تحميل رواية «امرأة العقاب» PDF
بقلم ندى محمود توفيق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
دقائق طويلة قاربت على النصف ساعة وهي تقف بشرفة المنزل ، تستند بمرفقيها على سور الشرفة ، وعيناها معلقة على بوابة المنزل الكبيرة منتظرة على أحر من الجمر وصول والدها ، لقد طال غيابه هذه المرة عنهم ولم تراه منذ اسبوعين .. وعندما علمت من أمها أن اليوم هو يوم عودته قفزت فرحًا وسعادة وأخذت تجهز كل ما ستخبره به من أحداث حدثت طوال الفترة الماضية ، تخرج الألعاب الجديدة التي قامت بشرائها حتى تريه إياها عندما يعود ورسوماتها الطفولية التي قامت برسمها بألوان مختلفة وجميلة اهداهم إليها عمها ! . وأخيرًا ها هي س...
رواية امرأة العقاب الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم ندى محمود توفيق
توقف بسيارته بأحد الشوارع الجانبية لتلك المنطقة الشعبية .. تفحص المارة بعيناه التي تخفيها نظارات شمسية سوداء وهو داخل سيارته .. التقط العقد ووضعه في جيب بنطاله ثم فتح الباب ونزل وأغلقه بهدوء ، وقف والتفت حوله بنظرات تائهة ، وصل لمنطقتها لكنها لا يعرف منزلها .. لاحظ نظرات الفتيات والنساء والرجال وهم يمرون من جانبه .. بعضها نظرات استغراب وفضول والآخرى غامضة ما بين همسات الفتيات وهم يعلقون نظرهم عليه بإعجاب ، تنهد بقوة ثم سار بخطواته في الطريق وهو ينقل نظره بين كل شيء .. فوجد طفل حوالي في التاسعة من عمره يركض خلف صديقه الآخر فاقترب منه واوقفه هاتفًا بخفوت :
_ في بنت هنا اسمها مهرة متعرفش بيتها فين ؟
صمت الطفل وهو يحدق بآدم في تدقيق .. ملابسه الاشبه بملابس الأثرياء ونظارته الفاخرة .. جعلته يتساءل عن سبب سؤاله عن فتاة حارتهم فقال له بقوة لا تليق بصوته :
_ وإنت مين وتعرف مهرة منين ؟!
آدم باسمًا ببعض التعجب من لهجة الولد وطريقته في التكلم :
_ اعرفها من الشغل
نزل الولد بنظره يلقي نظره متفحصة على آدم بريبة فور قوله بأنه يعرفها من الشغل ، ثم أجاب عليه بالأخير في مضض :
_ تعالى ورايا
القى بجملته واستدار وسار باتجاه منزل مهرة بينما آدم فتأفف ببعض الحنق وسار خلف ذلك الطفل حتى وقفا أمام بناية صغيرة متهالكة مكونة من طابقين والتفت له الولد هاتفًا وهو يسير بأصبعه لأعلى :
_ الدور التاني
اماء له آدم بالموافقة وقبل أن يستدير الطفل وينصرف هتفت الجارة سماح من شباك شقتها بالطابق الأرضي :
_ مين ده ياواد ياسيد ؟!
نظر إلى آدم وقال باقتضاب :
_ واحد عايز مهرة بيقول يعرفها من الشغل
ارتدت سماح نظارة النظر خاصتها وتفحصت آدم بتدقيق شديد فابتسمت بخبث وقالت ساخرة :
_ هو إنت اللي بيقولوا عليه ولا إيه !
ضيق آدم عيناه بعدم فهم ولكنه لم يكترث وهم بدخول البناية حتى يصعد لشقة مهرة لكنها أوقفته هاتفة بفضول شديد :
_ ومن امتى بقى على كدا !
توقف والتفت لها برأسه هادرًا بصوت رجولي غليظ :
_ نعم !!
سماح بتوضيح أكثر وبلؤم أنوثي وهي تتفقد بعيناها كل جزء بآدم :
_ من امتى يعني وإنت ماشي مع البت مهرة .. والله وطلعتي قادرة يابنت رمضان الولا باين عليه ابن بشوات أوي
رفع حاجبه بنظرة مخيفة استقرت في عيني آدم .. لكنه أصدر زفيرًا حارًا بنفاذ صبر ولم يعيرها اهتمام للمرة الثانية .
كانت سهيلة على بعد خطوات من منزل مهرة متجهة إلى السوق حتى تقوم بشراء بعض متطلبات منزلهم ، وحين وقعت عيناها على آدم كأن صاعقة برق أصابتها من الصدمة والفرحة بذات اللحظة .
كان آدم على وشك أن يدخل ويصعد لولا الصوت الأنوثي الناعم الذي سمعه وهو يصيح عليه :
_ أستاذ آدم
تملكته الدهشة حين سمع اسمه ، فمن الذي يعرفه بهذه المنطقة !! .. توقف واستدار بجسده كاملًا للخلف وتابع تلك الفتاة وهي تهرول مسرعة نحوه بتلهف ، كانت ترتدي عبائة سوداء وحجابها من نفس اللون .. تلفه على شعرها بعشوائية ... لحظات معدودة وتوقفت أمامه هاتفة بلهاث :
_ إنت جاي لمهرة ؟!!!
_ أيوة .. إنتي تعرفيني ؟!
سهيلة بوجه مشرق :
_ وهو حد ميعرفش الفنان آدم الشافعي .. أنا كنت في افتتاح معرض حضرتك مع مهرة ، في الواقع أنا اللي اخدتها معايا
ابتسم لها ابتسامة متكلفة ورد بود :
_ آااه اهلا وسهلًا .. طيب عن أذنك عشان مستعجل أنا هطلع لمهرة
ردت عليه زامة شفتيها بأسف :
_ بس مهرة مش موجودة .. طلعت راحت الشغل
_ امممم هو إنتي اختها ؟!
_ لا صحبتها وتقدر تعتبرني اختها برضوا عادي
هدر آدم بصلابة وهو يهم بالاستدارة والرحيل :
_ اه مش مشكلة ابقى اجيلها مرة تاني
سهيلة بفضول وحماس :
_ هو حضرتك كنت جاي ليه ؟
اضطرب قليلًا في باديء الأمر لكنه اسرع ورد بثبات :
_ هااا .. كنت جاي اديها حاجة بس خلاص مرة تاني
همت بأن تجيب عليه لكن اوقفها صراخ صبي وهو يركض باتجاههم ويصيح بهلع :
_ يا أبلة سهيلة الحقي .. الحقي
التفتت سهيلة باتجاهه بزعر هاتفة :
_ في إيه يا ولا سرعتني
توقف أمامها وانحنى للأمام مستندًا بكفيه على ركبتيه يلتقط أنفاسه المتسارعة ويهتف بلهاث :
_ مهرة .. الحقي مهرة
صرخت به مزعورة فور سماعها لاسم مهرة الذي لفت انتباه آدم الذي كان سيرحل لكنه توقف :
_ مالها مهرة يا ميدو انطق
التقط أنفاسه وهتف بهلع وخوف :
_ بدرية الشحات خدرتها في الشارع وهي راجعة وبعدين مهرة اغمي عليها وجات عربية ميكروباص نزل واحد منها شالها ودخل بيها العربية ومشي .. أنا شوفتها بعيني والعربية بتاعت ريشا حتى عليها نفس العلامة اللي على ميكروباص ريشا
شهقت سهيلة بزعر وصاحت وهي تضرب على صدره بارتيعاد :
_ ريشا خطفها .. وفين اللي ما تتسمى بدرية دي
_ رجعت على محلها
صرخت سهيلة بعصبية :
_ وحياة أمي لأشرب من دمك ياولية يا ****
قبض آدم على يدها قبل أن تندفع وهتف بقلق بسيط :
_ استني فهميني مين ريشا ده و ليه يخطفها ؟!
سهيلة بغضب هادر وخوف ملحوظة في نبرتها :
_ ده واحد **** ربنا يستر وميأذيهاش .. أنا هروح اشوف الولية بنت ***** دي واخليها تقولي خدها فين
_ طيب استني أنا جاي معاكي
***
تجوب الغرفة إيابًا وذهابًا وهي عبارة عن بركان تفوح حممه البركانية فوق سطحه ، وتضغط على قبضة يده بقوة من فرط الغيظ وتردد كلماته بعصبية ويد تهتز من فرط السخط :
_ إنتي زعلانة ليه .. طيب متزعليش !! ... أنا زعلانة ليه !!! .. طيب أنا هوريك زعلانة ليه ياعدنان
اندفعت ثائرة باتجاه أحد إدراج المكتب الصغير الموضوع بجوار فراشهم وفتحت الدرج ثم التقطت المقص وعادت نحو خزانته وهي تشتعل غضبًا .. فتحت الخزانة وأخرجت ملابسه واحدة تلو الأخرى وكل قطعة تمسكها من ملابسه تشقها بالمقص إلى قطعتين أو ثلاثة بحسب ماتهوى ، وبينما تقوم بتمزيق ملابسه في غل تتمتم ببعض الكلمات المستاءة نتيجة لردوده الباردة عليها منذ الأمس وتهتف بازدراء :
_ طبعا ماهو إنتي اللي غبية عشان بتهيني نفسك قدامه يا جلنار .. كنت منتظرة منه إيه مثلًا يقولك لا أنا بحبك ياحبيبتي .. طبيعي هيرد بكل برود وتناحة كدا .. ماشي ياعدنان مبقاش أنا بنت الرازي إما شربتك من نفس الكاس
فتح الباب ودخل بكل هدوء وطبيعية وحين وقع نظره عليها تسمر بأرضه منذهلًا مما يراه ، وباللحظة التالية فورًا هتف في شبه صيحة ساخطة :
_ بتعملي إيه !!!
جلنار ببرود وهي تصر على أسنانه :
_ اصل لقيتها هدوم قديمة ومش حلوة ابقى روح اشتريلك هدوم جديدة
اندفع نحوها وجذب ملابسه من يدها صائحًا بها بانفعال :
_ إيه اللي بتعمليه ده ياجلنار .. إنتي اتجننتي !
رفعت المقص ولوحت به أمام وجهه صارخة بعصبية وعدم وعي :
_ أه اتجننت وابعد من وشي بدل ما اقتلك واخلص منك خالص
تراجع برأسه للخلف كرد فعل طبيعي لتهديدها له بالمقص ، وعيناه تطلق إشارات الصدمة من انفعالها وما تفعله لكن كلمتها الأخيرة قلبت كل شيء حيث رسمت الريبة على ملامحه بلحظة وبالأخرى كان ينفجر ضاحكًا وهو يردد كلمتها :
_ تقلتيني !!!!
مد يده إليها بهدوء شديد وجذب المقص من يدها وبيده الأخرى يحاوط خصرها متمتمًا من بين ضحكه :
_ طيب هاتي المقص ده بس يارمانتي عشان أنا كدا هخاف على نفسي منك بجد
دفعته بعيدًا عنها بعنف وصاحت به منفعلة :
_ قولتلك مية مليون مرة متلمسنيش
_ طيب مش هلمسك أهو .. ممكن افهم إيه اللي عملتيه في هدومي ده !
جلنار بابتسامة شرسة ومستاءة :
_ ده ولا حاجة .. دي لسا البداية طول ما إنت مش عايز تطلقني يبقى تستحمل
ضحك وهتف ساخرًا :
_ وإنتي لما تقطعي هدومي بالشكل ده أنا هطلقك يعني !
_ ما أنا قولتلك دي لسا البداية
وضع كلتا قبضتيه في جيبي بنطاله وتمتم بابتسامة متسلية وبنظرة معجبة :
_ والخطوة الجاية هتكون إيه بقى .. هتقطعي الملابس الداخلية ؟!
جزت على أسنانها واقتربت منه تهتف أمام وجهه باغتياظ وبغل :
_ هقطعك إنت
هتف ضاحكًا بخفة :
_ آه ده إنتي بتتكلمي بجد بقى وناوية تخلصي مني فعلًا
استمرت في التحديق به بشراسة وتحدي بعيناها البندقية وشعرها الأسود الكاحل ، وهي تقابل منه ثبات انفعالي مستفز ونظرات مثلجة لكن تحمل في ثناياها الإعجاب بزهرته الحمراء الشرسة .. شعرت به يلف ذراعه حول خصرها ويجذبها إليه فجأة ثم يستدير بها ويحاصرها بينه وبين الخزانة وينحنى على أذنها هامسًا بمتعة ملحوظة في نبرته :
_ برضوا مش هسيبك
هدأت حدة نظراتها قليلًا وهي تتطلع إليه وهو على هذا القرب الحميمي منها ، لكن سرعان ما دفعته عنها حين شعرت بضعف موقفها وهمت بالانصراف لكنه اسرع وجذبها مرة أخرى من ذراعه ودفن رأسه بين خصلات شعرها يشم رائحته الجميلة بتلذذ مغمضًا عيناه وهو يهمس بهيام دون أن يشعر :
_ ريحة شعرك حلوة
سيطرت على نبضات قلبها بصعوبة ولملمت شتات نفسها في لحظة ثم جذبت يدها من بين قبضته واندفعت لخارج الغرفة وهي تتمتم بغيظ ممتزج ببعض الاضطراب :
_ مستفز
بحركة تلقائية منها أمسكت بخصلات شعرها وقربتهم من أنفها تشم رائحته وسرعان ما تركته وهي تعيد جملته الأخيرة تقلده بقرف ! .
***
غارت سهيلة على بدرية تجذبها من حجابها غير مبالية لفرق السن بينهم وصاحت بها :
_ مهرة فين يا ولية يا *****
حاولت بدرية فك حجابها وشعرها من قبضة سهيلة صارخة بها بغضب :
_ وأنا مالي بمهرة كنت الحارس الشخصي بتاعها
صاح الولد الصغير بانفعال :
_ أنا شوفتك وإنتي بتخدريها وبعدين ريشا أخدها في عربيته
بدرية ببعض الارتباك والعصبية المبالغ بها :
_ أنا مخدرتش حد وشيلي إيدك عني يامجنونة إنتي
كان آدم يقف على عتبة المحل يتابع ما يحدث في الداخل بعيناه بصمت تام وشعور الاستياء يتملكه من تلك المرأة الشمطاء ، مسح على وجهه بالاخير متأففًا بنفاذ صبر ثم دخل وقاد خطواته الثابتة تجاه بدرية ، ابعد سهيلة عنها بيده ووقف أمامها مباشرة يهمس بنظرة مميتة ونبرة محذرة :
_ عملتي فيها ايه واخدتوها فين .. سؤال واضح وبسيط وإنتي هتجاوبي عليه بالذوق وإلا صدقيني لو رفعت تلفوني واتصلت بالبوليس مش هتطلعي منها
تفحصت هيئته الفخمة وملابسه باستغراب امتزج ببعض الخوف من تهديده الصريح الذي يبدو أنه ليس فارغ مطلقًا .. سيطرت على توترها وصاحت :
_ وده مين ده كمان ؟!
آدم بعيناه المخيفة :
_ الأفضل متعرفيش انا مين عشان متندميش .. ويلا انطقي
صرخت بها سهيلة بانفعال هادر وزمجرة :
_ما تخلصي انطقي يا ولية خدتوها فين ؟
خضعت بالأخير وظلت تقلب نظرها بينهم بخوف وتردد وبعد لحظات من التحديق بذلك الغريب عن منطقتهم الذي يقف أمامها وقد أصابها ببعض الاضطراب جعلها تستسلم وتهتف بمضض :
_ معرفش أنا ساعدته بس أنه ياخدها من المنطقة .. معرفش خدها فين
سهيلة بصراخ هستيري :
_ متعرفيش إزاي .. إنتي هتستعبطي علينا
آدم بخفوت وهدوء مريب وهو يعلق نظره عليها بقوة :
_ اتصلي بيه واسأليه خدها فين
طالت النظر في عين آدم التي تحمل في طياتها الانذار فأخذت نفسًا عميقًا والتقطت هاتفها تجري اتصال بريشا الذي أجابها بعد لحظات قصيرة وقبل أن ينفتح الخط جذب آدم الهاتف من يدها وفتح مكبر الصوت ليستمعوا جميعهم له وهو يهتف :
_ لا بس عفارم عليكي يابدرية .. دي البت مش حاسة بأي حاجة لغاية لوقتي انتي خدرتيها بإية !
ضربت سهيلة بكفيها على خديها في هلع ورعب بينما بدرية فابتلعت ريقها وهتفت بصوت جاهدت في إظهاره طبيعيًا :
_ هي لسا مفاقتش ؟
_ لا لسا .. كدا احسن عشان اعرف اخد راحتي
اندفعت سهيلة وكانت على وشك أن تصيح في الهاتف وتسبه ببعض الألفاظ البذيئة لولا أن آدم منعها بيده وأشار لبدرية بأن تتحدث وتسرع فقالت له :
_ هو إنت اخدتها فين صحيح
_ في بيت ( ..... ) القديم
انزل آدم واغلق الاتصال فورًا ثم هتف :
_ فين البيت ده ؟
هتفت سهيلة بقلق ووجه مرتعد :
_ أنا عرفاه يلا هدلك عليه في الطريق
جذبت الهاتف من يد آدم ووضعته بكف ميدو هاتفة بحزم :
_ هتفضل قاعد هنا ياميدو وإياك عينك تزوغ عنها ولا تخليها تطلع والتليفون يفضل معاك
_حاضر متقلقيش
ثم اندفعت للخارج ولحق بها آدم الذي اخذها لسيارته واستقلت بالمقعد المجاور له ثم انطلق بالسيارة يشق الطرقات وهي تدله على الطريق .
***
فتحت عيناها تدريجيًا والألم يجتاح رأسها بعنف ، وفور إدراكها لكل شيء حولها شعرت بيد تعبث بشعرها ، ففتحت عيناها على آخرهم وحين رأته وثبت جالسة وهي تصرخ وتتلفت حولها بهلع في ذلك المنزل المتهالك والفراش المتسطحة عليه .. نظرت لملابسها فوجدتها كما هي ، وثبت من الفراش واقفة وهمت بالركض لكنه قبض على ذراعه وجذبها هاتفًا :
_ استني يابطل رايحة فين دي لسا الليلة هتبدأ !
تململت بين قبضته وهي تصرخ به بهستريا :
_ ابعد إيدك ال**** دي عني يا حيوان
جذبها إليه أكثر عنوة وهو يحاول تقبيلها وهي تصرخ وتضربه بكل قوتها وتسبه بكل لفظ يخطر على عقلها .. وللأسف صراخها المرتفع لا يصل لأحد نظرًا لأن ذلك المنزل بمنطقة مهجورة من السكان .. استمرت في الدفاع عن نفسها بكل الطرق تارة تحاول دفعه دون أن يلمسها بشفتيه وتارة تضربه بكلتا يديها في عنف وهي لا تتوقف عن الصراخ حتى بالأخير بصقت في وجهه بقوة وهي تخرج من بين شفتيها ابشع واقذر الألفاظ المناسبة له .
اغضبته وأثارت سخطه بشدة مما جعله يمسك بها بعنف ويلقيها على الفراش وسط محاولاتها البائسة للفرار من بين براثينه .. فهو يفوقها بقوته الجسمانية ، اقترب منها بتريث وعلى وجهه ابتسامة شيطانية تعبر عن نوياه ، ولحسن حظها لمحت بجوار الفراش كوب ماء متوسط الحجم فمدت يده مسرعة والتقطته ثم نزلت به فوق رأسه فتحطم الكأس كله فوق رأسه وتناثرت أجزائه على الأرض بينما هو فوضع يده على رأسه يصرخ بألم وقد ابتعد عنها قليلًا بتلقائية نتيجة لألمه .. فدفعته هي واسقطته على الأرض ثم هرولت راكضة باتجاه الباب وفتحته ثم اندفعت راكضة على الدرج تفر هاربة وهي تلهث برعب ولا ترى أمامها سوى طريق الخروج تركض وهي تتلفت خلفها حتى تتأكد من عدم تعاقبه لها .. خرجت من البناية وهي ترتجف ولا تزال تركض دون أن ترى أمامها فقط تحمي ظهرها برأسها .. وإذا بها فجأة ترتد للخلف حين اصطدمت بآدم وهي تركض ، أمسك بها قبل أن تسقط وحدق بمعالم وجهها المزعورة .. بينما هي فدفعته بحركة عفوية في زعر وخوف ورأت صديقتها تركض إليها من خلفه وهي تصيح بسعادة :
_ مهرة
وصلت إليها وضمتها تعانقها بقوة وتهتف باهتمام وقلق :
_ عملك حاجة الحيوان ده ؟
كان ريشا يركض على الدرج حتى يلحق بها وهو ممسك برأسه وعندما خرج من البناية ورأى سهيلة ومعها ذلك الرجل الغريب وهي معهم ، فتوقف بدهشة يتطلع إليهم بارتيعاد والتقت نظراته المرتبكة للحظة بنظرات آدم النارية وفورًا باللحظة التالية كان يركض مهرولًا بعيدًا ، فلحق به آدم ركضًا .
ابعدت سهيلة مهرة عنها واحتضنت وجهها بين كفيها هاتفية بقلق تتطلع لمعالمها المرتعدة :
_ مهرة ردي عليا إنتي كويسة
انهارت جميع حصونها وانهمرت دموعها على وجنتيها بغزارة وتدريجيًا بدأت تشتد حدة بكائها وهي تمسك بشعرها بقوة وعنف كمن ترغب في جذبه من جذوره وتصرخ باكية بحالة هسيتريا :
_ لمسني يا سهيلة منه .. نفس المكان .. لمسني .. نفس المكان
حاولت تهدأتها وهي تفلت خصلات شعرها من بين قبضتيها مردفة بقوة حتى تجعلها ننتبه لها :
_ مهرة ... اهدى .. اهدى .. إنتي بخير الحمدلله .. بصيلي
سكنت لوهلة فجأة واعادت تشغيل الشريط لترى كل شيء أمام عيناها ، المأسآة كاملة .. ثم عادت مرة أخرى للبكاء لكن بعنف أشد وهي ترتجف بشكل يثير القلق وثواني معدودة حتى بدأت تفقد وعيها تدريجيًا وسهيلة أدركت ذلك فأمسكت بها وهي تصيح بها حتى لا تغمض عيناها :
_ مهرة فوقي .. مهرة .. مـــهـــرة
استسلمت واغمضت عيناها متغيبة عن الواقع .. فتلفتت سهيلة حولها تبحث بنظرها عن آدم ولكن لا وجود له ، فتأففت بعدم حيلة وانهمرت دموعها بأسى على صديقتها ثم جلست على الأرض وهي تضع ذراعها اسفل رأسها وتحاول إفاقتها لكن دون فائدة .. دقيقة بالضبط وعاد آدم وهو يلهث من أثر الركض ، فوقف أمامها وهتف :
_ مالها ؟
_ اغمي عليها وبحاول افوقها مفيش فايدة
انحنى على الأرض وحملها على ذراعيه ثم سار بها متجهًا نحو سيارته هاتفًا :
_ يلا هناخدها المستشفى
هرولت سهيلة خلفه وفتحت باب السيارة الخلفي ووضع هو مهرة بحذر شديد ثم اغلق الباب واتجه لباب مقعده ليفتحه ويستقل به واستقلت سهيلة بالمقعد الخلفي بجوار صديقتها ثم هتفت بتساءل :
_ هرب ؟!
حرك محرك السيارة وانطلق بها وهو يجيب عليها بغضب :
_ ايوة ركب الميكروباص وهرب بس هجيبه هيروح مني فين يعني
***
كانت تجلس أمام التلفاز تشاهد أحد البرامج الترفيهية وإذا بها تسمع صوت رنين هاتفها يصدع من الغرفة بالداخل فاستقامت واقفة واتجهت للغرفة والتقطت الهاتف الملقي فوق الفراش ، ثم حدقت في الشاشة تقرأ اسم المتصل " نشأت الرازي " .. أصدرت زفيرًا حارًا بخنق ثم اجابت عليه باقتضاب :
_ خير
نشأت بنبرة دافئة :
_ عاملة إيه يابنتي
جلنار في جفاء :
_ كويسة يا نشأت بيه .. خير إيه سبب الاتصال ؟!
صعب عليه أن تناديه ابنته باسمه دون أن تقول " أبي " كما اعتاد أن يسمع اسمه منها هكذا .. فتنهد بيأس وغمغم في ندم :
_ كفاية ياجلنار .. صدقيني يابنتي أنا ندمان على كل حاجة ، كرهك ليا بيقتلني ومش قادر استحمل اشوفك مش طيقاني كدا
_ إنت السبب في الكره ده يا نشأت الرازي .. مفكرتش ليه في النتائج قبل ما تبيعني عشان مصلحتك وفلوسك
نشأت بخزي وصوت مبحوح :
_ عندك حق أنا غلطت وكنت استاهل كل حاجة واستاهل عقابك ليا بس كفاية يابنتي عشان خاطري ، سامحيني
_ ياريت بس مش قادرة اسامحك للأسف .. إنت حتى محاولتش تثبتلي ندمك وتطلقني من عدنان
نشأت باندفاع وبصدق :
_ مطلقتكيش منه عشان بيحبك وهو قالي وطلب مني اديله فرصة يصلح علاقته بيكي
التزمت الصمت للحظات في دهشة بسيطة قبل أن تهتف بعدم تصديق وحدة :
_ مش مصدقاك ولا مصدقاه .. عدنان عمره ما حبني ولو قالك كدا يبقى كان بيخدعك عشان تبعد عن طريقه
كان على وشك أن يجيب عليها لكنها أسرعت وهتفت هي تمنعه من استرسال الحديث :
_ كفاية انا زهقت ومبقتش قادرة اسمع كذبكم إنتوا الاتنين .. انسى إن ليك بنت يا نشأت الرازي
انزلت الهاتف من فوق أذنيه وأغلقت الاتصال ثم ألقت به فوق الفراش وهي ترفع أناملها تخللهم بين خصلات شعرها في محاولات بائسة منها حتى لا تبكي ، وعندما التفتت بجسدها للخلف رأته يقف عند الباب يستند بكتفه عليه عاقدًا ذراعيه أمام صدره .. أدركت أنه سمع كل حديثها فرمقته باشمئزاز وهتفت في غضب :
_ كـــذاب
لوى عدنان فمه ومصمص شفتيه بهدوء مريب ثم انتصب في وقفته وابتعد عن الباب واغلقه بحرص شديد حتى لا تخرج أصواتهم لأذن صغيرتهم بالخارج ثم التفت لها وتقدم إليها في خطوات ثابتة وهادئة تمامًا حتى أصبح في مقابلتها مباشرة وهتف بصوت رجولي غليظ وخافت :
_ إنتي عايزة تطلقي ليه ؟!!
استنكرت سؤاله وضحكت ثم هتفت ساخرة :
_ يمكن مثلًا عشان مش عايزة اعيش مع راجل مش بيحبني !
أجابها بثبات انفعالي يحسد عليه :
_ ويعني هي كلمة بحبك اللي هتخليكي تنسي الطلاق ده !!!
كان يعرف ردها قبل أن يسأل السؤال وبالفعل طالت نظرتها إليه بصمت حتى قالت بقسوة وعناد :
_ لا
بدا صوته أكثر وداعة لكن ازدادت صلابة نظراته إليها وهو يجيب عليها :
_ طيب امال عايزة إيه بظبط !
جلنار بسخرية وقوة تليق بها :
_ أكيد مش بعد ده كله هقولك أنا عايزة إيه .. المفروض تعرف وحدك ، بس هيفيد بإيه حتى لو عرفت خلاص فات الآوان
مرت من جانبه وهمت بالانصراف لكنه قبض على ذراعها ليوقفها واقترب منها ثانية ثم تمتم في صوت رخيم :
_ وفات الآوان ليه ؟!
_ عشان مهما عملت ياعدنان هفضل مصممة على الانفصال برضوا
استفزته بشدة جملتها لكنه نجح في تمالك أعصابه وانحنى على وجهها يهتف بحدة :
_ وانتي مهما تعملي أنا برضوا هفضل رافض الانفصال
صاحت به مستاءة في غيظ :
_ ليه عايزة افهم لـــيـــه .. طالما مش بتحبني مش عايز تطلقني لـــــــيـــــه
قابل انفعالها وصياحها عليه بالصمت والجمود في الملامح وهو يقف كالصنم التي لا حياة فيه ، وهي تستمر في التحديق به وبعيناه تبحث عن ثغرة تنفي كلامها لربما تفسر سبب رفضه لتركها ، ولكنها لم ترى سوى ثلوج المشاعر وانعدامها .. لم ترى اي من الكره أو الحب فقط الجمود الذي ينجح به في كل مرة بمهارة .
ادمعت عيناها وردت عليه مغلوبة على أمرها :
_ مش بترد ! .. اقولك أنا ليه .. عشان أناني ومتجبر
انتظرت أن تقابل ردة فعل منه ولكنه لا يزال يقف كما هو بنفس السكون ، فهزت رأسها باستهزاء واستدارت وسارت مغادرة الغرفة بأكملها .
***
بمدينة كاليفورنيا .......
كان يجلس على مقعده أمام مكتبه بغرفته الخاص به في الشركة وتجلس نادين على المقعد المقابل للمكتب وهي تتفحص بعض الاوراق المهمة الخاصة بالعمل .. فرفع هو رأسه ونظر لها متمتمًا :
_ أنا حجزت الطيارة لمصر على بكرا .. جهزي نفسك
رمقته بذهول وهتفت بشيء من الاستياء :
_ بس أنا ما خبرتك إذا راح سافر معك أو لا .. على أي أساس بتحجزلي معك !
حاتم باسمًا بلؤم :
_ ما خبرتيني بس كانت واضحة زي الشمس إنك موافقة ، وعملتيلك شويتين قدامي قال هفكر !
اتسعت عيناها بدهشة من رده عليها وأنه كان يفهمها منذ البداية لكنه تصنع الحماقة .. رسمت ملامح الغضب على محياها حتى تنقذ نفسها من الموقف المحرج وقالت بعناد :
_ لا مو موافقة
رفع حاجبه باستنكار وهو يبتسم باتساع ثم هدر ضاحكًا بمشاكسة يقلدها في الكلام :
_ بلا ولدنة
نادين بغيظ :
_ عم تتريق مو هيك !!
_ أبدًا هو أنا اقدر .. بلاش بس عناد وقولي حاضر بسكات عشان كدا كدا هتروحي
اشتعلت نظراتها وهبت واقفة ثم انحنت عليه وهي مستندة بكفيها على سطح المكتب وتهتف بكره مزيف :
_ تعرف شيء .. أنا كتير بكرهك ياحاتم
كتم ضحكة عالية كانت ستنطلق منه وأجابها بابتسامة عريضة وببرود مستفز :
_ ميرسي ياحياتي وأنا كتير بحبك والله
فرت الدماء من وجهها وتزايد تدفق هرمون الادرينالين في جسدها فور سماعها لاعترافه بحبها حتى لو لم يكن يقصد ذلك الحب الذي تكنه هي له لكن الكلمة كفيلة لتبثعرها كليًا ! .. انتصبت في وقفتها وهتفت بتلعثم ملحوظ وهي تلملم الأوراق :
_ أي .. طــيب أنا راح روح حط هاي الأوراق بالمكتب عندي مشان ما يضيع منها شيء
لاحظ هو ارتباكها وتوترها ولم يعلق .. اكتفى بالابتسام وهو يوميء لها برأسه مغمغمًا :
_ تمام
ثم تابعها بنفس ابتسامته وهي تلملم الأوراق وتندفع لخارج المكتب مسرعة .. فور مغادرتها زدات ابتسامته اتساعًا بتلقائية وهو يعلق نظره على أثرها بشرود .
***
أمسكت زينة بالهاتف تجيب على المتصل في صوت مرهق :
_ أيوة يا رائد
رائد باستغراب :
_ برن عليكي من الصبح بدري مش بتردي ليه ؟!
فركت رأسها بألم وتمتمت بتعب :
_ نزلت أنا وماما وسمر نشتري حجات عشان الخطوبة والتليفون كان في الشنطة ومسمعتهوش
_ طيب إنتي مال صوتك كدا !
زينة بخفوت وهي تلقي بجسدها على الفراش وتجيبه وهي مغمضة عيناها بتذمر طفولي :
_ اتهلكت في اللف يا رائد وتعبت أوي وماما بتدقق في كل تفصيلة وأنا بكره التفاصيل ، والصداع هيفرتك راسي
سمعت ضحكته العالية في الهاتف وهي يجيبها بحنو :
_ معلش يازوزوا ماهو عشانا .. حتى أنا مشغول جدًا بس خلاص فاضل يومين الحمدلله .. وفي علاج بجيبه للصداع هبعتلك اسمه في رسالة جبيه وهيخفف معاكي خالص
زينة بصوت يغلب عليه النعاس :
_ حاضر .. أنا هقفل بقى يا رائد عشان ممكن لحظة وتلاقيني نمت وتفضل تكلم نفسك في التلفون
رائد بدفء :
_ طيب ياحبيبتي ارتاحي ونامي وشوية بليل كدا هبقى اكلمك تاني
_ تمام .. سلام
ودعها والغى الاتصال ثم ألقي بالهاتف بجواره .. دخلت أمه الغرفة واقتربت منه تهتف بتساءل :
_ كنت بتكلم زينة ولا إيه يا رائد ؟
_ أيوة ياماما
هزت رأسها بإيجاب ثم رتبت على كتفه وتمتمت باسمة بحنو :
_ ربنا يصلح حالك يابني وتهدى شوية على حس الخطوبة والجواز بدل ما إنت تاعبنا معاك أنا وأبوك
رائد بحنق :
_ إن شاء الله ياماما .. بلاش اسطوانة كل يوم دي بقى
نرمين بعدم حيلة :
_ طيب يلا غير هدومك وتعالى عشان الغدا جهز
_ حاضر
***
داخل إحدى المستشفيات الخاصة .....
متسطحة على فراش صغير نسبيًا يتسع لجسدها الضئيل ونائمة وهو يجلس على مقعد أمام فراشها لكن على مسافة بعيدة قليلًا منها ويمعن النظر في وجهها الملائكي الهاديء وهي نائمة على العكس تمامًا عندما تكون مستيقظة .. وكأن تلك الفتاة الشرسة والمجنونة أصبحت أخرى وهي نائمة .
فتحت عيناها ببطء ثم حركت عيناها في حركة دائرية تتفحص المكان النظيف والجميل الذي يشبه المستشفى !! ، ثم مالت برأسها الجانب فرأته يجلس على المقعد فزعت وهتفت بهلع :
_ سلام قولًا من رب رحيم
رد عليها ببرود :
_ إيه شوفتي عفريت
مهرة وهي تتلفت حولها بارتيعاد بسيط :
_ أيوة أنا فين وإنت بتعمل إيه هنا !
_ اغمي عليكي وجبناكي على المستشفى
_وسهيلة فين ؟!
_ طلعت برا تكلم جدتك تقريبًا لأنها مبطلتش رن عليكي
سكتت لوهلة تمنع نفسها من تذكر الأحداث الأخيرة حتى لا تنهار مرة أخرى واعتدلت في الفراش وانزلت قدمها منه تهم بالقيام وهي تقول :
_ أنا لازم اروح .. تيتا مش هترتاح غير لما تشوفني
أمسك بيدها في تلقائية حتى يمنعها من الوقوف وهتف :
_ هتمشي بس اصبري ترتاحي شوية عشان متشوفكيش بالمنظر ده
نفرت يدها عن لمسته بسرعة في زعر وارتيعاد لاحظه في نظرتها ، فسحب هو يده فورًا وهتف معتذرًا :
_ أنا آسف مقصدش والله .. إنتي كويسة ؟
انتصبت في جلستها بشموخ وردت بثبات مزيف وقوة متصنعة :
_ كويسة .. معاش ولا كان اللي يعرف يأذيني بس ورحمة أمي ما هسكت عن حقي
_ أنا بلغت البوليس وكلها كام ساعة وهيجبوه والست اللي من منطقتكم دي ابقى اتصرفي إنتي معاها بقى
لمعت عيناها بشر الانتقام عندما تذكرها لبدرية وقال بوعيد :
_ ده أنا هخليها تقول حقي برقبتي وهعرفها مين بنت رمضان الأحمدي على حق
سكتت فجأة وانتبهت أنها تتحدث مع نفس ذلك الذي كانت تبحث عن اسمه في مواقع التواصل وتشاهد صوره .. فطالعته بعدم فهم ودهشة متمتمة :
_ إنت بتعمل إيه هنا !!
ضحك رغمًا عنه وهتف بنفاذ صبر :
_ إنتي بتفقدي الذاكرة ولا إيه ! .. أنا اللي جبتك المستشفى يامهرة
_ ايه ده يا حلاوة وعارف اسمي كمان ! .. اعترف إنت طلعت معجب وبتراقبني في صمت صح !
رمقها آدم بذهول وعدم فهم مضيقًا عيناه في حيرة من تلك الفتاة لكنه لم يتمكن من منع ضحكته التي انطلقت وهو يجيبها مستنكرًا :
_ معجب إيه إنتي هبلة يابنتي .. بعدين إنتي مش كنتي لسا منهارة وبتعيطي قبل ما نجيبك المستشفى لحقتي ترجعي لطبيعتك امتى
ظهر العبوس والأسى على محياها ثم اطرقت رأسها أرضًا وغمغمت :
_ بيني وبينك أنا بحاول اتناسي اللي حصل .. يعني بمثل قدامك ، بس اقنعتك مش كدا !
_ اه اقنعتيني .. ده إنتي بني آدمة غريبة !
_ غريبة بس قمر
ضرب كف على كف ضاحكًا وهو يهتف :
_ لا إنتي لا يمكن تكوني طبيعية .. يابنتي انتي كنتي مخطوفة وواحد حيوان حاول يعتدي عليكي
مهرة بغيظ وضيق :
_ ما خلاص بقى ياعم انت مصمم تفكرني ليه .. قولتلك بحاول اكون طبيعية وانسي اللي حصل عشان لو افتكرت هيحصل زي ما حصل قبل ما يغمى عليا وعشان كمان مينفعش ارجع لجدتي وأنا كدا .. لو عرفت ممكن يجرالها حاجة ، وبعدين إنت لسا متعرفنيش عشان كدا مستغرب .. محدش يقدر يكسرني وهاخد حقي منهم تالت ومتلت
طال النظر إليها في نظرة إعجاب بشجاعتها قوتها ثم هتف باسمًا :
_ إنتي بلاء ونزل فوق راسي يامهرة .. كل ما اشوفك تكون في مصيبة .. اول مرة تلفوني وتاني مرة كنت هخبط جدتك بالعربية وتالت مرة في المعرض لما عصبتيني وكنت همسك في زمارة رقبتك بس تمالكت اعصابي ورابع مرة اهي زي ما أنت شايفة
ابتسمت وهتفت بمرح لا يلائم الوضع أبدًا وبمكر :
_ ما محبة إلا بعد عداوة
_ نعم !!
اقتحمت سهيلة الغرفة ودخلت وهي تهتف محدثة آدم قبل أن تنتبه لمهرة التي استفاقت :
_ خالتي فوزية قلقانة أوي يا أستاذ آدم و .....
سكتت عن الكلام فور رؤيتها لمهرة وهرولت عليها تهتف باسمة بسعادة :
_ مهرة إنتي كويسة
_ كويسة يا سهيلة الحمدلله .. مالها تيتا قالتلك إيه
_ مش مصدقة ومصممة إن في حاجة واحنا مخبين عنها بالعافية اقنعتها وقولتلها اننا جايين في الطريق
استقامت مهرة واقفة وقالت بجدية :
_ طيب يلا بينا عشان لما بتقلق جامد ضغطها بيعلى عليها
سهيلة باستغراب من حالتها الطبيعية التي تتحدث بها :
_ مهرة إنتي متأكدة إنك كويسة ؟!
_ ياعم كويسة اغنهالكم .. ودوني بس البيت ارتاح كدا عشان بعدين انزل لبدرية الكلب دي اشق بطنها بإيدي اطلع مصارينها كدا وسعتها ابقى كويسة بجد .. ده أنا هفضحها في المنطقة كلها الولية العايبة دي
آدم بقرف وباستغراب :
_ مصارينها !!!!
التفتت برأسها لها وهتفت في عفوية :
_ اهاا كرشها يعني .. كلت كرشة قبل كدا ولا لا هبقى اعزمك عليها في مرة هتعجبك اوي
نغزتها سهيلة في جنبها بخفة وهي تزغرها بنظرها حتى تتوقف فرمقتها مهرة باستياء من نغزتها لها حتى تصمت وقالت :
_ في إيه .. ما إنتي بتاكليها هتعملي نفسك نضيفة قدامه
رد آدم مبتسمًا بعدم حيلة وهو يكتم ضحكته :
_ خوديها ياسهيلة وأنا هخلص إجراءات الخروج وهاجي وراكي
سارت بها سهيلة للخارج وهي تهمس بغيظ :
_ ياحمارة انا بقولك اسكتي تقوليلي ما إنتي كمان بتاكليها .. كرشة ايه اللي تعزميه عليه يامعفنة ياقذرة
_ ما يمكن تعجبه !
_ اسكتي يامهرة مسمعش صوتك خالص لغاية ما نروح
***
في مساء ذلك اليوم ......
فتح عدنان باب غرفته بعد أن تأكد من خلود صغيرته للنوم وقد ذهب هو أيضًا لينل قسطه من الراحة المسائية .. اغلق الباب ودخل متجهًا نحو الفراش فوجد جلنار نائمة في هدوء على جانبها ، تنهد الصعداء بقوة واقترب منها ثم وقف أمامها يتأملها للحظات في صمت يتذكر كلماتها بالصباح له ومع أبيها ( عدنان عمره ما حبني ) .. ( عشان أناني ومتجبر ) .. أصدر زفيرًا حارًا بعد لحظات طويلة من التأمل في ملامحها الجميلة والتفتت من الجهة الأخرى ثم دخل بجانبها للفراش ، اقترب منها حتى أصبح ملاصقًا لها فاحتضنها من الخلف وهمس بصوت خافت ومبحوح :
_ مش قادر اسيبك .. حتى لو عايز اريحك مش هعرف ياجلنار ، قولي عني زي ما تقولي أناني أو أي حاجة بس غصب عني مش عارف ابعدك عني لا إنتي ولا بنتي !
رواية امرأة العقاب الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم ندى محمود توفيق
شعر بتسارع أنفاسها بعد أن كانت منتظمة وهادئة، فأدرك أنها تتصنع النوم وسمعت ما قاله.
تنهد الصعداء بابتسامة، ثم رفع جسده قليلًا عنها ومد أنامله يزيح خصلات شعرها عن وجهها وعينيها. ودقق النظر في وجهها فلاحظ ارتجافة رموشها فتأكد حينها أنها بالفعل مستيقظة.
أخذ يعبث بأنامله في خصلاتها برقة وانفاسه الدافئة تلفح رقبتها ونصف وجهها. وبعد لحظات من الصمت بينهم، هو مستمر في تمرير أنامله فوق خصلاتها ويغلغلها داخلهم وهي لا تزال تتصنع النوم.
أصدر تنهيدة حارة ورأى أنه لا بأس من بعض الاعترافات البسيطة التي لا تعرفها. عاد يتحدث من جديد بصوت رخيم، ولكن هذه المرة هو يعرف أنها تسمعه:
_ لما وافقت على الطلاق كنت مضطر لما ملقتش حل معاكي تاني. وتقدري تقولي كانت غلطة مني والحمدلله ادركتها قبل فوات الآوان. أنا متفقتش مع نشأت إني اطلقك وآخد هنا منك، أنا مش قذر للدرجة اللي تخليني احرم بنتي من أمها. لو كان في اتفاق بيني وبينه فكان اتفاق إننا نفهمك إني هاخد هنا منك لو أطلقنا على أمل إنك تتراجعي عن اللي في دماغك. وبرضوا ده تصرف غلط معترف بكدا، بس ملقتش طريقة غير دي. ولو كنتي برضوا صممتي على الطلاق مكنتش هاخدها منك أكيد.
سكت للحظة، ثم أخذ نفسًا عميقًا واسترسل كلامه بلهجة باتت أكثر قوة:
_ لغاية ما خدتيها وهربتي بيها. مش عارف كان تفكيرك إزاي وقتها. كنتي بتحاولي تحميها مني عشان مخدهاش، أو عملتي كدا قصد عشان تحرقي قلبي على فراقها لإنك عارفة أنا روحي متعلقة بيها إزاي. ولو كان هروبك ده عشان الاحتمال التاني فأحب اقولك إنك نجحتي في كدا. كنتي السبب في إني عيشت شهرين في ألم ورعب وقلق. من كتر خوفي واحساسي بالعجز بقيت افكر إنكم ممكن يكون حصلكم حاجة. شوقي وخوفي على بنتي كان مش بيخليني عارف أنام حتى. كنتي بتقوليلي هنتقم منك، بس إنتي انتقمتي شر انتقام لما حرمتيني من هنا. كنت في حالة غضب لا يمكن تتخيلها، ومن كتر غضبي كنت متوعدلك إني هندمك على اللي عملتيه ده. لأن وسط خوفي وقلقي على بنتي كنت قلقان والشك هيقتلني وأنا بفكر بتعملي إيه ورحتي فين وقاعدة مع مين. ولما عرفت إنك قاعدة مع اللي اسمه حاتم ده اتجننت وحجزت على أول طيارة وسافرت. وطول الطريق كنت منتظر اشوفك بس عشان اخد روحك بإيدي من كتر عصبيتي.
لحظة أخرى مرت وهو يتنهد بعمق ويعود ويكمل بنبرة رخيمة عادت لسابقها:
_ بس لما شوفتك معرفش ايه اللي حصل هديت 50 درجة ومعرفتش انفذ اللي كنت ناوي اعمله أول ما اشوفك. بعترف إنك وحشتيني ويمكن عشان كدا ضعفت لما شوفتك. كنت غيران أه وإنتي عارفة إني بغير ورغم كدا بتتعمدي تجيبي سيرة حاتم قدامي ولما بتعصب بتزعلي! يعني في الآخر الشهرين دول علموني حجات كتير أولهم إن قرار الطلاق كان غلطة ولا يمكن أكرره.
توقف أخيرًا عن الكلام ونظر لوجهها يتابع تعبيراتها. لا تزال رموشها ترتجف لكن أنفاسها هدأت قليلًا فانحنى وطبع قبلة على وجنتها ثم رجع بشفتيه للخلف إلى أذنها وهمس:
_ كنت ناوي اقولك الكلام ده من بدري وأعتقد إن ده انسب وقت. بما إنك مش فاهمة سبب رفضي للطلاق فيمكن دلوقتي تكوني لقيتي إجابة سؤالك. تصبحي على خير يا رمانتي.
ثم ابتعد عنها وتسطح على ظهره بجوارها واضعًا كفيه أسفل رأسه وبقى محدقًا في السقف لثواني قبل أن يغمض عيناه ويخلد للنوم.
بينما هي فتحت عيناها والتفتت برأسها للخلف تتطلع إليه في دهشة ممتزجة بالقليل من الراحة. لم تكن أبدًا تتخيل أن مكالمتها مع أبيها وحديثهم معًا بالصباح سيؤثر به لهذه الدرجة. ابتسمت بثقة مع قليل من الخبث ثم عادت برأسها لوضعها الطبيعي وأغلقت عيناها تنوي النوم حقًا هذه المرة.
***
تسللت أشعة الشمس من خلف ستار النافذة الشفاف إلى عيناه، فسببت له الإزعاج. أخذ يتململ في الفراش بخنق ثم رفع يده لعيناه يفركها ويفتحها بصعوبة في وجه الضوء. اعتدل في نومته وهب جالسًا مستندًا بظهره على ظهر الفراش وهو يمسح على شعره نزولًا إلى وجهه متأففًا.
التفت برأسه على جانب الفراش الفراغ منها وهم بأن يمد يده ويتلقط هاتفه ليتحقق من الساعة، لكن انفتح باب الحمام وخرجت منه وهي تجفف شعرها وترتدي منامة قطنية قصيرة.
تابعها بعيناه متفحصًا إياها وهي لا تعطيه اهتمام تتصرف وكأنه غير موجود. اقتربت ووقفت أمام المرآة ثم نفرت برأسها يمينًا ويسارًا تنفض الماء عن شعرها وتبدأ في تسريحه. عيناه لم تحيد عنها وما دهشه إن نظراتها لم ترتفع للمرآة عن طريق الخطأ حتى لتنظر له.
قرر هو أن يبدأ بتحية الصباح حيث هتف مترقبًا لردها:
_ صباح الخير!
ردت بنبرة جامدة من المشاعر بعد ثواني دون أن تنظر له:
_ صباح النور.
ازدادت نظراته قوة وهو يثبتها عليها متعجبًا من أسلوبها فقد توقع أن بعد ما قاله بالأمس ستلين قليلًا ولكن يبدو العكس الآن. نزل من الفراش واستقام واقفًا ثم تحرك باتجاه الخزانة. فتح الجزء الخاص بملابسه في الخزانة وبرأسه يلتفت للخلف قليلًا ينظر لها بتدقيق حيث أن المرآة تقع بالقرب من الخزانة فكانت هي تقف قريبة منه وتلاحظ بطرف عيناها نظراته لها وتتجاهلها عمدًا.
أخرج منشفته حتى يدخل ويأخذ حمامه الصباحي وعيناه لا تزال ثابتة عليها وما يثير غيظه تجاهلها له، يتطلع لها وكأنه ينتظرها أن تقول شيء ولكنها تتصرف كأنها لا تراه من الأساس.
اغلق باب الخزانة بقوة والتفت بجسده ناحيتها وهتف بصوت غليظ:
_ أنا هروح الشغل واحتمال مجيش بليل.
لم تجب واستمرت في تجاهله وهي مهتمة بتسريح وتجفيف شعرها، فسمعته يهتف بحدة وهو يقترب منها:
_ سمعتي أنا قولت إيه!
خرجت عن إطار صمتها أخيرًا والتفتت برأسها له تهتف ببرود:
_ سمعت.. براحتك أساسًا مش هتفرق معايا بحاجة.
اتسعت عيناه من ردها واحتدمت نظراته وهو يجيبها بصوته الخشن:
_ اممم أنا قولت اعرفك عشان متعمليش زي كل يوم وتقولي إنت لسا تعبان ومينفعش تخرج.
ابتسمت وهدرت بعدم مبالاة مثيرة للأعصاب:
_ لا مش هقول إنت مش طفل صغير وعارف مصلحتك أكيد.. روح خد الشاور يلا عشان تلبس ومتتأخرش على work.
رفع حاجبه مستنكرًا ردها وهو يبادلها الابتسامة ببرود ظاهري مزيف، بينما هي فزدادت ابتسامتها اتساعًا وهي ترى مجاهدته في الظهور بهدوء على عكس ما يخفيه خلف هذا الوجه. استدارت بجسدها مرة أخرى للمرآة واكملت ما كانت تفعله وتتطلع لوجهه في انعكاس المرآة فترى نظراته المشتعلة.
باللحظة التالية اقتحمت الصغيرة الغرفة وهي تهتف بعفوية:
_ مامي.. ماما!
لكنها ابتسمت بساحرية بمجرد رؤيتها لأبيها وهرولت إليه فانحنى وحملها على ذراعيه ولثم وجنتها بحب هامسًا:
_ إيه الجمال ده يا هنايا.
أمسكت الصغيرة بخصلات شعرها في رقة وقالت بسعادة من مغازلة أبيها لها:
_ مامي عملت ليا شعري كدا.. حلو؟
_ إنتي كلك على بعضك حلوة يا ملاكي.
ضحكت بخجل والقت برأسها تدفنها بين ثنايا رقبة أبيها تخفي استحيائها، فيبادلها هو الضحك. ثم رفعت رأسها بعد ثواني وتطللت لأمها التي تتابعهم مبتسمة بدفء فانحنت على أذن أبيها وقالت بحماس:
_ بابي امتى هنقول لمامي؟
انحنى هو الآخر على أذنها وهمس:
_ لسا مش دلوقتي.. اوعي تقوليلها!
هزت رأسها بالإيجاب في ابتسامة حماسية فطبع هو قبلة على شعرها وانزلها ثم اتجه إلى الحمام. بمجرد دخوله أمسكت جلنار بهنا وهمست بفضول:
_ إنتي وبابا مخبين إيه عني؟
هنا بتوتر وهي تهز رأسها بالنفي باسمة:
_ لا بابي قالي مقولكيش.
هتفت بجملتها وسحبت ذراعها بسهولة من قبضة أمها ثم هرولت للخارج وتركتها تتساءل بفضول عن ما يخفوه عنها!
***
بمطار القاهرة الدولي.....
كانت تقف بمنطقة صغيرة بعيدة عن أشعة الشمس وهو يقف بعيدًا عنها يتحدث في الهاتف مع أحدهم وماهي إلا لحظات حتى توقفت أمامه سيارة سوداء وترجل منها شابًا ثم بدأ يتبادل أطراف الحديث مع حاتم وهم يضحكون بصفاء، وانتهي حديثهم بتوديعهم لبعض وهو يشير له بأن يرحل وكأن مهمته قد انتهت.
فور رحيله التفت برأسه لها وأشار لها بأن تأتي فتحركت باتجاهه وصعدت بالمقعد الأمامي المجاور له وهو وضع الحقائب في حقيبة السيارة الخلفية وعاد لها ثم استقل بمقعده المخصص للقيادة.
نظر لها وتمتم مبتسمًا باستغراب:
_ مالك؟
نادين بخنق وهي تلوح بيدها أمام وجهها:
_ the sun is too hot (حرارة الشمس مرتفعة جدًا).
حاتم ضاحكًا:
_ مش للدرجة إنتي بس عشان اتعودتي على جو أمريكا.
اخرجت منديلًا ورقيًا مبلل ومسحت على وجهها وهي تزفر بينما هو فانطلق بالسيارة يشق الطرقات متجهًا إلى منزله.
بقت هي تتابع الطرق من خلال زجاج السيارة تتفحص كل شيء تقع عيناها عليه في الطرق حتى هتفت بالأخير في رقة:
_ لوين رايحين؟
_ على البيت.
نادين بحيرة:
_ بيتكه؟
هز رأسه بإيجاب فسألته بريبة وتعجب:
_ وأنا لوين راح روح؟!!
حاتم ببساطة مبتسمًا:
_ معايا يا نادين يعني هتروحي فين!
اعتدلت في جلستها وقالت بتوضيح أكثر وبجدية:
_ شو بتقصد يعني! .. راح نضل أنا وإنت بس بالبيت!
طالعها بنصف نظرة وهو يبتسم بخبث ثم أجاب عليها بمشاكسة:
_ لو حابة نفضل وحدينا معنديش مشكلة.
نادين بحزم بسيط:
_ حاتم لا تتواقح أنا عم اتكلم جد.
قهقه بخفة ثم هدر بصوت هادئ:
_ لا مش لوحدينا يا نادين خالتي فاطمة مستنيانا وهتقعد معانا.
تحمست بشدة وهتفت بعفوية:
_ عنجد.. تعرف أنا كتير كان نفسي اتعرف عليها وهلأ راح شوفها، أكيد بتشبهك.
_ اممم بما إني شبه ماما الله يرحمها وهي شبه ماما فأكيد هيكون فينا شبه من بعض.
أومأت بتفهم وهي تبتسم بساحرية ثم عادت لجلستها الطبيعية وهي تتابع الطريق من جديد، حتى توقفت السيارة بعد دقائق طويلة أمام بوابة كبيرة ولحظة وانفتحت البوابة ثم عبر بسيارته للداخل وهي تتفحص المنزل الكبير بنظرها من نافذة السيارة حتى توقفت ونزل هو أولًا ثم لحقت هي به.
وقفت تتلفت برأسها في كل الاتجاهات وعيناها تتنقل في كل مكان بالمنزل حتى هتفت بإعجاب تحدثه وهو يخرج الحقائب:
_ البيت كتير حلو يا حاتم.
رأته يخرج الحقائب فهرولت هي إليه حتى تساعده في حملها وهي تهتف:
_ لا تحملها كلها أنا بساعدك.
هتف بصوت رجولي حازم رافضًا:
_ سيبي ملكيش دعوة إنتي بلا اساعدك.
زمت شفتيها بغيظ من حدته وكانت على وشك أن تجيب لكنها رأته يحمل الحقائب ويسير بها باتجاه باب المنزل الذي فتح وظهرت من حالة سيدة متقدمة قليلًا في العمر وتهتف بلهفة وسعادة غامرة:
_ حاتم!
أسرعت إليه في شوق فترك هو الحقائب وفرد ذراعيه يستقبل خالته معانقًا إياها بحرارة وعينان تلمع بشوق مماثل لها.
فاطمة بفرحة:
_ وحشتني أوي يا حبيبي.
اقترب وطبع قبلة حانية على جبهتها متمتمًا:
_ وإنتي كمان والله وحشتيني أوي.. بيني وبينك أنا اتلككت بالشغل ده عشان الاقي فرصة واجي اشوفك.
نكزه في كتفه بغيظ هاتفة:
_ وهو لازم يكون في شغل عشان تنزل مصر وتشوفني يا ندل.
_ اعمل إيه ما إنتي عارفة والله مش بلاقي وقت فاضي نهائي عشان انزل زيارة سريعة حتى وارجع.
التفتت فاطمة برأسها تجاه نادين التي ابتسمت لها بحرج وتوتر فهتفت فاطمة ببشاشة:
_ وأخيرًا اتقابلنا ده مش بيبطل يشكر فيكي كل ما اكلمك.
نادين بضحكة بسيطة وهي تتطلع لحاتم باستحياء بسيط وتهتف:
_ عنجد.. وهو كمان كتير بيحكيلي عنك.
بادلتها الضحك وهتفت:
_ لا احنا كدا لينا قعدة مع بعض بقى وتحكيلي كان بيقولك إيه عني.
لف حاتم ذراعه حول كتف خالته وتمتم بمداعبة:
_ تعالي بس يافطوم وقوليلي عملالي إيه على الغدا لاحسن انا وحشني أكلك أوي.
_ عملالك كل الاكل اللي بتحبه.. اطلع إنت بس غير هدومك وخد دش وانزل وهتلاقي الأكل جاهز.
خطف قبلة عميقة من وجنتها وهو يهتف ضاحكًا:
_ ياسلام وهو أنا بحبها من قليل الست الطيبة دي.
قهقهت بقوة ثم أمسكت بيد نادين وهتفت في عذوبة:
_ تعالي ياحبيبتي اوريكي اوضتك.. ده أنا جهزتلك اكتر أوضة مريحة في البيت كله.
نادين برقة معهودة منها وهي تبتسم بود:
_ ميرسي كتير.
***
قادت مهرة خطواتها الواثقة وهي تبتسم بشر وغل حتى توقفت أمام بقالة بدرية. تبادلا النظرات لبعضهم بحقد، فاندفعت نحوها مهرة وجذبتها من حجابها صائحة بها في غصب:
_ بقى إنتي يا ولية يا زبالة تخدريني وتسلميني لـ ***** اللي اسمه ريشا ده.
حاولت الإفلات من قبضة مهرة وهي تصرخ بها:
_ ابعدي ايدك دي.
تركتها مهرة ثم ابتسمت بخبث وهتفت:
_ ده حتى اللي بيته من ازاز ميحدفش الناس بالطوب مش كدا ولا إيه.
_ قصدك إيه؟
كان يقف خلفها ميدو فالتفتت مهرة برأسها له ورمقته بنظرة ذات معنى فاندفع هو يبحث بين منتجات البقالة ويخرج أكياس ممنوعات، صرخت به بدرية بخوف وارتباك وهي تندفع إليه لتمنعه:
_ إنت بتعمل إيه يا ****.. ابعد.
أمسكت بها مهرة وابتسمت لها بغل ثم هدرت:
_ احنا بلغنا البوليس وزمانه في الطريق دلوقتي عشان يقبض عليكي.
بدرية برعب وهي تصرخ بهستريا بعد أن رأت تجمع أهل المنطقة حول بقالتها:
_ المخدرات والبودرة ده مش بتاعتي.
انحنت مهرة على أذنها وهمست بغضب مكتوم وعين تلمع بنار الانتقام:
_ عشان تبقي تفكري كويس قبل ما تلعبي مع بنت رمضان وتحاولي تأذيها.. أنا عارفة إنك بتبيعي البودرة دي من بدري وكنت ساكتة.. بس إنتي ولية عرة وو**** مكانك في السجون.
كانت تقف بالخارج سهيلة تتابع صديقتها وهي تعقد ذراعيها أمام صدرها وتحدق ببدرية في تشفي وسعادة وما هي إلا لحظات واقتحمت سيارة الشرطة المنطقة بعد أن حصلت على أخبرية أن هناك محل بقالة يبيع ممنوعات في منطقة شعبية.
ترجل الضابط من السيارة واقترب من المحل ثم نقل نظره بين مهرة والولد وبدرية فهتفت مهرة بابتسامة نصر:
_ أنا اللي بلغت يا باشا والمحل للست دي وبتبيع بودرة لعيال المنطقة.
اندفعوا العساكر إلى المحل وبدأو في التفتيش وبالفعل عثروا على كميات كبيرة مخفية بين منتجات الطعام، بينما بدرية فكانت تقف مصدومة لا تستوعب ما يحدث أمامها وإذا بها فجأة تجد أحد العساكر يكبلها من ذراعها ويسحبها معه للخارج باتجاه سيارة الشرطة وهي تصرخ وتهتف محاولة الدفاع عن نفسها:
_ ياباشا والله العظيم الحجات دي مش بتاعتي.. أنا فاتحة محلي من سنين وعمري ما بعت فيه حاجة مش ولا بد.. يا باشا ابوس إيدك اسمعني.
ولكن لم يستمع لها أحد تستمر في الدفاع عن نفسها دون فائدة، فصرخت بالأخير وهي تلتفت برأسها تجاه مهرة وتتوعد لها:
_ منك لله.. بس ورحمة أمي ما هسيبك يا بنت رمضان.
مهرة بضحكة متشفية:
_ حاضر هبقى آجي ازورك متقلقيش.
صعدت بسيارة الشرطة واستقل الضابط بمقعده بجانب السائق في الأمام ثم انطلقت السيارة وبدأت الهمسات والهمهمات من أهل المنطقة مع بعضهم البعض.
بينما مهرة فعبرت من جانبهم هي وسهيلة غير مكترثة لنظرات الاستفهام الموجهة نحوها.
***
في تمام الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل.....
فتح باب السيارة ونزل ثم رفع نظره لأعلى تحديدًا إلى غرفتها فوجد الأضواء مغلقة وفقط ضوء بني خافت منبعث من الغرفة. تنهد الصعداء بحرارة واغلق باب السيارة ثم تحرك باتجاه باب المنزل الرئيسي، مد يده في جيب بنطاله وأخرج المفتاح ليضعه في القفل ويديره لجهة اليسار فينفتح الباب ويدخل ثم يغلقه خلفه بهدوء شديد حتى لا يحدث ازعاج.
قاد خطواته أولًا باتجاه غرفة ابنته فوجدها نائمة في فراشها بثبات عميق ومتدثرة بغطائها الصغير، فاقترب منها وانحنى عليها يطبع قبلة سطحية رقيقة فوق جبهتها حتى لا تستيقظ ثم ينتصب في وقفته مجددًا ليستدير وينصرف بعد أن أغلق الباب بحذر وتركه مواربًا قليلًا.
تحرك إلى الغرفة المجاورة حيث غرفتهم. معتقدًا أنها سيجدها أيضًا نائمة لكنه بمجرد ما أن فتح الباب ودخل.. وجدها تقف تولي ظهرها للباب وتقوم بترتيب الفراش. تصلب بأرضه وهو يحدق فيما ترتديه.. قميص أخضر اللون قصير وبحمالات سوداء وعاري الظهر.
فور رؤيته لها قذفت بذهنه ذكرى تخص ذلك القميص المفضل خصيصًا.
تتلفت حول نفسها يمينًا ويسارًا بعد أن ارتدته وهي تزم شفتيها بحزن شديد من يراها يظن أنها على وشك البكاء من فرط الحزن. تضع يدها على بطنها المرتفعة وتنظر لنفسها في المرآة بتحسر.
التفتت بجسدها تجاه الباب عندما انفتح ودخل ولم تمهله لحظة حتى لينظر لها حيث صاحت بحزن طفولي:
_ عدنان!
تفحصها بعيناه. ترتدي القميص لكنه غريب فوق جسدها نظرًا لحجم بطنها المرتفع بسبب الحمل وزيادات الوزن التي اكتسبته. رأت هي علامات الاستغراب على محياه فصاحت وهي على وشك البكاء:
_ شكله وحش فيا صح.. ده اكتر قميص بحبه وبرتاح فيه.
أجابها بجدية محاولًا اخفاء ابتسامته على حركاتها الطفولية:
_ لا مش وحش هو شكله بقى غريب عليكي بس حلو.
جلنار بعينان لامعة بالدموع:
_ دخل فيا بالعافية.. بقيت شبه الكورة.
ضيق عيناه بدهشة فور ملاحظته لدموع عيناها فاقترب منها وهتف بريبة:
_ إنتي بتعيطي عشان القميص مدخلش فيكي!
انهمرت دموعها وقالت بصوت مبحوح:
_ نص هدومي مبقتش تدخل فيا يا عدنان.
ابتسم رغمًا عنه وهو يتنهد بعدم حيلة ثم لف ذراعه حول كتفيها وضمها لصدره متمتمًا بنبرة حاول إظهارها جدية دون أن يضحك:
_ مش معقول كدا يا جلنار أنا كل يوم اجي الاقيكي بتعيطي على حاجة مختلفة.. بعدين كلها كام شهر وتولدي وهدومك كلها ترجعي تلبسيها تاني مش مشكلة يعني!
ابتعدت عنه وجففت دموعها بظهر كفها فانحنى هو برأسه لمستواها وطبع قبلة فوق شعرها ومد يده يتحسس بطنها بحب متمتمًا:
_ بلاش زعل وعياط بقى الدكتور قال الانفعالات والزعل بتأثر على الطفل وعليكي، خلينا نعدي شهور الحمل دي على خير وإنتي تقومي بالسلامة والقردة الصغيرة دي تشرف بالسلامة.
عودة للوقت الحاضر. التفتت جلنار بجسدها للخلف بتلقائية وفور وقوع نظرها عليه انتفضت شاهقة بفزع وقالت:
_ إيه ده إنت مش قولت مش جاي النهارده!
ظل معلقًا نظره عليها بشرود دون أن يجيبها فعادت هي تهتف بصوت أعلى:
_ عــدنان!!!
استفاق من شروده وغمغم بخفوت لكنه مازال لم يستفيق من تأثيرها:
_ غيرت رأي.
لاحظت هي نظراته المعلقة عليها بغرابة فنزلت بنظرها لجسدها وفورًا فهمت سبب نظراته، فأسرعت وجذبت رداء القميص الخاص به وارتدته فوقه. ثبتت قدميها بالأرض في قوة عندما رأته يقترب منها حتى وقف أمامها مباشرة وتمتم بابتسامة ساحرة:
_ آخر مرة شوفتك لبساه لما كنتي حامل في هنا.
فضلت الصمت وهي تتطلع إليه في ثبات رائع. حتى وجدته يكمل بهمس خافت ونظرات معنى تحمل القليل من المكر:
_ كنتي جميلة وقتها وانتي لبساه ومازلت.
توترت وتسارعت نبضات قلبها لكنها تحكمت في زمام نفسها وردت عليها بجفاء:
_ أنا أساسًا كنت رايحة اغيره.
وهتفت بالابتعاد والاندفاع نحو الحمام حتى تبدله لكنه قبض على رسغها يوقفها هاتفًا:
_ متغيرهوش!
ازدردت ريقها بارتباك ولوهلة أحست بأنها ستضعف فدفعت يده بعنف وهتفت في قسوة:
_ أصل مرة واحدة حسيت إني مش مرتاحة فيه.
لقت بجملتها الجافة في وجهه ثم استدرات واندفعت نحو الحمام. رفع هو يده يمسح على وجهه متأففًا بخنق. فارتفع صوت رنين هاتفه في جيبه فأخرجه وأجاب على المتصل دون أن يتحقق من هويته أولًا:
_ الو.
وأتاه صوت أمه المبحوح وهي تهتف بصعوبة:
_ أيوة يا عدنان أنا تعبانة وبرن على آدم مش بيرد عليا.
هتف بزعر ملحوظ في نبرته:
_ انتي مخدتيش علاج الحساسية ولا أيه ياماما.
_ مش فاكرة يا عدنان أنا مش قادرة اخد نفسي.
_ طيب أنا جايلك علطول أهو مسافة الطريق بس.
انزل الهاتف من فوق أذنه واندفع للخارج فورًا مغادرًا المنزل، بينما جلنار فخرجت من الحمام بعدما سمعت محادثته معها وابتسمت بسخرية هاتفة:
_ مش بعيد تكون بتمثل عشان متخلهوش يقعد عندي.. اصبري عليا يا أسمهان قريب أوي هفضحك وهقوله كل حاجة.. والحقيرة التانية لولا إني خايفة من اللي هيعمله لما يعرف كنت فضحتها من بدري.
***
_ قالك إيه؟!
كان سؤال فضولي من فريدة التي تجلس بجوارها فردت عليها أسمهان بابتسامة خبيثة وبثقة:
_ جاي طبعًا.. كفاية أوي عليها كدا سبتلها ابني كتير.
ابتسمت لها فريدة بلؤم وبقت جالسة بجوارها تنتظر وصوله وبعد مرور دقائق طويلة نسبية سمعت أسمهان صوت سيارته تتوقف بالأسفل أمام المنزل فهتفت مسرعة تحدث فريدة:
_ بصي بسرعة كدا من الشباك ده صوت عربيته ولا إيه.
هبت فريدة واقفة واسرعت نحو النافذة تنظر منها قرأته وهو يفتح الباب ويخرج من السيارة ثم يندفع للداخل مسرعًا فقالت باسمة:
_ أيوة هو وصلت.
تسطحت أسمهان على الفراش جيدًا وتدثرت بالغطاء ثم رسمت معالم التعب المزيف على وجهها منتظرة دخولها عليها وبالفعل ما هي إلا لحظات حتى انفتح باب غرفته ودخل هو مسرعًا نحوها يهتف بقلق:
_ ماما عاملة إيه دلوقتي أنا كلمت الدكتور وهو جاي في الطريق!
ردت عليه بصوت أخرجته متعبًا بمهارة كممثلة:
_ لا يا حبيبي خلاص مش مستاهلة دكتور أنا كنت ناسية ما اخد العلاج ولما اخدته بقيت كويسة الحمدلله شوية.
تنهد الصعداء براحة وهتف:
_ الحمدلله.. بس برضوا خلي الدكتور يكشف عليكي ونطمن اكتر.
أسمهان برفض وصوت خافت:
_ يا عدنان ملوش لزمة والله يابني.. وأنا مش بحب الدكاترة إنت عارف فطالما بقيت كويسة ملوش لزمة تجيب الدكتو.
وصل آدم أخيرًا وكان في طريقه إلى غرفته لكنه رأى غرفة أمه مفتوحة ولمح أخيه يجلس بجوارها على الفراش ممسكًا بيدها فاقترب من الغرفة ودخل وهو يهتف باستغراب:
_ في إيه؟
التفت له عدنان برأسه وهتف بحدة ساخطًا:
_ مش بترد على تلفونك ليه يا أستاذ امك كانت تعبانة ورنت عليك مش بترد عليها.
فرت الدماء من وجه آدم بقلق واسرع يقترب من أمه هاتفًا:
_ تعبانة! .. أنا تلفوني كنت عامله صامت والله ومشفتش اتصالاتها.
جلس بجوار أمه من الجانب الآخر للفراش وهتف بملامح وجه تحمل القليل من الفزع وهو ممسكًا بيدها:
_ عاملة إيه دلوقتي يا ماما وتعبتي إزاي؟
ضغطت أسمهان على يده في لطف وهي تجيب عليه بحب أمومي:
_ أنا بقيت كويسة الحمدلله ياحبيبي متقلقش.
_ أنا آسف والله مخدتش بالي من التلفون.
أسمهان بابتسامة حانية:
_ خلاص يا آدم حصل خير يابني كفاية إنكم جنبي أنا حتى لو تعبانة لما شفتكم وإنتوا جنبي كدا بقيت زي الفل.
رفع عدنان كفها إلى شفتيه وقبّل ظاهره بحنو متمتمًا بحب نقي وصافي:
_ ربنا يخليكي لينا يا ست الكل.
التفتت برأسها تجاه عدنان وحدقته بحنان جارف مغمغمة:
_ ويخليكم ليا وميحرمنيش منكم يا اغلي ما ليا.
انتبه عدنان لفريدة التي تقف بجواره فرمقها بنظرة مميتة قذفت الرعب في قلبها وجعلتها تتراجع خطوة للخلف مبتعدة عنه. لم يتبقى إلا القليل حتى يتأكد من كل شكوكه بها حينها سيريها كيف يكون عقاب خيانتها وخداعه.
سمع صوت رنين هاتفه فأمسك به واستقام واقفًا ثم غادر الغرفة حتى يجيب على المتصل. لحقت هي به مسرعة ووقفت على مقربة منه منتظرة انتهائه من مكالمته.
وفور انتهائه تقدمت نحوه وهمست:
_ عدنان.
لم يستدر لها ولم يجيب فقط حاول التحكم في زمام انفعالاته فوجدها تلتف وتقف أمامه وتهتف بنظرة عتاب:
_ إنت ليك أيام مش بتيجي البيت وحتى مش بتسأل عليا.. للدرجة دي قدرت تسيطر عليك وخلتك تنساني.
تطلع إليها باشمئزاز وبغضب حقيقي وبغض تراه لأول مرة في عيناه فمدت يدها تهم بوضعها على كتفه وهي تهمس:
_ معقول مبقتش تحبني خلاص!
قبض على رسغها بعنف قبل أن تلمسه. تأوهت بقوة من قبضته القوية على يدها وهي ترمقه ببعض الخوف ثم رأته ينحني بوجهه عليها هامسًا بصوت أشبه بفحيح الأفعى:
_ جهزي نفسك عشان دي ايامك الأخيرة يا فريدة.
ثم ألقي بيدها ودفعها من أمامه ليتركها ويرحل، فتظل هي تقف بأرضها مدهوشة ومرتعدة بذات اللحظة.
***
بصباح اليوم التالي.....
نزل من سيارته ووقف يتطلع إلى البناية الكبيرة. اندفع إلى الداخل بخطواته الواثقة، ثم استقل بالمصعد الكهربائي وضغط على زر الطابق الرابع فانغلق باب المصعد وارتفع به للطابق المطلوب. بعد لحظات انفتح الباب فخرج منه وتلفت هو برأسه ينقل نظره بين الشقتين ثم تحرك باتجاه شقة اليسار. طرق الباب عدة طرقات قوية وماهي إلا لحظات وفتح له الباب.
فور رؤيته لعدنان هم بأن يغلق الباب مسرعًا في زعر لكن عدنان وضع قدمه يحول بين الباب وإغلاقه وهو يحدقه بنظرات قاتلة، ثم بيده دفع الباب في قوة ودخل هاتفًا بابتسامة مريبة بعدما رأى الرجل يتقهقهر للخلف في ارتيعاد:
_ مالك خايف كدا ليه متخفش أنا قولت اجي نشرب حاجة مع بعض علي رواق وإنت بتحكيلي كل حاجة عن نادر.
رواية امرأة العقاب الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم ندى محمود توفيق
جلس فوق أريكة عريضة رافعًا ساقًا فوق الأخرى ويبسط ذراعه على الحافة العلوية من الأريكة، متطلعًا بنظراته المميتة في ذلك الرجل الجالس أمامه باضطراب وخوف. كان هدوئه مريبًا لا يبشر بخير وهو ينتظر أن يبدأ في الحديث، لكن الصمت طال وبدأ يفقد صبره فصاح به بصوت جهوري:
"انطق."
أجابه الآخر بنبرة مرتبكة:
"نادر هو اللي طلب مني اروح لسليم بيه و..."
صاح به عدنان بعينان تطلق شرارات نارية مرعبة:
"غيره.. أنا عارف إن نادر هو اللي سرق الملفات.. فاكرني جاي هنا عشان اسمع الكلمتين دول."
"عايز تعرف إيه؟"
عدنان بصوت خافت ومخيف:
"كله."
حدجه الرجل بارتباك وتردد للحظات ليست بطويلة، يفكر هل يخبره بكل شيء يعرفه عن نادر أم لا. لكن ليس هناك خيار آخر أمامه، هو محاصر بين ذئب بشري لا يرحم.
أخذ نفسًا طويلًا قبل أن يتكلم بصوت مضطرب:
"نادر هو اللي خطط للحادث اللي إنت عملته.. كان عايز يخلص منك عشان يفضاله الجو تمامًا من كل الجهات."
تشنجت عضلات وجهه فور سماعه لآخر جملة، فقد وصل للنقطة المنتظرة منذ بداية الحديث والسبب في قدومه لهنا.
عدنان بنبرة محتدمة ونظرة قاتلة:
"جو إيه اللي يفضاله؟!"
صمت الرجل وهو يتطلع له بخوف مترددًا في أن يكمل، فقد وصل للنقطة الأخطر على الإطلاق. لم يكن يتوقع أنه استنفذ طاقة صبر عدنان كلها وأصبح كالوحش الجائع هكذا، حيث وجده يثب واقفًا من الأريكة ويندفع إليه يجذبه من لياقة قميصه صائحًا:
"جو إيه!"
"مراتك فريدة وهي اللي ساعدته أنه ياخد نسخة من مفاتيح مكتبك في الشركة عشان يقدر يسرق الملفات."
لحظة من الصمت القاتل مرت وقد ارتخت عضلات وجهه ويده. الآن اتضحت الصورة كاملة أمام عيناه وتأكد من شكوكه حولهم. شعر الرجل بالخوف الحقيقي وهو يرى ابتسامة بسيطة تنبع بالشر ارتفعت لثغره، وكأنه هدوء ما قبل العاصفة. ثم تركه وانتصب في وقفته وهتف بنظرات شيطانية بعد أن أخذ مبتغاه وحصل على سبب قدومه لهنا:
"البوليس مستنيك تحت.. لتكون كنت فاكر إن اللي عملته ده هيعدي من غير عقاب، تبقى لسا متعرفنيش.. أما نادر أنا شايله الكبيرة وهيحصلك قريب بس مش قبل ما اصفي حساباتي معاه."
ثم استدار واتجه إلى باب المنزل ليغادر، بينما الآخر فوثب واقفًا بهلع وهرول إلى النافذة يتطلع للأسفل، حتى يتأكد من حقيقة ما قاله. وبالفعل وجد سيارة الشرطة تقف بالأسفل وفي طريقهم إليه بالأعلى الآن. أسرع راكضًا للباب حتى يهرع في تصرف سخيف منه كمحاولة للهرب، لكنه وجد ضابط الشرطة يقف أمامه!
***
يشق الطرق بسيارته في سرعة هائلة، ويده تقبض على مقود السيارة بقوة مريبة. عيناه معلقة على الطريق لكن عقله بمكان آخر. نظراته تقذف الرعب في أقوى وأعتى الرجال.
أصبحت النقاط فوق الحروف الآن، وبات يقرأ الحقيقة كاملة. لا يعرف أهي حقيقة سذاجته وغبائه أم حقيقة زوجة منحها حب وثقة لا تستحقهم. كان ينتظر أن يحصل على التأكيد لشكوكه حتى يطلق سراح الوحش المحجوز في قفص داخله، وهاهي قد حانت لحظة إطلاقه.
توقفت سيارته أمام المنزل. نزل منها وقاد خطواته السريعة للداخل، مظهره يثير الرهبة في قلوب كل من يراه. طرق عدة طرقات متتالية وعنيفة على الباب، وماهي إلا لحظات وانفتح الباب وكانت أسمهان التي فتحت له. لم تتمكن من التفوه بكلمة، حيث وجدته يبعدها من طريقه ويندفع نحو الأعلى صاعدًا الدرج تمامًا كقنبلة ألقت، وتعرف أين مكان وقوعها بالضبط. ضيقت عيناها باستغراب ولحقت به فورًا لأعلى بقلق. رأته يقتحم غرفته دافعًا الباب بعنف يفتحه عن مصراعيه ووقف لثانية وهو يغلي عندما لم يجدها، ثم اندفع للداخل نحو الحمام وفتح الباب بقوة، ولكن لا أثر لها أيضًا. كان يزأر من بين شفتيه كالأسد، فالتفت لأمه يهتف بوجه محتقن بالدماء:
"فينها!"
ارتبكت أسمهان من مظهره وقلقت، فلأول مرة تراه بهذه الحالة المخيفة. ردت عليها بخفوت وريبة:
"فريدة؟!"
صرخ بانفعال:
"أيوة هو مين غيرها في البيت!"
أسمهان بصوت يحمل الحيرة:
"خرجت.. في إيه يا عدنان؟"
تقلصت عضلات وجهه وأصبح أكثر رهبة وهو يهتف بعدم استيعاب، وكأن هدوء نبرته بداية لطوفان عاتٍ سيدمر المكان بأكمله الآن:
"يعني إيه خرجت وراحت فين؟"
باتت هيئة ابنها المرعبة تخيفها وتقلقها هي أيضًا، خصوصًا أنها لا تفهم ما سبب تحوله هكذا. لكنها ردت عليه بهدوء:
"قالت رايحة تشتري كام حاجة وراجعة علطول."
اندلع الطوفان وصرخ بصوت اهتزت له الجدران:
"أنا مش قايل ومنبه رجلها متعتبش برا عتبة البيت!"
أسمهان ببعض الخوف:
"وأنا هقدر امنعها ازاي كل مرة إنت مش عارف مراتك يعني."
ارتفعت ابتسامة مريبة ومخيفة على شفتيه وهو يجيب على أمه بإيجاز:
"اعرفها طبعًا بس هي اللي لسا متعرفش عدنان الشافعي.. إنتي قولتيلي راحت تشتري حجات مش كدا، تمام."
اختفت ابتسامته واندفع للخارج ثائرًا يغادر المنزل بأكمله. وبينما كان في طريقه لسيارته اصطدم بآدم الذي رمقه بدهشة من مظهره وسأل:
"عدنان! في إيه؟"
لم يجيب عليه، فقط دفعه من أمامه واتجه لسيارته واستقل بها. وسط نظرات آدم المنذهلة، وحين التفت بجسده للخلف رأى أمه وهي تخرج من باب المنزل مهرولة وعلى محياها علامات الذعر، فسألها فورًا بقلق:
"في إيه ياماما؟"
أسمهان بحيرة وقلق مماثل:
"معرفش يا آدم هو دخل البيت بالمنظر ده وفضل يدور على فريدة ولما قولتله أنها خرجت زعق وبهدل الدنيا وبعدين خرج."
فهم آدم ما حدث فسأل أمه مرة أخرى حتى يتأكد:
"هي فريدة راحت فين؟"
"معرفش معرفش يا بني قالت رايحة تشتري حجات واول ما قولت كدا لاخوك خرج زي المجنون وكأنه عارف راحت فين."
لحظة مرت على آدم وهو يحدق بأمه ويفكر في ذلك الاحتمال الذي يدور برأسه، وحتمًا أنه اكتشف كل شيء. باللحظة التالية كان آدم يندفع راكضًا تجاه سيارته ليستقل بها ويلحق بأخيه، وسط صياح أسمهان وهي تقول:
"رايح فين يا آدم استني فهمني طيب.. آدم."
***
"إنت متأكد إن عدنان عرف كل حاجة؟"
كان سؤال مرتعد من فريدة وهي تجلس بالسيارة مع نادر وهو يقودها. فرد عليها بعصبية:
"ايوة يا فريدة بقولك بلغ على منصور وكان عنده قبل ما تاخده الشرطة."
فرت الدماء من وجه فريدة وهي تجيبه وتضع أبعد الاحتمالات:
"طيب ما يمكن يكون مقالهوش حاجة يا نادر."
نادر منفعلًا وبوجه يحمل بعض الذعر:
"قاله يافريدة أكيد ومنصور يعرف كل حاجة وبالأخص علاقتي أنا وإنتي.. وحتى لو مقالهوش احنا هنفضل قاعدين مستنين الساعة اللي يعرف فيها كل حاجة وياجي يقتلنا."
أخذت فريدة تفرك يديها برعب حقيقي ونبضات قلبها تسارعت بقوة. مجرد التفكير في حالة عدنان كيف هي الآن أذابت أوصالها من فرط الخوف. حتمًا لو وجدها سيقتلها بدم بارد دون أن ترف له جفن. التفتت برأسها تجاه نادر وهتفت بصوت مرعوب:
"هنعـمل إيه دلوقتي.. عدنان لو عرف مكاني هيقتلني، غضبه أعمى ومش بيشوف قدامه."
تنهد نادر محاولًا تهدئة نفسه وهتف بثبات متصنع:
"هنروح على بيت قديم ليا محدش يعرفه هنقعد هناك ونشوف هنتصرف ازاي ونعمل إيه مع عدنان.. أنا كنت ناوي اقتله واخلص منه نهائي بس الظاهر إنه لسا في عمره بقية ولو كنت حاولت اتخلص منه تاني إنتي مكنتيش هتوافقي."
انسابت دموعها على وجنتيها من فرط الخوف وهتفت تلوم نفسها بعنف:
"أنا اللي غبية لو كنت حريصة اكتر في تصرفاتي وافعالي وخروجي مكنش هيشك فيا ومكنش ده كله هيحصل."
"لا عشان مكنتيش هتعرفي تخدعيه طول العمر يا فريدة هو أنا أساسًا مصدوم إنتي ازاي قدرتي تخدعيه طول السنين دي."
جففت دموعها وهي ترد عليه بصوت مبحوح:
"أنت عارف إن علاقتنا مبدأتش بجد غير من سنة وقبل كدا كان مفيش حاجة بينا، فمكنتش بخليه يحس بحاجة لأننا مكناش بنتقابل ولا بنتكلم كتير، لكن طول السنة اللي فاتت وأنا كنت بعاني اني مخلهوش يحس بحاجة بس في الفترة الأخيرة بغبائي كشفت نفسي."
ضحك نادر بسخرية ورد عليها بحدة:
"فريدة أنا وإنتي نعرف بعض من أربع سنين مفرقتش بقى إمتى علاقتنا بدأت بظبط من سنة ولا اتنين ولا غيره.. احنا دلوقتي في إزاي نتصرف مع عدنان بعد ما كشف خيانتك أو خيانتنا بمعنى أصح."
لم تجب عليه، استمرت في البكاء بصمت وهي تعلق نظرها على الطريق أمامها في شرود ويدها ترتجف من فرط الخوف، بينما هو فاستمر في القيادة يشق الطرق متجهًا لذلك المنزل الذي أخبرها عنه.
***
توقف بسيارته أمام بناية كبيرة ثم فتح باب مقعده ونزل وسار لداخل البناية مسرعًا. حاول الحارس أن يوقفه لكنه لم يستطع. لحظات قليلة وتوقف آدم بسيارته فنزل منها هو الآخر وهم بأن يركض لداخل البناية حتى يصعد لشقة نادر ويلحق بأخيه، لكن حارس البناية أمسك به وأوقفه هاتفًا بحدة:
"استني يا أستاذ رايح فين.. وفي واحد قبلك دخل برضوا كدا على علطول وفضلت انده عليه مردش عليا."
هتف آدم بصوت رجولي خشن:
"هو نادر المصري موجود في شقته فوق؟"
"لا طلع من شوية.. هو إنت مين لا مؤاخذة؟"
تجاهل آدم سؤاله وهتف بترقب:
"طلع وحده ولا كان معاه حد؟"
رد عليه بنظرات دقيقة:
"كان معاه الست فريدة مراته."
"نـــعـــم!!"
هم بأن يجيب عليه لكن آدم رمقه بنظرة مميتة واندفع للداخل خلف أخيه. هرول صاعدًا الدرج ركضًا وعندما وصل إلى طابق شقة نادر سمع صوت الطرق العنيف على الباب، فأسرع تجاه أخيه وهتف:
"عدنان، نادر مش موجود."
التفت برأسه تجاه أخيه ورد عليه بعينان تعطي انعكاسًا مريبًا:
"راح فين؟"
آدم بصوت رزين:
"معرفش البواب قالي طلع.. تعالى نروح مكان وتهدى الأول وبعدين نبقى ندور عليه ونشوفه راح فين."
عدنان صائحًا بصوت جهوري وعصبية:
"اهدى ازاي يعني وأنا عارف أن مراتي معاه."
آدم بجدية وهو دمه يغلي من الغيظ على أخيه:
"هنلاقيهم يا عدنان يعني هيروحوا فين.. تعالى بس مينفعش اللي انت بتعمله في العمارة كدا."
أبعد عدنان آدم من طريقه واتجه نحو الدرج ينزل ويمسك بهاتفه ثم يجري اتصالًا بأحدهم. تنهد آدم الصعداء بغضب ونزل خلفه.
***
كانت فوزية في طريقها لمنزلها بعد أن قامت بشراء بعض مستلزمات المنزل. وأثناء عبورها من أمام بنايتها الصغيرة أوقفتها السيدة العجوز (سماح) الملازمة لنافذتها تجلس أمامها طوال الوقت نظرًا لأنها تسكن بالطابق الأرضي للبناية.
"ازيك يا فوزية."
التفتت لها فوزية برأسها وابتسمت بود هاتفة:
"بخير الحمدلله ياحجة سماح.. عاملة إيه إنتي؟"
سماح بلهجة ماكرة:
"أنا كويسة.. هو انتي مسمعتيش اللي حصل لبدرية ولا إيه؟"
عقدت فوزية حاجبيها باستغراب وهدرت:
"لا مالها بدرية؟"
"جات الحكومة قبضت عليها وشمعتلها محلها، طلعت بتبيع بودرة ومخدرات."
"ايه إزاي ده.. معقول بدرية تعمل كدا."
ضحكت الأخرى ساخرة وقالت:
"وتعمل اكتر من كدا انتي بس اللي غلبانة ومش دايرة باللي بيحصل حواليكي.. عارفة مين بلغ عنها كمان؟"
قرأت علامات الاستفهام على محياها والفضول، فكانت على وشك أن تخبرها لولا أن مهرة صاحت على جدتها وهي تهرول نحوها بعد أن رأتها من منتصف الطريق. التفتت فوزية تجاه مهرة تتابعها بعيناها حتى وصلت أمامها وهدرت بصوت لاهث:
"إيه ده.. إيه اللي نزلك بس يازوزا؟"
فوزية بابتسامة عذبة:
"نزلت اشتري شوية طلبات للبيت.. إنتي رجعتي بدري من الشغل كدا ليه؟"
ألقت مهرة نظرة جانبية مشتعلة على سماح لكنها تصرفت بطبيعية أمام جدتها وهي تهتف:
"لا مش بدري ولا حاجة.. تعالى يلا نطلع البيت بس عشان متتعبيش."
تطلعت فوزية إلى سماح ورسمت ابتسامة صافية على شفتيها ثم استدارت وسارت مع مهرة التي كانت تلتفت للخلف برأسها وتنظر لسماح بغيظ، فبالتأكيد كانت تسرد لجدتها كل الأحداث الأخيرة التي حدثت لها ولحسن الحظ أنها أنقذت الموقف بالوقت المناسب.
هتفت فوزية وهم يصعدون الدرج:
"صحيح بدرية اتقبض عليها؟"
مهرة بنبرة عادية حتى لا تظهر شيء لجدتها:
"أيوة اخدت جزائها والبوليس أخدها."
استكملت فوزية أسألتها بفضول أشد:
"وهو مين اللي بلغ عنها وعرف إزاي؟"
"معرفش يازوزا اهو اللي بلغ بلغ بقى احنا مالنا.. خلينا في الأكياس دي جبتي إيه؟"
ضحكت بعذوبة وردت على حفيدتها بحنو:
"جبت لحمة وقولت نعمل كفتة النهارده بما إنك بتحبيها."
انحنت عليها مهرة وطبعت قبلة قوية على وجنتيها هاتفة بضحكة وبمرح:
"أصيلة يا حجة فوزية والله ربنا يجبر بخاطرك زي ما جابرة بخاطر بطني كدا دايمًا."
انطلقت من فوزية ضحكة عالية على مزاح حفيدتها المعتاد، ثم وقفوا أمام الباب وأخرجت المفتاح لتفتح ويدخلوا.
***
كانت تجلس زينة بالمقهى المفضل لها كالعادة. وبينما هي تمسك بفنجان القهوة ترتشف منه بتريث وتتابع حركة الناس والسيارات في الشارع من خلال زجاج المقهى بشرود. استمعت إلى صوت أنثوي بجانبها يهتف:
"زينة؟"
التفتت برأسها تجاهها وتطلعت إليها بابتسامة باهتة هادرة بتعجب:
"إنتي تعرفيني؟!"
كانت فتاة متحررة بشكل زائد عن الطبيعي من خلال ملابسها وطريقة وقفتها وكلامها. حيث ردت عليها بخبث دفين:
"مش إنتي برضوا خطيبة رائد.. أو خلينا نقول خطوبتكم بعد يومين."
تلاشت ابتسامة زينة واعتدلت في جلستها لتجيبها بلهجة جادة:
"أيوة أنا.. إنتي مين؟"
رأت ابتسامة لعوب تظهر على ثغرها وتردف بثقة:
"معقول رائد مقالكيش عني!!"
احتدمت نظرات زينة وطالتعتها بقرف هاتفة في شيء من الاستهزاء:
"لا مقاليش والله.. بس أنا حابة يحصلي الشرف واعرف مين سيادتك!"
قهقهت بأسلوب مستفز وردت عليها في برود:
"لا الأفضل تسأليه وهو يقولك بقى.. وعلى العموم مبروك.. معلش ازعجتك."
كتبتها زينة بنظراتها النارية وهي تراها تستدير وتسير مبتعدة عنها وبداخلها تشتعل غيظًا. كيف له أن يتعامل مع فتيات بهذا الشكل أساسًا، أي كانت علاقتها به فمظهرها وأسلوبها مثير للأعصاب ولن تدع ما حدث يمر مر الكرام.
***
مع تمام الساعة العاشرة مساءًا...
خرجت من الحمام بعد أن أخذت حمامها المسائي وعقلها شارد بأكثر من شيء مختلف. تحركت باتجاه المرآة ووقفت أمامها تجفف شعرها وتقوم بتسريحه، وبلحظة شرودها قذفت في ذهنها جملة والدها لها (مطلقتكيش منه عشان بيحبك وهو قالي وطلب مني اديله فرصة يصلح علاقته بيكي). توقفت يداها عن تسريح شعرها وجعلت تنظر لانعكاس وجهها في المرآة بتفكير فاسترجع عقلها بعض مشاهدهم معًا، تبحث بأي منهم عن حب خفي يضمره لها في أعماقه لكنه لم يشعرها بأي من شيء بل حتى أنه أخبرها بوضوح أنه لا يحبها ولا تزال حتى الآن تتذكر تلك اللحظة بالتفصيل.
صرخة عنيفة خرجت منها وهي تصيح به:
"أنا زهقت من تهميشك ليا وكأني مش موجودة يا عدنان."
رد عليها بتعجب:
"تهميش؟!"
جلنار بصياح وانفعال هادر:
"أيوة مبقتش قادرة استحمل اكون على الرف تاني.. وأنا عارفة كويس أوي إنك مش بتحبني ومتنكرش وتقول إني بحب."
مرت لحظة وهو يمعن النظر فيها بسكون حتى هتف بقسوة دون أن يشعر:
"لا مش هنكر يا جلنار وإنتي كمان متنسيش سبب جوازنا."
توقفت عاصفتها فجأة وهدأت معالم وجهها الثائرة، وظهر شبح ابتسامتها المنكسرة على ثغرها تهتف بعينان متلألأة بالعبارات:
"يعني معترف إنك مش بتحبني."
صاح بها بعصبية وصوت رجولي غليظ:
"عايزاني اقولك إيه يعني وإنتي كل ما تشوفيني تقوليلي الكلام ده.. تهميش ومعتبرني مش موجودة ومش مهتم بيا ومعرفش إيه.. أنا مبقتش فاهم إنتي عايزة إيه بالظبط."
غامت عيناها بالدموع من جفائه لكنها استعادت رباطة جأشها وردت عليه بثبات وقوة:
"عايزة اتطلق وده قرار نهائي ومفيش رجعة منه.. عشان كل حاجة انتهت وأنا وإنت مينفعش نكمل اكتر من كدا مع بعض."
عادت لواقعها ووجهها ممتلئ بالدموع. أخذت تنظر لنفسها في المرآة وبالأخير هزمت أمام آلامها فانفجرت باكية بحرقة وأسى يمزق قلبها إلى أرباع، هي فقط أرادت حياة هادئة وسعيدة تنعم بها مع رجل يعشقها ولكنها لم تحصل على أي منهم. أعطت دون مقابل وهي الآن التي تعاني فقدان جزء من قلبها.
سمعت صوت طرق الباب وابنتها تهتف من خلف الباب:
"مامي افتحي الباب."
اعتدلت فورًا في جلستها وجففت دموعها جيدًا، وعادت لطبيعتها الشامخة المعتادة، ثم اتجهت نحو الباب وفتحت لصغيرتها التي دخلت وتطلعت لها بعينان يائسة وهي تسأل:
"هو ليه بابي مجاش امبارح والنهارده تمان (كمان)؟"
جلنار بنبرة عادية وهي تهز كتفيها بجهل:
"معرفش ياحبيبتي يمكن معاه شغل ولما يخلصه هيجي."
"طيب أنا عايزة اكلمه!"
تنهدت جلنار بقوة واصدرت زفيرًا حارًا ثم انحنت لمستوى ابنتها وحملتها على ذراعيها هاتفة بنعومة محاولة تغير الموضوع:
"أنا كلمته ومكنش بيرد عليا هو لما يفضى هيكلمنا.. المهم إيه رأيك نروح نتفرج كرتون حلو على TV."
أومأت لأمها بالموافقة في وجه عابس وسارت بها جلنار للخارج نحو التلفاز وجلسا على الأريكة ثم بدأوا بمشاهدة أحدى قنوات الأطفال.
***
خرجت نادين من باب المنزل ثم تلفتت حولها في الحديقة تبحث عنه لكن لا أثر له. تحركت وهي تجوب الحديقة بنظرات دقيقة على أمل أن تعثر عليه يجلس في أحد الأركان بمفرده. وإذا بها تلمح ضوء خافت منبعث من غرفة خلفية في الحديقة لديها باب خشبي ضخم! تقدمت نحوها بخطوات بطيئة ثم وقفت أمام الباب وحاولت النظر من فتحات الباب الخشبية علها ترى شيء ولكنها لم تتمكن من رؤية شيء. مدت يدها وفتحت الباب بهدوء شديد وهي تدخل جزء من رأسها تلقي نظرة متفحصة أولًا في المكان حتى ترى إذا كان هو من يجلس هنا أم لا. وبالفعل وجدته يجلس على أريكة عريضة وكلاسيكية جميلة وأمامه شاشة تلفاز ضخمة أشبه بشاشة السينما. غضنت حاجبيها بحيرة ثم دخلت بخطوات هادئة تمامًا كصوتها:
"حاتم!"
التفت لها برأسه فور سماعه لصوتها وابتسم لها بدفء يهتف وهو يشير لها بأن تقترب وتنضم له:
"تعالي يا نادين."
بادلته الابتسامة لكن بأخرى كلها ريبة وسارت إليه ثم جلست بجواره فوق الأريكة وهدرت بتعجب:
"شو اللي مقعدك وحدك هيك؟"
لاحظت العبوس على ملامحه وهو يبتسم لها بمرارة ثم يعود بنظره للشاشة ويتمتم بصوت خافت وحزين:
"من وقت وفاة بابا وماما اللي يرحمهم وأنا مدخلتش الأوضة دي.. كل ما آجي البيت مش بقدر ادخلها، وبعد تفكير طويل دخلتها النهارده أخيرًا بعد خمس سنين متخيلة."
"لشو كانت هاي الأوضة؟"
سألته بفضول واهتمام بعد أن رأت العبوس والحزم على محياه، بينما هو فأخذ نفسًا عميقًا ورد عليها بألم:
"بابا كان أغلب الوقت مشغول ومش بيعرف يقعد معانا فماما اقترحت إننا نعمل الأوضة دي وكنا كل خميس بليل بنقعد كلنا هنا كعائلة نتفرج ونلعب ونهزر.. وكان في قوانين إن بابا بيقفل تلفونه تمامًا في الوقت ده عشان محدش يزعج جلستنا.. في الوقت ده كنت أنا لسا في الابتدائي ولغاية ما وصلت للثانوي واحنا كنا مواظبين على العادة دي.. وحتى لما بقينا مش بنعلمها كل اسبوع زي الأول كنا كل فترة والتانية بنيجي نقعد هنا كلنا مع بعض.. بس بعد الحادث وبعد وفاتهم أنا سافرت تاني لأمريكا ومبقتش بنزل مصر إلا زيارات قليلة وكأني بهرب من ذكرياتهم في البيت والأوضة دي بالذات."
تتلألأت عيناها بالعبارات في تأثر. تأثرت ربما ليس بسبب ما سرده لها من ذكريات جميلة كانت بينه وبين والديه ولم تعد موجودة بعد رحيلهم.. بل لحزنه هو وعيناه التي لأول مرة تراها تلمع بالدموع، ضعفت والمها قلبها لألمه. فوجدت نفسها دون أن تشعر تمد يدها وتضعها فوق كفه تحتضنه بقوة وتثبت نظراتها عليه بثقة تخبره من خلالها أنها ستظل دومًا معه ولن تتركه.
أخفض نظره إلى كفها الناعم الذي يحتضن كفه ولاحت ابتسامة محبة على شفتيه وبكفه الآخر أمسك بكفها الذي فوق يده وحتضنه بين كفيه بقوة متطلعًا في عيناها كأنه يجيب عليها بنظراته أيضًا. وباللحظة التالية رأته يقترب منها ويلف ذراعيه حول خصرها ويضمها إليها معانقًا إياها في رقة هامسًا بالقرب من أذنها في نبرة تنسدل كالحرير ناعمًا:
"شكرًا إنك موجودة يا نادين."
بقدر ما صدمها بضمه لها بقدر ما أسعدها وكان شعور رائع وهي تعانقه. فلفت ذراعيها حول رقبته وهمست فى صوت رقيق ساحر:
"أنا دايمًا هكون موجودة معك وما راح اتركك أبدًا."
رد عليها بخفوت جميل:
"ربنا يخليكي لي."
للوهلة أحست بنفسها تحلق في السماء من فرط سعادتها وهي تسمع منه هذه الكلمات لأول مرة، اتسعت ابتسامتها فوق ثغرها واغمضت عيناها بفرحة تستمتع بأول لحظة لطيفة بينهم.
***
بعد مرور ساعات قليلة...
أجاب على الهاتف بهدوء وهو يقود سيارته:
"الو."
"أيوة يا عدنان بيه أنا قلبت الدنيا على نادر ملوش أثر بس عرفت إنه ليه بيت قديم هعرفلك عنوانه فيه وهقولك فورًا."
عدنان بصوت رجولي خشن ومريب:
"عايز عنوان البيت ده قبل طلوع الشمس مفهوم."
"حاضر باشا متقلقش كمان كام ساعة بالظبط ويكون العنوان بين ايديك."
أنهى الاتصال وألقى الهاتف بجانبه على المقعد المجاور وعاد يثبت نظره على الطريق وهو يقود بهدوء. توقف الطوفان وهدأت العاصفة لكن الخراب الذي خلفته لن يُمحى، سكونه غريب وكأنه تحول مائة وثمانون درجة عن الصباح. الوحش المخيف الذي كان منذ ساعات أصبح هادئًا بشكل ربما يخيف أكثر.
توقف بسيارته أمام منزله ونزل منها ثم قاد خطواته في الحديقة متجهًا نحو الباب الرئيسي للمنزل، أخرج المفتاح من جيبه ووضعه في القفل ثم فتح الباب ودخل. وكالعادة كان المنزل يعمه السكون والهدوء الشديد، فتحرك أولًا تجاه غرفة ابنته ليطمئن عليها في فراشها ثم اتجه إلى غرفته. فتح الباب ببطء ودخل فوجدها نائمة في الفراش والغطاء بعيدًا عن جسدها. تنهد الصعداء بعد أن تأملها لدقيقتين واقترب منها ثم انحنى عليها ومد يده يمسك بالغطاء ويسحبه على جسدها. لمست يده جسدها بعفوية وهو يدثرها فانتفضت هي وفتحت عيناها مفزوعة هادرة:
"بتعمل إيه؟"
عدنان في صوت رخيم:
"ولا حاجة كنت بغطيك."
دققت النظر في وجهه ولا تعلم لما حدثها قلبها بأن هناك شيء حدث خصوصًا بعدما سمعت نبرته الرخيمة التي نادرًا ما يتحدث بها. سحبت الغطاء على جسدها جيدًا وهي تعتدل في نومتها وتهمس باقتضاب:
"شكرًا."
تحدث للمرة الثانية يسأل بنفس نبرته السابقة:
"اكلتي؟"
تعجبت سؤاله وطريقته لكنها أومأت بإيجاب في نظرات تطلق علامات استفهام. انتصب في وقفته أخيرًا وتمتم بإيجاز وخفوت:
"كملي نوم.. تصبحي على خير."
تابعته بعيناها في تدقيق وهو يستدير ويغادر الغرفة. كانت شبه مذهولة من هدوئه وأسلوبه المختلف في الحديث. بعد ثوانٍ معدودة سمعت صوت باب المنزل ينغلق، فضيقت عيناها بذهول (هل رحل مجددًا بهذه السرعة!!). وثبت من الفراش واقفة واسرعت نحو الشرفة تنظر منها فوجدته جلس على الأريكة المتوسطة في نصف الحديقة واطفأ جميع الأضواء ليبقى في الظلام الدامس لا ينير الحديقة سوى ضوء القمر الخافت. سؤال وحيد طرحته على نفسها في هذه اللحظة وهي تهتف بحيرة:
"واضح إن في حاجة حصلت!!"
بينما في الأسفل فكان هو هادئًا بشكل يخنقه هو ذات نفسه، يمكن القول أنه احتفظ بالموجة الثانية من الطوفان حين يعثر عليهم. فنيران الخزي والألم المندلعة في صدره أوشكت أنه تجعله رمادًا. كان يتساءل عن هوية ذلك الوغد الذي تقوم بخيانته معه واتضح أنه مع أقرب صديق له تمامًا كما كان يشك. كلاهما تآمرا عليه وكان هو الأغبى في المؤامرة لكنه لن يخرج خاسرًا. سيذيقهم العذاب ألوانًا وأشكالًا. وبالأخص هي! لم تستحق ذرة واحدة من الحب الذي منحه لها. ثقته العمياء وتعلقه بها جميعهم كانوا لسذاجته فقط. منذ الصباح وهو يطرح سؤال واحد (لماذا وكيف؟!). ربما لم يكن عليه أن يكون وفيًا إلى هذا الحد. فهذا هو جزاء الإحسان.. الطعن في الظهر والشرف. يقسم لها أنه كما أشبعها بحبه وأظهر لها كيف يكون الحب، سيريها أيضًا كيف يكون العذاب والكره الحقيقي.
رفع يديها ومسح على شعره نزولًا إلى وجهه وهو يزأر من بين شفتيه كالأسد المجروح ويرغب في الانتقام والثأر لجرحه.
***
في صباح اليوم التالي...
ارتفع صوت رنين الباب فنهضت هي من مقعدها وسارت باتجاه الباب لتفتحه، وهي تهتف بتلقائية بعد أن ظنت أنه هو وقد نسي شيئًا وعاد ليأخذه:
"إنت مخدتش المفتاح ولا ااا..."
ابتلعت بقية الكلمة في جوفها فور رؤيتها لعدنان يقف أمامها بهيئته المخيفة ويتطلع لها بنظرات لا يمكن وصفها إلا أنها أشبه بجحيم سيبتلعها الآن.
رواية امرأة العقاب الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم ندى محمود توفيق
كان تمامًا كبركان وحممه البركانية تفوح على سطحه ولا يتبقى سوى لحظات على الانفجار ليقضي على الأخضر واليابس ، وجهه يعطي لون الأحمر الداكن من فرط احتقان الدماء والغضب وهو يتطلع لها كأسد وجد فريسته التي يبحث عنها وسيتفنن في طريقة تعذبيها قبل أن يقتلها .
ازدردت ريقها برعب اعتلى كل معالمها وتراجعت للخلف في تلقائية ، بينما هو فتقدم نحوها ورفع يده ثم هوى به على وجنته في صفعة قوية اسقطتها أرضًا وهي تصرخ من الخوف والدهشة .. اندفع إليها كالثور الهائج وقبض على شعرها يجذبها من خصلاتها بدون رحمة صارخًا :
_ بتخونيني أنا يافريدة !!
ارتفع صوت نحيبها وبدأت ترتجف من الرعب وهي تهتف متوسلة :
_ سامحني يا عدنان ابوس ايدك
وجدت صفعة أخرى تنزل على وجنتها من كفه الكبير وكانت أشد وأقسى من السابقة جعلتها تصرخ من الألم وهي تبكي ، خرجت صيحة منه نفضتها في أرضها نفضًا :
_ هو فين ال******
استمرت في البكاء القوى دون أن تجيب عليه فعاد يصرخ بصوته الجهوري :
_ انطقي فينه ؟
ردت عليه بصوت مرتجف وجسدها يرتجف معه :
_ خــ ... خر .. ج
_ اممم فاكر نفسه هيعرف يهرب مني
تقهقرت في الأرض للخلف وهي تهتف بتوسل وسط بكائها :
_ خليني اشرحلك كل حاجة عشان خاطري ياعدنان
ضحك بشكل مرعب تمامًا كشبح وتقدم إليها هادرًا بسخرية :
_ هتشرحيلي متقلقيش وبالتفصيل كمان .. بس الأول اشرحلك أنا هعمل فيكي إيه
قبض على ذراعها في عنف وبحركة مفاجأة يرغمها على الوقوف وهي تأبي فصرخ بها في صوت نفضها :
_قــــومـــي
وقفت بقدم مرتعشة وهي تبكي بصوت مرتفع فجرها هو خلفه كالحيوان وسط توسلاتها ونحيبها الشديد الغير مبالي لها .. اوصلها إلى سيارته وفتح المقعد المجاور له ثم ألقي بها في قسوة للداخل وهو يصيح بها :
_ ادخلي يلا
جلست في المقعد وهي ترتجف وتتابعه بعيناها الباكية وهي تراه يستدير حول السيارة ويستقل بالمقعد المخصص للقيادة المجاور لها وينطلق بالسيارة كالسهم .. خرج منها سؤالًا مرتجف وصوت مبحوح :
_ إنـ .. إنــ .. ـت ماخدني فين ؟
التفت لها برأسه وهتف بابتسامة ارعبتها أكثر من الجملة التي تفوه بها :
_ على قبرك
همت بالتحدث مرة أخرى فصرخ بها في غضب هادر :
_ مش عايز اسمع صوتك .. بتخونيني أنا بعد كل اللي عملته عشانك وحبي ليكي .. تستغفليني أنا وتخونيني لا وكمان مع مين .. مع نادر !! .. بس أنا هخليكي تشوفي عدنان الشافعي على حقيقته بجد
ارتفع صوت بكائها وهي تنكمش على نفسها في المقعد بارتيعاد ، بينما هو فاستمر في القيادة وهو مشتعل من فرط الغضب ، وبعد دقائق طويلة توقفت السيارة أمام منزل كبير نسبيًا في أحد المناطق الراقية والقليلة السكان .. نزل من السيارة والتفت من الجهة الأخرى وفتح الباب ثم أمسك بها من ذراعها وجذبها للخارج وهو يجرها خلفه لداخل المنزل .. تطلعت حولها بدهشة فلا تفهم سبب جلبه لها هنا وبذلك المنزل بالأخص .
فتح الباب ودخل هو أولًا ثم جذبها والقاها للداخل فكادت أن تسقط لولا أنها توازنت بقدمها قبل أن تقع ، اغلق هو الباب واقترب منها هامسًا بابتسامة مريبة وعينان تنبع بالغل :
_ متخافيش مش هقتلك .. بس قصاد كدا هخليكي تتمنى الموت يافريدة
تراجعت للخلف في رعب وهتفت بدموع تنهمر على وجنتيها في صمت :
_ جبتني هنا ليه ؟!
_ عشان كل حاجة تنتهي في المكان اللي بدأت فيه
اندفعت نحوه واستندت بيدها على صدره تهتف في توسل باكية بقوة :
_ متطلقنيش يا عدنان ابوس إيدك .. اعمل فيا اللي إنت عايزه .. بس أنا مليش حد
دفعها بجفاء واشمئزاز فسقطت فوق الأريكة .. اقترب هو وانحنى عليها يقبض على فكها بقسوة ويهدر أمام وجهها يتقن وقرف ممتزج بالوعيد :
_ تعرفي نفسي اقتلك واخد روحك بإيدي عشان أطفي ناري .. بس متستاهليش ادخل السجن فيكي وأنا معايا بنت محتاجاني .. إنتي متستالهيش أي حاجة .. استغليتي حبي وثقتي فيكي وطعنتيني في ضهري .. بس العيب مش عليكي .. العيب عليا أنا عشان انتي اثبتيلي قد إيه أنا كنت غبي ومغفل
لحظة مرت سكت فيها ثم لمعت عيناه بنار الغضب والخزي وهتف بوعيد حقيقي :
_ إنتي مخدتيش مني غير الحب والاحترام بس دلوقتي جه الوقت اللي تشوفي فيه عدنان في وجهه الآخر ، دوقتي طعم الجنة وجه دور الجحيم .. جحيمي !
ثم تركها وانتصب في وقفته ليقبض على ذراعها ويجذبها خلفه باتجاه إحدى الغرف الصغيرة ويلقى بها في الداخل واقفًا عند الباب وهو يبتسم بعدم رحمة .. أدركت هي فورًا ما ينوى فعله ولما القى بها في تلك الغرفة الضيقة والصغيرة .. يعرف جيدًا أنها تخشي الأماكن المغلقة والضيقة .
وثبت واقفًا وهرولت إليه راكضة لكنه كان اسرع منها حيث أغلق الباب ووضع المفتاح في القفل واغلقه ، غير مكترثًا لصياحها وهي تضرب على الباب من الداخل وتهتف باكية :
_ افتح الباب ياعدنان ابوس ايدك متعملش فيا كدا إنت عارف إني بخاف من الأماكن المغلقة
وكأنه اخرج قلبه ووضع مكانه حجر لا يشعر ولا ينبض .. لم يؤثر به صياحها وبكائها وتوسلاتها بقدر ذرة بل لم يكترث لها حتى حيث استدار وسار للخارج مغادرًا المنزل بأكمله تاركًا أياها تصرخ متوسلة إياه .. فتح الباب وكان أمامه يقف احد رجاله فألقى عليه نظرة صارمة وحادة فهم الآخر من خلالها تعليماته فور دون الحاجة إلى حديث .. وتابعه بعيناه وهو يتجه نحو سيارته ويستقل بمقعده ثم ينطلق بها .
***
تقف في الحديقة وتسقي ورودها الحمراء وهي شاردة الذهن .. ترتدي عبائة منزلية طويلة لكنها دون أكمام .. بالكاد اكمامها تخفي أكتافها .. سمعت صوت سيارة تقترب من المنزل ظنته هو في باديء الأمر لكن حين رأت السيارة المختلفة عن سيارته ضيقت عيناها باستغراب وباللحظة التالية كان يخرج منها آدم .
تركت الدلو المخصص لسقي الورود ووقفت تجاه آدم تتطلع له بحيرة وهو يقترب منها مسرعًا ويهتف :
_ عدنان فين يا جلنار ؟!
غضنت حاجبيها بحيرة وقد اقلقها تلهفه في السؤال عن أخيه بهذه الطريقة ولوهلة ظنت أن مكروه قد أصابه فهدرت بنبرة مهتمة :
_ مش موجود .. هو في حاجة حصلت ولا أيه يا آدم ؟!!
مسح على وجهه بقوة متأففًا بقلق فهو يحاول الوصول له منذ أمس ولكنه لا يجيب على هاتفه .. رفع نظره لها فرأى القلق الحقيقي بدأ يرتفع لملامحها وهي تحدق به منتظرة منه أن يفسر لها ما يحدث .. فتنهد آدم بحرارة وتمتم :
_ عدنان عرف كل حاجة امبارح
شهقت بصدمة وهتفت :
_ عرف بفريدة ونادر ؟!
هز رأسه لها بالإيجاب لتعود وتهتف ولا تزال الصدمة تعتلي ملامحها :
_ عرف إزاي ؟!!
_ معرفش مقاليش أي حاجة أنا أساسًا بحاول أوصله من امبارح بليل ومش بيرد عليا ولا عارف راح فين
صعد الخوف والقلق لوجهها وهي تجيب عليه بعبوس :
_ هو كان هنا امبارح بليل متأخر وكان واضح عليه إنه متضايق بس أنا متوقعتش إنه يكون عرف .. قولت يمكن مشاكل في الشغل
توجه آدم وجلس على أقرب مقعد وجده أمامه وهتف بصوت خشن :
_ عدنان مكنش طبيعي إمبارح .. أنا خايف يكون عرف مكان فريدة ويعمل فيها حاجة ويضيع نفسه
تسرب الارتيعاد إلى قلبها فور سماعها لكلمات آدم ووجدت نفسها تهتف بسرعة في توتر ملحوظ :
_ طيب حاول كلمه تاني يا آدم .. ولو رد عليك قوله أي حاجة خليه ييجي مثلًا قوله هنا تعبت .. على الأقل يهدى شوية عشان ميتصرفش بتهور
_ مش بيرد يا جلنار ماهو ده اللي مجنني
_ طيب والحل ايه دلوقتي ؟
_ مش عارف مش عارف
أخذت تفرك يديها في قلق ظاهر على ملامحها .. لا تتمكن من إخفاء خوفها من أن يقوده غضبه لأفعال جنونية ويقتلها فيتسبب في دخول نفسه للسجن .
***
كان يقف أمام روضة الأطفال يستند بجسده على سيارته .. عاقدًا ذراعيه أمام صدره وعيناه معلقة على الباب ينتظر خروج صغيرته .. يصدر زفيرًا بين كل آن والآخر في محاولات بائسة منه للتنفيس عن صدره المختنق .
خرجت هنا من البوابة وهي تحمل فوق ظهرها حقيبتها الطفولية الصغيرة وتركض باتجاه أبيها في وجه مشرق ، قابلها هو بابتسامته الدافئة والعاشقة رغم ما يمر به من خراب داخلي إلا أن رؤيته لملاكه الصغير كافية لرسم البسمة تلقائيًا على وجهه .. انحنى بجزعة للأمام يفرد ذراعيه ليستقبلها بمجرد وصولها إليه حاملًا إياها فوق ذراعيه ولاثمًا وجنتيها بحب متمتمًا :
_ وحشتيني ياروحي
عبست هنا وزمت شفتيها للأمام في حزن متمتمة وهي تشيح بوجهها عنه في تمرد :
_ لا أنا زعيانة ( زعلانة ) منك
_ زعلانة مني !!
هنا بعتاب وغضب طفولي :
_ أيوة أنت مجتش امبارح وكمان أول امبارح
ظهر الضيق على محياه فرد عليها معتذرًا بأسف :
_ أنا آسف ياحبيبتي كان معايا شغل .. وعد مش هتتكرر تاني ياملاكي
صعدت البسمة الساحرة لثغرها الجميل وهي توميء له بالموافقة فابتسم لها بحنان .. حرص على أن يأتي بنفسه ويأخذها من روضتها حتى يكون مطمئن فهو لا يأمن خطوة نادر القادمة ستكون أين .. وأيضًا كان يعلم أن رؤيته لها ستهدأ من نيران صدره قليلًا وربما ستنسيه الأمر مؤقتًا .
استدار بها من الجهة الأخرى للسيارة وفتح باب المقعد المجاور له ثم اجلسها به واغلق الباب واتجه نحو مقعده المخصص للقيادة ليستقل به بجوارها وينطلق بالسيارة .. خرج صوتها الطفولي وهي تسأل بحماس :
_ هنروح البيت يابابي
_ أيوة يا حبيبتي هنروح البيت
ارتفع صوت رنين هاتفه وأخيرًا قرر أن يجيب عليه فأمسك به وضغط على زر الإجابة ثم فتح مكبر الصوت وهتف :
_ الو
اندفع آدم به صائحًا بغضب :
_ مش بترد عليا من امبارح ليه يا عدنان .. أنا لما غلبت روحت البيت عند جلنار قولت يمكن الاقيك هناك .. ولسا يدوب خارج من هناك
عدنان بهدوء مريب وصوت أجش :
_ استناني في الشركة يا آدم وأنا هخلص كام حاجة ضروري وبعدين وهروح وراك .. نبقى نتكلم هناك
_ إنت فين دلوقتي وعرفت مكانهم ولا لسا ؟!
عدنان بإيجاز ولهجة حازمة :
_ أنا بسوق يا آدم .. نتقابل في الشركة قولت
كان آدم على وشك أن يجيب عليه لكنه سمع صوت صافرة إنهاء الاتصال .. فانزل الهاتف من فوق أذنه وهو يتأفف بخنق وعدم حيلة ، ثم غير وجهة سيارته ليسير في طريق الشركة .
***
_ سبتي الشغل ليه وإزاي ؟!!
زمت مهرة شفتيها بأسى وتمتمت بمعالم وجه عاجزة :
_ مش أنا اللي سبته يا سهيلة .. عم سمير عرف بالكلام الداير في المنطقة واداني بقية مرتبي وقالي شوية كلام كدا يعني بمعنى اصح إنه مش حابب يشغلني عنده في المكتبة بعد اللي سمعه عني
استشاطت سهيلة وهتفت بغيظ :
_ أما راجل قليل الأصل بصحيح .. طيب وإنتي هتعملي إيه دلوقتي ؟
رفعت مهرة كتفيها لأعلى بعدم حيلة وهدرت بعبث :
_ مش عارفة أنا شوفت أعلان لشركة محتاجين موظفين في قسم الحسابات فقدمت فيها وبكرا هروح اعمل الإنترڤيو وأشوف هتقبل بقى ولا إيه
تنهدت سهيلة بأسى وحزن على صديقتها ثم تمتمت باهتمام :
_ طيب إنتي قولتي لخالتي فوزية على اللي حصل ولا لسا
هزت رأسها بالنفي هاتفة في يأس :
_ لا ما إنتي عارفة ياسهيلة تيتا تعبانة وأنا خايفة اقولها حاجة تتعب اكتر مستنية بس تسترد صحتها كويس وهقولها على كل حاجة
اقتربت منها سهيلة وضمتها لصدرها معانقة إياها في حرارة ودفء متمتمة بتأثر :
_ متزعليش نفسك يا حبيبتي .. إن شاء الله اللي جاي كله خير .. وأنا واثقة إنك هتتقبلي في الشغل الجديد ده خصوصًا إنهم عايزين موظفين في تخصصك
أخذت مهرة نفسًا عميقًا وردت بضيق ملحوظ في نبرتها :
_ آمين يا سهيلة .. آمين
***
وثبت واقفة بلهفة فور سماعها لصوت الباب وهو ينفتح .. فأسرعت مهرولة نحو الباب حتى تراه فوجدته يدخل ومعه صغيرتهم التي هرولت نحو أمها وتعلقت بقدمها هاتفا في سعادة :
_ بابي جه اخدني من الحضانة يا ماما
رسمت ابتسامة باهتة على ثغرها بعين تنظر بها لصغيرتها والأخرى عالقة على عدنان الذي نزع حذائه عنه واتجه للداخل بصمت نحو غرفتهم .
التفتت برأسها للخلف تتابعه في قلق ، ثم عادت برأسها تجاه ابنتها وهتفت بحنان أمومي ولطف :
_ طيب روحي يلا ياحبيبتي غيري هدومك عشان ناكل كلنا مع بعض
وثبت الصغيرة وهي تصيح فرحًا ثم ركضت مسرعة تجاه غرفتها حتى تبدل ملابسها كما اعتادت كل يوم بعد عودتها من دوامها .. بينما جلنار فتنهدت بقوة وسارت متجهة خلفه .. دخلت الغرفة وبحثت عنه فلم تجد له أثر لكنها سمعت صوت الماء في الحمام .. فتقدمت إلى الفراش وجلست فوقه تنتظر خروجه .. وبعد دقائق قصيرة خرج وهو يرتدي فقط بنطال وعاريًا الصدر .. حدقها بنظرة قوية للحظة ثم هتف وهو يسير نحو الخزانة :
_ هنا مش هتروح الحضانة اليومين الجايين
ضيقت عيناها بعدم فهم وسألت :
_ ليه ؟!
تجاهل سؤالها واكمل بنفس لهجته السابقة :
_ وإنتي كمان مفيش خروج من البيت غير معايا ورايح
_ مش فاهمة ليه برضوا !!
عدنان بعصبية خفيفة وحدة :
_ من غير ليه ياجلنار .. نفذي اللي بقوله وخلاص من غير نقاش
تأففت بصوت مسموع وتوقفت لتسير نحوه في خطوات هادئة وتقف بجواره متمتمة بلطف :
_ إنت كويس ؟
رقمها بنظرة مطولة يمعن النظر بها يقرأ نظراتها الموجهة إليه ، فأدرك الهدف وراء سؤالها .. اشاح بوجهه وأخرج ملابسه بجيبها بنبرة قوية :
_ إنتي شايفة إيه !
جلنار بخفوت :
_ مش عارفة .. بس حبيت اقولك فكر في هنا قبل أي تصرف تعمله
لم يجيب ولم ينظر لها فقط سار مبتعدًا عنها وهو يشرع في ارتداء ملابسه .. ترى في عيناه قسوة وجبروت مريبين جعلوها هي من تخشاه لوهلة .. يبدو أن الطوفان قضي على الكثير وسوف يحتاج لوقت طويل حتى يعيد ترميم ذلك الخراب .
غمغمت تسأله بترقب لرده رغم توقعها الرد إلا أنها سألت :
_ الغدا جاهز .. هتاكل معانا ؟
_ لا
حرفين فقط لكنه نطقهم بصوت غليظ ومثير للرهبة فتنهدت هي الصعداء بيأس ثم استدارت وغادرت الغرفة بأكملها .
***
كان يقف أمام النافذة الكبيرة يتحدث في الهاتف ومن خلال حديثه فهمت أنه يتحدث عن العمل .. فاقتربت منه ووقفت خلفه منتظرة أن ينتهي من حديثه ، وبعد دقيقة تقريبًا انتهى ثم التفت برأسه للخلف وابتسم لها بعذوبة وهو يمد يده ويتلقط فنجان القهوة من يدها هاتفًا :
_ ربنا يخليكي ليا يافطوم
رتبت على كتفه بحنو مردفة :
_ ويخليك ليا ياغالي .. في مشكلة في الشغل ولا إيه
هز رأسه بالنفي وهو يرفع الفنجان لفمه ويرتشف منه ببطء ثم يجيب عليها بعد أن انزله :
_ لا مفيش مشكلة ولا حاجة الحمدلله
ابتسمت فاطمة براحة ثم همست بخبث وهي تنكزه في ذراعه بخفة :
_ مش ناوي تفرحني بيك بقى ياحاتم ؟!
حاتم بمداعبة وهي يبتسم ببساطة :
_ الاقيها بس وأنا مش هسيبها متخافيش
غمزت له بلؤم أشد وهمست بنظرات ذات معنى :
_ طيب ما هي موجودة !
_ موجودة فين ؟!!!
كان سؤال مستغربًا يحمل بعض الاستنكار فضحكت هي واجابته بتحمس :
_ نادين .. دي البنت قمر ما شاء الله أنا متوقعتش إنها تطلع كدا .. جمال وأدب ورقة يعني تبقى غبي لو ضيعتها من إيدك
رفع حاجبه متطلعًا لخالته بدهشة من كلماتها وارتفعت الابتسامة لشفتيه تدريجيًا ثم تحولت لضحكة وهو يجيبها بعدم استيعاب :
_ احنا لسا يدوب لينا يومين يا فطوم .. لحقتوا تبقوا حبايب بالشكل دي وكمان عايزة تجوزهالي !
فاطمة بغيظ وهي تلكمه في ذراعه بلطافة :
_ هو مش إنت اللي كنت قارفني كل ما اكلمك في التلفون نادين .. نادين .. نادين
حاتم ضاحكًا بقوة :
_ أيوة عشان أنا معيش حد في امريكا غيرها ياخالتي وإنتي عارفة .. وهي أقرب حد ليا !
_ طيب وفيها إيه بقى لما تبقى اقرب وتتجوزها
قطع حديثهم صوت نادين الرقيق وهي تنزل الدرج وتهتف بمرح :
_ لا الحرارة بمصر هون كتير عالية أنا ماني قدرانة اخد نفسي .. الله يعينكن عن جد
قهقهت فاطمة بقوة واكتفى حاتم بابتسامته الواسعة التي من بينها همس بصوت منخفض لخالته :
_ قفلي على السيرة دي دلوقتي بقى هااا
لم تبالي له فاطمة وعمدًا حتى تثير غيظه هتفت محدثة نادين بخبث دفين :
_ تعالي بس يانادين شاركينا الحديث عشان أنا تعبت من حاتم
رقمها بنظرة مشتعلة ومغتاظة فكتمت ضحكتها وتابعت نادين وهي تقترب منهم وتهتف بنظرات مستفهمة تنقلها بين حاتم وبين فاطمة :
_ شو سوى ؟!
هدرت فاطمة بنصف عين تنظر بها لحاتم في مكر :
_ بحاول اقنعه إنه يتجوز ومفيش فايدة فيه .. تعبت معاه وأنا نفسي افرح بيه
تلاشت ابتسامة نادين فورًا وتشنجت ملامح وجهها وهي تتطلع بحاتم وتهتف بتعجب :
_ يتجوز !!
_ أيوة ده هو داخل على 31 سنة كفاية أوي كدا .. لازم يتجوز ويكون ليه بيت وأسرة ولا إنتي إيه رأيك ؟!
ظهرت الغيرة على وجهها وهي تجيب برفض وحدة امتزجت بغضب مكتوم :
_ لا أنا برأى مش لازم إلا إذا كان هو بدو يتجوز
حك حاتم مؤخرة رأسه وهو يبتسم ببعض اللؤم ثم هتف مغيرًا مجرى الحديث :
_ طيب ياخالتو خلاص مش وقته الكلام ده دلوقتي .. وانتي يا نادين اجهزي عشان في اجتماع شوية بليل تبع الشغل ولازم تكوني معايا
تطلعت إليه بغيظ ونظرة مشتعلة ثم هتفت بالموافقة :
_ أي تمام راح أجهز
نظراتها وطريقتها وهي ترد عليه جعلته لم يتمكن من منع ضحكته التي انطلقت بتلقائية وهو يلوح بيده في عدم حيلة ثم يسير مبتعدًا عنهم متجهًا إلى غرفتها .
***
فتح آدم باب الغرفة دون أن يطرق ودخل فوجد عدنان يجلس على الأريكة فاردًا ذراعه على أعلى الأريكة ويضع ساقًا فوق الأخرى وبيده سيجارة يدخلها في فمه ثم يخرجها وينفث الدخان في شراسة .
فهم آدم بتلك اللحظة أن هدوئه الظاهري ما هو إلا قناع كاذب يرتديه أمامهم ومن الداخل هناك أعصار مدمرة لو خرجت لقضت على كل شيء .. هو لا يشرب السجائر إلا في حالات غضبه العاتية .. وكأنه يفرغ غيظه بها .
تحرك آدم وجلس بجواره فوق الأريكة يرمقه بنظرات ثاقبة ، ولكن عدنان كان ينظر في الفراغ أمامه دون أن ينظر لأخيه وهدر بعد ثواني معدودة :
_ عرفت من إمتى ؟
آدم بخشونة :
_ لما عملت الحادث عرفت
_ إزاي ؟
يسأل بسكون تام ولم يكن ذلك الهدوء مطمئن لآدم مطلقًا لكنه أصدر زفيرًا حارًا بعد دقيقة كاملة من الصمت وهو يجيب عليه يخبره بالحقيقة :
_ عرفت من جلنار
كان ينفث الدخان من فمه وبعدما صكت تلك الجملة أذنه صابه الذهول فكتم بقية الدخان في فمه دون أن ينفثه ورمق أخيه بنظرة حمراء هاتفًا :
_ جلنار كانت تعرف !
_ أيوة راقبت فريدة يوم افتتاح المعرض وشافتها وهي رايحة لنادر وعرفت بعدها وأنا لما ضغطت عليها قالتلي
يبدو أن الوحش استيقظ من جديد حيث ألقي بالسيجارة في الأرض واطفأها بقدمه يدهسها بعنف هامسًا بهدوء ما قبل العاصفة :
_ وأنا آخر من يعلم .. ولا خلينا نقول المغفل اللي الكل عرف خيانة مراته وهو مش حاسس بيها
أشفق على أخيه وهو يشعر بمدى المه الذي يمزقه من الداخل ويتظاهر بالقوة والثبات ، فأجاب عليه بأسى :
_ مش ذنبك إنك حبيتها ياعدنان وكنت بتثق فيها ومتوقعتش منها الطعن في الظهر ولا إنها قذرة وو*** بالشكل ده
_ مقولتليش ليه ؟!
سؤال آخر يطرحه وبهمس منخفض أكثر .. أخذ إجابة سؤاله بالصمت من أخيه مما جعله يهب واقفًا وهو يصرخ معلنًا هبوب الرياح المدمرة :
_ مقولتش ليه !!!
صاح آدم مثله مغلوبًا على أمره :
_ كنت عايزاني اقولك مثلا مراتك بتخونك مع ال**** اللي بتعتبره صديق ومأمنه على شغلك وشركتك .. كنت عايزاني اقولك كدا في وشك !! ، حط نفسك مكاني وقولي كنت هتقدر تقولي ولا لا ياعدنان
لحظات قاتلة من السكون المرعب مرت فأعتقد آدم أنه الانفجار الحقيقي سيأتي الآن لكنه على العكس تمامًا رآه يبتسم بشكل مريب ويهدر بخفوت في ملامح وجه لأول مرة يراها على وجهه :
_ وجلنار اللي قالتلك !!!
ادرك جيدًا شعوره الآن بعد جملته تلك فاستقام آدم واقفًا وتابعه وهو يتجه نحو النافذة يقف ينظر منها واضعًا كفيه في جيبي بنطاله ، تقدم إليه وهتف بصوت رزين :
_ الأهم دلوقتي هو إنك عرفت حقيقتها قبل ما يفوت الآوان
ابتسم بسخرية وهو يهمس :
_ كل ده ولسا مفتش
آدم بجدية :
_ لا مفتش يا عدنان .. إنت كان عندك استعداد تطلق جلنار بسببها وكنتوا هتطلقوا بالفعل بس الحمدلله محصلش .. ودلوقتي اهي جات الفرصة انك تحافظ عليها هي وبنتك ومتخسرهمش
تطلع لأخيه وهو يبتسم بدفء .. ثم رتب على كتفه وهمس باسمًا :
_ كبرت وبتديني نصايح كمان يا آدم !
بادله الابتسامة وهو يجيب عليه بصوت رخيم :
_ لا دي مش نصايح يا Boss أنا بقولك الحقيقة اللي إنت مكنتش شايفها
اكتفى بابتسامته الباهتة فاستكمل الآخر باهتمام :
_ مش هسألك عرفت مكانهم ولا لا عشان أكيد لقيتهم .. بس قولي عملت فيهم إيه ؟!
_ نادر هرب بس هجيبه هيروح مني فين يعني
_ وفريدة ؟!
عدنان بنظرات نارية :
_ لا دي عقابها مختلف معايا
تنهد آدم الصعداء براحة بعد أن فهم أنه لا ينوي أن يأذيها وهمس :
_ كويس إنك معملتش فيها حاجة
عدنان بنظرات تنبع بالشر والغل :
_ بس قصاد كدا هخليها تدوق العذاب أشكال والوان
***
في تمام الساعة الثانية بعد منتصف الليل ......
فتح باب المنزل ودخل .. ولم يكن المنزل هادئًا كالعادة كما اعتاد أن يجده بكل ليلة .. بل الأصوات المنبعثة من المطبخ أثبتت له أنها مازالت مستيقظة .. نزع حذائه بجانب الباب وتحرك في اتجاه المطبخ بخطوات متريثة بينما صوت خطواتها وتحركها فكان يصل لأذنه ويشعر به كأنه يراها أمام عيناه .
وصل أخيرًا ووقف عن الباب يتطلع لها بصمت وهو يراها تمسك بسكين وتقوم بتقطيع الخيار وترتدي إحدى قمصان النوم خاصتها القصيرة ، لم يمر الكثير من الوقت وهو يتأملها حتى هتف بصوت رخيم :
_ بتعملي إيه ؟
انتفضت في وقفتها بفزع وسرعان ما التفتت بجسدها كاملًا له تقول بصوت مزعور :
_ إنت إمتى جيت ؟!!
انتظرت أن يجيب عليها لكنه كان ينظر بجمود وبعيناه الثاقبة فتنهدت والتفتت بجسدها مرة أخرى توليه ظهرها وتهمس :
_ جعت وبعمل أكل ليا تحب اعملك معايا ؟
لم تسمع رد منه أيضًا سوى الصمت .. لحظات معدودة وشعرت به يتقدم نحوها في خطوات مدروسة .. يقترب ويقترب ، لا تنكر إن اقترابه المتريث هذا اربكها وخصوصًا عندما وجدته يقف بجوارها تمامًا شبه ملاصقًا لها ويجذب من يدها السكين هاتفًا بخفوت يحمل بحة صوته الرجولية المريبة :
_ خبيتي عني ليه ؟
رفعت رأسها لها وتطلعت في عيناه القوية .. ياله من جبار رغم خراب نفسه بعد كشفه لخيانة " فريدة " له إلا أنه يتفنن في إظهار القوة والشموخ أمامهم وكأن ما حدث لم يحدث .. طالت النظر في وجهه بثبات ثم مدت يدها وسحبت السكين من يده وعادت تكمل تقطيع الخيار هامسة :
_ مكنتش هتصدقني !
جذب السكين مرة أخرى من يدها لكن هذه المرة كانت بعنف وهو يجيب عليها بصوت غليظ :
_ ومجربتيش ليه ؟
رغبت في أن تجذب السكين من يده وهي ترمقه بحدة وتجيب عليه بغيظ لكنه رجع بيده خلف ظهره يمنعها من أخذ السكين :
_ عشان مكنش عندي استعداد استحمل كلامك الفارغ لو مصدقتنيش .. كانت هتحصل مشكلة كالعادة وأنا مليش مزاج اخش في جدال معاك وكنت ممكن تتهمني وتقولي إني غيرانة منها عشان كدا بقول إنها بتخونك
عدنان بنظرات مستاءة وصوت بدأ يصبح خشنًا :
_ فتروحي تقولي لآدم ومتقوليش ليا
_ أنا مقولتش لآدم هو اللي صمم إني اقوله لأنه كان شاكك في تصرفات فريدة زيك وزي وزينا كلنا ، ولما حس إني عارفة حاجة أصر إني اقوله
أخذ نفسًا عميقًا محاولًا السيطرة على انفعالاته واجابها بشبه ابتسامة ساخرة ظهرت على شفتيه :
_ طبعًا إنتي شمتانة فيا دلوقتي !
هزت رأسها بالنفي بعد لحظات عابرة من الصمت وهدرت :
_ تؤتؤ مش شمتانة .. بالعكس أنا عارفة كويس أوي احساس إنك تتطعن في ضهرك .. احساس إنك تدي الخير ومتاخدش غير الشر .. تمنح الحب وتحصل على الكره .. وإنت دلوقتي حاسس بكدا .. زي .. أنا في اللحظة دي بس اقدر اقولك بقينا متعادلين ياعدنان
رمقها بنظرة مطولة وآخر كلماتها تردد في أذنه ( بقينا متعادلين ) .. ألقت الغاز بتلك الكلمات وكان يتوجب عليه هو إيجاد الحل .. هي من أعطته الخير ولم تأخذ سوى الشر .. منحته الحب وحصلت على الكره .. وحين لجأت لأبيها طعنها بظهرها وسلمها له ، عقدوا اتفاقيات دنيئة بينهم حتى يحصل هو عليها ويحصل أبيها على أمواله ومكانته .. هم الآن في خط التعادل فعليًا ولكن الحقيقة أنها هي الرابحة ! .
انتهت من تقطيع الخيار وكذلك طعامها كله فحملت الصحون فوق يديها وخرجت بهم تاركة إياه يقف متسمرًا كالصنم .. خرج خلفها بعد لحظات لكنه ذهب لغرفته ليأخذ حمامًا دافيء .. وبعد دقائق طويلة خرج وهو يلف نصفه السفلي بالمنشفة الكبيرة وبيده المنشفة الصغيرة يجفف بها شعره .. وجدها تقف أمام المرآة تقوم بتسريح شعرها بعد أن انتهت من تناول طعامها ، تأملها لثواني ثم القى بالمنشفة التي بيده على الفراش واقترب منها .. تركت هي الفرشاة وهمت بأن تستدير وتتجه للفراش حتى تخلد للنوم .. لكن تجمد جسدها بأرضه حين شعرت بذراعه يلفه حول خصرها من الخلف وحرارة جسده بعد حمامه الدافيء انتقلت منه إليها .. انحنى عليها من الخلف وطبع قبلة ناعمة فوق شعرها بجانب أذنها هامسًا لأول مرة :
_ أنا آسف
الفصل الخامس والعشرون
عبر الرابط: (رواية امرأة العقاب كاملة)
رواية امرأة العقاب الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم ندى محمود توفيق
لأول مرة تسمع تلك الجملة منه .. هل حقًا يعتذر منها !! .. والآن !!! .. رغم أنه اعتذار ليس بوقته تمامًا وأنه كان عليه أن يفعله منذ وقت طويل إلا أنها تطلعت في عيناه فرأت الحزن والأسف الصادق ، نبرته العذبة لا تزال تتردد في أذنها .. طالت النظرات بينهم حتى قطعت هي اللحظة وهمست بهدوء :
_ آسف على إيه ؟
كان ذراعه لا يزال حول خصرها وبيده الأخرى أمسك بكف يدها يحتضنه بين كفه الضخم هامسًا في ندم :
_ على كل حاجة .. انتي عندك حق أنا فعلًا أناني ودلوقتي بدفع تمن انانيتي دي
لمسة يده اذابت الكثير وأثرتها بسهولة لا تصدق أن من يقف أمامه هو " عدنان " صاحب القلب المتحجر .. هل يعترف لها بخطأه حقًا ! .. يبدو أن حقًا الخراب الذي خلفته تلك المشؤومة لم يكن هينًا .. لمعت عيناها بالعبارات وردت عليه في ابتسامة تحمل القليل من السخرية مع الكثير من الألم :
_ يااااه .. دلوقتي بتقول الكلام ده .. اتأخرت أوي
عدنان بصوت خافت وجميل :
_ عارف إني اتأخرت بس حبيت أوضح ليكي ندمي حتى لو بمجرد كلمة .. كنت زي الأعمي ودلوقتي فتحت عيني وبدأت اشوف حجات كتير مكنتش شايفها
رغم سعادتها بكلماتها لكنها لن تخنث وعدها مع ذاتها .. ستستمر في تنفيذ العهد حتى يحين الوقت المناسب ، تفهم جيدًا ألمه وندمه أنه فضل الأخرى عنها .. لكن ماذا إن كانت هذه مجرد مشاعر زائفة خرجت منه بلحظات عجزه وحزنه عندما شعر بحاجته لها .. هل سيتراجع ويتخلى بعد أن يستعيد رباطة جأشه أم سيستمر أثر الكلمات في الوجود والتجديد .. لا تعرف ويأسفها الاعتراف أنها تخشي الوثوق به ! .
استجمعت رباطة جأشها وابتسمت بلطف في وجه لا يحمل ضغينة أو غضب ، فقط ملامح هادئة وصوت ناعم خرج منها مع ثبات استمدته من أعماقها بصعوبة :
_ فاهمة ياعدنان .. بس أنا من وجهة نظري ياريت نأجل الكلام في الموضوع ده بعدين .. إنت دلوقتي مرهق وتعبان وأنا كمان عايزة أنام
ليس أحمق حتى لا يقرأ في عيناها نظرات الحزن وعدم الثقة .. لا تثق بكلامه وربما لا تصدقه حتى ولن يلومها فلديها الحق .. وكيف تأتي الثقة بين علاقة مبنية على اتفاقيات ورقية منذ البداية ! .
لم يضغط عليها ولم يتفوه بحرف آخر فقط ابتسم بدفء وانحنى عليها قليلًا يطبع قبلة رقيقة على جانب جبهتها هامسًا :
_ تصبحي على خير
بادلته الابتسامة لكن بأخرى باهتة وابتعدت من أمامه بعد ثلاث ثواني بالضبط واتجهت إلى فراشها تسطحت عليه وتدثرت بالغطاء وهي توليه ظهرها وتحدق بالفراغ أمامها في سكون تام .. تشعر بحركاته وهو يرتدي ملابسه دون أن تراه وبعد دقيقتين بالضبط سمعت خطوات قدمه تتجه نحو الباب وباللحظة التالية كان يفتح الباب وينصرف بعد أن اغلقه خلفه .. هبت فورًا جالسة وهي تعلق نظرها على الباب بتفكير تتساءل بين نفسها ( هل غادر المنزل أم خرج ليجلس بالخارج أو بالحديقة ! ) .. أزاحت الغطاء عنها ووقفت على قدميها ثم تقدمت بخطواتها نحو الباب تسير بتريث حتى لا تحدث أي ضجة .. وصلت عند الباب وامسكت بالمقبض وانحنت بجزعة للأمام وهي تديره ببطء شديد وكانت على وشك أن تجذب الباب إليها لكن دفعه هو من الخارج ودخل .. شهقت بفزع وتراجعت للخلف وهي ترمقه باضطراب بسيط .. فضيق عيناه متطلعًا لها باستغراب وقبل أن يسأل ما بها هتفت هي مسرعة بتوتر ملحوظ :
_ كنت رايحة اشرب
نزلت بنظرها إلى جسده فوجدته يرتدي بنطاله الأسود وفوقه قميصه المماثل للون البنطال وفوق قميصه جاكت جلدي لونه بني .. فسألت بعفوية :
_ إنت هتمشي تاني ؟!
اماء برأسه في إيجاب ثم اندفع نحو طاولة التسريحة يتلقط من فوقها مفاتيح سيارته ويعود في طريقه نحو الباب وهو يحدثها بنبرة رخيمة :
_ الصبح بدري قبل ما تصحي هنا هاجي .. عايزة حاجة ؟
هزت رأسها بالنفي ورغبت بأن تسأله إلى أين سيذهب لكنها كتمت سؤالها في نفسها وتابعته بصمت وهو يغادر ، وفور سماعها لصوت غلق باب المنزل استدارت واتجهت لشرفة غرفتها تنظر منها فتراه وهو يستقل بسيارته وينطلق بها .. وسؤال واحد يتردد في ذهنها تطرحه بفضول ( هل يذهب لها ؟! ) .
***
أوقف حاتم السيارة على جانب الطريق .. ثم نظر لها وابتسم متمتمًا بنبرة عادية :
_ كلي وأنا هنزل أقف شوية برا
اماءت له بالموافقة وفور نزوله التقطت الكيس الممتليء بالطعام وأنواع مختلفة من الحلوى قام بشرائها لها عندما أخبرته أنها جائعة بعد انتهاء اجتماع العمل وعودتهم في طريق المنزل .
فتحت الكيس وأول شيء وقع نظرها عليه كان الآيس كريم .. لمعت عيناها بنظرات مشتهية وجذبته فورًا تفتحه وتبدأ بأكله في استمتاع وتلذذ .. وبسبب تركيزها المنصب كله على الآيس الذي بيدها لم تلاحظ نظراته لها من الخارج وهو يلتفت برأسه للخلف يتطلع إليها بتعجب وهي تلتهم الآيس كالأطفال ، اتسعت ابتسامته حتى ملأت وجهه يمعن النظر بها مستغلًا فرصة عدم ملاحظتها له ، بعد لحظات قصيرة قرر العودة للسيارة فتحرك باتجاه باب مقعده وفتحه ثم دخل واغلقه وهو يتطلع لها باسمًا ويهتف بمشاكسة :
_ بالهنا والشفا واضح إنك جعانة أوي فعلًا
أماءت له بالإيجاب وهي تهتف بعفوية :
_ مش أوي .. بس الآيس طعمه كتييير طيب
حاتم ضاحكًا :
_ أه ما أنا لاحظت إنه عجبك
تطلعت فيه بتلقائية وهدرت بحيرة :
_ أنا ما راح أكل كل هاد وحدي طبعًا .. ليش ما بتاكل معي ؟!
_ لا مش جعان كلي إنتي والباقي خليه اتسلي عليه براحتك
زمت شفتيها بيأس ثم رفعت الأيس لفمها تأكله برقة .. هم هو بأن يحرك محرك السيارة وينطلق لكنه ألقى نظرة أخيرة عليها فانتبه لجانب ثغرها الذي تلطخ بقطعة صغيرة من الآيس فابتسم وهو يرمقها مطولًا ثم مد يده يجذب منديل من عبوة المناديل الصغيرة الموضوعة في الدرج الصغير للسيارة ويمده لها .. فتطلعت هي ليده الممدودة بمنديل ورقي في حيرة ليضحك ويغمز لها بخبث متعمد منه وهو يشير بيده الأخرى على جانب ثغره .. رفعت أناملها بتلقائية لجانب فمها تتحسسه وفورًا فهمت ما يقصده فجذبت المنديل من يده بقوة ومسحت فمها بإحراج متمتمة في غيظ :
_ غليظ !
_ بتقولي حاجة ؟!
_ لا ولا شيء
ضحك بخفة ثم نظر أمامه وحرك محرك السيارة انطلق بها يشق الطرقات .. فهتف محدثًا إياها في لؤم بعد دقيقتين من الصمت :
_ صحيح هو إنتي اتضايقتي ليه الصبح لما خالتي قالتلك إني عايز اتجوز
رمقته بشراسة وهتفت :
_ ما قالت إنك بدك تتجوز .. ولا شو إنت غيرت رأيك من الصبح لهلأ !
رفع حاجبه بدهشة بسيطة من انفعالها السريع وهدر ضاحكًا :
_ طيب براحة اهدي في إيه هتاكليني !
اعتدلت في جلستها وردت بهدوء وثبات انفعالي متصنع :
_ أنا هادية
حاتم باستنكار وهو يضحك بقوة :
_ هو كدا هادية .. امال لو متعصبة هتعملي فيا إيه !
نادين بغيظ مكتوم :
_ لك إنت ليش بتسألني وأنا لشو اتضايق يعني !! ، سوي ياللي بدك ياه بتتجوز بتهاجر بتحب شو دخلني فيك أنا
الغيرة المتأججة في صدرها لم تتمكن من أخفائها وهو فهم جيدًا أنها تشعر بالغيرة فقرر سكب القليل من البنزين حتى تزداد النيران اشتعالًا .. هتف بمكر وهو يغمز :
_ يعني إنتي معندكيش مانع اتجوز !!
أوشكت على الانفجار من فرط الغيظ والغيرة .. فجاهدت في تمالك أعصابها قبل أن تجيب لكنها فشلت لتهفت منفعلة :
_ لك اتجوز شو بيخصني أنا ! .. إنت عنجد انسان غريب والله
سمعته يقهقه بقوة يطلق ضحكته الرجولية المرتفعة والساحرة ويرد عليها من بين ضحكته :
_ أنا برضوا اللي غريب ! .. طيب اجهزي بقى عشان قريب كدا تحضري فرحي
رمقته بقرف وهي تشتعل من الغيرة واردفت بصوت ساخط وساخر بنفس اللحظة :
_ والله .. وشو كل هاي الثقة كأن البنت ياللي راح تتجوزها منتظراك قدام باب البيت .. حاتم أنا ما بدي اجرح مشاعرك بس إنت عم تتوهم أساسًا ما في بنت راح تتطلعك
ضحك بقوة وأجابها بنظرة جانبية خبيثة :
_ متأكدة ؟!!
أماءت برأسها في ثقة ونظرات تحدي فأكمل وهو يبتسم بلؤم :
_ أصل في واحدة قبل كدا قالتلي إنت أي بنت تتمناك .. تعرفيها ؟!
جزت على أسنانها بغيظ وقالت بابتسامة سمجة :
_ كانت عم تكذب عليك .. برأي ما تصدق هاي الكلام مرة تاني ولا تفكر بالجواز لأن وقتها راح تزعل عن جد لما تلاقي كل البنات عم ترفضك
رفع حاجبه بلؤم دفين ولا تزال الابتسامة تزين ثغره فأوقف السيارة جانبًا وانحنى عليها يهمس بنظرة اربكتها :
_ نادين
ذابت في نظرته ورمقته بهيام دون أن تجيب فوجدته يكمل همسه بصوت رقيق مع ابتسامة رائعة ونظرة بمثابة تعويذة سحرية :
_ تتجوزيني ؟
لجمت الدهشة لسانها .. ورمشت بعيناها عدة مرات في صدمة .. حتمًا أنه يمزح لا يمكن أن يكون جادًا ! .. تابع هو تغيرات وجهها ووجنتيها الحمراء وصدمتها وهي لا تفهم شيء فابتسم وهتف ضاحكًا بمداعبة :
_ إيه مرفضتنيش ليه ؟!!
يمزح كما توقعت .. لكن هل يتلاعب بمشاعرها حتى لو لا يعرف شيء عن حقيقة ما تضمره له في قلبها .. لم تتمكن من ضبط انفعالاتها فانفعلت وهي تهتف بعصبية :
_ حاتم إنت عم تستخف دمك .. هاد الشيء مافيه مزح
غضن حاجبيه بدهشة من عصبيتها الحقيقية .. لم يكن يقصد أن يغضبها حقًا فقط كان يشاكسها بالكلام كما اعتادوا معًا .. اعتدل في جلسته وهو يجيب عليها باعتذار :
_ أنا آسف مقصدش اضايقك والله .. متوقعتش إنك هتتعصبي كدا !
نادين بحزم وهي تشيح بوجهها عنه :
_ بليز اتحرك بالعربية وخلينا نرجع البيت .. أنا تعبت وبدي أنام
كان سيجيب عليها لكن الغضب الذي يعتلي ملامحها كان حقيقيًا وجديًا فلم يرغب في زيادة سوء الوضع حيث تنهد بخنق وعاد ينطلق بالسيارة من جديد وهو يلقي عليها نظرة من آن إلى آن يرمقها بنظرات ندم وأسف .. يبدو أنه كان سخيف حقًا لكنه يقسم لها أنه لم يقصد !! .
***
فتح باب المنزل ودخل ثم اغلقه خلفه .. كان شخصًا بالخارج وبمجرد أن خطت قدمه ذلك المنزل أصبح شخصًا آخر .. احتدمت نظراته وتشنجت عضلات وجهه بغضب عارم .. لكنه رغم ذلك نجح في البقاء هادئًا .. يقسم أنه لو أطلق الوحش الجامح والجائع المتعطش للدماء الذي بداخله ستلفظ أنفاسها الأخيرة على يديه ..
تحرك باتجاه الغرفة الذي زج بها بداخلها في صباح اليوم واغلق عليها وتركها .. مد يده في جيب بنطاله وأخرج المفتاح ثم وضعه في القفل يديره لجهة اليسار ليفتحه ويدخل فيجدها جالسة على الأرض منكمشة بخوف وهي تحتضن ساقيها إلى صدرها وتهز قدمها بشكل لا إرادي نابع عن توترها وخوفها .. لم يستغرب هيئتها فيبدو أن هذا كان تأثير الغرفة الضيقة والمغلقة التي حبسها بها .. ابتسم بعدم شفقة واغلق الباب بالمفتاح من الداخل ثم أخرجه وأدخله في جيب بنطاله مجددًا وتحرك باتجاهها في خطوات مريبة ثم جثى على ركبتيه يجلس القرفصاء أمامها ويغمغم بسخرية في قسوة :
_ لا اجمدي كدا ده هما كلهم كام ساعة بس اللي سبتك فيهم في السجن ده .. لسا هتقعدي كتير هنا لغاية ما تحسي إن روحك هتطلع
رفعت نظرها وتطلعت له بعينان دامعة تتوسله بصوتها المبحوح :
_ متعملش فيا كدا ياعدنان ابوس إيدك .. طلعني من الأوضة دي .. إنت عارف إني بخاف من الأماكن المغلقة
تجاهل توسلاتها وابتسم بعد رحمة وهو يسألها ببرود تام :
_ احساس صعب أوي مش كدا ؟!
هزت رأسها بإيجاب وعيناها تنهمر منها الدموع بصمت ، فتتلاشى الإبتسامة من على شفتيه تدريجيًا ويصبح ذلك الشبح الذي رأته بالصباح .. التصقت بالحائط أكثر في خوف من بطشه وهي تسمعه يغمغم بهمس مرعب :
_ وأنا كمان كانت صعبة أوي عليا .. لما اكتشف إن مراتي والست اللي شايلة اسمي تتطعني في ضهري .. اللي كنت بتمنى يكون عندي أولاد منها وكنت بحبها ومستعد أعمل أي حاجة عشانها طلعت في الآخر ****** وبتستغفلني وبتخوني .. عارفة أنا حاسس بإيه دلوقتي .. حاسس بنار قايدة جوايا والنار دي اول حد هتحرقه هي إنتي .. طعنتيني في شرفي .. في أكتر حاجة ممكن توجع الراجل
سكت للحظة قبل أن تتغير ملامحه ويتطلعها كشيطان بنظرات كانت كفيلة لبث رجفة بسيطة في سائر جسدها ثم يكمل همسه لكن بابتسامته الشيطانية المخيفة :
_ كام مرة ؟!
ترتجف بخوف أمامه وعلى محياها تظهر معالم الدهشة من سؤاله ، ومن فرط خوفها سالت دموعها بغزارة على وجنتيها دون أن تجيبه .. فقبض هو على فكيها بعنف وانحنى عليها يهمس بالقرب من أذنها في صوت جعل جسدها يرتعش :
_ كام مرة نمتي في حضنه وخنتيني معاه .. ولا أقولك تعالي نلعب لعبة حلوة إنتي تقوليلي من إمتى بتخونيني معاه وأنا اخمن بعدين بنفسي
زاد انهمار دموعها لكنها لم تكن بصمت هذه المرة حيث ارتفع صوت نجيبها وبكائها وهي تشهق برعب .. فانتفضت كالذي لدغها عقرب فور سماعها لصرخته الجهورية بها :
_ من إمــــتـــى ؟
ترتجف في أرضها بقوة وتبكي بشدة ، ليخرج صوتها مرتعش وهي تكذب عليه :
_ من تلات شهور
رأته يبتسم مرة أخرى .. تقسم أنها تخشاه أكثر حين يبتسم .. فتلك الابتسامة تصيبها بالزعر لأن ما ها لن يكون سوى خروج الوحش مجددًا .. أجابها بضحكة ساخرة ومريبة :
_ تؤتؤتؤ الكذب مش في صالحك أبدًا .. وكمان بتحاولي تستغلفيني تاني وده عقابه أشد .. خلينا نعيد السؤال للمرة التانية ونشوف الرد هيتغير ولا لا .. من إمتى بتخونيني ؟
كانت نظراته ونبرته تحمل في طياتها التحذير الحقيقي من الكذب عليه مرة أخرى وإلا ستكون العواقب وخيمة وقاسية جدًا .. فابتلعت ريقها بخوف وهمست بعد لحظات من الصمت بصوت ينتفض كجسدها :
_ بـ.. ـعد ما اتجـ..ـوزت جلنار
وقعت الجملة عليه كالبرق .. تجمد بأرضه والصدمة تعتلي وجهه كله .. تخونه منذ زواجه .. منذ أربع سنوات !!! .. كيف لم يشعر بها ولم يكشفها .. هل كان مغفل وأعمى لهذا الحد ؟!! .. كيف خدعته هكذا وجعلته لا يشعر بشيء ؟!!! .
غلت الدماء في عروقه وتقوصت ملامحه لتعطي إشارة الخطر القادم .. فَقَدَ السيطرة على وحشه الجامح وأصبح هو الوحش حيث نزل بكفه على وجهها في عنف فسقطت هي على الأرض وهي تصرخ بخوف وتبكي .. جذبها من خصلات شعرها وهو يصرخ بها كالمجنون :
_ من أربع سنين يا **** .. هقتلك يافريدة واخد روحك بإيدي يا *****
عاد يصفعها مرة أخرى على وجهها بكامل قوته ، فقدت صعدت لعيناه غمامة الغضب السوداء ولا تجعله يرى أمامه ولا يدرك ما يفعله حتى .. سالت دماء فمها وانفها من أثر صفعاته لها .. ووسط صراخها وبكائها وجموحه الذي يصبه عليها .. تراخت مقاومتها وفقدت وعيها معلنة تغيبها عن الواقع .
فاق هو بعد أن وجدها أغمضت عيناها ، تطلع بوجهها ليرى فمها وأنفها يسيل منهم الدماء .. استقام واقفًا وابتعد عنها وهو يمسح على شعره .. رغم قذراتها وما فعلته إلا أنه استنكر ما فعله بها ، جعلته يرفع يده ويأذيها وهو قط لم يأذي أنثى من قبل .. تراجع للخلف وجلس على الفراش ، ثم انحنى للأمام دافنًا رأسه بين كفيه وهو يزمجر من بين شفتيه ، ساقيه تهتز بعنف وبركانه يحرقه من الداخل .. فرفع رأسه واستقام واقفًا يتلقط كل ما تقع يده عليه ويلقيه بعرض الحائط يكمل إفراغ غضبه على الأشياء .. وبعد لحظات توقف وهو يلهث كالذى كان في سباق للعدو .. غادر الغرفة وتركها فمجرد النظر إليها يجننه .. جلس على الأريكة بالخارج لدقائق يحاول الهدوء وإخماد النيران المشتعلة في صدره لكن دون فائدة .. وبعد ما يقارب الخمس دقائق هدأت ثورته قليلًا فتوقف وضغط على نفسه ليعود لها بالداخل .. ولحسن الحظ أن كان يوجد بالغرفة زجاجة عطر قديمة قليلًا لكنها ستفي بالغرض .. حيث نثر القليل منها على يده وقرب يده باشمئزاز وقرف من أنفها حتى تستيقظ وبعد لحظات قصيرة فتحت عيناها تدريجيًا .. بمجرد ما أدركت صورته أمامها انتفضت ووثبت جالسة تلتصق في الحائط برعب .. لكنها لم تعد ترى ذلك الوحش الجامح الذي غار عليها منذ قليل .. حيث كان يتطلع لها بغضب وقرف امتزج بنظرات البغض الحقيقي .. ثم استقام واقفًا وسار باتجاه الباب ليخرج ويغلقه خلفه بالمفتاح يتركها من جديد حبيسة سجنها الصغير والمخيف .
***
تسير ذهابًا و أيابًا وهي تمسك بهاتفها في يدها وتضرب على كفها به في قوة بسيطة .. والقلق والغضب يهيمن عليها .. فالتفتت تجاه آدم وصاحت به في عصبية :
_ عدنان مش بيرد عليا .. أنا هتجن
آدم بهدوء :
_ سبيه ياماما ، هو اليومين دول مش في وضع لا يتكلم ولا يتناقش مع حد
صرخت في انفعال وغضب هادر :
_ اسيبه عشان يروح يعمل حاجة في الحيوانة دي ويضيع نفسه !
_ مش هيعملها حاجة متقلقيش
ضمت أسمهان قبضة يدها بغيظ وتهتف بغضب هادر :
_ بقى بنت الخدامة والقذرة دي تخدعنا كلنا وتطلع بتخون ابني .. وكانت بتمثل قدامنا كلنا دور الحب والإخلاص
ابتسم آدم وقال بسخرية في استياء بسيط :
_ مش القذرة دي كنتوا إنتي وهي حبايب
أسمهان بسخط :
_ أنا ابدًا ما اعتبرتها مرات ابني .. وكنت من البداية رافضة جوازه منها .. قولتله دي واحدة قذرة من الشارع وبيئة متنفعش لينا ومش من مستوانا وهو اللي صمم عليها ومسمعش كلامي وفي الآخر عملت إيه عضت الإيد اللي اتمدتلها .. طلعت كل همها الفلوس .. وفوق ده كله حاولت تقتل ابني
سكتت للحظات تأخذ أنفاسها قبل أن تهتف بعين مشتعلة بنار الحقد :
_ هي قاعدة فين ؟!
آدم بخفوت وهو يهز كتفيه لأعلى :
_ معرفش .. ابنك أكيد مش هيقولي وداها فين يعني
اتجهت أسمهان وجلست على مقعد وثير وغمغمت بحزن على ابنها وضيق :
_ هو لو كان سمع كلامي بس من البداية مكنش ده كله حصل .. لكن هو صمم يتجوزها ولما فكر يتجوز تاني برضوا اتجوز بنت نشأت اللي زي ابوها بتجري ورا الفلوس .. بس أنا مش هسيب ابني ليها هي كمان عشان تدمره كفاية اللي عملته فريدة الحقيرة
هب آدم واقفًا ثائرًا فور سماعه لجملتها الأخيرة وقد نجحت في إخراجه عن إطار هدوئه حيث صاح منفعلًا :
_ إنتي مش بتدوري على سعادة عدنان .. إنتي بتدوري على سعادتك إنتي .. لأن لو يهمك سعادته فعلًا هتسيبه يتهنى مع بنته ومراته ويصلح علاقته بجلنار هو مبقيش ليه غيرهم دلوقتي .. لو خسرها هي كمان سعتها فعلًا هيتدمر ، أنا مبقتش عارف اقولك إيه بجد أنا تعبت
انتهى من كلامها واندفع لأعلى متجهًا إلى غرفته .. بينما هي فبقت تعلق نظرها على أثره بسكون وجفاء !! .....
***
في صباح اليوم التالي ........
كانت لا تزال " هنا " نائمة وجلنار كان الصداع الشديد يضرب برأسها منذ استيقاظها مسببًا لها الآمًا لا تحتمل .. حاولت كثيرًا تحمل الألم وتجاهله لكن الأمر أصبح لا يطاق ، فارتدت ملابسها وقررت الخروج لتذهب إلى الصيدلية القريبة من المنزل .. تقوم بشراء الأقراص المضادة للصداع وتعود بسرعة قبل أن تستيقظ ابنتها .
خرجت من المنزل وسارت في الحديقة متجة نحو البوابة الرئيسية ، فلمحت من بعيد عم حامد يجلس مع أثنين من الرجال ويتبادلون أطراف الحديث باستمتاع وضحك .. كانوا ذو بنية ضخمة وعريضة كأنهم رجال مصارعة .. ضيقت عيناها بحيرة ولكنها لم تبالي كثيرًا فحين يعود ستسأله عن هؤلاء الرجال .. همت بالعبور من البوابة لكن فورًا وثب أحدهم واقفًا ووقف أمامها يهتف باحترام :
_ آسف يا هانم بس مينفعش تطلعي
_ نعم !!!
هم حامد واقفًا وابعده من أمامها بنظرة حادة ثم تطلع لجلنار وغمغم بود :
_ عدنان بيه منبه أن ممنوع حضرتك تطلعي من البيت إنتي وهنا
التهبت نظراتها وهتفت بغضب :
_ أنا مليش دعوة بكلام عدنان .. خلي الاتنين اللي واقفين دول يا عم حامد يبعدوا من وشي بالذوق احسن
حامد بأسف ونبرة مؤدبة :
_ يابنتي دي تعليمات عدنان بيه ومنقدرش نكسرها
نقلت نظرهم بينهم في نظرات نارية وهي تشتعل من الغيظ فرفعت هاتفها واستدارت مبتعدة عنهم تنوي الاتصال به وهي تهتف بنبرة محتقنة :
_ خلينا نشوف البيه بتاعكم ده !
همت بأن تضغط على زر الاتصال لكنها التفتت بجسدها للخلف فور سماعها لصوت البوابة وهو ينفتح وثم يدخل هو بسيارته .. وقفت عاقدة ذراعيها أمام صدرها تنتظره أن يوقف السيارة وينزل منها ، وفور نزوله رمقها باستغراب ثم التفت برأسه تجاه حامد الذي زم شفتيه للأمام في عدم حيلة ففهم من نظرته ما حدث .. اتجه نحو جلنار التي تتطلع إليه بعصبية وأمسك بذراعها في لطف وهو يحسها على السير معه هامسًا بلهجة شبة آمرة :
_ تعالي معايا جوا يلا
استقرت في عينها نظرة ملتهبة وهي تهمس بسخط :
_ سيب ايدي
لم يكترث لها واحكم قبضته على ذراعها وهو يأخذها معه للداخل وتسير هي معه مجبرة رغم محاولاتها البائسة في إفلات ذراعها من قبضته .. أخرج المفتاح وفتح الباب ثم دخل وادخلها معه ليغلق الباب بيده في هدوء ثم يحررها من قبضته وهو يهتف :
_ أنا مش قولت مفيش خروج من غيري
جلنار بانفعال :
_ وهو إنت عايز تحبسني ولا إيه ، كمان هو ده اللي ناقص !!
أجابها بهدوء متصنع وهو يبتسم بريبة :
_ صوتك ميعلاش عليا ياجلنار
اندفعت نحوه ووقفت أمامه مباشرة تقول بتحدي وهي تثبت نظرها في عيناها بشجاعة :
_ هعلي صوتي براحتي .. هتعمل إيه يعني ؟!
هو أساسًا يغلي منذ أمس ولا يريد أن يلحق بها لهيب نفسه المشتعلة .. فتمالك أعصابه وهتف بنفس نبرته الهادئة والمزيفة :
_ كنتي عايزة تروحي فين ؟
_ مش لما تقولي إنت الأول مين الرجالة اللي برا دول وبيعملوا إيه ومش عايزاني أخرج ليه !
_ جاوبي على السؤال كنتي رايحة فين ؟!
لا يجيبها ولا يحاول حتى اعطائها سبب واحد لما يفعله ، فإذا كان هو يعاند فهي أشد عنادًا منه ، استدارت وسارت للداخل وهي تهتف بعناد :
_ طالما مش عايز ترد عليا وأنا كمان مش هرد
إن زاد النقاش بينهم أكثر من ذلك ستكون النتائج سيئة .. قرر هو تجاهل الأمر وكأنه لم يحدث ثم هتف بصوت رجولي غليظ :
_ أي كان سبب خروجك إيه .. اديني بقول تاني مفيش خروج من البيت ياجلنار إلا معايا واللي حصل برا ده ميتكررش واضح الكلام ولا أعيد تاني
طفح الكيل وثارت من السخط حيث التفتت له وصاحت بغضب هادر :
_ يعني مش كفاية مستحملة كل حاجة منك وكمان عايز تحبسني من غير سبب
اقترب منها وغمغم في نبرة عادتها لطبيعتها :
_ طالما قولتلك ممنوع تخرجي يبقى أنا أكيد ليا أسبابي .. بعدين أنا مش حابسك لو عايزة تروحي مكان يبقى معايا أنا
هدأت ثورتها قليلًا واجابته بخفوت :
_ وهي إيه أسبابك بقى ؟!
عدنان متأففًا بنفاذ صبر من الحاحها :
_ لغاية دلوقتي معرفتش نادر فين ومش بعيد يحاول يأذيكي إنتي و هنا ، فلغاية ما اعرف مكان **** ده تسمعي الكلام ومن غير جدال
لوت فمها بتهكم ولم تتفوه بحرف آخر ، فقط أصدرت تنهيدة حارة واستدارت على وشك الذهاب لغرفتها لكنها رأت هنا تنزل من الدرج وهي تفرك عيناها بنعاس وتهمهم ببعض الكلمات الغير مفهومة .. وحين وصلت لآخر الدرج رفعت رأسها ورأت أبيها فسارت نحوه في بطء وهي مستمرة في فرك عيناها ، انحنى عدنان عليها وحملها فوق ذراعيه لاثمًا شعرها بحنو هامسًا :
_ صباح الفل والياسمين يا ملاكي
القت برأسها فوق كتفه والدها مغمضة عيناها بتكاسل فداعب أنفها بسبابته في رفق متمتمًا :
_ يلا فوقي يابابا عشان نفطر مع بعض
أماءت برأسها في إيجاب دون أن ترفع رأسها عن كتفه أو تفتح عيناها حتى فاتسعت ابتسامته وسار بها باتجاه الدرج يصعد للطابق العلوي ثم يسير نحو غرفتها ويدخل الحمام المحلق بها .. انزلها على الأرض وهتف بلهجة شبه آمره لكنها لينة وهو يبتسم :
_ يلا اغسلي وشك
لا تستطيع مقاومة شعور النوم الذي يهيمن عليها .. ترغب بالعودة مرة أخرى إلى فراشها وحين كانت تفكر في هذا .. فتح هو صنبور الماء وادخل يده تحت الماء يبللها ثم ينثر الماء بلطف على وجهها في مشاكسة .. فتهتف هي باستياء طفولي :
_يوووه يا بابي
كانت جلنار قد دخلت الغرفة قرأته يقف عند باب الحمام يستند بكتفه عليه ويجيب على هنا بحزم مزيف :
_ بلاش دلع يلا .. ولا تحبي اتصل بمس صابرين واقولها متجيش
فتحت عيناها بدهشة وبلحظة فر النعاس من عيناها لتجيب علي أبيها بفرحة غامرة :
_ هي مس صابيين ( صابرين ) جاية
_ امممم جاية عشان تديكي الدرس في البيت
وثبت فرحًا وهي تصرخ ( هييييه ) .. بينما جلنار فضيقت عيناها بدهشة واقتربت منه تقف بجواره تهدر بتعجب :
_ إنت كلمتها وقولتلها تيجي ؟!
التفت برأسه نحوها وغمغم بإيجاب :
_ أيوة كلمتها .. هتديها دروسها هنا لغاية ما ترجع الحضانة
طالت نظرتها إليها لثواني معدودة دون أن تجيب فقط توميء برأسها في صمت .. لكن نظراتها لم تكن راضية أبدًا .. ورغم ذلك هو تجاهل نظراتها وكأنه لا يلاحظها .
***
تجلس مهرة على مقعد وتتنقل بعيناها تتفحص كل جزء حولها في تلك الشركة الضخمة والرائعة .. شعرت بالسعادة والحماس عندما تخيلت فكرة أن تُقبل في هذا العمل وكل يوم تأتي لهنا ! .. بينما كانت تلك الأفكار تجول بذهنها قاطعها صوت السكرتيرة وهي تهتف برسمية وتشير بيدها إلى غرفة المدير التنفيذي ( عدنان ) :
_ آنسة مهرة اتفضلي
أماءت برأسها في موافقة وهبت واقفة فورًا ثم سارت باتجاه الغرفة .. طرقت طرقتين متتاليتين وانتظرت حتى سمعت صوته يقول ( ادخل ) .. أخذت نفسًا عميقًا وفتحت الباب ببطء وبعض التوتر ثم دخلت واغلقته خلفها والابتسامة تعلو وجهها باتساع .. وباللحظة التي وقع فيها نظرها عليه كأن دلو من الماء المثلج سكب فوق رأسها ، مرت ثلاث ثواني وهي تحدق به بدهشة وعندما رأته سيهم برفع رأسه عن الأوراق التي أمامه استدارت بجسدها مسرعة توليه ظهرها وتهمس لنفسها وهي تقوس وجهها وحاجبيها وكأنها على وشك البكاء :
_ لا أنا أكيد بيتهأيلي .. مش معقول يكون هو يعني .. هعد لتلاتة وابص بسرعة وان شاء الله ميطلعش هو واكون اتصيت في نظري .. 1 .. 2 .. 3
ثم التفتت برأسها بسرعة تلقي نظرة خاطفة عليه ولم تكن تتخيل ، فعادت بوجهها للأمام مرة أخرى وهي تهمهم بصدمة وارتباك :
_ تغيير في الخطة .. نعد لتلاتة ونجري
بينما آدم فبمجرد ما التفتت برأسها ولمح وجهها اعتلت وجهه معالم دهشة وهتف :
_ مهرة !!!
هرولت هي باتجاه الباب وكانت على وشك أن تمسك بالمقبض وتفتحه لتفر لولا أنه استقام واقفًا واسرع إليها يجذبها من ذراعها هاتفًا :
_ خدي رايحة فين .. إنتي بتعملي إيه هنا ؟!
اضطرت على النظر له وهي تبتسم ببلاهة وتقول :
_ لا مؤاخذة شكلي دخلت أوضة غلط
وهمت بأن تفتح الباب وتغادر بينما هو فضغط على ذراعها يمنعها من التحرك هاتفًا :
_ استني بقولك أوضة غلط إيه .. هو CV اللي في معايا ده ليكي بجد ؟!!!!
توترت وخجلت بشدة لا تعرف لماذا ، فوجدت نفسها تجيب عليه بالنفي وهي تطلق ضحكة سريعة بطريقة كوميديا :
_ لا سرقاه .. سيبني بقى ياعم الله يكرمك
مد آدم يده واغلق الباب مرة أخرى بعد أن فتحت جزء منه وهتف بحزم بسيط :
_ ما تثبتي يابنتي .. مالك مش على بعضك كدا ليه .. CV ده بتاعك إنتي ولا لا ؟!
أصدرت زفيرًا حارًا وأماءت له بالإيجاب فلاحت على شفتيه ابتسامة تحمل القليل من الدهشة وهو يترك يدها :
_ لا الصراحة اندهشت .. CV بتاعك جميل أوي .. تعالي اقعدي
لم تبتسم ولم تبدي أي ردة فعل فقط تتطلع إليه في ذهول وعدم فهم ، فطرحت سؤالها الأهم بضحكة تشبه السابقة لكنها ساخرة :
_ وبعدين في الليلة الطين دي بقى .. إنت مش رسام وفنان بتعمل إيه هنا !! .. ولا استني متقولش ، أنا هرد عليك بطريقتك .. مهرة اقعدي وكفاية كلام لو سمحتي
قالت جملتها الأخيرة وهي تقلده تمامًا في طريقة التحدث مما جعله يضحك بتلقائية ويهتف من بين ضحكته :
_ لحقتي تعرفي تقلديني كمان .. طيب يلا اعملي زي ما قولتي بما إنك عرفتي أنا هرد عليكي بإيه
تنهدت بعدم حيلة وهي تبتسم ثم سارت باتجاه المقعد المقابل لمكتبه وجلست عليه فتسمعه يتمتم بجدية :
_ ده مكتب المدير التنفيذي عدنان الشافعي اللي هو اخويا في العادة أنا مش بدخل هنا إلا لما يكون مش موجود ويكون في حاجة ضرورية وحظك النهارده إنه مش موجود ولقتيني أنا .. بس خلينا في المهم دلوقتي لو على حسب CV بتاعك اللي موجود قدامي ده فكل اللي موجود فيه جميل أوي ومؤهلاتك وخبراتك السابقة في مجال العمل ده رائعة .. إنتي كنتي شغالة في شركة قبل كدا ؟!
_ أيوة اشتغلت لفترة في شركة أدوية وكنت شغالة في قسم الحسابات برضوا
_ جميل
انحنت للأمام على سطح المكتب تستند بكفيها عليه وتقول بحماس :
_ إيه هو أنا كدا اتقبلت خلاص !
_ أعتقد إنك جاية عشان الإنترفيو مش تعرضي CV بتاعك بس وخلاص
ضحكت بلطافة وهي تقول تجيب عليه بعفوية :
_ يعني أصل أنا قولت بما إننا نعرف بعض فممكن تعدي موضوع الإنترفيو ده واتقبل في الشغل .. وسايط وكدا يعني ههه
بدأت تثير غيظه حيث رد عليها بحدة بسيطة :
_ مهرة كلمة تاني وهقولك إنتي وCV بتاعك برا
كتمت على فمها وهي تهتف باعتذار حقيقي وخوف من أن يطردها حقًا :
_ لا لا خلاص هسكت أهو والله .. اتفضل عشان نبدأ الإنترفيو
مسح على وجهه متنهدًا الصعداء في عدم حيلة ثم بدأ مقابلة العمل معها وهو يسألها عدة أسئلة وكانت تجيب عليه برسمية تامة وجدية .. بعد أن تخلت تمامًا عن مزاحها وأسلوبها الطبيعي .
***
كان جالسًا على مقعد عريض ووثير بالصالون وبيده فنجان القهوة يرتشف منه ببطء ، وهي تجلس على الأريكة المقابلة له تمسك بأحد الكتب وتقرأ فيه بتركيز .. فقد وصلت المعلمة منذ قليل وتعطي الدرس الآن لصغيرتهم في غرفة الضيوف .
كانت عيناه ثابتة عليها يتأملها في سكون .. ويفكر أنه كل اهتمامه وحبه كان منصب لتلك الخائنة ولم يمنح لزهرته إي اهتمام .. وفي حين أنه أهدر الوقت عبثًا في تجاهلها من أجل فريدة .. كانت الأخرى تتمتع بين أحضان ذلك الوغد ، تخونه وهو لا يشعر بها .. مهما حاول أن يشرح لها بالكلام مدى شعوره بالندم الآن لن يجدي بنفع .. لقد فات الآوان على الكلمات .
رفعت جلنار نظرها بتلقائية فالتقت بعيناه التي تتأملها بغرابة ، توترت لوهلة وسرعان ما اخفضت نظرها مرة أخرى للكتاب لا تعطي لنظراته اهتمام فوجدته يهتف بنبرة دافئة :
_ لو لسا حابة تخرجي ممكن لما تخلص هنا الدرس اخدك واوديكي
هزت رأسها بالرفض تجيب دون أن تنظر له :
_ لا شكرًا مش عايزة خلاص
وضع فنجان القهوة بجواره على المنضدة الصغيرة وانحنى بجزعة للأمام يغمغم بترقب لردها :
_ مش عايزة تعرفي عملت إيه مع فريدة ؟!
جذب سؤاله انتباهها فتركت الكتاب من يدها وردت بجفاء :
_ تؤتؤ عشان مش مهتمة اعرف أساسًا
القت بجملتها عليه ثم استقامت واقفة وسارت باتجاه الدرج تصعد لأعلى قاصدة غرفتها حتى تقطع الحديث معه .. بينما هو فتأفف ماسحًا على وجهه وبعد دقيقة بالضبط توقف هو الآخر يذهب خلفها .. صعد الدرج وسار نحو غرفتهم وعند وصوله فتح الباب ودخل فلم يجدها لكنه سمع صوت مياه الصنبور في الحمام ، تحرك إلى الأريكة وجلس فوقها ينتظر خروجها .. وبعد دقائق قصيرة خرجت وهي تجفف وجهها بمنشفة بيضاء صغيرة .. تجاهلت وجوده وأكملت طريقها باتجاه الفراش لكنه قبض على رسغها ليوقفها متمتمًا :
_ بتتجاهليني ليه !!
لم يعجبها ضعفها أمامه بالأمس عندما اعتذر منها .. هي لا تعترف بذلك الاعتذار ولم تصدقه ولن تدعه الآن يضعفها مجددًا .. تمتمت ببرود :
_ أنا مش بتجاهلك .. إنت اللي عايز تشوفني بتجاهلك
استقام واقفًا وتقدم منها مغمغمًا :
_ قولتلك قبل كدا إنك فاشلة أوي في الكذب وخصوصًا عليا
ابتسمت بمرارة وهدرت وهي تسحب يدها من قبضتها :
_ يارتني كنت بعرف أكدب فعلًا
استدارت وهمت بالابتعاد لكنه أمسك بكف يدها في لطف هذه المرة .. أثرت بها لمسته واستاءت من هذا فوجدت نفسها تلتفت له من جديد وتصرخ به بعصبية وهي تسحب كفها بعنف :
_ قولتلك مليون مرة متلمسنيش .. بكره لمستك ياعدنان .. فاهم ولا لا بكرهها وبكرهك
الفصل السادس والعشرون
عبر الرابط: (رواية امرأة العقاب كاملة)
رواية امرأة العقاب الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم ندى محمود توفيق
لحظات من الصمت القاتل مرت .. بعد أن دخل ورأى حاتم .. لم تتمكن من سماع صوت بالغرفة سوى صوت زمجرته وهو يحدق في حاتم شزرًا كأسد يستعد لينقض على فريسته ويلتهمها .. اضطربت من وجوده ونظراته المخيفة التي لا تبشر بخير أبدًا .. فالتفتت برأسها تجاه حاتم لتجده يتطلع إلى عدنان بثبات انفعالي رهيب وعلى ثغره ابتسامة ساخرة بها بعض التحدي .
خرج صوت عدنان متحشرجًا وهو يقترب باتجاه حاتم :
_ إنت بتعمل إيه هنا !
نقلت جلنار نظرها بينهم في خوف ، واحد لا يبالي ويبتسم عمدًا حتى يثير خصمه .. بينما الآخر احتقنت ملامح وجهه بالدماء وبدأ يضغط على قبضة يده يجهزها للكمة مبرحة سيوجهها للثاني .
رفع عدنان قبضة يده المغلقة حتى يلكم حاتم في وجهه هاتفًا بنبرة خرجت تحمل كل أشكال الغضب والشر :
_ سبق وحذرتك متقربش من مراتي .. بس شكلك مش بتفهم بالذوق
تفادى حاتم لكمته ورفع هو يده بدوره ليوجه اللكمة لعدنان بقوة .. مال عدنان بوجهه للجانب وهو يبصق نقطة الدم التي سالت من جانب شفتيه .. التهبت عينيه وأصبح لونهم أحمرًا حتى أن معالم وجهه تقوصت بشكل مرعب ويبدو أن الوحش استيقظ بالفعل .. حيث انتصب في وقفته وهذه المرة وجه لكمة لحاتم كادت أن تطيح به أرضًا من عنفها وسالت دماء أنفه على أثرها وكان على وشك أن يكمل ويعود ليوجه له المزيد لولا أن جلنار هرولت ووقفت بينهم تمسك بيد عدنان صائحة بهلع ورجاء :
_ عـــدنـــان ارجوك بلاش مشاكل
القى نظرة نارية على حاتم الذي كان يرمقه بنفس النظرة وهو يتحسس دماء أنفه .. فأخفض نظره لجلنار يتطلع لها بغضب ثم عاد ينظر لحاتم وهو يهدر بتحذير :
_ ده آخر تحذير ليك .. بعد كدا أنا مش مسئول عن اللي هعمله
جلنار بانفعال بسيط :
_ عدنان كفاية بقولك
قبض على ذراعها بحزم وسحبها معه للخارج ، سارت خلفه حتى غادروا الغرفة ونزعت قبضته عنها بعنف فباغتها بصيحته الجهورية :
_ امشي قدامي على العربية يلا
هرولت أسمهان نحوهم وهي ترسم على وجهها ملامح الذهول المزيفة وتقول :
_ في إيه يابني إيه اللي حصل ؟
استغلت جلنار الفرصة والتفتت برأسها للخلف تنظر لحاتم الذي يقف وعيناه ثابتة على عدنان بغل .. فرسمت معالم الأسف والحزن على معالمها وهو تهمس بصوت غير مسموع :
_ أنا آسفة .. آسفة
اماء برأسه لها يرسل إشارة لا بأس بملامح وجه لينة .. فالتفتت هي تجاه عدنان الذي أجاب على أسمهان بإيجاز :
_مفيش حاجة ياماما
ثم التفت برأسه إلى جلنار ورمقها بنظرة مميتة يغمغم في خفوت مخيف أكثر من نبرة صوته المرتفعة :
_ سمعتي أنا قولت إيه !
حدقته بنظرة مستاءة وغاضبة .. ثم تطلعت إلى أسمهان بسخط أشد ، الآن أدركت أن ما حدث لم يكن إلا أحد مخططاتها الشيطانية .. استقرت في عيني جلنار نظرة حاقدة وخبيثة تحمل في طياتها الوعيد قبل أن تندفع لخارج القاعة بأكملها تذهب في طريقها لسيارته كما قال أو أمرها بمعنى أدق ! .
***
داخل منزل عدنان تحديدًا بغرفتهم بعد مرور ما يقارب الساعة منذ خروجهم من حفل الخطبة .....
خرجت صيحة مرتفعة وعصبية من جلنار التي كانت تجيب عليه :
_ إنت شاكك فيا يعني !!
صاح بها في صوت جهوري :
_ أنا مقولتش شاكك فيكي .. أنا سألتك سؤال واضح ، كنتي بتعملي إيه في الأوضة مع حاتم ياجلنار
جلنار صائحة :
_ متزعقليش فاهم ولا لا .. ده بدل ما تروح تشوف مامتك اللي عملت كدا عن قصد بتزعقلي وتتعصب عليا كأني أنا المذنبة !
هدر منفعلًا :
_ جاوبي على السؤال من غير لف ودوران ومتجننيش .. ثم إن إيه دخل ماما في الموضوع !!
ابتسمت بسخرية واجابت عليه مزمجرة :
_ مامتك هي اللي قالتلي أنها شافت هنا بتدخل الأوضة اللي هناك يعني عشان اروح اشوفها أنا .. وبما إنك جيت ورايا فأكيد هي اللي قالتلك إني دخلت الأوضة طبعًا .. يعني من الآخر هي كانت عارفة إن حاتم جوا وعشان كدا اتحججت بهنا وخلتني ادخل وبعدين قالتلك إنت .. عشان تعمل مشكلة وتخليك تشك فيا
هدأت ثورته الهائجة قليلًا واستمر في التحديق بها بسكون للحظات فاحست بأنه لا يصدقها بعد أن قابلت رده بالصمت والتمعن بالنظر لتصيح به بغضب :
_ كلمها وأسالها لو مش مصدقني
وسرعان ما ارتسمت الابتسامة على ثغرها لتكمل مستنكرة :
_ ولا تكلمها إيه ملوش لزمة .. هتنكر طبعًا وهتطلعني أنا الكذابة وإنها بريئة وملاك
جلنار ليست بامرأة تتقنن فنون الكذب وحين تحاول تفشل وتصاب بالتلعثم والتوتر ، اعتاد دومًا أن يذكرها بأنها لا تستطيع الكذب أمامه و الآن هو لا يشك بصدق ما تقوله فلا يستبعد أن والدته تفعل هكذا حقًا خصوصًا أنه يعلم بمشاعر النقم التي تكنها لزوجته ، لكن لا مانع من أن يستخدم سلاحه الأقوى حتى يتأكد .. حيث اقترب ووقف أمامها مباشرة يخترق عيناها بنظراته الثاقبة ويغمغم بهمس مترقب :
_ يعني إنتي مكنتيش تعرفي إنه موجود في الأوضة ؟
عقدت ذراعيها أمام صدره تقف أمامه بثبات وتضع عيناها بعيناه في شجاعة وثقة متمتمة :
_ قولتلك لا
أخذ نفسًا عميقًا وأخرجه زفيرًا متهملًا بعد أن هدأ تمامًا ونيران غيرته المرتفعة انخفضت قليلًا .. أردف بصوت خافت ومنذرًا :
_ طيب ياجلنار .. بس صدقيني لو شفتك مع البني آدم المستفز ده تاني ردة فعلي مش هتكون مسالمة أبدًا
ضحكت بصمت في استهزاء وتشفي بعد أن لمست الغيرة الحقيقية في نبرته ونظرته ، وهدرت تجيب عليه ببرود وتحدي قبل أن تهم بالابتعاد من أمامه :
_ صدقني إنت .. أنا لو شفت حاتم وكلمته تاني فهيكون بس عشان احرق دمك واشفي غليلي منك
قبل أن تخطو خطوة مبتعدة عنه كان يمسكها من ذراعها يوقفها وينحنى على أذنها من الجانب يهمس في نبرة تثير الرعشة في البدن :
_ وماله شوفيه .. بس قبل ما تعملي كدا ابقى افتكري كلامي كويس هاااا
لم يحرك شعرة واحدة منها بل على العكس ازدادت ابتسامتها اتساعًا التي اختفت باللحظة التالية فورًا بعد أن سحبت ذراعها بحدة هاتفة :
_ ابعد إيدك عني .. واحد مريض
لم يعلق ولم يبدي ردة فعل .. كظم غيظه وبلع اهانتها مجبرًا حتى لا ينفعل عليها .. اكتفى فقط بمتابعتها وهي تتركه وتسير نحو الحمام .
***
رأته يقف عند السيارة ويمسك منديل ورقي بيده يمسح دماء أنفه فتسمرت بأرضها للحظة تتطلع إليه بصدمة وسرعان ما تمكن منها هلعها حيث هرولت إليه شبه راكضة تهتف :
_ حاتم شو صار ؟!
انزل المنديل واجابها بغلظة :
_ مفيش حاجة .. اركبي يلا عشان نمشي
بتلقائية أمسكت بوجهه بين كفيها تمعن النظر به بقلق .. وتهدر بزعر :
_ ليش عم تنزف .. إنت منيح ؟
انزل يديها بلطف وتمتم بصوت حاول إخراجه لين :
_ كويس يا نادين والله .. يلا بقى
قالت بعناد :
_ خبرني الأول شو صار لك !
حاتم بنظرة صارمة وصوت خشن :
_ نادين مش وقته أنا على أخرى أساسًا .. بعدين هقولك
ثم استدار وفتح باب مقعده الخاص حتى يستقل بالسيارة لكنه التفت برأسه أولًا لها فيجدها لا تزال تقف خلفه ترمقه بحيرة .. خرج صوته الرجولي بنظرات حادة :
_ اركبي يانادين !!
تأففت بخنق والتفت حول السيارة لتفتح الباب وتستقل بالمقعد المجاور له .. هم بأن يحرك محرك السيارة لينطلق بها لكنها اعتدلت في جلستها حتى تصبح في مقابلته تمامًا ومدت أناملها تلمس برقة جانب أنفه وتهمس باهتمام وعبوس :
_ بتوجعك ؟
لمستها الناعمة جمدته فجعل ينظر لها بسكون لكن عيناه تطلق إشارات الإنذار كدليل على تأثره .. ولوهلة تمنى لو لا تسحب يدها لكنه فاق بسرعة من مفعولها السحرى وأمسك بكفها يهز رأسه بالنفي إجابة على سؤالها ، وبلا وعي ينزل بأناملها إلى شفتيه يطبع قبلة ناعمة عليهم وهو يبتسم لها بدفء .
ضربت صافرات الإنذار في عقلها هي الأخرى فسحبت يدها فورًا في ارتباك وخجل ملحوظ بعد قبلته الدافئة .. واعتدلت في جلستها تتطلع أمامها بصمت وتحتضن كفها الذي قبله بين كفها الآخر تخبأه عن عينيه ! .
***
بعد انتهاء حفل الخطبة .......
تجلس زينة على أريكة طويلة نسبيًا ويجلس هو بجوارها .. كانت جلسة منفردة لهم فقط بعد الحفل .
مرت عشر دقائق حتى الآن وهي مازلت تتأمل المكان من حولها بجمود دون أن تتطلع له حتى أو تتفوه بكلمة واحدة .. فتنهد هو مغلوبًا على أمره وانحنى عليها عليها قليلًا حتى يجذب انتباهها له هامسًا :
_ مبروووك
نظرت له أخيرًا فور همسه بالقرب من أذنها وابتسمت باستحياء متمتمة :
_ الله يبارك فيك
رائد بغمزة مشاكسة :
_ عقبال كتب الكتاب ياحبيبتي
تلونت وجنتيها بالون الأحمر وسارعت في تغيير مجرى الحديث حيث قالت بخفوت :
_ مش ناوي تقولي بقى تعرفني من فين ؟
ضحك بخفة وادرف :
_ إنتي لسا فاكرة !!
_ طبعًا .. لا يمكن انسى ودلوقتي هتقولي يا رائد بيه
تنهد الصعداء بقوة ولا تزال الابتسامة تزين ثغره ثم اعتدل في جلسته ليصبح مواجهًا لها مباشرة وبدأ في الحديث بهدوء تام ونظرات خبيثة :
_ أنا المدير النرجسي والمستفز !
رددت كلمة " نرجسي " بين شفتيها بتفكير .. تذكر أنها عملت لفترة وجيزة لدى شركة ترجمة صغيرة وكانت تبغض مديرها دون أن تراه بسبب ما تسمعه من الموظفين عنه وأوامره الصارمة للجميع .
لحظات طويلة مرت حتى أدركت جملة رائد فصاحت بصدمة :
_ إنت بتهزر مش كدا !!
انطلقت منه ضحكة عالية تبعها رده عليها بالنفي :
_ لا مش بهزر .. إنتي متعرفنيش لأني مكنتش ببقى موجود اغلب الوقت ومحدش بيشوفني كتير بس أنا اعرفك أكيد .. وبعدها بفترة ماما لما جات الشغل بالصدفة عندي وشافتك قالتلي إنك بنت طنط ميرفت
رفعت يدها تمسح على وجهها بذهول وهي تجيبه بعدم استيعاب :
_ أنا مش مستوعبة .. وإزاي متقوليش يا رائد ده كله
_ هتفرق في إيه إنتي سبتي الشغل من بدري .. وأنا كدا كدا كنت ناوي اقولك بس حبيت نصبر شوية لغاية ما تتعرفي عليا اصل لو كنت قولتلك من البداية كنتي ممكن تكرهيني اكتر لمجرد إنك ماخدة الفكرة دي عني
ابتلعت ريقها بإحراج بسيط ثم تطلعت له ببراءة تهمس بنبرة تعتذر قبل أن تهتف بالاعتذار حتى :
_ إنت عرفت منين إني كنت بقول عنك كدا !
غمز لها في مكر ضاحكًا وهدر :
_ أنا بعرف كل حاجة فكان طبيعي اعرف اللي بتقوليه عني وحظك إني عرفت بعد ما ماما قالتلي انتي مين وإلا للأسف تصرفي كان هيبقى مش لطيف
زينة بغرور وثقة :
_ أنا أساسًا سبت الشغل بنفسي كنت بني آدم لا تطاق من غير ما اشوفك
رفع حاجبه بابتسامة لئيمة ورد عليها مستنكرًا في ترقب :
_ ودلوقتي إيه ؟!
حركت رأسها يمينًا ويسارًا بحركة مترددة تهمس في برود مقصود :
_ عادي لا وحش ولا حلو
_ لا والله !!!
قهقهت بقوة واردفت مسرعة بعدما لاحظت غيظه من ردها :
_ بهزر .. اكيد اختلفت وجهة نظري عنك يعني .. واتغيرت للأفضل
عادت الابتسامة تزين شفتيه ليقول بمداعبة :
_ بداية مبشرة الحمدلله
***
بعد مرور ساعات قليلة .....
خرجت من الغرفة متسللة على أطراف أصابع قدمها وبرأسها تتلفت حولها وعيناها تتجول بكل مكان بحثًا عنه ، حتى رأت ضوءًا خافتًا منبعثًا من غرفته الخاصة بالعمل .. سارت بحرص أشد دون أن تصدر أي صوت كلص يخشى أن يمسك به صاحب المنزل .
وصلت إلى باب الغرفة .. أمسكت بالمقبض في حذر وتطلعت له خلسة من الخارج فرأته يقف وينحنى على الأدراج يضع بعض الأوراق الخاصة بعمله بها ، تابعته بعيناها لدقيقة تمامًا حتى وجدته يغلقهم وينتصب في وقفته مستندًا لمغادرة الغرفة .. فتركت المقبض وتراجعت للخلف مسرعة تركض على أطراف اصابعها نحو الغرفة .. دخلت وأغلقت الباب بالمفتاح من الداخل ووقفت خلفه تنتظر وصوله وبالفعل أقل من خمس دقائق سمعت صوت خطواته تقترب من الغرفة وحين أمسك بالمقبض واداره حتى يفتحه لم يفتح .. ظل يعيد الكرة أكثر من مرة ظنًا منه أن قفل الباب تعطل .. حتى أتاه صوتها من الداخل وهي تقول :
_ متحاولش أنا قافلة الباب بالمفتاح !
اتسعت عيناه بريبة وهيمن عليه الصمت للحظات حتى رد عليها بعدم فهم :
_ نعم !!!
جلنار بابتسامة متشفية وبحدة تخرجها باحترافية في صوتها الناعم :
_ زي ما سمعت مش هتقعد معايا في نفس الأوضة ياعدنان .. روح نام في أي أوضة تاني أو نام على الكنبة برا
تمالك أعصابه ورد عليها بثبات انفعالي مصطنع :
_ افتحي الباب ياجلنار وبلاش شغل الأطفال ده
صاحت به من الداخل بغضب :
_ شغل أطفال !!!
عدنان بنبرة محذرة وهو يصر على اسنانه بغيظ :
_ افتحي ومتخلنيش اعلي صوتي والبنت نايمة في الأوضة اللي جمبنا
جلنار ببرود مقصود وهي تضحك بتشفي دون أن يراها :
_ وتعلي صوتك ليه .. أنا قولتلك الحل البيت كبير الحمدلله والأوض كتير
ضرب بقبضة يده القوية على الباب يهتف باسمها مصحوبًا بزمجرته :
_ جـلـنـار
فزعت قليلًا من ضربته لكنها لم تبالي وقالت هذه المرة بغضب حقيقي متخلية عن برودها :
_ ورايح مش هتنام معايا في أوضة واحدة ياعدنان .. إنت في أوضة وأنا في أوضة .. كفاية أوي لغاية كدا
انفعل بشدة فعاد يضرب على الباب من جديد محاولًا إخفاض نبرة صوته مما جعله نبرته تخرج متحشرجة بشكل مخيف :
_ هو إيه ده اللي كفاية .. افتحى الزفت ده بدل ما اكسره فوق دماغك
جلنار بإصرار وعناد :
_ مش هفتح واللي عايزه اعمله
كور قبضة يده ورفعها لأعلى في حركة تلقائية كمحاولة شبه بائسة لتمالك انفعالاته ثم رد عليه كاظمًا غيظه بصعوبة :
_ ماشي ياجلنار لينا كلام الصبح
سمعت صوت خطواته وهي تبتعد عن الغرفة فابتسمت بخبث ثم أصدرت تنهيدة طويلة واتجهت إلى الفراش لتتسطح فوقه وتتدثر بالغطاء مستعدة للنوم .
***
في صباح اليوم التالي ......
توقفت مهرة أمام مقر الشركة ترفع نظرها لطول ارتفاع البناء وهي تطلق تنهيدة طويلة .. وصلها الرد بالأمس وحصلت على الموافقة في العمل .. وهاهي في أول يوم لها الآن .
كانت ترتدي بنطال عريض قليلًا من اللون الأبيض يعلوه ( بادي كات ) وفوقه جاكت جينز من اللون البني .. والحذاء الرياضي المفضل لها ترتديه .. أما شعرها فكانت ترفعه لأعلى وتترك نصفه ينسدل من الخلف ليأخذ شكل التسريحة المشهورة ( ذيل حصان ) .
أخذت تسير في فناء الشركة الواسع من الداخل حتى وصلت للمصعد الكهربائي .. وقفت تنتظر المصعد وكان يقف بجوارها آدم الذي لم تلاحظه ، حين التفت هو للجانب برأسه ورآها .. امعن النظر بها للحظة مبتسمًا قبل أن يعود برأسه لوضعها الطبيعي ويتمتم بجدية بسيطة وهو يتفقد ساعة يده :
_ الساعة 9 وربع والمفروض تكوني هنا 9
نظرت له مدهوشة ، تتساءل متى جاء هذا ؟! .. فابتسمت بلطافة وغمغمت معتذرة :
_ أسفة .. الطريق كان زحمة شوية .. بس مش هتتكرر تاني
رمقها بطرف عيناه بنظرة غريبة لم تكن صارمة لكنها مريبة .. حتى انفتح باب المصعد فظلت هي واقفة تنتظر أن يدخل هو أولًا فوجدته يتنحى جانبًا ويبسط يده تجاه المصعد يشير لها بأن تدخل .. فابتسمت له بطريقتها المرحة المعتادة ودخلت أولًا ثم هو بعدها .
تابعته وهو يضغط على رقم الطابق فانحنت عليه بعفوية تهمس في قلق ملحوظ :
_ هو الاسانسير ده آمان ؟
التفت لها برأسه وهدر بتعجب :
_ آمان إزاي يعني !
هدرت بسرعة تشرح له مقصدها :
_ أصل أنا ركبت اسانسير في مرة وعطل بيا وكنت وحدي ومحدش حس بيا غير بعدها بساعتين .. بس الحمدلله اليوم ده كنت جاية من فرح وكنت مشترية أكل كتير وحلويات فضلت اتسلى عليهم وانا محبوسة لولا كدا كانوا دخلوا لقوني انتقلت لرحمة الله من الخوف .. بس تعــ ......
كتم على فمها بيده وهتف بحدة وانفعال بسيط :
_ هشششش ايه راديو !! .. أنا مالي إنتي هتحكيلي قصة حياتك
تطلعت إليه بعينان مضطربة قليلًا وانزلت يده تبتسم ببلاهة مغمغمة :
_ على فكرة لسا التشويق جاي أنا محكتلكش لما اشتغل حصل إيه
_ مش عايز اعرف يامهرة
زمت شفتيها بقرف وردت عليه متذمرة :
_ دي مش اخلاق مديرين على فكرة
لم يعطيها اهتمام وتجاهلها بينما هي فانتبهت للجاكت الذي يرتديه وسرعان ما هدرت بعفوية :
_ بس حلو الجاكت الجلد ده .. تعرف أنا كان معايا واحد زيه بس اااا ....
آدم بغيظ من ثرثرتها الكثيرة :
_ مـــهـــرة
ابتلعت بقية الكلمات في جوفها ومطت شفتيها بيأس ومضض ثم اشاحت بوجهها للجانب الآخر وهي تتمتم بصوت غير مسموع :
_ عدو البهجة .. بس يلا هستحمله عشان وسامته
بينما آدم فتأفف بعدم حيلة مغمغمًا بينه وبين نفسه :
_ أنا اللي جبته لنفسي والله
انفتح باب المصعد وخرج هو أولًا .. يسير بخطوات سريعة تجاه مكتبه ، هرولت هي خلفه تنده عليها بتلقائية :
_ آدم
توقف على أثر صوتها يسمعها تهتف باسمه لأول مرة .. التفت لها برأسه فضحكت هي ببلاهة بعدما أدركت ما تفوهت به للتو وغمغمت بخفوت يحمل القليل من الإحراج :
_ بـيـه !!
تحدثت بجدية وامتنان حقيقي مع ابتسامة صافية فوق ثغرها :
_ شكرًا .. يعني إنك وافقت توظفني
رأت ابتسامته اللطيفة تظهر على وجهه أخيرًا وهو يوميء برأسه لها كرد على شكرها دون أن يتحدث .. بادلته هي الإبتسامة حتى استدار وأكمل طريقه فاستدارت هي الأخرى واتجهت لمكان عملها .
***
تتجول أمامه منذ الصباح بطبيعية وبرود يثير الأعصاب .. تتجاهله وتتصرف بأسلوب جديد مستفز .. وهو لا يتمكن من احتجازها حتى يضع حد لما تفعله .. يكتم غيظه منها بصعوبة ولا يستطيع حتى الاقتراب منها بسبب وجود هنا .
عيناه لا تنزل عنها ، في كل خطوة تخطوها تلازمها نظراته المشتعلة والمتوعدة .. انتبه لاختفاء صغيرته .. فهب واقفًا واتجه لغرفتها .. رآها تجلس فوق فراشها ومن حولها العابها تلعب بهم باندماج .. ابتعد من أمام غرفتها واندفع لجلنار يقبض على ذراعها ويجذبها معه للغرفة .. دفعها برفق للداخل ودخل خلفها ثم اغلق الباب .. ليسمعها تهتف باستياء وعدم فهم :
_بتعمل إيه !!
تقدم نحوها بأعين ملتهبة فتقهقرت للخلف بتلقائية حتى اصطدمت بالحائط خلفها ، لا تنكر أن حالته الغريبة اخافتها قليلًا ، لم تكن تتوقع إنه سيغضب هكذا ، وجدته يستند بكفه على الحائط بجانب رأسها وينحنى عليها يهتف أمام وجهها وحرارة غضبه تشعر بها في وجهها :
_ أنا اللي المفروض اسألك إيه اللي بتعمليه ده !!!
اضطربت بشدة فحاولت أن تعبر من الجانب الفارغ حتى تخرج لكنه اغلق الطريق عليها من الجهتين بعد أن رفع يده الأخرى يسندها على الحائط من الجانب الآخر بجوار رأسها ويتمتم بغيظ وغضب :
_ إنتي في أوضة وأنا في أوضة ! .. ده مين اللي طلع القرار ده !
جلنار بثبات وحزم :
_ أنا
عدنان بصوت غليظ :
_ بس أنا مش موافق
هدرت ساخرة بعصبية :
_ وأنا مخدتش رأيك .. مش عايزة اقعد معاك في أوضة واحدة وأكيد مش هنتظر موافقتك
صاح بها مستاءًا :
_ يعني غلطانة وقوية كمان !
صرخت منفعلة :
_ أنا مش غلطانة وإنت عارف .. مامتك هي اللي خططت ومكنتش أعرف إن حاتم موجود في الأوضة أساسًا
مسح على وجهه متأففًا بغضب هادر واجابها بنفاذ صبر :
_ وأخرة تصرفاتك دي إيه يعني ؟!!
سنحت لها الفرصة لتتلذذ به على طريقتها ، حيث عقدت ذراعيها أمام صدرها وهدرت بشموخ :
_ تعتذر مني
_ ليه ؟!
كان سؤال شبه استنكاري منه فردت عليه بقوة :
_ عشان اللي عملته امبارح مثلًا !
_ عملت إيه !!
بروده استفزها فصاحت به مغتاظة :
_ تشدني في ايدك زي الحيوانات وتزعق فيا وتبهدلني وأنا مليش ذنب .. إيه ده كله ومعملتش حاجة تستحق إنك تعتذر عليها !
سكت لثواني وهو يحدق بها بنظراته الثاقبة وبالأخيرة هتف باقتضاب من أسلوبها الفظ يحقق لها ما تريده :
_ حقك عليا أنا اتعصبت عليكي فعلًا امبارح
هزت رأسها بالرفض تخفي ابتسامتها المنتصرة وتجيب عليه بجفاء :
_ تؤتؤ أنا آسف مش حقك عليا
عض شفاه السفلى بغيظ مكتوم وكور قبضة يده ثم ضربها على الحائط بجانب رأسها في خفة .. رغم أنه يرى نظرات التحدي والسعادة في عيناها إلا أنه غمغم كالمجبور :
_ أنا آسف .. حلو كدا !!!
هزت رأسها بالنفي متمتمة في ثبات :
_ لا اعتذارك وحدك مش كفاية
عدنان قاطبًا حاجبيه باستغراب :
_ امال عايزة إيه ؟
هدرت بابتسامة صفراء تضمر خلفها المكر :
_ مامتك .. أسمهان هانم تعتذر مني
وقبل أن ترى ردة فعله على ملامحه أو تسمع رده حتى استكملت عاقدة ذراعيها أمام صدرها :
_ وحاجة تاني كمان
لم تسمع منه أي رد فقط رأت قسمات وجهه متطلعًا لها ببعض الدهشة رافعًا حاجبيه .. كأنه ينتظر منها أن تبدأ في طلبها الثاني أو أمرها بمعنى أدق .. فأخذت هي نفسًا عميقًا وتطلعت في عيناه بقوة تجيبه بثقة :
_ تعتذر من حاتم
هنا بالفعل احسته كأنه قدر يغلى من الغضب حيث نزل بيده يقبض على خصرها في غيظ ويهتف بنبرة محتقنة :
_ اعتذر مني واعتذرت هتخلي مامتك تعتذر وعديتها .. لكن إنتي شكلك مينفعش معاكي الأدب
تململت من قبضته على خصرها ترد عليه بجدية :
_ وفيها إيه لما تعتذر منه .. أنت غلطت في حقه والمفروض تعتذر
خرجت منه صرخة هادرة بغضب حقيقي هذه المرة :
_ جــلـنـار .. متختبريش صبري ومليون مرة اقولك متجبيش سيرته قدامي .. خليني هادي معاكي كدا افضل
حاولت أبعاد يده عن خصرها لكنها فشلت فتطلعت في عيناه بشراسة وهدرت :
_ وأنا كمان مليون مرة اقولك متلمسنيش .. شيل إيدك
أحكم قبضته عليها أكثر بعند وقربها منه أكثر مبتسمًا بشيطانية فقالت هي محذرة أياه :
_ عدنان ابعد عني
هز رأسه بالرفض في استمتاع ، فاستشاطت غيظًا ورفعت قدمها تضغط على قدمه بقوة .. بحركة تلقائية منه لانت قوة قبضته عليها فدفعت يده وهمت بأن تغادر مسرعة لكنه لحق بها وجذبها إليه وكان على وشك أن يبحر بها للحظات على طريقته الخاصة لكن طرق ابنتهم على الباب وسط صوتها الرقيق قطع اللحظة :
_ بابي .. مامي
دفعته جلنار بكامل قوتها ترمقه شزرًا ثم استدارت وفتحت الباب لابنتها فتقابلها بابتسامة متصنعة ثم تمر وتعبر من جوارها مغادرة .. اقتربت هنا من أبيها الذي حملها فوق ذراعيه وهمس بضيق من توقيتها الخطأ دومًا في القدوم :
_ دي تاني مرة ياهنايا .. كدا هبدأ أشك إنك متفقة مع أمك
ردت عليه بعدم فهم وبراءة جميلة :
_ مش فاهمة يا بابي
عدنان متنهدًا بعدم حيلة :
_ اجمل بابي من اجمل هنا في الدنيا
ارتفعت ابتسامتها لشفتيها الصغيرة ولفت ذراعيها حول عنق أبيها تعانقه بقوة فيبادلها هو العناق لاثمًا شعرها ووجنتيها بحب .
***
في تمام الساعة الثامنة مساءًا .........
كانت أسمهان تجلس بغرفة الصالون على مقعدها الوثير تمسك بيدها كتاب تقرأ به في تركيز وبيدها الأخرى كوب عصير فراولة طازجة .. رفعت نظرها عن الكتاب عندما سمعت صوت الباب ينفتح .. وفور رؤيتها لعدنان الذي دخل واغلق الباب خلفه تركت الكتاب وقالت بحنو وسعادة :
_ اهلًا ياحبيبي تعالى
تحرك باتجاه الأريكة الواسعة المقابلة لمقعدها وجلس فوقها متطلعًا لأسمهان بغضب دفين ، فضيقت عيناها بحيرة وسألته :
_ مالك ياعدنان ؟!
لوى فمه بحركة تلقائية منه حين يكون مستاء وهتف بحزم :
_ ممكن تفهميني إيه اللي عملتيه امبارح ده ياماما !!!
توترت في باديء الأمر وسرعان ما تخطت الأمر تجيبه بتصنع البراءة :
_ عملت إيه امبارح ؟!
عدنان بعصبية بسيطة :
_ ماما إنتي فاهمة قصدي كويس .. هل التصرفات دي تليق بيكي يا أسمهان هانم ؟ .. أنا عارف إنك مبتحبيش جلنار بس متوصلش بيكي للدرجة دي .. اللي عملتيه امبارح ده ملوش غير تفسير واحد هو إنك معملتيش حساب ليا نهائي .. ده إهانة ليا أنا قبل ما يكون كره منك لجلنار
تأثرت قليلًا بتوبيخ ابنها لكنها لم ترضخ حيث صاحت بسخط تخفي ورائه اضطرابها من كشف مخططها :
_ هي قالتلك إيه بنت الرازي .. وكمان إنت صدقتها وجاي تحاسبني !!
عدنان بانفعال بسيط :
_ أنا مش بحاسبك أنا بقولك إنك غلطتي .. وغلطتي في حقي أنا عايزة تخليني أشك فيها وأنها هي كمان بتخوني ! .. إنتي آخر شخص اتوقع منه تصرف زي ده يا أمي
لان قلبها وحزنت على ابنها فنهضت من مقعدها وتوجهت نحوه تجلس بجواره وتملس على كتفه بحنو هامسة في اهتمام :
_ ياحبيبي إنت وأخوك اغلى حاجة عندي .. صدقني بنت نشأت دي ملهاش آمان ، أنا عايزالك الخير واشوفك مبسوط ومرتاح مع زوجة تليق بيك وبينا .. لكن جلنار دي آخر واحدة تنفع تكون زوجة ليك
هز رأسه بخنق ونفاذ صبر ثم أمسك بيدها التي فوق كتفه ينزلها برفق ويهتف بلهجة صارمة وصلبة :
_ بنت نشأت دي مراتي وأم بنتي وكمان أم حفيدتك .. والمفروض تعتذري منها على اللي حصل امبارح .. لما تعتذري منها ده هعتبره تقدير ليا كأنك بتعتذري مني أنا .. ده طبعًا لو أنا فارق معاكي !
ثم استقام واقفًا واكتفى بتوديعه لها من خلال نظراته قبل أن يستدير وينصرف تاركًا إياها تشتعل كجمرة النار من الغيظ ...
الفصل الثامن والعشرون
عبر الرابط: (رواية امرأة العقاب كاملة)
رواية امرأة العقاب الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم ندى محمود توفيق
وضع المفتاح في قفل الباب واداره مرتين لليسار ثم دفع الباب بهدوء ودخل .. بمجرد ما أن تخطو قدمه لذلك المنزل يشعر بدمائه ترتفع وتبدأ في الغليان من الغضب .. قاد خطواته تجاه غرفتها وفتح الباب بالمفتاح ثم دخل .
بمجرد ما إن فتح الباب ورأته وثبت واقفة من الفراش وهرولت نحوه تتشبث بملابسه وتهتف متوسلة :
_ عدنان أخيرًا جيت .. ابوس إيدك طلعني أنا هموت مش قادرة استحمل
دفعها بعيدًا عنه بنفور من لمستها فسقطت فوق الفراش .. القى عليها نظرة مشمئزة قبل أن يستدير ويغلق الباب من الداخل عليهم .. انهمرت دموعها وهي تتابعه يسير نحو المقعد المقابل لفراشها بمعالم وجهه أقل ما يقال عنها بلا رحمة .. لا يشفق عليها بمقدار ذرة واحدة .. انتزعها من قلبه والقاها كالقمامة تمامًا .
وقعت عيناه على الطعام الذي لم تتناوله ويملأ الصحون فابتسم بسخرية وقال في قسوة :
_ مبتاكليش ليه ! .. ولا اتعودتي على العز وأكل القصور .. اديكي بترجعي لأصلك بالتدريچ
فريدة ببكاء وتوسل :
_ أنا متأكدة إن لسا في شوية حب جواك ليا .. ارجوك طلعني واعمل فيا اللي إنت عايزه
قهقه بطريقة مريبة يجيب على جملتها مستنكرًا :
_ حب !!! .. إنتي ملكيش وجود أساسًا بنسبالي
صاحت ببكاء هيستيري تقول :
_ أنا معترفة بغلطي وإني استاهل عقابك .. طمعي وجشعي هما السبب .. وافقت اتجوزك عشان اطلع من الجحر اللي انا عايشة فيه ، بس والله العظيم عمري ما كنت بكرهك ياعدنان .. ولما اتجوزت جلنار وجابتلك الطفل اللي بتتمناه وشوفت اهتمامك بيهم معرفش أي حصلي حسيت إنك هتحبها وهتاخدك ومش هتبصلي تاني .. بعدها شوفت نادر ومش عارفة إزاي ضحك عليا و صدقته ومشيت وراه لغاية ما خنتك
يستمع إليها بثبات انفعالي غير متوقع يبتسم باستهزاء ويغمغم :
_ يعني اتجوزتيني عشان الفلوس .. وبتعترفي إنك عمرك ما حبتيني .. أنا مش مصدوم من كل ده لأنه أمر طبيعي بنسبة لواحدة خاينة زيك .. اللي صادمني أنا ازاي محستش .. ازاي كنت غبي ومخدوع فيكي كدا !! .
إجابته مسرعة تحاول الدفاع عن نفسها بأي حجة وهمية :
_ أسمهان هي اللي أجبرتني أحاول اقنعك إنك تتجوز .. أنا مكنتش موافقة
عدنان بصوت رجولي مخيف ونظرات واثقة :
_ صدقيني دي أفضل حاجة عملتها ماما
تطلعت إليه بحيرة من رده .. يبدو أن ابنة الرزاي حجزت مقعدها في المقصورة بالفعل .. انخفضت عيناها بتلقائية ليده فتراه يمسك بحافظة ورق كبيرة وبداخلها عدة أوراق .. ظلت تدقق النظر في يده بفضول واستغراب حتى رأته يفتحه ويخرج مجموعة اوراق ثم يضع يده في جيب سترته ويخرج قلم ويمد الأوراق والقلم إليها هاتفًا بصوت متحشرج :
_ امضى على كل ورقة يلا
_ ورق إيه ده ؟!
عدنان بغلظة :
_ تنازل عن كل حاجة كتبتها بأسمك ومن ضمنهم البيت ده
نقلت نظرها بين الورق وبينه بدهشة .. هاهي تخسر كل شيء تدريجيًا ولن يتبقى لها سوى ذاتها ! .. انتفضت بزعر فور سماعها لصيحته الجهورية بها :
_ يــــــلا
أمسكت القلم بيد مرتعشة تخط به على الورق ودموعها تنهمر بصمت .. وعند انتهائها من آخر ورقة جذبهم من يدها واعادهم للحافظة مرة أخرى .. ثم أخرج ورقة أخرى ورفعها أمام ناظريه يتطلع إليها بابتسامة مريبة .. هب واقفًا من مقعده واقترب منها بخطوات متريثة جعلتها تتقهقهر للخلف في رعب .. أحست وأن قلبها سيقفز من بين اضلعها ولم تهدأ إلا عندما وجدته ينحنى عليها وهو يمد الورقة هاتفًا بجفاء :
_ورقة الطلاق
فرت الدماء من وجهها ، وتسارعت نبضات قلبها بذهول ، وصلت لنهاية المطاف وحان الآن رسم نقطة النهاية ، انفجرت باكية بقوة ولأول مرة تشعر بالندم على ما اقرفته .. ليتها لم تفعل .. ليتها اختارته .. فلو فعلت لم وصلت لهذه الحالة .
وضع الورقة في يدها يأمرها بنظراته المرعبة أن تنهي الأمر ، ففعلت ما يريده مجبرة وعيناها لا تتوقف عن ذرف الدموع ، جذب الورقة من يدها بعنف وكذلك القلم ليمضي هو بدوره فقد تعمد أن يخط النهاية بيده أمامها .. وبعد انتهائه ابتسم واردف ببرود :
_ كدا فاضل الخطوة الأخيرة بس
انحنى بوجهه عليها أكثر يهمس في نظرات تنبع بالكره ونبرة حادة كالسكين :
_ إنتي طالق
لم تكن تتوقع أن تلك الكلمة ستضرب صدرها وتألمها بهذا الشكل .. على عكسه هو الذي كان جامدًا لم يجد أي صعوبة في نطقها بل شعرت أنه تلذذ بها .
انتصب في وقفته واستدار مغادرًا الغرفة لكنه قبل أن ينصرف تمامًا التفت برأسه لها يغمغم في جفاء :
_ متخافيش قريب أوي هتطلعي لأني خلاص مبقتش طايق اشوف وشك
ثبتت عليه نظراتها المشوشة بسبب كثرة البكاء وتابعته وهو يرحل مختفيًا عن عيناها ويصك سمعها صوت اغلاق قفل الباب بالمفتاح من الخارج .. فتعود لبكائها المرير مرة أخرى .....
***
خرجت نادين من غرفتها وقادت خطواتها باتجاه المطبخ حتى تشرب ، وأثناء مرورها من أمام غرفته رأت الباب مواربًا .. حركها فضولها لتقترب من غرفته بتريث ، والقت نظرة دقيقة عليه من فتحة الباب ، رأته يجلس على المقعد ويمسك بيده صورة .. حاولت بنظرها اختراق كل شيء يعيق قدرتها على رؤية الصورة لكن لم تستطع ، كان يتأمل الصورة بشرود وحزن ومجرد تخيلها أن الصورة قد تكون لجلنار اثارتها بالجنون .. هي أساسًا منذ أن سرد لها ماحدث بحفل الخطبة تشتعل غيظًا وغيرة ، وفكرة أنه مازال يكن لجلنار مشاعر لا تتحملها .
تراجعت للخلف واستدارت تسير مسرعة نحو المطبخ بخطوات قوية فوصل صوت خطواتها لأذنه بسبب الحذاء الحاد الذي ترتديه ، حدثه قلبه بأن الخطوات تلك لها فعادة خالته لا تستيقظ مطلقًا في ذلك الوقت ، استقام واقفًا وترك الصورة مكانه على المقعد ثم اتجه إلى خارج الغرفة ومنها إلى المطبخ بعد أن وصله الصوت المنبعث منه ، رآها تمسك بكوب الماء وترفعه لفمها تشربه كله دفعة واحدة وتخرج زفيرًا ملتهبًا من بين شفتيها .. تابعها بحيرة حتى انتبهت هي له فانزلت كوب الماء تدريجيًا من فمها تحدقه بصمت وغيظ في نفس اللحظة حتى قالت بحزم :
_ ليش عم تتطلع فيني هيك ؟!
حاتم بتعجب :
_ أنا عملت حاجة ضايقتك يانادين ؟!
هزت رأسها بالنفي تشغل نفسها بسكب المزيد من الماء في الكوب متمتمة :
_ لا ليش ؟
_ امال بتبصيلي كدا ليه ؟!!!
تجاهلت سؤاله وردت عليه بجفاء :
_ بدي ارجع كاليفورنيا بكرا
ضيق عيناه باستغراب من نبرتها وطلبها الذي لم يكن كطلب أبدًا بل أمر .. لكنه رغم ذلك رد عليه بخفوت في لطف :
_ كلها يومين أو اكتر ونخلص الشغل اللي جينا عشانه وبعدين نرجع تاني
صاحت به بغضب مفاجيء :
_ بدي ارجع وحدي ياحاتم .. إنت حابب تضل هون على راحتك تصطفل ما الي دخل فيك
رفع حاجبه بدهشة من صياحها به وغضبها الغريب .. هي منذ أمس تتصرف بشكل مريب معه .. تجيب عليه بردود مختصرة واحيانًا لا تجيب أساسًا .. لكن طفح الكيل فلم يعد يحتمل فحتى هو لديه مخزون من الصبر والهدوء .
اندفع نحوها يقطع المسافات التي بينهم يهمس أمام وجهها بنظرة محذرة :
_ وطي صوتك ومتزعقيش
ضحكت ساخرة وهدرت بعدم خوف :
_ جد والله !! .. لك رعبتني يا حاتم .. اتطلع شوف ايدي كيف عم ترجف من الخوف
رفعت كفها أمام وجهها تريه ارتجافه المزيف عمدًا منها .. فجعلته يشتعل أكثر من الاستياء وحدجها بنظرات مميتة يهتف في تحذير :
_ بلاش تستفزيني يا نادين
التهبت وتحولت إلى حمراء من فرط الغيظ لتصيح به في غيرة واضحة :
_ لسا عم تضلك تحبها لحد هلأ مو هيك !!!
ارتخت عضلات وجهه المتشنجة وغضن حاجبيه بعدم فهم يجيب :
_ هي مين دي ؟!
_ جلنار يا حاتم
لم تحصل على إجابة منه فقط تراه يستمر في التحديق بها باستغراب لا يفهم كيف وصل الأمر لجلنار وحبه لها .. فانفعلت عليه وعادت تصيح :
_ رد عليا .. عم تحبها ولا لا
بنبرة خشنة وقوية أجاب :
_ كنت بحبها .. دلوقتي جلنار بنسبالي صديقة مش اكتر
خمدت ثورتها بلحظة وتراقص قلبها فرحًا وكانت ستنطلق ابتسامة على شفتيها لولا أنها منعتها وردت عليها بحزم مزيف تسأل في فضول :
_ شفتك ماسك صورة بإيدك فوق .. لمين هاي الصورة ؟
انحنى بوجهه عليه يهمس في ابتسامة غامزًا :
_ بحب غيرتك عليا أوي
نظراته وهمسه الماكر اخجلها بشدة فلم تتمكن من الرد عليه حتى .. فقط شعرت بالحرارة ترتفع من أسفل قدميها حتى أعلى رأسها .. وكانت ستفقد وعيها عندما وجدته يقترب أكثر بتريث حتى يوهمها بأنه سيقبلها وعند وصوله للحظة الحاسمة انحرف بشفتيه نحو وجنتها يضع القبلة فوقها يهمس في عاطفة جيَّاشة :
_ قلبي أساسًا مبقيش ملكي عشان اتحكم فيه وابص لأي بنت
توقف عقلها عن العمل تسمعه يتحدث لكنها لا تتمكن من فهم من يقوله .. الشعور المهين عليها اقوى من أي شيء يجعلها لا تشعر بقدميها بل جسدها كله .. وبمجرد ابتعاده عنها وهو يبتسم استندت بكفيها مسرعة على رخامة المطبخ خلفها حتى لا تسقط وعلقت نظرها عليه تراه يغادر المطبخ وقبل أن ينصرف تمامًا هتف بثغر مبتسم في ساحرية :
_ دي صورة ماما
اكتفت بابتسامتها البلهاء له تحاول جمع نفسها الذي بعثرها ذلك المنحرف والماكر وفور رحيله دفنت وجهها بين ثنايا كفيها تضحك وتزفر بتوتر شديد ! ...
***
تنزل الدرج بهدوء عارية القدمين وترتدي منامتها الليلية القصيرة .. وعند وصلها لبداية الدرجة من الأعلى رأته يجلس على الأريكة كعادته يرجع برأسه للخلف على ظهر الأريكة ويتطلع في السقف مهمومًا .. أمعنت النظر به لدقيقتين تخوض حربًا مع قلبها وعقلها .. العقل يرفض الاستسلام ويستمر في عرض كل أفعاله معها حتى يزيد من جفائها .. بينما قلبها يتوسل أن توقف عقابها له مؤقتًا وتذهب إليه .
أثرت بالأخير الاستماع لعقلها واستدارت نحو الدرج حتى تصعد مرة أخرى .. لكن قبل أن تخطو فوق أول درجة توقفت قدمها بسبب صراخ قلبها الذي يعنفها بقوة .. فتنهدت مغلوبة وقررت تهدئة ذلك القلب حيث عادت من جديد تكمل نزولها الهاديء إلى الأسفل وسارت نحوه ثم جلست بجواره على الأريكة تهمس :
_ مالك ؟
عدل وضعية رأسه ونظر لها مبتسمًا على اهتمامها بأمره ثم غمغم :
_ مفيش حاجة .. مرهق شوية من الشغل
مصمصت شفتيها بتردد قبل أن تهتف بحيرة :
_ يعني مفيش حاجة مضايقاك
اتسعت ابتسامته أكثر ليجيب عليها بنظرة دافئة :
_ لا مفيش .. بتسألي ليه ؟!
جلنار بخفوت :
_ اصل تقريبًا كل يوم بشوفك قاعد كدا يأما هنا أو في الجنينة برا
أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تستكمل بخنق ملحوظ :
_ يعني اقصد من وقت ما عرفت حقيقة فريدة
فهم ما تلمح له فتلاشت ابتسامته ومد كفه الكبير يضعه فوق كفها يحتضنه برفق وحنو ثم يهمس بمرارة :
_ مش زعلان عليها ياجلنار .. الحاجة الوحيدة اللي بتقتلني من جوا إنها استغفلتني كل السنين ده وأنا مكنتش حاسس بيها .. اخدت مني حجات كتير مكنتش تستحقها .. والنتيجة في النهاية اكتشف إنها بتخوني
سحبت يدها من قبضته بهدوء تام واشاحت وجهها للجهة الأخرى تجيب في أسى :
_ الثقة حاجة مش بإيدنا وعمرها ما كانت ذنب .. الحياة أخذ وعطاء واللي زي فريدة موجودين عشان ياخدوا بس .. أما اللي زيّ بيعطوا وعمرهم ما خدوا حاجة
جعلته يلعن نفسه الف مرة في اللحظة .. قلبه يتمزق أربًا ما بين ألم الخيانة وبين ندمه وبغضه لنفسه اللعينة على ما اقترفته في حق زهرته الجميلة .. اقترب منها واحتضن وجهها بين كفيه يرفع شفتيه لجبهتها يلثمها بحب وبعد لحظات طويلة يبتعد ويستند بجبهته على خاصتها يهمس أمام وجهها لأول مرة بعاطفة تشعر أنها حقيقية :
_ ورايح مش هتدي تاني ، هتاخدي وبس .. وهفضل اعتذرلك واقولك سامحيني على كل حاجة .. فوقت متأخر ياجلنار .. ومش فارق معايا حاجة دلوقتي غيرك إنتي وبنتي ، مش مستعد اخسركم لأي سبب كان .. صدقيني بحمد ربنا إنه كشفلي حقيقتها وفوقني من اللي أنا فيه قبل ما اخسرك .. أنا آسف .. آسف .. آسف
منذ أن اقترب منها وطبع قبلته فوق جبهتها أغمضت عيناها ولم تفتحها .. تستمع لكلماته دون أن تراه وتشعر بأنفاسها الحارة تلفح صفحة وجهها .. لكنها فتحت عيناها مجبورة عندما سمعت كلمة ( آسف ) تخرج منه ببحة غريبة .. ورأت ما لم تتوقعه عندما تطلعت له .. عيناه تتلألأ فيها الدموع وينظر لها كطفل صغير طالبًا العفو .. تعرف أن ما ستفعله الآن ستندم عليه بالصباح لأنها ضعفت أمامه حتى لو لمجرد دقائق .. لم تضعفها كلماته بقدر رؤية دموعه في عيناه لأول مرة .
خرت منهزمة أمام قلبها وانهارت حصونها فمدت أناملها إلى وجهه تملس على لحيته الكثيفة برقة وعيناها الدافئة تتلاقي بعينيه الحانية .. وباللحظة التالية كانت تلف ذراعيها حول رقبته وتعانقه بقوة .. لتشعر به يلف ذراعيه حولها ويقربها منه أكثر دافنًا وجهه بين ثنايا رقبتها وشعرها يثلمها بعدة قبلات محبة ودافئة ويهمس وسط قبلاته يعلن بداية عهد جديد :
_ اوعدك إنك هتشوفي عدنان مختلف من الليلة دي
لا تنكر أنها كانت بحاجة لذلك العناق .. وتعترف أنها اشتاقت له بشدة رغم جميع محاولاتها الكاذبة في إظهار نفورها من لمسته واقترابه منها إلا أن ذلك العناق الحميمي أطفأ القليل من شوقها .. ويؤسفها أيضًا الاعتراف بأنها حين تستيقظ في اليوم التالي ستعود لما كانت عليه فلن تمنحه ما يريد بسهولة .. لا مزيد من العطاء فقد حان دوره هو ليريها كيف سيعيطها كما قال .
***
في صباح اليوم التالي ......
يجلس آدم وأسمهان حول مائدة الطعام يتناولون وجبتهم الصباحية .. كان هو يأكل بعجلة حتى لا يتأخر وعيناه تنظر كل لحظة والأخرى على أمه التي تعبث في صحنها دون أن تأكل والغضب يعتلى ملامح وجهها .. فتوقف عن الأكل وهتف :
_ مالك ياماما ؟
نظرت له أسمهان بعينان مليئة بالحقد والغل وهدرت ساخرة :
_ بقى على آخر الزمن هعتذر أنا من بنت نشأت !!
ابتسم آدم وقال بتعجب :
_ هو عدنان طلب منك تعتذريلها ولا إيه ؟!
أسمهان باستياء :
_ ده عمره ما عملها وطلب مني قبل كدا اعتذر من فريدة في حاجة .. دلوقتي بيهددني ويقولي لو أنا فارق معاكي هتعتذري منها .. اعتذر من دي !!!
ضحك آدم بصمت وقال بتأييد لأخيه :
_ الصراحة حتى أنا اندهشت .. بس مش من فكرة إنك تعتذري لا أن عدنان هو اللي طلب .. وأنا معاه بعد اللي عملتيه أقل حاجة تعمليها تعتذري من جلنار ياماما
صرخت أسمهان بعصبية :
_ هو إنت هتعملي زيه كمان !!!!
آدم ببرود أعصاب :
_ إنتي غلطتي ولازم تعترفي بكدا يا ماما .. في وسط الحالة اللي فيها ابنك وانتي عايز تخليه يشك إن حتى مراته التانية بتخونه .. كرهك لجلنار مخليكي مش شايفة حاجة قدامك حتى ابنك
ضربت بقبضة يدها فوق سطح الطاولة وتهدر مشتعلة :
_ وكمان برن عليه من الصبح مش بيرد عليا
غرس آدم الشوكة في قطعة الخيار وهو يبتسم ويرفعها لفمه ثم بخرج الشوكة ويضعها بجوار صحنه ليهب واقفًا ويقول بخبث قاصدًا كل حرف يتفوه به :
_ طبيعي ميردش عليكي أنا كلمته ورد عليا عادي .. وطالما قالك تعتذري منها يبقى كان جاد في كلامه وخصوصًا إنه عمره ما طلب منك حاجة زي كدا .. فأنا برأى تروحي وتعتذري من جلنار يا ست الكل بدل ما تخسري عدنان بجد
ارتبكت وتوترت من كلماته وبالأخص الأخيرة .. هل حقًا قد تخسر ابنها بسبب اعتذار على خطأ اقترفته .. مستحيل أن تسمح لابنة الرازي بأن تنجح في هذا أيضًا .
***
عقلها مشغول بالتفكير منذ الصباح في تصرفها بالأمس لم يكن عليها أن تضعف له .. لكنها انصاعت خلف صوت قلبها كالمتغيبة .. بالتأكيد سيظن أن بعد ما فعلته أنها سامحته ولكن هيهات ، فما حدث لم يكن سوى لحظة ضعف منها وقد عادت مرة أخرى لسابقها .
تجلس على الأريكة الهزازة بحديقة المنزل تمسك بكتاب تحاول القراءة ولكن عقلها لا يسمح لها !! .. وأمامها تلعب صغيرتها على العشب الأخضر تضع طاولة صغيرة ومقعد بلاستيك أمام الطاولة تجلس عليه وفوق الطاولة تضع العاب المطبخ البلاستيكية خاصتها وعلى الجانب الآخر دميتها المفضلة .. تلعب باندماج وسعادة ، لكن جلنار التفتت برأسها لليسار عندما رأت ابنتها تثب واقفة من مقعدها وتركض في ذلك الاتجاه صائحة :
_ جدو
تطلعت جلنار لأبيها في جمود دون أن تلقى التحية عليه حتى وتابعته وهو يتحدث مع هنا بحنو يهتف :
_ عاملة إيه يا أميرة جدو
هنا بابتسامة تسرق القلب :
_ كويسة ياجدو
نشأت بغمزة مشاكسة وحب :
_ جبتلك معايا لعبة حلوة أوي
انتبهت ليده التي يخفيها عن انظارها خلف ظهره فوثبت فرحًا وهتفت بحماس طفولي :
_ الله لعبة
أخرج يده من خلف ظهره لتظهر اللعبة عبارة عن دمية ضخمة وجميلة من إحدى أميرات أفلام الكرتون المشهورة موضوعة داخل علبة كبيرة بالكاد تكفي حجمها .. جذبتها هنا من يد جدها وهي تصيح بدهشة وسعادة وسرعان ما ارتمت على جدها تعانقه بقوة وهو يضحك بحب ، ثم ابتعدت وهرولت ركضًا تجاه أمها ترفع الدمية أمامها وتهتف :
_ بصي يامامي جدو جابلي إيه
ابتسمت لها جلنار بحنان ومدت يدها تملس على شعرها وتتمتم بخفوت جميل :
_ جميلة ياحبيبتي .. قولي لجدو شكرًا
هنا بعفوية وحب طفولي صادق :
_ شكرًا ياجدو .. إنت حبيبي
ارتفعت ضحكته على مشاكسة حفيدته واقترب نحوها ينحنى على رأسها يطبع قبلة فوق شعرها .. ثم ابتعدت الصغيرة عنهم وانشغلت بإخراج دميتها الجديدة بينما نشأت فتوجه وجلس بجوار ابنته يهتف بأمل :
_ عاملة إيه ياجلنار ؟
جلنار بجفاء دون أن تنظر له :
_ كويسة
نشأت بنظرات راجية :
_ مش كفاية بقى يابنتي .. إنتي عمرك ما كنتي قاسية كدا ياجلنار
ردت عليه بعدم تأثر بكلامه :
_ عايز تيجي تشوف هنا وتقعد معاها أنا معنديش مشكلة بس متنتظرش مني إني اسامحك
نشأت بجدية ونبرة صارمة :
_ انا جاي مخصوص النهارده عشان اتكلم مع عدنان .. هصلح الغلط اللي عملته وهخليه يطلقك لو هو ده اللي هيخيليكي تصفيلي وتسامحيني مستعد اعمله يابنتي
طالت النظر في وجهه أبيها بصمت فمن المفترض أن تسعد لكنها لم تفعل .. استمرت في التحديق به حتى اشاحت بوجهها وقالت باقتضاب :
_ عدنان مش موجود راح الشغل
تنهد نشأت تنهيدة طويلة بيأس ثم قال في وعيد ابوي حاني وحقيقي :
_ كل اللي عايزاه ياجلنار هيتنفذ ياحبيبتي صدقيني وطالما مش مبسوطة معاه ومش بتحبيه هخليه يطلقك
لم تجيبه فقط استمرت في التحديق أمامها بشرود وتفكير .. وتتردد في أذنها كلمته ( مش بتحبيه ! ) .. لا ، لا ، هي بالفعل لا تحبه ومايقوله عقلها هو الصحيح ! .
***
في تمام الساعة الثانية ظهرًا.....
كانت تقوم بمراجعة الدروس لصغيرتها .. يجلسون في غرفتها الصغيرة ويذاكرون بتركيز شديد .. حتى قطع عليهم عدنان اندماجهم عندما فتح الباب ودخل ، فهبت هنا واقفة وركضت نحو أبيها ترتمي عليه بسعادة :
_ بابي حبيبي
التقطها وحملها فوق ذراعيه يلثم وجنتيها باستمتاع ومداعبة هامسًا :
_ إنتي حبيبتي اكتر
قبلته هي الأخرى من وجنته برقة تليق بفمها الصغير والجميل فسمعت تأوهًا منه متلذذًا يهتف بضحكة :
_ اوووخ واحدة هنا كمان
رأته يشير إلى وجنته الأخرى ففعلت مسرعة تقبله بقوة أكثر ليضحك هو ويضمها إليه أكثر لاثمًا شعرها بحنو .
خرج صوت جلنار الحازم قليلًا وهي تهتف :
_ يلا ياهنا عشان نخلص ياحبيبتي .. بابا موجود بعد ما نخلص اقعدي براحتك معاه
علق نظره على جلنار بتدقيق فمنذ أن استيقظ بالصباح قبل أن يغادر كانت تتجاهله وتعامله ببرود وحتى الآن تستمر في تجاهله .. لم يكن ينتظر منها مسامحة بعد تصرفها اللطيف في الأمس لكنه ظن أنها ستلين له قليلًا واتضح العكس .
أصدر زفيرًا طويلًا بعدم حيلة ثم انزل صغيرته من فوق ذراعيه وهو يشير لها بعيناه أن تطيع كلام والدتها وتذهب لتكمل دورسها .. واقترب من جلنار بخطوات هادئة لينحنى عليها يمسك برأسها يلثم شعرها هي الأخرى بدفء مبتسمًا ثم ينتصب في وقفته ويستدير مغادرًا الغرفة ويغلق الباب معه كما كان .. استمرت جلنار في التحديق على أثره ناحية الباب بشرود حتى انتشلتها هنا وهي تقول :
_ يلا يامامي
عادت برأسها ناحية ابنتها واكملا معًا من عند النقطة التي توقفا عندها .
***
دخلت غرفتها بعدما انتهت أخيرًا مع ابنتها .. فرأته يخرج من الحمام دون أن يمسك بيده أي منشفة كالعادة .. يترك قطرات الماء تتساقط فوق صدره العاري ، ابعدت نظرها عنه واتجهت نحو المرآة تقف أمامه وتمسك بالفرشاة حتى تقوم بالتسريح السريع لشعرها .. فسمعته يهتف بتعجب :
_ حامد قالي إن نشأت كان هنا الصبح
ردت عليه بجمود دون أن تنظر له :
_ أيوة كان جاي يتكلم معاك
_ ليه ؟!
تنفست الصعداء بقوة مجيبة :
_ معرفش لما يجي تاني تبقوا تتكلموا
مسح على وجهه متأففًا من طريقتها في التحدث ثم اقترب منها وغمغم بحيرة :
_ في إيه ياجلنار ؟!!
تطلعت له وكررت جملته بعدم فهم :
_ في إيه !
عدنان بضيق :
_ أنا اللي بسألك فيه إيه .. امبارح كنا زي الفل ومن أول ما صحيتي النهارده بتتصرفي بالبرود والتجاهل ده
عادت بنظرها للمرأة تنظر لنفسها مغمغمة في ثبات مزيف :
_ امبارح أنا كنت مرهقة وتعبانة ومكنتش عارفة بعمل إيه !
بدأ يستاء بالفعل ليجيب عليها بقوة :
_ مكنش باين عليكي إنك تعبانة .. بعدين إنتي نمتي طول الليل في حضني
_ عشان غبية !!
خرجت تلك الجملة من بين شفتيها بصوت منخفض ولحسن الحظ أنه لم يسمعها حيث هتف بترقب :
_ قولتي إيه ؟!
جلنار بصوت رقيق :
_ ولا حاجة ياعدنان
مسح على وجهها متأففًا بنفاذ صبر ثم انحنى عليها من الجانب يهمس بالقرب من أذنها :
_ احيانًا بتعصب جدًا من اسلوبك وتجاهلك ليا .. بس برجع واقول عندها حق هي استحملت معاملتي لسنين وجه دوري استحمل شوية .. وده اللي مصبرني
ابتسمت بسماجة وردت عليه في برود اعصاب مستفز :
_ بظبط استحمل .. طالما دي رغبتك يبقى هتستحمل
قبض على فكها يضمه للأمام مانعًا تلك الابتسامة المستفزة من الظهور فوق شفتيها وهو يجيبها بغيظ مكتوم :
_ وماله .. نستحمل يارمانتي .. حقك !
ابعدت يده بهدوء وهي تعود وترسم الابتسامة لكنها صفراء ثم تركت الفرشاة واستدارت تغادر الغرفة وتتركه يتنهد مغلوبًا على أمره .
***
في مساء ذلك اليوم ........
مر نشأت مرة أخرى على المنزل أثناء عودته من العمل وكمان توقع كان عدنان بالمنزل وتحديدًا بمكتبه الخاص يقوم بإنهاء بعض الأعمال حتى قطعه نشأت الذي استقبله بترحيب عادي هادرًا :
_ اهلًا .. اتفضل اقعد .. هو الموضوع مهم للدرجادي اللي يخليك تيجي مرتين ؟!
نشأت بحزم :
_ بنسبالي مهم جدًا
عدنان باستغراب وفضول :
_ خير !!
_ جلنار
انتبهت جميع حواس عدنان فور همس نشأت باسم جلنار ليقول بعدم فهم واهتمام :
_ مالها جلنار ؟!!
نشأت في حدة وصلابة :
_ هتطلقها ياعدنان ! ...
الفصل التاسع والعشرون
عبر الرابط: (رواية امرأة العقاب كاملة)
رواية امرأة العقاب الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم ندى محمود توفيق
تستطيع رؤية العُقاب في السماء ..
لكن لا يمكنك تعقبه ..
فانقضاضه يكون مفاجيء وغير متوقع ! .
طالت النظرات الثاقبة في عيني عدنان يصوبها كالسهوم الجارحة في عين نشأت .. الذي يجلس بدوره في صلابة وقوة .
لم يسمع قط عن انقضاض الجوارح المفترسة كيف يكون ولكنه سيكون من المميزين الذين سيشاهدون العرض بعيناهم ! .
بدأ عدنان هادئًا بشكل يثير القلق ويمسك بيده قلم يطرق بسنه على سطح المكتب محدثًا صوتًا مزعجًا .. وبالخارج كانت جلنار تقف أمام الباب تستند بأذنها تستمع لحديثهم .. تترقب سماع رده لكن لا يوجد بالغرفة صوت سوى صوت طرق القلم ! ، وإذا بها آخيرًا تسمع صوت عدنان الذي أجاب :
_ اطلقها ليه ؟!
هتف نشأت بغضب :
_ عشان هي مش عايزاك ياعدنان !
يستمر في الطرق فوق سطح المكتب بالقلم ويبتسم في شكل مريب مجيبًا ببرود :
_ بس هي مقالتليش كدا !
نشأت بعصبية حقيقية :
_ اسمع ياعدنان أنا سبق وغلطت لما جوزتك بنتي ودلوقتي جه الوقت اللي اصلح غلطتي
رفع القلم وقلبه بين أنامله ومازال يحتفظ بإطار بروده وهدوئه المزيف حيث رد عليه :
_ هو قرار حلو ويحترم طبعًا .. بس أنا مش هطلقها
هب نشأت ثائرًا وصاحب به :
_ يعني إيه مش هتطلقها .. دي بنتي وأنا بقولك هي مش عايزاك ولازم تطلقها
وقف عدنان هو الآخر بدوره وسار نحوه يهتف بنبرة صوت بدأت تظهر خشونتها :
_ بنتك مراتي وهتفضل مراتي سواء وافقت أو رفضت
_ إنت متستاهلش جلنار وأنا اللي كنت قذر وبعت بنتي عشان شغلي ومصلحتي
فقد أعصابه ولم يعد لديه القدرة على تصنع البرود أكثر من ذلك ، فانفجر بنشأت كالثور يصرخ به بعينان حمراء كالدماء :
_ كنت قذر ومازالت يانشأت متعملش قدامي دور الأب المثالي والمحب .. دلوقتي افتكرت بنتك وجاي تقولي طلقها .. عايز تصلح علاقتك بيها يبقى بعيد عني ومتحاولش تفصلها عني .. لأن ده مش هيحصل ، جلنار وبنتي هيفضلوا معايا وجنبي ومش هطلقها .. تحب أعيد تاني ولا المعلومة دخلت !
ابتسم نشأت بسخرية وقال في نظرات شيطانية وساخطة :
_ إنت عارف إني اقدر اخليك تطلقها إن مكنش برضاك يبقى غصب عنك .. وإذا كنت أنت ابن الشافعي فمتنساش إني نشأت الرازي والاسم ده إنت عارف كويس أوي يقدر يعمل إيه
ضيق عدنان عيناه باستغراب يجيبه بصوت متحشرج :
_ تقصد إيه ؟!
نشأت بشيطانية وغضب عارم :
_ يعني زي ما الصفقات اللي بينا من سنين واللي كنت أنا السبب فيها خلت من اسم عدنان الشافعي يبقى ليه وضعه ومقامه في السوق كله .. بحركة واحدة مني اقدر اهد كل ده زي ما عملته .. بفضيحة ليك مثلًا ! .. عشان كدا تبعد عن بنتي بالذوق وتنهي كل حاجة بهدوء زي ما بدأت
انطلقت شهقة مدهوشة من جلنار بالخارج فور سماعها لكلمات أبيها .. ستندلع الحرب الآن إن لم تسرع وتتدخل لتنهي هذه المهذلة وتوقفهم عند حدودهم .. أسرعت وفتحت الباب تهرول وتقف بينهم صائحة بعصبية شديدة :
_ إنتوا إيه اللي بتعملوه ده .. لو هنا نزلت وسمعت كلامكم ده هتقولولها إيه .. بباها وجدها بيهددوا بعض !! .. ثم إن محدش فيكم ليه الحق ياخد قرارات تخص حياتي .. دمرتوها مرة قبل كدا ومش هسمحلكم تدمروها تاني .. أنا بس اللي اقرر عايزة إيه سواء اكمل معاه أو لا
تطلعت لعدنان هاتفة بشجاعة :
_ أنا لو لسا مكملة معاك يبقى اكيد مش عشان إنت رافض تطلقني .. أنا لو عايزاك تطلقني هيحصل وغصب عنك
ثم التفتت لأبيها تقول باستياء :
_ وإنت لو عايز تساعدني بجد يبقى تسيبني إنا اللي اتحكم في حياتي .. إنت لما جيت الصبح قولتلي إنك هتتكلم مع عدنان وهتخليه يطلقني مسألتنيش عن رأى حتى هل لسا عايزة اتطلق ولا غيرت رأى
نشأت بتعجب وصوت حاد :
_ وهو مش إنتي اللي دايمًا بتقوليلي طلقني منه .. ولو عايز تثبت ندمك يبقى صلح غلطتك وخلصني من عدنان .. إيه اللي اتغير !! .. لو مش عايزة تتطلقي امال عايزة إيه بظبط !
صرخت بانفعال شديد ونفاذ صبر :
_ مش عارفة .. مش عارفة أنا عايزة إيه .. كفاية بقى ابوس ايديكم أنا تعبت من أني أكون دايمًا الضحية وسط خنقاتكم ومشاكلكم واتفاقتكم .. أنا اللي في النص بينكم ومبقتش عارفة اعمل إيه زهقت من انانيتكم
اندفعت إلى خارج الغرفة مسرعة فتبادلا هم النظرات المستاءة فيما بينهم وكان عدنان هو أول من يغادر ليلحق بها وأثناء صعوده الدرج قابل صغيرته التي كانت خائفة قليلًا ومدهوشة تسأله :
_ بابي هو في إيه ؟!
جثى أمامها متحضنًا وجهها بين كفيه ويطبع قبلة رقيقة فوق وجنتها متمتمًا بمداعبة :
_ مفيش حاجة ياملاكي .. إنتي قاعدة صاحية لغاية دلوقتي ليه ؟
هنا بعبوس :
_ مامي كانت بتحكيلي قصة عشان انام وقالتلي هتنزل تشلب ( تشرب ) مايه وبعدين مرجعتش وأنا سمعت صوت عالي وخوفت
عاد يلثم وجنتيها بحب تعبيرًا عن اعتذراه .. ثم رفع نظره لأعلى تجاه غرفة زوجته فتنهد بعدم حيلة ويأس ليحمل ابنته فوق ذراعيه ويتجه بها للأعلى نحو غرفتها هامسًا :
_ ايه رأيك اكملك أنا القصة اللي كانت بتحكهالك ماما لغاية ما تنامي ؟
استندت برأسها فوق كتف أبيها وتمتمت برقة :
_ ماشي
بينما نشأت فصعد الدرج خلفهم مباشرة يتجه نحو غرفة ابنته حتى يتحدث معها .
***
رآها تجلس على الأريكة وتستند بمرفقها فوق ذراع الأريكة وبيدها الأخرى ترفعها لوجهها تجفف دموعها المنهمرة .. فتنهد بحزن ودخل ثم اغلق الباب بهدوء شديد وتقدم إليها ببطء ثم جلس بجوارها .. فابتعدت هي للجانب تترك مسافة بينهم دون أن تتطلع إليه لكنها سمعته يهمس بحنو ومشاعر أبوية صادقة :
_ جلنار .. أنا دلوقتي مش عايز حاجة غير سعادتك وراحتك والله يابنتي .. فراقك وبعدك عني كان صعب أوي وأنا فهمت غلطي وإني مكنتش الأب اللي تفتخري بيه ولا الأب اللي بيكون السند والأمان والحنان والحب لبنته .. غلطت ومفيش حد فينا معصوم من الغلط بابنتي .. مامتك لو كانت عايشة .....
اندفعت جلنار تكمل جملته بحرقة ودموع تملأ وجهها :
_ ماما لو كانت عايشة مكنتش هتسمح إن كل ده يحصلي ولا اتظلم كدا .. مكنش أي حاجة من ده كله حصلت
أجفل أنظاره بخزي والم ثم تمتم بعد لحظات :
_ يمكن فعلًا مكنش حاجة حصلت .. كنا هنفضل كلنا مع بعض ومكنش في حاجة هتفرقنا .. هي أكيد مش مبسوطة وهي شيفانا متفرقين كدا يابنتي
انهارت أمامه تهمس ببكاء وصوت متقطع تشهق بقوة :
_ وحشِتني أوي يابابا
اقترب منها يضمها لصدره لأول مرة منذ سنوات ، يملس على شعرها وظهرها بحنو متمتمًا في صوت مبحوح :
_ وأنا كمان وحشتني أوي ياحبيبتي والله .. بس دايمًا بصبر نفسي وبقول إنها في مكان افضل مننا
أدركت أنها بين ذراعيه بعد لحظات فابتعدت عنه بعبوس ، مازالت لا تتمكن من العفو بسهولة هكذا .. ستحتاج لوقت طويل حتى تصفح له ..
أخذ نشأت نفسًا عميقًا قبل أن يسألها بجدية :
_ إنتي عايزة تطلقي منه ولا لا ياجلنار ؟
سكتت لوهلة تفكر في سؤاله .. وتبحث في عقلها عن أجابة .. هل تريد الشتاء أم الخريف ؟ .. بقائها معه يعني المزيد من شتاء قارص وحاد لكنه أيضًا يبعث السعادة في نفسها ويحمل احيانًا بعض الدفء .. أما أنفصالهم فسيكون خريف عاصف وجنوني لا يحمل سوى الرياح القاسية وربما يكون بداية جديدة أو نهاية ! .
لا تجد إجابة .. تنسحق بين عضوين لا يجتمعان على رأى واحد .. كل منهم يريد ما يهواه وكلاهما يتميزان بالعناد .. أي منهما عليها أن تتبع ؟!! ..
هزت رأسها باليأس مردفة بعبوس :
_ مش عارفة .. يمكن أنا محتاجة وقت اكتر عشان اقدر اقرر أنا عايزة إيه واخد القرار الصح
أصدر نشأت زفيرًا حارًا مغلوبًا على أمره ويجيبها بتفهم :
_ طيب مش هضغط عليكي ياجلنار فكري براحتك .. بس اتأكدي إن أي كان قرارك أنا معاكي فيه .. زي ما قولتلك أنا دلوقتي يهمني سعادتك بس
أماءت برأسها له في جمود ملامح وتابعته وهو ينهض وينحنى طابعًا قبلة فوق شعرها ويهمس :
_ تصبحي على خير ياحبيبتي .. عايزة حاجة ؟
انكمشت على نفسها كدليل على أنها مازالت لم تسامحه واكتفت بهز رأسها بالنفي في حزم بسيط .. فتنهد هو واستدار يبعتد عنها حتى غادر الغرفة بأكملها .
***
سمعت صوت الباب ينفتح من جديد بعد رحيل والدها بدقائق ، لا تحتاج للالتفات حتى ترى من ذلك ! .. أساسًا لا يوجد غيرهم بالمنزل الآن .
كانت متسطحة فوق الفراش تنام على الجانب مولية ظهرها للباب ، ضربت خطواته بأذنها وهو يقترب منها ، حتى شعرت به يشاركها الفراش .. وصوت زفيره وتنهده هو الوحيد المسموع .
بالوضع الطبيعي لن تسمح له بإن يبقى بجانبها ، لكنها ليست في مزاج لتتحمل جدال مختلف بينهم ، استمر الصمت والسكون يملأ الغرفة حتى أحست بأنامله تمر فوق خصلات شعرها برقة ، تارة يغلغلها في لطف وتارة يملس فوقه فقط ، كانت على وشك أن تلتفت له وتوقفه لولا أنها سمعت صوته وهو يسألها بضياع :
_ إنتي بتكرهيني بجد ولا دي مجرد كلمة بتقوليها في وقت غضبك مني ؟!
تجمدت بمكانها فور وقع سؤاله المريب عليها .. ذلك السؤال وضعها في مهب الريح ، لوهلة ظنت أنه صوت عقلها من كثرة تفكيرها هل تريده أم لا .. تبغضه أم تحبه ! .
ليس وحده من يحتاج للإجابة على السؤال ، هي أيضًا تحتاج للإجابة التي تبحث عنها في ثناياها ! .
استدارت برأسها للخلف تتطلعه بعمق ثم همست :
_ عايز تسمع إيه !
_ الحقيقة
تنهدت بقوة واعتدلت في نومتها لترتفع بجسدها للأعلى قليلًا مستندة على ظهر الفراش تجيب بصدق :
_ مش عارفة .. يمكن اكون بكرهك ويمكن لا
عدنان باستغراب :
_ معناه إيه ؟!
جلنار ببساطة :
_ يعني مقدرش اجاوبك على سؤال أنا مش لاقية إجابته أساسًا
غمغم مبتسمًا بعبس بسيط ولهجة شبه استنكارية :
_ زي الطلاق كدا مش عارفة إنتي عايزة إيه !
طالت النظر في عيناه بتدقيق وقوة تحاول الولوج والوصول لما يجول داخل ذلك العقل المعقد ، لكنها فشلت فقالت باستسلام ونفاذ صبر :
_ إنت عايز إيه ياعدنان ؟!!
توقعت أن سيمهل نفسه اللحظة للتفكير ثم يجيب لكنه خيب ظنها ووجدته يجيب دون تردد :
_ عايزك
لم تكن سوى كلمة واحدة لكنها نجحت في ثرك بصمتها .. دهشها بثقته وعدم تردده في قول ما يريده بالضبط .. لم يبدي لها قط من قبل عن رغبته بها ، ربما لذلك ادهشتها الكلمة ! .
اكمل كلامه بجدية :
_ امبارح قولتلك مش مستعد اخسرك لأي سبب كان .. وطبيعي لما اسمع نشأت بيقولي اطلقك هتكون دي ردة فعلي
اعتدلت حتى انتصبت جالسة وحدقت في عيناه بقوة تهدر بعناد :
_ ليه عايزة افهم .. عايزاني ليه !!!
عم السكوت للحظات بينهم ، تراه يرمقها مبتسمًا بشكل غريب حتى وجدته يقترب إليها ويستند بجبهته فوق خاصتها .. يتنفس الصعداء بقوة ويخرج زفيرًا دافئًا بتمهل .. ثم يمد كف يضعه فوق وجنتها والآخر امتدت أنامله إلى خصلات شعره يعبث به في نعومة ويهمس أمام وجهها باسمًا بعاطفة جديدة :
_ وكيف يتخلى العُقاب التائب عن زهرته الحمراء !
تطلعت في عيناه مدهوشة .. لم تكن أبدًا تتخيل أنه مازال يتذكر تشبيهها له بطائر العُقاب .. هي لا تذكر أساسًا أنها أخبرته بذلك سوى مرتين أو ثلاثة فقط .. فانطلقت فوق شفتيها شبه ضحكة خافتة امتزجت ببعض الخجل لتجيبه هامسة :
_ لسا فاكر !
هز رأسه بالإيجاب واتسعت ابتسامته أكثر .. طال اقترابهم ووضعهم هكذا لثلاث دقائق تقريبًا كل منهم يستشعر دفء الآخر ويستنشق أنفاسه الدافئة .. علق نظره على ابتسامتها الساحرة برغبة .. تجاهل ذلك الصوت الذي يلح عليه بأن لا ينفذ ما يدور بمخيلته .. فمؤكد أن النتيجة لن تكون محببة .. دفن الصوت ولم يبالي به وتدريجيًا تلاشت ابتسامته وهو يميل عليها حتى ينل ما يرغب به .
هامت ووهنت فاللحظة كانت ستسقط رايتها وتعلن انهازمها إلا أنها استعادت وعيها المفقود باللحظة الأخيرة ودفعته ثم وثبت واقفة من الفراش تصيح به بغيظ :
_ مستغل وعايز تستغل كل فرصة ، بس بعينك تطول حاجة .. في حدود بينا متتعدهاش .. ومتنساش إني لسا مسامحتش ويمكن مسامحش
تعجب من انفعالها المفاجيء وثورانها لكنه مسح على وجهه متأففًا يستغفر ربه بخنق .. ليجدها تسحب وسادة وتحتضنها إلى صدرها وتسير لخارج الغرفة .. حدجها بغيظ وهتف بحدة :
_رايحة فين ؟!!
_ هنام مع هنا في اوضتها
هتف مغتاظًا بلهجة ساخرة ومرتفعة بعد أن انصرفت :
_ مش عايزة تاخدي البطانية معاكي كمان !
لم يسمع رد منها وفقط سمع صوت باب ابنته المجاور لغرفتهم وهو ينغلق .. فتأفف بنفاذ صبر وتمدد على الفراش يعدل من وضيعة وسادته في عنف ويهتف وهو يمد ذراعه ليطفيء الضوء :
_ خلصنا من متلمسنيش دخلنا في الحدود !! .. اووووف
***
وصل إلى طابق شقتها ووقف أمام الباب ثم رفع كفه يطرق بقوة .. ثم ينزل يده وينتظر للحظات وحين لم يجد رد يعود ويطرق من جديد حتى انفتح الباب فجأة على غرة .. ووجدها تتطلع إليه بابتسامة خبيثة ترتدي ثوب أزرق قصير يصل فوق الركبة ومن الأعلى يظهر من جسدها أكثر مما يخفي .
لاحظت تسمره وهو يتفحصها بنظراته فقبضت على ذراعه وجذبته للداخل ثم أغلقت الباب .. وقبل أن تهتف بكلمة كان هو يهتف بعصبية :
_ ايه اللي عملتيه مع زينة ده وازاي تتكلمي معاها أساسًا
اقتربت منه بدلال ثم مدت أناملها تعبث بلياقة قميصه متمتمة بسخرية :
_ قولت لازم اباركلها ياحبيبي
رائد بغضب وهو يزيح يديها عنه :
_ملكيش دعوة بيها خالص
أعادت أناملها مرة أخرى ولكن هذه المرة تمررها بمكر وحركات مدروسة :
_ طيب متعصبش نفسك كدا .. متخفش مش هقولها على اللي بينا أكيد .. بس لعلمك البنت دي ذكية وهتكتشف وحدها
رائد بلهجة محذرة :
_ مش هتعرف لوحدها ولو عرفت يبقى مفيش غير حاجة واحدة بس وهي أن حد قالها وصديقني لو ده حصل هـ ......
_ الله ما قولتلك مش هقولها .. هو إنت جاي عشان تحذرني وبس يعني !
لمس الغنج واللؤم في نبرتها فابتسم بمشاكسة وعيناه تدور على كل جزء بجسدها ثم تمتم :
_ على حسب
تدللت أكثر ورفعت نفسها لمستواه تطبع قبلة ناعمة فوق وجنته هامسة :
_ طب وكدا
انحنى وحملها فوق ذراعيه يستدير ويسير بها تجاه الغرفة وهو يقول بابتسامة لعوب :
_ لا كدا نبقى نفكر جوا بقى
انطلقت منها ضحكة وضيعة بصوت مرتفع .. بينما في تلك الأثناء كان صوت رنين هاتفه يرتفع ولكنه لا يهتم له دون حتى أن يعرف هوية المتصل الذي كان " زينة " !! .
***
في صباح اليوم التالي ........
خرجت مهرة من مقر الشركة بعد انتهاء دوامها اليومي في العمل .. وكانت تسير وعيناها في حقيبتها تعبث بها بيدها بحثًا عن الخاتم الخاص بها بعدما نزعته من إصبعها والقت به في الحقيبة دون اهتمام .
اخرجت يدها أخيرًا ومعها الخاتم وهي تبتسم بانتصار ، وبتلقائية اعتدلت في سيرها ورفعت رأسها تنظر للطريق أمامها لكنها تجمدت بأرضها وفرت الدماء من وجهها بزعر ، يقف على الجانب الآخر من الطريق وينظر لها بشيطانية ووعيد حقيقي .. لطالما كانت تخشى تلك النظرات ومازالت حتى الآن لا تغادر ذاكرتها ، ازدردت ريقها برعب وقد بدأت يدها ترتجف وبحركة تلقائية تقهقهرت للخلف حين رأته يقترب ليعبر الطريق ويصل إليها .. فالتفتت هي إلى الشركة الآن ذلك المكان هو الملاذ الوحيد لها ، هرولت ركضًا تعود للداخل دون أن تتلفتت برأسها للخلف حتى من فرط رعبها .
دخلت الشركة واسرعت تركض فوق الدرج .. وبتفكيرها لا يوجد شيء سوى أنه يلحق بها الآن .. تخشي أن تلتفت برأسها فتجده بوجهها .
وصلت إلى الطابق الثالث الذي تعمل به وبدون تفكير لا تعرف لما قادتها خطواتها المتعثرة تجاه مكتب آدم .. أسرعت إليه وفتحت الباب ثم دخلت واغلقته خلفها ووقفت تلتصق بالباب وتلهث بقوة ويداها ترتجف فوق المقبض .
ضيق آدم عيناه مدهوشًا من دخولها المفاجيء دون أي أذن وكان سيهم بتعنيفها لكنه لمح ارتجافها وخوفها وهي تلتصق بالباب تحكم قبضتها عليه بشكل غريب وتلهث ، نهض من مقعده وتقدم إليها يهتف بتعجب :
_ في إيه يامهرة ؟!!!
إجابته بصوت مبحوح دون أن تلتفت برأسها إليها :
_ كان ورايا .. أكيد بيدور عليا دلوقتي
اقترب أكثر حتى وقف بجوارها وابعد يدها بلطف من فوق المقبض يتمتم في صوت رخيم :
_ هو مين ده اللي كان وراكي ؟
مهرة بحالة هيستريا من الخوف وهي ترتجف وعيناها تذرف الدموع :
_ المرة دي مش هعرف اهرب منه .. ابوس ايدك متخلهوش يأذيني يا آدم
أشفق عليها بشدة لأول مرة يراها بهذه الحالة الغريبة .. فرد ذراعيه وحاوطها من كتفيها بدفء متمتمًا في خفوت جميل يبعث الأطمئنان :
_ محدش يقدر يأذيكي .. اهدي بس كدا وفهميني في إيه ومين ده اللي بتتكلمي عنه !
أخذت نفسًا عميقًا وأجابت عليه وهي لا تزال ترتجف :
_ أنا .. كـ..ـنـ..ـت طـ..طالعة من الشركة وشـ..ـوفته بعدين لقيته جـ..ـاي عليا فـ .. جريت على هنا
احتضن كفها بين يديه وحثها على السير معه حتى وصلا إلى الأريكة .. اجلسها فوقها ومد ذراعه يلتقط كوب الماء الممتلىء ثم يمده إليها فتجذبه من يده وتشربه كله دفعة واحدة بيد مرتعشة ، فور انتهائها جذب الكوب واسنده فوق الطاولة الصغيرة مجددًا وعاد يمسك كفها بيد واليد الأخرى يملس بها فوق ظهر كفها في لطف حتى تهدأ ويهمس :
_ مهرة .. مهرة بصيلي .. اهدي واحكيلي مين ده ، إنتي معايا دلوقتي مفيش حد هيقدر يأذيكي متخافيش
لم يجد إجابة منها فتابع بترقب :
_ اللي كان وراكي ده الراجل الحيوان اللي اسمه ريشا تقريبًا ولا لا ؟
هزت رأسها بالنفي ووثبت واقفة فورًا ثم هرولت نحو النافذة الزجاجية تقف أمامها وتشير على الطريق هاتفة :
_ كان واقف هناك .. أكيد دخل الشركة
نظر إلى حيث تشير بأصبعها ولم يجد أحد ليجيبها باستغراب :
_ مفيش حد يامهرة ومش أي حد يقدر يدخل الشركة
هتفت بانفعال بسيط وخوف :
_ بقولك كان ورايا أكيد دخل
تنهد بقوة ثم ابتعد عنها واتجه إلى مكتبه يمسك بالهاتف ويجري اتصال بأحد من أمن بوابة الشركة الذي اجابه بعد لحظة بالضبط .
آدم بجدية :
_ في حد دخل الشركة دلوقتي بعد أنسة مهرة علطول ؟
_ لا يا آدم بيه محدش دخل .. آخر حد شوفته كان الأنسة
اماء برأسه في تفهم وانزل الهاتف ثم نظر لها وقال بصوت جاد :
_ محدش دخل وراكي !
_ ازاي بس أنا شوفته والله .. كان بيبصلي بطريقة مرعبة واول ما قرب عليا أنا جريت ودخلت الشركة تاني
تقدم إليها ووقف أمامها يلف ذراعه حول كتفيها ويتمتم بلطف وصوت رزين :
_ تعالي يامهرة اقعدي واهدي الأول .. إنتي شكلك مرهقة من الشغل .. واول ما تهدي هاخدك واوصلك بيتك
سارت معه باتجاه الأريكة متطلعة إليه بيأس وتهتف في خوف :
_ آدم أنا شوفته بجد والله أنا مش مجنونه
وصلا إلى الأريكة فجلست هي اولا ثم جلس هو بجانبها وتمتم مبتسمًا بعذوبة :
_وهو مين قال إنك مجنونه بس .. أنا مصدقك بس وارد تحصل حجات زي كدا لما تكوني مرهقة وتتخيلي اشخاص مش موجودين .. عشان كدا بقولك اهدي ومتغشليش بالك انسي اللي شوفتيه أي كان هو إيه ومتخافيش ، وأنا بنفسي هوصلك لبيتك عشان تتطمني
اجفلت نظرها أرضًا عابسة .. هي بالفعل هدأت وارتجاف يديها اختفى لكن بعض الخوف مازال يتملكها .. ولا تصدق أن ما رأته كان تخيلات سخيفة من عقلها .
***
فور عودته للمنزل اتجه إلى غرفة ابنته أولًا كعادته فتستقبل الصغيرة والدها بحرارة وسعادة كما اعتادت كلما يعود للمنزل بعد غياب لساعات طويلة .
خرج من غرفة ابنته واتجه إلى غرفته ليبدل ملابسه ويأخذ حمامه الدافيء حتى يزيح عن جسده إرهاق العمل .
بعدما انتهى .. خرج من الغرفة واتجه إلى المطبخ حيث تقف هي ..
وجدها تقوم بتحضير كعكة ويبدو أنها انتهت منها فقط تضع اللمسات الأخيرة فوقها ، لم يكن هذا ما لفت نظره بقدر الثوب الستان الذي ترتديه .. قصير وبحمالات رفيعة وفتحة الظهر من الخلف تصل لمنتصف ظهرها .. ولون اللافندر لا يقاوم عليها .
ما الذي تحاول فعله تلك الماكرة .. بالأمس لا تسمح له بالاقتراب منها وتثرثر بحدود وأشياء سخيفة كهذه والآن ترتدي هذا ، هل ترغب في فقدانه لجزء من عقله !! .
انتبهت لوجوده فالتفتت له برأسها وهتفت بعفوية :
_ what ?! ( !ماذا ؟ )
عدنان بنظرات دقيقة ونبرة مغتاظة :
_ حلو اللافندر ده !!
لم تعيره الاهتمام المرغوب واكتفت فقط بالرد عليه وهي تكمل تحضير كعكتها :
_ thank you
عض على شفاه السفلية بغيظ ثم تقدم بخطواته إليها يقف بجوارها ويهمس في نظرة مشتعلة :
_ حلو النوم في أوضة هنا ؟!!
لاحظت الغيظ في نبرته المشتعلة فلم تتمكن من منع ابتسامتها ورمقته ببراءة مصطنعة تهمس :
_ جدًا ارتحت أوي الصراحة .. حتى قررت اني انام كل يوم معاها
ابتسم بطريقة مريبة وأجابها مستهزئًا كلامها :
_ كل يوم !!!
_ امممم .. هو إنت عندك مانع ولا إيه ؟!
ضحك ساخرًا يستنكر سؤالها بأسلوب اضحكها :
_ أنا !! .. لا أبدًا .. تحبي انقلك دولابك في اوضتها كمان ؟!
زمت شفتيها برفض تتمالك نفسها من الضحك بصعوبة وتجيب عليها بعذوبة صوتها :
_ لا لا ملوش لزمة وبعدين مفيش مكان في أوضة هنا .. أنا لما ابقى احب اغير هروح اجيب هدومي من الأوضة عادي
عدنان كاظمًا غيظه عنها بصعوبة :
_ اممم كتر خيرك والله
تطلعت إليه بسكون للحظات ولا تنكر أن نظراته المميتة لها اربكتها فصاحت بصوت مرتفع كاتمة ابتسامتها :
_ هنا تعالي ياحبيبتي شوفي cake بعد ما خلص
تستعين بصغيرتها حتى تنقذها من بطش أبيها إذا فقد تملكه لأعصابه .. لا يزال يرمقها بتلك النظرات المريبة فازدردت ريقها بتوتر وعادت تصيح مرة أخرى على ابنتها :
_ يلا ياهـــنــا
ركضت الصغيرة إلى بالمطبخ هاتفة بحماس طفولي :
_ وريني الكيك يامامي
حملتها فوق ذراعيها ترفعها لأعلى حتى تتمكن من رؤيته وبعيناها تتابع نظرات عدنان التي انخفضت تتفحص جسدها كله في ذلك الثوب بتدقيق وأعيان ليست بريئة اطلاقًا .. فقالت مسرعة بنبرة مرتفعة قليلًا تقصده من خلالها وهي تنظر له بشراسة :
_ بصي على الكيك ياهنا ياحبيبتي
فهم تلمحيها وتحذيرها فابتسم بخبث وحرك شفتيه يهمس دون صوت :
_ انهي واحد !
استشاطت غيظًا من تلمحيه الوقح واكملت هذه المرة لصغيرتها لكن عيناها عالقة على أبيها بنارية :
_ تعالي ياحبيبتي نقعد برا على TV شوية
هنا بعبس :
_ طيب والكيك
_ لا ده بليل ياروحي احنا دلوقتي معاد الغدا وبليل نبقى ناكل الكيك
أماءت هنا برأسها في موافقة رغم عبوسها البسيط ، ثم انصرفوا وتركوه يقف بمفرده في ذلك المطبخ الكبير ، انحرفت عيناه على كعكة الشكولاته المتوسطة والمزينة بقطع فراولة من الأعلى وقطع شوكولاته بيضاء تضعها بشكل منظم .. مد يده والتقط قطعة فراولة بالشكولاته صغيرة والقاها في فمه ثم استدار وغادر المطبخ هو أيضًا .
***
_ بس كفاية لغاية هنا أنا هنزل وأكمل وحدي لغاية البيت !
هتفت مهرة بها عندما وصل آدم بسيارته لبداية منطقتها ، لا تريد أن يراها أحد وهي تنزل من سيارته .. يكفي ما تتناقله الألسن في المنطقة حولها .
نظر آدم من نافذة السيارة فمازال هناك مسافة طويلة حتى منزلها .. عاد ينظر لها يسألها بترقب :
_ متأكدة ؟!
أماءت برأسها في إيجاب وابتسمت تهدر بامتنان حقيقي :
_ أيوة كويس أوي لغاية هنا .. متشكرة جدًا يا آدم بيه
ضحك وقال مداعبًا :
_ كنت آدم بس من شوية في المكتب !!
ضحكت هي الأخرى وقالت بمرح تعود لطبيعتها :
_ انا كنت مش قادر اخد نفسي أساسًا .. كنت لسا هقولك آدم بـــيــه .. ايه وجع القلب ده فاختصرت الوقت والمجهود وخليتها آدم بس .. الواحد صحته على قده بقى ربنا يبارلك في صحتك اصل .....
قاطعها مبتسمًا بعدم حيلة :
_ كفاية يامهرة .. أنا كنت لسا هسألك بقيتي كويسة ولا لا دلوقتي .. بس خلاص اخدت الإجابة من غير ما أسأل الحمدلله
مهرة بتلقائية :
_ يعني هيحصلك حاجة لو سبتني في مرة اكمل كلامي .. ما تجيب صبارة وتدفني احسن
قهقه بقوة وأجابها ساخرًا من بين ضحكه :
_ ما أنا لو سبتك والله ما هنخلص .. عشان انتي والراديو نفس الشيء .. لو فتحتيه مبيفصلش غيري لم تقفليه بنفسك
_ طيب يا سيدي شكرًا كفاية
فتحت الباب وقالت بابتسامة سمجة وهي تهم بالنزول من السيارة :
_ استمر كدا في احباطي لغاية ما تقتل روحي الفكاهية ياعدو البهجة
غضن حاجبيه بتعجب لكنه ضحك مغلوبًا على أمره .. وانزل زجاج السيارة يهتف بنبرة مهتمة وهو يضحك :
_ خلي بالك من نفسك !
التفتت له برأسها توميء بالموافقة في ابتسامة ساحرية وتشير له بيدها أن يرحل .. لكنه استمر في متابعتها بعيناه حتى دخلت في شارع موازي واختفت عن أنظاره فادار محرك السيارة وانطلق بها ....
***
بعد مرور ساعات قليلة ......
دخلت هنا الصغيرة على أمها الغرفة وقالت بإشراقة وجه بريئة ولطيفة مثلها :
_ مامي تيتا برا وبابي قالي اقولك تيجي
رفعت حاجبها منذهلة وردت :
_ تيتا برا !! .. طيب ياحبيبتي روحي وقولي لبابا جاية
ابتسمت جلنار بانتصار وثقة فور رحيل ابنتها هاتفة في وعيد :
_ ولسا يا أسمهان هانم .. هتشوفي مني كتير الأيام الجاية
خرجت بعد دقائق ورأتهم يجلسون في الحديقة فذهبت لهم وتقدمت نحوهم بخطوات واثقة ونظرات كلها شموخ حتى وصلت وجلست على مقعد مقابل لعدنان وكانت أسمهان تجلس على الأريكة في المنتصف بينهم .
لحظة من الصمت مرت حتى سمعت أسمهان تهتف باقتضاب لكنها تجاهد في إظهار الصدق المزيف في اعتذارها :
_ متزعليش مني ياجلنار ياحبيبتي .. بسبب اللي حصل في خطوبة زينة .. وعشان عارفة إني غلطت جيت اعتذرلك بنفسي
لا يهمها اعتذراها بقدر ما يهمها أن تراها تطلب العفو منها هكذا وأمام ابنها .. بعد كل ما فعلته معها منذ بداية زواجها الاعتذار ماهو إلا بداية فقط وإرضاء لكرامتها .
فرسمت جلنار ابتسامة صفراء فوق شفتيها وهدرت بعفو مزيف وخبث حتى تثير اعصابها :
_ حصل خير يا أسمهان هانم .. عدنان كان واثق فيا
رأت جلنار نظرة نارية في عين أسمهان مما زادت من سعادتها الداخلية بينما عدنان فكان يتابعهم بصمت وجملة جلنار الأخيرة ادهشته قليلًا .
ارتفع صوت هنا وهي تصيح على أبيها تطلب منه أن يأتي إليها فاستقام واقفًا واتجه نحو ابنته ، وانتهت الجلسة عليهم هم فقط .. قبل أن تهتف أسمهان ببنت شفة قالت جلنار في تهديد وشراسة :
_ خليكي بعيدة عني وعن بنتي ي أسمهان وإلا صدقيني هقول لعدنان وآدم على كل عمايلك وخلينا نشوف بعدين ولادك هيبصوا في وشك تاني ولا لا وبذات عدنان .. لو عرف إن أمه حاولت تقتل بنته وأنا حامل فيها .. الطفل اللي كان بيتمناه وبيستناه من سنين ده غير محاولاتك للتخلص مني أنا .. اعتبري ده أول تحذير مني ليكي ....
الفصل الثلاثون
عبر الرابط: (رواية امرأة العقاب كاملة)
رواية امرأة العقاب الفصل الثلاثون 30 - بقلم ندى محمود توفيق
ذلك التهديد السخيف ! .. لم يحرك شعرة واحدة منها .. وبقت صامدة تحدق بجلنار في ابتسامة متهكمة .. وبعد ثوان من السكون المريب بينهم خرج صوتها المستنكر :
_ ومين قالك أنهم هيصدقوا كلامك أساسًا
عادت جلنار إلى مقعدها تجلس بارتياحية وتقول بثقة :
_ لو عايز اثبت مستعدة اجيب الإثبات .. بس انتي هتفضلي بعيدة عني هفضل أنا كمان بعيدة عنك
رأت الضحكة تنطلق فوق شفتيه ترمقها باستهزاء وخبث ، ثم اختفت ابتسامتها وسكنت في مقعدها تكتفى بتبادل النظرات النارية معها ! .
***
يجلس هو وخالته حول طاولة الغذاء وعيناه تتفقد المقعد الفارغ من الطاولة .. فنظر إلى الخالة وسأل باستغراب :
_ نادين ليه منزلتش ؟
غمغمت فاطمة بنبرة عادية تمامًا :
_ قبل ما ترجع إنت من برا خرجت قالت رايحة تعمل مشوار سريع وراجعة
استنكر الإجابة التي على حصل عليها .. وارتفع حاجبه اليسار بنظرات مدهوشة ثم هدر في حزم :
_ خرجت إزاي .. هي متعرفش حاجة في مصر هنا .. وليه مقالتليش ؟!
فاطمة ببرود أعصاب غريب :
_ معرفش بس أكيد عارفة المكان اللي هتروحوا طالما خرجت وحدها .. متقلقش هي زمانها على وصول دلوقتي
ضغط على الشوكة التي بيده في غضب دفين ثم ألقاها بقوة داخل الصحن محدثة صوتًا مزعجًا واستقام واقفًا يخرج هاتفه ويبتعد بضع خطوات عن خالته ليجري اتصال بها .
بعد انتظار للحظات طويلة والكثير من الرنين أجابت أخيرًا بصوت مبهج :
_ الو .. نعم يا حاتم
_ إنتي فين ؟
كانت نبرته بمثابة النار التي أحرقت بهجتها لكنها تحفظت بلطافتها وهي تجيب عليه :
_ مع رفيقي
ردها كالبنزين فوق النار .. حيث لاحت الابتسامة الساخرة على شفتيه يرد بلهجة لا تبشر بالخير :
_ نعم ياختي مع مين !!!
نادين ببساطة وهي تضحك بطريقة أثارت جنونه أكثر :
_ مع رفيقي ياحاتم عم اقلك .. هو اجى زيارة على مصر وحب يشوفني فأجيت لاشوفه
سمعت صوته الغليظ يهدر في غضب :
_ ومقولتليش ليه إنك هتطلعي ورايحة تشوفي البيه رفيقك ده
نادين بابتسامة ماكرة تتصنعها بمهارة :
_ الو .. حاتم صوتك ما عم يوصلي
بدأ يفقد تمالك أعصابه فهتف بنبرة شبه مرتفعة مستغلًا جملتها بأنها لا تسمعه :
_ إنتي فين يانادين ؟!
فهمت أنه ينوي المجيء إليها حتى يأخذها بنفسه فردت ببرود حتى تزيد من إشعال النيران أكثر :
_ ما في داعي تيجي هو راح يوصلني بسيارته على البيت
سمعت صوته غريب ومخيف قليلًا كأنه شخص مختلف :
_ يوصلك بسيارته !!! .. طيب معلش هقطع اللحظة على رفيقك واجي انا اوصلك للبيت ممكن !
استشعرت النيران الملتهبة التي تخرج من صوته إليها في الهاتف وكادت أن تضحك قبل أن تتمالك نفسها ووتتهرب من الرد عليه بذكاء كالمرة السابقة :
_ حاتم الو .. ما عم اسمعك .. الشبكة هون كتير سيئة .. حاتم .. حاتم .. أنا راح اقفل هلأ وبرجع بتصل بيك بعدين تمام
وفور خروج آخر كلمة من فمها أنهت الاتصال .. لتضرب بأذنه صافرة الإغلاق فينزل الهاتف ببطء ويتطلع في شاشته بأعين ملتهبة مخرجًا من بين شفتيه زفيرًا ناريًا كمحاولة بائسة للتحكم في انفعالاته .. لكن خرجت همسة مشتعلة منه وساخرة يعيد كلمتها :
_ رفيقي ! .. امممم وماله
ثم التفت إلى خالته التي ترمقه مبتسمة كأنها تنتظر منه أن يخبرها بمحادثته معها وماذا قالت له فيبادلها هو الابتسامة لكن بأخرى مغتاظة ويجيبها متهكمًا :
_ لما الهانم ترجع بسيارة رفيقها ابقى اندهي عليا
كتمت فاطمة ضحكة كانت ستنطلق فوق شفتيها وهي ترى غيرته تقتله ولا يتمكن من إخفائها .. وبمجرد رحيله وصعوده الدرج متهجًا لغرفته تركت العنان لضحكتها ! .
***
قبل أربع سنوات .......
صوتها المرتفع وشجارها مع أبيها كان يسمعه كل من يمر أمام غرفة المكتب .. رغم رفضها لذلك الزواج إلا أنه حدد الموعد غير مباليًا لرغباتها ، سواء رفضها أو موافقتها .. أجبرها ووضعها أمام الأمر الواقع حتى لا تجد مفر سوى القبول والخضوع لقراراته القاسية .
خرجت من مكتبه وهرولت راكضة باتجاه الدرج ووجهها تملأه الدموع كله .. مازال عقلها لا يستوعب أن خلال أيام ستكون زوجة ذلك الرجل المجهول .. هي حتى لم تراه من قبل ، كيف ستكون زوجته ؟! .
بينما تركض على الدرج والرؤية أمامها تهتز بسبب الدموع الممتلئة في عينيها .. اصطدمت برجل كانت وجهته معاكسة إليها هو يصعد الدرج وهي تنزل ، فارتدت للخلف وكادت أن تسقط لولا أنه أمسك برسغها وجذبها حتى تستعيد توازنها .
كانت عيناه بندقية واسعة ولديه نظرة ثاقبة .. حاجب كثيف ومقتضب .. وشعر أسود غزير .. مع بشرة حنطية مائلة البياض .. بينما جسده فكان صلب وضخم مقارنة بهيئتها الناعمة .. ملامحه القاسية والصلبة ذكرتها بطائرها المفضل الذي يمتلك نفس العينان البندقية الواسعة والحاجب المقتضب حتى نفس النظرات الثاقبة التي تشعرك بأنها تخترقك ( طائر العُقاب ) .
اضربت وابتعدت عنه تهتف باعتذار وصوت مبحوح :
_ أنا آسفة
تطلع عدنان في وجهها الغارق بالدموع وعيناها الحمراء من فرط البكاء وشعرها المنسدل فوق كتفيها بعبث .. أصبحت وجنتيها البيضاء حمراء من بكائها وغضبها .. هيئتها الناعمة والرقيقة كانت جميلة مع ملامح وجهها البريء وهي تبكي كالأطفال اللطيفة .. غضن حاجبيه واردف بتعجب :
_ إنتي كويسة ؟!
رفعت أناملها الرقيقة والمرتعشة تجفف دموعها وتوميء بالإيجاب متمتمة :
_ أيوة .. بعتذر مرة تاني كنت نازلة مستعجلة ومخدتش بالي
أنهت جملتها واندفعت تكمل طريقها على الدرج للأسفل مسرعة ، فالتفت برأسه للخلف في استغراب ثم اعتدل وهم بأن يكمل هو أيضًا طريقه لكنه لمح عقدًا على الأرض .. انحنى والتقطه بأنامله يقلبه بين يديه بتدقيق ثم عاد فورًا ينظر إلى الأسفل لكنها اختفت تمامًا .. فأغلق كفه على ذلك العقد وأكمل طريقه ، وصل أمام مكتب نشأت فاقترب من طاولة المساعدة الخاصة به وألقى بالعقد على سطح الطاولة يهتف في عدم اهتمام وبنبرة غليظة :
_ في آنسة كانت نازلة السلم وبتعيط لو رجعت تاني اديها السلسلة بتاعتها دي
دققت المساعدة النظر في العقد وحين أدركت جملته وأن صاحبة العقد كانت تبكي فهتفت وهي تهم بالتقاط العقد :
_ ده أكيد لجلنار هانم بنت نشأت بيه
رأت الجمود على معالمه بعد سماعه لجملتها ، وقبل أن تمد يدها لتأخذ العقد وجدته يضرب بقبضة يده فوق العقد ويغلق عليه بين كفه ليأخذه مرة أخرى .. ثم يتجه نحو مكتب نشأت ويدخل بعد أن وضع العقد في جيب سترته .
عودة للوقت الحاضر ........
استيقظ من تلك الذكرى وهو يمسك بيده ذلك العقد يتطلع إليه في شرود .. مرت السنين منذ زواجهم ولم يعطيها عقدها .. لا يعرف لماذا يحتفظ به حتى الآن معه .. لكن ربما قد حان الوقت المناسب حتى يعود ذلك العقد إلى مكانه .. حول تلك الرقبة البيضاء والرائعة ! .
***
فتح عيناه على أثر الرنين المرتفع لهاتفه .. مد يده وضغط على زر كتم الاتصال وعاد يلقي برأسه مرة أخرى فوق الوسادة مغمضًا عيناه بنعاس .. ولكن الرنين عاد يصدح من جديد فأصدر تأففًا عاليًا بنفاذ صبر ، ليمد يده ويجذب الهاتف يجيب على المتصل بحدة دون أن يعرف هويته :
_ الو
توترت قليلًا من نبرته لكنها ردت برقة :
_ أيوة يارائد مش بترد عليا من امبارح ليه .. قلقت عليك !
اعتدل في نومته فورًا وألقى نظرة على النائمة شبه عارية بجواره .. فتعود نبرته لطبيعتها وهو يرد عليها بلطف :
_ معلش ياحبيبتي اتأخرت في الشغل ومكنتش فاضي ونمت متأخر حتى مروحتش النهارده
زينة باهتمام ملحوظ في نبرتها :
_ طيب إنت كويس يعني ؟
هز رأسه بالإيجاب وهدر :
_ ايوة كويس متقلقيش .. إنتي عاملة إيه ؟
_ كويسة الحمدلله
أبعد الغطاء عنه ونزل من فوق الفراش يسير إلى خارج الغرفة ويجيب بتساءل :
_ إنتي في البيت مش كدا ؟
زينة بعفوية :
_ أه كنت ناوية نخرج أنا وسمر بس هي تعبت ومش هتقدر تطلع
غمغم مبتسمًا بمداعبة :
_ طيب أنا هخلص اللي ورايا وبعد كدا هاجيلك ونخرج مع بعض
تهللت اساريرها لتجيبه بتشويق وفرحة :
_ بجد !
_ أيوة بجد طبعًا
عضت على شفاها بحماس وخجل بسيط تتمتم برقة معهودة منها :
_ وأنا منتظراك .. متتأخرش !
_ مقدرش أتأخر عليكي ياحبيبتي
انهى معها الاتصال فشعر بكف ناعم فوق كتفه من الخلف .. التفت برأسه ورمقها مبتسمًا بدون مشاعر ثم انزل كفها بلطف وعاد لداخل الغرفة .. فلحقت به وسألته بتعجب :
_ انت هتمشى ؟!
رائد بإيجاز وهو يرتدى ملابسه :
_ أيوة ورايا شغل
اكتفت بالمتابعة في صمت وبداخلها تشتعل من الغيرة فقد سمعت مكالمته مع تلك الفتاة التي فضلها عنها وقرر الزواج بها بدلًا منها هي .. ومنادته لها بـ " حبيبتي " زادت من سوء الوضع لديها .
***
تقف أمام المرآة وتمسك بيدها فرشاة بيضاء اللون تغلغلها بين خصلات شعرها من أعلى إلى أسفل .. عيناها عالقة على انعكاسها في المرآة بشرود وهي تسرح شعرها ، فلم تنتبه له عندما دخل الغرفة واقترب منها بخطوات متريثة من الخلف ، لم تفق سوى على لمسته لخصرها بقبضته الكبيرة وهو يحطها فوق جسدها بتملك ويده الأخرى وجدت طريقها لشعرها تزيحه عن رقبتها وترجع به إلى ظهرها .. وكانت خطوته التالية بشفتيه التي مالت وطبعت قبلة ناعمة فوق كتفها .
سرت رعشة بسيطة بجسدها كفتاة يلمسها زوجها لأول مرة ! .. تسارعت نبضات قلبها فانزلت يدها إلى قبضته حتى تزيحها عن خصرها لكن سمعت همسته الخافتة وهو يبتسم لها في انعكاس المرآة :
_ استني !
أبعد كلتا يديه عنها وادخل كف في جيبه يخرج العقد ثم يرفعه ليمسك طرف بيد واليد الأخرى لفها حول رقبتها حتى يلتقط الطرف الآخر ويعود بالطرفين للخلف يعقدهم حول رقبتها .
التقطت عيناها ذلك العقد المفقود منذ سنوات .. من أين عثر عليه ؟! .. فقد بحثت عنه كثيرًا حتى فقدت الأمل ولم تجده .. تطلعت لانعكاسه في المرآة بدهشة فقرأ هو من نظراتها ما يدور بذهنها .. وظهرت ابتسامته الواسعة فوق شفتيه .
حتى وجدته ينحنى عليها من الخلف يهمس بالقرب من أذنها في عاطفة :
_ أول مرة اتقابلنا فيها لما كنتي في الشركة عند نشأت ونازلة السلم وبتعيطي وخبطتي فيا .. بعد ما مشيتي لقيته على الأرض اخدته ولما وصلت عند مكتب نشأت اديته للسكرتيرة على أساس إنك لو رجعتي تاني تدهولك بس لما قالتلي إنه اكيد بتاعك إنتي اخدته تاني
مرت دقيقة من الصمت بينهم .. كانت هي تستعيد تلك الذكرى في عقلها وبتلقائية ترفع أناملها للعقد تتحسسه برقة .. ثم التفتت بجسدها كاملًا له وهمست بحيرة :
_ ومدتهونيش ليه بعدين ؟!
_ مش عارف بس من وقتها وأنا محافظ عليه معايا .. وأعتقد إن جه وقته دلوقتي أنه يرجع لمكانه
رأى الابتسامة الجميلة تزين شفتيها ثم اخفضت نظرها تمسك بالعقد بين كفها الناعم وتتطلع إليه بفرحة متمتمة :
_ زعلت جدًا لما وقع مني .. العقد ده غالي عندي أوي وبحبه جدًا
عدنان بنظرات غرامية ومحبة :
_ حتى أنا غالي عندي
ابتسمت باستحياء جميل ثم قالت مسرعة وهي تهم بالانصراف :
_ أنا هروح اشوف هنا بتعمل إيه
قبض على رسغها يرغمها على الوقوف ليضع عيناه بعينها في عمق ويسأل باهتمام :
_ كنت بتعيطي ليه وقتها ؟
أخذت نفسًا عميقًا واعتدلت في وقفتها حتى تصبح مواجهة له تمامًا وتجيب بالصدق في عبس :
_ كنت أنا وبابا بنزعق وأنا كنت مضايقة ومتعصبة إنه حدد معاك معاد كتب الكتاب من غير ما يقولي وأنا أساسًا مكنتش موافقة
ابتسم بدفء ثم مد يده يلتقط كفها الرقيق بين يده ويميل عليها بوجهه هامسًا :
_ ويشاء القدر إننا نتقابل في اليوم واللحظة دي بذات
تطلعت في عيناه بشرود وهيام .. لكنها باللحظة التالية استندت بكلتا كفيها فوق صدره وابعدته برفق بعدما احست بأنه سيتمادى في اقترابه واردفت :
_ الحدود ياعدنان
تلاشت ابتسامته وظهر محلها الحنق ليجيبها بنفاذ صبر :
_ والحدود دي هتفضل لغاية امتى بقى ؟!
جلنار بلهجة حازمة :
_ لغاية ما اسامح
أصدر تنهيدة حارة بعدم حيلة ليجيبها بهدوء :
_ طيب ياجلنار وأنا هحاول احترم ده ومتخطاش الحدود
غمغمت بخفوت وهي تسير خارج الغرفة تاركة إياه يقف مغلوبًا على أمره :
_ كويس
***
استر الليل ستائره وارتفع ضوء القمر في السماء ......
الساعة تخطت التاسعة مساءًا ولم تعد حتى الآن .. محاولاته للاتصال بها كانت كلها بائسة وبلا فائدة .. يستمر الرنين فقط دون رد ، لم يصبح الأمر غضب عارم بقدر ماهو قلق وخوف من أن يكون قد صابها مكروه ، يجوب الطرقة إيابًا وذهابًا ويمسح على شعره بقوة مطلقًا زئيرًا مكتومًا من بين شفتيه .. بات لا يدري أيقلق عليها أم يشتعل من الغضب والغيرة أنها قد تكون حتى الآن مع صديقها ذلك !! .
التفت إلى خالته وصاح بانفعال :
_ الساعة تسعة ومش بترد ولا رجعت .. متلومنيش على اللي هعمله لما تيجي
أجابت عليه فاطمة بحدة :
_ لا إنت خطيبها ولا جوزها يبقى ملكش حق تعمل حاجة من الأساس معاها .. وهي أكيد بخير إن شاء الله وزمانها راجعة
حاتم في غضب هادر :
_ صديقها مين اللي نزل مصر .. هي متعرفش حد غيري وبعدين قاعدة معاه من الصبح لغاية دلوقتي .. دي ليلتها طين معايا
رفعت فاطمة سبابتها وقالت محذرة إياه بجدية :
_ حاتم لو عملت أي تصرف مش لطيف مع البنت أنا اللي هقفلك فاهم
حاتم بصوت محتقن وبه لمسة الاحترام :
_ لو سمحتي إنتي ياخالتو متدخليش بينا لما ترجع .. هي موجودة وقاعدة معايا دلوقتي لما تبقى ترجع امريكا تبقى تخرج وترجع براحتها مـ ....
ابتلع بقية عبارته في جوفه عندما صك سمعه صوت رنين الباب .. فهبت فاطمة فورًا مسرعة وهرولت لتفتح لها الباب .. كانت نادين تقف أمام الباب ومتوترة قليلًا بعدما سمعت صوته المرتفع وحين فتحت لها فاطمة الباب وانحنت عليها تهمس في عتاب :
_ اتأخرتي ليه ده كله !
نادين بخوف وهي تختلس النظرات للداخل :
_ عصب كتير مو هيك ؟!
فاطمة بملامح وجه عبثية :
_ اكتر من المتوقع .. ادخلي يلا
دخلت نادين بخطوات مضطربة فوجدته يقف على مسافة بعيدة نسيبًا ويرمقها بنظرات مميتة .. ازدردت ريقها وابتسمت في ارتباك ملحوظ ، ثم تبادلت نظرات الندم مع فاطمة ، ليتها لم تستمع لتلك النصائح ونفذتها .
حاتم بعصبية :
_ كنتي فين لغاية دلوقتي ؟!
توترت ولم تعرف بماذا تجيب .. إذا اكملت كذبتها وقالت أنها كانت مع صديقها المزيف ستهب العاصفة .. وبنفس اللحظة لا تريد كشف مخططها بعد كل هذا وهي وصلت للنقطة الحاسمة .
سمعت صيحته الملتهبة :
_ نادين أنا بسألك كنتي فين ؟
الحل الوحيد للهروب من الإجابة هي التصرف مثله تمامًا .. فصاحت هي الأخرى بغضب مزيف لكنها اتقنته بمهارة :
_ ليش عم تعيط عليا .. بأي حق بتكلمني هيك ، وإنت ما إلك دخل أساسًا وين كنت أنا ماني طفلة صغيرة فهمان ولا شو !!
اندفع نحوها كالثور الهائج يجذبها من ذراعها إليه ويصيح بعينان حمراء وغيرة عمياء :
_ كنتي مع *** رفيقك ده لغاية دلوقتي
استاءت حقًا وبعدما كانت تتصنع الغضب تملكها بالفعل حيث صاحت به :
_ احترم حالك واتركني
أسرعت فاطمة إليهم تهتف بحاتم في غضب وهي تبعد يده عنها :
_ حاتم أنا حذرتك
صرخ في صوت جهوري وعدم وعي لما يتفوه به :
_ إنتي مش شايفة بترد عليا ازاي ومش عاجبها إني بسألها كانت فين .. هيعجبها ازاي طبعًا ماهي كانت مبسوطة مع رفيقها و.....
لم يكمل كلمته وتوقف حين شعر بصفعتها له فوق وجنته .. لوهلة ظنها في البداية خالته لكن كانت هي من صفعته وتتطلع إليه بغضب وخزي مع عينان غائمة بالدموع .
اندفعت نحو الدرج تركض مسرعة تجاه غرفتها بالأعلى بينما فاطمة فألقت نظرة معاتبة على ابن أختها واسرعت تلحق بنادين .. بقى متسمرًا بأرضه يحدق في الفراغ وكأنه بعالم آخر حتى تحرك نحو الأريكة بعد دقائق وجلس فوقها يجز على أسنانه بغيظ مكتوم .
مرت خمسة عشر دقيقة تقريبًا حتى سمع صوت أقدامهم وهي تنزل الدرج وصوت خالته وهي تتوسلها أن تقف ولا تذهب ، بينما هي فتحمل حقيبة ملابسها معها على الدرج حتى وصلت لآخر درجاته فانزلتها على الأرض وجرتها خلفها وهي تسير مسرعة باتجاه الباب .
التفتت فاطمة إلى ذلك الجالس بجمود فوق الأريكة يتابع بصمت دون أن يتدخل وصاحت به :
_ إنت ساكت ليه ما تتكلم !!
لم يبدي أي ردة فعل استمر في الجلوس بسكون هكذا حتى رحلت فضربت فاطمة كف بكف في عدم حيلة وغضب ثم استدارت وصعدت لغرفتها بالأعلى .
أخرج حاتم هاتفه وأرسل رسالة لحارس بوابة المنزل وكان محتوى الرسالة كالآتي ( خليك ورا نادين هانم بالعربية وقولي راحت فين ) ! .
***
انتفضت واقفة عندما سمعت صوت المفتاح في قفل الباب .. هاهو يعود مرة أخرى .. لكن ياترى ماذا سيفعل هذه المرة .. المرة السابقة انهي كل شيء حتى زواجهم فماذا ستكون خطته اليوم .
انفتح الباب وظهر من خلفه مرتديًا بنطال وقميص أسود اللون ويعلو قميصه جاكت من نفس اللون .. انقبض قلبها فهو لا يرتدي الأسود مكتمل هكذا إلا في العزاء .. تقهقهرت للخلف بحركة لا إرادية منها تسأله بخوف :
_ لابس كدا ليه ياعدنان !
رأته يضحك دون صوت ويغلق الباب خلفه كالعادة ثم يتقدم منها بخطوات متريثة وهي تستمر في التراجع برعب أشد .. حتى وصل إليها بعدما اصطدمت بالحائط خلفها وتوقفت .
عدنان ساخرًا بنظرات مشمئزة :
_ متخافيش مش هقتلك .. قولتلك متستاهليش ادخل السجن فيكي أساسًا .. ده بالعكس أنا جاي اقولك إني هسيبك تطلعي خلاص
اشرق وجهها الذابل بسعادة وقالت غير مصدقة :
_ بجد ياعدنان هتسبني امشي
اماء لها بالموافقة يجيب في هدوء مريب :
_ أيوة هتمشي بس مع عمك أصل أنا اتصلت بيه وهو في الطريق دلوقتي
صابتها الصدمة وفرت الدماء من وجهها فور سماع لاسم عمها .. فإن أشفق عدنان عليها ولم يتمكن من قتلها .. لن يشفق عمها .
تعلقت بجاكت عدنان تهتف متوسلة إليه بعين دامعة :
_ ابوس ايدك متخليش عمي ياخدني ياعدنان إنت عارفه ممكن فيا إيه .. أقل حاجة يقتلني .. ابوس ايدك سيبني امشي وانا والله العظيم اوعدك إنك مش هتشوف وشي تاني ولا هقرب من جلنار ولا هنا أبدًا
التهبت نظراته ليقبض على ذراعها ويهدر في تهديد :
_ وهو مين قالك إنك هتقدري تقربي منهم .. لأنك لو تجرأتي وعملتيها سعتها هقتلك أنا واطفي ناري بجد .. احمدي ربك إني مبلغتش عنك بعد ما حاولتي تقتليني إنتي و ****
فريدة ببكاء قوي :
_ عدنان ابوس ايدك متعملش فيا كدا بقولك عمي ممكن يقتلني
_ كويس أهو يبقى عمل اللي أنا مقدرتش اعمله
جثت على الأرض تبكي بحرقة ورعب فتسمع صوته الرجولي يلقي عليها تحذيراته :
_ هتغوري مع عمك ومش عايز اشوف وشك تاني فاهمة ولا لا .. وأقسم بالله يافريدة لو حاولتي بس تقربي من جلنار وهنا مش هرحمك واللي هيعمله عمك فيكي هتولي أنا مهتمه واعمله بداله وبطريقة ابشع منه كمان
لم ترفع نظرها له وانخرطت في البكاء العنيف منكمشة في زاوية الغرفة .. رأت فقط قدميه وهي تتحرك باتجاه باب الغرفة ليغادر ويتركه مفتوحًا هذه المرة .. ومن شدة تدمرها النفسي وفقدانها للأمل لم تحاول حتى الخروج والهرب .
بقى هو جالسًا بالخارج فوق الأريكة يتفقد ساعة يده .. في انتظار الموعد المنتظر لقدوم عمها حتى يأخذها ويخلصه منها .. فلم يعد يحتمل رؤيتها أكثر من ذلك .. كلما يراها يتذكر حماقته وغبائه وهي تنام كل ليلة بين ذراعيه ويغمرها بحبه دون أن يشعر بخيانتها له .. لا يتمكن من تمالك أعصابه حين يتخيل أنها كانت تنام بحضنه ليلة وبالليلة التالية تكون بحضن ذلك الوغد ! .
وأخيرًا ارتفع صوت طرق الباب ومع صوت الطرق توقف قلبها بالداخل من الرعب .. بينما هو فاستقام وسار نحوه ليفتح فيقابل عمها بنظرات ثاقبة ووجه جامد .. فيندفع عمها للداخل كالثور الهائج يدخل الغرفة الكامنة بها .. سمع عدنان بالخارج صوت صفعة مدوية منه تبعتها صرخة متألمة ومرتعدة منها ، وهو يلقن مسامعها بألفاظ تليق بفعلتها المشينة .
اندفع عدنان بغضب للداخل وصاح بعمها بصرامة :
_ خد بنت اخوك واعمل فيها اللي عايزه بعيد عن هنا .. ومتخلنيش اشوف وشها تاني عشان وقتها مش هترجعلك
حدق عمها بعدنان وهو يوميء بتفهم وبنظراته يعتذر منه في خزي من فعلا ابنة أخيه .. ثم التفت إليها وجذبها من ذراعها معه للخارج ويهمس في أذنها بالوعيد لها .. بينما هي فألقت نظرة أخيرة على عدنان .. نظرة ألم وندم حقيقي ، لا تتوسله بنظراتها لكنها تطلب منه العفو حتى لو بعد زمن .
***
كان في طريقه للمصعد حتى يغادر بعد أن قضى اليوم كاملًا بالمكتب ينهي أعماله .. لكنه لاحظ الضوء المنبعث من طاولات أحد الموظفين .. فضيق عيناه بدهشة وحيرة ، لا يعقل أن يكون هناك أحد مازال بالشركة .
غير وجهته وسار تجاه تلك الطاولة في خطوات متريثة فرأى فتاة تستند بمرفقيها فوق سطح الطاولة وتضع رأسها فوقهم نائمة .. رفع حاجبه باستغراب واقترب أكثر حتى وقف أمام الطاولة وابعد خصلات شعرها عن وجهها حتى يتمكن من رؤيتها فصابه الذهول عندما وجدها مهرة !! ..
كانت تنام بعمق والإرهاق والتعب يبدو على وجهها حتى هي ونائمة .. فمد ذراعه وهزها برفق هامسًا حتى لا يفزعها :
_ مهرة .. مهرة
انتفضت كالتي لدغها عقرب ووثبت واقفة تحدق بآدم في عدم استيعاب وكأنها لم تدرك ما يحدث حولها .. فهتف هو بحدة :
_ إنتي مجنونة إيه اللي مقعدك لغاية دلوقتي .. مفيش حد غيرك في الشركة
رفعت كفها لفمها تتثاؤب وتجيبه بخفوت :
_ أصل كان معايا شغل كتير ولازم بكرا الصبح يتسلم فقولت اقعد واخلصه ولما عرفت إنك لسا موجود فاطمنت اني مش هقعد وحدي يعني .. بس معرفش ازاي نمت
آدم بحزم واستياء بسيط :
_ ما يتحرق الشغل .. إنتي إيه ضمنك تقعدي وحدك ممكن يحصل إيه .. واحمدي ربك إني اخدت بالي منك قبل ما امشي
مهرة بخنق من توبيخه لها :
_ خلاص متبقاش قفوش ياعم .. أنا غلطانة إني همي على مصلحة شغلكم .. بعدين مين ده اللي يقدر يقرب مني ده أنا أخلي وشه شوارع
آدم مستنكرًا :
_ اه انتي هتقوليلي بإمارة امبارح .. بعدين ايه الألفاظ دي ، المفروض انتي بنت تكوني رقيقة وكلامك لطيف مش أخلي وشه شوارع !!
_ اه زي ليلى سكرتيرة عدنان بيه
_ مالها ليلى !
مهرة بقرف وغيظ :
_ بتمشي تتقصع بالكعب بتاعها في الشركة كلها وتفضل تتطوح زي الفرخة الدايخة يمين وشمال .. لغاية ما في مرة هتتكفي على بوزها وهيبقى منظرها وحش أووووي
انطلقت منه لا إراديًا ضحكة عالية يعيد جملتها من بين ضحكه بتعجب :
_ فرخة دايخة !!!
مهرة بثغر متسع وبمرح :
_ شوفت ضحكت .. اعترف بقى هااا اعترف إني دمي خفيف وبضحك يبقى متسكتنيش تاني لما اتكلم عشا......
قاطعها عمدًا وهو يبتسم بمشاكسة :
_ اسكتي يامهرة ويلا
مهرة بنفاذ صبر :
_ اووووف سكت أهو حلو كدا !!
اماء برأسه في إيجاب وأشار لها بأن تلحق به فسارت خلفه باقتضاب لكن سرعان ما عادت تتحدث إليه من جديد هاتفة بعفوية :
_ هو إنت ليه عينك مش باينة خضرا دلوقتي ؟!
غضن حاجبيه باستغراب من سؤالها لكنه ابتسم واجابها ببساطة :
_ عشان احنا في الضلمة لازم مش هيبان لونها الطبيعي
وقفا أمام المصعد الكهربائي وبمجرد ما أن انفتح ودخلا فاقترب بوجهه منها فجأة وهمس مداعبًا بابتسامة :
_ كدا رجعت خضرا في النور صح !
انتفضت للخلف بزعر وهتفت مفزوعة :
_ إيه الهزار البايخ ده ياعم
قهقه بخفة فوجدها تبعده لآخر المصعد هاتفة بغيظ :
_ خليك بعيد كدا عني
آدم بتعجب وعدم فهم :
_ ليه !!
_ مش واثقة فيك
عاد يضحك مرة أخرى لكن دون صوت حتى انفتح باب المصعد وخرجا .. يسيران معًا إلى خارج الشركة بأكملها .. فيهتف هو محدثًا إياها باستنكار :
_ تحبي اوصلك ولا لسا مش واثقة فيا
مهرة بعفوية ومزاح :
_ هتخطفني ؟!
زم شفتيه بجدية مزيفة يبادلها المزاح :
_ على حسب لو صدعتيني في العربية ممكن اعملها
هتفت بثغر متسع وبطريقة كوميدية وحماسية :
_ يبقى هصدعك
رمقها مدوهشًا وهو يبتسم بحيرة فأسرعت تعدل جملتها بضحكة بلهاء :
_ إنت بتصدق أي حاجة كدا علطول .. بهزر طبعا أنا هاكل دماغك بس
انفجر ضاحكًا واكمل سيره باتجاه سيارته ليفتح باب مقعده ويجيب عليها قبل أن يستقل به :
_ طيب اركبي يابلائي
ابتسمت له باتساع في عفوية ولطافة كالأطفال ثم استقلت بالمقعد المجاور له .
***
كانت كامنة في فراشها وتسحب الغطاء فوق جسدها .. تولي ظهرها للباب كالعادة ، وعيناها تحدق في الفراغ أمامها بسكون تام لكن يدها امتدت لعنقها تعبث بعقدها الذي البسها إياه بصباح اليوم .. وإذا بها تسمع صوت باب الغرفة ينفتح وتلتقط أذنها صوت خطواته داخل الغرفة .
نزع عدنان الجاكت وعلقه ثم أخرج مفاتيحه وهاتفه يضعه فوق الطاولة الصغيرة بجانب فراشهم .. وتقدم خطوة نحو الفراش ليتسطح بجسده فوقه دون أن يبدل ملابسه حتى .
كان صوت زفيره وانفاسه العالية فقط المسموعة في الغرفةةحتى مرت دقائق وشعرت به يعتدل في نومته ليقترب منها يعانقها من الخلف وذراعه يلفه حول جسدها .. اضربت وانزلت يدها لكي تبعده لكن بمجرد ما إن لمست يدها كفه سمعت همسه الضعيف :
_ مش هعمل حاجة ياجلنار متخافيش
تنهدت بعمق وردت في خفوت :
_ عدنان لو سمحت ااا......
وصلها رجائه في صوته يهمس لها وهو يدفن وجهه في شعرها ورقبتها :
_ لو سمحتي إنتي خليني احضنك .. هحضنك بس صدقيني
استسلمت لرجائها ومنحته ومنحت نفسها متعة الشعور بالدفء والحب لساعات .. تشعر بأنفاسه الدافئة تلفح رقبتها من الخلف .. يتنفسها بقوة كالأكسجين ، يأخذ نفسًا عميقًا يستنشق فيه رائحتها ثم يعود ليزفره متهملًا في حرارة تبعث رجفة في جسدها ..
أخيرًا سمعته يهمس بصوت به لمسة الانكسار لأول مرة :
_ طلقتها !
كان هذا المتوقع لكن سماعها منه تحديدًا بتلك النبرة كان كافيًا ليجعلها تتجمد قليلًا ويغلف الاجواء بينهم حالة من الصمت القاتل حتى تلتفتت برأسها له تقطع عليه استنشاقه لعبيرها وتسأل باهتمام :
_ وهي فين دلوقتي ؟!
حين التفتت برأسها أصبحت في مواجهة وجهه تمامًا لا يفصلها عنه سوى سنتي مترات لا تحسب .. ليجيب عليها متطلعًا في عيناها بعمق :
_ عمها اخدها .. مش عايز اشوف وشها تاني .. مش طايق اشوفها أساسًا
جلنار برقة :
_ كويس إنك فكرت في هنا ومعملتش فيها حاجة
استند بجبهته فوق خاصتها هامسًا :
_ انتوا كل حياتي دلوقتي
اغمضت عيناها للحظات تستمتع بجمال اللحظة لكن سرعان ما فتحت عيناها وابعدت وجهه تعود لوضعها الطبيعي فتسمع تنهده القوى في عدم حيلة ، ثم عاد يدفن وجهه من جديد في شعرها وهدأت أنفاسه تدريجيًا وهي معه حتى غطوا كلاهما في نوم عميق بعد دقائق طويلة نسبيًا .
***
بصباح اليوم التالي ......
كانت تجلس هنا فوق فخذ أبيها تشاهد التلفاز معه .. تستند برأسها فوق صدره وعيناها عالقة على التلفاز .. وفجأة دون مقدمات تذكرت شيء فابتعدت عن صدره وهتفت برقة :
_ بابي !
عدنان مبتسمًا بحنو :
_ نعم ياروح بابي
هنا بعفوية طفولية :
_ إنت تعرف عمو حاتم ؟
اختفت ابتسامته وظهر محلها القوة في الملامح ليجيب على صغيرته بمضض :
_ أيوة اعرفه ياحبيبتي ماله
اكملت هنا بنفس عفويتها غير مدركة لما تتفوه به وكيف سيكون تأثيره على أبيها :
_ لما كنا أنا وماما في أميكا ( امريكا ) .. هو في يوم فضل يلعب معايا كتير عشان كنت تعبانة وقعد لغاية لما الليل خلص ولما صحيت الصبح لقيته لسا مش مشي
الفصل الواحد والثلاثون
عبر الرابط: (رواية امرأة العقاب كاملة)
رواية امرأة العقاب الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم ندى محمود توفيق
هبط كف يدها المعلق بالهواء تدريجيًا وقد اعتلت معالمها قسمات القلق بعدما سمعت صيحة ابنها.
بينما جلنار، كانت تقف صامدة تنقل نظرها تارة بين عدنان الذي أظلمت عيناه، وتارة لأسمهان التي باتت مضطربة قليلًا.
وببطء استدارت بجسدها كاملًا للخلف تجاه ابنها، لتقابل احتدام نظراته التي تخترقها كالسهم المشتعل. لا تنكر أن شعور الخوف أجتاحها للحظة من معالمه القاسية.
هتف عدنان بغلظة، صوته الرجولي المحمل بلمسة الغضب:
«إيه اللي بيحصل ده؟!»
عقدت جلنار ذراعيها أمام صدرها، وشبه ابتسامة متشفية ارتفعت لثغرها. تحدق بأسمهان منتظرة سماع تبرريتها لمحاولتها لصفعها. وهل امرأة متجبرة مثل أسمهان سيصعب عليها أن تخترع الحجج لتبرر فعلتها؟ فهذا أبسط ما يمكنها فعله حتى.
حيث أجابت على ابنها بغضب:
«الها***مر**اتك بتغلط فيا وكمان مش عايزاني ادخل بيت ابني.. بقى على آخر الزمن بنت ريهام الـ.......»
بترت جملتها بمنتصفها عندما اسكتتها صيحته العنيفة والغاضبة:
«مــامــا.. متنسيش إن جلنار مراتي واللي حصل ده مسمحش بيه أبدًا مهما كان!»
تقدمت جلنار خطوة منها وهمست بنظرات نارية:
«كملي.. مالها ريهام!»
سمعت صوت عدنان المخيف يهدر باسمها في لهجة تحذير:
«جلنار!»
التزمت الصمت مجبرة، واشاحت برأسها للجانب بعيدًا عنهم تمامًا، متأففة في غل وغيظ دفين من تلك الشيطانة المتجسدة بهيئة بشر!
ثم هتف عدنان بغلظة وحدة موجهًا حديثه لأمه:
«تعالي ورايا.»
ثم اندفع للداخل في خطوات تضرب بالأرض في قوة. واكتفت أسمهان بأن تلقي نظرة مشتعلة على جلنار قبل أن تتحرك وتسير خلفه للداخل.
***
دخلت غرفة مكتبه الخاصة خلفه وأغلقت الباب. وباللحظة التالية كانت تواجه اعصاره المدمرة، حيث صاح منفعلًا:
«وأخرة تصرفاتك دي إيه يا أسمهان هانم؟!»
تقدمت منه دون خوف وهتفت بقسوة وثبات:
«اخرتها تسمع كلامي وتطلقها.. عشان بنت الرازي لا يمكن تكون الزوجة المناسبة ليك.»
رفع كفيه يمسح على شعره نزولًا إلى وجهه، مطلقًا زفيرًا ساخنًا كالنيران الملتهبة. ويندفع نحو أمه كالثور الهائج يهتف بعصبية:
«جلنار مراتي وهتفضل مراتي.. أنا عمري ما اخدت أوامر من حد حتى لو كان إنتي يا أسمهان هانم.. فبلاش تصرفاتك دي اللي بتصغرك مش بتعليكي أبدًا.. وتقبّلي جلنار عشان اللي إنتي عايزاه لا يمكن يحصل.»
صاحت به في انفعال هادر وضحكة ساخرة:
«أنا كنت عارفة إن ده اللي هيحصل في النهاية.. بس مكنتش متوقعة إنك بتحبها للدرجة اللي تخليك تقف قصاد أمك عشانها.»
هدر عدنان:
«افعالك هي اللي بتخليني اقف قصادك.. وعشان أنا بحبها زي ما قولتي أكيد مش هسمح إني اشوفك بتهنيها وأسكت.. مع إني قولتلك قبل كدا إن احترامك ليها بنسبالي تقدير واحترام ليا أنا.»
ابتسمت أسمهان باستهزاء وحقد يلمع في عيناها. ثم استدارت وسارت باتجاه الباب تهم بالرحيل. لولا صوته القوي الذي أوقفها:
«أنا لسا مخلصتش كلامي يا ماما.»
وقفت على أثر جملته ولم تستدير له حتى. حتى سمعت صوت خطواته تقترب منها ليقف خلفها مباشرة ويهمس بخفوت مريب:
«أسرار إيه اللي مخبياها عني؟!»
فرت دماء وجهها وشعرت بالبرودة تجتاح جسدها كله في اضطراب وخوف شديد. ثم التفتت بجسدها إليه في بطء وغمغمت تتصنع عدم الفهم:
«أسرار إيه دي؟!»
ابتسم بتهكم وقال في حدة:
«أنا اللي بسألك ياماما.. مخبية إيه عني؟!»
أسمهان بتوتر بسيط حاولت إخفائه:
«مش مخبية حاجة.. هخبي إيه عليك يعني يا عدنان.»
ازدادت نظراته ظلامًا بالأخص بعدما رأى التوتر والخوف الشديد الذي هيمن عليها. مما جعله يتيقن أن تلك الأسرار ليست هينة. فأمه لا تخاف هكذا إلا حين يكون الأمر يستحق المخاطرة للكذب وإخفائه بكل الطرق الممكنة.
أجابها بغلظة:
«خوفك ده بيأكدلي اللي في بالي.»
أسمهان بعينان متسعة في دهشة بسيطة:
«إيه اللي في بالك؟!»
ابتسم بخزى وهدر في صوت رجولي صارم:
«سؤالي من البداية غلط وكان لازم اتوقع إنك هتكذبي ومش هتردي عليا.. بس مسيري هعرف اللي مخبياه عني ده.»
رفعت كفيها تحاوط وجهه تهتف في حنو وحب أمومي:
«إنت وأخوك اغلي حاجة في حياتي ومقدرش أشوف حاجة ممكن تأذيكم واقف اتفرج.»
لم يجيبها وبقى صامدًا كالصخر يستمع لكلماتها بسكون تام. حتى تابعت هي بحزن:
«يعني أتأكد إني حتى لو غلطت في حاجة قبل كدا فأكيد هتكون لمصلحتكم.»
انتظرت أن ترى منه ردة فعل. لكن الجمود كان يستحوذه بالكامل. فانزلت يدها ببطء وتنهدت بيأس قبل أن تستدير وتنصرف. وتتركه أكثر حيرة من ذي قبل حول تلك الأسرار الخطيرة المخفية!!
***
منذ رحيله وحاولت أكثر من مرة الاتصال ولكنه لا يجيب على اتصالاتها. لتنتهي محاولاتها كلها باليأس وزمت شفتيها في عدم حيلة.
ثم استقامت واقفة وخرجت باتجاه الشرفة حيث يقف رائد ويتحدث بالهاتف. وقفت خلفه تستمع لحديثه المجهول. لم تتمكن من المعرفة هل يتحدث مع رجل أم امرأة. لكن كانت تسمعه يخبر الطرف الآخر بأنه لن يتأخر وسيأتي له.
لا تعرف لما حدثها الأنثوي يشعر بأن خلف هذا الأمر والرسالة التي وصلت بالصباح اسرار وخفايا لم تعرفها بعد. ولم تطمئن لذلك الذي يتحدث معه بالهاتف. لا تعرف السبب لكن فطرتها كأنثى أخبرتها!
احس بوجودها فالتفت برأسه وابتسم ثم انهى الاتصال بمنادته المزيفة لصديقه باسمه بأن سيحدثه بوقت لاحق.
تحركت زينة ووقفت بجوارها تهتف بهدوء:
«إنت هتمشي ولا إيه؟»
رائد بابتسامة لطيفة يخترع كذبة محترفة:
«آه.. واحد صاحبي تعبان ولازم اروح اشوفه.»
«امممم.. ألف سلامة عليه.»
ماء برأسه في امتنان قبل أن يقذف هشام لذهنه فيهدر بغلظة:
«هو ابن عمتك ده رجع من السفر امتى؟»
أجابت زينة باستغراب من سؤاله:
«مين.. هشام!!!.. رجع اول امبارح.. ليه؟»
حك رائد ذقنه وغمغم بخنق ملحوظ فوق معالم وجهه:
«أصل نظراته معجبتنيش خالص!»
اعتدلت في وقفتها ووقفت على الجانب حتى تكون بمواجهته أكثر. وغصنت حاجبيها بحيرة وعدم فهم متمتمة:
«مش فاهمة!!»
«نظراته ليكي يازينة.. ده عينه متشالتش من عليكي!!»
سكتت لدقيقة كاملة تحدق به ببعض الدهشة وعدم الاستيعاب. حتى هدرت بنفى قاطع:
«لا لا أنت أكيد تهيأ ليك كدا.. لكن هشام أنا متربية معاه وأعرفه كويس أوي.. بعدين الصراحة تصرفاتك إنت اللي معجبتنيش يا رائد.»
أشار لنفسه بسبابته في صدمة:
«تصرفاتي أنا!!!.. المفروض إني كنت اخده بالحضن يعني وهو بيبصلي كأن في عداوة بينا.»
زينة بغضب بسيط:
«مش ده قصدي يارائد.. بس أنا حسيت إن أنت اللي مش طايقه معرفش ليه ومسكت ايدي فجأة وبطريقة غريبة.»
ضحك ساخرًا بغيظ مكتوم وأردف:
«حسيتي!!!!.. يعني أنا الغلطانة في النهاية! ، طيب يازينة أنا بقول امشي أفضل لأن لو النقاش ده زاد اكتر من كدا هتحصل مشكلة بينا.. تصبحي على خير ياحبيبتي.»
ثم ابتعد عنها واندفع نحو باب المنزل. فالتفتت له وكادت أن تصيح منادية عليه لكي يتوقف. لكن لا تعرف مالذى منعها من إيقافه. فأصدرت تأففًا عاليًا وهي تضرب قدمها بالأرض في غيظ! هي أساسًا عقلها مشوش منذ الصباح والآن الأمور زادت تعقيدًا بعد تصرفه مع هشام وتلك المحادثة التليفونية. فلم تعد تعرف مالذي يتوجب عليها فعله أو كيف تتصرف حتى!
***
بعد مرور ثلاث ساعات تقريبًا منذ رحيل أسمهان. كانت تقف بالمطبخ تقوم بتحضير شطيرة صغيرة لشعورها بالجوع. وبذهنها تتجول جميع الذكريات المؤلمة. لا تتوقف عن الشعور بالذنب والندم أنها المتسببة فيما حدث. رغم تراجعها إلا أن ضميرها وقلبها لا يتوقف عن لومها وتأنبيها بقسوة. واليوم ذكرتها أسمهان بذنبها الوحيد عندما هددتها بأنها ستخبره. لا تخشى معرفته بقدر عدم رغبتها في استعادة تلك الذكريات القاسية للنور من جديد.
لم تنتبه لدخوله المطبخ واقترابه حتى رأته يقف بجوارها ويمد يده لأعلى يلتقط كأس فارغ ويضعه فوق الرخام. ثم يتجه للمبرد حتى يخرج زجاجة ماء ويعود لها من جديد. يسكب المياه داخل الكأس الفارغ ويرفع الكأس لفمه يشربه كله دفعة واحدة.
هدوئه وجموده المزيف يخيفها أكثر. لو يتحدث ويلومها أو يسألها سترتاح. لكن هذا الغموض المتسحوذ على معالمه لا يبشر بالخير أبدًا ويجعلها تفشل في تخمين ما يفكر به حتى!
أخيرًا رأيته ينحنى عليهة بالقرب من أذنها بعدما انتهى من شرب المياه ويهمس في نبرة تحمل الإنذار الأول:
«لو في حاجة عايزة تقولهالي ياجلنار الأفضل تقوليها دلوقتي لإني لو عرفتها وحدي بعد كدا ردة فعلي مش هتكون لطيفة أبدًا.»
أغمضت عيناها بقوة. حتى لو رغبت بالاعتراف لن تستطيع. فهي لم تسامح نفسها حتى وقلبها يؤلمها بشدة حتى الآن. التفتت برأسها له وغمغمت بأسى وقوة:
«مش لما اسامح نفسي الأول يا عدنان.. بعدها اقولك.»
أنهت عبارتها واستدارت بجسدها تهم بالانصراف. لكنه قبض على رسغها يمنعها من التقدم ويهتف بغلظة في نظرات غاضبة ومدهوشة:
«تسامحي نفسك على إيه!!!»
تلألأت الدموع في عيناها لا إراديًا دون أن تتفوه ببنت شفة. مما تسبب في اشتعال نيران غضبه أكثر والحيرة والقلق ينهش ثناياه نهش. فهتف في شبه صيحة:
«جلنار عملتي إيه؟!!!»
جذبت يدها من قبضته وتمتمت بصوت مبحوح ومحمل بالبكاء:
«متضغطش عليا يا عدنان.. إنت السبب واللي وصلتني لكدا.. لما اكون جاهزة هقولك كل حاجة.»
عبارتها التي أفصحت بها أنه السبب. جمدته بأرضه وجعلته يقف بحيرة أشد لا يفهم شيء. مالذي فعله والذي دفعها لفعل شيء دون علمه وإخفائه عنه؟! تلك الخفايا التي تنكشف واحدة تلو الأخرى بات لا يتحملها. هل الجميع يكيد المكائد من ورائه!!!
***
في صباح اليوم التالي.....
خرجت من الحمام بعدما انتهت من حمامها الصباحي الدافيء. وكانت ترتدي رداء الحمام الأبيض ( برنس) وشعرها مبلل بالماء وبعض القطرات تتساقط منه. لم تعيره اهتمام بتاتًا وسارت باتجاه المرآة تقف أمامها وتنحنى لتلتقط الفرشاة ثم تبدأ بتسريح شعرها في رقة ولطف. غير متنبهة لنظراته التي تأكلها بإعجاب بل لم تكن تبالي بها حتى.
كان هو جالسًا فوق الفراش بعد استيقاظه. ومن سوء حظها أنها خرجت من الحمام قبل أن ينهض هو من الفراش. فبقى هو مكانه يشاهدها بتلذذ وإعجاب. وعلى شفتيه ابتسامة خبيثة ونظراته جريئة يتفحصها بتدقيق وجراءة من أخمص قدميها حتى أعلى رأسها المبتل. ذلك الرداء المجسم تمامًا فوقها وبالأخص لونه الجذاب يجعلها مثيرة! فلم يتمكن من الصمود وعدم التمعن بها. عيناه لم تكن تحمل الإعجاب بقدر الحب اللامع بهم في وضوح.
بعد مرور خمس دقائق تقريبًا. سئم هو من مجرد النظر ببعد هكذا. سيقترب ليضيف القليل من البهارات اللاذعة والمسلية.
نهض من الفراش وتقدم نحوها بخطوات متريثة حتى وقف خلفها مباشرة يتطلع لانعكاسها في المرآة. فرآها ترفع نظرها وتتطلع لإنعكاسه في المرآة لثانية واحدة بنظرة عابرة قبل أن تحيد بنظرها عنه مجددًا بعدم اكتراث. لكن انتفضت واقفة بدهشة واضطراب عندما شعرت بيديه تلتف حول خصرها وتمسك بحزام الروب. وفورًا ابتعدت واستدارت له تهتف بغضب:
«بتعمل إيه!!!»
لم يكن ينوي فعلها لكنه أراد أن يثير جنونها قليلًا ويتسلى. فغمغم بلؤم وابتسامة لعوب يتصنع حسن النية:
«ولا حاجة! .. كنت بقفلك البرنس كويس بس بدل ما يقع.»
هدرت جلنار بغيظ:
«لا والله! .. كذاب يا عدنان.»
ضحك بخفة وانحنى على وجهها يهمس بخبث جريء:
«والله محدش قالك تطلعي بيه قدامي.»
مالت برأسها للوراء وصاحت باستياء:
«براحتي.. إنت هتمنعني ولا هتجبرني البس إيه وملبسش إيه كمان.»
أكمل عبثه وبنفس نظراته الماكرة يتابع وهو يميل عليها أكثر كلما تميل هي للخلف:
«تمام وأنا كمان براحتي.. إنتي حرة!»
تطلعت في عيناه الجريئة بغيظ وهدرت بشراسة وقوة تلمح له بأن لن يحصل عليها أبدًا:
«نجوم السما اقربلك.»
ضحك وقال مستمتعًا بمشاكسة:
«أنا وإنتي قاعدين أهو وهنتفرج على النهاية يارمانتي.»
انتصبت في وقفتها وتمتمت بثقة:
«وليه متحطش احتمال إن النهاية دي تخالف توقعاتك وتوقعاتي تمامًا وتصدمنا كلنا.»
رأت الثقة العمياء تعتليه لدرجة الغرور. حيث أجاب بنظرة ثابتة عليه تحمل معاني جمة وسط نبرته الساحرة:
«أنا اللي بدأت القصة وأنا اللي هكتب نهايتها.. بدأت بفراق وهتنتهى باجتماع.»
ضحكت ساخرة من ثقته لتجيبه بتحدى ونبرة ثابتة كالجبال لا تهتز:
«هنشوف!»
ثم ابتعدت من أمامه وسارت باتجاه الحمام. لكن قبل أن تدخل وقفت عند الباب والتفتت برأسها له ترمقه بحيرة وتتمتم:
«غريبة.. مش كنت امبارح متعصب ومضايق مني.. متوقعتش إنك تتصرف بطبيعية بالسرعة دي وتعدي الموضوع.»
زم شفتيه وهدر في صوت رجولي جاد:
«هديكي فرصة زي ما قولتي لغاية ما تيجي بنفسك وتقوليلي.»
طالت نظراتها إليه في صمت وابتسامة خافتة فوق ثغرها. لم تكن تلك الابتسامة الغرامية بتاتًا بل أخرى متهكمة ومدهوشة من رده. بالأخير تنهدت بعمق وفتحت باب الحمام لتدخل وتختفى عن أنظاره.
***
فتح باب غرفته وهم بالخروج. لكن سمع صوت اقدام تصعد الدرج. لم تكن سوى صوت أقدامها هي. فعاد بسرعة لداخل غرفته واغلق الباب ليتركه مواربًا ويقف خلفه منتظر اللحظة المناسبة التي ستمر فيها من جانب غرفته.
وبمجرد مرورها جذبها بذراعه للداخل واغلق الباب عليهم. أطلقت شهقة عالية بزعر وطالعته بذهول ثم صاحت:
«شو عم تسوي!!»
حاتم بغضب شديد وعينان ملتهبة:
«شششش.. وطي صوتك.»
حاولت الخروج من حصاره لكي تفتح الباب وتغادر وسط صوتها المستاءة:
«افتح الباب بدي اطلع.»
مد يده لمفتاح الباب واغلقه ثم أخرجه ودسه بجيب بنطاله ليحدقها بعناد وغيظ هاتفًا:
«مش هتطلعي قبل ما تفهميني إيه اللي بتعمليه ده!!»
نادين بعدم فهم حقيقي:
«شو عم أعُمل؟!»
هدر حاتم بشبه صيحة تنم عن مدى غضبه وغيظه من تجاهلها له:
«من امبارح وإنتي مش بتديني وش ولا بتردي عليا.. وأنا مش فاهم حتى في إيه ولا عملت إيه ضايقك.»
«والله مهتم كتير يعني تعرف شو اللي معصبني منك!»
«أيوة مهتم يانادين وتجاهلك ده بيعفرتني.»
صرخت به بغيظ وغيرة مشتعلة:
«لأنك مخادع وكذاب.»
ضيق عيناه بدهشة وعدم فهم ثم أجابها:
«أنا كذاب!!!»
نادين بنظرات ساخرة وغصب تلمح له بالكلام سبب غضبها:
«ما تنسى تعزمني على عرسك، أي!»
استغرق الأمر لحظات طويلة منه يتطلعها باستغراب حتى فهم مقصدها فانفجر ضاحكًا بقوة. ارتخت عضلات وجهها وغمغمت بريبة وغضب بسيط من ضحكه:
«على شو عم تضحك إنت؟!»
هتف حاتم من بين ضحكه:
«على غبائك.. إنتي فهمتي إيه!!»
نادين بقرف:
«إنك راح تتجوز.. شو اللي فهمته يعني غير هيك.»
تابع وهو لا يتوقف عن الضحك:
«وطبعًا افتكرتي إن اللي ناوي اتجوزها دي بنت غيرك.»
الكلمة الأخيرة أصابتها بالذهول وحالة من الصدمة وعدم الاستيعاب حتى. فبقت تحدقه ببلاهة كالحمقاء لينفجر ضاحكًا من جديد ويتمتم:
«مش بقولك غبية.»
رفعت سبابتها لمنتصف صدرها تشير لنفسها هامسة بذهول:
«يعني إنت كنت بتقصدني أنا؟!»
حاتم بابتسامة عريضة ونظرات غرامية:
«امممم تخيلي.»
عادت تسأله من جديد بنفس الصدمة حتى تزيد تأكيد رده:
«بدك تتجوزني أنا؟!»
عاد يضحك من جديد ليجيبها بعدم حيلة:
«ي**ا**بنت الناس أيوة هو أنا في حد في حياتي غيرك أساسًا.. إنتي اللي كنت بتكلم مع خالتي عليها.. وكنت ناوي افاتحك واقولك إني عايز اتجوزك.. بس غبائك خرب اللحظة وصدمني الصراحة.»
رغم السعادة التي اجتاحتها وكأنها حلقت بالسماء في لحظة من فرط فرحتها وقد بدأ قلبها بالتراقص في صدرها. إلا أنها هتفت بغيظ بسيط وسط ابتسامتها التي تجاهد في كبحها:
«أنا ماني غبية.. بعدين شو بيعرفني إنك تقصدني أنا.. بشم على ضهر إيدي متل ما بتقولوا ولا شو؟!»
توقف عن الضحك وغمز لها بعينيه في خبث ومشاكسة ثم تمتم بحماس يلمع بعينيه:
«طيب واديكي عرفتي أهو.. قولتي إيه بقى موافقة ولا لا؟!»
ابتسمت بخجل شديد وصعدت الحمرة لوجنتيها فانزوت نظرها عنه وبسطت كفها تهمس بخفوت رقيق:
«اعطيني المفتاح.»
حاتم بعبث:
«تؤ.. لما تردي الأول.»
تطلعت له بصعوبة وهدرت بتحذير لطيف وسط ابتسامتها الخجلة ووجنتبها الوردية:
«قلت اعطيني ياه.. وإلا برد هلأ وبقول مو موافقة.»
حمحم بخوف بسيط ووضع يده في جيب بنطاله يخرج البنطال ويجيب متراجعًا:
«لا وعلى إيه خلاص خدي المفتاح أهو.. فكري على أقل من مهلك كمان أنا مش مستعجل خالص.»
كانت ستنفجر ضاحكة لكنها تمالكت نفسها وجذبت المفتاح منه لتفتح الباب وهي تهتف بمثل شعبي مصري تعلمته من الخالة فاطمة:
«ناس تخاف متختشيش.»
رفع حاجبه بدهشة وهو يضحك على جملتها ثم تمتم بخفوت بعد رحيلها:
«طبيعي مش قاعدة أربعة وعشرين ساعة مع فطوم.. هنتظر إيه منها يعني.. دي أقل حاجة!!»
***
في تمام الساعة الثانية عشر بعد منتصف الليل من ذلك اليوم.......
عاد للمنزل بعد نهار طويل ومرهق قضاه بالعمل. فدخل أولًا لغرفة ابنته يلقى عليها نظرة دافئة من أمام الباب ثم يخرج ويتجه نحو غرفته. وكما توقع تمامًا أنه سيجدها نائمة.
نزع ملابسه عنه وارتدي بنطال منزلي يعلوه تيشرت أسود اللون. ثم اقترب من الفراش ودخل فيه بجوارها. التصق بظهرها واستند بمرفقه فوق الوسادة وكفه وضعه اسفل وجنته لتمتد أنامل يده الأخرى إلى بشرتها الناعمة وشعرها يمررها فوقهم بلطف وعيناه تتأملها بعمق وحب.
انزعجت في نومها من لمساته فرفعت يدها تلوح أمام وجهها ظانة لمساته ذبابة!
توقف عن لمساته حتى لا يزعجها أكثر من ذلك في نومها وانزل يده ليتمدد بشكل كامل فوق الفراش معانقًا إياها من الخلف بعمق. ذراعه يحيط بخصرها في تملك وأنفاسه الدافئة تلفح عنقها.
فتحت عيناها ببطء عندما شعرت بثقل فوق جسدها. ولوهلة كانت ستصرخ بخوف. لكن هدأ زعرها بعدما أدركته وتحول إلى صدمة لتبتعد فورًا عنه وتلتفت بجسدها كاملًا إليه هاتفة:
«عدنان!!!»
وجدته يختلس المسافة التي صنعتها ليحيطها بذراعه من جديد. وهذه المرة لم يعانقها بل القى برأسه فوق صدرها. تجمدت أمام تصرفه وسمعته يهمس متوسلًا:
«محتاج افضل في حضنك.. محتاجك ياجلنار.. ارجوكي متبعدنيش المرة دي بس على الأقل.»
سكون تام عم المكان بأكمله. هي تفرد ذراعيها جانبها وهو نائم فوق صدرها كطفل صغير وذراعه ملتف حول خصرها. اليوم يعترف للمرة الأولى باحتياجه لها. لن يسبق أبدًا وأخبارها بذلك من قبل. يتوسلها وهذا مخالف لطبيعته المتعجرفة التي لا تقبل الظهور ضعيفة أو جرح كبريائها.
وجدت نفسها تصدر زفيرًا حارًا وتخرج من بين شفتيها همسة يائسة باسمه ترغب بإبعاده ولكن قلبها لا يطاوعها:
«عدنان!»
ابتسم بدفء بعدما اخترقت همستها الجميلة أذنه واذابته. فمد يده يلتقط كفها ويقربه من شفتيه ليلثمه بعمق مجيبًا ببحة رجولية جميلة:
«عيونه!!»
عضت على شفاها السفلية بقوة مغمضة عيناها تحاول تمالك قلبها وردعه. إن لم تردعه ستندم لاحقًا ولا تريد أن تندم من جديد. فهمت بالإبتعاد والنهوض إلا أنه أحكم قبضته حولها جيدًا ورفع رأسه عن صدرها يحدجها بيأس وعينان تترجاها.
انهزمت أمام عيناه وقلبها فهتفت بخنق بسيط:
«متبصليش كدا!!!»
ابتسم بساحرية وحب ثم انحنى عليها يلثم جانب ثغرها بقبلة دافئة ويبعتد ليضع رأسه فوق الوسادة يتطلع إليه بتمعن. لتميل برأسها للجانب نحوه تحدقه بسكون للحظات طويلة. دار حديث تتكلم فيه الأعين فقط. حتى تنهدت هي واستدارت تنام على جانبها توليه ظهرها فتشعر به يعود ويضمها من الخلف. هذه المرة لم تبعده ولم تعترض بل استسلمت واغمضت عيناها براحة تترك الحرية لنفسها بالاستمتاع بهذه الساعات وهي بين ذراعيه!
***
فتحت عيناها بصباح اليوم التالي ولم تشعر به بجوارها. ظهرها كأنه عاري والبرودة تلفحه بعدما قضى الليل كله محاط بدفء جسده الآن اختفى ذلك الدفء.
سمعت صوته يتحدث بالهاتف. فالتفتت له برأسها لتراه مرتديًا ملابسه ومستعدًا للخروج. يهتف بالهاتف في عينان مظلمة:
«نفذ دلوقتي وأنا نص ساعة وأكون هنا.»