تحميل رواية «السماء تشهد ايها الماجن» PDF
بقلم رضوى جاويش
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اندفعت راكضة على رصيف الميناء، تحاول اللحاق بالباخرة التي حجزت على متنها تذكرة للسفر لأوروبا في رحلة طويلة، بعيدا عن تلك الأماكن التي باتت تثير بها أوجاع ما عاد لديها القدرة على تحملها. كانت تلهث وهى تحمل تلك الحقيبة الثقيلة، في اتجاه ذاك السلم الذي يصعد بها لمتن السفينة العملاقة. وصلت لأعلى نقطة على سطحها وألقت بحمل حقيبتها أخيرا، وتوقفت تشير في لهفة لشخص ما تودعه. كانت نهى ابنة عمتها التي تنتظرها بالأسفل، تلوح لها متحمسة وهي تتقافز صارخة في مزاح: استمتعي كثيرا بوقتك، ولا تنسي مغازلة الشباب الأ...
رواية السماء تشهد ايها الماجن الفصل الحادي عشر 11 - بقلم رضوى جاويش
هبطت تلك الطائرة الخاصة بموضع هبوطها بأحد المطارات، ليهبط منها آدم تتبعه حياة.
كان كل منهما لا يصدق أنه نجا وعاد للحياة المدنية من جديد.
كانت تتطلع حولها في اضطراب، لكن هو لم يكن يتطلع إلا إلى الفرصة الضائعة التي ذهبت مع الريح، ما أن صرخت وهو على أعتاب جنتها تلوح كالمجنونة لتلك الطائرة التي ظهرت بالسماء من العدم، والتي كانت مكلفة للبحث عنهما.
تمنى لو يعرف من أرسل تلك الطائرة وفي هذا التوقيت بالذات، حتى يقتص منه بأبشع الطرق المتعارف عليها والمجهولة على حد سواء.
هبطوا جميعًا ليجدوا عدة سيارات في انتظارهم.
"من هؤلاء؟" تساءل في نفسه، وجاءت الإجابة على لسان ذاك الرجل الذي ترجل من داخل إحدى السيارات هاتفا في ترحاب بدا مصطنعًا له:
"حمدًا لله على سلامتك يا حياة. كم سيسعد جدك المسكين بعودتك."
هتفت حياة في لهفة:
"هل جدي بخير؟"
تنهد مهني هاتفا في تأثر، خيل لأدم أنه لا يحمل أي لمحة شجن حقيقية:
"سيكون بخير ما أن يراكِ، ويتأكد أن طفلته الغالية بأفضل حال."
وأخيرًا، وكأنما انتبه مهني لوجود آدم، هتف متسائلاً:
"من هذا؟"
كادت أن تجيب حياة، إلا أن آدم هتف مؤكدًا في ثقة:
"أنا زوجها."
تطلعت إليه حياة، وكذا مهني الذي نقل ناظريه إلى حياة متسائلاً. إلا أن آدم هتف به في حنق:
"لا أعتقد أن الأمر يحتاج إلى تأكيد من قبلها. نعم، أنا زوجها. هل لديك مانع؟"
هتف مهني في برود:
"على الإطلاق. ولما أمانع أمرًا خاصًا كهذا؟ هذا شأنها."
ثم أشار للعربة هاتفا:
"تفضلا."
صعدا العربة، فتطلعت حياة إلى آدم هامسة في ضيق:
"لما أخبرته بأنك زوجي؟ نحن..."
قاطعها هامسا في حزم:
"نحن ماذا؟ نحن زوجان أمام الله. هل تنكرين؟"
همست باضطراب:
"لكن... أقصد أنه..."
لم تجد ما يمكنها قوله، فالأمر برمته لا يُصدق. التزمت الصمت حتى وصلا لبوابة تلك الفيلا العتيقة الأشبه بالقصور القديمة.
تطلع آدم حوله في استحسان، بينما انصبت نظراتها عليه وعلى ردة فعله تجاه تلك الفخامة التي يطالعها في كل شبر حوله.
توقفت السيارة أمام باب الفيلا الداخلي، والذي انفرج فجأة لتندفع من الداخل ابنة خالتها نهى لترتمي بأحضانها باكية ما أن طالعها محياها، صارخة في سعادة ممزوجة بالدموع:
"حياة.. أخيرًا أنتِ هنا وعلى قيد الحياة. كاد أن يموت جدي حزنًا عليكِ. لم يصدق أبدًا أنكِ رحلتي هكذا. أرسل عدة طائرات للبحث عنكِ، وأخيرًا ها أنتِ هنا. كم افتقدتكِ!"
هتفت حياة باكية في شوق:
"وأنا افتقدتك كثيرًا وأموت شوقًا لرؤية جدي."
همت حياة بالاندفاع للداخل، إلا أن نهى همست متطلعة لآدم متسائلة في فضول:
"من هذا يا حياة؟"
تقدم آدم نحوهما في ثقة ما أن استشعر أن الكلام يدور حوله.
مَدّ كفه للتحية هاتفا:
"أنا آدم عبدالخالق، زوجها."
هتفت نهى في تعجب متطلعة لحياة:
"زوجكِ؟"
همست حياة باضطراب:
"نعم.. إنه.. هو."
مالت نهى نحو حياة غير مدركة لاضطرابها، هامسة في عبث كعادتها:
"إنه رائع.. لقد تحسن ذوقكِ كثيرًا."
أطلقت حياة سبابًا داخليًا لمزاح ابنة عمتها، والذي يأتي دوما في غير موضعه. واندفعت باتجاه حجرة جدها الذي اشتاقته كثيرًا، ليلحق بها كل من نهى وآدم وكذا مهني.
دفعت حياة باب الغرفة في لهفة، لتجد جدها السعيد ممددًا على فراشه حيث كان ينتظرها في لهفة. تنبهت ممرضته التي لا تفارقه لتخرج من الغرفة، تاركة حياة ومن تبعها. كانت تتطلع للجسد المسجى لجدها، والذي وجدته لمرضه وتلك الأدوية التي يتناولها، وكذا بحكم سنه قد أخذته سنة من النوم فغفا رغما عنه.
اقتربت حتى جلست على طرف الفراش في هدوء، وانحنت هامسة بالقرب من أذنه:
"جدي.. أنا حياة. أنا هنا. لقد عدت."
وكأنما كانت كلماتها أشبه بكلمة السر. انفرجت عيناه في تؤدة متطلعًا إليها في عدم تصديق، هامسا في سعادة:
"حياة؟ هل هذا أنتِ حقًا، أم أنني أهذي؟"
مدت كفها تتلقى كفه بين كفيها هامسة والدموع تنساب على خديها:
"نعم.. أنا حياة يا جدي. اطمئن، أنا بخير."
فتح العجوز ذراعيه لها لتندفع على صدره تبكي في اشتياق لدفء أحضانه التي افتقدتها كثيرًا.
تطلع العجوز للأشخاص الذي ظهروا لتوهم في مجال رؤيته. ووقعت عيناه على نهى ابنة ابنته الراحلة، وكذا مهني محاميه ومدير أعماله. وأخيرًا ذاك الشاب المجهول الذي كان يقف بثبات.
همس متسائلاً وهو يشير برأسه لآدم الذي كان يبدو في ملابسه المهترئة من جراء استخدامها طوال مكوثه بالجزيرة، وكذا لحيته الذي استطالت أشبه بأحد قطاع الطرق:
"من هذا يا حياة؟"
رفعت رأسها عن صدره، وامسكت دموعها في اضطراب، ولم تجب. ليهتف آدم للمرة الثالثة على نفس السؤال الذي لم يجب غيره منذ عودته:
"أنا زوجها سيدي."
أعاد السعيد ناظريه ليقعا على حياة هاتفا في سخرية لا يمكن إغفالها:
"وغد آخر تضيفينه للقائمة. ألم تكتفِ يا حياة؟"
أشاحت بناظريها بعيدًا في حرج ولم تجب. بينما انفجر آدم مقهقها مع تعجب الجميع وهتف في أريحية شديدة:
"وهذا لقب جديد آخر أضيفه أنا أيضًا للقائمة."
تجاهل السعيد مزاحه متسائلاً:
"متى حدث الزواج؟"
كادت أن تهتف حياة بحقيقة زواجهما، إلا أن آدم كان الأسرع كالعادة هاتفا:
"كان زواجًا عرفيًا، لكن ضاعت الأوراق في الحادث."
و..
قاطعه السعيد بإشارة من كفه، وتطلع للجميع مشيرًا للخارج، أمرًا:
"كلكم بالخارج."
وأكد مشيرًا لآدم الذي هم بتنفيذ الأمر مثلهم:
"إلا أنت.. فلتبق."
كانت حياة تعتقد أنها ستبقى بدورها، إلا أن جدها ربت على كفها هامسا:
"وأنتِ أيضًا يا حياة.. اتركيني لحالي مع هذا الآدم."
أطاعت حياة دون رغبة منها، تاركة جدها مع آدم وحيدًا. لكنها أذعنت للأمر وخرجت مغلقة الباب خلفها.
مر بعض الوقت والكل بالخارج في انتظار أمر جدها للعودة مرة أخرى لداخل الغرفة، التي أخيرًا انفرج بابها ليُشير لهم آدم بالدخول من جديد.
ما أن تراصوا جميعًا أمام جدها، حتى هتف أمرًا مهني:
"اذهب وأحضر مأذونًا لعقد قران حياة على آدم. هيا."
وأشار لنهى أمرًا:
"وأنتِ أكدي على الخدم تحضير الغرفة الرئيسية من أجل حياة وزوجها."
هتفت حياة في اعتراض:
"لكن يا جدي.. أنا.."
هتف جدها في حزم:
"أنتِ ماذا؟ ألم تتزوجا وكنتِ بمفردك وحيدة معه على جزيرة خالية من البشر لمدة أسابيع؟"
أومأت دون إجابة، لأنها لا تعلم من الأساس بما تجيب. ليستطرد جدها:
"إذن لا محالة من إشهار زواجكما."
ابتلعت لسانها، وما عاد يمكنها الاعتراض على ما أقره جدها. ليستكمل أوامره ونواهيه هاتفا:
"هيا اذهبي لتتحضري لعقد قرانك."
وأشار لآدم هاتفا بلهجة صارمة:
"وأنت.. أخبر مهني أين يمكنه الذهاب ليحضر هويتك الشخصية لعقد القران، ولتبقى هنا حتى يمكنك الحصول على زي مناسب من خزانة ملابس ولدي باهي والد حياة. فقد كان يماثلك تقريبًا في الطول والبنية. رحمه الله."
أطاع آدم دون أن ينبس بكلمة، بينما تحرك الجميع مغادرين الغرفة. وقد شعر أن حلمه الضائع في امتلاك حياة البارحة قد عاد ملك يديه من جديد.
***
تم عقد القران في هدوء داخل غرفة الجد، ولم تطلق الخادمة إلا بعض الزغاريد على استحياء فرحًا لإتمام العقد.
انسحب مهني بالمأذون راحلاً، وكذا نهى إلى حجرتها. بينما ظلت حياة تقف على استحياء لا تدري ما عليها فعله. ليهتف جدها بها أمرًا:
"هيا.. اذهبي بزوجك لحجرتكما. زواج مبارك."
وأشار لآدم هاتفا بلهجة صارمة:
"وأنت.. إياك وغضبي. فلو شعرت بأنك قد أسأت بأي شكل لحفيدتي الغالية.. صدقًا لن أرحمك. لا يغرنك وهني، فأنا قادر تمامًا على ذلك."
أومأ آدم برأسه متفهمًا ولم ينبس بحرف، ليشير لهما الجد بالرحيل.
تحركا في اتجاه غرفتهما. كانت حياة تسير بأرجل متخشبة باتجاه الحجرة الذي تم إعداده لتشاركها مع ذاك الذي أصبح قدرها مؤخرًا، وأصبح زوجها منذ دقائق بزواج رسمي حقيقي.
فتحت الباب ودلفت للداخل، تاركة إياه خارجًا ولم تدعه للدخول.
ابتسم هاتفا وهو يدخل ورائها ويغلق الباب خلفه:
"أخيرًا."
انتفضت هاتفة متطلعة إليه في صرامة:
"أخيرًا ماذا؟"
اقترب منها، فاعتقدت أنه في سبيله لممارسة حيله الماجنة، إلا أنه تجاهلها تمامًا وألقى بجسده فوق الفراش دفعة واحدة هاتفا في سعادة:
"أخيرًا سأنام مرة أخرى على فراش وثير بعد ذاك الفراش من القش بكوخ الجزيرة."
على الرغم من الراحة التي اعترتها لمقصده، إلا أنها وللعجب شعرت ببعض الغضب لتصريحه ذاك. فهتفت في ضيق حاولت مداراته:
"فلتنعم به على اتساعه.. فأنا.."
انتفض مقتربًا منها هامسا بمجون:
"فأنتِ ماذا؟ كنتِ أكثر من راغبة البارحة، ونحن نلقي وعود الزواج وصيغته المقدسة."
همست تحاول السيطرة على ارتجاف صوتها:
"كان ذلك البارحة.. كانت هناك ضرورة.. والآن انتفت وما عاد زواجنا له أي هدف. وجدي لم يعقد قراننا إلا لأنك أخبرته أننا تزوجنا بالفعل، وكذلك لأنني بقيت معك فترة طويلة بالجزيرة وحيدة وأنا امرأة ولها سمعتها. هذا يعني شيئًا واحدًا، أن ذاك الزواج مجرد زواج مؤقت يمكن إنهائه بأي لحظة، وفي الوقت المناسب لي."
هتف ناظرًا بعمق عينيها هامسا في ثبات وبلهجة ساخرة كعادته:
"أي كان يا حبيبة جدك.. هذا زواج صحيح وأنا لي الحق في كل ما يشمله العقد من مزايا. وأنا لا أتنازل عن حقوقي أبدااا."
هتفت في حنق:
"أي حقوق؟ أنا لن أمنحك أي حق دون رغبتي، وجدي قادر تمامًا على التفاهم معك في هذا الشأن. أنا متأكدة أن بعض المال يمكن أن يجعلك تتغافل عن حقوقك المزعومة.. أليس كذلك؟"
كانت تعتقد أنه سيثور لكرامته أو حتى يغضب لما ترميه به من تهم ليس لها أدلة، لكنه على العكس تنهد في حيرة مهمهمًا:
"هذا العرض يحتاج لذهن صافٍ للتفكير، لكن الآن أنا بحاجة شديدة لنوم عميق على فراش وثير. تصبحين على خير يا بطتي."
هتفت بغيظ:
"لا تناديني بهذا اللقب الأحمق مرة أخرى!"
تمدد في أريحية ضامًا كفيه أسفل رأسه هاتفا:
"ومنذ متى أطعتك في أمر ما!؟ ثم أنا أدلل زوجتي كما يحلو لي.. يا بطتي."
ألقى باللقب الكريه مرة أخرى مغيظًا، واستدار مولياً ظهره كأنما يقطع أي فرصة في التواصل بينهما، ما جعلها تتجاهله بدورها وهي تتجه إلى تلك الأريكة الموجودة على الجانب الآخر من الحجرة لتتمدد عليها بدورها وتغرق سريعًا في نوم عميق افتقدته لليالٍ طويلة.
***
طرقات سريعة على باب حجرتهما أيقظتهما بالكامل ليستوعب كل منهما موضعه. اندفعت حياة لتفتح الباب غير عابئة بأنهما لا يزالا بملابس الأمس ولم يبدلاها.
انفرج الباب لتطالعها نهى باضطراب هاتفة:
"جدي متعب للغاية ويطلبكما."
انتفض آدم من الفراش ليلحق بحياة وهي تهرول لحجرة جدها. توقفا أمام الفراش ليطالعاه شاحب الوجه على نحو مخيف وأنفاسه تتابع في سرعة غير معتادة.
هتفت حياة وهي تجلس جواره على طرف الفراش، تضع له قناع الأكسجين تطمئنه رغم ذعرها:
"اطمئن يا جدي.. ستكون بخير."
هتفت نهى في حنق:
"لقد اعتذرت الممرضة التي كانت تلازمه عن مجيئها اليوم، والممرضة البديلة تأخرت كثيرًا فقد كان من المفترض تواجدها هنا منذ أكثر من ساعة. وطبيبه المعالج هاتفه لا يرد. سأتصل بالعم مهني ليتصرف."
هتف آدم معترضًا:
"لا اتصالات ولا انتظار للطبيب. سنذهب به للمشفى على وجه السرعة."
همس الجد في وهن من خلف قناع الأكسجين:
"لا داعِ."
هتف آدم مؤكدًا:
"بل هناك ألف داعٍ. هيا علينا الإسراع."
هتف آدم أمرًا نهى باحضار العربة أمام باب الفيلا، فأطاعته في سرعة، وأبعد حياة عن طرف الفراش الذي تسمرت عليه في هدوء رابطًا على كتفها مطمئنًا. وانحنى يحمل الجد الذي كان جسده خفيفًا واهنًا يدعو للشفقة.
اندفع به آدم في اتجاه العربة وخلفه حياة. أرقد آدم جسده بالمقعد الخلفي في هدوء، وجلست حياة جواره، بينما اندفع آدم خلف عجلة القيادة بجوار نهى التي كانت تحفظ الطريق إلى المشفى الذي وصلوا إليه في غضون الخمس دقائق.
صرخ آدم عندما وصل الاستقبال ليندفع الجميع باهتمام بالغ حاملين الجد لداخل المشفى للقيام باللازم. استقبلهم الطبيب المعالج بعد معاينته حالة الجد معتذرًا:
"أنا آسف لتأخري عن القدوم عندما استدعتني آنسة نهى. كنت بغرفة العمليات. أحسنتم صنعًا بإحضاره إلى هنا، فالوقت كان فارقًا بالفعل."
تطلعت حياة إلى آدم نظرة ممتنة، بينما هتف هو متسائلاً في اهتمام حقيقي:
"هل سيكون بخير؟"
أكد الطبيب:
"لقد تعرض لأزمات متتالية أثرت كثيرًا على وضعه العام في الفترة الأخيرة. بالمناسبة.. حمدًا لله على سلامتك سيدتي. لقد كان غيابك واحدًا من أسباب تأخر صحته. لكن ها قد عدتِ بخير ونرجو أن يكون ذلك حافزًا له ليعتني بصحته بشكل أفضل."
دمعت عينا حياة تأثرًا، ليستطرد الطبيب في مهنية:
"نرجو أولاً أن يمر الأمر بسلام. لو مرت الليلة على خير سيكون الوضع مطمئنًا. دعواتكم لأجله."
انصرف الطبيب لتنزوي نهى جانبًا في حزن، بينما انسابت الدموع على وجنتي حياة ولم تنبس بحرف واحد. ربت آدم على كتفها وهمس مطمئنًا:
"سيكون بخير بإذن الله."
وقفت تتطلع في تيه لجسد جدها المسجى على فراشه بين الأجهزة الطبية من خلف زجاج غرفة العناية المركزة، وهمست في وجع:
"ماذا لو رحل؟ كيف سيمكنني العيش دونه؟ إنه.. إن جدي بعد رحيل والدينا أنا ونهى في حادث السيارة المشؤوم ذاك، وهو كل حياتنا. لم يدخر وسعًا في إسعادنا بكل ما يملك."
ورفعت ناظراتها الدامعة إليه في هشاشة هامسة:
"أوتعلم؟ لقد كنت المفضلة له دومًا. لكنني بعد كل ما فعله لأجلي خزلته. أذقته مرارة ووجعًا لا يقل عن وجع رحيل والدينا. أشعرته أنه فرط في أمانتهما. ومع ذلك.. ظل دومًا هو الحصن.. هو الصرح الذي اختبئ خلفه من خطوب الدنيا ونوائبها. كان هو.."
وانقطع استرسال كلماتها لتشهق في وجع وبغصة عالقة بحلقها هامسة:
"كان الصديق الأوحد.. فماذا لو رحل؟ ماذا سيحدث لحياة من بعده إذا ما انهار صرح الحماية؟ سيهتك غطاء الستر.. سأموت حتمًا."
شهقت من جديد منتحبة ليجذبها نحو صدره لا واعيًا، ضامًا إياها لأحضانه مطبقًا عليها بذراعيه يود لو ينتزع ذاك الوجع من بين أضلعها، محلا إياه بفرحة لا تقدر. وهمس مؤكدًا في صوت متحشرج:
"سيكون بخير ولن يمسك سوء طالما أنا هنا. اطمئني."
ظلت تبكي بأحضانه لفترة، ولم يفلتها حتى بدأت تهدأ قليلًا. أجلسها على أحد المقاعد وأحضر لهما هي ونهى الباكية بدورها بعض المشروبات المنعشة حتى تهدأ كلتاهما.
قرر آدم عودتهما للفيلا وبقاءه هو بجوار جدهما السعيد، إلا أن حياة أبت الرحيل وأصرت على البقاء معه. وتحت ضغط تشبثها بالبقاء أذعن لطلبها لترحل نهى لتنال قسطًا من الراحة حتى يتم التبادل بينهما.
مرت الساعات كئيبة وثقيلة، ولا جديد يذكر في حالة الجد. كانت حياة قد غفت رغما عنها على أحد المقاعد، بينما ظل هو على حالة من الترقب لما قد يحدث، وخاصة بعد أن أخبره الطبيب سرًا أن الحالة لا تدعو للتفاؤل على الإطلاق.
اقترب منها مدثرًا إياها بسترة أبيها التي كان لا يزال يرتديها منذ البارحة. فتشبثت بها من بين همهمات غفوتها تضمها إليها، فاعتصر الوجع قلبه على هيئتها الباعثة للشفقة.
عاد لموضع وقوفه السابق يتطلع إلى الجسد الواهن عبر الزجاج، لتقفز إلى مخيلته ذكرى شبيهة وموجعة. دمعت عيناه رغما عنه لمرور طيف الحدث بمخيلته، إلا أنه استفاق فجأة منتفضًا على صوت صفير من جهاز ما بالداخل جعل الأطباء يهرعون للغرفة، لتنتفض حياة بدورها فزعة للحركة المرتبكة حولها، مندفعة تقف لجواره تتطلع من خلف الزجاج لمحاولتهم إنعاش قلب جدها الذي توقف عن النبض. يكاد يقف قلبها بدوره.
وما أن أدركت توقف الأطباء عن محاولة إنعاش قلبه حتى أيقنت أنها النهاية. اتسعت رقعة السواد أمام ناظريها، واضحت بحجم الكون، لتسقط فاقدة الوعي بين ذراعي المدعو.. زوجها.
***
مر العزاء في هدوء، وما أن أوشك على الانتهاء برحيل معظم المعزين، حتى طل شهاب الذي اندفع باتجاه حياة هامسا في مداهنة:
"البقاء لله. وحمدًا لله على سلامتك، فلم أعلم بعودتك إلا مع علمي بخبر الوفاة."
انتفضت حياة ما أن طالعها محيا ذاك الحقير هاتفة في حدة:
"ما الذي أتى بك إلى هنا؟"
هتف شهاب في هدوء:
"وكيف لا أكون بجوار زوجتي العزيزة في مثل ذاك الظرف القاسي؟"
هتفت بحنق:
"زوجتك؟ هل تمزح؟"
هتف شهاب في ثبات مقيت وابتسامة صفراء على شفتيه:
"أولم يخبرك جدك أني رددتك لعصمتي قبل انتهاء العدة عندما كنتِ بالمشفى؟"
تطلعت حياة إليه في صدمة ولم ترد. ليدخل آدم في تلك اللحظة وقد انتهى لتوه من توديع آخر المعزين من الرجال، ليعود لداخل الفيلا ليطالع ذاك المشهد الصاخب.
اندفع باتجاه شهاب متسائلاً في حدة:
"من يكون هذا؟"
هتف شهاب ساخرًا:
"عليّ أنا أن أسألك هذا السؤال؟"
هتف آدم في حدة من جديد:
"أنا زوجها. من تكون؟"
قهقه شهاب في سخرية لا تتناسب والوضع الراهن هاتفا:
"وأنا أيضًا للمصادفة العجيبة زوجها."
اندفع آدم محكمًا قبضتيه على ياقة قميص شهاب، يهزه متحدثًا إليه من بين أسنانه في غضب مكبوت:
"اسمع يا هذا.. أي كانت نوعية تلك الألاعيب القذرة التي تقوم بها، فهى لن تجعلني أتوانى عن قتلك بدم بارد ما لم تغرب عن وجهي اللحظة، ولا تريني إياه مرة أخرى ما حييت. هل فهمت؟"
اضطربت ثقة شهاب في قدرته على إحداث فارق ما بإعلانه ذاك الخبر الصادم، والذي سيجعله قادرًا على المكوث معها والاستفادة من كل هذا العز والفخامة، فهتف مدعيًا الحنق:
"زواجكما باطل.. فهي لا تزال زوجتي.. ولن أتنازل عنها ما حييت."
دفعه آدم بعيدًا قبل أن يتهور ويقوم بقتله بالفعل، هاتفا في ثورة:
"ارحل الآن قبل أن أنفذ تهديدي أيها الأحمق."
اندفع شهاب للخارج في سرعة، ليتطلع آدم لحياة التي كانت تقف كتمثال بلا حراك، وأخيرًا تطلعت إليه بدورها نظرة مفادها.. ألم أخبرك أن موت جدي سيزيح عنا غطاء الستر وسيجر علينا الكثير.
اندفعت للأعلى تاركة إياه يغلي غضبًا لظهور هذا الشهاب مدعيًا أنه زوجها، ما أثار بداخله مشاعر كفيلة بحرق الأخضر واليابس.
رواية السماء تشهد ايها الماجن الفصل الثاني عشر 12 - بقلم رضوى جاويش
١٢- معادلة صعبة
تأخر في الصعود لحجرتهما .. لقد تعمد ذلك حتى يترك لها وقتا تفرغ فيه مشاعرها دون تطفل منه او حتى تكليف نفسها ما لا تطبق بادعائها انها على ما يرام امامه حتى تظهر بمظهر القادرة والمسيطرة على الامور والتي يعلم تماما انها تتفلت من بين أصابعها..
فتح الباب في هدوء معتقدا انها راحت في سبات عميق لكن ما ان دلف للغرفة حتى وجدها فارغة ..
اعمل عقله للحظة واخيرا استنتج موضع وجودها فاتجه في تؤدة نحو حجرة جدها .. فتح الباب بحرص شديد ليطالعه جسدها متكوم على الفراش محتضنة مئزره المفضل والذي كان يحمل رائحته التي تشعرها بالامان الذي ولى برحيله ..
اقترب منها في حذّر ليجدها تغط في نوم عميق لكنها تشهق من خلاله ما بين الحين والآخر شهقات موجعة تؤكد انها كانت تبكى قبيل خلودها للنوم مباشرة ..
شعر بالشفقة عليها ولم يشأ ان يوقظها وقرر تركها تنام حيث تشعر بالراحة .. مد يديه دافعا بالغطاء ليدثرها لتصدر منها شهقة جديدة جعلته ينحنِ لاأراديا طابعا قبلة على جبينها في رقة راغبا في الا يدعها وحيدة..
لكنه قاوم تلك الرغبة سائرا بحرص في سبيله لمغادرة الغرفة ملق عليها نظرة اخيرة قبل ان يغلق الباب ورائه تاركا إياها تغفو في سلام ..
**************
طرقت نهى الباب عدة طرقات وأخيرا دفعت الباب ودخلت لعلمها بانها وحيدة تماما بحجرة جدها ..لتجدها لازالت بملابس الامس حتى غطاء رأسها لازالت تضعه مستيقظة شاخصة أبصارها تجاه تلك الصور الفوتوغرافية الماثلة امامها على الحائط تتأملهم بعيون دامعة ..
تنهدت نهى وهى تجلس جوارها هامسة في محاولة لإقناعها بالنزول للإفطار :- هيا حياة .. لننزل لنتناول شيئا ..انتِ لم تمسي طعاما منذ ايّام ..
همست حياة بصوت اجوف النبرة :- لا شهية لي .. اذهبي انتِ ..
همست بكلماتها الأخيرة ولايزل ناظرها معلقا على الصورهامسة في وجع :- رحل كل احبابنا يا نهى .. أصبحنا وحيدتان في هذه الدنيا .. كان دوما ما يتطلع جدي من موضعه هذا لتلك الصور شاردا بالساعات وكنت أتساءل لما يفعل ذلك .. الان وانا اجلس بنفس موضعه ادركت لما !؟.. انه الحنين القاتل الذي كان يعانيه وأعاني مثيله اللحظة .. لمَ لم ارحل في حادث الطائرة لأكون معهم !؟..لمَ .!؟..
شهقت حياة باكية لتشاطرها نهى البكاء للحظة وأخيرا ربتت على كتفها في مؤازرة تهمس معاتبة :- هيا يا حياة .. ارجوكِ.. البقاء هنا سيقتلك حزنا ..
طل ادم متنحنا على اعتاب الغرفة ودخل في أريحية هاتفا :- صباح الخير ..
نهضت نهى من جوار حياة هاتفة بدورها :- صباح الخير .. الإفطار جاهز بالأسفل ..
هتف ادم :- اشكرك .. سنكون باعقابك ..
هتفت نهى في شجن :- لكن حياة تأبي النزول ..
هتف ادم معترضا واكد بلهجة الواثق :- لن يكون .. ستتناول الإفطار معنا بالأسفل ..
ابتسمت نهى في امتنان فهى تدرك بفطرتها ان ادم هو الشخص الوحيد الذي باستطاعته اثناء حياة عن امر اعتزمته وما ان همت بالخروج من الغرفة حتى توقفت متنحنحة للحظة وهتفت موجهة كلامها لآدم بنبرة شاكرة :- بالمناسبة .. لا اعرف كيف اشكرك على كل ما فعلته معنا .!؟..
ابتسم ادم هاتفا في نبرة عاتبة :- لما الشكر من الأساس !؟ .. ألم اصبح فردا من العائلة!؟..
اكدت نهى في حماسة :- بالطبع انت كذلك..
وهتفت وهى تندفع من الحجرة مؤكدة :- سأنتظركما بالأسفل ولن أتناول فطوري حتى تحضرا ..
هتف ادم مؤكدا بدوره هاتفا في مرح :- ونحن لن نتأخر .. حافظي على يديكِ مضمومتين لا تقرب أي طبق حتى نأتي فانا أتضور جوعا ..
قهقت نهى هاتفة وهى تبتعد :- اذا تأخرتما فلا ضمان لهذا فانا أتضور جوعا بالمثل ..
تقدم نحوها هاتفا :- هيا لننزل لتناول الإفطار ..
تطلعت اليه للحظة وتجاهلت أوامره وكأنها لم تسمعها مما دفعه ليجذب الغطاء بعيدا امرا إياها في حزم :- هيا استعدي للإفطار والا ..!؟..
هتفت حياة في غضب :- والا ماذا !؟.. ستتركني وحيدة ..لم نعد بالجزيرة على ايه حال وانا وحيدة بالفعل لم تأت بجديد ..
اوجعه كلامها لحد كبير مدللا على مدى معاناتها الداخلية لكنه اظهر على ملامحه قسمات عكس دواخله هاتفا :- لا.. لن أدعك وحيدة ولكني سأحملك بهيئتك المزرية تلك حتى طاولة الإفطاروأطعمك بيديا عنوة امام أبنة عمتك والخدم جميعا ..
تطلعت اليه في شك انه قد ينفذ ما يهدد به لكن نظرة واحدة لوجهه كانت كفيلة لتؤكد انه على استعداد تام لفعل ذلك وبكل استمتاع..
دفعت بنفسها خارج الفراش دفعا وهى تهمهم في غضب باتجاه الحمام ليهتف ادم ممسكا ضحكاته متصنعا الحزم :- هل تقولين شيئا يا بطتي !؟ ..
أغلقت باب الحمام بوجهه في عنف مما دفع قهقهاته لترتفع هاتفا بصوت عال :- راااائع.. كم احب الزوجة المطيعة ..!؟..
وعاد ليقهقه من جديد وهو يستمع الى صوت ارتطام شيء ما مدفوع من الداخل على باب الحمام ..
**************
دخل مهنى الى الفيلا بعد انتهائهم من تناول الإفطار ملقيا التحية في اعتيادية هاتفا :- مر أسبوع كامل على وفاة جدكما واعتقد انه جاء الوقت للجلوس لقراءة وصيته ..
هتف ادم في حماس :- اعتقد انك على حق..
تنبهت حياة لحماسته وهتفت في تحفظ :- هل هذا ضروري !؟..
اكد مهنى بايماءة من رأسه وهتف مفسرا:- على كل واحدة منكما ادراك ما لها ..
هتفت نهى في لامبالاة :- انا وحياة مالنا واحد .. لن يكون هناك خلاف بيننا على امر كهذا ابدا ..
اكد مهنى في تخابث وهو ينظر الى ادم نظرة جانبية ذات مغزى :- اعلم أنكما اقرب لبعضكما من اخوات لكن كل منكما لابد ان تعلم حقها لان حياة اليوم زوجة وانت يا نهى يوما ما سيكون لك زوجا سيبحث عن حقك..
اكد ادم حديث مهنى دون مواربة :- رأي صائب سيد مهنى .. الامر لن يضر احداهن..
هتف مهنى مؤكدا :- حسنا ..سأكون هنا مساء الغد لفتح الوصية .. هل هذا يناسب الجميع ..!؟..
أؤمأ الكل موافقا وما ان هم مهنى بالرحيل حتى تطلع الى نهى ليسألها :- هل انتِ في طريقك للشركة !؟..
اكدت نهى :- نعم .. اليوم عليّ إنهاء بعض الأمور المعلقة ..
هتف مهنى في مودة :- حسنا ..اسمحي لى بتوصيلك.. فطريقنا واحد على أي حال ..
وابتسم ابتسامة ذات مغزى لم تدركها نهى
التي وافقت في أريحية ليرحلا سويا وعيون ادم تتبعهما ..
**************
تطلع مهنى لنهى التي كانت تجاوره بالسيارة هاتفا في وداعة :- ما أجمله من صباح !..
ابتسمت نهى هاتفة في أريحية :- اشكرك.. كان ذلك لطفا منك ..
هتف مبتسما :- كان ذلك من دواعي سعادتي .. بالمناسبة ..
تحولت نبرة صوته لنبرة عملية هاتفا :- لقد طلبت من جدك تعيين مسؤل جديد عن الحسابات وكان قد وافق رحمه الله ..انه بانتظارنا في الشركة سأرسله ل..
هتفت نهى في بساطة تقاطعه :- نعم ..انا على علم بذلك ..وقد نشرت اعلان للتقدم للوظيفة يوم ان اخبرني جدي واليوم هو ميعاد المقابلات الشخصية للراغبين ..
تطلع مهنى لها في صدمة متسائلا :- ولما لم تخبريني بأمر هذا الإعلان !؟..
هتفت نهى في سلاسة :- لانه كان بناء على امرمباشر من جدي وهذا ايضا من صميم عملي .. هل هناك خطب ما !؟..
اكد مهنى محاولا السيطرة على غضبه الكامن بأحشائه :- لا مطلقا .. لكن انا في موقف حرج الان فهو ينتظر بمكتبي وكنت سأرسله لك لتقومي على إنهاء متطلبات التعيين ..ولا..
هتفت نهى تقاطعه بابتسامة مشرقة :- ما من مشكلة.. ارسله وسأقوم بالمقابلة الشخصية بنفسي واذا ما كان الاكفء من بين المتقدمين ستكون الوظيفة من نصيبه بالتأكيد..
هز مهنى رأسه موافقا وقد وصلا لمقر الشركة ليندفع لمكتبه تشيعه نهى بابتسامة وهى تتجه لحجرة مكتبها ومنها لحجرة الاجتماعات حيث ينتظرها العديد من طالبي الوظيفة ..
*************
هتفت شادية وهى تقذف بأحد مقاعد الطاولة ليسقط مصدرا صوتا مدويا انتفض على اثره شهاب متطلعا اليها في ضيق غير قادر على التعبيرعنه امام ثورتها :- اما من طريقة للوصول لأموال هذه الحياة !؟.. اين تلك الأوراق اللعينة التي ستعيد حقنا أيها الاحمق!؟.. لو كانت بحوزتك الان لكنت قابعا سيدا لهذه الفيلا بديلا عن ذاك الذي يتمتع بها الان .. وكان طلقها مرغما وقبلت هي بعودتك لحياتها خوفا من الفضيحة وشراء لحريتها حتى لا تدخل السجن بتهمة تعدد الأزواج .. وكان نالني انا من هذا العز جانبا..
هتف شهاب مؤكدا :- انا أحاول قدر استطاعتي لكن الحصول على هذه الأوراق يحتاج لأموال طائلة حتى يمكنني الحصول عليها ..
هتفت شادية :- افعل كل ما يمكنك فعله للحصول عليها ..المهم ان اجد نفسي هناك.. مع تلك الحقيرة .. حتى تعلم اننا نلنا ما اشتهينا رغما عن انفها ..
تطلع اليها شهاب يهز رأسه في طاعة ..
*************
جلست نهى خلف الطاولة وأمرت مساعدتها بإدخال راغبي الوظيفة واحد تلو الاخر وأمامها سجلات مرتبة تحوي كل ما يخصهم من مؤهلات وشهادات كفاءة ..
دخلوا واحدا تلو الاخر ولا جدير بالوظيفة ارتأت استحقاقه لها ..
شعرت بالإرهاق واليأس وقررت قبول ذاك الشخص الذي احضره عمها مهنى فهو يثق على الأقل في كفاءته .. همت بمغادرة غرفة الاجتماعات الا ان تلك الطرقات على الباب جعلتها تعاود الجلوس مرة اخرى وراء مكتبها متنهدة ومدت كفها لكوب العصير ترتشف منه وهى تهتف امرة في ضيق ونفاذ صبر:- ادخل ..
دفع الباب ودخل لتغص هي بتلك الرشفة التي كانت بحلقها واثناء نوبة سعالها دخل طرف الشفاط في عينها فاصبحت غيرقادرة على التنفس اوالرؤية ..
اشتد السعال وانسكب العصير وسادت الفوضى ..
اندفع هو تجاهها ما ان رأي ما يحدث محاولا انقاذ ما يمكن انقاذه فأخذ يطرق بكف يده القوية على ظهرها وامسك باحد الملفات يلوح بها طلبا لبعض الأكسجين لإسعافها .. لحظات وهدأ السعال فاشارت له اخيرا انها على ما يرام مما جعله يعود في حذّر ليجلس قبالتها على الجانب الاخر من الطاولة ..
مدت كفها لتسحب بعض المناديل الورقية من علبتها الموضوعة امامها لتسمح دمعها جراء سعالها الشديد والتي تشوش رؤيتها تماما لكن لا فائدة فقد علقت المناديل وأقسمت الا تخرج من مخبئها مما أثار غضبها لتهتف في حنق وهى لا تزل تجذب احداها :- اللعنة.. اللعنة ..
نهض الشاب في هدوء هامسا :- اسمحي لي..
ومد يده ليخرج المنديل العالق بكل هدوء وقدمه اليها في مودة ..
مدت كفها تتناوله وهى تراه من خلف غلالات دمعها صورة مهزوزة مشوشة .. لكنها رغم ذلك رائعة ..
أجلت عينيها ونظرت اليه هذه المرة بشكل اوضح .. كان رائع بكل المقاييس.. همست في تيه :- ما اسمك..!؟..
اشار الشاب للأوراق التي بللها العصير المسكوب :- كان بالأوراق التي أغرقها ال..
هتفت ساخرة :- الا أستطيع معرفة اسمك بلا أوراق..!؟..
وقهقت مستطردة :- ام انك نسيته !؟.
هتف برزانة وابتسامة دبلوماسية على شفتيه زادته وسامة جعلتها تحملق فيه ببلاهة :- لا بالطبع .. ادعى سامي .. سامي عبدالحميد الساعي .. وحاصل على..
حاولت النظر للأوراق لكن العصير المسكوب جعلها ما عادت قادرة على الاستخدام فهتفت بلا تردد:- حسنا .. الوظيفة لك .. مبارك ..
نظر اليها في تعجب متسائلا :- حقا !؟.. بهذه البساطة..!؟..
اكدت في مرح :- نعم بهذه البساطة .. لقد برهنت انك موظف كفء .. فلقد انقذت حياتي لتوك ..
وزيلت احدى الاوراق بتوقيعها هاتفة :- انت الان فرد من أفراد الشركة .. اذهب لمساعدتي بالخارج وهي ستخبرك بما عليك فعله ..
ونهضت تمد كفها في أريحية تجاهه هاتفة :- مرحبا بك بيننا يا سامي ..
نهض سامي في دهشة مادا كفه للتحية بدوره هاتفا في هدوء :- هذا من دواعي فخري .. اشكرك ..
استأذن سامي لينفذ ما امرته به تاركا إياها تتطلع حيث غاب ولا تعلم لما منحته الوظيفة بهذه السرعة رغم عدم تأكدها من مهاراته لكنها أقسمت انه حتى ولو لم يكن يجيد علم الرياضيات لكانت وظفته وليكن ما يكون .. قهقت عندما لمع هذا الخاطر بمخيلتها في شقاوة ..
*************
لليوم الرابع على التوالي يبحث عنها بداخل حجرتهما فلا يجدها.. كان يعلم انها بحجرة جدها وكان يحترم حزنها فتركها تفعل ما فيه راحتها لكن بعد ما سمعه منها مع نهى صباحا فلا يجب ان يدعها تبيت في تلك الغرفة من جديد ..
طرق باب غرفة جدها فلم تجب فدخل بحرص ليجدها على نفس موضعها ككل ليلة تتكوم بالفراش محتضنة مئزره وتنام باستكانة في وضع جنيني يثير الشفقة .. اقترب منها وهم بحملها لتنتفض مذعورة تتطلع نحوه في تشوش هاتفة في ذعر:- ماذا تريد !؟..
همس يطمئنها :- لا تفزعي ..جئت أحملك
لحجرتك التي عليك إلتزامها ..
نظرت اليه في ضيق هامسة بصوت غاضب :- انا مرتاحة هنا .. سأنام بفراش جدي .. هل لديك مانع ..
كان رده عمليا فقد حملها بغطاء الفراش لتشهق وهو يهتف مؤكدا :- نعم لدي الف مانع .. فانا زوجك ولي الحق في ان تكوني الى جواري ..
حاولت ان تتملص من بين ذراعيه ولكنه كان يقبض عليها بشكل حازم فلم تستطع الفكاك الا وهو يضعها على فراشهما الذي ما ان همت بلمسه حتى نفضت الغطاء عنها واندفعت مبتعدة في اتجاه اريكتها .. تركها ولم يهتم بما فعلت فقد كان مقصده فقط هو ابعادها عن حجرة جدها وذكرياته وصور العائلة التي تثير أحزانها بشكل مضاعف .. تمدد بدوره على الفراش موليا وجهه لموضعها على الاريكة التي تمددت عليها بدورها مولية ظهرها له .. كانت تبكي .. استشعر ذلك من اهتزاز جسدها لانها كانت تحاول كتمان شهقات البكاء الذي يدميها وجعا.. تنهد في حزن واستدار موليا ظهره لها بالقابل .. حاول النوم لكن لا سبيل له وهو ما ان يغلق عيناه حتى يطالعه مظهرها مولية الظهر تبكى بقهر مكتوم ..
انتفض بشكل لاإرادي مندفعا اليها ليحملها من جديد من فوق تلك الاريكة لتهتف معترضة في وهن :- اتركني لحالي .. ارجوك ..
همس وهو يضعها مرة اخرى على الفراش لتندفع مبتعدة على الطرف الاخر مولية له ظهرها .. ابتسم في شجن لأفعالها الطفولية وتمدد جوارها مقتربا منها وأحاطها بذراعيه تخشب جسدها وهمست بأحرف متقطعة:- رجاءً .. اتركني.. فانا ..
ضم ظهرها اكثر الى صدره هامسا :- هششش .. نامي .. فانتِ بحاجة للراحة ..
واقترب هامسا بالقرب من مسامعها :- ولا تخش شيئا فانا لا استغل حزن امرأة مكروبة .. اطمئني..
بدأ جسدها المتخشب من الاسترخاء بعض الشئ بعد كلماته التي كانت تحمل صدقا لا يمكن إغفاله .. تطلع اليها ليجد عيونها مفتوحة تتطلع امامها ونظرها لايزل معلقا بالحائط المقابل للوحة مجسدة لكيوبيد اله الحب على هيئة ملاك ممسكا بقوسه فطرأت له فكرة وهمس بالقرب من مسامعها محاولا استدراج مخيلتها بعيدا عن أحزانها الحية :- هل تدركين من ذاك الملاك بالصورة !؟.. وهل تعرفين حكايته !؟..
هزت رأسها نفيا دون ان تجيب بحرف ليستطرد وقد تشجع هامسا :- انه كيوبيد اله الحب .. ابن الاله فينوس اله الجمال .. كان دوما ممسكا بقوسه كما ترين يصيب به قلوب البشر ليقعوا في الغرام ويصيبهم العشق بسهمه ..
لكن هل وقع اله الحب في العشق يوما !؟..
تنبهت هامسة :- هل حدث ووقع بالهوى!؟..
ابتسم لانها استعادت بعض من فضولها تجاه حكاياه هامسا :- نعم .. أصابه سهمه يوما بالخطأ فجرح قلبه ووقع في هوى فتاة جميلة تدعى بسايكي .. هام في هواها وقرر الزواج بها فامر كيوبيد والد الفتاة بتركها على جزيرة وحيدة والزواج بها بعيدا عن اعين البشر وحتى لا تعلم امه فينوس فتفرقهما ..
همست ما بين صحوها وغفوتها :- كانا على جزيرة وحيدين .. مثلما كنّا ..
هزته الذكرى بشكل عجيب فابتسم هامسا :- نعم .. تزوجا لكن كيوبيد كان شرطه الا تراه زوجته الا طيفاً .. لا تعلم هيئته الحقيقية .. الا انه في احدى الليالي .. خالفت بسايكي ذاك الشرط وإضاءت الانوار وهو نائم بقربها رغبة في معرفة حقيقة زوجها الذي زاد عشقها له بعد ادراكها لهويته لكن للأسف امه علمت بالأمر وقررت تفريقهما..
همست في شجن وبصوت ناعس :- اشفق عليهما .. فما امر الفراق !!..
تنهد مستطردا :- لكنهما لم يستسلما وعانى كل منهما الأهوال ليلق خليل قلبه حتى ازعنت فينوس أخيرا لرغبة قلبيهما وجمعتهما ليعشا في سلام عشاق للأبد...
ثقلت أجفانها بالفعل وراحت في سبات عميق.. ادرك ذلك من انفاسها المنتظمة فضمها اليه اكثر يستشعر انه يضم اليه جزء عزيزعليه افتقده منذ زمن بعيد وهاقد عاد الي موطنه الاصلي بين ذراعيه وعلى قدر تلك الراحة العجيبة التي كانت تسربله على قدر ذاك القلق الذي اعترى روحه التي كانت تظن انها اصبحت محصنة للأبد من ذاك المرض العضال المدعو .. المدعو ماذا!؟.. انتفض داخليا وهو يؤكد انها مجرد بعض من ألفة لبقائهما معا في الجزيرة لفترة ليست بالقصيرة وحيدين تماما وثانياً لاشفاقه عليها لوفاة جدها الذي كانت تحبه .. الامر لا يخرج عن هاذين السببين لا اكثر.. همس لنفسه مؤكدا .. نعم .. فلتهدأ روحي وتقر عينا .. فبالنسبة لي .. العشق باب مصمت بلا مقابض.. وعلى الرغم من حديث نفسه الذي جعله يطمئن بعض الشئ الا انه احكم ضم ذراعيه حولها ملصقا إياها لصدره لتسكن تماما باحضانه ليغلق عيونه بدوره مبعدا إياها عن لوحة كيوبيد الذي يلهو بقلوب العاشقين ..متنهدا في راحة لقربها جلبت له مزيد من عدم الراحة .. ويالها من معادلة !!.
**********
شعر بتيبس باحد ذراعيه وحاول ان يتحرك ليشعر بثقل ما يكبله ففتح عيونه في تكاسل ليجدها لاتزل على حالها ترقد في براءة بين ذراعيه تهنأ بنوم عميق وقد جفت دموعها على وجنتيها لتضيف على مظهرها ذاك مظهرا شهيا بشكل لا يصدق..
جذب نفسه من التمادي في خواطره الخطرة تجاهها وابتسم رغما عنه وهو يجدها لاتزل محتفظة بغطاء رأسها الذي أصبحت لا تخلعه ابدا وقد انحصر قليلا للخلف .. استشعر انها لاتزل تتوجس منه ولم تمنحه ثقتها كاملة لتعامله كزوج حتى ولو من الناحية الشكلية ..
اغمض عينيه سريعا عندما شعر بتململها بين ذراعيه مدركا انها في سبيلها للاستيقاظ وقد كان محقا فقد فتحت عيونها في ثقل فلازال النعاس يتشبث بأهدابها ليصطدم ناظريها بذقن احدهم .. انتفضت داخليا ورفعت نظراتها اليه وتذكرت ما حدث بالأمس مما جعلها تضطرب وهى غير قادرة على الفكاك من شرك ذراعيه المحكم حولها .. لكن أخيرا تسللت في مهارة مبتعدة عن حصاره وقد ساعدها هو بشكل خفي على الخلاص من أسره لتنهض مبتعدة تتنفس في اضطراب فقد كانت اللحظة بين ذراعيه تنعم بأمان تعلم تماما انه زائف لكنه حرك وجعا ما خفيا بين أضلعها تحاول ان تئده حيا ..
لم تكن قد استعادت رباطة جأشها بشكل كامل حتى همهم ادم يعلن انه على وشك الاستيقاظ .. فتح عيونه متطلعا نحوها وعلى شفتيه ابتسامة ماكرة جعلت أمعاءها تتلوى اضطرابا .. هتف في تكاسل :- صباح الخير زوجتي العزيزة ..
هتفت في غيظ :- لا تقل زوجتك .. تعلم تماما انه زواج مدبر درأً للفضيحة من منظور جدي ..
وتحشرج صوتها مؤكدة :- وها قد ذهب جدي بلا رجعة فلا اعتقد ان استمرارنا في تلك المسرحية الهزلية له اي داعِ ..
هتف مازحا كأنه لم يسمع ما تفوهت به لتوها :- اعتقد ان الفطير وبعض من العسل والزبد سيكون رائعا على الافطار.. اشعر بجوع شديد حتى اني على استعداد لتناول الإفطار باطباقه ..
هتفت في غضب :- الا تفكرالا في مجونك ومعدتك.!؟.. اما من شئ اخر يحتل ولو جزء بسيط من هذه الجمجمة !؟..
قهقه مؤكدا في عبث :- بالتأكيد يوجد .. المال الذي بدونه لن أستطيع الحصول على كليهما ..
هتفت غاضبة وهى تقذفه باحدى الوسائد التي كانت في متناول يدها :- حقير .. استطاع تلقي الوسادة بين ذراعيه ضاما إياها في شوق هاتفا في لهجة مازحة :- اخيرا سأحصل على حرب الوسائد التي تمنيت ..
وبدأ في إلقاء الوسائد واحدة تلو الاخري والتي كانت تصيب الهدف في مهارة لتصرخ حياة في غضب راغبة في الوصول اليه حتى تجتث رأسه من فوق كتفيه .. اخيرا استطاعت الإمساك به بعد جهد جبار عندما انتهت الوسائد من جانبه مما مكنها من الانقضاض على رقبته صارخة في
ثورة :- أيها الاحمق ..سأقتلك بكف عارِ .. أطبقت بالفعل على رقبته بكلتا يديها ولم يقاوم هو بقدر ما ارتسمت ابتسامة هادئة على شفتيه وهمس بأسلوب مسرحي في صوت أبح نظرا لضغطها على حنجرته :- الموت بيديك متعة في حد ذاتها .. ما اجمل الرحيل بين ذراعيكِ..
ابعدت كفيها بعيدا عنه صارخة وهى تهم بالخروج من الحجرة :- انت غير محتمل .. هتف يستوقفها فتوقفت متنبهة لندائه:- حياة..
ليستطرد رابتا على معدته :- الرجاء الاسراع في إعداد الفَطور فمعدتي تقرقر.. ايرضيك هذا يا بطتي !؟ ..
جزت على أسنانها في غيظ واندفعت مبتعدة خارج الغرفة تصفق الباب خلفها في عنف متزامنا مع قهقهاته التي طاردتها على طول الردهة ..
**************
يتبع عرض أقل
رواية السماء تشهد ايها الماجن الفصل الثالث عشر 13 - بقلم رضوى جاويش
اندفعت حياة تهبط درج الفيلا الخارجي في سبيلها لسيارتها. وما أن فتحتها وأصبحت أمام مقودها حتى انتفضت عندما فتح آدم الباب الأمامي وجلس في المقعد المجاور لها.
تنهدت في محاولة لضبط النفس، هاتفة في هدوء مصطنع:
- ماذا تفعل هنا؟
أكد في هدوء مماثل:
- أصحبك للشركة.
تساءلت:
- لما؟ لا أعتقد أن لك شأنًا بالشركة.. حتى أنه لا خبرة لديك في عالم التجارة والأعمال؟
هتف في رزانة:
- كل ذلك لا يهم.. فأنا أصطحب زوجتي لعملها، وأؤكد للجميع أن خلفها رجلًا يحميها ويحفظ مالها.. أليس هذا غرضًا كافيًا للذهاب معك؟
قهقهت في سخرية:
- حماية مالي.. أم أنك تود أن تعلم كم أملك حتى تساومني على الطلاق بشكل يحقق لك أكبر منفعة؟ على أي حال.. يمكنك المجيء فما عاد النقاش يجدي.
ابتسم في سعادة هاتفا:
- أحسنتِ.. الجدال مضيعة للوقت ومقلق للراحة.. هيا.
انطلقت بالسيارة وساد الصمت بينهما حتى وصلا لبوابة الشركة. دخلت ليتنبه الجميع لحضورها ملقين التحية في مودة، والتي بادلتها بدبلوماسية شديدة وابتسامة هادئة واثقة. وهو خلفها يتطلع لكل هذا في تعجب، فقد تبدلت شخصيتها تمامًا ما أن عبرت هذه البوابة كأنما أضحت امرأة أخرى تمامًا.
ظل يتبعها كظلها حتى دخلت مكتبها وانتفضت مديرته تتبعها. تشاغلت عنه بالأوراق والاجتماعات ليخرج متسللًا مستغلًا انشغالها، مستطلعًا المكان ومقيمًا وضعه المالي. كانت شركة مهيبة يعمل بها العديد من الموظفين وتحتاج جهدًا هائلًا في إدارتها لتصبح بهذا النجاح الذي سمع به من كل قريب وبعيد.
تطلعت حياة حولها ما أن شعرت بالصداع يحتل رأسها لتطلب كوبًا من القهوة لعله يعدل من مزاجها ويقلل من الشعور بضغط العمل الواقع على عاتقها، لتكتشف فجأة أنها نسيته تمامًا في خضم أعمالها.
انتفضت باحثة عنه لا تريد أن تتركه بمفرده فقد يحدث كارثة ما. خرجت من مكتبها مهرولة قدر استطاعتها حتى لا ينتبه الموظفون، تبحث هنا وهناك مدعية أنها تقوم بجولة تفتيشية مفاجئة. وأخيرًا توقفت فجأة عند مكتب علت به الضحكات والقهقهات لتدرك تمامًا وبلا أدنى ذرة شك واحدة لديها أن وجوده هو السبب الأساسي والرئيسي في تلك الضحكات المجلجلة التي تصل لمسامعها منتشية وغارقة في البهجة.
اندفعت للحجرة لينتفض الجميع وقوفًا وقد خرست الضحكات. وقع ناظريها عليه ليبتسم في أريحية وكاد أن يهتف بأمر ما إلا أنه استأذن في تأدب خارجًا من الغرفة بعد أن رمقته بنظرة تهديد.
تبعته حياة في صمت في اتجاه مكتبها. وما أن أغلقت بابه خلفهما حتى هتفت في غضب عارم:
- لم آتِ بك إلى هنا لتحول الشركة لأحد معاقل مجونك.. هذه شركة محترمة وإن لم تكن على نفس القدر من الاحترام فلا مكان لك هنا.
اقترب منها في هوادة لتتراجع حتى اصطدمت بالمكتب ومال جذعها مبتعدًا وهو يميل عليها هامسًا:
- بالمناسبة أنتِ لم تأتِ بي بل جئت رغما عنكِ.. وأنا أفعل ما يحلو لي.. أنا حر.
وابتعد عنها في سبيله للرحيل، لكن قبل أن يصل للباب توقف متطلعًا إليها وهتف في سخرية:
- سأموت كمدا من تلك الحياة القاتمة في فيلتكم.. بعض من المرح لن يضر أحدًا يا عدوة الفرحة.
خرج تاركًا إياها تتطلع إلى حيث رحل. تردد داخلها ذاك اللقب الذي نعتها به.. عدوة الفرحة.. أهي بحق عدوة للفرحة؟ قاتمة كالحياة بالفيلا.. ولما العجب.. أليس هذا رأي كل الرجال بها؟
***
كانت في طريقها لغرفة جدها والتي قررت أن تتخذها حجرة لها بعيدًا عن هذا المستفز. وصلت لآخر الرواق وما أن همت بوضع كفها فوق مقبض الباب، حتى هتف آدم مانعًا إياها هاتفا:
- سبق وأن أخبرتك أن لك حجرة وزوج عليك ملازمتهما.. ألم أفعل؟
استدارت متطلعة إليه هاتفة في حنق:
- سبق وأن أخبرتك أن سبب زواجنا قد انتفى ومات جدي وعلينا إنهاء تلك المزحة السخيفة.. ألم أفعل؟
اقترب منها ما دفعها لتتقهقر مبتعدة ليتطلع لعمق عينيها هامسًا في هدوء مريب:
- مزحة سخيفة؟ لقد وافقتِ بملء إرادتك على زواجنا ونحن بالجزيرة.. ولولا ظهور تلك الطائرة اللعينة لحظتها لكنتِ الآن..
قاطعته في غضب:
- اصمت.. لا تكمل عبثك.. حمدًا لله أن الطائرة جاءت في الوقت المناسب حتى لا أتورط مع وغد مثلك مثلما نعتك جدي مذ اللحظة الأولى التي طالعك فيها.
همس وابتسامة ساخرة ترتسم على جانب فمه:
- وغد..!؟ حسنًا فلنتعامل بطريقة الأوغاد.. على كم سأحصل مقابل إطلاق سراحك يا بطة؟
جزت على أسنانها هاتفة بنبرة مشمئزة:
- قرر كم يلزمك حتى أتخلص منك وصدقني سأكون أنا الفائزة.
تطلع إليها في سعادة فقد عقد لتوه صفقة عمره في اعتقادها. وهمس أخيرًا في لامبالاة:
- سأفكر كم يلزموني لفض تلك الزيجة المعطوبة وأبلغك.
وابتعد في عدم اكتراث وهو يطلق صفيرًا للحن أجنبي راقص بينما دخلت هي حجرة جدها وأغلقت الباب خلفها في عنف.
***
وصل مهنى في الميعاد المتفق عليه وتقدم حاملا حقيبته الجلدية لداخل غرفة المكتب بفيلا السعيد ليتبعه كل من آدم وحياة ونهى. جلس الجميع مترقبًا وهو يخرج أوراقه بهدوء من داخل الحقيبة وبدأ في توجيه الكلام لهم قبل أن يفتح المظروف المغلق الحامل لوصية جدهما.
- طبعًا التركة كلها ستؤول لنهى وحياة لأن لا أقرباء للسيد السعيد غيرهما.
هز آدم رأسه متفهمًا، وكذا نهى لكن حياة ظلت على جمودها لا تلقي بالًا. فتح مهنى الأوراق وعيونه تجري على الأسطر تتجاهل بعض الصيغ القانونية التي لن تهم أحدًا من الجالسين ليصل لخلاصة الوصية والتي كان مفادها ما قرأه بصوت واضح:
- أوصي أنا السعيد كامل السعيد بكل تركتي لحفيدتي الغالية.. نهى سعيد سراج.
انتفضت نهى صارخة:
- هذا غير معقول.. وأين حياة من كل هذا!؟ هذه الوصية غير صحيحة.
تطلع آدم الذي كان يجلس في هدوء إلى حياة التي كانت تذوب في موضعها وأخيرًا همست في صوت متحشرج:
- لا يا نهى.. إنها صحيحة تمامًا.
تنحنح في محاولة لإجلاء صوتها مؤكدًا:
- هناك أمور لا تعرفينها.
جلست نهى تتطلع إلى حياة في تعجب هامسة:
- أي أمور يا حياة؟
هتفت حياة لتتخلص من ذاك العبء الذي يجثم على صدرها:
- عندما قررت الزواج من شهاب على غير رغبة جدي.. حاول بكل الطرق إثنائي عن تلك الزيجة لكن أنا.. أنا لم أرتدع.. فجاء بي يومًا قبل أن أغادر الفيلا وأكد عليّ أنه إذا ما كنت لا أزال على موقفي من ذاك الزواج فهو سيعمل على حرماني من إرثي منه بعد عمر طويل وكذا.. جعلني أتنازل عن كل مليم ورثته من أبي وأمي وأصبح ملكًا لي بعد ما تخطيت الواحد وعشرين عامًا. قال يومها أنه لن يسمح بأن تذهب أموال السعيد لمجموعة من الرعاع.. ساعتها تنازلت عن كل مليم أملكه.. وذهبت ولم أودعه حتى.. و..
لم تكمل حياة الاستطراد في ذكرياتها بل انحبس صوتها وبدأت تسيل الدموع على خديها.
انتفض آدم في غضب:
- رغم كل ذلك هذه وصية باطلة.. حياة لها مثل ما لنهى.. ولا أعتقد أن جدها يظلمها بهذا الشكل!؟ فذاك القرار كان من أجل زيجة فاشلة خاف أن تضيع فيها أموالها واعتقد أنه بعد رجوعها لكنفه قد عدل عن قراره.
واتجه نحو مهني جاذبًا ورق الوصية ينظر إليه في محاولة لإيجاد ثغرة ما إلا أن الورق كان سليمًا لا غبار عليه.
هتف مهني مؤكدًا بلهجة رسمية:
- الوصية سليمة مائة بالمائة.. والسعيد لم يغير بها حرفًا منذ أن أستوصاني عليها.
هتفت نهى في تعاطف:
- سأتنازل عن نصف التركة لحياة.. هذا حقها.
وقاطعها مهني بنبرة حاول أن يجعلها دبلوماسية على قدر ما استطاع:
- لا أعتقد أن هذا هو الوقت المناسب لأي قرارات متسرعة.
تناول الأوراق من بين يدي آدم وأعادها لحقيبته مغلقًا إياها هاتفا:
- عليّ المغادرة الآن وسأقوم باللازم لإعلام الوراثة.. تصبحون على خير.
رافقته نهى حتى باب الفيلا ليصبح آدم وحيدًا مع حياة التي رفعت ناظريها إليه هامسة في نبرة ساخرة تقطر وجعًا:
- ها قد عرفت.. حياة التي يسع الجميع خلفها من أجل مالها أصبحت مفلسة لا تملك إلا راتبها من الشركة كأي موظف فيها.. أعيش عالة على فيلا ومال ابنة عمتي.. حتى أنني لا أملك المال الذي أقايضك به على حريتي.. أرأيت!؟ كم هي رائعة حياة حياة.
كان آدم متسمرًا موضعه يتطلع إليها مشفقًا لتنهض هي في تثاقل لتعود لحجرتها أو بالأحرى حجرة جدها. وما أن همت بالخروج من المكتب إلا وتوقفت تستدير إليه بوجهها هاتفة:
- لا تقلق.. سأقترض بعض المال من نهى في نظير حصولي على الطلاق.. لابد وأن تكون الصفقة رابحة بالنسبة لك.. أليس كذلك؟
غادرت الغرفة تاركة إياه مصلوبًا على كرسيه لا يبرح موضعه.
***
دخلت نهى الشركة لتقابلها عاصفة من التهاني من كل موظف قابلها بطريقها للمصعد. تنهدت في ضيق، فيبدو أن العم مهنى لم يدخر وسعًا في إبلاغ الجميع بأمر الوصية. دخلت المصعد لتتوقف بالدور الثالث. شعرت بالضيق لأنها تريد أن تصل لمكتبها سريعًا لتختبئ فيه معظم النهار بعيدًا عن تلك التهاني الزائفة التي تمقت.
انفرجت أساريرها فجأة مع انفراج باب المصعد ليطالعها محيا سامي الذي ما أن هم بالدخول حتى تراجع بسبب وجودها هاتفا في احراج:
- آسف.. يمكنك المواصلة و..
هتفت به نهى مؤكدة وهى تضع كفها توقف إغلاق الباب أوتوماتيكيا:
- لا مشكلة.. تفضل.
تردد قليلًا ثم دخل في سرعة حتى لا يتركها تعلق الباب لفترة أطول. تنحنح في اضطراب ولم ينبس بحرف. ليستطرد المصعد صعوده إلا أن حدثت رجة قوية مفاجئة وتوقف المصعد عن العمل.
تطلع كل منهما للآخر في عدم تصديق لتهتف نهى في صدمة:
- هل تعطل المصعد؟
نظر باضطراب للوحة الأعداد يضغط عليها في توتر هامسا:
- يبدو ذلك.
ورفع سماعة هاتف الطوارئ مبلغًا عن العطل ليؤكد عليه المسؤول اتخاذ اللازم. عاد متطلعًا لنهى لينتفض ما أن وجدها تتعرق وجسدها يتهاوى في تثاقل ليلحق بها هاتفا في ذعر:
- ماذا يحدث؟ هل أنتِ مريضة؟
جلست القرفصاء على أرضية المصعد تشعر بالاختناق هامسة:
- أنا أعاني من رهاب الأماكن المغلقة.
جلس جوارها وهتف محاولًا تهدئتها في نبرة متجلجة الأحرف:
- رهاب؟ نعم.. حسنًا.. ستكونين بخير.
تذكر أنه قرأ يومًا أن للتعامل مع مريض رهاب الأماكن المغلقة عليه إلهائه عن ما يسبب له الذعر بكل طريقة ممكنة، فهتف في محاولة لإلهائها:
- ماذا عليّ أن أفعل لأجلكِ؟
نظرت إليه ساخرة هامسة بصوت متحشرج:
- أن تخرجني من هنا.
هتف وقد شعر بحمق سؤاله:
- أقصد ماذا تحبين أن..
هتفت تقاطعه:
- أحب الغناء.
هتف مذعورًا:
- الغناء.. أنا لا..
أكدت شاعرة بالاعياء:
- أرجوك.. غنِّ لي.. أنا بالفعل أشعر بالذعر.. أنا..
قاطعها متطلعًا إليها ليشعر بذعر مماثل بسبب حالتها التي شعر بتدهورها:
- حسنًا.. سأغني.
تنحنح مجليًا صوته وبدأ في الغناء صادحًا بصوت حاول ألا يجعله نشازًا:
- ماذا أهديكِ يا أمي في الأعياد.. ماذا..
هتفت نهى تقاطعه في صدمة:
- أمك!؟ ألم تجد غير أغاني عيد الأم لتغنيها لي في موقف كهذا!؟ أولاً.. هذا سوء تقدير فأنا يتيمة الأم.. ثانيًا.. أين ذهبت الأغاني الرومانسية بحق السماء..!؟
شعر بالحرج وهتف معتذرًا:
- عفوا.. فأنا لا أستمع إلا لتلك الأغنيات.
تطلعت إليه نهى في شك هاتفة في سخرية:
- حسنًا.. فهمت.. عقدة العودة للطفولة.!؟
قهقه سامي لتتطلع إليه وقد زاد وجيب قلبها بشكل عجيب وهتف مؤكدًا:
- لا.. بل لدي الطفولة نفسها.. أبناء اختي يستعمرون البيت ويستولون على التلفاز طوال الوقت وممنوع منعًا باتًا أن ألمس ناقل القنوات وأن أترك القناة المفضلة لديهم والتي تذيع طوال الوقت أغانيهم المفضلة حتى حفظتها عن ظهر قلب.. بل إني أصبحت أرددها كالأبلة في بعض الأحيان.
انفجرت نهى مقهقهة هاتفة:
- أطفال مستبدون.
هتف سامي مؤكدًا في أريحية:
- لكني أعشقهم.. أعشق الأطفال بشكل عام.
تطلعت إليه نهى في سعادة هاتفة:
- وأنا أيضًا أعشق الأطفال.. ستكون أبًا رائعًا لأبنائك.
ابتسم سامي ولم يعقب بل نهض يرفع سماعة هاتف الطوارئ مرة أخرى هاتفا:
- هل أحضرتم مهندسًا يصلح العطل؟
هتف المسؤول على الطرف الآخر:
- نعم.. إنه في الطريق سيدي.. دقائق وسيكون هنا.. اطمئن.
عاد سامي موضعه جوار نهى وما أن جلس حتى بدأت رجة جديدة جعلت نهى تصرخ في ذعر متشبثة بذراعه ترتجف هلعًا مما قد يحدث تهمس لنفسها باضطراب متناسية وجوده جوارها:
- أنا لا أريد أن أموت الآن يا إلهي.. لا.. فأنا لازلت صغيرة.. لم أستمتع بحياتي بعد.. أريد أن أحب وأن يعشقني أحدهم.. أنا أتزوج وأنجب أطفالًا.. أن أجوب أقطار العالم مع من أحب.. وأن أموت عجوزًا بصحبته ألفظ آخر أنفاسي بين ذراعيه.
كان سامي يستمع إليها وعلى وجهه ابتسامة يحاول مداراتها واحنى وجهه هامسًا بالقرب من مسامعها وهى تخبئ وجهها بين ذراعيها اللذان تتشبثنان بذراعه:
- أمنيات رقيقة.. أتمنى لك تحقيقها.
رفعت رأسها هاتفة فجأة:
- حقًا!؟
فإذا برأسها تصطدم بذقنه ليتأوه متألمًا وهو يضع كفه على فكه. لتهتف هي في ذعر:
- أنا آسفة.. لم أقصد صدقني.
أومأ برأسه متفهمًا لتستطرد في حزن:
- أنا أعرف نفسي.. جالبة كوارث تسير على قدمين.. من يصاحبني عليه أن..
هتف سامي مقاطعًا إياها وابتسامة بشوش على شفتيه:
- عليه أن يشعر بالامتنان لأنه بصحبتكِ.. فأنتِ جالبة للفرحة والسعادة.
هتفت نهى في تيه مخدرة لتأثير كلماته:
- حقًا!؟ أنت أول شخص يخبرني بذلك.. فجالبة الكوارث كان لقبي بالمدرسة والذي صاحبني طوال سنوات الدراسة.
قهقه سامي مؤكدًا:
- كم أنتِ محظوظة!؟ نلت لقبًا واحدًا فقط.. أنا بلا فخر كان لقبي الفتى عديم الأسنان في المرحلة الابتدائية فلقد تأخر ظهور أسناني الأمامية لفترة طويلة وكانت معاناة.. وفي المرحلة الإعدادية حصلت على لقب جديد كان على ما أتذكر الفتى ذو العيون الأربعة.. لأني كنت أرتدي منظارًا طبيًا ولا زلت.. أما في المرحلة الثانوية فكان لقبي الفتى ذو الندبة لأن لدي ندبة ها هنا بالقرب من حاجبي كانت أثرًا لشجار مع أحد الفتية الذي تطاول يومها على أختي.
قهقهت نهى بدورها هاتفة:
- أشعر بتحسن الآن بعد كل هذه الألقاب فعلى الأقل لم أنل إلا لقب واحد.. وكم هي محظوظة أختك بأخ مثلك!؟ فأنا لم يكن بحياتي بعد وفاة والديّ إلا جدي وحياة.
رن جرس هاتف الطوارئ يخبرهما أنه تم إصلاح العطل ليتحرك المصعد في التو يصعد حيث طابق مكتبها لتخرج معه تتطلع إلى جمع الموظفين الذين كانوا بانتظارها للاطمئنان عليها وكأنه جمع آخر.. جمع رأته بعين خيالها ينتظرهما مصفقًا وهى تتأبط ذراعه تدخل إلى قاعة الأفراح بصحبته تطل بالأبيض في فرحة غامرة.
***
كانت علاقتها به من بعد يوم فتح الوصية رسمية بحتة حتى أنها لم تكن تراه على مواعيد الوجبات كالمعتاد بل أصبح يغيب كثيرًا على غير عادته خارج المنزل. أصبحت كثيرة الشرود تفكر في كل ما يحدث لها وكذا تقيم علاقتهما العجيبة تلك والتي هي دومًا على حد سيف.
تنبهت نهى لما يحدث لابنة خالها فاقتربت منها في مودة هامسة:
- حياة.. هل أنتِ على خلاف مع آدم؟
تطلعت إليها حياة ولم تجب لتستطرد نهى في لهجة آسفة:
- أنا لا أقصد التطفل صدقيني.. لكن الأمور بينكما لم تعد على ما يرام.
همست حياة بلهجة تحمل هموم العالم متجسدة:
- هناك الكثير الذي لا تعرفيه نهى.. فالأمور جميعها لها أكثر من وجه.
اقتربت نهى من حياة هامسة:
- لما لا تطلعيني إذن على ذاك الوجه الغائب عني لعلني أكون الناصح الذي تحتاجين؟
تنهدت حياة مستسلمة فقد ثقلت الأوجاع بالفعل وعليها إلقاء بعضها على أكتاف غيرها متخففة منها فهتفت:
- حسنًا.. سأخبرك كل شيء.. منذ اللحظة التي ودعتني فيها على رصيف الميناء حتى هذه اللحظة.
أخذت حياة تسرد كل حكايتها مع آدم منذ الدقيقة التي طالعته فيها لأول مرة حتى آخر حوار بينهما يوم اطلاعهم على الوصية لتتنهد نهى في صدمة هاتفة:
- يا لها من قصة!؟
وابتسمت مستطردة:
- ويا له من رجل!
نظرت حياة إليها في تحذير لتقهقه قبل أن تصمت لبرهة هاتفية في نبرة صادقة:
- صدقيني حياة آدم هذا يحبك بصدق.. لا يوجد رجل بهذه الأخلاق.. لقد حافظ عليك من نفسه وأنتما وحيدان على جزيرة.. ويوم أن رغب فيكِ طلب الزواج منكِ.. ورغم كل تلك الشكوك التي تثيرها حفيظتك نحوه والتي ربما لتجربتك الأليمة السابقة دورًا كبيرًا في الكثير منها.. لكني أعتقد أنه رجل جيد بشكل عام.. والأهم أني أستشعر محبته لكِ.
تطلعت حياة إلى نهى وقد لاق تحليلها هوى في نفسها وهمست متسائلة في حيرة:
- برأيك.. ماذا عليّ أن أفعل؟ يبدو أنه يريد حريته فهو دومًا ما يساومني الطلاق.
هتفت نهى:
- أعتقد من خلال حديثك أنك من تستثيرين هذه النقطة.. لم يطلب أبدًا مالًا لأجل طلاقكما.. ألم أخبرك أن تجربتك مع شهاب أثرت فيكِ كثيرًا.. ثم إنك الآن وبعد وصية جدي لا تملكين مالًا واعتقد أن هذا سيظهر لك حقيقة رغبته في البقاء لأجلك أم كان باقيا من أجل ما تملكين.
هتفت حياة في حيرة:
- أتعتقدين هذا؟
هتفت نهى في حماس:
- طبعًا.. لابد من إعطائه فرصة.. وأنا أعتقد أنه سيستغلها أروع استغلال.
قهقهت نهى لنظرات حياة العاتبة إلا أنها شاركتها القهقهات هاتفة:
- أنتِ على حق تمامًا.. لكن ماذا عليّ أن أفعل!؟
هتفت نهى تحسها على النهوض في عجالة:
- ماذا تفعلين!؟ ألا زلت تسألين..!؟ ستفعلين الكثير.. إنه زوجك يا فتااااة.. هيا.. فلابد لكما من بداية جديدة.
قهقهت حياة لجنون ابنة عمتها التي جذبتها من يدها دافعة إياها لحجرة نومها لتختار لها ثوبًا رائعًا فالليلة لابد وأن تكون ليلة الحسم في علاقتهما الشائكة تلك.. لابد وأن تكون..
رواية السماء تشهد ايها الماجن الفصل الرابع عشر 14 - بقلم رضوى جاويش
كانت تحبس نفسها اليوم بطوله داخل حجرتها تعمل على إعادة ذاك الحوار الذي عليها البدء به أثناء الحديث معه.
كانت تكرره في آلية تضيف أو تحذف بعض الكلمات أو الجمل لتزيد من تأثيره بوجهة نظرها.
وعندما هل المساء واقتربت ساعة وصوله للفيلا، وقفت أمام المرآة تتطلع إلى نفسها في سعادة.
هذه هي المرة الأولى منذ وقت طويل التي تنظر إلى وجهها وهيئتها في المرآة ولا تشعر بالخزي والعار.
تحذوها الرغبة ألا تنتقل من أمامها منتشية بذاك الشعور الذي تسرب إلى روحها وجعلها بتلك السعادة.
وضعت غطاء رأسها وهى مترددة، لكنها قررت ألا تزيله إلا أمامه وبعد أن تقص عليه كل ما يعربد بداخلها من أوجاع.
اليوم هي من ستحكي وهو سيسمع على غير العادة.
لكنها لن تقص عليه أساطير خرافية كما يفعل هو، بل ستروي له قصة قلبها ومعاناة روحها.
اليوم ستفتح صندوق الذاكرة كاملا لتخرج كل ما يعشعش بخاطرها وتدفع به بعيدا بلا رجعة.
نظرت إلى الساعة، لقد تأخر اليوم في العودة وأصبحت فترات غيابه عن الفيلا تطول يوم بعد يوم وعليها أن تجد حلا لهذا.
ابتسمت لصورتها في المرآة، تهمس في عبث لنفسها:
"سأجعله يكره الخروج من الفيلا، بل سأجعله رافضا أن تطأ أقدامه خارج الغرفة رغبة في ألا يفارقني أبدااا."
قهقهت وخبأت وجهها بين كفيها، هامسة لنفسها:
"أصبحت أفكاركِ أكثر مجونا منه يا حياة."
شعرت بقدومه من الخارج، فارتفع نبض قلبها للضعف دفعة واحدة.
حتى أنها ما عادت قادرة على ازدراد لعابها اضطرابا.
مدت كفها لكوب الماء على الطاولة قرب فراشها وارتشفت بعض منه.
تنفست في عمق، مندفعة تفتح باب حجرتها متجهة لحجرته حتى لا تخزلها شجاعتها المستحدثة تلك.
طرقت باب الغرفة ولم تجد إجابة، فوبخت نفسها هامسة:
"أدخلي.. إنه زوجك يا بلهاء."
دفعت الباب برفق تستطلع موضعه بالغرفة، لكنه لم يكن بها حتى الحمام بابه مفتوح ونوره مضاء.
أين ذهب يا ترى؟ لقد وصل لتوه.
تسللت في هدوء إلى الأسفل لتصل لغرفة المكتب التي استشعرت صوتا قادما منها.
كان هو بالداخل فعلا والباب مواربا.
همت بالدخول لكنها رفعت كفها عن مقبض الباب عندما سمعت صوته يعلو في انفعال قليلا وكأنما يحاول السيطرة على ارتفاع نبرته المحتدة.
هاتفًا في ضيق:
"أفعل ما أطلبه منك.. أعرف أني أثقل عليك.. لكن ما هي إلا أيام قلائل وأحصل على ما أرغب فيه.. كن صبورًا وسأسدد دينك بالكامل فلقد تحملتني كثيرًا بالفعل."
تنهد في وجع يستمع لمحدثه على الطرف الآخر.
لينفجر فجأة مقهقها هاتفا في سخرية:
"أخبرتك أن لا معنى لهذه الكلمة بقاموسي.. لقد انتهى عصر العاشقين يا صديقي.. اجتماع رجل وامرأة لا يعني إلا أن الشيطان ثالثهما والأمر مجرد تلبية احتياجات.. ما الذي يدفعني إلى ارتكاب حمق التعلق بامرأة واحدة وأنا لدي قبيلة من النساء الحسناوات بانتظاري. إن ذاك لجنون مطبق."
صدمتها كلماته، فتحركت في آلية، لا تعلم كيف وصلت لحجرتها.
بل أنها لا تدرك كيف حملتها قدمها من الأساس لتصل إليها.
جلست في تباطؤ مرير على طرف فراشها وقد شعرت أن أهازيج الفرحة التي كانت تتعالى بين جنبات نفسها منذ قليل تحولت إلى نعيق مشؤوم لمكان خرب مظلم هو روحها.
رفعت رأسها وقد بكت حتى فاض معين الدمع لتصطدم بوجهها في المرآة أمامها.
وتساءلت في ما يشبه الجنون:
"من هذه المطلة أمامها؟ هل هي نفسها ذات المرأة التي كانت منذ دقائق كالفراشات خفة لا تكاد تساعها سماء ولا تقلها أرضا؟ ما الفارق؟ الفارق دقائق.. لا الفارق ليس زمنًا.. الفارق أمل.. الفارق هو ذاك الوهم الكاذب الذي غرست بذرته بقلبها وأسقته يقينها وترعرع على رغبة بريئة حتى أضحى ذاك الوحش الذي يقتات اللحظة على فتات روحها المهترئة."
انتحبت من جديد وهي تدرك أن اسمها هو سر لعنتها.
"حياة.. أي حياة؟ حياة الفقد.. حياة الوجع.. حياة التعاسة والشقاء."
***
دخل شهاب لبيته صارخًا في سعادة وهو يحمل بعض الأوراق يلوح بها لأخته التي كانت تجلس على طاولة بمنتصف الردهة تحضر طعام الغذاء.
لتترك ما كان بيدها منتفضة تتطلع إليه في عدم تصديق هاتفة في تساؤل متردد:
"هل هي الأوراق التي..؟"
لم تكمل سؤالها فلقد قاطعها شهاب يومئ برأسه عدة مرات في إيجاب مطلق.
لتصرخ في سعادة تكاد تطلق الزغاريد تيمنا بهذا الحدث السعيد الذي لن يتكرر.
وأخيرًا جذبت بكف شهاب أمرة:
"اتصل بها وأخبرها بما اتفقنا عليه."
هز شهاب رأسه طائعًا وأمسك بهاتفه يتصل بحياة إلا أنها لم ترد.
فتطلع لأخته مؤكدًا:
"لم ترد.. هل أتصل من جديد؟"
ابتسمت شادية في شماتة:
"لا.. أرسل لها رسالة وأخبرها ما سأمليك إياه وستجدها هنا في غضون دقائق من بعد قراءتها."
ابتسم شهاب مستحسنا الفكرة، يكتب ما تمليه أخته من أحرف مسمومة.
وأخيرا ضغط زر الإرسال لتتسع ابتسامته بينما تعالت ضحكات أخته في تشفي.
***
صعدت نهى الدرج حاملة صينية إفطار مخصوص لابنه خالها.
وابتسمت في حبور وهى تتجه نحو غرفتها تطرق الباب تنتظر منها أخبار الليلة الميمونة.
طرقت باب الغرفة عدة مرات لكن لا مجيب.
توجهت لغرفة جدها التي كانت تحتلها حياة فربما باتا ليلتهما فيها.
عدة طرقات متتابعة لتهتف حياة بها أمرة إياها بالدخول.
فتحت نهى الباب في حرص وما أن وقعت عيناها على حياة حتى شهقت في صدمة.
دلفت للغرفة واضعة صينية الطعام جانبا واتجهت إلى حيث كانت ترقد حياة بهيئة عجيبة افزعتها.
جلست نهى قبالتها على طرف الفراش تتطلع إلى ثوبها وزينتها التي لطخت وجهها هامسة في قلق:
"ما الأمر؟"
همست حياة في هدوء عجيب:
"لا شيء.. لم يحدث شيء غير متوقع."
همست نهى تحاول الاستفسار:
"هل تشاجرتما؟"
هتفت حياة بحزم وهى تنهض من موضعها في اتجاه الحمام:
"لا مزيد من الأسئلة حول هذا الأمر."
وقبل أن تدلف للحمام همست في حرج:
"ورجاء خاص.. أريد بعض المال على سبيل القرض بشكل مُلح وسأرده إليكِ من راتبي."
هتفت نهى في لهجة عاتبة:
"المال كله مالك.. كما إنني قررت التنازل عن نصفه لأجلك بالفعل.. فهذا حقك."
هتفت حياة في إصرار عجيب:
"لا.. المال مال جدي رحمه الله وهو قرر لمن يعطه ولا تبديل لقراره.. أريد المال في أسرع فرصة.. و.."
قطعت كلماتها متطلعة حولها تبحث عن هاتفها لكنها لم تجده بالغرفة.
فهتفت بنهى:
"ابحثي عن هاتفي من فضلك فلم اتفقده منذ البارحة.. يبدو أني نسيته بالأسفل.. هيا."
أومأت نهى في طاعة رغبة في عدم اثارة غضب ابنة خالها التي تبدو في حالة عجيبة تشعرها بالقلق عليها.
كان آدم بالمكتب يبحث عن هاتفه فيبدو أنه نسيه عندما كان يتحدث به ليلا وتركه جانبا عندما جلس يقرأ قليلا ولم يصطحبه معه لحجرته.
تراءى أمام ناظريه ضوء لشاشة هاتف أضاء نورها فجأة واختفي فوق المكتب.
فاتجه إليها في ثقة معتقدا أنه هاتفه فإذا به هاتف حياة وأحدهم يتصل بلا اسم.
كاد أن يرد لكن الرنين توقف ليأتي اشعار برسالة.
قرأ بعضا من نصها مكتوبا على شاشتها الخارجية:
"انا شهاب.. تعالي إلى بيتي حالا وإلا.."
حاول أن يدخل لمحتواها حتى يكمل القراءة ويقوم بحذف الرسالة من الأساس.
إلا أن الهاتف كان يحمل رمزا للمرور فلعن في سره وانتفض واضعا الهاتف بجيب سترته ما أن استشعر قدوم أحدهم.
هتفت نهى وهى تدخل الى المكتب في أريحية:
"صباح الخير آدم.. ألم تر هاتف حياة."
اندفع راغبا في الخروج من حجرة المكتب هاتفا:
"صباح الخير يا نهى.. ساتغيب الليلة قليلا.. فأرجو أن.."
رنت نهى على هاتف حياة ربما سقط منها في مكان ما ولا تستطيع الوصول إليه.
سمعت الرنين بالفعل قادم من جيب سترة آدم الذي لم يكن قد غادر الغرفة بعد.
فادعى الدهشة مخرجا الهاتف من جيبه يهتف مبررا:
"ها هو هاتف حياة.. كنت اعتقده هاتفي لأنه مفقود أيضا."
تقبلت نهى مبرره في سلاسة وهتفت في مرح:
"يبدو أنه يوم ضياع الهواتف."
واتصلت بهاتفه ليرن فعلا بالقرب من احد الكتب الموضوعة جانبا بركن الغرفة.
ليهتف آدم في امتنان:
"ها هو.. اشكركِ.. على الذهاب."
تناول هاتفه واندفع خارج الفيلا يلعن ذاك الحظ العسر الذي أتى بنهى قبل أن يغلق حتى الهاتف فلا يرن بجيبه.
***
طرقات على الباب جعلتها تسرع لتفتح تنظر إلى ذاك الذي يقف متحفزا يتساءل في لهجة حادة:
"هل أخوكِ هنا؟"
هتفت شادية في ميوعة وهى تقف تسد الباب واضعة كفا بخصرها تقيم آدم بناظريها:
"نعم هنا."
ونادت بصوت جهوري ليظهر شهاب مستيقظا لتوه من غفوة الظهيرة متجها للباب.
هاتفا وهو يتثاءب:
"من يطلبني..؟"
أصبح الآن في مجال رؤية آدم الذي أزاح شادية جانبا وكال لشهاب لكمة قوية جعلته يصرخ في ألم وسقط أرضا هاتفا بثورة:
"أنا من يطلبك.. هل لديك مانع؟"
عاد آدم للباب مرة أخرى جاذبا مشادية التي كانت على وشك الخروج منه صارخة تستدعي الجيران.
دافعة بها للداخل لترتطم بالحائط لتقف متسمرة لا تدري ماذا يحدث.
أغلق آدم الباب بالإقفال المتعددة وعاد مرة آخرى لشهاب الذي صرخ يحاول التقهقر حتى لا تصله يد آدم.
لتصرخ شادية في ذعر:
"من هذا يا شهاب!؟ وماذا يريد منك!؟"
هتف شهاب مذعورا قبل أن تمسك به يد آدم مرة آخرى:
"هذا زوج حياة."
صرخت فهتف بها آدم أمرا في صرامة:
"أخرسي.. رغم أني لم أمد يدا على امرأة من قبل، لكن سيكون دورك هو القادم إن سمعت لك صوتا."
ابتلعت صوتها مذعورة إلا أن أخوها هتف يستحثها:
"بل أصرخي يا شادية.. سيقتلني.. أصرخي لاستدعاء الشرطة."
ظلت شادية على صمتها رعبا رغم توسلات أخيها وآدم يكيل له اللكمات الواحدة تلو الآخرى.
وهتف أخيرا وهو يرج جسده في غيظ:
"لما أرسلت الرسالة لحياة!؟ ماذا تريد منها أنت وهذه الحية!؟ أما كفاكما ما فعلتماه بها!؟"
ودفع بجسد شهاب يطوحه حتى سقط على الطاولة يصرخ فيه أمرا:
"انطق.. ماذا كنت تريد منها!؟"
ولمَ.. صمت آدم ولم يكمل سؤاله فقد كان جسد شهاب ملقا على بعض الأوراق التي تناثرت هنا وهناك فوق الطاولة.
دفع آدم بجسد شهاب بعيدا متطلعا إلى الورقة التي تحمل اسم حياة ليرفعها بين يديه يقرأها ويتناول غيرها وغيرها حتى انتهى من جمع الأوراق.
وتطلع إلى شهاب وشادية في احتقار متحدثا من بين أسنانه في غيظ:
"أهذا ما كنتما تخططان له!؟ تزوير تاريخ الطلاق ونوعه.. تلاعبت باليوم حتى تظل حياة إلى اللحظة في عدتك ويكون من حقك إعادتها لعصمتك أو ابتزازها حتى لا تشهر الأوراق وتصبح هي عرضة للسجن بتهمة تعدد الأزواج.. وكذا أبدلت كوّن الطلاق على الابراء إلى طلاق رجعي حتى يكون لك حق إرجاعها دون موافقتها.. أي شيطان أنت!"
وتطلع إلى شادية وصرخ:
"بل شيطانة.. فهذا الاحمق أخوكِ لا يمكن أن يدبر مثل هذا التدبير الابليسي منفردا."
ولتقط أنفاسه هامسا في نفاذ صبر:
"حسنًا.. فعلتما كل هذا سعيا خلف مالها.. إذن فلتسمعا البشرى.. جد حياة أخرجها من الوصية وكتب كل ما يملك لحفيدته الآخرى نهى ولم تعد حياة تملك مليما."
شهق كل من شادية وشهاب.
ليستطرد متجاهلا صدمتهما أمرا:
"ورغم ضياع المال الذي كان همكما الأول إلا أني أقسم إن فكر أحدكما مجرد تفكير في الاقتراب من حياة لأي سبب كان فسيكون عاقبته أمر من أمرين لا ثالث لهما."
وضغط على أسنانه مستطردا في صرامة:
"السجن أو القبر."
وتطلع إليهما في اشمئزاز ثم اندفع يفتح الباب ليخرج صافقا إياه في عنف كاد أن يخلعه.
لينظر كل من شادية وشهاب لبعضهما وقد تلاشت كل آمالهما في الحصول على مال حياة كما تتلاشى الكتابة على سطح الماء.
***
هتفت نهى وهى في سبيلها للخروج لحياة التي تجلس ببهو الفيلا في شرود مؤكدة:
"حياة.. لقد توقف هاتفك عن العمل فيبدو أنه كان بحاجة ليُشحن.. وضعته بحجرتك على الشاحن."
هزت حياة رأسها متفهمة ولوحت لنهى التي اندفعت من باب الفيلا في اتجاه الشركة.
وهمست وهى لا تزل على شرودها:
"يبدو أنه ليس الوحيد الذي في حاجة للشحن."
لا تعرف كم مر من الوقت وهى على حالها تجلس بموضعها حتى دخل آدم للفيلا.
فانتفضت لمرآه واتجهت إليه تقف قبالته هاتفة:
"علينا التحدث."
هتف ادم بلامبالاة:
"ولما لا، تفضلي."
أشار لحجرة المكتب لتندفع إليها حياة وهو في أعقابها مغلقا الباب خلفه.
ما أن استدار لمواجهتها حتى بادرته متسائلة في هدوء:
"متي أحصل على الطلاق..؟"
هتف في لامبالاة:
"ولما أطلقك؟"
هتفت تحاول السيطرة على أعصابها:
"أعتقد أنه قد حان الوقت للانفصال وليمض كل منا بطريقه."
همس مقتربا منها:
"وما الضرر بتقاطع طريقينا.. فأنا مرتاح جدًا في حياتي معك ولا رغبة لي في العودة لحياة التنقل هذه."
هتفت بانفعال وقد بدأت تفقد السيطرة:
"أنت لا تختلف عن أي منهم.. كلكم طامع.. كلكم يبحث عن المصلحة من بقائكم قربي والتواجد بحياتي.. لكني لا أريد أحدًا.. ولا احتاج أيكم أبدااا."
هتف مؤكدًا في هدوء:
"وليكن.. لا اعتقد أن ذلك هو الوقت المناسب لانفصالنا على أي حال."
تطلعت إليه في وجع وساد الصمت لبرهة.
اقتربت منه في ثبات عجيب حتى أصبحت قبالته تماما.
وأخيرا همست بصوت كالانين وبنبرة مشروخة ألما:
"فهمت.. أنت لم تحقق مقصدك من تلك الزيجة وهو الحصول على المال أو عليّ أنا.. بنظرك الصفقة خاسرة.. وطالما إن حصولك على المال أصبح صعبا بعد وصية جدي التي جردتني من إرثي أو لنقل حتى بعد اقتراضي المال من نهى فلن يرضي ذلك طموحاتك العالية.. إذن لم يتبق إلا الحصول عليّ أنا لتصبح الصفقة إلى حد ما رابحة.. الحصول على المال ولا ضرر من بعض المتعة.. كان ذلك هدفك منذ البداية.. مذ كنا على تلك الجزيرة وأنت تسعى خلف إرضاء نزواتك.. كنت أعتقد أن رغبتك تلك لأنني كنت الاختيار الوحيد المتاح وقتها وقلت لنفسي بعد عودتنا أنك ستصرف نظر عن تلك الرغبة فأنا لم أعد خيارك الأوحد بل ربما أكون الاختيار الأخير في قائمة حسناواتك التي لا تنتهي.. لكن يبدو أنك لا تترك أمرًا قد عزمت على نيله مهما كانت الظروف."
صمتت تزدرد ريقها مستطردة في قوة وهو يقف أمامها كالمسمار لا يحرك ساكنًا:
"صدقني.. ما عاد لدي ما أمنحه لك.. فأنا لا أصلح للمتعة إطلاقًا."
ساد الصمت وطال تبادل النظرات بينهما.
لتهتف صارخة في نفاذ صبر:
"ألا تصدقني..؟ حسنًا.. هاك الإثبات."
وجذبت عن رأسها غطائه بعنف ليظهر رأسها الحليق وشعرها الذي بدأ ينمو قليلا.
وأخيرا رفعت كفيها ممسكة بطرفي ثوبها من خلف الرقبة جاذبة سحاب الثوب لينفرج دفعة واحدة لتستدير بعنف ليتطلع لصفحة ظهرها الممتلئة بالندوب للحظة قبل أن تعاود النظر إليه من جديد هامسة وابتسامة تقطر وجعًا ترتسم على وجهها:
"ها قد رأيت.. أنا أبعد ما يكون عن صورة امرأة تمنح المتعة.. أنا مجرد حطام امرأة بشعر حليق وجسد تعلوه الندوب وروح مشوهة.. أذهب وأبحث لك عن امرأة بحق.. امرأة لديها ما تهبه لك.. أما أنا.. فقد اكتفيت من لعبة العشق وخداع القلب.. فقد أخطأ من أسماني حياة.. ألم تكن هذه كلماتك؟"
كان يتطلع إليها في صمت محير لم ينبس بحرف واحد.
نظراته إليها لم تهتز للحظة لكنه لم يبح بكلمة، وهذا ما كان يقتلها.
ليته يتكلم.. ليته يفصح عن دواخله.
ما عادت قادرة على التطلع إلى نظراته التي كانت تحمل شعورًا ما لم تستطع قراءته في خضم اضطرابها.
لذا، فإنها استدارت توليه ظهرها حتى تعطيه الفرصة الكافية ليرحل دون حرج.
اقترب منها في هدوء ليقف خلفها مباشرة ومد أصابعه متحسسًا إحدى الندبات البارزة على ظهرها لترتجف وقد نكست رأسها الحليق ودمعها يسيل على خديها في صمت.
انحدر كفه ماسكًا بسحاب الرداء مغلقًا إياه في بطء، ثم انحني متناولًا غطاء رأسها واستدار ليصبح في مواجهتها.
وهي تقف في استكانة غير قادرة على التطلع إليه وقد عرت أوجاع روحها أمامه.
وضع غطاء رأسها على هامتها ودفع بطرفيه على كتفيها ومد يده يرفع ذقنها لتطالع عيونها الدامعة عيونه التي كانت ما تزال تحمل نفس النظرات المبهمة.
وبأصابع كفه الآخر أخذ يزيل خطوط الوجع التي رسمتها تلك الدموع على وجنتيها.
اقترب منها في وجل وقرب جبينها ليلثمه في بطء قبل أن يبتعد عنها متطلعًا إليها من جديد كأنما كان يحفظ قسمات وجهها عن ظهر قلب.
وأخيرا اندفع ليفتح باب الغرفة راحلًا تاركًا إياها تتطلع إلى موضعه حيث غاب لتسقط على ركبتيها باكية في قهر.
***
ظل اليوم كله خارج الفيلا بل إنه لم يعد للمبيت فيها.
وباتت هي ليلتها تتقلب على جمر بعد تلك المكاشفة التي دارت بينهما.
امسكت بهاتفها الذي نسيته تمامًا منذ البارحة وتطلعت إلى الرسائل لتنتفض ما أن طالعتها رسالة شهاب.
انطلقت بسيارتها عازمة على وضع حد لهذا الرجل الحقير.
عليها التصرف بنفسها منذ هذه اللحظة فلقد انتهى عصر الاعتماد على جدها الراحل في تسيير أمورها وعليها أن تكون قادرة على اتخاذ قراراتها وتنفيذها وتحمل تبعاتها مهما كانت.
همت بالخروج من الفيلا إلا أن أحد أفراد الأمن استوقفها هاتفا:
"سيدتي.. لقد ترك السيد آدم هذا الظرف لكِ."
تناولته في آلية وتركته جانبًا على المقعد المجاور وهى تندفع إلى حيث وجهتها لتنهي أمرًا لابد من إنهائه للأبد.
توقفت أمام ذاك البيت العتيق الذي أزكمت أنفها رائحته العطنة وصعدت درجاته التي اعتلتها يومًا يحدوها الأمل في حياة لم تمنتها.
توقفت عند باب الشقة المرجو وطرقته لينفرج عن محيا تلك المرأة التي ما تمنت إلا عدم الاجتماع بها ما حيت.
وعلى الرغم من ذلك تطلعت إليها في قوة لا تعلم من أين واتتها اللحظة.
أفسحت لها شادية الطريق في هدوء على غير العادة لتدلف حياة إلى ذاك البيت.
تقف في منتصف الردهة تتطلع لكل ركن فيه وكأنما تسترجع ذكريات الوجيعة التي عاشتها بين جنباته.
صرخ شهاب من الداخل:
"لا.. شادية.. أرجوكِ لا تسمحي له بالدخول.. دعيه يكف عني."
هتفت حياة في تعجب:
"عن من يتحدث أخيك الأبلة..؟ وما هذه الرسالة التي أرسلها لي..؟"
هتفت شادية في غل مكبوت:
"انسي أمر الرسالة فما عاد لها أهمية بعد علمنا بأنك خرجتي من وصية جدك خالية الوفاض."
قهقهت حياة:
"أهااا.. لقد فهمت.. كانت من أجل ابتزازي ليس أكثر.. ولكن ابتزازي بماذا!؟ ما حيلتكم القذرة هذه المرة!؟"
هتف شهاب وهو يخرج متوكئًا على الحوائط في ألم:
"لم نعد نريد شيئًا ولم يبق معنا ما نبتزك به."
شهقت حياة ما أن وقع ناظريها عليه فقد بات محطمًا تمامًا كمن خرج لتوه من صراع مع أحد الأفيال.
فهتفت متسائلة:
"من أحدث بك كل هذه العاهات التي تستحق!؟"
هتفت شادية في غيظ:
"ألا تعرفين!؟"
هتف شهاب منكسر النبرة:
"إنه زوجكِ.. لقد جاء إلى هنا وأوسعني ضربا.. بل جاء مرتين.. أمس صباحًا ومساءً.. كأنما أصبح ضربي هوايته المفضلة."
واستطرد صارخًا في وجع باكيًا:
"أرجوكِ يا حياة.. دعيه يرحمني.. لم أعد أحتمل."
وانتفض هاتفا في تأكيد:
"ونحن أخبرناه أننا لن نقترب منك أبدا."
وتطلع لشادية أخته يحثها على موافقته:
"ألم نفعل يا شادية!؟ هااا.. انطقي."
أكدت شادية ممتعضة:
"بلا فعلنا.. فما حاجتنا إليكِ وأنتِ أكثر إفلاسا منا.. كما إنه أخذ كل الأوراق التي كنّا سنساومك عليها."
تنبهت حياة متسائلة:
"أي أوراق!؟"
وتذكرت فجأة ذاك الظرف الذي أعطاه لها الحارس وتركته بالعربة.
هتف شهاب مستعطفًا:
"أرجوكِ يا حياة.. لا تسلمي الأوراق للشرطة.. أرجوكِ."
هتفت حياة نتطلع إليه في حنق وأخيرا هتفت صارخة في ألم مكبوت منذ زمن:
"الآن تتذلل..؟ كم من رجاء تذللت به إليك..؟ لما لم تسمعني..؟ لم تركت هذه الحقيرة تفعل بي كل ما يحلو لها في سبيل الحصول على مالي..؟ مالي الذي أقسمت لكما مرارًا أني لا أملكه وأن جدي قد جعلني أتنازل عن كل مليم حتى أستطيع الزواج بك.. لكنك لم تصدقني."
وتوجهت بحديثها لشادية وصرخت بوجهها هاتفة في وجع:
"أتذكرين هذا الركن..؟"
وأشارت لركن بعيد مستطردة:
"هذا الركن الذي كنت ألقى فيه مكبلة لتستمتعي بحرق جسدي كي أخبرك أين أخبئ مالي المزعوم وتدفعي بي كي أشاهد بائعات الهوى في أحضان زوجي لأنني لست بامرأة تستحق أن تكون زوجة تهب زوجها ما يستحق.. وأخيرًا.. قمت بحلاقة شعري لأني كنت أزهو به.. على حد قولك."
هتف شهاب في نبرة كسيرة:
"أنتِ على حق تمامًا.. لكن صدقًا أنا لم أرض عن كل ما فعلته بك شادية.. أنا.."
صرخت به حياة:
"أنت كنت أكبر خطيئة ارتكبتها بحق نفسي وجدي.. أنت الذنب الذي لا يغتفر.. تركتها تفعل بي كل تلك العذابات ولم تحرك ساكنًا."
وتحشرج صوت حياة هاتفة في حسرة:
"حتى طفلي.. طفلنا.. لم تستطع حمايته من جبروت أختك والتي ما أن علمت بحملي حتى إذاقتني كل صنوف العذاب، وأخيرًا قامت بإجهاضي ولم تحركك توسلاتي وأنا أصرخ أمام ناظريك بأن تحمي طفلنا.. لكنك لم تستجب إلا عندما تأكدت أني على وشك الموت فحملتني للمشفى.. لا علاجي أو حتى محاولة لإنقاذ الطفل بل لتستدعي جدي لتساومه على طلاقي في مقابل بعض المال حتى لا يصبح صفقة زواجي منك خاسرة على حد قول تلك الحقيرة."
هتفت شادية في لامبالاة:
"لقد مر الأمر.. وها أنتِ بخير.. فدعينا لحالنا واذهبي لحال سبيلك."
قهقهت حياة في وجع:
"بخير..؟ عن أي خير تتحدثين..؟ لقد استمر علاجي بالمشفى من أثر أفعالك ما يقرب من الشهرين بجانب العلاج النفسي لترميم بقايا روحي التي أزهقتموها ذلًا وقهرًا."
وهتفت حياة في إصرار:
"لن أسامحكما ما حييت.. فالرحمة والمغفرة تُعطى لمن يستحق."
اندفعت حياة تفتح الباب هاربة حين شعرت بالاختناق داخل هذه الجدران العفنة وقد تحررت أخيرًا من أوجاعها التي ذاقتها بداخل هذا البيت.
دخلت سيارتها فوقع نظرها على الظرف الذي أرسله آدم.
فتحته على عجالة لتجد بعض الأوراق ورسالة منه.
وضعت الأوراق جانبًا وقرأت الرسالة في عجالة ولهفة:
"هذه الأوراق هي وسيلة ثأركِ.. إن شئتِ العفو اجعليها سلاح تهديد بيديكِ لحمايتك وإن شئتِ الانتقام فقدميها للشرطة... وداعا."
تطلعت للأوراق تتفحصها لتدرك تلك المكيدة التي كانت على وشك الوقوع فيها لولاه.
أعادت قراءة الرسالة مرة أخرى ليقع نظرها على الكلمة الأخيرة.. وداعا.
دمعت عيناها وشعرت بحيرة وتشوش لم تستشعرهما يومًا.
وتساءلت ربما للمرة الأولى منذ رأته..
"من أنت يا آدم عبدالخالق..؟ ولما لك وجهان متعاكسان بمرآة القلب لا أعلم أيهما وجهك الحقيقي..؟ من أنت..؟"
صرخت بداخلها ودموعها تغشى عينيها وهى تندفع مبتعدة بسيارتها لا تدرك كونه يترقبها بأعين حارسة من البعد حتى تأكد أنها بعد مواجهة الماضي.
رحلت في سلام.
يتبع...
رواية السماء تشهد ايها الماجن الفصل الخامس عشر 15 - بقلم رضوى جاويش
شهر كامل ما وطأت قدماه أرض الفيلا ولا أبصرت حتى محياه بالشركة. والأسبوع الأخير كان فيه من الفوضى والمفاجآت ما أربكها تمامًا، وخاصة مع عدم وجوده.
لقد انقلبت الأمور بعد رحيله بسرعة عجيبة، واتضح ما بين عشية وضحاها خيانة مهني، مدير أعمالهما. استطاع ذاك الموظف الجديد المدعو سامي الحصول على ما يدينه ويؤكد خيانته للأمانة التي تركها جدها بين يديه. تحقيقات واستدعاءات جعلت رأسها يدور. وما عاد لديها القدرة على الصمود أمام ذاك التشويش.
لكن أخيرًا انتهى كل هذا. دخلت غرفتها غير قادرة على التفكير للحظة أخرى. وودت لو كان لديها إمكانية إيقاف عقلها عن العمل لبعض الوقت حتى تهدأ وتعود لطبيعتها. يا ليتها تملك زرًا للتخلص من معاناتها، وخاصة إمكانية حذفه من مخيلتها كليًا لتستأنف حياتها من جديد.
إنه كالظل الذي يتبع أفكارها وخواطرها، ويلوح كالشبح ما بين طيات ذكرياتها، ويتسلل كلص سارقًا النعاس من أجفانها. لقد رحل منذ آخر مواجهة بينهما. غادر حتى دون أن تشكره على كل ما فعله من أجلها. على تخليصها من شبح الماضي بمواجهته، والثأر لحقها المسلوب وكرامتها الضائعة، واتخاذ قرارها بتسليم الأوراق التي عثر عليها مع شهاب للشرطة لتقتاده وأخته خلف القضبان، لتطوي صفحة الماضي بلا رجعة.
رحل بعد أن اقتنع أخيرًا أنها لا تصلح له. فهو أحق بامرأة أفضل. امرأة تهبه ما يستحق لأنه يستحقه عن جدارة، لا امرأة بجسد معطوب وقلب جريح وروح مهلهلة.
تنهدت في وجع وجلست على طرف فراشها تتطلع حولها في تيه، تشعر أن موضعًا ما بداخلها يتلوى ألمًا لا تدرك كنهه كلما جال بخاطرها ذكره. دمعت عيناها لسبب تجهله أو ربما تتجاهله. إنه الحنين. الحنين لصوته ومزاحه ومرحه وحتى مجونه.
تنبهت عندما تناهى لمسامعها إشعار ما. فتحت حقيبتها وتناولت جوالها، معتقدة أنه أمر ما يخص الشركة والتحقيقات مع مهني، ذاك النصاب الذي استغل ثقة جدها واختلس الكثير من أمواله وزور الكثير من قراراته لصالح منافسين. حتى أنه باع بعض الأسرار الخاصة بشركة جدها لبعض الطامعين.
كان جدها يعلم كل هذا. فسمعته الطيبة بالسوق وصلاته المختلفة جعلت البعض يحذره من مدير أعماله الذي استولى على إدارة كل شيء. وما كان جدها بقادر على تغيير الأمر الواقع لأنه لا بديل، حتى ظهر سامي الذي كان مهني يرفض تعيينه لولا تدخل نهى لتؤكد أنه الأفضل من بين من تقدموا للوظيفة. وكانت على حق تمامًا. فلولاه لظل الوضع على ما هو عليه.
فتحت الرسائل الصادرة ليطالعها اسمه. نبض قلبها تسارع بشكل عجيب. تسمرت للحظة قبل أن تضغط زر الاستماع لهذه الرسالة الصوتية التي أرسلها. صوته الرخيم الذي اكتشفت أنها اشتاقته حد الوجع هز وترًا مشدودًا داخل روحها جعل قلبها يترنح وجدًا.
حاولت أشعار نفسها بالثبات وهمي، وأن تركز على فحوى الرسالة والتي همس بكلماتها في شجن:
"حياة.. هذه هي آخر رسالة أبعث بها إليكِ. صدقيني كانت ضرورية بل حتمية، لكن أعدك ألا أزعجك مرة أخرى."
صمت للحظة، لكنه استطرد بصوت تحمل نبراته حسرة ووجيعة استطاعت استشعارها بسهولة عجيبة أربكتها:
"حياة.. اليوم أستطيع أن أقول لك وداعًا. اليوم فقط حققت الهدف من زواجنا وأديت الأمانة على أكمل وجه. اليوم أستطيع أن أخبرك أنك حرة من الالتزام بأي رابط يربطنا. وسأقوم باللازم حتى أنهي زواجنا بأقرب فرصة وأرسل لك صك حريتك حتى تعودي لحياتك من جديد."
صمت من جديد للحظة، واستكمل هامسًا:
"هل لي بأن أقص عليك واحدة من أساطيري للمرة الأخيرة!؟ سأفترض أن الإجابة بنعم. تقول الأسطورة أنه تحت شجرة الخير والشر بجنة عدن، كان هناك شجيرة لطائر رائع الجمال. لكن ما أن قطفت حواء من تلك الشجرة المحرمة، طردا هي وآدم من الجنة. وسقطت شرارة من نار على عش ذاك الطائر الذي احترق كليًا. لكن من بيضته الملتهبة خرج الطائر من جديد. وأصبح عندما يكبر في السن يتحول إلى رماد، ومن ذاك الرماد يُخلق الطائر. هذا الطائر هو طائر الفينيكس الأسطوري أو ما يعرف بالعنقاء. كوني كالعنقاء يا حياة. فلتولدي من جديد من رماد أحزانك ومعاناتك. بعض الأوجاع تكون النيران التي تصهرنا لنصبح شخصًا آخر. شخصًا أقوى من سابقه. شخص بقلب لا يقهره الألم، وروح مقاتلة لا تهزها الخطوب. امنحي لنفسك الحياة يا حياة، ولا تنتظري أن يمنحك أحد ما هذا الحق. فالحياة التي نرغب ونستحق لا تُمنح مجانية، بل نقاتل في سبيل اغتنامها. وداعًا."
تطلعت إلى جوالها مصدومة. وما أن استجمعت شتات نفسها وتنبهت لما سمعت حتى انفجرت باكية في شهقات متتابعة، وكأنما كانت رسالته تلك هي الطوفان الذي هدم صرح ثباتها لتغرق كليًا في ذاك الإحساس العجيب الذي يحتلها في تملك ويدفعها للمزيد من النحيب. إحساس قاهر جعلها تدرك بل توقن أنها تعشق ذاك الرجل وأنها لم تعشق غيره بحياتها.
***
أبحرت الباخرة التي كان يقف على متنها ينظر لليابسة التي تبتعد وكأنها تسلب منه روحه رويدًا رويدًا في وجع لا يمكن تحمله. لكنه رغما عن ذلك وقف يتطلع إلى الأرض التي تتلاشى ببطء، وكأنما هو يودع حبيبا ينتظر على الجانب الآخر.
تطلع لجواله حتى يتأكد أن رسالته قد وصلت إليها قبل أن يغلقه بشكل نهائي. تنهد في خيبة واندفع مبتعدًا للداخل يبحث عن غرفته ليضع بها الحقيبة ويلحق بميعاد العشاء. وعلى الرغم من فقدانه للشهية، إلا أنه قرر عدم الانعزال في غرفته، وأن عليه العودة لسابق عهده، فلابد للحياة أن تستمر.
اتجه لمطعم الباخرة يجلس في ركن منزوٍ يتطلع حوله في لامبالاة حتى يأتيه ما طلبه لعشاء خفيف. ابتسم رغما عنه عندما طرقت أبواب ذاكرته اليوم الأول، بل النظرة الأولى التي رمقته بها في اشمئزاز أثناء جلوسه. ما تلك الشقراء! وتذكر حاله يوم أن امسك بها متلبسة بتفرسه. كم كانت رائعة! كاد يقهقه على ذكرى قميصه المسكين الذي كان مصيره قاع البحر بلا رجعة.
تنبه وهو في خضم تلك الذكريات أن هناك أعينًا تترقبه. شعر ذلك بشكل غريزي جعله يرفع رأسه من على طبق حسائه متطلعًا إلى حيث مصدر تلك النظرات. كانت شقراء باهرة الحسن تتطلع إليه في جرأة، حتى أنها حملت صحنها واتجهت حيث طاولته وهمست بالفرنسية وبصوت بالغ الرقة والنعومة:
"هل يمكنني مشاركتك العشاء!؟"
جلست حتى قبل أن يأذن لها. لم يعترض ولم يأبه من الأساس، لكنها مدت كفها معرفة نفسها في أريحية:
"اسمي جوان."
مد كفه بالمقابل محييًا:
"آدم."
بدأت في تناول طعامها في هدوء تصب نظراتها عليه ما بين لحظة وأخرى. بينما أنهى هو حساءه وكاد أن ينهض، إلا أنها هتفت في نبرة شجية:
"أنا وحيدة بالرحلة وليس لي صديق. هل يمكننا أن نصبح أصدقاء!؟"
هم بالإجابة إلا أن أنغام أغنية فرنسية رومانسية بدأت تصدح، ما دفعها حتى قبل أن تنل إجابته على عرضها، أن تدعوه للرقص، تحاول جذبه لينهض مرافقًا لها. إلا أن آدم ابتسم في دبلوماسية جاذبًا كفه هاتفا:
"لا أعتقد أني سأكون صديقًا ذا نفع. الأفضل أن تبحثي لنفسك عن صديق أكثر شبابًا وصخبًا. أستأذنكِ."
تركها مندفعًا للخارج، صاعدًا لسطح الباخرة يتطلع إلى الماء والسماء اللذان أصبحت الباخرة محصورة بينهما بعد ابتعادها عن اليابسة بشكل كبير. تناهى لمسامعه كلمات الأغنية الفرنسية الرقيقة:
"أعيش في الظلام منذ أن فقدت عينيكِ.. ومنذ فقدت ضحكتكِ.. وأنا أعيش في صمت قاتل."
تنهد في شوق هامسًا:
"آه يا حياة.. لم أراكِ بكل ما حولي. لم لا تتركيني لحالي!؟ لم طيفك يحاصرني فيشعل لهيبًا في ذاك الخافق الذي ظننته يومًا قد مات للأبد!؟ أما من راحة!؟ هدنة من محياكِ!؟ وقت مستقطع ألتقط فيه أنفاسي دون أن يخالجها عطرك الخطر النوايا.. والبريء الشذى!؟ منحة القلب النابض التي وهبتني أصبحت نقمة في غيبتك. أصبحت عذابًا لا يمكن وصفه. أضحت وجعًا لا يهدأ وجرحًا لا يطيب."
دمعت عيناه وكلمات الأغنية الأخيرة تنساب إلى شغاف قلبه فتزيده لوعة:
"أحتاجك كحاجة الشجر إلى المطر.. أحتاجك كحاجة الإنسان إلى النسيان.. أحتاجك كحاجة الظل إلى الضوء.. لا يمكنني فعل شيء.. حبك يتملكني.. أحتاجك لأدرك أن الطقس رائع الليلة.. أحتاجك لأصبح أفضل مما أنا عليه.. أحتاجك."
تطلع للسماء ليبصر صورتها مزروعة في الجهات الأربع، فأضحى كرجل يعتلي سفينة النسيان في بحار من الذكرى. فهل إلى نسيان الحياة سبيل!؟
***
طرقات سريعة على الباب لتندفع نهى لداخل حجرة حياة حتى قبل أن تأذن لها. وما أن طالعت ما تفعله حياة حتى تنهدت في ضيق هاتفة:
"ألا زلتِ على رأيك!؟ أما من شيء يغير قرارًا اتخذته ذاك الرأس اليابس!؟"
ابتسمت حياة وهي لا تزال تضع ملابسها داخل الحقيبة المشرعة أمامها بعرض الفراش هاتفة:
"لا.. لن يتغير رأيي أبدًا."
ثم استطردت في نبرة موجوعة:
"أنا أحتاج لهذا السفر الطويل يا نهى. أحتاجه بشدة. فدعائم روحي اهتزت وقلبي قد اهترأ حزنًا. أريد استعادة حياة.. حياة القديمة قبل أن يهزمها العشق الكاذب. أريد استعادتي يا نهى والرحيل بعيدًا لفترة هو ما سيحقق لي هذا."
هتفت نهى معارضة:
"لكن الأمور اختلفت الآن يا حياة. فالعمل في حاجة إليكِ. عليك العمل لحفظ مالك بعد ظهور الوصية الحقيقية لجدي والتي أحضرها ذاك المحامي الذي أئتمنه جدي عليها. لقد عاد لك حقك في إرثك. لا نريد أشخاصًا من عينة مهني هذا يتلاعبون بحقوقنا وأنا لن أستطيع تحمل هذه المسؤولية وحدي. أرجوكِ.. راجعي الأمر. فما حاجتك للعمل كمرشدة سياحية تجوب الأقطار شرقًا وغربًا وأنت صاحبة إمبراطورية عملاقة تحتاج لإدارتك!؟"
هتفت حياة تفسر:
"العمل كمرشدة سيكون سلوتي في غربتي تلك. تعلمين أني أجيد الإنجليزية والفرنسية. وكان حلم حياتي أن أجوب العالم منذ بلغت الثامنة عشرة. لكن جدي وأنت تعلمين هذا الأمر جيدًا كان يعارض ذلك بشدة خوفًا علي ولأن معتقداته القديمة في عدم سفر الفتاة إلا بصحبة أبيها أو أخوها أو زوجها كانت تحكم قراراته. وها قد حانت الفرصة وأنا أحتاجها فعلاً. وأعدك عند عودتي سأتولى زمام الأمور كلها ولن أتركك وحيدة أبدًا."
همست نهى في مؤازرة:
"حسنًا يا حياة. أنا كل ما يهمني هو راحتك. أنتِ تعلمين ذلك جيدًا."
أكدت حياة وهي تضع بعض الأغراض بالحقيبة:
"أعلم يا نهى. وأعلم أيضًا أني أثقل عليكِ. فأمور العمل كلها ستكون ملقاة على عاتقيكِ. لكني لست بقلقة."
وابتسمت تغمز بعينها مستطردة:
"فمعك البطل الهمام.. سامي."
اتسعت ابتسامة نهى وطأطأت رأسها حياءً. لتستكمل حياة:
"وللصراحة.. هو شاب رائع. أتمنى أن يجمع الله شملكما قريبًا."
هتفت نهى في تردد متسائلة:
"وماذا عنكِ يا حياة!؟"
رغم أن حياة كانت تعرف إلى ما يرمي سؤال نهى، إلا أنها أجابت بلا مبالاة:
"ماذا عني!؟ سأجوب العالم. سأعيش تجارب جديدة. وأستمتع بحياتي وأستعيد نفسي."
همست نهى مترددة:
"وأمور القلب!؟"
ابتسمت حياة ابتسامة يكللها الألم:
"أي قلب!؟ لقد برئت من الهوى والقلب أغلق بواباته وألقى بمفاتيح الأقفال في بئر لا قرار له."
تنهدت نهى هامسة:
"أرجو لك رحلة موفقة ولكن أعلميني بأخبارك دائمًا."
أكدت حياة مازحة:
"بالتأكيد. سأرسل لك كل صوري وأخباري لأثير غيرتك بينما أنتِ غارقة بين الملفات مع ساااامي."
قهقهت نهى هاتفة:
"لا مخطئة. هو من يغرق في الملفات. وأنا أغرق في تأمله وأضيع كل مجهوده سدى عندما أفسد العمل في آخر الأمر."
قهقهت حياة:
"كان الله في عونه."
همست نهى في هيام:
"وفي عوني."
لتنفجر حياة مقهقهة من جديد على أفعال نهى الشقية التي لا تملها أبدًا.
***
كان يقود تلك المجموعة السياحية التي أضناها التعب خلال جولتهم في شوارع روما ليتجه بهم للتزود بما يحتاجونه. دخل مطعم ماريا وهتف يستدعيها لتظهر بوجهها الأحمر وجسدها الممتلئ هاتفة في سعادة كبيرة لمرآه:
"آدم.. كم هو رائع عودتك!؟"
احتضنها في مودة وأوصاها بمجموعته لتضع لهم كل ما لذ وطاب، لكنه لم يشاركهم الطعام بل جلس منزويًا وطلب من ماريا فنجانًا من القهوة. أحضرته على عجل وجاءت تضعه أمامه تشاركه الطاولة. تطلعت إليه في نظرة عميقة وأخيرًا هتفت في آهة مشفقة:
"وأخيرًا يا آدم.. لقد حدث أخيرًا."
تطلع إليها آدم متصنعًا عدم الفهم:
"ما الذي حدث!؟ عما تتحدثين يا امرأة!؟"
قهقهت مجيبة بإيطاليتها المنغمة وهي تضع كفها البيضاء فوق قلبها:
"العشق."
قهقه آدم مؤكدًا:
"العشق!؟ لا مجال لحدوث ذلك إطلاقًا. يبدو أن الخرف قد سيطر على عقلك يا ماريا."
قهقهت مؤكدة:
"إنكاره ذاك هو أكبر دليل أنك عاشق. وعاشق هادر. أنا أراه يطل من حدقتيك ويقفز معلنًا عن نفسه في كل نفس من أنفاسك. كلام ماريا لا يُرد. أنت عاشق لا محالة. عاشق حتى النخاع."
دخل أحد الزبائن إلى المطعم فانتفضت ماريا تلبي مطالبه تاركة آدم يتطلع من نافذة المطعم الزجاجية هائمًا في تلك الذكرى حيث كانت تجلس بين مجموعة كتلك منذ عدة أشهر، وكان هو لا يرفع عينيه من عليها متظاهرًا أنه يتجاهلها، لكنه كان يحيطها بعناية فائقة يكاد يدثرها بأضلعه خوفًا عليها.
تنهد وهو يتذكر ضحكاتها وهمساتها ليؤكد لنفسه في حسرة:
"نعم.. صدقت ماريا. أنت عاشق وتدرك ذلك جيدًا وتنكره منذ زمن طويل. فقدت قلبك وتركته وراءك تهرب مدعيًا أنك تحيا وأنت فقدت معنى الحياة بفقدانك إياها."
تنهد من جديد وهو ينهض ليصطحب مجموعته خارج المطعم مستكملًا جولته بذهن شارد وقلب مفقود بلا رجعة.
***
وقفت ومجموعتها أمام تلك القاعدة التي يقف عليها تمثالان منتصبان، أحدهما لرجل والآخر لامرأة، وهتفت في صوت عالٍ وبإنجليزية متقنة ليسمعها كل من بالمجموعة:
"هذا هو تمثال علي ونينو.. قصة حب خلدها التاريخ وتعتبر الأشهر في جورجيا. علي كان رجلاً أرستقراطيًا أذربيجانيًا يعمل كمعلم بإحدى المدارس السوفيتية. تعرف على الأميرة نينو كيبياني ووقعا صريع الهوى. لكن ارتباطهما قوبل بالرفض من عائلة الأميرة التي تمسكت بحبها وارتبطت به سرًا. ويقال أنهما أنجبا طفلاً لكن افترق الحبيبان ما أن أعلنت أذربيجان استقلالها عن الاتحاد السوفيتي الذي ضمها بعد فترة من جديد لتشتعل الحرب ويهب علي للدفاع عن وطنه ليكتب باستشهاده نهاية هذه القصة."
"هذان التمثالان هما مختصر قصتهما. يتحركا في اتجاه بعضهما ليلتحما كجسد واحد لبضع ثوان ثم يمر كل منهما في طريقه."
تنهدت النساء ودمعت أعين البعض. حتى هي تطلعت للتمثال المزدوج وشملها شجن عجيب وكلا التمثالين يلتحم كأنهما جسد واحد ثم يفترقا. تنهدت محاولة الابتسام لمجموعتها هاتفة:
"انتهت جولة اليوم. يمكنكم التقاط الصور ثم الصعود للعربة حتى نعود للفندق."
جلست على أحد المقاعد القريبة من التمثال وتطلعت للأزواج الذين يتبادلون التصوير. حادت عيناها تجاه التمثال تتطلع إليه وأحست بغصة غريبة بروحها. فقد استشعرت أن قصة الحبيبين أشبه بقصتها وآدم. شخصان جمعهما القدر لفترة بسيطة وبعدها افترقا كل منهما في طريقه.
دمعت عيناها لكنها انتبهت أن سائق العربة الخاصة بالفندق يتجه نحوها فتمالكت نفسها وهو يسألها مستفسرًا:
"لقد ركبت المجموعة كلها. لم يبق إلاك. هل..؟"
قاطعته هاتفة:
"سأبقى قليلاً. يمكنك العودة بالمجموعة."
أومأ متفهمًا وعاد أدراجه لتعود مرة أخرى لوحدتها متطلعة لتمثال الحبيبين وقد سالت دموعها رغما عنها تتطلع لاندماجهما وافتراقهما وكأنما هو طقس لتعذيب الذات.
***
كانت قد دخلت لتوها إلى حجرتها الفندقية بالعاصمة الإيطالية روما. قررت أن تنال حمامًا منعشًا سريعًا قبل تنزل لتصطحب مجموعتها إلى معالم العاصمة التي تعلم علم اليقين أنها ستثير داخلها كثيرًا من الشجون والذكريات.
تحركت بمجموعتها من معلم لآخر في مهارة وبدون أن تدري قادتها قدماها لمطعم ماريا. دخلت في تردد وخلفها مجموعتها وحاولت على قدر إمكانها التعامل مع ماريا التي كانت لا تتقن الكثير من الإنجليزية للأسف. لكنها استطاعت بكل مودة إطعامهم أشهى المأكولات التي حازت استحسان المجموعة.
تقدمت في اضطراب تجاه ماريا وهمست بصوت لا يكاد يسمع متسائلة:
"هل قابلت آدم!؟ هل جاء إلى هنا!؟"
تطلعت ماريا إليها بنظرة فاحصة وهتفت مؤكدة:
"نعم.. آدم كان هنا منذ ما يقرب الأسبوع."
خفق قلب حياة في جنون. لقد كان هنا. هل هناك أمل في لقائه؟ مجرد لقاء عابر. تتزود ببعض من ذكرى وترحل.
هتفت المرأة بالكثير من الكلمات التي اختلطت فيها الإنجليزية بالإيطالية وحاولت حياة قدر استطاعتها تفسير ما تقول:
"لقد جاء فعلاً.. لكنه لم يكن آدم القديم. إنه العشق.. لقد بدله الهوى كليًا."
همست حياة في خيبة:
"تقولين عشق!؟"
أكدت ماريا وهي تهز رأسها بقوة:
"نعم.. يبدو أنه قابل أخيرًا توأم روحه."
أومأت حياة في تفهم واستأذنت ماريا ورحلت وهي تعتقد أنها خسرته للأبد.
***
دفعت بحذائها الرياضي بعيدًا عن قدمها متأوهة واندفعت إلى الحمام تمني نفسها بفترة استرخاء طويلة في المغطس تتخلص من عناء جولة اليوم الطويلة وكذا تحاول تناسي كلام ماريا عن آدم واهتدائه أخيرًا لتوأم روحه.
ما أن همت بخلع ملابسها حتى تناهى لمسامعها صوت رسالة ما على جوالها. خرجت من الحمام متأففة فقد يكون أحد أفراد مجموعتها في ورطة ما ويحتاج مساعدتها. إلا أنها زفرت في راحة فقد كانت الرسالة من نهى. قررت تجاهلها للحظة لكنها فتحتها تتطلع إلى بعض الكلمات المكتوبة وبأسفلها تسجيل صوتي.
قرأت الكلمات سريعًا وما جاء بها حيرها:
"أولًا.. اشتقتك كثيرًا. ثانيًا.. سامي عرض علي الزواج أخيرًا.. وطبعًا تدللت لفترة طوييييلة حتى وافقت.. ثلاث دقائق وخمس ثوانٍ وأعلنت موافقتي بعد إلحاح منه طبعًا."
قهقهت حياة في سعادة لمزاح ابنة عمتها وكذلك من أجل هذا الخبر الرائع. لكن نهى استطردت:
"أعرف أن ما قمت به لا أخلاقي بالمرة ولا يليق بالأساس، لكن منذ متى تفعل ابنة عمتك أي شيء معقول أو منطقي!؟ هذا تسجيل لحوار دار بيني وبين سامي وأقسم أني لم أكن أعلم معظم المفاجآت التي ستتضح فيه، لكني استشعرت أنه من الأفضل لو استمعت لذاك التسجيل فقد يكون ما زال يهمك أمر صاحبه."
انتهت رسالة نهى لتجلس حياة في اضطراب مترقبة ما يمكن أن تسمعه على ذاك التسجيل الصوتي يحدوها حدس عجيب أن القادم يخص آدم. مدت إصبعًا مرتجفًا وداست زر الاستماع ليطالعها صوت سامي متنهدًا:
"إنه شخص رائع بكل المقاييس.. وعانى الكثير. لقد كافح كفاح الأبطال حتى وصل لتلك المكانة المرموقة بعالم الأعمال، وخاصة بعد أن ترك له والده تلك الشركة التي أورثه إياها مديونة وشبه مفلسة. لقد كان رحيل والده صدمة كبيرة فقد كان متعلقًا به بشدة. لم أر رجلاً يعشق والده كآدم."
تنبهت حياة في صدمة ترهف السمع بتركيز أكبر عند ذكر اسمه ليستطرد سامي:
"كلنا كنا نعتقد أن الشركة قد انتهى أمرها، وخاصة ونحن ندرك تمامًا أن آدم سيقع في دوامة حزن قد لا يستطيع الخروج منها. لكنه وللعجيب كتم أحزانه والتي أعلم تمامًا مقدارها العميق كابن خال له."
صرخت حياة وكذا نهى بالتسجيل متسائلة في تعجب:
"ابن خاله!؟ ولم لم تخبرنا بذلك وجئت متخفيًا!؟"
أكد سامي مضطربًا:
"الحقيقة كان ذاك مطلبه.. فقد أكد عليّ عدم ذكر صلة القربة بيننا وأن أتقدم للعمل بالشركة وفي ذاك المنصب بالتحديد حتى يحقق هدفًا ما بنفسه والذي اطلعني عليه للعمل على الوصول لأدلة في أسرع ما يمكن. وبالفعل اكتشفت خيانة مدير أعمالكما وأبلغته بذلك. وقد قام باللازم تجاهه حتى يتأكد أن حياة بأيدٍ أمينة وذلك بناءً على وصية جدكما رحمه الله."
هتفت نهى متعجبة من جديد:
"وهل أوصاه جدي بحياة!؟"
أكد سامي في رزانة:
"نعم.. هو أخبرني بذلك. لا أعلم التفاصيل لكن جدكما هو من أصر على زواجهما بشكل رسمي بعد أن أخبره بكل ما كان من أمر الرحلة والجزيرة."
كان دور حياة لتشهق في صدمة وقد أوقفت التسجيل للحظة تستجمع فيها شتات نفسها غير مدركة ما يحدث. هل أخبر جدها بكل شيء ومن اللحظة الأولى!؟ إذن لم كان يستغلها طالبًا المال عند إعلان رغبتها بالانفصال!؟ وكيف استطاع جدها إقناعه بإتمام الزواج من الأساس!؟ لو كان جدها قد استشعر أنه رجل سيء ما كان غامر بتحويل زواجهما لزواج رسمي قد يوقعها في ورطة جديدة وتجربة أخرى فاشلة. فجدها يعلم تمام العلم أنها لن تحتمل جرحًا مضاعفًا على جرح لم يكن قد اندمل بعد.
وأي شركة تلك التي يتحدث عنها سامي والتي تركها له والده والذي أدركت مدى محبته له منذ كان يقص لها أساطيره بالجزيرة!؟ لقد استشعرت خلف حكاياته حنينًا جارفًا لم يكن باستطاعته مداراته أو أمكنها هي إغفاله. شعرت أن رأسها يدور أمام ذاك السيل من الحقائق، لكن على الرغم من هذا قررت أن تستطرد في سماعها للتسجيل فيبدو أنه يحمل الكثير.
ضغطت زر التشغيل واستمعت مرة أخرى لصوت سامي مؤكدًا:
"وعلى الرغم من النجاح الذي حققته شركته والتي استطاع في خلال عدة سنوات تحويلها لسلسلة من الشركات الرائدة في عدة مجالات، إلا أن ذاك النجاح لم يشفع له أمام الخيانة."
هتفت نهى متعجبة:
"خيانة!؟ خيانة من!؟"
همس سامي مؤكدًا في حزن:
"زوجته!؟"
شهقت نهى وكان دور حياة لتشهق في صدمة لتهتف كلتاهما:
"زوجته!؟"
أنصتت لسامي مؤكدًا:
"لقد كان يعشقها.. كانت قصة حبهما حديث المدينة. توج ذاك الحب بزواج أسطوري ظن الجميع أنه سيدوم للأبد. لكن للأسف انقلب الحال بعد فترة ليست بالطويلة واكتشف آدم بعد كل هذا العشق أن زواجها منه كان أكبر خديعة تعرض لها. فلقد تزوجته بسبب ثروته لا أكثر وأنها كانت على علاقة بأحدهم. عندما واجهها آدم أخبرته ببرود أنه لم يكن الرجل الذي كانت تحلم به والذي كانت تأمل أن يحقق لها ما كانت تطمح إليه. فهو أبدًا لم يكن ذاك الرجل الجامح على حد تعبيرها الذي يرضي نزواتها ورغباتها كامرأة. كاد أن ينتهي الأمر بجريمة لولا تدخلي ونصيحتي له بطلاقها في هدوء درءً للفضيحة والحمد لله أنه فعل. لكنه أبدًا لم يعد آدم الذي كان. اعتزل الجميع لفترة وقرر ما بين عشية وضحاها الخروج كمرشد سياحي في الرحلات التابعة لشركتنا. كان يغيب بالشهور حول العالم ولا نستطيع الوصول إليه وكأنه يهرب من شيء ما يطارده. لقد تبدل كليًا وأصبحت النساء بناظريه مجرد وسيلة لتسلية رخيصة وانتهى. أصبح العشق بالنسبة له أكذوبة. وأمور القلب عبث لا جدوى منه."
همست نهى متنهدة في حسرة:
"مسكين.. لكن أين تراه يكون!؟ فمنذ رحل مبتعدًا ونحن لا ندرك أين يمكنه أن يختبئ كل هذه المدة!؟"
همس سامي:
"هو بـ"اللامكان". يتنقل مع إحدى مجموعاته السياحية من بلد لآخر وقد يبدل الجولات نفسها إذا ما سأم مع مرشد آخر مغلقًا جواله مبتعدًا عن الدنيا وما فيها. يعيش جسدًا بلا روح."
انقطع التسجيل عند هذه النقطة لتتطلع حياة إلى الهاتف في ذهول غير مدركة ما يمكنها فعله. إنها تعشق ذاك الرجل هي تعلم ذلك. لكن ذاك الشعور الذي يكتنفها اللحظة هو أكبر من أن تشمله كلمة بقاموس اللغة. منذ رحل مودعًا إياها باعثًا لها تلك الرسالة على جوالها مختفيًا بهذا الشكل الغريب وحياتها ما عادت إلا سلسلة متواصلة من التفكير فيه واجترار كل لحظاتهما معًا حتى ظنت أنها أصيبت بلعنة ذاك الماجن وما عادت قادرة على انتزاعه من مخيلتها ولو للحظة واحدة. أين يمكنه أن يكون يا ترى!؟ وهل سيكتب لهما اللقاء مجددًا بعد شهور من الفراق!؟
***
دخلت مع مجموعتها لأحد المطاعم بالعاصمة الفرنسية باريس. جلسوا جميعًا ليطلب كل منهم حاجته. تطلعت هي إلى الشارع المزدحم بالمارة وشردت كعادتها لتجد أحد أفراد مجموعتها يهتف بها في حماس:
"هيا.. إنه دورك يا حياة."
تطلعت متعجبة:
"دوري في ماذا!؟"
هتفت أخرى:
"في اختيار الأغنية من كشك الموسيقى وغنائها أيضًا."
قهقهت حياة:
"اختيار جايز لكن غناء.. مستحيل. رواد المطعم سيطردونا حتمًا بسبب الإزعاج الذي سيسببه صوتي."
قهقه الجميع لكنهم لم ييأسوا دافعين إياها لتقف فوق منصة العرض تختار الأغنية. مدت كفها بقطعة النقود المعدنية واختارت إحدى أغاني لارا فابيان. وبدأت تغني:
"صحيح أنه كانت هناك طرق أخرى للافتراق.. بعض بريق الزجاج كان بإمكانه ربما مساعدتنا في صمت مر.. قررت أن أغفر لك الخطايا التي يمكن أن ترتكب من شدة الحب.. صحيح أن الفتاة الصغيرة في أعماقي غالبًا ما تناديك.. تقريبًا مثل أم كنت تلفني وتحميني.. سرقت منك الدم الذي كان لا يجب أن نتقاسمه.. بقمة الكلام والأحلام سأصرخ.. أحبك.. أحبك.."
شاركها بعض رواد المطعم الأغنية التي بكت وهى تكرر مقطعها الأخير:
"أحبك.. أحبك."
ليهمس ذاك الصوت لاهثًا خلفها:
"لم أعلم أن عليّ البحث بنصف الكرة الأرضية حتى أجدك وأسمع تلك الكلمة أخيرًا."
انتفضت تتطلع لصاحب الصوت الذي أدركت كنهه وميزت نبرات صوته مسامع روحها قبل آذانها. وجدته أمامها وهي التي كانت منذ لحظات تتذكره ودون وعي انفجرت باكية ليهتف وهو يجذبها لأحضانه:
"هذه فعلًا الطريقة المثلى لاستقبالي."
هتف ساخرًا في مزاح:
"ما أحلى الرجوع إليكِ."
رفعت رأسها متطلعة إليه وهتف تسأله:
"هل حقًا كنت تبحث عني!؟"
أومأ إيجابًا مع ابتسامة خلابة لتهتف في حنق:
"إذن لما تأخرت!؟"
وأشعلت الغيرة غضبها لتهتف:
"بالتأكيد شغلتك الأخريات.. حسناواتك التافهات."
قهقه لغيرتها التي استطابها لكنه همس في صدق لا يمكن تزييفه:
"لم يكن هناك امرأة أخرى يمكن أن تملأ فراغ روحي الذي خلفته.. لقد صمتت عنهن للأبد."
"انظري." وأشار للمجموعة التي هو مرشدها لتنفجر ضاحكة من بين دمعاتها فقد كانت المجموعة عبارة عن أزواج من العجائز ليستطرد في عشق:
"لا حياة بلا حياة."
وقبل جبينها في وله وكاد أن ينسى الدنيا وكل ما حوله وهو بحضرتها راغبة بين ذراعيه إلا أن صياح مجموعة العجزة في سعادة وتصفيقهم في حماس على ذاك المشهد العاطفي المعروض أمامهم مطالبين ببعض الإثارة كان باعثًا له ليتنهد في قلة حيلة هاتفا في مرح:
"لن أعرض المزيد.. لقد انتهى المشهد وأغلقت السينما أبوابها."
لتتعالى ضحكاتها متزامنة مع احتجاج الجماهير، وهو يهمس لها في مجون كعادته التي اشتاقتها كثيرًا:
"وستفتح السينما أبوابها قريبًا.. لكن بعرض خاص للأبطال فقط."
غمز بعينيه فاضطربت نبضات خافقها واحمرت خجلاً ليقهقه وهو يمسك بكفها يجذبها لتتبعه بعد أن أمر السائق بإعادة المجموعة للفندق لأن هناك أحاديث مطولة لابد وأن يضع فيها النقاط على الحروف.
رواية السماء تشهد ايها الماجن الفصل السادس عشر 16 - بقلم رضوى جاويش
أنهى بعض المعاملات عند موظف الاستقبال وعاد إليها سريعا.
كانت تنتظره تجلس، لا تصدق أنهما معا.
هتف في مرح وهو يمسك بكتف المقعد المقابل لها على الطاولة:
- هل أجلس أم أنك ستتركين الطاولة..!؟
اتسعت ابتسامتها وهو يذكرها بلقائهما على الباخرة. لم تعقب بحرف ليجلس متطلعا إليها. تجول نظراته على محياها في اشتياق قاهر وهمس في عشق:
- حياة.. هناك الكثير لا تعرفينه عني أو حتى عن سبب ذهابي بعيدا عنكِ.
شعرت أنها ستسمع الكثير من الحقائق التي طالما أرقها جهلها بها ليال طوال. هزت رأسها تؤكد اصغائها دون أن تنبس بحرف.
ليستطرد هو بجدية:
- حسنا.. لا أعلم من أين أبدأ.. لكن لنبدأ باسمي كاملا.. أنا آدم عبدالخالق الصيرفي.
زمت ما بين حاجبيها وقد استشعرت أن وقع هذا الاسم مألوفا على مسامعها. ليستطرد مؤكدا حدسها:
- أنا ابن عبدالخالق الصيرفي صاحب مجموعة شركات الصيرفي والذي كان..
هتفت تقاطعه:
- لقد كان صديقا لجدي!؟
واستطردت في سرعة مترقبة إجابته التي تعني لها الكثير:
- وجدي هو من طلب منك مصاحبتي في الرحلة من أجل الحفاظ علي و..
منعتها قهقهاته من الاسترسال وهتف متعجبا:
- لديك خيال خصب للغاية.. لقاءنا كان قدريا يا حياة.. لقاءنا دبره الله دون تدخل من أحد.. وأبي لم يكن صديقا لجدك بل صديق والدك رحمهم الله جميعا.
همست متعجبة:
- حقا!؟
أومأ في إيجاب مستطردا:
- وجدك لم يعلم من أكون حتى انفردت به في الغرفة يوم عودتنا.
تطلع من النافذة الزجاجية للمقهى هامسا وهو يسترجع مشهد اللقاء بينهما بعد أن أبقاه وأمر الجميع بالخروج من الغرفة:
- تطلع السعيد إلى آدم أمرا: اقترب.. أشعر أني أعرفك رغم أني متأكد أني لم أرك من قبل.
تقدم آدم حتى جلس على طرف الفراش هامسا في تأدب:
- نعم أنت لا تعرفني.. لكني أعرفك جيدا وحانت الفرصة لأشكرك.
همس السعيد متعجبا:
- من أنت!؟
أكد آدم متنهدا:
- أنا آدم عبدالخالق الصيرفي.
دمعت عينا السعيد وهز رأسه في استحسان هامسا:
- ابن عبدالخالق رحمه الله.. كان ونعم الصديق لولدي باهي رحمة الله عليه.. أنت تشبهه كثيرا لذا اعتقدت أني رأيتك من قبل.
ابتسم آدم وهمس:
- رحمهما الله.. ثم تنحنح هامسا: سيدي.. أريد أن أبلغك بأمر ما.. أنا وحياة كنا بهذه الرحلة سويا وانجانا الله على الجزيرة سويا لكن أشهد الله أني عاملتها بما يرضيه.. وكنت أعتقد أننا لن ننجو من الجزيرة فعرضت عليها الزواج لكن الطائرة أنقذتنا ولم نتمه.. كان يمكن أن يحدث أي أمر آخر خلال بقاءنا في الجزيرة وحيدين، أي امرأة أخرى غير حياة لكن حياة كان لها وضعا آخر أكثر تقديرا لأنه كان عليّ رد معروفك كاملا.. ذاك المعروف الذي ظل مطوقا عنقي ولم أنسه وأقسمت أن أرده لك يوما ما.
همس السعيد متعجبا:
- أي معروف!؟
أكد آدم متنهدا:
- عندما توفي أبي كانت شركته مديونة وشبه مفلسة وكنت شابا صغيرا لا قبل لي على تحمل إدارة شركة خاسرة أو انقاذها.. احتجنا لدعم الأصدقاء لكن الكل خزلنا إلا أن أمي جاءتني يوما وكنت قد فقدت الأمل في انقاذ الشركة التي أضاع أبي عمره في تشييدها وأخبرتني أنها توصلت لأحد الأصدقاء الذي لم يعط لنا ظهره كالبقية ومد يد المساعدة لنا لكنه فضل عدم ذكر اسمه.. أنقذت الشركة بمساعدات ذاك الصديق الوفي بل أني طورتها وجعلتها من أكبر الشركات لكني أبدا لم أنس ذاك الرجل الذي حاولت أن أعرف من يكون لكن أمي رفضت لأنها قطعت وعدا له بألا تخبرني.. توفيت أمي وفي يوم كنت أبحث بين أوراقها فوجدت اسمك وعرفت الحكاية.
دمعت عينا السعيد وقد تذكر القصة التي مر عليها أعوام طويلة حتى أنها تاهت بين أروقة الذكريات.
استطرد آدم:
- علمت من يكون ذاك الصديق الذي كنت أدين له بكل ما أملك والأهم أدين له بسمعة والدي الغالية.. يومها كنت قد تركت الشركة لإدارة ابن خالي سامي لظروف خاصة وخرجت للعمل كمرشد سياحي لأفواج تابعة لإحدى شركاتنا.. مللت من رحلتي وابدلتها مع مرشد آخر والذي رأيت بين مجموعته اسم حفيتدك في ذاك الفوج بإيطاليا وقد شعرت أن من واجبي الحفاظ عليها حتى تعود إليك سالمة فقد شعرت أن الله قد أرسل لي هذه الفرصة لسداد دينك الذي يطوق عنقي.
راقبتها وكنت كظلها حتى أننا وللعجيب ركبنا نفس الطائرة معا لأن سامي استدعاني بشكل ملح لأمر طارئ بالشركة فبحثت عن طائرة للعودة فإذا بي أفاجأ أنها طلبت السفر على نفس الطائرة والتي عملت على جلوسي بالمقعد المجاور لها بمساعدة مضيفة صديقة.. وعندما اكتشفت أنها على قيد الحياة وأصبحنا وحيدان بالجزيرة عملت على راحتها والحفاظ عليها حتى من نفسي ردا لجميلك.. والآن ها أنا أمامك أرد لك أمانتك بما يرضي الله.
هتف السعيد مقاطعا وهو يربت على كف آدم في فخر:
- أنت رجل صالح.. لقد استودعتها الله فردها إليّ بهدية غالية هو حفيد آخر عوضني الله به.. أرجوك.. أكمل رد المعروف وتزوجها.. فأنا أعلم أن أيامي بالدنيا معدودة وهي وابنة عمتها وحيدتان.. أنا أموت قلقا في كل لحظة وأنا أعلم أن حقهن ضائع والذئاب تحاوطهن.. فأرسلك الله لتكون خير معين.. تزوج حياة واكشف سرقات مهني ومكائد الحقير شهاب زوجها السابق الذي كادت أن تموت ببيته وعانت الكثير.. تزوجها حتى تسلمها إرثها الشرعي الصحيح في الوقت المناسب بعد أن تمهد الطريق أمامها.. أنا أعلم أني أثقل عليك.. لكن أرجوك أقبل حتى أطمئن بقبري على أمانة أولادي.. وتكون قد رددت المعروف كما يجب.
وابتسم الجد ينظر إلى عيني آدم نظرة عجوز خبير بباطن الأنفس هامسا:
- وإذا ما أردت بقاء حياة زوجة لك.. فلا تتعجلها.. دعها حتى تأتيك راضية.. فقلبها كسير وروحها مهزومة.. وعندما تقرر هي أن تقترب أعلم أنها ستلقي بين يديك بكامل أوجاعها وكل مرارتها طالبة دون أن تهمس بحرف أن تكون دوائها فلا تخزلها أرجوك.
أومأ آدم في ثبات وهو يرفع يد الجد إلى فمه ملثما إياها:
- وأنا قبلت زواجها على هذا يا جدي.
ربت الجد على رأس آدم في امتنان ثم رفع يده للسماء متضرعا بشكر خفي.
هتف آدم متنهدا ينظر لحياة التي كانت تجلس مبهورة بما تسمع:
- كان هذا هو ما بيني وبين جدك رحمه الله.. ذاك الرجل الصالح الذي سيظل جميله مطوقا عنقي ما حييت.. بعد وفاته بدأت في التحرك بكل الاتجاهات مدافعا عن حقك ومحاولا كشف الحقير مهني وكذا الأحمق شهاب والحية الرقطاء أخته.. وانتظرتكِ طويلا.. انتظرت أن تتحركي خطوة تجاهي.. أن تستشعري مقدار رغبتي في البقاء قربك للأبد.. تلك الرغبة التي كنت أنكرها كالمغفل.. حتى أني يوم وافقت على مطلب جدك بالزواج بكِ اعتبرته إرضاء لرغبة عجوز يحتضر أكرمني سابقا.. كنت أضحك على نفسي وأنكر أني أريدكِ بكل ذرة في كياني.
شهقت حياة لتصريحه ودمعت عيناها. ليستطرد هو مبتسما في شجن:
- رحل جدك وظهر ذاك الأحمق زوجك السابق مدعيا بأنك لازلتِ زوجته.. هل تعرفين كيف شعرت لحظتها.. أقسم أني كدت أقتله بالعزاء لولا بعض من تعقل.. لكن هذا لم يخمد تلك النيران المستعرة بداخلي فذهبت لبيته ما أن قرأت رسالته إليك بالصدفة ولقنته درسا لأجد عنده الأوراق المزورة التي تدينه.. أخذتها وتواجهنا يومها.. لا يمكن أن تتخيلي حالي ساعتها أتمزق ما بين رغبتين كلاهما مر حتى تركتك وعدت إليه مرة أخرى أثأر لكِ.
هزت رأسها وهي تتذكر مظهر شهاب عندما رأته. كان يبدو عليه أنه خارج لتوه من معركة مع أحد الديناصورات.
استطرد آدم في اضطراب متطلعا إليها وهى لا تقل عنه اضطرابا:
- لقد اكتفيت من الهوى وأوجاعه يا حياة.. فأنتِ لن تدركي مهما أخبرتك عن وجع الرجل عندما يكتشف خيانة زوجته التي كان يعشق، وكان يظن أنها الأقرب إليه من نفسه والسبب أنها امرأة جامحة تريد رجلا جامح العشق لا رجل عادي أشبه بالماء الراكد.. رجلا لا يلبي رغباتها ويعمل على إرضائها.. رجل تزوجته من أجل ماله لا رغبة في مشاركته حياته وأحلامه.. ساعتها أدركت أن العشق خديعة وأن الهوى قصصا خرقاء وشؤون القلب أوهام مختلقة ولا يوجد في دنيانا شيئا ندعوه حبا.. كل تلك المسميات لا وجود لها على أرض الواقع.. بعض من تخيلنا.
تركت كل شيء ورائي متنقلا من امرأة لأخرى.. ويعلم الله أني ما سعيت لإحداهن بل كن هُن الساعيات وكم أرضى ذلك غروري وقدم لي مسكنا لكرامتي الرجولية الجريحة.. لم أكن أتمادى مع إحداهن كان يكفيني ذاك المسكن بسعيهن إليّ وكنت محصنا تماما من الوقوع في الحب.. لم يكن لي رغبة أو حتى قدرة في إعادة الكرة الخاسرة من جديد.. لأني كنت أعلم أني لن أستطيع تحمل الخسارة هذه المرة.. وعندما ظهرتي أوهمت نفسي أنك واحدة من كل ولا فرق في الفوز بك أو خسارتكِ.. لكني كنت أحمق.. لأن هذه الخسارة كانت معناها فقدك.. كنت تائها يا حياة وأوهمت نفسي أن البعاد هو الحل.. ابتعدت وأنا أضبط لك كل أمور حياتك حتى لا أخلف وعدي مع جدك وأظل أحميكِ.. ابتعدت وأعطيت لك حريتك حتى تعيشي وتنسي الماضي وأوجاعه.. لكن للمرة الثانية أدرك معنى الحمق الحقيقي وأنا أحاول الانغماس في حياتي السابقة قبل أن ألقاكِ لأفشل تماما في أن أكون ذاك آدم الذي ألتقيته فقد أصبحت آدم جديد منذ أدركت أني أهرب من هواكِ معتقدا أني أستطيع العودة لسابق عهدي وكأن شيئا لم يكن.
ازدرد لعابه مستطردا وهو يمسك بكفيها المرتعشتين عبر الطاولة وعيونها تلمع بدمع شيمته العشق:
- لقد طاردتني ذكرياتنا سويا كما ظلي.. رافقت أنفاسي.. تخللت أحلامي.. أصبحت هاجسي في صحوي.. كنت أرى خيالا منك في كل امرأة تمر أمام ناظري.. كنت مسكونا بكِ.. أتدركين كم كان هذا قاسيا حياة!؟
سالت دموعها على خديها سخينة متتابعة وشهقت تهز رأسها إيجابا وهمست بصوت متحشرج:
- نعم أدرك.. أدرك كل هذا أكثر مما تتصور.. أدرك كل حرف تفوهت به لأنك كنت تصف لتوك حالي بعيدا عنك.. تركتني.. وكنت أظن أن العيب في وفي جسدي المعطوب و..
هتف مؤكدا في هدوء:
- كنت أعلم.
تطلعت إليه مشدوهة وسألته:
- كنت تعلم ماذا!؟
هز رأسه هامسا:
- لقد رأيت تلك الندوب على ظهرك ورأسك الحليق ساعة أن كنا على الجزيرة.. يوم أن استيقظت باحثا عنك لأجدك عند النبع تستحمين بأمان معتقدة أني لازلت نائما.
شهقت في صدمة. ليستطرد في سرعة:
- أقسم أني ما كنت متعمدا وكنت في سبيلي للابتعاد لكنك ظهرت فجأة من تحت مياه الشلال التي كانت تغمرك كليا لأرى تلك الندوب وأعرف لما كنت دوما متمسكة بغطاء شعرك حتى بعد زواجنا.. تمنيت أن تمنحيني ثقتك وتخبريني سرك لكنك لم تفعلي إلا يوم أن واجهتني طالبة الطلاق اعتقادا منك أني ساعيا لمالك وجسدك.. وذلك كان سببا آخر جعلني أود لو أقتل ذاك الشهاب بدم بارد ثأرا لكِ.
همست موجوعة ولازالت الدموع تنسكب من عينيها معلنة عن كم من العتب لا يمكن تجاهله:
- كشفت لك يومها جسدي.. أظهرت لك الندوب وشعر رأسي الحليق.. كنت أريدك أن تنفر وتبتعد.. أو هذا ما كنت أعتقده.. صدقني يومها ما أردت ثأرا بل أردت بلسمًا ودواءً.. أردت أحضانك الدافئة وأمان ذراعيك.. أدرتك لحظتها وبشدة.. على الرغم من محاولاتك لإظهار مدى دناءة رغباتك إلا أن هاتفا ما داخلي كان يخبرني أنك لست بهذه الصورة القبيحة التي تحاول تصديرها لي وأن ذاك الرجل الذي عايشته على الجزيرة وكبح جماح رغباته الماجنة من أجل الحفاظ علىّ لا يمكن أن يكون بذاك السوء الذي يظهره.. لكنك ابتعدت.
همس متأوها:
- كنت أنفذ وصية جدك.. كنت أنتظر مجيئكِ.. لكنك لم تأتي..
قاطعته باكية:
- بل أتيت.
تطلع إليها في صدمة. لتستطرد وهي تشهق في وجع:
- أتيتك وأنا أتمنى أن ألقي على أعتابك بكل الأوجاع التي خلفها خذلان الجميع لكنك خزلتني.. سمعتك يومها وأنت تحدث شخص على الهاتف تخبره أنك سترحل عني خلال أيام ما أن تحصل على مبتغاك لترد له دينه وأن العشق كلمة ليست بقاموسك ولا مكان للهوى بقلبك.
انتفض آدم مؤكدا:
- كنت أحدث سامي ابن خالي أخبره أني أثقلت عليه بالفعل لأنه كان يحمل مسؤولية إدارة شركاتي بجانب دفعي له لتمثيل دور راغب الوظيفة حتى يكون بقلب شركتكم ويستطيع الاطلاع على حساباتها بحكم وظيفته ويكشف ذاك اللص مهني.. أما ما ادعيته فيما يخص العشق فذلك لأنني..
صمت للحظة وتطلع إليها ضاما كفيها في تعلق وهمس بصوت متحشرج يواري وجعا مضاعفا:
- لأنني كنت مشوشا وخائفا.. صدقيني ليس سهلا على رجل أن يخبر امرأته أنه خائف.. لكنني كنت كذلك.
همست في عشق:
- امرأته!؟
أكد في عشق مماثل:
- نعم امرأته.. وزوجته وحبيبته.. أنا أحبك يا حياة وأريدك بحياتي.
همست في اضطراب:
- ألن تندم..!?
همس مؤكدا:
- لقد ندمت بالفعل.. ندمت على كل لحظة أضعتها وأنا بعيد عنكِ أحاول التحايل على هذه المشاعر التي تقتلني شوقا إليك والتغلب على تلك الأحاسيس التي تدفعني دفعا للبحث عنك وإعادتك إليّ وقد أيقنت أنك سرقتي راحة بالي للأبد.. فهل تقبلين!؟
همست بوله ودموعها منسابة في سعادة غامرة:
- نعم أقبل.. أقبل وبشدة.
جذبها لتنهض خلفه. لتهتف في اضطراب:
- إلى أين!؟
هتف متعجبا:
- إلى حيث عشنا السعيد.. لقد رتبت كل الأمور وكذا وسيلة لعودتنا حتى نلحق بزفاف سامي ونهى.. المسكين.. لم يستطع الفكاك من شرك ابنة عمتك.
قهقهت فهي تدرك نهى وتعرفها تمام المعرفة. ليستطرد آدم مازحا:
- سنحضر الزفاف لأسلم لها ابن خالي العزيز على طبق من فضة لتفعل به ما يحلو لها.. ثم..
توقفت لتتطلع إليه هاتفة بمزاح:
- ثم ماذا!؟
نظر إليها نظرات عابثة ولم يعقب. لتنفجر ضاحكة هاتفة في مرح:
- لا فائدة ترجى منك.. العون يا إلهي.
قهقه مؤكدا:
- أحسنتِ يا فتاة.. استمري.. فستحتاجين هذا الدعاء كثيرا الفترة المقبلة.
علت ضحكاتها من جديد وهى تتأبط ذراعه في عشق فاضح لا يمكن أن تخطئه عين.
***
أنزلتهما الطائرة بالجزيرة على ذاك التل الذي ألتقطهما منه يوم إنقاذهما.
كانت تقف بثوب زفافها تتحامي فيه من ذاك الريح الهارد الذي خلفه رحيل الطائرة مبتعدة.
استدار إليها ليتنحنح في شقاوة هاتفا وهو يقترب منها:
- أين توقفنا في المرة السابقة!؟
أمسكت ضحكاتها ولم تعقب خجلا. ليضم خصرها بكفيه هامسا في نبرة من يسوق لها المبررات حتى ترضى عنه:
- أنا وأنتِ وحيدان على هذه الجزيرة ومعي قسيمة زواجنا بما يرضي الله ولمزيد من التأمين أغلقت باب الجزيرة حتى لا نستقبل زوارا.
قهقهت لمزاحه فاضطرب خافقه جاذبا إياها خلفه ليهبطا التلة سويا.
توقفا حيث كان موضع كوخيهما القديمين لتشهق حياة من روعة ما تراه. فقد تم استبدال الكوخين بآخر مبني بشكل أكثر احترافية مع وجود مصابيح بكل مكان من مدخل الكوخ بطول الطريق للشاطئ.
همس آدم في فخر:
- ما رأيك!؟
تطلعت إليه في سعادة:
- إن هذا رائع.. أنت من فعل كل هذا!؟
همس مبتسما:
- ليس بالضبط لكني أمرت بذلك.. حاولت ألا أغير من الشكل الأصلي لكن بإضافة بعض الرفاهية.
وامسك بكفها ليدخلا الكوخ هامسا:
- تعالي لم تر شيئا بعد!؟
تبعته في وجل وهو يدفع باب الكوخ لتفغر فاها في دهشة فقد كان الداخل مصمم بشكل رائع أشبه بحجرة في فندق خيالي. الأرض بها بعض البسط الخفيفة والأركان مزينة بالطنافس والوسائد الملونة والشموع ذات الرائحة العطرية تنتشر هنا وهناك بشكل ساحر. وأخيرا ذاك الفراش الذي يشبه أحد الأسرة التي رأتها يوما في فيلم تاريخي. كان رائعا وشديد العظمة بأعمدته التي يرتسم عليها رؤس لأسود ضارية وتنساب من أعلى تلك الأعمدة غلالات رقيقة متداخلة الألوان تهتز في رقة بفعل ذاك الهواء القادم من ناحية البحر لتعطي جوا أسطوريا مصاحبا لاهتزاز لهيب الشمعات التي تعكس أضواءها في سحر يخلب اللب.
همس في سعادة لردة فعلها:
- هل أعجبك!؟
همست بدورها:
- إنه أكثر من رائع.
اقترب يمد كفيه يزيح عن رأسها حجابها الذي أصرت على الاحتفاظ به وأقسمت ألا تخلعه أبدا.. فكما ستر عيبها قررت أن يستر جمالها له وحده. ذاك الرائع الذي تطلع إليها وإلى شعرها الذي استطال قليلا حتى وصل لطول مناسب يعطيها مظهرا أنثويا وهمس مشاكسا:
- ها قد استطال زغب بطتي وظهر هذا الشعر الكستنائي الرائع قطتي.
قهقهت حياة متطلعة إليه:
- ألهذا كنت تناديني بطتي!؟
أكد وهو يعبث بخصلات شعرها الناعمة مؤكدا:
- نعم.. وغمز بعينه عابثا: منذ ذاك اليوم على النبع.
نظرت إليه نظرة عاتبة. ليقهقه وهو يضمها هامسا بمشاكسة:
- ماذا!؟ قد أصلحت غلطتي وتزوجتك.
علت ضحكاتها. ليهمس متطلعا لعمق عينيها:
- بمناسبة هذا الجو الخيالي.. هل أقص عليكِ إحدى أساطيري.!?
كانت تداري نظراتها خجلا منه هامسة:
- عن ماذا ستروي حكايتك هذه المرة!؟
كان رده على سؤالها بحملها بين ذراعيه. لتشهق في صدمة هاتفة:
- ماذا تفعل!؟
همس في مجون متجها لفراشهما:
- أبدأ في قص الأسطورة.. هل سمعتي يوما عن هرقل.. بالتأكيد سمعتي.. أنا الليلة سأريك مناقبه فعليا.
قهقهت متعلقة برقبته هامسة:
- أيها الماجن.. كيف السبيل لتأديبك!؟
همس وهو يضعها بوسط الفراش منضما إليها:
- لا سبيل لذلك صدقيني.. فلا تضيعي وقتك سدى.
قربها إليه متطلعا إليها من عليائه ناظرا لعمق عينيها. ليهمس في وله:
- حياة.. أريد أن أعيش الحياة بكل تفاصيلها بين ذراعيكِ.
همست في اضطراب:
- لكن.. أنا..
همس بعشق وهو يغيبها بين أضلعه:
- أنتِ لي وحدي.
ساد الصمت وتراقصت الشموع في رقة على نغمات القلوب العاشقة ونبضاتها. وبدأت في البكاء فرحا مع كل لحظة تمر من ملحمة الهوى التي تشهدها وكأنما الأرواح قد تعانقت لتصبح الطبيعة كلها شاهدة على ذاك العشق المسطور على لوح القلوب التي أضناها الوجع.
همس آدم أخيرا وهو يلقي برأسه في ذاك التجويف ما بين ذقنها وكتفها متنهدا في سعادة هامسا باسمها:
- حياة.
لم تفه بحرف أو حتى همهمت. فرفع رأسه متطلعا إليها ليجدها تغلق عينيها كأنما تحبس الدموع بين أجفانها. ليهمس من جديد بالقرب من مسامعها:
- حياة.. انظري إليّ.
هزت رأسها نفيا. ليعيد الأمر من جديد وهو يضم جانبي رأسها بكفيه هامسا:
- افتحي عينيكِ وانظري إلىّ.
أطاعت في تردد وتطلعت إليه بأعين لامعة لأثر الدمع بمآقيها. ليهمس:
- حياة.. أخطأ من أسماكِ حياة.
تطلعت إليه في وجع. ليستطرد هامسا وابتسامة عاشقة ترتسم على شفتيه:
- أنتِ بعث.. بعث لنبض قلبي وسعادة روحي.. أنتِ حياتي.
انسابت الدموع كخيوط من فضة على جانبي وجهها مع ابتسامة واسعة ارتسمت على شفتيها. واندفعت تلقي بنفسها بأحضانها تطوقه بذراعيها. ليغمرها بين حنايا روحه يهدهد جراحها ويضمد الأوجاع التي خلفها الماضي. لكنه استعاد روحه المرحة سريعا وهو يبعدها قليلا عن أحضانه هامسا في مشاكسة:
- هل أعجبتك أسطورة هرقل!؟
اتسعت ابتسامتها مؤكدة:
- أعشق كل أساطيرك يا أمير الحكايات.
تطلع إليها في عشق وهتف تعلو وجهه الفرحة:
- من أجل هذا اللقب الرائع قررنا نحن أمير الحكايات أن نقص عليك سلسلة هرقل كلها.. والله الموفق والمستعان.
انفجرت ضاحكة وهو يجذبها مرة أخرى بين ذراعيه. لتستعيد روحها التي افتقدتها منذ زمن. لتعود أخيرا حياة للحياة.
***
كان يستند على جذع إحدى الأشجار وهى بجواره تتأبط ذراعه وتسند رأسها على كتفه يتطلعان للبحر المنسابة أمواجه في رقة مدفوعة للشاطئ تحمل أسرار البحر سرا وراء سر لتفضي بهم للعشاق على مقربة من موضع لفظها لأنفاسها الأخيرة.
لمعت كوكبة من نجوم بالسماء. ليشير آدم إليها هامسا:
- انظري.. هذه مجموعة "النسر الواقع".. أمعني النظر.. تشبه القيثارة.
تطلعت حيث أشار وتتبعت النجوم لتري تلك القيثارة فعلا. همست في رقة:
- وما قصتها!؟ فلا يوجد لديك أمر ليس له حكاية ما!؟
همس في فخر:
- ألست أمير الحكايات!؟
ضحكت مؤكدة:
- بلا.. هيا اخبرني.. ما قصة هذه القيثارة اللامعة هناك!؟
همس حاكيا في صوت رخيم أشعرها بسلام داخلي بحثت عنه طويلا والآن وجدته بقربه:
- كان "أورفيوس" ابن الإله "أبولو" وإله الشعر والموسيقى "كاليوبي" قد أهداه أبوه قيثارة. ما إن يعزف عليها حتى يسحر بألحانه كل كائن حتى الحصى والشجر كانت تتبعه حيث يذهب بألحانه السحرية والتي كان النهر يتوقف جريانه لسماعها.. عشق "أورفيوس" حورية الغابة "بوريديسي" وهام بها عشقا. لكن الموت اختطفها منه عندما لدغتها أفعى وهي تهرب من محاولة أخيه غير الشقيق مراودتها عن نفسها.. حزن "أورفيوس" وبكاها كثيرا وعزف ألحانا على قيثارته أبكت الحجر. حتى أن أباه تشفع له ليقوم برحلة إلى العالم السفلي عالم الظلام والأموات ربما يستطيع استعادة زوجته الحبيبة.
همست حياة:
- ألهذه الدرجة يعشقها!؟
أكد آدم:
- كان عشقها حدثا ومضربا للأمثال.. لكن أباه لم يستطع أن يوفر له فرصة الرحلة للعالم السفلي فقرر "أورفيوس" استخدام ألحان قيثارته ووقف على ضفاف نهر "ستيكس" الذي يفصل ما بين عالمي النور والظلام وأخذ في عزفها ساحرا ناقل الأرواح "خارون" وكلبه "كربروس" لينقله لعالم الموتى بقاربه. وهناك استطاع التأثير على إله العالم السفلي "هادس" مستعطفا إياه ليرد له زوجته التي يعشق. وبدأ في عزف ألحانه فلان قلبه ووعده بإعادتها معه لكن بشرط واحد أن لا ينظر للخلف حتى يصبح بعالم الأحياء.. أطاع "أورفيوس" لكن الشوق استبد به حتى أنه استدار ناظرا لزوجته قبل أن يعبرا الفاصل ما بين العالمين لتختفي "بوريديسي" للأبد.. هام "أورفيوس" حزنا على محبوبته التي أضاعها.. راودته كثيرا من النساء عن نفسه لكنه ظل مخلصا لمحبوبته حتى تأمرت هؤلاء النسوة عليه لقتله.. ولم يكن يعلمن أنهن بقتله قد أرحنه من عذابه أخيرا لأنه انضم إلى زوجته الحبيبة بالعالم السفلي ليعيشا للأبد. بينما حولتهن الآلهة لشجر بلوط. ورفعت قيثارته تخليدا لوفائه لتكون تلك المجموعة الرائعة من النجوم بالسماء.
همست حياة في استمتاع:
- قصة رائعة.
همس مشيرا لإحدى الأشجار متسائلا:
- أتتعرفين ما نوع هذه الأشجار السامقة هناك!؟
هزت رأسها نفيا. ليهمس مؤكدا:
- إنها أشجار بلوط.
هتفت حياة في ذعر:
- المتآمرات!!
قهقه آدم وهو ينهض جاذبا إياها:
- تعالي.
ضغط زر تشغيل الموسيقى وضمها بين ذراعيه متمايلا هامسا في عشق:
- أورفيوس يعزف ألحانه بقيثارته بالأعلى وأنا سأغني بالأسفل ولتشتعل المتآمرات هناك غيرة.
قهقهت وهو يضمها إليه أكثر هامسا بكلمات الأغنية التي بدأت تنساب من بين شفتيه:
أنا لم أتغير... ما زلت ذلك الشاب الغريب
الذي أطربك يوماً بالشاعرية...
والذي خلق لكِ الأعياد...
وجعلكِ تسافرين...
أنا ما تبدلت... ما زلت ذلك الصبي الذي يغزوه قليلٌ من الجنون..
أرغب في أن أحميك...
وأرغب في أن أحرسك وأذوب فيك...
***
صرخت حياة في ثورة وهى تدخل حجرة طفلها باحثة عن آدم وهى على علم تام أنها ستجده هناك يقص على ولده إحدى أساطيره:
- اترك الولد لينام.. لقد تأخر وعليه الاستيقاظ مبكرا من أجل المدرسة.
هتف آدم متعللا:
- لقد أوشكت على الانتهاء.
هتفت في غيظ:
- أنت ما إن تشرع في بداية أسطورة من تلك الأساطير إلا وتنهيها بعد ساعات.. كيف سيستيقظ الولد صباحا!؟ إنه ينام بالصف حالما بالجنيات.
قهقه آدم متطلعا لولده:
- هل هذا صحيح يا صغيري!؟
شعر الولد بالحرج قليلا. وأخيرا تطلع لابوه يهز رأسه في إيجاب. ليعاود آدم القهقهة رافعا كفه ليضرب عليها الصغير مصفقا فيهتف مؤكدا:
- مرحى فالولد سر أبيه.. لقد كنت أترك الدرس وأمضي في..
تنحنحت حياة في حنق محذرة من تشجيع الطفل على التمادي في الخيال:
- آدم..
تنحنح آدم بدوره في إدراك وتفهم هاتفا لولده:
- لقد كنت الأول على الصف دوما وعليك أن تكون نسخة مصغرة من أبيك.
وتطلع إلى حياة في قلة حيلة:
- هل يرضيك هذا الآن!؟
ثم عاد متطلعا لابنه وهو يشد عليه غطاءه:
- هيا يا صغيري.. عليك أن تحصل على قدر كافٍ من النوم.. تصبح على خير.
همس الصغير في عتب:
- وكيف سأنام الآن وأنت لم تنه الحكاية!؟
انحنى آدم مقبلا جبينه هامسا:
- لا بأس.. غدا بإذن الله أكملها.
واتجه إلى حياة يطوق خصرها بإحدى ذراعيه هامسا بالقرب من مسامعها وهو يدفعها برفق لخارج الغرفة:
- أما الآن فقد جاء دور ماما في قص الحكاية.. أسطورة هرقل للمرة الألف بعد.. كم.. ذكريني من فضلك!؟
قهقهت حياة هاتفة:
- لا أذكر.
هتف مدعيا الضيق:
- هكذا النساء لا خير لك يذكرنه أبدا.. الأمر لله.. فلنبدأ العد من جديد.
وحملها مندفعا لداخل حجرتهما صافقا بابها. لترتفع قهقهاتهما من الداخل.
***
تقلبت في فراشها وما إن وضعت يدها موضع رقاده حتى انتفضت لتكتشف أنه ليس جوارها.
نهضت باحثة عنه تتسلل لحجرة ولدها حتى لا توقظه. وما إن طلت من خلف الباب الموارب حتى وجدته يحشر جسده جوار ابنه ويهمس له ببقية الحكاية. لتتنهد في قلة حيلة دافعة الباب لتدخل.
رفع آدم الغطاء ليختبئ كلاهما من غضبها. إلا أنها أبعدت الغطاء عنهما وحشرت جسدها على الجانب الآخر من الفراش ليصبح الصغير بينهما.
همس آدم:
- ماذا تفعلين!؟
أكدت في قلة حيلة:
- أستمع للحكاية.
انحنى نحوها هامسا في مجون:
- ألم تكتفِ من الحكايات!؟
أمسكت قهقهاتها وهى تهز رأسها نفيا. لتهمس أخيرا:
- لن أمل أبدا يا أمير الحكايات.
هتف الطفل الراقد بينهما مقاطعا في غضب:
- ألن ننتهي يا أبي من هذه القصة في هذه الليلة العجيبة!؟
انتفض كلاهما. ليتنحنح آدم متطلعا إليها في عتاب لأنها تأخره عن إنجاز مهمته. ليتمدد الجميع ويهمس آدم مستطردا بحكايته لبعض الوقت. وهمس ينهيها أخيرا في هدوء:
- وهكذا عاش العمالقة والأقزام.. في عالم من الوئام.. يعمه الفرح.. ويغمره السلام.
تطلع آدم لابنه وزوجته ليجدهما قد راحا في سبات عميق. ليتنهد في راحة وهو يحذو حذوهما ويطبق أجفانه على صورتهما. وقد أدرك أنه قد حاز الحياة ومباهجها جميعا.
***
تنهدت حياة في راحة ممزوجة بفرحة وهى تدخل لحجرة نومهما. وما إن جلست لتخلع حذائها ذو الكعب العالي لتتخلص من تقلصات قدمها حتى بادرها آدم الذى تبعها للغرفة جاذبا إياها. ل تنهض حافية القدمين معترضة:
- آدم.. أشعر بالتعب.. لقد كنت طول النهار أقف على قدميّ.
همس مشاكسا:
- دقائق من العبث البريء لن تضر أحدا حياة.
قهقت وهو يتجه إلى مشغل الموسيقى. وهتفت في عتب:
- أيها الرجل.. اليوم كان زفاف ابنتك الصغرى وقد أصبحت جدا منذ زمن.. ألم تكتفِ من المجون!؟
أكد وهو يتلقفها بين ذراعيه والموسيقى تنساب في رقة:
- مطلقا.. القلب الماجن لا يشيخ أبدا.
اتسعت ابتسامتها وهو يتمايل بها في سلاسة حتى خرجا للشرفة. فهمس مشاكسا وهو يتطلع للسماء:
- الأميرة المسلسلة تشير إليكِ مرحبة.
تطلعت إليه في عشق هامسة:
- ما عادت مسلسلة.. فقد انفك قيدها وبرئت جراحها بفضلك بوريسيوس.
ضمها إليه أكثر هامسا في عشق بكلمات الأغنية والتي تمايلا على أنغامها من جديد..
أنا ما تغيرتُ... فأنا دائماً أمشي في الطريق التي تروقني...
وطريق وحيدة فقط تلك التي أعجبتني على الأرض...
هي تلك الطريق التي سلكناها يوماً معاً...
***
تمت بحمد الله