تحميل رواية «أمير قلبي» PDF
بقلم ايمان محمود
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
علي فين يا آنسة؟ تلعثمت بارتباك وهي تختطف بعض النظرات المرتبكة إليه، كان مثبتًا أنظاره نحو الأمام فهتفت بهمس: - الكورنيش لو سمحت. مد يده ليعبث بالفرامل الأمامية قبل أن ينطلق إلى حيث أرادت. كان قد أعطى كل اهتمامه للطريق، غير منتبه لتلك التي جلست في الخلف تراقبه بعينان ملتمعتان. وصل بعد دقائق، فأخرجت ورقة مالية أعطتها له بأدب لتهبط بعد ذلك. أغلقت الباب وودت لو يلتفت لها، لكنه انطلق مسرعًا ليكمل عمله المرهق. التفتت لتتقافز دموعها تلقائيًا حالما ضرب الهواء البارد صفحة وجهها. تنهدت بألم لتبدأ بالسير...
رواية أمير قلبي الفصل الأول 1 - بقلم ايمان محمود
علي فين يا آنسة؟
تلعثمت بارتباك وهي تختطف بعض النظرات المرتبكة إليه، كان مثبتًا أنظاره نحو الأمام فهتفت بهمس:
- الكورنيش لو سمحت.
مد يده ليعبث بالفرامل الأمامية قبل أن ينطلق إلى حيث أرادت. كان قد أعطى كل اهتمامه للطريق، غير منتبه لتلك التي جلست في الخلف تراقبه بعينان ملتمعتان. وصل بعد دقائق، فأخرجت ورقة مالية أعطتها له بأدب لتهبط بعد ذلك. أغلقت الباب وودت لو يلتفت لها، لكنه انطلق مسرعًا ليكمل عمله المرهق. التفتت لتتقافز دموعها تلقائيًا حالما ضرب الهواء البارد صفحة وجهها. تنهدت بألم لتبدأ بالسير بلا هدي. لما كُتب على قلبها العذاب في حبه؟
زفرت بقوة لتخرج هاتفها وتبدأ بمراسلة إحدى رفيقاتها كي تأتيها حيث هي، علّها تخفف عنها ولو قليلاً.
***
زفر بضيق وهو يراقب تحركات زوجته العصبية. ابتلع طعامه ليتساءل بترقب:
- مالك يا جليلة؟
وكأنها كانت تنتظر كلماته لتنفجر، صرخت بعصبية في وجهه:
- بتك يا مسعد، بتك اللي ما عدتش عارفة أمشي كلامي عليها. سابتني ونزلت عشان قلتلها على العريس اللي جاي الليلة.
زفر بضيق ليتحدث:
- ما تسيبيها على راحتها يا جليلة.
- أسيبها على راحتها؟ وأنا جالي من ورا دلعك ليها غير الخيبة؟ أشي بناطيل ضيقة وأشي زفت مكياج بتخرج بيه ومياعة وقلة حياء. عايزها تعمل إيه أكتر من كده عشان تعرف إن دلعك ده بوظها؟
صمت غير قادر على جدال زوجته، يعلم أنها محقة، فتدليله لابنته "هاجر" لم يأتِ إلا بنتيجة عكسية بعدما ظنت هي أن دلالها هذا يعني أنها بإمكانها التصرف كما يحلو لها دون الاهتمام بعواقب ذلك. أخفض أنظاره أرضًا، فاقتربت منه زوجته لتهتف بهدوء:
- يا مسعد عشان خاطري، اضغط عليها المرة دي. الواد اتقدملها ييجي أربع مرات وهي بترفضه وهو ما يعيبوش حاجة الصراحة، يعني دكتور وفاتح عيادة، ده هيّنيها. عشان خاطري المرة دي بس.
أومأ بصمت لتهتف هي بحذر:
- حقك عليا لو اتعصبت، أنا بس مش عاجبني حالها.
ارتسمت ابتسامة شاحبة على شفتيه هتف من بعدها:
- هبقى أتكلم معاها لما تيجي، قومي إنتي بس حضري الغدا ولا شوفي هتعملي إيه وسيبي موضوع العريس ده عليا.
ربتت على ظهره لتقف متوجهة نحو المطبخ لتغمس نفسها داخل تلك الأعمال المنزلية التي لا تنتهي، تاركة إياه يفكر في ابنته وما سيفعله معها. أيعقل أن تدليله المفرط هو السبب في كل هذا؟
***
في المساء...
دلف "عمرو" إلى شقته المتوسطة الحال ليُلقي بمفاتيح سيارة الأجرة الخاصة به على أقرب أريكة واجهته. ارتمى بنفسه على الأريكة المقابلة بعد ذلك ليتنهد بقوة. عضلات جسده متيبسة وكأنه كان يركض طوال اليوم، ليس وكأنه لا يفعل سوى أن يوصل الناس عن طريق سيارته. اعتدل ليفرغ ما بجيوبه ليهمس برضا وهو يضع تلك الأوراق المالية أمامه:
- الحمد لله، اللهم لك الحمد.
عدّ محصلة ما جمعه ليأخذ منهم مبلغًا معينًا، استقام وتوجه إلى غرفته ليدسه بين ثنايا ملابسه. انتهى من تخبئته جيدًا ليتوجه بعد ذلك إلى الحمام ليغتسل ويؤدي فروضه.
انتهى بعد فترة ليلقي بجسده على سريره المتهالك بإرهاق. ابتسم بخفة وهو يتذكر حديث أخته التي ذهب لزيارتها صباحًا.
- ما تتجوز بقى وتجيب لك واحدة تونسك، أهي تحضر لك الأكل يا أخي بدل ما أنا متأكدة إنك بتروح تصلي وتنام من غير عشا.
كانت صادقة، فهو يكتفي بما يأكله خارجًا فلا يفكر في تحضير العشاء لنفسه حتى. رفع ساعده وأسنده على جبهته ليغمض عينيه وقد أخذ لسانه ينطق بما اعتاد عليه وقت النوم:
- سبحان الله وبحمده.
كررها كثيرًا حتى سقط نائمًا بعد يوم طويل من عمله المرهق للذهن والبدن!
***
في منزل "مسعد"..
ارتفع صوت "هاجر" بعصبية والتي حاولت رفض هذا العريس المتقدم لها رغما عن إلحاح والدها الغريب:
- أنا مش عايزاه، إيه؟ هتجوزوني غصب عني؟
- طب قولي لي مش عايزاه ليه؟ الراجل كويس وشاريِك واتقدم لك ييجي أربع مرات غير دي، مش عايزاه ليه؟
ارتفع صوت والدها بعصبية، فالتمعت عيناها بالدموع. كيف تخبره بأن قلبها معلق بقاسي لا يهتم لها؟ قاسي أوصلها صباحًا ليتركها مسرعًا بسيارته دون أن يعير دموعها اهتمامًا! فقط لما هو دونًا عن جميع الرجال وقع له قلبها؟ لما؟
اختنق صوتها بعبراتها فلم تستطع الحديث وأجهشت باكية. تنهد "مسعد" بقوة قبل أن يقترب منها ليضمها بهدوء. هي ابنته الوحيدة لذلك لا يحب أن يقسو عليها، وبكاؤها جعله يشعر أنه أذنب للحظات عندما حاول إرغامها على الزواج بمن ترفضه.
هدأت بعد فترة لتتركه وتتوجه إلى غرفتها، تاركة إياه في حيرة من أمر ابنته التي لا يعلم لماذا تغلق على قلبيها أبوابه وكأنها اكتفت بنفسها دون الحاجة لرجل في حياتها. أما في الداخل، فقد ارتمت "هاجر" على الفراش لتعاود البكاء من جديد. ضربت فوق صدرها لتهتف بألم:
- كفاية بقى ارحمني، هو مش بيحبني كفاية.
رفعت يدها إلى وجهها لتغطيه بألم. تعشقه بحق لكن اللعين لا يراها من الأساس! انهارت نائمة بعد وصلة طويلة من البكاء الذي رثى حبيبًا لم يراف بقلبها يومًا.
***
بعد يومان..
انتهت "هاجر" من تعديل ملابسها لتزفر ببطء وهي تتأمل وجهها بهدوء. كانت ذات ملامح هادئة أشعلتها هي بتلك المساحيق التجميلية التي غطت بها معظم وجهها. عدلت من وضع حجابها وشمرت أكمامها قليلاً كما المعتاد لتتوجه بعد ذلك إلى الخارج. التقطتها عيون والدتها فنادت بحدة:
- رايحة فين يا بت؟
- نازلة أشتري حاجات من المكتبة يا ماما.
كادت "جليلة" تمنعها لكنها لم تعطِ لها الفرصة بل تركتها سريعًا وهبطت إلى الأسفل بعدما ألقت عليها سلامًا سريعًا.
***
جلس "عمرو" بداخل سيارته يراقب حركة السيارات من حوله بهدوء. كان قد أضاء ذاك الراديو الصغير بالسيارة على إذاعة القرآن الكريم لتعلو شفتاه ابتسامة هادئة وهو يستمع إلى تلاوة أحد الشيوخ الخاشعة. لم ينتبه إلى اقتراب "هاجر" من السيارة سوى عندما صفع الباب من خلفها بقوة. التفت لها ليشيح بأنظاره بعيدًا عنها حالما تعرف عليها. أشعل محرك السيارة وهتف بروتينية:
- على فين يا آنسة؟
تأففت بضيق سمعه. هو يصر على تجاهلها وهذا يشعلها بحق. نطقت بحنق:
- وديني عند مكتبة النور.
اندهش لطلبها، فتلك المكتبة لا تبعد كثيرًا عن هنا، إنها فقط على بعد ثلاث شوارع من مدخل حارتهم. لم يكن ليعترض أو ليناقشها في هذا فامتثل لطلبها وتوجه بها إلى حيث تريد. هبطت حالما وصلت لتهتف برجاء وهي تستند على النافذة لتنظر له:
- استناني هنا دقيقتين بس مش هتأخر.
- طيب.
تركته ودلفت إلى المكتبة لتجلب ما أرادته لتخرج إليه بعد ذلك. استقلت المقعد الخلفي من جديد ليتوجه بها نحو مدخل حارتهم مجددًا. كانت قد رفعت إحدى الروايات التي جلبتها لتصطنع تصفحها في حين أنها بقيت تختلس النظرات إليه بابتسامة. ذقنه الحليقة التي نمت قليلاً أخيرًا أعطته جاذبية رائعة. انتبهت لكونه قد أوقف السيارة فتركت الكتاب بتلعثم لتخرج له أجرته. أعطته بعض الأوراق النقدية وهبطت ليزفر هو بحدة!
***
- بقولك ابعد إيدك عني، إنت مجنون؟
صرخت "هاجر" بحدة وهي تدفع ذلك الشاب بعيدًا بعدما جذبها من معصمها فجأة إلى إحدى الشوارع الجانبية. ترك يدها ليهتف بعصبية:
رواية أمير قلبي الفصل الثاني 2 - بقلم ايمان محمود
صرخت "هاجر" بحدة وهي تدفع ذلك الشاب بعيدا بعدما جذبها من معصمها فجأة إلى أحد الشوارع الجانبية.
ترك يدها ليهتف بعصبية:
- آه مجنون، بقي انتي ترفضيني خمس مرات؟ شايفة نفسك على إيه؟
دفعته بعيدًا لتهتف برأس مرفوعة:
- ومش أشوف نفسي ليه! وبعدين أنت مش اترفضت يا جدع أنت؟ عايز إيه بقى؟
تطاير الشرر من عينيه ليندفع نحوها يكبلها بيدها وهو يهمس بعنف أخافها:
- عايزك!
ابتسم "عمرو" بصفاء لتلك العجوز التي ربتت على كتفه بحنو بعدما ساعدها بالهبوط من سيارته.
أغلق الباب من خلفها وكاد يلتفت ليستقل السيارة من جديد لكن قاطعه نداء أحد الأطفال:
- عم عمرو.
التفت فابتسم بتلقائية وهو يري "سمير" يقترب منه وهو يمسك بيده ورقة كبيرة.
انحنى لمستواه ليهتف بحنو:
- عامل إيه يا بطلي؟
دفع "سمير" بالورقة إليه ليهتف بحماس اشتعل بعينيه:
- الحمد لله قوي، بص.. أنا صليت كل الصلوات في المسجد زي ما اتفقنا ما عدا يوم الأربع اللي فات بس عشان كنت تعبان، بس صليتهم في البيت، فين جايزتي بقى؟
فحص تلك العلامات التي هو واثق أن والداه هما من وضعاها له ليبتسم بفخر.
مد يده إلى جيبه ليخرج بعض الجنيهات ليضعها في قبضة يد الصغير.
هتف وهو يملس على شعره:
- خد دول اشتري بيهم دلوقتي ولك عليا وأنا راجع بالليل هجبلك لعبة حلوة، اتفقنا؟
- اتفقنا.
احتضنه الصغير وذهب بعدما ودعه ليبتسم "عمرو" وهو ينظر إلى تلك الورقة التي تركها الصغير له.
لطالما تحدث والد "سمير" أمامه عن معاناته في جعل ابنه الذي تخطى التسع سنوات بقليل يحافظ على صلاته، فما كان منه إلا أنه اقترح على الصغير في إحدى جلساتهما بأن يصنع جدولاً صغيراً يرويه إياه كل أسبوع مع وعد بإعطائه هدية إذا حافظ على الصلاة طوال ذلك الأسبوع.
استقل السيارة وبدأ بالتجول في الشوارع وهو يدندن ببعض الأناشيد التي يحفظها عن ظهر قلب.
استوقفه رجل كبير ليطلب منه العودة به إلى (الحارة).
لم يرفض طلبه وانطلق إلى حيث يريد الرجل.
هبط الرجل بمساعدة "عمرو" وما إن ذهب حتى عقد "عمرو" حاجباه وهو يرى تجمهر الناس الغريب هذا.
اقترب ليسأل أحد الشباب:
- هو في إيه؟
- بيقولوا قفشوا البت هاجر مع واحد هنا.
- هاجر مين؟
سأل بعفوية فما كان من الشاب إلا أن ابتسم بحالمية ليهتف بتمني:
- هاجر مسعد، بسبوسة الحارة، حاجة كدا، صاروخ.
زفر "عمرو" مستغفراً ليهتف بشيء من الحدة:
- حرام كدا، أنت ترضى حد يقول على اختك كدا؟
أشاح الشاب بيده ليهتف بلا اهتمام:
- ما يقولوا اللي يقولوه، حاسب أنت بس يا شيخنا لما أشوف الوتكة دي عملت إيه.
تركه واندفع إلى داخل الزحام ليقلب "عمرو" كفيه بحسرة، متى أصبح الشباب عديمي النخوة هكذا؟
ترك الزحام وتوجه إلى سيارته ليعود إلى عمله وقد رأى أن وقوفه لا فائدة منه.
لطمت "جليلة" على صدرها بحسرة لتهتف بنواح:
- يا ميلة بختك يا جليلة، يا فضيحتك السودا يا جليلة، يا فضيحتك السودة يا جليلة يا فضيحة!
تعالت شهقات "هاجر" التي وقفت تلملم ثيابها عاجزة عن الرد أمام صراخ والدتها.
جذبتها "جليلة" من عضديها بعنف لتصرخ بوجهها:
- منك لله، منك لله فضحتينى.
- والله ما عملت حاجة، هو اللي شدني وحاول..
- اخرسي.
صرخت "جليلة" لتدوي بعد ذلك صفعة قوية ارتدت على إثرها "هاجر" بقوة ليزداد بكاؤها.
لقد حاول ذاك اللعين التحرش بها فما كان منها إلا أن صرخت للاستنجاد بأي شخص.
وفي ثوانٍ تجمهر الجميع لتتفاجأ به يبعدها عنه ليقلب كل شيء ضدها وهو يدعي أنها هي من كانت تسعى ورائه لا العكس، وأنها عندما وجدت أنه لا يستجيب لها مثلت أمامهم بأنه يحاول التحرش بها.
لقد وقعت في فخه المحكم وبكل سذاجة حتى أنها لم تستطع الدفاع عن نفسها أمام الجميع بسبب سباب النساء المستنكرة لما فعلته.
حاولت الحديث من جديد لكن والدتها جذبتها من شعرها لتنهال عليها ضرباً بإحدى (المقشات) وهي فقط تردد بصوت عالٍ:
- جبتيلنا الفضيحة ربنا ياخدك...
ضمت "هاجر" نفسها بقوة وهي تحاول التحكم في شهقاتها العالية.
لقد أنقذها والدها من يدي والدتها ليطلب منها البقاء في غرفتها.
آلمها انكسار والدها بحق لكنها.. ليست مخطئة!
انفتح الباب فتوجهت أنظارها إليه بلهفة.
نظرت لوالدها الذي أطل منه لتستقيم مرتمية أمام قدميه.
بكت بشدة وهي تهتف:
- والله ما عملت حاجة يا بابا، والله العظيم كداب، صدقني هو عمل كدا عشان يخليني أوافق عليه، والله ما عملت حاجة، هو اللي شدني من الأول.
رفعها ليهتف بهدوء وهو يربت على كتفها:
- أنا عارفك، وعارف إنك متعمليهاش، اهدي.
رتمت بين يديه لتهتف بقلب مكلوم:
- ماما مش مصدقاني.
ربت على ظهرها ليتنهد بقوة:
- اللي اتقال مش قليل يا هاجر، اقعدي أنتِ بس هنا ومتطلعيش لها.
أبعدها عنه ليخرج لتنهار هي أرضاً وقلبها يتمزق على حالها الذي تدمر فجأة بسبب لعين أراد فقط أن يحظى بها رغماً عن أنفها.
- شوفت اللي حصل يا عمرو؟
ابتلع "عمرو" طعامه بحذر ليهتف بخفوت:
- حصل إيه يا سناء؟
- البت هاجر بت عمك مسعد.
قلب عينيه بملل، يبدو أن الجميع لن يتوقف عن الحديث عن تلك الفتاة.
هز رأسه بحسرة ليهتف بغيظ:
- إيه مناقصش غير أنتي اللي تجيبي في سيرتها يا سناء ولا إيه؟ حرام عليكي، أنتِ متعرفيش اللي حصل بالظبط والناس مش كل كلامها صح و..
- يابني اهدي.. أنا مكنتش هتكلم على اللي حصل.
- أومال؟
فركت كفيها ببعضهما بتوتر قبل أن تستجمع شجاعتها لتهتف فجأة:
- أنا.. عايزاك تتجوزها!
رواية أمير قلبي الفصل الثالث 3 - بقلم ايمان محمود
تنهد "عمرو" بقوة، يحاول تصفية ذهنه كي يفكر جيدًا في حديث أخته، لكنه لا يستطيع. لقد فاجأته بطلبها منه أن يتزوج "هاجر"، تلك الفتاة التي أصبحت حديث (الحارة) بين ليلة وضحاها. فلم يستطع الاعتراض على حديثها.
أغمض عينيه بإرهاق قبل أن يهب واقفًا، متذكرًا:
"نسيت أعدي على الحاج خيري."
يهتف وهو يلملم مفاتيحه ليخرج مسرعًا، متوجهًا إلى الشقة الواقعة أسفل شقته. طرق الباب لينتظر دقائق. فتحت من بعدهم شابة قصيرة نسبيًا لتهتف بلهفة لم تسيطر عليها:
"ازيك يا أسطا عمرو؟"
أخفض بصره متحاشيًا النظر إليها ليهتف بهدوء:
"ممكن تندهيلي الحاج خيري؟"
"من عيونه."
تهتف وتندفع إلى الداخل تنادي أباها، في حين أعطى هو ظهره للباب ليتنهد بقوة. انتبه على ربّتة خفيفة على كتفه ليلتفت بابتسامة إلى الحاج "خيري" الذي وقف حاملاً بين يديه مظروفًا مغلقًا. هتف "عمرو" سريعًا باعتذار:
"معلش يا حاج خيري جيت متأخر، بس لسه راجع من شوية ونسيت أعدي عليك وأنا طالع."
"ولا يهمك يا ابني، ادي فلوس الجمعية كدا الجمعية دي خلصت، بس إن شاء الله هبدأ واحدة جديدة من الشهر الجاي، هتدخل فيها ولا؟"
"لما تيجي تبدأها بس قولي هتبقى بكام وهاخدها الدور الكام، وإن شاء الله اللي ربنا رايده هيكون."
ربّت "خيري" على كتفه باعتزاز ليتحدث بفخر:
"تمام يا بني، هبقى أبلغك إن شاء الله."
"طب السلام عليكم، روح ارتاح بقى ومعلش لو قلقتلك تاني."
"ولا يهمك يا عمرو."
تركه "عمرو" وصعد إلى شقته ليتوجه إلى خزانته. أخرج ذاك الصندوق الصغير الذي يدسه بين ثنايا ملابسه ليتوجه به نحو الفراش. أفرغ محتويات المظروف ليبدأ بعدهم بابتسامة ولسانه لا يتوقف عن حمد الله قبل أن يضعهم بداخله ليغلقه عليهم. وضعه في مكانه من جديد ليخلع قميصه ملقيًا إياه في خزانته دون اكتراث. ألقى بجسده على الفراش أخيرًا ليتنهد وقد أخذ حديث أخته يتردد صداه في أذنيه:
"يا عمرو أنا عارفة هاجر من وهي عيلة وأنا عارفة إنها لا يمكن تعمل كدا، هي ممكن تكون دبش شوية وأه لبسها عايز يتظبط بس صدقني هي غلبانة وطيبة."
زفر بقوة. أخته تريد منه أن يتزوج ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل أرادت منه تزوج تلك الفتاة التي وصفها أحد الشباب صباح اليوم أمامه بـ (الصاروخ). كيف له أن يتقبل هذا؟!
"بنتك جايلها عريس."
تتف "جليلة" بجمود ليوفر "مسعد" بضيق. يعلم أن زوجته لا تسعى سوى لإخفاء (فضيحة) ابنتها، لكنه لا يعجبه الأمر برمته. نظر لها ليهتف بضيق:
"انتي مش هتسكتي بقى وتقفلي الموضوع ده؟"
اشتعلت عيناها بغضب جحيمي لتصرخ فجأة:
"أسكت؟ أسكت بعد ما بت الـ... جابتلنا الفضيحة؟"
قلب كفيه بحسرة قبل أن يهتف محاولًا إنهاء هذا الجدال العقيم:
"مين العريس؟"
هدأت لتهتف بهدوء:
"أخو البت سناء، هي جاتلي النهاردة وهي اللي قالتلي إن أخوها عايز يتقدم و..."
أوقفها متسائلًا بتردد:
"انتي قصدك الأسطا عمرو؟"
"أه."
اتسعت عيناه بذهول ليهتف بحدّة:
"انتي اتجننتي يا جليلة؟ عايزة تجوزي بتك لسواق تاكسي؟"
"عشان هي متربتش، جالها الدكتور والمهندس وموافقتش وراحت فضحتنا في الآخر، اديها هتاخد اللي تستحقه، وبعدين ماله عمرو؟ هو مش دا عمرو اللي كنت بتتباهي بيه وبتربيته وبتقول ياريتني كنت جبت ولد وطلع زيه!"
هز رأسه بجنون:
"أيوا أتباهي بيه بس مش أديله بتي يمرمطها معاه، دا سواق تاكسي يا جليلة، يعني عايش باليومية."
"أنا اديتهم معاد، خش قول لبتك، أنا سبتهالك تربيها وأديك بوظتها وأهي مرمطتها اللي مش عاجباك ولا عايز ترميها فيها دي هي اللي هتعدلها."
أنهت حديثها وتركته متوجهة إلى غرفتهم ليقلب هو كفيه بحسرة على قلب زوجته القاسي. يعلم أن تصرفاتها نابعة من الخوف على مستقبل ابنتها وسمعتها، لكن حتى وإن كان كذلك لا يمكنها التفكير هكذا، لا يمكنها أبدًا!
زفر وقد شعر بأن الهموم أثقلت كتفيه قبل أن يستقيم ليتوجه إلى غرفة ابنته، لعل حديث زوجته هو الصواب، لعل هذه الزيجة هي التي ستصلح حالها، فقط ليرى رأيها وإن رفضت فلن يضغط عليها!
اعتدلت "هاجر" بصعوبة لتنهمر دموعها وهي ترى والدها يقترب منها. ارتمت بين أحضانه لتنفجر باكية ليربت هو على ظهرها بحنو. يزعجه بكاؤها بحق. أبعدها بعد فترة ليزيل دموعها بكفيه. هتف بهدوء بعد ذلك وهو يتفحص ملامحها بحنان:
"أنا عارف إنك معملتيش حاجة بس هو لعبها صح ابن الـ... فكر إنه لما يعمل كدا ويطلع يقولي هتجوزها وأستر عليها هوافق عليه بس اديني رفضته ومطالكيش."
"ماما زعلانة مني أوي و..."
"أمك جايبالك عريس يا هاجر، هو شاب كويس ومحترم."
زادت وتيرة بكائها الحاد ليكمل هو:
"اقعدي معاه بس ولو معجبكيش..."
"مش عايزة."
قاطعته ببكاء لتصمت مذهولة حالما هتف والدها:
"ليه يا بنتي، دا حتى عمرو هيشيلك في عينه."
"عمرو مين؟"
تساءلت بحذر فهتف والدها بتردد:
"الأسطا عمرو، ابن عمك فوزي الله يرحمه."
زادت خفقات قلبها لا إراديًا. هل ما تتمناه يحدث بالفعل؟ هل تقدم لها فارس أحلامها؟
نظرت لوالدها تبحث بين طيات كلامه عن مزحة أو خدعة ما لتتفاجأ به يتحدث بحزم:
"أنا هبلغه إنك مش موافقة و..."
قاطعته بصراخ:
"لا أنا موافقة."
رمقها بذهول لتتحدث بسرعة محاولة تبرير لهفتها:
"ماما هتزعل لو موافقتش و... والناس هتتكلم و..."
لم تستطع تجميع مبرر مقنع لكنه ربّت على وجنتها بهدوء ليتحدث بابتسامة:
"اهدي انتي وصلي استخارة شوفي هترتاحي ولا لا واللي فيه الخير يقدمه ربنا."
هزت رأسها بصمت ليتركها "مسعد" ويخرج وهو لا يزال على نفس حالة الذهول التي وضعته فيها ابنته بموافقتها السريعة تلك.
وعلى صعيد آخر ارتمت "هاجر" على الفراش لتبتسم ببلاهة. هل حقًا ستتزوجه؟ تنهدت بقوة قبل أن تهمس بابتسامة مشرقة وكأن همومها قد مُحت واختفت فجأة:
"موافقة أوي.. أوي."
رواية أمير قلبي الفصل الرابع 4 - بقلم ايمان محمود
ضمت "هاجر" شفتيها لتصبغهما جيدًا بأحمر الشفاه ذا اللون الفاقع، قبل أن تبتسم بحالمية. (قرة عينها) يجلس في الخارج مع والدها وهي عليها الخروج قريبًا. انتهت من تعديل حجابها الذي أظهر مقدمة شعرها لتخرج بعدما طرقت والدتها الباب. رمقتها "جليلة" بأسى لتتجاهلها "هاجر" فهي لا تريد تعكير مزاجها الرائق. أخذت صينية المشروبات وتوجهت إلى الصالون لتقدمها لهم. انتهت وجلست إلى جانب والدها وما هي إلا دقائق حتى تركهما والدها وحدهما. اختلست النظر إليه ليتحمحم بقوة. رفع أنظاره إليها ليتجمد. ما هذه اللعنة؟!
صك أسنانه بعنف ليهتف بهدوء محاولًا التحكم في نفسه كي يمرر تلك الزيارة:
- عندك أي سؤال يا أخت هاجر؟
لوت ثغرها بحنق. عن أي أخت ينادي؟!
نفت برأسها لتتحدث بصوت مرقق:
- لا معنديش يا باشمهندس.
قلب عينيه بضيق وهو يرمق هيئتها بحنق. أهذه ما ستكون عليه زوجته؟ بحجابها الذي لا يمثل حجابًا بالنسبة له؟ بملابسها الغريبة تلك والتي لا يدري كيف أدخلت نفسها بداخلها حتى؟!
اللعنة على اختيارات أخته!
أراد الهرب لكنها أوقفته بحديثها:
- هي أبلة سناء عاملة إيه؟
- كويسة.
أجاب باقتضاب فعضت هي شفتاها بخجل. لا تدري ماذا عليها أن تفعل خاصة عندما لاحظت ضيقه الغريب هذا. أيجدر بها التقرب منه؟!
هزت رأسها بعنف لتنفي عن بالها تلك الفكرة تمامًا. راقبته يتململ بضيق وكادت تتحدث ليوقفها دخول والدها الذي اندفع يحدث "عمرو" بود.
~♥~•~♥~•~♥~•~♥~
جلس "عمرو" أمام أخته التي التمع الفضول بعينيها ليهتف بعد فترة:
- مش موافق عليها.
عقدت حاجبيها لتتساءل:
- ودا ليه بقى إن شاء الله؟
رمقها بضيق ليهتف باستنكار:
- ليه؟ أنتي مشوفتيهاش ولا إيه يا سناء؟ دي كانت مبهدلة وشها ميكب ولبسها ضيق وطرحتها مطلع منها نص شعرها. بقى أنتي راضيالي أتجوز واحدة زي دي؟ واحدة وقفت جنب شاب عشان أسأله ملمومين على إيه قالي دي هاجر الصاروخ؟ أنتي هتهزري!
زفرت برقة. تعلم أنه محق فهي تعلم طباع أخيها جيدًا. لكنها هتفت محاولة ترقيق رأسه:
- يا عمرو عشان خاطري. صدقني هي طيبة وعايزة اللي ياخد بإيدها و...
قاطعها سريعًا:
- ماتقوليليش ياخد بإيدها بس. ماهو أبوها كان إمام مسجد أهو ووالدتها كلها أخلاق يعني فلما تطلع واحدة زي دي من بيت زي دا يبقى العيب فيها هي.
تنهدت بحدة قبل أن تستقيم لتهتف بحزم:
- بقولك إيه يابن فوزي. أنا مش عشان مابعرفش أقاوح معاك في الكلام هتمشي اللي في دماغك عليا. أعمل حسابك إنك موافق عليها سواء برضاك أو بالغصب عنك.
- أنتي شايفاني واحدة هتعرفي تغصبيها ع الجواز ولا إيه؟
هتف بسخرية فأكملت بقوة:
- لا شايفاك أخويا الصغير اللي مش عارف مصلحته. أنا سبق وجبتلك المنقبة وأنت...
قاطعها بضيق:
- اسمها منتقبة يا سناء. منقبة يعني مخرومة يا ماما أفهمي بقى.
- شوف هيسيب الموضوع الرئيسي ويمسكلي في منقبة.
- مش بوعيكي؟
هتف بضجر فأكملت بعصبية:
- وماله. بس برضه هتتجوزها. أنت مش هتفضل قاعدلي كدا ويانا يا أنت يا بن فوزي.
دفعته بغيظ قبل أن تترك المنزل وتتوجه نحو منزلها الواقع في الشارع المقابل تاركة إياه يزفر بضيق. دلفت إلى المنزل لتجد أن زوجها جالس يداعب أطفالهما بحنو. رمقتهم بابتسامة لتتركهم بعد ذلك وتتوجه إلى غرفتها بضيق. لحق بها "عماد" زوجها ليهتف بتساؤل حذر وهو يغلق باب الغرفة من خلفه:
- عمل إيه؟
- رافضها خالص.
زفر "عماد" هو الآخر قبل أن يهتف بهدوء:
- حقه. أنا نفسي أفهم إشمعنى هاجر؟ مع أنك عارفة إنها مش ستايل أخوكي خالص.
جلست على الفراش بتعب لتهتف بقلب منهك:
- يا عماد عمرو مش عارف هو عايز إيه أصلًا. هو شايف إنه هيظلم أي واحدة هيتجوزها أكمنه سواق يعني وكدا. فعشان كدا رافض الجواز نهائي. دا أخويا وأنا فاهمة دماغه كويس. وبعدين أنا مش هطمن عليه غير مع هاجر. هي آه لبسها مضايقني أنا شخصيًا بس أنا فاهمة دماغها وفاهمة هي عاملة في نفسها كدا ليه.
التمعت عيناه بالفضول ليهتف:
- ليه ها؟
تنهدت بقوة وهي تزيح حجابها عن رأسها لتهتف:
- عشان تلفت نظر البعيد. عشان بتحبه!
~♥~•~♥~•~♥~•~♥~
أمسكت "هاجر" بهاتفها لتراقب تلك الصور الخاصة به بهيام. لا زالت لا تصدق أنه كان لديهم منذ قليل يطلب يدها من والدها. السعادة تغمر قلبها إلى آخره. قربت الهاتف منها لتتلمس صورته بحب هاتفة باشتياق:
- بحبك أوي يا نن عيوني.
تنهدت بقوة وهي تدقق النظر إلى ملامحه. كان رفيع البنية فارع الطول. ذا ملامح حادة لكنها جذابة. تلونت عيناه باللون الأسود فزادته وسامة.
اعتدلت بارتباك وألقت الهاتف بعيدًا حالما دلفت والدتها فجأة لتهتف بتلعثم:
- في.. إيه يا ماما؟!
رمقتها "جليلة" بشك لتهتف وهي تشير إلى هاتفها:
- كنتي بتعملي إيه على المحروق دا؟!
- كنت..
كنت بقرا رواية يا ماما بس اتفجعت عشان دخلتي فجأة وكنت مندمجة بس.
ضيقت جليلة عيناها بضيق قبل أن تهتف:
ماشي يا هاجر، اتفضلي قومي صلي العشا لو مصلتيهاش وتعالي عشان تساعديني.
اساعدك في إيه؟
هغسل سجادة أوضتنا عشان وقع عليها شاي، انجزي.
تأففت بحنق قبل أن تستقيم هاتفة بضيق:
طيب.
توجهت جليلة إلى الخارج لتهتف بصوت مرتفع وصل إليها:
صلي الأول.
همهمت ببعض الكلمات غير المفهومة قبل أن تتوجه إلى المرحاض لتتوضأ لأداء الصلاة التي أخرتها قليلًا وانشغلت عنها بتفحص صور سارق قلبها!
~♡•~♡•~♡•~♡~
بعد يومين.
توقف عمرو بسيارته إلى سيدتين أشارتا له فانتظر بابتسامة حتى صعدا إلى السيارة ومن ثم انطلق إلى وجهته، مرت دقائق صمتن فيها حتى توقف هو عند منعطف الطريق فهتفت إحداهن بسرعة:
يا اختي البت نيرة مش راضية بأي عريس من اللي بيتقدمولها.
لوت سماح شفتيها باستنكار قبل أن تهتف بحنق:
والنبي انتي بنتك دي هي اللي بتدلع، دي لو كانت بنتي كنت غصبتها على أي واحد طالما كويس.
صمتت الأخرى لثوانٍ تقلب كلامها برأسها قبل أن تتحدث بانتباه من جديد:
شوفتي اللي حصل من يومين يا سماح؟
قصدك على البت هاجر؟
أومأت فاطمة سريعًا فهتفت سماح بتشفٍ:
يا اختي تستاهل، أهي طول عمرها عايشة وحاطة مناخيرها فوق خليها تفوق بقى.
بس برضه، هي الواحدة حيلتها إيه غير سمعتها يا سماح؟
مصمصت سماح شفتيها بغيظ قبل أن تتحدث بسخرية:
وأهي ضيعتها وكلها يومين ولا تلاتة وتلاقيها هتتجوز أي واحد والسلام.
توقف عمرو من جديد وقد كان قد وصل إلى وجهتهما فهبطتا بعدما حاسبته إحداهن.
التقط عدة أنفاس قبل أن يطبق جفناه بغيظ، فأي فتاة يريد هو أن يتزوجها وألسنة النساء لا تتوقف عن ذمّها؟!
~♡•~♡•~♡•~♡~
صفعت الباب من خلفها بقوة لتتحدث بعصبية:
شارع كذا لو سمحت.
بدأ بالقيادة إلى حيث أرادت بعدما اختلس نظرة سريعة إليها ليتفاجأ بكونها تبكي، استغفر سريعًا وانتبه إلى الطريق من جديد محاولًا الانتباه إلى مسار السيارات، وصل بعد دقائق إلى حيث أرادت هي فأوقف السيارة، انتظر هبوطها لكنها اكتفت فدفنت وجهها بين كفيها بعدما تعالت شهقاتها الباكية.
تحمحم بخفوت ليهتف:
وصلنا يا أستاذة.
وفجأة انفجرت في البكاء ليتنحنح بإحراج، مرر أصابعه بين خصلات شعره ليتنهد بقوة محاولًا التحكم في أعصابه، انتبه إلى رنين هاتفه فوجد أنها أخته، رد سريعًا ليجيبها ببعض الكلمات المقتضبة، ارتفع صوت نواح هاجر فتأفف بضيق قبل أن يلتفت لها ليناولها الهاتف متحدثًا بهدوء:
خدي كلمي وبطلي عياط.
أزالت دموعها وتناولت هاتفه لترد بصوت مرتجف:
مين؟
أتاها صوت سناء القلق عليها وعلى الفور انفجرت باكية من جديد لتهتف بتحشرج:
شتمتني يا سناء، وقالت عليا متربتش وبتاعة رجالة، ومسكوني هزقوني، أنا معملتش حاجة والله.
زاد بكائها فهبط من السيارة ليغلق الباب من خلفه بهدوء تاركًا إياها تتحدث لأخته لبعض الوقت حتى تهدأ.
~♡•~♡•~♡•~♡~
بعد أربعة أيام.
مسح عمرو وجهه بحنق ليهتف محاولًا إبعاد أخته التي أخذت تعبث برابطة عنقه بطريقة أزعجته:
يا سناء خلاص أنا هعملها لنفسي.
اثبت بقى.
تأفف بقوة قبل أن يتحدث لاعنًا نفسه:
أنا مش عارف إيه اللي خلاني أطاوعك وأتصل على الراجل أسأله عن رأيه أصلًا، أنا مش فاهم أنا هتجوزها إزاي دي.
وكزته لتهتف بحدة:
اتلم ها، ومتتكلمش عنها كدا عشان مزعلكش، وطول ما إحنا هناك مش عايزاك تتكلم خالص، سيبلي أنا حوارات الدهب والفلوس دي عشان أنا عارفاك إيدك فرطة وهتوافقهم على أي حاجة حتى لو كانت فوق طاقتك، أهم حاجة تخليك هادي ومتضايقش البنت.
تردد قليلًا قبل أن يهتف:
طب أنا عايز أكتب كتاب مش عايز خطوبة.
ابتسمت بهدوء، لتوافقه بهدوء:
براحتك يا حبيبي، هنعرض على عم مسعد الحوار دا ونشوف هيقول إيه.
هز رأسه ببساطة وهو يتركها تعبث بملابسه، لتهتف وهي ترتب شعره:
اسمالله عليك بسم النبي حارسك وصاينك، قمر.
ابتسم بخفة ليتأمل نفسه بتلك الهيئة الرسمية وعلى وجهه قد ارتسمت ابتسامة خفيفة في حين وقفت إلى جانبه سناء تراقب تعبيرات وجهه الباسمة بحب وداخلها يدعو الله أن يوفق أخيها علّه يرتاح قليلًا في حياته تلك!
~♡•~♡•~♡•~♡~
في منزل مسعد.
جلست هاجر في غرفتها تنتظر بترقب سماع أي صوت يدل على موافقتهم على عمرو الذي بدأ بالحديث مع والدها منذ قليل عما يتعلق بمتطلبات الزفاف وهذه الأشياء، مر وقت طويل سمعت من بعده والدتها تهتف بحنق:
وهي يعني أقل البنات ولا إيه؟!
خفق قلبها بقوة، ترى ما الذي اختلفوا عليه؟!
هدأت والدتها سريعًا ولم تمر دقائق حتى سمعت بعدهم سناء تزرغط بفرح تبعتها والدتها لتنفرج ملامحها بابتسامة وقد استكان قلبها الملتاع تمامًا.
رواية أمير قلبي الفصل الخامس 5 - بقلم ايمان محمود
بللت "هاجر" شفتيها بتوتر قبل أن تهتف بتلعثم وهي تحاول تجاهل أنظار "عمرو" الحانقة:
- عادي يعني يا عمرو.
قلب عينيه ليزفر بقوة قبل أن يهتف بحدة:
- لا مش عادي، ولو سمحتي مش عايز أشوفك حاطة ميكب تاني قدام حد.
عضت شفتيها بتوتر لتهز رأسها بإيجاب. أكمل هو معلقاً على حجابها:
- وطرحتك دي كمان، ممكن أفهم شعرك باين منها ليه؟
تأففت بضيق قبل أن تتحدث بحنق:
- ومالها الطرحة؟ انت بتتحكم فيا كده ليه ها؟
لاحظ نبرتها الحادة فزفر بهدوء محاولاً استدعاء ثباته. صمت لوهلة قبل أن يعاود الحديث بلين:
- هاجر.. بصي انتي خلاص كلها كام شهر وهتبقي مراتي وعلي ذمتي، وأنا بصراحة ما أحبش أي حد يبص على مراتي، انتي إيه رأيك؟
رفرف قلبها لكلماته لكنها اعترضت بخفوت:
- بس بابا مش بيعترض يعني على هدومي وكده.
- وأنا ماليش دعوة بوالدك، انتي كلها كام شهر وهتبقي ملزمة مني أنا وأنا ما يرضينيش يا بنت الناس تبقي عاملة زي الأراجوز كده.
شهقت باستنكار لتهتف بحدة:
- أنا أراجوز يا عمرو؟
تنحنح بتراجع ليهتف بلين:
- يعني انتي شايفة إن اللي انتي عاملاه في نفسك ده صح؟
- منا قلتلك مش هحط ميكب تاني.
تنفّت بخفوت فأكمل بلين:
- والطرحة؟.. ربنا قال في سورة النور ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أَوْ آبَائِهِنَّ أَوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ أَبْنَائِهِنَّ أَوْ أَبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أَوْ إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي إِخْوَانِهِنَّ أَوْ بَنِي أَخَوَاتِهِنَّ أَوْ نِسَائِهِنَّ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ أَوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [النور: 31].
دا كان أمر من ربنا لنساء المسلمين بالتستر والحجاب، عارفة يعني إيه "{وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ}" يعني المفروض رقبتك اللي مبينها دي متظهرش، المفروض.. لامؤاخذة يعني.. صدرك يتغطي بالطرحة اللي انتي لابساها دي، عارفة ليه؟
أكمل بهدوء بينما هي تعلق أنظارها فوقه:
- عشان دا كان حجاب النساء في الجاهلية، في تفسير ابن كثير للاية دي اتقال كانت المرأة تمر بين الرجال مسفحة بصدرها، لا يواريه شيء، وربما أظهرت عنقها وذوائب شعرها وأقرطة آذانها، يرضيكي تبقي زي نساء الجاهلية؟
أوقفته هاتفة باختناق:
- بس.. كل البنات بتلبس كده و..
ابتسم وتحدث بهدوء:
- ليكي في السوشيال ميديا والحاجات دي؟
هزت رأسها بهدوء فهتف سريعاً:
- طب إيه رأيك تبحثي عن الحجاب الشرعي وإن شاء الله تبقي تقوليلي وصلتي لإيه، اتفقنا؟
هزت رأسها بشرود. هي وافقته على عدم تزينها مجدداً لأنها كانت تتزين لأجله، فلما التزين بعد الآن وهي ستصبح له بعد فترة. أما حديثه عن ملابسها فقد أربكها بحق. هي تعلم في قرارة نفسها أن ما ترتديه ليس بالصحيح، لكن تعليقه عليه وبتلك الآيات جعل قلبها يرتجف قليلاً. ارتفع أذان العشاء فانسحب بهدوء بعدما ألقى التحية على والداها وجذب شقيقته معه، تاركاً إياها لا تزال شاردة في حديثه.
أفاقت على هزة والدها الذي هتف بقلق:
- مالك يا هاجر؟.. هو ضايقك؟
تحدثت سريعاً:
- لا أبداً يا بابا، أنا بس سرحت شوية.
لوت "جليلة" ثغرها قبل أن تتحدث بحنق وهي تدغز زوجها بكتفه:
- وانت يا راجل إزاي توافقه على كتب الكتاب اللي عايزه ده؟
انتبهت "هاجر" لهما فهتف "مسعد" بضيق:
- وفيها إيه؟، الراجل عدّاه العيب، عايز يكتب على بتك عشان يبقى براحته ومحدش يوجهلهم كلمة.
- وافرض حصل خلاف ومحصلش نصيب تتحسب عليـ..
قاطعها مزمجراً بغضب:
- بقولك إيه يا جليلة، انتي مش كل ساعة بحال، إنتِ اللي قلتي هو اللي هيصلحها، يبقى تسكتي ومالكيش دعوة بحاجة.
- يصلحني!
عقبت "هاجر" بذهول فنظر لها والداها بدهشة. كيف لم ينتبها لها؟
قهقهت "هاجر" بعدم تصديق. أكان حديثه هذا ما هو سوى محاولة منه لإصلاحها كي تتوافق مع (مزاج) والدتها؟ ألم ينصحها لأجلها هي؟ لأنها ستصبح زوجته؟
تشوش تفكيرها فتوجهت إلى غرفتها لترتمي على فراشها. تنهدت بأسى وقد أصبحت لا تفهم ما يدور حولها بشكل صحيح. ألهذا وافق والداها عليه؟ لقد اندهشت في بادئ الأمر من موافقتهما على "عمرو" كونه يعمل كسائق، لكن يبدو أن الأمور قد بدأت تتضح قليلاً. إذا.. ماذا عنه؟ هل أتى طالباً يدها لأجلها أم..؟
بدأت الأفكار الغريبة تتضارب في عقلها فنهضت بحزم متوجهة إلى المرحاض لتتوضأ وتصلي العشاء قبل أن تغط في نوم عميق أنهت به صراع أفكارها المؤلم.
~♡~•~♡~•~♡~•~♡~
- هااا، قولّي إيه رأيك؟
صمت "عمرو" قليلاً قبل أن يرد على أخته بهدوء:
- إن شاء الله خير.
- يبقى قلبك مال؟
ضحكت باستهزاء ليهتف بملل:
- أنا هطرقع، والنبي يا سناء تحلي عن نفوخي، أنا مش ناقص.
قرصت وجنته لتهتف بمشاكسة:
- طب أنا ماشية عشان عماد هيقتلني وسايباك تفكر في الغالية.
- قومي يا سناء روّحي.
قومها دفعها إلى الخارج لتتعالى ضحكاتها بعبث. أغلق الباب من خلفها ليتنهد بقوة. أغمض عينيه بإرهاق فأتى بباله رماديتها التي تعلقتا به بهدوء عندما كان يتحدث إليها. كانت تناظره بهدوء، بتيه، بـ.. حب!
هز رأسه نافياً عن باله تلك الأفكار الحمقاء ليتمتم مستغفراً بخفوت. خلع قميصه ليلقيه على الأريكة بإهمال ليتوجه بعد ذلك إلى المرحاض ليغتسل قبل أن يخلد للنوم.
~♡~•~♡~•~♡~•~♡~
جلست "هاجر" تقلب بهاتفها بتركيز. لقد فعلت كما طلب وها هي تبحث عن ذاك (الحجاب الشرعي) لكن يبدو أن الأمر أصبح معقداً جداً بالنسبة لها. لمعت الدموع بعينيها لتلقي الهاتف بعيداً بضيق. من حديثه يبدو أنها ليست من نوعه وهذا جعلها ترغب بالبكاء، فهي لم تكن تفعل هذا سوي لأجله، لعله ينتبه لها!
تأففت واستقامت لتتأمل ذاتها في مرآة الغرفة بشرود. كانت ذات بشرة بيضاء لفحتها الشمس فخطت آثارها فوقها. عينان رماديتان ورثتهما عن جدها كان لهما الفضل في لفت بعض الأنظار إليها. كانت ملامحها عادية، لكنها تريح الناظر إليها. تلمست شعرها، لتختنق عيناها بالعبرات. هو لا يريدها هكذا وهي.. لا تعلم ماذا يجب عليها أن تفعل.
زفرت بضيق قبل أن تتوجه إلى فراشها لتدس نفسها بين أغطيتها مناجية نوماً ينتشلها من بين أفكارها اللعينة.
~♡~•~♡~•~♡~•~♡~
بعد أسبوعين..
هبط "عمرو" من السيارة ليشيح أنظاره بضيق بعدما وقعت عيناه على "هاجر" التي هبطت من وراء أخته. ركبت "سناء" السيارة ومن خلفها "هاجر" ليستقل مقعده هو الآخر صافعاً الباب من خلفه بقوة.
توترت "هاجر" من عصبيته وما إن كاد ينطلق بالسيارة حتى هتفت "سناء":
- استني يا عمرو، ده أنا نسيت البوك بتاعي فوق.
قالتها وهي تدفع باب السيارة لتهبط متجهة إلى مدخل العمارة. أراد "عمرو" أن يعترض على تركها لـ"هاجر" معه هكذا لكن أخته كانت أسرع، فهبطت دون أن تلقي له بالاً.
راقبت "هاجر" انفعالاته الغاضبة عبر المرآة الأمامية لتقضم شفتاها بضيق. لا تعلم ما به.. ولا تريد أن تعلم، فيكفيها ذاك الصراع الذي أقامه بداخلها منذ زيارته الأخيرة.
انتفضت بعنف حالما ضرب بيده مقود السيارة ليهتف بعصبية:
- أنا مش قايلك تغطي أم شعرك دا؟
- منا.. مغطياه.
التفت لها ليشير إلى بعض الخصلات التي ظهرت من أسفل حجابها:
- ودا إيه ها؟!.. فرحانة بشعرك يعني ولا إيه؟ نفسي أفهم!
لمعت الدموع بعينيها لتتحدث باختناق وهي تعدل وضع حجابها للأمام قليلاً:
- الطرحة هي اللي بترجع لورا عشان ستان، أنا مغطية شعري كويس.
راجع حالما لاحظ نبرتها الباكية. ألقى نظرة تقييمية عليها ليزفر بهدوء قبل أن يهبط من السيارة حتى تأتي أخته التي لا يعلم لما تأخرت في الأعلى. هناك تغيير صغير بالفعل، فإلى جانب عدم صبغها لوجهها بتلك المساحيق الغريبة فقد غيرت طريقة لفها للحجاب ليخفي عنقها تماماً. لا يزال قصيراً لكن هذه خطوة جيدة سيكتفي بها للآن. رأى أخته تخرج من العمارة المقابلة ليتنهد براحة. استقل السيارة من جديد بعدما دلفت أخته ليبدأ بالقيادة نحو إحدى الأسواق الكبيرة حيث سيتركهما لينتقيا بعض الأشياء الخاصة بـ"هاجر".. زوجته المستقبلية!
~♡~•~♡~•~♡~•~♡~
هبطت "هاجر" من سيارة "عمرو" لتلوح لـ"سناء" ببلاهة. انتهت وصعدت إلى الأعلى لتتفاجأ بإحدى جاراتها تخرج إليها وكأنها كانت بانتظار مرورها. لم تولها اهتماماً وأكملت صعودها لكن استوقفتها تلك الهمهمات المستنكرة التي أتبعتها تلك السيدة بقولها الساخر:
- لفيتي ولفيتي وفي الآخر هتاخدي سواق!
التفتت "هاجر" لها بعنف فتحدثت السيدة سريعاً وكأنها كانت بانتظار لفت انتباهها:
- منتِ جايلك قبله اشي المهندس واشي الدكتور وفي الآخر؟ اترميتي للسواق.
- ما تحترمي نفسك يا ولية إنتِ.
شهقت الأخيرة باستنكار هاتفة بصوت مرتفع نسبياً:
- لااا اتلمي كدا يا بت انتي واعرفي انتي بتتكلمي مع مين، دنتي سيرتك بقت على كل لسان، تكونيش لسة فاكرة إن الكل لسة بيعمل لسيرتك حساب؟؟
- انتي...
- أنا هسيبك وأدخل لبنتي.. أصل بعيد عنك.. متقدملها دكتور وهياخدها ويسافر كويس، أسيبك بقي.. مع خيبتك.
دخلت إلى منزلها سريعاً صافقة الباب في وجه "هاجر" التي تصنمت مكانها غير قادرة على استيعاب ما حدث!
رواية أمير قلبي الفصل السادس 6 - بقلم ايمان محمود
تعالت الزغاريد لتملأ البهجة المكان، لقد انتهى المأذون لتوه من عقد قران "هاجر" على "عمرو" بعدما قاما بتقديم موعد الزفاف.
ناظرته بخجل وقد تخضبت وجنتاها بحمرة لطيفة. انتظرته حتى يقترب منها ليضمها في ما يُعرف بـ(حضن كتب الكتاب)، لكنها وجدته يضم والدتها بود ليطبع قبلة حانية فوق جبهتها.
لوت ثغرها باستنكار وهي تراه يستقبل التهاني من الجميع، تاركًا إياها واقفة تناظره بضيق. انتهى أخيرًا والتفت لها فابتسمت ببلاهة من جديد.
اقترب منها فظنت أنه لربما يقبل رأسها حتى، لكنها فوجئت به يصافح يدها بهدوء هاتفا بابتسامة:
- مبارك.
جذبت يدها قبل أن تهتف:
- لا بقااا، مش دا اللي اتفقنا عليه.
عقد حاجباه فاندفعت تتحدث دون تفاهم:
- أيوا يعني فين حضن كتب الكتاب من الليلة دي كلها؟ هو أنا متجوزاك عشان تسلم عليا؟!
تنحنح بقوة فانتبهت إلى ما تفوهت به، تخضبت وجنتاها بحمرة قاتمة وأشاحت أنظارها بعيدًا لتشهق عندما اقترب منها وتلمس كفها. جذبت كفها بخجل فهتف بسخرية:
- دي أنتِ مكسوفة تسيبيني المس إيدك.. حضن إيه بقى اللي عايزة تاخديه؟!
تلعثمت لتهتف بتوتر:
- أنت قليل الأدب.
أشار إلى صدره بذهول:
- أنا برضه يا بنت.
أوشكت تصرخ عليه لتوري خجلها مما قالته ليقاطعها حديث والدها الذي اقترب منهما للتو:
- مش هتاخدها وتخرجوا يا عمرو؟
ابتسم "عمرو" ليهتف وقد مد يده ليقبض على كفها:
- هاخدها طبعًا يا عمي، بعد إذنك.
جذبها خلفه وتوجه بها إلى الخارج على مضض وهي خلفه تحاول إيقافه صارخة باحتجاج:
- أهدي شوية، هو أنت بتسحب بقرة وراك؟!
هبط إلى الأسفل واستقل سيارة الأجرة الخاصة به، فزفرت هي بضيق قبل أن تصعد إلى السيارة هي الأخرى. أغلقت الباب فهتف بحنق:
- قاعدة ورا ليه يا أستاذة؟ شايفاني السواق الخصوصي بتاعك؟ تعالي هنا.
هتف وأشار إلى المقعد المجاور له، فهبطت بتوتر وصعدت إلى جانبه. أدار محرك السيارة وبدأ بالتجول في الشوارع دون هدى، وهي فقط تراقب الطريق وتختلس بعض النظرات إليه بين الحين والآخر وهي لا تزال لا تصدق أنها أصبحت زوجته!
توقف بالسيارة فرمقته بتوتر قبل أن تشيح بأنظارها إلى الجهة الأخرى من جديد. التزم الصمت وقد رأى أن حديثه في هذا الوقت قد يجعله يفسد كل شيء ببعض الكلمات المتهورة التي هو واثق أنه لن يكون قادرًا على إيقاف انبثاقها من فمه.
زفرت بضيق فتنهد قبل أن يتحدث بهدوء:
- بصي يا بنت الناس، أنا واحد عارف ربنا كويس وعايزك تتأكدي إني هتقي الله فيكي وكل حقوقك هتكون محفوظة. أنا معظم النهار مش هكون موجود في البيت عشان هبقى في الشغل، أتمنى لو ميضايقش سيادتك لما أبقى أرجع ألاقي عشاي جاهز وهدومي جاهزة.
- طيب.
- مش عايز مشاكل مع حد من الجيران ولا عايزك تنزلي من غير ما تقولي لي.
تأففت بضيق فصمت. أدمعت عيناها بقهر عندما زاد الصمت لتتنهد بألم. لما لا يشعر بها؟
أدار المحرك بعد دقائق وانطلق عائدًا إلى المنزل فأسندت رأسها إلى الخلف بإرهاق. ستصبر وستحصل على قلبه مهما كان الثمن، فقط صبر أيها القاسي!
***
صفعت "هاجر" باب السيارة من خلفها بقوة فتمتم ببعض الكلمات الحانقة التي لم تعرها هي اهتمامًا. توجهت إلى مدخل عمارتهم وما إن اختفت بالداخل حتى انطلق بسيارته نحو منزله.
تنهدت بقوة وكادت تتحرك لولا أن تعالت رنين هاتفها. أخرجته وردت سريعًا على والدتها التي تحدثت بسرعة:
- قبل ما تطلعي روحي السوبر ماركت هاتي ربع جبنة لأبوكِ.
دبدبت الأرض بقدميها قبل أن تتحدث بحنق:
- مش معايا فلوس يا ماما.
- نزلت لكِ السبت يا حيلتها.
خرجت من العمارة من جديد واتجهت إلى (السبت) الذي هبط من شرفة شقتهم والذي وضعت به والدتها المال لتأخذه بحنق وتتوجه إلى محل البقالة المتواجد في بداية الشارع.
- ربع جبنة تلاجة لو سمحت.
ناولت ذاك العجوز المال ووقفت تناظر هاتفها بضيق. تصرف "عمرو" وصمته أزعجها كثيرًا وعكر مزاجها بحق.
- ازيك يا هاجر؟
التفتت "هاجر" إلى ذلك الصوت الساخر لتقلب عيناها بملل ما إن رأت بعض السيدات اللواتي ناظرنها بقرف. ألن ينتهين من إلقاء كلمتهن السيئة تلك على مسامعها؟ شمرت ساعديها قليلًا قبل أن تهتف بنبرة حادة بعض الشيء:
- الحمد لله يا طنط.
طبقت شفتيها وحاولت عدم التفوه بأي كلمة سيئة، فاستغلت إحداهن صمتها واندفعت تتحدث بصوت مرتفع وكأنها توجه الحديث لها بصورة غير مباشرة:
- ما تاخديش على خاطرك يا أم فيروز، تلاقيها مقهورة عشان اترمت لسواق في الآخر، ماهو المشي البطااال ما يجيش من وراه غير الفضايح.
- الجبنة يا بنتِ.
هتف العجوز فالتقطتها من يده بسخط واتجهت إلى الخارج متجاهلة تلك الكلمات اللاذعة.
***
استلقى "عمرو" على سريره ليتنهد بقوة. أكان صحيحًا ما فعله؟
أغمض عيناه قبل أن يهمس بخفوت معتاد:
- لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين.
غضى عينيه بمعصمه وانطلق لسانه يردد تلك الأذكار التي اعتاد عليها قبل أن يغفو في نوم سريع.
***
- أعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
صاحت "هاجر" بفزع عندما اندفع "خالد" أمامها فجأة من حيث لا تدري. ناظرته بتوتر في حين صاح هو فيها بحرقة:
- بقيت بتفضليه أنتِ وعيلتك عليا؟!.. بقيت ترفضيني أنا يا بت مسعد عشان تتجوزي السوااق؟
استجمعت شجاعتها سريعًا لتهتف بصوت مرتفع:
- آه أفضّله عليك وعلي عشرة زيك، مش كفاية فضحتني وخليت سيرتي على كل لسان؟
اختنق صوتها بالعبرات فاقترب منها ببطء ليهمس لها بفحيح أثار في نفسها الخوف:
- ولسة، وحياتك عندي طول ما الفرح لسة ما اتعملش لتشوفوا مني الويل، اهو انتي هتبقي ملكي يا هاجر، برضاكي أو بالغصب عنك هتبقي ملكي.
- أنت بني آدم مريض.
صرخت فهتف بابتسامة مخيفة:
- أيوا مريض، وبرضه هتبقي ليا.
انفتح باب المنزل المقابل لهم فالتفتت إليهم "هاجر" بذعر. كانت السيدة التي رأتها سابقًا منذ أيام والتي جلدتها ببعض الكلمات اللاذعة لكنها بدت هذه المرة وكأنها قد استيقظت للتو، فتركتها "هاجر" وصعدت إلى الأعلى سريعًا عندما لاحظت اختفاء "خالد" المفاجئ.
***
تقلبت "هاجر" بنعاس تحاول التفكير في شيء ما قد يقربها من "عمرو". كادت تغفل من جديد لكنها انتبهت سريعًا عندما أتت في بالها تلك الفكرة اللامعة. اعتدلت سريعًا وتناولت هاتفها لتتصل على أحد ما وخلال ثوانٍ أتاها الرد فهتفت بلهفة:
- سناء.. عايزة رقم عمرو.
استمعت إلى تذمرات "سناء" التي سبتها لأنها أيقظتها في العاشرة صباحًا لكي تحصل على رقم أخيها اللعين، ومن ثم تحدثت:
- ما تنجزي بقي يا سناء، هو أنا هتحايل عليكي؟
تأففت "سناء" بنعاس قبل أن تغلق المكالمة بوجهها. ذُهلت "هاجر" وكادت تهاتفها من جديد لكنها توقفت ما إن رأتها قد أرسلت لها رقمه في رسالة ما. ابتسمت وهي تتمتم بهيام:
- روحي يا شيخة ربنا يجبر بخاطرك يا سناء يا بت خالتي فوزية.
سجلت رقمه سريعًا والتقطت نفسًا طويلًا طبعت من بعده رسالة قصيرة لترسلها له.
- صباح الخير.
ترددت في إرسالها لكنها حسمت أمرها في النهاية وأرسلتها لتغلق الهاتف تمامًا من بعدها.
استقامت بحماس مفاجئ لتتوجه إلى المرحاض لتغتسل وتغير ثيابها. أدت فريضتها وخرجت بعد ذلك لتري ما إذا كان الفطور جاهزًا أم لا وعقلها يعمل في اتجاه آخر وكل ما يسيطر عليه هو تلك الرسالة التي أرسلتها إلى (زوجها) منذ قليل، وسؤال واحد يشغل عقلها.. هل سيرد عليها أم سيتجاهلها فحسب؟
أفاقت من شرودها على حديث والدتها و.
رواية أمير قلبي الفصل السابع 7 - بقلم ايمان محمود
أفاقت من شرودها على حديث والدتها:
- ربنا يكملك بعقلك يا هاجر يا بت بطني، مالك تايهة كدا ليه يا بت؟
تنحنحت بإحراج قبل أن تتحدث محاولة صرف اهتمام والدتها عنها:
- مفيش يا ماما، لسة صاحية من النوم ومش مركزة بس.
- صليتي الصبح؟
- أيوا.
- طب تعالي افطري.
تفتت وأشارت إلى الكرسي المقابل لها، فاتجهت له "هاجر" وقد انشغل فكرها من جديد بـ"عمرو"، تري ماذا ستكون ردة فعله!
وكزتها والدتها لتعيد إليها انتباهها، فبدأت بتناول الطعام هذه المرة. انتهت بعد فترة فاستقامت بعد ذلك وكادت تتوجه إلى غرفته، لكن أوقفها صراخ والدتها الحانق:
- تعالي يا معدولة لمي الأكل واغسلي المواعين، انتي كلها كام شهر وهتروحي بيت جوزك ولا انتي فكراه هيجيبلك خدامة؟
التقطت "هاجر" أنفاسها بهدوء لتتراجع إلى الطاولة من جديد لتبدأ بلملمة الأطباق. سألت وهي تحاول ترتيب بعض الأطباق فوق بعضها:
- هو بابا فين؟
- نزل بدري راح مشوار.
همهمت بإيجاز وهي تتحرك بالصحون إلى المطبخ، لتتنهد "جليلة" بغيظ. أتظن تلك المدللة أن حياتها ستبقى على ما هي عليه بعد الزواج؟
في منزل "عمرو"..
أفاق "عمرو" بصعوبة ليغلق المنبه المزعج الذي قاطع نومه الهنيئ، ليعتدل بعد ذلك. فرك وجهه بنعاس لينظر إلى ساعة الحائط التي تواجه سريره. زفر وهو يرى الساعة قد قاربت على إتمام الحادية عشر قبل الظهر، وخلال ثوانٍ كان في المرحاض يغتسل سريعاً وهو يلعن رأسه الثقيل الذي لم يستيقظ فجراً لشدة إرهاقه.
بدّل ثيابه وصلى فريضته ليتوجه بعد ذلك إلى المطبخ. نظر إلى الثلاجة ليخرج بعض الجبن والخبز. تناول بعض اللقيمات السريعة وهو لا يزال واقفاً ليتوجه بعد ذلك إلى الأسفل للمباشرة بعمله. استقل سيارته وكاد يتحرك بها، لكنه وكعادته توقف لثوانٍ فتح خلالها هاتفه ليتصفح الرسائل التي تصله علّ يكون هناك أمراً مهماً. انعقد حاجباه بدهشة عندما رأى رسالة من رقم مجهول احتوت على جملة واحدة:
- صباح الخير.
كانت مرفقة برمز تعبيري تمثل في قلب أحمر، فابتسم بسخرية. حاول البحث عن صاحب الرقم لكنه وجده مسجلاً على أحد برامج تعريف الهوية باسم (عبدو سيراميك). ازدادت حيرته لكنه راسل ذاك الرقم سريعاً متسائلاً:
- مين؟
لم تصل الرسالة للطرف الآخر، فاستمر بالعبث في الهاتف لدقائق قبل أن يغلق بيانات جواله من جديد ليبدأ بتدوير سيارته للانطلاق بها. عبث بالراديو فارتفع صوت (إذاعة القرآن الكريم)، المحطة الوحيدة المتواجدة عليه والتي بدأ تلقائياً بالترديد مع أحد شيوخها بعدما بدأ بتلاوة إحدى السور بصوت عذب.
- بت، هاتى حتة يا بت.. بت، هاتي بوسة يا...
شهقت "سناء" بصدمة ما إن استمعت إلى "معاذ" ابنها ذي الثماني سنوات يردد تلك الكلمات ببهجة وهو يتراقص على ألحانها التي اصطنعها بحنجرته بطريقة بهلوانية جعلته كالبطريق. التفت لها بفزع فصرخت بغيظ:
- حتة إيه يا قليل الأدب أنت؟!، وبوسة إيه اللي عايزها يا قليل الرباية؟
ابتلع لعابه قبل أن يتحدث بتلعثم:
- والله منا، دا هي الأغنية.
داعبته بضيق قبل أن تهتف باحتجاج هامس:
- يعني من كل المهرجانات والأغاني اللي طالعة ماسكلي في دي يا ابن عماد؟، أعمل فيك إيه بس؟
رفعت صوتها لتهتف بحزم:
- مش عايزة أسمع الكلام دا تاني، ومش عايزة أك تقول كلام زي دا أصلاً لأنه بتاع الناس الوحشة.
- حاضر.
هتف بحنق فاقتربت منه لتهتف بود:
- طب مضايق ليه؟
- معاذ.. أنا مش اتفقت معاك قبل كدا على إن الأغاني وحشة؟
- بس كل العيال بيسمعوها ولما بقولهم إنك بتقولي عليها غلط ووحشة بيسيبوني ويمشوا وبيقولوا عليا متعقد.
قال بيأس فاحتضنته مربتة على رأسه لتهتف بتفهم:
- بص يا حبيبي، أنا مش عايزة أك تعمل حاجة انت مش مقتنع بيها غصب عنك لمجرد إن الناس عايزة كدا.
ابتعدت وراقبته يناظرها ببلاهة، فابتسمت وافترشت الأرض لتجذبه نحوها ليجلس هو الآخر لتبدأ بالحديث برقة:
- يعني، إحنا دلوقتي اتفقنا إن الأغاني وحشة وبالذات المهرجانات والحاجات اللي بيبقى فيها الكلام الوحش دا صح؟
هز رأسه إيجاباً فسألت من جديد:
- مصدق الكلام دا من جواك ولا لا؟
- مصدقه، عشان بابا كمان قالي إن الأغاني حرام أصلاً.
هزت رأسها بخفة لتتحدث من جديد:
- يبقى طالما مصدقه ومقتنع بيه، لو صحابك حاولوا يخلوك تعمل حاجة عكس الكلام دا متهتمش بيهم، عشان هما لو صحاب كويسين مش هيخلوك تعمل الحاجة الوحشة اللي تغضب ربنا صح ولا أنا غلطانة؟
- عارفة يا ماما.. في معانا ولد اسمه بهاء الولد دا كل العيال ترخم عليه عشان هو مش بيحب يلعب معاهم عشان بيقعدوا يتريقوا على لبسه.
- وهو لبسه ماله؟
تنحنح بحرج قبل أن يتحدث بخفوت:
- أصل.. هو معندوش ماما وباباه بيبقى مشغول فلبسه بيبقى مبهدل ووحش، بس أنا زعق تلهم المرة اللي فاتت وخدته واشترينا سوا.
ابتسمت بفخر وهي تربت على وجنته لتهتف بامتنان لطيبة قلبه:
- شاطر يا حبيبي، عايزة أك تبعد بقي عن العيال الوحشة دي، ماشي؟
- حاضر.
تحدث بطاعة ليرتمي بين أحضانها لتضمه بحنان.
- خيانة في بيتي يا سناء؟
هتف "عماد" من خلفهم بطريقة درامية فضحكت وهي تبعد طفلها عنها. استقامت لتنفض ملابسها من ذرات الغبار الخيالية لتهتف بضحك:
- آه خيانة، طلقني يالا.
اقترب منها وشد أذنها لتتأوه بخفوت. اقترب وهتف بالقرب من أذنها بضيق:
- أنا مش قايل بطلي تقولي طلقني دي كتير؟
- آه قلت، حاسب بقي بتوجع.
دخل "معاذ" صارخاً:
- لا اقرصها يا بابا عشان هي معملتليش المحشي اللي أنا عايزه.
- آه يابن الكـ....
شد على أذنها أكثر فصرخت في حين تحدث هو بغيظ:
- لسان أهلك الطويل دا هقصهولك.
- خلاص أسفة والله.
- روح على أوضتك يا معاذ.
اختفى معاذ سريعاً فانحنى "عماد" ليحملها متوجهاً إلى غرفتهما وهو يهتف بنبرة لعوبة:
- آسفة إيه بقي، دنا لازم أعاقبك على طولة لسانك.
لوت "هاجر" شفتيها باستنكار قبل أن تهمس بسخط:
- مين؟، بتاع الميلامين يا دكري، يا خي روح منك لله فصلتني، وحطالك قلب أحمر وعاملة فيها بت ورقيقة وكدا وأنت بتقولي مين؟ اااه يانا يا غُلبي.
انتهت من وصلة النواح تلك لتتناول الهاتف من جديد طابعة فوقه بحنق:
- أنا هاجر يا عمرو، مراتك.
أرسلتها وألقت الهاتف بعيداً لتزفر بحدة. أتاها صوت والدتها الصارخ بعد دقائق لتصرخ قبالتها بصوت عالٍ:
- نعاااام.
- قومي صلي العصر.
- طيب.
هتفت سريعاً ونظرت إلى ساعة هاتفها لتلوي شفتيها بضيق ما إن استوعبت أنها لم تستمع إلى آذان العصر. نهضت سريعاً لتتوضأ وتصلي فريضتها قبل أن تتوجه بعد ذلك إلى الخارج لمساعدة والدتها قليلاً.
زفر "عمرو" بشيء من الضيق عندما رأى تلك الرسالة القادمة من "هاجر". ابتسم بسخرية عندما تذكر ذاك الاسم الذي رآه صباحاً فسارع بتسجيل اسمها على الهاتف. انتهى ورد عليها:
- مساء الخير، صليتي العصر؟
أرسل سؤاله وأغلق الهاتف لينتبه إلى تلك السيدة التي استقلت السيارة للتو لتهتف بنبرة غريبة:
- شارع **** يسطا.
بدأ بالقيادة إلى حيث أرادت في صمت لكنها هتفت بعد لحظات مقاطعة ذاك الصمت السائد:
- هو مش أنت عمرو؟.. اللي اتجوزت البت هاجر واتسترت عليها؟
أوقف السيارة فجأة وصك أسنانه بعنف قبل أن يهتف بلهجة حادة:
- لو سمحتي ياريت تاخدي بالك من كلامك كويس، أنا متسترتش على حد وهاجر ملهاش ذنب في حاجة واللي اسمه خالد دا كذب وألّف كل دا عشان كان عاوز يتجوزها فيا ريت بعد إذن حضرتك تراعى شوية إنك بتتكلمي عن مراتى.
مصمصت السيدة شفتيها بضيق من رده الحازم وأشاحت أنظارها بعيداً، في حين تمتم هو ببعض العبارات المستغفرة قبل أن يبدأ بالقيادة من جديد لإيصالها وقد اشتعل رأسه من كلماتها الحمقاء تلك.
تمايلت "هاجر" في مشيتها أمام المرآة وهي تتأمل تلك الملابس التي اشترتها حديثاً بإعجاب، والتي كانت مكونة من سروال من الجينز الواسع بعض الشيء ومن فوقه (شيميز) من اللون الأبيض الذي زينته بعض العبارات الإنجليزية. كانت قد استعانت بذوق والدتها والذي لطالما رأته لا يناسبها فقط للحصول ولو على نظرة رضا صغيرة منه إذا رآها ترتدي شيئاً _شبه_ فضفاض يختلف كلياً عن مظهر ثيابها القديم.
فتحت هاتفها بحماس تتفقد الرسائل بانتظار ولو رسالة صغيرة منه لتذم شفتيها بإحباط وهي تراه يسألها عن الصلاة.
أجابت سريعاً:
- أيوا صليت من زمان، انت فين؟
لم تصله الرسالة فتأففت لتضع الهاتف جانباً. حسناً، لا يعجبها انشغاله الدائم هذا منذ الآن، فهل سيستمر الوضع هكذا؟
جلست بإحباط على مقدمة الفراش لتهمس باختناق:
- لا منا مش هتجوزه عشان يلطعني في البيت زي قطته الأليفة كدا، فين الاهتمام؟
سخرت عندما تذكرت تلك الجملة التي تتداولها معظم الفتيات (الاهتمام مبيطلبش) وهي تتأمل حالها الذي أصبحت تكرهه بعد ثاني يوم من عقد القِران. ألا يمكنها فقط إلقاء بكل هذه الكلمات بعيداً لطلب بعض الاهتمام منه؟
بحثت بمقلتيها بتركيز بين المارة عنه فانفرجت ملامحها ببهجة حالما رأته يهبط من سيارته ليستند على بابه. دلفت إلى الداخل سريعاً ونظرت إلى المرآة لتتأمل هيئتها النهائية قبل أن تتوجه نحو الخارج سريعاً.
- بتجري على فين يا هااجر؟!
تسائل "مُسعد" وهو يرى ابنته تهرول نحو الباب لكنها أجابت بصوت مرتفع وهي تشير إلى بعض النقود بيدها:
- هشوف عمرو وهشتري حاجة وجاية يا بابا.
اختفت سريعاً من أمامه فتنهد بقوة قبل أن يعاود ترتيل بعض الآيات بتركيز وهو يغمض عينيه بتركيز محاولاً استرجاع تلك الآيات التي كان يحفظها _يوماً ما_ عن ظهر قلب!
استند "عمرو" بجسده إلى السيارة ليمد يده إلى جيب سرواله ليخرج هاتفه، كاد يفتحه لكنه فوجئ بـ"هاجر" تقف أمامه فجأة بابتسامة واسعة. نظر حوله ليعتدل ويهتف بهمس حاد:
- انتي إيه جابك هنا؟
- عادي.. كنت نازلة أشتري حاجة فقلت أسلم عليك بالمرة.
تنحنح بتراجع عندما لاحظ نبرتها المنخفضة ليعض شفتيه بتوتر. هو ليس ذو خبرة كبيرة في التعامل مع النساء فهو لا يتعامل مع من هي بني هذا الجنس سوى مع أخته أو بعض الزبائن الذي قد يتطلب الأمر الحديث معهم لبضع ثوانٍ.
اقترب منها وجذبها إليه برفق ليهتف بلين:
- طب ينفع يعني تيجي تقفي معايا في وسط الشارع كدا؟
- أنت جوزي.
أجابت سريعاً فأجفل من ردها المباغت. تحمحم ونظر حوله فعضت شفتيها بارتباك. لوهلة مرت أمامه كلمات تلك السيدة التي أوصلها منذ فترة لكنه نفضها سريعاً عن عقله. نظر لها من جديد بانتباه فتحدثت بتوتر:
- أنا هروح أجيب حاجة من الصيدلية وهروح.
- حد تعبان؟
- لا بس كنت عايزة أجيب معجون سنان و.. شوية حاجات كدا يعني.
تحدث بتلعثم فهي لم تكن تنوي شراء شيء من الأساس. في حين لمعت عيناه بخبث وقرر أن يمازحها قليلاً فغمز بعبث وبنبرة لعوب هتف:
- عارفهم أنا الحاجات دي.
اتسعت عيناها بصدمة وهي تفسر مغزى كلماته فهتف هو بمرح:
- اتخضيتي كدا ليه؟ تكونيش رايحة تجيبي اللي في بالي.
- أنت قليل الأدب.
صرخت بخجل فضحك عالياً مما جعل بعض الأنظار تتوجه إليهم. نظف حلقه ليقترب منها هامساً بدفء:
- روحي هاتي اللي انتي عايزاه واطلعي بسرعة وابقي ابعتيلي لما تطلعي.. محتاجة فلوس أو حاجة؟
نفت برأسها سريعاً فابتسم. لوحت بيديها بخجل قبل أن تبتعد عنه متجهة إلى أقرب صيدلية لترى ماذا ستجلب معها إلى المنزل.
أما "عمرو".. فاستند إلى سيارته من جديد وعقله يقلب ما يحدث بداخله. لقد تزوجها بإرادته وهو قد سبق ونفى حديث الناس عنها أمام تلك السيدة فلما يراوده عقله بسؤالها على الأقل على ما حدث بينها وبين ذاك الـ"خالد"؟
تراجع سريعاً وهو يتمتم بسخط:
- لسة جاي تفتكر تسألها دلوقتي؟
انتبه إلى ربتة خفيفة على كتفه فنظر لصاحبها ليومئ بخفة ما إن أخبره أحد السائقين بأنه يجب عليه التحرك فقد استقل أحدهم سيارته.
نفضت "سناء" قطعة الملابس البيضاء قوياً قبل أن ترفع نفسها فوق أطراف أصابعها لتضعها فوق الحبال الأخيرة. انتبهت إلى حديث إحدى الجارات فهتفت بينما تلتقط إحدى القطع الأخرى لتنشرها:
- نعم يا مروة كنتي بتقولي حاجة؟
مصمصت "مروة" شفتيها قبل أن تهتف بسخط:
- يختي بقي تسيبي كل بنات الحارة وماتروحيش غير لهاجر؟!
ألقت "سناء" ما بيدها أمامها قبل أن تقول بصوت مرتفع:
- يختي ما تخليكي في حالك بقي، هو أخويا ولا أخوكي؟، وبعدين مالها هاجر يعني؟ البت زي الفل وهو بيحبها ورايدها فيا ريت تفكك من حوار عمرو يا مروة، ويا ريت متحشريش مناخيرك دي غير في اللي يخصك يا بت كاميليا، ولعلمك بقي.. اللي في دماغك لا يمكن يحصل أبداً.
زفرت "مروة" بغضب قبل أن تدلف إلى منزلها وتغلق الشرفة من خلفها بغضب لتعاود "سناء" إكمال ما كانت تفعله وعقلها يخبرها بـ ضرورة الحديث مع أخيها بهذا الشأن، لكن من قبله، يجب الحديث مع.. "هاجر"!
صرخت "هاجر" بعنف فانكتم صوت صرخاتها حالما كمم أحدهم فمها، حاولت التحرك لكن قرب ذاك الغريب منها شلّ كامل جسدها. ارتفعت وتيرة أنفاسها وهي تستمع إلى ضحكات تعرفها جيداً تتسلل إلى مسامعها ليهتف صاحبها بخبث.
رواية أمير قلبي الفصل الثامن 8 - بقلم ايمان محمود
صرخت "هاجر" بعنف فانكتم صوت صرخاتها حالما كمّم أحدهم فمها. حاولت التحرك لكن قرب ذاك الغريب منها شلّ كامل جسدها. ارتفعت وتيرة أنفاسها وهي تستمع إلى ضحكات تعرفها جيدا تتسلل إلى مسامعها ليهتف صاحبها بخبث:
- اشششش.. اهدى دنا لسة معملتش حاجة.
تحركت مقلتاها بعصبية تحاول البحث عن طريقة لإبعاد هذا اللعين عنها. كان الظلام قد عم معظم الأنحاء فلم ترَ جيداً. حاولت دفعه بعيداً لكنه كان يسيطر عليها بكامل قواه وقد أخذ بمداعبة جبينها. ثقلت أنفاسها بخوف وهي تراه يقترب هامساً إلى جانب أذنها بشر:
- غلطتى لما رفضتينى يا هاجر، وغلطتى تانى لما اتجوزتيه هو، بس انتى هتبقى ليا.. برضاكى او بالغصب عنك انتى بتاعتى!
***
تململت "جليلة" بحرج وهي تراقب عقارب الساعة المُعلّقة أمامها بترقّب. لقد طلبت من ابنتها الذهاب إلى البقالة لجلب إحدى زجاجات المياه الغازية لتقديمها لـ"عمرو" و "سناء" اللذان جلسا على استحياء بانتظارها منذ ما يقارب النصف ساعة لكنها لم تأتي حتى الآن. اندفعت تتحدث بتوتر محاولة إزالة ذاك الصمت العابق بالأرجاء حتى تأتي ابنتها التي ستلقنها درساً قاسياً على غيابها هذا:
- الا مقولتليش يا عمرو، الحاجات اللي كنت قايل عليها فاضلة في الشقة جهزت؟
- فاضل بس مهندس الديكور هييجي كمان يومين يشوف هاجر لو عايزة تعدل حاجة يعدلهالها وكدا تكون الشقة خلصت من كله.
همهمت "جليلة" بتركيز وهي تقلب حديثه بين رأسها وسؤال واحد بات يشغلها مؤخراً.. هل ستتحمل ابنتها تلك الحياة؟
انتبهت إلى نحنحة زوجها فاقتربت منه ليهمس لها بغضب:
- بتك اتأخرت كل دا ليه يا جليلة؟ دي رايحة السوبرماركت مش مهاجرة ألمانيا.
راقب "عمرو" يحك عنقه بإحراج وتعب قبل أن تهمس له:
- وانا ايش درانى، هي بس تيجي وانا هوريها.
مرت فترة ليست بالقصيرة كاد من بعدها "عمرو" يستقيم ليستأذن منهم لكنه توقف حالما سمع صوت الباب يُفتح. اتجهت أنظار الجميع إلى باب المنزل لتتوسع عيونهم بصدمة وهم يراقبون "هاجر" تدلف إلى الداخل بابتسامة بلهاء وقد تبعثرت كامل هيئتها. لطمت "جليلة" وجنتيها بصدمة، واندفعت "سناء" إليها لتستفهم منها سبب حالتها، فما لبثت أن ارتمت بين أحضانها وبكت تحت أنظار الجميع المصدومين مما يحدث.
- مالك يا هاجر حصل ايه؟
هتف "مُسعد" بصدمة وهو يراقب هيئة ابنته بذهول. أفاق "عمرو" أخيرا واقترب منها، همس باسمها فابتعدت عن "سناء" لترتمي بين أحضانه وشهقاتها تتعالي بحدة. لوت "جليلة" شفتيها باستنكار من (قلة حياء) ابنتها الواضح في حين تنحنح "مُسعد" بحرج وهو ينادي "سناء" ليجذبها هي وزوجته إلى الشرفة تاركين لهم بعض المساحة.
رفع "عمرو" يديه بعد فترة ليلفهما حولها بهدوء، ربّت على رأسها بحنو محاولاً الاستفهام عن سبب انهيارها هذا لكنها بدأت بالحديث أولا لتهتف بانهيار:
- خالد شافنى وانا جاية.. وشدني.. وحاول.. انا ضربته.. و..
تعالت شهقاتها من جديد فزاد من ضمه لها وهو يحاول فك شفرات حديثها للتوصل إلى ما حدث بعدما شعر بالتشتت قليلا. ابتعد عنها بعد فترة ليضم وجهها بكلتا يديه ليهتف بلين:
- اهدي وفهميني في ايه ومين عملك كدا؟
مسحت دموعها قبل أن تهتف بنبرة مرتعشة:
- خالد كان مستنينى وانا جاية شدني في شارع كدا، وكان عاوز.. انا ضربته ولما جيت لقيت واحدة واقفالي وقالت..
اللمعت الدموع بعينيها لكنها أكملت رغم هذا:
- قالت انها شافتني معاه، وقالت عني كلام وحش وشتمتنى فـ..
- فضربتيها هي كمان واتخانقتى معاها.
هزت رأسها باتفاق، فتنهد بقوة. هو لا زال لم يستوعب بعد ما حدث وما هي إلا ثواني حتي تحدث فجأة:
- اصبري كدا ثواني، انتي قلتى ان خالد شدّك؟ وحاول.. يقرب منك؟
أومأت من جديد فضغط على يديها بغضب، عضت هي شفتاها بألم فتركها سريعا ليهتف بعصبية:
- انتي تفضلى في البيت ومش عايز المحك بس برا باب العمارة يا هاجر، اللي عايزاه رنى عليا وانا هجبهولك ولو نزلتي هتزعلي مني جامد.. والكلب اللي اسمه خالد، ورحمة امي وابويا لاكون مربيه هو واللي جايبينه.
لم تعقب على حديثه بل اقتربت منه خطوتان لتهتف فجأة:
- عمرو..
انتبه لها فأكملت وهي تضع رأسها فوق صدره وتغمض عينيها براحة:
- خليك جنبي!
***
- حاضر ياللي على الباب بالرااحة، انا مش قاعدة ورا الباب يعني.
صاحت إحدى السيدات وهي تندفع إلى باب المنزل لتفتحه سريعاً، تفاجأت من وجود "عمرو" أمامها فهتفت بتساؤل قلق:
- في حاجة يابنى؟
- خالد فين؟
سأل باقتضاب.
فكت جبينها بحيرة، كادت تنفي وجود ابنها في المنزل في هذه الساعة لكنها صمتت ما أن اندفع "خالد" إلى الخارج متسائلاً بصوت جهور:
- مين على الباب؟
رأى "خالد" "عمرو" فتجمدت الدماء بأوصاله، كانت هيئته غير سارة بالمرة، فقد كان وجهه محتقن بشدة، وهو يقبض على كفيه بقوة وقد ارتفعت وتيرة أنفاسه بغضب كفيل بإحراق المنزل بمن فيه. تراجع "خالد" خطوة إلى الخلف لكنه عاد ليتقدم إليه من جديد هاتفاً بحدة:
- خشي جوا يمّا.
توجهت "سعيدة" إلى الداخل بقلق في حين وقف "خالد" أمام "عمرو" يتصنع الثبات وما هما إلا دقيقتان نشب من بعدهما عراك حاد بدأه "عمرو" بلكمه وجّهها للآخر بقوة فأطاحت بوجهه للجهة الأخرى ليردّها له "خالد" بقسوة. تبادلا الضربات لكن غلب "عمرو" عندما وجه له ركلة قوية في معدته أسقطته أرضاً. صرخ الآخر واندفعت من بعده والدته التي كانت تراقب ما يحدث من بعيد ليعلو صراخها الذي بدأ منذ فترة. بعد لحظات تجمهر بعض الناس حولهم، فهبط "عمرو" إلى مستوى "خالد" ليهمس له بشر:
- دي كانت قرصة ودن صغيرة عشان ضايقتها، بس ورحمة أبويا لو اتعرضتلها تاني لأكون دافنك يا خالد.
استقام وكاد يتوجه إلى الأسفل لكن أوقفه حديث "خالد" المستفز:
- هي لحقت كلت بعقلك حلاوة وفهمتك اني انا اللي اتعرضتلها؟، دي جيّالي برجليها.
شهقت النساء بصدمة وقد فهم الجميع حول ماذا يدور الشجار، في حين عاد "عمرو" أدراجه سريعاً منتوياً تلقين ذاك اللعين درساً. احتجزه بعض الرجال محاولين فض هذا الاشتباك قبل أن يبدأ من جديد لكنه صرخ بحدة:
- طب ورحمة أمي لمربيك يا ابن الـ*****
جذبه بعض الرجال إلى الأسفل تاركين "خالد" مستلقياً بهدوء وقد ارتسمت على محياه ابتسامة راضية عما فعله منذ قليل.
***
بعد يومان..
ارتمى "عمرو" فوق الفراش ليغمض عيناه بإرهاق. تأكد من أنه قد ضبط المنبه ليعاود الاستلقاء من جديد وهو يقرأ أذكار المساء.
شرد لثواني فكانت كفيلة بالعودة به إلى ذكريات ذاك اليوم المشؤوم. أغمض عيناه بقوة وتنهد بحرارة. لقد صرحت "هاجر" باحتياجها له بصراحة للمرة الأولى منذ يومان ومنذ ذاك الوقت وهو يتجاهلها. لقد افتعل شجاراً من أجلها ومن أجل رد كرامته فهو لن يسمح أبداً بأن يقترب أحدهم بفتاة قد اقترن اسمها باسمه وباتت زوجته شرعاً وقانوناً.
تنهد من جديد وهو يدلك جبينه برفق. لقد أصبحت ترافق أفكاره كثيراً مؤخراً. تقلّب على جانبه الأيمن قبل أن يهمس بخفوت محاولاً إنهاء سيل مشاعره الذي تدفق عندما تذكرها:
- باسمك اللهم وضعت جنبى، وباسمك اللهم أرفعه.
***
راقبت "هاجر" هاتفها بضيق. لقد اختفى منذ يومان منذ أن أخبرته صراحة بأنها تريده أن يبقى إلى جانبها حتى أنها لم تعد تستطيع رؤيته من الشرفة وكأنه يتجنب المجيء إلى الشارع نهاراً. كانت تنتظر منه اتصالاً أو رسالة على الأقل لكن.. لا شيء. زاد هذا من شعورها بالحنق على نفسها، فهي لم يكن يجدر بها التصريح بمشاعرها.. أليس كذلك؟
تأففت بضيق قبل أن تتمتم بتذمر:
- مش فاهمة انا ايه العلاقة البايظة دي، هو انا مش قلتله خليك جنبي؟ زعل ليه بقي؟
ارتمت على الفراش أخيراً بعد فترة لتستغرق في نوم مرهق بعدما تشتتت أفكارها كثيراً.
***
في اليوم التالى..
رفعت "هاجر" الهاتف إلى أذنها لتحتبس أنفاسها بتوتر وهي تنتظر أن يأتيها الرد من الجهة الأخرى. مرت دقائق أتاها من بعدها الرد لتتحدث بنبرة مرقّقة:
- الو!
رواية أمير قلبي الفصل التاسع 9 - بقلم ايمان محمود
عمرو معايا!
تسائلت هاجر برقة وهي تنظر إلى نفسها في المرآة بابتسامة متسعة، استمعت إليه يتساءل بهدوء:
- في حاجة يا هاجر؟
- وحشتني
تفتت فجأة فابتلع لعابه في صمت، أكملت حديثها غير مبالية برد فعله الصامتة:
- اعمل حسابك، بابا عازمك على الغدا النهارده
- ان شاء الله هاجي
- تعالى بعد المغرب على طول متتأخرش
- تمام
صمتت لثواني لتتحدث بعد ذلك بخفوت:
- عمرو
- نعم؟
- وحشتني.. بجد
طال الصمت فتحدثت باختناق:
- طب سلام دلوقتي، اشوفك على الغدا
لم تنتظر رداً بل سارعت بإنهاء المكالمة وهي تحاول السيطرة على انفعالاتها، هي تعلم أن الطريق لقلبه طويل ومع تلك الظروف الغريبة التي يمرون بها فيبدو أنه سيطول لأكثر من ذلك!
في المساء..
جلس عمرو إلى جانب مُسعد بحرج طفيف اختفى سريعاً حالما بدأ الأخير بالحديث معه عن بعض الأمور العامة، مرت فترة ظهرت من بعدها جليلة والتي هتفت بود:
- نورت يا عمرو
- البيت منور بيكي يا أمي
ابتسمت جليلة باتساع لذاك اللقب في حين حك هو عنقه بتوتر، هو لا يرغب برؤية هاجر الآن، فهناك الكثير من الـ.. اللعنة!
توقف تفكيره وهو يراها تخرج من غرفتها بفستان بسيط من اللون الأزرق الذي التف حول خصره أنشوطة بيضاء لتظهر قوامها المعتدل، ابتلع لعابه بتوتر وهو يراقب شعرها القصير الذي وصل إلى كتفاها لتداعب خصيلاته وجهها بلطف، أزاح أنظاره عنها عُنوة ليرد على جليلة بحرج:
- بتقولي إيه يا أمي؟
- كنت بقول يعني يابني، ما تشوفلك شغلانة بشهادتك، انت متخرج من تجارة واكيد لو دورت على شغل هتلاقي، أهو أحسن من التاكسي، بص أنا ممكن أكلمـ..
قاطعتها هاجر بغيظ، فلقد تحدثوا بهذا الأمر قبل مجيئه وقد طلبت منها ألا تتدخل في هذا الأمر وألا تتحدث به أمامه كي لا يشعر بالحرج لكن ها هي والدتها قد أفسدت كل شيء، تحدثت بينما تتقدم من عمرو الذي جلس يرمق الأرضية بشرود:
- بعد إذنك يا بابا، كنت عايزة عمرو في حاجة مهمة قبل الغدا
هتفت وسمحت لنفسها بأن تلتقط كفه لتسحبه من خلفها إلى الشرفة، فتحتها وكادت تخرج لكنه جذبها بشيء من الحدة ليتحدث بقوة:
- انتي رايحة فين؟
- هطلع البلكونة يا عمرو في إيه، حاسب إيدي بتوجعني
أبعد يده عنها ليهتف بغيظ:
- اتفضلي خشي غطي شعرك ودراعاتك دول
- ده أنا هقف في البلكونة
زفر بضيق، فهو ليس مستعداً لشجار في مثل هذا الوقت، التقط عدة أنفاس تحدث من بعدها بهدوء حاول الحفاظ عليه:
- ممكن أعرف انتي محجبة ولا لا؟
عضت لسانها قبل أن تهتف بصوت خافت:
- محجبة
- ومالك يختي موطية صوتك كدا؟!
اشتعلت وجنتاها بخجل فهتف وقد علم أنها أدركت خطأها:
- الهدوم دي آخرها هنا يا هاجر، ولا تفتحي بيها باب ولا تطلعي بيها بلكونة، شعرك دا محدش يشوفه فاهمة؟
- حاضرة
هتفت بهمس فتحدث هو سريعاً:
- خشي غطي شعرك وتعالي
أومأت بإيجاب لتتركه وتتوجه إلى غرفتها في حين خرج هو إلى الشرفة بانتظارها، تأمل الشارع من أسفله وابتسم بخفة وهو يراقب الأطفال يلعبون بعضهم بمرح، ثواني وشعر بأحد يطوق عنقه ليتفاجأ بـ هاجر تقف إلى جانبه وهي تلف ذراعها حول رقبته..
- إيه يسطا سرحان في إيه يا جميل؟
كان مستنداً إلى الأمام يميل بجذعه نحو سور الشرفة فسهّل هذا عليها أن تصل إليه، اعتدل فجأة فتعلقت ذراعها برقبته لتتأوه بألم قبل أن تجذبها صارخة بحنق:
- في إيه يا عم الطويل انت؟
- لمي لسانك دا شوية
لوت ثغرها بحنق قبل أن تهتف بغيظ وهي تفترش الأرض لتجلس فوق بلاطها البارد وهي تشير إلى المكان بجانبها:
- تعال بس واحنا نلم كل حاجة سوا
تنهد بيأس قبل أن يجلس إلى جانبها، اقتربت منه لتلتصق به لتهتف بود:
- إلا انت عامل إيه؟
راقبها بشك وهو يجيب بترقب:
- الحمد لله
- طب ما تجيب بوسة؟
- نعم؟!!
سعلت بقوة قبل أن تعاود الحديث من جديد مغيرة مجرى الحديث:
- بقولك تاكل بسبووووسة؟
- لا شكراً
أجاب باقتضاب وأفكاره تعبث بعقله بقوة، نظر أمامه بشرود فتنهدت قبل أن تحتضن ذراعه لتستند برأسها عليه، انتبه لفعلتها لكنه لم يعقب، فبدأت هي بالحديث بعد فترة بثبات:
- ماما مكنش قصدها حاجة على فكرة، هي بتحبك والله بس هي كانت بتفكر في مستقبلنا و..
- وأنا ما اشتكتش ولا قصّرت في حاجة يا هاجر، الحاجة الوحيدة اللي مكنتش عاجباها اني مكنتش عايز أعمل خطوبة زي بقية البنات وكدا وكنت عايز أكتب عليكي عشان أعرف أتعامل معاكي بما يُرضي الله ومع ذلك لو كانت أصرّت عليها كنت هعملك خطوبة زي ما هي عايزة، بس هي وافقت، وكتبنا خلاص، وجهزت الشقة كلها وأظن إنك شفتي كل حاجة ومعتش في حاجة ناقصة غير أوضة الأطفال، فكان إيه بقى لازمتهم الكلمتين دول؟
- هي مكنش قصدها..
قاطعه بهدوء وهو يحاول السيطرة على أنفاسه:
- أنا فاهم، بس معلش اتعصبت شوية، أنا من يوم ما أبويا مات وأنا شغال على عربيته والحمد لله بفضل ربنا بشغلي دا وبالجمعيات قدرت أجهز أختي وأجوزها وأديني جهزت نفسي، فبصراحة مش فاهم والدتك زعلانة من الشغل ليه؟ ولا هي زعلانة عشان سواق يعني و...
قاطعته بلهفة وهي تقترب منه باندفاع:
- وفيها إيه سواق يعني؟ هو الشغل عيب ولا حرام؟ انت عاجبني كدا، وبعدين أنا مش عايزك تشيل كلامها في دماغك وتشيل من ناحيتها بالله، هي كان قصدها تقول كدا بحسن نية وكان قصدها تساعد فعشان خاطر ربنا بلاش دماغك توديك وتجيبك لأفكار وحشة زي دي
- طيب
أجاب باقتضاب فصمتت قبل أن تهتف فجأة:
- هو انت اتجوزتني ليه؟
تفاجأ من سؤالها لكنه ابتسم قبل أن يهتف بثبات:
- صدقيني مش عارف، أنا لو كنت عايز كنت ببساطة مش هاجي تاني وسناء مكنتش هتقدر تتكلم، بس لما نزلتي يومها وعيطتي في العربية وعطيتهالك تكلميها، مش عارف بس.. يمكن حسيت بشوية مسؤولية من ناحيتك
- مسؤولية بس يا عمرو؟
تسائلت برجاء مستتر ترجوه بأن ينطق بما يريح قلبها المتيم بعشقه، لكنه ناظرها بقوة ليهتف بتأكيد:
- أيوا، مسؤولية بس..
نظرت إلى الأسفل والتمعت الدموع بعينيها لكنه أكمل:
- لحد دلوقتي يعني
رفعت رأسها إليه وكادت تتحدث لكن قاطعها نداء والدتها من خلفها:
- يلا عشان تتـ.. انتو قاعدين كدا ليه؟
استقام عمرو سريعاً ونفض عن ثيابه بعض الغبار في حين رفعت هاجر ذراعها له لتهتف متصنعة الإرهاق:
- والنبي يا سمك إيه تشدني لإحسن ضهري واجعني
جذبها لهمس بجانب أذنها بخفوت:
- متحلفيش بالنبي تاني عشان حرام
- حاضرة
توجها إلى الداخل لينضما إلى والداها ليبدأوا جميعاً بتناول الطعام في أجواء دافئة افتقدها عمرو منذ فترة!
- هتفضل قاعد باصصلي كدا كتير؟
هتفت سعيدة بحسرة وهي تراقب ابنها يناظرها بخواء، لم يرد خالد واكتفى بتجاهلها فتحدثت بحنق:
- أنا نفسي أفهم اشمعنا دي اللي عاملة فيك كل دا، يابني انت مية واحدة بتتمناك، حاططها في دماغك ليه بس؟! ، سيبها بقي في حالها دي بقت متجوزة خلاص
انتفض ليصرخ بعنف:
- بس هتكون ليا وهتشوفي، هاخدها منه وقدام عينيه، ومحدش هيلمسها غيري وهتشوفو كلكو
- يا خالد ا...
قاطعها صائحاً بعنف وهو يبعثر محتويات الغرفة بهياج:
- وربنا ما هسيبها
تراجعت سعيدة سريعاً وهي تراقب ثورة ابنها بعيون مصدومة لا تكاد تصدق أن كل هذا يحدث بسبب هاجر!
استندت هاجر إلى ظهر المقعد لتتنهد بحالمية، تحسست أطراف شعرها الذي علّق عمرو على طوله سابقاً قائلاً:
- شعرك حلو كدا على فكرة
تنهدت من جديد وهي تغمض عيناها بحب، لقد كان متواجداً إلى جانبها حتى أنها ضمت ذراعه إليها حتى وإن لم يكن هذا بإرادته هو، أزعجتها قليلاً فكرة أنها قد تفرض نفسها عليه بأفعالها الهوجاء هذه لكن بعد تفكير دام لثوانٍ، بات هذا يناسبها فجأة، فهو حبيبها الأول والأخير والذي لن تسمح لغيرها بالحصول عليه خاصة بعدما تحقق ما كانت تصبو إليه وصارت زوجة له رغم تعقد زيجتهم بعد الشئ..
أفاقت على رنينٍ هادئ فالتقطت هاتفها لتتسع عيناها بصدمة، الشاشة تنير باسم (قرة عيني) ذاك اللقب الذي أطلقته على عمرو، أحقاً يتصل بها؟!
تركت الهاتف جانباً لتفرك عيناها بقوة محاولة توضيح الرؤية، نظرت إلى الهاتف مجدداً لكنها رأت نفس الاسم فابتسمت ببلاهة:
- احيه دا عمرو، دا بيرن عليا
وما إن استوعبت الفكرة حتى قفزت لترد عليه، لكنها وما إن كادت تجيب حتى انتهت المكالمة فصرخت برعب:
- لا لا بالله عليك رن تاني، ورحمة أمك ترن تاني هعيط وربنا
مرت ثوانٍ ارتفعت من بعدها نغمة رنين هاتفاً من جديد فسارعت بالرد دون وضع اعتبار لما قد يفكر به إذا ردت بهذه السرعة..
- الوو
- انتي كنتي قاعدة مستنياني التليفون ولا إيه؟
مازحها فأجابت بصراحة:
- ملحقتش أرد المرة اللي فاتت فاستنيتك ترن تاني
- انتي عاملة إيه طيب؟
جلست لتعبث بملابسها قبل أن تجيب برقة:
- بقيت كويسة لما كلمتني
صمت فلوت شفتيها بسخرية قبل أن تهتف باستهزاء مبطن بالحنق:
- إيه يا عمرو رحت فين؟
- احمم.. أنا اهو، انتي كنتي بتعملي إيه؟
- ولا حاجة، كنت بفكر
تساءل بتلقائية عابثة:
- فيا؟
صمتت بخجل لا تستطيع إنكار حديثه فابتسم ليتحدث بعد ثوانٍ:
- فاضية بكرة يا هاجر؟
- يا حبيبي أنا فاضية أربعة وعشرين ساعة
استوقفه ندائها له بـ (حبيبي) لثوان لكنه تخطاه سريعاً ليتحدث بهدوء:
- طب إيه رأيك تيجي تشوفي آخر التشطيبات بتاعة أوضة الأطفال بكرة؟
- عمرو
- نعمة
تحدثت بحالمية وهي تتخيل مستقبل دافئ يجمعها به:
- تخيل كدا إننا نخلف توأم و..
- مش لما نتجوز الأول؟
قاطعها سريعاً فصاحت بحنق:
- تصدق بالله إنك بايخ، روح نام يا عمرو أنا غلطانة إني رديت أصلاً..
لم تتوقف ضحكاته المتشفية في غضبها هذا فصاحت بحنق:
- طب وربنا لأطلعهم عليك لما نتجوز صبرا بس
- لا وعلي أي الطيب أحسن
- أيوا اتعدل كدا
صمت لبرهة قبل أن يمازحها بعبث:
- ما تجيبي بوسة
- عمرو يا حبيبي انت شارب حاجة؟
- ليه يعني؟
كادت تتراجع عما ستقوله لكنه سألها من جديد فأجابت بتردد:
- عادي يعني بس مستغربة شوية، رنيت عليا ودي أول مرة تحصل، وبتهزر معايا وانت أصلاً ساعات بحسك.. لا هو بصراحة دايماً بحسك مش طايقني، وبتاخد وتدي معايا في الكلام اهو زي أي اتنين مرتبطين عاديين، لا وعايز بوسة كمان.. النهاردة يوم غريب سيكا الصراحة
صمت قبل أن يجيبها بتساؤل:
- .....
رواية أمير قلبي الفصل العاشر 10 - بقلم ايمان محمود
تحدثت بحالمية وهي تتخيل مستقبل دافئ يجمعها به.
- تخيل كدا إننا نخلف توأم و..
- مش لما نتجوز الأول؟
قاطعها سريعًا فصاحت بحنق.
- تصدق بالله إنك بايخ، روح نام يا عمرو أنا غلطانة إني رديت أصلاً.
لم تتوقف ضحكاته المتشفية في غضبها هذا.
- طب وربنا لأطلعهم عليك لما نتجوز، صبر بس.
- لا وعلي إيه، الطيب أحسن.
- أيوا اتعدل كدا.
صمت لبرهة قبل أن يمازحها بعبث.
- ما تجيبى بوسة.
- عمرو يا حبيبي انت شارب حاجة؟
- ليه يعني؟
كادت تتراجع عما ستقوله لكنه سألها من جديد.
- عادي يعني بس مستغربة شوية، رنيت عليا ودي أول مرة تحصل، وبتهزر معايا وانت أصلاً ساعات بحسك.. لا هو بصراحة دايماً بحسك مش طايقني، وبتاخد وتدي معايا في الكلام أهو زي أي اتنين مرتبطين عاديين، لا وعايز بوسة كمان.. النهاردة يوم غريب سيكا الصراحة.
صمت قبل أن يجيبها بتساؤل.
- ......
عمرو العاقل هيرجع.