلًا وخصوصًا أنه لم يتوصل إلى حل، فكل الشخصيات التي لجأ لها تهربوا لعدم صلتهم بشخوص ذو مناصب مهمة في الدولة يستطيعون التدخل، استمع إلى يوسف وهو يقول بكل جدية:
- السلام عليكم، إزيك حضرتك يا سيادة اللواء، كنت محتاج تدخل حضرتك في حل مشكلة حصلت لأختي.
هدأت نار قلب عمرو وتابع يوسف حديثه مع الرجل وقام بإمداده بكل المعلومات اللازمة التي حصل عليها من خلال ذاك الشاب الخلوق "رامي"، وعده اللواء أنه سيعمل بجدية والعثور على هذا الحقير في خلال ساعات، اتجه يجلس بجوار شقيقته، حاوط كفيها المرتجفتين وضغط عليهما باحتواء وهو يعتذر:
- أنا آسف، اتنرفزت عليكِ غصب عني.
وتابع بتبكيت:
- بس أنتِ السبب يا زينة، لو من الأول خالص صارحتيني، كنا قدرنا نحل الموضوع وما كناش وصلنا للي وصلنا له ده.
- أنا آسفة يا يوسف، أنا سكت من خوفي عليكِ، وتابعت بقلب يتمزق ونظرات صادقة:
- ما كنتش عاوزة أخسرك بعد ما لقيتك.
رفع كفه يجفف دموعها ثم نطق بكلمات شملت روحها لتمدها على الفور بالسكينة:
- من أول يوم شوفتك فيه وجبتك هنا، قلت لك أنا مش بس أخوكِ، أنا أبوكِ وسندك وكل عيلتك.
وبات يذكرها بحديثهما الفائت تحت رجفة قلب رامي واستحسانه لتلك العلاقة الصحية:
- قلت لك أي حاجة تحتاجيها اطلبيها مني من غير ما تترددي، وأي مشكلة تواجهك أنا في ظهرك.
مال برأسه ليسألها بأعين عاتبة:
- مش أنا قلت لك كده يا حبيبتي؟
أومأت بدموعها لترتمي داخل أحضانه وتبكي متمسكة بتلابيب قميصه تحت صرخات قلبه النازف لأجل ضعفها، استغل عمرو الوضع واقترب يجاور الفتاة متحدثًا:
- إهدي يا حبيبتي، كل حاجة هتبقى زي الفل.
أغمض يوسف عينيه زافرًا لتخرج الفتاة من أحضان يوسف منساقة إلى ذاك الأب الذي نجح بجذب تلك المسكينة، مستغلًا حالتها للحنان ووجود العائلة والاهتمام التي حرمت منه طيلة حياتها.
__________________________
بعد مرور حوالي ساعة على تلك الأحداث، هاتف اللواء "يوسف" وأخبره أن رجال المخابرات استطاعت العثور على ذاك الفأر المختبئ، وتم العثور عليه داخل منزل أحد زملائه بأحد المناطق الشعبية المكتظة بالناس ليتوه بينهم، ولكن لم يخفَ هذا عن جهاز المخابرات العتيق، طلب منه اللواء الحضور إلى قسم الشرطة حيث تم القبض عليه والتحقيق الفوري معه بناءً على توصيات هائلة من رجال المخابرات، أمسك يوسف هاتفه الجوال وبعد طول ابتعاد قرر الاقتراب من حبيبته والاستعانة بها للوقوف بجانب شقيقته في هذا الظرف الصعب، قرر أن يستعين بها لتجلس مع شقيقته هنا بالمنزل وتحتويها حتى ينتهي هو ويعود إليهما، اتخذ قراره هذا لقرب موعد تحقيق حلمه وبأنه أخيرًا سيكون جديرًا بها، كاد أن يضغط فوق زر الاتصال بتلك التي كانت تجلس داخل غرفتها، تنتحب ودموعها تنساب من مقلتيها كشلالات، حزنًا وقهرًا على من خالف العهد وخان الوعد وتخلى عن الحب، قبل أن يضغط فوق زر الاتصال أتاه اتصالًا من اللواء يطالبه بالتعجل والتوجه فورًا إلى قسم الشرطة وذلك لوجود أحد رجالهم بانتظاره هناك، وطلب أيضًا حضور زينة لأخذ أقوالها، أغلق معه ليهرول مسرعًا متناسي أمر بيسان وكأن الكون بظروفه تحالف ضد تجمع الحبيبين.
حضر يوسف مصطحبًا شقيقته وعمرو ورامي أيضًا الذي حضر التحقيق وقام ضابط الشرطة بأخذ أقواله باعتباره شاهدًا على الواقعة الأولى، وقد عثر الضابط أثناء تفتيش هاتف المجرم على مجموعة من الصور لأكثر من فتاة، كان ذاك الحقير يتبع معهم ما قام به مع زينة، صرخ ذاك الـ "مازن" وهو يترجى زينة:
- أنا كنت بهزر معاكِ.
وتابع كذبًا بدموعه المنهمرة كالنساء:
- ما كانش قصدي أأذيكِ، أبوس إيدك يا زينة تتنازلي، مستقبلي هيضيع.
رمقته باشمئزاز ليصرخ صديقه إياد مترجيًا ضابط الشرطة:
- أنا ما عملتش حاجة، والله يا باشا ما عملت حاجة، مازن هو اللي بعت صور للبنات وهددهم لو ما سمعوش كلامه هيفضحهم، أنا اتاخدت في الرجلين ليه يا باشا.
لينطق رامي مذكرًا كلاهما:
- أنتوا الاتنين ضيعتوا مستقبلكم بغبائكم وقذارتكم، أنا حذرتكم من أول مرة ضايقتوا البنت فيها، بس أنتوا مشيتوا ورا شيطانكم، احصدوا بقى نتيجة حقارتكم.
رمق يوسف ذاك الحقير المنكمش كالفأر ونطق من بين أسنانه:
- احمد ربنا إني متربي في بيت بيحترم القانون، وإلا كان زمان البوليس بيدور على جثتك وبيجمعوها من كل صندوق زبالة جزء.
تحدث الضابط بنبرة حكيمة:
- يا ريت يا آنسة تشيلي صورك من على الفيس بوك وما تنزليش أي صور تاني، أديكي شايفة التكنولوجيا وقرفها.
- أنا عمري ما نزلت صور لي على الفيس بوك، قالتها بانهيار ليسألها الضابط بحيرة:
- أمال الـ ... ده جاب الصور منين؟
تابعت بدموع:
- والله العظيم ما أعرف.
نظر الضابط لذاك الحقير لينطق بارتياب:
- أنا صورتها في الجامعة بكاميرا الفون بتاعي، من غير ما تاخد بالها يا باشا.
الله يخربيتك لبيت التكنولوجيا اللي هتعجل بنهاية العالم دي.
*****
ليلًا، داخل منزل علام زين الدين، وبانضمام فريال وبيسان إلى العائلة بناءً على طلب الأولى لعقد اجتماع عائلي عاجل لنقاش أمر ذاك المتقدم لخطبة ابنتها، تحدثت فريال بنبرة خائبة ظنًا منها استطاعة تأثير العائلة عليها لتتراجع عن ذاك القرار الذي سيدمر مستقبلها بالكامل:
- بيسان متقدم لها عريس من الجامعة بتاعتها، وهي موافقة.
وقع الخبر على الجميع كصاعقة كهربائية خاصة إيثار التي فغر فاهها بدهشة بينما وقفت الفتاة لتهتف مخاطبة والدتها بصوت متهدج من شدة الغضب:
- هو حضرتك جايباني هنا علشان تنصبي لي محكمة؟!
نطق فؤاد متمالكًا حاله:
- إهدي يا بوسي واقعدي علشان نشوف المصيبة اللي عاوزة تعمليها في نفسك دي كمان.
- دي مش مصيبة يا خالو، وتابعت بشموخ وعناد:
- ده تحديد مستقبلي، وأظن إني حرة في اختيار الراجل اللي هكمل معاه باقي حياتي.
ثم رمقت والدتها لتتابع بحدة ولوم:
- المفروض إني جاية معاكِ علشان أشوف جدو التعبان، مش ده كلام حضرتك ليّ؟
سألها علام بنبرة هادئة متخطيًا غضبها:
- مين العريس ده، وعرفتيه منين وإزاي؟
بلامبالاة أجابته:
- واحد زميلي في الجامعة، وبابا حدد له ميعاد لزيارتنا بكرة خلاص.
- نعم؟! قالها فؤاد متهكمًا بحدة ليتابع بأعين تطلق شررًا:
- هو ماجد اتجنن ولا إيه يا فريال، إزاي يحدد ميعاد لعريس جاي لبنتنا من غير ما يبلغنا ويأخذ رأينا؟
وضعت رأسها بين كفيها بألم واستسلام بعدما اتخذت من الصمت مسلكًا لتنطق الفتاة بصوت واثق:
- دي مجرد قعدة تعارف يا خالو، وأكيد بعدها بابا هيعزمه هنا علشان يعرفه على جدو وعلى حضرتك.
- ويوسف يا بيسان؟ كلمتان نطقت بهما إيثار بخفوت وقلب ينزف دمًا على نجلها الغالي، لتجيب الأخرى بقوة متجاهلة نبرة الأم الحزينة:
- أنا ويوسف مش مناسبين لبعض يا طنط.
وتابعت بتعالٍ طارئًا على شخصيتها، وكأنها تحفظ بتلك الطريقة الانتقامية ماء وجهها:
- بعد ما فكرت اكتشفت إن مستوانا العلمي والاجتماعي مختلف.
رفعت قامتها لأعلى مسترسلة:
- أنا هبقى جناب السفيرة يا طنط، وخطيبي كمان سفير، وعيلته...
اتسعت حدقتا عينيها ليهتف فؤاد معترضًا بحدة مقاطعًا حديثها المفتقر لأدنى حدود الأدب:
- بيسان، أنتِ اتجننتي ولا إيه؟!
وقفت إيثار لتشير بكفها إلى فؤاد وهي تقول بهدوء:
- كفاية يا فؤاد، لحد هنا والموضوع بالنسبة لي انتهى.
التفتت تطالعها وهي تقول بحسرة:
- ربنا يوفقك مع الراجل اللي من مستواكِ هو وعيلته يا سيادة السفيرة.
وتابعت برأس مرفوع:
- وبالنسبة لابني الباشمهندس يوسف، فألف واحدة تتمناه.
وتابعت مسترسلة:
- وأكيد ربنا هيرزقه باللي تستاهله بجد، وتبقى جديرة بيه وبنضافة قلبه وأخلاقه.
- بعد إذنك يا بابا، بعد إذنكم... انطلقت مهرولة للأعلى تحت حزن عميق خيم على الجميع، نطق علام بألم استوطن من قلبه:
- خسرتي راجل، رجالة الدنيا كلها مش هتعوضك ضفره يا بنت ماجد.
طالعت الجميع بحدة وقوة مزيفة لتنطق بكبرياء وصرامة غير قابلة للنقاش:
- مش أنا اللي هخسر يا جدو، وبكرة هتشوفوا كلكم أنا هبقى إيه وهوصل لفين.
وتابعت بتحدي:
- والنيابة اللي خسرتها علشانه وقهرت قلب بابا بسببه، هحقق قد اللي كنت هحققه فيها عشرات المرات، وهرفع اسمي واسم أبويا للسما.
رمت بكلماتها الأشبه بسهام نارية لتنطلق للخارج كثور هائج لا يرى من شدة غضبه، تاركة الجميع خلفها يتطلعون بقلوب نازفة وعقول مشتتة.
*****
كان يقف بغرفته، يتابع تجهيزاته لاحتفال الغد بروح قتالية، فبرغم ما حدث باليوم وبشاعته، إلا أنه طرد جميع المشاعر السلبية ليستدعي طاقة هائلة من الإيجابية يستقبل بها أسعد لحظات حياته، علق بدلته الجديدة حيث سيرتديها بالمؤتمر، وتحرك إلى مرآة زينته يهذب بكفه ذقنه بابتسامة هادئة، رتب كل شيء، اتفق مع والده الروحي بجمع العائلة، وشقيقته ستذهب لعائلة عمه حسين وتنتظر المفاجأة حيث أبلغها بذلك، فكر بأن يهاتف حب العمر ويقوم بإخبارها بنفسه، لكنه تراجع وفضل تفاجأها مع الجميع، استمع إلى هاتفه فتحرك إلى المنضدة ينظر لشاشته ليبتسم تلقائيًا حين وجد اسم والدته، على الفور أجاب بصوت حماسي استدعاه لينسى من خلاله ما مر به من أحداث مروعة:
- إيه يا حبيبتي، تعرفي إنك كنتي لسه على بالي.
كانت تجلس على طرف الفراش وبدون مقدمات قررت إبلاغه:
- بيسان اتخطبت يا يوسف.
نزل الخبر عليه كالصاعقة الكهربائية ليزلزل كيانه ويشل معه حركة جسده بالكامل، تابعت بهدوء تحت صرخات قلب الفتى:
- اتقدم لها واحد معاها من الجامعة وهي وباباها وافقوا عليه، والعريس هيزورهم بكرة هو وأهله.
وتابعت بتأكيد أنهى على ما تبقى له من أمل:
- هي بنفسها اللي بلغتنا تحت من شوية، وشكلها موافقة ومقتنعة جدًا بالعريس.
ابتلعت ريقها لتتابع وقلبها يتمزق لكنها أرادت إخباره بجل ما دار كي يحفظ ماء وجهه ويظل محتفظًا بما تبقى من كرامته التي دهست قبلًا تحت قدمي أبيها والآن قد أتى دور ابنته:
- بيسان قالت لي في وشي إنها اختارت الراجل المناسب واللي هيبقى سفير زيها، وإن عيلته تشرف وتناسب عيلتها.
لم ينبس ببنت شفة فتنهدت وعادت تسأله بنبرة محبطة:
- ساكت ليه؟
بصوت خالٍ من المشاعر أجابها:
- عاوزاني أقول إيه؟
- أي حاجة.
بصوت قوي عكس ما يدور بداخله أجابها:
- ما بقاش فيه حاجة تتقال خلاص يا ماما، هي اختارت بكامل إرادتها اللي يناسبها، ربنا يوفقها.
وتابع:
- ماما.
بقلب يئن ألمًا وحروف مرتجفة من شدة التأثر نطقت:
- نعم يا نور عيني.
- ادعي لي، قالها بصوت مهزوم لم يستطع الصمود لتنهمر دمعات تلك الحزينة قهرًا عليه، استمع لشهقاتها المرتفعة فأنهى المكالمة قبل أن ينهار هو الآخر ويصدح صوت صرخاته بدلًا من الشهقات، تطلع على انعكاس صورته وعلى حين غرة ضحك وضحك لتعلو قهقهاته أكثر وأكثر سخرية من حاله، امتزجت دموعه بالضحكات المتهكمة وبات كالفاقد لعقله، سخر على حاله وسعادته الناقصة دومًا، لما تعامله الحياة معاملة الزوجة لعشيقة زوجها، يا الله، كم بات يشتهي فرحة كاملة يعيشها، دائمًا سعادته منتقصة، وقف يتطلع في المرأة وهو يتخيلها أمامه، ليحدثها بدموعه الأبية التي تنزل بغزارة على حب العمر.
"أتدرين، أكثر ما أوجعني من الرحيل ذاته، هو وقوعه من دون وداع، رحلتي دون إبداء حجة لاتخاذك منفردة هذا القرار المصيري، لتتركيني في حيرة من أمري واقفًا على رفات أحلامي، أتأمل بعمق وحال عقلي هو الذهول محاولًا استيعاب حجم الدمار، وأتساءل، ما الذي حدث؟ ومتى؟ وكيف؟
بالله، أخبريني ماذا سأفعل بقلب ما زال بلهفة حبك نابضًا؟ كيف سأسكت صدى صوتك المرافق لي بصحوتي ومنامي؟ ذكرياتنا والضحكات التي يصدح صوتها في ثنايا مسامعي، أمنياتنا أفكرتِ بها؟ أتذكرين أسماء أطفالنا التي اخترناها معًا بعد عناء من التفكير؟ ماذا سنفعل بها؟ هل سنتقاسمها بيننا؟
بالله لا تتركيني لحيرتي بلا إجابات.
أليس من العدل أن تخبريني ما وراء تبديد آمالنا وضياع الأحلام؟ أواعية أنتِ لما فعلتِ؟ لقد حولتِ رونق أحلامي إلى كوابيس مفزعة، لا عليكِ عزيزتي، دعكِ من كل مهاتراتي، ولتلقي بكل ما هزيتُ به الآن في جب النسيان، ولتستمعي جيدًا إلى حزمة قراراتي، سأنتصر على هزيمتي الساحقة في معركة غرامك، سأجاهد لسحق آلامي وآهاتي وإخراج عشقك من الوجدان، وسأستطيع هزيمة طغيانك بقوة الإيمان، سأتابع طريقي كفارس امتطى جواد الرحيل بصمت دون الالتفات لما فات."
أخرج هاتفه وجاء بصورها الخاصة معه وبدأ بحذفها صورة تلو الأخرى ليكمل متوعدًا بحدة وعينين تشتعل نارًا:
- وداعًا أبديًا يا من احتلتني عشقًا وشيدتِ معها قصورًا لأكتشف بنهاية المطاف، كم كانت واهية هي ومصنوعة من الرمال."
*****
مساء اليوم التالي، ارتدى تلك البذلة الفخمة وقام بهندمة حاله على أكمل وجه، ليبدو كعريس بليلة زفافه، ارتدى أيضًا ساعة يد تحمل اسم ماركة عالمية شهيرة، نثر عطره الرجولي وتوقف يلقي نظرة أخيرة على صورته المنمقة، ابتسم برضى وتحرك برتابة إلى موعده بعدما ذهبت شقيقته إلى منزل عمه، أبلغ عمه أيضًا إبلاغ عمرو وجدته إجلال وجميع العائلة بأن ينتظروا شيئًا هامًا بشاشة التلفاز، يبدو أنه قد أعلن الحرب على الجميع.
حاول فؤاد أن يقنع ابنة شقيقته تأجيل زيارة المتقدم فرفضت رفضًا باتًا، فاحترم قرارها وها هم الآن على مشارف الوصول إلى منزل ماجد، أمر فؤاد بتجهيز عشاء ضخم يكفي الجميع، حضر أحمد الزين وجميع عائلته ليرحب بهم الجميع بحفاوة، جلست نجوى لتضع ساقًا فوق الأخرى متسائلة باستغراب:
- أنا مش فاهمة بجد إيه مناسبة العزومة دي.
وتابعت معللة تحت استغراب عصمت وإيثار والجميع أيضًا:
- إحنا لسه من كام يوم كنا بنتغدى مع بعض في المزرعة.
زفرت عصمت برغم تضامنها مع رأيها لتنطق سميحة باستفزاز لإيثار:
- أكيد مدام إيثار هي اللي ورا العزومة دي يا مامي.
وتابعت بابتسامة مستفزة:
- شكلي بأوحشها لدرجة إنها مش قادرة على بعدي حتى في الويك إند.
همس زوجها خالد:
- بطلي تستفزي الست يا سو، هي أصلًا قاعدة مش طايقانا لوحدها.
- لا يا حبيبي ده العادي بتاع تركيبة وشها، قالتها ساخرة لينطق أحمد باطمئنان بعدما لاحظ شرود وحزن زوجة ابن شقيقه:
- مالك يا إيثار، أنتِ تعبانة ولا إيه؟
ابتسمت لتجيب ذاك الخلوق بوهن:
- مرهقة شوية من قلة النوم يا عمو.
- أوه، لازم تنامي كويس قوي، النوم ضروري للستات اللي في سنك، قالتها سميحة في محاولة من ضمن محاولات عديدة قامت بها منذ حضورها باللحظة الأولى لاستفزازها، لتتجاهلها الأخرى لسببين، الأول احترامها كضيفة على منزل الراقي علام، والثاني لعدم سماح حالتها المزاجية بالرد على تلك الحمقاء، ففضلت الصمت تحت تحذير أحمد لابنته ورمقها بنظرات نارية كي تلتزم الصمت.
نزل فؤاد من الطابق العلوي ليتحرك واقفًا أمام الجميع، ويقول مستأذنًا من والده:
- بعد إذنك يا باشا، أنا رايح بنفسي أعزم ضيوف دكتور ماجد علشان ييجوا يحضروا معانا العشا.
نطقت عصمت باعتراض وهي تنظر لزوجة نجلها في إشارة يفهمها اللبيب:
- مش هينفع يا فؤاد، بعدين.
تبادل علام النظرات بين نجله وإيثار شاملًا إياه بنظرات لائمة ليطمئنه الآخر بنظراته التي يثق بها مما جعل علام يصمت منتظرًا، تحرك إلى زوجته ومال بطوله مقبلًا جبينها ليهمس تحت اشتعال قلب سميحة بالغيرة:
- عاوزك تتأكدي إني بأعمل كده علشانك.
رفعت عينيها الذابلة من بكاء ليلة أمس لتلتقي بلوم خاصتيه لينطق بابتسامة رائعة:
- جهزي قلبك لاستقبال فرحة عمرك كله يا نور عيوني.
غامت بعينيه متلهفة لكلماته ليبتسم مع إيماءة تأكيد من عينيه جعلتها مستبشرة خيرًا، تحرك إلى منزل ماجد الذي كان يستقبل الضيوف داخل الحديقة ليقوم بدعوتهم تحت استغراب ماجد، خرجت الفتاة وهي ترتدي ثوبًا رائعًا وكأنها تتحدى الجميع لتسأل خالها بقوة:
- ممكن أعرف حضرتك بتخطط لإيه بالظبط يا خالو؟
- ولا أي حاجة، قالها فؤاد ليتابع بتحدي ظهر بعينيه:
- تأكدي إن موضوع العزومة ده ما يخصكش لا من بعيد ولا من قريب، أنتِ اخترتي طريقك خلاص، ربنا يوفقك فيه.
ابتسم نبيل ليقبل عليها مرتديًا حلته الرسمية:
- إيه الجمال والشياكة دي كلها يا حبيبتي.
أخذت نفسًا مطولًا كي تستطيع تقبل ذاك الثقيل على قلبها لتنطق بجدية:
- ميرسي يا نبيل، يلا بينا نكمل تعارفنا في قصر جدو.
بالفعل تحرك الجميع ليدخل عاطف السرجاوي مرتديًا بدلة ذو ماركة عالمية قد انتقاها له نجله بعناية ليرتديها رغمًا عنه، وأيضًا والدته ناهد التي بدت وكأنها سيدة مجتمع من الدرجة الأولى، رحب بهم الجميع ليتحدث عاطف بنبرة نهمة ظهرت على محياه:
- اتشرفت بمعرفتك يا باشا، أنا من زمان وأنا نفسي أشوفك وأتعرف عليك.
وتابع بأعين لامعة تحت استغراب وذهول الجميع بما فيهم بيسان بذاتها:
- أنا شوفتك في التلفزيون كتير قبل كده، وما كنتش مصدق لما نبيل ابني قال لي إنه هيخطب بنت بنتك.
كان يتحدث بلكنة أظهرت مستواه البسيط ليسأله بسام بعدما لاحظ هذا:
- أنت بتشتغل إيه يا عاطف بيه؟
قبل أن ينطق خرج صوت نبيل القوي حادًا بعض الشيء لغضبه من أسلوب والده الذي وضعه في موقف لا يحسد عليه:
- بابا رجل أعمال كبير، عندنا مجموعة شركات مقاولات.
خاب أمل ماجد بنجلته ورمقها بحدة عاتبًا لتدني اختيارها بشريك العمر، كان منتظرًا قدوم شخصًا من عائلة مرموقة، حتى بيسان بذاتها خاب أملها بنبيل، لكن لا يهم، كل ما يشغلها حاليًا هو الثأر من يوسف وفقط، وليذهب كل شيء بعد الانتقام إلى الجحيم، وقفت عصمت تتحدث بحدة تعود لعدم تقبلها لتلك المهزلة التي تحدث في حضرة تلك النجوى التي رمقتها بضحكة شامتة:
- بعد إذنكم، هأبلغ المطبخ علشان يجهزوا لنا العشا.
وقف فؤاد ليتحدث بنبرة قاطعة:
- بعدين يا دكتورة لو سمحتي.
ونظر بساعة يده لينطق وهو ينظر لزوجته بابتسامة تعجبت لها:
- فيه حاجة مهمة جدًا هتتذاع بعد عشر دقايق في التلفزيون، وإحنا كلنا متجمعين النهارده علشان نشوفها مع بعض.
وقفت تقترب منه وسألته متوجسة:
- فيه إيه يا فؤاد، فهمني إيه اللي بيحصل بالظبط؟
- هتفهمي حالًا، وعلى صوته مناديًا:
- عزة، هاتي الأولاد وحصليني على الليفنج روم.
قطب الجميع أجبانهم وتوقفوا منساقين خلف ذاك الفؤاد دون اعتراض.
*****
داخل منزل عمرو أيضًا، كان يجلس بجوار والدته فوق الأريكة، بينما تجلس رولا بالمقعد المقابل لهما، حيث تمكنت تلك المتجبرة من السيطرة على عمرو طيلة مكوثه بالمنزل مما جعل الأخرى تشتعل نارًا من تواجدها بالمنزل، سألتها بنبرة مستفزة:
- شو يا ستهم، ما قلتِ لي، إيمتى رح ترجعي لبيتك؟
رمقتها بحدة قبل أن تنطق باستفزاز وجبروت:
- أما يجيني مزاجي يا مرات ابني، عندك اعتراض ولا حاجة؟!
ردت بابتسامة مصطنعة:
- اعتراض على شو حياتي، وجودك منور البيت يا تؤبريني.
مالت على أذنه تهمس متسائلة:
- بتقول إيه البت دي يا عمرو، أنا ما بأفهمش من كلامها الملخفن ده حاجة.
أجابها بهدوء وهو يتناول إحدى حبات البندق:
- بترحب بيكِ يا ستهم.
- يا الله بدي أفهم، ليش قاعدين هيك ومفتحين عيونا بالشاشة، مين رح نشوف بربك يا عمرو؟
بالكاد أنهت حديثها ليبدأ المؤتمر وبعد التقديم يظهر ذاك اللواء ويتحدث بحكمة ورتابة:
- .
رواية انا لها شمس الفصل الرابع والستون 64 - بقلم روز امين
«لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين»
«ليس كل مر مذاقه كالحنظل، أحيانًا يكمن بقسوة علقمه الترياق، لنفيق من غفوة حماقتنا، فكم من المرات منحنا كامل الثقة لغير مستحقيها، لنعض على أصابعنا ندمًا بعدها.»
_________________
الكل في حالة ترقب شديد، دواخلهم تتسائل، ترى ما هو الحدث العظيم الذي سيذاع على شاشة التلفاز، وفجأة يتم الإعلان عن المؤتمر الصحفي لجهاز المخابرات الحربية الغير معلن عنه مسبقًا، ويظهر ذاك اللواء بعينه ليعلن عن اكتشاف تطويرًا هامًا للغاية سيقلب موازين القوة بالشرق الأوسط، بعد الترحيب بالجميع والإعلان عن الحدث، نطق اللواء قائلًا باعتزاز:
- وما يدعو للفخر أيضًا أن هذا التطوير العظيم الذي سيقلب موازين القوة بالشرق الأوسط، تم بسواعد مصرية خالصة، فقد تم على أيادي شاب بمقتبل عمره، شاب أعطاه الله من العلم والذكاء ما يميزه عن الآخرون، وقد قرر الشاب أن يستغل إمكانياته التي من الله عليها بها، وأن يحفر في الصخر ويكتب اسمه بماء من ذهب، ليعبر من خلال مجهوداته المبذولة بوابة التاريخ ويسجل اسمه بين العظماء.
وتابع وهو يشير إلى الجانب الأيمن لينطق باستقبال حافل:
- دعونا نستقبل فخر مصر صاحب فكرة تطوير الطائرات الحربية، الشاب المصري الأصل.
تمركزت جميع الأعين بترقب شديد منتظرين الإعلان عن ذاك الرجل، ليظهر "يوسف" وتتسلط عليه جميع الكاميرات والأعين التي ذهلت، كان يمشي بخطًا ثابتة كملك واثق يصعد لمنصة تتويجه، ليعتلي عرشه، بابتسامة جذابة نظر إلى موضع الكاميرات مع متابعة اللواء وهو يقول:
- المهندس "يوسف عمرو نصر البنهاوي".
صدح صوت تصفيق حار داخل القاعة لتصرخ إيثار من شدة وقع الخبر عليها، باتت تحملق في الشاشة بعدم استيعاب لما تراه أمامها، يا الله كم أنت عظيم، لقد بدل سبحانه حالها من أقصى درجات الحزن وانعدام الأمل، لشدة السعادة والوصول لقمة الأمل، صرخ أشقائه أيضًا بذهول من شدة سعادتهم، لأول مرة يتخلى "زين" عن رزانته التي ورثها عن أبيه وجده لينطق فخرًا وهو يقفز للأعلى:
- برافوا يا يوسف، برافوا، طول عمري وأنا واثق إنك هتوصل وتحقق اللي غيرك مقدرش عليه، كنت عارف إن انتمائك لكلية الهندسة مش نهاية المطاف، وإنها هتكون بوابة لتحقيق أحلامك.
وهرول إلى والدته ليتابع متشبثًا بذراعيها:
- شوفتي چو يا مامي.
أما ذاك السند الواقف خلفها، مال بجذعه لينطق بسعادة:
- إيه رأيك في المفاجأة يا حبيبي؟
بدموع الفرحة سألته:
- ليه مقولتليش؟
ببساطة أجابها:
- مكنتش عاوز أضيع على نفسي اللحظة اللي إحنا فيها دي.
لقد كان وقع الخبر مختلفًا على الجميع، فمثلًا الراقي "علام"، شعوره بالافتخار لم يقل عن شعور إيثار وفؤاد، "عصمت" انتابتها مشاعر عديدة، سعادة ممتزجة بزهو كون ذاك الفتى ترعرع وتربى بكنف عائلتها وعلى يد رجلا حياتها، وشعورًا بالسعادة لأجل الفتى لأنه يستحق كل جميل، ولأجل والدته التي عانت الأمرين لأجل الوصول به لبر الأمان، وفريال حيث شملتها مشاعر صادقة بالسعادة، فطالما كانت تشعر بانتماء يوسف إلى عائلتها اسمًا وفعلًا، وأحمد الذي سعد لسعادة الجميع ولأجل الشاب الخلوق الذي يحمل قلبًا نظيفًا خاليًا من أي ضغينة تجاه أحدهم، نجوى التي تطلعت على الوجوه حولها باستعلاء ولم تهتم بالأمر كثيرًا، بسام الذي وبرغم عدم ارتياحه لشخص إيثار، إلا أنه سعد لأجل الشاب الخلوق، فكم من الذكريات التي جمعت بينهم كشخصين ينتمين لنفس العائلة.
عكس سميحة التي كرهت نجاح الشاب وحقدت لكم السعادة التي اجتاحت إيثار من خلال ذاك النجاح.
أما بمنزل حسين البنهاوي، فعمت الفرحة المكان برمته وصرخت زينة من شدة سعادتها.
عودة إلى "يوسف"، الذي صعد إلى حيث التكريم، صافح اللواء باحترام وتقدير وتحدث اللواء:
- اتفضل يا باشمهندس قول كلمتك.
وقف أمام الميكرفون وتحدث بثقة رجل خلق لتلك المواقف:
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحقيقة أنا مش محضر أي كلام علشان أقوله.
وتابع مشيرًا إلى اللواء:
- ولما قولت كده لسيادة اللواء، قال لي مش مطلوب منك تتكلم يا باشمهندس، لأن اللي عملته شفيع ليك قدامنا، قال لي تقدر تشرح إحساسك.
وتعمق بالنظر إليه لينطق بملاطفة خفيفة نالت استحسان الآخر:
- وأنا هسمع كلام حضرته وأسرد إحساسي.
وتابع:
- أول حاجة حابب أشكر كل شخص وقف معايا من أول ما كونت الفكرة في دماغي لحد اللحظة اللي إحنا مجتمعين فيها دي، وأحب أشكر كل رجال جهاز المخابرات الحربية العظيم، من أول رئيس الجهاز لأصغر عامل فيه.
وتابع رافعًا رأسه بشموخ تحت تصفيق الجميع:
- جهاز أتشرف إنه موجود في بلدي الحبيبة مصر.
خرج صوت رئيس الجهاز بذات نفسه الجالس بمقعده، عبر مكبر الصوت:
- وجهاز المخابرات الحربية بيشكرك يا باشمهندس على الجهود اللي بذلتها في رفعته، وبيعلن انتمائك ليه، وإنك أصبحت أحد رجاله، بمنحك شرف رتبة ضابط مهندس.
ارتفع صوت التصفيق من جديد لتنهمر بذات الوقت دموع إيثار وشهقاتها المرتفعة التي صدح صوتها، احتوى كتفيها فؤاد الواقف كالأسد خلف مقعدها محاوطًا كتفيها بكفيه الحنون، على صوت علام تحت غضب نبيل وحقده الظاهر وهو ينظر لشاشة التلفاز بعينين تطلق شزرًا ونارًا مشتعلة بصدره لو خرجت لأحرقت بطريقها الأخضر واليابس:
- الله أكبر، ربنا يحميك من عيون الناس يا حبيبي.
بينما مال يوسف برأسه قليلًا تقديرًا واحترامًا لرئيس الجهاز وتحدث ممتنًا:
- ده شرف كبير يا أفندم، منحي هذا اللقب ثقة عظيمة أوعد جنابك إني أكون قدها وأكون جدير بالمنصب اللي تفضلتم بيه عليا ومنحتهوني.
أجابه الرئيس عبر المكبر:
- تستحق المنصب يا حضرة الظابط، ربنا يوفقك أنت وكل شباب مصر وأتمنى كل الشباب اللي بيتفرجوا علينا من خلال المؤتمر يحذو حذوك، ويخلونا نفتخر بيهم كلهم ونتشرف بانتمائهم لوطنهم مصر.
- أشكر معاليك يا أفندم... قالها ليتابع بجدية:
- أحب أهني نفسي وأهني كل المصريين بالتطوير الهايل اللي وصلنا له، وبعد شكري وامتناني لفضل ربنا الكبير عليا، اللي لولا توفيقه عز وجل مكنتش هوصل لأي حاجة من كل ده.
كانت "إيثار" تتمعن بنظراتها الحنون طلته البهية وهيأته الخاطفة للأنفاس، كم كان رائع المظهر حسن الوجه وكأن الله شمله بهالة من النور انعكست على وجهه لتجعل منه مشعًا كقمر منير، يا الله، كم أنت عظيم واسع الكرم يا إلهي، شملتني برحمتك وأكرمتني من واسع فضلك، فاللهم لك الحمد والشكر على نعمك التي لا تعد ولا تحصى.
تصفيق حار ملئ القاعة صاحبه سعادة ملئت قلب الشاب، شعوره بالفخر بحاله تفاقم حين وجد كمًا هائلًا من الرتب العسكرية المختلفة تنظر إليه وجميعهم يفخرون بما تم من إنجاز كبير على يده، ابتسامة هادئة ارتسمت فوق ثغره ليتابع بعزة:
- وتطبيقًا لحديث رسولنا الكريم "صلى الله عليه وسلم" «من لا يشكر الناس لا يشكر الله»، أحب أشكر من خلال المؤتمر أصحاب الفضل عليا بعد ربنا، الناس اللي لولاهم مكنتش هبقى موجود وواقف قدامكم النهاردة بالشكل ده، أول صاحب فضل عليا هي أمي.
ارتفعت شهقاتها تحت تعاطف الجميع معها وسعادة بيسان لأجلها، نظر يوسف بعين الكاميرا لتتعمق نظراته بنظرات والدته عبر الشاشة ويتابع بزهو ملئ قلبه:
- أمي ست عظيمة قوي، هي اللي صنعت مني الراجل اللي واقف قدامكم، أمي اللي حاربت كل الظروف اللي كانت بتشدها وتشدني معاها لمجهول مظلم، وبرغم كل الظروف القاسية اللي كانت حواليها، إلا إن عمرها ما استسلمت، وحاربت علشان تصنع لي مستقبل مشرق يليق بيا.
هتفت إجلال بحدة وغضب:
- آه يا واطي يا ابن أمك، بقى مبسوط وبتشكر بنت غانم اللي عاش ومات جعان، علشان خدتك وحرمتك من عز أبوك وخير عيلتك.
وتابعت ناعتة:
- بس هقول إيه، ما أنت صحيح تربية مرة، ومش أي مرة، دي مرة قليلة أصل.
طالعتها رولا بذهول لكم الحقد الساكن بقلبها، بينما عمرو فكان يستمع له بفخر ولم يهتم بإطرائه على إيثار، على العكس انتابته مشاعر طيبة اتجاهها، تابع الشاب حديثه قائلًا بثبات:
- تاني حد حابب أوجه له الشكر هو أبويا الروحي، "فؤاد علام".
نزلت الكلمة على قلب عمرو شطرته لنصفين، حاوطت رولا كفه وتحدثت بعدما لاحظت تأثره:
- ما تزعل يا تؤبرني، بيضله صغير، وما تنسى، لساته ما بيعرف حقيقتهن البشعة.
أومأ لها تحت اشتعال قلب إجلال بينما استرسل الشاب بفخر:
- واللي بالمناسبة وقف معايا كتير ودعمني من كل قلبه.
وابتسم مستطردًا:
- وجدي "علام زين الدين"، اللي علمني الأصول وكيف يتصرف الرجال، جدتي الدكتورة عصمت وعمتي فريال.
صاحت إجلال بغضب عارم:
- إخص عليك عيل قليل الأصل.
وتابع يوسف بممازحة تحت استحسان وابتسامات الجميع:
- وإخواتي بالمرة علشان ميزعلوش، "تاج" و"زين" و"زينة"، وآخر العنقود "مالك" قلبي.
- كده يا يوسف، مكنش العشم يا ابن عمري... قالتها عزة بدموع لتصيح بفرحة عارمة حين قال:
- وأمي الثانية "عزة"، الست الجميلة اللي ساعدت أمي في تربيتي.
هتفت بما أدخل الجميع بنوبة من الضحك:
- ربنا يخليك ليا ويحميك ويحفظك من العيون يا يوسف يا ابن إيثار، طول عمرك حنين وجابر بخاطري.
وإلى هنا تحولت ملامح يوسف إلى حادة ليتابع بتأكيد:
- الناس دي هما اللي وقفوا جنبي ودعموني، هما وبس اللي يستحقوا كل كلمة شكر مني.
تأكدت أنها المقصودة بتلك النظرات وهذا الحديث الحاد، حزنت وانشطر قلبها لنصفين، ألهذا الحد لم يكن لوجودها بحياته أي تأثير؟ وسنوات عمرها الضائعة في عشقه، ذهبت هباءً؟!
يا لك من جاحد ناكرًا لجميل قلبي عليك، وأسفاه عليك يا "يوسف"، أيها البائع لغرامنا ولحظات سعادتنا التي عشناها سويًا، فلتصحبك لعنة عشقي أينما حللت.
- شكرًا لسعة صدوركم ومنحي الوقت الكافي لشكري لكل من وقف بجانبي وساندني... كلمات أخيرة قالها قبل أن ينزل وينضم لصفوف الجالسين لمتابعة باقي فقرات المؤتمر.
رافقته نظراتها حتى وصل لمقعده بالصفوف الأولى تقديرًا لجهوده ولكونه الشخص المقام الحفل على شرفه، شملته بدعواتها والبركات ودعت الله أن يحفظه بعينه التي لا تنام.
اشتعلت نيران قلب "ماجد" وزاد حقدًا على الشاب، فاليوم يوم بؤسه وسوء حظه، فقد تبددت أحلامه وتلاشت الآمال بلحظة، وبعدما كان يترقب الانتصار على تلك المرأة الملعونة التي حضرت إلى القصر مرتدية ثيابًا مهترئة وهيأة مزرية، حاملة صغيرها على الأكتاف ليشملها الجميع بعطف لسوء ظروفها، لتمضي السنوات وتصبح هي العضو الأقوى والفعال من بين أعضاء العائلة بأكملها، وتطيح بقوتها أحلامه بالاستحواذ على مال ونفوذ عائلة الزين، لقد منى حاله اليوم بكسرها هي ونجلها، لكن بلحظة تبدل الحال وهو الذي كسر أمامها، تطلع على والد نبيل الذي تحدث بنبرة متدنية على حد وصفه هو ونظرته الطبقية التي يقيم بها الأشخاص:
- اللهم صلي على كامل النور، هو ده ابنكم بجد؟! ده حاجة ألاجة خالص.
تبادل الجميع نظرات الاستغراب تحت اشتعال قلب نبيل وسبه لوالده بسريرته، وغضب ناهد من حديث زوجها، لينطق علام من باب حسن استقبال الضيف:
- أيوا يا عاطف بيه، ده يوسف حفيدي.
قالها بتباه لمس قلب إيثار التي استدارت تتطلع إلى حبيبها بأعين تفيض دمعًا لتتمسك بكفيه بقوة متوسلة بنظراته:
- خدني عنده يا فؤاد، عاوزة أشوف ابني وآخده جوة حضني.
صمت لبرهة ليخرج صوت علام الحكيم ناطقًا بشعور أبوي:
- وديها تشوف يوسف وتقف جنبه يا فؤاد.
أومأ بطاعة احترامًا لذاك الوقور ليلتفت لتلك الحبيبة وبابتسامة رائعة تصحبها لمعة بعينيه نطق:
- حاضر يا حبيبي.
بينما هتف شقيقه "زين" بحماس زائد عكس طبيعته الهادئة، فحقًا وقع المفاجأة على الجميع كان مختلفًا وأظهر ما في بواطنهم:
- أنا هاجي مع حضرتك يا بابي، عاوز أكون جنب أخويا وأمي.
لتهتف تاج هي الأخرى:
- وأنا كمان يا بابي، وحياتي.
- وأنا طبعًا مش محتاج أطلب... قالها الصغير بثقة جعلت والده يبتسم وهو يقول:
- حاضر يا حبايبي، يلا اجهزوا بسرعة.
نطقت بدموع سعادتها التي انهمرت دون توقف وكأنها تغسل حزن سنين المعاناة:
- هطلع أغسل وشي وأجيب شنطتي وأنزل، جهز العربية بسرعة يا حبيبي وأنا مش هتأخر.
هرولت عزة لتقف أمامها تترجاها بصوت يرتجف من شدة امتزاج دموعها والحبور:
- وحياة كل غالي عندك لتاخديني معاك أشوف ابني وأفرح بيه.
بسطت كفها تجفف دموع الأخرى المنهمرة مع إيماءة بالموافقة لتجهش عزة ببكاء حار تأثرًا.
أقبلت عصمت تحتوي كتفي زوجة نجلها الغالي التي حضرت لمنزلهم كضيفة غريبة وبلمسة واحدة منها استطاعت تحويله لحديقة مزهرة تمتلئ بأنواع نادرة من الزهور، "أحفادها الغوالي" ناهيك عن نجلها الحبيب التي تبدلت حياته من بائسة حزينة، لسعيدة مبهرة، نطقت متأثرة من رهبة الموقف وروعته:
- مبروك ليوسف يا حبيبتي، ربنا عوض صبرك خير يا إيثار، وأداكي فرحة عمرك فيه.
ارتمت بأحضانها لتحتويها عصمت وبلمسات حنونة سرى كفها فوق ظهر تلك التي تأثرت وبكت من شدة سعادتها، خرجت من بين أحضانها الحنون لتتحرك باتجاه ذاك الأب الروحي، لطالما كان لها صمام الأمان بذاك المنزل، نعم تزوجت من رجل وضعت به جميع صفات الرجولة، فدائمًا ما كان حامي الحمى والسد المنيع أمام أعدائها، لكن علام دوره كان مؤثرًا بحياتها وحياة الصغير نجلها الغالي، الذي تربى بداخل كنفه وتعلم على يده العفيفة كل الصفات التي جعلت منه رجلًا كما يجب أن يكون الرجال.
مالت بجذعها على جبهته وقامت بوضع قبلة اعتزاز وتقديرًا لصاحب الفضل العظيم، ثم جثت على ركبتيها لتقبع أمامه، شملته بنظرات يفيض منها العرفان قبل أن تميل برأسها مقبلة يده، ابتسم وبكفه قام بالمسح فوق غطاء رأسها وهو يقول:
- مبروك لحبيبي يا بنتي.
رفعت عينيها لتلتقي بخاصتيه الحنونة وتحدثت بابتسامة حنون:
- الله يبارك فيك يا بابا، كل اللي فيه يوسف ده حصل بسببك بعد فضل ربنا علينا.
ابتسم يجيبها بحبور:
- حفيدي ذكي وقوي، وتوفيق ربنا مع قوة إرادته هما اللي رفعوا من شأنه ووصلوه للمكانة اللي يستحقها.
وتابع بأعين تفيض حنانًا لذاك الحبيب الذي كان ونسًا منذ دخوله لتلك العائلة حين كان طفلًا، وكأن الله سبحانه وتعالى أدخله إلى حياته لينعشها كنسمة لطيفة هبت في أوج نهار شهر أغسطس:
- حفيدي نقي القلب والروح.
اشتعل داخل نبيل من إطراء ذاك الديب العجوز على خصمه وعدوه اللدود، أكثر ما آذاه هي نظرات الندم والألم التي رآها بعيني تلك الـ"بيسان" وهي تتطلع على غريمه بتلك الشاشة اللعينة، كانت تطالعه بأعين يفيض منها العشق، ود لو بيده الأمر لقام بتكسيرها وتحويلها إلى أشلاء كالتي يتمنى يفعلها بجسد يوسف، بينما كان داخله يغلي كفوهة بركان، كانت عينيا تلك العاشقة تجوب بالشاشة باحثة عن تلك اللقطات الخاطفة التي تلتقطها له الكاميرا وهي تجوب مقاعد الحاضرين، نطق نبيل بثقة وهو يضع ساقًا فوق الأخرى:
- شئ جميل إن البني آدم يسعى ويحارب إنه يحجز مكانة تخلي الناس تبص له باحترام.
وتابع بابتسامة صفراء لاحظتها إيثار:
- خصوصًا بعد فشله في دخول كلية يقدر من خلالها يحصل على منصب محترم، زي كليتي أنا وبيسان.
كالقطة تحولت أظافرها لأنياب حادة لتنهش كل من يقترب على صغارها، كان هذا حال إيثار التي احتدت ملامحها لتحول بصرها لذاك الحاقد وتحدثت:
- عمر الكليات ولا حتى المناصب ما أجبرت الناس على احترام الشخص، ياما فيه ناس ماسكة أعلى المناصب وحال نظرات الناس ليها هو الاحتقار والتقليل.
وتابعت بمدح بنجلها:
- والباشمهندس يوسف اتولد راجل، وربنا زرع حبه في قلوب كل اللي عرفه، إلا أصحاب القلوب السودة.
وتابعت:
- ولو على المنصب فالحمدلله، كرم ربنا على ابني كان كبير وعظيم، لدرجة إنه يمنحه لقب ظابط وهو لسه بيدرس في الهندسة.
وتابعت وهي تفرق نظراتها الحادة ما بين ماجد ونبيل وبيسان:
- ومش أي ظابط، ده ظابط في جهاز المخابرات الحربية، اللي شرف لأي حد انتمائه ليها.
ابتلعت بيسان ريقها، شعورًا مليئًا بالمرارة ملئ حلقها لتتابع إيثار بابتسامة بها بعض الشماتة:
- مبروك عليك عريسك وعيلته يا بيسان.
وتابعت إلى ماجد بذات مغزى فهمه:
- مبروك يا دكتور ماجد، نسب تستحقه بجد.
ازدردت لعاب الفتاة واستدارت الأخرى بقوة منتصر لتصعد الدرج بثبات وقوة تحت احتراق قلب ماجد وشعوره الذليل بخسارة تلك الجولة أيضًا أمام تلك اللعينة.
خرجت سميحة إلى الحديقة لتتنفس بعيدًا عن جو تجمع العائلة الخانق وما تلقته من أخبار سيئة وانتصار من تتخذها غريمة لها، رفعت رأسها للأعلى وباتت تنظم أنفاسها علها تهدأ، خرج فؤاد ليلحق بها، ثم مال بطوله الفارع وهمس بمغزى لتلك التي تجهل حضوره:
- متنسيش تاخدي جاسوستك في إيدك وأنت مروحة يا سميحة.
ازدردت لعابها لتلتفت إليه بصدمة فمال برمشه بطريقة أيقنت أنه اكتشف خطتها الساذجة فتابع بذات مغزى:
- عيب قوي تكملي في لعبتك السخيفة دي بعد كل اللي حصل بينا يا بنت عمي.
احمرت وجنتيها خجلًا وما زاد من استحيائها هي إشارته لصلة القرابة بينهما، كم أشعرتها كلماته بمدى تقزمها، لم تستطع الإنكار ودفع التهمة عنها أمام ذاك الداهي، ولم تجد أمامها مخرجًا سوى تلك الإيماءة والطاعة التي خرجت بحركة روتينية من رأسها، تابع مؤكدًا:
- عاوز أرجع من مشواري ملقيش أثر للبنت هنا يا سميحة.
- حاضر يا فؤاد... قالتها بصوت واهن لتقبل عليهما إيثار ببعض الريبة التي انتابتها من ذاك التقارب المؤذي لقلبها العاشق، كعادتها سميحة استغلت الفرصة لتبتسم وهي تنظر إلى الأخرى بنظرة بها بعض الزهو والشماتة لتوصيل رسالة للأخرى، بالفعل اشتعل قلب العاشقة غيرة على مالك الفؤاد ولولا فرحتها العارمة بنجلها لهجمت عليها وأبرحتها ضربًا كي تعتبر وتبتعد عن خليلها، استقبلها ببسمة ليمسك كفها كالملكات متجهًا إلى السيارة تاركًا خلفه سميحة تشتعل لتجاهل كلاهما لها، لحق بهما أطفالهم الثلاثة وانطلق فؤاد بسيارته ليلحق به سيارتا الحراسة ومعهم "عزة" لعدم وجود مقاعد بسيارة فؤاد، برغم سعادتها التي انطلقت وملئت الكون بأكمله إلا أنها لم تتجاهل غيرتها المرة لتسأله بجدية ولهجة خرجت شديدة:
- كنت واقف أنت وسميحة بتتكلموا في إيه؟
التفت يناظرها لثواني قبل أن يباشر متابعة الطريق من جديد وهو يقول:
- هو حبيبي بيغير على حبيبه ولا إيه؟
- فؤاد... قالتها بحدة ونفاذ صبر يرجع لاشتعال صدرها فضحك الآخر ثم أشار بكفه لتقترب، فنفذت ليهمس بجانب أذنها بفكاهة:
- كنت بقولها متنساش تاخد الجاسوسة بتاعتها معاها وهي ماشية.
ابتعدت قليلًا لتطالعه متعجبة لعدم الاستيعاب فرفع أحد حاجبيه مراهنًا على ذكائها، لكنها لم تكن بحالة تسمح لها بحل الألغاز، فأراد أن يساعدها وقال:
- مش أنا وعدتك إمبارح في المكتب إن همشيها بكرة؟
بدأت بربط حديثه ليلة أمس وتلك الجملة لتشهق وهي تقول بعدما فهمت مغزى حديثه:
- هي البنت دي كانت...
وقبل أن تكمل هز رأسه مؤكدًا:
- جاسوسة التافهة.
هتفت بذهول:
- يا ربي على الهبل والحقد.
وتابعت بسؤال حائر:
- طب وهي هتستفاد إيه من كده؟
أجابها:
- واحدة عقلها فاضي، سيبك منها وخلينا في فرحتنا.
الفرحة أصبحت اثنتان بعد علمها برحيل تلك الفتاة التي أزعجتها ونغصت عليها الحياة لعدة أسابيع متتالية، اقتربت لتلقي برأسها على كتفه، لطالما كان لها السند والراحة، احتواها بذراعه وابتسم بحبور وفخر بحاله لإيصال حبيبته إلى قمة السعادة، بينما تهامست الفتاة إلى شقيقها بفخر:
- شايف بابي حنين على مامي قد إيه.
وتابعت وهي تنظر لأبيها بأعين فخورة هائمة:
- تعرف يا "زين"، أنا نفسي قوي أتجوز راجل زي بابي.
طالعها الفتى بازدراء ونطق مستنكرًا لاختلاف تفكيرهما:
- جواز إيه وكلام فارغ إيه اللي بتفكري فيه وأنت في السن ده يا "تاج"؟! المفروض إنك في سن تحديد مصير وبناء فكرك ووعيك الثقافي، لازم تشتغلي على نفسك كتير جدًا علشان تحددي بوصلة توجهك الفكري.
زفرت لتنطق باستياء وهي ترمقه شزرًا:
- بقول لك إيه يا زين، فكك مني وخليك أنت مع بوصلة توجهك الفكري.
رمقها شزرًا ليعدل من وضع نظارته الطبية ويقول مزدرئًا:
- إنسانة بعقل مجرد من الوعي.
فك مالك حزام الأمان ليقف ملقيًا رأسه بين كتف ورأس والديه بحشرية، ثم لف ساعديه الصغيرين محتويًا كلاهما، برغم سعادة فؤاد بفعل نجله وما فعل ذراعه الصغير من احتواء لروحه، إلا أن ذلك لم يشفع له ويمنع الأب من توبيخه المعترض:
- يا ابني أنا مش مية مرة قولت لك متفكش حزام الأمان، مبتسمعش الكلام ليه؟!
رفع رأسه لينطق بندية لوالدته:
- ما مامي فكاه ونايمة على كتفك أهي، مش قولت لها كده ليه هي كمان؟
ضحكت لترفع رأسها وتقابلت عينيها بخاصة حبيبها الذي نطق متملصًا:
- اتفضلي ردي على ابنك؟
تبسمت ثم التفتت لصغيرها تناظره:
- وأنت هتساوي نفسك بيا يا شبر ونص أنت؟!
رمقها غاضبًا ليربع ساعديه معترضًا:
- أنا مش شبر ونص.
أشار له فؤاد ليقترب، لف ساعده للخلف ليقرب وجهه منه ثم شمل روحه بقبلة عميقة بوجنته وقال أثناء متابعته للطريق:
- اقعد بقى يا حبيبي في مكانك، ولما نروح ابقى أحضن وبوس فينا زي ما أنت عاوز.
وتابع وهو ينظر لشريكة أحلامه:
- وأنت يا مامي، يلا ارجعي مكانك واربطي حزام الأمان.
وتابع بحزم مصطنع لإيصال رسالة لصغيره:
- وآخر مرة تعملي كده علشان متعرضيش نفسك للخطر.
- على فكرة يا بابي... جملة قالها "زين" لجذب الانتباه ثم تحدث برزانة وجدية كعادته:
- حضرتك ارتكبت أكثر من مخالفة من وقت ما اتحركنا بالعربية، وده عيب كبير وخطأ غير مقبول في حق حضرتك ومنصبك، وكونك مستشار للنائب العام فده بيضاعف مسؤوليتك ويجبرك على احترام القانون أكثر من أي مواطن تاني.
- والله يا ابني أنا طول عمري نموذج مثالي والكل كان بيشهد لي بالالتزام واحترام القانون... قالها بجدية ليطالع تلك التي عادت لقواعدها واسترسل ساخرًا:
- لحد ما مامي اقتحمت حياتي وساحبة في ايديها الست عزة.
دخل الجميع بنوبة هستيرية من الضحك لتعترض إيثار بملاطفة:
- يا سلام يا سيادة المستشار، في الآخر طلعت أنا اللي دخلت معاليك في عالم الفوضى؟!
انتبه لخطأه ليراجع نفسه سريعًا مصححًا الوضع:
- مقدرش أقول كده طبعًا، أنا قصدت بكلامي امرأة الفوضوية الأولى عزة.
وتابع بنظرات هائمة لإنقاذ الموقف:
- لكن أنت، ده أنت دخلتي حياتي نورتيها يا أميرة أحلامي.
زادها حديثه سعادة مضاعفة، يبدو أن اليوم هو يوم سعدها الأعظم، بدأ بسعادتها الهائلة بما حققه نجلها الغالي من إنجاز سيعلي من شأنه ويحفر اسمه من خلال ما حدث ويسجله على مر التاريخ، وثانيًا هو تخلصها من ذاك الكابوس الذي أرق حياتها لعدة أسابيع، وثالثهم هو تغزل زوجها والإطراء عليها أمام أطفالهما، نطقت وهي تترجاه بأعينها بدلال:
- بسرعة يا فؤاد علشان نوصل قبل المؤتمر ما يخلص.
- لسه فاضل نص ساعة على انتهاء المؤتمر، وإحنا خلاص يعتبر وصلنا، ثلاث دقايق بالضبط وهنكون في المكان.
***
في منزل علام، خرج عاطف وزوجته واستقلا سيارتهما ورحلا، أما نبيل فكان يجاور بيسان يتجول داخل حديقة القصر، فتحدث يجس النبض:
- مقولتليش يا بوسي، هنحدد إمتى ميعاد الخطوبة؟
- مش لما بابا يقول رأيه يا نبيل... قالتها بصوت بائس علم من خلاله كسرتها مما حدث اليوم، فاستغل الوضع ليطرق على الحديد وهو ساخن:
- لازم الخطوبة تتم بسرعة يا بوسي، إوعي تدي له فرصة يفرح فيك وينتصر عليك.
وتابع واشيًا كالشيطان:
- لازم تردي له القلم اللي أداهولك أضعاف.
اشتعل قلبها وتجددت نار الغيرة حين ذكرها بخيانة الحبيب لها، برغم هذا إلا أنها تظاهرت بالبرود وتحدثت باستياء وحدة:
- أنا مش في حرب مع حد يا نبيل، ويوسف انتهى بالنسبة لي.
نطق بخبث:
- أنا عارف يا حبيبتي، وعارف إن كرامتك فوق كل شئ، ومع ذلك لازم أفكرك.
أخذت نفسًا مطولًا ثم تحدثت باعتذار يرجع لعدم استطاعتها لتقبل شخصه أكثر من هذا:
- أنا آسفة يا نبيل، لازم أروح علشان ورايا حاجات مهمة هعملها.
أومأ متفهمًا ليقول وهو يستعد للرحيل:
- تمام يا حبيبتي، أنا همشي وهستنى منك الخبر اليقين.
استقل سيارته ورحل لتهرب هي من نظرات الجميع منسحبة إلى منزلها تجر أذيال خيبتها.
__________________________
خرج من المؤتمر بحالة مزاجية غريبة، نصف قلبه سعيدًا منتشيًا ولا يسعه العالم بأكمله من شدة الفرحة، والنصف الآخر يصرخ ويئن من شدة الألم، اتسعت عينيه وهو يرى عائلته بانتظاره ويرى تلك الغالية تفتح له ذراعيها على مصراعيهما، هرول عليها لترتمي داخل أحضانه مشددة عليه وهي تقول:
- مبروك يا قلب أمك، مبروك يا حبيبي.
- مبروك عليك أنت يا حبيبتي... خرجت من بين أحضانه لتنطق بأعين تفيض دمعًا وحبًا:
- أخيرًا الزمن نصفك وعلاك على كل اللي ظلموك وقللوا منك يا "يوسف".
- الحمد لله يا حبيبتي.
استقبل أشقائه بحفاوة لينطق "زين":
- أنا فخور بيك قوي يا چو.
بينما تحدثت "تاج":
- عوزاك تجتهد وتترقى للواء بسرعة علشان تتوسط لي وأنضم للكلية الحربية يا چو.
أجابها ضاحكًا:
- عيب في حقك لما تبقي بنت فؤاد علام وتيجي للفقير إلى الله علشان يتوسط لك.
مازحه فؤاد بلطافة وهو يحاوط كتفه بحميمية:
- فؤاد علام مين بقى؟ ما خلاص راحت علينا يا حضرة الظابط.
أجابه بفخر:
- هتفضل طول عمرك الأصل يا باشا، وعمر التلميذ ما هيتفوق على أستاذه.
احتضنه مربتًا على ظهره بحنان:
- مبروك يا حبيبي.
- الله يبارك فيك يا بابا.
نطقت عزة بزهو:
- شكلك كان زي القمر في التليفزيون، الله أكبر عليك.
وتابعت:
- كلت الجو النهاردة من الكل، ده احنا من الفرحة محسناش بخطوبة بيسان.
انزعجت إيثار وباتت ترمقها بنظرات تنبيهية ولا حياة لمن تنادي، بينما تحمحم فؤاد لينطق بخجل عندما لاحظ تغيير لون الشاب وظهور بوادر الحزن والإنزعاج عليه:
- مكنتش خطوبة يا حبيبي، دي مجرد قعدة تعارف.
وتابعت هي بحرج:
- هما كانوا جايين زيارة لـ"ماجد"، لكن بابا فؤاد هو اللي أصر إنهم يحضروا معانا المؤتمر.
ابتسم ليداري مدى حزنه خلف كلماته الكاذبة:
- إنتوا بتبرروا أي يا جماعة، الموضوع أبسط من كده بكتير، ربنا يوفقهم.
وتابع متخطيًا وهو يخرج هاتفه الجوال:
- هفتح الأيفون علشان أتصل بجدي فيديو كول.
تطلعت لزوجها والألم ينهش داخلها لأجل غاليها ليربت هو على كتفها، اندمج يوسف بالحديث مع علام قائلًا بحفاوة:
- يا حبيبي وحشتني.
بادله علام مشاعر الحب وهو يقول بحبور شديد:
- مبروك يا حضرة الظابط، حفيدي اللي شرفني النهاردة قدام الدنيا كلها.
وتابع آمرًا:
- يلا، اركب عربيتك وهات اخواتك وتعالى حالًا.
كاد أن يعترض ليقاطعه الآخر بصرامة:
- مش هقبل أي أعذار، أنت النهاردة سهران معايا وبايت في أوضتك.
طالعه بأعين متألمة مطالبًا إياه بالرحمة ليسترسل الآخر متوسلًا:
- اشتقت أسهر معاك يا يوسف، اشتقت أقوم من النوم ألاقيك مجهز لي الفطار ومستنيني في الجنينة علشان نفطر سوى، وبعدها نشرب القهوة وإحنا بنلعب شطرنج.
وتابع بنظرات حنون:
- هتكسف جدك يا يوسف؟
أجابه بحروف تقطر حنانًا وامتنان:
- لا عشت ولا كنت لو عملتها يا باشا، أنت تؤمر أمر يا حبيبي.
هلل أشقائه واحتضنته إيثار تعبيرًا عن سعادتها، وقال مالك:
- كده بقى زوزة تعمل لنا بيتزا.
قام بمهاتفة زينة التي هنأته بحفاوة وطلب منها المبيت بمنزل عمها الذي هنأه أيضًا والجميع، تحرك الجميع متجهين إلى قصر علام.
***
صعدت لغرفتها الخاصة وأوصدتها لتجلس على طرف الفراش ساندة بكفيها ونظراتها شاردة تتمركز بأسفل قدميها، انتابتها العديد من المشاعر المختلطة ما بين خيبة أمل وحزن وشعورًا بالوجع لا يحتمل، وما بين ريبة وخوف عميق مما هي مقبلة عليه، لا تنكر أن لقائها بعائلة نبيل أصابها بالخيبة وعدم الراحة، أسلوب والده البسيط بالحديث جعلها تشعر بأنها لم تحسن اختيار مستوى عائلة الرجل التي ستنتمي إليه، راجعت تفكيرها سريعًا ثم ابتسمت على سذاجة تفكيرها الساخر، أي عائلة تلك التي تفكر بها وهي التي ستلقي بأيديها إلى التهلكة، ستلقي بحالها داخل أحضان رجل لم تكن له يومًا حتى مجرد الاحترام، هي تبغضه لما له من تاريخ سيئ مليئ بالحقد تجاه يوسف، فلطالما تسبب لهما بمتاعب وغيرة وافتعال مشاكل أدت إلى حدوث مناوشات وابتعاد يصل لأيام، ولهذا السبب تحديدًا هي اختارته، لتشعل قلب من قام بجرحها وهان عليه الود.
لم تنسى نظرات التحدي التي رأتها بأعينه من خلال المؤتمر، وكأن نظراته كانت موجهة إليها بالتحديد، أمسكت هاتفها وبدون تردد ضغطت على حساب صفحته الخاصة بتطبيق الفيس بوك، وجدت صورة له كان قد وضعها قبل دخوله المؤتمر بعدة ساعات وكتب عليها، انتظروني اليوم والإعلان عن مفاجأة.
باتت تلمس منحنيات وجهه لتسقط دموعها الممتزجة بالحسرة، دخلت تقرأ لتبتسم دون وعي وهي ترى الأصدقاء والمعارف انهالوا بالمباركات بعد الكشف عن المفاجأة من خلال المؤتمر الصحفي، كانت تبتسم بافتخار وهي تمرر عينيها وتتجول بين التعليقات، حتى وقعت عينيها على تعليق لفتاة تسمى "ساندي محجوب"، ساورها الشك فيه حين دققت بصورة صاحبة التعليق، قرأت التعليق بحقد وكان كالآتي «أنا فخورة جدًا بيك يا يوسف، وعندي إحساس مؤكد إنك هتوصل لأعلى من كده بمراحل، وعوزاك تتأكد إني هكون دائمًا داعمة ليك وواقفة جنبك، فخورة بكوني فرد من دايرتك المقربة، دايرة حضرة الظابط يوسف البنهاوي.» أنهت جملتها الحميمية بوضع قلب باللون الأحمر، من يرى التعليق يتيقن من الوهلة الأولى قرب الفتاة منه وحميمية علاقتهما، اشتعل داخلها من جديد، ضغطت على صورتها ليظهر أمامها الصفحة الرسمية، لتصدم بمشاركتها لمنشور يوسف وإلصاقه بجملة «فخورة بيك»، باتت تتصفح حسابها وتنظر لصورها الخاصة، تمعنت بالنظر إلى ملامحها ليشتعل داخلها بنار الغيرة، فقد كانت جميلة للغاية، عادت للحساب الشخصي له من جديد لتسلط أنظارها على صورته وبلحظة صاحت بعلو صوتها وهي تنهره بحقد ظهر من خلال النظرات:
- يا حقير يا واطي يا خاين، ربنا ينتقم منك ويرزقك باللي يخدعك ويحول حياتك لجحيم زي ما حولت لي حياتي.
تفاقم شعور غضبها وهي تتجول فوق ملامحه لتصيح بلوم وجلد للذات:
- أنا اللي غلطانة علشان امنت لك وسلمتك قلبي ووثقت فيك.
وبحدة استرسلت:
- بكرةك يا يوسف، بكرةك وهعيش عمري كله أدعي إن ربنا يجيب لي حقي منك، وأشوف بعيوني ذللك وخيبتك لما اللي أنت سبتني علشانها ترميك وتروح لغيرك، وتبيعك زي ما أنت بعتني.
استمعت إلى بعض الطرقات فوق بابها تلاها صوت والدها المرتفع نسبيًا، أغلقت الهاتف سريعًا ووقفت تستعد بأخذ نفس مطول تستدعي ثباتها قبل أن تنطق بهدوء مفتعل:
- اتفضل يا بابا.
اقترب منها وعلى بغتة سألها منفعلًا:
- ممكن تفسري لي المهزلة اللي حصلت النهاردة دي؟
لم تستوعب مغزى حديثه لتهز رأسها مستفهمة:
- عن أي مهزلة حضرتك بتتكلم؟
هتف بصياح حاد:
- عريس الغفلة اللي رايحة جيباه علشان يقابلني، لا واللي يحرق الدم إنه راح عند جدك والكل شاف كلام أبوه البيئة، وتصرفاته اللي بتدل على تدني مستواه.
نطقت بكلمات بعيدة كل البعد عن تفكيرها وشخصيتها السوية، وكأن أحدًا تقمص روحها ليتحدث بدلًا عنها:
- الراجل اللي مش عاجب حضرتك ده مليونير، عنده أكثر من شركة عقارات، ويمتلك أكثر من عمارة كلهم في أماكن راقية جدًا.
وتابعت بتذكير:
- وأظن حضرتك سمعت الكلام ده وهو بيعرفنا على نفسه.
اتسعت عينيه شزرًا حين ذكرته ليهتف بحدة:
- أنت بتسمي الفضيحة اللي حصلت من شوية دي تعريف؟! ده أنا كنت في نص هدومي، اتمنيت الأرض تنشق وتبلعني علشان أهرب من نظرات الشماتة اللي شفتها في عيون خالك والحقيرة مراته.
وتابع زائغ النظر ونار الغيرة تشعل قلبه:
- ولا اللي حصل لابنها واحنا قاعدين، ده زي ما يكون الموضوع مترتب.
دقق النظر بملامحها وبتفكير عميق تحدث:
- أكيد دي لعبة من خالك نفذها بناءً على تخطيط الهانم مراته علشان يرضيها ويكسرني قدامها.
اتسعت عينيها لتنطق مستنكرة حديثه المنافي للعقل والمنطق:
- لعبة إيه يا بابا؟!
وتابعت مبررة:
- إذا كان خالو بنفسه طلب مني كذا مرة وألح عليا إني أأجل زيارة نبيل وأهله، وأنا اللي أصريت ورفضت التأجيل.
واسترسلت بحكمة تعود لرجاحة عقلها:
- ولو افترضنا زي ما حضرتك بتدعي إن دي خطة من خالو فؤاد وهو اللي أصر ياخدنا عنده، هو كمان اللي دبر وخطط ميعاد المؤتمر الصحفي علشان يكون في نفس توقيت زيارة نبيل وعيلته اللي حضرتك حددتها إمبارح بنفسك؟!
وتابعت مؤكدة:
- واللي بالمناسبة خالو معرفش ميعادها غير النهاردة الصبح من مامي.
توقفت تسأله باستنكار:
- يبقى فين بقى المؤامرة اللي حضرتك بتدعيها؟!
كان حديثها واقعيًا للدرجة التي جعلته يعجز عن الرد فصاح متغاضيًا عن الموضوع برمته:
- اتصلي بالولد اللي اسمه نبيل ده وقولي له إن بابا رفض الموضوع.
بنفس التوقيت انضمت إليهما فريال التي نطقت مرحبة:
- عين العقل يا ماجد.
نطقت الأخرى ضاربة برأي والديها عرض الحائط:
- مش هينفع أعمل كده لأسباب كتيرة يا بابي.
وتابعت تحت استنكار كليهما:
- أولهم إني مقتنعة جدًا بشخصية نبيل، وإن كان على أسلوب باباه فده ميهمنيش، لأن ببساطة هعيش مع نبيل مش مع باباه، وأظن كلكم شوفتوا قد إيه هو شخص راقي وأسلوبه بيدل على وعيه.
وتابعت مسترسلة بإصرار كافر وهي تتذكر تعليق تلك الفتاة وإدراكها لمتانة العلاقة بينهما التي ظهرت من خلال التعليقات المتكررة على صفحة يوسف منها والتي تؤكد شكها:
- ثانيًا وده الأهم إني شايفة في نبيل الإنسان المناسب اللي كنت بدور عليه.
لامها مستنكرًا:
- أنت اتجننتي؟ إيه المناسب اللي أنت شيفاه فيه وإحنا مش شايفينه؟!
بنظرة مليئة بالعند والتحدي:
- بابا من فضلك، أظن إن أنا كبيرة بما فيه الكفاية، وعندي من الوعي والعقل اللي يخليني أحسن اختيار الراجل اللي هعيش معاه.
وتابعت بعناد:
- وأنا مسؤولة عن اختياراتي.
صاح بحدة تعود لمدى غضبه:
- اختياراتك زفت كلها، الأول اختارتي لي واحد سجل عيلته مليان بالمجرمين وخريجي السجون، ويوم ما ربنا نصفني وقررتي تبعدي عنه وجيتي كلمتيني عن عريس متقدم لك، فرحت وقولت لنفسي خلاص يا ماجد، بنتك أخيرًا عقلت وعرفت مصلحتها وهترفع راسك بين الجميع.
وتابع بخيبة أمل تجلت بنظراته:
- أتفاجئ بإن أبوه راجل بيئة وجاهل وأسلوبه متدني، لدرجة إنه مبيعرفش يقول كلمتين على بعض.
وتابع بحدة غاضبة:
- يا بنتي ده كان قاعد متنح لنا ومش فاهم كلامنا وإحنا بنتناقش، وكأننا بنتكلم هيروغليفي.
رفعت رأسها للأعلى وتحدثت بصرامة:
- سبق وقولت لحضرتك إن ميهمنيش حد غير نبيل وبس.
إلى هنا ولم تستطع فريال الصمت، هتفت بحدة وغضب:
- أنت بتعاندي في مين، الولد وعيلته مش مناسبين لينا، فكري بعقلك وسيبك من العند لأن محدش هيدفع تمنه غيرك.
نطق ماجد متضامنًا:
- قولي لها، أنا مش فاهم هي جرى لها إيه، مرة ابن إيثار ومرة واحد أبوه بيئة.
ثارت واحتدت ملامحها من تدني أسلوبه والتقليل من شأن زوجة شقيقها:
- جرى لك إيه يا ماجد، ابن إيثار ابن إيثار، بتقولها كأن إيثار دي بقت شتيمة؟!
وتابعت محذرة بحدة وتعالي:
- حاسب على كلامك وياريت متنساش إن اللي بتتكلم عنها دي، تبقى مرات فؤاد علام.
رمقته بازدراء لتكمل:
- وابنها اللي مش عاجب جنابك ده، بقى ظابط مهندس في جهاز المخابرات الحربية، اللي الناس بتتهافت وتجيب وسايط علشان تدخلها ومبتعرفش.
وتابعت بفخر يعود لعشقها لمن تربى على يدها:
- يوسف بكل بساطة دخلها، ومش أي دخول، ده دخول مشرف، شرف نفسه وشرفنا كلنا باجتهاده وتميزه.
شعر وكأن بركانًا يغلي بداخله، لكنه لم يستطع مجابهة تلك الغاضبة الآن، خشية من سخطها وعودتها لمقاطعته مرة أخرى، لترمق كلاهما وتخرج، تحرك خلفها ليتركا تلك البائسة التي انفجرت دموعها حيث ظلت حبيسة لساعات، بكت على قلبها الممزق وروحها المتألمة، على حبيب خان وغدر وطاح بأحلامهما المشتركة، بكت على مستقبل أصبحت معالمه مبهمة.
***
بمنزل عمرو، اشتد غضبه بعدما قام نجله بالإطراء على كل من حوله سواه، انتابته حالة من الهياج وبات يطيح بكل شئ من حوله تحت ذهول رولا وغضب وحقد إجلال على يوسف وإيثار، حاولت رولا جاهدة لتهدئة ذاك الثائر حتى هدأ بالفعل بعد تحطيم معظم أثاث الردهة.
فرحت زينة واشتدت سعادتها لما وصل إليه شقيقها الغالي، وسعدت أيضًا بالمبيت داخل منزل عمها الغالي، ولجت إلى حجرة النوم الخاصة بالفتيات لتبديل ثيابها، وقبل الانتهاء استمعت لصوت وصول رسالة على تطبيق الماسنجر، فتحتها لتجدها من ذاك الشهم الذي أراد تهنئتها ومشاركتها فرحة شقيقها، ولم يجد وسيلة يصل إليها من خلالها فبحث عن حسابها عبر الفيس بوك وبعث برسالة، قرأتها وهي تبتسم بسعادة:
- إزيك يا زينة، أنا "رامي كمال"، وآسف إني بكلمك على الخاص، أنا شوفت المؤتمر بتاع الباشمهندس يوسف النهاردة وحبيت أبارك لك.
رقص قلبها فرحًا وكتبت له... الله يبارك فيك يا أستاذ رامي.
كتب لها بمداعبة:
- مش قولنا بلاش أستاذ دي، أنا اسمي رامي وبس يا زينة.
زادت ابتسامتها وكتبت:
- خلاص، أنا آسفة يا رامي.
كتب لها وهو يبتسم بسعادة لم يدري مصدرها:
- طمنيني عليك، عاملة إيه النهاردة؟
- أنا بخير الحمد لله... طمني عليك أنت.
- أنا زي الفل، أشوفك يوم السبت في الكلية.
ردت:
- تمام، تصبح على خير.
- وأنت من أهله يا زينة... كتبها ليشبك كفيه تحت رأسه ويتطلع شاردًا في سقف غرفته الخاصة، جال بخاطره صورتها البريئة ليبتسم متنهدًا براحة.
***
حضر يوسف ليحتضنه علام وعصمت مرحبين له بحفاوة شديدة، وبعد مدة من جلوسهم بالحديقة تحدث علام:
- بكرة هعزمكم كلكم في المكان اللي حضرة الظابط يوسف يحدده، علشان نحتفل بيه.
هللت تاج بحفاوة لتتحدث وهي تتطلع لوالدها مبكتة إياه:
- كويس يا جدو، وأهو يبقى تعويض عن رحلة بريطانيا اللي بابي لغاها في آخر لحظة.
وتابعت وهي ترمق والدتها باتهام مباشر:
- وطبعًا أخد القرار ده بفضل ماما.
- تاج... قالها فؤاد وهو يرمقها بنظرات تحذيرية أجبرتها على الصمت، وكان فؤاد قد تراجع باللحظة الأخيرة بالفعل بفضل توسلات إيثار التي خشت على صغارها من السفر فما كان منه سوى الاستماع لقلب الأم.
نطق يوسف بهدوء ورزانة:
- خلي عزومة بكرة عليا أنا يا باشا.
وتابع وهو يشمل شقيقته بحنو:
- والمكان جناب "تاج" هانم هي اللي هتختاره.
بمجرد نطق شقيقها لجملته اشتدت سعادتها وسألته بلهفة:
- بجد يا يوسف؟
- بجد يا حبيبي، بس اختاري مكان كويس.
وتابع مشيرًا إلى علام:
- مكان يليق باسم علام باشا زين الدين، وسيادة المستشار فؤاد علام.
ضحكت عصمت وتحدثت بملاطفة لحفيدتها الغالية:
- كده ضمنا إننا هنسهر في ديسكو.
دخل الجميع بنوبة ضحك، وبعد الانتهاء وتبادل المزحات تحدث علام إلى يوسف:
- موافق إن مكان السهرة يكون من اختيار تاج، لكن أنا مصمم إني أنا اللي أعزمكم.
نطق يوسف بملاطفة:
- أصلكم متعرفوش اللي حصل.
نظر له الجميع بتمعن ليضيف بسعادة:
- الجهاز صرف لي مبلغ محترم، ده غير مرتب شهري.
طالع إيثار السعيدة لأجل ابنها واسترسل:
- ابنك بقى مليونير يا إيثو.
ابتسم الجميع وسعد لأجله وتحدث علام بملاطفة:
- لا، طالما بقيت من أصحاب الملايين، فأنا قررت ألغي العشا ونخليها سفرية لجزر المالديف.
احتوى كف زوجته الحنون وتابع بامتنان وحنان:
- وأهي فرصة، نجدد حياتنا ونقضي شهر عسل من جديد أنا وعصمت حبيبتي.
تبسمت بحبور وتحدث الفتى:
- انوي بس حضرتك أنت وتيتا وأنا بنفسي هحجز لكم أحلى شاليه هناك، والحساب كله كادو مني يا باشا.
تعالت الضحكات لتقبل عزة عليهم:
- عملت لكم أم علي تحلوا بيها.
صاح يوسف وهو يتحسس معدته:
- الرحمة يا عزة، أنا بقي ما اتقفلش من وقت ما جيت، عشا وفشار وآيس كريم، وحلويات شرقي على غربي، واديكي بتختميها بأم علي.
هتفت بحبور تجلى بنبرات صوتها:
- ده أنا فرحتي بيك النهاردة متتوصفش.
وتابعت وهي تغمز لإيثار:
- ده غير إن أم قويق اللي اسمها هند مشيت.
ضحكت عصمت وهي تقول:
- أنا مش عارفة أنت ليه كنتي حاطة نقرك من نقرها.
سألها علام بجدية:
- هي ليه مشيت معاهم يا عصمت؟!
مش المفروض إن نجوى كانت طرداها؟
أجابته:
سميحة اللي أخدتها يا باشا، استأذنتني وقالت إن الشغالة اللي عندها اتخطبت ومشيت، وإنها بتدور على بنت غيرها ومش لاقية.
ابتسم فؤاد وغمز لخليلة الروح التي شعرت بسعادة الكون تحوم من حولها، فحقًا اليوم هو يوم سعدها. نطق فؤاد إلى عزة وهو ينظر لصغيره الغافي بين أحضانه:
خلي حد من البنات ييجي ياخد مالك ينيمه في أوضته يا عزة.
بادر يوسف بالوقوف لينطق قائلًا:
أنا هطلعه يا حبيبي.
خليك قاعد، هما هيطلعوه.
جملة قالها فؤاد ليجيبه يوسف وهو ينظر لساعة يده:
أنا كده كده هطلع علشان آخد دوش وأنام، اليوم كان طويل والساعة قربت على تلاتة الفجر، كفاية عليا كده، سهرنا الباشا.
أجابه علام بسعادة تجلت بنبراته:
متتلككش بالباشا، الباشا مبسوط وعلى قلبه قعدتك زي العسل.
نطق بحميمية:
يا حبيبي، إن شاء الله هقضي معاك بكرة اليوم بحاله.
تحدثت إيثار إلى عزة مستفهمة:
نضفتوا أوضة يوسف يا عزة؟
نطقت بحبور أظهر مدى سعادتها:
وقفت على راس البنات لحد ما نضفوها وخلوها زي الفل، وغسلت له ترنج من بتوعه القدام اللي هنا، ونشفته وكويته بنفسي.
حمل الصغير عن فؤاد وتحدث:
تسلم إيدك يا زوزة.
وتابع للجميع:
تصبحوا على خير.
رد الجميع وتحدثت عصمت:
إبقى بلغ عزة يا يوسف على الأصناف اللي حابب تاكلها على الغدا، علشان أوصي لك البنات يجهزوهالك يا حبيبي.
قاطعتها إيثار التي وقفت لتلحق بنجليها:
بنات مين يا ماما، ده أنا بنفسي اللي هطبخ له بكرة.
هتفت عزة بما أدخل الجميع بنوبة من الضحك:
طب هو الواد كان زعلك في حاجة علشان تعملي فيه وفينا كده؟
قهقه الجميع لينطق فؤاد مشيرًا لصغيريه:
يلا يا بشوات، كل واحد على أوضته وكفاية سهر لحد كده.
وتابع وهو يسند أباه:
يلا يا باشا علشان أوصلك لأوضتك.
انصرف الجميع وهم سعداء لتغفو إيثار بأحضان زوجها الحنون وهي في أوج سعادتها. أما يوسف فخرج إلى الشرفة بعدما تنعم بحمام دافئ وارتدى بنطالًا قطنيًا فقط، وذلك لحرارة الجو المرتفعة. وقف مستندًا على سور الشرفة، يتطلع بأعين كالصقر لشرفة تلك الخائنة للعهد، التي باعت وده وهرولت ترتمي بأحضان رجل غيره دون إبداء سبب وجيه لهذا. وجد شرفتها تُفتح لتخرج ناظرة للسماء، فبرغم اقتراب أذان الفجر لم تستطع النوم برغم مشقة يومها. كانت ترتدي بيجامة قطنية بنصف كم، وأثناء تجولها للمكان وقعت عينيها على ساكن الشرفة، انتفض جسدها وبلحظة شعرت بقلبها يُشطر لنصفين، ابتلعت لعابها تأثرًا من هيأته الحابسة للأنفاس. كادت أن تهرب للداخل لكنها قررت المواجهة، وقفت تحملق به وأيضًا هو وقف يطالعها بتحدي لتطول نظرات التحدي والثبات بين كلاهما. سألتها عينيه بحدة وحقد:
لما؟ أجيبيني لما الخيانة والغدر؟ أريد إجابة واحدة ليستمر قلبي بكرهك بضمير خامل. قابلت نظراته بكره في البداية ليلين قلبها حتى أنه تمرد عليها وطالبها بالصراخ والاعتراض على تركه لها بتلك الطريقة المهينة.
قطع استرسال نظراتهم صوت هاتفه الجوال وكان أحد رجال المخابرات، فتناول هاتفه الموضوع جانبًا وبدأ بالحديث بابتسامة، خُيل لها أنه يحادث تلك الفتاة فقررت النأي بحالها من تلك الحرب الخاسرة، انسحبت للداخل وأغلقت الباب بحدة جعلته يغضب ويدخل هو الآخر صافقًا بابه.
رواية انا لها شمس الفصل الخامس والستون 65 - بقلم روز امين
"لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين"
لعلك تدرك يومًا أن ما ظننته نهاية بائسة لحلمك الموعود، ما كان سوى لطفًا من الله لبداية جديدة لروحك النقية، انطلاقة لسلسلة نجاحات، وخير لا حصر له. كل ما عليك هو أن تؤمن بقدراتك وتطلق العنان لخطواتك المتزنة، تفسح المجال لرحيل من غدر وباع وخان العهد وتخلى، وتتابع طريقك ولا تصغى لنداءات القلب فيرسى بك المطاف إلى الهلاك، بل اتبع إشارات عقلك الحكيم وابحث عن ذاتك مليًا وتأملها بعمق، لكي تقودك إلى الخلاص.
"يوسف البنهاوي"
بقلمي "روز أمين"
عادت إلى غرفتها بعدما أغلقت باب الغرفة بحدة أثارت حنق الآخر، باتت تجوب الغرفة بغضب عارم وحال قلبها هو الاشتعال، حدثت نفسها باهتياج شديد:
-يا لك من وقح، أبعد كل ما فعلته بي تأتي إلى هنا بكل سفاهة؟! كم أثبت لي أنك حقير بالفطرة.
بخنوع نزلت دموعها لتدق على قلبها بكف اليد وهي تعنفه بلوم:
-ألا لعنة الله عليك أيها البائس، أمن بين كل جموع من حولي من بشر لم يرق لك أن تخفق سوى لذاك الخائن؟! يا لك من خانع خاضع ذليل.
لم يكن حاله بأفضل منها، وكأنهما يسيران على نفس الخطى بكامل التفاصيل، فكان أيضًا يجوب الغرفة وداخله نيران لو خرجت لأشعلت المكان برمته، وذاتها فقرة التوبيخ لحاله ولها. ظل كلاهما على نفس الحالة حتى خارت قواهما واستسلما للنوم بعد صراع مع النفس.
وبعد ساعات معدودة، كان يتوسط فراشه غافيًا بعشوائية، استمع إلى بعض الطرقات الخفيفة فوق الباب فزفر بضيق لعدم أخذه القسط الكافي من النوم، عادت الطرقات مرة أخرى فبات بفتح أهدابه شيئًا فشيئًا لتتسع حدقتيه حين لاحظ أنه بغرفته القديمة، على الفور جذب ثوبه العلوي وارتداه لستر جسده وتحدث ناطقًا بصوت متحشرج:
-ادخل.
فتح الباب ليظهر منه ذاك المشاغب الصغير الذي هرول عليه ليقفز فوق الفراش وبلحظة كان يتمدد بجوار شقيقه قائلًا بعتاب محبب لقلب الآخر:
-أنا زعلان منك قوي يا چو.
-ليه يا باشا؟!
قالها بدهشة وهو يدخله بأحضانه ويزيد من قبله المحبة، ليسترسل الصغير حديثه بشفاه ممدودة اعتراضًا:
-علشان أنا قلت لك إني هنام معاك هنا في سريرك، وإنت طنشتني.
-مقدرش أعمل كده في مالك قلبي، أنا فعلًا كنت مرتب أموري على كده.
وتابع مبررًا بزيف:
-بس إنت نمت في حضن بابي تحت، وأنا كمان نعست جدًا، وإنت عارف يا مالك، أنا لما بنعس بهيس ومبعرفش أفكر كويس.
أشاح بيده قائلًا بحذر:
-خلاص سامحتك، بس المرة الجاية لازم أنام في حضنك.
استمع كلاهما صوت تلك الحبيبة التي أقبلت على نجليها القريبان من القلب:
-يا ابني هو أنت معقد أحضان؟
خبأ وجهه يتمسح بصدر شقيقه لتتحول ملامح إيثار إلى مبتسمة سعيدة وهي تتطلع إلى ولدها البكري وبنبرة تقطر حنانًا تحدثت:
-صباح الفل يا حبيبي.
-صباح الخير يا حبيبة قلبي.
حولت نظراتها للصغير لتنطق بنبرة لائمة:
-هو أنا يا ابني مش بعتاك علشان تصحي أخوك وتنزلوا قبل ما جدك يصحى، بدل ما تصحيه أطلع ألاقيك نايم جنبه؟!
أشاح بكفه ونطق يعاتبها هي الأخرى:
-بس بقى علشان أنا زعلان منك إنت كمان.
نطقت مستفسرة بطريقة متهكمة:
-وسعادة البيه زعلان مني ليه إن شاء الله؟!
-علشان مش جبتيني أنام جنب چو حبيبي.
أشارت بكفها للخارج:
-طب يلا انزل وقول لعزة تجهز سفرة الجنينة وترص عليها الفطار بسرعة، وشوف بابا كان عاوزك في إيه.
هب واقفًا وانطلق مهرولًا إلى الأسفل دون إضافة حرف واحد، أقبلت لتجاور غاليها الفراش ثم نطقت بنبرة حنون:
-نورت بيتك يا يوسف، شايف الكل فرحان بيك إزاي؟
ابتسم وتناول كفها ليطبع عليه قبلة عبر من خلالها عن مكنون قلبه من حب واحترام لتتابع هي بأعين تفيض ولهًا:
-لو تعرف وجودك بيفرق معايا قد إيه مكنتش سبت حضني ولا لحظة واحدة.
وتابعت بشعور أم لم تهنأ لها الحياة سوى بالتفاف جميع أحبتها وبالأخص فلذات كبدها:
-أنا مبطمنش وقلبي بيهدى غير وإنت واخواتك حواليا يا يوسف، مبستطعمش اللقمة غير لما تنزل بطنكم قبل بطني.
واسترسلت بكلمات تقطر صدقًا:
-مبتهناش بنومة غير في اليوم اللي باب البيت بيتقفل وأطمن إن كل واحد منكم بايت في سريره.
مسد على وجنتها ببالغ من الحنان وتحدث:
-ربنا يخليك لينا يا ماما، وتفضلي طول العمر منورة حياتنا.
نطقت تتدلل على قلبه:
-طب مش ناوي تريح قلبي وترجع بيتك تاني؟
قلب عينيه بسأم من ذاك الموضوع التي لا تمل ولا تكل من الحديث به رغم تأكدها من الإجابة، لينطق بجدية:
-مع إنك عارفة إجابتي اللي عمري ما هغيرها بخصوص "زينة"، إلا إنك مصرة كل فترة والتانية تفاتحيني في الموضوع.
أجابته بصرامة:
-لازم قرارك يتغير لأن الوضع كله اتغير يا يوسف.
وتابعت بمنطقية:
-أختك أبوها رجع وهو أولى بيها، وبالنسبة لظروفه المادية فهو هيعيشها أفضل من عيشتها معاك.
طالعها متعجبًا ليلومها:
-إنت اللي بتقولي الكلام ده يا ماما؟!
وتابع متهكمًا:
-هو من إمتى كان شخص مسؤول علشان أعتمد عليه؟
ده آخر واحد ممكن أأمن على أختي معاه.
كادت أن تتحدث فقاطعها بحزم لإنهاء ذاك النقاش العقيم:
- ماما أرجوكِ، أنا مبسوط بوجودي معاكم وناوي أكمل باقي اليوم في وسطكم، فياريت متخلنيش أندم إني جيت وأقوم ألبس وأمشي حالًا.
أشارت بكفها وتحدثت بعدما تأكدت من حسمه لغلق النقاش بشكل نهائي:
- خلاص يا يوسف، قوم غير هدومك وانزل قبل ما جدك يخرج من أوضته.
مر على غرفة علام وأسنده ليتجها للحديقة حيث التف الجميع حول الطاولة، نطقت عزة وهي تضع دورق عصير البرتقال البارد بجانب المنضدة:
- أصب لك عصير يا سعادة الباشا؟
أومأ بموافقة لتنطق الفتاة بحبور وصوت حماسي:
- أنا لحد الوقت مش مصدقة إن يوسف أخويا بقى ظابط في المخابرات.
وتابعت وهي تهتف بحماس:
- أنا فخورة بيك قوي يا چو.
ألقى لها قبلة في الهواء بينما نطقت عزة بفخر:
- اللهم صلِّ على كامل النور، الشاب من دول بيطلع عينه علشان يعرف ياخد كلية واحدة، وهو عيني عليه باردة، بقى ظابط ومهندس في نفس الوقت.
وتابعت بزهو وهي تدق على صدرها:
- تربيتي.
قاطعهما زين بفخر موجهًا حديثه لشقيقته:
- ومش أي ظابط يا "تاج"، يوسف دخل المخابرات الحربية من أوسع أبوابها.
- حفيدي طول عمره مشرفني من وهو صغير، والتميز شيء مش جديد عليه... قالها علام وهو يطالعه بافتخار قابله الآخر بقبلة حانية فوق جبينه ونظرات ممتلئة بالامتنان، أضافت مؤكدة على حديثه عصمت بنبرة فخورة:
- عندك حق يا سيادة المستشار، ده أنا تليفوني مبطلش رن من امبارح، كل قرايبنا ومعارفنا وزمايلي في الجامعة كلموني وهنوني.
وتابعت وهي تتمعن بعينيه بزهو:
- مبروك يا حضرة الظابط، من يوم ما دخلت البيت ده وإنتَ عمرك ست سنين، وإنتَ منبع السعادة لينا كلنا، والوقت بقيت فخر للكل يا يوسف.
نطق بملاطفة لكسر دائرة التأثر التي ولج بداخلها:
- طب كفاية بقى يا تيتا علشان كلمة كمان وهتلاقيني بعيط وشكلي مش هيبقى ألطف حاجة قدامكم.
ضحك الجميع فتحدث أيضًا فؤاد بفخر وشموخ:
- أنا ابني راجل، والرجالة مبتعيطش.
وتابع بذات مغزى:
- الرجالة مفيش حاجة بتكسرها، إنتَ اللي بتكسر أي شئ يعوق نجاحك وتقف على حطامه وتعلى بيه وتوصل، وهتوصل يا يوسف.
بنظرات يملؤها الامتنان طالعه وتحدث بنبرة تحمل الكثير من العرفان:
- أي حاجة وصلت لها أو اتعلمتها فهي بفضلك وبفضل الباشا الكبير بعد فضل ربنا عليّا.
قاطعه فؤاد بجدية:
- إنتَ الوحيد صاحب الفضل على نفسك بعد توفيق ربنا ليك يا يوسف.
وتابع مفسرًا تحت سعادة إيثار التي احتوت كفه بعناية وشملته بنظرات عبرت من خلالها عن مكنون قلبها من العشق:
- لولا جهدك واجتهادك وصبرك مكنتش وصلت.
صدح صوت الصغير يسأله:
- هو أنتَ ليه مش لابس بدلة الظابط والكاب بتاعها يا چو؟
قهقه الجميع لتحدثه إيثار بملاطفة:
- مش لما تبطل إنتَ الأول تقول له يا چو؟
وتابعت:
- هو ينفع حد يقول لظابط في المخابرات يا چو!
أجابها بمشاغبة:
- چو ده اخويا حبيبي وأقول له اللي عاوزه.
حاوطت عزة فكها وتحدثت بتفكير عميق:
- أيوة صحيح، هما مسلموكش بدلة ظباط ليه يا يوسف؟!
دارت المحادثات بين الجميع في جو تسوده الألفة والمحبة بينما اشتعل داخل تلك التي تراقب تجمعهم من داخل شرفتها الخاصة، صرخ داخلها وانسحبت للداخل، أخذت تدور حول حالها بغضب لتهتف بحدة لائمة الجميع:
- ملمومين كلهم حواليه وفرحانين قوي بيه، ولا عاملين حساب لكسرة قلبي من واحد خاين زيه.
ثار قلبها غضبًا ولم تحتمل فاندفعت للخارج كالثور الهائج، نزلت الدرج مهرولة لتجد والديها وشقيقها يلتفون حول الطاولة يتناولون إفطارهم، نطقت فريال مشيرة بكفها:
- يلا يا حبيبتي علشان تفطري.
أشارت بكفها وهي تتحرك بعدم اتزان بعدما عثرت على حجة لتقدمها إلى أبويها:
- هروح الأول عند جدو هسأل الشغالين عن حاجة وقعت من نبيل امبارح.
ضيق ماجد بين حاجبيه يسألها:
- ويا ترى حاجة إيه دي اللي وقعت من سي نبيل بتاعك؟!
تمللت لتتوقف وهي تجيب بسأم ظهر فوق ملامحها العابسة:
- زرار البدلة بتاعته يا بابي.
فكرة طرأت بمخيلتها سريعًا كي تأخذها حجة للذهاب إلى منزل جدها في حضور ذاك العنيد، وحمدت الله على عدم معرفة أبيها بوجود يوسف، وإلا كان رفض ذهابها بقوة وصرامة، قالت كلماتها وقبل أن تنطلق أوقفها صوت ماجد الذي نطق:
- متتأخريش وبلاش ترتبطي بأي مواعيد برة البيت النهاردة، لأن جدو عليوة وتيتا نوال جايين على الغدا.
أومأت برأسها وهرولت إلى الخارج قبل أن يفتح مجالًا آخر للحوار، بينما اشتعل قلب فريال التي سألتها متعجبة:
- إنتَ ليه مقولتش إن طنط وعمو جايين على الغدا؟
غرس شوكته بإحدى حبات الزيتون ليجيبها بلامبالاة:
- ماما لسه مبلغاني في التليفون من ربع ساعة.
استنفر داخلها وتطلعت إلى العاملتين الواقفتين يسكبان لهم الطعام والمشروب:
- سيبوا اللي في أيديكم وادخلوا حالًا على المطبخ، وشوفوا اللي ناقصكم واطلبوه بالتليفون، وأنا هخلص فطار وأحصلكم علشان نشوف هنعمل أصناف إيه.
تحدث مقاطعًا:
- ما تطلبي أكل جاهز وريحي دماغك.
أشارت بهدوء للعاملات لتنسحب كلتاهما ثم تحدثت هي بتذكرة:
- هو أنتَ نسيت آخر مرة جبنا فيها أكل جاهز طنط عملت إيه؟
وتابعت تحت تذمر الآخر:
- اتهمتني بعدم احترام زيارتهم وعدم اهتمامي بيهم، ومشيت من غير ما تحط أي حاجة في بقها.
زفر بحنق لطباع والدته الصعبة وتحدث بلامبالاة:
- خلاص يا حبيبتي، اعملي اللي تشوفيه صح، أنا كنت حابب أريحك من وجع الدماغ.
داخل المطبخ، نطقت إحدى العاملات بثرثرة:
- شوفتي وش الهانم اتقلب إزاي أول ما عرفت إن حماها وحماتها جايين.
أجابتها الأخرى بذريعة:
- بصراحة عندها حق، هو فيه حد يطب على حد كده فجأة.
وتابعت بوجه عابس:
- ده غير إن الولية اللي اسمها نوال دي ما تطقش.
نطقت الأخرى:
- يا باي على تقل دمها، دي ست أعوذ بالله منها، معرفش إزاي واحدة زي الدكتورة عصمت وافقت إن ست زي دي تبقى حماة بنتها الوحيدة.
لكزتها الأخرى بذراعها:
- شوفي شغلك واسكتي بدل ما حد يسمعنا، في الأول والآخر دول أهل عيالهم، وإحنا اللي هنتفرم وسطيهم.
***
ولجت من بوابة القصر الرئيسية لتتجه نحو الطاولة وأصوات ضحكاتهم تثير جنونها وتشعل نارها أكثر، تحدثت بنبرة جاهدت لتخرج هادئة:
- صباح الخير.
رد الجميع تحيتها عدا ذاك الذي تجاهل دخولها تمامًا لتنحني بجسدها على علام تقبل وجنته قائلة:
- إزيك يا جدو.
ثم تحركت إلى عصمت وفؤاد وفعلت نفس الشيء، تحدث يوسف إلى علام متجاهلًا وقوفها:
- أحط لك فوق التوست مربى كريز ولا مشمش يا باشا؟
أومأ له قائلًا:
- مشمش يا حبيبي.
ليصيح الصغير بصوت حماسي:
- وأنا كمان عايز ساندويتش بمربى المشمش زي جدو يا حضرة الظابط.
ضحك الجميع ليتناول فؤاد كفه الصغير يقبله وهو يقول:
- سيب أخوك علشان يعرف ياكل، وأنا هعمل لحبيبي أحلى ساندويتش.
سعد داخله وطار فرحًا لتشير عصمت بابتسامة حنون إلى حفيدتها:
- تعالي يا بوسي اقعدي جنبي علشان تفطري مع جدو.
بجدية وصوت غلبت عليه الحدة نطقت:
- ميرسي يا نانا، أنا هفطر مع بابي ومامي، أنا جاية أسأل عزة عن حاجة وهمشي على طول.
وتابعت بعدما نقلت بصرها إلى تلك المتعجبة:
- نبيل خطيبي وقع منه زرار البدلة بتاعته امبارح بالليل، يا ريت تكوني لقيتيه يا عزة؟
كان يستمع لنطق حروف اسم ذاك الحقير وحال قلبه الاشتعال، ود لو وقف وقام بكظم فمها لتصمت، تلاشى كل أوجاعه وصمد ونجح بامتياز في إظهار لامبالاته أمام الأمر، طالعته إيثار بقلب يتألم وجعًا لتهدئ نارها قليلًا حين وجدته يمضغ طعامه بهدوء وسكينة حتى ولو كانت ظاهرية.
لوت الأخرى فاها بسخرية وهي تقول بحدة أظهرت كم الانزعاج:
- وأنا مالي يا حبيبتي بزراير اسم النبي حارسه سي نبيل بتاعك ده كمان، روحي اسألي حد من بتوع التنضيف... قالتها وهي تشيح بكفها لتسألها بيسان مرة أخرى:
- يعني إنتِ مشوفتيهوش؟
بنبرة عالية وتذمر تحدثت:
- لا حول ولا قوة إلا بالله، اللي يسمعك يقول إني دايرة بالمقشة والجاروف طول اليوم في البيت، روحي يا أختي اسألي وداد، وإن شاء الله مش هتلاقيه وهيكون وقع منه في الشارع.
زفرت بقوة وتشنج جسدها حين استمعت لضحكات الجميع المكظومة لتطلق لساقيها العنان وتتجه للداخل في حين استرسلت تلك الثرثارة:
- أقطع دراعي إن ما كان شاري الزرار اللي قالب دماغنا عليه على الصبح ده، بخمسة وتلاتين جنيه من على نواصي خان الخليلي.
- وبعدين معاكِ يا عزة... قالتها عصمت بحزم كي تجبر الأخرى على الصمت فنطقت:
- أديني اتخرست يا دكتورة.
- زوزة... قالها يوسف لتجيبه بحنان فائق:
- عيون زوزة من جوة.
أشار بكفه:
- القهوة المظبوط بتاعتك، عاوزين طقم يعدل المزاج ويضبطه.
أجابته بقلب يرفرف من شدة حبوره:
- من عنيا يا ابن قلبي، على ما تخلص فطارك إنتَ والبشوات، هتكون القهوة جاهزة ومستنياكم عند حوض الورد.
***
بالداخل، وقفت بوسط البهو تتلفت حولها بأعين تفيض بالدمع، جاهدت لحجز دموعها لتنطق بصوت خرج مختنقًا:
- وداد!
حضرت المرأة فتابعت بزيف:
- دوري معايا على زرار بدلة وقع من نبيل هنا امبارح.
نطقت المرأة بثقة:
- أنا اللي نضفت المكان امبارح بعد الضيوف ما مشيوا يا هانم، لو فيه حاجة وقعت هنا كنت أكيد هلاقيها.
ابتلعت غصة مرة وتحدثت بتشتت:
- خلاص يا وداد، روحي إنتِ.
انسحبت المرأة لداخل المطبخ وتنفست الأخرى عاليًا ثم انسحبت للخارج لتقابلها عزة التي تحدثت بنبرة متهكمة:
- لقيتي اللي بتدوري عليه؟
هزت رأسها بنفي لتتابع عزة بحزن على حال الفتاة وما فعلته بحالها:
- ولا عمرك هتلاقيه يا نضري، مخلاص، ضيعتيه من ايدك وبدلتي الغالي بالرخيص.
تنهدت بأسى قبل أن تتحرك قاصدة البوابة وقلبها يغلي كفوهة بركان حين تطلعت إلى يوسف وجدته يتحدث بانطلاق والابتسامة تملأ وجهه والراحة ظاهرة فوق ملامحه المستكينة، كادت أن تعبر من البوابة لولا استماعها لصوت خالها الذي استوقفها قائلًا:
- بيسان!
توقفت وقبل أن تستدير أخذت نفسًا مطولًا وزفرته كي تطرد شعورًا يلح عليها بالبكاء، سألته بهدوء:
- نعم يا خالو؟
- ماشية ليه؟
أجابته بصوت حزين:
- جدو عليوة وتيتا نوال جايين بعد شوية، ولازم أكون في استقبالهم.
حرك رأسه بتفهم ثم سألها:
- هتعملي إيه في موضوع العريس؟
رفعت رأسها بشموخ لتنطق بعدما مر بمخيلتها مشهد إطعام يوسف لتلك الفتاة الحلوى بيده:
- الموضوع بالنسبة لي محسوم يا خالو، زيارة امبارح كانت علشانكم أنتم، لكن أنا قراري واضح ومحدد.
سألها باستغراب:
- حتى بعد اللي شوفتيه من أبوه وحصل امبارح قدامنا كلنا؟!
ردت على سؤاله بسؤال:
- وهو إيه اللي حصل من بابه؟
نطق بهدوء:
- العيلة دي متناسبناش يا بيسان، اللي اسمه عاطف ده أسلوبه غريب وطباعه غيرنا خالص يا بنتي.
هتفت بقوة وعناد:
- أنا ميهمنيش أبوه، اللي يهمني هو الإنسان اللي أنا هعيش معاه، وأظن حضرتك شوفت نبيل إزاي مثقف ولبق في كلامه.
أجابها بقوة وصرامة:
- الجواز مش مجرد اتنين بيرتبطوا عاطفيًا يا بوسي، الجواز عيلتين بيندمجوا ولازم يكون في روابط مشتركة بينهم.
أجابته بلامبالاة:
- كل دي شكليات فارغة، أنا ونبيل هنعيش برة مصر بحكم وظايفنا كسفراء، يعني حتى العائلات مش هتتجمع.
زفر بحنق ليجيبها بعدما أرهقه عنادها:
- خلينا الأول نسأل عنهم ونشوف.
- مفيش داعي للسؤال يا خالو، زي ما قولت لحضرتك من شوية، أنا اللي يهمني هو الشخص اللي هعيش معاه.
قطب جبينه ليسألها مستغربًا بعدما رأى كم الحدة التي تتحدث بها:
- هو فيه حاجة حصلت بينك وبين يوسف؟!
تطلعت إلى ذاك الجالس يتحدث بأريحية إلى جدها ليتابع فؤاد مستفسرًا:
- عمل حاجة زعّلتك منه؟
وتابع بحنو:
- صارحيني يا حبيبتي، لو زعّلك أنا مستعد أبهدله علشانك وهخليه ييجي يعتذر لك.
تنهدت بأسى لتجيبه:
- مفيش أي حاجة حصلت يا خالو.
- عاوزة تفهميني إنك فجأة كده اكتشفتي إنك بتحبي اللي اسمه نبيل ونسيتي قصة حبك إنتِ ويوسف؟!
هتفت بحدة أظهرت وجود مشكلة حساسة لديها:
- مفيش حاجة اسمها حُب، دي كذبة عشت جواها سنين وصدقتها، وأخيرًا فوقت منها، واخترت بعقلي الشخص اللي يناسب شخصيتي وهكون مرتاحة معاه.
- إنتِ شايفة كده؟
أجابته بحدة:
- آه يا خالو، وأكيد محدش هيخاف على مصلحتي قدي، فلو سمحت، يا ريت متحاولش تقف في طريق سعادتي أنا ونبيل.
أجابها بحدة وغضب تجلى بصوته:
- براحتك، بس خليكِ فاكرة إني حاولت أساعدك وإنتِ اللي رفضتي، وصدقيني هتندمي، بس للأسف، وقت الندم هيكون فات.
بصرامة وكلمات حادة تحدثت:
- الحاجة الوحيدة اللي ندمانة عليها هي سنين عمري اللي ضيعتها وأنا عايشة جوة وهم كبير.
نطقت كلماتها ثم هرولت إلى منزل والديها وقلبها يأن ألمًا على سنوات عمرها الضائعة في عشق خائن.
***
ليلًا
داخل حديقة المنزل الخاص بدكتور ماجد
يجلس بصحبة والديه وفريال والفتاة بعدما تناولوا وجبة الغداء، تحدثت نوال بجشع كعادتها:
- أنا شايفة إن العريس ده مناسب جدًا، وأحلى حاجة إنه ولد وحيد، يعني ثروة أبوه كلها هتبقى بتاعته لوحده، وبنتك هتعيش مرتاحة العمر كله.
طالعها ماجد متعجبًا ليجيبها بلوم:
- إنتِ بتقولي إيه يا ماما؟!
نطقت مؤكدة:
- بقول اللي لازم يتقال يا ماجد، طالما الولد مرتاح ماديًا يبقى إيه اللي يمنع.
تحدثت فريال بجدية:
- الفلوس مش كل حاجة يا طنط، فيه حاجات أهم بكتير.
حاوطت فكها بكف يدها لتسألها متهكمة:
- زي إيه بقى يا روح طنط؟
أجابتها مقتضبة:
- زي العيلة مثلًا.
أرادت إحراجها فتحدثت بتهكم:
- وهي عيلة ابن مرات أخوكِ هي اللي كانت عدلة قوي؟ على الأقل دول مش رد سجون.
- نوال... قالها عليوة بلوم مع نظرات تحذيرية لتشيح بكفها بطريقة تذمرية أظهرت عدم احترامها لزوجها.
احتدم داخل فريال لكنها فضلت الصمت اتباعًا لتربيتها الحسنة بحسن استقبال الضيف واحترامه.
برغم ما وصلا إليه كلٌّ من العاشقين من حقد على الآخر، إلا أن داخل بيسان اشتعل من تهكم جدتها على من ملك القلب واستوطن، لتهتف معترضة بحدة:
- من فضلك يا تيتا، بلاش نتكلم في الموضوع ده، ثم أنا خلاص، قررت.
هتف ماجد بعصبية مفرطة:
- قررتي؟!
وتابع بعناد:
- طب أنا مش موافق يا بيسان، ووريني بقى هتعملي إيه؟
نطقت بصوت مختنق وعينين تتلألأ بهما لمعة الدموع الحبيسة:
- وهو حضرتك من إمتى احترمت اختياراتي ووافقت عليها علشان توافق المرة دي؟
- لأن كل اختياراتك زفت... قالها بوجه يحتقن دمًا من شدة عصبيته ليتابع بقهر يشرح مأساته بالأمس:
- أنا بسببك امبارح ولأول مرة أتحط في موقف زي الزفت بسبب الراجل البيئة اللي روحتي جبتيه، اتمنيت الأرض تنشق وتبلعني والكل عمال يضحك ويسخر منه، ده مكنش عارف ولا فاهم المواضيع اللي إحنا بنتكلم فيها أصلًا.
نظر أمامه في نقطة اللاشيء وهتف بحقد ظهر بعينيه:
- واللي حرق دمي إن اللي حصل ده كله كان في قصر علام باشا، وقدام اللي اسمها إيثار، كسرتيني وشمتيها فيا.
- هو أنتَ مبتصدق أي جملة مفيدة وتحط فيها اسم إيثار... قالتها فريال بسخط لتتابع بطريقة حادة:
- وبعدين هي إيثار كانت فاضية لك إنتَ ولا عريس الهنا وأهله؟
وجهت نوال كلماتها إلى فريال بطريقة ساخرة:
- واسم النبي حارسها وصاينها مكنتش فاضية ليه، كان وراها ديوان الوزارة إياك؟!
- كان وراها الأهم يا طنط... قالتها بشموخ لتتابع بفخر صادق يعود لحبها لذاك الفتى:
- تكريم ابنها وتنصيبه من المخابرات الحربية.
ضيقت عينيها بعدم استيعاب فتيقنت فريال أن تلك الحيزبونة لم تعلم بما حدث ليوسف فتابعت بقوة:
- واضح إن حضرتك متعرفيش اللي حصل ليوسف من أول التطوير اللي عمله وشرفنا بيه كلنا، لتعيينه ظابط في المخابرات الحربية، ووصولًا للملايين اللي أخدها مكافأة، والمرتب المحترم اللي هيقبضه كل شهر.
كانت تتحدث بزهو ومع كل كلمة تخرج من فمها تنزل كسوط ينزل بقوته على قلب ماجد يجلده دون رحمة، سألتها المرأة بأعين تفيض جشعًا:
- أنا مش فاهمة منك ولا كلمة يا بنت الأكابر.
وقفت لتنطق براحة بعدما أخرجت ما بقلبها:
- إبقى خلي دكتور ماجد يفرجك في تليفونه على المؤتمر اللي عملته المخابرات الحربية امبارح، لتكريم حضرة الظابط يوسف البنهاوي.
وتابعت بانسحاب:
- أنا هدخل أوصي الشغالين يعملوا لنا عصير فريش.
شيع ماجد دخولها لتنطق والدته متسائلة والفضول سيد حالها:
- إيه الكلام اللي مراتك بتقوله ده يا ماجد؟!
زفر بغضب وبات يقص على مسامعها هي وأبيه ما حدث تحت أنين قلب بيسان واستغراب نوال وذهولها، وهدوء عليوة الذي تحدث بيقين:
- سبحان العاطي الوهاب.
بينما نطقت نوال بجشع كعادتها:
- أنا شايفة إنك توافق على يوسف ده يا ماجد، لو قارنا بينه وبين اللي اسمه نبيل كفته هو اللي تطب، ده بقى معاه المال والسلطة والجاه.
ضحك عليوة على حال زوجته المتقلب حسبما الاستفادة، وتحدث ساخرًا:
- أهي قلبت في لحظة، وبعد ما كان عيلته خريجين سجون، بقى بيملك الجاه والسلطة والمال.
نطق ماجد بغل:
- ده لو آخر واحد في الدنيا كلها، وبنتي مش هتتجوز من بعده، لا يمكن أجوزها له.
نطقت بيسان بتهكم على حديث والدها وجدتها:
- أنا مش عارفة انتوا بتتناقشوا في إيه، يوسف عمره ما طلبني للجواز يا تيتا؟
وتابعت للثأر لكرامتها:
- وأنا مع رأي بابي، يوسف لو كان آخر راجل في الدنيا دي، وجه لحد عندي واترجاني إنه يتجوزني، مش هوافق.
- ولعلمك يا بابي، أنا لو متجوزتش نبيل مش هتجوز نهائي.
حضرت فريال تتقدم العاملة التي تحمل الكثير من الكؤوس، توقفت لتحمل أحد الكؤوس وتقدمها إلى والد زوجها:
- اتفضل يا عمو.
أخذها منها قائلًا بود:
- تسلم إيدك يا بنتي.
وتابعت توزيع المشروب لتقف بيسان معتذرة:
- أنا طالعة أوضتي علشان أذاكر.
وتابعت إلى أبيها:
- يا ريت يا بابي تبلغني بقرارك قريب.
استأذنت وصعدت لتنطق فريال بنبرة مهمومة:
- هتتصرف إزاي يا ماجد؟
تنهد بأسى، لا يعلم ما الذي حدث لابنته الوديعة، كانت هادئة كالنسيم، تحولت لثائرة كما البركان وما عاد لسكونها أثرًا، رفع كتفيه وهمس بصوت واهن:
- مش عارف يا فيري، مش عارف.
تدخل والده بتعقل تحت حزن قلب نوال على ضياع يوسف من أيديهم:
- أنا شايف إن البنت متمسكة برأيها، العقل بيقول إنك توافق على الخطوبة، بس خلي الجواز بعد ما تتخرج من كليتها، وأهو يبقى قدامكم فرصة كبيرة تعرفوه هو وأهله، والله إذا كان كويس هتكمل معاه، مكنش هي بنفسها اللي هتيجي تترجاك علشان تفسخ الخطوبة.
اتحد الجميع على رأيه تحت أنين قلب فريال على حال ابنتها وضياع روحها.
***
داخل إحدى مراكز التجميل النسائية الكبرى المتواجدة بالعاصمة، كانت تجلس فوق مقعد أمام إحدى الفتيات تتأمل انعكاس صورتها بالمرآة، فقد حضرت بعدما قررت تغيير لون شعرها من الأسود إلى الأشقر النحاسي كنوع من كسر الروتين بحياتها الزوجية وإنعاشها، وأثناء متابعتها لتصفيف الخبيرة لشعرها في المرحلة الأخيرة رأت بانعكاس المرآة صورة تلك المرأة اللبنانية زوجة طليقها البائس، زفرت وقلبت عينيها بسأم ظهر فوق ملامحها عندما رأت قدوم الأخرى باتجاهها، تدللت بمشيتها حتى وصلت إليها لتنطق بنبرة خبيثة:
- كيفك مدام فؤاد علام؟
قلبت عيناها بسأم وسألتها بتأفف:
- خير يا أستاذة، عاوزة إيه؟
نطقت "رولا" بابتسامة مستفزة:
- بشرفك شو راح عوز منك؟
وتابعت بخبث:
- كل ما بالموضوع إني شفتك هون بالصدفة، إجيت لحتى أطمن عليكِ، ما بالأول والآخر ولادنا إخوة، و بيناتنا زلمة، بالماضي كان لإلك.
وتابعت وهي تشير على نفسها بزهو ونظرات يملؤها التحدي:
- وهلأ صار ملك لإلي.
أجابتها الأخرى بصرامة وكلمات قاطعة:
- أنا حياتي كلها مفيهاش غير راجل واحد بس، وهو فؤاد جوزي.
وتابعت مفسرة بصدق:
- لأن الماضي اللي بتتكلمي عنه ده اتمحى من دماغي لدرجة إن مبقاش موجود، ولا بقى ليه أي ذكرى جوايا لا حلوة، ولا حتى وحشة.
وتابعت بجدية:
- تخيلي؟
أجابتها بابتسامة ساخرة:
- إي بعرف إنو بعمره ما كان فيه زلمة بحياتك غير هاداك يلي اسمه "فؤاد علام"، هايدي الخبرية بعرفها منيح ومانها جديدة بالنسبة لإلي.
وتابعت بمغزى وإشارة للماضي المزيف الذي علمته من قبل عديم الشرف "عمرو":
- حكالي ياها "عمرو".
وقفت بمقابلتها بعدما انتهت المصففة من وضع اللمسات الأخيرة بالتصفيف لتجيب الأخرى بنية حسنة:
- طب كويس إنك عارفة، ياريت بقى تبعدي عن طريقي وطريق عيلتي كلها، وبلاش كل ما نروح مكان تنطوا لنا فيه زي عفريت العلبة إنتِ وهو، الأول النادي والنهاردة في البيوتي سنتر، هو انتوا بتراقبونا؟!
- هايدي مجرد بداية يا مدام... قالتها بسخط لتتابع بتهديد مبطن:
- اصحك تفكري إن وجودنا بمصر مجرد صدفة، صدقيني رح تنبهري كتير باللي رح تشوفيه مني.
قابلت حديثها بابتسامة ساخرة استفزت بها الأخرى فتابعت بتحدي:
- بوعدك ماراح ارتاح إلا لما بين حقيقتك البشعة إنتِ وعديم المروءة يلي متجوزتيه.
- رح أظهر براءة حبيبي عمرو يلي شوهتوا صورته بعيون ابنه، وماراح اسكت لحتى يعرف يوسف بتآمركن على بيه.
كانت تتطلع نحوها باستغراب وعدم استيعاب لحديثها الغريب، انتهت من لف حجابها بإحكام ثم تحدثت متهكمة:
- أنا بصراحة مش فاهمة أي حاجة من اللت اللي عمالة تلتيه ده، بس من الواضح إن ابن إجلال مارس عليكِ أفضل هواياته، وشكله كده نجح وبجدارة.
صاحبت كلماتها الأخيرة ضحكة ساخرة لتسألها "رولا" بسخرية:
- وشو هي أفضل هواياته يا مدام فؤاد؟
- الكذب وقلب الحقايق... قالتها بسخط وتابعت بابتسامة ساخرة:
- بيعشق الكذب، بيتنفسه زي ما البشر بتتنفس الهواء، ميقدرش يعيش لحظة واحدة من غير ما يلاقي حد يستغفله ويكذب عليه.
انتهت من كلماتها الحادة لتتابع بتهديد مباشر:
- اسمعي يا اسمك إيه إنتِ، أنا لا يهمني هو مفهمك إيه ولا حكى لك إيه عني، ولا أنا شيفاكم من الأساس، أنا بس حابة أنبهك وده واجب عليّا لأنك ضيفة في بلدي.
كشرت عن أنيابها لتتابع مسترسلة بشر تجلى بعينيها وصوتها الحاد:
- إبعدي عن ابني إنتِ وعديم النخوة اللي متجوزاه، ابني لو اتأذى بأي شكل من الأشكال قسمًا بالله لأقطعكم بسناني، فهماني يا حلوة؟
ابتسامة ساخرة ارتسمت على جانب ثغرها قبل أن تنطق بشر ظهر بعينيها:
- بنصحك تسألي عني وعن بيي قبل ما تهدديني بهاي الكلمات الهبلة، وبحب أعرفك شغلة دايمًا بيي بيقلي ياها: "يلي بيفعل ما بيقول".
واسترسلت بكلمات تقطر غلًا:
- وبحياة بيي، وما بكون اسمي رولا بنته لسليم إلياس، إن ما دفعتك تمن حكيك الفاضي يلي قلتيه هلأ، غالي كتير يا.
وتابعت ساخرة بنفس طريقة الأخرى:
- يا حلوة.
- الأيام بينا يا بنت سليم إلياس... قالتها إيثار بطريقة جادة لتتابع بتحدي مستفز للأخرى:
- هنشوف في الآخر مين اللي هيضحك ويخرج من اللعبة منتصر.
وقفت كلٌّ منهما مقابل الأخرى تتبادلان نظرات نارية لو خرجت لأشعلت المكان برمته وأحرقته في التو واللحظة.
رواية انا لها شمس الفصل السادس والستون 66 - بقلم روز امين
الأمر لم يكن هادئًا ولا مدويًا، وكذلك الألم، لم يكن عاديًا، بل كان فريدًا، أشبه بانسحاب الروح من الجسد بدون ضجيج، لقد حطمتني بعض الظروف وكسرتني كثيرًا من المواقف، لكنني صمدتُ ووقفتُ أمام تحديات الحياة كمحاربٍ تحلى بالشجاعة في مواجهة أعتى أعدائه، واجهتُ الصعاب بقوة إيماني وتخطيتها بثباتي، تجاوزتُ عثراتي ومضيتُ إلى الأمام على أمل حلاوة اللقاء وما سيفعلهُ من إزالة لآهاتي وآلامي، كم من المراتِ التي تخيلتُ فراشتي وهي ذائبةٌ بين أحضاني كقطعة من الشيكولاتة الدافئة، ويا لسخرية القدر، فمن بين جموع البشر لم تأتني صفعتي الكبرى إلا على يدك يا من كنتي لي المعنى الحرفي للحياة، أرأيتي ما فعلتِ بقلبي الجريح، بفضلكِ أنا أقف الآن أمام اختيارين لا بديل لهما، إما أن تدفعني تلك الصفعة إلى الأمام لمتابعة طموحاتي وتحقيق نجاحاتي لتتوالى والكل يرى رِفعةَ شأني، أو تدفنني تلك التجربة حيًا لأبكي بجوار انكساراتي، والآن وجب الاختيار، إما أن أكون، أو لا أكون.
"يوسف عمرو البنهاوي"
بقلمي "روز أمين"
داخل القرية التابعة لعائلة ناصف
توجهت السيدة "أزهار" إلى الصيدلية المتواجدة على أرض القرية، تحدث الطبيب متلهفًا حين رآها تهلُ عليه بصحبة نجلها الأصغر:
-أهلًا وسهلًا يا حاجة أزهار.
نطقت المرأة بوجهٍ شاحب:
-أهلًا بيك يا دكتور فريد.
جاء دور نجلها ليتحدث:
-عاوزين حقنة الفيتامين اللي أمي بتاخدها كل شهر يا دكتور.
-أنا تحت أمر الحاجة… قالها الطبيب ليتوجه سريعًا إلى الداخل وإذ بهِ يخرج سريعًا وبيدهِ أمبول الدواء بلونهِ الأحمر الذي يشبه الدماء، تحدث إليها بعدما دعاها إلى الداخل حتى تكون بعيدة عن أعين المارة:
-ارفعي كُم العباية علشان تاخدي الحُقنة يا حاجة "أزهار".
ساعدها نجلها وبدأ الطبيب يحقن الدواء ليسري بالوريد بقلبٍ يخفقُ بسرعة زائدة عن المعتاد، ابتلع لعابهُ لينطق وهو يسحب الإبرة بعدما انتهى من تفريغ محتوى الأنبول بالكامل:
-كدة خلصنا يا حاجة أزهار.
أعادت ثوبها كما كان لتنطق بملامح وجهٍ منكمشة نظرًا لبعض الآلام التي سببها لها الحقن:
-تسلم إيدك يا دكتور.
-متشكر يا حاجة… قالها ليدفع له الشاب تكاليف الدواء وينسحب خارجًا منسحبًا مع والدته، رافقتهما عيني الطبيب حتى استقلا كليهما السيارة وانطلق بها الشاب، هرول يلتقطُ الهاتف لينطق بعدما هاتف أحدهما:
-أيوه يا باشا، كله تمام، الحاجة أزهار جت أخدت الحقنة وأنا نفذت اللي اتفقنا عليه.
ابتسم واتسعت عينيه بشراهة وهو يستمع للطرف الآخر لينطق من جديد بجشعٍ:
-تمام يا باشا، أنا في انتظار تحويل المبلغ اللي اتفقنا عليه.
داخل أحد المحال الفخمة التي تقوم على تقديم الأطعمة الفاخرة
تلتفُ عائلة "حُسين البنهاوي" حول أحد الطاولات بصحبة "زينة" و"يوسف" حيثُ قرر الأخير الاحتفال بمنصبهِ الجديد وسط هؤلاء الذين يعتبرهم عائلته، ابتسمت مروة وهي تتحدث بسعادة صادقة إلى يوسف:
-أنا فرحت علشانك قوي والله يا ابني، ربنا يعلم أنا بعزك إزاي من وإنتَ لسه عيل صغير.
ابتسم لها بمحبة لتسترسل حديثها من جديد بملاطفة:
-ما شاء الله عليك، من صغرك وإنتَ ليك هيبة يا يوسف.
-يوسف إيه بس يا ماما… قالتها تلك المراهقة "تقى" وهي تنظر إلى ابن عمها بعينين هائمتين لتكمل بصوتٍ ناعم ودلالٍ بيّن بنبراتها:
-اسمه حضرة الظابط، ولا إيه رأيك يا حضرة الظابط؟
قالتها وهي تستندُ بفكها ونظراتها الحالمة، لم يرق له نظراتها الهائمة التي تتطلعُ بها عليه، لذا تجنب النظر إليها وتحدث إلى مروة باحترام:
-طنط مروة تقول اللي هي عاوزاه، دي في مقام ماما.
رمق أحمد شقيقته بحدة حين لاحظ نظراتها الولهة لابن عمه الشاب فارتعبت داخل الفتاة وتخشبت خشيةً من بطش أخيها ذو الطابع الحاد وخصوصًا فيما يخص الأخلاق، هم حُسين بالحديث لينطق على استحياء:
-أبوك كلمني إمبارح هو وستك وزعلانين منك يا يوسف.
طالعه باستغراب ليسألهُ برغم تيقنهُ من السبب:
-خير يا عمي، ويا ترى زعلانين مني ليه؟!
برغم خجلهِ وعدم اقتناعه بحديث شقيقه ووالدته لكنه استمر بالحديث لنقل وجهة النظر لا أكثر:
-يعني، علشان شكرت جوز أمك وأهله في المؤتمر وحتى ما ذكرتش اسم أبوك ولا جدك نصر الله يرحمه.
وتابع بنظراتٍ لائمة:
-اللي كان يسمعك يقول إن مالكش عيلة وإنتَ عيلتك تسد عين الشمس يا يوسف، واسم جدك نصر البنهاوي كان بيتهز له شنبات.
كان يستمع إليه وعلى وجههِ ابتسامة ساخرة لينطق بعدما أنهى الرجل حديثهُ:
-أنا ذكرت فؤاد علام والباشا الكبير لأنهم أصحاب فضل بعد ربنا في كل اللي أنا وصلت له.
وتابع متسائلًا بما أحرج الرجل:
-لكن مع احترامي الشديد لحضرتك ومقامك عندي يا عمي، إيه اللي قدمهُ لي عمرو البنهاوي أو اسم البنهاوي ككل؟!
فهم ما يرمي الشاب إليه ومعهُ كامل الحق، فنطق على استحياء:
-أنا فاهم قصدك كويس قوي يا ابني، أنا بنقل لك كلام جدتك وأبوك، ومش عاتب عليك في النقطة دي.
وتابع ملامًا:
-بس اللي عاتب عليك فيه بجد، هو عدم ردك عليهم في التليفون، أبوك بلغني إنه بيرن عليك هو وجدتك من يوم المؤتمر وإنتَ ما بتردش.
استاء عند استماعه لذكر ذاك الموضوع وتذكر سُباب تلك الشمطاء له ولوالدته فتحدث بحدة بالغة:
-يا ريت ما نتكلمش في الموضوع ده يا عمي ولا نفتحه، لإني مش هوّد وأتواصل مع اللي أذى أمي ودمرها لسنين طويلة، وأظن حضرتك عارف كويس قوي عمرو البنهاوي والحاجة إجلال عملوا إيه في أمي.
وتابع باستفاضة:
-وعلى فكرة، أنا رديت عليها إمبارح بعد إصرار عجيب منها وعشر اتصالات ورا بعض.
طالعهُ الجميع باهتمام وبالأخص حُسين ليتابع الآخر بوجهٍ حاد:
-بمجرد ما فتحت المكالمة لقيت سيل إهانة واتفتح في وشي، يا قليل الأصل يا ناكر الخير والمعروف، يا ابن أمك وكلام كتير وإهانات ليا ولأمي وأهلها يعجز لساني عن إعادة ذكرها قدامكم.
اتسعت عيني مروة وهي تقول مستنكرة:
-يا دي العيبة، كل ده قالتهولك جدتك إجلال؟!
-تخيلي… قالها الشاب مذهولًا ليتابع لعمه:
-هي دي اللي حضرتك بتلومني علشان ما بردش عليها؟!
المفروض إني أرد كل ما تتصل علشان أسمع لي كل يوم وصلة تهزيق ليا ولأمي وتربيتها الناقصة ليا واللي مش عاجبة إجلال هانم؟!
تنهد الرجل باستسلام لما استمع إليه وتحدث متأسفًا:
-حقك عليا أنا يا ابني.
وبرغم يقينهُ بفظاظة والدته وأسلوبها السيئ إلا أنهُ تحدث مجملًا الوضع لتحسين صورة الجدة بأعين الأحفاد:
-جدتك ست كبيرة في السِن، ومش لازم ناخد كلامها على إنه جد ونزعل منه، فوت يا يوسف.
-بص يا عمي، أنا ما عنديش أي مانع في إني أتحملها وأتحمل غضبها وإهانتها ليا، بحكم صلة القرابة والدم اللي بينا.
وتابع بحسمٍ لا يقبل المناقشة:
-بس اللي عمري ما هقبله منها أو من أي مخلوق على وجه الأرض هو إهانة أمي.
وتابع متوعدًا بأعين حادة:
-إيثار الجوهري هي خطي الأحمر، واللي أمه داعية عليه يقرب منه.
لم يجد حُسين لديه ما يمكن أن يقال ففضل الصمت ليتحدث أحمد بنبرة مرحة لتغيير مجرى هذا الموضوع المزعج:
-احكي لنا بقى يا حضرة الظابط، إمتى فكرة المشروع دي جت لك، وإزاي وصلت لاختراع بالعبقرية دي كلها.
ابتسم ببشاشة وبدأ يتبادل الحديث مع نجل عمه لينسجم الجميع وينضم.
لاحظت "جنة" انشغال ابنة عمها التي تعبث في هاتفها بملل فسألتها بغمزة مازحة بعدما اقتحمت هاتف الفتاة بعينيها:
-ما تقلقيش، ممكن يكون مشغول وهيكلمك لما يفضى.
انتفض قلب الفتاة وسألتها هامسة بنبراتٍ مرتجفة وهي تُبعد الهاتف عن أعين تلك المتطفلة:
-إنتِ بتتكلمي عن مين يا جنة؟
أجابتها بفطانة بصوتٍ يكاد أن يُسمع:
-عن اللي عمالة تفتحي الماسينجر كل شوية وتبصي على رسايله، ولما ما تلاقيش جديد بوزك يتمد شبرين لقدام.
وتابعت مستنكرة بمزاحٍ:
-وبعدين ما بتتواصلوش واتس ليه، ده حتى مريح في الرسايل عن الماسينجر، ده غير إنه أمان يا هبلة.
ازدردت ريقها لتنطق نافية بصوتٍ هلع:
-إنتِ فاهمة غلط يا جنة، ده أنا مستنية رسالة من واحدة صاحبتي هتقولي فيها عن مواعيد محاضرات بكرة.
بخبثٍ وتركيز ردت عليها الفتاة:
-وصاحبتك دي اسمها "رامي كمال" وحاطة صورة شاب بمجانص؟!
تصبّغ لون وجهها بالأصفر الكاري بعدما هربت منه الدماء لتكمل الأخرى لائمة:
-إخص عليكِ يا زينة، وأنا اللي كنت فاكرة إننا إخوات وما بنخبيش حاجة على بعض.
أزاحت عينيها عن مرمى بصر الأخرى وهمست على استحياء:
-هقول لك إيه بس يا جنة، هي الحاجات دي تتحكي إزاي.
همست الأخرى بحماسٍ لتشجيع ابنة عمها:
-طب ده أحلى كلام ممكن يتحكي عن الحاجات دي.
وتابعت بلهفة لمعرفة القصة:
-هتحكي لي إمتى وتعرفيني على اللي اسمه رامي ده؟
ابتسمت بخجل وتحدثت:
-يوم الخميس هستأذن من يوسف وأجي أبات عندكم، وهحكي لك على كل حاجة.
-إنتوا عمالين توشوشوا بعض وتقولوا إيه؟!… جملة نطقت بها ابنة السابعة عشر عامًا "تُقى" لتلكزها شقيقتها الكبرى قائلة:
-اتلهي وخليكي في النفخة اللي هتتنفخيها من أحمد لما نروح.
طالعتها الصغيرة بعدم استيعاب لتتابع "جنة" مفسرة:
-علشان تبقي تبحلقي لابن عمك وتتنهدي قدام أخوكي يا أوكس إخواتك.
ابتلعت لُعابها وتحدثت معللة:
-وهو أنا كنت عملت إيه يعني، أنا بتكلم مع ابن عمي عادي يعني.
نطقت جنة مستنكرة:
-الكلام ده ابقي قوليه لأخوكي يا حلوة.
عاد يوسف وشقيقتهُ إلى منزلهما بعد قضاء سهرة لطيفة مع عائلة عمه، توجه للداخل وارتمى فوق الأريكةِ المتواجدة داخل البهو، ألقى برأسهِ للخلف مستندًا على ظهر الأريكة وأغمض عينيه ليحصل على بعضٍ من الاسترخاء، جاورته الجلوس لتسألهُ بعدما رأتهُ على هذا الحال:
-مالك يا يوسف؟
ظل على حاله وأجابها بصوتٍ واهن:
-ما فيش يا حبيبتي.
سألته باهتمامٍ:
-ما فيش إزاي، هو أنتَ فاكر إني مش واخدة بالي.
وتابعت بتأثرٍ:
-أنا عارفة إن بيسان متقدم لها عريس.
رفع عينيه يناظرها باستغراب لتتابع مسترسلة بحيرة:
-بس اللي أنا مستغرباه إنها موافقة عليه!
-وإنتِ مين اللي قال لك الكلام ده؟!
-"تاج"، كانت مكلماني من كام يوم تطمن عليا، والكلام جاب بعضه.
سألها محولًا مجرى الموضوع:
-من إمتى إنتِ وتاج بتتكلموا؟!
بهدوء واستفاضة أجابته:
-من ساعة ما روحت معاك عندهم لما أبو بيسان عمل معاك مشكلة وأنا تعبت هناك، من وقتها وهي متغيرة معايا خالص.
وتابعت بابتسامة خجولة:
-تقريبًا كدة صعبت عليها.
ابتسامة هادئة ارتسمت على جانب ثغره لتنطق مستطردة:
-ما تغيرش الموضوع يا يوسف.
-ما فيش موضوع أصلًا علشان أغيره يا زينة… قالها بلامبالاة ليتابع مستشهدًا بحديثها:
-وأديكي إنتِ بنفسك لسه قايلة إنها موافقة.
-يعني كده خلصت… أنهى حديثهُ بحركة مسرحية من كفه.
همت بالحديث ليوقفها قائلًا:
-"زينة"، الموضوع انتهى، مش عاوز أي كلام فيه بعد النهاردة.
-يا يوسف… قالتها بلهفة ليرمقها بنظراتٍ نارية ناطقًا بتحذير:
-"زينة".
صمتت وأنزلت رأسها تنظر للأسفل فسألها لتغيير الموضوع:
-عاملة إيه في الجامعة؟
-الحمد لله… قالتها بهدوء لينطق مستطردًا:
-فيه حد بيضايقك بسبب الموضوع إياه؟
نفت سريعًا:
-خالص، بالعكس، كل زمايلي متضامنين وفرحانين باللي حصل في العيال الزبالة دي.
وأكملت وهي تطالعهُ بفخرٍ:
-وبعد ما شافوك في المؤتمر وعرفوا إنك أخويا، الكل بيحاول يتقرب مني وبيعاملوني حلو قوي.
سعد بشدة لثقتها التي ازدادت بعدما حدث، عكس ما كان يتوقعُ تمامًا من انتكاسة، لكنهُ تفاجأ بما حدث، ابتسم ونطق يثني عليها وهو يتحسسُ وجنتها بحنانٍ بالغ:
-إنتِ جميلة في كل حاجة يا حبيبتي، وكون إن الناس تحاول تقرب منك ده شيء طبيعي.
شعرت بروحها تُحلقُ بالسماء وعززت كلماته ثقتها بنفسها أكثر.
وقف منتصب الظهر وتحدث:
-هقوم آخد شاور يفوقني علشان ورايا مذاكرة كتير.
وقفت تقابلهُ لتنطق بمرحٍ جديدٍ على شخصيتها:
-إيه رأيك على ما تخلص الشاور بتاعك، أعصر لنا كام برتقالة نشربهم مع بعض في البلكونة.
طالعها مستغربًا التطورات التي طرأت على شخصيتها حديثًا ونطق بحبورٍ ظهر بعينيه:
-وأنا يا ستي موافق.
ابتسمت بسعادة لتخطو مهرولة إلى المطبخ تحت نظرات يوسف المشيعة لها.
بعد مدة كان يحتسي مشروبه بصحبتها داخل أجواء مليئة بالألفة، أخرجه من اندماجه معها بالحديث صدور رنين هاتفه ليرد بسرعة عندما وجدهُ فؤاد الذي نطق:
-إزيك يا يوسف؟
أجابهُ موقرًا:
-أنا بخير يا باشا، طمني عليك وعلى ماما وأخواتي.
-كلنا تمام يا حبيبي… قالها برزانة ثم صمت لثوانٍ قبل أن يتابع مسترسلًا بسؤال:
-يوسف، كنت عاوز أسألك عن حاجة، وأتمنى تجاوبني بصراحة.
قطب جبينهُ ليسألهُ متعجبًا:
-ومن إمتى وأنا بكذب عليك يا بابا؟!
أجابهُ نافيًا:
-أنا ما جبتش سيرة الكذب يا يوسف.
نطق الآخر رافعًا عنه الحرج:
-أتفضل حضرتك اسأل وأنا هجاوبك زي ما اتعودنا، بمنتهى الصراحة.
انسحبت الفتاة للداخل تاركة لشقيقها المجال للتحدث بحرية، نطق فؤاد مستفسرًا:
-إيه اللي حصل بينك وبين بيسان ووصل الأمور للدرجة اللي تخليها توافق على الجواز من راجل غيرك، بعد ما كانت بنية كل أحلامها على وجودك؟!
-وحضرتك ما سألتهاش هي ليه؟
-سألتها طبعًا.
-ويا ترى قالت لحضرتك إيه؟
سؤالًا فضوليًا وجههُ إلى أبيه الروحي ليجيبهُ فؤاد بحيرة:
-أنكرت وقالت ما فيش حاجة حصلت، علشان كده جيت سألتك.
تنهد بألم فاسترسل فؤاد:
-يا ترى إنتَ كمان هتحكي لي، ولا هتنكر زيها؟
أجابهُ بثقة:
-لو أعرف حاجة أكيد كنت هقولها لحضرتك.
سألهُ بحدة:
-معناه إيه كلامك ده يا يوسف؟!
أجاب الشاب بصوتٍ جاهد ليخرج بتلك النبرة الهادئة:
-معناه إني ما أعرفش أي حاجة يا بابا، أنا وبيسان شوفنا بعض بالصدفة في مزرعة الخيول من حوالي أسبوعين أو أكتر، وقضينا وقت ولا أروع.
وتابع بحسرة لم يستطع تخبأتها:
-فجأة ماما اتصلت بيا قبل المؤتمر بيوم، وقالت لي على اللي حصل من بيسان والكلام اللي قالته لها.
تألم فؤاد لسماعه لذاك الحديث وبنفس الوقت لم يستطع إلقاء اللوم على زوجته، فهي تخشى على صغيرها وتريد تعزيزه، ليتابع الفتى مسترسلًا:
-هي دي كل المعلومات اللي عندي، والباقي كله عند بيسان.
تنهد فؤاد وسألهُ:
-ما حاولتش تسألها إيه السبب ورا قرارها المتهور ده؟!
-خِلصت يا بابا… قالها بنبراتٍ وصل تأثرها إلى فؤاد، أخذ الفتى نفسًا مطولًا ثم تابع حديثهُ:
-هي قررت واختارت الراجل اللي يناسبها.
وتابع بثباتٍ وعزة نفس:
-وأنا أكيد هلاقي البنت اللي تشترييني وتناسبني.
نطق بلومٍ تجلى بحروفهِ:
-يا خسارة يا يوسف، كنت فاكرك مُحارب.
-لو كانت شارياني كنت حاربت الدنيا كلها علشانها… وتابع بغصة وقفت بمنتصف حلقه:
-لكن أنا اتباعت بالرخيص يا بابا، وأمي اتعايرت بيا من أكتر بنت حبتها واتمنيتها، وإهانتي منها ومن ماجد كوم.
صمت لبرهة وتابع بتحدي وعنفٍ ظهر بصوته:
-وإن أمي حد يمس كرامتها بكلمة واحدة، دي عندي كوم تاني يا باشا.
لم يجد في جوفه ما يسعفه للحديث ففضل الانسحاب قائلًا بحسرة أخيرة:
-خلاص يا يوسف، هي فعلًا زي ما أنتَ قولت، خِلصت.
لم يجد كلاهما حديثًا ليتابعاه ففضلا إنهاء الاتصال بهدوء.
داخل منزل "عمرو البنهاوي"
وصلا والدا "رولا" بعد أن استدعتهما إلى القاهرة لشدة اشتياقها الشديد لهما، وأيضًا ليخلصاها من تلك المصيبة التي حلت على حياتها واستوطنت منزلها، هرولت لترتمي بأحضان والدها قائلة بكثيرٍ من الاشتياق:
-حياتي يا بابا، كتير اشتقت لك.
أبعدها قليلًا ليحتوي وجنتيها بكفيه قائلًا باشتياقٍ ظهر بعينيه ونبرات صوته:
-كيفك يا تؤبريني؟
أجابتهُ بحركة نافية من رأسها:
-ماني منيحة يا بابا، دخيلك تخلصني من هالمصيبة يلي اسمها "ستهم".
وتابعت بذهولٍ وعدم استيعاب لشخصية تلك المرأة غريبة الأطوار:
-هيدي المرة كتير بشعة، بعمري ما شفت هيك شخصية.
تحدثت والدتها بحدة:
-ليش ما طلبتي من "عمرو" يبعتها عبيتها؟!
صاحت بحدة:
-قِلتِلو يا ماما، قالي ما فيني أكحشها من بيتي، هيدي إِني وبيتي بيتها.
نطقت والدتها بلهجة اعتراضية:
-وإذا كانت إمه، هيدا ما بيعطيها الحق لحتى تخنق عيشتكِ هيك؟!
تحدث والدها بتعقلٍ:
-فيكِن تهدوا شوي، أولًا ما فينا نتحكم بالزلمة بقلب بِيته، المرة بتكون إمه.
اتسعت عينا "نائلة" لتنطق باعتراضٍ حاد:
-شوهالحكي يلي عم يطلع من تمك يا سَليم؟!
هيدي بنتك يا زلمة ولازم توقف حدها.
نطق الرجل متهكمًا:
- إي بتؤمري نائلة خانوم، رح أدخل هلأ وأعطيه لجوز بنتك كفين ع وشه وواحد ع قفاه وبقله توصل إمك ع بيتها في الحال وإلا.
طالعته زوجته بلوم حاد لينطق للتهدئة:
- دخيلكن لا تزيدوها.
في تلك الأثناء أتت الصغيرة من الداخل لتصيح بصرخات تنم عن كم سعادتها الهائلة:
- جدو وتيتا إجو لعنا.
هرولت ليتلقفها سليم يرفعها لتسكن بأحضانه ويقول وهو يضمها ويشم رائحتها العطرة:
- يا أهلا وسهلًا بحبيبة جدو، إشتقتلك كتير يا تؤبريني.
نطقت الصغيرة بنبرة غلبت عليها الحنان:
- وأنا كمان إشتقتلك جدو.
وتساءلت بدلال مفرط:
- شو جبتلي معك يا جدو؟
أجابها وهو يقبّل وجنتها بوله:
- كل يلي أمرتي فيه جبت لك إياه، برنسس نور تؤمر والجدو بنفذ.
خرج عمرو حاملًا صغيره لتسرع نحوه نائلة تنتشله منه وهي تغمره بحنانها قائلة:
- حبيب التيتا يلي كبر، يؤبرني جمالو وعيونه الحلوين، كيفه الحلو.
اقترب عمرو من والد زوجته لينطق بترحّاب حار:
- مصر نورت يا سليم بيه.
- والله مصر منورة بأهلها يا عمرو.
قالها الرجل وهو يربت على ظهر زوج ابنته الوحيدة لتقترب نائلة وهي تطالعه ببرود يعود لعدم تقبلها لشخصه، فمنذ طلبه الزواج من ابنتها وهي تبغضه وحاربت كثيرًا لتمنع تلك الزيجة لكن جميع محاولاتها باءت بالفشل لعشق ابنتها الأعمى لذاك الذي طالما رأته أهوجًا وثقيل الظل.
مدت كفها لتصافحه بابتسامة صفراء:
- كيفك؟
رد بذات الطريقة السخيفة لعدم تقبله هو الآخر لها:
- أنا تمام، نورتي البيت ومصر كلها يا هانم.
- ميرسي لإلك.
قالتها بوجه عابس لتهرول ابنتها تجاورها الوقوف وتقترب تكلزها بخفة في يدها لتطالعها الأخرى بحدة قابلتها رولا بنظرات متوسلة وهي تهمس بجانب أذنها:
- بليز ماما، متزعليه.
همست المرأة عاتبة على ابنتها:
- لو بس بعرف شو يلي عاجبك بهالأزعر، كان عقلي بيرتاح وبيهدى.
وتابعت باستياء وملامح وجه مكفهرة وهي تتابع مزاحه الثقيل مع سليم إلياس:
- يا دلي ع ثقل دمه.
رمقتها ابنتها بغضب ممزوج بلوم لتزفر الأخرى متابعة باعتذار مجبر:
- خلص يا ماما، لا تزعلي حالك، رح حاول أتجنبه بالكام يوم يلي رح نقعدهم بمصر.
- كام يوم؟!
جملة نطقتها رولا بانزعاج وهي تقول:
- شو عم بتقولي يا ماما، البابا خبرني من قبل وقالي رح تقضوا معنا الصيفية كلها هون.
تحدثت المرأة بتأثر:
- ما فينا يا قلبي، أبوكي عنده شغل لفوق راسه، وأنا ما بقدر أترك الأتيلييه تبعي كل هالمدة.
وتابعت بمزاح كي تخرج ابنتها من حالة الحزن التي تملكت منها:
- ما فيني اترك نسوان فرنسا بلا موضة، بتعرفي ما فيهن يلبسوا إلا ع ذوقي.
ضحكت رولا وتحدثت بمزاح مماثل:
- إي بعرف يا نائلة خانوم، بس ياريت ما تكوني نسيتي الكام قطعة يلي وصيتك عليهن.
أجابتها بحنان:
- ما فيني أنسى أي شي بيتعلق فيكي، إنت نور عيوني يلي بشوف فيهن يا رولا.
احتضنتها رولا وتحدثت بسعادة:
- تؤبري قلبي يا ماما.
انتهى عمرو من حديثه المرح مع والد زوجته لينطق موجهًا حديثه للجميع:
- اتفضلوا علشان أعرفكم على ماما.
- ريتني أقبرك إنت وإمك وبخلص منكن عن قريب.
جملة همست بها نائلة ليسألها عمرو بفضول:
- بتقولي حاجة يا حماتي؟!
ابتسمت بسخافة لتجيبه:
- بدعي لك وللست الوالدة بطيلة العمر.
ثم تابعت بحدة وصرامة:
- وكام مرة نبهتك ما تقلي يا حماتي، يا زلمة يلي بيشوفك أصلًا بيفكرك بيّي.
قهقه سليم ليحتضن كتفها وهو يقول إرضاءً لها:
- بهيدي معك كل الحق حياتي، يلي بيشوفك أصلًا بيفكرك بنتها لـ رولا.
قالها وهو يغمز لابنته التي نطقت ليتماشى حديثها مع والدها:
- مو هيك بنتي؟
- أكيد يا بابا، الماما ما في بجمالها، يا الله شو بتجنن.
- ميرسي حياتي.
قالتها المرأة برضا وانتشاء تحت نظرات عمرو النارية التي تخترقها ليهمس وهو يقول لحاله:
- ربنا يهدك يا حيزبونة، ولية حرباية.
ولج الجميع للداخل ليجدوا تلك المرأة السمينة وهي تتوسط الأريكة وتملؤها، رمقت كلًا من سليم ونائلة التي طالعتها بعدم ارتياح لينطق عمرو:
- أحب أقدم لكم ماما، الحاجة إجلال.
قاطعته بحدة وهي تتبادل النظرات المخيفة بين الرجل وزوجته لتقول بصوت غليظ جاد:
- ستهم، اسمي ستهم.
نطق سليم إلياس مرحبًا:
- أهلًا وسهلًا يا ست سِتهم.
لم تعره اهتمامًا بل حولت بصرها ووجهها العابس لتلك المرأة وثيابها الخليعة بالنسبة لها، حيث كانت ترتدي كنزة بدون أكمام بفتحة عميقة من الصدر وبنطالًا يصل لتحت الركبة بقليل.
قطع تعمقها عمرو الذي نطق ليكمل التعارف:
- ودي نائلة هانم، والدة رولا.
مالت المرأة برأسها قليلًا كتحية منها قابلتها الأخرى ببرود زاد من غضب رولا ليتابع عمرو مشيرًا إلى والد زوجته:
- وده بقى حمايا العزيز وصاحبي كمان، سليم باشا إلياس.
ضحك الرجل وربت على كتفه باستحسان يعود لمحبته لشخصه لترد المرأة بفظاظة:
- أهلًا.
خرج صوت نائلة مجبرًا:
- أهلين فيكي يا ست سِتهم، كيف صحتك؟
- زي البومب.
قالتها برخامة لتزفر رولا من ثقالة تلك المرأة عديمة الذوق والتي لا تعلم شيئًا عن أصول الترحاب بالزائرين وحسن استقبالهم، فتحدثت لكي تخرج والديها من ذاك الموقف المحرج:
- شو يا بابا، رح تضلكن واقفين هيك؟
نطق عمرو سريعًا بعدما انتبه:
- اتفضلوا ارتاحوا يا جماعة، البيت بيتكم.
نطقت رولا بقوة وتأكيد لوضع حدودًا لتلك المرأة السليطة:
- طبعًا مهيدا بيتي، وهنن البابا والماما، يعني بيتن هنن كمان.
قالت جملتها الأخيرة وهي تتعمق في عين إجلال بتحدّ أثار حفيظة الأخرى حيث رمقتها بسهام نارية ولو النظرات تصيب لفتكت بتلك الرولا وأنهت أمرها في الحال.
جلس الجميع وبدأوا بفتح مواضيع مشتركة تحت تبرم إجلال وتسليطها النظرات الحادة على الجميع، تلقت اتصالًا من نجلها البكري طلعت فتحدثت بحدة أمام الجميع:
- توك ما افتكرت أمك يا سي طلعت، طبعًا ما تلاقي الحرباية اللي إنت اتجوزتها لهياك عن أمك.
وتابعت بأسلوب فظ جعل أعين سليم ونائلة تتسع على مصراعيها:
- وديني لو جيت لقيتها مبهدلة البيت لأكون مسودة لك عيشتها.
ابتلع عمرو لعابه خجلًا لتهمس نائلة لابنتها التي تجاورها الجلوس:
- شو هالمرة يلي معيشتيها بقلب بيتك يا رولا، يا الله عالسم يلي بيطلع من تمها.
همست الابنة:
- منشان تعذريني يا ماما، هيدي المرة منا طبيعية ومكانها الحقيقي بين المجانين.
على الجانب الآخر، يجلس طلعت فوق سريره منعمًا على الفراش الحرير يتذوق حبات العنب من يد تلك الفتاة التي تجاوره الفراش والتي بالكاد أتمت عامها السابع عشر، فقد تزوجها جميلة صغيرة السن كي يحرق قلب طليقته ياسمين التي تزوجت من رجل غيره فور طلاقها منه وأنجبت ذكرًا وهذا ما أشعل قلب طلعت وتزوج لينجب هو الآخر الذكر الذي لطالما كان يحلم به.
تحدث وهو يلتهم حبات العنب من أصابع تلك الشقية:
- كلام إيه اللي بتقوليه ده بس يا أُمّا، دي حتى نوجا بتحبك وكل شوية تسأل هتيجي إمتى.
ابتسمت الفتاة وداعبت صدر زوجها بأصابع يدها ليبتسم كالأبله ولكن سرعان ما اختفت تلك الابتسامة فور سماعه لكلمات والدته الحادة:
- يا أهبل دي بتسأل علشان تطمن وتاخد راحتها بنت نفيسة.
وتابعت مستنكرة بتهكم:
- وإيه نوجا دي كمان يا سبع البرمبة، هي قوام كلت بعقلك حلاوة وخلتك تدلعها، إنشف يا طلعت وارجع زي زمان، إنت مش عاجبني، الكام سنة اللي بعدتهم عن البلد وعني غيروك، خلوك ضعيف ونسوك إنت كنت إيه زمان.
وتابعت بكبرياء وغرور وهي تتطلع بوجوه الجميع:
- إنتوا ولاد الحاج نصر البنهاوي، اللي كلمة منه كانت بتهز رجالة المركز كله.
انتهى اليوم وصعد الزوجان إلى غرفتهما كي يغفيا، كانت تجلس فوق مقعدها أمام مرآة الزينة، تضع بعض الكريمات المرطبة لمرفقيها ووجهها فتحدثت إلى عمرو الجالس فوق الفراش ينتظر قدومها:
- بليز عمرو، ممكن إذا بتسمح تعامل الماما منيح، بلاها التكشيرة يلي معبية وجك كل ما بتشوفها قدامك.
هتف مذهولًا من حديثها:
- أنا، دي هي اللي ما بتطقنيش يا رولا.
وتابع مبررًا:
- أنا لو عليها وعلى كرهها ليا والله ولا أعبرها ولا أستقبلها في بيتي أصلًا، أنا بحترمها بس علشان خاطرك وخاطر عمي سليم.
احتدت ملامحها وامتلأت بالقسوة لتهتف معترضة بحدة على إهانته بالحديث عن والدتها:
- إنت كيف بتتجرأ وبتحكي هيك عن الماما؟!
ابتلع لعابه من حدتها وسرعان ما نطق مبررًا:
- ما قصدش طبعًا يا حبيبتي، بس إنت شايفة معاملتها ونظراتها ليا عاملة إزاي؟
نطقت بحدة:
- اسم الله ع معاملة الست إمك، مهي كمان بتعاملني كأني مرته لجوزها مو ابنها، ومع هيك بتعامل معها بكل احترام، مع إنها ما بتطيق تشوف وجي، بس كل واحد بيتعامل بأصله وبحسب تربيته.
أزاح عنه الغطاء وتوجه إليها ليراضيها، احتوى كتفيها بكفيه ومال بطوله ليقبل وجنتها وهو يقول:
- إنت ما فيش زيك يا قلبي.
اقترب من شفتها ولثمها بنهم جعل الأخرى تذوب بين يديه وتنسى إساءته لوالدتها، حملها وتحرك ليلقي بها فوق الفراش بعنف حرك إثارة الأخرى ليغيبا سويًا داخل عالمهما الخاص.
بعد مدة كانت تقبع داخل أحضانه تتنعم بحنانه وشعورها بالسعادة التي لم تحصل عليها سوى بحضن ذاك الـ عمرو، كعادته استغل تلك الفرصة وقرر اغتنام صفائها لينطق:
- هو أنا ممكن أطلب طلب من حبيبتي؟
كانت تلتصق بوجنتها على صدره مغمضة العينين باسترخاء تام لتهمس بنبرة هائمة:
- بتؤمر حياتي، لو بتطلب عيوني ما بتأخر.
ابتسم وتنفس منتشيًا متفاخرًا بنفسه من حالة السيطرة التامة على تلك الجميلة البلهاء، مال على وجنتها ليضع قبلة وتحدث:
- ربنا يخليكي ليا يا رولا.
وتابع بدهاء يخبرها عن خطته التي خطط لها بخبث كعادته مؤخرًا:
- كنت عاوزك تاخدي نور وتروحي ليوسف بكرة قدام جامعته.
رفعت رأسها تطالعه بجبين مقطب وهي تسأله:
- لشو؟
تنهد بثقل حقيقي يخرج من أعماق قلبه ثم أجابها بحزن صادق:
- يوسف مش قابلني في حياته يا رولا، مش مديني فرصة أقرب منه، حتى مكالماتي ما بيردش عليها.
وتابع بلمعة ظهرت بعينيه تأثرًا من عدم تمكنه من لمس نجله الحبيب:
- نفسي أخده في حضني يا رولا، أعوضه عن سنين الحرمان اللي فاتت وأعوض نفسي معاه، نفسي يصفى من ناحيتي.
هتفت بغل من بين أسنانها تعاطفًا مع الحبيب:
- وكيف بده ينسى ويصفى وهاديك العقربة يلي اسمها إيثار مسيطرة على عقلاته.
هيدي المرة منا سهلة، ومنصبه لزوجها الأهبل مقوي قلبها، الشاب بيضله معزور يا عمرو.
تحدث متلهفًا:
- علشان كده عاوزك تاخدي نور وتحفظيها كلمتين حلوين تقولهم له علشان يحن ورجله تاخد على هنا علشانها هي وأخوها، يوسف حنين واللي خلاه يتحدى إيثار ويسيب البيت ويروح يعيش مع بنت الحقيرة سمية اللي المفروض خربت بيت أمه زي ما فهمته، يخليه يتنازل وييجي هنا علشان إخواته الصغيرين.
أجابته وهي تتحسس ذقنه بطمأنة:
- فهمت عليك حياتي، ما تعتل هم، أنا بحلها.
اعتلت البسمة وجهه ليقبل شفتيها بنهم تعبيرًا عن امتنانه وشكره لما تقدمه له طيلة الوقت.
باليوم التالي
داخل الحرم الجامعي، تتحرك بيسان على عجالة في طريقها لحضور المحاضرة الأولى، وجدت نبيل يقبل عليها فتوقفت لينطق هو بابتسامة هادئة:
- إزيك يا بيسان؟
- إزيك إنت يا نبيل؟
قالتها بملامح وجه منطفئة ليسألها ببرود وإحباط:
- لسه بابا ما بلغكيش برأيه في موضوعنا؟
بنبرة خالية من التعبير تحدثت كالروبوت الفاقد للحس:
- بلغني، وهيكلم باباكي النهاردة علشان تيجوا عندنا ونتفق على ميعاد وتفاصيل الخطوبة.
وكأن حياته ردت إليه بكلماتها تلك، فمنذ لقاء والده بعائلتها العريقة فقد الأمل في موافقتهم وخصوصًا أنهم تأخروا في الرد، اتسعت ابتسامته وهو يسألها بلهفة:
- طب ليه ما اتصلتيش بيا وقلتي لي؟
- كان عندي مذاكرة كتير إمبارح وما فضتش يا نبيل.
قالتها بعدم اهتمام أصابه بالإحباط لكنه تغاضى عن الأمر سريعًا، يعلم علم اليقين أنها لم تريده بقلبها، بل كبرياؤها من دفعها على الموافقة، لكنه لا يهتم، جل ما يعنيه أنه فاز بتلك المعركة وسحق حبها وذاك المغرور يوسف، بالإضافة إلى الاستفادة التي سيحصل عليها معنويًا وماديًا إذا ارتبط اسمه بعائلة علام العريقة، وبهذا سيكون لأولاده شأن وعائلة وبتلك الطريقة سيتخلص من عقدة النقص التي تلازمه أينما ذهب.
كاد أن يتحدث فقاطعته بوجه عابس ذابل:
- بعد إذنك، عندي سيكشن مهم.
لم تنتظر حتى لاستماعها لكلماته وانسحبت مهرولة من أمامه، خلع عنه نظارته الشمسية والتف يتابع رحيلها ثم نطق متوعدًا:
- ماشي يا بنت ماجد، إدللي على كيفك، بكرة هأندمك على كل تصرف عملتيه معايا بقلة ذوق، وهأخليكي تبوسي رجلي علشان بس أرضى عنك.
وتابع بابتسامة مغرورة:
- بس ده مش هيحصل قبل ما أخليكي تدوبي في غرامي، ولما تذوقي حضن وعشق نبيل السرجاوي اللي مفيش ست قدرت لحد الآن تقاومه، إنت اللي هتجري ورايا وتتمني لي الرضا.
ارتدى نظارته من جديد وتحرك بخطوات واثقة إلى الكافيتريا تحت نظرات عالية التي كانت ترمقه من بعيد بحزن وألم وحيرة.
في مكان آخر وجامعة أخرى، خرجت زينة بعد انتهاء محاضرتها لتجلس وحيدة داخل كافيتريا الجامعة، تتناول شطيرتها والحزن يسيطر على ملامحها البريئة، قلقة هي وحائرة لعدم تواصل رامي معها ليلة الأمس كعادته اليومية، فمنذ أن تقربا وهو يراسلها بشكل يومي للاطمئنان عليها، والأمس كان اليوم الأول لتجاهله، انتفض قلبها حين رأته يقبل عليها بابتسامته البشوشة:
- صباح الخير، إزيك يا زينة؟
برغم لهفة قلبها عليه إلا أنها تظاهرت بالبرود لتنطق بهدوء عكس ثورة قلبها:
- صباح النور.
- تسمحي لي أقعد؟
قالها مشيرًا على المقعد المقابل لتنطق على استحياء فتلك هي المرة الأولى التي يتجرأ ويطلب مجالستها:
- اتفضل.
جلس لينطق بما أنهى على صبرها وفخم شعور الخجل لديها:
- وحشتيني.
اتسعت عينيها ذهولًا ممتزجًا بخجل ودهشة ليبتسم على رد فعلها العفوي، أزاحت بصرها بعيدًا ليقهقه متفاخرًا بحاله، سألته كي تخرج من حالة التلبك التي أصابتها إثر كلمته:
- هو إنت ما كلمتنيش إمبارح ليه؟
أجابها موضحًا بهدوء:
- ماما تعبت شوية وروحت معاها للدكتور، اتأخرنا هناك ولما رجعنا كان الوقت متأخر، دخلت علشان أكلمك لقيتك أوفلاين.
- ألف سلامة على ماما، طب هي كويسة؟
قالتها باهتمام وهي تنظر بعينيه ليجيبها:
- أحسن الحمدلله، شوية رطوبة في العضم والدكتور وصف لها أدوية.
استجمعت شجاعتها لتنطق وهي تتعمق بعينيه:
- ممكن لما يكون عندك ظروف زي كده تبقى تطمني حتى برسالة بسيطة.
وتابعت بشعور عميق وصل لعمق قلبه وزلزله:
- أنا قلقت جدًا إمبارح عليك.
- قلقتي عليا بجد؟
قالها بصوت وعينين هائمين لتهز رأسها بنعم وابتسامة خجلة تزين ثغرها الصغير ليداعبها بكلماته:
- طب ولما قلقتي، ما بعتليش رسالة ليه تطمني عليا؟
- اتكسفت.
قالتها على استحياء وتابعت متعللة:
- وبعدين إنت كنت أوفلاين، هبعت لك إزاي!
- كنتي اتصلي بيا.
- مش معايا رقمك.
نطقت بها وهي تتهرب بعينيها بعيدًا لينطق مستغلًا كلماتها:
- لا ده كده لازم رقمي يكون معاكي.
طالعته مندهشة ليتابع مفسرًا:
- علشان الطوارئ.
ابتسمت ليبسط ذراعه مشيرًا لهاتفها:
- إديني تليفونك أسيف لك رقمي.
وكأنها منساقة بسحر عينيه أمسكت بهاتفها وناولته إياه ليدون رقمه ويتصل برقمه ليدون رقمها لديه هو الآخر، وتحدث وهو يناولها الهاتف:
- شوفتي الموضوع بسيط إزاي.
ابتسامة رقيقة شقت ثغرها لينطق بعينين مسحورتين:
- ضحكتك حلوة قوي، كل حاجة فيكي حلوة قوي يا زينة.
تحمحمت لتهب واقفة وتحدثت وهي تلملم أشيائها بارتباك:
- أنا لازم أمشي.
ابتسم وراقب هروبها وهو يداعب ذقنه بأصابع يده مستمتعًا بتلك المشاعر الطارئة عليه.
أمام كلية الهندسة جامعة القاهرة
خرج يوسف من الجامعة وتوجه إلى مكان اصطفاف سيارته ليتفاجأ بتلك التي خرجت سريعًا من سيارتها واقتحمت خطواته لتقطعها تلك المجاورة لها والتي هرولت على شقيقها قائلة بابتسامتها الرائعة:
- أخي يوسف، كتير اشتقتلك.
طالع الصغيرة باندهاش وبدأ يتبادل النظرات بينها وبين تلك الـ رولا التي أقبلت عليه بحيوية لتنطق مبتسمة:
- كيفك يا حضرة الضابط؟
نطق بعدم استيعاب:
- أنا بخير الحمدلله.
فاجأته تلك الصغيرة التي بالكاد تصل لركبته لينزل ببصره يطالعها وهي تجذبه من بنطاله كي ينتبه، فنطقت حين تلاقت أعينهما:
- احملني لحتى بوسك.
ابتسم تلقائيًا ومال بطوله الفارِع ليحمل تلك التي لفت ساعديها سريعًا حول عنقه لتقترب من وجنته وقامت بوضع قبلة بثت له مدى اشتياقها مثلما أوصتها والدتها، نظر لعينيها مستغربًا حنانها الزائد برغم عدم لقائهما منذ تلك المرة الأولى، لتفاجئه بقولها وهي تتحسس ذقنه:
- إنت ليش ما بتحبني أنا وسليم؟
قطب جبينه وتحدث متعجبًا:
- مين اللي قالك إني ما بحبكوش؟ بالعكس، أنا بحبكوا جدًا.
قابلت حديثه بسؤال ذكي حفظته بتركيز عالي:
- لكان ليش ما عم تيجي لعنا إذا عن جد بتحبنا؟
- علشان عندي جامعة ومذاكرة كتير.
- بس إحنا كتير بنحبك وبنشتقلك، فيك تيجي ولو لمرة؟
وتابعت متوسلة وما زالت تتحسس ذقنه النابت:
- بليز يا جو تيجي لحتى يشوفك سليم، ولحتى أورجيك أوضتي وألعابي يلي جابن جدو والتيتا.
اقتربت تلك الحرباء وأكملت خطتها للتأثير على مشاعر الشاب:
- قد ما بعدت ما فيك تنكر إخواتك وتبعدهن عن حياتك يا يوسف، حاول تفرق بين خلافاتك مع بيك وبين إخواتك الزغار، هدول إلهن حق عليك.
وتابعت بأعين متوسلة:
- وأنا بدي ولادي يكون إلهن سند بعد بيهن، إنت أخوهن الكبير يا يوسف، ما فيك تتخلى عنهن وعن مسؤوليتك تجاههن.
كاد أن يتحدث لكنه صمت عندما اقتحمت وقفتهم تلك الـ ساندي وتحدثت بمرح وهي تتحسس وجنة تلك الصغيرة القابعة بأحضان شقيقها:
- مين البنوتة الحلوة دي يا حضرة الظابط؟
تحمحم ليجيب زميلته بهدوء:
- دي أختي الصغيرة.
هتفت مبتسمة:
- معقولة أختك؟ اسمك إيه يا جميلة؟
أجابتها الصغيرة بابتسامة:
- نور، هيدا بيكون اسمي.
سألتها مستغربة لكنتها:
- إنت سورية؟
أشار بكفه إلى رولا التي لعنت تلك المتطفلة ولو بيدها الأمر لجذبتها من خصلاتها البنية وألقت بها بعيدًا لتكمل خطتها:
- مدام رولا، مامة أختي.
بسطت ساندي ذراعها لتفاجئها رولا بحديثها الجاد:
- أنا بكون مرت بيه ليوسف، ولبنانية، ماني سورية متل ما توقعتي.
- أهلًا وسهلًا بحضرتك، مبسوطة جدًا إني اتعرفت عليكي.
- ميرسي لإلك حياتي.
قالتها بابتسامة زائفة، بدأت ساندي بمداعبة الصغيرة التي تعالت ضحكاتها مما أسعد يوسف وابتسم هو الآخر.
بدأ الجميع يتبادلون المداعبات والحديث المرح مع الصغيرة، ومن سوء الحظ حضرت بيسان بسيارتها التي صفتها على الرصيف المقابل، لا تعلم ما السبب الذي أتى بها إلى هنا، فقد اشتاقت إليه وغلبها الحنين، فاستمعت لنداء قلبها وانساقَت إليه، ولسوء الحظ رأت تلك الصورة التي صدمتها، تلك الفتاة لا غيرها تجاوره بالتصاق بحجة مداعبة الصغيرة، مهلًا مهلًا، من تلك الصغيرة أصلًا؟!
ومن تلك الشقراء التي تجاورهم، لابد أنها شقيقتها وتلك هي ابنة الشقيقة، ضحكت ساخرة من سذاجتها لتهتف بألم يمزق قلبها وهي تدق على طارة السيارة بندم:
- غبية غبية، في عز ما إنت لسه بتشتاقي له وتسمعي كلام الملعون قلبك، البيه عايش حياته ومبسوط مع حبيبته الجديدة.
تابعت بدموع شرخت قلبها قبل العين:
- لا وكمان عارف عيلتها وشايل بنت أختها زي ما تكون بنته، يظهر إن الموضوع دخل في الجد وحضرة الظابط داخل على مشروع جواز قريب.
صرخت لائمة لحالها وهي تشهق من شدة البكاء:
- أنا إزاي كنت غبية قوي كده، إزاي ما خدتش بالي من يوم ما بَعد عني واتحجج بمعاملة بابا ليه.
طالعت ابتسامته وتقبيله لوجنة الصغيرة لتنطق بقلب يكاد تتوقف دقاته من شدة الألم:
- يا خسارة يا يوسف، يا خسارة الأيام والليالي اللي سهرتها أناجي فيها حبك، يا خسارة سنين عمري اللي ضاعت في هواك الكذاب، يا حقير، يا حقير يا يوسف، ربنا ينتقم لي منك، ربنا ينتقم لقلبي منك.
باتت تدق على قلبها بقوة قبضتها وهي تصيح من شدة الوجع:
- آه، يا رب ساعدني إني أقدر آخد حق قلبي اللي انكسر منه، ساعدني أنتقم لكرامتي اللي داس عليها بجزمته.
باتت تتطلع عليه والغل والألم يشطران قلبها لنصفين حتى قررت الرحيل قبل أن تصاب بذبحة صدرية وهي ترى تلك الصورة المؤلمة.
ليلًا بمنزل عالية، ولجت إلى مطبخ مسكنهم المتوسط الحال لترى والدتها تجلس تحتسي كوبًا من الشاي، جلست بمقعد مقابل لتنطق بحيرة:
- ماما، عاوزة أحكي لك على حاجة حصلت ومُنَكدة عليا حياتي.
- خير يا عالية، قلقتيني.
قالتها المرأة بعدما أصابها الذعر على نجلتها لتقاطعها الأخرى سريعًا:
- حاجة تخص بيسان صاحبتي.
وباتت تقص عليها جل ما حدث من البداية للآن، تنهدت المرأة وتحدثت بتعقل تجنبًا لدخول ابنتها في مشاكل لا دخل لها بها:
- ملكيش دعوة يا عالية، اللي اسمه نبيل ده شكله واصل وشراني، صاحبتك مش صغيرة وأهلها قد الدنيا، وهو كمان على كلامك أبوه غني وواصل، وإحنا يا بنتي ناس على قد حالنا.
إحنا اتنين ولايا، ما لناش سند ولا راجل يحمينا بعد أبوكي الله يرحمه، ما ندخلش في مشاكل إحنا مش قدها.
بعينين لامعتين بغشاوة الدموع تحدثت الفتاة:
- بس أنا صعبان عليا قوي بيسان ويوسف، ضميري بيأنبني وأنا عارفة الحقيقة وساكتة، حاسة إني خاينة يا ماما.
نطقت المرأة مبررة:
- وهو إنت كنتي متأكدة من إن نبيل ده هو اللي دبر مقابلة يوسف وصاحبته دي؟ دي كلها شكوك عندك يا عالية، إنت ما عندكش دليل مؤكد على إنها لعبة واتعملت على صاحبتك وحبيبها.
- يعني إنت شايفة إني أسكت؟
سؤالًا طرحته الفتاة بقلب يتمزق حزنًا على حال صديقتها لتهتف المرأة مؤكدة:
- طبعًا تسكتي، والكلام ده تنسيه خالص ولا تفتكريه حتى بينك وبين نفسك.
وتابعت متأثرة:
- إحنا غلابة يا بنتي ومش قد الناس دي، هما كبار في قلب بعضيهم، لكن إحنا لو وقعنا في وسطيهم هنتفرم، خلينا مستورين وماشيين زي ما إحنا، ده إحنا بنقول يا حيط دارينا.
تنهدت بألم وهزت رأسها بموافقة رغم ضميرها الصارخ.
بعد مرور يومين
داخل قصر علام زين الدين
كانت تتدلى من أعلى الدرج ترتدي ثيابًا أنيقة استعدادًا لزيارة نجلها الحبيب، خرجت عزة من المطبخ ووقفت تتعجلها:
- يلا بقى هنتأخر.
تحدثت إيثار بهدوء:
- خلي البنات يطلعوا الحاجة في شنطة العربية.
أجابتها عزة على عجالة:
- طلعناها من بدري، رصيت الحلل كلها في الشنطة ورا، والصواني والطواجن حطيتها على الكنبة علشان ما تتبهدلش، يلا بقى قبل ما مالك ييجي من التمرين ويشبُط فينا، أنا مش ناقصة فرهدة، مش هيبقى جري وراه هنا وهناك كمان، صحتي ما عادتش تتحمل يا إيثار.
خرجت عصمت من الداخل لتتحدث إلى إيثار:
- وصلي ليوسف سلامي وقولي له إني مستنياه قريب ييجي يتغدى معانا هو وزينة.
ابتسمت تجيبها:
- من عيوني يا ماما، خلي بالك من مالك لما يرجع، إنت عارفة، كل خطوة منه بكارثة.
نطقت عصمت لطمأنتها:
- ما تقلقيش، هيقعد معايا أنا وجده برة في الجنينة لحد ما ترجعي بالسلامة.
خرج فؤاد من المكتب ليتحرك باتجاه زوجته، احتوى كتفها وهو يقول:
- هتتأخري عند يوسف يا حبيبي؟
طالعته بحنان وهي تقول:
- هرجع على الساعة عشرة، إنت عارف يا قلبي، أنا مش بروح له غير مرة كل أسبوعين، وببقى مشتاقة له جدًا.
تدخلت عصمت باحترام:
- سيبها ترجع براحتها لما تشبع من ابنها يا فؤاد.
أومأ بموافقة رغم خوفه عليها وعدم ارتياحه النفسي وهي خارج المنزل.
تحركت بسيارتها تبعتها سيارتي الحراسة، وصلت وبعد مدة كانت تجهز طاولة الطعام هي وزينة وعزة التي تحدثت إلى زينة:
- روحي خبطي على أخوكي قبل الأكل ما يبرد، كل ده بيستحمى.
وقبل أن تتحرك قاطعتها إيثار وهي تهم بالحركة:
- خليكي يا زينة أنا هأنده له.
قاطعهما يوسف الذي خرج من غرفته مقبلًا عليهما:
- لا إنت ولا هي، أنا جيت لوحدي أهو.
التف الجميع حول الطاولة وبدأت إيثار وعزة بإدخال الطعام جبرًا في فم الشاب تحت ضحكات زينة الخجلة من المنظر، تحدث يوسف في محاولة منه للتملص:
- يا حبايب قلبي كلوا إنتوا، أنا باكل والله.
نطقت عزة وهي تقرب قطعة الدجاج المشوي من فمه:
- طب بس خد من إيدي حتة الفرخة دي.
وقبل أن ينطق كانت عزة تدفع بها داخل فمه، أشار بكف يده لتتوقفا كلاهما ووضع الآخر على فمه ليمضغ ما به، وبعد أن انتهى تحدث بصرامة:
- على فكرة لو ما بطلتوش هأقوم ومش هأكمل أكل.
تحدثت إيثار إلى عزة بحزم:
- خلاص يا عزة، كلي إنت وسبيه ياكل براحته.
وتابعت وهي تقترب من فم الشاب:
- خد مني صباع ورق العنب ده دوقه وقولي رأيك فيه.
- ماما.
قالها بصرامة لتتوقف وتعيده إلى مكانه، تابعوا تناولهم للطعام حتى قطع انسجامهم صوت جرس الباب الذي قرع، توجه يوسف صوبه لتهتف عزة بمداعبة:
- ده مين اللي حظه حلو وحماته بتحبه ده؟
نطقت زينة بهدوء:
- الوقت نعرف يا خالتي.
على الطرف الآخر
يقف فؤاد داخل الحديقة يروي بعض الزهور النادرة باهتمام، استمع لرنين هاتفه فأجاب سريعًا عندما وجد اسم رئيس حراسة إيثار:
- خير يا منير؟
نطق الرجل بدون مقدمات لتيقنه طبع سيده الذي يكره هذا الفعل:
- الراجل اللي اسمه عمرو البنهاوي يا باشا، لسه طالع حالًا شقة الباشمهندس يوسف.
- إنت متأكد يا منير؟
سؤالًا طرحه بهدوء ما يسبق العاصفة ليؤكد الرجل عليه:
- أنا ما بلغتكش غير لما اتأكدت بنفسي إنه دخل الشقة يا باشا.
احتدت ملامحه وامتلأت بالقسوة ليصرخ عاليًا بتوبيخ:
- ما كنت تستنى لما ياخد واجب ضيافته بالمرة وبعدها تبلغني يا روح أمك.
اتسعت أعين الرجل وهو يستمع لإهانته للمرة الأولى على يد سيده الخلوق، ليتابع الآخر بحدة بالغة تنم عن مدى غضبه:
- تتنيل تقف مكانك وما تتحركش إنت والحمير اللي معاك لحد ما أجي لكم.
أغلق الهاتف دون إضافة حرف واحد ليركض باتجاه السيارة واستقلها، زفر بقوة وهو يدير محرك سيارته التي اندفعت بسرعة جنونية كجنون صاحبها، تحركت خلفه سيارة الحراسة، ضغط على زر الاتصال بزوجته لينتهي ولم تجيب مما أشعل روحه وفخم شعور الغيرة لديه، أعاد الاتصال مرة أخرى ليصرخ وهو يدق المقود بقوة وعنف:
- ردي يا هانم، ردي، ده إنت وقعتك سودة النهاردة.
لم تجيب هذه المرة أيضًا، اشتعلت عيونه وامتلأت بشرارات الغضب وهو يعاود النظر للأمام هامسًا لذاته:
- ماشي يا ابن البنهاوي، حفرت قبرك بإيدك النهاردة، وديني ما أنا سايبك غير وإنت روحك طالعة في إيدي، يا واطي.
رواية انا لها شمس الفصل السابع والستون 67 - بقلم روز امين
أغلق الهاتف دون إضافة حرف واحد، ليهرول باتجاه السيارة واستقلها. زفر بقوة وهو يدير محرك سيارته التي اندفعت بسرعة جنونية كجنون صاحبها. تحركت خلفه سيارة الحراسة. ضغط على زر الاتصال بزوجته، لينتهي ولم تجب، مما أشعل روحه وفخم شعور الغيرة لديه. أعاد الاتصال مرة أخرى ليصرخ وهو يدق المقود بقوة وعنف:
- ردي يا هانم، ردي، ده أنتِ وقعتك سودة النهاردة.
لم تجب هذه المرة أيضًا. اشتعلت عيونه وامتلأت بشرارات الغضب وهو يعاود النظر للأمام هامسًا لذاته:
- ماشي يا ابن البنهاوي، حفرت قبرك بإيدك النهاردة، وديني ما أنا سايبك غير وإنتَ روحك طالعة في إيدي، يا واطي.
على الجانب الآخر، قبل قليل
توجه يوسف إلى الباب وقام بفتحه، ليقطب جبينه حين رأى الرجل الذي من المفترض أن يناديه بأبي. نطق الآخر بصوت منتشي ووجه يبدو عليه السعادة والارتياح:
- ازيك يا يوسف؟
- أهلًا وسهلًا... قالها الشاب بنبرة باردة كالثلج وملامح جادة، وبرغم عدم ترحابه الواضح لم ييأس الآخر وتابع حديثه المتسم بالود:
- وحشتني قوي إنتَ وزينة، قولت أجي علشان أشوفكم وأقعد معاكم شوية.
لم يجد سوى الصمت على كلماته ليتابع الآخر مسترسلًا باستغراب:
- إيه يا يوسف، مش عاوز تستقبل أبوك في بيتك ولا إيه؟
تنهد الشاب باستياء، ولم يجد حلًا سوى استقباله، فبالنهاية هو والده حتى ولو كان رافضًا من داخله تلك الصلة. تحدث بهدوء مستأذنًا:
- ثواني علشان عندي ناس جوة، هظبط الدنيا واستقبل حضرتك... قالها وهو يتأهب لغلق الباب وتابع باحترام:
- بعد إذنك.
ابتسم عمرو بوجهه لتزيد ابتسامته بعدما أغلق الباب. اشتدت سعادته وزادت دقات قلبه، لتتفاخم مشاعر الحنين لديه. ولما لا فهو على استعداد رؤية من حرمت عن قلبه الراحة لسنوات بسبب عشقها المستوطن بكيانه. فلم يكن فؤاد فقط هو من يضع حراسة على منزل يوسف، بل هذا المعتوه أيضًا قام بوضع حراسة عند منزل الشاب. سعد قلبه وطار من شدة حبوره عندما حانت له الفرصة برؤية الحبيبة، فلم ينتظر وأتاها محلقًا.
بالداخل، وقف يتطلع على والدته وثوبها البيتي المجسم، حيث أبدلت ثيابها ببنطال قطني مجسم وكنزة بنصف كم كي تتحرك بأريحية داخل المنزل. تحمحم وتحدث وهو يتمعن النظر بعينيها:
- عمرو البنهاوي برة وعاوز يدخل.
انتفضت لتهب واقفة كمن لدغها عقرب وتحدثت بأعين تتسع على مصرعيها وصوت يرتجف كارتعاشة جسدها:
- وده جاي يهبب إيه في الوقت ده؟
وتابعت بشك:
- واشمعنا جاي في الوقت اللي أنا فيه هنا؟!
لطمت عزة خديها وصاحت:
- يلهوي لو فؤاد باشا عرف، هتبقى ليلتنا سودة.
وتابعت بحدة وهي تتطلع إلى يوسف:
- وإنتَ مطردتوش ليه؟
- يطرده يعني إيه؟!
ده أبونا! جملة اعتراضية نطقت بها تلك البلهاء "زينة" التي انطلت عليها حيله الماكرة، والتي خطط لها كشيطان، حيث بات يطاردها بكل مكان تذهب إليه. يتودد لها بكلماته المعسولة وندمه المزيف ويطلب منها السماح لما مضى، ولكونها عاشت محرومة من عطف الأبوة فكانت في أشد حاجتها لذاك الحنان، لذا تركت لروحها العنان لتتنعم به برغم زيفه. كان يأخذها للتنزه وشراء الكثير من الثياب والمجوهرات برغم اعتراضها وعدم حاجتها، حيث أخبرته أن يوسف لم يدع في نفسها شيئًا إلا وجلبه ووضعه تحت قدميها. لم تكن بحاجة لماله بقدر حاجتها واحتياجها النفسي له كأب.
سمح يوسف وترك لها المساحة بناءً على أمر من الطبيب المعالج، حيث أبلغه أن اقتراب والدها منها سيحسن من الوضع ويعزز ثقتها بالنفس ويسارع بالشفاء من مرض الرهاب الاجتماعي.
خشي على شقيقته من الانتكاسة فتحدث إلى والدته بهدوء كي يرضي جميع الأطراف:
- ادخلي غيري هدومك وأنا هفتح له يقعد مع "زينة" في الصالون جوة، وبعد ما تجهزي هاخدك بنفسي أوصلك أنتِ وعزة.
هتفت عزة وباتت تنعته باستياء تحت حزن زينة:
- إلهي يغم نفسه البعيد وينكد عليه زي ما طول عمره قارفنا معاه ومفرق شملنا، روح يجازيك ويرزقك باللي ينكد عليك يا ابن إجلال.
- خلاص يا عزة.
قالها يوسف بعدما لمح حزن شقيقته لتنطق إيثار بارتباك وهي تشير إلى المائدة:
- لملمي الأكل وحطيه في التلاجة ليفسد، وعلى ما أدخل أغير هدومي بسرعة تكوني أنتِ خلصتي.
أشارت على حالها وجلبابها البيتي الفضفاض وتحدثت مستنكرة باعتراض:
- يعني أنتِ هتغيري هدومك وتسيبيه يشوفني أنا بجلبية البيت كده عادي؟!
- ده على أساس إنك لابسة كاش فوق الركبة ولا هوت شورت؟!
قالتها متهكمة بملامح وجه كاشرة لتكمل بحدة وصرامة:
- اخلصي يا عزة واعملي اللي بقولك عليه خلينا نخلص.
انتهت من كلماتها لتهرول سريعًا إلى غرفة النوم لتبديل ثيابها. أما عن هاتفها فكان بداخل حقيبة اليد الموضوعة فوق الفراش، ولهذا لم يستمع أحد إلى رنينه لعدة مرات. جل ما يشغل بالها الآن هو أن تخرج من هذا المنزل حالًا قبل أن يعلم فؤاد بالأمر ويجن جنونه.
أما بالخارج، هرولت زينة إلى الباب لاستقبال والدها الذي أتقن دوره وضمها لأحضانه وهو يقول:
- وحشتيني يا قلب أبوكِ.
- أنت كمان وحشتني.
برغم من عدم شعورها الكامل بالكلمة إلا أن مجرد استماعها يحسن من النفسية ويجعلها بحالة أفضل، أشارت بكفها للداخل:
- اتفضل.
ولج ليجد يوسف واقفًا يشير بكفه حيث نهاية المسكن:
- اتفضل حضرتك.
تحرك للداخل ليتوقف حين شاهد عزة تلملم الطاولة فتحدث بابتسامة استفزت عزة قبل يوسف:
- الله! دي عزة هنا هي كمان، ده أنا حظي حلو بقى.
عبست ملامحها لتنطق بفم ملتوي:
- وحظك حلو ليه يا اخويا إن شاء الله؟ يكش كنا أصحاب في الحضانة وأنا معرفش.
قهقه عاليًا وتحدث باستفزاز:
- طول عمرك وأنتِ دمك زي السكر يا عزة.
- اللهم طولك يا روح.
قالتها وهي تقلب عينيها بسأم وتابعت عملها لينطق وهو يتطلع إلى أصناف الطعام العديدة بشهية:
- ده أنا مش حظي حلو بس، دي حماتي كمان طلعت بتحبني وبتموت فيا.
وتابع وهو يتجول بعينيه على الطعام:
- محاشي وملوخية وحمام وبوفتيك وممبار، ده إيه كمية الجمال اللي على السفرة والروايح اللي تجنن دي.
وتابع متسائلًا تحت احتراق قلب يوسف:
- ده أكيد طبيخك أنتِ ده يا عزة؟
- لا، شاريينه من مطعم زيزو نتانة.
قالتها بوجه مكفهر لتتابع متهكمة عليه:
- أكيد عارفاه، ده اللي الحكومة قفشت في مطبخه ريش حمير ومخ كلاب السنة اللي فاتت.
ارتفعت قهقهاته وتحدث بسماجة:
- مش بقول لك دمك زي العسل.
لم يرق لزينة معاملة عزة المحرجة لوالدها فتحدثت بإحراج:
- تحب تاكل يا بابا؟!
أجابها متعللًا كي لا يترك الردهة ليرى حبيبة القلب:
- ده لو مكنش يزعجكم، أنا بصراحة لسه متغدتش لحد الوقت.
على عجالة نطق يوسف لتفادي الأمر:
- اتفضل حضرتك جوة وأنا هجيب لك الأكل لحد عندك.
يعلم علم اليقين أن نجله يبعده عن مرمى رؤية إيثار وهذا ما لم يتقبله مهما كلفه الأمر، فتحدث:
- وعلى إيه تتعبوا نفسكم، أنا هاكل هنا على السفرة.
ابتلعت زينة ريقها بينما سحب الآخر المقعد ليجلس وبدأ يتذوق الطعام مستلذًا بمذاقه الرائع تحت اشتعال روح يوسف واحتراق قلب عزة التي همست بهسيس:
- ينزل بالسم الهاري إن شاء الله.
- بتقولي حاجة يا عزة؟
قالها وهو يمضغ الطعام لتنطق من بين أسنانها:
- هقول إيه، أصله الإحساس نعمة، وأنت ربنا حرمك منها.
تحدث وهو يشير إلى زينة لتجاوره:
- اقعدي كلي معايا علشان تفتحي نفسي يا حبيبتي.
وتابع:
- اقعد يا يوسف أنت كمان، الأكل زي ما هو، شكلكم لسه بادئين.
أطاعته الفتاة برغم خوفها من حزن يوسف الذي زفر بقوة أظهرت كم الغضب الكامن بداخله، ولولا خوفه على شقيقته وخوفه من الله لكان طرده شر طردة من المنزل وأنهى تلك المهزلة.
فتحت إيثار باب الغرفة لتتقدم بخطوات سريعة حتى اصطدمت وهي ترى ذاك الثقيل يجلس بأريحية يتناول من الطعام التي صنعته خصيصًا بيديها من أجل غاليها. ابتلع لعابه وانتفاضة شديدة بجسده صاحبها أخرى بقلبه مع ازدياد سرعة الدقات. بدون شعور وقف منتصب الظهر لينطق وهو يطالعها بأعين هائمة كالمسحور:
- إزيك يا إيثار.
لم تعر لحديثه اهتمام بل تحاشت النظر إليه وتحدثت بتجاهل إلى عزة:
- يلا يا عزة علشان نمشي.
هتفت متذمرة:
- استني بقى لما أدخل أغير هدومي.
وتابعت وهي ترمق زينة باستياء:
- وأنتِ يا أختي، إبقي شيلي السفرة بعد ما المحروس أبوك يخلص أكل.
وتابعت ببرطمة وهي تتحرك إلى الغرفة:
- أصلها التكية بتاعت المجحوم نصر والمنيلة إجلال.
انتفض جسدها حين اخترق سمعها طرقات قوية فوق الباب كادت أن تخلعه من مكانه. تراجعت منكمشة بعدما أخبرها حسها بأن ذاك الغاضب هو زوجها الثائر لا غير. أغمضت عينيها وانتظرت طوفانه القادم.
هرول يوسف ليقوم بفتح الباب بينما تحرك ذاك الشيطان سريعًا ليقترب من إيثار بعد تيقنه من هوية الطارق. أراد أن يحرق قلبه ويذيقه آلام الغيرة المميتة مثلما تجرعها مرارًا على يديه. من شدة ارتباكها لم تعي لذاك الذي أقبل عليها واقترب بشدة يتطلع لملامحها التي اشتاقها حد الجنون.
ما أن فتح يوسف الباب حتى دفعه فؤاد الذي دخل بهيئة غير مبشرة بالمرة. عينين حمراويتين ككؤوس الدماء من شدة الغضب والغيرة على أنثاه، ووجه محتقن وعروق بارزة تنتفض بحدة. من يراه يقسم أنه على وشك ارتكاب جريمة قتل أحدهم.
اندفع للداخل كالثور الهائج لا يرى أمامه لتجحظ عينيه وهو يرى ذاك الوغد يقترب من زوجته بطريقة أثارت جنونه. هرول واندفع إليه ليجذبه من تلابيب بدلته وبدون مقدمات سدد له لكمة قوية على فكه الأيمن تلتها أخرى على الجانب الأيسر، لينطق بجنون لم يستطع السيطرة عليه:
- جيت لموتك يا حقير.
فعل ما كان يتمنى يوم تجمع النادي الاجتماعي ومنعه من تنفيذه والده حينها.
صرخت زينة بهلع وتيبس جسد إيثار وكأن عقلها توقف عن العمل، بينما هرع يوسف إلى فؤاد يتمسك به ليمنعه من ارتكابه لمزيد من الحماقة وخصوصًا حينما رأى عمرو الآخر بدأ بالتشابك ومنع الآخر من تسديد مزيد من اللكمات:
- اهدى يا بابا أرجوك.
دفعه بكف يده ليتراجع للخلف بجسد يتهاوى بفضل قوة الدفعة. اتسعت أعين يوسف وهو يستمع لتوعد فؤاد له:
- أنت حسابك معايا بعدين.
إلى هنا ولم تستطع الوقوف مكتوفة الأيدي. لقد شاهدت زوجها الحبيب يزج نجلها بعنف بلكمة في صدره. أي ابتلاء تتعرض له تلك العاشقة.
هرولت تتمسك بكفيه المتشبثة بتلابيب ذاك الحقير لتصيح متوسلة:
- أرجوك يا فؤاد تسيبه، متدمرش نفسك علشان حد ما يستاهلش.
برغم موقف عمرو الذي لا يُحسد عليه إلا أن كلمات من ملكت القلب نزلت عليه لتشطره لشطرين. عاتبتها نظراته مما زاد من جنون فؤاد الذي صرخ بها بأعين تطلق سهامًا نارية:
- انزلي استنيني تحت في العربية.
اتسعت عينيها مستغربة حديثه الخيالي. أحقًا يطلب منها تركه ونجلها وسط ساحة حرب مشتعلة كهذه؟ وبكل بساطة خُيل له أنها ستستجيب؟ من أين له تلك الثقة العمياء؟
هزت رأسها باعتراض فنطق بهسيس خرج من بين أسنانه:
- مش هكرر كلامي تاني، انزلي حالًا.
هتفت بكامل صوتها معترضة:
- أنت بتقول إيه يا فؤاد؟ أنت عاوزني أسيبك أنت وابني في الوضع ده وأمشي؟!
هرول يوسف ليسحبها باتجاه الخارج عندما رأى تلك الشرارات المنطلقة من أعين فؤاد لوالدته، فأراد أن يفض ذاك الاشتباك قبل أن يبدأ:
- اسمعي الكلام وانزلي الله يخليكِ.
- اسكت يا يوسف.
نطقتها بأعين تكاد أن تجن من عدم استيعابها لما يُطلب منها فانضمت عزة التي هرولت عليها بعد خروجها من الغرفة عندما وصل إليها ضجيج اشتباكهما:
- اسمعي كلام الباشا وابنك ومتقاوحيش، متخربيش على نفسك.
وتابعت لتلك التي تتطلع عليها كالتائهة:
- مهو ده اللي عاوز يوصل له ابن إجلال، يخرب عليكِ وبعد الشر تطلقي ويرجع يستفرد بيكِ زي زمان، بس المرة دي تفرق، زمان أبوكِ كان واقف في ظهرك وبعد منه الباشا، لكن الوقت هتبقي واقفة قصاده بطولك.
- يوسف وفؤاد يا عزة.
قالتها وهي تشير على نجلها الذي اقترب من كلا الديكين ليفض تسارعهما العنيف، فالوضع أصبح على وشك الانفجار كالبارود. فؤاد يلكم عمرو فيرد الآخر بمثلها لكن فؤاد يتفاداها بحرفية، وكلا منهما يتشبث بتلابيب الآخر كما العدو، لتكمل إيثار بذهول:
- مقدرش أسيبهم وأنزل.
بتلك اللحظة رأت عزة ذاك الغاضب وهو يلتف ناحيتهما فأمسكت بيدها وجذبتها ليهربا سريعًا، وبلحظة كانتا أمام المصعد الكهربائي تاركين حربًا شرسة بالداخل.
وجدت رئيس الحرس بانتظارها فتحدث وهو يحاوطها بيديه هو وثلاثة من رجال الحراسة:
- اتفضلي معايا يا هانم.
وهتف لآخر بصوت حاسم:
- افتح باب الأسانسير يا "بدر".
استجاب الرجل وبلحظة كانت تستقله ويهبط بها للأسفل ومنه إلى السيارة الخاصة بفؤاد. استقلت مقعدها بجوار مقعد القيادة بينما اتخذت عزة مكانها بالخلف.
أمسكت هاتفها كالمجنونة وتحدثت:
- أنا هتصل بـ بابا يجي له.
انتشلت منها الهاتف وصرخت:
- تبقي ناوية على خراب بيتك بجد يا بنت منيرة، تكونيش فكراه عيل صغير هتتصلي بأبوه ييجي يأدبه.
وتابعت بهتاف يغلفه المفاخرة:
- ده باشا قد الدنيا، والكلمة منه تهز محافظة.
نطقت من جديد:
- طب أكلم أيهم ييجي يقف مع يوسف.
- اوعي تكلمي حد، متصغريش جوزك، أنا لما ينزل الباشا هبقى أكلم أيهم ييجي ليوسف، وأنا هبقى أجي له الصبح أطمن عليه وعلى زينة.
وتابعت محذرة:
- وأنتِ ملكيش مجيء هنا تاني، ابنك يجي لك لحد عندك، لكن أنتِ رجلك مش هتخطي هنا تاني، أنا بقولك أهو، إحنا مش ناقصين وجع قلب ومشاكل، والمثل بيقول لك الباب اللي يجي لك منه الريح، نسده يا بنت الناس ونستريح.
ما زال الصراع دائرًا وكما معروف في الحروب فالبقاء دائمًا للأقوى، وبما أن فؤاد هو الطرف الأقوى فكان يرقد بساقيه مكبلًا جسد ذاك الممدد على الأرض ووجهه أصبح كخريطة مليئة بالألوان منها الأحمر والأزرق والأصفر الداكن، بينما اصطحب الشاب شقيقته وأغلق عليها الباب قبل أن ترى والدها مهانًا بتلك الطريقة، وبات يهدأها قبل أن يخرج لهما من جديد بعدما أوصد عليها الباب.
لكمه للمرة التي لا عدد لها ليسأله بأعين تطلق شزرًا:
- أنت عايز إيه من مراتي يا ابن الـ****؟ داير تحوم حواليها أنت ومراتك ليه؟
أجابه بحقارة جعلت الدماء تفور في عروق فؤاد:
- متنساش إنها كانت مراتي قبلك، يعني كانت معايا وملكي بكل ما فيها.
وتابع بابتسامة شريرة حين لاحت بأعين الآخر ألسنة لهب نارية:
- زي ما هي ملكك الوقت بالظبط، كانت ملكي.
كان ينطق كلماته بغل لتوصيل رسالة معينة للآخر وبالفعل وصل لمبتغاه. ما أقصاها تلك المشاعر على رجل بالغرام ذائبًا في عشق أنثاه. لاحت أمام عينيه مشاهد حميمية لها مع ذاك الوغد زادت من لهيب قلبه المستعر، ليتابع ذاك الحقير الضغط على جرحه الغائر:
- خلفت منها ابني الأقرب لقلبها واللي أكيد بيفكرها بيا.
صرخ بسبه بلفظ نابي أظهر كم نيرانه الساكنة بقلبه:
- يا حقير يا واطي، والله ما أنا سايبك غير وأنا طالع بروحك في إيدي.
تفاقم الغضب لديه وتصاعد وإلى هنا ولم يستطع تمالك حاله. وبكل قوة لكمه ليسيل خطًا من الدماء من أنفه ويزداد معه إعياء الآخر الذي أصر على مواصلة ندالته رغم فقدان قدرته على الكلام.
خرج يوسف من الغرفة ليهرول إليهما ومال بجزعه محاولًا تهدئة ذاك الثائر وهو يترجاه لتركه:
- يا بابا أرجوك مينفعش اللي حضرتك بتعمله ده.
وتابع عسى الآخر يستفيق ويعي لحاله:
- لا أخلاقك ولا اسمك ولا منصب معاليك ومعالي الباشا يسمحوا لك بالتصرفات دي.
نفض يد الشاب عنه بحدة ونهض تاركًا الآخر كجثة هامدة لا يقوى على الحركة. رمقه باشمئزاز وتحدث:
- لو راجل خليني أشوف وشك قدامي تاني.
استدار إلى يوسف ليتابع بإشارة توعدية من يده:
- أما أنت بقى يا سي يوسف، فحسابك معايا لما أفضى لك.
سأله بذهول مستهجنًا لهجته:
- هو إيه اللي كان حصل مني لغضب حضرتك ده كله؟!
هتف بحدة معاتبًا بعيناه:
- أنت هتستعبط يا يوسف؟
أقسم بصدق متأثرًا من غضب والده منه:
- والله ما أعرف حضرتك بتتكلم عن إيه.
رمقه بحدة وتسائل:
- إيه اللي خلاك تدخل البني آدم ده بيتك في وجود أمك، وأنت عارف اللي بينا وبينه؟
شعر بحماقة ما قام بفعله وأن تصرفه كان خطأ فتحدث بدون مكابرة:
- أنا آسف يا حبيبي، أنا عارف إني غلطت، بس والله العظيم بمجرد ما عرفت إن هو اللي على الباب، استأذنت منه ودخلت لأمي اللي أول ما عرفت دخلت تغير هدومها بسرعة، وكنت هنزل أوصلها لحد البيت بنفسي.
رمى بمبرراته عرض الحائط ورمقه بنظرات ازد رائية قبل أن يتحرك إلى الباب ويفتحه مشيرًا لرجال الحراسة حيث ولجوا مهرولين تحت عدم استيعاب يوسف لما يحدث:
- تربطوا الكلب ده بحبل في الكرسي على ما أبلغ مراته تيجي تستلمه.
ضحك عمرو باستهزاء وتحدث بوهن وصوت بالكاد يُسمع:
- بتستقوي عليا بمنصبك يا ابن الزين.
بينما اتسعت عيني يوسف الذي نطق معترضًا بقوة:
- يا بابا مينفعش اللي حضرتك بتعمله ده، أنت رجل قانون.
نطق وهو يتطلع لذاك المُلقى فوق الأرض كقطعة قماش بالية:
- أنا عيشت عمري كله في خدمة القانون ورفعته، كنت بنفذه وأطبقه على نفسي قبل الناس، مجتش على مرة أكسره فيها علشان أأدب بيها الحقير ده.
- أرجوك يا بابا.
قالها متوسلًا وهو يرى رجال الحراسة يرفعونه من على الأرض استعدادًا لتنفيذ أوامر رب عملهم، ليتابع وهو يتمسك بذراعه:
- علشان خاطر زينة بلاش تعمل فيه كده، البنت لو شافته مربوط حالتها هتنتكس.
دار بنظراته يمشط المكان بعناية ليسأله من باب الإنسانية:
- هي فين أختك؟
- دخلتها أوضتها وقفلت عليها بالمفتاح علشان متخرجش وتشوف خناقتكم.
بلامبالاة تحدث:
- ولما أنت قافل عليها بتتكلم ليه؟
وتابع مستنكرًا وهو يتناقل النظرات بينه وبين عمرو المقيد بالمقعد:
- ولا يكونش صعبان عليك ابن البنهاوي، مهو في الآخر بردوا أبوك، والدم أكيد بيحن.
رمقه الشاب عاتبًا وكاد أن ينطق ليوقفه الآخر باسطًا كف يده:
- اديني تليفونك.
قطب جبينه مستغربًا طلبه لكنه بكل ثقة بالآخر أخرج هاتفه من جيب بنطاله القطني وقام بفتحه ثم ناوله إياه. وضع فؤاد بضعة أرقام ثم تحدث بقوة وهو يتطلع لذاك المقيد:
- تعالي استلمي اللي باقي من كرامة جوزك يا مدام، وياريت تلميه وتقعديه جنبك يعمل روتين للبشرة والشعر، وتخليه يبطل شغل النسوان اللي بيعمله ده.
وتابع متوعدًا بحدة:
- لأن الغبي بعد السنين دي كلها لسه مش قادر يقتنع إنه مش قد غضبي.
هتفت الأخرى بارتياب:
- مين معي؟! هيدا أنت يا فؤاد يا علام؟!
لم يعط لسؤالها أهمية وتحدث متهكمًا:
- تعالي بسرعة على بيت يوسف، أكيد عرفاه، ما أنتوا عصابة واحدة.
أغلق بوجهها الهاتف ليعيده للفتى وتحدث بصرامة لا تقبل المناقشة:
- يفضل مربوط زي ما هو كده لحد البت اللي متجوزها ما تيجي تستلمه، لو فكيته هتبقى بتتحداني يا يوسف.
نطق الشاب محاولًا تهدئة الآخر:
- يا حبيبي حاول تهدى وخلينا نتكلم بهدوء بعيدًا عن الغضب والعصبية اللي أنت فيها دي.
هتف مقاطعًا بصرامة:
- كلامي مفهوش نقاش يا يوسف، عمرو البنهاوي يفضل زي ما هو لحد ما مراته تيجي، وكفاية عليك العملة السودة اللي أنت عملتها.
وتابع عاتبًا:
- ومتخليش حسابك يتقل معايا أكتر من كده.
لم يتوقع حتى بأحلامه أنه سيأتي يومًا ويعامله أباه الروحي بتلك الطريقة. تألم قلبه وهو يسأله متأثرًا:
- حضرتك بتقولي أنا الكلام ده؟!
رمقه فؤاد بحدة لينشطر قلب الفتى ثم تحدث متأثرًا وهو يستمع لدقات شقيقته على الباب الموصد:
- طب يا ترى فكرت أنا هعمل إيه مع أختي المرعوبة جوة دي، هفضل حابسها لحد ما مراته تيجي وتاخده؟!
بلامبالاة أجاب:
- إيه المشكلة، دي كلها نص ساعة وتوصل الهانم.
وتابع مقترحًا:
- تقدر تدخل عندها وتقعد معاها علشان تهديها.
هز الفتى رأسه بأسى معترضًا على جميع أفعال ذاك الغاضب الذي تغاضى نظراته وتابع وهو يتطلع لذاك المقيد:
- لآخر مرة هقولها لك وده مش علشانك، ده علشان خاطر ربنا وأولادك، إبعد عن عيلتي علشان تسلم من أذايا لأنك والله العظيم ماهتتحمله.
وتابع متوعدًا:
- أنا لحد الوقت عامل حساب ليوسف وزينة، بلاش توصلني لمرحلة أفقد فيها أعصابي، والله يا ابني ما في مخلوق هيعرف يخلص روحك من إيدي.
نطق عمرو وهو يتحداه بنظراته:
- بتتحامى في سلطتك وسلطة أبوك ورجالتك، أنت لو كنت راجل بجد تواجهني راجل لراجل.
نطق فؤاد بما أشعل روح ذاك الأرعن:
- ومن إمتى وأنت راجل علشان أواجهك يا لا؟ ده أنت طول عمرك متخبي ورا النسوان، الأول أمك يا ننوس عينها واللي كانت بتحقق لك كل رغباتك، والوقت بنت سليم إلياس رجل الأعمال الشمال، هو ده آخرك في نوعية الأشكال اللي تعرفها.
تحرك باتجاه الباب ليلحق به يوسف سريعًا وهو يقول:
- بابا، ماما ملهاش دعوة بأي حاجة، ياريت متزعلهاش.
صاح يلومه بغضب:
- عامل حساب أمك قوي وخايف عليها، لو كانت في بالك أصلًا مكنتش سمحت للو**** ده يدخل في مكان هي موجودة فيه.
هتف مفسرًا موقفه:
- أنا سمحت له يدخل علشان زينة، الدكتور قالي إن وجوده في حياتها وقربه منها هيعجل بشفائها.
ربت فؤاد على كتفه وتحدث مبهمًا:
- يومين بالظبط وهعرفك اللي أنت مدخله بيتك علشان أختك ده بيعمل إيه من وراك.
لم يضف كلمة أخرى وفتح الباب ليجد رجاله بانتظاره فتحدث بلهجة حادة:
- نضفتوا كاميرات المراقبة كلها من دخولنا؟
هتف كبيرهم بوقار:
- كل اللي أمرت بيه اتنفذ يا باشا، كاميرات العمارة وكل الكاميرات اللي في الشارع تم اختراقها ومسح الوقت الخاص بينا من عليها، مفيش أي أثر.
لينطلق باتجاه المصعد سريعًا يستقله.
تنهد الشاب بأسى ليعود للداخل. وقف بمنتصف الردهة مكتوف الأيدي، يتطلع ما بين ذاك المقيد يلقي رأسه للخلف بإعياء شديد، وبين تلك التي صاحت بصوتها الحزين:
- افتح لي الباب يا يوسف.
ساقته قدماه إلى الغرفة وما أن لف بيده المفتاح حتى جذبت الباب سريعًا ودفعت شقيقها لتهرول إلى الخارج. تلفتت حولها لتجحظ عينيها حين رأت والدها مقيدًا فوق المقعد ليهرول عليها الشاب محتضنًا إياها وهو يقول:
- تعالي ندخل نتكلم جوة.
دفعته على صدره بكلتا يديها بكل ما أوتيت من قوة لتصرخ بوجهه:
- أنت فاكرني عيلة صغيرة هتضحك عليا بكلمتين؟
وهرولت مسرعة باتجاه أبيها لتتسع عينيها وهي ترى وجهه الملئ بالكدمات والانتفاخات والتصبغات المتنوعة. التفتت تتطلع لشقيقها وهي تلومه:
- أنت إزاي تسمح له يعمل كده في أبونا يا يوسف؟!
صاح بغضب وتشنج أبرز عروق وجهه وجسده بالكامل:
- إبقي اسألي البيه أبوكِ قال للراجل إيه وصله للجنون اللي شايفينه ده.
رفع عمرو وجهه لينطق عاتبًا على نجله:
- يعني أنت بدل ما تزعل علشاني واقف تبرر له اللي عمله فيا؟!
هتف بأسى واستياء:
- أنا لا ببرر ولا نيلة، أنا أصلًا تعبت وقرفت من كل حاجة حواليا، من يوم ما اتولدت وأنا محطوط في خانة الانتظار، واقع في النص ما بين طرفين، كل واحد يشد فيا من ناحية لحد ما دمرتوني.
وثار متابعًا بسخط:
- تاريخ عيلتك الأسود خرب حياتي وضيعني زمان.
وحتى لما تخطيت وحفرت في الصخر ونجحت في إني أكون إنسان محترم في عيون المجتمع، مصرين تشدوني معاكم وتدخلوني صراعاتكم المريضة اللي مليش ذنب فيها.
سيبوني في حالي بقى، خلوني أعرف أتنفس طبيعي زي البني آدمين.
- أنت لسه هتقعد تتكلم وتسيب بابا مربوط كده؟
كلمات غاضبة نطقت بها الفتاة لتتابع وهي تقترب منه محاولة فك قيوده:
- تعالي نفك الحبل ده عنه ونتصل بدكتور ييجي يشوفه.
بسخرية رد عليها عمرو كي يستفز الفتى ويحرجه أمام شقيقته:
- ميقدرش يخالف أوامر ولي نعمته يا زينة.
منعها الشاب وأبعدها لينطق متحديًا ذاك الأبله:
- أهو البيه قالك على اللي فيها، ابعدي بقى وخلينا على الحياد.
وقفت تهدده برحيلها كمحاولة أخيرة:
- لو مفكتش بابا حالًا، أنا هسيبك وهمشي يا يوسف، هروح أعيش معاه في بيته ومش هتشوف وشي تاني.
صدمها رده حين أشار بكفه للخارج ناطقًا ببرود:
- براحتك، اتفضلي روحي معاه، ويارب يديكي اللي ملقتهوش عندي يا زينة، يارب تلاقي الحنان والحب والاحتواء اللي أنا مقدرتش أوفرهولك.
- روحي يا زينة.
قالها بهدوء صدمها، لم تقصد ما تفوهت به، كل ما أرادته هو الضغط عليه فقط لا أكثر. نطق كلماته وتحرك ليقف داخل الشرفة. استغل عمرو الموقف كما المعتاد وتحدث للفتاة:
- أحسن قرار اخدتيه يا زينة، يوسف بيحبك ومش هيقدر يبعدك عنه، ودي هتبقى فرصة حلوة علشان يراجع نفسه ويعرف قيمة عيلته كويس، وبعد كده ميحطناش في مقارنة مع حد.
ابتلعت لعابها والحيرة والدهشة والصدمة حال عقلها.
عودة لذاك الذي خرج من المصعد والشرر يتطاير من مقلتيه. اتجه إلى سيارته واستقل مقعده تحت دموع إيثار ورعبها. أدار السيارة وبحدة تحدث إلى عزة:
- انزلي اركبي مع الحرس.
ازدردت لعابها وتحدثت بحرص وارتياب:
- حاضر، بس بالله عليك متزعلها، هي...
قاطعها بغضب لو خرج لأشعل بكل ما حوله:
- انزلــي.
اهتز جسد إيثار بينما فتحت عزة الباب وهرولت بجسد ينتفض رعبًا. أدار محرك سيارته التي اندفعت بسرعة مرعبة جعلت من دقات قلب الأخرى تدق كطبول الحرب. جاهدت لإخراج حروفه وهي تقول متلعثمة:
- فؤاد.
اشتعلت عينيه وامتلأت بشرارات الغضب ليقول هادرًا بقسوة:
- مسمعش نفسك لحد ما نوصل جناحنا فوق.
كلماته كانت كفيلة لتخرسها. تطلعت أمامها بصمت تام، لا يخرج منها سوى صوت شهقاتها التي بدأت تعلو وتزعجه لحد لا يوصف جعله يصرخ وهو يدق على مقود السيارة بجنون:
- قولت لك مسمعش صوتك.
تعالت شهقاتها لتصل لحد النحيب بعدما شعرت أن حزنها هان عليه، بينما هو كان بين نارين، نار حرقته وغضبه منها بعدما حدث، ونار دموعها التي تكوي قلبه المغرم. يعلم أن لا ذنب لها بما حدث، لكنها ضلع مهم في المشكلة. يكاد أن يفقد رشده بفضل ما حدث. يشعر بدمائه تفور داخل عروقه وتكاد تفتك بحياته كلما تذكر كلمات ذاك الحقير.
بعد قليل كانت تتحرك خلفه ليلج كلاهما من باب القصر الداخلي. هرول الصغير عليهما وهو يقول لوالدته بملامة:
- كده يا مامي تروحي عند جو من غير ما تخديني معاكِ؟
بصعوبة أخرجت صوتها المرتبك:
- معلش يا حبيبي، كنت مستعجلة.
توقفت بجوار الصغير ليهز جسدها صوت ذاك الذي بدأ يصعد الدرج:
- ورايا يا مدام.
تمسك الصغير بكفها وتحرك معها ليتابع ذاك الذي يرى بظهره:
- خليك مكانك يا مالك، ادخل لجدو المكتب اقعد معاه.
نطق ذاك المشاغب وهو يتمسك بكف والدته بحميمية:
- أنا هطلع معاكم علشان مامي وحشتني.
استدار يرمقه بنظرات تطلق شزرًا ليصيح بما أرعب الصغير:
- ولد، مبتسمعش الكلام ليه؟
هرولت عليه عزة التي ولجت لتوها من البوابة لتقول وهي تخبأ الصغير بحضنها:
- تعالى معايا المطبخ أعمل لك أيس كريم.
رمقها بنظرات نارية لينطق مهددًا:
- ودي الولد المكتب عند جده، وإياك أشوفك حاشراه مع الشغالات في المطبخ تاني، سمعاني؟
- حاضر يا باشا، حاضر.
قالتها بجسد منتفض وهي تشدد من تمسكها بالصغير تحت دموع إيثار وشعورها بالمرارة والانكسار. تحركت خلفه كطفلة تائهة لا تعلم مصيرها تحت نظرات عزة المشيعة لها بألم. هتفت بصوت يكاد أن يُسمع:
- ربنا يسترها عليكي من غضبه يا بنتي.
بتلك اللحظة خرجت عصمت من غرفتها لتسأل عزة وهي تتابع صعود الزوجين:
- فيه إيه يا عزة، سيادة المستشار صوته عالي كده ليه؟!
وإيه اللي رجعك أنتِ وإيثار بدري كده؟!
قطع حديثها مالك الذي هرول إلى جدته يشتكيها:
- شوفتي بابي يا نانا، زعق لي ومنعني أطلع مع مامي فوق.
تمسكت بكفاه وتحدثت بحنو ظهر بعينيها لذاك الحفيد الغالي:
- معلش يا حبيبي، أكيد بابي متضايق من حاجة وميقصدش يزعل ملوك حبيبه.
وتابعت:
- إخواتك قاعدين في الليفنج بيسمعوا فيلم أجنبي، ادخل اقعد معاهم على ما عزة تعمل لك عصير.
هتف مقاطعًا:
- أنا عاوز بيتزا من برة.
أجابته كي تخفف عليه:
- بس كده، من عيوني، حالًا هخلي سعاد تتصل بالمطعم يبعتوا لك أحلى بيتزا لعيون مالك باشا.
هتف بحبور:
- أنا بحبك قوي يا نانا.
- وأنا كمان بحبك قوي يا "مالك"، يلا ادخل عند إخواتك.
أطاعها وهرول سريعًا لتتحرك عزة كي تهرب إلى غرفتها ليوقفها صوت عصمت الحاد:
- مجاوبتنيش على أسألتي يا عزة.
أجابتها برأس مُنكس وملامح وجه حزينة بائسة:
- أنا معرفش حاجة يا دكتورة، أما الباشا الصغير ينزل إبقي اسأليه.
تمعنت عصمت بملامحها وعندها تيقنت أن مشكلة كبيرة قد حدثت.
بالأعلى
ما أن ولجت خلفه حتى أغلق الباب بقوة زلزلت جدران الغرفة لتنتفض تلك المرتعبة التي طالعت ذاك الذي يقترب عليها وكأن غضب العالم أجمع قد تجمع بعينيه:
- عايز تفسير للمنظر القذر اللي أنا شوفته قدامه؟
هزت رأسها ودموع الهلع تتساقط من عينيها ليتابع مسترسلًا بلفظ نابي:
- الـ...
ده جاب منين الجرأة اللي يقرب فيها منك بالطريقة دي؟
هزت رأسها تنفي من جديد بصمت، ليقترب منها أكثر فتراجعت للخلف ليهمس بفحيح تصحبه نظرات مرعبة:
- الواقفة اللي أنا شوفتها دي واقفة اتنين عشاق يا مدام.
- إنت اتجننت يا فؤاد، إزاي تقولي كلمة زي دي؟
نطقتها بأعين جاحظة ليصرخ وهو يشير إلى رأسه بجنون:
- هو أنتِ وابنك خليتوا فيا عقل؟ لما أدخل ألاقي مراتي وطليقها مقفول عليهم باب شقة واحد، وألاقي المنسون ده واقف قصادك واللي بينه وبينك ما يكملش شبر!
وإلى هنا لم يستطع تحمل جحيمه الداخلي حين رأى نظرات الهيام الموجهة من ذاك الحقير لأنثاه، أمسك فكها بقوة وتحدث بهسيس:
- والـ...
واقف يبص على الهانم وعلى جسمها بمنتهى القذارة.
هزها بعنف، وما زالت قبضته تشدد على فكيها:
- ردي عليا وجاوبيني، منين جاب الجرأة دي يا هانم؟
نطقت بدموعها الصارخة:
- سيبني يا فؤاد حرام عليك، إنت كده بتأذيني.
- وإنت مأذتنيش باللي عملتيه ده؟
قالها ثم دفعها للخلف بقوة ليتهاوى جسدها ويستقر فوق الفراش، اقترب ليميل عليها بعدما ثبت جسدها بين ركبتيه:
- إزاي تغلطي غلطة زي دي، انطقي؟
قال كلمته الأخيرة بجنون لتنطق بدموعها الحارة:
- والله العظيم ما اعرف قرب مني كده إزاي.
وباتت تقص عليه جُل ما حدث تحت اشتعال روح ذاك الغاضب لتنتهي قائلة:
- لحد ما يوسف راح يفتح لك، أنا عيني كانت على الباب لأني كنت متأكدة إنه إنت، والله العظيم ما اعرف قرب كده إمتى، والله يا حبيبي ما حسيت بيه.
- اخرسي يا إيثار، صوتك مش عاوز أسمعه.
نهض ليعتدل فاستندت هي الأخرى على كفيها لتجلس، تحدث مشيرًا بسبابته بلهجة حادة:
- مبدئيًا كده شقة ابنك دي تنسي عنوانها نهائي، رجلك لو خطت فيها تاني هتبقى متحرمة عليا.
قالها بصرامة جعلت من عينيها تتسع على مصراعيها لتنطق بذهول وعدم استيعاب:
- إيه اللي إنت بتقوله ده؟
لم يعر لصدمتها اهتمام وتابع صارمًا:
- الباشمهندس ييجي يزورك هنا ومرحب بيه الليل قبل النهار، حتى لو حابب يرجع يعيش معانا من تاني، البيت بيته في أي وقت، غير كده محدش ليه عندي حاجة.
وتابع بحدة:
- وإنت احمدي ربنا إني واثق فيك وفي نفسي، وإلا كان زماني مخلص عليك بعد اللي شوفته بعيني.
انفجرت بعدما فقدت قدرة تحملها على الإهانات أكثر من هذا:
- شوفت إيه يا بيه؟! هي حصلت تلمح بشكوكك في أخلاقي يا فؤاد؟! جاي تحاسبني على ذنب أنا ما ارتكبتهوش، أنا من الصبح ساكتة لك وبقول يا بت فوتي واتحملي، جوزك وبيحبك وبيغير عليك، زقيت ابني قدام عيني لدرجة إنه كان هيقع وسكت، كلمته بطريقة مهينة وبلعتها واتخرست، عمال تغلط فيا من ساعة ما جينا ومحسسني إني ارتكبت كبيرة من الكبائر وكل ده وأنا ساكتة.
هبت واقفة لتقابله وهي تقول بأعين حادة ولهجة صارمة:
- لكن لحد إنك تتهمني في شرفي أو حتى تلمح فده اللي مش هسمح لك بيه، أنا معملتش حاجة غلط علشان تكلمني بالطريقة دي، ومش هسمح لك تحاسبني على أفعال واحد مريض بيحاول يدمر حياتنا.
هز رأسه وتحدث:
- قولت لك من زمان إنك بجحة يا إيثار، بتبقى غلطانة وبرضه تعلي صوتك وتبجحي.
كادت أن تتحدث فقاطعها بحدة:
- الظروف أجبرتك تكوني معاه في مكان واحد، اخرجي فورًا، مش تقعدي ساعة بحالها وإنت وهو في نفس المكان وإنت عارفة ومتأكدة من قذارته.
نزلت دموعها بعدما فقدت السيطرة على الرد فتحدث من جديد:
- حافظي على نفسك وعلى عيالك، التزمي بيتك واتقي شر غضبي يا مدام.
نطق كلماته وانطلق نحو الحمام ليخلع عنه جميع ثيابه وتحرك مهرولًا داخل كابينة الاستحمام، وقف لينهمر فوق رأسه الماء البارد عله يهدئ من نار جسده المشتعل بنار الغيرة، كور قبضته بقوة حتى ابيضت ودق بها الحائط عدة مرات متتالية أحدثت صوتًا مدويًا اهتز على إثرها جسد تلك المتخشبة بالخارج، تنهدت وتحدثت بقهر:
- ربنا ينتقم لي منك يا عمرو يا بنهاوي، ربنا ينتقم منك.
***
داخل مسكن يوسف.
فتح الباب لتهرول رولا التي حضرت سريعًا بصحبة والدها، وجدت الفتاة تجاور مقعد والدها المقيد ودموعها تنهمر لعجزها، وقفت بالمنتصف بذهول تتطلع ما بين يوسف وعمرو والفتاة لتصيح بعدم استيعاب:
- حياتي يا عمرو، مين يلي عمل فيك هيك يا تؤبرني؟!
تنفس بعمق وألقى برأسه للخلف مستغلًا إعيائه الشديد ليتخذه حجة لعدم الإجابة لتصيح وهي تهرول عليه تتفحص وجهه بمراعاة لتلك الكدمات:
- شو يلي حصل؟ منشان الله حدا منكن يفهمني؟!
نطق يوسف بلهجة جادة وحدة:
- اتفضلي فكيه وخديه معاكي، وهو يبقى يفهمك على اللي حصل براحته في بيتكم.
التفتت إليه لتنطق بتحدي:
- بأحلامك يا يوسف، ما إني متحركة من هون من قبل ما افهم كل شي.
هرولت وبدأت بفك الحبال وهي تستدعي والدها:
- تعا ساعدني يا بابا.
ساعدها هو والفتاة تحت نظرات يوسف الواقف يطالعهم وهو يضع كفيه داخل جيبي بنطاله وكأن الأمر لا يعنيه، سألتها رولا بهدوء:
- شو يلي حصل يا زينة، فؤاد علام هو اللي عمل هيك في بيك؟
أومأت بهدوء لتسألها:
- شو السبب؟
صمتت الفتاة فاطمئنت رولا على زوجها تسأله:
- إنت منيح يا عمري؟
نطق بوهن:
- أنا بخير يا حبيبتي ما تقلقيش.
هتفت بحدة أظهرت كم غضبها:
- بحياة الله لأدمر لك مستقبلك، وبامحيك من وش الأرض يا فؤاد يا علام.
ثم تابعت وهي تتطلع إلى يوسف:
- رح أبلغ فيه الدرك، وإنت بتشهد بكل يلي حصل هون.
طالعها يوسف بجبين مقطب قبل أن يسألها ببرود:
- وهو إيه اللي حصل هنا يا مدام، عمرو بيه خبط علينا ودخل وهو بالشكل اللي إنت شايفاه ده، وأنا استقبلته وكلمتك في التليفون علشان تيجي تاخديه.
وتابع بدهاء:
- حتى رقم تليفوني هتلاقيه متسجل عندك.
اتسعت عينيها مستغربة حديثه الغير متوقع بالنسبة لها أما عمرو فلم يستغرب اصطفافه بجانب غريمه، لتنطق زينة مستنكرة حديث شقيقتها:
- إنت بتقول إيه يا يوسف؟!
قال بحدة أظهرت وصوله للمنتهى:
- بقول اللي حصل، واللي عنده كلام غير اللي أنا قولته يتفضل يثبت.
هتفت رولا بتحدي ظهر بعينيها:
- نحن بنبلغ الدرك وهني بيشوفوا شغلهن، وأكيد الكلام يلي قال لي إياه هاديك البلطجي بالهاتف متسجل في شركة الاتصالات، وهيك بينكشف وجهه الحقيقي وبيظهر للكل.
ابتسم يوسف وتحدث كي يردعها:
- ومين اللي هيسمح لشركة الاتصالات إنها تخرج التسجيلات، الجهة النيابية مش كده؟
فهمت لما يلمح به لينطق عمرو لائمًا نجله:
- أنا شايفك بتدافع بكل قوتك عن الراجل اللي تعدى عليا ومش همك اللي حصل لأبوك منه يا يوسف.
أجابه بثبات وقوة:
- أولًا أنا بفسر الصورة للمدام اللي جاية تبيع الماية في حارة السقايين، يعني مش واقف مع حد ضد التاني.
وتابع بصرامة مشككًا:
- وبالنسبة للي عمله سيادة المستشار في حضرتك فأنا معرفش إنت قولت له إيه يخلي واحد في منصبه يتخلى عن رزانته والحكمة والتحلي بالصبر اللي بيتميز بيهم، ويعمل فيك اللي عمله ده.
وتابع بقوة وصرامة لا تقبل المناقشة:
- ثالثًا بقى ودي أهم نقطة عندي ولازم الكل يحطها في الاعتبار، أنا مش هسمح لاسم أمي يتذكر في أي قضايا تخصك أو تخص غيرك يا عمرو يا بنهاوي، عاوز تتحدى فؤاد علام وتعمل معاه مشاكل براحتك، إنت حر، بس بعيد عن أمي، لأن أمي...
وتابع بأعين تطلق شزرًا:
- خط أحمر، واللي هيقرب له هنسفه من على وش الدنيا، والكلام ده يمشي على الكل، وأولكم فؤاد علام بذات نفسه.
سألته بحدة وغيرة ظهرت بعينيها:
- وشو دخل إمك بجوزي يا عيني؟!
- الموضوع ده بقى تسألي فيه جوزك، أنا معنديش إجابات لا ليكي ولا لغيرك.
التفتت تطالع عمرو لتسأله:
- هاديك المرة كانت هون يا عمرو، انطق يا زلمة؟!
تحدث بكذب كي ينأى بحاله عن بطشها:
- ما كنتش أعرف إنها هنا يا رولا، كنت جاي بالصدفة أزور ولادي، والحيوان اللي اسمه فؤاد جه اتهجم عليا بالشكل ده لما كلابه بلغوه إني هنا.
صاحت بتشكيك:
- ولما لقيتها هون، ليه فوت عالبيت من الأساس؟!
- أهو اللي حصل بقى يا رولا...
قالها بحدة ليصيح متألمًا بعتاب لقلب الطاولة:
- وبعدين هو أنا ناقصك، أنا في إيه وإنت تفكيرك في إيه؟
رمقته بحدة أظهرت ريبتها منه ليتابع هو بشر وتوعد:
- ورحمة أبويا ما هرحمك يا فؤاد يا علام، وما هسيبك غير لما أدمر لك مستقبلك.
نطق سليم بعقلية رجل أعمال مخضرم:
- أنا شايف إن من وقت نزولك لمصر، كترت مشاكلك مع هاد الزلمة يلي اسمه فؤاد، ولو تتذكر كلمة قلت لك إياها من لما نويت تستقر بمصر، قلت لك ما فيك تنجح بأشغالك لما بتعادي الكبار، قلت لك ركز وفيك تختار من هلا، إذا بتحب تكون رجل أعمال ناجح، أو بتقضي حياتك كلها تضرب وتتلقى ضربات.
كان يطالع الجميع بغضب لو خرج لأنهى عليهم جميعًا، ود لو فيه القيام بطردهم جميعًا خارج منزله، فقد طفح الكيل وما عاد فيه احتمال سخافتهم أكثر، بينما تحدث عمرو بهدوء:
- خلي الكلام ده لبعدين يا باشا، أنا تعبان ومحتاج أروح علشان أرتاح.
تحرك خطوة للأمام وتحدث لابنته:
- يلا بينا يا زينة.
ارتجف جسدها هلعًا، فهي كانت تدعو الله في سريرتها أن ينسى ما تفوهت به منذ القليل ويذهب بصحبة عائلتها تاركًا إياها متنعمة بحنان شقيقها، لم تكن تقصد ما قالته، وهل فيها تركها لشقيقها الذي انتشلها من الضياع وقدم لها كل ما استطاع لإنقاذ روحها؟
سألته رولا مستفسرة:
- لوين؟
- هتيجي تعيش معانا.
اشتعل داخلها غضبًا، فبيتها لم يعد خاصًا كما كان، بل أصبح سبيلًا لكل عابر، وبرغم هذا تحدثت بهدوء:
- إي طبعًا، بتنور.
نطقت الفتاة بصوت خافت كي تتهرب:
- خليني بايتة هنا النهاردة علشان ألم هدومي وكتبي براحتي، وبكرة هبقى أجي.
إجابتها صدمته، أبعد كل ما ضحى به لأجلها، تتركه بتلك السهولة، لقد ضحى حتى براحة والدته لأجلها، أكان حدسه بصلاح روحها خادع؟
تظاهر بالجمود لينطق عمرو بإغواء للفتاة:
- ما تجيبيش حاجة معاكي، أنا هشتري لك كل حاجة جديدة، وإنت معايا كل اللي تأشري بيه هحققه لك.
ابتسم يوسف ساخرًا ليتابع الآخر بعدما رأى حيرة الفتاة وترددها:
- يلا يا زينة مش قادر أقف على رجليا.
وأمسك كفها ليحثها على المضي قدمًا معه قائلًا:
- أنا محتاج لك جنبي اليومين دول يا زينة.
لان قلبها الأبله له لتنطق مجبرة إلى يوسف:
- أنا هاجي بكرة أخد كتبي وحاجتي المهمة.
وقبل أن تخبره أنها ستمكث فقط بضعة أيام فاجأها بحديثه الحاد:
- مفيش داعي تيجي.
وأكمل بقلب يتمزق جراء ما تعرض له من خذلان على يد شقيقته:
- أنا هجمع لك كل حاجتك في كراتين، وخلي السواق اللي عمرو بيه أكيد هيخصصه لك بعربية لخدمتك، يعدي هنا بكرة الصبح ياخدها.
نزلت كلماته القاسية على قلبها شطرته لنصفين لتبتلع غصة وقفت بمنتصف حلقها كادت أن تطلع بروحها، هزت رأسها بموائمة لتتحرك لداخل غرفتها تلتقط هاتفها وحقيبة يدها وتنسحب مع الجميع ليتركوه وحيدًا، وقف يتطلع على إثرها ليصرخ بعلو صوته موبخًا:
- في ستين ألف داهية، إشمعنى إنت اللي هتطلعي وفية، إذا كانت حبيبتي اللي عيشت عمري كله أحميها وأفضلها حتى على نفسي، سابتني وعايرت أمي بيا وبعيلتي، وراحت رمت نفسها في حضن أكتر واحد في الدنيا كلها بيكرهني.
نطق بتحدي:
- أنا اللي غلطان، من النهاردة مش هعمل اعتبار لأي مخلوق غير نفسي وأمي وبس.
***
داخل منزل عمرو كانت إجلال تنتحب وهي تجلس بجوار نجلها المسطح فوق الفراش والطبيب يضع له ما يمكن إنقاذ وجهه من كريمات لإعادته كما كان وتهدئة لهيبه المشتعل وآلام عظامه التي طحنها ذاك الفتاك فؤاد علام، هتفت تسأله بعدما خرج الطبيب:
- يا ابني ريح قلبي وقولي مين اللي ضربك وسيح لك خلقتك في بعضها كده؟!
همست نائلة الواقفة بجوار ابنتها:
- لك يسلم دياته يلي ضربه.
زفر بحدة يجيبها:
- يا ماما قلت لك خبطت بالعربية في عمود كهربا.
تطلعت إلى نائلة وتحدثت بازدراء:
- معلش يا ابني، أصلها أقدام.
رمقتها نائلة بشزر لتتابع وهي تنظر لتلك الزينة الواقفة بزاوية الغرفة كالغريبة:
- ودي إيه اللي لمها عليك دي كمان؟
- زينة هتعيش معانا يا ماما.
فرقت نظراتها الساخطة ما بينها وبين نائلة ورولا:
- هي المشرحة ناقصة قتلى؟
- إي والله صدقتي، المشرحة ما أنا ناقصة، البيت أصبح ما فيه أكسجين لحتى نتنفس...
وتابعت قاصدة:
- مفروض كل واحد بيحس ع حاله وبينكشح ع بيته.
وجذبت ابنتها من كفها:
- تعي لحتى ننام ونرتاح، اليوم كان كتير صعب.
نطقت باعتراض:
- وجوزي يا ماما، رح أتركه ليغفى لحاله؟!
- ما تقلقي حياتي، السِت ستهم بتدير بالها عليه...
لتتابع متهكمة:
- مو هيك يا ستهم؟!
- هيك يا أختي...
قالتها بوجه ساخط لتجبر نائلة ابنتها على الخروج جبرًا فتحدثت إجلال إلى نجلها:
- هي الولية دي كانت بتقول إيه قبل ما تغور على بره؟
- خلاص بقى يا ستهم، أنا تعبان ومحتاج أرتاح.
نظرت للفتاة وتحدثت:
- وإنت يا بنت سمية، هتفضلي متخشبة جنب الباب كده كتير؟
جرحتها تلك الكلمات ووصفها بابنة سمية "الزانية" هو أكثر ما ألم روحها لينطق عمرو بعدما انتبه لحالة الفتاة:
- انزلي يا زينة يا حبيبتي للشغالة خليها تفرجك على الأوض الفاضية واختاري منهم أوضة ليكي.
نزلت الدرج وحال قلبها هو الانشطار، يبدو أن القدر لم ينتهِ بعد من تعذيبها، كم من السنوات يلزمها بعد لتستقر حياتها داخل بيت، أوجب عليها الانتقال بين المنازل كما المشردين، وكلما ذاقت طعم الاستقرار تأتي لها صفعة من الحياة لتستفيق وتعيد الجرة من جديد.
***
غفت فوق الفراش بعدما غلبها النعاس، ظلت تنتظر صعوده كثيرًا لكنه لم يأتِ، فقد قرر أن يقضي ليلته فوق أريكة المكتب بالأسفل كنوع من العقاب لها، فزعت عندما استمعت لطرقات خفيفة فوق الباب لتنطق بهلع بعدما رأت الظلام من خلف ستائر النافذة الزجاجية الكبيرة:
- مين اللي بيخبط؟
ولجت عزة وتحدثت وهي تتحرك صوبها:
- ده أنا، ما تخافيش.
نظرت إلى الساعة وجدتها الخامسة فجرًا لتجاورها الأخرى الجلوس وهي تقول:
- لقيت الباشا نايم في أوضة المكتب، قلت أطلع أطمن عليك ليكون عمل لك حاجة.
عادت خصلاتها للوراء واستندت للخلف بظهرها مع إخراجها لتنهيدة حارة جعلت الأخرى ترتعد قائلة:
- ألا يكون مد إيده عليكِ؟!
وتابعت متوعدة:
- طب والنبي لو عملها لأكون مسودة لك عيشته.
نطقت بأسى:
- ومن إمتى فؤاد مد إيده عليا يا عزة علشان يعملها بعد السنين دي كلها؟
سألتها مستغربة:
- أمال مالك، وشك منفوخ كده ليه؟!
- قالي كلام صعب قوي يا عزة، صعبت عليا نفسي.
استمعت كلاهما لأذان الفجر فتحدثت:
- استعيذي بالله من الشيطان الرجيم وقومي اتوضي وصلي، آه قبل ما أنسى، الباشا بلغني أقول لك إنك إجازة من الشغل بكرة.
- يعني إيه؟!
هتفت الأخرى مستنكرة:
- يعني تسمعي الكلام وتحمدي ربنا إنها جت على قد كده، ده اللي كان يشوف وشه امبارح يقول هيوقع فيها قتيل.
توضأت وصلت فرضها وغفت من جديد لتريح جسدها المنهك، وبرغم اعتراضها على قراره للإجازة الإجباري إلا أنها انصاعت لأوامره منعًا لافتعال مزيد من المشاكل.
فاقت في حدود الساعة الحادية عشر، توضأت وأدت ركعتي الضحى وخرجت إلى الشرفة تستنشق الهواء قبل أن تنزل للأسفل، تفاجأت بدخول سيارة المدعوة "سميحة" والأغرب استقبال فؤاد الحار لها، تحركا بجانب بعضيهما تحت ذهولها وعدم استيعاب ما رأته بأم عينيها، هرولت إلى الدرج ونزلته بوقت قياسي، هرولت إلى غرفة المعيشة فلم تجد كلاهما لتخرج سريعًا، وجدت عصمت تخرج من المطبخ، سألتها بحدة:
- فين فؤاد وسميحة يا ماما؟!
- في المكتب.
رواية انا لها شمس الفصل الثامن والستون 68 - بقلم روز امين
بعد قليل كانت بانتظاره داخل مكتب أبيها. حضر فؤاد فقصت عليهما ما حدث، وأعطت إلى فؤاد تسجيلًا صوتيًا خاصًا بـ"رولا"، حيث سجلت بكل دهاء المحادثة دون علم الأخرى، إذ جهزت هاتفها وجعلته في وضع التسجيل قبل دخول المكان لمقابلة "رولا". أثنى أبوها على تصرفها، وفؤاد أيضًا الذي شكرها برغم معرفته بتلك المقابلة، حيث أبلغه الرجل المكلف بمراقبة "رولا" بتلك المقابلة وهو في طريقه إلى هنا، وبرغم هذا لم يخبرها هي أو عمه لكي يحتفظ بأسراره لنفسه. طلب منها فؤاد توخي السرية التامة وألا تخبر أحدًا حتى شقيقها "بسام". واتفقا على أن توهم تلك الـ"رولا" بأنها وافقت على إبرام ذاك الاتفاق، وتجعلها تطمئن لها، وأن تبلغه سميحة بجميع التطورات ليوقعا بها في الوقت المناسب. وطلب أيضًا الاستمرار بتسجيل جل ما يدور بينهما للاحتفاظ به داخل سجل القضية.
انتهى فؤاد من سرد ما حدث تحت غرور سميحة وهي تتطلع على إيثار برأس شامخ، مما جعل قلب الأخرى يغلي. وما زاد من اشتعال قلبها هو عدم إخبار زوجها بذاك الاتفاق. تحدثت بنبرة جادة:
- متشكرة يا دكتورة على موقفك، بس لازم تعرفي إن مع احترامي الشديد ليكي وللهانم اللي اتفقت معاكي واللي مش فاهمة ليه اختارتك انتي بالذات لما فكرت في أذيتي.
ثم حولت بصرها إلى فؤاد الصامد وتابعت بغل يعود لغيرتها المشتعلة من فكرة وجود شيء مشترك بينه وبين تلك المرأة الحقود التي تكن لها العداء:
- ومع إحترامي ليك شخصيًا يا سيادة المستشار، أنا محدش يقدر يأذيني لسبب بسيط، وهو إني واخدة احتياطاتي الأمنية كويس جدًا، وشغلي كله وأوراقي المهمة بعيدة عن العين واللمس، ومش أنا الست الساذجة اللي هتمضي على ورق من غير ما أقراه كويس.
حك فؤاد ذقنه وبات يتطلع بتمعن ويتعجب لأمر تلك العنيدة. نعم يعلم أنها امرأة ذكية وليست بالهينة، ولذا اختارها بدون تفكير لقيادة ذاك المنصب الهام والوثوق بها. لكنه كان يتوقع على الأقل شكرها لتلك الـ"سميحة" برغم عدائهما الظاهر للجميع، لكنه توقع تقديمها الشكر حسب الأصول المتعارف عليها، لكنها تخطت الأصول لأول مرة ويعلم هو لماذا. بالطبع فهي الآن تغلي داخليًا لوجود سميحة بمفردها معه بحجرة المكتب، وهذا ما قصده حين طلب حضورها بجانب الإسراع في إبرام الاتفاق كي يوقعا تلك الشيطانة التي تريد الأذى لزوجته.
نطق بابتسامة هادئة ليشعل روحها بعدما أستثاره عنادها الكافر:
- لو مش حابة تحضري الاجتماع يا حبيبي ممكن تتفضلي.
وتابع بنفس ابتسامته الهادئة كي لا يظهر خلافهما ويصل لتلك الـ"سميحة":
- أنا مقدر إنك واخدة إجازة من شغلك النهاردة علشان ترتاحي، وعلشان كده محبتش أجهدك وأبلغك باجتماعي مع سميحة.
رفعت حاجبها باستنكار لكل كلامه لتنطق بنبرة مستفزة متجنبة نبرته الودودة وكلماته المعسولة شديدة التصنع:
- أنا قاعدة يا سيادة المستشار وحابة أعرف سير خطواتكم، ده لو مكانش يضايقكم طبعًا.
تنهد باستسلام ليتابع وضع الخطة لإيقاع تلك الشيطانة بأسرع وقت.
بعد قليل وقفت سميحة وهمت بالخروج وهي تقول:
- أستأذن أنا يا فؤاد علشان ألحق وقتي.
وقف يشكرها من باب الاحترام:
- مع السلامة يا سميحة، ومرة تانية متشكر على إنك سبتي شغلك وجيتي أول ما كلمتك.
نطقت بصوت حنون متعمدة إشغال قلب تلك الزوجة العاشقة:
- بتشكرني على إيه بس يا فؤاد، إنت مش عارف قيمتك عندي ولا إيه.
ابتسم بلطف تحت اشتعال روح الأخرى وكظمها لغضبها الكامن بصعوبة بالغة، لتتابع وهي ترمقها بكبرياء:
- باي باي يا مدام.
ظلت جالسة كما هي واكتفت بالتلويح بإشارة من أصابع كفها. تصرف أشعلت به قلب سميحة التي تحركت للخارج، وما أن خرجت حتى تحدث فؤاد بحدة وملامح وجه مكفهرة كان يحجبها لوجود ابنة عمه:
- اتفضلي فوق على جناحك يا مدام.
هتفت بحدة وتحدي:
- هو الباشا حطني تحت الإقامة الجبرية ولا إيه؟!
لم يكلف حاله عناء النظر لوجهها وبدأ ينظر لذاك الملف الموجود أمامه ويقلب بأوراقه بإهمال لتسأله بعدما استفزها تجاهله:
- ممكن أعرف إنت منعتني أروح شغلي ليه النهاردة؟!
- مزاجي كده.
قالها باستخفاف لترد بحدة:
- وبالنسبة لنومك هنا في المكتب، وهدومك اللي بعت عزة خدتها وأنا نايمة؟
وتعالت وتيرة حدتها وهي تقص عليه قائمة أخطائه:
- والشاور بتاعك اللي أخدته في الحمام اللي تحت وخلتنا مادة خام للت ورغي الشغالات؟
بمنتهى البرود صدمها:
- خلصتي كلامك، اتفضلي بقى على فوق.
صاحت بعدما أشعل روحها بردوده الباردة:
- مش هطلع يا فؤاد، ولازم تحترمني وأنا بكلمك أكتر من كده.
لتتابع بعدما خرج وحشها الكامن:
- ويكون في علمك، لو كررت اللي عملته إمبارح ونمت في المكتب هترجع الجناح مش هتلاقيني فيه.
قالت كلماتها التهديدية لتهب واقفة وتتحرك صوب الباب بحدة ليوقفها صوته الحازم:
- استني عندك.
توقفت لكنها لم تلتفت فتابع بعصبية مفرطة:
- بصي لي وأنا بكلمك.
ظلت على حالها ليصيح بحدة أرعبتها:
- مابتسمعيش الكلام ليه؟!
ازدردت لعابها ثم التفتت وناظرته مدعية القوة ليسألها بهدوء ما قبل العاصفة:
- عيدي لي كده الكلام اللي قلتيه ده تاني؟!
هتفت تناظره بحدة:
- إنت سمعته كويس قوي.
سألها مستفسرًا:
- تمام، هتروحي فين بقى لما تسيبي الجناح؟
أجابته بتحدي:
- هنام مع مالك، ومش هتشوفني تاني في أوضتك يا فؤاد.
أجابها بهسيس من بين أسنانه:
- طب لو قد كلمتك اعمليها، وأنا أطربق الأوضة فوق نفوخك يا إيثار.
شعرت بالمهانة جراء تعديه عليها في الحوار وخرجت سريعًا لتجد والدي زوجها يقفان بالبهو بعدما ودعا سميحة. سألها علام بارتياب بعدما لمح دموعها الحبيسة:
- مالك يا بنتي، إيه اللي حصل؟!
شعرت بوقوف جارح الروح خلفها فتحدثت بعدما اعتدلت لتواجهه:
- ابقى اسأل سيادة المستشار على اللي حصل إمبارح وهو يقول لجنابك يا بابا.
صاح يعنفها بحدة وصرامة:
- اللي حصل أسرار زوجية والمفروض إنه يخصنا لوحدنا يا مدام، ومش من الأصول ولا الأخلاق نشاركه مع حد مهما كان قدره عندنا.
- هو أنا حد يا فؤاد؟!
قالها علام بحدة ليجيبه بهدوء يعود لرفضه معرفة والده بما حدث بينه وبين ذاك الوغد لعدة أسباب أهمهما هو جرح كبريائه كرجل وأيضًا الخوف من تعنيف والده له:
- مع احترامي الكبير لحضرتك واللي مش محتاج أتكلم عنه يا باشا.
وتابع وهو يرمقها شزرًا:
- بس فيه حاجات خاصة بيني وبين الهانم مراتي المفروض محدش يعرفها غيرنا.
لمحت عصمت دموع إيثار وضعفها فهتفت ناهرة ابنها لأجل تلك المسكينة:
- جرى لك إيه يا فؤاد، إنت عمرك ما كنت عصبي بالشكل ده، وبعدين هي عملت إيه يعني لكل ده؟!
هرولت لتصعد الدرج هاربة قبل أن تنزل دموعها ويراها الجميع وتشعر بالمهانة أكثر. أما هو فولج إلى داخل المكتب من جديد بعدما استدعى عزة التي ذهبت إليه بسيقان متخبطة، وقفت برأس منكس كالتلميذ الخائب وهي تقول:
- أفندم يا باشا.
وقف ليستدير حول المكتب ثم وقف يقابلها. لحظات من الصمت مرت عليها كدهر وهو يتمعن بملامحها المرتعبة ليخرج صوته أخيرًا:
- لما ابن الـ... ده دخل الشقة وإنتوا فيها ما أخدتيش المدام وجيتوا بسرعة على البيت ليه؟!
هتفت بجسد مرتجف من شدة خوفها من هيأته ولون عينيه الحمراء مما يوحي إلى شدة غضبه:
- والله ما لحقنا يا باشا، ده يا دوب المنيل على عينه طب علينا، وعلى ما إيثار جريت على أوضتها علشان تغير هدومها وأنا حتى ما لحقتش ألم السفرة.
وباتت تقص عليه ما حدث ليسألها متذكرًا:
- تليفونها كان فين لما رنيت عليها أكتر من خمس مرات ولا مرة ردت فيهم؟!
- كان في شنطتها جوة والأوضة مقفولة عليه، أول ما روحنا يوسف يا حبيبي كان جعان وما أكلش حاجة من الصبح، من لهوجتها رمت الشنطة ويا دوب غيرنا هدومنا وجرينا على المطبخ علشان نغرف الأكل.
سألها مستنكرًا:
- وإنت بقى عاجبك اللي حصل ده يا عزة هانم؟!
نطقت بحروف مرتبكة:
- وهو اللي حصل ده يعجب مين بس يا باشا، بس والله العظيم إيثار ما ليها أي ذنب.
- ليها ما لهاش أنا قلت لها مرواح لشقة يوسف تاني ممنوع...
قالها بحدة لتنطق بموائمة:
-عداك العيب يا ابن الأصول
نطق مؤكدًا:
-يعني أنا قراري صح يا عزة؟
-صح الصح طبعًا... قالتها بتأكيد لتتابع بإبانة:
-أنا بنفسي قولت لها الكلام ده أول ما نزلنا من شقة يوسف وسبناك فوق، مهو المثل بيقول، الباب اللي يجي لك منه الريح، سده واستريح، وابن البنهاوي راجع وشكله ناوي على الشر، ده عاوز يخرب عليها ويدخل الشيطان بينكم يا باشا.
تحدث متمالكًا أعصابه:
-طب يا ريت يا عزة تبقي تفهمي الهانم الكلام ده.
نطقت تجيب بدفاع:
-وحياة النبي دي غلبانة وبتتمنى لك الرضا، دي راحت صبغت شعرها عشانك.
ورفعت كفيها لأعلى:
-ملحقتش تتهنى بيه إلهي ينكد عليك يا ابن إجلال قادر يا كريم.
زفر بحدة لينطق بعدما استدار ليعود إلى مقعده:
-روحي اعملي لي فنجان قهوة أروق بيه دمي اللي اتحرق من عمايلكم.
-ومن إمتى القهوة كانت بتروق الدم... قالتها مستنكرة لتنسى حالها وهي تقول بتودد، متغاضية غضبه:
-أنا هروح أعمل لك كباية مانجة تظبط لك الدماغ، تشربها وتطلع تريح ظهرك على سريرك فوق.
وتابعت بثرثرتها المعتادة:
-تلاقيه قافش يا نضري من نومة الكنبة بتاعت امبارح.
اتسعت عينيه ليسألها مستفسرًا:
-هو إيه ده اللي قافش يا ست إنتِ؟!
باستنكار، أجابته:
-ظهرك يا باشا.
بالكاد تمالك أعصابه كي لا يتهور ويفعل ما لا يحمد عقباه، أغمض عينيه يستدعي الصبر ثم أشار نحو الباب قائلًا من بين أسنانه:
-اطلعي برة.
سألته باستفزاز:
-طب والقهوة؟
-بطلتها، همنع دخولها القصر من هنا ورايح بسببك.
وتابع بحدة:
-برة.
انتفض جسدها لتهرول للخارج سريعًا قبل أن يتحول ويخرج شحنة غضبه بها.
***
بالأعلى، ظلت تبكي حتى أخرجت شحنة ألمها ثم أمسكت الهاتف بعد أن قررت الاتصال بنجلها والاطمئنان عليه، كان يجلس وحيدًا شارد الذهن، ينظر أمامه في نقطة اللاشيء، استمع لرنين هاتفه فالتقطه ليجيب سريعًا فقد كان قلقًا عليها للغاية:
-طمنيني عليكِ يا حبيبتي، من امبارح وأنا هتجنن وأكلمك، بس خوفت يكون بابا جنبك.
نزلت كلماته ولهفته على قلبها أحزنته لتسأله بلوم كي تزيل عنه ثقل الشعور بالذنب:
-وإيه المشكلة في إنك تكلمني قدام بابا يا يوسف؟!
تغاضى عن التحدث في ذاك الموضوع كي لا يجدد حزنها فأكمل متخطيًا:
-مفيش مشاكل ولا حاجة يا حبيبتي، المهم إنتِ طمنيني عليكِ، فيه حد زعلك؟
شعرت بحاجتها للارتماء بأحضانه والبكاء على صدره لكنها تماسكت لأجله لتجيبه بصمود ونبرة خرجت بصعوبة متماسكة:
-ولا أي حاجة، أنا زي الفل، طمني عنك إنتَ يا حبيبي.
-أنا كويس يا ماما متشليش همي.
بعد الاطمئنان عن حاله سألته باهتمام:
-أختك عاملة إيه؟
بابتسامة مريرة أجابها:
-مشيت مع أبوها امبارح.
سألته متعجبة:
-بتتكلم عن زينة؟!
-هي فيه غيرها عايش معايا يا ماما... قالها بهدوء ثم قص عليها ما حدث لتشهق وهي تستمع إلى تلك التفاصيل وجسدها يرتعب خوفًا، يا الله، هل فعل زوجها هذا حقًا، ماذا قال له ذاك الحقير حتى أوصله للتصرف بتلك الهمجية واستغلال السلطة لأول مرة، فتحدث يوسف بعدما علم عدم معرفتها بالأمر:
ماما الكلام ده ميطلعش لأي حد، وخصوصًا الباشا.
نطقت على استحياء:
-متقلقش، خلي بالك من نفسك لحد ما الأمور تهدى وبعدها ترجع تعيش معايا هنا.
هتف بلهجة شديدة:
-إنسي يا ماما، اللي بتقوليه ده مستحيل يحصل، أنا عمري ما هسمح لنفسي أكون عالة على أي حد تاني.
هتفت تعنفه باعتراض:
-إنتَ عارف إن عمرك ما كنت عالة على حد يا يوسف، وأنا عمري ما كنت هقبل عليك ده أبدًا حتى لو كنت هتطلق للمرة التانية.
-متخليش زعلك من فؤاد ينسيك وقوفه معانا ومعاملته ليك يا يوسف، ومش هو وبس، جدك فؤاد وتيتا عصمت وكمان فريال، كلهم بيحبوك وعمرهم ما فرقوا في المعاملة بينك وبين أحفادهم اللي من صلبهم.
وتابعت ناصحة:
-أوعى تخلي الغضب يتحكم فيك وينسيك فضل الناس عليك يا ابني.
نطق بقلب منكسر:
-ماما، أنا مش حابب أتكلم ولا قادر، أنا اتصلت علشان أطمن عليكِ، وعلشان أقولك بلاش تيجي عندي الفترة اللي جاية، لحد ما أعصاب الباشا تهدى.
وتابع مغيرًا وجهة الحديث:
-بالمناسبة، خالو أيهم جالي بالليل وسهر معايا لوقت متأخر، وكلمنا تيتا منيرة وسألتني عليكي.
تنهدت وأجابته:
-أنا نسيتها خالص في وسط اللي أنا فيه، بقالي خمس أيام مكلمتهاش ولا اطمنت عليها.
تابعا حديثهما ثم أغلقت لتنهمر دموعها قهرًا على نجلها الحبيب وما تفعله به الحياة من تلطيم.
***
داخل غرفتها التي خصصت لها بمنزل والدها، كانت تتوسط الفراش تحتضن جسدها بذراعيها، تشعر بغربة روحها وتبكي على فراق شقيقها الحنون، بكت ولامته على تفريطه بها بتلك السهولة، انتبهت لرنين هاتفها فهرولت تخطفه على أمل أن يكون المتصل شقيقها، تنهدت وخاب ظنها حين رأت نقش اسم رامي، فأجابت بصوت واهن:
-أيوه يا رامي.
بعد السلام والاطمئنان عليها سألها باهتمام:
-صوتك ماله يا زينة، إنتِ فيه حد مزعلك؟
وكأنها كانت تنتظر سؤاله، فمنذ أن حضرت لمغارة علي بابا تلك وهي تشعر بالوحدة والعزلة والانكسار، نطقت بصوت مختنق بفضل الدموع:
-أنا سيبت البيت ليوسف امبارح وقاعدة عند بابا يا رامي.
-ليه، إيه اللي حصل؟!
نطقت باقتضاب:
-بابا اختلف وعمل مشكلة مع جوز طنط إيثار مامت يوسف، ويوسف أخد صف جوز مامته، وأنا زعلت منه وخيرته لو ما وقفش مع بابا هسيب له البيت وهعيش عند بابا.
وتابعت بخزي وخزلان:
-وللأسف، اختار يفرط فيا، سابني يا رامي وهو عارف إني مليش حد غيره.
قالت جملتها الأخيرة بألم ودموع مما أحزن قلب الآخر ليقول محاولًا إصلاح ما بين الأشقاء:
-يوسف بيحبك يا زينة، ومش معنى إنه انحاز لطرف على حساب التاني إنه اتخلى عنك أو فرط فيكِ زي ما بتقولي.
وتابع بتروي:
-أكيد هو انحاز للطرف اللي شايفه على حق من وجهة نظره.
تنهدت بألم ليتابع مسترسلًا يلومها:
-ممكن أقول لك رأيي بس من غير ما تزعلي مني؟
-أنا عمري ما أزعل منك يا رامي مهما حصل... قالتها بصوت حنون وصل لأوصاله فأصاب قلبه بارتجافة منعشة لينطق بنبرة رومانسية:
-أحلى رامي بسمعها في حياتي منك إنتِ يا زينة.
أذابتها كلماته الساحرة حتى كادت تنسيها ذاك الحزن الكامن بقلبها إن لم يكن عظيمًا، ابتسمت بخجل ليتابع مسترسلًا:
-بصي يا زينة، اللي قدرت استنتجه من خلال كلامك معايا المدة اللي فاتت، واللي قدرت أعرفه لما كنت معاكم في شقة يوسف، إن أخوكي بيحبك جدًا، وضحى كتير عشانك، مش هنيجي علشان موقف حصل ننسى بيه الحلو كله.
وافقته الرأي فتحدث من جديد:
-لو تحبي أتدخل وأكلمه...
قاطعت كلماته وهي تقول بانفعال:
-لا يا رامي لو سمحت، أنا مش عاوزة أكون تقيلة عليه، هو لو عاوزني أكيد هييجي ياخدني من غير ما حد يضغط عليه ولا يتوسط لي عنده.
تعجب لطريقة تفكيرها العقيمة وأجابها:
-يا بنتي ده أخوكي، مش لازم يكون فيه حساسية بينكم بالشكل ده.
-معلش يا رامي، أرجوك سيبني على راحتي.
أجابها بابتسامة وصوت حنون:
-أنا أهم حاجة عندي راحتك.
جعلت كلماته روحها تسبح في الفضاء وكأنها فراشة تتراقص بجناحيها وتخطف الأنظار بألوانها الزاهية، ليجهر عليها بقوله:
-زينة!
-نعم.
-أنا بحبك.
إلى هنا شعرت بروحها تُسحب منها، باتت دقات قلبها تتسارع بوتيرة عالية وكأنها دقات طبول تعلن عن بداية الحرب، نطق يسألها بارتياب:
-ساكتة ليه يا زينة؟
لم يجد ردًا فتساءل بخوف من جديد:
-أرجوك ردي عليا.
لا صوت يعلو فوق صوت دقات قلبها العالية وللمرة الثالثة على التوالي يقابل صمتًا رهيبًا منها مما جعله يسألها بريبة:
-أنا آسف لو ضايقتك، وصدقيني آخر مرة هتطفل عليكـ....
لم تدعه يكمل لتهتف مخترقة طبيعتها الخجولة خشية من خسارته:
-بالعكس، أنا مضايقتش خالص.
تعجبت من حالها، منذ متى وهي تتحلى بتلك الجرأة، بينما شعر هو بسعادة تملكت منه لينطق متسائلًا:
-أفهم من كلامك إنك بتبادليني نفس المشاعر؟
اشتدت سعادتها والتزمت الصمت من جديد لكنها اكتفت بصوت ابتسامتها العذبة التي جعلته يتحدث:
-أنا مش هضغط عليك أكتر من كده، بس هعتبر الضحكة الحلوة اللي سمعتها دي هي الرد، لحد ما أشوفك بكرة في الجامعة، وأشوف الرد في عيونك الحلوة.
قاطع اندماجها صوت طرقات الباب لتدلف تلك الصغيرة التي نطقت برقة:
-زينة، البابا طالب يشوفك هلا.
أجابتها بهدوء:
-انزلي وأنا هحصلك يا نور.
نطقت الفتاة باعتراض:
-ما فيني، هاديك التيتا السَمينة يلي قاعدة تحت قالت بتجيبيها معك.
ابتسمت على وصف الصغيرة لجدتها إجلال بالسمينة واستأذنت لتغلق الهاتف وتهبط للأسفل لتتلقى كلماتها السامة على يد تلك المرأة الجبروت لتلعن غبائها بقرار القدوم للعيش هنا.
***
كانت تجلس بغرفتها تنتظر صعوده إليها وقد قررت بتنفيذ تهديدها إذا ما صعد وغفى اليوم أيضًا بحجرة المكتب، ملت من الانتظار وقد تأخر الوقت وتعدت الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل، هبت واقفة لترتدي مأزرها الحريري بعدما عقدت النية على الذهاب إلى حجرة صغيرها لقضاء الليلة معه، اتجهت صوب الباب وما أن أمسكت مقوده لتلفه وجدت من يدفعه برفق لتتراجع سريعًا وتفاجأت بدخوله إليها مستسلمًا خانعًا لقرارها خشية من تنفيذه، فقد اتخذ قرار الصعود بعد تفكير عميق تجنبًا لاتساع حجم المشكلة والفجوة التي سيحدثها العناد بينهما، طالعها بحدة وسألها بصوت غاضب:
-الهانم كانت رايحة على فين إن شاء الله؟!
وقفت تقابله بتحدي لتجيب بصرامة:
-كنت رايحة أوضة مالك.
طالعها وجنون الغضب يتمثل بعينيه لينطق بعدما استطاع كبح غضبه كي لا يفرغه بها:
-طب ادخلي نامي وخلي ليلتك تعدي على خير.
حكمت العقل، لم تُرِد افتعال مزيدًا من المشاكل واتساع دائرة الصراع بينهما، لذا تحركت نحو الفراش لتخلع عنها مئزرها وتلقيه بإهمال فوق المقعد المجاور، ويظهر ثوب نومها الرقيق الذي بالكاد يصل لمنتصف فخذها بالإضافة لكونه باللون النبيذي الذي يثير ويزيد من جنون عشقه بها، مما أشعل قلبه ليصيح بجنون بعدما رآها بكل تلك الأنوثة ولون شعرها الجديد الذي لم تتح له الفرصة كاملة بالتغزل به بما يكفي والاستمتاع أيضًا بلونه المميز:
-إنت كنت رايحة أوضة ابنك باللانجري ده يا مدام؟!
طالعته بحدة لتنطق ببرود قاتل:
-وإيه المشكلة، أنا كنت رايحة أوضة ابني، يعني لا نازلة تحت ولا خارجة الجنينة؟!
زادت حدته وهو يهتف بأعين متسعة بجنون:
-أهو ده اللي ناقص، فعلًا ده اللي ناقص.
رفع كفيه للتعبير عن فرط عصبيته من أفعال تلك التي ستتسبب يومًا بإصابته بسكتة قلبية جراء عنادها ليحاول التحدث ولكن خرجت كلماته متلعثمة من شدة انفعاله وأيضًا هيأتها المثيرة جعلت من عقله وقلبه متضاربين فشتت تركيزه:
-أنا تعبت معاك، بجد مبقتش قادر أستوعب أفعالك.
رمقته بازدراء قبل أن تتحرك ناحية الفراش وترفع الغطاء كي تتسطح بجسدها الأنثوي أمامه، بسطت كفها وأغلقت إضاءة الإنارة المجاورة لها وتحدثت بلامبالاة كادت أن تصيبه بالجنون:
-اقفل النور اللي عندك علشان تعبانة وعاوزة أنام.
جذب شعره للخلف بقوة مفرطة كادت أن تنتزع جذوره وبات يتطلع لبرود تلك المرأة، فبدلًا من مبادرتها لمراضاته وطلب السماح تعاند وتتجاهل بل وتحاول إغرائه دون التودد له والتقرب، أسرع إلى الحمام ليخلع عنه ثيابه بالكامل ويفتح المياه الباردة لتنهمر على جسده علها تهدأ ثورتي العشق والغضب اللذان تملكا منه.
بعد قليل كان يتسطح بجوار تلك التي تعطيه ظهرها وتصنعت بالنوم كي تزيد من حرقة قلبه، تسطح على ظهره ليتجنب النظر لمنحنيات جسدها المثير وبات ينظر في سقف الغرفة ويزفر محاولًا إخراج غضبه الممتزج بشوقه حتى غفى بعد صراع طويل وحرب ضارية بين العقل والقلب خرج فيها العقل منتصرًا.
***
مر يومين وبقي الوضع على حاله، صراع نفسي رهيب بين الجميع، فؤاد، إيثار، يوسف، بيسان، زينة وأيضًا عمرو.
كانت رولا تجلس داخل مكتبها الخاص بشركة الصخرة المملوكة لزوجها، أتاها اتصالًا من سميحة فأجابت سريعًا:
-كيفك حياتي؟
لم تُعر لكلماتها المصطنعة أية أهمية وتحدثت مباشرة:
-صفقة شحنة اللاب توب جاهزة ولا لسه؟
أجابتها بانتشاء وسعادة:
-جاهزة وكل شيء تمام حياتي، الشحنة رح توصل للجمارك بعد يومين، الزلام قاموا بالواجب وجهزوا كل شيء، واتفقت مع زلمة بالجمارك المصرية رح يمرق لي ياها بكل سهولة، إي الموضوع كلفني كتير، بس مو مهم، كله لعيون الست إيثار بيهون.
كان الاتفاق الذي عرضته عليها رولا بالماضي توريط إيثار بأخذها رشوة ووضع إمضائها على أوراق تثبت التهمة عليها والتبليغ عنها ليتم التحفظ عليها من قِبل رجال الشرطة، ولكن التهمة لم ترق لفؤاد فأراد أن ينتقم من تلك الحقودة التي تجرأت وأقبلت على أذية خليلة الروح، فطلب من سميحة أن تقترح على الأخرى بتغليظ التهمة وتوريط "إيثار" أكثر عن طريق وضع أخطر أنواع المواد المخدرة "الهيروين" داخل شحنة أجهزة الحاسوب التي ستقوم باستيرادها شركة الصخرة باسم "رولا سليم إلياس" وبعد دخولها للبلاد ستدخلها سميحة إلى شركة الزين عن طريق أوراق رسمية ستضع إيثار عليها إمضائها، وبعدها سيتم إبلاغ الشرطة للقبض على إيثار، تحدثت سميحة بخبث:
-ياريت تخلصيني من الموضوع ده بسرعة، أنا مبحبش التوتر والقلق.
نطقت رولا لطمأنة الأخرى:
-لشو القلق يا عيوني، الموضوع كتير سهل، مانه صعب صدقيني.
أغلقت الهاتف ومر اليومان سريعًا، ووصلت الشحنة إلى ميناء القاهرة الدولي وبترتيب من فؤاد تم ضبط الشحنة والتحفظ عليها والقبض على الموظف الفاسد الذي اعترف على تلك البلهاء التي اتفقت معه بنفسها، فقد كانت صيدًا سهلًا للغاية بالنسبة لفؤاد حيث فعلت كل شيء بنفسها ورفضت الاستعانة بوالدها رجل العصابات الدولية خشية من منعها من القيام بذلك العمل المتهور، بينما أخفت الأمر عن عمرو لتفاجئه بالخبر ظنًا منها أنه سيسعد بخطتها ويزيد رصيدها لديه أضعافًا بعد أخذها ثأره القديم.
تم القبض على "رولا" من داخل الميناء، صرخت بكل قوتها وطلبت الاتصال بوالدها لكن رجال الشرطة رفضت وقاموا باصطحابها إلى قسم الشرطة مقيدة، بينما كان "عمرو" يجلس داخل شركة الصخرة يتابع العمل أتاه اتصالًا هاتفيًا من رقم غير مدون ليضغط زر الرد ليقابله المتصل:
-بقول لك يا عمورة، اطلع على قسم شرطة النزهة ومتنساش تاخد معاك عيش وحلاوة لمراتك، وإن شاء الله قريب هبعت لك أوردر باسمك أنت كمان لما تنور في ليمان طرة.
انتفض واقفًا ليصرخ بقوة:
-مين اللي بيتكلم؟!
وتابع بعدما استطاع تمييز صوته لينطق:
-فؤاد علام اللي معايا مش كده؟!
أنهى فؤاد الاتصال وابتسم بشر وقلبه يشعر بغليان برغم القبض على تلك الحقيرة التي تجرأت على أذية حبيبته، بينما جن جنون عمرو ليهاتف امرأته ليجيب عليه ضابط الشرطة ويؤكد له ما أخبره به فؤاد، هرول إليها وبينما كان بطريقه إلى قسم الشرطة اتصل ليبلغ سليم إلياس كي يتحدث إلى معارفه لإخراج تلك البلهاء التي ولجت بساقيها لعرين الأسد.
بعد قليل كان يقف أمامها داخل مكتب الضابط الذي خرج ليتركهما سويًا لبعض الوقت، بأعين تشتعل بنار الغضب صرخ بها "عمرو":
-مين طلب منك تتصرفي لوحدك من غير ما تبلغيني؟! وإزاي جت لك الجرأة تفكري وتخططي بحبس أم ابني في جريمة كبيرة زي دي؟!
من بين دموعها الحارقة تحدثت بشهقات متقطعة:
- كان بدي أنتقملك منها وبرد نار قلبك عخيانتها هي وزوجها الحقير، كان بدي أتخلص منها لنرتاح ويهدى قلبي يا "عمرو"، وبهيك يوسف بيرجع لك وبيعيش معنا كعيلة واحدة وبنرتاح كلياتنا.
صرخ وهو يرمقها وعينيه تطلق سهامًا نارية لو خرجت لحولت جسدها لإربًا:
- وإنتِ كنتي فاكرة إني هفرح لو عملتي فيها كده؟! لا ومن غبائك متخيلة إن يوسف هييجي يعيش معانا بعد ما يعرف إن أنا وإنتِ كنا السبب في حبس أمه! ده مش بعيد كان قتلني أنا وإنتِ يا غبية.
كان يصيح بجنون يتخفى خلف الخوف على مشاعر نجله بينما الحقيقة سبب إثارته وجنونه هي رعبه على تلك الجميلة مالكة الكيان، تلك التي امتلكت القلب واستوطنت وختمت باسمها على قلبه وأغلقته للأبد.
شهقت بقوة لتنطق برجاء من عينيها:
- دخيلك يا عمرو تطلعني من هون.
انفطر قلبها وهي تكمل بهزة نافية من رأسها:
- ما فيني أقضي ليلة واحدة بالحبس، رح موت إذا بقيت هون يا زلمة.
رق قلبه لحالها فاقترب يدخلها بأحضانه مربتًا لتهدئتها:
- إهدي يا رولا، أنا هعمل المستحيل وهخرجك، وأكيد سليم باشا مش هيسيبك وهيصرف بطريقته.
شهقت بقوة لتدخل في حالة من النحيب الشديد.
أما بمنزل عمرو البنهاوي، تجلس تلك السمينة بوسط الأريكة وتجاورها "زينة" المنكمشة على حالها وقلبها يرتعد رعبًا بفضل صوت تلك التي كانت تصرخ بكامل صوتها وهي تتمسك بتلابيب بذلة زوجها:
- بتقلب الدنيي فوقاني تحتاني وبتجيبيلي بنتي الليلة يا سليم، بنت نائلة المحمدي ما بتبات بالحبوس متل المجرمين والحرامية.
حاول تهدأتها وتحدث بثقة ويقين:
- فيكي تهدي، صدقيني رح طلعها وجيبها لعندك.
أخرج تنهيدة حارة تنم عن مدى احتراق روحه على ما حدث لوحيدته ثم تابع بنبرة جادة:
- بس الموضوع بده شوية وقت، الورطة يلي ورطت بنتك حالها فيها مانا سهلة.
صرخت وهي تنطق اعتراضًا برأسها:
- ما تقلي وقت، ما فيني أقعد دقيقة واحدة بدون بنتي، اتصرف يا سليم، اتصل بمعارفك وشوف يلي بيقدروا يعملوه وادفعلن، لو بدن ياخدوا كل ثروتي بس بيطلعولي بنتي بعطيهن.
حاوطت تلك البدينة فكها بأصابع يدها لتنطق متسائلة بسخرية تعود لعدم معرفتها بما حدث:
- مقولتليش يا سنيورة، الحلوة بنتك اتحبست في إيه؟!
وكأنها استفاقت على صوت تلك البغيضة لتلتفت إليها بحدة وتطالعها بأعين تطلق شزرًا وهي تنطق باتهام:
- انحبست بسبب ابنك الأزعر، بنتي يلي عاشت عمرها كله مدللة بفرنسا وما انهانت بعمرها ولو بكلمة، موجودة بالحبوس بسبب ابنك والمصايب يلي عم تلاحقه، ابنك الحقير هو لعنة بنتي، وبإذن الله لما تطلع بالسلامة، أول اشي رح إعمله هو طلاقها منه يلي ما شافت يوم منيح معه من وقت ما عرفته.
وأشارت مهددة بسبابتها:
- بتتصل هلا بابنك وبتقلي له، إذا بنتي ما إجت معه ما بيرجع عالبيت الليلة، وحياة الله إذا بشوفه بقتله بإيدي هادول.
حاولت زينة أن تقترب من المرأة لتنطق في محاولة لتهدئتها:
- من فضلك اهدي علشان ما تتعبيش.
صرخت بقوة وغضب:
- محدا منكن يقلي إهدي، كل يلي بدي إياه منكن إنكن تخرسوا ومتسمعوني أصواتكن البغيضة.
ارتعب جسد الفتاة لتنكمش على حالها متراجعة للخلف ونزلت دموع الندم على ما اقترفته بحق ذاتها.
أما إجلال فتحدثت بشر يكمن بنظراتها:
- حظك حلو إنك جيتي لي بعد ما صحتي راحت، يا خسارة، كنت عرفتك مقامك صح وخليتك تقضي باقية حياتك بتتلفتي حوالين نفسك زي المجانين.
رواية انا لها شمس الفصل التاسع والستون 69 - بقلم روز امين
كانت تثرثر وكأنها تحدث نفسها، فالأخرى سرحت بعالمها المؤلم وبات عقلها يتساءل: هل تحدث مع غريمتها وأبلغها بما حدث بشأن موضوعٍ هامٍ كهذا ولم يهتم بإخبار صاحبة الشأن؟ هي أحق منها. تملك الحزن من قلبها بعدما انطلت عليها كذب "سميحة" التي وضعت توابلها على الموضوع لتشعل الأجواء بين غريمتها وحبيبها، فهي من تواصلت به عبر الهاتف الجوال وليس هو نظرًا لعلمها بموعد وصول الشحنة وجميع التفاصيل بحكم أن اتفاق رولا كان معها هي.
وتابعت باستفزاز، تحت حزن الأخرى:
- إيه يا مدام، مش هتشكريني ولا إيه؟!
استعادت توازنها لتسألها متهكمة:
- أشكرك ليه وعلى إيه؟!
رفعت حاجبها الأيسر وتحدثت مستنكرة:
- على إني أنقذتك، لولايا كان زمانك مرمية في الحبس مكان رولا الغبية.
قاطعت إيثار حديثها معلقة:
- أنتِ بنفسك قولتيها، غبية.
رفعت رأسها لأعلى لتتابع بكبرياء:
- وأنا مش غبية يا دكتورة، علشان كده لسه باقية في المنصب ومحافظة على الكرسي بتاعي.
اشتعل قلب سميحة من رد تلك المتكبرة لتتابع الأخرى مستطردة بإبانة:
- تفتكري إني متعرضتش لعشرات المخططات وكتير حاولوا يوقعوني علشان بس يثبتوا لبشوات عيلة الزين سوء اختيارهم ليا؟
- قصدك مين باللي حاولوا دول يا مدام...
جملة حادة وجهتها لها سميحة وهي ترمقها بنظراتٍ غاضبة لتنطق الأخرى بثبات:
- تقدري تسألي الباشمهندس أحمد في الموضوع ده، هو عنده عِلم بكل حاجة حصلت هنا في الشركة، من يوم ما أنا استلمت منصب رئيس مجلس إدارة المجموعة، لحد اللحظة اللي أنا وأنتِ قاعدين نتكلم فيها دي.
أرادت سميحة إشعال روحها فأجابت ببرود:
- هبقى أسأل فؤاد أفضل، مش حابة أتعب بابي معايا، وبعدين،
وتابعت بنظرة تحدي:
- أنا برتاح أكتر في الكلام مع فؤاد، لإننا فاهمين بعض كويس قوي، بحكم إننا متربيين في بيت واحد وعمرنا كله قضيناه مع بعض.
وباتت تسرد لها:
- قعادنا في بيت جدو قبل ما كل واحد يبقى له بيت لوحده ويتنقل فيه، وسفريات الصيف ورحلات لندن وباريس، ومزرعة الخيول وسباقتنا اللي كنا بنستمتع بيها.
مع كل كلمة تنطق بها كانت تزيد من اشتعال روح تلك العاشقة التي انفجرت وما عادت تستطيع الاحتمال:
- يا ريت يا دكتورة تهتمي بجوزك هو كمان وتفتكري ذكرياتك معاه، هو مش برضه من العيلة وأكيد كان ليكم مع بعض ذكريات؟!
وتابعت بضغطٍ وتأكيد:
- وأهو على الأقل لما تفتكري ذكرياتك معاه مش هتاخدي ذنوب زي غيره.
احتدت ملامحها وامتلأت بالغضب لتهب واقفة وهي تقول:
- أنا مسمحلكيش تدخلي في حياتي الشخصية وتقولي لي أعمل إيه ومعملش إيه يا مدام!
وتابعت والغل يأكل قلبها:
- أنا اللي غلطانة لما فكرت أغير من طريقة تعاملي معاكي وجيت لك علشان أبلغك إن اللي كانت عايزة تأذيكي وقعت في نفس الحفرة اللي حفرتها علشانك، وده بسببي وبسبب ذكائي.
واستطردت بلهجة حادة:
- وبدل ما تشكريني وتحفظي جميلي عليكِ، بتعامليني بمنتهى قلة الذوق لا وكمان قاعدة تسمعيني في خُطب وتديني نصايح.
وتابعت متبعة سياسة قلب الطاولة:
- قبل ما تعملي عليا أبلة الناظرة وتديني نصايح، روحي شوفي بلاويكي وماضيكي الزبالة اللي ورطتي العيلة كلها فيه، مش بس الغبي ابن عمي اللي دخلك عيلة الزين وحطك في مكانة مكنتيش تحلمي بيها.
حاوطت فكها بأناملها الرقيقة وتحدثت بهدوء ما قبل انطلاق العاصفة:
- وإيه كمان يا دكتورة، طلعي الغل والحقد اللي مخبياه في قلبك بقالك سنين.
وتابعت بابتسامة شريرة:
- حارقك قوي إن فؤاد اختارني ولتاني مرة يرفضك.
اتسعت عينيها بجنون لتصيح بصراخٍ هائج:
- أنتِ اتجننتي، إزاي تكلميني بالطريقة دي، شكلك نسيتي نفسك وأصلك.
انتفضت لتقف بجسدٍ تنتفض جميع خلاياه لتهتف بغضبٍ وصرامة:
- أصلي وتربيتي هما اللي مخليني مكملة ومستمرة في مكاني لحد دلوقتي، فؤاد علام اختارني من بين كل الستات اللي كانوا بيلفوا حواليه علشان بس يشوفهم بعيونه.
هدأت قليلًا لتتابع بلهجة شديدة تصل للغرور:
- فؤاد علام بجلالة قدره هو اللي قعد سنة بحالها يلف حواليا، عارفة ليه؟!
كان قلبها يغلي كبركان لتتابع الأخرى بنبرة أهدى:
- لأنه لقاني مختلفة، شاف فيا الست المحترمة اللي محافظة على نفسها واللي هتصون اسمه في غيابه قبل حضوره، شاف فيا أم أولاده اللي هيفتخر بتربيتها ليهم.
استمرت بالحديث وهي تقول باعتزازٍ وكبرياء:
- أنا إيثار الجوهري مديرة مكتب أيمن الأباصيري، المطلقة البسيطة اللي مفيش راجل من الكتير اللي حاولوا يقربوا لي قدر يلمس طرف فستاني، واللي وكيل النيابة من أول يوم شافني فيه وهو مقرر إني هكون مراته.
رفعت سبابتها لتنطق بتوعدٍ مباشر:
- أنا مرات فؤاد علام وأم ولاده، إوعي بعد النهاردة تحاولي تقللي مني،
وتابعت محذرة:
- وكلمة أخيرة واعتبريها نصيحة، إبعدي عن جوزي يا سميحة، وإلا قسمًا بربي هفضحك قدام العيلة كلها، هكشف لهم عن الوش الحقيقي للدكتورة المحترمة اللي سابت شغلها في دبي وسحبت وراها جوزها وعيالها علشان ترجع تقرب من حبيب القلب اللي ولا مرة اختارها، إبعدي عن جوزي يا سميحة.
وتابعت بشراسة أنثى عاشقة:
- واعتبريه تهديد ما قبل العاصفة، اتقي شر قلب ست بتعشق جوزها ومتأكدة إنه بيموت في التراب اللي بتمشي عليه، مش هسمح لك تقربي من جوزي بعد النهاردة.
هزت سميحة رأسها بذهولٍ قبل أن تنطق مستنكرة بازدراء:
- أنتِ واحدة مجنونة.
أجابتها بأعصابٍ باردة:
- يبقى تخليكي زي الشاطرة وتتقي شر جناني، مش برضه بيقولوا ليس على المريض حرج.
فرغت جعبتها لتهذي غاضبة بجنون:
- أنا مش هرد عليكِ علشان منزلش لمستواكِ، أنا هنقل كل كلامك ده لفؤاد وهخليه يجيب لي حقي منك.
رفعت حاجبها مستنكرة:
- وأنتِ فاكرة إن فؤاد لما تروحي تشتكي له مني هيقف في صفك ضدي؟! ده أنتِ تبقي طيبة قوي، يا بنتي فؤاد بيعشقني، إفهميها بقى.
هرول كلًا من بسام وأيهم بعدما علت أصواتهم واخترقت الجدران، لتستمع كلًا منهما إلى بعض الطرقات السريعة وبعدها دفع "أيهم" الباب ليدخل سريعًا وتلاه بسام الذي طرح سؤالًا وهو يتطلع بين كلتاهما:
- فيه إيه، صوتكم جايب آخر الشركة؟!
- فيه إن المدام اتعدت حدودها معايا في الكلام، وأنا مش هسكت، والله ما هسكت يا بسام...
أنهت سميحة كلماتها الغاضبة واندفعت مغادرة كثورٍ هائج لا يرى أمامه من شدة غضبه، انسحب بسام خلف شقيقته بعدما رمق إيثار بنظرة ازدراء بينما هتف أيهم بغضبٍ حاد تجلى في نبراته:
- مالها الست دي يا إيثار، وإزاي تكلمك بالطريقة دي؟
استندت بكفيها على المكتب ثم ابتسمت وهي تقول بطريقة متهكمة:
- سيبها تخرج الغضب اللي جواها بدل ما تنجلط وأعيش بذنبها.
ابتسم ليعقب:
- للدرجة دي قهرتيها يا بنت الجوهري؟
بملامح وجه مكفهرة نطقت من بين أسنانها:
- دي آخرة اللي ييجي عليا يا أيهم، الهانم جاية تصيع عليا وفاكراني غبية وهصدق لعبتها، كانت فاكرة إني هشكرها وأفتح لها حياتي ونقرب من بعض علشان تعرف تختار مناطق ضعفي اللي هتضربني منها كويس، بس ده بُعدها، أنا واقفة لها بالمرصاد، ومبقاش إيثار الجوهري إن ما كنت أخليها تلم شنطها وتسحب التافه جوزها في إيدها ويرجعوا على دبي في أقرب وقت.
وهمست بهسيسٍ بالكاد سمعته هي:
- فؤاد علام ملكي، واللي هيقرب من ملكي مش هسيبه غير وروحه طالعة في إيدي.
على الجهة الأخرى
داخل المكتب الخاص بسميحة، كانت تجوب المكان بجنونٍ وهي تتحدث:
- أنا أتعامل بالطريقة دي ومن مين، من واحدة مقبلش أشغلها عندي سكرتيرة، ربنا يسامحك على اللي عملته في عيلة الزين يا فؤاد، معرفش عقله كان فين وهو بيختارها واجهة ليه، وعمي إزاي وافق على الفضيحة دي، لا ومكتفاش بفضيحة جوازه منها، ده كمان ركبها علينا في الشركة وخلاها ترأَسنا كلنا وتدينا أوامر.
- تستاهلي كل اللي أنتِ فيه وأكتر يا سميحة عارفة ليه...
جملة نطق بها ذاك الذي يقف متفرجًا واضعًا كفيه داخل جيبي بنطاله والابتسامة تعلو ثغره، لتلتفت إليه تلك الغاضبة. ليتابع هو بشماتة:
علشان جت لك الفرصة إنك تخلصي منها وتخلصينا كلنا وإنتِ بغبائك ضيعتينا.
أشارت بسبابتها إليه وتحدثت بجدية:
مفيش حد غبي غيرك يا بسام، إنتَ مش بس غبي ومبتفهمش، إنتَ حقود.
احتدت ملامحه وامتلأت بالغضب، لتتابع هي بإبانة:
علشان متضايق من واحدة تروح تتفق مع العدو وتضيع سمعة العيلة كلها.
وتابعت بإبانة أظهرت مدى ذكائها:
هو أنتَ فاكر إن الزفتة دي لو انقبض عليها في قضية رشوة مش هتضر باسم شركتنا وتخسف بأسهمها الأرض؟!
ده غير إني كنت هحط نفسي في مواجهة الوَحش، هو أنتَ فاكر إن الخطة الهبلة اللي عملتها البت اللبنانية دي كانت هتعدي على واحد بدهاء وخبرة فؤاد؟ ده كان هيدور ويقلب الدنيا لحد ما يظهر الحقيقة ويطلع مراته منها زي الشعرة من العجينة.
وتابعت بسخرية:
وأنا اللي كنت هشيل كل الليلة ومش بعيد كان ضحى بيا وحبسني مكانها.
تشتت عقل الآخر ليجيبها:
أكيد الست كانت هتخطط بطريقة ذكية للموضوع ومكنش هينكشف.
أطلقت ضحكة ساخرة ثم تحدثت بتهكم:
لا هي من ناحية ذكية فهي أثبتت إنها فعلًا ذكية، بدليل إنها رايحة بنفسها المينا تستلم شحنة الهيروين وكل الأوراق باسمها.
داخل الحرم الجامعي، كان يتحرك ممسكًا بيده كوبًا من مشروب النسكافيه. تحركت إليه سريعًا ساندي بمجرد ما إن لمحته، تكاد تكون تراقبه طيلة اليوم في محاولات مستمرة ومستميتة للتقرب منه. تحدثت وهي تبتسم بدلال:
ازيك يا حضرة الظابط.
بنبرة جادة أجابها:
أنا تمام، إنتِ أخبارك إيه؟
مش كويسة... قالتها بعبوس مصطنع لتكمل بدلال حاولت به جذب ذاك الوسيم:
وزعلانة منك قوي.
ليه بس... قالها بهدوء لتجيبه:
علشان طلبت منك أكثر من مرة نتقابل بره الجامعة وإنت كسفتني.
تنهد براحة ثم أجابها وهو يتحرك باتجاه المكتبة لمراجعة بعض المراجع:
إنتِ عارفة كويس إن معنديش رفاهية الوقت للخروج.
كاد أن يكمل ليقطع كلماته وهو يستمع لرنين هاتفه الذي أخرجه سريعًا لينتفض قلبه رهبة حين وجد نقش اسم فؤاد علام. ارتبك وانتابته عدة مشاعر مختلطة ما بين ألم وحزن وفرحة وأيضًا لوم كبير. نطق للأخرى وهو يتخذ جنبًا:
بعد إذنك.
ألو... قالها بجدية أظهرت للآخر مدى حزن يوسف لينطق فؤاد بجدية فهو الآخر مازال غاضبًا من تصرف الفتى:
أيوه يا باشمهندس.
علم من هنا أنه غاضب للغاية فتابع فؤاد بجدية:
أنا بكلمك علشان أبلغك بحاجة مهمة حصلت ولازم تعرفها.
كانت كلماته عملية أكثر من اللازم بالحد الذي جعل يوسف يتيقن من أن فؤاد لن يغفر له ذلته بسهولة. هو أيضًا حزين مهموم من معاملة فؤاد له بطريقة مهينة بذاك اليوم المشؤوم وحتى الآن يعامله برسمية كشخص غريب عنه:
خير حضرتك.
قص عليه تلك المؤامرة الحقيرة التي حاكها والده ورولا بالاتفاق مع سميحة، ليقول لائمًا:
عرفت أنا ليه مكنتش عاوزك تدي لأبوك فرصة يقرب منك ويدخل حياتك، لأنه راجع وقاصد أذية أمك.
واسترسل بحدة بالغة:
ولو أمان أمك ما يهمكش يا حضرة الظابط، فهو مسؤليتي، وأمانها قصاده روحي.
صاح يوسف بلهجة شديدة:
حضرتك عارف أمي بالنسبة لي إيه؟
نطق ساخرًا يخبره بما يعلمه من خلال المراقبة الشديدة التي وضعها هو على الشاب لتأمينه:
آه عارف، بدليل إنك زورت عمرو في بيته وقعدت وأكلت معاه هو وجدتك وباقي العيلة.
ذُهل من معرفته بالأمر وتحدث بعدما تمالك من حاله:
أكيد اللي وصل لحضرتك المعلومات قال لك كمان إني كنت رايح أجيب أختي، اللي جدتها بعتت لها رجالة قطعوا طريق رجوعها من الكلية وخطفوها لعندهم.
صُعق مما استمع إليه. من أي مادة مصنوعة قلوب هؤلاء البشر؟ ألم يشفع لهم مرض تلك المسكينة ليضاعفوا آلامها ويزيدوها رُعبًا داخل قلبها؟ وبرغم غضبه مما استمع إليه لكنه لم يُظهر أي ردة فعل وتحدث بحدة:
حوارات عيلتك دي كلها ما تخصنيش يا يوسف، أنا اللي يهمني في الموضوع ده كله هي مراتي، قسمًا بربي يا يوسف، لو عمرو البنهاوي حاول يؤذيها بأي شكل من الأشكال ما هعمل حساب إنه أبوك تاني.
من شدة غضبه شعر بعروقه تنفر وتنتفض، لم يعد يعلم من أين تأتيه الضربات. هل يحزن على هذا الأسلوب الجديد الذي يعامله به أبوه الروحي؟ أم على ابتلائه في الدنيا المتمثل بذاك الـ "عمرو"؟ تحدث بصوت تملؤه خيبة الأمل:
لما ييجي تحت إيد حضرتك تاني ما ترحمهوش، ومن النهارده حضرتك اعتبرني مش موجود في حياتك، واتصرف على إني مليش أي وجود في دايرتك.
وتابع تحت انتفاضة قلب فؤاد وارتيابه:
بعد إذن حضرتك.
أغلق الهاتف تاركًا فؤاد لتأنيب ضميره. جذب شعر رأسه بقوة وعنف ودق بقدمه الأرض. لام حاله على تلك الكلمات الحانقة التي خرجت نتيجة غضبه من عمرو. أراد أن يهاتفه مجددًا ويعتذر له عن كل ما بدر منه من كلمات جارحة لم تخرج من قلبه المحب لذاك الحبيب الذي تربى داخل كنفه. هز رأسه بأسى وقرر مهاتفة الفتى لاحقًا حتى تهدأ ثورتيهما وتخمد نار غضبهما الذي تسبب به "عمرو البنهاوي".
استقل الشاب سيارته وقادها بسرعة جنونية تاركًا تلك التي زفرت بحدة من تجاهله لها حتى أنه غادر الجامعة دون الاعتذار منها.
داخل منزل عمرو البنهاوي.
يجلس هو وسليم ونائلة بصحبة المحامي لتنطق الأخيرة بدموع وانهيار:
دخيلك تطمني وتقلي إن بنتي راح تطلع من هاديك القضية بسلام.
تحدث المحامي بثقة:
ما تقلقيش يا هانم، القضية سهلة جدًا، بمجرد ما الموظف اللي أقنعتوه يروح النيابة ويعترف إن هو اللي اتفق على تهريب شحنة الهيروين في الأجهزة، وإن مدام رولا ملهاش أي علاقة هتخرج بسهولة.
سأله عمرو بارتياب:
طب والتسجيلات اللي مسجلاها بنت عم فؤاد علام يا متر؟
تبلها وتشرب ميتها... نطق بها الرجل ساخرًا ليتابع موضحًا الأمر:
التسجيلات دي ملهاش أي لازمة وغير معترف بيها لأنها تمت بدون إذن من النيابة العامة.
نطق سليم إلياس مستفسرًا:
وإذا فؤاد علام أوجد إذن النيابة، شو رح يصير ببنتي يا أستاذ؟
نطق الرجل بطلاقة لمعرفته بفؤاد:
فؤاد علام أذكى من إنه يزق باسمه واسم والده في حاجة مشبوهة زي دي، ده راجل مرشح لإنه يكون عضو من أعضاء هيئة المستشارين بالمحكمة الدستورية العليا، فاطمنوا.
وتابع بدهاء رجل قانون متمرس:
من خلال خبرتي أقدر أقول لكم إن اللي عمله فؤاد علام قرصة ودن لعمرو بيه مش أكثر، لأنه لو عنده النية فعلًا يسجن المدام كان حَبك القضية أكثر من كده، ومكنش ساب ثغرة واحدة لمحامي يعرف يعدي منها.
سأله سليم:
وبرأيك شو يلي منعه يا أستاذ؟
ضميره الحي، عيلة الزين وخصوصًا علام وابنه، معروفين بالسمعة الطيبة والضمير الحي، وتابع مستشهدًا:
يا راجل ده سجن مراته وما خافش من الفضيحة ولا على شكله قدام الناس.
صاحت نائلة ودموعها تغرق وجنتيها:
ما بيهمني كل يلي عم تحكوا فيه، أنا بدي بنتي تخرج اليوم قبل بكرة.
أجاب الرجل بثقة:
هتخرج يا هانم، شوفوا بس الراجل اللي هيشيل الليلة وراضوه كويس علشان لما النيابة تضغط عليه ما يضعفش ويعترف ويضيع كل اللي رتبنا له.
أجابه سليم بثقة:
لا تقلق، أنا عطيته مبلغ إذا بيقضي عمره كله عم يرمح رمح ما بيجمع ربعه.
قطع كلامهم صياح يوسف الذي هتف بقوة زلزلت جدران المنزل:
إنتَ فين يا عمرو يا بنهاوي، اطلع لي هنا وكلمني راجل لراجل.
هتفت إجلال التي تجلس ببهو المنزل مرتكزة على تلك العصا تتكأ عليها:
فيه إيه يا واد، مالك داخل علينا حامي كده؟
ابنك فين؟... قالها بحدة وغضب ليجتمع جميع من بالمنزل على صياحه العالي، حتى زينة هرولت من المطبخ حيث أمرتها إجلال بجلي الصحون كنوعًا من التسلية وممارسة أقرب الهوايات إلى قلبها، ألا وهي قهر وإذلال الآخرون. هرول عمرو على نجله ليسأله بهلع:
مالك يا يوسف، فيه إيه يا ابني؟
بأعين تُطلق حِممًا بركانية هتف:
- إوعى أسمعك بتقول كلمة ابني دي مرة تانية، إنت فاهم!
وهرول يقابله بالوقوف، كوّر قبضة يده ورفعها للأعلى ثم نفضها بحِدة في الهواء ليهتف من بين أسنانه والشرر يتطاير من عينيه:
- المفروض تحمد ربنا ألف مرة على إني متربي كويس وعارف ديني، وإلا كان زماني مخلص عليك ومخلص أمي من شرك.
هتف سليم وهو يحُث المحامي على التقدم للخارج:
- اتفضل معي يا أستاذ.
خرج كلاهما وصعدت نائلة للأعلى تاركة هؤلاء المجاذيب كي يمارسوا هوايتهم المفضلة وهو التشاجر وممارسة الصوت العالي.
هتفت إجلال وهي ترمق الشاب باحتقار:
- إخص على ربايتك، إنت فعلًا رباية مرة يا واد يا يوسف.
التفت إليها بأعين تُطلق أسهمًا نارية:
- رباية المرة اللي بجد واقف قدامك أهو.
اتسعت أعين عمرو وهو يرى نجله الحبيب يشير إليه ليتابع الفتى بشراسة:
- اللي يتفق مع مراته على أم ابنه ويحاول يلفّق لها تهمة مخدرات ويسجنها، هو ده اللي يتقال عليه رباية نسوان بجد.
- أنا ما عملتش كده، والله العظيم ما ليا يد في أي حاجة ولا كنت أعرف...
قال تلك الكلمات بدفاع وتبرئة حاله ليتابع وهو يتطلع لعينيه برجاء:
- أنا عمري ما أفكر أأذي إيثار لسببين يا يوسف.
همس متأثرًا:
- الأول لأني لسه بحبها وعمري ما نسيتها.
وتابع بصدق وهو يحيط كتف الفتى:
- والتاني لأنها أمك يا حبيبي.
نفض عنه يده وتحدث بحِدة:
- كلامك ده تروح تضحك بيه على أي حد غيري.
صرخ عمرو بدفاع عن حاله:
- والله العظيم يا ابني دي الحقيقة.
نطق سليم الذي ولَج للتو بعدما تحدث بالحديقة لبعض الدقائق مع المحامي:
- صدّقه يا يوسف، أبوك عم بيقول الحقيقة.
قالها وصعد لزوجته لينطق يوسف بغضب:
- اسمعني كويس يا عمرو يا بنهاوي، قسمًا برب الكون، لو حاولت تقرب من أمي تاني لأنسى أنك أبويا وأنسفك من على الأرض نسف.
هتفت إجلال بحِدة متهكمة:
- والله وعرفت تربي بنت منيرة.
تحرك ليغادر فجذبه عمرو من رُسغه وهو يقول بعدما أرغمه على الوقوف:
- فؤاد علّام بيحاول يفرق بينا يا يوسف، إوعى تدي له الفرصة دي.
- فؤاد علّام أشرف منك ألف مرة...
قالها باشمئزاز وهو يجذب رُسغه بحِدة وقوة ليتابع بتهديد صارم:
- لآخر مرة هقولها لك، ابعد عن أمي واتقي شر غبائي.
تحرك خطوتان صوب باب الخروج لتهرول إليه الفتاة وهي تنادي باسمه بندم:
- يوسف!
قطعت طريقه وأمسكت ذراعيه وكأنها تستنجد به، وقفت تتطلع عليه بأعين دامعة آسفة تجول على ملامحه التي اشتاقتها بألم، ابتلع ريقه لينطق بحزم:
- هستناكي برة في العربية على ما تجيبي حاجتك.
حركت رأسها عدة مرات بسعادة لتهرول سريعًا إلى الدرج كعصفور سجين فُتح له باب القفص، خرج يوسف ينتظر شقيقته بالخارج ليقف عمرو مكتوف الأيدي بقلب مكسور لتنطق إجلال وهي تدق الأرض بعصاها:
- يا خيبتك في عيالك يا عمرو يا ابني، زرعتك كلها طرحت في أرض غيرك.
تنهد بألم ونظر أمامه وهو يشعر بخيبة الأمل والحسرة لخسارته لنجله رغم محاولاته المستميتة لاحتوائه والتقرب منه.
بعد قليل كانت تجاور شقيقها سيارته، تطلعت عليه وهو يقود وينظر أمامه كالآلة، ابتلعت ريقها لتضع كفها فوق كفه وهي تقول بخجل:
- أنا آسفة يا يوسف.
تطلع عليها لتخرج تنهيدة حارة شقت صدر كلٍ منهما لتشهق هي بدموع الندم، رق قلبه ولان فصف سيارته جانبًا ليأخذها بين أحضانه وبات يربت على ظهرها حتى هدأت واستكانت.
***
ليلًا داخل منزل ماجد.
يجلس حول تلك الطاولة المتواجدة بالحديقة تجاوره فريال وبالمقابل سميحة التي أتت لزيارتهما كي تشتكي إلى فريال زوجة أخيها التي تعدت جميع خطواتها بالنسبة لها، هتفت بحِدة والحنق يتملك منها:
- أنا، دكتورة سميحة الزين يتقال لي الكلام ده يا فيري، ومن مين، من واحدة دخيلة على عيلتنا.
وتابعت بحِدة أعنف:
- ولما أقول لها هشتكي لفؤاد وهو هياخد لي حقي منك، تقولي بكل غرور وهي بتضحك، هو انت فاكرة بغبائك إن فؤاد ممكن يقدر يزعلني ولا يعملي حاجة، ده بيموت في التراب اللي أنا بمشي عليه.
نطقت بهدوء لإخماد ثورة ابنة عمها:
- يا حبيبتي اهدي شوية، أكيد إيثار ما تقصدش بكلامها المعنى اللي وصلك.
بلهجة غاضبة عنّفت الأخرى:
- هو انتِ لسه هتدافعي عنها بعد كل الكلام اللي حكيتهولك ده يا فيري؟!
كان متكئًا على المقعد محاوطًا فكه بأصابع يده يتطلع على سميحة بتمعن وهو يستمع لحديثها باستمتاع وحبور داخلي، ليقرر التدخل بكلماته المسمومة قائلًا:
- ريّحي نفسك يا سميحة، فريال عمرها ما هتيجي على الهانم علشانك أو علشان أي حد.
وتابع ساخرًا:
- إذا كانت بتقف ضدي أنا شخصيًا علشانها، هتقف معاكِ ضدها إزاي؟!
- ماجد من فضلك...
جملة تحذيرية قالتها فريال ليهيج هو أكثر مستغلًا غضب سميحة:
- بلا من فضلك بلا زفت بقى، الموضوع كده زاد عن حده، الهانم أخذت راحتها على الآخر لدرجة إنها اتجرأت على أخوكِ شخصيًا والغريب في الموضوع إنك لسه بتحامي لها.
نطقت بدفاع مستميت لأجل صديقتها:
- بلاش تحكم على حد من غير ما تسمع منه يا ماجد.
أشار بكفه إلى سميحة ونطق لإشعال غضبها أكثر:
- اتفضلي.
هاجت الأخرى وصاحت بعتاب:
- قصدك إن أنا كذابة وبفتري عليها يا فريال؟!
- أكيد ما أقصدش كده يا سميحة...
وتابعت بحكمة:
- ممكن تهدي بقى علشان نعرف نتفاهم.
بحِدة بالغة أخرجت كلماتها:
- نتفاهم على إيه، أنا جاية أشتكي لك من مرات أخوكي اللي أهانتني قدام الشركة كلها، وإنتِ بتكذبيني من قبل حتى ما تسمعي منها، فاضل إيه تاني نتكلم فيه يا فيري؟!
أجابتها ببعض من التعقل:
- أنا ما كذبتكيش ولا أقدر أقول كده، أنا بقول يمكن فهمتي كلامها غلط.
تحدث من جديد لإشعال الفتنة:
- يا سميحة أنا قلت لك ريّحي نفسك، إيثار هانم خلاص، ملكت الشركة وأصحابها وانتهى الموضوع.
هتفت بجنون:
- أنا هتجنن يا ماجد، إزاي قدرت تسيطر على عقول الكل بالشكل ده، ده حتى بابي لما روحت أشتكي له منها غلطني ووقف معاها، أنا معرفش الست دي عامله لهم إيه، ده أنا لو بصدق في السحر كنت شكيت إنها عامله لهم أعمال!
نطق بغِل وحقد:
- خبث ولؤم الفلاحين مفعوله أشد من السحر يا دكتورة.
- ماجد، ما تنساش إن اللي بتتكلم عنها دي تبقى مرات سيادة المستشار فؤاد علّام...
قالتها فريال بلهجة حادة لتتابع باستغراب:
- ثم أنا مش فاهمة انتوا ليه حاطينها في دماغكم قوي كده، الست في حالها وعمرها ما أذت حد فيكم.
صاحت سميحة باعتراض:
- ولما تاخد المكانة دي في شركة عيلتي ما تبقاش بتأذينا يا فريال؟!
نطق ذاك الشيطان:
- سميحة عندها حق، دي شركتكم أنتم، شركة أولاد الزين ولازم اللي يديرها يبقى حد منكم، على الأقل هتحافظوا على مالكم، طب أهي مشغلة أخوها ومراته معاها في الشركة، حد عارف بيعملوا إيه من الباطن، مش يمكن بيمرروا صفقات لحسابهم وانتوا مش حاسين.
هتفت سميحة مؤكدة:
- عندك حق يا ماجد، الهانم واخدة صلاحيات إن محدش يقدر يراجع وراها، دي أوراقها الخاصة بشغلها محدش يقدر يوصلهم يا ماجد، تخيل؟!
نطقت فريال تجيبها:
- فؤاد هو اللي مديها الصلاحيات دي علشان يأمنها، لأنها مستهدفة يا سميحة، وانتِ بنفسك شفتي لما الحقيرة مرات طليقها حاولت تلفّق لها تهمة زور.
وتابعت ردًا على حديث زوجها:
- وبالنسبة لإدارة الشركة فهي أحق حد بإدارتها، أولًا جوزها بيمتلك أكثر من سبعين في المية من الأسهم بعد بابا ما اتنازل له عن الأسهم بتاعته، يعني معظم الشركة ملك لأولادها وهي أحق بإدارة مالهم.
اتسعت أعين سميحة لينطق ماجد باستسلام:
- أنا قلت لك من الأول ما تتعبيش نفسك يا سميحة.
في الصف المقابل، تقف إيثار داخل شرفتها تتطلع على اجتماع ذاك الثلاثي بقلب حزين. نزلت إلى الأسفل وتطلعت بأسف على قلبها الماكث خلف باب ذاك المكتب المغلق. فمنذ ما حدث بمنزل نجلها وهو بعيد كل البعد عنها. يستيقظ باكرًا دون أن ينظر لوجهها ويذهب إلى عمله، ثم يعود إلى المنزل يتناول وجبة غدائه مع العائلة، ثم يقضي معظم يومه داخل ذاك المكتب اللعين ولا يخرج منه سوى على النوم بحجرتهما المشتركة تجنبًا لتنفيذ تلك الغاضبة لتهديدها. استمعت لأصوات ضحكات أنجالها الثلاث تأتي من حجرة المعيشة حيث كانوا يجلسون بصحبة جديهما لمشاهدة أحد الأفلام العربية. تنهدت بأسى وشعرت بالوحدة، فتحركت لتجلس بالحديقة عل استنشاقها للهواء النقي يساعدها على الاسترخاء قليلًا وتحسين حالتها المزاجية. أقبلت عليها عصمت التي تحدثت:
- قاعدة لوحدك ليه يا إيثار؟
اعتدلت بجلستها وتحدثت بصوت يحمل الكثير من الهموم:
- متوترة شوية ومحبتش أضايقكم معايا.
جلست بالمقابل وسألتها:
- بردوا مش عاوزة تقولي لي إيه اللي حصل بينك وبين فؤاد ووصل الأمور بإنه يحبس نفسه في المكتب بالشكل ده؟
أخذت نفسًا عميقًا وتحدثت بعدما اتخذت قرارها:
- أنا هحكي لك يا ماما، بس بعد إذنك، اللي هحكيه يفضل ما بينا، لأن لو فؤاد عرف مش هيسامحني. ده غير إن بابا لو عرف مش هيسكت وممكن المشكلة تكبر أكتر من كده، وكمان علشان أحكي لك على اللي حصل من الدكتورة سميحة النهارده في الشركة.
قصت لها كل ما حدث بداية من حضور عمرو إلى منزل يوسف حتى مشاداتها مع تلك السميحة. شهقت عصمت وتحدثت بذهول رافض:
- إزاي فؤاد يقلل من نفسه ويخاطر بمنصبه بالشكل المتهور ده؟ ده الباشا لو عرف هيخرب الدنيا.
حاوطت كفها بخاصتها في محاولة لكبح غضبها وهي تقول:
- أرجوكِ، تمالكي أعصابك وحاولي تهدي. أنا علشان كده قولت لك الباشا الكبير مش لازم يعرف.
- وتفتكري واحد في منصب الباشا ووضعه في البلد مش هيعرف يا إيثار؟!
أجابتها الأخرى بتأكيد:
- مش هيعرف لأن فؤاد عاوز كده، فأكيد بطريقته هيمنع أي معلومة توصل للباشا.
ضيقت بين عينيها بتفكر ثم سألتها:
- بس غريب قوي تصرف سميحة معاكِ!
نطقت إيثار بدهاء:
- ولا غريب ولا حاجة، سميحة مش هبلة زي بسام، هي ست ذكية وأكيد حسبتها بعقلها وقالت إن فؤاد كده كده هيعرف زي ما كشف بسام قبلها.
ونطقت بما أملاه عليها ضميرها:
- ده غير إنها فعلًا أثبتت إن ولائها لعيلتها كبير، سيبك من إنها بتكرهني، بس كانت ممكن ترفض عرض رولا وتكتم على الموضوع من غير ما تبلغ فؤاد، بس هي لعبتها بذكاء، كسبت ثقة فؤاد بإنها بلغته وسجلت لها، وتاني حاجة حمت عيلتها من واحدة مجرمة بتخطط توقع شركة العيلة وتسوء سمعتها في المجال.
سألتها عصمت بألم ظهر بعينيها:
- ويوسف حبيبي عامل إيه، قدر يتخطى اللي حصل ولا لسه مأثر عليه؟
بدى على وجهها التأثر والحزن لتأخذ نفسًا عميقًا قبل أن تتحدث:
- بيحاول يكون كويس، أنتِ عارفة يوسف كتوم ومبيحبش يظهر اللي جواه، ودي مشكلته، بيتحمل من غير ما يبين إنه تعبان أو مقهور.
تناقشتا بجميع النقاط ثم تحدثت عصمت بدهاء:
- طب وأنتِ هتفضلي سايبة جوزك زعلان كده كتير؟
طالعتها بذهول لتتابع الأخرى بذكاء:
- أنا خايفة لسميحة تستغل خصامكم وتقرب منه علشان تغيظك.
تحدثت بشراسة من بين أسنانها:
- خليها تقرب وهي تشوف الوش التاني لإيثار الجوهري، أنا مكنتش بهوش بالكلام اللي قولتهولها يا ماما، أنا كنت بحذرها علشان تستغل آخر فرصة وتختفي من حياة جوزي. وتقريبًا هي فهمت رسالتي وعرفت إني جبت آخري منها وصبري عليها نفذ، علشان كده جت تشتكيني لفريال وماجد.
تطلعت عصمت إليها وصمتت فتابعت مسترسلة بحدة:
- فؤاد غلط فيا وأهاني يا ماما، وده كله عندي كوم، ومعاملته ليوسف وإنه يزقه بالشكل ده كوم تاني، كله إلا يوسف يا ماما، كله إلا يوسف.
قالت كلمتها الأخيرة بدموع ترقرقت بعينيها مما جعل الأخرى تتحدث وهي تربط على كفها باحتواء وحنان:
- بلاش تدي لموضوع يوسف حجم أكبر من اللي يستحقه يا إيثار، يوسف غلط بالنسبة لفؤاد وأي ابن بيغلط أبوه بيعنفه وبيعامله بشدة علشان ميكررش غلطه تاني، وكلنا عارفين يوسف إيه بالنسبة لفؤاد، ده مبيقولش عليه غير ابني البكري، وأنتِ أكتر واحدة عارفة الكلام ده كويس ولمساه في معاملة فؤاد ليه، وأكيد أنتِ مش مستنية إني أفكرك بالكلام ده كله.
نطقت بصوت مختنق بفضل دموعها الحبيسة:
- حضرتك مشوفتيش هو زقه إزاي يا ماما.
أجابتها بنبرة حنون للتخفيف من ثقل ما تشعر به من انكسار:
- يا حبيبتي قولنا ابنه، واحد غضبان وفرغ غضبه في ابنه، اللي من وجهة نظره هو السبب في المشكلة لأنه سمح لأبوه يدخل البيت وأنتِ موجودة. أنتِ الوحيدة اللي في إيدك حل المشكلة بمنتهى السهولة يا إيثار.
قطبت جبينها وترقبت حديث والدة زوجها فتابعت الأخرى برزانة:
- حاولي تهدي يوسف من ناحية فؤاد وتقربي بينهم من جديد، وراضي فؤاد، خديه في حضنك وطبطبي عليه. الراجل لما بيغير بيبقى عامل زي الأعمى، لا بيشوف ولا بيسمع اللي بيقوله، وهو أكيد ندمان على كل اللي قاله وعمله، بس مكسوف يبدأ هو.
نطقت متهكمة:
- آه، هو مكسوف وكرامته غالية عليه وأنا كرامتي متاحة للجميع يدوسوا عليها ويهينوا فيا وبكل بساطة أرجع مذلولة وأنا اللي أتأسف كمان.
هبت واقفة لتنطق بحدة وصرامة:
- أنا آسفة يا ماما، مقدرش أسمع كلامك المرة دي وأتنازل عن كرامتي.
نطقت عصمت بجدية تعود لحدتها من زوجة نجلها وعنادها الكافر:
- براحتك، أنا نصحتك باللي يمليه عليا ضميري واللي شفته صح من وجهة نظري ومن خلال خبرتي ونضوجي الفكري اللي اكتسبته من السنين. أنتِ بقى ديري حياتك براحتك وزي ما تشوفيها.
أومأت برأسها ثم نطقت بتأكيد:
- ياريت زي ما اتفقنا متقوليش حاجة للباشا.
أجابتها بطمأنة:
- مستحيل أعمل كده، علام لو عرف هيبهدل فؤاد واحتمال يقاطعه فيها مدة كبيرة، لأنه نبهه كذا مرة وأكد عليه.
- متشكرة يا ماما.
تنهدت الأخرى وتحدثت:
- اطلعي خدي لك شاور سخن يحسن من مزاجك وحاولي تهدي شوية، مفيش حاجة بتفضل على حالها، وفؤاد هيزعل له يومين وهيرجع يصفى تاني هو ويوسف.
حركت رأسها بموائمة واتجهت للأعلى للعمل بنصيحة "عصمت".
في تمام الحادية عشر تسطحت فوق الفراش ومالت على جنبها واضعة كفها تحت رأسها وباتت تفكر بألم فيما وصلت إليه بفضل ذاك الـ"عمرو". ألم تنتهي لعنتها بعد؟ إلى متى سترافقها لعنات الماضي وتلاحقها ذنوبه؟ متى ستحيا حياة البشر الهادئة؟ لقد هرمت روحها من كثرة ما عاشت من مؤامرات وكوارث هي ونجلها. تنهدت حين استمعت لباب الغرفة يفتح بهدوء. ولج ليجد المكان سابحًا في الظلام. تحرك وضغط زر الإضاءة المجاور لطرف فراشه لتظهر بعض الإضاءة الخافتة. اختفى خلف باب الحمام وخرج بعد مدة وهو يرتدي بنطالًا من القطن الأبيض وصدرًا عاريًا كعادته. تسطح بجوارها وشبك كفاه ليضعهما تحت رأسه. تنهد بحزن ثم استدار لينام على جنبه. تطلع على تلك التي تواليه ظهرها وتتظاهر بالغوص في النوم. اقترب عليها بعدما غلبه الشوق وشق قلبه الاشتياق. قرب أنفه من خصلات شعرها المبعثرة فوق وسادتها البيضاء والتي أظهرت لونه الرائع. أغمض عينيه وبدأ يأخذ أنفاسًا عميقة ليحتفظ داخل رئتيه بأكبر قدر من عبق روائحها الذكية التي تنعش روحه وتشعره بالحياة. لقد اشتاقها بجنون. اشتاق عبق روائحها، عطر أنفاسها، عيناها، لمساتها الساحرة لجسده. يا الله، كم يعشق تلك المرأة التي استولت على كيانه واستوطنت العقل قبل القلب. دقات قلبه تضاعفت وباتت تدق بصوت عالٍ ووتيرة سريعة. تخيلها وهي تعتدل لتملس بأناملها الرقيقة فوق صدره لتشعل جنونه وتزيد لهيب الغرام. تخيلها بين أحضانه وهي تعتذر بعينيها قبل اللسان عن تلك المشاعر القاسية التي تسببت له بها من خلال ما حدث. تخيلها وهي تسقيه من شهد غرامها كؤوسًا وكؤوسًا كتعويض عما حدث. ترددت همساتها داخل أذنيه وهي تلقي على مسامعه أعذب كلمات الغرام وتخبره أنه رجل حياتها لتشعره أنه سيد الكون بأكمله. تنفس براحة لمجرد التخيل وزاد لهيب جسده مطالبًا بها. لكنه فاق على ثبات تلك الحبيبة التي باتت تواليه ظهرها بكل ليلة بدلًا من الاعتذار والارتماء داخل أحضانه. كانت تشعر بفوران جسد حبيبها، إن لم تشعر هي به فمن سيشعر؟ ودت لو بإمكانها العدول عن ذاك العناد والاستدارة لترتمي بين أحضان حبيبها. تمنت لو يحتوي ألمها كعادته ويشدد من احتضانها ليزيل عنها جميع مخاوفها والأحزان. انتظرت بأن يجذبها عنوة ليثبتها بأحضانه بالقوة. كلمة يقولها وينتهي كل هذا العناد ويمضي، "أنا آسف". أقسمت لو فعل هذا وقالها لجنبت كل ما حدث وحاولت نسيانه. انتظرت وانتظرت ولم يأتِ فزاد عنادها. حدثتها كرامة الأنثى لديها حين لان قلبها وهمس بأن تعتدل وتطلب وده. قالت لها: أين كرامتك يا امرأة؟ ألا لعنت الله على الاشتياق، ولتذهب المشاعر إلى الجحيم أمام الكرامة.
بعد مرور عدة أيام، خرجت رولا من القضية تحت تسلية فؤاد الذي جعلهم يرون حجمهم الطبيعي بجواره، لكي يحذروا من التلاعب معه بعد ذلك. ما زال الوضع بائسًا كما هو بين العاشقين "فؤاد" و"إيثار"، بل زاد عنادهما وكُلٌّ منهما بات ينتظر الاعتذار من الآخر. تحسنت علاقة زينة ويوسف بفضل تغافل الأخير لزلة شقيقته، أما ذاك العاشقان الصغيران فقد تفاقم الوضع وأصبح أكثر سوءًا، ومضت بيسان بطريق الانتقام لكرامتها. واليوم هو يوم إتمام خطبتها على ذاك المتسلق على أكتاف الآخرين "نبيل". أصرت بيسان على إقامة الحفل داخل قصر علام لضمان حضور يوسف بعدما بعثت له بدعوة خاصة إلى مسكنه للحضور بصحبة شقيقته، كي ترى بعينيها الحسرة وهي تملأ عينيه حين يراها تجاور غيره وترتدي خاتم الارتباط به. كانت بإحدى الغرف بالطابق الأعلى، تجلس أمام إحدى مصففات الشعر التي حضرت لتزيينها وإخراجها في أبهى صورة. تجاورها فريال ودموعها حبيسة ساكنة بعينيها وهي تتطلع على ملامح ابنتها التي سكنها الحزن واستوطن.
أما بمسكنه، فكان واقفًا أمام مرآة الزينة يصفف شعره بعناية فائقة. أمسك بقنينة عطره المميز لينثر بسخاء منها على جسده. ابتسم بسخرية وهو يتطلع على تلك البذلة الفخمة والتي كان قد جلبها خصيصًا واحتفظ بها لذاك اليوم. فقبل حدوث المؤتمر بسبعة أيام فقط، قرر أن يذهب بعد المؤتمر مباشرة ليطلب يد حبيبته من أبيها بحضور علام والجميع. كان سيطلب يدها برأس شامخ بعدما أثبت أنه جدير بالفوز بأميرته.
أخرجه من شروده طرقات شقيقته التي ولجت لتنطق بأعين حزينة:
- لآخر مرة هطلب منك متروحش يا يوسف.
تجاهل حديثها واستدار يتطلع عليها بنظرات إعجابية لثوبها وجمالها الهادئ:
- إيه يا بنتي الجمال ده كله؟ كده هتغطي على العروسة.
تحدثت متأثرة ولمعة دموعها تتلألأ بعينيها:
- بلاش علشان خاطري يا يوسف، إحنا مش مجبرين نحضر.
استدار ليقف أمام مرآته من جديد ليرتدي ساعة يده الفخمة قبل أن يقول بجدية:
- أنا كده جاهز، نقدر نتحرك.
رواية انا لها شمس الفصل السبعون 70 - بقلم روز امين
إلى تلك التي أهدتني الكذب والخداع، وقررت بين ليلة وضحاها أن تتركني فريسة للحيرة والضياع. إلى من ظننتها امرأة العمر وأسميتها نبض الغرام. من أسكنتها تجاويف قلبي وتوجتها ملكة على عرش الوجدان، لأكتوي بنار غدرها وبدون مقدمات. إليك يا من ناقضت العهد، وبمنتهى التخلي تركت الوعد. أتيت إليك اليوم لأشهد تدوينك لعهدك الجديد لبديل عني. جئتك لأتعمق بعيناك للمرة الأخيرة وأنا أمزق أمامك تلك الدفاتر التي دونت بها قصائد غرامك على مر الزمان بأحرف من دمي. وليشهد الجميع مرارة النهاية كما شهدوا روعة البداية. واليوم، فلننتهي.
يوسف البنهاوي
بقلمي روز أمين
حالة من التأهب التام تحدث داخل حديقة قصر الموقر "علام زين الدين"، حيث تتم أقصى الاستعدادات لاستقبال حفل الخطبة من قِبل الشركة المنظمة المتفق معها من قِبل فؤاد وعلى نفقة علام الذي تكفل بكامل الحفل كهدية لحفيدته الغالية، برغم حزنه على ذاك النسب غير الملائم للجميع.
تحركت نوال بجوار ماجد لتفقد أصناف الطعام الذي سيقدم بالحفل لتقول بجشعٍ وهي تتطلع عليه:
- هي الناس دي بتجيب الفلوس دي كلها منين يا ماجد؟ دي الحفلة دي مصروف عليها ملايين.
زفر ماجد بضيقٍ يعود لعدم رضاه على تلك الخطبة برمتها لتسترسل نوال حديثها:
- اهدى بقى وروق يا حبيبي، محدش عارف الخير فين، والولد مش وحش بردو، ده هيبقى سفير وأبوه عنده شركات وفلوس تسد عين الشمس.
- القصة مش قصة فلوس بس يا ماما، الناس دي لا تناسبنا اجتماعيًا ولا علميًا.
- أهم حاجة في الزمن ده هي الفلوس...
جملة نطقتها نوال عن اقتناعٍ لتقطع حديثهما اقتراب عصمت منهما وهي تسألها من باب الواجب:
- إيه رأيك في البوفيه يا مدام "نوال"؟
بابتسامة هادئة أجابتها:
- حلو قوي يا حبيبتي، عقبال ما تعملوا لها بوفيه الفرح.
بكل ثقة وأريحية أجابتها "عصمت":
- إن شاء الله، وأنا بنفسي اللي هشرف على تجهيزه، وعلى مزاجي.
نطقت كلماتها لتنسحب تتابع باقي التجهيزات، لوت نوال فاهها لتسأل نجلها باستنكارٍ:
- هي حماتك بتتكلم كده ليه يا ماجد؟
نطق بتمللٍ وحدة نابعة من داخله:
- سيبني في حالي يا ماما، أنا مش طايق نفسي.
_______________
بالأعلى
فتح باب الجناح كي يرى ساكنة الروح ويطمئن على حالها، فمنذ الصباح لم يلمح طيفها بالمنزل، فقد عزلت حالها بغرفة ابنتها كي تتجنب التحضيرات التي تتم داخل القصر وبحديقته لإتمام خطبة حبيبة نجلها الغالي على غيره، لم تتحمل الوضع فابتعدت كي لا يتأذى قلبها أكثر، حتى أنها لم تقترب من غرفة الفتاة والتمست فريال لها عذرًا. وجدها تقف أمام الفراش تساعد الصغير على إتمام ارتداء ملابسه بالكامل، صاح الصغير حين رأى غالي قلبه ليقول بسعادة وهو يشير لثياب أبيه:
- شوفت يا بابي البدلة بتاعتي زي بتاعتك إزاي.
ارتسمت ابتسامة مصطنعة على وجهه لينطق بودٍ للصغير:
- جميلة يا حبيبي، حلوة قوي.
تحدث الصغير وهو يقفز بحبورٍ بَين على ملامحه:
- جدو علام حبيبي هو اللي جابها لي مع بدلته.
وتابع بثرثرةٍ اتخذها نهجًا عن عزة:
- أنا قولت له عاوز بدلة لونها أبيض زي كريم صاحبي، بس هو قال لي هجيب لك لونها أسود علشان نلبس كلنا شبه بعض أنا وإنت وبابي والعبقري "زينو" حبيبي.
رفع كتفيه لأعلى ليتابع:
- بس أنا مش عارف يوسف هيلبس زينا ولا لاء.
حاولت تثبيته لتتمكن من إغلاق أزرار قميصه الأبيض ثم نطقت بصوتٍ يكاد يستمع من شدة حزنها:
- اثبت يا مالك علشان أعرف أقفل لك زراير القميص.
تطلع لوجهها وتمزق قلبه لحالها، فبرغم أنهما مازالا متشاحنان إلا أن قلبه يتألم بشدة لأجل حالها وحزنها على فلذة الكبد، اقترب من طاولة الزينة وبدأ يعبث بأدراجها متعللًا بالبحث عن ساعة يده حيث تعمد نسيانها ليصعد مرة أخرى ويرى فاتنته العنيدة. انتهى الفتى من ارتداء ملابسه لتتحدث إليه بانكسارٍ ظهر بصوتها:
- روح لأخوك أوضته زمانه خلص لبس هو كمان وانزلوا عند جدوا.
وتابعت محذرة:
- إوعى تسيب إيد أخوك أو تتشاقى يا مالك.
خرج صوته وهو يمسك بقنينة عطره وينثر منها على عنقه وذقنه:
- استنى يا حبيبي أنا هاخدك معايا وأنا نازل.
وتابع بصوتٍ حاد متحاشيًا النظر لوجه تلك التي مازالت بثياب المنزل:
- لما تجهزي ابقي رني عليا علشان أطلع أخدك وننزل الحفلة مع بعض.
قالها متحججًا باتباع الأصول لتمتنع هي عن الرد وتتحرك منسحبة تختفي خلف باب الحمام وتترك قلبه للغليان حيث همس من بين أسنانه:
- ماشي يا إيثار، تقلي في حسابك معايا كمان وكمان.
- إنت بتكلم نفسك زي زوزة يا بابي؟!...
قالها ذاك المراقب لملامحه ليصيح به الآخر بحنقٍ:
- ملقتش غير عزة وتشبهني بيها يا سرسجي العيلة.
وتابع وهو يشير إلى الباب تحت ضحكات الصغير:
- يلا قدامي.
هتف معترضًا وهو يهرول إليه:
- حط لي برفيوم من بتاعك الأول.
- تعالي يا أبو لسانين... نثر عليه من العطر ثم اصطحبه وتحركا إلى حجرة زين لينطق للفتى:
- خلي أخوك معاك يا زين واستنوني هنا في الأوضة، هروح أشوف عمتك وبوسي وأرجع لكم علشان ننزل الحفلة مع بعض.
- أوكِ يا بابي...
قالها الفتى باحترام لينسحب فؤاد إلى الحجرة التي خُصصت لنجلة شقيقته كي تتجهز بها لاستقبال حفل خطبتها، دق الباب لتفتح له فريال التي طالعته بأعين يكاد الدمع ينفجر من داخلهما. شعر بحزنها فملس بكفه على شعرها الناعم وتحدث قائلًا بهدوء:
- بوسي خلصت؟
- آه يا حبيبي...
وأشارت بكفها:
- ادخل.
اعتدلت الفتاة حين رأته وتحركت إليه تطالعه بجمودٍ يخبئ خلفه دمارًا شاملًا لروحها، تنهد بأسى قبل أن يسألها بهدوءٍ كأنه يقدم لها الفرصة الأخيرة للتراجع والفرار:
- جاهزة؟
استمدت قوتها من ثورة مشاعر الغضب الكامنة بداخلها من خيانة ذاك الحبيب الذي تخلى وتحدثت:
- جاهزة يا خالو.
وكأنه مُصرٌ على إفاقتها قبل فوات الأوان لتنأى بحالها:
- أكيد يا بنتي؟
بثقة ظاهرية أجابته:
- أكيد يا خالو.
رفع كتفيه لأعلى وأهدلهما باستسلامٍ وهو يقول:
- ربنا يسعدك يا بوسي.
أومأت له بأسى فاحتضنها بقوة قابلتها بتشديدٍ من ذراعيها عليه وكأنها تترجاه أن يتدخل جبرًا ويردعها، تركها وتحرك مع فريال خارج الغرفة لتتحرك إليها صديقتها عالية وهي تقول بشفاهٍ مرتجفة من شدة التأثر:
- بلاش تعملي في نفسك كده يا بوسي.
وتابعت بأعين متسعة من الاستغراب:
- إيه اللي يجبرك تتجوزي واحد إنتِ مبتحبهوش؟!
- السؤال ده متأخر قوي يا عالية...
جملة نطقتها باستسلام لتتابع بكبرياءٍ:
- ويعني أنا أخدت كنت إيه من اللي بحبه غير الغدر والخيانة.
ازدردت الفتاة ريقها ثم همست لها بارتيابٍ يرجع لجبنها وتحذير والدتها بالنأي بحالها خارج ذاك الموضوع:
- مش يمكن تكوني ظالمة يوسف واللي إحنا شوفناه ده اتفسر غلط، أو...
وصمتت لتتابع وهي تفرك كفيها بتوتر بالغ:
-أو حد قصد إن إحنا نشوف المشهد ده.
قطبت جبينها وكادت أن تسألها عن مصدر حديثها، لكن صوت هاتفها أوقفها عندما ارتفع رنينه. جلبه لها العاملة وناولتها إياه لتجيب الفتاة على والدها الذي سألها بصوت حاد يعود لعدم رضاه على تلك الخطبة:
-عريس الهنا وصل هو وعيلته، إنجزي، ربع ساعة بالكتير وهطلع أجيبك.
كانت كلماته تنزل على قلبها تشقه لنصفين. يا لقسوة قلبه! ألا يكفيه ما تعانيه روحها من ويلات؟ هو أبيها ومن المفترض أن يكون لها السند ويكون داعمًا لقراراتها أيًا كانت. نطقت بقلب ينزف دمًا:
-حاضر.
أغلقت معه لترفع رأسها للأعلى تحاول تنظيم أنفاسها كي تتحكم بدموع عينيها التي تقف متأهبة تنتظر السماح. تراجعت عالية عن خطوتها بالاعتراف حين رأت سوء حال صديقتها.
بالخارج تحدثت فريال تشتكي إلى شقيقها والدموع تملأ مقلتيها:
-بنتي بتضيع قدام عنيا وأنا واقفة متكتفة ومش قادرة أعمل لها حاجة يا فؤاد.
تنهد بحزن على حال شقيقته، لم يكن شعوره ببعيدًا عنها، فهو أيضًا يحتله شعور العجز لينطق بصوت استسلامي على غير عادته:
-بنتك كتفتنا كلنا بقرارها يا فريال، أول مرة أشوف واحدة بتعادي الكل وبتحارب بكل قوتها علشان تدمر نفسها.
نطقت تجيب حيرته:
-أنا متأكدة إن كل ده كيد في يوسف، لو بس أعرف عمل فيها إيه ووصلها من قمة الحب لقمة الانتقام.
جذبها لتسكن أحضانه وتحدث للتخفيف من ثقل ما تحمل بقلبها:
-هوني على نفسك يا حبيبتي، دي لسه مجرد خطوبة، محدش عارف بكرة مخبي إيه.
هدأ من روعها وتحرك ليصطحب نجليه وتحرك بهما للأسفل. وجد عزة تخرج من غرفة إعداد الطعام لينطق بجدية:
-إيثار بتلبس فوق، أول ما تكون جاهزة تتصلي بيا علشان أخدها وندخل الحفلة سوا.
-عيني يا باشا... قالتها وهي تشير على عينيها، ليقترب عليها كي لا يصل حديثه لصغيراه ونطق يعيد حديثه مؤكدًا:
-لو عاندت وخرجت من غيري، حسابي هيكون معاكِ أنتِ، وصدقيني الحساب المرة دي هيفوق توقعاتك.
هتفت باعتراض بأعين متسعة:
-اللاه، طب وأنا مالي يا باشا؟
أشار نحو فمه وقام بحركة يحثها من خلالها وبنظرة مرعبة على الصمت فالتزمته دون أن تنبس ببنت شفة. تحرك بصغيراه للخارج لتشهق هي بسخرية معترضة:
-هو إيه أصله ده كمان، هو مش قادر على عِند بنت منيرة، وجاي يطلع غلبه فيا أنا، رجالة إيه دي.
خرج فؤاد ليجد نبيل وعائلته قد حضروا واستقبلهم سيادة المستشار علام ودكتورة عصمت ودكتور ماجد ووالديه. تزينت الحديقة على أكمل وجه، حيث استدعى فؤاد شركة خاصة بتجهيز الحفلات تحت استيائه وقلبه المتألم لأجل غاليته الحزينة ونجله الروحي، لكنه كان يفعله مجبرًا لأجل واجبه تجاه شقيقته لا أكثر. أفلت الصغير كفه من والده وتحرك مهرولًا قاصدًا طاولة جديه ليستقبله علام بابتسامة مرحبًا وحضن دافئ حنون:
-إيه الوجاهة والشياكة دي كلها يا سعادة المستشار "مالك" باشا؟
ضحك الصغير وتحدث بحبور وهو يشير على زيه:
-شوفتني يا جدو وأنا لابس زيك أنتَ وبابي؟
أجابه علام:
-باشا صغير يا حبيب جدو.
لتنطق عصمت بحبور ظهر بعيناها:
-الله أكبر يا حبيبي، زي القمر يا ملوكي، ربنا يحميك من العين ويحفظك أنتَ وأخواتك يا حبيبي.
تدلل وذهب ليرتمي بأحضانها ليعنفه صوت فؤاد الذي أقبل عليهم ليرمق الصغير بنظرات غاضبة:
-أنتَ مبتسمعش الكلام ليه يا ولد، أنا مش قايل لك متسيبش إيد أخوك ولا تبعد عنه طول الحفلة؟
وتابع بأعين غاضبة:
-يعني بغبائك بتكسر كلامي وبكل بجاحة بتسيب إيدي وتجري من غير حتى ما تستأذن!
وتابع بحدة:
-أنتَ بقيت بجح قوي.
نطقت "عصمت" وهي تتلفت حولها تراقب نظرات من حولهم:
-فيه إيه يا فؤاد، ما تهدي يا ابني مش كده، الناس حوالينا.
ابتسامة ساخرة ارتسمت بجانب فاه علام سبقت جملته المتهكمة:
-سيادة المستشار بيخرج غضبه المكتوم في العيل الصغير.
ابتلع لعابه من نظرات والده المتفحصة لقسمات وجهه ليتابع علام بحزم بعدما تعلق الصغير ببطال جده يتحامى به من ذاك الشرس:
-روح استقبل أهل العريس ورحب بيهم يا سيادة المستشار، وخد معاك زين الدين.
أومأ ناطقًا باحترام:
-أوامرك يا باشا.
تحدث الفتى بلباقة منسحبًا بجوار والده:
-بعد إذنكم.
تطلع علام على وجه زوجته لتسأله باستغراب لغرابة نظراته:
-مالك يا باشا، فيه حاجة مضايقاك؟
-مفيش يا دكتورة... قالها بجدية.
ازدردت لعابها بعدما تذكرت جلوس تلك الحية الرقطاء "سميحة" منذ القليل على طاولته، أما علام فتذكر حديثه مع ابنة شقيقه منذ القليل.
عودة لما قبل النصف ساعة من الآن
ولجت سميحة مع عائلتها وزوجها لتجلس قليلًا وبعد مدة حضرت عائلة العريس ليقف علام باستقبالهم كما جرت العادة. انتهزت سميحة وجود علام بمفرده بعدما تحرك ماجد وعائلته وعصمت باصطحاب عائلة العريس ليرافقوهم إلى الطاولات المحجوزة لهم. ساعدته إلى أقرب طاولة ليسألها بعدما جلس:
-عاملة إيه في شغلك يا سميحة؟
عبست ملامحها وتحدثت مستغلة الوضع:
-مش عارفة أقول لحضرتك إيه يا عمو، أقول لك كل حاجة تمام وإني مرتاحة ومبسوطة في الشغل وأبقى بكذب عليك.
وتابعت بنظرات حزينة اصطنعتها بجدارة:
-ولا أقول لك الحقيقة وأضايق حضرتك.
بدى الانزعاج على وجه علام ليسألها بحنو:
-فيه إيه يا بنتي، انطقي؟
انتهزت تعاطفه وقصت عليه ما حدث منذ لقائها مع "رولا" إلى تعدي إيثار عليها بالسب وإلصاق تهمة عشقها لفؤاد. كل هذا لم يشغل بال علام لعلمه به مسبقًا من فؤاد بذاته، ما أشعل صدره وجعله مستعرًا هو ما أخبرته به لاحقًا وهي تقول بعدم تقبل لما حدث:
-يعني إيه سعادة المستشار فؤاد علام يروح يتهجم على واحد في بيت ابنه وقدام الحرس بتوعه بسبب غيرته على الهانم، حضرتك شايف هي وصلته لفين؟
وتابعت مبررة:
-أنا مبكرههاش صدقني، بس أنا خايفة على مستقبل ابن عمي السياسي وده حقي.
ضيق بين عينيه يسألها بعدم استيعاب:
-هو مين اللي اتهجم على مين يا سميحة؟ أنا مش فاهم أنتِ بتتكلمي عن إيه!
قطبت جبينها تسأله متعجبة:
-هو حضرتك متعرفش إن فؤاد اتهجم على طليق إيثار في شقة ابنها وضربه وربطه بالحبل في الكرسي؟ واتصل بمراته علشان تروح تفكه بنفسها وتاخده.
احتدم داخله وسألها بحدة:
-وأنتِ مين اللي قالك الكلام الغريب ده؟!
نطقت بحدة أظهرت كرهها الأعمى إلى إيثار:
-مرات طليق الهانم اللبنانية، كلمتني وقتها وحكت لي على اللي حصل لجوزها وضربه من "فؤاد"، وحلفت لتنتقم منه وأنا هددتها وقولت لها لو مسيتي شعره واحدة منه أنا اللي همحيكِ من على وش الأرض، فهديت وقتها.
كانت كلماتها تنزل عليه كسوط يجلد جسده دون رحمة، لتتابع بخبث مستغلة حالة ذهول الرجل الواضحة:
-صدقني يا عمو، أنا مش بقول لك كده بقصد الغيرة من اللي اسمها إيثار علشان أخدت المكان اللي المفروض يكون بتاعي أنا في شركة عيلتي، خالص، أنا ببلغ حضرتك علشان تاخد بالك وتعرف إن الست دي هتكون سبب دمار مستقبل فؤاد.
احتدت ملامح علام وامتلأ قلبه غضبًا، شعر بأن نجله لم يعد يحترمه كقبل.
عودة للوقت الحاضر.
حضر الدكتور أحمد الأباصيري، نجل أيمن الأباصيري مالك الشركة التي كانت تعمل بها إيثار في الماضي. تحرك فؤاد للترحاب به وبزوجته سالي وابنته الشابة ابنة التاسعة عشر سنة "ليان"، لينطق فؤاد باحتفاءٍ كبير:
- أهلًا وسهلًا يا دكتور، شرفتنا بحضورك.
نطق الآخر بوقارٍ وهو يصافحه بحفاوة:
- الشرف ليا أنا يا سيادة المستشار.
التفت إلى تلك المتعالية لينطق بابتسامة زائفة ترجع لعدم ارتياحه لشخصها ولأنها تكن البغضاء داخل قلبها إلى حبيبة القلب:
- أهلًا يا هانم، شرفتينا.
قابلت ترحابه بابتسامة واسعة لتسأله من باب الذوق:
- هي مدام إيثار مش مع حضرتك ليه؟
أجابها بافتخارٍ قاصدًا تعزيز زوجته أمام تلك المرأة:
- الهانم لسه في جناحها فوق، أول ما تجهز هطلع أجيبها بنفسي.
برغم مرور كل تلك السنوات لكنها ما زالت تحمل بقلبها حقدًا على من اتخذت منها عدوة دون وجود أية أسباب منطقية. ابتسم للفتاة ليتحدث إلى أحمد متسائلًا:
- دي بنتك يا دكتور؟
أكد له وهو يشير بكفه:
- "ليان" بنتي.
وتابع ممازحًا:
- دي صديقة عزيزة لإيثار هانم.
تحدث فؤاد إليها بابتسامة سعيدة:
- نورتي يا "ليان"، جدك الله يرحمه كان من أعز أصدقائي برغم فارق السن اللي كان بينا.
ابتسمت الفتاة وأجابته برقة:
- ميرسي لحضرتك.
أشار بكفه ليتقدمهم حتى وصلوا إلى إحدى الطاولات واطمأن على جلوسهم.
___________
بالأعلى، تجهزت وقبل أن تهبط للأسفل أمسكت بهاتفها لتخاطب نجلها في محاولة للتأثير عليه للعدول عن فكرة حضوره الحفل ليصدمها باقتراب وصوله. تنهدت وقالت بحدة:
- طول عمرك عنيدي وبتعمل اللي في دماغك وبس.
أجابها وهو يقود برصانة:
- أنا مش فاهم حضرتك زعلانة من حضوري ليه؟! المفروض حاجة زي دي تفرحك وتحسسك بقوة ابنك.
اقتحمت عزة الغرفة وهي تقول:
- الضيوف كلهم وصلوا، ما فضلش غير العروسة، يلا اتأخرتي قوي.
أغلقت مع ذاك العنيد لتهتف الأخرى بانبهارٍ:
- اللهم صلِّ على النبي، زي القمر يا حبيبتي، اللي يشوفك يديكي تلاتين سنة بالكتير.
وتابعت وهي تهز رأسها بافتخار:
- واللون الأزرق هياكل منك حتة، بس ما لبستيش فستان نبيتي علشان مزاج الباشا ليه؟
تحدثت بحدة أظهرت مدى انزعاجها:
- عزة، أنا مش فايقة لك، دماغي فيها ألف حاجة منكدة عليا عيشتي.
لوت فاهها لتنطق مستنكرة:
- وتتنكدي ليه إن شاء الله، اوعي تقولي لي علشان خطوبة بنت ماجد.
لتتابع بحدة واستنكار:
- يا اختي في ستين سلامة هي وأبوها، إن شاء الله نصيبه هيوقعه في ست ستها، وبكرة تقولي عزة قالت.
وتابعت بعدما لوت فاهها عدة مرات متبرمة:
- انزلي بنفسك شوفي عيلة الندامة اللي مناسبينهم، وحياتك ما فيهم حد يشرف غير المنيل العريس، والباقي كلهم رجالة قرع وبكروش زي بتوع المدبح.
لم تعلق بل اتخذت من الصمت ملاذًا وتحركت نحو الباب لتهتف الأخرى بصياحٍ عندما تذكرت:
- استني عندك، أنتِ رايحة فين؟!
- هكون رايحة فين يعني يا عزة، نازلة الحفلة.
تحدثت وهي تتمسك بكفها لتمنعها من الحركة:
- استني هنا لحد ما أنزل أجيب تليفوني من المطبخ أصلي نسيته على الرخامة، وهتصل بالباشا ييجي ياخدك على طول.
جذبت كفها بحدة وتحدثت بصرامة:
- شايفاني عيلة صغيرة علشان الباشا بتاعك ييجي ياخدني.
فتحت الباب وخرجت بعدما عقدت النية على إعلان الحرب عليه وليكن البقاء لصاحب النفس الطويل. لهثت الأخرى خلفها وهي تقول برجاء:
- ارجعي استني جوزك في الأوضة الله يهديكي، بلاش تخلقي النكد بإيديكي، كفاية الهم والغم اللي غرقانين فيهم من يوم اللي عمله الشيطان ابن إجلال.
نزلت الدرج ضاربة بحديث الأخرى عرض الحائط وهي تقول:
- بجملة النكد يا عزة.
- الباشا هيبهدلني، ده مأكد عليا لو خرجتي من غير ما أبلغه هيسود عيشتي، اصبري عليا لما الحفلة تخلص.
- ابقي قولي له إني خطفت منك التليفون ومنعتك تتصلي بيه... قالتها إيثار وهي تتجه لباب المنزل لتقابلها نجلتها التي صاحت بانبهار من مظهر والدتها:
- واو يا مامي، إيه الجمال والشياكة دي كلها.
تحدثت "عزة" وكأنها عثرت على طوق النجاة:
- جيتي في وقتك يا "تاج"، خليكي واقفة معاها لحد ما أكلم الباشا أبوكي.
هرولت إلى المطبخ لتحتوي إيثار وجنة نجلتها وتحدثت بفخرٍ:
- أنتِ اللي زي القمر يا تاجي.
أمسكت بكفها وتحركتا للخارج تحت انتباه الحضور لتلك الجميلة التي خرجت من بوابة القصر الداخلي. أما فؤاد فكان ظهره للباب ليرن هاتفه فأجاب:
- الهانم جهزت؟
- آه يا باشا، ومستنياك عند الباب تعالى بسرعة.
استدار ليجدها تتحرك برشاقة وجسدٍ متناسق وكأنها ابنة الثامنة والعشرين. استشاط غضبًا من عنادها ليهتف إلى تلك التي تهاتفه:
- المدام في وسط الحفلة يا عزة هانم، ده أنتِ وقعتك سودة معايا النهاردة، اصبري عليا لما الحفلة تخلص.
تحرك ليقابلها لتهتف عزة بعدما فاض الكيل بها:
- والله أنا عملت اللي عليا ومراتك هي اللي ما سمعتش الكلام، أهي عندك، اعمل فيها اللي أنتَ عاوزه بعيد عني، أهي عندية وتستاهل، وأنا خرجوني من بينكم آه، أنا ست كبرت ومش حمل فرهدة، وابقى اضربني بجزمتك لو اتدخلت لكم في أيتوها حاجة تاني.
- اقفلي يا عزة... قالها بعدما وصل للأخرى، تشابك ذراعها وتحركت بجواره كملكة في طريقها للتتويج. مال بجزعه قائلًا بهسيسٍ مخيف:
- أنا مش منبه عليكِ ما تتحركيش من جوه غير لما أجي لك.
تحلت بالصمت كي لا تزيد من اشتعال ناره إذا تحدثت. تنهد بألم لأجلها، يعلم أن الأمر شديد الصعوبة بالنسبة لها، لكنه صعبٌ عليه هو الآخر ولا يوجد بيده ما يفعله تحت قرار الفتاة وإصرارها العجيب. تحركت بجواره إلى طاولة "علام" و"عصمت" وقدمت لهما التهنئة تحت نظرات سميحة المتفحصة لتعبيرات تقاسيم وجه علام والعجيب أنه قابلها بابتسامة مطمئنة ليستشيط غضب سميحة وهي تشعر بخيبة أمل من ضياع مخططها. تحركت بجواره إلى ماجد ووالديه، لتصافح السيدة بيدها قائلة بتعالي:
- مبروك لحفيدتك يا مدام "نوال".
- الله يبارك فيكِ... نطقت بها "نوال" بابتسامة لتتابع بلطافة عكس عادتها وكأنها تبدلت لامرأة أخرى:
- عقبال ما تفرحي بحبيبك، سمعت إنه بقى ظابط.
رفعت إيثار حاجبها الأيسر متعجبة وأجابتها بلامبالاة:
- الحمد لله.
تخطتها وتابعت موجهة حديثها للرجل بابتسامة صافية تعود لحسن أخلاقه معها:
- إزيك يا أستاذ "عليوة".
- في نعمة يا هانم الحمد لله.
- مبروك يا دكتور... قالتها إلى ماجد بجمودٍ وملامح حادة.
- متشكر يا مدام... قالها مقتضبًا ليتحدث فؤاد إلى ماجد:
- الناس كلها وصلت يا ماجد، اطلع هات البنت علشان نبدأ فقرات الحفلة.
- خلينا نخلص... قال كلمته الأخيرة باستياءٍ ليومي له الآخر ويصعد. حضر بعض وكلاء النيابة بصحبة زوجاتهم فتحركت بجوار فؤاد لاستقبالهم. انتهزت فرصة تحرك فؤاد معهم لإيصالهم للطاولات المعدة لهم مسبقًا، لتنسحب من قبضته، وأثناء التفاتتها وجدت الدكتور أحمد فابتسمت تلقائيًا وتحركت إليه للترحاب بابن أكبر صاحب فضل عليها بعد الله. ما إن وصلت إلى طاولتهم حتى وقف أحمد ليقابلها باحترامٍ، لتهلل هي بابتسامة مرحبة:
- أهلًا أهلًا أهلًا يا دكتور، نورت الحفلة ونورت بيتنا.
- إزيك يا أستاذة، والله ليكي وحشة... قالها بابتسامة ودودة لتردها إليه قائلة:
- وأنتَ كمان والله يا دكتور.
وتابعت وهي تبسط يدها لتلك المتعالية التي لم تكلف حالها عناء الوقوف واكتفت بمد يدها بترفعٍ:
- إزيك يا مدام "سالي".
- أهلًا يا مدام، مبروك... قالتها بتعالي لتجيبها الأخرى بنفس التعالي:
- ميرسي، عقبال "ليان".
وتحركت نحو الفتاة التي وقفت لها احترامًا وقبلتها لتقول لها إيثار باستحسانٍ لجمالها البارع:
- إيه الجمال والشياكة دي كلها يا "ليا".
- ميرسي يا طنط، عمتو "لارا" ونانا بيسلموا عليكِ كتير.
- بوسي لي نانا وبلغيها سلامي، وقولي لها إني هزورها قريب إن شاء الله.
وتابعت بابتسامة لطيفة:
- طمني على صحة "نيللي" هانم يا دكتور.
أجابها بحزنٍ:
- بخير الحمد لله، بس أنتِ عارفة، هي اتأثرت جدًا بعد وفاة بابا، وللأسف، من وقتها مش قادرة ترجع زي الأول.
بدى الحزن على ملامحها وهي تقول متأثرة:
- ومين فينا رجع زي الأول يا دكتور، أيمن بيه سايب علامة في روح كل واحد فينا، الله يرحمه.
تابعت مسترسلة لتغيير الحديث:
- طمني، "لارا" عاملة إيه هي وجوزها في إدارة الشركة؟
-ماشي الحال، هي مسافرة حاليًا لندن بتخلص شغل هناك وجوزها متابع هنا شغل الشركة، هو ده اللي منعها إنها تحضر الخطوبة.
أجابته بابتسامة ودودة تحت احتراق قلب سالي من تودد زوجها مع تلك المرأة:
-أه هي قالت لي في التليفون واعتذرت لي.
وأثناء حديثها ذاك كان هناك من يجوب الحفل بعينيه باحثًا عنها حتى تنهد براحة حين عثر عليها. ثار قلبه قليلًا عندما رأى ابتسامتها اللطيفة وملامح وجهها الضاحكة وهي تتحدث إلى أحمد، يعلم جيدًا ما تشعر به من امتنان لهذا الرجل ولأبيه لكنه بالنهاية رجل يغار على امرأة حياته. وصل إلى عندهم وبدون مقدمات حاوط كتفها بذراعه وقربها إلى صدره بتملك واحتواء لينطق بابتسامة هادئة عكس ما بداخله من غيرة:
-شرفتنا إنت وعيلتك يا دكتور.
-الشرف لينا إحنا يا سيادة المستشار.
ليتابع فؤاد بمجاملة:
-إنتوا لازم تشرفونا قريب نقضي يوم مع بعض في مزرعة الخيول.
وتابع وهو ينظر للفتاة:
-ليكِ في الخيل يا "ليان"؟
بابتسامة صافية أجابته:
-بحب أتفرج عليه من بعيد، لكن أقرب منه وأكله بإيدي وكده.
لتتابع بارتياب ظهر على وجهها:
-مستحيل، بخاف منه جدًا.
قرب حبيبته ليلصقها به أكثر تحت انتفاضة جسدها وتحدث وهو ينظر إليها بسعادة:
-طنط إيثار كانت زيك كده في الأول، لحد ما أنا جرأتها وخليتها تقرب منهم وتحبهم.
وتابع متفاخرًا:
-الوقت بتركب الحصان وتجري بيه أحسن مني أنا شخصيًا.
-مش كده يا حبيبي؟
قالها بنعومة بالغة اقشعر لها بدنها وانتفض قلبها من تقربه هذا، ناهيك عن رائحة عطره التي تغلغلت داخل أنفها لتسكرها كالعادة. ابتسمت لتجيبه:
-ده حقيقي، لولا وجودك معايا مكنش فيه حاجات كتير عملتها واتعلمتها.
تعجب من صدق كلماتها التي نطقت بها الجملة برغم خلافهما.
التفت جميع الأنظار على تلك الجميلة التي خرجت من بوابة القصر الداخلية ليعلو تصفيق الجميع وتهليل أصدقائها هي ونبيل الذي تحرك إليها تحت صرخات قلب إيثار وهي تشاهد حبيبة نجلها وهي تتم خطبتها على غيره. أما حال تلك البائسة فلا توجد كلمات لوصفه وهي ترى إقبال أكثر شخص تبغضه بحياتها يقترب ليستلم يدها من والدها الغاضب من تلك الخطبة التي لا تروق له. انتفض قلبها وثار مطالبًا إياها بالتخلي عن تلك الخطوة المدمرة له ولها، لكنه العند لا سامحه الله. عبست ملامح ماجد عندما صافحه ذاك الثقيل على قلبه وهو يقول:
-مبروك يا عمو.
اكتفى ماجد بحركة من رأسه، فحقًا لم يستطع إخراج حرف واحد ولو على سبيل المجاملة. ازدرد لعاب "بيسان" عندما اقترب "نبيل" منها وهو يقول بسعادة مبالغ بها:
-مبروك يا حبيبتي، ألف مبروك.
حركت رأسها بتيهة وشرود وكأنها مغيبة. ارتعبت حين سحب ماجد يده من ذراعها، طالعته برعب سكن عينيها وكأنها تتوسل إليه بألا يتركها ويتخلى عنها لهذا الغريب. تنهد ماجد وقلبه يغلي كالبركان من أفعال ابنته الغبية، قلبه يغلي غضبًا منها وبالوقت ذاته حزنًا على ما فعلته بحالها. جنب مشاعره وسلم زمام الأمور إلى العقل ثم زفر بهدوء وتحدث إليها بكلمات خرجت عنوة عنه:
-مبروك يا قلبي.
بصوت مختنق وعينين حزينة أجابته:
-ميرسي يا بابي.
تحركت بجوار الآخر كأنها شاة مساقة لذبحها.
أما فريال فقد وقفت عند آخر سلمة بالدرج الداخلي لمنزل والدها ولم تستطع الخروج معها لهطول دمعاتها الحزينة. اقتربت عليها عزة وباتت تواسيها لتنطق بلوم واستنكار:
-أنا مش عارفة كانت لازمتها إيه الخطوبة الهم دي، البت طالعة بتجر في رجليها زي ما تكون واخدينها على حبل المشنقة، وأبوها مادد بوزه شبرين وهو جاررها في إيديه، وإنتِ قلبتيها لنا مناحة هنا.
وتابعت بسخرية:
-يكونش يختي العريس ده ماسك عليكم ذلة؟
ارتفعت شهقات فريال لتتنهد الأخرى بأسى وهي تربت على كتفها:
-صلي على النبي كده واطلعي اقفي جنب بنتك ما تسبيهاش لوحدها، وأهي ليلة وتعدي، أما نشوف أخرتها إيه مع أم دماغ عاوزة كسرها.
وتابعت وهي تناولها محرمة ورقية:
-إمسحي دموعك واطلعي لبنتك يا حبيبتي.
نطقت من بين دموعها الغزيرة:
-حاضر يا عزة، حاضر.
وصلت بيسان للمكان المخصص لجلوس العروسين تحت تصفيق الجميع لتجلس بجوار ذاك الثقيل. انهالت عليهما التهاني من الحضور لتتحدث "ناهد" والدة "نبيل" إلى العروس:
-زي القمر يا حبيبتي، إنتِ وبلبل لايقين قوي على بعض.
-ميرسي لحضرتِك.
قالتها بيسان بهدوء لينطق عاطف الذي توخى الحذر في نطق كلماته حرصًا من تكرار ما حدث بلقاء التعارف وغضب نجله ومقاطعته لفترة ليست بالقليلة:
-مبروك يا بنتي، عقبال التمام.
-ميرسي لحضرتك يا أفندم.
لم يستطع لسانها نطق كلمات ودودة لشعورها بغربة الروح بين هؤلاء الناس.
ابتعد الجميع عنهما فاحتضن كفها بقوة وتملك ليصيب جسدها باشمئزاز من لمسته وبلحظة سحبتها متعللة بتعديل إحدى خصلات شعرها. برغم ما يشعر به من مشاعر سلبية منها ونفور تجاهه إلا أنه تغاضى وتحدث بابتسامة جذابة:
-أنا أسعد راجل في الكون النهاردة.
اكتفت بابتسامة متصنعة زادت من حنقه عليها ليقسم بداخله أن يذيقها كل ما شعر به على يدها أضعافًا بعد أن يتملك منها.
كانت تتطلع على البوابة الخارجية بترقب شديد، تتسائل لما تأخر لهذا الوقت، وهل سيأتي أم أنها لم تعد تعني له شيئًا فبات حضوره لخطبتها من عدمه سواءً بالنسبة له.
بالخارج، صف يوسف سيارته ووقف يعدل من وضع بدلته ثم تحرك للجهة الأخرى وقام بفتح الباب ومساعدة نزول شقيقته. تأبطت زينة ذراع شقيقها وتحركا نحو البوابة ليتوقف عندما استمع لحروف اسمه من إحداهن، التفت ليضيق عينيه وهو يرى "ساندي" تخرج من سيارتها الفارهة وتهرول إليه بسعادة:
-استنى يا يوسف علشان أدخل معاك.
-"ساندي"!
قالها متعجبًا ليتابع مستفسرًا:
-إنتِ هنا بتعملي إيه؟!
-العريس قريب مرات خالو.
وتابعت باستفاضة:
-كنت عند خالو ومامته جت تعزمهم، وعزمتني وانكسفت أرفض.
وهتفت بسعادة وحبور ظهر بملامحها الرقيقة:
-ومن حظي الحلو لقيتك وأنا داخلة.
وتابعت لتشتيته:
-وإنت جاي تبع العريس ولا العروسة؟
اخترق سؤالها قلبه وكأنها غرست خنجرًا مدببًا بعمقه، لملم شتاته وأجابها:
-العروسة قربتي.
تطلعت على زينة بتشتت وضياع ليجيب تساؤلها الحائر بعينيها:
-زينة أختي.
وكأن بجوابه هذا قد رد إليها روحها ليتهلل وجهها وتقترب على الفتاة تحتضنها رغم عدم سابق المعرفة مما جعل الفتاة تتعجب. تحرك ثلاثتهم للداخل لتتعمد ساندي مجاورة يوسف والتقرب منه، سألها متعجبًا:
-وإنتِ جاية لوحدك ليه يا ساندي؟
طالعته بجبين مقطب ليسترسل مفسرًا:
-ما جيتيش مع خالك ومراته ليه؟
ارتبكت وتحدثت سريعًا:
-مرات خالو تعبت في آخر لحظة وخالو اضطر يوديها المستشفى علشان يطمن عليها.
وتابعت:
-وأنا انكسفت أعتذر.
أومأ بلا اهتمام وولجا من البوابة لينتفض قلب تلك العاشقة عند رؤية الحبيب، طالعته باشتياق مرير، كم كان جذابًا ملفت النظر بتلك البذلة السوداء الفخمة وذاك الـ "بابيون" بلونه الأسود الذي ظهر سواده بقوة من شدة بياض القميص، باتت تتطلع على تقاسيم وجهه مرورًا بشعره الفحمي الناعم، تنهدت بحالمية من هالة ذاك الحبيب التي تحاوطه لتجذب الأنظار إليه، استفاقت من حلمها الوردي بصفعة قوية نزلت على قلبها حين رأت تلك الفتاة بذاتها تجاوره الدخول، نارًا مستعرة اشتعلت بجميع شرايين جسدها حتى وجهها زاد احمرارًا من شدة الغضب والانفعال.
تحرك للداخل أيضًا تحت نظرات إيثار المتوجعة على حبيبها الغالي التي تحركت لتقابله هي وأشقائه الثلاث بحفاوة شديدة حيث صرخ الصغير باسمه وهو يقفز لأعلى ليثبته الآخر بين أحضانه، وتحدثت تاج بدلال وهي تتمسح بصدر شقيقها:
-وحشتني يا حضرة الظابط.
-وإنتِ أكتر يا "تاجي".
احتضن أيضًا ذاك الرزين "زين الدين" وتحدث:
-بروفيسور العيلة اللي مشرفنا.
ابتسم الفتى خجلًا، حاوطت إيثار رأس نجلها من الخلف بكف يدها لتميل برأسها والدموع ساكنة بعينيها، ضمها بقوة وبات يملس بكفه على ظهرها بحنو كي يهدأ من ورعها، تحدثت بصوت متأثر:
-إنت كويس يا حبيبي؟
ابتعد ليجيبها وهو ينظر وبداخل عينيه تحدي وقوة أراد من خلالهما أن يوصل لها رسالة:
-طمني قلبك عليا يا ماما، ده أنا تربية إيثار الجوهري.
ابتسمت وهي تتحسس وجنتيه بكفيها ثم تحدثت:
-أنا لسه مباركتلهاش، مستنياك نروح لها وإيدي في إيدك.
قالت كلماتها بتحدي ليبتسم يطمئن قلبها. انشغل هو بأشقائه واحتضنت إيثار زينة وهي تسألها عن حالها فأجابت الفتاة:
-الحمد لله يا خالتي، أنا كويسة.
توقفت عيني إيثار وثبتتهما على تلك الغريبة لتسأل زينة بابتسامة مجاملة:
-دي صاحبتك يا زينة؟
قبل أن تجيبها نطقت الأخرى بحماس مفرط ظهر بعينيها:
-هاي يا طنط، أنا ساندي صديقة يوسف في الجامعة.
قطبت إيثار جبينها لتحول أنظارها على يوسف الذي رفع حاجبه بترفع، فابتسمت للفتاة ومدت كفها للمصافحة:
-نورتينا يا حبيبتي، اتفضلوا.
أشارت بكفها للداخل.
هتف نبيل بحدة أظهرت حقده على يوسف وهو يراه مقبلًا للداخل:
-إيه اللي جاب الزفت ده حفلة خطوبتنا؟!
برغم سخطها عليه إلا أن جسدها اشتعل غضبًا لما استمعته من إهانة ذاك الوغد لساكن الروح لتهتف بحدة خرجت دون تفكير:
-اسمه الباشمهندس يوسف.
طالعها بعينين متسعتين لتتابع بقوة:
-وأنا اللي عزمته بنفسي.
كاد أن يعنفها لكنه تراجع في آخر لحظة متبعًا خطته التي وضعها لحين إتمام زواجهما وبعدها يظهر تملُّكه وشراسته عليها، تحدث بلين وابتسامة مصطنعة:
-كويس يا حبيبتي إنك عزمتيه.
احتضن كفها بتملّك ثم أدار رأسه يتطلع عليه وهو يسترسل بحقد أظهر كم الضغينة التي يكنها له بقلبه:
-علشان يتقهر وهو شايفك جنبي وإيدينا شابكة في بعض.
لم تستمع لكلماته تلك ولا تشعر بوجوده من الأساس لشدة غضبها وغيرتها وهي تراه يصطحب تلك الفتاة ذاتها، حدثت حالها بألم:
-يا لمدى حقارتك أيها الكاذب، أوصلت معك درجة الحقارة إلى أن تأتي بتلك التي تخليت عني لأجلها وتجلبها لحفل خطبتي، كم بِتُّ أكرهك يا يوسف، كم بِتُّ أكرهك.
اقترب يوسف من طاولة علام فلم ينتظر الآخر حضوره ليقف مستندًا على عصاه واحتضنته عينيه قبل ذراعيه وهو يربت على كتفه قائلًا:
-وحشتني يا يوسف.
-وإنت أكتر يا باشا... قالها مغمض العينين وهو يتنفس بعمق وكأنه يحتفظ بأكبر قدر من رائحة ذاك الجد العزيز بين رئتيه، ابتعد علام ليحتوي وجنة الفتى بكفه وهو يقول بفخر:
-مش قولت لك متغبش على جدك يا يوسف.
بابتسامة صافية تحدث بهدوء:
-وأنا قولت لك أنا تحت الأمر يا حبيبي، يوم ما تحتاجني هتلاقيني تحت رجليك.
أجابه علام بنظرات تقطر حنانًا:
-أنا طول الوقت محتاج لك يا حبيبي.
اقترب من عصمت ليقبل رأسها بوقار مغلفًا بالحنان:
-وحشتيني يا دكتور.
أجابته بملاطفة لكسر حالة الحزن المسيطرة على الأجواء:
-إنت بكاش يا حضرة الظابط، لو وحشاك بجد مكنتش تبعد عننا الوقت ده كله.
-أنا بكاش يا دكتور؟! ... قالها بلوم مصطنع ليتابع بخفة وهو ينظر إلى علام:
-اتفضل إنت يا باشا رد عليها، هو أنا مش تربية سعادتك ولا إيه؟
كانت ضحكاتهم تصل لجميع الحضور مما أشعل قلب ماجد وأحزن بيسان. تحرك يوسف إلى فؤاد الواقف جانبًا وتحدث بجدية وهو يصافحه باليد عن بُعد كبير تحت صرخات قلب إيثار التي تتابعهما عن كثب:
-إزي حضرتك يا باشا.
-ازيك إنت يا يوسف... قالها فؤاد بعينين حزينتين ليتابع متأثرًا:
-طمني عليك؟
-الحمدلله... قالها يوسف بجمود ليتابع وهو ينسحب سريعًا لينهي ذاك اللقاء المزعزع لثبات قلبه:
-بعد إذنك.
ابتعد كالهارب من عدو، تاركًا خلفه قلب فؤاد الصارخ والذنب والندم يأكلاه ويضنيا روحه.
اقتربت منه ساندي وهي تبتسم لتقبل عليه أيضًا إيثار وهي تقول:
-حبيبي إنده لـ"زينة" ويلا علشان نبارك للعرسان ونتصور معاهم.
عكس فوران فوهة بركان قلبه قابل حديثها بابتسامة باردة وهو يشير إلى زينة لتنطق ساندي بنظرات متوسلة:
-ممكن تاخدي أسلم عليهم معاك يا يوسف؟
ضيق بين عينيه متعجبًا من أفعال تلك الفتاة وغرابتها لتتابع باستعطاف:
-أصلي مكسوفة أطلع لهم لوحدي.
-أنا شايف إن فيه عامل مشترك بين كل أحداث حياتك المرتبطة بالحفلة دي يا ساندي.
ضيقت عينيها ليجيبها قبل أن تسأله:
-الكسوف.
وتابع بابتسامة أذابت قلب تلك المغرمة:
-انكسفتي ترفضي عزومة قريبة خالك، وانكسفتي متحضريش برغم إن صاحبة الأمر نفسها محضرتش، ومكسوفة تدخلي لوحدك وتطلعي لهم لوحدك.
ابتسمت بدلال ليجيبها بابتسامة جذابة تحت احتراق قلب بيسان المراقبة لكلاهما:
-بتعملي ليه كده في نفسك؟
وتابع ناصحًا:
-إوعي مرة تانية توافقي على حاجة إنتِ مش حباها لمجرد إنك ترضي غيرك.
بنبرة صوت هائمة نطقت بأعين من الغرام تفيض:
-برغم كل المواقف السخيفة اللي قابلتني في حضوري للحفلة دي، بس أنا حقيقي ممتنة جدًا لكل الظروف اللي خلتني أجي النهاردة وأشوفك يا يوسف.
تحمحم وهو يرى اقتراب إيثار عليه بعدما جمعت أشقائه ليصعدوا كعائلة تحت صرخات قلب فؤاد الذي شعر بأنه منبوذ من تلك الحبيبة وذاك العزيز، وحتى زينة التي طالعته بنظرات مرتابة مخيبة للآمال، شعر بالندم الشديد وتمنى لو بيده محو ما حدث من ذاكرة ثلاثتهم، تحرك الجميع صوب جلوس العروسين تحت استنفار بيسان التي شددت من تمسكها بكف نبيل كتأكيد منها لذاك الخائن على نسيانه، همست إيثار بأذن نجلها:
-إيه حكاية ساندي دي كمان؟
أجابها بلامبالاة جعلت قلبها يطمئن:
-لا حكاية ولا رواية، طمني قلبك يا بيسو.
-أما أنا محضرة لك حتة مفاجأة، بعد ما نبارك للعرسان هعرفك عليها... قالت كلماتها بحماس زائد ليتطلع عليها يوسف باستغراب فتابعت بابتسامة سعيدة:
-اصبر يا حضرة الظابط.
تقدمتهم إيثار لتمد يدها بمصافحة الفتاة بقوة:
-مبروك يا بيسان، ألف مبروك.
لم تستطع إخراج حرف واحد واكتفت بإيماءة بسيطة ونظرة ندم يصاحبها اعتذار توجهت بها إليها على ما بدر منها بالسابق، ولكن هل يفيد البكاء على اللبن المسكوب؟!
أما يوسف فاحتضن فريال المجاورة لابنتها وتحدث بابتسامة هادئة:
-مبروك لبيسان يا عمتو، عقبال فؤاد يا حبيبتي.
ابتسمت ساخرة وسألته:
-من قلبك يا يوسف؟!
-أكيد يا حبيبتي، بيسان زي زينة واتمنى لها كل خير... قالها بقناع قوة زائفة لتنظر على ساندي ونظراتها العاشقة له ثم تعود إليه ترمقه بازدراء وهي تقول بحدة غاضبة:
-الوقت بس عرفت سبب قرار بنتي المفاجئ.
-قصدك إيه؟... سألها متعجبًا لتجيبه بسخرية:
-ولا حاجة يا حضرة الظابط، وعقبالك إنت كمان.
قطع حديثهما جذب تاج له وهي تقول:
-تعالى سلم على العرسان يا حضرة الظابط.
وقف أمام نبيل بقامة مرفوعة وتحدث وهو يصافحه بقوة:
-مبروك.
-الله يبارك فيك... قالها نبيل بابتسامة شامتة ليقترب عليه ويتابع هامسًا بغرور تحت احتراق قلب بيسان:
-مش قولت لك، نبيل مبيخسرش، ولو حط حاجة في دماغه بيوصل لها غصب عن أي حد.
بملامح وجه جادة تحدث بثقة:
-العبرة بالنهايات يا صديقي.
انسحب ليقف مقابل تلك التي ناظرته بأعين تطلق شزرًا لينطق دون مصافحة:
-مبروك يا بيسان، أخيرًا فوزتي بالشخص اللي يستحقك.
طالعته بنظرات حادة كنظرات الصقر لتنطق بقوة وهي تفرق نظراتها بينه وبين تلك الفتاة:
-عقبالك.
وتابعت بحدة وهي تشير لتلك التي جاورته:
-مش تعرفنا؟
-ساندي... قالها بإشارة من يده لتلك الجميلة التي بسطت كفها لتجيبها بحفاوة:
-ألف مبروك.
شعرت بنار تتغلغل بخلايا جسدها بالكامل حين شاهدت نظرات يوسف الحنون وهي تشمل الفتاة والتي قصدها عن عمد لإشعال قلب الأخرى، وتابعت الفتاة وهي تصافح نبيل:
-مبروك.
-متشكر جدًا... قالها نبيل لينتبه على نظرات عالية الغاضبة وهي ترمقه باحتقار ليبتعد سريعًا عن ساندي. وقف يوسف لينطق بثقة وهو يطالع كلاهما بابتسامة مستفزة:
-بصراحة اختياركم لبعض هايل، لايقين جدًا على بعض.
وتابع بازدراء قاصدًا الإهانة:
-وأحلى حاجة في الموضوع إن بينكم صفات كتيرة مشتركة.
اشتعل قلبها لتنطق تاج وهي تستدعي شقيقها وساندي للاصطفاف بجوارهم:
-قربوا علشان ناخد سيلفي مع بعض.
انتهزت ساندي الفرصة والتصقت بيوسف بحجة التقاط الصور ليعلو ويهبط صدر بيسان اللاهث بقوة من فرط الانفعال، ودت لو بإمكانها أن تصرخ للتعبير عن رفضها لكل ما يجري من حولها، لكنها من فعلت هذا بنفسها وبهذا قد أسقطت عنها أحقية الاعتراض.
ابتعد الجميع عن العروسين ليتركوا لهما المجال. وأثناء تحرك ساندي بجوار يوسف، قطعت طريقهما ناهد والدة "نبيل" التي تبسمت بوجه الفتاة وهي تقول بترحاب:
-نورتي الخطوبة يا حبيبتي، كنت هزعل قوي لو مكنتيش جيتي.
تنهدت ساندي بهدوء لتجيبها:
-حضرتك قدرتيني وعزمتيني فكان لازم أجي.
أجابتها المرأة بسعادة:
-عقبال ما أحضر خطوبتك أنا كمان قريب يا ساندي.
شكرتها ساندي وتحركت بجوار يوسف الذي سألها:
-دي مامت العريس؟
-أه، طنط ناهد.
ما أن وصل لمنتصف الحديقة حتى تجمعت من حوله بعض الشخصيات الهامة من معارف علام وعصمت وفؤاد، وبدأوا بالإشادة بما قام به من دور هام لخدمة الوطن. ومنهم من طلب اتخاذ بعض الصور التذكارية معه وكأنه نجم سينمائي.
أيضًا التفّت حوله بعض الفتيات الجميلات لالتقاط الصور الفوتوغرافية عبر الكاميرات وأيضًا الهواتف المحمولة.
وبلحظة تحولت الساحة لمباركات وتقديم التهاني التي انهالت على يوسف الذي وقف ثابتًا وبدأ يتحدث بلباقة وابتسامته الجذابة لا تفارق ملامحه الجميلة.
لم تتحمل بيسان ما جرى لتهرول مسرعة إلى داخل القصر وأوصدت على نفسها باب الحمام. وقفت أمام المرآة لتهطل دموعها بغزارة وصوت شهقاتها يُسمع فريال وعالية اللتان لحقتا بها، لتصيح فريال وهي تقرع الباب بقوة:
-إفتحي يا بيسان، إفتحي الباب.
صرخت الفتاة بانهيار وهي تشيح بكفيها:
-سبوني لوحدي، مش عاوزة أشوف ولا أتكلم مع حد، سبوني حرام عليكم.
أما بالخارج، هدأت الأجواء وانفض الجمع من حول يوسف الذي تحرك ليقف بجوار والدته جانبًا، ليقطع خلوتهما فؤاد الذي أقبل ليقابل الفتى وبدون مقدمات حاوط خلف رأسه ليجذبه لأحضانه بقوة تحت تصلب جسد الفتى. لم يستسلم فؤاد وضمه أكثر ليربت بقوة فوق ظهره وهو يقول عاتبًا بصوت متأثر:
-زعلان من أبوك يا يوسف، جالك قلب تقاطعني يا ابن عمري؟
ابتعد الفتى قليلًا ليقول بأعين متأثرة وصوت عاتب عتاب مُحب:
-قسيت عليا قوي يا باشا.
ابتلع لعابه وأجابه متأثرًا:
-اتنرفزت وفشيت غضبي في ابني، متستحملنيش؟
فرّت دمعة هاربة من عين يوسف ليمد فؤاد يده سريعًا يجففها ويجذبه يخبئ وجهه داخل صدره وهو يقول:
-إوعى أشوف دموعك دي تاني.
وتابع تحت دموع إيثار المتدفقة:
-إنتَ ابن فؤاد علام وتربية الباشا، وابن فؤاد راجل ومفيش حاجة بتكسره، فاهم يا يوسف.
مدت يدها الحنون تتلمس بها على ظهر يوسف حتى يهدأ. كان مشهدًا مؤثرًا لجميعهم ليخرج يوسف من أحضانه ويتابع فؤاد مسترسلًا:
-أنا آسف يا حبيبي، كانت لحظة شيطان والغضب عماني.
نطق الفتى للتخفيف عن قلب فؤاد:
-خلاص يا بابا، اعتبر الموضوع محصلش من الأساس.
سعد قلبه لعودة مناداته بكلمة أبي. بعد دقائق تحرك يوسف إلى أشقائه الأربعة ليقف هو متطلعًا على تلك الواقفة. لف ساعده حول كتفها وتحدث:
-وإحنا إيه، هنفضل كده كتير؟!
تطلعت عليه وبنظرات متألمة تحدثت:
-إنتَ اللي وصلتنا لكده.
نطق بهدوء:
-ما إنتِ عرفاني كويس، الغيرة عليكِ بتقتلني، وخصوصًا الماضي الملعون، المفروض تبعدي عن أي حاجة بتثير جنون غيرتي عليكِ.
صمتت لتنظر أمامها بملامح حادة ليخترق سمعها كلمة لم ينطق بها سوى مرات تكاد تعد على أصابع اليد الواحدة:
-أنا آسف.
ابتلعت لعابها ليضم خصرها مع مراعاته أنهم بالحديقة. نعم يقفا بعيدًا بجوار السور لكن هذا لا يمنع. تابع بصوت هائم بعشقها:
-وحشتيني.
طالعته بحنان ليتابع هو بهيام:
-أنا بحبك قوي يا إيثار، ومن غير حُضنك بضيع.
ابتسمت لتتمسك بكفه برعاية. سألها بمشاكسة للخروج من تلك المشاعر المتأثرة:
-هي حبيبة حبيبها، ممكن ترضى على حبيبها النهاردة وتدلعه شوية في أوضة الجاكوزي؟
ابتسامة واسعة خرجت من ثغرها لينطق بنظرات تفيض من الغرام ما يكفي مدينة بأكملها:
-وحشتيني يا بابا، كل حاجة فيكِ وحشتني.
أسندت رأسها على ذراعه وتنهدت ليتنفس هو بعمق واسترخاء اخترق روحه وتخلل بكيانه شعورًا هائلًا بالطمأنينة.
أما نبيل، كان يتحدث بغل مع صديقه المُقرب:
-شايف المسخرة اللي حصلت يا نادر، الناس بتعامله زي ما يكون هو نجم الليلة مش أنا.
زفر نادر ليهتف متذمرًا من شكوى صديقه:
-إنت عاوز إيه تاني يا نبيل، مش كفاية إنك أخذت منه حبيبته وحرمتهم من بعض؟ سيبه في حاله بقى يا أخي.
نطق وهو يرمق يوسف بحقد:
-ولسه، لما الهانم تخرج من جوه هوريك أنا هقهر قلبه إزاي.
ابتسم وهو يرى تلك الـ"ساندي" تتحرك وتختفي في الحديقة الخلفية بعيدًا عن الزحام. ترك صديقه وانسحب خلفها ليصل إليها بعد قليل وهو يقول مبتسمًا:
-برافو عليكِ، مثلتي المشهد ببراعة.
تنهدت بارتياح ثم أجابته:
-كويس إنك فهمت مامتك على الموضوع، أنا كنت مرعوبة ليكون يوسف شك في كلامي اللي قولتهوله، بس كلام مامتك قفل كل بيبان الشك قدامه.
ابتسم بشر ليجيبها:
-عيب عليكِ ده أنا نبيل السرجاوي، أنا قولت لك في أول يوم جيت لك علشان نتفق، ثقي فيا.
عودة لما قبل الشهرين...
طالعته مستغربة وجففت جبينها مرة أخرى وهي تقول بصوت لاهث نتيجة التدريب:
-ميرسي.
تحركت بطريقها لينطق هو من خلفها بصوت واثق:
-هستناكِ قدام حمام السباحة نشرب حاجة مع بعض علشان محتاجين نتكلم.
استفزتها طريقة كلامه الآمرة فالتفتت إليه وبنظرات ساخرة شملته لتنطق بكبرياء:
-ده إيه الثقة اللي إنتَ جاي تكلمني بيها دي.
وتابعت بحدة:
-اسمع يا...
صمتت ليجيبها بابتسامة متهكمة:
-نبيل، نبيل السرجاوي.
بلامبالاة أشارت بكفها:
-أيًا كان اسمك فهو ميهمنيش، اللي محتاجة إنك تعرفه هو إن طريقتك للتعارف بيا مستفزة جدًا، وحتى لو كانت طريقتك واو ومحصلتش فأنا رافضاها.
وتابعت بغرور يعود لجمالها وحسبها ولمحاولات الجميع التقرب إليها والفوز بها تحت رفض تام منها:
-كتير قبلك حاولوا يتعرفوا عليا بكل الطرق، ولا واحد وافقت أكلمه، لأني ببساطة مش بصاحب ولا بتعرف على شباب، فياريت توفر على نفسك تعب المحاولة.
انتهت من كلماتها واندفعت للأمام لتتسمر ساقيها عندما استمعت لكلماته:
-حتى لو كنت جاي لك بخصوص "يوسف عمرو البنهاوي".
ازدردت ريقها وبدون شعور منها التفتت تناظره ودقات قلبها تتزايد بشكل كبير. ابتسم بجانب فمه وتحدث آمرًا بعدما نجح بإصابة الهدف:
-قدامك ربع ساعة تغيري فيهم هدومك وتحصليني، لو اتأخرتي همشي، بس وقتها تنسي إن يوسف البنهاوي يكون من نصيبك.
زادت دقات قلبها لتسأله بحيرة:
-إنتَ تعرف يوسف منين، وإزاي عرفت...
قاطع حديثها بذكاء:
-إنك بتحبيه، إزاي عرفت إنك بتحبيه؟
ابتلعت لعابها ليتابع هو بغرور وكبرياء:
-غيري هدومك وحصليني، متتأخريش.
بعد وقت قياسي كانت تقابله الجلوس. ثواني واتسعت عينيها حين حضر النادل ووضع أمامها مشروبها المفضل من القهوة السريعة لينطق بغموض أرعبها:
-اشربي الموكا بتاعتك قبل ما تبرد.
سألته بارتياب:
-إنتَ مين، وعرفت كل ده عني إزاي؟!
-أنا مراقبك كويس قوي، وعارف كل تفاصيل حياتك.
-ليه؟!
أجابها بثقة:
-فيه بينا حاجة مشتركة، هنفذ خطة بسيطة مع بعض وكل واحد ياخد اللي ليه ويكمل طريقه بعيد عن التاني.
سألته بتيهة:
-مش فاهمة؟
أجابها باقتضاب:
-ما أنا هنا علشان أفهمك.
وتابع باستفاضة:
-بصي يا ستي، إنتِ بتحبي "يوسف"، ويوسف عمره ما هيفكر فيكِ ولا هيشوفك قدامه لأنه ببساطة بيحب "بيسان"، وأنا بحب "بيسان"، وهي كمان عمرها ما هتفكر فيا لنفس سبب "يوسف".
تنهدت بألم ويأس ليتابع مجددًا الأمل بداخل قلبها العاشق:
-بس فيه حاجة لو حصلت إنتِ هتتجوزي يوسف وتعيشي باقية حياتك سعيدة معاه، وأنا كمان هفوز بـ"بيسان".
قطبت جبينها ليسترسل مفسرًا:
-الحل إننا نفرق بينهم، خطة بسيطة هنفذها مع بعض، ندخل الشك بينهم ونفرقهم، وكل واحد فينا ياخد حبيبه ويكمل طريقه.
هزت رأسها لتجيبه برفض تام:
-أنا لا يمكن أعمل حاجة زي كده، لا أخلاقي ولا تربيتي ولا حتى كرامتي هيسمحوا لي إني أرخص من نفسي بالشكل ده، ده غير إني إزاي هبني حياتي على كذبة وخدعة.
وتابعت بشرود:
-وذنبها إيه البنت تتحرم من حبيبها علشان إحنا نكون مبسوطين؟!
أجابها بوجه خالٍ من التعبير:
-"الخدعة مشروعة في الحب والحرب"، كل الوسائل مشروعة لتحقيق النصر.
كررت كلمته باستنكار:
-نصر؟!
أجابها بثقة:
-أيوه نصر.
وتابع مبينًا ومفسرًا الوضع:
-كده كده هما مستحيل يكملوا مع بعض، بابا بيسان رافض جوازها من يوسف.
وتابع متذكرًا حديث تلك الـ"عالية" له بعدما استدرجها بالحديث بمنتهى الدهاء وجعلها تقص عليه جميع أسرار صديقتها بمنتهى السذاجة والغباء، ويرجع هذا لعفويتها الزائدة وعدم إدراكها لمعنى الصداقة الحقيقي:
-يوسف يبقى ابن مرات خال بيسان، ودكتور ماجد باباها بيكره أم يوسف جدًا لأسباب كتير متخصناش، وهو اتقدم أكتر من مرة والراجل مصمم على الرفض.
فتح ذراعيه بطريقة مسرحية ليتحدث:
-يعني إحنا هنا مبنخدعش حد، إحنا هنسرّع انفصالهم مش أكتر.
بعد محاولات عدة استطاع إقناع تلك العاشقة وبدأ بتنفيذ خطتهما معًا واستدراج "عالية" معه بمنتهى السهولة والسذاجة.
تحدث نبيل مع ساندي في ذاك اليوم قائلًا:
-عاوزك تركزي كويس قوي، مش عاوز غلطة واحدة يا ساندي، اللي هتعمليه النهارده هو ده اللي هينهي الموضوع ويقفله للأبد.
أومأت بقلق:
-تمام، اتفضل قولي المطلوب مني وأنا هحاول أنفذه بشكل كويس.
هتف معنفًا بقوة وصرامة:
-مش هتحاولي يا ساندي، أنتِ هتنفذي وهتنجحي.
أومأت والتشتت يملأ عينيها، نطق هو بجدية:
-أنتِ هتروحي مع يوسف على الكافيه اللي فاتح جديد، وهتقعدوا تشتغلوا الأول ولازم تقنعيه بجدية مشروعك، هيكون قاعد هناك "نادر" صاحبي، هيقعد قصاد عيونك وهتاخدي منه الإشارات، عينك لازم تكون معاه طول الوقت، أنا هكون معاه على التليفون وأول ما بيسان تقرب تدخل على الكافيه هو هيبلغك بإشارة، لازم تتصرفي وتخلي يوسف يأكلك في بقك من المولتن كيك.
نطقت بحيرة:
-أنا مش فاهمة أنتَ جايب منين الثقة اللي بتتكلم بيها دي، ومنين واثق إن يوسف هيطلب مولتن كيك وفي الوقت ده تحديدًا؟!
نطق مفسرًا:
-أنا ليا ست شهور عيني على ابن البنهاوي ليل ونهار، ليا عيون عليه منين ما يروح، وبصراحة شخصيته المنظمة الروتينية ساعدتني كتير، هو كل يوم بيروح يشرب قهوة في كافيه معين، وبياخد مع القهوة مولتن كيك شيكولاتة.
سألته بتيهة:
-طب ولما هو متعود مكان معين، إزاي هقدر أقنعه يروح معايا الكافيه الجديد؟
هتف بصرامة:
-لازم يروح الكافيه الجديد يا ساندي، وإلا خطتنا كلها هتفشل، الكافيه اللي كان بيروحه يعتبر ليه ذكريات كتير مرتبطة بـ بيسان، ده غير إنها بتروحه دائمًا وساعات بيتقابلوا هناك بالصدفة، فمن الطبيعي إنه لما يخونها ويحب غيرها، مش هيودي حبيبته الجديدة نفس المكان اللي كان بيقابل فيه حبيبته القديمة.
راق لها ذكاؤه الخارق في التخطيط، حيث إنه لم يترك أية تفصيلة للظروف، بل خطط ودبر بكل حرفية ليبدو الأمر طبيعيًا.
وفي اليوم المتفق عليه لتنفيذ المخطط، كان يوسف يخرج من باب الجامعة لتوقفه "ساندي" بحديثها كثير الأهمية بالنسبة إلى يوسف:
-ازيك يا باشمهندس، كنت محتاجة لك جدًا في حاجة ضرورية وأتمنى تقف جنبي وتساعدني، لإن أنتَ الوحيد اللي ممكن تفيدني.
سألها باستغراب وجدية:
-خير يا آنسة ساندي؟
تحدثت بطلاقة:
-أنا بعمل مشروع خاص بالتكنولوجيا.
وتابعت كي تستقطب اهتمامه لعلمها أهمية ذاك المجال لديه:
-تقدر تقول اختراع هيفرق للبشرية كلها لو اكتمل صح وخرج للنور.
رفع حاجبه يسألها باستفسار:
-ياه للدرجة المشروع مهم؟!
أجابته بثقة:
-هتتأكد من ده بنفسك لما أشرحهولك، ها، قولت إيه؟
وتابعت بأعين راجية:
-هتساعدني؟
ابتسم وعلى الفور وافق لحبه لمجال الإلكترونيات ولفضوله الكبير لمعرفة نوعية الاختراع، لتتابع هي برجاء:
-طب يلا بينا، أنا عارفة مكان مريح وبيقدم قهوة حلوة جدًا.
أومأ بموافقة وذهبا لأحد الأماكن العامة المتفق عليه، وجلسا يتناقشان وبالفعل كان لديها مشروع أعجبه للغاية لدرجة أنه اندمج كثيرًا معها ونال عقلها وتفكيرها استحسانه لدرجة كبيرة، بعد مرور بعضًا من الوقت، طلب لنفسه قدحًا من القهوة مع قطعة من كعكة الشيكولاتة "مولتن كيك" كنوعًا من مكافأة حاله بعد يومًا شاق، ثم سألها باهتمام:
-مش هتاخدي حاجة حلوة مع الموكا؟
حركت رأسها بنفي وأجابته بابتسامة جذابة:
-أنتَ شكلك مصمم تبوظ لي الرجيم بتاعي.
ابتسم بهدوء وانتظر حتى أتى النادل ورص ما طلبه كلاهما فوق الطاولة وذهب، جلسا يتحدثان وهما يحتسيان مشروبهما إلى أن حانت اللحظة الموعودة وأشار لها نادر باقتراب دخول بيسان فتحدثت بابتسامة حرجة بعدما تخلت عن حيائها وكبريائها المعروف عنها لأجل الحب:
-هو أنا ممكن أطلب منك طلب تاني؟
بابتسامة هادئة أجابها:
-شكلك داخلة على طمع ومش هتكتفي بمساعدتي ليكِ في المشروع.
ضحكت بدلال وسعادة داخلية بعدما رأت طيف بيسان الواقفة بجوار صديقتها يشاهدان جلوسهما معًا، تحدثت منتهزة الفرصة:
-بصراحة شكل المولتن كيك يجنن، وحابة أدوقه لأني مجربتوش في المكان ده قبل كده، ده لو ينفع طبعًا.
أجابها بجدية:
-حالًا هطلب لك.
نطقت سريعًا قبل أن يلتفت إلى النادل ويرى بيسان:
-مش لدرجة إنك تطلب لي، أنا عاوزة بس حتة صغيرة جدًا.
وتابعت بحرج:
-لو ممكن تدوقني من طبقك.
نطق يخبرها:
-ثواني هطلب لك شوكة نضيفة.
على الفور رفضت:
-مش مستاهلة، أنا هاكل بشوكتك عادي، ومتخافش، مش هلمسها ببقي.
شعر بإحراج كبير من طلبها الغريب، منعه حياؤه من رفض طلبها فقام بقطع قطعة صغيرة وبسط كفه لمناولتها لتباغته هي بمسك كفه بخاصتها وتقريب الشوكة من فمها لتغمض عينيها ويبدو على ملامحها الاستمتاع بمذاقها، ظهرت الصورة وكأنها لحبيب يطعم حبيبته العاشقة والمستمتعة لأبعد حد، كل هذا حدث تحت احتراق قلب بيسان التي نزلت دموعها وعلى الفور غادرت المكان ليسحب يوسف كفه بخجل ولومًا لحاله وشعورًا بالذنب يراوده ويتملك منه ليؤنبه عقله قائلًا:
-كيف تسمح لحالك بارتكاب تلك المعصية وخيانة حبيبتك.
ليقف سريعًا وهو يعتذر:
-أنا مضطر أمشي لأني اتأخرت قوي، وكده أنا ساعدتك في بعض النقط اللي كانت واقفة قدامك، كملي أنتِ بقى وربنا يوفقك.
نطق كلماته كوداع وقطع الأمل على أي فرصة لتجمعهما في المستقبل، وبالفعل عاد يعاملها برسمية وجدية بعدما لاحظ محاولات التقرب منه، ناهيك عن نظرات الوله التي كانت تقطر من عينيها وتدل على عشق هائل يسكن بقلبها تجاهه، لكنها لم تستسلم وظلت تحاول إلى الآن باستماتة ظنًا منها أنه أصبح حقًا مشروع بعدما تمت خطبة نبيل وبيسان.
عودة للوقت الحالي، ابتسمت ساندي وتحدثت بإطراء:
-بصراحة يا نبيل، أرفع لك القبعة على الخطة اللي رسمتها بمنتهى البراعة، ودخلت على يوسف وبيسان لدرجة إن محدش منهم شك ولا حاول يسأل التاني.
-منكرش إن غباء وعند الاتنين ساعدني كتير في نجاح الخطة... قالها بابتسامة شامتة ليتابع مسترسلًا بجدية:
-كل واحد فيهم كرامته كانت أغلى عنده من حبيبه، وكل واحد اتمسك بكبريائه ومن هنا نجحت الخطة.
ابتسمت وتحدثت بتوتر:
-أنا لازم أرجع الحفلة قبل ما يوسف يحس بغيابي ويشك فيا.
-بالتوفيق يا شريكتي العزيزة... قالها وهو يصافحها واسترسل:
-أحب أبشرك، قريب جدًا الفار هيقع في مصيدة حبك، مهو خلاص، مبقاش قدامه غيرك.
برغم عشقها الهائل ليوسف إلا أن كلماته أشعرتها بالدونية.
-فؤاد... قالتها إيثار التي تجاور حبيبها الوقوف.
-إيه يا حبيبي...
قالها بنعومة وكأنه يتغنى حروفها، لتتخطى جمال اللحظة وتسأله بجدية:
- إيه رأيك في ليان بنت دكتور أحمد؟
سألها:
- من حيث إيه بالضبط؟
- كل حاجة، أدبها ذوقها جمالها ورقتها.
أجابها وهو يتطلع على الفتاة:
- باين عليها محترمة، مش شبه أمها في حاجة، طالعة طيبة وأصيلة لجدتها وعمتها.
نطقت باستحسان:
- ده حقيقي، وده اللي خلاني أفكر فيها عروسة لـ"يوسف".
طالعها بحزن وتحدث:
- يوسف مش هيوافق، لأن قلبه مع غيرها.
نطقت بلامبالاة:
- وغيرها باعته واشترت الرخيص.
نطق بثقة عالية:
- هترجع له، وبكره هفكرك.
بحدة أجابته:
- وابني مش ترانزيت لقلب بنت ماجد يا فؤاد، تسيبه وترجع له وقت ما مزاجها يسمح لها.
نطق بجدية ويقين:
- الموضوع أكبر من كده يا إيثار، العيال دي فيه حاجة كبيرة حصلت ما بينهم، وأنا مش هسكت غير لما أعرفها.
نطقت بخيبة أمل وانكسار:
- الحاجة الكبيرة اللي حصلت هي إن بنت أختك اقتنعت بكلام أبوها.
طالعها لينطق متأثراً:
- ما تبقيش قاسية قوي كده على البنت، روحي بصي في عينيها وأنتِ تعرفي إنها بتفرفر من جواها.
- ما بقتش بهتم بمشاعر حد غير ابني وبس...
وتابعت وهي تترجاه بعينيها:
- فؤاد، علشان خاطري خلي بالك من معاملتك مع يوسف أكتر من كده.
وتابعت بأعين تلألأت بداخلهما حبّات الدموع:
- يوسف مش بس ابني، ده شريك مشواري وداق معايا المُر قبل الحلو فيه، علشان كده قلبي بيوجعني لما أي حاجة تمسه.
وتابعت بشعورٍ نابعٍ من عمق القلب:
- لو بإيدي آخده وأخبيه جوة عيوني وأقفل عليه برموش عينيا علشان أمنع عنه أي شعور مؤذي ممكن يوصل له، كنت عملتها من غير تفكير.
أجابها بمشاعر نابعة من القلب:
- يوسف ابني زي ما هو ابنك يا إيثار، ده أول طفل أحس معاه بمشاعر الأبوة، ابني اللي ما خلفتهوش، أول ولد آخده وأنزل معاه الملاهي وأسيب هيبتي وكبريائي قبل ما أتحرك بيه، نام في حضني وشميت ريحته قبل ما ألمس ولادي منك، يمكن ما خدش مني اسمي بس خد كل طباعي لدرجة إن كتير من الناس كانوا فاكرينه ابني من كتر ما هو شبهي.
وتابع بأعين متوسلة:
- فبلاش تطلبي مني حاجة تفكريني بيها إنه مش ابني وإني ماليش حق عليه.
ابتسمت وشددت من احتضان كفها لخاصته وكأنها تعتذر منه بتلك الطريقة وتحدثت بإبانة:
- عمري ما فكرت بالشكل ده، وطول الوقت بتعامل أنا وهو على إنك أبوه الحقيقي، بس يمكن اللي ما تعرفهوش إني بلوم نفسي وبحتقرها ألف مرة لو جيت في يوم وزعلته، يوسف مكانته في قلبي غير يا فؤاد.
أخرجت تنهيدة حارة وتابعت وهي تنظر إلى الأمام بحزنٍ سيطر على ملامحها وملأ صوتها:
- طول الوقت شعور الذنب بيقتلني على الظروف اللي اتخلق جواها، حاسة إني السبب في اللي شافه ولسه بيشوفه بسبب أبوه وعيلته.
أخذت نفساً عميقاً وتابعت بلومٍ قاتل:
- أنا جبته للدنيا علشان يحاسب لوحده على "أذناب الماضي"، ذيول الماضي وذنوبه الكتير اللي ماشية تلاحقه زي ظله، ده الشعور اللي دايماً مسيطر عليا طول الوقت.
حولت بصرها إليه وتابعت:
- يوسف نقطة ضعفي يا فؤاد، كسرة ظهري اللي عشت بيها طول عمري.
احتوى كتفها ليحدثها بالعقل:
- أولاً لازم تستغفري ربنا لأن هو اللي بيخلقنا وبيجيبنا للدنيا مش إحنا، أنتِ ما جبتيش يوسف يا إيثار، ربنا خلقه في وسط الظروف دي لحكمة لا يعلمها إلا سبحانه وتعالى، فبلاش تجلدي ذاتك على حاجة أنتِ ما لكيش ذنب فيها.
______________
تحركت إيثار نحو علام الجالس بصحبة شقيقه أحمد ومالت بجزعها تسأله بحميمية:
- أنتَ كويس يا بابا؟
أومأ لها بابتسامة فتابعت تسأله بودٍّ:
- ناقصك حاجة يا حبيبي، أجيب لك حاجة مسكرة تاكلها على ما يفتحوا البوفيه؟
أجابها بهدوء يعود لحزنه منها بسبب عدم إخباره بما جرى بمسكن يوسف:
- أنا تمام، ركزي أنتِ مع ولادك وخصوصاً "مالك"، خلي عينك عليه.
ربطت على كفه الممسكة بعصاه وتحدثت:
- ما تقلقش يا حبيبي، عزة معاه طول الوقت، خلي بالك أنتَ من صحتك.
ابتسم لها مع هزة بسيطة من رأسه، استقامت لتتحدث إلى عم زوجها الحنون:
- منور الحفلة يا باشا.
- أنتِ اللي منورة الدنيا كلها يا إيثار... قالها بتودد وابتسامة حنون لتنطق بابتسامة سعيدة تحت نظرات نجوى المستنكرة:
- حبيبي يا عمو.
وتابعت بعدما تطلعت على نجوى:
- منورة يا نجوى هانم.
- ميرسي... قالتها وهي تشملها بكبرياء لتقترب عصمت التي حضرت للتو:
- أنتِ فين يا إيثار، تعالي رحبي معايا بالضيوف، ظهري وجعني من اللف لوحدي على الترابيزات، وفريال مختفية هي وبنتها، ما أعرفش راحوا فين.
- حاضر يا ماما، ارتاحي شوية جنب الباشا وأنا هرحب بالضيوف وأشوف لو الترابيزات ناقصها حاجة.
تحركت تحت غضب سميحة التي تراقبها عن كثب لينطق زوجها المرافق لها بطاولتهما الخاصة:
- أنا مش عارف أنتِ شاغلة نفسك بالست دي ليه.
زفرت بقوة ليتابع زوجها للتقليل من الأخرى بغرض نيل استحسانها:
- دي حتى مش من مقامك علشان تعملي لها حساب وتضايقي.
بغرور أجابته بعدما أرجعت ظهرها للخلف:
- هو أنتَ فاكرني عاملة لها هي حساب؟! أنا على عيلتي اللي كل شوية ينفخوا فيها لحد ما صدقت نفسها ونسيت أصلها.
وتابعت بزفرة حادة:
- الله يسامحك يا فؤاد، هو السبب في إننا نعرف الأشكال دي.
نطق زوجها ذات الشخصية الضعيفة لإرضائها:
- ولا يهمك يا حبيبتي، تعالي نرقص سوا علشان تفرفشي.
نطقت مستنكرة:
- نرقص إيه في أم الليلة الغريبة دي، الحفلة بادئة بقى لها أكتر من ساعتين والعريس والعروسة لسه ما افتتحوش الرقصة الأولى.
وتابعت وهي تتلفت من حولها بتمعّنٍ:
- وبعدين هي بيسان سايبة عريسها وراحت فين؟!
__________
تحركت إيثار بجوار نجلها ليرحب بـ دكتور أحمد وعائلته، وبعد مدة كانت تقف جانباً هي و"يوسف" و"ليان"، اندمج يوسف مع الفتاة وتبادلا الأحاديث والمناقشات المثمرة ولا سيما من إطلاق الضحكات على بعض المزحات التي تعمدت إيثار طرحها لتلطيف الأجواء بينهما بعدما اتخذت قراراً باقتراحها كـ خطيبة على ابنها.
خرجت مرةً أخرى تلك البائسة بصحبة والدتها بعدما استدعت لها الأخيرة خبيرة التجميل التي ما زالت موجودة بالحفل لتفادي بعض الطوارئ، رفعت رأسها لأعلى وباتت تجول المكان تبحث عن ذاك الخائن إلى أن اهتدت لمكان وقوفه، اشتعل قلبها من جديد حين رأت سعادته وضحكاته المتتالية وما زاد من احتقان قلبها هو وقوفه مع تلك الجميلة بمفرديهما بعدما اعتذرت إيثار وانسحبت بحجّة متابعة الحفل والحضور، لتعطي لهما فرصة للتقرب.
تحركت بغضبٍ وقلبها يغلي كالبركان نحو نبيل الذي استقبلها ببرودٍ اصطنعه بإعجوبة ليخبأ خلفه بركانه الثائر بقلبه وتحدث:
- أنتِ فين يا حبيبتي، منظم الحفلة عاوز يفتتح بينا الرقصة الأولى.
- تمام... قالتها بحدة وتحدي ليعلن المسؤول عن الموسيقى عن انطلاق الرقصة الأولى الخاصة بالعروسين، تحركت لتتراقص معه على أنغام موسيقى هادئة، وبرغم إغداقها من ذاك اللزج نبيل بكلماتٍ غرامية إلا أنها لم تكن تسمعه من الأساس، فكل تركيزها صبته على ذاك الخائن لتراقبه عيناها وهو يقف مع تلك الفتاة الجميلة تحت احتراق روحها وروح ساندي أيضاً.
أما هو فمنذ أن استمع لإعلان العامل عن بدء رقصة العروسين وجسده يغلي كبركانٍ ثائر، كيف لها أن تفعل بهِ هذا وتضعه بذاك الاختبار اللعين، لم يستطع النظر عليهما كي لا يفقد أعصابه ويفعل شيئاً يندم عليه لاحقاً، عقله يصرّح رافضاً تصديق ما فعلته به، كيف تسمح لحالها بأن يقترب منها ذاك الوغد، أسمحت له بأن يمسك كفها ويلف ذراعه حول خصرها كما المتعارف عليه بتلك الرقصة اللعينة؟!
أم أنها حافظت على نفسها، الفضول يكاد يفتك به ويطالبه قلبه بالالتفات عليها ليرى ما يحدث، والعقل رافضاً بقوة بأن يذل حاله ويراها بذاك المشهد المهين لرجولته، عدة مشاعر مختلطة انتابته جعلت من عقله يتشتت ليفيق على سؤال تلك الجميلة:
- يظهر إن حضرة الظابط سرحان في حاجة مهمة.
نطق يسألها باعتذار:
- سوري، كنت بتقولي حاجة؟!
ضحكت برقة وهي تؤكد:
- كنت بقول إنك سرحان بس إتأكدت بعد جوابك ده.
- أنا آسف جدًا، غصب عني سرحت شوية في حاجة شغلاني...
ليتابع بطريقة مهذبة:
- إتفضلي قولي سؤالك، أنا سامعك.
نطقت بهدوء:
- كنت بسألك إيه أفضل لقب لقلبك، حضرة الظابط، ولا الباشمهندس؟
أجاب بثقة:
- اللقبين بيمثلوني ويكملوني.
بجبين مقطب سألته:
- إزاي؟!
أجاب بمهارة:
- الباشمهندس هو صاحب الاختراع اللي وصلني للقب الظابط، يبقى الاتنين أنا، والاتنين بيمثلوني.
نطقت بإعجاب بدا على ملامحها:
- عجباني دماغك وردودك، حساك مختلفة عن شباب جيلك.
- إنتِ كمان مختلفة.
ابتسمت لتسأله بمراوغة:
- مختلفة دي حاجة حلوة ولا وحشة؟
ضحك يجيبها تحت استمرار اشتعال قلبه:
- حاجة حلوة جدًا.
انطلقت ضحكاتهما تحت سعادة قلب إيثار التي تراقب ردود أفعالهما وسالي أيضًا التي أعجبها ذاك التقرب برغم كرهها لإيثار لكن لا يمنع أن الشاب يمتلك مقومات الرجل الناجح والتي تتمناها كل امرأة عاقلة لابنتها.
انتهت الرقصة تحت احتراق قلب بيسان من التجاهل الكامل والمتعمد من يوسف، ناهيك عن انقلاب السحر على الساحر، فبدلًا من رؤيتها لاحتراق روحه كما خططت وهي تبعث له الدعوة، حدث العكس، وهي من احترقت بنار الغيرة وتدمرت روحها وانهارت، وقف نبيل بجانبها وتحدث إلى الجميع من خلال الميكرفون:
- ممكن أخد دقيقة من وقتكم لو سمحتم.
انتبه الجميع حتى يوسف الذي التفت بجنبه مرغمًا كي لا يثير تساؤلات البعض فتابع نبيل بابتسامة متقنة الصنع:
- أولًا حابب أشكركم كلكم على حضوركم وتشريفكم لينا، علشان تحتفلوا معايا أنا وبيسان باليوم العظيم ده.
تعمق بعينَي يوسف وتحدث كذبًا قاصدًا إشعال النيران بروحه:
- يوم تتويج حبنا الكبير، وحياتنا اللي هتكون رائعة واللي بدأنا تأسيسها النهاردة بالخطوبة، وعاوزكم كلكم تشوفوا اللحظة التاريخية وأنا بلبس حبيبتي الخاتم اللي هيربطنا ببعض العمر كله.
قطع حديثه ذاك الصوت المرتفع الذي انطلق بصياح مع اقتراب صاحبه لمكان العروسين:
- ......