تحميل رواية «امرأة العقاب» PDF
بقلم ندى محمود توفيق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
دقائق طويلة قاربت على النصف ساعة وهي تقف بشرفة المنزل ، تستند بمرفقيها على سور الشرفة ، وعيناها معلقة على بوابة المنزل الكبيرة منتظرة على أحر من الجمر وصول والدها ، لقد طال غيابه هذه المرة عنهم ولم تراه منذ اسبوعين .. وعندما علمت من أمها أن اليوم هو يوم عودته قفزت فرحًا وسعادة وأخذت تجهز كل ما ستخبره به من أحداث حدثت طوال الفترة الماضية ، تخرج الألعاب الجديدة التي قامت بشرائها حتى تريه إياها عندما يعود ورسوماتها الطفولية التي قامت برسمها بألوان مختلفة وجميلة اهداهم إليها عمها ! . وأخيرًا ها هي س...
رواية امرأة العقاب الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم ندى محمود توفيق
كان مقيدًا من الجهتين باثنين ضخام البنية يجرانه لمكان غريب ومهجور.
يعي جيدًا ما ينتظره بذلك المكان.
فبعدما وصل لمنزله ووجده يحترق، ومن بعده فورًا انفجرت سيارته، تأكد أن تلك الأحداث من فعل عدنان الشافعي.
كان يعرف مكان تواجده طوال هذه الفترة ولم يقترب منه.
والآن يحسم النهاية المحتومة له.
كان يعلم بكل شيء عنه، لذلك تعمد حرق منزله الذي يدس به كل أمواله وكل ممتلكاته كبداية صغيرة لانتقامه.
أما السيارة فكانت إشارة أنه لو أراد لفجرها وهو بداخلها، لكنه لا يرغب بذلك.
وصل أخيرًا إلى ذلك المكان الأشبه بصندوق ضخم مغلق من جميع الجهات دون منفذ، ما عدا الباب.
انفتح الباب ودخل، وقد ترك الرجال يديه وتولى أحدهم مهمة زجه للداخل بعنف.
حتى وقف وتصلب عندما رآه يجلس على مقعد خشبي، واضعًا ساقًا فوق الأخرى وبيده سيجارته، يرفعها لفمه، يسحب الدخان، ثم يخرجها وينفث الدخان بشراسة في عينان ثاقبة تخترقه بشكل مرعب.
لحظات معدودة واستدار الرجال لينصرفوا ويتركوه معه بمفرده.
استقام عدنان من مقعده وعلى ثغره ابتسامة مرعبة، يهمس في سخرية:
"إيه، كنت متوقع إني مش هعرف اصطاد فار غبي؟ تحركاتك وإمكانياتك متوقعة ومعروفة."
بقى نادر واقفًا كما هو لا يتحرك، رغم الخوف الذي تمكن منه، وبالأخص عندما وقف عدنان أمامه مباشرة وغمغم بخفوت دب الرعب في أوصاله:
"كنت سايبك بمزاجي، عشان أقتلك وأفكر على رواق هعمل فيك إيه."
ثم انحنى على أذنه وأكمل بصوت أشبه بفحيح الأفعى السامة:
"تتوقع هعمل إيه في واحد خاني مع مراتي وأذاني في شغلي وحاول يأذي بنتي؟ لا والكبيرة أن المفروض أنا كنت بعتبره صديق! ياخي دي الناس بقت ***** أوي، ولا إنت إيه رأيك؟"
خرج صوت نادر أخيرًا مضطربًا بعض الشيء:
"لو قتلتني هتبقى إنت الخسران."
ضحك بعينان مظلمة تنبع منها شرارة الانتقام:
"ومين قالك إني هقتلك؟ الموت ليك راحة، وأنا عايز أتفنّن في تعذيبك."
كتف نادر بالكلمات الأخطر على الإطلاق في سذاجة منه لعدم إدراكه للطوفان العاتي الذي سيقوم الآن:
"مراتك هي اللي باعتك وباعت نفسها ليا، هي اللي كانت بتجيلي كل ليلة وتنام في حضني وتقولي إنها بتحبني، يعني مش أنا اللي كنت بجبرها."
أقسم أن النظرة التي استقرت ببندقيته أوقفت قلبه.
وبالمعنى الحرفي لم يعد يرى اللون البندقي بعينيه، بل فقط السواد.
ووجهه تقوّس كالوحش الهائج الذي سينقض على خصمه ويفتك به.
وعلى حين غرة وجد لكمة مبرحة وجهت له وأسقطته أرضًا من قوتها، وسط صوته الثائر:
"عشان هي ***** زيك."
كان سيهجم بالتكلم، لكنه باغته بضربة أخرى، وتوالت الكلمات من بعدها بجميع انحناء جسده.
تارة يستخدم يده، وتارة قدمه.
وكأن غمامة سوداء غطت على عينيه، لا يرى شيئًا أمامه سوى الظلام.
وكل تفكيره منصب بأن يفرغ نيرانه الملتهبة وانهيار رجولته به كلها.
لم يتمكن من لمسها أو أذيتها، لكنه سيفعل به، وسيكون هو المحظوظ بنيل بطشه وطموحه القاتل.
لم يستفق من حالته الثورانية إلا عندما رأى وجهه غارقًا بالدماء، كأنه سقط ببركة من الدماء، وجسده ملقى كجثة هامدة.
لم يمت، لكنه فقد وعيه وتغيب عن العالم لعدم تحمله الضرب المبرح الذي تلقاه للتو.
أفرغ به كل الكبت الذي كبحه بنفسه منذ اكتشافه لخيانتها له.
كان يكتم بداخله ويتصرف كأن كل شيء لم يكن، إلى الدرجة التي أشعرته بأن أنفاسه ستستمر بالتضييق عليه حتى تخنقه ويموت.
والآن قد أفرغ القليل من تلك الطاقة المكبوتة.
انتصب في وقفته بقوة لاهثًا، كأنه خاض سباقًا للعدو للتو.
وحدق بنادر في غل ونظرات منعدمة الرحمة.
وقبل أن يبتعد ليغادر، لكمه بقدمه في قسوة، ثم أكمل طريقه للخارج، وقال دون أن يتوقف عن السير، يلقي بتعليماته على رجاله:
"عينكم متغفلش عنه لحظة، وإلا هتكونوا إنتوا بداله."
رغم أنه يسير باتجاه سيارته ويوليهم ظهره، يعني لا يراهم، لكنهم هزوا رؤوسهم بإيجاب في خوف يلمع بعينيهم.
***
اليوم الثالث على التوالي ولا يوجد أي جديد.
ما زالت كما هي، كلما يأتي ليراها يجدها تجلس على المقاعد المقابلة لغرفة جدتها.
إما تكون ساكنة كالصنم وشاردة، أو تبكي.
لكن اليوم هناك اختلاف بسيط بحالتها.
كانت تمسك بصورة بيدها، تتطلع إليها بحزن وتبتسم في مرارة.
سار نحوها حتى جلس بجوارها، وغمغم بتعجب، ناقلًا نظره بينها وبين تلك الصورة التي تجمع رجلًا وامرأة جالسين على أريكة، وبالمنتصف تجلس بينهم طفلة صغيرة، وجميعهم يضحكون باتساع:
"مهرة!"
طالعته بعينان دامعتان، ثم عادت مرة أخرى تتأمل الصورة بألم.
فاقترب منها أكثر وهمس في اهتمام محفوظ بنبرته:
"مهرة، ردي عليا، إنتي كويسة؟"
انهمرت دموعها كالشلال فور سؤاله.
فقد كانت تنتظر أحدهم ليسألها ذلك السؤال المعتاد حتى تنهار، وهي تهز رأسها بالنفي كإجابة على سؤاله وسط بكائها.
انفطر قلبه بألم لأول مرة، ولم يطاوعه أن يبقى ساكنًا هكذا دون أن يحاول التخفيف عن قلبها النقي والجميل.
دموعها بات لا يتحمل رؤيتها، يتألم بشدة كلما يراها تبكي هكذا.
تمنى لو أن بوسعه شيء ليفعله ويعيد لها جدتها حتى تعود الضحكة لشفتيها من جديد، لكن ما باليد حيلة.
رفع كفيه وأحاط وجهها، يديره ليصبح مواجهًا لها، ويغمغم بخفوت ساحر، يثبت عينيه على خاصتها بقوة:
"اتكلمي وقولي، صدقيني هترتاحي. متخافيش مني واتأكدي إني هفهمك. أنا غير أي حد عرفتيه بحياتك يا مهرة."
أومأت برأسها في تفهم، وتمتمت بعينان لامعة رغم الدموع والحزن:
"عارفة، وعشان كدا بطمن وإنت جنبي يا آدم."
ابتسم لها بدفء وحنو، بينما هي فكانت نظراتها تتعلق به كأنه طوق النجاة الوحيد.
طالت النظرات حتى قطعت هي اللحظات، وابتعدت عنه، تعيد نظرها للصورة التي بيدها لثوانٍ معدودة، قبل أن تبدأ بالحديث، تسرد له إحدى لحظاتها المظلمة:
"كنت لسه صغيرة، يعني عندي حوالي عشر سنين. وبابا كان معاه فرن، وفي يوم نزلنا أنا وماما وكنا رايحين له. كان لسه الصبح بدري، ومكنش في حد في الفرن أساسًا. ماما دخلت لبابا جوا، وأنا فضلت برا زي أي طفلة، وقعدت ألعب وأجري في الشارع. وفجأة مرة واحدة الفرن انفجر بسبب أنبوبة غاز، وكانوا هما لسه جوا. أنا كنت قريبة من الفرن برا، ومن شدة الانفجار النار لحقتني أنا كمان. بس على صوت الانفجار الجيران والناس بدأت تخرج ولحقوني أنا، لكن بابا وماما مكنش لهم أثر نهائي، مجرد أشلاء تبقت منهم. أخدت سنين بعدها في حالة رعب وخوف، وكنت بتعالج من الحروق اللي في جسمي. ومن وأنا عندي 10 سنين، جدتي هي اللي خدتني وربتني معاها. كانت هي الأب والأم ليا من بعدهم. اهتمت بيا وعوضتني عنهم وبقت هي كل حياتي، مليش غيرها يعني. داوتني وعالجتني ومخلتنيش أحس بفراق الأب والأم أبدًا، رغم إنها كانت بتموت من جواها من حزنها على ابنها ومراته ونهايتهم القاسية، لكن فضلت قوية وصامدة عشاني، وتقولي: 'إنتي الحاجة الوحيدة اللي متبقيالي من أبوكي، بشم ريحته فيكي وبشوفه فيكي'. ووعدتني إنها مش هتسيبني وهتفضل جنبي ومعايا، مينفعش تخلف بوعدها دلوقتي وتسيبني."
تمزق قلبه حزنًا وألمًا عليها.
عيناه متأثرة بشكل هيأ لها أنها ستذرف الدموع من أجلها.
لكنه استمر في التطلع إليه بحنو وحزن، ودون أن يشعر، فرد ذراعيه ولفهما حولها، يجذبها لصدره دون أن يتفوه ببنت شفة.
لا يدري ماذا يقول لها، فمهما قال لن يخفف عن ألمها.
أحيانًا يكون الصمت هو أفضل رد حين نعجز عن إيجاد الكلمات المناسبة.
وبعد برهة قصيرة من الوقت، قذف بذهنه حديثه مع الطبيب قبل أن يأتي لها.
كان ينوي أن يخبرها بتلك الأخبار فور رؤيته لها، لكن ما سردته له أنساه كل شيء.
هتف آدم بعينان لامعة بوميض دافئ:
"أنا كنت عند الدكتور قبل ما أجلك على فكرة، وقالي إن حالتها تحسنت جدًا، يعني احتمال كبير تفوق الليلة أو بكرة. عمومًا، خلال الأيام دي بنسبة كبيرة جدًا إنها تفوق من الغيبوبة."
ابتعدت عنه بسرعة، وقالت بتلهف وعينان عادت تلمع بالأمل من جديد:
"بجد؟ يعني جدتي هتفوق وترجع زي الأول؟"
أومأ لها برأسه مبتسمًا في ود وسعادة برؤية تلهفها وابتسامتها التي تظهر بخفوت فوق ثغرها.
ثم تمتم بلطف:
"اممم، هترجع زي الأول واحسن كمان. بس ادعيلها تقوم بالسلامة، وادعيلهم كمان بالرحمة، هما في مكان أفضل مننا كلنا. والأهم من ده كله، بلاش عياط تاني بالله عليك."
مهرة بحماس وعينان دامعة بلهفة وشوق:
"هي تفوق بس، وأنا الدموع مش هتعرف طريق عينيا تاني."
التقط كفها يحتضنه بقوة، هامسًا في نظرة عميقة وواثقة:
"هتفوق بإذن الله، خلي عندك يقين في ربنا."
"ونعم بالله."
***
في مساء ذلك اليوم...
تحاول الوصول إليه عبر اتصالاتها المتكررة منذ خروجه بالصباح في هذه الحالة دون أن يخبرها بشيء، لكنه لا يجيب، ولا تعرف عنه شيء.
لم يدعها حتى تسأله عن من كان يتحدث بالصباح، حيث رحل مسرعًا دون أي توضيح.
مما جعلها تتأكد أنه ذاهب لنادر بعدما عثر عليه.
الوساوس والخوف ينهشان قلبها نهش.
تقلق بشدة عليه خشية من أن يصاب بمكروه أو يتصرف بتهور ويؤذيه.
حتى أنها حاولت أيضًا الاتصال بآدم أكثر من مرة لكي يلحق بأخيه، ولكن نتيجة اتصالاتها كانت نفسها.
فظلت هي تقضي الساعات في رعب وقلق، لا تتمكن من الوصول إليه، وتفشل في التوقف عن الخوف والتفكير بالسوء أيضًا.
أقسمت أنه حين يعود ستعنفه بشدة وتثور به كالعاصفة.
عيناها عالقة على ساعة الحائط منذ وقت طويل، وتفرك يديها ببعضهما من فرط توترها.
وأخيرًا انفتح الباب ودخل منه بهدوء يحسد عليه.
فوثبت واقفة وهتفت بشبه صيحة مستاءة:
"مش بترد على التليفون ليه يا عدنان؟ من الصبح وأنا برن عليك ومش بترد عليا لغاية ما كنت هتجنن."
نزع سترته عنه، وألقاها بعدم اهتمام، يزفر النيران من صدره دون أن ينظر لها أو يجيب عليها حتى.
فاندفعت هي نحوه بسخط نابع من قلقها، تهتف:
"عدنان، أنا بكلمك رد عليا!"
اكتفى بجملة واحدة كانت بمثابة إنذار أول، لكنها لم تفهم:
"مش وقته يا جلنار، أنا عفاريت الدنيا كلها بتتنطط قدام وشي."
تقدمت ووقفت بجواره تهتف في عناد:
"ريحني وقولي كنت فين وعملت إيه."
التفت برأسه إليها بشكل مفاجئ، وحدقها بنظرة مميتة أرعبتها.
كانت عيناه حمراء كالدم، فشعرت وكأن شرارات نارية تخرج منها، إن لم تبتعد ستحرقها معه.
لم يكتفِ بتلك النظرة، بل هتف بصوت متحشرج ومحتقن، يلقي عليها هذه المرة تحذيرًا وليس إنذارًا:
"قولتلك مش وقته."
ظلت ثابتة بأرضها تحدقه بدهشة وخوف بسيط.
هي لم تراه بهذه الحالة حتى عندما اكتشف خيانة فريدة له.
تابعته بنظراتها المدهوشة وهو يتحرك باتجاه الحمام ثم يختفي به.
تقدمت من الفراش وجلست فوقه بعينان تجول في الغرفة بأكملها، وبالأخص على باب الحمام تنتظر خروجه.
تعاني من حربًا عنيفة داخلها، طرف يريدها أن ترحل وتتركه، والآخر يصرخ بأن تظل معه وتبقى بجواره.
أمام كل ما يفعله من أجل إرضائها، لن تتمكن من الجفاء أكثر وتركته بهذه الحالة.
ستظل معه رغمًا عنه وعن جموحه.
دقائق قصيرة وخرج من الحمام عاريًا الصدر، يلف منشفة بيضاء كبيرة حول نصفه السفلي.
توقفت واقتربت منه، تقف خلفه وهو يخرج ملابسه من الخزانة.
فسمعته يهتف بجدية وغلظة:
"جلنار، الأفضل تفضلي ساكتة، ولو مش هتقدري روحي اقعدي عند هنا. أنا مش عايز أتعصب عليكي وأهد كل اللي فات واللي اتعمل."
عقدت ذراعيها أمام صدرها بنظرة قوية، وغمغمت بخفوت وهدوء تام:
"للأسف مش هقدر أفضل ساكتة، لأن سكوتك ده هو اللي بيخوفني أكتر."
استدار بجسده لها وهدر غاضنًا حاجبيه:
"بيخوفك من إيه؟"
جلنار بصراحة دون أي تردد:
"إنك تكون عملت فيه حاجة يا عدنان وضيعت نفسك."
تمتم بصوت رجولي خشن:
"معملتش حاجة فيه حتى الآن."
"يعني إيه حتى الآن؟ تقصد إيه؟"
عدنان بهدوء غريب:
"متخافيش، مش هقتله."
كانت ستهُم بالرد، لكنه أمسك بطرف المنشفة، مغمغمًا بوقاحة حتى ينهي ذلك الحديث المثير لأعصابه:
"عايز ألبس. لو حابة تفضلي واقفة كدا أنا معنديش مشكلة."
أمسكت بيده قبل أن يفك المنشفة، وهتفت بحدة وغضب:
"بتعمل إيه؟ بلاش قلة أدب! أنا خارجة برا أساسًا."
ثم ابتعدت واندفعت للخارج مسرعة، متمتمة بصوت مسموع في غيظ:
"أنا غلطانة إني مهتمة أصلًا، وقح ومش محترم صح."
رغم حالته المخيفة والغضب الذي يستحوذ عليه بشكل كامل، إلا أنها نجحت في جعله يبتسم مرغمًا أمام ردة فعلها العفوية وكلامها.
***
توقف بسيارته على جانب الطريق، وفتح الباب ونزل، ثم قاد خطواته إلى داخل ذلك المقهى.
وحين وصل للداخل، تجول بنظره بين الجميع يبحث عنها، فوجدها تجلس فوق أريكة صغيرة مقابلة للماء.
ذلك المقهى وتلك الأريكة المفضلة لديها منذ سنوات.
فحتى قبل أن يغادر لألمانيا، كانت كثيرًا ما تأتي للجلوس هنا بمفردها.
تقدم نحوها بخطوات متأنية، وجلس بجوارها فوق الأريكة، هامسًا بعينان عالقة على المياه:
"ياترى إيه سبب اتصالك؟"
التفتت له زينة وتمتمت بصفاء ضاحكة:
"يعني محبتش أقعد لوحدي، فقولت أتصل بيك تيجي تقعد معايا ونتكلم مع بعض زي زمان. ده إنت ليك خمس سنين محدش بيشوفك."
أومأ برأسه تجاهها، وحدقها بحب، هاتفًا:
"لسه متغيرتيش يا زينة، زي ما إنتي."
ابتسمت برقة وأجابت بنظرات ثابتة وجادة:
"بس إنت اتغيرت أوي يا هشام، حاسة إنك واحد تاني تمامًا، غير ابن عمتي وصديقي اللي اتربيت معاهم."
ارتسم على ثغره ابتسامة باهتة، وتمتم بنظرات ذات معنى:
"اتغيرت فعلًا غصب عني، بس قلبي لسه زي ماهو، ومش عارف أغيره."
انحرف مجرى الحديث بالطريق الأكثر حماسًا بالنسبة لها، حيث اعتدلت في جلستها، واثبة وبقت مواجهة له تمامًا، تهتف بتشويق وفضول:
"أنا قولت من الأول إنت فيك حاجة مش طبيعية، احكيلي بقى مين دي؟"
هشام باستغراب:
"هي مين دي؟"
نكزته بكتفه في غمزة ماكرة، وهدرت بمشاكسة:
"اللي مش عارف تغير قلبك بسببها. اخلص بقى يا هشام، قولي بالله عليك، هي من مصر طيب ولا من ألمانيا؟"
ضحك بخفة على طفوليتها، ثم أزاح بوجهه يثبته تجاه المياه، يجيبها:
"من مصر."
تحمست أكثر، فقالت بوجه متسع بالابتسامة:
"أعرفها طيب؟"
اكتفى بإيماءة رأسه الخفيفة كإجابة على سؤالها، وسط نظراته الجانبية لها.
فوصل حماسها للذروة بعدما حصلت على تأكيد سؤالها، وقالت:
"اسمها إيه؟ قولي طالما أعرفها!"
هشام بابتسامة منطفئة:
"مينفعش."
"ليه؟"
اختفت ابتسامته، وتمتم بمرارة:
"اتخطبت."
سقط حماسها من ذروته لنقطة الصفر، وعبست هي الأخرى، لكن عادت تهتف بأمل تبثه إليه:
"يمكن تفسخ خطوبتها؟ إنت إيه عرفك؟"
هدر هشام بأسى وصوت يفيض ندمًا:
"أنا اللي غلطان، مكنش ينفع أسيبها. لكن أنا استسلمت ومحبتش أجبرها عليا، بس المفروض كنت أحارب عشانها ومأسيبهاش كل السنين دي لغاية ما ضاعت مني."
عبست أكثر وأشفقت عليه من فرط حزنها.
ليخرج همسها الرقيق في تأثر بشجنه:
"بتحبها أوي؟"
تطلع بعينيه للحظات، نظرات كلها ندم وحزن، ثم تمتم بخفوت وصوت يحمل بحّة رجولته:
"فوق ما تتخيلي."
أدمعت عيناها، فكلماته وحبه النقي والشديد لتلك الفتاة ذكّرها بحبها السابق الذي خرجت منه بائسة ولم تحصل سوى على الألم والأسى.
لم تتمكن من منع دموعها، فانهمرت فوق وجنتيها، لتسمعه يهتف بحيرة وقلق:
"بتعيطي ليه؟"
رفعت أناملها فورًا تجفف دموعها، وتجيبه مبتسمة بلطافة جميلة:
"لا عادي، أصل أنا بتأثر من الحكايات اللي زي كدا مش أكتر. أنا بقول نغير الموضوع أفضل بدل ما أعيط وأفضحك بجد."
ضحك بخفة، ثم أومأ لها بالموافقة، هامسًا في تأييد لرأيها:
"ياريتا."
استعادت رباطة جأشها وجففت دموعها تمامًا، ثم بدأت تتبادل معه أطراف الحديث عن مواضيع مختلفة، أهمها كانت عن طبيعة حياته بألمانيا.
ولم تخلو جلستهم من الجانب الكوميدي والضحك المتبادل بينهم.
***
صباح اليوم التالي...
بعد رحيله بما يقارب لساعتين بالضبط، سمعت صوت طرق الباب.
ركضت الصغيرة قبلها لكي تفتح، ولحقت هي بها.
تعمقت هنا بمقبض الباب وفتحته، ثم جذبت الباب إليها متراجعة للخلف معه، فتقابل أمامه امرأة طويلة تمسك بيدها حقيبة جميلة، وتتطلعها بابتسامة صافية.
وصلت جلنار ووقفت خلف ابنتها، تحدق بتلك الفتاة الجميلة.
ذات قوام طويل وممشوق، وتترك الحرية لشعرها الكستنائي، وتضع الكثير من مساحيق الجمال بوجهها.
ضيقت جلنار عيناها باستغراب، وقبل أن تهتف، كانت الفتاة تهتف بعذوبة:
"أنا نرمين، ميك أب أرتست، ومستر عدنان بعتني لحضرتك عشان الميك أب."
اتسعت عينا جلنار بدهشة، وغمغمت بعدم فهم:
"عدنان؟ بعتك ليه؟ مش فاهمة."
"هو بلغني إني آجي لحضرتك، وإنك لازم قبل الساعة سبعة تكوني جاهزة تمامًا. هو ده بس اللي بلغني بيه."
سمعت الصغيرة صوت رنين هاتف أمها، فهرولت راكضة مسرعة حتى تجلبه لها، وعادت ركضًا إليها، تهتف بعدما رأت صورة أبيها على شاشة الاتصال:
"بابي بيتصل."
التقطت جلنار منها الهاتف، ثم نظرت لتلك الفتاة، وتمتمت بأسلوب لطيف:
"لحظة بس هرد وأرجعلك."
هزت الفتاة رأسها بإيجاب في عذوبة، وبمجرد ابتعاد جلنار عن مسامعهما، اندمجت بالحديث مع الصغيرة.
بينما جلنار فأجابت على الهاتف، وكان سؤاله هو يسبقها:
"نرمين وصلت؟"
أجابت بعدم فهم وشيء من الحزم:
"مين البنت دي أصلًا وبعتها ليه؟ مش فاهمة."
عدنان بخفوت جميل وصوت دافئ:
"هتفهمي كل حاجة بليل. نص ساعة بالكتير، وفي فستان هيوصل على البيت، البسيه وسبيها، هي عارفة شغلها وعارفة هتعمل إيه."
جلنار بعدم فهم واستغراب شديد:
"فستان إيه ده؟ عدنان فهمني إيه اللي بيحصل وإيه بليل؟"
غمغم بصوت ينسدل كالحرير ناعمًا:
"قولتلك بليل هتعرفي كل حاجة. إنتي اجهزي واعملي زي ما بقولك بس، عشان الساعة سبعة هاجي آخدك."
لا تفهم أي شيء.
يتكلم بالألغاز ويرفض إخبارها بشيء.
وكل ما هو مطلوب منها أن ترتدي ذلك الفستان الذي سيصل بعد نصف ساعة، وتترك تلك الفتاة تتولى مهمة تزيينها والاهتمام بمظهرها الليلة.
أنزلت الهاتف من فوق أذنها متأففة بنفاذ صبر، ثم عادت مرة أخرى للفتاة، متمتمة في ود تشير لها بالدخول:
"اتفضلي. آسفة إني سبتك واقفة كدا، بس هو مقاليش أي حاجة عشان كدا استغربت وكنت بكلمه دلوقتي."
ردت الفتاة ببشاشة:
"ولا يهمك. هو مستر عدنان واضح إنه مجهزلك مفاجأة."
اكتفت جلنار بابتسامتها البسيطة، وعقلها مشغول بجملتها.
هل حقًا يجهز لها مفاجأة؟ وإن كان صحيحًا، فما هي إذًا؟
***
تسلل للمطبخ كاللصوص بعدما عرف أنها بالداخل.
كان يسير باتجاهه ويلتفت حوله خشية من أن تأتي خالته وتراه.
دخل وسار خلفها متأنياً دون أن تشعر به، ثم وقف بجوارها وهتف غامزًا بمداعبة:
"الجميل بيعمل إيه في المطبخ!"
طالعته نادين مبتسمة وقالت في استنكار:
"بعتقد أنو أنا اللي بيحقلي أسألك إنت شو بتساوي هون؟"
أجاب حاتم بعبث:
"ولا حاجة، كنت ماشي في البيت عادي ولقيت نفسي فجأة في المطبخ."
ضحكت نادين وردت ساخرة:
"والله؟"
تجاهل سخريتها من إجابته وثبت كامل تركيزه على ضحكتها التي جعلته يميل عليها ويقول بهيام:
"طيب قولتي إيه بقى؟ لسا مفكرتيش؟"
أزاحت بوجهها عنه، وثبتت على الشطيرة التي تقوم بتحضيرها، هاتفة في دلال:
"في شيء اسمه صبر إذا ما بتعرفه. أكيد ما لحقت أقرر من امبارح لليوم. بالنهاية هاد زواج مش لعب عيال، يعني لازم آخد كامل وقتي بالتفكير. شو بيعرفني بعد الزواج شو بتعمل فيا مثلًا؟"
تلاشى حماسه تمامًا وتجمد وجهه بحيرة ليجيبها:
"هعمل فيكي إيه يعني؟"
نادين ببرود متعمد إثارة جنونه:
"ما بعرف، بس لازم أفكر منيح الأول قبل ما آخد قرار."
اشتعال بنيران غيظه بالفعل، حيث هتف في لهجة لا تحمل المزاح:
"بقولك إيه، أنا مش عايز جنان، احسن أقسم بالله أتصل بالمأذون وأجيبه وأكتب كتابي عليكي غصب."
نادين بعينان متسعة في دهشة:
"لك إنت اللي مجنون والله، أي بناقص كمان؟"
رأت النيران تشتعل في عينيه من فرط الغيظ وعدم صبره، لتضحك برقة وتقول في غنج:
"راح علّمك الصبر يا روحي."
ذاب أمام دلالها ونظراتها ونبرتها.
فانفرجت شفتيه بشكل لا إرادي ونزل فكه لأسفل، خصوصًا بعد كلمتها الأخيرة.
بينما هي فأرسلت له ابتسامة ناعمة قبل أن تستدير وتنصرف وهي تحمل الصحن الذي تضع فوقه الشطيرة.
ازدرد ريقه بصعوبة، وغمغم بصوت ذائب:
"بتتدلع عليا؟ بس ماله تتدلع، حقها."
***
كان صباح ذلك اليوم هو الأسعد على الإطلاق بالنسبة لها بعدما أخبرهم الطبيبة بالبشرى المنتظرة وهي استيقاظ "فوزية" من غيبوبتها المؤقتة.
صرخت مهرة بسعادة عارمة، وبدون أي مقدمات كانت ترمي على آدم تعانقه كردة فعل لا إرادية منها.
فلم يبعدها هو أو يتردد كالعادة، بل سعد لسعادتها ورؤية وجهها يعود له النور من جديد، ولف ذراعه حول ظهرها بلطف.
كانت تجلس مهرة مع جدتها بالغرفة ليسمعا صوت طرق الباب.
فيخرج صوتها تسمح للطارق بالدخول.
فتح آدم الباب برفق ودخل، وعلى وجهه ابتسامة ساحرة، ليقترب من فراش فوزية ويهمس:
"حمد الله على سلامتك."
ردت فوزية بود وصوت خافت:
"الله يسلمك يا بني."
ثم نظرت لمهرة بنظرات استفهام عن هوية ذلك الشاب، فتجيبها مسرعة وهي تحدق بآدم مبتسمة:
"ده آدم اللي حكيت لك عنه يا تيتا من شوية، مديري في الشغل، وكان واقف معايا طول الكام يوم اللي فاتوا، مسبنيش لحظة."
لاحت الابتسامة العذبة فوق شفتي فوزية، ونظرت لآدم تقول بامتنان ومحبة:
"ربنا يباركلك يا بني، تسلم على وقفتك جنب مهرة، مش عارفة أشكرك إزاي، دي ليها ساعتين بتحكيلي عنك."
آدم بأسلوب راقٍ ومحترم:
"أنا معملتش حاجة والله يا ست الكل، الحمد لله إنك قومتي بالسلامة بس."
فوزية بنقاء وابتسامة واسعة:
"ربنا يكرمك ويوقفلك أولاد الحلال يا بني."
أجابها آدم ممتنًا لدعواتها:
"اللهم آمين. أنا هستأذن بقى، عايزين أي حاجة؟"
"لا، عايزين سلامتك."
كانت جملة تفوهت بها فوزية بنفس نبرتها السابقة، وحين استدار وغادر، وثبت مهرة واقفة ولحقت به للخارج.
وقفت معه أمام باب الغرفة، هاتفة برقة جديدة عليها:
"متشكرة يا آدم جدًا بجد."
"على إيه؟ أي حد مكاني كان هيعمل كدا."
هزت رأسها بالنفي تجيبه في جدية:
"لا صدقني محدش كان هيقف معايا وجمبي كدا زيك، وزي ما قولتلي امبارح إنت غير أي حد فعلًا."
ابتسم لها بلمعة عينان مختلفة، وهمس بنظرات تحمل معاني صادقة:
"وإنتي كمان."
ثم تابع بنفس تعبيرات وجهه:
"لو عاوزتي أي حاجة اتصلي بيا."
هزت رأسها بالإيجاب في عينان لامعة بوميض جديد وعاطفي، وحين رأته يهم بالاستدارة ليغادر، أوقفاته بجملتها:
"هو أنا ينفع آخد إجازة يومين كمان من الشغل لغاية ما زوزا تقوم بالسلامة وتخرج من المستشفى؟"
ضحك والتفت برأسه لها، يهتف في إيجاب:
"براحتك يا مهرة."
ثم استدار وسار مبتعدًا بضع خطوات عنها، فأسرعت هي خلفه تنادي عليه:
"آدم!"
توقف وقبل أن يهم بالاستدارة إليها، كانت هي تقف أمامه وتقول بإحراج وخفوت:
"إنت اتكلفت بكل حاجة من بداية دخول تيتا المستشفى ودفعت كل حاجة تقريبًا، ممكن تخصم المصاريف دي كل شهر من مرتبى، يعنى لإني الحقيقة دلوقتي مـ......"
سمعت صوتها الحاد يوقفها عن استرسال حديثها، ويهتف في صرامة وبهجة لا تقبل النقاش:
"ارجعي لجدتك، ومتقوليش الكلام ده قدامي تاني، بلاش هبل هااا."
"بس أااا..."
آدم بغضب بسيط:
"مـهـرة أنا قولت إيه!"
التزمت الصمت مجبرة، وهي تزم شفتيها بخنق وعدم حيلة.
بينما هو فلانت قسمات وجهه من جديد، وودعها بابتسامته الجذابة قبل أن يبتعد ويسير بعيدًا عنها.
استدارت بجسدها كاملًا للخلف، تتابعه بنظراتها، وبشكل لا إرادي كانت الابتسامة المغرمة تعتلي وجهها كله.
وسرعان ما أدركت حماقة تعبيرات وجهها، فتقوست معالمها بحزم، تهتف في حدة لنفسها:
"الله في إيه؟ ما تجمدي شوية كدا يا مهرة!"
ثم استدارت وعادت نحو غرفة جدتها، تهتف بهيام كأنها تجيب على نفسها:
"طيب ماهو جميل أوي بصراحة!"
عادت تجيب بحدة على نفسها، تعنفها:
"هو إيه اللي جميل ده؟ ما تحترمي نفسك، أما إنتي مدلوقة بصحيح!"
أنهت الجدال الغريب واللطيف مع نفسها بذلك التأفف المرتفع الذي خرج من بين شفتيها في عدم حيلة.
***
في تمام الساعة السابعة مساءً...
رحلت تلك الفتاة بعدما انتهت تمامًا من عملها على أكمل وجه، وبقت جلنار واقفة أمام المرآة تتطلع لنفسها بذهول وإعجاب.
هي لم يسبق لها ووضعت كل مساحيق الجمال هذه فوق وجهها.
تتمعن بنفسها كأنها ترى شخصًا غريبًا عنها.
لكن بقدر استغرابها لهيئتها، إلا أنها أعجبت بالمظهر الجديد التي تظهر بها للوهلة الأولى.
وذلك الفستان الذي قام بشرائه لها، كان رائعًا، مضبوطًا تمامًا فوق جسدها، يعطيها لمسة أنثوية صارخة.
كان من اللون الأحمر.
ولم تحتاج للتفكير في سبب اختياره لذلك اللون خصيصًا.
فهي زهرته الحمراء كما يصفها دومًا.
كان الفستان طويلًا وينسدل بانسياق فوق جسدها، ضيقًا بعض الشيء.
وأكمامه طويلة تصل لبعد مرفقيها، أما بالمنتصف فكان لديه فتحة بسيطة لا تظهر داخلها، ومن الظهر كانت فتحته بنفس قدر فتحة الأمام.
استفاقت على صوت الباب الذي انفتح ببطء، ودخل هو مرتديًا بنطالًا أسود ويعلوه قميص أبيض، وفوقه سترته السوداء.
لم تتحرك أنشًا واحدًا، وحافظت على ملامحها جامدة، حتى وهي تراه يتأملها بحب وإعجاب يفيض من عينيه فيضًا.
وثغره تعلوه ابتسامة دافئة.
لا تنكر إن نظراته أخجلتها قليلًا، فقالت محاولة تدارك الأمر:
"الميك أب أوڤر شوية، مش كدا؟"
تقدم منها وهمس بعاطفة جيّاشة:
"لو كنت أعرف إنك هتكوني بالجمال ده، كنت خليتها بينا بس."
جلنار بعدم فهم:
"طيب ممكن بقى تفهمني في إيه بالظبط وليه خلتني ألبس كدا؟"
انحنى عليها ولثم وجنتها بعمق، ثم همس بصوت أذابها:
"مفاجأة، وكلها دقائق وتعرفيها."
ثم ابتسم بحنق بسيط، وهدر في جدية تنبع بصوته:
"إنتي خلتيني أندم إني اخترت الفستان ده. أنا من دلوقتي غيران عليكي."
ابتسمت رغمًا عنها في تلقائية، وظهر توترها بوضوح على وجهها ووجنتيها الوردية، لتقول مسرعة تغير مجرى الحديث:
"هنا فين؟"
عدنان ضاحكًا بخفوت:
"مستنيانا في العربية برا، يلا عشان منتأخرش."
هزت رأسها بالإيجاب وسارت معه للخارج، ليستقلوا بالسيارة.
وقبل أن ينطلق بها، تقفز هنا من المقعد الخلفي تهمس في أذن أبيها بشيء لم تسمعه جلنار، التي قالت بتعجب:
"في إيه؟"
قالت هنا مسرعة بضحكة طفولية جميلة:
"مفيش حاجة يا ماما."
نقلت جلنار نظرها بينهم بحيرة وبعض الغيظ من الغموض الذي يهيمن عليهم، وهي الوحيدة التي لا تفهم شيء.
***
وصلوا أخيرًا وبعد دقائق طويلة نسبيًا داخل السيارة.
نزل عدنان وهنا أولًا، ثم تبعتهم هي، وسارت بجواره للداخل.
كانت ردهة طويلة مسطحة من الأعلى ومغلقة، ونهايتها حديقة المنزل الواسعة.
فضيقت هي عيناها بريبة، وقالت:
"مش دي الڤيلا القديمة بتاعتنا يا عدنان؟"
اكتفى بإيماءة رأسه وهو يبتسم، وسارا معًا للداخل.
تصلبت مكانها عند نهاية الردهة وبداية الحديقة، حين رأت الجميع ينتظرهم، حتى أن هناك أشخاصًا لا تعرفهم.
وبالمنتصف بينهم كانت هناك كعكة ضخمة تتوسطها صورتها التي رأتها بصعوبة عن ذلك البعد.
استغرقت دقيقتين كاملتين تستوعب فيه ما تراه أمامها بصدمة.
وتداركت أخيرًا ما يحدث عندما تذكرت أن اليوم هو يوم ميلادها.
فتلفتت برأسها إليه في صدمة، كأنها تنتظر منه التأكيد على ما تراه.
انحنى على أذنها وهمس في غرام:
"كل سنة وإنتي معايا وجمبي يا رمانتي."
لمعت عيناها بعبارات السعادة، وللوهلة الأولى يرى الحب في عينيها بوضوح، مما جعله ينحني من جديد، ليلثم جبهتها، ثم تابع بغمزة رائعة:
"قبل ما نبدأ الحفلة ونقطع الكيكة، تعالي هوريكي حاجة."
أمسك بكفها وسحبها معه، فقالت وهي تتلفت خلفها على الجميع وتعود تنظر له، هاتفة بجدية وخجل:
"مش وقته يا عدنان، خليه بعدين، الناس موجودة، مينفعش."
لم يعرها اهتمامًا، واستمر بطريقه إلى الحديقة الخلفية من المنزل.
وقفا أمامها، وفتح الباب الخشبي الخاص بها، ثم دخل هو أولًا، ولحقت هي به.
كان الظلام يعم المكان كله، ولا ترى شيئًا، إلا عندما رفع هو يده إلى كبس الكهرباء المعلق، وضغط عليه، فأضاءت الحديقة الصغيرة بأكملها.
انفرجت شفتي جلنار بذهول مما تراه.
الحديقة ممتلئة بالزهور الحمراء من كل جانب، وجميعهم متفتحين بشكل مبهر ورائع.
أكثر ما تعشقه هو الزهور، وبالأخص الحمراء.
فانتابتها حالة من الذهول والسعادة الغامرة، جعلتها تندفع نحوهم جميعًا، تنحني فوق كل واحدة والأخرى تشم رائحتها الذكية.
حتى وقعت عيناها على الشجرة الطويلة بعض الشيء والممتلئة بالزهور الحمراء.
فضحكت بصمت، واقتربت منها بتأنٍ، ترفع يدها تلتقط إحدى الورود دون أن تقطفها، ثم تلتفت برأسها إليه مبتسمة، وتقول:
"جلنار!"
تلك الورود كانت لزهرة الرمان المعروفة باسم (زهرة الجلنار).
لا تصدق أنه فعل كل هذا من أجلها فقط، بل لا تستوعب حتى ما تراه عيناها، وتشعر أنها بحلم ستستيقظ منه قريبًا.
لكن شعرت بخطواته تقترب منها من الخلف، ليعانقها وينحني عليها، ليلثم شعرها ورقبتها، يعترف للمرة الثانية على التوالي، لكن بمشاعر أكثر فيضًا وغرامًا من السابقة:
"بحبك!"
التفتت بجسدها كاملًا له، تحدقه مطولًا بسعادة داخلية تظهر فوق قسمات وجهها الجميل.
لتجده يتابع بنظرات متأملة:
"مش كفاية ولا إيه يا جلنار؟ لسا مصممة متدنيش فرصة؟"
تطلعت بعينيه المغرمة حقًا، ونظراته الراجية، حتى بندقيته القاسية لم تعد تراها كالسابق أبدًا.
اليوم مختلفة كثيرًا، تجعل عينيه أكثر جمالًا وبأسًا وقوة.
خرج صوتها أخيرًا بعد دقيقة كاملة من الصمت القاتل بينهم، تجيبه:
رواية امرأة العقاب الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم ندى محمود توفيق
رواية امرأة العقاب البارت الثامن والثلاثون 38 بقلم ندى محمود توفيقرواية امرأة العقاب الفصل الثامن والثلاثون 38تطلعت بعيناه المغرمة حقًا ونظراته الراجية حتى بندقيته القاسية لم تعد تراها كالسابق أبدًا .. اليوم مختلفة كثيرًا تجعل عيناه أكثر جمالًا وبأسًا وقوة .. خرج صوتها أخيرًا بعد دقيقة كاملة من الصمت القاتل بينهم تجيبه :_ لو قلت لسا مصممة ومصفيتش ليك هتعمل إيه ؟!ابتسم لها وانحنى قليلًا عليها يجيب في نظرات ثابتة يعطيها الإجابة المنتظرة :_ مش هتخلى عنك وهفضل أحاول لغاية ما تصفيليتطلعت في عيناه بعمق دون أن تبتعد هذه المرة من اقترابه وخانتها ابتسامتها الخجلة لترتفع فوق ثغرها .. ثم همست في رقة تذيب الحجر :_ موافقة .. هديك فرصة !رأت شفتيه تنفرج بابتسامة عريضة وعيناه تلمع بسعادة ونصر .. كمن كان يخوض حربًا قاسية ويحتفل الآن بتحقيق أولى نقاط نصره .مال عليها بوجهه أكثر وغمز في مداعبة يجيبها بعبث :_ بس !! .. مفيش سامحتك يعني !طالت النظر إليه وهي تبتسم بذكاء انثوي .. تتلاقى عينه المتلهفة بعينها الماكرة قبل أن تهمس بنعومة تليق بأنوثتها الطاغية :_ يلا بينا عشان الناس برا وعيب نفضل هنا كتيررأته يميل بوجهه للجانب يضحك في عدم حيلة .. أدرك أنها قد تكون بالفعل سامحته لكنها ستتبع أسلوب التشويق والدلال .. ستتلذذ بذوبانه ولا بأس بالنسبة له في ذلك ! .التقط كفها ورفعه بلطف لشفتيه يلثم ظاهره بقلبتين متتاليتين ثم يتمتم في حب :_ يلا يارمانةسارت معه لخارج الحديقة وبينما كانوا في طريقهم للعودة إلى الحفلة .. وجدته يقترب منها أكثر ويلف ذراعه حول خصرها من الخلف يسير بجوارها وبيده يضمها إليه في تملك وحب كأنه يثبت حبه لها أمام الجميع .. لم تزعجها فعلته بل اكتفت بابتسامتها وهي تهز رأسها بيأس وسارت معه حتى وصلا وبدأو الاحتفال .. كانت تتلقى التهنئات بمناسبة يوم ميلادها من الجميع وسط الهدايا الكثيرة التي حصلت عليها .. وما كان يسعدها أكثر هو وقوفه بجوارها طوال الوقت لم يتركها للحظة ويداه لا زالت تحاوطها بتملك ! .. يعلم أنها لن تتمكن من النفور كالعادة ولم تكن لتفعل أساسًا ! .امسكت هنا بفستان والدتها تجذبها منه برقة حتى تتنبه لها هاتفة :_ مامي !اخفضت جلنار نظرها لصغيرتها وانحنت عليها شبه جالسة تهتف في حنو :_ نعم ياحياتيتعلقت برقبة والدتها تعانقها وتهتف في رقة طفولية جميلة وحب صافي :_ كل سنة وإنتي طيبةضمتها جلنار لحضنها أكثر لاثمة شعرها وكل ما تطوله شفتيها من قطعة قلبها .. وقد أدمعت عيناها متأثرة بفطرة الأم تهمس في نبرة يغلب عليها البكاء :_ حبيبتي ربنا يخليكي ليا ياقلب ماما وميحرمنيش منك .. أنا كفاية عليا كل سنة وإنتي طيبة اللي من بنتي حبيبتي ديابتعدت الصغيرة عن أمها وحدجتها مبتسمة ثم انحنت عليها تهمس في عفوية اضحكتها :_ متعيطيش يامامي كدا الناس هيشفوكيرفعت جلنار أناملها لعيناها تجفف دموعها بحذر حتى لا تفسد زينتها وحملت صغيرتها فوق ذراعيها وهي تلثمها بحب أمومي صادق .. كان عدنان يتابعهم بدفء فمال على صغيرته يقبّل وجنتها بحنان ثم يرتفع بشفتيه لزوجته يلثم شعرها بقبلة دافئة .. قبل أن يجذب انتباهه وجود أحد رجال الأعمال المقريبن منه جدًا يبتسم له ببشاشة ويشير له بالقدوم .. فبادله هو الابتسامة العذبة وانسحب بهدوء من جانب عائلته الصغيرة ليذهب لذلك الرجل ويتحدث معه .انتبهت جلنار لوالدها الذي يقترب منهم وفوق ثغره ابتسامة محبة وصافية .. لم تظهر أي ردة فعل فقط أنزلت صغيرتها من فوق ذراعيها وانتظرت حتى وصل إليها ووقف أمامها يهتف :_ كل سنة وإنتي طيبة ياحبيبتيمالت شفتي جلنار للجانب بابتسامة بسيطة تجيبه في خفوت وأدب :_ وحضرتك طيب يابابارأته يخرج عبلة مستطيلة حمراء اللون ويمدها لها في ابتسامة دافئة .. فالتفطتها من يده وفتحتها لترى نوع الهدية لتجده عقد ملوكي فاخر لونه فضي و مرصع بالألماس .. يبدو أن الجميع يحاول ارضائها اليوم ! .. اتسعت ابتسامتها بتلقائية ورفعت نظرها لأبيها تهتف في ود :_ ميرسى يابابا جميل أويقذفت الأمل في نفسه وهي تناديه بأبي من جديد .. لم يكن يحتاج لشيء آخر سوى أن يسمع أبي مرة أخرى منها وهاهو يسمعها .. لم يتمكن من حجب نفسه المتششوقة لابنته حيث اقترب وعانقها بحب مغمغمًا وهو يلثم شعرها بحنان أبوي :_ ربنا يخليكي ليا يابنتي .. كفاية إني سمعت بابا منك تانيابتعد عنها بعد لحظات قصيرة ورآها تبتسم له بصفاء .. لم تتحدث ولكن ابتسامتها كانت تكفيه ! ...***بعد ساعات طويلة نسبيًا وانتهاء الحفل وانصراف الجميع .. لم يتبقى سواهم حتى أن الصغيرة غطت في سبات عميق فحملها أبيها ووضعها بإحدى غرف المنزل الصغيرة بالأعلى .عندما عاد لها وجدها تجلس فوق مقعد عالي قليلًا بدون ظهر وترفع رأسها للسماء تتأمل النجوم بشرود وابتسامة ساحرة تزين ثغرها الجميل .. فتحرك نحوها بتريث وجلس على المقعد المجاور لها دون أن يتحدث ليسمعها تقول بتساءل :_ إنت طلعت " هنا " فوق ليه .. مش المفروض نرجع البيت خلاص !لحظات معدودة وشعرت بملس أنامله فوق بشرة وجهها وكذلك شعرها وهو يهمس بخفوت جميل :_ لا ما أنا حابب ناخد يومين هنا ونسترجع الذكرياتالتفتت برأسها له وتمتمت بريبة :_ ذكريات !! .. احنا مقعدناش هنا غير سنة واحدة ياعدنان !أمسك بكفها وتطلع في عيناها بعمق هامسًا في غرام :_ بنسبالي كانت أفضل سنة في علاقتنا .. كانت أول سنة لينا مع بعض وفترة حملك في " هنا " كانت كلها هنا .. بعد السنة دي علاقتنا بدأت تسوء بالتدريج .. يمكن مكنتش بداية حياتنا صح ولا جميلة بس كانت هادية .. ودلوقتي بما إننا هنبدأ من أول وجديد تاني حابب تكون هنا .. المرة دي هنبدأها صح .. بحبنا لبعض !استمرت في التحديق به بعدم استيعاب لا تصدق تحوله الجذري وكلماته الحانية والمغرمة .. مما دفعها للابتسام بشكل لا إرداي تجيبه في شيء من الخبث :_ بس أنا مقولتش إني بحبك !!اعتدل في جلسته والتف فوق المقعد حتى يكون مواجهًا لها مباشرة ورد عليها غامزًا بعبث وهو يثبت نظره على عيناها :_ بس عيونك بتقول كداارتبكت من نظراته فاشاحت بوجهها سريعًا عنه تقول في توتر ملحوظ :_ بيتهيألك !ضحك عليها في عدم حيلة من محاولات إنكارها البائسة لحبها له ، ثم استقام واقفًا ليجذبها من ذراعها هاتفًا بجدية :_ طيب تعالي يلا عشان اوريكي هدية عيد ميلادكغضنت حاجبيها باستغراب واستقامت معه تهتف مدهوشة وبثغر متسع :_ هو لسا في هدية بعد كل ده !!!غمز ورد عليها باسمًا :_ اللي عملته حاجة وهدية عيد ميلادك حاجة تانياتسع ثغرها حتى أظهر عن أسنانها الناصعة وسارت بجواره لخارج المنزل بأكمله .. وبداخلها تتعجب السبب الذي يجعله يأخذها للخارج ، فأي هدية تلك التي تنتظرهم بالخارج !! .عندما خرجا وقع نظرها على سيارة حمراء فاخرة .. لفتت انتباهها فبقت تحدق بها بإعجاب ، تتفحصها بفم مبتسم ببساطة .. وكانت الصدمة التي لم تتوقعها عندما وجدته يرفع مفتاح السيارة أمامها ويقول بحنان جارف :_ تعيشي واجبلك يارمانتينقلت نظرها بين المفتاح والسيارة بدهشة ، ثم تطلعت إليه اخيرًا وهتفت :_ العربية دي ليا !!!!هز حاجبيه بإماءة بسيطة تؤكد سؤالها المتعجب .. فعادت هي بوجهها تحدق بالسيارة في صدمة لكل ما يفعله اليوم لأجلها ثم هتفت برقة ضاحكة :_ كتير أوي النهارده !!مال عليها يقبّل جانب ثغرها قبلة مطولة ثم يبتعد ويتمتم بصوته الذي ينسدل كالحرير ناعمًا :_ دي أقل حاجة اعملهالك ياحبيبتياتسعت عيناها بتلقائية بعد آخر كلمة تفوه بها لتقول مبتسمة باستغراب :_ حبيبتك !!هزت رأسها بتفهم بعد أن قابلت الرد منه بالابتسام فقط في عينان عاشقة .. وضحكت بخفة في استحياء بسيط ثم اقتربت منه ولأول مرة تعانقه بكامل رغبتها .. كان عناق لطيف ورقيق مثلها تمامًا امتزج بهمسها الدافيء :_ متشكرة ياعدنانعناقها ترك أثرًا رائعًا في نفسه فلف هو الآخر ذراعيه حولها ليحول ذلك العناق من الرقة إلى القوة وهو يضمها إليه بتملك وشوق .. بعد دقيقة كاملة ابعدت رأسها عن كتفه ببطء لتتلاقى أنفاسهم ونظراتهم في لحظات كانت أشبه بسنوات .. كالعادة سقطت أسيرة حبها له فتجمد جسدها بين يديه وعيناها التصقت بخاصته بينما شفتيها فكانت تتنفس بعنف نتيجة عن زيادة نبضات قلبها المتلهف .لم يكن حاله افضل منها .. صابه الوهن والشوق وأرسلت عينيها تعوذيتها السحرية فجعلته مغيبًا عن الواقع .. وعندما سقط نظره فوق شفتيها رفع الراية فلم يتمكن من الصمود أمامها أكثر من ذلك .. ارهقته لليالي وهو يحاول الحصول عليها لمرة واحدة وبكل مرة يزوره حظه السيء .. لكن الليلة سيحصل على ما ارهق لياليه البائسة ! .. مال عليها ببطء يستشعر وجود أي رفض أو نفور منها لكنها كانت مغيبة مثله .. مما دفعه للتقدم في خطوته بإطمئنان وثقة أكثر .. ويحالفه الحظ لأول مرة ويتمكن أخيرًا من الحصول على قبلته ! .لحظات معدودة كانت بمثابة ساعات لهم .. حتي استفاقت هي على غفلة وابتعدت فورًا عنه .. لم تتطلعه بغضب ككل مرة يحاول فيها الاقتراب منها لكن كانت نظراتها مدهوشة وخجلة بنفس ذات اللحظة وثانية بالضبط ووجدها تندفع للداخل مسرعة .تعجب خجلها منه كأنهم مازالوا في أيام زواجهم الأولى .. لكنه اسعده وجعل الابتسامة ترتفع لشفتيه وهو يتنهد براحة وحب ماسحًا على شعره بكف يده وبالكف الآخر الذي يمسك به مفتاح السيارة اغلق عليه ووضعه بجيبه ثم سار للداخل يلحق بها في خطوات واسعة ! .***كان جالسًا فوق الأريكة عاريًا الصدر ويمسك بكفه كأس الڤوديكا خاصته يرفعه لفمه يرتشفه كله دفعة ثم يعود ويملأه من جديد .. وأيدي ناعمة كانت تملس على صدره برقة وغنج .. تجلس بجواره مرتدية ثوب نوم فاضح لا يخفي سوى القليل من جسدها .أتاه صوتها المتذمر وهو تهتف :_ وبعدين يارائد في اللي اسمها زينة دي !!رد عليها في عدم مبالاة :_ مالها ؟ردت الأخرى بعصبية وغيرة :_ نهارك أسود لو كنت حبيتها بجد !انتصب في جلستها وهتف لها بحدة :_ في إيه يابت ما تظبطي .. بعدين حبيتها إيه وكلام فارغ إيه .. أنا مستنيها تثق فيا كويس وبعدين هخليها تمضي على الورق واسيبها تغور في داهية بعد كدا_ وهتخليها تمضي إزاي بقى ؟!رائد بحزم :_ مش شغلتك !رمقته بطرف عيناها في غيظ لتعقد ذراعيها أسفل صدره وتشيح بوجهها للجهة الأخرى عنه زامة شفتيها بتهكم !! ...***بصباح اليوم التالي داخل المستشفى ......_ ليه خبيتي عليا يامهرة !!!كان سؤالًا حزينًا يحمل بعض الخزي من فوزية الممدة فوق فراشها توجهه إلى حفيدتها الجالسة بجوارها .تنهدت مهرة وقالت بعبوس وندم :_ كنت هقولك ياتيتا طبعًا والله بس كنت خايفة من ردة فعلك وإنك تتعبي وده فعلًا اللي حصل لما عرفتي كنتي هتروحي منيفوزية ببعض الغضب والمعاتبة :_ لما اسمع منك غير لما اسمع من الغريب ويقولي بنت ابنك سمعتها بقت في الأرض والمنطقة كلها تبقى عارفة معادا أنا .. ده اللي قهرني يامهرة !تلألأت عيني مهرة بالدموع ثم مدت يدها تملس فوق كف جدتها متمتمة في رجاء :_ أنا آسفة سامحيني ياتيتا .. عارفة إني غلطانة وكان لازم اقولك بنفسي بس كنت خايفة عليكي واللهفوزية بجدية :_ هو فينه اللي ميتسمى ريشا ده دلوقتي !مهرة بتلقائية وعفوية :_ معرفش هرب والبوليس لسا ممسكهوش .. أنا لولا آدم وسهيلة الله اعلم كان ممكن يعمل فيا إيهتتفست فوزية الصعداء براحة وقالت بلهجة شاكرة ومطمئنة :_ الحمدلله يابنتي .. بس ورحمة أبوكي ما أنا سايبة الولية العايبة أمه دي .. نرجع بس المنطقة وشوفي هعمل فيها إيههدرت مهرة مسرعة تردع جدتها عن أفكارها العدائية في الثأر لها :_ لا يازوزا بالله عليكي متدخليش في حاجة خالص إنتي لسا تعبانة وأنا ما صدقت مش هستحمل لو تعبتي تاني .. وبعدين آدم قالي إنه متابع الموضوع وأول ما يمسكوه هيقوليرفعت فوزية حاجبها باستغراب وأعين تحمل الشك واللؤم .. لتجيب على حفيدتها :_ هو إيه حكاية اللي اسمه آدم ده .. في كل كلمة تلزقي اسمه كدا !!تجمدت معالم وجهها بدهشة من رد جدتها .. وسرعان ما اعتلت معالمها التوتر البسيط والخجل تجيبها مسرعة محاولة تفادي الأمر وإنقاذ نفسها :_ أنا !!!! ..لا أبدًا وهجيب اسمه دايمًا ليه يعني .. ده على سبيل كلامنا بقولك اللي حصل يعني ..
هههه أما إنتي عجيبة بصحيح يازوزا!
رمقتها بنصف عين وردت بمكر:
_ أنا برضوا اللي عجيبة!!!
لجأت للعبث والمزاح حتى تتهرب من محاصرة جدتها وهتفت ضاحكة تتصنع القرف منه:
_ يازوزا إنتي مش فاهمة حاجة .. هو صحيح جدع ووقف جمبي يشكر يعني .. بس تعرفي كئيب يعني بيشلني أساسًا .. ولا عليه برود ياختاااي تلاجة .. وكله كوم ورأسه الناشفة كوم تاني ترميها في الحيطة ترجعلك تاني و....
قاطعتها فوزية متنهدة بأسى وهدرت:
_ مهرة .. أنا اللي مربياكي ياهبلة يعني لو عرفتي تلفي وتدوري على الكل عندي أنا متعرفيش .. عنيكي فضحاكي وبتقول كل حاجة.
اشاحت بنظراتها عن جدتها في عفوية واضطراب .. تحاول إخفاء أمر مفروغ منه .. فكما أخبرتها عيناها باتت تتحدث بالنيابة عنها .. أدركت أن لا مفر من ذلك النقاش سوى المغادرة فاستقامت واقفة تقول مبتسمة بارتباك:
_ أنا هروح الحمام.
التفتت وهمت بالانصراف لكن فوزية قبضت على رسغها تمنعها من التقدم هاتفة بصوت هاديء وجاد:
_ بلاش يابنتي .. ده مش مننا .. الفرق بينكم زي السما والأرض .. مش هتجني حاجة غير وجع القلب .. عيشتهم متنفعش معانا ومش هيرحموك.
صوبت فوزية كلماتها بالصميم تمامًا وتسمرت مهرة على أثر ما سمعته بدهشة ويأس .. لكنها التفتت برأسها وتمتمت في ثقة وعينان تائهة:
_ بس آدم مش كدا ياتيتا!!
هزت فوزية رأسها بيأس فهمها حاولت الشرح لن تفهم .. واكتفت بجملتها المشفقة والحزينة:
_ ده الواقع واللي بيحصل يابنتي .. اسمعي وخدي نصيحتي بلاش تدخلي قلبك في حرب ممكن تخرجي منها مهزومة.
تجمعت العبارات في عيناها ببؤس .. هل تريد منها التخلي بعدما عثرت أخيرًا على طوق نجاتها .. ليتها لم تقابله .. ليتها لم تسقط أسيرة حبه!!!
***
كانت تحتسي شرابها الصباحي بحديقة المنزل .. عندما رأت فاطمة تتجه نحوها بخطوات هادئة حتى وصلت إليها وجلست بجوارها تهتف في ود:
_ صباح الخير يا نادين.
وضعت كوب اللبن أمامها والتفتت تجيب على فاطمة بابتسامة واسعة:
_ صباح النور.
ابتسمت فاطمة وسكنت للحظات طويلة نسبيًا حتى تمتمت يترقب:
_ هااا فكرتي ولا ولسا ياحبيبتي؟
توردت وجنتيها بخجل .. وهيمن عليها السكون لبرهة من الوقت حتى ردت بخفوت ورقة دون أن تنظر لها:
_ فكرت وموافقة.
هلت أسارير فاطمة التي عانقتها بقوة من فرط سعادتها .. وعلى الجانب الآخر كان حاتم في طريقه للخروج من المنزل ولكن قبل أن يخرج التقطت أذناه جملتها الأخيرة لتنفرج شفتيه على أخرهم في سعادة لا تقل عن خالته بشيء!
بقى مكانه واقفًا حتى شعر بخطوات نادين تقترب من باب المنزل .. فتخفى خلف الباب وبمجرد دخولها التقطها بذراعه وجذبها إليه مبتسمًا باتساع ويغمغم غامزًا:
_ اظن كدا ملكيش حجة لو اتصلت بالمأذون عشان يجي الليلة.
شهقت بصدمة وأجابته:
_ شو الليلة !! .. لا بكير كتير الليلة يعني انطر يومين أو هيك شيء.
احتدمت نظراته ليجيبها في غيظ وحدة:
_ هو إيه ده اللي انطر يومين .. ده أنا اللي هنطرك برا والله .. المأذون الليلة هيجي وهنكتب الكتاب .. مش كفاية الفرح هنستنى لما يرجع خالك من السفر.
زمت شفتيها للأمام تقول بعبوس:
_ أي بس كنت حابة خالي يكون معنا بيوم كتب الكتاب.
حاتم بلطف:
_ وأنا والله كنت حابب كدا يانادين بس خالك لسا مش هيرجع دلوقتي وأنا مش قادر اصبر الصراحة .. وبعدين أنا كلمته والراجل مكنش عنده مشكلة نكتب كتب الكتاب لغاية ما يرجع ونعمل الفرح.
_ وافق مشان بيحبك وبيثق فيك بس مش اكتر.
ضحك ورد عليها بتعجب:
_ وهي دي حاجة وحشة يعني!!
رفعت حاجبها اليسار وقالت بتحذير جميل ونظرات شرسة:
_ أي يعني بقصد ما تحاول تستفرد بيا بعد الزواج.
أشار بسبابته إلى نفسه يتصنع الدهشة والبراءة ويجيب:
_ أنا استفرد بيكي !!!! .. إنتي تعرفي عني كدا يانادين ! .. ده أنا ملاكك.
كتمت ابتسامتها وابتعدت عنه ببطء تهتف في خبث مماثل له:
_ قناع الملاك هاد بتلبسوا قدام حدا غيري هااا.
حنحنى قليلًا للأمام يمد يديه لخصرها يدغدغها بمداعبة وهو يضحك:
_ ياواد ياشقى يافاهمني إنت.
انتفضت مبتعدة عنه في خجل وحدجته شزرًا تتوعد له قبل أن تستدير وتنصرف وهي تبتسم بعدم حيلة!
***
عيناها عالقة على وعاء تسخين اللبن الموضوع فوق النيران .. تتابعه بعيناها في تركيز لكي تطفأ مفتاح النار باللحظة المناسبة .. لكن قذفت بذهنها فجأة قبلته لها بالأمس .. شردت وهي تبتسم وإذا بها تتشنج ملامحها وتهتف معنفة نفسها بغيظ:
_ غبية مكنش ينفع تضعفي قدامه .. حتى لو بداتي تسامحيه مكنش لازم تسمحيله يقرب منك بسهولة .. دلوقتي اكيد هيفهم إني سامحته .. وهيفهم إنك بتحبيه عشان كدا ضعفتي !!
سكتت لوهلة وارتخت عضلات وجهها لتكمل بلين بسيط:
_ ماشي أنا فعلًا بحبه للأسف .. بس برضوا ......
انطلقت منها شهقة مرتفعة عندما شعرت بجسده الضخم والصلب يلتصق بظهرها ويمد ذراعه لمفتاح النار حتى يغلقه هامسًا بعبث ماكر:
_ اللبن فار!
لم تكن تمتلك اللحظة لتفكر هل سمع كلماتها أم لا حتى باغتها هو بقبلته فوق وجنتها من الخلف متمتمًا في غرام ولؤم:
_ وأنا كمان بحبه.
اتسعت عيناها ونزل فكها لأسفل في صدمة ، لكن سرعان ما تداركت الموقف لتلتفت له وتهتف مسرعة:
_ اللبن!
أجابها مبتسمًا بحاجب مرفوع:
_ ماله!
ازدردت ريقها بتوتر وتابعت تصحح ما سمعه ولكن هيهات فقد فات الآوان:
_ بحبه يعني .. كان قصدي عليه على فكرة!
مال بوجهه للجانب الآخر يبتسم بتلذذ ويرفع أنامله يحك لحيته ثم يعتدل برأسه ويقترب منها بتريث .. أخذت تتراجع للخلف لا إراديًا حتى اصطدمت بالمطبخ وتوقفت فمالت برأسها للخلف وهو يميل عليها مبتسمًا ويجيب بلؤم مدروس:
_ طيب ما أنا كمان كان قصدي عليه .. إنتي فهمتي إيه!!!
تجمدت معالم وجهها وأصبحت أكثر حدة حيث رفعت حاجبها مستنكرة رده المتعمد .. لتضع ذراعيها فوق صدره وتدفعه برفق للخلف هاتفة في جدية:
_ على فكرة أنا مقولتش إني سامحتك .. قولت هديك فرصة بس .. يعني متتعودش إنك تتقرب مني كتير.
رأت الابتسامة تختفي من فوق ثغره تدريجيًا ويحلل محلها الانزعاج والحنق .. فابتعد عنها تمامًا وهتف:
_ مفيش فايدة ياجلنار صح!
أصدر زفيرًا حارًا قبل أن يستدير ويهم بالانصراف لكنها هتفت مسرعة في ضيق من نفسها:
_ رايح فين؟
عدنان بخشونة:
_ رايح المكتب لو عوزتوا حاجة اتصلي بي.
بمجرد رحيله من المطبخ تأففت هي بغضب وضربت كف يدها فوق الرخام في غيظ .. ثم اندفعت للخارج تلحق به هاتفة:
_ عــدنـان!
توقف أمام باب المنزل والتفت لها بسكون حتى وجدها تقف أمامه وتقول بعبوس ورقة:
_ متزعلش مكنش قصدي كدا!
رغم خنقه وضيقه إلا أن اهتمامها بانزعاجه من عدمه أسعده بعض الشيء .. فابتسم لها بلطف ورفع كفه يضعه فوق وجنتيها ويملس بإبهامه في حنو متمتمًا:
_ مش زعلان .. ارجعي يلا كملي تحضير الفطار عشان تفطري إنتي وهنا.
_ وإنت !! .. مش هتفطر معانا؟
أجابها بصوت طبيعي:
_ لا مستعجل.
اكتفت بإماءتها العابسة بينما هو فالتفت وفتح الباب ثم انصرف وتركها تقف تلوم نفسها على ما قالته .. لم يكن ينبغي عليها أن تقول هكذا .. هي تعلم جيدًا أنه ينزعج كثيرًا حين تبدي نفورها من اقترابه أو لمساته حتى لو كان نفور مزيف نابع عن تدللها!!
***
داخل مكتب عدنان بمقر الشركة كان يجلس آدم بانتظاره على الأريكة .. وبين أنامله يمسك بعقدها الفضي يمعن النظر به في شرود .. لا يعرف ما سبب احتفاظه بالعقد حتى الآن معه لكنه كلما يراه يتذكرها بشكل تلقائي .. تقذف صورتها في ذهنه وهي تضحك وتمزح كعادتها .. فيبتسم لا إراديًا .. لكن تلاشت ابتسامته ولمعت عيناه بوميض غريب حين تذكر الأيام الأخيرة بالمستشفى معها .. رأى جانب مختلف وجديد لم يكن يتوقعه أبدًا .. نظراتها التائهة والواهنة وتعلقها به كأنه الضوء الوحيد وسط ظلامها .. لا يزال أثر عناقها له في كل مرة ترتمي فيها عليه وتتعلق برقبته موجودًا .. يثير في نفسه مشاعر مضطربة ومختلفة!
انتشله من شروده دخول أخيه الغرفة .. فأسرع فورًا وأخفى العقد في جيبه بينما عدنان فرمقه باستغراب وغمغم:
_ انت قاعد هنا ليه!!!
تنهد آدم بقوة وهتف:
_ مستنيك.
سار عدنان باتجاه مقعده الخاص وجلس فوقه يجيب على أخيه:
_ خير؟
انتصب آدم في جلسته وهدر بجدية:
_ عملت إيه في نادر؟
تجاهل سؤال أخيه كأنه لم يسمعه مما أزعج آدم الذي وقف واقترب منه يهتف في حزم:
_ عدنان اللي إنت بتعمله ده مينفعش .. صدقني ممكن تتهور وتعمل فيه حاجة .. إنت معاك بنتك ومراتك محتاجينك .. كلم أحمد وهو هيتصرف معاه وهياخد جزائه كامل في السجن.
عدنان بانفعال بسيط:
_ آدم أنا لسا ناري مهديتش ومش هتهدي بس على الأقل هخليها ترتاح شوية وأنا شايفه بيتعذب قدامي وبيتمنى الموت.
آدم في عصبية:
_ غلط إنت كدا بتزيد النار مش بتطفيها .. طول ما هو قدامك هيفكرك باللي عملته فريدة والجروح اللي بدأت تلتئم هترجع تنزف من تاني.
حدجه عدنان مطولًا في نظرات مميتة قبل أن يقول بصوت خالي من المشاعر كأنه لا يملك قلب:
_ الكلام ده لما يكون قلبي اللي مجروح لكن أنا جروحي مختلفة مبتنزفش ولا بتلتئم .. هتفضل مفتوحة دايمًا.
هدأت ملامح آدم الغاضبة وحل محلها الألم والحزن لأخيه .. ثم أصدر تنهيدة حارة وقال في غلظة:
_ أنا آسف بس مش هقدر اشوفك بتضيع نفسك واقف اتفرج.
لقى بجملته الحادة واستدار بعدها فورًا ليبتعد ويرحل تاركًا الغرفة بأكملها .. بينما عدنان فتأفف بصوت مرتفع وغضب هادر دافنًا رأسه بين كفيه في نفاذ صبر .. يشعر وكأنه كل شيء من حوله يتسابق في كسره وتعكير مزاجه وأذيته!
***
أجابت أسمهان على الهاتف في حدة:
_ هااا ياليلى مفيش أخبار؟
قالت ليلى بخفوت حتى لا يصل صوتها لأحد:
_ من وقت تعب جدتها ومش بتيجي الشركة واللي عرفته إن جدتها طلعت من المستشفى امبارح بس هي مجاتش النهارده برضوا.
هزت أسمهان رأسها بتفهم وبعينان نارية متوعدة غمغمت:
_ هتعرفيلي كل حاجة عن البنت دي يا ليلى .. اسمها وبيتها ومين أهلها .. عايزة اعرف كل حاجة عنها.
ليلى بإيجاب:
_ حاضر يومين بالظبط وهجبلك كل التفاصيل عنها.
انزلت أسمهان الهاتف من فوق أذنها بعد جملة ليلى وأغلقت الاتصال لتقول بوعيد ونظرات شيطانية:
_ لا يمكن اسمح بالمهزلة اللي بتحصل دي .. واسيب ابني لواحدة بيئة وحقيرة زي دي!
***
بتمام الساعة الثانية بعد منتصف الليل.......
فتح باب المنزل بهدوء ودخل .. كان السكون يهيمن على المنزل بأكمله كعادة كل ليلة .. فقاد خطواته القوية تجاه الدرج ليصعد إلى الطابق الثاني .. كان وجهه جامدًا خاليًا من المشاعر وقد توقع أنه سيجدها نائمة لكن عند وصوله أمام الباب سمع صوتها تتحدث بالهاتف مع الخالة انتصار .. وحديثها جذب انتباهه فجعله يقف بالخارج يستمع لما تقوله بصدمة!!
_ لا لسا ميعرفش حاجة يادادا!
هتفت انتصار في حزم وجدية:
_ لازم تقوليلوا ياجلنار .. مينفعش تخبي عليه أكتر من كدا كفاية إنك مخبية عنه ليكي سنة!
تنهدت جلنار بأسى وهتفت في ألم:
_ هقوله يادادا .. بس مش عارفة ردة فعله هتكون إزاي لما يعرف إني كنت حامل وكنت هنزل الولد.
رواية امرأة العقاب الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم ندى محمود توفيق
رفعت نظرها إلى ساعة الحائط المعلقة بعدما انتهت من مكالمتها الهاتفية .. وضيقت عيناها بقلق عندما وجدتها أوشكت على الواحدة بعد منتصف الليل .. فنهضت من فراشها وتحركت نحو النافذة تتطلع منها تتفقد وصوله فرأت سيارته بالحديقة بمكانها المخصص في الأسفل .. دار بذهنها ألف سؤال في اللحظة الواحدة .. لقد عاد ! ، أين هو إذا ؟!! .. اندفعت إلى باب غرفتها لتغادر ونزلت الدرج بخطوات شبه سريعة لكن هدأت من سرعة خطواتها تدريجيًا وتوقفت تمامًا عندما رأته يجلس فوق الأريكة الكبيرة واضعًا ساقًا فوق الأخرى ويفرد ذراعيه بجانبه على طول رأس الأريكة من الأعلى ونظراته ثاقبة ومريبة يثبتها أمامه في الفراغ بشكل مربك .. كانت معالم وجهه غريبة ومخيفة للدرجة التي اشعرتها بالقليل من الاضطراب والتذبذب في التقدم إليه وسؤاله عن حاله وماذا حدث ! .
أثرت بالأخير الاقتراب منه وأكملت خطواتها البطيئة تنزل الدرج وسارت نحوه حتى جلست بجواره وهمست بتعجب :
_ عدنان .. إنت كويس ؟!
سمعت صوته الخافت الممتزج ببحة رجولية مهيبة :
_ كنتي ناوية تفضلي مخبية عني لغاية إمتى ؟!!
ارتبكت من نبرته وسؤاله الذي لا تفمهه حتى الآن لتجيب بخفوت :
_ اخبي إيه !!
التفت لها وحدها بنظرة قذفت الرعب في نفسها :
_ إنك كنتي حامل في ابني ونزلتيه
تجمدت مكانها وشعرت بالبرودة ترتفع لكافة أجزاء جسدها .. ازدردت ريقها وقالت بثبات متصنع :
_ أنا منزلتهوش !
انتصب في جلسته وقال بلهجة منذرة وقد تحولت نبرته من الخفوت إلى القوة والوضوح :
_ متكذبيش !!
اشتدت حدة نظراتها وقالت بغضب بسيط تنفي اتهامه لها بالكذب :
_ أنا مبكذبش ياعدنان قولتلك منزلتهوش
استقام واقفًا وصاح بها منفعلًا :
_ واللي أنا سمعته ده كان إيه .. معقول كرهك ليا يوصلك للدرجة اللي تخليكي تقتلي ابنك بنفسك .. دي آخر حاجة كنت أتوقعها منك ياجلنار
وثبت هي الأخرى واقفة بعد أن اثارت كلماته جنونها وجعلتها تصرخ به بهيستريا وغصب هادر :
_ مقتلتهوش
سمعته يصرخ مزمجرًا كالأسد المجروح :
_ لما منزلتهوش امال حصل إيه !!!
سكتت لبرهة تستعيد رباطة جأشها وتجيبه بقوة مزيفة وعينان دامعة :
_ كنت هنزله وفي واحدة صحبتي كانت دكتورة نسا وكانت هتعملي العملية بعد ما أصريت عليها بس قبل ما ادخل العملية وعلى آخر لحظة تراجعت ومقدرتش اقتله .. مقدرتش اعمل كدا فيه .. بس بعدها باسبوع بظبط حسيت بألم شديد في بطني وتعبت جامد ولغاية ما وصلت المستشفى والدكتورة كشفت عليا قالتلي إني الجنين نزل
هدأت ثورة ملامحه قليلًا وأجابها بعدم استيعاب لما يسمعه :
_ حصل من إمتى الكلام ده وأنا كنت فين !!!!
جلنار بصوت مبحوح :
_ من سنة لما كنت مسافر في لندن لشغل واخدت تلات أسابيع هناك
عاد لسخطه وجموحه من جديد حيث هتف بشبه صيحة متألمة :
_ وحاجة زي كدا تخبيها عني إزاي ومتقوليش ياجلنار
استاءت بشدة من عصبيته والقائه اللوم عليها وحدها فصاحت به في عصبية وعدم وعي لما تتفوه به :
_ إنت السبب واللي خلتني اعمل كدا واخبي عنك .. وبدل ما إنت بتتعصب عليا وبتلومتي وبتتهمني إني قتلته وبتحاسبني كمان إني خبيت عنك .. روح حاسب مامتك أسمهان هانم اللي حاولت تقتلني واتفقت هي وفريدة لما كنت حامل في هنا وحاولوا اكتر من مرة يسقطوني .. ده غير أفعالها معايا اللي متتعدش وأنا كل ده وكنت ساكتة بس خلاص كفاية مش هسكت اكتر من كدا
رأت الغضب وطوفانه العاتي يتلاشي من فوق معالمه ليحل محله الصدمة وعدم الاستيعاب لما تتفوه به .. ها هو يطعن من جديد بخداع أقسى ومؤلم ومن والدته ! .
خرج صوته خافتًا وبه بحة غريبة :
_ إنتي مدركة اللي بتقوليه ده !!
جلنار بتأكيد وبغضب :
_ أيوة مدركة .. حاولت تتخلص مني ومكفهاش وحاولت تقتل بنتك من وهي لسا في بطني .. من كتر كرهها وغلها ناحيتي مهتمتش إن اللي في بطني دي حفيدتها وبنتك اللي بتتمناها ومستنيها
ظل متسمرًا مكانه يحدق بها بسكون مريب لا يبشر بخير وكأن عقله ما زال يحاول استيعاب ما تسمعه اذناه الآن .. وإذا بها فجأة وجدته ينحنى ويلتقط ما تطوله يداه أمامه ويلقيه على الأرض يفرغ بالأشياء غضبه وألمه التي استطاعت رؤيته بوضوح فوق قسمات وجهه .. تراجعت للخلف بزعر من أن يطولها شيء وكانت على وشك أن تتقدم نحوه مشفقة عليه لتحاول تهدئته لكنه توقف بلحظة فجأة كما بدأ واندفع لخارج المنزل بأكمله .. وماهي إلا لحظات قصيرة وسمعت صوت صرير عجلات سيارته بالخارج تحتك بالأرض في عنف تدل على السرعة المرتفعة التي تحرك بها ! .
وقفت مكانها لدقيقتين صامتة حتى ألقت بجسدها تجلس فوق الأريكة وترفع يديها لشعرها تعود بخصلاته المتمردة للخلف وتصدر من بين شفتيها تأففًا مختنقًا .. ليتها لما تخبره .. فقد اختارت الوقت الأنسب لتخبره به عن بعض من أفعال أمه !!! .. كان يجب عليها أن تتريث لبعض الوقت حتى يهدأ من غضبه بسبب إخفائها أمر طفلهم الذي فقدوه مبكرًا ومن ثم تخبره بوالدته ! .
***
بمكان آخر داخل منزل حاتم الرفاعي ......
تعالت الزغاريد من فاطمة بفرحة وسعادة غامرة فور انتهاء المأذون من مراسم الزواج الشرعي وألقى بجملته الشهيرة ( بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير ) .. كان كتاب الكتاب بحفلة صغيرة في المنزل بوجود العائلة فقط و بعض المعارف وأصدقائه .. وبعدما انتهوا من المراسم أخذ يتلقى التهنئات والمباركات من الجميع وكذلك هي .. كانت السعادة بادية على ملامحه بوضوح وتظهر في عيناه اللامعة فآخيرًا أصبحت زوجته وله فقط .. أما هي فكانت فرحتها تطغى عليها لتلوح فوق معالمها بالخجل .. مازالت حتى الآن لا تستوعب أنه أصبح زوجها بعدما عانت لسنوات من حبها الخفي له .. أخيرًا كُتب لذلك العشق أن يخرج للنور ويكتمل باجتماعهم ! .
جلسوا لدقائق طويلة مع الجميع ووسط ضحكهم ومرحهم كانت تلاحظ نظراته المتلهفة لها يختلسها كل لحظة والأخرى .. فتتورد وجنتيها بحمرة الخجل وتشيح بوجهها بعيدًا عنه مسرعة تشغل نفسها بالتحدث مع فاطمة .
مسح حاتم على وجهه متأففًا بنفاذ صبر .. لم يعد يتحمل الصبر أكثر من ذلك سيهب واقفًا ويأخذها ليخلو بها وحدهم بعيدًا عن أنظار الجميع .. وبالفعل استقام واقفًا واقترب منها وينحنى بجانب أذنها هامسًا بمكر :
_ تعالي معايا يلا
أمسك بكفها وسط الجميع غير مباليًا بنظراتهم وابتسامتهم فوق شفتيهم .. أما نادين فتلفتت حولها بخجل شديد ووقفت معه لكن فاطمة قبضت على ذراع ابن اختها واوقفته هامسة في حزم :
_ واخدها ورايح فين ؟!
ضيق عيناه وهتف بجدية :
_ في إيه يافطوم دي مراتي هاخدها ونقعد مع بعض شوية لوحدنا
مالت فاطمة عليه أكثر وهدرت بتحذير وحزم :
_ طيب بس متاخدش على كدا .. نادين دلوقتي زي بنتي ومش عشان خالها مش موجود ولسا مرجعش تفتكر إني هسيبلكم الدنيا سبهللة كدا
ضحك حاتم ورد خالته وهمس بدهشة :
_ ايه ياخالتو انا ابن اختك حتى قلبتي عليا كدا ليه .. هو أنا هعمل فيها إيه ماهي دايمًا كانت معايا
ردت فاطمة بخبث :
_ كانت معاك بس مكنتش مراتك لكن دلوقتي الوضع اختلف وصلت ولا لا
فرك عينيه بعدم حيلة ورد عليها ضاحكًا :
_ وصلت ياباشا .. حاضر يافطوم متقلقيش .. ممكن تسبينا بقى نقعد شوية مع بعض
أفسحت لهم المجال للعبور فتحرك حاتم وسارت نادين معه وهو لا يزال ممسكًا بيدها حتى وصلوا لغرفة مكتبه الخاصة .. دخلت هي أولًا بعدما أشار لها وثم لحقها هو واغلق الباب .. التفت لها فوجدها تتطلعه بابتسامة عريضة ووجنتين يطغى عليهم اللون الاحمر من فرط خجلها .. ليبتسم بتلقائية ويتقدم منها ثم يلف ذراعه حول خصرها ويقربها منه برفق هامسًا في سعادة حقيقية تلوح في عيناه :
_ مش هتتخيلي أنا سعيد إزاي دلوقتي يانادين !
انزلت نظرها عنه باستحياء وهمست بخجل وحب :
_ وأنا كمان كتير فرحانة
قرب رأسه منها واستند بجبهته فوق جبهتها يأخذ نفسًا عميقًا يستنشق رائحتها التي تسلب عقله ويطلق زفيرًا متهملًا دافيء يلفح صفحة وجهها كلها فيسبب رعشة بسيطة في كامل جسدها .
خرج صوته خافتًا بنبرة جديدة ومختلفة تحمل العشق في ثناياها .. ليقول لها في احساس وصلها صدق مشاعره من خلاله :
_ بحبك !
رفعت نظرها له أخيرًا تحدجه بذهول مما تفوه به للتو .. كم كانت تنتظر ذلك الاعتراف منه بشوق ولهفة وأخيرًا حصلت عليه .. تشعر بقلبها يتراقص فرحًا ، يدق في صدرها بعنف وكأنه سيقفز من مسكنه كدليل على اضطرابه وسعادته .. لم تتمكن من تمالك لسانها أكثر من ذلك حيث ارتمت عليه تتعلق برقبته وتهتف في هيام وغرام :
_ وأنا كمان !
اتسعت ابتسامته فوق شفتيه بسعادة ثم أبعدها عنه برفق وتمتم بترقب لسماع كلمة بعينها :
_ وإنتي كمان إيه ؟!
من فرط سعادتها تناست خجلها تمامًا وهتفت بتلقائية في مشاعر صادقة وحب يغمرها كلها :
_ بعشقك !
رأت عيناه تلمع بوميض مختلف والسرور يظهر فوق معالمه وابتسامته تشق طريقها بقوة فوق ثغره .. ثم وجدته يميل نحوها بتريث ونظراته ثبتت فوق الهدف بالضبط .. وبعدها انغمسوا معًا في لحظات قصيرة يوثقوا فيها أولى لحظات عشقهم وأولى دقائقهم وهما زوجين ! .
***
داخل غرفة آدم بقصر الشافعي ......
كان ممدًا فوق الفراش ويمسك بهاتفه يرفعه لمستوى نظره يحدق بشاشته وبالرقم الذي يتصدر قائمة الاتصالات منذ دقائق طويلة ! .. يستشير عقله بتردد هل يتصل بها أم لا .. جزء من عقله يجيب بالرفض والجزء الآخر بالإيجاب .. بينما قلبه فكان له رأى آخر ! ، يحسه بمشاعر غامضة على الاتصال بها حتى يطمئن ويسمع صوتها .. لا يدري ماذا يحدث له لكن ذلك العقل السخيف لا يتوقف عن التفكير بها .. هل يعقل حادثة جدتها ووجوده الدائم معها خلق نبضًا مختلفًا بينهم وفي علاقتهم !! .
رفع نظره لساعة الحائط وحين وجد الوقت متأخر فجزء عقله الذي يرفض وجد فرصته حتى يردعه عن الاتصال بها .. وهو استسلم له بالفعل في باديء الأمر مقنعًا نفسه المتوقة لسماع صوتها بأنه بالصباح سيتصل ! .. ترك الهاتف على المنضدة المجاورة للفراش ووضع رأسه فوق الوسادة ينوى الخلود للنوم .. لكن هيهات من ذلك العقل الذي حتى في تمنعه لا يتوقف عن التفكير ! .
استقام جالسًا في الفراش ومد يده يلتقط الهاتف وبداخله يهتف ( تبًا للوقت !! ) .. اجرى اتصال بها ووضع الهاتف فوق أذنه يستمع للرنين وينتظر ردها .
على الجانب الآخر كانت مهرة تجلس بالصالة أمام التلفاز تشاهد إعادة مسلسلها المفضل وإذا بصوت رنين هاتفها يصدح بقوة .. ظنت المتصل في البداية سهيلة لكن حين التقطت الهاتف وحدقت باسم المتصل الذي يملأ الشاشة شهقت بدهشة ! .
بقت تحدق بالهاتف وهو يهتز بين يديها بفعل الرنين وعيناها ثابتة على اسمه بذهول وعدم استيعاب أنه يتصل بها بهذا الوقت ! .. ضحكت ببلاهة وقالت بعبث :
_ هو أكيد أنا عملت مصيبة من غير ما أخد بالي في الشغل وهو بيتصل عشان يهزقني .. أنا عارفة هو بيستمتع لما يهزقني .. ارد ولا مردش .. مش هرد .. لا أرد .. لا مردش .. خلاص هرد .. ولا بلاش ارد .. يووووه
ضغطت على الشاشة دون قصد و اغلقت الاتصال فصاحت بصدمة وخنق :
_ احييه قفلت في وشه .. بقرة .. أنا بقرة والله
لحظات قصيرة وعاد يصدح صوت الرنين من جديد فابتسمت بتلقائية وأجابت فورًا تهتف في عفوية :
_ معلش كنسلت عليك بالغلط
سمعت صوته الساحر وهو يجبها بلطف :
_ولا يهمك .. إنتي عاملة إيه ؟
رفعت أناملها لشعرها تعبث به بارتباك وترد في حيرة :
_ أنا كويسة الحمدلله .. هو في إيه حاجة حصلت ؟
ابتسم على الجانب الآخر من خلف الهاتف وهدر في ثبات وهدوء جميل :
_لا مفيش حبيت اتصل بيكي واطمن على جدتك .. أخبارها إيه دلوقتي ؟
مهرة بثغر مبتسم :
_ اه جدتي .. الحمدلله بقت زي الفل وكويسة
آدم في خفوت يذيب القلب :
_ طيب الحمدلله .. بعتذر إني بتصل بيكي في الوقت ده بس طول اليوم مكنتش فاضي وأول ما فضيت قولت اتصل بيكي
اتسعت ابتسامتها بحياء بسيط وردت في رقة غير معهودة منها :
_ لا عادي مفيش مشكلة .. متشكرة يا آدم
نبرتها المختلفة ارسلت سهمها في الصميم .. فضيق هو عيناه وقال ببلاهة بعد جملتها الأخيرة :
_ على إيه ؟!
مهرة باستغراب :
_ إنك اتصلت تتطمن على تيتا قصدي !
أجابها بسرعة متداركًا الأمر :
_ امممم .. سلميلي عليها
_ يوصل إن شاء الله .. أنا بكرا هرجع الشركة
أجابها بابتسامة استطاعت لمسها في صوته :
_ تمام بس مش عايز تأخير في وقتك بالظبط تكوني هناك
اردفت بابتسامة مماثلة له وشيء من المرح :
_ حاضر متقلقش يا آدم بيه في الدقيقة والثانية هكون موجودة هناك
انهى معها الاتصال بعدما ودعها وانزل الهاتف من فوق أذنه وعلى ثغره ترتسم ابتسامة عجيبة وجديدة .. القى بالهاتف بجانبه وتسطح بجسده كاملًا فوق الفراش يغمض عيناه أخيرًا براحة دون أن يزعجه ذلك العقل بالتفكير .. لكن الصوت المرتفع بالاسفل جعله يثب واقفًا من الفراش مسرعًا .. ولم يكن سوى صوت أخيه ! .
***
خرج صوت أسمهان المضطرب :
_ إيه اللي أنت بتقوله ده ياعدنان !
صاح بصوته الجهوري ووجهه كالبركان الذي تفوح حممه البركانية والحمراء فوق سطحه :
_ سألتك سؤال ياماما .. إنتي فعلًا حاولتي تقتلي جلنار وكنتي عايزة تقتلي هنا وهي لسا حامل فيها !
توترت وظهر تلعثمها بوضوح في صوتها وقد شحب لون وجهها .. فلجأت للكذب كالعادة حيث هتفت تنفي الحقائق بكذبها الفاشل :
_ لا .. طـ..بعًا أنا مستحيل أعمل كدا
تطلع بأمه في غضب وخزي .. ثم تقدم نحوها ووقف أمامها تمامًا وهتف في نفاذ صبر :
_ كفاية كذب .. أنا قرفت من الكذب والخداع .. مبقتش عارف هصدق مين ولا هثق في مين بعد كدا .. حتى أمي مبقتش قادر أصدقها
أدمعت عيناها وردت عليه بتوسل حتى لا يتطلع إليها بتلك النظرات :
_ عدنان أنا ...
قاطعها بصوت موجوع ونبرة حادة :
_ إنتي آخر واحدة انتظر منها ده ياماما .. المفروض إنتي اللي تكوني واقفة جمبي وبتسانديني مش ضدي .. كنتي عارفة إني نفسي في طفل وبتمناه واتجوزت للسبب ده ورغم كدا مهمكميش ابنك وكنتي عايزة تقتلي بنته قبل ما تيجي الدنيا
همت بأن تتحدث لكنه باغتها ببقية كلماته في نظرات أصبحت أكثر نارية :
_ أنا عارف كرهك لجلنار بس مش للدرجة اللي تخليكي تحاولي تقتليها
انهمرت دموعها وقالت بغضب ونقم على زوجة ابنها تكمل محاولاتها المعتادة في بث الضغينة بقلبه تجاهها :
_ دي عينها على الفلوس زيها زي فريدة الحيوانة .. أبوها جوزهالك بسبب الفلوس وبنته لازم هتكون زيه .. لكن هي خدعتك وخلتك تصدقها وتحبها كمان و .....
عاد صوته الجهوري يصدح من جديد وهو يمنعها من استرسال حديثها :
_ كفاية مش عايز اسمع كلمة تاني يا أسمهان هانم
سكت لوهلة قبل أن يتابع في تحذير حقيقي وغضب :
_ ملكيش دعوة بمراتي ياماما ومتقربيش منها تاني وإلا صدقيني سعتها انسى إنك ليكي ابن أصلًا
ثم استدار واندفع لخارج المنزل لكنها لحقت به قبل أن يغادر تتشبث بذراعه تمنعه من الذهاب وتهتف في بكاء وتوسل :
_ استنى ياعدنان .. متعمليش فيا كدا يابني سامحني اوعدك مش هقرب منها تاني ابدًا .. أنت عارف إني مقدرش على بعدك عني
حدجها بعينان تلوح بها علامات الألم والخزى قبل أن يبعد يديها عنه بهدوء ويبتعد ليكمل طريقه .. انهارت باكية والتفتت للخلف لترى آدم واقفًا يتابع ما يحدث بصمت ونظرة السخط والخزي التي بعين شقيقه كانت نفسها يتطلع بها إليها .. همت بأن تقترب منه وهي تهتف برجاء :
_ آدم روح ورا أخوك يابني عشان خاطري متسبهوش وحده
آدم في ضيق من أفعال أمه التي لا تحتمل :
_ سبق وقولتلك هتخسري عندنان في النهاية بأفعالك وهو ده اللي حصل فعلًا
كانت تبكي بقوة وحزن دون أن تجيب على كلمات ابنها الأصغر الذي باللحظة التالية كان يندفع للخارج مهرولًا يلحق بأخيه ! .
***
بصباح اليوم التالي ......
منذ ليلة الأمس ولم يعد للمنزل .. حاولت الاتصال به أكثر من مرة عند استيقاظها ولكنه لا يجيب .. يستمر الهاتف في الرنين دون إجابة .. تدرك أنه لا يجيب عليها متعمدًا ولكنها تقلق عليه بشدة وتخشى أن يكون تأذي بمكروه في لحظات غضبه العاتية .. تخشي عليه بشدة وكلما تتذكر ما أخبرته به بالأمس تندم أكثر وتلوم نفسها بقسوة .
كانت تجلس فوق الأريكة المقابلة للتلفاز وتمسك بالهاتف تحدق به في سكون حتى سمعت صوت صغيرتها التي جلست بجوارها وهمست بعبوس :
_ مامي هو بابي فين ؟!
التفتت جلنار لها وغمغمت متنهدة بيأس :
_ معرفش يا هنا أنا برن على بابي من الصبح ومش بيرد عليا .. خايفة عليه أوي
عبست الصغيرة وزمت شفتيها للأمام بحزن قبل أن تتعلق برقبة أمها وتهتف في عفوية :
_ متخافيش هو هيجي دلوقت .. وأنا هستناه ومش هاكل من غيره
ردت عليها جلنار بحزم بسيط :
_ لا ياحبيبتي مينفعش لازم تفطري وإلا هو هيزعل منك أوي لما يرجع ويعرف إنك مفطرتيش
عقدت ذراعيها الصغيرة أمام صدره وتمنعت برأسها هاتفة في عناد :
_ لا مش هاكل غير لما بابي يجي وناكل مع بعض
سمعوا صوت مفتاح الباب في القفل ينفتح .. فقفزت الصغيرة من مكانها فرحًا وهرولت راكضة نحو الباب صارخة :
_ بابي
ابتسم لها بحب وانحنى عليها يلتقطها ليحملها فوق ذراعيه ويلثم وجهها وشعرها بشوق وحنان هامسًا :
_ وحشتيني ياهنايا
زمن شفتيها بضيق وقالت في انزعاج طفولي جميل :
_ لا أنا زعلانة منك .. كنت فين ؟
ارغمته صغيرته على الضحك حيث أجابها بلطف :
_ كان معايا شغل ياروح بابي وجيت أهو .. متزعليش أنا مقدرش على زعل ملاكي الحلو
ابتسمت بسرعة واختفى غضبها ثم انحنت على أذنه وهمست بخبث طفولي :
_ مامي كمان زعلانة وكانت خايفة أوي عليك
رفع نظره يتطلع بجلنار الجالسة فوق الأريكة وتحدقه بعينان ملتهفة ونظرات مهتمة .. تجاهل نظراتها تمامًا فمازال غضبه منها لم يزول .
انزل صغيرته من فوق ذراعيه بعد أن لثم وجنتها بحب أبوي وهمس بدفء :
_ هروح اغير هدومي ياحبيبتي عشان نفطر مع بعض
قفزت فرحًا وأماءت له بالموافقة ثم تحرك هو تجاه الدرج يتجه للطابق العلوى حيث غرفته .. بقت هي مكانها ساكنة لدقائق حتى رأت ابنتها جلست بجوارها وانشغلت بمتابعة برنامج الرسوم المتحركة المفضل لديها .. فاستقامت واقفة واتجهت لأعلى حيث غرفتهم .
فتحت الباب بهدوء ودخلت فوجدته قد نزع سترته و قميصه عنه وبقي فقط بالبنطال .. تجاهلت الأمر تمامًا وتقدمت منه تهتف بتساءل واهتمام :
_ روحت لمامتك ؟!!
لم يجيبها وتجاهلها تمامًا فاقتربت أكثر منه وجذبته من ذراعه العارى تديره باتجاهها حتى ينظر إليها وتقول في غضب :
_ عدنان أنا بكلمك مش بترد عليا ليه !!
عدنان بغضب بسيط ونظرات مظلمة :
_ عشان مش عايز ارد عليكي
جلنار باستياء :
_ إنت السبب في اللي حصل !
التهبت عيناه وأصبحت أكثر ظلامًا ليصيح بها في زمجرة :
_ متحاوليش تبرأي نفسك .. إنتي غلطانة ولازم تعترفي بده .. مهما كان أنا كنت ازاي وحش ومهملك وحقير معاكي ده ميدكيش الحق إنك تعملي كدا .. اللي كان في بطنك ده ابني يعني ليا الحق اعرف بوجوده أو عدمه .. مش تخبي عني لسنة كاملة ومتعرفنيش حاجة
صرخت به في سخط ممزوج بالألم :
_ خبيت عنك عشان إنت أساسًا مكنتش فاضيلي .. أنا مكنش ليا وجود في قائمتك من الأساس وكنت متأكدة إني لو قولتك مش هتديني اهتمام برضوا
عدنان بعصبية مفرطة :
_ متقوليش متأكدة من حاجة إني مجربتهاش .. لو كنتي قولتيلي إنك حامل كنت هسيب كل حاجة ويتحرق الشغل باللي فيه وكنت هجيلك جري .. بس إنتي حتى مهنش عليكي تقوليلي لما اجهضتي .. رغم إنك لو كنتي قولتي كنت هجيلك وهفضل جمبك ومش هسيبك .. لكن إنتي مصممة دايمًا تشوفيني الشيطان اللي معندوش قلب ولا شفقة .. كنت مهملك فعلًا كزوجة ليا بس عمري ما كنت قاسي معاكي ولا عديم رحمة
انهمرت دموعها رغمًا عنها واقتربت منه تدفعه في صدره بسبابتها في قسوة وتهتف بألم :
_ وهو اهمالك ده كان شيء سهل !! .. الأهمال ألمه بنسبالي كان زي ألم الخيانة بنسبالك
توقفت للحظة قبل أن تتبع بصوت مبحوح تخرج الكلمات بصعوبة من حلقها :
_ إنت متعصب وبتتجاهلني ومش عايز تسامح في غلطة واحدة أنا غلطتها كنت إنت السبب فيها وإنت اللي دفعتني للتصرف ده .. بس أنا سامحتك رغم كل اللي عملته معايا ودلوقتي بتخليني اندم إني سامحت
تعطيه الأمل وتسلبه إياه في اللحظة التالية .. تمنحه مسامحتها في التوقيت الخطأ وتخبره بندمها خلفها فورًا ! .
غاضب منها ويحق له الغضب لكنه كان سيلين وسيهدأ غضبه وسيسامحها .. سيسامحها لأنه يريدها ويحبها ! .. أخبرها أنه يريد البدء من جديد ولم يكن ليسمح بالماضي الأسود أن يعيق مستقبلهم .. لكن كان من حقه أن يغضب لبعض الوقت أنها أخفت عنه حملها في طفله .
هو يريد وهي تريد وعقولهم بالأخير تفسر تبعًا لأهوائها .. تحكم عليه دون أن تفهم وهو ينتظر منها التفهم ! .. كلاهما ينتظران العشق المتبادل وهم لا يتمكنوا من تحقيق المعادلة الصحيحة لعشقهم .. الثقة !! .
ابتعدت عنه وجففت دموعها قبل أن تستدير وتنصرف من أمامه تاركة إياها يقف متسمرًا بأرضه في ألم ويأس .. يقسم أنه لم يعد يحتمل كل هذا .. لأول مرة يشعر باشتياقه للسعادة والراحة ! .
***
تحركت ألاء بخطوات هادئة تجاه أخيها الجالس بالشرفة وبيده فنجان القهوة خاصته الصباحي .. يرفعه ببطء لفمه ليرتشف منه ثم ينزله بنفس البطء وعيناه ثابتة على الفراغ أمامه شارد الذهن ومهموم ! .
جذبت مقعد وجلست بجواره تهمس في جدية :
_ هشام هتفضل كدا لغاية إمتى !
ام ينظر لها وتصنع البرود وعدم الفهم ليجيب :
_ هفضل كدا إزاي ؟!
ألاء بضيق :
_ إنت من وقت ما رجعت من السفر وإنت على الحال ده ياهشام .. علطول قاعد وحدك ومش بتتكلم معانا وحتى ماما زعلانة ومش عاجبها وضعك
هشام في حزم بسيط :
_ ألاء أنا فيا اللي مكفيني فبلاش تيجي وتزودي عليا عشان أنا مش ضامن ردة فعلي ومش عايز ازعلك مني
ألاء بغضب وحرقة على أخيها :
_ إنت الغلطان ياهشام مكنش لازم تسيبها وتسافر
انفعل وهتف بغلظة صوته الرجولي :
_ كنت هغصبها عليا مثلًا .. واحدة كنت شايفها مش بتحبني وبتحب ابن خالتها .. كنتي عايزاني اعملها إيه أجبرها تحبني !! .. مقدرتش اتحمل اشوف نظراتها لآدم وكلامها عليه قدامي وقررت إني ابعد واحاول انساها .. بس مقدرتش ولما رجعت تاني وكنت ناوي اعافر عشانها ومسبهاش لقيتها اتخطبت
هدرت شقيقته بجدية :
_ يبقى تحاول تنساها تاني .. زينة مش ليك خلاص .. بص لنفسك إنت كمان واتجوز وعيش حياتك مع واحدة تكون بتحبك بجد
أسند فنجان القهوة فوق الطاولة الصغيرة أمامه والتفت برأسه تجاه شقيقته يشير بسبابته تجاه يساره متمتمًا بألم ويأس :
_ ده ملوش سلطان !!
انهى جملته واستقام واقفًا ليتركها ويعود للداخل حيث غرفته .. بينما هي فبقت مكانها تتنفس الصعداء بخنق وأسى على حال شقيقها المسكين ! .
***
في المساء .......
أجاب أخيرًا على اتصالاتها المتكررة لتهتف هي بغضب هادر :
_ أنا برن عليك من الصبح يا رائد مش بترد عليا ليه !!
أتاها صوته الخافت وهو يجيبها :
_ عملت حادث بسيط يازينة ومكنتش عارف ارد عليكي
انتفضت فزعًا وهتفت مسرعة بخوف :
_ حادث إيه .. إنت فين دلوقتي ؟!
_ في الشركة محبتش اروح البيت عشان مقلقهمش عليا
استقامت واقفة وهدرت بغضب واهتمام :
_ إنت مجنون يا رائد شركة إيه .. ازاي متروحش المستشفى .. أنا هجيلك دلوقتي وهنروح المستشفى سامع
هتف برفض :
_ لا متجيش أنا كويس يازينة .. هو حادث بسيط والله .. زينة اااا ......
لم تعيره اهتمام وأغلقت الاتصال ثم أسرعت وهرعت بارتداء ملابسها في عجلة .. ولم تكن والدتها بالمنزل حيث خرجت لزيارة صديقتها المريضة .. فقررت أنها ستخبرها بالطريق بما حدث وأنها في طريقها له ! .
***
عاد للمنزل وصعد الدرج متوجهًا نحو غرفته بعد أن القى نظرة على ابنته النائمة في فراشها بثبات .
فتح باب غرفته ودخل ، كان الضوء مغلق فمد يده إلى كبس الكهرباء ينير إضاءة الغرفة البنية الخافتة .. ليجدها نائمة في الفراش ومتدثرة بالغطاء إلى أعلى صدرها .. وشعرها مفرود بجوارها على طول الوسادة مولية ظهرها للباب .. تنهد بعمق واغلق الباب ثم تحرك تجاه الخزانة وشرع في تبديل ملابسه وبعد انتهائه اقترب من الفراش لينضم إليها على الجانب الآخر .. بينهم مسافة تتسع لفرد ثالث في المنتصف ! .. عقد كفيه أسفل رأسه وهو ممدًا على ظهره ويتطلع في السقف بحنق وسكون تام .. وأذا به فجأة يسمع صوت شهقة متمردة انطلقت منها رغمًا عنها .. سكن تمامًا للحظات يعطيها كامل تركيزه فسمع صوت أنفاسها العنيفة ليتأكد أن تلك الشهقة لم تكن سوى بفعل بكائها ! .. أخذ نفسًا عميقًا قبل أن يسألها بخشونة :
_ بتعيطي ليه !
لم تجيبه ولم تتحرك أنشًا واحدًا من مكانها فأطلق هو زفيرًا مغلوبًا واعتدل في نومته ليقترب منها ويمسك بكتفها يديرها إليه عنوة فيقابل عيناها الغارقة بالعبارات وشفتيها المنتكزة بفعل البكاء .. لانت حدة نظراته وهدأت غلاظة صوته ليتمتم بعدم حيلة :
_ ممكن افهم سبب العياط ده كله إيه !!!
رفعت أناملها تجفف دموعها بسرعة وتهتف في كبرياء وعناد :
_ ملكش دعوة وابعد عني
رأت الاحتدام والخنق يظهر في عيناه من جديد .. ولم يبدي أي ردة فعل كعادته بل تركها وابتعد عنها يعود لمكانه في الفراش يصنع المسافة التي بينهم مجددًا !! .
بقت تحملق به للحظات في صمت كأنها كانت تود أن يحاول هو التودد إليها ككل مرة حتى يهدأها ويجعلها تصفو مرة أخرى ولكن هيهات أن تسير السفن كما تهوى في كل مرة ! .
استدارت في نومها توليه ظهرها وهي عابسة الوجه ومهمومة .. هناك الكثير تريد التحدث به لكنها تجد صعوبة في التكلم .. تشعر بأن صدرها يضيق عليها كلما تكتم ما بداخلها لوقت أكثر .. تمالكت لسانها لدقائق طويلة تمنعه من التحدث إلا أنها فشلت في النهاية وخانها ليتحدث رغمًا عنها تهتف في حرقة :
_ مكنتش عايزة أي طفل يربطني بيك تاني .. مكنتش عايزاك وكنت عايزة اتطلق بأي شكل .. وأول حاجة جات في بالي لما عرفت بالحمل ده هي إني مش هقدر اتطلق منك .. والشيطان قدر يلعب في دماغي ويخليني افكر في عملية الإجهاض دي ولما عقلي رجعلي قبل فوات الآوان برضوا خسرت الجنين .. هو مكنش ليه نصيب إن يعيش .. وكنت خايفة كمان من ردة فعلك تكون إنت مش عايز يكون عندك أطفال مني تاني وتتعصب وترفض الطفل و.....
توقفت عن الكلام عندما شعرت بيده الغليظة تديرها إليه من كتفها ويهتف أمام وجهها باستياء بسيط :
_ ششششش متكمليش .. كل اللي إنتي بتقوليه ده كلام فارغ .. أنا كنت ومازالت مش بتمنى حاجة قد إن يكونوا ولادي كلهم إنتي أمهم .. إنتي ادتيني اغلي حاجة في حياتي ورديتي فيا الروح لما جبتيلي هنا .. فكرك إني كنت هبقى مش عايز يكون عندي أولاد منك تاني !! بالعكس ده كان منايا
اعتدلت في نومتها لتهب جالسة وتقول له بخفوت ودموع تملأ عيناها :
_ كنت خايفة اكرهك اكتر لو قولتلك وردة فعلك كانت الرفض والنفور
مسح على وجهه متأففًا بأسى قبل أن يقترب منها ويستند بجبهته فوق خاصتها متمتمًا بألم :
_ ليه يا جلنار ليه عملتي كدا ! .. ليه مصممة إننا كل ما نتقدم خطوة ترجعينا لنقطة الصفر من جديد .. أنا عايز اعوضك وعايز نعيش حياة طبيعية ونبدأ بداية جديدة بس إنتي مصممة تفضلي باصة وراكي .. رغم إن كل حاجة اتغيرت وأولهم أنا
سألت دموعها فوق وجنتيها بغزارة وتطلعت بعيناه في ضعف وغرام :
_ توعدني !!
لم يكن بحاجة ليفهم مالذي تريده أن يعدها به .. سيعدها بكل شيء وستكون كلمة واحدة تحمل معاني جمة بثناياه .. رد عليها بهمس يذيب القلوب وعاطفة صادقة :
_ اوعدك
ثم اتبع بجملته الخاصة في ابتسامة تنبع بالعشق والحنان :
_ وكيف يتخلى العُقاب عن زهرته الحمراء !
زاد انهمار دموعها لكنها لفت ذراعيها حول رقبته وارتمت عليه تعانقه بقوة تتشبث بملابسه وتدفن وجهها بين ثنايا كتفه ورقبته هامسة بصوت مبحوح وسط دموعها :
_ والزهرة تريد عُقابها !!