تحميل رواية «امرأة العقاب» PDF
بقلم ندى محمود توفيق
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
دقائق طويلة قاربت على النصف ساعة وهي تقف بشرفة المنزل ، تستند بمرفقيها على سور الشرفة ، وعيناها معلقة على بوابة المنزل الكبيرة منتظرة على أحر من الجمر وصول والدها ، لقد طال غيابه هذه المرة عنهم ولم تراه منذ اسبوعين .. وعندما علمت من أمها أن اليوم هو يوم عودته قفزت فرحًا وسعادة وأخذت تجهز كل ما ستخبره به من أحداث حدثت طوال الفترة الماضية ، تخرج الألعاب الجديدة التي قامت بشرائها حتى تريه إياها عندما يعود ورسوماتها الطفولية التي قامت برسمها بألوان مختلفة وجميلة اهداهم إليها عمها ! . وأخيرًا ها هي س...
رواية امرأة العقاب الفصل الأول 1 - بقلم ندى محمود توفيق
دقائق طويلة قاربت على النصف ساعة وهي تقف بشرفة المنزل ، تستند بمرفقيها على سور الشرفة ، وعيناها معلقة على بوابة المنزل الكبيرة منتظرة على أحر من الجمر وصول والدها ، لقد طال غيابه هذه المرة عنهم ولم تراه منذ اسبوعين .. وعندما علمت من أمها أن اليوم هو يوم عودته قفزت فرحًا وسعادة وأخذت تجهز كل ما ستخبره به من أحداث حدثت طوال الفترة الماضية ، تخرج الألعاب الجديدة التي قامت بشرائها حتى تريه إياها عندما يعود ورسوماتها الطفولية التي قامت برسمها بألوان مختلفة وجميلة اهداهم إليها عمها ! .
وأخيرًا ها هي سيارته الفخمة تعبر البوابة الحديدية ، وثبت من مكانها بفرحة ودخلت إلى المنزل تصرخ بطفولية متجهة نحو الباب حتى تخرج له :
_ بابا جه .. بابا جه
لم تبالي لتنبيهات أمها الصارمة بأن تهدأ من ركضها حتى لا تسقط .. فتحت باب المنزل ورأته وهو يتجه نحوها وابتسامة مشرقة وعريضة تعلو وجهه بعدما نزل من سيارته ، ركضت نحوه وارتمت بين ذراعيه ليحملها هو ويدور بها ويمطرها بوابل من قبلاته المشتاقة هامسًا :
_ وحشتيني أوي ياهنايا
إجابته بصوت طفولي سعيد به بعض الكلمات الغير مترتبة :
_ وأنت كمان شوحتني يا بابا !!
قهقه عاليًا ثم انحنى عليها يطبع قبلاته الحانية على وجنتيها ليشبع شوقه منها بينما هي فقالت بطفولية :
_ تعالي هوريك حجات حلوة اشتريتها
حملها على ذراعيه واستقام واقفًا وهو يتجه بها إلى داخل المنزل متمتمًا بصدمة مازحًا :
_ اشتريتي حجات حلوة من غيري .. لا كدا أنا زعلت منك يا هنا
انحنت على وجنته وطبعت قبلة لطيفة متمتمة برقة :
_ لا متزعلش عشان خاطري مش هشتري حاجة تاني من غيرك يابابا
دفن وجهه بين رقبتها يدغدغها بفمه ويقول بمشاكسة وضحك :
_ حبيبة قلب بابا
تعالت ضحكاتها وهي تحاول الإفلات من بين مشاكسة أبيها لها ولكن باتت محاولاتها كلها بالفشل .
فاق من شروده على صوت زوجته الأولى وهي تتمتم باستغراب :
_ عدنان أنا ليا ساعة بكلمك وأنت مش معايا خالص !!
تنهد الصعداء بحنق وتمتم بعبوس :
_ معلش يافريدة سرحت شوية
لوت فمها بغيظ وهتفت :
_ في جلنار مش كدا !
ظهرت الحدة على محياه بمجرد ذكرها لاسم زوجته الثانية وهتف بغضب :
_ لا في بنتي يافريدة اللي هتجن وأعرف خدتها وهربت بيها على فين
تأففت ووقفت ثم اقتربت منه وجلست بجواره على الأريكة تملس على شعره بحنو متمتمه بحب :
_ بنتك هتلاقيها ياحبيبي متقلقش
ثم استكملت بنظرات نارية وشيطانية :
_ بس الأهم إنك متسيبش الهانم من غير عقاب على عملتها دي ، الله اعلم خدت بنتك وهربت مع مين !
رمقها بنظرة مرعبة فهمت أنها حصلت على مبتغاها تمامًا وهو إشعال النيران في صدره حتى لا تتسنى لجلنار فرصة في الدفاع عن نفسها عندما يجدها ! .
***
بمكان آخر داخل أحد المنازل المتوسطة في ولاية كاليفورنيا بأمريكا الشمالية ...
انتهت من حمامها الصباحي الدافئ وخرجت ثم وقفت أمام المرآة تسرح شعرها وتجففه ، كانت تملك عينان بندقية ساحرة وشعر أسود طويل وملامح وجه رقيقة وصغيرة لا تناسب أم أبدًا بل فتاة مراهقة مازالت في سنها الثامن عشر ، حتى جسدها الممشوق والمثير يعطيها لمسة أنوثية مذهلة .
رغم مرور أربع سنوات على زواجها ولكنها لا تزال محتفظة بنضارتها وجمالها ، لم تترك الهموم والحزن يؤثر عليها ويغير من طبيعتها ووجهها ، وقفت صامدة أمام أقوى الظروف ولا تزال بقوتها .. لم يكن بالنسبة لها زواج بالمعنى الحقيقي ، بل هو صفقة عمل كما وصفها أبيها " نشأت الرازي " رجل الأعمال المشهور والكبير عندما تسنت له الفرصة حتى يحافظ على علاقاته العملية وصفقاته وأمواله مع إمبراطورية الشافعي الضخمة لم يتركها تضيع هباء .. وكانت موافقتها على الزواج من عدنان الشافعي أحد نجاح مخططاته في الوصول لمستوى مرموق وأكبر يرضي به اهوائه وجشعه ، أجبرها على الموافقة من رجل متزوج ويرغب في الزواج مرة أخرى حتى يحصل على الطفل الذي لم يحصل عليه من زوجته الأولى ، وكانت هي الوسيلة لحصوله على الطفل وحتى الآن هي بالنسبة له ليست سوى آلة تزوجها للإنجاب فقط ، ووالدها يرضى بهذه الوضع المهين الذى وضعها به ولكن السجينة خرجت عن طوع سجانها بعدما طفح كيلها وقررت أن تعلن تمردها ولا تقبل بالإهانة ! .
جلنار الرازي .. المرأة صاحبة الجمال الصارخ كما وصفها بعض الرجال ، ترعرعت ونشأت في بلاد الغرب حتى أصبحت تأخذ من طباعهم وحتى جمالها يقارب لجمالهم المثير ، طالما وصفتها قريناتها من النساء بصاحبة الأنف المرتفع ! .. أي المتعجرفة .
انتهت من ارتداء ملابسها وهتفت بصوت مرتفع بعض الشيء :
_ هنا تعالي يلا ياحبيبتي عشان تلبسي
ركضت الصغيرة نحو والدتها وكانت هي قد ارتدت ملابسها كاملة معادا حذائها فقالت جلنار بضحكة مندهشة :
_ إنتي لبستي وحدك شطورة ياحبيبتي
جلست الصغيرة على المقعد وبدأت في ارتداء حذائها وأمها تساعدها في ارتدائه بشكل صحيح ، لكنها تصلبت بأرضها عندما سمعت سؤال صغيرتها وعيناها حزينة تقول :
_ هو إمتى بابا هياجي يامامي ، وحشني أوي
ثبتت نظرها على ابنتها وتنهدت الصعداء بخنق ثم مدت يدها وملست على شعرها مغمغمه بوداعة :
_ بابا مش هياجي دلوقتي يا هنا
ما يقارب الشهرين وهي كلما تسأل والدتها عن أبيها تجيبها بإجابات غامضة وناقصة هكذا لا تفهمها ، وكأنها بدل أن تجيب تطرح عليها الأسئلة ! .
زمت هنا شفتيها للأمام بيأس وقالت :
_ طيب ليه مش بيكلمنا ؟!
ليتها تستطيع الإجابة .. ليتها تتمكن من العودة له لأجل طفلتهم فقط ، ولكن ارتيعادها يزداد كلما تتذكر عزمه على أن يأخذ ابنتها منها فور طلاقهم ، مما دفعها للهروب بها ! .
ابتلعت جلنار ريقها وقالت بإيجاز وهي تهب واقفة :
_ يلا بينا اونكل حاتم مستنينا تحت ، كدا هنتأخر عليه
استقامت هنا واقفة وسارت مع أمها إلى الخارج وعلى ملامحها العبوس والحزن لا ترفع نظرها عن الأرض ، خرجت واستقبلت حاتم الذي كان بانتظارهم ، لفت نظرها الصغيرة التي لم تلقي عليه التحية بحرارة وتعانقه بسعادة ككل مرة ، بل اتجهت إلى السيارة واستقلت بالمقعد الخلفي بمكانها دون أن تنتطق وكانت معالم وجهها الحزينة تحكي بدلًا عنها .
نظر إلى جلنار وهز رأسه باستغراب بمعنى " ماذا بها ؟! " لتتنهد الأخرى بضيق وتهز كتفيها لأعلى بعدم حيلة فيفهم فورًا السبب ويقول بخشونة :
_ عدنان مش كدا !!
_ ايوة مبقتش عارفة اقولها إيه تاني ياحاتم بتسأل علي باباها كل يوم وأنا زهقت .. ومقدرش اخليها تكلمه كمان ، أنا خايفة يلاقينا وياخدها مني ياحاتم .. خايفة أوي مش هقدر اعيش من غيرها
رأى الدموع المتجمعة في عيناها الجميلة ونبرتها العاجزة آثرت قلبه فلم يتمكن من الصمود أمامها حيث لف ذراعيه حولها يضمها لصدره متمتمًا بصوت رخيم ويداه تملس على شعرها :
_ متخافيش أنا معاكي ومش هيقدر ياخدها منك
سكنت بين ذراعيه للحظات قصيرة لكن عصفت بذهنها صورة عدنان وأدركت الوضع الذي يحدث الآن فابتعدت عن حاتم بهدوء وجففت دموعها تقول بجدية بسيطة :
_ يلا عشان منتأخرش على الشغل
أجابها مازحًا وهو يتجه نحو السيارة :
_ نتأخر إيه بقى ما انتي مع المدير نفسه وبياجي وياخدك كمان
سارت خلفه وهي تطرح عليه سؤالها بالإنجليزية وبنظرات ماكرة :
_ what do you mean ? . ( !ماذا تقصد ؟ )
تمتم يرد عليها بضحكة بسيطة :
_ nothing babe ( لا شيء يا عزيزتي )
استقلت بجواره في المقعد الأمامي بالسيارة والقت نظرة على ابنتها التي تنظر من النافذة بسكون تام دون أي حركة ، فتصدر زفيرًا حارًا في بؤس وتتابع الطريق من أمامها .
***
يمسك بيده فرشاة ويجلس على مقعد خشبي طويل مخصص للرسم ، وأمامه لوحته المميزة التي يعمل عليها منذ أيام طويلة بإتقان وتركيز حتى يكون الشكل النهائي لها مذهل كباقي أعماله الفنية ، كرس حياته منذ تخرجه من كلية الفنون الجميلة لممارسة هوايته المفضلة وهي الرسم ، حتى أنه افتتح معرضه الفني الخاص به والذي يأتي إليه الناس من مختلف الأماكن حتى يقتنوا لوحاته المذهلة ، بعدما تمكن وبفترة قصيرة أن يصنع اسمه في المجال الفني ويتصدر الصدارة .
آدم الشافعي .. الشاب اليافع الذي يبلغ من العمر خمسة وعشرون عامًا ، كانت تتسابق الفتيات في جامعته على التقرب منه ليس لجمال مظهره وشكله فقط ، بل حتى لثقافته ولطفه مع الجميع وموهبته الفريدة .. لكنه لم يكن من هواة النساء والتسكع .. الأمر الذي جعلهم ينفرون منه بالنهاية بعدما يأسوا من محاولاتهم الفاشلة معه ! .
طرقت الباب عدة طرقات صغيرة قبل أن تفتحه وتدخل لتتسع على شفتيها ابتسامة عريضة .. ثم اقتربت ووقفت خلف أبنها تطالع لوحته التي لم تكتمل بعد بإعجاب شديد ، بينما هو فالتفت برأسه نحوها يحدقها بثغر مبتسم ليخرج همسها أخيرًا :
_ إنت مش ناوي تخلصها ولا إيه ياحبيبي ، أنا متشوقة جدًا اشوفها بعد ما تكمل
_ هانت خلاص ياماما فاصل فيها شوية لمسات صغيرة وتبقى انتهت تمامًا .. بس إيه رأيك فيها ؟
أجابته بانبهار بعدما أعادت النظر فيها من جديد تتفحص تفاصيلها الدقيقة والمذهلة :
_ جميلة أوي يا آدم .. قولي بقى هو إمتى هيكون افتتاح المعرض
تمتم وهو يمسك بالفرشاة من جديد ويستكمل ما توقف عنده قبل دخولها :
_ خلال الاسبوعين الجايين إن شاء الله
انحنت وطبعت قبلة على شعره ثم هتفت بحنو :
_ ربنا يوفقك ياحبيبي .. أنا هروح اعملك فنجان قهوة من اللي بتحبه عشان تعرف تبدع كدا يافنان
قهقه بخفة وأجابها وهو يغمز لها بمداعبة :
_ ربنا يخليكي ليا ياسمسم يافهماني إنتي
بادلته الضحك وهي تتجه نحو الباب لتنصرف وتتركه يستأنف عمله .
أسمهان الشافعي .. والدة عدنان وآدم ، تبلغ من العمر خمسة وخمسين عامًا ، رغم تقدمها في السن إلا أنها لا تزال بكامل صحتها وجمالها .. عرفت بالمرأة المتسلطة والصارمة ، لديها من النرجسية ما يكفي لجعل الكثير يبغضها ويبتعد عنها ، ولديها طبع حاد لا يتحمله أحد خصوصًا مع من تكرهه ، لكنها تكون بكامل حنانها ولطافتها مع أولادها وربما بعض الشيء مع زوجة ابنها ( فريدة ) ، نظرًا لأن علاقتهم جيدة وأشبه بالأصدقاء لكن جلنار لم تحصل منها سوى على الكره والمكائد والنفور لأنها لم تكن موافقة على هذا الزواج منذ البداية .
***
بولاية كاليفورنيا ....
تجلس بمكتبها على الأريكة الصغيرة وبيدها كوب القهوة الخاص بها تحتسيه بهدوء وعقلها مشغول بالتفكير في زوجها ، بالتأكيد أنه لم يترك مكان إلا وبحث فيه عنهم ، ولابد أنه الآن يعاني أشد العناء من فراق ابنته ويتوعد لها بعقاب عسير عندما يجدها .
قذفت بذهنها ذكرى مأسوية لهم من شجارتهم الدائمة وكانت هذه هي آخر مشاجرة بينهم قبل أن تأخذ ابنتها وتذهب لأمريكا .
_ عايزة أطلق يا عدنان !
كانت جملة صريحة منها تحمل الغضب والانفعال بينما هو فأجابها بكامل هدوئه دون أن يعير انفعالها أي اهتمام :
_ واحنا اتكلمنا في الموضوع ده ميت مرة ياجلنار وكان ردي واضح
صاحت به بنبرة مرتفعة وسخط :
_ نتكلم تاني وتالت وعاشر وللمرة المليون كمان .. لغاية ما تفهم إني مبقتش عايزاك خلاص وعايزة أطلق
جز على أسنانه بغيظ فقد بدأ الغضب يستحوذ عليه هو الآخر حيث صرخ بها بصوته الجهوري :
_ وعايزة تتطلقي ليه .. ما إنتي عايشة ملكة وكل اللي بتعوزيه بيكون عندك
_ عشان أنا مش هقبل أكون على الرف تاني كفاية أوي اربع سنين عشتهم معاك وأنا بتعذب من عدم اهتمامك بيا وكأني نكرة مش موجودة .. أنت حياتك كلها عبارة عن أسمهان هانم وشغلك وأخوك وبنتك وطبعًا من هننسى فريدة هانم دي أهم حاجة ، وجلنار ملهاش أي جزء من حياتك ، ومتحاولش تقول أي حاجة لإني عارفة كويس اوي إنك عمرك ما حبتني ولا هتحبني ، أنت قلبك وعقلك مستحوذة عليه مراتك وأنا مليش مكان فيه
بقى صامتًا يستمع لحديثها كامل حتى انتهت فيجيبها بعند :
_ مش هطلقك غير بمزاجي ياجلنار متتعبيش نفسك
ثم تركها واتجه نحو الباب فركضت هي خلفه وامسكت بذراعه ترغمه على الوقوف وتهتف بإصرار :
_ هتطلقني ياعدنان غصب عنك فاهم ولا لا
حدقها بصمت لثواني معدودة ثم نفض يدها عن ذراعه وأكمل طريقه نحو باب المنزل لينصرف ، لكنه توقف عند الباب لدقيقتين تقريبًا ثم التفت برأسه نحوها وكأنه تحول مائة وثمانون درجة حيث تمتم بجمود مزيف :
_ تمام طالما دي رغبتك ومصرة عليها يبقى تستحملي النتائج ، هطلقك ياجلنار موافق
ألقى بجملته النارية عليها وانصرف ليتركها تتطرح الأسئلة عن معنى كلماته وماهي النتائج التي يقصدها ؟ ، ولم تحصل على إجابتها إلا عندما عرفت بمخططه هو وأبيها ! .
أفاقت من ذكرياتها عندما أحست بالماء الدافئة التي تجري على وجنتيها ، فمدت أناملها وجففتهم بسرعة وهي تهمس بصوت مسموع :
_ مس هسمحلك تاخد بنتي مني ياعدنان
***
عودة إلى القاهرة ....
وصلت إلى منزل خالتها ووقفت بالحديقة تتطلع لأعلى تحديدًا لنافذة غرفته ، فرأت ظلًا يتحرك في الغرفة ، عرفت فورًا أنه بالمنزل .. أخذت نفسًا عميقًا وقالت بارتباك :
_ أهدى خالص يازينة مش هتتوتري زي كل مرة فاهمة ولا لا ، اتصرفي بطبيعية جدًا .. ده آدم يعني مش حد غريب !
قادت خطواتها المرتبكة إلى الداخل ، فقد حدثتها خالتها بالهاتف وطلبت منها أن تأتي إليها حتى تتحدث معها تحت مسمى الشوق ، وأنها اشتاقت لها .
وقفت أمام الباب ورفعت يدها حتى تطرق على الباب ولكن دهشت بأسمهان التي فتحت لها قبل أن تطرق حتى ، ضيقت زينة عيناها باستغراب من أفعال خالتها الغريبة ، وباللحظة التالية فورًا كانت أسمهان تضمها معانقة إياها بحرارة وهي تتمتم بحب :
_ عاملة إيه ياوزة وحشتيني يابنت !
خرجت من حالتها المتعجبة ليتمكن منها الغضب وهي تهتف محتجة :
_ وبعدين ياخالتو كام مرة هقولك متقوليش الاسم المستفز ده .. إيه وزة ده كمان !!
قهقهت أسمهان بملأ شدقيها ثم دفعتها للداخل وأغلقت الباب وهي تهتف :
_ طيب ادخلي يلا
دارت زينة بنظرها في أرجاء المنزل وكأنها تتأكد من عدم وجوده ثم تنهدت بارتياح وسألت بريبة :
_ هو في حاجة ياخالتو ولا إيه ؟!
جذبتها من ذراعها واجلستها على الأريكة أمامها ثم همست بصوت منخفض :
_ آدم بيجهز في المعرض
سرت برودة في جسدها بمجرد سماعها لاسمه وبدأ قلبها ينبض كالمطرقة ، ثم أجابت على خالتها بصوت مرتبك :
_ بجد .. أنا كنت فاكرة أنه لسا فاضل وقت عليه
_ اتلحلحي كدا وروحي ساعديه واقفي معاه .. قربي منه واتكلموا مع بعض
اتسعت عيناها وأشارت بسابتها على نفسها تهتف مندهشة :
_ أنا !!!
لكزتها أسمهان في كتفها ثم استكملت همسها وهي تغمز لها بمكر :
_ أيوة إنتي ، هتعملي نفسك مش فهماني
_ أحم .. إنتي فاهمة غلط يا أسمهان هانم على فكرة ، الموضوع مش كدا خالص
كادت أن تجيبها ولكن صوت آدم الذي كان ينزل الدرج جعلها تبتلع جملتها في جوفها ، حيث كان يهتف بعذوبة :
_ إيه ده وزة بنفسها عندنا !
ظلت تحدق بها بهيام وهي مبتسمة وهمست لنفسها بصوت غير مسموع بعدما سمعته يقول لها بنفس الاسم الذي سمعته من خالتها للتو :
_ لا إنت تقول اللي عايزه براحتك !
وصل لها أخيرًا ومد يده وهو يقول بابتسامته المذهلة :
_ عاملة إيه يازينة ؟
توترت وتزايدت نبضات قلبها حتى أحست أنه يسمعها ، كانت قد عزمت على أنها لن تتوتر عندما تراه ولكن سرعان ما فعلت العكس ! .
مدت يدها بعد ثواني مرت كالسنين بالنسبة لها وصافحته بخجل مفرط تجيب عليه بصوت متلعثم :
_الحمدلله كـ..ويسة
قررت أسمهان أن تنقذ ابنة اختها من الوضع المرهق للأعصاب التي هي فيه حيث ثبتت نظرها على ملابس ابنها وسألت :
_ إنت خارج ولا إيه يا آدم ؟
قال بإيجاب :
_ آه ورايا كام مشوار كدا هخلصهم وبعدين هروح الشركة عند عدنان
_ طيب ياحبيبي خلي بالك من نفسك
اكتفى بابتسامته ثم نظر لزينة مرة أخرى وقال بلطافة مألوفة عليه :
_ عايزة حاجة يازينة ؟
كلما يوجه لها الحديث يعود توترها وارتباكها ليصبح الضعف وتسير رعشة في جسدها ، حتى أن وجنتيها تصعد الحمرة إليهم ، أبت الرد عليه حتى لا تتفوه بحماقات وسط تعلثمها وخجلها واكتفت بهز رأسها بالنفي وهي ترسم على شفتيها ابتسامة مرتبكة .
***
_ يعني إيه مطلعتش هيا !!
كانت صيحة عنيفة انطلقت منه فأجابه الطرف الآخر هاتفيًا :
_ ياعدنان بيه حصل لبس في الأسماء مش أكتر واختلط علينا الأسم ، لكن اسم زوجة حضرتك مش موجودة في سجلات المطار نهائي ، والمعلومات اللي وصلت لحضرتك عن الاسم كان خطأ وتشابه اسماء في الاسم الأول فقط
لم يتمكن من الرد عليه أو حتى تكملة المكالمة حيث ألقى بالهاتف على الأريكة وهو يخرج من بين شفتيه سباب لاعنة وألفاظ نابية على الجميع ، شهرين كاملين وهو يبحث عن زوجته وابنته ولا أثر لهم وكأن الأرض انشقت وابتلعتهم ، لم يعد يحتمل التوتر والخوف أكثر من ذلك .. قلبه يعتصر ألمًا وشوقًا لابنته يخشى أن يصيبها مكروه ، وعقله لا يتوقف عن بث الأفكار السيئة في ذهنه حول هروب زوجته مع رجل آخر وأخذها لصغيرته معها .. كلما تقذف هذه الأفكار في عقله يشعر وكأنه على وشك أن يتحول لبركان سيقضى على الأخضر واليابس .
جذبه من موجة غضبه العاتية طرق الباب ودخول نشأت الرازي ، طالعه عدنان مبتسم بعدوانية وقال بنظرة مريبة :
_ أهلًا يا نشأت بيه .. ولا اقولك ياحمايا .. نورت المكتب والله ، لا ده الشركة كلها نورت
هتف نشأت بحزم :
_ بلاش الاسلوب ده ياعدنان .. أنا جاي اسألك لو عرفت حاجة عن جلنار أنا دورت في كل مكان ومفيش أثر ليها
ضحك عدنان وأجابه باستهزاء وأعين ثاقبة :
_ أشك إنك دورت أصلًا عليها
استشاط نشأت غيظًا وهتف بتحذير :
_ متنساش إنها بنتي كمان .. وأكيد هبقى خايف عليها زيك واكتر
هتف عدنان بوجه جامد خالي من المشاعر وبنبرة غليظة :
_ ومين قالك إني خايف عليها أساسًا .. أنا كل اللي يهمني بنتي ، أما بنتك فحسابها هيكون عسير أوي معايا لما الاقيها
اندفع نحوه نشأت ورفع سبابته في وجهه يقول بنبرة منذرة لأول مرة تكون حقيقية ويرى الغضب ومشاعر الأبوة الحقيقية في عيناه :
_ احنا اتفاقنا كان إنك هتطلق بنتي زي ما هيا عايزة وهتاخد بنتك ، لكن لو إيدك لمست شعرة واحدة منها هوديك ورا الشمس ياعدنان
خرجت ضحكة عالية من عدنان كانت تحمل السخرية والشر ثم أجابه من بين ضحكه :
_ إيه مشاعر الأبوة الجديدة دي اللي ظهرت عليك مرة واحدة مش هي دي برضوا بنتك اللي ما صدقت تجوزها ليا لما لقيت أن هيكون في مصلحة حلوة ليك من ورا الجوازة دي .. دلوقتي جاي بتهددني وإني مقربش منها .. ثم إن اتفاقنا ده كان قبل ما الهانم بنتك تاخد بنتي وتهرب بيها ، ونصيحة مني واحد زيك ميحقلهوش أنه يهددني أصلًا لأن انا اللي اقدر اوديك ورا الشمس بحركة واحدة مني
لم ينكر نشأت أن شعور الخوف بداخله بدأ يتفاقم من تهديد عدنان له بالأخص وهو يعرف أنه يعي تمامًا ما قاله وأنه بإمكانه بالفعل أن يطيح به إلى الهاوية ، لكن أبى أن يظهر له مشاعر التوتر التي تملكته واكتفى بنظراته النارية له وجملته قبل أن يستدير وينصرف :
_ أنا قولت اللي عندي ياعدنان
***
في أمريكا ....
توقفت سيارته أمام المنزل ، ثم نظرت جلنار إلى ابنتها النائمة في المقعد الخلفي وظهر الحزن على محياها ، فشعرت بكف حاتم وهو يملس على ظهر كفها متمتمًا بنظرة ذات معنى :
_ متقلقيش لما تصحى هتبقى كويسة ، طبيعي تزعل بالشكل ده خصوصًا إنها متعلقة بأبوها جدًا
اعتدلت في جلستها وزمت شفتيها للأمام بعبوس وغمغمت :
_ أحيانًا لما بقعد مع نفسي ، بفكر وأقول هو أنا غلطت لما اخدتها وهربت بيها وحرمته منها رغم إني عارفة أن روحه فيها وأكيد هو حاليًا بيتعذب عذاب بشع من كتر خوفه وشوقه عليها ، وفي نفس الوقت برجع وبقول ما هو كمان كان هيحرمني منها ومهمتش بيا ولا أني ازاي هقدر أعيش من غيرها
أجابها حاتم بنظرات حازمة :
_ مش هيفرق دلوقتي اللي حصل ده كان غلط أو صح ، أهم حاجة إنك مسكتيش عن اللي بيحصلك وطلبتي الطلاق واصريتي عليه ، واحد زي عدنان ميستهلكيش ولا يستاهل بنته حتى
بدت على ملامحها الاستياء من آخر جملة تفوه بها وقالت بحدة :
_ حاتم أنا مطلبتش الطلاق بسبب أن عدنان وحش .. هو عمره ما كان بني آدم مش كويس معايا ، أنا طلبت الطلاق ليه لأني مستحملتش أكون مهملة بالشكل ده اكتر من كدا
حاتم بعصبية شديدة :
_ ولما هو مش وحش اتفق مع ابوكي أنه يطلقك وياخد بنتك منك ليه ياجلنار .. فوقي وفتحي عينك ، شكله قلبك لسا متعلق بيه رغم كل اللي عمله وبيعمله معاكي
_ أنت عارف كويس أوي ياحاتم أني مبحبش عدنان فبلاش تتكلم بالأسلوب ده معايا
ابتسم بغضب واجابها باستنكار :
_ آه فعلًا واضح جدًا إنك مش بتحبيه وخصوصًا وإنتي بتدافعي عنه قدامي
انفعلت بشدة وظهر الأحمرار في عيناها فنزلت من السيارة وفتحت الباب الخلفي ثم حملت ابنتها على ذراعيها وقالت وهي تبتعد عن السيارة :
_ I think إن انت محتاج ترتاح شوية ياحاتم لأن شكلك مرهق وتعبان
نزل من السيارة وصاح مناديًا عليها بسخط :
_ جلنار استني !
أتاه صوتها الجاف وهي تقول دون أن تلتفت له :
_ نتقابل بكرا في الشغل ياحاتم إن شاء الله ، روح وارتاح في بيتك وبعدين نتكلم
تأفف بقوة حتى وصل صوته لأذنيها ثم استقل بسيارته مرة أخرى وانطلق بها وهو مشتعل بنيران الغيظ والغضب .
***
عودة إلى القاهرة مرة أخرى ...
داخل منزل عدنان الشافعي كانت تجلس كل من أسمهان وفريدة بالصالون ويتحدثون بين بعضهم البعض عن جلنار ، حيث هتفت فريدة بسخرية ولهجة تحمل السعادة :
_ لغاية دلوقتي مفيش أي خبر عنها ياماما كأنها فص ملح وداب !
أجابت أسمهان بنبرة محتدمة :
_ ياخوفي لتطلع هربانة مع راجل تاني .. مش بعيد عليها مش بنت نشأت الرازي هتطلع لمين
التزمت فريدة الصمت لدقائق معدودة وهي تفكر بأمر زوجها ، تخشى أن تكون تلك المرأة قد تمكنت من قلبه والأمر ليس مجرد خوفه على ابنته فقط ! .
خرج صوت فريدة المختنق :
_ خايفة يكون عدنان الموضوع مش موضوع بنته بس
ظهر الغل والحقد في عيني أسمهان التي هتفت فورًا :
_ وإنتي فكرك إني هسمحلها تكمل مع ابني اكتر من كدا الحقيرة دي .. أنا معنديش غير مرات ابن واحدة وهي إنتي يافريدة
لاحت ابتسامة كلها ثقة وغرور على ثغر فريدة وفي صميمها تحمل الوعيد والضغينة لجلنار .
قطع حديثهم انفتاح الباب ودخول عدنان وذهابه نحو غرفته فورًا دون أن ينظر لهم حتى وكانت معالم وجهه تكشف عن حالته ، تبادلا الاثنين النظرات المتعجبة بينهم وهبت فريدة واقفة ولحقت به لأعلى في غرفتهم .. فتحت الباب ودخلت ثم اغلقته خلفها ببطء ، وقعت عيناها عليه وهو يقف أمام النافذة ويشعل سيجارته ثم يضعها في فمه ويخرجها لينفث دخانها بشراسة من بين شفتيه .
اقتربت منه بخطوات رقيقة مدروسة ثم وقفت خلفه ومدت يدها تملس على شعره متمتمة بهمس أنوثي :
_ عدنان !
اتاها صوته المتحشرج وهو يقول :
_ سبيني لوحدي يافريدة من فضلك
تحركت ووقفت أمامه ثم جذبت السيجارة من بين أنامله وهي تبتسم باغواء ، وتهمهم برقة ونظرات عاطفية تعرف أثرها عليه :
_ وهو في مرة كنت مضايق بالشكل ده وفريدتك سابتك وحدك ، مقدرش أسيبك ياحبيبي .. قولي مالك ؟
نجحت في امتصاص غضبه بسهولة حيث علت الابتسامة المحبة على وجهه وأمسك بكفها يرفعه إلى شفتيه ليثلمه متمتمًا :
_ كفاية وجودك جمبي ياحبيبتي .. إنتي وبنتي أهم اتنين بنسبالي دلوقتي
ها هي تنجح تدريجيًا في نزع كل جزء جيد يكنه في قلبه لتلك الزوجة المتمردة ، حتى تعود من جديد هي الفريدة من كل شيء ولا نظير لها .
ارتمت بين ذراعيه وهي تهمس بهيام :
_ أنا بحبك أوي ياعدنان
_ وأنا كمان بحبك ياروح عدنان
جالت بعقلها جملة قالتها لها " أسمهان " ذات مرة ( ستظلين الأولى في كل شيء بالنسبة لعدنان ، لطالما حافظتِ على الصدارة ولم تخسريها ! ) .
***
أشعة الشمس المتسللة من النافذة اخترقت جفنيها فسببت لها الازعاج في نومها ، تململت في الفراش بضيق وهي تدفن وجهها في الوسادة حتى تختبأ من أشعة الشمس ولكن دون فائدة .. فتحت عيناها وهي تزفر بخنق ثم نظرت إلى جانب الفراش الفارغ من ابنتها فقطبت جبينها ، ثم استقامت جالسة وهي تفرك عيناها لتزيح أثر النوم وترجع بخصلات شعرها الناعمة إلى خلف أذنيها ، ثم نزلت من الفراش وسارت إلى خارج الغرفة وهي تصيح منادية على ابنتها :
_هنا !
لم تجد إجابة منها ، فكانت وجهتها الأولى نحو التلفاز فلم تجدها ، عادت و اتجهت نحو غرفة صغيرتها ولا يوجد لها أثر أيضًا بها .. انقبض قلبها وبدأ الخوف يتسلل لقلبها وزاد تدفق هرمون الادرينالين في جسدها حيث اندفعت تبحث عنها في باقية المنزل وهي تصيح بارتعاد :
_ هنا .. هنا !
الفصل الثاني 2
رواية امرأة العقاب الفصل الثاني 2 - بقلم ندى محمود توفيق
انقبض قلبها وبدأ الخوف يتسلل لقلبها وزاد تدفق هرمون الادرينالين في جسدها حيث اندفعت تبحث عنها في باقية المنزل وهي تصيح بارتعاد :
_ هنا .. هنا !!!
بينما هي تمر من جانب الشرفة لمحت شيء بالحديقة ، فعادت مرة أخرى ونظرت من النافذة وإذا بها تجد ابنتها مع حاتم ويلعبون معًا ، أصدرت تنهيدة حارة بارتياح ثم ابتعدت عن الشرفة واتجهت لتغادر المنزل بأكمله وتقترب منهم وهي على وجهها ابتسامة معاتبة فنظر لها حاتم وقال بإحراج :
_ عارف إننا اتخانقنا إمبارح .. أو هي متعتبرش خناقة بس حبيت أجي واعتذر منك لو ضايقتك
ضحكت باستهزاء ثم اقتربت ونكزته في كتفه وهي تقول بمداعبة :
_ مفيش زعل بينا ياحاتم ، مقدرش ازعل منك أصلًا ..ثم انك فسرت نظرتي غلط أنا ببصلك كدا لأنك جيت ومصحتنيش واخدت " هنا " وبتلعبوا انت وهيا هنا وأنا لما صحيت وملقتهاش جمبي اتخضيت
غمز لها بعيناه في مغازلة صريحة وهمس :
_ سلامتك من الخضة ياجميل أنت !
كبحت ابتسامتها الخجلة من الظهور وضربته على ذراعه بخفة تهتف في جدية شبه مصطنعة :
_ احترم نفسك
خرج صوت هنا وهي تقول بتذمر :
_ ماما أنا جعانة
انحنت عليها جلنار وطبعت قبلة على شعرها وهي تهتف بحنو امتزج بالمزح :
_ حاضر ياحبيبتي هروح احضر breakfast بس عمو حاتم مش هيفطر معانا
احتجت الصغيرة وتشبثت بقدم حاتم وهي تقول بغضب :
_ لا هيفطر معانا
قهقه حاتم وقال ضاحكًا :
_ ظهر الحق .. عشان بتأجي عليا ياظالمة ده أنا حتى غلبان .. اخص على الندالة اخص ، هي مفيش غير البنت هنا دي حبيبتي
ثم رفعها من على الأرض وحملها ليلثم وجنتها بحب فتتعالى ضحكات جلنار وتتركهم وتتجه للداخل حتى تقوم بتحضير الفطار بينما حاتم نظر لهنا وقال يترقب :
_ يعني إنتي عايزاني أقعد
هزت رأسها بإيجاب في ابتسامة جميلة فيقول هو بحزن مزيف :
_ انا بقول امشي افضل بكرامتي لاحسن مامتك تطردني
ظهر الغيظ على ملامح هنا الطفولية لتقول بلهجة مثيرة للضحك :
_ مش تمشي ياعاتم
حاتم :
_ عتمتيني ليه يا ام لسان مقطوع .. عارفة يابت ما اسمعك بتقوليلي عاتم تاني لامسكك السلك عريان
أخفت هنا ضحكتها الخجلة بكفها وهي تضحك على سخطه ونطقها الخطأ لاسمه .
***
كان كل من آدم وأسمهان يجلسون على مائدة الطعام والصمت يغلف المكان من حولهم إلا عند نزول فريدة من غرفتها وهي ترتدي ملابسها تستعد للخروج ، فنظرت لها أسمهان باستغراب فتقول فريدة بابتسامة صفراء بعض الشيء :
_ أنا خارجة هشتري كام حاجة وراجعة بسرعة ياماما
أسمهان بتعجب :
_ مش هتفطري طيب ياحبيبتي !
_ لا لا مش جعانة لما ارجع هبقى أكل
ثم اندفعت مسرعة إلى خارج المنزل مما جعل أسمهان تحدق بها بريبة ، أما آدم فهتف ببرود وهو يلقي بقطعة خيار في فمه :
_ مش ملاحظة إن خروج فريدة زاد أوي الفترة دي ، وكل مرة بتخرج لنفس السبب .. هو عدنان عارف بخروجها المستمر ده !!
رمقته أسمهان بتهكم ولم تجيب عليه بينما هو فاستكمل أسألته وهو يطرح هذه المرة السؤال بخصوص زوجة أخيه الثانية :
_ لسا مفيش أخبار عن جلنار وهنا
أسمهان بصيحة عنيفة :
_ متجبليش سيرتها يا آدم .. أنا مش ناقصة حرقة دم على الصبح
ابتسم بسخرية وهب واقفًا دون أن يكمل طعامه ثم قال بنظرة مميتة :
_ هتفضلي كدا دايمًا يا أسمهان هانم مش بتقتنعي غير باللي على مزاجك .. ولعلمك بقى فريدة فيها حاجة مش مظبوطة وصدقيني لو طلع اللي في دماغي صح مش هسكت
***
انتهت كل حلوله للوصول إليها ولم يعد يعرف كيف يصل إليها بعد محاولات لا تعد من كثرتها وجميعها باتت بالفشل .
وقرر بالأخير أن يلجأ للورقة الأخيرة وهي صديقتها المقربة لعلها تكون تعرف مكانها وتخبره ، ترجل من سيارته أمام مقهى صغير ومعروف ملكًا لها ثم قاد خطواته إلى الداخل ووقف بين الطاولات ينقل نظره بين الجميع يبحث عنها .. حتى وجدها تقف مع أحد العاملين بالمكان ، فتحرك نحوها حتى وقف خلفها وهتف بصوت رجولي قوى :
_ ازيك يا هبة
التفتت بكامل جسدها للخلف مفزوعة على أثر الصوت وبمجرد ما وقعت عيناها عليه تمتمت بدهشة :
_ عدنان !
_ أنا كنت جاي اسألك لو تعرفي حاجة عن جلنار ، هي ملهاش اصدقاء غيرك تقريبًا
ارتبكت بشدة وهمت بالابتعاد عنه وهي تقول بعجلة :
_ معرفش حاجة عنها
أمسك برسغها قبل أن تذهب وقال بحدة :
_ هبة إنتي قريبة من جلنار جدًا وأكيد هتكون قالتلك حاجة قبل ما تختفي أو يمكن لسا بتتواصل معاكي كمان
حاولت إفلات يدها من قبضته وهي تقول باضطراب :
_ قولتلك معرفش عنها حاجة ياعدنان ، وسبب إيدي لو سمحت
التفت عدنان برأسه ينظر للزبائن التي بدأت تلاحظ الوضع المشحون بالتوتر بينهم فجذبها من ذراعها عنوة إلى خارج المقهي وهتف بشبه صيحة وهو يضغط على ذراعها بقوة:
_ قولي اللي تعرفيه ياهبة
تأوهت بألم وقالت بسخط ونبرة مرتفعة :
_ سيب إيدي أنت اتجننت !!
ترك يدها ورفع كفيه لأعلى كدليل على أنه لن يلمسها مجددًا ثم قال بنظرات مشتعلة :
_ اديني سبتها أهو .. يلا اتكلمي
أجابته بنظرات مستاءة وهي تدلك ذراعها موضع قبضته المؤلمة عليه :
_ معرفش غير إنها برا مصر وهي مقالتش ليا حاجة غير ده وآخر مرة أشوفها أو اكلمها كان قبل ما تسافر ومن وقتها معرفش عنها حاجة ..خلاص عرفت وياريت بقى متجايش تاني الكافيه عندي
ثم تركته ودخلت إلى المقهى مرة أخرى ، بينما هو فأخذ يطرح الأسئلة على ذهنه بحيرة ودهشة .. كيف خارج مصر ، وهي ليس لها أثر في سجلات المطار نهائي ؟ .
***
وقفت أمام المعرض مترددة .. اتستمع لنصيحة خالتها أم تستدير وتعود مرة أخرى من حيث أتت ، رؤيتها له تثير الكثير من العبث في نفسها المتيمة به .
منذ سنين وهي تعاني من عذاب الهوى ، ولا تتمكن من الاعتراف أو حتى الأقتراب منه .. كلما تأخذ خطوة وتبرر أنها ستتقرب منه أكثر لعله يشعر بمشاعرها تجاهه خجلها يرجع بها للخلف ألف خطوة ، لكنها هذه المرة عزمت على أن تتخلي عن هذه الخجل أو ربما القليل منه ! .
رأته وهو يخرج من المعرض فارتبكت واستدارت فورًا متخلية عن قرارها ولكن صوته الهادئ وهو ينده عليها جمدها بأرضها :
_ زينة !
لعنت نفسها ألف مرة وهمست بندم :
_ يارتني ما سمعت كلامك ياخالتو
أخذت نفسًا عميقًا ثم استدارت له مرة أخرى. بجسدها وانتظرته حتى اقترب ووقف أمامها لتهتف متلعثمة كالعادة :
_ أااصل ..أصل أنا كـ.. كنت معدية بالصدفة من قدام المعرض وقولت ادخل اسلم عليك بس خوفت تكون مش فاضي ولا حاجة فكنت هرجع تاني
أجابها آدم ضاحكًا :
_ لا فاضي .. تعالي ادخلي هفرجك على التجهيزات اللي خلصت ونقعد نشرب فنجانين قهوة مع بعض
زينة بابتسامة متوترة :
_ مبحبش القهوة !
آدم :
_ خلاص هنشرب شاي يازينة .. ادخلي يابنتي مالك متصنمة كدا ليه !
سارت معه للداخل باستحياء ثم بدأ هو يعرض عليها ويريها كل مكان بالمعرض وكل لوحة سيتم عرضها وهي تتابع فقط بصمت وتكتفي بكلمة واحدة على كل شيء تراه من فرط خجلها ( جميلة ! ) .
لم يكن آدم بأحمق حتى لا يفهم مشاعرها تجاهه ولكنه كان يتصرف بطبيعية تمامًا وكأنه لا يدري بأي شيء .
***
في أمريكا ....
غربت الشمس وحل الظلام وكانت جلنار تجلس مع ابنتها على الأريكة أمام التلفاز يشاهدون أحد أفلام الأطفال المحببة لهنا .. لكنها لم تكن في حالتها المعتادة عندما تشاهد هذا الفيلم ، حيث كانت تجلس بجوار والدتها وتضع كفها أسفل وجنتها وعيناها معلقة على التلفاز دون أن تظهر أي تعبير وجه أو تفاعل ، فقط العبوس يستحوذ عليها .
كانت جلنار تلقى نظرة عليها كل آن وآن ، قلبها يتمزق ألمًا كلما تراها حزينة هكذا من فراق أبيها وشوقها له ، وبنفس اللحظة تخشي أن تتصل به فيعرف مكانهم .. الهروب ليس من شيمها أجل لكن حين يتعلق الأمر بصغيرتها هي على استعداد أن تفعل أي شيء من أجلها .
حين يتصرف الولدين بأنانية وعدم حكمة ورزانة يكون الضحية الوحيدة بينهم هو الطفل .
وهذا ما حدث بالضبط .. كل منهم فكر في طريقة تروق له حتى يكون مع صغيرته ولم يفكروا بماذا تريد هي ، وكانت النتائج هكذا ، تجلس الطفلة حزينة تعاني من اشتياقها لأبيها ولا تقوى على فعل شيء سوى الاستماع لحجج والدتها الواهية في غياب أبيها عنهم وابتعادهم عن منزلهم لكل هذه الفترة الطويلة ! .
تنهدت جلنار بعدم حيلة واقتربت من ابنتها تقول بخفوت :
_ هنا .. هنكلم بابا بس بشرط
تهللت أساريرها فورًا وقالت بفرحة غامرة :
_ إيه هو ؟
_ مش هنقوله احنا قاعدين فين .. لأن كدا المفاجأة اللي احنا عاملينها ليه هتبوظ
هنا باستغراب :
_ مفاجأة إيه ؟
أجابت جلنار بابتسامة عذبة :
_ مش بابا عيد ميلاده قرب احنا هنعمله مفاجأة حلوة وهنرجع البيت في يوم عيد ميلاده عشان يتفاجيء بينا ، لكن لو قولناله مكانا هياجي هو والمفاجأة هتبوظ
وثبت الصغيرة فرحًا على الأريكة بمجرد سماعها لجملة والدتها حول عودتهم القريبة إلى منزلهم الأصلي وقالت بإيجاب في ابتسامة ماكرة وهي تغمز لها :
_ مش هنقوله
أمسكت جلنار بهاتفها وطالعت صغيرتها بابتسامة متوترة ، بدأت دقات قلبها تتسارع وصوت بعقلها يلح عليها بطريقة مرهقة للأعصاب ( تراجعي لا تفعليها !! .. ستندمين صدقيني ) ، كانت على وشك التراجع بالفعل لكنها لم تفعلها على آخر لحظة فقط من أجل صغيرتها التي تتحرق شوقًا لمحادثة والدها بعد غياب شهرين ، وربما حتى هي التفكير بأنها ستحادثه بعد كل هذا الغياب أربكها .
كان عدنان بمكتبه الخاص في المنزل يمسك بصورة لابنته يحدق بها في أسى وشوق ، ثم رفعها لشفتيه وقبلها بحنو وقد لمعت عيناه بالدموع .. كانت دمعة تقف على أعتاب جفنيه وما منعها من النزول سماعه لصوت رنة مميزة خرجت من هاتفها ، كانت رنة أحد تطبيقات السوشيال ميديا ، ضيق عيناه بريبة وأمسك بالهاتف يحدق في اسم المتصل بدهشة حيث كان الملف الشخصي الخاص بزوجته ، رفرف قلبه بتلهف امتزج بالغضب المدمر وأجاب فورًا بصوت جهوري :
_ جلنار أااا ...
توقف عن الكلام ودخلت السكينة لصدره وكأن الحياة أعطته فرصة جديدة ليحيا وهو يستمع لصوت فتاته وهي تهتف بفرحة :
_ وحشتني أوي يابابا
لاحت الابتسامة الأبوية والحانية على شفتيه ليحيبها بصوت ضعيف بعد أن تلألأت العبرات في عينه :
_ وإنتي كمان ياهنايا وحشتيني أوووووي .. عاملة إيه ياقلب بابا .. إنتي كويسة ؟
أخذت جلنار الهاتف من على أذنها وضغطت على زر فتح محادثة الفديو ثم أعطتها الهاتف مرة أخرى وهمست في أذنها بصوت منخفض :
_ قوليله افتح الفديو يابابا
قالت هنا بحماس طفولي وصله في صوتها تردد ما قالته لها والدتها :
_ افتح الفديو يابابا
انزل الهاتف من على أذنه فور سماعه لجملتها وضغط هو الآخر على زر محادثة الفديو فانفتح الفديو .. رأى صغيرته وهي تحدق بشاشة الهاتف التي تراه فيها وهي تضحك بسعادة فاتسعت ابتسامته أكثر ، وكانت جلنار تجلس بجانب صغيرتها تتابع انفعالات وجهه ، لوهلة شعرت بالندم الحقيقي والإشفاق على وضعه ، ترك لحيته حتى نموت وكبرت وظهرت الهالات السوداء أسفل عيناه التي توضح عدم نومه المنتظم من فرط التفكير والحزن .
لكنه لا يزال تمامًا كما اعتادت أن تصفه كالعُقاب قوى في نظراته وصلب وشامخ حتى في أشد لحظات ضعفه ، ولطالما كانت ترى عيناه الواسعة تشبه عيني العُقاب في حدة نظرها وفي لونها البنى الغامق وحاجبيه المقطبين مما يعطيه مظهرًا رجوليًا مثيرًا .
هتف عدنان بتلهف :
_ إنتوا فين ياحبيبتي ؟
_ مش هينفع عشان المفاجأة
_ مفاجأة إيه ؟!
نظرت هنا لأمها التي هزت سبابتها ورأسها بالنفي تحذرها من أن تخبره بشيء ، لاحظ عدنان وجود جلنار بجانب ابنته فقال بصوت غليظ ومستاء :
_ اديني ماما يا هنا
حولت شاشة ناحية أمها فانتفضت جلنار فورًا من مكانها تبتعد عن الكاميرا ثم جذبت الهاتف من يد ابنتها واخفت الكاميرا بكفها فسمعت صوته الخشن وهو يحاول تمالك أعصابه حتى لا تسمعه ابنته ويقول بلهجة صارمة :
_ ابعدي ايدك من على الكاميرا ياجلنار
هبت جلنار واقفة واتجهت إلى الغرفة وأشارت لأبنتها أن تنتظرها بمكانها وستعود لها ، أغلقت الباب وازاحت يدها من على الكاميرا ولكنها أبعدت الهاتف من أمام وجهها وقالت بصوتها الرقيق المعتاد :
_ انا اتصلت بس عشان هنا .. كانت زعلانة وعايزة تشوفك وتكلمك لأنك وحشتها
_ اخدتي بنتي ورحتي بيها فين ؟
كان سؤال صريح ومحتدم منه لتجيبه هي بهدوء مستفز :
_ والمفروض إني اقولك عشان تاجي وتاخدها مني زي ما اتفقت مع بابا
سمعت صيحته العالية التي خرجت من سماعة الهاتف :
_ مش إنتي رغبتك كانت الطلاق وصمتتي عليه .. كنتي متوقعة إني هسيبلك بنتي
انفعلت هي الأخرى لتصرخ به في عصبية :
_ دي مش بنتك وحدك .. دي بنتي أنا كمان ، وأنا أمها ومن حقي تعيش بنتي معايا خصوصًا وهي في السن ده
استشاط غيظًا وصرخ بها مغتاظًا :
_ جيبي الزفت التلفون ده على وشك مش بكلم نفسي أنا
عدلت الهاتف ووجهت الكاميرا على وجهها لتصيح به في وجه أحمر من فرط الغيظ :
_ متزعقليش فاهم ولا لا
تمعن للحظات في صورة وجهها الظاهرة أمامه في الهاتف وشعرها الناعم الذي ينسدل على كتفيها بانسيابية ووجهها الأبيض البريء والجميل ، وبعد أن امتصت رؤيته لها غضبه عاد يظهر على ملامحه من جديد وهو يهتف بنظرة نارية بعد أن وقعت عيناه على شفتيها المزينة بأحمر شفاه من اللون البنفسجي :
_ حاطة الروج ده ليه !
قالت بقرف وهي تقصد إشعال نيرانه أكثر :
_ عشان بخونك
خرجت صيحة عنيفة منه كانت كافية لتوضح أنها نجحت بكلمتين فقط أن تثير جنونه :
_ جـــلـــنـــار
صاحت هي الأخرى باندفاع :
_ في إيه !! .. مش لما تسأل أنت الأول أسئلة منطقية هبقى ارد عليك كويس
مسح على وجهه وهو يتأفف بقوة وبنفاذ صبر ليسأل للمرة الثالثة على التوالي :
_ آخر مرة هسألك .. إنتي فين ؟
جلنار بعناد وبنظرة متشفية :
_ مش هقولك ياعدنان وخليك كدا عشان تجرب الاحساس اللي كنت هتخليني احسه لما تاخد بنتي مني ، ولما تعرف أن الله حق وإنك أناني ومش بتفكر غير في نفسك سعتها هبقى اقولك احنا فين
ولما تنتظر أن تستمع لرده الذي كان سيستمر في صياحه عليها حيث ضغطت على زر إنهاء المحادثة والقت بالهاتف على الفراش ثم عقدت ذراعيها أمام صدرها وقالت بابتسامة متشفية ومتغطرسة :
_ احسن أنت تستاهل أصلًا تقعد محروم من بنتك كدا لفترة عشان تبطل نرجسيتك دي ، خليك على نار لغاية ما تتربي شوية .. مبقاش أنا جلنار الرازي أما ربيتك ياعدنان
بينما هو فألقي بالهاتف بعنف على سطح المكتب وهتف بوعيد حقيقي وهو يجز على أسنانه بغيظ :
_ ماشي ياجلنار وحياة أمي لأوريكي النجوم في عز الضهر بس الاقيكي
***
في مساء ذلك اليوم....
تتابع الطريق بصمت من نافذة السيارة .. وكل آن وآن تلقى نظرة خاطفة على الجالس بجوارها في مقعد القيادة ، لا تصدق أنها قضت اليوم كاملًا معه تساعده في كل شيء ويتبادلون أطراف الحديث بتلقائية لم تكن تصدق أنها ستتحلى بها أمامه .. رغم أنها كانت ساعات مرهقة للأعصاب إلا أنها سعدت جدًا بها وبقربها الجديد منه .. وكعادته كان لطيفًا ومرحًا يشعر بارتباكها منه فيحاول امتصاصه بشكل غير مباشر ، حتى تمكن بالأخير من فك قيود حيائها ! .
سمعت صوته الرخيم ليجذبها من شرودها :
_ زينة تلفونك بيرن !!
انتبهت لاهتزاز هاتفها في يدها وصوته الصاخب فأجابت فورًا على والدتها :
_ أيوة ياماما
_ إنتي فين يازينة .. ليه اتأخرتي كدا ؟!
نظرت لآدم بابتسامة صافية ثم أجابت على أمها بصوت خافت :
_ كنت مع آدم يا ماما في المعرض ، وجاية في الطريق أهو معاه
_ طيب ياحبيبتي وسلميلي عليه أوي الندل ده
وصل صوتها في الهاتف إلى أذنه فقهقه عاليًا وقال بصوت عالي حتى يصل لها :
_ ربنا يخليكي ياخالتو ياحبيبتي .. جهزي عشا حلو بقى من إيدك الحلوة عشان الندل هيتعشى معاكم النهردا
انزلت زينة الهاتف وفتحت مكبر الصوت ليسمع صوت خالته وهي تقول بفرحة :
_ ده بجد ياولا .. تتحسد يا آدم ، من عنيا هجهزلك احلى عشا وخلي أسمهان تولع فيا وفيك بقى
_ لا متقلقيش عدنان وفريدة هيتعشوا معاها النهردا مش هتتعشى وحدها
_ طيب الحمدلله .. يلا توصلوا بالسلامة
أعادت زينة الهاتف إلى أذنها وودعت والدتها ثم اغلقته ، وبذهنها صراعات عنيفة ، ستقضي المزيد من الوقت معه وهذا يعني المزيد من الاضطراب .. جذبها بصوته للمرة الثانية ولكن بنبرة متعجبة :
_ إنتي لحقتي تسرحي تاني يابنتي !
ابتسمت وهتفت بتلعثم :
_ مـ.. معلش أصل بفكر في كام حاجة فعشان كدا سرحت .. صحيح قولي مفيش أخبار عن جلنار وهنا يا آدم ؟
تنفس الصعداء وهتف بعبوس :
_ للأسف مفيش .. محدش عارف يوصلهم وعدنان من كتر الهم والزعل بقى شخص تاني تمامًا
زمت شفتيها وقالت بإشفاق :
_ طبيعي هو متعلق بهنا أوي ، وجلنار غلطانة جدًا في اللي عملته
آدم بخنق :
_ أنا رغم ضيقي منها وغضبي على اللي عملته ، إلا إني برضوا مديها العذر وشايف إن عدنان يستاهل يجرب بعده عن بنته بيتعب إزاي بعد ما كان عايز ياخد بنتها منها
أصدرت زينة زفيرًا حارًا وقالت بنبرة رقيقة وكلها ثقة :
_ هترجع أنا واثقة هي شكلها بس محتاجة تاخد شوية وقت عشان تعرف هتتصرف إزاي بعدين مع أخوك
خرجت تنهيدة قوية من آدم وهو يجيب بتمنى :
_ يارب يازينة .. البنت المفعوصة الصغيرة وحشتني أوي والله
طالعته بابتسامة واسعة في حب غير منتهبة لنظرتها وسرعان ما اشاحت بوجهها للجهة الأخرى بتوتر بعدما وجدته لاحظ نظرتها .
***
قبل أربع سنوات ....
_ في عريس متقدملك
لاحت بشائر الابتسامة العريضة على شفتيها لترد على أبيها بحياء بسيط :
_ عريس مين ده يابابا ؟
خرج صوت نشأت خشن وصلب :
_ عدنان الشافعي
سكنت للحظات تستعيد ذلك الاسم في ذاكرتها .. أين سمعته ومتى رأته ؟! ، فقذفت صورته في ذهنها فورًا ولترتفع الصدمة على محياها وهي تقول :
_ مش ده اللي كنت شريك معاه في صفقة من فترة .. واعتقد أنه متجوز صح ؟!
هز رأسه بإيجاب وقال بحزم :
_ آه بس مراته مش بتخلف
تمتمت جلنار بنظرات كلها ريبة وحيرة ، من طريقة أبيها وهدوئه الغريب :
_ وإنت بتعرض عليا حاجة زي إزاي يا بابا أنا لا يمكن اوافق واتجوز واحد متجوز
يبدو أنها فهمت صيغة الحديث بشكل خاطيء ، فهو لم يكن يعطيها حرية الموافقة أو الرفض بل كان يخبرها بما سيحدث خلال الأيام القادمة .. فرصة كهذه مع إمبراطورية الشافعي لن يضيعها مهما حدث ، ولا يهتم بنقطة زواجه .. كل ما يهمه أن ذلك الزواج سيعود عليه بالنفع ولن يسمح لابنته بأن تخربه .
نشأت بصوت جاف لا يحمل الرفق :
_ أنا مش بخيرك يا جلنار .. أنا رديت عليه وخلاص كتب الكتاب هيكون بعد يومين
_ what !! .. يعني إيه رديت عليه يابابا إزاي توافق هو انا مليش رأى .. أنا لا يمكن اتجوز البني آدم ده
قبض على ذراعها وصاح بها في صوت جهوري نفضها في أرضها وهو يقول بلهجة لا تقبل النقاش :
_ هتتجوزيه ياجلنار غصب عنك .. أنا معنديش استعداد اضيع فرصة زي دي من إيدي عشان دلع البنات بتاعك ده ، الجوازة دي هتخلي اسم نشأت الرازي في مكان تاني خالص ، وإنتي عايزة تضيعي الفرصة اللي جات لابوكي بسهولة عشان متجوز وكلام فارغ
انهمرت دموععها غزيرة على وجنتيها من قسوة أبيها .. لطالما كانت تعاني من إهماله لها ومعاملته الجافة في كل شيء وبالأخص بعد وفاة والدتها ، حيث أصبحت بمفردها في مواجهة قسوة أب لا يعرف الشفقة ولا كيف تكون مشاعر الأبوة حتى ، لكن أبدًا لم تكن تتوقع أن يصل به الحد ليجبرها على الزواج من رجل لا تعرفه ولم تراه قط .. فقط كانت تستمع للأحاديث التي تروى عنه ، وفوق كل هذا متزوج ! .
ترك ذراعها وهتف يلقي بجملته الأخيرة غير مباليًا بانهيارها ودموعها ، ليعطيها أوامره التي لا تقبل النقاش وهو يصدر مرسوم قتلها :
_ جهزي نفسك وخدي صحبتك وانزلي اشتري فستان لكتب الكتاب يليق ببنت الرازي .
***
عودة للوقت الحاضر ...
فتحت أسمهان باب المكتب ودخلت ، لتلقي نظرة على ابنها الجالس على الأريكة وبيده سيجارة يضعها في فمه ثم يخرجها ويزفر معها الدخان بشراسة ، كلما تخطر بذهنه احتمالية أن تكون جملتها ( عشان بخونك ) حقيقة تشتعل النيران بداخله ويشعر وأنه على وشك أن يطيح بكل شيء يراه أمامه ، تلك الحمقاء تختبر صبره وهي تعلم أن خروجه عن أطار الهدوء والثبات المزيف الذي يدعيه يعني وقوع كوارث .
جلست أسمهان بجواره وملست على كتفه هامسة بتوتر :
_ مالك ياعدنان ؟
أتاها صوته المتحشرج وهو يجيب :
_ بنت الرازي اتصلت أخيرًا
اتسعت عيني أسمهان بصدمة وسألت بحماس :
_ وقالتلك مكانها ؟!
اخرج السيجارة من فمه وقال بنبرة ملتهبة :
_ مقالتش بس هلاقيها هتروح مني فين ، وسعتها هعرفها بطريقتي ازاي تاخد بنتي وتهرب بيها تاني
_ طيب وهنا اطمنت عليها هي كويسة
هز رأسه بالإيجاب فتنهدت الصعداء بارتياح ، ولاحت ابتسامة شيطانية على شفتيها لتهمس في براءة مزيفة :
_ طيب إنت متعرفش صديق ليها ، ساعدها في الهرب تقدر من خلاله توصلها
رقمها بنظرة مميتة ليهتف بعصبية بعدما اخترقت اذناه كلمة " صديق " :
_ أنا على أخرى وأنتي بتقوليلي صديق وزفت يا أمي ، إنتي عايزة تجننيني !!
تصنعت الحزن وقالت باعتذار وملامح وجه عابسة :
_ أنا مقصدش حاجة ياحبيبي .. أنا بس بفكر وبقول بما أن ابوها ميعرفش حاجة عنها ولا صحابها ولا أي حد ، فازاي هتقدر تهرب لوحدها من غير ما حد يكون معاها عشان يساعدها
نجحت بكلماتها أن تثير الشك في نفسه أكثر حيث نظر لها بتفكير وبعينان مشتعلة بنيران الغيرة والشك ، اقسم في نفسه أنه لو كان هذا الاحتمال صحيح وأنها بصحبة رجل آخر الآن ، سيذيقها الوان العذاب المختلفة .
استقام واقفًا واتجه نحو النافذة يقف أمامها ومازالت بيده السيجارة ووجه تحول للأحمر القاتم من شدة السخط .. لمح زوجته ( فريدة ) تقف في الحديقة بالخارج وتتحدث في الهاتف وتضحك بملأ شدقيها ، نظر في ساعة يده ووجدها الثانية عشر بعد منتصف الليل ! ... مع من تتحدث في ذلك الوقت المتأخر !!
أطفأ السيجارة والقاها في منفضة السجائر ثم اتجه إلى خارج المكتب تمامًا وسط نظرات أمه المستغربة التي نهضت فورًا واتجهت إلى النافذة لتنظر إلى ما كان ينظر إليه للتو وجعله يندفع للخارج بسرعة هكذا !
الفصل الثالث 3
رواية امرأة العقاب الفصل الثالث 3 - بقلم ندى محمود توفيق
انتفضت واقفة بفزع على أثر صوته من خلفها .. انزلت الهاتف فورًا من على أذنها والتفتت له بجسدها تهمس بنظرات مرتبكة جاهدت في إظهارها طبيعية :
_ نعم ياحبيبي
عدنان بصوت رجولي حازم :
_ بتكلمي مين ؟
نظرت إلى الهاتف وفورًا قذفت كذبة في عقلها فعادت بالهاتف بأذنها مرة أخرى وهي تقول بابتسامة صفراء :
_ طيب سلام دلوقتي يا لميا هبقى اكلمك بعدين ياحبيبتي
وسرعان ما أنهت الاتصال بعد جملتها لتتطلع في وجهه الذي يعطي علامات استفهام فقالت وهي تقترب منه وتلف ذراعيها حول عنقه هاتفة بغنج :
_ دي لميا كان عندها شوية مشاكل واتصلت بيا تحكيلي وتفضفص معايا شوية ، هو بقى ممنوع اكلم صحابي ولا إيه ياعدنان بيه !!
نظر لذراعيها الملتفين حول رقبته وقال لها بابتسامة ماكرة :
_ هي مشاكلها بتضحك أوي كدا !
انطلقت منها ضحكة أنثوية متأججة لتجيبه بمشاكسة :
_ لا انا اللي كنت بفرفشها شوية عشان أخرجها من المود
انكمشت معالم وجهه بعد ضحكتها العالية ودار بنظره في الأرجاء من حولهم ثم قال بحزم :
_ ميت مرة أقولك متضحكيش بالشكل ده واحنا مش في اوضتنا !
كتمت فمها بكفها وظهرت علامات الدهشة على وجهها ثم همسات بدلال وهي تقترب لتطبع قبلة رقيقة على وجنته :
_ أسفة ياحبيبي مخدتش بالي
لمعت عيناه بوميض خبيث .. ومال برأسه عليها يهتف في نظرات راغبة :
_ بتاكلي بعقلي حلاوة بالبوسة الناشفة دي يعني
رجعت برأسها للخلف وهي تبتسم بجراءة لكنها لمحت أسمهان التي تقف في مكتبه أمام النافذة وتتابعهم ، فعادت بنظرها له وهمست بضحكة خفيفة :
_ أسمهان هانم بتراقبنا في صمت شكلها
التفت برأسه للخلف ناحية مكتبه ليرسل لأمه ابتسامة صفراء لترد عليه بضحكة بسيطة ، ثم يعود بنظره لزوجته من جديد ويقول وهو يلف ذراعه حول كتفيها :
_ امممم انا بقول نطلع أوضتنا ونكمل كلامنا على رواق فوق براحتنا أفضل
ثم انحنى وخطف قبلة سريعة من جانب ثغرها فضحكت هي وسارت معه للداخل ثم لأعلى نحو غرفتهم بالطابق العلوي من المنزل .
***
مائدة صغيرة متوسطة في منتصف الحديقة ، وتقف هي أمامها تنظمها بشكل راقي وجميل وابنتها تدخل للداخل ركضًا ثم تخرج وهي تحمل الصحون واللمسات الصغيرة التي ستزين بها والدتها المائدة .
فقد أعدوا مفاجأة صغيرة ولطيفة لحاتم بمناسبة يوم ميلاده ، وكانت " هنا " أكثر من مرحبة بالفكرة وتحمست لها كثيرًا وظلت تجهز كل شيء مع والدتها من بداية اليوم حتى أنها قامت بشراء هدية لطيفة مثلها بمساعدة جلنار بالطبع .
لم تنسى جلنار معروفه حين طلبت مساعدته ولم يتأخر عنها ، ساعدها في السفر والقدوم لأمريكا ومن ثم اسكنها بمنزله القديم وعرض عليها العمل معه بشركته الصغيرة ، كان خير صديق في لحظات احتياجها للمساعدة ، وخلال الشهرين الماضيين تعمقت صداقتهم أكثر وأصبحت تراه ربما أكثر من مجرد صديق بل أخًا لها أيضًا ، ولا يزال حتى الآن يثبت لها أنها لم تخطئ حين لجأت له للمساعدة .
ركضت " هنا " نحو والدتها وهي تهتف بحماس طفولي جميل :
_ ماما عمو عاتم جه
انحنت جلنار عليها وهتفت بحماس مماثل لها :
_ طيب انا هدخل جوا وزي ما اتفقنا هاا
هزت رأسها بالإيجاب وغمزت لأمها بخبث فضحكت جلنار وطبعت قبلة سريعة على شعرها ثم ذهبت لداخل المنزل مسرعة قبل أن يدخل ويراها .
لحظات قصيرة وظهر حاتم من بوابة المنزل وهو يسير للداخل فركضت " هنا " نحو وهي تصيح بسعادة :
_ عااااتم
توقف على أثر صوتها الصغير والتفت بجسده ناحيتها وفورًا انفجر بالضحك وهو يراها تركض نحوه وتهتف باسمه بطريقتها العجيبة ، انحنى وحملها على ذراعيه بمجرد وصولها إليه ولثم وجنتها هاتفًا بمداعبة :
_ يعني بتنهديني حاف من غير اي حاجة وكمان بتقولي اسمي غلط .. ارحميني يا هنا
أظهرت عن سخطها اللطيف وهي تقول بقرف :
_ إنت اسمك وحش .. أنا اسمي جميييل
قهقه عاليًا وهتف بتقبل اهانتها الصريحة لاسمه :
_ أنا اسمي وحش !! .. طيب ياستي شكرًا على ذوقك
لفت نظره الطاولة الصغيرة والمزينة وفوقها صحون مسطحة مزخرفة على الحافة بأشكال جميلة ومنظمة بطريقة فخمة ، وكاد أن يتكلم يكمل حديثه المرح مع الصغيرة ويسألها عن سبب تزين الحديقة والطاولة ، لكن خروج جلنار من المنزل وهي تحمل فوق يديها كعكة عيد الميلاد ذهب بكل كلمة كان سيتفوه بها ، جمالها سرق عقله بنظرة واحدة .. ترتدي فستان ضيق من اللون الأسود يصل إلى أسفل ركبتيها وبأكمام طويلة ، وحذاء من اللون الأبيض بكعب عالي يعطيها لمسة أنوثية صارخة ، وشعرها الأسود الناعم ينسدل على كتفيها بحرية دون أي مجهود منها لتجمله بالتسريحات العصرية ، وتضع القليل من مساحيق الجمال التي لا تحتاجها أساسًا ! .. كانت تمامًا ككتلة من الإثارة تسير على الأرض باتجاهه .
ازدرد ريقه بتوتر يحاول التحكم في ذاته ، ثم انزل " هنا " من على ذراعيه لتبدأ في الهتاف كما تقول والدتها لكن بطريقتها الطفولية والخاطئة كالعادة لنطق الكلمات بالأخص أنها إنجليزية ! :
_ Happy birthday to you
وقفت أمامه وقالت برقة جذابة :
_ كل سنة وإنت طيب ياحاتم
أجابها بنظرات تحمل معانى جمة :
_ وإنتي طيبة .. إيه المفاجأة الحلوة دي بس
_ دي أقل حاجة .. كفاية وقفتك جمبي أنا وبنتي
أمسكت " هنا " ببنطاله وهي تشده برفق حتى ينتبه لها وتقول بتشويق :
_ عاتم .. عاتم تعالى شوف الهدية
تغاضي عن اسمه ونظر لها مبتسمًا ثم نقل نظره لجلنار بنظرات مستفهمه ، كان كالذي يقف مسلوب الوعي ، بجد صعوبة في إدراك كل كلمة توجه إليه .. والفضل يرجع لتلك الأنثى الفاتنة التي تقف أمامه ! .
هتفت جلنار بصوتها الانوثي :
_ جايبالك هدية ياسيدي ، وفرحانة بيها أوي من الصبح وقاعدة على نار مستنياك عشان تدهالك
قهقه ببساطة ثم حملها على ذراعيه مرة ويقول بعذوبة وحنو بعد أن طبع قبلات صغيرة على وجنتيها :
_ ده هتبقى أحلى هدية جاتلي في حياتي
ركضت " هنا " إلى داخل المنزل ثم بعد دقائق عادت ركضًا وهي تحمل في يد هديتها وبالأخرى هدية والدتها ، مدتهم لحاتم وهي تقول بإشراقة وجه رائعة :
_ دي تاعتي ( بتاعتي ) .. ودي تاعت ماما
التقطهم من بين يديها ثم بدأ بفتح خاصتها أولًا ، وكانت ربطة عنق من اللون الفصي المنقط بالاسود .. انبهر بها وأعجبته بشدة ...
اتجه للعلبة الثانية الخاصة بجلنار وقام بفتحها ، فوجد بداخلها إحدى الكتب الخاصة بالادب الانجليزي وللكاتب المفضل له ، لاحت ابتسامة خفيفة على شفتيه وهو يمسك بالكتاب بين يديه ويحدق في اسمه ، حتى سمعها تقول باستحياء يليق بها :
_ مكنتش عارفة اجبلك ايه الصراحة وكنت محتارة جدًا ، فلما افتكرت إنك من محبي القراءة وخصوصًا في الأدب الإنجليزي جبت ده .. يارب يعجبك
رقمها بأعين لامعة بوميض غريب لم تراه في عيناه من قبل ، ثم مد كفه ليضعه فوق كفها متمتمًا بعاطفة :
_ كفاية إن إنتي اللي جيباه ياجلنار .. اكيد عجبني هو والمفاجأة اللي مكنتش متوقعها دي الصراحة
ارتبكت من لمسته ليدها فبادلته ابتسامة مضطربة وسحبت يدها ببطء من أسفل يده ، ثم بدأوا جلستهم المرحة كالعادة وهم يتبادلون الأحاديث بينهم والصغيرة لا تتوقف بالطبع عن الكلام واللهو والمزاح معهم .
لم ينتبهوا للأعين التي تراقبهم من بعيد وتلتقط الصور لهم في كل وضعية تلقائية ليست مناسبة تحدث بينهم .
***
داخل غرفة عدنان وفريدة ....
ساكنة تمامًا بين ذراعيه ، وهو يعبث بأنامله في خصلات شعرها برقة وعيناه معلقة على السقف يفكر بأكثر من شيء أولهم ابنته ، ولم يكن وضعها هي أفضل منه حيث تعصف بذهنها ذكرى اليوم التي أخبرته بأنها لن تتمكن من إنجاب الأطفال له ، ورغم اختلاف أشكال العلاج التي تلقتها حتى تتمكن من الإنجاب لكن كانت النتائج سلبية بكل مرة .. بالتأكيد أنها ودت لو أنجبت طفل حتى يحمل اسم إمبراطورية الشافعي الكبيرة ، وتصبح هي الآمرة والناهية في كل شيء حتى من تتمكن كسر أنف تلك المتعجرفة " أسمهان " ، فلو أنجبت ولي العهد المنتظر لكانت الآن ستكون السلطانة الكبيرة لقصر الشافعي .. ولكن ظهرت تلك المعضلة دون أي حسبان ، وسرقت منها عرشها .. لتتربع هي فوقه بمجرد انجابها لطفلة تافهة ، وهي الآن تفكر بالحال الذي سيؤول إليه وضعها إذا أنجبت له ولي العهد ! .. لكنها لن تسمح بهذا حتى لو اضطرت للتخلص نهائيًا منها .
... قبل خمس سنوات ...
شعرت بلمسته الدافئة على شعرها ثم جلس بجوارها وهي توليه ظهرها ويهمس في حب :
_ مالك ياحبيبتي ؟
بكت ولم يكن بكاءًا مزيفًا ، بل ربما لأول مرة تبكي من أعماقها .. لكن السؤال هنا ما السبب الخفي وراء بكائها ؟! .
ضيق عيناه بدهشة عند سماعه بكائها وأدارها ناحيته فورًا ، ثم قال باهتمام :
_ بتعيطي ليه يافريدة !
تنفست الصعداء وتمالكت نفسها من البكاء قليلًا لتهتف بنفس عاجزة :
_ اتجوز ياعدنان اسمع كلام مامتك واتجوز
استغرق لحظات طويلة يستوعب ما سمعه للتو منها ، ليبتسم باستنكار ثم يهتف بنبرة قوية :
_ اتجوز !!!!
_ أيوة وأنا بنفسي بقولك اتجوز .. ده حقك طالما أنا مش هقدر اجبلك الطفل اللي نفسك فيه و....
لم يدعها تستكمل ثرثرتها ، فكلما تطرح عليه أمه تلك الفكرة يستشيط غضبًا .. والآن تلك الحمقاء تطلبها بذاتها ، رغم معرفتها أن الأمر بات طبيعيًا بالنسبة له ولم يعد يهتم به كثيرًا .
صاح بها بعصبية :
_ أنا عندي استعداد إننا نصبر لعشر سنين قدام كمان لغاية ما ربنا يكرمنا بالطفل اللي بنتمناه ، لكن إنتي معنكديش أمل يافريدة وبتدوري على الحل الأسهل ، واللي أنا لا يمكن اوافق بيه
أطرقت رأسها أرضًا وأغمضت عيناها بقوة تستجمع شجاعتها وقوتها الهشة لتستكمل ذلك الحديث ، فلولا " أسمهان " التي أجبرتها وهددتها لما كانت الآن تجلس أمامه وتحاول أقناعه بالزواج من أخرى ! .
تمتمت بصوت مبحوح وهي تمسك بيديه :
_ احنا لينا سنين بنحاول ومفيش فايدة ، ومتحاولش تقولي إن موضوع الأطفال مش فارق معاك ، أنا عارفة وحاسة إزاي أنت نفسك في طفل يشيل اسمك .. وأنا مش هقبل إنك تتحرم من الاحساس ده بسببي ، أرجوك وافق ياحبيبي
اشتدت حدة ملامحه الرجولية ، وقرر عدم المجادلة معها بأمر مفروغ منه بالنسبة له .. حيث هب واقفًا وانحنى على شعرها يطبع قبلة كانت قوية بقدر رقتها وحملها لمشاعر العشق الذي يكنه لها في قلبه .. وخرج صوته حازم لا يقبل النقاش أكثر من ذلك :
_ نامي ياحبيبتي وارتاحي .. والموضوع ده متفتحهوش معايا تاني وطلعيه من دماغك
ثم انتصب في وقفته واستدار وغادر الغرفة ليتركها تتخبط قهرًا وغيظًا ، تتوعد لتلك الشيطانة " أسمهان " المتسببة بكل شيء وبالوضع الذي هي فيه الآن !! .
...عودة للوقت الحاضر ...
استفاقت من ذكرياتها وقد احتدم وجهها بنيران الحقد والغل .. الآن هي لم تعد تلك الفتاة الصغيرة الحمقاء وقليلة الخبرة ، بل أصبحت أكثر شراسة وشرًا .. لم تعد تهتم بأي شخص سوى هدفها ، وستبدأ أول شيء بالزهرة الضعيفة " جلنار " ومن ثم ستتفرغ للأفعى الكبرى " أسمهان " .
***
في صباح اليوم التالي بإحدى المناطق العشوائية بالقاهرة ....
يسير طفل في العاشرة من عمره يحمل أكياس بها أصناف مختلفة من الخضار ومستلزمات المنزل ، وكل خطوتين ينزل الاكياس على الأرض حتى يريح عضلات ذراعيه من ثقلها ، وإذا به فجأة يشعر بكف ينزل على عنقه من الخلف فينتفض واقفًا ثم يلتفت لها ويقول بغضب :
_ متضربيش مش كفاية شايلك الأكياس بتاعتك
جذبته من ملابسه وانحنت عليه تهتف بنظرة خبيثة وابتسامة عريضة :
_ هتشيل وأنت ساكت ولا افضحك واروح اقول لعمي مدحت أن أنت اللي سرقت كيس السكر
زفر بغضب وقال مغلوبًا على أمره وهو ينحنى ليحمل الأكياس مرة أخرى :
_ هشيل بس متضربيش
ضحكت وقالت بمرح :
_ أنا برضوا بقول هو مفيش غير الواد ميدو في الحارة دي كلها حبيبي ، يعني قولي كدا أنا من غيرك كنت هلاقي مين يشلي الطلبات
صاح بعصبية وهو يشير بعيناه على قرنائه اللذين يلهون ويلعبون من حولهم :
_ ماهو العيال كتير ولا هو مفيش غيري
ضربت على رأسه بخفة وهي تهتف مستكملة مزاحها :
_ يالا ياعبيط .. دول أطفال أبرياء لكن أنت مش طفل ، ومتكترش في الكلام معايا احسن الف وارجع لعمي مدحت
_ خــلاص ياعم
وصلت أمام باب بنايتها الصغيرة المكونة من طابقين .. تسكن هي وجدتها العاجزة بالطابق الثاني وجارتها الست " سميحة " بالطابق الأول .
سمعت صوت جارتها الفضولية التي تطل من نافذة منزلها :
_ يامهرة
التفتت لها بجسدها كاملًا ثم أشارت للفتى الصغير أن يترك الأكياس ويذهب ، اقتربت من نافذتها ووقفت أمامها تقول بلهجة كوميدية :
_ نعم ياخالة سميحة
نظرت سميحة لشعر مهرة الناعم والذي يعطي لونًا بنيًا بعض الشيء وترفعه بذيل حصان ، ثم قالت :
_ بتحطي إيه لشعرك .. ده أنا شعري جربت فيه كل حاجة ومفيش فايدة
انحنت برأسها عليها وهمست في جدية ظنتها حقيقية :
_ اقولك على الحل
هتفت بنظرات متشوقة ومتحمسة :
_ قولي
_احلقيه وسبيه ينبت من أول جديد
ألقت بجملتها ثم هرولت مبتعدة عنها لتحمل أكياسها وتتجه بهم نحو شقتها فتسمع صوت جارتها وهي تهتف بغيظ ممكسة بخصلات شعرها المعقدة تفك العقد :
_ احلقه قال ، ده أنا شعري حرير !
***
كان عدنان جالسًا على مقعده أمام المكتب في شركته وينهي بعض الأعمال المهمة ويرتدي نظارته الطبية الخاصة بالقراءة ، ولم يرفع نظره عن الأوراق إلا عندما وجد الباب ينفتح ليظهر من خلفه شاب في اوآخر عقده الثالث ، طويل البنيه ولديه جسد رياضي مثير ، مع عينان عسلية وبشرة قمحية .
عاد بنظره مرة أخرى إلى اوارقه وقال بجدية بعدما رأى ابتسامته الواسعة :
_ المرة دي اعتبر نفسك مرفود لو قولتلي مخلصتش الملف لسا يابشمهندس
ارتفعت صوت ضحكته العالية وتحرك باتجاه المقعد المقابل لمكتبه ليجلس عليه ويلقى بالملف أمامه على سطح المكتب وهو يقول بغرور :
_ عيب عليك يا بوص هو أنا برضوا بتاع الحركات دي
ضحك عدنان بخفة ثم التقط الملف وقال بنظرة ماكرة من أسفل نظارته :
_ متنفخش نفسك أوي كدا لما اشوف الأول هببت إيه بس
قطع حديثهم دخول آدم المكتب ولكن بمجرد رؤيته لصديق أخيه المقرب في العمل وهو يجالسه ، تقوست معالم وجهه ورسم الابتسامة المتكلفة على وجهه بصعوبة وهو يهتف بحزم :
_ عايز اتكلم معاك شوية ياعدنان .. على انفراد !
كان عدنان على وشك أن يجيب على أخيه برد يستحقه بعد طريقته الفظة في الحديث لكن نادر هز رأسه لعدنان بهدوء يرسل لها إشارة لا بأس ، ثم استقام واقفًا وقال :
_ نبقى نكمل كلامنا بعدين
ثم تحرك باتجاه الباب ومر من جانب آدم ثم رتب على كتفه وقال بابتسامة كانت تماثل الابتسامة التي أرسلها له منذ قليل :
_ مبروك على المعرض يا فنان
لم يجيب آدم بل اكتفى بنظرته السمجة له وانتظره حتى انصرف لينظر لأخيه الذي هتف به بغضب :
_ إيه الطريقة اللي بتتكلم بيها دي يا أستاذ
سار باتجاه الأريكة المتوسطة في منتصف المكتب ليجلس عليها ويقول بقرف :
_ ده بني آدم مستفز مش عارف أنا أنت مستحمله إزاي
_ اخلص يا آدم عايز إيه ؟
كان ردًا عنيفًا من أخيه يوضح له استيائه من مجرى الحديث وإشارة له بأن لا يتخطى حدوده أكثر من ذلك ، فقال ببرود ونبرة تحمل المشاكسة :
_ بني آدم واخلص يا آدم .. لا تصدق حلوة وماشية على نفس الوزن !
_أه أنت جاي تستظرف بقى !!
أصدر ضحكة عالية ليقول بمرح :
_ ده جزاتي إني بحاول افرفشك يعني
ابتسم عدنان ونزع نظارته عنه ثم هتف بلؤم يرمي بتلميحاته الوقحة :
_ لا أنت كدا بتحاول تعمل حاجة تاني
استغرق الأمر ثلاث ثواني بظبط حتى فهم مقصده فانفجر ضاحكًا وهتف :
_ ولد عيب في أخ يقول لأخوه الصغير حجات مش لطيفة زي كدا .. عايز تبوظ أخلاقي
ضحك عدنان وقال بمشاكسة :
_ أنا برضوا اللي هبوظها ولا هي جاهزة .. يإما تقعد محترم ومتستفزنيش بأفشاتك واستظرافك ده يإما تمشي
_ ماشي هقعد محترم يا عم المحترم هااا !
انهي جملته بغمزة خبيثة منه فيجد صوت أخيه الصارم وهو يهتف محاولًا إخفاء ابتسامته :
_ اظبط يا آدم بدل ما اظبطك
تعالت صوت ضحكته الرجولية ثم استكملوا حديثهم في أمور مختلفة ، وتجنب آدم تمامًا الحديث عن جلنار وهنا حتى لا يعيد العبوس على وجه أخيه مرة أخرى .. حيث أنه جاء إليه لكي يخرجه من حالته الغريبة هذه ! .
***
خرج نشأت من الحمام بعد أن أخذ حمامًا صباحي دافيء واتجه نحو المنضدة الصغيرة ليتلقط الهاتف الذي لا يتوقف عن الرنين منذ دقائق ويجيب على المتصل بانفعال :
_ في إيه يا متخلف أنت .. رن رن رن طالما مردتش يبقى مش فاضي
أجابه الآخر باعتذار وخوف :
_ حقك عليا ياباشا مقصدش .. أنا اتصلت بس عشان اقولك على الأخبار اللي تخص بنت حضرتك
جذب كامل انتباه عندما هتف باسم ابنته وأجاب عليه بغلظة صوته الرجولي متلهفًا :
_ ومستني ايه اخلص اتكلم !
هتف الطرف الآخر يطلعه بكافة المعلومات التي توصل إليها :
_ شكك طلع في محله ياباشا هي فعلًا قاعدة مع اللي اسمه حاتم الرفاعي ده في أمريكا
لاحت الابتسامة السعيدة على شفتيه وقال بلهجة آمرة :
_ خلال أربعة وعشرين ساعة عايز اعرف كل حاجة عن حاتم بيته فين ومكان شغله كل التفاصيل ، والأهم تعرفلي عنوانها
_حاضر يا باشا بكرا هتكون كل المعلومات عندك
انهي معه الاتصال والقاه على الفراش والإبتسامة لا تزال تزين ثغره ، هاهو أخيرًا سيجد ابنته بعد رحلة بحث مرهقة لمدة شهرين عنها .. لا يعرف كيف لم يفكر بذلك الشاب من البداية واحتمالية وجودها معه التي ثبتت بالفعل .. كانت والدته صديقة زوجته من سنوات طويلة منذ أن كانت ابنته تبلغ من العمر الخامسة عشر ، وتعرفا على بعضهم واصبحوا اصدقاء مقربين منذ ذلك الوقت ، ولكنه الآن حين كان عليه أن يفكر به هو أول شخص ويضع احتمالية اختباء ابنته معه لم يخطر على ذهنه إلا مؤخرًا ! .
***
بمنزل جلنار في أمريكا ....
تمسك بهاتفها تتصفح مواقع التواصل وهي جالسة على الأريكة في الصالون ، وبيدها كوب اللبن الصباحي الخاص بها .. ترتشف منه القليل ثم تضعه على المنضدة الصغيرة التي أمامها وتكمل تصفحها ومن ثم تعود وتلته لترتشف منه مرة أخرى وهكذا على هذا الوضع الوضع .. حتى ظهرت أمامها فجاة على الهاتف صورة لفريدة وكانت بين أحضان عدنان على متن مركبة صغيرة ( يخت ) ، ومن حولهم المياه .. توقفت أصابعها عن التقليب وبقت تحملق بالصورة بوجه خالي من التعابير ، فقط قسمات وجهها تشجنت وعيناها ثابتة على الصورة تتفحص كل تفصيلة بها .. ابتسامتهم العريضة والطريقة التي يضمها بها واحتوائه لها بحب يظهر في عيناه .. نزلت بعيناها على تاريخ نشر الصورة فوجدتها في صباح اليوم ! ، ارتفعت ابتسامة ساخرة على ثغرها وهي تهتف باستنكار :
_ واضح أوي غضبه وزعله على بعد " هنا * عنه واختفائنا
كانت على وشك أن تعود وتستكمل تفحصها للصورة لكنها نزلت بأصبعها لأسفل على شاشة هاتفها اللمس حتى تمر هذه الصورة وهي تهتف بغضب :
_ بلا قرف أنا مالي .. كدا كدا هطلق غصب عنه
خرجت " هنا " من غرفتها وهي تركض باتجاه أمها وتمسك بالمجسم الصغير الذي صنعته بمكعابتها الخاصة وترفعه أمام أعين والدتها تقول بفرحة طفل أنجز عملًا مبهرًا بالنبسة له :
_ بصي مامي الهرم اللي عملته
اطالت النظر في المجسم الذي ترفعه ابنتها أمامها بشرود للدرجة التي جعلتها لم تراه حتى فقط تحدق به بعدم وعي ، لكن شعرت بكف صغيرتها وهي تهزها في قدمها وتهتف :
_ مامي
عادت لواقعها ونظرت مرة أخرى للمجسم وهذه المرة أدركت الشكل البسيط التي صنعته صغيرتها ، فارتفعت الابتسامة لشفتيها وقالت بانبهار حتى تعلي من معنويات طفلتها :
_ الله جميل أووي ياحبيبتي .. عملتيه إزاي ؟
جلست " هنا " على الأرض وبدأت بفك المجسم وهي تهتف بحماسة لتعلم أمها الطريقة التي فعلته بها :
_ هوريكي
تابعتها وهي تعيد بنائه من أول وجديد وتبتسم بحنو أمومي ، ومن دون أن تشعر وجدت عيناها تذرف الدموع ، لا تعرف لما بكت ولكن هناك غصة مريرة بحلقها وقلبها يؤلمها بشدة .. لم تكن يومًا تتوقع أن جلنار الرازي سيحدث فيها هكذا ، تلجأ لبلاد غريبة هي وابنتها هربًا من ظلم أبيها وزوجها لها .. لم يعد لديها أحد ، هي فقط بمفردها بصحبة حاتم .
رفعت الصغيرة رأسها لأمها بعد أن انتهت حتى ترى ردة فعلها فوجدت وجهها مملتيء بالدموع ، اختفت ابتسامتها ودفن حماسها في لحظة ، لتهب واثبة من الأرض وتجلس بجوار أمها تقول بعينان حزينة :
_ انتي بتعيطي ليه يامامي ، الهرم اللي عملته وحش !!
جففت دموعها فورًا ونظرت لها تقول بحب وهي تحتضن وجهها الصغير بين كفيها وتلثم وجنتيها :
_ لا بالعكس ده رائع ياقلب مامي .. أنا تعبانة شوية ياحبيبتي بس
ارتمت الصغيرة عليها تتعلق برقبتها وتقول بعبوس وضيق :
_ طب مش تعيطي ، نروح الدكتور عشان تبقي كويسة
ضحكت ببساطة وزدات من ضم صغيرتها إليها لتقول بمداعبة :
_ حاضر مش هعيط تاني .. أنا كويسة .. إيه رأيك نعمل آيس كريم
ابتعدت " هنا " عن أحضان أمها وهي تطالعها بملامح وجهها الحزينة ، وعندما رأت جلنار الدموع متجمعة في عيني ابنتها استقامت واقفة وحملتها على ذراعيها وهي تلثم كل جزء في وجهها وتقول بمشاعر جيَّاشة محاولة التحكم في زمام دموعها :
_ حبيبة قلبي أنا مقدرش اشوف دموعك .. أنا كويسة والله وهنروح نعمل آيس كريم جميل دلوقتي أنا وإنتي .. هاا إيه رأيك ؟
اماءت لها " هنا " بالموافقة وقد بدأت الابتسامة ترتفع لشفتيها تدريجيًا ثم اقتربت من وجنة أمها وطبعت قبلة رقيقة مثلها وهي تخرج همسة لطيفة تسرق القلب :
_ بحبك أوي يا مامي
_ وأنا كمان بحبك أوي ياروحي
ثم اتجهت بها نحو المطبخ وبدأت جلنار في تحضير الآيس كريم بمساعدة " هنا " بالتأكيد التي عادت إشراقة وجهها بسرعة إليها وضحكتها الساحرة .
***
كانت هي تقف بالمطبخ تقوم بتحضير الغذاء وترتدي بنطال منزلي أسود اللون وأعلاه تيشرت رجالي لا يناسب فتاة مطلقًا وترفع شعرها الحريري بمعلقة خشبية ! .
.. وتتمايل على الحان اغنية شعبية وتردد معها .
تمتلك عينان خضراء وبشرة بيضاء ناعمة مع شفاه صغيرة وأنف رفيعة ، وجسد أنوثي مثير برغم الملابس التي لا تناسب الفتيات أبدًا التي ترتديها دومًا .
صك سمعها صيحة عالية باسمها انبعثت من الغرفة الخاصة بجدتها فتركت ما بيدها فورًا وركضت باتجاهها لتقول بسخط مزيف :
_ في إيه يا ولية سرعتيني .. هو أنا في الشارع التاني
لم تبالي فوزية بردها وقالت بحدة وهي تشير لها أن تقترب منها :
_ خدي هنا يا بنت الهبلة
ضربت مهرة على صدرها وأجابت بامتنان على إهانة جدتها لها :
_ طالعة زي العسل من بوقك والله يا زوزا
_ يابت قربي متتعبنيش عايزة اتكلم معاكي في موضوع
اقتربت وجلست بجوارها وهي تقول بتصنع الرقة والأدب :
_ قولي يانينا .. أنا كلي آذان صاغية
طالعتها فوزية بنظرة مستنكرة وتمتمت بسخرية :
_ نينا !! .. طيب ركزي ياختي معايا ، ابن ممدوح الأعور طلب إيدك وأنا وافقت وجايين بكرا بليل عشان يتقدموا
انحنت على جدتها وقالت بهمس ساخر :
_ انهي واحد في ولاده .. العبيط ولا الاهطل !
صاحت بها فوزية مغتاظة :
_ طاب عليا النعمة الشريفة مافي حد اهطل غيرك .. ده ابنه اللي اسمه صابر ، الله اكبر عليه طول بعرض وحلاوة وكمان حالتهم مرتاحة ماشاء الله يعني هيريحك
مهرة بنبرة مختنقة تحمل المزاح :
_ لا أنا عايزة واحد اسمه مراد عشان اقوله مراد بيك لا تتركني هيك .. زي المسلسل التركي اللي بسمعه
استشاطت فوزية غيظًا ومالت على الأرض وجذبت الشبشب وقبل أن تلقيه عليها كانت الأخرى قد وثبت واقفة وركضت نحو الباب وتفادت ضربة الشبشب وهي تتلاعب بحواجبها وتقول متعمدة إثارة جدتها أكثر :
_ كبرتي وخيبتي يا زوزا .. لو مش عارفة تنشلي عليا قولي وانا اعلمك
صرخت بها بعصبية :
_ خلاصة الكلام .. عارفة يامهرة ما تعملي حركة من حركاتك اللي علطول بتعمليها كل ما ياجي عريس وتطفشيه لاطفشك أنا من البيت
وقفت وعقدت ذراعيها في خصرها وتقول باحتجاج ولهجة كوميدية :
_ طيب انتي ترضهالي .. اتجوز واحد اسمه صابر الأعور وبعدين اخلف عيل ويعايروه العيال يقولوله يا أعور يا ابن الأعور ، وشوية كمان ويبقى اسمي مهرة العورة
مالت للمرة الثانية على الأرض تلتقط الفردة الثانية وتقذفها بها وهي تصرخ بانفعال :
_ امشي يابت غوري من وشي .. هتجلطيني ، وجهزي نفسك لبكرا .. قال مهرة العورة ، ده انتي المفروض يسموكي مهرة الهطلة .
ضحكت بقوة وهزت كتفيها بعدم اكتراث لتشبيه جدتها لها ثم انصرفت وتركتها تضرب كف على كف من جنان حفيدتها ! .
***
_ أيوة واخرتها هتفضلي لغاية امتى كدا مش عارفة تتكلمي يازينة ؟!
كانت جملة صريحة ومستاءة من صديقتها وهم يجلسون معًا في غرفتها بعد جاءت لزيارتها وقضاء بعض الوقت معها .
تنهدت زينة بيأس وقالت :
_ خايفة يا سمر يكون أصلًا أنا مش في باله وهو ده اللي أنا متوقعاه ، وفي نفس الوقت خجلي منه بيصعب عليا الوضع
انتصب صديقتها في جلستها وقالت بجدية تسألها بوضوح :
_ دلوقتي مش إنتي بتحبيه ؟!
هزت زينة رأسها بإيجاب في استحياء بسيط لتستكمل صديقتها حديثها من عند أجابتها وتقول بصرامة :
_ يبقى مفيش حاجة اسمها بتكسف وخايفة ومعرفش إيه .. بتحبيه يبقى قربي منه واكسبي قلبه ماتفضليش قاعدة مكانك زي الهبلة كدا ومستنياه يحبك ، شوفي هو اهتماماته إيه مثلا وشاركيه فيها ، أو هو بيحب إيه واعملهوله .. اعرفي هو بينجذب للبنات اللي من نوع إيه واتصرفي بالشكل ده
هتفت زينة برفض وتذمر :
_ لا أنا مش هغير نفسي .. أنا عايزاه يحبني زي ما أنا
_ طيب يابنتي ما تتحركي واتصرفي على الاقل قربي منه هو مش ابن خالتك برضوا يعني الموضوع هيكون سهل .. بعدين لما تاجي واحدة تخطفه منك متزعليش بقى
هتفت زينة بتهكم وبؤس :
_ الله في إيه ياسمر .. يعني أنا بشكيلك وبفضفضلك وإنتي تقوليلي واحدة تخطفه منك !!
كادت أن تجيب عليها لكن زينة ضربتها على فخذها بخفة بعدما سمعت صوت الباب ينفتح وهمست بتوتر :
_ بس خلاص ماما جات
دخلت والدتها وهي تحمل على صينية كلاسيكية راقية فوقها كأسين من عصير المانجا وتهتف بوجه بشوش :
_ منورانا ياسمر والله ياحبيبتي
أجابت سمر بضحكة وسعادة صافية :
_ ده نورك ياطنط ميرفت والله .. ربنا يعلم وحشتيني قد إيه ، يمكن كمان اكتر من البنت زينة النكدية دي
قهقهت ميرفت بصوت عالي بينما زينة زمت شفتيها وقالت بغيظ تجيب على صديقتها :
_ أنا نكدية .. ماشي ياسمر
تعالت ضحكاتهم معادا زينة التي كانت تحدجهم باغتياظ ولكن سرعان ما اندمجت في الحديث معهم وشاركتهم الضحك وحوارهم الذي بدأ يأخذ منحنى مرح ولطيف .
***
هب عدنان واقفًا من مقعده بعد ساعات طويلة من العمل أرهقت جسده وعقله ، جذب سترته وارتداها ثم مفاتيح سيارته وكذلك هاتفه ولكن قبل أن يضعه بجيبه ارتفع صوت رسالة وصلت إليه للتو .. كان سيتجاهلها لكن ارتفع الصوت أكثر من مرة مما يشير إلى أن الراسل ارسل أكثر من رسالة في وقت واحد .
فتح هاتفه ودخل على الرسائل وكانت رسالة من رقم مجهول لا يعرفه ، فتح الرسالة وكانت عبارة عن صورتين انتظر لثواني قليلة حتى تظهر الصور ، وإذا بالصدمة تتملكه تمامًا وهو يرى أن الصور لجلنار وهي تجلس بجانب رجل وتضحك بملأ شدقيها وأمامهم كعكة عيد ميلاد والصورة الأخرى كان يمسك بيديها وينظر لها ويبتسم بنظرة تشبه نظرة رجل عاشق .
الفصل الرابع 4
رواية امرأة العقاب الفصل الرابع 4 - بقلم ندى محمود توفيق
يحدق في الصور ويده تقبض على الهاتف بعنف حتى كاد أن يهمشه إلى أجزاء بين قبضته. لا يفكر بأي شيء سوى بما تراه عيناه أمامه الآن. كيف أنها تبتسم لذلك الجالس بجوارها، وكيف سمحت له أن يلمسها. كلما تعصف بذهنه احتمالية خيانتها له وأن قد يكون هناك رجل آخر، يصاب بالجنون وتتملكه حالة من الغضب المدمر. والآن تلك الفكرة تستمر في التردد بذهنه دون توقف حتى أوشكت على سلبه لما تبقى من عقله.
مسح على وجهه وهو يزأر من بين شفتيه كالوحش الجائع لالتهام فريسة، ويجز على أسنانه بقوة. نظر لهاتفه وفتح إحدى تطبيقات السوشيال ميديا التي قامت مؤخرًا بمحادثته عليه، وضغط على زر الاتصال بها. يضع الهاتف على أذنه وينتظر ردها ومعالم وجهه مرعبة، وعيناه حمراء تمامًا كنيران ملتهبة.
لم تجيبه بعد رنات طويلة، فعاد مرة أخرى يتصل ومن بين شفتيه يطلق ألفاظًا نابية يتوعد لها بمجرد أن تفتح الاتصال.
على الجانب الآخر كانت جلنار تمسك بهاتفها ورنينه يرتفع أكثر فأكثر بين يديها. وسؤال واحد تطرحه في ذهنها بتردد: هل أجيب عليه أم لا؟ وبعد لحظات طويلة من الوقت قررت أن تجيب وترى ماذا يريد. فتحت الاتصال ووضعت الهاتف على أذنها، وبمجرد ما أن فتحت، أفحمها بصيحة جهورية منه:
"وياترى الهانم مبتردش عليا ليه بقى؟"
ضيقت عيناها بدهشة وهتفت بخفوت مضطرب:
"إيه ياعدنان؟"
عاد يصرخ، ولكن هذه المرة بنبرة أرعبتها حقًا:
"مين اللي متصورة معاه ده في عيد الميلاد يا مدام؟"
سكتت لبرهة من الوقت لا تفهم ما يقصده. أي عيد ميلاد يقصد؟ ومن هو الذي التقطت معه الصور؟
"حاتم!!!" همستها لنفسها بصدمة، ثم هتفت بهدوء بسيط تجيب عليه:
"قصدك على مين بالظبط؟"
ضحك من بين حالته المخيفة وهتف بعصبية:
"على مين! ليه هو في كام واحد يا بنت الرازي؟ اقسم برب العزة لو طلعتي بتخونيني لأكون..."
انفعلت هي الأخرى وصرخت به تقاطعه:
"بخونك إيه أنت مجنون؟"
"جاوبي على السؤال!"
كانت صرخة عنيفة منه بعثت القليل من الرهبة في نفسها لتجيبه باستياء:
"ده صديق ليا وهو اللي بيساعدني هنا، مفيش حاجة أكتر من كده."
قرص قبضة يده وقال محاولًا تمالك أعصابه:
"امممم صديق وبيساعدك."
شعرت بغصة مريرة في حلقها من اتهامه المؤلم لها وصاحت بسخط:
"والله العظيم ما في حاجة بينا، كفاية شك يا عدنان حرام عليك."
"إنتي وبنتي فين؟"
سقطت دمعة حارة على وجنتيها ولم تجيبه خشية من أن يظهر اهتزاز صوتها ويكتشف بكائها. فوجدت صرخة نفضتها بأرضها تخرج من الهاتف لأذنيها وهو يقول:
"بقولك إنتي فين؟"
تمتمت بصوت يحمل بحة البكاء:
"مش هقولك ومش هتعرف، وحتى لو عرفت مش هتقدر تاخد بنتي مني."
عدنان بوعيد حقيقي ونبرة مرعبة:
"تمام براحتك، بس قريب أوي هلاقيكي وصدقيني هوريكي النجوم في عز الضهر وهخليكي تشوفي مين هو عدنان الشافعي على حق."
انهمرت دموعها بغزارة على وجنتيها، ولكنها جاهدت في عدم إظهار هزة صوتها وهي تهتف بقوة مزيفة وباحتدام:
"بكرهك يا عدنان.. بكرهك."
فور انتهاء جملتها، أنهت الاتصال فورًا وألقته على الفراش. ثم جثت على الأرض بجواره ودفنت وجهها بين راحتي كفيها تبكي بحرقة وبألم. تبكي كل شيء في حياتها. على زواج فاشل يقف على أعتاب الانتهاء، وعلى ابنة ستعيش مصيرًا مجهولًا وحزينًا لا تستحقه، وعلى أب قاسٍ لا يبالي بشيء سوى بمصالحه الشخصية وأمواله، وأخيرًا على قلب مهشم يدعي القوة.
بينما هو، فكان يقف كالبركان الذي تطفح حممه البركانية على سطحه. وأمامه لحظات قصيرة قبل أن يعلن انفجاره. ولم يتمكن من التحكم في انفعالاته أكثر من ذلك، حيث نظر إلى محتويات سطح مكتبه وأزاحها بيديه كلها دفعة واحدة لتنزل على الأرض محدثة ضجيجًا عاليًا.
***
بقصر الشافعي.....
كانت أسمهان تجلس على المقعد الهزاز في الحديقة وبيدها كوب القهوة خاصتها ترتشف منه ببطء. وبجانبها مسجل كلاسيكي جميل يصدح صوته بفيروزات الصباح. حتى ارتفع صوت رنين هاتفها بجوارها. فمدت يدها على المسجل وأغلقته ثم أمسكت بالهاتف وأجابت بحزم:
"أيوه، عملت إيه؟"
"كله تمام ياهانم.. الصور وصلت لعدنان باشا وهو شافها."
ارتفعت الابتسامة الشيطانية على شفتيها وهدرت بحدة:
"أوعي تكون عملت حركة غبية كدا ولا كدا وعرفته مكانها، عارف لو ده حصل هعمل فيك إيه؟"
هتف بثقة تامة وغطرسة:
"عيب يا هانم، هو أنا مبتدأ؟ ده أنا تربيتك. بس بيني وبينك الست جلنار دي وتكة عنده حق الباشا يغير عليها."
خرجت صيحة صارمة من أسمهان وهي تهتف بقوة:
"اخرص ياحيوان.. أنت ملكش دعوة بأي حاجة غير اللي بطلبه منك بس وتنفذه من غير كلام."
لوى الرجل فمه بتهكم وقال بخنق:
"حاضر ياست هانم.. وأنا تحت أمرك."
نزلت الهاتف من على أذنها وأنهت الاتصال وهي تهتف باشمئزاز:
"جاتك القرف."
ثم عادت الابتسامة تعلو شفتيها من جديد وتهمس بسعادة ووعيد:
"مبقاش أنا أسمهان الشافعي أما خليت ابني يطلقك ويرميكي برا زي الزبالة."
رأت آدم وهو يخرج من باب المنزل ويتجه نحو سيارته، فقالت بحنو وصوت عالٍ نسبيًا:
"رايح فين يا آدم؟"
توقف للحظات وأجابها بابتسامة هادئة:
"رايح المعرض ياماما، عايزة حاجة أجبهالك معايا؟"
"لا ياحبيبي، عايزة سلامتك.. خلي بالك من نفسك."
أرسل لها قبلة في الهواء وهو يبتسم ثم أكمل طريقه نحو سيارته ليستقر بها وينطلق نحو معرضه الخاص.
***
في مساء ذلك اليوم....
وصلت زينة أمام باب المعرض وهي تحمل بين يديها طعامًا. تارة تنظر للمعرض وتارة للكيس الذي يحتوي بداخله على ورق عنب. وتفكر بينها وبين نفسها: هل أخطأت عندما جاءت له بالطعام أم أنها فكرة رائعة؟ فتجيب على نفسها بصوت مسموع بعض الشيء:
"مش سمر قالتلي شوفي هو بيحب إيه واعملهوله.. هو بيحب ورق العنب؟"
وكالعادة كلما تكون تقف تتشاور مع نفسها في حوار يخصه، يقطع هو حوارها مع نفسها. سمعت صوته وهو يخرج من الباب ويقول بوجه بشوش:
"زينة واقفة كدا ليه؟ تعالي!"
اقتربت منه ووقفت أمامه تمامًا ثم قالت بابتسامة عريضة تحاول التحلي بالثقة وعدم الخجل:
"عامل إيه يا آدم؟"
نظر للكيس الذي بين يديها رافعًا حاجبه باستغراب ثم نظر لها وقال بلطف:
"كويس الحمدلله.. إيه الكيس ده؟"
ابتسمت بحياء وقالت وهي تتجه لداخل المعرض وتقول:
"تعالى هقولك."
دخل خلفها وهو يبتسم بحيرة، فوجدها تجلس فوق أحد المقاعد وتجذب الطاولة الصغيرة أمامها ثم تبدأ بإخراج علبة بلاستيكية صغيرة شكلها رقيق وتضعها على الطاولة وهي تقول بحماس:
"عملت ورق عنب وقولت لازم تدوقه، فجبتلك معايا منه، عشان تدوقه وتقولي رأيك."
قهقه بصوت عالٍ على طريقتها وقال بنظرات مشتهية:
"طال والله انتي بنت حلال.. تعرفي كان نفسي فيه."
"يلا ياعم عد الجمايل بقى."
اقترب وجذب مقعدًا آخر ليجلس قبالتها ويفتح العلبة ثم يلتقط الشوكة الموضوعة بالداخل ويغرزها في واحدة ثم يرفعها لفمه ويأكلها. ظهر الإعجاب على وجهه بعد أن تذوق طعمه ثم ألقى بالشوكة على الطاولة وقال ساخرًا:
"لا شوكة إيه بقى ده مش عايز شوكة."
خرج صوتها الرقيق وهي تقول برقة:
"عجبك؟"
أجابها وهو يأكل بنهم واستمتاع:
"اممم جميل أوي يازينة.. انتي اللي عملاه؟"
ابتسمت باستحياء وقالت بخفوت:
"أيوة."
"تسلم إيديكي."
اتسعت ابتسامتها وبقت تتأمله وهو يأكل وعيناها تطلق شرارات العشق. وبذهنها تعصف أفكار منحرفة. لكم تود معانقته الآن وتقبيله، لكن لو قتلوها لن تفعلها بالتأكيد. لماذا لا يفعلها هو؟
لاحظ هو نظراتها إليه فتوقف عن الأكل وتنحنح بإحراج بسيط لتنتصب في جلستها وتقول بتلعثم:
"بــ.. بالهنا والشفا."
هز رأسه بابتسامة بسيطة ثم قال بجدية:
"أخبار كليتك إيه؟"
"أهو فاضل شهرين وامتحن واتخرج واخلص خالص."
آدم بنبرة رزينة ورائعة:
"هانت خلاص، شدي حيلك واستحملي الشهرين دول."
أومأت لها بتفهم وهي تبتسم باضطراب ملحوظ. ثم بدأت تلاحظ التجديدات التي طرأت على المعرض ولفت انتباهها إحدى لوحاته الفنية لتقول بانبهار:
"الله جميلة أوي اللوحة دي يا آدم."
التفت برأسه للخلف ينظر إلى ما تنظر إليه ثم عاد برأسه إليها مرة أخرى وقال بغمزة:
"اعتبريها هدية مني ليكي في احتفالية المعرض."
زينة بصدمة:
"بتهزر؟"
"لا طبعًا مش بهزر.. طالما عجبتك يبقى حلال عليكي."
وثبت واقفة ومن دون أن تشعر وجدت نفسها ترتمي عليه وتعانقه وهي تهتف كالمتغيبة عن الواقع:
"ميرسي أوي يا دوما بجد."
فور انتهائها من جملتها، علت الصدمة الحقيقية لمعالمها وهي لا تزال متعلقة برقبته. "فعلتها.. عانقته، كيف! يبدو أنني فقدت عقلي." ارتدت للخلف بسرعة وقالت بنظرات زائغة وصوت مرتبك ومتلعثم:
"اا... آسفة مـ .. مقصدش."
ابتسم آدم بطبيعية وقال بعذوبة ومرح محاولًا امتصاص خجلها رغم أنه هو أيضًا اندهش من فعلتها ولم يكن يتوقعها أبدًا:
"في إيه عادي يابنتي.. تعالي هفرجك على بقية اللوح اللي جواه."
هزت رأسها بالنفي وقالت بتوتر ملحوظ:
"لا لا أنا همشي عشان متأخرش."
"متخافيش أنا هوصلك."
"خليني امشي أفضل أحسن، أنت عارف خالتك لما بتتعصب وأنا قولتلها إني مش هتأخر."
تنهد بهدوء وقال بلطف:
"طيب براحتك يلا هوصلك."
هتفت برفض سريع ولهجة خجلة وقد ارتفعت الحمرة لوجنتيها:
"لا مش عايزة أتعبك، أنا هروح وحدي."
آدم بصوت رجولي خشن وحاد:
"مش هسيبك تمشي وحدك طبعًا يازينة، يلا بلاش كلام كتير وشكرًا على ورق العنب."
لانت نبرته في جملته الأخيرة لتظهر بشائر الابتسامة على ثغره وهو يقولها فتبادله الابتسامة بأخرى مضطربة دون أن تجيب.
***
استقامت جلنار واقفة من على الأريكة بعدما سمعت صوت طرق الباب. جففت دموعها التي لم تتوقف منذ مكالمتها مع عدنان. حملت ابنتها النائمة على قدميها وذهبت بها إلى غرفتها لتضعها على فراشها برفق ثم دثرتها بالغطاء وعادت للخارج في اتجاه الباب.
فتحت الباب وهي تقف بثبات لتواجه أمامها حاتم الذي كان يبتسم باتساع، ولكن تلاشت ابتسامته تدريجيًا عندما رأى وجهها الشاحب وعيناها المنتفخة من أثر البكاء. ودخل فورًا ثم أغلق الباب وقال بزعر:
"مالك يا جلنار؟"
تكلفت الابتسامة وقالت بصوت جاهدت في إخراجه طبيعيًا:
"مفيش حاجة، مرهقة شوية بس ياحاتم.. تعالى نتكلم جوه."
تقدمته هي بالسير إلى الداخل وكان هو خلفها، ثم جلس بجوارها على الأريكة وقال باهتمام ونبرة حانية:
"احكيلي في إيه؟"
تنفست الصعداء بخنق وقالت بخفوت:
"عدنان كلمني."
قطب حاتم حاجبيه باستغراب، فكيف اتصل بها ورقمها تغير منذ أن جاءت هنا؟ هتف بحيرة:
"اتصل بيكي إزاي يعني؟"
"على الإنترنت، شاف صورنا في عيد الميلاد وكلمني واتخانق معايا."
رمش بعينيه عدة مرات في عدم فهم ثم اعتدل في جلسته وقال بهدوء ونبرة بدأت تتحول للغلظة:
"واحدة واحدة يا جلنار.. صور إيه اللي شافها وإزاي شافها وعرف يكلمك على الإنترنت إزاي أصلًا!"
أحست بأن دموعها على وشك الانهمار مجددًا، فشدت على محابسهم وقالت بثبات مصطنع:
"واضح إن في حد بعتلنا صور ليا أنا وأنت وبعتها ليه وهو اتجنن طبعًا لما شافها وافتكرني بخونه."
ظهرت الغيرة في عيني حاتم الذي قال بغضب:
"ما يتنيل يفتكر اللي يفتكره.. إنتي زعلانة ليه؟ مش هتطلقي منه لما ترجعي؟ إيه اللي مضايقك؟"
جلنار باستياء:
"لازم أضايق ياحاتم.. لما يتهمني بحاجة زي كدا يبقى لازم أضايق. أنا من ساعة ما اتجوزته ومبصيتش لراجل غيره وكنت محترمة جوازنا حتى لو كان فاشل وكنت مجبرة عليه."
زعجه بشدة اعترافها حول محافظتها على قلبها من أجل زوجها، وهذا يوضح شيئًا واحدًا وهو حبها له. وأنها لم تفكر بالجالس أمامه هذا أبدًا من قبل!
تمتم بصوت متحشرج:
"وكلمك إزاي برضوا؟"
"أنا كلمته مرة فيديو على نفس التطبيق، فهو اتصل بيا عليه النهارده."
خرجت صيحة قوية منه حاتم وهو يهتف بسخط:
"نعم كلمتيه ليه!!!"
جلنار بنظرات صارمة وصوت تبدلت نبرتها الهادئة إلى أخرى محتدمة:
"مكلمتهوش عشان سواد عيونه ياحاتم.. 'هنا' كان واحشها أوي وفضلت زعلانة ومضايقة إنها مش عارفة تكلمه ولا هو بيتصل، فاضطريت اتصل بيه عشانها."
حاتم بغضب تعجبت منه:
"وهو إحنا مش اتفقنا إن إنتي مش هتتواصلي معاه ولا تكلميه خالص يا جلنار إلا لما ترجعي وتتطلقي منه؟"
جلنار:
"مقدرتش ياحاتم أشوف بنتي زعلانة بالشكل ده.. ثم إن كدا كدا هيعرف مكاني سواء هو أو بابا، مش هفضل هربانة منهم كتير. أنا كنت بحاول أكسب وقت بس بعيد عنهم عشان أفكر هتصرف إزاي لما أرجع."
نفث بنظرة ساخرة لا يصدق ما يسمعه من فمها وكأنها على وشك التراجع في قرارها الذي جاءت إلى هنا وهي مصرة عليه:
"ليه هو إنتي ناوية ترجعي في كلامك وتتراجعي عن الطلاق ولا إيه؟"
لا تفهم سبب حرصه الشديد على طلاقها هذا ولماذا كل هذا الغضب والانفعال بمجرد أن أخبرته أنها حدثت عدنان، لكنها لم تهتم كثيرًا حيث قالت بإصرار وعناد شديد:
"مستحيل أرجع.. هيطلقني غصب عنه.. أنا سكت عن حاجات كتير بس مش هسكت على شكه فيا."
لم يعجبه حديثها مطلقًا وأحس أنه على وشك خسارتها وأن ذلك "العدنان" سيعود ويسلبها عقلها فتصبح مسيرة بأوامره وبقلبها الذي سينبض من أجله فقط.
زفر الهواء من فمه بحنق ظاهر ومسح على وجهها متأففًا دون أن ينظر لها. بينما هي فظلت تتابع انفعالاته الغريبة بتعجب!!
***
هرولت فوزية مسرعة نحو باب الشقة بعد سماعها لرنة الجرس. وعلى وجهها ابتسامة مشرقة وعريضة. فقد وصل العريس ومعه عائلته.
فتحت الباب وكانت في المقدمة والدة العريس التي اقتربت وعانقت فوزية بعناق حار وهتفت فوزية بسعادة:
"أهلًا وسهلًا.. اتفضلوا."
ابتعدت عنها والدة العريس ودخل من خلفها الحاج ممدوح الأعور (والد العريس) وهو يتنحنح بأدب ويحمل بين يديه علبة مستطيلة من التفاح الأحمر:
"إزي الصحة ياحجة فوزية؟"
"بخير الحمدلله ياحج، اتفضل اتفضل.. ولا كإن له لزوم والله التعب ده ياحج."
أجابها ممدوح بوجه مبتسم:
"يزيد فضلك.. ولا تعب ولا حاجة، دي حاجة صغيرة كدا."
وأخيرًا كان آخرهم يدخل صابر (العريس) ويحمل على ذراعيه قفص كبير من المانجا. ألقى التحية على فوزية التي رحبت به ترحيبًا حارًا وببشاشة.
كانت مهرة من داخل غرفتها تدور يمينًا ويسارًا منتظرة شيئًا معينًا، حتى سمعت صوت صافرة من أسفل شرفتها. فخرجت إلى الشرفة تطل منها تنظر للصبي الصغير (ميدو) وتشير له بأصابعها الخمسة وتهمس بصوت غير مسموح:
"خمس دقايق."
دخلت للداخل فورًا ثم ألقت نظرة أخيرة على مظهرها في المرآة ثم غادرت الغرفة فور سماعها لصوت جدتها وهي تنده عليها. اتجهت نحوهم وكانت نظراتهم مستنكرة ومدهوشة لما ترتديه. حيث ترتدي بنطال بني اللون واسع وعريض يخص جدها المتوفي وأعلاه تيشيرت من اللون الأبيض ولم تبذل أي مجهود في تسريح شعرها جيدًا رغم نعومته. جلست بجانب جدتها دون أن تصافحهم حتى وظلت تنقل نظرها بينهم بابتسامة بلهاء وهي ترى الاشمئزاز على وجههم والغضب الذي سيطر على ملامح جدتها. لتقول بمزاح وهي تضحك:
"لا مؤاخذة أصل البنطلون غسلته الصبح ومنشفش.. والجيش قال اتصرف."
تبادلوا النظرات المنصدمة بين بعضهم البعض، بينما فوزية انحنت على حفيدتها وهمست بوعيد حقيقي وهي تستشيط غيظًا:
"والنعمة الشريفة لأربيكي يامهرة.. إيه اللي لابساه ده؟"
"بنطلون الحج الله يرحمه، عارفة لو لبستيه يازوزا هياكل منك حتة صدقيني.. تحبي أروح أغيره وتلبسيه؟"
تمالكت أعصابها واشاحت بنظرها عنها تنظر للضيوف وهي تبتسم بتصنع ونيران الغيظ مشتعلة بداخلها. هم ممدوح بأن يتحدث متجاهلًا منظر مهرة، لكنها قاطعته وهي تهب واقفة وتقول:
"يوه يقطعني.. لا مؤاخذة نسيت الشربات، وحياة قرعتك اللي بتلمع دي ياحج ما أنت قايل حاجة غير لما تشربوا الشربات الأول."
رفع ممدوح يده إلى رأسه يتحسس ملمسها الأملس والناعم لعدم وجود أي شعر بها ونقل نظره بين الجميع بوجه مكتوم من الغيظ. بينما والدة العريس فاقتربت على فوزية وهتفت بنظرات ساخرة بعد رحيل مهرة:
"هي مالها بنت بنتك يافوزية؟"
ابتسمت فوزية بتكلف وقالت بإحراج:
"معلش صغيرة بقى وهي بتحب تهزر كدا كتير.. دمها خفيف ماشاء الله."
ظلت مهرة تجوب في المطبخ إيابًا وذهابًا وهي تهتف باغتياظ:
"ماشي ياميدو الكلب.. وحياة أمك لأربيك."
ثم صك سمعها صوت طرق الباب العنيف ولم يكن ليد واحدة، فركضت للخارج فورًا حتى تفتح الباب ودخلت مجموعة من أطفال المنطقة. ثم أشارت لهم على الداخل وهي تغمز. فركضوا فورًا متصنعين أنهم في طريقهم للغرفة الداخلية التي سيأخذون فيها الدرس المزيف، لكن توقفوا عند مرورهم من أمام الصالون الذي موجود به العريس وعائلته وصاح واحدًا منهم وهو يشير على صابر:
"الحقوا!"
نظروا جميعهم إلى إشارة إصبعه وأسرعوا إلى الداخل ووقفوا جميعهم وهم يرددون ويتراقصون بأجسادهم الصغيرة ويخرجون لسانهم:
"يصابر يا جزمة ياللي ملكش لزمة."
نظر صابر وتبادل النظرات النارية مع والديه فوزية. بينما مهرة هرولت راكضة من الخارج إلى الأطفال وهي تصيح عليه بغضب مزيف حتى تدفعهم للغرفة الداخلية. بينما صابر نظر لفوزية وقال باحتدام:
"إيه ياحجة فوزية هو إحنا جايين بيتك نتهزق ولا إيه؟"
هبت فوزية واقفة وصاحت في الأطفال بعصبية وهي تدفعهم للخارج. بينما مهرة فقالت وهي تهتف محدثة صابر بابتسامة مستفزة:
"لا مؤاخذة يا جزمة.. أقصد يا صابر أصل أنا بقيت بدي دروس والنهاردة معاد الدرس."
صرخت فوزية بانفعال:
"دروس إيه دي ومن إمتى؟"
هزت مهرة أكتافها بعدم مبالاة وقالت ببرود:
"من النهاردة."
استقام ممدوح واقفًا وهو يقول بوجه محمر من الغضب:
"لا ده كدا زادت قوي.. قوم بينا ياصابر ويلا ياحجة وهات علبة التفاح وقفص المانجا ده معاك كمان."
استقاموا وحملت والدته علبة التفاح وهو القفص واتجهوا للخارج وسط محاولات فوزية للاعتذار منهم عن ما صدر عن حفيدتها. بينما مهرة فهتفت وهم على الباب وتقول ببرود وهي تكتم ضحكتها:
"طب سيب كيلو مانجا حتى أتسلى عليه وهندفعلك حقه."
ثم همست لنفسها وهي تلوي فمها بقرف:
"عيلة نتنة بصحيح."
ثم رفعت نظرها لجدتها التي طردت الأطفال وصرخت فيهم بصوتها المرتفع. ثم أغلقت الباب ونظرت لمهرة وعيناها حمراء كالدم من الغضب. ثم التقطت حذائها من قدمها وقالت بوعيد:
"شايفة الجزمة دي.. هنزل بيها على نفوخك وهدعكك بيها."
شهقت مهرة بفزع وأسرعت ركضًا نحو غرفتها وأغلقت الباب عليها لتسمع صوت جدتها من خلف الباب وهي تصرخ:
"أما أربيكي يابنت رمضان الأحمدي مبقاش أنا فوزية."
سمعت صوتها الساخر وهي تهتف ببرود ضاحكة:
"طلقني.. لو مش عاجبك طلقني."
"الصبر من عندك يارب.. هتجلطيني يابنت الـ ****."
ارتفعت ضحكات الأخرى من الداخل، بينما فوزية فظلت تحاول فتح الباب ولكن باءت كل محاولاتها بالفشل. فجذبت مقعدًا وجلست أمام الباب تقول بنبرة متوعدة:
"طيب اديني قاعدةالك اهو أما أشوف هتعرفي تطلعي إزاي من جوا.. خليكي قاعدة عندك."
***
فتح عدنان الباب ودخل فوجد أمه تجلس على الأريكة أمام التلفاز وتشاهد أحد المسلسلات الكلاسيكية. تنهد بقوة واقترب منها من الخلف وانحنى على رأسها يطبع قبلة حانية عليه ويهتف بوجه واضح عليه الهم والضيق:
"عاملة إيه ياست الكل؟"
التفتت له أسمهان بجسدها وطالعته بنظرة قلقة وهمست:
"كويسة ياحبيبي.. إنت مالك شكلك مضايق من حاجة؟"
عدنان بخفوت فهو ليس في مزاج أبدًا للحديث:
"مفيش حاجة متقلقيش، تعبان بس من الشغل، هطلع أريح في أوضتي شوية."
هزت رأسها بأيجاب وقالت بحنو وهي تضغط على كفه بحب:
"ماشي ياحبيبي ريح دلوقتي وبكرة نبقى نتكلم."
هز رأسه بالموافقة في ابتسامة باهتة ثم استدار واتجه نحو الدرج. وقبل أن يصعد أول درجاته هتفت أسمهان بنبرة ليست طبيعية:
"صحيح، فريدة مش فوق؟"
صُدم بأرضه على أثر جملتها. كيف ليست بالأعلى؟ الساعة الآن تجاوزت الثانية عشر بعد منتصف الليل! التفت بجسده ناحية أمه وهتف بنبرة غليظة:
"إزاي يعني مش فوق؟ أمال فين؟"
أسمهان بنبرة واضح عليها الحنق:
"هي مقالتلكش؟ طلعت من الصبح وقالت إن في واحدة صاحبتها عملت حادث وهتروح تزورها في المستشفى واحتمال تتأخر ولغاية دلوقتي مرجعتش ورنيت عليها مش بترد."
عدنان بوجه بدأت تظهر عليه بشائر حالته المرعبة:
"مش بترد.. وقاعدة برا لغاية الوقت ده! تمام، لما ترجع قوليلها إني مستنيها فوق."
ثم استدار وصعد الدرج متجهًا إلى غرفته وهو يخرج هاتفه ويجري اتصال بها ولكن بلا إجابة منها. مما هيج عواصفه أكثر. فما فعلته جلنار والغضب المكبوت بداخله منذ لحظتها يبدو أنه سيكون من نصيب فريدة وستحظى بضعف حالته العصبية بالصباح.
فتح الباب على مصراعيه ودخل ثم جلس على الفراش وقدماه تهتز بشدة من فرط السخط. ينتظر عودتها حتى تنال عقابها المستحق.
دقائق مرت حتى أصبحت ساعة كاملة!! وأخيرًا وصلت وكانت وجهتها فورًا إلى غرفتها بالأعلى بعد أن أخبرتها أسمهان بأن زوجها بانتظارها بالأعلى. وكانت يبدو عليها الحنق والقرف منها وهي تحادثها مما أكد لها أن عدنان هو عبارة عن قنبلة موقوتة بالأعلى وتنتظرها حتى تنفجر بها!
فتحت الباب ببطء وخوف ثم دخلت وهي تنظر للجالس على الفراش وهيئته مرعبة. رمقها بنظرة دبت الرعب في أوصالها فظلت واقفة مكانها لا تتحرك كالصنم تمامًا، حتى سمعت همسة متحشرجة خرجت منه وهو يسأل بهدوء ما قبل العاصفة:
"إنتي عارفة الساعة كام دلوقتي! الساعة واحدة يا مدام يامحترمة."
ابتلعت ريقها بتوتر وقالت بخوف بسيط:
"أنا آسفة بس صحبتي كانت تعبانة أوي يا عدنان واضطريت أقعد معاها وأنا مرجعتش وحدي.. باباها وصلني."
وثبت واقفًا وغار عليها كالثور الهائج وهو يصرخ بصوت جلجل في أرجاء القصر كله حتى أن آدم الكامن بغرفته سمع صوت صياح أخيه:
"أنا مليش دعوة بالزفت اللي بتقوليه ده ولا بصحبتك ولا قرف.. أنا ليا دعوة بمراتي اللي قاعدة برا البيت لغاية الساعة واحدة بليل من غير ما تقولي ومبتردش على تلفونها كمان."
كانت أسمهان من الأسفل تسمع صوت صياح ابنها وتبتسم بشماتة في تلك الشيطانة الصغيرة. بينما فريدة بالاعلى فصابتها نفضة فور صرخته العنيفة بها وقالت بارتعاد:
"التلفون كان في الشنطة والله يا عدنان ومسمعتهوش."
قبض على ذراعها بقسوة وجذبها إليه وهو يهتف بنبرة مرتفعة وانفعال:
"أنا ليا فترة سايبلك السايب في السايب وبتطلعي وتدخلي براحتك من غير ما تقوليلي وأنا مطنش بمزاجي عشان مش عايز أزعلك مني.. بس لغاية هنا وكفاية أوي، قسمًا عظمًا يافريدة لو رجلك عتبت برا عتبة القصر من غير إذني لتشوفي اللي عمرك ماشوفتيه مني فاهمة ولا لا.. واللي حصل النهارده ده اعتبريه أول تحذير مني ليكي."
ثم سكت لبرهة وهدأت نبرة صوته قليلًا ليقول بصوت أشبه بفحيح الأفعى:
"مش معنى إني بحبك وإنك أغلى حاجة عندي يبقى تستغلي النقطة دي وتعملي اللي على هواكِ، أنا صبري ليه حدود وإنتي عارفة ده كويس، متضطرنيش إني أتصرف معاكي بالطريقة دي تاني ياريت."
ثم ترك ذراعها بجفاء ونزع سترته وهو يستدير ويلقيها على الفراش وهو متجه نحو الحمام.. تاركًا إياها تقف بصدمة لا تصدق أن هذا هو عدنان الذي طالما كان مثال في الحنان والحب ولم يعاملها بهذه الطريقة قط منذ زواجهم. لابد أن تلك الأفعى جلنار هي السبب!
***
أجاب نشأت على الهاتف بتلهف ليسمع صوت الطرف الآخر وهو يقول بحماس:
"عايز الحلاوة الأول بقى ياباشا على الأخبار السكرة اللي جبتهالك دي."
"اخلص ياحيوان.. اتكلم وإلا أقسم بالله ها..."
قاطعه وهو يقول بخوف وضيق:
"خلاص وعلى إيه ياباشا من غير إلا.. بنت سيادتك موجودة في أمريكا مع الواد اللي اسمه حاتم الرفاعي.. بس مش قاعدة معاه في نفس بيته هو في بيت وهي في بيت وبتشتغل معاه في شركته."
"والعنوان؟"
"العنوان في كاليفورنيا (.......)."
هتف نشأت بفرحة:
"استنى اتصال مني عشان أقولك تيجي وتاخد بقية فلوسك."
أجاب الآخر بنظرات جشعة وصوت مسرور:
"تسلم ياباشا.. وأنا هستنى اتصالك."
أنهى معه الاتصال وألقى بالهاتف بجواره وهو يبتسم بسعادة. وبدأ يعد الخطط الجديدة من الآن، فعثوره على ابنته خير فرصة له بكل شيء وليس عمله فقط!
رواية امرأة العقاب الفصل الخامس 5 - بقلم ندى محمود توفيق
كانت جلنار تجلس في حديقة المنزل وتتصفح هاتفها وتشرب كوب اللبن الصباحي الخاص بها.
بجانبها صغيرتها كذلك تمسك بكوب اللبن وترتشف منه ببطء.
حتى صاحت فجأة بسعادة طفولية:
_ مامي .. خلصت اللبن.
نظرت لها جلنار وشهقت بدهشة مصطنعة وهي تبتسم ثم قالت:
_ بالسرعة دي.
هزت "هنا" رأسها بإيجاب بينما جلنار فانحنت عليها وطبعت قبلة عميقة على وجنتها وهتفت بحنو:
_ شطورة ياحبيبة ماما.
ثم ابتعدت عنها وضيقت عيناها بذهول وهي تحدق في الجهة التي أمامها وتهمس بوجه معالمه جادة ومريبة:
_ إيه اللي هناك ده.
التفتت الصغيرة فورًا برأسها للجهة التي تنظر منها أمها.
وبمجرد ما التفتت برأسها غارت جلنار عليها تدغدغها في جسدها الصغير بقوة.
فتنطلق منها ضحكات عالية وهي تحاول الفرار من أمها وتارة يمتزج ضحكها بصراخ.
حتى تركتها وهي تبادلها الضحك.
وثبت "هنا" جالسة بعد أن التقطت أنفاسها من شدة الضحك وقالت وهي تلتصق بأمها:
_ هو احنا مش هنكلم بابي تاني !!
اختفت ابتسامة جلنار وقالت بخفوت:
_ بابي أول مايفضى هيكلمنا ياحبيبتي.
_ طيب احنا إمتى نرجع بيتنا ؟
اطالت النظر في أعين ابنتها الحزينة وقالت بأسى:
_ مش عارفة.
أطرقت الصغيرة رأسها لأسفل بيأس ثم عادت تستكمل اسألتها:
_ بابي قاعد مع تيتا وطنط فييدة ؟
تأففت جلنار بصوت مسموع بعد سماعها لاسم فريدة من ابنتها واعتدلت في جلستها لتقول بحدة بسيطة:
_ هنا أنا قولتلك كذا مرة ياحبيبتي طنط فريدة مش بتحبنا خالص.
اتسعت عيني الصغيرة وقالت بتعجب:
_ يعني طنط فييدة وحشة.
مسحت جلنار على وجهها وهي تزفر بخنق ثم أجابت على ابنتها بحزم:
_ أيوة .. ويلا بينا ندخل عشان الجو برد وكدا ممكن تتعب.
استقامت "هنا" واقفة وامسكت بيد أمها وسارت معها إلى الداخل، وهي تفكر متى سيعود والدها فلقد اشتاقت له كثيرًا.
***
تمسك بيدها كوب شاي وباليد الأخرى قطعة بسكوت تغمرها في الشاي وتخرجها لتضعها في فمها وهي تشاهد التلفاز على إحدى قنوات المسلسلات التركية المدبلجة.
زاد انتباهها وتركيزها على المشاهدة عندما جاء مشهد بين أبطال المسلسل وهم يتشجارون.
فظلت محدقة بالتلفاز وهي تلوي فمها بقرف من شخصية البطل في المسلسل.
ثم التقطت قطعة بسكوت أخرى وفعلت معها كما فعلت بالأخرى وهتفت بقرف وهي تلقيها بفمها قاصدة بطل المسلسل:
_ طاب والله العظيم الواد مراد ده بني آدم براس كلبة.
سكتت للحظات تستمع لرد البطلة على البطل في التلفاز ثم هتفت بخنق:
_ هما إيه المتخلفين عقليًا دول .. يابت سبيه هما كلهم صنف عرة والله.
وفجأة شعرت بكف قوى نزل على رقبتها من الخلف فانتفضت واقفة والتفتت بجسدها للخلف فوجدتها جدتها.
صاحت في ضيق:
_ هو حد جه جمبك ياحجة بتضربي ليه.
اقتربت منها فوزية وهي تشمر عن أكمامها وتقول بوعيد وابتسامة متشفية:
_ لتكوني فاكرة عشان غلب عليا النوم امبارح وهربتي مني هسيب اللي عملتيه يعدي بسهولة كدا.
ظلت مهرة تتقهقر للخلف وهي تقول بنبرة خائفة:
_ استهدي بالله بس وهنتفاهم .. طب بزمتك إنتي كنتي ترضهالي .. ده عبيط جاي يتقدم ولأبس بنطلون فسفوري ، اللون رشق في عيني جابلي حول والله.
فوزية بغيظ:
_ ياختي بركة !
ابتسمت مهرة ببلاهة بعدما أحست بهدوء انفعال جدتها قليلًا ثم تحركت بحذر وخبث نحو جدتها حتى قفزت بجوارها ولفت ذراعيها حول أكتافها تقول بمكر:
_ يازوزا أنا مواصفات فتى أحلامي مختلفة.
_ أكيد اهطل زيكم.
هرة بشفتين مزمومتين:
_ لا لا انتي مش هتفهميني وبتستهزئي بأحلامي التافهة.
تنهدت فوزية بعدم حيلة ثم اتجهت وجلست على الأريكة لتقول بصوت مرهق:
_ يابنتي حرام عليكي عايزة اطمن عليكي وافرح بيكي قبل ما اموت .. انتي أمانة امك الغالية الله يرحمها لو حصلي حاجة هسيبك لمين.
أجابتها بسخافة وهي تضحك:
_ سبيني لضميري.
انحنت فوزية وهمت بالتقاط شبشبها لكن مهرة قفزت وجلست بجوارها فورًا وهي تحتضنها وتهتف بضحك ومرح:
_ تموتي فين بس ده انتي صحتك زي البومب ، ده أنا قرب يجيلي كساح وإنتي بتجري زي الخيل.
دفعتها فوزية بخفة هاتفة بسخط بسيط:
_ نقي عليا يا بنت رمضان مش كفاية فقعالي مرارتي عايزة تجيبي اجلي كمان.
انحنت عليها وطبعت قبلة عميقة على جبهتها وهي تقول بعذوبة:
_ ربنا يديكي الصحة يازوزا ويخليكي ليا .. هو أنا أقدر أعيش من غيرك برضوا.
طالعتها فوزية بحنان ثم جذبتها لأحضانها وهي تملس على شعرها وتطبع قبلات متفرقة عليه بحب.
***
داخل منزل شقيقة أسمهان.
سارت باتجاه أسمهان وهي تحمل كأسين من العصير الطازج ثم وضعتهم على منضدة صغيرة أمامهم وجلست بجوار شقيقتها وهي تسأل باهتمام:
_ لسا مفيش خبر عن جلنار يا أسمهان ؟
هتفت أسمهان بخنق محدثة شقيقتها:
_ يعني أنا جيالك يا ميرفت عشان تجبيلي سيرة اللي ما تتسمى دي.
ميرفت بعدم فهم:
_ أنا نفسي افهم إنتي مش طيقاها ليه .. هي البنت عملتلك إيه ، دي حتى جيبالك حفيدة زي القمر ماشاء الله.
أسمهان بغل وحقد:
_ مش طيقاها عشان بنت نشأت الرازي .. ده راجل قذر وكل يوم مع ست شكل .. وكل همه الفلوس ومصلحته وبس واهي بنته زيه لما لقت مفيش فايدة من ابني ومش هتعرف تاخد حاجة منه قالت اطلب الطلاق ولما رفض خدت البنت وهربت والله اعلم بقى قاعدة مع مين دلوقتي ولا بتعمل إيه.
ميرفت بلطف وإشفاق:
_ يا أسمهان حرام عليكي متظلميش البنت .. جلنار كويسة وتستاهل أفضل حاجة .. متحسسنيش إن عدنان ملاك نازل من السما ، ماهي البنت هربت لما عرفت أنه عايز ياخد بنتها منها ومش كفاية معذبها معاه ومهملها ، و كل اهتمامه مديه لفريدة ولبنته ، وبعدين مش إنتي اللي كنتي عايزاه يتجوز تاني عشان يخلف وفضلتي تزني عليه لغاية ما تعب من الزن ووافق.
أجابتها وهي تعتدل في جلستها وتقول بنظرات مشتعلة:
_ كنت هجوزه بنت سليم العايد ، نسب نتشرف بيه مش نشأت القذر ده .. لكن تقولي إيه بقى في عمته .. عارفة لو كانت عايشة لغاية دلوقتي أنا كنت اكلتها بسناني.
تنهدت ميرفت بعدم حيلة مش حقد شقيقتها وبغضها للجميع الذي لا ينتهي أبدًا وقالت بتهكم:
_ده بدل ما تدعي للست بالرحمة وتقولي ربنا يرحمها.
_ ماتت وسابتلي البلوة اللي اسمها جلنار دي بعد ما اقنعت عدنان أنه يتجوزها.
ميرفت بنفاذ صبر:
_ طيب اشربي العصير يا أسمهان وخلينا نتكلم في حاجة تاني.
زفرت أسمهان بعصبية بسيطة ثم التقطت كأس العصير وبدأت ترتشف منه بهدوء وهي تفكر في طريقة للتخلص من زوجة ابنها الثانية حتى تتفرغ بعد ذلك لفريدة.
***
دخلت إلى غرفة قديمة بالقصر لا يدخلها أحد إلا نادرًا ثم وقفت على عتبة الباب وأخرجت رأسها وجعلت تتلفت يمينًا ويسارًا لتتأكد من عدم وجود أحد ثم أغلقت الباب جيدًا ودخلت لتجيب على الهاتف وهي تهتف باستياء:
_ أنا مش قولتلك مليون مرة متتصلش بيا خالص إلا لو في حاجة ضروري.
أتاها صوت الآخر وهو يهتف بهيام:
_ ماهو في حاجة ضروري وهي إنك وحشتيني ياديدي.
ارتفعت الابتسامة المحبة على شفتيها وقالت بدلال:
_ هو إنت لحقت ما أنا كنت معاك امبارح اليوم كله.
_ إنتي بتوحشيني كل دقيقة ياحبيبتي .. طمنيني عملتي إيه امبارح لما رجعتي.
تنفست الصعداء بضيق وقالت:
_ حصلت مشكلة كبيرة وعدنان كان على أخره ومن امبارح مش بيتكلم معايا.
_ وبعدين مع عدنان أنا قولتلك اديني بس الإشارة وصدقيني هنرتاح منه خالص يافريدة.
صاحت بصوت مرتفع نسبيًا:
_ أنت اتجننت نرتاح منه إيه .. أنا مقدرش اعمل حاجة زي كدا ، واحدة واحدة نخلص من جلنار دي الاول وبعدين هشوف هتصرف إزاي مع عدنان.
_ زهقت يافريدة عايزاك تخلصي منه أو تتطلقي حتى عشان تكوني ليا لوحدي .. مبقتش قادر استحمل.
سكتت لبرهة من الوقت وهي تستعيد في ذهنها كافة الأحداث منذ زواجه بجلنار وحتى الآن.
كيف كانت فرحته وهي تراه يحمل ابنته بين ذراعيه لأول مرة ونظراته الدافئة لجلنار منذ ولادتها.
خوفه وجنونه عليها الآن وهي بعيدة عنه وغيرته المفرطة عليها.
لقد اشبعها من كلماته حول حبه الوحيد لها وأن جلنار لا تعنيه بشيء ولكن أفعاله أظهرت العكس تمامًا.
هتفت فريدة بقسوة:
_ اطمن عدنان أصلًا مبقيش ليه أي مكان في قلبي .. أنا مستنية الوقت المناسب وبعدها صدقني هكون ليك لوحدك ومفيش حاجة هتقدر تفرقنا.
ثم هتفت فورًا باضطراب بسيط:
_ أنا هقفل عشان ممكن حد يسمعني وانا مش ناقصة مصايب مش عايز ادي فرصة لعدنان أنه يشك فيا حتى.
_ طيب ياحبيبتي خلي بالك من نفسك.
_ وإنت كمان .. سلام.
أنهت معه الاتصال ثم جلست على الفراش الذي خلفها وبقت تحملق أمامها بعينان تطلق شرارات الغضب والغيظ.
***
داخل مكتب عدنان في القصر.
جالسًا على الأريكة ويمسك بصورة صغيرة بين يديه ويحدق بها في أعين مشتاقة ومتألمة.
لم يعد يحتمل فراق صغيرته عنه أكثر من ذلك.
قلبه يصرخ شوقًا لها ، وروحه تائهة في الفضاء تبحث عن مستقرها ، ولن تعود له إلا عند عودة فتاته إليه.
جلنار اختارت العِقاب الأمثل له ، بدلًا من أن تعذبه بأي شيء آخر اختارت الأكثر ألمًا بالنسبة له وهو إبعاد ابنته عنه.
والآن هو يتخبط بيأس باحثًا عن أبرة في كومة من القش ولا يتمكن من إيجادهم.
من جهة ابنته وخوفه عليه واشتياقه لها ومن جهة أخرى تلك الماكرة التي تفعل كل ما بوسعها حتى تثير جنونه وغيرته.
لم يتمكن من إخراج صورتها من عقله مع ذلك الرجل منذ أمس.
وكلما تعصف بذهنه يظهر الاحمرار في عيناه ويزداد وعيده لها أكثر.
وليت عقله اللعين يتوقف عند هذا الحد فقط بل يستمر في طرح أسئلة وتخيلات تزيد من جنونه أكثر.
ماذا كان رد فعلها هل كانت سعيدة بلمسة ذلك الوغد لها أم أنها نفضت يده عنها ؟
من يكون ذلك الرجل ؟
هل الأمر تخطى مجرد لمسة يد ؟!
( ماذا تفعلين ياجلنار ، اقسم لكِ إنني حين أجدك ستنالين العقاب الذي تستحقينه مني وسأجعلك تتوسلين أن ارحمك ولن أشفق عليكِ )
كانت جملة قاسية وجافة يهمسها لنفسه تعبر عن مدى دماره الداخلي من كل شيء تفعله تلك المتمردة.
عاد ينظر إلى الصورة التي بيده من جديد ويبتسم بصفاء ثم تقذف بذهنه فجأة ذكرى له مع صغيرته.
فتح باب غرفتها ببطء شديد ثم ادخل رأسه أولًا فوجدها تجلس على الأرض ومنشغلة باللعب بألعابها الخاصة.
وحين فتح الباب كاملًا ودخل بجسده كله فالتفتت هي برأسها نحو الباب ووثبت واقفة بفرحة وركضت نحوه تتعلق بقدميه وهي تهتف بصوت طفولي:
_ بابي.
انحنى إليها وامطرها بوابل من قبلاته الحانية على وجهها كله وهو يهمس بصوت ينسدل كالحرير ناعمًا:
_ ياروح بابي .. جبتلك حاجة حلوة معايا.
لمعت عيناها بوميض متشوق وقالت بحماس:
_ شوتلاته ؟ ( شوكولاته ).
قهقه عاليًا وهز رأسه بإيجاب ثم هتف بخبث جميل:
_ بس مش هتاخديها إلا بشرط.
اختفت ابتسامتها وحل محلها اليأس فوجدته يميل بوجهه للجانب يشير إلى وجنته هامسًا:
_ عايز بوسة كبيرة اووووي.
رتمت عليه تعانقه وهي تعطيه قبلة قوية وعميقة على وجنته فيهتف بضحكة بسيطة وبهيام:
_ الله .. احلى بوسة في حياتي.
ثم مال بوجهه للجانب الآخر وأشار لوجنته الأخرى:
_ وحدة هنا كمان.
فعلت بالمثل وبقوة أشد على وجنته الآخرى ثم ابتعدت ووقفت تنظر له منتظرة أن يخرج لها الحلوى.
فمد يده في جيبه سترته وأخرج قطعة شوكولاته كبيرة نسبيًا مغلفة بورقة جميلة فصاحت "هنا" بسعادة وجذبتها من يده ثم فورًا بدأت تزيل الغلاف عنها ووضعت جزء منها في فمها وهي تأكلها بفرحة ولطخت فمها كله ويديها بها.
ثم نظرت لأبيها الذي يتابعها بحنو وحب وكسرت قطعة صغيرة منها ومدت يدها بها إلى فمه ثم لفت ذراعيها حول عنقه وعانقته وهي تطبع قبلة صغيرة على وجنته وتهمس:
_ بحبك أوي يابابي.
لم تمهله اللحظة ليجيب عليها حيث بمجرد ما ابتعدت عنه ورأت الشوكولاته التي طبعت على وجهه بسبب فمها الملطخ بها.
انفجرت ضاحكة بصوت عالي.
ضيق هو عيناه باستغراب ثم تحسس وجنته بانامله فاتسعت عيناه بدهشة وغيظ مزيف، وباللحظة التالية كان يحملها ويلقي بها على فراشها الصغير ويتولي مهمة دغدغتها بوجهه كله في جسدها ورقبتها وهي تطلق ضحكات جلجلت أرجاء المنزل كله حتى وصلت لأذن أمها التي سمعتها وهي بالمطبخ وابتسمت بحب.
جذبه من ذكرياته الجميلة مع ابنته ، صوت انفتاح الباب ودخول فريدة ، وضع صورة ابنته على المنضدة الصغيرة التي بجانب الأريكة ، وتصنع تجاهله لها تمامًا حتى وجدها تجلس بجواره وهي تهتف بأسف:
_ أنا آسفة يا عدنان .. اوعدك إنها مش هتتكرر تاني.
تنمقها بنظرة دبت الرعب في أوصالها وقال بشراسة:
_ أنا مش هنتظر منك توعديني يافريدة .. إيه اللي حصل امبارح ده واللي كنتي بتعمليه وخروجك من غير أذني مش هيتكرر غصب عنك لأن لو حصل واتكرر أنا مش مسئول عن تصرفاتي بعد كدا.
هتفت بنظرات مستاءة ووجه يعطي احمرار مريب:
_ أنت بتتصرف معايا بالطريقة دي ليه ياعدنان .. أنت عمرك ما عاملتني كدا ، أكيد بسبب الحقيرة اللي اسمها جلنار.
مسح على وجهه وهو يزفر بحنق ثم أجابها بنظرة قوية:
_ إنتي عارفة إنك بنسبالي متتحطيش في مقارنة لا مع جلنار ولا غيرها .. لكن إنتي اللي شكلك مش قادرة تتقبلي خطأك وإنك لازم تتعاقبي ، متقارنيش نفسك بحد .. إنتي غلطتي وكان لازم تتعاقب.
تنفست الصعداء وهي بداخلها تشتعل بنيران الغضب، أتت للإعتذار منه فقط حتى تحافظ على المتبقى من علاقتهم بالنسبة لها إلى حين تتخلص منها ومنه نهائي.
خرجت صوتها مكتوم بالغيظ:
_ واللي عملته معايا إمبارح مكنش عقاب كفاية بنسبالك !!
عدنان بحزم:
_ انفعالي عليكي امبارح إنتي السبب فيه لأنك استنفذتي كل طاقة صبري على تصرفاتك في الفترة الأخيرة.
فريدة بوجه محتدم:
_ وعقابك ليا ده هيستمر لغاية إمتى ؟!
عدنان بجفاء وبرود:
_ لغاية ما احس إنك اتعلمتي من غلطك واشوفك بتنفذي اللي قولت عليه.
لم تبذل أي مجهود في محاولة استعطافه أو جعل قلبه يلين لها قليلًا ، رغم معرفتها أنها إذا حاولت وبمجرد كلمات بسيطة منها ستنجح في الأمر لكنها لم تهتم كثيرًا للحصول على مسامحته أو غيره من الأساس.
استقامت واقفة وقالت بمضض:
_ انا هطلع اوضتي لو احتجت حاجة انده عليا.
ثم اندفعت من المكتب بسرعة وهي عبارة عن جمرة من النيران الملتهبة ولا تتوقف عن الوعيد لتلك المدعوة بجلنار !!
بينما هو فظل يحملق على اثرها وهو يغضن حاجبيه بحيرة من أمرها !!.
***
عبر آدم من بوابة الشركة واتجه إلى المصعد الكهربائي واستقل به.
ثم ضغط على زر الصعود للطابق الثالث حيث يوجد مكتبه ومكتب أخيه.
لحظات عابرة وتوقف المقعد ثم انفتح الباب ليخرج ويتجه نحو مكتبه لكنه لمح نادر وهو يقف أمام باب مكتب أخيه ويهم بفتحه للدخول، فغير وجهته فورًا وتحرك نحو مكتب أخيه وهتف بصوت مرتفع بعض الشيء:
_ نادر !
تصنم الآخر بأرضه وأخذ نفسًا عميقًا قبل أن يلتفت له بجسده كاملًا وهو يبتسم ببرود.
فوقف آدم أمامه وقال بخشونة:
_ خير واقف عند مكتب عدنان ليه ؟
نادر بنبرة ممتعضة:
_ كنت داخل احط الملفات دي على مكتبه عشان لما ياجي يشوفهم.
آدم بصرامة:
_ تقدر تدهاني أنا وهوصلها ليه متقلقش.
ابتسم نادر بسخرية وقال بضجر:
_ هو في إيه بظبط يا آدم .. أنت مضايق مني في حاجة وأنا معرفش !!
أجابه بشموخ واضعًا كفيه في جيبي بنطاله وهتف بصراحة مألوفة عليه .. دون أن يتردد لحظة في نطق أي كلمة سيقولها:
_ في إني مش مستلطفك يانادر ولا طايقك وده من غير أي سبب سبحان الله .. وأنا لما يكون مش مستلطف حد يبقى أكيد الشخص ده مش تمام فخليك حذر عشان أنا عيني عليك ، ومكتب عدنان طول ما هو مش موجود يبقى الافضل متدخلهوش خالص.
ثم أخرج كفه من جيب بنطاله ورتب على كتف نادر بابتسامة باردة وهو يقول بنظرات ذات معنى:
_ يلا روح كما شغلك يابشمهندس.
ثم استدار وعاد يتجه نحو مكتبه مرة أخرى بينما نادر فظل واقفًا وهو يتابعه بعيناه الملتهبة ويهتف بنظرة شيطانية:
_ شكلك مش هتجبها لبر معايا يا ابن الشافعي.
***
في مساء ذلك اليوم.
خرجت جلنار من الحمام وهي تلف حول جسدها منشفة وتمسك بأخرى صغيرة تجفف بها شعرها.
ثم اتجهت نحو خزانتها حتى تخرج ملابسها.
وبينما كانت تبحث عن منامة بعينها وسط الملابس ، وقعت يداها على فستان من اللون الذهبي ، طويل وبحاملات رفيعة ومن الخلف لديه فتحة ظهر واسعة أما الامام فينزل بشكل مستقيم في منتصف الصدر ليظهر جزء ليس صغير منه.
تجمدت يداها وهي تحدق به ، لا تعرف لماذا أخذته معها حين غادرت المنزل ولكنها لن تنسى حين أهداه لها بمناسبة عيد ميلادها منذ سنتين وكيف فرحت أنه تذكرها بشيء وسط إهماله الدائم لها.
أخرجته من الخزانة ومدت أناملها تتلمسه برقة وإعجاب ، ورغبت بشدة أن ترتديه مجددًا.
ولم تتردد كثيرًا حيث سرعان ما شرعت في ارتدائه ثم وقفت أمام المرآة وهي تتفحص نفسها بنظرها.
كان مثالي تمامًا ويسرق الأنفاس على جسدها الأنوثي للدرجة التي جعلها تقف تحملق بنفسها في إعجاب.
شردت فجأة بذهنها متذكرة اللحظة الأولى التي ارتدته فيها عندما أهداه لها.
تتلفت حول نفسها يمينًا ويسارًا أمام المرآة وهي تبتسم حتى تجمدت مكانها حين شعرت به من خلفها وهو يلف إحدى ذراعيه حول خصرها بتملك والآخر يضعه على ذراعها وينظر الانعكاس وجهها في المرآة وثم إلى الفستان الذي حبس أنفاسه وهمس:
_ كأنه متفصل خصيصًا ليكي.
أحست بتسارع نبضات قلبها وتمتمت باستحياء بسيط ورقة:
_ ميرسي ياعدنان شكله جميل أوي وعجبني جدًا.
سمعت همهمته بالقرب من أذنها التي أثارت في جسدها رعشة بسيطة وهو يحملق بها بنظرات خبيثة ويبتسم:
_ أنا مش قادر أشيل عيني من عليكي.
بادلته الابتسامة ثم التفتت له بجسدها و.......
انتشلها من شرودها صوت رنين الهاتف الصاخب.
نظرت لنفسها بصدمة فكأنها كانت بعالم آخر لا تشعر بشيء.
نفضت عن رأسها تلك الذكرى وأفكارها كلها ثم أمسكت بالهاتف وأجابت على المتصل بصوت خافت:
_ أيوة ياحاتم.
_ عاملة إيه ياجلنار ؟
سؤال بالتوقيت المناسب تمامًا .. وليتها تتمكن من الإجابة عليه بصدق ، لكنها ستؤثر الرد التقليدي على سؤال كهذا بالطبع حيث ردت بعبوس:
_ كويسة.
حاتم في إيجاز ونبرة جادة:
_ طيب أنا جايلك دلوقتي عايز اتكلم معاكي في كام حاجة كدا.
_ تمام مستنياك.
أغلقت الاتصال معه ثم تنفست الصعداء بضيق وهمت بتبديل ملابسها لكن صوت طرق الباب جعلها تقف بتعجب.
لا يعقل أن يكون وصل بهذه السرعة بالطبع.
لحظة أخرى وعاد الطرق من جديد لكن بقوة أشد فخافت من أن تستيقظ ابنتها من الصوت المزعج ، ألقت بشال قصير على كتفيها حتى يخفي نصف جسدها العاري من الأعلى وغادرت الغرفة متجهة نحو الباب وفتحت بوجه مضطرب وغاضب بنفس اللحظة.
تجمدت الدماء في عروقها وهي ترى أبيها أمامها.
كيف وصل وعرف مكانها كل هذا لا يهم.
الأهم أن الآن لم يعد هناك مجال للهرب مرة أخرى وحتمًا ستعود لما فرت هاربة منه.
شعرت بصفعته القوية التي نزلت على وجنتها وهو يدخل ويغلق الباب ويصيح بها:
_ بتاخدي بنتك وتهربي بيها .. هي دي آخرة التربية اللي ربتهالك ياجلنار.
وضعت كفها على وجنتها ورمقت أبيها بنظرة نارية ثم قالت بسخط:
_ إنت إيه اللي جابك !!
جذبها من ذراعها وهو يهتف بعصبية:
_جاي ارجع بنتي وحفيدتي اللي هربانة بيها مني ومن أبوها.
استقامت بشموخ وقالت بانفعال:
_ بنتك وحفيدتك !! .. كانت فين بنتك دي لما أجبرتها على الجواز .. كانت فين لما فضلت تتوسلك عشان تطلقها منه وأنت مكنتش بتوافق .. كانت فين لما اتفقت مع عدنان إنه ياخد بنتي مني ويطلقني .. هااا كانت فين اتكلم يا نشأت الرازي.
تمتم نشأت بهدوء مستفز:
_ أنا كلمت عدنان قبل ما اركب الطيارة وآجي وهو أكيد ركب في الطيارة اللي بعدي وجاي دلوقت.
ثم سكت لبرهة من الوقت واقترب منها يمسك بذراعيها بكلتا يديه ويقول بنبرة مهتمة ورخيمة:
_ طلعي الطلاق ده من دماغك ياحبيبتي .. أنا مش هقدر على عدنان الشافعي ، تراجعي ولو مراته التانية هي اللي مسببة ليكي المشكلة ، أنا واثق إنك تقدري تخليه يطلقها ويبقى ليكي لوحدك .. صدقيني كدا أفضل ليكي.
ابتسمت بعدم استيعاب لما يخرج من بين شفتيه ، لا تصدق أن ذلك الرجل هو أبيها.
هو لا يصلح حتى أن يطلق عليه اسم أب !!.
دفعت يديه بعيدًا عنها بعنف وتراجعت للخلف وهي تقول بسخرية وأعين دامعة:
_ قصدك أفضل ليك أنت .. عشان مصالحك وشغلك معاه ميوقفش ومتخسرش مشاريعك وصفقاتك يا نشأت بيه الرازي .. صح ولا لا ! .. أنت لا يمكن تكون أب ، أنا أصلًا بعتبرك ميت ومليش أب.
صاح بها في صوت مرتفع:
_ المشاريع والصفقات دي هي اللي هترجع اسم الرازي تاني في السوق .. احنا على عتبة الإفلاس لو مش حاسة ، لما تتطلقي منه فكرك إنك هترجعي تعيشي في قصر ابوكي وفي الهنا والعز اللي كنت عايشة فيه .. لا وقتها هنكون افلسنا ياجلنار يمكن حتى القصر هيتحجز عليه ومش هيفضل معانا ولا أي حاجة.
انهمرت دموعها على وجنتيها بحرقة.
ليتها ولدت يتيمة من دون أب حتى لا ترى كتلة القسوة والجفاء المتجسدة أمامها في هيئة أب ، ظلت تتقهقر للخلف وهي تشهق ببكاء حار حتى اصطدمت بالأريكة من خلفها وارتدت جالسة عليها ثم قالت بصوت موجوع:
_ ملعون الفلوس كلها اللي تخليك تبيع بنتك عشانها .. وترميها لراجل قاسي ومبيحبهاش عشان مصلحتك وشغلك.
اقترب منها وجثى أمامها ثم أمسك بكفها وهتف في نظرة تحمل الوعيد ونظرات دافئة:
_ عدنان مش. هيقدر يأذيكي حتى لو رجعتيله مش هيقدر .. وطول ما ابوكي عايش متخافيش مش هسمح لحد أن يمس شعرة منك.
اندفعت صارخة به بهستريا وهي تجذب يدها من بين يديها:
_ أنت مش ابويا .. أنت بنسبالي نشأت الرازي وبس .. وصدقني لو اقدر اغير هويتي واشيل اسمك من حياتي كلها هعملها ، كان نفسي ماما تكون موجودة دلوقتي وتشوف اللي بتعمله فيا عشان مصلحتك وفلوسك .. بس خلي في علمك أنا مش هسكت اكتر من كدا .. سكت لاربع سنين وأنا مستحملة جشعك وطمعك وإهمال عدنان ليا وكأني نكرة مش موجودة ، بس كفاية أوي لغاية كدا وهتشوفوا جلنار الرازي اللي على حق من هنا ورايح.
كان سيجيب عليها لكن صوت الرنين الباب أوقفه.
استقام واتجه نحو الباب ليفتح فوجد حاتم أمامه.
ابتسم له باستهزاء وقال:
_ أهلًا أهلًا.
أطال حاتم النظر فيه بصدمة وسرعان ما دفعه من طريقه ودلف للداخل وهو يهتف:
_ جلنار فين !!
وجدها جالسة على الإريكة وتحدق في اللاشيء أمامها بوجه مهموم وممتلئ بالدموع.
هرول نحوها وجثى أمامها يهتف بتلهف وقلق:
_ جلنار إنتي كويسة ؟ .. عملك حاجة ؟!
هزت رأسها بالنفي دون أن تتفوه ببنت شفة بينما نشأت فهتف باستياء وغضب وهو يجذب حاتم من أمام ابنته:
_ أنت تبعد عن بنتي خالص ومتقربش منها نهائي فاهم ولا لا ياواطي.
دفع حاتم يده عنه وصاح به بانفعال:
_ أنا برضوا اللي واطي .. ياراجل يامهزق ، وليك عين كمان تتكلم وتقولي متقربش منها.
نشأت بعينان التهبت بالنيران:
_ لا ده أنت كدا عايز يتقرص على ودنك كويس يا ابن الرفاعي عشان تعرف بتتكلم مع مين.
_ بتكلم مع واحد حقير باع بنته وحفيدته عشان مصلحته والفلوس .. أنا اللي حايشني عنك إنك راجل كبير بس مش اكتر.
هم نشأت بأن يندفع نحوه ليضربه لكن جلنار وثبت ووقفت في المنتصف بينهم صارخة بانهيار:
_ بس كفاية.
ثم نظرت لحاتم وقالت بوجه منفتر:
_ ملوش لزمة ياحاتم خلاص عدنان جاي في الطريق.
لجمت الدهشة لسانه وظل يحملق بها للحظات طويلة دون أن يتحدث وفجأة ارتفع صوت جرس الباب للمرة الثالثة ، وهذه المرة كان الطارق معروف.
نظرت جلنار لحاتم الذي اندفع نحو الباب بعصبية ووجه يشع غضب ونقم ، فاندفعت خلفه وهي تهتف برجاء:
_ حاتم استني ارجوك متفتحش .. حاتم !
لكن لا حياة لمن تنادي حيث وقفت هي على مسافة بعيدة منه وهي تراه يفتح الباب ليظهر من خلفه عدنان بهيئته المعتادة ووجهه كان يظهر عليه مدى ثورانه الداخلي.
رواية امرأة العقاب الفصل السادس 6 - بقلم ندى محمود توفيق
لحظات مرت كالساعات، وعدنان لا يزال يقف يحدق بذلك الواقف أمامه. حين دقق النظر في ملامح وجهه، تذكره جيدًا. أنه نفس الرجل الموجود بالصور مع زوجته. التهبت عيناه، وفي اللحظة التالية فورًا اندفع على حاتم، وهو يوجه له عدة لكمات عنيفة ويصيح:
"إيه اللي بتعمله هنا يا ****؟"
تصلبت جلنار في مكانها وهي فاغرة شفتيها، لا تصدق ما تراه أمامها. أما نشأت، فكان يقف بهدوء تام ونظرات متشفية في حاتم. الذي وقف من على الأرض ورد اللكمة لعدنان، فسالت الدماء من فمه على إثرها وهتف بنظرات نارية:
"امشي بالذوق يا عدنان، بدل ما أتصل بالبوليس وأخليه يجي ياخدك."
مسح عدنان بإبهامه الدماء من جانب فمه، وهو يرمقه بنصف نظرة مميتة. ثم اندفع نحوه كالثور الهائج، وقبض على رقبته ودفعه بقوة ليصطدم بالحائط. وحاصره وهو ممسكًا برقبته ويهتف في وجهه، بنظرة دبت الرعب في أوصال جلنار:
"طيب اسمع انت بقى يا شاطر. هتبعد عن مراتي وبنتي ومتقربش منهم، وإلا أقسم برب العزة أدفنك في أرضك دلوقتي. ولا أنت ولا البوليس بتاعك يقدر يعملي حاجة."
ركضت جلنار نحوهم وأمسكت بعدنان تحاول إبعاده عن حاتم، وهي تصيح بخوف:
"أنت اتجننت؟ ابعد عنه يا عدنان."
استقرت نظرة في عيناه قذفت الرعب في نفسها، جعلتها تتراجع خطوة للخلف. بينما حاتم، فأفلت نفسه من بين براثن عدنان بصعوبة، وهم بالانقضاض عليه مرة أخرى لولا جلنار التي هرولت نحوه ووقفت أمامه تهتف بتوسل:
"امشي يا حاتم، أبوس إيدك عشان خاطري. متقلقش عليا."
أطلقت شهقة عالية وهي تشعر بقبضة عدنان التي قبضت على ذراعها بعنف وجذبها إليه، وهو يصرخ بها بصوته الجهوري:
"إنتي تعالي هنا، لسه حسابك جاي معايا."
كتم حاتم قبضته بقوة حين رآه وهو يمسكها بهذه الطريقة ويصرخ بها. لكن نظرة جلنار المتوسلة له جعلته يتراجع مجبرًا، واستدار وانصرف متوعدًا لعدنان.
بمجرد انصرافه، دفعت جلنار عدنان بعيدًا عنها وهي ترمقه بنظرة مشتعلة، كلها غضب وغل. بينما الآخر، فعاد يجذبها من ذراعها وهو يصيح بصيحة هادرة:
"بيعمل إيه الحيوان ده هنا؟"
تدخل نشأت وأبعد عدنان عن ابنته، وهو يهتف بحدة:
"إحنا اتفاقنا كان إني هقولك على مكان بنتك، بس متقربش من بنتي يا عدنان."
انطلقت ضحكة عالية من جلنار التي هتفت بهستريا:
"اتفاق؟ اتفاق تاني! إنتوا أقذر اتنين عرفتهم في حياتي. أنا لو أقدر أقتلكم كنت عملتها من زمان. بس للأسف واحد أبويا والتاني أبو بنتي، ومقدرش أحرمها من أبوها."
صرخت بها جلنار بصوت نفضها في أرضها:
"اخرسي، مسمعش صوتك خالص."
ثم نظر لنشأت وقبض على ذراعه وجذبه معه إلى إحدى الغرف وأغلق الباب عليهم. بينما هي، فجفت دمعة حارقة سقطت من عيناها ودخلت إلى الصالون وجلست على الأريكة، وقدماها تهتز بقوة من فرط سخطها.
استمر حديثهم لثلاث دقائق تقريبًا، حتى خرج عدنان أولًا من الغرفة، يتبعه نشأت الذي ألقى نظرة عاجزة على ابنته واتجه نحو الباب وانصرف. ضحكت جلنار باشمئزاز وهتفت لعدنان الذي تحرك نحوها:
"إيه؟ اديته قرشين وسكتّه بيهم؟ ما هو انتوا الاتنين أحقر من بعض."
وصل عدنان إليها وانحنى عليها بنصف جسده العلوي وهمس بفحيح أشبه بفحيح الأفعى، ونظرة متوعدة:
"هدخل أشوف بنتي، وبعدين هفضالك."
طالعته بقرف وغيظ، امتزج بابتسامة ساخرة منها. بينما هو، فانتصب في وقفته واندفع يبحث عن ابنته في أرجاء المنزل.
فتح باب إحدى الغرف المزين برسومات أطفال من الخارج، وأدخل رأسه فقط. فيجد صغيرته نائمة في فراشها، وضوء الغرفة بني خافت مريح للأعصاب. وتنام محتضنة بين أحضانها دمية جميلة قام بشرائها هو لها. وقف على عتبة الباب يحلق بها بسكون، وقلبه يتراقص فرحًا من الداخل.
دخل وأغلق الباب، ثم اقترب من فراشها وجثى أمامها متأملًا ملامحها الصغيرة التي يعشقها. الآن فقط يشعر بأن روحه التائهة عادت لمستقرها من جديد، وهو يرى فتاته بخير أمامه. تجمعت الدموع في عيناه، وانحنى على رأسها يطبع عدة قبلات متتالية في شوق شديد، وبيده يملس على شعرها بحنو، هامسًا في دفء وصوت مبحوح:
"وحشتيني أوي يا هنايا. لو تعرفي أنا كنت بتعذب إزاي في بعدك عني. إنتي النفس اللي بتنفسه، ومقدرش أعيش من غيرك لحظة واحدة. بس أوعدك إن مش هسمح لحد ياخدك مني تاني أو يبعدك عني يا روح بابا."
سقطت دمعة صادقة من عيناه، وهو لا يتوقف عن تقبيلها بحذر حتى لا تستيقظ. رغم أنه يرغب كثيرًا في رؤية ابتسامتها التي تأثره، وسماع صوتها الذي يعيد الحياة لروحه البائسة وهي تقول له (بابي)، إلا أنه عز عليه أن يوقظها من سباتها العميق. فاكتفى ببث شوقه لها عن طريق قبلاته على شعرها ووجنتيها وكفها.
خرجت همسة تحمل الاعتذار، وصوته واضح عليه البكاء:
"أنا آسف يا حبيبتي."
تململت في فراشها بانزعاج بسيط، فابتعد فورًا عنها حتى لا يوقظها. وانتظر للحظات قصيرة حتى تعمقت في النوم من جديد، وعاد يطبع قبلته الأخيرة على وجنتها بعمق، وعلى شفتيه ابتسامة أبوية حانية. ثم استقام واقفًا على قدميه، ورفع أنامله مجففًا دمعته، ليعود لطبيعته الشامخة والقوية في لحظة قبل أن يغادر غرفة صغيرته.
دخلت جلنار غرفتها وجلست على فراشها، وهي تطرق بحذائها على الأرض في عنف، وبيدها تمسح على وجهها، زافرة بعصبية، محاولة تمالك نفسها حتى لا تنزل دمعة واحدة منها فتظهر ضعيفة أمامه.
نزعت ذلك الشال الذي يخنقها أكثر وألقته بانفعال على الفراش في عشوائية، متأففة بقوة. وفجأة، انفتح الباب على مصراعيه ودخل هو، ثم أغلقه خلفه. استقامت على قدميها تقف أمامه بشموخ، فوجدته يتحرك نحوها بخطوات بطيئة ونظرات لا تبشر بخير أبدًا. حتى أصبح أمامها تمامًا وتمتم بصوت بعث القليل من الرهبة في نفسها:
"مين الحقير اللي كان موجود برا ده؟"
ابتسمت ببرود، قاصدة استفزازه، وتمتمت بنبرة مثلجة:
"إنهي واحد فيهم؟ أصل كان في حقراء كتير برا، وفي واحد منهم لسه واقف قدامي أهو."
احمر وجهه وظهرت عليه بشائر فقدانه لصوابه تمامًا. فأطلقت صرخة مكتومة حين جذبها من شعرها وهمس في أذنها بهمس قاسٍ وعينان ملتهبتان:
"متخلينيش أوريك الحقارة اللي على حق يا جلنار. هروبك ببنتي واختفائك طول الفترة دي كوم، ووجودك مع راجل غريب وسماحك ليه إنه يلمسك ويقربلك دي كوم تاني. عارفة لو طلعتي بـ..."
صرخت به بعصبية وهي تحاول أفلات شعرها من قبضته:
"هتعملي إيه يعني ها؟ هتقتلني مثلًا؟"
"يعني هو صح، إنتي بتخونيني؟"
تمكنت أخيرًا من الأفلات من قبضته وصاحت به بهستيريا:
"هو إيه اللي صح؟ إنت مجنون ومريض نفسي. أنا لو عايزة أخونك هقولهالك في وشك ومش هخاف منك، لكن مش أنا اللي أعمل كدا. حاتم صديق ليا من واحنا صغيرين، وأنا اللي طلبت منه إنه يساعدني، وهو ساعدني في السفر لهنا وساعدني في كل حاجة، حتى البيت ده بيته. كان خير صديق وأخ ليا. عارف يعني إيه تكون حاسس بالأمان مع حد غريب عنك؟ أنا عمري ما حسيت بالأمان لا معاك ولا مع أبويا. وده كله ولسه بتشك فيا وبتقولي بخونك؟ ياخي اتقي الله بقى وارحم نفسك وارحمني."
انتبه لملابسها، فأتجاهل كلامها كله وهتف بغيرة ظاهرة في عيناه:
"إيه اللي لابساه ده! إزاي تطلعي بالشكل ده قدام الـ **** اللي كان موجود برا ده."
أطالت النظر في وجهه بجمود تام، وهي تجز على أسنانها بغيظ، وقالت بصوت قوي:
"اطلع برا يا عدنان، مش عايزة أشوفك. مش طايقاك."
نزل بنظره على جسدها المرسوم ومعالمه ظاهرة بوضوح، حتى أن فتحة الصدر تظهر عن داخلها. التهبت نيرانه أكثر، وجلجلت نيران الغيرة في صدره. فتقدم خطوة منها، واستقرت في عيناه نظرة مريبة أربكتها، جعلتها تتراجع للخلف. وهو لا يزال يتقدم إليها، حتى وجدت نفسها تصطدم بالحائط من خلفها، ومحاصرة بين جدارين. أحداهما حقيقي، والآخر كان هو، يقف كالسد المنيع بهيئته المريبة. وضع كفه على الحائط بعنف، مصدرًا صوتًا عاليًا أثار وغزة بسيطة في جسدها. ويده الأخرى نزلت لخصرها يمسكها منه بتملك ويجذبها إليه في قوة، ويهتف أمام وجهها مباشرة بتحذير حقيقي:
"عارفة لو شفتك لابسة البتاع ده قدام حد تاني... قولي على نفسك يا رحمان يا رحيم يا جلنار."
ابتلعت ريقها بقلق واضطراب بسيط، وهي تحلق بعينيه التي تظهر فيها علامات الغيرة الحقيقية. ثم سمعته وهو يكمل بصوت خشن:
"و**** اللي اسمه حاتم ده... انسيه تمامًا، ومش عايز أشوفك بتتكلمي معاه مجرد كلام، فاهمة ولا لأ؟ وإلا قسمًا عظمًا أخليكي تشوفي النجوم في عز الضهر يا بنت الـ ****."
ثم عاد ينزل بنظره مرة أخرى إلى ذلك الفستان الذي ترتديه. ثم دفعها بعيدًا عنه بنفور مزيف وهتف بقسوة:
"وغيري القرف اللي لابساه ده."
شعرت بالراحة عندما حررها من بين براثينه، وتمتمت بقرف وهي تفتح الخزانة وتجذب من ملابسها ما تجده أمامها، وتتجه نحو الحمام، متمتمة بقرف:
"هو فعلًا مقرف زي اللي جايبه."
ثم دخلت الحمام وأغلقت الباب، واستمرت في التمتمة المرتفعة نسبيًا، والتي وصلت لمسامعه في الخارج، فسمعته وهو يهتف بصوت غليظ:
"من غير برطمة."
نزلت الدرج بهدوء حتى وصلت لآخر درجاته، ووقفت تهتف محدثة أسمهان التي تجلس على مقعد وثير وبيدها كتاب تقرأ به:
"هو عدنان فين يا ماما؟"
أسمهان ببرود:
"ومسألتيهوش ليه قبل ما يطلع؟"
"اصل كنت تعبانة شوية ونمت، ويدوب دلوقتي اللي صحيت."
لوت أسمهان فمها باستنكار، وقالت بعدم اكتراث وهي تعيد نظرها إلى الكتاب مرة أخرى:
"جاله تليفون فجأة وطلع على فوق، غير هدومه ونزل ومشي. ومردش عليا حتى لما سألته رايح فين."
ضيقت فريدة عيناها باستغراب، وظلت مكانها تفكر بتدقيق، محاولة تخمين السبب الذي يجعله يخرج هكذا مهرولًا. وسرعان ما ظهرت علامات الدهشة على محياها، وهي تقترب من أسمهان وتقول:
"معقول يكون عرف مكان جلنار؟"
ألقت أسمهان الكتاب من يدها بعنف وصاحت في انفعال:
"متجبليش سيرة المقرفة دي. إن شاء الله تكون غارت في داهية ولا ماتت وريحتنا منها."
هتفت الأخرى بتمني ونظرة مستنكرة أمنية أسمهان:
"ياريت بس هو اللي زي دي بيحصلهم حاجة. دي بسبع أرواح."
تأففت أسمهان بخنق، وامسكت بكتابتها مرة أخرى تعيد القراءة من جديد، محاولة عدم التركيز على الجملة التي نطقت بها تلك الجالسة بجوارها. حول معرفة عدنان لمكان زوجته.
خرجت من الحمام بعد أن بدلت ملابسها وارتدت منامة منزلية فضفاضة بعض الشيء ومريحة. وجدته يتحدث في الهاتف مع أحدهم باللغة الإنجليزية، وكان يتحدث عن منزل.
وقفت بمكانها لدقيقة حتى انتهى من اتصاله والتفت بجسده ناحيتها، فقالت هي في وجه محتدم:
"بيت إيه اللي بتتكلم عنه ده؟"
تفحص ملابسها الجديدة بنظرة ذات معنى، ثم أجاب على سؤالها بإجابة مختلفة تمامًا:
"جهزي نفسك ولمي هدومك يلا. هنروح نقعد في بيت صغير لغاية ما نمشي."
اندفعت نحوه بعصبية وهتفت بعناد:
"أولًا أنا مش هرجع معاك. ثانيًا ماله البيت ده؟ منقعدش فيه ليه؟"
انحنى برأسه عليها وهمس محاولًا تمالك أعصابه حتى لا ينفجر بها كالبركان:
"هو مش ده برضه بيت الحيوان اللي كان بيساعدك؟"
جلنار بشجاعة ونظرات مشتعلة:
"متغلطش فيه!"
تستفزه عمدًا، وهو أفضل شخص يمكنه معاقبتها على طريقتها الفظة في التعامل معه. ابتسم بوجه غريب وهمس بصوت رجولي مريب:
"بلاش تختبري صبري عليكي، عشان هتندمي يا روحي."
جلنار بنبرة محتقنة ونظرات مستاءة:
"جيت ليه يا عدنان؟ لو فاكر إنك هتقدر تاخد بنتي مني يـ..."
توقفت عن الكلام عندما سمعته يلتقط بقية العبارة من فمها ويختمها هو بأسلوب متفنن، وبنظرة ثاقبة وقوية كالعُقاب تمامًا:
"تؤ تؤ. أنا هاخد بنتي ومراتي، مش بنتي بس."
انغمست في نظرته وتاهت بها، ولكن سرعان ما عادت لوعيها، فقالت بحزم وإصرار:
"بس أنا عايزة أطلق."
عدنان ببرود مستفز:
"أعتقد إنك معجبكيش إن لو أطلقنا هاخد بنتي. فالأفضل إنك تنسي الموضوع ده. وإنتي تفضلي مع بنتك وأنا كذلك، وهي تعيش وسط أبوها وأمها."
"إنت بتلوي دراعي يعني؟!"
ابتسم بعدم مبالاة، ثم مد يده إلى شعرها وأرجع إحدى خصلاتها المتمردة التي تثير جنونه إلى خلف أذنها، وهمس بخفوت:
"أبدًا. أنا بالعكس بديكي احتمالات وبخيرك. والاختيار ليكي إنتي يا رمانتي."
احمر وجهها بغيظ بعد سماعها لآخر كلماته، التي طالما كان يقولها لها بسبب أسمها، وأن جلنار هي زهرة الرمان. دفعت يده عنها بعنف وصاحت:
"متلمسنيش، ومتقوليش رمانتي، فاهم ولا لأ؟"
عدنان بابتسامة جانبية خبيثة وبصوت هادئ تمامًا:
"روحي لمي هدومك إنتي وهنا يلا عشان نمشي."
ظلت مستمرة في مكانها تحدقه بعينان ملتهبة من الغيظ والبغض على تسلطه والضغط عليها من جهة ابنتها في قرار طلاقهم. لكنها لن ترضخ له! تنهدت بعد لحظات من التحديق ببعضهم البعض، هو نظراته كلها برود وعدم مبالاة، وهي تستشيط غيظًا وغلًا. قالت بقوة:
"هاجي معاك دلوقتي، بس عشان مليش وش أقعد في بيت حاتم بعد اللي عملته إنت وبابا معاه."
تمكنت بلحظة من بث الضجر في نفسه، حيث تحول إلى جمرة ملتهبة. وقبض على ذراعها يهتف بنبرة مرتفعة ومنذرة:
"ولو جبتي سيرته قدامي تاني يا جلنار، هتروحي تحضري جنازته بكرة."
طالعته من فوق لأسفل باستهزاء، ثم انتشلت ذراعها من قبضته وغادرت الغرفة بكل ثبات وهدوء. وتركته يقف يشتعل ويتوعد لها بعقاب عسير على تصرفاتها المتعمدة وأسلوبها معه.
تجلس زينة بجوار أمها على طاولة صغيرة مكونة من مقعدين لهم فقط، وتتجول بنظرها بين الوجوه في ذلك الزفاف الممل. فقد أحضرتها والدتها رغمًا عنها معها إلى هنا، متحججة بأنه زفاف ابنة صديقتها المقربة، وأنها قامت بدعوتها دعوة خاصة وأصرت على حضورها هي وابنتها.
نظرت ميرفت لابنتها وهتفت بحزم:
"إيه في إيه يا زينة؟"
ردت عليها بخنق وتزمر:
"كان لازم يعني يا ماما تخليني آجي معاكي؟"
ميرفت:
"يا بنتي نيرمين أصرت عليا إني آجي وأجيبك معايا، وعيب لما متجيش. افردي وشك بقى شوية يا زينة الله مش كدا! ده حتى العروسة قمر ماشاء الله، عقبال ما أفرح بيكي كدا يا حبيبتي."
همست زينة لنفسها بيأس وهي تزم شفتيها:
"مش لما يتلحلح ابن اختك ويحس بيا شوية الأول."
هتفت أمها بحاجب مقتضب واستغراب عندما سمعت منها همهمة غير مسموعة:
"بتقولي حاجة؟"
زينة بابتسامة صفراء:
"بقول أيوة حلوة فعلًا العروسة، ربنا يسعدهم."
ثم عادت بنظرها تتابع الزفاف والفتيات وهم يرقصون مع العروس، والعريس الذي أخذ جزء له هو وأصدقائه يرقصون فيه. وفجأة، ظهر أمامها شاب يافع وطويل البنية ووسيم. يبدو أنها لم تلاحظه وهو يقترب منهم بسبب اندماجها في متابعة العروسين. وجدت يمد يده ويصافح أمها بحرارة ويهتف ببشاشة:
"إزيك يا طنط ميرفت؟"
ردت عليه ميرفت بابتسامة عريضة وبعذوبة:
"إزيك يا رائد.. عاش من شافك. كبرت ماشاء الله، مبروك لنورهان ربنا يسعدها يارب."
"آمين يا رب."
التفت بنظره ناحية زينة التي كانت تحدقه بجمود، وفهمت من خلال الحديث أنه شقيق العروس وابن صديقة والدتها (نرمين). فقالت ميرفت مبتسمة:
"دي زينة بنتي."
ابتسم بإعجاب وطال النظر في زينة، بينما هي ارتبكت من نظرته، ثم هتف بنظرة لها تأثير خاص:
"عقبالك."
اكتفت بالابتسامة الخجلة. وفجأة، بدأت موسيقى رومانسية لطيفة، فوجدته يلتفت برأسه نحو أمها وكأنه يرسل لها إشارة مبهمة لم تفهمها هي. ثم رأته يعود برأسه ناحيتها وينحني بجذعه للأمام، ثم يبسط يده أمامها، فتبادلت النظرات مع والدتها باستغراب، لتجد الرد من أمها وهي تومئ لها بالموافقة. نظرت في عيني ذلك الرجل الغريب الذي تراه لأول مرة ويعرض عليها أن تشاركه الرقص. تنهدت بعدم حيلة، ثم شبكت يدها بيده في استحياء شديد، ووقفت وسارت معه إلى ساحة الرقص التي امتلأت بضيوف الزفاف، وكل رجل معه امرأة اصطحبها للرقص معه.
وقفت في منتصف الساحة ووقف هو أمامها، ثم شعرت بإحدى ذراعيه تلتف حول خصرها، واليد الأخرى أمسكت بكفها الرقيق. انحبست أنفاسها عندما شعرت بيده على جسدها، وتلفتت حولها بخجل ووجنتان حمراء كالدم. وبتلقائية، وضعت كفها على كتفه، وعيناها تدور بكل مكان إلا على وجهه، وبداخلها تدعو ربها أن تنتهي هذه الموسيقى سريعًا.
رائد بنبرة هادئة وابتسامة جذابة:
"أنا رائد، عندي 28 سنة، وخريج كلية هندسة."
اضطرت للنظر له وقالت بصوت خافت وحياء ملحوظ:
"تشرفت بمعرفتك."
"أنا أكتر."
هتفت زينة تسأل بصراحة دون أن تتردد، بعد لحظات طويلة من الصمت من محاولاتها لتفادي نظراته الثابتة عليها:
"هو أنت مش شايف إنه غريب شوية إنك تعرض عليا أرقص معاك، واحنا أول مرة نشوف بعض؟"
رائد بهدوء تام وابتسامة واسعة وهو يهز رأسه بالنفي:
"لا خالص. بعدين أنا أعرفك من بدري، إنتي بس اللي متعرفنيش."
رفعت حاجبها بدهشة، وأحست بأن خجلها تلاشى كله وحل محله الذهول، فسألته بفضول شديد:
"تعرفني إزاي؟"
نظر حوله وهو لا يزال مبتسم، ثم قال بنظرة أعادت الخجل لوجهها مجددًا:
"الموسيقى خلصت، وتقريبًا مبقيش غيرنا اللي واقف."
التفتت حولها بصدمة، فلم تجد أحد بالفعل غيرهم. ابتعدت عنه بوجه مسيطر عليه لون الدماء الأحمر، ثم نزلت من على المسرح، ولحق هو بها ليوقفها قبل أن تصل لطاولتها عند أمها. التفتت بجسدها نحوه لتجده يقف ويهتف بثقة، واضعًا كفيه في جيبي بنطاله:
"هنتقابل كتير الأيام الجاية، وساعتها هقولك أعرفك إزاي."
طالعته باستغراب وبنظرة متوترة قليلًا، ولكنها آثرت عدم الرد، وفقط استدارت من جديد وسارت باتجاه والدتها التي كانت تتابعهم مبتسمة.
في أمريكا...
دخلت جلنار لغرفة صغيرتها واتجهت نحو فراشها، ثم جلست بجوارها على الحافة وهزتها برفق تهتف:
"هنا ياحبيبتي قومي يلا عشان هنمشي."
فتحت الصغيرة جزء من عيناها بتكاسل وهمست بصوت سمعته جلنار بصعوبة، وهي تدفع يد أمها عنها بخنق:
"لا."
ابتسمت جلنار ثم انحنت على أذنها وهمست بجملة كانت تعرف جيدًا كيف سيكون نتائجها عليها:
"بابا جه وقاعد برا، مش هتقومي تشوفي؟"
استيقظت جميع حواسها فور سماعها لاسم أبيها، وفتحت عيناها كلها دفعة واحدة بصدمة. فضحكت جلنار بقوة، ثم قالت:
"قومي يلا اجري، روحي شوفي."
هبت الصغيرة جالسة ونزلت من فراشها وغادرت غرفتها، وهي تفرك عيناها لتزيح أثر النوم عنها، وتتمكن من الرؤية في الضوء بوضوح. وصلت إلى الصالون ورأت أباها يقف في الشرفة متكئًا على السور بساعديه. فاتسعت عيناها بذهول أشد، وصاحت بفرحة غامرة:
"بابي!"
صك صوتها أذنيه، فالتفت فورًا للخلف بتلهف، وباللحظة التالية فورًا، كانت هي تركض نحوه في سعادة حتى وصلت إليه. فانحنى وحملها على ذراعيه، وعاد يمطرها بوابل من قبلاته المشتاقة والحنونة، بينما هي هتفت بفرحة:
"وحشتني (وحشتني) أوي."
دفن وجهه بين شعرها يشم رائحتها التي تعيد لروحه الحياة من جديد، ويهمس بصوت يحمل في طياته كل الشوق والحب الأبوي:
"وإنتي وحشتيني أوووووي يا هنايا."
نظرت له بابتسامة عريضة، فاتسعت هو الآخر ابتسامته على أثر ثغرها الجميل المبتسم، وقال باهتمام وحب:
"عاملة إيه يا سلطانة بابي؟"
"كويسة."
ردت عليه بلطافة تسرق القلوب والعقول، ثم سألت بحماس ووجه مشرق:
"هنرجع البيت؟"
عدنان بعدم تردد:
"طبعًا يا روحي هنرجع بيتنا. لا يمكن أسيبك تاني ولا أبعدك لحظة عني."
"وماما؟"
رفع نظره عن ابنته ونظر لجلنار التي تقف على مسافة منهم، وتستند بكتفها على الحائط وتتابعهم مبتسمة بصفاء. لكن سرعان ما اختفت ابتسامتها حين وقعت عيناه عليها. بينما هو، فهمس لابنته بنبرة تحمل المرح البسيط:
"مامي هتيجي معانا طبعًا، هي تقدر تقول لأ أصلًا."
التفتت هنا برأسها نحو أمها وأرسلت لها ابتسامة مشرقة وسعيدة، فبادلتها إياها جلنار بنظرات دافئة.
في صباح اليوم التالي...
توقف آدم بسيارته في أحد المناطق الشعبية، يدخلها للمرة الأولى. ضغط على زر في باب السيارة ونزل الزجاج ليكشف له بوضوح عن طبيعة الحياة في هذه المنطقة. أطفال يرتدون ملابس متسخة ويركضون ويلهون. بعضهم ينحني ويضم يده في الأرض ويملأ قبضته بالتراب، ثم يقف ويليقها على قرينه الذي كانوا يلعبون معه للتو وتشاجروا على شيء. نساء تسير حاملة بيديها أكياس ومستلزمات منزلها من السوق. ضجة وأزعاج رهيب بهذا المكان!
تلفت برأسه يمينًا ويسارًا بتعجب، محاولًا إيجاد أي شيء من الذي وصفه له صديقه. تنهد بالأخير بخنق، وأخرج هاتفه من جيبه وأجرى اتصال بصديقه الذي أجاب عليه بعد ثوانٍ معدودة:
"أيوة يا آدم، أنت فين؟"
آدم بنفاذ صبر:
"اوصف الزفت المكان كويس يا زياد. أنا شكلي توهت ودخلت في منطقة غلط!"
قهقه صديقه بصوت مرتفع وقال:
"توهتي يا نوغة."
آدم بتحذير وانفعال من استهزاء صديقه به:
"احترم نفسك عشان مغلطش فيك وأنا لساني قليل الأدب."
زياد ضاحكًا:
"طيب يا عم خلاص. اوصفلي أنت دخلت فين بالظبط عشان أقولك ترجع وتيجيلي إزاي."
هدأ آدم قليلًا وبدأ يصف له المكان الذي هو فيه، وينظر إلى أعلى المحلات يقرأ أسماءها ويخبره بها. لكن فجأة، وجد طفل صغير يمد يده من زجاج السيارة ويجذب الهاتف من يده ويركض!
فتح عدنان عيناه ببطء في الصباح الباكر، وهو يشعر بعضلات جسده كلها متشنجة. فقد جلس طوال الليل على مقعد بجوار فراش صغيرته بعدما ذهبوا للمنزل الجديد، وظل يقرأ لها القصص حتى نامت، ولم يشعر بنفسه إلا وهو يذهب بالنوم معها.
اعتدل في جلسته ورفع ذراعيه لأعلى يتمطى بألم، وأسند الكتاب الصغير الذي كان يقرأ منه القصص لابنته على المنضدة الصغيرة بجواره. ثم هب واقفًا وفرك عيناه، وانحنى عليها يطبع قبلة رقيقة على شعرها قبل أن يرفع الغطاء عليها ويدثرها جيدًا.
اتجه نحو باب الغرفة وفتحه بحذر شديد حتى لا يزعجها في نومها وغادر وتركه مواربًا. رفع كفه لرقبته يفركها بألم ويحركها على الجهتين برفق. أصدر تأففًا حارًا، ثم وقع نظره على الغرفة المقابلة له، والتي لازمتها جلنار منذ قدومهم بالأمس. تحرك بخطواته الثابتة نحوها، ثم فتح الباب ودخل، فوجدها نائمة في فراشها ووجهها مقابل للباب، وشعرها مفرود بجوارها على الوسادة. ترتدي منامة منزلية تصل لركبتيها، ولكن ارتفعت قليلًا لما فوق الركبة دون أن تشعر وهي نائمة.
مالت شفتيه درجة واحدة لليسار وهو يتأملها، قبل أن يقترب منها بخطواته في بطء حتى لا تشعر به، ويقف أمام الفراش ينظر لها وهي منكمشة بجسدها من البرد. انحنى عليها قليلًا ومد يده إلى منامتها حتى ينزلها، ولكنها انتفضت جالسة كالتي لدغتها عقرب بمجرد ما شعرت بلمسة يده، وقالت بغضب:
"بتعمل إيه؟"
عدنان بنظرات ثاقبة ونبرة جافة:
"مالك اتخضيتي كدا ليه؟"
"المفروض متخضش يعني لما أكون نايمة وأحس بلمسة حد على جسمي."
مالت برأسها للخلف في ارتباك بسيط عندما وجدته ينحني بجسده ووجهه عليها، ليهمس في نبرة غليظة:
"أولًا أنا مش حد. ثانيًا مفيش غيرنا في البيت."
استعادت شجاعتها وقوتها لتجيب عليه بنظرات شرسة وتحذيرية:
"متلمسنيش تاني، مفهوم يا عدنان؟"
لاحت بشائر ابتسامته المستهزئة، وقال ببرود وبعينان حادة النظر:
"مفهوم؟!!! ولو لمستك بقى هتعملي إيه؟"
همت بأن تجيب عليه، لكن رنين الباب أوقفها وجعلها تتبادل معه النظرات باستغراب. ثم انتصب هو في وقفته واستدار مغادرًا الغرفة متجهًا نحو الباب، وهي لحقت به.
أمسك بالمقبض وأداره، ثم جذب الباب إليه ليجد أمامه ضباط شرطة يرتدون الزي العسكري الأمريكي. اتسعت عينا جلنار بصدمة وهرولت تقف خلفه وهي تنظر إلى الضباط بدهشة!
رواية امرأة العقاب الفصل السابع 7 - بقلم ندى محمود توفيق
كانت في طريقها إلى منزلها بعد عودتها من يومها الأول في العمل بإحدى المكتبات، وتحمل بيدها كيس يحتوي على علب أقراص الدواء الخاص بجدتها.
وإذا بها تجد الكيس يسقط من يدها بعدما اصطدم بها أحد أطفال جارتها وهو يركض بخوف.
قبضت على الطفل وامسكته من ياقة قميصه وهتفت بغيظ وهي تنحني عليه:
_ وبعدين معاك يا ....
لم يدعها تكمل جملتها حيث حاول إفلات يدها عن قميصه وهو يصرخ:
_ ابعدي يامهرة هيمسكني
التفتت برأسها للخلف لم تجد أحد، فعادت له وقبل أن تتفوه ببنت شفة انتبهت إلى الهاتف الذي بيده.
فصاحت به وهي تضربه بخفة على رأسه:
_ تلفون مين ده.. أنت محرمتش يالا، هات التلفون ده
صرخ بها وهو يتململ بين قبضتها محاولا الهرب:
_ لا وابعدي بقى بدل ما اضربك
مهرة بضحكة ساخرة:
_ تضرب مين يا ابن الهبلة وأنت قد عقلة الإصبع كدا.. ده أنا لو دوست عليك هفعصك، هات التلفون عشان نرجعه لصاحبه
لمح الصغير آدم وهو يقترب منهم بخطواته السريعة، فصاح بمهرة وهو يحاول الإفلات منها:
_ جه يامهرة ابعدي ابو شكلك
شهقت بصدمة ثم رفعته من قميصه بكف واحد لأعلى وقالت أمام وجهه بنظرات مغتاظة:
_ ابو شكلي أنا! .. ده أنا هعملك زعافة يابن سعاد القرعة
وصل آدم ووقف أمامهم وهو يغلي من الغضب، وعلى وشك أن يمسك بذلك الطفل ويخنقه.
بينما مهرة فانتفضت واقفة بفزع وانزلت الصغير وهي تهتف بفزع:
_ بسم الله حد يخض حد كدا ياعم أنت
انتبهت لهيئته الفخمة وملامح وجهه الوسيمة وعيناه الخضراء وملابسه التي تعكس طبيعة حياته.
ابتسمت ببلاهة ثم نظرت للصغير وهتفت بنظرات زائغة:
_ مين ده؟!
أجابها بقرف وضيق:
_ صاحب التلفون
اتسعت عيناها والقت نظرة على آدم الذي كان يقف ويحدقهم بنظرات نارية، ثم عادت بنظرها للصغير وضربته بخفة على رقبته بغيظ:
_ وأنت من امتى بتسرق الناس الحلوة دي!
خرج صوت آدم الخشن والمنفعل وهو يجذب هاتفه من يد الصغير:
_ اه ده انتوا عصابة بقى.. طيب أنا هعرفكم إزاي تسرقوا كويس بعد كدا
ضغط على شاشة هاتفه يجري اتصال بالشرطة، وقبل أن يضغط على زر اتصال.. هتفت مهرة مسرعة بابتسامة بسيطة:
_ اهدى في إيه ياعم.. وحقك علينا ده ولد صغير وغلط واحنا هنشد عليه كويس أوي
_ وإنتي مين أصلًا؟
همت بأن تجيب وهي تمد يدها له بثقة حتى تصافحه وبابتسامتها الواسعة، لكن الطفل هتف قبلها بابتسامة شيطانية:
_ مهرة الهطلة!
وجد الصغير كفها ينزل على رقبته بعنف حتى أسقطه على الأرض وهي تهتف جازة على أسنانها بغيظ:
_ اكتم ياجحش
ثم عادت ترسم ابتسامتها من جديد في وجه آدم وتقول بضحكة بلهاء:
_ لا مؤاخذة أصل احنا عندنا في الحارة خراتيت صغيرة كتير أمثال الخرتيت ده
نزل آدم بنظره إلى كفها الممدود ونظر لها باشمئزاز قبل أن يهتف بصوت رجولي غليظ وغضب:
_ لولا أنه طفل بس كان زماني دلوقتي اتصلت بالشرطة وبلغت عنكم
_ معلش امسحها فينا يا يابـ.....
لم تكمل جملتها ووجدت الولد يمسك بملابسها ويمسح أنفه بها، فدفعته بعيدًا عنها وهي تصيح به باشمئزاز:
_ بتعمل إيه يامبقع يا ابن المبقعة
الطفل بابتسامة باردة وهو يتلاعب بحاجبيه قاصدًا استفزازها:
_ بمسحها فيكي
رمقهم آدم بقرف ثم استدار وانصرف وهو يجيب على صديقه في الهاتف الذي يستمر في الرنين، وصاح به بغضب:
_ وحياة أمي لاظبطك يا زياد لما اشوف خلقتك بس
زياد ضاحكًا:
_ ليه ياعم بس حصل إيه.. أنت قفلت فجأة ليه من شوية
_ اقفل اخلص أنا على اخري
بينما مهرة فنظرت مكان آدم ولم تجده، ثم نزلت إلى الصغير ووجدته يركض بعيدًا عنها، فصاحت عليه بوعيد:
_ هتروح مني فين يعني مسيري هجيبك
ثم نظرت لملابسها وكانت على وشك التقيء، فأخذت تلعن وتسب بذلك الولد.. انحنت على الأرض والتقطت كيس الدواء واكملت طريقها نحو منزلها وهي تهتف بتحسر:
_ منك لله يا ابن سعاد القرعة.. فضحتني قدام الواد التركي، ده بينور في الضلمة من حلاوته.. على سيرة الضلمة كنت هنسى والله أما اروح اشتري لمبة للمطبخ احسن فوزية تعلقني في السقف بدالها
***
تجوب الغرفة إيابًا وذهابًا وهي تفرك وجهها بتوتر.
منذ قليل ذهب زوجها مع الشرطة بعدما أخبروه أن حاتم الرفاعي قام بتقديم شكوى ضده نتيجة لأعتدائه عليه بالضرب في منزله.
حسمت أمرها بنهاية الأمر، فليس لديها خيار آخر حتى تخرجه به.
اتجهت نحو خزانتها وأخرجت بنطال أبيض اللون فضفاض يعلوه توب دون أكمام، وتركت شعرها منسدل على ظهرها واكتافها.
ثم غادرت غرفتها واتجهت إلى غرفة صغيرتها وايقظتها من نومها وهي تهزها برفق:
_ هنا قومي ياحبيبتي يلا
فتحت الصغيرة عيناها ونظرت لأمها بعينان ناعسة، بينما جلنار فاستقامت واقفة وأخرجت ملابس مناسبة لابنتها وعادت لها وهي تساعدها على الوقوف وتهتف بعجلة:
_ يلا فوقي بقى عشان رايحين لاونكل حاتم
فركت "هنا" عيناها بتكاسل، وجلنار حملتها على ذراعيها واتجهت إلى الحمام وهي تهتف:
_ نغسل وشنا عشان نبقى حلوين وبعدين نلبس
وقفت أمام المرحاض وغلست لها وجهها جيدًا، ثم عادت بها مرة أخرى إلى الغرفة وبدأت تساعدها في ارتداء ملابسها.
ثم خرج صوت الصغيرة الخافت والناعس:
_ بابي فين؟
أجابتها جلنار بطبيعية وكأن كل شيء على ما يرام وهي تمسك بذراعيها وتضعهم في أذرع الجاكت:
_ بابي راح مشوار وجاي
جلست هنا على الفراش بعدما وجدت أمها تحملها وتجلسها فوقه وتمسك بقدمها وتلبسها حذائها.
ثم تلتقط فرشاة الشعر وتسرح لها شعرها سريعًا برفق.
وأخيرًا أمسكت بيدها وهي تهتف بعجلة شديدة:
_ يلا
كانت هنا تسير بخطوات غير متزنة ومتمايلة بفعل تأثير النوم الذي يستحوذ عليها إلى الآن.
فوقفت جلنار عند باب المنزل وارتدت حذائها وعلقت حقيبتها على كتفها، ثم انحنت وحملت ابنتها على ذراعيها وغادرت بها المنزل بأكمله.
***
خرجت أسمهان من غرفتها وكانت في طريقها إلى أسفل، لكن اخترقت أذنيها همهمات قادمة من غرفة عدنان.
ضيقت عيناها باستغراب ثم تحركت ببطء شديد حتى لا تثير أي ضجة.
وقفت أمام الباب ثم وضعت أذنها عليه تستمع لجملة فريدة الأخيرة وهي تهتف ضاحكة:
_ خلاص هاجي حالًا حاضر ملوش لزمة العصبية دي كلها
ثم توقفت عن الكلام لثواني تستمع لرد الطرف الآخر وردت بعدها:
_ باي باي
انتصبت أسمهان في وقفتها وظهر الشر في عيناها، فمدت يدها لمقبض الباب وفتحته بقوة دون إذن وندفعت نحوها تهتف بحدة:
_ رايحة فين؟
رفعت فريدة حاجبيها بدهشة وهتفت بابتسامة مرتبكة بعض الشيء خشية من أن تكون سمعت حديثها:
_ إيه ياماما مش تخبطي بس خضتيني
أسمهان بنظرات ساخرة ولهجة صارمة:
_ تعليمات ابني كانت واضحة أوي لما قالك مفيش خروج من البيت إلا بإذنه
ابتسمت فريدة ببرود وهتفت محاولة تمالك أعصابها:
_ بس ابنك مش موجود ومش عارفين هو فين أصلًا ومش بيرد على حد
أسمهان بصوت مرتفع:
_ يبقى تستني لغاية ما ياجي يامدام يامحترمة وبعدين تطلبي منه الإذن عشان تخرجي
تحركت خطوة نحوها وهمست بنظرات مستنكرة تحكماتها الجديدة بها:
_ هو في إيه يا أسمهان هانم.. من امتى وإنتي بتتحكمي فيا وفي خروجي ودخولي!
أسمهان بنظرة متقدة وتحمل إشارات تحذيرية وصلت لفريدة جيدًا:
_ من وقت من بدأت أتساءل على اتصالاتك المستمرة وخروجك وحججك
لم تنكر أن الخوف تسلل لها من تهديدها وشكها الصريح بها الذي اوضحته في كلماتها.
لكنها قررت بإلقاء ورقتها الرابحة حتى تحسم المنافسة بينهم.
انحنت على أسمهان وهمست لها بغمزة ماكرة ونظرات استفزازية:
_ أنا بقول إنك تطلعيني من دماغك أفضل عشان لا أنا ولا إنتي حابين عدنان يعرف إنك تعرفي مكان جلنار وإنك إنتي اللي بعتيله صورها.. والكبيرة محاولتك لقتل حفيدتك لما كانت في بطن مامتها وأنا اللي نقذتك وخليت الدكتور يقول إنه مجرد تسمم وإنها أكلت أكل فاسد
تشنجت عضلات وجه أسمهان وأحمرت عيناها من فرط الغضب والغيظ.
وفجأة قبضت على ذراع فريدة وجذبتها إليها وهي تهمس أمام وجهها بعينان نارية ونبرة منذرة تحمل الشر الحقيقي:
_ جربي كدا وقوليله وشوفي هعمل فيكي إيه ياقذرة لتكوني نسيتي أصلك يابيئة ياتربية الشوارع.. لولا ابني كان زمانك في مكانك الطبيعي في الشارع، عيشتي عيشة الملكات في القصور ولبستي انضف لبس ونضفتي على حسابنا.. حساب أل الشافعي، اللي إنتي متطوليش ضفر أصغر واحد فيهم
اشتعلت عيني فريدة بغيظ وقهر، ثم دفعت يد أسمهان عنها وقالت بنظرات غريبة وبابتسامة لئيمة:
_ غلطانة أنا طولت قمة أل الشافعي.. ابنك وقدرت اخليه يعشقني وبقى روحه فيا وحتى لما اتجوز عليا مقدرش يحب جلنار بسبب حبه ليا.. ثم أني صحيح تربية شوارع وتصرفاتي اللي مش بتعجبك قد تكون بسبب تربيتي والبيئة اللي جيت منها.. لكن إنتي إيه يا أسمهان هاااانم!!!
تلون وجهه أسمهان وأصبح أحمر كالدم من فرط غيظها وهي تستمع لاهانتها الصريحة لها.
رفعت كفها في الهواء وهوت به على وجنتها في قوة وهي تصيح بها:
_ أنا هعرفك أنا مين كويس أوي يابنت فاطمة الخدامة
ثم استدارت واندفعت لخارج الغرفة وهي تستشيط غيظًا وتتوعد لها بأن لن تدع أهانتها لها تمر مر الكرام.
ومن الواضح أن يجب عليها أن تبدأ في التخلص من فريدة أولًا ومن ثم تتفرغ لابنة الرازي.
اصطدمت بآدم الذي كان خارجًا من غرفته ومتجه لأسفل حتى يذهب لمعرضه.
آدم بنظرات متعجبة وهو يرى وجهها المحتدم:
_ مالك ياماما؟
أسمهان وهي تحاول تمالك انفعالاتها أمام نجلها الأصغر وتهتف بطبيعية مصطنعة:
_ مفيش ياحبيبي.. معرفتش أخوك راح فين؟
آدم وهو يهز رأسه بالنفي:
_ لا بس متقلقيش عليه هو تلاقيه ظهرله شغل مفاجيء أو حاجة.. مش جديد على عدنان الاختفاء فجأة كدا يعني، بكرا ولا بعده هيرجع ونعرف كان فين
مسحت على كتفه بحنو وهمست بابتسامة دافئة:
_ ربنا يستر.. خلي بالك من نفسك ياحبيبي
انحنى وخطف قبلة سريعة من وجنتها وهو يجبها بمزاح:
_ حاضر يا أسمهان هانم
اكتفت بابتسامة حانية رسمتها بصعوبة بسبب النيران المشتعلة في داخلها من حديثها مع فريدة.
بينما آدم فتركها وأكمل طريقه إلى خارج القصر تمامًا ليستقل بسيارته ويرحل.
***
وقفت أمام الباب وطرقت عدة طرقات متتالية، وابنتها تقف بجانبها وتتجول بنظرها في أرجاء الحديقة بنظرات طفولية لمكان جديد تراه للوهلة الأولى.
لحظات قليلة وفتح الباب لتظهر الخادمة التي يبدو عليها تقدم العمر، فهتفت جلنار بجدية تامة تحدثها باللغة الإنجليزية:
_ أين السيد حاتم؟
أجابتها الخادمة برسمية:
_ موجود بمكتبه ياسيدة جلنار تفضلي
دخلت ولحقت بها الصغيرة ورأسها لا تتوقف عن التلفت بكل جزء في المنزل.
وقفت جلنار قبل مكتب حاتم واستدارت باتجاه ابنتها وانحنت عليها تهمس بحنو:
_ خليكي هنا ياهنون أنا هدخل أقول حاجة لعمو حاتم وهطلع.. اقعدي على الكرسي ومتتحركيش تمام
تمتمت هنا بتذمر:
_ دخليني معاكي
طبعت قبلة عميقة على وجنتيها وهتفت بلطف:
_ لا ياحبيبتي مش هينفع خليكي هنا، أنا عارفة هنا شطورة وحبيبة مامي هتسمع الكلام مش كدا
زمت شفتيها بيأس وأماءت لها بالإيجاب في خنق، ثم استدارت وتحركت باتجاه المقعد التي أشارت لها عليه أمها وجلست فوقه.
بينما جلنار فذهبت ووقفت أمام الباب وطرقت بخفة لتسمع صوته وهو يسمح للطارق بالدخول.
فتحت الباب ودخلت ثم أغلقته خلفها.
رفع هو عيناه عن الورق الذي أمامه ظنًا منه أنها الخادمة الخاصة بمنزله، لكن لجمت الدهشة لسانه عندما وجد جلنار أمامه خصوصًا أنها المرة الأولى لها التي تخطو فيها منزله الخاص.
استقام واقفًا وهتف باستغراب:
_ جلنار!
ظلت متصلبة بأرضها تحدق به بنظرات معاتبة ومتضايقة.
ولم يكن هو بحاجة لوقت طويل حتى يفهم سبب زيارتها الأولى والمفاجئة وحتى نظراتها الغريبة هذه.
تحرك من مكانه واقترب بخطواته حتى وقف أمامها مباشرة واستمر في التحديق بها بصمت وبأعين ثاقبة كالصقر، فخرج صوتها مستاءًا:
_ ليه عملت كدا يا حاتم؟!
أجابها بثبات انفعالي وباستنكار واضعًا كفيه في جيبي بنطاله:
_ لا متقوليش إنك مضايقة عليه!!!
جلنار باندفاع:
_ مهما كان اللي بيني وبين عدنان ومشاكلنا ورغبتي في الطلاق، لا يمكن أقبل أن يتسجن ياحاتم.. هيفضل أبو بنتي وأكيد مش هكون حابة إن بنتي تشوف أبوها في الموقف والوضع ده
رفع أنامله لذقنه الخفيفة يحكها بغيظ ثم هتف في نظرات مشتعلة:
_ متتحججيش بهنا ياجلنار.. إنتي اللي مش قادرة تتقبلي الفكرة عشان للأسف بتحبيه
ضربته في صدره بعصبية وهي تصرّ على أسنانها وتصرخ:
_ قولتلك مليون مرة مش بحبه.. ثم إن حتى لو بحبه إنت إيه مشكلتك مش فاهمة!!، إنت عايز تساعدني ولا....
قبض على رسغها الذي ضربته به على صدره وفي عيناه نظرة رجولية صارمة وقوية.
ولم يتردد للحظة في البوح بما يضمره لها في قلبه، فلا مجال للإخفاء أكثر من ذلك:
_ أنا بحبك!
ارتخت عضلات يدها وكذلك وجهها الذي تحول من الغضب إلى الجمود الممتزج بالصدمة من الذي تفوه به.
أبدًا لم تكن تتوقع أنه يكن لها مشاعر كهذه، وإلا كانت وضعت الحدود بينهم منذ قدومها إلى أمريكا هنا.
انتشلت يدها من بين قبضته بقوة وتراجعت خطوة للخلف وهي ترمقه بذهول.
بينما هو فاستكمل بجراءة لم تعهدها منه من قبل:
_ بحبك أوي يا جلنار من زمان وزاد حبي لما قعدتي الشهرين دول معايا.. ومستعد اعوضك عن كل حاجة شوفتيها في حياتك، عن عدنان الحقير وعن ابوكي القذر اللي كل همه الفلوس.. لكن إنتي رغم كل اللي عمله معاكي عينك مش شايفة غيره.. اللي بهدلك واللى انتي أصلًا متهمهوش في شيء وأهم حاجة عنده مراته وبنته، تعرفي إني كنت منتظر اللحظة اللي هتتطلقي فيها منه عشان اعرض عليكي الجواز، ولما لقيت الفرصة إني اخلص منه نهائي واسجنه مترددتش.. وده هيكون في صالحك إنتي كمان لأنه كدا ممكن يتحط في موقف صعب وميقدرش يرفض طلبك للطلاق ويطلقك بالإجبار وغصب عنه
تلألأت العبرات في عيناها.
لا تعرف السبب، لكن هناك مشاعر متضاربة اختلطت في نفسها.
جميعهم اندرجوا أسفل كلمة "انكسار".
أهي دموع على سنين من حياتها أهدرتهم مع رجل لا يحبها ولا يراها أساسًا.. أم على حبيب خفي لم يظهر في اللحظات الأسطورية كالأفلام قبل أن تذبل الزهرة بفعل العواصف القاسية التي دمرتها وكانت تقف هي بمفردها أمامها.
انهمرت دمعة حارقة موجوعة على وجنتيها ثم تمتمت بألم:
_ ولما أنت بتحبني كدا ومن زمان.. كنت فين ياحاتم قبل ما يحصلي كل ده.. كنت فين قبل ما بابا يستغلني كورقة رابحة ليه عشان شغله وفلوسه، قولي كنت فين قبل ما اتجوز عدنان.. مكنتش موجود مش كدا ومكنتش هتكون لولا إني أنا اللي طلبت مساعدتك.. ياريتك قولت الكلام ده في وقت غير الوقت ومكان غير المكان بس للأسف ملوش لزمة دلوقتي.. أنا فعلا هطلق من عدنان ومش بحبه بس لسا مراته وأنا مش خاينة عشان ادخل في علاقة وأنا على ذمة راجل
ثم استدارت وهمت بالرحيل، لكنها توقفت عند الباب وتمتمت دون أن تلتفت برأسها له في نبرة عادت لقوتها من جديد:
_ مش هقولك لو بتحبني، هقولك لو بتحب هنا ويهمك مصلحتها اسحب شكوتك
ولم تنتظر رده حيث اندفعت إلى خارج المكتب فورًا واتجهت إلى ابنتها التي وجدتها تقف أمام النافذة تتابع الحديقة من الداخل.
أمسكت بكفها وهتفت:
_ يلا ياهنا
ذهبت مع أمها التي تسحبها خلفها والتفتت برأسها إلى حاتم الذي وقف عند باب مكتبه ولوحت له بكفها الصغير وعلى وجهها ابتسامة عريضة صافية ليبادلها هو بابتسامة بسيطة وآخر ماتفوهت به جلنار قبل رحيلها بتردد في ذهنه دون توقف.
***
تجلس على الأريكة أمام التلفاز تشاهد أحد الأفلام الأجنبية وتمسك بيدها صحن ممتلئ بالفشار وكل ثانية والأخرى تلتقط حبة وتلقيها في فمها وهي لا تحيد بنظرها عن شاشة التلفاز.
حتى أنها لم تلاحظ انضمام أمها معها على الأريكة وجلست تشاهد معها حتى هتفت بعد لحظات طويلة من الصمت:
_ مقولتيش صحيح يازينة إيه رأيك في رائد؟
كانت تمسك بحبة فشار وتسير بها في طريقها لفمها لكنها توقفت بيدها في منتصف الطريق ونظرت لأمها بصدمة وغمغمت:
_ رائد!!.. إيه السؤال الغريب ده ياماما، ده إنتي عمرك ماعملتيها
ميرفت بابتسامة جانبية خبيثة:
_ يعني أصل شوفتكم اندمجتوا مع بعض وكمان في خبر تاني كدا
_ خبر إيه؟!!
اعتدلت ميرفت في جلستها وقالت بسعادة واشراقة وجه جميلة:
_ نيرمين كلمتني الصبح وقالتلي إن رائد طالب إيدك
وضعت زينة صحن الفشار على الطاولة بعنف وصاحت بدهشة:
_ نعم وهو شافني إمتى غير إمبارح أصلًا عشان يطلب إيدي
ثم استكملت بحزم ووجه مختنق:
_ مش موافقة طبعا
ميرفت بسخط:
_ هو إيه اللي مش موافقة هو كل ما يجيلك عريس ترفضي كدا.. في إيه!!.. ليكون في حد وهو اللي مخليكي ترفضي العرسان كدا
علت معالم وجهها الارتباك وظهر الاضطراب في صوتها وهي تجيب على أمها بعصبية محاولة إخفاء اضطرابها:
_ حد مين يعني!.. مفيش حد طبعا ياماما، كل ما في الموضوع إني مش حابة ارتبط واتجوز دلوقتي وبعدين رائد ده محبتهوش خالص ومستريحتلهوش
قبضت ميرفت على ذراعها بقوة وقالت بحدة:
_ نعم ياختي مش حابة ارتبط واتجوز.. اتكلمي يازينة بالذوق بدل ما اتصل بأبوكي واخليه هو يتصرف معاكي بطريقته
افلتت ذراعها من قبضة أمها بصعوبة ووثبت واقفة وهي تهتف بتذمر وخنق ممتزج بتوترها:
_ اووووف ياماما قولتلك مفيش حد طبعًا.. أنا داخلة انام تصبحي على خير
ثم اندفعت نحو غرفتها فورًا بسرعة البرق وأغلقت الباب عليها واستندت بظهرها عليه مصدرة تنهيدة حارة بارتياح.
فلو كان استمر جدالها مع أمها لفترة طويلة كانت اعترفت بكل شيء، لكنها تمكنت من الهرب منها قبل أن ينفضح الأمر.
***
_ طيب والأشكال النضيفة دي بتعمل إيه في المنطقة عندنا!!
كان سؤال عشوائي دون تفكير من صديقتها المقربة وهي تسألها، فنظرت لها مهرة باستنكار وهتفت:
_ يعني بالعقل كدا يا اذكى اخواتك هعرف منين الأشكال النضيفة دي بتعمل إيه في المنطقة!!.. بعدين قولتلك متفكرنيش بالولا الاخضريكا ده لاحسن ارزعك بالطبق اللي في إيدي اخلي وشك زي قفاكي
انتصبت صديقتها في جلستها وضربتها على ذراعها بخفة وهي تجيب بغيظ:
_ لمي لسانك اللي عايز قطعه ده.. وبعدين إيه اخضريكا دي!!
مهرة بهيام وابتسامة رُسمت بتلقائية على شفتيها:
_ أصل عيونه خضرا وحلوة أوي يابت.. أهو ده اللي يتقاله مراد بيك لا تتركني هيك.. كل ما افتكر اتحسر واقول بت يامهرة ما كان عندك البنطلون الاصفر والبلوزة البيضة ملبستهمش ليه الهي تنشكي.. كان زمانا دلوقتي بنغني أنا والولا الاخضريكا كان يوم حبك اجمل صدفة
_ نعم ياختي يوم حبك.. هو انتي لحقتي!!
مهرة بنظرة مشتعلة وبغيظ:
_ بتخيل إيه متخيلش!.. بس هو تقريبًا كان قرفان مني معرفش ليه هو أنا فيا حاجة تقرف!!
نظرت لها صديقتها بنظرة متفحصة تحمل الاستهزاء ثم قالت بوجه مبتسم ببرود:
_ أه لبسك يقرف.. والبسي زي البنات بقى ياشيخة قرفتيني
طالعتها مهرة بأعين مريبة ثم نظرت إلى ملابسها ببؤس وسرعان ما رسمت ابتسامة متغطرسة على ثغرها ورجعت بظهرها على الأريكة وبسطت ذراعيها على أعلى الأريكة ووضعت ساق فوق الأخرى هاتفة بغرور:
_ اللي منعجبهوش بطبيعتنا ميلزمناش
قهقهت الأخرى وأجابت ضاحكة:
_ لا والله.. لا يبقى هتفضلي قاعدة جمبك جدتك كتير
مهرة بمرح:
_ زوزا دي روحي.. فكرك يعني إني لو اتجوزت هسيبها ده أنا هاخدها معايا وانومها وسطنا كمان
رفعت صديقتها حاجبها بدهشة وتمتمت تجيب عليها بسخرية:
_ وسطكم!!.. جاتك هطل على هطلك، أنا هقوم اطمن على خالتي فوزية وبعدين همشي وخليكي إنتي في الاخضريكا بتاعك
ثم استقامت واتجهت إلى الغرفة الداخلية حيث تجلس فوزية.
بينما مهرة فنزلت بنظرها مرة أخرى إلى ملابسها زامة شفتيها بيأس ثم وثبت واقفة وركضت نحو غرفتها ووقفت أمام المرآة تنظر لهيئتها وملابسها.
فابتسمت بحب وقالت وهي ترسل لنفسها قبلات في المرآة:
_ ياختي عسل خدي بوسة يابت يامهرة وإنتي قمر كدا
ثم قلدت طريقة صديقتها بطريقة كوميدية ورسمت معالم وجهها بشكل مضحك لتهتف بقرف:
_ أه لبسك يقرف.. بنت رزلة بصحيح
***
تجلس في الشرفة الخارجية على مقعد واسع ومريح وعيناها معلقة على بوابة المنزل.
منذ الصباح لا تعرف أي أخبار عنه، ولا تدري هل حاتم تراجع عن شكوته أم أنه أصر عليها رغم طلبها.
لكنها تنتظر على أمل عودته ولا تعرف كيف.
ظلت "هنا" مستيقظة لوقت طويل ترفض النوم إلا عندما يعود والدها حتى يسرد لها قصتها المعتادة قبل النوم وينام بجوارها.
ووسط محاولات جلنار الكثيرة معها حتى تجعلها تخلد للنوم موضحة لها أن والدها سيتأخر بالخارج ولن يعود الآن.
لكن الصغيرة صممت على قرارها وبقت جالسة على الأريكة بالصالون بانتظار والدها.
ومرت ساعة وأكثر حتى بدأ النوم يصعد لعيناها وسيطر عليها تمامًا فلم تتمكن من مقاومته وخلدت للنوم مكانها على الأريكة.
فحملتها جلنار وذهبت بها إلى الغرفة الصغيرة ووضعتها على الفراش برفق ثم دثرتها بالغطاء وطبعت قبلة حانية على شعرها قبل أن تستدير وتغادر.
وتولت هي المهمة بدالها حيث لازمت الشرفة منذ نومها متأملة أن حاتم قد تراجع.
جلست بإريحية أكثر ورفعت قدماها على المقعد لتغير وضيعة جلستها إلى الجانب الآخر مستندة على ذراعها الأيسر وعيناها تتجول بكل مكان وبالأخص على البوابة.
لفت ذراعيها حول قدماها وضمتها لصدرها كنوع من بث الدفء لجسدها، وبقت على وضعيتها هذه لما يقارب الساعة حتى وجدت عيناها تغلق رغمًا عنها ودون أن تشعر غرقت بالنوم.
وصل أخيرًا إلى المنزل.
فتح الباب ودخل ثم نزع حذائه ودار بنظره في الأرجاء يبحث عن وجودها هي أو ابنته.
ولو هلة ظن أنها هربت مرة أخرى فاندفع إلى الداخل يبحث عنها بالغرف لكن لا أثر لها.
لو فتح باب الغرفة الصغيرة ووجد ابنته نائمة في فراشها هدأت نفسه الثائرة وزفر بقوة ببعض الراحة.
ثم دخل واقترب من فراشها وانحنى عليها يلثم وجنتها وشعرها بعدة قبلات رقيقة وحانية قبل أن ينتصب في وقفته ويغادر بحذر شديد حتى لا يوقظها.
اندفع يبحث عن جلنار بكل جزء في المنزل فإذا به يجدها بالشرفة جالسة على مقعد بوضيعة الجنين وشعرها تلفحه نسمات الهواء الباردة فيغطي وجهها كله.
تقدم إليها في خطوات هادئة جدًا حتى وصل إليها ثم انحنى عليها بنصف جسده ومد أنامله يزيح خصلات شعرها بوداعة من على وجهها، ليظهر جمال وجهها وملامحها الساحرة وهي غارقة بالنوم وانفاسها الدافئة لفحت باطن كفه.
اطال التأمل بها للحظات في عينان تحمل لمعة مختلفة ثم حرك ظهر أنامله برقة شديدة بداية من وجنتها نزولًا إلى رقبتها.
تحركت برأسها بعدما ازعجتها لمساته، وفتحت عيناها ببطء وبمجرد ما وقعت عيناها عليه انتفضت في جلستها فورًا وقالت بصدمة:
_ إنت جيت إمتى؟
عدنان:
_ دلوقتي
استقامت واقفة وقالت باهتمام أسرعت في إخفائه مسرعة بعد جملتها:
_ أنت كويس طيب؟ .. اقصد طلعت إزاي، حاتم سحب الشكوى؟
كادت أن ترتفع الابتسامة على ثغره من اهتمامها الواضح به لكن سرعات اندثرت وحل محلها الصرامة وهو يهتف بنظراته الشرسة:
_ حاتم! .. لا متراجعش وأنا مش محتاج إنه يسحبها أصلًا، مش حتة عيل عبيط زي ده هيعرف يسجني.. بس أنا عارف هعرفه مقامه إزاي عشان ميفكرش بعد كدا أنه يلاعبني أو يقرب من مراتي وبنتي
جلنار بعصبية واندفاع:
_ مش هتقربله ياعدنان فاهم ولا لا.. أنا اتكلمت معاه وهو خلاص مش هيقربلي تاني ولا أنا هكلمه
أخطأت فيما قالته عن دون قصد حيث ألهبت نيرانه المرعبة وهتف بصوت رجولي يحمل لمسة مريبة:
_ كلمتيه!!!
اربكتها نبرته وقسمات وجهه التي تحولت لكنها أجابت عليها بثبات وشجاعة دون أي خوف ظاهر:
_ أيوة روحتله بيته عشان اقوله يتراجع عن شكوته ومش عشانك ده عشان هنا بس عملت كدا
قبض على ذراعها بعنف وجذبها إليه صائحًا بها بصوت جهوري وعينان مشتعلة بالغيرة:
_ يعني إيه روحتيله بيته! .. إنتي بتكسري كلامي ياجلنار، سبق وحذرتك إن عقابك هيكون عسير لو عرفت إنك كلمتي ال*** ده تاني.. بس شكلك حابة تجربي
تململت بين قبضته ودفعت يده عنها بصعوبة صارخة به:
_ أنت ملكش حق تتدخل في حياتي، وأعمل اللي أنا عايزاه.. ومتنساش إننا أول ما نرجع مصر هتطلقني
صاح بها بعنف وعينان بها نظرات مرعبة ومنذرة:
_ انسي الطلاق ده نهائي وطلعيه من دماغك.. طلاق مش هطلق
ظهرت في عيني جلنار نظرات مشتعلة اندمجت بالتحدي وهي تجيبه بثقة واستنكار:
_ هنشوف ياعدنان.. لأن باختصار لو مطلقتنيش هخلي عيشتك سودا، وهعرفك جلنار الرازي تقدر تعمل إيه.. هروبي بهنا ده كان أول تحذير مني ليك، بعد كدا مش هتكون تحذيرات لا أفعال.. وصدقني أنا لو عايزة ادمرك هعملها وبسهولة جدًا
علت صوت ضحكته وهو يجيبها مستهزئًا:
_ تدمريني! .. كبيرة أوي الكلمة دي وإنتي مش قدها
جلنار بتحدي وغضب:
_ هتشوف قدها ولا لا
ثم اندفعت إلى خارج الشرفة في طريقها إلى غرفتها لكن قدمها التوت فجأة فاصدرت صرخة عالية بألم وسقطت على الأرض جالسة تتأوه بتوجع شديد ممسكة بكاحلها.
ذهب إليها وجلس القرفصاء أمامها ثم هم بإمساك قدمها لكنها دفعت يده بعنف وصاحت به بسخط:
_ Don't touch me (لا تلمسني)
رمقها بنظرة باردة وتابعها وهي تحاول النهوض مرة أخرى على قدمها ولا تستطيع، فتنهد بابتسامة مخفية ووقف ثم انحنى عليها وحملها على ذراعيه متجهًا بها نحو الغرفة.
رأت ابتسامته الجانبية على شفتيه فقالت بخنق:
_ اعتقد أن مفيش حاجة تضحك
طالعها بطرف عيناه في وجه مبتسم بمكر امتزج بالسخرية:
_ بعد الوقعة دي إنتي اخرك تدمري مجسم مكعبات مش تدمريني
جلنار بقرف:
_ it's not funny (أنه ليس مضحك) على فكرة.. ونزلني
لم يبالي بكلمتها الأخيرة فصاحت به مرة أخرى باستياء:
_ نزلني ياعدنان
وكان رده عليها بالتجاهل حتى وصل إلى الغرفة ودخل ثم وضعها على الفراش وجلس على حافة الفراش بجوارها ممسكًا بكاحلها ويقول بهدوء:
_ الألم هنا؟
دفعت يده عنها وصاحت به بانفعال:
_ قولتلك متلمسنيش
عدنان بحدة:
_ اسكتي ومتعصبنيش.. معانا سفر بكرا الصبح مش هتصحي وتقوليلي مش قادرة أقف على رجلي
سكتت مجبرة فالألم لا يحتمل حقًا ولا تستطيع تحريكها حتى فكيف ستقف عليها!
بدأ هو يقوم بتمرين بسيط لقدمها بحركات مدروسة وغير عشوائية، لكنها أصدرت تأوهًا مرتفعًا وهي تبعد يده هاتفة بتألم:
_ أه.. ابعد ياعدنان بتوجعني اكتر
_ لازم هتوجعك
قالها بجمود ووجه خالي من التعابير ثم استكمل ما كان يفعله وهي تتأوه بصمت وألم شديد، ثم نهض واتجه إلى الحمام وفتح صيديلة الحمام الصغيرة المعلقة فوق المرحاض وأخرج منها ضمادة مرنة بيضاء.
ثم عاد لها وبدأ بلفها في بطء حول كاحلها ويضغط عليها، بينما هي فكانت بمكان آخر تتأمل بلحيته التي نمت كثيرًا وأصبحت كثيفة، وملامح وجهه المتغيرة بعض الشيء حتى شعره الكثيف تغير.
وجدت نفسها تهتف بدون وعي وهي تسحب قدمها من بين يديه وتقول بسخرية:
_ كنت فاكرة إنك على الأقل مهتم ببنتك ومضايق على فراقها بس اتضح العكس لما شوفت صورك مع فريدة
ضيق عيناه وسأل باستغراب:
_ صور إيه؟
جلنار بنظرات جانبية وبامتعاض:
_ صوركم مع بعض وانتوا على اليخت.. كانت منزلاها من يومين
زاد التعجب أكثر على ملامحه وهتف:
_ أكيد صور قديمة.. أنا مكنتش فاضي ولا فيا دماغ للخروجات اساسًا اليومين اللي فاتوا
جلنار بعينان متسعة بذهول:
_ يعني هي منزلاها قصد عشان تغيظني
عدنان:
_ تغيظك!!
قالت بغرور تصحح له مفهومه الخطأ:
_ أيوة لأن زي ما قولت كنت فاكرة إنك مهتم ببنتك وبينا مش بتخرج وتتفسح معاها
هتف مبتسمًا بلؤم وببعض الدهشة حيث أنها المرة الأولى منذ زواجهم التي توضح له انزعاجها من فريدة وقربه منها:
_ إنتي غيرانة ياجلنار؟!!!
بادلته الابتسامة ولكن بأخرى مستهزئة جملته السخيفة ثم تحاملت على قدمها ونهضت من على الفراش وأجابت وهي تثبت نظراتها على عيناه وتقول بقوة وجفاء:
_ أغير!!.. اعتقد إن الغيرة دي بتكون على شخص بتحبه وأنا لا حبيتك ولا هحبك
ثم تحركت ببطء وهي تسير برفق وحذر على قدماها باتجاه الحمام، بينما هو فعض على شفاه السفلى بغيظ محاولًا تمالك أعصابه وبعيناه الملتهبة يتابعها وهي تسير باتجاه الحمام.
***
في صباح اليوم التالي...
توقفت فريدة بسيارتها أمام أحد البنايات الضخمة والمرتفعة ثم نزلت من السيارة وقادت خطواتها إلى الداخل بعدما ألقت التحية على حارس البناية الذي رد عليها التحية بترحيب حار.
واتجهت نحو المصعد الكهربائي لتستقل به وينغلق عليها بمجرد ضغطها على زر الطابق الخامس.
بعد لحظات طويلة قليلًا توقف أمام الطابق المطلوب وانفتح، فخرجت وتحركت باتجاه الشقة المقابلة.
ثم طرقت الباب عدة طرقات بسيطة ووقفت تنتظر الرد وعلى وجهها ابتسامة واسعة.
ثواني بسيطة حتى انفتح الباب وظهر هو من خلفه.
رواية امرأة العقاب الفصل الثامن 8 - بقلم ندى محمود توفيق
ثواني بسيطة حتى انفتح الباب وظهر هو من خلفه.
قابلها بوجهه المشرق ثم أفسح لها المجال للدخول وأغلق الباب خلفها.
ارتمت عليه تعانقه بحب حقيقي وتهتف:
_ وحشتني أوي يا حبيبي.
ثم رقبتها بعدة قبلات متفرقة، ثم اتجه لوجنتها ويهمس من بين قبلاته:
_ وإنتي كمان يا روحي.
ابتعدت عنه واتجهت إلى الداخل نحو الأريكة، ثم ألقت بحقيبتها في عشوائية على المنضدة وجلست هاتفة بضيق:
_ أنا جيت بصعوبة يعني مش هقدر أطول، ممكن ساعتين وأمشي.
ظهرت علامات اللؤم على ملامحه، فاقترب وجلس بجوارها هامسًا بنظرة وقحة:
_ وهما الساعتين دول قليلين يا حبيبتي؟
ارتفعت ضحكتها لتجيبه بدلال وهي تقترب وتخطف قبلة سريعة منه:
_ مش وقته خالص يا نادر، أنا جيت عشان نتفق أنا وأنت هنعمل إيه في جلنار.
_ هي رجعت؟!!
_ لا بس أنا حاسة أن سفر عدنان المفاجئ ده وراه حاجة ومش بعيد يكون عرف مكانها وراح يجيبها.
_ أنا مش عارف إنتي شاغلة بالك بيها ليه يا فريدة.. كدا كدا هتطلقي من الزفت ده قريب، فكك منها يا حبيبتي.
_ إيه اللي بتقوله ده.. عايزني أسيبها تاخد كل حاجة هي وبنتها على الجاهز، على جثتي لو طالت حاجة من عدنان، كل ده من حقي أنا.
غمز لها بعينيه في نظرات شيطانية وغمغم بمكر:
_ هتاخدي كل حاجة يا حياتي.. بس سبيني أتصرف معاهم بطريقتي، صنف جلنار دي أنا عارفه كويس أوي.. أما عدنان فده محوشله التقيلة من زمان.
اعتدلت في جلستها وطالعته بنظرات راجية ثم هدرت بقلق:
_ نادر بلاش تعمل حركة غلط تودينا في داهية ارجوك، عدنان لو شك مجرد شك هيقتلك ويقتلني.
همس لنفسه ساخرًا وعلى وجهه ابتسامة تحمل الغل:
( ده لو لحق أصلًا!!)
ثم أجاب عليها بصوته الطبيعي:
_ متخافيش أنا يعتبر مظبط كل حاجة فاضل بس التنفيذ وقريب أوي هيتم.
ثم أطال النظر في وجهها بعينان راغبة وفجأة وثب واقفًا وحملها على ذراعيه متجهًا بها نحو الغرفة وهو يتمتم بابتسامة خبيثة:
_ أنا بقول نخطفلنا ساعة ساعتين كدا مع بعض عشان انتي وحشتيني أوي.
هتفت ضاحكة باعتراض بسيط:
_ مش هينفع يا نادر نزلني بقولك مستعجلة ولازم أمشي.
_ هو دخول الحمام زي خروجه يا قلب نادر.
ثم فتح باب الغرفة بقدمه ودخل بها ثم أغلقه بطرف قدمه وانغمسوا معًا في ملذاتهم المحرمة غير مباليين لأي شيء!
غابوا ببحر المحرمات منذ أربع سنوات ولم يضعوا بالحسبان لحظة العقاب الكبرى أمام ربهم!!!
***
تقف بالمطبخ تقوم بتحضير وجبة الإفطار وتجلس صغيرتها فوق رخام المطبخ وتتلاعب بقدماها الصغيرة في الهواء وتمسك بيدها قطعة شيكولاتة تأكلها باستمتاع.
حتى هتفت بصوت طفولي حماسي:
_ احنا راجعين بيتنا يا ماما.
تنهدت جلنار بخنق وأجابت على ابنتها بمضض حاولت إخفائه:
_ امممم للأسف يا حبيبتي.
_ يلا نلبس.
_ لما نفطر الأول يا هنا بعدين هنلبس ونمشي.
نظرت الصغيرة لخارج المطبخ تتأكد من عدم وجود أبيها، ثم اقتربت وانحنت على أذن أمها وهمست بصوت فرح:
_ بابي قالي هنروح عند تيتا لما نرجع.. بس اوعي تقولي إني قولت ليك.
رمقتها جلنار بنظرة نارية وهتفت بغيظ مكتوم:
_ هو قالك كدا؟
هزت رأسها بإيجاب وهي لا تزال تبتسم باتساع، فنظرت جلنار للطماطم التي تقوم بتقطيعها ونزلت السكين عليها في عنف تهمس بصوت غير مسموع وأعين مشتعلة بوعيد:
_ ده بعينه إن شاء الله.. قال تيتا، أمه القرشانة دي هو أنا ناقصة.
صاحت هنا بصوت عالي في حب عندما وجدت والدها يدخل المطبخ، فاقترب هو منها وحمله على ذراعيها ومد يده يعبث بخصلات شعرها الحريرية ويهمس في مداعبة:
_ إيه الحلاوة دي بس يا بابا.
ابتسمت الصغيرة باستحياء بسيط في وجه طفولي يسرق القلب، ليقهقه هو بخفة ثم ينحني عليها ويطبع قبلة عميقة على وجنتها، بينما جلنار فالتفتت نصف التفاتة برأسها له ورمقته بنظرة مشتعلة ثم أشاحت بنظرها عنه عندما وجدته ينظر نحوها.
اختفت ملامحه اللينة وظهر محلها الصرامة حيث هتف بغلظة صوته الرجولي:
_ مالك؟!!!
تجاهلته تمامًا ولم تجب ولم تنظر له حتى، مما استفزه بشدة، فأنزل ابنته من على ذراعيه وهتف بابتسامة رسمها بصعوبة:
_ روحي يا هنايا استنيني برا وأنا هاجي وراك.
رفعت هنا نظرها إلى أمها الواقفة وتوليهم ظهرها منشغلة بما تفعله أو تتصنع هذا، ثم عادت بنظرها لأبيها وتنهدت بيأس لتستدير وتتجه لخارج المطبخ متمثلة لأوامر والدها.
تحرك خطوة إليها حتى كاد يكون ملتصق بها وهتف بلهجة غريبة:
_ لما اكلمك تردي عليا.
قالت بعد مبالاة واشمئزاز:
_ مش طايقة اكلمك أو اسمع صوتك أساسًا.
جز على أسنانه بغيظ ثم قبض على أعلى ذراعها بقبضته الفولاذية وتتمتم بتحذير:
_ أنا لغاية دلوقتي هادي معاكي يا جلنار رغم اللي عملتيه، فاتكلمي باحترام وبأسلوب مظبوط بدل ما أظبطك أنا بأسلوبي.
تحاملت الألم ولم تظهره على ملامحها، حيث استقرت بعينيها نظرة حاقدة وهمست بصوت أنوثي شرس:
_ سيب إيدي ومتقربش مني.. وتهديداتك الفارغة دي روح هدد بيها حد غيري مش أنا.
أحست وأنه لوهلة ستخرج النيران من عينيه وتحرقها بأرضها من فرط سخطه، ووجدته يزيد من ضغطه على ذراعها بعنف فلم تتمكن من إخفاء ألمها أكثر، حيث أغمضت عينيها في محاولة بائسة لعدم الظهور ضعيفة أمامه، ووجدته يقترب منها وينحنى على أذنها هامسًا بصوت يشبه فحيح الأفعى:
_ لولا أن البنت برا كنت وريتك التهديدات الفارغة دي كويس.
لانت قبضته تلقائيًا على ذراعها حين دخلت لأنفه رائحة عطرها المثير، فأغلق عينيه محاولًا تمالك انفعالاته الداخلية حتى لا يضعف، وكان على وشك أن ينصاع خلف رغبته لكنه استفاق فورًا وترك ذراعها ثم نظر بعينيها وقال في صوت خشن وجاف:
_ بعد الفطار ادخلي خدي دش والبرفان ده متحطهوش تاني.. وإياكي تحطيه وإنتي خارجة.
ثم ألقى عليها نظرة قاسية أخيرة قبل أن يبتعد عنها ويرحل، بينما هي فظلت ملتفة برأسها للخلف تتابعه وهو ينصرف بغضب وممسكة بذراعها ثم همست بغل:
_ حقير.. بس ورحمة ماما لأخليك تندم على كل حاجة عملتها معايا يا عدنان.
تركت ذراعها وعادت تكمل تحضير الفطار وهي تهتف بقرف:
_ لو اقدر احط سم كنت حطيته عشان تطفحه واخلص منك نهائي.
***
كانت زينة بأحد المقاهي المشهورة والمطلة على النيل، تجلس على أحد المقاعد وأمامها طاولة مستديرة ومتوسطة الحجم ويقابلها مقعد آخر فارغ.
وبيدها تمسك كوب عصير مانجا طازج وتتأمل منظر الماء من أمامها بشرود، وبداخلها خلافات عنيفة. وسؤال تطرحه باستمرار على نفسها: لماذا تجلسِ بمفردك ولم تذهبي له بدلًا من الجلوس هكذا كالحمقاء؟
لكنها باتت تشعر أن كرامتها على حافة الهاوية، ولا تستبعد أن يكون قد فهم مشاعرها تجاهه ويتجاهلها بتصرفاته الطبيعية معها. لا مجال لمزيد من الركض خلف أحلام واهية.. ستترك كل شيء يسير كما هو مقدر له!
فجأة وجدت أحدًا يجلس مقابلها على المقعد الفارغ، فالتفتت برأسها فورًا له وعندما وقعت عيناها عليها ظهرت الدهشة والخنق، حيث بقت تحدق به لفترة وجيزة بعدم فهم حتى هتفت بحزم:
_ أنت بتراقبني!!!
ابتسم رائد وقال بخفوت ضاحكًا:
_ أكيد لا.. أنا شفتك بالصدفة وقولت أسلم عليكي ونتكلم شوية لو مفيش عندك مانع طبعًا.
احتدام وجه زينة بغيظ، ثم التقطت هاتفها وأشيائها من فوق سطح الطاولة واستقامت واقفة وهي تقول باعتذار صارم:
_ أسفة بس أنا ورايا مشوار ومستعجلة وكنت ماشية قبل ما حضرتك تيجي.
همت بالانصراف لولا قبضته التي أمسكت برسغها في لطف وهتف بوداعة:
_ لحظة بس إنتي متعصبة مني ليه كدا! لو قولت حاجة ضايقتك من غير قصد سواء دلوقتي أو يوم الفرح أنا آسف مقصدش والله.
_ مفيش زعل يا أستاذ رائد أنا زي ما قولتلك مستعجلة بس وبخصوص الموضوع اللي والدتك فاتحت ماما فيه فـ.....
_ أنا مجيتش اتكلم معاكي عشان أسألك موافقة أو لا.. خالص بالعكس أنا كنت حابب نتكلم وندردش مع بعض مش أكتر.
أحست أنها قست قليلًا عليه في حدة كلامها، فتنهدت بهدوء وتمتمت في صوت رخيم وابتسامة بسيطة:
_ مرة تاني إن شاء الله.. عن إذنك.
ثم سحبت يدها من قبضته واندفعت إلى خارج المقهى بأكمله مسرعة دون أن تلتفت خلفها، بينما هو فتنهد بقوة ورفع يده يمسح على وجهه بيأس!
***
يقف أمام المرآة يقوم بتسريح شعره بعد ارتدائه لملابسه ويستعد للمغادرة.
ثم أمسك بزجاجة العطر الخاص به ونثر على ملابسه بكثرة حتى امتلأت الغرفة كلها برائحته.
انفتح الباب وظهرت من خلفه أسمهان التي وقفت للحظات تتطلع إلى ابنها الأصغر في حنو. كلما تنظر له يذكرها بأبيه يمتلك نفس عينيه ووسامته الساحرة، وشغفه وحبه للحياة والمرح. لم تنسى يوم ولادتها عندما قال زوجها: ( سيكون آدم الأحن بيننا أما عدنان فهو عُقاب يصعب ترويضه)!
اقتربت ووقفت خلفه ثم وضعت كلتا كفيها على كتفيه من الجهتين وقالت بنظرة جانبية خبيثة وحانية:
_ مش ناوي تفرحني كدا يابني وتخليني أشوفلك عروسة وأفرح بيك.
التفت لها بجسده وقال ضاحكًا بمشاكسة:
_ لا ريحي نفسك ياست الكل لما أحب اتجوز أنا اللي هختارها.
_ لا والله!
_ طبعًا يا سلطانة.. اعذريني مش هسمحلك تتولي المهمة دي بذات، ده جواز مش لعبة.
_ أنت هتعمل زي أخوك!!
زم شفتيه بعدم اكتراث وتمتم:
_ ماله عدنان!
_ مش لو كان سابني أنقله عروسته على مزاجي كان زمانه دلوقتي عايش مبسوط ومتهني في حياته، لكن البيه لعبت بعقله حلاوة بنت فاطمة الخدامة وخلته مش شايف غيرها.. ولما جات الفرصة إنه يتجوز تاني راح واتجوز بنت نشأت غصب عني.
مسح آدم على وجهه متأففًا وقال بصوت غليظ واستياء حقيقي:
_ عدنان هيكون مبسوط يا ماما لما تتخلي عن تصرفاتك ومحاولاتك في إنك تتخلصي من جلنار ودلوقتي بقت فريدة، سبيه ومتدخليش في حياته ومتخلقيش مشاكل بينهم.
ثم اندفع لخارج الغرفة بأكملها، فصرخت هي منادية عليه في سخط:
_ آدم.
ثم أكملت بعينان ملتهبة بالغيظ والغل عندما لم يجب عليها:
_ مش كفاية ساحرة لعدنان بنت الرازي كمان حتى ابني التاني مش بيستحمل يسمع عليها كلمة.. ماشي يا جلنار مبقاش أنا أسمهان الشافعي أما طردتك من حياة ابني ومن حياتنا كلها.
***
انتهت من ارتداء ملابسها وكل شيء استعدادًا لعودتها إلى وطنها.
ثم جلست على الفراش وامسكت بالهاتف وبحثت بقائمة الأسماء عن رقمه وظلت تحدق به بتردد. تتصل به وتخبره أنها راحلة أم لا؟!
قذفت بذهنها كلماته وهو يعبر لها عن حبه الخفي لها: (بحبك أوي يا جلنار).
نفضت عن ذهنها تلك الكلمات وهزت رأسها بالنفور وهي تحسم قرارها بعدم الاتصال به وبل وعدم التواصل معه تمامًا.
انفتح الباب ودخل عدنان ثم وقف للحظات قصيرة يحملق بها وقال بخشونة:
_ قاعدة كدا ليه يلا.
طالعته بعينان محتقنة بالدماء ثم استقامت واقفة وجذبت حقيبتها الصغيرة والقت نظرة أخيرة على الغرفة بأكملها تتأكد من عدم نسيانها لشيء ما.
ثم اتجهت نحوه وقبل أن تعبر من الباب بجانبه قبض على ذراعها ليوقفها ورفع كفها الأيمن لأعلى ينظر إلى أناملها الخالية من خاتم زواجهم.
فاستقرت في عينيه نظرة قوية مردفًا:
_ خاتمك فين؟
سحبت يدها من بين يده بهدوء وهي تزفر بخنق وتهتف باقتضاب:
_ في الشنطة.
_ طلعيه.
كانت كلمة صارمة صدرت منه لا تقبل الجدال بنظرات حادة.
فتنهدت هي بنفاذ صبر ووضعت كفها في الحقيبة الصغيرة تفتش عن خاتمها ولم تجده أو هي من أرادت هذا، حيث أجابت عليه بالامبالة وهي تهم بالانصراف:
_ مش لاقياه بعدين هبقى اشوفه وألبسه.
جذب حقيبتها من يدها بعدما فهم حيلتها وتصنعها ثم فتحها ونظر فيها يفتش بنظره عنه حتى وجده، التقطه وامسك بكفها يرفعه ثم يلبسها الخاتم ويهتف في صوت رجولي ساخط:
_ ده ميتقلعش تاني مفهوم ولا لا.
_ ليه بقى؟
أجابها في شيء من الغرابة وبعينان ثاقبة:
_ عشان يفكرك دايمًا إنك هتفضلي مراتي ومفيش طلاق يا جلنار.
استشاطت غيظًا وغلًا، فاقتربت بوجهها منه وقالت في ثبات وأعين تشع شرارة الشر والمكر:
_ هطلق سواء طالت أو قصرت مسيرك هتطلقني، واوعى عقلك الباطن يصورلك إنك حتى لو مطلقتنيش لما نرجع هسمحلك تقرب مني أو تلمسني، بعينك يا عدنان أنه يحصل.
رغم اشتعال نيران الغيظ في داخله من كلماتها إلا أنه أظهر العكس تمامًا، حيث ابتسم ببرود وهمس بخبث وهو يقترب بشفتيه منها ليستفزها:
_ هنشوف يا رمانتي الموضوع ده لما نرجع إن شاء الله.
رمقته بقرف وتمتمت:
_ بكرهك.
_ عارف وعشان كدا مش هطلقك.
احتدام وجهه وتحول إلى الأحمر القاتم من شدة الغيظ وهي تطالعه باستياء مكتوم. تود لو تلكمه وتفرغ شحنة غيظها به، أو تخنقه بيديها.
لكنها أثرت عدم الاصطدام معه الآن في شجار هي ليست في مزاج لتحتمله. حيث اندفعت إلى الخارج وهي تتمتم بعض الكلمات الغاضبة، بينما هو فخرج خلفها وكانت الصغيرة تنتظر في الحديقة وهي تلهو بدميتها.
وعندما رأت والديها باتجاه السيارة ركضت هي قبلهم واستقلت بالمقعد الخلفي في مكانها المخصص وثواني واستقل عدنان بمقعد القيادة وجلنار بجواره.
ثم التفتت برأسها للخلف لابنتها وهتفت في لؤم قاصدة إثارة ضيقه:
_ استعدي بقى ياهنون عشان أول ما نرجع هنروح نقعد عند خالتو انتصار.
اتسعت مقلتي الفتاة بدهشة وقفزت فرحًا في مقعدها تقول بفرحة:
_ هييييه.
بينما هو فحدقها بنظرة مشتعلة وهتف:
_ مين اللي قال هتروحوا!
_ أنا قولت! وبعدين حتى هنا عايزة تروح وفرحت أهي.. إيه هتكسر بنفس بنتك!
عض على شفاه السفلى محاولًا تمالك أعصابه وهمس في غيظ:
_ ده أنا اللي هكسر دماغكم.
ثبتت الصغيرة على مقعد والدها وهي تعانقه من الخلف وتقول برجاء:
_ نروح عند خالتو يا بابي.. اردوك (أرجوك).
نظر مطولًا لابنته فلم يتمكن من المقاومة أمام نظراتها المستعطفة وإلحاحها، فقال بمضض:
_ ماشي يا حبيبتي خلاص هنروح.
أشاحت جلنار بوجهها للجانب الآخر تخفي ضحكتها الشامتة والخبيثة بكفها، ثم رجعت برأسها نحوه بعدما انطلق بالسيارة وقالت في خفوت مستفز:
_ سوق على مهلك يا بيبي.
يرفع حاجبه مستنكرًا كلمتها الأخيرة ورمقها بنظرة متوعدة وهو يتمتم بصوت منخفض سمعته:
_ ماشي لما نرجع بس اصبري عليا.
ابتسمت في عدم مبالاة وتمتمت لنفسها في نشوة ووعيد ماكر:
_ أنت لسا شفت حاجة.. دي البداية بس!
ثم التفتت برأسها مرة أخرى إلى ابنتها وظلت تتحدث معها وتضحك وهي تشاكسها، بينما هو فتابعهم بعينيه في مرآة السيارة العلوية. يتأمل ضحكهم واندماجهم الجميل الذي يدخل السرور على قلبه ودون أن يشعر انحرفت شفتاه قليلًا لليسار مفترة عن ابتسامة دافئة ومحبة!!
***
خرجت من الحمام وهي تلف حول جسدها منشفة كبيرة وتمسك بمنشفة صغيرة أخرى تجفف بها شعرها.
بعد لحظاتها الغرامية مع عشيقها السري، وبينما تسير في اتجاه المرآة رفعت نظرها بتلقائية فارتدت للخلف في زعر عندما رأت عدنان أمامها يقف عند الباب ويطالعها بعينيه المرعبة والمعاتبة.
فرت الدماء من عروقها واحست بأنها ستفقد وعيها بعدما ظنته لوهلة حقيقيًا، لكن سرعان ما اختفى شبحه من أمام عينيها.
التقطت أنفاسها المتسارعة في فزع وألقت بالمنشفة الصغيرة على الفراش ثم شرعت في ارتداء ملابسها فورًا حتى تغادر.
وبعد انتهائها سمعت صوت رنين هاتفها فأجابت بصوت جاهدت في أظهاره طبيعيًا:
_ خير يا سمير؟
أجابها الآخر في مكر وشيطانية:
_ الست أسمهان هانم طلبت مني النهاردة أراقبك وإنتي خارجة وأنا عملت الواجب.
يبدو أن اليوم هو يوم الصدمات المخيفة، هتفت في ارتعاد:
_ قولتلها إيه انطق!!
_ اطمني ياست الكل قولتلها إنك في النادي روحتي تشوفي واحدة صحبتك.
_ غبي ممكن تبعت حد على هناك عشان تتأكد ده لو مرحتش هي بنفسها.. اقفل اخلص خليني أرجع قبل ما تعملي مشكلة الحرباية دي.
أنهت معه الاتصال ووضعت الهاتف في حقيبتها ثم اندفعت إلى الخارج وكان نادر يجلس على الأريكة أمام التلفاز ينتظرها حتى تخرج من الحمام.
وعندما وجدها قد ارتدت ملابسها ومستعدة للرحيل فقال بحيرة وهويهب واقفًا ويقترب منها:
_ رايحة فين؟
_ ماشية يا نادر اتأخرت أوي وأسمهان مش هتجبها لبر معايا.. بعتت سمير ورايا عشان يراقبني والغبي معرفش يتصرف ولو مرجعتش دلوقتي ممكن كل حاجة تتكشف.
أفف بقوة في حرارة ثم أجابها بخنق مغلوبًا على أمره:
_ تمام يا فريدة خلي بالك من نفسك ولما توصلي كلميني وطمنيني.
انحنت برأسها عليه وخطفت قبلة سريعة من وجنته متمتمة بعجلة في ابتسامة عاشقة:
_ حاضر يا حبيبي هكلمك.. سلام.
أنهت جملتها واندفعت إلى خارج المنزل بأكمله ومنه إلى المقعد الكهربائي حتى ينزل بها للطابق الأرضي، بينما هو فظل واقفًا بأرضه ورفع كفه إلى شعره يمسح عليه بحنق.
***
خرجوا من إحدى البنايات بعد زيارتهم للطبيب الخاص بجدتها وكانت فوزية تستند عليها وتقول الأخرى بمشاكسة:
_ أنا مش فاهمة إيه اللي بيعصبك بس يازوزا.. الدكتور قالك بلاش العصبية وإنتي برضوا مفيش فايدة، حد معاه ملاك زي ويتعصب.
_ بت متنرفزنيش اكتمي خالص ومسمعش حسك.
قهقهت بخفة وقالت في نبرة شبه جادة:
_ أنا هروح اجيب العلاج من الصيدلية دي وجيالك استنيني هنا يازوزا.
هزت رأسها بالإيجاب بعدم حيلة وتابعتها وهي تتجه نحو الصيدلية. فبقت واقفة للحظات طويلة بانتظارها وعندما تأخرت فكرت بأن تذهب وتشير لسيارة أجرة إلى حين خروجها.
سارت بخطواتها الهادئة إلى الشارع وتلفتت حولها تتابع حركة السيارات منتظرة أن يخف اكتظاظها قليلًا وعندما وجدت الفرصة فسارت بسرعة تعبر الطريق ولكن فجأة كان هناك سيارة تسير مسرعة وقبل أن تصطدم بها توقفت بقوة.
كادت فوزية أن تسقط من أثر الصدمة.
وباللحظة التالية فورًا نزل منها شاب في منتصف عقده الثالث وركض نحوها يمسك بذراعها هاتفًا بزعر:
_ إنتي كويسة يا حجة.
_ كويسة يابني الحمدلله متقلقش.
_ أنا آسف جدًا والله مخدتش بالي.
_ ولا يهمك يابني حصل خير.
خرجت مهرة من الصيدلية ووقفت تبحث بنظرها عن جدتها، وإذا بها تجدها تقف ويمسك بذراعها شاب ويبدو على ملامحها الزعر وأنها كانت على وشك الاصطدام بسيارة، فهرولت راكضة نحوها غير مكترثة بحركة السيارات.
وعندما وصلت إليها أمسكت بها وقالت في ملامح وجه مزعورة:
_ تيتا إنتي كويسة؟
هزت فوزية رأسها بإيجاب وقالت بابتسامة باهتة:
_ كويسة والله يامهرة متخافيش ياحبيبتي.
صاحت مهرة بعصبية وهي توجه حديثها لآدم:
_ مش تركز في الطريق ولا البعيد أعمى ومبيشوفش.
أدرك آدم أنها نفس الفتاة التي قابلها في المنطقة الشعبية فاستشاط غضبًا وقال بانفعال مكتوم:
_ احترمي نفسك يابتمهرة.
_ بصوت مرتفع نسبيًا وسخط هادر: بت في عينك يا جربان.
_ أنا جربان!!!
قبضت فوزية على ذراع حفيدتها وهتفت باستياء ونظرات تحذيرية:
_ مهرة بس اكتمي إيه اللي بتعمليه ده.
ثم نظرت إلى آدم وقالت بصوت مختنق:
_ وأنت يا أستاذ خلاص قولتلك حصل خير، اركب عربيتك وامشي.
تنهد آدم وقال معتذرًا وهو ينظر لمهرة بقرف:
_ حقك عليا ياحجة.. لو تحبي اتفضلي معايا أوصلكم في طريقي.
ردت مهرة بنبرة فظة وهي تطالع سيارته بسخرية:
_ حتى عربيتك جربانة زيك.
عض آدم على شفاه السفلى بغيظ يحاول تمالك أعصابه حتى لا يرتكب بهذه الفتاة جريمة، بينما فوزية فصاحت بها بنبرة مرتفعة بعض الشيء:
_ بس مسمعش صوتك.
فوزية محدثة آدم بإحراج بسيط:
_ حقك علينا احنا يابني.. وشكرًا مش عايزة أتعبك وأعطلك على شغلك، عن إذنك.
ثم جذبت مهرة من ذراعها معها ووقفت تشير إلى إحدى السيارات الأجرة وفتحت الباب ثم أدخلتها هي أولًا ودخلت هي من بعدها وتحركت بهم السيارة فورًا.
وبعد دقائق من نظرات جدتها النارية لها وهم مازالوا في السيارة وبعد أن هدأت عصبيتها تدريجيًا، فلوت فمها بندم وهمست لنفسها بغيظ:
_ كان لازم تتعصبي أوي كدا يعني وتقوليله جربان!، بقى بزمتك واحد زي ده يتقاله جربان.. طيب هزقيه بحاجة صح حتى!، اوووف لا عيد الخناقة تاني لو سمحت.
***
توقفت السيارة أمام المطار وترجلا منها وتولى أحد الرجال حمل حقائبهم.
بينما زوجها كان يمسك بكف فتاته الصغير ويسيرا معًا إلى الداخل وهي بجواره.
ظلت تسير لمسافة طويلة حتى وصلا إلى الطائرة وكانت صغيرة بعض الشيء ليست طائرة لركاب مطلقًا.
ضيقت عيناها بدهشة وظلت تتحرك دون أن تتفوه ببنت شفة فقط منظر الطائرة يثير ذهولها. متى قام بشراء طائرة خاصة؟!!، سؤال تطرحه في ذهنها بحيرة ولكنها تجاهلته وفضلت تصنع اللامبالاة.
كانت ترتدي فستان قصير بعض الشيء من اللون الأبيض ويعطي اتساعًا جذاب من منطقة الوسط حتى آخره وتترك الحرية لشعرها الأسود الحريري وترتدي فوق عينيها نظارة سوداء وحذائها العالي الذي من نفس لون الفستان يعطيها لمسة أنثوية صارخة.
كان بانتظارهم أمام الطائرة رجل يرتدي زي رسمي وبمجرد وصول زوجها انحنى برأسه في احترام وابتسامة مشرقة فاكتفى عدنان بإماءة رأسه البسيطة ووقف قبل أن يصعد على الدرج المتدلي من الطائرة ينتظر صعودها هي أولًا.
طالعته بنظرة خالية من أي تعابير ثم صعدت هي أولًا وانحنى هو على ابنته يحملها على ذراعيه ويصعد بها الدرج حتى وصلا ودخلا.
تحركت في الردهة الصغيرة للطائرة حتى وصلت للمقاعد وكانت مقاعد محدودة وقليلة بعض الشيء لكنها رائعة من اللون البني والجلد الطبيعي.
ركضت هنا باتجاه أحد المقاعد المجاورة للنافذة وقالت بانبهار وسعادة:
_ اقعد هنا يا بابي.
ابتسم وانحنى عليها يلثم وجنتها هامسًا بدفء وحب:
_ اقعدي في المكان اللي تحبيه يا روح بابي.. الطيارة كلها بتاعتك.
تعاقت برقبة والدها وقبلته من وجنته بقوة في حب نقي يلمع بعينيها البندقية الصغيرة، فزاد هو من ضمها بحنان ثم ابتعدت وعادت تلازم مقعدها الخاص بجوار النافذة.
بينما جلنار فجلست على أحد المقاعد المجاورة لمقعد ابنتها على الجانب الآخر بعدما جلس عدنان هو بالمقعد المجاور لابنته تمامًا.
نزعت عنها نظارتها ورفعت ساق تضعها فوق الأخرى وامسكت بهاتفها تتصفحه.
بينما هو فأخرج إحدى المجالات وفتحها وبدأ في القراءة.
وقعت عيناه بالصدفة عليها ورأى قدمها العلوية عارية إلى أعلى الركبة نسبيًا بفعل فستانها الذي بالطبيعي يصل إلى الركبة وبعد الوضعية التي اخذتها في جلوسها ارتفع لأعلى أكثر.
ظلت عيناها ثابتة على ساقها وتطلق شرارات نارية يحاول تمالك أعصابه.
انتبهت بعد ثواني لنظراته فمرقته بطرف عينيها ونظرت إلى مستقر عينيها فتنهدت بخفوت ومدت يدها تسحب الفستان للأمام.
لكنه لا يزال ينظر وكأنه لم يعجبه حتى الآن ومازال ظهور ساقها يثير جنونه، فتجاهلته وعادت بنظرها إلى هاتفها تتصنع عدم الاكتراث بنظراته الملتهبة.
حتى سمعت صوته المريب وهو يهتف بلهجة آمرة:
_ نزلي رجلك.
نظرت له وقالت بهدوء مستفز:
_ نعم!
تأفف بقوة في عصبية مكتومة وألقى بالمجلة التي بيده على المقعد وهب واقفًا ثم اقترب منها ومد يده يسحب فستانها على قدمها بعنف ليسترها ويقول بنظرة قاتلة وحادة:
_ ياتقومي تدخلي الحمام وتغيري الزفت اللي لابساه ده يا تقعدي مظبوط.
_ وإنت إيه اللي مضايقك اعتقد مفيش غيرنا في الطيارة.
_ طاقم الطيارة كله رجالة ياهانم وممكن في أي لحظة حد يدخل.
أنزلت ساقيها وجلست بطبيعية وهي تجيبه بتأفف وخنق امتزج بانفعالها:
_ أهووو.. حلو كدا!!
استقرت في عينيه نظرة ثاقبة وهو يتفحصها بنظرها من قمة رأسها حتى أطراف أصابع قدمها. هدأت حدة نظراته قليلًا وانتصب في وقفته ثم عاد إلى مقعده وسط نظراتها المستاءة له.
كانت هنا تتابع بعينيها الحديث المنخفض المشحون بطاقة سلبية بين والديها دون أن تتمكن من سماع ما يقولون. وعندما جلس أبيها بجوارها مرة أخرى ابتسمت بلطافة ليبادلها هو بابتسامته المعتادة التي تنضج بالدفء والحب.
دقائق قصيرة مرت حتى بدأت الطائرة في الإقلاع وبلحظة ارتفاعها عن الأرض قبضت جلنار بيدها على ذراع مقعدها وارجعت رأسها للخلف مغمضة عينيها بقوة بعدما داهمها الدوار فجأة وتسارعت أنفاسها ونبضات قلبها بشكل مريب أثار القلق في نفسه.
رواية امرأة العقاب الفصل التاسع 9 - بقلم ندى محمود توفيق
دقائق قصيرة مرت حتى بدأت الطائرة في التحرك وبلحظة ارتفاعها عن الأرض قبضت جلنار بيدها على ذراع مقعدها وارجعت رأسها للخلف مغمضة عيناها بقوة بعدما داهمها الدوار فجأة وتسارعت أنفاسها ونبضات قلبها بشكل مريب أثار القلق في نفسه .. علق نظره عليها يتابع تغيراتها المفاجئة ، وحدة أنفاسها تزداد وبدأت تجد صعوبة في التقاطها ، فور رؤيته لها على هذا الوضع هب من مقعده ووقف أمامها منحنيًا بجزعة للأمام ويقول بأعين قلقة :
_ جلنار إنتي كويسة ؟
لم تجيبه فقط فتحت عيناها وهي تطالعه بأعين ضعيفة وتحاول تهدئة أنفاسها المتسارعة ، تملك منه الزعر وصاح مناديًا على أحد من طاقم العمل بالطائرة الذي جاء فورًا مسرعًا ، وسمع عدنان يهتف دون أن ينظر له فقط منشغل بزوجته :
_ هات مايه بسرعة
امتثل لطلبه فورًا بينما هو فهتف بأعين تحمل القلق الملحوظ ويحتضن وجهها بين كفيه :
_ خدي نفس ياجلنار
ثم أخذ شهيقًا طويل وأخرجه زفيرًا متهملًا حتى تفعل مثله .. ففعلت هي بصعوبة وسط نبضاتها العنيفة ، لحظات معدودة بالضبط ووصل الماء .. التقط الكأس منه وأعطاه لها هامسًا باهتمام :
_ خدي اشربي
جذبت الكأس منه بيد مرتعشة ورفعته إلى شفتيها تشرب بتمهل وهو يساعدها في إمساك الكوب ، ثم مد أنامله يبعد خصلات شعرها عن عينيها بلطف حتى لا تزعجها ويتابعها بعيناه المترقبة حتى انزلت الكأس من فمها وقد ظهر على ملامحها هدوء أنفاسها قليلًا ، سألها بخفوت مهتم وقلق ممسكًا بكفها :
_ هااا احسن دلوقتي ؟
هزت رأسها بالإيجاب في أعين ضعيفة وقسمات وجه بريئة تسرق القلب .. تنهد بارتياح واستطرد بحزم يوبخها في عنف بسيط ، وبإبهامه يملس على ظهر كفها الذي يحتضنه بين قبضته .. كأن نبرته وقمساته الغليظة تقسو ولمساته تحنو ! .
_ أكيد نسيتي تاخدي المهدئ قبل ما تركبي الطيارة صح !
جلنار بخفوت رقيق :
_ أيوة
عدنان باستياء من إهمالها :
_ الإهمال ده ميتكررش تاني ياجلنار .. المفروض إنك عارفة أن إنتي مش بتستحملي الارتفاع والطيارة وعندك رهاب منها وبتجيلك النوبات دي يبقى مش محتاجة حد يفكرك أو يقولك خدي المهدئ
اقتربت هنا من أمها ووقفت بجوار مقعدها تقول بنظرة مرتعدة ونبرة طفولية حزينة بعدما تابعت بعيناها حالة والدتها المريبة وزعر والدها وهو يحاول تهدئتها :
_ إنتي كويسة يامامي ؟
نظرت لها بعين كلها دفء وحب ثم انحنت بجزعة من على مقعدها وحملتها على قدميها تلثم وجنتها بحنو متمتمة بابتسامة ساحرة :
_ أنا كويسة ياروح مامي متخافيش
ابتسمت لها هنا بارتياح بسيط ظهر على ملامحها الصغيرة ، بينما هو فظل نظره معلقًا عليها يتفحصها بنظراته جيدًا كأنه يتأكد من انتظام أنفاسها وعودتها لطبيعتها ، وبعد ثواني من التحديق بها وهي منشغلة بالحديث مع ابنته ومداعبتها ، انتصب في وقفته ووجد نفسها بتلقائية ينحني على رأسها ويطبع قبلة على شعرها بلطف ثم يبتعد عنهم ويتجه نحو حمام الطائرة .. رفعت هي رأسها عن ابنتها بدهشة بعدما أحست بقبلته والتفتت برأسها للخلف إليها تتابعه بنظراتها المتعجبة وهو يتجه نحو الحمام ، فزمت شفتيها بحيرة ولم تشغل عقلها بالتفكير كثيرًا حيث سرعان ما عادت بنظرها إلى ابنتها تستكمل حديثها المرح معها ! .
***
تجلس أسمهان على الأريكة بغرفتها والتساؤلات والشكوك تنهش عقلها .. لم تصدق الكذبة التي قالها لها " سمير " ، لابد أن الأفعى الصغيرة " فريدة " تعد مكيدة دون علمهم ، ولن يهدأ لها بال إلا حينما تكشف مكيدتها ويتسنى لها التخلص منها .
لن تترك أرث إمبراطورية الشافعي لابنة الخادمة أو لابنة ذلك الحقير نشأت .. لقد صبرت وتحملت فريدة لسبع سنوات بل وتظاهرت بالود والحب معها فقط حتى لا تخسر ابنها ، لكن الآن هي على يقين أنها إن لم تتخلص من الأفاعي المحيطة به فبالتأكيد ستخسره بالفعل ! .
ستخلصه من جشع تلك الفقيرة " فريدة " وكذلك مكر ابنة الرازي .. ومن ثم ستزوجه هي من امرأة يستحقها تكون له خير الزوجة والأم ، وكذلك امرأة تليق بمركز عائلتهم الكبيرة ومركزه ! .
انتشلها من شرودها صوت توقف سيارة بالاسفل فهبت واقفة واقتربت من النافذة تنظر منها وإذا بها تجد فريدة تخرج من الباب الخلفي للسيارة وهي ترتدي نظارة شمس وملابسها الفخمة وتتجه نحو الداخل ، فابتسمت أسمهان بمكر وهي تهمس :
_ كان لازم تاخدي حذرك الأول قبل ما تعرفي بتلعبي مع مين يابنت الخدامة .. استحملت قرفك كتير عشان ابني بس لغاية هنا وكفاية ، جهزي نفسك عشان الأيام الجاية دي آخر أيامك في العز وبعدين هترجعي للشارع والزبالة اللي جيتي منها
ثم دخلت إلى الداخل مجددًا والتقطتت هاتفها تحاول اجراء اتصال بابنها المختفى منذ أيام وبعدما أتاها نفس الصوت الذي يخبرها بكل مرة أن الهاتف مغلق .. تأففت بقوة وصاحت في سخط امتزج بالقلق :
_ روحت فين بس ياعدنان ! .. ياخوفي لتكون لقيت اللي ما تتسمى بنت نشأت !
***
وصلت زينة إلى منزل خالتها بعدما طلبت منها أن تمر عليها وهي ذاهبة للمنزل .. لبت طلب خالتها على مضض حينما توقعت نوع الحديث الذي تريد مشاركتها فيه ، فهي منذ أيام تحاول التعافي من مشاعرها الوهمية وليست في حالة تسمح لها بالانخراط مجددًا في أوهامها أو مجرد لمعة أمل بسيطة تدفعها إليها خالتها بكلماتها التي لا فائدة منها .
خرجت أسمهان من غرفتها فور رؤيتها لابنة أختها واستقبلتها بحرارة وحب كعادتها بينما زينة فكانت جامدة لا تظهر أي معالم حتى أنها لم تتجول بنظرها في المنزل بحثًا عنه ككل مرة تذور منزل خالتها فيه .. مما أثار الشك في نفس أسمهان التي جذبتها من ذراعها واجلستها على الأريكة وسألتها بريبة :
_ مالك يازينة ؟!
_ مليش ياخالتو مرهقة شوية بس
سكتت أسمهان لبرهة من الوقت وهي تمعن النظر في ملامحها تحاول توقع سبب ضيقها وبؤسها فهتفت بترقب :
_ آدم زعلك في حاجة !!
رمقتها زينة بيأس وتمتمت لأول مرة بصوت مبحوح دون خجل أو ارتباك كعادتها :
_ خالتو بليز متكلمنيش عن آدم .. أنا وإنتي عارفين إنه مبيحبنيش ومش هيحبني
تنهدت أسمهان وقد ظهرت القوة على ملامحها فقالت بنظرة جانبية لئيمة :
_ ومين قالك إنه مبيحبكيش !
وقع أثر جملتها على أذنها وقع الرعد .. حيث حدقت بخالتها في صدمة امتزجت بالفرحة الداخلية والأمل الذي سرعان ما عاد يلمع في عيناها وهي تهتف بتلهف وعدم تصديق :
_ هو قالك إنه بيحبني ؟!
ضحكت أسمهان وقالت بهدوء في نظرة تنضج بالخبث :
_ مقالش وحتى لو مبيحبكيش بس أنا عارفة ابني كويس وعارفة هو بيعزك إزاي .. يعني لو استغليتي النقطة دي لصالحك هتكسبي قلبه بسهولة وآدم مش زي عدنان خالص ، آدم بأبسط الأشياء والأفعال تقدري تكسبيه وتخليه يحبك
انطفأ اللمعان في عيناها من جديد واجفلت نظرها أرضًا بحزن متمتمة :
_ أنا مش في باله أساسًا ياخالتو وخلاص مبقيش عندي طاقة أحاول تاني حاسة إني بهين نفسي ، ومش بعيد يكون بيحب واحدة تاني عشان كدا مش ملتفت ليا خالص
أسمهان بحزم ونبرة جادة :
_ وفكرك إني هقبل إنه يتجوز واحدة غيرك
زينة بابتسامة منطفئة :
_ أنا اللي مش هقبل لو مكنش بيحبني
أسمهان بثقة وعينان كلها خبث :
_ هيحبك متقلقيش
لم تنظر لخالتها فقط استمرت في التحديق بالفراغ أمامها في بؤس ، وتحاول منع الأمل من التمكن منها من جديد ، حتى لا تعطى لنفسها آمال واهنة مبنية على حججة وهمية ! .
***
رنين الهاتف لا يتوقف منذ لحظات وهو منشغل بآخر التجهيزات لافتتاح معرضه الذي سيكون بعد يومين ، لكن الرنين الصاخب يشتت ذهنه وبدأ يزعجه فترك ما بيدها واتجه نحوه والتقطه وكان على وشك أن يجيب على المتصل بعصبية وانفعال لكنه هدأ فور رؤيته لاسم أخيه يصدح على الشاشة .. أجاب مسرعًا وتمتم :
_ إيه الأخبار يا Boss
عدنان بصوته الخشن :
_ أنا وصلت مصر وجاي في الطريق .. إنت فين ؟
آدم باندهاش بسيط :
_ وصلت مصر ! .. طيب اتصل بيا حتى وقولي ، على العموم أنا في المعرض
_ جبت سيرة لماما ولا فريدة على حاجة ؟
هتف آدم ضاحكًا بخفة :
_ عيب عليك أصلًا ماما كل يوم بتسألني عليك وأنا بسببك هتحدف في نار جهنم من الكدب اللي بكدبه عليها
ثم استكمل وهو يسأله بجدية واهتمام هذه المرة :
_ المهم طمني جلنار وهنا كويسين ؟
كان يقف مستندًا بظهره على السيارة فالتفت برأسه للخلف حيث كانت جلنار تجلس في المقعد المجاور لمقعده الخاص بالقيادة بينما صغيرته فقد غفت بالمقعد الخلفي ونامت .. عاد يشيح بنظره عنهم وأجاب على آدم :
_ كويسين .. استناني في البيت عشان عايز نتكلم شوية
آدم باقتصاب بسيط ممزوج بمرح :
_ لازم دلوقتي !
انتصب عدنان في وقفته والتفت حول السيارة ليفتح باب مقعده ويجيب على أخيه بصرامة :
_ دلوقتي يا آدم .. سلام
اغلق الاتصال واستقل بالسيارة بجوارها وسط نظراتها الدقيقة له وهي تقول بخفوت :
_ آدم ده ؟
رد عليها دون أن ينظر لها في صوت أجشَّ :
_ امممم .. هنروح عند ماما الأول عشان تشوف هنا وبعدين هوديكي البيت
اشتعلت نيران الغيظ في عيناها فهتفت في صوت حاولت خفضه :
_ مش هروح البيت ده أنا .. مامتك عايزة تشوف هنا يبقى تاجي في بيتي
_ هتروحي ياجلنار .. أنا مش بخيرك ، بعدين هما كلهم كام ساعة وهتمشي
جلنار بعصبية وتصميم :
_ ولا دقيقة حتى ، مش كفاية هستحمل مامتك كمان هستحمل فريدة وحركاتها المستفزة
عدنان ببرود تام :
_ خلاص يبقى اوصلك البيت واخد بنتي واروح بيها تشوف جدتها
ضحكت ساخرة وقالت بشراسة :
_ بنتي مش هتبعد عني لحظة واحدة .. أنا إيه اللي يضملي إنك تاخدها ومترجعهاش ليا تاني أو مراتك الحرباية دي تعمل حاجة في بنتي
استقرت في عيناه نظرة متقدة حدقها بها لكنها لم تكترث وهتفت باستهزاء :
_ إيه لتكون اضايقت عشان غلطت في سفيرة الأفاعي بتاعت سيادتك !
أوقف السيارة جانبًا وانحنى بوجهه عليها يهمس في نبرة مريبة وغضب مكتوم :
_ أنا مش عايز اتعصب واعلي صوتي عشان البنت نايمة .. خلي يومك يعدي علي خير ويا تيجي معايا من غير كلام كتير .. يا تروحي على البيت وتستنينا هناك
صرت على أسنانها بغيظ تحاول تمالك أعصابها وهي تطيل النظر في وجهه وبالأخص عيناه القاسية ، فبادلته نظرته القاسية بأخرى خالية من المشاعر فقط البغض الذي يظهر .. بينما هو فهدأت نفسه الثائرة قليلًا وقال وهو يعود وينتصب في جلسته ليبدأ في تشغيل محرك السيارة من جديد :
_ أفهم من سكوتك ده إنك هتيجي خلاص
لم تجيبه فقط ظلت تضرب بمشط قدمها على أرضية السيارة في شكل متتالي بغيظ واحتدام جعل وجنتيها البيضاء إلى حمراء ، واستمر اهتزاز قدمها هكذا للحظات طويلة وهو يتابعها بعيناه حتى وجدته يضع كفه على فخذها يمنعها من الحركة أكثر ويقول بحدة :
_ اثبتي عصبتيني !!
دفعت يده عن جسدها ورمقته بنظرة شرسة لم تغضبه بقدر ما أعجبته وجعلته يبتسم بتلذذ ، وكانت صيحتها المنذرة فور نظرتها تمامًا :
_ قولتلك مليون مرة متلمسنيش
رمقها بنظرة جانبية في ابتسامة كانت شبه باردة لكنها في الحقيقة تضمر خلفها سخط مكتوم ووعيدًا لها حين ينفرد بها بمنزلهم ، ستكون قد حانت لحظة عقابه الحقيقي لها ! .
***
في مساء اليوم وفقًا لفرق التوقيت بين مصر وكاليفورنيا .
كان بإحدى الحانات المشهورة يجلس على المقعد المرتفع أمام البار .. وبيده كأس قصير بيضاوي يمده إلى الشاب الذي يقف على البار فيملأ جزء صغير منه ، ليعود هو بالكأس إلى فمه ويبتلع النبيذ كله دفعة واحدة .
لا يأتي إلى هنا إلا نادرًا واليوم شعر بأنه في حاجة ليتغيب عن الواقع لساعات ويتناسى همومه ، وصلته الأخبار برحيلها صباح اليوم معه .. لم تخبره حتى ومنذ آخر مقابلة بينهم أو بالأحرى منذ عودة ذلك الشيطان لم تسأل عنه وتجاهلت وجوده تمامًا ، هل كل ما فعله من أجلها ذهب هباءًا هكذا بلحظة واحدة ! .. لكنه هو المخطئ ، كان عليه أن يتفهم من البداية حنينها وعشقها الدفين للرجل الذي كان سببًا في تدمير زهرته المتفتحة ، هو من أوهم نفسه ومنح ذاته آمال حمقاء مثله وصدقها .. والآن يتسكع ويتخبط في أحزانه الساذجة.. كما وصفها !! .
بدأ يفقد توازنه شيئًا فشيء وكذلك وعيه من فرط كمية النبيذ التي تناولها ، وكان على وشك أن يمد الكأس مرة أخرى حتى يملأه له لولا اليد الرقيقة التي قبضت على رسغه أولًا ثم انتزعت الكأس من قبضته وهتفت في عتاب باللغة الإنجليزية :
_ حاتم .. لقد بحثت عنك بكل مكان ، ماذا تفعل هنا ؟!
رفع نظره لها وابتسم ببلاهة ثم أمسك بالكأس مرة أخرى ورفعه أمامها يريها ما الذي يفعله وهم بأن يقربه من فمه لكنها انتشلته من يده بحدة وقالت :
_ يكفي .. يبدو إنك شربت كثيرًا ، هيا سأصطحبك للمنزل
أجابها بصوت ثملًا بعدم اكتراث وهو برفض النهوض :
_ سأبقى لبعض الوقت .. اذهبِ إنتِ
اخرجت من حقيبتها نقودًا ودفعتهم لصاحب الحانة ثم أمسكت بذراع حاتم تساعده على النهوض وهي تهتف بغضب :
_ هيا سنذهب لن اتركك أكثر من ذلك .. ستؤذي نفسك
نهض من على المقعد وسط جذبها له وبمجرد وقوفه اختل توازنه وكان على وشك السقوط لولا أنها لحقته وحاوطت خصره بذراعها فرفع هو ذراعه بتلقائية يضعه على كتفه ليستند عليها وسارا معًا للخارج .
همهم في نبرة مهمومة :
_ ذهبت وتركتني !
لم تجيب عليه فقط ظلت تحاول مساعدته على السير حتى لا يسقط وتتجه به نحو سيارتها حتى اصبحا على بضع خطوات صغيرة منها فسمعته يهتف للمرة الثانية بعدم وعي وهو يبتسم بابتسامة لعوب :
_ إنتِ جميلة جدًا اليوم ، ما رأيك في أن نقضى بعض الوقت اللطيف معًا !
رفعت رأسها لها وحدقته بدهشة ثم قالت بابتسامة جانبية في حدة متحدثة بلغتها الأم اللبنانية :
_ ما راح حاسبك هلأ مشان شكلك مو بوعيك أبدًا ، بالصبح بس تفيق بيكون النا كلام تاني
قهقه بخفة ثم وصلا إلى السيارة ففتحت هي باب المقعد الخلفى وساعدته على الدخول والجلوس وقبل أن تغلق الباب وتتجه إلى مقعد القيادة الخاصة بها ، هتف هو يستكمل كلماته الغير واعية وهو يغمز :
_ لن اتركك اليوم .. فليكن بعلمك !
أجابته بغيظ محاولة كتم ابتسامتها من كلامه الغريب :
_ اصمت ولا تجعلني اندم على قدومي إليك ياوقح
ثم أغلقت الباب واتجهت إلى مقعدها وحركت محرك السيارة منطلقة بها نحو منزله الخاص بينما هو فأرجع رأسه للخلف واغمض عيناه بعدما بدأ النوم يصعد لعيناه ولا يستطيع مقاومته ...
***
خرج نادر من مكتبه وقاد خطواته نحو مكتب عدنان ، وقف أمام المكتب والتفت برأسه يمينًا ويسارًا يتأكد من عدم ملاحظة أحد له ، فمد يده وهم بأن يمسك بالمقبض لولا الصوت الأنوثي الذي استوقفه ، فالتفتت بجسده للخلف ناحيتها لتهتف الفتاة في تعجب :
_ نادر هو إنت داخل مكتب عدنان بيه ليه ؟!
رفع حاجبه مستنكرًا سؤالها وأجابها بحزم وغطرسة :
_ نعم !
الفتاة في رسمية وجدية :
_ مستر آدم منبه إن محدش يدخل مكتب عدنان بيه طول ما هو مش موجود
نادر بأعين ساخرة وشرسة وغير مكترثًا بما قالته :
_ وأنا مش أي حد يا ليلي ياحبيبتي .. الأوامر دي تمشي على الموظفين كلهم في الشركة إلا أنا
ثم التفت بجسده مرة أخرى ناحية الباب وفتحه ودخل وأغلقه خلفه ، واندفع فورًا نحو مكتب عدنان .. حاول فتح الإدراج ولكن كلها كانت بأقفال فأخرج من جيبه المفاتيح التي أعطته لها فريدة بعدما أخذتهم من عدنان ، وفتح واحدًا تلو الآخر يبحث بكل واحد منهم عن ملف بعينه حتى أخيرًا عثر عليه .. رفعه لأعلى أمام عيناه يحدق به بنظرات شيطانية ويقول بسعادة ولؤم :
_ أخيرًا لقيتك .. خلينا نتفرج ونستمتع بمشاهدة الامبراطور الأكبر لأل الشافعي وهو بيخسر تعب ومجهود سنين
أخفى الملف في سترة بذلته واتجه نحو الباب وانصرف لكنه نسى أن يغلق الأدراج كما كانت بالمفاتيح ! .
***
توقف بالسيارة أمام قصر الشافعي وبمجرد وقوف السيارة فتحت " هنا " عيناها ببطء لتسمع صوت أبيها وهو يهتف باسمًا :
_ يلا ياهنايا عشان نشوف نينا
اعتدلت جالسة وتلفتت بعيناها الناعسة حولها حتى أدركت المكان فابتسمت بعفوية وأخذت تفرك عيناها لتزيح أثر النوم عنهم .. بينما هو فنزل من السيارة وفتح باب المقعد الخلفي ومد ذراعيه لها فتعلقت به وحمله هو على ذراعيه بعدما لثم شعرها بعدة قبلات حانية ، ثم نظر إلى جلنار التي مازالت جالسة بمقعدها ولم تنزل وقال بنبرة باردة :
_ هتفضلي قاعدة في العربية ولا إيه !
هزت رأسها بإيجاب في مضض فهي ليست في مزاج يسمح لها لمقابلة والدته وفريدة ، لم يظهر أي تعبير فقط اغلق باب المقعد الخلفي واستدار متجهًا بابنته إلى الداخل بينما هي فقالت قبل أن يبتعد عنها في خنق :
_ متتأخروش
لم يجبها فقط استمر في طريقه للداخل حتى وقف أمام الباب الرئيسي وانزل ابنته من على ذراعيه لتتولى هي مهمة الطرق على الباب في حماس برئ لرؤية جدتها ، وبعد لحظات قصيرة فتحت لهم سيدة في نصف الأربعين من عمرها ولجمت الدهشة لسانها وهي تحدق بعدنان وهنا التي تقف أمامه .. وسرعان ما ارتسمت البسمة المشرقة على شفتيها وقالت بفرحة عذبة :
_ حمدلله على السلامة ياعدنان بيه
وانحنت قليلًا على هنا وقبلتها بحب وهي تقول بمشاكسة :
_ وحشتينا ياهنون
ابتسمت هنا بخجل بسيط على خادمة منزل والدها التي تعرفها وتحبها كثيرًا وردت عليها برقة :
_ وإنتي كمان ياطنط
ضحكت السيدة وضمتها إليها معانقة إياها بينما عدنان فرد مبتسمًا بود وهو يدخل ويغلق الباب :
_ ماما فين يا أم ياسين ؟
انتصبت في وقفتها وصاحت بصوتها المرتفع في سعادة :
_ يا أسمهان هانم .. عدنان بيه وصل ومعاه هنا
وصل صوتها إلى فريدة أولًا التي اتسعت عيناها بصدمة فور سماعها لاسم " هنا " .. هذا يعني أنه وجد جلنار ! ، وثبت واقفة من فراشها كالذي لدغتها عقرب وهرولت إلى الخارج وعند خروجها كانت أسمهان قد خرجت أيضًا من غرفتها وعلى وجهها ابتسامة فرحة بعودة حفيدتها رغم الدهشة التي اجتاحتها بالبداية مثلها بسبب عودة جلنار ، إلا أن فرحتها بعودة حفيدتها انستها الأمر مؤقتًا .
كانت أسمهان متقدمة وفريدة خلفها في نزول الدرج ، حتى وصلا أخيرًا فاقتربت أسمهان من الصغيرة وحملتها تطبع قبلاتها الحانية على وجنتيها متمتمة :
_ وحشتيني ياقردة .. عاملة إيه ياحبيبتي ؟
هنا بلطافة معهودة منها وهي تبتسم باستحياء :
_ كويسة يانينا .. إنتي كمان وحستيني ( وحشتيني )
عادت تلثم وجنتيها بشوق وهي تضحك بخفة .. بينما فريدة فتحركت باتجاه عدنان وعانقته بضيق ملحوظ متمتمة بخفوت :
_ حمدلله على السلامة
طبع قبلة سريعة على شعرها دون أن يلاحظ أحد وبالأخص ابنته وقال بنظرة دافئة بعدما أدرك سبب ضيقها :
_ أنا آسف .. اضطريت إني اسافر فجأة
فريدة بتذمر وصوت خافت :
_ إنت حتى متصلتش بيا ياعدنان وقولتلي .. أنا متفهمة خوفك على بنتك ولهفتك أكيد أول ما عرفت مكانها بس كنت قولي على الأقل
القى نظرة على أمه ووالدته ووجدهم مندمجين مع بعضهم وغير منتبهين لهم تمامًا فانحنى عليها مجددًا وهذه المرة سرق قبلة عميقة من وجنتها وتمتم غامزة بمداعبة :
_ طيب خلاص مش وقته الكلام ده دلوقتي .. أنا هصالحك ياجميل بعدين
ابتسمت بابتسامة جانبية بسيطة وعقدت ذراعيها أمام صدرها بينما أسمهان فأخيرًا تحدثت وقالت بقرف واضح :
_ امال بنت نشأت فين ؟
تنهد الصعداء وهتف بصوته اصبح غليظًا :
_ برا مستنية في العربية
فريدة بغضب :
_ هو إنت ناوي ترجع معاها ولا إيه !
_ هوصلها البيت هي وهنا يافريدة وهرجع في إيه !!!
جزت على أسنانها بغل بينما أسمهان فهتفت في لؤم ووعيد لمحه بعيناها :
_ طيب ما تخليها تاجي عشان اشوفها وارحب بيها كويس
مسح على وجهه متأففًا وقال بحزم :
_ مش وقته ياماما .. أنا في دماغي مية حاجة ومش عايز مشاكل ولا خناق
انتبهت فريدة أخيرًا إلى هنا فتحركت باتجاهها ومدت يدها لتصافحها في ابتسامة متكلفة :
_ عاملة إيه ياصغننة ؟
طالعتها هنا مطولًا في تفكير وسرعان ما هرولت نحو والدها وتشبثت بقدمه تقول بنفور واحتدام :
_ مامي قالتلي إنتي وحشة ومس ( مش ) بتحبينا
رفعت فريدة نظرها إلى عدنان وحدقته بحاحبان مرفوعان بابتسامة ساخرة فانحنى هو على ابنته وحملها هامسًا لها في صوت حازم يحمل بعض الرفق :
_ عيب ياحبيبتي .. طنط فريدة بتحبك طبعًا ، اعتذري منها يابابا يلا
هزت رأسها بالنفي ودفنت وجهها الصغير بكتفه العريض فهتفت أسمهان وهي تحاول إخفاء ابتسامتها :
_ سيبها ياعدنان خلاص على راحتها متغطش عليها
زفر بحرارة وعصبية بدأت ترتفع لمحياه ثم انزلها على الأرض وقال بخشونة :
_ أنا هطلع اغير هدومي فوق ونازل
***
أخبرته بألا يتأخر ولكنه تجاهلها تمامًا وهاهو بالداخل منذ وقت طويل وحتى محاولاتها للاتصال به لا يجيب عليها ، استشاطت غيظًا وغضبًا ونزلت من السيارة ثم رفعت نظارتها لأعلى تثبتها عند مقدمة شعرها وقادت خطواتها نحو الداخل وهي عبارة عن جمرة نيران متوهجة .. وقفت أمام الباب وطرقت عدة طرقات متعددة على الباب ففتحت لها بعد ثواني معدودة أسمهان التي طالعتها بابتسامة خبيثة وقالت بحقد :
_ أهلًا ببنت الرازي
جلنار بعدم مبالاة بنظراتها وبتجاهل تمامًا تجولت بنظرها في أرجاء المنزل وهي تقف على عتبة الباب وهتفت :
_ بنتي فين ؟
التهبت عيني أسمهان فقبضت على ذراعها بعنف وجذبتها إليها تقول بوعيد ونظرات تنضج بالشر :
_ إنتي فاكرة نفسك مين عشان تاخدي حفيدتي وتهربي بيها .. لا وكمان بتتسرمحي مع الرجالة
دفعت يدها عنها بعنف وصاحت بها بعصبية دون أي خوف أي اكتراث لأي شيء :
_ حاسبي على كلامك معايا يا أسمهان هانم
قهقهت أسمهان بقوة في استهزاء وكانت على وشك أن تجيب عليها لولا فريدة التي اقتربت منهم ووقفت أمام جلنار بالضبط وقالت في مكر وأعين مشتعلة :
_ معلش اعذريها يا ماما .. تلاقيها جات مغصوبة ومكنتش قادرة تسيب حبيب القلب اللي هربت معاه
ثم اقتربت بوجهها منها كثيرًا وهمست في خبث قاصدة استفزازها :
_ صراحة مندهشتش وواضح إنه مش جديد عليكي .. أنا قولت من الأول إن إنتي ****
نزل عدنان على أثر الصوت المرتفع بينما كانت جلنار تقف شامخة كالجبل أمامها بكل قوة وصلابة لكن آخر ما توفهت به من إهانة فظة وجهتها إليها جعلها تخرج عن إطار هدوئها المزيف وانفجر بركانها الخامد ، فرفعت كفها في الهواء وهوت به بكل قوة فوق وجنتها ثم تمتمت في نظرات نارية وتحذير مريب ومخيف :
_ مفضلش إلا واحدة بيئة زيك تغلط فيا .. اعرفي مقامك كويس يافريدة ومتنسيش أنا مين
الفصل العاشر 10
رواية امرأة العقاب الفصل العاشر 10 - بقلم ندى محمود توفيق
خرج صوت جهوري أسكتهم جميعًا :
_ إيه اللي بيحصل ده !
نظرت فريدة إلى جلنار شزرًا وتحولت عيناها إلى الأحمر القاتم ، وحرارة غضبها كانت تخرج منها كلهيب النيران ، أوشكت أن تنقض على جلنار وتجذبها من خصلات شعرها لتفرغ بها شحنة غيظها .. لولا صيحة عدنان المهيبة للأبدان وهو يندفع نحوهم :
_ فـريـــدة
توقفت بأرضها مجبرة بعد صيحته بها ، بينما جلنار فوقفت بصمود وقالت في قوة وشراسة تليق بها :
_ ورايح مش هسكت عن أي إهانة ليا ، وأي حد هيتخطى حدود معايا هيشوف حقيقة بنت الرازي و.....
توقفت عن الكلام عندما جذبها من ذراعها بعنف وهو يرمقها بنظراته المميتة ووجهه الذي لا يختلف كثيرًا عن وجه فريدة ، وخرج منه صوت مريب يدوب الرعب في الأبدان :
_ اكتمي ومسمعش صوتك .. تعالى
كان على وشك أن يستدير ويغادر بها المنزل وهو يجذبها من ذراعها لولا فريدة التي أوقفته بصوتها الملتهب وهي تصيح :
_ إنت ماخدها على فين من غير ما تخليها تعتذر !
استقرت في عيني عدنان نظرة غريبة ، كانت قوية وصارمة مما جعلها تتركه بتلقائية في تعجب من نظرته .. وأسمهان كانت تتابع ما يحدث بابتسامة ماكرة .
سار بها في اتجاه السيارة وهي تحاول التملص من قبضته هاتفة بعصبية :
_ سيب إيدي ياعدنان
لم يعيرها اهتمام واستمر في جذبها بقسوة حتى وصلا إلى السيارة ففتح باب المقعد المجاور له وادخلها ثم اغلق الباب بعنف مما أحدث صوتًا عاليًا ، أثار نفضة بسيطة في جسدها .. خرجت هنا من المنزل بعدما ارتدت حذائها وهرولت راكضة نحو سيارة أبيها واستقلت بمقعدها الخلفي المخصص لها ، وباللحظة التالية كان هو ينطلق بالسيارة متجهًا نحو منزله الثاني .
***
ظلت تجوب الغرفة إيابًا وذهابًا وهي عبارة عن جمرة مشتعلة وتزأر من بين شفتيها بغضب عارم .. كيف تجرأت ورفعت يدها عليها ، وما جعل النيران تزداد اشتعالًا بداخلها أكثر نظرته لها عندما طلبت أن يجعلها تعتذر ، ومن ثم مغادرتها بها ، دون أي ردة فعل منه على فعلتها ! .
ارتفع رنين هاتفها باللحظة المناسبة تمامًا فأمسكت به وأجابت على المتصل الذي كان نادر :
_ أيوة يانادر
نادر بمغازلة :
_ وصلتي كويسة ياحبيبتي ؟
هتفت في هدوء لا يتناسب مع وضعها أبدًا :
_ إنت مش قولتلي إنك هتتصرف مع الحقيرة اللي اسمها جلنار وتخلصني منها نهائي
_ هي رجعت ولا إيه ؟!!!
سألها باستغراب ودهشة فهتفت هي بانفعال بدأ يظهر في نبرة صوتها :
_ أيوة .. هتساعدني ولا اتصرف معاها واخلص منها لوحدي
نادر بحيرة وعدم فهم :
_ طيب فهميني حصل إيه الأول ؟!
فريدة بصيحة مرتفعة وعصبية :
_ من غير ما يحصل زفت .. أنا خلاص جبت أخري منها وهخلص منها بأي شكل كان
_ طيب خلاص اهدي ياحياتي ، وسيبهالي أنا وهريحك منها تمامًا
أخرجت زفيرًا حارًا وبعيناها نظرات كلها وعيد وغل ، وكلما تتذكر صفعتها لها تشتعل أكثر من الغيظ ...
***
توقفت السيارة أمام ڤيلا صغيرة لكنها مذهلة ، تحيط بها من جميع الجهات حديقة ارضها كلها عشب أخضر والأشجار العالية تزيد من جمال المنزل .
نزلت جلنار أولًا من السيارة وقادت خطواتها السريعة للداخل ووجهها الابيض يعطي لونًا أحمر من فرط الغضب ،بينما الصغيرة فنزلت من السيارة وقفزت بفرح وهي تهتف :
_ هييه أخيرًا ردعنا (رجعنا ) بيتنا
التفتت إلي أبيها الذي فتح حقيبة السيارة ليخرج حقائب سفرهم واقتربت منه لتقف بجواره وتقول بنظرات عابسة :
_ بابي إنت هترجع عند نينا تاني ؟
عدنان بهدوء وهو يخرج الحقائب ويضعهم على الأرض :
_لا ياحبيبتي هروح الشغل
حدقته بعينان راجية وتمتمت برقة تذيب القلب :
_ خليك معانا .. بليييز
خفض نظره إليها وابتسم بحنو ثم انحنى عليها ومد يده يملس على شعرها بلطف ويقول بصوت ينسدل كالحرير ناعمًا :
_ مش هينفع يابابا لازم اروح الشغل ، بليل أول ما اخلص هاجي تاني
هنا زامة شفتيها بحزن :
_ وعد !
ضمها إليه ولثم جانب شعرها بعدة قبلات متمتمًا :
_وعد ياهنايا .. يلا ادخلي جوا وأنا هجيب الشنط واجي وراكي
هزت رأسها بالموافقة في وجه ظهرت عليها الابتسامة المشرقة فور حصولها على الوعد منه ، واستدارت وهرولت راكضة للداخل بينما هو فحمل الحقائب وسار بهم خلفها .
دخل المنزل واتجه إلى أعلى حيث غرفة نومه ، فتح الباب بقدمه ودخل ثم وضع الحقائب على الأرض واغلق الباب ، ووقف لثلاث ثواني بالضبط يتطلع لجلنار الجالسة على فراشها وساقيها تهتز بعنف كدليل على سخطها الشديد ثم تحرك بخطواته الواثقة نحوها وانحنى عليها يهمس في نظرة قوية وصوت خشن :
_ اللي حصل ده ميتكررش تاني فاهمة ولا لا !
وكأنه سكب الماء على النار فزاد من اشتعالها حيث انفجرت به صائحة في شراسة :
_ صدقني ده ولا حاجة .. لو غلطت فيا تاني سعتها مش هيكون مجرد قلم لا ده أنا هخليها .....
جز على أسنانه بغيظ مكتوم وهتف بهدوء ما قبل العاصفة مقاطعًا إياها :
_ صوتك ميعلاش
صرخت بأعلى نبرة لديها :
_ وميعلاش ليه .. جاي تحاسبني وتقولي اللي حصل ده ميتكررش .. المفروض القلم ده كنت إنت اللي تدخولها مش أنا بعد اللي قالته ، لكن إزاي دي حبيبة القلب وقلبك ميطاوعكش تمد أيدك عليها ، لكن جلنار عادي مش كدا
أجابها بخفوت مريب وهو يحاول تمالك أعصابه :
_ جلنار أنا هادي معاكي متخلنيش اتعصب .. عارف وسمعت اللي قالته فريدة وليها حساب معايا لما ارجع البيت ، فبلاش تنرفزيني عليكي عشان أنا على أخري أساسًا
ضحكت بخفة في استهزاء ثم وقفت على قدميها وتحركت نحوه حتى أصبحت شبه ملتصقة به ، فمدت سبابتها إلى وجهه تمررها على وجنته نزولًا إلى لحيته وتهمس بنبرة تحمل في طياتها الوعيد وبعين مظلمة وثاقبة كعينه تمامًا :
_ لا وعلى إيه أنا خدت حقي خلاص بنفسي وعرفتها قيمتها .. وقريب أوي هاخد حقي وحق بنتي من الكل وأولهم إنت وبعديك علطول هتكون أسمهان هانم أصلها أذتني أوي وليا حساب تقيل معاها ، خلاص جلنار الضعيفة والمكسورة مبقتش موجودة ورايح اللي هيفكر إنه يدوس عليا أنا أو بنتي هنسفه من على وش الأرض .
صمتت للحظة ثم استأنفت حديثها بخبث وابتسامة جانبية كلها نقم :
_ والافضل إنك تطلقني بالذوق عشان لو مطلقتنيش اوعدك إنك هتندم وبعد ما اندمك هرفع عليك قضية خلع وهكسبها وهتطلقني غصب عنك ، وتبقى طلعت من المولد بلا حمص زي ما بيقولوا
ثم ابعدت يدها عنه والقت عليه نظرة نارية بابتسامتها الباردة قبل أن تستدير وتهم بالابتعاد عنه ، لكنها أصدرت شهقة مرتفعة عندما وجدته يجذبها من ذراعها إليه فاصطدمت به بقوة ملتصقة بصدره ونزلت يده إلى خصرها يحاوطها منه بتملك وقسوة ويهمس باسمًا بازدراء ونظرة متقدة :
_ وهترفعي عليا قضية من فين بقى .. من فلوس أبوكي اللي تحت إيدي ولا من فلوسي
ضحكت وقالت ساخرة بثقة :
_ مشكتلك إنك مستهون بيا بس عندك حق أنا اللي كنت ساذجة وضعيفة وسمحتلك تذلني وتهيني وتهمشني لغاية ما وصل الوضع بيا لكدا ، بس اوعدك إني هغيرلك نظرتك الخاطئة عني دي
شدد من ضغطه عليها وهو يقربها منه أكثر كأنه يثبت لها ملكيته عليها وأنها ستظل ملكيته الخاصة طالما يريد هذا ، أكمل همسه بنبرة مثلجة ومستنكرًا تهديداتها :
_ لو فاكرة إن كدا بتلوعي دراعي مثلًا أو بتجبريني فتبقى فعلًا ساذجة .. طول ما أنا مش عايز اطلقك مش هتطلقي لو عملتي إيه ، والصراحة حمستيني عشان أشوف انتقامك وحقك هتاخديه إزاي مني أو هتخليني اندم إزاي يارمانتي
مازالت ترتدي حذائها العالي حتى الآن لم تنزعه ، وملامسته لها بهذا الشكل الحميمي ازعجتها بشدة ، فرفعت قدمها من على الأرض ونزلت بها على قدمه تضغط بحذائها بقوة عليه ، فارتد هو للخلف بحركة تلقائية منه بألم وحررها من قبضته ، فقالت هي بوجه مبتسم في حدة :
_ دي عشان حذرتك كذا مرة متلمسنيش
أيقظت الوحش النائم وآخر كلماتها استفزته بشدة ، قد كان يجاهد أن يبقى هادئًا بكل مرة تظهر فيها نفورها منه بكلمتها " متلمسنيش " لكن فاض الكيل .. جذبها إليه للمرة الثانية منحنيًا على وجهها وهذه المرة كان على وشك أن ينقض عليها ليعاقبها على كلمتها التي تكثر منها عمدًا حتى تستفزه وليشبع شوقه إليها الذي لم يستطيع إنكاره منذ اللحظة التي وجدها فيها بعد غياب لشهرين وأكثر .. لكن الطرق اللطيف على الباب قطع اللحظة وصوت هنا وهي تهتف من خلف الباب :
_ بابي .. ادخل ؟
توقف على بعد سنتي مترات لا تحسب وأغمض عيناه بغيظ مكتوم بينما هي فدفعته بعنف وطالعته بنظرة نارية ، ثم اتجهت إلى الباب وفتحت لصغيرتها التي طالعت أمها بضيق وقال بعبث :
_ أنا وحدي برا !
انحنت وحملتها على ذراعيها تهتف بحنو أمومي مبتسمة :
_ أنا آسفة ياروحي .. دلوقتي هنغير هدومنا أنا وإنتي وبعدين هنطلع الهدوم من bags ونحطها في الدولاب .
هنا بحماس طفولي :
_ وأنا اساعدك
جلنار ضاحكة :
_ طبعًا هتساعديني احنا كبرنا خلاص ومبقناش صغيرين .. right ؟
هزت رأسها بإيجاب في إشراقة وجه ساحرة ، ثم نظرت لوالدها الذي جلس على الفراش وأخذ يتابعهم بعيناه مبتسمًا فوضعت باطن كفها على فمها ضامة شفتيها ثم ابعدت كفها وارسلت له قبلة في الهواء ، قهقه هو على حركتها ورفع كفه ثم ضمه ممسكًا بالقبلة في نوع من المشاكسة اللطيفة وقرب كفه من جيب سترته العلوية ووضع قبلتها به ثم غمز لها بخبث فارتفع صوت ضحكتها العفوية على مداعبته لها ولعبهم ، نزلت من على ذراع أمها وهرولت راكضة إليه ثم قفزت عليه فتلقاها هو والقى بها على الفراش وانحنى عليها بجسده يدغدغها فانطلقت منها ضحكات عالية وهي تتلوى بين ذراعيه وتهتف بصوت غير واضح من فرط ضحكها الهيستيري :
_ خلاث يابابي .. شيبت ( شربت ) مايه كتير وبتتحرك
توقف عن دغدغتها وأجابها ضاحكًا باستغراب :
_ بتتحرك إزاي !
أخذت أنفاسها بصعوبة ورفعت كفيها لأعلى تهزهم يمينًا ويسارًا هاتفة بثغر مبتسم في نعومة :
_ كدا بق بق بق بق
انطلقت منه ضحكة رجولية مرتفعة على طريقتها اللطيفة وكذلك جلنار التي علت صوت ضحكتها بالغرفة ، بينما الصغيرة فاستقامت جالسة وتعلقت برقبة والدها تقول بمشاغبة في رجاء :
_ إيه رأيك نلعب لعبة حلوة .. بس من غير زرزغة ( زغزغة )
ضحك مرة أخرى بقوة على كلمتها الأخيرة ولثم وجنتها بقوة في حب وهتف لها من بين ضحكاته :
_ طيب نخليها بليل وهنلعب كتيييير أوي عشان دلوقتي أنا مستعجل ياروحي واتأخرت على الشغل
عبس وجهها وزمت شفتيها للأمام بضيق فعاد ولثم وجنتيها مرة أخرى هامسًا باعتذار محب وحاني :
_ لا مقدرش على زعلك ياهنايا .. معلش ياحبيبتي ، ووعد تاني مني هنلعب كتير أوي اول ما آجي بليل ، خلاص ؟!
رفعت كفها وقالت بسخط طفولي وهي تلقي بأوامرها عليه :
_ هنلعب خمسة لعبة .. لا عشرة كمان
_ إن شاء الله نلعب للصبح هو احنا ورانا حاجة
اتسعت ابتسامتها معبرة عن رضاها أخيرًا فانحنى عليها يمد وجنته إليها هامسًا :
_ يلا بوسة كبيرة لبابي بقى قبل ما يمشي
طبعت بشفتيها الصغيرة قبلة قوية على وجنته ثم اتجهت لوجنته الأخرى وفعلت المثل بقوة أشد .. بينما جلنار فكانت تتابعهم بابتسامة الصافية ، رغم الخلافات الذي بينهم ونقمها عليه إلا أنها تحب كثيرًا حبه وتعلقه بصغيرتهم وتعشق رؤية لحظاتهم معًا .. ربما لحظاته وحبه وحنوه على ابنتهم هو من جعلها تستمر معه حتى الآن على أمل أنه قد يأتي يوم وتنل من هذا الحب بعضًا ، لكن اتضح أنها كانت تتوهم وتتبع سراب ! .
***
سار باتجاه الباب وهو يفرك جبهته بقوة من الألم الذي يجتاحه منذ أن فتح عيناه .. يحاول تذكر تفاصيل الأمس ولكن لا يوجد بذهنه شيء سوى بعض الاشياء الناقصة أهمهم " نادين " ! .
فتح الباب مضيقًا عيناه من قوة الضوء ، وظهرت هي من خلف الباب .. كانت امرأة فاتنة بشدة ، متوسطة الطول تمتلك جسد انوثي جذاب وشعر بني اللون مع عينان كلون العسل وشفاه صغيرة وردية .. كل من يراها يفتن بها .
ابتسم بعذوبة وافسح لها المجال للدخول وهو يهتف بترحيب :
_ ادخلي يانادين عاملة إيه ؟
دخلت وأجابت عليه في نظرات مهتمة :
_ منيحة وإنت ؟
أغلق حاتم الباب وتوجه نحو الأريكة المتوسطة والقى بجسده جالسًا ممسكًا بجبهته ومرجعًا رأسه للخلف متمتمًا بألم :
_ صداع هيفرتك دماغي يانادين
تحركت نحوه ثم جلست بجواره وقالت في شيء من السخط :
_ أي طبيعي بعد كل هاد الشرب يالي شربته مبارح بتحس بهيك صداع .. من متى وإنت عم تشرب ياحاتم !!
مسح على وجهه متأففًا وأجابها بخنق :
_ نادين ارجوكي أنا مش مستحمل تأنيبك ليا أو كلامك اللي على علطول بتسمعهوني
اتسعت عيناها بدهشة امتزجت بالاستياء ثم غمغمت تعيد عليه جملته بعدم تصديق :
_ مو متحملني !! .. أي تسلم أنا عن جد غلطانة إني جيت لألك حتى اطمن عليك
ثم استقامت واقفة وهمت بالرحيل لكنه أسرع وقبض على ذراعها يوقفها هاتفًا باعتذار صادق وضيق :
_ أنا آسف والله مقصدش .. أنا بس الايام دي مضغوط وإنتي عارفة ، اقعدي يا نادين حقك عليا
نادين بنظرة قوية وهي تنتزع يدها من قبضته :
_ لا نحنا الاتنين بنعرف كتير منيح إنك مانك مضغوط ولا شيء ، إنت .....
قاطعها مبتسمًا بساحرية وتمتم بهدوء :
_ طيب بلاش نفتح السيرة دي دلوقتي واقعدي يلا وشوفيلي حل للصداع ده بدل ما إنتي قافشة عليا كدا
صاحت به في انفعال :
_ وليش لأشوفلك حل .. حدا خبرك إني والية امرك ! ، كل شيء نادين تعي سوى هاد .. بتنام متأخر بليل وبتيجي تقول لا تنسي تفيقيني بالصبح مشان ما أتأخر على الشغل .. نادين بدي ياكي تساعديني لأختار شو بلبس بهاي المناسبة .. نادين شو بسوى مع جلنار .. نادين .. نادين .. نادين ، لك نادين طهقت أنا ماني امك
قهقه عاليًا بصوته العالي ثم غمز لها في مشاكسة يجيب عليها بلهجتها اللبنانية :
_ يقبرني هاد العصبي
_ احترم حالك .. أنا لحد هلأ ما حاسبتك على اللي قلته مبارح
تغيرت ملامحه وأخذت الجدية ليقول بإحراج بسيط :
_ اللي قولته !! .. هو أنا خرفت في الكلام أوي !
ضيقت عيناها وسألت بعدم فهم :
_ شو يعني خرفت ؟!
حاتم بنبرة حادة وبوجه يعطي تعبيرات الاعتذار مقدمًا :
_ يعني قولت كلام مش لطيف يانادين !
هزت رأسها بإيجاب وتمتمت بصرامة ونظرات شرسة :
_ اممم مو لطيف أبدًا ، ولولا إنك ما كنت بوعيك كنت بهدلتك
زم شفتيه وقال معتذرًا بأدب ورقة :
_ أنا آسف بجد .. بس نفسي أفهم إيه اللي جابك ليا من الأساس
نادين بزمجرة :
_ كنت بتركك مثلًا وإنت بهاي الحالة !
ابتسم لها بمشاعر نقية وامسك بكفها يتمتم في ود جميل :
_ ربنا يخليكي ليا .. أنا بجد من غيرك معرفش كنت هعمل إيه يانادين ، من غير زعل بس أنا بحسك امي بجد
صرخت به بغيظ وعصبية وهي تسحب كفها :
_ لك لا تجنني .. شو امك !! ، شايفني عجوزة لتقولي امك
عاد يضحك مجددًا وتمتم يصحح لها الفكرة ببساطة :
_ مش المعنى كدا .. مش عارف افهمالك إزاي ، بس انا بعتبرك كدا بسبب إنك قريبة جدًا مني وتقريبا معتمد عليكي في كل في حياتي .. شغلي وحتى حياتي الخاصة انتي اللي بتظبطي ليا كل حاجة فيها ، يعني لو ماما كانت عايشة مكنتش هتهتم بيا زيك كدا
هدأت ثورتها ولانت نظراتها فهتفت برقة رائعة مع نبرة صوتها الرقيقة :
_ الله يرحمها
حاتم في خفوت جميل امتزج بمداعبته وفضوله الخبيث قاصدًا إثارة سخطها :
_ آمين .. لكن مقولتيش أنا قولت إيه امبارح صحيح ، عشان للأسف مش فاكر
طالعته بنظرة نارية ومغتاظة فسرعان ما ارتفعت صوت ضحكته الرجولية لأنه نجح بكل سهولة في تحقيق مبتاغه من جملة واحدة ! .
***
بعد صباح مرهق ومتعب ككل يوم في العمل ، كانت في طريقها للمنزل وهي تسير في شوارع حارتها وسط ضجة الاطفال والبائعين ، وإذا بها تذكرت أنهم ينقصهم الارز بالمنزل ولن تتمكن من تحضير وجبة غذاء اليوم بدونه .. فانحرفت بقدمها لليسار نحو أحد محلات البقالة ووقفت تهتف بابتسامة خافتة من الإرهاق :
_ ازيك يا أم سلامة
رفعت السيدة نظرها إلى مهرة وطالعتها بعين ثاقبة ثم وقفت وقالت بهدوء :
_ نحمدو .. أخبار الحجة فوزية إيه ؟
مهرة بإيجاز وهي تخرج حقيبتها الصغيرة :
_ كويسة الحمدلله .. اديني كيلو رز يا أم سلامة
تحركت السيدة خطوتين في محلها الصغير والتقطت كيس ارز متوسط الحجم ثم وضعته في كيس أصفر اللون وأعطته لها ، وقبل أن تلتقط منها النقود ، انحنت للأمام مستندة برسغها على سطح المنضدة الخشبية الكبيرة التي تفصل بين الشارع والمحل من الداخل وغمغمت بعين خبيثة وابتسامة ساخرة :
_ ألا صحيح يابت يامهرة اللي عملتيه مع صابر الأعور ده !
رمقتها مهرة بابتسامة صفراء ومثلجة بينما الأخرى استكملت بخبث أشد :
_ ده سيرتك على كل لسان في المنطقة .. قال إيه بنت رمضان الأحمدي بتطفش العرسان عشان لا مؤاخذة يعني مشيها بطال .. صحيح الكلام ده يابت ؟ ، قوليلي ومتخافيش ده أنا برضوا يهمني مصلحتك ، اصل لو الكلام ده غلط أنا اقطع لسان كل واحد يقول كلمة وحشة عنك
اختفت ابتسامتها وتحولت نظراتها المثلجة إلى نيران متوهجة وتشنجت عضلات وجهها حتى أصبح وجهها اللطيف مرعبًا ، وخرج صوتها شبه عاليًا بانفعال هادر :
_ اقولك إيه يا ولية ياخرفانة انتي .. بعدين مين دي اللي مشيها بطال ، ده أنا اشرف منك ومن عيلتك كلها ، لتكوني فكراني مفياش لسان ومش هعرف ارد عليكي لا ده أنا لساني طويل وزفر أوي كمان
رفعت السيدة ذراعيها لأعلى وصرخت باعلى صوتها صائحة باستهزاء وغضب :
_ بقى أنا خرفانة يابنت حليمة الشحاتة .. لكن هقول إيه ماهو صحيح تربية **** ، والدور والباقي على الحجة فوزية اللي معرفتش تربي بنت ابنها
تجمع جميع من بالجوار من أهل الحارة على أثر صياح أم سلامة ، بينما مهرة فوصلت إلى ذروتها حيث ألقت ما بيدها من أكياس وهمت بأن تهجم على أم سلامة لولا أن إحدى الشابات بالمنطقة كبلت مهرة تمنعها وهي تهتف :
_ خلاص يامهرة
صرخت مهرة باعلى صوتها محدثة أم سلامة وهي تحاول التملص منها :
_ طاب إيه رأيك أنا هوريكي التربية **** اللي على حق
تمكنت من التملص من الشابة التي تمسك بها واندفعت نحو أم سلامة التي كانت في بداية العقد الخامس من عمرها ، وجذبتها من حجابها صائحة بأسلوب الحواري التي ترترعت به :
_ عارفة لو سيرة أمي جات على لسانك ال*** ده تاني هكون قطعهولك ، أصل إنتي ست عايبة وبجحة ومفيس راجل عرف يحكمك
هرولت سيدات المنطقة كلهم وابعدوا مهرة عنها وهم يصرخوا بها بأن تتوقف ، بينما ام سلامة فصفقت بيديها بأسلوب منحدر وهي تهتف ضاحكة :
_ بدل ما تتشطري عليا روحي داري على فضايحك وسيرتك اللي على كل لسان دي
صاحت بها سيدة متقدمة في العمر :
_ جرا إيه يا أم سلامة .. كفاية خلاص ميصحش اللي بيتعمليه ده
ثم أمسكت بذراع مهرة تجذبها معها عنوة إلى خارج الحشد الذي تجمع على أثر المشاجرة العنيفة ، بينما مهرة فكانت عبارة عن قنبلة موقوتة والسيدة التي تمسك بها هامسة في خفوت ولطف محاولة تهدئتها :
_ خلاص يابنتي اهدي وسيبك من كلام بدرية ما إنتي عارفة هي كدا بتحب تنكش في اللي رايح وجاي وتتخانق مع أي حد
مهرة بحرقة :
_ إنتي مسمعتهاش بتقولي إيه ياحجة أمينة !
_ سمعتها يابنتي بس انتي غلطانة مكنش ينفع تردي عليها أصلًا وكنتي سبتيها ومشيتي
_ يعني تغلط فيا وفي أهلي واسكتلها !!
هرول إحد الأطفال خلفها وهو يحمل أكياسها ويقول بحب بريء :
_ خدي يامهرة الكياس بتاعتك ومتزعليش نفسك دي ست شعنونة
هتفت أمينة بحزم وهي تجاهد في إخفاء ابتسامتها :
_ هات الكياس دي وامشي ياولا بلاش لسان طويل
جذبت منه الأكياس واعطتها لمهرة وهي تقول بحنو وعذوبة :
_ خدي يلا يامهرة وروحي لجدتك يابنتي وفكي وشك كدا عشان فوزية متحسش بحاجة ، لأحسن ممكن يجرالها حاجة لو عرفت باللي حصل
مهرة بابتسامة جميلة وهادئة :
_ حاضر ياحجة أمينة اطمني أكيد مش هقولها .. وشكرًا بجد
_ إنتي زي بنتي يامهرة متقوليش كدا
اقتربت منها مهرة وعانقتها بود ثم التقطت الأكياس منها وسارت متجهة نحو منزلها وهي تشد على محابس دموعها ، فما سمعته كان ثقيل جدًا رغم أنها أظهرت القوة أمام الجميع .
***
داخل مقر شركة أل الشافعي تحديدًا بمكتب عدنان ......
يجلس على الأريكة الصغيرة المتوسطة في منتصف الغرفة وأمامه على منضدة قصيرة مجموعة من الملفات والأوراق الخاصة بالعمل ، منشغلًا بها ومنكبًا عليها منذ أن جاء .. يرتدي نظارته الطبية الخاصة بالقراءة ويمسك بيده قلم فخم يعمل به في تركيز ، انفتح الباب بهدوء بسيط وحرص من السكرتيرة الخاصة به التي كانت تحمل كوب قهوة له واقتربت منه دون أن تتفوه ببنت شفة بعدما أخذت التعليمات بعدم مقاطعته بتاتًا أثناء العمل حتى لا تنل من بطشه نصيبًا ، انحنت جزعة للأمام ووضعت الكوب بجواره على المنضدة ثم انتصبت في وقفتها وهمت بالاستدارة والرحيل لولا صوته الغليظ وهو يسأل دون أن يرفع نظره عن الأوراق :
_ آدم وصل ولا لسا ؟
ردت عليه برسمية شديدة وارتباك خصوصًا أنها الأيام الأولى لها بالعمل :
_ لا يافندم لسا موصلش
انتبه لنبرة الصوت المختلفة والغير مألوفة عليه فرفع نظره لها وحدقها بنظرة دقيقة وقوية ثم تمتم بخشونة :
_ إنتي مريم مش كدا ؟
هزت رأسها بإيجاب في اضطراب واضح ، فالتقط أحد الملفات التي أمامه ومده لها وهو يهتف بنبرة صارمة وجدية يجيب عليها :
_ طيب وصلي الملف ده لمستر نادر .. وقوليله يخلصه خلال ساعة ويبعتهولي فورًا
التقطت منه الملف وتمتمت بالموافقة وهي تهز رأسها :
_ حاضر يافندم
ثم استدارت واتجهت نحو الباب وانصرفت .. بينما هو فعاد يستأنف عمله لكن محفظة نقوده الخاصة الصغيرة سقطت من فوق المنضدة ، فانحنى ليتلقطها .. ولكنه رأى صورة تجمعه مع ابنته وجلنار كان محتفظ بها وسقطت من حافظته على الأرض ، وضع المحفظة على المنضدة والتقط الصورة ثم اعتدل في جلسته وتأمل في ملامح وجه صغيرته الذي يحملها على ذراعيه وهي تضحك بسعادة وشعرها القصير يتطاير من حولها بفعل الهواء .. أما جلنار فكانت ترتدي فستان طويل أبيض اللون وتضع فوق شعرها قبعة دائرية من اللون النبي حتى تحجب أشعة الشمس عن رأسها ، وتقف بجانبه وعيناها متعلقة على ابنتهم تنظر لها وتضحك معها بحب .. أما هو فما يتذكره أنه نظر لها وابتسم على ضحهكم ومن الواضح أن المصور قد استغل الفرصة وقام بالتقاط الصورة في هذا الوضع العائلي الدافيء .
كانت هذه الصورة منذ سنة ونصف تقريبًا عندما ذهبوا لأول مرة في رحلة قصيرة لأحد المدن الساحلية " مرسى مطروح " وقضوا أكثر من أسبوع بها .. كانت إجازة ممتعة ولطيفة وسط زيارتهم لكل مكان في المدينة وحتى تسوقهم لمحلات الملابس والمحلات النسائية لم ينساها حيث حرص على أن تقوم بشراء كل ما تشتهيه مصرحًا لها أن الاسبوع كان لها هي وصغيرته فقط في كل شيء وكل ما تطلبه هو أمر وينفذ .. وقاموا بالتقاط هذه الصورة أمام الشاطيء عندما كانوا يسيرون في الصباح أمام البحر ووجدوا بالصدفة شابًا يحمل كاميرا ويقوم بالتصوير لكل من يرغب ، ويتذكر حينها إن " هنا " أصرت على أن يلتقطوا صورة فلم يتمكن من رد طلبها كالعادة .
غاب عن الواقع للحظات يتذكر جزء من ذلك الموقف أثناء سيره معها على الشاطيء .....
كانوا يسيران على شاطيء البحر والماء ترتطم بقدميهم بفعل المد والجذر ، بينما هنا فكانت تركض أمامهم وتلعب بالماء بقدميها الصغيرتين ، كان يسير واضعًا كفيه في جيبي بنطاله وهي تتنقل بعيناها بين البحر تارة وبين ابنتها تارة أخرى .. تتابع فرط سعادتها وهي تضحك باللعب في الماء فقالت بتلقائية محدثة إياه وهي تبتسم بعاطفة أمومية جميلة :
_ واضح إن" هنا " مبسوطة جدًا من Holiday دي
عدنان بابتسامة جانبية وهو ينظر لها بتعجب :
_ هي هنا بس اللي انبسطت يعني !
طالعته بابتسامة هادئة وقالت في خفوت ورقة :
_ لا وأنا كمان ياعدنان .. خصوصًا إن دي أول مرة احس باهتمامك بيا
_ ومش هتكون آخر مرة يارمانتي .. كل ما يكون معايا وقت فاضي من الشغل هختلس يومين ونطلع في إجازة لطيفة زي دي تاني
رمقته بنظرة جانبية وهي تبتسم على وصفه الدائم لها بالرمانة .. فهم مقصد نظرتها فضحك بخفة وانحنى عليها يطبع قبلة عميقة على وجنتها هامسًا في مغازلة نادرة ما تطرأ منه :
_ معايا رمانة تخطف العقل من جمالها
خجلت ربما لأنها ليست معتادة على سماع مثل تلك الكلمات منه بل لا تتذكر أنه قام بمغازلتها منذ زواجهم سوى مرتين أو ثلاثة وهذه قد تكون الرابعة ! .
عاد إلى الواقع مرة أخرى متنهدًا بقوة كانت هذه هي آخر اللحظات اللطيفة بينهم .. وما كان بعدها حتى الآن ماهو إلا شجار وجفاء مستمر ، عندما بدأت فجأة في التذمر من غيابه الدائم وإهماله ، وشجار بآخر أوضحت عن رغبتها الصريحة في الطلاق وأصرت عليه .. فساءت العلاقة بينهم أكثر فجأة بشكل غريب ، وانتهى المطاف بهروبها بابنته بعدما وافق على الطلاق بسبب الحاحها ولكن كانت شروطه واضحة حول بقاء صغيرته معه ، فلجأت للهروب كطريق للفرار من الاتفاق الدنيء كما وصفته ! .
ارتفع صوت رنين هاتفه الصاخب فجذبه وأجاب على المتصل :
_ الو
_ أيوة ياعدنان بيه .. كاميرات بوابة القصر اللي عطلت انتهى إصلاح التلف اللي فيها كله دلوقتي
هتف عدنان بصوت رجولي قوي :
_ العطل ده حصل لوحده ولا في حد عمل كدا ؟
_ للأسف العطل كان واضح جدًا إن في حد كان قاصد يتلف الكاميرا ويوقفها
عدنان بصوت يحمل بعض الزمجرة :
_ طيب اقفل وابعتلي آخر التسجيلات كلها اللي كانت عليها قبل العطل
انهى معه الاتصال فورًا ثم جذب حاسوبه المتنقل الخاص به وفتحه وانتظر لدقائق حتى وصلت له رسائل بالفيديوهات الأخيرة لتسجيلات الكاميرا .. قام بمشاهدتها جميعها ولم يكن بها شيء سوى إنه لاحظ خروج فريدة كل يوم بموعد مختلف وعودتها بعد ساعات ليست بقليلة وآخر تسجيل كان في مساء الأمس للحارس الخاص بالمنزل وهو يتحدث مع رجل ملامحه ليست واضحة جيدًا ثم بدأت الصورة تهتز حتى انقطت تمامًا .
اعاد التسجيل الأخير لأكثر من مرة وقام بالتقريب على وجه الرجل في محاولة لرؤية ملامحه المبهمة ولكن دون فائدة ! .
اغلق الحاسوب وهو يحك ذقنه الكثيفة في عينان حمراء من فرط الغضب .. من جهة خروج زوجته المتكرر بشكل يثير الريبة متجاهلة تعليماته في عدم الخروج دون إذنه .. ومن جهة ظهور ذلك الرجل الغريب وتوقف الكاميرا فجأة ، كيف توقفت ! ، هناك شيء مبهم وغير مفهوم بهذا الأمر .. ولن يطول كثيرًا إلى أن يعرف كل شيء وهوية ذلك الرجل وماذا يريد ؟!
***
في مساء ذلك اليوم ....
توقفت سيارته أمام بوابة المنزل ونزل ثم قاد خطواته إلى الداخل ، وكان الهدوء يملأ القصر بأكمله .. تحرك باتجاه الدرج وصعد درجاته في خطا قوية ثم اتجه إلى غرفته وعند وصوله وقف أمام الباب للحظة يحاول تهدئة نفسه الثائرة منذ صباح اليوم ، فهو يعلم جيدًا أنه سيجدها مستيقظة بانتظاره .
مد يده وفتح الباب ثم دخل وأغلقه خلفه ببطء مريب ، وكانت هي تجلس على المقعد الخاص بها المقابل للمرآة .. تابعته وهو يدخل وينزع عنه سترته ليعلقها في حاملة الملابس الخشبية .. بينما فريدة فظلت تتابعه بعيناها النارية والمغتاظة فخرج صوتها ساخرًا وملتهب :
_ كنت عندها أكيد !
يتجاهلها عمدًا فإذا حرر الوحش الذي يصرخ في أعماقه حتى يخرج فستحدث كوارث .. منذ أن رأى تسجيلات الكاميرا بالصباح وهو عبارة عن جمرة من النيران الملتهبة وتنتظر الفرصة لتمسك بأى أحد .
هبت واقفة واقتربت منه تهتف بغضب :
_ أنا بكلمك ياعدنان
رمقها بنظرة قذفت الرعب في أوصالها ثم وقف على قدميه وتقدم خطوة إليها حتى أصبح أمامها مباشرة وغمغم بنبرة تحمل الخفوت المرعب :
_ هو أنا تعليماتي شفافة وكلامي ملوش لزمة !
فريدة بثبات مزيف :
_ تعليمات إيه ؟!
عدنان بوجه محتدم وهمس كان كافي لبث الرعب في قلبها :
_ كنتي بتطلعي بتروحي فين في غيابي يافريدة
تحولت من وضع الهجوم إلى الدفاع ، وظهر على محياها الاضطراب الذي حاولت إخفائه بصعوبة وابتلعت ريقها ثم تمتمت بتوتر ملحوظ :
_ مكنتش بروح مكان !
بحركة عفوية رفع حاجبه مستغربًا وتمتم باسمًا باستنكار :
_ بتكذبي عليا كمان !!!! .. من إمتى وإنتي بتكسري كلمتي أو بتكذبي وتخبي عني !
فريدة بحنق وانفعال كوسيلة لمحاولة إخفاء توترها :
_ اخبي عنك إيه ياعدنان !! .. بعدين إنت سبت اللي عملته جلنار معايا الصبح ومن غير ما تحاسبها ولا تقولها أي حاجة اخدتها ومشيت وسبتني
خرج عن إطار هدوئه وصرخ بها بصوته الرجولي الجهوري :
_ احنا دلوقتي في إيه .. عشان تقوليلي جلنار ! ، اللي إنتي أصلًا غلطانة واللي قولتيه مغلطتيش فيها قد ما غلطتي فيا أنا
أصابتها وغزة بسيطة بجسدها من صرخته وهتفت بذهول وعدم تصديق :
_ إنت بتزعقلي عشانها ومهتمتش إنها رفعت إيدها عليا قدامك
تراخت عضلات وجهه وجسده ، ليقف في سكون يطالعها بنظرة ثاقبة وحادة ، تتهرب من الإجابة ومن السبب الرئيسي لأنفجار بركانه وتحاول الهائه بحادثة الصباح بينها وبين جلنار ، أصبح الآن متيقنًا أن بها شيء ليس طبيعي ! .
خرج صوته هادئًا تمامًا على عكس نبرته السابقة ونظرته كانت مبهمة لكنها لا تبشر بالخير :
_ متتذاكيش عليا .. إنتي عارفة إن الحركات دي مبتخيلش عليا ، بس أنا هطنش كمان المرة دي بمزاجي وخليكي فاكرة إن دي المرة التانية والعداد شغال
( ماهذه الطريقة ؟ .. هل يعقل أن يكون شك بأمري ؟! .. لا بالتأكيد لا فلو كان لديه ذرة شك واحدة لن يكون هادئًا هكذا ! .. أذا فلماذا ينظر لي بطريقة مرعبة هكذا ؟!!! ) أسئلة كثيرة طرحتها في ذهنها من فرط الارتباك ، فلم يسبق لها ورأت هذه النظرة بعيناه ، ولم تعد تفهم مالذي دهاه وما التحول الرهيب الذي طرأ عليه فجأة بهذا الشكل ! .. لكن ما يهدأ من روعها أن رغم حالاته البركانية الجديدة لا تزال ترى وميض من حبه لها بعيناه وسط أشد لحظات غضبه منها وهو ما يمنعه عن الاستسلام لجموحه أمامها .
مد يده والتقط سترته مجددًا ثم هم بالرحيل لولا قبضتها على رسغه التي اوقفته وهي تسأل :
_ رايح فين ؟!
طالعها للحظات في جمود قبل أن يسحب يده من قبضتها ببطء ويبتعد متجهًا إلى باب الغرفة لكنها هرولت خلفه وسدت عليه الطريق هاتفة بشراسة :
_ رايحلها !
_ فريدة ابعدي من قدامي لأني مش ضامن ردة فعلي لو اتعصبت اكتر من كدا عليكي
صاحت بغل وعناد :
_ مش هبعد ياعدنان .. واضح إن اللي كنت خايفة منه حصل ، بس صدقني أنا مش هسمح بده أبدًا
فهم مقصدها جيدًا وتلمحياتها حول مشاعره تجاه جلنار فمسح على وجهه متأففًا وهتف بنبرة شبه مرتفعة :
_ إنتي عايزة إيه دلوقتي .. ابعدي
تصلبت بأرضها بقوة وقالت في نظرات كلها حقد وغيظ :
_ عايزاك تطلقها !
الفصل الحادي عشر 11