تحميل رواية «الطبيب العاشق (2» PDF
بقلم منة جبريل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جلس على الفراش يجذبها لتتوسد صدره مرددًا بحنان: _ ابكي ياحوراء. وما إن نطق بهذه الكلمات حتى انفجرت في البكاء وهي تقبض على قميصه بقوة، زاد من احتضانه لها مع ازدياد بكائها لتمتلئ هو عينيه بالدموع وهو يحاول التماسك بكل قوته. ظلت تنتحب بشدة وأمور كثيرة تمر أمام عينيها لتفطر قلبها أكثر. أمها.. ابتسامتها.. صوتها.. حنانها.. دفئها.. خوفها عليهم.. اشتاقت لها وبشدة تتمنى فقط رؤيتها أو عناق واحد فقط يجمعها بأمها. أبيها.. قسوته.. جفاءه.. كرهه.. بغضه.. من كان من المفترض أن يكون سندها ويحميها من أي شر وأذى هو...
رواية الطبيب العاشق (2 الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم منة جبريل
ترجل من السيارة وهو يضع نظارته السوداء على عينيه ويسير بخطوات واثقة ورأسه يرتفع إلى الأعلى بشموخ.
وتسير هي بجانبه بخطوات واثقة متوازنة ورأسها يرتفع إلى الأعلى بكبرياء.
بعد دقائق، كانوا يقفون أمام باب المكتب لتأتي مكالمة إلى رنا لتذهب بعيدًا عن شقيقها، بينما الآخر دلف إلى المكتب بعدما استمع إلى صوتها يطرب أذنيه.
وقفت كيان من خلف المكتب وهي تبتسم ببشاشة وهي تردف برسمية:
- أهلاً زيد بيه، اتفضل.
مد زيد يده ليصافحها هاتفا:
- أفضل أن يكون حديثنا بدون رسميات.
صافحته وهي تبتسم له برقة متجاهلة حديثه.
جلست كيان على المقعد وهي تردف برقة خُلقت بها:
- حضرتك، دي أول صفقة ما بينك وبين شركات الذئب.
هل هي لا تتذكره؟ حقًا! لا يعلم لماذا شعر ببعض الضيق بسبب هذا، ولكن تجاهل شعوره.
هتف بهدوء:
- لا، تعاملت معكم سابقًا، أو بالأحرى معكِ أنتِ تحديدًا.
قطبت حاجبيها بعدم تذكر واردفت وهي تشير إلى نفسها:
- معايا أنا؟
أومأ لها ثم أردف مغيراً مجرى الحديث:
- لنتحدث في العمل.
طرقت في هذا الوقت رنا الباب لتسمح لها كيان بالدلوف، وما إن رأتها حتى بدأت تتذكر بعض الأشياء وأنها بالفعل قابلتهما من قبل.
رحبت بها وهي تشعر بالحرج بأنهم يتذكروها وهي لا.
ثم بدأوا في الحديث عن الصفقة وشروطها وكل ما يخصها.
استغربت رنا من لطافة أخيها في الحديث معها، فهو دائمًا ما يتحدث بعجرفة وغرور.
بعدما انتهوا، أصدر هاتف رنا صوت رنين مجددًا لتستأذن وتخرج من المكتب.
لتهتف كيان برقة:
- تشرب قهوة؟
أومأ لها بصمت وهو شارد، وهو لم يستوعب ما قالته من الأساس.
ل تطلب هي كوبين من القهوة، ثم حل الصمت عليهم.
قطعت كيان هذا الصمت مردفة بتساؤل:
- ممكن تفكرني بيك؟
نظر لها قليلاً ثم هتف بسخرية:
- صفقة ***** رمز 43.
نظرت له كيان بتفكير قليلاً ثم شهقت بخفة وهي تضع كف يدها على فمها واتسعت عينيها بصدمة.
بينما ابتسم زيد بسخرية، فمِـن الظاهر أنها تذكرته أخيرًا.
ظن أنها ستخجل وهكذا، ولكنه صدم عندما نظر لها ليجد في عينيها نظرة خوف!
أحقا تنظر له بخوف؟
لا يعلم لماذا آلمه قلبه، ولكنه أشاح بنظره بعيدًا عنها.
ليستمع إلى صوت طرقات الباب لتهتف كيان بصوت حاولت إخراجه:
- اتفضل.
دلف السكرتيرة وتحمل بين يديها كوبين من القهوة ووضعتها أمامهم على المكتب وخرجت.
يليها دلوف رنا.
هتفت كيان بصوت خرج مرتجف:
- اا.. اتفضل.
نظر لها قليلاً ثم التقط كوب القهوة وارتشف منه رشفات صغيرة، وفعلت هي المثل وهي تحاول الثبات بعدما تذكرت كيف كانت هيئته وهو غاضب في ذلك اليوم.
وكيف رفع صوته عليها هي تحديدًا بطريقة أرعبتها.
لم تتوقع أن تراه مجددًا.
تركت رنا كوب القهوة ونهضت وهتفت بجدية:
- تشرفت بالعمل معكِ للمرة الثانية سيدة كيان.
أومات لها كيان بصمت ثم نهض زيد وتقدم من الباب.
كانت خلفهم كيان ل يهتف بجدية:
- سآتي خلفكِ.
لم تناقشه رنا وخرجت ليلتف هو إلى كيان التي تراجعت خطوتين إلى الخلف.
تقدم زيد منها خطوة ببطء هاتفا:
- أنتِ خائفة مني؟
اهتزت عينيها ثم حركت رأسها بالرفض ليتقدم منها خطوة أخرى هاتفا:
- حقًا؟
عادت إلى الخلف وهي تهتف بصوت حاولت إخراجه ثابتًا:
- أيوا.
- انظري لعيناي إذا.
هتف بها بخبث وهو يقترب منها، فـهي منذ أن تذكرته وهي تتحاشي النظر في عينيه، قائلة بصوت حاولت جعله جامدًا:
- أظن أن كل حاجة في الصفقة ناقشناها ومفيش بينا كلام تاني.
ثم نظرت إلى عينيه بقوة ولكن لم يخفي عليه ذلك الاهتزاز الذي بهما ليبتسم بخفة هاتفا:
- بالفعل، تشرفت بمعرفتك للمرة الثانية.
أنهى حديثه وهو يمد يده لها لتنظر إلى يده بتردد، ولكنها بالأخير مدت يدها وصافحته.
جاءت لتترك يده ولكنها وجدته قابضًا على كف يدها لتندم بشدة على مصافحته لتهتف بحدة:
- سيبني لو سمحت.
لم يستمع لها بينما اقترب منها ومازال محتفظًا بكف يدها داخل كف يده هامسا في أذنها:
- ما زلتِ رقيقة كالفراشة.
ثم ابتعد عنها وترك كف يدها لتجذب يدها إليها سريعًا ليبتسم بخفة ثم تركها وخرج من المكتب.
... وهو يترك خلفه صراعات كبيرة.
...
لا يعلم لماذا فعل كل هذا ولكنه أراد فعل هذا.
وهو ببساطة يفعل كل ما يريد.
خرج من الشركة وصعد السيارة بجانب شقيقته وانطلق بهم السائق مغادرًا.
في نفس اللحظة كانت سيارة هشام تدلف إلى الشركة وترجل من السيارة وتوجه على الفور إلى مكتب صديقه التي توجد به كيان الآن.
دلف إلى المكتب ليراها تجلس على المقعد وهي تسند رأسها على كفوف يدها.
هتف بقلق:
- كيان، انتي كويسة؟
رفعت كيان رأسها سريعًا ونهضت وارتمت بين أحضانه وهي تجهش بالبكاء لسبب لا تعلمه.
احتضنها بقلق وخوف أن يكون أصابها مكروه.
ماريت على خصلات شعرها هاتفا:
- حصل إيه يا كيان؟
ثم لاحظ ثلاث أكواب من القهوة ليردف بتساؤل:
- كان في حد هنا؟
هزت رأسها مؤكدة على حديثه واردفت من بين بكائها:
- كـ.. كانت رنا زيد.
قطب جبينه هاتفا بإستغراب:
- واى اللي جابهم؟ المفروض ميعادهم يكون بعد عشر دقايق.
ابتعدت عنه وكفكفت دموعها بظهر يديها كالاطفال وهتفت:
- معرفش، أنا افتكرت إن دا ميعادهم وإن في حاجة شغلتك علشان كده مجتش.
ت هتف بقلق وهو يري احمرار أنفها ووجنتيها:
- قوليلي طيب حصلك إيه.. ضايقوكِ في حاجة؟
هزت رأسها بالرفض مردفة:
- لا، أنا حسيت إني عايزة أبكي وخلاص.
- متأكدة.. يعني زيد أو رنا معملوش حاجة ضايقتك؟
هتف بها بعدم اقتناع لتومئ له مردفة:
- صدقيني مفيش حاجة والصفقة مشيت فل كمان ووافقوا على كل الشروط.. كيان بقى ومحدش يقدر يجادل معايا.
أنهت حديثها بنبرة مرحه حتى لا يسألها كثيرًا ليحتضنها هاتفا بإبتسامة:
- مش عايز أشوف دموعك تاني.
أومأت له بهدوء بينما هو ظل يفكر لماذا أتى ذلك الزيد قبل موعده؟!!
نظرت رنا إلى شقيقها الشارد وعلى وجهه ابتسامة غريبة عليها.
تملكها الفضول وهتفت:
- هل يمكن أن أعلم سبب تحدثك معها بذلك الشكل؟
نظر لها بنفس ابتسامته واردف:
- لأنها رقيقة.. لا تستحق إلا التعامل بلطف.. هشة مثل ورقة الشجر في فصل الخريف.
شعرت بالصدمة وهي لا تستوعب أن هذا الذي يتحدث هو شقيقها.
هل هو من يتحدث عن فتاة هكذا؟
لم يبال بالصدمة التي ارتسمت على وجه شقيقته ونظر إلى النافذة بإبتسامة هادئة ولكنها اختفت عندما استمع إلى شقيقته وهي تردف:
- أتمنى أن لا تنسي أنها شقيقة الذئب، لهوك معها يعني لعبك بعداد عمرك.
رمقها بنظرة نارية ولم يرد عليها.
هو لا يتسلى بها.
هو حقًا لا يعلم ما تلك المشاعر التي احتلت فؤاده فور رؤيته لها مرة ثانية بعد مدة طويلة.
تلك القشعريرة التي سارت بجسده فور ملامسته ليدها الناعمة لأول مرة تصيب جسده.
هو كالجبل لا يهتز بوجود أنثى مهما بلغ جمالها.
ولكن هي غير.
هي صغيرته...!!
خرج هشام من الشركة وهو يأمر سليمان بأن يظل مع كيان ولا يتركها لحظة واحدة.
انتهت كيان من مراجعة بعض الأوراق وتوقيع الأخرى ثم نهضت وهي تتنهد بإرهاق وأخذت هاتفها ووضعت نظارتها على عينيها وخرجت من المكتب.
لتجد سليمان يقف بجوار المكتب لتنظر له بإستغراب ليهتف سليمان بجدية:
- هشام باشا أمر إني مأسيبكش لحظة واحدة.
ابتسمت له كيان وتحركت من أمامه وهو يتبعها وهتفت بمرح:
- والله يا سليمان أنا نفسي أشوفك بتضحك.
دلف معها إلى المصعد وهتف بهدوء:
- مفيش حاجة بتضحك علشان أضحك عليها يا هانم.
رفعت نظارتها ووضعتها على خصلات شعرها وهتفت بمرح:
- يا سليمان أنا من يوم ما شفتك وأنا عمري ما لمحت ابتسامتك حتى.
انفتح باب المصعد لتخرج وهو يتبعها وهتف ببساطة:
- لإن مفيش حاجة حصلت تضحكني يا هانم.
وقفت كيان فجأة والتفتت ليتوقف هو أيضًا لتردف وهي تنظر له إلى الأعلى بسبب فارق الطول:
- متقولش هانم دي، أنت عارف إنـي بعتبرك صديقي.. وبعدين مستحيل يكون السنين دي كلها ومفيش حاجة ضحكتك.
هتف سليمان بهدوء:
- عارفة إيه اللي ممكن يضحكني دلوقتي؟
نظرت له بلهفة ليهتف بإبتسامة:
- طولك دا وأنتِ في سنك ده.
نظرت له بابتسامة مردفة:
- عارف لولا الابتسامة دي كنت.. كنت..
اتسعت ابتسامته مردفا باستفزاز فقد نشأت بينهم صداقة قوية منذ أن بدأ في العمل مع أخيها:
- طيب أنتِ شايفة إن طولك ده طبيعي.. يعني أنتِ لابسة كعب وبرضه مش معدية كتفي.
ضيقت عينيها تنظر له وهتفت بغيظ:
- على فكرة انت اللي طويل بزيادة.. يا أبو طويلة.
ثم التفت تسير من أمامه بغيظ وكاد أن يتبعها هو بعدما اختفت ابتسامته ولكن لفت نظره طيف يقف بعيدًا وكأنه يحدق به.
نظر إلى الجانب ليرى صاحبة العيون الزرقاء تطالعه بحزن ليسير خارجًا من الشركة غير عابئ بنظراتها التي تتبعه.
تولى مقعد القيادة ليستمع لها وهي تردف:
- بقولك يا سليمان ما تفسحني كدا ولا كدا بدل الملل ده.
هتف بجدية وهو يتحرك بالسيارة:
- قولي المكان اللي عايزاه يا هانم وهوديكي ليه.
ضربت كيان على جبينها مردفة:
- سليمان بلاش هانم دي، أنت صديقي.
ثم أكملت بحماس:
- فاكر المكان اللي ودتني فيه آخر مرة؟
أومأ لها وتحرك بالسيارة نحو ذلك المكان.
قيل أن "الإعجاب هو التوأم الوسيم للحب".
جلست على حافة الصخور وهي تنظر إلى النيل أمامها، بشرود والنسيم يتلاعب بخصلات شعرها ليجعله يتطاير من حولها.
تنهدت بعمق ثم نظرت خلفها لتراه يقف ناظرًا للنيل بشرود لتهتف بهدوء:
- تعالي يا سليمان.
نظر لها الأخير ليتقدم منها وجلس بجوارها على الصخرة لتردف:
- إيه اللي شاغل بالك بقى؟
نظر لها قليلاً ثم نظر إلى النيل وهو يردف:
- مفيش.. عملتي إيه مع زيد؟
نظرت له سريعا وهي تردف:
- أنا معرفتوش.. هو فكرني بيه وبالموقف اللي حصل ما بينا.. مش هنكر وأقول مخوفتش منه العكس بس....
نظر لها وهو يحثها على إكمال حديثها لتحمر وجنتيها وهي تردف بخجل:
- طريقة كلامه كانت غريبة.. ولطيفة.. معرفش هو اتغير ولا..
قاطعها سليمان بهدوء:
- معتقدش، لو كلمك بهدوء يبقى افتكر ضرب بيجاد ليه.
ضحكت كيان ليبتسم سليمان بخفة مردفا:
- ما هو أكيد مش غبي علشان ينسى الضرب دا كله.
أصدرت كيان ضحكة قوية من حديثه ثم أردفت:
- كان شعور محرج أوي إنهم فاكريني وأنا لا.
- أنتِ مش مضطرة إنك تفتكريه.
هتف بها وهو ينظر لها بجانب عينه ليراها وهي تومئ بخفة مؤكدة على حديثه.
شردت في النيل قليلاً ثم ارتسمت ابتسامة دافئة على شفتيها ولاحظها هو ليردف:
- إياد مش كدا؟
أومأت له وأخرجت بتنهيدة عميقة ليعتدل سليمان في جلسته حيث أصبح ينظر لها لتنظر له باستغراب لتعتدل هي الأخرى حيث أصبحوا ينظرون إلى بعضهم البعض وشعرت هي بأن هناك شيئًا مهمًا سوف يتفوه به.
تنهد سليمان مردفا:
- صداقتنا مش شهر ولا سنة وانتِ عارفة دا كويس علشان كده عايزك تفهمي كلامي كويس.
أومأت له وهي تشعر بالقلق لما سيتفوه به ليخرج سليمان زفيرًا قويًا وأردف بجدية:
- أنا شايف اللي انتي فيه ده إعجاب وأنتِ فاكرة إنه حب.
- يعني إيه؟
هتفت بها كيان وهي تتطلع إلى سليمان بقلق.
تنهد سليمان ثم هتف بهدوء وبعض الجدية:
- يعني أنتي مش بتحبي إياد، ده مجرد إعجاب والدليل إنك حبيتي تدينه مش حبيتي هو.. انتي مش شفتي غضبه ولا شوفتيه وقت ضيقته مش شفتي صفاته السلبية علشان تتقبليه بيها.. كل اللي شوفتيه تدينه وحبه لأخواته وبس ودا اللي جذبك ليه.
بالمعنى إنك أول مرة تشوفي راجل كدا بالتدين ده وإنه بيغض بصره ومبيتكلمش غير بحدود وكلام قليل مع النساء وكمان بيبقى مضطر.. عشان كده عايزك متتسرعيش ومتبينيش ليه حاجة لإن ده مجرد إعجاب ووقت ما ييجي الحب الحقيقي هتعرفي إن كلامي صح.
امتلأت عينيها بالدموع وهي تشعر بألم في قلبها.
قلبها يخب رها بأنها تحبه وأن حديثه خطأ.
وعقلها يؤيد حديثه ويخبرها بأنه إعجاب فقط.
هتف سليمان بهدوء وهو يراها على وشك البكاء:
- كيان بلاش دموع.. أنا بقولك كده عشان مصلحتك.. افترضي إنه مش بيفكر فيكي ولما يتجوز مش هتكوني انتي اللي اختارها.. هتكوني كده أذيتي قلبك وظلمتي نفسك لإنك فكرتي إلاعجاب ده حب.. ممكن يكون كلامي قاسي بس دي الحقيقة.
متمشيش ورا عواطفك وقلبك.. خليكي ورا عقلك وصدقيني هترتاحي وهتلاقي اختياراتك كلها صح.
مش كل الاختيارات بتبقى بالقلب يا كيان افهمي ده.
نظرت إلى النيل أمامها وبداخلها مشاعر لا تفهمها.
مشاعر متطربة متداخلة ببعضها كخيوط كلما حاولت فكها ازدادت تعقداً.
مسحت تلك الدمعة التي فرت من عينيها وهي تتنهد بقوة.
نهضت وهي تبعد خصلات شعرها عن وجهها وتوجهت إلى السيارة بدون أن تنظر إلى سليمان أو توجه له كلمة واحدة.
تنهد الآخر وهو ينهض متجهًا خلفها.
تولى مقعد القيادة ليراها تتكئ برأسها على زجاج السيارة تنظر إلى البحر بشرود ليشغل محرك السيارة وانطلق بها والصمت حليف الموقف.
- لي يا حبيبي إحنا قصرنا معاكم في حاجة أو ضايقناكم؟
نظر لها زيد بابتسامة بسيطة هاتفا:
- ليس كذلك، لكن هكذا سنرتاح أكثر.
تنهدت سناء مردفة:
- ماشي يا حبيبي بس خلي بالك انتوا هتقضوا النهار كله هنا يعني مش هتمشوا غير ع النوم.
قبل زيد رأسها مردفا:
- سأحاول.
- اللي يتكلم معاك ميخدش حق ولا باطل.
ابتسم زيد بخفة ثم أمسك حقيبته وحقيبة شقيقته وخرج من الڤيلا.
أخذها منه الحرس سريعًا ووضعوها بالسيارة بينما هو صعد بجوار شقيقته الغير راضية على تركهم الڤيلا ولكنها لا تستطيع أن تتحدث أو تعترض حتى.
هتفت دنيا بتساؤل:
- هو ممكن يكون زعل من كلام آسر الصبح؟
- مش عارفة يا دنيا أنا خايفة يكون فعلاً أخد على خاطره.
أردف عبدالرحيم بهدوء:
- لا طبعاً، هو زيد غريب عليكم ولا إيه.. ده أكتر شخص ممكن تتعلمي منه اللامبالاة بكلام حد وبيعمل اللي في دماغه وبس.
- يارب يكون كلامك صح.
هتفت بها سناء بخفوت ثم نهضت وصعدت إلى غرفتها.
بينما نظر عبدالرحيم إلى دنيا بعتاب هاتفا:
- مكنش ليه لزوم سؤالك ده.. أهو شغلتي بالها بحاجة مش صح وممكن تتعب.
- مكنتش أقصد.
هتفت بها دنيا بحزن ل يتنهد عبدالرحيم ورحل هو الآخر لتصعد دنيا إلى غرفتها بعدما ظلت بمفردها.
دلف إلى الفندق والذي تم حجز جناح كامل به لزيد الرباعي وشقيقته.
دلف إلى غرفته المحددة بينما دلفت رنا إلى الغرفة المجاورة له.
خلع قميصه والقاه أرضًا ودلف إلى المرحاض وبعد وقت خرج وهو يجفف شعره وأخرج له من الحقيبة بعض الملابس وارتداها سريعًا.
تمدد على الفراش والتقط حاسوبه ووضعه على صدره وبدأ بالعمل وأصابعه تتحرك بسرعة ومهارة على لوح حاسوبه.
وفجأة.. توقفت أصابعه عن الحركة وثبتت عيناه على نقطة معينة وشرد عقله بعيدًا عن العمل وهو يتذكر صغيرته كما لقبها.
ابتسمت عيناه قبل شفتيه وهو يتذكر حجمها الصغير بالنسبة له.
شرد بكل تفاصيلها.
لا يعلم كيف لفتاة بعمرها وأيضًا بمكانتها وأنها شقيقة من ترتعد له الأبدان تكون بهذه الرقة والهشاشة.
صوت طرقات على الباب قطعت حبل أفكاره ليضع الحاسوب بجانبه على الفراش ووضع ذراعه أسفل رأسه وأمر الطارق بالدلوف.
ولم تكن سوى شقيقته التي دلفت وأغلقت الباب خلفها وبدون أن تتحدث أو تصدر أي صوت تمددت بجوار شقيقها ووضعت رأسها على صدره وهي تغمض عينيها وتخرج زفيراً قوياً.
تعجب هو من فعلتها منذ متى وهي لطيفة هكذا.
منذ متى وهي تحب الاقتراب منه أو تعامله كشقيق لها وليس مجرد رئيسها بالعمل.
تذكر معاملتها الجافة له في كل مرة يحاول أن يجعل علاقتهم جيدة.
نظر لها بدون أن يحرك رأسه ليرى أهدابها المبتلة وأنفها المحمر ليتنهد بقوة وأبعد يده من أسفل رأسها وأحاطها به واضعًا يده الأخرى على خصلات شعرها ويحركها بلطف.
ما هي إلا ثواني قليلة حتى استمع إلى صوت شهقاتها المتقطعة ليردف بهدوء:
- ما بكِ؟
لم يجد رد سوى شهقاتها وهي تتعلق بملابسه بقوة وكأنه سيهرب منها.
اعتدل في جلسته وأبعد وجهها عن صدره هاتفا بحدة:
- ماذا حدث؟ هل تعرض لكِ أحدهم؟ تحدثي.
هزت رأسها بالرفض وهي تردف ببكاء:
- لا يوجد شيء.
- إذا لمَ البكاء؟ أهناك ما يؤلمك؟ تشعرين بالتعب؟
هتف بها بقلق حاول إخفائه بقدر المستطاع.
لتردف رنا بصوت مبحوح:
- لا أدري حقًا، أنا فقط أشعر بضيق شديد هنا.
أشارت على موضع قلبها مكملة ببكاء:
- أشعر وكأن جبلًا جاثمًا على صدري، ولا أدري لما حقًا.
ثم وضعت وجهها بين كفوف يدها وبدأت بالبكاء ليحتضنها وهو يحتويها بين ذراعيه مربتًا على ظهرها بخفة.
لا يعلم ما بها أو ما الذي جعلها تصل لهذه المرحلة من الحزن.
هتف بتوجس وهو يخشي إجابتها:
- أنتِ... غاضبة مني؟
انتظر قليلاً حتى هزت رأسها بالرفض ليتنهد بخفة مردفا:
- توقفي عن البكاء واذهبي وأبدلي ثيابك.
- لمَ؟
هتفت بها من بين بكائها:
- مفاجأة...
ابتعدت عنه وهي تنظر له بعينيها التي تشبه عينيه بحماس ليبتسم بخفة وهو يعلم حبها الكبير للمفاجآت وبالأخص مفاجآته هو.
كفكفت دموعها بيديها وهر تردف:
- سأجهز بسرعة.
ولم تنتظر حديثه وركضت إلى الخارج وهي تبتسم وكأنها لم تكن تبكي من قبل ليهز هو رأسه بخفة من تقلب مزاجها هذا ونهض هو الآخر ليغير ملابسه.
دلف إلى القصر وهي تشعر بضيق وتريد أخاها.
هي حتى لا تعلم إلى أين سافر ولما هاتفه مغلق دائمًا.
جلست على فراشها وهي تضع وجهها بين كفيها وهى تحاول كبح دموعها بشدة.
دلف بيجاد إلى القصر وتوجه فورًا إلى غرفتها، طرق الباب الذي كان مفتوحًا قائلًا بمرح:
- كوكو.. حبيبي اللي وحشني.
رفعت رأسها بتعجب من وجوده ولم تنتظر كثيراً لتنهض سريعًا وهي تركض نحوه واحتضنته بقوة.
بينما استقبلها الآخر بعناق قوي.
هتف بمرح وهو يراها لا تريد الابتعاد عنه:
- للدرجة دي أنا وحشتك؟
لا يأتيه رد منها لتختفي ابتسامته وتحولت ملامحه إلى القلق وهو يشعر بدموعها على كتفه.
أجلسها على الفراش وهو يضمها يسألها بقلق ويده تمسح على خصلاتها:
- حصل إيه.. في حد ضايقك؟
- أنا زعلانة منكم أوي.. أنت وهشام وأبيه.
خرج صوتها الرقيق المختنق حاملاً معه هذه الكلمات التي أصابت قلبه قبل أذنيه:
- ليه؟ حصل إيه؟
هتفت وهي تبكي بحرقة وتشعر بألم بداخل قلبها:
- انتوا بطلتوا تهتموا بيا زي الأول.. كلكم انشغلتوا عني.. انت سافرت وأبيه سافر من غير ما يشوفني ولا يقولي ولا حتى اتصل يطمن عليا.. وهشام مشفتوش غير في الشركة وبعدها سابني ومشي معرفش راح فين.. وفضلت أنا لوحدي.. أنا عملتلكم حاجة وحشة علشان تبعدوا عني؟.. ولا انتوا بقيتوا تكرهوني؟
اعتصر قلبه ألماً من حديثها وبكائها بهذه الطريقة.
احتضنها بقوة وهو يردف بحزن:
- أنا آسف.. أنا بحبك وهفضل طول عمري بحبك وريان وهشام كمان بيحبوكِ.
أوعى تفكري في يوم إننا مبقيناش نحبك.. أنتِ في غلاوتك عندنا زي غلاوة البنت عند باباها، وأوعدك إني لما أشوف هشام هعاقبه وريان السفر جاله فجأة حتى إحنا مبنعرفش نكلمه.
ثم أكمل بمرح حتى يخفف من حدة بكائها:
- بس انتي قلبك أبيض ومش هتعاقبيني صح.. أصل أنا واد غلبان حتى متهنتش بشهر عسلي يرضيكي ده.
ضحكت بخفة وهو تومئ له بالرفض ليصفعها بخفة على خصلات شعرها مردفا:
- وأنا اللي قولت مفيش غير كوكو حبيبي اللي هتقفي معايا وتخليني أرجع أكمل شهر عسلي.
ابتعدت عنه ليمسح هو دموعها التي لطخت وجهها وابعد خصلاتها التي التصقت بها ليري ابتسامتها الخفيفة وهي تردف:
- وانت إيه اللي رجعك؟
قرص وجنتها بخفة مردفا:
- أصل في واحدة اسمها كيان كانت شاغلة بالي ووحشتني أوي ومقدرتش أبعد أكتر من كده عنها.
ابتسمت له ليبادله هو بإبتسامة حنونة ثم احتضنها وظل يربت على شعرها بينما هي أغمضت عينيها براحة لتذهب في النوم سريعًا.
شعر هو بإنتظام أنفاسها ليقبله ا على رأسها وتركها تنام بأريحية على الفراش ودثرها بالغطاء جيدًا وخرج من غرفتها وأخبر إحدى الخدم ما إن تستيقظ حتى يخبروه.
ثم خرج باحثًا عن ذلك الهشام ويعلم أين ذهب وما ذلك الشيء المهم الذي جعله يترك كيان بمفردها.
رواية الطبيب العاشق (2 الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم منة جبريل
انتهى اليوم ومرت الأيام سريعة على البعض وبطيئة على البعض.
ازداد اهتمام هشام وبيجاد بكيان أكثر من قبل، وبدأت علاقة الإخوة بين زيد ورنا بالتحسن. وازداد هو تفكيره بصغيرته.
تسير الأيام بشكل جيد مع صبا وإياد وشقيقاته، ولكن هذا لا يمنع شعوره بالقلق على اختفاء شقيقته بهذه الطريقة المريبة.
بينما هو.. فقد نمت لحيته، وأصبحت عيناه مرهقة ولون جفنيه أصبح باللون الأحمر. مرت الأيام عليه ببطء شديد وعذاب كبير.
مرت الأيام عليها ببطء وألم من ذلك السم الذي يسير بعروقها.
حتى تم غيابهم الشهر. لا أحد يعلم أين هم؟ سوى صديقيه اللذان لم يمتنعا عن زيارته من وقت لآخر والتخفيف عنه.
شهر ولم يقابل زيد صغيرته ليصبح يحلم بها في يقظته ومنامه، وهو يعترف لنفسه بأنه وقع في الحب بدون أن يدري.
***
دلفا إلى مكان مظلم، بارد، قاسٍ، ورمقوا تلك الجاثية أرضًا بنظرات لا تحمل الشفقة أبدًا.
اقترب منها هشام وهو يرمقها بنظرات تملؤها الغضب هاتفا بسخرية:
- أنتِ الآن تتذوقين نفس الألم الذي جعلتِها تشعر به، ولكن سوف أجعلكِ تشعرين بأضعاف ألمها. سأجعلكِ تتمنين الموت ولا تجدينه.
هتف بيجاد الواقف خلفه ببرود:
- نسبته الآن في جسدك 60% وهذا يعني أنكِ أصبحتي مدمنة، ولكن نسبة علاجك الآن ممكنة. ومن أجل هذا لن نتوقف حتى تصبح نسبة علاجك مستحيلة.
"إيزابيلا" نظرت لهم بضعف وهي لا تستطيع التحدث بسبب ذلك اللاصق الذي على فاهِها، ووجهها الجميل أصبح نحيلاً مرهقاً وتحيط الهالات السوداء بعينيها، وبيدها شيء ما يوصل تلك المخدرات إلى جسدها ببطء.
ابتعد هشام عنها وهو يرمقها بنظرة مستحقرة ثم خرج من ذلك المكان وتبعه بيجاد ببرود.
أغلق الباب عليها، ولم تكن سوى غرفة صغيرة وسط أشجار كثيفة يحيط بها الكثير من الرجال للحراسة.
هتف بيجاد بابتسامة:
- ريان دا عليه أفكار جهنمية.
صعد هشام إلى سيارته هاتفا:
- أكيد مش هيعدي وجع الملكة وهيخليها تحس به أضعاف مضاعفة.
صعد بيجاد بجواره وهو يومئ بخفة وانطلق هشام بالسيارة مبتعدين عن ذلك المكان.
***
انتهى من ارتداء بدلته ومن وضع عطره النفاذ ليرتدي نظارته وخرج من الغرفة تزامناً مع خروج شقيقته من الغرفة المجاورة.
ابتسم لها ثم سارا إلى الخارج وصعدا السيارة منطلقين إلى الشركة.
توقفت السيارة بعد وقت ليضع هو نظارته السوداء وترجل من السيارة ودلف إلى الشركة برفقة رنا. يظهر من الخارج ثابتًا كالجبال، ولكن من الداخل يتلهف لرؤيتها.
توقف المصعد معلنًا وصولهم إلى الطابق المحدد لتخبرهم السكرتيرة بأنها بانتظارهم.
أدار المقبض برفق وضربات قلبه تتزايد باضطراب. دلفت شقيقته، بينما هو ظل واقفًا بالخارج يحاول جمع شتات نفسه. ثم دلف إلى المكتب وأول شيء وقعت عيناه عليه هي.
تقف بجوار شقيقته وعلى وجهها ابتسامة رقيقة مثلها. تقدم نحوها ببطء ومد يده بدون أن يتحدث.
نظرت كيان إلى يده قليلاً ثم صافحته وسحبت يدها بسرعة ليبتسم هو بخفة. ثم جلس ثلاثتهم على طاولة الاجتماع التي بالمكتب.
ظل شارداً بها وهو يدقق بأصغر تفاصيلها. يريد أن يحفر ملامحها داخل قلبه.
حمحت رنا وهي ترى شرود أخيها بتلك التي ترود وجهها حرجًا. عاد هو من شروده ونظر إلى شقيقته ليعتدل في جلسته.
كاد أن يتحدث ولكن قاطعته هي مردفة:
- هنستنى هشام علشان نبدأ.
أومأت لها رنا بخفة، بينما بقي هو مثبتًا عيناه عليها. وما هي إلا دقائق حتى انضم لهم هشام وجلس بجوار كيان وبدأوا يتحدثون عن العمل بجدية طاغية.
ولكن هذا لم يمنعه عن اقتطاف بعض النظرات لها.
ضرب هشام قبضة يده بالطاولة ليرتجف جسد كيان بفزع، بينما نظر له زيد بهدوء ورنا بتعجب.
هتف هشام بنبرة محذرة:
- وكل ما اهتمينا بالشغل بس هيكون أفضل لينا.
ابتسم زيد بخفة وهو يعلم أنه يقصده هو بكلامه ليردف بنبرة رجولية:
- بالفعل.
اقتربت كيان من هشام وهتفت بهمس:
- في حاجة غلط في الشغل ولا إيه؟
نظر لها بإبتسامة بسيطة وهو يومئ لها بالنفي ليبدأوا بالحديث مجددًا.
قاطعهم هذه المرة صوت رنين هاتف هشام لينظر إلى هوية المتصل ليجيبه على الفور وهو ينهض من مكانه مبتعدًا عنهم واقفًا أمام الزجاج الذي يظهر مدخل الشركة بأكمله.
تحدث بهمس ثم أغلق الهاتف ونظر إلى كيان مردفًا:
- كملي الاجتماع.
أومأت له كيان، بينما رمق هشام زيد بنظرة محذرة وخرج من المكتب.
هتف زيد بجدية:
- هل هذا عدم تقدير؟
تفت كيان سريعًا مبررة الموقف:
- لا أكيد حصلت حاجة علشان كدا هو اضطر إنه ميكملش الاجتماع، بس متقلقش أنا هكلمه ومش هيحصل أي مشاكل.
نظر لها نظرة أربكتها هاتفا بنبرة غريبة:
- وهذا ما يعجبني.
رفعت حاجبها مردفة:
- نعم؟؟
اردفت رنا سريعًا مغيرة مجرى الحديث:
- لنكمل حديثنا عن العمل.
نهض زيد مردفًا:
- أرى أن نكمله في مكان خارج الشركة، مطعم مثلاً.
نهضت كيان مردفة:
- والسبب؟
نظر لها بابتسامة بسيطة هاتفا:
- أريد هذا.
هتفت كيان بعند:
- وأنا مش عايزة كدا والاجتماع هيخلص هنا.
استند بكفيه على الطاولة منحنياً إلى الأمام مقتربًا منها هاتفا بهمس:
- سنكمله في مطعم.
ابتعدت إلى الخلف مردفة:
- وأنا مش موافقة. ولو مش هنكمل هنا يبقى الصفقة اتلغت.
رفع حاجبيه مبتسمًا بخفة وهو يراها تتصرف بعناد، ليستمع إلى شقيقته التي دائمًا تدخل عندما تجد أن الأمور تتأزم.
- سيدة كيان، ما يقصده هو أن تغيير المكان سيضيف راحة أكثر على تعاملنا، ويمكن أن نتناول شيئًا بينما نتحدث عن العمل.
نظرت لها كيان باقتناع مردفة:
- لو كان قالها بالطريقة دي كان ممكن أوافق، بس برضه لا.
كادت رنا أن تتحدث ولكن منعها زيد عندما رفع يده مشيرًا لها بأن لا تتحدث، ثم هتف وعيناه مثبتة على كيان:
- اتركونا بمفردنا.
اتسعت أعين كيان ونظرت له بخوف، بينما أومأت له رنا بخفة وكادت أن ترحل ولكن قاطعها صوت كيان وهي تردف بسرعة:
- مفيش داعي، أنا موافقة، كدا كدا جعانة.
وخرجت سريعًا من المكتب وتبعتها رنا التي تهز رأسها بخفة وخرج هو خلفهم مبتسمًا.
هتفت كيان بهدوء وهي تتحاشى النظر إليه:
- هنروح مطعم الذئب. هبعتلك الموقع.
أومأت لها رنا وصعدت كيان إلى سيارتها ثم بعثت اللوكيشن إلى رنا وتحركت بسيارتها بسرعة بعدما كانت تشعر بالتوتر من نظرات ذلك الزيد لها.
وانطلقوا هم خلفها.
بعد وقت.. كانوا يلتفون حول طاولة في مكان منعزل عن البقية، وكانت تجلس كيان وقبالها زيد وبجانبه رنا.
هتف زيد بهدوء:
- لنطلب طعامًا.
لم تنظر له، بينما وافقته رنا الرأي ليشير إلى النادل الذي حضر وأخذ طلباته وطلبات رنا وكذلك كيان.
نهضت رنا وأردفت:
- سأذهب إلى المرحاض.
ثم رمقت أخاها نظرة فهمها هو ليبتسم بخفة على مكر شقيقته وذهبت رنا تاركة كيان تتظاهر وكأنها منشغلة بهاتفها.
ثبت عيناه عليها وهو يتفحص كل إنش بها. من بداية شعرها الذي يسقط على وجهها وتعيده بكفها إلى خلف أذنها، عينيها الواسعة ذات لون السماء الصافية وذلك الكحل الأبيض الذي تزين به جفنها زادها لمعانًا.
ابتسمت بإستمتاع وهو يرى توترها من حركة أهدابها السريعة ليحمحم بخشونة مردفًا:
- أعتقد، أن أول مقابلة بيننا لم تكن لطيفة قليلًا.
نظرت له سريعا مردفة بعفوية واستنكار لحديثه:
- قليلًا!!
ثم اتسعت عينيها منتبهة لجوابها السريع أشاحت بصرها تنظر بعيدًا، بينما ابتسم هو بخفة مردفًا بنبرة عميقة:
- حسنًا يا صغيرتي، مقابلتنا الأولى لم تكن لطيفة أبدًا.
شعرت بألم في معدتها وهي تستمع إلى ذلك اللقب الذي ناداها به، ولكنها لم تنظر له لتسمعه يردف مجددًا:
- لم أكن أريد أن تكون هكذا مقابلتنا الأولى. ولكن قد حدث ما حدث ولا يمكننا تغييره، لكن يمكننا أن ننسى ونبدأ من جديد، أليس كذلك؟
اغمضت عينيها تستجمع شجاعتها ثم نظرت له، ولكنها لم تضع عينيها بعينيه وهتفت بهدوء:
- مش مهم الكلام دا كله دلوقتي، خلينا نركز في الشغل وبس وزي ما قولت "ما حدث قد حدث".
- هل هذا يعني موافقتك على بداية جديدة؟
رمقته بنظرة حادة مردفة:
- أكيد لا وكمان مش مهتمة بفتح صفحة جديدة معاك.
عقد حاجبيه هاتفا بلطافة:
- أوه، هيا يا صغيرتي لا تجعلي قلبك يقسو عليّ، فأنا قد تلقيت الكثير من اللكمات في ذلك اليوم ولقد تخطيت كل هذا لأجلك فقط. فلمَ لا نبدأ من جديد؟
رفعت اصبعها في وجهه مردفة بتحذير وبعض الغضب:
- متقوليش يا صغيرتي وكل اللي قولته دا ولا يفرق معايا، احنا ما بينا شغل فقط فاهمة.
وعلى حين غرة قلل اصبعها لتجذبه إليها سريعًا وهي تنظر له بغضب وأعين واسعة غير مصدقة ما قام به بشكل مبتذل، بينما هو أردف مبتسمًا:
- حسنًا، لا تغضبي صغيرتي، رغم أنكِ تبدين جميلة أثناء غضبك.
نهضت كيان وهي تنوي الرحيل، ولكن وجدت رنا تأتي نحوهم لتخبر نفسها بأنّه لن يفعل حركاته تلك بوجود شقيقته لتجلس مجددًا وجلست رنا وهي تنظر إلى أخيها الذي ابتسم بخفة.
جاء النادل ووضع أمام كل منهم طلبه وغادر ليبدأوا بالأكل.
همس وهو ينظر إليها ويده تتلاعب بالطعام:
- هل أحسد الشوكة الآن؟
اتسعت عينيها وهي تستمع إلى همسه ثم سعلت بقوة بعدما توقف الطعام بحلقها ليناولها الماء سريعًا، بينما نهضت رنا تربت على ظهرها وهي تنظر إلى أخيها بحنق.
ارتشفت القليل من الماء وبدأت تهدأ. جلست رنا وهي تردف بقلق:
- أنتِ بخير؟
أومأت لها بخفة وهي تعتقد بأنها لم تسمع بما تفوه به شقيقها، ثم أمسكت بكوب الماء وتصنعت بأنّه انزلق من يدها لينسكب عليه.
ابتعد زيد سريعًا إلى الخلف، بينما شهقت كيان وهي تردف بتأسف مصطنع:
- مكنتش أقصد.. عفوًا.
أخفت رنا ابتسامتها بأعجوبة، بينما نظر لها زيد نظرة أربكتها، ثم نفض الماء عن ثيابه وجلس مجددًا وهو يردف:
- لا بأس، على كل حال الجو حار، شكرًا لكِ.
ثم بدأوا يتناولون من جديد تحت نظراته لها التي تشعرها بالتوتر، ولكنها كانت ترمقه بحدة، بينما رنا كانت تشاهدهما وكأنها تشاهد مسرحية ما وهي تكبت ضحكتها بصعوبة.
وبعد وقت.
نهض ثلاثتهم وصافحت رنا كيان وهي تخبرها بأنها سعدت كثيرًا بالتعرف عليها.
مد زيد يده لتصافحه كيان ليقبض هو على كفها مردفًا ببسمة لا تظهر إلا في وجودها:
- سنلتقي.
رفعت نظرها نحوه بسبب فارق الطول ولم تتحدث، بينما ترك هو يدها وخرج برفقة شقيقته من المطعم تحت نظراتها وهي تمسك بكف يدها وتشعر نبضات قلبها التي تنبض بقوة.
تنهدت ثم خرجت هي الأخرى وصعدت سيارتها وانطلقت بها عائدة إلى القصر.
تجلس بجواره وهي تحاول كبت ضحكتها ليردف بدون أن ينظر لها:
- اضحكي لا بأس.
وكأنه أعطاها الإشارة الخضراء لتترك العنان لضحكتها حتى امتلأت عيناها بالدموع، بينما هو اكتفى بإبتسامة خفيفة.
هدأت قليلاً من الضحك وهتفت:
- لا أصدق كل ما شهدته، حقًا.
أردف بهدوء:
- ولكنك تصرفتِ تصرفًا جيدًا رغم أنكِ لستِ مستوعبة ما يحدث.
هزت كتفيها مردفة بمشاغبة:
- عندما أجد أخي أخيراً وقع في الحب بعدما كان لا يطيق النساء، فهذا تصرف متوقع مني.. ولكن! ماذا لو أن أخاها رفض هذه العلاقة؟
أجابها بهدوء تام:
- السؤال هو ماذا أفعل لأجعلها تبادلني نفس الشغف.
أسندت وجنتها على كف يدها ونظرت له مردفة بمرح:
- أنا الآن في صدمة، لا توجه لي أي سؤال.
ضحك بخفة، ثم لمعت عيناه بفكرة راقت له كثيرًا. نظرت له رنا مردفة:
- لست مطمئنة لهذه النظرات.
ابتسم بخفة ولم يجيبها ونظر إلى الطريق بصمت، بينما رنا فكانت تشعر بالقلق، فهي تعلم أن شقيقها بدأ يحب تلك الكيان وتعلم أيضًا أنه إقناع كيان بحب شقيقها لن يكون بالشيء السهل، ولكن ما يصعب الأمر أكثر هو أخيها.
***
لقد تحسنت كثيرًا بل شفيت تمامًا.
ظل واقفًا بجوار الفراش يطالعها بنظرات أرهقها العشق ينتظر زوال مفعول المخدر حتى يرى أكانت تحسنت على حسب استنتاجاته أم لا.
بدأت تتململ بخفة وهي تحاول فتح عينيها ونجحت بذلك، وكان أول شيء تراه وجهه.
ابتسمت بخفة ليبادلها بابتسامة دافئة. اعتدلت في جلستها بمساعدته لتضع يدها على رأسها بألم.
هتف ريان بتوجس:
- حاسة بإيه؟
هتفت بصوت مبحوح بالكاد سمعه:
- وجع في راسي بس.
تنهد بخفة وقبل رأسها مردفًا بفرح:
- دا مجرد صداع هيروح مع العلاج.
أومأت له ثم نظرت له ورفعت كف يدها ووضعتها على لحيته التي نمت بشكل ملحوظ وابتسمت رافعة لؤلؤتيها السوداء تطالعه بعشق مردفة:
- وحشتني.
نظر لها وإلى عينيها التي اشتاق لها كثيرًا، ليلبي رغبة قلبه وكل جسده في احتضانها، يضمها له متنهدًا براحة وأخيرًا.
ابتسمت بوهن وهي تربت على ظهره، قبل أن تتوقف يدها وهي تشعر بجسده يهتز مقابل جسدها وهو يشدد من احتضانه لها.
ترك العنان لدموعه واظهار ضعفه الذي عاناه معها.
أهو حقًا يبكي؟؟
مازالت غير مستوعبة إلى الآن ما يحدث.
دموع من شهد الزمان على قوته وصلابته.. ها هو يبكي الآن بين ذراعيها كطفل صغير. امتلأت لؤلؤتيها بالدموع وهي لأول مرة تشهد ضعفه. شعرت بنغزة قوية بقلبها وهي تراه بهذه الحالة.
لقد بكى من فرط ما فيه، ذلك الذي لا شيء يبكيه.
هبطت دموعها بغزارة وهي تستمع إلى صوت شهقاته. لم تتحدث، ولم تبدِ أي رد فعل، فقد تضمه لها بحنان وتربت عليه بخفة.
أما هو فكأنه كان ينتظر هذه اللحظة منذ سنوات عديدة. لأول مرة يظهر ضعفه لأحد. يكره هذا الشعور جدًا، ولكنه أيضًا لم يكن سيستطيع إظهار ضعفه لأحد سواها. هي من امتلكت قلبه، هي التي تستطيع مداواته، هي وحدها من تستطيع فعل أشياء هو بذاته لا يستطيع فعلها. هي فقط ولا أحد سواها.
***
- أهلًا وسهلًا بيهم يشرفوا.
أردف بها بيجاد بهدوء بعدما أخبرته صبا بأن عائلتها قادمون لرؤيتها.
جلست صبا بجانبه مردفة:
- بيجاد.. أكيد هيسألوا سبب رجوعنا بالسرعة دي ومكلمناش حتى 15 يوم.
أحاط كتفيها مردفًا بهدوء:
- دي حاجة متخصهمش يا سمرتي.. وإحنا مش مجبورين إننا نجاوبهم.
ثم نظر لها قليلاً ليعتدل في جلسته هاتفا:
- مايكل جاي.
أومأت برأسها مؤيدة حديثه ليزفر بقوة مردفًا:
- ادعي يعدي اليوم على خير.. روحي اجهزي يلا.
ابتسمت له وهي تقبله من وجنته وركضت إلى الأعلى، بينما هو نهض ممسكًا بهاتفه الذي أعلن عن وصول مكالمة ما ووقف في زاوية محددة وهو يجيب على المتصل.
أردف بحنان وهدوء:
- نعم حبيبتي.. بالتأكيد اشتقت لكِ. ومن لا يشتاق لميرا الجميلة.
ضحك بخفة وهو يستمع إلى حديثها ثم أردف وهو يلقي نظرة خلفه:
- نعم بالتأكيد سنلتقي وقريبًا أيضًا.
صمت قليلاً وهو يستمع لتلك التي تدعى ميرا ليكمل:
- لالالا هذا وقت طويل وأنا أريد رؤيتك بأسرع وقت. دعيني أراكِ مساء يوم غد.
- حسنًا، إلى اللقاء القريب ميرا.
أنهى حديثه وأنهى المكالمة ثم استدار متوجهًا إلى غرفته وكأن شيئًا لم يكن.
***
- سيادة اللواء أنا بجد زهقت يعني إيه لغوا المهمة ودلوقتي ملهاش وقت محدد.
هتف بها آسر بحدة وغضب وقد قتمت زيتونيته ليشبك اللواء كفيه مستندًا على الطاولة ثم هتف بهدوء:
- يعني لغوها يا سيادة المقدم.. حصلت شوشرة ما بينهم واختلاف على أماكن التسليم وقرروا يسيبوا المهمة لوقت مش معلوم لحد ما يتفقوا.
مسح آسر على خصلات شعره بعصبية ليكمل اللواء بنفس الهدوء:
- متقلقش الجاسوس بيوصل المعلومات لحظة بلحظة وأول ما يقرروا وقت التسليم هيكون المعاد عندنا وهنقدر نقبض عليهم.
زفر آسر بقوة وهو يومئ له ثم غادر من المكتب بل من المقر بأكمله وهو يصعد سيارته وينطلق بها بسرعة شديدة وكأنه ينفس عن غضبه بالسيارة.
وفجأة... صدر صوت صرير قوي بسبب احتكاك إطارات سيارته بالأرض فجأة وهو يرى جسد فتاة يقف أمام سيارته وهي تضع كفيها على وجهها بعدما كان سيدهسها بسيارته.
ترجل من سيارته بسرعة وهو يقف أمامها هاتفا:
- أنتِ كويسة يا آنسة؟
شعرت وكأن هذا الصوت مألوفًا لها لتبعد كفيها ليظهر وجهها وتطالعه ليصدق حدسها عندما وجدت أنه أكثر شخص تبغضه في حياتها.
هتف آسر بحدة وتفاجؤ بها:
- مش تفتحي يا بت ولا أنتِ ناوية تجيبيلي مصيبة.
تنهدت أريب بهدوء مردفة بهدوء وبرود شديد:
- رغم أنك أنت اللي غلطان وقطعت إشارة المرور وكان ممكن تموتني بسبب تهورك وسرعتك الزايدة وكمان بتكلمني ببجاحة بس مش هرد عليك.
نظر آسر لإشارة المرور ليجدها بالفعل حمراء وأنـه هو المخطئ وكان من الممكن أن يدهسها هي أو أحد غيرها. لينظر لها مقرراً أن يطمئن عليها ولكنه وجدها تسير مبتعدة عنه. تعجب من هدوئها الغير معتاد ليسير خلفها مردفًا:
- ثواني بس يا أريب.
وقفت أريب ثم سحبت الهواء إلى رئتيها واستدارت له مردفة، متجاهلة ذلك الشعور الغريب حول نقطة لأول مرة لاسمها:
- أولاً آنسة.. ثانيًا نعم.
- أنتِ كويسة يعني السيارة لمستك أو سببت لكِ أي أذى؟
هزت رأسها بالرفض واستدارت مبتعدة من أمامه. قطب حاجبيه بتعجب من هدوئها وكاد أن يستدير هو الآخر لكي يذهب ولكنه وجد بعض من الشباب يقطعون عليها الطريق.
أما أريب فهي كانت بالفعل بحالة سيئة. تشعر ببركان بداخلها يريد الانفجار ولا تعلم السبب. شعور الغضب الذي بداخلها غريب. لهذا تحاول تجنب كل الأشخاص حتى لا تؤذيهم إذا كان بلسانها أو بيدها.
ولكن لم يشأ العالم حولها تركها بمفردها في هذه اللحظات ليرسل لها هؤلاء الشباب الثلاثة وقطعوا طريقها.
حاولت تجنبهم بدون النظر لهم ولكنهم لم يتركوها من مضايقتها بحديثهم ووقوفهم أمامها مانعين إياها من العبور.
أغمضت عينيها بقوة وكادت أن تتحدث ولكنها وجدت صوت تآوه الشباب لتفتح عينيها لترى آسر وهو يكيل اللكمات والركلات لهؤلاء الشباب الثلاثة.
ابتعدت من مكان المشاجرة هذه وأخرجت هاتفها وقامت بالاتصال على أخيها لكي يأتي ويأخذها وعينيها على آسر الذي ظهر كوحش كاسر وهو لا يترك لهم فرصة للفرار من بين يديه.
أما آسر فهو لم يتحمل رؤيته لهم وهو يضايقونها بهذا الشكل ليتوجه نحوهم وأخرج غضبه بهم وهو يلكمهم بكامل قوته البدنية وكأنه يلكم كيس الملاكمة.
أخيرًا وقع الثلاث شباب أرضًا مغشيين عليهم والدماء تخرج من أفواههم وأنوفهم ليهاتف آسر بعض الرجال لكي يأتوا ويأخذوهم إلى القسم ومعاقبتهم.
استدار لكي يرى تلك أريب ولكنه لم يجدها فهي بالفعل قد غادرت مع شقيقها الذي لم يأخذ سوى دقائق قليلة ليأتي لها وأخذه. ليتوجه نحو سيارته وانطلق مغادرًا بها بعدما جاءوا بعض الرجال وأخذوا أولئك الشباب.
هتف إياد بتساؤل فهو لم يرى مشاجرة آسر مع أولئك الشباب:
- حصل إيه؟
- محصلش حاجة أنا خرجت أتمشى زي ما قولتلك وبعدها مقدرتش أكمل مشي فاتصلت عليك.
نظر لها بطرف عينه وهو يستمع إلى نبرتها الغريبة وصمت مكملاً قيادته نحو الفيلا ليرى ما بها.
توقف بالسيارة وترجل منها وأمسك بكف شقيقته وساعدها على الترجل من السيارة لتنظر آية حولها لتشعر بالحنين لرائحة هذه الشوارع الصغيرة والبيوت التي ترتص بجانب بعضها البعض والجميع يبتسم في وجه الآخر والحنان يشع من وجوههم.
ابتسم إياد مردفًا:
- أكيد هتلاقيها في بيت ماما أمينة.
أومأت له وسارت بخطوات ثابتة وعينيها على باب منزلهم المغلق ثم نظرت إلى الباب المجاور له والذي كان منزل أمينة وكان إياد يستند على السيارة يتابعها بعينيه.
طرقت الباب بخفة وانتظرت قليلاً ليفتح الباب وتطل من خلفه فتاة جميلة ذات ملامح هادئة بسيطة تتميز بثيابها المحتشمة وحجابها الذي زادها جمالاً. ما إن رأت آية أمامها حتى اتسعت ابتسامتها وهي تطالعها بدهشة.
صرخت رواء بسعادة وعدم تصديق:
- آيــــة!
ضحكت آية برقة واحتضنتها بحب وهي تردف بإشتياق:
- وحشتيني يا رورو.
- وانتي كمان وحشتيني قوي.. مش مصدقة عيوني بجد يا بت طلعتي أطول مني.
ضحكت آية برقة ثم ابتعدت عنها مردفة:
- يلا علشان هتيجي معايا عند ماما أمينة.
نظرت خلفها وهي تردف بتساؤل:
- هي فين؟ جت معاكي وحوراء وأريب؟
هزت رأسها بالرفض مردفة:
- لا إياد بس علشان ناخدك وتقعدي معانا الأسبوع ده.
نظرت لها رواء قليلاً ثم أومأت بخفة ودلفت إلى الداخل وبعد دقائق عادت وهي تحمل بيدها حقيبتها لتمسك آية يدها واتجهت نحو شقيقها الذي كان مشغولاً بالحديث مع أحد الرجال وهو يبتسم له باتساع.
هتفت آية بهدوء:
- إياد.
التف إياد وابتسم لها بخفة ثم تحدث قليلاً مع الرجل وبعدها رحل ليلتف لها إياد مجددًا ليلاحظ تلك الواقفة بجوارها.
هتفت آية وهي تصعد في السيارة من الخلف:
- هقعد مع رواء.
أومأ لها إياد ثم هز رأسه بخفة لـ رواء وكأنه يرحب بها ثم مد يده وأخذ حقيبتها ووضعها في السيارة من الخلف، بينما صعدت رواء بجانب آية وتولى هو مقعد القيادة وانطلق بها عائدًا إلى الفيلا.
بعد وقت... ترجل ثلاثتهم من السيارة واخرج إياد الحقيبة لتقترب منه رواء وهي تردف بهدوء:
- عن إذنك...
لم ينظر لها إياد بينما أردف بجدية:
- اتفضلي جوا يا آنسة.
امسكت آية يدها وسحبتها إلى الداخل لترحب بها أمينة بحرارة وكان إياد يقف يطالعهم بهدوء.
نظرت رواء حولها وهي تردف بتساؤل:
- حوراء وأريب فين؟ هي حوراء خفت؟
أجابتها آية بابتسامة:
- أريب نايمة وحوراء مع جوزها مسـ...
- جوزها!!!
هتفت بها رواء بصدمة لتضحك أمينة بشدة على رد فعلها، بينما أردف إياد بجدية موجها حديثه لآية:
- وديها أوضتها خليها ترتاح.
هتفت رواء سريعًا:
- لا لا أنا هقعد مع خالتي وآية.
أومأ لها إياد بدون النظر لها وأمسك حقيبتها وصعد إلى الأعلى ووضعها بالغرفة المجاورة لغرفة أميرته ثم دلف إلى الغرفة التي تنام بها أريب ليجدها مازالت نائمة وشعرها القصير يخفي جزءًا من ملامحه.
ليقبل رأسها ثم خرج مغلقًا الباب خلفه ليتنهد بقوة. فمن يطلبها من ربه أثناء صلواته وخاصة صلاة قيام الليل وأثناء كل دعاء يدعو به أصبحت معه بنفس المكان هذا يعني ابتداء الحرب مع نفسه.
ترجل الدرج بخطوات ثابتة ليصل إلى مسامعه صوت ضحكتها الرقيقة والتي لم تتغير أبدًا ليغمض عينيه بقوة قابضًا على كفه وهو يستغفر ربه.
أشار إلى آية لتنهض وتتقدم نحوه ليردف بهدوء:
- الأسبوع ده هنام برا الفيلا وهبقى آجي كل يوم أطمن عليكم وأمشي تاني تمام.
اختفت ابتسامة آية تدريجيًا مردفة:
- لي يا إياد أسبوع كامل.
أحاط وجهها مردفًا بحنان:
- مش هينفع يا أميرتي علشان تاخد راحتها هنا.
أومأت آية بتفهم ليقبل إياد وجنتها وجبينها بحنان وغادر من الفيلا متوجهًا إلى فيلا هشام.
هتفت رواء بحرج:
- هو مشي لإني هفضل هنا؟
هتفت آية بابتسامة بسيطة:
- قصدك مشي علشان تاخدي راحتك يا رورو.
خلعت رواء حجابها ليظهر شعرها البني الجميل الذي يتموج بطريقة رائعة وزلت تتحدث معهم باشتياق شديد.
رواية الطبيب العاشق (2 الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم منة جبريل
فـى المسـاء..
دلف إياد إلـى ڤيلا هشام وهو يحك خصلات شعره من الخلف ويبتسم بحرج لـ هشام وأيهم وأيان وغيث وبيجاد.
استقبلوه الشباب بترحاب ليجلس معهم مردفًا بحرج:
- معلش بقى هتقل عليكم اسبوع كدا.
وقص لهم ما في الأمر ليضحك هشام وهو يربت على كتفه مردفًا:
- الڤيلا ڤيلتك يا إياد وأهو نتسلي مع بعض كلنا.
- اللمة دى ناقصها ريانهتف بها أيهم بابتسامة.
لينظر إياد إلـى هشام مردفًا بتساؤل:
- هما مش هيرجعوا بقى؟ دول كملوا شهر ومحدش يعرف عنهم حاجه.
إبتسم له هشام مردفًا بثبات:
- احتمال يرجعوا قريب.
وقبل أن يتحدث إياد استمعوا إلـى صوت بكاء طفلة ولم تكن سوى نقـاء.
لينهض أيهم وركض إلـى الأعلى ثم عاد لهم وهو يحملها بين ذراعيه وهو يحاول تهدأتها وطلب من بيجاد أن يحضر لها حليب دافئ.
هتف بيجاد بمرح:
- طيب قولى إي جمع حليب وهقوم.
نظروا له جميعا بأعين تخرج شرراً بينما هتف أيهم:
- البنت بتعيط وانت بتسأل سؤال زي ده.
نهض بيجاد مردفًا بغيظ مصطنع:
- كنت المربية اللى اشتريتهالها ياخويا.
ودلف إلـى المطبخ ليردف أيان بمرح:
- لكن بجد اى جمع حليب.
ضرب إياد كف بكف مردفًا:
- لا إله إلا الله انا طالع انام.
نهض هشام مردفًا:
- جاى معاك قبل ماارتكب جناية.
خرج بيجاد من المطبخ مردفًا:
- اهو اللبن وتصبحوا على خير، زوجتى العزيزة بانتظاري يا بؤساء.
وغادر هو الآخر ليهتف أيهم بسخرية:
- في حد منكم يحب يمشي كمان.
نظر أيان وغيث إلـى بعضهم وكادوا أن يتحدثوا ولكن قاطعهم صوت هاتف غيث وهو يعلن استقبال رسالة ما.
لينظر لهم بإبتسامة بلهاء مردفًا:
- آه انا هطلع انام.
وصعد هو الآخر إلـى غرفته ولم يتبق سوى أيان الذى ابتسم ببلاهة.
لينهض أيهم وهو يحمل الطفلة بين ذراعيه مردفًا:
- نمشي احنا يانقـائى لأننا لو فضلنا مع الشخص دا هنعمل جناية بطريقة بشعة.
قهقه أيان مردفًا:
- كدا بتدى البنت معلومات غلط عنى.
- ولسههتف بها بمرح وهو يصعد إلـى الأعلى ويتبعه أيان الذى هتف بمرح:
- هقعد معاك علشان هلعب معاها وحشتنى واخده اليوم كله نوم ومش بلاقي وقت العب معاها فيه.
بمنتصف الليل...
تأكد من أنها مستغرقة فـى النوم أثر تلك الحبوب فهو لا يمكنه المخاطرة وتأكد من هيأته والتى كانت جذابة بحق وابتسم بثقة وغادر الڤيلا بخطوات ثابتة.
صعد سيارته وانطلق بها متجهاً إلـى مكان محدد.
وصل إليه بعد وقت وترجل منها ولم يكن سوى نادي ليلي.
دلف إلـى الداخل وجلس على البار ليأتى النادل مردفًا:
- تفضل مشروب اى.
نظر له هاتفا:
- عندك عصير فريش.
نظر له النادل بإستغراب ليشير له بالرحيل وهو يكمل:
- متخدش فـ بالك.
واكمل بهمس:
- هستنى اى يعنى من مكان كله على بعضه حرام.
نقل نظره بين الحاضرين من فتيات فاسقات وشباب ضائع وكل ما يشغلهم هو اللهو فقط.
ليثبت نظره على تلك التى تتقدم منه وهى ترتدى ما لا يُرتدى.
جلست أمامه الفتاة بوجهها المزين بالمساحيق التجميلية الثقيلة وهى تبتسم مردفة باللغة الانجليزية:
- بيجاد أليس كذلك؟
أومأ لها لتتردف بوقاحه وهى تنظر له:
- إنك اكثر وسامة وجاذبية من الصور.
ابتسم بجانب فمه مردفا:
- وأنتِ كذلك ميرا.. ولم اتصور أيضًا أن تكونؤ بهذا الجمال، لقد اشتقت لكِ حقًا.
اصدرت ضحكة قوية هاتفه:
- أو،ه إنها بضع ساعات فقد على انتهاء مكالمتنا أإشتقت لى بتلك السرعة.
= نعم فأنتِ ميرا آسرة قلبي بجمالك ودلالك.
اصدرت ضحكة أخرى ووضعت يدها على كتفه مردفة بوقاحة:
- هيا بنا لقد جهزت كل شئ، أليس كذلك؟
نظر إلـى يدها الموضوعة على كتفه بطرف عينه ثم نظر لها وهو ينهض مردفا:
- بالطبع.
لتلف ذراعيها حول ذراعه وسارت معه إلـى خارج النادي الليلي لتردف بإنبهار:
- واو أهذه سيارتك.
أومأ لها لتركمل بإعجاب:
- انها من أغلى الماركات والتى لم يصنع مثلها سوى ثلاث على العالم.. اوه بيجاد لم اكن اعلم انك ثرى هكذا.
اردف بيجاد وهو يتولى مقعد القيادة:
- ثروتى تحت أمرك أيتها الجميلة.
ضحكت ميرا وانطلق هو بها إلـى الفندق الذى احتجزه خصيصاً لهذه الليلة.
كانت ميرا تسير بجانبه وهى تتمايل أثر المشروبات لتنظر له مردفة:
- احملنى.
نظر لها رافعا حاجبه ليراها تقف أمامه وهى ترفع ذراعيها تهيّأ لحملها ليقترب منها وقام بحملها ببساطة لتصدر صوت ضحكات مرتفعه متحدثة بتثاقل بسبب ما شربته من كحول:
- انك قوى.
- أعلماجابها بهدوء ودلف بها إلـى الفندق وتوجه على إحدى الغرف ووضعها على الفراش وكاد أن يبتعد عنها ولكنها جذبته لها ليسقط بجانبها و......
صباح اليوم التالى... الساعة 6 صباحاً تحديداً.
كان يهبط الدرج وهو يتثاءب ويضع كف يده على فمه ليقابل أمامه هشام الذى هتف بابتسامة:
- صباح الخير.
بادله إياد الابتسامة مردفا:
- صباح النور.
- تفطرهتف بها أيهم وهو يخرج من المطبخ ويحمل اطباق الطعام بين يديه.
اردف إياد بهدوء:
- افطروا انتوا انا هفطر مع أميراتى.
أومأوا له بتفهم ليغادر هو سريعاً بينما جلس هشام وأيهم معاً يتناولون الافطار ليردف هشام متسائلا:
- أيان فين اول مرة يتأخر فـي النوم يعنى.
هتف أيهم بهدوء:
- سهر مع نقـاء امبارح.
أومأ له هشام لينظروا ثلاثتهم نحو الدرج وهم يجدون غيث يهبط بتكاسل وهو يعبث بخصلات شعره المبعثرة.
ضحك أيهم مردفا:
- صباح الخير.. معديتش على المراية فـي طريقك ولا اى.
اصدر هشام ضحكة بسيطة ليجلس غيث بجوار أيهم مردفا:
- نزلت على ريحة الأكل اصلا.
ابتسم أيهم على صوته المتحشرج وأعينه التى تكاد تكون مغلقة.
بعدما انتهوا من الإفطار نظر لهم غيث هاتفا:
- تسلموا على الفطور بعد اذنكم هروح اكمل نوم.
قروكاد ان يرحل ولكن قاطعه صوت أيهم وهو يردف:
- غير هدومك دى وراك شغل يلا.
هتف غيث بمرح:
- قلبك قاسي قوي انت ياأيهم.
وصعد إلـى الأعلى ليغير ثيابه.
لم يستغرق سوى خمسة عشر دقيقة فقط للوصول.
ترجل من السيارة ودلف إلـى الڤيلا ثم رفع صوته متعمدا وهو يردف:
- أميراتى.
وجد كل من أريب وآيـة تهبطان الدرج بسرعة وركضوا نحوه يحتضنوه بقوة ليستقبلهم بعناق قوى وهو يضحك بخفة.
هتف بمرح وهو يقبل رأس كل منهما:
- اى وحشتكم بالسرعة دى.
هتفت أريب بحزن:
- اول مرة اصحي لوحدى ومتكونش انت اللى بتصحيني.
واكملت آيـة:
- وانا كمان اول مرة اصحي من غير ما تكون أول حاجه اشوفها.
ابتسم لهم وقبل وجنتيهم مردفا:
- مسيركم تتجوزوا ياأميراتى وانا اللى هقعد لوحدى.
نظرت له آية وأريب قليلا ثم التمعت عينيهم بالدموع واحتضنوه بقوة مردفين معاً:
- مش هنسيبك أبداً.
ابتسم بحنان وهو يحتضنهم مردفا:
- ربنا يديمكم عليا نعمة ياأميراتى.
ثم هتف بمرح:
- اى فطرتوا.
هزوا رأسهم بالنفي ليردف بحنان وحب كبير:
- يلا علشان نفطر مع بعض ماما أمينة صحيت.
هزوا رأسهم بالنفي وهتفت أريب:
- و رواء كمان لسه نايمة.
- عادتهاهتف بها بتلقائية لتنظر له أريب وآيـة نظرة تحمل الكثير من المعانى ليقهقه على نظرتهم مردفا:
- اى يا أميراتى بتبصولى كدا لى.
هزوا كتفيهم وهم يبتسمون ولم يتحدثوا ليتركهم ودلف إلـى المطبخ وهو يقوم بإعداد الفطور.
فى هذا الوقت.
ترجلت رواء من الدرج وهى تبتسم مردفة:
- صباح الخير اى اللى مقعدكم لوحدكم.
هتفت آيـة بإبتسامة:
- مستنيين إياد يحضرلنا الفطور.
رفعت حاجبيها وهى تومئ بصمت وكادت أن تصعد مجدداً لتردف أريب وهى تسحبها من يدها:
- اقعدى علشان تفطرى معانا عرفاكِ مش بتحبي تفطرى لوحدك.
كادت أن تعترض ولكن أصرت أريب وآيـة لتجلس معهم منتظرة مجئ الفطور.
خرج إياد وهو يحمل بين يديه أطباق الطعام ويردف بمرح:
- أحلى فطور لأحلى أميرات حياتى.
صمت فجأة وهو يراها تجلس معهم ليغض بصره سريعا ووضع الأطباق على السفرة هاتفاً:
- يلا علشان الفطور.
ودلف إلـى المطبخ مجدداً ليحضر ما تبقي من الأطباق لتتبعه آيـة لكى تساعده.
بعدما انتهوا من وضع الأطباق على السفرة وجعل أمام كل واحدة منهن كوب من العصير التف وهو ناوياً أن يرحل.
ولكن أمسكت آيـة يده ونظرت له مردفة:
- اقعد انت هتفطر معانا.
- هفطر فـي الشركة.
هتفت أريب بإعتراض:
- لا يا إياد افطر معانا.
خرج صوت رواء المحرج وهى تردف:
- احم اتفضل افطر وانا هطلع فوق.
وكادت أن تنهض ليخرج صوت أريب الصارم:
- لاا بقولكم اى الواحد فاصل شحن والأكل مغرى الصراحة اقعدوا يلا عايزين ناكل.
نظر لها إياد بحدة خفيفة فهى أحرجت رواء أكثر لويضع الموقف محرج للغاية ليتنهد وجلس بجوار آيـة وبدأ يتناول الفطور بصمت.
بينما رواء فقد كانت تجلس بجانب أريب على استحياء وعينيها مثبتة على طبقها وتحاول أن لا تصدر أى صوت.
انتهى إياد سريعاً وصعد إلـى الأعلى لكى يبدل ملابسه ثم هبط مجدداً وودع شقيقتيه وغادر لتظل آيـة وأريب و رواء.
استعدت كعادتها فى الآونة الأخيرة للذهاب إلـى الشركة.
ثم رأت ليان وهى ترحل لتعلم بأنها ذاهبة لتقابل زوجها والذى تهرب من أيهم بأعجوبة.
ترجلت الدرج بخطوات واثقه وقبل أن تفتح الباب قاطعتها إحدى الخادمات وهى تهرول إليها ممسكة بشئ ما.
نظرت لها كيان بإستغراب لتتحدث الخادمة برسمية:
- الهدية دي باسم حضرتكم.
نظرت كيان إلـى ما بيد الخادمة لتجده صندوق مربع الشكل متوسط الحجم مزين بطريقة راقية لتأخذه من الخادمة وهى تشكرها ثم جلست على إحدى المقاعد ووضعته على الطاولة الزجاجية أمامها ثم فتحته لترى ما فيه وهى تظن أنـه من هشام أو بيجاد.
وما إن فتحته حتى شهقت بإنبهار وهى ترى الكثير من أنواع الشوكولاته تزينها بعض الورود بطريقة سلبت عقلها.
وبينهم ورقة مطوية أيضاً.
لا تعلم لما تسارعت نبضات قلبها وهى تلتقط تلك الورقة وقامت بفتحها حتى تظهر تلك الكلمات بداخلها.
مررت عينيها على الكلمات التى تحتويها الورقة والتى كتبت بطريقة منمقة بخط يدٍ جميل وهى تشعر ببعض التوتر.
- طاب صباحُك ياسيدة الورد والأزهار.
هذه اللغة، وطريقة كتابة هذه الكلمات، ليست غريبة عليها.
هزت رأسها تزيل ما برأسها وبحثت عن شئ يدلها من المُهدى ولكن لم تجد.
لتطوى الورقة ووضعتها بحقيبتها والتقطت الهدية وصعدت بـه إلـى غرفتها ووضعته بخزانتها بعدما التقطت بعض من قطع الشوكولاته المفضلة لديها وخرجت وهى تتناول إحداها بتلذذ.
وقفت أمام حارس الباب وأردفت بهدوء:
- فى هدية وصلنى تعرف مين جابها.
هتف الحارس وهو ينظر إلـى الأرض:
- كان عامل توصيل ياهانم تحبي اعرفلك هو مين.
- لالا ملوش داعى شكراً.
انهت حديثها وسارت نحو سيارتها وانطلقت بها إلـى الشركة وهى تفكر.. مَـن أحضر لها تلك الهدية.
افرج عن عينيه ونظر بجانبه ليرى من أسرت قلبه بكل تفصيلة بها ليحمد ربـه بأنها بخير وقبل وجنتها لتتململ هى وأفرجت عن عينيها وكان أول ما تراه هو ذلك الوسيم الذى يطالعها بابتسامة جعل من قلبها يقع بحبه للمرة التى لا يعلم عددها.
- صباح الخيرهتف بها بصوته الأجش المتأثر بالنوم.
لتبتسم له مردفة بمشاكسة وهى ترفع حاجبيها بطريقة مضحكة:
- صباح الجمال يا قمر.
نظر لها ريان قليلاً يحاول استيعاب ما تفوهت به وما قامت بفعله بملامحها ليصدر قهقه قوية خطفت أنفاسها وهى ترى ملامحه الوسيمة المُهلكة تلك.
انتهى من نوبـة الضحك التى أصابته بسببها لينهض مردفا:
- حبيبي بخير النهاردة.
أومأت برأسها ثم شهقت بفزع ليهتف هو بقلق:
- في إيه، مالك.
نظره له بأعين متسعة بفزع مردفة بحزن:
- صلاة الفجر.. نمت قبل الفجر بـ ربع ساعة وانا قولت مش هنام غير لما أصليه.
تنهد براحة مردفا:
- نصليه دلوقتى يا حبيبي قومى يلا وغيري هدومك واتوضي هكون انا خلصت فـي الاوضة التانية ونصلي مع بعض، ماشي.
أومات له ونهضت هى الأخرى ودلفت إلـى المرحاض ثم خرج صوتها مردفا:
- معلش ممكن تحضرلي هدومى نسيت ما احضرها.
ابتسم بخفة مردفا:
- ورانا إيه غير خدمة جلالتك، عيوني حاضر.
وبالفعل قام لها بإخراج ثوب رائع وأخرج لنفسه بذلة سوداء وخرج من الغرفة ذاهبا إلـى الغرفة الأخرى لكي يستحم هو الآخر.
بعد وقت...
كانوا قد انتهوا من صلاة الضحي وانتهى هو من اعطائها الدواء ويتجهزان الآن للعودة إلـى القصر... أو هذا ما هيأه لها.
خرجت من المصعد وكادت أن تدلف إلـى المكتب ولكن قاطعتها السكرتيرة وهى تركض نحوها مردفة:
- كيان هانم الباقة دؤ ليك.
نظرت لها بتعجب وإلـى تلك الباقة التى كانت تزين بورد ذو الرائحة الطيّبة لتهتف بتساؤل:
- ومين بعتها.
- معرفش ياهانم عامل توصيل اداها للحرس تحت وهما جابوها هنا وقالوا إنـي اديهالك أول ما تيجي.
التقطت منها الباقة وهى تشكرها وطلبت منها إعداد كوب قهوة لها ودلفت إلـى المكتب وهى تشعر بأن هذا الصباح غريب.. أولّا علبة الهدايا تلك، والآن هذه!
وضعت الباقة على الطاولة ثم حركت كف يدها على شعرها بعشوائية وهى تنظر لها بتفكير.
ثم تنهدت بقوة لتستمع إلـى صوت طرقات على الباب يليه دلوف السكرتيرة وهى تحمل لها فنجان قهوة ووضعته أمامها.
هتفت كيان بهدوء:
- في اجتماعات النهاردة.
أومأت لها السكرتيرة مردفة:
- ايوا ياهانم بعد 20 دقيقة بالظبط.
ثم وضعت أمامها ملف الذى يحتوى على معلومات عن هذا الاجتماع وغادرت لتأخذه كيان وهى تتفحصه جيداً.
قاطعها مجدداً صوت طرقات على الباب لتأمر بالدخول ليدلف آخر من توقعت رؤيته هنا والآن.
دلف إياد وترك الباب مفتوحاً خلفه وهو يحمل بعض الملفات بين يديه مردفا بجدية:
- الملفات دى محتاجة امضاء حضرتك بما إن ريان مش موجود.
نظرت له وهر تشعر بشئ غريب.. لم قلبها لم ينبض بعنف كـكل مرة كانت تراه فيها أو تستمع إلـى صوته.
أيعقل أن يكون حديث سليمان صحيح...؟!!
فاقت من شرودها على صوته وهو يحمحم بقوة وهو لا يستمع إلـى إجابة منها.
لتردف كيان بهدوء:
- تمام اتفضل على ما اوقعهم.
وضعهم على الطاولة ثم اردف بدون النظر لها وهو يقف عند الباب:
- هستنى هنا.
لم تجادله واخذت الملفات وقامت بتوقيعهم بدون أن تراجع عليهم ونهض متجهة نحوه مردفة:
- اتفضل.
أخذهم إياد منها وهو يردف بشكر وبدون وعى لما يتفوه بـه:
- شكرا يا آنسة رُواء.
وغادر بدون أن يدرك أنـه ناداها باسم فتاة أخري بينما هى ضيقت بين حاجبيها من هذا الاسم الغريب ولما ناداها بـه ومن تكون هذه الـ رواء.
شعرت بالضيق ليس من أجل شئ ولكن هذا يزعج أي فتاة ولا تحب أبداً أن يناديها أحد باسم أخرى.
اغلقت الباب بقوة وهى تقوم ببعثرة شعرها وتزفر بضيق ووقفت تنظر إلـى مدخل الشركة من الزجاج لتراه وهو يدلف إلـى الشركة بثقته الكبيرة.
مسحت على جبينها وهى تردف بحنق:
- كملت.
جلست على المقعد لتستمع إلـى طرقات على الباب لتؤمره بالدلوف ولم تكن سوى السكرتيرة التى هتفت بإحترام:
- زيد بيه طالب مقابلتك.
أومأت لها وأشارت لها بالإنصراف وهى تخبرها أن تدلف زيد.
بعد دقائق دلف زيد بجاذبيته ونظر لها بإبتسامة ثم نظر إلـى باقة الورد لتزداد ابتسامته ومد يده مردفا:
- أتمنى ألا أكون قد أتيت فـي وقت غير مناسب.
صافحته مردفة برسمية:
- لا اتفضل.
جلست على مقعدها مجدداً وهى تنظر له منتظرة أن يخبرها سبب مجيئه ليبتسم بخفة وهتف بهدوء:
- حسناً لقد أتيت لكي أخبركِ بأنني أريد بأن اعقد صفقة أخرى مع شركات الذئب.
أومأت له وهتفت برسمية:
- هنعمل اجتماع علشان نبقي نتكلم عن أمور الصفقة والشرط الجزائي وغير، وحضرتك تكون جهزت الورق المطلوب.
- هذا جيد ليكون الإجتماع قريباً.
أشارت له بأن ينتظر قليلاً ثم رفعت سماعة الهاتف وطلبت السكرتيرة وجعلتها تخبرها بما ينتظرها غداً من أعمال حتى ترى وقتا متفرغاً له وقد وجدت بالفعل حيث أن غدًا يوجد سبعة عشر صفقة وستصبح ثمانية عشر بـه وهذا شئ لا يذكر بما تعقده شركات الذئب من صفقات تتعدى الأربعون صفقة فـى اليوم.
ولكن تأجل الكثير منهم حتى عودة الذئب.
غادرت السكرتيرة لتردف كيان برسمية:
- يبقى بكرا الساعة ٩ بالليل.
هتف زيد ببعض الاعتراض:
- ألَا ترين أنه بعد انتهاء الاجتماع سيكون قد تأخر الوقت؟
هزت كتفيها مردفة:
- دا شئ طبيعي فـي العمل.
_ هذا عندما يكون الذئب هو المتواجد هنا، ليس أنتِ، كيف ستعودي بمفردك في وقت متأخر؟
هتف بها ببعض الحدة، لم تنكر أنها شعرت بالرهبة منه ولكنها هتفت بغضب:
- وأنت مالك أنت إيه دخلك ارجع ازاي كنت وليّ أمري، أنت آخرك تهتم بأمور الصفقة وبس وياريت تفهم دا وتلتزم حدودك كويس.
نهض بغضب ضارباً المكتب بقبضة يده جعلتها تنهض وتراجعت إلـى الخلف بخوف بينما هو فقدْ فَقَدَ السيطرة على غضبه.
ليصرخ بها هادراً:
- لن تتأخري عن الساعة السابعة، فهمت.
هتفت بغضب هى الأخرى ولكن بصوت خرج مرتجفاً:
- ومين أتت علشان تحدد امشي امتى.
شهقت بذعر وهى تراه التف حول المكتب ووقف أمامها في ثوانِ في أقل من ثانية.
وضعت يديها أمام صدرها في شكل دفاعي بينما اتسعت عينيها برعب منه.
رفعت رأسها وعينيها لتتقابل مع عينيه التى تشع بالغضب لتفتح فمها وتغلقه في محاولة فاشلة للتحدث:
- ابعد عني احسن ليك ومتحاولش تتعدى حدودك.
تلك الحمقاء ألا تعلم بأنها في موقف لا يؤيدها على فرض أوامرها إطلاقاً.
انحنى زيد كثيراً نحوها هامسًا جوار أذنها:
- لا تختبرى صبري فإنه ينفد سريعًا، لا تنسي هذا أبداً ولا تعاندي معي يا صغيرتي ففى نهاية الأمر ستفعلين ما أقوله.
تجمعت الدموع بمُقلتيها وهتفت بصوت خرج مهتزاً بدون إرداتها:
- ابعد عنى.
شعر بنبرتها المهتزة ليبتعد عنها ونظر لها ليراها تكبح دموعها بصعوبة ليهمس بحنان على عكس ما كان عليه منذ لحظات:
- إلّا في هذه الحالة سأفعل أنا كل ما تطلبين.
رفعت نظرها له بعدم فهم وهبطت دمعة من مقلتيها ليرفع كف يده وكاد أن يزيلها ولكنها كانت الأسرع وأزالتها هى وطلبت منه الابتعاد عنها ليتنهد بخفة وابتعد قليلًا إلى الخلف وما إن وجدت مساحة جيدة بينهما حتى تحركت سريعًا من أمامه ووقفت بعيدة عنه تماماً، تقريبًا في آخر زاوية المكتب!
هتفت بقوة استجمعتها بسبب ابتعادها عن محيطه:
- اتفضل اخرج واحتمال يكون هشام هو اللي هيتولى أمر الصفقة دى.
فرك بجانب فمه كعادته عندما يكون صبره على وشك النفاد مردفًا:
- لا، ستكونين أنتِ، وقبل أن تسألى لمَ؟ سأجيبك لأنني أريد هذا.. أراكِ غدًا يا صغيرتي.
انهى حديثه بغمزة عابثة وخرج أما عنها فقد كانت تشتعل غيظاً من ثقته هذه لتجلس على المكتب بغضب وهى تسُبه بداخلها.
ثم نظرت إلـى باقة الزهور لترى بها ورقة باللون الوردى مطوية بين الورود لتلتقطها وهى ترى ما بها.
- جميلة أنتِ، مثلهن بل أجمل.
وضعت رأسها بين كلتا يديها وهى تشعر بها تكاد تنفجر من التفكير لتضع الورقة بحقيبتها وبدأت باحتساء القهوة وهى تراجع بعض الأوراق وهى تبعد كل شئ يشغلها عن العمل.
رواية الطبيب العاشق (2 الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم منة جبريل
نظر حوله ليرى بأنه ليس بغرفته لينظر حوله ليعلم بأنـه فى غرفة فندق من هيأة الغرفة.
نظر إلى الفراش ليجدها غافية عليه، بينما هو فقد كان على مقعد بجوار الفراش.
نهض والتقط سترته التى كانت أرضاً وتأكد من ما يخبأه بها ليتنهد بيأس هامساً:
- ضاعت ليلة.
أكمل وهو ينظر لها:
- شكلها هتغلبني.
ليرتدى سترته سريعاً وكاد أن يخرج ولكن توقف عندما استمع إلـى صوتها:
- إلى أين بيجاد؟
لم ليتفت لها واردف بهدوء:
- سأذهب للعمل.
وغادر سريعاً بدون أن ينتظر رد منها وصعد سيارته وانطلق نحو ڤيلته.
دلفت اليها وهو يتمنى أن تكون مازالت نائمة ولكن لم يقف الحظ معه حيث وجدها تجلس على مقعد فى بهو الڤيلا تضع قدما فوق الاخرى وهى ترتشف مشروب دافئ ببطء وعيناها تتفحصانه بدقة.
ابتسم واقترب منها وقبل وجنتها مردفا:
- صباح الجمال.
نظرت له وهتفت بهدوء مريب وكأتها لم تستمع إلـى ما قاله:
- كنت فين؟
حك حاجبه بإبهامه وهو يردف:
- فـي الشركة.
- وايه اللى رجعك طالما أنت فـي الشركة؟
ثم نظرت له من أعلى لأسفل مردفة:
- ومش معقول تكون روحت الشركة وانت بحالتك دى.
فقد كان شعره مشعث وملابسه غير مهندمة ليردف بيجاد بثبات:
- اكيد أنا روحت بحال أفضل من كدا بس حسيت بخنقة وبوظت كل حاجه علشان كدا رجعت.
ارتشفت من فنجانها وهى تومئ بخفة وعيناها مثبتة على نقطة وهمية.
ليقبل بيجاد جانب رأسها ونهض وهو يردف:
- هغير هدومي بسرعة.
بعد رحيله نظرت إلـى مكانه لتجد هاتفه لتلتقطه وحاولت فتحه ولكنها وجدت كلمة مرور عليه لتظل تفكر قليلاً ثم اتتها فكره لتضع الأرقام وانتظرت قليلا ليلغي القفل بالفعل.
لتبتسم بخفة فكانت كلمة المرور هى تاريخ يوم لقائهم.
.. اختفت ابتسامتها سريعًا فهذا ليس وقته يا صبا، ركزي...
تفحصت الرسائل والمكالمات ولكنها لم تجد ما يثير للشكل.
تتفحص إيميله الخاص لتجد أنه أيضًا لا يوجد عليه سوى الأعمال لتغلق الهاتف والقته بجاورها وهي تأنب نفسها لأنها شكت به ولأنها أيضًا قامت بالبحث بهاتفه وهذا لا يصح ابداً.
وجدته يهبط الدرج وقد أبدل ملابسه بالفعل وجلس بجوارها والتقط هاتفه لتفاجئه هي بحديثها عندما أردفت:
- دورت فيه؟
ضاق بين حاجبيه مردفا:
- ليه؟
هزت كتفيها وهى ترتشف من فنجانها:
- لإني شكيت فـي حاجة وحبيت اتأكد.
تفاجأ من صراحتها ليردف بضيق:
- واتأكدتي من شكوكك؟
أومات له مردفة:
- اممم وكويس طلعت شكوكي مش صحيحة.
ثم رمقته نظرة غامضة وصمتت.
ليتأفف بيجاد وهو ينهض مردفا بضيق:
- تمام رايح الشغل عايزة حاجة؟
هزت رأسها بالنفي ليغادر وصعد سيارته وانطلق نحو الشركة ليرى اذا كيان كانت تريد مساعدة ما.
بينما هي فنهضت وتوجهت نحو غرفتها وهى تتذكر أنها عندما استيقظت شعرت بألم شديد برأسها ولم تجده أيضا لتتساءل أين هو فى هذا الوقت الباكر.
وقامت بصنع مشروب آخر لها حتى يخفف ألم رأسها ولو قليلاً وجلست منتظرة قدومه.
---
نظرت حولها وهى تهتف بتساؤل:
- احنا فين؟
همس بجوار اذنها:
- فى الغردقة.
نظرت له وهى تتساءل:
- وجبتني هنا ليه، أنا قولت عايزة اروح القصر.
أحاط كتفيها وحثها على السير معه مردفا:
- قولت نغير جو أحسن ونقضي يومين حلوين في الغردقة وبعدها نرجع.
هزت رأسها بيأس منه ولكنها شهقت بسعادة عندما رأت البحر أمامها ليقهقه هو مردفا:
- اظن إني مغلطتش لما جبتك هنا.
ثم أشار لها على ڤيلا رائعة تخطف الأنظار بجمالها مكملا حديثه:
- دى الڤيلا اللى هنقعد فيها.
انبهرت بتصميمه وألوانه المبهجة وصفقت بيديها ثم هتفت بمرح:
- انت عندك ڤلل كتير ما شاء الله.
قهقه علي حديثها هاتفا:
- هذا من فضل ربي.
لتمسك بيده ونظرت له بلؤلؤتيها السوداء مردفة:
- يلا نتمشي على البحر.
ابتسم بحب لها مردفا وهو يقبض على كف يدها:
- يلا.
وبالفعل ظل يسيران معاً على الشاطئ حيث كان المكان خاليا تماماً حتى غربت الشمس ليجلسا على الرمال وأسندت رأسها على كتفه وهو أحاط كتفيها بذراعه وبقيا يشاهدان هذا المنظر الخلاب والرائع حيث بدا البحر وكأنه يبتلع الشمس بين ميائه.
هتفت حوراء بخجل:
- أنا جعانة.
نظر لها بطرف عينه ليردف بعدها:
- دى مصيبة بقى محدش فينا بيعرف يطبخ.
اعتدلت في جليتها ونظرت له مردفة:
- هنعمل ايه؟
ابتسم بخفة وقرص وجنتها المحمرة هاتفا:
- اكيد الذئب عمل حسابه واتعلمت كام حاجه كدا.
ضحكت عليه مردفة:
- هو مين المفروض أته يتعلم؟
- اكيد مش أنتِ لإنى مش هسمح إنك تتعبي نفسك.
هتف بها ببساطة وفاجأها عندما حملها بين ذراعيه ونهض بها متوجها نحو الڤيلا لتضحك هي بسعادة كبيرة لأنه بجوارها.
دلف بها إلـى الڤيلا لتنبهر بتصميمها من الداخل واردفت بمرح:
- هو انا كل شوية هقعد انبهر كدا مش هينفع.
ضحك بخفة وأنزلها بحذر، وما إن ابتعد عنها أحست بدوار فجأة ووقفت وأمسكت برأسها.
ليقترب هو منها سريها هاتفا بقلق:
- مالك؟
هزت رأسها بالنفي وهى تبتسم له مردفة:
- لا مفيش حسيت بدوار بسيط.
أمسك بها وسار بها نحو احدى المقاعد واجلسها عليه مردفا:
- ارتاحي وهحضرلك اكل وبعدها تاخدى العلاج.
أومات له بهدوء ليقبل رأسها ونهض متوجها نحو المطبخ وقام بإعداد طعام صحي سريع وعاد لها ووضعه أمامها ثم بدأ يطعمها وكأنها طفلة بل هي كذلك بالفعل بالنسبة له.
بعدما انتهت اعطاها الماء والعلاج لترتشفه بهدوء، بينما ربان كان يتابعها بعينيه مبتسمًا، يقسم أن يجعلهم يومين يعيدان لها طاقتها النفسية والجسدية.
---
أظلمت السماء وأضاءها القمر وزينتها النجوم.
دلف هشام إلـى ڤيلا إياد وهو يصيح:
- إياد.
أتت رواء وهتفت بهدوء:
- مين حضرتك؟
نظر لها هشام بإستغراب وهو يتساءل "من هذه الفتاة". ولكنه خمن أن هذه هي الفتاة التي من أجلها يبقي إياد الليل عنده ولم يجبها بل قام بمناداة إياد مرة أخرى.
لتنظر له رواء شزرا وقبل أن تتحدث جاء إياد.
هتف إياد بجدية وقد كان ما يزال عند شقيقتبه بعد أن تطلبتا منه أن يبقى لبعض الوقت كون الليل ما زال في بدايته:
- اتفضلي جوا يا آنسة.
وبالفعل دلفت رواء.
ليهتف هشام بابتسامة:
- احنا عازمين نفسنا عندك بس والله نسيت موضوعها خالص لو كنت فاكر مكنتش جمعت الشباب وجيت.
ضيق إياد حاجبيه وهو يردف:
- ولا يهمك بس انا مش شايف غيرك.
ضحك هشام بخفة مردفا:
- ادخلوا يا شباب.
جاء صوت بيجاد الذى يردف بمرح:
- ادخلوا بيمينكوا يا شباب.
ودلف بعده أيهم وكان يحمل نقـاء وغيث وأيان وآسر.
رفع إياد حاجبيه مردفا بمرح:
- ما شاء الله دي العيلة كلها.
جلس بيجاد على أقرب مقعد مردفا:
- اكيد يا ابني وبصراحة أنا عازم نفسي على الأكل عندك.
جلس بجواره أيان مردفا:
- وانا كمان.
ضحك غيث مردفا:
- والله يا إياد انت صعبان عليا احنا جايين ناخدها سهره بس هما جايين وناويين يخلصوا التلاجة.
قهقه إياد بقوة مردفا:
- اتفضل انت وهو على ما احضرلكوا الاكل.
هتف آسر بهدوء:
- يا عم تعالى اقعد احنا مش عايزين ناكل.
- لا، عايزين ناكل.
كان هذا صوت بيجاد وأيان ليقهقه إياد بقوة ثم اردف وهو يتجه نحو أيهم ويلتقط نقـاء من بين يديه:
- هخليها مع البنات.
أوما له أيهم ليغادر وصعد إلـى الأعلى متوجها إلـى غرفة أمـه الروحية وطرق الباب ليستمع اليها وهى تأذن له بالدخول.
ليدلف وهو يلقي السلام عليها ليجد شقيقتيه وتلك الرواء معها بالغرفة.
صرخت آيـة وأريب معا وهم يتوجهون نحوه سريعاً يلتقطون نقـاء من بين يديه وهم يقبلانها وهى تصدر أصوات مضحكة ليردف بإبتسامة:
- خلوا بالكم منها بقى.
وأكمل بحرج:
- معلش يا أمي بس الشباب جو طلبوا أكل ممكن تعمليه من إيديكِ.
ضحكت امينة وهى ترى خجله لتردف بحنان:
- اكيد يا حبيبي واحلى اكل ليهم وليك.
هتفت رواء سريعا:
- احم أنتِ ممكن ترتاحى يا خالتو وانا هعمل الاكل.
هتفت آيـة مؤيدة:
- اه أنتِ ارتاحى وانا ورواء هنعمل اكل.
- أنتِ؟
هتفت بها أريب باستنكار.
لتهتف آيـة بمرح:
- يا بنتي قصدى هساعدها فـي حجات بسيطة وكدا.
هتف إياد بجدية:
- طيب اتفضلوا ورايا.
نهضت رواء وآيـة وتركوا نقـاء مع أريب وأمينة وساروا خلفه حتى وصلوا الى الدرج.
نظر لشقيقته مردفا:
- لو احتجتوا أى مساعدة نادى عليا.
أومأت له بهدوء وأشار لهما ليتحركا إلى المطبخ ثم توجه هو إلـى الشباب وجلس معهم وهو حقا يعتبرهم كأصدقائه وأكثر.
---
يجلس على الفراش وهو ينظر إلـى اللاب الخاص بـه بأعين يتقطر منها العشق و الشغف.
تسللت بخطوات قطة ماهرة ولم تصدر أى صوت وجلست برشاقتها بخفة بجانبه على الفراش لدرجة أنـه لم يشعر بها.
نظرت إلـى هيأته ثم حركت بؤبؤ عينيها على اللاب لترى صورة فتاة فى قمة الجمال والجاذبية ويظهر أن الصورة تم إلتقاطها بدون أن تدرك وبالطبع علمت من هي.
هتفت بإعجاب فهى بالرغم من أنها لم تدرك بأن أحداً يقوم بتصويرها إلا وأنها جميلة جداً:
- تمتلك الجمال التركي وبشدة.
انتفض وهو يستمع إلـى صوتها ليغلق اللاب مردفا:
- منذ متى وأنتِ هنا؟
فتحت رنـا اللاب مجددا وهى تردف:
- منذ قليل، أخبرني... متى التقطت هذه الصورة لها؟
نظر زيد إلـى الصورة ثم تنهد بخفة وقص لها كيف قام بالتقاط هذه الصورة.
كان ينتظر إشارة المرور وهو شارد الذهن بمن أسرته كليًا، تنهد بملل وهو ينتظر إشارة المرور لينظر بجانبه لتتسارع نبضات قلبه وهو يراها.
تركز بصرها على إشارة المرور وتضع نظارتها السوداء على عينيها ويا للمأساة!!..
فقبل أن تشبع عيناه من رؤيتها أضاء اللون الأخضر لتقوم بتحريك سيارتها وانطلقت بها لينطلق هو الآخر خلفها.
توقف على بعد مسافة جيدة من وقوف سيارتها ليراها تدلف إلـى مطعم من احدى المطاعم التابعة لسلسة مطاعم الذئب.
ترجل من السيارة سريعاً ودلف إلـى الداخل خلفها ليراها تتوجه إلـى مكان مخصص بالمطعم وهو منفرد حيث تأخذ هـي حريتها التامة بـه.
سار خلفها وقبل أن يصل لها اوقفه بعض الرجال وهتف أحدهم بجدية طاغية:
- تؤمر بـحاجه ياباشا.
نظر لهم بغضب فكيف لهم بأن يوقفوه ليردف بحدة:
- ومن أنت لتوقفني؟
هتف نفس الحارس بجدية:
- المكان دا مخصص للهانم ومحدش بيقعد فيه غيرها اتفضل شوفلك مكان غير.
لقد علم الآن لما اوقفوه ليبتعد عنهم بصمت وجلس على طاولة كان الحاجز عنه وعن الجناح الخاص بتلك الكيان هو حائط زجاجى.
ابتسم بعشق وهو يراها ترتشف من عصيرها بتلذذ وتنظر إلـى شاشة العرض التى أمامها ليقوم بإخراج هاتفه والتقط لها صورة يقسم بأنها من اجمل الصور التى رآها بحياته.
ظل يتأملها وهو يراها مرة تتناول من تلك الكعكة التى أمامها ومرة أخرى تقرأ من ذلك الكتاب.
يا اللّٰه .. كم هي جميلة ، رقيقة وفاتنة ..
يتمنى ان يخفيها عن العالم أجمع.
.. أردفت رنـا بمرح:
- انظروا إلى المهووس.
نظر لها زيد شزراً لتصحك بخفة ثم هتفت بتذكر:
- آه تذكرت، تحدثت إلى والدي وقال لي بأن أخبرك..
وأكملت وهى تقلد لهجة والدها باللغة الإيطالية:
- عليك العودة سريعاً لتهتم بأمور الشركة فهو سيعتني بوالدته هذه الأيام بسبب مرضها المفاجئ.
هتف زيد بجدية:
- وما مرض والدته؟
هزت كتفيها مردفة:
- كالعادة مجرد حرارة مرتفعة قليلاً ولكنك تعلم إنها والدته التي يعشقها بالنهاية ونحن كذلك.
أومأ لها بخفة وشرد بذهنه فهو لم ينتهى من عمله الحقيقي هنا إذاً كيف سيعود.
لاحظت رنـا شروده وعلمت بما يفكر ولأنها شقيقته يجب عليها مساعدته.
هتفت رنـا بجدية:
- أقترح بأن تبقى أنت لتنتهي من أمورك هنا، وأنا سأعود إلى إيطاليا وأهتم بالشركة.
نظر لها قليلاً ثم أردف:
- حقاً؟
أجابته مبتسمة بالإيطالية:
- تحدث معى بالإيطالية فأنا أشعر بثقل لسانى عندما أتحدث العربية رغم اتقاني لها. ونعم يمكننى الذهاب ولكن سأظل على تواصل معك حتى اعلم إذا نجحت مخططاتك فى اختطاف قلب تلك الجميلة أم لا، وأعلم أنه سيكون أمر ممتع فأنت وقعت في حب فتاة تخص الأضلاع المثلث الثلاثة وهذه ستكون حرباً طاحنة بلا شك.
تنهد زيد بخفة فهى معها حق ويا لحظه فحين أحب، أحب فتاة صعب الوصول إليها، ليردف بهدوء:
- حسناً، لكن كفي عن طرد العمال.
اردفت رنـا بهدوء:
- لا يجدر بهم اغضابي لكي لا يخسروا عملهم ياأخى.
أجابها بتذمر:
- يا فتاة أنتِ تطردين في اليوم أكثر من عشرين عامل وأنا أشقى حقاً في جمع عمال جدد.
هزت كتفيها بعدم اكتراث ليهز رأسه بيأس لتنهض رنـا مردفة:
- حسناً سأذهب لتجهيز حقيبتي وسيكون سفري في الصباح الباكر.
- شكرا لك.
هتف بها زيد بهدوء لتبتسم رنـا مردفة بمرح:
- أوه لست معتادة على لطفك فأنت دائماً متعجرف ومتسلط، إلّا معها بالطبع.
أنهت حديثها بغمزة عابثة لتخرج وتغلق الباب سريعاً قبل أن ترتطم بها تلك الوسادة التي ألقاها عليها زيد وصوت ضحكاتها تصل لمسمعه بينما ابتسم الآخر وهو يهز رأسه بيأس من شقيقته.
---
انتهوا من تناول الطعام وجلسوا يتحدثون في أمور شتى.
جاء صوت رقيق وهو يهتف عن بعد عنهم:
- استاذ إياد.
التفتوا جميعا نحو الصوت ليروا فتاة لأول مرة يروها بينما نهض هو وتوجه نحوها سريعا واردف ببعض الجدية وهو يغض بصره عنها:
- اتفضلي.
لا تعلم لما احمرت وجنتيها وعادت إلـى الخلف رغم أنه لم يكن قريب منها وهتفت بصوت خافت محرج:
- القهوة جهزت.
أومأ لها لتدلف إلـى المطبخ وعادت بعض دقائق وهى تحمل الصينية وعليها الكثير من أكواب القهوة إلا كوب منفرد عنهم وبـه ناسكافيه.
التقط منها الصينية وهتفت بخجل:
- عملت لك كوب كابتشينو عارفة مبتحبش تشرب القهوة بالليل.
حمحم وهو يردف بهدوء وبعض الحرج فهو لم يسبق له وازداد حديثه مع فتاة عن ثوانِ معدودة وهى ليست أي فتاة:
- شكرا لحضرتك.
واستدار مبتعداً عنها وهو يشعر بنبضات قلبه التي ازدادت بشكل ملحوظ، بينما هي فقد صعدت إلـى الأعلى عند الفتيات ووجهها يشع احمراراً فهي أيضا لا تحب الحديث مع الجنس الآخر، خاصتًا هو.
وضع الصينية على الطاولة ليلتقط كل من الشباب كوب من القهوة بينما هو التقط كوب الكابتشينو وهو شارده.
هتف أيان بتساؤل:
- مين دي؟
نظر له إيـاد واردف ببعض الحدة:
- وانت مالك.
رفع أيان حاجبيه بدهشة من رده واردف وهو يرفع يديه بإستسلام:
- خلاص ملهاش لزوم العصبية.
رفع يده الفارغه وفرك جبينه وهو يستغفر ربه ثم اردف بهدوء:
- اعذرني مكنتش اقصد.
هتف بيجاد بمرح:
- شكلك مضغوط اوى.
ابتسم له إيـاد بخفة وارتشف من كوب النسكافيه ليبتسم بخفة فهو لذيذ بحق.
بعد وقت…
نهض هشام مردفا:
- يلا ياشباب.
نهض أيهم مردفا:
- ايوا فعلا.
نظر هشام إلـى إياد وهتف:
- هتاجي معانا؟
- اكيد هجيب نقـاء وجاى.
هتف بها إياد وهو ينهض واتجه نحو الأعلى وأخذ الطفلة وودع أميراتـه وذهب مع الشباب إلـى الڤيلا الأخرى.
---
صبـاحـاً.. بقصر ريـان الكيلانـى.
أفرغت عن عينيها وهى تشعر بألم في رأسها.
لتنهض بتكسال ودلفت إلـى المرحاض وتجهزت للذهاب إلـى الشركة.
قبل أن تخرج من القصر أوقفتها خادمة وهى تعطي لها صندوق هدايا متوسط الحجم وغادرت.
أخذته كيان وخرجت من القصر وهى تقرر فتحه فـي السيارة فهى تأخرت كثيراً.
واعتادت على هذا أيضا فهى فـي كل يـوم تتلقي هذه الهدايا من هذا المجهول.
وضعته بالمقعد المجاور لها ثم انطلقت إلـى الشركة.
بـعـد وقـت.
أوقفت سيارتها والتقطت العلبة ودلفت إلـى الشركة ثم توجهت إلـى المصعد.
ظلت تنظر إلـى الهدية وهى تفكر من هذا الذي يبعث لها هذه الأشياء.
فتح باب المصعد لتخرج منه ودلفت إلـى المكتب.
ووضعت البوكس على الطاولة وقبل أن تقوم بفتحه قاطعها صوت طرقات على الباب.
هتفت بهدوء وهى تجلس على المقعد:
- اتفضل.
دلف السكرتيرة وهى تحمل باقة من الورد باللون الأبيض وأعطتها لها وهى تخبرها أنـه عامل توصيل قام باخضارها كـكل مرة.
التقطت الباقة منها وأمرتها بالإنصراف لترى بها كـالعادة ورقة مطوية لتقوم بفردها وهى تقرأ ما بداخلها:
- أنيقة، وكأنكِ خُلقت مـن رقة الزهرة.
ابتسامة رقيقه تسللت نحو شفتيها لتضع الورقة على المكتب أمامها وقامت بجذب العلبة لها تزيل ذلك الشريط الذي يخرج منه لترى ما بداخله.
اتسعت ابتسامتها وهى تراها دُمية صغيرة وتاج دائرى من الورد الأبيض يحيط بهما الكثير من أنواع الشوكولاته ومعهم كما توقعت ورقة مطوية.
التقطتها وهى ترى ما بها:
- يصبح كل شئ جميل عندما تضحكين.
لا تدري لما، ولكنها ضحكت!
استمعت إلـى صوت طرقات الباب يليها دلوف السكرتيرة وهى تخبرها بأن شخصاً ما يريد رؤيتها.
قطبت حاجبيها مردفة بتساؤل:
- مين دا؟
- طلب انى مقولش على اسمه.
هتفت بها السكرتيرة برسمية لتومئ لها كيان بخفة فهى حقاً لا تريد أن يُعكر صفوها شئ.
ولكن.. تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن.
وجدته يدلف بطلته الخاطفة للأنظار لتنهض سريعًا وهى تتراجع إلـى الخلف.
توقف عن السير عندما وجدها تتراجع خوفاً منـه ليتسم لها بخفة ألقي نظرة على باقة الورد وعلبة الهدايا ليمد يده والتقط ذلك التاج ثم اعتدل فى وقفته ونظر لها.
ليراها تقف بعيداً عنـه ليسير نحوها بخطوات بطيئة ومع كل خطوة يتقدمها تتراجع هي إلـى الخلف خطوتين حتى أعاقها الجدار الزجاجي خلف المكتب.
أدرقت ريقها بصعوبة وهى تنظر له برهبة كبيرة وهى تراه يقترب منها وهو يثبت عينيه عليها.
وقف أمامها ولم يكن بينهم سوى مسافة قليلة ورفع يده لتغمض هي عينيها كرد فعل منها وهى تظن بأنه سيؤذيها.
تنهد بضيق من خوفها منه ليضع تاج الورد أعلى رأسها وعدل من خصلات شعرها وابتعد عنها.
فتحت عينيها ببطء وهى تلتقط أنفاسها بصعوبة بعدما كانت رائحة عطره هي الشئ الوحيد الذي يدخل إلـى رئتيها.
أردف زيد بصوت أجش:
- هكذا تكون سيدة الورد.
ثم التفت وكاد أن يغادر ولكنه توقف عندما استمع إلـى سؤالها والذي خرج بنبرة مرتجفه:
- عايز توصل لإيه؟
ابتسم لخفة وهو يستدير لها ثم رفع يده ووضعها على موضع قلبه هاتفا:
- لـهنا.
نظرت إلـى موضع يده لترفع رأسها وهى تهتف بحدة:
- دا فـي أحلامك.
هز كتفيه مردفا:
- هذا شئ جيد.
وأكمل وهو يستدير وينظر لها بجانب عينه:
- لأننـى دائماً مـا أحقق أحلامي.
وأكمل وهو يفتح باب المكتب:
- أراكِ في الاجتماع.
وخرج من المكتب تاركاً إياها مغتاظة بشدة من غرورة. أو ثقته الزائدة بنفسه.
تأففت بضيق وجلست على المقعد مجدداً وأمسكت الهاتف وطلبت من السكرتيرة أن تحضر لها كوب من القهوة.
وبعد دقائق.
دلف السكرتيرة وهى تحمل بين يديها كوب القهوة وما إن رأتها حتى ابتسمت بخفة.
ضيقت كيان ما بين حاجبيها متسائلة:
- ايه اللي بيضحك؟
وضعت هنا الكوب على طاولة المكتب وهى تردف:
- مفيش يا هانم. على العموم أنتِ جميلة جداً المفروض يبقي لقبك سيدة الورد.
نظرت لها بأعين متسعة من حديثها الذي يشبه حديثه ولكنها مجرد صدفة لتشكرها وأشارت لها بأن تنصرف وأخذت كوب القهوة وظلت تحتسيه وهى شاردة بذلك الزيد.
وبينما هي شاردة به.
ابتسمت!
---
خرج من المرحاض بعدما أخذ شاور وهو يرتدي بنطال قطنى باللون الاسود وعلى غير العادة فهو يرتدي تيشيرت بنصف كم بنفس اللون أيضاً.
هتفت حوراء باستغراب وهى تمشط خصلات شعرها ضاحكة:
- غريبة يعنى انك تخرج وانت لابس كويس.
اردف بابتسامة وهو يقوم بفتح اللاب الخاص بـه:
- اه لإنى هكلم كيان اول مرة ابعد عنها الفترة دي كلها أكيد زعلانة مني.
نهضت سريعا وجلست بجواره وهى تبعد خصلات شعرها من على وجهها ليضحك بخفة وهو يهز رأسه بهدوء.
على الناحيـة الأخـرى.
قاطع شرودها صوت اللاب الخاص بـها يعلن عـن قدوم اتصـال لها لتنظر إلـى شاشته لتتسع عينيها وظهرت زرقاوتيها بشكل جذاب وهى ترى اسم شقيقها يزين الشاشة وهو يقوم بالإتصال عليها فـيديـو.
تركت كوب القهوة وقامت بالرد عليه لتظهر صورته أمامها لتمتلئ عينيها بالدموع وهى تراه يبتسم لها بحنان.
حركت شفتبها بدون صوت:
- أبيه.
وكأنـه علم ما تتفوه بـه ليردف بحنانه المعتاد عليها:
- وحشتي أبيه.
انهمرت دموعها ليخرج صوته وهو يردف بحنان:
- بلاش دموع يا كياني اعذريني قصرت معاكِ الأيام دي بس صدقيني غصب عنى.
هتفت كيان بحزن:
- سبتنى وروحت فين أبيه، هانت عليك كيان تسيبها دا كله من غير ما تكلمها حتى او تطمن عليها.
- يا روح أبيه غصب عنى صدقيني انتى عارفة إنـى مقدرش ابعد عنك ولو ساعة واحدة.
= بس اهو بعدت عنى واكتر من شهر وكمان مسألتش عنى مرة واحدة انا زعلانة منك اوى.
ظهرت حوراء بجانب كيان لتردف بحنان وهى تراها لا تريد الاقتناع بحديث أخيها:
- ومين يقدر على زعلك يا ست كوكو. اعذرى اخوكِ هو بعد عنكم كلكم بسببى. اأتا كنت تعبانة قوى وهو اضطر أنـه يبعد بيا علشان يعالجنى.
توقف دموع كيان وظهر فى عينيها القلق مردفة:
- تعبانة.. حصل اى ومالك؟
أمسك ريان بيد حوراء ونظر لها بمعنى " لا تتحدثي " ولكنها هتفت بهدوء وثبات:
- فى حد كان بيدينى مخدرات من غير ما اعرف وبقي في نسبة كبيرة منه فـي جسمى وعلشان ميقلقش حد ويعرف يعالجنى اخدنى وسافر وكل حاجه جت بسرعة وملقيش وقت لإنـه يقولك أو يكلمك.
شهقت كيان وهى تضع يدها على فمها وهى تردف بقلق جلىّ:
- وأنتِ كويسة دلوقتي؟
ابتسنت لها حوراء مردفة:
- زى الوحش قدامك اهو.
هتف ريان بمغازلة:
- أحلى وأجمد وحش شفته فـي حياتي.
نظرت له بصدمة وخجل لحديثه هذا أمام شقيقته بينما ابتسمت كيان من بين دموعها وهتفت وهى تنظر إلـى شقيقها بندم لما تفوهت بـه ولأنها ظنت بـه سـوء:
- آسفة يا أبيه مكنتش أعرف ان...
قاطعها ريان وهو يردف بحنان:
- ولا يهمك يا كياني.
ثم هتفت حوراء وهى تحرك حاجبيها بطريقة مضحكة:
-بس إيه الجمال دا يا كوكو لا وكمان تاج ورد.
وضعت كيان يدها على رأسها تتحسس ذلك التاج الذي تناست أمره تماماً وهتفت بإبتسامة مضطربة:
- آهه.. اصل.. أصل هو عجبنى وكدا.
- ذوقك جميل قوي.
هتفت بها حوراء بابتسامة لتبادلها بابتسامة مضربة.
ودام الحديث بينهم وتابع ريان معها بعض العمل والأوراق وكانت تستشيره فـي الكثير وكان هو يملى عليها ما يجب عليها فعله بينما تركتهم حوراء يتحدثون بالعمل بعدما شعرت بالملل وعدم الفهم لما يتفوهون بـه وكانت تشعر وكأنهم يتحدثون باللغة الهيروغليفية.
أردف ريان بهدوء:
- أنتهيتي من صفقة زيد الرباعي؟
توترت عند سماع اسمه وهتفت بثبات ظاهري:
- ااه بس هو.. هو يعنى.
- هو اى حصل حاجه غلط فـي الصفقة؟
هزت رأسها بالرفض مردفة:
- لا لا بس هو طالب عمل صفقة تانية وأكبر من الأولى.
ضيق ريـان بين حاجبيه ثم اردف بهدوء:
- وهشام وبيجاد فين مـن دا كله؟
هتفت بتلعثم:
- اصله يعنى.. هو.
هتف ريـان وو على وشك أن ينفد صبره:
- هو اى يا كيان.
عادت خصلاة شعرها خلف أذنها واردفت:
- طلبه كان إنـى أنـا اتولى أمور الصفقة دى مش حد تانـى.
- نعــــــــم.
هتف لها بحدة وهو يضرب بقبضة يده على الطاولة أمامـه التي يضع عليها اللاب:
- هو فى أي حق يطلب طلب زى دا وهشام فين من دا، وازاى يوافقه.
هتفت كيان بقلق:
- هشام ميعرفش بطلبه دا يا أبيه.
نظر لها بطرف عينه ثم وضع الهاتف على أذنه وانتظر الرد.
هتف بغضب بعدما أتاه الرد:
- إيه يا أستاذ هشام نايم لحد دلوقتى وناسي الشركة.
فزع هشام الذي كان قد استيقظ مسبقا وكان قد ارتدى ملابسه وهو يستعد للذهاب إلـى الشركة مردفا:
- في إيه بس يا ريان اهدى حصلت مشاكل في الشغل.
در بـه ريان بغضب:
- انت ازاى تسمح للى اسمه زيد الزفت دا يتشرط في امور الصفقة ويطلب ان كيان تتولى الصفقة دى.
هتف هشام بعدم فهم:
- استنى بس وفهمنى انا معرفش حاجه من اللى بتقول عليها دى.
- ما هو طبيعي لما تكون سايب الشغل.
ثم اكمل وهو يضيق عينيه:
- راجعت امور المستشفي يا هشام والزفت بيجاد دا فين.
صرخ هشام من الناحية الأخرى بغضب:
- ما تسكت شوية يخربيتك مش فاهم حاجة. اولا آهه اهتميت بأمور المستشفي وكل حاجه تمام والشركة انا متأخرتش عليها ولا حاجه دي الست هانم متعودة تروح بدرى انا ذنبي إيه.
وكمان معرفش حاجه عن اللى اسمه زيد دا غير انه طلب عمل صفقة تانية بس مش اكتر وكيان مجابتليش سيره عن انه طلب انها تتولى امور الصفقة دى.
جاءه صوت ريـان مـن الناحية الأخرى وهو يهتف بوعيد:
- دقايق وتكون فـي الشركة وانت تتولى امور الصفقة دى لحد ما ارجع.
ولم يترك له فرصة للرد وأغلق بوجهه ليهتف هشام بسخط:
- ابو شكلك يا أخي جبتلى الصرع منك لله انت وكيان اللى جايبالى المشاكل لما اشوفها بس.
فـي الشركة.
هتف ريـان بهدوء ظاهري حتى لا يخيفها ولكن كانت نبرته حادة:
- هشام جاي وهو هيتولى امور الصفقة أي جدال هيحصل الصفقة هتتلغي.
أماءت له كيان بتوتر خفي ليغلق هو المكالمه لتزفر كيان بهدوء وهى تسُب زيـد بداخلها.
---
هتف إياد بهدوء:
- خير ياهشام صوتك كان عالي ليه؟
- هو فى غير الزفت الشركة اللى مش لاقي غير التهزيق من وراها ما هو دا اللى ناقص هشام العامـرى يتهزق.
هتف بها بغضب شديد وقد قتمت خضراوتيه ليهتف إياد:
- استعيذ بالله من الشيطان بس واهدى.
مسح هشام على وجهه وهو يردف بغضب:
- اعوذ بالله من الشيطان الرجيم. استغفر الله.
ربت إيـاد على كتفه وهتف:
- جاي معاك الشركة ثواني بس اغير هدمى.
أومأ له ليتركه إياد ودلف إلـى الغرفة التي يمكث بها وابدل ثيابه فهو قد أحضر ثياب له حتى لا يضطر للذهاب إلـى الڤيلا في هذا الوقت الباكر وعاد لـه بعد دقائق وذهب معه إلـى الشركة.
وصلوا بعد وقت وترجلوا من السيارة ودلفوا إلـى الشركة وتفرقوا هنا حيث ذهب إياد إلـى مكتبه ودلف هشام إلـى المصعد متوجها نحو تلك الكيان.
دلف إلـى المكتب ليراها تصب كامل تركيزها على الورق الذي أمامها.
جلس أمامها وهتف:
- مركزة اوى.
شهقت كيان بفزع لتضع يدها أعلى صدرها وهى تردف:
- خضتنى.
ابتسم لها ابتسامة لم تصل لعينيه ثم اردف بغضب:
- امتى زيد قالك انه عايزك انتِ تتولى امور الصفقة.
حركت كف يدها على عنقها من الخلف مردفة:
- فـي اليوم اللي جـه وقال إنـه عايز يعمل صفقة تانية.
- وانتى مقولتيش ليه؟
هزت كتفيها مردفة:
- مهتميتش بكلامه وقولت كدا كدا انا اللي هتولى امورها.
تحدث وهو يقلد صوتها بطريقة مضحكة:
- كدا كدا انا اللي هتولى امورها. بسبب الزفت دا اخوكِ كان هياكلني.
ابتسمت له ببراءة مردفة:
- آسفة يا.
اشتتنهد باستسلام مردفا:
- مستغلة اوى أنتِ على فكرا. عارفة ان اتش ميقدرش يقولك حاجه.
ابتسمت ونهضت متجهة نحوه وعانقته مردفة:
- احلى اتش في الدنيا. انا مبسوطة اوى علشان أبيه كلمني.
عانقها بحنان مردفا:
- واقول هو عرف من فين وأنتِ مقولتيش حاجة يعنى لما جبت سيرته.
ضحكت بخفة ليربت هو على شعرها ثم هتف بهدوء:
- يلا نشوف الشغل اللي ورانا.
أومأت له وجلست بجواره وبدأت بالعمل معه وهى تحمد ربها بداخلها فهي رأته وهو يدلف إلـى الشركة لتقوم بتخبأة الهدايا سريعاً برفقة ذلك التاج أيضاً.
بينما هو من كان قد جاء بشياطين غضبه وقد كان ينوي صبه عليها، كل ذلك اختفى فور اعتذارها اعتذار بسيط فقط.
---
بعد وقت نهضت كيان وهى تردف بسرعة:
- الاجتماع فاضل عليه 10 دقايق.
اردف هشام بجدية:
- انا هتولى الاجتماع انزلى انتى وخلى سليمان يوصلك.
نظرت له بتوتر واردفت:
- لا لا انا حابة اكون فـي الاجتماع دا وبعدين انت معايا وهتروحنى لما نخلص.
- تمام يلا.
اردف بها لتقف هي بجانبه ولفت ذراعها هو ذراعه ونظرت له مبتسمة باتساع مردفة:
- أنا بحبك قوي يا اتش.
ابتسم لها وقبل رأسها مردفا:
- و هشام ملهوش غيرك.
عقدت انفها بلطافة ليضحك بخفة وسار معها إلـى خارج المكتب متجهين إلـى قاعة الاجتماعات.
كانت السكرتيرة تقف أمام باب قاعة الاجتماعات واردفت:
- كل حاجه جاهزة والاستاذ زيد ورجاله مستنيين حضرتكم.
أومأت لها كيان ومازالت متمسكة بذراع هشام وسارت معه إلـى الداخل.
توجهت جميع الأنظار نحوهم وكان من ضمنهم هو الذي اشتعلت عينيه بالغيرة والغضب وهو يراها تتمسك بذراع هشام بهذه الطريقة وكأنه حبيبها أو زوجها.
قبض على كفه بقوة حتى ابيضت مفاصله وقتم لون عينيه الازرق وهو على وشك الانفجار.
وقفت كيان ومعها هشام امام طاولة الاجتماع لترى نظرة زيد لها ولذراعها وملامحه التي لا تبشر بالخير إطلاقاً لتذدرق لعابها بتوتر وابعدت ناظريها عنه.
تركت ذراع هشام ببطء وتوتر وجلست على المقعد المخصص لها ويا لحظها فكان هو بالمقعد المقابل لها.
نظرت نحو هشام الذي بدأ بالحديث بجدية وأعين حادة تحذر الجميع من اصدار أي صوت وان فعلوا سيجدوا رأسهم بجانب جسدهم خلال لحظة.
لم تكن تتحدث طوال الاجتماع إلا بأشياء بسيطة وقليلة.
وعندما ازداد توترها وخوفها من نظراته نهضت ووقفت بجانب هشام وكأنها تستمد الأمان منه.
نظر لها هشام هامساً:
- لو تعبتي تقدرى تروحى.
هزت رأسها بالرفض وتمسكت بكف يده ليشعر هشام ببرودة يدها ليقبض عليها وهو ينظر لها بقلق خشية من أن تكون مُتعبة وتخفي الأمر عنه.
أما ذلك الزيد فيمكنكم وصفه الآن بأنه تنين يخرج من عينيه ناراً ووجهه الذي ازداد شراسة وكأنه يتهيأ للإنقضاض على احد الآن وعروق يده ورقته التي برزت بقوة.
بـعـد وقـت.
انتهى الاجتماع ليكون اول المغادرين هو زيد الذي لم ينتظر أحداً من رجاله ليستغرب الجميع من تصرفه لأن الصفقة سارت على شكل جيد ولا يوجد مشكلة بها إذا لما ذلك الغضب.
ساعدها في صعود السيارة وصعد بجانبها وجعل سليمان من يقود.
اردف بقلق وهو يتحسس جبينها ويدها:
- أنتِ كويسة.. متأكدة إننا منروحش المستشفى.
أومأت له وهتفت بخفوت:
- صدقني كويسة انا بس عايزة انام.
وااقتربت منه ورفعت ذراعه واسندت رأسها على صدره وأحاطت خصره بذراعيها ليحيطها هو بذراعه وقبل رأسها هامساً:
- نامى ياحبيبتى.
أغمضت عينيها وهى تتنهد وهيأته المخيفة لا تفارق مخيلتها.
---
بدأ يوم جديد وفعل الكل مثل ما هو معتاد أن يفعل.
- وأخيراً رجعنا الحمدلله.
ابتسم لها مردفا بحنان:
- اطلعى ارتاحى وانا هروح الشركة.
التفتت له وهى تردف بعبوس:
- اه رجعنا بقى وهتبدأ تهتم بشغلك اكتر منى.
أمسك وجنتها بين أنامله بخفة مردفا:
- وامتى انشغلت عنك يا ملكتي بس علشان فى شغل كتير ورايا بسبب غيابى و لازم اخلصه ومش هتأخر عليكي.
ابتسمت له وأومأت بخفة وقبلت وجنته مردفة:
- خلى بالك من نفسك.
ابتعد عنها مردفا:
- عيوني.
وخرج من القصر وهو يستمع إلـى ضحكاتها، لتختفي ابتسامته فور خروجه وعاد وجه الذئب المتجهم، رحب به الحرس وخصيصاً سليمان ليهتف ريان:
- انت بتعمل اى هنا مش المفروض تكون مع كيان.
هتف سليمان بهدوء:
- هشام باشا امر إني ملوش داعى اروح لإنه هيكون معاه.
تنهد وصعد السيارة لينطلق السائق به نحو الشركة وخلفه سليمان وبقية الحرستفاجأ العاملين بـه بعد غيابه المفاجئ ذاك وعودته المفاجأة كاختفائه.
لم يهتف بهم ولا بنظراتهم التي لم تتغير وتوجه نحو مكتبه.
دلف إلـى المكتب لتفزع كيان وكادت ان تصرخ بمن دلف هكذا بدون اذن ولكنها تصنمت مكانها وهى تراه أمامها بينما هشام كان ينظر له بتفاجؤ من مجيئه المفاجئ هذا ولكنه ابتسم.
نهضت سريعا وركضت بإتجاهه والقت بجسدها نحوه ليلتقطها هو وهانقها بقوة وإشتياق كبير.
اهتز جسدها بسبب بكائها وهتفت باشتياق وهى تلف ذراعيها بقوة حول رقبته:
- وحشتنى اوى يا أبيه.
ازداد من احتضانها مردفا:
- وأنتِ كمان ياقلب أبيه.
هتف هشام بهدوء وابتسانة تزين وجهه:
- يا قلبك الكبير مش بتتشطر غير علينا وعند الست هانم تحضنها وتبقي حنين.
هتف ريان وهو ينظر له محتفظا بكيان بين ذراعيه:
- حسابك معايا بعدين.
هتف هشام ببرود:
- لا خليه معاك مستورة الحمدلله.
ابتعدت كيان عن ريان وهى تضحك ليهتف ريان بغيظ:
- شكلك اتعديت من بيجاد دا اللي كان ناقص.
ثم نظر إلـى كيان مردفاً:
- روحي وانا هخلص الشغل.
- بس يازأبيه انت اكيد تعبان ولازم ترتاح.
- تعبان ابه بس روحى يا كيان يلا وانا ههتم بالباقي.
أومأت له بايتسلام ليحتضن هشام ريان هامسا له:
- الحمدلله على سلامتها.
عانقه بهدوء هاتفا:
- الله يسلمك يا أتش.
ابتعد عنه هشام وهتف بهدوء:
- يلا يا كوكو هوصلك.
أومأت له واخذها وغادر بينما جلس ريان على مكتبه وهو يبتسم بخفة فأكثر شئ يحبه بشقيقته أنها لا تعبث بأشيائه او تغير مكان شئ حتى ان كان قلم فهى تعلم تمام العلم بأن هذا يثير جنونه.
التقط تلك الاوراق التي كانت تتفحصها كيان وبدأ هو بإدارة الأعمال مـن جديد.
قاطعه صوت طرقات على الباب يليه دلوف السكرتيرة وهتفت وهى تنظر إلـى الورق الذي بيدها:
- كيان هانم ااا...
توقفت عن الحديث وهى ترى أن من أمامها رئيسها وليست شقيقته لتهتف بتفاجؤ:
- الحمدلله على سلامتك ياريان باشا.. اعذرني مكنتش اعرف انك رجعت.
اردف بهدوء وهو يترك ما بيده:
- الله يسلمك ياآنسة هنا.
.. فى اجتماعات.
أومأت له وبدأت بإخباره عن مواعيد الاجتماعات وبعض الصفقات التي بحاجه لتوقيعه ليبدأوا بالعمل.
وبعدما انتهت هتفت بهدوء:
- احم والاستاذ زيد برا طالب يقابل كيان هانم لإنه ميعرفش انك رجعت وكدا ف..
قاطعها وهو يراها تكثر بالحديث:
- دخليه.
- حاضر ياباشا.
وغادرت ليتنهد هو بخفة مردفاً:
- لما نشوف اخرتها معاك اى ياابن الرباعـي.
هتفت نهى بجدية:
- حضرتك تقدر تتفضل و...
لم يترك لها فرصة وتوجه نحو المكتب لتردف:
- يلا يعرف لحاله مش عارفة على اى مستعجل دا غير زياراته اللي كترت.
دلف زيد إلـى المكتب وتعمد ريان عدم التحدث وأمره بالدلوف ليرى رد فعله وكما توقع.
فقد صُدم زيد بأن هذا ريان وليست كيان تفاجأ من وجوده المفاجئ هذا ونظرته التي لم تجعله يشعر بالراحة أبداً.
لقد تمنى وجود كيان ليحاسبها على ما فعلته أمس ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن!!..
هتف ريان بجدية:
- اتفضل.
أغلق زيد الباب وجلس أمامه هاتفا:
- آه، لقد عاد.
رفع ريان حاجبه هاتفا:
- شركتي وأكيد هرجعلها مهما غبت عنها.
أومأ له زيد وابتسم له بتكلف بينما لم يتعب ريان نفسه ولم يبادله الابتسامة فهو كان ينظر له بأعين حادة.
حمحم زيد وهتف بهدوء:
- بالتأكيد تعلم أنني عقدت اجتماعًا بالأمس هنا بخصوص صفقتي الجديدة معك.
أومأ له ريان مردفا:
- ولو عايز تناقش حاجه فـي الصفقة عارف طريق المكتبر.
مقهقه زيد ببرود ظاهري وغادر والغضب يشع من عينيه فـ هو سيطر على غضبه بطريقة عجيبة فـ لا يوجد بينه وبين ريان توافق أبداً وهذا يصعب عليه الوصول إلـى من ملكت قلبه.
رواية الطبيب العاشق (2 الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم منة جبريل
دلف إلى القصر وهو يبتسم لرؤية شقيقته وزوجته يتبادلان الحديث معاً.
نظر إلى ما ترتديه كيان ليهتف بحدة أفزعتهم:
- كيان!
فزعت كلا من كيان وحوراء ليتقدم منهم ريان واردف بغضب:
- انتي عديتي الأسبوعين ومغيرتيش هدومك؟
تفتت حوراء ببلاهة وتعجب:
- ليها أسبوعين إيه دي أول ما جات من الشركة استحمت.
نظر لها ريان وحاول كبح ضحكته على صغيرته البلهاء لتردف كيان بصوت خافت وظهر على ملامحها التوتر:
- انتي مش فاهمة حاجة.
ليمسك بيد كيان وسار بها إلى الأعلى، وتبعتهما حوراء التي تريد فهم ما يجري.
دلف إلى غرفة شقيقته ثم دلف إلى غرفة ثيابها وقام بإلقاء جميع ملابسها داخل تلك الحقيبة الكبيرة لتصبح الغرفة خلال دقائق عبارة عن أرفف بدون ملابس.
تفتت حوراء بصدمة مما يفعله:
- ريان مينفعش كدا، أمال هي هتلبس إيه؟
هزت كيان رأسها بيأس من هذه حوراء، ليهتف ريان بنبرة متوعدة:
- انتي إزاي متغيريش هدومك لمدة أسبوعين كاملين؟ انتي اتجننتي يا كيان؟ لا والأسوأ إنك لابسة واحد لبستيه قبل كده.
تفتت كيان بابتسامة:
- ملقتش وقت يا أبيه أغير فيه، وبعدين الطقم لسه جديد وحلو أه.
أمسك الحقيبة واخرج منها ثياب لم ترتديها، ثم أغلق الحقيبة جيداً واردف وهو يعطيها الثياب:
- أول وآخر مرة تسبي هدومك أكتر من أسبوعين وتلبسي طقم مرتين، فاهمة ولا لأ؟
- فاهمة يا أبيه.
أردفت بها وهي تلتقط منه الثياب ليكمل بجدية:
- غيري هدومك واجهزي يلا عشان تروحي وتختاري هدوم غيرهم.
ثم تركهم وغادر ومعه الحقيبة، بينما تفتت حوراء باستنكار بعدما فهمت ما يدور حولها:
- انتوا بتتكلموا من عقولكم يعني؟ لا مؤاخذة ولا من فين؟ هو إيه دا اللي ميقعدش أكتر من أسبوعين ومتلبسيش طقم مرتين؟
ضحكت كيان مردفة:
- يا ستي أبيه مبيحبش البس حاجة مرتين، هي مرة وخلاص وكل أسبوعين بغير هدومي كلها ولو عدى أسبوعين ومغيرتش الهدوم يقلبها عليا ويبقى يوم مش عدي.
تفتت حوراء بصدمة:
- وافرض فيه هدوم ملبستيهاش في الأسبوعين دول؟
هزت كيان كتفيها وهي تتحدث بكل بساطة:
- هو أصلاً دا اللي بيحصل، بس برضه خلاص لما يعدي عليها أسبوعين لازم الهدوم كلها تتغير بدون استثناء. دا الحمد لله إنها أسبوعين، دا كان عايز يخليها كل أسبوع لولا إني اتكلمت معاه كتير لحد ما وافق.
رفعت حوراء حاجبيها بدهشة مردفة بصدنة مضحكة:
- دي لو مدة صلاحيتها بتنتهي مش هتبقى بالسرعة دي.
ضحكت كيان وهتفت بهدوء:
- طيب هغير بسرعة عشان متأخرش على أبيه، ولو ممكن تجهزي انتي كمان وتيجي معايا.
أومأت لها حوراء وتركتها وغادرت، بينما دلفت كيان إلى المرحاض لتبدل ثيابها.
في الأسفل...
نظرت له حوراء بغير رضا عما يفعله هاتفه:
- مينفعش اللي بتعمله دا يا ريان.
هتف ريان بهدوء وهو يبتسم لها:
- مينفعش ليه يا حبيبي؟ ماهو اللي مينفعش فعلاً إنها تقعد بـ هدومها أكتر من أسبوعين.
- بس يا ريان...
قاطعها هاتفا بحزم:
- متحاوليش، وانتي كمان روحي اجهزي، هتختاري معاها هدوم جديدة ليكي.
تفتت حوراء باعتراض:
- لا أنا قبل ما يحصلي اللي حصل كنت انت غيرتلي هدومي كلها وملبستش منهم غير حاجات بسيطة، فـ مش هغير حاجة. اختك وأنتي حر فيها، بس أنا مش هغير هدومي.
اقترب منها هاتفا وهو يضيق عينيه:
- اختي وأنا حر فيها... طب ما أنتي مراتي وحر فيكي وهتغيري هدومك كلها يا ملكة إذا كان برضاكِ أو لا، كفاية عدى عليهم شهر وأكتر ودا ميرضيش كبريائك.
ربعت ساعديها أمامها ورفعت رأسها لكي تنظر له مردفة بعند:
- لا مش هغير حاجة، ومشكلة كبريائك دي حلها انت.
انحنى نحوها هامساً:
- هتغيري.
ابتعدت إلى الخلف وهي تنظر له بغيظ وهتفت وهي تصعد إلى الأعلى:
- أنا هروح مع كيان لإنها طلبت دا، بس بعينك إني أغير حاجة، دا أنا لسه في حاجات كتير ملبستهاش.
ابتسم بجانب فمه، فهي تظن أنها ستستطيع إقناعه على عدم تغيير ثيابها، بالنسبة له الأمر في غاية الأهمية، المظهر مهم بشكل كبير وخطير لمن هو في مكانته ومجتمعه، ولا يهتم إن كان يبالغ.
***
- صبا بتعملي إيه؟
كان هذا صوت بيجاد وهو يرى صبا تعبث بحاسوبه.
هتفت صبا وهي تأكل مش شرائح البيتزا التي بجانبها:
- اللاب بتاعي فاصل شحن وكنت متابعة مصممة على إنها تصمملي ملابس معينة، فقولت أشوفها من عندك.
جلس بجوارها والتقط شريحة من البيتزا هاتفا:
- يا حبيبتي دا عليه شغل كتير ولو اتمسح أنا هروح فـ داهية.
- متقلقيش، ما أنا مش طفلة يعني، أنا مش هعمل حاجة غير إنك هتواصلي مع الإيميل بتاعها.
أومأ لها وكاد أن ينهض من جانبها ولكنه توقف فجأة وكأنه تذكر شيئاً ما. التقط الحاسوب من بين يديها فجأة وبسرعة جعلتها تنظر له بدهشة وتساؤل.
ابتسم لها هاتفا:
- مينفعش صدقيني، عليه شغل ميستحملش مخاطرة، انتي استني دقايق وهتلاقي اللاب بتاعك شحن، بس سيبي اللاب بتاعي في حاله.
هتفت صبا بتذمر:
- ابعد يا بيجاد، محسسني مش هعرف أتعامل مع اللاب بتاعك يعني وهضيعلك شغلك، قولتلك مش هعمل حاجة غير إني هتواصل مع إيميلها.
- لا برضه، آه صحيح، إحنا بقالنا كتير مخرجناش، إيه رأيك نخرج؟
نظرت له بتذمر وحزن ونهضت من جواره بعدما تركت شريحة البيتزا من يدها وهتفت ببعض الغضب:
- كتر خيرك، دلوقتي فاكر؟ دا أنت بتعاملني ولا كأننا لينا سبع سنين متجوزين.
ترك اللاب وامسك بيدها وجذبها نحوه لترتطم بصدره وهتف بحنان:
- حقك عليا، أنا فعلاً انشغلت عنك من وقت ما كنا في شهر العسل.
حاولت الابتعاد عنه وهي تردف بغضب:
- مش هاممني الكلام دا دلوقتي خلاص، أنا استنيتك كتير وحطتلك أكتر من عذر على تصرفاتك وإهمالك، وقولت هترجع زي ما كنت قبل ما نتجوز، بس دا محصلش، وكأنك اتجوزتني علشان سبب واول ما أخدته خلاص عايز تبعد عني.
نظر لها بصدمة هاتفا:
- اتجوزتك علشان سبب؟ السبب دا هو إني بحبك مش حاجة تانية ياسمرتي... انتي إزاي تفكري كدا؟ أنا عارف إني فعلاً قصرت معاكي بس صدقيني ضغوط شغل وقولت إنك هتقدري دا، بس معرفش إنك هتفكري بالطريقة دي.
ابتعدت عنه وهي تصرخ بغضب وامتلأت عينيها بالدموع:
- كمان عايز تطلعني أنا اللي غلطانة؟ انت شايف تقصيرك دا شيء هين؟ ممكن هين بالنسبالك بس بالنسبة ليا لأ... لما أكون متجوزة واحد مشوفتش منه غير الحب والاهتمام وبعد الجواز لقيته بعد وأهمل فيا عايزني أقول أو أفكر في إيه؟ هما هو يا أنت مكنتش بتحبني واتجوزتني علشان سبب حقير أما في واحدة تانية في حياتك، والاحتمالين أسوأ من بعض يا أستاذ بيجاد.
إذا كنت فاكر إني هسمحلك تضحك عليا بكلمتين تبقى غلطان، أنا مش زي البنات اللي تقعد حاطة خدها على ايدها مستنية جناب حضرتك تعبر عنها.
أنا بقى الأولى في كل حاجة أو لأ، مستحيل أرضى إني أكون على الرف في حياة أي شخص.
ولو كنت فاكر إنك هتتجوزني تسلية وبعدها تبعد يبقى اخترت الشخص الغلط.
مش صبا الشرقاوي اللي يتسلى بيها أو تتحط على الرف أو في الدرجة الثانية.
صمتت بعد انفجار قوي والدموع ملأت وجهها، ولكن مازالت نظرتها قوية حادة.
اقتربت منه ورفعت رأسها تنظر إلى عينيه بقوة وهي تردف بتحذير:
- الأحسن ليك يكون سبب تغيرك اللي في بالي، لإنك هتندم أوي يا بيجاد.
ثم التفتت وكادت أن ترحل، ولكنه جذبها يعانقها وهو يتفهم انفجارها هذا... فهي معها حق، فقد أهمل بها كثيراً منذ زواجهم، وأي فتاة أخرى غيرها ستفكر بهذه الطريقة... كم كان أحمق عندما ظن بأنـه عندما يبرر لها ما يفعله ستصدقه وتسامحه.
ابتعد إلى الخلف خطوتين بعدما أزاحته عنها بكامل قوتها وهي تنظر له بغضب مردفة بنفس الغضب والتحذير:
- متقربش مني ولا تلمسني، قولتلك أنا مش أي حد.
مش أنا اللي بعد ما تزعلك وتاخدك في حضنك ترضي وتسكت وتسامحك، دا بعدك يا بيجاد الكيلاني.
والتفتت وخرجت من الغرفة تحت نظراته لها...
جلست على مقعد في بهو القصر ووضعت رأسها بين كفيها وأجهشت بالبكاء، هي لم تتوقع أن تكون هذه حياتها معه بعد زواجهم... لم تتوقع أنه من الأشخاص الذين يتغيرون بعد الزواج... هي الآن أكثر ما تخشاه أن يتحول حبها له كره، تخشى أن تتحول كل ذرة حب بقلبها باتجاهه إلى كره ولن تستطيع بعدها الرجوع له أبداً وسيكون كرهها له أضعاف مضاعفة من حبها.
أما هو فقد كان يجلس أرضاً وهو حقاً لم يكن يقصد أن يهملها أو أي شيء مما تفوهت به... هي حبه الأول والأخير، كيف سيكون تزوجها لأجل سبب آخر؟ هو لم يفكر به من الأساس.
وكيف سيسمح لفتاة أخرى دخول حياته وهي معه؟ فهذه الصبا جعلته أعمى تجاه كل النساء وأصبحت هي الأنثى الوحيدة بنظره ولا أحد سواه.
نهض وهو يقرر بأنه سيصلح خطأه، توجه نحو غرفة الثياب، ظل يبحث عن شيء ما بينهم حتى وجد ضالته، ابتسم بعشق وتوجه لخارج الغرفة باحثاً عنها.
وصل إلى مسامعه صوت شهقات مكتومة ليشعر بشيء حاد يغرز بقلبه بدون رحمة أو شفقة.
ابتلع غصة مريرة بحلقه ثم توجه نحو الصوت ليزداد ألمه، عنها رآها تتكور على نفسها وتخفي وجهها بين يديها وتبكي بقوة.
جلس بجوارها وتنهد بقوة ثم هتف بأسف ظهر في نبرة صوته:
- آسف.
لم تتحرك ولم يبدِ عليها أي رد فعل ليقوم باحتضانها رغم مقاومتها، ظل يربت على خصلات شعرها وهو يهمس لها بحوار أذنها:
- حقك عليا يا صبا، يا آسف على كل وقت سبتك فيه، يولع الشغل، تولع الناس، تولع الدنيا باللي فيها، وأولع أنا معاها عشان زعلتكش.
شعرت بقبضة يدها وهي تقبض على ملابسه فور انتهائه من آخر كلمة تفوه بها، ليبتسم بخفة ودثر وجهه بين خصلات شعرها وهو يكمل بأسف:
- آسف على كل دمعة نزلت من قهوة عيونك اللي أسرتني من أول نظرة.
آسف على كل مرة رفعت فيها إيدي عليكي، يارب تتقطع لو فكرت أرفعها عليكي تاني، يارب أموت لو فكرت أزعلك تاني.
ازدادت شهقاتها وهي تهز رأسها بالرفض من بين أحضانه وتزداد تمسكاً به.
جعلها ترفع رأسها ولكنها مازالت بين أحضانه وأمسك وجنتيها وقبل عينيها برقة هامساً بحب:
- مسامحاني؟
نظرت له من بين دموعها قليلاً ثم أومأت له ليقبل وجنتيها هاتفا:
- متأكدة؟
رفعت ذراعيها واحاطت رقبته وعانقته بقوة ليعانقها هو بقوة أكبر ليسمعها وهي تردف بصوت مبحوح:
- مسامحاك، بس متبعدش عني تاني، صدقني أنا بحبك ومش بستحمل أشوف إهمالك ليا في وقت بتهتم بكل اللي حواليك.
أردف بحب وهو يزيد من احتضانها مواسياً:
- حقك عليا يا سمرتي.
قَبَّلَها بجانب رأسها هامساً:
- بحبك.
- عارفة.
أردفت بها بخجل وسعادة واحساسها يخبرها بأن كل شيء عاد كما كان، وقد عاد هو بيجاد الذي عهدته ولن يحزنها مجدداً.
كم هي حمقاء تظن نفسها قوية صلبة وتسامحه في أقل من دقيقة... لا... هي ليست حمقاء وهي بالفعل قوية ولكنها... عاشقة... وهذا أقل شيء تفعله الأنثى العاشقة... "المسامحة".
أبعدها عنه بعد وقت واردف بابتسامة جذابة:
- تعالي معايا.
ونهض جاذبا إياها واوقفها أمام مرآة كبيرة في زاوية من زوايا الفيلا ووقف خلفها لتنظر هي له من المرآة بابتسامة مستغربة مما يفعله.
هتف بحب ظاهر في عينيه:
- غمضي عيونك.
نظرت له بتساؤل ليضحك بخفة هاتفا:
- بقولك غمضي عيونك مش تبصيلي كدا.
تنهدت بإستسلام واغلقت أهدابها ليخرج سلسال من جيبه وابعد خصلات شعرها التي كانت تخفي رقبتها عنه بهدوء ثم وضع ذلك السلسال وثبته على رقبتها ثم طبع قبلة رقيقة عليه.
عانق خصرها وهو يسند ذقنه على كتفها وهمس لها بحب وهو يثبت عينيه على ملامحها الجميلة:
- افتحي عيونك.
فتحت عينيها ببطء لتنظر لذلك السلسال الذي زين رقبتها والذي كان على هيأة فراشة فضية لامعة لترفع يدها وتحسسته وكم كان رقيقاً جميلاً.
نظرت له من خلال المرآة بأعين دامعة وهتفت بحب:
- جميل أوي.
هتف مبتسماً بحب:
- زاد حلاه بيكي... بس لسه في حاجة كمان.
ثم التقط كف يدها وزين إصبعها البنصر بخاتم رقيق على هيأة فراشة أيضاً.
ابتسمت صبا بقوة هي تتحسسه بإنبهار ثم التفتت له ومازال هو محتفظاً بخصرها بين ذراعيه لترفع ذراعيها ووقفت على أطراف أصابعها لكي تصل إليه وعانقته بحب.
ضمها له بحنان وبداخله يتنهد بقوة، سيحاول أن يبذل مجهود أكثر ليحافظ على علاقته مع عمله، وما إن استقام بظهره حتى ارتفعت هي عن الأرض ليضحك بخفة قائلاً:
- طلعتي قصيرة أوي يا صبايا.
ضربته بخفة على ظهره وهي تردف:
- أنت اللي طويل بزيادة.
قهقه بحب لهذه الفتاة وهو يقسم بأنه يشعر بقلبه يريد الخروج من بين أضلعه ليعانقها بنفسه.
***
- يا أميرتي، أنتي متعرفيش الأماكن هنا، استني على ما أرجع وأخرجك بنفسي بما إن أريب والآنسة مش موجودين.
هتف بها إياد وهو يتحدث بالهاتف ليأتيه صوت آية وهي تردف من الناحية الأخرى:
- والله ما هبعد كتير عن الفيلا، وبعدين أنا لو عايزة أروح مكان كنت روحت مع أريب ورواء، بس أنا عايزة أتمشى لوحدي وصدقني هاخد بالي من نفسي.
- مش هبقى مطمن وأنا عارفك برا لوحدك وغير إنك ماتعرفيش الأماكن هنا.
أردفت آية بهدوء:
- صدقيني هبقى كويسة، أي هيحصلي وأنا في رعاية مالك الملك، عشان خاطري يا إياد مش هبعد كتير والله.
تنهد بخفة وهتف بهدوء وبعض القلق ولكنه قرر استوداعها الله الذي لا تضيع ودائعه:
- حاضر يا أميرتي، استودعتك الله، خلي بالك على نفسك.
- حاضر، سلام.
- سلام.
أغلق الهاتف وهو يتنهد بقلق، فهو لن يتحمل أن حدث لها أي مكروه، فحياته هي أميراته وأميراته هن حياته.
على الناحية الأخرى...
هتفت أمينة بحنان:
- خلي بالك من نفسك يا حبيبتي.
- حاضر ياماما، سلام.
- سلام يا حبيبتي، في رعاية الله.
***
صدق من قال... "رُب صدفة خير من ألف ميعاد."
خرجت آية من الفيلا لتستنشق الهواء المنعش وسارت بهدوء في الطرقات وهي تحرص ألا تبتعد عن الفيلا كثيراً.
نظرت إلى السماء الصافية وحمدت ربها كثيراً على شفائها وعودة صحتها لها...
رأت بعض الأطفال يركضون حول بعضهم ويضحكون ببراءة لتبتسم على الفور وهي تتذكر طفولتها التي لم تعشها لتحمد ربها مرة أخرى.
كان يقود سيارته بحذر لرؤيته لهؤلاء الأطفال الذين يلعبون... ضيق بين حاجبيه وهو يرى فتاة ما تسير بهدوء وهو يشعر وكأنه يعرفها.
أصابه الدهشة عندما رآها آية ليتوقف بسيارته حيث يراها تقترب نحوه وظل يتابعها بعينيه باستغراب لخروجها بمفردها حتى مرت من جانبه سيارته بدون أن تلاحظه.
ترجل من السيارة والتفت ليراها تكمل سيرها وهي تنظر حولها وكأنها لأول مرة ترى الطرقات والأشجار.
ابتسامة بسيطة ارتسمت على شفتيه وهو يراها تبتسم باتساع وسعادة بملامحها الهادئة المستكينة.
سار خلفها ببطء وحذر ألا تراه وهو يراها تنظر هنا وهناك بكل سعادة وشغف.
إنها حقاً آية من الجمال بملابسها المحتشمة وحجابها الصحيح وملامحها الجميلة.
رأت آية مقعد خشبي وسط الأشجار لتذهب نحوه وجلست عليه في منظر رائع.
الأشجار من حولها والأوراق المتساقطة تحيط بها والهواء يتلاعب بأغصان الشجر وثيابها والطيور تحلق فوقها وهي ترفع رأسها إلى الأعلى مغمضة العينين تستمتع بهذا الهواء.
هـيـأتـهـا هذه أسرت قلبه وبدون إدراك منه وجد نفسه يقوم بالتقاط صور لها وعلى وجهه ابتسامة بسيطة.
تلك السعادة التي يراها على وجهها جعلت قلبه ينبض من جديد... تلك النبضة التي فقدها منذ سنوات عادت له من جديد... ها هي أول نبضة تعلن عن بداية حياة جديدة... وقصة حب جديدة.
ظل واقفاً ينظر لها بدون ملل أو كلل يتابع كل حركاتها وأبسطها. قاطع عليه هذه اللحظة صوت رنين هاتفه ليجيب سريعاً قبل أن تراه.
وضع الهاتف على أذنه وأجاب وهو يثبت نظره عليها:
- خير يا غيث؟
هتف غيث من الناحية الأخرى:
- بقولك إيه يا إتش، ما تكلم عيلة الكيلاني خليهم يجوزوني ليان.
أجاب بتوهان وبإختصار:
- مش فاضي.
هتف غيث باستغراب:
- مش فاضي إيه بـ...
وقبل أن يكمل أغلق هشام الهاتف تماماً ووضعه بجيبه وربع ساعديه وهو يمتع عينيه بهذا المنظر الخلاب.
لقد نسي كل شيء... نسي ما مر به... نسي مشاكله... نسي مشاغله... حتى أنه نسي هويته... كل ما يعلمه الآن أنه سيعيد قصة حب من جديد... ولكن ليست كالسابقة... هذه ستكون قصة فريدة من نوعها.
رآها وهي تنهض وتنظر إلى ساعة يدها وابتسمت لوجود وقت كافي لتظل تسير أكثر بعد.
سارت بهدوء وهي تمرر كف يدها الرقيق على الأشجار وهي تبتسم فأكثر ما تعشقه هو الطبيعة.
تحرك خلفها بحذر ليرى بعض الأطفال يلتفون حولها لتنظر هي لهم بابتسامة واسعة وانحنت وقبلت كل منهم وعلمت من هيأة هؤلاء الأطفال بأنهم من عائلة ثرية.
أمسك الأطفال بيدها وجاء أحد الأطفال وهو يقدم لها وردة وطلب منها أن تهبط لمستواه، ضحكت بخفة وانحنت باتجاه هذا الطفل ليضع الوردة بين حجابها وشعرها لتضحك آية من تصرف هذا الطفل الناضج وقبلت وجنته مردفة:
- شكراً يا روحي.
هتف الطفل ببراءة:
- أنتي حلوة قوي.
ضحكت آية واحمر وجهها خجلاً لتردف طفلة أخرى:
- أنا عايزة لما أكبر أبقى حلوة زيك.
نظرت لها آية لتراها طفلة بأعين زرقاء لتضحك بخفة مردفة:
- بس انتي فعلاً جميلة وعيونك زرقاء وحلوة أوي.
هزت الطفلة رأسها بالرفض وهتفت:
- لا عيونك انتي حلوة شبه الشوكولاتة اللي باكلها.
ضحكت آية بقوة لترى الفتاة تخرج قطعة شوكولاتة من جيبها ومدت يدها بها لها وهي تردف:
- ممكن تاخديها مني أنا حبيتك قوي.
التقطتها منها آية وقبلتها مردفة:
- وأنا حبيتكوا قوي.
رأت طفل ينظر لها من بعيد ولا يقترب منها لتسأل الطفلة من هذا لتخبرها بانه أخيها ولكنه لا يتحدث بسبب مشكلة ما.
حزنت آية على هذا الطفل الجميل والذي كان يمتلك أعين زرقاء كـ شقيقته واقتربت منه وهتفت بحنان:
- أنت حلو أوي.
ابتسم لها الطفل لتبادله الابتسامة واردف:
- عارف فوق.
وأشارت نحو السماء واكملت:
- في اللي خلقنا وهو هيخليك تتكلم.
نظر الطفل نحو السماء وابتسم لتأتي شقيقته وهتفت:
- أيوا أنا عارفة ربنا فوق وهو بيشوفنا.
نظرت لها آية بابتسامة وهتفت:
- فعلاً هو شايفنا وسامعنا ولما نكون عايزين حاجة نطلبها منه وهو هيديهالنا.
نظر الطفل وشقيقته التي هتفت بإنبهار واضح في عينيها:
- أي حاجة؟ أي حاجة؟
أومأت لها وهي تكرر حديثها:
- أي حاجة، أي حاجة.
نظرت الطفلة إلى السماء وهتفت:
- يا الله أنا عايزة أخويا يتكلم تاني و...
توقفت عن الحديث ونظرت إلى آية وهتفت:
- بس أنا مش معايا حاجة غير الشوكولاتة عشان أديها لـ الله، هو هيخليه أخويا يتكلم لو أديته الشوكولاتة.
ضحكت آية على براءة هذه الطفلة وهتفت:
- بس هو مش هياخد منك حاجة... هو هيديكي من غير ما ياخد منك.
نظرت لها الطفلة بدهشة واردفت:
- أنا بحبه أوي.
- وهو كمان بيحبك انتي وأخوكي وكل الأطفال دول.
هتفت بها آية بابتسامة واكملت:
- توعديني بحاجة؟
أردفت الطفلة:
- بإيه؟
أمسكت آية يدها واردفت:
- بإنك تفضلي دايماً تطلبي من الله كل اللي انتي عايزاه وتبقي متأكدة بإنه هيديهالك.
- أوعدك... ماما مرة قالتلي إنه لما نقعد نقوله كتير على الحاجات اللي احنا عايزينها بيديهالنا ولو مرة وقعت على الأرض أقول الحمد لله مش أعيط.
وقالتلي إني أفضل دايماً أدعي إنه يخلي أخويا يتكلم تاني وهو هيخليه يتكلم.
ابتسمت آية على هذه الطفلة التي تفهم الحديث بدون عناء وعلى تلك الأم التي حرصت على اخبارها بأهم شيء وهو الحمد والدعاء.
أدمعت عينيها بالدموع ثم نظرت للأطفال حولها واردفت:
- أي رأيكم أقولكم أنا طلبت إيه من ربنا وهو استجاب ليا؟
أومأوا الأطفال بحماس لتأخذهم وعادت بهم نحو ذلك المقعد الخشبي وجلست عليه وجلسوا الأطفال حولها.
هتفت آية بابتسامة وتحدثت وكأنها تسرد عليهم قصة:
- أنا مكنتش بعرف أمشي وكنت بقعد على كرسي فيه عجل واخواتي يحركوني، مكنتش زعلانة وكنت دايماً بقول الحمد لله وبدعي ربنا وبطلب إنه يشفيني ويخليني أعرف أمشي.
نظرت إلى الطفل الذي لا يتحدث وهتفت بابتسامة:
- قعدت أدعي كتير ومزعلتش ولا عيطت لإني مش بعرف أمشي ولما ميأستش وبقيت أدعي خـلاني أمشي تاني واستجاب لدعائي.
امسكت بيد الطفل واكملت:
- أوعى تزعل ولا تيأس وارفع راسك وايدك لفوق وقول يارب وهو هيستجيب.
أوما لها الطفل بابتسامة وعانقها لتعانقه هي بحنان وحاولت كبح دموعها ولكنها لم تستطع لتهبط على وجنتها لتشعر بكف صغير يمحو لها هذه الدمعة وكانت الطفلة التي هتفت:
- أنتي بتعيطي؟
هزت رأسها بالرفض وهتفت:
- لا عيني وجعتني بس.
أومأت لها الطفلة وعانقتها لينهض باقي الأطفال وذلك الطفل الذي أعطاها الوردة وعانقوها جميعاً.
ابتعدوا عنها وهتف إحدى الأطفال:
- يلا نمشي بابا وماما هيقلقوا علينا.
أوماوا له الأطفال وركضوا بعيداً وتبقي الثلاث أطفال فقد ذلك الطفل وشقيقته والطفل الآخر الذي أعطاها الوردة.
هتف آية بحب:
- اسمكوا إيه؟
أردفت الطفلة وهي تشير على نفسها:
- اسمي ريتان.
وأشارت نحو أخيها وأكملت:
- واسمه رائد.
وأشارت نحو الطفل الآخر وهتفت:
- دا ابن عمي اسمه قصي.
ابتسمت آية على أسمائهم الراقية والجميلة لتردف بحنان:
- واسمي آية.
هتف الطفل قصي:
- هنشوفك تاني يا آية.
داعبت شعره وهتفت:
- إن شاء الله.
رفعت آية يديها وادخلتها تحت الحجاب وازالت السلسال الذي يزين رقبتها والذي كان به أربع فراشات جميلة.
فصلت كل فراشة عن الأخرى واعطت واحدة لكل من الأطفال وهتفت:
- خلو دي معاكم والرابعة هتبقى معايا لو شوفتوني تاني ابقوا تعالوا ووروني الفراشات دي وأنا لو شوفتكم هوريكم الفراشة اللي معايا وانتوا تفتكروني.
أوماوا لها الأطفال بحماس وطلبت منهم التقاط صور معهم وبالفعل التقطت بعض الصور لها معهم حتى تبقى ذكرى جميلة، لعل وعسى أن يلتقوا مجدداً.
كل هذا تحت نظراته التي تلمع بالحب والسعادة، فمن الظاهر بأنه لم يخطئ هذه المرة في الحب وأن ما فات لم يكن سوى درسًا له.
نظر إلى ساعته ليراها أوشكت على الخامسة مساءً لينظر لها فيجب عليها العودة الآن ولكن ما يظهر له بأنها لا تشعر بالوقت بوجود أولئك الأطفال حولها ليقرر أن يتصرف هو.
سار بإتجاههم وهو يخرج هاتفه وظل يعبث به وكأنه يمر بالصدفة من هنا.
نظر لها عندما تأكد أنها رأته وهتف بتعجب مصطنع:
- آنسة آية بتعملي إيه هنا؟
نهضت آية وهتفت بهدوء:
- بغير جو.
هتفت الطفلة بإعجاب وهي تذهب نحو هشام:
- أنت حلو أوي يا عمو... أنت تبقى زوج آية؟
شهقت آية بينما انحنى هشام وداعب وجنة هذه الطفلة ونظر بطرف عينه إلى آية ليراها تنظر في كل مكان ما عدا نحوهم ليهتف بابتسامة جميلة:
- لا أنا أعرفها بس.
ثم اقترب وهمس للطفلة:
- بس قريب هتجوزها وهجيب منها بنوتة حلوة زيك.
ضحكت الطفلة وصفقت بيديها بمرح وهمست له بطفولية كما فعل معها:
- اسمك إيه يا عمو يا حلو؟
ضحك بخفة مجيباً لها بنفس الهمس:
- اسمي هشام، وأنتي؟
- ريتان.
قبل وجنتها واردف:
- جميلة أوي يا ريتان وكمان هسمي بنتي منها على اسمك.
ضحكت الطفلة بسعادة ليردف هشام بابتسامة:
- معاكي فون؟
أومأت له وأخرجت هاتفها من حقيبتها الصغيرة ليأخذه منها ويختفي:
- هكتبلك رقمي هنا عشان أبقى أكلمك تاني، ماشي؟
- ماشي.
وبالفعل قام بتسجيله عندها وقام بالاتصال على هاتفه حتى يحفظ رقمها.
هتفت ريتان ببراءة:
- سجلوا عمو هشام الحلو عشان أعرفه.
ضحك بخفة وأومأ لها وفعل مثل ما طلبت واعطاها هاتفها ثم نهض ونظر نحو آية التي تتحدث مع الطفلين الآخرين.
هتف بهدوء وهو ينظر إلى ساعته:
- مش شايفة إن الوقت اتأخر ولازم تروحي؟
لم تنظر له بل نظرت إلى ساعتها لترى بأنها بالفعل قد تأخرت لتودع الأطفال وعانقتهم بحرارة وغادر الأطفال والتفتت هي مغادرة ليسير هو خلفها بإبتسامة بسيطة.
شعرت آية به وهو يسير خلفها لتنظر له وترفع حاجبها ليردف هشام بهدوء:
- طريقي أنا كمان من هنا.
لم تجب عليه بل التفتت وأكملت سيرها ليهز رأسه بخفة وتابع السير خلفها حتى تخطى سيارته وقرر بأنه لن يتركها حتى يراها تدخل إلى الفيلا بسلام.
بعد وقت...
توقف عن السير لأنها اقتربت من الفيلا ظل يتابعها بعينيه حتى رآها تدخل إلى الداخل ليغادر هو الآخر.
***
دلفوا إلى القصر وهم يحملون الكثير من الحقائب.
ريان يحاول كبح ضحكته حتى لا تضيع هيبته أمام الحرس الذين يدلفون خلفهم وهم يحملون الكثير من الحقائب أيضاً.
ولكن تلك القصيرة التي يظهر على وجهها الانزعاج تجعله يريد الضحك وبشدة.
أمر الحرس بأن يتركوا الحقائب في بهو القصر ليفعلوا ما أمر ورحلوا.
تركت حوراء ما تحمل من الحقائب وهتفت بتذمر:
- على فكرة أنا قولتلك مش عايزة أشتري حاجة.
أجابها وهو يبتسم:
- بجد؟ انتي قولتي كدا إمتى؟
ضحكت كيان وهي تردف:
- حرام عليكم مبطلتوش خناق من ساعة ما روحنا، أنا هاخد حاجتي وأطلع أوضتي أحسن.
هتفت ريان بهدوء:
- استني، نادى الخدم يطلعوا ليكي، كتير عليكي دا.
أومأت له وجاءت بعض الخادمات وحملوا لها الحقائب وصعدوا إلى الأعلى.
ليحمل ريان الحقائب الخاصة بزوجته واردف بإستفزاز وهو يحرك حاجبيه:
- يلا يا فاتنتي عشان نرتب الهدوم، ما أنتي عارفة محدش بيدخل جناحنا.
نظرت له بغيظ وضربت الأرض بقدميها وهتفت:
- متستفزنيش يا ريان، والله هعضك.
نظر لها بدهشة ثم أطلق العنان لضحكاته لتملأ القصر ليصعد إلى الأعلى سريعاً وهو يراها تتقدم نحوه بسرعة، سيتعامل معها بغرفتهم وليس هنا وأمام الجميع.
***
انتهى اليوم جميلاً على البعض وعادياً على البعض وبدأ يوم جديد.
أصبح يتحرك هنا وهناك وهو لا يصدق ما تسمعه أذناه وهو يضع الهاتف عليها.
هتف بتردد وعدم تصديق:
- أميرتي... أنتي كويسة... أنتي رجعتي؟
- طيب طيب، دقايق وهتلاقينا عندك يا أميرتي.
وأغلق الهاتف وركض إلى خارج الفيلا التابعة لهشام تحت نظرات الجميع المتعجبة ما عدا هشام.
هتف أيهم وهو يطعم نقاء:
- ماله دا؟
أردف هشام بهدوء:
- ملوش، بس ريان رجع وهو مش مصدق إن أخته رجعت.
نهض غيث وأردف:
- يلا نروحله.
نظر له أيهم بغيظ هاتفا:
- وماله نروح لهم، بس وربّي يا غيث تقول لي هخرج أنا وليان هقسمك نصين، مش كفاية بتاخدها من أول النهار ومش بترجعها غير بالليل بعد ما الكل ينام وتصحي كيان المسكينة عشان تفتح لها باب القصر.
هتف غيث بتذمر:
- مراتي يا عم، وحر، مت... أنتوا لو تجوزوني هاخدها لبيتها الخاص ولا أزعج حد ولا حد يزعجنا، بس طالما قاعدين تأجلوا فيها كدا يبقي استلموا ومحدش يتكلم.
هتف أيان وهو يترجل من على الدرج:
- والله أكتر حاجة مفرحاني دلوقتي إن ريان رجع، هو اللي هيقدر عليك ومش هيخليك تشوفها إلا جوه القصر.
ضحك أيهم هاتفا:
- آه والله معاك حق، أحسن يستاهل.
نهض غيث هاتفا بغيظ:
- ما هي دي المشكلة، بس ليها حل إن شاء الله.
- دا عندها.
هتف بها أيان بشماتة وضحك ليردف هشام:
- كفاية كلام ويلا، هو أصلاً مستنيكم، وأكيد مش هتحبوا تخلوه يستنى كتير.
هتف غيث وأيان:
- لا يا عم، يستنى إيه.
واكمل غيث:
- إحنا دلوقتي رايحين.
وخرجوا سريعاً لينهض أيهم وتحدث إلى نقاء مردفاً:
- حبيبة بابي، شبعتي.
ضحكت الطفلة ليقبّلها على وجنتها بحب وغادر هو الآخر، بينما ذهب هشام إلى فيلا بيجاد التي بجوار فيلته وما يفصل عنهم هي حديقة واسعة فقط. وأخبره بأن يجهز هو وصبا لكي يذهبوا إلى ريان.
***
تجمعوا في قصر الذئب وكانت حوراء تقف بانتظار أخيها.
رأته وهو يدلف إلى القصر لتركض نحوه وعانقته بإشتياق ليعانقها إياد بقوة وهو يردف بإشتياق شديد لها:
- وحشتيني يا أميرتي، أنتي كويسة؟
أومأت له ليبتعد عنها ونظر إلى وجهها هاتفا:
- مع إن خدودك خسّت عن الأول ودا مش مريحني، بس أهم حاجة إنك كويسة دلوقتي.
ابتسمت له واردفت:
- وحشتني أوي يا أميري.
قبّل رأسها هاتفا:
- وأنتي وحشتي أميرك.
جاء صوت أريب وهي تردف:
- ابعد عنها يا عم، خلينا نسلم على اللي اتعلمت الوطنية الأيام دي.
نظر لها لتردف ببلاهة وسرعة:
- بنهزر يا باشا.
ضحكت حوراء وعانقت أريب بإشتياق، وكذلك آية لترى أمها الروحية تدلف ومعها فتاة.
قبلت يد أمينة ثم نظرت إلى الفتاة قليلاً ثم هتفت بدهشة وفرحة:
- رواء.
ضحكت رواء وعانقت حوراء وهي تردف:
- مش مصدقة إنك واقفة قدامي.
ضحكت حوراء وهتفت وهي تبتعد عنها:
- ولا أنا والله.
دلفوا إلى الداخل حيث يوجد الجميع وعرفت كيان وليان على رواء.
هتفت كيان بتساؤل:
- انتي اسمك رواء؟
أومأت لها لتضيق كيان بين حاجبيها وهي تشعر وكأنها سمعت هذا الاسم من قبل. اتسعت عينيها ونظرت نحو إياد على الفور وهي تتمتم:
- يبقى دي رواء؟
هتفت رواء بتساؤل:
- بتقولي حاجة؟
نظرت لها كيان وابتسمت بهدوء وهزت رأسها بالنفي ثم اردفت:
- اقعدي خلينا نتعرف ونبقى صحاب.
هتفت رواء بمرح:
- وماله.
عند الشباب حيث كانوا يجلسون بعيداً قليلاً عن الفتيات.
أصدر هاتف بيجاد صوت اتصال ليردف بمرح:
- أهو آسر بيتصل.
قام بالرد عليه وأخبره بأنه في قصر ريان وطلب منه أن يأتي هو الآخر وبالفعل بعد قليل وصل آسر وانضم لهم.
هتفت رواء بتساؤل:
- مين دا؟ أنا أول مرة أشوفه.
هتفت أريب بتلقائية:
- سيبك منه، دا واحد رزل.
أردفت أمينة بعتاب:
- عيب يا أريب.
أشاحت أريب بصرها الناحية الأخرى لتلتقي عينيها بعينيه الصقرية لتنظر له بحدة وابعدت عينيها عنه.
كانت هذه أول مرة يراها بها آسر بعد ذلك الموقف عندما كاد أن يدهسها بسيارته حيث بدت له غريبة في ذلك الوقت، ولكن الآن عندما نظرت له تلك النظرة علم بأنها عادت لطبيعتها وإلى لسانها السليط.
هتف بيجاد بمرح وهو يهمس لهشام الذي كان شاردًا بآية:
- لو أخوها شافك قول على نفسك يا رحمن يا رحيم.
ابتسم هشام ونظر إلى بيجاد ليبتعد بيجاد وهتف:
- أعوذ بالله، أنت بتبتسم لي ليه؟
أردف ريان الذي كان بجانبهم:
- مال هشام بيبتسم كدا ليه؟
هتف بيجاد بضحك:
- نفس سؤالي والله، حاسس فيه مصيبة.
هتف هشام بصوت خافت:
- أصلي بفكر الحقكم، ما هو إحنا صحاب برضه ومش بنسيب بعض.
أردف ريان بشك وهو ينظر إلى لمعة عينيه:
- تلحقنا في إيه بالظبط؟
- في الجوازة.
هتف بها هشام بنفس الابتسامة.
ليفزع الجميع عندما صرخ بيجاد محذراً:
- إيـــــه!
نظر له الجميع باستغراب من صراخه المفاجئ هذا لينظر هو لهم ثم هتف ببلاهة:
- متخدوش في بالكم.
ثم جلس مجدداً وهمس لهشام:
- صدقني إياك، أنت صاحبي وعايز مصلحتك.
هتف ريان بخبث:
- خلاص، إحنا نقول لمراتك على نصيحتك دي.
نظر له بيجاد مردفاً بمرح:
- انتوا للدرجة دي مستغنيين عني؟
ابتسم هشام وهز رأسه بيأس ليردف ريان بجدية:
- نتكلم في دا بعدين.
مر الكثير من الوقت وهم مجتمعين معاً ليغادروا أخيراً بعد وقت مضى بين المرح والضحك.
هتف ريان موجهاً حديثه لهشام وبيجاد:
- تعالوا.
وتوجه نحو مكتبه وتبعه هشام لينظر بيجاد إلى صبا وكاد أن يتحدث ولكن قاطعته كيان وهي تردف:
- هتقعد معانا لحد ما تخلصوا... يلا فوق يا بنات.
أومأوا لها وتوجهوا إلى الأعلى بينما توجه هو إلى المكتب.
هتف ريان بجدية:
- حصل إيه؟
أردف هشام بهدوء:
- قررت إني أتزوج، بس لحد إمتى هقعد في الماضي؟ أنا هبدأ حياة جديدة وقريب هكلم إياد.
صفر بيجاد بمرح مردفاً:
- برافو، عين العقل والله، وأي كمان؟
نظر له هشام بغيظ ليردف ريان بجدية:
- يستحسن مش دلوقتي... المفروض تحل مشكلة أهلك دي الأول.
هتف هشام ببعض الغضب:
- دول أهلي يا ريان.
قاطعه ريان مردفاً بجدية:
- بالنسبة لإياد لأ... ومش هيوافق غير لما تجيب والدك بما إنه لسه عايش وبصراحة حقه لإنه ميعرفش اللي فيها.
أردف بيجاد مؤكداً:
- فعلاً يا هشام، أنت لازم تنهي المشكلة دي.
هتف هشام بغضب:
- دي مش مشكلة، هما اختاروا يعتبروني ميت، فـ ليه أخليـهم يشاركوني في قرار زي دا؟ دا شيء مستحيل يحصل.
تنهد ريان واردف:
- فكر الأول يا هشام.
ثم نظر إلى بيجاد واكمل بتساؤل:
- وانت يا بيجاد، إمتى هتعرف مراتك بحقيقة شغلك؟
هز كتفيه هاتفا:
- مش عارف، لما ييجي وقتها.
أردف ريان:
- أنت عارف لو عرفت إنك كدبت عليها مش هيحصل كويس.
- هتولي الأمور.
هتف بها بيجاد بهدوء ثم أكمل بمرح:
- إيه يا إتش، ما تتكلم.
نهض هشام مردفاً:
- أنا تعبان، هروح أنام.
لم يعترض ريان فهو بحاجة للبقاء بمفرده لكي يفكر جيداً رغم أنه يعلم إجابته ماذا ستكون من الآن.
نهض بيجاد واردف هو الآخر:
- وأنا هاخد صبايا وأمشي، أشوفكم بالليل.
وخرج ثلاثتهم من المكتب وغادر هشام وبيجاد وصبا بينما ذهب ريان إلى المستشفى وبقيت حوراء وكيان وليان.
هتفت ليان بمرح:
- إيه يا كوكو سرحانة في إيه؟
نظرت لها كيان ثم نظرت إلى حوراء وهتفت بهدوء:
- رواء تقربلكم إيه؟
استغربت حوراء من سؤالها، فهم أخبروها بالأسفل ولكن من الواضح أنها لم تكن منتبهة لتأتي على بالها فكرة أنها معجبة بأخيها لتردف بهدوء:
- قولتلك تبقى بنت اخت ماما أمينة.
أومأت لها كيان وشردت مرة أخرى لتستغرب حوراء وليان من حالها لتردف ليان بمرح:
- إيه دا، شكل حضور الأستاذ إياد اليوم مسيطر.
نظرت لها كيان باستغراب مردفة:
- ليه؟
تحسست ليان جبهة كيان وهي تردف:
- أنتي كويسة؟ هو إيه اللي فيه؟ مش انتي بتحبي الأخ دا؟
هزت رأسها بالرفض وهي تهتف بهدوء:
- لا، دا كان مجرد إعجاب بس لإني أول مرة أشوف شخصية كدا ودا سبب انجذابي ليه بس.
هتفت حوراء بمرح وهي تسند وجنتها على يدها:
- انتوا ملاحظين إنكم بتتكلموا عن أخويا.
ضحكت ليان بينما هتفت كيان بتساؤل:
- حوراء، هو يعني أخوكي... هو بيحب... يعني ممكن يكون بيحب رواء مثلاً؟
شهقت ليان وهي تردف بمرح:
- أنتي تعبانة اليوم.
بينما هتفت حوراء باستغراب من حديثها:
- ليه بتقولي كدا؟
قصت لهم كيان ما حدث معها عندما ناداها إياد باسم فتاة أخرى بدون أن يدرك، لتتحدث حوراء بهدوء:
- ممكن يكون ما أخدش باله، بتحصل عادي.
أكملت ليان:
- فعلاً، طب أنا مرة قولت لغيث يا ليث ومقولتلكوش أي اللي حصل، كان هيقتلني لولا إني أقنعته إني عايزة اسم ابني يكون ليث.
ضحكت حوراء وكيان عليها لتكمل بمرح:
- والله حاجة صعبة.
ضحكت الفتيات وظلوا يتبادلون شتى الحديث معاً حتى أتى ريان وأخذ حوراء وعادت ليان لغرفتها تحادث غيث، بينما تبقت كيان شاردة الذهن في غرفتها حتى غلبها النعاس.
***
والسَّلام.
مِـنَّــــة جِبريـل.
رواية الطبيب العاشق (2 الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم منة جبريل
"اي السرعة دي يا اتش" هتف بها بيجاد بمرح.
هتف هشام بهدوء: "ولي التأخير؟ أنا أخدت قراري وشايف إنه ملوش لزوم التأخير."
"انت يا ابني مش كدا!" هتف بها هشام بغضب وهو يتوجه نحو ذلك العامل بسرعة.
فزع بيجاد من صراخه المفاجئ، ثم قهقه بقوة وهو ينظر إلى أولئك العمال الذين ينشئون ڤيلا جديدة على يسار الڤيلا التي كان يمكث بها هو وهشام.
أصبحوا ثلاث ڤلل بجانب بعض، التي في المنتصف هي ڤيلا هشام وبيجاد، والتي على اليمين هي ڤيلا بيجاد وصبا، والتي على اليسار هي ڤيلا هشام وزوجته المستقبلية.
جاء إياد ووقف بجانب بيجاد مردفًا: "أنا مش فاهم أي فايدة الڤيلا دي."
"آه بس لو تعرف مش بعيد تهدها على دماغه." هتف بها بيجاد بداخله وهو يكبت ضحكته.
ثم هتف بصوت مرتفع: "هو هشام كدا لما تيجي حاجة في دماغه بيعملها على طول."
تقدم إياد واردف بجدية: "طيب يلا نساعده."
سار خلفه بيجاد وهو يتمتم: "أنا مش عارف نساعده في أي، دا كفاية ريان اللي راعب العمال ومخليهم يحرصوا على كل حاجة."
"بعد إذنك لو ممكن تخلي نقاء معاكي، لإن هشام فاجأنا الصراحة بحوار الڤيلا الجديدة دي."
التقطتها منه حوراء وهي تردف: "لا عادي، أنا أصلاً كنت عايزها لإنها وحشتني قوي. ربنا يعينكم."
"يارب" هتف بها أيهم وغادر القصر.
لتهتف حوراء بمرح: "أي يا نقاء يا عسل انتي مش ناوية تكبري بقى!"
جاءت كيان وقبّلت نقاء ثم هتفت بهدوء: "هروح الشركة تمام."
هتفت حوراء بهدوء: "تمام."
خرجت كيان وهي تنظر إلى ساعتها، لتقف قليلاً لترى عامل التوصيل يُعطي الحارس علبة هدايا كالمعتاد، لقد حفظت المواعيد.
اقتربت من الحارس وأخذت منه علبة الهدايا وصعدت إلى سيارتها وانطلقت نحو الشركة.
"أهلاً" هتف بها غيث وهو يدلف إلى القصر.
لتردف حوراء بابتسامة: "أهلاً، ثواني هناديلك ليان."
وصعدت إلى الأعلى وأخبرت ليان بوجود غيث بالأسفل بانتظارها، لتترجل ليان وخلفها حوراء، وتركتهم وتوجهت نحو المطبخ.
هتفت ليان: "نعم يا غيثي."
"قلب غيث، كنت جايلك علشان دي."
وأخرج من جيب سرواله علبه قطيفة باللون الأبيض وقام بفتحها أمام عينيها، لتشهق بانبهار وهي تراه إنسيال من الألماس يحتوي على أول حرف من اسمها وأول حرف من اسمه.
أمسك بكف يدها ووضعه عليها وأحكمه جيدًا، ثم قبل يدها ونظر إلى عينيها هاتفا بعشق: "وحشتيني."
احمرت وجنتيها وعانقته بحب مردفة: "بحبك أوي يا غيث."
عانقها بقوة وهو يضع كف يده خلف رأسها: "وهو بيعشقك."
"احم" ابعدت عنه بسرعة ونظرت إلى حوراء التي خرجت من المطبخ بخجل، بينما حك غيث شعره من الخلف وهتف بإحراج: "يلا بعد إذنكم ورانا شغل كتير بسبب هشام."
وذهب سريعا وهو يشعر بالحرج، لتضحك ليان وهي تردف بمرح: "ده سابني ومش-"
ثم نظرت إلى حوراء وهتفت بضحك: "هو انتي وشك محمر بدالي يعني ولا إيه؟"
هتفت حوراء بخجل وضحك معًا: "خلاص بقى يلا تعالى علشان نفطر."
اقتربت منها ليان وهتفت: "والله لو حد غيرك كنت اتمنيت الأرض تنشق وتبلعني، بس أنا ببقي باردة معاكي انتي وكيان معرفش لي.. وشوفي."
فردت ذراعها تظهر ذلك الانسيال لتردف حوراء بإبتسامة: "جميل أوي ربنا يديمكم لبعض ويسعدكم."
آمنت ليان على دعائها وعينيها تلمع بعشق ذلك الغيث.
"انت يا زفت بتعمل إيه؟" هتف ريان بغضب.
فزع بيجاد وهو يردف ببراءة مصطنعة: "أنا."
"تحدث ريان بغضب وهو يتقدم نحوه: "أمال أنا يا روح أمي."
هتف بيجاد ببلاهة وهو يركض من امامه: "إيه؟ أنا معملتش حاجة."
"إيه دا.. إيه دا أنت كتبت إيه؟" هتف بها ريان وهو ينظر إلى ما كان يعبث به بيجاد في حائط الڤيلا.
ليردف بيجاد بمرح: "الأصدقاء الثلاثة."
نظر له ريان بغيظ مردفًا: "نزل عليك حب الصداقة فجأة.. لا و راسملي مثلث وفي كل زاوية اسم."
ضحك بيجاد بخفة مردفًا: "عيب عليك دا حب الصداقة مرافقني أكتر من أصدقائي نفسهم."
ابتسم ريان بخفة على جنان صديقه وهز رأسه بيأس من أنه يُصبح جديًا يومًا ما، وأردف بهدوء: "طيب يلا علشان نخلص جزء كبير منها لإن الزفت التاني مُصر أنها تنتهي في أسرع وقت."
"في حد بيجيب في سيرتي؟" هتف بها هشام بإبتسامة وهو يتقدم نحوهم.
ليشير بيجاد سريعا نحو ريان وهو يردف: "هو."
"بياع قوي انت يابيجاد."
أردف بها أيهم وهو يقترب منهم وبجانبه غيث وخلفهم آسر وأيان.
أردف ريان بجدية: "كويس إنكم هنا، هتتقسموا على مجموعات."
ثم نظر إلى ساعته وأكمل: "دلوقتي الساعة 8، أنا وبيجاد هنتولى الأمور لحد الساعة 4 العصر وبعدها العمال هيمشوا وهياجوا عمال غيرهم وهيبقي المسؤول عنهم أيهم وغيث وأيان لحد الساعة 10 بالليل، وبعدها العمال هيتغيروا وياجوا غيرهم وهيبقي المسؤول عنهم هشام وآسر وهتفضلوا لحد الوقت اللي تقدروا عليه بس مش أقل من الساعة 1، عايزين نخلص الڤيلا في أسرع وقت."
هتف آسر بتذمر: "إيه، أمال هننام امتى؟ طب ما تخليني في الفرقة الصباحية دي أحسن."
أردف ريان بجدية وهو يضع كفيه في جيوب سرواله: "لا.. انت أعزب وهشام كذلك، إنما أنا وبيجاد لا."
ضحك بيجاد واستند على كتف ريان مردفًا بمرح: "والله عين العقل، حكيم أوي ريان."
نظر له ريان بطرف عينه هامسًا: "متفتكرش إنني عملت كدا علشان جمال عيونك، لولا صبا كنت خليتك معاه."
استقام بيجاد في وقفته وابتسم له ببلاهة مردفًا: "اكيد يا ذئب، أوامرك مطاعة."
أردف آسر بتفكير: "طب ما تخليني مكان أيهم وهو يبقي بدالي."
نظر له أيهم بطرف عينه ولم يتحدث، ليتنهد ريان مردفًا بجدية طاغية: "أي خلاف في المواعيد مش هيعجبكم اللي هيحصل، بالأخص انت يا أيان."
كان أيان شارداً حتى استمع إلى اسمه، لينظر له بفزع وهو يظن بأنّه فعل مصيبة بدون أن يعلم، مردفًا: "أنا.. مالي أنا.. معملتش حاجة والله."
ضحك غيث واردف: "هشرحلك بعدين، شكلك مكنتش معانا. تمام يا ذئب، كله هيمشي على حسب كلامك."
أردف ريان بهدوء: "ده الأفضل."
غادر الشباب وتبقي ريان وهشام وبيجاد.
نظر لهم ريان ليردف هشام بجدية: "هقعد دلوقتي وبالليل."
"وأنا كذلك، هقعد وهمشي قبل معادي أرتاح وبعدها هاجي أكمل."
أردف بها أيهم بجدية.
ليتحدث بيجاد بمرح: "أنا حاسس إن الڤيلا دي لريان، والله دا هشام سايب كل حاجة عليه."
نظر له هشام مردفًا: "انت بتحرّق عليا ولا إيه؟"
"أبداً" هتف بها بيجاد وهو يرفع يديه بإستسلام.
كان سيف الدين ينظر إلى الطعام بشرود وتذكر عندما أتى إليه أيان في ذلك اليوم.
بعدما كان يعيق طريقها لتبعده بحقيبتها، وأوقفت تاكسي وغادرت، ليبتسم هو بخبث وذهب ليكمل ما أتى لأجله، فوجوده في هذه اللحظة ليس صدفة أبداً.
دلف إلى مدخل تلك العمارة وصعد السلم، ثم توقف أمام باب شقة وطرق عليها بخفة، ثم انتظر قليلاً لينفتح الباب وظهر من خلفه سيف الدين.
ابتسم له أيان واردف: "السلام عليكم يا عمي."
نظر له سيف الدين قليلاً مردفًا: "وعليكم السلام يا ابني. مين."
يحكي أيان شعره من الخلف، فهو لم يتوقع أن يكون قد نساه، ليردف: "أيان الكيلاني."
أردف سيف الدين بتذكر وهو يبتعد من أمام الباب: "آه أهلاً يا ابني اتفضل."
ليدلف أيان وأغلق سيف الباب وعاد وجلس معه مردفًا: "تشرب حاجة.. معلش بنتي قمر مش هنا، كانت عملتلك أكل واتغديت معانا."
"آه ما أنا عارف."
أردف بها أيان بعفوية.
ليتعجب سيف وهتف: "وعرفت إزاي؟"
حمحم أيان واعتدل في جلسته مردفًا: "أنا شفتها وهي خارجة وأنا جيت لإني عايز أكلم حضرتك في موضوع كدا مهم قوي بالنسبالي."
"اتفضل يا ابني قول اللي عندك."
نظر له أيان وأردف بجدية لأول مرة تظهر عليه: "بصراحة يا عمي أنا من أول مرة شفت فيها بنت حضرتك وأنا انجذبت ليها وبصراحة كدا مع مرور الأيام حبيتها.. أنا مقولتش أي حاجة ليها، قولت الكلام يكون مع حضرتك الأول وأنا دخلت البيت من بابه وجيت دلوقتي لوحدي علشان أعرفك بالموضوع وأعرف رأيك فيا وشروطك كمان وأنا في أقرب وقت هاجي تاني لكن مع أهلي وأتقدم لبنت حضرتك رسمي."
صدقني يا عمي أنا بحبها وأوعدك إنني أعيشها ملكة ومش هخليها تحتاج حاجة ولا هزعلها. ممكن تقول لي لسه صغيرة وتعليم.. عايز أقولك إنني مش هحرمها من حاجة وهخليها تكمل تعليمها في أكبر المدارس وكل اللي تؤمر بيه مجاب."
أخرج أيان كل ما بجعبته مرة واحدة وهو ينظر إلى ملامح سيف الدين.
بينما سيف الدين فهو لم ينكر بأنه تفاجأ من طلبه، ولكن احترم مجيئه له ولم يخبر ابنته بشيء ودلف المنزل من بابه.
تنهد بخفة مردفًا: "بص يا ابني أنا احترمت إنك جيت لي ومقولتش حاجة لبنتي ودا يخليني أعرف إنك شخص محترم، وكمان عيلة الكيلاني أي حد يتمنى يناسبه."
"بس للأسف مش أنا."
وقع قلب أيان أرضا فور سماعه لتلك الكلمات، ليكمل سيف الدين: "أنا كل اللي هعوزه إني أشوف بنتي مبسوطة ومرتاحة ومش هحتاج حاجة تاني، ولا هيهمني فلوس ولا مظاهر ولا كل الحجات دي، كل اللي يهمني سعادة بنتي."
"وعلشان احترامك وإنك دخلت البيت من بابه فأنا هديك فرصة وهستناك انت وأهلك، ووقتها هكلم بنتي في الموضوع وهيكون القرار بإيدها. وافقت كان بها، موافقتش ربنا يرزقك ببنت الحلال ويرزقها بالزوج الصالح."
ابتسم أيان بارتياح وعاد له الأمل ليردف بفرحة صادقة: "صدقني يا عمي ههديها حياتي، بس حاول تقنعها الله يرضيك."
ابتسم سيف الدين ثم نظر له هاتفا: "انت بتشتغل؟"
أومأ له أيان سريعا مردفًا: "أيوا بدير شركات."
أومأ له سيف الدين ليردف أيان: "لو في أي شروط من حضرتك تقدر تقولها وتعتبر إن كلها مجابة."
هتف سيف الدين بضحك: "لو كان في شروط هتتقال بوجود أهلك.. وبعدين انت مستعجل كدا ليه؟"
هتف أيان بتلقائية: "بحبها يا عمي."
نظر له سيف بحدة ليحمحم أيان مردفًا: "احم آسف."
ثم نهض وهتف بابتسامة: "في أقرب وقت هنكون هنا."
"تنوروا."
صافحه أيان ثم غادر وصعد سيارته ليتنهد بسعادة بالغة، وها هو قد تخطى أول شيء في الوصول إلى محبوبته.
تنهد للمرة التي لا يعلم عددها وبدأ يتناول الطعام وهو يتخيل عيشته بدونها.. فهي ما تبقت له من رائحة محبوبته.. لم يكن يعلم بأنها كبرت بهذه السرعة.. لقد تقدم لها الكثير ولكنه كان يرفض ولا يخبرها بالأمر، وكان دائمًا ما يقول بأنها ما زالت صغيرة، ولكن ذلك الأيان مختلف.. فقد رأى في عينيه صدق حديثه ولمعة الحب التي كانت تشع بهما.. لقد ذكره بنفسه عندما ذهب ليتقدم لمحبوبته سابقًا.. وأنّه ذهب بمفرده أولًا كما فعل هذا الأيان.. لقد رأى به نفسه وهذا ما جعله يوافق أن يأتي برفقة أهله وأن يعطيه فرصة للمحاولة ويعطي لذلك الحب الذي بعينيه فرصة أيضًا.. يتمنى أن يعامل ابنته كما كان يعامل هو زوجته.. يتمنى أن يكتمل ذلك التشابه في الأفعال وأن يسعد ابنته ويصونها.. فهو لا ينكر بأنه لن يجد أفضل منه زوجًا لها وعائلة كعائلة الكيلاني لتكون أهلها الجديدة، فهو رأى تآلف تلك العائلة وذلك الرباط المتين الذي بينهم.
جلست قمر بجواره وهتفت بمرح: "سيفوو سرحان في إيه؟"
أفاق سيف الدين من شروده ونظر لها ضاحكًا: "ومين غير قمرى بيشغل تفكيري."
ثم أمسك يدها وربت عليها بخفة مردفًا: "انتي عارفة إني طلعت بيكي من الدنيا ومبفكرش غير في سعادتك وراحتك."
ابتسمت له قمر باضطراب من حديثه وانتظرته ينتهي منه ليكمل سيف بهدوء: "حبيبتي بعد أسبوع جايين ناس يتقدموا لخطبتك لإبنهم على سنة الله ورسوله."
سحبت قمر يدها من يده وهتفت بصدمة: "بتقول إيه يا بابا؟ أنا ولا عايزة عريس ولا غير، أنا هكمل دراستي ومش هسيبك."
أردف سيف الدين بهدوء وحكمة: "اسمعيني يا بنتي، محدش ضامن عمره وأنا عايز أطمن عليكي."
قاطعته قمر بحزن وهي تنهض من جواره: "بعيد الشر عنك يابابا، أدامك الله لي بصحة جيدة.. وياريت تقول للشخص دا إنه مرفوض."
أمسكها والدها وأجلسها بجواره هاتفا: "اقعدي طيب واتهدى، أنا راجل كبير مش قادر إني أجري وراكي.. انتي شوفيه الأول واستخيري ربك يا حبيبتي وشوفي إذا ارتحتي أو لا.. أنا اديتهم معاد ومش هينفع نتراجع فيه."
تنهدت قمر وهتفت بهدوء: "حاضر يا بابا، هشوفهم علشان خاطرك بس."
ابتسم لها سيف وربت على خصلات شعرها وقبلها من جبينها لتقبل يده واستأذنته ونهضت متجهة نحو غرفتها لتقوم بالاتصال على صديقتها لتساعدها في هذه المعضلة كما تراها من وجهة نظرها.
"الحقيني يا حوراء."
ركضت حوراء بسرعة ودلفت إلى الغرفة وبيدها تلك الرضاعة الاصطناعية والتي بها الحليب لترى ليان تضع نقاء أرضًا وهي تنظر إلى ملابسها بتقزز.
وضعت الرضاعة الاصطناعية على الطاولة وركضت إلى الطفلة التي تبكي وحملتها بحذر، فهي قد فعلتها مجددًا وهتفت بعتاب: "سبتيها على الأرض لي يا ليان."
هتفت ليان بتقزز وهي على وشك البكاء: "عملتها عليا يا حوراء، مش مستحمله الريحة هموت."
هزت حوراء رأسها بيأس وأخذت نقاء وخرجت من الغرفة واتجهت نحو المرحاض الذي بغرفتها، بينما ذهبت ليان إلى المرحاض بعدما أخرجت لها ملابس أخرى.
حمت الطفلة ثم خرجت وبحثت عن هاتفها حتى وجدته لتقوم بالاتصال على ريان ووضعته على أذنها وهي تسنده بكتفها بينما تحمل الطفلة بين ذراعيها وتهدهدها لكي تكف عن الصراخ.
رأى الهاتف يرن وكان مسجل بـ "فاتنتي"، ليعلم بأنها زوجة ابن عمه. نظر حوله باحثًا عنه ولكنّه لم يجده. سأل عنه العمال، أخبروه بأنهم لا يعلمون أين هو.
تردد في الرد حيث تكرر الرنين مرة أخرى ليقرر الرد أخيرًا.
وضع الهاتف على أذنه وقبل أن يستمع إلى أي كلمة أردف: "احم.. أنا أيهم."
استغربت حوراء بأن أيهم من قام بالرد عليها لتستمع إليه وهو يكمل: "بصراحة أنا معرفش ريان فين وأنا كنت بشتغل على الفون علشان كـ..."
توقف عن الحديث وهو يستمع إلى صوت بكاء صغيرته ليردف أيهم بقلق: "نقاء بتعيط ليه.. حصلها حاجة.. هي تعبانة؟"
أردفت حوراء بخجل: "لا.. بس يعني كنت محتاجة هدوم علشان أغيرلها وكدا."
أردف أيهم بتفهم: "طيب تمام أنا هتصرف."
أغلقت حوراء الهاتف، ظلت تهدئ الصغيرة وانتظرت في الشرفة حتى وجدت أيهم يدلف ومعه حقيبة صغيرة، لتخرج من الغرفة وترجلت الدرج بسرعة حتى وجدته يدلف إلى الداخل.
أعطاها الحقيبة واردف: "دي هدومها وكل حاجة تخصها."
التقطتها منه وشكرته وصعدت إلى الأعلى، بينما غادر هو مجددًا.
أبدلت ثياب الطفلة وما يخص الأطفال حتى إذا فعلتها مجددًا لا تفعلها على أثاث.
ثم حملتها وذهبت إلى غرفة ليان لتجدها ما زالت في المرحاض وقد امتلأت الغرفة برائحة ورد الفل.
لتأخذ الببرونة ووضعتها بفم الطفلة واقتربت من المرحاض وهتفت بصوت مرتفع: "ليان انتي كويسة؟ اتأخرتي ليه؟"
جاءها صوت ليان من الداخل: "أنا كويسة بس بتأكد إن الريحة خرجت مني."
ضحكت حوراء وهتفت: "يا بنتي حرام عليكي دي الأوضة بقيت كلها ريحة ورد، أمال انتي هتبقي إيه؟"
هتفت ليان من الداخل: "لا لا لسه كمان.. أنا مش متخيلة إن في طفل عملها عليا أصلًا."
ضحكت حوراء بقوة وهي تهز رأسها بيأس وخرجت من الغرفة واتجهت نحو غرفتها وأخذت هاتفها ثم خرجت من الغرفة وجلست في بهو القصر وظلت تشاهد التلفاز وهي تضع نقاء على قدمها.
وجد بأن هناك مكالمة من فاتنته ولكنه تم الرد عليها.. لا يتذكر أنّه حادثها، ليستمع إلى صوت أيهم من خلفه وهو يردف: "أنا رديت."
نظر له بأعين تخرج شرراً، ليحمحم أيهم مكملاً: "صدقني دورت عليك وانت مكنتش موجود، ولإني سايب نقاء معاها قولت ممكن يكون حصل حاجة."
"وفعلاً كانت محتاجة هدوم لنقاء."
نظر له ريان بغضب ولم يرد عليه لأنه لو فعل لن يتحدث فقط بل سَيكسر فكه الذي يتحدث به.
وتركه وغادر.
كانت كيان قد انتهت لتوها من الاجتماع وكانت هي بمفردها بقاعة الاجتماعات تلملم بعض الأوراق ووضعتهم بحقيبتها وكادت أن تخرج من غرفة الاجتماعات إلا أنها وجدته يقف أمام الباب مستنداً عليه وهو يربع ساعديه وينظر لها نظرة أربكتها.
ازدادت ضربات قلبها ونظرت له بخوف وهي تتساءل.. ماذا يفعل هنا؟ فهو لم يكن ضمن هذا الاجتماع.
ارتعد بدنها بخوف وهي تراه يتقدم منها وملامحه لا تبشر بالخير إطلاقًا.
سارت إلى الخلف وهي تحاول الحديث ولكن اختفى صوتها وكأنها بكماء.. ليزداد رعبها وهي تراه اقترب منها كثيرًا حيث أصبح لا شيء يفصلهم سوى بعض الإنْشات الصغيرة.
تسارعت انفاسها وهي تضم يديها أمام صدرها برهبة وتنظر له بأعين مهتزة خائفة، وهذا ما زاد غضبه.
أردف زيد بصوت مخيف: "ما ذاك الذي فعلتيه؟"
نظرت له بعدم فهم وخوف ليصرخ بها بقوة: "كيف تمسكين به بتلك الطريقة؟"
شهقت بذعر وارتجف جسدها بخوف وجاهدت على اخراج صوتها ولكنها لم تستطع، ليكمل زيد بغضب: "أجيبي."
حركت شفتيها تحاول الحديث وخرج صوتها أخيرًا ولكنه ضعيف مرتجف: "أنت بتقول إيه؟ أنا مقربتش من حد."
تفاقم غضبه من إنكارها ولم يكن يرى سوى التصاقها بهشام وهتف بحدة: "حقا؟ ما ذلك الذي رأيته إذًا، التصاقك في هشام وتمسكك في ذراعه."
"هشام! هشام فعلًا كنت ماسكة ايده.. بس انت مالك؟"
رفع يده وضرب الحائط بجانب رأسها بقوة جعلت من جسدها يرتجف بقوة، واتسعت عينيها بذعر وخوف.. حركت رأسها ببطء حتى نظرت إلى يده والتي كانت بجوار رأسها تمامًا، ثم حركت رأسها مجددًا ورفعتها إلى الأعلى ونظرت له بأعين ترقرق بها الدموع وأصبح تنفسها معدومًا تقريبًا.
نظرت إلى عينيه وهبطت دمعة من عينيها تلتها الأخرى والأخرى، عادت أنفاسها ولكن بشكل أسرع وامتلأ وجهها بالدموع.
كان يتابع ردود أفعالها بغضب ولكن تحول للقلق والندم.
أبعد يده من جانبها وكاد أن يلمسها ولكنها صرخت بذعر وهي تضع كفوف يديها على وجهها وأجهشت بالبكاء بطريقة أفزعته.
أردف بتردد وحزن: "كيان."
لم يجد ما يقوله فقد أعمته غيرته لتجعله يعود لنقطة الصفر من جديد.. ضغط على كفه بقوة مرددًا بأسف: "أنا آسف، أنا حقًا لم أقصد... أنا.."
هتفت من بين بكائها وهي تحاول الابتعاد عنه: "امشي من هنا."
تجاهل همسها واقترب منها هامسًا جوار أذنها: "ولكني أحبك."
حبست أنفاسها داخل صدىها بينما أكمل زيد: "أقسم أني أحبكِ.. لم أقصد ما فعلته فقط.. فقد شعرت بالغيرة عندما وجدتك تتمسكين بذراعه بتلك الطريقة.. لم أتحمل هذا.. انتي ملكي وصغيرتي أنا.. لقد تجاوزت مرحلة الحب سابقًا وأصبحت متيم بكِ صغيرتي.. أصبحت أرسل لكِ الهدايا يوميًا ومعها ورقة تعبر عن ما يكون بداخلي في كل مرة أراكِ فيها.. أردت أن أمحي نظرة الخوف من عينيكِ أولاً لكي تتقبلي حبي لكِ ولكن الآن عدت لنقطة الصفر ولا أستطيع الابتعاد عنكِ أكثر من هذا.. سأحاول بكل طاقتي إزالة ذلك الخوف من داخلك وأن أجعلكِ تبادليني نفس الشعور.. أعدك بهذا يا صغيرتي.. أعدك بأنكِ ستكونين لي."
كانت تستمع إلى ما يتفوه به بصدمة شلت أطرافها.. أيعترف لي بحبه الآن.. لقد كان على وشك ضربي ويعترف لي عن ما بداخله.. وأيضًا هو كان ذلك المجهول الذي يبعث لها الهدايا والرسائل يوميًا.
نظر لها واردف بحذر: "هل تسمعيني؟!"
رفعت نظرها نحوه ليكمل زيد: "صدقيني أنا لا أستطيع أن أمس شعرة واحدة منكِ بسوء يا صغيرتي."
لم تجبه بل تحركت تنوي الرحيل، ولكنّه أوقفها بوضع يده أمامها يمنع رحيلها قائلًا: "تمهلي رجاءً."
"ابعد عني ومش عايزة أشوف وشك تاني."
كان هذا أول ما تردف به بعد سماعها لاعترافه ونظرت له بقوة ثم دفعت ذراعه بقوة من أمامها وخرجت من قاعة الاجتماعات وهي تزيل دموعها بعنف.
ظل ينظر إلى طيفها حتى اختفت من أمام مرمى بصره ليزفر بقوة ويمرر يده على خصلات شعره بقوة وزمجر بغضب، فها هو قد عاد لنقطة البداية من جديد ولكنه يقسم بأنه لن يتركها وسيجعلها تعشقه لا أن تحبه فقط.
ليخرج هو الآخر من الشركة بأكملها وصعد سيارته وانطلق بها.
أردف سليمان بقلق: "كيان هانم حصل حاجة؟"
أومأت له بالنفي وهتفت بصوت مبحوح وهي تكبت دموعها: "لا بس.. بس روحني."
وصعدت السيارة ليصعد هو وانطلق بها ولكن ليس للقصر بل لذلك المكان الذي يأخذه لها عندما تكون حزينة.
بعد وقت...
نظرت كيان حولها ثم نظرت إلى سليمان الذي رمقها بهدوء، لترجل من السيارة وسارت نحو ذلك النيل ووقفت على صخرة كبيرة وظلت تنظر إلى النيل حتى انهمرت دموعها لتجلس على الصخرة وهي تخفي وجهها بين كفيها وأجهشت بالبكاء.
ظل يتابعها من السيارة ولم يرد أن يذهب لها الآن بل تركها قليلاً حتى تخرج ما بداخلها.
بعد دقائق ترجل من السيارة وهو يرى انهيارها وجلس بجانبها وأعطاها منديلًا لتنظر كيان إلى المنديل ثم نظرت له وهتفت من بين بكائها: "أنا تعبت، هو عايز مني إيه؟ أكتر شخص بخاف منه رجع تاني بعد ما قربت أنساه.. رجع وفكرني بيه وكأنه بيقولي أنا مش هسيبك.. كان.. كان هيضربني وبعدها قالي إنه بيحبني.. أنا مش فاهمة هو عايز إيه.. أنا تعبت يا سليمان ومش فاهمة حاجة، كرهت كوني بخاف منه ومش بقدر أعمل حاجة في وجوده."
استمع لها ولانهيارها واردف: "اهدئي يا كيان وكفاية عياط.. خدي المنديل ده."
صرخت بانهيار وحزن: "مش عايزة.. مش عايزة حاجة.. أنا كل اللي عايزاه إنه يبعد عني.. مش عايزة أشوفه تاني."
كان سليمان يحاول إخفاء غضبه الذي شعر به عندما قالت بأنه كان على وشك ضربها واردف: "هعملك كل اللي انتي عايزاه وهبعده عنك ومش هخليكي تشوفيه تاني، بس انتي اهدى وكفاية عياط علشان خاطر سليمان صديقك."
كفكفت دموعها وهتفت: "لا مش عايزك تعمل حاجة.. لو شوفته تاني مش هخاف منه وأنا هوقفه عند حده."
"بس يا كيان."
نهضت وهي تردف بحزم: "مش عايزك تعمل حاجة يا سليمان ولا تقول لحد عن اللي حصل، أنا هتصرف."
ثم اتجهت نحو السيارة ليتنهد سليمان وتولى مقعد القيادة ثم أردف بابتسامة بسيطة لكي يلهيها عن ما هي به قليلاً: "طيب إي رأيك نروح مطعم الذئب ناكل أي حاجة أصل صاحبك على لحم بطنه من الصبح."
ابتسمت له كيان وأومأت بخفة مردفة: "يلا وأنا كمان جعانة."
انطلق سليمان بالسيارة متجها نحو إحدى مطاعم الذئب ولم يرى أي منهم تلك السيارة التي كانت تقف بالقرب منهم.
تنهد زيد بحزن بعدما استمع إلى كل ما قالته لذلك السليمان وذهب هو وجلس أمام النيل ينظر له بشرود.
وضع ريان الهاتف على أذنه ينتظر الرد ولكنه لا يجد رداً ليشعر بالقلق على شقيقته، ليقوم بالاتصال على سليمان.
أردف سريعا عندما أتاه الرد: "كيان فين يا سليمان؟"
أتاه صوت سليمان من الناحية الأخرى وهو يردف بجدية: "قدامي يا باشا في مطعم."
تنهد ريان ثم أردف: "وهي كويسة؟"
نظر سليمان إلى كيان مردفًا: "أيوا يا باشا."
"اديها الفون يا سليمان."
أعطاها سليمان الهاتف وهو يخبرها بأنه شقيقها، لتجيبه كيان بهدوء: "أيوا يا أبيه."
هتف ريان براحة عند سماع صوتها: "انتي كويسة يا كيان؟ مش بتردي على الفون لي؟"
هتفت كيان وهي تبحث في حقيبتها: "آآآ.. نسيته في العربية يا أبيه آسفة لإني قلقتك."
أردف ريان بهدوء: "تمام يا كياني، بعد ما تخلصي ترجعي على القصر على طول."
"حاضر يا أبيه."
"كيان متأكدة إنك كويسة؟"
أدمعت عيني كيان وضغطت على شفتيها ثم هتفت بهدوء: "أيوا يا أبيه أنا بخير وسليمان معايا متقلقش عليا."
شعر ريان بأنها عكس ما تقول ليردف: "ماشي يا كياني متتأخريش."
"حاضر."
هتفت بها ثم أغلقت معه لتنهمر دموعها، لتضع كف يدها على فمها وهي تكتم شهقاتها، ليردف سليمان: "كفاية يا كيان."
حاولت أن تكف عن البكاء ولكن خانتها شهقة لتفقد السيطرة على نفسها وأجهشت بالبكاء وتعالت شهقاتها، لينهض سليمان ووقف بجانبها مردفًا بتوعد: "هخليه يندم على كل دمعة نزلت منك صدقني."
هزت رأسها بالرفض ونظرت له برجاء مردفة: "لا متعملش حاجة علشان خاطري."
نظر لها بغرابة مردفًا: "ليه؟"
توترت نظرتها ثم اردفت: "لإنه كدا هيفضل في حياتنا، بس أنا عايزاه يطلع منها خالص مش عايزة أي حاجة ممكن تخليني أشوفه تاني."
برغم أنه لم يقتنع بحديثها ولكنه أومأ بخفة مردفًا: "يبقي كفاية دموع لإنها غالية عندي."
كفكفت دموعها وهي تومئ له لتبتسم له ببهوت مردفة: "خلينا نكمل أكل."
جلس مكانه مجددًا وهتف بابتسامة: "رغم دا كله وجايلك نفس تاكلي؟"
هتفت وهي تتناول قطعة من كعكة الفراولة: "ومال الحزن بالأكل ياسليمان، الله."
هز رأسه مردفًا: "ملوش، اتفضلي كلي.. طفسة."
نظرت له بغيظ لتتسع ابتسامته وهتف: "شكلك زي الفراولة اللي قدامك دي."
حسناً.. لقد أخجلها فهي لم تتوقع أن يقول شيئًا كهذا لتحمحم بخجل وهي تكمل تناول الطعام في صمت.
بعد انتهائهم أخذها وغادر متجهاً نحو القصر.
"هروح أرتاح ساعتين." هتف بها أيهم ليومئ له ريان بخفة.
هتف بيجاد بإرهاق: "واحنا مش هنروح نرتاح؟"
تخطاه ريان مردفًا: "لسه فاضل ساعتين."
أشار بيجاد على المقعد وهو يلتقط كوب ماء وارتشفه على مرة واحدة مردفًا: "أنا خلاص صحتي سافرت، دي الڤيلا قدام عيني ومش قادر أروح لها."
استمع إلى رنين هاتفه لينظر له ثم نظر إلى ريان وهو ينهض واردف: "احم ثواني وراجع."
ثم توجه نحو مكان فارغ وقام بالرد مردفًا: "مرحباً ميرا."
هتفت ميرا من الناحية الأخرى: "لست بخير، فأنا لم أراك منذ ذلك اليوم، لقد اشتقت لك حقًا."
"وأنا أيضًا ولكن اعذريني، فعملي في هذه الأيام كثير جدًا ولكن سأحاول بأن أراكِ في أقرب وقت."
"وأنا بانتظارك، إلى اللقاء."
أنهى المكالمة وزفر بهدوء ثم التفت وعاد إلى مكانه.
انتهت الساعتين وجاء أيهم وغيث وأيان وقد غادر العمال وأتى غيرهم وغادر ريان إلى قصره وبيجاد إلى ڤيلته.
دلف إلى القصر ليجد حوراء تجلس وبين يديها نقاء ومعها ليان وكيان.
توجه نحوهم لتنهض حوراء فور رؤيتها له واتجهت نحوه وهي تبتسم، بادلها الابتسامة وقبل رأسها بخفة، ثم داعب وجنة نقاء ونظر إلى كيان مردفًا: "تعالى عايز أتكلم معاكي."
ثم ابتسم إلى ليان وصعد إلى الأعلى وتبعته كيان وهي تفرك كفيها بتوتر.
دلف إلى غرفتها ووقف منتظرًا قدومها حتى أتت وأغلقت الباب خلفها.
وقفت أمامه وهي تنظر إلى الأرض وهتفت: "نعم يا أبيه."
أردف ريان بحزم: "بتبصي لتحت لي؟ بصيلي أنا واقف قدامك."
رفعت رأسها ونظرت له ولم تكمل ثوانٍ حتى أبعدت ناظريها ليردف ريان بعدما تأكد من شكوكه وأن بها خطبًا ما: "حصل إيه يا كيان؟"
كادت أن تنفي حديثه وتخبره بأنه لم يحدث شيء ولكنه أردف مقاطعًا إياها: "متحاوليش تكدبي."
تثاقلت أنفاسها وامتلأت عينيها بالدموع لينظر لها ريان هاتفا بقلق: "كيان قولي لي حصل إيه؟"
لم تجبه بل ارتمت بين ذراعيه وأجهشت بالبكاء ليحتضنها هو بحماية وقلق من أن يكون قد أصابها مكروه ما.
وجلس بها على الفراش وهو ما زال محتضنًا إياها ويربت على شعرها.
هتفت كيان من بين بكائها: "أنا كويسة بس.."
قاطعها ريان مردفًا بحدة طفيفة: "متكذبيش يا كيان."
ازداد بكاؤها ليتنهد وأردف بحنان: "كياني علشان خاطري قولي لي حصل معاكي إيه؟"
"محصلش حاجة، أنا بس مضايقة علشان.. علشان افتكرت ماما."
صُدم من إجابتها ليردف بحنان: "وليه مضايقة يا كياني؟ انتي ادعيلها بالرحمة بس انتي عارفة إني مش بستحمل دموعك دي."
"أنا آسفة."
هتفت بها ثم ازداد بكائها تشعر بأنها فتاة سيئة لأنها تكذب على أخيها وأبيها وصديقه.
لم يتحدث ريان وعانقها بقوة واحتواها بين ذراعيه حتى ذهبت في سبات عميق.
دفنها بالفراش جيدًا ثم نظر إليها.. عندما اعتذرت كان واضحًا بالنسبة له بأنها تعتذر لشيء آخر ليعلم بأنها تخبئ شيئًا عنه ولكنه لم يُرد أن يضغط عليها وقرر أن يتركها حتى تأتي وتخبره هي بنفسها ولن يسأل سليمان عنها، سيترك لها فرصة لكي تخبره.
ثم خرج من الغرفة وتوجه نحو غرفته وأخذ حماماً منعشاً وخرج وهو يرتدي شورت يصل إلى ركبته فقط ولم يجفف جسده أو حتى شعره بل ارتمى على الفراش وأغمض عينيه مقرراً أخذ قسطاً من الراحة.
هتفت ليان بتساؤل: "تعرفي لي هشام بيبني الڤيلا دي؟"
هزت حوراء رأسها بالرفض وهي تردف: "لا."
"يعني مسألتيش ريان عن السبب؟"
نظرت لها حوراء واردفت: "وأنا إيه دخلني في الموضوع علشان أسأل؟ وغير مش هاممني أصلًا، أنا أسأل غير في الحاجة اللي تخصني."
ثم نهضت وهي تكمل: "هاروح أنيم نقاء."
وصعدت إلى الأعلى لتردف ليان بحماس: "آه لو أقدر أقولك أنا مبسوطة قوي علشان هشام."
دلف حوراء إلى الغرفة لتجده ممدد على الفراش مغمضاً عينيه براحة لتبتسم بخفة واتجهت نحو الفراش ووضعت نقاء النائمة بجواره برفق حتى لا توقظه، فمن الظاهر بأنه أنهكه العمل منذ الصباح.
قبلت وجنة نقاء ووجنته ثم توجهت نحو المرحاض وتوضأت وارتدت إسدال الصلاة وبدأت في الصلاة.
بعد انتهائها جلست على سجادة الصلاة ورفعت كفيها إلى الأعلى وظلت تدعي الله بكل ما تريد وهي على يقين تام بأنه سيستجيب ولو بعد حين.
آمنت على دعواتها ثم نهضت وخلعت ملابس الصلاة وتمددت بجانب نقاء.
ظلت تنظر لها بحنان وتمرر يدها برفق على وجنتها ثم نظرت إلى ريان لتردف بهمس وابتسامة بسيطة مرتسمة على وجهها: "ربنا يرزقني بالذرية الصالحة."
استمع ريان إلى دعائها وفتح عينيه ونظر لها وعلى وجهه ابتسامة بسيطة لتردف حوراء: "افتكرتك نايمة."
هز رأسه بالرفض ثم رفع يده ومررها على وجنتها عاتفا بحب: "عايزة طفل."
"أكيد أي وحدة تتمنى إن ربنا يرزقها بطفل."
هتفت بها بتلقائية.
ليبتسم لها بعشق مردفًا: "صدقيني هتكوني أحلى أم.. طيب وفكرتي في أسماء لأطفالك؟"
هزت رأسها بنعم ليضحك بخفة هاتفا: "كتير."
أومأت له مجددًا ليردف بضحك وعشق: "وماله نجيب أطفال كتير."
ضحكت حوراء ثم نظرت إلى نقاء واردفت: "بإذن الله."
ثم أغمضت عينيها وذهب في سبات عميق ليضحك ريان بخفة، فهذه عادتها تنام في وسط الحديث بدون أن تشعر.
ظل ينظر لها ويفكر بأمر ما جعل الابتسامة تختفي من على وجهه وجافى النوم عينيه لينهض وهو ينظر إلى نقطة وهمية وهو شارد بأمر ما.
نهض بسرعة وأرتدى بنطال أسود وقميص أسود والتقط هاتفه ومفاتيح سيارته وخرج من الغرفة بل من القصر بأكمله وصعد سيارته واتجه نحو المشفي.
في الساعة 2:20 صباحاً.
يجلس هشام برفقة آسر الذي يتثاءب من الحين للآخر ليردف هشام بضجر: "بقولك إيه؟ انت كدا هتخليني أنام، أمشي أحسن."
هتف آسر بضحك: "على عيني، اقعد بس، حكم القوى هنعمل إيه؟"
"لا متخافش، روح نام مش هياكلك."
"انت لي محسسني إني بنام على نفسي؟ لاحظ إنني ظابط مخابرات وبطبق بالأيام."
هتف بها آسر ثم تثاءب بنعاس.
ليبتسم هشام بسخرية هاتفا: "واضح الصراحة."
بينما يتحدثون كان أحد يتسلل نحوهم بالخفاء وبدون أن يصدر أي صوت.
كان هشام يتحدث ليوقفه آسر واردف بهمس وهو يشعر بأن أحد يقترب منهم: "لحظة يا هشام."
وفجأة أخرج سلاحه والتف وكاد أن يطلق النار ولكنه توقف وهو يردف بغيظ: "بيجاد بتعمل إيه؟ كنت هقتلك يا غبي."
يضحك بيجاد وهتف: "جاي أحكي معاكم."
نهض هشام وهتف بحدة: "انت غبي يا ابني، بسبب تصرفاتك دي كان ممكن يقتلك."
ربت بيجاد على كتفه واردف: "متخافش، صاحبك بتسع أرواح."
أزاح هشام يده وقبل أن يتحدث وجدوا ضوء سيارة توقفت بجوارهم ليترجل منها ريان.
أردف هشام بتساؤل: "ريان خير؟"
جلس ريان على مقعد هاتفا بهدوء: "ولا حاجة، جيت أشوف أمور الڤيلا.. صرف العمال يا بيجاد."
أومأ له بيجاد ثم ذهب لكي يصرف العمال ليجلس هشام بجواره، بينما هتف آسر: "أروح أنام أنا، تصبحوا على خير."
وغادر آسر ليأتي بيجاد بعد وقت ويحمل بين يديه صينية عليها أربع أكواب من القهوة.
نظر حوله باحثاً عن آسر ليردف هشام بهدوء: "مشي."
جلس بيجاد على الناحية الأخرى بجانب ريان واردف بمرح: "يلا ملوش في القهوة نصيب، أشربها أنا."
نظروا له وكأنه كائن فضائي واردف ريان بسخرية: "ومن امتى بتشرب القهوة؟"
أجابه بيجاد بهيام وبطريقة مضحكة: "منذ أن قابلت ذات أعين القهوة يا صديقي."
ثم نظر لهم هاتفا بحماس: "بقولكم إيه؟ يلا نلعب."
كاد أن ينهض ليردف هشام بغضب: "اترزع يا زفت، نلعب إيه دلوقتي؟"
"والله لأنا لاعبين، استنوا."
وغادر سريعا قبل أن يمنعوه ليردف هشام بغضب: "عمره ما هيعقل."
ينظر إلى ريان وجده يبتسم ليردف بتهكم: "عاجبك تصرفاته؟"
قهقه ريان بقوة مردفًا: "ده بيجاد اللي أعرفه واللي مستحيل يتغير، ودي أكتر حاجة بتعجبني فيه."
تنهد هشام واردف بابتسامة بسيطة: "فعلاً.. مهما قابلته ظروف صعبة مبيتغيرش غيرنا."
"عوهتف بها بيجاد وهو يقفز أمامهم فجأة ليكز هشام على أسنانه مردفًا: "عوه إيه يا زفت؟"
أجابه بيجاد وهو يضع أوراق اللعب على الطاولة الصغيرة التي أحضرها معه: "بخضكم الله."
أردف ريان بغيظ: "عارف يا بيجاد هخلي وشك يحضن الطاولة دي."
ابتسم له بيجاد ببلاهة مردفًا: "لي؟ كنت قاتلك قتيل.. يلا نلعب."
وضع ريان يده على وجهه وهو يهتف بنفاد صبر: "أنا إيه اللي جابني؟"
أردف بيجاد بمرح: "قدرك يا حبيبي، يلا مفيش نقاش، هتلعبوا يعني هتلعبوا."
أشرقت الشمس وأضاءت العالم وكانوا هم ما زالوا يلعبون.
أردف بيجاد بغيظ: "لاا كدا ظلم، أنا مفزتش غير 6 مرات."
نهض ريان وهو يردف: "بس يلا كفاية كدا ورايا شغل."
وتركهم وغادر لينهض هشام هاتفا: "وأنا كمان مش فاضي."
"وأنا هروح أنام."
أردف بها بيجاد بضحك وغادروا هم أيضًا.
أمسك بورق التحاليل الذي بيده وتنهد بقوة وهو يفتحه ليرى النتيجة.
كور الورقة بين يديه وهو يضغط عليها بقوة والحزن والصدمة مرسومان بحرافية على وجهه.
أغمض عينيه بقوة واستعاد ربطة جأشه وغادر، ومن ملامحه لم يتجرأ أحد على محادثته.
رواية الطبيب العاشق (2 الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم منة جبريل
سار بخطوات ثابتة داخل الشركة، وهي تقف بجواره تحاصر ذراعه بذراعها وعلى وجهها ابتسامة جميلة تقدمها للعاملين.
جعلها تجلس على المقعد الخاص به، وهتف بحنان:
- تشربي حاجة؟
وضعت أصبعها على شفتيها وهي تدعي التفكير، ثم هتفت بمرح:
- مشروب شوكولاتة.
ضحك بخفة وأردف:
- لحظات ويكون عندك يا سمو الملكة.
التقط سماعة الهاتف التي على المكتب وطلب لها مشروب الشوكولاتة، ثم التقط بعض الأوراق وأردف بهدوء:
- اعملي اللي انتي عايزاه وبراحتك تمامًا.
أومأت له ونهضت من على المقعد. لينظر لها بإستغراب، لتردف برقة:
- هتكون مرتاح هنا أكتر في الشغل وأنا هقعد هنا.
وأشارت على المقعد المقابل لمقعده، ليبتسم لها. وجلست هي على المقعد الآخر، بينما ظل هو يتفحص بعض الأوراق ويوقع على بعضها.
أتت السكرتيرة وأعطتها كوب الشوكولاتة الساخن وغادرت. لتظل هي ترتشف منه وهي تنظر له وتتساءل:
- أأنا حقًا زوجة هذا الوسيم؟
ابتسمت بخفة وهي تدقق بكل تفصيلة به، حاجبيه المعقودين وعيناه ذات اللون الغريب التي تنظر إلى الورق بتركيز. ضحكت بخفة وهي تتذكر ذلك اليوم الذي وضعت به الكثير من المكياج على وجهه.
التقط هاتفه بسرعة، جعلته يرفع عينيه من على الأوراق ناظرًا لها بتساؤل، لتردف وهي تعطيه الهاتف:
- افتحه.
وضع بصمته ليفتح الهاتف، لتضحك وظلت تعبث به. ليبتسم بخفة ونظر إلى الأوراق مجددًا.
تعالت ضحكاتها، ليغمض ريان عينيه فهو لا يستطيع التركيز هكذا. نظر لها لتلف له الهاتف وهي تضحك، لتصيبه الدهشة وهو يرى تلك الصورة.
مد يده ليلتقط الهاتف، لتبعده هي بسرعة واردفت بتحذير:
- لو حذفتها بجد هزعل منك.
أومأ لها بالنفي، لتعطي له الهاتف. لينظر هو إلى الصورة وابتسم وهو يرى نفسه وهو نائم وعلى وجهه تلك الأشياء التي وضعتها هي، بينما تجلس حوراء بجواره تبتسم باتساع على ما فعلته.
ظل يقلب بالصور وترتسم ابتسامة بسيطة على وجهه، وهو لأول مرة يراها. فهو كل ما يفعله بالهاتف المكالمات ورؤية الأعمال التي عليه فقط.
أردفت حوراء بضحك:
- شكلك جميل أوي.
نظر لها وضحك بخفة وأعطاها الهاتف مردفًا:
- صدقيني لو حد شاف الصور دي مش هيكفيني موتك.
أردفت حوراء بجدية مضحكة:
- صورك في بير يا ذئب باشا.
ضحك على ملامحها واردف بجدية مصطنعة:
- مش عايز أسمع صوت يا سمو الملكة، ورايا شغل كتير.
كبتت حوراء ضحكتها وأومأت له، ليبتسم وهو يهز رأسه بخفة ونظر إلى الأوراق مجددًا. لتبتسم حوراء بمكر وفتحت كاميرا الهاتف وظلت تلتقط له بعض الصور بدون أن يدري.
نظر لها ريان، لتنزل الهاتف بسرعة، ليردف بمكر هو الآخر:
- كفاية صور يا حبيبتي.
ضحكت حوراء ثم نهضت فجأة وكأنها تذكرت شيئًا ما، وأردفت:
- هو إياد في الشركة صح؟
أومأ لها، لتردف بسرعة:
- عايزة أروح عنده.
= طيب استنى أخلص الورق وأوديكي عنده.
هتفت حوراء بتذمر:
- لا أنت معاك ورق كتير، أنا هروحله متخفش، اللي يسأل ميتوه.
تنهد ريان ثم أردف:
- طيب.
خرجت حوراء من المكتب، ليتنهد ريان وعاد الحزن يكتسي ملامحه.
ظلت حوراء تسير هنا وهناك وتنظر حولها بإنبهار من فخامة وضخامة الشركة والعمال الذين يعملون كالآليين بدون خطأ.
تقدمت نحو إحدى الفتيات وهتفت بتساؤل:
- تعرفي مكتب إياد فين؟
نظرت لها شيماء لتعلم بأنها زوجة الذئب، لتردف بإحترام:
- تقصد الأستاذ إياد عبد القادر.
أومأت لها حوراء، لتشير لها شيماء لمكان ما مردفة:
- في المكتب دا يا هانم.
شكرتها حوراء وسارت نحو المكتب لتقرر مفاجأته، لتفتح الباب فجأة وهي تردف:
- أمير.
أنهض إياد من على المقعد بسرعة وهو يردف بحنان:
- أميرتي وأميرة حياتي.
دلف حوراء وأغلقت الباب خلفها وعانقته بإشتياق، ثم ابتعدت عنه وهتفت بمرح:
- شكل أميري مشغول.
أمسكها من يدها وأجلسها على مقعده واردف بحب:
- يخجل الانشغال الحضور في حضرتك.
ضحكت حوراء وهتفت وهي تضع وجنتها على كف يدها:
- وإيه كمان؟
قهقه إياد بقوة، لتردف حوراء وهي تضيق عينيها بمكر:
- أي سبب لمعة عيونك دي؟
توقف إياد عن الضحك وحمحم بهدوء مردفًا بمرح:
- بنت النظرة دي اتعلمتيها من مين؟
ضحكت حوراء واردفت:
- الحياة بتعلم.. المهم أنا هاجيلك النهاردة بالليل وتحكيلي اللي فاتني.
= مش بكون في الفيلا؟
ضيقت بين حاجبيها ليكمل بهدوء:
- ما بروحش الفيلا غير لما أطمن على أميراتي وقاعد حاليًا في فيلا هشام.
ضيقت عينيها مجددًا وهي تردف:
- رواء؟
أومأ لها، لتردف:
- خلاص هستناك أنا بالليل.. أنت في مرة غلطت وناديت حد بغير اسمه؟
نظر لها بإستغراب مردفًا:
- معتقدش، لي؟
هزت كتفيها واردفت وهي تنهض:
- بعدين مش عايزة أخّرك عن الشغل أكتر من كده.
نهض إياد مردفًا:
- رايحة فين؟
أجابته ببساطة:
- همشي في الشركة شوية وبعدها هرجع لريان.
أومأ لها بهدوء مردفًا:
- خلي بالك على نفسك.
ابتسمت له وغادرت، ليجلس هو على المقعد ويبدأ بالعمل من جديد.
ظلت حوراء تسير بين العمال وهي تبتسم لهم، وكانوا يبادلونها الابتسامة باحترام لعلمهم بأنها زوجة رئيسهم.
توقفت حوراء وهي تستمع إلى حديث إحداهن مع أخرى ويظهر عليها الغيظ والغيرة:
- هي تعرف الأستاذ إياد من فين.. وغير أنها قفلت الباب وهو أصلًا مبيخليش بت تدخل مكتبه إلا والباب مفتوح وعمره ما بص على واحدة، إشمعنى هي يعني ولا عشان مرات المدير؟
أغاظت حوراء من حديثها وتوجهت نحوهم، للتوتر الفتاة الأخرى وهتفت هي تنظر إلى حوراء التي تتقدم نحوهم:
- وإحنا مالنا يا سهى، ملناش دعوة، ركزي في شغلك.
هتفت تلك التي تدعى سهى:
- مليش دعوة إزاي، وأنتي عارفة اللي فيها؟
= طب ما تعرفيني أنا كمان اللي فيها.
صدمت الفتاة ونظرت إلى صديقتها بتوتر، لترى الخوف مرسومًا على وجه صديقتها. لترتشف لعابها ببطء والتفتت لترى حوراء تقف خلفها تربع ساعديها وتنظر لها بحدة.
حاولت سهى التحدث ولكنها لم تستطع، لتردف حوراء بحدة:
- أنا قادرة أطردك بسبب كلامك ده وأنك سايبة شغلك، بس مش هعمل كده لإني مبحبش أقطع رزق حد، وأحسن لك انتي وهي تروحوا على شغلكم وتركزوا في الشغل بس، فهمتوا؟
أنهت حديثها بحدة، ليومئوا لها بخوف وغادروا بسرعة. لتتنهد حوراء وأكملت سيرها وهي مغتاظة من حديث تلك الفتاة. لتظل تسير بالشركة وهي تتفحص كل شبر بها. وبعد وقت عادت إلى ريان مجددًا.
***
هتفت كيان:
- أهلًا يا غيث، اتفضل.
دلف غيث وأردف بمرح:
- بقولك إيه يا كوكو، أخوكي مش موجود صح؟
أومأت له وهي تضحك، ليردف:
- ابقي ادخلي المطبخ براحتي بقى وأشوف مراتى كمان، هي فين؟
ضحكت كيان وهي تردف:
- في أوضتها، هروح أجيبها.
- تمام.
ثم ذهب نحو المطبخ، بينما ذهبت هي لتحضر ليان والتي كانت على علم بمجيئه، لتردف كيان بصدمة:
- وهو عامل نفسه مش عارف حاجة؟
ضحكت ليان وهي تتأكد من أناقتها أمام المرآة:
- لازم يا كوكو.
- يا بت فين خجل البنات ولا مبتسمعيش عنه؟
= بسمع والله وبشوف فيديوهات عنه عشان أتعلم، بس زي ما انتي شايفة كده مفيش فايدة. وبعدين هيفيدني بإيه الخجل ده وهيجيني من فين أصلًا، دا أنا أعرفه من وأنا طفلة.
هزت كيان رأسها بخفة مردفة بضحك:
- مدلوقة أوي انتي يا ليان، فاكرة أيام...
وأكملت وهي تقلد ليان بطريقة مضحكة:
- لا أنا مش بحبه وبكرهه ومش عايزة أشوف وشه لأني بحس بالغثيان و..
قاطعتها ليان وهي تضع كفها على فمها وتردف وهي تنظر نحو الباب:
- بس بس، في إيه دا؟ لو سمعك مش بعيد يطلقني. وبعدين دا كان زمان وجبر يا كوكو، انسى.
ضحكت كيان وأبعدت كف ليان عن فمها مردفة:
- انسى إيه، حرام عليكي، دا أنتِ كنتِ بتصحيني فنص الليل وتقعدي تعيطي وتشكيلي وأنا ياعيني بكون نايمة على نفسي. وفي الآخر انسى؟ أنا لو أعرف إنكم هتبقوا زي السمنة على العسل كده مكنتش هعبرك ولا هسمعك وأنتي بتبكي وأقعد أديكي في المناديل.
امسكت ليان بذراعها مردفة:
- طيب يلا، عشان وحشني.
تنهدت كيان وترجلوا الدرج، وكان غيث ببهو القصر. وما إن رآها حتى فتح ذراعيه، لتركت هي كيان وركضت نحوه وعانقته.
لتردف كيان بمرح وخجل:
- إيه راعوا أني سنجل.
ابتعدت ليان عنه لتكمل كيان:
- بت انتي إمتى هتتقلي؟
أردف غيث بمرح:
- أنتِ من نوع الصحاب اللي بتحرض صحبتها على جوزها.
- أبداً، دا أنا بريئة.
هتفت بها كيان وهي تحرك أهدابها سريعًا بطريقة مضحكة.
ليتحدث غيث وهو يجلس على إحدى المقاعد ملتقطًا قطعة من الطعام الذي أمامه:
- طيب تعالوا ناكل ونتفرج على فيلم. أنا هربت من الشغل النهارده.
لتجلس الفتاتان بجواره وظلوا يشاهدون أحد الأفلام وهم يتناولون الطعام.
***
لا تؤلمك الخدعة إنما يؤلمك الإحساس بالحماقة، لا يكسرك الاكتشاف بأن الوجهة كانت خاطئة بل الوقت الذي أمضيته سائرًا في طريق كنت تظنه صحيحًا، لا تبكيك الخيبة، تبكيك الثقة العمياء.
- يعني إيه مهمة؟
هتف بها بيجاد ببلاهة وهو ينظر إلى اللواء.
هتف اللواء بحدة:
- ما تركز يا سيادة المقدم، بقولك معاك مهمة بعد 3 أيام، يا ريت تجهز كويس ومفيش حاجة تشغلك عن المهمة دي لأنها صعبة ومش هتتحمل أي خطأ أو تهور. أنت عارف سعيد المنصوري ومتاجراته في المخدرات والسلاح وغير البنات، ودايمًا بيخلي رجّالته تمشي الشغل، بس المرة دي هو هيعملها بنفسه.
أردف بيجاد بثقة:
- مفيش حاجة تصعب على بيجاد الكيلاني أو أسد المخابرات يا سيادة اللواء، اعتبر المهمة نجحت من دلوقتي.
- متستهونش بعدوك يا بيجاد، أنا واثق ومتأكد إنك هتفوز، بس لو جه الفوز مع عدد خسائر كتير يبقى ملوش لزوم الفوز.
واه متنساش البنات، التعامل يكون لطيف معاهم لأنهم بالأساس بيكونوا مخطوفين وتبقي حالتهم صعبة، مش عايز أي تصرف عنيف معاهم وتنبه رجالك بالكلام ده.
أومأ له بيجاد واردف:
- الملف يا سيادة اللواء.
أعطاه اللواء ملف باللون ومعه كارت باللون الأحمر، ليبتسم بيجاد بخفة. ليردف اللواء:
- أكيد عارف إن الكارت الأحمر بيرخصلك إنك تقتلهم بدون تردد أو شفقة ومش هتتعرض لأي محاسبة قانونية.
أومأ له بيجاد مرة أخرى ثم أردف بمرح:
- يلا سلام يا سيادة اللواء إسماعيل يا عسل.
خرج ليضحك اللواء بخفة وهو يهز رأسه بيأس من هذا البيجاد.
خرج بيجاد من المقر وصعد سيارته ووضع الملف بجواره وتنهد وهو يفكر:
- أحان الوقت لإخبارها؟! ماذا ستكون رد فعلها؟ بالتأكيد لن تكون جيدة وخصوصًا بشخصية فتاة مثل صبا.
قام بتشغيل محرك سيارته وانطلق نحو الفيلا وهو يقرر إخبارها وليحدث ما يحدث.
أوقف السيارة أمام الفيلا وترجل منها ثم دلف إلى الداخل ويردف:
- سمرتي.. صبايا.
أتت صبا ركضًا من الأعلى وعانقته، ليردف بمرح:
- وحشتك بالسرعة دي؟
أومأت له، ليضحك بخفة وعانقها هو الآخر مردفًا بحب:
- وأنتي كمان وحشتيني.
ابتعد عنها ونظر في عينيها، لتشعر بأنه يريد قول شيء، لتبتسم بخفة وهي تردف:
- سامعة.
نظر لها بإستغراب، لتكمل:
- قول اللي عندك، سامعة.
تنهد بخفة ثم أحاط كفها بين كفيه وضغط عليه بخفة، ثم أردف بهدوء وحذر مستعدًا لأي رد فعل يخرج منها:
- أنا مش بشتغل في الشركة.
ووضع يده الأخرى في جيب بنطاله وأخرج بطاقة ما وأعطاها لها، لتنظر هي له بتعجب والتقطت منه البطاقة ونظرت لما تحتويه، لتتسع عينيها بصدمة شلت أطرافها وهي تردد ما تقرأه عينيها:
- ظابط مخابرات.
رفعت نظرها نحوه وهي تطالعه بصدمة وحزن. ليهم بيجاد بالحديث ليُشرح لها الأمر، ولكنه وجدها تسحب يدها من يده، لينظر لها مردفًا:
- صبا اسمعيني الأول، مينفعش تحكمي عليا من غير ما تسمعيني.
امتلأت عينيها بالدموع وتراجعت خطوتين إلى الخلف وهي تطالعه بصدمة.
ليردف بيجاد وهو يحاول الاقتراب منها:
- صبا اسمعيني الأول، متعمليش كده.
أردفت صبا بهدوء مريب:
- مش عايزة أسمع حاجة، سيبني لوحدي.
أردف بيجاد بحزن:
- يا صبا صدقيني أنا كنت مجبور.
صرخت صبا بغضب وإنهيار:
- أنت كداب، مش عايزة أسمع منك حاجة.. أنت خدعتني، قولتلي إنك بتشتغل في الشركة، يا ترى مكنتش واثق فيا يا حضرة المقدم ولا إيه السبب؟
- صبا اهدى وهقولك السبب.
أزالت دموعها بعنف وهتفت:
- تمام، أهو واقفة، قول لي إيه السبب، اكدب يلا وأنا هصدقك زي الهبلة اللي مفهاش عقل ولا بتفكر، يلا أهو بديك فرصة إنك تكدب.
أردف بيجاد بحدة خفيفة:
- صبا أنا مبكدبش، أنا فعلًا بشتغل في الشركة بس في وقت الأزمات، أما شغلي هو ظابط مخابرات، والسبب اللي خلاني أخبي عنك هو أنتِ.
أشارت نحو نفسها وهتفت بسخرية:
- أنا السبب اللي خليتك تخبي عني حقيقة شغلك؟
أجابها بيجاد بجدية:
- أيوه.. لأني لو قولتلك على حقيقة شغلي قبل جوازنا كنتي هتتخطي.
صمت لدقيقة وهو ينظر لها وأكمل:
- أنا.. أنا اللي كنت هقتلك.. ولو مكنتش أنا كانت المخابرات هتقتلك.. المخابرات السرية متقدرش تخاطر لأن محدش يضمن إذا علاقتنا هتكمل ونتجوز فعلًا ولا لأ.. افهميني، أنا خبيت عنك عشانك.. عشان أحميكي.
هتفت وهي تزيل دموعها التي كانت تهبط بدون توقف:
- وأي السبب اللي خلاك تقولي؟
نظر لها بإستغراب، لتكمل:
- ما هو أكيد لو كنت عايز تقولي كنت قلت لي من أول يوم، إشمعنى دلوقتي؟ أي السبب؟
نظر لها وأجابها:
- كنت مستني الوقت المناسب.
ضحكت بسخرية وهي تردف:
- وأي اللي ميّز الوقت ده أو النهارده عشان يكون هو الوقت المناسب؟
أردف بيجاد بهدوء:
- صبا أنا قولتلك على شغلي، فملوش داعي أسئلتك الغير منطقية دي.. وكمان ميحقلكيش إنك تزعلي، أنا عملت كده عشانك مش عشان حد غيرك.
قضمت صبا شفاهها السفلية وهي تنظر له، ثم تقدمت منه ووقفت أمامه وهي تطالعه بغضب، وقبل أن يتحدث وجد ضربة قوية سددت له أسفل معدته، ليبتعد إلى الخلف بألم.
لتردف صبا بغضب:
- دي عشان كدبت عليا وطريقتك المستفزة في الكلام، ولسه اللي جاي يا بيجاد الكيلاني إذا ما علمتك الأدب ماكونش أنا صبا.
وصعدت إلى الأعلى حيث غرفتها، بينما جلس بيجاد على مقعد بألم وهو يردف بوعيد وصوت مرتفع:
- ما شي يا صبا، ماشي، مصيرك تيجي تحت إيدي وهكسر لك رجلك دي، يخربيتك.
جاءه صوتها الغاضب من الأعلى:
- وريني اللي تقدر تعمله، ودا ولا حاجة يا سيادة المقدم، صبرك عليا.
ثم استمع إلى صوت ارتطام الباب بقوة، ليردف بسخرية:
- وأنا اللي كنت فاكر هتزعلي زي باقي البنات وهتستني إني أصالحها.. دا أنا متجوز صاحبي، يخربيتك، مش رجل بنت دي.
وجد هاتفه يرن، ليخرجه من جيب بنطاله ووجده ريان، ليردف بمرح:
- ريان بنفسه ب..
قاطعه ريان مع على الناحية الأخرى:
- ملوش لزوم كلامك ده.. عايزك تجيلي الشركة.
ضحك بيجاد بمرح:
- والله اللي عايزني يجيلي.
يهتف ريان بغضب:
- بتقول إيه يا زفت؟
ضحك بيجاد مردفًا:
- صدقني مش بهزر، أنا مش هقدر أتحرك من مكاني لمدة أسبوع.
- لي خير؟
ضحك بيجاد بقوة مردفًا:
- تعالي عندي وهتعرف.
- طيب، اقفل وهكون عندك أنا وهشام.
وأغلق بوجهه، ليلقي بيجاد الهاتف بجواره وهو يردف:
- منك لله يا صبا يا بنت أم صبا.
- احترم نفسك يا سيادة المقدم.
هتفت بها صبا بغضب ودلفت إلى المطبخ.
وأخرجت لها قنينة ماء من البراد وعادت، وقبل أن تصعد الدرج وجدته يقف أمامها ينظر لها بغيظ مضحك.
أمسكها من خلف عنقها هاتفا:
- إنتي بنت؟ إنتي.. إنتي ناسيه إني جوزك؟
أبعدت يده عنها وهتفت بحدة:
- للأسف مش ناسية، ابعد عني وسيبني في حالي أحسن لك، لأني مش ضامنة أي حركة هتخرج مني.
رأى الحزن بعينيها وتلك الدموع العالقة بأهدابها، ليردف بهدوء:
- سمرتي صدقيني أنا..
لم تدعه يكمل كلامه وتركته وصعدت إلى الأعلى، ليتنهد بخفة وجلس على المقعد هاتفا:
- لا دي بتزعل.. إيه يا بيجاد، ما هي أكيد هتزعل، ما هي حقها برضه.
وجد ريان وهشام يدلفون إلى القصر، واردف هشام بقلق:
- إيه مش قادر تتحرك ليه؟ حصل حاجة؟
جلس ريان أمامه وهو ينظر له منتظرًا إجابته، ليخبرهم بيجاد بما حدث، ليكبت ريان وهشام ضحكتهم.
حمحم ريان وهو يخفي ابتسامته وهو يفرك ذقنه بإصبعه:
- أنت كويس؟
أردف هشام بضحك خفي:
- أعتقد إننا لازم نوديه الدكتور.
أردف بيجاد بغيظ مضحك:
- امشي يلا منك ليه، أنا غلطان إني حكيتلكم.
أردف هشام بدهشة:
- يلا بتقولنا يلا؟
هتف ريان بمكر:
- الظاهر كده، أنا اللي مش هخليك تمشي باقي حياتك.
ابتسم لهم بيجاد ببلاهة، ليردف ريان بجدية:
- المهم.. إمتى المهمة دي؟
أجابه بيجاد بهدوء:
- بعد 3 أيام.
ليُردف هشام:
- وقولتلها إن معاك مهمة؟
هز رأسه بالرفض هاتفًا:
- لا، أصالحها الأول عشان ما يزيدش زعلها وتقول أنت مكنتش هتقول لي غير لما جاتك مهمة.
نظر ريان نحو الدرج، ثم اتكأ بساعديه على ركبتيه وهتف بأعين تشع خبثًا:
- ودي هتكون ورقتك الرابحة عشان تصالحها.
نظروا له بإستغراب، ليبتسم ريان مكملاً بخبث:
- من الظاهر شخصية صبا جامحة بس عاطفية لأبعد حد، ودي هتكون طريقتك لمصالحتها.. يعني هتجرب معاها كل الطرق والمهمة هتكون هي ورقة الجوكر.
وقص ما يجب عليه فعله، لينظر له بيجاد وهشام بإنبهار، بينما رفع ريان رأسه بثقة.
نهض بيجاد وعانقه مردفًا بمرح:
- والله دماغ ثعلب يا خي.
أبعده ريان مردفًا:
- مدح ولا...
أجاب بيجاد سريعًا:
- أكيد مدح ياباشا، هو حد يقدر يقول غير مدح.
نهض ريان وهو يعدل بدلته، وكذلك هشام واردف بجدية:
- ياريت تكون فهمت اللي هتعمله.
= أكيد يا ذئب، خطوة خطوة.
غادر ريان وهشام، ليتنهد بيجاد وفرك يديه ببعضهما بحماس مردفًا:
- دماغ ياباشا، لو دخلت المخابرات هتخربها.. لما نشوف اللي ورانا.
ثم رفع هاتفه يضعه على أذنه يطلب كعكة لكي يهديها لـ صبا.
***
في المساء...
أغلقت حوراء المكالمة بعدما كانت تحادث شقيقها والذي أخبرها بأنه لا يستطيع القدوم لسبب ما، ونظرت إلى نقاء التي بين يديها لتراها مشغولة باللعب بأصابعها الصغيرة، لتبتسم وقبلت وجنتها برقة وظلت تنظر لها بشرود.
نظرت نحو باب المرحاض لترى ريان يخرج منه وهو يرتدي بنطالًا فقط ويتقدم نحوها.
أردف ريان وهو يعبث بشعر الطفلة:
- لو تعبتي أخده منِك.
هزت رأسها بالرفض مردفة:
- لا، هي هتنام كمان شوية.
نظر لها بتساؤل، لتضحك بخفة مردفة ببساطة:
- معاد نومها قرب.
أومأ لها بخفة وقبل رأسها بحنان، ثم تنهد بحرارة وكأنه يحمل هموم الدنيا على عاتقه، ثم ابتعد عنها وامسك حاسوبه وجلس على المقعد المقابل للفراش ووضع اللاب على قدميه وبدأ بالعمل.
***
تجلس على فراشها الوردي وهي تمسك بتلك الورقة بين يديها وتقرأ ما بها للمرة التي لا تعلم عددها:
- ربما تكونين حلماً صعب الوصول إليه، لكنني فارس ولا يهاب الصعاب.
تنهدت بخفة ووضعت الورقة بجانبها وأمسكت رأسها بين يديها وهي تريد إزالته من ذهنها ولكن لا تستطيع. وهذا أكثر ما يغضبها.
قاطعها صوت رنين هاتفها، لتعقد حاجبيها بإستغراب وهي تتساءل من الذي يتصل بهذا الوقت.
التقطت هاتفها ونظرت فيه، لتراه رقم غير مسجل، لتزداد غرابتها، لتجيب عليه ووضعت الهاتف على أذنها وصمتت.
ظلت دقيقة صامتة لا تستمع إلا لصوت أنفاس مضطربة. هزت رأسها بيأس ثم أغلقت الهاتف وهي تقنع نفسها بأنه من الممكن أن يكون بالخطأ.
ولكن قام الرقم بالاتصال عليها مجددًا، لتزداد ضربات قلبها وشعرت بالخوف.
نهضت وهي تنوي الذهاب لأخيها، ولكنها توقفت عندما تذكرت أن الساعة متأخرة من الليل ولا يصح الذهاب له الآن.
امسكت هاتفها وامتلأ جبينها بحبات العرق من فرط توترها، لتتوجه نحو شرفتها ووقفت بها تتنهد بهدوء وهي ترى بأن المكالمة قد انتهت.
ارتجف جسدها عندما أصدر هاتفها صوت رنين مجددًا، لتأخذ شهيقًا قويًا ثم زفرته ببطء ووضعت الهاتف على أذنها بعدما أجابت.
ظلت صامتة ولم تستمع إلا لصوت أنفاس، لا تعلم لماذا ضربات قلبها تتزايد بهذا الشكل.
كادت أن تتحدث وتعنف هذا المتصل المجنون كما لقبته بداخلها، ولكن توقفت أنفاسها وازدادت ضربات قلبها بشكل مخيف عندما استمعت إلى صوته:
- اشتقت لكِ يا صغيرتي.
ارتشفت لعابها بصعوبة وهي تميز هذا الصوت جيدًا وهذا اللقب الذي لا يقوله لها أحد سواه. ظلت صامتة بينما صوت أنفاسها يتعالى مع مرور الوقت.
- اشتقت لكِ كثيرًا.
مررت يدها على خصلات شعرها وبعثرته بقوة، تريد أن تغلق ولكن لا تعلم ما الذي منعها، ربما لأنها هي أيضًا تشتاقه!
جاءها صوته الهادئ والشبه هامس من الناحية الأخرى:
- لقد بعثرتي مشاعري مع خصلات شعرك يا صغيرتي.
اتسعت عينيها بصدمة وتقدمت للأمام وهي تنظر حولها، ولكن لم تستطع أن تراه، فقط ترى رجال الحراسة.
حركت شفتيها وهتفت بصوت مرتجف:
- أنت.. أنت..
قاطعها وهو يردف بهيام:
- أنا أعشقك.
كسرت قشعريرة بكامل جسدها واضطربت أنفاسها لتدلف إلى غرفتها بسرعة وهي تغلق باب الشرفة.
هتفت بصوت مرتجف وهي تستمع إلى ضحكة خفيفة منه:
- عايز إيه؟
تنهد زيد من الناحية الأخرى حيث كان يقف بعيدًا عن القصر حتى لا يراه أحد رجال ريان ويستند بظهره على سيارته ينظر إلى شرفة كيان التي أغلقتها واردف بهدوء:
- لا شيء، أردت رؤيتك وسماع صوتك فقط.
مسحت كيان على وجهها وهتفت:
- ابعد عني لو سمحت، إن..
قاطعها وهو يردف بهدوء:
- سأرحل.
ضيقت بين حاجبيها، وكانت تريد أن تسأله إلى أين، ولكنها هتفت بجمود ظاهري:
- ودا المطلوب.
استمعت إلى تنهيدة قوية ثم خرج صوته متعبًا:
- ألن تسألي إلى أين ولم؟
ارتشفت لعابها بصعوبة مردفة:
- لا.
أردف زيد وكأنه لم يسمع إجابتها:
- حسنًا.. أنهيت صفقاتي أمس وسأعود إلى إيطاليا صباحًا.. إلى اللقاء يا صغيرتي.
وأنهى المكالمة، لتلقي كيان هاتفها على الفراش ووضعت يدها على موضع قلبها مردفة بغضب مغلف بالحزن:
- طب ما يمشي دا الأحسن، مالك بقى؟
وظلت تضرب على موضع قلبها الذي بدأت نبضاته تؤلمها، لتتوقف وهي تزيل دموعها التي أغرقت وجهها.
خرجت للشرفة مجددًا وهي تنظر بأرجاء المكان لعل وعسى أن تراه، ولكن لا تستطيع أن ترى سوى الظلام والحرس والسور الذي يحيط بالقصر.
استمعت إلى صوت رنين هاتفها لتذهب نحوه بسرعة، لتجده هو، لتتنفس بهدوء ولم تجب عليه وتوجهت للشرفة مجددًا وجلست على المقعد الذي بها وأسندت رأسها على حافة الحاجز وشردت لبضع دقائق وهي تظن بأنه رحل.
أفاقت من شرودها على صوت الهاتف لتلتقطه ووضعته على أذنها وكادت أن تتحدث بغضب، ولكن قاطعها صوته الهادئ وهو يردف:
- ما زلت هنا، تريدين شيئًا؟
نظرت حولها ليبتسم هو من الناحية الأخرى وهو يراها تلفت حولها ليجيبها بهدوء:
- لن تستطيعي أن تريني، ولكن إن أردتِ سآتِ إليكِ.
توقفت عن النظر حولها وهتفت بحدة:
- تيجي فين؟ أنت اتجننت؟ دا لو حد شافك هيكون فيها موتك.
اتسعت ابتسامته واردف بعشق خالص لها:
- هل تخشين عليّ من الموت؟ أنتِ..
توترت قليلاً ثم هتفت بسخرية:
- لا، بل أخاف على الموت منك.
قهقه زيد بخفة مردفًا:
- أوه، تتحدثين الآن بطريقتي، هذا شيء جميل.. أحببته.. وأيضًا لا أمانع الموت في تحقيق طلباتك يا صغيرتي، فإنها عليّ أوامر.
ثم صعد برشاقة فوق سيارته ورفع يده عاليًا مردفًا:
- انظري على يسارك.
نظرت كيان على يسارها ولم ترى شيئًا، لتردف بسخرية:
- أي، عاجبك الشجر..
توقفت عن الحديث وهي ترى ضوء سيارة وظل فوقها، ليردف زيد:
- لقد رأيتني إذًا.
أردفت كيان بحدة وغضب من نفسها قبل أي شيء:
- زيد..
قاطعها زيد وهو يردف بعشق:
- كنت أعلم أن اسمي جميل، لكن الآن تأكدت.
ابتلعت باقي كلماتها خجلًا، ليقهقه زيد من الناحية الأخرى هاتفا:
- أتمنى لو أستطيع أن أرى خجلك الآن يا صغيرتي. أمنيتي الوحيدة أن أتأمل وجهك كل ثانية بيومي بدون ملل.
التفتت كيان وكادت أن تدلف إلى الداخل، ولكنها توقفت عندما استمعت له يردف بسرعة:
- حسنًا، حسنًا، سأصمت، فقط ابقي قليلاً بعد.
ابتسمت بخفة ودلفت للداخل وأغلقت المكالمة بوجهه، ليتنهد زيد وظل جالسًا فوق سيارته ينظر لشرفتها يتمنى لو تخرج مجددًا. أعاد الاتصال بها كثيرًا ولم ترد، ليظن بأنها خلدت للنوم، ليبقي جالسًا بمكانه يعلق بصره على شرفتها وشارد الذهن بها.
بعد دقائق...
انتفض زيد واعتدل في جلسته فوق سيارته وهو يراها تخرج للشرفة مجددًا وتحمل بين يديها كوب ترتشف منه، ليبتسم بخفة وهو يشعر بالأمل يضيء بداخله بأنها من الممكن أن تبادله شعوره ولو قليلاً.
أما عنها، فهي أعدت لنفسها كوب مشروب دافئ وعادت لشرفتها، ظنت بأنه رحل، ولكنها تفاجأت بوجوده، شعرت بالسعادة بداخلها، لتنكر هذا الشعور وهي تقنع نفسها بأنها تريد أن تستنشق هواء نقي، وهذا سبب تواجدها بالشرفة لا أكثر.
التقط زيد هاتفه وقام بالاتصال عليها وهو ينظر لها، ليراها تنظر لشاشة هاتفها ولاحظ تلك الابتسامة البسيطة التي تزين ثغرها، ووضعت الهاتف بجانبها بدون أن تجيب، ولكن ابتسامتها تلك جعلت من قلبه طائرًا يرفرف بجناحيه في عنان السماء وهو يغرد بفرحة وسعادة لا مثيل لها.
أصدر هاتفها إشعارًا لوصول رسالة ما، لتقرأ ما بها وابتسمت بخفة:
- سأروي لكِ قصة، ما رأيك؟
وضعت الهاتف بجوارها لتستمع لصوت قدوم رسالة أخرى:
- بالتأكيد تشعرين بالملل، لهذا سأروي لكِ قصة.
هزت كيان رأسها بيأس وهي تبتسم، لتراه يقوم بالاتصال عليها لتجيبه بعد ثوانٍ وأردفت بطريقته:
- هل تجيد قص القصص؟
ضحك زيد شعره من الخلف هاتفا:
- بصراحة لا.. ولكن لا بأس، سأتعلم لأجلك. اسمعيني وبعدها أخبريني إذا كنت أجيد أم لا.
ضحكت كيان بخفة مردفة:
- أوك.
صمت زيد لثوانٍ ثم هتف بسرعة:
- أتذكر قصة اسمها سندريلا؟ أرويها لكِ.
أمالت رأسها للجانب ورآها هو، ليردف بحماس:
- حسنًا، لنبدأ.
وبدأ برواية لها قصة سندريلا، رغم علمها بالقصة إلا أنها وافقت وتضحك بين الحين والآخر لطريقة سرده المميزة والمرحة بعض الشيء.
ضحكت كيان بقوة ووضعت يدها على فمها تكتم ضحكتها بصعوبة وهي تردف:
- لحظة بس، سندريلا موقعتش على السلم.
تاه زيد بين ضحكتها ثم اردف بهدوء يحاول إخفاء مشاعره التي تبعثرت مع سماعه لسمفونيتها:
- إذا ما الذي أسقط حذائها؟
أجابته بلطف ورقة:
- هذا فقط لتسير القصة بشكل أجمل ومشوق للأطفال.
أردف زيد بهمس وهو يبعثر شعره بيده:
- رقتـكِ تقتلني يا صغيرتي.
ضيقت كيان حاجبيها واردفت:
- إيه؟
أجاب زيد سريعًا فهو لا يريد أن يخجلها، يكفي بأنها بدأت تتحدث معه ولو قليلاً.
- أقصد ليس من المنطقي أن يسقط حذائها هكذا بدون سبب وهو مصنوع على قدمها.
هزت كيان كتفيها واردفت:
- ومش منطقي برضه إن في حاجة اسمها العرافة الطيبة.
صمتوا لثوانٍ لتردف كيان ببعض التردد:
- هتسافر إيطاليا؟
تسارعت نبضات قلبه واردف بهدوء:
- أجل، لأجل العمل.
أردفت كيان بمرح لتتجاهل شعورها بالحزن:
- لي بتتكلم فصحى؟
ابتسم زيد بخفة مردفا:
- عندما تعلمت العربية تعلمتها بالفصحى، لذا العامي صعب علي قليلًا.
ثم ثمت قليلًا ثم تنهد قائلًا:
- سأشتاق لكِ.
ارتبكت كيان وهتفت بتوتر:
- هروح أنام، تصبح على خير.
أردف زيد سريعًا قبل أن تغلق:
- لا انتظرى.. لن أقول شيئًا مجددًا، فقط سنتحدث.
= ماشي.
ابتسم زيد باتساع وظل يتحدث معها، بينما هي لا تتحدث سوى ببضع كلمات قليلة فقط، ولكن هذا بالنسبة له كثير جدًا، فهو جل ما يريده إشباع سمعه بسمفونيتها.
لم تمل كيان من حديثه بل كانت تستمع له بكل حواسها.. تلك الرهبة التي كانت تشعر بها اتجاهه اختفت تمامًا.. بحة صوته الرجولية مميزة للغاية، تقسم بأنها تستطيع تمييزه من بين الآلاف.
***
أفرج عـن عينيه ليشعر بشيء ما فوق صدره، وما إن نظر حتى وجدها، تلك نقـاء تنـام فوق صدره بسلام.
ابتسم بخفة ثم حملها برفق ووضعها على الفراش وقبل وجنتها المكتنزة بخفة، ليستمع إلى صوتها وهي تدعو الله.
نقل بصره نحو الصوت ليراها تجثو فوق سجادة الصلاة ترفع كفيها إلى الأعلى وهي تدعو بكل ما تريد، ولاحظ أن كل أدعيتها معلقة به.. ابتسم.. ولم تدم ابتسامته طويلًا وحول بصره لنقـاء التي بجواره وتنهد بخفة.
التفت برأسه بسرعة ليجدها تقف بجواره تطالعه بقلق مردفة:
- أنت بخير.. كنت بنادي عليك.
قبل كف يدها التي على كتفه ونهض مردفًا:
- كنت سرحان شوية.
ثم توجه نحو المرحاض، لتدعو لتجلس حوراء على الفراش وداعبت شعر نقـاء وهي تبتسم بخفة، حقًا تتمنى أن ترزق بطفل منه.
أردفت حوراء بتمني:
- بتمنى من ربنا إنه يرزقني بطفل معافى صالح يعمل بما يرضي الله ويخشاه.. يتقي الله في كل شيء ويتخذ الرسول الصادق الأمين قدوة له. تعرفي أنا متحمسة جدًا إنـي أربي طفل وأحفظه القرآن الكريم وأفضل أحكيله عن الرسل ومعجزاتهم والمصاعب اللي واجهتهم وإزاي واجهوها بثقتهم وحسن ظنهم بالله.. هخليه ياخد الرسول قدوته ويمشي على خطاه وينفذ وصاياه.
تنهد وهي تردف من أعماق قلبها:
- اللهم يا من بشرت زكريا بيحي ارزقني ذرية صالحة يا رب العالمين.
كان يستمع لها من داخل المرحاض، ليتنهد بقوة وقرر إخبارها، ليخرج من المرحاض ووقف أمامها، لتنهض حوراء ووقفت أمامه تنظر إلى ملامحه الخالية من المشاعر بقلق.
أردف ريـان بهدوء وهو يمسك كف يدها:
- حورائي، أنتِ عارفة إن كل شيء محسوم ومصيرنا اتكتب قبل ما نتولد، ولا مجال للفرار منه.
شعرت حوراء بالقلق من حديثه، ولكنها أومأت له بخفة ليكمل بهدوء:
- وكل حياتنا في الدنيا بتبقى اختبار وبلاء من الله.. والعبد يا إما شَكَر أو..
صمت يحثها على التكملة، لتردف حوراء بهدوء:
- أو كَـفَـر.
أومأ لها ثم سحب كمية أكسجين إلى داخل رئتيه ثم زفرهم بهدوء وأكمل مردفًا وقد اكتس الجمود ملامحه:
- حوراء، أنا مبخلفش.
رواية الطبيب العاشق (2 الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم منة جبريل
قاطعته وهى تردف بحزم:
- ريان، مش هنتكلم فى الموضوع ده تانى ولا هنجيب سيرته حتى لو كان مجرد حديث عابر.
قبّل جبينها مردفاً بعشق:
- ثم إني وقعت اليوم في حُبك من جديد ولكن هذه المرة بشغف أكبر، بلهفة أكبر في أن أُعانقك وأُخبرك كم أحببتك وكم سأُحبك أكثر.
رمقته بأعين تفيض عشقاً وشغفاً له، وضحكت بخجل على حديثه. ليعانقها بقوة وكأنه يريد إدخالها بداخله ويخرج قلبه ويضعها مكانه، ويقسم بأنه سيظل على قيد الحياة وسيكون بحال أفضل مما كان عليه في وجود قلبه.
همست حوراء بكلمات ترددت صداها في مسامعه:
- "وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ"، اطمئن العوض هيكون معجزة.
ازداد عناقه لها، فمن المفترض أن يكون هو مَن يعطيها طاقة لتتجاوز هذا الاختبار من الله، ولكنها هي مَن تعطيه هذه الطاقة والقوة، ليعلم بأنها ونعم الزوجة ورفيقة الدرب.
قاطعهم صوت بكاء نقاء والتي استيقظت لتوها، لتبتعد حوراء سريعاً عن ريان وتتجه نحوها. ليردف ريان بغيظ مصطنع:
- إيه اللي مخلي البنت دي هنا؟
أجابت حوراء بابتسامة واسعة وهي تحملها عن الفراش:
- الله، هو فيه أحلى من نقاء؟
ابتسم ريان هاتفاً بهدوء:
- لا طبعاً، هغير هدومي وانتي جهزي.
أردفت باستغراب:
- ليه؟
- أكيد مش هتنزلي بملابس النوم يا روحي.
نظرت حوراء إلى نفسها لتجد بأنها بالفعل ترتدي منامتها، لتنظر له وهتفت بابتسامة:
- تمام، اجهز أنت الأول عشان تخلي بالك من نقاء.
وبعد نصف ساعة...
أردف ريان بتذمر:
- مش معقول يا حوراء، أنتِ قاربتي على الساعة بتسرحي شعرك بس.
ألقت حوراء الفرشاة من يدها وتنهدت بتعب مردفة بتذمر هي الأخرى:
- الله، طب وأنا ذنبي إيه؟ ما أنا تعبت كمان.
وضع ريان نقاء في منتصف الفراش وتقدم نحوها وأمسك فرشاة الشعر هاتفاً بحنان:
- وماله، الملكة تأمر وأنا أنفذ.
ضحكت حوراء وصمتت وظلت تتابعه من خلال المرآة وهي تراه يقطب حاجبيه بتركيز شديد ويحرك يده بحذر حتى لا يؤلمها، لتبتسم بخفة وهتفت بداخلها:
- أدامك الله لي زوجاً صالحاً حنوناً.
***
- قوليلي بقى حصل إيه ولي العصبية دي كلها؟
هتفت بها أريب وهي تجلس برفقة قمر في غرفتها.
هتفت قمر بغضب:
- في عريس متقدملي والمشكلة حاسة إن سيفو موافق عليه، وأنا عايزة طريقة أطفشه بيها.
نظرت لها أريب بغيظ مردفة:
- يا سلام، يعني انتي مطلعة عيني من امبارح عشان أجي، وفي الآخر عشان تطفشي عريس؟ أقولك انتي خليه يشوفك وهو هيطفش لوحده، مش محتاجة تخططي.
ألقت قمر بوجهها الوسادة وتلقتها الأخرى سريعاً لتردف قمر بغيظ:
- يا أريب بجد أنا مش بفكر في الجواز دلوقتي، دي أنا لسه 19 سنة يا ناس ولسه مدخلتش دنيا، أنا مالي ومال الجواز والنكد والغم، أنا مش بتاعت الكلام ده.
تنهدت أريب وهتفت بهدوء:
- طيب أنتي عشان خاطر سيفو بس تقابليه واستخيري ربنا، مش يمكن يكون دا نصيبك؟
- انتي هتتكلمي زي بابا كمان؟
استغفرت أريب ربها وهي تكاد تفقد السيطرة على نفسها وهتفت بتهديد:
- بصي يا بت انتي، هو مجرد عريس مش اتنين هياكلك ولا جن عاشق هياخدك عالمه. انتي هتصلي ركعتين استخارة وهتقابليه وبعدها تقرري على حسب شعورك بعد الصلاة، واللي فيه الخير يقدمه ربنا. دلوقتي هتفتحي بوقك وتقولي عايزة أطفشه ومش عارفة إيه هتلاقي راسك في الحيطة، فاهمة ولا لأ؟
نظرت لها قمر بغيظ وتمتمت بصوت منخفض:
- دي صاحبة دي، أعوذ بالله.
هتفت أريب بتحذير:
- بتقولي إيه يا بت؟
ابتسمت لها قمر بتكلف مردفة:
- ولا حاجة، بقول حاضر هعمل اللي قولتي عليه، ارتحتي.
اعتدلت أريب في جلستها وهتفت بهدوء:
- أيوا كده أحسن للكله.
هتفت قمر بتبرم:
- ربنا يكون في عون اللي ياخدك.
نظرت لها أريب بنصف عين مردفة:
- دا يصلي طول حياته شكر إني أنا نصيبه.
رمقتها قمر نظرة مغتاظة، فهي ظنت بأنها ستساعدها في معضلتها هذه، ولكنها عاكست جميع تخيلاتها وستجعلها الآن تقابل ذلك الشخص المجهول والذي توعدت له بداخلها.
***
- كيان.
نهضت كيان سريعاً عن فراشها وارتمت بين ذراعي أخيها الذي عانقها بحنان واحتواء وقبل خصلات شعرها.
أردف ريان بهدوء:
- حبيبي مخرجش من أوضته ليه لحد دلوقتي؟
أردفت كيان بهدوء وهي تبتعد عنه:
- كنت هخرج كمان شوية.
قبل وجنتها مردفاً بحنان:
- انتي كويسة؟
أومات له بهدوء ليردف:
- طيب لو احتجتي حاجة اتصلي عليا.
- حاضر يا أبيه.
قبلها من جبينها وهو يشعر بأن بها شيئاً ما، ولكنه ينتظر منها أن تأتي هي وتخبره، وغادر الغرفة. لتتنهد كيان بخفة وهي تشعر بالاختناق لسبب غير معروف، أو هذا ما تقنع به نفسها.
وبعد وقت، خرجت من الغرفة ووجدت حوراء وليان جلسن برفقة نقاء ويتحدثان معاً.
ألقت عليهم التحية ليردوا عليها بهدوء. وتابعت ليان بتساؤل:
- انتي خارجة؟
أومأت لها بهدوء وودعتهم وخرجت لترى بعض الحرس يتقدمون نحوها حتى يرافقوها، ولكنها أشارت لهم بأن يعودوا لينفذوا ما أمرتهم به، وعادوا من حيث ما أتوا.
صعدت سيارتها البيضاء وانطلقت بها لخارج القصر، لتسير بالطرقات بدون وجهة معينة فقد تريد الخروج.
بعد وقت...
وجدت نفسها تقف أمام ڤيلا إياد، لتستغرب وجودها هنا، ولكنها قررت أن تلقي التحية على آية وأريب وترحل بعدها.
ترجلت من السيارة وسارت بخطوات ثابتة لداخل الڤيلا.
وما إن خطت قدمها داخل الباب حتى وجدت تلك التي تسمى رواء برفقة آية فقط.
وما إن رأتها آية حتى نهضت واقتربت منها مردفة:
- كوكو، عاملة إيه؟
ابتسمت لها كيان وتقدمت منها هي الأخرى مردفة:
- بخير، لقيت نفسي قدام الڤيلا قولت أسلم عليكم.
أمسكتها آية من يدها وتقدمت بها نحو رواء مردفة:
- خير ما فعلتي، دي كيان يا رواء، أكيد فاكراها.
أومأت رواء وقامت بالترحيب بكيان بهدوء، لتردف آية بعدها:
- بما إنك جيتي تقعدي معانا.
كادت كيان أن تعترض، ولكن أمسكتها آية وأجلستها بجوارها، لتوافق الأخرى، فهي حقاً لا تعلم ماذا تريد ولا تعلم لماذا هذا الشعور معها. تشعر وكأنها تائهة، كطفلة فقدت من والديها في مدينة ألعاب تعج بالناس.
هل هذا كله لأنها تعلم أنه رحل؟!! نفضت هذه الفكرة من رأسها بعنف، فهذا مستحيل.
لتنسجم بعد وقت مع آية ورواء في الحديث، ولكن كان هناك سؤال يأتي بذهنها كلما نظرت إلى رواء وهو: لما ناداها إياد باسمها هي تحديداً؟!!
لم تمكث معهم طويلاً لشعورها بالإختناق، لتودعهم وترحل بعد وقت قصير.
***
نظر هشام للڤيلا برضا، فقد تم تجهيز جزء كبير منها في وقت قياسي، وهذا بفضل ذكاء صديقه عندما أخبره بأنّه يجب عليه بأن يجلب أكثر من طاقم عمل هندسي ليكملوا الڤيلا في دورات مختلفة.
تنهد بقوة ونظر إلى هاتفه وصورتها التي بها، ليبتسم بخفة وحب، فهو أقسم بأنه لن يتوانى ثانية واحدة لجعلها من نصيبه. ولكن يجب عليه أن يعمل لجعلها تحبه. كيف نسي هذا؟ حسناً، لا بأس. فإذا لم يستطع جعلها تحبه قبل زواجهم، وهذا احتمال ضئيل أمام وسامته ومهارته وعشقه لها الذي سيجعلها تعشقه رغماً عنها، سيجعلها تتيم به بعد زواجهم.
انتفض عندما وجد يداً توضع على كتفه، ليردف ريان بهدوء:
- مش أنا المفروض أقلق منه لو شاف الصورة دي؟ المفروض اللي يقلق منه هو اللي جاي علينا دلوقتي.
نظر هشام خلفه ليجد إياد يتقدم منهم بابتسامة صافية، ليغلق هاتفه سريعاً وهتف بهمس:
- مش هينفع كده، أنا لازم أكلمه وبسرعة.
همس له ريان بهدوء:
- فكرت في اللي قولته لك عليه؟
نظر له هشام وهتف باقتضاب:
- أيوا، ومش هغير رأيي، أنا مليش أهل غيركم ومحدش يقدر يقنعني بغير كده. أهلي ماتوا من اليوم اللي أمي ماتت فيه بسببهم.
تنهد ريان بخفة وربت على كتفه، ثم نظر إلى إياد الذي أصبح أمامهم تقريباً، والذي هتف بهدوء:
- السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
- وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته.
هتف بها ريان وهشام معاً وصافحاه.
أكمل إياد بهدوء:
- بصراحة يا ريان، أنا كنت جاي عشان أطلب منك إجازة النهاردة.
هتف ريان بجدية:
- والسبب قوي؟
- جداً.
أردف بها إياد بسرعة وتلقائية وأكمل بهدوء:
- محتاج أخرج أنا وأميراتي النهاردة لإنهم اتخنقوا من القعدة في الڤيلا.
رفع هشام حاجبيه بدهشة ونظر إلى ريان وظن أنه سيرفض، وهذا المتوقع، فهذا بالنسبة لهم أتفه سبب يقدم لهم منذ أن تولوا الشركات.
ولكن فاجأه ريان عندما هتف بهدوء:
- تمام، ولو تحب تقدر تاخد إجازة أسبوع وتاخدهم وتسافر لأي مكان يحبوه.
أردف إياد بابتسامة:
- لا شكراً، هو يوم بس لإني مقدرش أسافر ووحدة من أميراتي مش معايا.
أومأ له ريان بهدوء ليغادر بعدها إياد، لينظر ريان إلى هشام، وجده ينظر له بدهشة. نظر له بمعنى "ماذا؟". فأردف هشام:
- يعني انت بجد وافقت تديه إجازة للسبب ده؟
هز ريان رأسه بخفة وأردف بهدوء وهو يسير مبتعداً عنه:
- لو عايز حاجة هكون في الشركة.
تنهد هشام بخفة والتفت يطالع الڤيلا بشرود، لتتسع عينه بفكرة راقت له كثيراً، ليأمر قائد فريق العمال بالاعتناء جيداً بالڤيلا حتى يعود، ولا يريد أي خطأ بها، وغادر بسرعة ليصعد سيارته وانطلق بها.
***
أردفت ليان بهدوء:
- يابنتي تلاقيهم قتلوا الشخص اللي عمل كده أصلاً زمان. إحنا معندناش يا أما ارحميني.
شهقت حوراء بفزع وهي تردف:
- لا لا، ريان مبيقتلش لأنه مش قاتل.
نظرت لها ليان بسخرية مردفة:
- اسم الله عليكي، تحبي أعرفك على ريان الحقيقي؟ استنى هفهمك. أولاً الذئب عامةً مبيرحمش، عنده الغلط معناه الموت بعينه. سبب تسميته الذئب إنه تقدري تقولي غشيم في التعامل وذكي وخبيث. لما يكون عايز حاجة بياخدها بكل سهولة بسبب مكره ودهاءه. متفكريش إنه لما يكون عايز حاجة بيروح يطلبها، لا، ده بياخدها بصيغة الأمر ومفيش نقاش. إنما اللي معاكي دا اللي هو ضحك وهزار وحب وحنان، دا تقدري تقولي عليه "الطبيب العاشق". إحنا مشفناش الجانب ده منه غير لما جيتي، كنا دايماً بنقول الزواج والحب مش موجودين في قاموس الذئب، وهو فعلاً مكانش موجود، كان كل شئ في حياته الشغل بس. لما فاجأنا وجابك عندنا الصعيد عرفنا إنه وقع بحبك فعلاً، ودي كانت صدمة للعيلة كلها. بس اللي لحد دلوقتي أنا مش فاهماه، إيه اللي خلاه يتجوزك وعرفك إزاي أصلاً؟ أنا فاكرة إنك حكيتيلي بس فيه جزء ناقص، وهو إزاي اتقابلتوا من البداية وإيه اللي جاب فكرة الجواز على بالكم وانتوا متعرفوش بعض؟
استمعت لها حوراء بصدمة، فمن الظاهر أنها لا تعلم من هو زوجها تمام العلم، ولكنها هتفت بهدوء ظاهري مجيبة على سؤالها:
- اتقابلنا لما خبطني بعربيته، وسبب جوازنا لما عرف مرضي وإن علاجي هيكون عملية هتخلي المستشفى بتاعته الأولى عالمياً، وكدا يكون إحنا الاتنين استفدنا.
كادت ليان أن تتحدث باستنكار لحديثها، ولكنهم فزعوا عندما استمعوا إلى صوته:
- حوراء.
نهضت حوراء وليان وتقدم منهم ريان، ورمق ليان نظرة حادة، ثم نظر إلى حوراء مردفاً:
- تعالي عايزك.
أومأت له حوراء وسارت أمامه بإستغراب من وجوده، فهو أخبرها بأنه ذاهب للشركة، إذاً ما الذي أتى به الآن، بينما ريان همس لليان:
- حسابك معايا بعدين.
نظرت له ليان بخوف، فقد كانت نظراته لا توحي بالخير أبداً، ليتركها ويصعد إلى غرفته خلف حوراء.
هتفت ليان بهمس:
- إزاي يعني العملية هي اللي هتخلي المستشفى تبقى الأولى عالمياً؟ وهي أصلاً من الأول الأولى عالمياً دي مأخدتش سنتين من إنشائها وفروعها انتشرت حول العالم وبقت الأولى عالمياً خلال 5 سنين بس من بعد إنشائها؟
صمتت ثم أكملت بخوف:
- معقول يكون كذب عليها؟ بس لا هو مبيكدبش خالص. طب ليه قالها كده؟ وليه قالي حسابك معايا؟ أنا خايفة.
***
كان إياد يسير بالطريق ومعه أميرتيه آية وأريب وكذلك رواء التي أصرت أريب على قدومها معهم، وهذا ما عقد الأمور بالنسبة لإياد.
هتفت أريب بسرعة وهي تشير نحو إحدى المحلات:
- الله يا إياد، أنا عايزة آيس كريم وشوكولاتة و...
قاطعه إياد وهو يتقدم نحو المحل:
- كل حاجة هتكون قدامك يا أميرتي، استنوني هنا.
وبالفعل تركهم بجوار المحل ودلف هو إلى داخله بمفرده لرؤيته للكثير من الرجال داخل المحل.
وقفت آية بمنتصف الفتاتين وهي تتحدث معهم بهدوء.
قاطعهم صوت طفل صغير وهو يتقدم نحوهم ويمسك بيده وردة حمراء جميلة وهو يتقدم نحو آية تحديداً.
نظروا له الفتيات ليردف الطفل وهو يمد يده بالوردة إلى آية:
- اتفضلي.
انحنت آية والتقطتها منه مردفة برقة:
- شكراً، بس ممكن أسألك إيه المناسبة؟
أجابها الطفل وهو يركض بعيداً:
- أنتِ حلوة.
اعتدلت آية في وقفتها وضحكت بخفة على هذا الطفل، لترفع الزهرة إلى أنفها تشم رائحتها الجذابة.
أردفت أريب بمرح:
- الله، وردة حمراء مرة واحدة.
ابتسمت آية بهدوء، ليروا الكثير من الأطفال تتقدم نحوهم ومعهم الكثير من الورود بمختلف الألوان، وفعلوا كما فعل الطفل الصغير وأعطوها جميعاً لآية التي كانت تتقبلها منهم بغرابة وسعادة بالوقت ذاته، فهي تعشق الورود كثيراً.
بينما أريب ورواء يقفون يشاهدون الموقف بإستغراب وضحك على هؤلاء الأطفال.
أصبحت آية تمسك بالكثير من الورود، والذي كان يختلف ألوانه من الأحمر الجوري إلى الأبيض الياسمين إلى البنفسجي اللافندر.
أصبحت آية تشم رائحتهم بسعادة، وبالأخص الياسمين لأنه الأقرب إلى قلبها، رغم شعورها بالغرابة لما يحدث.
خرج إياد من المحل وتقدم نحوهم، وقبل أن يتحدث نظر إلى آية وهتف بإستغراب:
- من فين ده؟
أجابته أريب سريعاً بضحك:
- لا دول الأطفال مغرمين بأختك وجابولها الورد ده كله.
ضاق إياد بين حاجبيه وهو يردف:
- أطفال؟
ولم يكمل حديثه، حيث قاطعه صوت طفل آخر وهو يأتي بوردة ياسمين أخرى ويهديها لآية، وقبل أن يرحل أوقفه إياد بعدما أعطى ما كان يحمله من محتويات لأريب.
أمسك يد الطفل بحنان هاتفا بهدوء:
- مين باع الورد ده؟
نظر له الطفل ولم يتحدث، ليردف إياد مجدداً:
- في حد قالك تعمل كده؟
لم يتحدث الطفل أيضاً، فقد ظل واقفاً ينظر له بهدوء، ليتركه إياد ليركض الطفل مبتعداً عنهم حتى اختفى من أمام مرمى بصره.
نظر إياد إلى آية، لتهز الأخرى كتفيها بعدم معرفة، ولكنها كانت تبتسم بإتساع، ليردف إياد بغيظ:
- عاجبك اللي بيحصل ده؟
ضحكت آية برقة وهتفت:
- الله، مش أطفال، وكمان الورد جميل أوي، أنا حبيتهم.
هز إياد رأسه بيأس ثم هتف:
- طيب يلا على العربية.
أومأوا له بهدوء، لينظر هو إلى الخلف لعله يعلم من الفاعل، ولكنه لم يجد أحداً، ليغادر هو الآخر.
كانت رواء مستغربة الحدث بشدة، وقبل أن تصعد السيارة نظرت إلى الخلف لترى شاباً رأته من قبل يقف بعيداً معلقاً بصره نحو أحدهم.
لتنظر إلى ما ينظر إليه، لتراها آية، لتعود بنظرها سريعاً نحو ذلك الشاب، ولكنها وجدته أعطاها ظهره وهو يسير مبتعداً.
نظرت إلى إياد لا تعلم أتخبره أم لا، لتعود من شرودها على صوت أريب الصارخ:
- اركبي يا رواء يلا.
صعدت رواء بجانبها من الخلف، بينما كانت آية من الأمام، ولم تترك الورود من يدها، بل كانت تبتسم بسعادة وهي تظنها من حب الأطفال المعتاد لها.
بينما كان إياد يشعر بالضيق لهذا الموقف، فهو متأكد بأن هناك من بعثهم مع الأطفال حتى لا يكتشف أمره، وإن علم من هو يقسم بأنه لن يرحمه، ولكن لم يرد أن يأخذ هذه الورود من أميرته حتى لا تختفي تلك السعادة المرسومة على وجهها، ولبرائتها لم تفكر بأن من الممكن أن يكون هناك أحد وراء كل هذا.
الرجال يعلمون تفكير الرجال.
وبالطبع كلنا نعلم من الفاعل، إنه ذلك الهشام، والذي كان سعيداً لرؤيته لسعادتها بهذه الورود، ولاحظ انجذابها لورد الياسمين أكثر، ليعلم بأن هذا النوع المفضل لها من الزهور. يعلم أن تلك الفتاة قد رأته، ولكنه لم يهتم، فكل ما يشغله الآن تلك الابتسامة التي أسرت بقلبه فور رؤيته لها.
صعد سيارته وانطلق بها خلفهم، فهو لم تنفد مخططاته بعد.
***
تقف أمامه وهى تنظر له بتعجب، بينما هو يضع الكثير من الحلوى التي أعدها بنفسه على المائدة.
اعتدل في وقفته والتفت ناظراً لها، وأمسكها من يدها جاعلاً منها تجلس على إحدى مقاعد المائدة، مردفاً:
- دا كله ليكي يا سمرتي.
نظرت له صبا ثم إلى ما أعده من كعك بالشوكولاتة ومزين بطريقة رائعة والكثير من أنواع الحلوى الأخرى، لتردف بهدوء:
- أنت عملت دا كله؟
جلس أمامها وهو يومئ لها بابتسامة جذابة، لتردف بنفس الهدوء:
- والمناسبة؟
هز بيجاد كتفيه وهو يردف بمرح:
- يعني اعتذاراً لإني خبيت عنك هويتي الحقيقية، رغم إني عملت كده عشانك.
أومأت له صبا وأردفت:
- أنت ليك يومين مش طبيعي وعمال تصنع في الكيك والحلويات والهدايا اللي كل ساعة والدلال والغزل، هل دا كله لـ...
قاطعه وهو يردف بحب:
- لأكسب رضاكِ، أيوه.
نظرت إلى عينيه وإلى العشق الظاهر بهما، لترتسم ابتسامة خفيفة على شفتيها، ليردف بيجاد بمرح:
- الله، ضحكت يبقى قلبها مال.
ضحكت بقوة على حديثه، لينهض سريعاً جاذباً إياها لتقف أمامه واحتضنها بقوة مردفاً:
- مش زعلانة مني؟
هزت رأسها بالرفض وهي تردف بضحك:
- من أول كيكة سامحتك، بس لأنها عجبتني مرضيتش أقولك عشان تعملي غيرها.
ابتعد عنها ناظراً لها بغيظ، لتطالعه بأعين بريئة، ليضحك بخفة وهو يحتضنها ثم هتف بمرح:
- بما إنك مش زعلانة، حابب أقولك حاجة.
- إيه؟
- في الوقت اللي كنتِ زعلانة فيه أنا اتجوزت عليكِ.
- إيـــه؟
صرخت بها صبا وهي تبتعد عنه تطالعه بأعين تخرج ناراً، ليقهقه بقوة حتى امتلأت الڤيلا بصوت ضحكاته الرجولية.
بينما كانت صبا تنظر له بغضب، ليردف بيجاد بعد انتهائه من نوبة الضحك التي أصابته لرد فعلها السريع:
- بهزر يخربيتك.
ضربته صبا بكتفه مردفة بغيظ:
- هزار تقيل على فكرة، محبتهوش.
قبل يدها مردفاً:
- حقك عليا، بس بجد عايز أقولك حاجة.
نظرت له لتحده يطالعها بجدية، لتجلس على المقعد وجلس بجوارها، ثم تنهد بهدوء مردفاً:
- طبعاً خلاص استوعبتي إني ظابط مخابرات.
أومأت له، ليتابع بهدوء:
- تعرفي إيه عن شغل ضباط المخابرات؟
أجابته بهدوء:
- بيقبضوا على تجار المخدرات، مافيا، يعني الحاجات الكبيرة دي.
ابتسم لها وأومأ بخفة ليسترسل حديثه بحذر:
- وأنا كضابط معايا مهمة.
اتسعت عينيها ليردف بيجاد سريعاً:
- لا لا، ملوش داعي الخوف والقلق، هي مهمة بسيطة. أنتِ لسه متعرفيش مين هو أسد المخابرات.
ضيقت بين حاجبيها مردفة باستغراب:
- مين أسد المخابرات؟
ضحك بخفة مشيراً على نفسه:
- أنا.
اتسعت عينيها وهتفت بحدة:
- وكمان كذبت عليا بخصوص اسمك؟
فزع من رد فعلها ليصفعها بخفة خلف رأسها هاتفا بغيظ:
- شغلي دماغك دي، أنا اسمي بيجاد ولقبي أسد المخابرات، بس متنسيش أنا ضابط مخابرات سري، وحطي ألف خط تحت سري دي، يعني مينفعش حد يعرف، وإلا هتبقى حياتنا كلنا في خطر.
أومأت له بتفهم، ثم هتفت بتساؤل:
- إزاي معاك مهمة؟
أردف بيجاد بنفاد صبر:
- اللهم الصبر. مش انتي بتقولي إننا بنقبض على تجار المخدرات والمافيا؟ اهو أنا معايا مهمة أقبض فيها على أكبر تجار المخدرات وبيع أعضاء وبنات وكذا.
شهقت بذعر وهي تردف باعتراض:
- لا، أكيد دا خطر عليك، أنا مش هسمحلك إنك تروح.
احتضنها بيجاد بحنان مردفاً:
- دا شغلي يا سمرتي ومقدرش أتأخر فيه، وبعدين انتي كده بتقللي من قدراتي.
هزت رأسها بالرفض وبدأت تتجمع الدموع بمقلتيها وهتفت بصوت متحشرج:
- لا مش هتروح مكان، هتفضل معايا هنا، مستحيل تروح عند المجرمين دول.
مرر يده على خصلات شعرها بهدوء هاتفا:
- مقدرش يا عمري، وكمان خلاص المهمة بعد بكرة بالليل، يعني مفيش وقت للتراجع.
لم تستطع كبح دموعها أكثر، لتترك لها العنان وتعالت شهقاتها وهي تقبض على ملابسه بقوة وهي تردف من بين بكائها الحاد:
- لا مش هتروح، انت مش هتسبني.
احتضنها بقوة وهو يهدئها بحنان:
- عمري ما هسيبك يا سمرتي، وكمان هفضل جنبك على طول صدقيني، كلها يومين وهتلاقيني هنا.
هزت رأسها بالرفض وهي تبكي بقوة، ليشعر بألم في قلبه، فهو لأول مرة يشعر بهذا الشعور عندما يكون ذاهباً لمهمة ما.
نهض وهو يحملها بين ذراعيه، بينما هي تعنق عنقه بذراعيها وصعد بها إلى غرفتهم.
***
يقف أمامها بهدوء وهو ينظر لها، ليراها تطالعه بأعين مهتزة خائفة، ولكن ليس منه، بل من شيء تفكر به.
اقترب منها وكاد أن يتحدث، لتقاطعه هي عندما هتفت بصوت مرتجف:
- أنت قتلت قبل كده؟
رواية الطبيب العاشق (2 الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم منة جبريل
- انت قتلت قبل كدا؟
هتفت بها بصوت مرتجف خائف من إجابته.
بينما نظر ريان إلى عينيها ليراها تنظر له برجاء أن ينكر حديثها، ليتنهد بحرارة وأحاط كتفيها وهز رأسه بالرفض. تجمعت اللآلئ بعينيها وارتمت بين ذراعيه وأجهشت بالبكاء.
وضع يده خلف رأسها يهدأها بينما يستمع إلى حديثها:
- الحمدلله... كنت خايفة تكون قتلت قبل كدا. مش عايزة يكون في إيدك دم شخص حتى لو كان يستحق الموت. مش عايزة تكون أنت السبب في موت أي شخص. أنت أحسن من كده.
شعر بالسوء لكذبه، فهذه المرة الثانية التي يكذب فيها في حياته كلها، وكانا لأجلها فقط. هو غير معتاد على الكذب وهذا أصابه بشعور غير مريح بتاتًا.
احتضنها بقوة وقد قتم لون عينيه واختلطت بها الشعيرات الحمراء لتظهرها بهيأة مخيفة.
أبعدها عنه وأزال دموعها لتردف حوراء بحزن:
- طيب ليه ليان قالتلي إن الغلط عندك الموت بعينه؟
أجابها بهدوء:
- ده مجرد تعبير مجازي يا فاتنتي لإني بعاقب أي حد بيغلط.
نظرت له بعينيها اللامعة مردفة:
- بتعاقبه إزاي؟
قبل وجنتها المحمرة بخفة وهتف وكأنه يحادث طفلته وليست زوجته:
- بطرده من الشغل بس.
ابتسمت بخفة وهي تشعر براحة بداخلها بعدما كاد الخوف أن يُزرع في فؤادها، ولكن أتى هو ليزيل ذلك الخوف ويبعث بدلاً عنه الأمان والطمأنينة.
بعد وقت كانت تجلس بين قدميه بينما هو يتلاعب بخصلات شعرها لتردف بعد تفكير دام طويلاً:
- أنت عملت إيه في اللي حط لي المخدرات في العصير؟
أجابها بهدوء بينما يثبت بصره على يده وهو يداعب خصلاتها:
- نفس اللي عمله فيكي.
- طيب ممكن متأذيش الفاعل أكتر من كده.
أجابها بهدوء:
- ممكن، وعشان ترتاحي أكتر.
التقط هاتفه وقام بالإتصال على أحد من رجاله وهتف بصوت رجولي أجش وهو يفتح الاسبيكر:
- خدها وارميها قدام أي مستشفى وبلغ أهلها باللي حصل، وأنت عارف هتقولهم إيه.
جاءه صوت الرجل وهو يردف بجدية:
- أكيد يا ذئب، هقول إن الهانم إيزابيلا ليها كذا يوم بتاخد المخدرات دي، بس المرة دي زادت الجرعة حبتين.
- برافو عليك يا سيد، وعدي عليا والفرق اللي معاك تاخدوا حسابكم.
وأغلق الهاتف ونظر إلى حوراء ليراها تبتسم له بهدوء، ليبادلها الابتسامة. هي ليست حزينة على تلك إيزابيلا وترى بأنها تستحق هذا، فكما يقولون "من حفر حفرة لأخيه وقع فيها". لا تنكر أنها دهشت عندما علمت أنها هي، ولكن قد نالت ما تستحقه من زوجها وحاميها.
***
تجلس أمام البحر في المكان الذي ما دائمًا يأخذها سليمان إليه، تنظر أمامها بشرود والدموع تتسابق على وجنتيها لشعورها بالإختناق بدون أن تعلم السبب، وهذا أكثر ما يضيق صدرها.
عادت من شرودها على صوت رنين هاتفها لتزفر بتعب، فهي تناست أن تغلقه ولكنها قررت أن تتجاهل الاتصال، ولكن المتصل لم يمل وأعاد تكرار اتصاله ثلاث مرات مجددًا.
في المرة الرابعة أخرجت الهاتف ونظرت إلى المتصل لتزداد نبضات قلبها وهي ترى رقمه يزين شاشة هاتفها، ترددت في الرد عليه ولكنها حسمت أمرها ووضعت سماعات صغيرة بأذنها ثم أجابت على اتصاله.
وما أن أجابت حتى اتاها صوته القلق:
- صغيرتي، هل أنتِ بخير؟
تحدث بهدوء ولكن بصوت مختنق.
- بخير.
على الناحية الأخرى كان زيد يجلس على مقعد مكتبه ويظهر عليه القلق لعدم ردها عليه، وما زاد قلقه هو صوتها المختنق، ليردف بحنان:
- حسنًا، يمكنكِ إخباري لماذا أنتِ حزينة؟
أجابته بهدوء:
- مش عارفة.
ضيق بين حاجبيه مردفًا:
- كيف هذا؟ ألا تعلمين ما يزعجك؟
هزت رأسها بالرفض وكأنه يراها مردفة:
- لا، حاسة إني مخنوقة بس معرفش السبب.
أجابها بمرح ومكر:
- هل يمكن لأنني سافرت لإيطاليا؟
صرخت معترضة سريعًا:
- لا، مستحيل.
ضحك بخفوت، فرد فعلها يخبره العكس، ليردف سريعًا بعدما أتته فكرة راقت له:
- حسنًا، صغيرتي، كنت أريدك في شيء.
- إيه؟
= هناك بعض الأوراق التي أشعر أن بها خطأ ما، ولكن لا أعلم ما هو. هل يمكنكِ رؤيتها وإخباري إذا كان بالفعل هناك خطأ ما أم لا.
أجابته بهدوء واستغراب:
- معنديش مشكلة، بس هشوف الورق إزاي؟
أردف سريعًا:
- لحظة، أنا أعلم كيف.
ضيقت بين حاجبيها وهي تراه ينهي المكالمة، ولم تمضي ثوانٍ حتى وجدته يقوم بالإتصال عليها، ولكن هذه المرة مكالمة فيديو.
استنكرت فعلته وقبل أن تجيب على المكالمة قامت بتفعيل خاصية إغلاق الهاتف لكي لا يتصل عليها أحد، وأجابته وكان أول ما يقابلها هو عينيه الزرقاء الحادة التي سببت قشعريرة بجسدها.
ابتسم زيد باتساع ولمعت عيناه بالحب فور رؤيته لها وهتف بصوت شبه هامس:
- اشتقتُ لكِ صغيرتي.
نظرت له بحدة بعدما استمعت لحديثه وهتفت بتحذير:
- زيد، خليني أشوف الورق يا إما هقف.
أغلق زيد عينيه لثوانٍ فور سماعه اسمه منها، ثم هتف بهدوء:
- هل أخبركِ شيئًا؟
نظرت له بمعنى "ماذا؟" ليسترسل حديثه مؤكدًا:
- لا يجب عليكِ أن تقسمي لي أنكِ لن تنهي المكالمة.
هتفت بنفاد صبر:
- حاضر، مش هقفل.
نظر لها بنصف عين لتبتسم بخفة ولكنها أخفتها سريعًا لتردف بهدوء:
- مش هقفل والله.
ابتسم بهدوء ثم اعتدل في جلسته وثبت عيناه على عينيها، ثم هتف بعشق احتل كيانه بقوة:
- أحب عيناكِ كثيرًا.
اتسعت عينيها وتصاعدت الدماء على وجهها واحمرت وجنتيها لتبعد عينيها سريعًا وهي تنظر إلى الجانب بينما توترت أنفاسها.
ابتسم زيد بعشق جارف مكملاً:
- انظري لي.
لم ترد عليه ولم تنظر له وأعادت خصلة تمردت على وجهها خلف أذنها، ليردف زيد بهدوء:
- يا فتاة، أنا أحادثك.
أجابته بنبرة تهكمية تخفي خلفها خجلها بدون النظر إليه وهي تلوح بيدها:
- ولا تحدثني ولا أحدثك، خلينا على البرنامج القديم. أنا غلطانة إني كلمتك أصلًا.
وكادت أن تغلق الهاتف لتفزع عندما أتاها صوته الآمر:
- أقسم بالله لو أنهيتي المكالمة سأصعد طيارتي وآتي إليكِ، ولن يعجبك ما سيحدث حينها.
نظرت له بخوف ليتنفس زيد بقوة وهو يمرر يده على وجهه بغضب مردفًا:
- يا فتاة، هل يمكنكِ إزالة ذلك الخوف من عينيكِ؟ أنا لا ألتهم الصغار.
أردفت كيان بغيظ:
- مش خايفة.
فقد كان ينظر لها بأعين قاتمة، ليغمض عينيه محاولاً تهدئة نفسه ليردف بهدوء:
- حسنًا، دعنا نعقد اتفاقًا.
نظرت له تحثه على إكمال الحديث، ليتنهد بخفة واسترسل حديثه هاتفًا:
- ستفعلي كل ما أقول ولن تجادليني في شيء، وأنا لن أغضب ولن أرفع نبرة صوتي عليكِ أو أنظر لكِ بغضب. ما رأيك؟
هتفت كيان وهي ترفع حاجبها:
- قول من الأول كده، أنا أعمل إيه؟
هز كتفيه مجيبًا ببساطة:
- ستفعلي كل ما أقول ولن تجادليني في أي شيء أقوله لكِ.
صرخت به بغضب وأعين تشع شررًا:
- ده بعينك يا نن عين أمك.
رفع زيد حاجبيه بدهشة من ردها الذي لم يتوقعه، ليردف بحدة خفيفة:
- تحدثي جيدًا يا صغيرتي.
زفرت كيان بغضب وهتفت بتذمر:
- ليه بتقولي يا صغيرتي؟ كفاية.
- لأنكِ صغيرتي حقًا.
أردفت كيان بتساؤل:
- أنت عندك كام سنة؟
نظر لها زيد قليلاً ثم أردف بهدوء:
- ثلاثون عامًا.
ابتسمت كيان وهتفت بخبث:
- آآآه، بعمر أبيه يعني المفروض أقولك يا أبي؟
- مـاذا؟
هدر بها بغضب لتفزع كيان وكاد الهاتف يسقط من يدها، ثم أطلقت العنان لضحكاتها الرنانة على رد فعله وملامحه التي تشع غضبًا، لا تعلم لما لم تخشاه، ولكن رد فعله أصابتها بنوبة ضحك هستيرية وقد تناست ما كانت تشعر به من اختناق تمامًا.
بينما هو فقد سكن غضبه وهدأت ملامحه وهو يستمع لضحكاتها، ولأول مرة ترتسم ابتسامة عاشقة على شفتيه، وظل يطالعها بأعين تقطر شغفًا لها وحدها. كم كانت جميلة وهي تتمايل إلى الخلف وتضع كف يدها الصغير على فمها تصدر أصوات ضحك، يقسم بأنها أجمل سيمفونية استمع لها بحياته.
بعد رؤيته لها وهي تضحك يقسم بأنه سيقف أمام أخيها يومًا ما وهو يطلبها له لتصبح ملكه وللأبد، وعلى استعداد للموت فقط للوصول لها.
توقفت كيان عن الضحك وأزالت دموعها وأخذت نفسًا كان انقطع عنها طيلة وقت ضحكها وهتفت بنفس طريقته في الحديث:
- ألن تريني يا سيد زيد ذلك الورق؟
توقفت عن الضحك واحمر وجهها خجلًا وهي تراه شارداً بها وعلى وجهه ابتسامة داعبت قلبها.
أردف بهدوء وهو يعبث بخصلات شعره:
- حسنًا، لم يكن هناك ورق أو شيء. أنتِ بريئة جدًا.
أمالت رأسها للجانب بحركة لطيفة وهي تردف:
- ليه؟
ابتسم على فعلتها تلك واردف بهدوء:
- كما تعلمين أن شركتي الثالثة على العالم، وأن يكون هناك ورق لا أعلم إذا كان به خطأ أم لا، فهذا مستحيل أن يحدث.
رفعت حاجبيها بدهشة، فهي حقًا لم تفكر بهذا، ليكمل بهدوء:
- براءتك جميلة، ولكن من الممكن أن تسبب لكِ متاعب في يوم ما، لذا لا تصدقي كل ما يقال لكِ يا صغيرتي، فليس الجميع صادقًا وطيب القلب مثلكِ. حسنًا.
أومأت له بخفة ليبتسم لها، ثم أردف بتساؤل:
- إذا أين أنتِ الآن؟
ابتسمت باتساع وجعلته يرى النيل واردفت:
- كل ما أكون مخنوقة أو مش عارفة آخد قرار في حاجة، أقعد هنا أصفّي تفكيري، ومحدش يعرف المكان ده غيري أنا وسليمان، وأهو أنت.
ترك كل ما قالته وهتف بحدة:
- ومن يكون هذا السليمان؟
تذكرت ما فعله بسبب غيرته في ذلك اليوم الذي اعترف فيه بحبه لها، لتذرق ريقها بصعوبة وهتفت بتوتر:
- ده... ده صديقي و... والحارس الشخصي لأبي.
أغمض زيد عينيه بقوة وهو يحاول تهدئة نفسه ليردف بحدة:
- وتأتي برفقته إلى هذا المكان بمفردك!
نظرت له بتوتر وأمالت رأسها للجانب بخفة وابتسمت له برقة، لينهض زيد من مقعده وأولاها ظهره وهو يمرر يده على خصلات شعره بقوة ويتنفس بغضب. فهو لا يريد إخافتها منه مجددًا، لا يريد العودة لنقطة البداية.
كانت كيان تنظر له وهو يوليها ظهره لتظل صامتة خشية أن تتحدث فيغضب عليها. بعد دقائق.
التفت لها زيد وكان لون عينيه قاتم بشدة لتردف هي بسرعة:
- هقفل، لازم أرجع القصر دلوقتي.
نظر لها زيد ثم أردف بهدوء:
- حسنًا، لا تغلقي. سأظل معكِ حتى تصلي إلى القصر.
ابتسمت بخفة ونهضت من أعلى الصخرة وهي تمسك بهاتفها ثم صعدت سيارتها، بعدها ثبتت الهاتف أمامها وانطلقت بها عائدة للقصر.
***
كان القصر مقلوبًا رأسًا على عقب والحراس ينتشرون في أنحاء المكان، وصوت ريان وهو يزمجر بغضب:
- أقسم بربي لو حصلها حاجة ما هرحمك.
وجاءت له حوراء وأمسكت بيده وهي تردف:
- اهدى، أكيد هتكون كويسة.
أردف بغضب ممزوج بالقلق:
- لو كانت كويسة، فونها مقفول ليه؟
ارتعدت بخوف من غضبه ولكنها هتفت بهدوء:
- لعله خير، هتكون هنا في أقرب وقت، متقلقش.
جاء سليمان وبيجاد واردف هشام بقلق:
- لقيتها يا ريان؟
أماء ريان بالرفض ليشعر ريان وبيجاد وهشام بأن أرواحهم تسحب منهم ببطء وتراودهم أبشع الأفكار عن اختطافها أو أي شيء سيء آخر.
جاء سليمان وهو يقف أمامهم بتوتر وهو يردف بتذكر بعد بحث عن كيان دام لساعات:
- ريان باشا.
نظر ريان له بغضب لتعود حوراء إلى الداخل ليردف سليمان:
- الهانم مش موجودة، بس لو تسمحلي أروح مكان ممكن ألاقيها فيه.
- مستني إيه يا سليمان؟ روح.
أردفت بها بيجاد بقلق كبير.
ليومئ له سليمان والتفت وكاد أن يغادر، ولكن توقف مكانه وكذلك جميع الحرس وهم يرون سيارة كيان تدلف إلى داخل القصر.
توترت كيان من هذه الأجواء وأن جميع الأنظار موجهة عليها لتردف بقلق وهي تغلق مع زيد:
- سلام يا زيد، شكل في مصيبة.
وأغلقت الهاتف سريعًا وهي ترى شقيقها وكذلك هشام وبيجاد يتقدمون نحوها بسرعة.
ترجلت كيان من السيارة لتشعر بمن يجذبها من ذراعها نحوه، ولم يكن سوى شقيقها الذي احتضنها بقوة فاجأتها. احتضنه بهدوء وهي تنظر إلى هشام وبيجاد بتعجب.
احتضنها هشام وبيجاد وهما يحمدان الله على سلامتها تحت استغرابها الكبير مما يحدث حولها. نظرت إلى سليمان لتراه يقف بعيدًا ينظر لها بقلق.
دلفوا بها إلى الداخل لتنهض حوراء سريعًا وهي تحتضنها، وكذلك ليان التي كانت تبكي بقلق عليها.
فزع الجميع على صوت ريان الغاضب:
- كنتِ فين يا هانم؟
فزعت كيان وأردفت بتلعثم بعدما أدركت أن حالتهم هذه بسببها:
- كنت.. كنت بغير جو.
أردف هشام بغضب ممزوج بالقلق وهو يتقدم نحوها بسرعة:
- ولما خرجتي تغيري جو مأخدتيش الحرس ليه؟ مقولتيش لينا ليه؟
ركضت كيان بسرعة واحتمت خلف بيجاد وهي تمسك بسترته بقوة، ليلتف لها بيجاد واحتضنها ونظر لها مردفًا بهدوء:
- متخافيش.
ثم نظر إلى ريان وهشام هاتفا:
- فيه حاجة اسمها هدوء في الكلام.
أردف ريان بصرامة لا تحتمل النقاش:
- اطلعي أوضتك.
نظرت له كيان بحزن ليردف بغضب:
- يلا.
انتفض جسد كيان وكذلك حوراء التي كانت تنظر لها بحزن، ليهمس لها بيجاد:
- انتي عارفة إنه خايف عليكي مش أكتر، روحي أوضتك دلوقتي يا كياني ومتزعليش.
أومأت له بهدوء ليقبل رأسها بخفة وتركها لتصعد إلى غرفتها سريعًا، بينما دموعها تتسابق على وجنتيها.
تحركت حوراء بخفة ناوية على أن تتبعها لينظر لها ريان بجانب عينه لتقف مكانها، ونظرت أرضًا وهي تشعر بالحزن على كيان.
أردفت ليان ببكاء:
- لو ممكن أن...
- أنتِ تخرسي خالص، مش عايز أسمعلك صوت، أنتِ فاهمة.
أردف بها ريان بغضب شديد وهو ينظر لها بأعين قاتمة ويرفع إصبعه باتجاهها.
شهقت ليان بخوف وأجهشت بالبكاء لتقترب منها حوراء وتربت على كتفها، لتركض ليان إلى الأعلى وهي تخبئ وجهها بين كفوف يدها.
نظرت حوراء إلى ريان بحزن وعتاب على صراخه بهم بهذه الطريقة، ليشير لها ريان بيده أن تصعد هي أيضًا، لتتحرك ببطء، وقبل أن تصعد السلم وصل إلى مسمعها صوته المحذر وهو يهتف:
- على الجناح على طول.
هزت رأسها ببطء وصعدت إلى الأعلى لغرفتها، ليتنهد ريان بقوة وهو يمسح وجهه، ليردف بيجاد بسخرية:
- أحسنت والله، كتر خيرك. كيان وعارفين السبب، ليان وحوراء ذنبهم إيه؟
أردف ريان بغضب شديد وقد ظهرت عروق رقبته:
- ليان بسبب غباءها وسذاجتها كانت هتطلعني قاتل قدام مراتى.
نظروا له هشام وبيجاد باستغراب، ليزفر ريان وجلس على المقعد الذي صادفه أول شيء وأشبك أصابعه ببعضهم ونظر أمامه بشرود وغضب، فهو قد تحدث مع ليان وعنفها بقسوة على حديثها وأخبرها بأنه لا يجب أن يُفتح ذلك الحديث بينهما مجددًا.
وقف هشام بجانبه ووضع كف يده على كتف ريان مردفًا:
- مع إننا مش فاهمين حاجة ولا عارفين اللي حصل، بس متأكدين إنك هتحتوي الوضع زي كل مرة.
أردف بيجاد بمرح كعادته ليغير الأجواء بينهم:
- ثواني وهتقولوا إنكم مش مستحملين تسيبوها زعلانة منكم كده وهتجيبولها حجر من القمر عشان ترضي.
ابتسم هشام فهو لم يخطئ بشيء، فتلك كيان هي نقطة الضعف والقوة لأضلاع المثلث الملون. أما ريان فقد كان شارداً في أشياء عدة، لينهض واتجه نحو السلم ليردف بيجاد بضحك:
- مش بالسرعة دي يا ذئب.
لم يرد عليه ريان ليجلس هشام على المقعد مردفًا:
- هبقى أطلعلها لما يخرج هو.
جلس بيجاد بجواره مردفًا:
- وأنا هقولها تطلع عينكم الأول عشان متتجرؤوش وترفعوا صوتكم عليها تاني.
نظر له هشام بطرف عينه وهتف بعض الغضب:
- يعني أنت عاجبك اللي عملته ده؟ ولأنها عارفة إننا منقدرش على زعلها بتنفذ اللي في دماغها ومش بتهتم بحد فينا ولا أي اللي هيحصلنا لو جرالها حاجة.
أجابه بيجاد بهدوء:
- أكيد مش عاجبني، بس ياما كيان غلطت واحنا اتعاملنا معاها بهدوء وهي اتفهمت ده، إشمعنى المرة دي يعني؟
أردف هشام بصوت مرتفع:
- لأنها بقت آنسة كبيرة وفيها عقل.
ارتفع صوت بيجاد وهو يردف أيضًا:
- كيان أرق من إنها تتعامل بقسوة يا هشام، وأنت مش محتاج إني أقولك الكلام ده.
تنهد بيجاد بقوة، فأي شيء يتعلق بكيان يتمكن من إخراجه عن ربطة جأشه، ليردف بهدوء:
- عمومًا، دي هتكون أول وآخر مرة.
أردف هشام بندم:
- أنا أصلًا مش عارف إزاي رفعت صوتي عليها، إزاي خليتها تحس بالخوف مني.
ربت بيجاد على قدمه مردفًا:
- كيان مستحيل تخاف مننا، بس أنت عارفها مش بتستحمل إن حد يزعقلها بالأخص لو كان حد فينا.
أومأ له هشام ونهض وهو يردف:
- تعالى معايا نشوف أي حاجة هتفرح بيها ونجبهالها.
ابتسم بيجاد ونهض هو الآخر واردف وهو يتبعه لخارج القصر:
- يلا.
***
وقف أمام الباب ليستمع إلى صوت شهقاتها ليشعر بألم في قلبه، ليقوم بفتح الباب ودلف إلى الداخل وأغلق الباب خلفه.
كانت كيان تجلس أرضًا وتسند ظهرها على حافة السرير وتضم قدميها إلى جسدها وتخفي وجهها بينهم، وصوت شهقاتها تملأ الغرفة.
اقترب منها ببطء وجلس بجوارها بنفس وضعيتها، ولكنه كان يرفع رأسه إلى الأعلى ناظرًا إلى السقف واردف بحزن ظهر على نبرة صوته:
- مخبية عني إيه يا كياني؟
رفعت كيان رأسها ونظرت إلى أخيها بحزن والدموع تغرق وجهها.
أكمل ريان بدون النظر لها:
- من إمتى وإنتي بتخبي عني حاجة؟ معقول فجأة مبقتيش اللي كنتي تجري عليه وتحكيله كل اللي بيخطر في بالك من غير تردد أو خوف؟
التفت لها برأسه ناظرًا لها بحزن مردفًا:
- معقول بقيت وحش لدرجة إنك بقيتي تخافي مني؟
هزت كيان رأسها بالرفض وتسابقت دموعها بغزارة على وجنتيها، ليبعد ريان نظره عنها مردفًا:
- حسيت إن روحي بتتسحب مني بالبطيء وأنا بتخيل إن في حد آذاكي عشان يأذيني بيكي. أنتِ نقطة ضعفي يا كيان ونقطة قوتي في نفس الوقت، عشانك مستعد أدخل في النار ومش هتردد لحظة.
اقتربت كيان منه ووضعت رأسها على كتفه وأردفت من بين بكائها:
- مقصدتش أقلقكم عليا. أنا بس حبيت أغير جو لأني حسيت بخنقة، أنا آسفة لأني مأخدتش سليمان أو أي حد معايا ومن غير ما أقولك. أنا مكنتش هتأخر بس محستش بالوقت.
تنهد ريان بقوة ومسح على شعرها وقبل أن يتحدث هتفت هي:
- هتفضل أقرب شخص لقلبي لآخر يوم في حياتي، أنا عمري ما خوفت منك ولا هخاف، لأنك منطقتي الآمنة. أنا آسفة بس أوعدك لما ييجي الوقت المناسب هقولك على كل اللي جوايا.
قاطعها ريان بهدوء على عكس مابداخله:
- مين هو؟
رفعت رأسها ونظرت إليه ليكمل وهو يزيل دموعها ويبعد خصلات شعرها التي التصقت بوجهها:
- قوليلي مين بيحاول يقرب منك وأنتِ خايفة تقوليلي خوفًا عليه مني؟
ذرق ريقها بتوتر واهتزت مقلة عينيها، لينظر لها بأعين تحثها على الحديث، لتظل صامتة وهي تنظر بعيدًا، ليردف ببعض الحدة:
- أنا قادر في خلال ساعة أجيب كل المعلومات اللي عايزها عنه، بس عايزك أنتِ تحكيلي لأن ده هيكون أفضل للكل.
نظرت له قليلا ثم هتفت بتوتر:
- طيب لو ممكن تسيبني شوية وقت وأنا هبقى أقول لك.
نظر لها ريان قليلا ليومئ بالنفي، لتردف كيان بسرعة:
- والله يا أبيه هاجي وأحكيلك كل حاجة ودا وعد من كيانك، بس اديني شوية وقت.
تنهد ريان ليردف:
- حاضر، لما نشوف آخرتها معاكِ إيه.
ابتسمت من بين دموعها مردفة بلطافة:
- كل خير يا أبيه، هي كيانك بتجيب غير الخير.
بادلها الابتسامة وأردف وهو يجذب أنفها المحمر بخفة:
- هي كل الخير في حياتي.
جعدت كيان أنفها بلطافة ليقبلها على جبينها لتدفن وجهها بصدره وهي تحيط رقبته مردفة:
- عايزة أنام.
نهض بها ريان عن الأرض ووضعها على الفراش وتمدد هو بجوارها محتضناً إياها بحنان وهو يردف:
- نوم الهنا يا كياني.
***
دلفوا إلى الڤيلا وكانت آية تضحك بشدة على وجه أخيها المتذمر.
نظر لها إياد لتصمت وهي تحاول كبح ضحكاتها ليردف إياد بغيظ:
- إني نويتها لله... نويتها لله.
أصبح يردد بها وهو يرفع يده إلى الأعلى لتردف أريب بضحك:
- ملهاش لازمة العصبية دي يا إيدو، ماانت عارف إذا أحب الله عبدًا حبب فيه جميع خلقه.
هتف إياد بغيظ:
- ونعم بالله. بس يا أميرتي لما يجوا شوية أطفال ويدوها ورد قولنا ماشى، لكن تيجي ست كبيرة تديها علبة شوكولاتة وست تانية تديها عروسة، ده مش منطقي أبدًا. لا وهي مبسوطة والضحكة من الودن للودن ما شاء الله.
أردفت آية رقة وهي تحتضن بين ذراعيها الأزهار وعلبة الشوكولاتة وتلك الدمية الجميلة:
- الله، مقدرش أرفض وأكسر بخاطرهم، طيب ماانت عارف الهدية لا تُرد ولا تستبدل.
تفت رواء أخيرًا بعدما كانت تأخذ دور المشاهد المستمع فقط:
- حصل خير، مفيش حاجة تستاهل الغضب ده كله، ودي مجرد هدايا من ناس قلبها طيب وصافي وبتحب تسعد الناس وربنا يجعلها في ميزان حسناتهم، كفاية نقاش في الموضوع ده.
مرر إياد كف يده على خصلات شعره مردفًا:
- اتفضلوا ارتاحوا، ولو عاوزتوا حاجة اتصلوا عليا.
ثم قبل رأس أميرتيه وألقى السلام على ثلاثتهم وهو يغادر الڤيلا.
أردفت أريب بمرح وهي تقترب من آية:
- اديني واحدة شوكولاتة يايو.
وضحكت آية وأعطتها العلبة كاملة مردفة:
- كلها تحت أمرك، هطلع أغير هدومي وهنزل أقعد معاكم.
أردفت رواء بهدوء:
- مستنينك.
هتفت أريب بمرح:
- والله أنتِ كريمة أوي، وعشان كرمك هسيبلك كام وحدة شوكولاتة.
ضحكت آية بخفة وهتفت وهي تصعد إلى الأعلى وتحمل بين يديها الورود وتلك الدمية:
- بالهنا والشفا.
التفت إلى غرفة أمينة لتراها نائمة، لتخرج وتتوجه نحو غرفتها. وضعت الورود والدمية على الفراش وهي تنظر لهم بابتسامة وأخرجت لها ثيابًا أخرى ودلفت إلى المرحاض.
خرجت بعد وقت وهي ترتدي ثوبًا يصل إلى كاحلها باللون الكحلي وأعلاه حجاب أبيض، وضعت الورود في المزهرية بعدما وضعت لها بعض الماء وأسندت الدمية في منتصف فراشها وخرجت من الغرفة عائدة إلى الفتيات.
***
- إهدأ يا زيد، ليس هناك ما يدعو لكل هذا القلق.
أردفت بها رنا وهي ترى أخيها لأول مرة في هذه الحالة من القلق، والتي هو عليها ما يقارب الساعة.
توقف زيد عن الدوران بالمكتب كالأسد الحبيس مردفًا:
- أخشي أن يكونوا أحزنوها أو.. أو أذوها.
أردفت رنا بنفاد صبر:
- أنت تعلم جيدًا أنه من المستحيل أن يحدث هذا، لذا إهدأ زيد، لقد أصبتني بالدوار.
جلس زيد على مقعد وهو يزفر بقوة وحاول الاتصال بها ليلقي هاتفه أرضًا بقوة وهو يجد نفس النتيجة، وهو أن هاتفه مغلق.
قلبت رنا عينيها وهتفت وهي تنهض:
- هناك اجتماع عليّ أن أحضره، وعليك أنت أن تحضره أيضًا خلال عشر دقائق، لذا عد إلى رشدك سريعًا واستعد ربطة جأشك، فهذا اجتماع مهم.
أردف زيد ببرود:
- أنا لن آتي، تولي أنتِ الأمر.
هتفت رنا باعتراض:
- ولكن يا زيد..
قاطعها بحزم:
- لا يوجد ولكن، وإن تحدثوا ألغى كل شيء، فأنا لا أحتاج لهم ولا لصفقتهم المثيرة للشفقة تلك.
تنهدت رنا وأومأت له بصمت، فهي تعلم بأنه غاضب وإن أكثرت في الحديث فهو سيلغي كل شيء بالفعل.
وخرجت من المكتب.
وضع زيد رأسه بين كفوف يده وهو يكاد يجن من التفكير في ما حدث لصغيرته.
أخرج هاتفًا آخر من درج مكتبه وطلب بعض الأرقام ليأتيه الرد سريعًا ليردف بجمود:
- ما الجديد؟
أجابه الرجل على الناحية الأخرى بعملية:
- لا شيء سيد زيد، ولم يحدث شيء للسيدة، فقط كان القصر مقلوبًا رأسًا على عقب لأنها لم تتواجد به لمدة ساعة ولم تخبر أحدًا بمكانها.
- حسنًا، إن حدث شيء آخر بشأنها فقط أخبرني.
وأغلق الهاتف بدون أن ينتظر الرد.
تنهد براحة بعدما علم أنها بخير، ولكن ما يقلق راحته هو لما هاتفها مغلق.
***
خرج من غرفتها بعدما غطت في سبات عميق ليتوجه إلى غرفة ليان. طرق الباب أولًا ليستمع لها وهي تسمح للطارق بالدخول، ليفتح الباب ودلف وأغلق الباب خلفه.
نهضت ليان عن فراشها بسرعة ونظرت له بحزن ليردف ريان بهدوء:
- مبصيش كده، أنتِ غلطانة.
تلمعت عينيها بالدموع وهي تردف:
- وأنا اعتذرت، رغم إني مكنتش أعرف إنها متعرفش حاجة.
اقترب منها وأزال تلك الدمعة التي تمردت على وجنتها وهتف بحنان:
- حقك عليا، أنا اتعصبت عليكي رغم إنك فعلًا مش غلطانة.
نظرت له ليان وهتفت بتذمر:
- أنت غلطان.
هز ريان رأيه نافيًا وهو يردف:
- لا، متزعليش لاني اتعصبت عليكي، اطلبي اللي انتي عايزاه وهيكون قدامك.
ابتسمت باتساع وهي تردف:
- بجدا.
أماء لها لتردف بحماس:
- في فستان نفسي فيه ومش غالي قوي يعني، عشرة آلاف بس.
رفع حاجبيه بدهشة مردفًا بسخرية:
- فعلًا فستان رخيص قوي، وليه مشوفتيش فستان بـ 30 ألف أحسن؟
أردفت بتبرم وهي تلعب بخصلات شعرها ولم تلحظ سخريته:
- هو فيه فعلاً بس معجبنيش غير اللي بـ 10 آلاف. ثم نظرت له وهي تضيق عينيها مردفة:
- أنت مش بتتريق صح؟
ابتسم بخفة مردفًا:
- بصراحة بتريق.
زمت شفتيها بحزن ليعبث بشعرها مردفًا:
- 10 آلاف ولا حاجة يا لي لي، جيبي اللي انتي عايزاه ومتفكريش في حاجة.
صفقت ليان بسعادة وعانقته مردفة:
- لي لي بتحبك.
ابتسم ريان بخفة ولم يرد لتبتعد ليان وهي تردف بهمس:
- أوبس.. حوراء لو سمعتني كانت قتلتني.
أردف ريان بهمس لم تسمعه:
- ولو شافتني كانت قتلتني أنا.
هتفت ليان باستغراب:
- بتقول حاجة؟
هز رأسه بالرفض وهو يبتسم لها ثم هتف بهدوء:
- لو عاوزتي حاجة قوليلي.
أومأت له ليغادر الغرفة متجهًا وأخيرًا إلى ملكته. دلف إلى الغرفة بدون أن يصدر صوت ليراها تضع سجادة الصلاة أرضًا وهي تقف عليها تصلي إلى الله. إنها طريقتها لتخرج ما بها من حزن وضيق، وما أجملها طريقة. لينتظر انتهائها من الصلاة ليراضيها.
***
- خلاص يعني قررتي إنك تمشيه؟
هتفت بها آية بحزن وهي تنظر إلى رواء التي تغلق حقيبة سفره.
لتردف رواء بابتسامة:
- مقدرش أقعد أكتر من كده، انتي عارفة بابا بالعافية رضي بالأسبوع.
تنهدت آية وأومأت لها بصمت لتساعد رواء في حمل الحقائب والخروج بها.
كانت أمينة تقف في منتصف بهو الڤيلا وبجانبها أريب، وكان إياد يقف بعيدًا عنهم حتى رآهم وهم يهبطون الدرج ليتوجه نحوهم بسرعة وأخذ الحقائب منهم وخرج من الڤيلا بصمت.
لتودع الفتيات رواء بحزن ولم تتمالك آية نفسها لتجهش بالبكاء، فهي أكثر شيء تمقته لحظة الوداع، لتدمع عينيها معها بينما تماسكت أريب، فهي ليست تلك الفتاة التي تسمح لدموعها بالهطول بأي وقت، لتودعهم مرة أخيرة وخرجت من الڤيلا.
رأت إياد يضع الحقائب داخل السيارة لتتقدم نحوه وانتظرت حتى انتهى وأغلق صندوق السيارة.
أتت أريب وهتفت:
- يلا يا إياد عشان نوصلها.
أومأ لها إياد وصعد السيارة لتصعد رواء وأريب من الخلف لينطلق هو إلى محطة القطار، فهي ستعود إلى الإسكندرية مجددًا.
ودعتها أريب بحرارة لتصعد رواء على متن القطار وجلست على المقعد الموازي للنافذة لتلويح لأريب وهي تبتسم وألقت نظرة خاطفة على ذلك الذي يقف بعيدًا يربع ساعديه ويظهر على وجهه الجمود، لتطلق تنهيدة حزينة وهي تشعر بتحرك القطار لتسقط دمعة حارة على وجنتها لتزيلها بسرعة.
عادت أريب إلى إياد لتردف بهدوء:
- ضاعت تاني من إيدنا.
نظر لها إياد واردف وكأنه لم يسمعها:
- يلا اركبي.
صعدت أريب إلى جواره لينطلق بها وحل بينهم الصمت لدقائق، لتقطع أريب هذا الصمت وأردفت وهي تعطيه ورقة مطوية:
- اتفضل.
هتف بهدوء بدون النظر لها:
- إيه ده؟
= رقم والد رواء، أنت لازم تتحرك قبل ما تضيع منك.
نظر لها إياد بجانب عينه ثم نظر للورقة والتقطها منها مردفًا وهو يطلق تنهيدة حارة:
- اللي فيه الخير يقدمه ربنا.
أجابته أريب بابتسامة:
- ربنا يجعلها من نصيبك.
قربها بجانب عينه ونظر أمامه مجددًا ولم يرد، بينما بداخله يردد "اللهم آمين".
توقف أمام الڤيلا وترجلا ودلفا إلى الداخل ليهرع بفزع وهو يرى آية تبكي بأحضان أمينة.
التقطها من بين رديها وهتف بقلق وهو يتفحصها:
- حصل إيه يا أميرتي؟ انتي كويسة؟
أومأت له آية لتردف أمينة:
- متقلقش يا ابني، ماانت عارفها مبتحبش تودع حد وغير إنها بتحب رواء.
احتضنها إياد وهو يتنهد براحة مردفًا:
- اهدى يا أميرتي، في أي وقت عايزة تشوفيها هوديكي عندها.
هزت رأسها بالرفض وهي تردف من بين بكائها:
- لا، أنا مش هسيبكم.
قبل رأسها بحنان ليبتعد عنها عندما استمع إلى صوت ضجة بالخارج ليأمرهم بأن يظلوا بالداخل وخرج هو ليرى ماذا يحدث.
وجد بعض الأطفال يحاولون الدلوف إلى الڤيلا وتمنعهم الحرس ليردف إياد:
- سيبهم يدخلوا.
ابتعد الحرس ليركض الأطفال إلى الداخل وسمح لهم بهذا، ولكن ما استغربه هو لما كل طفل ممسك بوردة الياسمين البيضاء.
دلف خلفهم ليرى الأطفال قد التفوا حول آية ويعطونها تلك الأزهار، ورأى شقيقته التي كانت تبكي منذ دقيقة تبتسم وتضحك بسعادة.
اقترب من أحد الأطفال واردف:
- مين باعتكم؟
لما يرد عليه الطفل ومد يده لآية بالوردة ليأخذها إياد منه هاتفا بغيظ:
- خد الورد ده وصحابك واطلعوا برا.
لاحزن الطفل وبدأ بالبكاء لتردف آية بسرعة وهي تنحني نحوه:
- لا لا خلاص متخرجوش بس متعيطيش.
توقف الطفل عن البكاء ومسح وجهه بطفولية وأخذ الوردة من إياد وأعطاها لها لتأخذها منه آية ليبتسم الطفل باتساع، كل هذا حدث تحت دهشة إياد من تمثيل هذا الطفل الذي يشك بأنه طفل من الأساس.
وقف بجانب أريب وأمينة اللذان كانا يبتسمان وهم يشاهدون الأطفال يلتفون حول آية، بينما كان إياد يرمقهم بعدم رضا، فهؤلاء الأطفال لا يفعلون هذا من تلقاء أنفسهم بل هناك أحد خلفهم.
***
- بكرة بالليل هتمشيه.
هتفت بها آسر بجدية موجهاً حديثه إلى بيجاد.
ليومئ له بيجاد بصمت، بينما كان تفكيره مشغولًا بصباه، فهي ما زالت حزينة.. خائفة. شعر بيد تربت على كتفه ولم يكن سوى هشام الذي أتى لتوه بعدما اشترى بعض الأشياء لكيان، بينما كان بيجاد ينتظره في مطعم ليلتقي بآسر وظل معه.
جلس هشام بجانبه مردفًا:
- متفكرش في حاجة. أسد المخابرات عمره ما خاف ولا شال هم مهمة.
أردف بيجاد وهو يمرر كف يده على وجهه:
- مش شايل هم حاجة غيرها يا هشام.
أجابه هشام بتلقائية:
- مرات أخويا تحت حمايتي لحد ما ترجع.
- وأنا واثق من ده، بس....
توقف عن الحديث وهو يتنهد بقوة، لا يستطيع شرح ما يشعر به، ليربت هشام على كتفه ونهضوا ثلاثتهم وغادروا، وتوجه هشام إلى القصر لمراضاة كيان، وتوجه بيجاد إلى ڤيلته وآسر إلى مقر المخابرات.
***
والسَّلام.
مِـنَّــــة جِبريـل.
رواية الطبيب العاشق (2 الفصل الثلاثون 30 - بقلم منة جبريل
توقفت السيارة أمام مبنى كبير يملأه رجال الشرطة وأشخاص يظهر على وجوههم الإجرام.
ترجل الحرس أولاً وأفضوا المكان جاعلين ممراً خاصاً لسيدهم وزوجته حتى لا يزعجهم أحد، بينما كان رجال الشرطة يقفون بإحترام منتظرين قدوم الذئب.
ترجل ريان أولاً بهيئته الطاغية ووسامته الشديدة رغم ملامحه المتهجمة، والتف حول السيارة ومد يده لتمسك به حوراء.
وترجلت من السيارة ونظرت حولها بتوتر من كم الرجال الذين يقفون بإستقامة وكل منهم ينظر أمامه وكأنهم تماثيل.
نظرت إلى زوجها وإلى مكانته الكبيرة والتي تجعل رجال الشرطة يقفون احتراماً ورهبة منه.
ولكن مازالت تتساءل لم هم هنا؟!. فهي ظنت بأنه سيأخذها لمقابلة والدها.
قبض ريان على كف يدها، تقدم بخطوات ثابتة ثقيلة نحو مركز الشرطة هذا.
تقدم منهم سليمان ورئيس القسم والذي أردف بإحترام شديد:
- أهلا يا ذئب، كل حاجة زي ما أمرت.
وأشار لهم بالدخول إلى الداخل، وكان سليمان يسير خلفهم بهدوء.
قبضت حوراء على ذراع ريان بقوة وهي تنظر برهبة إلى ذلك الرجل الذي بالزنزانة وينظر لها بطريقة مرعبة.
ليردف ريان بهدوء:
- ملوش داعي الخوف، أنا معاكِ.
هتفت بهمس وتساؤل:
- إحنا بنعمل إيه هنا يا ريان؟ أنا عايزة أشوف بابا.
بسهمس لها بنفس نبرته الهادئة:
- هتفهمي كمان شوية.
أومأت له حوراء بصمت وتابعت معه للداخل، ليتوقف رئيس القسم وهتف بإحترام وهو يشير إلى داخل ممر ما:
- من هنا حضرتك، أول زنزانة على اليمين.
دلف سليمان أولاً متفحصاً المكان لسلامة رئيسه، وبعدها دلف ريان وحوراء للداخل وتقدموا نحو سليمان الذي يقف بجوار زنزانة ما.
كان المكان مظلماً وبارداً، لا يوجد به سوى ضوء بسيط يجعلك تستطيع السير ورؤية من بداخل الزنزانة.
نظرت حوراء لداخل القضبان الحديدية تلك لتشهق بقوة وهي تراه أمامها بحالة سيئة للغاية.
جسده هزيل وملامح وجهه مرهقة مع آثار تلك الكدمات بوجهه والندوب أيضاً.
تركت يد ريان وتقدمت نحوه بهدوء، ليصبح الفاصل بينهم هي تلك القضبان الحديدية.
لتدقق النظر لتتسع عينيها بذعر وهي ترى جسده الملئ بالدماء، منها القديمة ومنها الجديدة والتي مازالت تنزف.
نفت بذعر وهي تنظر له:
- بابا.
نظرت إلى ريان خلفها، ليشير ريان لسليمان بأن يغادر لينفذ الآخر أمره.
لتردف حوراء بأعين متسعة غير مستوعبة ما رأته للتو:
- دا.. دا بابا يا ريان.. أنت عملت فيه إيه.. أنت عملت فيه إيه؟
صرخت به بغضب شديد والتفتت تنظر لوالدها لتصدم وهي تراه ينظر لها بسخرية.
نهض عبدالقادر عن الأرض وتقدم منها وهتف بصوته الخشن:
- إيه يا حلوة متعرفيش جوزك عمل فيا إيه.. تؤ تؤ تؤ تمثيلية قديمة.
نظر له ريان بجمود.
لتردف حوراء بقلق:
- بابا أنت كويس؟ أنا.. أنا هخرجك من هنا أيوه.. هخرجك وهعالجك وهتفضل معايا.. هنرجع كلنا عيلة تاني أنا وانت وإياد و....
قاطعها عبدالقادر بسخرية:
- إياد.. انتي متعرفيش إن المحروس أخوكِ هو اللي جابني هنا.. بس بصراحة راجل.. السجن هنا أرحم من قبو جوزك، أخوكِ رحمني منها.
جابتـه حوراء بصدمة:
- انت بتقول إيه؟ إياد عمره ما يعمل كدا في والده.
مد عبدالقادر يده ليلمس رأس حوراء ليجد قبضة حديدية تقبض على يده بقوة، ولم يكن سوى ريان والذي هتف بصوت هادئ مخيف:
- معتقدش إن عايز إيدك التانية تبتر برضه.
نظرت حوراء إلى يده الأخرى لتتسع عينيها بذعر وهي تراها مبتورة بالفعل إلى المعصم.
شهقت وهي تضع كف يدها على فمها، ليقهقه عبدالقادر بقوة وسحب يده من يد ريان الذي تركها بتقزز.
وهتف عبدالقادر بحقد وتوعد:
- صدقني هتندم على اللي عملته انت والمحروس أخوها وصحابك اللي بيوصوا الشرطة عليا، بالأخص اللي اسمه بيجاد دا، صدقني هتندموا كلكم.
أجابه ريان بهدوء وبرود شديد:
- وإحنا مستنيين الوقت دا.
كانت حوراء في حالة صدمة مما رأت وسمعت.
لا تصدق أن الذي يقف أمامها هو والدها.
نعم، لقد فعل الكثير من الأشياء السيئة بحقهم، ولكن شاءت أم أبت فإنه لا يزال والدها.
ملامحه تنم على الشر وعيناه تشع حقداً وكراهية ليس لزوجها فقط، بل ولها أيضاً رغم أنها لم تفعل له شيئ.
أردف ريان بهدوء وهو يمسك يدها:
- يلا.
سارت معه حوراء بصمت وصدمة، لم تشعر بشيء سوى بالسيارة وهي تتحرك مبتعدة من أمام ذلك المبنى.
نظر لها ريان بطرف عينه، فحدث ما كان يتوقعه ومن الممكن أن يتحول الأمر إلى الأسوأ.
هتفت حوراء بهدوء وهي تنظر للسائق:
- على ڤيلا إياد.
علم ريان أن الأمر سيزداد سوءاً الآن، فهـدوءها هذا لم يكن سوى هدوء ما قبل العاصفة.
خرج بيجاد وهشام من قصر الذئب بعدما راضى هشام كيان ليلتقوا بآسر على بوابة القصر.
ليردف آسر بضحك:
- والله إحنا لو متفقين نتقابل مش هيبقى كدا.
ابتسم له هشام بهدوء.
ليردف بيجاد بمكر وهو ينظر إلى هشام بطرف عينه:
- إيه رأيكوا نروح عند إياد.
رمقه هشام وعلم ما يدور في ذهنه، ليهز رأسه بيأس منه.
ليردف آسر سريعاً:
- آه يلا.
وصعد كل منهم في سيارة بيجاد وانطلقوا نحو ڤيلا إياد وهم لا يعلمون ما ينتظرهم هناك.
دلفوا إلى الداخل وهتف بيجاد بصوت مرتفع:
- إياد أين أنت يا جعفر.
خرج إياد من مكتبه وهو يضحك على حديثه هاتفا:
- حرام عليك ملقيتش غير جعفر.
أجابه هشام بضحك:
- متقلقش هو اسمه أبا جهل.
قهقه إياد بقوة واردف وهو يشير على المقاعد:
- طيب اتفضلوا تشربوا إيه.
أجابه آسر هاتفا بمرح:
- والله انت أبو الكرم، انت الوحيد اللي بروح عنده بيقولي تشرب إيه أو تاكل إيه، عشان كدا عايز قهوة بس أنا اللي هعملها.
أجابه إياد بمرح:
- طالما إنك مُصر، المطبخ من هنا.
وأشار له ناحية المطبخ، ليضحك بيجاد واردف:
- اتفضل بقى اعمل 4 قهوة.
قاطعه إياد هاتفا:
- لا أنا كابتشينو.
أجابهم آسر بغيظ:
- اتوحم منك ليه.
قهقه إياد بشدة على حديثه الذي أصابه بالدهشة.
بينما جلس بيجاد وهشام الذي هتف ببرود:
- يلا بسرعة يا آسر بجد الواحد محتاج قهوة.
أجابهم آسر بمكر:
- وماله، أحلى قهوة وكابتشينو كمان.
وتوجه نحو المطبخ، بينما هتف إياد سريعاً وهو يهم باللحاق به:
- المجنون صدق يا ابني تعالي، أنا هعملهم.
أمسكه بيجاد من يده وهتف ضاحكاً:
- والله لهو اللي يعمل، اقعد.
جلس إياد وهو يضحك وكان ظهره للمطبخ، حيث لا يرى من يدلف أو يخرج.
في الأعلى في غرفة الأميرات.
أردفت آية بجوع:
- أريب أنا جعانة.
أجابتها أريب بضحك:
- واعملك إيه يا أختي على أساس بنعرف نتزفت نطبخ إحنا من غير إيدو نموت من الجوع.
ضحكت آية بخفة لتردف وهي تنهض:
- هروح أشوفه يعملي حاجة آكلها.
أردفت أريب وهي تركض قبلها:
- اللي يوصل المطبخ الأول هيطلب منه الأكل على مزاجه.
وركضت لخارج الغرفة لتضحك آية وخرجت خلفها، بينما أريب كانت تركض بسرعة لدرجة أنها لم تلاحظ أن إياد يجلس مع أحد ولم ترهم من الأساس ودلفت إلى المطبخ على الفور.
بينما الشباب يتحدثون وآية تترجل الدرج بهدوء، سمعوا صوت أريب وهي تصرخ ليفزعوا جميعاً.
ونهض إياد كمن لدغته عقرب ورأى آية وهي تسرع في خطواته.
ليقترب منها هاتفاً بقلق:
- في إيه؟
- معرفش، أريب دخلت المطبخ وصوتت.
دلف إياد سريعاً المطبخ ليرى أريب توجه السكينة نحو آسر الذي يقف ناظراً لها ببرود.
ليقترب منها إياد سريعاً وهو يردف:
- أريب أنتِ بتعملي إيه هنا؟
هتفت أريب بحدة وهي توجه السكينة نحو آسر:
- الشخص دا دخل المطبخ إزاي وبيعمل إيه أصلاً.
أمسك إياد السكينة منها ووضعها على الرخام وأمسك بيدها بحنان وخرج بها.
بينما في الخارج كان هشام ينظر إلى آية، ليلكزه بيجاد وهو يردف بهمس:
- وربي لو شافك هنطلع محملين على الأكتاف، وآسر الله يخربيته لو زعل التانية يشهد على نفسه.
توجهت آية نحو أخيها وشقيقتها وهتفت بقلق:
- في إيه؟
أجابها إياد بحنان:
- مفيش يا أميرتي، اطلعوا فوق دلوقتي.
أومأت له آية، بينما صعدت أريب إلى الأعلى.
لتقترب آية من إياد وهتفت بجوار أذنه:
- أنا جعانة.
ابتسم لها إياد بحنان وهتف بهمس:
- حاضر، نفسك في إيه وأعملهولك؟
أجابته بوجه طفولي أشرك الذي يقف بعيداً يتابع كل تحركاتها:
- أي حاجة، أنا جعانة قوي.
يضحك إياد بخفة هاتفاً:
- عيوني، اتفضلي وهحضرلك أكل وأجيبه لحد عندك.
أومات له وصعدت إلى الأعلى، ليدلف إياد إلى المطبخ مجدداً ليرى آسر يكمل صنع القهوة.
ليقف بجواره بعدما أخرج بعض الخضروات وقام بتقطيعها بسرعة ومهارة.
لينظر له آسر وهتف بمرح:
- لو معرفتكش أقول إنك طباخ.. بس إيه جوعت مرة وحدة.
ضحك إياد مردفاً:
- لا لأميرتي.
أوما له آسر وهتف بمرح:
- لو ملحقتنيش كان زمانكم واقفين قدام أوضة العمليات مستنيين الدكتور يطلع السكينة.
ابتسم له إياد ولم يتحدث، فهو لم ولن يتحدث عن أميراته لأحد.
لينتهي آسر أولاً وخرج للشباب، لينتهي بعده إياد ووضع الطعام على صينية صغيرة وخرج بها من المطبخ وصعد بها إلى الأعلى.
أعطاها لآية وأخبرهم بأن لا يهبطا إلى الأسفل وعاد هو لهم.
أخذ كل منهم كوبـه، وما إن ارتشفوا أول رشفة حتى بصقوها بتقزز وهم يشعرون بملوحتها الشديدة.
قهقه آسر بقوة مردفاً وهو يرتشف من قهوته والتي وضع بها سكر:
- إيه لو ناقص ملح قولولي ومتقلقوش، إياد عنده ملح كتير.
أردف بيجاد بغيظ:
- وطبعاً قهوتك فيها سكر.
أوما له آسر، لينهض بيجاد وأخذ منـه كوبـه فجأة مردفاً:
- شكراً على القهوة.
ضحك إياد مردفاً:
- جدع يا بيجاد، وأنا هعمل ليا ولهشام وهو لا.
ونهض متجهاً نحو المطبخ، ليضع آسر وجنته على كف يده مردفاً:
- يعني أنا اللي عديت من غير قهوة في الآخر.
جاء لهم إياد ومعه ثلاث أكواب مردفاً:
- صعبت عليا أهو، قهوتك.
أردف آسر بطريقة مضحكة:
- يارب يا إياد تتجوز اللي بتحبها.. بس أنت بتحب.
نظر له إياد بطرف عينه وصمت.
ليردف بيجاد:
- العب، مين دي اللي أمها داعيالها.
أجابه إياد بهدوء:
- اشرب قهوتك يا بيجاد.
بعد وقت.
دلت حوراء إلى الڤيلا وخلفها ريان الذي يكتم ضحكته بصعوبة على غضبها الذي زادهـا جمالاً ولطافة.
بالنسبة له.
نهض إياد سريعاً فور رؤيته لها، بينما استشعر البقية من ملامحها بأن هناك شيئ سيئ سيحدث.
هتف إياد بقلق:
- مالك يا أميرتي.
أجابته حوراء بهدوء، فهي لا تستطيع التحدث معه بما تشعر به من غضب:
- بابا بيعمل إيه في السجن.
تغيرت ملامح إياد، ليردف بيجاد وهو يحمحم وينهض عن:
- احم.. بعد إذنكوا صبا بتتصل عليا.
نظرت له حوراء بحدة مردفة وهي تشير له:
- اقعد مكانك.
نظر لها بيجاد ثم نظر إلى ريان خلفها، ليراه يتكئ على الحائط وهو يكبت ضحكته، ليجلس وهمس لهشام:
- إحنا إيه اللي جابنا.
هتف إياد بهدوء:
- عبدالقادر في السجن بسبب أفعاله يا أميرتي، محدش اتبلى عليه، وأصلاً الشرطة من زمان بتدور عليه، أنتِ ناسيه اللي عمله وكان بيعمل كدا مع بنات كتير، دا غير الحاجات اللي بيتاجر فيها.
- مهما كان دا والدنا يـ..
قاطعها وهو يردف بصرامة طفيفة:
- والدنا مات من زمان وياريت تفهمي دا.
قرر بيجاد التدخل وهتف بهدوء:
- يا ملكة، دي المخابرات نفسها جاتلها مهمة بالقبض عليه، يعني إياد معملش حاجة غير إنه ساعد القانون، فأخذ حق كل بنت أُنتهك عرضها بسببه، وأخذ حق كل أهل خسروا أولادهم بسبب المخدرات اللي بيتاجر فيها.
هتفت حوراء بشراسة:
- أنا عارفة كل دا وعارفة إنه يستحق السجن ومش معترضة على دا برضو، بس بأي حق توصوا الشرطة عليه علشان يعذبوه بالطريقة البشعة دي ويقطعوا إيده.
أجابه بيجاد بهدوء وهو متفهم لحالتها:
- يا أختي، دا عقاب طبيعي لـ.
قاطعته وهي تردف بغضب:
- مش عايزة مبررات تافهة.
نظر لها إياد بحدة طفيفة لطريقة حديثها، لتزفر حوراء بهدوء وهي تستغفر ربها.
وهتفت وهي تحاول أن تتمالك أعصابها:
- جاوبني بأي حق توصوا الشرطة عليه.
نهض هشام وهتف بصرامة لا تقبل النقاش وأعين غاضبة:
- بحق الناس اللي اتدمرت وخسرت حياتها بسببه.. بحق كل بنت اتدمرت نفسياً وجسدياً بسببه.. وكمان بحق كل أم وأب اتحرق قلبهم على بنتهم وابنهم اللي ضاع بسبب المخدرات، ياريت تتفهمي دا، واعذريني بس حابب أقولك إن مهما عملتي محدش فينا هيرحمه وهياخد العقاب اللي يستاهله.
وقف أمامها إياد ووضع كف يده على وجنتها وهتف بحنان:
- دا عقابه في الدنيا يا أميرتي وقضي الأمر، ياريت تتقبلي دا وتنسي عبدالقادر نهائياً وعيشي حياتك ومتفكريش باللي حصل أو اللي هيحصل وسيبي كل حاجة على ربنا.. وعبدالقادر هيتحول من قاضي الدنيا إلى قاضي السماوات والأرض حيث لا يظلم عنده أحد.
نظرت له حوراء بحزن، ليبتسم لها إياد بطمأنينة.
لتنظر نحو الدرج حيث هتفت آية بفرحة:
- حوراء.
واقتربت منها بسرعة واحتضنتها وهي لا تلاحظ الأجواء المشحونة بالتوتر.
لتعانقها حوراء بهدوء وابتسمت لها لتمسك بيدها وهتفت برقة:
- أنا لما ماما أمينة قالت إنها سامعة صوتك مصدقتش، تعالي عايزة أشوفك.
وأخذتها وصعدت إلى الأعلى، لـيجلس بيجاد على المقعد وهو يزفر هاتفاً:
- الحمدلله عدت على خير.
هتف ريان وهو يتقدم نحوهم بعدما كان يأخذ دور المشاهد فقط:
- لسة العاصفة في القصر.
أردف بيجاد بضحك:
- ربنا معاك.
جلس إياد معهم وهتف بتساؤل:
- هي عرفت إزاي؟
قص له ريان ما حدث.
ليردف هشام:
- آسر مريح راسه بيشرب في القهوة وكإنه بيتفرج على فيلم.
أجابه آسر بهدوء:
- وأنا مالي يا عم، دي بصت لبيجاد وكانت هتقتله.
ضحك ريان بخفة ليردف بيجاد بغيظ:
- مبسوط أوي أنت.
أردف إياد مغيراً مجرى الحديث:
- حصل خير، تشرب إيه يا ريان.
أشار له ريان بالنفي.
ليردف آسر بمرح:
- كرمك زاد يا إياد.
تجلس في غرفتها تتحدث مع ابنة عمها باللغة التركية والتي اشتاقت لها بشدة، بينما كانت تتبادل معها ليان الحديث بلغتها الروسية.
قاطع حديثهم صوت رنين هاتف كيان والتي نظرت له لتتحول نظرتها إلى التوتر وهي تنظر إلى ليان التي يظهر على ملامحها التساؤل.
هتفت ليان بتساؤل:
- مين يا بنتي.
نظرت لها كيان وهتفت ببعض التوتر:
- لا دا رقم وأنا مبحبش أرد على أرقام.
أجابها ليان ببساطة:
- افترضى حد عايزك في شغل أو حاجة.
هزت كيان رأسها بالرفض ونظرت إلى الرقم بتوتر وهي تلعنه بداخلها لإصراره في الرنين هكذا.
التقطت ليان الهاتف سريعاً بعدما لاحظت توتر الأخرى، لـتنـهض كيان سريعاً وهي تردف بالتركية:
- Ver bana telefon 'Lien'.
(أعيدي لي الهاتف ليان)
أجابتها الأخرى بالروسية بأستفزاز:
- Нет, я не буду делать это Я хочу знать, кто он.
(لا، لن أفعل. سأعلم من هذا أولاً.)
وقامت بالرد على المكالمة وفتحت الإسبيكر ليأتي صوت رجولي ذو بحـة خاصة وهو يردف بقلق:
- صغيرتي هل انتي بخير.
هتفت ليان بضحك:
- مين اللي بيتكلم بالفصحى دا.. تلاقيه هارب من قناة شباب المستقبل.
ضربت كيان جبهتها بكف يدها، بينما علم زيد أن هناك أحد آخر معها ليردف بجـدية:
- من أنتِ!
هتفت ليان وهي تكبت ضحكتها على طريقة حديثه وهتفت بمرح:
- أنت اللي مين يا جدعه.
هتفت كيان سريعاً:
- هاتي الفون يا ليان واقفلي كفاية كدا.
أردفت ليان وهي تبعـد الهاتف عنها:
- لا عايزة أعرف مين دا.
= أنا زيد زوج صديقتك بالمستقبل، هل تكرمتي يا آنسة وأعطيتي لها الهاتف، أريد التحدث معها.
اتسعت عيون كيان واحمرت وجنتيها، بينما هتفت ليان بمكر:
- أوه، قلتلي زيد.. زيد الرباعي مش كدا.
أجابها بهدوء:
- أجل.
جلست ليان على الفراش وهي تنظر إلى كيان بمكر، بينما تنظر لها الأخرى بخجل وهتفت بلؤم:
- طيب لو سمحت يا أستاذ زيد، بما إنك عارف إنها صديقتي وكدا، فحابـة أتكلم معاك شوية.
= حسناً، ولكن أين هي فإنـا لا أسمع صوتها.
أشارت لها كيان سريعاً بالنفي.
لتردف ليان:
- لا هي موجودة بس في الحمام.
شهقت كيان بخجل ونظرت إلى ليان بحدة، فما هذا الذي تتفوه به تلك الحمقاء.
أشارت لها ليان بكتفيها بمعنى أن "هذا لا يهم".
وهتفت:
- طيب يا أستاذ زيد، انت بجد هتتجوز كيان.
= بالتأكيد.
كان هذا رد تلقائي وسريع من زيد، لـيتصاعد الخجل لدى كيان، لتشير لها ليان بالجلوس بجوارها.
لتتقدم منهـا كيان وجلست بجوارها تتابع الحديث بصمت.
أسترسل الحديث بين ليان وزيد، حيث هتفت ليان بمكر:
- ليه هتتجوزها.
= حسناً، ليس لأنني أحبها.
ضيقت ليان بين حاجبيها ونظرت إلى كيان بإستغراب، ليفاجئها رد زيد وهو يكمل:
- لقد تجاوزت هذه المرحلة، يمكنك القول بأنني متيم بها.
ابتسمت ليان ورمقت كيان بخبث وهتفت:
- طيب وإمتى هتيجي تتقدملها.
أردفت كيان بهمس:
- كفاية يا ليان اقفلي.
أشارت لها ليان بأن تصبر قليلاً، بينما استمع زيد إلى همسها ليبتسم بخفة، وعلم أنها كانت بجوارها طيلة هذا الوقت.
ليردف زيد بصدق وعشق ظهر على صوته:
- قريباً، قريباً جداً، وعد لكِ يا صغيرتي بأنني سأجعلكِ ملكي في أقرب وقت.
أردفت ليان بحرج، فهو لا يخجل من إظهار عشقه لها أمام أي أحد:
- احم.. اتفضل كلمها.
وأعطت الهاتف لكيان وخرجت سريعاً، لـتردف كيان بغضب تخفي به خجلها:
- انت إزاي تقول الكلام دا يا زيد، ولي بتتصل أصلاً؟ افترض أبويا رد عليك.
قاطعها وهو يردف بهدوء:
- لا بأس، فأنا من الأساس أريد التحدث معـه، وأنـا لن أخجل من حبي لكِ يا صغيرتي، أنا أشعر بالفخر لأنكِ حبيبتي.
صمتت كيان بخجل، ثم هتفت بهدوء غاضب ممزوج بالخجل:
- بس انت أحرجتني قدام ليان.
= أنا أعلم أنها صديقتك وليس من المفترض أن تخجلي، صغيرتي.
- طيب اتصلت ليه.
هتفت بها كيان وهي تتجاهل حديثه الذي يشعرها البخجل الشديد.
ليردف زيد بمكر:
- ألم تشتاقي لي؟
اتسعت عيون كيان وهتفت بسرعة:
- لا.
= لكن أنا فعلت، اشتقت لكِ كثيراً.
هتف بها بهدوء، لتتسارع نبضات قلبها وقضمت شفتيها بخجل.
ابتسم زيد على الناحية الأخرى وهو يتخيل هيئتها الخجولة هذه، لـيقاطعه صوت طرقات على باب المكتب، ليأمر الطارق بالدخول باللغة الإيطالية.
شعرت كيان بنيران تشتعل بداخلها وهي تستمع إلى صوت أنثوي رقيق تتحدث معه بالإيطالية، واستمعت إلى كل كلمة قالتها.
حيث كانت تلك السكرتيرة الخاصة بـ زيد وتخبره بأن هناك بعض الأوراق تحتاج لأمضته وغادرته.
هتفت كيان بغيظ:
- مين دي.
أردف زيد بهدوء وهو يرتب الأوراق أمامه والسماعة بأذنه:
- إنها السكرتيرة الخاصة بي، لمَ؟!!
هتفت كيان وهي لا تعلم لما تشعر بالغضب:
- لا ولا حاجة.
ثم أكملت بتردد ولم تستطع كبح سؤالها الأحمق:
- هي حلوة؟
استشعر زيد شيئاً في حديثها، لـيتـرك الورق وهتف بتركيز:
- هل تريدين الحقيقة؟
- أيوا.
= نعم، وكثيراً، فأنا أهتم بمظهر الشركة، وكونها مساعدتي الخاصة فهي واجهة للشركة.
قضمت كيان شفتيها وهتفت بغيظ مكتوم:
- وماله حلو إنك تهتم بمظهر الشركة.
ابتسم زيد واردف:
- نعم، أعلم هذا، لهذا هي مساعدتي، فجمالها شديد.
صمتت كيان ولم تعقب على حديثه، بينما شعرت بالحزن والضيق لحديثه ولم تستطع تجاهل هذا الشعور السيئ الذي أصابها من حديثه عن تلك الفتاة.
أردف زيد بهدوء:
- صغيرتي.
أجابته كيان بحدة وبعض الحزن:
- متقولش صغيرتي، انت بتكلمني ليه أصلاً.
اتسعت ابتسامة زيد على الناحية الأخرى، واستشعر غيرتها والتي جعلته في قمة سعادته، ليردف بحنان:
- لأنكِ صغيرتي وحبيبة قلبي وأجمل الجميلات.. لم أقصد إزعاجك، كنت فقط أريد التأكد من شيء، ولن أنكر أن المساعدة بالفعل جميلة، ولكن أنا لا أراها من الأساس، فهناك صغيرتي عمت عيناي عن بنات حواء.. أنتِ فقط، وماتت النساء من بعدك.
ابتسمت كيان.
لـيردف زيد:
- أتعلمين شيئاً.. لو اعترض أخاكِ طريقي سأختطفك.
ضحكت كيان بخفة وأردفت هي الأخرى بثقة:
- متقدرش، أبويا خلال دقائق يقدر يوصلني.
أجابهـا الآخـر بثقـة أكبـر:
- ليس معي يا صغيرتي، لأنني سأخفيكِ ولن يستطيع الوصول لكِ، ولو كلفه الأمر أعوامه.
هزت كيان كتفها وهتفت:
- لو وديتني كوكب تاني برضه هيوصلني.
مر اليوم بسلام بعد مشاجرة عنيفة بين الذئب وزوجته، لينتهي الأمر بمراضاتها واستطاع احتوائها وامتصاص غضبها.
- هما موصلوش ليه لحد دلوقتي.
هتف بها أيان وهو يتحرك ذهاباً وإياباً.
لـيردف أيـهم بهدوء:
- اهدي يا زفت، قولنالك خلال دقائق ويكونوا هنا.
أجابـه غيـث بتوتر:
- أنا مش عارف ليه شايل همك وهم نقاء، وانت قاعد بهدوئك ده.
نظر له أيـهم، ثم نظر إلى نقاء التي تمكث بين ذراعيه مردفاً:
- متشيلش هم حاجة، كله هيعدي.
استمعوا إلى صوت السيارات بالخارج، لـيردف بيجاد الذي يقف ممسكاً بيد زوجته:
- أهو وصلوا.
وقف ريان وهشام وباقي الشباب، حتى إياد يستقبلون عائلة الكيلاني، بينما الفتيات يقفن بعيداً عنهم قليلاً.
دلف الكيلاني وخلفه أبناؤه الثلاثة وزوجاتهم ووالدة غيث عبير.
تقدم منهـا غيث واحتضنها بإشتياق، لتبادله هي العناق، بينما احتضنت ليان وأيان ليلي وحسين.
رحب ريان بالجميع، وكذلك هشام وبيجاد.
وكذلك الفتيات.
ولاحظت صبا نظرات والدة زوجها لها، ولاحظت أيضاً عدم اكتراث بيجاد بها وأنه لم يكلف نفسه بالنظر لها حتى، وهذا غير نظرات الحقد من تلك السمراء والتي كانت موجهة نحو ريان وزوجته.
وقد عرفهم أيـهم على نقاء وأخبرهم بأنه تكفل بها وانتهى الأمر، لينتهي الأمر بموافقة الجميع بعد محادثة حادة مع أيـهم وعمه مصطفى والذي لم يتقبل الأمر سريعاً، على عكس حسين الذي لم يتفوه بكلمة واحدة معترضة على فعل ابنه، بل أيـده وأخبره بأنه فخور به، وكذلك ليلي والتي رغم شعورها بالحزن لأن ابنهـا يرفض الزواج والإنجاب إلا وأنها لم تستطع الاعتراض وهي ترى ابتسامة ابنهـا والتي عادت أخيراً مجدداً من بعد موت زوجته.
أردف بيجاد سريعاً:
- بما إن الموضوع كدا، يبقى لازم نروح دلوقتي لأني همشي بالليل للمهمة.
أيده الجميع وتوجهوا جميعاً نحو وجهتهم والتي أتـوا من أجلها من الأساس.
بعد وقت.
كان يجلس الجميع أمام سيف الدين الذي رحب بهم وكان بانتظارهم، بينما دلفت الفتيات إلى قمر.
سار الحديث بشكل جيد مع عائلة الكيلاني وسيف الدين في طلب يد قمر لأيان.
أغاظت قمر بشدة عند علمها بهوية العريس المتقدم، وبصعوبة تم اقناعها بأن تخبرهم بأن يجب عليها التفكير أولاً وليس الرفض على الفور كما كادت أن تفعل.
غادروا بعد وقت وبعض الاتفاقات التي حدثت بين العائلتان.
وكان أيان يبتسم بسعادة وبلاهة وهو يقسم بأنها لن تصبح سوى له.
جاء المساء واحتلت معالم الجميع القلق والحزن وهم يودعون بيجاد.
كانت صبا تبكي بهيستيريا وخوف كبير، احتضنها بيجاد وهو يردف لها بجوار أذنها:
- علشان خاطري يا سمرتي، خليني أشوف ضحكتك.. صدقيني هرجعلك.
نظر لها ليراها تحاول إيقاف دموعها ولم تثبت كثيراً حتى انفجرت في البكاء مرة أخرى.
احتضنها بيجاد ثم نظر إلى كيان التي تنظر له من بعيد ودموعها تغرق وجهها، وكذلك ليان.
ابتعد عن صبا بعدما أخبرها أن تتوقف عن البكاء لأجله، ونظر إلى كيان التي ركضت نحوه بسرعة ترتمي بين ذراعيه وهي تردف ببكاء وحزن:
- ارجعلي يا بيجو.
- راجعلك ياقلب بيجو.
وقبل فروة رأسها واحتضن ليان.
عاد إلى صبا وقبل وجنتها بعمق وهو يملأ عينيه برائحتها، ثم أردف وهو يرسم ابتسامة واسعة على وجهه وهو ينظر لحوراء:
- دعوة حلوة يا أختي العزيزة.
ابتسمت له حوراء مردفة:
- ربنا معاك وينصرك.
رفع يده إلى الأعلى ثم ودعهم وخرج من القصر، لـيرى الشباب ينتظرونه بالخارج لـيعانقهم جميعاً وهم يستمعون إلى حديثهم المشجع له، وبتوصيته بأن يعود لهم سالماً.
وقف أمام هشام وعانقه بقوة، لـيبادله هشام العناق وهو يجاهد على الثبات وهتف بغضب:
- خدش واحد يا بيجاد، وهخلص عليك.
ابتعد عنه بيجاد مردفاً بمرح:
- يا ساتر يا رب، انت بتتلكك علشان تخلص عليا.
ثم ربت على كتفه وهو يردف بهدوء ليطمئن صديقه:
- متقلقش، كله هيعدي على خير، هي مجرد مهمة مش حرب، وكلها 4 ليالي وأكون جيتلك زي القرد.
ثم توجه إلى ريان وعانقه بدون أن يتحدث.
ليردف بيجاد بهمس:
- خلي بالك منها.
أكمل ريان بهدوء:
- لحد ما ترجع بس.
ابتعد عنه، ليلاحظ ريان نظرة القلق والتي يراها لأول مرة بعين صديقه، لـيربت على كتفه وهو ينظر له بقوة، ليستمد بيجاد قوته منه، ثم غادر بيجاد تاركاً خلفه الكثير من القلوب الملتاعة عليه.
كانت آية تبكي بحزن على حال صبا، وكان إياد يحاول تهدأتها.
وحوراء وأريب تقفان بجانب صبا يهدئانها بحديثهما.
بينما كيان فكانت تحتضن والدها وتبكي بقوة حتى احمر وجهها، وليان تحاول التحكم بغصتها.
نهضت كيان بسرعة واتجهت نحو ريان الذي دلـف لتوه مع باقي الشباب وارتمت بين ذراعيه، لـيتلقفها الآخر بحنان واستطاع خلال وقت قياسي احتوائها وتهدئتها.
ثم أردف بقوة وملامح وجهه جامدة قوية كما اعتاد عليها الجميع:
- صبا هتفضلي هنا لحد ما بيجاد يرجع، وبراحتك إذا كنتِ عايزة أوضة لوحدك، أو تفضلي مع كيان أو ليان.
كادت صبا أن تعترض، ولكن هتف ريان بجمود:
- عرفيها أوضتها يا كيان.
أومأت كيان وأخذت صبا وصعدت بها إلى الأعلى.
لـينهض الكيلاني مردفاً:
- هنطلع نرتاح.
وبالفعل صعد الجميع وتوجه كل منهم إلى غرفة محددة.
وغادر إياد مع شقيقتيه تحت نظرات هشام الموجهة نحو آية وهو يشعر بالحزن لرؤيته لدموعها.
صعدت حوراء إلى غرفتها وغادر الشباب، وتبقي ريان وهشام فقط، والذى هتف بقلق جليّ:
- هي المهمة دي مع مين.
ربت ريان على كتفه مردفاً بطمأنينة:
- مج