تحميل رواية «انا لها شمس» PDF
بقلم روز امين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
شخصيات رواية «أنا لها شمس» عائلة غانم الجوهري البطلة: إيثار غانم الجوهري، تبلغ من العمر ثمانية وعشرين عامًا، ممشوقة القوام، تمتلك جسدًا أنثويًا تُخفِي معالمهُ خلف الثياب العملية التي ترتديها دائمًا، والمكونة من بِذل نسائية كلاسيكية، مما أعطاها مظهرًا جادًا أكدته تلك النظارة الطبية التي ترتديها، بجانب رسمها للجدية فوق ملامحها، تمتلكُ عينين واسعتين ذات أهدابٍ كثيفة، مما جعل من عسليتيها ساحرة لمن ينظر بهما، رغم اكفهرار ملامحها طيلة الوقت، تخرجت من كلية التجارة قسم إدارة أعمال لتعمل مديرة مكتب لشركة...
رواية انا لها شمس الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم روز امين
صباحك قهوة، في العادة يقولون صباحك سكر، لكني بدّلتها بصباحك قهوة، أنت سكرها، فرائحة القهوة التي تخطفني لعالمها ومذاقها الساحر، حيث أذوب مع رشفاتها، بالنسبة لي شيئًا هامًا لاستمرار الحياة، أما أنت يا قرة العين ويا درة النفس، فأصبحت لي الحياة بأكملها.
فؤاد علام زين الدين
صباحًا، فاق على صوت المنبه حيث صدح بجواره، فقام برفع رأسه سريعًا ليجد آسرة الفؤاد واضعة رأسها فوق صدره، فمنذ انتقالها لهذا الجناح والنوم بتخته قد اتخذت من صدره مخدعًا وأصبح واحة راحتها. بسط ذراعه ليغلق الصوت سريعًا كي لا يزعج ملاكه الغافي، لكنها بالفعل بدأت في تحريك أهدابها بعد أن شعرت بحركة فارسها النبيل. رفعت رأسها تتطلع عليه لينطق وهو يرجع خصلات شعرها الهاربة خلف أذنها:
- غمضي عيونك ونامي يا بابا.
- هتروح شغلك؟
قالتها بصوت ناعس وعينين تغلقان بفضل نعاسهما، فأجابها بنبرة حنون:
- آه يا حبيبي.
رفعت جسدها لتقول بتكاسل يرجع لعدم حصولها على القسط الكافي من النوم بسبب سهرتها المميزة ليلة أمس بصحبة معشوق روحها:
- هقوم علشان أساعدك في لبسك وأنزل معاك لحد ما تفطر وتاخد قهوتك.
جذبها برفق ليعيدها إلى مكانها من جديد وهو يقول بعينين تحمل كمًا هائلًا من الحنان والحب:
- أنت ما نمتيش كويس يا حبيبي، نامي وأنا هلبس وهنزل أفطر مع الباشا.
واستطرد بنبرة حنون:
- وبعدين النهاردة يوسف عنده إجازة، خدي كفايتك من النوم علشان تقومي فايقة وتقضي اليوم معاه.
شملته بنظرات هائمة تأثرًا بجمال قلبه الذي يحمل حنان الدنيا، لتتلمس خده بكفها الرقيق وابتسمت لتقول بحالمية:
- على فكرة بقى، أنت أروع حبيب في الدنيا كلها.
أعاد رأسها فوق الوسادة برفق ثم مال عليها وطبع قبلة تحمل بلمساتها حنانًا هائلًا ليجيبها بعينين يسكنهما عشق جارف:
- وأنت حبيبة حبيبك وقلب قلبه.
ضحك ليتابع بمشاكسة:
- استعرت جملتك، عجبتني بصراحة.
- حبيبة حبيبي...
قالتها بدلال ليعيد نطقها بتأكيد:
- حبيبة حبيبك.
قالها بهيام لينسحب رُغمًا عن قلبه المغرم تحت نظراتها الهائمة المصاحبة له حتى اختفى خلف باب الحمام، لتغمض عينيها مستسلمة للنوم الذي سحبها لتتعمق بداخله. خرج بعد قليل يلف خصره بمنشفة كبيرة لينظر عليها والابتسامة العريضة ترتسم بشدة على ثغره. اتجه نحو غرفة الملابس وارتدى ثيابه بالكامل بمنتهى الهدوء، ثم تحرك لمرآة الزينة وقام بتصفيف شعره ونثر رذاذ عطره الفواح. وقف يتطلع على حاله برضى تام قبل أن ينظر على تلك الغافية بسلام ليبتسم بحالمية قبل أن يتجه صوبها ليميل بجزعه بهدوء تام ويطبع قبلة تحمل بلمساتها عشق وحنان وشوق الدنيا بأكملها. تنهد بقلب عاشق لينسحب قبل أن تشعر عليه حبيبته وتنزعج.
نزل للأسفل متجهًا صوب غرفة الطعام ليجد والده يترأس الطاولة تجاوره والدته التي تطلعت على ذاك المبتسم المقبل على الحياة بسعادة، لينشرح صدرها ويخرج منه تنهيدة تنم عن مدى ارتياحها بعد أن اطمأنت على نجلها الحبيب وتأكدت من ملامحه المستكينة أنه يعيش أزهى عصوره. نطق بصوت حماسي يملؤه النشاط:
- صباح الخير يا باشا.
قالها لأبيه ليتحرك باتجاه تلك الحنون ليميل بطوله فوق رأسها كي يضع قبلة احترام وهو يقول:
- صباح الخير يا حبيبتي.
- صباح السعادة يا جناب المستشار...
هكذا أجابته قبل أن تنطق مداعبة لصغيرها:
- أمال فين نصك الحلو؟
لف للجهة الأخرى ليجلس فوق مقعده المقابل لها والمجاور لوالده لينطق بملاطفة وهو يشير إليها بابتسامة أظهرت كم حبوره الشامل لروحه:
- نصي الحلو قاعد قدامي أهو.
ابتسمت لتظهر بمقلتيها سعادة لا نظير لها لدلال نجلها الحبيب لها. ليهتف علام بنبرة حازمة:
- اتلم يا بابا وخليك بعيد عن حبيبتي علشان ما أحطكش في دماغي.
تلونت وجنتاها خجلًا لتضرب بخفة على كف زوجها الموضوع على طرف الطاولة وهي تلومه بنظراتها اللائمة مع ابتساماتها الخجلة، ليطلق فؤاد قهقهاته العالية وهو يستمع إلى والده يسترسل بنظرات عاتبة لزوجته:
- مكسوفة من كلامي ومش مكسوفة من المحترم اللي بيقول لك نصي الحلو؟!
نطق بصوت حماسي ضاحك:
- الله على الباشا الكبير وهو بيغير على الدكتورة.
نطق علام بنبرة جادة:
- سيبك من الأونطة بتاعتك دي، أمك بتسألك مراتك فين؟
أمسك صحنه وبدأ بوضع بعض أنواع الطعام بداخله ليجيب والده:
- مراتي نايمة، كانت هتنزل معايا بس أنا منعتها، قولت لها ترتاح لإننا نمنا متأخر.
- يا حنين...
قالها علام متهكمًا ليسأله بفضول:
- من إمتى الحنية دي كلها يا سي فؤاد؟!
بنبرة جادة أجاب والده:
- الحنية موجودة من زمان جنابك، بس كانت مستنية اللي تستاهلها بجد علشان تظهر.
- ربنا يسعدكم يا حبيبي ويعوضك بيها عن كل اللي شفته قبلها...
نطقتها بعينين حنون ليقطع حديثها علام وهو يتحدث بحماسة:
- تعوضه ويعوضها ويدلعوا بعض براحتهم، المهم تسع شهور وحفيدي يشرف.
ليسترسل بنبرة تنبيهية:
- أظن أنا أديتك وقتك بزيادة.
نظر لوالده والسعادة تحوم فوق جميع ملامحه لينطق بحفاوة:
- إن شاء الله هسلمك أول حفيد قبل كده كمان يا باشا.
أمن والداه بتمني لتتابع عصمت بعينين متشوقتين لرؤية أحفادها:
- ربنا يرزقك بالذرية الصالحة ونشوف ولادك ماليين علينا البيت يا حبيبي.
قطع حديثهم دخول فريال التي تحمل صغيرها فؤاد ويجاورها ماجد:
- صباح الخير.
رد عليها الجميع وجلسوا يتناولون الطعام لتسأل فريال أباها:
- اتفقت مع شركة التنظيم اللي هترتب للحفلة يا بابا؟
أجابها بجدية:
- آه يا حبيبتي، كل شيء هيكون جاهز في الميعاد، ما تقلقيش.
ابتسمت لأبيها وتابع الجميع تناول الطعام. بعد قليل كان يتحرك داخل الحديقة بطريقه لسيارته كي يستقلها ويذهب لعمله.
- فؤاد باشا...
قالتها عزة ليستدير لها متسائلًا:
- خير يا عزة؟
ردت بطريقة أزعجته:
- كنت عاوزة أطلب من حضرتك طلب وأتمنى ما تكسفنيش.
تنهد ليجيبها بنبرة جادة توحي لشخصيته الصارمة:
- ما بحبش المقدمات يا عزة، قولي اللي أنت عاوزاه بس بسرعة علشان ما عنديش وقت كتير.
- بالراحة عليا يا سعادة الباشا، ده الكلام أخد وعطا...
قالتها باستياء ليحملق بها بنظرات أرعبتها وهو يقول بحزم:
- عزة، إنجزي.
ارتجف جسدها لتنطق بتلعثم أظهر كم ارتياحها:
- هقول أهو، بص يا سيدي، الواد أيهم أخو إيثار، ما أنت عارفه، المهم، هو اللي كلمني ساعة ما أخواتها العرر وأمها ما حبسوها وكانوا هيرجعوها للي ما يتسمى ابن إجلال.
زفر بنفاذ صبر وبات يقلب عينيه بضجر وسأم لثرثرتها المبالغ بها ليصيح باستياء ظهر بعينيه:
- عزة، أبوس دماغك قولي طلبك من غير كل المقدمات اللي أنا حافظها دي.
رمقته بمقت لتلوي فاهها وهي تقول مستنكرة طريقتها بالحديث:
- خلاص يا باشا، أنت خلقك ضيق قوي كده ليه، خلي نفسك طويل وخد وهات كده معايا في الكلام.
وضع كف يده ليمرره فوق وجهه وهو يسأل الله أن يمنحه الصبر قبل أن يرتكب جريمة شنعاء بحق تلك الثرثارة، لتهتف هي سريعًا بعدما رأت وصوله لقمة الغضب:
- كنت بقول لو يعني تعزم الولا أيهم يقف مع أخته في الحفلة، وأهو منه تفرحها وتحسسها إنك بتفكر في سعادتها، ومنه يبقى حد من أهلها واقف معاها قدام الناس بدل ما هي واقفة بطولها كده.
ضيق بين حاجبيه ثم رفع حاجبه الأيسر مستحسنًا فكرتها التي لم تخطر بخياله نظرًا لانشغاله بما هو أهم. وما أن رأته يبتسم حتى رفعت قامتها لأعلى بغرور قبل أن ينطق هو باستجواد:
- فكرة حلوة، ابعتي لي رقمه في رسالة على الواتساب وأنا هكلمه وأعزمه بنفسي، بس إوعي تقولي حاجة لإيثار، خليها مفاجأة يوم الحفلة.
- إلهي يكرمك يا أمير يا ابن الأمرا...
قالتها بحفاوة لينطق هو متذكرًا:
- أول ما الهانم تصحى جهزي لها فطار وحطيه هنا في الجنينة وخليها تاكل كويس، وبلّغيها إن فيه فريق من دار أزياء جاي ياخد مقاسات وأوصاف الفستان اللي هتلبسه في الحفلة، هيوصلوا على الساعة 12 الظهر.
واسترسل مؤكدًا:
- ما تنسيش تبلّغيها علشان تعمل حسابها لإن عندي تحقيق مهم ومش هعرف أكلمها، أنا نسيت خالص أقول لها امبارح.
- الله يكون في العون يا باشا، أنت هتفتكر إيه ولا إيه...
قالتها بمشاكسة ليبتسم وهو يهز رأسه باستسلام لينطق وهو يتحرك باتجاه سيارته حيث أحضرها الحارس:
- روحي شوفي يوسف وفطريه وتابعيه لحد ما المدام تصحى.
ليستدير إليها مسترسلًا بتنبيه يرجع لعشقه وخوفه عليها:
- إوعي تصحيها، سبيها لما تصحى براحتها.
- أنت تؤمر يا باشا...
قالتها لتتابع فؤاد وهو يستقل سيارته وينطلق للخارج. ابتسمت لتقول بسعادة:
- عملتي إيه في الراجل يا بنت عمي غانم، الراجل عقله طار وبقى بيلف حواليكِ زي المخبول.
فاقت من النوم في حدود الساعة العاشرة صباحًا، اغتسلت وتوضأت وصلت فرضها وجلست تناجي الله وتشكره على نعمه التي لا تعد ولا تحصى. وبعد الانتهاء ارتدت ثيابها ونزلت من الدرج لتقاطع طريقها فريال حيث كانت تصعد للأعلى بطريقها لغرفتها كي تقوم بتبديل ثيابها التي اتسخت بفضل صغيرها الرضيع. تطلعت إلى إيثار لتقول الأخرى بنبرة هادئة:
- صباح الخير.
تنفست فريال بهدوء لتنطق بتقييم لمظهرها الرائع ووجهها المشع نورًا والذي يرجع لراحتها واستكانة روحها التي ارتاحت داخل محراب روح الحبيب:
- صباح النور.
تحمحمت وهي تقول في محاولة منها لفتح حديث معها:
- يوسف في الجنينة بيلعب مع بيسان ومعاهم عزة.
هزت الأخرى رأسها بإيماءة لتواصل فريال طريقها للصعود قبل أن توقفها إيثار التي تحدثت بنبرة تحمل الكثير من الشكر:
- متشكرة على اهتمامك ومعاملتك الراقية لابني.
استدارت تطالعها بنظرات غامضة لتقول بصوت خالٍ من المشاعر صنعته كي لا تخسر كبريائها أمام تلك المرأة التي ما زالت تأخذ حذرها منها إلى أن تثبت عكس ظنها:
- ما عملتش كده علشان تشكريني.
قالتها واستدارت سريعًا لتمضي بطريقها للأعلى تاركة خلفها إيثار التي أخذت تحرك عينيها يمينًا ويسارًا باستغراب لتلك غريبة الأطوار. تحركت حتى وصلت للباب الخارجي ليصادف خروجها بولوج عزة التي تسمرت وهي تتطلع عليها بنظرات منبهرة بجمالها الرائع الذي يزداد يومًا تلو الآخر بفضل تقربها من زوجها الحبيب الذي ولج لحياتها ليصبح لها شمسًا ساطعة أنارت حياتها وحولتها لرائعة. هتفت وما زال بصرها معلقًا بها:
- الله أكبر عليكِ يا ست البنات، كل يوم جمالك بيزيد لحد ما بقيتي شبه البدر في ليلة تمامه.
اتسعت بسمتها لتنير وجهها أكثر وهي تقول بحميمية:
- حبيبتي يا زوزة.
وقبل أن تسألها عن الصغير أخبرتها بثرثرة كالعادة:
- كنت لسه هطلع أشوفك صحيتي ولا لسه، مع إن سيادة المستشار نبه عليا محدش يهوب ناحيتك ونسيبك تصحي براحتك.
لتتابع:
- آه بالحق قبل ما أنسى، جوزك قال لي أقول لك إن فيه ناس من دار أزياء هييجوا بعد ساعتين ياخدوا مقاساتك لفستان الحفلة.
باتت تثرثر بحديثها المعتاد لتسألها إيثار:
- يوسف فين؟
- في الجنينة مع الباشا الكبير...
قطبت جبينها لتسألها من جديد باستغراب:
- هو جناب المستشار ما راحش شغله؟!
- لا، عنده إجازة النهاردة...
قالتها بنفي لتنسحب إلى المطبخ كي تقوم بتحضير طعام الفطار. تحركت داخل الحديقة وباتت تتطلع بأعين باحثة عن الصغير لتستقر بنظراتها على ذاك الرائع المسمى بـ علام وهو يقف أمام زهوره النادرة يراعيها بنفسه يجاوره الصغير حاملًا بيده الدلو الخاص بري الزهور وتجاوره أيضًا الصغيرة بملامح وجهها السعيدة. تحركت صوبهم وما أن رآها الصغير حتى وضع ما بيده ليهرول إليها مهللًا:
- مامي!
فتحت ذراعيها على مصراعيهما لتستقبله بحفاوة وترفعه ليستقر بأحضانها الحانية. قبلت وجهه بالكامل لتقول بصوت يفيض حنانًا:
- حبيبي يا جو، وحشتني.
- أنت كمان وحشتيني كتير.
استدار لينطق بصوت حماسي وهو يشير إلى ذاك الحنون الذي غمره بعطفه واهتمامه الذي ملأ حياة الصغير وزاد من ثقته بحاله:
- شفتي يا مامي جدو علام خلاني أسقي الزرع بنفسي.
اشتدت سعادتها لمعاملة ذاك الراقي لصغيرها الحبيب. تحركت صوبه لتقول بنبرة تحمل الكثير من الاحترام والتوقير:
- صباح الخير يا سيادة المستشار.
تطلع إليها يرمقها بعينين لائمتين لومة عزيز غالي:
- هو ده اللي اتفقنا عليه؟!
قطبت جبينها لعدم وصول مغزى جملته لعقلها ليتابع بإبانة بعدما رأى حيرة نظراتها:
- مش كنا اتفقنا إنك هتقولي لي يا بابا؟
واستطرد بممازحة تراها منه ولأول مرة فهو الرجل الحكيم الصارم في أحكامه وقراراته لما له من منصب رفيع بالدولة جعلت من الكل يهابه ويعطي له قدره:
- رجعنا في كلامنا ولا إيه؟
انتعاشة هائلة اقتحمت قلبها وزلزلته من إثر حلاوة اللحظة. يا الله كم هو شعور رائع للغاية عندما يشعرك أحدهم أنك منه وأمر ما تشعر به من أحاسيس يهمه بقدر ما يهم أقرب الأقربين إلى روحك. اتسعت ابتسامتها الممتزجة بنظرات تشع سعادة لتنطق بصوت تخللته الرجفة من إثر المفاجأة:
- ده شرف كبير أنا ما استاهلوش يا أفندم.
نطقت كلماتها وقد امتلأت عينيها بغيمات ملبدة من الدموع المتأثرة بحنو ذاك الذي يمتلك قلبًا من ذهب. اقترب عليها وربت على كتفها ليتحدث بابتسامة حنون:
- أنت تستاهلي كل حاجة حلوة ولو بإيدي أقدم لك كل ما تتمنيه عن طيب خاطر، كفاية إنك رجعتي لي ابني من جديد.
صمت ليخرج تنهيدة حارة شقت صدره قبل أن ينطق بعينين متأثرتين:
- لأول مرة بشوف فؤاد قلبه بينبض بالحياة ومقبل عليها من جديد، بعد ما كنا خلاص فقدنا الأمل في إنه يرجع لحياته ويستمر.
وبعد ما كنت خلاص أَقْلَمت روحي إني مش هيكون لي حفيد يحمل نفس اسمي ويمد في جذور عيلتي، رجع الأمل ينتعش في قلبي أنا وأمه من جديد، وكل ده بسببك يا إيثار.
قالها بامتنان ليتابع لائمًا:
- وبعد كل ده بتقولي لي شرف كبير ما استاهلوش.
نطقت بتلبك ظهر جليًا بنبرات صوتها ونظراتها الزائغة:
- أنا مش عارفة أقول لحضرتك إيه، لأول مرة بحس إن لساني مربوط وعاجز عن إنه يلاقي كلام أرد بيه على كلامك ونبل أخلاقك اللي غمرتني بيهم.
لتسترسل بابتسامة خفيفة:
- تخيل حضرتك، أنا اللي شغلي كله معتمد على الكلام أبقى بالتوهة دي.
- مش محتاجة تقولي أي حاجة لإن اللي عملتيه كافي ووافي بالنسبة لي...
نطقها ليخفف من وطأة خجلها وتلبكها لتشمله بنظرات يملؤها الامتنان فتابع بمشاكسة وهو يتحسس وجنة الصغير المتابع لحديثهما بتركيز عال:
- جرى إيه يا يوسف بيه، إحنا هنسيب شغلنا ونتعلق في حضن مامي كده كتير؟!
الزرع عطشان وعاوز يشرب.
ضحك الصغير ونطق بنبرة حماسية وهو يتزحزح من بين أحضان والدته في محاولة منه بالفرار:
- حاضر يا جدو.
فلت من أحضان والدته ثم أسرع إلى الصغيرة الواقفة بجوار حوض الورود ليسألها بنبرة طفولية:
- مش هتروي وردتك اللي بتحبيها يا بيسو؟
- ارويها لي أنت يا جو علشان مش بعرف أشيل الماية...
نطقتها الصغيرة وهي تنظر لدلو الماء، لينطلق الصغير بحماس نحو زهرتها وأمسك بالدلو وبدأ بريها تحت سعادة الصغيرة التي باتت تهلل وتشكره بسعادة.
جلست إيثار حول الطاولة لتراقب معاملة علام للصغار وترقبت بشدة كيف يعلمهم الاعتماد على النفس ويزرع بداخلهما حب العمل والتعود على تحمل المسؤولية. جهزت عزة الفطار وأتت به إليها وتحدثت بنبرة حماسية:
- كلي أكلك كله، الباشا موصيني عليكِ قبل ما يمشي.
- قال لك إيه عليا يا عزة؟
نطقت سؤالها بلهفة أسعدت قلب عزة التي هتفت بحبور:
- قال لي أجهز لك فطار كويس وأخليكِ تاكليه كله، الراجل خلاص، بقى ماشي يهلوس بيكِ.
- مش قوي كده...
قالتها بدلال وهي تضحك لتجيبها الأخرى باعتراض:
- أصلك ما شفتهوش وهو بيتكلم عنك ولا لما يبص لك وأنتوا تحت.
واسترسلت لتخبرها بما استمعت له من داخل المطبخ:
- ده البنات في المطبخ مستغربين وهيتجننوا من التغيير اللي حصل له وبيقولوا إنهم أول مرة يشوفوه كده، دول بيقولوا إنه كان بينزل تحت هو ومراته الاولانية وكأنه ما يعرفهاش، عمره ما بص لها زي ما بيبص لك ولا دخل معاها اللي اسمه إيه ده الجاكوزي.
بمجرد ذكرها لعلاقته بزوجته السابقة، اشتعلت نار الغيرة وتوهجت بجميع جسدها لتتحول ملامحها من مستكينة هادئة لغاضبة. هتفت بعينين حادة كحدة نظرات الصقر:
- خلاص مش عاوزة أسمع حاجة، وتاني مرة ما تكلمنيش في الموضوع ده.
بتلك الثواني مرت بمخيلتها أن كل ما يفعله معها من دلال وعشق جارف يغرقها به كانت تتذوقه على يده غيرها من النساء. بات صدرها يعلو ويهبط من شدة احتراقه لتهتف إلى عزة بحدة:
- سيبيني لوحدي.
انسحبت ولم تتفوه بكلمة واحدة كي لا تزيد من نار تلك التي أمسكت بهاتفها لتضغط رقمه سريعًا دون تفكير. كان يجلس بمكتبه يتابع عمله ويرتب للتحقيق الذي سيبدأ بعد قليل هو والكاتب ليصدح هاتفه. أمسكه ليبتسم تلقائيًا حين وجد نقش اسمها المدون "خليلة القلب" فمنذ عقد قرانه عليها سجلها بهذا اللقب. على الفور نطق للكاتب:
- سيبني شوية لوحدي يا حسين.
- حاضر يا جناب المستشار...
نطقها الرجل وما أن انسحب حتى أجاب سريعًا بصوت ملئ بالعشق:
- أهو كده يدوب يومي بدأ وشمسي طلعت.
- فؤاد...
نطقت اسمه برجفة خلعت قلبه ليجيبها سريعًا:
- عيون فؤاد يا حبيبي.
- أنت بتحبني، مش كده؟
قالت سؤالها بقلب متألم ليجيبها بهيام عنيف:
- لو فيه كلمة تعبر عن اللي جوايا أكتر من العشق كنت قولتها.
سألته من جديد بنرجسية جديدة على شخصيتها:
- أنا الست الوحيدة اللي دخلت قلبك، محدش دخل قبلي، صح؟
أجابها بكل ما تحمله كلمة عشق من معنى:
- لا فيه قبلك ولا هيكون بعدك، أنت الوحيدة اللي قدرتي تزلزلي كياني وتخليني أتنازل عن كل مبادئي قصاد إني أحصل على نظرة رضى واحدة من عيونك.
تنهدت وانخفضت نار الغيرة بعض الشيء ليسألها بعدما شعر بإخماد حريقها من خلال تنهيدتها التي وصلت لقلبه قبل أذنه، فقد وصل بعشقه معها إلى المنتهى حتى صار يستمع لدقات قلبها ويفهم ما تشعر به دون أن تتفوه بحرف:
- قولي لي بقى، حبيبي ماله ومين مزعله ومخلي نار غيرته على حبيبه شاعلة قوي كده؟
- للدرجة دي باين عليا...
نطقتها بدلال لينطق بمداعبة:
- المكتب فحم من حواليا وريحة الشياط جايبة لحد مكتب النائب العام شخصيًا.
قهقهت على دعابة زوجها وحسه الفكاهي الذي اكتسبه عن جديد ليعيد عليها السؤال مرة أخرى بنبرة جادة:
- مش هتقولي لي مالك؟
تنهدت براحة لتجيبه بهدوء:
- ما فيش حاجة، حبيت بس أطمن على مكانتي في قلبك.
أجابها باقتضاب يرجع لضيق الوقت لديه:
- هحاول أصدقك لإن ما عنديش وقت مش أكتر، بس لما أرجع هتحكي لي أكيد.
ابتسمت على اهتمامه بها لتنطق بنبرة حنون:
- أنا بحبك قوي يا فؤاد، وبموت من غيرتي عليك.
- وفؤاد لا عمره حب ولا داب غير حبيبة حبيبها...
نطقها بصوت ينطق عشقًا ليرتاح قلبها. تنهد هو الآخر وتحدث باستعجال:
- أنا مضطر أقفل يا حبيبي علشان عندي تحقيق مهم هيبدأ بعد شوية، خلي بالك من حبيبي لحد ما أرجع له.
ابتسمت لكلماته الناعمة التي يغمرها بها ويدللها حتى باتت تشعر بأنها ملكة وتربعت على عرش قلبه العظيم. نطقت بدلال تعلمته على يد عاشقها:
- هستناك يا حبيبي، ما تتأخرش على حبيبتك.
- بحبك...
همس بها بطريقة ناعمة ليغلق سريعًا تاركًا حبيبته لتهيم في بحر كلمات غزله المنفرد. تنهدت بارتياح لتتناول طعامها بنهم وهي تشعر بلذة كل ما تتناوله.
بعد قليل خرجت فريال من باب القصر واتجهت إليها وهي ترى عزة تلملم صحون الطعام هي وعاملة أخرى لتتحدث وهي تسحب المقعد استعدادًا للجلوس:
- اعملي لي أي عصير فريش يا عزة.
- من عنيا يا ست هانم...
ثم التفتت إلى إيثار ونطقت لتتأكد:
- وأنتِ هعمل لك قهوتك حالًا.
لم تجيبها والتفتت لتصيح بصوت مرتفع نسبيًا كي يستمع إليه والد زوجها:
- تشرب قهوة معايا يا بابا؟
شملتها فريال بنظرات متعجبة من تلك التي تنادي لأبيها بأبي. فاجأها والدها الرزين وهو ينطق بنبرة يملؤها الحنان:
- آه يا حبيبتي.
كيف لأبيها ذاك الوقور المعروف بوسط عائلتهم بالجدية والصرامة أن يتعامل بكل حميمية وود مع تلك الغريبة التي اقتحمت حياتهم؟ داخلها مشاعر مذبذبة. الآن وفقط فهمت مغزى شعورها المخيف تجاه تلك الـ إيثار منذ أن ولجت إلى منزلهم بصحبة شقيقها الذي كان يحاوط عليها كمن يحمي طفلته الصغيرة ويخشى عليها من الجميع. نعم إنه شعور الخوف والغيرة على عرشها، فمنذ أن خُلقت وجدت حالها ملكة متوجة على عرش عائلتها العظيم والآن ذاك العرش بات مهددًا والخطر يحوم حولها في وجود أخرى يكن لها الجميع الكثير من الحب مع الاحترام والود. ابتلعت غصة مرة ومطت شفتيها كما الأطفال لتجد والدها يقبل عليهما بصحبة الصغار. جلس بالمقعد المجاور لكلتاهما ليسأل ابنته بحنو:
- فؤاد الصغير فين؟!
أجابته بنبرة خالية من المشاعر فما زالت تلك الفكرة تسيطر على عقلها الصغير:
- نايم في أوضته والناني معاه.
جلبت عزة القهوة والمشروب ليتناول كلٌ منهم شرابه مع تناولهم للأحاديث المشتركة، فلاحظت فريال تلقائية الأخرى وسجيتها في التعامل مع والدها ومعها، فتنهدت لتأكدها عدم خبثها بل هي أبسط من أن تكون بتلك الصورة التي رسمها لها الشيطان منذ أن رأتها.
*********
بأحد المناطق الراقية بالقاهرة الكبرى حيث المسكن الخاص الذي اشتراه نصر وخصصه إلى المرأة التي تزوجها سرًا لتشعره بأنه رجلًا بعيدًا عن سيطرة إجلال وسطوتها التي تمارسها عليه وتشعره دائمًا بالدونية وبالمن عليه وبأن الفضل فيما وصل له يرجع لوالدها ونفوذ عائلتها الكبيرة. خرجت شذى من غرفتها بعد أن تجهزت لاستقبال زوجها لتجد الخادمة "فتنة" تتحرك ببهو المسكن بجوار التحف والمزهريات بنظرات مريبة لترتبك حين وجدتها أمامها. هتفت شذى بتذمر تستعجلها:
- أنتِ مش نضفتي الرسيبشن ده من بدري وظبطيه، واقفة عندك بتعملي إيه تاني؟!
- كنت بشيك على التحف والڤازات لحاجة تقع منهم يا مدام...
قالتها بعدما سيطرت على رجفة جسدها لتسألها الأخرى التي تنظر لحالها في المرآة الموضوعة بوسط البهو:
- خلصتي طبيخ ولا لسه؟
أجابتها باستفاضة:
- الأكل كله استوى وقفلت عليه النار من شوية.
فتحت محفظة النقود وأخرجت منها مبلغًا من المال لتبسط به يدها وهي تقول:
- طب خدي حسابك ويلا انزلي بسرعة قبل ما جوزي يرجع، أنتِ عارفة ما بيحبش حد غريب يدخل البيت.
لتسترسل بابتسامة ساخرة وتهكم:
- البيه فاكر إن أنا اللي بنظف وبطبخ له بنفسي.
أخذت فتنة المال وهي تقول بهدوء:
- فيه رجالة كتير كده يا هانم، ما يحبوش ياكلوا إلا من تحت إيدين ستاتهم.
هتفت الأخرى بغضب حاد ينم عن مدى توترها:
- أنتِ هتقفي تتسايري معايا، يلا اخرجي قبل ما ييجي.
لوت الفتاة فاهها وأسرعت إلى المطبخ لتلتقط عباءتها السوداء وترتديها على عجالة وبسرعة البرق كانت تخرج من باب البناية ليصادف خروجها دخول ذاك الـ نصر ويليه الحارس الحامل بين يديه كمًا هائلًا من الأكياس. تخطاها لتلتفت الفتاة للخلف تتطلع إليه ثم مضت بطريقها. وصل للأعلى وأغلق باب الشقة بعدما أدخل الحارس الأشياء داخل المطبخ. هرولت عليه شذى لترتمي بأحضانه وباتت تزيده من قبلاتها الناعمة التي تسحبه وهي تقول بزيف:
- وحشتني يا نصورتي، وحشتني قوي.
- ما بلاش الاسم البايخ ده...
قالها باستنكار وهو يقربها إليه لتمط شفتيها بدلال:
- بدلعك.
نطق بصوت غليظ:
- ما بحبش دلع الأسامي، أنتِ عارفة الدلع اللي بيجيب معايا من الآخر واللي بسببه لكِ غلاوة عندي.
ضحكت برقاعة قبل أن تقول بدلال لم يراه سوى على يداها:
- الدلع بكل أنواعه موجود وحصري عند شذى حبيبتك، تعالى الأول نتغدى وبعدها أوريك الدلع على أصوله.
جذب ذراعها بقوة لترتطم بصدره من جديد وهو يقول بلهفة واشتياق ظهرا بعينيه:
- تعالي هنا رايحة فين، هو الغدا هيطير؟
أطلقت ضحكة رقيعة من جديد لتتحرك معه صوب غرفة النوم الخاصة بهما.
__________________________
بعد مرور يومين، مساءً بقصر علام زين الدين حيث أقيم حفلًا هائلًا دعى به جميع عائلته ونخبة من صفوة المجتمع بمناسبة زواج نجله الوحيد وترقيته بالعمل. كان الحفل مميزًا حيث تعاقد علام مع إحدى كبريات شركات تنظيم الحفلات ليخرج الحفل بطريقة منظمة وخاطفة للأبصار. ساعدت مساحة الحديقة الشاسعة على التنظيم أكثر. حضر الجميع ولم يتبق سوى العروسين. انتهت إحدى السيدات المسؤولة عن تزيينها والتي حضرت بطلب من فؤاد لتقول وهي تشير لها لتتطلع إلى المرآة:
- إيه رأيك يا مدام؟
وقفت تتطلع على حالها بانبهار لتنطق بصوت خفيض:
- تسلم إيدك.
أومأت لها المرأة بهدوء ورضى لتخرج من الغرفة، أما هي فظلت تنظر لحالها بعينين راضيتين وبلحظة تحولت عينيها لفارسها الذي ولج للتو من الباب لتتسع عينيه وهو يتمعن بجمالها الخاطف للأنفاس. اقترب مسلوب الإرادة حتى وقف خلفها مباشرة لينطق بحروف أظهرت كم انبهاره:
- إيه يا بابا الجمال ده كله.
ابتسمت بسعادة لتسأله بتلبك ظهر بصوتها:
- بجد شكلي عجبك؟
بنظرات مسحورة أجابها:
- أنتِ سحراني دايمًا يا إيثار، مجرد ما ببص في عيونك بتوه وبنسى كل الناس.
- ربنا يخليك ليا يا حبيبي...
قالتها بنبرة حنون لتتابع بعينين زائغة كشفت عن حيرتها وتلبكها:
- أنا مكسوفة أنزل قوي يا فؤاد، أول مرة هشوف وأتعرف على عيلتك الكبيرة.
- إوعي في يوم أسمع منك كلمة خايفة...
قالها بقوة ليسترسل بنظرات تهيم شوقًا بعشق الحبيب:
- تخافي إزاي وحبيبك جنبك؟
تبسمت بفضل كلماته الرائعة وبرغم هذا ما زال الخوف يسكنها من مقابلة عائلته لها لتنطق بما يراودها من مخاوف:
- خايفة لأهلك ما يتقبلوش وجودي بينهم كعيلة.
بنبرة تشع حنانًا نطق برجولة:
- أنتِ بكل أهلي وبكل الناس.
واسترسل باستنكار لتفكيرها المنافي لعقله:
- وبعدين أهلي مين اللي خايفة ما يتقبلوش وجودك، إحنا كل اللي يهمنا هما أبويا وأمي وفريال، وأظن دول مش محتاجة إني أقول لك إنهم مرحبين بيكِ.
- سيبك بقى من التفكير السطحي ده وخليني أقدم لك هديتي الأولى...
قالها وهو يتجه صوب الخزانة ليفتحها ثم يقف أمام خزنة حديدية ويفتح أرقامها السرية ليخرج منها علبة خاصة بالمجوهرات لونها بيج ويعود إليها من جديد. فتح العلبة ليظهر منها بريق لامع خاص بحبات الألماس المرصوصة حول ذاك الطوق المميز. انبهرت بجماله وجمال الإسوارة والخاتم المجاورين له. رفع الطوق وعاد خلفها ليساعدها على ارتدائه تحت نظراتها المنبهرة وهي تنطق بحفاوة:
- الكوليه يجنن يا فؤاد.
- عجبك يا قلب فؤاد؟
سؤالًا طرحه عليها بنعومة لتجيبه بانبهار:
- ده أحلى كوليه شافته عينيا.
واسترسلت وهي تطالعه وهو يجلب الإسوارة من العلبة:
- بس ما كانش فيه داعي تكلف نفسك يا حبيبي، ما أنت لسه جايب لي طقم من قريب.
أجابها بنبرة هادئة:
- الطقم الأولاني كان شبكتك يا عروسة، لكن ده هديتي ليكِ بمناسبة ترقية جوزك.
ألبسها الخاتم ليرفع كفها يلثمه برقة نالت استحسانها. عاد خلفها من جديد وشملها بنظرة تقييمية لينطق منبهرًا:
- تجنني يا إيثار.
قالها ليقترب من وجنتها الناعمة ويضع قبلة حنون بث من خلالها كم عشقه الجارف والكبير لتلك الراقية. ابتعد ليتنفس ثم سألها بغموض:
- مستعدة تستقبلي مفاجأتك التانية؟
ضيقت بين عينيها حين وجدته ينسحب صوب الباب ويفتحه ليدخل منه شقيقها الوسيم وهو يرتدي بدلة فخمة تليق بمظهر الحفل أهداها إياه فؤاد، مصففًا شعره برتابة من يراه يعتقد أنه نجمًا سينمائيًا. أنير وجهها وشعرت بفرحة عارمة شملت روحها لتفتح له ذراعيها على مصراعيهما ليهرول إليها ويرتمي داخل أحضانها كطفل صغير كان ينتظر غفران والدته على ذنبه العظيم الذي اقترفه بحقها. تحدثت وهي تشدد من احتضانه:
- إيه المفاجأة الحلوة دي، وحشتني يا أيهم.
أجابها بصوت واهن خجول يرجع لخذلانه لها:
- وأنتِ كمان وحشتيني.
تنفست رائحته بعمق فقد وجدت به رائحة والدها الذكية. أما عزة فكانت تبكي من ذاك المشهد المؤثر. اقترب فؤاد وجذبها لأحضانه لتنظر له بامتنان وهي تشكره بصوت متأثر:
- لو شكرتك من لبكرة على المفاجأة الحلوة دي مش هوفيك حقك.
تطلع إلى عزة الواقفة بجوار الباب لينسب الحق لأهله:
- اللي المفروض تشكريها هي عزة، لإنها صاحبة الفكرة، أنا مجرد نفذت.
خرجت من بين أحضانه لتقترب عليها وتقوم باحتضانها بقوة وهي تقول:
- ربنا يخليكِ ليا يا عزة وتفضلي دايمًا معايا.
حولت بصرها لشقيقها واقتربت عليها تتلمس بكفها الحنون وجنته تحت سعادته البالغة. لينطق فؤاد مرحبًا به:
- نورت بيت أختك يا أيهم.
- ده نورك يا باشا...
قالها الشاب بخجل ليربت عليه فؤاد وهو يقول:
- طب يلا علشان ننزل، اتأخرنا كتير على الضيوف.
بعد قليل خرجت من باب القصر تتأبط ذراع ذاك الوسيم تحت نظرات الجميع التي صوبت باتجاههما بعد صدوح صوت الموسيقى التي تسبق خروج العروسين مع التصفيق الحار لاستقبالهما. كانت ترتدي ثوب سهرة ناعمًا من اللون الأبيض بتصميمه الكلاسيكي الرائع المصنوع من الدانتيل والحرير الطبيعي مما أعطاه ملمسًا سحريًا حيث جذب جميع الأنظار، وخاماته الفاخرة التي جعلته يتماشى مع أجواء السهرة الأشبه بملكية. يأتي الفستان بأكمام طويلة وحزامًا مزينًا بالإكسسوار الأنيق لإضفاء لمسة أنثوية رائعة، كما تتزين أكمامه بالتطريز الهادئ الذي يزيد من جمال الثوب وجمال تلك الأنيقة التي ترتديه.
تطلعت سميحة إليها لتمقتها بنظرات تمتلئ بالاحتقار والغيرة وخاصة بعدما رأته من اهتمام وعشق ظاهر بعيني فؤاد الذي يكاد يلتهمها بحب. استقبلتهما عصمت بالقبلات والاهتمام الذي زرع الثقة بقلب إيثار ثم انهال عليهما بعض الأقارب والمعازيم لتقديم التهنئة. تحرك بها لطاولة عمه أحمد والد سميحة ووالدتها وشقيقتها الأخرى وشقيقها. أشار إلى عمه وهو يقول بابتسامة خفيفة:
- أحمد باشا زين الدين، عمي.
أقبلت عليه لتصافحه باحترام وهي تنطق بحفاوة وابتسامة رقيقة علت ثغرها:
- اتشرفت بمعرفة حضرتك.
ابتسم لها قبل أن يقول بحفاوة:
- مبروك، نورتي عيلتنا وشرفتيها.
- ميرسي يا أفندم.
وتبادلت أيضًا المصافحة مع والدة سميحة تلك المرأة المتعالية التي صافحتها بأطراف أصابع يدها حين قدمها فؤاد قائلًا:
- نجوى هانم، مرات عمي أحمد.
لتنطق بكبرياء بعدما شملتها بنظرات متعالية:
- أهلًا.
رفعت إيثار عنقها لأعلى تتطلع بعينيها على طاولة أيمن الأباصيري لتتحدث مع زوجها متجاهلة تلك المتعالية مما جعلها تستشيط غيظًا:
- فؤاد، تعالى نسلم على الباشمهندس أيمن ومدام نيللي.
رمقتها بسخط سميحة التي تجلس بغرور ولم تعر لوجودها اهتمامًا لكنها كانت تنتظر اهتمام الأخرى بها ليقول فؤاد بهدوء كي تنتبه:
- حبيبي، ما سلمتيش على سميحة.
تطلعت عليها بنظرة تدعي الأسى والحرج وهي تقول بزيف تعلمه سميحة جيدًا:
- سوري بجد، ما أخدتش بالي منك.
رفعت قامتها تتطلع عليها بتفاخر قبل أن ترد لها الضربة:
- عادي، أنا كمان ما شفتكيش.
تحمحم فؤاد ونظر لعمه مبتسمًا كي يرفع عنه الحرج الذي أصاب كلاهما جراء الحرب الدائرة بين كلتاهما مما أحدث تراشقًا متبادلًا من النظرات والكلمات:
- بعد إذن حضرتك يا عمي.
- اتفضل يا حبيبي...
قالها الرجل لينسحب فؤاد وزوجته. نطقت نجوى باستشاطة ظهرت بعينيها وصوتها:
- شفت البنت وقلة ذوقها يا أحمد؟!
تعجب من صياح زوجته الغير مبرر بالنسبة له لينطق بكلمة حق:
- إنتوا اللي بدأتم بقلة الذوق أنتِ وبنتك معاها، أنتِ بغرورك في طريقة سلامك عليها، وبنتك اللي حاطة رجل على رجل وباصة الناحية التانية بمنتهى قلة الذوق.
جحظت عيني نجوى لتقول باستياء بالغ:
- أنت بتدافع عنها بدل ما تقول لأخوك على جليطة مرات ابنه؟!
رفع كتفيه لينطق بلامبالاة أحْرقت روح زوجته:
- أشتكي لأخويا ليه، البنت جت سلمت عليا بكل احترام ووشها ما شاء الله بشوش جدًا، هي اتعاملت معاكم بنفس طريقتكم، وده شيء يُحسب لها.
قال كلماته ليهب واقفًا وهو ينظر لتجمع رجال العائلة وكأن شيئًا لم يكن:
- هروح أقعد مع علام ورجالة العيلة.
احتدت غيظًا بعد تحركه لتنظر هي لتلك الجالسة بجوارها:
- تعالي نروح نقعد مع ستات العيلة إحنا كمان بدل ما نتاخد مخالفة ويقولوا علينا متكبرين زي العادة.
زفرت سميحة وهي تقف وتحركت بجانب والدتها بغرور. كانت ترتدي ثوبًا باللون الأحمر الصريح ذو حمالات رفيعة عاري الصدر والظهر وبالكاد يصل لمنتصف فخذيها مما أشعل إيثار وجعلها تغير على زوجها من طلتها الجريئة. وصلا لطاولة عملاقة تضم معظم نساء وفتيات العائلة وجلستا بغرور. أقبلت عليهم عصمت وفريال لتقوما بالترحاب بالجميع بحفاوة. تحدثت إحدى سيدات العائلة:
- ألف مبروك لسيادة المستشار يا دكتورة.
- الله يبارك فيكِ يا ميرفت.
سألتها أخرى بفضول:
- هي العروسة من عيلة مين يا عصمت؟
- العروسة من كفر الشيخ يا منى، عيلتها مش معروفة في القاهرة...
هكذا أجابتها فردت أخرى باستحسان:
- بس بصراحة يا عصمت فؤاد عرف يختار صح المرة دي، البنت زي القمر وشكلها محترمة ولبقة جدًا في كلامها.
أكملت أخرى على حديثها:
- دي مش زي القمر وبس يا لولو، دي كمان وشها حلو عليه، جت وجابت له الترقية معاها.
تعالت ضحكاتهم لتهمس عصمت بسريرتها خشية من أن يصيب نجلها وزوجته حسدًا من هؤلاء النسوة:
- قل أعوذ برب الفلق.
فرقت نجوى نظراتها الحادة على الجميع بعدم ارتياح لتلك الجلسة، فطالما لم تنسجم بالتجمعات العائلية لشدة تعاليها وشعورها الدائم بدونية الآخرين بجوار شأنها التي تراه عظيمًا. استشاط داخل سميحة ولم تعد تتحمل مدح الجميع بها لتنطق بنبرة حادة تنم عن غضبها ونيرانها الشاعلة:
- تعرفي يا أنطي لولو إن العروسة اللي عمالين تمجدوا فيها دي بتشتغل سكرتيرة.
قالتها وهي تشير بسبابتها باشمئزاز لتحول عصمت بصرها إلى فريال التي ابتلعت لعابها وشعرت بأن الأرض تهتز تحت قدميها من شدة الإحراج من والدتها.
أخيرًا نطقت نجوى بعد أن قُدّمت لها فرصتها فوق طبق من ذهب لتهتف باستياء ظهر بصوتها وملامحها:
- أوووو، معقولة فؤاد علام يتجوز حتة سكرتيرة!
وضعت منى كف يدها لتغطي به فمها وبدأن بالهمز واللمز لتقطع همسهم عصمت التي هتفت بصوت واثق ومتزن:
- إيثار مديرة مكتب لشركة الأباصيري ودي واحدة من أكبر شركات الاستيراد والتصدير.
وحتى لو كانت سكرتيرة فده ما يعيبهاش بشيء، بالعكس يعلي من شأنها إنها بتشتغل ومعتمدة على نفسها.
واسترسلت وهي تنظر إلى سميحة:
- العيب إننا نتكبر على الناس ونقلل من شغلهم وكفاحهم لمجرد إننا اتولدنا أولاد لطبقة غنية وعالية.
خجلت سميحة وسحبت بصرها لتنظر للأسفل فنطقت لولو بنبرة صادقة:
- عندك حق يا عصمت، الشغل عمره ما كان عيب، وبعدين شركة الأباصيري شركة مشهورة جدًا ومش أي حد يشتغل فيها.
أومأت عصمت برأسها لتنطق قبل أن تنسحب:
- بعد إذنكم هروح أشوف الضيوف وأرحب بيهم.
ثم تطلعت على نجلتها لتشير لها للحاق بها. رمقت سميحة بنظرات حادة لائمة قبل أن تلحق بوالدتها.
بعد ذهابها تحدثت نجوى بسخرية:
- قال مديرة مكتب قال، لا وبتقول لها بكل تفاخر، أمال لو دكتورة ولا شغالة في مكان مرموق كانت عملت فينا إيه؟!
نطقت لولو بمنطقية:
- يا جماعة هي هتفرق إيه سكرتيرة من مديرة مكتب ولا إن شاء الله حتى كانت وزيرة، النتيجة في الآخر واحدة، وهي إن فؤاد علام هيقعدها في البيت وهيعيشها ملكة زمانها، أنتوا مش شايفين الطقم الألماس اللي لابساه، دي يعمل له يجي أربعة مليون جنيه.
ردت أخرى بانبهار:
- ولا الفستان، واووو يجنن.
- كل اللي بتقولوه ده ولا يهم عصمت وسيادة المستشار علام ولا يفرق معاهم في أي حاجة...
كلمات مبهمة نطقت بها منى لتسترسل بإيضاح:
- أنتوا مش واخدين بالكم من نقطة مهمة جدًا، فؤاد كان مضرب عن الجواز، والكل فقد الأمل فإن علام يبقى له حفيد من صلبه غير ولاد فريال، يعني الجوازة دي بالنسبة لعلام وعصمت طوق النجاة الأخير.
واسترسلت بلامبالاة:
- بغض النظر بقى عن العروسة من عيلة مين أو بتشتغل إيه، كل ده ولا يفرق معاهم جنب الفرحة الكبيرة اللي هيحسوها لما البنت تجيب لهم الوريث لكل الهيلمان ده.
قالت أخرى:
- عندك حق، ده سيادة المستشار يمتلك أكبر ثروة في العيلة كلها.
عودة إلى إيثار حيث ذهبت لطاولة أيمن الأباصيري بصحبة زوجها تحت نظرات سالي المشتعلة. لم تكن يومًا تكن الكره والبغضاء إلى إيثار، لكن شعور أنها كانت تمن عليها بالهدايا والمعاملة الحسنة كان يرضي غرورها. لكنها لم تتقبل فكرة أن تلك العاملة في شركة والد زوجها أصبحت بين ليلة وضحاها زوجة لنجل رجل بقدر ومنصب علام الكبير وشأن فؤاد وفوق كل هذا فإنهم يمتلكون أموالًا طائلة وأصولًا وشركات تُعد بمليارات الجنيهات وكل هذا سيصبح ملكًا لتلك الفلاحة ابنة القرية في حال إنجابها لذكر للعائلة. تطلعت على تلك القلادة المعلقة بصدرها لتزيد من اشتعال نيران قلبها. كانت تتوسط الجلوس ما بين نيللي ولارا التي تحدثت بنبرة حماسية وهي تتطلع على الأجواء من حولها:
- الحفلة تجنن يا إيثار.
عقبت بابتسامة سعيدة:
- عقبال حفلة جوازك وتبقى أحسن من دي ألف مرة يا لارا.
- قريب جدًا...
نطقتها الفتاة بحماس بعدما عادت لطبيعتها الأولى حيث واظبت على جلسات العلاج النفسي وتحسنت بفضل الله وبفضل اهتمام من حولها وأيضًا فادها كثيرًا إتمام خطبتها من الشاب التي تريده وتبادله العشق.
وضعت نيللي كف يدها لتربت على كف إيثار وهي تقول بنبرة صادقة لامرأة راقية:
- المرة الجاية نيجي نبارك لك على أخو يوسف.
ثم مالت على أذنها لتهمس بتوعية:
- إوعي تكوني بتاخدي حاجة تأجل الحمل يا إيثار.
هزت رأسها نافية وهي تقول:
- لا خالص، ده فؤاد مستعجل قوي على الموضوع.
ردت بمنطقية:
- لازم يستعجل، أنا عرفت إن فؤاد ما لوش أخوات غير فريال، وطبيعي يستعجلوا على وريث للعيلة.
زفرت سالي وهي ترى والدة زوجها تتهامس مع تلك الفتاة غير عابئة بوجودها. أما فؤاد فكان منشغلًا بالحديث مع أيمن وأحمد وأيهم الذي جاور فؤاد الجلوس. نظر أيمن إلى إيثار وتحدث مستفسرًا:
- هي سيادة المديرة مش هترجع شغلها بقى ولا إيه؟
ابتسمت لتشير بكف يدها إلى زوجها وهي تقول بمداعبة:
- حضرتك تقدر تسأل سيادة المستشار لإن العطلة من عند جنابه.
رفع حاجبه الأيسر مستنكرًا وهو يقول بمشاكسة:
- آخرتها تسلمي جوزك تسليم أهالي للباشمهندس.
أطلق الجميع ضحكاتهم عدا سالي المستنكرة ما يحدث ليتابع مسترسلًا بجدية:
- إن شاء الله هترجع بعد بكرة.
- بجد يا فؤاد؟
قالتها بعدم استيعاب لينظر إليها قائلًا بهدوء:
- بجد يا حبيبي، الباشمهندس صبر علينا كتير وكفاية لحد كده.
تطلع أيمن إليه باستغراب، فقد توقع عدم موافقة فؤاد على عودة إيثار لممارسة عملها من جديد، ولهذا فقد قام بتعيين فتاة أخرى لتتدرب لحين إبلاغ إيثار بقرارها الأخير كي يتم تعيين الفتاة رسميًا بدلًا من إيثار لكنه تفاجأ بقرار فؤاد ونيللي أيضًا.
*******
داخل إحدى الغرف الجانبية بالقصر، تدور عصمت حول حالها بوجه غاضب لتصيح بحدة إلى تلك الواقفة كالتلميذ الفاشل:
- إزاي تعملي حاجة زي كده، تطلعي أسرارنا ولمين!
لواحدة تافهة زي سميحة؟!
واسترسلت بجنون:
- ليه يا فريال، ليه تحطي أخوكِ وتحطينا في موقف بايخ زي ده؟!
بنبرة خجلة نطقت بدفاع عن نفسها:
- يا ماما والله ما كنت أقصد، أنا كل اللي كنت بفكر فيه وقتها هو إني أحافظ على فؤاد وأبعد عنه إيثار بوجود سميحة.
هتفت بصياح حاد:
- وأنتِ مالك، تدخلي في حياة أخوكِ ليه؟!
نطقت الفتاة بنبرة حزينة:
- ما كنتش فاكراه بيحبها ولا كنت فاكراها كويسة، كنت مرعوبة على أخويا من فكرة تكرار الماضي.
زفرت لتنطق بضجر أصابها من تفكير نجلتها الأرعن:
- أنتِ ليه محسساني إن فؤاد ده عيل صغير ومن غيرك هيتوه؟!
نطقت بنبرة يملؤها الخجل:
- خلاص بقى يا ماما، والله ما هتدخل تاني في حياته، بس أرجوكِ بلاش تقولي له حاجة عن اللي حصل.
أشارت بسبابتها بنبرة حاسمة ولهجة حادة لا تقبل النقاش:
- ده آخر تحذير ليكِ، غلطة كمان وكل حاجة هتوصل لبابا وهو يتصرف معاكِ ويشوف آخر جنانك ده إيه.
قالت جملتها بتهديد لتخرج باندفاع للخارج لتنظر الأخرى لأثرها بخزي وخجل يسيطران عليها والندم يملأ قلبها.
عودة للحبيبان، اشتغلت الموسيقى لرقصة السلو فاقترب من حبيبته وأمسك كف يدها ووقف بها بوسط الساحة المخصصة لرقص الثنائيات. همست بجانب أذنه باعتراض:
- مش هينفع أرقص، ما بعرفش وهفضحك والناس هتضحك علينا.
همس بنبرة هادئة بثت بداخلها الطمأنينة:
- ششش، اهدي يا بابا وسلمي لي نفسك، امشي معايا في الخطوات زي ما علمتك امبارح وأنتِ هتبقي هايلة.
بالفعل بدأت باتباع الخطوات وبعد قليل شعرت بليونة جسدها وخفة حركتها بين يديه. تعمقت بعينيه العاشقة ليهمس بنبرة هائمة:
- بحبك، وكل يوم بتعلق بيكِ أكتر.
- وأنت بقيت كل حياتي يا فؤاد...
قالتها بنبرة رومانسية لتتابع رقصتها الأولى معه أمام الناس لتنتهي الرقصة على خير ليصفق لهما الجميع بحفاوة كتحية للعروسين.
بعد قليل، اشتغلت موسيقى لرقص الثنائيات مرة أخرى فقفزت سميحة وتوجهت صوب فؤاد الواقف بجوار بعض من أبناء عمومته لتسحبه من كفه وهي تقول بدلال وحماس زائد:
- تعالى يا فؤاد أرقص معايا.
كانت تقف بجوار شقيقها تتحدث معه وتستعلم عن حال والدتها وشقيقاها. وما أن رأت تلك التافهة تقترب من رجلها حتى هبت النيران المستعرة لتشعل جميع جسدها. راقبت تصرفات فؤاد بتمعن حيث جذب يده من بين راحتها قبل أن يشملها بنظرات متعجبة وهو يقول:
- أنا من إمتى برقص معاكِ علشان أرقص النهاردة يا سميحة؟!
تدللت لتجذب كفه من جديد كي تشعل زوجته وتخلق بينهما بابًا لفتح المشاكل يعود عليها بالنفع:
- علشان خاطري، بليز وافق يا فؤاد.
- سميحة...
نطقها بنظرات حادة كالصقر قبل أن ينسحب بطريقه لزوجته التي تنهدت براحة فور رؤيتها لتصرفه الذي برد نار قلبها المشتعلة. أما سميحة فتحرك إليها شاب يدعى محمود يعشقها وتقدم لخطبتها لكنها رفضته لتعلقها الشديد بفؤاد وانتظارها له. تحدث الفتى باسطًا ذراعه في دعوة صريحة منه بعدما رأى إحراجها على يد فؤاد:
- تعالي نرقص مع بعض يا سو.
- مش عاوزة أرقص خلاص...
نطقتها بملامح وجه مكفهرة لتنسحب كالإعصار من أمامه.
وصل إليها ليحاوط خصرها بذراعه معلنًا للجميع ملكيته لتلك الجميلة التي شملته بنظرة حنون. قال قاصدًا أيهم بملاطفة:
- أظن أنا كده عداني العيب، ليا نص بحالها سايب لك مراتي.
ابتسم أيهم لينطق بحفاوة:
- بصراحة عداك العيب وأزح يا سيادة المستشار.
تحدث فؤاد بنبرة جادة:
- اعمل حسابك إنك هتبات معانا النهاردة.
- متشكر يا سيادة المستشار، بس أنا لازم أروح علشان عندي شغل بكرة...
قالها بهدوء لتقول هي:
- خد مفتاح الشقة بتاعتي وبات فيها، ويا سيدي ابقى خد إجازة بكرة، مش لازم تروح الشغل بعد يوم سهر زي ده.
- أنت خريج إيه يا أيهم؟
سؤالًا وجهه فؤاد له ليجيبه:
- كلية تجارة.
قطب جبينه بتفكر قبل أن ينطق بجدية:
- طب ما تسيبك من شغل الحكومة أبو ملاليم ده وتعالى اشتغل في الشركة بتاعتنا.
تطلعت إليه إيثار بتمعن ليتابع هو:
- هخلي عمي أحمد يعينك بالمؤهل بتاعك ويحط لك مرتب محترم تقدر تكون حياتك من وراه.
راق له العرض كثيرًا لكن توجد بعض العقبات أمامه ليقول بتردد:
- بس ميزة هناك إن البيت جنب شغلي، لكن لو جيت هنا هضطر أصرف نص مرتبي على السكن.
هتفت إيثار بحماس:
- اقعد في شقتي.
ابتسم فؤاد لينطق بمداعبة:
- وادي يا سيدي مشكلة السكن اتحلت.
نظر لهما بتردد لتحسه وهي تمسك بكفاه متحمسة للفكرة:
- وافق يا أيهم، دي فرصة حلوة قوي ليك، لو فضلت في وظيفتك عمرك ما هتعرف تتجوز ولا تكون نفسك.
رفع كتفه باستسلام ثم تحدث بابتسامة سعيدة:
- تمام.
وضع فؤاد كفه فوق كتفه ليربت عليه قائلًا:
- مبروك عليك الوظيفة.
- الله يبارك فيك...
قالها بنبرة سعيدة.
انتهى الحفل على خير وانسحب الجميع. صعدت بجوار زوجها لجناحيهما ليحيا كلاهما بداخل أحضان الآخر ويختما ليلتهما بتلاحم روحيهما معًا.
*********
بعد يومين، فاقت باكرًا لتلج إلى الحمام اغتسلت وتوضأت وصلت فرضها بصحبة زوجها الحبيب. وبعد مدة كانت تجاوره الوقوف أمام مرآة الزينة. تلف حجابها بعناية وهو يلف ربطة عنقه. وقف قبالها وأخرج ساعة يد من إحدى الأدراج وتحدث بنبرة حنون وهو يلبسها إياها بعناية:
- الساعة دي هديتي ليكِ بمناسبة رجوعك للشغل، مش عاوزك تقلعيها من إيدك نهائي.
- خالص مالص، حتى وأنا باخد شاور؟
قالتها بدلال وهي تشاكسه لينطق بنبرة حنون وهو يتابع غلق قفل الساعة:
- اسمعي كلام حبيبك من غير جدال.
انتهى ليتطلع على الساعة بتمعن فاقتربت عليه لتتلاعب بأناملها بأزرار قميصه ثم وقفت على أطراف أصابعها كي توازي طوله لتقول وهي تطبع قبلة حنون بوجنته:
- ربنا يخليك ليا يا حبيبي.
تحمحم لينظف صوته قبل أن ينطق بهدوء:
- إيثار، أنا جبت لك عربية جديدة هتروحي بيها النهاردة.
قطبت جبينها لتسأله باستغراب:
- وجبت لي عربية ليه؟ ما أنا عندي عربيتي.
حاوط خصرها بذراعيه ليميل على أنفها ويضع قبلة فوق أرنبته لينطق وهو يتعمق بعينيها:
- عربيتك ما بقتش تليق بمرات فؤاد علام يا قلب وروح وحبيبة فؤاد علام.
ابتسمت لدلاله الزائد الذي لم يدع مناسبة إلا وغمرها به ليتابع هو مقترحًا:
- ممكن تسيبي عربيتك لأيهم، بما إنك مش محتاجاها خلاص.
ضيقت بين عينيها لتنطق باقتناع:
- فكرة حلوة.
تنهدت لتنطق وهي تتلفت حولها:
- يلا يا حبيبي علشان ما نتأخرش.
تحركت خطوة مبتعدة عنه ليجذبها بقوة لتعود مرتطمة بصدره القوي لتتطلع عليه وجدت بعينيه عشق وحب يكفي لإحياء عشرة قلوب. احتضنها بقوة ثم أبعدها قليلًا وبات يقبل وجنتيها بنهم وشغف لينطق بنبرة تفيض حنانًا:
- أنا بحبك، قوي.
- عارفة...
قالتها بتأكيد متعجبة حالته ليسترسل وهو يبتلع لعابه:
- يلا ننزل.
تحركت بجانبه ونزلا الدرج ومنه إلى غرفة الطعام ليتناولا فطورهما ومن ثم جاورته التوجه إلى الجراج لترى سيارتها الفارهة التي أسعدت قلبها ليس لقيمتها المادية المرتفعة ولا لماركتها العالية، بل لاهتمامه بها ودلالها بكل الطرق. استقلت سيارتها وانطلقت تحت نظراته المترقبة.
ولجت إلى الشركة تحت سعادة قلبها لعودتها إلى العمل التي عملت عليه كثيرًا كي تصل لتلك المكانة. رحب أيمن بها والجميع بحفاوة ومر اليوم بسلاسة. نزلت للأسفل باستخدام المصعد الكهربائي ومنه للخارج. استقلت السيارة وتحركت بطريقها للعودة إلى منزل زوجها. كانت تقود بسعادة وانتشاء يرجع سببها للعودة إلى العمل. وعلى حين غرة حاوطتها سيارة دفع رباعي وبدأت بالتضييق عليها. للحظة فكرت بأن سائقها تجرع أحد المشروبات الكحولية لكنها فزعت عندما احتكت سيارتها بإحدى السيارات بالجهة الأخرى لتحدث صريرًا عاليًا صرخت رعبًا على إثره. باتت السيارتان تضيقتين عليها المرور وحين عجزت عن الحركة توقفت وبدأت بالصراخ حين ترجل من السيارة عدة رجال ملثمون ليقتحموا سيارتها ويفتحوا الباب ليخرجوها عنوة عنها تحت صرخاتها المستنجدة ولكن من سيسمع فقد استدرجوها لشارع جانبي هادئ للغاية. جذبها أحدهم ليجبرها على التحرك صوب السيارة بطريقة عنيفة وهي تصرخ قائلة:
- أنتوا مين وعايزين مني إيه؟!
هتف الرجل بحدة:
- ادخلي العربية وامشي معانا من سكات أحسن لك.
صاحت مستنجدة:
- سيبوني حرام عليكم، خلوني أرجع لابني، خدوا العربية وخدوا كل حاجة وسيبوني.
جذبها ليلقي بها داخل السيارة بطريقة عنيفة لتصرخ بكامل صوتها:
- فؤااااااااد.
رواية انا لها شمس الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم روز امين
تجبرنا الظروف أحيانًا بأن نسلك دروبًا لا تشبهنا، ولم نكن يومًا لنتخيل المضي قدمًا بداخلها، لكننا في بعض الأحيان نُرغم ونرضخ كي نحصل على مبتغانا. وها أنا الآن أسلك درب الوصول لمبتغاي بأبشع شعور يمكن أن يصيب رجلًا، ما بالك بعاشق مثلي، إنه الموت بعينه يا صديقي.
فؤاد علام زين الدين
حاوطتها سيارة دفع رباعي وبدأت بالتضييق عليها ومحاصرتها. في بادئ الأمر خُيل لها بأن سائقها متجرعًا لأحد المشروبات الكحولية، وزمام أموره قد فلت منه وهذا ما تسبب في عدم اتزانه. لكنها سرعان ما فزعت عندما احتكت سيارتها بإحدى السيارات بالجهة الأخرى لتحدث صريرًا عاليًا صرخت رعبًا على أثره. باتت السيارتان تضيقان عليها المرور، وحين عجزت عن الحركة أوقفت القيادة وبدأت بالصراخ مستنجدة، لعل أحدهم من المارة يستمعها ويأتي لنجدتها. في حين ترجل من السيارة عدة رجال ملثمون ليقتحموا سيارتها ويفتحوا الباب ليخرجوها عنوة عنها تحت صرخاتها المستنجدة، ولكن من سيسمع؟ فقد تم استدراجها عن طريقهم لشارع جانبي هادئ للغاية. جذبها أحدهم من ذراعها ليجبرها على التحرك صوب السيارة بطريقة عنيفة وهي تصرخ قائلة:
- إنتوا مين وعايزين مني إيه؟
هتف الرجل بحدة:
- ادخلي العربية وامشي معانا من سكات أحسن لك.
صاحت مستنجدة:
- سيبوني حرام عليكم، خلوني أرجع لابني، خدوا العربية وخدوا كل حاجة وسيبوني.
جذبها ليلقي بها بالكنبة الخلفية داخل السيارة بطريقة عنيفة لتصرخ بكامل صوتها مستنجدة بفارسها:
- فؤااااااااد.
حاوطها رجلان بالجلوس لتجد حالها محاصرة من الجهتين. قاومت وباتت تضرب كليهما بقبضتيها ليصرخ الرجل المجاور للسائق قائلًا بتوبيخ لكلاهما:
- مستني إيه يا بجم منك ليه، رش عليها المنوم خليها تخرس قبل ما تفضحنا.
انتابها شعور بالرعب وبات صدرها يعلو ويهبط ودقاتها تنتفض داخل قلبها، ثم وضعت كفيها لتحمي بهما وجهها وهي تصرخ مستنجدة برب العالمين:
- يارب، ساعدني يارب.
أزاح أحد الرجلين كفيها بقوة ألمتها وزادت من رعبها وهي تتلفت بوجوه هؤلاء الملثمين بعينين زائغتين، أما الآخر فضغط على البخاخ ليخرج منه رذاذًا بكثرة ما أن استنشقته مرغمة حتى تشوشت الرؤية لديها وبدأت بفقد وعيها رويدًا رويدًا حتى فقدته بشكل كامل، وألقت برأسها للخلف بإهمال. انطلق السائق بالسيارة على أقصى سرعة، وبعد ما يقارب من النصف ساعة بدأت باستعادة وعيها رويدًا رويدًا. كانت تشعر بدوار وثقل شديد برأسها. استمعت لبعض صدى الأصوات من حولها وكأنها داخل حلم. لم تستطع التركيز لعدم استعادة وعيها بشكل كامل. قاومت لتفتح عينيها لكنها وجدت عائقًا أمامها لتكتشف أنها معصوبة العينين، وليس هذا فقط بل شعرت بتقييد ذراعيها من الخلف وأيضًا ساقيها مقيدتين ببعضهما لتتيقن أنها مقيدة فوق المقعد الجالسة فوقه. استمعت لصوت يأتي من بعيد لرجل وهو يقول بصوت خشن:
- الغدا وصل يا رجالة، يلا علشان ناكل قبل ما يبرد.
تلفتت بجنون أصابها لعدم رؤيتها للمكان وعدم فهمها لما يجري لتهتف بنبرة مرتعبة:
- أنا فين، وإنتوا مين، وجايبيني هنا ليه؟
استمعت لأصوات أقدام تتحرك حتى اقتربت منها ليميل صاحب القدمين عليها واقترب بشكل كبير حتى أنها شعرت بحرارة أنفاسه تلفح بشرة وجنتها قبل أن يتحدث قائلًا بفحيح:
- ما تخافيش قوي كده يا روح قلبي، ده أنتِ في إيد أمينة، إيد حبيبك، ولا نسيتي أنا كنت إيه بالنسبة لك؟
دب الذعر في أوصالها لتشهق برعب أصاب قلبها وهي تنطق بذهول:
- عمرو!
بسط يده ليُزيل عنها عصبة عينيها بقوة ألمتها لتصرخ على إثرها:
- آه.
- إيه يا حلوة، اتوجعتي؟
نطقها وهو ينظر لعينيها التي بدأت تفتحهما بألم ناتج عن ضغطهما بالعصبة لمدة طويلة. ارتعدت وهي تتراجع برأسها للخلف لقرب ذاك المعتوه منها بشكل كبير ليتابع بشر ظهر بعينيه:
- هو أنتِ لسه شفتي وجع يا بنت غانم، ده أنا هحاسبك على كل لحظة قللتي فيها مني لما سبتيني ومشيتي مع وكيل النيابة اللي عمل لي فيها سبع رجالة وجه خدك من بين إيديا، بس أنا غفلته ورديتها له وخطفتك من قلب بيته.
واسترسل بتفاخر وهو يرفع قامته لأعلى:
- مهو مش عمرو البنهاوي اللي يتعلم عليه ويسكت.
تلفتت من حولها بذعر وهي تنظر لهؤلاء الرجال المنتشرين داخل بهو المنزل الفخم الذي تراه لأول مرة بحياتها. التفتت إليه لتطالعه بوجه شاحب وجسد يرتجف رعبًا من هيأته الجنونية وهو يقول بعينين توحي إلى جحيمه القادم:
- وحياة كل لحظة حلوة عشناها مع بعض لأدفعك تمن كل وجع حسيت بيه وأنا بتخيلك مع غيري، كل يوم كان بيعدي عليا وإنتِ في بيته.
واستطرد بنظرات توحي لمدى حقده الدفين وغضبه:
- جسمي اللي كان بيقيد نار وأنا بتخيلك وإنتِ نايمة في حضنه.
نظرت له بتقزز وباتت تحرك رأسها يمينًا ويسارًا قبل أن تنطق بذهول ممزوج بالارتياب:
- أنتَ أكيد اتجننت وفقدت عقلك.
- هو أنتِ خليتي فيا عقل بعد ما رميتي نفسك في حضن راجل غيري واتحاميتي فيه مني!
نطقها بصراخ أرعب أوصالها ليقترب منها أكثر وهو يهمس بضعف ظهر بين مقلتيه:
- عقلي خدتيه معاكِ يوم ما خدتي ابني وروحتي بيه على مصر واتحاميتي مني في مديرك الشايب.
فرد ظهره سريعًا وبات يستعرض بذراعيه بكبرياء وغرور:
- بس خلاص، كل الوجع اللي عشته قبل كده هينتهي النهاردة، النهاردة هيكون يوم الخلاص اللي استنيته سنين.
ليتابع وهو يقبض على كفه بقوة:
- وبإيدي، بإيدي هيتم الخلاص يا إيثار.
أقبل عليه رأفت صديقه وتحدث بارتياب:
- اهدى يا عمرو ووطي صوتك، ما يصحش الرجالة اللي معانا يسمعوك وإنتَ بتكلم أم ابنك كده.
دفعه للخلف بقوة لينطق بنبرة حادة وهو ينظر لهؤلاء الرجال المصطفين حول أكياس الطعام الموضوعة فوق طاولة جانبية ويلتهمون ما بداخلها بطريقة مقززة:
- خد البهايم دول وخليهم يطفحوا جوه في أوضة السفرة.
ليعيد بصره إليها وهو يقول متهكمًا:
- وسبوني مع مراتي الحلوة لوحدنا.
كانت تحرك رأسها بذهول وهي تتطلع عليه بعدم استيعاب بما يحدث من حولها. هل هي حقًا الآن بين قبضة ذاك المعتوه وداخل براثنه؟ ماذا سيفعل بها وعن أي خلاص يتحدث؟ يبدو أنه قد جُن على الأخير. تنفست لتنطق بحذر نظرًا لحالته الجنونية:
- فوق يا عمرو قبل ما تضيع نفسك وتضيعنا معاك، فكر في يوسف وحط مصلحته قدام عنيك.
- ما أنا كل اللي بعمله ده علشان خاطرنا إحنا ويوسف.
قالها بهدوء ليتابع وهو يشملها بنظرات ولهة عبرت عما يكنه من عشق داخل قلبه المريض:
- عارفة يا إيثار، برغم اللي عملتيه فيا ده كله إلا إني لسه بموت فيكِ وبتمنى لك الرضا.
واسترسل بطمأنة:
- علشان كده مش عاوزك تقلقي، لما نسافر هعاقبك الأول على كل اللي عملتيه فيا ونبقى خالصين، وبعدها هعيشك ملكة، أنا وإنتِ ويوسف هنعيش ملوك في إيطاليا.
اتسعت عينيها هلعًا لتصرخ قائلة:
- إيطاليا إيه اللي هنسافرها يا مجنون.
أصابتها حالة من الهياج لتصرخ وهي تزحزح جسدها المقيد بالمقعد في محاولة فاشلة منها للتخلص من القيود:
- فكني يا عمرو، فكني وبطل جنان وخليني أروح لابني.
مال عليها وحاوط وجنتها بكف يده ليهمس بحنان وهو يداعب أنفها بخاصته كي يطمئن رعبها:
- متخافيش يا حبيبتي، يوسف هيجي لنا حالًا، أنا بعت له ناس مستنياه على طريق المدرسة، أول ما يخرج هيجيبوه لحد هنا وعلى بكرة الصبح هنكون متحركين على مركب هتوصلنا لإيطاليا ومن هناك هنسافر ونلف الدنيا كلها.
وتابع بعينين لامعتين بزهو:
- أنا بقى معايا فلوس كتير قوي يا إيثار، فلوس هتعيشنا ملوك إحنا ويوسف وولادنا اللي هنخلفهم.
ذهلت من حديثه اللاواعي والجنوني لتنطق بنظرات زائغة تفرقها هنا وهناك بتشتت ظهر على ملامحها:
- لا، لا أنتَ أكيد مجنون، إنتِ ناسية إني متجوزة؟
اشتعلت عينيه بشرارات الغضب ليصرخ بحدة هادرًا بقوة أصابت جسدها برجفة حادة:
- أنا جوزك الأول والأخير، ومفيش قوة على وجه الأرض هتقدر تبعدك عني تاني، وإياك أسمعك تنطقي كلمة متجوزة دي تاني، إنتِ فاهمة؟
تطلعت لهيأته والآن تأكدت من فقدانه لبصيرته. فقد جنب العقل وباتت تحركه مشاعر الغيرة والتملك ويرجع سبب هذا لتعاطيه للحبوب والأعشاب المخدرة التي كست على عقله غشاوة وبات يتصرف بعشوائية دون وضع أي حسابات لخطواته. خرج صوتها بضعف وعينين يكسوهما الألم والترجي:
- فوق يا عمرو علشان خاطر يوسف، إنتَ كده بتدمر مستقبل ابنك.
واسترسلت بقراءة لما هو آت:
- فؤاد مش هيسيبك إلا لما يدمرك.
صاحت بجملتها الأخيرة التي أخرجت الوحش الكامن بداخله لينقض عليها كثور هائج فلت لجامه ويقوم بصفعها بقوة جعلت وجهها يهتز على إثر الصفعة، ولم يتوقف بل تلاها بأخرى أشد وأقوى وبات يزيدها حتى رأى الدماء تسيل من أنفها وجانب شفتها السفلى ليتوقف على الفور ويجس بركبتيه أمامها وهو يتفحص وجهها قائلًا بذهول:
- عاجبك كده، استفزتيني لحد ما خلتيني أفقد سيطرتي وأضربك.
واسترسل ملقيًا اللوم على عاتقها:
- نفس اللي كنتي بتعمليه زمان.
ألقت برأسها للخلف باستسلام وإعياء شديد بعدما شعرت بتخدر وجهها بالكامل من إثر صفعاته القوية. سلمت أمرها لبارئها لتنطق بصوت واهن:
- يارب، اشملني بعطفك ونجيني يارب.
********
بنفس التوقيت
كان يجلس داخل مكتبه بجسد مشدود وعقل غاب عنه لشدة توتره وترقبه لما سيحدث. وضع رأسه بين كفيه وبات القلق ينهش داخله بل ويفتك بقلبه العاشق.
تجبرنا الظروف أحيانًا بأن نسلك دروبًا لا تشبهنا، ولم نكن يومًا لنتخيل المضي قدمًا بداخلها، لكننا في بعض الأحيان نرغم ونرضخ كي نحصل على مبتغانا. وها أنا الآن أسلك درب الوصول لمبتغاي بأبشع شعور يمكن أن يصيب رجلًا، ما بالك بعاشق مثلي، إنه الموت بعينه. انتفض بجلسته عندما صدح صوت هاتفه الجوال ليرفعه ويجيب سريعًا بعدما شاهد اسم نبيل:
- أيوه يا نبيل.
نطقها بصوت لاهث وكأنه يصارع الموت ليجيبه الآخر بنبرة جادة:
- الهدف دخل المصيدة يا أفندم.
واسترسل:
- عربيتين دفع رباعي حاوطوا الهانم وأجبروها تدخل في شارع جانبي، والمدام اتحركت معاهم حالًا في عربيتهم.
وكأن أحدهم غرس خنجرًا مسمومًا بوسط قلبه. الأنثى الوحيدة التي استطاعت تحريك مشاعره وجعلته يفتح أبواب قلبه لاستقبال الحياة بحفاوة من جديد، ها هي الآن بين أيادي هؤلاء الخارجين عن القانون وعليه الصبر والتروي وعدم التهور. أي عقل لديه سيتحمل هذا الشعور المميت الذي يمزق أحشائه إلى أشلاء؟ وإن تحمل العقل فهل يستطيع الفؤاد الصمود؟ أخرج صوته بصعوبة وهو يسأله:
- اتأكدت بنفسك إن القوة الأمنية محاوطة البيت؟
أجابه الرجل باستفاضة:
- أيوه يا سيادة المستشار، أول ما سمعنا عن طريق الكاميرات إن رجالته اتحركت لطريق شركة الأباصيري بلغنا سيادة اللواء المسؤول عن القضية وسيادته أمر بتحرك القوة وانتشارها حوالين البيت.
واسترسل بإبانة:
- كده فقدنا كاميرات العربية اللي في الفوانيس وجواها بعد ما خرجوا الهانم منها، بس لسه معانا الجي بي سي اللي موجود في الساعة.
كان يستمع له بقلب يعتصر ألمًا. هب واقفًا وتحدث بنبرة جاهد بصعوبة لتخرج هادئة:
- تمام يا نبيل، أنا هقفل لأني لازم أتحرك حالًا.
أغلق الهاتف وتحرك سريعًا باتجاه المكان المخصص لتعليق حلته ليجذبها وبلمح البصر كان يرتديها ليعود من جديد إلى مكتبه الخشبي يختطف علّيقة المفاتيح الخاصة به وجميع متعلقاته الشخصية ليتجه مهرولًا للخارج ومنه للجراج ليتحرك منطلقًا بسيارته باتجاه منزل عمرو المتواجد بأحد المناطق السكنية الجديدة. زفر بقوة عله يخرج نيران قلبه. هز رأسه بألم وبدأ يتذكر ما حدث باليوم الثالث لدخول إيثار قصره.
عودة لما قبل شهر من الآن...
تخطت الساعة العاشرة ليلًا. كان يجلس فوق التخت مستندًا بظهره للخلف وعلى وجهه ابتسامة هائلة تنم عن مدى راحته. كلما تذكر ما حدث منذ يومين وبأن أميرته أصبحت الآن تسكن قصره تزداد سعادته ويشعر بالاستكانة والهدوء. تحرك ليتجه نحو الشرفة ليفتح بابها الزجاجي ويستند بكفيه على السور الحديدي. رفع رأسه للأعلى ليغمض عينيه ويأخذ نفسًا مطولًا من الهواء النقي ويزفره براحة. بات يكرر عملية التنفس حتى شعر باستكانة روحه. فتح عينيه وبات يتجول بهما يتفحص المكان ليقع بصره على سيارة تصطف على بُعد عدة أمتار من القصر. تعجب من داخله لينسحب للداخل ويمسك هاتفه بعدما تحرك الحث القانوني لديه وشعر بالريبة. اتصل برئيس الحرس وتحدث أمرًا:
- بهاء، شوف لي حكاية العربية اللي راكنة بره دي، ومن غير ما يحس صاحبها تجيب لي رقم اللوحة بتاعتها.
- أوامر جنابك يا سيادة المستشار.
قالها الرجل ليبعث بأحد الحرس يتحرى عن رقم لوحة السيارة دون أن يلاحظه أحد، وما أن أعطى الإشارة لكبير الحرس حتى توجه الرجل صوب السيارة ودق على الزجاج الحاجب للرؤية "مُعتم" ليسحب قائد السيارة الزجاج للأسفل عن طريق الزر الإلكتروني لينكشف وجه القائد وشخص آخر يجاوره الجلوس بالمقعد المجاور ليسأله الحارس مستفسرًا:
- خير يا بشوات، إيه اللي موقفكم هنا؟
تعمق عمرو بعينيه لينطق ساخرًا بطريقة فظة:
- وإنتَ تطلع مين علشان تيجي تسألنا وتحقق معانا؟
هتف الرجل بحدة بالغة:
- لما تبقى واقف قدام القصر اللي أنا مسؤول عن حمايته يبقى مالي ونص.
تابع عمرو تهكمه لينطق ساخرًا:
- يا عم أنا جيت جنب القصر بتاعكم ولا لمست السور بتاعه حتى، أنا واقف في الشارع والشارع ملك للحكومة.
رمقه المدعو بهاء بعينين حادة كالصقر قبل أن يهتف بصرامة لا تقبل الجدال:
- طب يلا اتحرك حالًا قبل ما أتصل بالشرطة تيجي تاخدكم.
واستطرد بتهديد مباشر لخطورة الموضوع:
- وهناك ابقى برر لهم وقوفك قدام قصر عضو المحكمة الدستورية براحتك.
كاد أن يرد ليسبقه صديقه رأفت بريبة:
- يا باشا مفيش داعي للكلام ده كله، إحنا كنا سايقين من بدري ووقفنا نريح شوية وهنتحرك حالًا.
قال كلماته ليلكز كتف صديقه وهو يقول ليحثه على التحرك:
- يلا بينا يا صاحبي.
زمجر عمرو ليهمس رأفت محذرًا:
- متبقاش راسك يابسة ويلا بينا.
زفر بقوة ليدير مقود السيارة وينطلق بها للأمام ليقول والغضب اكتسى وجهه بالكامل:
- ابن الكـ...
واخد الشارع على حسابه، موقف لي شوية حيوانات يحجزوا على اللي رايح واللي جاي وكأنه شارع أبوه.
نطق رأفت المجاور له بريبة:
- اهدى يا عمرو وخليك صبور أكتر من كده، أنا وافقتك على جنانك ده لما لقيتك منهار ومقهور على مراتك وابنك.
ذكره رأفت بما حدث ليلة أمس داخل المسكن الخاص برأفت، حيث ذهب له عمرو منهارًا وهو يتوعد لقتل فؤاد والأخذ بالثأر منه بعد أن حرمه من حبيبته وأخذها منه تحت أعين الجميع، جلسا سويًا وباتا يتناولا الحبوب المخدرة ولفائف السجائر المحشوة بنبات الحشيش الذي يذهب العقل ويدمر خلاياه، ظلا يفكران إلى أن اهتدى عمرو إلى فكرة مراقبة منزل فؤاد حتى يتسنى له فرصة خروج إيثار إلى عملها وحينها سيقوم بخطفها هي والصغير ويرحل من الوطن بأكمله.
استرسل رأفت بنبرة حذرة:
- لازم تمسك أعصابك أكتر من كده علشان الحراس مياخدوش بالهم إننا بنراقبهم ويبلغوا وكيل النيابة ويكشفك.
توقف عن غضبه المبالغ به ليهدأ قليلًا وهو يقول بعينين مترقبتين للطريق:
- عندك حق، الموضوع محتاج تكتيك على كبير، علشان كده إحنا هنراقبهم من الناحية التانية للطريق، مش هنقف تاني قدام الفيلا على طول علشان مياخدوش بالهم.
عودة إلى فؤاد الذي أمسك هاتفه الجوال ليتصل على صديق له يعمل في الإدارة العامة للمرور ويملي عليه الرقم الذي أخبره به رئيس الحرس وهو يقول بتوصية:
- عاوزك تكشف لي على رقم العربية ده يا حازم وتجيب لي اسم صاحبها بالكامل.
واستطرد ليعلمه:
- بس خلي بالك، دي خدمة شخصية ليا بعيدًا عن الشغل.
تحدث الطرف الآخر بحميمية ترجع لعدم استغلال فؤاد لمنصبه بأي شكل من الأشكال قبل ذلك، لكنه الآن مجبرًا لأخذ الحيطة كي يعمل على حماية مالكة الفؤاد وصغيرها ولا يدع أية ثغرة دون سدها:
- في خلال ساعة واحدة كل المعلومات هتكون عندك، إحنا في دا اليوم اللي فؤاد باشا علام بذات نفسه يطلب مني خدمة شخصية.
- حبيبي يا حازم بيه، تسلم يا باشا... نطقها شاكرًا لينهي المكالمة بعدما تبادلا التحية، ظل متسمرًا مكانه بداخل الشرفة يتطلع للبعيد ويراقب المكان بتمعن شديد بعد أن ساوره الشك بأمر تلك السيارة الغريبة عن المكان، بعد أقل من ساعة صدح رنين هاتفه ليرفعه أمام عينيه ليتأكد من أنه حازم ليجيب على الفور:
- طمني وقول لي إنك جبت لي اسمه.
نطق حازم ممازحًا صديقه:
- هو اسمه بس، ده اسمه واسم محافظته وبلده كمان.
ضيق بين عينيه ليسأله بشك بات يساوره:
- اسم بلده! هو مش من القاهرة ولا إيه؟!
- لا يا باشا، خد عندك... قالها بحماس ليتابع بإبانة:
- العربية باسم "عمرو نصر طلعت البنهاوي"، محافظة كفر الشيخ مركز الـ
أوقفه فؤاد حيث نطق مبتسمًا بخبث:
- متكملش يا حازم، الباقي أنا عارفه.
- تمام يا باشا، تأكد إننا دايمًا في الخدمة وتحت الأمر... قالها حازم ليغلق الخط، فرك فؤاد ذقنه بأصابع كف يده ثم نظر أمامه مضيقًا عينيه لتخرج منه كلمات بشرود:
- يا ترى وراك إيه يا سي عمرو، خليني معاك للآخر ويارب يكون اللي في دماغي صح وشيطانك وزك ورماك في طريقي، ياااه، ده أنت تبقى خدمتني خدمة العمر ووفرت عليا كتير قوي.
باليوم التالي، فاق من نومه وتحرك لغرفة من حرمت على عينيه النوم منذ قدومها وسكونها بالجوار، ولج إليها بعد الاستئذان ليجدها تصفف شعر الصغير بعد تجهيزه بالثياب المدرسية استعدادًا لذهابه، ابتسم له الصغير بينما أقبل هو عليه وأسكنه أحضانه وهو يقول متوددًا:
- جاهز للمدرسة يا بطل؟
هز الصغير بإيماءة حماسية فحول بصره عليها يتطلع بتمعن بأسرتيه الساحرتين لينطق بعدما ابتلع لعابه تأثرًا بجمال عينيها:
- أخبارك إيه النهاردة؟
- الحمدلله... قالتها بعينين تتوارى خجلًا من نظراته الجريئة المصوبة فوق عينيها وشفتيها المكتنزة بشكلها الشهي، ليتحمحم من تأثره الشديد بخجلها الذي زادها جمالًا بعد أن احمرت وجنتيها تأثرًا وأصبحت تشبه ثمرة التفاح الناضجة، استعاد توازنه لينطق بنبرة جادة:
- إيثار، مش عاوزك تطلعي من البيت نهائي الفترة دي وتحت أي ظروف.
طالعته لتسأله متعجبة:
- ليه، هو فيه حاجة حصلت؟!
قطب جبينه متعجبًا سؤالها الأبله ليجيب عليها مستنكرًا:
- أنت عاوزة يحصل إيه أكتر من اللي حصل في كفر الشيخ علشان ناخد حذرنا؟!
كادت أن ترد لكن طرقات ثقيلة فوق الباب قطعت حديثهما لتلج عزة وهي تقول بصوت حماسي:
- صباح الخير يا ست البنات.
قطعت جملتها حينما تفاجأت بوجود ذاك الوسيم لتنطق بابتسامة سعيدة وهي تتمنى في قرارة نفسها أن يتم الزواج بينهما بطريقة فعلية كي تطمئن على تلك المسكينة:
- صباح الفل يا باشا.
- صباح الخير يا عزة... قالها ومازال يتطلع لأميرته الساحرة لتنطق هي من جديد:
- جهزتي يوسف؟ الباص على وصول.
- نزليه وسلميه للحارس اللي على البوابة... قالها قاصدًا عزة ليسترسل وهو ينظر بعيني رائعة الحسن ليبث الطمأنينة بأوصالها بشأن الصغير:
- أنا مأكد عليه إمبارح يسلمه بنفسه لمشرفة الباص.
أومأت له فأخذت عزة الصغير وذهبت بعد أن أغلقت الباب خلفها، تحمحم وهو يقترب عليها ليقول بطريقة أذابت قلبها وجعلت من فراشات العشق تحتل معدتها لتدغدغها بلذاذة:
- كنا بنقول إيه؟
تحمحمت بخجل لتخرج صوتها بصعوبة:
- كنا بنتكلم عن اللي حصل في كفر الشيخ.
- مركزة مع كلامي أنت... نطقها بملاطفة مع غمزة من عينيه لتسحب جسدها للخلف مما جعله يبتسم، ود لو أن له الحق لاقترب منها وقام بسحق عظامها داخل ضمة أحضانه المهلكة وليحيا معًا حلاوة الحب، لكنه سرعان ما تذكر عهده الذي قطعه على حاله حين وعدها بعدم إجبارها على شيء وإعطائها حرية اختيار الوقت المناسب، نطق بنبرة هادئة:
- المهم يا إيثار، متخرجيش من البيت لوحدك نهائي ولو حصل واضطريتي تخرجي تكلميني علشان حد من الحرس يخرج معاك.
- اتفقنا... قالها بعينين ولهتين مملؤتين بالغرام مما جعل جسدها ينتفض بالكامل وتاهت متناسية حديثه ليهز رأسها مستفسرًا فأومأت وهمست:
- حاضر.
تقدم منها خطوة وبسط يده ليتلمس بها وجنتها الناعمة تحت انتفاضة جسديهما، ترقب ردة فعلها ليتمادى وينزل بأصبعه يتحسس شفتها السفلى تحت نبضات قلبها التي تدق كطبول الحرب وصدرها الذي يعلو ويهبط بقوة، وكأن عينيه بهما مغناطيس جذبها ليميل بطوله الفارع عليها وكاد أن يلمس شفتيها لكنها باغتته بابتعادها للخلف لتنطق بنظرات عاتبة:
- هو ده وعدك ليا؟!
أغمض عينيه ليأخذ نفسًا مطولًا ليزفره براحة ومن جديد تطلع عليها لينطق بصوت يملؤه الشوق والحنين والغرام:
- ما على عاشق الحبيب ملامة، إن تداعى وجدًا وأبدى غرامه
هكذا العاشق المولّه صب، ذو اصطلام وناره ضرامه
شعر، بهاء الدين الصيادي.
ابتسمت بسعادة بعد أن شملتها كلماته وأشعرتها بأنها فراشة تتراقص على أنغام كلماته العاشقة، نطقت بعينين فشلت بإخفاء الغرام داخلهما:
- ده سيادة المستشار طلع شاعر كمان.
- سيادة المستشار بيتحول قدام عيون حبيبه... قالها بهيام ليتابع بتوسل حبيبًا:
- ادينا فرصة للحياة يا حبيبي، سلمي لي نفسك وأنا أوعدك إنك مش هتندمي.
مشاعر هائلة شملت روحها لتسحبها لسحر عينيه الرائعة باتا ينظران بوله متبادل حتى قطع وصليهما رنين هاتفه، لتنزل بصرها سريعًا ويتطلع هو بشاشة هاتفه قبل أن يقول باعتذار:
- ده تليفون مهم خاص بالشغل ولازم أرد عليه.
واسترسل بنظرات مغرمة:
- فكري في كلامي.
أمسك كف يدها ورفعه إلى فمه ليطبع قبلة رقيقة لمس من خلالها جلد يدها الرقيق بشفتيه الغليظة مما جعل جسديهما يصاب برجفة قوية، اضطر على الابتعاد بعد صدور رنين الهاتف من جديد ليبتعد وهو يقول:
- خلي بالك من نفسك، ولو احتجتي أي حاجة كلميني على طول.
انسحب وقبل أن يحرك مقبض الباب استمع لصوتها وكأنه آلة موسيقية وهي تهمس بحروف اسمه:
- فؤاد.
التفت سريعًا يتطلع بلهفة لتنطق بابتسامة حنون:
- متشكرة.
تنهيدة حارة شقت صدره وخرجت منه كانت كفيلة للرد عليها قبل أن ينصرف مغلقًا الباب من خلفه تحت رنين هاتفه الذي لم يصمت.
تحرك فؤاد إلى عمله وقد التقى مع فريق من أصدقائه المقربين بعد أن قرر مراقبة نصر وعمرو وجميع أشقائه، هو بالأساس كان مقررًا هذا لكنه كان يأخذ استراحة المحارب بعد ما حدث معهما منذ يومين بكفر الشيخ، بعد يومين كان قد حصل بجعبته على معلومات ثرية للغاية، فمن خلال مراقبة عمرو استطاعوا معرفة بيته الذي اشتراه سرًا منذ شهرين دون علم والده ولاحظوا أيضًا تردد عمرو على مكتب مستترًا خلف واجهة الاستيراد والتصدير يشتبه بمالكه بأنه عميل لتهريب الآثار المنهوبة من البلد، ذهب فؤاد إلى أبيه وقص عليه ما حدث من مراقبة عمرو المستديمة لمنزلهم هو وصديقه وتردده على ذاك المكتب المشبوه فتدخل والده وأخذ لهما موعدًا من النائب العام وقصا عليه الرواية والشبهة التي تدور حول ثروة نصر الطائلة والإشاعات الدائرة بالبلدة عن اتجاره بالآثار، أعطى النائب العام كل الصلاحيات إلى فؤاد بإعطائه الأمر لمراقبة المدعوين نصر وعمرو، استغل الفريق الذي كونه فؤاد خلو منزل عمرو المتواجد بأحد المناطق الجديدة ليقوموا بزرع عدة كاميرات صوت وصورة بجميع أنحاء المنزل كي يستطيعوا الاطلاع على كل ما يدور داخل المنزل.
بعد مرور يومين عاد فؤاد ليلًا من عمله الذي استغرق طيلة اليوم ليبلغه الحارس الأمني بأن زوجته السيدة إيثار قد خرجت ظهر اليوم من المنزل دون علمه ورفضت اصطحاب الأمن معها إلى مسكنها الخاص حيث ذهبت لجلب بعض الأشياء الخاصة بها وبصغيرها ليجن جنونه ولولا علمه بأن المدعو عمرو قد سافر اليوم إلى كفر الشيخ كي لا يدع الشك يساور والده بأنه يفعل شيئًا مريبًا لكان فقد عقله، صعد للأعلى وظل يجوب الغرفة ذهابًا وإيابًا وهو يتخيل سيناريو أن ذاك عمرو لم يسافر اليوم وكان يراقب المنزل كعادته وقام باختطافها أو أذيتها دون ترتيب منه، هز رأسه رافضًا مجرد التخيل، وبعث الخادمة كي تستدعي له تلك العنيدة ليهدر بها بحنق، لم يتمالك حاله وثار عليها حتى أنه أهانها بقوة بعدما فقد أعصابه جراء رعبه عليها كلما تخيل ماذا كان سيصيبها لولا ستر الله عليهما.
استمرت المراقبة القانونية لمدة شهر اكتشفوا به زيارة رجل من دولة أوروبية إلى منزل عمرو واستمعوا بالصوت والصورة من خلال الكاميرات إلى اتفاق عمرو مع الرجل بأن يذهب برجاله إلى محافظة سوهاج للتنقيب عن الآثار لتهريبها للخارج عن طريق المكتب المشبوه الذي تردد عليه عمرو سابقًا، وكان هذا إنجازًا حققه فؤاد وهدية قدمها للوطن على طبق من ذهب، فالقضية كانت متفرعة حيث تحتوي على مهربين ومساعديهم من الدولة، وللأسف الشديد اكتشفوا بعض الشخصيات التي تساعد المهربين منهم رجالًا من القضاء والشرطة الفاسدين.
أعطى النائب العام أمرًا لوزارة الداخلية كي تتخذ الإجراءات اللازمة للقبض على عمرو بشأن اختطافه لامرأة متزوجة من رئيس نيابة والتخطيط لاختطاف نجله أيضًا المؤيد حضانته إلى والدته من قبل حكم محكمة، أما بخصوص قضية الآثار فتم تأجيلها لحين القبض عليهم وهم متلبسين بالجرم المشهود.
جهز فؤاد سيارة خاصة زرعت الشرطة بفوانيسها الخارجية الأمامية منها والخلفية كاميرات مراقبة صوت وصورة وأيضًا من الداخل لكي يستطيعوا الاطلاع على كل ما سيحدث معها بالتفصيل الممل، أيضًا جلب فؤاد ساعة لزوجته وقام الفريق بوضع جهاز تتبع بداخلها كي يتتبعوا خطواتها بعد أن يسمح لها بالخروج بمفردها كطعم يتم به اصطياد ذاك الأبله الذي خُيل له بأنه الأذكى وما هو إلا أداة لحدوث ما أراده فؤاد وخطط له ليوقعه في الفخ الذي نصبه له بمنتهى البراعة والدهاء ليسقط عنه حضانة الصغير بإرادته ويغلق ذاك الباب بشكل أبدي.
********
عودة للحاضر
كان يقود سيارته بجنون ليلحق بخليلة الروح قبل أن يحدث لها مكروهًا على يد ذاك المختل الذي لا يمتلك من العقل مثقال ذرة، أما عمرو فقد وقف يتطلع على الدماء السائلة من شفتها وأنفها ليهتف بحدة وغضب ملقيًا باللوم عليها:
- شفتي وصلتيني لإيه بعندك.
أمسك محرمة ورقية وبات يجفف لها الدماء تحت نفورها منه وتراجعها للخلف وهي تقول بصرامة وسخط:
- إبعد إيدك عني وإوعى تلمسني.
احتدم صدره غيظًا من نفورها منه ليقبض على فكها بعنف قبل أن يهتف هادرًا بحدة:
- ماشي يا إيثار، هنتحاسب على كل ده صدقيني، وحسابك هيبقى شديد، شديد قوي يا بنت غانم، بس قبل ما أحاسبك عاوزك تجاوبيني على سؤال واحد.
رمقته بمقت واشمئزاز لاقتراب أنفاسه الكريهة التي تبغضها كما تبغضه ليتابع وهو يهمس بهسيس مرعب:
- سلمتي نفسك لابن الكـ...
ده، ولا صونتي جسمك لجوزك؟
هتفت بصوتٍ مختنق يرجع لشدة قبضته:
فؤاد هو جوزي، فوق بقى من القرف اللي بتشربه ولحس دماغك ده!
اشتعَل جسده بنار الغيرة ليشدد على قبضته بقوة جعلت من أسنانها تصتك ليعلو صريرها وهتف وهو يجز على نواجذه بقوة:
لو اسمه جه تاني على لسانك هقطعهولك، أنا بس اللي جوزك، أنا قدرك اللي مش هتعرفي تتخلصي منه غير بطلوع روحك. والوقت لازم تنطقي...
قالها بحدة ليكمل بسبابٍ لعين تحت ارتعابها ونظراتها الزائغة:
الـ... ده قرب منك؟ سلمتي له نفسك وخنتيني؟ ولا لسه محافظة على شرفك لجوزك؟
قطع حديثه أحد الرجال الذي كان من المقرر أن يأتي بالصغير بعدما يستوقفوا سيارة المدرسة ويقومون بخطفه وجلبه إلى هنا:
ملقناش الولد في أتوبيس المدرسة يا عمرو بيه.
فك قبضته من فوق فكها ليستدير يتطلع عليه وهو يهتف بجنون:
يعني إيه ملقتهوش في الأتوبيس يا بهايم؟! أنا متأكد إنه راح المدرسة النهاردة، أنا بنفسي شايفه وهو بيركب الأتوبيس.
ارتعدت أوصاله عندما وصل لأذنيه أكثر صوتٍ يبغضه وهو يهتف بنبرة حادة:
يوسف في البيت قاعد مستني مامته.
قبل أن ينطق بكلماته كانت جميع الرجال مكبلين من قبل رجال الشرطة، أما هو فحاول إخراج مسدسه من جيب الجاكيت الجينز ليشد فؤاد أجزاء مسدسه الخاص ليحدث صوتًا أرعب عمرو وهو يراه يصوب فوهة المسدس نحوه لجاهزيته قبل أن ينطق بتحذيرٍ شديد اللهجة:
قبل ما إيدك تلمس هدومك هكون مفرغ رصاص المسدس ده كله في قلبك.
أسرع شخصان من رجال الشرطة لتكبيله مستغلين تشتته لتصرخ هي مستنجدة بحبيبها:
فؤاااااد!
انتفض جسده حين وجدها مكبلة ومقيدة بالمقعد، وما جعل النيران تستعر وتتوهج بجسده هو خط الدماء السائل من جانب شفتها لتجحظ عينيه وهو يهرول عليها جثا بركبتيه أمامها وبات يتفحص وجهها وهو ينطق بضعفٍ ظهر كم ضعفه الداخلي تجاه تلك الحبيبة:
مين اللي عمل فيكِ كده؟
وكأنها كانت تحبس دموعها حتى وصوله، انهمرت كشلالاتٍ وهي تنطق بضعفٍ:
الحمد لله إنك جيت يا حبيبي.
حاوط وجنتيها وعينيه المرتعبة تتجول بهلعٍ فوق ملامحها وجسدها تستكشف سلامته لينطق بنبرة تقطر حنانًا وعشقًا:
متخافيش يا بابا، أنا معاكِ خلاص.
مال على قدميها يفك الوثاق ليهرول أحد الرجال صوبها وكاد أن يفك وثاق ذراعيها ليوقفه بإشارة حازمة جعلته يتراجع سريعًا:
محدش يقرب منها.
وكأن تحذيره هذا بمثابة إعلانٍ منه بملكيته الخاصة لتلك الجميلة الغير قابلة للمس أو حتى النظر. بعدما انتهى من فك قدماها هب واقفًا ليتجه خلفها ويحل وثاق ذراعيها ليوقفها، وما شعر بحاله سوى وهو يحتضنها بقوة متناسيًا الجميع لتتشبث هي به فهو بالنسبة لها أصبح الخلاص من جميع ما يؤرق روحها ويعيق استمرار حياتها بهدوءٍ. شدد من ضمته ليستمع لصرخات عمرو الجنونية وهو يصيح:
ابعد عنها يا ابن الـ... والله لأموتك يا فؤاد يا علام، والله لأقتلك.
قام بسبه وياليته لم يفعل ويُخرج صوته من الأساس، فقد أيقظ الوحش الكامن بداخله والذي تأجل خروجه لحين الاطمئنان على خليلة القلب والروح. أجلسها من جديد فوق المقعد لتسأله بصوتٍ مختنق بالدموع:
ابني فين يا فؤاد؟
حاوط وجهها لينطق بصوتٍ حنون:
يوسف في البيت مع جده علام، أنا بعت له الحارس جابه من المدرسة بعد ما راح بساعة واحدة، متخافيش عليه وإهدي يا حبيبي.
أومأت بهدوء ليهب هو واقفًا ليستدير لذاك الثائر الذي يحاول الفرار من بين أيادي الرجلين وهو يسب ويلعن في فؤاد بعدما احترقت روحه وهو يرى امرأته المفضلة بين أحضان غيره تتشبث به وكأنه طوق نجاتها منه. هجم عليه كأسدٍ جريح ليُمسكه من تلابيب ثيابه ليسدد له لكمة قوية ارتد للخلف على أثرها بعدما خلصه من أيادي الرجلين وأبعدهما، ليجذبه من جديد ويسدد له لكمة أخرى تلتها أخرى وهو يقول بنبرة تعبر عن مدى احتراق روحه مما أصاب حبيبة حبيبه كما يطلق عليها:
بتتشطر على واحدة ست يا ناقص، بتعوض نقصك وعدم رجولتك بضربها يا زبالة.
قذفه للخلف ليقف أمامه كالأسد فاردًا ذراعيه وهو يهتف ببسالة:
تعالى كده وريني الرجولة يا عديم الرجولة.
كفاية يا فؤاد، كفاية أرجوك وخلينا نمشي من هنا...
كانت تلك صرخاتها المترجية التي لم يستمع لكلمة واحدة منها لشدة ناره المشتعلة. اقترب عليه ضابط الشرطة محاولًا توقفه عما يفعل من مخالفات لكنه أشار له بقوة وهو يقول:
من فضلك تبعد يا حسام بيه، لازم أربي عديم الرجولة وأعرفه إزاي يبقى راجل قبل ما أسلمه لك.
هتف الضابط بحزمٍ كي يحثه على التوقف:
يا فؤاد باشا اللي بتعمله ده غير قانوني، وكده سيادتك ممكن تعرض نفسك لمساءلة قانونية.
اللي عاوز تعمله إعمله يا حضرة الظابط...
قالها وهو يتجهز للهجوم على ذاك الذي تحدث وهو يستعد لتسديد لكمة إلى فؤاد:
عامل لي فيها دكر جامد وإنتَ متحامي وسط رجالتك.
هجم عليه ليتفادى فؤاد الضربة ويقع ذاك الأبله منبطحًا على الأرض نتيجة اندفاعه القوي الخالي من العقل والتخطيط، لينحني فؤاد عليه ويحيط جسده بين قدميه بطريقة أشعرت الآخر بعجزه ليضغط على حنجرته بإبهامه مما حجز الهواء ومنع وصوله إلى رئتيه ليهمس بهسيسٍ بملامح وجه مخيفة:
إنتَ اللي دكر يلا، بإمارة ما إنتَ مكتف واحدة ست وبتضربها يا...
وقام بسبه بأبشع الألفاظ مما جعل إيثار تفتح فاها بذهولٍ وعدم تصديق لما يخرج من فم زوجها الخلوق. تحرك الضابط ومعه بعض الرجال ليقومون بصعوبة بتخليص ذاك الحقير من قبضتيه الحديديتين. ظل يسعل بقوة بعد أن كان سيلفظ أنفاسه الأخيرة على يد ذاك المجنون برأيه. وقف فؤاد يتطلع بصدرٍ مشتعل على ذاك الذي يسعل وينظر إليه برُعبٍ ظهر بين عينيه المذعورتين من هيأته، لينطق فؤاد بنظراتٍ شامتة:
غبائك وقعك بين إيديا ومحدش هيقدر يخلصك، حتى أبوك ونفوذه يا ننوس عين أمك.
هرول إلى زوجته وتحدث وهو يحتضن كفيها بين راحتيه بحنان:
خلاص يا حبيبي، الصعب كله عدى.
وتابع قاصدًا ضابط الشرطة الذي سئم تواجده وأفعاله الجنونية لكنه مضطر لتحمل تصرفاته نظرًا لمنصب والده الكبير وهذا ما جعل التوصية عالية عليه من رؤسائه:
يا ريت يا حضرة الضابط تاخد إجراءاتك اللازمة وتاخد أقوال مراتي علشان نمشي.
اقترب الضابط منها وبدأ بأخذ أقوالها كمجني عليه، أما هو فأمسك بهاتفه الخاص وقام بالاتصال على هاتف نصر الذي كان يترأس طاولة الطعام وهو يتناول وجبة الغداء بصحبة عائلته بالكامل عدا ذاك المشاكس الذي لم يتوانَ في جلب المصائب لتستقر بالأخير فوق رأسه. أخرج هاتفه من جيب جلبابه ليضيق بين عينيه وهو يقول بتعجب:
فؤاد علام، وده عايز مني إيه.
هتفت إجلال بفمٍ يلوك بالطعام:
أكيد عاوزك في حاجة تخص يوسف، رد بسرعة.
على الفور ابتلع ما في فمه من طعامٍ كان يلوكه ليجيب بصوتٍ مرحب:
يا أهلًا يا باشا، مبسوط إني جيت على بال سعادتك وسمعتني صوتك.
بصوتٍ قوي تحدث بنبرة حادة:
وهتنبسط أكتر لما أقول لك على الخبر اللي عندي.
خير يا باشا؟...
نطقها بارتيابٍ أصابه من حدة صوته ليهتف الآخر بصوتٍ أكثر حدة:
هو اللي عنده عيل زي عمرو يشوف خير برضه يا سيادة النائب؟
رجفة عنيفة اقتحمت جسد نصر وانتظر معرفة أي مصيبة جلبها له ذاك الأبله تلك المرة ليصيح فؤاد بقوة وصوتٍ ينم عن مدى غضبه:
المجرم ابنك خطف مراتي واتعدى عليها بالضرب.
واستطرد بوعيدٍ صارم نتج عن نار قلبه المستعرة:
بس أقسم بربي ما هسيبه، هخليه يقضي اللي باقي له من عمره كله في السجن، ووعد مني مهيشوف للشمس نور طول ما أنا على وش الدنيا وفيا نفس.
انتفض من مقعده وهب واقفًا ليهتز المقعد وينقلب للخلف مما أحدث رعبًا بقلوب الحاضرين ليصيح نصر بقلبٍ مرتاب:
الكلام اللي جنابك بتقوله ده لا يمكن يحصل من عمرو يا باشا، ده أكيد بلاغ كيدي، ابني لا يمكن يتصرف بالـ...
دي مع أم ابنه.
أجابه فؤاد بصوت واثق:
-جريمة ابنك في حق مراتي متصورة صوت وصورة يا حضرة، وأحب أقولك إني بكلمك في الوقت الحالي من فيلا ابنك اللي في زايد وحواليا فريق من الشرطة اللي ضبطت الواقعة، وفريق من النيابة العامة جاي في الطريق لمعاينة المكان. بالمختصر كده القضية لابسة ابنك وإنسى إنه يعرف يخرج منها.
قالها بقوة ليستطرد بدهاء قانوني أراد به بث الرعب داخله:
-وبكده أقدر أقول لك بل وأجزم إنك تنسى فوزك في البرلمان الدورة دي يا سيادة النائب، وتأكد إني مش هسيب حق مراتي وهبذل أقصى ما عندي علشان أدمر مستقبل التافه ابنك.
ليصرخ بقوة زلزلت المكان وجعلت الجميع ينتبه ويلتفت صوب ذاك المشتعل بملامح وجهه الغاضبة:
-وأقسم بالله، لأدفعه تمن كل لحظة رعب مراتي حست بيها وعاشتها على إيديه هو وشوية الأوباش اللي لاممهم حواليه.
كان يتحدث وكل ذرة بجسده تنتفض من شدة ناره، كلما تخيل صفع ذاك الحقير لخليلة القلب واقترابه منها ولمس جسدها يتخلل الاشتعال بخلايا جسده بالكامل، شعورًا مريرًا تملك من روحه، تناقض ما بين عشقه الجارف لها وعدم تقبل فكرة كيفية السماح لنفسه بوضعها داخل تلك التجربة المريرة وما بين إنهائه لقضية صغيرها التي تؤرق روحها ولا تدعها أن تحيا حياتها بسلام. انتبهت على صياح حبيبها الذي يبتعد عنها عدة أمتار ويتركها بصحبة الضابط الذي يهتم بأخذ أقوالها، تطلعت إليه بإشفاق على حاله، تعلم جيدًا غيرته المرة عليها ولهذا زاد حزنها، ليتها لم تخرج اليوم، لو لم تخرج لكانت كفته وحالها شر ما حدث.
على عجالة نطق نصر الذي شعر ببساط المجلس ينسحب من تحته تحت نظرات الجميع المرتعبة الذين وقفوا يتابعون ما يحدث بصمت تام نظرًا لهيئة نصر المستوحشة والتي توحي بحدوث كارثة:
-اهدأ يا فؤاد باشا وكل مشكلة وليها حل، أنا مستعد أجي لحد عندك وأبوس على دماغ الهانم وأراضيها بالطريقة اللي هي تؤمر بيها، وهي أكيد مش هيرضيها تضيع مستقبل عمرو ولا تضر اسمي، إحنا مهما كان أهل يوسف وأي حاجة تضرنا هتضره.
قال كلماته الأخيرة ليبتز مشاعره باتجاه الصغير واسترسل مترجيًا:
-الانتخابات ما فاضلش عليها غير تلات أسابيع يا سعادة الباشا، وحضرتك ما يرضيكش الفضيحة اللي هيتعرض لها اسمي لو الموضوع ده اتعرف.
أجابه فؤاد بسخرية:
-الكلام ده تروح تقوله لابنك عديم النخوة والرجولة، كان من الأولى هو اللي يعمل حساب لمكانتك وللانتخابات اللي أنت داخل عليها.
صاح بحديثه ليغلق الهاتف بوجهه دون إعطاء الآخر حق الرد. تحرك إلى حبيبته ووقف خلف المقعد الجالسة فوقه ليحتوي كتفيها بكفيه وهو يسأل الضابط:
-خلصت يا أفندم؟
-خلصنا يا فؤاد باشا، تقدر تتحرك بالهانم.
نطقها الرجل بهدوء ليملي عليه فؤاد بجدية:
-فريق النيابة جاي في الطريق يعاين المكان، ما تنساش تحرز الكاميرات وتخلي فريقك يفرغ محتواها ويسلموها للنيابة.
استشاط الرجل من تعدي فؤاد على اختصاصاته لينطق بقوة وحزم:
-ده شغلنا يا سيادة المستشار وإحنا أدرى بيه.
-وأنا مخول من النائب العام بذات نفسه بمتابعة كافة الإجراءات، وما تنساش إن المجني عليها تبقى مراتي يا حضرة الضابط.
كلمات هتف بها فؤاد بصرامة وحدة أظهرت كم توتره واحتراق روحه مما حدث لزوجته وهذا ما استشفه الضابط ليأسف بعينيه لما حدث. أما تلك العاشقة فرفعت كفيها للخلف تحتوي بهما كفيه لينتفض جسده من إثر لمساتها. تحرك ليقف أمامها ثم قام بحملها بين ساعديه لتتشبث بعنقه كما المتشبث بالحياة وتستند بوجنتها على صدره ليشملها شعور رائع بالأمان في القرب منه. تحرك بطريقه للخارج ليوقفه صريخ ذاك المعتوه قائلًا بعدما رأى حبيبته تتشبث بأحضان غيره:
-مش هسيبك يا إيثار، هدفعك تمن كل اللي عملتيه فيا، هندمك على عمر الباشا اللي متعلقة في رقبته ده، وبكره تشوفي.
رفعت رأسها بإعياء لتراه مكبل اليدين بالأصفاد الحديدية يجاوره رجلين شرطة يسحبونه صوب سيارة الشرطة وهو يزأر كالأسد الحبيس محاولًا الفكاك من بين أياديهم ليهتف فؤاد وهو يتخطى وقوفه حاملًا حبيبته:
-اخرس يا تافه واستنى جحيمي اللي هينسفك من على وش الأرض أنت وعيلتك بالكامل.
صرخ بجنون يرجع لعدم استطاعته لرؤية ذاك المشهد الذي ثار جنونه وأخرج وحوشه الكامنة:
-هقتلك يا فؤاد يا علام، وحياة أمي لأقتلك.
نطق وهو يتحرك للأمام بطريقه للسيارة:
-لو قدرت ما تتأخرش، يلا أنت آخرك بوقين فاضيين تهجس بيهم.
واسترسل بتقليل من شأنه ليشعل قلبه:
-بالمناسبة يا فاشل، أبوك جاي لك في الطريق، هيعلقك على الفلكة بعد ما طيرت من إيده كرسي المجلس اللي عامل له قيمة.
ثم التفت له ليتابع بابتسامة شامتة:
-غبائك صور لك إنك ممكن تتفوق على فؤاد علام وتخطف مراته، بس أنا دايمًا سابق الأغبيا بخطوة، خيوط اللعبة كلها كانت بين إيديا وأنا بحركك بين صوابعي زي الدمية، وأنت زي الأهبل بتتحرك على الخط اللي أنا برسمه لك بالملي، خليتك تصدق نفسك لحد ما وقعتك في شر أعمالك ووصلتك للمكان اللي يستحقه غبي زيك.
كانت تستمع إليه بعدم استيعاب لكلماته، ماذا يقصد، أكان على علم بخطفها؟!
جن جنون عمرو وبات يصرخ بهيستيرية توحي لمدى وصوله للغضب العظيم، ظل يسب ويلعن بأقذر الشتائم ليهتف رأفت وهو يعض على أصابعه ندمًا:
-منك لله يا عمرو، ضيعت مستقبلي يا فاشل، بس أنا اللي غلطان، أنا اللي سلمت دماغي لواحد تافه دلوع أمه زيك، وأدي النتيجة، روحت في داهية من وراك.
فتح أحد الرجال باب السيارة لفؤاد ليضع حبيبته بالمقعد المجاور لمقعد القيادة وساعدها على الاعتدال ثم أغلق الباب بهدوء وتحرك للجهة الأخرى ليستقل مقعده أمام طارة القيادة.
********
عودة إلى نصر
صدم بعدما أغلق فؤاد الهاتف دون أن يعيره أي اهتمام ليصرخ وهو يطيح بجميع ما يقابله من أدوات فوق طاولة الطعام وبلحظة تناثر الطعام بأرضية وحوائط الغرفة وتناثر زجاج الكؤوس هنا وهناك مما أرعب الجميع وجعلهم يتراجعون للخلف للنأي بحالهم من غضب ذاك الذي أصابه الجنون. أخذت زوجة طلعت أطفالها وهرولت للخارج تبعتها مروة وأبنائها بينما ظلت سمية لتعلم أي مصيبة أتى بها ذاك الأبله تلك المرة. هرولت عليه إجلال لتصرخ باستعلام وعينيها مرتعبتين بعدما استمعت لاسم مدللها أثناء المحادثة:
-إيه اللي حصل يا نصر، عمرو جرى له إيه؟!
بهيئة جنونية لا تبشر بخير أشاح بكفيه هاتفًا:
-عمرو ما بيجرالوش حاجة يا أختي، عمرو بيعمل كل مصيبة وأختها ويخلع منها وأنا اللي بلبسها في الآخر يا أم الننوس.
أسرع إلى مكانه حسين وطلعت الذي تساءل بحيرة:
-إيه اللي حصل يا أبا، عمرو نيل إيه المرة دي كمان؟!
صاح بغضب عارم وبصدر يعلو ويهبط من شدة انفعاله:
-البيه أخوك خطف إيثار هانم، الأهبل فاكرها لسة بنت غانم الراجل الغلبان، ما يعرفش إنها بقت مرات ابن علام زين الدين أبرز وأهم أعضاء المحكمة الدستورية، ده غير جوزها رئيس النيابة.
دبت إجلال على صدرها بكفيها أما نصر فوضع كفيه فوق رأسه باستسلام لينطق بنبرة انهزامية:
-كرسي المجلس طار من إيديا خلاص، مش هيبقى لي لزمة في المركز من هنا ورايح.
لينطق بشعور من الضياع:
-ضعت وضاعت هيبتك بين الناس خلاص يا نصر، وابنك هو اللي كتب نهايتك بإيده.
قطعت حديثه بكلماتها الصارمة وهي تهتف بجبروت امرأة:
-هو كل اللي همك يا نصر؟!
واسترسلت بنبرة آمرة:
-اتحرك يلا على مصر وما ترجعش البيت غير وابني معاك.
جحظت عينيه وهو يتطلع عليها متعجبًا جبروت تلك المرأة ليهتف مذهولًا:
-أنت لسه ليك عين تتكلمي يا إجلال، كل المصايب اللي أنا فيها دي بسبب دلعك فيه! ليا شهر بقول لك خذي بالك من ابنك وشوفيه بيبات في أنهي داهية وأنت كالعادة بتدافعي عنه.
شملها بازدراء ليسألها شامتًا:
-يا ترى دلوع أمه قال لك إنه شاري بيت في مصر؟!
صكت سمية على أسنانها بغضب شديد بعدما نزلت عليها الأخبار كالصاعقة وجعلت من نار الغيرة تشتعل بصدرها، فطالما تمنت لو باستطاعتها الوصول إلى إيثار لتخلصت منها دون أن يرف لها جفن، فقد أصبح وجود تلك الإيثار يسبب لها عائقًا عن استكمال حياتها بشكل طبيعي ولا بد من وجود حل لمحوها من الحياة بأكملها.
تحدث حسين بعقل كعادته فهو الوحيد بين أفراد تلك العائلة من يمتلك عقلًا وقلبًا إلى حد ما متوازنين:
-مش وقت الكلام ده يا جماعة، خلونا نتحرك ونروح نشوف حل للمصيبة دي قبل ما المحضر يتحول للنيابة زي المرة اللي فاتت.
توافق الجميع مع رأيه لينطلق نصر ونجلاه للحاق بذاك الطائش لترمق إجلال تلك الواقفة جانبًا وهي تهمس بفحيح:
-كله منك يا عرة النسوان يا بنت الـ...
سبتها بأبيها لتهجم عليها بعدما فلت لجام تحكمها، جذبتها من شعرها لتهتف تحت صرخات سمية المستنجدة:
-لولا وسـ...
ولعبك على ابني علشان تدبسيه في جوازته السودة منك، مكنش كل ده حصل.
حضرت ياسمين ومروة على صرخات سمية المستنجدة، واقتربتا من إجلال في محاولة بائسة لتخليص خصلاتها التي تقطعت بين أصابع إجلال التي تابعت بقوة:
- إبعدي يا مرة إنتِ وهي، مفيش واحدة فيكم تتدخل وسيبوني أربي الأفعى بنت الـ... دي.
وتابعت بفحيح وهي تصك على أسنانها:
- دخلتك البيت كانت شؤم على ابني، من يوم ما عرفك ما شافش يوم عدل في حياته.
هتفت مروة بحكمة:
- سبيها يا ستهم لتموت في إيدك ويحسبوها عليكِ واحدة.
لتكمل ياسمين على حديث مروة:
- سبيها يا ستهم، مفيش حد يستاهل إنك تضايقي نفسك علشانه، الجيران هيسمعوا صواتها وهنتفضح بين الناس.
دفعتها بقوة ليرتطم جسدها بالأرض بقوة لتهتف من بين أسنانها:
- غوروها من قدامي بدل ما أقتلها بإيديا.
ألقت كلماتها لتخرج سريعًا. انحنت كل من ياسمين ومروة لمساعدة تلك المنبطحة أرضًا لتدفع بأيديهما وهي تهتف بحدة وغضب:
- إبعدي عني منك ليها.
اعتدلت مروة لتهتف وهي ترمقها باشمئزاز:
- الخير ماينفعش مع العقارب اللي زيك.
"إبعدي عني الساعة دي يا مروة..." قالتها بحدة وتهديد لتسألها الأخرى بسخرية:
- وإن مابعدتش هتعملي إيه يا شملولة؟
كادت أن تتحدث قبل أن تقاطعهما ياسمين التي صرخت:
- إتلمي إنتِ وهي وخلي ليلتكم تعدي على خير وكفاية المصيبة اللي حطت على راسنا من ورا عمرو.
ألقت مروة نظرة احتقار لتنطق بسباب:
- تستاهلي كل اللي إنتِ فيه يا رخيصة.
*********
داخل قصر علام زين الدين.
كان يجلس داخل الحديقة بصحبة زوجته وفريال بعدما استدعاهما ليطلعهما على المستجدات لتنطق عصمت بلهجة مرتعبة وقد سكن الرعب عينيها:
- يا نهار إسود، هي حصلت للخطف؟ دول مجرمين يا علام.
واسترسلت بجسد مرتجف وعينين زائغة:
- وفؤاد ليه يدبس نفسه في التدبيسة السودة دي؟
صاحت فريال بذعر ظهر بعينيها:
- أنا قولت من الأول إني مش مرتاحة للموضوع ده يا ماما محدش فيكم صدقني. مالنا إحنا بواحدة أهل جوزها مجرمين.
تحدث علام وهو ينظر للصغير الذي يلهو مع الصغيرة على بعد مترين فقط:
- ممكن تهدوا من فضلكم، ووطوا صوتكم علشان الولد ما يسمعش ونفسيته تتأثر.
هتفت عصمت بحدة:
- نهدى إزاي بعد اللي حكيتهولنا ده يا علام؟ مش يمكن المجرمين دول يفكروا يأذوا إبني هو كمان؟
هتف بصرامة وقوة ترجع لثقته بحاله وبمنصبه الكبير:
- إنتِ شكلك اتجننتي يا عصمت، مين ده اللي هيتجرأ ويأذي إبن علام زين الدين؟
صاحت بقوة لتجيبه بما يتنافى مع حديثه الغير مقنع لها:
- نفس اللي اتجرأ وخطف مراته يا سيادة المستشار.
- اللي خطف مراته عيل أهبل وإبنك هو اللي رسم له الطريق اللي مشي عليه، يعني مفيش خوف أبدًا منه... قالها باستفاضة ليسترسل موضحًا:
- ده غير إن اللي حصل ده فيه خير كبير قوي لفؤاد.
قطبت فريال جبينها لتسأل والدها باستفسار متعجب:
- وإيه بقى الخير اللي هيعود على فؤاد من حاجة زي دي يا بابا؟!
أجابهم بإبهام:
- فؤاد وهو بيرتب لموضوع خطف إيثار ظهر قدامه موضوع مهم جدًا خاص بأمن البلد، ولو تم على خير فؤاد هيترقى فيها، وده يبقى عوض ربنا ليه عن وقف ترقيته التلات سنين اللي فاتوا.
تنهدت عصمت بحيرة ومازال قلبها يرتعب قلقًا على صغيرها ليتابع علام بلهجة تحذيرية:
- مش عاوز حد منكم يضايق البنت ولا يحسسها بحاجة لما تيجي، في النهاية هي ضحية وملهاش أي ذنب في الظروف اللي أجبرت عليها.
تطلعت فريال لوالدتها بنظرات تنم عن مشاعر مختلطة.
**********
عودة إلى إيثار المصدومة.
تحرك فؤاد منطلقًا بالسيارة وكل خلية بجسده تنتفض بقوة. صوبت بصرها عليه لتسأله بصوت مرتجف بعدما استشفت بفطانتها معرفته من خلال حديثه مع الضابط عن الكاميرات تلاه حديثه العجيب مع عمرو:
- إنت كنت عارف إن عمرو هيعمل فيا كده؟
تابع القيادة وهو ينظر أمامه بوجه مبهم وفضل الصمت لتكرر عليه سؤالها بطريقة حادة:
- رد عليا يا فؤاد، كنت عارف؟
"إرتاحي ولما نروح بيتنا نبقى نتكلم هناك..." نطقها بصوت خافت لتصرخ بكامل صوتها وهي تدق على تابلوة السيارة:
- مش بمزاجك يا سيادة المستشار، إحنا هنتكلم حالًا وهتقول لي الحقيقة كلها ومن غير كدب.
أوقف السيارة فجأة لتحتك إطاراتها بالإسفلت مما أحدث صريرًا مزعجًا تحرك جسد كليهما للأمام على إثره. حول بصره إليها ليهتف بحدة وغضب لنعتها له بأكثر صفة يمقتها:
- وأنا من إمتى كدبت عليكِ يا مدام علشان أكدب الوقت؟
- طب فهمني إيه اللي بيحصل حواليا... نطقتها بضعف ودموع الألم تجمعت بمقلتيها. إنتفض قلبه حال رؤيته لغشاوة دموعها ليفك وثاق حزام الأمان خاصته ويهرول عليها ليجذبها ويدخلها بأحضانه كي يزيل عنها كل ما شعرت به اليوم من رعب. ما شعرت بحالها إلا وهي تلف ذراعها حوله لتشعر بالأمان الذي لم تجده سوى بأحضانه. أطلقت العنان لدموعها لتنهمر بقوة لينطق وهو يمسد بكفه على رأسها وظهرها بحنان:
- بلاش عياط علشان خاطري، مش هقدر أتحمل أشوفك كده.
نطق كلمته بصوت أوحى إلى ضعفه أمام دموعها لتتأثر كثيرًا بصوته لتبتعد متسائلة وهي تنظر بعينيه:
- خلاص مش هعيط، بس فهمني يا فؤاد.
- هقول لك على كل حاجة يا بابا... قالها وهو يداعب ذقنها بأصابع يده ليسرد عليها جل ما حدث مستثنيًا موضوع الآثار لسريته التامة ولعدم اكتماله بعد، لينطق مستنتجًا ما سيحدث:
- كده نصر ماقداموش غير حل واحد قصاد خروج ابنه من المصيبة اللي حط نفسه فيها، وهو تنازل ابنه عن الحضانة بشكل نهائي وبعقد موثق.
بلهفة وتمني سألته:
- تفتكر نصر هيوافق على كده يا فؤاد؟
مط شفتيه بلامبالاة ليقول بثقة عالية:
- مفيش قدامه حل غير كده، حضانة يوسف، قصاد خروج ابنه وضمَانُه لكرسي المجلس، والكرسي أهم حاجة بالنسبة له.
واسترسل بابتسامة منتصر:
- يعني يا يوافق يا يوافق.
قطع حديثهما صدوع رنين الهاتف ليخرجه من جيب سترته وينظر بشاشته لترتسم ابتسامة عريضة على ثغره وهو ينظر لها:
- نصر البنهاوي.
ابتسمت بسعادة ليغمز لها بطرف عينه قبل أن يجيب ويضغط على زر خاصية مكبر الصوت ليستمعا لصوت نصر الجالس بسيارته بجوار طلعت الذي يقود:
- فؤاد باشا.
- نعم يا سيادة النائب... قالها بحدة لينطق الآخر بتذلل:
- أنا بترجاك يا باشا وبحلفك بغلاوة يوسف توقف كل إجراءات نقل عمرو للنيابة لحد ما أوصل ونقعد ونتفق، أنا في الطريق ونص ساعة بالظبط وهكون عندك.
- وأنا بصفتي إيه هوقف الإجراءات يا سيادة النائب؟! قالها باستغراب ليتابع ساخرًا منه:
- يظهر إن من كتر كسرك للقوانين وتعديك عليها فاكر إن الكل زيك.
أجابه بانكسار بعدما حاول مهاتفة جميع من يعرفهم للمساعدة:
- يا باشا الكل عامل حساب لجنابك وجناب الباشا الكبير، كل ما اتصل بحد من معارفي يقول لي الموضوع أكبر مني، ده الخصم جناب المستشار شخصيًا.
تطلعت إلى حبيبها بفخر. هل حقًا جاء اليوم الذي ترى به ذاك المتجبر مكسورًا ذليلًا ويطلب العفو من أحدهم؟ رد فؤاد بجبروت يليق بنصر:
- والمطلوب مني إيه؟
أجابه بهدوء:
- إنت اللي هتطلب وتتشرط يا باشا، وأنا عليا التنفيذ.
واستطرد بتذلل:
- وزي ما قولت لسعادتك، أنا هاجي بنفسي وأحب على راس الهانم مراتك.
- مراتِ مش محتاجة حد يبوس على راسها يا سيادة النائب... قالها بقوة ليتابع بدهاء مخطط له جيدًا:
- اللي يرضي مراتي حاجة واحدة بس.
نطق على عجالة دون تفكير:
- اللي تأمر بيه كله هنفذه.
ابتسم بجانب فمه وأمسك كفها ليقبل باطنه ثم قال برأس شامخ تحت نظراتها العاشقة وقلبها الذي بات لا يحيا سوى بدقاته:
- ابنك يسحب قضية ضم الحضانة ويتنازل بعقد موثق عن حضانة يوسف لإيثار بشكل نهائي.
نزلت كلماته على قلب نصر كحمية بركان ثائر. هذا حفيده الغالي والأقرب لقلبه، من فعل الكثير والكثير لأجل عودته لأحضان عائلته والاحتفاظ به، كيف له أن يتخلى عنه بتلك السهولة؟ ابتلع لعابه لينطق بصوت خافت:
- اطلب أي طلب تاني غير ده يا باشا.
واستطرد بلهفة:
- أنا مستعد أكتب لها نص ثروتي، بس بلاش موضوع التنازل عن يوسف دي.
جحظت عيني طلعت ليلتفت لأبيه ويرمقه بغضب حارق، ألأجل الاحتفاظ بذاك الملعون الصغير يهدر نصف ثروتهم بتلك السهولة؟ ابتلعت لعابها بتوتر لينطق فارسها ورجلها الأوحد بغضب حاد:
- خلي بالك من كلامك يا نصر وإعرف كويس إنت بتقول إيه ولمين.
واستطرد بسخط أرعبه:
- نص ثروة مين اللي تديها لمرات فؤاد علام قصاد حضانة ابنها؟ نص ثروتك اللي فرحان بيها دي ماتجيش نقطة في بحر اللي مراتي تملكه حاليًا.
نزلت كلماته على قلبها كقطرات الندى فوق الزهور العطشة لتنعشها، فقد أخبر نصر أن ما يملكه هو ملك لخليلة قلبه كما يلقبها، ليسترسل هو بثبات وتهديد:
- اللي عندي قولته وده آخر كلام والقرار ليك، وياريت تقرر حالًا لأن كل دقيقة بتعدي، ابنك بيقرب أكتر من السجن المؤبد، وكرسي المجلس بيبعد عنك.
أجفل عينيه بحزن وشعر بعجز هائل، لم يعد لديه رفاهية الاختيار بعدما وضعه ذاك الداهي بمأزق عمره. تنفس مطولًا لينطق بحزن وألم لم يشعر بهما من قبل:
- أنا موافق يا سيادة المستشار، وقف الإجراءات وأول ما نوصل هخلي عمرو يكتب لك التنازل ويمضي عليه.
اشتدت سعادتها لدرجة أنها تناست جل ما مرت به من آلام وعثرات وحزن استوطن قلبها طيلة سنواتها الماضية، فاليوم هو أسعد أيام حياتها على الإطلاق، فقد تمكنت بالاحتفاظ بصغيرها الغالي للأبد على يد حبيبها، هذا المغوار الذي اختطف لها حضانة الصغير من فم الأسد ليقدمها لها على طبق من ذهب.
أغلق الهاتف لتفك وثاق حزامها وتقفز بسعادة كالأطفال لتستقر داخل أحضان ذاك العاشق الذي قهقه بقوة وهو يقول مربتًا على ظهرها:
- مبروك يا عمري.
"الله يبارك فيك يا حبيبي، الله يبارك فيك..." قالتها بصوت سعيد لتخرج سريعًا وهي تتابع بلهفة:
- أنا هعيش عمري كله أشكر ربنا وأشكرك على اللي عملته معايا يا فؤاد.
شملها مضيقًا عينيه ليقول بحديث ذات مغزى:
- مابحبش الشكر بالكلام، أنا سيد الأفعال.
أمسكت كفيه تحتويهما لتهتف بحبور شمل روحها:
- اطلب اللي إنت عاوزه يا حبيبي وأنا تحت أمرك.
"هما طلبين مفيش غيرهم..." قالها بابتسامة جذابة ليتابع بغمزة وقحة:
- أول طلب، عاوز مراتي حبيبتي تدلعني النهاردة.
وأشار بكفيه بطريقة جعلتها تضحك:
- بدلة رقصك وخلخالك والموسيقى اللي على كيف كيفي، وأشوف بقى دلعك الرايق لجوزك حبيبك، ماليش دعوة بقى بيومك الصعب اللي عيشتيه.
ليتابع بدلال على أنثاه بكلمات متقطعة:
- أنا، عاوز، مراتي تدلعني.
- بس كده، من عيوني... قالتها وهي تتحسس صدره بدلال أشعل ناره ليتابع هو:
- والطلب التاني.
تطلعت عليه بتمعن ليتابع بجدية:
- تقدمي استقالتك، وموضوع الشغل تنسيه وتخرجيه من دماغك نهائي.
اتسعت عينيها ذهولًا لتتراجع للخلف وهي تشمله بنظرات تملؤها خيبة الأمل قبل أن تنطق بخفوت:
-
رواية انا لها شمس الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم روز امين
عاشقة أنا، أحبك نعم بل وصلت مشاعري معك لعمق المشاعر وعشق الروح، ولكن عذرًا مالك لقلبي وفؤادي، فأرجوك، لا تطلب مني محو حلمي وقطع طريقي الذي بدأته منذ أن تحررت من قيودي وكسرتها لأتيقن حينها كيف يكون طعم الحرية، إذا كنت تحبني حقًا فكلل ذاك العشق بمساعدتي باحتفاظي بكياني وكرامتي، هذا هو مطلبي الوحيد.
تطلعت عليه بتمعن ليتابع بجدية:
- تقدمي استقالتك، وموضوع الشغل تنسيه وتخرجيه من دماغك نهائي.
اتسعت عينيها ذهولًا لتتراجع للخلف وهي تشمله بنظرات تملؤها خيبة الأمل قبل أن تنطق بخفوت:
- أنت بتتكلم بجد يا فؤاد؟!
أنت فعلًا عاوزني أسيب شغلي اللي تعبت عليه تلات سنين بحالهم؟!
خرجت تنهيدة حارة من أعماق صدره لينظر لها بتعمق قبل أن ينطق بصوت هادئ:
- حاولي تفهميني يا إيثار، أنا بحبك وعاوز أريحك، شغلك صعب وكله ضغط على أعصابك وعقلك، وأنا مش حابب أشوفك تعبانة.
واستطرد بنظرات حنون وهو يحتوي كفيها بين راحتيه كي يحثها على التراخي:
- ده غير إن أنا ويوسف محتاجين لك في حياتنا.
- ولو رفضت؟
قالتها وهي تنظر بتمعن بعينيه لينطق مترجيًا:
- تبقي غاوية توجعي قلبي وتتعبيني معاك، لأن ببساطة طول ما أنتِ بره البيت بالي هيبقى معاكِ ومش هرتاح ولا هعرف أركز في شغلي ولا في أي حاجة في حياتي.
قطبت جبينها ليتابع بإبانة مستعرضًا المخاطر التي تحوم حولها:
- نصر وابنه المجنون مش هيسيبوكِ في حالك، افهمي، اللي حصل النهاردة ولا هو أول محاولة ولا هتكون الأخيرة.
هزت رأسها برفض قاطع قبل أن تنطق في محاولة منه لنقل وجهة نظرها:
- اسمعني أنت وحاول تفهمني يا فؤاد، شغلي بالنسبة لي مش مجرد شغل.
هزت رأسها لتتابع بتأثر شديد:
- ده أماني أنا وابني بعد ربنا، ده اللي حماني وكفاني شر الذل والحوجة لنصر وابنه طول السنين اللي فاتت.
أخذ نفسًا مطولًا لينطق متبعًا سياسة النفس الطويل لكي يقنعها:
- خلاص يا بابا، كل ده انتهى بمجرد ما بقيتي حرم فؤاد علام ومبقاش فيه داعي للشغل، لأن ببساطة أنا وكل ما أملك بقينا ملكك، وبما إني بعتبر يوسف زي ابني فحقه عليا إني أعيشه في نفس المستوى اللي أنا عايش فيه.
- محدش هيصرف على ابني غيري يا فؤاد.
قالتها بقوة لتتابع برأس شامخ وبروح الأنثى عزيزة النفس الكامنة بداخلها:
- وزي ما اتحملت مصاريفه طول السنين اللي فاتت أنا بردوا اللي هكمل معاه لحد ما يبقى راجل ويتحمل مسؤولية نفسه.
اتسعت عينيه من حدتها ليسألها مستفسرًا بتعجب:
- وأنا وراحتي يا إيثار، ملناش أي وجود في حساباتك؟!
بنظرة تمتلئ بالحنان تحدثت:
- أنت جوزي وحبيبي وعوضي الحلو اللي ربنا كافئني بيه على صبري، بس علشان خاطري حاول تفهمني وتقدر مشاعري.
- يعني إيه؟!
نطقها بحدة لتجيبه بنبرة متألمة:
- ناس كتير فاكرين إني وقعتك واتجوزتك علشان فلوسك.
ولو قعدت من الشغل هبقى بأكد لهم شكوكهم فيا، زائد إني مش حابة أعقد ابني لما يكبر.
قطب جبينه بعدم استيعاب لما تقصد لتتابع بإيضاح:
- مش عاوزة أعرض ابني لأي حاجة تقلل من كرامته وتحسسه إنه أقل من أي حد، نفوس الناس مش كلها سوية يا فؤاد، أكيد هييجي حد يطلع عقده على ابني ويعايره بإن جوز أمه هو اللي كان بيصرف عليه لحد ما خلاه راجل، لو ده حصل هموت يا فؤاد.
كان يتطلع إلى صدق مشاعرها بقلب وعقل مذبذبين، ماذا عليه أن يفعل، أيجبرها على أن تترك عملها بالإكراه ويجعلها تفقد كبريائها وعزة نفسها على يديه، أم يوافق إرادتها ويعرض حياتها للخطر بجانب عدم راحة قلبه العاشق لخروجها بشكل يومي، مرر كف يده على وجهه وأغمض عينيه باستسلام لتقترب وهي تزيل كفه للأسفل ليتطلع عليها وهي تقول بنبرة حنون حاولت بها استقطاب هدوئه:
- علشان خاطري متزعلش وحاول تهدى.
هز رأسه بشرود ليقول بعدما اهتدى بتفكيره لذاك الحل:
- خلينا متفقين إن مهما حصل لا يمكن هوافق على رجوعك لشركة أيمن الأباصيري تحت أي ظروف.
احتدت ملامحها واكتست بغضب عظيم ثم فتحت فاها تستعد لهتاف حاد وقبل أن تعترض أوقفها بكفيه حيث أشار بهما وهو يخبرها بما انتوى:
- ولو كان شغلك ضروري قوي بالنسبة لك يبقى من الأولى تستلمي منصب في شركتنا، وأهو على الأقل تبقى بتابعي مال جوزك وتراعي مصالحنا.
اتسعت عينيها لتهتف باعتراض:
- لا طبعًا، أنا مستحيل أوافق على كده.
واسترسلت بإبانة:
- أنا لو عملت كده هبقى بأكد لهم...
وقبل أن تكمل حديثها الهرائي بالنسبة له قاطعها بصوته الحاد وهو يهتف هادرًا بعينين تنذر بنشوب حرب قادمة:
- قسمًا بالله ما أسمع كلمة تانية تخص الناس واللي هيقولوه لتشوفي مني وش ما هتقدري تستحمليه دقيقة واحدة.
أخرجت صوتها بكثير من الأسى والحزن والضعف الذي أدمى قلبه:
- مقدرش أغفل عن الكلام لأنه خارج من أقرب الناس لينا يا فؤاد.
- يا ستي طظ في كل الناس وألف طظ.
قالها بعينين تطلق شزرًا، توقف عن الكلام للحظات وأغمض عينيه وأطلق زفرة مطولة ليأخذ استراحة من حالة الغضب التي تملكته ثم فتح جفونه لينظر عليها من جديد وهو يقول بنبرة حاول ضبط النفس من خلالها:
- اسمعيني كويس يا إيثار، أنا مش هقبل إن مراتي تشتغل في أي مكان وعند أي حد وعيلتي بتملك مجموعة من أكبر الشركات الموجودة في البلد، وأبويا شريك فيها بالنص.
تنهدت تستدعي هدوئها لتنطق متسائلة:
- طب تقدر تقولي هشتغل إيه هناك؟!
ضيق بين عينيه ليجيبها مقترحًا:
- أنتِ خريجة تجارة، تقدري تمسكي قسم المحاسبة وتطوري نفسك فيه ويبقى كارير ليكِ.
تنفست بهدوء تحت نظراته المترقبة لتنطق أخيرًا بموافقة مجبرة لإرضاء زوجها الحبيب:
- خلاص يا فؤاد، اللي تشوفه صح أنا موافقة عليه.
تنفس براحة واقترب عليها مداعبًا أرنبة أنفها بأصابع يده:
- كنت واثق إن حبيبي عاقل ومش هيعمل مشكلة من موضوع بسيط زي ده.
ابتسامة خافتة اعتلت جانب ثغرها لتقول بهدوء:
- أنا بحبك يا فؤاد ومستعدة أعمل أي حاجة علشان نعيش مبسوطين في حياتنا، الشعور ده زاد خصوصًا بعد ما اطمنت على حضانة يوسف.
تحدث بنبرة جادة:
- وأنا عاوزك تكوني واثقة ومتأكدة إن أي حاجة بعملها، فهي علشان حياتنا تستقر ونعيش كأي زوجين عاديين ومعانا يوسف.
تنفس بقوة وظهر على ملامحه الغضب وهو يتابع قائلًا بانكسار رجل عاشق حتى النخاع:
- مكنش سهل عليا أسلمك بإيدي للحيوان طليقك، جسمي كان قايد نار وأنا بتخيل إيدين الحيوانات اللي مأجرهم لخطفك وهي بتلمسك.
وهز رأسه ليتحدث مستسلمًا بخفوت:
- بس مكنش قدامي حل غير ده علشان أقفل باب الحضانة نهائيًا وبدون رجعة، كان لازم الأب يمضي على التنازل وإلا كنا هنفضل عمرنا كله في مماطلة المحاكم وقضايا رايحة وقضايا جاية من الطرفين.
تطلعت عليه بعينين عاشقة ممتنة، أمسكت كفيه ومالت تقبلهما قبل أن ترفع وجهها من جديد وهي تنطق بصدق:
- أنا عارفة يا حبيبي ومقدرة جدًا اللي عملته علشاني، بالعكس أنا لازم أشكرك ألف مرة إنك ضحيت بحاجات كتير قوي وضغطت على نفسك علشان تريح قلبي من ناحية يوسف.
- مكنش سهل عليا والله يا حبيبي.
نطقها بضعف ليسترسل موضحًا بإبانة:
- بس علشان عارف إن يوم ما هياخدوا يوسف منك هتعيشي معايا جسد بلا روح، عملت كل شيء ضد مبادئي ورجولتي علشان مخليكيش توصلي لليوم ده.
نزلت دمعة من عينيها تأثرًا بتمزق روح حبيبها جففها لها سريعًا بإبهامه لتنطق وهي تحتفظ بأصبعه لتقبله بحنان جعل القشعريرة تسري بجسده:
- أنا بحبك قوي يا فؤاد ولو عشت عمري كله أشكرك على اللي عملته معايا من يوم ما عرفتك للوقت مش هيكفي.
تنفس براحة لتتابع هي بحيرة ظهرت بعينيها:
- فؤاد.
- إيه يا حبيبي.
قالها بهدوء لتسأله بتشتت وحيرة:
- هو لو عمرو اتنازل عن الحضانة، مش ممكن مامته ترفع قضية ضم وتكسبها؟
- لا يا حبيبي، الأب والأم هما الطرفين اللي ليهم الحق في التنازل، وبمجرد تنازل أحد الطرفين للآخر يسقط أي حق لأي حد تاني.
أغمضت عينيها لتتنهد براحة وهي تضع كفها على صدرها ثم فتحتهما لتقول بصوت حماسي:
- يلا نروح علشان يوسف.
أجابها بهدوء:
- حاضر يا حبيبي، هنعدي الأول على المستشفى، الدكتور مستنينا هيعمل لك تقرير صحي ويكتب لك حاجة للكدمات اللي في وشك ونروح على طول.
بعد قليل كانت ترتمي داخل أحضانه أثناء قيادته للسيارة بعدما جلب لها بعض المسكنات والكريمات المزيلة للكدمات، أغمضت عينيها حتى أنها غاصت بالنوم ليشعر بها من خلال انتظام أنفاسها، نظر عليها وجد وجهها قد بدأ يصبغ باللونين الأحمر والأزرق فكز على أسنانه بغيظ واستعرت النار بداخل قلبه من جديد كلما تذكر صفع ذاك الحقير لها، ولج من باب الحديقة ليرى الجميع بانتظاره، أسرع عليه الحرس ليفتح له الباب في حين لمس هو وجهها الموضوع على صدره بلين وقال بصوت هامس:
- حبيبي.
- إمممم.
قالتها وهي تقاوم فتح أجفانها بصعوبة ليتابع هو بنبرة تجمع بها حنان الدنيا بأكمله:
- قومي يا بابا خلاص وصلنا.
ساعدها في الاعتدال والعودة لمقعدها لينزل وسريعًا تحرك باتجاه الباب المجاور لمقعدها لينحني عليها ويحملها برفق، تعلقت بعنقه وبدأ الإعياء يشتد عليها نتيجة ما مرت به، أسرع إليهما عصمت وفريال وعلام الذي تحدث إليها بعدما وضع كفه على كتف نجله كنوع من المؤازرة:
- حمدالله على السلامة يا بنتي.
- الله يسلمك يا بابا.
قالتها بضعف يرجع للتخدر الذي أصاب جسدها بالكامل نتيجة ما حدث وبدأت آثاره في الظهور عليها من خلال آلام حادة شعرت بها بجميع أنحاء جسدها، اقتربت عصمت تتفحص نجلها بتمعن شديد لتسأله بقلب الأم المتلهف:
- أنت كويس يا حبيبي؟
- إحنا بخير يا حبيبتي متقلقيش.
قالها بهدوء لتتابع وهي تمسك كف إيثار الموضوع على قلب حبيبها وتتلمسه متسائلة بقلب صادق بعدما اطمأنت على صغيرها الحبيب:
- حمدالله على سلامتك يا إيثار، ربنا ينتقم منه ويبعد شره هو وأهله عنك.
نطقت بإعياء شديد:
- متشكرة يا دكتورة.
نطقت فريال بنبرة متأثرة بعدما شاهدت تلك الكدمات المتفرقة بوجهها وآثار ربطة الحبل حول عنق كفها مما ترك أثرًا ظاهرًا:
- سلامتك يا إيثار، ألف سلامة عليكِ.
للحظة وضعت نفسها محلها وتخيلت تهجم أحدهم عليها فتأثرت كثيرًا وظهرت ملامح الحزن عليها لتجيبها تلك الواضعة رأسها باستسلام فوق صدر زوجها:
- الله يسلمك يا فريال.
بصوت عالٍ وجهت عصمت حديثها إلى فؤاد خشية ليتأذى:
- دخلها جوه علشان ظهرك يا حبيبي.
بالفعل تحرك باتجاه الباب الداخلي والكل تبعه ليهرول الصغير الذي رآهم حيث كان يلهو مع بيسان، وضعها فوق الأريكة ليجاورها الجلوس ثم أخذ رأسها ليسندها على كتفه بلين وعناية، أسرع الصغير وهو يسألها بذعر ظهر فوق ملامح وجهه البريء:
- مالك يا مامي؟
نطقت سريعًا لطمأنة الصغير:
- متخافش يا حبيبي، أنا كويسة.
حملته عصمت كي تهدئ من روعه لتقول وهي تربت على ظهره بحنان:
- مامي زي الفل يا حبيبي، متخافش.
تطلع للصغير بحنان وقد حزن لأجله، فهذا الأبله فاقد العقل والحس والإنسانية لا يستحق بأن يكون أبًا لملاك كهذا البريء، نطق ليطمئن روعه:
- متخافش يا جو، مامي كويسة.
- طب مين عمل في وشها كده؟
سؤالًا طرحه الصغير ببراءة ليجيبه بهدوء كي لا يفزع:
- وقعت من على السلم وهي نازلة من شغلها يا حبيبي.
- أكيد مش شربت اللبن الصبح.
قالها بفطانة ليضحك الجميع أما بيسان فقد وقفت بجانب جدتها لتمسك بساقه وهي تقول:
- مش تزعل يا جو، أنطي هتبقى كويسة.
أما عزة فكانت تجلس بالمطبخ تستند بكفها فوق الطاولة وتحتسي كوبًا من مشروب الشاي الساخن قبل أن تدخل وداد وهي تقول بارتياب:
- شوفتوا اللي حصل.
التفت إليها الجميع ينتظرن بشغف ما ستبلغهن لتهتف هي من جديد:
- فؤاد باشا راجع من بره شايل مراته ووشها متشلفط على الآخر، زي ما يكون واحد ساحلها ضرب.
وقع الكوب من بين يد عزة لتصرخ وهي تهرول صوب الباب:
- يلهوي، إيثار.
هرولت للخارج تحت همهمة الجميع لتهتف سعاد بنبرة حازمة:
- كل واحدة تخليها في شغلها وبطلوا رغي.
صمت رهيب عم بأرجاء المكان بعد صوتها المريب، أما عزة فهرولت لتتفحص صغيرتها وهي تسألها بدموعها التي انهمرت لشدة رعبها:
- مين اللي عمل فيكِ كده يا قلبي؟
- أنا كويسة يا عزة متقلقيش.
كلمات نطقتها لطمأنة تلك الحنون التي هتفت من بين أسنانها بحدة وغضب:
- نصر وابنه ورا اللي حصل لك، مش كده؟
هتف فؤاد بنظرة محذرة وهو يوجه انتباهها إلى الصغير:
- عزة، المدام وقعت من على السلم.
فهمت مغزى نظراته ففضلت البكاء بصمت قبل أن تقول عصمت:
- ادخلي المطبخ جهزي شوربة للهانم علشان تتغدى قبل ما تنام يا عزة.
- مش عاوزة أكل.
جملة نطقتها إيثار بنفي من رأسها لتتابع وهي تنظر لزوجها بإعياء:
- أنا عاوزة أطلع أنام يا فؤاد.
نطق علام بنبرة صادقة:
- لازم تاكلي يا بنتي علشان تاخدي أدويتك وتتحسني بسرعة.
اقتربت عليها فريال بخطوات هادئة قبل أن تعرض مساعدتها بعدما رق قلبها لحال تلك المسكينة ومظهرها هي وصغيرها الذي يدمي القلوب:
- تعالي أسندك لجناحك علشان تغيري هدومك على ما يجهزوا لك الغدا.
رد عليها فؤاد بعينين شاكرتين:
- سيبيها يا حبيبتي، أنا هطلعها بنفسي.
هزت رأسها قبل أن تقول برفض تام:
- روح أنت لميعادك وأنا هسند وهطلع مع فريال.
كانت تقصد ميعاده مع نصر للحصول على التنازل لكنه رفض معللاً:
- مش هتحرك غير لما تتغدي وتاخدي علاجك، خليهم يستنوا.
وقف ليحملها من جديد وصعد بها الدرج بصحبة عزة التي حملت الصغير، وقفت فريال تتطلع عليها وهي تقول:
- مسكينة، المجرم مبهدل وشها، والولد يا حرام مخضوض على مامته.
ارتمت عصمت فوق الأريكة باستسلام لتزفر باستياء، لا تعلم ماذا عليها أن تفعل، هي تكن لتلك الـ إيثار الكثير من الحب والاحترام لكن يأتي حبها والخوف على صغارها في المقام الأول لذا هي الآن بين نارين.
*********
ولجت من الباب ليدخل بها إلى الحمام مباشرة، ساعدها بخلع ملابسها وأنزلها داخل حوض الاستحمام المجهز من قبل العاملات والمملوء بالماء الساخن، غمرت جسدها بالمياه كاملًا، خلع عنه حلة بدلته وشمر أكمام قميصه ثم اتجه ناحيتها وجلس على حافة الحوض وقام بوضع الماء والصابون السائل على كتفيها وبدأ بتدليكهما برفق ولين راق لها وأغمضت عينيها على إثر تدليكه باستمتاع، همست من بين شفتيها:
- تسلم إيدك يا حبيبي.
- أول ما تتغدي وتاخدي أدويتك وتنامي شوية هتقومي زي الفل.
قالها بطمأنة ليتابع بمداعبة كي يخرجها من تلك الحالة:
- عاوزين نستعد للسهرة وفقرة الخلخال.
ابتسامة واهنة خرجت منها ليبتسم وهو يحرك كفيه بمهارة على كتفيها كي يزيل عنها التشنجات التي أصابتها من تلك الحادثة، سألته بتوتر مازال يتملكها رغم طمأنته الشديدة لها:
- تفتكر عمرو ممكن يعند ويرفض يمضي على التنازل؟
أجابها بجبين مقطب وهو يتابع تدليك عنقها من الخلف:
- هو وأبوه مش حمل الخساير اللي هتحصل لهم من ورا قضية الخطف لو وصلت للنيابة.
سألته من جديد:
- طب هو ممكن يرجع في كلامه بعد ما يخرج ويرفع قضية ضم من جديد؟
أجابها بثقة وهدوء:
- لا يا حبيبي مينفعش، أنا عامل له صيغة تنازل متخرش المية.
ثم تنهد ليتابع بصوت لائم:
- وبعدين أنا مش قولت لك تريحي دماغك من التفكير واعتبرِي التنازل اتمضى خلاص.
ليسترسل بهدوء:
- غمضي عيونك وخدي نفس عميق وحاولي تسترخي.
انساقَت لحديثه وبدأت بأخذ نفس مطولًا مع إغماض عينيها باستسلام للحصول على بعض الراحة والاستجمام لينطق بعد حوالي خمسة عشر دقيقة:
- كفاية كده يا قلبي ويلا علشان ترتاحي في سريرك.
ساعدها في الخروج من المياه لينطق بمشاكسة وهو يجفف جسدها بالمنشفة:
- صبرني يا رب.
ضحكت بخفة لتستدير له بعدما ساعدها على ارتداء المئزر لتلقي حالها بين أحضانه متشبثة بعنقه وهي تقول:
- ربنا يخليك ليا يا فؤادي وتفضل سندي وحبيب عيوني.
تنفس بقوة ليضع خصلاتها خلف أذنها وينطق بعينين هائمتين بجمال روحها:
- ويخليكِ ليا يا فرحة أيامي.
أسندها حتى وصلت إلى سريريهما ليجد يوسف جالسًا عليه ينتظرها بصحبة عزة التي أحضرت الطعام وهي تقول:
- تليفونك مبطلش رن يا باشا.
رفعت له الغطاء ودثر هو زوجته جيدًا ثم مال على جبينها طابعًا قبلة حنون قبل أن يقول بجدية:
- هاتي التليفون يا عزة.
التقطته من فوق الطاولة لتناوله إياه لتظهر ابتسامة ساخرة على جانب فمه لتسأله هي بفضول كاد يمزق داخلها:
- هو؟
تطلع عليها ليهز رأسه بتأكيد بعدما فهم مقصدها بشأن المتصل "نصر"، لينطق باهتمام وحب:
- اتغدي كويس وخدي الأدوية، وأنا هدخل أغير هدومي بسرعة وأروح لهم.
قال كلماته وتحرك إلى غرفة الثياب لينتقي ملابس له قبل أن يتحرك إلى الحمام للاغتسال.
********
بعد خروج فؤاد وانطلاقه بسيارته مع سيارة الحراسة التي أصر عليه علام لتتبعه، صعدت عصمت وفريال ومعهما إحدى العاملات التي تحمل صينية مملوءة ببعض أنواع الفاكهة الطازجة وكوبًا من عصير البرتقال الطازج أيضًا ليجداها مازالت تتناول طعام الغداء تجاورها عزة حاملة الصغير الغافي فوق ساقيها، أشارت فريال للعاملة بأن تضع ما بيدها وتعود للأسفل من جديد فانساقت الفتاة إلى ما أمرت به، جلست عصمت على حافة الفراش وتحدثت بنبرة حنون وهي تتحسس ساق الأخرى:
- عاملة إيه يا حبيبتي؟
أجابتها بنبرة هادئة:
- الحمد لله، حاسة نفسي أحسن بعد الشاور.
- لما تنامي هترتاحي أكتر.
قالتها بحنو لتسألها فريال بنبرة متعجبة وملامح وجه يكسوها الاستياء:
- هو أنتِ إزاي كنتِ عايشة مع واحد حيوان بالطريقة دي؟!
حذرتها عصمت بنظراتها لتتابع بتأثر وتضامن ظهر بعينيها:
- هو أنا غلطت في حاجة يا مامي، هو حضرتك مش شايفة الحيوان عامل إيه في وشها؟
لتسترسل بحدة:
- طب والله الحيوان مظلوم مع حقير زيه.
ابتسمت عصمت رغمًا عنها لتنطق عزة التي وجدت فرصتها:
- طب والله عندك حق يا هانم، ده مجنون، قال إيه بيحبها ومش قادر يتخيل إنها بقت لراجل غيره.
- مستحيل حد يكون بيحب بجد ويعمل كده في اللي بيحبه.
جملة معترضة نطقتها فريال باستهجان لتتابع بحدة أكثر وهي تتطلع على تلك الكدمات المنتشرة بوجهها:
- ده واحد مريض بحب التملك.
- هو كده بالضبط.
قالتها إيثار قبل أن تتابع بإبانة:
- للأسف، هو اتربى على إنه يمتلك كل حاجة تعجبه، من يوم ما طلبت الطلاق وأخدت ابني وبعدت وهو هيتجنن، كل فترة كان بيحاول يقتحم حياتي ويعرض عليا الرجوع، وطبعًا كان بيعرض عليا ملايينه الكتير، آخر مرة قالي إنه شرى فيلا في زايد وهيكتبها باسمي وهيحط لي المبلغ اللي أقول عليه في حسابي في البنك.
لتتابع بذهول ارتسم فوق ملامحها:
- لكن عمري ما تخيلت الجنون يوصل بيه بإنه يخطفني وأنا على ذمة راجل تاني، لا وكان مخطط لخطف يوسف هو كمان لولا ربنا ستر وفؤاد كان عارف وبعت بودي جارد جاب الولد.
تطلعت إلى عصمت لتتابع وهي تهز رأسها:
- فيه حد عاقل يعرض طفل صغير لتجربة خطف هتأثر عليه بالسلب باقي عمره.
هزت رأسها بأسى، أما فريال فكانت تستمع إليها متعجبة من تلك المعلومات الجديدة عليها، فقد كانت تعتقد أنها كانت متزوجة من رجل بسيط لا يمتلك أموالًا طائلة كالتي تحكي عنها لتسألها بفضول بعدما فشلت بالتحكم بحالها:
- هو طليقك غني للدرجة دي؟!
كالعادة تطوعت عزة بالإجابة وهي تتحدث بكثير من الثرثرة:
- ده أبوه عضو مجلس شعب كبير وعنده أملاك وأطيان ملهاش أول من آخر، والواد عمرو ده طول عمره دلوعة أمه اللي مش شايفة غيره قدامها، مغرقاه بالفلوس اللي ملهاش حصر.
لتسترسل وهي تشير بكفيها:
- هو فسد ووصل لحالته دي من قليل.
نطقت عصمت بهدوء:
- ربنا يبعد شره عنك ويحميكِ أنتِ ويوسف يا حبيبتي.
شكرتها واستندت بظهرها للخلف وهي تقول إلى عزة:
- شيلي الأكل من فضلك وهاتي لي الدوا يا عزة.
نظرت عصمت إلى الطعام لتنطق باستهجان:
- الأكل زي ما هو يا إيثار، لازم تاكلي علشان الأدوية.
- مش قادرة يا دكتورة.
قالتها وهي تنظر للطعام باشمئزاز لتكمل بإيضاح:
- معدتي وجعاني ومش قادرة آكل أي حاجة.
تعجبت وهي تنظر إلى فريال التي وضعت حبة من ثمار التفاح داخل صحن ومعها سكين صغير وتحركت إليها لتجلس على الحافة وبدأت بتقطيع الثمرة قائلة:
- كلي تفاحة خفيفة مش هتتعب لك معدتك.
تطلعت عصمت باستحسان لتصرفات ابنتها التي تنم عن أصلها الطيب وطمأنتها بأن تربيتها لم تذهب هباءً، وقفت لتنطق قاصدة عزة:
- نيمي يوسف جنب مامته يا عزة ونزلي الصينية للمطبخ، ونبهي عليهم يعملوا أي حاجة خفيفة لعشا إيثار.
ثم تطلعت على فريال لتتابع:
- أكلي مرات أخوكِ التفاحة وخليها تشرب كباية العصير كلها.
لتسترسل قاصدة إيثار:
- مينفعش تاخدي الأدوية من غير ما تكوني واكلة كويس.
نطقت كلماتها بتلقائية ولم يأتِ بخيالها كم التأثر والسعادة التي سكنت روح تلك العطشى للحنان من مجرد استماعها لكلمات والدة زوجها الراقية، لقد عاشت حياتها محرومة من الحنان الأسري، أدنى حقوقها الآدمية لم تحصل عليها وسط عائلتها المفككة التي أشرفت على تربيتهم أم تفتقر لقواعد الأمومة الأساسية، فقلبها لم يحمل ذرة واحدة من الحنان تجاه معدومة الحظ هذه، في الطبيعي تتنعم الفتاة داخل أحضان والدتها الحنون وتتدلل، أما هي فقد تجرعت على يديها كؤوس العذاب بألوانه المتنوعة، شعرت بروحها تهيم من شدة حبورها لتنطق بعينين ممتنتين جعلت من قلب عصمت يرق لها أكثر وأكثر:
- حاضر.
اقتربت عليها عصمت لتربت على كفها بحنان مع شمولها بابتسامة حنون لتقول قبل أن تنسحب:
- حمدالله على سلامتك يا حبيبتي.
انسحبَا كلًا من عصمت وعزة لتتركاها بصحبة فريال حيث تحدثت وهي تناولها الصحن بعدما قطعت الثمرة وقامت بتنظيفها:
- يلا كلي التفاحة.
بعينين شاكرتين تحدثت بامتنان:
- متشكرة يا فريال، متشكرة بجد.
تبسمت لتصمت لعدة ثوانٍ قبل أن تقول باستحياء:
- هو أنا لو قولت لك آسفة على سوء ظني فيكِ، هتقبلي؟
تنهدت بقوة وهي تشملها بابتسامة جذابة قبل أن تتحدث بصدق وصل لقلب الأخرى مباشرة:
- أنتِ أخت الراجل اللي شملني أنا وابني بحبه ورعايته، الراجل اللي وقف جنبي في الوقت اللي اتخلى عن حتى اللي من دمي.
لتتابع بتأثر ظهر بعينيها:
- علشان خاطر عيونه أتحمل أي حاجة، وأنتِ مش بس أخته، أنتِ أقرب حد لقلبه.
زفرت فريال ثم طالعتها لتهتف بصوت حماسي:
- بصراحة كنت فاكراكِ طمعانة في فلوس فؤاد.
قطبت إيثار جبينها لتنطق باستياء:
- فؤاد أنضف راجل أنا شفته في حياتي كلها.
لتتابع عاتبة:
- وميستاهلش منك أبدًا إنك تحصريه في دايرة الطمع في فلوسه، لأن الطمع الأكبر في رجولته وأخلاقه واحترامه لذاته وللغير.
تنهدت فريال براحة لتقف لجلب الأدوية لها.
*******
وصل فؤاد لمقر الشرطة، وجد نصر ونجلاه بانتظاره، جلس بمكتب الضابط وبعث الضابط لجلب عمرو الذي ولج مقيدًا بالأصفاد الحديدية بصحبة العسكري وما أن رآه نصر حتى اشتعل داخله، ود لو بيده الأمر لانقض عليه وقام بصفعه وركله كي يشفي غليله منه، فهو بغبائه جعل منه وجبة دسمة قدمت بكل سهولة لذاك الداهي أكلها ساخنة باستمتاع وتلذذ وكانت النتيجة تقديم الصغير على طبق من ذهب إلى ابنة غانم، رمقه فؤاد الجالس بكل فخر مستندًا بظهره للخلف واضعًا ساقًا فوق الأخرى، ليستشيط داخل ذاك الأرعن الذي هتف وهو ينظر إلى أبيه يشتكي كالأطفال:
- شوفت اللي عملوه فيا يا بابا؟
أشار نصر بحدة لينطق بصرامة وعينين تحملان بداخلهما نارًا مشتعلة:
- أنت تخرس خالص وتقعد زيك زي الكرسي ده، وتنفذ اللي هيتقال لك بالحرف الواحد.
اشتعل داخله بنار مستعرة سرت بجميع جسده لينظر إلى عدوه اللدود وجده يبتسم ساخرًا من تقليل والده لشأنه بتلك الطريقة المهينة، هتف طلعت بحدة وهو يشير لشقيقه:
- اقعد يا عمرو.
كاد أن يجلس ليهتف فؤاد بقوة موجهًا حديثه اللاذع للضابط:
- من إمتى المجرمين بيقعدوا ويتضايفوا يا حضرة الضابط؟
ابتلع الضابط لعابه لينطق سريعًا:
- خليك واقف يا متهم.
إنه لشعور مرير أصاب ذاك النصر المغرور، فهو دائمًا من يظلم ويفرض سيطرته على الآخرين ويسحق كرامتهم تحت حذائه والآن تبدلت الأدوار لتُهرس كرامته وكرامة نجله تحت حذاء ذاك الداهي، مال ببصره لعدم قدرته النظر بأعين أنجاله الثلاث لينطق بصوت ذليل:
- خلينا ندخل في الموضوع على طول يا باشا علشان منضيعش وقت سعادتك.
أشار فؤاد إلى رجل أتى بصحبته ليضع العقد فوق الطاولة الجالس أمامها نصر، رفعها وتحدث إلى عمرو بنبرة حادة:
- خد العقد ده إمضيه.
قطب جبينه قبل أن يسأل والده مستفسرًا:
- عقد إيه ده؟
تطوع فؤاد وهو يقول بتشفٍ ظهر بعينيه ومن خلال صوته الشامت:
- عقد تنازل منك عن حضانة يوسف لأمه.
صرخ بصوت معترض:
- نعم، ده بعينك أنت وهي، عاوزني أتنازل لكم عن ابني علشان تعيش متهني وبالك رايق أنت وبنت غانم.
دق الضابط فوق مكتبه بقوة ليصيح بصرامة موبخًا إياه:
- اخرس يلا وبطل دوشة وإلا هرجعك الحجز وأخلي الصيع يتسلوا عليك في السهرة.
جحظت عينيه ليسأل والده:
- أنت ساكت ليه يا بابا، أنت موافق إنهم ياخدوا ابني مني؟
- امضِ يا عمرو.
قالها نصر بصوت مختنق مجبرًا على التخلي عن حفيده الغالي ليتابع حديثه بإيضاح:
- ورقة التنازل قصاد خروجك من هنا.
خرج صوت فؤاد القوي ليكمل على حديث نصر:
- وقصاد كرسي البرلمان بتاع والدك اللي لو اتحكم عليك بمؤبد هيودعه للأبد.
هز عمرو رأسه لينطق بقهر:
- أنا لا يمكن أعمل كده، لا يمكن أتنازل عن ابني وأخلي بنت غانم تعيش مرتاحة ومتهنية معاك.
هتف نصر من بين أسنانه بغيظ بعدما فقد السيطرة على حاله من أفعال هذا الأرعن المصر على إسقاطه من رأس الهرم إلى أسفله بأفعاله الهوجاء:
- هتمضي ورجلك فوق رقبتك، الموضوع مبقاش بمزاجك، ده غصب عنك علشان تتنيل تطلع من المصيبة اللي ورطت نفسك فيها وورطنا معاك.
أمسك طلعت الورقة وبدأ بقرائتها مستمتعًا بما قرأ ليناولها لشقيقه وهو يحثه على التوقيع:
- امضِ يا عمرو خلينا نخلص قبل ما سيادة المستشار يرجع في كلامه، الخيبة اللي أنت عملتها متصورة صوت وصورة، يعني أنت لابس لابس.
تطلع لشقيقه بحيرة قبل أن يأخذ نفسًا ويهز رأسه بموافقة بعدما حسم أمره بالخروج من هذا المأزق، تحدث الضابط للعسكري:
- فك له يا ابني الكلبشات علشان يعرف يمضي.
أمسك العقد وبدأ بقرائته ليحترق داخله مع كل كلمة، بدأ يحرك عينيه على فحوى العقد.
"أقر وأنا بكامل الأهلية العقلية وبملء إرادتي ودون إكراه أو تدليس أو تغرير من أحد، بالتنازل عن حقي الكامل في حضانة طفلي "يوسف عمرو نصر طلعت" إلى والدته السيدة "إيثار غانم محمد الجوهري" بشكل نهائي لا رجعة فيه، إلى آخره..." ليشتعل داخله وهو يتطلع لذاك الجالس بكبرياء، أمسك القلم وقام بالتوقيع مجبرًا لينظر متوعدًا إلى فؤاد.
تنازل فؤاد أيضًا عن المحضر المقدم منه ليتحدث نصر بتملق:
- مرضي يا باشا.
رمقه فؤاد بنظرة تقليل قبل أن ينطق بتحذير صارم:
- ياريت تخلي بالك من تصرفات التافه ابنك وتخلي عينك عليه، المرة دي كان عنده الغالي اللي أساومه عليه.
ليتابع بنبرة شرسة وهو يرمق ذاك الحقير بنظرات لو خرجت لحولته إلى قطعة نار متوهجة:
- المرة الجاية أقسم بربي لو فكر مجرد تفكير يبص من بعيد على مراتي، ما فيه مخلوق هيعرف يخلصه من إيدي.
واستطرد بنار مستعرة لو خرجت لحولت المكان بأكمله لكتلة من التوهج:
- وأحمد ربنا إن يوسف كان طرف في الموضوع، وإلا كان زمانك واقف بتاخد عزا ابنك.
كان يستمع له وداخله مشتعل كاد أن يرد أوقفه نصر بنظراته المحذرة لينطق بصوت جاهد بقوة ليخرجه ثابتًا:
- أوعدك إنه هيبعد خالص عن طريق الهانم يا باشا.
أخذ فؤاد العقد وقام بطيه واحتفظ به داخل جيب حلته ليقول بحدة:
- ده لمصلحته ومصلحتك.
تحدث الضابط إلى العسكري:
- خد المتهم على الحجز يا عسكري.
جحظت أعين نصر وأولاده ليصرخ عمرو معترضًا:
- حجز إيه اللي هترجعني فيه؟!
تطلع نصر إلى فؤاد ليسأله بذهول واستغراب:
- يا باشا هو مش مضى على العقد خلاص.
رفع كتفيه لينطق بلامبالاة مصطنعة:
- أنا لحد هنا وخلصت مهمتي، الباقي بقى بتاع الشرطة.
حول نصر بصره إلى الضابط الذي تحدث بنبرة جادة متفق عليها مسبقًا مع فؤاد بناءً على اتفاق بين النائب العام مع قيادات من الشرطة:
- الأوامر اللي عندي إن المتهم مش هيخرج قبل أسبوع.
- ليه يا باشا؟
صاح بها نصر ليجيبه فؤاد ببرود كالثلج:
- تأديب يا سيادة النائب، مش بيقولوا السجن تأديب وتهذيب وإصلاح.
ليسترسل متهكمًا:
- وبصراحة كده، ابنك ناقصه تأديب وتربية.
نطق كلماته وانطلق بقوة للخارج دون أن يعير أحدًا أدنى اهتمام تاركًا خلفه قلوبًا تحترق نارًا من شدة غلها وحقدها عليه.
__________________________
داخل قسم الشرطة، بعد خروج فؤاد ومغادرته للقسم وقف عمرو يتطلع إلى أبيه بعينين متوسلة بألا يتركه بهذا المكان المستوحش، فأكثر ما يفقده اتزانه ويشعره بالجنون هو وجوده بين جدران تلك الحجرة الملعونة المسماة بحجرة الحجز وهؤلاء المجرمون المتواجدون بداخلها، نطق بصوت عالٍ متذمر كعادته:
- اتصرف يا بابا بأي طريقة وخرجني من هنا.
واستطرد بصراخ يوحي لمدى فقدانه للسيطرة على حاله:
- أنا مش هقعد هنا يوم واحد، مش ابن الـ... خد اللي هو عاوزه، خرجوني بقى.
صاح ضابط الشرطة بصوت مرعب هادرًا بصرامة:
- احترم نفسك يا بني آدم ومتنساش إن اللي بتتكلم عنه ده يبقى رئيس نيابة.
واسترسل مهددًا:
- ولا تحب أعمل لك محضر سب وقذف يضاف لبلاويك؟
ارتعب نصر من تحول ملامح ضابط الشرطة فبادر سريعًا بالحديث ليهم قائلًا:
- حقك عليا يا باشا، هو مايقصدش، ده بيتكلم بس من غلبه وصدمته من اللي حصل.
قاطعه الرجل لائمًا بحدة:
- الأستاذ ناسي إنه في قسم شرطة يا سيادة النائب وبيشتم على رئيس نيابة؟
- أنا بتأسف لك بالنيابة عنه.
نطقها مجبرًا مرغمًا ليتابع مترجيًا:
- وبعد إذنك يا باشا ياريت تسيبنا مع عمرو خمس دقايق بس، هنتكلم معاه كلمتين وهنمشي طوالي.
تنفس مطولًا ليتطلع عليهم قبل أن ينسحب هو والعسكري وقبل أن ينطق عمرو باعتراض هتف نصر بحدة وهو يشير بسبابته في وجه ذاك الحانق:
- قولتها لك قبل كده وهفضل أقولها، نهاية كل اللي عملته في حياتي هتبقى على إيديك.
- اهدى يا حاج وبراحة عليه، كفاية اللي هو فيه.
قالها حسين متأثرًا وهو ينظر بأسى لعينين شقيقه المنتفخة والدماء الجافة السائلة من جانب فمه، ناهيك عن تلك الكدمات المنتشرة بجميع وجهه نتيجة تعرضه للضرب المبرح على يد فؤاد، ليسترسل بنبرة حزينة:
- مش شايف شكله عامل إزاي.
هتف من بين أسنانه بطريقة عنيفة أظهرت كم غيظه:
- محدش يقولي اهدى، أنا عمر ما حد قلل من احترامه معايا قبل كده، كنت بدوس على أجدعها شنب بجزمتي ولا حد يقدر يتنفس معايا.
تهدلت أكتافه للأسفل لينطق بحسرة تكونت بصدره:
- مشفتش التهزيق وقلة القيمة غير على إيديه.
كل شوية يجي لي بمصيبة أنقح من اللي قبلها، وأنا أجري وأتوسل لده ولده علشان أطلعه منها، وآخرتها رايح يخطف لي مرات رئيس نيابة، وأدي النتيجة.
قال الأخيرة بإشارة من كفيه ليتابع بغصة مرة وقفت بحلقه وكادت أن تودي بروحه وهو يدق بقبضته فوق صدره بقوة:
- بسببه اتنازلت النهاردة عن حتة من قلبي، يوسف اللي كنت بستنى رجوعه لحضني بفارغ الصبر علشان أعلمه وأكبره على إيديا ويبقى امتداد لنصر البنهاوي، قدمته بكل ذل لبنت غانم.
رمقه طلعت بحدة وقلب شامت، فطالما رفع ذاك الصغير على الجميع وبالغ بتدليله هو ووالدتهم ومن شدة عشقهما له لم يري غيره من صغار المنزل حتى خلقا الضغينة بين الأشقاء بعضهم البعض، فبات هو يبغض عمرو وصغيره ولو بيده الأمر لتخلص من كلاهما نهائيًا، لكن جبروت والديه هو من منعه فقط لا غير، أما عمرو فنطق بسخط يرجع لعدم تقبله المكوث بذاك المكان البغيض:
- اللي حصل حصل خلاص، المهم الوقت تخرجني من هنا، ويوسف أنا هعرف إزاي أرجعهولك تاني، وبالتهديد والحيلة زي ما الـ...
عمل بالضبط.
أشار نصر بكفيه لينطق بحدة وهو يتبادل النظر بين نجليه وقد أوشك للإصابة بذبحة صدرية على يد نجله الأرعن:
- اسمعوا وشوفوا الخيبة القوية اللي أنا فيها، الباشا مش مكفيه المصيبة اللي حطها فوق دماغنا ولسه مخرجناش منها وبيدبر للي بعدها.
هتف طلعت بكلمات أراد بها صب المزيد من الوقود فوق نار نصر المشتعلة ليزيد من توهجها:
- ما تبطل غباء يلا، وتفوق لنفسك كده واتظبط، يظهر إن عيارك فلت من كتر ما بنسكت لك ونعدي البلاوي اللي كل يوم والتاني تعملها، وكل ده بسبب دلع ستهم فيك، الله يسامحها خلقت منك عيل تافه عديم الكرامة والمسؤولية، واحدة ورفضاك يا جدع، داير وراها وذالل نفسك وذاللنا معاك ليه؟
واستطرد ليشعل النار أكثر بعدما رأى تجهم ملامح نصر باتجاه شقيقه:
- طب أبوك ذنبه إيه في قلة كرامتك دي؟ تمرمطه معاك وتخلي واحد زي المستشار يقل بيه قدامنا وقدام الظابط ليه؟!
احتدم نصر غيظًا ليهتف بنبرة حادة قبل أن يفقد توازنه وينقض عليه ليوسعه ضربًا:
- تترمى مكانك وتبطل نواح النسوان بتاعك لحد ما أشوف لك حد يطلعك من المصيبة دي.
ليستطرد موبخًا إياه بتوعد:
- وحسابي معاك بعدين، وحياة أمك ماهفوتها لك المرة دي يا عمرو.
بعد قليل، ولج إلى حجرة الحجز ليدفعه العسكري بقوة كادت أن توقعه ليستند على الحائط بتخبط، في الزاوية يقف رجل قصير القامة أشار بعينيه للجميع ليفهموا أن تعيس الحظ هذا هو من تم التوصية عليه من قِبل الضابط، فهز رجل رأسه بإيجاب قبل أن يهتف ساخرًا منه:
- اسم الله عليك يا صغنن، مش تحاسب لتتكعبل.
قهقه السجناء بقوة ليتابع أحدهم متهكمًا:
- هاتوا لسيد أمه طاسة الخضة يا رجالة.
تطلع عليهم ففهم المغزى من تهكماتهم، فضل الصمت وانسحب ليختلي بحاله جانبًا، بالكاد لمس جسده الأرض ليقبل عليه شخص بجسد عملاق ويبدو على وجهه الإجرام ليركله بإحدى ساقيه وهو يزمجر بصوت غليظ مخيف:
- ده مكاني يا حيلتها، شوف لك غيره.
انتقل للجوار ليتحرك نفس الرجل معه ليكرر جملته:
- وده كمان تبعي.
- والمطلوب؟! قالها عمرو باستسلام ليشير الرجل بعينيه لمكان بآخر الحجز يوجد به وعاء يقضون المحتجزون به حاجتهم الإنسانية ليشمئز وهو ينطق باستهجان:
- نعم، عاوزني أنا، عمرو ابن سيادة النائب نصر البنهاوي أنام جنب جردل الـ
صمت لبرهة ليكمل بازدراء:
- القرف ده؟!
نطق الرجل ببرود وملامح وجه مبهمة:
- هو كده بالضبط، ولو ما قومتش بالذوق هخلي صبياني يودوك غصب عنك، بس ساعتها مش هتجاور الجردل بس، ده هيبقى عشاك النهاردة.
كاد أن يتقيأ ما بمعدته بمجرد تلفظ الرجل بتلك الكلمات البذيئة ليهب واقفًا وبصمت مخزي تحرك ليجلس بالمكان الذي خصصه له لينظر الرجال بعضهم إلى بعض ويبتسمون لينتقلون للفقرة التالية من الحفلة.
********
داخل السيارة الخاصة بنصر ونجلاه، استقل مقعده المجاور لطلعت ليمسك هاتفه ويضغط زر الاتصال بالشخص السادس على التوالي متأملًا أن يقدم له المساعدة ولا يتخلى عنه كـالخمس الذين سبقوه، هتف بنبرة متحمسة:
- شوقي باشا، إزي جناب معاليك؟
الطرف الآخر:
- أهلًا يا نصر، عاش من سمع صوتك.
قص عليه نصر ما حدث وطلب منه المساعدة لإخراج نجله من الحجز بما للرجل من سلطة لينطق الرجل بعقل متزن:
- للأسف يا نصر، لا أنا ولا غيري هنعرف نخدمك في الموضوع ده.
واسترسل بإبانة:
- أنت واقع مع حوت كبير من حيتان القضاء، علام زين الدين راجل ليه وزنه وثقله في البلد وبكلمة منه يشيل ناس من مناصبها، وابنه خليفته، برغم صغر سنه إلا إن ملفه مليان بالإنجازات اللي تُحسب له.
ليتابع لائمًا باستهجان:
- إنتوا إيه بس اللي وقعكم مع الناس دي؟!
تنهد بثقل لينطق باستسلام مخزي:
- نصيبنا يا باشا.
تحدث الرجل بنصح صادق:
- أنا من رأيي ما تحاولش تتحداهم وتخرج ابنك قبل الأسبوع ما يعدي، طاطي للريح علشان تعدي يا نصر، بلاش تستفزهم علشان هيحطوك في دماغهم أكثر، وبدل ما ابنك يخرج بعد أسبوع زي ما هما قرروا مدة عقابه، تلاقيه لابس في قضية تقعده جوه السجن سنين.
ليسترسل بجدية:
- الناس دي ما بتهزرش يا نصر، علام زين الدين مش مجرد عضو بارز في المحكمة الدستورية وبس، ده يمتلك أصول وشركات هو وعيلته مقومة جزء كبير من اقتصاد البلد، وده اللي معزز مكانته.
أغلق الهاتف ليستند للخلف مغمضًا عينيه باستسلام بعدما اقتنع بحديث ذلك المسؤول، سأله حسين متأثرًا لأجل شقيقه:
- هتسيبه خلاص يا حاج؟
زفر بألم يعتصر قلبه، لم يكن الأمر بالهين عليه بأن يترك فلذة كبده حبيسًا بين أربع حوائط وسط مجموعة من الخارجين عن القانون، نعم غاضب منه وبقوة بسبب تصرفاته الرعناء لكنه يظل الأقرب لقلبه، نطق بصوت أظهر ضعفه وقلة حيلته:
- وأنا في إيدي إيه أعمله وما عملتوش يا ابني؟ ما على إيدك أنت وأخوك، كلمت واتذللت لـ طوب الأرض، الكل خايف يقرب لـ تصيبه لعنة علام زين الدين.
صمت حسين والحزن خيم على قلبه وهو يتطلع إلى والده ويراه للمرة الأولى مهزومًا حزينًا، الحزن تملك منهما عدا ذاك الشامت حيث ابتسم بجانب فمه ليتطلع على هذا الجبل الشامخ وهو ينهار.
*********
كان يقود سيارته بقلب مستكين إلى حد ما، فقد وفى اليوم بوعده الذي قطعه لحبيبته، وها هو الآن يعود إليها بورقة الحصان الرابح، فابتدأً من اليوم لن يستطيع مخلوق على وجه الأرض إزعاجها بشأن الاحتفاظ بصغيرها الغالي، لذا ستسير حياتهما بهدوء من اليوم وطالع، التفت حوله بتمعن قبل أن يصف سيارته جانبًا أمام أحد المتاجر المتخصصة ببيع ألعاب الأطفال بعد أن قرر أن يبتاع بعض الألعاب لإدخال السرور على قلب الصغير، فقد أخذ عهدًا على حاله أن يعامله معاملة حسنة ويتخذ منه ولدًا عوضًا عن أبيه ذاك الأمعة الذي لا يفكر سوى بحاله وفقط، إلى الآن لم يستوعب كيف لقلب أب أن يعرض صغيره لحالة من الرعب نتيجة خطته الفاشلة للخطف، ابتاع مجموعة من الألعاب للصغير ونجلي شقيقته وتحرك بطريقه للمنزل بعدما جلب بطريقه أحد أروع باقات الزهور وعُلبة من أفخر أنواع الشوكولاتة ليهديهما لحبيبته بتلك المناسبة السعيدة، وأيضًا جلب كعكة شوكولاتة كبيرة للاحتفال مع العائلة بضم الصغير لوالدته بشكل نهائي، صعد للأعلى وبيده صناديق الألعاب الخاصة بالصغير وعلبة الشوكولاتة وباقة الورد بعدما أهدى أنجال شقيقته هداياهما.
حمل جميع الأغراض ورفض على الإطلاق مساعدة العاملات اللواتي عرضن عليه حملهن، لكنه أبى، ولج بهدوء ليجد الظلام الدامس يجتاح الجناح، تحرك ببصيرته ليضع الأشياء برفق فوق المنضدة ثم ذهب إلى زر الإضاءة الخافتة وأشعله ليرى خليلة الروح تغط في سبات عميق حاضنة ملاكها الصغير حيث غفى بجوارها ولم يفق للآن لذا تركهما الجميع لعدم إزعاجهما، ابتسم وانشرح قلبه وهو يراهما، لقد كان مظهرهما رائعًا، للحظة تخيل حاله الوالد الحقيقي لذاك الملاك فانتابته قشعريرة لذيذة سرت بجميع جسده، أخرج من جيبه عقد التنازل ليضعه بدرج الكومود ثم تحرك سريعًا إلى الحمام ليبدل ثيابه ببيجامة خفيفة وبعد قليل كان يتمدد خلفها ليضم خصرها بذراعه ويدفن رأسها من الخلف بين ثنايا عنقه، قرب أنفه من شعرها ليستنشق عبيره باستمتاع، شعرت به لتهمس وهي تستدير بخفة لتتطلع على رجلها وفارسها المغوار:
- جيت إمتى يا حبيبي؟
- لسه داخل حالًا... همس بها لكي لا يزعج الصغير فهمست من جديد وهي تحاول النهوض خشية إزعاجه من وجود ملاكها:
- هتصل بعزة تيجي تنقل يوسف لأوضته.
جذبها برفق يعيدها لأحضانه من جديد قبل أن يهمس بجانب أذنها:
- سيبي الولد علشان ما تزعجهوش.
واسترسل بإبانة:
- الساعة سبعة المغرب وكلها ساعة وهنصحى كلنا علشان نتعشى.
لم يكن هذا روتين يومهم الطبيعي لكن اليوم مختلف، فقد هزل جسدها واستسلم للنوم لما تعرضت له من خلال تلك التجربة البشعة، وهو أيضًا فقد خارت قوته وهزل جسده لما حدث، بجانب عدم استطاعته النوم ليلة أمس لترقبه وانشغاله بما سيحدث، أما الصغير فقد استسلم للنوم بهناء بعد أن شعر بحنان والدته ودفء حضنها، همست تسأله بعدم وعي كامل يرجع للمخدر الموجود بالدواء لتسكين الألم:
- عملت إيه مع نصر؟
- كل حاجة تمت بفضل ربنا وتوفيقه، زي ما رتبت لها بالضبط... قالها بهدوء ليتابع بابتسامة حنون:
- عقد التنازل في درج الكومود اللي جنبك، لما تقومي شيليه في خزنة مجوهراتك.
برغم عدم وعيها بشكل كامل إلا أن سعادتها تخطت عنان السماء وهمست وهي تحتضن كفه برعاية:
- ربنا يخليك لي وميحرمنيش منك يا فؤاد.
رفعت كفه إلى فمها لتطبع عليه قبلة بثت له من خلالها كم العشق الذي تحمله داخل قلبها المغروم لينطق هو بمشاكسة:
- حبيبة حبيبها تؤمر، والتنفيذ عليه.
ابتسمت بخفوت لتسحبها الغفوة بداخلها من جديد، تبسم وشدد من احتضانه لها ليلحق بها سريعًا وينجرف داخل سبات عميق.
********
داخل منزل نصر البنهاوي، وصل بصحبة نجليه ليجد زوجته بانتظاره وعلى وجهها غضب عارم فتيقن أن ليلته لن تمر بسلام، هتفت سريعًا عند رؤياهم دون مدللها:
- فين عمرو؟ مجاش معاكم ليه؟!
لم يعر لسؤالها اهتمام وتابع المضي بطريقه ليرتمي بإهمال فوق أول مقعد قابله بطريقه لتعيد عليه سؤالها ولكن بطريقة أعنف تلك المرة:
- إنتوا ما بتردوش علي ليه؟!
وتبادلت النظرات بين نجليها المطأطأين لرأسيهما لتصيح هادرة بحدة:
- ما تنطق منك ليه؟!
هتف طلعت وكأنه يريد التشفي برد فعلها الأول على خبر احتجاز صغيرها المدلل:
- عمرو خد حبس أسبوع يا ستهم.
جحظت عينيها بقوة ليتابع بما أكمل على ما تبقى من صبرها:
- واتنازل لإيثار عن حضانة يوسف بعقد موثق قصاد خروجه من قضية خطفها.
لم تدر بحالها، فقد اشتعلت النار بجسدها لتصرخ موبخة إياه وهي تنظر إليه بكراهية بالغة:
- أنت بتخرف وبتقول إيه يا بغل أنت؟!
يوسف مين اللي نتنازل عنه؟
صمت تام عم على المكان بأكمله لتحول بصرها إلى ذاك الجالس باستسلام وتسأله بهدوء ما قبل العاصفة:
- الكلام اللي طلعت بيقوله ده حصل يا نصر؟
أخذ نفسًا عميقًا وظل صامتًا لتصرخ بصوت هز أركان المكان ودب الرعب بقلوب جميع ساكني المنزل:
- ما ترد علي، ولا مش لاقي كلام تقوله لي يا خايب الرجا؟
- إجلال... قالها بصياح وعينين مشتعلتين ليتابع بحدة أرعبت الجميع:
- احترمي نفسك وأنت بتتكلمي معي.
صرخت بعزم صوتها توبخه وهي ترمقه باشمئزاز وتقليل من شأنه:
- مش لما تكون محترم ومالي مكانك أبقى أحترمك.
ضيعت الواد اللي حيلتنا وسلمته لبنت غانم بضعفك وخيبتك؟!
دارت حول نفسها بجنون لتسترسل باستعلاء وعدم استيعاب لما حدث:
- خليت بنت غانم الجعان تنتصر على ستهم اللي رجالة بشنبات بتقف لي تعظيم سلام لما بمشي بعربيتي في البلد.
هب واقفًا ليهتف باعتراض على تحميلها لجميع أخطاء نجلها الأرعن:
- الحيوان ابنك هو السبب في كل ده، لولا تصرفاته الغبية ما كناش وصلنا لكده.
صرخت وهي تلقي باللوم عليه:
- مهو لو لقاك فالح وبتتحرك صح في الموضوع ما كانش اتصرف من وراء ظهرك وحاول يرجع ابنه بطريقته.
- أنت لسه بتدافعي عنه بعد كل المصايب اللي وقعنا فيها... نطقها باستغراب لتصيح بعلو صوتها:
- كل المصايب اللي إحنا فيها بسببك يا سيادة النايب.
جحظت عينيه ليلقي عليها اللوم كاملًا:
- قصدك بسبب دلعك الماسخ لـ دلوع عين أمه لحد ما حولتيه لواحد تافه.
- لا يا سيادة النايب، اللي إحنا فيه كله بسبب فشلك وضعفك... قالتها بحدة لتتابع وهي ترمقه بنظرات تقليلية:
- أنا لما اخترتك علشان تبقى نايب عن الدائرة وكلمت إخواتي وولاد عمي علشان يقفوا معاك ويخلوا كل قرايبنا ومعارفنا يدواك أصواتهم، عملت كده علشان تحمي مالنا وتكبره وتحمي لي عيالي.
بس أنت فاشل يا نصر، لا عرفت تعمل علاقات مع ناس كبيرة تنفعك لما نقع في مصيبة، ولا أنت اللي حميت عيالي، وفي الآخر خليت بغبائك حتة عيلة زي بنت نصر تنتصر على ستهم.
لتسترسل بهسيس خرج من بين أسنانها ليعبر عن نارها المستعرة:
- لو كنت سمعت كلامي من الأول وجبتها من بيت أبوها بعد ما حاولت تنتحر، كان زمانها مرمية تحت رجلي بتخدمني زي أقل خدامة.
اشتعلت عيونه بشرارات الغضب ليهتف بحدة هادرًا باعتراض بعدما فاض به الكيل:
- كفاية بقى، أنت كل ما تتزنقي تعايريني بإخواتك وعيلتك اللي دعموني.
ليتابع رافعًا رأسه للأعلى بكبرياء أراد به حفظ ماء الوجه أمام نجليه الواقفان يتابعان ما يجرى بصمت مخزي، فمن سيتجرأ ويتدخل ليطاله غضب تلك المرأة الجبروت، فالجميع يهابها ويخشى غضبها المدمر:
- لعلمك، أنا بعد ما بقيت نايب الدائرة بقيت أعلى من الكل، وبقيت أكبر من أهلك وعيلتك كلهم.
- طول عمرك وأنت ناكر للجميل وقلة الأصل مش جديدة عليك،... قالتها لتتابع وهي تذكره بماضيه وفقره:
- لولا أبويا الحاج ناصف كان زمانك حتة موظف كحيان في الحكومة وبتقبض ملاليم بالعافية تأكلك عيش حاف، أبويا اللي عمل منك بني آدم ودخلك لعبة الآثار، وقف جنبك لحد ما بقيت من أكبر تجار الآثار في كفر الشيخ كلها.
لتسترسل وهي ترمقه مشمئزة:
- وأدي آخرتها، بتنكر فضل أبويا وعيلتي عليك.
ظل يتبادلان الاتهامات وذكر صفات كل منهما القبيحة وينعتان بعضيهما البعض بأقذر وأبشع الاتهامات على مرأى ومسمع من نجليهما وأهل المنزل الذين يتنصتون لتلك الحرب الكلامية الشرسة.
*******
بعد ساعتين، فاق الصغير تبعه الزوجان السعيدان ليستند فؤاد بظهره للخلف فوق التخت بعدما أشعل الضوء بجهاز التحكم عن بعد، تطلع بألم استوطن قلبه حين رأى الكدمات قد ظهرت أكثر على وجه خليلة الروح، جلب الصغير وثبته فوق ساقيه وبدأ بدغدغته تحت قهقهاته وسعادة إيثار التي لا يضاهيها سعادة بعدما استكانت روحها واطمأنت على مستقبل صغيرها الغالي، أشارت بسبابتها لتسأله باستفسار مدلل بعدما لمحت باقة الزهور وعلبة الشوكولاتة:
- مين جايب الورد والشوكولا دول؟
- حبيبك... قالها بغمزة من عينيه جعلت روحها تحوم كفراشة ليتابع قاصدًا الصغير:
- وفيه كمان ألعاب حلوة قوي موجودة على الأرض علشان جو باشا.
اتسعت عيني الصغير بسعادة ليسأله مستفسرًا وهو يشير بسبابته قاصدًا حاله:
- علشاني أنا؟!
أومأ له بالإيجاب ليقول بصوت حماسي:
- يلا قوم علشان نفتحهم مع بعض.
رفعه في الهواء تحت انطلاق ضحكاته لينزلا من التخت على الأرض ليفترشاها وهما يفتحان صناديق الألعاب بحماس، صرخ الصغير بسعادة وهو يرى لعبة البلاي ستيشن 5، أحدث نسخة نزلت إلى الأسواق وكان الصغير قد استمع عنها من أصدقائه بالمدرسة وتمنى رؤياها واللعب بها:
- دي النسخة الجديدة من البلاي ستيشن.
التفت إليه ليسأله بعينين متمنيتين:
- دي بتاعتي؟!
- آه يا حبيبي بتاعتك... هكذا أجابه بهدوء لينطق الصغير بعينين مترجية:
- عمو، أقدر ألعب بيه وقت ما أحب؟!
تعجب فؤاد سؤال الصبي ونظراته المترجية ليجيبه على الفور:
- طبعًا يا حبيبي، كل الألعاب بتاعتك وقت ما تحب تلعب بيهم العب.
صفق الصغير بسعادة هائلة تحت صرخات قلب إيثار المتألمة من تأذي نفسية صغيرها وتأثره بنظام التشويق وقانون الإخضاع النفسي الذين اتبعوه وقاموا بممارسته عدماء الشرف على ذاك الملاك كي يجعلوه يضغط على والدته لعودتها مرغمة لأبيه ليحصل على كل ما يريد من ألعابه المحببة والعيش داخل حياة الترف الذي يتمناها صغير مثله، مع كل لعبة يقوم فؤاد بفتحها يصيح الصغير مصفقًا بسعادة تدخل على قلب فؤاد تنعشه.
تركه يلهو بألعابه وتحرك ليجاور حبيبته فوق التخت، وضعت كفها تتلمس به ذقنه لتنطق بحنان فائض:
- أنا بحبك قوي.
- وأنا بعشقك... قالها ليلتفت جانبًا ويجذب أنبوب المرهم الخاص بتخفيف آثار الكدمات ليقوم بفتحه والضغط عليه لسكب البعض منه على أصابعه ليعتدل قبالتها وهو يقول:
- تعالي يا بابا أحط لك الكريم.
لم تعد الدنيا تسع سعادتها، ماذا ستحتاج أكثر من زوج حنون يخاف الله ويرعاها هي وصغيرها، بدأ بتدليك المرهم برفق لينطق ساخرًا على حاله:
- الكدمات شكلها صعب، كده الليلة انضربت.
ابتسمت ليتابع متهكمًا:
- قال وأنا اللي جايب ورد وشوكولاتة وطول الطريق بفكر في الغنوة اللي هترقصي لي عليها بالخلخال وبدلة الرقص البينك اللي لسه ما جربناهاش.
قهقهت بصوت مرتفع ليسترسل وهو يرمقها بنظرات مغتاظة:
- بتضحكي، ماشي يا إيثار.
نطقت بنظرات تشع حنانًا:
- أيامنا الحلوة لسه هتبدأ يا حبيبي، وعد علي لأخليك أسعد راجل في الدنيا كلها.
- أعتبر ده وعد؟... قالها بابتسامة لتهز رأسها بتأكيد وهو يتابع وضع الدهان ليسترسل بإبانة:
- لكِ عندي مفاجأة حلوة.
هتفت بعينين تقطران سعادة:
- أكثر من كده مفاجآت؟
تنفس بهدوء قبل أن يخبرها:
- أخذت إجازة أسبوع بحاله، جهزي نفسك بعد بكرة، هنسافر جزر المالديف وهعيشك أحلى Honeymoon في الدنيا كلها، أحلى دلع لحبيبة حبيبها الغالية.
كادت أن تبكي من شدة سعادتها ليقطع تواصلهما هاتف الغرفة ليجيب وبعدما أغلق الهاتف قال لها:
- يلا يا حبيبي ننزل علشان نتعشى ونقعد شوية في الجنينة.
أومأت له بسعادة ليساعدها على تغيير ثيابها ويصطحبها هي والصغير إلى الأسفل لتجد الجميع بانتظارها، شملوها باهتمامهم البالغ لتشعر ولأول مرة أنها تمتلك عائلة بكل ما تحمله الكلمة من معنى شامل.
رواية انا لها شمس الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم روز امين
داخل منزل غانم الجوهري عصرًا
أصبحت أجواء المنزل يعمها الهدوء بعدما التزمت تلك الحقودة مسكنها بالأعلى، وما عادت ترى الدرج سوى لخروجها للشارع بعد تنبيه إيثار لشقيقها الكبير. أصبحت حالة منيرة النفسية أفضل بعدما اجتازت فترة تعرضها لأعنف صدمة بحياتها، وهي ترى نجلها البكري الذي طالما ساندته ورفعت من شأنه على حساب الجميع، هو أول من دهس على كرامتها وأذاقها كأس الذل على يد عديمة الأصل زوجته. كانت تجلس ببهو المنزل بصحبة نجلها وجدي وزوجته نوارة وأطفالهما، يحتسون مشروب الشاي الساخن وسط أجواء عائلية هادئة.
خرج أيهم من غرفته يحمل بيده حقيبة ملابس كبيرة، مرتديًا ثيابًا فخمة قد ابتاعها خصيصًا وأخرى من ماله الخاص استعدادًا لمباشرة عمله الجديد بشركة "الزين الكبرى" ابتداءً من صباح الغد. نظرت له منيرة بسعادة لتهتف بنبرة يشوبها التأثر:
- خلاص ماشي يا أيهم؟
- أه يا ماما.
قالها بهدوء لتتابع بحنو تحمله بقلبها لنجلها الصغير الذي علمت مؤخرًا مقدار غلاوتها داخل قلبه، حيث أنه الوحيد الذي دعمها بالمال بعد أن حرمها عزيز من اقتناء المال القليل الذي كانت تحصل عليه نتيجة بيع محاصيل الأرض، فعوضها أيهم من ماله الخاص براتبه، وأيضًا وقف بوجه ظلم عزيز لها:
- طب خليك لما تتعشى وبعدين سافر.
تحدث وجدي بهدوء:
- خليه يمشي في النور أحسن قبل ما الدنيا تضلم عليه وهو في الطريق.
هتفت نوارة وهي تسكب مقدارًا من الشاي داخل كوب زجاجي:
- تعالى اشرب الشاي قبل ما يبرد يا أيهم.
أقبل عليها وتناول منها الكوب لينطق شاكرًا تلك الخلوقة التي ظهرت أصالة معدنها في محنتهم الأخيرة، حيث اعتنت بوالدته كثيرًا وساندتها نفسيًا وتحملت تقلباتها المزاجية الناتجة عما مرت به:
- تسلم إيدك يا أم خالد.
ابتسمت ببشاشة وجه ليجلس بهدوء بجوار والدته ويرفع الكوب يرتشف منه المشروب. نظر إلى والدته ونطق بنبرة سعيدة:
- إيثار اتصلت بيا وأنا بلبس جوه، كانت بتشوفني اتحركت ولا لسه.
صمتت منيرة فهي في الفترة الأخيرة تغيرت نظرتها لابنتها الوحيدة، وتلاشى غضبها الحاد التي كانت تصبه عليها وتحملها جميع مصائبها، وكأنها خلف كل إخفاق بحياتها وحياة أبنائها الذكور. وما زاد من استكانتها هي فرصة العمل الهائلة وراتبها المرتفع التي قدمها زوجها لصغيرها أيهم.
تابع الشاب بنبرة تحمل الكثير من الامتنان الممتزج بالحنان:
- إيثار بعتت لي عزة نضفت الشقة وملت لي التلاجة خزين وفاكهة وطبخت لي كام طبخة وحطتهم في التلاجة علشان يكفوني كام يوم لقدام.
وكأن أحدهم رشق خنجرًا بصدر وجدي الذي أحس بألم يخنقه وخزي لم يسبق وشعر به لينطق بنبرة خافتة ناتجة عن خجله:
- إيثار الوحيدة فينا اللي أثبتت إنها بنت غانم الأنصاري، طلعت أصيلة وتربية أبوها بجد.
بادرت نوارة بحديث يحمل عرفانًا لشقيقة زوجها الخلوقة التي لم ترَ منها سوى كل الخير:
- طول عمرها حنينة واللي في إيدها مش ليها، علشان كده ربنا كرمها ورزقها براجل محترم.
واسترسلت بحبور ظهر بصوتها المبهج وعينيها اللامعتين:
- راجل ظفر صباعه الصغير بعمرو وعيلته كلها.
قاطعها أيهم حيث قال بنبرة حماسية متذكرًا:
- بمناسبة نصر وابنه، فيه خبر مش هتصدقوه إيثار بلغتني بيه من شوية.
تمعن ثلاثتهم بالنظر إليه ينتظرون تكملة حديثه الذي أثار فضولهم ليتابع هو بسعادة لأجل راحة قلب شقيقته الأبدية بشأن صغيرها:
- عمرو مضى على تنازل لإيثار بحضانة يوسف.
ضيقت منيرة بين حاجبيها بعدم استيعاب للأمر لتسأله متلهفة:
- عمرو ابن الحاج نصر؟!
أجابها مؤكدًا:
- هيكون مين غيره يا ماما.
سأله وجدي متعجبًا:
- إزاي يعني، أنت عايز تفهمني إن عمرو هيتنازل بالسهولة دي عن ابنه؟!
ليستطرد بعدم اقتناع:
- ده لو عملها بجد الحاج نصر هيطين عيشته.
ابتسامة جانبية ارتسمت على ثغره لينطق بشماتة ظهرت بحديثه:
- طب إيه رأيك بقى إن نصر بذات نفسه هو اللي خلى عمرو يمضي على التنازل.
تعجبت منيرة التي لم تستوعب الخبر ولم تصدقه لتنطق مستفسرة:
- والله لو حلفتولي حتى ما أصدق أبدًا إن الحاج نصر يعمل كده، ده روحه في يوسف هو وستهم.
أجابها الشاب بعقلانية:
- وهي إيثار هتكذب يعني يا ماما، هي قالت لي إن سيادة المستشار ضغط عليهم ونصر خلى عمرو يتنازل بعقد موثق.
طرح عليه وجدي سؤالًا منطقيًا:
- ضغط عليه إزاي يعني؟!
رفع كتفيه ومط شفتيه للأمام قبل أن ينطق بلا مبالاة:
- إيثار ما قالتش تفاصيل، ومش مهم إيه اللي حصل المهم النتيجة.
أومأ له الجميع وتابعوا ارتشاف مشروبهم، ليتحدث وجدي على استحياء:
- بقول لك إيه يا أيهم، طالما علاقتك اتحسنت بإيثار ما تكلمها عن القيراط اللي الحاج حسان عاوز يشتريه، الراجل هيدفع فيه نص مليون جنيه وكل شوية يكلمني من ساعة ما الحكومة بدأت حفر الطريق.
واسترسل متابعًا بإبانة:
- عاوز يبني بنزينة على الطريق الجديد قبل ما حد يسبقه، خلينا ناخد الفلوس ونوسع على نفسنا وعلى عيالنا شوية.
نطقت منيرة بسوء نية بنجلتها:
- ريحوا نفسكم، مش هتوافق، طول عمرها عنيدة وماشية ضد المصلحة.
جحظت عينين نوارة لتصيح بذهول من تفكير تلك الجاحدة:
- لا إله إلا الله، بقى بعد اللي عملته ده كله ولسه بتقولي إنها ضد المصلحة يا ماما؟! طب والله حرام اللي بتعمليه معاها ده.
أشاحت بكفها متجنبة ثناء زوجة نجلها على تلك التي لم تنل نصيبًا من قلب تلك القاسية لينطق أيهم معترضًا:
- واحدة غير إيثار ما كانتش عبرتنا بعد اللي حصل لها على إيدينا آخر مرة، بس هي علشان حنينة وقفت في وش عزيز ورفضت ذلنا على يديه، وحكمت عليه بالنفي في شقته هو والحرباية مراته، ده غير الشغل اللي جوزها وفرهولي وبمرتب عشر أضعاف مرتبي الحكومي.
ليضيف على حديثه وجدي باستحسان:
- وشقتها وعربيتها اللي اديتهم لك تستعملهم من غير ما تدفعك مليم إيجار، طب والله طلعت بنت بمية راجل.
نطقت نوارة بتفاخر:
- طول عمرها وهي بمية راجل، من يوم ما أخذت ابنها ومشيت بيه على مصر واشتغلت وشقيت عليه لحد النهاردة.
تنهدت منيرة باستسلام، قلبها بات مذبذبًا باتجاه صغيرتها. نعم لم تعد تحمل ضغينة بقلبها باتجاهها كما من قبل، ولكنها لم تشعر بالصفاء الكامل ناحيتها، تفسيرًا واحدًا لحالتها تلك، وهو "الغيرة". نعم الغيرة من تلك الصلبة التي وقفت بوجه الريح وتحدت الظروف والجميع لتخلق لحالها حياة جديدة لتحياها على هواها لا هوى الآخرين. لقد نجحت فيما فشلت هي به، فطالما عاشت خاضعة ذليلة لأوامر أبيها وزوجته القاسية حتى ألغى من قاموس حياتها جميع الحروف والكلمات سوى واحدة فقط باتت ترددها حتى الحفظ، وهي "سمعًا وطاعة" "حاضر". كلما رأت شموخ صغيرتها واستقلالها كلما تذكرت خضوعها الذليل وزاد حقدها على تلك المسكينة التي لا ذنب لها سوى أنها خلقت قوية أبية عزيزة النفس ولم تقبل بالرضوخ مثلها، فكانت تمتلك سمات شخصية متضادة مع سمات تلك الذليلة وهذا ما جعلها تتخذ منها عدوًا شرسًا لها. تلك هي الحقيقة المؤلمة، لقد حولتها معاملة زوجة أبيها لها لشخصية غير متزنة نفسيًا تصاحبها بعض المشاكل النفسية المعقدة للغاية نتيجة قهرها وعقابها الدائم على كل شيء تفعله وحتى الذي لم تفعله.
كانت هناك من تتسمع عليهم من فوق الدرج لتتعرف على آخر المستجدات، اشتعلت النار بقلبها العليل بداء الحقد بعدما استمعت إلى أخبار غريمتها التي تبغضها حد الموت، وتأكدت من وصولها لبر الأمان هي وصغيرها المحظوظ من جميع الجهات، سواءً عاد إلى جده نصر أو بقي مع والدته وزوجها رجل القانون الذي يمتلك أموالًا طائلة أصبحت جميعها بين يدي تلك الـ إيثار.
************
ليلًا بالحديقة الخاصة لقصر علام زين الدين
كانت تجلس فوق الأرجوحة بجوار زوجها، يلف ذراعه حول كتفها باحتواء، وأصابع كفيهما متشابكين بلمسات حنون تحكي عن غرامهما الهائل، كانا يتسامران بأعذب أحاديث العشق وأجملها، يمطرها بوابل من أحلى كلمات الهوى مع شمولها بنظراته الولهة.
أقبلت عليهما عزة لتقطع وصلة الغرام لتضع فوق المنضدة صينية فوقها كأسين من حلوى "الجيلي" المزين بقطع مستديرة من ثمار الموز لتنطق بنبرة حماسية كعادتها:
- جبت لكم طبقين جيلي يرطبوا على قلبكم.
شكرها فؤاد قائلًا بجدية:
- تسلم إيدك يا عزة.
- بألف هنا يا باشا.
قالتها ثم تلفتت من حولها وهي تسأل إيثار مستفسرة:
- أمال يوسف فين؟!
أجابتها وهي تنظر لحبيبها مبتسمة:
- نام في حضن فؤاد وطلعه في الأوضة فوق.
تطلعت عزة على ذاك الحنون الذي يشمل امرأته والصغير بحنانه ورعايته لتنطق لائمة:
- وطلعته بنفسك يا باشا، ليه ما ندهتش عليا أشيله عنك؟!
فك تشابك أصابعه مع خاصة حبيبته ليميل للأمام يلتقط كأس الحلوى ليعود من جديد ويقدمه لها وهو يقول بلامبالاة كي لا يدع لها فرصة لفتح مجال لثرثرتها التي لا نهاية لها، فآخر ما ينقصه الآن هو ثرثرة عزة:
- طلعته وانتهى الموضوع يا عزة.
ثم استرسل ليخبرها باهتمام بعدما تذوق ملعقة من الحلوى:
- الجيلي طعمه حلو قوي، إبقي اعملي حساب أيهم في طبق.
- هو أيهم جاي؟!
قالتها باستفسار لتجيبها هي بنبرة مبتهجة بسبب اشتياقها لشقيقها الصغير:
- فؤاد اتصل بيه وأصر إنه ييجي يقعد معانا شوية قبل ما نسافر بكرة.
تطلعت إلى كدمات وجهها لتهتف بانزعاج برغم أنها خفت كثيرًا:
- طب ولما يشوف وشك متشلفط كده ويسألك عن اللي حصل.
- متشلفط؟!
نطقها فؤاد مصدومًا من ألفاظ تلك التي تنطق كلماتها بعفوية ولا تحسب ليهتف وهو يجز على أسنانه:
- روحي اطمني على يوسف يا عزة وجهزي ضيافة حلوة علشان أيهم.
بعد قليل حضر شقيقها واحتضنته بحفاوة وقام فؤاد بالترحيب الحار به، ليسألها بانزعاج بعدما لاحظ آثار الكدمات الخفيفة على وجهها:
- إيه اللي في وشك ده يا إيثار.
نظرت لزوجها لتنطق بكذب وهي تبتسم:
- عملت حادثة بسيطة بالعربية اللي فؤاد جابها لي.
واسترسلت بابتسامة لتلهي شقيقها:
- شكلي هاخد وقت على ما أتعود عليها.
لم تصارحه بالحقيقة لخشيتها عليه من التهور لو علم ما فعله بها عمرو، نعم هو لم يكن الداعم القوي لها يومًا ما لكن الآن الوضع مختلف. قبل كان أشقاؤها يحاولون عودتها لزوجها بينما الآن ذاك الأرعن قام بخطفها وهي على ذمة رجل آخر.
بادر فؤاد بالحديث كي يلهي الشاب:
- أخبارك إيه يا أيهم؟
- الحمد لله يا سيادة المستشار، كله تمام.
نطقها بنبرة حماسية ليخبره فؤاد بنبرة جادة:
- أنا لسه قافل من شوية مع عمي وقال لي إنه مستنيك بنفسه بكرة في مكتبه، وهيخلي موظف مسؤول عنك ويضربك لحد ما تبقى بيرفيكت في شغلك.
لينظر لحبيبته يخبرها بما دار بينه وبين عمه:
- كان عازمنا بعد بكرة على البيت عنده، كان عاوز يفرجك على مزرعة الخيل بتاعتنا بس قلت له يأجل العزومة لحد ما نرجع من المالديف.
- ربنا يسعدكم يا سيادة المستشار.
قالها أيهم ليجيبه بابتسامة حنون ترجع لراحته للشاب:
- عقبالك يا أيهم.
أقبل عليهم علام وزوجته ليرحبا بالشاب بعدما علما بوجوده من إحدى العاملات، وقد أخبرهما فؤاد بمجيئه قبل الاتصال به. وقف أيهم ليرحب به علام قائلًا ببشاشة وجه:
- إزيك يا أيهم.
- الله يسلمك يا باشا.
لتنطق عصمت بابتسامة ترحيبية:
- نورت القاهرة كلها يا أيهم.
أجابها على استحياء وهو ينظر للأسفل:
- متشكر يا هانم.
تحدثت عصمت مستفسرة من فؤاد الجالس بجوار حبيبته:
- طلبت المطبخ يجهزوا العشا لأيهم يا فؤاد ولا لسه؟!
نطق سريعًا بنفس عزيزة ورثها عن والده:
- أنا اتعشيت الحمد لله.
رفض علام قائلًا بتصميم:
- وإحنا مالنا بعشاك، أنت هنا لوحدك وده بيتك تجيه في أي وقت تاكل وترتاح وتعتبره بيتك التاني.
- متشكرة يا بابا، ربنا يبارك لي فيك.
قالتها إيثار تحت نظرات علام الحنونة ليتابع الشاب موضحًا:
- والله عزة كانت محضرة لي أكل كتير واتعشيت، وحقيقي مش قادر.
تحدث فؤاد ليوقف ذاك الجدل:
- خلاص يا باشا سيبه على راحته، بس لعلمك النهاردة سماح علشان عزة كانت قاعدة تحكي لي على الأصناف اللي عملتها لك.
واستطرد بملاطفة:
- لدرجة إني كنت هجيب إيثار والباشا والدكتورة ونيجي نتعشى كلنا معاك.
قهقه الجميع على دعابة فؤاد وواصلوا حديثهم الودود.
************
صباح اليوم التالي
فاق على صوت التنبيه الذي صدح بالحجرة لينبههم بأنه قد حان أوان الاستيقاظ. بعينين مغمضتين استدار بجسده وبسط يده باتجاه الكومود المجاور للتخت وسحب الهاتف ليغلق ذاك الصوت المزعج، ثم اعتدل بجسده من جديد ليفتح عينيه ويرى أجمل ما رأت عينيه، حبيبته تتعلق بأحضانه كطفلة صغيرة تتشبث بأحضان والدها الحنون كي تحتمي به من شرور العالم الموحش. تطلع بعينين هائمتين على ملامحها الهادئة واستكانت روحها الظاهرة بابتسامتها التلقائية الناتجة عن شعورها العالي بالسلام النفسي الذي بات يسكن كل كيانها مؤخرًا نظرًا لسطوع شمسها الذي أنارت مؤخرًا. ابتسم بسعادة وأمسك خصلاتها المتناثرة على وجهها وثبتهم خلف أذنها ثم همس بصوت خرج متحشرج تأثرًا بنومه:
- حبيبي، حبيبي اصحي.
تمطأت بدلال بين أحضانه جعلت السعادة تقتحم قلبه وتستوطن، وبتلقائية ارتسمت ابتسامة جذابة فوق شفتاه الممتلئة حين استمع لهمهمتها المثيرة لينطق من جديد مدللًا إياها:
- يلا يا بابا وبطل دلع.
تمطأت بتكاسل لتنطق بصوت ناعس وعينين مازالتا مغمضتين:
- خلينا نايمين شوية كمان، أنا نعسانة قوي.
أمسك أرنبة أنفها بين إصبعيه وقام بمداعبتها بدلال ثم تابع بملاطفة:
- قومي يا كسلانة ورانا طيارة.
بالكاد بدأت بتحريك أهدابها تحاول فتحهما ثم نطقت وهي تنظر لوجه ذاك البشوش:
- تعبانة قوي يا فؤاد، شكلي أخذت على قعدة البيت وطول الوقت نعسانة وعاوزة أنام.
أجابها بإيضاح حسب ما لديه من معلومات بسيطة:
- ده تأثير المسكن اللي أخذتيه اليومين اللي فاتوا، هنبطله من النهاردة وهترجعي لحيويتك تاني.
واستطرد يحثها على النهوض:
- يلا يا حبيبي وبطلي كسل.
همهمت من جديد لتدفن رأسها داخل صدره العاري. ضحك على دلال قطته الأليفة التي تختبئ منه إليه لينفض الغطاء من فوقيهما بعد حسمه للأمر ونهض ليحملها فوق كتفه تحت ضحكاتها المرتفعة وهي تترجاه بدلال كاد أن يفقده عقله:
- سيبني أنام شوية، وحياتي.
فتح باب الحمام وأنزلها برفق أمام حوض الاستحمام ليقول بأوامر غير قابلة للنقاش:
- خمس دقايق تكوني واخدة حمامك، مفهوم.
تذمرت لتدق الأرض بقدميها بدلال جديد عليها لينسحب هو ويقف أمام حوض غسيل الوجه ليمسك بماكينة تهذيب شعر الذقن وهو يحذرها بعينيه من خلال انعكاس صورتها الظاهر بالمرآة:
- على ما أخلص حلاقة ذقني تكوني أخذتي الشاور بتاعك علشان ألحق آخذ شاور أنا كمان.
دقت الأرض بساقها لتنطق متذمرة بدلال أهلك قلبه العاشق:
- طب علشان خاطري سيبني أنام خمس دقايق.
أقبلت عليه لتقف خلفه وتحتضنه من الخلف وهي تقول بخمول:
- خمسة بس يا فؤاد.
لم تكن يومًا شخصًا غير مسؤول يتصرف بعشوائية دون حسابات، لكن معه كل الأمور تبدلت وعادت لنصابها الطبيعي، فأصبحت تتدلل كأنها تعوض حالها مع ذاك "الجاسر" عن كل ما حرمت منه، تكافئها عن صبرها وقوة تحملها طيلة أعوامها السابقة، فطالما حملت هم حالها والصغير على عاتقها حتى انحنى ظهرها من ثقل حملها. والآن بعد ظهور فارسها الهمام شعرت باستكانة روحها وبأن عليها أن تتدلل وتأخذ استراحة محارب.
وضع الماكينة جانبًا ليستدير لها يتطلع كثعلب مكار لثوبها الناعم وشعرها المفرود على ظهرها بطريقة أذابت قلبه، فقد كانت هيأتها مغرية بشكل لا يوصف وأكثر من المحتمل لقلب عاشق مثله. احتوى خصرها بساعديه قبل أن يغمز متسائلًا بمشاكسة خطفت قلبها:
- أنت عاوزة إيه بالضبط؟!
رفعت كتفها لتمط شفتها السفلى بدلال أشعل نيران عشقه المتوهج لتنطق بأنوثة:
- عاوزة أنام شوية صغنطتين.
نطقت كلماتها بكثير من السحر والدلال أفقده لبه ليميل بجذعه ويقوم بحملها بين ساعديه وبدون تفكير تحرك باتجاه الفراش وقام بإلقائها عليه لينطق قبل أن ينضم إليها:
- أنت اللي اخترتي.
بعد قليل كانت تخرج من كابينة الاستحمام الجانبية ترتدي مئزر الاستحمام القطني وتحاول تجفيف شعرها بمنشفة صغيرة بعدما أخذت حمامًا سريعًا كي يستطيعا اللحاق بموعد الطائرة المتجهة لجزر المالديف. نظرت لحبيبها الذي انتهى من تهذيب ذقنه لتطالعه قبل أن تنطق بإلقاء اللوم عليه:
- عاجبك كده يا أستاذ، أدينا هنتأخر على ميعاد الطيارة بسبب تهورك وطيشك.
قطب جبينه متعجبًا حديثها لينطق بتحميلها ما حدث:
- بسبب تهوري برده ولا دلعك ودلالك الماسخ على الصبح.
فغرت فاها ورفعت حاجبها باستنكار لما يقول لتنطق بعينين متسعتين بذهول مصطنع:
- أنا دلعي ماسخ يا فؤاد، تمام، إبقى شوف مين بقى هيتدلع عليك تاني.
وأسرعت نحو الباب لتستدير مرة أخرى تحت ابتساماته وهي تقول:
- تصدق إنك شرشبيل بجد.
انطلقت منه قهقهات مرتفعة صدحت بأركان الجناح ليعلو صوته كي يصل إلى تلك التي اندفعت مهرولة للخارج:
- ماشي يا إيثار، أنا بقى هوريك شرشبيل على حق، اصبري عليا لما نوصل المالديف وهناك هتتعرفي على الشرشبيل اللي جوايا.
ابتسمت بسعادة وهي تستمع لدعابات مالك فؤادها والروح، همت بتجهيز نفسها على عجالة.
************
كانت تجلس بحجرتها تتحدث عبر الهاتف إلى والدتها بسخط على حياتها بالكامل، هتفت من بين أسنانها بحقد دفين على زوجها:
- منه لله عمرو ابن إجلال، كل ما أجي أتقدم خطوة يوقفني بغبائه.
واسترسلت بنبرة ساخطة:
- أنا مش عارفة أنا عملت إيه في حياتي علشان يحصل لي كل ده.
ردت الأم عليها بنبرة متأثرة لأجل نجلتها:
- طب بس اهدي وخلينا نشوف هنعمل إيه في المصيبة اللي حلت علينا دي كمان، ما هو كان ناقصنا حبس عمرو ده كمان علشان يوقف الموضوع أكتر ما هو واقف.
أخرجت كلماتها بغل ظهر بعينيها:
- ما فيش في إيديا حاجة أعملها غير إني أستنى، وكأني اتخلقت في الدنيا دي علشان أفضل مستنية في الدور اللي ما بيخلصش.
نظرت أمامها وثبتت نظرها في نقطة اللاشيء وهي تنطق بشرود تتذكر مشوار حياتها:
- دخلت الكلية وفضلت مستنية إن حد من ولاد كبارات البلد يبص لي ويتجوزني علشان ينقلني من فقري وأعيش زي بقية خلق الله، وبرغم إني عملت كل اللي لازم يتعمل علشان أظهر وأبان بين بنات البلد، إلا إن الحظ سابني وراح يضحك لبنت منيرة وخلى ابن أكبر راجل في البلد كلها يحبها دونًا عن الكل. ولما حاولت ألفت نظره قبل ما يتجوزها وصدني استنيت، استنيت لحد ما اتجوزها وفضلت قاعدة ومستنية الفرصة لحد ما جت لي وعرفت أوقعه بمساعدة العقربة نسرين. وبعدها استنيت أخلف الولد، ولما جت لي الفرصة طلع لي موضوع الورم، واستنيت بنت منيرة تتجوز، واتجوزت بس ما ارتحتش.
واسترسلت بهسيس حاد:
- ده زاد جنونه بعد ما حس إنها ضاعت من بين إيديه خلاص، وجه طلع كل غله وغضبه فيا.
واسترسلت بحدة:
- نخلص على كده، لا طبعًا، يروح ابن الهبلة يخطفها ويضيع نفسه ويوقف لي كل خطتي.
قاطعتها والدتها باستحسان:
- وأهو اللي عمله جه في مصلحتك وضربتي عصفورين بحجر واحد، أديك خلصتي من الواد ومش هتشوفيه ولا هينكد عليك في كل مرة ييجي يقعد عندكم فيها، وخلصتي من خوفك ليرجع بنت منيرة في أي لحظة.
- وأنت تفتكري إن نصر هيسيبه لبنت منيرة بالسهولة دي؟
قالتها معترضة على تنبؤ والدتها لتهتف بقوة:
- ده هيهد الدنيا ويقلبها لحد ما يرجعه وبكرة أفكرك، اصبري بس لحد ما يخلص من دوشة الانتخابات وهتلاقيه اتحول لغول هيبلع كل اللي ييجي في طريقه، وأولهم المستشار اللي بنت منيرة جريت واتحامت فيه.
واسترسلت بدهاء يرجع لمعرفتها لشخصية نصر الشرسة:
- نصر ده عامل زي الحاوي بالضبط، جرابه ما بيخلاش من الحيل، والمجرمين اللي يعرفهم أكتر من المحترمين، وألف من يتمنى يخدمه في الشر.
ولجت الصغيرة من باب الغرفة لتهمس قائلة بانكسار:
- ماما أنا جعانة.
حولت بصرها باتجاهها لترمقها بنيران شاعلة فطالما حملت تلك المسكينة ما وصلت إليه من إخفاقات، لو لم تخلق أنثى لفتحت أمامها خزائن نصر البنهاوي على مصراعيها ولـ امتلكت المنزل وضمنت الجلوس على عرشه بعد رحيل تلك الجبروت "إجلال"، لكن لسوء حظها أتت تلك الفتاة وجلبت معها النحس، فمنذ ولادتها واللعنات تلاحقها أينما ذهبت. هكذا هيأ لها الشيطان بتفكيرها، فبدلًا من أن تراجع نفسها وتتوب إلى الله من ذنبها العظيم عله يتقبل توبتها ويغفر لها، ألقت بجميع أخطائها على عاتق تلك الصغيرة المسكينة. هتفت بسخط وكلمات منزوعة الرحمة صاحبتها نظرات كارهة أصابت قلب الصغيرة بالرعب:
- غوري يا بت على تحت خلي حد من اللي في المطبخ يحط لك تطفحي.
تراجعت الفتاة للخلف لترد بإنكسار وجسد مرتعب خشية من تعنيف تلك القاسية لها:
- نزلت ومش لقيت حد تحت خالص.
أشاحت بذراعها ترمقها:
- طب غوري اتلقحي بره قدام التلفزيون على ما أخلص كلامي مع جدتك واطلع لك.
انسحبت الفتاة ذليلة بخيبتها لتكمل تلك الجبروت حديثها وهي تقول:
- كنا بنقول إيه يا ماما.
تحدثت الأخرى ولم تعلق مطلقًا على معاملة ابنتها شديدة القسوة لحفيدتها الصغيرة وكأن الرحمة انتزعت من قلبيهما:
- سيبك من كل ده، إحنا لازم نروح للدكتورة علشان تشوف الورم ده وصل لغاية فين.
صاحت بحدة مرعبة لتنطق باعتراض:
- قلت لك مش هروح أي مكان غير ما أخلص من موضوع الحمل ده، يخرج بس عمرو وأنا هتصرف بأي طريقة، إن شاء الله حتى أحط له منوم في الماية وأوهمه بإن حصل بينا حاجة، وبعدها نبقى نروح للدكتورة ونشوف الحل إيه.
وافقتها تلك منزوعة العقل على تحالفهما الشيطاني وكأن شعور الأمومة انتزع من داخلها فأصبح كل ما يهمهما هو الحصول على ذكر تستطيعا به ضمان بقائها بالمنزل ونيل مكانة عالية به دون التفكير بحياة تلك المريضة بمرض مهلك قد يودي بحياتها بأية لحظة إذا أهمل.
***********
داخل البلدة أيضًا، تقف نسرين أمام عربة لبيع الخضروات تنتقي منها لتَبتاعها تجاورها شقيقتها ألاء التي هاتفتها لتلتقيا بالخارج. فإلى الآن لم ترضَ عنها والدتها ولم تسمح لها بزيارة منزل والدها منذ وفاة شقيقها علاء رحمة الله عليه. هتفت للرجل بحدة وهي تقلب حبة من ثمار الطماطم بين أصابعها تتمعن النظر بها:
- الطماطم كلها مفعصة كده ليه يا عم رجب؟
ليجيبها الرجل متذمرًا من تلك المرأة دائمة الشكوى والذي سئم طريقتها:
- هو أنت كل مرة تطلعي القطط الفاطسة في الخضار، ما فيش مرة تشتري وتمشي من سكات.
واسترسل لائمًا:
- مرة البطاطس ومرة الكوسة والوقت الطماطم، ما الستات كلها وزنت ومشيت ومحدش اتكلم.
نطقت ألاء بكلام لين في محاولة منها لإرضاء الرجل:
- خلاص يا عم رجب حقك عليا أنا.
تنهد الرجل وهو يتطلع على تلك الخلوقة ويتعجب كيف لهاتين المختلفتين أن تكونا شقيقتين من نفس الأب والأم لينطق بهدوء يرجع لاحترامه لها:
- خلاص يا بنتي، هسكت علشان خاطرك أنت بس.
كادت أن تتحدث لتمنعها شقيقتها حيث لكزتها بكتفها وهي تقول بحدة:
- خلصي ونقي الطماطم ويلا علشان تلحقي تجيبي الفطار وتروحي قبل ما عيالك يصحوا.
أجبرت على الصمت لتكمل ما تفعل. بعد قليل كانت تتحرك بجوارها في طريقها لمنزلها لتنطق بنبرة متأثرة:
- لسه برده ما اتكلمتيش مع أمك في الموضوع.
أجابتها الفتاة بهدوء:
- والله العظيم كل يوم بكلمها، بس هي رافضة، ده أنا يادوب بنطق اسمك وهي زي ما تكون بتتحول.
نطقت بحيرة وخوف ظهرا بعينيها:
- طب والحل يا ألاء، ده أنا شايلة الفلوس اللي خدتهم من سمية في الدولاب عندي في وسط هدومي، لو عزيز شافهم هتبقى وقعتي سودة.
تغيرت ملامح الفتاة من هادئة لحادة وهي تبلغ شقيقتها باعتراض حاد:
- بصي يا نسرين وعلشان نكون متفقين من الأول، حتى لو أمك وافقت على إنك ترجعي تزورينا زي الأول، أنا بنفسي اللي هرفض دخول فلوسك على البيت.
امتلأت مقلتيها بغيمة من الدموع حين تذكرت شقيقها الراحل لتتابع بقلب ينزف دمًا على فقدانه:
- دي فلوس ملعونة دخلت على بيتنا بالخراب.
تنهدت بحزن لتنطق بتبرير تقنع به حالها قبل الفتاة:
- ده نصيب ومكتوب يا ألاء، وعلاء الله يرحمه كانت دي موته اللي ربنا كتبها له.
نطقت الفتاة تنهرها بحدة:
- بلاش تجيبي سيرة ربنا في الموضوع الشمال ده، ربنا يسامحك ويهديك.
أخرجت من كيس مالها بضعة ورقات لتدسهما بيد شقيقتها وهي تقول:
- طب خدي القرشين دول خليهم معاك يمكن تحتاجي تجيبي حاجة لنفسك.
دفعت الفتاة بكفها وكأنها تدفع عنها الموت لتهتف من بين أسنانها بشراسة:
- حد الله بيني وبين فلوسك الحرام، ابعدي بأذاك عني يا نسرين، وبلاش تشيليني معاك ذنب المسكينة اللي خربتوا عليها أنت والحرباية اللي كانت عاملة فيها صاحبتها.
وقع المال وتناثر على الأرض لتنحني بظهرها تلملمه بلهاث لترفع قامتها من جديد وهي تهتف بسخط وحقد ظهر بمقلتيها:
- المسكينة اللي صعبانة عليك دي اتجوزت مستشار غني وعنده فلوس قد اللي عند الحاج نصر ييجي عشر مرات.
- وده بقى الكلام اللي بتسكتي بيه ضميرك يا نسرين؟!
قالتها الفتاة متكئة على ضمير شقيقتها لكنها غفلت عن موت ضميرها من الأساس منذ اليوم الذي تحالفت فيه مع تلك الشيطانة.
************
بعد قليل كان الجميع يودع الحبيبان من داخل الحديقة، كان الصغير يتعلق بعنق والدته التي تضمه بقوة والألم ينهش بداخلها. لم تتركه من قبل سوى لمبيته بمنزل أبيه، وبرغم عدم راحتها لهم إلا أنها كانت متأكدة من أمانه لحب جديه ووالده الشديد له. عدا ذلك فهي لم تتركه على الإطلاق، لكنها الآن مجبرة على تركه، فزوجها له عليها حق ولا بد من اتباع كل ما يسعد قلبه.
تحمحم فؤاد لينطق على استحياء بعدما رأى دموعها:
- إيثار، ميعاد الطيارة هيفوتنا.
ذهب علام ليصل قبالتها وتحدث باسطًا ذراعيه للصغير:
- مش كفاية كده يا بطل، عاوزين نجهز علشان هنزور مزرعة الخيل عند جدو أحمد النهاردة.
التفت الصغير له بلهفة رغم تأثره الشديد بترك والدته له لكنه تعلق مؤخرًا بقوة بذاك الخلوق الذي قرر بين نفسه بأن يعوضه عن ابتعاده عن عائلته الأم لينطق متلهفًا رغم دموعه:
- بجد يا جدو، هتخليني أركب الحصان الصغير اللي قلت لي عليه.
أجابه بابتسامة حنون ترجع لمكانته الكبيرة بقلبه:
- وأنا من إمتى قلت لك كلمة وما نفذتهاش يا أستاذ جو؟
هز رأسه نافيًا ليشير علام إليه كي يحثه على ترك والدته وبالفعل التفت إلى والدته وحضنها بقوة ليخرج من جديد ويقول وهو يجفف دموعها بأنامله الصغيرة:
- ما تعيطيش يا مامي ومش تخافي عليا، جدو علام هياخد باله مني.
- حاضر يا حبيبي.
قالتها لتنظر إلى علام وتقول بثناء:
- متشكرة يا بابا، ربنا يخليك ليا.
أخذ الصغير وثبته بأحضانه لينطق بحنان أب:
- روحي يا حبيبتي وانبسطي مع جوزك وما تشيليش هم جو.
اقتربت عليها عصمت لتحتضنها وهي تربت على ظهرها بحنان قائلة:
- ما تقلقيش على يوسف، ده في عينينا كلنا، ربنا يعلم إحنا قد إيه بنحبه وبنعتبره زي بيسان بالضبط.
بابتسامة شاكرة نطقت بامتنان:
- والله ما عارفة أودي جمايلكم دي كلها فين.
- عيب يا إيثار الكلام اللي بتقوليه ده، إحنا أهلك ويوسف ده ابننا.
ابتسمت بعينين لامعتين تأثرًا بسعادتها النابعة من أعماق قلبها، فها هي الآن تشعر بدفء العائلة التي حرمت منها هي وصغيرها، فقد من الله عليهما وعوضهما بتلك العائلة التي احتوت كلاهما وغمرتهما بسيل جارف من الحنان والاهتمام. ودعتها أيضًا فريال التي أصبحت تتعاطف مع قضيتها وتحتويها وكأنها مسؤولة منها بعد تعرض ذاك الجبان لها، وأيضًا عزة التي تمنت لها السعادة.
نظر فؤاد إلى عينيها اللامعتين بتأثر وهي تتطلع على صغيرها المبتسم بفضل كلمات علام التشجيعية والمحفزة له ليربت على وجهها بخفة قائلًا بنبرة حنون:
- والله يا حبيبي لولا مدرسته لكنت أخذته معانا.
أومأت له بتفهم ليبتسم بخفوت وهو يسحبها من كف يدها ناحية مقدمة السيارة ليستقلا الكنبة الخلفية ويندفع السائق للأمام تاركًا خلفه الجميع. أطرقت برأسها في حزن وانهمرت دموعها ليزفر وهو يمد يده إلى ذقنها يرفعها لتتقابل عينيها الدامعتين مع خاصتيه ليقول هو بمشاعر جارفة:
- وحياتي عندك بلاش تعيطي، ما تخلنيش أحس بالذنب.
قالها بكثير من الصدق والتأثر لتومئ له بابتسامة خافتة. مسد على وجنتها يجفف دموعها تحت ابتسامتها الحنون. بعد قليل، كانت تجاوره الجلوس بمقعد الطائرة الملصق بالنافذة. بدأت الطائرة تتحرك لتحلق في السماء فأغلقت عينيها وبدأ جسدها بالارتعاش ليشعر بها. أمسكت بكفه بقوة حتى أن أظافرها غرست في لحم يده دون أن تشعر من شدة توترها. مال على أذنها يهمس بنبرة حنون عله يستطيع عن طريقها أن يهدأ من رعبها:
- اهدي يا بابا، أنا جنبك ومش هسيبك.
فتحت عينيها تتطلع عليه بهلع يرجع لكونها تجربتها الأولى للطيران ليتابع هو:
- خذي نفس عميق وخرجيه بالراحة، وصدقيني الطيران أمان جدًا عن أي وسيلة تانية للسفر.
تنفست بعمق، وبدأ يحدثها عن أشياء من أولويات اهتماماتها حتى تناست الأمر واندمجت معه لتسأله بابتسامة جذابة:
- مش هتوريني صورة الشاليه اللي حجزته.
- تؤ.
قالها ليتابع بغمزة وقحة من جانب عينيه:
- خليه مفاجأة.
- شكلك خارب الدنيا.
لتتابع وهي تتنفس بارتياح:
- أهم حاجة يبقى فيه خصوصية.
أجابها وهو ينظر أمامه:
- أهم شيء بيميز جزر المالديف هي الخصوصية يا قلبي، وأجمل ما فيها العزلة، كل شاليه منعزل عن التاني وكأنه جزيرة لوحده.
تطلعت عليه بتمعن قبل أن تسأله مترقبة الإجابة:
- روحتها قبل كده؟
- إمممم، مرتين.
قالها ببرود متغافلًا عن تلك التي شعرت بطعنة خنجر مسنون ارتشق بوسط قلبها. تعجب صمتها فاستدار يتطلع عليها وجد مزيجًا من الحزن والألم والغضب العارم يستوطن ملامحها. مد يده ليدير وجهها نحوه لينطق بصوت رحيم:
- كنت مع أصحابي، المرة الأولى في بداية تخرجي والتانية من حوالي سبع سنين، يعني قبل حتى ما أعرفها.
أمسكت كف يده تستعطفه بعينيها لتسأله متلهفة لإجابته:
- بجد يا حبيبي، يعني ما كنتش معاك؟
أخذ نفسًا عميقًا ثم أخرجه بهدوء ليهمس بصوت ناعم:
- أقول لك على سر.
هزت رأسها بموافقة سريعًا ليتابع بنبرة تفيض من العشق ما يكفي جميع المغرمين:
- أنا بعيش معاك كل حاجة وكأنها المرة الأولى.
ابتسامة واسعة شقت ثغرها لتعلن عن حبورها الشديد ليكمل هو بكلمات اخترقت قلبها العاشق من شدة صدقها:
- الماضي اتمحى من جوايا وكأنه ما حصلش أصلًا، ومش تعمد مني على فكرة.
- أمال إيه؟
سؤالًا أرادت به المزيد من غمر زوجها لها بالكلمات المرضية لغرورها كإمرأة ليتابع بنبرة صادقة رغم وصوله لمغزى سؤالها:
- ما لوش غير تفسير واحد عندي.
ابتلعت لعابها كمن تنتظر ظهور خبر حياتها لينطق بجدية ولامبالاة:
- وهو إنها عدت من حياتي زي سحابة غائمة في يوم شتوي، لا هي اللي مطرت وفادت وروت، ولا هي اللي كفت الناس شر غيمتها، عدت بدون ما تسيب أي أثر.
ابتسمت ليتابع بمشاكسة مع غمزة عين:
- الباشا بقى بمجرد ما دخل حياتي زلزلها.
شعرت بروحها كفراشة طائرة في سماء عشق ذاك الفارس الذي أعاد لها بسمتها ليخبرها بأن الحياة لم تنتهِ بعد، بل أن العد التنازلي لبداية حياة جديدة قد بدأ للتو.
************
بعد مرور مدة من الوقت، وصلا إلى الفيلا الشاطئية المخصصة لهما بصحبة أحد المسؤولين عن المكان.
كانت تتلفت حولها بإعجاب شديد منبهرة بكل ما حولها، فسبحان المبدع حين صور جمال تلك الجزيرة الخلابة، فقد كانت حقًا ساحرة بداية من صفاء مائها البلورية الزرقاء مما بعث المتعة والراحة والاستجمام في نفسها من مجرد النظر فقط، وصولًا لأشجارها رائعة الجمال ورمالها البيضاء المتلألئة وكأنها حبات جواهر نثرت لتكمل لوحة تشكيلية رائعة.
كانت الفيلا المخصصة لهما منعزلة تمامًا في وسط المياه. دلفا للداخل وأخذ فؤاد المفتاح من المسؤول الذي رحل على الفور. هرولت تقف بوسط الفيلا ذات الأرضية الخشبية لتصرخ من روعة وجمال الأجواء وليس هذا فقط ما جعلها تقفز كالأطفال مهللة:
- جاكوزي.
هرول عليها ليزيل عنها ثيابها وثيابه معًا قبل أن يحملها ويقفز في الجاكوزي في لحظة جنونية أراد بها التخلي عن شخصيته الصارمة ليصيح بمرح جديدًا عليه:
- شرشبيل الشرير يرحب بكم على أرضه.
صرخت وهي تتلفت حولها بترقب وهلع ظهر بعينيها المرتعبتين:
- يا مجنون حد يشوفنا ولا يكون فيه كاميرات مزروعة هنا ولا هنا.
جذبها لتلتصق به وهو يقول بثقة تصل لحد الغرور:
- عيب عليك يا باشا، ده أنت متجوزة فؤاد علام.
واسترسل ليحثها على الاسترخاء:
- فيه فريق تبعي كان هنا من نص ساعة بس ومشطوا المكان كله واتأكدوا من نضافته، منهم الحارس اللي شفناه على الباب من شوية.
تعلقت بعنقه لتلف ساقيها حوله تداعب بهما المياه المتدفقة حولهما بغزارة وهي تهتف لتجاري لعبته:
- أحلى شرشبيل ده ولا إيه.
قهقه عاليًا على دعابتها، صوت خرير الماء كان منعشًا وبث داخل روحها الهدوء والراحة. مال على شفتيها يقتطف قبلة بدأت بناعمة متناغمة بين شفتيهما وتحولت لعنيفة راغبة. احتضنها ليغوصا داخل جولة عشقية عنيفة تضاف لجولاتهما الرائعة.
بعد مرور ساعتين كانا يتمددان فوق الشازلونج المطل على البحر مباشرة للاستماع بالهدوء في ظل أجواء ساحرة خاطفة للأنفاس والبصر. بسطت ذراعها لتحتوي كفه الحنون وهي تنطق والسعادة الهائلة حال قلبها:
- حبيبي، أنا مبسوطة قوي، حاسة إني عايشة في الجنة، المكان هنا يجنن يا فؤاد.
كان مسطحًا على ظهره بصدر عار لا يرتدي سوى قطعة ملابس صغيرة حول خصره واضعًا ذراعه تحت رأسه باستجمام. حول بصره ينظر إليها لينطق باسترخاء هائل شمل روحه:
- ربنا يقدرني وأسعدك دائمًا يا حبيبي، الجزيرة هنا تحفة وفيها أماكن حلوة قوي للسهر، من بكرة هخرجك وهعيشك أحلى أيام ممكن تعيشيها في حياتك.
اتكأت على جذعها لتتحدث بانتشاء أحدث فوضى عارمة بداخله:
- ممكن يبقى ده مكاننا الخاص بعد كده، يعني كل سنة في عيد جوازنا تجيبنا نفس الفيلا.
- بس كده.
نطقها ببحة بصوته توحي لمدى وصوله للمتعة مع تلك المثيرة ليتابع بنبرة تفيض عشقًا:
- ولو حبيبة حبيبها تؤمر هشتري لها الفيلا فورًا مهما كان سعرها.
ضحكت بدلال ليشير لها بكفه داعيًا إياها لتشاركه الشازلونج الخاص به فوقفت سريعًا لتنضم إليه ليحملها فوقه وبدأ بمداعبة أنفها بخاصته تحت ضحكاتها ودلالها عليه. بعد مرور نصف ساعة غفت على صدره فقام ليحملها واتجه بها نحو الفراش ليدثرها تحت الغطاء الحريري الأبيض وينضم إليها ليتنعم بدفء أحضانها.
عند حلول المساء
كان يجلس حول الطاولة الممتدة أمام البحر مباشرة بانتظار قدوم خليلة الروح حيث ولجت لتغيير ثيابها وجلس هو ينتظر وصول العشاء. تطلع بعينين راضية على أصناف الطعام المرصوصة برتابة فوق الطاولة. لمح طيف حبيبته يرفرف من خلفه ليستدير بجانبه ليراها تأتي عليه مرتدية ثوبًا صيفيًا بالكاد يصل لمنتصف فخديها منقوش بأزهار صغيرة تخطف العين، بحمالات رفيعة وفتحة من الصدر أظهرت جمالها. هب واقفًا واعتدل كرجل نبيل لاستقبال سيدة قلبه. أحدث صفيرًا بفمه وهو يقول بإنبهار ظهر بمقلتيه الهائمة:
- إيه الجمال ده كله، شكلك كده ناوية على جنان جوزك حبيبك.
ابتسمت بدلال ليرفع هو كف يدها يقبله باحترام قبل أن يسحب لها المقعد لتجلس عليه وتسترخي للخلف. استدار ليجلس مقابلًا لها ثم أشار إلى الطعام ليقول:
- يلا يا حبيبي قبل الأكل ما يبرد، أنا طلبت لك كل الأكل اللي بتحبيه.
- ربنا يخليك ليا يا حبيبي.
نطقتها لتتثاءب مما جعله يرمقها مستغربًا وهو يقول:
- بتنامي كتير قوي أنت اليومين دول.
أجابته متعجبة من حالها مؤخرًا:
- مش عارفة إيه اللي حاصل معايا يا فؤاد، ليا كام يوم دماغي تقيلة قوي وعاوزة أنام طول الوقت وياريت بشبع.
ابتسم لينطق باستغراب:
- أنا قاعد أتكلم معاك لما كنا على الشازلونج وما حسيتش غير وجسمك تقل واسترخى فوق مني، ندهت عليك ما رديتش وعرفت من صوت أنفاسك إنك نمتي.
ضحكت بخجل وقالت:
- أنا أول مرة يحصل لي كده على فكرة.
واسترسلت متعللة:
- تقريبًا بسبب الطيارة.
- ممكن.
قالها بهدوء ليتابع وهو يشير للطبق الموضوع أمامها:
- كلي يا حبيبي.
أمسك الشوكة والسكين وأخذ قطعة من شريحة اللحم المطهية على طريقتها المفضلة ليغرسها بمعجون الصلصة البيضاء المحببة لديها ويقربها من فمها تحت شعورها برفرفة قلبها. تناولت القطعة وبدأت بمضغها تحت نظراته المنتظرة ليسألها بعدما رأى علامات الانبهار على وجهها وعينيها المغمضتين وهي تتذوق باستمتاع:
- إيه رأيك، عجبتك؟
أجابته بحالة من الاستجمام والراحة لم تحصل عليهما من قبل:
- حلوة قوي يا فؤاد، والصوص يجنن ومظبوط جدًا.
تناول قطعة هو الآخر ليثني على مذاقها الرائع. تحدثت إليه:
- تعرف نفسي في إيه؟
على عجالة سألها متلهفًا كي يلبي طلبها:
- في إيه يا قلبي؟
تعمقت بعينيه لتنطق وهي تضحك ساخرة من حالها:
- أنام.
رفع حاجبه متعجبًا لينطق متهكمًا:
- إيثار يا ماما، هو فيه حد قال لك إني جايبك المالديف علشان تعوضي النوم اللي فاتك من يوم ما اتولدتي لحد الوقت؟!
أطلقت ضحكة تشاكسه بها ليتابع باستغراب:
- لا بجد حالك مؤخرًا بقى غريب.
أجابته بدلال:
- وأنا أعمل بس يا حبيبي، والله بنام من غير ما أحس.
ضيق بين عينيه قبل أن يقول بارتياب:
- الموضوع كده مش طبيعي.
هز رأسه ليشهق قائلًا بعد أن غزت رأسه تلك الفكرة:
- أوعي تكوني بتعملي كل ده علشان تهربي من الرقصة اللي وعدتيني بيها من اليوم إياه ولحد الوقت ما وفيتيش بالوعد؟!
- أخص عليك يا فؤاد، هي دي فكرتك عني برده؟
قالتها بحزن مفتعل لتتابع وهي تنظر إليه باستعطاف:
- الرقصة أنا وعدتك بيها بس الظروف هي اللي واقفة بيني وبين تحقيقها، بس يعني، لو فيك يعني، كنت بقول يعني.
- هاتي من الآخر.
قالها مشيرًا بكفه لتنطق بترقب لردة فعله:
- لو بس تسيبني النهاردة أنام وأوعدك بكرة هأرقص لك ولا سهير زكي.
رفع حاجبه يتطلع عليها لتستعطفه من جديد وهي تقول:
- وحياتي، وحياتي.
أمال برأسه برضوخ لأمر خليلة القلب ليقول بتحذير:
- ماشي، بس يكون في معلومك، ده آخر عذر هقبله منك.
هتفت بنبرة حماسية يرجع أصلها لشعورها مؤخرًا بوخم يجتاح جميع جسدها:
- صدقني آخر مرة.
ضحك لها ليشير برأسه لصحنها:
- طب يلا كملي أكلك.
أفلتت أدوات تناولها للطعام لتضعهما جانب الصحن وهي تقول:
- شبعت خلاص الحمد لله.
تطلع لصحنها وجده ممتلئًا مثل ما كان عليه، بالكاد أكلت جانبًا من قطعة اللحم لينطق مستنكرًا:
- شبعتي ده إيه، هو أنت أكلتي حاجة أصلًا؟!
رفعت كتفيها وأهدلتهما لتنطق بلامبالاة:
- ما ليش نفس يا حبيبي، من ساعة ما أكلت في الطيارة وأنا شبعانة.
قاطعها معترضًا باستغراب:
- هو أكل الطيارة ده يشبع، ده كان مجرد ساندوتش وعلبة عصير.
واسترسل بإصرار:
- يلا كملي أكلك وبطلي دلع.
ترجته بعينيها وهي تقول بعدم شهية:
- علشان خاطري سيبني براحتي، أنا نفسي مش رايحة للأكل خالص النهاردة، هبقى آكل فاكهة كمان شوية.
- خلاص يا قلبي.
قالها ليتابع تناول الطعام بينما تطلعت هي للبحر أمامها لتنطق بنبرة أظهرت كم انبهارها:
- المنظر من هنا ساحر والأجواء رهيبة.
واسترسلت بحماس:
- خلينا بكرة ناخد كام صورة للذكرى.
- أكيد يا قلبي هنتصور هنا وبره في الجزيرة.
قالها بهدوء ليسترسل غامزًا بوقاحة:
- النهاردة بس ما كانش عندنا وقت، كان فيه أولويات.
تبسمت بسعادة ليتابعا حديثهما الشيق. انتهى اليوم الأول وذهبا للفراش ليغفا بعد أن هاتفت صغيرها عبر تطبيق الفيديو كول واطمأنت عليه وتأكدت أنه بخير. أخذها بأحضانه بعد أن أذاقها من حلاوة عشقه ومتعها وحاله بوجبة دسمة مشبعة من الغرام. كانت تتخذ من ذراعه وسادة لها تبتسم فرحًا لكلمات الغرام الذي ينثرها عليها لتحملها إلى أعناق السماء لتسبح بداخلها كفراشة طائرة برشاقة، فمنذ اعترافه لها بالعشق وهو يغمرها بحنانه وكلماته التي تزلزل كيانها بالكامل. تبسمت بنعاس لتنظر إلى ملامحه التي تعشقها وتنطق بصوت ناعس مثير لذاك المغروم بعشق خليلة القلب:
- تصبح على خير يا حبيبي.
- وأنت من أهله يا نبض قلبي.
قالها بحنان وظل يراقب ملامحها حتى غفت ليبتسم براحة وهو يقبل أنفها وجانب شفتها السفلى تحت نومها العميق والذي تعجب له. ظل على وضعه لمدة لا تقل عن الساعة يراقب ملامحها ويتأمل بها حتى دخل بسبات عميق.
أشرقت شمس اليوم الجديد لتفيق وتتمطأ بتكاسل. لاحظت خلو مكانه لتنهض سريعًا تتلفت عليه داخل الغرفة فلم تعثر عليه. خرجت إلى بهو الفيلا المطل على البحر مباشرة وجدت حبيبها واقفًا، مرتديًا قميصًا بنصف كم من اللون الأبيض وشورتًا يصل للركبة من نفس اللون وبجواره ستائر شفافة باللون الأبيض الشفاف تتطاير بفضل الهواء لتجعل المنظر يبدو كلوحة مرسومة بمنتهى البراعة على يد أعظم رسامي العالم. تحركت بردائها الأبيض أيضًا لتقف خلفه محتضنة إياه لتسند رأسها على ظهره وهي تقول بصوت متحشرج:
- صباح الخير يا حبيبي.
وكأن الشمس لم تشرق إلا بعد استماعه لصوتها الحنون، حاوط ذراعيها الملتفتان حول خصره بكفيه لينطق وهو يرجع ظهره للخلف بحركة أسعدت قلبها:
- صباح الورد يا حبيبي.
- إيه اللي مصحيك بدري؟
قالتها باستفسار ليستدير لها محاوطًا وجنتيها بكفيه ليميل على شفتها واضعًا قبلة رقيقة قبل أن يعتدل بطوله ويقول:
- كنت بعمل تليفون شغل ضروري.
قطبت جبينها متعجبة قبل أن تسأله:
- شغل، شغل إيه بس يا فؤاد، مش المفروض إنك في أجازة؟
ابتسم ليقول في محاولة منه لإلهائها:
- بس إيه القمر ده، فيه حد يقوم من النوم قمر كده؟
اتسعت ابتسامتها ليجذبها من كفها ويتحرك بجانبها قائلًا:
- أنا طلبت الفطار، تعالي ناخد شاور على ما الروم سيرفس يجيبوه.
تطلعت لحمام السباحة ومياهه الرائعة لتنطق بسعادة:
- وبعد الفطار نعوم شوية.
ابتسم يجيبها بتأكيد على تلبية طلبها:
- نعوم شوية.
***********
بمكان آخر
تمددت على الفراش بإعياء شديد، فهناك جيوش من الآلام تنهش برأسها، حتى هذا الرباط اللعين التي أحكمت عقده لم يستطع إحجام ضراوته. جلست وبدأت بتدليك جبينها بحركة دائرية عله يخفف من ذاك الوجع المصاحب لها منذ أن تلقت ذاك الخبر المشؤوم. استمعت لوصول رسالة على هاتفها الجوال، تنفست بغضب لتبسط ذراعها وتجلب الهاتف من جانبها. نظرت بتطبيق الواتساب لترى المرسل رقمًا غير مسجل بهاتفها ففتحته لترى مقطع فيديو تسبقه رسالة صوتية. استمعت إليها وكان فحواها كالآتي "الفيديو ده يخص سيادة النائب جوزك، اتفرجي عليه لوحدك وأوعي تتصرفي قبل ما نتكلم، عندي لك اتفاق هيعجبك قوي وهيشفي غليلك". تعجبت من الرسالة وصوت المرسل الذي يشبه الآلة لتفتح الفيديو لتجحظ عينيها وتمتلئ بغضب جحيمي ينذر بأن الأسوأ قادم لا محالة.
رواية انا لها شمس الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم روز امين
اتسعت عينيها في ذهول، وعقلها رافض بضراوة تصديق ما تراه أمامها بذاك الفيديو اللعين، إنه زوجها لا غيره يلج من باب شقة تحتوي على أثاث فاخر، وبجانبه رجل يحمل الكثير من الأغراض حيث أدخلها للمطبخ المفتوح على البهو حيث صُمم على الطراز الأمريكي. وما أن خرج الرجل حتى هرولت لاستقباله فتاة أنيقة على درجة عالية من الجمال، ترتدي ثوبًا يكشف جميع مفاتنها، وترفع شعرها الأشقر للأعلى بطريقة منمقة، لتصيح بسعادة وهي تتعلق بعنق ذاك الأبله لتخبره بصوت حماسي وعينين خبيثة توحي لعدم صدق ما ينطق به لسانها، استطاعت تلك الداهية قراءة ما بهما بمنتهى السهولة:
- وحشتني يا نصورتي، وحشتني قوي.
ليرد عليها ذاك المتصابي الأرعن:
- مبلاش الاسم البايخ ده...
قالها باستنكار وهو يقربها إليه، لتمط تلك الحقيرة شفتيها بدلال قبل أن تنطق بدلال يجعل من الأصم ينطق:
- بدلعك.
لينطق ذاك الأبله بصوت غليظ أشعل نار تلك التي تشاهد الفيديو:
- مبحبش دلع الأسامي، أنتِ عارفة الدلع اللي بيجيب معايا من الآخر واللي بسببه ليكِ غلاوة عندي.
ضحكت تلك المتسلقة برقاعة قبل أن تقول بدلال جعل من نيران قلب ذاك الأخرق تشتعل، وهذا ما ظهر بملامح وجهه:
- الدلع بكل أنواعه موجود وحصري عند شذى حبيبتك، تعالى الأول نتغدى وبعدها أوريك الدلع على أصوله.
جذب ذراعها بقوة لترتطم بصدره من جديد وهو يقول بلهفة واشتياق ظهرا بعينيه:
- تعالي هنا رايحة فين، هو الغدا هيطير؟
أطلقت ضحكة رقيعة من جديد لتتحرك معه صوب إحدى الغرف استنتجت تلك المحترقة أنها حجرة نوم.
استمعت لذاك الحديث الذي أضمر النار داخل قلبها لتتوحش نظراتها لتوحي بغضب جحيمي لو أطلق له العنان لأطاح بالأخضر واليابس بجميع البلدة. هبت من فوق الفراش وأسرعت بخطوات هوجاء لتطيح بذاك الحقير ناكر الجميل وتسحقه سحقًا. تسمرت بوقفتها بغتة بعدما أمسكت بمقبض الباب استعدادًا لفتحه، لكنها أفلتت المقبض لتسحب كفها عنه وهي تفكر برسالة ذاك الباعث المجهول. عادت لتقف بمنتصف الغرفة تدور حول حالها وجسدها ككتلة نار متوهجة. همست بهسيس من بين أسنانها وشرارات نارية تتطاير من مقلتيها لو خرجت لتفحمت الحجرة بلحظة:
- آه يا واطي يا قليل الأصل، بقى على آخر الزمن تخون "ستهم"، ستك وتاج راسك وراس أهلك.
جن جنونها ولم تستوعب بعد من أين أتى ذاك الحقير بتلك الجرأة للإقدام على خيانتها، لتهمس كفحيح الأفعى بملامح نارية:
- ورحمة أبويا الحاج ناصف اللي نضفك وعمل منك بني آدم، لأخليك عبرة لأي حد يفكر يدوس على طرف ستهم، ولأرجعك شحات زي ما خدتك يا نصر يا ابن عزيزة.
استمعت لرنين صوت هاتفها معلنًا عن وصول مكالمة، هرولت تلتقط الهاتف بعنف لتجده نفس الرقم غير المدون لترد سريعًا بسخط وغضب عارم:
- أنتَ مين يا ابن الـ...، وجبت منين الزفت اللي بعته ده؟
سبته بلفظ نابي جعل من الدماء تفور وتصل لدماغه ليهتف من بين أسنانه بغضب عارم بعدما احتدمت ملامحه:
- اخرسي يا ست أنتِ واسمعيني كويس.
احتدمت ملامحها بسخط، وقبل أن تقوم بتوبيخه لتجرئه على محادثتها بتلك الفظاظة قاطعها بصوت حازم أربكها لتعلم أنها تحادث شخصًا ذا هيبة ولن يقبل بالتطاول عليه:
- بدل ما تطولي لسانك عليا المفروض تشكريني على إني فتحت عينيكِ وعرفتك حقيقة الراجل اللي عايشة معاه وفاكراه مخلص ليكِ.
وتعمد التلفظ بكلمات لاذعة للتقليل منها ليزيد من اشتعال روحها باتجاه زوجها الذي جعل منها مادة لسخرية أحدهم:
- وهو مقرطسك ومتجوز عليكِ واحدة صغيرة ترجع له شبابه وتحسسه إنه لسه مرغوب من الجنس الناعم.
جحظت عينيها وكأن كلماته تلك كانت وقودًا سُكب بقوة ليزيد نيران ثورتها اشتعالًا وتأججًا لتصيح بحدة وإنكارًا لحديثه:
- أنتَ بتقول إيه يا جدع أنتَ، مين ده اللي اتجنن في عقله علشان يتجرأ ويتجوز على ستهم؟!
- أمال أنتِ فاكرة شذى دي تبقى مين؟!
سؤالًا متعجبًا طرحه عليها لتباغته بما جعل الاشمئزاز يصيبه من صاحبة ذاك التفكير المنحرف:
- تبقى واحدة من النسوان الشمال لفت على الأهبل علشان تقلبه في قرشين وهو زي المقطف وقع على بوزه، بس ما أبقاش اسمي إجلال بنت الحاج ناصف ولا شعري ده يبقى على مرَّة إن ما خليته يلف حوالين نفسه ويقول حقي برقبتي.
ابتسم ساخرًا لينطق متهكمًا:
- طب اسمعيني كويس يا إجلال يا بنت الحاج ناصف، نصر متجوز شذى بعقد عرفي من خمس سنين بحالهم، وشاري لها الشقة دي ومقعدها فيها وكل ما بينزل مصر لحضور جلسة في البرلمان بيبات عندها، وأي ليلة بيباتها بره البيت بتبقى عندها.
شرارات نارية باتت تتطاير من مقلتيها، لو أن ذاك المسكين أمامها الآن لقبضت على عنقه وما تركته حتى يلفظ أنفاسه الأخيرة. أخرجت صوتًا كفحيح الأفعى وهي تسأله:
- بالك الكلام ده مايطلع كذب هعمل فيك إيه يا جدع، هجيبك إن شاء الله تكون في بطن الغول وهخليك تكره اليوم اللي أمك ولدتك فيه.
رفع رأسه للأعلى يأخذ شهيقًا ويزفره بقوة ليمد روحه بقوة خارقة يتحمل بها تلك الحمقاء وحديثها الفظ معه لينطق بنبرة حادة:
- من غير طولة لسان وكلام كتير لا أنا ولا أنتِ عندنا وقت ليه، أنا هبعت لك حالاً صورة العقد العرفي على الواتس وتقدري تتأكدي من إمضة جوزك، أكيد أنتِ عارفاها كويس.
قطبت جبينها مستغربة حديث ذاك الغامض لتسأله مستفسرة:
- أنتَ مين؟!
- ميخصكيش...
نطقها بصوت بارد كالثلج ليتابع بهدوء مميت:
- كل اللي يهمك إني فتحت عيونك على خيانة جوزك ليكِ وده اللي يهمك، غير كده ملكيش فيه.
هزت رأسها بتوافق مع رأيه لتهمس من بين أسنانها بسخط ووعيد:
- ماشي يا نصر، أنا هعرفك النهاردة مين هي إجلال.
بنبرة حادة نطق بتوبيخ:
- تبقي غبية لو بتفكري تواجهيه النهاردة.
هتفت تسأله بحدة واستنكار:
- نعم يا أخويا؟ أنتَ عاوزني أسكت بعد المصيبة اللي عرفتها دي؟!
أجابها بدهاء وهو يوجهها لما عليها فعله:
- لازم تسكتي، "الانتقام وجبة يفضل أن تقدم باردة".
ضيقت بين عينيها لتسأله بعدم فهم لحديثه الذي يصعب على عقلها استيعابه:
- يعني إيه كلامك ده يا أفندي؟
أجابها بدهاء خطط له جيدًا:
- يعني اللي زي نصر البنهاوي محتاج تخطيط بعيد المدى علشان تقدري تاخدي حقك منه كويس، هو افترى عليكِ ونسي أفضالك وأفضال أهلك عليه بسبب منصبه اللي مقويه.
قطبت جبينها تحاول استيعاب كلماته ليباغتها مفسرًا:
- كرسي المجلس.
صاحت بحدة متوعدة:
- وحياة ندالته وخسته معايا ما هو شايفه تاني، وزي ما دخله على إيدي، هيخرج منه بردوا على إيدي.
أغلقت الهاتف بعدما أثنى هو على حديثها الذي نال استحسانه وسرد عليها ما يجب فعله ليرفع قامته للأعلى يحتفظ بأكبر قدر من هواء البحر النقي ويزفره براحة وهو يتذكر اتفاقه مع تلك الـ "فُتنة"، حيث علم بوجود زوجة سرية في حياة نصر بعدما أبلغ رجاله بوضعه هو وأنجاله تحت المراقبة الشديدة. توصل إلى العاملة وطلب منها مراقبة المنزل وزرع بعض الكاميرات ببهو المسكن بشكل قانوني سيخدم قضية تهريب الآثار، وقد تم هذا بعدما أبلغ النائب العام بجميع المعلومات التي حصل عليها بالأدلة وأخذ الإذن منه بالمراقبة. طلب أيضًا من الفتاة بأن تبحث عن عقد تلك الزيجة العرفية وتقوم بتصويره عبر كاميرا هاتفها وقد حدث بالفعل فقد كان موضوعًا بإهمال داخل درج الكومود، فهذا العقد لا يشكل أهمية لتلك الشذى وتفكيرها المتحرر بأفكار شاذة. ابتسم بجانب فمه ورفع ذراعيه يمطئ ظهره باسترخاء قبل أن يستمع لنقرات كعب حذائها العالي وهي تقترب منه ليلتفت للخلف وسرعان ما أطلق صفيرًا وهو يتطلع عليها مشدوهًا بجمالها الزائد عن الحد. تبسمت لتدور حول حالها بمرح لتسأله وهي تستعرض ثوبها الأنيق الذي ابتاعه لها خصيصًا منذ أسبوع من دار أزياء عالمية مقرها "باريس" ليصل للتو كي تحضر به سهرتهما الأولى خارج الفيلا:
- إيه رأيك؟
فرد ذراعيه بطريقة استعراضية ومال برأسه جانبًا لتقييم ثوبها الذي ارتدته للتأكد من ضبط المقاس لينطق بانبهار ظهر بمقلتيه:
- يجنن يا روحي، كأن الفستان اتفصل مخصوص علشان حبيبة حبيبها.
غمرها شعور هائل بالسعادة واقتربت عليه تلف ذراعيها حول عنقه بدلال ليحيط هو الآخر خصرها بساعديه لينطق وهو يرفع حاجبه الأيسر بتمعن:
- بس كده هضطر آسفًا أغير رأيي وبدل ما نخرج بالليل هنقضي السهرة هنا.
قطبت جبينها مستغربة ليجيبها بمشاكسة وهو يهز رأسه بأسف مزيف:
- مش هستحمل أشوف نظرات الناس وهي بتبص على البرنسيس ويتملوا في جمال عيونها وسحر قوامها اللي جاب سيادة المستشار على بوزه.
أطلقت ضحكاتها المتدللة على زوجها الذي لا يترك مناسبة إلا وغمرها بكلماته الغرامية التي تحمل روحها وتصعد لعنان السماء. وقفت على مقدمة حذائها لترفع جسدها للأعلى كي تقترب من مستوى طوله وتضع قبلة فوق شفتيه ليندمج معها وتطول قبلتيهما ليبتعدا مضطرين لحاجة رئتيهما للهواء. ابتعدت بجسدها لتقول بنبرة حماسية:
- هروح أغير الفستان وأعلقه علشان يبقى جاهز للسهرة.
غمز بعينيه وهو ينطق بتوصية:
- البسي المايوه ويلا علشان ننزل البحر، الجو تحفة النهاردة.
أومأت له لتنسحب للداخل تحت نظراته العاشقة التي شملتها برعاية حتى اختفت خلف الباب. بعد قليل كانت تتعلق بأحضانه داخل البحر المقابل للفيلا التابعة لهما حيث الخصوصية التامة. كانت تشعر باسترخاء تام لروحها وجسدها معًا. تعلقت بعنقه لتقول بوجه يحمل الكثير من الرضا والسعادة وهي تتطلع على روعة المكان:
- عارف يا فؤاد، حاسة إن المكان ده فيه من الجنة.
تسطح على ظهره ثم قام بجذبها لتصعد فوق جسده وبدأ العوم لينطق مصححًا لها تفكيرها الخاطئ:
- لا يمكن يبقى فيه أي تشابه أو ربط بين مكان موجود على الأرض ومكان ربنا سبحانه وتعالى أبدع فيه علشان يقدمه مكافأة لعباده المخلصين الطائعين.
- ونعم بالله يا حبيبي...
قالتها بخجل لتتابع بأسف:
- يمكن خاني التعبير لأن المكان سحرني.
ابتسم وتحدث براحة:
- حتى المكان هنا إبداع من صنع الخالق، لأن كل ده منظر طبيعية، البحر والشجر والجو.
أراحت رأسها على صدره لينطق بصياح معترض:
- أوعي تقولي إنك نعسانة.
أطلقت ضحكة عالية لتقول وهي تتثاءب بنعاس وجسد خمول:
- وهو يعني بإيدي يا حبيبي، والله غصب عني بلاقيني نعست.
تنهد باستسلام لينطق بمداعبة:
- أنا شايف إننا نقطع الهاني مون ونروح ننام في بيتنا أحسن.
لكزته بكتفه كاعتراض على سخريته منها ليطلق هو ضحكاته التي صدحت من حولهما وبدأ يعوم بها أسرع مما أسعدها.
*************
من داخل صالة الزيارات الخاصة بسجن النساء المتواجد بالقاهرة الكبرى، تجلس تلك السيدة الأنيقة التي ظهر الشيب والتجاعيد على وجهها بعد ما حدث لابنتها وزوجها. تنتظر خروج ابنتها لحضور موعد الزيارة الشهري. تنهدت بحزن ظهر على ملامحها وهي ترى خروج ابنتها بذاك الجلباب الأبيض والحجاب الموضوع على رأسها بإهمال. تذكرت أناقتها وسحرها وجمالها الصارخ الذي كان يوقع كل من ينظر إليها من الرجال صريعًا بعشقها. أما الآن فقد تحولت على النقيض وانطفأت لمعة عينيها بفضل ما حدث لها. رغم مرور عدة أعوام على مكوثها بالسجن إلا أنها لازالت للآن تعيش حالة من الإنكار للواقع وتحيا على أمل أن يسامحها زوجها ويعفو عن أخطائها ويأتي ليخرجها وتعود معه من جديد لتحيا حياة الترف والبذخ وتعوض ما فاتها في هذا المكان اللعين. أقبلت على والدتها التي وقفت تستقبلها بالأحضان والدموع ككل مرة تقوم فيها بزيارتها. بعد السلام والاطمئنان على صحتها سألتها الأخرى السؤال الروتيني لكل زيارة:
- لسه ما اتكلمتيش مع فؤاد تاني يا ماما؟
زفرت الأم بيأس من تعلق نجلتها بأوهام ليس لها أساسًا سوى بمخيلتها المتعلقة بالماضي. نطقت الأخرى تتساءل عندما طال صمت والدتها:
- مبترديش عليا ليه؟!
هتفت بحدة:
- هرد أقول لك إيه يا نجلا، أنا تقريبًا كل زيارة بنقضيها في الكلام في نفس الموضوع وكل مرة بجاوبك نفس الإجابة وياريتك بتقتنعي.
- يعني ما قابلتهوش؟!
قالتها بملامح وجه ساخطة لتتابع بحدة وهي تلقي اللوم عليها:
- طبعًا مش هتروحي له، ما أنتِ عايشة حياتك ولا همك رميتي في الزفت ده، أنا متأكدة إن فؤاد لسه بيحبني، بس محتاج يحس إني ندمانة على اللي عملته، لو روحتي وبلغتيه ندمي وإني ناوية أخلف له الولد اللي بيحلم بيه أنا متأكدة إنه...
- فؤاد اتجوز يا نجلا...
نطقتها بقوة لتبتلع الأخرى باقي كلماتها وتظهر عليها صدمة وقوع الخبر لتهمس بهسيس غير مفهوم لدى والدتها:
- مس... مستحيل فؤاد يلمس ست غيري، هو بيحبني أنا متأكدة، ده ميقدرش يستغنى عني، أصلًا مش هيلاقي واحدة في سحري وجمالي.
نزلت دموع والدتها لتنطق بقلب ينزف لأجل وحيدتها التي تعيش خارج نطاق الواقع:
- فوقي بقى يا بنتي من الوهم اللي بقالك سنين حابسة نفسك فيه، فؤاد لو بيحبك مكنش رماكِ هنا من أصله، أنتِ دمرتيه بالمعنى الحرفي وجرحتي رجولته في أكتر من موضوع، واسترسلت بتأكيد:
- واللي زي فؤاد عمره ما يسامح في الخيانة أبدًا.
- اتجوز سميحة مش كده...
قالتها بعينين حادتين لتتابع باستشاطة:
- طول عمرها بتجري وراه وهو ولا معبرها، كانت هتتجنن يوم ما خطبني وفضلني عليها، عمرها ما حبتني، أكيد استغلت بعدي عنه وحاولت توقعه في شباكها، وواضح إنها نجحت.
نظرت لوالدتها لتجيبها الأخرى بصوت استسلامي:
- مش سميحة، أماني عبد المجيد كانت معزومة على حفلة عندهم وهي اللي قالت لي، الحفلة كانت بمناسبة جوازه وترقيته في نفس الوقت.
واستطردت وهي تترقب نظرات ابنتها:
- أماني قالت لي إن شكله بيحبها قوي لأنه طول الوقت كان حاضن إيدها ومسيبهاش دقيقة واحدة طول الحفلة، قالت لي كمان إن طول الوقت كان بيضحك ووشه سعيد.
تطلعت على والدتها بملامح وجه مبهمة لتتابع الأخيرة بنصح:
- انسيه وحاولي تتأقلمي علشان تقدري تعدي الكام سنة اللي فاضلين لك هنا وتخرجي.
أخذت نفسًا عميقًا ومازال الصمت يخيم عليها.
*************
ليلًا بجزر المالديف، بداخل أحد الأماكن الليلية المخصصة للسهر، كانت ترقص اسلو بين يديه تستند برأسها على كتفه يلتصق أنفها بجلد عنقه، ذائبة برائحة عطره الممزوجة برائحة جسده التي باتت تعشقها. رفعت رأسها قليلًا تتطلع عليه فغمز لها بعينيه ثم مال يطبع قبلة خفيفة على وجنتها قائلًا بجاذبية:
- حبيبي أحلى وأجمل وأرق ست شافتها عيوني.
يسلبها عقلها بكلماته الرائعة يشعرها أنها سيدة قلبه الوحيدة ومالكة فؤاده. لفت إحدى ذراعيها حول عنقه لتعلو بكفها تتلاعب بأناملها الرقيقة بين خصلات شعره الناعمة مما أوشكه على فقدان عقله ليهمس بجوار أذنها بكلمات دعابية:
- بطلي شقاوة ومتنسيش إن إحنا بين الناس.
قطبت جبينها لتنطق بمشاكسة:
- فصلتني يا شرشبيل.
أجابها بغمزة وقحة:
- مبلاش تجيبيه لنفسك لينتهي الأمر في الجاكوزي.
ضحكت بدلال وأسندت رأسها من جديد على صدره وهي تقول:
- أنا بحب أجيبه لنفسي.
مال على أذنها وبدأ يهمس بكلمات جعلت روحها رخوة بين يديه. تابعا رقصتهما الناعمة حتى انتهت لينطق وهو يسحبها من كفها للاتجاه صوب الطاولة المحجوزة لهما:
- العشا نزل يا حبيبي، يلا علشان جُعت.
تناولا عشائهما تحت عدم رغبة إيثار في تناول الطعام وكالعادة أسندت السبب لتغيير البلد والعادات. وبعد الانتهاء عادا إلى المنزل بعد أن تنزها داخل الجزيرة. وبعد مرور حوالي الساعة كانت تستند بظهرها على صدر ذاك المستند بظهره على جدار الجاكوزي ملقيًا رأسه للخلف. أما ذراعيه فكانتا تلتفان حول خصر حبيبته المسترخية بين أحضانه بعينين مغمضتين باستمتاع بعدما قضيا وقتًا حميميًا قبل قليل. سألها بصوت يوحي باسترخائه:
- مبسوطة يا حبيبي؟
استدارت بجسدها لتقابل وجهه لتنطق بنبرة لامرأة هائمة بعشق رجلها الأوحد:
- قوي يا حبيبي، مبسوطة قوي وبتمنى الأوقات الحلوة دي تدوم.
- هتدوم يا عمري، إن شاء الله هتدوم...
قالها ليجذب رأسها عليه ويلتهم شفتيها في قبلة حميمية أثارت كلاهما وجعلتهما يدخلان في جولة عشقية أخرى.
*************
صباح اليوم التالي مباشرة، وقفت بوسط غرفتها لتضع وشاحًا أسودًا على كتفيها بعدما ارتدت عباءة سوداء وحجابًا من نفس اللون لتتوشح بالسواد كاملًا. صوبت نظراتها الحادة نحو الباب وتوجهت إليه بعدما عقدت النية على وضع أول حجر في خطة تدمير نصر وتجريده من منصبه الذي استقوى به وبات يتصرف كالطاووس المغرور. خرجت من غرفتها لتجد جميع الرجال يجلسون ببهو المنزل منتظرين تجهيز وجبة الإفطار ليتناولوها ومن ثم ينصرفون كل إلى عمله. أغلقت باب الغرفة بقوة لتصوب عليها أعين جميعهم وكانت تلك هي المرة الأولى التي ترى فيها ذاك الحقير زوجها بعدما علمت بخسته معها. فمنذ مشاجرتهما الأخيرة أمام أعين نجليهما وهي تسكن في غرفتها لحالها بينما انتقل هو لغرفة أخرى بعيدًا عنها كاعتراض منه على تعرضه لإهانة كبرى على يدها على مرأى ومسمع جميع ساكني المنزل. رمقته بنظرات توحي بغضب جحيمي لو خرج لحولته لجمرة شديدة الالتهاب لتصيح بكامل صوتها وهي تنادي على العاملة:
- صباح، أنتِ يا بت!
أتت الفتاة على عجالة لتنطق بصوت مرتجف:
- أؤمري يا ستهم.
- اطلعي قولي للغفير يقول للسواق يجهز العربية حالًا.
وقف طلعت يسألها مستغربًا هيأتها وحديثها:
- على فين يا ستهم؟!
أجابته بقامة مرتفعة:
- رايحة عند خالك محمد.
قطب نصر جبينه وهو يشملها مستغربًا تصرفها، عادة هي لا تخرج من المنزل مبكرًا هكذا، أما بالنسبة لأشقائها فهم دائمًا من يبادرون بزيارتها لما لها من هيبة بالعائلة قد فرضها والدها على الجميع. سألها حسين بارتياب من هيأتها الحادة التي وبرغم تحكمها الرهيب بنوبة غضبها التي لو سمحت لها بالخروج لأحرقت وما تركت أخضرًا أو يابس لكنها لم تستطع التحكم بظهور الغضب العارم على ملامحها:
- خير يا ستهم، رايحة بدري ليه كده عند خالي؟!
أجابته وهي تعدل من وشاحها:
- عوزاه في موضوع.
شعر بالريبة من هيأتها ليتنازل عن كبريائه ويبادر بالحديث معها ليسألها بنبرة جادة بعدما أثارت فضوله لمعرفته:
- موضوع إيه اللي موديكِ من النجمة كده عند الناس، ده تلاقيه لسه مصحيش من النوم لحد الوقت.
ابتسمت ساخرة لترمقه بنظرات مبهمة احتار بتفسيرهم لتنطق بزيف كي تزيل الشكوك من عقل ذاك الأحمق:
- رايحة له بسبب حتة الأرض البحرية اللي مراته ورثتها عن أبوها، عاوزة أشتريها منها.
- وهي هتوافق؟!
سألها بفضول لتنطق بجبروت ليس بالجديد عليها:
- غصب عنها مش بمزاجها، طالما ستهم أمرت يبقى مقدمهاش حل غير التنفيذ.
وتابعت بضغط كي تشعره بالعجز:
- وآهو بالمرة يشوف لي حد من معارفه الكبار يخرج لي عمرو من الحجز.
استشاط داخله من تلك المرأة التي لا تفوت فرصة إلا وعرضته للإهانة وتشعره بصغر حجمه أمام أفراد عائلتها ليقطع نظراتهم الحادة ولوج الغفير مهرولًا وهو يخبرها:
- العربية جاهزة يا ستهم.
تحركت للخارج تحت نظرات نصر ونجلاه.
خرجت لتجد السائق مهرولًا ليفتح لها الباب، استقلت المقعد الخلفي وانطلق السائق لتقول بنبرة جادة:
- وديني على بيت الحاج هارون ابن عمي، ولو الحاج نصر ولا أي مخلوق سألك كنا فين هتقول له كنا عند الحاج محمد أخويا.
واسترسلت بنبرة شديدة اللهجة:
- مفهوم يا عيسى، ولا تحب أعيد كلامي؟
ابتلع الرجل ريقه لينطق متلعثمًا:
- مفهوم يا ست الناس.
بعد قليل توقفت السيارة وترجلت لتدق باب المنزل وتفتح لها العاملة التي هتفت بعدم تصديق:
- يا أهلًا بست الناس.
سألتها وهي تقتحم المنزل بخطواتها التي تشبه الطاووس بزهوه وعجرفته وكبريائه:
- سيدك هارون فين؟!
- هنا أهه يا ستهم...
قالتها المرأة وهي تشير للداخل حيث يجلس هارون حول منضدة الطعام بصحبة زوجته أزهار وأنجاله ليقف هارون مذهولًا لما يراه بأم عينيه، فتلك هي المرة الأولى التي تأتي بها لزيارته ابنة عمه وقصة عشقه القديم بل والأزلي التي فضلت عليه ذاك الحقير وتزوجته رغم فقره وتدني مستوى عائلته المادي. ترك الطعام من بين يده ليهرول لاستقبالها مهللًا كمراهق أحمق:
- أنا في حلم ولا في عِلم يا ولاد، بقى معقول ستهم بنت الحاج ناصف على سِن ورُمح جاية تزورني في قلب بيتي.
- إزيك يا هارون...
نطقتها باستعلاء ليجيبها بتذلل ونبرة توحي بعشق تلك الجبروت المستوطنة بأعماق قلبه ولن تُمحى سوى بطلوع الروح:
- بخير طول ما أنتِ بخير يا ست الناس.
رمقت أزهار زوجها بنظرات احتقارية وهي تراه يتذلل لتلك التي طالما بغضتها لعشق زوجها لها حتى قبل الزواج كان الجميع يفضلها على بنات العائلة لذا صرن جميع الفتيات يكنن بقلبهن حقدًا لها. فاقت من شرودها على صوت تلك المغرورة وهي تتهكم عليها:
- جرى لك إيه يا بنت عمي، مش هترحبي بيا في بيتك ولا بلعتي لسانك من المفاجأة؟
ازدردت ريقها لتنطق بصوت خرج حاد رغمًا عنها:
- لساني لسه مطرحه وبيرن يا ستهم، بس المفاجأة خلتني استغرب شوية.
لتسترسل بنبرة أظهرت عدم ترحيبها بتلك الزيارة:
- خير يا إجلال؟!
ارتجف جسدها رُعبًا عندما هدر صوت تلك الغاضبة لتنبيهها:
- اسمي ستهم يا أزهار، إجلال ده محدش كان بيجرأ ينطقه إلا الحاج ناصف الله يرحمه.
ابتلعت لعابها ليهدر بها زوجها موبخًا إياها:
- جرى لك إيه يا أزهار، هتفضلي واقفة كده كتير، ادخلي أنتِ ونسوان عيالك وبناتك جهزوا فطار يليق بستهم حالًا.
هتفت بنبرة صلبة جلجلت بالمكان:
- أنا مش جاية علشان أفطر يا هارون، عندي كلمتين ليك هنقولهم وهمشي على طول...
لتتابع بتعالي:
- شوف لنا حتة نعرف نتكلم فيها لوحدنا.
- نعم، لوحدكم إزاي يعني؟!
كلمات حادة نطقتها أزهار ليصدح صوت إجلال متجاهلة حديث ابنة عمها:
- خلص يا هارون، أنا مش فاضية للوقفة دي.
أشار لها سريعًا إلى حجرة استقبال الضيوف وتحركا حتى اختفيا كلاهما تحت استشاطة أزهار التي هتفت من بين أسنانها والغيرة تنهش قلبها:
- ولية عقربة قليلة حيا، ربنا يديني طولة العمر وأشوفك وأنتِ مذلولة يا إجلال يا بنت زهيرة قادر يا كريم.
هتف نجلها الأكبر بتنبيه:
- اسكتي يا أما وخلي اليوم يعدي على خير.
صمتت مجبرة خشية بطش تلك المتجبرة. أما بالداخل جلس ذاك الأبله مقابلًا لها يتفحصها بنظرات عاشقة متشوقة لحبيبة الصبا لينطق بصوت خاضع:
- أؤمريني يا ست الناس.
رمقته بنظرات مبهمة لتهتف هي بجبروت امرأة قررت الانتقام من رجلها المفضل:
- من غير لف ودوران وكلام كتير، أنا عوزاك تقدم في انتخابات مجلس الشعب.
ذُهل الرجل من طلبها ليسألها مستفسرًا:
- قصدك الانتخابات اللي هتبدأ بعد أسبوعين؟!
- عليك نور...
قالتها بتأكيد ليعود متسائلًا باستغراب:
- طب ونصر؟!
- كفاية عليه لحد كده، هرشحك قصاده...
قالتها بقامة مرفوعة ليبتلع لعابه ويسألها مستفسرًا:
- طب ما أنا لو دخلت قصاده هو اللي هيكتسح زي كل سنة.
- أنا معاك وفي ظهرك يا هارون، يعني ما تقلقش...
قالتها لتطمئنه ليجيبها بارتياب:
- نصر مبقاش قليل يا ستهم، وعنده ناس ياما بره البلد هتختاره.
اشتعلت عينيها وامتلأت بشرارات الغضب لتهتف بحدة من بين أسنانها:
- شكلك ناسي أنتَ قاعد قدام مين يا هارون، أنا ستهم بنت الحاج ناصف، وأخواتي وأنتَ وولاد عمك اللي عملتوا لنصر قيمة عن طريقي، وأنا اللي بإيدي ههد القيمة دي وأزيلها من على الوجود.
قطب جبينه وعلم أن نصر قد أخطأ وأغضب تلك الجبروت وسيزول ملكه بيدها ليسألها بتخابث:
- هو نصر هبب إيه خلاكِ قلبتي عليه بالشكل ده؟!
بعينين حادتين كنظرات الصقر أجابته:
- مش شغلك وياريت تنفذ اللي بقولك عليه من سُكات.
واسترسلت بنبرة تهديدية:
- بدل ما أقلب عليك أنتَ كمان.
ازدرد لعابه لتتابع بإملاء:
- جهز ورقك كله وقبل ما باب الترشيح يقفل بساعة واحدة هخلي المحامي ياخدك ويقدم لك الورق، وبعدها هعمل اجتماع للعيلة وهبلغ الكل، وكلنا هندعمك ونعمل لك دعاية في المركز كله.
واسترسلت بابتسامة ساخرة:
- وأظن أهل المركز مش هيسيبوا ابن عيلة الهلالية ويدوا صوتهم لنصر.
ابتسم لدهائها لتكمل هي:
- بس خلي بالك، الكلام ده سر بينا يا هارون، لو خرج لأي مخلوق قبل الساعة اللي اتفقنا عليها هزعلك قوي.
قالتها بتحذير شديد اللهجة ليسألها مستفسرًا:
- اشمعنى أنا يا ستهم، ليه مش واحد من إخواتك؟!
أجابته لعلمها بشدة غيرة نصر من هارون لأنه بالماضي كان أغنى وأعرق منه مما جعل والدها وأشقائها يفضلونه على ذاك السعلوق التي تشبثت برأيها وتمسكت به لعشقها له وبالأخير انساق الجميع لرغبة تلك الجامحة:
- علشان أنتَ الوحيد اللي هتوجع نصر قوي.
أرجع ظهره للخلف وابتسم بزهو بعدما فهم المغزى من وراء حديثها.
*************
بعد مرور عشرة أيام منذ سفر العاشقين، عادا من جولة عشقهما منذ يومين ليلقيا ترحابًا واحتواءً من جميع العائلة. فاقت من نومها في حدود الحادية عشر ظهرًا. تمللت بفراشها وزفرت بضيق لكثرة وخمها في الفترة الأخيرة. سحبت جسدها للأعلى لتستند بظهرها على خلفية التخت. تغيرت ملامحها بعدما مرت بمخيلتها ما يشغل بالها منذ اليومين، فقد خلفت عادتها الشهرية ميعادها وحينها فقط ربطت بين التأخير وبين حالة الوخم التي أصابتها منذ عشرة أيام. بسطت ذراعها صوب الكومود لتجلب هاتفها وتطلب رقم الصيدلية القريبة من القصر. طلبت منهم إحضار جهاز لاختبار الحمل المنزلي. ثم تحركت إلى الحمام تحممت وقامت بتمشيط شعرها وارتدت ثيابها وأثناء وقوفها أمام مرآة الزينة لتضع القليل من كريمات الترطيب استمعت لبعض الطرقات لتدخل عزة وهي تحمل كيسًا بلاستيكيًا صغيرًا قد أحضره عامل التوصيل لتنطق بوجه بشوش:
- صباحك فل يا ست البنات.
استدارت لتجيبها بوجه شاحب قليلًا:
- صباح الخير يا عزة.
نطقت الأخرى وهي تشير لما بيدها:
- دليفري الصيدلية جاب لك الطلبية بتاعتك والست سعاد أدت له الحساب.
أقبلت عليها وأخذت الكيس من يدها بطريقة متلهفة تعجبت لها عزة لتسألها مستغربة:
- هو أنتِ طالبة إيه يا إيثار؟!
واستطردت بصدق وصل للوقاحة:
- أصل فتحت الشنطة بس لقيت علبة مغلفة جوه ومعرفتش أخمن فيها إيه.
اتسعت عينيها لتنطق باستهجان:
- يعني لو ما وصيتش الصيدلية يغلفوا الطلب للخصوصية كنتي هتشوفيه عادي؟!
ابتسمت لتنطق بطلقائية:
- أنتِ هتكبري الموضوع ليه، ده أوردر من صيدلية، يعني هيكون إيه غير دوا ولا مرهم؟
ابتسمت إيثار على تفكير تلك البسيطة التي تعشقها، فلن تنسى فضلها عليها مهما مر العمر بهما. فهي من شملتها وصغيرها بحنانها وحبها الصادق واهتمت بالصغير وكأنه حفيدها، وطالما حرصت على تعليمه الجانب الديني والأخلاقي مع إيثار، كشرح الصلاة والقرب من الله وحبه والخشوع منه. كل هذا شفيعًا لصاحبة أجمل وأنقى قلب. كانت تريد أن تخبرها بما يدور بخلدها لكنها خشيت ثرثرتها وهي إلى الآن لم تتأكد من إذا كانت حاملة طفلًا من زوجها الحبيب أم أنها أعراض طبيعية لما مرت به مؤخرًا بداية من تعرضها للخطف مرورًا بسفرها مع الحبيب وتغيير الجو والطعام. تحدثت بنبرة هادئة:
- ده كريم التهابات ومحبتش حد يشوفه.
أومأت عزة بتفهم وتحدثت دون الاكتراث وإعطاء الأمر أكثر مما يستحق:
- طب يلا يا حبيبتي علشان تفطري.
- اسبقيني على تحت وأنا هحصلك...
قالتها بهدوء لتربت عليها الأخرى قائلة بحنو:
- ما تتأخريش عليا، عاوزة أشرب معاكِ فنجان قهوة زي زمان.
ابتسمت إيثار لتنطق وهي تمسك بكفها الحنون:
- بس كده، من عيوني يا ست عزة.
واسترسلت بنبرة حماسية:
- وأنا بنفسي اللي هعمل لنا القهوة وهنشربها في الجنينة قدام حوض الورد بتاع علام باشا.
ابتسمت المرأة بحنو وتحركت للخارج أما تلك المرتابة فأسرعت بفتح الاختبار وتوجهت للحمام مباشرة وقامت بالالتزام بالتعليمات المدونة داخل النشرة الداخلية الملحقة بالجهاز وانتظرت تترقب بتمعن وساقيها لم تعد تحملاها من شدة القلق. شعرت بضربات قلبها تدق بوتيرة مرتفعة لدرجة أنها تستمع لها وتشعر بقوتها. لم يكن الحمل الأول لها لكن ظروفه تختلف كليًا، فحبيبها يستحق أن تزف له البشارة بذاك الخبر المنتظر له ولعائلته بالكامل. تلون الاختبار فقد ظهرا الخطان بوضوح لكنها أرادت التأكد أكثر قبل الإفصاح عن الخبر، فلن تغامر بمشاعر حبيبها أبدًا.
توجهت للحديقة تناولت طعامها دون شهية ودخلت المطبخ لتجد الجميع يعملون على قدم وساق لتجهيز وجبة الغداء فقد تخطت الساعة الثانية عشر ظهرًا. وقفت سعاد لاستقبالها تنحني للأمام وهي تتحدث بجدية نظرًا لطبيعة عملها:
- أوامر سعادتك يا هانم.
أجابتها ببشاشة وجه وهي تقبل عليهم:
- أنا جاية أعمل فنجانين قهوة ليا ولعزة.
نظرن جميعهن لبعضهن باستغراب أما عزة الجالسة بجوارهن حول الطاولة فابتسمت بحبور وحنين لتنطق سعاد بنبرة جادة:
- حضرتك تقدري ترتاحي في الرسيبشن والقهوة هتيجي لحد حضرتك.
بابتسامة بشوش وتواضع أجابتها:
- معلش يا مدام سعاد هكسر لك قوانينك المرة دي.
ونظرت لعزة بحنين وحب لتسترسل:
- أصلي وعدت عزة إننا نشرب قهوة مع بعض في الجنينة وأنا اللي هعملها لها بنفسي.
نظرن جميعهن إليها وابتسمن لتواضع تلك الجميلة، فبرغم أنها أصبحت سيدة القصر المستقبلية بكونها زوجة الوريث الوحيد لعلام زين الدين لكنها تتعامل مع الجميع برُقي وبساطة ولا تتعالى على إحداهن. عكس تلك النجلا التي كانت تعاملهن بمنتهى الغرور والتعالي. ابتسمت المرأة وتحدثت بلباقة واحترام زاد أضعاف ما قبل هذا الموقف النبيل:
- المطبخ كله تحت أمر جنابك يا هانم.
- متشكرة يا مدام سعاد...
قالتها لتتحرك نحو موقد الغاز لتهب عزة وتقترب منها لتساعدها. جلبت لها وعاء القهوة وأخرى أشارت لها على السكر ومسحوق القهوة وبدأت هي بصنعها بكل الحب وبعد قليل تحركت بجوار عزة التي حملت الصينية واتجهتا إلى الحديقة. جلستا بهدوء وبدأتا بارتشاف القهوة باستمتاع. وجدت سيارة والدة زوجها تدلف من باب القصر لتصطف جانبًا ويهرول السائق ليفتح بابها لتخرج عصمت بهيأتها الوقورة. وقفت إيثار احترامًا لها بعدما وجدتها تُقبل عليها بابتسامة حنون وهي تقول:
- يا سلام على الناس الرايقة اللي قاعدة تشرب قهوة.
تحدثت باحترام وهي تُشير لها بأن تجاورهما الجلوس:
- اتفضلي حضرتك وهخلي عزة تعمل لك فنجان حالًا.
أشارت بكفها لتنطق برقي:
- متشكرة يا حبيبتي، أنا راجعة مصدعة شوية هاخد شاور ومسكن للصداع قبل ما علام باشا يرجع من شغله.
- بعد إذنكم...
قالتها باحترام وانسحبت للداخل بطريقها، لتنطق عزة باستحسان:
- والنبي الست دي زي العسل.
بعد حوالي نصف ساعة، كانت تجلس أمام مرآة زينتها تضع بعض المرطبات فوق بشرة وجهها وساعديها بعد خروجها من الحمام. استمعت لبعض الطرقات الخفيفة لتنطق بصوت رزين:
- ادخل.
فُتح الباب لتظهر منه إيثار بابتسامتها البشوش لتقف عصمت سريعًا تستقبلها فتلك هي المرة الأولى التي تخطو بها لغرفتها:
- أهلًا يا إيثار.
تحدثت بنبرة خجلة:
- ممكن أتكلم مع حضرتك شوية؟
- طبعًا يا بنتي اتفضلي...
قالتها بترحيب هائل لتنطق الأخرى على استحياء وهي تفرك كفيها ببعضيهما بطريقة أظهرت كم توترها:
- أنا عارفة إن حضرتك راجعة من الجامعة تعبانة، ومش من الذوق إني أجي وازعجك، بس فيه موضوع مهم طالبة مساعدتك فيه.
تحركت إليها حين وجدت حيرتها وخجلها الزائد لتمسك كف يدها وتسحبها للداخل حتى وصلا للمقعدين المقابلين للفراش وتحدثت وهي تحثها على الجلوس لتقول:
- تعالي يا حبيبتي اقعدي واطلبي اللي أنتِ عاوزاه من غير كسوف، واعتبريني زي ماما بالظبط.
تحمحمت وبدأت تتلعثم بالحديث:
- أنا المفروض كانت البريود ميعادها من يومين، لما اتأخرت طلبت اختبار من الصيدلية وعملته من شوية، هو ظهر لي خطين أحمر بس أنا مش حابة أبلغ فؤاد غير لما أتأكد باختبار دم.
واسترسلت بخجل:
- فلو عند حضرتك وقت تكلمي فؤاد وتستأذني منه إني أخرج معاكِ بأي حجة ونروح أي معمل نعمل الاختبار ونتأكد قبل ما أبلغه، مش حباه يتأمل ويفرح وبعدين لا قدر الله التيست يكون غلط وأبقى اتسببت له في إحباط.
كانت تتحدث بتلقائية غير مستوعبة ما تخطر به تلك العطشة لهذا الخبر الذي طالما حلمت به وانتظرته حتى أنها يئست وظنته سرابًا ولن يحدث من كثرة انتظاره. بصعوبة أخرجت كلماتها المتلعثمة وهي تنطق:
- قولي الكلام اللي أنتِ قلتيه تاني كده.
قطبت جبينها غير مستوعبة ما حدث لتلك السيدة لتتابع بعينين متسعتين:
- إيثار، أنتِ بتقولي إنك عملتي اختبار وطلعتي حامل؟!
بتلقائية أجابتها:
- هو الاختبار ظهر خطين أحمر، بس أنا حابة أتأكد.
هبت واقفة لتقف أمامها وتحثها على الوقوف وبفرحة أظهرتها كفتاة بالثامنة عشر من عمرها هللت:
- يعني أنتِ حامل في طفل لفؤاد، يعني أخيرًا هشوف حفيد من ابني وألمسه بإيديا وأحضنه وأشم ريحة فؤاد فيه.
وعلى حين غرة نزلت دموعها لتهتف وهي تحتضنها بحفاوة وتأثر شديد:
- الحمد لله، الحمد لله، اللهم لك الحمد والشكر.
ابتعدت إيثار لتنظر لها بتأثر شديد، فمهما تخيلت فرحة تلك الراقية بذاك الخبر لم تتوقع شدة حبورها التي رأتها بعينيها لتنطق بنبرة هادئة:
- أنا مقدرة فرحة حضرتك بالخبر، بس ياريت نتأكد الأول لأني مش حابة أحبطك ولا أحبط فؤاد.
- أنتِ أصلك مش فاهمة أهمية وقيمة الموضوع ده بالنسبة ليا أنا وسيادة المستشار...
قالت جملتها بلهفة لتهرول على الهاتف وتضغط على رقم نجلها وتنتظر، أتاها الرد سريعًا لتنطق بصوت جاهدت ليخرج متزن:
- إزيك أنتَ يا حبيبي، بقولك يا فؤاد، كنت حابة استأذنك آخد إيثار معايا عند الكوافير، أنا رجعت بدري النهاردة وقلت أروح للكوافيرة بتاعتي وبالمرة آخد معايا إيثار تعمل شعرها.
نطق بحزم شديد يرجع لارتعابه عليها خاصة بعد خروج ذاك الأرعن من محبسه منذ أربعة أيام:
- مش هينفع يا حبيبتي، إيثار مينفعش تخرج من البيت من غيري.
تطلعت لتلك الواقفة تنتظر لتنطق بإصرار:
- يا حبيبي البنت محبوسة في البيت ما بتخرجش أبدًا، ولا حتى سمحت لها تستلم وظيفتها الجديدة في الشركة.
بنبرة جادة أجابها:
- أنا مرتب لكل حاجة يا ماما، أول ما أشوف الوقت مناسب لخروجها هتروح تستلم شغلها في الشركة إن شاء الله، قبل كده مقدرش أغامر بأمانها.
تحدثت وكأنها لم تستمع لمخاوفه لتنطق بنبرة حماسية:
- طب علشان خاطري خليها تيجي معايا النهاردة وصدقيني مش هطلب منك إنها تخرج معايا تاني.
- عجيب إصرارك على خروجها معاكِ ده يا ماما!...
قالها مضيقًا عينيه ليتابع باستغراب:
- ده أنتِ عمرك ما خدتي فريال معاكِ في أي مكان؟!
استشاطت من ذاك الفطن لتنطق بصوت متخاذل بعدما قررت اتباع سياسة الابتزاز العاطفي عليه وتطلعت إلى إيثار لتغمز لها بعينيها بذات مغزى:
- خلاص يا فؤاد، ومتشكرة لأنك عرفتني مقدار غلاوتي عندك.
أغمض عينيه ومسح على وجهه بتعب لينطق بموافقة رغمًا عنه متفاديًا إحزان قلب غاليته:
- وأنا مقدرش على زعل دكتورة عصمت الدويري، خديها معاكِ وأنا هكلم نبيل أخليه يجهز عربية باثنين بودي جارد.
شكرته ونظرت إلى إيثار وتحدثت بلهفة وهي تهرول باتجاه خزانة ثيابها:
- روحي البسي بسرعة وأنا هغير هدومي وفي ثواني هكون جاهزة.
أجابتها بسعادة نابعة لسعادة تلك الراقية:
- هكلم فؤاد استأذنه وأجهز حالًا.
تطلعت عليها باحترام لتنطق بنبرة حنون:
- كنت عارفة إن ربنا هيعوض ابني عن اللي حصل له في حياته، بس مهما تخيلت مكنتش هوصل لكرم ربنا اللي فاض عليه بيه.
اقتربت عليها لتحتضن وجنتيها بكفي يداها لتقول بنبرة تقطر شكرًا وامتنان:
- أنا أول مرة أشوف ابني سعيد وعيونه بتلمع، خليك معاه حنينة كده على طول، فؤاد بيحبك ويستاهل إنك تحبيه وتحافظي عليه.
أجابتها بعينين تفيض عشقًا:
- فؤاد ده عوضي ومكافأتي من ربنا، هو مش بس جوزي، ده حبيبي وأخويا وأبويا، ده كل دنيتي هو ويوسف.
ابتسمت لها عصمت وبعد قليل كانت تحادث زوجها للاستئذان لينطق بمشاكسة وهو يتحرك باتجاه النافذة الزجاجية بداخل مكتبه يتطلع منه على الشارع:
- ده إحنا اتطورنا خالص وبقينا شطار وبنستأذن قبل ما نخرج أهو.
- هو أنتَ ما بتنساش حاجة خالص...
قالتها بمداعبة لينطق بنبرة حنون:
- عمري ما أنسى أي حاجة حصلت ما بينا، أنا عمري ابتدى من يوم ما ظهرتي في حياتي يا إيثار.
تأثرت من صدق مشاعره المتدفقة من بين كلماته المؤثرة لتنطق بنبرة تقطر حنانًا وولهًا:
- وأنا عمري كله بقى ملك إيديك يا حبيبي.
من شدة صدق نبراتها تأثر كثيرًا فبدل الموضوع لينطق مشاكسًا إياها:
- روحي اجهزي علشان ما تتأخريش وارجعي بسرعة علشان تلحقي تنامي لك شوية، النهاردة مفيش نوم بدري ومش هقبل أي أعذار.
واسترسل بوقاحة لم يعرفها سوى مع من ملكت فؤاده واستوطنت:
- البدلة السوداء هتتلبس النهاردة يعني هتتلبس، وخلي اختيار الغنوة عليا.
ضحكت كثيرًا على حبيبها المشاكس الذي أصبح عاشقًا لرقصها. أغلقت لتجهيز حالها وبعد قليل كانت تجلس بمقابل والدة زوجها أمام مكتب طبيبة النساء والتوليد الخاصة بالعائلة لتنطق الطبيبة ببشاشة وجه:
- كل الأعراض اللي حكيتيها لي دي بتأكد إن فيه حمل إن شاء الله.
ثم رفعت ساعة يدها تنظر بها قبل أن تنطق:
- إحنا عاملين الاختبار من...
صمتت لتتابع بدقة:
- عشر دقايق كمان ونتيجة عينة الدم هتظهر وتأكد لنا.
ابتسمت إيثار بارتياب لتسألها عصمت بجدية:
- هو ممكن الاختبار المنزلي يكون غير دقيق ويدي نتيجة غلط يا دكتورة؟
- للأسف ساعات بتحصل...
لتتابع بدقة:
- آه مرات نادرة بس بتحصل، علشان كده أنا كدكتورة بفضل تحليل الدم.
مر الوقت سريعًا واستمعن لطرقات فوق الباب لتنطق الطبيبة بعملية:
- ادخل.
ولجت العاملة لتتحدث وهي تتجه صوب الطبيبة باسطة يدها بالتقرير:
- نتيجة الفحص ظهرت يا دكتورة.
ارتبكت إيثار بجلستها أما عصمت فتأهبت وتخشب جسدها بالكامل وتمعنت بملامح الطبيبة التي فتحت المظروف لتنطق بملامح وجه بشوشة:
- النتيجة إيجابية، ألف مبروك.
رواية انا لها شمس الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم روز امين
دعوني أعترف لكم، فالاعتراف بالحب فضيلة. منذ أن تغلغل غرامها بدمي واستوطن القلب، قلت لحالي والزهو يتملكني: "أنا لها شمس". لكنني وجدت نفسي مخطئًا، فبمرور الوقت اكتشفت بأنني كنت أنا العليل وكانت هي لي الترياق. كنت زاهدًا في الحياة فرزقني الله حبها، وبين ليلة وضحاها أصبحت هي لي حياة تحييني. هبة من الله نزلت على حياتي كبلسم لتضيئها وتجعلها أكثر إشراقًا. هي جميلتي، صغيرتي، سر سعادتي، أملي، وسكني، وسكينتي، وملاذي الآمن. هي من وضعت بين يديها روحي عن طيب خاطر. أنثاي التي أغفو كل ليلة بجانبها بقلب مطمئن وروح سالمة متنعمًا بدفء أحضانها. فإن كنت أنا لها شمس، فهي لي الحياة بأكملها.
***
ما أعظم الشعور بتحقيق حلم ظننته سرابًا خادعًا كلما اقتربت عليه اختفى وظهر بنقطة أبعد حتى خارت قواك من شدة اللهاث خلفه. ويالها من سعادة عندما يهبط عليك غيث الله على هيئة خبر تشتاقه اشتياق العليل للترياق. هذا ما حدث مع تلك الأم المكلومة التي عاشت أعوامًا من الضياع وهي ترى سنوات نجلها تمر هباءً أمام عينيها دون أن ترى له ولدًا يحمل اسمه ويكون امتدادًا لجذور عائلته العريقة. كانت تجلس بالمقعد الخلفي للسيارة تجاور تلك التي وضعها الله بطريق نجلها كي تشرق لهم شمس الحياة وتنثر نورها بكل مكان داخل قصرهم العريق. تشدد بمسكتها لقبضتيها ودموع السعادة تنهمر من مقلتيها ولم تنقطع منذ أن أكدت لهما الطبيبة خبر قدوم حفيدها الأول من ولدها الغالي. تنهدت إيثار وتحدثت وهي تشملها بنظرات حنون:
- كفاية عياط أرجوكِ، حضرتك مبطلتيش عياط من ساعة ما الدكتورة أكدت لنا خبر الحمل.
اكتفت بهزة من رأسها دون حديث، فأي حديث يمكنه التعبير عما تشعر به من فرحة عارمة اجتاحت كل كيانها وتغلغلت. لم تجد أفضل من جذبها لتسكنها داخل أحضانها الحنون لتنطق بصوت متقطع بفضل دموع الحنين:
- تعالي في حضني يا حبيبتي، تعالي في حضني يا وش الخير.
نطقتها بشهقات متعالية قطعت بها نياط قلب الأخرى التي وضعت رأسها فوق كتفها لتمسح تلك الحنون على ظهرها بلمسات كانت كبلسم لجرح عمرها العميق. فمنذ نشأتها لم تشعر بعاطفة الأم ولا بحنانها. كثيرًا كانت ترى الفتيات يغمرن من أمهاتهن دونها. طالما تمنت أن تتذوق طعم الحضن وتشعر لذته. وكان الله بها رحيمًا حيث بعث لها بملاكها الحنون "عزة" تلك التي احتوت خوفها ووحشة أيامها وشملتها بحنانها. وها هي والدة زوجها الآن تقوم باحتوائها وتغمرها بحنان فريد من نوعه، حنان بطعم الشكر والعرفان. وكأن عصمت هي من تحتاج لاحتواء أحدهم وليس الأخرى. شددت عصمت من ضمتها وما زالت دموعها الحنون تنهمر على مقلتيها دون توقف. همست إيثار بنبرة حنون:
- هو أنا ممكن أطلب من حضرتك طلب يا دكتورة؟
ابتعدت عصمت قليلًا لتحتوي وجنتيها بحنان لتنطق بعينين تحمل الكثير من الحب والاحترام:
- أنتِ تؤمري، أي حاجة تعوزيها إن شاء الله يكون لبن العصفور هجيبهولك. بس قبل ما تقولي طلبك عاوزة أطلب منك أنا كمان طلب.
هتفت دون تفكير:
- أنا تحت أمر حضرتك.
ابتسمت من بين دموعها لتنطق بكلمات يسيل من بين حروفها حنانًا هائلًا:
- عاوزاكِ تندهي لي بـ "ماما" زي ما لقبتي علام باشا بـ "بابا".
وتابعت سريعًا بتبرير:
- أنا عارفة إن ماما موجودة ربنا يبارك في عمرها، ومكنتش حابة أطلب منك ده علشان مجبركيش على حاجة أنتِ مش حاساها.
رفعت كتفيها وبابتسامة حنون تابعت:
- بس حقيقي محتاجة أسمعها منك بعد كل الحب والسعادة اللي قدمتيه لابني ولينا كلنا.
انتفض داخلها حبورًا وهزت رأسها بموافقة وهي تنطق بنبرة مرتبكة تأثرًا بحديث تلك الصادقة:
- حاضر، حاضر يا ماما.
شقت ابتسامة حنون لتخرج من بين دموعها ونطقت مستفهمة:
- الوقت جه دورك، يلا قولي اللي أنتِ عاوزاه.
نطقت وهي تتطلع عليها بنظرات خجلة:
- أنا حابة أنا اللي أبلغ فؤاد بنفسي.
واستطردت وعيناها هائمة بعشق رجلها الأول حيث بات حالها يتبدل كليًا حين يذكر اسمه:
- نفسي أشوف فرحة عيونه وأنا ببلغه بالخبر.
ابتسمت السيدة وتحدثت بموافقة:
- حقك طبعًا، أول ما نروح ونتغدا، خدي فؤاد واقعدوا شوية في الجنينة، وأنا هخلي عزة والبنات يطلعوا يجهزوا لكم الجناح لاحتفال صغير على قدكم.
- متشكرة يا ماما، ربنا يخليكِ لينا... قالتها إيثار بمقلتين تكادا أن تدمعا من شدة تأثرهما لتنطق من جديد:
- من حسن حظنا إن فيه بيوتي سنتر هنا في نفس العمارة وإلا الحرس كانوا هيبلغوا فؤاد بخطواتنا وكنا انكشفنا.
أجابتها عصمت بهدوء:
- ما أنا علشان كده أصريت عليهم يفضلوا تحت العمارة وميطلعوش معانا.
بعد مدة وصلتا لحديقة المنزل فترجلت كلتا منهما تحت أعين الحرس المرافقين لهما وتحركت إيثار بجانب والدة زوجها التي سألت الحارس المسؤول عن أخذ السيارة ليصفها بالجراج الخاص:
- البشوات جم يا عامر؟
مال برأسه للأسفل ليجيبها باحترام:
- أيوا يا دكتورة، سعادة الباشا الكبير وصل من نص ساعة والباشا الصغير لسه داخل قبل منكم حالًا.
ما أن استمعت من الحارس عن عودة معشوقها حتى ارتجف جسدها وانتفض القلب ارتيابًا. لا تدري كيف سيستقبل هذا الخبر. تعلم أنه سيسعد لكنها مرتابة ومتشوقة لفرحة عينيه. تحركتا إلى الداخل وكل ذرة بجسد عصمت تنتفض فرحًا وتريد الصراخ لتعلن مهللة للعالم أجمع أن نجلها سيصبح أبًا. ولجتا من الباب الداخلي لتجدا فؤاد ما زال بملابس عمله يقف بوسط البهو ممسكًا بهاتفه ويتحدث إلى والده وشقيقته التي تجاور والدها الجلوس لينطق حين رأى كلتيهما مقبلتين عليه:
- حمد لله على السلامة، لسه رئيس الحرس مكلمني وبلغني إنكم وصلتم.
واسترسل وهو ينظر لحبيبته بعينين متشوقة لرؤياها التي تسر قلبه وتبعث البهجة داخل نفسه:
- قلت أستناكِ نطلع مع بعض على ما الغدا يجهز.
تسارعت دقات قلبها وهي تتطلع عليه. بعينيه حنان الدنيا بأكملها. تأسرها كلماته الحنون واهتمامه الشامل لها يزيد من غلاوته أضعافًا داخل قلبها العاشق. انتفض جسدها وهي ترى عصمت تقترب منه وتحاوط وجنتيه بكفيها الحنونتين تمسد بهما وبدون مقدمات تدفقت دموع الفرح من جديد لتشهق مما جعل الجميع يرتجف هلعًا عليها. حملق بها ليسألها وهو يحتوى كتفيها بارتياب وصل لحد الهلع:
- مالك يا ماما؟ فيكِ إيه يا حبيبتي؟
وكأنها كانت تنتظر كلماته لتزيد شهقاتها مما جعل علام يهب من مجلسه ويهرول عليها هو وفريال. سألها علام باستغراب وهو يراها تحاوط صغيرها وتشمله بنظراتها ودموعها تنهمر وكأنها شلالات:
- مالك يا عصمت؟ بتعيطي ليه يا حبيبتي؟ إيه اللي حصل؟
التفتت إلى إيثار وجدتها تبكي تأثرًا باللحظة فتحدثت بأسف وهي تميل برأسها كاعتذار منها:
- أنا آسفة يا إيثار، مش هقدر أوفي بوعدي ليكِ.
وضعت كفها على فمها تشهق لتهز رأسها بتفهم لموقفها وكأنها أعطتها التصريح للبوح بخبر الموسم. جن جنونه عندما طالع حبيبته ورأى دموعها هي الأخرى ليصرخ وكأن صبره نفذ إلى هذا الحد وألف سيناريو وسيناريو بات يلوح بمخيلته رغم متابعته للحرس خطوة بخطوة منذ أن خرجتا من المنزل حتى عادتا سالمتين:
- هو فيه إيه؟ واحدة منكم تفهمني؟
بدموع وتأثر نطقت وهي تتحسس ذقنه النابتة بلمسات تحمل حنان الدنيا بأكملها:
- مبروك يا حبيبي، إيثار حامل.
نطقتها بشهقات عالية ودموع غزيرة مع ابتسامات وفرحة غمرت عينيها. توليفة غريبة من المشاعر تجمعت لتخرج صادقة وتصل للجميع. تصنم جسده ليضيق بين عينيه يحاول استيعاب الخبر الذي استقبله بخليط من المشاعر المتضاربة. حبور ليس له مثيل مغلفًا بالقلق العميق مع رجفة سرت بجميع جسده احتار بتفسيرها ليستفيق على صرخة فريال التي قفزت كالأطفال مهللة:
- آآآه! أنتِ بتتكلمي جد يا ماما؟ يعني فؤاد أخويا هيبقى بابي؟
جذبت عصمت صغيرها المتيبس لتغمره بقوة وقد زادت شهقاتها وهي تنطق بصوت متقطع:
- الحمد لله، مبروك يا حبيبي، مبروك.
كان ينظر على حبيبته المتطلعة عليه بأعين دامعة وحنان بالغ وصله ليشمل روحه ويجعلها هائمة. لحظة إدراك يحاول من خلالها استيعاب ما نطقت به والدته منذ القليل ليتفاجأ بوالده الذي تهللت أساريره وهو يهرول على غير عادته صوب من اتخذها كابنة له ليحتضن كفها ضاغطًا عليه وبشعور لا يقل عن ما أصاب زوجته همس بنبرة والد حنون:
- مبروك يا أم حفيدي الغالي.
ابتسمت لأجل سعادة ذاك الحنون لتجيبه بنبرة مملوءة بالحنو والتقدير والاحترام لذاك الراقي:
- الله يبارك فيك يا بابا، وربنا يبارك لنا في حضرتك وتحضر ولادة البيبي وتجوزه بنفسك.
أجابها بحبور متأثرًا من كلماتها التي طالما حلم بها وتمناها من رب العالمين:
- شدي بس أنتِ حيلك وهاتيه وسيبي كل حاجة على بابا.
واستطرد بعينين ممتنتين:
- شكرًا يا بنتي على إنك منحتيني أعيش اللحظة دي بعد ما كنت فقدت الأمل.
هرولت فريال لتحتضنها وهي تقول بصوت لم تسعه الفرحة:
- مبروك يا إيثار، وأخيرًا فؤاد هيبقى أب.
بادلتها العناق بقلب يتراقص لسعادة الجميع التي تفاجأت بها، فمهما تخيلت ردة فعل الجميع لا يمكن أن يصل خيالها لما تراه الآن من حالة رائعة من المشاعر المختلفة. احتوى فؤاد وجنتي والدته وبات يجفف لها دموعها وهو ينطق بصوت متحشرج تأثرًا بالحالة:
- مبروك عليكِ يا حبيبتي وعقبال ما يتولد وتاخديه في حضنك، وتربيه زي ما ربيتي أبوه وعمته.
وتابع بدمعة فلتت من عينيه رغمًا عنه وهو يعتذر بعينيه قبل لسانه:
- أنا آسف يا ماما، عارف إني تعبتك كتير معايا، بس والله كان غصب عني.
وبعينين متألمتين لحال والدته نطق بصوت مرتجف:
- سامحيني.
لم تتحمل كلمات نجلها الحبيب لتدخل بنوبة بكاء يقطع نياط القلب وهي تتحدث متأثرة:
- انسى كل اللي فات يا حبيبي وخلينا في فرحتنا.
جفف دموعه وترك والدته بعدما وجد والده يقترب عليه ليجذبه ويسكنه أحضانه وإلى هنا وسكت الكلام. ظلا كليهما يعانق الآخر ويربت فوق ظهره بقوة دون أن يتفوه أحدهما بحرف، فكانت المشاعر أبلغ من أي كلام وأي حديث يستطيع شرح ما يشعر به كلاهما من مشاعر. وأخيرًا ابتعد عنه ليهمس أمام عينيه بتفاخر:
- وعدت ووفيت يا سيادة المستشار، قلت الحفيد هيشرف قبل التسع شهور ما يعدوا وقد كان.
واسترسل بإيحاء فهم مغزاه الآخر:
- أحب فيك إخلاصك وتفانيك في العمل.
ابتسم ليهمس لأبيه مندمجًا مع تلميحاته:
- معاليك لسه مشوفتش حاجة من إنجازات ابنك، ده أنا هبهر سعادتك.
- أرجوك... قالها علام برجاء ليطلق كلاهما ضحكات مشاكسة. عانق شقيقته أيضًا ليتجه إلى تلك الواقفة تراقب عينيه بترقب وتمّعن شديد. وقف أمامها يتمعن بمقلتيها دون نطق حرف وبدون سابق إنذار جذبها ليشملها بأحضانه وضمها بقوة كأنه يريد شق صدره ليخبأها داخله ولا يراها سواه. مدت يداها تحاوط ظهره وتمسح عليه بلمسات رقيقة ناعمة ولينة. أراح رأسه فوق كتفها ودفن وجهه بجانب عنقها لتشعر بجسده يهتز بقوة تعجبت لها. انتفض داخلها وهي تستمع لصوت أنين خافت يصدر منه لتتيقن أنه يبكي. يا الله فحبيبها لأول مرة يبكي واختار أحضانها هي بالذات ليبكي داخلها ويخرج مكنون صدره. مسحت بكفها فوق ظهره بلين وباتت تحركه صعودًا وهبوطًا وهي تهمس له بصوت يقطر منه حنانًا جعل جسده بالكامل يتخدر:
- مبروك يا فؤاد، متأكدة إنك هتبقى أعظم وأحن بابا في الدنيا كلها يا حبيبي.
زادت شهقاته مع اهتزاز جسده مما جعل والديه وشقيقته يهرولون عليه للوقوف معه وهو يستقبل أهم خبر وأكثر اللحظات تأثرًا بحياته. حاوطته عصمت هو وزوجته بذراعيها وتعالت شهقاتها هي الأخرى تأثرًا وشاركتهم فريال لتتعالى أصوات دموع الجميع في صورة يبكي لها الحجر.
وضع علام كف يده يتلمس بها رأس نجله لينطق بصوت متأثر:
- اهدى يا فؤاد وحاول تتماسك علشان الشغالين.
توقف عن البكاء وحاول جاهدًا التحكم بحالة الشتت التي أصابته فور تلقيه الخبر. أخذ نفسًا مطولًا قبل أن يبتعد قليلًا وبسرعة قام بتجفيف دموعه وهو يشيح بوجهه بعيدًا عنها ثم تطلع على عينيها وحاوط وجهها بكفيه لينطق بصوت متحشرج بفضل البكاء:
- لو عشت عمري كله أشكرك على هديتك ليا مش هيكفي.
واسترسل بشفاه مرتجفة:
- شعور واحد بس من اللي حسيته النهاردة أنا وأهلي محتاج عمر بحاله لتسديد الدين.
ابتسمت وشعرت بروحها تتراقص فرحًا لا لشعورها بأنها صاحبة جميل عليه حاشا لله، بل لشعور السعادة التي منحته للجميع وبالأخص فارسها الهمام. نطقت بصوت متأثر:
- الدين أنا اللي هعيش عمري كله أسدده لـ ربنا سبحانه وتعالى وأنا بسجد له في كل ركعة بصليها وأشكره على هديته ليا.
تناست جميع من حولها وحاوطت وجنتيه بأناملها الرقيقة لتهمس بروائع الكلمات التي نزلت على قلبه كقطرات من ندى الصباح فأنعشته ليزدهر:
- أنت أقيم وأعظم هدايا حياتي يا فؤاد.
تهللت أساريره وشعر بانتعاشة روحه ليفيق على كلمات شقيقته المشاكسة التي وجهتها لوالديها:
- طب يا جماعة أنا شايفة إننا ننسحب لأن شكلنا بقى وحش قوي.
تعالت ضحكاتهم لينتفض جسده وكأنه استفاق من وقوع الخبر عليه ليهتف وهو يتفحصها بعناية وتلهف:
- تعالي يا حبيبي ارتاحي.
سحبها إلى الأريكة وأجلسها عليها ليهرول بجذب الوسادة الصغيرة ويضعها بمقدمة الأريكة لتريح ظهرها عليها ليرفع هو ساقيها ويمددها بطول الأريكة تحت خجلها من علام الذي شعر بهذا وحول بصره ليجلس بعيدًا يشكر ربه في سريرته. سألتها عصمت بنبرة حنون واهتمام:
- مرتاحة كده؟
هزت رأسها بذهول وسعادة هائلة شملت روحها جراء الاهتمام المبالغ التي تتلقاه على أيادي أفراد عائلة زوجها الحنون، فشتان بين هذه العائلة الراقية وبين عائلة نصر البنهاوي. تحدثت عصمت وهي تتأهب للتحرك للداخل:
- هخليهم يجهزوا لنا الغدا حالًا.
واسترسلت تسألها بحب ظهر بين عينيها:
- نفسك رايحة لحاجة يا حبيبتي أخليهم يجهزوها لك؟
أجابتها باقتضاب:
- لا يا ماما، تسلمي، أنا هقوم آكل معاكم علشان يوسف وفؤاد يعرفوا ياكلوا.
تحدث بنبرة قلقة بشأنها ترجع لعدم خبرته بتلك الأمور:
- حبيبتي خليكِ مرتاحة وأنا وجو هناكل معاكِ هنا علشان متتعبيش والبيبي يتأذى.
- أنا كويسة يا فؤاد متقلقش... قالتها بابتسامة هادئة لتنطق عزة بمرح:
- هيتأذى إيه بس يا باشا كفانا الشر، ده الله أكبر عليه طالع وحش لأبوه.
واسترسلت وهي تعد على أصابع يدها:
- لا الخطف ولا السفر بالطيارة والعوم زحزحوه من مكانه.
شهقت عصمت لتنطق سريعًا بانزعاج ظهر فوق ملامحها يرجع لاشتياقها الجارف واحتياجها القوي لقدوم ذاك الحفيد:
- الله أكبر يا عزة، سمي وكبري يا حبيبتي.
ابتسمت لتجيبها بتلقائية:
- كبرت والله وسميت يا هانم، متخافيش على إيثار مني، لسه كنت بقول لفؤاد باشا، عين الحبيب مبتحسدش.
واسترسلت صادقة:
- أنا بس حبيت أطمن الباشا على الباشا الصغير.
نطق فؤاد بهدوء كي يهدئ من انزعاج والدته:
- حصل يا عزة.
تركتهم وولجت إلى المطبخ لتساعد العاملات. أقبلت فريال تصطحب صغيرتها التي هللت حين رأت يوسف وجرت عليه:
- جو، أنت جيت من المدرسة إمتى؟
وقف يستقبلها وتحدث كشخص كبير عاقل:
- وصلت من شوية، طلعت أخدت شاور ولسه نازل.
أشار علام للصغيرين ليلحقاه إلى غرفة الطعام.
وقفت إيثار وسندها ذاك الحبيب لتسرع فريال وتساندها من الجهة الأخرى لتنطق إيثار باستغراب:
- إيه يا جماعة اللي بتعملوه معايا ده، أنا حامل على فكرة مش عاملة عملية جراحية!
نطقت فريال بملاطفة وهي تحثها على الحركة للأمام:
- اسمعي الكلام ونفذيه بدل ما تاخدي مخالفة جماعية.
************
كان يجلس داخل الحديقة ينفث دخان سيجارته بشراهة علها تنفس عن غضبه الكامن بصدره المشتعل. لمح والدته تخرج من باب المنزل الداخلي تتحرك بزهو وكأن الكون ملكًا لها. أقبلت على ذاك الغاضب لتنطق وهي تجلس بالمقعد المقابل له:
- مالك يا عمرو؟ ودادك على شوية وهتطلع دخان ليه يا حبيبي؟
استشاط داخله فقد ترك الحبس منذ عدة أيام وحضر لمنزله ليفرض عليه والده الإقامة الجبرية ويخبر الغفر بمنعه من الخروج تحت أي ظروف ليسيطر على جنون ذاك الأرعن وتصرفاته الهوجاء حيث أنه ما ترك كارثة إلا وفعلها. صاح بحدة وغضب أظهرا كم استيائه:
- والمفروض إني أبقى مبسوط بحبستي دي؟
واسترسل بسخط ناقمًا على أفعال والده:
- بابا حابسني زي العيال الصغيرة، مش قادر يفهم إني راجل معدي الثلاثين وعندي عيل طولي.
هتفت من بين أسنانها بمجرد ذكره للصغير فمنذ ذاك اليوم التي تلقت فيه ذلك الخبر المشؤوم وعقلها رافض تقبل الفكرة واستيعابها:
- يا ريتك كنت عملت حساب العيل اللي بتقول عليه طولك مكناش وصلنا للي إحنا فيه يا عمرو بيه.
واسترسلت لائمة بحدة:
- هو أنت يا ابني مش حاسس بالمصيبة اللي أنت عملتها؟ أنت وصلت نفسك بغبائك ووصلتنا بإنك تتنازل عن ابنك للجربوعة بنت منيرة.
- طب خليني أخرج وأنا أرجعه... قالها بنظرات مستعطفة لتهتف بحدة:
- قصدك علشان تروح تجيب لنا مصيبة جديدة.
تحدث بحدة وألم ظهر بعينيه:
- أبويا كل اللي يهمه الانتخابات وبس، إنما ابني ولا في دماغه أصلًا.
واسترسل ملقيًا باللوم على والده بالكامل:
- قهرني وقلل مني قدام ابن الـ...
قام بسب فؤاد ليتابع بشزر ظهر بعينيه:
- وخلاني اتنازلت عن ابني أول ما هدده بالكرسي بتاعه.
نظرت أمامها وتحدثت بشراسة ظهرت بصوتها:
- وحياتك قهرتك وذلُك لأدفعهولك الثمن في أغلى حاجة عنده.
واسترسلت بذات مغزى من بين أسنانها:
- وأقهره على اللي باع الغالي والرخيص علشان يفضل محافظ عليه.
قطب جبينه ليسألها مستفسرًا:
- قصدك وكيل النيابة؟
نظرت أمامها بشرود لتنطق بكلمات مبهمة:
- ما تحطش في بالك، أنا بس عوزاك تهدى وتكن لحد ما اليومين دول يعدوا على خير، وبعدها وحياتك عندي لأرجع لك يوسف جوه حضنك.
بلهفة سألها كطفل متعلقًا بدميته المفضلة:
- وإيثار؟
- قطيعة تقطع إيثار واللي جايبينها... قالتها بغضب عارم ليستشيط غضبه لتتابع هي بسخط:
- كفاية اللي حصل لك من وراها، دي بت شؤم بنت...
قامت بسبها بلفظ نابٍ تحت غضب ذاك المدلل لتنتبه لولوج أكثر الأشخاص صارت تبغضهم بعدما كانت تعشق حتى أنفاسه وهي فتاة. أقبل عليهما وهو يهمس لحاله بعدما لمحها ترمقه بحدة ويسبها بسريرته وما أن اقترب منهما حتى انتفضت واقفة كالتي لدغها عقرب وتركت المكان بأكمله ليهتف بصوت عالٍ كي يسمعها:
- هما إذا حضرت الشياطين ذهبت سِتّهم ولا إيه؟
لم تُعر لحديثه اهتمامًا وتحركت بطريقها للداخل خشية من أن تفقد أعصابها وتوازنها التي تجاهد في ثباته وتطبق على عنقه ولا تتركه إلا بعد لفظه لأنفاسه الأخيرة. تطلع إلى نجله ليسأله مشفقًا على حاله فقد ترك ذقنه النابتة وما عاد يهتم بأناقته كالسابق حزنًا واعتراضًا منه على إجباره للإقامة بالمنزل رُغمًا عنه. نطق وهو يجلس مجاورًا له:
- وبعدين معاك يا عمرو؟ هتفضل قاعد تندب حظك كده كتير زي الولايا؟
فضل الصمت ليتابع هو بنبرة حادة:
- قوم يا ابني احلق دقنك دي واقعد مع مراتك وفرفش نفسك معاها، خلي الأيام تفوت لحد ما الانتخابات تعدي وبعدها ابقى اطلع واعمل ما بدالك.
هب واقفًا ليسأله باستغراب:
- على فين يا لّا؟
تطلع عليه قبل أن ينطق بسخرية:
- رايح أنفذ كلامك بالحرف يا سيادة النايب.
تحرك صوب الداخل ليهتف هو بغل:
- ابقى قابلني لو نفعت في حاجة يا دلوع ستهم.
ليسترسل هامسًا:
- داهية تاخدكم بيت هم كلكم.
ليلًا
ولج لداخل شقته ليجد صوت أغاني شعبية يصدح من داخل غرفة نومه. زفر بقوة وتحرك صوبها ليفتح الباب ويتفاجأ بتلك الوقحة التي ترتدي ملابس مثيرة وتتراقص بتمايل حين تأكدت من صعوده. تطلع عليها بتمعن لتتحرك إليه حين وجدت عينيه تمشط جسدها برغبة. نطقت وهي تجذبه ليشاركها رقصتها:
- تعالى ارقص معايا زي زمان.
واسترسلت تذكره بماضيها القذر معه:
- نسيت أيام ما كنت بجي لك المزرعة ونرقص سوا؟
تنهد بضيق لذكرها أبشع ماضٍ يبغضه ويذكره بما خسره مقابل تلك النزوة الرخيصة التي أنهت على زواجه حيث كان يحيا من أجله. ومع ذلك لم يستطع الابتعاد عنها ويرجع هذا لاحتياجه لها كأنثى ولحجز أبيه له في المنزل حيث لا ساقطات من اللواتي يغضب الله معهن. حركته غريزته الحيوانية ليجذبها ويلقيها فوق الفراش وينضم إليها ليسعد داخل تلك الحية الرقطاء لاكتمال أركان خططها الشيطانية دون اللجوء لوضع حبوب منومة وخداعه.
************
داخل الجناح الخاص بفؤاد علام، صعدا لجناحيهما بعدما اجتمع علام بالجميع وقاموا بأداء صلاة العشاء جماعة، لينتهوا ويقومون بالدعاء والذكر شكرًا وعرفانًا إلى الله سبحانه وتعالى حيث شملهم بكرمه الواسع وبعث لهم تلك الهدية الرائعة ليبث بقلوبهم جميعًا السعادة.
كان يستند على خلفية التخت مشددًا على حبيبته داخل أحضانه، يمسد على شعرها بحنان والسعادة تجعل من روحه هائمة بالسماء. همست تسأله بصوت ناعس:
- مبسوط يا حبيبي؟
أجابها بنبرة هائمة توحي لشدة حبوره:
- حاسس إني هطير من السعادة.
حرك كفه ليصل إلى بطنها وبات يتحسسها بشعور رهيب يحضره للمرة الأولى لينطق بصوت غاية في التأثر:
- معقولة فيه جواكِ حتة مني، كل يوم هتكبر لحد ما يبقى بيبي ويخرج للدنيا علشان ينور لي حياتي؟
اعتدل بوجهه ليتمعن بعينيها متابعًا:
- نورتي دنيتي بحبك يا إيثار، والنهاردة غيرتي حياة أهلي كلهم.
ابتسمت لتنطق بكلمات حنون:
- ربنا يقدرني وأقدر أسعدك يا حبيبي.
مسد على وجهها لينطق بابتسامة حنون:
- وجودك في حياتي ده أكبر سعادة بالنسبة لي.
أرادت مداعبة حبيبها لتسأله بمشاكسة:
- زعلان مني؟
- منك أنتِ؟... نطقها باستغراب ليتابع بنبرة تفيض عشقًا:
- عمري ما أقدر أزعل منك يا حبيبتي، وبعدين تفتكري ممكن أزعل منك في يوم زي ده؟
ابتسمت بدلال ليسألها بعدما لمح شقاوة أنثى تحوم بعينيها:
- تقصدي إيه بسؤالك يا محتالة؟
مطت شفتيها لتنطق بمراوغة:
- البدلة السودة اللي هتتركن تسع شهور.
نطقتها لتخبئ وجهها بيديها ليضحك مقهقهًا قبل أن ينطق بوقاحة:
- وتفتكري إني هسمح لك بده؟
كشفت عن وجهها تتمّعن بملامحه باستغراب ليتابع بمداعبة:
- ابني راجل قوي وهيتحمل رخامة أبوه ومزاجه العالي.
واستطرد ضاحكًا:
- وعلى رأي عزة، لا خطف ولا سفر قدروا يحركوه من مكانه، مش هتيجي على رقصة أبوه الغلبان ويعترض يعني.
قهقهت بانتشاء ليتابع هو بغمزة وابتسامة جذابة:
- الأسبوع ده بس هسمح للباشا يرتاح وبعدها نستكمل فقرات مهرجان الرقص الشرقي اللي بدأناه سوا.
سألته مستفهمة:
- ليه بتتكلم عنه وكأنك متأكد إنه ولد؟
مط شفتيه لينطق بلامبالاة:
- مش شرط، بالعكس أنا نفسي قوي في بنوتة.
ليسترسل بعينين متشوقتين بقوة:
- تبقى حبيبة بابا وبنت عمره كله، أدلعها وأحطها جوه قلبي وأقفل عليها.
احتدت ملامحها وتحولت لشرسة لتنطق بحدة وغيرة ظهرت بعينيها:
- أنا بس اللي حبيبتك وبنت عمرك.
انتبه لتلك الشرسة لينطق وهو يحتضن وجهها بنعومة ليحدثها بصيغة المذكر بدلال كطفلته:
- أنت حبيبي الأول يا بابا، ومهما سكن القلب بعدك من أحبه محدش يقدر يقرب من مكانك أبدًا.
تنهدت بسعادة لتلقي برأسها على صدره بارتياح وكعادتها مؤخرًا غفت وهو يتحدث معها ليبتسم ويعدل من وضعيتها ليمدد جسدها ويقوم بوضع رأسها فوق الوسادة بعناية ثم جاورها الفراش محتضنًا إياها بسعادة هائلة حتى غفى بين أحضانها وغاص في سبات عميق.
************
بعد مرور يومين، في تمام الساعة السادسة صباحًا، ظهر ضوء الصباح ليعلن عن ميلاد يوم جديد ملئ بالأمل والتفاؤل عند البعض ومرعب للبعض الآخر.
داخل منزل نصر البنهاوي.
ما زال الجميع غارقين بنومهم. انتفض نصر وجلس يتلفت من حوله عندما استمع لطرقات متتالية فوق الباب بشكل عنيف يوحي بحدوث كارثة. خرج نصر من غرفة نوم مجاورة لغرفته الأساسية التي احتلتها تلك المتجبرة منذ ذاك اليوم. خرجت هي الأخرى لتسأله في ريبة:
- مين الحمار اللي بيخبط علينا من النجمة بالشكل ده؟
- مش عارف، ده صوت حسنين الغفير... نطقها نصر لتعالى الطرقات والأصوات المنادية بصياح: «الحقنا يا سيادة النايب».
نزل طلعت الدرج مهرولًا تلاه حسين الذي تساءل بفزع:
- فيه إيه يا أبا؟
أسرع نصر إلى الباب وقام بفتحه ليجد الغفير المسؤول عن حراسة منزله يجاوره حارس المزرعة التابعة لنصر البنهاوي "حسنين" يصرخ والهلع يملأ ملامحه:
- الحقنا يا سيادة النايب!
سأله والسخط يقفز من بين عينيه وقد أوشك على الفتك به:
- في إيه يا طور منك ليه؟
صرخ الرجل قائلًا برعب:
- لقينا قتيلة جنب سور المزرعة بتاعت جنابك والدنيا هناك مقلوبة.
يتبع...
رواية انا لها شمس الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم روز امين
اتسعت أعين نصر بذهول لما استمع إليه من حارس المزرعة، ليصيح بهلع وهو يوبخ الرجل:
- يومك مش باين له ملامح، إيه اللي بتقوله ده يا غراب البين على الصبح؟
هتفت إجلال بصوت حاد أرعب الرجل وهي تسأله بحدة:
- مين القتيلة دي يا واد؟! حد من البلد؟
أجابها الرجل بصوت لاهث وصدمة في عينيه:
- مش هتصدقي يا ست الناس، القتيلة تبقى نسرين مرات الواد عزيز ابن غانم الجوهري.
شهقت جميع نسوة المنزل اللواتي نزلن خلف أزواجهن عندما استمعن للطرقات العالية، لتضع سمية كف يدها على فمها وهي تهمس إلى ياسمين بذهول:
- يا نهار إسود، نسرين اتقتلت!
تطلعت عليها ياسمين والرعب يملأ عينيها، لينتشلها صوت نصر الغاضب:
- ودي أنهي مصيبة حدفتها ناحية مزرعتي، يعني من بين أطيان البلد ومزارعها مختارتش تتنيل إلا جنب مزرعتي.
هتف الرجل ليعلم سيده:
- غير هدومك وتعالى بسرعة يا حاج، الدنيا مقلوبة هناك وزمان الحكومة وصلت.
قطب نصر جبينه وقبل أن يطرح سؤاله أجاب عليه الآخر ليسترسل بإبانة:
- أصل الحاج سعد أبو حمدان كان معدي بعربيته رايح يشق على أرضه، قوم لما لقى الناس ملمومة نزل يشوف فيه إيه، ولما شاف القتيلة اتصل بظابط المركز وبلغه، وزمانه على وصول.
استدار نصر وهتف وهو يهرول للداخل كي يرتدي ثيابه:
- أنا قلبي كان حاسس إن الانتخابات دي ما هتعديش على خير.
واستطرد وهو يوجه أنجاله الثلاث:
- غيروا هدومكم وتعالوا معايا نشوف المصيبة دي كمان.
رفعت إجلال حاجبها لتنطق بما لاح بمخيلتها:
- يكونش الواد عزيز شاف عليها حاجة كده ولا كده وقتلها وتاوهت جثتها عند المزرعة علشان يبعد عنه الشبهة.
لتسترسل بافتراء وتشكيك بسمعة امرأة سارت في ذمة الله دون الخشوع لحرمة الموت:
- البت دي أصلها غريبة كده ومش سالكة.
هتفت سمية باندفاع:
- تسلم دماغك يا ستهم.
واسترسلت وهي تدق بقبضة يدها على باطن كفها الآخر:
- هو أكيد ده اللي حصل.
نظر لها طلعت لينطق مشككًا:
- وهو عزيز هيسيب البلد كلها وييجي يقتلها جنب المزرعة بتاعتنا ليه؟!
- انتوا لسه هتحكوا وتحققوا في اللي قتل واللي اتقتل، ملعو...
أبوهم الاتنين؟! نطقها نصر وهو يرمق ذكوره الثلاث ليسترسل ساخطًا وهو يرمقهم بحدة:
-إنجر منك ليه على فوق وخمس دقايق تبقوا قدامي هنا.
رمقت زوجها بنظرات كارهة وانتظرت حتى خرج الرجال من المنزل لتلج إلى غرفتها وتقوم بغلق بابها وتسرع على الهاتف الجوال وتلتقطه، ضغطت على زر الاتصال وانتظرت إجابة ذاك الأبله الذي ما زال غافيًا بتخته. زفر بضيق وسب المتصل بلفظ نابي قبل أن يسحب الهاتف الذي ما أن نظر بشاشته حتى انتفض جالسًا ليهتف سريعًا بعدم تصديق ولهفة ظهرت بحرف كلماته:
-ست الستات بتتصل بيا بنفسها، أنا مش مصدق نفسي يا ولاد.
هتفت بعينين تطلقان سهامًا نارية تنم عن مدى اشتعال قلبها من غدر من فضلته على الجميع ورفعته لمكانة لم يكن بيومٍ يحلم بها وما كان منه سوى مقابلة المعروف بالنكران:
-بطل رغي يا هارون وقول لي عملت إيه في الموضوع اللي كلفتك بيه؟
تذكر عندما هاتفته منذ يومين ليأتي لها بعنوان شقة بالقاهرة مسجلة باسم زوجها، فقد عمتها الغيرة وأرادت أن تستعلم عن المكان الذي اشتراه بمالها وأفضال والدها وعائلتها عليه ليأتي بإحداهن كي يتنعم بداخل أحضانها وتتنعم هي بمالها، أرادت أن ترى من هي تلك الحقيرة التي استطاعت إغوائه وجعلت منه خائن لعهد من منحته كل شيء وصل إليه مقابل الولاء، أرادت أيضًا أن تنتقم منها أشد انتقام لتجعلها عبرة لمن تقترب على رجلها. نطق هارون بارتباك:
-مهو، أصل.
بلهجة غاضبة صاحت هادرة:
-إنتَ لسه هتمأمأ لي، قول لي لقيت الشقة اللي باسم نصر ولا لسه؟
نطق سريعًا يعلمها بخطوات سيره كي يهدأ من حدة غضبها الثائر:
-هلاقيها، أنا مش ساكت يا ستهم، بعت محامي يدعبس لي عند موظف في الشهر العقاري بس لسه الراجل ملقاش حاجة، الصبر.
واسترسل مستفسرًا بجبين مقطب:
-بس لو أعرف إيه اللي في دماغك وترسيني على الحوار.
واستطرد بدهاء:
-هو أنتِ شاكة إن نصر يعرف عليكِ واحدة يا ستهم؟!
-إنتَ هتخيب وهتنسى روحك ولا إيه يا هارون، قالتها بحدة لتسترسل بنبرة تحذيرية:
-متخلنيش أغضب عليك واسحب وعدي اللي ادتهولك وأشوف حد تاني غيرك ياخد كرسي المجلس.
ارتبك لينطق متلبكًا:
-إهدي يا ستهم واديني يومين بس، وكل اللي عوزاه هيكون عندك.
فُتح الباب لتظهر من فتحته أزهار التي كانت تعد طعام الفطار هي وزوجات أنجالها لتتحدث إليه بهدوء:
-يلا يا هارون علشان تفطر.
هز رأسه ليتفاجأ بتلك الـ إجلال تغلق الهاتف دون أن تعيره أي اهتمام ليرمق هو زوجته قائلًا بعدما ألقى بالهاتف بعنف فوق الفراش:
-روحي وأنا جاي وراكِ.
********
أما داخل منزل غانم الجوهري، كانت تجلس أمام أحد أفران الغاز تصنع الخبز لعائلتها تجاورها نوارة التي تساعدها وما زال جميع أفراد المنزل نائمون، استمعتا لطرقات شديدة فوق الباب لتهتف منيرة بصوت مرتجف:
-يا ستار يا رب، مين اللي بيخبط علينا كده من النجمة، دي الشمس لسه مطلعتش.
هتفت نوارة وهي تهرول باتجاه الباب:
-هروح أشوف مين، إستر يا ستار.
وصلت إلى الباب وتعجبت حين رأت ذاك الترباس مفتوح، لتهز كتفيها بلامبالاة ثم فتحت الباب لتجد امرأة جارة لهم تهتف والفزع يظهر على وجهها المذهول وجميع المارة ينظرون عليها ويهرولون في اتجاه واحد:
-إلحقي يا نوارة، البلد مقلوبة وبيقولوا لاقوا نسرين مقتولة عند المزرعة بتاعت الحاج نصر البنهاوي.
قطبت جبينها لتسألها بعدم استيعاب:
-نسرين مين يا أم خالد؟!
-نسرين سلفتك يا بت، قالتها المرأة لتنطق الأخرى بنفي قاطع:
-نسرين مين يا ولية يا مخرفة إنتِ، نسرين نايمة فوق في شقتها.
أكدت المرأة بحديثها الذي أخبرها به زوجها وطلب منها إخبار جيرانهم:
-وأنا يختي هكذب عليكِ ليه، ده جوزي بنفسه اللي شافها واتعرف عليها، كان رايح هو والأنفار يرووا أرض الحاج سعد أبو حمدان ولقوها متكومة جنب سور المزرعة ولما عدلوها لقيوها مضروبة بسكينة في بطنها كذا مرة وسايحة في دمها، وجوزي عرفها على طول.
هرولت نوارة لتخبر والدة زوجها وصعدت لتخبر زوجها فهرول يطرق الباب على شقيقه الذي تحدث بذهول بعدما سأله عن زوجته:
-نسرين مش موجودة، مع إنها نايمة قبل مني بالليل؟!
ابتلع وجدي لعابه وتحدث وهو يضع كفه على كتف شقيقه كنوع من المؤازرة:
-غير هدومك وتعالى معايا يا عزيز.
قطب جبينه وهو يتطلع لنظرات شقيقه ووالدته الحزينة:
-فيه إيه يا وجدي؟
تنهد بألم لينطق بصوت حزين:
-فيه ناس بتقول إنهم لقيوا جثة نسرين عند مزرعة نصر البنهاوي، وواضح إنها مقتولة من بالليل.
أمسك بتلاليب أخيه ليصرخ بحدة مدافعًا عن رجولته في المقام الأول:
-إنتَ اتجننت يا وجدي، إيه اللي هيودي مراتي في حتة مقطوعة في وقت زي ده؟
نطقت منيرة بصوت حازم وهي تبعد كف نجلها عن شقيقه:
-سيب أخوك وادخل البس لك جلبية وروح معاه شوفوا حكاية المصيبة دي إيه.
تطلع على والدته بتيهة ليهرول للداخل بعد أن شعر بصحة حديثها، بعد قليل حضر نصر وأنجاله وجد الشرطة قد حضرت وحاوطت الجثة وبدأت في استجواب الشهود، اقترب نصر من الضابط لينطق بصوت جاد وهو يتطلع على الجثة الملقاة على الأرض بجانب السور ومغطاة بشرشف جلبه أحد الحضور ليستر به القتيلة، مد يده للمصافحة قائلًا:
-إزيك يا باشا.
طالعه الرجل لينطق وهو يمد خاصته:
-أهلًا بيك يا سيادة النائب.
سأله مستفسرًا:
-خير يا باشا، إيه اللي حصل؟
بنبرة متهكمة تحدث إليه الضابط:
-المفروض إنتَ اللي تقول لنا إيه اللي حصل، البلد بلدك وإنتَ كبيرها والجريمة حاصلة جنب مزرعتك.
توزعت نظراته على من حوله ليجد نظرات الناس الشامتة به لتقليل الضابط منه ليرتبك وهو يتحدث:
-البركة في معاليك يا باشا، إنتَ اللي هتجيب القاتل من قفاه إن شاء الله.
حضر عزيز بصحبة وجدي ومنيرة ليهرول عزيز على الجثة متخطيًا رجال الشرطة وكاد أن يكشف وجهها فهدر به الشرطي بحدة:
-إبعد يا راجل من هنا.
-أنا جوزها، قالها بجنون لينطق الضابط وهو يشير للعسكري:
-سيبه يشوفها ويتأكد إن كانت هي ولا لأ.
رفع عزيز الغطاء عن وجه القتيلة لينكمش قلبه حين رأى وجهها وآثار أظافر محفورة بطول وجهها لتشوهه، ابتلع لعابه واهتز جسده لتلك الكارثة التي حلت به فاق على صوت الضابط حيث هتف بقوة:
-هي دي مراتك؟!
أغمض عينيه يعتصرهما بقوة ليهز رأسه بإيجاب لينطق الضابط مرة أخرى بلهجة آمرة:
-تعالى هنا.
تحرك إلى الضابط الذي بدأ باستجوابه ليخبره أنه تفاجأ بشقيقه يخبره بذاك الخبر المشؤوم وأن آخر مرة رأى بها زوجته حين صنعت له كوبًا من الشاي الساخن ثم ولجت لغرفة النوم الخاصة بهما وغفت ليلحقها هو سريعًا بعد أن شرب المشروب وشعر بثقل شديد برأسه ليغفو بسرعة عجيبة بمجرد وضعه لرأسه على الوسادة ولم يشعر بشيء سوى صباحًا على خبطات شقيقه.
حضر أيضًا والدا نسرين وشقيقتها التي صرخت عندما كشفت وجهها أما والدتها فباتت تصرخ وأمسكت بتلابيب عزيز قائلة:
-مين اللي قتل البت يا عزيز، انطق.
-وكتاب الله ما أعرف حاجة، أنا قومت على الخبر زيي زيكم يا ناس، قالها بهلع من مظهر الأم لتصرخ قائلة:
-يعني البت هتمشي من جنبك وإنتَ نايم ومش هتحس بيها؟!
صاح مدافعًا عن حاله من نظرة الشك التي بعينيها:
-والله ما اعرف خرجت إمتى وإزاي، إحنا كنا قاعدين بالليل لقيتها عملت لي كباية شاي ودخلت نامت على طول، وأنا شربت الشاي وراسي تقلت دخلت نمت جنبها ما حستش بنفسي إلا الصبح.
صاح الضابط لينطق بحدة آمرًا رجاله بعدما حضرت سيارة الإسعاف:
-خد لي جوز القتيلة وأهلها على القسم علشان نستجوبهم في محضر رسمي يا ابني.
انفض الجميع ونقلت الجثة إلى المشرحة لتحديد سبب الوفاة.
********
في مزرعة أخرى ولكن مختلفة كليًا، مزرعة الخيول الخاصة بعائلة الزين والتي تحتوي على أندر وأغلى أنواع الخيول العربية الأصيلة، توجد بالمزرعة استراحة كبيرة مجهزة على أعلى مستوى من الأثاث والمفروشات والأجهزة التي تليق بعائلة الزين حيث يأتون إليها من الحين للآخر لقضاء العطلات الرسمية وسط الحديقة بمساحتها الشاسعة والمليئة بأشجار ثمار الفواكة المتنوعة والنخيل والزهور أيضًا مما أعطاها مظهرًا خلابًا ومكانًا مناسبًا لقضاء عطلة مريحة.
حضرت عائلة علام بناءًا على دعوة من شقيقه أحمد الذي أصر على الدعوة للاحتفال بزواج ابن شقيقه بتلك الفاتنة وتقدم بالدعوة أيضًا إلى أيهم شقيقها الذي بدأ بالعمل معه بالشركة.
وصلت الثلاث سيارات بالتوالي إلى المزرعة، علام وبصحبته زوجته الراقية ثم ماجد وزوجته ونجلاهما بسيارة ماجد الخاصة، وبالأخير توقف ذاك العاشق بالسيارة الخاصة به وبصحبته زوجته وأيهم يجاوره صغير شقيقته، ترجل سريعًا ليتوجه للجهة الأخرى ليفتح الباب لأميرة قلبه الذي توجها على عرش قلبها، مد يده لتضع خاصتها ليحتويها وهو يقول بصوت حنون:
-انزلي براحتك يا بابا.
تطلعت لعينيه وباتت تشكر الله على تلك العطية الثمينة الذي وهبها لها كهدية على صبرها على الابتلاءات التي تعرضت لها طيلة سنواتها، أسرعت عليها عصمت لتسألها بلهفة أم:
-إنتِ كويسة يا حبيبتي، الطريق كان مريح بالنسبة لك؟
بادلتها بابتسامة ممتنة وهي تخبرها:
-أنا بخير يا ماما الحمد لله.
كان أحمد واقفًا في استقبالهم هو وعائلته وسميحة حيث اكفهرت ملامحها وهي ترى اهتمام الرجل التي لم تعشق سواه بأخرى، تبادل الجميع التحية ووصل فؤاد إلى سميحة التي تحدثت بابتسامة سعيدة وصوت هائم وهي ترى حبيبها:
-إزيك يا فؤاد.
كادت أن تحتضنه كالسابق كي تُشعل نار إيثار فصدها بهدوء حيث أرجع جسده للخلف ومد يده باستقامة قائلًا بابتسامة هادئة:
-إزيك إنتِ يا سميحة، أخبارك إيه.
سحب يده سريعًا تحت ذهولها ثم عاود ليحاوط كتف حبيبته التي شعرت بكم هائل من الراحة والحبور لتتطلع عليه بعينين ممتنتين هائمة في عشق رجلها الفريد، بادلها الابتسامة بأخرى مغرمة ليتحدث أحمد وهو يشير للجميع:
-اتفضلوا يا جماعة واقفين ليه.
ثم استرسل مازحًا وهو يحاوط كتف شقيقه ويتحركان باتجاه الطاولات المعدة للجلوس في الهواء الطلق:
-اللي يسمعني وأنا بعزم عليكم بقلب جامد بالشكل ده يقول إن المزرعة ملكي وإنتوا ضيوف عندي.
ربت علام على ظهر شقيقه ليبتسم قائلًا بنبرة حنون:
-كل حاجة تحت رجليك يا حبيبي، كفاية بشاشة وشك ومقابلتك اللي تشرح القلب.
ربت كلًا منهما على ظهر الآخر بحنو لتزفر نجوى بضيق فهي لا تطيق عائلة زوجها ولا تحبذ الوجود معهم بمكان واحد، جلس الجميع لتتحدث بنبرة متعالية وهي تطالع إيثار بتقليل:
-سمعت إنك روحتي المالديف مع سيادة المستشار.
إممم، هكذا ردت عليها إيثار بابتسامة صفراء ردًا على نظراتها المقللة لتتابع الأخرى بتعالٍ:
-أكيد دي أول مرة تزوريها.
كادت أن تجيبها ليقاطعها أحمد الذي سأم أسلوب زوجته المستفز والمتعالي مع أفراد عائلته لينطق بما أفحم نجوى وجعل النار تشتعل بداخل قلبها:
-على أساس إنك روحتيها قبل جوازنا مثلًا، المالديف معروف معظم الزائرين بيكونوا أزواج.
ابتسمت له ليسألها بملاطفة كي يزيل آثار كلمات تلك المستفزة المسمومة:
-ما قولتليش يا إيثار، الباشا بتاعنا خرجك هناك وشرفنا ولا حبسك في الشاليه وعمل فيها الفرعون المصري.
ابتسمت بسعادة لتنطق وهي تنظر لحبيبها الجالس بجوارها:
-الباشا على طول مشرفكم يا عمو.
واسترسلت وهي تحتضن كفه برعاية:
-أنا أكثر ست محظوظة في الدنيا كلها.
-حبيبي، همس بها وهو يتعمق بعينيها تحت اشتعال سميحة وضيق نجوى التي تتحسس من رؤية أي شخص سعيد، تحدث أحمد بنبرة ودودة إلى أيهم:
-منور يا أيهم.
-ده نورك يا أحمد باشا، نطقها الشاب على استحياء ليوجه له علام حديثه كي يجعله يندمج بالأجواء:
-إيه رأيك في المزرعة يا أيهم.
نطق بلباقة:
-حلوة قوي يا سيادة المستشار وأحلى ما فيها أنتم.
-تسلم يا حبيبي ده من ذوقك، قالها علام ليتابع:
-عندنا خيول حلوة قوي هنا هتعجبك لما تشوفها.
هتف يوسف الجالس بجوار الصغيرة بيسان بآخر الطاولة تصاحبهما المربية:
-مش هتوريني الحصان ونركبه زي المرة اللي فاتت يا جدو؟
نطق علام بصوت حماسي:
-إنتَ بالذات محضر لك هدية حلوة قوي يا چو.
سأله بفضول:
-هدية إيه؟!
لما ناكل هوريها لك بنفسي، قالها علام ليتابع بملاطفة لشقيقه:
-فين يا سيدي الفطار، من إمبارح وإنتَ واكل دماغي في الكلام عن الفطير المشلتت اللي هتخلي البنات يعملوه من النجمة والعسل اللي جاي من الخلية مباشر والجبنة وما اعرفش إيه.
واسترسل تحت ضحكات الجميع:
-وأدينا قاعدين لينا ساعة لا شوفنا فطير ولا حمام.
أجاب شقيقه بنبرة مرحة:
-الفطير هناكله حالًا لكن الحمام والذي منه على الغدا يا سيادة المستشار.
نطقت عصمت بملاطفة:
-إهدي شوية على الباشمهندس يا سيادة المستشار، وبعدين هو أحنا لحقنا ناخد نفسنا.
رد على زوجته مشاكسًا شقيقه بطريقة لطيفة:
-مش هو اللي أصر يشيل الليلة كلها وقال أنا عازمكم، يتحمل بقى.
قهقه فؤاد ليقول لوالدته:
-اطلعي من بين بابا وعمي يا ماما، ده الداخل بينهم خارج.
تحدث بسام نجل أحمد إلى إيثار:
-بتعرفي تركبي خيل يا إيثار؟
نطقت بابتسامة بشوش:
-بصراحة مجربتش.
رد عليها بنبرة راقية وزوجته تجاوره الجلوس:
-جربي بعد الفطار، متأكد إن الموضوع هيعجبك جدًا.
ابتسم فؤاد ورفع كف يدها يقبله قبل أن ينطق وهو يتعمق بساحرتيها:
-إن شاء الله نجرب، بس بعد تمن شهور.
ضيق الشاب عينيه بعدم استيعاب لتهتف نجوى بنبرة حادة بعد أن فهمت مغزى جملته:
-هي مراتك، حامل؟!
تطلعت عصمت إلى نجوى لترى حقدًا دفين داخل عينيها لتردد المعوذتين بسريرتها وتدعوا الله أن يحفظ حفيدها الغالي من عيني تلك الحاقدة، أما فؤاد فهز رأسه لينطق بنبرة أظهرت كم السعادة التي غمرت روحه منذ استماعه لخبر حياته:
-الحمد لله، إيثار حامل في الشهر الأول.
-مبروك يا فؤاد، قالها الشاب بسعادة لابن عمه الخلوق وتحدثت زوجته إلى إيثار:
-مبروك.
شكرتها باحترام أما سميحة فنزل الخبر عليها كصاعقة كهربائية هزت كيانها بالكامل لتحول بصرها سريعًا إلى فريال ترمقها بنظرات لائمة قابلتها بأخرى آسفة لتسحب عنها بصرها سريعًا لينطق العم بسعادة بالغة:
-الله أكبر بسم الله ما شاء الله، مبروك يا حبايبي.
واستطرد مفخمًا من نجل شقيقه الذي تزوج من شهرين على حد علمه:
-يعني الباشا يا دوب عدى شهر العسل وأثبت جدارته.
قهقه والده لينطق بمفاخرة:
-وحياتك أثبتها من ليلة الدخلة.
ليتابع شارحًا الوضع أمام الجميع:
-أصل إيثار قعدت شهر في أوضة لوحدها علشان والدها الله يرحمه كان لسه متوفي من أيام، فحبت تاخد وقت تحزن فيه على باباها.
نطق أحمد متفاخرًا هو الآخر بفؤاد:
-"زيني" على حق يا باشا، ابن علام بصحيح.
شعرت بالخجل يعتريها من تلك الإيحاءات ليمسك هو بكفها غامزًا بطرف عينيه ويميل عليها هامسًا دون أي حسابات للآخرين:
-اعملي حسابك، هما أربعين يوم بعد الولادة وندخل على اللي بعده على طول.
اتسعت عينيها وهي تتطلع إليه ليهمس مبررًا:
-يرضيكِ أكسف أبويا وعمي وهما نازلين تطبيل ليا بالشكل ده.
همست بملاطفة:
-على فكرة بقى، أنتوا عيلة قليلة الأدب.
قهقه رغمًا عنه ليلتفت إليه الجميع ليرفع كفيه للأعلى قائلًا:
-آسف للإزعاج.
نطق أحمد بمداعبة:
-براحتك يا باشا، إنتَ تعمل اللي إنتَ عاوزه، هو بعد اللي حصل ده حد هيقدر يقول لك تلت التلاتة كام.
ضحك الجميع بسعادة ما عدا سميحة ونجوى، حضر العامل لينطق بنبرة وقورة:
-الفطار جاهز يا بشوات.
تجمعوا حول طاولة الطعام وبدأوا يتناولون بشهية عالية لجودة الطعام وأنواعه المختلفة التي تناسب جميع الأذواق، أمسك لقمة من الفطير وغرسها بصحن العسل ليقربها من فم مالكة الفؤاد وهو يقول متابعًا شفتيها الشهية بعينيه:
-افتحي بُقك يا بابا.
همست باعتراض وقد تلونت وجنتيها بحمرة الخجل فجعل منها شهية حد الجنون:
-بلاش الحركات دي قدامهم يا فؤاد أنا بتكسف.
-حبيبي اللي بيتكسف يا ناس، قالها بدلال ليتابع وهو يضع اللقمة بفمها:
-طب إيه رأيك إني بعمل كده مخصوص علشان أشوف خدود حبيبي اللي بتحمر وهو مكسوف.
برغم خجلها وعدم راحتها إلا أنها لم تتحكم بشعور السعادة الهائلة وهي تتملك من روحها لتسحبها إلى سماء العشق لتتراقص على أنغام كلماته المغرمة، همست وكأنها مغيبة أمام سحر عينيه:
-بحبك يا فؤاد.
-وأنا بموت فيكِ يا حياة فؤاد، قالها بصوت رجل عاشق حتى النخاع وتابع تناول طعامه، لتنطق عصمت وهي ناولها صحنًا:
-خدي يا حبيبتي كلي من الجبنة القريش، مفيدة ليكِ وللبيبي.
-تسلم إيدك يا ماما، أخذت من يدها الصحن وبدأت بتناول بعض القطع منه لتباغتها فريال هي الأخرى التي وقفت لتمدد جسدها وهي ناولها كأسًا من الحليب الطازج:
-ودي كباية لبن من عمتو.
ابتسمت وتناولتها من يدها لتنطق بصوت مرح:
-تسلم إيدك يا عمتو.
تطلع لشقيقته ليغمرها بابتسامة ونظرات ممتنة لتبادله بأخرى شديدة الحنان، بعد قليل كانت تتحرك بجانب شقيقها الذي تحدث بنبرة حنون:
-مش هتبلغي ماما بخبر حملك.
-تفتكر هيفرق معاها؟ سألته بعينين لائمة لتشق صدره تنهيدة حارة لأجلها لتتابع بغصة مرة وقفت بحلقها:
-أوعى تفتكر إني مبسوطة ببعدي عنها ومقاطعتها.
رفعت كتفيها للأعلى لتتابع بألم ظهر بمقلتيها:
-بس للأسف، ما سابتليش خيار تاني، البعد عنها فيه راحتي يا أيهم.
تخيل، قالتها بأعين مغيمة ليتألم شقيقها لألمها، جذبها ليشدد من احتضانها لتنظر عليها من بعيد نجوى التي تحدثت بتعالٍ إلى ابنتها التي تتحرك بجوارها للتنزه وسط الأشجار:
-شايفة الأشكال اللي عمك ومراته دخلوهم في وسطنا، لا وجبرونا نقعد معاهم على سفرة واحدة.
زفرت سميحة لتتابع الأخرى وهي ترمق عصمت المندمجة بالحديث مع أحمد وعلام:
-طول عمرها عاملة لنفسها برستيج والدكتورة راحت والدكتورة جت، كل ده علشان تظهر بشكل الست المثقفة وتثبت إنها أعلى من الكل.
واستطردت ساخرة:
-وفي الآخر جايبة لنا واحدة من الشارع تقعد على سفرة أسيادها اللي كان أقصى حلم ليها تخدم عليهم وهما بياكلوا.
هتفت سميحة وهي ترمق غريمتها بنظرات يملؤها الغل:
-دي حملت من أول يوم يا مامي، تخيلي.
ابتسمت الأخرى لتهتف ساخرة:
-طبعًا لازم تحمل بأسرع وقت علشان تضمن بقائها، هي كانت تطول.
أما أمجد فكان يتحدث باقتضاب إلى والدته عبر الهاتف الجوال:
-وعاوزاني أعمل إيه يعني يا ماما.
هتفت الأم بحدة مبالغ بها:
-إنتَ السبب يا أمجد، لو كنت طاوعت مراتك وسبتها تطفش البنت من البيت ما كانش حصل اللي حصل.
لتسترسل بنبرة لائمة:
-البنت حملت وهتجيب الوريث اللي هيقش كل حاجة يا دكتور، وحلم إن كل أملاك علام هتبقى ليك ولأولادك اتبخر خلاص.
هتف بعدما فاض به الكيل من أحلام والدته:
-خلاص يا ماما، وجعتي دماغي من ساعة ما فريال كلمتك علشان تفرحك بخبر حمل مرات أخوها، حلم وكان حلو بالنسبة لنا، لكن ربنا ما أردش إنه يكمل، مش هنموت يعني.
واسترسل بنبرة هادئة:
-الراجل قرر يتجوز وربنا أراد إن يكون عنده طفل يمد في جذور عيلته، هنعترض على إرادة ربنا ونكره الخير للناس ولا إيه؟
هتفت الأخرى بغضب عارم:
-إنتَ مالك واخد الأمور ببساطة كده ليه، إنتَ عارف ثروة علام زين الدين اللي ضيعتها بغبائك دي قد إيه.
زفر بحدة ترجع لعدم تقبله لحديث والدته، فهي من أدخلت بعقله فكرة أن فؤاد إذا أكمل بمقاطعته للزواج وعدم الإنجاب فسيكون هذا بصالحه وستنتقل أملاك عائلة علام بالمستقبل له ولحفيدها، هتف من بين أسنانه:
-يا ماما أرجوكِ ارحميني من كلامك ده، لو حد سمع كلامك ده يقول علينا إيه، عصابة؟!
كادت أن تتحدث ليغلق معها سريعًا وهو يقول:
-سلام يا ماما علشان مراتي جاية عليا.
أغلق ليزفر بقوة ويحتقر حاله عندما استحسن حديث والدته السابق ليعود لرشده حامدًا الله على كل ما أنعم به عليه، اهتز جسده وهو يستمع لصوت فؤاد من خلفه:
-واقف لوحدك ليه يا دكتور؟
ابتلع لعابه ليلتفت وهو يقول:
-لقيت كل واحد منكم اتحرك في جهة وجالي تليفون من ماما قولت أتكلم معاها شوية.
ابتسم فؤاد ليربت الآخر على كتفه متابعًا بصدق:
-مبروك يا فؤاد، فرحت لك من كل قلبي.
-تسلم يا دكتور، قالها بابتسامة ليتابع بذات مغزى:
-مهو ده العشم، ده أنا خال ولادك، واللي هييجي ده هيبقى عزوتهم.
أجابه بهدوء:
-أكيد طبعًا.
تحركت فريال نحو كلتا الحقودتين لتقول بطريقة مرحة:
-ممكن يا طنط آخد منك سو خمس دقايق بس.
-خديها على طول يا حبيبتي، قالتها بوجه قاسٍ لتتحرك مبتعدة، لتنطق الأخرى بنبرة آسفة:
-أنا عارفة إنك زعلانة مني وليكِ حق طبعًا، بس والله ما كنت أعرف إن فؤاد بيحبها بجد وبإن إيثار شخصية كويسة.
واسترسلت تحت استشاطة الأخرى:
-أكيد لو كنت أعرف ما كنتش حطيتك ولا حطيت نفسي في الموقف البايخ ده.
اتسعت عينيها بصدمة لتهتف بحدة:
-هو ده تفسيرك للي حصل يا فيري، موقف بايخ؟!
واسترسلت بنبرة متألمة:
-ده أنتِ اديتيني أمل بعد ما كنت فقدته ووعدتيني إنك مش هتستسلمي ولا هتسيبي إيدي غير وأنا مرات فؤاد.
نطقت على استحياء:
-وربنا أراد إن إيثار تكمل معاه وتكون أم أولاده.
مالت برأسها لتنطق بأسى:
-أنا آسفة.
زفرت الأخرى لتقول بحدة:
-ما بقتش تفرق يا بنت عمي.
نطقتها بحدة لتنسحب من أمامها تاركة إياها للندم يتأكلها، وقف علام واحتوى كف الصغير وتوجه به إلى الإسطبل وهو يخبر الجميع:
-الكل ييجي ورانا علشان يشوفوا هدية جدو علام لـ حبيبه چو.
تطلعت لشقيقها بابتسامة سعيدة وتوجهت صوب الإسطبل بجواره ليلحق بهما زوجها ويحاوط كتفها بعناية، وقف الجميع ينتظر ليخرج العامل بفرسة صغيرة حديثة الولادة مظهرها رائع ولونها بني يسر الناظرين لينطق علام وهو يشير إليها:
-دي هديتي ليك، الفرسة اللي اتولدت من أسبوعين.
صفق الصغير بكفيه وبات يقفز بقدميه للأعلى من شدة سعادته وهو ينطق:
-يا سلاااام.
ثم تابع وهو ينظر إليه بعينين متسائلتين:
-بجد الحصان ده بقى بتاعي يا جدو؟
-بجد يا حبيبي، قالها بسعادة وهو يرى فرحة الصغير الذي احتضن ساقي علام وهو يقول بامتنان:
-ميرسي يا جدو ميرسي بجد.
انحنى ليحمله ويثبته بأحضانه ثم قبل وجنته وهو يقول بسعادة لسعادته:
-ألف مبروك يا قلب جدو.
انتشى قلبها بسعادة وهي ترى صغيرها بهذا الحماس والسعادة ليبتسم لها فؤاد ويهمس بملاطفة:
-أبويا شكله بيستعيد طفولته مع يوسف.
ابتسمت بعينين سعيدتين لتنطق بنبرة تطير فرحًا:
-أبوك ده أعظم راجل في الدنيا.
-وإنتِ أجمل ست في كل الدنيا، نطقها ليحتوي كتفها ويقربها منه ليدفنها بصدره، اقتربت عصمت من الصغير المحمول داخل أحضان زوجها لتقوم بتقبيله وهي تقول بمداعبة:
-مبروك الفرسة يا چو.
-ميرسي يا نانا، قالها مثلما تلقبها بيسان التي هتفت وهي تصفق بسعادة:
-مبروك يا چو، كده أنا وإنتَ عندنا فرسة زي بعض.
لتشير على تلك الفرسة بيضاء اللون وتتابع:
-بس الفرسة اللي جدو عطاها لي لونها أبيض.
ابتسم لها بسعادة ليقول بلباقة:
-ميرسي يا بوسي.
اقترب الجميع وهنأوا الصغير واقتربت هي لتحتضنه وتهنئه ثم نظرت لذاك الحنون وتحدثت بعينين تفيض بالكثير من الحنان والشكر والعرفان:
-إنتَ أعظم أب في الدنيا كلها، ربنا يخليك لينا.
ربت على كتفها واكتفى ببسمة حنون قالت ما لم يستطع الكلام في التعبير عنه، حمل فؤاد الصغير عن والده لينطق بحماس:
-مبروك يا چو وعقبال ما تكبر وأجيب لك عربية.
-عربية حقيقية يا أنكل؟! هكذا سأله ذاك المشاكس ليجيبه بملاطفة:
-أمال لعبة يا چو.
اتجه به نحو الفرسة ووضعه فوق ظهرها لتهتف إيثار برعب ظهر بعينيها:
-حاسب ليقع من على الحصان يا فؤاد.
التفت صوبها ليطمئنها:
-ما تخافيش يا حبيبتي، أنا ماسكه كويس.
وقفت فريال بجوارها لتتحدث وهي تحثها على الحركة:
-تعالى ارتاحي شوية وما تخافيش على يوسف طول ما هو مع فؤاد، إنتِ واقفة من بدري.
-حاضر يا حبيبتي، قالتها بهدوء لتتحرك بجوارها نحو المقاعد تحت نظرات سميحة الحادة.
وقف أيهم بجوار الصغير ليتمسك به من الناحية الأخرى ليقول بنبرة حنون:
-مبروك يا يوسف.
ميرسي يا خالو، قالها الصغير ليتابع برجاء:
-خالو، ممكن تصورني وتوري الصورة لبابي، قول له إنتَ وحشت چو قوي وهو بيحبك.
نزلت كلمات ذاك الملاك على قلبي فؤاد وأيهم لتشطرهما لنصفين، تنهد فؤاد وتبادلا النظرات بينه وبين أيهم الذي تحدث لإرضاء الصغير:
-حاضر يا حبيبي.
أخرج هاتفه وبدأ بالتقاط بعض الصور وبعد الانتهاء وجد سبع مكالمات فائتة من وجدي لم يستمع إليهم لوضع هاتفه على وضع الصامت، تعجب وابتعد قليلًا وأعاد الاتصال ليستمع لصوت أخيه يهدر بحدة:
-إنتَ فين يا أيهم ما بتردش عليا ليه؟!
-فيه إيه يا وجدي، صوتك ماله؟! هكذا سأله بعدما شعر بريبة من صوت شقيقه المهتز ليجيبه الآخر بصوت يحمل من الهموم ما يكسر ظهر الرجال:
-مصيبة وحطت علينا يا أيهم، لقينا نسرين مرات عزيز مقتولة عند مزرعة الحاج نصر والبوليس خد عزيز وبيحققوا معاه.
اتسعت عينيه لينطق بذهول:
-يا نهار أسود، حصل إمتى كل ده؟!
أجابه باستفاضة:
-الناس لقيوها مقتولة الساعة ستة الصبح، بس البوليس قال إن شكلها مقتولة من بالليل لأن جسمها متخشب، ومحدش عارف أي حاجة.
سأل شقيقه بهلع ظهر بصوته:
-أوعى يكون عزيز ليه يد في الموضوع يا وجدي؟!
أجاب شقيقه ليطمئنه:
-لا متقلقش، أنا بنفسي اللي طلعت لعزيز بلغته، وأنا أدرى بعزيز لو كان عملها كان هيبان على وشه، المهم لازم تسيب اللي في ايدك وتيجي حالًا علشان نشوف هنعمل إيه في المصيبة اللي إحنا فيها دي.
تحرك الشاب واستأذن من الجميع ليذهب لتسأله شقيقته بارتياب:
-فيه إيه يا أيهم؟
أجابها بمراوغة كي لا يفسد عليها الجمع وأيضًا حفاظًا على شكلها أمام عائلة زوجها الأرستقراطية:
-ما فيش حاجة يا حبيبتي، ده واحد صاحبي عمل حادثة ولازم أروح أشوفه.
انسحب في هدوء، بعد قليل تحركت مع فؤاد لتقف في الإسطبل أمام حصان أسود مظهره رائع، وضع كفه على رأسه وبات يتحسس شعره الجميل بحنان ليتحدث وهو يقوم بتعريفها عليه:
-ده بقى يا ستي يبقى الحصان بتاعي من وأنا في الكلية، اسمه فرحان.
-فرحان، قالتها بابتسامة لتتحدث إلى الحصان بوجه بشوش:
-إزيك يا أستاذ فرحان.
-السلام ما يبقاش كده، السلام لازم يكون حار، قالها بجدية ليتابع وهو يغمز بعينيه بوقاحة راقت لها:
-أنا بعرف الحصان بتاعي على الفرسة بتاعتي.
جحظت عينيها لتنطق بنبرة حادة:
-اتلم يا فؤاد وما تنساش إننا بين الناس.
قهقه بمرح واحتوى كفها بين خاصته لينطق بنبرة حنون:
-هاتي إيدك وحطيها على راسه بحنية علشان ياخد عليكِ بسرعة.
جذبت كفها بارتياب لتنطق بصوت مرتعش:
-بلاش يا فؤاد، أنا بخاف قوي من الحيوانات.
أجابها وهو يحتضن كفها من جديد:
-ما تخافيش، أنا جنبك، وبعدين الأحصنة ما بتخوفش، دي حيوانات أليفة.
أخذت نفسًا عميقًا لتستعيد هدوئها وسلمت حالها لحبيبها الذي قرب كفها من رأس الحصان وبدأ بتحريكه بين عينيه وبدأ يتحدث بصوت حنون:
-دي إيثار اللي كلمتك عنها يا فرحان، خلاص سامحتني وبقت مراتي وشايلة جواها حتة غالية مني.
قطبت جبينها لتسأله متعجبة:
-كلمته عني إمتى؟
-لما كنتي زعلانة مني وعملتي لي بلوك، قالها بتأثر ليعود للحصان وينطق من جديد:
-يومها جيت اشتكيت له نار بُعدك، وركبته وفضلت ألف بيه طول اليوم.
نظر للحصان لينطق بتفاخر:
-ما قولتليش يا فرحان، إيه رأيك في الفرسة الجامحة بتاعتي.
رفع الحصان رأسه ليصدر منه صهيلًا مرتفعًا أرعب تلك التي تراجعت للخلف وهي تصرخ بهلع من المفاجأة لينتبه الجميع لها، أحنت جسدها وأمسكت أسفل بطنها لتتسع عينيه وهو يسألها بهلع ظهر بصوته المنتفض وهو يقول:
-مالك يا بابا، فيه إيه؟
أغمضت عينيها وباتت تنظم أنفاسها لتهرول عليها عصمت التي انحنت بمستواها لتسألها والفزع تملك من ملامحها:
-مالك يا إيثار، حصلك إيه؟
رفعت قامتها وأسندها هو بجسد منتفض لتتحدث إليه سريعًا:
-ما تخافش يا حبيبي أنا كويسة، أنا بس اتخضيت من صوت الحصان وافتكرته هيهجم عليا فمعدتي كركبت.
تنفس أخيرًا لينطق بهدوء:
-يا حبيبي ده بيرحب بيكِ.
-خلاص يا فؤاد أبوس إيدك، نطقتها عصمت بحدة مبالغ بها لتتابع والغضب ظهر فوق ملامحها:
-بلا يرحب بيها بلا يسلم عليها.
سحبتها بجوارها لتنطق وهي تتحرك بها للأمام:
-هي أصلًا خايفة منه فسيبها بقى وخلي الموضوع يتم على خير.
أسندها من الجهة الأخرى ليقول لوالدته:
-إهدي يا ماما ما حصلش حاجة تستدعي خوفك ده كله.
-يا حبيبي خلي ربنا يتم فرحتنا على خير، قالتها والهلع ما زال يسيطر عليها حتى وصلوا للمقاعد وساعداها بالجلوس ليجلب هو كأسًا من الماء ويناولها إياه.
بعد حوالي ساعة تحدث إليها بهدوء:
-حبيبي، هروح ألف شوية بالحصان أصله وحشني.
-تمام، بس بلاش تتأخر عليا، قالتها بعينين مترجيتين ليجيبها بصوت حنون:
-حاضر يا قلبي، ساعة بالكثير وهتلاقيني قدامك.
انحنى لمستوى جلوسها ليهمس بجانب أذنها كي لا يستمع إليه فريال ووالدته وزوجة عمه وسميحة:
-على فكرة، شكلك يجنن النهاردة.
شعرت بالسعادة تغزو روحها لتشمله بنظرات هائمة أشعلت نار قلبه المغرم، ذهب وامتطى حصانه وانطلق به تحت نظراتها الحنون لتقف سميحة وهي تقول بذات مغزى كي تشعل الأخرى:
-هروح ألف شوية بحصاني أنا كمان، من زمان ما اتمشيناش أنا وفؤاد بالأحصنة.
ذهبت وامتطت حصانها وانطلقت بأقصى سرعة خلفه لتختفي عن بصرها لتشتعل روح تلك العاشقة، شعرت بنار الغيرة تسري بأوردتها حتى أنها لم تشعر بصوت عصمت التي ناولها المشروب قائلة:
-العصير يا إيثار.
التفتت لها لتنطق بصوت خافت:
-مش عاوزة أشرب حاجة.
باتت النار تتزايد بقلبها كلما تخيلت تلك الحية وهي تحاول التقرب من رجلها، فكرت بأن تهاتفه كي يعود ويطفئ لهيبها المشتعل لكنها تراجعت لأجل الحفاظ على شكل زوجها وشكلها هي أيضًا، فما كان عليها سوى الصبر لحتى عودتهما.
*********
داخل كفر الشيخ، عاد عزيز بصحبة ضابط الشرطة وبعضًا من رجاله، صعد إلى مسكنه الخاص بصحبتهم بعد أن قرر الضابط تفتيش المسكن علهم يعثرون على دليل إدانة لعزيز وذلك لشكوك الضابط به بعد توجيه والد القتيلة تهمة القتل إلى زوجها، بات الرجال يبعثرون محتويات المكان بأكملها حتى وصلوا إلى خزانة ملابسها ليعثر أحد الرجال على حقيبة سوداء فتحها ليجد بها مبلغًا كبيرًا من المال وهاتفًا حديث ليذهب إلى الضابط ويقول بجدية:
-تمام يا فندم، لقيت الشنطة دي في وسط هدوم القتيلة.
فتحها الضابط وأخرج رزمتين من الأموال ليوجههما إلى عزيز متسائلًا:
-بتاعت مين الفلوس دي يا عزيز؟
اتسعت عينيه بذهول لينطق بكلمات خرجت بصدمة:
-ما أعرفش يا بيه، أنا أول مرة أشوف الشنطة دي.
أخرج الهاتف لينظر به وتساءل:
-بتاع مين التليفون ده كمان؟
هز رأسه مصدومًا لينطق:
-ما أعرفش، ده مش تليفون نسرين.
__________________________
أمسك الضابط الهاتف وحاول فتحه لكنه كان مغلقًا بأرقام سرية فنظر إلى عزيز وتحدث:
-تعرف الرقم السري بتاع التليفون ده؟
نطق بلسان يرتجف من شدة خوفه:
-يا باشا هعرفه منين بس، والله العظيم أنا ما أعرف أي حاجة لا عن الفلوس دي ولا التليفون.
رمقه بنظرة حادة قبل أن يهتف بغضب:
-يعني الحاجة موجودة في شقتك وما تعرفش عنها حاجة، إيه مراتك كانت مقرطساك ولا إيه يا روح أمك.
ابتلع غصة مرة من حديث الضابط المهين لرجولته ثم تذكر زوجته وكل علامات الاستفهام التي تدور حول مقتلها لتشتعل النار وتسري في جميع أوردته ليسأله الضابط من جديد:
-طب فين تليفون مراتك؟
طأطأ رأسه وأجاب بصوت ذليل:
-ما أعرفش يا باشا.
نظر الضابط إلى أحد رجاله وقال:
-هاتي لي أي حد من بتوع التليفونات يفتح لنا التليفون ده يا ابني علشان نشوف حكايته إيه ده كمان.
ونظر إلى عزيز لينطق آمرًا وهو يتحرك للعودة إلى قسم الشرطة:
-وهات لنا الواد ده لحد ما نشوف آخرتها معاه.
-يا باشا والله العظيم ما قتلتها، هقتلها إزاي وأنا طول الليل نايم زي القتيل، هكذا كان جوابه ليتوقف الضابط ويلتفت إليه بعدما تذكر حديثه عن دخوله في سبات عميق فور ارتشافه لمشروب الشاي، ضيق عينيه وسأله مستفسرًا:
-فين كباية الشاي اللي مراتك ادتها لك يلا؟
أجابه سريعًا:
-بره في الصالة يا بيه.
تحرك الضابط صوب الخارج ليجد منضدة صغيرة موضوع عليها صينية وفوقها كوبًا زجاجيًا به بقايا شاي، تحرك ليقف أمامه ثم أشار لأحد رجاله قائلًا:
-شوف لي يا ابني أي كيس جوه في المطبخ.
واسترسل آمرًا:
-وعاوزكم تقلبوا لي الشقة على أي قزازة دواء أو برشام تلاقوه، أي حاجة تلاقوها هاتوها علشان نبعتها للطب الشرعي تتحلل.
أتى الرجل بكيس شفاف فأمسك به الضابط الكوب واحتفظ به داخله منعًا لضياع البصمات، ثم ناوله للعسكري وشدد على الاحتفاظ به وانصرف بصحبة عزيز مع جميع الأدوية التي عثروا عليها، كانت منيرة تنتظر أسفل الدرج وما أن وجدت ابنها ما زال مكبلًا من رجال الشرطة حتى صرخت متأذية من المنظر:
-واخدين ابني تاني ليه يا باشا، ابني ما عملش حاجة، ابني كان نايم فوق وأنا وأخوه اللي صحيناه بنفسنا.
أجابها الضابط بعملية وهو يترجل من فوق الدرج:
-لو ابنك بريء هيخرج بعد ما نتأكد من خلال التحقيقات.
-خلي بالك من عيالي يا أما، قالها برجاء بعدما وجدها تحتوي الصغار بكفيها لتنطق وهي تشدد من ضمتها لهم:
-العيال في عيني يا عزيز، ما تشيلش همهم وخليك في نفسك إنتَ.
بات يتطلع من حوله بعينين زائغتين حتى عثر على شقيقيه يقفان وسط التجمع من أهل البلد ليهتف بنبرة أظهرت كم رعبه وهلعه:
-شوف لي محامي يا أيهم، ما تسيبنيش إنتَ ووجدي.
نظر له أيهم بقلب ينزف دمًا وهو يرى شقيقه الأكبر مكبلًا بأصفاد حديدية كالخارجين عن القانون يجر من قِبل رجلين بمظهر مهين لآدميته لينطق سريعًا كي يزرع بقلبه الطمأنينة:
-ما تخافش يا عزيز، أنا كلمت محامي شاطر، وأنا ووجدي جايين وراك على القسم ومش هنسيبك.
تطلع على شقيقيه بعينين تكسوهما غشاوة دموع ليجذباه الشرطيين ويخرجا من الباب ليهتف وجدي كي يبث بروح شقيقه الطمأنينة:
-ما تخافش يا عزيز، إحنا معاك ومش هنسيبك.
أما نوارة فكانت تبكي وهي تحمل ابن عزيز الصغير والذي يبكي منذ أن استيقظ منذ الصباح إلى الآن وكأنه علم بما حدث لوالدته، ولجت ألاء وأخذت الصغير منها لتعود به للمنزل حيث طلبت منها والدتها جلبه إليها.
*********
عودة لمزرعة الخيول.
كان يسرع بالجري بحصانه الذي يرمح بقلب سعيد، ولما لا وقد شعر باكتمال سعادته، فقد رزقه الله حب الزوجة التي تمناها وأصبحت لقلبه وروحه الخليلة، ويعيش الآن بين أحضانها أزهى عصوره، ورُزق بخبر حملها وبعد أقل من ثمانية أشهر سيحمل بين يديه قطعة غالية تشكلت من دمه وخصال مشتركة بينه وبين مالكة الفؤاد، ماذا سيتمنى أكثر من هذا؟
قطع اندماجه صوت تلك التي لحقته وهي تناديه:
-فؤاد.
شد لجام الحصان كي يهدئ من سرعته ثم التفت عليها بجبين مقطب لتتابع وهي تسرع باتجاهه:
-من زمان ما جريناش بالخيل مع بعض.
ضيق بين عينيه متعجبًا تصرفها لكنه يفهم جيدًا محاولاتها المتكررة للتقرب منه لذا أراد أن يقطع عنها أمل الانتظار لينطق بنبرة هادئة وهو يتحرك للأمام بحصانه الرياضي الرشيق:
-كان نفسي أتمشى معاكِ، بس حابب أجري بالحصان.
واسترسل بذات مغزى علها تفهم وتكفيه شر الحرج:
-وللأسف لا لياقتك ولا لياقة حصانك تقدر على المنافسة.
اكفهرت ملامحها من ذاك الحبيب الذي لم يشعر بها أبدًا فقررت أن تلعب على وتر الغيرة لدى زوجته وبالمرة تتقرب منه، فكت السرج لتجعل وقوعها سهلًا ثم أخرجت من جيب بنطالها سكين يدوي للنحت والقطع ذو شفرات حادة "قطر" وفتحته لتمرر شفرته على جلد الحصان ليصهل بأعلى صوته ويقفز للأعلى فأفلتت حالها لتسقط من على ظهره ليستقر جسدها أرضًا مع إطلاقها لصرخات مستنجدة، استمع لصرخاتها فالتفت ليجد الحصان يرمح بقوة للأمام وكأنه هاربًا من شيء يلاحقه، شد لجام حصانه ليعود للخلف يبحث عنها فوجدها متكومة على نفسها تئن بصوت مكتوم، قفز من فوق ظهر حصانه سريعًا وبات يتفحصها وهو ينطق بنبرة هلعة على ابنة عمه التي يعتبرها كشقيقته:
-سميحة ردي عليا، إنتِ كويسة؟!
تحدثت بصوت خافت يرجع لتألمها حقًا فقد تأذى جسدها من أثر احتكاكه بالأرض وتأذى وجهها أيضًا:
-أنا تعبانة قوي يا فؤاد، أرجوك وديني عند مامي وبابي بسرعة.
-طب قومي معايا نتمشى، نطقها لتقاطعه بصوت يئن كي تستدعي تعاطفه:
-رجلي شكلها اتلوت، وأكيد مش هقدر أمشي عليها كل الطريق ده.
تنهد بحزن لأجلها ثم تحدث وهو يساعدها على الوقوف:
-طب تعالي أساعدك تركبي الحصان تروحي بيه وأنا هرجع مشي.
تعلقت برقبته لتصيح بفزع ظهر على ملامحها أتقنت صنعه بمهارة عالية لدرجة أنه مر على رئيس النيابة:
-مش هقدر أركب الحصان لوحدي يا فؤاد.
واسترسلت بدهاء:
-وبعدين هو أنتَ ناسي إن حصانك ما بيقبلش حد غيرك؟
زفر بضيق، كيف له أن يغفل عن تلك النقطة الهامة ليتنهد بقلة حيلة، والآن لم يعد لديه خيار آخر، حملها بين يديه ووضعها على ظهر الحصان الذي صهل فوضع كفه سريعًا بين عينيه وبدأ بتمريرها وهو ينطق:
-إهدي يا فرحان وأثبت.
وكأن هذا الفرحان قد فهم عليه فهدأ وتسمر بوقفته، امتطى فؤاد خلفها وهو متأذي كثيرًا لسببين: أولهما أن في هذا التقرب ذنبًا عظيم والآخر هو زوجته الغيورة التي ستجن بالتأكيد إذا رأت هذا المشهد المؤلم لقلبها المغروم، ابتعد بجسده للخلف وشد لجام الحصان ليتحرك للأمام صوب المزرعة، تحدثت بصوت متألم افتعلته بجدارة:
-ميرسي يا فؤاد، مش عارفة لو ما كنتش موجود كان هيحصل فيا إيه.
تطلع للأمام وتجاهل حديثها فهو بالنسبة له مجرد هراء، كل ما يشغل باله الآن هو ما ينتظره من جنون خليلة القلب وغيرتها المرة عليه، اقتربا من الوصول فألقت عديمة الحياء بجسدها عليه ولفت ساعديها حول عنقه بعدما هزت جسدها عن قصد لتوهمه أنها كانت على وشك الوقوع من فوق ظهر الحصان، هتف الحارس بصوت عال لينتبه الجميع صوب هرولة الحارس:
-خير يا باشا، هي الهانم وقعت من على حصانها ولا إيه؟!
اتسعت عينيه لسرعة الأحداث وتوجه سريعًا ببصره نحو خليلة القلب التي انصدمت وركزت بمقلتيها على تلك المحاوطة لعنق زوجها ورأسها موضوع على صدره دون أي رد فعل من الآخر وكأن يداه تربطت، أسرع بسام ووالده وعلام عليها ليسأل أحمد ذاك المذهل:
-إيه اللي حصل يا فؤاد؟!
مالها سميحة؟!
وكأنه مغيب لا يرى لا يسمع لا يتكلم، فقط عينيه مثبتة على تلك التي تنظر عليه بصدمة ممزوجة بألم وغضب لو خرج لأحرق الأخضر واليابس بطريقه، فاق على صوت والده وهو ينبهه:
-عمك بيكلمك يا فؤاد.
انتبه لينطق بصوت خافت:
-نعم يا بابا.
أسندها شقيقها لينزلها ليكرر أحمد السؤال عليه:
-إيه اللي حصل لها؟!
-وقعت من على الحصان ما أعرفش إزاي، جملة قالها بقلب يئن لأجل نظرة الانكسار التي لمحها بعين زوجته، أسرعت نجوى وفريال وزوجة بسام وماجد ليطمئنوا عليها، إلا عصمت التي أمسكت كف تلك العاشقة المذهولة لتنطق بمؤازرة:
-ما تضايقيش نفسك علشان البيبي ما يتأثرش.
واسترسلت بإيضاح:
-سميحة زي أخته ولو فيه أي مشاعر بينهم ما كانش اختارك واتجوزت.
تطلعت عليها لتتابع الأخرى بعينين صادقتين لتهون عليه تأثير الصدمة:
-فؤاد مش بس بيحبك، ده بيعشقك، أنا أول مرة أشوف عيون ابني بتلمع من الحب.
وقفت لتنطق وهي تحثها على النهوض:
-قومي معايا نطمن عليها واتصرفي طبيعي علشان تحافظي على شكلك وشكل جوزك قدامهم.
نظرت إليها بعينين متألمتين لتسترسل الأخرى كي تمنحها القوة:
-أوعى تخلي حد يشمت فيكِ، إنتِ مرات فؤاد علام.
نطقت بانكسار ظهر بصوتها:
-مش قادرة أتخطى اللي شفته يا ماما، دي كانت في حضنه؟!
حزنت لأجلها، تعلم أنها عاشقة وصعب عليها تقبل ما حدث لكنها مطالبة بالقوة، تحركت بجوارها ليترجل سريعًا من فوق ظهر الحصان وتحرك صوبها لتتخطاه بوجه كاشر ليزفر بقوة ويسحب شعر رأسه للخلف من شدة غضبه كاد أن يخلعه من جذوره، وصلتا لتلك الجالسة فوق المقعد والجميع يلتفون من حولها للاطمئنان عليها وما أن لمحت طيفها تحدثت عن قصد:
-لولا فؤاد كان موجود ما أعرفش كان ممكن يحصل لي إيه يا بابي، أول ما وقعت جري عليا ونزل بسرعة وشالني، وطول الطريق كان خايف عليا لا أقع علشان كده أخدني في حضنه.
رمقها والدها بحدة لحديثها الثائر لمشاعر زوجة فؤاد التي نطقت بصوت حاربت بكل قوتها ليخرج هادئًا:
-حمد لله على سلامتك.
-ميرسي، قالتها بدلال لتنطق بنبرة حنون:
-لولا فؤاد...
لتقاطعها عصمت بنبرة حادة لاحظها الجميع:
-بلاش تكبري الموضوع وتدي له أكبر من حجمه يا سميحة، فؤاد طول عمره بيعتبرك زي فريال بالضبط.
لتسترسل بصوت حازم:
-وأكيد لو فريال هي اللي وقعت ما كانش هيسيبها مرمية في الأرض ويكمل جري بالحصان.
-حمد لله على سلامتك، قالتها لتمسك كف إيثار مسترسلة:
-تعالي اقعدي يا حبيبتي علشان ما تتعبيش.
أفلتت يدها بهدوء لتقول بابتسامة مصطنعة:
-هروح الحمام.
هزت رأسها لتنطق فريال التي اقتربت منها:
-هاجي معاكِ.
أشارت بكف يدها لتوقفها:
-خليكِ أنا عارفة المكان.
تحركت سريعًا إلى مبنى الاستراحة لتختفي خلفه تحت نظرات ذاك العاشق، أقبل والده عليه لينطق ساخرًا:
-ليلتك مش فايتة النهاردة يا سيادة المستشار.
تطلع إلى أبيه ليسترسل الآخر بمشاكسة:
-يعني كان لازم الحصان، ما كنت قعدت جنب مراتك بكرامتك أحسن.
بنبرة جادة هتف بحدة كصقر جريح:
-حضرتك بتتريق، يعني عاجبك اللي الهانم بنت أخوك عملته؟!
واستطرد بحدة وجنون:
-دي نامت على صدري قدام مراتي يا بابا!
حاوط كتفه برعاية لينطق برزانة وهدوء:
-إهدي يا فؤاد علشان عمك ما ياخدش باله، وبعدين إيثار عاقلة.
قطب جبينه لينطق باعتراض حاد:
-هي مين دي اللي عاقلة، دي لما شافتني قاعد معاها في الجنينة بالليل اتحولت لغول وساعتها ما كانش لسه حصل بينا حاجة، تخيل بقى رد فعلها وهي مراتي قدام الكل وكمان حامل في ابني.
-هو الباشا خايف ولا إيه؟! قالها علام بملاطفة كي يسحب صغيره من تلك الحالة ليجيبه الآخر بعينين صارخة بالعشق:
-آه يا بابا خايف، خايف أخسر حياتي اللي ما صدقت إني لقيتها، خايف على استقرار نفسيتي وراحتي اللي لقيتها في حضن مراتي، وبنت أخوك جاية بكل بساطة تضيع كل ده بتفاهتها.
أخذ نفسًا عميقًا حاول به تهدئة حاله، لأول مرة يتحدث بتلك اللهجة مع والده، لام حاله ليتطلع إليه قائلًا باعتذار:
-أنا آسف يا بابا، أنا مش عارف إزاي سمحت لنفسي أتكلم بالعصبية دي قدامك.
-ولا يهمك يا حبيبي، قالها بتفهم ليتابع كي يطمئن قلب صغيره:
-ولو على إيثار أنا هكلمها.
-لا يا بابا لو سمحت، مراتي أنا هعرف أراضيها، قالها سريعًا ليسترسل وهو يستعد للذهاب:
-بعد إذن حضرتك.
تحرك صوب الاستراحة ليدخل من بابها وتوجه لباب الحمام لينشطر صدره حين استمع لصوت شهقاتها الخافتة، اعتصر عينيه بقوة وألم لأجلها ثم دق الباب لينطق بصوت حنون وكأنه يحدث صغيرته وليست زوجته:
-حبيبي، افتحي الباب يا بابا.
كانت تقف أمام المرآة الموضوعة خلف الحوض ساندة بكفيها على حافته لتشهق بغصة مرة بعد استماعها لصوته، تدفقت دموعها كشلالات منهمرة من أعلى الوديان، قرب فمه من الباب لينطق من جديد:
-افتحي يا بابا علشان خاطري.
اختارت الصمت فقط صوت شهقاتها الذي يعلو ويصدح ليغلي قلبه غضبًا ليدق الباب بقوة من شدة هلعه عليها وعلى جنينه الساكن ببطنها:
-إيثار، افتحي الباب بقولك.
قررت الخروج عن صمتها لتهتف بصوت يشتعل غضبًا:
-ما تعليش صوتك وامشي من سكات.
أجابها بغضب عارم لو خرج لأشعل المكان برمته وهو يحاول لف المقبض دون فائدة:
-لو مش عايزة صوتي يعلى يبقى تفتحي الباب حالًا.
لأول مرة تحدثه بتلك الفظاظة، وترجع الأسباب للغبطة الهرمونات:
-مش هفتح ومش طايقة أشوف وشك قدامي، امشي بقى.
-طب افتحي الباب، قالها بنبرة كالثلج لتنطق بحدة:
-قولت لك مش فاتحة.
فتحت صنبور المياه لتقوم بغسل وجهها لينطق هو بكلمات تهديدية خرجت من بين أسنانه بطريقة مخيفة جعلتها تتراجع للخلف:
-قسمًا بالله لو ما فتحتي الباب حالًا لأكون كاسره وخلي بقى الفضايح على العلن.
تنفست ووقفت تنظر على الباب لينتفض جسدها حين استمعت لخبطة قوية مصاحبة لصوته الهادر:
-افتحي الزفت ده.
ابتلعت لعابها لتتحرك صوب الباب وتلف مقبضه لينفتح ويظهر هو بحدة عينيه التي اختفت بمجرد ظهورها أمامه ليهرول عليها ويجذبها لتسكن بين أحضانه لتباغته بدفعها القوي لجسده ليتراجع للخلف على أثره، تطلع عليها بذهول لتهتف هي من بين أسنانها وهي تحذره بسبابتها:
-أوعى تلمسني.
لتنطق وهي ترمقه باشمئزاز:
-ريحتها لازقة على جسمك يا سيادة المستشار.
-ريحة مين؟! قالها بجبين مقطب لتصيح بعينين تطلقان قذائف نارية:
-ريحة الهانم اللي كنت واخدها في حضنك ويا عالم إيه اللي حصل بينكم هناك.
اتسعت عينيه ذهولًا لينطق بحروف متقطعة:
-لا ده أنتِ اتجننتي رسمي.
أسرعت عليه لتدفعه بقبضتيها بصدره العريض ليرتد للخلف على أثرها لتهتف بجنون تحت صدمته من مظهرها:
-ولما أنا مجنونة اتجوزتني ليه؟!
لتسترسل بعصبية مفرطة:
-على العموم ملحوقة جنابك، تقدر تطلقني وتروح تتجوز بنت عمك العاقلة.
أشار بكفيه ليخرج بصوته:
-إششششش، خلاص إهدي، تعالي نروح ونكمل خناقتنا في البيت بدل الفضايح دي.
رفعت قامتها للأعلى لتهتف بقوة:
-ومين المغفلة اللي هتروح معاك البيت أصلًا!
اتسعت عينيه بصدمة ليقول بعدم تصديق:
-لااا، ده كده تاتش الهبل زاد وفاض عن الحد.
كادت أن تتحدث فأشار لها بعينين تطلق شزرًا ليعلن عن نشوب حرب قادمة إذا ما تراجعت:
-كلمة زيادة وقسمًا بالله هتتفاجأي براجل عمرك ما قابلتي في غبائه.
كانت هيئته غنية عن الشرح جعلتها تبتلع لعابها ليهتف بحدة وهو يشير إليها:
-اسبقيني على العربية على ما أروح أجيب الولد.
رمقته بحدة لتنطلق بسرعة الصاروخ ليلحق بها جاذبًا يدها ليتشابكها رُغمًا عنها، ثم مال على أذنها هامسًا:
-افردي وشك وخليكِ طبيعية علشان ما حدش ياخد باله.
أخذت نفسًا عميقًا لتستعيد هدوئها نظر عليها وتمنى أن يحتويها ويدخلها بين ضلوعه لكنها الآن غاضبة كالفرسة الجامحة وعليه الحزم بقوة لكبح جماحها، فقد بات يحفظ طبعها عن ظهر قلب، تحرك بها للخارج، وجد الجميع جالسون ويتحدثون بطبيعية وكأن شيئًا لم يحدث لتتجه أنظارهما على تلك السميحة ليجداها تضحك بوجه سعيد بعد أن أزالت آثار التراب بمحرمة معطرة ليزفر بقوة بعد أن تأكد من أن ما قامت به ليس إلا خطة حقيرة نسجتها ببراعة ليقع هو فريستها، حقًا لا تأمن كيد النساء ومكرهن.
تحدث أحمد إليهما بهدوء كي يمحي أثر ما قامت نجلته بفعله ولامها عليه بحدة:
-هات مراتك وتعالوا كلوا فاكهة يا فؤاد.
-معلش يا عمي مضطرين نمشي، قالها بهدوء ليتابع بزيف كي لا يدع الشك يساورهم:
-إيثار عندها متابعة مع الدكتورة وكانت ناسياها، والسكرتيرة لسه مكلمنا حالا كانت بتأكد على الميعاد.
سأله عمه بنبرة حنون:
-طب مش هترجعوا تتغدوا معانا، ده أنا موصي الطباخ وعامل لك كل الأصناف اللي إنتَ بتحبيها.
نطق باعتذار لطيف:
-معلش يا عمي سامحني، إيثار بترجع من المتابعة تعبانة.
واستطرد معتذرًا:
-حضرتك عارف الحمل في أوله بيبقى مُتعب.
أضافت على حديثه بنبرة هادئة بصعوبة استدعتها:
-أنا آسفة إني لخبطت لحضرتك اليوم.
تحدث الرجل بلباقة:
-ولا يهمك يا بنتي، تتعوض الأيام جاية كتير أهم حاجة صحتك.
ابتسمت سميحة بخبث لتنطق بنبرة حنون كي تثير غضب تلك المجاورة له:
-ميرسي مرة تانية يا فؤاد.
لم يعر لحديثها اهتمام ليتحدث إلى الصغير بتجاهل تام لتلك التي اشتعلت نيرانها:
-يلا يا چو علشان نروح.
مط الصغير شفتيه ليتحدث إلى فؤاد بعينين متوسلتين:
-بس أنا عاوز أفضل هنا مع بيسان وجدو.
ردت عليه والدته باعتراض:
-مش هينفع تقعد وأنا مش معاك يا حبيبي.
-بليز يا مامي، نطقها بحزن في عينيه لتنطق عصمت بهدوء:
-سيبيه معايا يا إيثار، أنا هاخد بالي منه.
كادت أن تعترض ليهمس بهدوء:
-خلاص سيبيه، خلينا نمشي.
استقلا السيارة لينطلق متجهًا نحو القصر، نظر بجانب عينه يتطلع على تلك الصامتة التي تنظر من النافذة، همس بهدوء وصوت معتذر:
-إنتِ كويسة.
لم تعر لحديثه اهتمام ليزفر بقوة قائلًا:
-وبعدين معاكِ، بلاش تستغلي حبي ليكِ وتزوديها.
-ممكن تسكت، قالتها بحزم جعله يذهل من فظاظتها المستجدة لكنه أسند حدتها المفرطة إلى هرمونات الحمل فاتخذ من الصمت نصيبًا حتى وصلا إلى القصر.
*********
داخل قسم الشرطة، يجلس الضابط أمام أحد الرجال الماهرون بفتح الهواتف، تحدث الرجل وهو يمد يده بالهاتف نحو الضابط لينطق باحترام:
-اتفضل التليفون اتفتح يا باشا.
استلمه منه وأخبر العسكري بأن يستدعي عزيز من المحبس ليأتي بعد قليل مطأطأ الرأس وقد بدا الإعياء على وجهه وجسده فتحدث بنبرة هادئة:
-التليفون اتفتح، مش عاوز تعرف إيه اللي مراتك كانت بتعمله من وراك؟
ابتلع غصة مرة بحلقه وشعر بكرامته كرجل تدهس تحت أحذية الجميع، للحظة شعر بالريبة من معرفة المجهول وكشف المستور، هل كانت زوجته خائنة، هل تعرفت على أحدهم وجعلته يدوس على شرفه، أفكارًا كثيرة لاحت بمخيلته لينطق الضابط وهو يشير بكفه حين رأى حيرته ورعبه:
-اقعد.
جلس وأخرج الضابط سيجارتين واحدة له والأخرى أعطاها لعزيز وأشعل كلًا منهما سيجارته، ضغط الضابط زر التسجيلات ليظهر صوت نسرين:
-خير، عاوزة إيه تاني؟
بدون مقدمات سألتها الأخرى بقلب يشتعل نارًا:
-إيثار عندكم في البيت ولا غارت في داهية؟
-والمفروض بقى إن الهبلة نسرين ترد وتطمنك؟!
صاحت سمية بغل أوضح وصولها للمنتهى من الصبر:
-نسرين، أنا على آخري ومش طايقة نفسي، جاوبي من غير خُبث.
-وأريحك بمناسبة إيه! لتتابع مؤنبة إياها:
-ده أنتِ بعتيني واتخليتي عني بعد ما خسرت كل حاجة.
اتسعت عيني عزيز بذهول لتكمل سمية بلهفة:
-هديكِ الفلوس اللي إنتِ عاوزاها بس انجزي وقولي.
سألتها نسرين بريبة:
-وأنا إيه اللي يضمن لي إنك مش هتاخدي اللي عاوزة تعرفيه وبعدها ترجعي لأصلك وتتخلي عني تاني؟
رواية انا لها شمس الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم روز امين
صباحًا داخل منزل نصر البنهاوي
تجمعت نسوة المنزل داخل المطبخ يساعدن العاملات بتجهيز طعام الإفطار للجميع، أما الرجال فكانوا يجلسون بالبهو ينتظرون اكتمال سفرة الطعام لينتقلون إليها. خرجت إجلال من غرفتها تتبختر بمشيتها كالطاووس حتى وصلت لمقعدها المخصص لها والمحرم على غيرها من أهل المنزل، جلست لتنطق بحدة وبصرها موجهًا على نصر:
- هتجيبولي يوسف علشان أشوفه إمتى؟
ابتسم ساخرًا ليجيبها بنبرة متهكمة وهو يرمق نجله بنظرات حادة:
- وهي بنت غانم هتخليك تلمحيه تاني بعد اللي عمله المحروس فيها!
اتسعت عينيها لتهتف بحدة غاضبة:
- بقولك إيه، أنا ما يلزمنيش الكلام ده كله، أنا عاوزة أشوف الولد والإسبوع ده يكون عندي.
ارتبك من نوبة غضبها العارم لينطق سريعًا كي يهدئ من روعها فهو يحتاج دعمها الفترة المقبلة فبرضاها سيرضى عنه الجميع:
- اصبري عليا لحد ما هوجة الانتخابات تعدي وبعدها هعمل المستحيل وهخلي بنت غانم هي بنفسها اللي تجبهولك لحد هنا.
ثم اتسعت ابتسامته وهو يقول بتشفٍ:
- وبعدين الصبر يا ستهم، الموضوع أساسًا شكله هيتحل من عند ربنا لوحده.
- إزاي يا أبا؟
نطقها طلعت مستفهمًا ليجيبه ذاك الداهي:
- أنت ناسي إن أخو المحروسة قتل مراته ويا عالم، شكل الموضوع فيه راجل.
واسترسل شامتًا:
- ربنا يستر على ولايانا، تفتكروا واحد بمنصب جوزها وأبوه هيرضوا يقعدوا واحدة أخوها قتل مراته علشان خاينة؟
اتسعت عينين عمرو بأمل تجدد داخله ونطق متسرعًا بلهفة ظهرت بنبراته الحماسية:
- تفتكر يا بابا هيطلقها؟
أجابه بقوة:
- غصب عنه مش بمزاجه، منصب أبوه هيجبره يطلقها ويرميها رمية الكلاب.
واستطرد مضيقًا عينيه وهو ينظر أمامه بشرود:
- وساعتها هتبقى الفرصة جت لي علشان استفرد بيها وأذوقها المر على أيديا.
وتابع متوعدًا بشر وخطة شيطانية ظل ينسجها طيلة الليل حتى اكتملت بمخيلته:
- وما أبقاش نصر إن ما لبستها قضية آداب مع عيل وفي قلب شقتها، تخلي إخواتها يلبسوا طُرح من وراها.
ضحكت إجلال بشماتة بعدما استساغها تفكيره المذهل بالنسبة لها ليهتف عمرو مستحسنًا فكر والده ولم يهتم بسمعة والدة صغيره وما سيترتب عليه من التأثير عليه مستقبلًا:
- الله على أفكارك يا بابا، هي دي دماغ نصر البنهاوي المتكلفة.
استشاط داخل طلعت واحتدت ملامحه وامتلئت بالقسوة وهو يرمقهم بنظرات مشتعلة، فقد مُني روحه وأقلمها على أنه تخلص من الصغير إلى الأبد بزواج والدته من هذا الثري، لكن من الواضح أن ذاك الصغير سيظل شوكة في ظهره تؤرقه وتنغص عليه حياته. أما حُسين ذاك النقي وسط تلك العائلة المسمومة فهتف باعتراض وذهول:
- إيه اللي أنت بتقوله ده يا أبا، حرام عليك الكلام ده، دي ولية ومهما كان دي في الآخر أم ابننا.
ليتابع لائمًا شقيقه بحدة:
- وأنت يا عمرو، ما فكرتش في سمعة ابنك لما أمه تتوصم بالعار العمر كله؟!
ارتسمت ابتسامة ساخرة على شفتي نصر لينطق متهكمًا على تفكير صغيره:
- ملعـون أبوها لأبو سمعتها يا أبو قلب حنين، سمعتها ولا ابن أخوك اللي هيتربى في بيت الأغراب ويتعاير بلقمته لما يكبر؟!
واسترسل عاتبًا بعدما تحول وجهه لغاضب:
- بقى مش هامك ابن أخوك اللي أمك هتتجنن عليه وشايل هم سمعة المحروسة؟!
- يا أبا أنا...
لم يدعه يكمل جملته وهتف بإهانة جعلته يبتلع كلماته مع غصة مرة وقفت بحلقه:
- أنت تخرس خالص وتقعد زيك زي الكنبة اللي أنت قاعد فوقيها.
أنزل بصره للأسفل خجلًا ليتحدث عمرو بلهفة ولمعة ظهرت بعينيه:
- طب مش تكلم اللي اسمه فؤاد يا بابا وتعرفه باللي حصل؟
ضيق بين عينيه ثم حك ذقنه بيده قبل أن ينطق بتروٍّ:
- هيحصل، بس لما التهمة تثبت على عزيز، أنا بنفسي هكلمه من باب إن قلبي عليه وعلى سمعة أبوه.
- ولو ما طلقهاش يا بابا؟
قالها كطفل متذمر يريد عودة دميته المفضلة لينطق نصر بهدوء:
- ساعتها هجيب رقم أبوه بأي طريقة وأوصل له المعلومات، وأكيد الراجل هيخاف على منصبه.
رفعت حاجبها الأيسر بتهكم مع رسمها لتلك الابتسامة الساخرة قبل أن تقول:
- طول عمرك معلم في التخطيط، بس متنساش إن كل ذكي، فيه اللي أذكى منه.
قطب جبينه وهو ينظر عليها مستغربًا لكلماتها الغير واضحة ورد فعلها الغريب على خطته التي رسمها بحنكة في حين أنها كانت بالماضي تشيد بأفكاره وتفخم منها، أما هي فكادت أن تجن بعدما أخبرها ابن عمها "هارون" مساء الأمس بأن المحامي قام بتبليغه أن موظف الشهر العقاري لم يعثر على أية عقارات باسم نصر البنهاوي سوى منزلًا باسم عمرو نصر البنهاوي وهي تعلم به لتزيد حيرتها ولكن من حسن حظ تلك الشذى أن فكرة توثيق العقار باسمها لم يخطر ببال تلك الحية الرقطاء وإلا كانت لقيت حتفها في الحال على يد تلك المتجبرة التي لا تخاف الله.
أما طلعت فكان يراقب الجميع بصمت تام لحين التفكير في حل ينهي هذا الموضوع الذي بات يؤرقه بشكل كبير.
***********
داخل المطبخ
كانت تقف أمام موقد الغاز تقوم بتقليب قدر به أرز بالحليب لطهيه، اهتز جسدها وتلفتت من حولها بهلع فور استماعها لصوت وقوع أحد الصحون على الأرض فور انزلاقه من يد مروة ليحدث صوت ليس بالقوي كي يستدعي كل هلعها هذا مما ادعى استغراب مروة وياسمين التي سألتها بجبين مقطب:
- مالك يا بت يا سُمية، ليك كام يوم كده تايهة ومش مظبوطة؟
ابتلعت لعابها حين ذكرت حديثها لتنطق بصوت مرتبك:
- تايهة إزاي ما أنا زي الفل أهو.
واستطردت بتعجل كعادتها:
- ده أنا حتى شاكة إني حامل.
لكنها فورًا تذكرت أنه لم يمر على ما حدث بينها وبين عمرو سوى ثلاثة أيام فقط فتراجعت سريعًا لتنطق بارتباك ظهر بنبرات صوتها وعلى وجهها:
- يعني لسة مش متأكدة، أصله لسه في الأسبوع الأول.
رمقتها مروة بنظرات مريبة قبل أن تنطق متعجبة لحالها:
- ما ترسي لك على بر في الكلام، هو إيه اللي حامل ومش متأكدة؟
ثم استرسلت ساخرة:
- ومن إمتى الحمل بيعرفوه من الأسبوع الأول يا نضري؟!
ازدردت ريقها لتنطق ياسمين مؤكدة على حديث الأخرى:
- جديدة بتاعت حامل في أسبوع دي، أول مرة أسمعها.
ثم نظرت إلى مروة وأطلقتا الضحكات الساخرة لترتبك الأخرى وهمت بالرد لتكمل خطتها بعدما عقدت النية بأن تستعجل في نشر خبر حملها لاكتساب الوقت فالتأخير ليس بصالحها وخصوصًا بعدما علمت من الطبيبة أنها بعثت بنتيجة العينة الأخيرة لطبيب مختص بالأورام وأكد لها أسفًا أن الورم تحول إلى خبيث ويجب استئصال الرحم فورًا لكنها كابرت وعاندت ولم تكترث حتى لحياتها مقابل التعلق بأمل زائف، فأقنعت حالها بأنها ستنتظر فقط سبعة أشهر وبعدها ستدعي تعبها وتنتقل بالعيش عند والدتها كي تراعيها وبعدها ستوهم الجميع بولادتها الزائفة بعد الحصول على طفل قد اتفقت مع عاملة نظافة تعمل بالمشفى العام بالمركز على جلبه لها مقابل مبلغ مالي ضخم، ومن ثم ستستأصل الورم وبهذا تكون ربحت بكل الجهات، هكذا زين لها شيطانها خطتها. ردت بقوة زائفة استدعتها بإعجوبة وهي تشير لكلتاهما وللعاملات المتواجدات حولهن:
- إياك واحدة فيكم تنطق بحرف قبل ما أتأكد الأسبوع الجاي من تحليل الدم اللي هعمله.
بالكاد أكملت جملتها لينتفض جسدها من جديد حين استمعت لصوت طرقات عالية فوق الباب لتهرول إحدى العاملات وتبادر بفتحه ليظهر الضابط ومعه قوة من رجال الشرطة حيث تحدث بقوة:
- سمية فتحي عبد الحميد موجودة؟
ابتلعت المرأة لعابها لتهتف بارتباك:
- مـ موجودة يا باشا، استنى أدي خبر للحاج نصر.
لينطق الضابط من جديد وهو يدفع المرأة بحدة جانبًا كي تفسح له الطريق:
- ما تشغليش بالك أنت، إحنا هنعملها له مفاجأة.
وقف الجميع حين استمعوا للحديث لينطق نصر بصياح كي يصل صوته للمرأة:
- مين اللي جه يا بت يا نجاة؟
- أنا يا سيادة النائب...
قالها الضابط وهو يدخل بقامة مرتفعة يليه رجاله لينطق نصر رغم تعجبه:
- أهلًا يا باشا، نورت البيت، اتفضل خد واجبك أنت والرجالة.
بنبرة جادة رد على حديثه:
- أنا مش جاي أتضايف يا حاج نصر، أنا جاي أشوف شغلي.
هرولت لتقف منزوية بجوار باب المطبخ تتطلع على الضابط وجسدها ينتفض هلعًا تكاد روحها أن تنسحب من شدة الخوف، ليتابع الضابط بصوت حاد:
- عندي أمر بتفتيش البيت والقبض على سمية فتحي عبد الحميد.
صدمة ألجمت الجميع لتصيح هي بصوت أظهر ربكتها:
- هتقبض عليا ليه يا حضرة الظابط، أنا ما عملتش حاجة ومليش دعوة.
هتف الضابط بقوة بعدما رأى هلعها وتأكد من أنها الجاني من خلال خبرته التي اكتسبها خلال سنوات عمله:
- لما نفتش البيت ونحقق معاكِ ساعتها نشوف إذا كنتي عملتي حاجة ولا لا.
هتف نصر مستفسرًا باندهاش:
- متفهمني الحكاية يا سعادة الباشا؟
أجابه الرجل بقوة:
- مرات ابنك من المشتبه فيهم بقتل نسرين عبد السلام.
جحظت عينيه بصدمة لينطق عمرو وهو يتطلع عليها بذهول:
- قتل، هي حصلت القتل؟!
صرخت وهي تهز رأسها بنفي:
- ما تصدقهمش يا عمرو، أنا ما قتلتش حد، والله العظيم ما قتلتها.
هتف نصر مدافعًا عن حاله فأخر ما يشغل باله هي تلك الحقيرة:
- يا باشا أكيد فيه حاجة غلط، مرات ابني ملهاش علاقة بالقتيلة.
واستطرد مبررًا ليلصق التهمة بالمتربصين به:
- أكيد أعدائي هما اللي طلعوا الإشاعة دي علشان يضروني في الانتخابات.
نطق الضابط بحدة وحزم:
- عيب الكلام اللي بتقوله ده يا حاج نصر، تفتكر أنا هتحرك من مكتبي وأجي أنا ورجالتي علشان إشاعات؟!
واسترسل بإبانة:
- إحنا لقينا تليفون في دولاب القتيلة عليه تسجيلات لسمية وهي بتحرض نسرين على قتل إيثار غانم الجوهري مقابل مية ألف جنيه، في اليوم اللي كان هيتم كتب كتابها على عمرو ابنك.
احتدت ملامح عمرو وامتلئت بالقسوة ليهجم عليها وهو يصرخ بجنون:
- يا بنت الـ... يا مجرمة، كنتي عاوزة تموتي أم ابني!
صرخت متأذية من قوة قبضته على شعرها ليخلصها العسكري من يده لتصرخ هي:
- ما حصلش، والله ما حصل.
همست إجلال من بين شفتيها بتشفٍ وهي تتطلع على نصر ومظهره الذي يوحي بوشوكه على سكتة دماغية:
- اجمد أمال يا نصر، ده لسه التقيل جاي ورا.
- يلا يا عسكري منك ليه شوف شغلك...
قالها الضابط وهو يشير إليهم بالانتشار بأنحاء المنزل للبحث عن دليل لينطق نصر بصوت خافت:
- معاك إذن بالتفتيش يا بيه؟
أخرج الضابط ورقة الإذن ليشيح بها أمام وجهه ليقول بتأكيد:
- أنا معاكم في المركز من سنين وأنت عارفني كويس يا حاج نصر، أنا شغلي كله قانوني وبأوامر من النيابة.
انتشر الرجال بأنحاء المنزل بالطابق الأرضي والثاني والثالث بصحبة طلعت وحُسين وعمرو لتهتف مروة المنزوية على حالها هي وياسمين بجوار المطبخ يتطلعون على ما يجري بذهول:
- أقطع دراعي من هنا إن ما كانت العقربة دي هي اللي قتلت البت ياسمين.
لترد الأخرى وهي تنظر بذهول لما يحدث:
- مش للدرجة دي يا مروة.
نطقت بمنطقية:
- طب وتفسري بإيه سرحانها طول اليومين اللي فاتوا، ولا رقبتها اللي مخبياها بالطرحة مع إن الجو حر ولعة وهي طول عمرها حتى في الشتا بتربط إيشارب خفيف لورا وتبين رقبتها قدام رجالة البيت.
نطقت ياسمين بتبرير:
- أديكي قولتي بنفسك، ليها كام يوم متدهولة، والبت نسرين مقتولة إمبارح بس.
- مهي كانت بتخطط للجريمة قبلها يا هبلة...
قالتها لترفع الأخرى حاجبها وبدى على وجهها علامات الإقتناع لتتابع الأخرى بدهاء:
- أنا متأكدة إن لو شيلنا الطرحة من على رقبتها هنلاقي دليل، حسين قالي إن نسرين الله يرحمها وشها كان مليان خرابيش لما شافوها، والبت سمية دي بغل وحقودة، فاكرة لما اتخانقت مع هانم علشان ما عملتلهاش صينية الكيكة اللي كانت عاوزاها.
ضيقت ياسمين بين حاجبيها لتتذكر تلك الواقعة فتابعت الأخرى بتذكير:
- فاكرة قطعت وشها من الخرابيش إزاي، البت دي غلاوية بلوة وبلانا بيها عمرو الله يسامحه.
نزل الرجال لينطق أحدهم وهو يمسك هاتفًا بيده:
- لقينا التليفون ده تحت مرتبة السرير في شقة المتهمة يا باشا، وأوصافه نفس أوصاف تليفون القتيلة اللي جوزها قال عليها.
ارتعش جسدها ونزلت دموعها تنهمر على وجنتيها ليهتف نصر وهو يرمقها بنظرات نارية:
- وقعتك سودة ومنيلة على نفوخك، تليفون مرات عزيز بيعمل إيه عندك يا بت؟!
صرخت ورجال الأمن يحتجزوها للمغادرة:
- ما اعرفش، والله ما أعرف يا عمي، ما تخلهمش ياخدوني الله يخليك.
تحرك الضابط برجاله واصطحبوها للخارج تحت صرخاتها وصرخات ابنتها الصغيرة التي أسرعت عليها مروة لتحتضنها وتحاول أن تهدئ من حالة الفزع التي أصابتها من مظهر والدتها، وقف الجميع يتطلع على أثرهم ليلقي نصر بجسده فوق أقرب مقعد ويضع رأسه بين كفيه وهو يندب كالنساء:
- يا مصيبتك اللي حلت على دماغك يا نصر، آخرتها مقعد في بيتك قتالة قُتلة.
رفع رأسه لينظر على عمرو الواقف مذهولًا ليصرخ بجنون:
- منك لله يا بعيد، أنا قولت من الأول إن نهايتي هتكون على إيديك.
- مش وقت الكلام ده يا حاج...
قالها طلعت المذهول ليتابع بعقلانية خوفًا على مقعد البرلمان:
- لازم نتصرف ونطلع البت من القضية بأي طريقة علشان الانتخابات.
واسترسل بريبة ظهرت فوق ملامحه:
- البت دي لو ثبتت عليها التهمة واتحبست الحاج محمد بتاع كفر الرحباوي هيستغل الموضوع وهياخد مننا كرسي المجلس.
ضيق نصر بين عينيه لتنطق إجلال بدهاء يرجع لرغبتها القوية في تدميره على يديها هي بالتحديد لتكون الضربة قاضية وبعدها ستذهب لأشقائها تستعين بهم على أن يغلقوا بوجهه باب الحفر على الآثار لتسحب منه كل الامتيازات ويعود كما تعرفت عليه، مجرد صعلوك وتتحكم هي به لتذيقه على يديها جميع أنواع الذُل والمهانة عقابًا منه على تجرؤه لخيانتها هي:
- مفيش غير حل واحد.
استدار ليسألها متلهفًا:
- إيه هو؟
نظرت له لتتابع بتفكير شيطاني:
- تخلي الواد عزيز يعترف إن هو اللي قتلها لما شك إنها تعرف واحد عليه، وترمي له قرشين حلوين يتلهي فيهم، الواد ده طول عمره كلب فلوس ويبيع أبوه علشان الجنيه.
هتف طلعت محبذًا الفكرة:
- الله على دماغك يا "ستهم" ونقوم له محامي يطلعه منها براءة باعتبارها "قضية شرف".
نطق نصر متلهفًا:
- طب قوم بسرعة روح أنت وإخواتك وراها وقولها ما تتكلمش إلا لما المحامي يروح لها، وكلموا المحامي يحصلكم على هناك.
تحدث عمرو وهو يجلس بلامبالاة وكأن الأمر لا يعنيه بشيء:
- أنا لا رايح لحد ولا هتحرك من مكاني، إياك يا رب يعدموها علشان أخلص منها.
تحركت ياسمين إليهم بساقين مرتعشتين لتنطق:
- لازم تروح وتقف معاها يا عمرو.
تحولت جميع الأنظار عليها لتنطق وهي تتحاشى أنظارهم:
- سمية حامل.
جحظت عينيه بذهول ليهتف وهو يكور قبضته بقوة حتى ابيضت عروقه:
- الله يخرب بيتها، هو أنا مش هعرف أخلص من العقربة دي، هتفضل لازقة لي العمر كله ومكتفاني!
- اهدى يا عمرو...
نطقتها إجلال ليهتف نصر متهكمًا على كلاهما:
- اهدى وروق أعصابك ليجرى لك حاجة يا دلوعة ستهم.
رمقته بنظرات كالصقر لينطق بسخط وحدة:
- يا أخي استرجل لمرة واحدة في حياتك واتحمل نتيجة قرفك.
واسترسل آمرًا:
- يلا اتحرك مع إخواتك وأنا هكلم المحامي بسرعة يروح لها ويقول للظابط إنها حامل، بسرعة اتحركوا لا العيل اللي في بطنها يتأذى.
**********
بمكان آخر حيث يغفو العاشقان
تمللت بفراشها لتجد حالها مكبلة من خصرها من قِبل مالك القلب والروح الغافي بجانبها لتبتسم تلقائيًا حين رأت ملامحه التي تنطق بالرجولة الممتزجة بحنان الدنيا، لصقت جسدها به أكثر لترفع رأسها قليلًا وتداعب أنفه بخاصتها بعدما قررت مشاكسته، بدأ يتملل ليحاول فتح عينيه وما أن رأى وجهها الصبوح حتى انفرجت أساريره وبدت علامات السرور بعينيه لينطق بصوت متحشرج:
- صباح الفل والياسمين على عيون حبيبة حبيبها.
- صباح النور...
نطقتها بدلال أدخل السرور على روحه لتسترسل بنبرة أثارت جنونه:
- فؤاد.
رد بعينين تهيم عشقًا:
- عيونه.
ابتسمت لتنطق بما جعل روحه ترفرف في سماء عشقها ذو المذاق الفريد والمختلف:
- هو أنا ليه كل يوم بحبك وأتعلق بيك أكتر، لدرجة إني ابتديت أحس إني مش بقدر أتنفس براحة غير وأنا جوه حضنك وبشم ريحتك.
تخشب جسده بالكامل وهو يستمع لكلماتها الساحرة التي اقتحمت كيانه لتزلزله وتنعش روحه، زفر بقوة ليجيبها بحالة من الهيام لا تقل عن ما وصلت إليه:
- عارفة وصفك ده، هو هو نفس الشعور اللي جوايا بالظبط، طول ما أنا بره البيت ده ما بحسش بأي متعة، ما بحسش إني عايش إلا لما شغلي ينتهي، بحس روحي طايرة وأنا راكب عربيتي وجاي لك في الطريق.
باغتها برفع جسدها لتعتليه لينطق وهو يتحسس وجنتها برقة:
- عملتي فيا إيه نفسي أعرف.
- حبيتك، حبيتك قوي...
قالتها بدلال ليقترب على شفتها يلتقطها ليذوب معها بقبلة ساحرة، ابتعدت لتنطق وهي تنزل بجسدها لتتمدد من جديد بجواره:
- يلا ناخد شاور علشان ننزل نفطر معاهم.
سألها بنبرة تجمعت بها حنان الدنيا بأكمله:
- أنت جعان يا بابا؟!
هزت رأسها بنفي لتشير على بطنها وهي تقول بدلال:
- البيبي هو اللي جعان.
اعتدل جالسًا ليضع كفه متحسسًا بطنها برفق ثم مال يقبل موضع الجنين لينطق محدثًا جنينه:
- قلب بابي من جوه جعانة؟
سعادة هائلة شملت روحها لتضع كفها تملس على شعر رأس ذاك الحنون وهي تنطق بصوت ناعم:
- عارف يا فؤاد، البيبي ده محظوظ قوي.
تطلع بعينيه ليسحرها بنظرتيهما الرجولية لتتابع بتفاخر:
- هيبقى عنده أحن وأعظم أب في الدنيا كلها.
أمسك كفها ورفعه لفمه ثم طبع قُبلة بداخله بث من خلالها مشاعرُه الهائلة لينطق بملاطفة:
- عارفة لما راجل يبوس كف الست من جوه ده معناه إيه؟
كانت تعلم تلك المعلومة من ذي قبل، فقد مرت أمامها مرور الكرام داخل تقرير قرأته عن دراسة تخص الرجل والمرأة لكنها ادعت عدم المعرفة لتستمتع بها من بين شفتيه لتهز رأسها بنفي وهي تهمس من بين شفتيها:
- معناه إيه؟
بصوت أشبه بالموسيقى همس:
- بيبقى بيقول لها أنا ملكك، بكل ما فيا ملكك، قلبي وروحي وعقلي وكل جوارحي ملكك.
وكأنها تستمع لأرق معزوفة لا لحديث بشر، شعرت وكأنها فراشة تتراقص بين الزهور تتنقلُ من زهرة إلى أخرى لترتشق رحيقها بتلذُذ واستمتاع، نطقت بهمس زلزل ذاك الجبل:
- هي دي الإجابة على سؤالي يا فؤاد، الوقت بس عرفت أنا ليه حبي ليك بيزيد كل ساعة مش كل يوم.
ابتسم ليسألها بمداعبة:
- ليه يا ترى؟
أجابتُه بهمس ناعم وعينين بالعشق هائمة:
- علشان فيك كل معاني الرجولة، الحب والاحترام والاحتواء، وكل حاجة محتجاها الست علشان تحس بأنوثتها وفطرتها اللي ربنا خلقها عليها.
تابعت بنظرات لامرأة تسبح في بحور الغرام:
- معاك أنت بس حسيت إني سِت بجد يا فؤاد، عمري ما حسيت قبل كده باللي بحسه وأنا بين إيديك وجوه حـ...
وقبل أن تُكمل حديثها وضع إبهامه فوق شفتيها يمنعها الكلام لينطق بصوت جاهد ليخرج متزنًا كي لا يفسد عليها لحظة الصفاء وذلك لشدة غيرته المُرّة من مجرد ذكرها للمحة من الماضي، رغم عشقه الهائل لها وتأكده من جنون غرامها به إلا أنه يجن ويشتعل جنونُه حين يتخيل مجرد التخيل أن من اختارها من بين نساء الكون لتصبح خليلة روحه كانت ملكًا لآخر يومًا من الأيام، يحترق نارًا حين تلوح بعقله فكرة أن ما تعيشه بين أحضانه قد عاشته بالماضي مع غيره:
- قولت لك قبل كده مش عاوزك حتى تلمحي بأي حاجة تخص الماضي.
أشفقت على حاله لتنطق ظنًا منها أنها تزيل من على عاتقه حمل غيرته المرة:
- لتكون فاكر إن حياتي معاه كانت وردية ولا حتى طبيعية زي أي...
انقض على شفتيها والتقطهما ليقبلها بعنف جديد عليه وكأنه يعاقبها على عدم رضوخها لرغبته، بات يقبلها لتتفهم ما قام به وتلوم حالها، وضعت كفها تتلمس شعر رأسه وتغلغل بأناملها بين خصلاته بنعومة أثارته وجعلته يهدأ ليعود لطبيعته معها، اندمج معها ليدخل بجولة عشقية استسلمت لها لتحيا معه وتمنحه الدخول في حالة رائعة من الإشباع العاطفي وارتواء قلبيهما بالغرام، انتهى ليحتضنها وهو يملس على شعرها يتبادلا نظرات العشق والرضى لينطق بصوت حنون:
- يلا علشان ناخد شاور وننزل ليوسف.
أومأت له ليميل ويقبل شفتيها برقة ثم ولجا واختفى داخل الحمام ليزيل عنها ملابسها ويساعدها بغمر جسدها بالماء الدافئ برأفة جعلتها تشعر بقيمتها كامرأة وقيمته بحياتها كرجل بكل ما تعنيه الكلمة من معنى، خرجا بعد مدة وارتدى ثيابهم وقاما بأداء صلاة الضحى، تحركا للخارج ليضع لها يده يحثها على أن تتأبط ذراعه فابتسمت واحتضنت ذراعه بسعادة وهي تقول:
- بحبك.
نطق بنبرة حنون:
- مش أكتر مني.
ابتسمت وتحركت بجانبه صوب الدرج حتى وصلا للأسفل، وجدت عزة تخرج من المطبخ حاملة بعض الصحون الممتلئة بالطعام لتنظر عليهما بهدوء ووجه يبدو عليه الأسى، تحدثت بنبرة جادة على غير عادتها:
- صباح الخير.
رد كلاهما الصباح ليسألها حين وجدها تتجه نحو الباب الخارجي:
- هو الفطار في الجنينة ولا إيه يا عزة؟
أجابته باستفاضة، فاليوم يوم عطلة رسمية أيضًا لذا فقد استغلته عصمت للاستمتاع بالتجمع الأسري وسط الزهور والمناظر الطبيعية المتواجدة بالحديقة:
- أه يا باشا، الدكتورة أمرت نجهز سفرة الجنينة والكل بره مستني نزولكم.
سألتها عن صغيرها وهي تتحرك بجوار حبيبها:
- يوسف فين يا عزة؟
- بره مع بيسان، فطروا من بدري وبيلعبوا...
جملة نطقتها بجدية لتسألها الأخرى متعجبة هدوئها الغير طبيعي:
- مالك يا عزة، أنت تعبانة؟
- مفيش يا إيثار، مصدعة شوية...
قالتها بهدوء فماذا ستقول لها، فقد هاتفتها نوارة ليلًا وقصت عليها كل ما حدث واتهام شقيقها بقتل زوجته وزجه بالحبس، فقررت ألا تخبرها كي لا تحزنها وهي حامل، وصلا إلى مكان جلوسهم حول حمام السباحة لتبتسم عصمت بحبور وهي ترى السعادة مرسومة على وجه نجلها الغالي وزوجته ففهمت أن الأمور قد عادت إلى طبيعتها، تحدث فؤاد بابتسامة أظهرت كم راحته النفسية:
- صباح الخير.
- صباح النور يا حبيبي...
جملة نطقتها عصمت لتتابع بوجه سعيد:
- يلا علشان تفطروا.
وقف الجميع ليتجهوا صوب طاولة الطعام لتسأل إيثار بنبرة حنون:
- عاملة إيه النهاردة يا إيثار؟
بابتسامة مشرقة أجابتها:
- أحسن الحمد لله يا ماما.
ابتسم علام لنجله ليقول مشاكسًا:
- ناموسيتكم كحلي يا سيادة المستشار.
أجاب والده براحة ظهرت بصوته الهادئ:
- كحلي إيه بقى يا باشا، دي الساعة لسة ما جتش عشرة، وبعدين ما أنتم كمان لسه ما فطرتوش يعني قايمين متأخر زينا.
نطق بمشاكسة:
- لا يا حبيبي قايمين بدري بس مستنيينكم.
مال بطوله على والده الذي يتحرك بجواره ليقول برجاء:
- ما خلاص بقى يا باشا، استر عليا ده أنا مهما كان ابنك.
قهقه لينظر لتلك المتأبطة لذراعه تتشبث به كمن يخشى ضياع أغلى جواهره:
- عاملة إيه يا حبيبتي؟
نطقت بابتسامة حنون:
- بخير يا بابا الحمد لله.
وصل الجميع إلى طاولة الطعام فانتظر حتى جلس ماجد واختار المقعدين المجاورين له لتصبح حبيبته بعيدة عن مرمى عيني زوج شقيقته، سحب لها المقعد قائلًا باحترام:
- اقعدي يا حبيبي.
جلست ليجاورها الجلوس بالمقعد الفاصل بينها وبين ماجد التي تجاورها الجلوس بالجهة الأخرى فريال حيث حملت بعض المخبوزات لتناولها إلى إيثار قائلة وهي تصنع مجهودًا شاقًا كي تلمحها من ذاك الذي يحجب رؤياها بجسده:
- ذوقي الكرواسون ده يا إيثار وقولي لي رأيك فيه.
- اللي يسمعك كده يقول أنت اللي عاملاه...
قالها ماجد ليقهقه علام وعصمت وترد عليه فريال بنبرة تهكمية:
- لا يا خفيف مش ده القصد، أنا باخد رأيها فيه علشان لو عجب النونو هطلب لها منه كل يوم.
- لو عجب النونو...
قالها بابتسامة ساخرة لتسأل هي زوجة شقيقها من جديد:
- ما قولتيليش رأيك يا إيثار.
كانت قد اقتضمت قطعة منها لتتذوقها باستمتاع:
- حلو قوي يا فيري، أنا كنت بجيب من المحل ده دائمًا ليوسف، ليه فرع جنبنا هناك.
- بالهنا والشفا، يعني من الآخر عجب ابن أخويا يبقى كده نعتمده...
نطقتها بملاطفة ليبتسم الجميع لها ويتابعوا تناول الطعام تحت ضيق ماجد الذي لاحظ عدم راحة فؤاد بوجوده في حضور زوجته واستشف من خلال تصرفاته أنه يغير على زوجته بحضوره.
*********
عودة للمركز، ضيق الضابط الأسئلة على سمية فانهارت بعدما عرض عليها المكالمات في الهاتفين والتي تبين لها أن نسرين قد قامت بخداعها حيث اتصلت بها تبتزها وتطلب المال كعادتها فوعدتها نسرين بإعطائها مبلغ مئتي ألف جنيه دفعة واحدة بشرط أن تقوم بتسليمها هاتفها لتمحو بنفسها تلك التسجيلات، لكن طمع نسرين جعلها تبتاع هاتفًا جديدًا وتنقل عليه التسجيلات لتبتزها بهم في المستقبل، اتفقت معها نسرين أن تقابلها الساعة الواحدة صباحًا عند سور المزرعة، فذهبت نسرين إلى الصيدلية وقامت بشراء نوع قوي من الحبوب المنومة وقامت بوضع حبتين في الشاي وقدمته إلى زوجها وادعت النوم قبله كي لا يشك بها وبعد تأكدها بغفوه ارتدت ثوبها وخرجت بعدما اطمأنت أن جميع من بالمنزل نائمون، أما سمية فقد استغلت مكوث عمرو بشقة إيثار وتحركت بحرص شديد بعد تأكدها بذهاب الجميع لغرفهم ونومهم بسبات، أخذت حقيبة بها بعض الأوراق لتوهم تلك الغبية لتتحدث بابتسامة شيطانية لحالها:
- أنت اللي جبتيه لنفسك يا نسرين، طمعك جاب آخرتك.
أخرجت سكينة حادة من درج المطبخ لتضعها بالحقيبة وهي تقول:
- النهاردة هيكون آخر يوم في حياتك، أنا استحملتك كتير قوي بس خلاص، كفاية عليك لحد كده.
ثم تحركت للأسفل تتسحب على أطراف أصابعها حتى وصلت للباب الخلفي للحديقة حيث الغفر يمكثون عند البوابة الأمامية أما البوابة الخلفية فتؤدي إلى شارع جانبي خالٍ من المارة لتأخر الوقت بالقرية، خرجت وتحركت حتى وصلت لتجد نسرين تنتظرها بجوار السور وجسدها ينتفض من شدة خوفها من ظلمة المكان ووحشته لتهتف حين لمحتها:
- اتأخرتي ليه؟
أجابتها سريعًا:
- على ما عرفت أخرج.
هتفت الأخرى متذمرة:
- أنا ما أعرفش إيه اللي خلاني طاوعت جنانك إننا نتقابل في نص الليل كده، ما كل مرة كنا بنتقابل بالنهار عادي.
أجابتها بمنطقية:
- لأن أكتر مبلغ اديتهولك قبل كده كان خمسين ألف جنيه، عاوزاني أطلع بالشنطة دي كلها قدام ستهم علشان تكشفني.
واسترسلت مستفسرة:
- المهم جبتي التليفون؟!
أجابتها سريعًا لشدة توترها:
- أيوه جبته، هاتي الفلوس الأول.
سلمتها الشنطة لتلتقط منها الهاتف واستغلت فتح سمية للحقيبة للتأكد من الأموال لتسحبها وتدفعها لتلتصق بالسور لتكظم فمها بكفها وتخرج السكين التي أخرجته قبل أن تقترب عليها وقامت بتخبئته بملابسها لتنقض عليها وتغرس السكين بمكان الكُلى اليمنى لترفع نسرين يديها وتجرد عنقها بأظافرها كي تجبرها على الابتعاد مما جعل السكين يهتز من سمية ويقع أرضًا، فأمسكت سمية وجه الأخرى بكل غل وباتت تغرس أظافرها بوجهها وتجرها حتى نزف وجهها من كل مكان لتصيح الأخرى بصوتها فقامت بكظم صوتها من جديد لكي لا يستمع أحد عليها وشددت حتى خارت قوات نسرين وتوقفت عن المقاومة ليخر جسدها وينبطح أرضًا بعد لفظ أنفاسها الأخيرة نتيجة انقطاع الهواء عن رئتيها مما أدى لوفاتها مختنقة، لم ترحمها تلك الحقودة فأمسكت بالسكين الملقاة أرضًا لتعود لطعنها عدة مرات دون رحمة حتى وصل عدد الطعنات تسعة، توقفت لتضع أذنها فوق موضع القلب لتجد النبض قد توقف كليًا، تنهدت براحة لتقف تلملم أشيائها على عجالة، وأخذت السكين وتخلصت منها بإلقائها بالترعة القريبة من المزرعة، عادت للمنزل كما خرجت دون أن يشعر عليها أحد، خلعت ملابسها وغسلتها سريعًا كي تزيل أي أثر للجريمة ثم اغتسلت وارتدت ثيابًا بيتية لكنها تفاجأت بمكان أظافر نسرين على عنقها فأخفتها بالحجاب.
استمع الضابط إلى أقوالها وسجلها بمحضر رسمي ليحضر المحامي متأخرًا بعد فوات الأوان.
خرج عزيز من الحبس بعد أن أفرج عنه الضابط لثبوت التهمة على سمية واعترافها، كان يجاور شقيقيه حيث لم يفارقاه كلاهما منذ البارحة، وجد طلعت بانتظاره خارج القسم ليوقفه وهو يقول:
- حمد لله على سلامتك والبقية في حياتك يا عزيز.
هز رأسه بانكسار فمازال الذهول والانكسار يسيطران عليه لينطق طلعت من جديد وهو يسحبه من ذراعه مبتعدًا به عن شقيقيه:
- عايزك في موضوع على جنب هنا.
ابتعد عن شقيقيه ليعرض عليه طلعت ما اتفق عليه مع عائلته وبعد قليل سأله مستفسرًا:
- قولت إيه يا عزيز؟
هتف بعينين مذهولتين:
- قولت يفتح الله يا طلعت.
تحدث ليحثه على الموافقة:
- يا عبيط دي فرصة العمر، ما تضيعهاش من إيديك.
هتف بحدة بالغة:
- أنت باين عليك اتجننت يا طلعت، عاوزني أشوه سمعة أم عيالي علشان شوية فلوس!
زفر طلعت بضيق لينطق وهو يمسك ذراعه كي يجبره على الموافقة:
- بلاش مية ألف يا عزيز، نخليهم ميتين ألف.
نفض ذراعه بحدة يبعده عنه وهو يقول بعينين غاضبتين:
- ولا ملايين الدنيا كلها تساوي إن ابني الكبير ولا الصغير يمشي مطاطي راسه العمر كله بعار أمه، وبناتي أجوزهم إزاي بعد اللي هيتقال على أمهم، وبعدين أنت عاوزني أفتري على ولية ماتت وبقت بين إيدين ربنا!
واسترسل بإيضاح:
- اتقي الله يا طلعت وسيبني في حالي، كفاية اللي حصلي من تحت مرات أخوك العقربة.
هتف طلعت بحدة:
- يعني هي كانت بريئة قوي، ما طلعت مقرطساك وبتاخد فلوس من سمية وكانت السبب في خراب بيت أختك كمان.
حركته بذرة الصالحة التي ورثها عن والده، فبرغم بشاعته وسوء أخلاقه وامتلاكه لكثير من الصفات البشعة إلا أنه ورث تلك النقطة عن والده الراحل ليتحدث بعقلانية:
- دي غير دي، إنها تبقى غدارة بنت كلب وتخون العيش والملح شيء، ولما تكون خاينة وتجلب لعيالي العار ده شيء تاني، إحنا لا حيلتنا فلوس ولا دياولو يا طلعت، مش هنضيع شرفنا كمان علشان نبقى فقرا من كله.
استشاط داخل طلعت منه فأخر ما كان يتوقعه هو رفض ذاك الطامع للمال لذا تحدث بحدة وغيظ:
- ده آخر كلام عندك يا عزيز؟
هتف بقوة لجدية الأمر بالنسبة له:
- ومنديش غيره يا طلعت، أنا أبويا كان راجل فقير، بس علمني إن لو ضاع الشرف ضاعت كل حاجة معاه.
نطق كلماته وانسحب لينضم لشقيقيه ليعودا لمنزلهم ويقص على والدتهم ما حدث لتلطم وجنتيها على ما حدث لابنتها من تلك الحقيرة خائنة العهد، عاد أيضًا طلعت وقص على والديه ما حدث ليندب نصر كالنساء، تارة على مقعد البرلمان وتارة أخرى على جنين ولده الساكن برحم تلك القاتلة كما أخبرتهم ياسمين.
*********
مساءً
أخبرت عزة إيثار بما حدث وطمأنتها بخروج شقيقها سالمًا من القضية، لم تتأثر بموت نسرين بالشكل القوي فلم تدع تلك النسرين شيئًا مؤذيًا لروحها إلا وفعلته، جلست مع حالها ووجدت حنينها يجبرها على زيارة منزل والدها خصوصًا بعدما هاتفت نوارة وأخبرتها بتأثر الأطفال وعدم توقفهم عن البكاء على والدتهم، فقط هم الأطفال من حركوا مشاعرها، جلست مع زوجها وأخبرته بما حدث وطلبت منه الذهاب إلى منزل والدها لرؤية الصغار لكنه صمت لتسأله من جديد:
- قولت إيه يا حبيبي؟
اتسعت عينيه ليسألها بذهول:
- وأنت بقى مستنية مني إني أوافق على التخاريف اللي بتقوليها دي؟
تنهدت بألم لتنطق متأثرة:
- يا فؤاد أهلي في مصيبة وأنا لازم أكون جنبهم.
صاح بحدة وجنون:
- مين اللي خلاه لازم، إيثار أنت واعية بجد لكلامك، عاوزة تروحي برجليك لناس ما رحموش حزنك على أبوك واستغلوا ضعفك وكانوا هيرجعوك للحقير غصب عنك؟!
تطلع على حيرتها ليهتف بجنون:
- أنا بجد مش مصدق اللي بسمعه منك بوداني.
نطقت بأسى:
- من فضلك يا فؤاد حاول تفهمني.
- إيثار...
قالها وقد تجمع غضب الدنيا بعينيه ليتابع بحزم وحسم للحوار:
- النقاش في الموضوع ده منتهي بالنسبة لي، كفر الشيخ دي مش هتخطيها برجلك طول ما أنا عايش وفيا نفس، مفهوم؟
مطت شفتيها لتنطق بعد مدة بصوت حاد وعناد كالأطفال:
- طب أنا عاوزة أرجع الشغل، ممكن تكلم عمك علشان يسلمني وظيفتي وابتدي من بكرة.
اعتدل بجلوسه لينطق بنبرة أوحت لوصوله للمنتهى:
- هي ليلة باينة من أولها.
اتسعت عينيها بذهول مستنكرة رد فعله لتهتف بحدة:
- خليك فاكر إن أنت اللي وعدتني بالشغل ده بعد ما خليتني أقدم استقالتي للبشمهندس أيمن.
تابعت وهي ترمقه بنظرات تشكيكية:
- إوعى تكون كنت بتضحك عليا علشان أقدم استقالتي؟!
نطق بقوة وحزم:
- أنا واضح زي نور الشمس وعمري ما خفت من حد علشان أخبي وأضحك عليك، ولو مش عاوزك تشتغلي هقولها لك بكل وضوح وأنا باصص جوه عينك.
ليسترسل محذرًا بلهجة شديدة:
- فبلاش تدخلي معايا في سكة التشكيك دي علشان دي سكة مش هتحصدي منها غير قلبتي اللي صدقيني ما هتقدري عليها.
هتفت بقوة واستنكار:
- أنت بتهددني يا فؤاد؟
- أه بهددك يا إيثار...
قالها بقوة لتنظر إليه بضعف ليزفر بقوة قائلًا بحزم بعدما فتح لها ذراعه:
- تعالي.
مطت شفتيها لينطق حازمًا:
- بقول لك تعالي.
مالت بجسدها تلقي بحالها داخل أحضانه ليضمها بذراعيه القويتين ثم مال على وجنتها طابعًا قبلة مطولة ليهمس أمام وجهها لتلفح أنفاسه الساخنة جلدها:
- ممكن تنسي موضوع الشغل ده لحد ما تولدي وتقومي لي بالسلامة، ممكن؟
وقبل أن تعترض همس بما جعلها تستسلم لرأيه كعادتها:
- أنا مش هضحي براحتك وأمانك أنت وابني مقابل أي حاجة حتى لو إيه.
واسترسل بنبرة تقطر حنانًا:
- يا بابا أنت لسه في بداية الحمل، جسمك محتاج راحة وتغذية علشان نتفادى أي انتكاسات لصحتك أو صحة البيبي.
واسترسل صادقًا ليطمئن قلبها:
- بعد الولادة هتلاقيني أنا بنفسي اللي بطلب منك نروح الشركة علشان تستلمي منصبك.
ابتعد قليلًا ليسألها وهو يتطلع على عينيها:
- اتفقنا يا حبيبي؟
- إمممم...
نطقتها بعينين مغرمتين ليتنفس هو ويضمها لصدره وهو يقول مدللًا إياها:
- يسلم لي حبيبي العاقل.
ابتسمت لتدفن حالها بأحضانه وتسأله بغباء:
- طب وكفر الشيخ؟
أغمض عينيه بأسى لينطق بنبرة مستسلمة:
- سمعت كتير عن هرمونات الحمل اللي بتقلب مزاج الست مية وتمانين درجة، بس بصراحة مهما تخيلت مكنتش هوصل للي أنا شايفه معاك.
واسترسل باستسلام:
- أنا لازم أشتري كتب عن الموضوع ده علشان أقدر أفهمك الفترة الجاية.
ابتعدت قليلًا وتطلعت عليه بحزن وملامة ليبتسم بأسف ويجذبها من جديد وهو يقول لمراضاتها:
- خلاص ما تزعليش ووعد هفكر في الموضوع.
- بجد يا فؤاد؟
قالتها بلهفة لينطق متعجبًا إصرارها على زيارة من قاموا بإيذائها ودمروها نفسيًا وجعلوها تتذوق الأمرين فترة ليست بالقليلة من حياتها، نطق بوعد صادق:
- أنا عمري ما خالفت وعدي معاك؟
هزت نافية بابتسامة جذابة ليتابع بإيضاح:
- بس علشان نكون واضحين الزيارة مش هتتم قبل ما يعدي أربع شهور على الأقل.
وقبل أن تعترض تابع موضحًا:
- ما أنا مش هضحي بالبيبي علشان أي حد، الحمل اتعرض لضغط طيران في أوله وحاجات كتير كانت ممكن لا قدر الله تخلينا نخسره، والحمد لله ربنا حافظ لنا عليه لحكمة.
واسترسل بعتاب لطيف:
- نهدى بقى ونريح البيبي ولا نقضيها سفر وطرق مش مجهزة ونعرضه للخطر؟!
هزت رأسها سريعًا لتنطق وهي تتحسس بطنها بحنان:
- لا طبعًا، كل يهون أهم حاجة سلامة ابننا.
لترفع رأسها تتطلع بعينيه متابعة بهيام:
- ده أنا أفديه بروحي، ده كفاية إنه حتة منك يا فؤاد.
- مش أنت مجنونة وواجع قلبي معاك، بس بموت فيك والله...
أمسك كفها يقبله ثم استند على خلفية التخت ليسحبها بأحضانه وبات يملس على شعرها بحنان ويتحدثا بمواضيع أخرى حتى غفت على صدره ليعدل من وضعيتها ويسكنها داخل أحضانه ليغفو بجانبها بعد قليل.
رواية انا لها شمس الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم روز امين
كيف استطعت أن تسحبني من عالمي إلى عالمك الساحر بتلك السلاسة وتجعلني أتنازل عن أشياء وأتقبل أفعالًا ما كنت أتقبلها بالماضي، صدق من قال الحب يصنع المعجزات ويجعلنا نبدو كأشخاص لا يشبهوننا ونتنازل عن أشياء كنا نرفضها وبقوة بزماننا الفائت، فهنيئًا لي بقلبك أيها الوسيم القوي وهنيئًا لقلبك على امتلاكه لجوارحي.
إيثار غانم الجوهري
بقلمي روز أمين
في منزل غانم الجوهري
يجلس منزوٍ على حاله فوق الأريكة، فمنذ أن خرج من الحجز منذ ثلاثة أيام وهو يغفو فوق تلك الأريكة المتواجدة ببهو الطابق الأرضي، لم يصعد إلى مسكنه مع تلك الخائنة خشية بأن يذكره كل ركن بها كم كان مغفلًا غافلًا بكل ما حوله.
تجاوره منيرة التي تبكي ليلًا ونهارًا ولم تجف دموعها تأثرًا لما وصل إليه نجلها البكري المقرب لقلبها، فقد ترك شعر ذقنه ينمو بكثرة ليجعل من مظهره مبعثرًا وفقد كثيرًا من وزنه بسبب حالة القهر التي أصابته على حاله وهو يتخيل حديث الناس عن الرجل المخدوع الذي عاش سنوات مع امرأة لا يعرف خباياها.
أقبلت نوارة عليهما ممسكة بين يديها حاملًا عليه بعض صحون الطعام وتحدثت بنبرة حماسية كي تزيل من همه ولو قليلًا:
- عملت لك المسقعة اللي بتحبها يا أبو غانم، من حلاوتها هتاكل صوابعك وراها.
حاوطت منيرة كتف نجلها وباتت تتحسسه بحنو وهي تقول:
- يلا يا عزيز مد إيدك وكُل.
نطق بصوت خافت والحزن والخزي يملآن ملامح وجهه:
- مليش نفس يا إما.
بصوت متألم ردت منيرة:
- لازم تاكل يا ابني، أنتَ مش شايف شكلك بقى عامل إزاي؟
أجابها بكسرة وهو ينكس رأسه للأسفل:
- هجيب النفس للأكل منين يا إما.
ليسترسل بحزن ظهر بعينيه:
- البلد كلها مبقلهاش سيرة إلا على البقف اللي مراته كانت مستغفلاه وكانت السبب في خراب بيت أخته وقبضت التمن.
بعينين تشتعل غضبًا هتفت منيرة بلهجة حادة أظهرت كم الغيظ الساكن بداخلها:
- أهي ربنا انتقم منها ودفعت التمن من حياتها، والحرباية التانية اتقبض عليها وإن شاء الله يشنقوها ونخلص منها.
لتستطرد بعينين تطلق شزرًا:
- الاتنين طلعوا أوطى من بعض، واحدة كانت عاملة فيها صاحبتها والتانية عايشة في وسطنا وواكلة خيرنا وهي خاينة عيشنا وملحنا.
وضعت نوارة ما بيدها بجوار منيرة وتحدثت بهدوء:
- خلاص بقى يا مرات عمي، الكلام مش هيفيد بحاجة غير إنه هيزود نار أبو غانم، اذكروا محاسن موتاكم.
هتفت من بين أسنانها بحقد دفين:
- وهي دي كان ليها محاسن، إلهي يكحمها مطرح ما راحت بحق ما خربت بيت بنتي وشتت الكل.
واسترسلت بذهول وعدم استيعاب لما فعلته زوجة نجلها الراحلة:
- أنا مش قادرة أصدق ودماغي هتشت مني، الطماعة علشان شوية فلوس ضيعت من جوزها شغله مع الحاج نصر اللي كان هيعيشنا في عز وهنا منحلمش بيه.
نطق عزيز بنبرة حادة وسباب:
- بنت الـ... مهمهاش موت أخوها بسبب الفلوس ورجعت تطلب من العقربة اللي اسمها نسرين فلوس تاني، المصيبة إنها ما استفادتش بمليم واحد من الفلوس اللي اخدتها.
- الله لا يسامحها دنيا ولا آخرة على اللي عملته فينا... قالتها منيرة لتنسحب نوارة إلى الخارج، استرسلت بنبرة حنون وهي تضع الصينية على ساقيها لتحثه على المبادرة بتناول الطعام:
- يلا يا ابني كُل لك لقمة واطلع استحمى وغير هدومك دي.
واسترسلت بقوة:
- ومن بكرة عاوزاك تطلع وتروح أرضك وتشوف مصالحك، كفاية قعاد في البيت لحد كده، أنتَ مش عامل عاملة علشان تستخبى في البيت.
تنفس بهدوء قبل أن يوجه بصره لها لينطق بخزي:
- حقك عليا يا إما، أنا جيت عليكِ وعلى أخواتي بعد موت أبويا وكله بسببها.
واسترسل بهراء ليلقي طمعه وجشعه على زوجته الراحلة كي يتنصل من ذنوبه:
- كانت دايمًا تسخني عليكم بكلامها وأنا من خيبتي مشيت وراها.
تنهدت بألم حين تذكرت تلك الأيام العجاف التي تذوقت فيهم طعم الذل والمرار على يد نجلها الذي وهبته كل ما تملك من حنان ومدته بكل دعمها وما تملك من سلطة داخل المنزل وبالأخير كانت هي أول من تُجبر عليها بقوته بعد رحيل والده.
**********
أما بمنزل نصر البنهاوي، يجلس بصحبة أنجاله الثلاث والمحامي يتحدثون لكي يجدوا مخرجًا لتلك الـ "سُمية" لا لأجلها فهي بالأساس لا تعني لهم أي شيء، جل ما يشغل بال نصر الآن هو الانتخابية البرلمانية التي اقتربت وفقط.
تحدث المحامي بأسى:
- كل اللي بنعمله ملوش لازمة قصاد اعترافها يا حاج، سمية يادوب اعترفت من هنا وتاني يوم المحضر اتحول للنيابة وأخدوا أقوالها في عدم وجودي ومن غير حتى ما يبلغوني.
واستطرد مشككًا:
- الموضوع تم بسرعة تخوف، الظابط صاحبي اللي في قسم المركز قال لي إن جالهم أوامر عُليا بسرعة الإجراءات، حتى سُمية كانت هتلغي اعترافها وتنكر زي ما أنا فهمتها واتفقنا، بس بتقولي إنهم كانوا مسجلين لها الاعتراف في القسم وعرضوه عليها وحطوها تحت ضغط نفسي لحد ما اعترفت قدام وكيل النيابة اللي أخد أقوالها.
حك ذقنه وتحدث بعينين تطلق شزرًا:
- هو فؤاد علام مفيش غيره، الراجل ده مش هيسكت إلا لما يجيب نهايتي.
هتف عمرو بحدة بالغة أظهرت كم استشاطته وناره المستعيرة:
- ما أنتَ لو سمعت كلامي وخليتني أأجر عيل يخلصنا منه بطلقة مكناش وصلنا للي إحنا فيه ده.
احتدت ملامحه وامتَلأت بالغضب الحاد ليهتف هادرًا:
- اخرس يا بقف ونقطنا بسكاتك، أصلًا كل اللي المصايب اللي إحنا فيها دي بسبب عمايلك السودة.
رمق أباه بحدة والتزم الصمت كي لا يثير غضبه أكثر فتحدث المحامي من جديد:
- أهم حاجة نشوف موضوع وصل الأمانة بتاع عاملة النظافة اللي الشرطة لقيته في دولاب نسرين قبل ما يستدعوها.
كانت الشرطة قد عثرت على وصل أمانة بمبلغ خمسون ألف جنيهًا مصريًا بداخل خزانة سمية باسم عاملة نظافة بالمستشفى العام التابعة للمركز وتُدعى ميرفت وبعثت لها استدعاءً للاستجواب بعدما أنكرت سمية معرفتها وعلاقتها بذاك الوصل، لكنها كانت خارج المدينة حيث انتقلت إلى محافظة الإسكندرية لزيارة أحد أقربائها واليوم فقط قد عادت إلى منزلها فاستغل نصر حضورها وبعث لها مرسولًا ليجلبها ويستفسر منها لما أعطت زوجة نجله هذا المبلغ وما المقابل وذلك بعد إنكار سمية للمحامي وامتناعها عن الإجابة على أسئلته بشأن ذلك الوصل.
ليتحدث طلعت بنبرة جادة:
- أنا بعت لها الغفير وزمانه جايبها وجاي.
خرجت إجلال تتطلع على الجميع بنظرات مبهمة تقشعر لها أبدانهم لتجلس دون التفوه ببنت شفة، دخلت العاملة لتنطق:
- الغفير جه ومعاه واحدة برة وبيطلب السماح بالدخول يا حاج.
أشار لها بكفه بعينين حادة كنظرات الصقر قبل أن ينطق:
- خلي البت تتنيل تدخل لوحدها واعملي لنا شاي.
ولجت السيدة الأربعينية بجسد مرتجف وباتت تتفحص الوجوه بعينين زائغتين مرتعبة لينطق نصر بقوة وثبات:
- من غير لف ودوران تنطقي وتقولي سُمية ادت لك الفلوس دي ليه.
واسترسل بتهديد مباشر جعل المرأة تنتفض بوقفتها:
- وإلا قسمًا بالله أخلي الغفير ياخدك يدفنك حية في الجبل ولا من شاف ولا من دري.
صاحت بنبرة ترتجف رُعبًا:
- هقول على كل حاجة يا حاج، بس والنبي بلاش الأذية وأديني الأمان.
أخيرًا خرج صوت إجلال لتهتف بعينين تطلق سهامًا نارية لو خرجت لاخترقت جسدها بالكامل وأوقعتها صريعة في الحال:
- ما تنطقي من غير رغي كتير يا بت.
أشارت بكفيها لتهتف بصوت أظهر كم الرعب الذي أصابها من نظرات تلك المتجبرة:
- سمية، سمية هي وأمها جم واتفقوا معايا إني أدبر لها عيل بعد سبع شهور وهتديني مية ألف جنيه.
اتسعت أعين الجميع ذهولًا لتتابع وهي تتلفت من حولها بهلع:
- قالت لي إنها عيانة بورم في الرحم والدكتورة قالت لها لازم تشيله، بس قبل ما تعمل العملية لازم تجيب ولد بأي طريقة علشان تضمن عيشتها مع سي الأستاذ عمرو.
واسترسلت بما أذهل الجميع:
- اتفقت معايا أدبر لها ولد وأخطفه من المستشفى يوم ولادته، عطتني خمسين ألف جنيه وكتبتني بيهم وصل أمانة، واتفقت معايا تسلمني الخمسين التانيين بعد ما أسلمها العيل.
هب واقفًا وبات يصرخ ملقيًا اللوم على والديه:
- شوفتوا الحية اللي معيشيني معاها غصب عني، عاوزة تلبسني عيل من الشارع بنت الـ...
سبها ليكمل لومه:
- شوفت يا بابا آخرة إصرارك وجبرك ليا على العيشة معاها؟!
أما نصر فكان مصدومًا مما استمع إليه، أحقًا ما قصته عليه تلك العاملة؟
لينطق بنبرة تدل على مدى صدمته:
- ده أنا معيش في بيتي زعيمة عصابة وأنا ولا داري، تخطيط شيطاني علشان تلف على ابني وتتجوزه وقتل، وآخرتها عاوزة تلبسنا عيل مش من نسلنا.
- تبعت تجيب لي أمها ومسافة ربع ساعة تكون تحت رجليا علشان أعرفها التخطيط اللي على حق بيبقى إزاي... كلمات نطقتها إجلال بعينين تطلق شزرًا لتتابع بهسيس من بين أسنانها:
- وأنتَ يا طلعت، تاخد الرجالة وتروحوا تكسروا بيت أبوها وتجيبوا عاليه واطيه والليلة يسيبوا البلد ويغوروا بلا رجعة.
- قوم يا طلعت مستني إيه... قالها نصر بحدة تأكيدًا على قرار زوجته لينطق من جديد متوعدًا:
- ما اتخلقش لسه اللي يستغفل نصر البنهاوي وعياله.
ثم حول بصره للمحامي الجالس بصدمة ليتابع بغل وكلمات خرجت من تحت أسنانه:
- البت تطلعها لي براءة بأي طريقة، وأنا بنفسي اللي هقوم قيامتها علشان أعرفها التخطيط لنصر وعياله بيبقى إزاي.
ليصيح بكامل صوته مستدعيًا العاملة:
- بت يا صباح، اطلعي اندهي لي الغفير من برة علشان ياخد الست ميرفت مشوار لحد الجبل.
هرولت لترتمي بجسدها المنتفض تحت ساقيه تقبلهما بهلع وهي تهتف بدموعها الحارة وتترجاه:
- أبوس إيدك ترحمني يا حاج، أنا مليش دعوة بحاجة، هي اللي فضلت تتحايل عليا وفي الآخر صعبت عليا لما عرفت بمرضها الوحش.
نفضها بحذائه بقوة ليدفعها بتجبر لترتمي بعيدًا وهو يهتف من بين أسنانه:
- كل واحد يستحمل نتيجة أفعاله، وابقي دوري على حد تصعبي عليه أنتِ كمان لما ادفنك حية.
حضر الغفير ليجذبها بعنف فأسرع إليها المحامي لينطق بعدما جذب المرأة من بين قبضة الرجل:
- بلاش يا حاج، النيابة باعتة لها استدعاء ولو ما راحتش هتبقى مصيبة وهيتفتح علينا أبواب جهنم، أنتَ داخل على انتخابات ومش ناقص شوشرة.
نطقت إجلال وهي ترمقها بنظرات مرعبة:
- تطلعي من هنا على النيابة وتقولي لهم إن المحروقة اللي اسمها سمية كانت عطيالك الفلوس مساعدة منها علشان تبني بيهم بيتك وهترجعيهم لها بعدين من شغلك.
واسترسلت بحرص كي لا تتشوه رجولة نجلها المدلل في البلدة لو انتشر ذاك الخبر:
- وسيرة العيل دي لو طلعت من لسانك هقطعهولك، مفهوم يا بت؟!
على الفور هزت رأسها عدة مرات متتالية دلالة على التأكيد لتتابع الأخرى وهي ترمقها بسخط:
- غوري يلا من هنا.
هرولت المرأة للخارج تلاها المحامي وخرج طلعت مع رجاله لتنفيذ أوامر والده بجلب والدة سمية كي تتفشى بها إجلال، وتخريب منزل عائلتها وإخراجهم من البلدة بأكملها، لم يتبق بصحبة نصر سوى عمرو المستشاط وإجلال وحسين الذي نطق بعدم استيعاب:
- أنا مش مصدق اللي بيحصل ده، حاسس إني في كابوس ولا بتفرج على فيلم أكشن.
رمق نصر عمرو ليهتف بجنون:
- البت دي كانت بتجيب الفلوس دي كلها منين ياد؟!
ازدرد لعابه خشية معرفة والده بعمله الخاص في التنقيب عن الآثار لينطق بزيف وارتباك:
- أكيد باعت دهبها.
تذكر حين كان يكتشف ضياع ماله ويسألها عنه فتقول بكذب أنها لم تر أي نقود معتمدة على نسيانه الدائم بسبب الحبوب المخدرة الدائم على تناولها بشكل مستمر مما جعله ينسى ويتوه أحيانًا، ومن كثرة ماله الحرام لم يعد ينتبه لما ينقص منه لينطق والده مشككًا:
- وهو دهبها هيكفي نسرين ولا الست ميرفت ولسه اللي مستخبي.
- وأنا هعرف منين يا بابا، ما يمكن كانت بتسرقكم وأنتوا مش حاسين... قالها بمراوغة ليتابع مبدلًا مجرى الحديث:
- وبعدين إحنا في إيه ولا في إيه، أنا بكلمك في اللي كانت عاوزة تلبسني في عيل مش من صُلبي وأنتَ بتكلمني عن الفلوس؟!
نطقها بغضب مصطنع لتنطق إجلال بنبرة حنون:
- اقعد يا عمرو واهدى، ورحمة أبويا الحاج ناصف اللي عمري ما أحلف بيه باطل، لأكون جايب لك حقك منها هي وأهلها لحد ما يصعبوا عليك وأنتَ بنفسك اللي تقول لي كفاية.
نظر لوالدته ليهدأ قليلًا ثم تحرك يجاورها الجلوس لينطق من جديد:
- أنا عاوز أشوف ابني.
هتف نصر بقوة وحزم:
- الموضوع ده تنساه خالص لبعد الانتخابات.
ثم نظر أمامه ونطق بتوعد وشر:
- فؤاد علام بيحاربني وحسابه تقل قوي معايا.
واستطرد من بين أسنانه:
- ونصر البنهاوي مبيسبش حقه ولا بيسامح في الأذية.
لوت إجلال فاهها وابتسمت ساخرة على ما ينتظر ذاك الأبله على يدها، ليسترسل وهو ينظر له:
- النهاردة بالليل تروح مع حسين للمأذون وتطلق البت دي بالتلاتة.
شعر وكأنه كان حبيسًا وفُك أسره لينطق بسعادة مبالغ بها:
- بجد يا بابا؟!
أجابه نصر بعد تفكير عميق في الأمر:
- كده كده المحامي قال لي إنها مش هتتنيل تطلع من السجن وهترسي للإعدام، يبقى تطلقها ونظهر قدام الناس إننا مبنرداش بالظلم وإني أجبرت ابني يطلقها أول ما اتأكدنا إن هي اللي قتلت مرات عزيز.
واسترسل وهي يحك ذقنه:
- أنا هكلم المحامي وأخليه يسيب القضية.
ابتسمت ساخرة على دهاء ذاك الذي يخطط بذكاء ويبدل في خطته البديلة كما يبدل أحذيته لكنها ستفاجئه بالضربة القاضية التي ستنهي على مستقبله السياسي والمالي أيضًا.
بعد مرور أسبوع تحولت قضية سمية إلى محكمة الجنايات للبحث قبل النطق بالحكم وقد تخلى عنها المحامي وانسحب وتركها أهلها وحيدة كما أمرهم نصر قبل تشريدهم وطردهم من القرية والمركز بأكمله، وقد تم طلاقها من عمرو مما جعلها تدخل في حالة من عدم التصديق ونكران الواقع.
**********
عصرًا
كانت تغفو بغرفتها تغط في سبات عميق، فاقت من نومها لتهرول سريعًا إلى الحمام لتصل إلى الحوض وبدأت باستفراغ جميع ما تحتويه معدتها، باتت تكرر العملية حتى استمعت لبعض الطرقات بالخارج، لم تستطع الخروج لصعوبة حالتها، ارتمت على أرضية الحمام لتستمع لصوت عزة التي أقبلت عليها بهرولة:
- اسم الله عليكِ يا بنتي، مالك يا إيثار إيه اللي حصل؟
كانت تتنفس بصعوبة بوجه شديد الاحمرار تأثرًا بحالة الاستفراغ لتنطق بكلمات متقطعة:
- هموت يا عزة، مش قادرة، الترجيع هيموتني.
مالت عليها لتسندها وهي تقول:
- ده من الوحم يا حبيبتي، يعني هو أنتِ أول مرة تحملي.
ساعدتها على النهوض لتستند من جديد على الحوض وتكرر ما فعلته، أمسكت عزة بالماء لتغسل لها وجهها علها تستفيق وتنتعش، استمعا لصوت ذاك الذي حضر للتو من عمله ليهرول على عجالة فور استماعه لصوتها الآتي من الحمام بعد إلقائه لحقيبة عمله، اتسعت عينيه بهلع بعدما رأى إعيائها الشديد وبلحظة كانت بأحضانه ليتفحص ملامحها وهو يسألها بقلب يرتعش رعبًا لأجلها:
- مالك يا بابا، مالك؟
لم تستطع الرد عليه لشدة تعبها كل ما فعلته هو الارتماء بأحضانه وبإلقاء رأسها وإسنادها على صدره ليميل بطوله الفارع ويحملها بين ساعديه ليهرول باتجاه الفراش فأجابته عزة التي لحقته بهرولة لتساعده:
- متخافش ده من الوحم.
مددها على الفراش ليحتضن وجنتيها يتطلع عليها بنظرات متألمة لأجلها، نطق بصوت متأثر:
- هتصل بالدكتور يجي حالًا.
نطقت عزة بتهوين كي تطمئن قلب ذاك العاشق:
- مش مستاهلة يا باشا، اللي بيحصل لها كل ده من الوحم.
حول بصره إليها لينطق باستخفاف:
- أيوه نسيبها يعني ولا إيه مش فاهم؟
ثم تطلع على حبيبته قائلًا بنظرات تقطر حنانًا ممزوجًا بعشق هائل:
- هقوم أكلم الدكتور على ما عزة تساعدك تغيري هدومك.
هزت رأسها بنفي لتهتف عزة مقاطعة:
- متكبرش المواضيع قوي كده، هي كباية جنزبيل سخن هتخليها زي الفل.
كاد أن يعترض فقاطعته إيثار بصوت متأثر:
- عزة عندها حق يا حبيبي، هي كباية جنزبيل وهبقى كويسة.
بعد قليل جلبت لها عزة كوبًا من مشروب الزنجبيل الساخن وتناولته وبعدها هدأت ليسألها بنبرة حنون:
- طمنيني يا بابا عاملة إيه؟
أومأت برأسها لتنطق مع ابتسامة حنون كي تطمئن قلب حبيبها المُلتاع:
- الحمد لله أحسن.
هتفت عزة وهي ترفع قامتها لأعلى بتفاخر:
- مش قولت لك، علشان تبقى تسمع كلامي بعد كده من غير مقاوحة.
رفع حاجبه باستنكار يتطلع عليها ليكرر كلمتها مستهجنًا:
- مقاوحة، وغلاوة الدكتورة عصمت عندي لأكون مجوزك السنة دي علشان أخلص من لسانك ده يا عزة.
لوت فاهها مستنكرة وهي تقول:
- قَطع الجواز وسنينه، قال جواز قال.
لتتابع بعدما أخرجت صوتًا بفمها جعل فؤاد يدخل في نوبة ضحك:
- وأنا كنت شفت اللي اتجوزوا فلحوا لما هروح أقلدهم.
نطق بهدوء يحثها على الخروج:
- طب يلا على تحت خليهم يجهزوا الغدا وأنا والمدام نازلين حالًا.
بالفعل هبطت للطابق الأرضي ليعتدل هو أمام حبيبته لينطق بعينين تفيض عشقًا:
- البيبي شكله طالع شقي وهيتعب حبيبي معاه.
رفع كفها لمستوى فمه ليضع قُبلة وهو ينظر لها بحنان الدنيا بأكملها وهو يتابع بعينين معتذرتين:
- أنا آسف يا عمري.
ابتسمت بحنان لتجيبه:
- تعب الدنيا كله يهون قدام لحظة سعادة واحدة بشوفها في عيونك وأنتَ بتلمس بطني وبتتخيل البيبي، فما بالك لما يوصل بالسلامة وتاخده في حُضنك.
أخذت نفسًا مطولًا لتتابع بعينين تفيض غرامًا وهي تتحسس بطنها:
- عارف يعني إيه إحساس إن جوايا حتة من الراجل اللي بحبه.
تطلع إليها بعينين لامعتين من شدة العشق لتتابع هي:
- ده شعور حلو قوي يا فؤاد وأول مرة أجربه.
أغمض عينيه ليضع قبلة فوق كفها ويتعمق بها لينتفض جسده حين استمع لدقات عالية لينطق بقوة:
- ادخل.
ظهرت عزة بملامح مستاءة لتنطق بحدة:
- الأكل تلج على السفرة، الناس مستنيينكم من ساعة وأنتوا قاعدين تحبوا لي في بعض.
أغمض عينيه ليكور كفه وهو يقول من بين أسنانه:
- امشي من قدامي يا عزة بدل ما أقوم أرتكب فيكِ جريمة.
- انزلي يا عزة اطلعي يا عزة لحد ما رجليا اتكسرت، أنا كان مالي ومال الهم ده بس يا ربي... كلمات اعتراضية نطقتها لتنطلق ضحكات إيثار العالية ليوجه بصره عليها وهو يسألها متعجبًا:
- واضح إن كلام عزة هانم عجبك قوي.
هزت رأسها قائلة لتشاكسه:
- كل حاجة من عزة بتعجبني.
ابتسمت عزة لتنطق بمداعبة:
- ريح نفسك يا سيادة المستشار، مش هتعرف تدخل بينا وتفرقنا عن بعض أبدًا.
تنفس ليقف فاردًا ظهره وهو يقول:
- يلا ننزل علشان اللي مستنيين تحت دول وبعدها نطلع ونتحاسب.
نزلت عزة وتحركت هي بجوار زوجها بعدما ارتدت ثيابًا ساترة لجسدها وشعر رأسها، انضما للعائلة وتناولا الطعام تحت اشمئزاز إيثار من رائحة الطعام وعدم رغبتها في تناوله، ليلًا خرج فؤاد للالتقاء بأحد أصدقائه تاركًا إيثار بصحبة والديه بالأسفل، شعرت بالإعياء قليلًا لتجبرها عصمت على التمدد فوق الأريكة ببهو المنزل ليسألها علام بنبرة حنون:
- حاسة نفسك أحسن؟
لتجيبه بهدوء:
- الحمد لله يا بابا، أحسن شوية.
نطقت عصمت وهي تتحسس ذراعها بحنان:
- معلش يا حبيبتي اتحملي، هي الشهور الأولى في الحمل بتبقى سخيفة، بس إن شاء الله يعدوا على خير وبعدها هتبقي كويسة.
ردت بابتسامة هادئة على والدة زوجها التي تغمرها بحنانها ورقي تعاملها:
- إن شاء الله يا حبيبتي.
هبطت فريال وزوجها من فوق الدرج لينضما إلى العائلة وما أن جلسا وكادت إيثار أن تعتدل من تمددها وقبل أن تنزل ساقيها إلى الأرض ولج فؤاد ليستشيط غضبًا وغيرة عندما رأى زوجته ممددة فوق الأريكة وزوج شقيقته يقابلها الجلوس، هرول عليها لينطق بملامح متجهمة وهو يقف أمامها يحميها بجسده:
- السلام عليكم.
رد الجميع السلام لتعتدل هي سريعًا ليباغتها بجذبه ليدها وهو يقول:
- يلا علشان نطلع جناحنا.
ازدردت لعابها حين رأت تجهم ملامحه الغاضبة لتهز رأسها بإيجاب سريع وتهب واقفة بمساعدته لينطق علام موجهًا حديثه لنجله:
- هتطلعوا ليه من الوقت يا فؤاد، اقعد معانا لحد ما نتعشى وبعدين ابقى اطلعوا براحتكم.
نطق وهو يحثها على التحرك بجانبه بحدة شعرت بها:
- معلش يا باشا أنا راجع تعبان شوية ومحتاج أقعد براحتي.
تبادل الجميع النظرات مستغربين حدته لينطلقا نحو الدرج وهو يصيح بصوته الغاضب:
- عزة!
هرولت من المطبخ لتجيبه باحترام:
- أؤمر يا باشا.
أجابها وهو يصعد بخطوات واسعة غير عابئًا بتعب تلك التي يجذبها خلفه دون مراعاة لإعيائها:
- ابقي طلعي لنا العشا فوق وهاتي معاكِ يوسف واعملي حسابه.
- حاضر... قالتها عزة لتنسحب للداخل من جديد، تطلع ماجد على زوجته المتعجبة تصرف شقيقها لتنطق عصمت سريعًا وهي تنظر إلى ماجد في محاولة منها لتلطيف الأجواء:
- أكيد فيه حاجة ضايقته برة.
أومأ لها ليقف قائلًا باعتذار:
- أنا خارج أشم شوية هوا برة في الجنينة.
أسرع للخارج لتنطق فريال وهي تلحق بزوجها:
- أنا كمان هروح أتمشى مع ماجد.
بعد ذهاب الجميع نطق علام بوجه حزين:
- ابنك بيغير على مراته من جوز أخته.
- معقولة؟! ... نطقتها بذهول لتتابع نافية وهي تهز رأسها:
- بس فؤاد أعقل من كده يا علام.
نطق مفسرًا بنبرة ظهر بها الحزن:
- ومن إمتى العقل والغيرة بيجتمعوا في جملة واحدة يا عصمت.
ليتابع بدهاء:
- أنا ليا مدة ملاحظ تصرفات فؤاد الجديدة عليه مع ماجد، مؤخرًا بيتعمد ما يقعدش هو ومراته في تجمع فيه جوز أخته، ومكانه على السفرة اللي غيره علشان يكون في صف واحد مع ماجد.
بنبرة مهمومة سألته:
- طب والعمل يا علام، هنعمل إيه؟
رفع كتفيه باستسلام.
**********
تحركت بجواره وما أن ولجا لجناحيهما حتى أغلق الباب ليستدير لها صائحًا بحدة:
- المنظر اللي شوفته من شوية ده ميتكررش تاني وإلا قسمًا بالله هحبسك هنا في الجناح وتحت ده مش هتلمحيه بعينيكِ تاني.
ليتابع بعينين تطلق شزرًا:
- فاهمة ولا لا؟!
انتفض جسدها لتنطق بصوت خافت بدفاع عن حالها:
- ده لسه نازل من فوق وأنا كنت لسه هعدل نفسي.
احتدت ملامحه وامتَلأت بالغضب ليهدر بصوت أرعبها:
- مش عاوز أسمع زفت مبررات، هي كلمة واحدة اللي مسموح لك تنطقيها وهي حاضر.
اغرورقت عينيها بالدموع لتخرج صوتها متألمًا بنبرة عاتبة:
- أنتَ بتكلمني كده ليه يا فؤاد؟ أنا معملتش حاجة تستاهل غضبك ده كله؟
الغضب يملأ عينيه ويحتل جميع جسده لدرجة أنه لا يقبل بالنقاش حاليًا ليهتف بقوة وإهانة دون الانتباه لتعبها:
- فعلًا معملتيش؟!
ليصيح بعينين تطلق سهامًا نارية:
- ولما أدخل ألاقي الهانم مراتي راقدة وفاردة جسمها قدام راجل غريب، إسميه إيه ده يا مدام؟!
برغم حالة الإعياء المسيطرة عليها إلا أنها لم تتحمل إهانته لتهتف بقوة وعينين حادتين رافضة اتهامه:
- خلي بالك من كلامك يا فؤاد، أنا كنت قاعدة مع بابا وماما لوحدنا ولما ماما شافتني تعبانة أصرت عليا أنام على الكنبة جنبهم، وقبل ما توصل بثواني نزلت فريال وجوزها.
صرخ بجنون الغيرة على من ملكت لُب عقله وتملكت من الكيان:
- وليه ما طلعتيش في جناحك بمجرد ما شوفتيه نازل من على السلم؟!
- ملحقتش... صرخت بها لتتابع بنبرة متألمة من شكه بها:
- أنا مجرد ما حسيت بيه قدامي كان قعد وعلى ما حاولت أقوم كنت أنتَ دخلت.
صاح بانفعال شديد جعل من أوردة عنقه تنفر وتنتفض بقوة:
- قولت لك مش عاوز مبررات، وقسمًا بالله يا إيثار المنظر ده ما يتكرر تاني لتشوفي وش لفؤاد علام يصدمك.
تطلعت عليه تتعمق بعينيه بنظرات عاتبة قبل أن تهرول صوب الباب ليجذبها من يدها قبل أن تلف مقبض الباب لفتحه ليحثها على الاستدارة له وهو يسألها بنظرات حادة كالصقر:
- على فين يا مدام؟!
نفضت يده بعزم لتنطق بحدة:
- هروح أبات في أوضة يوسف.
اتسعت عينيه ليهتف هادرًا بحدة وجنون:
- خلي ليلتك تعدي على خير ومتخلنيش أطلع جناني عليكِ.
ليسترسل بقوة:
- وإياكِ بعد كده تتحركي من الجناح ده، مش كل ما نتخانق تجري تستخبي لي في أوضة يوسف.
لم تستطع التماسك أكثر من هذا فنزلت دموعها ليصرخ موبخًا:
- عيطي ولا حتى اتفلقي.
شهقت بقوة ليهرب من أمامها متجهًا إلى الشرفة لترتمي هي فوق الفراش تبكي بقهر وألم، رفع يده وجذب شعر رأسه للخلف بقوة كادت أن تقتلعه من جذوره، تطلع من حوله ليغمض عينيه في محاولة منه لتهدئة حاله وإخماد حريقه المشتعل.
**********
بالأسفل بحديقة القصر، كان ممسكًا سيجارة بين أصابعه ينفث بها عن غضبه لتسأله زوجته بهدوء:
- مالك يا ماجد؟
نطق بنبرة حادة وملامح وجه متجهمة:
- مفيش.
نطقت باستياء:
- ده على أساس إن أنا معرفكش؟
أخذ نفسًا مطولًا من سيجارته لينفث دخانها سريعًا في الهواء الطلق قبل أن يهتف بنبرة ظهر عليها الغضب:
- طالما عارفاني يبقى أكيد عارفة إيه اللي ضايقني.
- تقصد فؤاد؟! ... قالتها بترقب ليهتف بحدة:
- طب ما أنتِ واخدة بالك أهو.
وضعت كفها على ظهره تتحسسه بحنان لتنطق مبررة تصرف شقيقها:
- فؤاد عمره ما كان بيتصرف كده، أكيد فيه حاجة زعلته في الخروجة.
لتسأله بترقب شديد:
- وبعدين أنتَ ليه أخدت الموضوع بشكل شخصي.
أجابها بما بدأ يستشعره مؤخرًا من تصرفات فؤاد المستجدة:
- علشان أخوكِ ليه فترة متغير معايا أنا بالذات يا فريال، ده بيخبي مراته مني، تخيلي؟!
نطقت لتخفف من آثار ما فعله شقيقها على نفس زوجها:
- يا حبيبي أنتَ اللي بقيت حساس قوي، اللي أنتَ بتقوله ده بعيد كل البعد عن شخصية فؤاد واسترسلت بتبرير مستندة للماضي:
- ما احنا كنا عايشين معاه أيام ما كان متجوز الزفتة نجلا وعمره ما اعترض على وجودك ولا اتصرف بأي طريقة تحسسك إنه متضايق منك.
نطق مفسرًا ما استطاع قراءته من عينين شقيقها:
- أيام زمان شيء والوقت شيء تاني يا فريال، أخوكِ بيحب إيثار وبجنون كمان.
تنهدت ولم تجد بداخلها شيئًا مناسبًا للرد ففضلت الصمت والوقوف بجواره دون حديث.
**********
بنفس التوقيت داخل منزل محمد شقيق إجلال، اجتمعت العائلة بناءً على طلب منها بعدما تقدم المحامي بأوراق هارون طلبًا لانضمامه في السباق الانتخابي عصر اليوم الأخير وقبل أن يغلق باب الترشح بساعة واحدة ليتحدث شقيقها الأصغر عبد الله:
- خير يا ستهم، جمعتي الكل ليه؟
تراجعت بظهرها للخلف لتنطق بقوة وثبات وهي تنظر لهارون الجالس أمامها:
- هارون قدم في الانتخابات النهاردة، وأنا اللي خليت المحامي قدم له الورق.
ضيق محمد عينيه ليسألها بعدم استيعاب:
- انتخابات إيه؟!
نطقت بقوة:
- انتخابات مجلس الشعب يا حاج محمد.
- طب ونصر؟! ... نطقها أحد الحضور لتهتف من بين أسنانها بغل:
- الخاين الواطي طلع متجوز عليا بت صغيرة ومعيشها في مصر.
اتسعت أعين الجميع ليهتف عمها بقوة زلزلت أركان الحجرة:
- الواطي الجبان قليل الأصل، إزاي يتجرأ ويتجوز على بنت الحاج ناصف.
هب شقيقها واقفًا لينطق بغضب عارم لو خرج لأحرق الأخضر واليابس بطريقه:
- ده أنا هروح أعلقه على أعلى شجرة على كوبري البلد وأخليه فرجة للي رايح واللي جاي على الطريق.
نطقت بنبرة حادة كي تحثه على التراجع والهدوء:
- اهدى يا حاج عبد الله واقعد خلينا نتكلم بالعقل، ده مهما كان برضه أبو عيالي وإهانته هتهينهم هما كمان، أنا هدمره بس بطريقتي.
واسترسلت بقوة اكتسبتها من المكانة التي وهبها لها والدها وفرضتها جبرًا على الجميع:
- النهاردة الحاج هارون اترشح، من بكرة الصبح عاوزة صوره تملى شوارع كل بلاد المركز علشان نصر يشوفها ويتفاجئ ويتقهر.
واسترسلت آمرة بطريقة جعلت من شقيقها الأكبر يغضب من داخله:
- عاوزين نعمل له دعاية محصلتش، وكل واحد فيكم يروح لنسايبه ومعارفه من البلاد التانية ويوصيهم.
نطق عمها بقوة:
- أصلًا أي حد هيعرف إن حد من عيلتنا نازل الانتخابات هيدي له صوته وهو مغمض، إحنا كنا عاملين لك أنتِ بس حساب ومحدش من عندنا بيترشح قصاده، بس طالما بدأ بالخيانة وعض الإيد اللي اتمدت له يبقى حلال فيه اللي هيشوفه على إيديكِ.
نطقت بغضب عارم وحقد ظهر من بين نظراتها:
- أنا مش هكتفي بخسارته في الانتخابات يا عمي، أنا عاوزاه يرجع شحات زي ما خدته، عوزاكم تنبهوا على كل تجار الآثار محدش يتعامل معاه تاني.
وأنتَ يا حاج محمد، عاوزاك تسحب كل الرجالة اللي بتساعده في الحفر، عوزاكم تشلوا حركته وتقطعوا عنه حتى النفس علشان ما يبقالوش ملجئ غيري.
واستطردت متوعدة بسخط:
- وساعتها هعرفه هو لعب مع مين.
هتف محمد متوعدًا بشر:
- أنا هدمرهولك يا ستهم، وما أبقاش ابن الحاج ناصف إن ما خليته يصرخ ويولول زي النسوان.
نظرت للجميع بقوة وتابعوا التخطيط على تدمير نصر.
**********
بعد منتصف الليل
كان كلا منهما ممددًا على التخت ذاته لكن تفصل بينهما مسافات وأميال، كانت تعطيه ظهرها ممددة على جانبها الأيسر تضع كفها تحت رأسها بقلب حزين وعينين منتفختين من شدة بكائها الذي استمر كثيرًا، نظر عليها وتنهد بضيق، ما زال غاضبًا منها حتى الآن على إيثارها لجنون غيرته العمياء وعدم مراعاتها لتلك النقطة، زفر بقوة لعدم قدرته على حسم قرارًا بالاقتراب منها وترضيتها، قلبه يتلهف شوقًا وخوفًا عليها ويطالبه بقوة ضمها ومحو الحزن عن عينيها لأجل سلامتها ولأجل الحفاظ على جنينه الغالي، لكن عقله رافضًا ويؤنبه بل ويحذره من الرضوخ لطلب هذا القلب الضعيف، يطالبه بالقوة والثبات على موقفه كي تأخذ حذرها بالمستقبل وتعلم أنه لم ولن يغفر الخطأ بسهولة وتعيد بتفكيرها آلاف المرات قبل الإقبال على أي خطوة.
زفر بقوة للمرة الثانية وحين وجد قلبه يلين ويحاول إضعافه انتفض واقفًا ليذهب إلى الحمام ويختفي خلف بابه، خلع عنه قطعة الملابس السفلية التي يغفو بها دائمًا وألقاها أرضًا من شدة غضبها وتحرك تحت صنبور المياه وفتحه لينهمر منه الماء البارد على جسده عله يُطفئ من روحه وجسده المشتعلان بلهيب الغيرة، أعاد شعره للأسفل ثم استند بكفيه على الحائط الرخامي وأغمض عينيه وبدأ يتنفس تحت الماء المنهمر كي يخرج شحنة الغضب الكامنة بداخله، ظل على هذا الوضع أكثر من خمسة عشر دقيقة ليخرج بعدها مجففًا جسده ويلف نصفه السفلي بمنشفة كبيرة، خرج ليجدها ما زالت على وضعها، تحرك صوب خزانة ثيابه وأخرج قطعة ملابس سُفلية جديدة وارتداها لينضم مجددًا إليها بالتخت، نظر عليها ليبتلع لعابه ثم استدار ليعطيها ظهره عله يستطيع النوم إذا ما رآها أمامه، ولكن كيف يتحاشى وجودها ورائحة عطرها تتغلغل بأنفاسه وتقتحم رئتيه، جاهد حاله بصعوبة على ألا يجذبها ويسكنها بأحضانه ككل يوم، حالها لم يختلف بالكثير عنه، غاضبة نعم وللغاية لكن حنينها يسحبها إليه، تريد الارتماء داخل أحضانه كي يشعرها بالأمان، فمنذ ليلة زواجها الفعلي منه وهي تغفو بأحضانه لتشعر بالسكينة والأمان لكنها الآن تحاول أن تجاهد شعورها بالحنين إليه، لم تستطع الثبات فاستدارت لذاك الذي يواليها ظهره ونطقت بصوت اخترق أعماق قلبه:
- مش عارفة أنام، ممكن تاخدني في حضنك؟
وكأنه كان ينتظر الإشارة ليُلبي نداء قلبه قبل قلبها، استدار بلهفة لينظر لها، نظرت إليه باستعطاف ليبادلها إياها بلوم وعتاب ثم فرد ذراعه باتجاهها فتسحبت لتضع رأسها عليه كقطة سيامي، نظر لها لينطق بنبرة خافتة:
- متعمليش كده تاني.
صمتت ليعيد حديثه مرة أخرى ولكن بحدة:
- مسمعتش ردك ليه؟
- حاضر... نطقتها بهمس يكاد يُسمع لينطق بقوة:
- علي صوتك.
- حاضر... قالتها بصوت واضح ليجذبها بعنف ويميل على شفتيها يلتهمها لتبادله قبلته العنيفة التي فصلاها بعد حاجتهما الملحة للهواء، نطق بعينين تذوب عشقًا:
- غيرتي نار قايدة لو خرجت هتحرقك وهتحرقني معاكِ، حاولي تتجنبي خروجها علشان نقدر نكمل حياتنا وإحنا مرتاحين.
- والله ما عملت حـ...
كادت أن تكمل، فوضع إصبعه فوق شفتيها لينطق بعينين حادة:
- قلت لك مش عاوز أسمع مبررات.
هزت رأسها بطاعة ثم نكستها للأسفل وقد كست ملامحها الحزن، ليمد يده يرفع ذقنها ليجبرها على النظر لعينيه ثم سألها بقوة:
- بتحبيني؟
أجابته بدون تردد:
- عمري ما عرفت الحب غير على إيديك.
نطق بملامح ما زالت حادة:
- يبقى تريحيني وتسمعي كلامي لحد ما أشوف حل للي إحنا فيه.
أجابته بهدوء:
- حاضر يا فؤاد، بس عوزاك توعدني بإن اللي حصل النهاردة ده ميتكررش تاني.
قطب جبينه بعدم استيعاب لترد على تساؤلات عينيه دون أن يبوح بها:
- بلاش تدخلنا في سكة الشك لأني مش هقبلها منك بعد النهاردة.
نطقتها بحزم لأنها ذكرتها بغيرة وشك عمرو بها وضربه وإهانته له، فنطق هو سريعًا ينفي شعورها:
- أنتِ اتجننتي يا إيثار، شك إيه اللي بتتكلمي عنه!
ليسترسل بصدق ظهر بين عينيه:
- أنتِ أكبر وأطهر من إني أشك فيكِ.
مطت شفتيها للأمام لتسأله بحزن:
- أمال كلامك ليا النهاردة معناه إيه؟!
نطق سريعًا بدون تردد:
- غيرة ونار قايدة بتاكل في جسمي على الست اللي ما دوقتش الغرام إلا على إيدها ولا حسيت بالراحة غير في حضنها.
وضعت كفها تتحسس ذقنه النابتة قبل أن تنطق بدلال أذاب قلبه وأنعش روحه:
- وإذا كانت الست نفسها بتقول لك إنها مبقتش شايفة في الدنيا دي كلها غيرك لدرجة إنها بتشوفك في كل الوشوش، بردوا هتغير؟!
مرر إبهامه على شفتيها لينطق بعينين بالغرام ناطقة:
- لو مغيرتش عليكِ يبقى معنديش نخوة ولا بحبك بالدرجة الكافية.
ما شعرت بحالها سوى أنها تقترب على شفتيه لتقوم بوضع قبلة رقيقة بثت له من خلالها كم أنها ذائبة عاشقة هائمة في سماء عشقه، سرعان ما تحولت قبلتهما لشغوفة مجنونة، ظل يقبلها بنهم، لتتحول قبلتهما لرغبة مجنونة، سحبها معه داخل دنياهما الحالمة ليعزفا معًا أجمل معزوفة على أوتار العشق ويسبحا داخل بحر شهدهما المميز والفريد.
رواية انا لها شمس الفصل الأربعون 40 - بقلم روز امين
لم أكن يومًا أغار، كنت أسير في الحياة بتبختر كالطاووس، وأعبر طرقاتها كالإعصار. لم يشغلني أحد ولم أرَ من هو أفضل مني ليجعلني أغار، وطالما رأيت أن الغيرة دليل على الضعف وعدم الثقة والانكسار، لكنني في حبك قدمت لحالي ألف وألف اعتذار على سوء فهمي لكثير من الأشياء، فبرغم بلوغي ووصولي لهذا السن المتقدم إلا أنني أعترف وأعلنها صراحة أنني أغار.
تملل بغفوته ليتعجب حين لم يشعر برأسها تسكن أحضانه ككل يوم، وكأن هذا ما أيقظه من نومه العميق. فتح عينيه يبحث عنها ليتفاجأ بعدم وجودها بالفراش. سحب جسده للأعلى ونظر لشاشة هاتفه يستعلم عن الوقت، فوجد الساعة لم تتخطَ الخامسة فجرًا بعد. على الفور ترجل من فوق الفراش وانطلق نحو باب الحمام ليطرقه بخفوت، وحين لم يجد ردًا أمسك المقبض وأداره فلم يجدها أيضًا. ارتفع صوته وهو ينطق باسمها:
- إيثار، حبيبي أنتِ فين؟
قالها وهو يتجول سريعًا داخل الجناح باحثًا عنها حتى وصل للبهو، ليهدأ خوفه ويتسمر بوقفته حين وجدها تركع فوق سجادة الصلاة بخشوع، مرتدية الثياب الخاصة بالصلاة "الإسدال". تنفس بهدوء وتحرك نحو المقعد القريب منها وجلس يتأملها حتى انتهت من الصلاة والدعاء، فهب واقفًا ليبسط ذراعه يساعدها على النهوض، لتنطق هي بعينين آسفتين:
- أنا آسفة يا روحي، شكلي قلقتك.
وقف بوجهها لينطق بعينين تشع حنانًا:
- ولا يهمك يا حبيبي.
ليسترسل وهو يتفحص ملامحها الذابلة بارتياب:
- أنتِ كويسة؟
تنهدت لتقول بنبرة خافتة كي تطمئنه:
- الحمد لله.
- مالك يا بابا؟
قالها بتوجس، ليتابع متلهفًا وهو يرى إعيائها الشديد:
- فيه حاجة وجعاكِ؟!
نطقت وهي تحتوي وجنته بلمسات حنون:
- متخافش يا حبيبي أنا كويسة، كل الحكاية إني قومت من النوم لقيت نفسي عاوزة أرجع فروحت الحمام رجعت وأخدت شاور وصليت الفجر.
رأت بعينيه ألمًا لأجلها ولومًا لحاله على تلك الحالة التي وصلت لها بفضل حملها بجنينه، فتحدثت كي تزيل عنه ذاك الشعور:
- حبيبي أنا كويسة والله.
حاوط كفها الموضوع على وجنته وقربها من فمه ليضع قبلة حنون قبل أن يسحبها وهو يقول:
- طب يلا يا عمري علشان تكملي نومك.
تحركت بجواره ليدثرها تحت الغطاء ويجاورها بعد أن أسكنها بأحضانه لتغمض عينيها بسكون. ظل يحدثها حتى دخلت في سبات عميق من جديد، فأغمض هو الآخر عينيه ليغفو.
***********
بمنزل نصر البنهاوي، وبالتحديد داخل مسكن حسين، كان غافيًا بجانب زوجته فشعرت هي بأقدام تتقدم ناحيتها، فتحت عينيها سريعًا لتجدها تلك الطفلة المسكينة "زينة" ابنة عمرو، فقد اتخذتها مروة لتسكن معها بغرفة ابنتها بعدما تم حبس والدتها، وكالعادة عمرو لم يسأل عن حالها، فدائمًا يراها ابنة الخطيئة التي دمرت حياته ولولاها لكانت إيثار وصغيره مازالا يمكثان في كنفه وداخل أحضانه. تحدثت الصغيرة بعينين مكسورتين:
- أنا عاوزة أغير هدومي.
تطلعت مروة عليها لتجد الصغيرة متبولة على حالها، فهي تعاني من التبول اللاإرادي نتيجة معاملة والدتها القاسية لها وغياب دور الأب بحياتها. للأسف نسبة كبيرة من المتواجدين بالمنزل يتعاملون معها مثل أبيها "ابنة الخطيئة"، لذلك أخذتها مروة واحتضنتها كي تزيل عنها شعور الضياع الملازم لها طيلة الوقت. هبت من مرقدها لتمسك كفها وتحدثت وهي تحثها على اتباعها:
- حاضر يا قلبي.
ولجت بها لداخل الحمام، ساعدتها على الاغتسال وبدلت لها ثيابها، وخرجت لتنطق الصغيرة بهدوء:
- أنا جعانة.
تمزق قلب مروة على حال تلك المسكينة لتأخذها بأحضانها علها تزيل ولو قليلًا من حزنها العميق الساكن بداخلها، وتحدثت بنبرة حنون جديدة على الطفلة:
- حاضر، هدخل أعمل لك ساندوتش جبنة وأجيب لك تفاحة تاكليهم على ما أقوم سليم وليلى وننزل علشان نفطر كلنا.
ابتسمت الصغيرة بخفوت. خرج حسين من الغرفة في طريقه للحمام فوجد زوجته تضع صحنًا به شطيرة وثمرة فاكهة وتقدمهما للصغيرة، فتحرك إليها وحاوط كتفها وهو يقول:
- ربنا يجازيكِ خير يا مروة، أنتِ أثبتي إنك بنت أصول بجد.
تنهدت بحزن ظهر عليها وهي تطالع الصغيرة التي تتناول شطيرتها بنهم لتنطق بحزن عميق:
- الله يسامحه أخوك وأمها، جابوها للدنيا من غير حسابات ورموها.
- الله يسامحهم.
قالها بألم ليميل على الصغيرة يضع قبلة حنون فوق رأسها ومس بكفه على شعرها لتواجهه بعينيها البريئة لينطق بحنو:
- كُلي يا زينة، وأنا هبعت أجيب لك شيكولاتة أنتِ وسليم وليلى.
ابتسمت بخفوت ليعتدل بوقفته ويقول وهو يتوجه إلى الحمام:
- هروح أتوضى وأصلي الضُحى.
***********
أما في شقة طلعت وياسمين، خرج من حجرة نومه بملامح وجه غاضبة ليجد زوجته تجلس فوق المقعد تبكي وتنتحب منذ الأمس، حيث تشاجرا وخرجت لتقضي ليلتها ببهو المسكن. اقترب عليها ونطق بحدة وهو يشملها باشمئزاز:
- وفري الدموع دي يا حلوة لليوم اللي هدخل عليكِ فيه بالعروسة الجديدة.
هبت من جلستها لتنطق بصوت بح من كثرة بكائها، ناهيك عن جفونها المنتفخة بفضل الدموع التي ذرفتها، فقد ظلت تبكي طوال الليل منذ أن أخبرته بما علمته بشأن الجنين، حيث أخبرتها الطبيبة أنها ستنجب أنثى للمرة الرابعة:
- حرام عليك يا طلعت، أنا ماليش ذنب علشان تعاقبني وتتجوز عليا.
واسترسلت تعلمه بما قصته عليها الطبيبة:
- الدكتورة قالت لي إن جوزك هو المسؤول عن نوع الطفل وإني ماليش أي علاقة بالموضوع ده.
لم تكمل جملتها ليباغتها بصفعة قوية نزلت على وجنتها زلزلت كيانها بالكامل، ثم أمسكها من ذراعها ليهزها بعنف قائلًا بعينين تطلق شزرًا:
- لو سمعتك بتقولي الكلمة دي تاني هدفنك صاحية ولا حتى بناتك هيشفعوا لك عندي.
ليدفعها بقوة ارتمت أرضًا على أثرها وهو يقول بتهديد مباشر:
- مفهوم.
تحرك للأسفل وتركها غارقة بدموع القهر.
***********
تملل على صوت التنبيه الخارج من الهاتف المحمول، ليمد يده سريعًا يغلقه كي لا يزعج خليلة روحه. سحب ذراعه من تحت رأسها بهدوء وتسلل كي لا يوقظها. ولج إلى الحمام اغتسل وتوضأ وصلى فرضه ثم ارتدى ثيابه وقبل أن يخرج مال على وجنة تلك النائمة ليقبلها بوله، ثم تحرك إلى الأسفل وما أن هبط من فوق الدرج وجد شقيقته تخرج من المطبخ بعد أن أشرفت على العاملات وأوصتهم على الإسراع في تجهيز سفرة طعام الإفطار. تحرك باتجاهها ليأخذها بحضنه ويميل مقبلًا رأسها بحنان وهو يقول:
- صباح الخير يا حبيبتي.
برغم أنها حزينة على موقفه الحاد وتصرفه بشكل غير لائق مما أحرج زوجها ووضعه بموقف لا يحسد عليه، إلا أنها ابتسمت بخفوت لتجيبه بنبرة حنون:
- صباح النور يا فؤاد.
ثم سألته مستفسرة:
- إيثار منزلتش معاك علشان تفطر ليه؟
تنهد بأسى ثم أجابها بملامح وجه يبدو عليها التأثر:
- إيثار نايمة، الحمل تاعبها قوي يا فيري وطول الوقت بترجع، ما صدقت إنها نامت محبتش أزعجها.
أجابته بحنان للتهوين على قلب شقيقها العاشق:
- مرحلة وهتعدي يا حبيبي، دي شهور الوحم الأولى وعلى ما تخلص هترجع لطبيعتها.
ثم استرسلت كي تطمئن قلبه:
- أنا هخلي عزة تجهز لها الفطار وهطلع لها بنفسي على الساعة عشرة تكون أخدت كفايتها من النوم.
تعمق بعينيها بامتنان لينطق شاكرًا:
- متشكر يا حبيبتي، ربنا يخليكِ ليا.
- ويخليك ليا يا فؤاد.
نطقتها بابتسامة واسعة وصدق بعد محو حديثه معها لحزنها منه، حاوط كتفها وتحرك كلاهما صوب غرفة الطعام لينضما لباقي الأسرة يتناولون طعام الإفطار.
بعد قليل خرج من باب القصر ليتوجه إلى الجراج، انتبه على صوت والده من خلفه. التفت ليتحرك علام باتجاهه وحاوط كتفه يحثه على التحرك للأمام. نطق مستفسرًا:
- أنتَ كويس؟
- الحمد لله يا باشا، أنا تمام.
قالها بهدوء ليسترسل متعجبًا:
- بس ليه حضرتك بتسأل؟
- بطمن على ابني.
نطقها مبررًا ليتابع بنظرة عاتبة:
- مش من حقي ولا إيه؟!
نطق سريعًا بحصافة:
- لا طبعًا يا باشا حقك طبعًا.
تنهد بهدوء ليسأله:
- طب بمناسبة الحقوق أظن من حقي أعرف إيه اللي مغيرك بالشكل ده من ناحية جوز أختك؟
قطب جبينه ليسأل بمراوغة:
- إيه اللي خلاك تقول كده يا باشا؟
نطق بدون تفكير:
- حالة الجنان الرسمي اللي شفت ابني العاقل الرزين عليها إمبارح.
هتف باستهجان ظهر بين فوق ملامحه:
- هو علشان عندي نخوة وغيران على مراتي أبقى خلاص اتجننت؟!
تجاهل حديثه المستهجن ليسأله بوضوح:
- إيه اللي جد أنا معرفوش وعمل شرخ بينك وبين ماجد يا فؤاد؟
أغمض عينيه ثم أخذ نفسًا عميقًا ليجيبه بوضوح:
- البيه كان متعشم هو وأهله وطمعان يورث عرش علام زين الدين وابنه اللي عاشوا يبنوا فيه طول عمرهم.
قطب جبينه بعدم استيعاب ليهتف الآخر بغضب ظهر بعينيه المشتعلة:
- سمعته بوداني يوم عزومة عمي أحمد في مزرعة الخيل، كان بيتكلم مع مامته في التليفون وأتاريهم كانوا راسمين على كده من زمان.
وبدأ يقص عليه ما استطاع اكتشافه بفطانته من تلك المكالمة ليأخذ علام نفسًا مطولًا ليزفره بهدوء قبل أن ينطق بكلمات عقلانية لرجل حكيم رأى في الدنيا ما أوصله لذاك النضوج الفكري:
- كل اللي قولته دي طبيعي يا ابني، دول في الأول والآخر بشر، والبشر خطّائين. وبعدين الناس لا فكروا في أذيتنا لا سمح الله ولا حتى سعوا لأي حاجة توصلهم لمبتغاهم.
ثم رفع كتفاه بلامبالاة ليتابع:
- الظروف كلها والشواهد كانت بتقول إن كل ما نملك هيوصل في نهاية المطاف لأولاد فريال، وإصرارك العجيب ورفضك للجواز خلى ماجد وأهله غصب عنهم يفكروا في الموضوع ده.
نطق بارتياب ظهر بعينيه:
- وإيه اللي يضمن لحضرتك إن الدكتور المحترم ما يحاولش يأذي مراتي ويخسرني ابني؟
رد على تساؤل نجله بثقة هائلة:
- مش هيحاول لسبب بسيط، ماجد ابن عيلة وأصيل وأهله مش محتاجين فلوسنا علشان يدبروا لنا خطط ومؤامرات، متنساش إني سألت عليهم بنفسي وعملت تحرياتي وقت ما ماجد اتقدم لخطبة فريال.
نطق بحدة ظهرت بصوته:
- بس دول طمعوا وفكروا يا باشا، وحتى لو معاهم ومش محتاجين ده مش مبرر إنهم ميفكروش، البحر دائمًا يحب الزيادة.
أجابه علام بمنطقية كي يهدأ من ثورته:
- يا ابني البني آدم خطّاء، يعني هو الشيطان هيقعد يتفرج ويسيب الناس في حالهم كده عادي، مش لازم يغوي ده ويخلي ده يدخل في طريق الذنوب وهكذا.
وتابع مسترسلًا بتوصية:
- أنا مش عايزك تتأثر باللي حصل وتغير طريقتك مع جوز أختك، على الأقل علشان خاطرها هي وأولادها.
سأله بغيرة ظهرت بعينيه:
- وبالنسبة لمراتي؟
نطق مستفسرًا:
- مالها مراتك؟
- يا بابا مراتي مش واخدة حريتها في البيت، طول الوقت متكتفة بحجابها ولبسها وحضرتك شفت اللي حصل إمبارح.
قالها بضيق لينطق بحدة وغيرة جديدين عليه:
- المفروض الدكتور المحترم لما نزل وشاف مراتي تعبانة وراقدة على الكنبة كان خرج في الجنينة لحد ما اتعدلت وقعدت كويس، لكن المنظر اللي أنا شفته ده مش مقبول بالنسبة لي.
سأله والده باستعلام:
- مراتك هي اللي اشتكت لك؟
أجابه سريعًا لينفي:
- لا طبعًا، إيثار لا اشتكت ولا عمرها هتشتكي.
أخذ نفسًا عميقًا ليتابع موضحًا:
- إيثار عاشت ظروف قاسية تخليها تتحمل تعيش جوة النار من غير ما تشتكي.
تطلع والده بتمعن ليسترسل هو:
- عزة حكت لي عن الحياة اللي عاشتها في بيت نصر البنهاوي وكم الذل والمهانة والأذى النفسي اللي اتعرضت له من ناس مريضة.
نطق بغصة مرة وقفت بحلقه:
- مراتي شافت كتير قوي يا بابا وحقها عليا إني أريحها وأوفر لها حياة هادية مستقرة من غير أي حاجة تنغص عليها حياتها.
سأله بجبين مقطب:
- أنتَ عاوز إيه يا فؤاد، بتفكر في إيه؟
- لسه مش عارف يا باشا.
قالها بصدق لصعوبة حل تلك المعضلة ليتابع بجدية:
- لازم أتحرك علشان ألحق مواعيد شغلي.
أشار علام بيده:
- كلامنا لسه مخلصش.
أومأ له بموائمة وتحرك صوب السيارة ليستقلها منطلقًا إلى عمله.
**********
بنفس التوقيت داخل منزل نصر البنهاوي
يجلسون جميعًا يتناولون الطعام فاستمع نصر لصوت الغفير الخاص به يهتف صائحًا بتهليل:
- يا سعادة النايب، يا حاج نصر.
زفر بضيق لينطق بصوت مرتفع كي يصل إلى ذاك الصائح:
- تعالى يا جلاب المصايب وقول ما عندك.
ولج الغفير وتبادل النظرات بينه وبين إجلال المبتسمة لعلمها ما سيخبره به:
- فيه حاجة حاصلة في البلد ولازم جنابك تعرفها.
تطلع عليه ليهتف بسخط وحدة:
- أنا عارف إن دخلتك الشؤم دي وراها مصيبة، قول وخلصني.
نطق بكلمات متلبكة خشية من غضب سيده المتجبر:
- صور هارون بيه ابن عم الست إجلال مالية شوارع البلد، والمركز كله ملوش سيرة إلا على ترشيحه في الانتخابات قصاد جنابك.
جحظت عينيه بحدة هو وأنجاله الثلاث وبلحظة تحولت لمشتعلة وهو يقول بعدم استيعاب:
- أنتَ بتقول إيه يا واد، هارون مين ده اللي يتجرأ ويترشح قصادي.
قاطعه صوت إجلال الصارم وهي تقول بحدة وعينين تطلق سهامًا نارية:
- متنساش نفسك يا حاج نصر وأنتَ بتتكلم عن الحاج هارون ابن أخو الحاج ناصف.
تطلع عليها نصر غير مستوعب حديثها ليهتف طلعت بعدما انتفض من مقعده وهب واقفًا بعصبية:
- هو ده وقت الكلام ده يا ستهم، أنتِ مش سامعة الغفير بيقول إيه؟
نطقت بلامبالاة وهي تتناول إحدى اللقيمات وتمضغها بهدوء ثار تساؤلاتهم جميعًا:
- سمعت يا حبيبي، وإهدى بقى أنتَ وأبوك واقعدوا كملوا فطاركم.
- اخفي من وشي واطلع على برة.
قالها نصر قاصدًا الغفير ليطالع إجلال بنظرات تشكيكية ويسألها:
- أنتِ كنتي عارفة بإن ابن عمك هيترشح قصادي؟!
بكل جبروت نطقت:
- آه كنت عارفة، وأنا بنفسي اللي خليت المحامي يقدم ورق الترشيح إمبارح.
جحظت عينيه وعين عمرو الذي هتف بحدة واعتراض:
- كلام إيه اللي بتقوليه ده يا ماما، إزاي تعملي حاجة زي كده؟!
تعالت أصوات أنجالها الثلاث وهم يلقون باللوم عليها تحت صدمة نصر ونظراته الزائغة، فانتفضت من مقعدها بحدة أوقعت المقعد لتنطق بجبروت وهي تشير إلى مروة وياسمين:
- كل واحدة فيكم تاخد عيالها وتطلع على فوق، يلا.
نطقت كلمتها الأخيرة بسخط لتهرول كل منهما بتخبط تسحب أطفالها وأيضًا حملت مروة ابنة عمرو وهرولوا ليصعدوا الدرج سريعًا، أما إجلال فنطقت بقوة وهي تتحرك لغرفة جانبية:
- وإنتوا، تعالوا ورايا.
ولج الجميع ليجدوها واقفة كالأسد الذي يستعد للانقضاض على فريسته. ولج نصر والصدمة مازالت تعتلي ملامحه لينطق بصوت خافت وعينين لائمتين:
- ليه؟! قولي لي سبب واحد يخليكِ تخونيني وتطعنيني في ظهري يا إجلال؟!
وإلى هنا لم تستطع الصمود أكثر لتهتف بصراخ أنثى طعنت على يد من اختارته وسلمته روحها عن طيب خاطر وما تركت شيئًا يرفع من شأنه إلا وفعلته وبالآخر فضل عليها أخرى من النساء:
- علشان طلعت واطي وعديم الأصل، عضيت الإيد اللي اتمدت لك بالخير.
- ماما...
نطقها عمرو معترضًا على أسلوبها المهين لوالده لتكمل هي بعينين بهما غضب سيحرق أمامه الأخضر واليابس:
- الخسيس أبوكم طلع متجوز عليا ومستقرضني ليه خمس سنين.
نزلت كلماتها غير المتوقعة عليه كصاعقة كهربائية شلت جميع حواسه. اتسعت عينيه بقوة وارتجف جسده لينطق بخفوت:
- مين اللي وصلك الكلام الفارغ ده؟
هتفت بقوة وغضب العالم أجمع قد تجمع بعينيها:
- العقد العرفي اللي متجوز الجربوعة بتاعتك بيه وصلني لحد عندي على التليفون.
لتسترسل والغل والحقد يتأكلان من قلبها ويقطعاه إربًا:
- لولا ابن الـ...
اللي بعت لي العقد شطب على اسم أبو البنت، كان زمانك واخد عزاها من زمان.
وكان فؤاد قد شطب على اسم عائلة شذى بالعقد حرصًا منه على عدم الوصول إليها وإيذائها على يد تلك المجرمة. اتسعت أعين أنجاله وتحولت إليه باتهام لينطق حسين متسائلًا:
-الكلام اللي أمي بتقوله ده حصل يا أبا؟!
استجمع قواه ليهتف مستنكرًا بصوت واثق اصطنعه بصعوبة بالغة:
-ما حصلش يا حسين، ده أكيد حد عاوز يوقع بيني وبين أمك، والحد ده هارون لأن هو الوحيد اللي ليه مصلحة في كده.
كانت مستعدة لكشف كذبه وإنكاره، فأخرجت هاتفها ووضعته أمام أعين الجميع على الفيديو الذي وصلها من فؤاد لينصدم الجميع وأولهم نصر الذي نطق بوجه شاحب كالموتى وخزي من أنجاله:
-مين اللي وصل لك الفيديو ده؟!
ألقت بالهاتف أرضًا لتنطلق صوبه بهجوم ضارٍ وباتت تهزه من تلابيب جلبابه وهي تصيح:
-هو ده كل اللي همك يا واطي؟ رايح تتجوز عليّ عيلة قد عيالك يا شايب يا عايب؟ تتجوز على ستك وتاج راسك وراس أهلك بالنفر؟ ومتجوز مين؟ رقاصة يا مهزق؟!
لم يستطع الدفاع عن حاله من كثرة المفاجآت التي قذفتها بوجهه والتي علمت بها عن طريق فؤاد، فبات يهتز بيدها كخرقة بالية مستسلمًا لهزاتها العنيفة التي تنفث بها عن غضبها العارم. هرول أنجاله الثلاثة كي ينقذوا والدهم من قبضة تلك التي تحولت إلى غول ليلحق بهم غضبها وباتت تضرب بقبضتها كل من يقترب منها ليقف طلعت خلفها ويلف ذراعيه القوية على جسدها كي يستطيع التحكم بحالة الهياج التي أصابتها لتصرخ بقوة ونجلها يعود بها للخلف:
-هدمرك يا واطي، وزي ما عملتك عن طريق أهلي ههدك برضه عن طريقهم، ما أبقاش إجلال بنت الحاج ناصف إن ما رجعتك شحات زي ما كنت.
أمسك حسين كف ذاك المذبهل ليحثه على الخروج:
-تعالى معايا يا أبا، يلا نروح المزرعة على ما أمي تهدى.
خرج سريعًا بصحبة نجله تحت صرخاتها التي تدل على وصولها للمنتهى من الجنان. وقف طلعت أمامها لينطق في محاولة منه لتهدئتها بعد أن تركها:
-اهدي يا ستهم وخلينا نفكر بالعقل، كرسي البرلمان مش لازم يخرج من إيد أبويا، كده هيبتنا في البلد هتروح.
هتفت بفحيح كالأفعى:
-وهو ده المطلوب يا طلعت، أنا هرجعه شحات زي ما اتجوزته.
قال بتعقل:
-بس أنتِ كده مش هتضريه لوحده يا ستهم، أنتِ كده بتدمرينا كلنا.
واسترسل بخبث أظهر أنانيته:
-لو كان لازم تنتقمي منه كنتِ قدمتِ لي أنا، وأهو على الأقل الكرسي ما كانش خرج من البيت.
هتفت من بين أسنانها مبررة بحقد ضارٍ:
-ما كانش هيتوجع، أنا قصدت إن هارون بالذات هو اللي ياخد الكرسي علشان أذله وأذوقه من نفس الكاس اللي شربني منه.
ارتمى عمرو على المقعد ليضع رأسه بين كفيه بأسى على ما وصل له الجميع.
**********
قاد حسين السيارة ليجن جنون نصر وهو يرى تلك اللافتات الدعائية الانتخابية الخاصة بهارون وهي تملأ الشوارع وصوره الملصوقة على جميع الحوائط، وما زاد جنونه هو إزالة جميع اللافتات والصور الخاصة به وإلقائها على الأرض ليدهسها المارة تحت أحذيتهم بشكل مهين. صرخ بعلو صوته وهو يسب ويلعن لينطق حسين بتهدئة:
-اهدى يا حاج، أنتَ مش قليل برضه وليك ناس كتير هتنتخبك.
صرخ بعلو صوته:
-محدش هيجرأ يدّي لي صوته طالما اللي مترشح قصادي من عيلة أمك يا حسين، هما خلاص، حطوا إيديهم في إيدين بعض واتفقوا على تدميري.
وتحدث وهو يضع كفه على ذقنه بتفكر:
-بس ده بعدهم، مش نصر البنهاوي اللي يقف يتفرج وهو متكتف على حد بيدمره، واحدة بواحدة والبادي أظلم يا هارون.
وصل إلى المزرعة فابتعد عن ابنه وأمسك هاتفه وما هي إلا ثوانٍ وكانت شذى تجيبه بدلال أنثوي كعادتها ليصرخ بقوة أرعبتها:
-بقى بتسجلي لي فيديو وتبعثيه لمراتي يا بنت الـ...
سبها بلفظ منافٍ للآداب والأخلاق لتنطق بدفاع عن حالها:
-أنتَ بتقول إيه يا نصر، أنا مش فاهمة حاجة.
صاح بحدة:
-أنتِ هتستعبطي يا روح أمك، مش أنتِ اللي بعتي الفيديو لمراتي.
ظلا يتحدثان لتتذكر تلك "الفتنة" وارتباكها بذاك اليوم بالتحديد الذي بلغها به نصر، أبلغته بما حدث تلك الليلة بالتحديد واختفاء الفتاة من بعدها وعدم ظهورها مرة أخرى فتحدثت بجنون:
-هي ما فيش غيرها، بس مين اللي وراها وخلاها تعمل كده.
لم يطرأ بمخيلته فؤاد فقد اعتقد بغبائه أن من فعل هذا هو ذاك الـ هارون لينتقم منه على ما حدث بالماضي وتفضيل إجلال عليه وليسحب منه أيضًا مقعد البرلمان لتيقنه قيمة ذاك المنصب لديه فتحدث بضيق:
-تقفلي معايا وتسيبي الشقة حالًا، مراتي لو عرفت توصل لك مش هيطلع عليكِ نهار.
انتفض داخلها برعب لتسأله بصوت يرتجف هلعًا من شدة خوفها:
-هروح فين يا نصر؟!
-روحي في أي داهية... قالها بحدة لينطق موضحًا الأمر:
-أنتِ أصلك ما تعرفيش شر ستهم واصل لحد فين، روحي لأي واحدة من صاحباتك واقعدي عندها لحد ما أخلص من الانتخابات وأجي لك نشوف هنعمل إيه.
بلهفة نطقت قبل أن ينهي المكالمة:
-طب حول لي فلوس علشان ما معييش.
-هو أنتِ ما بتشبعيش فلوس؟! قالها بسخط ليغلق الهاتف بعدما وعدها أنه سيحول لها مبلغًا من المال يكفي احتياجاتها لحين الانتهاء من تلك الأزمة.
**********
ليلًا، استقلت المقعد المجاور له لينطلق بسيارته متجهًا إلى أحد الأماكن الشهيرة بالعاصمة الخاصة بتقديم المأكولات. ضغط على زر تشغيل جهاز الموسيقى لينطلق صوت آمال ماهر وهي تغرد كالبلابل في غنوتها الرائعة "أنا حبيتك". بدأت تدندن معها وهي تتطلع على حبيبها الناظر أمامه بتمعن يراقب الطريق تارة وتارة أخرى يتطلع على عينيها حتى انتهت الغنوة. سألته بعدما تنهدت براحة:
-إيه اللي طلعها في دماغك النهاردة إننا نخرج نتعشى بره؟!
تنفس بهدوء قبل أن يجيبها:
-حسيت إني مقصر معاكِ قوي الفترة اللي فاتت، خصوصًا إننا ما خرجناش من بعد ما رجعنا من المالديف.
تبسمت بجاذبية وتنهدت براحة. ظلت تنظر إليه بعينين مغرمتين حتى وصلت إلى المكان المقصود. كان المظهر مبهرًا للغاية حيث جذب بصرها ليسألها ذاك المحاوط لخصرها:
-إيه رأيك في المكان يا حبيبي؟
نطقت لانبهار ظهر بعينيها:
-يسحر يا فؤاد، حلو قوي.
استقبلهما الموظف ليتبعاه حتى وصلا إلى الطاولة الخاصة بهما ليسحب لها المقعد الخاص بها ويلف ليقابلها بالجلوس على المقعد المقابل. جلسا وطلبا عشاءهما وانتظرا. اشتغلت الموسيقى وتوجه كل ثنائي للمكان المخصص للرقص. وقف وأغلق زر حلته ليتوجه إليها باسطًا ذراعه وهو يقول بابتسامة ساحرة:
-ممكن حبيبة حبيبها تسمح له بالرقصة دي؟
نطقت بملاطفة وهي تناوله كفها:
-ولي الشرف معالي المستشار.
استلم كفها ليحتويه برعاية وتحرك بجوارها وهو يهمس بنبرة هائمة:
-معالي المستشار وقع في حب إيثار هانم ولا حدش سمى عليه.
أطلقت ضحكة رقيقة أثارت جنونه ليهمس بجانب أذنها بتهديد مشاكس:
-ضحكة كمان من دي وهخليهم يحجزوا لنا سويت نطلع نقضي فيه ليلتنا.
تطلعت عليه لينطق بوقاحة:
-مش هيبقى فيه وقت نروح بيتنا.
ابتسمت خجلًا. وقف قبالتها ليحتوي ظهرها بأحد ذراعيه ويضع كفه الآخر بخاصتها ليبدأ معًا أولى خطوات رقصتيهما. أراحت رأسها على صدره لتستمع لنبضات قلبه المغرم وهي تدق بتناغم. رفعت رأسها لتطالع عينيه المغرمة لتنطق بنبرة تمتلئ بالعشق الجارف:
-طول عمري عندي ثقة إن ربنا عادل وهيكافئني على صبري، بس عمري ما تخيلت إن المكافأة هتبقى أنتَ يا حبيبي.
ابتسم بحبور ظهر بعينيه لتتابع بغرام هائل:
-أنتَ جنتي على الأرض يا فؤاد، وكأن كل حاجة حلمت بها من أول طفولتي لحد ما قابلتك ربنا جمعها لي كلها وقدمها لي في صورتك.
تعمق بعينيها لينطق بنبرة هامسة مغلفة بالحنان:
-اتغيرتِ قوي عن أول مرة شفتك فيها، كنتِ جامدة صلبة، كنتِ زي قزازة مكسورة حادة بتجرح أي حد يقرب منها، برغم الوش الخشب اللي طول الوقت كنتِ مركباه ونظارتك الطبية والبدلة اللي تشبه بدل الرجالة، إلا إني أول مرة شفتك فيها حسيت إن فيكِ حاجة مميزة، حاجة لمست روحي وعملت حالة استنفار جوايا.
واسترسل متعجبًا:
-إيه هي ما كنتش أعرف، بس مع كل يوم كان بيعدي وبنقرب فيه من بعض كنت بتأكد إنك ليّ، ليّ وبس.
تنهدت لتنطق بحالمية:
-أنا بحبك قوي.
-وأنا بعشق كل ما فيكِ... قالها بهيام ليسألها بعينين بالغرام متوسلتين:
-هو أنا ممكن أطلب من حبيبة حبيبها طلب؟
هزت رأسها لتنطق بصوت يدل على مدى هيامها:
-أنتَ تؤمرني يا حبيبي.
-بموت فيكِ يا عمري... نطقها بحنان ليتابع بنبرة حنون:
-أنا بكرة إجازة وعاوز أسهر معاكِ في أوضة الجاكوزي، محتاج أستجم وأنتِ في حضني.
ابتسمت وهي تجيبه بمداعبة:
-بس كده، ده أنا قلت إنك طمعان في عربيتي وهتطلب إني أتنازل لك عنها.
أطلق ضحكة جذابة زلزلت كيانها لينطق بمشاكسة:
-أنا آه طماع بس مش للدرجة دي.
ظلا يرقصان إلى أن وصل عشاءهما وتحركا ليتناولاه. دللها كثيرًا وهو يطعمها بيده تحت سعادتها التي تخطت عنان السماء. انتهيا ثم عادا إلى المنزل فكان الجميع قد ذهبوا لغرفهم. تحركا ليختفيا داخل غرفة الجاكوزي التي أشرفت حكمة على تجهيزها للعاشقين. ارتدت الثوب الخاص بالسباحة لتجاوره النزول إلى المسبح. استند على جداره ليأخذ حبيبته أمامه وبات يدللها بعمل مساج لظهرها وكتفيها ساعدها كثيرًا على الاسترخاء لدرجة أنها أرخت رأسها للخلف تسندها على صدره لتقول بصوت مسترخٍ وعينين مغمضتين:
-فؤادي.
رد باسترخاء:
-إيه يا بابا؟
تنفست لتنطق بخفوت واستمتاع:
-هو أحنا ينفع ننام مكاننا كده؟
ضحك ليجيبها:
-مش للدرجة دي يا إيثار، هي آه الماية سخنة وتجنن والأجواء تسحر، وأحلى ما في الموضوع هو قربنا من بعض بالطريقة دي وحالة الاسترخاء.
ليسترسل بصوت حنون:
-ومع ذلك ما فيش أحلى من إني آخدك في حضني وننام باستمتاع.
ابتسمت ليكملا ليلتهما ثم صعدا لجناحيهما ليغفو كل منهما داخل أحضان الآخر باستسلام ومتعة.
**********
بعد يومين.
داخل المحبس الخاص بالنساء، كانت تجلس فوق التخت المخصص لها لتدخل السجانة عليهن وهي تتطلع بينهن وتصيح بصوتها المرعب لتسكت أصوات عراكهن العالية:
-اخرسي يا ولية واتلمي منك ليها.
صمتن جميعهن لتنظر هي باشمئزاز إلى تلك المرأة التي حضرت إليهن في قضية قتل إحداهن وتنطق بتشفٍ:
-عمليتك اتحددت كمان أسبوع، بعد ما تقومي منها إن شاء الله هتلبسي الأحمر علشان نجهزك لزفتك الأخيرة يا حلوة.
تطلعت سمية عليها بغضب لتنطلق ضحكات النسوة وهن يرمقونها بنظرات ساخرة أثارت غضبها لتكمل السجانة وهي تنظر إلى أحلام كبيرة العنبر:
-وبعدين معاكِ يا أحلام، مش ناوية تجبيها لبر أنتِ والنسوان بتوعك ولا إيه؟
هتفت المرأة ذات الوجه المريب الملئ بالندبات مما يوحي لإجرامها:
-وأنا عملت حاجة يا ريسة، ما أنا قاعدة في حالي كافية غيري شري أهو.
هتفت المرأة بملامح وجه ساخطة:
-والبت سامية اللي كسرتوا لها رجلها إمبارح بالليل والدكتور جبسها لها الصبح، كنتِ بتسلمي عليها يا روح أمك منك ليها.
كادت المرأة أن تتحدث فأوقفها صوتها الحاد وهي تنطق متوعدة:
-اتلمي يا أحلام ولمي نسوانك علشان لو حطيتكم في دماغي هزعلكم، وأنا زعلي وحش.
نطقت مرغمة:
-ما عاش ولا كان اللي يزعلك يا ريسة.
رمقتها المرأة قبل أن تخرج من جديد. تحركت أحلام حتى وصلت إلى سمية ثم رمقتها بازدراء لتنطق بافتراء:
-قومي يا بت نفضي لي سريري وغيري لي الملاية وادخلي اغسليها هي والغيار اللي قلعته إمبارح.
نطقت بملامح وجه مكفهرة:
-بقول لك إيه، اتكلي على الله وسيبيني في حالي.
-وإن ما سيبتكِ يا روح أمك هتعملي لي إيه؟! نطقتها بعينين تطلقان شررًا ثم سحبت شفرة الحلاقة من داخل فمها لتشهرها بوجهها مما جعل الأخرى ترتعب لتهب واقفة وهي تنطق بخضوع وإذلال:
-خلاص خلاص، هعمل لك اللي أنتِ عاوزاه.
تحركت إلى تختها لتنطق إحدى السجينات:
-حرام عليكِ اللي بتعمليه في البت ده يا أحلام، دي عندها المرض الوحش يا ولية، أنتِ ما فيش في قلبك رحمة.
-لا ما فيش يا سنيورة، ولو صعبة عليكِ قومي اشتغلي مكانها يا إما تنقطينا بسكاتك... صمتت المرأة لتتابع الأخرى وهي تقترب من سمية وترمقها باشمئزاز:
-مش كفاية قاعدة عالة علينا، مقطوعة من شجرة لا حد بيسأل فيها بلقمة حلوة تسد جوعنا ولا خرطوشة سجاير تعمر لنا نفوخنا، ولا حتى كام ملطوش تسد بيهم تمن قعدتها في المخروبة دي.
واسترسلت وهي تدفعها لتقع أرضًا:
-يبقى على الأقل تخدمنا بقعدتها.
ارتطم جسدها بالأرض لتستند بذراعيها وقد اشتعل داخلها بغضب عارم ولو بيدها الأمر لوقفت وحطمت رأس تلك المرأة وما تركتها إلا غارقة وسط بركة من الدماء. تحدثت أخرى بنبرة إنسانية:
-الولية عيانة يا أحلام، حرام عليكِ كده.
نطقت بصوت متجبر:
-اللي صعبة عليكِ دي يا أختي قتالة قتلة، مسكت الست وضربتها بالسكينة تسع طعنات، يعني ولية قادرة ومفترية ولو جت لها الفرصة هتعمل فينا زي ما عملت في المسكينة اللي راحت هدر.
صمتن النسوة لتتابع أحلام بنبرة ساخطة بعدما تطلعت عليها بحدة:
-ما قومي يا بت تشوفي شغلك.
استندت على كفيها لتقف تفعل ما أمرتها به تلك المتجبرة عنوة عنها.
داخل شركة أحمد زين الدين.
كان يخرج من مكتب المدير التابع له بعدما أنهى بعض التعاملات ليتحرك إلى كافيتريا الشركة لبدء فترة الراحة الفاصلة بين ساعات العمل. وجد تلك الجميلة تقابله ويبدو أنها هي الأخرى بطريقها لنفس وجهته، إنها "أميرة" تلك الفتاة التي لفتت انتباهه منذ أن استلم عمله في الشركة، فقد رأى بها كل ما تمنى في الفتاة التي يريدها شريكة لأحلامه، الأدب والأخلاق والاحتشام في ملابسها وأيضًا حجابها بما يتلائم مع دينه وتربيته وقناعاته. نظرت عليه بخجل وكادت أن تمضي بوجهتها لولا اقتحامه لطريقها وهو يقول بابتسامة هادئة:
-إزيك يا أستاذة أميرة؟
-الله يسلمك يا أستاذ أيهم... نطقتها بهدوء وصوت بدا عليه الارتباك بعض الشيء لينطق هو من جديد:
-رايحة الكافيتريا؟
أجابته بهدوء:
-آه، هروح آخد أي ساندويتش خفيف مع نسكافيه.
أشار لها لتجاوره ثم سألها ليخلق حديثًا بينهما:
-عاملة إيه في شغلك؟
ابتسمت لتجيبه بمشاكسة:
-المفروض أنا اللي أسألك السؤال ده، أنتَ ناسي إن أنا أقدم منك هنا ولا إيه يا حضرة المحاسب؟
ابتسم ليجيبها بحفاوة تأثرًا بملاطفتها له:
-في النقطة دي معاكِ حق، بس بما إني الراجل فلازم أبدأ بالسؤال وأطمن على أحوالك، ولا إيه يا أستاذة؟
أومأت بموافقة لتسأله بما يشغل بالها وبال الجميع منذ أن تم تعيينه معهم بالشركة:
-هو حضرتك قريب باشمهندس أحمد الزين؟!
هز رأسه لينطق نافيًا:
-لا خالص.
-غريبة قوي... نطقتها بتعجب ليسألها بجبين مقطب:
-إيه الغريب في كده، ولا هي الشركة عاملة التعيينات حكر على شباب عيلة الزين وأنا ما أعرفش؟!
ضحكت بجاذبية لفتت انتباهه لتجيبه على تساؤله الفكاهي:
-ما أقصدش طبعًا، إحنا كلنا افتكرناك قريب الباشمهندس لأنه مهتم بيك لدرجة إنه وصلك بنفسه لمكتبك أول يوم، كمان اختار لك مكتب مميز في الشركة، بس كده.
أجابها بابتسامة بشوشة:
-أنا هوضح لك سبب الاهتمام ده، ببساطة كده أختي تبقى مرات فؤاد علام ابن أخو الباشمهندس.
اتسعت عينين الفتاة لتسأله بذهول ظهر بعينيها:
-تقصد سيادة المستشار فؤاد علام ابن المستشار علام زين الدين؟!
أومأ لها بإيجاب لينطق ببساطة:
-بالضبط كده.
نطقت الفتاة بحبور ظهر فوق ملامحها:
-أنا عارفة فؤاد علام وباباه، جم الشركة كذا مرة قبل كده، لما بيكون فيه أحداث كبيرة زي افتتاح فروع جديدة أو إتمام صفقات كبيرة بيحضروا، وكمان بنشوفهم في الحفلات الخاصة بالشركة.
واسترسلت بصدق نال استحسانه:
-ناس محترمة جدًا وأكيد أختك حد مميز علشان فؤاد علام يختارها تكون مراته.
تطلع إليها معاتبًا إياها بافتعال وهو يقول بمداعبة:
-طب إيه، هنفضل نتكلم كتير كده عن أختي وجوزها؟
ابتسمت لتسأله بمشاكسة:
-طبيعي لأن ما فيش أحاديث مشتركة بيننا علشان نتكلم فيها.
وصلا إلى الكافيتريا ليتحركا إلى إحدى الطاولات وتحدث وهو يشير لها بالجلوس:
-طب ما تيجي نخلق لنفسنا أحاديث مشتركة، مش يمكن دماغنا تطلع واحدة ونوحد أفكارنا ونلمها على بعض بدل ما هي مشتتة وكل فكرة تايهة في طريق لوحدها.
ابتسمت بخجل لفهمها مقصده لتجلس مقابلة له ليتابع هو بهدوء:
-هتاكلي إيه؟
أملت عليه ما ستتناوله من طعام فأبلغ به العامل وبدأ يتحدثان ليبحثا معًا عن النقاط المشتركة بينهما ليستكشف كل منهما الآخر بعدما اكتشف كلاهما انجذابه للآخر.
***********
عصرًا، داخل فيلا أحمد زين الدين، كانوا يصطفون حول مائدة الطعام يتناولون وجبة الغداء. أحمد وزوجته نجوى ونجلهم بسام وزوجته. تطلع أحمد من حوله ليسأل زوجته باستغراب:
-سميحة ما نزلتش لحد الوقت ليه؟!
أجابته بلامبالاة:
-هي قالت للشغالة نازلة وراكي.
ما هي إلا ثوانٍ وكانت تهبط من أعلى الدرج بمرح وسرعة مرتدية ثيابًا يبدو من هيأتها أنها على كامل استعدادها للخروج. وصلت إلى أبيها لتميل على وجنته واضعة قُبلة وهي تقول بسعادة:
-هاي داد.
نظر لهيأتها ولحقيبة اليد التي تحملها ليسألها متعجبًا:
-رايحة فين؟!
نطقت بحبور ظهر فوق ملامحها:
-رايحة عند عمو علام، هقضي اليوم عندهم ويمكن أبات مع فريال.
تحدثت نجوى بلامبالاة:
-اقعدي اتغدي قبل ما تمشي.
نطقت بهدوء:
-ما ليش نفس يا مام، هبقى آكل حاجة خفيفة بالليل معاهم.
أخذ أحمد نفسًا عميقًا كي يستطيع ضبط انفعالاته من أسلوب ابنته وتصرفاتها التي أصبحت مستفزة لأبعد الحدود بشأن زياراتها المتكررة لمنزل عمها وتعمدها استفزاز مشاعر زوجة فؤاد بالتحديد وهذا ما لمسه يوم التجمع العائلي بالمزرعة. تحدث بنبرة صوت حازمة:
-اقعدي اتغدي يا سميحة، وبالنسبة لزيارة بيت عمك أجليها ونبقى نزورهم أي يوم تاني أنا وأنتِ.
طالعته باستنكار لتنطق بصوت معترض:
-وليه ما أروحش النهاردة زي ما خططت ليومي؟!
نطق بحدة ظهرت بنبرات صوته:
-علشان ما ينفعش تروحي للناس بيتها كل شوية، كل واحد عنده حياته الخاصة وأكيد محدش بيرتاح لما حد يقتحم عليه بيته ويقيد حريته فيه.
تذمرت ومطت شفتيها للأمام لتقاطعه نجوى بطريقة مستفزة:
-أنتَ بقيت غريب قوي يا أحمد وحقيقي ما بقتش قادرة أفهمك.
طالعها بجبين مقطب غير مستوعب هجومها لتسترسل مفسرة لتذكيره بطريقة استهجانية:
-أنتَ مش طول عمرك بتقول لأولادك لازم تروحوا تزوروا عمكم وتقربوا من ولاده، وطول الوقت كنت بتتكلمهم عن القيم الإنسانية الجميلة وصلة الرحم والكلام الكبير اللي طول عمرك بتسمعهولنا لحد ما حفظناه؟!
واسترسلت باستهجان:
-إيه اللي جد خلاك تمنع سو وتديها محاضرة في احترام القواعد الأساسية للزيارات المنزلية والعائلية والكلام الكبير اللي أنا مش فاهمة معظمه ده.
احتدت ملامحه وظهر الغضب على محياه لينطق بصرامة:
-كلامي اللي مش عاجبك ده محاولة أخيرة لإنقاذ كرامة بنتي اللي مصرة إنها تهدرها بغبائها، يعني كلامي وتصرفي ده لمصلحتها يا هانم.
أخذت تقلب عينيها بضجر يوحي لعدم تقبلها لحديثه فطالما رأته رجل الخطابات الفارغة، ليتابع هو بحدة تحت ألم وحزن سميحة:
-هو أنتِ حاسة بحاجة ولا شايفة حد في البيت ده غير نفسك، اقعدي مع بنتك وقومي بدورك كأم ولو لمرة واحدة في حياتك.
امتعضت ملامحها وقد بدا عليها الانزعاج وهي تنظر لزوجة بسام التي انتفضت واقفة لتنطق بانسحاب وهي توجه حديثها إلى زوجها لتعفي الجميع الحرج:
-أنا طالعة أوضتي يا بسام.
أومأ لها باستحسان لتصرفها الراقي. وما أن صعدت حتى انفجرت نجوى بحدة ترجع لتقليل زوجها من شأنها أمام زوجة نجلها:
-عاجبك الفضايح دي، مرات ابنك تقول علينا إيه؟!
هتف بعصبية وحدة ظهرت بعينيه:
-علشان تعرفي إنك مغيبة ومش عايشة معانا على أرض الواقع، مرات ابنك عارفة وشايفة كل حاجة ومش هي بس يا مدام، كل اللي حوالينا ملاحظين جري بنت أحمد زين الدين ورا ابن عمها ورمي روحها عليه ومحاولة تطفيش مراته وإثارة غيرته.
ظهر التوتر أكثر على ملامحها لتنطق بصوت مرتبك تنفي به اتهام والدها عنها:
-إيه الكلام اللي حضرتك بتقوله ده يا داد، دي إهانة أنا لا يمكن أقبلها.
طالعها بحدة ليهتف بعصبية:
-أنتِ فاكرة إن أنا مبسوط وأنا بواجهك بالكلام ده، ده أنا قلبي بيتقطع عليكِ وكاتم في نفسي من يوم اللي حصل وشفته بعيني في المزرعة.
ليتابع بغضب عارم لو خرج لأحرق الأخضر واليابس:
-بس خلاص يا سميحة، مش هقدر أسكت أكتر من كده وأنا شايفك بتهيني كرامتك وتمرمغي باسمي في الأرض.
تابع بقهر ظهر بصوته المتألم:
-كنت ساكت وبقول بكرة تعقل وتعرف مصلحتها فين، دي دكتورة وعقلها كبير وأكيد هتراجع نفسها وتعرف غلطها وتتراجع عنه، بس للأسف، كل شوية بتزيدي في الخيبة وبتثبتي لي أنا قد إيه فشلت في تربيتك.
تحرك بسام ليجاور والده لينطق بهلع ظهر بعينيه عندما رأى حدة والده الهائلة:
-أرجوك يا بابا اهدى، حضرتك كده ممكن تتعب.
ارتمى على مقعده من جديد ليقول بانكسار:
-تعب إيه ونيلة إيه اللي بتفكر فيهم في وسط الخيبة اللي إحنا فيها دي يا بسام.
هزت رأسها بدموع لينطق بصرامة وهو يشير لها نحو الدرج:
-اطلعي على أوضتك وآخر مرة هنبهك فيها للموضوع ده.
واسترسل بحدة:
-وتفكري بشكل جدي في موضوع خطوبتك من مازن الجيار، وآخر الأسبوع ده تديني الأوكيه علشان أبعت لأبوه الموافقة.
أغمضت عينها في ألم ثم فتحتهما من جديد لتنهمر دموعها فوق وجنتيها ثم هرولت تصعد الدرج. التفت أحمد لزوجته التي تشعر بالخجل بعد أن قام زوجها بتعرية روحها وأظهر فشل قيادتها لأسرتها وبالتحديد ابنتها. تحدث بصرامة بالغة:
-تصرفات بنتك من النهاردة مسئوليتك، أي غلطة ليها أنتِ اللي هتتحاسبي عليها قدامي.
واسترسل موبخًا إياها وهو يرمقها بازدراء:
-وفوقي بقى لبيتك شوية وانزلي من قصر وهمك العالي وعيشي معانا على أرض الواقع.
نطق كلماته الحادة ليندفع كالإعصار إلى غرفته تحت صدمة نجوى التي تحدثت لنجلها بذهول:
-باباك شكله اتجنن خلاص يا بسام.
أجابها الشاب بنفي تضامنًا مع تصرف والده الصحيح:
-بالعكس يا ماما، اللي عمله بابا مع سميحة صح جدًا، بس للأسف، متأخر قوي.
***********
في الحادية عشر ظهرًا من اليوم التالي.
خرجت من حجرتها متأنقة ترتدي ثوبًا رائعًا أظهر جمالها وأناقتها وقامت بوضع القليل من مساحيق الزينة لتجعلها أيقونة جمال رغم شحوب وجهها قليلًا بفضل الحمل، فقد هاتفتها لارا أيمن وأخبرتها أنها ستأتي اليوم لزيارتها كي تطمئن عليها هي والصغير. توجهت صوب الدرج لتهبط منه بهدوء وهي تستند على درابزين السلم الزجاجي لتلحق بها فريال التي كانت تحمل صغيرها وتهبط للطابق الأرضي. ضحكت لتنطق بمشاكسة لزوجة شقيقها:
-من أولها نازلة تستندي على الدرابزين زي العواجيز، أمال لما توصلي للشهر السابع هتعملي إيه؟
التفتت تناظر تلك اللطيفة التي تمتلك روحًا دعابية لم تكتشفها سوى بعشرتها ثم تحدثت وهي تأخذ نفسها بصعوبة:
-والله ما فاهمة إيه اللي بيحصل لي ده يا فيري، أنا فعلًا حاسة إن بقى عندي تمانين سنة، مع إني حملت في يوسف والوضع كان طبيعي جدًا.
رفعت قامتها لأعلى لتنطق مفخمة من شأن شقيقها:
-وأنتِ عاوزة تساوي حملك في يوسف بحملك في ابن فؤاد علام، نحن نختلف عن الآخرون يا أستاذة.
أطلقت إيثار ضحكة عالية لتتابع الأخرى بوقاحة:
-نصيحة بس خفوا من الجاكوزي وتوابعه، قولي له عيب وياريت يحترم الحدث ويدي له وقاره وقيمته.
نطقت من بين ضحكاتها وهي تتابع النزول:
-يا بنتي حرام عليكِ مش قادرة أضحك.
ثم تابعت وهي تتطلع إلى الصغير بنظرة حنون:
-ابقي سيبي لي فؤاد علشان أبص له وأجيب بيبي قمر زيه.
أجابتها بتحيز لشقيقها الغالي:
-بصي للنسخة الأصلية اللي عندك وأنتِ تجيبي بيبي ما لوش مثيل.
ابتسمت بسعادة وتحدثت باستحسان:
-عجباني قوي علاقتك أنتِ وفؤاد.
بدون تفكير نطقت بعينين سعيدتين:
-ده بابا التاني وأنا أمه التانية.
ابتسمت وظهر الألم بعينيها حين تذكرت جحود أشقائها عليها وبعدهما كل البعد عن روحها. وصلت كلتاهما أسفل الدرج لتخرج عزة من المطبخ وبيدها حاملًا كريستالي ملئ بأصناف متعددة من الفواكه لتقول بسعادة بالغة:
-لارا اتصلت بيوسف وقالت له إنها خلاص قربت على البوابة، والشقي مستنيها هو وبيسان في الجنينة وعامل هوليلة.
ابتسمت لها إيثار وتحدثت:
-ما هي كلمتني من شوية، أنا هخرج استناها بره.
تحدثت فريال إلى عزة بنبرة ودودة:
-حضرتي ضيافة كويسة تستقبلوها بها يا عزة؟!
نطقت بنبرة حماسية:
-أيوه يا هانم، جهزت الترابيزة اللي في الجنينة وحطيت عليها من جميع خيرات ربنا، ربنا يوسع عليكم يا هانم.
أومأت لها لتتحدث إلى إيثار:
-أنا هاجي أستقبلها معاكِ وبعدين هسيبكم علشان تتكلموا براحتكم.
بعينين ممتنتين نطقت:
-ميرسي لذوقك يا فيريال.
نطقت بنبرة هادئة:
-ميرسي على إيه، ده بيتك يا بنتي.
خرجت بجوار فريال ليقابلها صغيرها بحماس وسعادة:
-مامي، لارا كلمتني وجاية حالًا.
بالكاد أكمل جملته لتلج سيارة لارا بعدما سمح لها حارس البوابة وبعد قليل ترجلت من السيارة ممسكة بيديها بعض الحقائب المملوءة بالهدايا للصغير الذي هرول عليها لتحتضنه بقوة بعدما ناولت ما تحمل بيديها إلى عزة. باتت تزيده من قبلاتها الشغوفة التي أثارت حنق الصغيرة التي تتطلع على صديقها وهو معلقًا بين أحضان تلك الفتاة الشقراء. نطقت وهي تتحسس شعر رأسه:
-وحشتني يا وحش يا اللي ما بتسألش على لارا.
كان يشدد من احتضانه لعنقها ليبتعد قليلًا وهو يقول بطفولة:
-مامي هي اللي مش بترضى توديني عندك، أنا قلت لها عاوز أروح عند لارا وجدو أيمن وهي اللي مش رضيت.
نطقت وهي تتحرك به صوب التي انطلقت ضحكاتها على صغيرها الذي ألقى بالتهمة على عاتقها ليبرئ حاله:
-خلاص كده أخدت براءة ومامي هي اللي هتتعاقب.
أفلتت الصغير من أحضانها لتحتضنها إيثار وهي تنطق بسعادة هائلة:
-وحشتيني قوي يا لارا.
-لو وحشتك بجد كنتِ جبتي جو وجيتي زورتينا... قالتها بنبرة لائمة لتتابع مبررة:
-مش تستني لما العروسة تسيب تجهيزاتها للفرح وتيجي علشان تشوفك.
نطقت بعينين معتذرتين:
-والله غصب عني يا لارا، أنا حكيت ظروفي واللي حصل لي مؤخرًا للباشمهندس في التليفون، وبررت له خوف فؤاد عليّ من الخروج.
-بابا وماما وكلنا مقدرين ظروفك يا قلبي، أنا بهزر معاكِ... قالتها الفتاة بملامح وجه بشوشة لتنتقل إلى فريال قائلة باحترام وهي تصافحها بلباقة:
-إزيك يا مدام فريال؟
أجابتها الأخرى بابتسامة مشرقة:
-إزيك أنتِ يا لارا، نورتينا.
التفتت الفتاة على صوت عزة المعترض وخفة ظلها:
-وأنا ما فيش إزيك يا عزة، ولا أنا كنت بايتة في حضنك وأنا ما أعرفش؟
بملاطفة نطقت وهي تستعد لاحتضانها:
-والله وحشتني طولة لسانك يا زوزة.
اتسعت عينيها لتشهق وهي تقول باعتراض مفتعل:
-طولة لساني، طب ابقي شوفي مين هيجيب لك الكريم كراميل اللي عملته مخصوص علشانك.
نطق الصغير ملطفًا الأجواء بطفولته:
-عزة عملت لك الكريم كراميل علشان أنتِ بتحبيه يا لارا.
مالت لتضع قبلة حماسية على وجنة الصغير لتنطق بملاطفة وهي تداعب وجنتيه بأناملها:
-يا قلب لارا أنتَ، خلاص أنا هصالح عزة علشان خاطر الكريم كراميل.
ضحك الجميع لتنسحب فريال إلى الداخل لتترك لهما بعض المساحة للتحدث. جلست إيثار ولارا وعزة بصحبة يوسف حيث أجلسته لارا فوق ساقيها لتضمه بأحضانها كي تشبع روحها من ذاك الذي صنع لحاله مكانًا بقلبها. نظر على تلك الصغيرة الجالسة بصحبة المربية تلهو بألعابها وعينيها مثبتتين بنظرات غاضبة على ذاك القابع بأحضان تلك الشقراء. أفلت حاله من بين أحضان لارا ليذهب صوب التي ما أن رأته يقبل عليها حتى أزاحت ببصرها للجهة الأخرى. جلس بجوارها لينطق بعفوية:
-أنتِ زعلانة مني يا بيسان؟
ربعت ذراعيها فوق صدرها لتنطق بغضب طفولي:
-آه زعلانة، ومش هلعب معاك تاني يا جو، ويلا روح عند صاحبتك اللي سبت بيسو وروحت عندها.
لوى فمه قليلًا يتعمق بملامحها الغاضبة ثم تحدث لترضيتها:
-علشان خاطري ما تزعلي.
ابتسمت لتقول له:
-طب تعالى ألعب معايا ومش تروح عندها تاني.
ابتسم بسعادة بالغة ليشاركها اللهو ويندمجا متناسيين من حولهما.
***********
داخل شقة صديقه رأفت المتواجدة بالمركز التابع لهم كان يجلس بصحبة الرجل الوسيط بينه وبين المشتري لينطق بملامح وجه جادة:
-رجالتي هتروح الأسبوع الجاي علشان تبدأ حفر في سوهاج، إحنا خلاص جهزنا كل حاجة وهنستغل انشغال الكل في الانتخابات ونبدأ من غير ما حد يحس بينا.
واستطرد بما أثار تعجب الآخر:
-بس قبل ما نبدأ ليّ طلب عند الخواجة، والطلب ده تنفيذه هيكون قصاد نسبتي.
سأله الرجل متعجبًا حديثه:
-يعني إيه، مش هتاخد نسبتك من تمن الآثار اللي هتطلع من الحفر؟!
هز رأسه بإيجاب لينطق الرجل بتردد:
-أنتَ عارف نسبتك دي ممكن تتقدر بكم؟!
نطق دون تفكير:
-عارف ومتنازل.
هتف رأفت صديقه بحدة في محاولة منه لإفاقة صديقه من غفوته:
-اعقل يا عمرو وبطل جنان، اللي أنتَ طالبه ده مستحيل.
واسترسل ناصحًا:
-وبعدين انسى بقى وفوق لنفسك واتعلم من اللي فات يا أخي، خد الفلوس وعيش بها ملك زمانك، اتجوز عيلة بنت 18 تدلعك وتنسيك اللي فات، وخلف لك منها كام عيل قبل العمر ما يعدي بيك يا صاحبي.
رمقه بنظرات كالسهام النارية ليقول بحدة:
-يا تقول كلمة عدلة يا تسمعني سكاتك يا عم رأفت.
ضيق الرجل بين عينيه ليسأله بفضول:
-هي إيه الحكاية يا عمرو، طلب إيه ده اللي خلى صاحبك اتجنن كده؟
نطق ببرود:
-عاوز رجالة الخواجة يخطفوا لي مراتي وابني ويسفروهم لي فرنسا، وأنا هخلص له مصلحته وأسلمها له بيضة مقشرة وبعدها أحصلهم.
قطب الرجل جبينه ليسأله بعدم استيعاب:
-طب ولما هما مراتك وابنك هتخطفهم ليه؟!
كاد أن يرد لولا صوت رأفت الذي صدح بحدة:
-علشان لا دي مراته ولا من حقه ياخد الواد.
واسترسل بإبانة:
-البيه مطلقها والست في عصمة راجل تاني، ومش أي راجل ده مستشار وأبوه التاني مستشار وعضو في المحكمة الدستورية، حتى الواد متنازل عن حضانته لأمه.
اتسعت أعين الرجل وهتف بحدة وغضب:
-أنتَ اتجننت يا عمرو، عاوزنا نلعب مع ناس في القضاء وإحنا شغلنا كله شمال؟!
أرجع ظهره للخلف لينطق بصرامة:
-والله ده شرطي الوحيد علشان أكمل لكم العملية بتاعتكم، غير كده اعتبروني منسحب.
تنهد الرجل ليقول بهدوء وعقلانية:
-اديني يومين أبلغ فيهم البوص وأشوف رأيه إيه.
-على أقل من مهلك... قالها عمرو تحت استشاطة رأفت من تصرفات ذاك الأبله الذي لا يتعلم من أخطائه أبدًا.
***********
بغرفة إجلال، ولج نصر إليها لتهب واقفة وتحركت صوبه وهي تهتف بحدة وعينين تطلق شررًا:
-اطلع بره ورجلك لو خطت أوضتي تاني هكون قطعاها لك يا نصر.
أشار لها بكفيه لتتوقف ثم نطق سريعًا:
-اهدي يا إجلال وخلينا نتكلم بالعقل، عيب اللي بتعمليه ده.
هتفت بغضب عارم وهي تقول:
-العيب لو اتعمل مع أهل العيب ما يبقاش عيب يا ابن البنهاوي.
نطق بخنوع وتذلل كي يستدعي هدوئها:
-أنا جاي أراضيكِ وأشوف كل طلباتك وأنفذهالك، لو على موضوع البت هطلقها وهغورها من حياتي خالص، بس استهدي بالله وخلي ابن عمك يسحب ورق ترشيحه، عيب يا بنت الناس لما تقفي مع واحد زي هارون قصاد جوزك أبو ولادك.
لوت فاهها ساخرة لتقول متهكمة:
-خلصت الكلمتين اللي جاي تبلفني بيهم ولا لسه، لو خلصتهم خد الباب في إيدك وأنتَ طالع.
كاد أن يتحدث قاطعته بعنف وشراسة:
-ولو على الرقاصة بتاعتك اللي خبيتها مني أنا هعرف أوصل لها، وما بقاش إجلال إن ما خليت الدبان الأزرق ما يعرف لها طريق.
وصل لذروته من الغضب ليصيح بحدة وسخط:
-ماشي يا إجلال، أنا هخلصها بطريقتي، بس خليكِ فاكرة إني جيت لك لحد عندك وأنتِ اللي اتمنعتِ.
قالها لينطلق غاضبًا كالإعصار تحت اشتعال روحها وغضبها العارم منه وهي تقول:
-أنتَ لسه شفت حاجة يا واطي، اصبر عليّ، إن ما خليتك تلف حوالين نفسك زي المجنون ما أبقاش أنا ستهم.
***********
ليلًا داخل بهو قصر علام زين الدين.
كان علام وزوجته وفريال وماجد يجلسون يتبادلون أطراف الحديث فيما بينهم، أما فؤاد فكان يهبط الدرج محتوي كتف حبيبته برعاية. وصلا للتجمع العائلي لينطق بنبرة هادئة:
-مساء الخير.
رد الجميع التحية لتقول هي الأخرى بعدما ألقت التحية على الجميع:
-إزيك حضرتك يا بابا؟
أجابها بابتسامة حنون:
-إزيك أنتِ يا حبيبتي وإزاي حفيدي البطل؟
ابتسمت بسعادة لتجيبه بملاطفة:
-مغلبني معاه والله يا بابا.
ساعدها فؤاد على الجلوس ثم جاورها لتبتسم عصمت قبل أن تقول بنبرة حماسية:
-استحملي التعب لحد ما حبيب نانا يشرف وبعدها أشيل عنك كل التعب، مش هخليكِ تشتكي منه أبدًا.
-إن شاء الله يا ماما... قالتها بحبور ليسألها ذاك العاشق باهتمام زائد بعدما وضع إحدى الوسائد الصغيرة خلف ظهرها:
-مرتاحة يا بابا ولا أحط لك كمان مخدة وراء ظهرك؟
تحمحمت لتجيبه بهدوء:
-كده كويس يا حبيبي تسلم إيدك.
أومأ لها ليعتدل بجلسته. ليسألها علام بنبرة أظهرت اشتياقه الجارف لمعرفة نوع جنس حفيده الغالي:
-هتعملي سونار للشقي ده إمتى يا إيثار؟
ليتابع بملاطفة:
-عايزين نتعرف عليه أكتر علشان نعمل له استقبال بالشكل اللي يليق بيه.
أجابته ببشاشة وجه وابتسامة سعيدة تأثرًا بحنين ذاك الراقي للتعرف على حفيده:
-الدكتورة قالت لي الأسبوع الجاي إن شاء الله.
نطق ذاك العاشق وهو يتطلع إليها بعينين أظهرت كم العشق الذي يكنه لها بقلبه:
-بنوتة وشبه أمها إن شاء الله.
نطقت عصمت برضا بقضاء الله ظهر بصوتها وداخل عينيها:
-كل اللي يجيئ من ربنا خير، أهم حاجة يوصل بالسلامة بصحة تامة ونفرح بنسلك يا حبيبي.
أمن الجميع على حديثها ليتطلع ماجد إلى فريال بذات مغزى بادلته إياها بنظرات يملؤها الحزن وكأنها تدعوه للتراجع فتنهد قبل أن ينطق بنبرة جادة بعدما اتخذ قراره وحسم أمره:
-أنا وفريال أخدنا قرار وحابين نبلغكم به.
تطلع الجميع إليهما ليجدوا علامات الحزن والأسى تملأ ملامح فريال بينما سأله علام مستفهمًا:
-خير يا ماجد؟!
-خير يا سيادة المستشار... قالها برزانة ليتابع موضحًا:
-إحنا قررنا نشتري شقة نعيش فيها لوحدنا.
أغمضت عصمت عينيها بألم وكأن كلماته نصل سكين حاد اخترق نصف قلبها لتندفع الدماء على إثره بشدة ولم يختلف الوضع عند فؤاد، نعم وجوده بدأ يسبب له المشاكل والحرج ولم يعد يتقبل تواجده الدائم بالمنزل ذاته مع زوجته، لكنه بالوقت ذاته يتألم بل يذرف قلبه دمًا من مجرد فكرة خروج شقيقته من المنزل التي عاشت بداخله منذ أن أتت إلى الدنيا ولم تخرج منه إلى الآن، أما إيثار فشعورها كان مختلفًا، فقد اقتحم داخلها شعورًا هائلًا بالذنب وحملت حالها نتيجة قرار ماجد بالابتعاد والخروج، فقد بات واضحًا للضرير السبب الذي دفع ماجد لاتخاذ تلك الخطوة الصعبة بعد تغير معاملة فؤاد له.
خرج صوت عصمت متألمًا وهي تسأله بقلب يذرف دمًا:
-إيه اللي خلاك تاخد الخطوة دي يا ماجد وأنتَ ليك سنين عايش معانا؟
-كده أحسن للكل يا دكتورة... قالها ليسأله علام بهدوء:
-يا ابني أنتَ عايش معانا من سنين وخلاص بقيت واحد مننا، إزاي عاوز تاخد بيسان وفؤاد من حضننا وتبعد؟
شعور ضارٍ بالذنب اقتحم قلب فؤاد، لينطق ماجد مفسرًا بطريقة تجنب بها شرط علام بداية زواجه بابنته منعًا للحرج للجميع:
-يا باشا إحنا كنا عايشين معاكم علشان الولاد يكونوا ونس ليكم، لكن ما شاء الله مدام إيثار حامل وبكرة ولاد سيادة المستشار يملأوا القصر عليكم، وإحنا مصيرنا في يوم هنمشي علشان يكون لنا حياتنا الخاصة وولادنا يتربوا في بيت أبوهم، فخليها الوقت أحسن من بعدين.
أغمض فؤاد عينيه بألم ليخرج صوته أخيرًا بنبرة يكسوها الحزن والألم:
-ما فيش داعي تخرجوا من القصر يا ماجد، أنا كنت بدور على مكان قريب من هنا وهأنقل فيه أنا ومراتي.
وقبل أن يكمل جملته صاحت عصمت بصوت أظهر مدى ذهولها وجنونها معًا:
-إيه الكلام الفارغ اللي بتقوله ده يا فؤاد، أنتَ عاوز تاخد مراتك وابنك اللي ليّ سنين بحلم بإني أربيه على إيديا وتمشي؟!
نطق علام لتهدئة حبيبته:
-اهدي يا عصمت من فضلك، ومش عاوز أي كلام في الموضوع ده من أي حد فيكم.
-لكن يا باشا... كلمة نطقها ماجد ليقاطعه علام بحدة وصرامة:
-مش عاوز أسمع صوت حد فيكم، وأنا هحل الموضوع ده بنفسي.
كانت تجاور زوجها بجسد ينتفض وقلب حزين يشعر بالأسى. تخيلت للحظة أن عصمت وعلام وأيضًا فريال ستتغير معاملتهم لها ولصغيرها عقابًا منهم على ما حدث من نجلهم. توقعت أنهم سيحملونها نتيجة ما حدث مما أصابها بتقلصات خفيفة بالرحم مع شعور بالغثيان والإعياء الشديد. لاحظ ارتجاف جسدها ليحول نظره إليها ليفزع عندما وجد وجهها شاحبًا لينطق سريعًا بهلع أصاب قلبه:
-مالك يا بابا؟
ضغطت على كفه وهي تغمض عينيها بقوة لتنطق بخفوت بعدما شعرت بدوار شديد:
-أنا تعبانة يا فؤاد، الحقني.
هلع الجميع وهرولوا باتجاهها لتصيح عصمت بنبرة مرتبكة:
-مالك يا إيثار، حاسة بإيه يا حبيبتي؟!
هتفت فريال بكلمات خرجت مرتجفة:
-اتصل بالدكتورة بتاعتها وبلغها إننا رايحين لها حالًا يا فؤاد.
لم يكن يستمع لأحد منهم كل ما كان يشغله هو حبيبته ذات الوجه الشاحب وفقط.
***********
بنفس التوقيت ببلدة مجاورة لقرية نصر البنهاوي.
كان هارون يتجول بالبلدة بصحبة رجال وشباب عائلته في جولة دعائية. وبلحظة استمع الجميع لطلقات نارية متتالية انطلقت من خلف الأشجار ليصرخ أحد الرجال بهلع بعدما رأى أحدهم ممددًا على الأرض غارقًا بدمائه بعدما أصابته رصاصة واستقرت بين عينيه ليقع صريعًا في الحال على إثرها:
-الحاج هارون اتقتل يا بلد، الحاج هارون اتقتل.