تحميل رواية «السماء تشهد ايها الماجن» PDF
بقلم رضوى جاويش
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
اندفعت راكضة على رصيف الميناء، تحاول اللحاق بالباخرة التي حجزت على متنها تذكرة للسفر لأوروبا في رحلة طويلة، بعيدا عن تلك الأماكن التي باتت تثير بها أوجاع ما عاد لديها القدرة على تحملها. كانت تلهث وهى تحمل تلك الحقيبة الثقيلة، في اتجاه ذاك السلم الذي يصعد بها لمتن السفينة العملاقة. وصلت لأعلى نقطة على سطحها وألقت بحمل حقيبتها أخيرا، وتوقفت تشير في لهفة لشخص ما تودعه. كانت نهى ابنة عمتها التي تنتظرها بالأسفل، تلوح لها متحمسة وهي تتقافز صارخة في مزاح: استمتعي كثيرا بوقتك، ولا تنسي مغازلة الشباب الأ...
رواية السماء تشهد ايها الماجن الفصل الأول 1 - بقلم رضوى جاويش
اندفعت راكضة على رصيف الميناء، تحاول اللحاق بالباخرة التي حجزت على متنها تذكرة للسفر لأوروبا في رحلة طويلة، بعيدا عن تلك الأماكن التي باتت تثير بها أوجاع ما عاد لديها القدرة على تحملها.
كانت تلهث وهى تحمل تلك الحقيبة الثقيلة، في اتجاه ذاك السلم الذي يصعد بها لمتن السفينة العملاقة.
وصلت لأعلى نقطة على سطحها وألقت بحمل حقيبتها أخيرا، وتوقفت تشير في لهفة لشخص ما تودعه.
كانت نهى ابنة عمتها التي تنتظرها بالأسفل، تلوح لها متحمسة وهي تتقافز صارخة في مزاح:
استمتعي كثيرا بوقتك، ولا تنسي مغازلة الشباب الأوروبي ذوي الأعين الملونة بالنيابة عني.
شهقت حياة في صدمة لمزاح ابنة عمتها الذي لا يراع حدودا، وعادت للخلف قليلا حتى لا يتطلع إليها أحدهم بعد ما أعلنته تلك الحمقاء.
سمعت نفير الباخرة ينعق في قوة مؤكدا أنها في سبيلها للإبحار.
عادت تتطلع إلى موضع نهى التي عادت تلوح لها من جديد، لكن ما أثار انتباهها أكثر، هو ذاك الشخص الذي كان يتجه نحو السفينة في عجالة وهو يمسك بكف حسناء تركض مهرولة خلفه.
كانت تعتقد أنهما سيصعدا معا سطح الباخرة، لكنها كانت مخطئة فها هو يعانق تلك الشقراء الرائعة الجمال في عجالة، ويقفز في اتجاه الباخرة التي أطلقت نفيرها للمرة الثانية، وقد شرعت في التحرك وهو متعلق بدرجات سلمها الذي بدأ يسحب لداخلها، يلوح بكفه للجميلة التي كانت تسمح دمعاتها في تأثر، وهو يبعث لها ببعض القبلات الحارة، يقذف بها في اتجاهها بالهواء كأي عاشق يودع محبوبته.
ابتعدت عن حافة السور للداخل تعدل من وضع حجابها على رأسها في اضطراب، لتبدأ في البحث عن قمرتها التي ستقضي بها لياليها قبل الوصول للجانب الآخر من الأرض حيث ستبدأ رحلتها.
***
كانت تتمدد على الفراش في سكينة في انتظار وقت العشاء.
سمعت حركة أمعائها معلنة تضورها جوعا، فقد كانت آخر لقيمات قد نزلت بجوفها بصعوبة في الصباح الباكر وبعد ضغط من ابنة عمتها هي لقيمات إفطارها.
نهضت متطلعة لهيئتها في المرأة الطولية مؤكدة أن وزنها قد انخفض كثيرا مقارنة بالعام المنصرم.
ابتسمت في شجن محاولة التأكيد على نفسها ربما للمرة الألف، أنها هنا لكي تنسى وتعيش تجربة ممتعة وخبرة جديدة.
***
دخلت نهى فيلا جدها السعيد أحد أكبر رجالات الأعمال بمدينتهم الساحلية، والذي يعود أصله لأسرة عريقة، وترجلت من سيارتها مندفعة باتجاه مجلسه بالحديقة لتنحني واضعة قبلة على خده، هاتفة في مرح كعادتها:
ها قد أنجزت المهمة يا جدي، وكل شيء مر على ما يرام.
هتف جدها متسائلا:
هل انتظرتي حتى تأكدتي من إبحار الباخرة وحياة على متنها!
أومأت نهى مؤكدة:
نعم يا جدي.
وقفت ألوح لها وهى على متن الباخرة حتى أبحرت. لا داع للقلق صدقني. لقد سافرت حياة بالفعل، وأنا متأكدة أنها ستستمتع بوقتها بشكل جيد.
همهم جدها:
اتعشم في ذلك. لقد عانت ابنة خالك الكثير. لم تكن لتتحرك شبرا إلا بالضغط عليها لترحل بعيدا فقد نصحها الطبيب بتغيير الأجواء.
تنهدت نهى في شجن:
صدقت يا جدي. فلقد كانت الفترة الماضية غير محتملة. اتمنى من كل قلبي ان تهنأ في رحلتها فهى بحاجة لبعض التغيير والمتعة.
***
حان وقت العشاء.
عدلت حياة من وضع غطاء رأسها جيدا، واندفعت في اتجاه المطعم الذي وصلته طبقا للإرشادات.
وقفت على أعتابه وجالت ببصرها تختار طاولة نائية بأحد الأركان، توجهت إليها في هدوء وما أن جلست حتى جاءها النادل لخدمتها.
اختارت ما شعرت أنها تشتهيه، واومأ النادل برأسه في إيجاب مؤكدا أن عشاءها سيكون جاهزا خلال دقائق.
تشاغلت بالنظر إلى رفقاء الرحلة في محاولة لإضاعة الوقت الذي تشعر به طويلا لا ينقضي، وتساءلت:
هل كان من المناسب القيام بتلك الرحلة من الأساس!
تنهدت فقد أيقنت إنه سؤال قد تأخر الوقت جدا على طرحه.
وقعت عيناها عليه. ذاك الشاب عاشق الشقراء الذي رأته بالميناء، والذي يبدو أنه تعافى سريعا من أوجاع وداعها، وها هو يجلس مع شقراء جديدة لتكون هى الدواء لفراقه عن شقراء البر التي خلفها ورائه.
مُطت شفتيها في قرف، وودت لو نهضت لتخبر تلك المغفلة التي تصاحبه أنها مجرد حبة في مسبحة نسائه.
لكنها آثرت الصمت متيقنة أن الأمر يروق لتلك الشقراء، وهى ترى تلك الابتسامة المرسومة على شفتيها بعرض وجهها، ثم علت قهقهاتها متعاقبة محملة بالغنج.
يبدو أنه قادر تماما على إسعاد رفيقاته.
ووجدت نفسها رغما عنها تتطلع إليه في فضول. لم يكن وسيم الملامح والقسمات، لكن شيئا ما به يحمل جاذبية خاصة تجعل منه أشبه بالمغناطيس.
كان متوسط الطول ذو جسد رياضي تظهر بنيته المتناسقة من خلال ذاك القميص الذي قُد على قده.
مع ذقنه الحليق والذي يظهر بروزا عظميا على جانبيه يجعله منحوتا كما وجه تمثال روماني، وكذا شعره السبط الحالك السواد الذي ظهرت أطرافه من تحت ذاك الكاب الذي ارتداه لتوه.
بجانب تلك الابتسامة الخلابة المرسومة على شفتيه، عابثا بُخلة أسنان يلوك طرفها في لامبالاة، وهو يهمس في مرح لصديقته التي كانت تعيره اهتماما جما.
همست لنفسها في ضيق:
كفي. توقفي عن التحديق في ذاك الأحمق.
لكنها لم تستمع لذاك الأمر الداخلي. ومتى استمعت!
كفت بالفعل وأدارت وجهها في اتجاه آخر مضطربة النظرات، لكن بعد أن فات الأوان، فقد شعر هو لا إراديا بالحصار، فوجه نظراته صوبها، ليمسك بها متلبسة بالتحديق فيه كبلهاء.
شعرت بارتجافة تعتريها. وشتمت نفسها سرا عندما تأكد لها أنه قد حان دوره ليتفرس بها لتصبح تحت مجهر عينيه الثاقبتي النظرة، واللتين ضاقتا في فضول مسمرة نحوها كعين صقر لا يخطئ فريسته.
تململت في موضعها وكانت على وشك الاندفاع مبتعدة لتعود لقمرتها، إلا أن حضور النادل بطعامها جعلها تعود لتستقر على مقعدها ما أن همت باتخاذ قرار الرحيل.
وُضعت الأطباق قبالتها على الطاولة، وما أن همت بامساك الملعقة حتى شعرت أنها ما تزل محاصرة بتلك النظرات هناك.
لم يعد الأمر يحتمل، لذا قررت النهوض للحمام لغسل يدها والعودة لتغير موضع جلوسها لتوليه ظهرها.
نفذت واتجهت للحمام على عجالة.
غسلت وجهها وكفيها وعادت لطاولتها لتجلس موضعها تتنفس الصعداء، فقد أصبح بامكانها تناول طعامها في راحة فقد رحل مصدر قلقها يبدو أنه غادر طاولته مع حسنائه الهيفاء.
بدأت تأكل في شهية كبيرة، وقد بلغ بها الجوع مبلغا كبيرا، جعلها تتناول طعامها بشراهة غير معتادة، والتى عزتها إلى تأثير البحر وهوائه.
***
وبخت نفسها كثيرا، فقد شعرت بامتلاء رهيب أقلق راحتها.
ما كان عليها أن تأكل بهذه الشراهة.
كانت جوعى فألتهمت كل ما قُدم لها وما راعت ان أمعائها المسكينة تتضرر سريعا.
حمدت ربها أنها احضرت دواء لألم المعدة.
دخلت قمرتها، بحثت عنه بداخل حقيبة يدها الصغيرة متناولة منه حبة ألقتها بجوفها مع قليل من الماء، وقررت الصعود قليلا لسطح الباخرة لاستنشاق الهواء لعله يساعدها في التخلص من ثقل تلك الوجبة الدسمة المطبقة على أنفاسها، والتي ستحرمها النوم لساعات إن لم تعمل على هضمها.
تطلعت حولها لتجد أن سطح السفينة خالِ تماما، وأن الجميع لا يزل بالمطعم يتناول طعامه ويستمتع بالموسيقى التي تنبعث قادمة إليها.
كان يمكنها البقاء. كانت تود ذلك بالفعل. ولو كانت لا تزل حياة القديمة التي خلفتها ورائها منذ بضعة أشهر، لكانت قد استمرت في البقاء.
لكنها تحاول أن تلتزم على قدر استطاعتها بما يفرضه عليها زيها المحتشم ذاك.
غطاء رأسها وبنطالها الفضفاض على ذاك القميص الطويل الواسع، فابتعدت عن ذاك الجو المشحون بالرقص وتناول المحرمات.
توقفت عند مقدمة السفينة التى كانت تمخر عباب البحر في سلاسة ادهشتها كنصل سكين حار يتوغل لداخل قالب من زبد فيشطره في لحظة.
شعرت بتوعك فهمست في توسل وهي تضع كفها فوق موضع ألم معدتها:
لا. ليس الآن. لقد تناولت دوائي بالفعل.
لم تكن تدرك أن الأمر لا علاقة له بالطعام بل له علاقة بركوبها البحر للمرة الأولى.
شعرت بدوار يكتنف رأسها وبدأت معدتها في التأوه.
اقتربت من حافة السور المعدنية وانثنى جزعها لاإراديا رغبة في التقيؤ وإفراغ محتويات معدتها المضطربة إلا أنها وجدت نفسها وقد تم جذبها بشدة بيد قوية مبعدة إياها عن السور وشخص ما يهتف بها في غضب:
توقفي. ما تفعلينه ليس حلا يا حمقاء.
دفعت به بعيدا رغبة في إطاعة أمر معدتها التي لا زالت تتلوى ولم تتخلص بعد مما يثقل كاهلها ولازال الدوار يكتنف رأسها المسكين، تمسكت بالسور المعدني من جديد ليعاود محاولته مانعا إياها بقوة أكثر حزما ممسكا بها لتواجهه صارخا في حنق:
الانتحار ليس حلا يا مجنونة. وإذا كان ولابد منه.
استطرد مازحا:
ها أنا ذا. اعتبريني بحرا واغرقي بين أمواجي.
فتح ذراعيه ليتلقفها وهى تترنح، وقد قررت معدتها في التو إفراغ محتوياتها على قميصه الثمين.
لحظات من الصمت مرت لم يقطعها إلا هدير الباخرة التي تشق البحر.
كانا كصنمان متصلبان أحدهما في وهن والآخر في صدمة.
همس مقاطعا الصمت، وقد تجلت أمامه الحقيقة:
هل كان ذلك ما.
قاطعته بدورها هامسة بغيظ من بين أسنانها:
نعم. كنت أحاول التغلب على دوار رأسي. لا الانتحار أيها الذكي.
همس متحسرا في مزاح:
وأنا الذي كنت آمل في تمثيل مشهد تيتانك.
شهقت بصدمة:
ذكر تيتانك الغارقة على سطح باخرة بعرض البحر!! يا له من فأل حسن!
قهقه ولم يعقب وهو يشرع في فك أزرار قميصه المتسخ لتهتف في صدمة من جديد:
ماذا تظن نفسك فاعلا!
هتف بهدوء:
اخلع قميصي المتسخ، أم أنه يتحتم على السير حتى قمرتي بهذا الشكل المزري!
أشاحت بكفها في لامبالاة، هاتفة وهى تهم بالرحيل:
أفعل ما يحلو لك. أنا ذاهبة على أي حال.
عاودها الدوار من جديد، وسارت تترنح كالسكيرة في اتجاه باب النزول عن السطح.
لحق بها ممسكا برسغها وقد كادت تصطدم بأحد العوارض الخشبية لتعاود معدتها الثورة من جديد ملقية محتوياتها على الجانب الآخر من القميص الذي لحسن حظه لم يكن قد خلعه بعد.
شتم في سره يسب نفسه لائما لاهتمامه بأمر تلك الفتاة. فليتركها تفعل ما يحلو لها بعيدا عنه وعن قميصه.
بدأت تستعيد توازنها، وهمست في وهن:
أنا آسفة.
أكد بهدوء:
لا عليك.
وهنا خلع القميص ولم تعترض هي، بل أشاحت بناظريها بعيدا عن صدره العارِ، لكنها شهقت في صدمة عندما وجدته يلق بالقميص من على سطح الباخرة هامسة:
ماذا فعلت!
هتف مؤكدا في مزاح:
فعلت ما يجب فعله. لم يعد يصلح للاستخدام الآدمي بعد كل ما فعلته به. المسكين تحمل الكثير وقد آن الأوان أن يستريح.
هتفت بحرج متجنبة النظر اليه:
كان يمكنني غسله وإعادته إليك نظيفا.
هتف بدوره:
لا عليك. لم يكن ليستخدم مرة آخرى على أي حال. فهناك بعض الأشياء إذا ما اصابها العطب سيكون من الحمق اضاعة الوقت في محاولة إعادتها لسابق عهدها.
قال كلماته الأخيرة تلك بنبرة عجيبة أثارت كوامن نفسها لتتطلع إليه ناسية حذرها تابعت ملامح وجهه والذي تبدل فجأة للوحة من الألم رسمها الوجع بريشته فأحسن تصويرها.
اضطربت وأخيرا همست:
شكرًا.
اندفعت للداخل باحثة عن طريق العودة لقمرتها، والتي ما أن عثرت على رقمها المدرج على بابها حتى دفعت بمفتاحها في الباب ودخلت مسرعة وكأنها تهرب من مجهول لا تعلم كنهه.
***
ألقى مهنى التحية في جدية كعادته ليرد السعيد في محبة:
مرحبا مهنى. اجلس لتناول الإفطار معي.
مهنى هو محام عائلة السعيد ومدير أعمالها، والذي يضع عائلها كل ثقته به، فهو صديقه قبل أن يكون محاميه، ويحمل عبء إدارة الأعمال، وخاصة بعد أن أنهك المرض صحة السعيد وازدادت وتيرته حدة بعد كل تلك الحوادث الموجعة التي مرت بالعائلة منذ عدة سنوات.
ابتسم مهنى في محبة مماثلة:
لقد تناولته بالفعل يا سعيد بيه. بالهناء والشفاء. هل سافرت حياة أخيرا!
أكد السعيد في فرحة:
أخيرا اقتنعت ونهى أكدت أنها لم تبرح الميناء حتى أبحرت باخرتها. كان يمكنني أن ادعها تسافر بالطائرة لكني فضلت سفرها بالباخرة ليكون الاستمتاع مضاعفا.
هز مهنى رأسه موافقا، وهتف باقتضاب:
هي في حاجة لرحلة كهذه بالفعل. لندعو لها بالذهاب والعودة سالمة.
هتف السعيد:
آمين.
أخرج مهنى بعض الاوراق ووضعها أمام السعيد مشيرا لها في اهتمام:
هذه الأوراق لابد من توقيعها بشكل عاجل، لقد تأخرت كثيرا في عرضها عليك نظرا للظروف التى حلت بالعائلة مؤخرا.
اومأ السعيد برأسه متفهما، ومد كفه ملتقطا القلم ومزيلا إياها بتوقيعه، وما أن انتهى حتى طواها مهني، ونهض مؤكدا على وجوب الرحيل فورا لأن هناك عدة اجتماعات في انتظاره بالشركة التي يمتلكها السعيد ضمن مجموعة من الشركات، والتي ترأس مجلس إدارتها خلفا للسعيد بعد أزمته الصحية الأخيرة.
ظهرت نهى قادمة من الداخل لمجلس جدها، راجية إياه الدخول لينل بعض الراحة، طاوعها عائدا إلى غرفته برفقتها فما عاد البقاء طويلا بالخارج مناسبا لصحته العليلة.
***
هيا انهضي أيتها المتكاسلة. لدينا الكثير من الأعمال. هل ستظلين اليوم بطوله في الفراش! من تعتقدين نفسك!
همست بوهن:
لكن أنا متعبة اليوم. أشعر أنني.
قاطعها الصوت الغليظ، هاتفا في حدة:
كفاكِ تمثيلا وادعاء. هيا انهضي.
انتفضت حياة من نومها متطلعة حولها في تيه، لتتنهد في راحة عندما أدركت أنها بفراش قمرتها على الباخرة المتجهة بها حيث رحلتها لإيطاليا.
عادت لتتمدد من جديد تتنفس الصعداء أن ما رأته لتوها كان كابوسا ومر، وما عاد له أثرا في الواقع.
نظرت إلى توقيت جوالها الذي حرصت على تعديله لتتيقن أنها استيقظت في الوقت المناسب لتأخذ حماما قبل موعد الإفطار.
نهضت في تثاقل وهى تمني نفسها أن الأيام القادمة ما أن تصل روما ستكون هي الأفضل، وعليها أن تترك كل ما خلا المتعة خلف ظهرها. وقد قررت بكل حماس أن تفعل.
***
حاولت أن تتجاهل محياه اليوم بطوله، واتخذت مكانا قصيا بأحد الأركان على سطح الباخرة، والذي نُشرت بأرجائه المظلات والمقاعد للتمدد وقد أحضرت إحدى رواياتها التي قررت جلبها معها لتعينها على رحلتها واستلقت بأريحية على أحد المقاعد تستظل بإحدى المظلات وقد تاهت تماما في أحداث الرواية، حتى أنها لم تنتبه لوجوده قبالتها مستندا على السور المعدني إلا عندما ارتفعت قهقهات الحسناء التي ترافقه كظله.
رفعت ناظريها بشكل لا إرادي عن الصفحات التي كانت غارقة داخلها لتجد نظراته مسلطة عليها وكأنه كان في انتظارها لتفعل.
رمقتهما بنظرة غير عابئة أثارت غيظه وعادت تدفن رأسها خلف ضلفتي الرواية من جديد.
لكن ما جعلها تنتفض مبتعدة هو قهقهة الشقراء العالية والتي أطلقتها لتنتبه حياة أنها تركز نظراتها عليها.
ساءها الأمر كثيرا. هل كان يقص لها ما حدث منها البارحة والأضرار التي لحقت بقميصه الثمين!
شعرت أن ان ذلك لا يُحتمل، فنهضت مبتعدة غير راغبة في سماع المزيد من تلك الضحكات السمجة التي بالتأكيد تطلقها الفتاة بعد نوبة من السخرية عليها من قبله.
***
ظلت حبيسة غرفتها طيلة النهار وما أن حان وقت العشاء حتى نهضت وتوجهت للمطعم وكالعادة بحثت عن الطاولة المنعزلة لكن هذه المرة لم تختر الانعزال فقط، بل تأكدت ان طاولتها بعيدة عن محيا ذاك الرجل ودميته الشقراء.
توجهت بالفعل في اتجاه الطاولة التي وقع اختيارها عليها وجلست تطلب طعامها الذي انتقته بسيطا غير راغبة في تكرار تجربة الأمس.
كادت أن تغص بإحدي اللقيمات عندما ظهر قبالتها فجأة منحنيا يهمس بابتسامة مهلكة وأريحية عجيبة كأنها صديقته منذ دهور:
أحسنتِ الاختيار. طعام خفيف يصلح لمعدة منهكة. هل يمكنني الجلوس بصحبتك!
تجرعت رشفة ماء محاولة التظاهر بالثبات وهى تتطلع خلفه باحثة عن ظله الأشقر لكنه كان وحيدا وتساءلت بنفسها:
أين ذهبت الشقراء يا ترى!
هتفت مدعية اللامبالاة:
انا لا أعرفك لتجالسني. هذا أولا. ثانيا أخشى غضب صديقتك الشقراء. فقد تأتي في أي لحظة.
تجاهل الشطر الأول من إجابتها، وهتف مؤكدا في ثقة:
لا تقلقي. هي لا تملك حماقة الشرقيات وتملكهن المزعج.
ما أن هم بالجلوس دون حتى أن تسمح له، حتى كانت هي التي تنهض تاركة الطاولة في عجالة، ليبادرها متعجبا:
إلى أين!
تجاهلته تاركة إياه دون أن تجيب تساؤله، جالسا على الطاولة وحيدا دونها.
رواية السماء تشهد ايها الماجن الفصل الثاني 2 - بقلم رضوى جاويش
وصلوا الميناء الإيطالي أخيراً، وبدأ الجميع في الاستعداد لمغادرة الباخرة.
كانت تتجنب ذاك الأحمق منذ الليلة التي تركته فيها وحيداً على طاولة العشاء. ابتسمت ساخرة عندما وقع ناظريها عليه وتلك الشقراء تتأبط ذراعه، وكل منهما ضحكاته تعانق عنان السماء.
خرجت من الميناء تشير لإحدى عربات الأجرة في اتجاه الفندق الذي أشارت لاسمه بإحدى الأوراق التي كانت تحملها بحقيبتها، فلم تكن تتقن الإيطالية، وكذا الإيطاليون لا يجيد أغلبهم الإنجليزية.
هز سائق العربة رأسه وهو يقرأ اسم الفندق بالورقة، وأشار بحماس بكلتا يديه هاتفا بإيطالية واثقة: "سي.. سي..".
واندفع بعربته. طال الوقت في زحام السير الذي يميز نابولي، لكنها شغلت نفسها بالتطلع إلى بعض الآثار المنتشرة هنا وهناك حتى توقفت أخيراً أمام بوابة الفندق. تنفست الصعداء وهي تنقد السائق أجرته مندفعة لخارج السيارة، ليتلقفها أحد عمال الفندق حاملاً عنها حقيبتها للداخل.
توقفت تلهث أمام موظف الاستقبال وهتفت بإنجليزية متقنة:
"مرحباً.. من فضلك هناك حجز باسم حياة السعيد."
أكد الموظف بدوره وهو يتطلع إلى شاشة حاسوبه:
"نعم يا سيدتي.. تفضلي."
ومد كفه بمفتاح الجناح المحجوز لها لتشكره. وما أن همت بالصعود لحجرتها حتى عادت متسائلة:
"متى خروج الفوج لزيارة المزارات السياحية!؟"
أكد موظف الاستقبال:
"في تمام العاشرة صباحاً سيدتي.. التجمع سيكون هنا ببهو الفندق بعد الإفطار مباشرة."
أومأت في إيجاب ب شاكرة، واندفعت باتجاه المصعد وخلفها العامل حاملاً حقيبتها.
تمددت على فراشها داخل ذاك الجناح الفاخر وهى تتفكر في حالها وما آل إليه. تنهدت في حسرة واندفعت لتأخذ حماماً منعشاً قبل أن تتجهز لتنزل للعشاء. تزينت وضبطت غطاء رأسها وتعمدت أن لا تطيل النظر لمرآتها وهبطت للمطعم بالأسفل.
جلست تطلب طعامها ممسكة بقائمة الاختيارات. وما أن رفعت رأسها وقد قررت ما عليها تناوله، حتى اصطدمت عيناها بنظراته وهو يميل على الطاولة مستنداً على المقعد المقابل لها هامساً بابتسامة مهلكة:
"الريڤيولي اختيار رائع.."
وغمز بإحدى عينيه واندفع مبتعداً. مرت لحظة حتى استوعبت ظهوره المفاجئ ذاك وتجاهلت اقتراحه تماماً وهي تعيد النظر في قائمة الأطعمة.
عاد النادل وهمت بطلب آخر لكنها عدلت رأيها بآخر لحظة لتطلب الريڤيولي. استمتعت بالوجبة محاولة تجاهل ذاك الذي يجلس على طاولة بالقرب منها وبصحبتة صهباء فاتنة، ضحكاتهما تتعالى في رعونة وهو يهمس قرب آذانها ببضع كلمات بعدها ترتفع القهقهات كما هو الحال دوماً.
لكن أين اختفت الشقراء يا ترى!؟ تساءلت مبتسمة في سخرية وهي ترتشف كأس العصير هامسة بداخلها:
"رحلت الشقراء وجاءت الصهباء.. يبدل الحسناوات كجواربه.. أحمق."
نهضت في هدوء لتصعد غرفتها محاولة تجاهله وألا تسقط ناظريها عليه حتى ولو سهواً، وهي لا تعلم أن هناك من يتبع خطواتها حتى اختفت.
***
"خذي هذا الدلو وأبدأي من حيث أمرتك." هتف ذاك الصوت الغليظ من جديد.
لتهتف هي بدورها في غضب:
"لن أفعل.. فأنا لست خادمة.. أنا هنا لأني.."
قاطعها الصوت في غضب عارم:
"إياكِ أن تعارضيني.. نفذي ما أمرك به وإلا.."
شهقت حياة في قوة، وهي تنتفض من جديد لتخرج عنوة من داخل ذاك الكابوس الذي يلازمها ولا أمل في الخلاص منه. أخذت تلتقط أنفاسها في هدوء حتى تستعيد هدوئها. وأخيراً تمطأت في تكاسل غير راغبة في مغادرة الفراش، لكن كان يجب عليها الإسراع في تجهيز نفسها إذا ما أرادت أن تلحق موعد الإفطار، واللحاق بتلك الجولة السياحية بأنحاء نابولي في تمام العاشرة.
تجهزت ونزلت لمطعم الفندق والذي كان مكتظاً عن آخره. بالكاد استطاعت الحصول على مائدة جانبية منعزلة وضعت عليها إفطارها البسيط. تناولته مسرعة ونهضت على عجالة باتجاه بهو الفندق وقد أبصرت من موضعها ذاك الجمع الذي بدأ في التجمهر استعداداً للخروج.
وضعت نظارتها الشمسية حتى قبل أن تكون بحاجة إليها، وانضمت للمجموعة التي كانت تتصايح فيما بينها بسعادة حتى ارتفع ذاك الصوت الذي استطاعت تمييزه بسهولة رغم أنها لم تر صاحبه. وحاولت أن تكذب آذانها، فاقتربت لتقع نظراتها عليه وهو يهتف بإنجليزية متقنة:
"مرحباً.. معكم مرشدكم في هذه الرحلة.. آدم عبدالخالق."
غصت وهي تحاول أن تتجاهل تلك النظرة التي رمقها بها من بين الجمع الذي يواجهة وهو يستطرد مازحاً:
"ولتحذر الآنسات فآدم يبحث عن حوائه وقد يجدها قريباً."
ارتفعت القهقهات، إلا أنها فقد التزمت الصمت وكأنها لم تسمعه من الأساس.
بدأ الجمع في التحرك باتجاه تلك الحافلة الخاصة بالفندق والمخصصة للجولات السياحية. ظل بانتظار الجميع حتى صعدوا ليكون الأخير. صعد يجول بناظريه يطمئن على جلوس الكل مواضعهم ليكتشف جلوسها بآخر مقعد. ابتسم رغماً عنه لشعوره أنها تنأى بنفسها.
جلس بمقعده الذي تُرك له بجوار السائق يشير هنا وهناك لبعض الآثار المنتشرة بالطريق. وأخيراً نهض هاتفا في حماس بإنجليزية رشيقة مشيراً لجبل شاهق على البعد:
"هذا بركان فيزوف.. البركان الأشهر والأكثر نشاطاً في أوروبا.. ويقال إن اسم «بركان» أطلقه الرومان قديماً نسبة إلى الإله «فولكان» إله النار والحدادة في الدولة الرومانية القديمة، حيث كانوا يعتقدون أن الجبل البركاني الذي يشرف على خليج نابولي في إيطاليا ما هو إلا مدخنة لأتون كبير يوقده هذا الإله."
تحرك بطول العربة حتى وصل بالقرب من مقعدها لينحني متطلعاً إلى ذاك البركان الذي أصبحوا على مقربة منه من خلال نافذتها. وكان هذا البركان لا يمكن رؤيته إلا من خلال هذه النافذة.
زفرت في ضيق تجاهله هو هاتفا:
"لقد ثار ذاك البركان قديماً حتى إنه طمر عدة قرى قريبة منه، ويمكننا زيارة هذه القرى بعد إزالة آثار الرماد البركاني عنها لنرى أثر الحمم البركانية على جثث الضحايا التي ما زالت موجودة كمتحف حي يظهر بشاعة تلك الحادثة."
شهقت هي رغماً عنها، وهي تتخيل مظهر جثث محنطة لأناس مساكين لم يستطيعوا الهرب من تلك الكارثة فاخفتهم الحمم تحتها لقرون.
تطلع إليها جراء شهقتها التي لم تستطع كبح جماحها، والتي على ما يبدو كان بانتظارها كرد فعل متوقع منها على حدث كهذا. ابتسم رغماً عنه، وعلى الرغم من أنه لا يوجد ما يدعو للابتسام، لكنه تطلع إليها وتلك الابتسامة المغيظة تكلل شفتيه مستطرداً:
"ذاك البركان ثار دون مقدمات، وكان ذلك سبباً في تلك الكارثة."
وقهقه هاتفا في مزاح:
"لا أعلم لما يذكرني هذا البركان بثورة النساء في وجوه أزواجهن!؟"
علت همهمات الرجال المستحسنة مع تصفيقهم، بينما زمجرت النساء اعتراضا، لينفجر الجميع بعدها ضاحكاً إلاها، فقد كان الضيق يتملكها حرفياً وودت لحظتها لو نهضت وأرته مثالاً حياً لثورة النساء وكالت له ضربة قوية بقبضة يدها المضمومة في تلك اللحظة تحفزاً لنيل مرادها إلا أنها هدأت من روعها والحافلة تتوقف ليهبط منها الجميع في اتجاه ذاك البركان الذي ودت لو ألقت هذا الرجل بداخله كقربان لذاك الإله ليفعل به ما يحلو له.
أعجبها الخاطر كثيراً رغم تعجبها من روح الانتقام التي تكتنفها تجاه ذاك الآدم الذي حتى اللحظة لم يسيء إليها. فهل تراه يفعل!؟
***
وصلوا لمحطتهم الثانية في جولتهم والتي كانت لجزيرة كابري بواسطة إحدى العبّارات. دقائق على شاطئها وقرروا زيارة الكهف الأزرق. توجهوا إليه سيراً على الأقدام وأخيراً استقلوا عدة قوارب لتشملهم جميعاً فالقارب كان صغيراً الحجم لا يقل أكثر من أربعة أشخاص.
ركب كل زوجين قارباً ليبقى زوج من السائحين وكلاهما.. هي وبالتأكيد مرشد الرحلة الذي كان دوماً آخر من يركب.
جلس جوارها فتململت في جلستها شاعرة بالضيق لذاك القرب، لكن القادم كان الأصعب حيث هتف آدم بهم جميعاً:
"الآن انتبهوا.. على الجميع خفض رؤوسهم عند الدخول لأن هذا الكهف مدخله مغمور لمنتصفه بالماء.. رجاءً لا يرفع أحدكم رأسه حتى آمر بذلك، وهذا لسلامتكم جميعاً."
أطاعه الجميع وبدأت القوارب في الدخول من فوهة الكهف تباعاً. وما أن جاء دور قاربهم حتى هتف أمراً:
"فلينخفض الجميع."
انكمش الزوجان ملتصقين وقد انخفضا لداخل باطن القارب بينما تجاهلت هي ما أمر به. تنبه لذلك فجذبها لتسقط بباطن القارب ملتصقة به في نفس اللحظة التي مر بها القارب من مدخل الكهف الضيق. لولا جذبه لها قبل فوات الأوان لكان رأسها الآن مصاباً.
تطلع إليها في ذاك الفراغ الضيق الذي وجدا نفسيهما محشورين به رغماً عن إرادته أو بالأدق رغماً عن إرادتها. هي جازاً على أسنانه يرغب في توبيخها إلا أنه أمسك لسانه وهتف أمراً في ضيق:
"فليرفع الجميع رأسه الآن."
سمع الشهقات المستحسنة لذاك الجمال الأزرق الآخاذ الذي يحيط بهم. هتف آدم بصوت عالٍ حتى يستمع الجميع في زوارقهم:
"هذه هي مغارة 'أوزارو' أو ما يطلقون عليه اسم 'الكهف الأزرق'.. لا حاجة لي لإبلاغكم سبب التسمية فهو واضح تماماً.. فذاك الضوء الأزرق الذي يغمر المكان كان سبباً للتسمية بالتأكيد."
واستطرد:
"كان يُعتقد في العصر الروماني أن ذاك الكهف مأوى للشياطين."
وصمت للحظة مستطرداً بعدها منتشياً وهو يلقي نظرة جانبية لها:
"وكذا الحوريات."
سمع همهمات رقيقة من بعض النساء، بينما تسلطت أنظاره عليها وهو ينطق كلمته الأخيرة. شعرت بوقع نظراته لكنها تجاهلتها كلياً، ليستطرد هو مازحاً:
"وكان كذلك مأوى لغريبي الأطوار.. لو كنت أعيش في ذاك الزمان لكان ذاك مكاني المفضل بكل تأكيد."
قهقه الجميع ووأدت هي ابتسامة كادت أن تطل على شفتيها. خرجوا من الكهف بعد جولة بداخله ليتوجهوا للعبّارات مرة أخرى ليعودوا للفندق فقد أوشك الليل على إرخاء سدوله.. وعليهم الاستعداد للعشاء وذاك الحفل الساهر الذي يقيمه الفندق.
***
كانت من أوائل الأشخاص الذين نزلوا لقاعة الطعام. تناولت عشاءها على عجالة حتى أنها لم تنتبه لجلوسه وحيداً هذه المرة بإحدى الطاولات الجانبية المنعزلة وقد جلس يرقبها من بعيد على وجهه شبه ابتسامة وقد قرر هذه المرة ألا يعترض طريقها بل يستمتع بمشاهدتها من على كثب دون إزعاجها على الرغم من أن الأمر يروقه كثيراً. هو شخصياً لا يعرف ما السبب في رغبته تلك! وتعجب من اهتمامه العجيب بتلك الفتاة التي تبدو ملتزمة في زيها وحادة في نظراتها وردودها.
رآها اللحظة تنهي طعامها ويبدو أنها في طريقها لغرفتها ربما صعدت لتجهز نفسها من أجل الحفل المسائي إذا كان في نيتها الحضور. انتظر حتى اختفت تماماً عن ناظريه ونهض حتى يستعد للحفل بدوره غير عابئ بتلك الجميلة الصارمة.
دخلت غرفتها وخلعت عنها ملابسها وتمددت على الفراش بغية النوم مبكراً حتى تحصل على قسط كافٍ من الراحة لأن تلك الجولات شاقة وتحتاج لطاقتها ولياقتها كاملة. تقلبت كثيراً ومر بعض الوقت دون جدوى فلا نوم زارها ولا رغبة موجودة من أساسه في النعاس.
استقامت جالسة تتنهد في ضيق متسائلة ماذا عليها أن تفعل! جربت تشغيل التلفاز لكن كل ما كان يعرضه بالإيطالية فأغلقته وألقت بمؤشر التحكم جانباً. وقد قررت في لحظة تهور غير معتادة النزول لأسفل لحضور حفلة الفندق المقامة بالهواء الطلق.
نهضت مسرعة وارتدت إحدى أثوابها المخصص لفترة المساء والسهرة، والذي ألحت عليها نهى ووضعه بحقيبتها رغم اعتراضها وكم شكرتها على ذلك. ضبطت غطاء رأسها وحذائها ذو الكعب العالي ونزلت في تردد تتبع صوت الموسيقى والصخب بالخارج.
جلست بإحدى الطاولات المتطرفة قليلاً لا رغبة لديها في التفاعل مع الجمع فهي هنا لكسر الملل الذي كاد أن يخنقها بغرفتها في ذاك الوقت المبكر ليلاً. تطلعت إلى المكان المتوسط الذي تحيط به الطاولات من كل جانب لتجد أصحابها في مجموعة الزيارات السياحية هاهنا جميعهم بلا استثناء.
لكن تراه أين يكون مرشدنا الهمام!؟ وبخت نفسها لأنها شعرت بالفضول تجاهه. ثبتت نظراتها على بعض الأزواج المرحين بنقطة قريبة منها لحد ما تتشاغل بمراقبتهم عن التفكير به.
بدأت الفرقة الموسيقية في عزف مقطوعة رومانسية رقيقة لتتطلع إلى الراقصين ليقع ناظريها عليه إحداهن تتأبط ذراعه في اتجاه حلبة الرقص وبدأ في التمايل بها محتضناً خصرها الدقيق في خلاعة. ظلت تطالع المشهد أمامها حتى قررت النهوض والعودة لحجرتها.
لا تعلم ما الذي اعتراها وهى تراه يضم بين ذراعيه امرأة بهذا الجمال الصارخ وهى التي لا تهتم لأمره من الأساس!؟ ماذا دهاها!؟
اندفعت بلا تريث في طريقها لداخل الفندق لتصطدم بأحد السكارى الذي تطلع إليها في انبهار مستحسناً، وما أن همت باستئناف طريقها حتى أمسك بمعصمها في اعتراض، هاتفا يستوقفها بلغة إيطالية لم تفهم منها حرفاً، لكنها جذبت ذراعها منه بقوة ودفعت به بعيداً عنها حينما هم بتطويقها بين ذراعيه ليسقط على إحدى الطاولات محطماً إياها برفقة بعض الكؤوس التي كانت عليها.
جذب صوت الجلبة الناتجة عن التحطم أسماع بعض الجالسين بالخارج لكن أحداً لم يتدخل. نهض السكير في غضب قبل أن تهم هي بالاندفاع مبتعدة، ليعاود الكرة وتشتعل رغبته في الوصول إليها. وقد هم بالقبض على ذراعها من جديد إلا أن لكمة قوية كانت هي الرد لتعيده لموضع سقوطه السابق لكن هذه المرة كجسد خامد راح في سبات عميق.
كان ظهوره بالنسبة لها نجدة من السماء وخاصة أن الأمن وصل لتوه، ليصرخ بهم آدم معنفاً. لم تفهم كلمة مما قال بإيطاليته المميزة إلا أن غضبه المرسوم على قسمات وجهه كان كافياً ليترجم ما يصيح به في وجوههم.
لا تعلم لما لم ترحل لتصعد غرفتها ووقفت متسمرة تتابع ما يفعل، لتجده الآن يجذبها خلفه مكبلاً معصمها بكف من فولاذ. توقفت في غضب لجذبه إياها بهذا الشكل المهين وخاصة أنه مع حذائها ذو الكعب العالي ما كانت قادرة على متابعة خطواته الواسعة والتي تدل على ثورته وهتفت في حنق:
"مهلاً.. أترك يدي من فضلك.. ماذا تظن نفسك فاعلاً!؟"
توقف فجأة مع وقع كلماتها الثائرة وتطلع نحوها يحاول أن يضبط أعصابه قدر استطاعته هاتفا في هدوء مصطنع:
"ما الذي جاء بك إلى الأسفل!؟ ألم تصعدي حجرتك للنوم!؟"
هتفت تتطلع إليه في صدمة:
"أتراقب تحركاتي!؟"
هتف في سخرية:
"لستِ على هذا القدر من الأهمية لأفعل.. كل ما هنالك أني رأيتك تصعدين غرفتك بعد العشاء ومع مظهرك الملتزم هذا لم أتوقع حضورك الحفل."
هتفت في غيظ:
"لم أكن أعلم أنه يتوجب عليّ طلب الإذن منك لحضور إحدى حفلات الفندق!؟"
جذبها من جديد راغباً في إنهاء ذاك الحوار العقيم هاتفا:
"حسناً.. هيا إلى الغرفة."
هتفت معترضة:
"أنا لن.."
قاطعها جازاً على أسنانه، وقد أصبحا ببهو الفندق بالقرب من المصعد، فأشار إليه هامساً في نفاذ صبر:
"أنا لن أدعك تعرضين نفسك للخطر.. هيا إلى الأعلى."
شعرت أن الأنظار بدأت في التركيز عليهما، فقررت المهادنة والتوجه للمصعد ولها معه شأن آخر فيما بعد. دخلت المصعد ومنه لحجرتها التي ما أن دخلتها حتى دفعت بحذائها بعيداً عن قدميها في عنف، وجلست على طرف فراشها تغلي غضباً لتحكمه فيها بهذا الشكل، متوعدة إياه بالويل والثبور وعظائم الأمور.
***
في صباح اليوم التالي صعدا الحافلة لجولتهم التالية. حاولت أن تتحاشى النظر إليه حتى لا تدفعها الرغبة في الثأر إلى أمر ما لا يحمد عقباه.
وصلوا لقمة "مونتي دي سولارو" وقفوا جميعاً عند موضع ركوب التليفريك ليهتف آدم مازحاً:
"آسف لأنكم أزواج والركوب هنا فردي.. لكن مؤكد إنكم ستستمتعون بمناظر خلابة واعتبروها إجازة قصيرة من أزواجكم حتى نجتمع جميعاً على الطرف الآخر.. رحلة موفقة للجميع."
بدأ الأزواج في ركوب ذاك المقعد الفردي المعلق، وكان يتأكد من إحكام المقعد لكل فرد حتى انتهى منهم جميعاً ولم يبق إلاها فأشار إليها أمراً بلغة عربية:
"تفضلي."
كانت مترددة في الجلوس وخوض التجربة لكنها جلست في هدوء يناقض اضطرابها لينحن آدم هامساً:
"اسمح لي."
همست في ثبات وقد شعرت أن الفرصة سنحت لها لتنتقم:
"لا.. لن أسمح.. وخاصة السماح بما فعلته بالأمس.. لا تفرض رغباتك عليّ مهما حدث فأنا حرة تماماً في اختياراتي.. وأنا.."
قاطعها ماداً كفه متجاهلاً كلماتها المعنفة ليتأكد من إحكام روابط الأمان بالمقعد، فانكمشت هي على نفسها ورغم ذلك استمرت في تعنيفه هاتفة في حنق:
"أؤكد عليك.. أنا حرة وأنا لن.."
تنبه لانكماشها الزعر تلك وتجاهل الأمر، وأخيراً ترك مقعدها دافعاً إياه ليتحرك بها معلقاً ما بين السماء والأرض وهي لم تنهِ كلماتها بعد ما أثار المزيد من غضبها ليتبعها هو بمقعده مسلطاً ناظريه عليها وابتسامة على شفتيه.
كان انعكاس ضوء النهار على ملامح وجهها التي تحاول أن تسترخي أشبه بانعكاسه على مرآة فضية تشع بهاءً. كان يشعر أن تلك الفتاة تحمل سراً ما بين طيات روحها. كانت وحيدة وغامضة.. جذابة وشائكة.. رقيقة حد العطب وقوية حد الصد بقوة لكل من يزعجها. مزيج عجيب لم يقابله يوماً وهو الخبير بصنوف النساء.
وصلوا أخيراً للجانب الآخر ليجتمعوا وكان آخرهم وصولاً هو آدم نفسه الذي هتف مشيراً لدرج من الحجارة مؤكداً:
"اصعدوا ذاك الدرج لتصلوا للقمة.. هناك مقهى يقدم بعض المأكولات الخفيفة والمشروبات المنعشة.. تناولوا ما شئتم وتجولوا في الأنحاء لالتقاط الصور ونجتمع هنا بعد ساعة من الآن.. استمتعوا."
بدأ الجميع في صعود الدرج وتفرقوا ما أن وصلوا للقمة لتجلس هي وحيدة بإحدى الطاولات المنعزلة كعادتها. طلبت مشروباً منعشاً وأخرجت كتاباً وبدأت في القراءة.
رآها تجلس هناك ولم يشأ أن يزعجها أو يفرض نفسه عليها فأخرج هاتفه وبدأ في إجراء بعض المكالمات. لكنه وبلا إرادة وجد نفسه واقفاً بالقرب منها مجيباً على محدثه على الطرف الآخر:
"نعم.. هي رائعة.. بل هي أكثر من رائعة.. شائكة مثل الصبار، وناعمة مثل المخمل."
قهقه فاضطربت رغماً عنها ورفعت ناظريها إليه بلا إرادة لتجده يتطلع إليها وكأنما كان ينتظر تلك الالتفاتة منذ زمن. رفع قبعته محيياً في مرح وهتف مستكملاً الحديث عبر جواله:
"لا.. لن يحدث.. وهل سبق وأن حدث.. أنا محصن تماماً.. اطمئن."
ألقى نظرة أخيرة عليها، وابتعد مستكملاً مكالمته العجيبة تاركاً إياها تتساءل:
"من تلك التي يتغزل فيها بهذا الشكل!؟"
وابتسمت ساخرة تنظر إلى حيث توجه. أهي الشقراء أم الصهباء!؟ أم حبيبة أخرى لم يسعدها الحظ لتلقاها!؟ وما الذي لم ولن يحدث..!؟ ومما هو محصن يا ترى!؟
تزاحمت الأسئلة الواحد تلو الآخر ولكن لا إجابة شافية. فطردت محياه من مخيلتها في محاولة للتركيز على صفحات روايتها.
رواية السماء تشهد ايها الماجن الفصل الثالث 3 - بقلم رضوى جاويش
صعد الجميع إلى الحافلة التي ستقلهم إلى روما بعد انتهاء جولاتهم بنابولي.
تأكد آدم من راحة المجموعة وآن له أن يستريح قليلا قبل وصولهم.
تطلع حوله باحثا عن مقعد، وكالعادة لم يكن هناك مقعد فارغ إلا بجوارها، فقد كانت المجموعة عبارة عن أزواج ومنهم من كانوا حديثي الزواج يقضون شهر العسل في تلك الجولة حول إيطاليا.
دفع بجسده على المقعد المجاور لها متجاهلا إلقاء التحية.
فانتفضت هي من شرودها بتلك المناطق الخلابة عبر النافذة.
كظمت غيظها وقررت تجاهله تماما، خاصة أنه جذب قبعته الرياضية التي يفضل ارتدائها دوما لتغطي أعلى وجهه معلنا رغبته في الراحة والنوم قليلا.
امتعضت متأففة وهي تتساءل في نفسها:
"بالتأكيد لم يحصل على القدر الكافي من النوم البارحة. ترى مع أيهن كانت سهرته؟ الصهباء أم الشقراء؟ أو ربما امرأة جديدة.. حسناء تعرف عليها في أي من الأماكن التي يرتادها؟"
"على أي حال هو لا يعدم وجود امرأة جواره على استعداد تام لتنفيذ أمنياته وهي أكثر من راغبة."
مرت الدقائق وعادت لشرودها من جديد متناسية ذاك الجالس جوارها.
لكن ثقل ما جثم على كتفها الأيسر جعلها تنتفض موجهة نظراتها إلى تلك الرأس الملقاة على عاتقه.
ارتجفت كليا وهي تراه يغط في نوم عميق غير مدرك أن رأسه قد انحدرت من مسندها الطبيعي على ظهر مقعده لتجد لها موضعا آخر ربما أكثر راحة.
تسمرت وما كان لديها الجرأة لإيقاظه.
تململ لتسقط قبعته لتختفي بمكان ما أسفل قدميه.
لتصبح ملامح وجهه المستكينة في تلك اللحظة على غير عادتها سهل التطلع إليها والتفرس فيها دون خوف من ملاحقة نظراته العابثة.
كانت ملامح عادية في تقديرها.
ملامح رجل شرقي بامتياز.
قسمات حنطية وجبهة عريضة وأنف أفطس قليلا وذقن مدبب بعض الشيء عند نهايته التي تحمل طابعا للحسن.
لا شيء يميز ذاك الوجه العادي والذي يثير إعجاب الأخريات إلا عينيه.
والتي لحسن الحظ تطبق أجفانها وتسدل ستائرهما حاليا على تلك النظرات التي تشع مكرا ودهاء ويلوح من خلف بريقهما عبثا ومجون لا يمكن أن تخطئهما عين أنثى.
همست داخلها مؤكدة انطباعها الأول عنه:
"مجرد رجل عادي لا يستحق تلك الجلبة التي تحدثها الحمقاوات. إنه..."
انتفضت وكتمت شهقة كادت أن تندفع من بين شفتيها عندما انفرجت تلك الجفون معلنة عن تلك النظرات الناعسة التي وقعت عليها.
فارتجفت في اضطراب حتى أنها لم يكن بمقدورها حسن التصرف الكافي لتتظاهر بأنها كانت على وشك إيقاظه لأن كتفها قد ناء بحمل هامته.
تنبه لموضع رأسه على كتفها والذي لم يرفعه مبتعدا بعد، مستشعرا اضطرابها الذي يسربلها كليا.
رفع هامته في هدوء مبتعدا وهى لا تزال على وضعها ترتجف توترا.
وهمس وكأن شيئا لم يحدث متسائلا وهو يبحث حوله:
"أين قبعتي!؟"
أشارت إلى حيث انحدرت القبعة دون أن تهمس بحرف واحد.
انحنى باحثا عنها ليجدها على مقربة من قدمها.
فهتف من مكانه بالأسفل:
"هل تسمحين بإبعاد قدمك قليلا للوراء!؟"
نفذت في سرعة ضامة قدمها إلى ما أسفل المقعد.
لتطال يده القبعة أخيرا.
نفضها بشكل تلقائي ودفع بها على هامته من جديد وعاد ليسند ظهره لمقعده في أريحية عجيبة.
تطلع نحو مرافقيه ليجد زوجين يتبادلان الهمس في عشق.
فهتف في سعادة وبإنجليزية متقنة:
"ما أروع الحب!؟"
تطلعت إليه وكذا الزوجين، ليبتسما له في سعادة.
بينما همس وهو يميل بالقرب منها هامسا بسخرية:
"الحب!! الخديعة الكبرى وسبب تعاسة البشرية. ألا تعتقدين ذلك!؟"
تطلعت إليه هامسة:
"أتحدثني!؟"
همس ساخرا:
"وهل أبدو لك كأخرق يمكن أن يسأل نفسه وينتظر منها الإجابة!؟ بالتأكيد أسألك!؟"
همست مترددة:
"أعتقد أنك على حق. لا يوجد ما يمكن أن ندعوه حبا. أعتقد أنه خرافة."
هتف مستحسنا:
"أحسنتِ يا فتاة. ها نحن نتشارك أخيرا نفس الرأي. الحب حالة من العته والتيه تصيب الشخص العاشق ليأخذ بملء إرادته قرار اعتقال للأبد في حق روحه وسعادته. ألا لعنة الله على ذاك القلب الخائن الذي يسلم صاحبه لسجانه!"
وتطلع إليها من جديد هامسا:
"أولست محقا!؟"
هزت رأسها في إيجاب هامسة:
"بلى.. محق تماما.. فالحب في الأرض بعضا من تخيلنا لو لم نجده عليها لاخترعناه. هكذا قال شاعر الحب نفسه."
هتف آدم في سعادة:
"مرحى له ولكِ يا فتاة. يبدو أنك انضجت كثيرا مما ظننت."
هتفت في حنق:
"ماذا ظننت!؟"
تجاهل الرد على سؤالها واندفع ليقف بمقدمة العربة معطيا بعض التفاصيل عن الرحلة مع بعض المرح والمزاح كما هي عادته.
***
وصلوا لروما وتنبه الجميع لتلك الآثار المتناثرة هنا وهناك على طول شوارع العاصمة العريقة وعرضها.
وقفوا أمام الفندق وبدأ كل زوج في التوجه لغرفته.
لكن قبل أن يتفرق الجمع هتف بهم آدم مؤكدا:
"ميعاد اجتماعنا بعد وجبة الغذاء ستجدون الحافلة الخاصة بنا بانتظاركم خارج الفندق. أرجوا الالتزام بالمواعيد."
تفرق الجمع على وعد بالتجمع في الوقت المناسب.
وما أن همت هي بالصعود لغرفتها حتى سقطت نظراتها عليه وهو يقف متحدثا مع إحدى فتيات الاستقبال وهي تضحك في أريحية.
فقد استطاع أن يأسرها كما هو المعتاد.
تمتمت في غيظ وهي تتجه للمصعد:
"ماذا يفعل لهن بحق السماء!؟"
واستطردت لنفسها:
"لابد وأنه يستخدم سحر ما يجذب إليه هؤلاء النسوة بذاك الشكل المستفز، وكأنه زهرة يتزاحم عليها سرب من نحل."
وقفت بانتظار المصعد وما أن وصل دخلته متنفسة الصعداء مبتعدة عن مشاهدة غراميات ذاك الرجل.
لكنها وجدت **ه** يدفع بنفسه لداخل المصعد قبل أن تهم بغلقه.
شهقت في فزع وهي تتقهقر للخلف لاندفاعه الغير محسوب ذلك.
امسكت لسانها باعجوبة عن الإفصاح بما يعتمل بصدرها.
لكنه لم يعبأ لفعلته للحظة وكأنه حدث عادي وهتف مدعيا التهذيب:
"إلى الطابق الرابع مثلي!؟ أليس كذلك!؟"
هزت رأسها إيجابا محاولة تجاهل الرد عليه.
لكن لسانها رد لا إراديا:
"لسوء الحظ."
لم يجب لبرهة ولكنه استدار متوجها إليها بكليته وأخيرا انفجر ضاحكا ضحكة قوية مفعمة بالرجولة كانت كافية وزيادة لتنكمش داخل ذاك الصندوق الضيق الذي يصعد بهما لوجهتهما.
أشار المصعد لرقم طابقهما المشترك وانفرج بابه ليخرج هو جارا حقيبته.
لتتبعه هي باحثة بناظريها عن رقم غرفتها فوق الأبواب المتراصة خلف بعضها.
كان فندق يعتمد فالأساس على خدمة العميل لنفسه دون إضافة عمالة زائدة.
وقعت ناظرها على رقم قريب من رقم المفتاح الذي تحمله.
فتتبعته بهدوء حتى وصلت لباب غرفتها.
ليهتف آدم الذي كانت قد نسيت وجوده وهي مندمجة في البحث عن حجرتها:
"ها قد عثرتِ على غرفتك. وأنا كذلك عثرت على غرفتي سريعا لكنها على الجانب الآخر من المصعد..."
لم ترد فهتف مشاكسا ومقتبسا ردها:
"لسوء الحظ."
وابتعد مبتسما.
وما أن وصل لباب غرفته التي كانت قريبة من المصعد بالفعل حتى لوح لها بكفه ودخل الغرفة.
لتحذو حذوه وتندفع لغرفتها حتى تستطيع أخذ حمام سريع والاستعداد للغداء وتلك الجولة التي وعدهم بها.
نزلت للمطعم فقد كانت تتضور جوعا بالفعل.
لكنها وجدت **ه** مكتظا لا مكان لقدم وكل الموائد مكتملة العدد.
جالت بناظريها لعلها تجد مكانا تستطيع الجلوس فيه لتتناول طعامها حتى لا تتأخر عن موعد الحافلة.
لتجده هناك بذاك الركن البعيد يشير لها في أريحية لتجلس بمصاحبته على الطاولة.
حاولت تجاهله بالفعل.
لكن معدتها أصبحت تقرقر جوعا.
وما أن همت بالتوجه لموضعه متغلبة على رغبتها الداخلية بعدم الذهاب وتجاهل إشارته.
إلا وتوقفت رغما عنها عندما تخطتها تلك الشقراء الفاتنة واتجهت نحو طاولته.
شعرت أن الأرض تكاد أن تنشق لتبتلعها حرجا.
وقد أيقنت أنه لم يكن يشير لها من الأساس بل إلى فاتنته تلك.
كادت أن تفقد صوابها وتتجه نحوه لقتله بدم بارد وليكن ما يكون.
إلا أن طاولة قريبة منها قد نهض شاغليها.
فاندفعت لتجلس وقد قررت أن تتناول طعامها أولا ولتأجل القصاص من ذاك الأحمق في وقت لاحق.
***
سارت خلفه ومجموعتها وهم يتخطون أحد مداخل الكولوسيوم الثمانين.
ذاك المبنى الأروع بروما والذي يعده البعض أحد عجائب الدنيا.
وقف آدم ووقف الجمع بدوره ملتفين حوله وهو يشير بكفه للصرح ككل هاتفا:
"هنا تكمن عظمة الحضارة الرومانية. ذاك الصرح والذي عبرنا للتو إحدى مداخله الثمانين يعد أعجوبة بحق. ما ترونه الآن هو أحد المسارح الرومانية قديما وهو الآن يعتبر مسرح لنا يعرض الحياة الرومانية بكل تفاصيلها في تلك الحقبة الزمنية."
وأشار لوسط ذاك البناء هاتفا:
"في تلك الحلبة كان يتم إعدام المتهمين وتصوير المعارك الحربية والبحرية محاكاة للواقع."
شهق أحد مرافقيه:
"حقا!؟"
أكد بايماءة من رأسه:
"نعم. وكذلك كانت مسرح للكثير من مباريات المصارعة. سواء ما بين العبيد وبعضهم البعض، أو العبيد والحيوانات الضارية كنوع من أنواع المتعة."
هتفت حياة في صدمة:
"متعة!؟"
أكد هاتفا في تأكيد:
"نعم.. متعة."
وأشار للطابق الأول من الثلاث طوابق المكونة للمبنى مؤكدا:
"هناك كانت مقصورة الملك وحاشيته حتى يكونوا الأقرب لحلبة المصارعة وعلى أحد جانبيها مقصورة رجال الدولة وعلى الجانب الآخر مقصورة عذراوات فيستا."
تطلع إليها فتجاهلت نظراته.
ليهتف أحدهم متسائلا:
"من هن عذراوات فيستا!؟"
ابتسم مفسرا:
"هن كاهنات معبد الإله فيستا. وكان لهن مكانة خاصة ومنزلة رفيعة فكل واحدة منهن قدمت حياتها كقربان لخدمة الإله وشرط قبولها هو الاحتفاظ بعذريتها وعدم الزواج للأبد."
ابتسمت إحدى الزوجات وهي تتطلع لزوجها متعلقة بذراعه في عشق متسائلة:
"ومن تخالف ذلك بدافع الحب. ما مصيرها!؟"
أكد مبتسما:
"للأسف تُحرق حية جزاء على خيانتها عهدها مع الإله."
شهقت المرأة.
بينما اندفعت حياة مؤكدة في تهور:
"أعتقد أنها تستحق مصيرها. لا لأنها خانت تلك الآلهة المزعومة ولكن لأنها صدقت دعاوى الحب الكاذبة من رجل ما."
قهقه آدم متطلعا إليها:
"أعتقد أنك على حق. فنحن الرجال كثيرو العهود قليلو الوفاء بها."
وعاد للشرح من جديد:
"الكولوسيوم سعته ما بين خمسين إلى ثمانين ألف فرد. الكل من عامة الشعب يأتي لمشاهدة المصارعات. حتى أن هناك من احترف المصارعة كمهنة في تلك الأيام فيما يسمى بالمحارب أو الجلاديتور. ويقال أن هذا الصرح قد شهد التعذيب والتنكيل بالمسيحيين الأوائل والذين كانوا يُلقى بهم لمصارعة الأسود الضارية بتلك الحلبة حتى يكفروا بدينهم الجديد."
شهق البعض تعاطفا.
ليتحرك آدم بهم في جولة حول المكان مشيرا هنا وهناك.
حتى ظهر عليهم الإنهاك.
فأشار عليهم بالمغادرة.
***
نزلت نهى للحديقة كعادتها يوميا حتى تتناول إفطارها مع جدها الذي يستيقظ قبلها ويساعده الخدم على الخروج لينال قسطا وافرا من شمس الصباح التي أوصاه بها الطبيب.
اندفعت إليه هاتفة في مرح:
"صباح الخير يا جدي العزيز. هل نمت ال..."
قطعت تساؤلها في صدمة عندما وجدت رأس جدها منحرف قليلا على كتفه وعينيه زائغة غير قادر على التقاط أنفاسه.
اندفعت كالمجنونة تحضر هاتفها الذي نسيته لسوء الحظ بحجرتها واتصلت في عجل بمهني صارخة في لوعة ما أن رد على اتصالها:
"أسرع أرجوك. جدي يتعرض لنوبة شديدة وغير قادر على التقاط أنفاسه."
أغلق مهني الهاتف وأرسل في طلب سيارة إسعاف مجهزة لنقل السعيد إلى المشفى.
فيبدو أن الأمر هذه المرة لن يمر بسلام.
***
توقفوا جميعا أمام نافورة تريفي وهتف آدم مشيرا:
"هذه هي "فونتانا دي تريفي" أو "نافورة تريفي". تسمي نافورة تحقيق الأحلام لأن الإيطاليون يعتقدون أن من أعطى النافورة ظهره وألقى بها قطعة معدنية متمنيا أمنية ما، فإنها سوف تتحقق."
وأشار لقاع النافورة هاتفا:
"أنظروا لكم العملات المعدنية الملقاة بها!؟"
هتفت حياة متهكمة:
"كل هؤلاء يعتقدون أن أحلامهم سوف تتحقق من مجرد إلقاء عملة بنافورة!؟"
أكد هو هاتفا بابتسامة:
"نعم.. يعتقدون ذلك وبشدة."
واقترب منها هامسا:
"الرغبة في تحقيق بعض الأمنيات، تجعلك تقوم ببعض السخافات لعلها تتحقق. أقول لعلها."
ثم أشار لبناء النافورة مستطردا:
"هذه النافورة يعتقد أنها تحقق الأمنيات لأنها بنيت على نبع الأمنيات والذي كان يعتقد الرومان في قدرته السحرية على تحقيق أمانيهم وخاصة العذراوات. فقد كانت تأتيه عذراوات روما أملا في تحقيق حلم الزواج والحب."
قهقهت حياة رغما عنها لتتجه أنظاره إليها فقد كانت المرة الأولى التي يراها بهذا الانشراح ويستمع منها إلى تلك الضحكة الرنانة.
كان يعلم أن ضحكاتها القصد منها السخرية في الأساس.
لكن لا يعلم لما حركت شيئا بداخله لا يمت للسخرية بصلة.
هتف من جديد مستطردا:
"كما كانت تأتيه النسوة الراغبات في الإنجاب وتحقيق حلم الأمومة."
وقعت عيناه عليها وهنا أدرك تبدل مزاجها وتعكر صفحة وجهها النقية.
هتف محاولا إبعاد ناظريه عن تتبع تقلبات قسماتها العاكسة كالمرآة لأحوالها الداخلية:
"هذا التمثال هناك بصدر النافورة لنبتون إله البحر عند الرومان وهو يركب عربة يجرها فرسان ومن حوله عذراوات النبع، رمزا للخصوبة والنقاء، والبِركة تشير إلى المحيطات أما الدائرة البيضاء فترمز للفصول الأربعة."
وهتف في مرح وهو يدخل كفه بجيب سترته:
"هيا.. لنجرب تحقيق بعض الأماني."
هلل بعض المرافقين وبدأ هو في توزيع القطع المعدنية على مجموعته ليصل إليها أخيرا.
فتجاهلت كفه الممدودة وهي بالفعل تعطي ظهرها للنافورة رغبة في المغادرة هامسة:
"لا رغبة لي في الأمومة أو الزواج من الأساس. لا أماني على الإطلاق أرغب في تحويلها لحقيقة. وفر عملتك المعدنية لمن يملك أمنية راغبا بتحقيقها."
تطلع إليها لبرهة، وأخيرا تجاهل كل ما قالت كالعادة، جاذبا كفها ودفع بالقطعة النقدية بباطنها هامسا:
"لا ضرر من بعض السخف على سبيل المتعة."
تركها وعاد للمرح مع المجموعة التي كانت تتصايح في سعادة ويتهامس بعض الأزواج رغبة في تحقيق أمنية مشتركة.
ورغم تظاهره باللهو مع الجمع الذي يقوده إلا أن عينيه لم تفارقاها وتتبع نظراتها الشاردة في تلك القطعة المعدنية القابعة بأحضان كفها.
وأخيرا دفعت بها بلامبالاة إلى الخلف لتسقط بقاع النافورة.
لتتسع ابتسامته عندما تصادمت بنظراتها.
فغمز لها بعينه رافعا إبهامه كعلامة على استحسان فعلتها.
لتتجاهله هي كالعادة.
ليمسك هو ضحكاته مشيرا للمجموعة بالتحرك لموضع آخر.
***
كان التعب قد بلغ من الجمع المرافق لآدم مبلغه.
ما دفع به ليهتف مشيرا لأحد الشوارع الضيقة:
"اتبعوني. فعلينا أن ننال قسطا من الراحة قبل استكمال جولتنا."
تبعه الجميع في امتنان فالكل قد بدأ في الشعور بالإنهاك والرغبة في التزود ببعض الطعام والشراب.
ما أن وصل آدم لمنتصف ذاك الطريق حتى انعطف يسارا وعلى بعد بضع خطوات دفع بباب مطعم متواضع مشيرا لمرافقيه أن يتبعوه.
جلس الجميع على طاولة ضخمة.
بينما هتف هو صارخا بنفس نبرة وأسلوب الإيطاليين الصاخب:
"ماريا.. أين أنتِ أيتها العجوز!؟"
ظهرت من الداخل امرأة سمينة بيضاء وجهها مشرب بحمرة محببة.
كانت عابسة رغبة في الشجار مع ذاك الرجل الوقح الذي يناديها بهذه الصفاقة.
وما أن همت بإطلاق قذائف سبابها حتى وقع ناظرها على آدم.
فصرخت باسمه في محبة واضحة وتلقفته بين ذراعيها بترحاب بالغ.
وفي اللحظة التالية دفعت به بعيدا وبدأت في الصراخ بوجهه كأنها تعاتبه.
وليس هذا فقط بل إنها جذبت إحدى العصي التي تفرد بها معجناتها وبدأت في الجري ورائه حول الموائد رغبة في الثأر منه وتأديبه لغيابه وعدم سؤاله عنها.
ما دفع بالقهقهات لترتفع من المجموعة والتي لم تكن تفهم كلمة من ذاك الشجار الدائر بالإيطالية.
لكنهم استطاعوا استنتاج الأمر على أي حال.
هدأت حدة المعركة.
ليهتف بها آدم مشيرا لمجموعة مرافقيه مؤكدا أنهم بحاجة لطعام شهي من يد ماريا الرائعتين.
ورفع كفها مقبلا ظاهرها.
لتجذبه المرأة واضعة قبلة أمومية على خده.
وبعدها اندفعت للداخل من جديد تؤكد على إحضار أفضل ما لديها لإطعام ضيوفه.
وبالفعل ما هي إلا دقائق حتى أصبحت المائدة أمامهم عامرة بكل الأطباق الإيطالية التقليدية والمعجنات الطازجة التي كانت رائحتها وحدها يسيل لها اللعاب.
بدأ الجميع في تناول طعامهم بشهية كبيرة مع استحسان كبير للطعم والمذاق الرائع لكل طبق مقدم.
لتبتسم ماريا وتزداد حمرة وجهها خجلا وسعادة بذاك الإطراء.
إلا أن عاصفة صارخة الجمال قد ظهرت فجأة هاتفة باسمه في فرحة غامرة مندفعة بكل قوتها لأحضانه.
وقد دفع بكرسيه للخلف فاتحا ذراعيه ليتلقفها بدوره.
كانت فتاة تبدو في العقد الثالث من عمرها لكنها فتنة تمشي على الأرض بهذا الشعر الذهبي والجسد المرمري في ذاك الثوب المغري الذي يظهر الكثير.
كانت تتلوى بين ذراعيه في إغواء هامسة بكلمات توحي أنها كلمات ماجنة كذاك الموجهة إليه.
ولما لا تكون وقد اندفعت قهقهاته عالية على إثر تلك الكلمات التي همهمت بها بالقرب من مسامعه.
هتف آدم في مشاكسة وباللغة الإنجليزية ولا تعلم لما استخدمها بالرغم من تحدثه الإيطالية منذ دخوله:
"لا زلتِ تحملين نفس الروح العابثة كاتي. أو أقل كاترينا.. حتى لا أثير غيرة وغضب الحبيب ألبيرتو."
هتفت كاتي ممتعضة بإنجليزية مضعضة تحاول مجاراة آدم:
"اللعنة على ألبيرتو وعائلته كلها حتى جده السابع. أنت تعلم آدم وهو يعلم كذلك.. أن لا أحد له مكانتك بقلبي.. أيها العزيز."
قهقه آدم وكأنما هذا الاعتراف لا يعنيه أو ربما من كثرة ما سمعه من نساء عدة اعتاده كأمر روتيني.
وأكد هاتفا وهو يدفع بها بعيدا برقة:
"هيا اذهبي فقد يظهر ألبيرتو في أي لحظة وساعتها ستكون العواقب وخيمة. وداعا يا جميلة."
ابتعدت بكل لطف ملوحة له بحسرة وهى تختفي خلف الباب الداخلي للمطعم.
ليعاود الجلوس من جديد مستكملا تناول طعامه وكأن شيئا لم يحدث.
وتبادل الحديث مع أفراد المجموعة في مرح.
بينما عملت حياة على الانغماس في روعة مذاق الأطباق المقدمة محاولة تجاهل تلك الفقرة الخاصة بكاتي حتى لا تغص بلقيماتها.
وحاولت كذلك إبعاد ذاك التساؤل الملح عن خاطرها في تلك اللحظة وفي كل لحظة تجده برفقة امرأة ما.
"ما الذي تراه الأخريات بذاك الرجل، حتى يتكالبن عليه بذاك الشكل!؟"
***
يتبع
رواية السماء تشهد ايها الماجن الفصل الرابع 4 - بقلم رضوى جاويش
دخلت حجرتها لترتاح قليلا قبل أن تعد حقيبتها، فقد حان وقت الانتقال إلى شمال إيطاليا وبدء الجولات هناك.
تمددت على فراشها ليس لديها رغبة في القيام بأي شيء سوى الاسترخاء فقط.
شردت وعيناها معلقتان بسقف الغرفة تتذكر ما كان من أحداث بالأشهر القليلة الماضية والتي غيرت فيها وأخذت منها كثيرا.
تنهدت ومدت كفها تبحث عن هاتفها الذي اهملت الاطلاع عليه منذ وصولها رغبة في الانقطاع عن عالمها والاستمتاع بذاك العالم المحيط من الآثار والجولات التي لا تنتهي.
فتحت هاتفها وبدأت في تصفحه لتنتفض معتدلة في جلستها تطالع شاشته في اضطراب تقرأ تلك الرسالة التي ارسلتها نهى ابنة عمتها ولم تنتبه لها.
حتى أن هاتفها رن عدة مرات أيضا ولم تتبين متى كان ذلك، فهى قد قررت غلق هاتفها عن استقبال أي مكالمات أو رسائل منذ وطأت قدماها الأراضي الإيطالية.
اتصلت مسرعة بنهى تنتظر إجابة على الطرف الآخر، وما أن همت بإغلاق الخط حتى ردت نهى في لهفة صارخة:
ألووو .. حياة !؟.. اجيبي..
هتفت حياة صارخة بدورها:
ماذا يحدث يا نهى!؟.. ولما طلبتي مني العودة في رسالتك وبشكل سريع وفوري!؟..
هتفت نهى باكية:
جدنا مريض للغاية ويسأل عنك كل دقيقة .. أرجوكِ عودي على وجه السرعة .. حالا يا حياة .. حالا .. فقد لا يكون هناك متسعا من الوقت لكي ..
وصمتت نهى ولم تنه جملتها التي لم تكن تحتاج لمزيد من الكلمات لتدرك حياة ما تعنيه، وخاصة عندما بدأت نهى في النحيب وكان ذاك أبلغ من إكمال ردها ما دفع حياة لتهتف في اضطراب:
سأستقل أول طائرة قادمة للقاهرة اليوم .. سأكون عندك خلال ساعات يا نهى .. بلغي جدي أن يصمد لأجلي فلن أطيق الشعور بالذنب لتركه يرحل دون وداعي ..
همست نهى:
حسنا ..
انفصل الخط بينهما فاندفعت حياة تجمع حاجاتها مسرعة من الغرفة، ومنها لاستقبال الفندق لحجز مقعد على أول طائرة منطلقة من روما متجهة للقاهرة.
وقفت نهى أمام الحاجز الزجاجي تتطلع إلى جسد جدها المسجي وبكت في لوعة.
ليهتف مهني مهدئا:
سيكون بخير .. الأطباء أكدوا لي أنه تعدى مرحلة الخطر..
همست نهى:
الحمد لله ..
همس مهني:
لقد أكد لي طبيبه المعالج أنه لا ينفك يذكر اسم حياة مرددا إياه بشكل مُلح..
همست نهى وهى لا تحيد نظراتها عن جسد جدها:
لقد تلقت رسالتي أخيرا وهى قادمة على أول طائرة للقاهرة لعل مجيئها يكون هي دواء جدي الشافي .. أنت تعلم كم يحبها ويفضلها ..
أومأ مهني مؤكدا:
نعم .. جيد إنها في طريقها إلى هنا .. آمل أن تصل ليتحسن حاله ..
همست نهى:
ستعود فلن تحتمل أن يتعذب جدي في بعادها ..ستعود بأسرع مما تتخيل..
أومأ مهني في تفهم ولم يعقب بكلمة.
جلست تربط حزام الأمان متنهدة في راحة فقد استطاعت الحصول علي هذا المقعد بشق الأنفس وتنفست الصعداء ما أن أقلعت الطائرة.
ساعات قليلة وتكون جوار فراش جدها الحبيب، فهى تعرف أنه لن يرحل دون أن تراه ربما للمرة الأخيرة.
كانت ترفض تماما فكرة تلك الرحلة والابتعاد عنه وخاصة أن حالته الصحية مؤخرا لم تكن على ما يرام إلا أنها أزعنت لرجاءه ووافقت بعد إلحاحه لتخرج من عزلتها قليلا وتحاول أن تغير من أجواء الكأبة التي فرضتها على نفسها بعد تلك الأحداث التى تعرضت لها وأدخلتها في أزمة نفسية كبيرة كادت أن تدخل جدها لغيبوبة طويلة بسبب حزنه على حفيدته الأثيرة لديه.
تطلعت من النافذة على تلك السحب الفضية وسرحت في ذكريات بعيدة قفزت إلى مخيلتها وجذبتها سريعا إلى خضم أحداثها حتى أنها لم تنتبه لذاك الذي جاء ليجلس بالمقعد الشاغر جوارها، ولم تدر رأسها حتى لتستطلع من الذي يجاورها فلم تكن قد استطاعت الفكاك بعد من أسر تلك الذكريات لمخيلتها، لكنها انتفضت فجأة عندما وجدت منديلا مشهرا أمام ناظريها، وهمس قادم لمسامعها بصوت تعرفت على نبراته، لكنها كذبت حدسها كالعادة:
تلك العيون الجميلة لا يليق بها الدموع ..
تطلعت إلى صاحب اليد الممدودة بالمنديل لتفغر فاها في دهشة، هاتفة في تعجب:
ما الذي أتى بك إلى هنا !؟.. ألم تكن في سبيلك ل..
قاطعها مؤكدا بابتسامة:
أولم تكوني في سبيلك لشمال إيطاليا معنا بدورك !؟.. إنها تقلبات الحياة .. لحظة أنت هنا واللحظة القادمة أنت هناك .. وفي لحظة ثالثة أنت بعالم آخر تماما ..
مدت كفها تتناول المنديل من يده التي كانت لا تزل ممدودة إليها، جففت دمعها الذي ما أدركت تساقطه إلا عندما رأت المنديل قبالة ناظريها وشعرت بغمامة أمام عيونها.
همس متعاطفا:
هل أطلب لك مشروب ما!؟.. المضيفة إحدى الصديقات واستطيع إحضار ما يحلو لك ..
ابتسمت ساخرة:
لما لا أشعر بالغرابة !؟.. شيء متوقع.. على العموم .. شكرًا .. لا رغبة لدي في استغلال صديقاتك العزيزات .. اهنأ بخدماتهن وحدك..
وتطلعت من النافذة معلنة رغبتها في إنهاء الحوار، لكنه لم يلق بالا لرغبتها تلك طالما هو لا يزل يملك الرغبة في الحديث والتواصل، وهمس متسائلا في فضول:
ما الذي كان يبكيكِ!.. ما سبب تلك الدموع يا ترى !؟..
أدارت رأسها إليه في عنف، هامسة في سخرية:
سببها بعض الفضوليين .. فأنا أكره الفضول وأصحابه..
هتف في لامبالاة:
ليس فضولا صدقيني .. فليس هناك ما يدعو للفضول تجاهك مطلقا، اعتقد أني أوضحت هذه النقطة من قبل ...
جزت على أسنانها غيظا، لكنها كتمت غضبها داخلها في محاولة لتبدو بمظهر امرأة قادرة ومسيطرة، ليستطرد هو بنفس اللهجة الواثقة التي تمقتها بشدة:
لكن شعرت أن من اللطيف لو شاركتك بعض أحزانك، فالساعات لا تزل ممتدة أمامنا للوصول لوجهتنا .. لكن لا عليكِ .. كنت مخطئا ..
وجذب ذاك القناع الذي يوضع لحجب الضوء عن العين استعدادا للخلود للنوم، قاطعا معها أي فرصة للتواصل.
شعرت بالراحة لفعلته، فهى لا تريد متطفلين على مزاجها العكر منذ سمعت بخبر مرض جدها، الذي يبدو أنه ينازع الموت حتى يستطع أن يرها قبل أن يرحل للأبد.
تطلعت من جديد للنافذة وغابت مرة أخرى بين دفاتر ذكرياتها التي تراها مجسدة أمامها على صفحة السماء.
لا تعرف كم مر من الوقت وهى على هذه الحالة، لكن تلك الرجة العجيبة التي حدثت بالطائرة جعلتها تشهق في فزع لتمسك بذراع مقعدها متشبثة، أو ما اعتقدت أنه كذلك حتى تحرك قابضا على كفها بدوره، لتدرك أنها ذراعه الممدودة جوارها.
رفع قناع الأعين متطلعا إليها وهو لا يزل متشبثا بكفها مهدئا:
لا عليكِ.. ربما هو مطب هوائي لا أكثر..
لكن الأمر تكرر من جديد، وبدأت الطائرة في الانحراف قليلا عن مسارها، وبدأت الصرخات تعلو مع محاولة طاقم الضيافة تهدئة المسافرين، وشرح بعض التعليمات لضمان سلامة الجميع.
إلا أن المزيد من الرجات تكررت تباعا، وعلت الصرخات وزادت وتيرة الفزع، وما عاد أحد بقادر على الحفاظ على هدوئه، والطائرة تهوي وقائدها ليس بقادر على السيطرة عليها.
صرخت نهى غير قادرة على كتمان صدمتها ما أن أبلغها محامِ العائلة الأستاذ مهني خبر سقوط الطائرة القادمة من روما، والتي تأكد من سجل ركابها أن حياة كانت من بينهم.
لتصرخ في لوعة:
أنا من أخبرها بضرورة مجيئها على وجه السرعة .. أنا من تعجلها لتأتي وترى جدي .. أنا السبب..
هتف مهني بها في محاولة لتهدئتها وردها لصوابها:
أرجوكِ تمالكي أعصابكِ حتى لا يصل الخبر لجدك .. فهو يعيش فقط على أمل عودتها .. دعيه يعتقد أنها في الطريق إليه..
همست نهى باكية:
كيف لى أن اواجهه وأنا بهذه الحالة!.. لن أستطع الكذب والادعاء أمامه .. الأمر اكثر من قدرتي على التحمل ..
وعلا نحيبها الموجع وهى تهتف في تحسر وشفقة:
مسكينة حياة .. لم تنل بحياتها إلا الشقاء والوجع.. ها قد انتهت تلك الحياة التي كانت تكره، وما عادت قادرة على إحداث المزيد من الأوجاع بروحها، فقد فارقتها للأبد ..
همس مهني متحسرا بدوره:
رحمها الله.. لا اعلم كيف سيكون رد فعل جدكما إن علم بالأمر!.. سيقض ذاك الخبر عليه ..
صرخت نهى هاتفة في ذعر:
سأخسر كلاهما .. حياة وجدي .. لن أستطيع العيش دونهما .. ماذا عليّ أن أفعل!؟..
هدأ مهني من روعها، هامسا في تعاطف:
كل ما عليكِ فعله هو التماسك قدر استطاعتك، فلو علم جدك لن ينجو هذه المرة يا نهى .. لقد نقله الأطباء أخيرا لحجرة عادية بعد استقرار حالته .. علينا أن نعمل على الحفاظ على سرية الخبر، حتى تتحسن صحته قليلا، ثم نبحث كيف نعالج الأمر ..
أومأت نهى موافقة في استسلام، وهى تحاول كتمان شهقات بكائها وجعا وحسرة على رحيل رفيقة عمرها.
كان صوت النوارس يحدث ضجيجا غير محتمل بأعلى رأسه التي يكتنفها دوارا عجيبا لم يستشعره من قبل.
حاول أن يبعدها مشيحا بكفه حتى يتسنى له العودة للنعاس من جديد، فهو يشعر بوهن وإرهاق عجيب ينتشر بكامل جسده يجعله غير قادر على تحريك عظمة واحدة من دون شعوره بألم رهيب بسائر الجسم، كأنما خاض معركة مع ثور بري.
عاود النعاس ربما للحظات وربما لساعات، لكنه استعاد وعيه من جديد على ذات الصوت المزعج للنوارس محلقة بالقرب من مسامعه، لذا قرر أن يستطلع الأمر ففتح عينيه في تباطؤ وتردد وقد ضاقت حدقتيه لتصبحا قادرتين على استيعاب ضوء النهار الباهر الذي يزعجهما، وأخيرا رفع رأسه في تثاقل متطلعا حوله في تعجب.
جال بناظريه في كل ما حوله لبرهة لكنه فقد قدرته على الاستمرار في رفع رأسه فانقلب ليسقط على ظهره متطلعا للسماء التي كانت تغطيها طيور النورس البحرية وقد أدرك ما يجري، وخاصة عندما بدأت ذاكرته في استرجاع شريط الأحداث في الساعات أو ربما الأيام الأخيرة قبل سقوط الطائرة ليصبح وحيدا على تلك الجزيرة.
أغمض عينيه من جديد محاولا الغرق مرة أخرى فى النعاس متناسيا كل ما حدث بالفعل وكأنه كابوس سخيف.
فالموت هو عنوان المرحلة، سيان كان بسقوط الطائرة أو البقاء بتلك الجزيرة وحيدا.
كان يجلس يتطلع للغروب قبالته والشمس تتوارى خلف البحر منذرة بقدوم جحافل الليل التي بدأت تنشر ظلمتها.
ارتجف موضعه وهو يفكر أن هذه ستكون الليلة الثانية التي يبيت فيها وحيدا على هذه الجزيرة.
ولولا ذاك الكوخ أو ما يطلق عليه كوخا، والذي صنعه على قدر استطاعته من بعض سيقان الأشجار لتصبح سقفا يحتمي تحته من بعض الحيوانات التي قد تهاجمه ليلا، ما استطاع أن ينجو من الموت على تلك الجزيرة حتى الآن.
ارتجفت أوصاله عندما استشعر حفيفاً وجسم ما يقترب.
مد كفه نحو ركوة النار يتلمس الرماد ماسحا به على طول جبهته وسائر الوجه مخفيا معالمه، واندفع بحذر متسلقا تلك الشجرة التي كان يستند على جذعها لتوه، توقف عندما وصل لارتفاع مناسب عن الأرض وكذا لفرع قوي يستطيع الجلوس عليه دون أن يخزله فينكسر لثقله.
لحظات وصدق حدسه وهو يرى ذاك الخيال على ضوء جذوة النار التي استطاع إشعالها أخيرا، وصنع منها ركوة تحيطها الحجارة، ليشوي عليها تلك الأسماك التي استطاع صيدها يتحرك متجها نحو اللهب.
لم يكن يوحي الظل القادم نحوه كما يحاول تبينه بالأعلى أنه لحيوان ما جذبته رائحة الطعام لكنه أكثر شبها بظل بشري ينحني ويتحرك في خفة متسللا.
ارتجف من جديد وقد جالت بخاطره جميع مشاهد آكلي لحوم البشر بالأفلام السينمائية التي شاهدها، والتي لم يكن يتوقع حتى في أسوء كوابيسه أن يكون عشاء لأحدهم يوما ما.
لكن ها قد أتى اليوم الذي سيكون وجبة مشبعة لواحد منهم، ها هو يقترب متخفيا بأوراق الشجر التي ينثرها على جسده كنوع من التمويه ومحاكاة البيئة.
لم يكن يعلم ما عليه فعله بالضبط.
هل ينتظر موضعه حتى يرحل ذاك الكائن !؟..
أم عليه مهاجمته والقضاء عليه حتى يتخلص نهائيا من تهديده المستقبلي !؟..
أصبح صاحب الظل أسفل الشجرة التي يعتليها مباشرة، وهنا فقط استطاع اتخاذ قراره وانقض قافزا من عليائه على ذاك الكائن الذي أطلق صرخة مدوية وكلاهما يسقط أرضا.
من حسن حظ آدم انه سقط وهو لا يزل يحتفظ بتفوقه معتليا ذاك الوحش الآدمي، وأمسك بإحدى الأحجارالمحيطة بركوة النار ورفعها عاليا ليهوى بها على رأس ذاك البشري المتوحش، لكنه توقف مصعوقا وهو يتطلع لصاحب ذاك الظل الذي أرعبه.
تلك اللحظة التي توقفها كانت فاصلة لحسم المعركة، فذاك الوحش امتدت كفه بالمثل ممسكة بأحد الأحجار التي كانت تحيط بركوة النار كذلك، ورفعها ليضرب بها رأس ادم الذي صرخ ممسكا بجبينه الجريح.
همس السعيد في نبرة واهنة متطلعا لحفيدته في ترقب:
أما من أخبار عن حياة !؟..
تماسكت نهى قدر استطاعتها باذلة مجهود جبار في السيطرة على رغبتها في الانفجار باكية في أحضان جدها تخبره الحقيقة:
لااا.. ليس هناك من أخبار.. هاتفها لا يزل خارج نطاق الخدمة ..
هتف مهني معللا، يحاول جذب خيط الحديث من نهى حتى لا تضعف ملقية بالخبر المشؤوم:
ربما لم تنتبه لهاتفها، فخلال الجولات السياحية الكثير من الضجيج والصخب.. وعند عودتها تكون مرهقة لا رغبة لديها سوى في النوم ..
هز الجد رأسه متفهما، وهمس وهو يغمض عينيه بغية الراحة:
لا يهم .. تفعل مايحلو لها .. الأهم أن تكون سعيدة وعلى ما يرام ..
لم تستطع نهى الاحتمال أكثر، فاندفعت خارج الحجرة تنتحب في وجع.
ليتبعها مهني متطلعا إليها في إشفاق غير قادر على فعل أي شيء حيال حكم القدر.
كان الوحش لا يزل ممسكا بتلك الحجارة التي أصابت بها رأس آدم، تحسبًا لمهاجمة آدم له من جديد، والذي انحني متوجعا يمسك موضع اصابته رافضا الإبتعاد عن موضع تفوقه باعتلائه جسد ذاك الكائن وهتف في سخط:
اللعنة .. قلتها وسأظل أفعل .. لا خير فيكن أبدا .. ما أن تظهر إحداكن إلا وتهل المصائب واحدة تلو الآخرى..
تنبهت حياة لصوته، ونبرته الساخرة المميزة التي لا تخطئها آذانها، على الرغم من أنها لم تميزه نظرا لذاك السواد الذي يرسم به وجهه أشبه بجندي صاعقة في مهمة انتحارية، وهتفت في دهشة:
آدم عبدالخالق.!؟.. أهذا أنت!..
هتف ساخرا، وهو لا يزل واضعا كفه على موضع اصابته:
هو بعينه، التي كادت أن تضيع على يديكِ لتوها ..
ما أن ادركت كنه ذاك الرجل حتى تنبهت لوضعه، فدفعت به بعيدا عنها ليسقط جانبا.
ونهضت في محاولة لتعديل هندامها وضبط غطاء رأسها الذي انزاح قليلا للوراء بعد سقوطهما.
هتف ساخرا وهو لا يزل يضغط بكفه على موضع جرحه فوق حاجبه الأيسر:
تعدلين هندامك!؟.. أنتِ أشبه بفرع شجرة جاف يتحرك بتلك الأوراق العجيبة التي تضعين.
هتفت تبرر:
أحاول التخفي .. وقد نجح الأمر حتى الآن على الأقل..
هتف مؤكدا في سخرية:
نعم نجح بامتياز، وكاد أن يصيبني بأزمة قلبية ..
لم تعقب، لذا استطرد في تأدب مغاير لحقيقة شخصيته:
على أي حال.. مبارك نجاتك .. هل هناك من ناجين غيرك !؟..
هزت رأسها نفيا مؤكدة في أسف:
لا أظن.. عندما استيقظت على الشاطئ وجدتني وحيدة تماما .. لم يكن هناك غيري.. كنت اعتقد أني نجوت وحدي فاختبأت بإحدى الفجوات الصخرية الموجودة قرب الشاطئ على الجانب الآخر من الجزيرة .. لكني اقتربت عندما وصل إلى رائحة شواء البارحة، وتنبهت لضوء تلك الركوة التي اشعلتها ..
هز رأسه متفهما وهتف مرة آخرى:
حمد لله على سلامتك .. لقد كتب الله لكلانا عمرا جديدا ..
هزت رأسها في إيجاب، وجلست في تردد قرب ركوة النار تشعر بالبرودة تنخر عظامها لقربهما من شاطئ البحر بشكل كبير.
فخطوات قليلة وتلامس أقدامها أمواجه.
تنبه لارتجافتها وهو يتفحصها على ضوء ذاك اللهب الذي تتراقص ظلاله على ملامح وجهها الذي يحكي قصة معاناة عاشتها ليومين معتقدة أنها وحيدة على تلك الجزيرة كما كان يعتقد.
هتف متعاطفا:
يبدو أنكِ جائعة ..سأشوي تلك الأسماك وحتى انتهي سأحضر لك بعض من الفاكهة التي استطعت جمعها من أشجار قريبة فانا لم اتوغل لقلب الجزيرة بعد ..
واستطرد وهو يتجه لكوخه الخشبي الذي كان يضع به غذائه:
وشجاعة هائلة أيضا..
عاد بثمرتي فاكهة، ومد كفه بهما فتناولتهما في سعادة وبدأت في قضم إحداهما بشهية متجاهلة تفرسه بها، وهو يهتف مسترسلا:
على الرغم من أن مظهرك لا يوح أبدا بأنكِ تمتلكين تلك القوة الداخلية ..
توقفت عن الطعام، ورفعت ناظريها إليه وهتفت في صرامة:
تتحدث وكأننا عشرة سنوات لا بضعة أيّام لم نلتق فيها إلا ساعات قليلة.. ماذا تعرف عني حتى تحكم على ما أملك وما لا أملك!؟.. من الأفضل لك التركيز على ما يخصك وترك ما لا يعنيك.
لم يهتز للحظة لذاك السيل من الهجوم العدائي من قبلها، بل أنه هتف في بساطة:
حسنا .. أنتِ على حق.. لكن أظن أنكِ منذ اللحظة التي ظهرتِ فيها وأنتِ أصبحتِ تحت بند "ما يخصني"..
نظرت إليه غير مصدقة ما يقول، وهتفت في تعجب:
هل أنت واعٍ لما تنطق به!؟.. أنا لست إحدى مقتنياتك، ولن يحدث ..
هتف موضحا:
ومن قال هذا .. ما قصدته أنكِ أصبحتِ مسؤولة مني وعليّ الحفاظ عليكِ وحمايتكِ حتى يحدث أمرا من اثنين .. الموت هنا .. أو النجاة ..
هتفت في ثقة:
أشكرك كثيرا .. لكن اعتقد أنه من الأفضل لكلينا أن يكون كل منا مسؤل عن نفسه ..
ونهضت مؤكدة وهى تشير بثمرة الفاكهة التي لا تزل بحوزتها:
أشكرك على حسن الضيافة..
واستطردت وهى تشير لجرحه الذي لم يكن خطرا كما توقعت فذاك الحجر الذي ضربته به كان من النوع الجيري الذي يتفتت بسهولة فلم يحدث قطعا غائرا بل مجرد خدش بسيط فوق حاجبه الأيسر أعطاه مظهرا شقيا لأحد المشاغبين:
وآسفة على ذاك الجرح ..
هتف ساخرا:
تذكار قيم .. شكرًا.. تصبحين على خير وأرجو الاتصال قبل الزيارة القادمة التي أتمنى من صميم قلبي ألا تتكرر ..
تحركت خطوات مترددة وتساءلت في نفسها .. هل سيتركها ترحل بالفعل !؟..
تطلعت لقلب الجزيرة المعتم وتلك الأشجار المتشابكة التي عليها اجتيازها لتعود لموضعها السابق بذاك التجويف الحجري الرطب والذي لزمته ليومين تقتات على بعض الفاكهة قبل ان تلقاه معتقدة أنها ستموت ويكون ذاك موضع قبرها.
لا .. لن تعود .. هكذا حزمت أمرها، وهتفت في ثبات حاولت ادعائه وهى تعاود الجلوس مرة آخرى قرب النار المستعرة:
اعتقد أن بقائي معك هنا أفضل من بقاء كل منا بمفرده .. وخاصة ونحن لا نعلم ما ينتظرنا بهذه الجزيرة ..
اتسعت ابتسامته دون أن يعقب بحرف واحد يفسد عليها شعورها بأنه اقتنع بتلك المبررات الواهية لبقائها قربه.
لكن مهما يكن .. فقد اعترف داخليا أنه شعر بسعادة عجيبة.
سعادة من نوع خاص عندما اكتشف أنها على قيد الحياة.
وأنهما ها هنا على هذه الجزيرة وحيدين.
كأنما آدم وحواء قد بُعثا من جديد.
رواية السماء تشهد ايها الماجن الفصل الخامس 5 - بقلم رضوى جاويش
كانت الغيوم تنذر بذلك منذ الصباح الباكر منذ كانت بذاك الكهف الصخري، لكن ماذا عليها أن تفعل الآن وأين يمكنها البقاء في تلك الساعات القليلة القادمة، والتي من الممكن أن تستمر حتى صباح الغد اتقاءً لذاك السيل الجارف من ماء المطر الذي بدأت وتيرته تشتد منذ بعض الوقت ولا حيلة لها إلا الاحتماء ببعض الأشجار العريضة الأوراق تتخذها ستارا يقيها البلل إلى حد ما فلا قدرة لديها على العودة لموضع اختبائها الأول بذاك الكهف الصخري على الجانب الآخر من الجزيرة، وكذا قبول عرضه بالاحتماء بكوخه.
أصبحت الأمطار من الغزارة ما جعل احتمائها الواهن ذاك أشبه بالوقوف أمام وحش بكف عارٍ.
سمعت صوته الأجش يناديها وهو يقف على أعتاب كوخه الخشبي الذي يبدو أنه صنعه ما أن وطأت قدماه الجزيرة وقبل أن يشأ القدر ويجتمعا:
"تعالي احتمي بداخل الكوخ.. صدقيني وقوفك ذاك تحت الأمطار لن يجلب لكِ إلا المرض."
هزت رأسها رافضة تماما التواجد مع زير النساء ذاك في مكان واحد لا يتعد اتساعه عدة أمتار. لن تدعه ينل الفرصة لمغازلتها والتقرب منها ولو داهمها الموت حتى.
هز رأسه في ضيق فهو لم يفلح في اثنائها عن رأيها لتدخل وتشاركه الكوخ رغم أنه ليس بالمكان المثالي في مثل ذاك الطقس المطير إلا أنه أفضل حالا من الوقوف تحت ذاك الوابل من المطر. إنها هالكة لا محالة.
همس في غيظ:
"الحمقاء متصلبة الرأس."
تطلع إليها للحظات ثم أطلق سبابا حانقا ودخل إلى الكوخ وقد قرر تجاهلها لكنه لم يستطع عندما بدأت السماء ترعد وتبرق منذرة بالمزيد من هطول الأدمع.
نهض عازما على ادخالها الكوخ بأي ثمن حتى ولو اضطر لسحبها من شعرها كما كان يفعل رجل العصور الحجرية. انتشى للفكرة وما أن هم بالخروج إليها عابرا عتبة كوخه حتى اصطدم بها مسرعة ومندفعة إليه تخبئ رأسها بين ذراعيها وقد انزرع جبينها بصدره من شدة التصادم.
كانت ترتجف محاولة أن تصم آذانها عن صوت الرعد الذي يرعبها. شعر للحظة بالانتصار لمجيئها، لكن شعوره بالشفقة طغى على شعور الظفر ذاك وهو يراها ترتعش بهذا الشكل المتكرر.
ابتعد عن مدخل الكوخ لتدخل مسرعة إليه دون تردد، ليدخل خلفها متطلعا إليها تقطر ماء من رأسها حتى أخمص قدميها، ترتجف كعصفور منذوع الريش يقف في مهب رياح شتوية وخاصة وقد ابتلت ملابسها بهذا الشكل ملتصقة عليه مبرزة نحافة قدها.
تنحنح محاولا صرف خواطره من التوجه إلى ذاك المنحن الخطر كما هي عادتها منتزعا إياها انتزاعا من السير في ذاك الدرب الشائك، وخاصة في ذاك الوقت، وهمس بصوت أخر:
"لو بقيتِ بهذه الملابس المبتلة فالموت مصيرك لا محالة."
شعرت بالتهديد، فضمت جسدها بذراعيها في محاولة لإشعار نفسها بالأمان والحماية ولم تعقب.
ليستطرد مؤكدا وهو يندفع خارج الكوخ:
"سأذهب لإحضار حقيبة وجدتها قبل ظهورك ولم استطلع محتوياتها ربما يكون بها بعض الملابس لعلك تجدين ما يناسبك لارتدائه."
تحركت هي متخشبة الخطوة تجلس في أبعد ركن من ذاك الكوخ المربع محاولة تجنب البقاء على مقربة منه، على الرغم من رغبتها الشديدة الالتصاق بركوة النار الصغيرة الكائنة بوسط الكوخ، والتي أشعلها داخله ما أن بدأ الطقس بالخارج يلهو بألعابه من أمطار ورعود.
اندفع هو تحت الأمطار على ذاك الجانب الذي وضع به تلك الحقيبة الجلدية والتي وجدها ملقاة على الشاطئ وقد لفظها البحر رغبة في عدم الاحتفاظ بها. تناول الحقيبة وعاد مسرعا قدر إمكانه على تلك الارض الزلقة والموحلة، وما أن جذب باب الكوخ ليدخل حتى كادت تصرخ مذعورة لكنها امسكت صرخاتها ما أن وعات له.
فقهقه لذعرها هاتفا:
"من يمكن أن يكون غيري لتنتفضي هكذا ذعرا!؟.. أحد الأشباح جاء متلمسا الدفء مثلا!؟"
همست وهى تنكمش على نفسها في خوف مرتجفة:
"أرجوك أصمت.. لا ذكر لمثل تلك القصص في مثل ذاك الطقس الثائر.. رجاءً أن تكف."
تطلع إليها وقد أصبح على نفس حالها عندما دخلت الكوخ يقطر ماءً وقد ابتل كليا. وضع الحقيبة أرضا وفتحها مشيرا إليها لتقترب، أمرا إياها:
"تعالي لتختاري لنفسك ما يمكن أن يكون مناسبا لك لترتديه."
تقدمت خطوة سيرا على أربع.. كفيها وركبتيها.. حتى أصبحت أمام الحقيبة المنفرجة، وبدأ هو في إخراج الملابس قطعة قطعة باحثا عما يناسبه، لكن يبدو أن تلك الحقيبة لامرأة فكل ما بها يؤكد ذلك. شعرت بالإحراج وكاد الدم يهرب من شرايينها وهو يقلب بمحتوايات الحقيبة بفضول تام مستمتعا بكل تلك الأغراض النسائية لا متحسرا كما اعتقدت لأنه لم يجد ما يمكنه ارتدائه. كان كمن وجد كنزا غير متوقع وهو يحفر الأرض عبثا. ابتسامته التي تظهر على طرف فمه المغري أشعرها بمدى سعادته.
قررت التدخل لتقويض دعائم الفرحة المنبعثة من تلك الأحداق الماجنة، فهي معه بفراغ مربع صغير ولا قبل لها على مغالبة عبثه. فهتفت وهى تغلق الحقيبة دفعة واحدة جعلته ينزع كفيه بسرعة قبل أن يلتهمهما فكي الحقيبة التي أغلقتها حياة في ضيق هاتفة:
"من الواضح أن لا شيء يليق بك هنا لترتديه إلا لو كنت تفضل ملابس النساء!؟"
قرأ دوافعها لغلق الحقيبة بذاك العنف بكل سهولة ليهمس في مجون:
"أفضل ملابس النساء عندما ترتديها امرأة جميلة لأجلي، وساعتها لا اعتقد أني سأكون بحاجة لحقيبة كهذه باحثا فيها عن ملابس تناسبني."
شهقت في صدمة لتلميحه الماجن، وانتفضت تنهض في غضب:
"أنت غير محتمل.. أنا افضل البقاء تحت الأمطار على البقاء معك تحت سقف واحد."
همت بالخروج من الكوخ ليمسك كفها جاذبا إياها في قوة لتسقط فوق الحقيبة المغلقة شاهقة في ذعر، ليأسرها بين ذراعيه طالا عليها من عليائه هامسا في غيظ:
"اسمعي.. ستبقين هنا غصبا عنكِ لا برضاكِ فأنا قد اكتفيت من حفر القبور من أجل دفن جثامين الموتى."
اتسعت حدقتي عينيها ذعرا وهى تتطلع إليه في رعب، ليستطرد مؤكدا:
"نعم.. أنا دفنت كل من وجدت جثمانه على الشاطئ.. وحقا اكتفيت العمل بحفر القبور ولعب دور الحانوتي."
نهض مبتعدا لركنه أمرا:
"ارتدِ ما يحلو لك من تلك الحقيبة اللعينة.. اختاري ما يجعلك جافة وآمنة من ذاك الذئب البشري الذي ينام معك داخل نفس الكوخ يا صاحبة الصون والعفاف."
خلع سترته المبتلة والتي لا بديل لها وقام بعصرها بأقصى قوة مفرغا بها جام غضبه المكبوت قبل أن يرتديها من جديد. تشاغل عنها آخذا في العبث ببعض الأدوات لتدرك أنه يحضر مشروب دافئ وأنه يوليها ظهره تاركا إياها تقوم بما أمرها به دون إزعاج.
نهضت من فوق الحقيبة وفتحتها، أخرجت منها على عجل فستان أسود من الستان مزروع على أرض قماشه بعض الورود الحمراء ذات البتلات الخضراء. ترددت في تغيير ملابسها لكنه كان لا يزل يوليها ظهره وهتف وكأنما يشعر بخلجات نفسها قبل أن تتحدث:
"بدلي ملابسك براحة، فأنا أحاول أن اتشاغل بصنع بعض الشراب الساخن من تلك المواد العجيبة التي أملك."
لم تهمس بحرف، وجلست متكومة على نفسها بركن الكوخ حيث كانت، وبدأت في خلع ملابسها متخذة من ضلفة الحقيبة المفتوحة ستارا تختبئ خلفه حتى انتهت. غيرت غطاء رأسها المبتل ذاك بشال مخملي أسود كان يناسب الثوب تماما.
استدارت وأغلقت الحقيبة بإحكام ونحتها جانبا ليستدير هو ما أن تأكد من حركاتها خلفه أنها أنهت ما كانت تقوم به. وقعت أنظاره عليها ليخفق قلبه في استحسان لتلك الحورية الصغيرة التي يبصرها اللحظة أمامه على ذاك الضوء المتراقص بإغراء للهيب نيران الركوة، لكنه لم يبد أي إشارة تدل على ذاك الاضطراب الذي يعتمل بنفسه، ومد كفه بكوب من صفيح صنعه من بقايا عبوات المياه الغازية التي ألقى بها البحر للشاطئ.
تناولته منه شاعرة أنه ينأى بنظراته عنها بشكل متعمد ما أشعرها بالراحة. احتضنت الكوب تحاول أن تستمد من سخونته بعض الدفء، متسائلة عن محتواه قبل أن تجربه:
"ما هذا!؟"
همس وهو يرتشف من كوبه الصفيح، هامسا وهو يحتضنه بدوره متطلعا لألسنة النيران التي يراها تحاول أن تخبو لترتاح قليلا، فمد كفه بعصا صغيرة وأخذ يحاول إعادة إشعال جذوتها وازكائها من جديد:
"هذا مشروب من بعض الأعشاب التي وجدتها هنا تصلح للاستخدام.. لا تقلقي.. فقد جربته بنفسي عدة مرات قبل ظهورك.. عندما كنت رجلا وحيدا وسعيدا."
هتف بكلماته الأخيرة في سخرية لم تزعجها بل على العكس جعلت الابتسامة تطل من شرفة شفتيها رغما عنها وهمست تجاريه:
"لم أكن أعلم أني رمز لشقائك وهادمة لدعائم سعادتك."
اتكأ مستندا للارض بكوعه، متخذا كفه مسنداً لصدغه وهتف في ثقة:
"ليس أنتِ بالذات.. إنما جنس النساء بالعموم.. إنها الحكاية الأبدية.. خلق الله حواء من أجل إسعاد آدم وايناسه فإذا بها تخرجه من الجنة إلى حيث البلاء والابتلاء."
همست محركة كتفيها في لامبالاة:
"لن اجادلك في اعتقادك.. هنيئا لك به.. وأتمنى من كل قلبي أن تتذكر ذاك المعتقد القيم كلما نظرت إليّ لأسشعر بعض الأمان في رفقتك.. تصبح على خير..."
أنهت كلماتها وقد اصابت الهدف في منتصفه تماما، تاركة إياه فاغرا فاه في تعجب من ردها وهى تعيد وضع الحقيبة منتصبة بينهما مغيبة جسدها خلفها مدعية النعاس.
***
منذ تلك الوعكة الأخيرة لجدها، ونهى لم تفارقه للحظة. كانت منهكة بشكل لا يصدق مما دفع مهني ليهتف بها في إشفاق:
"الحمد لله أن الأمر مر على خير.. لكن الأطباء يؤكدون أنه إذا تكررت الأزمة فقد تكون القاضية."
وتنهد في إرهاق مستطردا:
"هيا.. عليك العودة للفيلا والحصول على قدر من الراحة فهذه هي الليلة الثالثة لكِ على التوالي بلا نوم."
همست نهى في حزن:
"لن أرحل تاركة جدي.. لن أعود للفيلا إلا برفقته."
تنهد مهني في نفاذ صبر:
"اذهبي لأخذ قسطا وافرا من النوم وأنا سأظل بقربه.. لا تقلقي."
استسلمت نهى أخيرا هاتفة في وهن:
"حسنا.. سأذهب واعود باكرا."
همس مهني مطمئنا:
"خذي قسطا كافيا من الراحة.. لا داعِ للعجلة.. فأنا لن أبرح مكاني حتى عودتك."
هزت نهى رأسها ممتنة له، ونهضت تتجه للفيلا تشعر بأنها أصبحت وحيدة بهذا العالم. لم تتمالك نفسها عندما دخلت إليها فبكت بحرقة وهى تتطلع حولها في وجع فقد رحلت رفيقة عمرها والأقرب لها من أخت. لقد دخلا هذه الفيلا معا وقام جدهما بالاعتناء بهما معا. فمنذ تلك الحادثة التي أودت بحياة والديها ووالدي حياة أصبح جدهما هو عائلهما الوحيد الذي ضمهما لصدره وأسبغ عليهما حنانه ومحبته. كانت حياة هي الأثيرة لديه والأقرب لقلبه لكنه أبدا لم يفرق بينهما في المعاملة أو قدر المعزة. لكن أين هي حياة الآن!؟ وأين جدها!؟ وأين تلك الحياة الهانئة التي كانت تحياها في ظل محبتهما!؟...
سالت دموعها من جديد وشعرت بخواء داخلها يزيد من حجم وجيعتها. تمنت الشفاء لجدها فلا قدرة لديها على العيش وحيدة بعد أن رحلت حياة للأبد.
***
حاول أن يتمطأ بأريحية إلا أنه تنبه لكونه ليس على فراشه الوثير بأحد الفنادق الفاخرة، بل على فراش من بعض الأعشاب والذي صنعه لنفسه داخل ذاك الكوخ الخشبي المتواضع. نفض الكرى عن أجفانه ما أن تسلل إليه ضوء النهار البازغ من خلف خصاص الباب، فقرر النهوض بحثا عن طعام فقد شعر بمعدته تقرقر غضبا رغبة في وليمة تخمد تضورها.
ما أن هم بالنهوض حتى تناهى لمسامعه همهمات ما فتذكر من تشاركه الكوخ منذ البارحة، وقعت نظراته عليها من موضعه ليجدها ما تزل تغط في النوم قرر الخروج تاركا إياها تنعم بالمزيد. بحث عن بعض الفواكه أو الخضروات لتناولها على الإفطار وجمع ما استطاع من ذاك العشب الذي يستبدله بالمشروب وبعض الماء العذب من نبع قريب ثم عاد أدراجه متطلعا حوله معتقدا أنها قد استيقظت لكنه لم يشعر بأي تغير حدث منذ رحل.
حرك باب الكوخ متنحنحا لعلها استفاقت وتغير ملابسها لكنه لم يسمع صوتها. طل برأسه من خلف الباب ليجدها لا تزل على حالة نعاسها وكأنما افتقدت النوم منذ أيّام وقررت التعويض. هم بالنداء عليها لتستيقظ إلا أن صوت تلك الهمهمات المتكررة جعله يفتح الباب لينفرج مدخلا الضوء بشكل واضح داخل الكوخ خاصة على موضع رقادها ليجد وجهها وقد اكتسب حمرة عجيبة.
هتف باسمها لكنها لم ترد. شك بالأمر واقترب فورا يلمس جبينها بكف يده مطلقا سبابا غاضبا ما أن تأكد من صحة حدسه. كان جسدها يغلي من الحمى. حاول إفاقتها ففتحت عيونها بالفعل في وهن للحظات متطلعة إليه في تيه وهمست في تشوش واضح وكأنما ترى خيالات تتراقص أمام ناظريها:
"شهاب.. أرجوك.. أنا..لا."
صمتت وأغلقت عينيها من جديد راحلة لدنيا الحلم.
زم ما بين حاجبيه في تساءل:
"من شهاب هذا!؟ وما قصتك معه يا ربة الصون والعفاف!؟ هل هذا من يملك قلبك ويجعلك بعيدة المنال هكذا!؟"
لا يعلم لما شعر بدبيب عجيب من مشاعر أعجب يتسلل إلى نفسه مع نطقها لاسم ذاك الآخر بهذه الطريقة الناعمة التي صهرت فؤاده برقتها، وهي التي لا تظهر له إلا جانبها الخشن وردودها التي تحمل كل دلالات الصد. ألقى كل تلك الخواطر جانبا وهو يتطلع مرة أخرى لحالها والحمى تتآكلها حرفيا.
نهض يحضر بعض من ماء في ذاك الكوب الصفيحي وتناول قطعة ملابس كانت موضوعة جانبا وبدأ في محاولة خفض درجة حرارتها. لا يعلم كم مر عليه من الوقت وهو على حاله لكن الحرارة للأسف لم تهبط لمؤشر طبيعي. كان ذلك نذير خطر ينبئ بالسوء. ماذا عليه أن يفعل!؟ هبوط الحرارة ضروري بل يكاد يكون حتمي للوصول بها لبر الأمان. فهو لا يملك الدواء ولا يدرك ما عليه فعله في هذه المواقف في الظروف العادية فما باله بظرف استثنائي كهذا.
تمتم في غضب:
"يا ليتك ما ظهرتي فقد كنت كفيل بنفسي بالكاد."
شعر بالندم ما أن استعاد بذهنه تلك الكلمات متذكرًا حاله وهو وحيد لا يجد ما يحدثه ولو بضع كلمات. لقد كان ظهورها نعمة لم يشكر الله عليها وقد أدركها اللحظة وهي تكاد تضيع من بين يديه. لقد كانت لحظة اكتشافه وجودها فيه من السعادة ما جعله يدرك تماما شعور آدم عندما استيقظ ليجد حواء وقد خلقت لأجله. كان شعورا طاغيا بفرحة لا يمكن وصفها وهو لن يجعلها ترحل تاركة إياه يموت وحيدا أو يعيش مفتقدا ذاك الشعور الرائع بالأنس.
اقترب منها وحملها في رقة لتفتح جفونها بالكاد متطلعة إليه غير قادرة على الاعتراض، لكنها همست في تساؤل متقطع الأحرف:
"إلى أين تأخذني!؟ أنا لم أمت بعد لدفني!؟"
خرج حاملا إياها هامسا:
"لن يحدث.. سأحاول أن لا يحدث.. فلن اقو على فعلها صدقيني.. أرجوكِ كوني قوية لأجلي."
رفعت رأسها قليلا متطلعة إليه وهى تشعر بجسدها أشبه بالهلام وهمست:
"ولما أفعل! ولماذا أكون قوية! دعني أرحل.. فلن أكون قوية من أجل أحد.. لقد اكتفيت."
اخفض رأسه متطلعا لوجهها وتساءل في تعجب:
"اكتفيتِ مما!؟ ما الذي جعلكِ على هذا القدر من اليأس والرغبة في مفارقة الحياة.. يا حياة!؟"
همس باسمها بطريقة كانت غريبة على مسامعه هو شخصيا، أما هي فلم تكن تدرك ما يقول وما كان لديها الرغبة في تبادل المزيد من الحوار معه. فليتركها ترحل بسلام. حاولت أن تذهب لدنيا الحلم التي آفاقها منها لحظة حمله إياها، لكنها انتفضت من جديد ما أن لامس جسدها ماء بارد جعلها ترتجف وتتشبث به هامسة في احرف مرتجفة:
"ماذا يجري!؟"
تقدم نحو الماء أكثر وهي لا تزل محمولة على ذراعيه وهمس يطمئنها:
"اهدأي.. لابد أن يغمرك الماء البارد حتى تنخفض درجة حرارتك المرتفعة تلك."
بدأت ترتجف لدرجة أنها ما عادت قادرة على النطق بحرف وأسنانها تصطك ببعضها وقد ازدادت هي تشبث به وتعلق برقبته. ترك ذراعه اليمنى من أسفل ركبتيها لتصبح واقفة بالماء الذي كان يغمرها حتى رقبتها تقريبا. لم تفلته وارتجافها يزيد بل زاد تعلقها به ليطوقها بين ذراعيه رغبة في الحماية وإحساساً فائقا بالشفقة والرحمة يسود قلبه تجاهها وهي على هذه الحالة بلا حول ولا قوة، ترتجف فينتفض قلبه بين أضلعه بالتبعية وهمس بصوت أبح:
"أنتِ ضعيفة سهلة العطب."
لم تعقب بحرف وظلا على حالهما لا يعلم كلاهما كم مر من وقت. من يراهما من البعد يعتقد أنهما حبيبان يتبادلان كؤوس الغرام وينعمان بالقرب، يطفئان نار الشوق ولا يعلم ذاك الرائي أنهما غريبان أصبحا شريدين بمفردهما في ذاك الفردوس.
ابتدأت ارتجافاتها تهدأ فعلم أن حرارة جسدها قد انخفضت نوعا ما فقرر الخروج بها من الماء فذاك الوضع الحميمي وهي على هذه الحالة من الوداعة والرقة بين ذراعيه يدفع بخيالاته لسبل تهوى الانجراف إليها، وهو يعلم علم اليقين أنه لن يكون قادرًا على كبح جماحها باستنفار تعقله وإيقاظ كل منطق وبين ذراعيه تلك الحورية.
أبعد ذراعيه عن تطويقها رافعا إياهما خارج الماء ليزيد من إحكام ربط غطاء رأسها جيدا والذي كانت تتأكد من أحكامه كل دقيقة، هاتفا في لهجة مسرحية مرحة:
"فلترقد العفة في سلام ولتهنأ الفضيلة."
رفعت رأسها إليه في وهن وابتسمت فاختل توازن الكرة الأرضية وأصبحت الألوان كلها وردية وسمع ناقوس يدق في منطقة ما فتنبه، فإذا به عقله يوقظه من خدر تلك البسمة التي فعلت به ما لا يمكن وصفه.
حملها مسرعا يخرج بها من الماء في حذر وما أن وطأت أقدامه الرمال حتى اندفع يضعها أمام الكوخ مشيرا لبعض الملابس الجافة أمرا:
"بدلي ملابسك بسرعة بآخرى جافة وأنا سأطهو بعض الأسماك، فلابد لك من بعض الطعام."
دفع بالباب مغلقا إياه، واندفع يحاول التشاغل عن تلك الابتسامة التي أذابت بدمه خمرا معتقا منذ أيام الخلق الأول.
***
رواية السماء تشهد ايها الماجن الفصل السادس 6 - بقلم رضوى جاويش
تحسنت حالتها باعتدال الطقس، الذي تحول لنهار صحو مشمس أثر على نفسيتهما بالإيجاب.
كان قد قرر حتى دون أن يسألها، بناء كوخ خاص بها ملاصقا لكوخه، مستغلا أحد جوانبه ليكون حائط مشترك بينهما.
بدأ في بنائه سريعا حتى أنها استيقظت لتجده قد أوشك على الانتهاء منه.
نظر إليها هاتفا:
صباح الخير. أرجو أن تكوني بصحة أفضل اليوم.
أومأت في تأكيد، ليستطرد مشيرا لكوخها الذي بدأ في تثبيت بابه:
بنيت لكِ كوخا خاصا لمزيد من الخصوصية.
هتفت في امتنان:
أشكرك.
هتف مازحا:
لا شكر على واجب. فهذا الأفضل لكلينا.
وأكد في نفسه:
نعم. أفضل كثيرا. ليلتان معها تحت سقف واحد كافيتان وزيادة.
وهتف أخيرا بعد أن انتهى:
ها قد تم الأمر بحمد الله. تفضلي. قد أصبح كوخك جاهزا لاستقبالك.
ابتسمت ممتنة وهى تدخل الكوخ متطلعة حولها.
لقد أجاد صنعه بشكل أكثر احترافية من كوخه.
عادت لتخرج متطلعة له هاتفة:
إنه رائع. لا أعرف كيف أشكرك.
هتف مجيبا بلغة لم تفهمها فتطلت إليه وهمت بسؤاله عما يقصده إلا أنها تراجعت في اللحظة الأخيرة متبعة نصائح حدسها بأن لا تسأل.
وبديلا عن ذلك سألته في فضول:
كم لغة تجيد التحدث بها؟
ابتسم وقد أدرك مدى ذكاء هذه المرأة لتتجاهل معرفة مقصده من كلماته الغير مفهومة لها حتى كنوع من الفضول.
وأكد وهو يستند على جذع شجرة لينل بعض من الراحة متطلعا للبحر الفضي قبالته:
اتقن الإنجليزية والفرنسية وأجيد الإيطالية والإسبانية وأتحدث بعض الروسية.
تساءلت في تعجب:
كم عمرك يا رجل؟
توجه إليها بناظريه، هاتفا في مشاكسة:
عمري بالسنوات بلغ الخامسة والثلاثين أما عمر الخبرة فهو يناهز المائة عام.
هتفت ساخرة بتهور:
بالتأكيد تقصد الخبرة بصنوف النساء.
قهقه وهتف من بين قهقهاته:
أوتدركين! أنتِ رااائعة.
تطلعت إليه ولم تعقب، ليستطرد هاتفا:
حان دورك. كم عمرك يا رائعة؟
هتفت متعجبة:
ألا تدرك أن سؤال امرأة عن عمرها يعد قلة تهذيب وعدم لباقة يا سيد؟
تطلع إليها بنظرة تحمل الكثير من العبث وهتف متصنعا الدهشة:
كنت أظنك قد ادركتِ مع من تتعاملين يا فتاة! أعرفكِ بنفسي. أنا المادة الخام لقلة التهذيب ومنبع عدم اللياقة.
علت ضحكاتها هاتفة:
تشرفنا.
وعلى أي حال أنا عمري سبع وعشرون عاما.
هتف متعجبا:
تبدين في العشرين من عمرك على الأكثر. لكن ماذا عن عمر الخبرة؟
هتف بسؤاله الأخير في لهجة مرحة وهو يغمز بعينه.
فقهقهت مؤكدة:
أبلغ الخامسة عشرة لا أكثر.
هتف مشاكسا:
كم أعشق المراهقات!
ارتفعت ضحكاتها من جديد غير قادرة على إمساكها.
وأخيرا هتفت ساخرة:
تعشق المراهقات فقط؟ المراهقات والآنسات والسيدات والعجائز إن لزم الأمر. أنت تعشق كل ما يحمل تاء التأنيث ويمت لنون النسوة بصلة.
انفرط أرضا منفجر في الضحك من تعليقاتها ليؤكد من بينها:
ألم أقل أنكِ رائعة. ورفيقة ممتعة.
لكنه استطرد بعد أن هدأت حدة ضحاته هامسا بلهجة ماجنة متطلعا إليها:
لكنك مخطئة بعض الشيء. ليس كل ما يحمل تاء التأنيث يملك نبضا وحياة.
تنبهت للمنحى الخطر الذي يحاول استدراجها إليه، فهتفت في ثبات:
صدقني ما تحاول الوصول إليه أبعد إليك من فرصة نجاتنا من هذه الجزيرة.
وهمت بالنهوض مبتعدة.
ليهتف هو في ضيق مستوقفا إياها:
أوتعلمين؟ هذه الشجرة تملك روح عنكِ. سيكون من دواعى سروري تقبيلها دونك. اخطأ من اسماكِ حياة.
استدارت متطلعة إليه بنظرة فارغة جوفاء أربكته بشكل عجيب وهمست:
صدقت. فأنا لَحدٌ يمشي على قدمين. واعتقد أنك سأمت من حفر القبور.
واندفعت مبتعدة تدخل كوخها تاركة إياه يشعر بخليط من مشاعر لم يخبرها سابقا.
***
دفعت نهى كرسي جدها المدولب الي داخل الفيلا في سعادة جمة.
فأخيرا عاد إليها معافى.
لكن على قدر فرحتها بعودته على قدر توجسها من ردة فعله بعد أن يعلم ما حدث لحياة.
سيكون الأمر مريعا وقد لا يحتمل قلبه صدمة فقدها وتكون القاضية كما اخبرهم الأطباء.
هتفت نهى في سعادة:
حمدا لله على سلامتك يا جدي. لقد أنارت الفيلا بعودتك.
أكد السعيد في امتنان وهو يمد كفه المتغضن يربت على إحدى كفيها الدافعتين لكرسيه:
بارك الله فيك يا حبيبتي. لقد ارهقك الأمر كثيرا. أنا أعلم.
لكن ما أن تعود حياة ستستقيم كل الأمور، ويمكنك أخذ دورك في السفر والمتعة، ولن يكون عليك مرافقه جدك العجوز.
دمعت عينا نهى وحاولت بمجهود مضنِ أن تتمالك أعصابها حتى لا تشعره بأحزانها الدفينة.
همست أخيرا ما أن استطاعت استجماع شتات نفسها:
نعم يا جدي. كل شيء سيكون على ما يرام. الأهم عودتك بصحة وعافية.
ربت من جديد على ظاهر كفها لتعاود هي دفع كرسيه حتى حجرته بالطابق السفلي لتساعده على الرقاد والراحة كما أمر الطبيب.
***
تجنبته معظم الوقت، حتى أنها وجدت مكان لخلوتها على ذاك التل القريب تقضي فيه جل وقتها.
إلا أنه لم يشأ تركها وحيدة وتبعها جالسا جوارها متطلعا للبحر أمامهما في استمتاع حقيقى بذاك المنظر البكر الذى خلب لبه.
وما أن عادت نظراته لتنصب على مرافقته التى كانت تجلس القرفصاء تتطلع إلى المنظر أمامها فى شرود تام، والتي كانت قطعة خلابة تحاكى الروعة من حوله جمالا.
تنحنح رغبة فى جذب انتباهها هامسا:
اشعر أننى آدم وأنتِ حواء وتلك هى الجنة التى نعيش فيها الأبدية.
تنبهت لكلماته تلك التى استشعرت إلى ما ترمي هامسة فى شك:
أهااا. و ماذا بعد؟ ألم تكتفي؟ أو حتى تيأس ولو قليلا؟
قهقه مؤكدا:
أنا لا أيأس أبدا.
واستطرد بنبرة إغواء لا يستهان بها:
لكن إلا يغريك المنظر الخلاب حولك؟
أكدت وهى تحاول التعامل معه بأقصى درجات ضبط النفس:
لا أقع تحت طائلة أي إغراء بسهولة.
هتف بنفس نبرته المغوية:
كيف وحواء هى من أخرجت آدم من جنتهما بسبب وقوعها تحت طائلة الاغواء!؟ أنتِ تخالفين الطبيعة إذن.
هتفت بهدوء كاد يقتله:
أنا لا أنوي الوقوع فى الخطئية والأكل من الشجرة المحرمة.
أكد هو فى وله تام شاردا فيها:
أما أنا فلا مانع لدى إطلاقا. على شرط أن تقدمي لي أنتِ الفاكهة المحرمة.
هتفت مؤكدة تحاول السيطرة على انفعالاتها:
أوتعلم؟
هتف فى لهفة:
أعلم ماذا!
هتفت مؤكدة فى رزانة:
لقد كنت مخطئة. نعم يغرينى الآن الأمر كثيرا.
هتف فى لهفة:
حقا؟
أكدت تحاول مداراة السخرية فى نبرات صوتها:
بالتأكيد. يغريني لصفعك الآن. فى التو واللحظة.
نظر إليها فى صدمة ثم انفجر ضاحكا هامسا فى مشاكسة وقحة:
صدقيني. أي نوع من التلامس معك متعة فى حد ذاتها. ولكن عند هذا الحد لا مزيد من الإغراء أرجوكِ.
ونهض مبتعدا يتحسس خده متخيلا أنه قد صُفع منها بالفعل وأرسل لها ابتسامة خلابة حركت شيء ما داخلها وجعلتها تشيح بوجهها بعيدا وهى تراه يقبل تلك الكف التى كان يضعها على خده منذ ثوان خلت قبل أن يهبط التلة مبتعدا.
فهمست وشبح ابتسامة يرتسم على شفتيها:
ماااكر ومجنون.
***
تطلع شهاب للجريدة في ذعر، وهتف صارخا بصدمة:
غير معقول! يا له من حظ عسر!
هتفت أخته شادية في غلظة:
وما العجيب في ذلك؟ من أين لك بحظ جيد أيها المتعوس؟
هتف شهاب:
لكن هذه المرة الأمر فاق الحد. انظري.
دفع إليها بالجريدة لتتطلع إلى الصفحة التي أشار إليها لتشهق كذلك في صدمة:
ماتت!؟ حياة السعيد. ماتت!؟
ثم تبدلت نبرتها للغضب فجأة هاتفة:
متعوس. بل سيد المتاعيس. ألم يكن باستطاعتك الانتظار قليلا ليجئ القدر ويكون لك في كل هذا العز نصيب. لكن ماذا أقول!؟ أحمق ومنحوس. لم تستمع لنصائحي أبدا وهذا هو عقابك. اشعر بالرغبة في الإطباق على رقبتك وإزهاق روحك كي تهدأ ثورة غضبي.
شعر شهاب بالخوف متطلعا لأخته هامسا:
ما حدث قد حدث. لن نستطيع تغيير الأمر على أي حال.
هتفت شادية ساخرة وعلى وجهها علامات شيطانية تنذر بأنها على وشك الإدلاء بأمر بالغ الحقارة:
هذا ما يقوله أمثالك من الفاشلين عديمي الفائدة. أما أنا. فلِي رأي آخر تماما سيقلب الموازين رأسا على عقب لصالحنا.
انتفض يجلس بالقرب منها هاتفا في لهفة:
حقا؟ وكيف ذلك؟
ابتسمت في خبث مقيت:
استمع لما سأخبرك به ونفذه بالحرف حتى نعوض خسارتنا. أنصت وتعلم أيها المغفل.
ابتسم شهاب في سماجة لأخته واعارها مسامعه وهى تلقي عليه خطتها الجهنمية.
***
كان يتمدد على ظهره خارج كوخه متطلعا للسماء الصافية وانجمها رغم غياب القمر.
جلست بدورها أمام كوخها.
هتف دون أن يوجه ناظريه إليها بل إنه ظل متطلعا للسماء:
السماء رائعة اليوم. وأنجمها أكثر بريقا وتألقا نظرا لغياب القمر.
رفعت رأسها للسماء وأيدت رأيه:
صدقت. إنها خلابة. لا نرى مثل تلك السماء الصافية بالمدن.
أكد مشيرا بكفه:
صحيح. انظري. ها هي المرأة المسلسلة أو كما اسماها الاغريق. أندروميدا.
تطلعت للسماء ولم تكن تعرف عماذا يتكلم.
وعندما لم تعقب تطلع نحوها مشيرا، هاتفا وقد أدرك عدم فهمها:
تعالي.
اقتربت في حذّر كعهدها، فأمرها من جديد:
تمددي بالقرب وانظري هناك.
ترددت قليلا إلا أنها تمددت بمحازاته مبتعدة بالقدر الكافي، وتطلعت حيث أشار ليبدأ هو في الشرح قائلا:
امعني النظر في هذه المجموعة من النجوم. تتبعيها. إنها أشبه بامرأة مغلولة بالسلاسل. هل رأيتها؟
تتبعت إشارته وأخيرا استطاعت تصور ما يقول، فهتفت في حماس:
نعم. أراها الآن بشكل واضح وأتخيل منظرها. هذا جميل. لكن لما سميت هكذا؟ لما هي مقيدة؟
هتف مفسرا:
انها نجم المرأة المسلسلة كما اسماها العرب مأخوذا عن الاسم الإغريقي أندروميدا. والتي لها قصة شهيرة في الميثولوجيا الإغريقية أو علم الأساطير اليونانية.
هتفت في فضول طفولي:
ما قصتها؟
ابتسم لحماسها، وهمس في نبرة رخيمة اسرت مسامعها كليا:
أندروميدا كانت أميرة أثيوبية شديدة الجمال، وكانت أمها دوما ما تتباهى بذاك الحسن الخلاب حتى أنها تجرأت يوما وادعت أن ابنتها أندروميدا أشد جمالا من حوريات البحر. وصل ذاك الادعاء لاله البحر بوسيدون فغضب غضبا شديدا للاستهانة بجمال حورياته، وقرر أن تُقدم الأميرة أندروميدا كقربان بشري لوحش البحر حتى يعفو عن بلدتهم وتكفيرا عن تجرؤ الملكة على حورياته وغرورها بجمال ابنتها. ولم تفلح أي وسيلة في استعطاف إله البحر ليعفو عن الأميرة أندروميدا. والتي وضعت مكبلة على الشاطئ حتى موعد ظهور وحش البحار لينالها كقربان.
صمت قليلا فهتفت حياة تتعجله:
هاا. وماذا حدث بعدها؟ هل نالها ذاك الوحش حقا؟
تعمد الصمت من جديد وعلى وجهه ترتسم ابتسامة لا تكاد تراها في عتمة تلك الليلة الغير مقمرة.
لتهتف من جديد تستحثه الاستطراد:
هيا أكمل. كفاك تشويقا!
قهقه مستكملا قصته:
كان بورسيوس وهو أحد الأبطال في الأساطير الإغريقية الأخ الغير شفيق لهرقل مارا فرأى تلك الأميرة المكبلة على الشاطئ فأعجب بجمالها ووقع في هواها وتعهد على إنقاذها قبل أن يأت الموعد المحدد لظهور وحش البحر.
هتفت متسائلة:
وهل فعل؟ هل أنقذها!؟
أومأ آدم برأسه مؤكدا:
لم يكن أمامه إلا طريقة واحدة لإنقاذها.
هتفت وقد فاض فضولها:
ما هي؟
تمدد من جديد ممعنا في اغاظتها:
هذه قصة آخرى طويلة. ربما اقصها لكِ غدا.
هتفت في حنق:
ولما ليس الليلة؟ هل عندك موعد ستتأخر عليه؟ أم أن شخص ما ينتظرك على العشاء؟ نحن ها هنا لا نملك أكثر من الوقت.
تطلع إليها وابتسم لقدرته على استثارة حنقها بهذا الشكل، فهو يستمتع بها وهى تلك الفتاة القوية القادرة أكثر من كونها فتاة ضعيفة مغلوبة على أمرها.
لذا هتف في هدوء غير معتاد منه:
حسنا أيتها الغاضبة. سأكمل ولا داع للسخرية.
تنحنح مدعيا السعال فجزت هي على أسنانها في حنق وما كان منها إلا حمل ذاك الحجر الذي كان على يمينها مشهرة إياه بوجهه في غيظ ليتوقف سعاله فجأة وينفجر ضاحكا هاتفا في مرح:
قصة تحت تهديد السلاح. سأُرجم حيّا.
اتسعت ابتسامتها، ليستطرد مبتسما بدوره:
لم يكن هناك إلا رأس ميدوزا كسبيل لإنقاذ الأميرة أندروميدا من وحش البحر.
هتفت متعجبة:
رأس ماذا؟ من هذه؟
أكد مقهقها لفضولها الطفولي:
إنها امرأة فائقة الجمال، كانت تعمل ككاهنة بمعبد الإله أثينا عشقها إله البحار لكنها رفضت الزواج منه لأن من شروط البقاء ككاهنة بمعبد أثينا هو بقاءها عذراء. لكن إله البحار اعتدى عليها حتى تصبح ملكا له. غضبت الآله أثينا معتقدة بخيانة ميدوزا فحولتها لكائن مخيف أشبه بالحية جسدا لكن وجهها لا يزل وجه امرأة وخصلات شعرها كثعابين. والأدهى من ذلك هو منع أي رجل من الاقتراب منها فقد كانت نظرتها قادرة على تحويل أي كائن يفكر في النظر إلى عيونها إلى تمثال من حجر.
هتفت حياة في صدمة:
هذا قاسي. هي ضحية ومظلومة. فلما فعلوا بها ذلك؟
أكد آدم:
ليس كل مظلوم يجد داعما له.
همست في شجن:
صدقت.
ساد الصمت للحظات، وأخيرا هتفت:
وماذا حدث بعدها؟
هتف مستطردا:
كان على بورسيوس الذهاب للحصول على رأس ميدوزا. خاض عدة مغامرات ولاق الأهوال حتى لا يتحول لحجر ويستطيع الحصول على رأسها. وأخيرا فعل وعاد به في الوقت المناسب تماما. فقد حان موعد خروج وحش البحر لأخذ الأميرة المقيدة أندروميدا. وظهر بورسيوس في اللحظة الحاسمة طائرا بفرسه المجنح مشهرا رأس ميدوزا في وجه وحش البحر الذي ما أن تطلع إلى عيونها حتى تحول إلى حجر وانهار متفتتا ليختفي في البحر. وتزوج الأمير بورسيوس الأميرة أندروميدا. وعاشا سعيدين للأبد.
هتفت في استحسان:
قصة رائعة.
وصفقت بكفيها كالأطفال في سعادة ما دفعه لينحن محييا إياها كجمهوره الوحيد.
لتسأله فجأة:
كيف استطعت حفظ كل تلك القصص والأساطير!؟ إنك لا تحفظها وترددها فقط بل تقصها بطريقة بها الكثير من الشغف.
أومأ برأسه مجيبا:
والدي هو السبب. كان مغرم بالقصص والحكايا والأسفار وقد ورثت ذلك عنه.
قال ما قاله بنبرة تحمل شجن عجيب استشعرته بقوة.
وما أن همت بتبادل المزيد من الأسئلة معه حتى نهض هو مستأذنا:
تصبحين على خير.
اندفع تجاه كوخه وأغلقه تاركا إياها في حيرة من أمره.
لكنها نهضت بدورها واتجهت لكوخها والذي قبل أن تغلق بابه تطلعت إلى السماء حيث تلك الأميرة المقيدة بالأعلى، وشعرت أنها تمثلها.
فهي لا تزل مقيدة بسلاسل الماضي الموجع، فهل من بورسيوس يأتي لفك أسرها؟
رواية السماء تشهد ايها الماجن الفصل السابع 7 - بقلم رضوى جاويش
تعالت تلك الصرخات داخل فيلا السعيد، ما أثار تحفظه لهذا الصخب الغير مبرر.
حاول النهوض من على فراشه وحيدا، لكنه لم يستطع. فأخذ ينادي على أحد الخدم أو نهى لتأتي لمساعدته في الجلوس على الكرسي المدولب الذي أمره الطبيب باستخدامه بشكل دائم حتى لا يجهد قلبه بالسير على قدميه.
أخذ في النداء من جديد، إلا أن تلك الصيحات كانت عالية كفاية لتصم الآذان عن سماع نداءاته.
تنهد في قلة حيلة منتظرا أن يأتيه أحدهم ليخبره بما يحدث.
هتفت نهى من بين أسنانها، محاولة السيطرة على غضبها في وجه ذاك الحقير شهاب وهو يصرخ بهذا الشكل المثير للحنق:
"قلت لك أخفض صوتك وأنا على استعداد للتفاوض معك فيما تريد."
تنبه شهاب في فرحة لما تعرض، وهتف في تخابث:
"تتفاوضين في شأن إرثي من ابنة خالك، أليس هذا ما تعنين!؟"
حاولت نهى السيطرة على الموقف قدر استطاعتها حتى لا يصل صوته الجهوري إلى مسامع جدها، فهتفت تهادنه:
"تعال إلى مكتبي وصدقني لن نختلف. لكن عليك الرحيل الآن. أرجوك."
نظر شهاب إليها في ريبة، وأخيرا هتف في سماجة:
"حسنا. سآتي لمكتبك ونتشاور، واعلمي أني لن أتنازل عن حقي أبدااا."
كانت نهى تعلم أن لا حق له من الأساس في أي إرث، لكن ما كان بيدها حيلة إلا الإذعان لتهديداته المبطنة، وخاصة أن جدها مستيقظا بالداخل ولا تريده أن يقابل ذاك الحقير ويعلمه بأمر حياة. لذا هزت رأسها في استسلام مؤكدة:
"صدقني سأعطيك كل ما تطلب. لكن ارحل الآن."
أومأ شهاب برأسه موافقا، وخرج من باب الفيلا. لتزفر نهى في راحة مندفعة لتستطلع أخبار جدها.
فتحت باب حجرته في هدوء متطلعة لموضعه على الفراش، ليتنبه هو لوجودها هاتفا:
"ما هذا الصخب الدائر بالخارج!؟"
ابتسمت نهى مؤكدة:
"لا شيء ذو أهمية يا جدي. مشكلة مع بعض الخدم وانتهت على خير. لا تشغل بالك إلا بصحتك أيها السعيد."
قهقه جدها في مودة هاتفا:
"أما كفاكِ تدليلا لجدك العجوز!؟"
هتفت نهى في مرح:
"أبدااا. سأظل أدلك ما حييت. فأنت أروع جد."
ومالت تطبع قبلة حانية على جبينه، ليبتسم هو في محبة خالصة لحفيدته الشقية. وتمنى داخله عودة حفيدته الأثيرة حتى يهنأ بقربهما سويا.
خرجت من كوخها عندما بدأ الليل يرخي سدوله، لتجده ممددا أمام كوخه ناظره شاخصا للسماء.
جلست في هدوء دون أن تنبس بحرف.
أدار وجهه إليها لتستقر نظراته عليها للحظة، ثم أعاد وجهته للسماء من جديد هامسا في قلق:
"الهدوء الليلة قاتل. هدوء مثير للريبة."
أكدت وهى تتطلع حولها في اضطراب:
"صدقت. ذاك الهدوء الحذر يقلقني."
أكد دون أن يستدير لها:
"نعم. أرجو أن لا يكون ذاك الهدوء الذي يسبق العاصفة."
اومأت برأسها ايجابا ليستدير باتجاهها ليراها تولي وجهها للبحر الذي يبدو هادئا بشكل مريب.
همس مطمئنا:
"كل شيء سيكون على ما يرام."
همست:
"اتعشم ذلك."
نهض من موضعه في اتجاه كوخه هاتفا:
"تصبحين على خير. الجلوس هنا لا فائدة منه. النوم خير وسيلة للهروب من القلق."
هتفت في اضطراب:
"هل ستنام حقا!؟ ألا يمكنك أن تبقى قليلا!؟ أنا أشعر برهبة شديدة من جراء ذاك الصمت المطبق."
ابتسم مؤكدا:
"لا تخافي. الأمور ستسير بشكل جيد. إنه مجرد هاجس لا أكثر. اذهبي للنوم بالمثل."
أكدت في صوت متحشرج:
"لن أستطيع النوم والقلق يتآكلني. لن يغمض لي جفن دون شعوري بالأمان."
هتف مشاكسا:
"الأمان بقربي. فأنا بائع الأمان الوحيد هنا. فهل من مشترٍ!؟"
نظرت إليه شزرا هاتفة في غيظ:
"ألا تمل أبدا!؟ أتمنى أن تبور بضاعتك."
قهقه مؤكدا في ثقة:
"الأمان بضاعة لا تبور مع التقادم. وستدركين ذلك يوما ما."
نهضت متجهة لكوخها وقبل أن تدخل وتغلق بابه خلفها هتفت في ثقة:
"قد يحدث ذلك. أتعلم متى!؟ حين تطير الأفيال."
قهقه ولم يعقب على كلماتها وهى تحتمي داخل كوخها، ليحذو حذوها ويدخل كوخه بدوره مستعدا لنوم مبكر. أبكر من المعتاد.
دخل شهاب على أخته التي انتفضت في لهفة هاتفة في تعجل:
"هااا. ماذا فعلت!؟"
أقر شهاب:
"لم أقابله. لكن حفيدته الأخرى وعدت بإعطائي كل ما أرغب."
صرخت شادية في غضب:
"لماذا لم تقابله!؟ ألم يكن هذا ما اتفقنا عليه!؟"
هتف شهاب في سخط مشيحا بيده:
"هذا ما حدث. لقد صرخت وكان صوتي يوقظ الموتى لكنه لم يظهر وكانت هي تقف بالمرصاد، فقلت يكفيني العرض الذي قدمته لي."
تنهدت شادية في نفاذ صبر هاتفة:
"حسنا."
ساد الصمت للحظة لتقطعها هي في صوت كفحيح أفعى، وهى تربت على خدها بسبابتها في تفكير عميق:
"فليكن. ولنضرب عصفورين بحجر واحد."
هتف شهاب متسائلا:
"كيف ذلك!؟"
تنهدت من جديد في خيبة هاتفة:
"سأخبرك يا آخر صبري."
ونظرت إليه ممتعضة هاتفة في استهزاء:
"لا أعرف لما أراد أبوك إنجاب ذكر يحمل اسمه ليبتلينا الله بك لتكون عالة عليّ غير قادر حتى على القيام بما يقوم به الرجال أيها الغضنفر. ولا أعرف ما الذي يجعلني أتحملك وأنت مجرد مصدر للمشكلات ولا قدرة لديك على حلها إلا بمشورتي وتوجيهاتي. أما من منفعة تذكر يمكن أن تأتي من رفقتك!؟"
هتف شهاب في برود فقد استمع إلى تلك المسبة المطولة مرارا وتكرارا حتى اعتادها وأصبحت من الطقوس التي تتبعها أخته، ولم يعد يعبأ بها:
"وأي منفعة تنتظرين أكثر من مال حفيدة السعيد الغالية!؟"
هتفت وهى تمط شفتيها في سخرية:
"لنرى هل ستستطيع تنفيذ ما اتفقنا عليه. أم أنك ستخيب أملي كما تفعل دوما!؟"
أكد شهاب في ثقة:
"بل سأفعل. فذاك المال هو الأمل الذي أعيش عليه منذ علمت بوفاة حياة. ولن يكون لغيري."
هتفت شادية في استهانة وهى تتجه إلى المطبخ:
"افلح إن صدق."
وأطلقت ضحكة مجلجلة تسخر منه كما هي عادتها.
انتفض داخل كوخه عندما شعر ببرودة الماء تصل لجلده في نفس اللحظة التي تناهى له صرخاتها، ليدرك ما أن نهض من موضعه أن مياه البحر أصبحت بالفعل داخل كوخه.
فمد البحر هذه الليلة وصل ذروته وبدأت الريح بالفعل في الزمجرة بالخارج.
دفع بابه ليجدها قد اندفعت من بابها بدورها.
كانت الريح تعلن عن غضبتها وبدأت في دفع الأشياء كلها في طريقها.
هتف آدم في توتر:
"كنت أعلم أن الأمر لن يمر على خير. ها هي الطبيعة تكشر عن أنيابها."
صرخت في اضطراب وهى تمسك بغطاء رأسها تحاول إحكام سيطرتها عليه مع عدم قدرتها على السير في ردائها الطويل الذي بدأت مياه المد تقذف بأمواجها عليه فبللته كليا وجعلته ثقلا يعجزها عن الحركة بخفة في ظل ذاك الجو الثائر:
"ماذا علينا أن نفعل!؟"
ما أن هم بالإجابة حتى دفعت موجة قوية من الريح بسقف كوخيهما ليطيرا في الهواء كأنما هو ريشة لا ثقل لها.
جذب نفسه بالكاد حتى وصل لموضعها القريب يحاول أن يكون حائط صد لها في مواجهة تلك العاصفة القوية التي تشتد لحظة بعد آخرى، وكذا المد الذي بدأ يزمجر قاذفا بأمواجه ليغرقهما كليا ضاربا بظهره في قوة أشبه بحد السيف وهو يقف كصخرة يتناوله عنها في صلابة.
مد كفه ممسكا بكفها جاذبا إياها جذبا في اتجاه كوخها ليمسك بحقيبة الملابس التي لحسن الحظ وجدها مغلقة، واتجه إلى ذاك التل الذي دوما ما تختلي فيه بنفسها وحيدة على قمته.
جاهدا حتى وصلا لسفحه وبدأ هو في التسلق من الجانب المعاكس لاتجاه الريح جاذبا حياة خلفه بكف والحقيبة بكف آخر حتى وصلا لداخل كهف في باطن التل كان قد استكشفه منذ وطأت أقدامه الجزيرة وبعد أن كان قد أقام كوخه بالفعل.
كان قد قرر الانتقال إليه لكن وجده رطبا وخانق بعض الشئ وبه بعض الحشرات التي قد تكون مؤذية فعدل عن الفكرة.
الآن أصبح الموضع الوحيد المتاح لهما بعيدا عن الدغل الذي يمكن أن يكون أخطر مكان لبقائهما في وقت العاصفة نظرا لاحتمالية سقوط الأشجار. وكذا رغبة في الابتعاد عن الشاطئ لعلو المد بهذه الطريقة الغير معتادة.
توقفت على مدخل الكهف لا تجرؤ على الدخول لتلك العتمة التي تعم باطنه ليدخل آدم في حذر ممسكا كفها مشجعا حتى تتبعه.
همست في صوت باكٍ:
"هل سنمكث هنا!؟"
همس مؤكدا:
"وهل هناك خيار آخر!؟ الوضع بالخارج مرعب وربما يزداد سوءا. الحمد لله إني كنت على علم بموضع ذاك الكهف وإلا ما وجدنا مكانا يأوينا في مثل ذاك الظرف القاهر. تعالي."
ترك كفها وانحنى ممسدا بكفه بكل حرص على أرض الكهف الصخرية يمهدها لأجلها.
همست متعجبة:
"ماذا تفعل!؟"
أكد في نبرة عادية:
"أمهد لك الأرض لأتأكد أنها خالية من الحشرات التي قد تؤذيكِ."
واستطرد عندما لم تعقب صامتة في صدمة لفعلته:
"يمكنك الجلوس الآن. هيا."
جلست حيث ربت على وجه الأرض في ثقة، وأسندت ظهرها على جدار الكهف في حذر ليجلس جوارها متنهدا هامسا وهو يربت على كفها:
"اطمئني. سينتهي الأمر على خير. إنها عاصفة وبعض المد. من حق الطبيعة أن تغضب قليلا."
اومأت برأسها في هدوء هامسة:
"لا يهم ما يمكن أن يكون بالخارج. نحن هنا في أمان. أليس كذلك!؟"
اومأ براسه مؤكدا:
"نعم نحن بأمان."
واستطرد مازحا:
"هل أدركتي الآن أن الأمان سلعة لا تبور أبدا!؟"
وهتف ساخراً في مزاح يحاول إخراجها من حالة الذعر التي تتلبسها:
"بالمناسبة. هل طارت الأفيال!؟"
اتسعت ابتسامتها مؤكدة:
"لا. بل طارت الأكواخ ونحن هنا عالقون بلا حول ولا قوة."
قهقه لمزاحها الغير معتاد، لتتوقف ضحكاته مع صرختها عندما زمجر الرعد بالخارج وبدأت السماء تبرق ويهطل المطر الغزير.
التصقت به في ذعر حقيقي فهو يعلم أنها تخشى صوت الرعد بشدة.
همس بالقرب من مسامعها التي تخفيها خلف ذراعيها محيطة بهما رأسها:
"اطمئني. لن يصيبك مكروه وأنا بجانبك."
همست في اضطراب، وبصوت متحشرج وهى ترتجف:
"أشعر ببرد غريب ينخر عظامي. هل هو الموت!؟"
ابتسم مشفقا:
"لا. بل ثيابك المبتلة هي سبب ارتجافك. علينا أن نشعل بعض النيران للتدفئة. وعليك تبديلها بآخرى جافة."
أشار للحقيبة التي رأت أين وضعها بأحد أركان الكهف حيث هتف أمراً:
"لقد هداني الله لإحضارها في آخر لحظة. إخرجي لك ما يمكن أن ترتديه ودعيني أحاول إضرام النيران في الأعواد الجافة هنا."
هتفت وقد بدأت في الارتجاف بشدة وهى تتحرك نحو موضع الحقيبة:
"وماذا عنك!؟"
هتف ساخراً وهو يجمع الأعواد الجافة من هنا وهناك والتي تظهر له على مدخل الكهف عندما تضيء السماء للحظات بفعل البرق:
"ماذا عني!؟ الحقيبة ليس بها إلا ملابس نسائية على ما أتذكر."
وضع الأعواد في كومة بمنتصف الكهف، لتهتف وهى تفتح الحقيبة تتناول منها ما يمكنها ارتدائه:
"هنالك مئزر قد يكون صالحا لأجلك. أعتقد أنه قد يفي بالغرض."
أخرجته بصعوبة بعد أن فتشت عليه كثيرا نظرا لانتشار العتمة داخل الكهف، لكن أخيرا طالته يدها عند أول بصيص للنور سطع متزامنا مع صيحة انتصاره منتشيا لنجاحه في إشعال النيران.
ناولته المئزر واضطربت تتطلع حولها ليدرك هو سبب اضطرابها مشيرا لجانب الكهف المنعزل قليلا هاتفا:
"يمكنك تبديل ملابسك في ذاك الركن المنعزل. وأنا سأبدلها هنا وكل منا يولي ظهره لصاحبه. هل يرضيك هذا!؟"
اومأت برأسها موافقة واتجهت إلى حيث أشار وشرعت في تبديل ملابسها وحذا حذوها، جلست بعد أن انتهت ولم تنظر إليه معتقدة أنه لم ينته لكنه هتف بصوت ساخر:
"ألم تنته بعد. فأنا أقف مولياً ظهري كالتلميذ المعاقب بآخر الصف."
هتفت مؤكدة ولم ترفع نظراتها إليه بعد وهى تعدل هندامها:
"بلا انتهيت. يمكنك الاستدارة."
وقع ناظريها عليه في تلك اللحظة لتنفجر ضاحكة على مظهره ذاك بهذا المئزر المزركش والذي بالكاد يصل لما دون ركبتيه.
زمجر زاماً ما بين حاجبيه:
"امنعى الضحك وإلا..."
هتفت تغيظه:
"وإلا ماذا!؟ هل ستتقمص دور صاحبة المئزر!؟"
هتف في مجون:
"بل سأخلع المئزر وستندمين."
هتفت في تردد:
"لا. إنك لن تفعل."
قاطعها في نبرة عابثة وهو يضع كفيه على حزام المئزر المشدود على خاصرته مهدداً:
"لا تختبري صبري. فأنا في الأساس أبحث عن حجج لأخلق جو من الإثارة ها هنا."
لم ترد بحرف واحد فعلم أنه كسب المعركة فجلس في محاولة لضم طرفي المئزر ليبدو بمظهر المحتشم ولو قليلاً ما أثار نوبة من الضحك حاولت هي كتمانها قدر استطاعتها.
ليهتف هو في محاولة لكسر تأثير ذاك الجو الساحر داخل الكهف:
"هل أقص عليك إحدى أساطيري قتلاً للوقت!؟"
هتفت في حماس:
"فكرة جيدة. كلي آذان صاغية."
هتف في صوت رخيم:
"سأقص عليك حكاية يراها البعض حقيقة والبعض الآخر محض خيال. هي قصة من حكايات ألف ليلة وليلة."
هتفت في سعادة:
"رااائع. أعشق تلك الحكايات."
واستطردت تشاكساً:
"وأنت ستكون رائع في دور شهرزاد خاصة بهذا المئزر المزركش."
قهقهت ليهتف هو ساخراً:
"بل سأكون أروع في دور مسرور السياف لأنهض اللحظة مخلصاً عنقك من ثقل رأسك الجميل."
تجاهلت غيظه وسألت في براءة والابتسامة لا تزال تكلل محياها:
"لم تقل عن أي شيء تحكي أسطورتك!؟"
استطرد هو في سعادة طفولية وقد قرر تجاهل سخريتها بدوره:
"غيرت رأيي. سأقص عليكِ أسطورة أخرى من الأدب الإغريقي مناسبة تماماً لتلك الأجواء التي نعيشها اللحظة."
هتفت في جزل:
"حسنا لا بأس. ما اسمها!؟"
هتف بدوره وبلهجة محملة بالحماس:
"السايكلوبس بوليفيموس."
هتفت تستحثه على البدء:
"مدهش. تبدو مشوقة."
أكد في خبث مبتسماً:
"نعم مشوقة جدااا فهي تحكي عن أحد العمالقة ذوي العين الواحدة."
شهقت معترضة:
"لا. ليس الآن وفي هذا الجو المشحون بالرهبة."
هتف في إصرار طفولي:
"لن أحكي غيرها."
همست في خنوع:
"أنت تعاقبني لسخريتي منك ونعتك بشهرزاد. حسنا. احكها لعلها لا تثير الرعب."
تنحنح هو وبدأ يقص حكايته هامساً بذاك الصوت الآسر الذي يجذبها جذباً لمداره لتسبح في فلكه وتصبح تحت تأثير سحره الخاص ما أن يبدأ في سرد أساطيره التي تخلب لبها:
"كان العملاق بوليفيموس أحد أفراد قبيلة العمالقة ذوي العين الواحدة أو السيكلوبس، وكانوا يعيشون على جزيرة يقتاتون على لحوم الأغنام والماشية وأحيانا لحوم البشر الذين كان حظهم العسر يدفعهم للنزول على تلك الجزيرة ليكونوا طعاماً لعمالقتها."
همست في توتر:
"آكلي لحوم بشر في أجواء كهذه!؟ سامحك الله."
قهقه مستطرداً:
"كان بورسيوس في رحلة هو ورفاقه الاثنى عشر بسفينته في مهمة ما. لكن..."
قاطعته مستفسرة:
"أليس بورسيوس هذا هو منقذ الأميرة المسلسلة، أندروميدا!؟"
نظر إليها وعلى وجهه ابتسامة رائعة كللت محياه وظهرت بشكل خلاب على تفاصيل وجهه الذي كانت ألسنة النيران تتراقص عليه لتضفي عليه سحراً من نوع آخر، وهمس في سعادة:
"نعم إنه هو بالفعل."
كانت هذه واحدة من المغامرات التي خاضها عندما كان في رحلته لجلب رأس الجرجون أو ميدوزا كما قصصت لك حكايتها.
واستطرد متفاخراً:
"يبدو أنك تستمتعين حقاً بتلك الأساطير!؟"
ابتسمت في خجل هامسة:
"نعم للحق أستمتع كثيرا. ماذا حدث في تلك المغامرة!؟"
استأنف حكايته وتلك الابتسامة مرسومة على محياه هامساً:
"للحظ العسر هاج البحر ودفع بسفينة بورسيوس ورفاقه لجزيرة العمالقة ذوي العين الواحدة. فألتقطهم بوليفيموس في سعادة فما أروع لحم البشر كهدية تأتيه من غير ميعاد."
ارتفعت قهقهاته عندما لاح الاشمئزاز على محياها وأكمل هاتفاً:
"سجن العملاق، بورسيوس وأصحابه داخل أحد الكهوف برفقة ماشيته. وكان كل يوم يتناول على إفطاره اثنين من الرجال."
هتفت في صدمة:
"هل أكلهم حقاً!؟"
ضحك مؤكداً:
"وهل سيمزح العملاق في أمر كهذا!؟"
تساءلت في اضطراب:
"وماذا حدث بعدها!؟ بالتأكيد نجا بورسيوس وإلا كيف أمكنه إنقاذ الأميرة. لكن كيف نجا!؟"
هتف مبتسماً:
"أنتِ ذكية. وكيف... اتركيني أقص لك الحكاية دون مقاطعتي وستعرفين."
هتفت ممتعضة:
"حسنا. أكمل."
هتف آدم مستطرداً:
"قرر بورسيوس وأصحابه التخلص من العملاق وعندما فتح العملاق الكهف ليتناول وجبته الصباحية منهم ناداه بورسيوس."
هتفت مصدومة:
"نادى العملاق!؟"
علت ضحكاته ولم يلمها هذه المرة فلقد اعترف أن مقاطعتها لسردة وظهور تلك التعبيرات الطفولية الرائعة على محياها لهو أكثر متعة من الحكاية نفسها وأكمل هازاً رأسه مؤكداً:
"نعم ناداه ليعطيه هدية. برميل ضخم من الخمر المعتق كان قد حمله رجاله معهم عند نزولهم من السفينة. تناول العملاق برميل الخمور في سعادة وما أن تذوقها حتى راقت له فتجرعها كلها حتى ثمل وبدأ يشعر بالنعاس. لكن قبل أن تثقل أجفانه سأل بورسيوس عن اسمه حتى يعطيه جائزة وهي تركه دون أكله. فأجابه بورسيوس أن اسمه "لا أحد"."
راح العملاق في سبات عميق بفعل الخمر واستغل بورسيوس وأصحابه تلك الفترة في صنع عصا مدببة الرأس وما أن استيقظ العملاق وفتح باب الكهف ناظراً بعينه الوحيدة ليتناول وجبته من الرجال حتى غرسها بورسيوس بعينه مصيباً إياه بالعمى ليصرخ العملاق منادياً أهله مستنجداً هاتفا بصوت جهوري:
"لا أحد أصاب عيني بالعمى. لا أحد أصاب عيني بالعمى."
قهقهت وهى تراه يقلد العملاق مضخماً صوته بهذا الشكل الدرامي متقمصاً دوره ليقهقه آدم بدوره مستطرداً في مرح:
"لقد ضحك أهل العملاق عليه مثلما تضحكين الآن واعتقدوا أنه قد أصابه الجنون. لذا قرر العملاق الانتقام من بورسيوس ورجاله بأكلهم جميعاً دفعة واحدة ففتح باب الكهف باحثاً عنهم بكف يده بعد فقد عينها وهو يخرج ماشيته حتى يسهل عليه التقاطهم من داخل الكهف لكن بورسيوس وأصحابه استطاعوا التعلق ببطون الماشية الضخمة والخروج من الكهف ومنه حتى سفينتهم هربا من جزيرة العمالقة لاستكمال رحلتهم."
تنهدت في سعادة:
"حسنا. قصة رائعة. لقد انتهى الأمر على خير."
لكنها قررت مشاكسة مستطردة:
"وهنا أدرك شهرزاد الصباح فسكتت عن الكلام المباح."
هتف في غيظ:
"أوتعلمين!؟ لدي ميل قوي للخروج في مثل هذا الطقس تاركاً إياكِ وحيدة مع حشرات الكهف وزواحفه."
هتفت تزيد من وتيرة سخريتها:
"أو ربما أحد العمالقة يجدني طعاماً سائغاً فيلتهمي حية. سيكون ذلك من دواعي بهجتك. أليس كذلك!؟"
هتف مؤكداً:
"بلا هو كذلك. وسأقيم الأفراح لسبع ليالٍ بالطبول الأفريقية لعودتي وحيداً وسعيداً من جديد."
همست في هدوء:
"تصبح على خير."
ساد الصمت للحظات وهى تتمدد على أرض الكهف توليه ظهرها ليتمدد هو بدوره على الجانب الآخر وقد شعر أنه أحزنها ما أثار بداخله شعوراً عجيباً بالضيق.
ألقى نظرة أخيرة تجاهها، وأخيراً تنهد مولياً لها ظهره محاولاً الولوج لدنيا الحلم دونها.
رواية السماء تشهد ايها الماجن الفصل الثامن 8 - بقلم رضوى جاويش
كان النوم على أرض الكهف الصخرية متعباً بحق، فهي خلاف الأرض الرملية للشاطئ حيث كوخهما، والتي كان النوم عليها أكثر راحة، ما جعله يتقلب كثيراً أثناء نومه، شاعراً بتيبس في عظامه.
كانت النيران داخل الكهف على وشك أن تخبو، وبدأ الجو يميل للبرودة قليلاً، خاصة أن الحقيبة لا تسد إلا جزءاً بسيطاً من مدخل الكهف، رغم صغره وضيقه مقارنة بكهوف أخرى.
نهض يمتطئ، يفك تيبس مفاصله، واتجه نحو النيران يحاول إزكاء جزوتها، وهو يعيد شد المئزر الذي تحرر بعض الشيء. انحنى نحو ركوة النار، إلا أنه استمع لهمهماتها المعتادة، والتي يستمع بعضها من داخل كوخه في بعض الأحيان عندما يجافيه النوم ويظل مسهداً.
يبدو أنها كانت تحلم بشيء مزعج، لأن الهمهمات زادت عن وتيرتها، وبدأت تهمس ببعض الأحرف المتقطعة. لا يعلم لماذا شعر أن عليه إيقاظها ليخرجها مما تعانيه، وخاصة عندما سمعها تهمس باسم ذاك الآخر بمثل ذاك التوسل الذي يعذبه:
"لا.. شهاب.. لا تفعل.. أنا لا أستطيع.. دع ط.."
وبدأت الهمسات تخبو، والنار بالركوة وبين أضلعه تستعر. لذا قرر إيقاظها، وما أن هم ببلوغ موضعها حتى أبصر شيئاً ما يقترب منها. أسرع يدنو في حذر، وانحنى نحوها وهي لا تزال على نعاسها، وحاول ضبط أعصابه وهو يمسك بذاك الغصن المدبب ليغرزه ببطن ذاك العقرب الذي تلوى.
لتنتفض هي في نفس اللحظة لتجد وجهها ملاصقاً لصدره. شهقت في ذعر محاولة الابتعاد عنه، فقد ظنت أنه يقترب منها لغرض دنيء في نفسه، إلا أنه جذبها ليعيدها لصدره من جديد، مبعداً إياها عن موضع العقرب حتى لا يطالها ذنبه وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة.
تنبهت في تلك اللحظة للعقرب الصريع بالقرب منها، فارتجفت بين ذراعيه في ذعر. لحظات ساد فيها الصمت، وكفاها تتشبث بجانبي مئزره وجبينها يستند على صدره. وأخيراً همست في صوت متحشرج وهي ترفع نظراتها الدامعة متطلعة إلى محياه:
"لماذا لم تدعني أرحل!؟.. ألم يكن هذا ما تتمنى!؟"
سال الدمع المتأرجح بمآقيها، ليهمس هو بدوره بنبرة تحمل دلالة ما لم تستطع تفسيرها في حينها:
"ما أتمنى لن أدركه حتى تطير الأفيال.. وما أتمناه اللحظة لن أدركه ولو بلغت روحي الحلقوم."
جالت نظراتها بقسمات وجهه وهمست في تيه:
"ما تتمناه اللحظة!؟.. ما هو ذاك الشيء الغالي الذي قد تدفع روحك ثمناً له!؟"
هتف في وله وعيناه تتعبدان في محراب محياها الباكي الذي زادها رقة:
"أنتِ."
انتفضت مبتعدة وكأن كلمته كانت هي دلو الماء البارد الذي صبه على وعيها الغائب، ليستيقظ أخيراً، جاذباً إياها من خضم صخب المشاعر الأخرق ليعيدها مرة أخرى لأرض الواقع. أدرك آدم ما يعتريها، لكنه استطرد في رغبة حقيقية:
"أنا أريدكِ يا حياة.. أرغبكِ بشدة.. فهل تقبلين الزواج بي!؟"
نظرت إليه وهي لا تعلم كيف واتتها الشجاعة لتتطلع لعمق عينيه متسائلة:
"وماذا بعد!؟"
همس متعجباً:
"وماذا بعد!؟ ماذا تعنين!؟"
همست:
"وماذا بعد زواجنا المزعوم.. ماذا إذا قدر الله وعدنا كل إلى دنياه!؟"
همس مؤكداً:
"ولما نفكر في أمر صعب الحدوث بعيد المنال.. نحن هنا منذ فترة لم يعثر علينا أحد، فقد يكون الموج ألقى بنا بعيداً عن مجال بحثهم.. فلنعيش اليوم بيومه، فقد لا يأتي غد."
همست تسأله في وجع:
"وإذا أتى!؟"
همس في ثبات:
"ساعتها يمكن لنا تقييم علاقتنا.. و.."
قاطعته تومئ في رزانة:
"لا نية عندي لإقامة أي علاقة تحتاج لتقييم.. رجاءً.. عد لموضعك.. وشكراً على إنقاذك حياتي.. لم يكن الأمر يستحق عناءك."
تطلع إليها للحظة، وأخيراً نهض مندفعاً في ثورة مبتعداً عنها، دافعاً الحقيبة بعيداً عن مدخل الكهف ليجلس بالخارج، وقد بدأ الجو في الاعتدال قليلاً. لكن مزاجه هو من تعكر ليصبح أكثر انقلاباً من تلك الأنواء التي هدأت.
***
اندفع شهاب بشكل همجي لداخل مكتب نهى، رغماً عن مديرة مكتبها التي حاولت استوقافه، لكنها لم تفلح. كادت نهى أن تهتف معنفة على هذا الصخب، إلا أنها توقفت للحظة ما أن أبصرت شهاب، فأشارت لمساعدتها بالانصراف، مؤمئة لها أن تدعه يدخل.
وقف شهاب بمنتصف حجرة المكتب يتطلع حوله في انبهار، هاتفا في حقد:
"كل هذا العز سيكون لي فيه نصيب."
حاولت السيطرة على أعصابها هاتفة:
"تفضل يا سيد شهاب.. اجلس ودعنا نتفاهم."
جلس شهاب أمامها هاتفا:
"جئت لأنال نصيبي من الإرث.. أعتقد أنه شيء واضح."
هتفت بثبات:
"على حد علمي لقد طلقت حياة بعد زواج لم يدم أكثر من ثلاثة أشهر.. كيف ترثها وهي لم تعد زوجتك من الأساس!؟"
قهقه شهاب هاتفا في سخرية:
"يبدو أن لا علم لك.. حتى حياة رحمها الله نفسها لم تكن تعلم." ومال على سطح المكتب هامساً في وضاعة:
"لقد أعدتها لعصمتي قبل انتهاء العدة ببضع ساعات."
شهقت نهى هاتفة:
"إنك تكذب.. لم يحدث."
أكد شهاب وهو يعود موضعه على كرسيه واضعاً قدماً فوق أخرى:
"بلى، لقد حدث.. وعندي كل ما يثبت ذلك."
هتفت نهى بثورة:
"أنت نصاب تحاول استغلال وفاة حياة لتحقيق مكسب مادي.. أما كفاك ما نلته وأختك حتى تطلقها!؟ ألم تكتف بتدميرك لحياتها لتأتي راغباً في مالها بعد وفاتها!؟ أي نوع من البشر أنت!؟"
قهقه شهاب في سماجة:
"أنا فقط راغب في حقي لا شيء أكثر."
هتفت نهى في عزم:
"وإذا أخبرتك أنك لن تنال مليماً واحداً من مال حياة!؟"
تطلع شهاب لنهى هاتفا في لهجة تقطر حقارة:
"سأخبرك أني ذاهب لجدك لأخبره ليس فقط بوفاة حفيدته المحببة لقلبه، بل أيضاً بأني أعدتها لعصمتي وأن مالها سيكون بحوزتي أستمتع به كما يحلو لي.. ما رأيك! أعتقد أن كلا الخبرين سيكون مصدر سرور لجدك الخرف."
جزت نهى على أسنانها قهراً، فقد كان كل ما ينطق به هذا الحقير صحيحاً، وهي تدرك تماماً أنه قادر على تنفيذ تهديده، فقد جاء إلى الفيلا بالفعل لولا ستر الله ووجودها ساعتها وتدخلها. تنهدت في ضيق هاتفة:
"اسمع.. موضوع الإرث هذا لا أستطيع أن أتدخل فيه لأنه يخضع لأمور قانونية وإجراءات سأجعل محامي العائلة يتولاها.. لكن كل ما يمكن أن أقدمه الآن هو هذا."
زيلت شيك بتوقيعها ومدت كفها به هاتفة:
"هذا من مالي الخاص.. حتى لا تطأ قدماك الفيلا مرة أخرى.. أعتقد أنه كاف..!؟"
تطلع شهاب للرقم المدون بالشيك البنكي وحاول أن يظهر لامبالاته بذاك الرقم الضخم الذي سال له لعابه، وهتف وهو ينهض مودعاً:
"حسنا.. سأعتبر هذا عربون مبدئي حتى تحل الأمور القانونية الخاصة بالإرث.. وداعاً."
تنفست نهى الصعداء وهي تراه يرحل، وتمنت ألا ترى محيا ذاك الحقير مرة أخرى.
***
تحسن الجو كثيراً، فقرر النزول حيث كان موضع كوخيهما، لتلحق به رغبة في مساعدته لإعادة بنائهما من جديد. استمرا في العمل الشاق لفترة، حتى أنها شعرت بالتعب والإرهاق الشديد، إلا أنه لم يتوقف عن العمل ولم ينبس بحرف واحد.
فمنذ ذاك اليوم في الكهف عندما عرض عليها الزواج ورفضت، وهو ينأى عنها ولا يخاطبها بكلمة. يفعل ما يجب عليه فعله، لكنه أبداً لم يعد آدم المرح ذو الروح الوثابة الذي ما كانت السخرية والمزاح تفارقه. ماذا فعلت ليكون رد فعله بهذا الشكل!؟ هي غير راغبة في علاقة واهية، فما عادت قادرة على العطاء من جديد دون ضمانات تحمي قلبها من العطب وروحها من الانهيار. ما عاد لديها ما يمكنها منحه له أو لغيره، فمعين مشاعرها قد نضب.
ليته يفهم أن العيب ليس فيه، بل بالظروف العجيبة التي جمعتهما. ليته يتفهم أن العيب بقلبها السقيم وروحها المشروخة أنيناً وجراحها النازفة وجعاً ما يزال سخياً وحياً.
تطلعت إليه وهو يضع اللمسات الأخيرة على سقف كوخها، مستنداً على أحد أفرع الشجرة التي تسلقها رغبة في الوصول لأعلى الكوخ وضبط سقفه بالفروع والأخشاب بشكل سليم، إلا أن ذاك الفرع كان من الضعف بحيث انكسر ولم يستطع تحمل ثقل جسده، ليسقط من عليائه متأوهاً في شدة.
صرخت حياة في ذعر متجهة إلى حيث موضع سقوطه هاتفة في قلق:
"هل أنت بخير!؟ أرني قدمك لأطمئن عليها."
مدت كفها بتلقائية تتحسس موضع إصابته التي كان يتأوه ممسكاً إياها، إلا أنه دفع بقدمه بعيداً عن مجال يدها، مؤكداً في غلظة وهو يحاول النهوض مبتعداً عن قربها المهلك:
"لا عليكِ.. أنا بخير."
تحامل على قدمه السليم حتى استطاع الجلوس أمام كوخه يحاول تمسيد قدمه الموجوعة حتى لا يطالها التورم. هتف بلهجة خشنة وهي لا تزال بموضعها لم تتحرك:
"كوخكِ أصبح جاهزاً."
أومأت برأسها في تفهم ونهضت تدخله في هدوء، وقبل أن تهم بغلق بابه خلفها همست:
"سأدخل وأعدك أن لا أخرج منه إلا للضرورة القصوى."
هتف بحدة:
"سيكون ذلك أفضل للجميع."
دخلت الكوخ ولم تعقب بكلمة، لكن ما أن أغلقت عليها بابه حتى سالت دموعها.
***
قررت فعلاً عدم الخروج من الكوخ مهما حدث، فما عاد لديها القدرة على الجدال معه أو تلقي نظراته الغاضبة أو تلميحاته الموجعة. عليها تجنبه تماماً، وإذا لزم الأمر واحتاجت للخروج فعليها أن تتأكد أنه ليس بالخارج حتى لا تحتك به.
ظلت النهار بطوله بين جدران الكوخ الأربعة، على الرغم من أنها لم تسمع أي صوت له بالخارج. وكان لابد لها من الخروج لتناول بعض الطعام، فهي تتضور جوعاً بالفعل. فتحت الباب في حرص وتطلعت حولها، تمد ناظريها شرقاً وغرباً تتأكد أنه ليس موجوداً بالأنحاء. وتحركت في اتجاه الأشجار التي تحصل منها على الفاكهة التي يتناولانها.
جمعت منها عدة ثمرات وسارت في طريق العودة محاولة أن لا تقابله قدر إمكانها. ما أن وصلت لكوخها وهمت بدخوله حتى سمعته يتأوه. تذكرت قدمه المصابة منذ الأمس. هل عليها الاطمئنان عليه!؟ هزت رأسها نفياً، فلا رغبة لديها في نيل تقريعه.
دخلت الكوخ وجلست تتناول ثمرات الفاكهة، وما أن همت بقضم أولى الثمار حتى تركتها جانباً في ضيق ونهضت على عجالة حتى لا تتردد مندفعة تقف أمام كوخه هاتفة في اضطراب:
"آدم!؟ هل أنت بخير!؟"
هتف من الداخل في حدة:
"سأكون بخير إذا ما ابتعدت عني وتركتني لحالي."
على الرغم من تلك الشدة في رده، إلا أنها دفعت باب كوخه وتطلعت لجسده الممدد، وسقطت عيناها على قدمه المصابة. تجاهلته تماماً وانحنت تنظر إلى ذاك التورم البسيط الذي اعترى كاحله. هتفت وهي تضع أطراف أصابعها على موضع الورم في إشفاق:
"لابد من علاج هذا التورم."
هتف ساخراً:
"وكيف ذلك أيتها الطبيبة الفذة!؟"
لم تعره اهتماماً ودخلت لكوخها تحضر قطعة من قماش وملأت إحدى الأواني الصفيح ببعض الماء لتدفئتها على نيران الركوة التي لسوء الحظ لم تكن مشتعلة. حاولت إشعالها على قدر استطاعتها مثلما رأته يفعل، وأخيراً وبعد جهد جهيد أضرمت النيران في بعض الأغصان ووضعت الآنية الصفيح عليها.
هتف مستفسراً:
"ماذا تفعلين!؟"
هتفت دون أن تتطلع إليه:
"لابد من عمل كمادات مياه دافئة على ذاك الورم حتى يشفى.. وربط الجزء المصاب وعدم السير عليه لعدة أيام."
لم يعقب على ما قالت، بل تركها تقترب من قدمه وتبدأ في تمسيد الورم بقطعة القماش الندية الدافئة، واعترف أنه شعر بالراحة لحد كبير. ما أن انتهت حتى صنعت رباطاً ضاغطاً من قطعة من الملابس وبدأت في ربطها حول الجزء المصاب.
هتفت وهي تنهض مغادرة:
"الآن عليك ألا تتحرك قدر الإمكان.. ولا تضغط على القدم المصاب."
هتف في ضيق:
"لكني سأمل الجلوس هنا.. أرغب في البقاء خارجاً."
أومأت برأسها هامسة:
"حسنا.. سأدبر لك الأمر."
خرجت وغابت لبضع دقائق ثم عادت ومعها عصا كانت فرعاً قوياً لشجرة قبل أن تقتلعها العاصفة من موضعه. دخلت الكوخ وقدمته إليه هاتفة:
"يمكنك الاستناد على تلك العصا حتى الخارج والاستعانة بها إذا ما أردت الحركة."
تناول منها العصا وحاول النهوض متكئاً عليها، لكنه كاد أن يسقط. اندفعت تحاول دعمه لينتهض، وبلا وعي لفت ذراعها حول خاصرته ليضع ذراعه حول كتفيها. شعر بتيبس جسدها للمساته، لكنه لم يرفع ذراعه عنها إلا بعد أن ساعدته ليجلس بالخارج أمام كوخه متطلعاً للبحر الهادئ من موضعه.
قدمت له بعض ثمار الفاكهة التي كانت قد أحضرتها، وبدأت في تحضير وجبة من السمك المشوي، والتي كان قد اصطادها أمس ولم يتناولاه نظراً لظروف سقوطه، واكتفى كلاهما بالفاكهة. بدأت في العمل وهو يراقب حركاتها وسكناتها مستمتعاً. ظهرت أخيراً على جانب فمه ابتسامة وهو يهتف في استحسان:
"أرى أن حياة الجزيرة أصبحت تناسبك تماماً.. فأنتِ تقومين بالعمل في مهارة."
أجابت وهى تتشاغل عن النظر إليه بتقليب الأسماك حتى لا تحترق:
"أنا أحاول أن أتكيف على حياة لا أعلم إلى متى ستمتد.. أو حتى متى تنتهي."
انتهت من شواء السمكة الأولى، فوضعتها على ورقة شجر عريضة اتخذتها كصحن وقدمتها له. تناولها وبدأ في التهامها مستطيباً إياها هاتفا:
"أجدتِ الشواء باحترافية.. فهي ناضجة بشكل مثالي."
ابتسمت دون أن تعقب وهي تتابع شواء سمكتها. ساد الصمت للحظات، كان قد انقض فيها على سمكته متسائلاً:
"كم سمكة لديك بعد!؟"
أكدت:
"واحدة أخرى.. ألا تزال جائعاً!؟"
أومأ في إيجاب:
"بلى.. كنت أتضور جوعاً.. وما زلت جائعاً."
ابتسمت في تفهم:
"لقد خرجت من الكوخ لجوعي كذلك." ومدت كفها بالسمكة التي كانت تطهيها لأجلها، واضعة إياها أمامه هاتفة:
"تفضل."
هتف متعجباً:
"لكنها لأجلك.. يمكنني أن أنتظر حتى انتهائك من طعامك وشي السمكة الأخيرة."
أكدت في بساطة:
"يمكنك تناولها وسأشرع في طهو الأخيرة."
هتف وقد بدأ في التهامها بالفعل:
"حسنا."
ابتسمت لفعلته وساد الصمت من جديد، وقد بدأت في التهام سمكتها كذلك وهمست في تأكيد:
"في الغد سأحاول اصطياد عدد أكبر من الأسماك."
هتف مبتسماً:
"أرجو أن يحالفك الحظ.. فالأمر ليس سهلاً على الإطلاق." واستند على كفيه ليدفع بجسده ليتمدد على الرمال متطلعاً للسماء هاتفا:
"انظري.. كم عدد النجوم يا ترى!؟"
ابتسمت هاتفة:
"لم أحاول عدّهم من قبل."
همس في رزانة:
"الأعداد دوماً ما تبهرني.. فهي سر من أسرار الله."
تطلعت إليه للحظة، فهي المرة الأولى التي تسمعه يذكر الله فيها بخلاف طبعاً تلك الدعوات والأمنيات ليعود وحيداً وسعيداً، لكن عليها أن تعترف أنها لاحظت غيابه في عدة أوقات خلال اليوم، وفي إحدى المرات التي كانت في سبيلها لخلوتها رأته قائماً يصلي في الخلاء. هل يعرف هذا الماجن رباً غير شهواته!؟
تمددت بدورها منتزعة نفسها من خواطرها متطلعة للسماء على مسافة قريبة منه لحد ما. ابتسم لبساطة فعلتها منتشياً لكونها أصبحت تعتاده ولو قليلاً، وهمست متسائلة في تعجب:
"وهل للأعداد سر..!؟"
همس مجيباً:
"نعم.. الرقم ١.. يدل على الفردية والتوحد الدال على الربوبية.. والرقم ٢.." وصمت لبرهة، فتعجلته هامسة:
"ما سره!؟"
همس متطلعاً إليها:
"إنه سر الزوجية.. الروح ووليفها.. القلب ونبضه.. آدم وحواء."
تطلعت إليه بدورها وزاد اضطراب الخافق بين جنباتها وهتفت تحاول الخروج من سحر اللحظة ببعض المرح رافعة يدها مشهرة الرقم ٣ أمام ناظريها:
"والرقم ٣."
همس متطلعاً من جديد للسماء الممتدة قبالته مبتسماً لفعلتها:
"إنه ثمرة الازدواج ما بين كل شريكين.. طفلهما الأول."
همست بغصة بحلقها وقد أصبح الحديث حميمياً، راسمِة الرقم التالي:
"والرقم ٤."
همس متنهداً:
"إنه رقم دعامات الأسرة وأساسات البيت.. رقم الاتجاهات الأربعة التي توجهك حتى تصل لمستقرك وسكناك."
همست:
"رقم ٥."
أكد:
"إنه رقم درء السحر والحسد..." واستطرد مبتسماً:
"ألم تلحظي أن من ضمن معتقداتنا الشعبية عندما نشعر بطاقة حسد أو عين نفرد كفنا بكامله أمام صاحب العين الشريرة!؟"
ضحكت مؤكدة:
"بلى صدقت.. والرقم ٦."
همس:
"إنه رقم الانشغال والرغبة في إكمال الناقص.. والرقم ٧ هو السر الأعظم.. فالسموات سبع.. وأيام الأسبوع سبع.. وأشواط طواف الحجيج سبع..."
همست مبهورة:
"والرقم ٨."
ابتسم لتفاعلها:
"هو رمز الطريق إلى الكمال.. وكذا الرقم ٩ يؤكد أنك أوشكت على الوصول."
هتفت متعجلة وهي تفتح كفيها بوجه السماء مشهرة أصابع كفيها:
"والرقم ١٠."
ضحك مؤكداً:
"هو عين الكمال وبلوغ الهدف."
ابتسمت هاتفة:
"لم أكن أعلم أنك فيلسوف!؟"
ابتسم هامساً:
"أشم رائحة سخرية تنتشر بالأجواء."
أكدت ضاحكة:
"مطلقاً.. إنها رائحة الشواء.. هيا فعلى الفيلسوف العظيم الخلود للنوم حتى يحافظ على سلامة تلك الرأس اللامعية."
قهقه وهو يحاول النهوض بمساعدتها حتى دخلا الكوخ. وما أن انحنت لتجلسه على فراشه العشبي حتى سقطت رغماً عنها من ثقل جسده غير قادرة على التوازن بعد ما سقط هو قبلها متمدداً. لثوان كانت بالفعل بين ذراعيه ترتكن على صدره. تلاقت نظراتهما وكل منهما تجول روحه بعالم آخر، وللمرة الأولى.. الأولى تماماً تستشعر رغبة في البقاء قربه وعدم الفرار منه كما هي العادة.
همس آدم في وله:
"حياة."
تطلعت نحوه يثور قلبها في عربدة عجيبة أقلقت راحة بالها، فقد اعتقدت أن ذاك الخافق قد خمد للأبد. قطعت الوصل بين روحيهما، مبعدة ناظريها باعجوبة واندفعت هاربة لتعود لكوخها، تنتفض في اضطراب تضم جسدها بذراعيها رغبة في الحماية والأمان، لكن لم يكن ذاك بكافٍ. كانت ترغب في أن تضم روحها إليها لكى تستكين، تلك الروح التي أنهكها التيه. لكنها لم تفلح في ذلك. وللعجب أيقنت أنها لتوهابتعدت عن ذاك الستر لروحها المعراة في وجه الوجع.. ذاك الشعور الطاغي بأحضانه الدافئة التي خلفتها لتوه.
***
كان ذاك النهار حاراً على غير العادة، والطقس داخل الكوخ يكاد يزهق روحها، وهي لم تكن ترغب في الخروج لملاقاته بعد ما حدث بالأمس. لكنها لم تستطع البقاء، ففتحت باب كوخها على استحياء تتلمس موضع بقائه حتى تتجنبه. ولحسن الحظ لم يكن موجوداً بطول الشاطئ، واعتقدت أن إصابة قدمه ستحد من حركته، فخرجت في اطمئنان تجلس تحت شجرة ظليلة.
لكنه ظهر فجأة من داخل الدغل يتكئ على قدمه المصابة، والتي من الواضح أنها تماثلت بعض الشيء للشفاء، حاملاً على كتفيه بعض الأغصان. ابتسم بأريحية يحاول أن يتظاهر أن الوضع طبيعي وكأن حادثة الليلة الماضية لم تكن، وقد شكرت له ذلك كثيراً، ما دفعه ليهتف مقترحاً:
"ما رأيك برحلة إلى الجانب الآخر من الجزيرة!؟"
كانت تحمل ورقة عريضة من إحدى الأشجار تلوح بها أمام وجهها مرسلة بعضاً من هواء لعله يرطب ولو قليلاً قيظ ذاك النهار هاتفة:
"رحلة في ذاك النهار الحار!؟ لا أعتقد أنها فكرة جيدة."
هتف مؤكداً:
"صدقيني هذا وقتها، فأنا أقوم بها عدة مرات لإحضار الماء العذب للشرب."
همست:
"أتقصد رحلة لذاك النبع العذب الذي أخبرتني عنه!؟"
أومأ مؤكداً:
"نعم هو ذاك.. هيا بنا لا تتكاسلي."
نهضت متنهدة في غير حماسة:
"حسنا.. هيا بنا."
تحركا داخل ذاك الدغل القريب يحاول تزليل الطريق أمامها لتعبر خلفه. استمر المسير لبعض الوقت، وأخيراً انتهى الدغل فجأة لتشهق من جمال ذاك المنظر الرائع الذي يطالعها اللحظة.
تطلع آدم إلى ردة فعلها مستحسناً وهتف في فخر:
"ألم أخبرك أنها رحلة تستحق العناء."
همست مبهورة:
"إنه يستحق فعلاً."
أكد آدم وهو يتقدم للنبع وحياة تتبعه:
"كان هدية ربانية وقد أضناني العطش."
همست حياة:
"لمَ لم تقم كوخك قربه!؟"
أكد آدم وقد وصل لحافة النبع:
"فكرت بذلك فعلاً لكني أيقنت أني سأكون بعيداً عن الشاطئ الذي تمر به السفن، فأقمته هناك.. كنت أريد أن أعطي نفسي أملاً ولو كاذباً أن هناك فرصة للنجاة."
جلست تضع قدميها بالماء البارد فشعرت بالراحة تسري بجسدها كله. انتفضت عندما تناثر رزاز الماء عليها وجسده يخترق المياه. غاب لبعض الوقت تحت سطحه ليخرج فجأة من تحت أقدامها لتصرخ مصدومة، ليهتف مازحاً:
"أمير نبع المحبة في خدمتك سيدتي."
هتفت ساخرة:
"أسميته نبع المحبة!؟" ثم قهقهت هاتفة:
"لما أشعر أني دخيلة على المشهد العام وأنه يليق بك أن تجمع حسناواتك حول ضفاف النبع وأنت تعزف على الأرغن كأحد أساطيرك التي لا تنتهي!؟"
زم ما بين حاجبيه وهتف ممتعضاً:
"أتسخرين من التسمية التي أطلقتها على النبع!؟ لكنها ليست من وحي خيالي.. هناك فعلاً نبع للمحبة وطالما أنك تسخرين من أساطيري فلن أقص تلك الأسطورة عليك."
هتفت تشعر أنه يحتال عليها:
"ليس هناك واحدة.. أنت تمارس ألاعيبك علي.. أليس كذلك!؟"
هز رأسه في ثقة مؤكداً:
"بل أقسم أنه هناك ولن أقصها عليكِ حتى تعتذري وبشدة عن خطأكِ في حق أساطيري." واندفع عائداً للسباحة من جديد، وهى تهتف به ليتمهل:
"عد يا عريس النبع.. أقصد يا أمير النبع.. قص علي قصة نبع المحبة وأنا أعتذر بشدة عن خطأي غير المقصود في حق أساطيرك الرائعة."
اندفع مقترباً من موضع قدميها داخل مياه النبع الباردة هاتفا في مرح:
"قبلت اعتذارك."
ودفع بنفسه خارجاً من المياه ليستقر بجوارها، ليهمس في سعادة تستشعرها تنتابه دوماً وهو يقص عليها تلك الحكايا التي يعرف أنها تحبها:
"في مدينة العشاق والأباطرة المدعوة ساغالاسوس بجنوب تركيا يوجد نبع اسمه نبع أنطونينلر.. أو نبع المحبة لأن الأساطير القديمة كانت تقول أن الشرب من مياه هذا النبع يزرع المحبة بقلوب البشر."
همست تسأله في اهتمام:
"وهل تصدق أن هناك شيئاً ما يمكن أن يخلق المحبة بقلوب البشر!؟"
أكد هامساً في ثقة:
"نعم.. ولما لا!؟ إن المحبة سر إلهي يربط الأفئدة يُخلق لأسباب لا نعلمها." وتنهد وهو يتطلع أمامه في تيه هامساً:
"وتنتهي لأسباب نعلمها تماماً."
تطلعت إليه في تعجب وهي ترى جانباً آخر من جوانب شخصية ذاك الماجن الذي كانت تعتقد أن كل اهتماماته بالحياة تنحصر في النساء والمتعة. لكن ذاك الشخص الذي يجلس بجوارها اللحظة يخفي وجعاً ما بصدره وسراً ما بروحه لا تدركهما قدر ما تستشعرهما بقوة. ومن أقدر على استشفاف صاحب وجيعة إلا من ذاق مُرّ مثيلتها!!
أيقظها دفعة واحدة من شرودها وهو يقذف ببضع قطرات من المياه باتجاهها هاتفا:
"هاااي.. إلى أين ذهب عقلك!؟"
ابتسمت ولم تعقب وهي تحاول تجنب قطرات الماء التي كان لا يزال ينثرها باتجاهها، وأخيراً جمع كفيه أشبه بالمغرفة وملأهما بماء النبع البارد ورفعهما باتجاه فمها أمراً بهمس:
"اشربي."
ترددت قليلاً في اضطراب، لكنه أكمل أمره مازحاً:
"فربما يكون لذاك النبع بعض القوى السحرية التي قد تجعل لي بعضاً من محبة بقلبك فتخضعين لسلطان إغوائي ولو قليلاً وترضخين لطلبي الزواج بك."
قهقهت هاتفة:
"هذا أمر إذاً."
أكد مقهقها بدوره:
"اعتبريه دواء ما لجلب المحبة المستعصية."
ارتفعت ضحكاتها من جديد، وما أن همت بالشرب حتى وجدت أن الماء قد تسربت من بين أصابعه، فهتفت مازحة:
"تسرب الدواء يا مسكين.. فرصة أخرى في يوم آخر."
همت بالنهوض ليجذبها مازحاً:
"لا فرص أخرى ولا انتظار لأيام أخر.. الآن وفي تلك اللحظة." ودفع بها لتسقط في النبع، لتخرج بعد لحظات متشبثة بغطاء رأسها الذي كان يوشك أن ينخلع هاتفة في زمجرة:
"أيها الأحمق.. لقد.."
تطلعت حولها فلم تجده ليظهر بالماء قربها هامساً بمزاح:
"لم ترغبي في جرعة من دواء محبتي فدفعتك لتتجرعي القنينة كاملة.. لنرى كيف ستقاومين سحري بعد اليوم!؟"
وبدأ في قذفها برزاز الماء لتحذو حذوه محاولة الانتقام، وقد علت ضحكاتها وهي تحاول الخروج من النبع بصعوبة هاتفة:
"أشعر بالشفقة عليك منذ اللحظة.. فأنا محصنة تماماً ضد أسحار المحبة.. خيبة أملك ستكون عظيمة."
هتف يستوقفها متحدياً:
"أتراهن أنك ستقعين في عشقي خلال أيام قلائل!؟"
هتفت وهي لا تزال توليه ظهرها تهم بالرحيل:
"أنا لا أراهن على جواد خاسر!؟" واستدارت تتطلع إليه بنظرة تحمل ألماً لا يستهان به مستطردة:
"فالعشق فرس جامح متقلب لا أمان له.. قد يلق بك من على صهوته قبل أن تصل خط النهاية بلحظات وقد كنت على ثقة تامة أنك الفائز.. صدقني.. رهانك لا جدوى منه مطلقاً."
واندفعت في اتجاه طريق العودة لكوخهما، تاركة إياه لا يزال بقلب النبع يتبعها بنظراته وهو يستشعر أن هذه الفتاة تحمل بفؤادها وجيعة بحجم المجرة.
رواية السماء تشهد ايها الماجن الفصل التاسع 9 - بقلم رضوى جاويش
نهى في نفاذ صبر بشهاب الذي يجلس قبالتها في غطرسة عجيبة.
"أعلم أن هذا هو آخر شيك سأكتبه لك."
هتف شهاب في برود:
"لا أشحذ منكِ، هذا بعض حقي."
صمتت، فهي تعلم أن الحوار مع هذا الحقير لن يجدي. فزيلت الشيك بامضائها، وما إن همت بإعطائه إياه حتى دخل مهنى في عجالة هاتفا بأمر ما. إلا أنه توقف لحظة أن شاهد ما يحدث، فهتف بغضب وهو يتطلع إلى شهاب في احتقار:
"ماذا يفعل هذا الوضيع هنا؟"
انتفض شهاب في غضب مماثل هاتفا:
"أنا لن أسمح لك ب..."
قاطعه مهنى محتدًا:
"ومن أنت لتسمح أو لا تسمح؟ وما الذي أتى بك إلى هنا من الأساس؟"
هتفت نهى تحاول توضيح الأمر:
"لقد جاء ما إن علم بوفاة حياة حتى ينال نصيبه من إرثها و..."
هتف مهنى في ثورة:
"أي إرث أيها الحقير! لقد طلقتها وانتهى الأمر. ولولا رغبة السيد السعيد في عدم إحداث جلبة حول زواجكما حتى لا يمس ذلك سمعة العائلة، لكنت أنت وأختك الآن بالسجن بعد كل ما فعلتماه بحفيدته. والآن تأتي بكل صفاقة مطالبًا بمال ليس لك فيه مليم واحد! أي فجور هذا؟"
هتف شهاب يحاول الدفاع عن حقه المزعوم مدعيًا الشجاعة رغم أنه يرتجف داخليًا أمام ذاك الرجل العالم ببواطن الأمور:
"حياة رحمها الله كانت زوجتي. لقد رددتها لعصمتي قبل انتهاء العدة بساعات قليلة."
هتف مهنى ساخرًا:
"إلى أن تثبت ذلك، لا مكان لك هنا. تفضل. وأي تعامل مستقبلي مع عائلة السعيد سيكون من خلالي أنا فقط."
خرج شهاب مسرعًا مدعيًا الحنق، وهو في الحقيقة هرول خوفًا وهربًا من ذاك الرجل. الذي تطلع إلى نهى عاتبًا في رقة، وقد تبدلت حاله في لحظة وهو يسألها:
"لمَ لم تخبريني بأمر ذاك الحقير؟"
هتفت نهى في اضطراب:
"آسفة سيد مهنى، لم أكن أرغب في تحميلك كل الأمور، يكفيك ما هو على عاتقك بالفعل. كما أني كنت أعتقد أن الأمر سينتهي بإعطائه بعض المال، لكن يبدو أنه لن يشبع."
ابتسم مهنى مقتربًا منها هامسًا في ود:
"حسنًا، لا بأس. لكن رجاءً أخبريني بأي أمر يحدث بعد ذلك. فأمورك، أقصد أمور كل عائلة السعيد والتي ستؤول إليك يومًا ما بعد عمر طويل لجدك، تهمني، تهمني بشدة."
وابتسم في رقة ورحل، مخلفًا إياها تتعجب من أحواله تجاهها مؤخرًا.
***
دفع باب كوخه خارجًا منه وهتف صارخًا في ضيق:
"أنا لن أستطيع تحمل هذا الوضع أكثر من ذلك. أنا رجل ولي احتياجات."
كانت بالفعل تجلس أمام كوخها تتطلع للبحر قبالتها، فجفلت لثورته ونظرت إليه شزرًا هاتفة:
"وماذا علي أن أفعل باعتقادك؟ فل تذهب للجحيم أنت واحتياجاتك."
هتف بغيظ:
"أنا في الجحيم بالفعل واحتياجاتي تصاحبني هناك ليل نهار. أنا لا أعلم لماذا ترفضين طلبي، إنه طلب بسيط ولن يضر أحد."
هتفت صارخة:
"طلب بسيط؟ أنت تطلب جسدي يا رجل."
هتف مصححًا:
"أنا أطلب الزواج بكِ يا امرأة. الزوااااااااج."
هتفت صارخة في ثورة:
"أي زواج يا هذا ونحن في هذا الوضع؟" وأشارت للفراغ حولها مستطردة: "أي زواج دون مأذون أو شهود؟"
هتف في نبرة هادئة قدر إمكانه محاولًا إقناعها:
"وماذا علينا أن نفعل؟ لا شهود فنحن الأحياء الوحيدون بالجزيرة، ولا مأذون بالطبع."
هتفت ساخرة:
"حتى أنه لا أوراق أو أقلام لتوثيق الزواج."
هتف ساخرًا بدوره:
"ما رأيكِ لو جثوت على ركبتي طالبًا يدكِ مثلما يحدث في الأفلام، فقد يفلح الأمر! وساعتها أخبرك أن السماء والبحر هما شاهدا عقدنا الأبدي."
هتفت متجاهلة سخريته:
"قد أقبل ما تقول إن كنت أحبك بالفعل، لكني لا أسلم جسدي لرجل لا أحبه."
هتف مؤكدًا:
"إذًا أحبيني. أمامك ثلاث ليال كاملة هي كل ما أملك من صبر حتى تحبيني."
قهقهت هاتفة:
"أنت غير معقول. لديك إجابات شافية ومقنعة وحل لكل معضلة."
هتف في مرح:
"ها قد بدأتِ في محبتي. الخطوة الأولى لا بأس بها. استمري وصدقيني خلال ثلاث ليال ستكونين غارقة حتى النخاع في غرامي."
قهقهت من جديد وهتفت متسائلة:
"وإذا مرت الثلاث ليال ولم يحدث أن أحببتك، ما الحل يا ترى؟"
هتف مؤكدًا في مجون:
"ساعتها سأجعلك تتمنين لو أنكِ فعلتِ حتى ولو ادعيتِ كذبًا أنكِ أحببتني، فعندها سأطلق رغباتي الدفينة تركض خلفك في الجزيرة بأسرها ووقتها..." واقترب هامسًا في عبث: "إما أن أقتلك عشقًا أو تقتلينني دفاعًا عن الشرف." وعاد يتحدث بمنطقية مستطردًا: "وصدقيني، أنتِ الخاسرة في كلتا الحالتين. خسارتك الأولى فقدانك تجربة فريدة من نوعها بين ذراعيّ. والخسارة الثانية هي خسارتي أنا شخصيًا إذا ما قتلتني لأنك ستكونين وحيدة وستموتين قهرًا في أثري لأنك تعلمين جيدًا أنك لن تستطيعي البقاء بمفردك على تلك الجزيرة."
صمت أخيرًا بعد تلك المحاضرة المسْهبة في سرد فوائد ومنافع الإذعان لمطلبه المجنون. لتنظر إليه دون أن تعقب بكلمة، مما استرعى انتباهه ليهتف من جديد في محاولة أخرى لإقناعها:
"صدقيني، قد نموت هنا بتلك الأرض وحيدين. من سيعلم بما فعلنا؟ ومن..."
قاطعته في تأثر هاتفة:
"الله يعلم أيها الأجوف."
هزه قولها داخليًا وهتف بدوره:
"الله شاهد على ما نحن فيه. ثم ماذا تعنين بأجوف؟"
ابتسمت وهي تتطلع للأفق البعيد هامسة:
"نعم أجوف، فالزير الفارغ يصدر صوتًا أجوفًا عند الطرق عليه. يا زير النساء."
قهقه هاتفا في فخر:
"هذا شرف لا أدعيه."
هتفت في غيظ:
"هذا حمق تغرق فيه."
هتف مشاكسا:
"أشم رائحة شيء ما يحترق هاهنا. هل هي الغيرة يا ترى؟"
هتفت مؤكدة في هدوء:
"أنا لا أشعر بالغيرة مطلقًا."
هتف مشاكسا من جديد:
"إذًا فلستِ امرأة! فما من امرأة لا تغار. فما أروع الغيرة على من نحب!"
ابتسمت في حسرة ولم تعقب وأشاحت بوجهها عنه متطلعة للأفق البعيد لعلها تحاول تناسي ذاك الجرح النازف داخلها. ونهضت مبتعدة تتحاشى التطلع إليه ليهتف هو خلفها:
"وماذا عن عرضي الذي لن يتكرر؟"
هتفت ساخرة دون أن تستدير إليه وهي لا تزال تبتعد:
"أحقًا لن يتكرر؟ هذا هو عرض الزواج رقم كم؟"
هتف مازحًا:
"لا أتذكر. كررته وسأظل أكرره مرارًا حتى أنك قد تقبلين فقط حتى أكف عن إلحاحي."
اتسعت ابتسامتها وتوقفت تستدير متطلعة إليه، لا ترغب في رفض آخر قد يجعله ينأى عنها بشكل لن تطيقه. فهتفت:
"إذًا أعدكِ التفكير في عرضك المغري."
صفق منتشيًا وهتف خلفها بصوت عال وقد ابتعدت بالفعل:
"أشكركِ يا عروسي المنتظرة."
قهقهت هامسة:
"لقد فقد عقله كليًا."
***
صرخت شادية في غضب هادر:
"أخبرتك أن ذاك الأمر لن يستمر طويلًا، وأن تلك المبالغ الزهيدة التي تحصل عليها لا تسمن ولا تغني. لكن منذ متى تستمع لنصائحي؟"
صمت شهاب مهادنًا وهو يعلم أن لأخته الحق في ثورتها، فقد كان يصرف تلك الشيكات التي تعطيها له نهى ويأتي لها بالفتات حتى يسد نهمها للمال ويحتفظ بالأكثرية لنفسه.
تنهد في ضيق مصطنع:
"أنتِ تظلمينني. أنا أفعل ما تمليه عليّ بالحرف، وأنفذ كل نصائحك دون تأخير. ماذا يمكن أن أفعل أكثر مما فعلت؟"
هتفت في لهجة شيطانية:
"ليس أمامنا إلا الحل الأخير."
تطلع إليها شهاب مترددًا وهمس في اضطراب:
"أتقصدين..."
لم تمهله ليكمل بل هتفت في حماس:
"أجل. لم يعد أمامنا إلا هذا الحل. وستنفذه من فورك. دعنا ننهي هذا الأمر ونحصل على المال ونرحل من هذا المكان العفن."
أومأ شهاب إيجابًا في استسلام تام، لا طاقة له لمعارضة شادية وهي بتلك الحالة التي قذفت الرعب بقلبه وجعلته ينصاع لما تأمر في طاعة عمياء.
***
كانت تجلس على أعتاب كوخها الخشبي تتطلع للأفق البعيد، ولم تتنبه إلى ذاك المتجه للبحر إلا عندما دخل إلى مجال رؤيتها. فانتفضت متعجبة لما يفعل، فالشمس أوشكت على المغيب وهو يفكر في النزول للبحر في هذا الوقت. اندفعت تتجه إليه وما إن وصلت لموضعه حتى هتفت خلفه متسائلة:
"إلى أين؟ هل تفكر في النزول للبحر في تلك الساعة؟"
أكد بايماءة وبلهجة واثقة:
"وماذا في ذلك؟ إنها أفضل أوقات اليوم للسباحة بالنسبة لي." واستدار مواجهًا لها مازحًا: "وقد يحالفني الحظ وأقابل اتارجاتيس."
تسألت في تعجب:
"من هذه؟"
هتف يغيظها متجهًا للبحر:
"سأخبرك عندما أعود عن قصتها، أو ربما مع بعض الحظ قد أقتادها لك لتقابلينها شخصيًا."
هتفت تستوقفه وهي تشعر بالرعب أن تصبح وحيدة على الشاطئ وهو يسبح بالبحر وقد حل الظلام:
"أرجوك، أخبرني الآن."
تطلع نحوها وبرقت عيناه ببريق عابث وهتف مقايضًا إياها:
"حسنًا، سأقص الحكاية لكن على شرط."
هتفت متعجلة:
"ما هو؟"
أكد مبتسمًا:
"نتسابق سباحة. ما رأيك؟"
تطلعت للبحر ولونه الذي بدأ يميل للقتامة مع إرخاء الليل لسدوله، وعاودت النظر إليه هامسة:
"الآن؟ ألا يمكن أن..."
هتف مقاطعًا إياها:
"نعم، الآن. دعينا ننعم ببعض الإثارة."
همست بتردد:
"حسنًا، ولما لا؟"
هتف مستحسنًا:
"رائع. اتفقنا."
جلس ضامًا ركبتيه لصدره لتحذو حذوه، ليهمس بذاك الصوت الرخيم الذي يتملكه ما إن يبدأ في قص إحدى أساطيره الشيقة والذي يجعلها بعالم آخر تمامًا، تشعر بشغف طفلة صغيرة لسماع حكايا ما قبل النوم:
"اتارجاتيس هي أحد الآلهة القديمة، وأم الملكة الآشورية سميراميس. كانت تحب بشريًا لكنها قتلته عن طريق الخطأ، فشعرت بالذنب وما عادت قادرة على العيش على الأرض، فألقت بنفسها في الماء لتعيش فيه بجسد النص العلوي لبشرية والنصف السفلي لسمكة."
هتفت حياة مبهورة:
"تقصد عروس البحر؟"
أكد مبتسمًا لانبهارها الذي يسعده:
"نعم، هي كذلك. تقول الأساطير أن عروس البحر دومًا ما تكون قريبة من شواطئ الجزر. تتمدد أحيانًا على صخورها عندما تمل الماء وتأخذ في الغناء بصوت عذب عندما ترى السفن تقترب، فيشعر البحارة بالنشوة ويفقدون السيطرة على سفنهم."
همست متعجبة:
"ألهذه الدرجة صوتهن عذب؟"
أكد مبتسمًا:
"صوتهن ساحر يخدر المشاعر ويسلب الإرادة. كما أن دموعهن غالية القيمة، تسمى 'الزمرد الريحاني'. تلك الدموع يقال إنها تعطي القدرة على الوصول إلى ينبوع الشباب الأبدي." واستطرد متنهدًا في نبرة عابثة: "هذا بالنسبة لدموعهن، فما بالك بقبلاتهن؟"
نظرت إليه نظرة أن يكف عن عبثه ليقهقه مستطردًا:
"صدقًا، هذا كلام الأسطورة. فالقبلة من إحداهن تمنحك القدرة على العيش تحت الماء والاستبصار ومعرفة مكنونات البشر، وكذا القدرة على شفاء الأمراض."
هتفت ساخرة:
"يا لها من مميزات. تستحق التجربة حقًا."
أكد متطلعًا إليها في رغبة لإغاظتها:
"أتمنى لو أحصل على إحداها لاستبصر مكنونات روحك وعقلك."
همست ساخرة:
"لم أكن أدرك أن مكنوناتي بهذه الأهمية لأي من كان. صدقني، ستشعر بالندم لو أدركت بعضها، فهي لا تستحق لمعرفتها كل ذاك العناء."
ونهضت ما إن شعرت بأن الحديث ينحى باتجاه لا تستسيغه هاتفة:
"حظًا سعيدًا مع حوريتك."
هتف يستوقفها:
"إلى أين؟ ووعدك بالمنافسة سباحة؟"
توقفت تفكر للحظة وأخيرًا استدارت عائدة إليه هاتفة:
"حسنًا، فأنا لا أخلف وعدي. رغم أن القصة لا تستحق هذه المخاطرة."
ضحك دون أن يعقب على رأيها شارحًا:
"نهاية السباق عندما تنتهي من عد عشر ضربات للماء بذراعيكِ. اتفقنا."
هزت رأسها موافقة وهي تحكم ربط غطاء رأسها حول عنقها. توغلا لداخل الماء وما إن وصلا لنقطة عمق مناسبة حتى هتف معلنًا بدء السباق ليندفع كلاهما لداخل الماء. لحظات مرت وكلاهما يضرب الأمواج بكلتا يديه في قوة. وما إن أنهت حياة العدات العشر حتى رفعت رأسها مستطلعة موضعه لتجده خلفها بقليل. أمعنت النظر قليلًا تحت ضوء القمر الذي سطع بدرًا فوقهما، فأدركت أن هناك شيئًا ما غير طبيعي يحدث. حاولت التركيز، وأخيرًا استطاعت إبصار جسده يهبط ويصعد بين الأمواج. اندفعت في ذعر نحوه صارخة، لا تعرف ما عليها فعله إلا السباحة نحوه، وكل ما جال بخاطرها لحظتها هو إنقاذه مهما كان الثمن. وصلت موضعه واتته من الخلف كما تعلمت من دورة الإنقاذ التي اجتازتها منذ عدة سنوات، وبدأت في تطويق جسده قبل أن يغيب تحت الماء مجددًا. أخذت في سحبه وإلقائه باتجاه الشاطئ رويدًا رويدًا ولعدة مرات حتى استطاعت أن تجذب جسده بصعوبة لتلقي به على الرمال الندية وتسقط جواره تلتقط أنفاسها في تتابع مضن. لكنها لم تعط نفسها الفرصة لتستريح بل اندفعت نحوه تضغط على صدره وتتأكد أن باستطاعته التنفس. لكن صدره كان متخشّبًا مما زاد من ذعرها لتبدأ في الضغط على صدره من جديد بكلتا كفيها، ضغطات سريعة متتابعة. لكنه لم يستجب. بدأت في الانهيار هامسة بأحرف متقطعة وصوت متحشرج وهى لا تزال تحاول إنقاذه:
"ارجوك.. استيقظ.. رجاءً لا تتركني وحيدة.. هيا تنفس.. هيا..."
قرر إنهاء مزحته الثقيلة هامسًا:
"المرحلة الأخيرة من إنقاذ أحدهم هي قبلة الحياة. لكن يبدو أني لن أنالها ولو كنت جثة هامدة."
شهقت وسقطت دموعها الساخنة على خديه، ففتح عينيه متطلعًا إلى الهلع البادي على قسمات وجهها الذي لا يزال رطبًا والماء الذي يقطر من غطاء رأسها الذي أحكمت ربطه حول رقبتها قبل نزولها والذي ارتخى قليلًا. فهتف وقد شعر بتأنيب ضمير على حالتها تلك والتي لم يتوقع أن تصل لهذا الحد من الفزع أبدًا:
"أنا بخير. لن تكوني وحيدة يا حياة. اطمئني. أنا هنا."
هتفت ما إن تمالكت أعصابها وصرخت بانفعال من بين شهقات نحيبها وهي تنهض مبتعدة:
"ليتك لم تكن. ليتك لم تكن." واندفعت تحاول الهرولة، لكن ملابسها المبللة جعلت خطواتها ثقيلة على الرمال. تطلع حيث كانت تغيب اللحظة وشعر بمدى حماقته لعرضها لموقف كهذا.
***
تعالت تلك الهتافات السوقية داخل فيلا السعيد لتحثه على دفع كرسيه المدولب خارجًا من حجرته ليرى لمن هذه الصيحات.
هتف شهاب في غضب:
"أين أنت أيها العجوز؟ أنا لن أتركك تهنأ لحظة واحدة."
هتف شهاب عندما لاح له السعيد قادمًا على كرسيه:
"أين أنت أيها الخرف؟ أما كفاك ما فعلته بنا حتى تأتي اللحظة لتحرمني من حقي؟"
هتف السعيد بلهجة محتقرة موجهًا حديثه لمدبرة المنزل التي كان لها علم بكل مجريات الأحداث والتي كانت تقف ترتجف حرفيًا من الصدام القادم:
"عن أي حق يتحدث هذا الأخرق؟"
اندفعت مدبرة المنزل تجاه شهاب هامسة من بين أسنانها في توسل:
"أرجوك، لا تفعل. لن يحتمل الصدمة."
لكن شهاب لم يستمع لتوسلاتها وهتف شامتا:
"أتحدث عن حقي في إرث زوجتي... حفيتدك المصون، حياة." واقترب من كرسي السعيد منحنياً وهو يظهر له نعيها بالجريدة التي نشرها أحد أصدقاء جدها لمجاملته وهو لا يعلم أنه جاهل بخبر وفاتها من الأساس هامساً في تشفٍ:
"رحمها الله."
اتسعت عينا السعيد عن آخرهما وهو يتطلع لصورة حفيدته بالجريدة ومد يديه بكفين مرتعشتين يمسك بها في اضطراب غير مصدق ما يقرأ. وما إن انتهى حتى رفع رأسه موجها حديثه لمدبرة المنزل في صوت متحشرج النبرات:
"هل هذا الخبر صحيح؟"
كانت المرأة تبكي في قهر غير قادرة على الرد. سكت الجد للحظات وأخيرًا همس:
"كيف حدث ذلك؟ ومتى؟"
دخلت نهى الفيلا مبكرة على غير العادة واندفعت تهرول لداخلها، وما إن أبصرت شهاب والجريدة في كف جدها حتى أدركت ما يحدث فصرخت في غضب قاهر مندفعة في اتجاه شهاب تريد قتله ممسكة بتلابيبه:
"أنت لست إنسانًا. أخبرتك أن قلبه لن يتحمل. كيف دخلت إلى هنا من الأساس مع كل تلك الحراسة بالخارج؟"
ابتسم شهاب في سماجة:
"أخبرتهم أني زوج حفيدة السعيد فلم يمنعني أحد."
هتف جدها يستوقفها وهو يلتقط أنفاسه في عمق محاولاً الثبات:
"دعك من هذا الحقير وأخبريني، كيف ومتى حدث هذا؟"
دفعت نهى بشهاب بعيداً وأجابت من بين شهقات بكائها المقهور:
"سقطت الطائرة التي كانت تقلّها وهي في طريقها إلى هنا عندما علمت بمرضك. كان ذلك في اليوم الثاني لدخولك المشفى. لم نشأ أن نخبرك لأن..."
قاطعها الجد بإشارة من كفه لتصمت مستطردة في بكائها موجها ناظريه لشهاب هاتفا به في لهجة آمرة:
"إلى الخارج، ولا تطأ هذه الفيلا بقدمك مرة أخرى. ولا حق لك عندي أيها الحقير. السماء أقرب لك من أن تمس قرشًا واحدًا من مال حفيدتي الغالية."
هتف شهاب مزمجرًا في ثورة:
"سأفعل، فهي زوجتي."
هتف السعيد في ثبات:
"لقد طلقتها وانتهى الأمر."
هتف شهاب ساخرًا:
"لا، لم ينته. لأني رددتها لعصمتي من جديد قبل أن تنتهي العدة ببضع ساعات ولي الحق في الإرث. وسآخذه مليماً مليماً أيها العجوز المتعجرف. وسترى."
اندفع شهاب خارج الفيلا بعد تهديداته لتسرع نهى نحو جدها تلقي بنفسها قرب قدميه هاتفة في تضرع:
"أرجوك يا جدي كن صلبًا لأجلي. أنا لن أحتمل رحيل كلاكما، أنت وحياة."
ربت السعيد على كفها التي كانت تقبض على كفه في توسل هامسا:
"من قال إن حياة رحلت؟"
تطلعت إليه نهى في خوف معتقدة أن هذا الإنكار أعراض صدمة ما وانتفضت مسرعة ليسألها السعيد في تعجب:
"إلى أين؟"
أكدت في اضطراب:
"سأذهب لأفصل كل الحراس على بوابة الفيلا والذين سمحوا بدخول هذا الوضيع، كما أعتقد أنه على اتصال بالعم مهنى ليحضر و..."
قاطعها الجد في ثبات:
"بل اشكريهم لأنه لولاهم ما كنت عرفت بما يدور من خلفي."
انسابت الدموع مجدداً من عيني نهى ليهتف جدها في محبة:
"لا تفزعي يا صغيرتي. أنا لم أصب بالجنون بعد. أنا على يقين أن حياة حية ترزق. قلبي يحدثني أنها لا تزال على قيد الحياة. ولا داعي لاستدعاء مهنى فيبدو أنه لم يقم بما كان يتوجب عليه فعله. وفي الأساس الأمر أكبر من تدخله. حان وقت تدخلي أنا. اذهبي واحضري هاتفي. هيا."
أطاعت نهى في تعجب. فهي المرة الأولى التي ترى فيها جدها بهذه الحالة. مر وقت طويل لم تظهر به شخصيته الواثقة القادرة تلك. ربما بعد انكساره بسبب موت ولديه وكذا مرضه. أما الآن، فهي ترى السعيد كما كانت تراه أيام والديها رحمهما الله، رجل محنك ومسيطر. اختفت نهى داخل حجرته ليتطلع السعيد لتلك الصحيفة التي خلفها ورائه ذاك الحقير شهاب. وما إن طالع ذاك الخبر المشؤوم من جديد حتى مزقه في عنف ملقياً به بعيداً بطول ذراعه.
***
كان يعلم إلى أين تتجه عندما تريد الاختلاء بنفسها نائية عنه بهمومها وأحزانها التي يراها دوماً مطلة من شرفات عيونها العميقة النظرة المسربلة بالوجع. صعد ذاك التل المتوسط الارتفاع والقريب من موضع كوخيهما ليصل لقمته فيجدها هناك، توليه ظهرها وتلقي بناظريها باتجاه البحر. أدرك أنها لا تزال تبكي من اهتزاز كتفيها فشعر بالمزيد من الذنب يكتنفه. فاقترب في هدوء واضعاً إحدى السترات على كتفيها اتقاء للبرد وخوفاً عليها من المرض مجدداً وهمس بصدق:
"أنا آسف. أشعر بالحماقة لما فعلت."
انتبهت لوجوده فأسرعت بمسح دموعها المنسابة على خديها بظهر كفها في سرعة وحاولت إجلاء صوتها هامسة:
"لقد انتهى الأمر."
حاول تغيير الأجواء القاتمة التي تعتريهما فهمس وهو يجلس بالقرب منها هامسا:
"رأيتها بالمناسبة. لما أضعت تلك الفرصة الثمينة وأزحت الزمرد الريحاني من على وجنتيكِ؟"
همست ساخرة:
"أنا لست إحدى حورياتك، ولن أكون."
همس بصدق:
"وأنا لا أريدك أن تكوني. لأنهن أوهام وأنتِ الحقيقة. دموعهن محض أسطورة، ودموعكِ هي الواقع. تلك القطرات الساخنة هي الأغلى على الإطلاق من أي زمرد ريحاني مزعوم. هي الأثمن. لأنها زرفت لأجلي."
أدارت وجهها باتجاهه وتطلعت إليه في اضطراب لترى على صفحة وجهه الصدق مجسدًا بكل قسمة من قسماته. توترت وهمت بالنهوض إلا أنه أمسك بكفها يعيدها لتجلس من جديد هامسا:
"حياة، أنا أريدكِ. أرغب فيكِ حد اللامعقول."
تطلعت إليه دون أن تنبس بحرف واحد ليهمس بلوعة من جديد:
"حياة، اقبلي عرض الزواج رجاءً. اقبليه بحق السماء."
وقع ناظريها على كفها التي لا يزال متشبثًا بها غير راغب في إطلاقها حرة، وكأنه على استعداد لاعتقالها جواره للأبد حتى يستمع لجوابها، والذي لن يسمح لها بأن يكون جوابًا لا يرضيه. لذا تنحنحت في اضطراب وشعرت بجسدها كله يرتجف توترًا رغم ادعاء عقلها أن ذاك عائد لجلوسها في مهب الريح بملابس مبتلة. وهمست بحروف متقطعة:
"حسنًا.. أنا موافقة."
انتفض صارخًا في فرحة أجفلتها وجذبها لتنهض واقفة قبالته ليتطلع لعمق عينيها ضامًا كفيها هاتفا في لهفة:
"فليكن زفافنا الليلة إذن. فأنا لن أحتمل نكوصكِ في عهدك."
اضطربت وهي تسحب كفيها من أحضان كفيه هامسة وهي منكسة الرأس لا تقوى على التطلع إلى عينيه:
"أنا لا أخلف وعدًا ولا أنكص عهدًا. فليكن زفافنا غدًا مساء هنا على هذه الربوة."
مد كفه واضعاً إياه أسفل ذقنها رافعاً وجهها ليقابل نظراتها المضطربة حياءً وهمس في وله:
"فليكن موعدنا الغد إذن... والسماء وحدها تشهد أيتها الشهية كم سيكون الصبر مرًا كالعلقم حتى ذاك الوقت."
ارتجفت من جديد فشدت السترة لجسدها واندفعت هاربة من أمامه عائدة لكوخها تحتمي به من تلك المشاعر التي اكتنفتها في حضرته والتي بدأت في إعلان الثورة على الذكريات الموجعة محاولة وأدها ورفع أعلام الفرحة من جديد على أرض الفؤاد.
رواية السماء تشهد ايها الماجن الفصل العاشر 10 - بقلم رضوى جاويش
هبط التلة ورائها بفترة وجيزة تاركا لها مساحة من الحرية لتنفرد بنفسها داخل كوخها.
مر من أمامه اللحظة ليقف ببابه برهة، وأخيرا اندفع داخلا لكوخه الملاصق ممنيا نفسه بقرب الوصل وداعما روحه بالصبر تلك الساعات التي تفصله عن قربها الذي تمنى.
تمدد داخل كوخه، مسهد لا نعاس يزور أجفانه.
عيونه معلقة بسقف الكوخ الخشبي وقلبه معلق بتلك التي يفصله عنها حاجز مشترك من أعواد من نبات يشبه البامبو إلى حد كبير.
دفع بنفسه من موضعه واتجه برأسه يضعها على ذاك الجانب المشترك بينهما لعلها تنام بهذا الجانب فيهنأ بقربها ولو وهما.
همس، ربما تكون قد راحت في سبات عميق:
حياة.
ردت بهمهة خفيفة جعلته يدرك أن موضع رأسها على ذاك الجانب بالقرب من موضع رأسه بالفعل، فابتسم في راحة هامسا:
هل من الممكن.
قاطعته هامسة:
إلى الغد آدم. إلى الغد.
قهقه رغما عنه هاتفا:
أنا لم أقل شيئا. كيف استطعتِ معرفة ما كنت بصدد سؤالك عنه.
همست وابتسامة تكلل شفتيها وهى تضع كفها على موضع قلبها الذي بدأ يرفرف بين جنباتها لسماع صوت ضحكاته:
وهل لديك أمر آخر يشغل تفكرك غير هذا.
أكد مبتسما:
بكل صراحة. لا. لكنى أشعر بالقلق. فإعطاءك مهلة للغد يوترني فقد تغيرين رأيك بعد أن حصلت على موافقتك أخيرا.
ابتسمت هامسة:
لا تقلق. فلن أغير رأيي، فأنا لا قبل لي على مواجهة رغباتك الدفينة والتي ستطلقها خلفي. ألم تقل هذا عند عرضك الثاني للزواج.
انفجر مقهقها وأكد:
بلا فعلت. ويعلم الله كم جاهدت في سبيل تهذيب تلك الرغبات. لقد علمتني الفضيلة، وهذا عكس طبيعتي.
كان دورها لتعلو ضحكاتها قبل أن يشملهما الصمت للحظات.
لتقطعه هى هامسة بنبرة مترددة:
لم يكن هذا هو السبب الوحيد الذي دفعني لقبول الزواج بك. بل.
حثها متلهفا وقد اعتدل متطلعا إلى الفاصل بينهما وكأنما خيل إليه أنه يراها من ورائه، يرهف السمع لجوابها بعد أن هتف مصرا:
بل ماذا.
همست بنفس النبرة المترددة:
بل لأن لا قبل لي على قتلك دفاعا عن الشرف.
ابتسم دون أن يعقب يعرف أن السبب الحقيقي قادم في الطريق.
لتستطرد:
ولأني ايقنت أني لن أستطيع العيش وحيدة دونك بتلك الجزيرة. وأن الحق كان معك عندما قلت أن خسارتك ستكون فادحة وقد ايقنت هذا عندما اعتقدت أنك غرقت.
كانت لحظات من كابوس.
همس معتذرا:
أنا آسف.
ثم هتف فجأة مهللا وقد تنبه لحقيقة ما:
بل لست بأسف. لست آسفا على الإطلاق. فلولا تلك المزحة ما كنتِ اقتنعتِ بقبول الزواج بي. ليتني قمت بها منذ زمن.
علت ضحكاتها.
ليهمس من جديد:
حياة.
همست بدورها:
إن غدا لناظره قريب. تصبح على خير.
تنهد وقد علم أن لا أمل في تغيير رأيها.
فهمس بدوره:
بل أصبح على أجمل حياة.
ابتسمت واغلقت عينيها تحاول الولوج لدنيا الحلم تاركة إياه يحلم بها وهو لا يزل بيقظته التي تضنيه.
***
جلست نهى بمائدة الإفطار تفرد بعض من زبد على شريحة خبر تناولها لجدها متطلعة إليه في تساءل:
هل هناك أمل حقا في تلك الاتصالات الموسعة التي قمت بها يا جدي.
أكد السعيد وهو يقضم من شريحة خبزه بعد أن وضع عليها بعض من المربى:
نعم يا نهى. وأنا على استعداد لدفع ثروتي كلها في سبيل العثورعلى حياة.
تنهدت نهى في تمنى هامسة:
أتعشم يا جدي أن تكون ثقتك في محلها. فأنا لا أصدق أني قد أجد حياة أمامي ما بين لحظة وآخرى. لكن بالمناسبة لمَ لم تخبر العم مهنى باتصالاتك هذه.
أجاب السعيد متنهدا:
مهنى كان يوما صديقا لوالدكِ رحمه الله. تقرب إلى العائلة حتى أصبح فردا منها، وكان دوما متعشما في العمل بمنصب كبير بامبراطورية السعيد. لم أكن لأسمح بذلك وأبيك وخالك على قيد الحياة. لكن بعد رحيلهما كُسرت وهزمتني الأحزان فلم يكن هناك إلاه لتولي منصبا ما كان لينله ولو في أروع أحلامه.
وتنهد مستطردا:
تأتي الشدائد يا صغيرتي لتجبركِ على اتخاذ قرارت ما كان يخطر ببالك لحظة اتخاذها، وتدفعك للتخلي عن أمور كان من المستحيل يوما التخلي عنها، أو حتى تخيل فقدها. الشدائد هي المعلم الأول لذاك الذي اعتقد أنه أصبح المهيمن على مقاليد الأمور، فتأتي لتعيده لصوابه وتأدبه في حضرتها.
انهى الجد كلماته وشرد في الأفق الأخضر الممتد قبالته.
لتهتف نهى محاولة إخراجه من صمته المحمل بالشجن:
أنا لا أطيق صبرا. متى تعود حياة فلكم اشتاقها.
أكد جدها وقد استعاد روحه المتقدة مع ذكر حياة:
لقد اخبروني أن البحث يتطلب وقتا وجهدا لأنهم على يقين أن البحث الذي تم حول حطام الطائرة كان متقنا. لكنهم سيقومون بكل ما يلزم.
هتفت نهى في نفاذ صبر:
لقد مرت عدة ليال منذ اتصالك يا جدي. كم سيستغرق الأمر.
أكد السعيد:
لا اعلم. سننتظر مهما كلفنا الانتظار.
وهمس بصوت متحشرج يهتز ايمانا:
وأنا أعلم أنها ستعود مهما طال الوقت. ستعود ابنة خالك إلينا فقد استودعتها رب العالمين حين رحيلها وأنا على يقين أنه لن يضيعها أبدا.
دمعت عينا نهى تأثرا، وتضرعت أن تعود حياة. فعودتها المرجوة هي التي تجعل جدها متمسكا بأهداب الحياة.
***
طرقات على باب حجرتها جعلتها تنتفض محاولة ايقاظ ذاك الذي يجاورها ليفتح الباب، لكن لا استجابة من قبله ما اضطرها لتنهض على استحياء لتفتحه معتقدة أن فطورها الصباحي قد حضر.
لكن هيهات فما طالعته اللحظة يختلف تماما عما توقعت، فقد ظهرت أخته وهى ممتعضة الوجه كعادتها تقف مستندة على عارضة الباب وتضع كفا بخصرها.
وما أن طالعها وجه حياة حتى هتفت في استهزاء مشيرة لدلو كان يجاورها أرضا:
هيا يا جميلة الملامح. اتعتقدين أننا هنا من أجل خدمتك كأميرة. هذا هناك بفيلا جدك. أما هنا فعليك القيام بدورك كما أقوم بدوري. والآن دورك لتنظيف الشقة ومسح الأرضيات.
تطلعت إليها حياة في صدمة غير قادرة على الرد على تلك المرأة العدوانية.
وأخيرا همست بعد أن استطاعت استجماع شتات نفسها:
لكني عروس وهذه ليلتي الأولى هنا بالمنزل. كنت اعتقد أني سأنال الترحاب اللائق وأنك تطرقين الباب في هذه الساعة من أجل إفطارنا.
هتفت شادية في سخرية:
إفطار.
وارتفعت قهقهاتها المجلجلة في استهزاء هاتفة:
أي إفطار. لا طعام لمن لا يعمل. والبيت خالِ تماما من الطعام. هيا يا مدللة جدك اخلعي عنكِ ملابس المجون تلك وارتدي هذه.
وقذفت بوجه حياة جلباب قديم ممزق لتستبدله بقميص نومها الحريري الأبيض.
ضمت حياة الجلباب إلى صدرها واغلقت باب حجرتها وتطلعت لشهاب الذي ما يزل يغط في سبات عميق لا يشغله شاغل.
انحدرت على خديها دموع قهر وقد ادركت أي مصيبة أوقعت نفسها بها.
وهمست شاعرة بالندم:
أنا آسفة يا جدي. سامحني لقد كنت على حق.
أخذت تكرر كلماتها الأخيرة منادية على جدها الذي كان ينظر إليها نظرة ملؤها العتاب واللوم ثم رحل مبتعدا عنها موليا ظهره مؤكدا على سخطه وغضبه.
لتصرخ تستوقفه هاتفة باسمه من جديد، لكنه لم يستجب.
فانتفضت متطلعة حولها وهى لا تزل تنادي لتدرك أنها بكوخها وحيدة.
انحدرت الدموع على خديها وهى لا تعلم ما مصير جدها اللحظة.
هل علم بخبر وفاتها أم يعتقد أنها حية ترزق.
وهل استطاع تجاوز أمر موتها إذا ما وصل خبره إليه.
ام أنه رحل متأثرا بحزنه عليها.
اسئلة كثيرة كانت وما زالت تشغلها منذ لحظة استيقاظها على شاطئ الجزيرة لتدرك أنها لا تزل في عداد الأحياء.
لكن لا إجابة تريح بالها وتهدئ خاطرها الملتاع.
نهضت تمسح دموعها وتفتح باب الكوخ في بطء متطلعة للبحر أمامها مستنشقة هواء الصباح العليل وذاك الهدوء المحيط بها يسكن قليلا من آثار ذاك الكابوس المقبض.
تطلعت حولها فأدركت أن ادم لا يزل نائما فقررت الاختلاء بنفسها قليلا.
والقيام بشيء ما يخفف ذاك الضغط على قلبها وعقلها.
***
استيقظ اليوم متأخرا على غير العادة فقد أضناه شوقه إليها تاركا إياه مسهدا الليل بطوله تقريبا حتى زار الكرى أجفانه أخيرا في ساعة متأخرة.
مط جسده يحاول استعادة وعيه كاملا، ونهض يفتح باب كوخه يعتقد أنه قد يجدها تجلس قبالة كوخها تنتظر استيقاظه.
لكنه على العكس لم يجدها كما توقع.
اعتقد أنها لاتزل نائمة.
ابتسم رغما عنه يمني نفسه أنها كانت على نفس حاله من السهد والأرق.
وقف أمام الكوخ ينادي باسمها لكنها لم تجب.
دفع بباب الكوخ قليلا وبدأ في النداء بصوت خفيض لكنه لم يتلق جوابا كذلك.
دفع برأسه لداخل الكوخ ليجده فارغا.
إذن أين ذهبت.
جال بناظريه في اتجاه البحر وبطول الشاطئ لكنه لم يبصر محياها في أي اتجاه.
شعر بالقلق فاندفع صارخا باسمها من جديد.
لكن لا اجابة تريحه وتخبره عن موضع اختفائها.
اندفع يعتلي الربوة التي تختلي فيها بنفسها وتجلس منفردة لبعض الوقت لكنه لم يجدها كذلك.
استغل ارتفاع المكان نسبيا يحاول أن يستدل على مكانها لكن الوضع لم يتغير.
اندفع هابطا التلة يبحث في كل مكان كالمجنون.
أين تراها قد ذهبت.
وأخيرا اندفع باتجاه الدغل خلف الأكواخ وقد أضاءت بفكره خاطرة ما.
وصل لموضع النبع وتسلل بحذر باحثا عنها وأخيرا أبصرها.
وقف خلف بعض الأحراش متطلعا إلى تلك الحورية التي تقف تحت شلال الماء المنهمر من علي.
لم يكن يريد خرق عزلتها وجرح خصوصيتها بالظهور أمامها على الرغم من أن الأمر كان يستهويه كثيرا.
إلا أنه تغلب على شياطينه بأعجوبة وقرر الرحيل تاركا إياها تنعم بذاك الاغتسال الملائكي والذي كانت تبدو فيه وكأنها تغتسل بغلالات من نور فضي ينحدر على جسدها الذي يحجبه لحد كبير رزاز الماء المنهمر بشدة.
ما أن هم بالخروج من موضعه عائدا في حذّر إلى كوخه حتى أبصر ها تخرج بالفعل من تحت الماء متجهة لموضع قريب تركت به ملابسها.
تسمر موضعه وقد اضحى واضحا ما تره عيناه ولا يمكن أن تخطئه.
ألهذا تنأى مبتعدة.
ألهذا السبب كانت ترفض الزواج به.
وهل هذا الذي يدفعها لتتسربل بملابسها من قمة رأسها حتى أخمص قدميها.
أجبر نفسه على إبعاد ناظريه عن محياها، وتسلل في بطء يحاول قدر الإمكان العودة سريعا ليجلس أمام كوخه حتى لا تدرك أو يساورها الشك حتى أنه كان هنا.
***
ظهرت من داخل الدغل قادمة من النبع في اتجاه تلك الجلبة، ليطالعها آدم عار الصدر يقوم بتقطيع بعض الأخشاب بتلك الأداة التي وجدها ملقاة على الشاطئ ذات ظهيرة عندما كانوا يمشطون الجزيرة بحثا عن أي شيء ذو فائدة قد يكون البحر قذف به.
شعرت بالحياء لمظهره فهتفت وعيونها تتجه إلى البحر:
صباح الخير. ماذا تفعل.
هتف رافعا رأسه متطلعا إليها وقد علت الابتسامة وجهه:
صباح الجمال يا بطتي.
تطلعت إليه في تعجب وقد تضرج وجهها بحمرة خجل، وحادت بناظريها عنه من جديد متسائلة في دهشة:
بطتك.
أكد هاتفا في مزاح:
أنا أدلل زوجتي بالطريقة التي تعجبني.
لم تجادله فقد كان الأمر برمته يصيبها بالاضطراب، فسألت من جديد تحاول تغيير الموضوع:
ماذا تفعل.
أجاب سؤالها وهو يرفع تلك الأداة ضاربا غصن شجرة مقسما إياه تحتها لنصفين:
أحضر بعض الأخشاب للاحتفال ليلا.
ابتسمت هاتفة:
جعلته احتفالا. إنه أنا وأنت فقط. لا داع لكل تلك الجلبة.
توقف عن عمله وهتف متعجبا يتطلع إليها في محاولة لثبر أغوار نفسها:
كنت اعتقد أن النساء هُن الأكثر رغبة في أجواء احتفالية تليق بمناسبة كالزواج، لا زاهدات فيها. وكنت أحاول فعل ما كنت اعتقد أنه قد يسعدك.
شعرت بأنها لم تقدر ما يفعل لأجلها وأدركت أن مزاجها عكر بما فيه الكفاية بسبب ذاك الحلم السخيف الذي أعاد إليها ذكريات مقيتة تحاول تناسيها بجانب إحياء قلقها على جدها والذي لم يخبو بداخلها، بل إنها فقط تحاول تناسبه لأن لا إمكانية لتعلم حاله وهى على تلك الجزيزة معزولة عن الحياة ولا أحد يعلم أيضا أنها لا تزل حية ترزق.
وقفت تفرك كفيها في تردد، وأخيرا همست في اضطراب:
هل لي بإخبارك ببعض الأمور قبل أن يتم زواجنا مساءً.
ترك ما كان بصدده وتطلع إليها للحظة ثم اقترب منها ليقف قبالتها رافعا وجهها بأطراف أصابعه لتقابل نظراتها المضطربة نظراته الحانية:
أعرف ما أنتِ بصدد اخباري به.
تحولت نظراتها لنظرات شك غير قادرة على تصديقه ليهمس مؤكدا على خطأ ظنها:
تريدين اخباري عن شهاب، أليس كذلك.
شهقت في عدم تصديق، وازدردت ريقها هامسة:
كيف عرفت بشأنه.
ابتسم هامسا:
لا يهم كيف عرفت. الأهم هو أني لا اريد سماع أي أمور تخصك من الماضي. نحن هنا يا حياة وحيدان. وأنا اعتبر اننا خلقنا منذ اللحظة التي وجدنا أنفسنا فيها أحياء على شاطئ تلك الجزيرة. ما قبل ذلك ما عاد يعنينا. لقد ولى بغير رجعة. دعينا نبدأ من جديد. آدم وحياة. فقط.
همست بحرف مرتجفة:
لكن أنا أريد أن.
وضع إصبعه على شفتيها مقاطعا استرسالها هامسا:
وأنا لا أريد إلاكِ. وكل ما عداكِ هراء.
اضطرب قلبها بين حناياها، ليهمس في عبثية متطلعا إلى عمق عينيها:
هيا اذهبي. فعلى العروس أن تعد نفسها من أجل ليلة العمر.
هتف بكلماته الأخيرة وهو يغمز بعينه، فأمسكت ضحكاتها رغما عنها وابتعدت للخلف خطوة فيبدو أن نوبة مجونه قد حانت، وهى لا تأمنه على الإطلاق.
ما دفعه لينفجر ضاحكا هاتفا بمرح:
أيتها السماء أمطري بعضا من الصبر على قلبي المسكين.
وتطلع إلى حياة هاتفا في شوق:
ساعات وتغرب تلك الشمس بالأفق هناك لتشرق شمسا جديدة داخل ذاك الكوخ. فاستعدي للاحتراق عشقا.
خبأت وجهها بين كفيها حياءً واندفعت هاربة لداخل الكوخ، لترتفع ضحكاته التي لاحقتها وهى تحتمي بجدرانه الخشبية من تلميحاته العابثة.
***
هتفت شادية في حنق:
هل ستجلس هكذا بلا حول ولا قوة. قم أفعل شيئا. فأموال السعيد تتسرب من بين أيدينا.
هتف شهاب في ضيق:
وماذا عليّ أن أفعل. ألا تتشدقين دوما برأسك العبقري وتفكيرك الخارق. أين هما الآن.
تطلعت إليه شادية في غيظ تود قتله إلا أنها صمتت للحظة وهتفت في حماسة:
أنتظر وسترى. لن أدع هذا العز. لابد وأن يكون لنا نصيبا فيه بأي طريقة.
هتف شهاب متعجبا:
كيف ذلك.
ابتسمت ابتسامة شيطانية صفراء وهمست:
سنقتل السعيد.
شهق شهاب في صدمة ولم يعقب بحرف.
***
اقتربت الشمس على المغيب ليخرج هو من كوخه متطلعا إلى الأفق، واستدار موليا ناظريه لباب كوخها فأخيرا حانت لحظة اجتماعهما التي تمناها كثيرا.
قطع تلك الخطوة التي تفصله عن أعتاب الكوخ هاتفا من الخارج:
حياة. هل أنتِ مستعدة.
ترددت في أن تجبه للحظة، وأخيرا هتفت بصوت متحشرج:
حسنا. نعم. أذهب إلى التلة وأنا قادمة خلفك.
ابتسم هاتفا:
سأفعل لكن لا تتأخرى رجاءً.
تحرك مبتعدا لتتنهد هى في اضطراب وقلة حيلة.
تعلم أنها قطعت له وعدا بالموافقة على زواجهما العجيب ذاك، لكنها تشعر بتلك اللحظة أنها غير مؤهلة لفعل كهذا. وأنها تسرعت في الموافقة.
فتحت باب الكوخ ووقفت تتطلع للمغيب بتوتر، وأخيرا قررت إنهاء الأمر والذهاب إلى حيث ينتظرها وإتمام ما وعدت به.
فلقد انتهى أمر الحياة خارج هذه الجزيرة وعليها إن عاجلا أو آجلا أن تقبل الحياة بقرب آدم وخاصة إن فرص نجاتهما بعد هذه المدة تكاد تكون معدومة.
كان يضع بعض الأخشاب في تلك الركوة التي اشعل بها النار، والتي حاول أن يحافظ على اشتعالها مع وجود نسمات الهواء القادمة من ناحية البحر لكى ينير المكان فقد أوشك الظلام على سدل ستائره.
انتبه عندما شعر بحفيف خفيف يقترب، ووقع ناظريه عليها تسير الهوينى لا تجرؤ على رفع نظراتها تجاهه.
كان يستشعر اضطرابها ويخيل إليه أنه يسمع خفقات قلبها التي أصبحت اشبه بالمطارق كلما زاد اقترابها من موضعه.
تنبه من شروده ووقف فى اللحظة التي وصلت فيها لموضعه.
كانت ركوة النيران بينهما وكل منهما على أحد جانبيها.
هتف آدم يحاول ترطيب الأجواء المضطربة:
كيف حالكِ. تبدين رااائعة.
لم يكن يجاملها بل كانت الحقيقة.
فعلى عكس ما توقع أنها قد تحضر بملابس لا تلائم المناسبة على الإطلاق، لكنه اضطرب وشعر بخفان عجيب بصدره عندما طالعه محياها بذاك الثوب الوردي من المخمل والشيفون والذي كان يعلم أنه من محتويات الشنطة العجيبة التي وجدها.
لكنه لم يتوقع أبدا أن يكون بهذا الجمال والروعة وهى ترتديه مع غطاء شعر من محتويات الحقيبة أيضا يتسق تماما مع الثوب.
تطلعت نحوه وهو لا يصدق أن تلك الحورية ستصبح ملكه بعد لحظات.
اقترب منها يرفع وجهها لتقابل ناظريه هامسا في مودة تضعف دفاعاتها:
حياة السعيد. أيتها الفتاة العنيدة الفاقدة الرغبة في الحياة. هل تقبلين الزواج بذاك الماجن الذي تاب على يديكِ وأصبح أخيرا رجلا لامرأة واحدة.
رفعت ناظريها وابتسمت حياءً هامسة:
رجلا لامرأة واحدة رغما عنه.
قهقه وهمس عابثا:
لم أحصل على جواب لسؤالي حتى اللحظة. هل تقبلين بي زوجا حياة.
همست باضطراب، وبأحرف متقطعة:
نعم. نعم أقبل، والسماء تشهد أيها الماجن.
صرخ في سعادة اجفلتها وهو يقفز عاليا مستشعرا أنه ملك في هذه اللحظة الدنيا وما فيها، لكن حاله تبدل اللحظة التالية ليقترب منها في هوادة وهو يمد كفيه في خفة ليحتضن خصرها النحيل مقربا إياها منه، متنهدا في شوق هامسا:
وأخيرا استطعت أن أضع يدا عليكِ، واقسم أن لا ارفعها أبدا.
تطلعت إلى عمق عينيه ترتجف في سعادة ممزوجة برهبة عجيبة، وهو يهمس مستطردا وقد ارتفعت كفيه لتحتضنا وجهها:
فأنا كالمحتل الذي يرفض الجلاء عن مستعمراته، مهما تظاهرت الشعوب وشجبت الحكومات.
لثم جبينها في عشق، ومنه لأرنبة أنفها في وله، وما أن هم بالحصول على مبتغاه ظافرا بالشهد المصفي على بوابات الثغر المقدس، حتى انتفضت حياة مبتعدة.
تطلع إليها في تعجب فقد كان مأخوذا تماما بتلك الجنة التي كان على أعتابها، لدرجة أنه لم ينتبه لسبب ذعرها وابتعادها عنه بهذا الشكل متطلعة للسماء وعيونها شاخصة، وأخيرا بدأت في الصراخ والقفز بشكل هستيري ليدرك تماما أن ما تمناه ذهب أدراج الرياح.