تحميل رواية «الوحش الثائر (احفاد الجارحي3» PDF
بقلم اية محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
توقفت السيارة بصوت صدح بفزع للجميع، فأسرع السائق بفتح باب السيارة. وضع قدماه على الأرض بتثاقل ثم هبط بجسده الممشوق، فخطى للداخل بخطاه المجسمة بالكبرياء. نعم، فهو له رفيق لم يتخل عنه قط. عيناه المذهبة محاوطة بحماية من طول الرموش الكثيفة لحمايتها. شعره البني الطويل يجعله فتاكًا لمن يراه. خاتمات توقيعاتهم أن من أمامهم من أكفأ رجال الشرطة، فربما أن علموا بأنه الابن الأكبر لياسين الجارحي، ألتمسوا العذر. أكمل خطاه لغرفة مكتبه، فأسرع الشرطي بفتح باب المكتب سريعًا ثم رفع يديه يقدم التحية الرسمية التي تل...
رواية الوحش الثائر (احفاد الجارحي3 الفصل الأول 1 - بقلم اية محمد
توقفت السيارة بصوت صدح بفزع للجميع، فأسرع السائق بفتح باب السيارة.
وضع قدماه على الأرض بتثاقل ثم هبط بجسده الممشوق، فخطى للداخل بخطاه المجسمة بالكبرياء.
نعم، فهو له رفيق لم يتخل عنه قط.
عيناه المذهبة محاوطة بحماية من طول الرموش الكثيفة لحمايتها.
شعره البني الطويل يجعله فتاكًا لمن يراه.
خاتمات توقيعاتهم أن من أمامهم من أكفأ رجال الشرطة، فربما أن علموا بأنه الابن الأكبر لياسين الجارحي، ألتمسوا العذر.
أكمل خطاه لغرفة مكتبه، فأسرع الشرطي بفتح باب المكتب سريعًا ثم رفع يديه يقدم التحية الرسمية التي تليق به.
خلع جاكيته ثم جذب المقعد وعيناه تتفحص ملامح وجه رفيقه المسند أمامه بشرود.
خرج صوته ومازالت عيناه العسلية تتفحص الأوراق من أمامه:
"مالك؟"
تلجلج مازن بوقفته قائلاً بارتباك:
"مالي مأنا..."
كاد أن يكمل خدعته المدبرة منذ الصباح، ولكن نظرته جعلته يجلس على المقعد بحزن واستسلم قائلاً بدمع فشل بكبته:
"وليد اتقتل يا عدي"
صُدم عدي، فرفع عينيه القاتمة حينما علم باستشهاد رفيقه من هؤلاء اللعناء.
نعم، يتذكر بسمته قبل رحيله حينما أخبرهم أنه سينهي مهمته ليعود لزفافه سريعًا، ولكن إرادة الله كانت أقوى من كل شيء.
هدوء عدي كان خوفًا لمازن، الذي تراقب تعبيرات وجهه برعب شديد.
ازداد الرعب حينما ترك المكتب وتوجه للعميد.
***
بمشفى من أفخم ما يكون، فهي أسست بإشراف يحيى الجارحي لابن رفيقه المقرب.
عمر ياسين الجارحي كان يتنقل بين المرضى ببسمة لا تليق إلا به، فهي متناقضة مع عدي بابتسامته المرسومة على وجهه باستمرار.
أنهى عمر عمله ثم صعد ليرتاح قليلاً ليتفاجأ بمشاكسه تدلف للداخل بسرعة كبيرة.
مليكة بسعادة:
"عمرررر"
كاد كوب القهوة أن يتساقط من بين يديه، فقال بغضب:
"مفيش فايدة فيكِ، مش قولتلك ميت مرة إننا في مستشفى"
تعالت ضحكاتها قائلة بعدم اكتراث:
"هو أنا عملت إيه بس؟!"
لوى فمه بازدراء على تلك المشاكسة قائلاً بسخرية:
"معملتيش، أنا اللي عملت. ارتحتي؟"
جلست على المقعد المقابل له قائلة بمرح:
"مش أوي"
طرق على سطح مكتبه بحزم:
"أنتِ جاية تهزري وأنا مش فاضيلك"
عبست ملامح وجهها قائلة بحزن:
"كدا يا عمر، وأنا اللي كنت بقول عليك طيب وهادي عن أبيه. عدي طلعت ألعن منه."
تخلى عن مقعده واقترب منها قائلاً بشرار يلهب الجنون:
"ألعن من مين يابت؟"
صرخت بشدة حينما جذبها من أذنيها ليكمل هو:
"مش كفاية إنك بتحترميه وبتقوليله أبيه رغم إن بينا 10 دقايق بس، وأقول ماشي مش مشكلة. أختك الصغيرة يا عمر، استحمليها."
تأوهت من الألم قائلة بصراخ:
"آه خلاص، أنا آسفة. لما أدخل المستشفى مش هتكلم خااالص، أوعدك. بس سيب ودني هموت."
تركها ثم توجه لمقعده مرة أخرى قائلاً بغرور مصطنع:
"أيوا كدا اتعدلي."
فركت أذنيها بضيق من انتزاع حجابها المنسق بعناية، فأعادت ترتيبه قائلة بهدوء وبراءة مخادعة:
"أنا كنت جاية هنا عشان عايزة منك حاجة"
أكمل ارتشاف قهوته قائلاً بتعجب:
"حاجة إيه دي؟"
اقتربت من المكتب قائلة بخجل مصطنع:
"كنت عايزة فلوس"
رفع عينيه الزيتونيتين المحاوطتين برموش كثيفة ورثها عن أبيه قائلاً بصدمة:
"وأنتِ معكش فلوس؟!"
لوت فمها بازدراء قائلة بسخرية:
"هيبقى معايا وأتحوج ليك؟"
عمر بسخرية أشد:
"لا وانتِ الأحق. بتخدعيني بطريقتك. والأغرب إن مليكة الجارحي معهاش فيزا أو فلوس؟"
تأففت بغضب:
"هعمل إيه يعني؟ مامي سحبت مني كل حاجة. قال إيه لازم أتعود على المصاريف القليلة عشان لو اتجوزت واحد على قد حاله أعرف أعيش كويس."
عمر بهدوء وجدية:
"إيه اللي يهمك بالشاب اللي هتتجوزيه يا مليكة؟"
أسندت بظهرها للخلف قائلة بشرود:
"مش مهم الفلوس ولا المستوى الاجتماعي خالص. أهم حاجة عندي أخلاقه وتدينه وكمان يكون مز ووسيم نفس جمال أبيه عدي كدا. آه، أمال إيه."
عمر بغضب:
"ولو مجاش شكله يعني هتعنسي؟"
وقفت قائلة بجدية لا تحتمل تقاش:
"أيوا أعنس معنسش ليه، دا حتى الحرية نص كمال الحياة."
عمر بصدمة:
"كمال إيه؟!"
أرتدت نظارتها بغرور:
"هفهمك."
قاطعها مسرعًا وهو يخرج المال:
"لا أبوس رجلك مش عايز أفهم. أنا عندي جراحة كمان ربع ساعة. خدي دول وشوفي نفسك. وإن كان عليا هباشرك بالدعاء يوقعك في واحد بنص عصبية عدي عشان تشرفي جانبنا طول العمر."
مليكة بحزن:
"في حد يقول لأخته كدا؟"
عمر بخبث:
"أه، أنتِ زعلتي. طب خلاص، أكيد مش هتاخدي الفلوس."
وكاد أن يسحب المال من على طاولة المكتب، ولكن ذراعيها كانت الأسرع إليه قائلة برجاء:
"بلاش ماما تعرف، الله يكرمك. أنت أخويا العسل وأنا عارفة إنك جدع."
حلت ملامح الجدية عن وجهه الوسيم ليخرج بصورة لا تحتمل النقاش:
"بره يا مليكة."
لم تتناقش معه ووضعت المال بحقيبتها ثم انصرفت على الفور.
ليكمل هو عمله المجاني لمن فقد بصرهم ولم يجدوا الدعم والمساندة.
ليكون مصيره محتومًا بين أحدهما.
***
بمكتب العميد، رفع صوته بالمكان قائلاً بجدال:
"قولت لا يعني لا. مستحيل أعرض حياتك للخطر."
عدي بهدوء يصاحبه أينما كان:
"يا فندم، حضرتك عارف إني أقدر أخلص المهمة دي وإنها بسيطة جدًا، مش محتاجة الخوف دا كله."
العميد بنبرة غاضبة:
"قولتلك من شوية دا مش مجالك ولا شغلك يا عدي. أنا عارف إيه هو سبب تصميمك للسفر، بس مش هقبل أقدمك للموت بأيدي."
عدي بثبات:
"يا فندم، المهمة دي سهلة، مش محتاجة الخوف دا."
أجابه بحزم:
"كانت سهلة قبل ما وليد الله يرحمه يتكشف، لكن دلوقتي بقت خطر."
كاد أن يتحدث، ولكن العميد أنهى حديثه قائلاً بنفاذ صبر:
"على مكتبك يا سيادة الرائد، الموضوع منهي."
وقف عدي ولهيب الانتقام ممن فعل برفيقه يشتعل بعينيه، فأقترب منه قائلاً بصوته الفاقد للثبات المعتاد:
"حق وليد مش هيروح، حتى لو هيكون فيها استقالتي عن إذن حضرتك."
وغادر الثعلب الماكر ليواجه مصيرًا سيجعله للصدفة أسيرًا.
زفر العميد بقوة، فهو يتهاون معه كثيرًا ليس لأنه ابن ياسين الجارحي، ولكن لأنه من أكفأ الضباط بالقسم.
نعم، يعلم أن من المحال التغلب عليه، ولكنه سيكون محاطًا بالأخطار لكشف المهمة سابقًا.
خرج عدي لسيارته بعدما أشار للشرطي بالهبوط.
قادها بسرعة فائقة لينال من هؤلاء الأوغاد.
***
بقصر الجارحي، هبط على الدرج بطلته الجذابة، شعره الأسود متناثر على عينيه الرومادية بحرافية معتادة، فخطى للأسف بتأفف حينما استمع للجدال اليومي بين أبناء العم.
"مشاكلكم دي مش بتنتهي."
قالها رائد بعدما هبط ليكون على مقربة منهم.
هبط معتز هو الآخر قائلاً بغضب شديد:
"وحياة عيالك يا شيخ، تخلصنا من الحيوانات دي بجد صداع رهيب كل يوم على الصبح."
وقف حازم يتطلع لهم بنظرات مكبوتة بالغضب ليخرج صوته الساخر:
"لا والله، كتر خيرك."
جاسم بهدوء مريب وهو يتقدم من معتز:
"مين الحيوانات دي يالا؟!"
كبت ضحكاته قائلاً بجدية مصطنعة:
"إيه دا جاسم؟"
جاسم بسخرية:
"مفاجأة صح؟"
معتز:
"والله مفاجأة عسل، بس أنا لما شتمت كنت أقصد الحيوان اللي وراك."
دفع حازم يده قائلاً بغرور:
"حبيبي والله."
استدار جاسم له قائلاً بغضب:
"اخرس يا زفت."
حازم:
"حاضر."
رفع رائد يديه على رأسه، فلم يعد يحتمل هذا الصداع اليومي بمشاكسة جاسم ومعتز اليومية، فتوجه للمائدة يتناول فطوره بعدم مبالاة.
بعد قليل، هبط ياسين لأسفل بتأفف، فأنسحب للطاولة التي يعتليها رائد.
ياسين ببسمة لا تليق سوى به:
"صباح الخير."
بادله نفس البسمة:
"صباح النور يا ياسين."
ثم رفع يديه يتطلع للوقت بذهول:
"دقيق في مواعيدك."
ألتقط الفطائر يتناولها وعيناه الزرقاء تتأمل ما يحدث بين معتز وجاسم وحازم بتسلية.
على بعد مسافات قليلة منهم، انفجر معتز ضاحكًا حينما نجح بقلب السحر على الساحر، فلطم جاسم حازم بقوة وصارت المعركة بينهم كصباح كل يوم.
توجه معتز للجلوس على الطاولة، فأتاه صوت ياسين الهادئ:
"مش بتستريح غير لما تقيد بينهم الحرب؟"
أرتشف معتز قهوته بتلذذ قائلاً بفرحة:
"بصراحة بستريح جدًا جدًا، لإن الحيوان حازم دا ميستهلش غير ضرب جاسم المبرح. وبعدين هو الوحيد فينا اللي بيهتم بعضلاته والجيم، ولازم يتدرب كويس، فأنا بخدمه بقدمله كبش بشري يتدرب بيه."
استند رائد بيده على الطاولة قائلاً بصوتٍ خافت لياسين:
"كلمت فاروق يا ياسين؟"
أعاد شعره المتناثر على عينيه قائلاً بثبات:
"ومش هكلمه. الصفقة دي تمت بينك وبينه، بلاش تدخلني بالنص، عشان تصرفي مش هيعجبك."
كبت رائد بسمته الهادئة، فهو يعلم أن ياسين لا يحب هذا الأحمق.
أنهى جاسم ما يفعله، ثم وقف أمام المرآة المطولة بطول الحائط يرتب ملابسه بعناية، حتى شعره المصفف بحرافية أبى أن يتركه دون التأكد من تصفيفه.
رفع عينيه بنظرة رضا لمظهره الوسيم وتقدم لينضم لهم على المائدة.
هبطت الفتيات من الأعلى لينضموا لهم.
مروج ببسمة مرحة:
"صباح الخير أيها القوم."
بادلها الجميع التحية، إلا أخاها، لوى فمه قائلاً بغضب:
"صباح الزفت على دماغكم."
مروج بصدمة:
"ليه كدا يا ميزو؟"
وقف والغضب يشتعل بعينيه قائلاً بصوت جهوري:
"اسمي معتز، ومن الأفضل متقوليش اسمي خالص."
مروج بغضب:
"على فكرة أنا بدلع أخويا الصغير."
معتز بحزم:
"سنة وأربع شهور اللي بينا. وبعدين مش شايفه نفسك ولا الفرق بينك وبيني؟"
وقفت أسيل تتابع ما يحدث، على عكس داليا التي جلست لجوار أخيها رائد تتناول طعامها لتذهب للجامعة.
لم تر نظرات العاشق المتيم لها.
ياسين بجدية:
"مروج، معتز، ممكن تبطلوا هبل على الصبح. خلصنا من جاسم وحازم، طلعتوا أنتوا؟"
حازم بألم:
"آه ياني، أنتوا بتتشطروا عليا عشان أخويا الكبير. مش هنار"
رائد بنفاذ صبر:
"أنا هسبقكم على المقر."
ياسين هو الآخر وهو يلملم متعلقاته:
"استنى يا رائد، جاي معاك."
غادر رائد وياسين للمقر، فجلست مروج لجوار داليا بهدوء، فأنضمت لهم أسيل قائلة بمرح:
"هههه، لأزم الأسطوانة بتاعت كل يوم دي، والله حرام كدا."
مروج بغضب:
"هو اللي بيعملها مش أنا."
جاسم بهدوء:
"خلاص بقى، الله."
ثم أكمل باستغراب:
"فين مليكة؟"
رفعت داليا عينيها القرمزيتين له قائلة بخفوت وخجل من نظراته:
"مليكة عند عمر وزمانها راجعة."
معتز بسخرية:
"هو لازم تقليب الفلوس يكون بالمستشفى؟ ما تقلبه هنا."
تعالت ضحكات الجميع، فأتى صوتها المززلزل من خلفه قائلة بغضب:
"ودي هتفرق يعني؟ خلاص وفر عليا المشوار وهات الفلوس أنت."
جاسم ببسمة هادئة:
"معتز معاه حق يا مليكة. بابا وعمي والكل مسافرين، يعني لو أخدتي منه هنا والدتك مش هتعرف لأنها مسافرة مش موجودة."
جلست بجانب مروج بتفكير، ثم قالت بصدمة:
"تصدق صح."
معتز بمشاكسة:
"صح إنك غبية!!!"
زمجرت قائلة بغضب:
"ماشي يا معتز، هعديهالك المرادي."
ثم وجهت حديثها لجاسم:
"جاسم، الامتحانات بعد يومين."
أرتشف جاسم قهوته قائلاً بمكر:
"والمطلوب؟"
أسرعت مليكة بالجلوس لجواره قائلة ببسمة كبيرة:
"زي كل سنة تذكر لنا أنا والبت داليا الغلبانة دي."
أكمل ارتشاف قهوته ببرود:
"ولو رفضت."
مليكة برجاء:
"لا كدا هنشيل المادة. يخليك عيالك دي أمي، جايز تعلقني. يرضيك كدا تذلني بأخواتي؟ واحد ضابط شرطة والتاني دكتور، وأنا مستقبلي هيتدمر."
معتز بابتسامة واسعة:
"مستقبل العيلة هيتدمر، والله صعبت عليا."
رُسمت البسمة على وجه جاسم قائلاً بهيام بمعشوقته الخجولة:
"أما أرجع من المقر هشرحلكم."
تعالت ضحكات مليكة الطفولية قائلة بسعادة:
"روح يا شيخ، الله يكرمك بمزة كدا تهز قلبك الجبل دا."
جاسم بمكر ونظراته تتوج معشوقته:
"موجودة، بس أهز أنا قلبه."
معتز بخبث لعلمه بما يحدث:
"يا ضنايا يابني، حالتك صعبة."
مروج:
"هههههه جدًا والله. بين تصدق إنك صعبت عليا وهساعدك."
أسيل:
"وأنا كمان يا جاسم يا حبيبي، هعمل كل اللي أقدر عليه. دا أنت أخويا الغالي."
رمقهم جاسم بنظرة مميتة، ثم جذب مفاتيح سيارته جذبًا.
معتز من باب قميصه:
"أنا لسه مخلصتش أكل."
جاسم:
"تخلص أكل ولا أخلص عليك."
هنا انصاع له معتز ورحل معه بهدوء.
وتبقت داليا المرتبكة من نظرات الفتيات، لتبدأ المشاكسة اليومية.
مليكة بهيام:
"سمعتي الكلمتين دول يا بت يا أسيل؟"
أسيل ببسمة رقيقة:
"اللي سمعت، دانا كلتا الأذنين كانت مع أخويا حبيبي، مز الواد، اللهم."
مروج:
"هههههه، مين يشهد للعروسة يا أختي."
داليا بخجل شديد:
"يلا يا مليكة، أتأخرنا."
مليكة بخبث:
"على جاسم؟"
تلون وجهها بشدة فقالت بغضب:
"أنا هروح لوحدي."
وجذبت داليا حقيبتها وغادرت، فلحقت مليكة بها سريعًا والضحك يتمدد على ثنايا وجهها.
مروج بملل بعد رحيل الفتيات:
"طب وأحنا هنعمل إيه النهارده؟"
أسيل:
"مش عارفة والله يا مروج. أنا عايزة أكلم بابا ننزل معهم الشركة نعمل أي حاجة، لأن بجد من ساعة ما خلصنا الجامعة والحياة بقت مملة أوي."
مروج بغضب:
"شركة إيه؟ لا أنا عايزة أكون حرة كدا أسافر أي بلد أو أي مكان."
حازم بألم:
"حد يجبلي تلج، ينوبكم ثواب."
مروج:
"عههههههه، حاضر."
وبالفعل أحضرت له قطعًا من الثلج، فوضعها على الكدمات بوجهه.
أسيل بجدية:
"قولتلك ميت مرة ما تشدش مع جاسم، مش قده."
حازم بصراخ:
"آه، براحة يا بت."
مروج بغضب:
"ما أنا بعمل براحة أهو، أنت اللي متفشفش."
حازم بغضب:
"حسبي الله ونعم الوكيل في أخوكى وأخوه."
مروج بتأكيد:
"ادعي معتز يستهل."
أسيل بمرح:
"جاسم عسل والله، بس دام ضربك يستهل."
قطع حديثهم رنين هاتف أسيل المعلن عن رفيقها المقرب أو العاشق المجروح ببسمة مخادعة يخدعها بها، فتبوح له عما بداخلها من عشق جارف لرجل آخر غيره.
أسيل بسعادة لرؤية اسمه يزين الهاتف:
"أحمد."
حازم بفرحة:
"قوليله يرجع عشان أخوه بيتبهدل من غير."
ركضت أسيل لغرفتها والهاتف بيدها، غير عابئة بما يتفوه به هذا الأحمق، فتركته لمروج تداوي كدماته.
دَلفت لغرفتها وبيدها الهاتف قائلة بسعادة:
"أحمد."
استدار بمقعده مستندًا برأسه عليه، يهيم بالسماء لسماع طرب اسمه يتراقص بين نغمات صوته.
دَلفت السكرتيرة للداخل، فأشار لها بالخروج على الفور ليكمل حديثه بالهاتف قائلاً بثبات يخيم على صوته:
"عامله إيه؟"
أسيل بفرحة لسماع صوته:
"أنا الحمد لله كويسة، بس محتاجة لصديق طفولتي يكون جنبي. أرجع بقى."
أحمد ببسمة ألم:
"أنا جنبك على طول يا أسيل."
ثم أكمل بمزح:
"وبعدين أنا معاكي طول اليوم على الفون ومستحمل وبآخد أدوية للصداع، لو رجعت احتمال آخد جرعة زيادة."
أسيل بغضب طفولي:
"كدا يا أحمد، ماشي، مش هكلمك خالص."
أحمد ببسمة زادت جمال وجهه الأبيض إشراقًا:
"ليه بس، دا أنتِ الحب كله يا أسو."
أسيل بحزن مصطنع:
"لا، مش هكلمك تاني."
تخلى عن مقعده، فظهر جسده الرياضي، فمن يراه يظن أنه بطل للملاكمة بفعل تمارينه القاسية.
تقدم من الشرفة، فأزاح الستار ليتأمل الأشجار الممتدة حول شركته المتميزة، فهو المسؤول عن شركات الجارحي بإيطاليا بعدما ترك مصر منذ عامين أو هروبًا من الواقع الذي صارحته به الحب الوحيد بحياته.
خرج صوته أخيرًا بجدية:
"صارحتيه بحبك؟"
حل الحزن على قسمات وجهها، فجلست على الفراش بحزن:
"هو عارف يا أحمد إني بحبه، بس دايما بيتجاهلني."
أغمض عينيه السمراء بقوة ليتحمل الخنجر الموضوع بقلبه، وتزيد تلك الحمقاء الضغط عليه، فيحتمل هذا العاشق الجراح بصمت:
"عدي طبعه غريب عن الكل يا أسيل. أكيد حاسس بيكِ ومنتظر الوقت المناسب عشان يفاتح عمي بالموضوع."
رسمت سعادة على وجهها قائلة بفرح:
"بجد يا أحمد؟"
أحمد بهدوء:
"إن شاء الله. أنا هقفل عشان عندي meeting وهبقى أكلمك بعدين."
أسيل بحزن:
"لا، خليك معايا شوية، لسه في حاجات كتير حابة أقولها لك."
أحمد:
"هكلمك بليل إن شاء الله."
أسيل:
"وعد."
أحمد ببسمة هادئة:
"وعد."
وأغلق معها الهاتف والألم يتزيد على قلبه شيئًا فشيئًا.
***
جلس على مقعده بالطائرة المتوجهة لنيويورك، بعدما تألق بسروال أسود اللون على تيشيرت أبيض وجاكيت من اللون البني، فكان ساحرًا للغاية.
عاوته ملامحه المائلة لملامح الغرب على تقمص شخصية أمريكية حتى ينال ما يفكر به.
أسند رأسه على مقعد الطائرة بتفكير وعين هائمة بالتوق للانتقام من هؤلاء اللعناء، فلونت بلون قاتم للحياة.
بدأ يتلاشى حينما استمع لصوت شهقات بكاء مكبوتة تأتي من المقعد المجاور له.
استدار بوجهه ليجد فتاة في العقد الثاني من عمرها.
ترتدي ملابس سوداء اللون، لم يتمكن من رؤية وجهها جيدًا، أو هي أرادت ذلك بعدما وضعت على حجابها إسْكَارْف أسود اللون بإهمال حتى يخفي ملامح وجهها.
لم يبالي بها وجلس بثقته المعتادة يفكر بخطة للقضاء على مافيا متنقلة بين مصر ونيويورك، مقرها الأساسي لا يعلم إلى أي دين ينتمون، كل ما يعلمه أنهم جنى وهو من سيضع لهم خط الهلاك.
على جواره كانت تجلس بحزن ونحيب على مصيرها المجهول بعدما أعلنت رغبتها بانتهاء السيطرة الكامنة عليها، فهربت تاركة كل شيء خلفها بأمر من والدتها.
نعم، تعلم أنها تتحدى الموت بذاته، فهي تعلم بقوة خطيبها المزعوم وتعلم ما بأمكانه فعله، ولكنه ستلوز بالفرار حتى تهرب من رغبته المريضة بالحصول عليها.
كم تمنت أن تحظى بأخ يحميها بعد والدها من براثين ابن عمها، ولكنها وحيدة، لم تمتلك سوى والدتها العاجزة عن حمايتها بعد وفاة زوجها، فتركهم لعم يوافق ابنه المريض بنزواته حتى ولو كانت ابنة أخيه ستكون من ضمن ضحاياه.
بكت كثيرًا عندما تذكرت والدتها وهي تحتضنها أمام المطار وتخبرها بالهرب كلما استطاعت.
انقبض قلبها لمجرد التفكير بتمكنه من الوصول إليها، لا تعلم بأن هناك مشيئة للقاء مع وحش خلق للدمار، فمن هم للتجرؤ على الوقوف أمام وحش ثائر.
مرت الدقائق وبكائها يزداد، فأخرجت من حقيبتها مصحفًا صغيرًا تحتمي به، ترتل بخشوع ودموع تهبط بصمت.
أما هو، فكان يرتدي نظارته السوداء التي تخفي جمال عينيه الفتاكة لمن يراها، عين ممزوجة بلون البني والعسل بحرافية ربانية، يفكر بالثائر ممن فتك برفيقه.
ولكنه فقد تركيزه حينما بدأ قلبه يغزو بقوة، كأن آلة حادة تطعن به، لا يعلم ما به؟ أو لما يشعر هكذا؟
لا يعلم أن عشقه المجهول لجوارها فقرب الوقت لينال علقم العشق، حينها يلتمس لابن عمه العذر.
***
بالمشفى، خرج عمر من غرفة العمليات بعدما أنجز الجراحة بدقة عالية.
إسلام:
"برافو عليك يا عمر، الحالة كانت هتروح مننا."
عمر بهدوء:
"الحمد لله يا إسلام، ربنا كتب له عمر جديد."
إسلام بتأييد:
"ونعم بالله. أنت هتروح؟"
أرتدى عمر جاكيته الطبي قائلاً بنفي:
"لا، هطلع أشوف الحالة اللي جيت إمبارح عشان أحدد لها المعاد المناسب للجراحة."
إسلام:
"يا بني روح ارتاح شوية، هي الدنيا هتطير؟"
عمر بصدمة من حديث رفيقه:
"أروح أنام وأسيب المرضى كدا؟"
إسلام:
"يا بني هو حد هيحاسبك، دي مستشفى خاصة وبتاعت جنابك وكمان إيه بالمجان."
هبط عمر الدرج بعدما تسلق أول درجاته قائلاً بغضب جامح:
"عشان المستشفى بتاعتي وبالمجان أسيب الناس تموت يعني؟"
تحدث سريعًا:
"لا مقصدش بس..."
أسقطه عمر بحزم:
"انت شغال هنا وبتآخد مرتبك، شوف شغلك أحسن لك يا إسلام."
وتركه عمر والغضب يتغلل بعينيه، فصعد لمكتبه أولًا يهدئ ما نزعه رفيقه.
جلس على المقعد بأهمال.
استمع لصوت هاتفه، فرفعه ببسمة واسعة.
عمر:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته. وحشتيني أوي يا ماما."
على الجانب الآخر كانت تجلس على الأريكة بحماس لسماع صوت ابنها، فقالت بفرحة:
"وأنت كمان وحشتني يا روح قلب ماما. أهم حاجة طمني عنك."
عمر بمرح:
"أنا الحمد لله والله. مش ناوين ترجعوا بقى؟ ولا الحب خدك من عيالك؟"
ألتقط الهاتف منها بعدما احتضنها بعشق.
ياسين بثبات وعين لامعة بعشقها:
"وانت مالك يالا."
عمر بصدمة:
"بابا!!!"
ياسين بسخرية:
"اتفا جئت ولا كنت متوقع إني هسيبك تخلس عليها؟"
أجابه عمر مسرعًا:
"لا أبداً والله، أنا أقدر برضه."
ياسين:
"طب يلا على شغلك يا دكتور."
آية بصراخ:
"لا يا ياسين متقفلش، عايزة أطمن على الولد."
أغلق ياسين الهاتف قائلاً بغضب:
"اتطمنتي وكلمك؟ عايزة إيه تاني؟"
كبتت ضحكاتها قائلة بجدية:
"كنت هسأله عن عدي."
وضع ياسين الهاتف على الطاولة ثم استدار لها بسخرية:
"على أساس إن حد بيعرف ابنك فين؟"
تعالت ضحكاتها، فرفعت ذراعيها حول كتفيه قائلة بثقة:
"أيوا، في ياسين الجارحي بنفسه عارف كل حاجة."
ابتسم بسمته الهادئة قائلاً بغموض:
"أغريني وأنا أقولك."
انفجرت ضاحكة حتى تورّدت وجهها، فلم تستطيع السيطرة عليها وجلست على الأريكة:
"مفيش فايدة فيك، هتفضل زي ما أنت."
تعالى الصوت بالغرفة قائلاً بضحكة عالية:
"نسيت تقفل التليفون يا والدي؟ ههههههه."
رفع ياسين الهاتف قائلاً بغضب:
"ماشي يا زفت، بس أما أرجعلك بس."
عمر بمرح:
"طب وأنا ذنبي إيه بسسس يا حاااج؟ الله يخربيت التليفونات على بيت اللي اخترعها."
ياسين بحزم:
"اقفل يا حيوان."
عمر:
"ههههه، حاضر."
وأغلق عمر الهاتف، ثم خرج ليباشر عمله.
بينما خجلت آية كثيرًا مما حدث.
ياسين بغضب:
"عجبك كدا؟"
آية:
"هو أنا اللي سبت الفون مفتوح. المهم عدي فين؟"
جلس لجوارها على الأريكة قائلاً بتأفف:
"ابنك مش ناوي يجيبها لبر. مش عارف طالع لمين، أنا مكنتش كدا."
آية بشك:
"نعم؟ أنت كنت أسوأ من كدا."
نظرة منه جعلتها تتراجع سريعًا:
"لكن دلوقتي بقيت لطيف."
لم تتبادل نظراته، فأسترسلت حديثها:
"جدًااا."
ابتسم الغامض واحتضنها بعشق جارف لم يتبدل بعد.
***
بالمقر الرئيسي، كان رائد يتابع عمله إلى أن دلف جاسم ومعاه العقد الخاص للتوقيع، فقدمه له قائلاً:
"رائد، الملف أهو، بس فاضل توقيع ياسين وعمي."
أشار له رائد وحمله منه يتفحصه بتعجب:
"بس دا ملف صفقة الحديد."
جاسم بزهول:
"وريني كدا... لا أنا جبت الملف غلط، هرجع أجيبه قبل الاجتماع."
رائد:
"خليك في اجتماعك، هروح أنا أجيبه."
جاسم:
"أوكو."
خرج لقاعات الاجتماعات وتوجه رائد لبئر الأوجاع من جديد.
***
بالمشفى، أنهى عمر عمله، فرفع الهاتف قائلاً بتأفف:
"كل دا عشان ترد؟"
ياسين:
"يابني أنا كنت باجتماع ولسه مخلص حالًا."
عمر:
"طب خلص شغلك وعدي عليا أنت ورائد والشباب نخرج نتعشى بره."
ياسين:
"اوك. شوف حازم، خليه يجيب مروج وأسيل ومليكة وداليا، نجبلهم الأكل وراهم امتحانات."
عمر بسخرية:
"دول اللي هيقعدوا بالبيت؟"
ياسين:
"ههههه، والله هنشوف."
عمر:
"تمام، سلام."
ياسين:
"سلام."
وأغلق عمر الهاتف، فصدم حينما اقترب من الصوت المرتفع بالاستقبال ليرى ما يخفى بعيدًا عنه.
المرأة ببكاء:
"طب يا بني أديني بس دقيقتين، والله ما هاخد من وقته أكتر ولا أقل."
العامل بصياح:
"أنتِ مبتفهميش يا ست أنتِ؟ قولتلك عمر بيه مش فاضي، خلصنا."
بكت المرأة كثيرًا ولم تعلم إلى أين ستذهب بابنتها، فتوجهت للخروج، ولكنها توقفت حينما وجدت من يجذبها برفق للداخل.
جذب عمر المقعد وأجلسها عليه، ثم انحنى ليجثو على ركبته مقبلًا يدها وماسحًا دمعاتها تحت نظرات استغراب من المرأة ونظرات صدمة العامل.
عمر بحنان:
"تحت أمرك يا أمي."
بكت المسنة أكثر ولم تعلم من أين تبدأ الحديث، فألتمس لها العذر وعاونها على الوقوف حتى يتوجه لمكتبه، ولكنه استدار بوجهه للعامل قائلاً بنظرات الهلاك:
"لو عايز تبقى على عمرك، انزل ما لقش هنا، والا يبقى أنت اللي حددت مصيرك."
أرتعب الرجل وهرول للخارج سريعًا، بينما أكمل هو طريقه للأعلى مع المرأة باستخدام المصعد.
***
دلف جاسم لغرفة الاجتماعات فوجد معتز وياسين بالداخل.
جلس على المقعد، فسأله ياسين باستغراب:
"فين الملف يابني أدم؟"
جاسم بتعب:
"جبت ملف غلط ورائد راح يجيبه."
وقف ياسين بصدمة:
"إيه؟ انت بعت رائد الخزنة؟"
جاسم بعدم فهم:
"أيوا، لييه م..."
كاد أن يكمل حديثه، ولكنه صدم هو الآخر كحال معتز وياسين، فخبط رأسه بخفة:
"لاااا."
ومن ثم هرول سريعًا راكضًا للحاق به.
لم يبالي بنظرات العمال له، ولكن أسرع لينقذ رفيقه من دوامة الذكريات التي ظلت لأربع أعوام.
ولكن هيهات للقدر آراء أخرى.
بغرفة كبيرة للغاية تحوي ملفات هامة لصفقات شركات الجارحي، وقف رائد يتفحص الملفات بملل، ليعثر على الملف الصحيح، ولكنه تخبط بملف خاطئ فسقط أرضًا وسقطت معه دقات قلبه.
بعثرت بكل مكان بالغرفة ذكرياتها، فانحنى ليجذب صورة منهم، ثم استقام بوقفة ليحول الحنين بعينيه محو تمامًا حينما تذكر ما حدث من أربعة سنوات.
دلف جاسم وهو يلهث بشدة، ولكنه صدم بأن ما حاول إخفاءه أصبح بين يديه.
اقترب منه رائد والغضب يشكل عليه علامات:
"إيه دا؟"
تلجلج جاسم ولم يجد إجابة لسؤاله، فأكمل رائد بصوت كالرعد:
"أنا مش قولت الحاجات دي تتحرق؟ أي حاجة خاصة بيها؟"
جاسم بهدوء:
"يا رائد، رانيا مظ..."
كاد أن يكمل حديثه، ولكنه كف عن الحديث حينما اتاه صوته الجهوري:
"مش عايز أسمع حاجة خلاص، الموضوع انتهى. دي خاينة استغفلتني وأنا عقبتها العقاب المناسب. مش هتعرف تتجوز الحيوان دا طول ما هي على ذمتي، حتى الطلاق مش هتعرف تطالب بيه، لأنها عارفة كويس مين عيلة الجارحي."
دلف ياسين بعدما أتابع جاسم بخطى ثابت قائلاً بعتاب:
"انت حكمت عليها بناءً عن إيه يا رائد؟"
رائد بصراخ:
"قولتلك مش عايز أتكلم في الموضوع دا كتير. أنا طلبت منها كذا مرة تخرج الحيوان دا من حياتنا، بس هي اللي كانت بتتمسك بيه وتقول لي أخويا. بناءً عن إيه؟ هي رانيا أحمد السيوفي، وهو حمدي المهدي؟ مفيش قرابة بينهم."
جاسم:
"طب ممكن تهدي."
رائد بسخرية:
"ومين قالك إني مش هادي؟ أنت اللي تهدي وتسمعني. الحوار دا ميتفتحش تاني."
"لأنك لسه بتحبها مش كدا؟"
قالها ياسين بتحدٍ، فشعل الغضب بعينيه. فألقى بصورتها أرضًا وغادر بغضب يحاول التحكم بأعصابه ودقات قلبه المترنمة، فماذا لو علم بأنها تقاسي من دونه؟ ماذا لو علم بطفلته المجهولة التي لا يعلم بوجودها؟ ماذا لو جمعهم القدر مرة أخرى؟
***
وصلت الطائرة وتوجه الثعلب الماكر لشقة استأجرها باسمه المزيف ماكس، ليتمكن من الفتك بهم.
فما أن خطت قدماه تلك البلاد، فشرع بتنفيذ مخططه، حتى أنه فتك بالذراع الأيمن لهذا اللعين.
أبدل ثيابه المغرقة بالدماء لسروال بني اللون وتيشيرت ضيق للغاية يبرز عضلات جسده المتين، ثم حمل سلاحه وأغلق باب شقته المستأجرة، وهم بهبوط الدرج، ولكنه وقف لثوانٍ حينما وجدها تدلف للشقة المجاورة له، فأبتسم بخفوت على تلك الصدفة الحمقاء كما نعتها، لا يعلم بأنها ستكون ملحقه الدائم للجمع بين بريئة منكسرة ووحش هائم للثائر.
كان يتقدم بين الحشود بخطواته التي تشبه إنذارات لموت أحدهما، فهو مريب بطلته، من يراه يرتعب منه.
كان عدي يتوجه لسيارته بعدما قضى على عدد من مخبآتهم، استدار عندما شعر بأحد ما يتابعه، ولكن من هو هذا الأحمق الذي كتب رسائله الأخيرة بوداع وترك لـ Fox التوقيع؟
ابتسم بخبث لمصير هذا الأحمق.
التفت لتجد المكان فارغًا ولا أثر لوجوده، فخرجت من مخبأها تبحث عنه لتصرخ بفزع عندما تجده أمامها بنظراته المفترسة التي تشبه نظرات الثعلب الماكر.
تلك الحمقاء تخفي أشياء عظيمة، ولكن من هي أمام عدي الجارحي؟
(الحوار مترجم)
عدي بغضب عندما تذكر رؤيتها بمصر من قبل:
"ألم يحن وقت استسلامك؟"
نيروز بابتسامة مرحة:
"لا، لم يحن بعد، بطلي الخارق."
شدد عدي من قبضة السكين على رقبتها قائلاً بجدية لا تحتمل أي نقاش:
"اسمعيني جيدًا يا فتاة، الموت مصاحب لي، فلا تتابعيني حتى لا يكون مصيرك."
ابتسمت له وقالت:
"سيكون من أسعد ما يكون الموت بين يدك عزيزي."
تركها عدي وزفر بغضب شديد، ثم أعاد السكين لملابسه المحملة بأسلحة كثيرة قائلاً بصوت منخفض:
"يا ربي، أعمل إيه في البلاوة دي."
صدمت نيروز وتقدمت منه قائلة بتعجب:
"إيه دا؟ أنت بتتكلم عربي؟!"
نظر لها بنظرات غامضة ثم قال:
"مفاجأة، مش كدا؟"
نيروز بضحكة كالبلهاء:
"جدًااااا. هو أنت إزاي بتتكلم عربي؟!"
تقدم منها عدي والغضب يسكن عينيه:
"أي كان لغتك أو من إيه بلد أنت، افهمي كلامي كويس. لو شوفتك ورايا تاني حتى ولو بالصدفة، صدقيني دا اللي هيتكلم مش أنا."
وأخرج السلاح ثم صوبه عليها وأعاده مجددًا، ثم توجه لسيارته بعدما ارتدى نظارته التي تزيده وسامة وجاذبية وتجعله بالفعل يستحق لقب الثعلب، فهو خادع بمظهره الخادع ووسامته التي تجعله يتمكن مما يريد.
صعد لسيارته وغادر بسرعة رهيبة.
أما هي، فأبتسمت قائلة بخبث:
"كنت متأكدة إنك مش هتسكت على موت صاحبك وهتيجي بنفسك، ودا المطلوب. أهلا بيك يا سيادة الرائد."
وأخرجت سلاحها وهي تنظر له بغموض وفرحة لتحصل على قصاص قتل والدها بعدما قتل على يد ضابط أدى مهامه على أكمل وجه، لا تعلم بأنه ماكر وهو من قام باستغلالها للوصول لعمها، الرأس المدبرة للمافيا.
***
بالمشفى، عمر بصدمة:
"معقول في كدا؟"
المرأة ببكاء:
"وأكتر يا بني. ناس معندهمش ضمير، خبطها بعربيته وجرى، وبنتي بقيت عامية من يومها. سابت دراستها وكل شيء، وأنا مريضة بالقلب، لو عشت لها النهاردة مش هعيش لها بكرة."
قاطعها عمر بحزن:
"بعد الشر عليكِ يا أمي."
المرأة ببسمة مزيفة من وراء دموع أوجاعها:
"أنا كل اللي طالباه منك تساعد بنتي ترجع لنظرها. أنا عارفة إن الأمل بيد الله، بس أنا معيش تمن العملية بتاعتها، وسمعت عنك وعن المستشفى."
عمر ببسمة هادئة:
"ربك كريم، هنعمل اللي علينا والباقي على ربنا. بس الأول نشوف حالاتك عند دكتور قلب كويس."
المرأة:
"لا يا بني، أنا كويسة. أهم حاجة بنتي."
عمر بتصميم:
"بتقوليلي ابنك، يبقى سيبيني أقوم بواجب الابن."
ابتسمت المرأة وزادت دموع الفرحة قائلة ببسمة محفورة بالوجع:
"أوعدك هجي معاك، بس لما نور بنتي تخف وترجع تشوف."
زفر عمر بارتياح:
"خلاص موافق. الصبح إن شاء الله، هاتيها وتعالي كمان هاتِ لها هدوم وكل حاجة تخصها، وأنا هظبط الأوضة هنا في استقبالكم."
فرحت المرأة وأخذت تدعو له كثيرًا والبكاء يحفل على وجهها من السعادة، حتى نقلت له جزءًا من دمعاتها.
وغادرت لتسعد ابنتها الكفيفة، فلا تعلم أنها سجلت بمجهول لعمر الجارحي.
***
عاد رائد للقصر، ثم صعد لغرفته والحزن يسطر على وجهه، فجلس على الفراش يتذكر قصة العشق العتيق الذي أنهت بالزفاف، فكان الأول من بين أحفاد الجارحي من يتزوج بسن صغير قبل ياسين وعمر وعدي.
تذكر عينيها الرومادية الساحرة، تذكر كيف كانت ضربات قلبه تتزايد حينما يقربها من صدره، تذكر كيف كان يحميها من القليل كأنها جوهرة من ألماس، تذكر كم كان يعشق رائحتها بجواره.
تذكر الجراح الذي تركته بقلبه المطعون.
عاد عمر للقصر بعدما أخبره ياسين ما حدث، فجلس بالأسفل لجوارهم.
معتز بهدوء:
"رانيا مش ممكن تعمل كدا. هو لازم يسمعها رسالة على التليفون، مش دليل كافي إنها بتخونه؟"
ياسين بحزن:
"هو رافض يسمع لأي حد يا معتز."
عمر بغضب:
"لازم يسمع يا ياسين، دا مش لعب عيال، بقاله أربع سنين ومش عارف يفكر؟"
زفر جاسم بغضب هو الآخر:
"عمر معاه حق، أحنا لازم ندور عليه."
دلف حازم بعدما استمع لحديثهم:
"هو أحنا سبنا حتة إلا لما دورنا فيه؟"
معتز:
"الحرس سهل يوصلها في أقل من ثانية."
ياسين:
"تفتكر الحل دا مكنش أسهلنا يا غبي؟"
جاسم:
"عمك لو عرف إننا بندور عليها هيعلقنا على باب القصر، لأنه سايب رائد يفكر ويحسبها صح."
عمر بغضب:
"خد فترة كبيرة ومفيش حل، لازم نتدخل بالموضوع."
ياسين:
"وأنا معاك."
جاسم:
"ربنا يسترد."
حُسم القرار وصعد كلاهما لغرفته ليحسم الأمور بينهم حتى تتضح الحقيقة.
***
بمنزل بسيط للغاية، كانت تتعثر بمشيتها، تحاول الوصول للباب، طارق بصوت أمها.
عيناها الزرقاء تجعل من يراها يسحر بجمالها، فيأتيها الحزن حينما يعلم بأنها كفيفة.
وصلت نور للباب، ففتحته قائلة بخوف:
"كنتِ فين يا ماما؟ قلقتيني عليكي."
دَلفت المرأة بسعادة:
"خلاص يا نور، وصلت لعمر بيه الجارحي وحكت له مشكلتك ووعدني إنه هيساعدك."
نور بحزن:
"تاني يا ماما؟"
"تاني وتالت يا عين أمك، مش هرتاح غير لما ترجعي تشوفي يا ضنايا. بدعي ربنا بكل صلاتي يهونها علينا."
ثم صمتت بوجع تحاول تخفيه بشدة وهي تتمسك بصدرها.
نور بقلق:
"في إيه يا ماما؟"
قالت بارتباك:
"مفيش يا حبيبتي، دا بس صداع بسيط وهيروح إن شاء الله."
نور بشك:
"بجد؟"
جاهدت التعب:
"بجد يا حبيبتي، يلا ادخلي نامي عشان هنروح بكرا المستشفى."
وأعانها على التمدد بالفراش وظلت هي تعافر الألم.
***
بمنزل مخيف للغاية، صاح بصوت مخيف:
"يعني إيه مش لقيناها؟ هي فييييين؟"
الرجال بخوف شديد:
"صدقنا يا بيه، قلبنا الدنيا عليها، مالهاش وجود."
اقترب منه أبيه قائلاً بغضب:
"اهدأ شوية يا مصطفى، هنلقيها، هتروح فين؟"
اقترب من والدتها الواقفة بهدوء تام قائلاً بصوت كالفحيح:
"هلاقيها وساعتها هوريها مقامها كويس، لأنها ملكي أنا وبسس."
ثم صاح بصوت مرتفع:
"رحمة ملكي أنا ساااامعة."
***
عاد عدي من الخارج، وخطته نفذت على أكمل وجه حينما قابل من تدعى نيروز، ليعلم الآن أنها واشك على المهاجمة بأي وقت.
دلف لشقته ثم تمدد على الفراش والسلاح بيده يلهو به للمهاجمة بأي وقت.
ولكنه تفاجأ بصوت صرخات قوية تأتي من الشقة المجاورة له.
فخرج ليجد مجموعة من الرجال حطموا باب الشقة في أقل من ثانية يحاولان جذب الفتاة للأسفل بالقوة، وهي تبكي وتتوسل لهم.
كاد الدخول للداخل ولكنه توقف حينما شعر بضربات قلبه المتزايدة للغاية، فرفع يديه على موضع قلبه كأنه يتأكد بأنه يعود إليه، فها هو يتمرد عليه لأجل غادة مقنعة لم يرى وجهها بعد، ها هي ثورة الوحش الثائر تتقلب عليه، ولكن هناك الكثير والكثير ليقذف عليه، ويعلم الآن أنين كأس العشق.
لقاءات مفاتيح قلوب العشاق ببرحلة تملأها الغموض وسيد مفتاحها العشق المتوج.
رواية الوحش الثائر (احفاد الجارحي3 الفصل الثاني 2 - بقلم اية محمد
صراخاتها حطمت الحائط المغلف على ثنايا قلبه. كانت تبكي خوفًا من العقاب الذي سيفرضه عليها. جذبوها للسيارة بقوة فحاولت التحرر من قبضة يدهم الطابقة على معصمها ولكنها لم تستطع. صرخت ألمًا على أثر اصطدامها بالأرض، فرفعت عيناها المتخفية خلف الإسكارف الأسود تتأمل ما يحدث. فوجدت حاجزًا بشريًا عملاقًا بجسده الممتلئ بالعضلات. لم تستطع رؤية وجهه فمازال يقف بسكون مرعب لها وللجميع. الهواء يبعثر خصلات شعره البني الطويل فيجعله مميزًا وغامضًا لها. ظلت كما هي تفترش الأرض بفستانها الأسود الفضفاض الذي أفترش الأرض على أثر وقعتها تتأمل ما يحدث بتركيز.
أقترب منه الرجل بغضب فرفع يديه ليلكمه بقوة. ولكن علا صوت صراخه حينما قبض عدي على يده بقبضته الحديدية وعيناه الساكنة المخيفة. ضغط بقوة فعلى الصوت أكثر من قبل مما جعل من تبقى يلوذ بالفرار. أما هو فرفع يديه أخيرًا لينهي عذاب هذا الرجل بلكمة جعلته يتمدد على الأرض كالجثة الهامدة.
زُهلت رحمة مما تراه واكتفت بالنظر له بصدمة وفرحة لتخليصها من بين براثنهم. ألتفت عدي فتصلب محله لرؤية فتاة بملامح عادية للغاية ولكنها مثيرة للاهتمام. تعلق عيناه بها أمر غامض. لما يتمكن من معرفة فك شفرات دقات قلبه المتسارع.
مرت الدقائق ومازالت هي أرضًا وهو يتأملها بصمت. إلى أن قرر قطعه فأقترب منها رافعًا يده لها للمساعدة:
"أنتِ كويسة؟"
أبت أن تقدم يديها له وتحملت على نفسها للوقوف دون مساعدة قائلة بصوتٍ منخفض للغاية من الارتباك:
"الحمد لله. شكرًا ليك."
صمت الماكر وتحل بالسكون لتراقب حركاتها. فوجدها تتهرب بعيناها القرمزية بخجل وارتباك ثم توجهت للأعلى بخطى أشبه للركض. زفر عدي على تلك الحمقاء ثم صعد هو الآخر للحاق بها. وبالفعل تمكن من وضع قدمه ليحيل بين انغلاق باب الشقة الخاص بها فأرتعبت قائلة بأرتباك:
"في أيه؟!"
خرج صوته الساخر:
"في أن حضرتك معرضة للخطر من الحيوانات اللي كانت هنا من شوية ورجوعك هنا ذكاء فائق."
أنكمشت ملامح وجهها بخوف فهو على حق فماذا لو عادوا من جديد. خانتها دمعة حارقة على وجهها جعلته يتنازل قائلاً بصوتٍ ثابت:
"ممكن تفضلي في شقتي لحد ما تشوفي مكان تاني."
رفعت عيناها بصدمة له حتى أنها لم تقوى على الحديث والجدال. فتطلع لها بعدم مبالاة ثم توجه لشقته وأغلقها ومازالت هي تنظر للفراغ بصدمة.
***
بالمشفى.
صعدت نوال بأبنتها الكفيفة للغرفة المجهزة بأمر من عمر الجارحي وظلت معها بالغرفة لحين وصول عمر للمشفى. وبالفعل وصل عمر للمشفى وتوجه للصعود للغرفة فصدم مما استمع إليه.
"نور" ببكاء:
"ماما أنا مش عايزاكي تنكسري لحد ولا تتطلبي من حد حاجة. يالا نمشي من هنا."
تعالى بكاء الأم المجبورة على الصمود لأجل ابنتها قائلة بدموع:
"لا يا حبيبتي والله ما اتكسرت أنا بس طلبت منه وبعدين عمر بيه مختلف عن اللي هنا و..."
لم تستطع أن تكمل جملتها حينما وجدته يقف أمامها. تعجبت نور من سكون أمها المفاجئ فأستدارت بوجهها بأنحاء الغرفة لعلها تلتقط صوتًا ما تعلم به ماذا هناك. ولكن الصدمات كانت تتزايد عليها حينما رأت تلك الحورية ذات العينان الزرقاء. من يرأها يقسم أنه يرى بحرًا أزرق عميقًا أو سماء صافية من الغيوم.
أقترب منها عمر بتعجب وزهول ليس من جمالها الفتاك ولكن من أن تلك العينان تلمعان بدمع الكبرياء. تسللت رائحته العطرة لها فعلمت بوجود شخص ما بالغرفة. تجاهلها عمر وتقدم من نوال مقبلًا رأسها ببسمة هادئة:
"صباح الخير يا ستي الكل."
رسمت بسمة الرضا على وجهها:
"صباح النور يابني."
أكمل بمشاكسة:
"بعتذر منكم اتأخرت شوية بسبب الخناق الصباحي مع مليكة."
تعالت ضحكات نوال ولكنها لم تباشر بالسؤال عن من تكون:
"ربنا يحفظهالك يابني."
فتح حقيبته قائلاً بهدوء:
"تسلمي يا أمي."
ومن ثم أقترب منها ليقف أمامها مباشرة وبيده ما يحتاجه للكشف عليها. ولكن بدأ أولًا بالحديث:
"أذيك يا نور."
أجابت بوجه متورد:
"الله يسلم حضرتك."
جلس أمامها قائلاً ببسمة هادئة:
"جاهزة للفحص؟"
"بأذن الله."
قالتها بثقة كبيرة وكلمات نقلت بها لعمر مدى قوة إيمانها. وبالفعل شرع بالفحص ودون النتائج بدفتره على أن تتم الجراحة بعد أربع أيام على أمل تحسن نفسيتها بالفترة القليلة التي ستمكثها هنا. لا يعلم بأن القدر حفر لها وجعًا خفيًا ليكون هو سببًا باحتوائها.
***
بقصر الجارحي.
فتحت عيناها بغضب لمن يطرق على الباب كأنه يود تحطيمه. فنهضت عن الفراش وتوجهت لترى من هذا الأحمق.
"مليكة" بغضب:
"أيييييه؟!"
دلفت مروج قائلة بفرحة وسعادة:
"أصل أنتِ باردة مش هتصحي غير كده."
عبثت بوجهها قائلة بضيق:
"تصدقي أنك باردة على الصبح."
التقطت الشوكولاتة قائلة بتسلية:
"الحق عليا أني جيت أفوقك وأقولك أن داليا حاولت تصحيكي عشان الامتحانات فلما معبرتيهاش سابتك وخلعت."
صدمت مليكة حتى أنها صرخت بقوة:
"لااااااااااااااا أنا نسيت!"
وركضت سريعًا للخارج بسرعة كبيرة حتى أنها لم تصغِ لصرخات مروج بأنها بملابس لا تليق بالخروج حتى حجابها. هرولت مليكة لتهبط الدرج ولكنها تعثرت بالسجاد الملتوي تحت قدماها لسرعتها فكادت السقوط وبالفعل سقطت ولكن بين يديه هو. نظرت له بسكون تتأمل عيناه عن قرب لأول مرة تراها بقرب هكذا.
"ياسين" بغضب شديد بعدما عاونها على الوقوف:
"أيه اللي مخرجك من أوضتك كده؟"
لم تفهم ما يريد قوله فقالت بفزع لتذكرها حديث مروج:
"أنا لازم أروح الجامعة فورًا."
وأستدارت لتغادر فوجدت يديه الأسرع لها. فقد التحكم بأعصابه فقال بغضب جامح:
"هتروحي الجامعة كده؟"
مليكة باستغراب:
"كده إزاي؟!"
جذبها للمرآة الموضوعة بالخارج فصرخت بخجل شديد من عدم ارتدائها الحجاب. فأستدارت له بتوتر فوجدت عيناه بعيدة عنها فهو يعشقها حد الجنون ولكن لم يحتمل ذنبًا فهي ليست زوجته بعد.
"مليكة" بخجل شديد:
"أنا آسفة بس مروج قالتلي أن داليا مشيت للامتحانات من غيري وأنا خفت تضيع عليا."
"بس أنا هنا. ما روحتش في حتة والامتحانات بكرة مش النهاردة."
قالتها داليا بعدما خرجت على صوت صراخ بالخارج.
مليكة بصدمة:
"يعني إيه؟"
خرجت مروج هي الأخرى قائلة بمزح:
"يعني كنت بهزر معاكي عشان تصحي وتيجي معايا المول."
غادر ياسين مرددًا بصوت مسموع:
"لعب عيال."
كانت تلك الكلمة إشعال نيران مليكة فهجمت عليها تكيل لها الضربات. وكالعادة تحاول داليا التخليص بينهم.
***
جلست على المقعد بدموع لا تعلم ما عليها فعله. مجرد التفكير بعودتها لخطيبها مجددًا كانت كفيلة لجعلها تهرول لشقته. رفعت يدها للطرق بتردد. فتعجبت حينما رأته يقف أمامها بثقة بعدما فتح الباب كأنه كان يعلم بقرارها. أستسلمت رحمة وتوجهت للداخل بخطى بسيطة بعد تفكير بأنها بأمان مع شخص عرض حياته للخطر لأجلها فيمتلك أخلاقًا كافية لحمايتها من شيطان السوء.
لم يبالِ لها عدي أو تصنع ذلك لتشعر بالأمان. فجلست على الأريكة بارتباك فهي لا تعلم عنه أي شيء.
بغرفة عدي.
أبدل ثيابه لسروال أبيض اللون قصير بعض الشيء وتيشرت ضيق بمزيج من اللون الأبيض والأسود ثم صفف شعره الطويل وتوجه للخارج. ففزعت بشدة وتخلت عن مقعدها. رفع عيناه قائلاً ببرود:
"ثقتك أني مش هاذيكي هي اللي خلتك هنا. فياريت متفكريش بحاجة تانية."
كانت كلمات بسيطة منه ولكنها كانت كفيلة بجعلها تسترخي قليلاً. فقط تركت عيناها تراقبه وعاونها على ذلك الحاجز المفتوح المطل على المطبخ المسد أمامها. تتبعته وهو يصنع الطعام بحرفية عالية كأنه شيف. وربما حرفيته بتقطيع الخضروات أبدلت وجهة نظرها بأنه قناص محترف. أنهى عدي الطعام ثم حمل طباقين منهم وخرج ليضع أحدهما أمامها والآخر على مسافة ليست بعيدة عنها. جذب المقعد وجلس يتناول طعامه بهدوء مريب. جعلها تتعجب من هذا الغامض.
"ممكن تكملي تفكير بعد الأكل."
كانت كلمات آمرة لها فتقدمت من الطاولة الصغيرة بخطى ثابتة ثم جلست تتأمله تارة وتتأمل الطعام تارة أخرى. حل الصمت على الطرفين أو عليها فهو صامت بطبعه. حتى قطعته هي حينما قالت بأرتباك:
"هو أنت مصري؟"
أكمل طعامه ببرود ولم يكلف عناء الرد فأكملت هي:
"طب ليه أنقذتني من الناس دي؟"
أنهى طعامه قائلاً بهدوء وعيناه تتجهان إليها:
"المفروض أنا اللي أفتح تحقيق مش أنتِ."
تطلعت له بتعجب ليكمل هو:
"سبب هروبك من مصر لهنا إيه؟ وليه الناس دي بتطاردك؟"
وضعت عيناها أرضًا بارتباك:
"ممكن مجاوبش."
رفع مشروبه البرتقالي بسخرية:
"الإجابة ممكن تكون سبب وجودك هنا."
كان تهديدًا صريحًا لها فبدت أكثر غضبًا من سابق ولكنها ارتسمت الهدوء:
"دول رجالة خطيبي اللي هو السبب في هروبي من مصر."
أسترسل حديثه بثبات:
"ليه؟"
تلونت عيناها بحمرة البكاء وبدا الارتباك والتوتر يسيطر على ملامح وجهها. فلم يرد عدي الغوص أكثر بدوامة موضحة بالأوجاع. فوقف وألتقط هاتفه الصدح بقوة.
"ياسين: كل دا عشان ترد."
"عدي: آسف يا بابا مسمعتش الفون."
"ياسين: أكيد مسمعتوش زي حاجات كتير مش بتتسمع."
كانت رسالة واضحة بغضب ياسين من تصرفاته.
"ياسين: بتمسكني من الإيد اللي بتوجعني. اوكي يا عدي أنا راجع خلاص بعد يومين وهشوف حل معاك. ياريت أرجع ألاقيك."
"عدي: توصل بالسلامة."
وأغلق ياسين الهاتف بتأفف من عند ابنه الزائد. فدلف لغرفة مكتبه رفيقه المقرب يحيى بتعجب:
"مالك؟"
ياسين بشرود:
"عدي مش ناوي يجيبها لبر."
"يحيى" بهدوء:
"ده شغله يا ياسين وانت عارفه. عنيد."
"ياسين" بغموض:
"عشان عارفه خايف عليه. المهم شوف الإجراءات هتخلص إمتى عشان نرجع مصر."
"يحيى" بغضب:
"ليه؟ ما إحنا هنا كويسين."
"ياسين" بمكر:
"كويسين ولا عايز عجبك الجو؟"
"يحيى" ببسمة واسعة:
"هو أنت كده دايما قافشني."
لوى فمه قائلاً:
"أما تحب تحاور مش عليا يا يحيى."
غادر يحيى المكتب قائلاً بتأفف:
"ماشي يا خويا."
على الجانب الآخر.
وضع هاتفه على الطاولة وتوجه للخروج فصدم مما رأى. رجال يحيطون به مسلحون. لم تكن صدمته بهم فكان متوقعًا لذلك الحدوث. ولكن صدمته كانت بتلك الفتاة المساندة بين ذراع تلك اللعينة السكين على رقبتها.
نيروز ببسمة سخرية:
"الحوار مترجم: هل كنت تأمل بأن أتركك بعدما قتلت أبي؟"
لم تتأثر ملامحه فأقترب منها غير عابئ بالأسلحة الموجهة على صدره. تطلع لعبتها بتحدي ثم قال ببرود وهدوء مخادع. عذرًا فهو الثعلب:
"ظننتك أذكى من ذلك ولكن حماقتك فاقت الأمد."
لم تفهم حديثه فجلس على الأريكة واضعًا قدمًا فوق الأخرى بثقة لتكمل هي بزهول:
"ماذا تقصد؟"
أكمل ارتشاف عصيره ببرود:
"إجابة سؤالك تكمن بعمك المصون."
هنا بدأت ترسم الخطوط لتعلم بأن من قام بقتل والدها هو عمها. لا تعلم بأنها خطة الثعلب الماكر للقضاء على بعضهم البعض دون أن يلوث يده بقطرة دماء واحدة. أخفضت ذراعيها عن رحمة فتنفست بسرعة كبيرة ثم ألقتها بقوة فسقطت على قدميه. رفعت السلاح بوجهه قائلة بغلظة:
"ماذا لو لم تكن صادق؟"
زادت ثقته قائلاً بهدوء:
"ما كنتِ تركتيها."
وكان حديثه على رحمة فهي بالفعل ألقتها بعدما بدأ الشك يساورها. فأشارت للرجال بالانسحاب وتوجهت للثائر من عمها زعيم المافيا. بعد رحيلها حاولت رحمة القيام ولكنها كانت تفشل كل مرة. فرفعت وجهها لتقابل عيناه المخيفة كما كانت تعتقد. ولكن صدمتها ببركان هادئ مثير للاهتمام. من هذا الرجل الغامض لا تعلم أي من الإجابات لسؤالها. عاونها عدي على الوقوف ثم دلف للداخل سريعًا يحمل أسلحته المريبة لها. فشهقت من الرعب حينما رأته يجذبها خلفه بالقوة.
***
بالقصر.
هبطت للأسفل بعدما ارتدت حجابها تبحث عنه بخجل. فعلمت من الخدم بأنه مازال بمكتب القصر. طرقت الباب برفق فسمعت لصوته الرجولي العميق بالدلوف. فدلفت للداخل بارتباك. رفع عيناه الزرقاء فوجدها أمامه والخجل يتلون على وجهها. فقالت بأرتباك:
"أنا آسفة مقصدتش أخرج كده بس مروج كا..."
كادت أن تكمل حديثها فقطعها ياسين قائلاً بهدوء:
"حصل خير يا مليكة بس ياريت بعد كده تاخدي بالك من تصرفاتك."
لمعت عيناها بالدموع قائلة بهدوء:
"حاضر."
وتوجهت للخروج ولكنها توقفت حينما أوقفها بصوته الهادئ:
"ممكن تعمليلي قهوة؟"
رسمت بسمة سريعة فهي تعلم بأن ياسين لا يشرب القهوة إلا عندما تصنعها والدتها. فلأول مرة يطلبها من أحد.
"حالًا."
وخرجت بسرعة كبيرة للمطبخ فتأملها بخفوت وبسمة تزين وجهه. وما هي إلا دقائق بسيطة حتى أحضرتها مليكة. تناولها منها ببسمة هادئة قائلاً:
"بالسرعة دي."
مليكة ببسمة واسعة:
"إحنا في عصر السرعة."
تعالت ضحكاته السالبة لعقلها المغيب قائلاً من وسط ضحكاته:
"ماشي يا ستي عمومًا مشكورة."
وأرتشف القهوة بتلذذ قائلاً بأعجاب:
"تسلم إيدك بجد نفس اللي طنط آية بتعملها."
مليكة بدراما:
"مش أمي لازم تعملها زيي."
يضحك بشدة:
"أنتِ مصيبة يا مليكة."
مليكة بحزن مصطنع:
"لا والله ده أنا غلبانة."
ثم أكملت بمكر:
"حتى مش لاقية حد يجي معايا الجامعة أجيب الجدول وشوية حاجات كده ناقصاني."
ياسين بجدية:
"طب ما تاخدي حازم أو داليا."
رسمت بسمة الخبث على وجهها فوضعت الطبق من يدها ثم جلست على المقعد المقابل له:
"حازم مجنون أخده فين بس وداليا مشغولة بالمذاكرة ومروج اتخانقت معاها عشان اللي عملته وأسيل مش هنا."
خرجت وجا... قاطعها قائلاً بصراخ:
"خلاص مش عايز أعرف."
أبتسمت بطفولية:
"يعني هتيجي معايا؟"
كانت مكيدة ظاهرة له فابتسم بخفوت قائلاً بخبث:
"أنتِ عايزاني أجي معاكِ؟"
خجلت كثيراً فقالت بأرتباك:
"لا مش كده أنا قولت صعبت عليك وهتيجي معايا."
صمت قليلاً يتأملها بصمت ثم قال بهدوء:
"أوكي هخلص الملف ده وهجي معاكي."
هبت واقفة بسعادة طفولية:
"بجد؟!"
أكتفى ببسمة صغيرة:
"بجد. شوية كمان وهغير رأيي."
أسرعت بحمل الطبق والكوب وأسرعت بالخروج ليصيح عالياً:
"القهوة يا مجنونة!"
خبطت مقدمة رأسها بخفة:
"آه نسيت."
ووضعتها على المكتب ثم هرولت للخارج تحت نظرات عشقه المتوج لها. فهو مقسوم لها منذ الصغر. نعم يعلم باتفاقية أبيه يحيى مع والدها ولكنها لا تعلم بأنه المنشود ليكون لها. ربما لا يشعر بنغمات قلبها المجهولة.
***
بالمشفى.
سعدت نوال بتحديد جراحة ابنتها لتدهور حالتها الصحية. نعم تشعر بأنها لن تستطيع البقاء على قيد الحياة طويلاً فقلبها لم يعد يحتمل عناء. تتدهور حالتها يومًا بعد يوم وتخفي عن ابنتها حتى عمر لم تخبره بذلك. فرجائها له أن تتم الجراحة لابنتها أولًا ثم تذهب معه للطبيب. هبطت معها لحديقة المشفى فوضعتها على الطاولة قائلة ببسمة مجاهدة لرسمها:
"خليكي هنا يا حبيبتي أنا هروح الشغل ومش هتأخر ساعة أو ساعتين وهرجع إن شاء الله."
لا تعلم لما يراودها القلق فقالت بصوت محتقن:
"لازم يا ماما."
نوال بتعب شديد:
"مش هتأخر يا ضنايا."
نور بتفهم:
"ماشي يا ماما هستناكي هنا."
وبالفعل غادرت نوال لمصير ختم من الله بانتهاء أجلها على حياة قضتها بعناء كأنها كانت تشعر بذلك فستراحت بتسليمها بقبضة آمنة. مر عمر من جوارها فوجدها تجلس على الطاولة بملل. جذب المقعد قائلاً بمشاكسة:
"تسمحيلي بالجلوس؟"
ابتسمت بخفة:
"اتفضل يا دكتور."
جلس بتعجب مصطنع:
"لا ما شاء الله ذاكرة قوية."
تعالت ضحكاتها المترنحة على نغمات قلبه:
"لا بس لسه شايفاك من ساعة تقريبًا مستحيل أنسى بسهولة كده."
تأملها عمر بسكون ثم قال بشكل مباشر:
"شايفة إيه يا نور؟"
كلماته كانت ألماسًا لقلبها. صفنت قليلاً بصدى اسمها بين صوته الحنون وبين رائحته التي تريح نفسها فقالت بخفوت:
"شايفة ضلمة وعتمة كأني بأوضة مقفولة عليا مفهاش أي نور غير صوت أمي."
ابتسم على وصفها الرقيق ولامس يدها بصورة مفاجئة لتسير معه وعلى خطاه البطيئة. ثم رفع يديها على شيء رقيق بين أصابعها.
نور بتعجب:
"ده إيه؟"
عمر بنظرات تحمل شيئًا مجهولًا كأنها أعلنت له أنه الآن معتقل تحت مسمى عاشق سحر من النظرة الأولى:
"ده ملمس تاني للحياة يا نور. إزاي تقدري تعيشي الحياة بطريقتك الخاصة."
رفع أصابعه على إصبعها يحركه على أشياء عديدة كقطرات المياه على الزهور وأشجار. جعلها تبتسم من قلبها لترى حياة أخرى بين أطراف أصابعها. بدأ الأمان يتسرب بين قلبها بأنه النور الآخر بحجرتها المظلمة. قضى اليوم معها ولم يستشعر به. يحاول أن يبث بقلبها السكينة لتكون مهيأة للجراحة.
***
بالقصر.
هبط رائد بحُلة سوداء اللون جعلت الوسامة تغار منه. فتقدم للخروج غير عابئ بجاسم ومعتز وحازم. أسرع جاسم إليه قائلاً بلهفة لرؤيته:
"رائد."
وقف بثبات مريب يستمع له.
جاسم:
"أول مرة تتأخر بالنزول."
رائد بثبات:
"راحت عليا نومة. عن إذنك عشان عندي معاد مع فاروق."
جاسم بحزن:
"اتفضل."
غادر رائد ليلتقي بمن سببت له الآلام. ليس مقصود منه أو منها وإنما لعبة الأقدار ولهو الصدفة. عاد جاسم لمقعده قائلاً بغضب:
"وبعدين يا معتز."
معتز بملل:
"والله ما عارف."
حازم بسخرية:
"لما أنتم مش عارفين أمال أبويا يعمل إيه؟"
جاسم بغضب:
"إيه دخل عمي حمزة بالموضوع يا غبي."
معتز:
"حازم أبوس إيدك العملية مش ناقصة غباوة. اطلع ذاكر عشان ربنا يكرمك بآخر سنة ليك دي وتخلصنا بقى."
حازم بتأفف:
"ماشي يا خويا طالع."
وصعد حازم للأعلى تاركًا معتز وجاسم يحسم الأمر.
جاسم:
"بص روح المقر وأنا هغير هدومي وهنزل أدور عليها وربما يكرم بقامتي."
معتز بتأييد:
"فكرة كويسة. عارف يا واد يا جاسم لو عدي يقبل يساعدنا هنلاقيها بأقل من ثانية."
جاسم بصدمة:
"الله يخربيتك أنت عارف لو عدي عرف ممكن يعمل فينا إيه."
معتز:
"عارف ورحمة جدك ما أنت قايل حاجة."
وغادر معتز بتأفف لذكر ما يمكنه عدي فعله. بينما توجه جاسم لغرفته فصدم حينما رأى معشوقته الخجولة تتردد بطرق باب الغرفة ولم تراه خلفها. حسمت قرارها بعدم الطرق وأستدارت لتغادر. فكانت صدمتها رؤيته. أقترب منها جاسم قائلاً بحزن مصطنع:
"دايمًا بتأخدي القرارات الغلط في حقي."
خجلت كثيراً ثم قالت بأرتباك:
"أنا مكنتش فاهمه حاجة وكنت جايه تشرحهالي الامتحانات من أول بكرة و..."
لم تستطيع الحديث فوضعت عيناها أرضاً حينما أقترب منها قائلاً بفرحة:
"أكيد طبعًا أنا أسيب أي حاجة وأشرحلك اللي تحبيه."
وحمل منها الكتب ثم توجه للقاعة المجاورة لغرفته فهو يعلم أنها من المحال أن تجلس معه بغرفته بمفردها. أقتربت من المقعد بأرتباك ثم جلست تستمع له. فجاسم كان الأول بدراسته على الدوام. كانت تنظر للورقة التي يشرح بها ما تريد فهمه.
جاسم بهدوء:
"فهمتي بقا الناتج ده جه إزاي؟"
أشارت برأسها بسعادة وإعجاب فنقل لها ما بالورقة ولكن بأرقام جديدة قائلة بمكر:
"طب وريني بقا هتحلي دي إزاي."
ألتقطت منه الورقة وأخذت تنفذ ما دونه لها. أما هي فكان يتأملها بصمت. قدمت له الورقة فألتقطها قائلاً بأعجاب:
"شابو بجد."
داليا بخجل:
"من غيرك مكنتش هحلها."
صمت قليلاً ثم رفع يده على يديها وهي تلملم أقلامها. أربكت للغاية فنظرت له بذهول ليتحدث هو بصوته العاشق:
"مش عايزة تريحيني ليه يا داليا؟"
سحبت يدها بخجل ووجهه متورد قائلة بأرتباك:
"أنا مش فاهمه حاجة."
جاسم بشك:
"متأكدة؟"
لم تتمالك زمام أمورها فجذبت أغراضها وتوجهت لغرفتها سريعاً تحت بسمات من عيناه تزين وجهه.
***
بمكتب فاروق الصديق المقرب لرائد.
دلف رائد لمكتبه على الفور دون الحاجة لأذن سكرتيرة كالمعتاد. فالل فاروق حينما رآه:
"إيه دا مش معقول رائد الجارحي بنفسه في مكتبي يا مرحباااا يا مرحبااا."
جلس على المقعد المقابل له بضيق قائلاً بسخرية:
"إيه يا بني غير الأسطوانة دي حمضت على فكرة."
شعر بالحرج فجلس بمرح:
"شكلي بقا زبالة أوي."
رائد ببسمة مكبوتة:
"جدًا. خلص بقا عشان ورايا شغل."
فاروق:
"براحة علينا يا عم أنت لسه داخل."
ورفع هاتف المكتب قائلاً بهدوء:
"نفين ابعتيلي ملف صفقة الجارحي."
وأغلق الهاتف يتودد لرفيقه. بعد قليل استمع لطرقات على باب الغرفة فسمح للطارق بالدلوف. دلفت بخطى ثابت ومتزن للداخل لم ترَ من يجلس أمامها فكان يجلس بعكس اتجاهها. تقدمت منه قائلة بعملية:
"الملف يا فندم."
صوتها كان زلزالًا أفتك به. فرفع وجهه لينصدم من انعكاس صورتها على المرآة أمامه. نعم هي زوجته المصون الذي طردها من قصره وجردها من مكانتها. لم يستطيع التفكير أكثر من ذلك. خرجت من المكتب وانضمت لطقم السكرتيرة بالخارج. أما هو فأخبر فاروق بموافقته على شراء الشركة. فتعجب كثيرًا فهو عرضها له منذ أشهر عديدة ولكنه وافق بنهاية الأمر. فمن هو ليرفض مبلغًا ضخمًا هكذا. خرج من الشركة وقلبه يرتجف بين الضعف والقوة. بين اللين والعطاء لا يعلم ما عليه فعله سوى الانتقام منها. غادر على وعد العودة غدًا ولكن بطريقة تليق به حينما يترأس مقعد الشركة.
أنهت رانيا عملها ثم عادت سريعًا للمنزل. لم ترَ من يتابعها ليعلم مكان سكنها أو للتأكد من شيء ما رآه بعينيه. فشعلت شرارة الانتقام. رآه يدلف معها للعمارة. فبادلته السلام وصعدت معه بالمصعد. شدد رائد على مقبض السيارة وعدًا لها بالجحيم.
بالداخل.
حمدي بستغراب:
"رجعتي بدري النهاردة يعني."
رانيا ببسمة بسيطة:
"هعمل إيه مريم زعلانة مني وعايزاني أفسحها فاستأذنت من أستاذ فاروق وجيت على طول. زمانها طلعت عين مراتك."
تعالت ضحكاته قائلاً بمرح:
"طب يارب عشان متفتحش أسطوانة كل يوم."
رانيا بحزم:
"عيب كده يا حمدي ده هبة عسل وكيوت."
تأفف قائلاً:
"أنا مش عارف أنتِ مع أخوكي ولا معانا."
رفعت يدها بأسلوب مرح:
"مع الحق."
وقف المصعد فخرج وهو يرمقها بنظراته المشتعلة. فتعالت ضحكاتها وركضت لباب الشقة فاتحة إياه ثم أغلقته سريعًا بوجهه.
حمدي بغضب:
"افتحي الباب يا رانيا أحسنلك."
رانيا:
"ههههههه مش هتدخل إلا لما تهدأ خالص يا حبيبي."
حمدي بغضب شديد:
"كده ماشي يا رانيا اصبري بس علي."
رانيا:
"هصبر وللآخر ههههههه."
حمدي بمكر:
"افتحي يا رووني ده أنا ديدو حبيبك."
وبالفعل فتحت قائلة ببسمة فخر:
"شوفت بقا إني متسامحة."
جذبها للداخل بالقوة والغضب يفتك به. ثم أغلق الباب غير مدرك بمن يقف ويتأمل ما يحدث بتفكير مشتعل وقلب محبب للانتقام.
بالداخل.
رانيا:
"الحقيني يا هبة جوزك اتجنن."
خرجت الفتاة الصغيرة راكضة لأحضان والدتها. البسمة تزين وجهها حينما وجدت حمدي يسرع خلفها.
هبة بغضب:
"يا عم أهدأ بقا كل يوم تجري ورا البت لحد ما خسّت النص."
حمدي بسخرية:
"آه انتوا متفقين عليا بقى. هي تدافع عنك وتقول كيوتة وأنتِ ت..."
كاد أن يكمل حديثه ولكنه صعق مما تفوه به.
هبة بصدمة:
"آآه دانت بقا كنت فاتح سيرتي."
رانيا:
"ههههههه أينعم ومش بالخير يا هوبا. انقضي عليه. يلا سلام إحنا."
وجذبت مريم برفق:
"يلا يا قلب ماما."
أقتربت هبة منه وهو يبتلع ريقه بخوف:
"يا قلبي دي بتهزر. هو أنا عندي أغلى منك يا روح قلبي. الله يحرقك يا رانيا."
ولكن هيهات فكيف لتلك الكلمات تهدئتها.
******
بنيويورك.
تركها بالسيارة وهبط ليكمل باقي خطته ولكنه تفاجأ بأن ما فعله كان كفيلًا بإنهاء كل شيء. فقام الطرفان بقتل بعضهم البعض. ابتسم عدي بثقة فهو يتباهى بعقله الألماسي. ثم عاد لسيارته بعدما تركها على بعد ليس ببعيد عن المكان حتى يحافظ على تلك الفتاة من الخواطر. ولكن تفاجأ بالسيارة فارغة. زفر بحنق لمخالفتها أوامره. فأخبرها قبل رحيله بأن لا تترك السيارة لحين عودته وها هي الآن تكسر قواعده. ركضت رحمة كثيرًا برعب لمعرفتها بأن هذا الرجل ما هو إلا سفاح مغرور. فركضت لتكون بمأمن بعيدًا عنه. لا تعلم بأنها تقترب من المخاطر. تراجعت للخلف حينما كسر الطريق بسيارتين. وكانت الصدمة الأكبر حينما هبط خطيبها كما يظن من السيارة. أقترب منها مصطفى وشرارة الغضب تلفح وجهه. فرفع يديه وهوى بصفعة قوية على وجهها. فصرخت بقوة وبكت بخوف لم تره له مثيل.
مصطفى بغضب جامح:
"واضح أن عمي معرفش يربيكي كويس وأنا اللي هاخد شرف المهمة دي."
وجذبها بالقوة لتقف أمامه. ثم هوى على وجهها بصفعات متتالية واحدة تلو الأخرى حتى أنها لم تقوى الوقوف فسقطت مغشية عليها. حملها للسيارة قائلاً للحرس:
"اطلعوا بيها على المكان اللي قولتلكم عليه وأنا هروح أشوف مين البطل اللي دافع عنها ده."
أومأ له الحرس وبالفعل غادروا للمكان المنشود. أما هو فاكمل طريقه للحصول عليه. لا يعلم بأن الوحش هو من يبحث عن فريسته وليس من يبحث عنه.
******
بالمشفى.
صعدت معه لغرفتها والبسمة تزين وجهها. فعاونها على الجلوس قائلاً بتحدي:
"إيه رأيك بقا في اختبار لأول تجربة ليك؟"
نور بأستغراب:
"اختبار؟"
جذب العصير ثم قدمه لها قائلاً بتأكيد:
"أيوا أنا عرفت من والدتك أنك بترسمي كويس وأول اختبار أنك تنقلي اللي شفتيه بإيدك على الورق."
نور بسخرية:
"بس ده صعب أوي وأنا بالحالة دي."
أقترب منها قائلاً بهدوء:
"إيدك اللي هتنقل يا نور."
حديثه يبعث البهجة لنفس فقدت مذاق الحياة. فاسترسلت حديثها بزهول:
"طب والألوان؟"
عمر:
"اللي أنتِ حاسة بيه وشايفه أنه كويس."
وجذبها للأوراق التي جلبتها الممرضة ثم عاونها على الجلوس وقدم لها الألوان والمعدات. أربكت نور وبدأت تتحسس الأدوات مثلما كانت تفعل. نعم كانت تعشق الرسم ولكنها حرمت منه مع فقدان البصر.
عمر بتحدي:
"هخرج أشوف المرضى وهرجع أشوف رسمتك لما أشوف هتكسبي التحدي ولا لا."
ابتسمت بخفوت ثم قالت بفرحة:
"هحاول."
وأخذت تنقل ما لمسته بيدها تحت نظرات عمر الأخيرة لها قبل خروجه.
&*******________&****
بجامعة مليكة.
وقف ياسين بسيارته أمام الجامعة فهبطت للداخل وهو من بعدها ليجذب انتباه الجميع بطلته الجذابة. وقف لجوارها حتى تنقل مخطط الامتحانات وهي تخطف النظرات له بطفولية. دق هاتفه فأبتعد عنها قليلاً حتى يتمكن من الحديث. فأقتربت الفتيات تتأمله حتى تخفى عن النظرات لتقول أحداهن:
"إيه دا هو فيه كده؟ شوفتي عيووونه."
الفتاة الثانية:
"بصراحة مز."
فتاة أخرى:
"معاكي حق دا أحلى من أبطال المسلسلات."
أقتربت منهم مليكة بغضب:
"أنتِ معندكيش أخلاق لا أنتِ ولا هي."
الفتاة الأولى:
"طب وأنتِ مالك؟ كان من بقيت عيلتك."
مليكة بغضب شديد:
"ابن عمي وخطيبها. لو معندكيش مانع."
صدمت الفتيات وتمنين لها بالموت فهو وسيم للغاية. فتركتهن المكان وغادرت. أما هي فوقفت شاردة بمحلها. لما انفعلت هكذا؟ لما كذبت بشأنه؟ لما يدق قلبها بالقرب منه؟ كان يتخفى خلف الحائط يشاهد حيرتها ودهشتها بسعادة وتسلية. فأخيرًا دق قلب صغيرته بعشقه. أرتدى نظارته السوداء ثم أقترب منها قائلاً بهدوء:
"خلصتي؟"
أكتفت بالأشارة له.
فأكمل بخبث:
"مالك؟"
أسرعت بالحديث:
"ها لا مفيش."
"ياسين" بمكر:
"متأكدة؟"
"مليكة":
"أيوا."
"ياسين":
"أوكي يالا."
وأتتبعته مليكة للخارج.
*********____________********
بدأت تستعيد وعيها شيئًا فشيئًا حتى استعادته بالكامل. ففزعت عن الفراش برعب. أنقلب لصدمة حينما رأت هذا الغامض أمامها يجلس على المقعد بثبات واضعًا قدمًا فوق الأخرى بثقة رهيبة.
رحمة بصدمة:
"انت؟!"
تخلى عن مقعده ثم أقترب منها والغضب يتمدد من عيناه. فحصرها بين ذراعيه والحائط قائلاً بغضب:
"أنا طلبت منك إيه؟"
ارتعبت بشدة ثم قالت بدموع:
"أنا..."
قاطعها قائلاً:
"أنتِ عنيدة ودي كانت هتكون نهايتك."
وكان يشير لها بالسلاح. ففزعت قائلة برعب وبكاء:
"لا ارجوك متقتلنيش."
تعجب عدي من رعبها الزائد عن الحد. فوضع السلاح من يده ثم قال بسخرية:
"لسه شايفاني سفاح؟"
قالت من وسط دموعها بأرتباك:
"هو مش حضرتك مجرم؟"
نظراته جعلتها تلفظ مسرعة:
"أقصد بتقتل الأشرار يعني."
قاطعها بستغراب:
"هو فيه فرق؟"
رحمة بخوف وتوتر:
"طبعاااا حضرتك مجرم قلبك أبيض بتقتل الأشرار مش الناس الكويسة."
لم يتمالك أعصابه وأنفجر ضاحكًا. فكان للوسامة عنوان رئيسي. تأملته بصمت وزهول. فهذا الرجل الوسيم أصبح أشد خطورة عليه. لفظ من بين ضحكاتها. فلأول مرة يضحك الوحش كما يلقب:
"معاكي حق. أنا قلبي فعلا أبيض."
ثم أنفجر مرة أخرى من الضحك قائلاً بصعوبة:
"عشان كده مش هقتلك وهحميكي من الناس دي."
رحمة بفرحة:
"بجد؟"
عدي بجدية:
"بجد. تصبحي على خير."
وتركها وخرج غالقًا الباب خلفه. فجلست بسعادة أنستها أنها بمكان آخر بعيدًا عن الجميع. أما هو فدلف للغرفة المجاورة لها. ثم خلع قميصه واضعًا سلاحه لجوارة والبسمة تزين وجهه على حديثها.
*******___________******
بالمشفى.
أنهى عمر عمله وتوجه لغرفتها قبل الرحيل. فزهل مما رأى. رسمتها للزهول بحرفية رغم أنها كفيفة.
عمر بزهول:
"إيه الجمال ده."
أستدارت بوجهها قائلة بفرحة:
"بجد!"
عمر بتأكيد:
"بجد الرسمة أجمل من الخيال نفسه."
تعالت ضحكاتها قائلة بسخرية:
"مش أوي كده."
عمر بغضب:
"أنا اللي أحدد مش أنتِ."
نور:
"طب وحددت إيه؟"
"نجحتي في أول اختبار وبكرة جايزتك هتكون عندك."
عمر:
"لا لسه يا نور وبعدين إحنا اتفقنا على إيه. لازم نعتمد على نفسنا. ونرمين معاكي أهي مش هتفارقك لو مش مرتاحة. أجيب لك ممرضة تانية."
قالت بنفي:
"لااا أنا حبيتها جدًا."
عمر بسعادة:
"طب كويس. يلا بقا ارتاحي ونتقابل بكرة إن شاء الله."
نور ببسمة هادئة:
"إن شاء الله."
وأتجه عمر للخروج قائلاً وهو يغلق الباب:
"تصبحى على خير."
نور:
"وحضرتك من أهله."
وغادر عمر وقلبه يتراقص بشدة كأنه بحلبة تثير جنونه. لا يعلم أنه خطى أول درجات العشق وعليه تحمل العقبات. لم أترك أسئلة بحلقة اليوم لأترك العنان لعقولكم تسبح ببحور من التشويق والإثارة ونلتقي ب.
رواية الوحش الثائر (احفاد الجارحي3 الفصل الثالث 3 - بقلم اية محمد
سطعت شمس يوم جديد بتنفيذ انتقامات ستولد بيوم محفور بمجهول.
بنيويورك.
خرجت من غرفتها بتعجب حينما وجدت أنها بمكان آخر. مكون من غرفتين ودرج يصل لقاعة تكمل باقي المنزل.
هبطت للأسفل بارتباك تبحث عنه بعينيها كأنها تريد تسلل الأمان لها.
ارتجفت حينما وجدته يقف خلفها قائلاً بثقة لا تفارقه:
_ أنا هنا.
ابتلعت ريقها بخجل وتوتر:
_ أنا كنت بدور على المطبخ.
رسم بسمة هادئة تبث عدم التصديق لها. فرفع يديه يشير لها عن مكانه.
أسرعت رحمة بتتبع إشارة يديه حتى دلفت للداخل بارتياح، فأخذت تعنف نفسها عما ارتكبته من حماقة. حتى أنها رسمت تعليمات واجب اتباعها والحذر الشديد لأن من تتعامل معه مجرم خطير للغاية كما ظنت هي.
ارتشفت بعض المياه ثم تفحصت المطبخ بنظرة سريعة لترى ما يصلح للفطور. فوجدت بالبراد ما يكفي لصنع وجبتين من الفطور.
شرعت رحمة بإعداد الطعام وظل هو بالخارج يعبث بالهاتف إلى أن صدح بالتؤام المقرب له.
عمر:
_ أنت فين يا عدي؟
صمت قليلاً ثم قال بهدوء:
_ عامل إيه؟
عمر بغضب:
_ سيبك مني وجاوبني على سؤالي أنت فين؟
عدي:
_ صوتك عالي على ما أظن.
زفر بغضب:
_ يوووه مفيش فايدة فيك هتفضل زي ما أنت.
عدي بخبث:
_ ولما أنت عارف أني هفضل زي ما أنا بتسأل ليه من الأول.
عمر:
_ تصدق عندك حق أنا غلطان يا عمر.
رسمت البسمة على وجه عدي فأخيه ينجح دائماً بتغيير جزء من قوانينه:
_ أنا بره مصر يا عمر وهرجع بكرة أو بعده إن شاء الله.
عمر بصدمة:
_ بره مصر؟ ليه؟
عدي بحزم:
_ كدا كتير يا دكتور أنا مش مريض عندك.
عمر:
_ هههههه أنت تطول تبقى مريض عندي والله كنت روقتك لحد ما أخدت منك المعلومات اللي تعجبني.
عدي بمزاح:
_ ربنا ما يحوجنا ليك يا دوك خدماتك كافية علينا.
عمر بفرحة:
_ أحبك وأنت هادي كدا يا وحش متتخيلش ببقى سعيد إزاي وعايز أحكيلك على حاجات من سنين والله المهم استغل الفرصة.
عدي بجدية مصطنعة:
_ فرصتك خلصت.
عمر بخوف:
_ طب سلام يا ديدو متتأخرش علينا بقا.
أغلق عمر سريعاً بعد أن رسم البسمة على وجه الوحش الثائر.
استدار عدي بوجهه للمطبخ فتعجب لتأخيرها فتوجه ليرى ماذا هناك؟
استند بجسده القوي على حافة الباب يتطلع لها بهدوء مريب بعدما أشاحت الإسكارف الأسود وظلت بحجابها الرقيق.
فزعت رحمة حينما وجدته أمامها فقالت بارتباك وهي تشير للطعام الموضوع على الطاولة الصغيرة:
_ حضرت الفطار.
تطلع لها بصمت ثم أعاد خصلات شعره الطويل المتمردة على عسلية عيناه. ففتك بقلبها لتعلو دقاته.
اقترب "عدي" من الطاولة ثم جلس بهدوء يتناول ما أعدته.
انضمت له بخجل شديد ثم تناولت بضع لقمات بشرود.
قاطعه حينما قال بإعجاب:
_ تسلم إيدك يا...
صمت ولم يتمكن من تكملة جملته لتكملها هي ببسمة رقيقة:
_ رحمة.
لم ينكر إعجابه باسمها الرقيق كحالها وأكمل طعامه. على عكسها كانت تراقبه بخوف وارتباك من كلمات تقف على طرف لسانها.
شعر بها عدي فقال بهدوء ومازالت عيناه على الطعام:
_ عايزة تقولي إيه؟
تلجلجت من ذكائه الفائق قائلة بتوتر:
_ أنا كنت حابة أقول لحضرتك أني بعد اللي شوفته واللي عملته معايا إنك إنسان شهم ومحترم. ثم استجمعت شجاعتها قائلة:
_ الطريق اللي أنت ماشي فيه دا آخره وحشة مش عشان نهايته السجن والشرطة بالعكس نهايته أبشع من كده لأنك بتغضب ربنا سبحانه وتعالى.
جذب المنشفة الورقية بسكون زرع الخوف بداخلها ثم أنهاه ببسمة هادئة على ثغره قائلاً بهدوء:
_ كلامك جميل يا رحمة.
دقات قلبها تتسارع حينما لفظ باسمها حتى أنها كادت أن تتوقف. فأكمل هو حديثه ببسمته الجذابة:
_ أنا مش عارف أنتِ ليه مصممة إني مجرم هو أي حد بيعرف ياخد حقه صح يبقى مجرم.
قالت بعدم فهم:
_ يعني أنت مش مجرم؟
تعالت ضحكاته الخاطفة للأنفاس قائلاً بصوت متقطع:
_ لا يا ستي أنا ظابط مصري أصيل.
قالها بسخرية فشاركته الابتسامة على حماقتها بالحكم السريع عليه.
بالقصر.
أفاقت على صوت الهاتف فرفعته بنوم:
_ ألو.
ما أن استمعت لصوته حتى جلست على الفراش بسعادة:
_ أحمد.
بالمكتب.
كان يوقع مجموعة من الملفات قائلاً بسخرية:
_ لا أخوه هو في حد بيعبرك غيري يابت.
أسيل بتأكيد:
_ والله معاك حق بس هتقول إيه للغباء.
تعالت ضحكاته قائلاً بمكر:
_ شفتي بقا إنك غبية.
لوت فمها بغضب:
_ أنا ماشي يا أحمد ربنا يسامحك.
أحمد بجدية مصطنعة:
_ ما أنتي إلا معترفة بلسانك وبعدين هنقضي المكالمة في لعب عيال.
صاحبته بنبرة طفولية خادعة:
_ أنا طفلة ماشي يا أحمد معاش هكلمك خااااالص.
ابتسم قائلاً:
_ لا بس يا أسو طب خلاص حقك عليا أنا اللي طفل وستين ألف طفل.
مرضيه.
عادت البسمة تزين وجهها الطفولي:
_ إذا كان كده ماشي.
أحمد بخبث:
_ مااااشي بس أرجعلك بس.
أسيل بجدية:
_ هتررررجع بجد!!!
تلوّنت كلماتها بعشق عدي بذهنه فقال بألم:
_ مش أكيد لسه في شوية حاجات هتخلص هنا.
أسيل بتأفف:
_ ماشي بس ركز معايا بقااا كدا.
أحمد بسخرية:
_ معاكي ياختي.
أسيل:
_ عندي ليك عروسة إيه موزة زميلتي بالجامعة وبصراحة مش هلاقي ليك أحسن منها.
تجمدت الكلمات ولم تستطيع الخروج فقال بهدوء مخادع:
_ أنا مبفكرش بالموضوع دا دلوقتي يا أسيل.
ثم هرب من حديثها بحديث آخر أشد ألماً:
_ طمنيني عدي رجع؟
أسيل بغضب:
_ لا لسه سألت عمر قالي إنه مش عارف مكانه وبصراحة أنا هموت من القلق عليه.
أغمض عيناه بقوة يحتمل بها خنجرها المسنون قائلاً بهدوء مخادع:
_ أنتِ عارفه طبع شغله متقلقيش خير إن شاء الله. يالا بقا روحي افطري عشان متدوخيش وأنا هكلمك أول ما أخلص شغلي.
ابتسمت بفرحة فأحمد يتذكر كل شيء يعينها حتى أبسطهم:
_ حاضر خلي بالك من نفسك.
أحمد بألم:
_ مع السلامة يا أسيل.
وأغلق الهاتف مستنداً برأسه على الطاولة يجاهد لكبت انشقاق قلبه. كم ود أن يصارحها بعشقه المكنون ولكن المحتوم كان أسرع منه.
بالقصر.
هبط رائد للأسفل بطلته الساحرة ورائحة برفان الخاصة به فكان بأبهى طالته أو كما تعمد هو.
هبط ليجد جاسم بالأسفل ولجاره ياسين فأقترب منهم قائلاً بثبات:
_ جاسم لما معتز ينزل خليه ياخد مكاني النهاردة.
ياسين باستغراب:
_ ليه يا رائد؟
رائد بهدوء:
_ عندي مشوار مهم.
أشار له جاسم بمعنى نعم فغادر على الفور.
نظرات ياسين لجاسم بغموض فقرر التخلي عنه قائلاً بمكر:
_ مالك أنت التاني؟
رفع جاسم عيناه بضيق ثم قال بغضب:
_ وأنت يعني مش عارف مالي؟
ابتسم ياسين قائلاً بسخرية:
_ القصر كله عارف.
جاسم بصدمة:
_ هو أنا مفضوح كدا؟
ياسين بتأكيد:
_ وأكتر أصل حضرتك غبي أوي عشان كدا دا حالك.
لوي فمه بغضب فأكمل ياسين بذكائه الفائق:
_ عارف يا جاسم الفرق بيني وبينك إيه؟ رغم أن فيه عامل مشترك بينا وهو تحديد جوازنا من مليكة وداليا.
جاسم باهتمام:
_ إيه؟
ارتشف قهوته بتلذذ ليصيح جاسم قائلاً بنفاذ صبر:
_ ما تخلص يا عم.
ياسين بغضب:
_ هتعلي صوتك علي هتشوف حاجات متعجبكش والا مش فاكر.
جاسم بتأفف:
_ حقك عليا قول بقا وخلصني.
وضع قهوته لجاره ثم قال بصوت ساخر:
_ حضرتك مدلوق أوي بطريقة باينة للكل ودا مش في صالحك.
استفسر بعدم فهم:
_ يعني إيه؟
_ يعني البنات بتحب الرجل التقيل ودا طبعاً بعيد عنك خاالص عشان كدا تمسك العصايا من النص زي ما أنا عملت. تخلي قلبها هو اللي يعترف بحبك مش العكس.
قالها ياسين بحذر بعدما رأى حوريته تهبط الدرج.
بينما تطلع له جاسم بإعجاب شديد.
أشار له ياسين بعيناه بمعنى أن يرى تعامله مع حوريته النابض قلبه بعشقها للجميع ولكن هي آخر من يعلم.
أقتربت مليكة منهم وعيناها تتفحص ياسين الهادئ فقالت بنظرات مسلطة عليه:
_ صباح الخير.
جاسم:
_ صباح النور.
أقتربت منه بضيق بدا لجاسم:
_ صباح الخير يا ياسين.
رفع عيناه الزرقاء قائلاً ببسمة هادئة:
_ صباح النور مليكة.
جلست على مقربة منه وعيناها تراقب حركاته بتركيز شديد فقاطعت الصمت قائلة بارتباك:
_ هو أنت مش نازل الشركات النهارده؟
ياسين بثبات وبسمة متخفية:
_ عرفتي منين؟
مليكة بتوتر:
_ أصلك لابس تيشرت وجينز.
ياسين بهدوء رغم سعادته بكونه محور اهتمامها:
_ أيوا أنا عندي مشوار بعيد عن الشغل.
قالت بلهفة:
_ فين؟
رفع عيناه الزرقاء لتتقابل مع تلك العينان الفتاكة قائلاً بحزم:
_ مشوار مهم يا مليكة.
كانت كلماته محذرة لها من عدم التداخل فيما لا يعنيها. فتوجه للخروج ثم استدار لجاسم المنصدم قائلاً:
_ جاسم متنساش تشوف رائد هدوئه ميطمنش.
أكتفى جاسم بتحريك رأسه وتتابعه بعيناه إلى أن غادر. فرفع عيناه على مليكة التي تنظر له بحزن.
هنا علم أنه دلف بطريق خاطئ وعليه اختيار طريقه بعناية فائقة.
هبط معتز بعدما ارتدى حلي زرقاء من الطراز الكلاسيكي تاركاً العنان لسحره الفتاك.
فهبط للأسفل قائلاً باستغراب:
_ إيه دا جاسم أنت لسه هنا؟
أكمل جاسم ارتشاف عصيره بشرود بحديث ياسين فأخراجه معتز من بؤرة شروده.
هبطت داليا ومروج للأسفل فقالت بسعادة لرؤية أخيها:
_ صباح الخير يا معتز.
لم يجيبها وتوجه للجلوس بثبات مميت. فتطلعت هي لجاسم بدموع. فزفر قائلاً بغضب:
_ أنت هتفضل كدا كتير يا معتز.
معتز بغضب يفوقه أضعاف:
_ وأكتر كمان عشان تتعلم بعد كدا تحترمني.
تركت مروج القاعة وصعدت لغرفتها والبكاء يصدح بالقصر. فتتابعتها مليكة بعدما قالت بغضب:
_ على فكرة أنت مغرور.
وتركته وصعدت خلفها. على عكس داليا التي جلست على مقربة منه قائلة بهدوء:
_ يا معتز حاول تفصل بين الهزار والجد هي كانت بتهزر معاك قدام الكل.
معتز بضيق:
_ ممكن تخليكِ في نفسك.
هنا أعلن الحرب على جاسم الذي فتك به قائلاً بغضب برز بقلب بداليا:
_ لا دانت اتعديت حدودك بقا وعايز اللي يفوقك.
وضع عيناه أرضاً فهما فعل جاسم أكبر منه. وهنا القواعد مقدسة بقصر الجارحي أن من يفوقك بالعمر تفوقه بالاحترام.
ابتسمت داليا بخفوت ثم صعدت خلف الفتيات لترى مروج.
على عكس جاسم صاح بصوت مخيف:
_ أنت مش هتتغير أبداً هتفضل كدا كتير.
هبط عمر مسرعاً على صوت جاسم المرتفع فقال بقلق:
_ فيه إيه؟
وضع معتز الشطائر من يده قائلاً بغضب وهو يهم بالخروج:
_ مفيش.
وغادر معتز بسيارته والغضب يتمكن منه فيجعله مخيف للغاية.
جلس عمر بجوار جاسم قائلاً بتعجب:
_ فيه إيه يا جاسم؟
جاسم بعصبية:
_ أنا زهقت من ولاد أعمامي دول بجد جبت آخري.
تعالت ضحكات عمر الجذابة قائلاً بسخرية:
_ هما ولاد عمي لوحدي. استهدي بالله كدا وقولي فيه إيه؟
أجابه بتأفف:
_ واحد نزل الصبح يقولك مش نازل المقر النهاردة وشكله كدا بيخطط لبلاوي. والتاني زي ما سيادتك شفت من شوية قلبه أسود بطريقة متتوصفش عشان مروج هزرت معاه شوية ممكن يخصمها 4 شهور.
قاطعه حازم بعدما هبط الدرج قائلاً:
_ مشوفتش كشكولي يا جاسم؟
كبت عمر ضحكاته بينما تطلع له جاسم بنظرة مميتة ثم صاح عالياً:
_ الرحمة يارب أنا هموت بالضغط العالي من سبب الحيوانات دول. عن إذن سعاتك.
عمر بتعجب:
_ رايح فين؟
جاسم بغضب:
_ دا سؤال تسأله. هروح في أي داهية. ما الداهيات كتيرة النهاردة ولاد عمك كلهم خلعوا ودبسوني أنا والحيوان اللي خلع من شوية.
وبالفعل غادر جاسم سريعاً قبل أن ينال من حازم.
تطلع عمر جواره فوجد حازم يعتلي المقعد المجاور له فجلس بسكون مريب من القادم.
الذي أتى على الفور.
حازم:
_ الا بقولك يا عمر.
جاهد عمر للحديث:
_ نعم يا زومير.
رسمت السعادة على وجهه قائلاً:
_ هو أنا ممكن استلف البلطو بتاعك يوم.
عمر باستغراب:
_ ليه؟
وقف حازم يراقب المكان من حوله ثم أقترب منه قائلاً ببسمة يعرفها عمر جيداً:
_ أصلي وقعت مزة بس إيه مش أي مزة. فبحاول أقنعها إني دكتور والبلطو هيساعد.
صمت قليلاً وتطلع بسكون ثم أشار للخادمة التي ترتب الفطور أمامه:
_ شيلي الأكل دا خلاص شبعت.
توتره وصعد للاعلى فأسرع خلفه بضيق:
_ أي يا عم مش هتديهوني كنت عارف إنك هتعمل ك.
قاطعه عمر بأن أخرج مال كثير قائلاً ببسمة مصطنعة:
_ بسسس خد الفلوس دي وهات البلطوهات اللي تعجبك.
التقطهم حازم قائلاً بمكر:
_ مش وحشة الفكرة.
وهرول للأسفل وعمر يتراقبه قائلاً بصدمة:
_ ياسين صح لازم عدي يراجع بسرعة العيال دي اتجننت رسمي وعدي هو الحل.
ثم أكمل طريقه لغرفة مروج.
بالأعلى.
دلفت أسيل مع داليا حينما أخبرتها ما حدث لتجد مروج تبكي بقوة.
مليكة بحزن:
_ خلاص يا مروج عشان خاطري هو والله ما يقصد.
مروج ببكاء:
_ لا يا مليكة معتز قلبه أسود أوي على طول معاملته كدا لو عملت حاجة ممكن يخصمني طول العمر ولازم بابا اللي يتدخل عشان يرجع يكلمني تاني. طب أنا ممكن استحمل تفتكري لو اتجوز ومراته عملت فيه حاجة ممكن يعمل معاها إيه؟
زفرت مليكة بحزن فدلت داليا قائلة بسخرية:
_ موجة عاملة الموال دا كله عشان نروح معاها المول صح يا أسيل.
أسيل بتأكيد:
_ أيوا وأنا هنزل معاها دلوقتي حالاً.
مروج بسعادة:
_ إيه دا بجد.
أسيل بغضب:
_ أيوا ياختي أنا اللي هتطوع بالمهمة دي.
مروج بصدمة:
_ تتطوعي للدرجة دي؟
انفجرت الفتيات من الضحك فقالت داليا من وسط ابتسامتها:
_ الصراحة اه أنتِ ممكن تلفي المول كله 10 مرات وميعجبكيش أي حاجة عشان كدا بنخلع.
طاحت بهم بالوسادة قائلة بغضب:
_ كدا طب تعالي انتِ وهي بقا.
دلف عمر لتصفعه مروج بوسادة بوجهه دون قصد.
انكمشت الفتيات برعب وتفكير بمن الذي يقف أمامهم. هل هو الوحش الثائر عدي أم الطبيب المحبوب؟
وما أن جذب الوسادة فاتضح وجهه للجميع حتى زفرن براحة وعاد التنفس لمجراه.
عمر بسخرية:
_ طب أنا هرجع بقا واضح إنكم عملتم الواجب.
مليكة بفرحة:
_ عمر طب كويس وفرت عليا مشوار كل يوم ايدك بقا على الفلوس.
لوي فمه بضيق:
_ هو أنتِ يا بت مش بتعرفيني غير بالفلوس.
مليكة بتأكيد:
_ أيوا.
داليا:
_ هههههه والله عمر طيب جداً أتمنى ميقولش لـ طنط آية هههه.
بدأ الخوف على ملامحها قائلة برعب:
_ لا مش عايزة خلاص.
ابتسم عمر ثم أخرج من جيبه 4 ظروف مطوية ثم تقدم منها رافعاً أحد الظروف وهب به على مقدمة رأسها:
_ غبية هو أنا ممكن أتكلم؟ دانتِ أختي حبيبتي.
ارتفعت ضحكاتها والتقطت الظرف بلهفة فأبتسم هو الآخر ثم ناول أسيل الظرف قائلاً بسخرية:
_ هادية ليه؟ ما تاخدي.
تطلعت لهم بخوف ثم تناولته منه فقدم الآخر لمروج قائلاً ببسمة:
_ اتفضلي.
تناولته بخوف شديد ثم تقدم من داليا فتناولته هي الأخرى بارتباك.
تقدم عمر من باب الغرفة ففتحه أولاً ليطمئن من وسيلة الفرار.
فأستدار قائلاً بسخرية:
_ كدا محدش فيكم هيكلف نفسه عناء مشوار كل يوم للمستشفى.
وهرول عمر سريعاً وتبقت الفتيات يتطلعن لبعضهن البعض ثم انفجروا ضاحكين فكل منهم تلجأ لعمر من أجل المال وكلا منهم يحذرن عليه بشدة بالتكتم.
هبط عمر بخطاه السريعة لسيارته ولكنه تعثر به.
ابتلع ريقه بخوف ثم رسم البسمة سريعاً:
_ أهلاً بالغالى نورت القصر والله.
وقف بثباته المريب ثم قال:
_ لا مهو واضح بتجري كدا ليه؟
عمر بارتباك:
_ مين؟ أنا!! ااه دانا عندي جراحة مستعجلة ولازم ألاقيها.
ياسين بعدم اقتناع:
_ أوك خلص وارجع.
عمر بتأييد:
_ تحت أمرك بس ماما فين.
ياسين بغضب جامح:
_ وأنت مالك على شغلك وأنت ساكت.
عمر ببسمة مكبوتة:
_ عيوني يا حاج.
كاد الصعود للسيارة ولكنه تفاجئ به يجذبه من تاليب قميصه قائلاً بتحذير:
_ تعرف لو شوفتك جنبها هعمل فيك إيه.
ابتلع ريقه بصعوبة قائلاً بخوف:
_ هي مين؟
ياسين بغضب:
_ أمك.
عمر بسخرية:
_ اديك قلتها يا حاج أمك.
ياسين بحزم:
_ واضح إن كلامي مش مفهوم ولازم أفهمك.
صاح عالياً:
_ لا طبعاًاا وضح.
وتوجه سريعاً لسيارته ولكنه استدار على صوت والدته.
آية بفرحة:
_ عمر.
زع نظراته بين أبيه وبينها قائلاً برعب:
_ غصب عني يا قلب أمي.
اقترب منه ياسين بغضب فقال سريعاً:
_ مجتش جنبها والله طب سلام.
وهرول عمر سريعاً بسيارته.
آية بغضب:
_ أنت عملت إيه في الولد خليته يهرب كدا.
أكتفى ببسمته الهادئة:
_ أنا قولته يبعد عن جوهرتي عشان هي ملكي لوحدي بس.
زفرت بعصبية:
_ مفيش فايدة فيكو.
وتركته ودلفت لترى صغيرتها المدللة. أما هو فابتسم بخفوت على ابنه المشاكس.
بشركة فاروق.
وصلت رانيا بعد أن أوصلت الصغيرة لروضة الأطفال.
ثم صعدت للأعلى سريعاً.
نيفين بقلق:
_ اتأخرتي كدا ليه يا رانيا؟
وضعت حقيبتها على طاولة المكتب بتعب:
_ هعمل إيه؟ ما أنتي عارفة لازم أوصل مريم الأول مش بترضى حد تاني يوصلها غيري.
نيفين بتفهم:
_ عارفه يا حبيبتي أنا خوفت تكوني تعبتي تاني.
بادلتها الحديث ببسمة هادئة:
_ لا متخافيش أخدت الأدوية وبقيت زي الحصان. هروح أودي القهوة لأستاذ فاروق زمانه وصل.
أشارت برأسها قائلة بتذكر:
_ وأنا هكمل الملفات المطلوبة.
أشارت لها هي الأخرى وتوجهت للمكتب.
بالداخل.
كان يجلس على المكتب بهدوء مريب.
تطوف به ذكريات ماضت بحب ذائف.
تردد سؤال واحد بعقله. كيف استطاعت أن تخدعه؟
هل هو أحمق لدرجة؟ أم أنا وجهها البريء كان الحافز الأكبر لها؟
خرج من ثورته حينما استمع دقات خفيفة على الباب. فعلم بأنها. نعم مازال هذا القلب يشعر بوجودها.
اقتربت منه ووضعت القهوة بعناية ثم رفعت عيناها قائلة ببسمة رسمية:
_ القهوة يا فندم.
تجمدت بمحلها كالصنم بسكونه صدمة عارمة اجتزت أواصرها لا تعلم إن كانت بحلم سخيف أم بحقيقة مؤلمة.
تعلقة نظراتها بعيناه فهبطت دمعة اشتياق من عيناها.
خرج صوتها المتحشرج ببطء:
_ رائد.
نعم خفق قلبه سريعاً اشتياقاً لسماع اسمه المجمل من طرب صوتها ولكن سرعان ما تغلف بغلاف القسوة والجفاء قائلاً بصوت كسهم:
_ رائد بيه. ويا ريت تلزمي حدودك في التعامل مع مديرك.
هنا علمت أنها بحقيقة ولكن مدبرة منه ليذقها جحيمه الذي وعدها به منذ أربعة أعوام.
استجمعت قواتها قائلة باستسلام وطاعة:
_ حاضر يا رائد بيه.
ابتسم قائلاً بغرور:
_ أنك تعرفي المقامات دا شيء جميل عشان تعرفي حدودك كويس. مواعيدك تكون منسقة عن كدا من الساعة 7 تكوني هنا لو اتأخرتي عن كدا متلميش إلا نفسك.
صدمت من حديثه قائلة بصدمة:
_ معادنا هنا كلنا 9.
_ كان ثم أنك مميزة عن الكل ولازم تتعاملي لمعاملة تليق بيكِ.
قالها رعد وهو يلتقط الملفات غير عابئ بها. فرفع قهوته يرتشفها بتقزز فألقاها أرضاً بغضب:
_ إيه دا؟
رانيا بهدوء:
_ قهوة يا فندم.
تخلى عن مقعده ليقف أمامها قائلاً بنبرة كالرعد الذي فتك بقلبها:
_ بن رخيص زي اللي عملته. من النهاردة غيري البن دا.
كلماته كانت قوية للغاية فتناثرت دموعها على وجهها حينما تأملت عيناه المفعمة بالقسوة.
صدمت كثيراً وهي تبحث عن عين معشوقها ولكن لم تجد سوى الجفاء.
أفاقت على صوته الغاضب:
_ أنت لسه واقفه عندك نضفي القرف دا وغوري من وشي.
شهقت من الرعب وأسرعت تلملم باقيا الزجاج المحطم كحال قلبها حتى أنها لم تبالي بجرح يدها.
ألقت الزجاج بسلة المهملات ثم اسرعت بأدوات التنظيف تحت نظراته التي تشبه زفاف الموت.
حملت الأدوات وتوجهت للخروج والدموع تلون وجهها بحمرة الانكسار. أما هو فاستند بظهره للخلف بوعيد لها.
بالمشفى.
وصل عمر للمشفى ثم صعد لغرفتها فوجدها تجلس بحزن وقلق بدا على وجهها.
تسللت رائحته لأنفها فأبتسمت قائلة:
_ صباح الخير يا دكتور عمر.
صدم عمر من معرفتها بوجوده فأقترب منها ببسمة إعجاب:
_ وعرفتي منين إني موجود؟
ابتسمت بخجل ثم أبدلت حديثها قائلة بعتاب:
_ فين هديتي؟ أنا كسبت أول تحدي.
أقترب منها عمر وضعاً على قدماها شيء مغلف من الخارج جيداً. لم تنكر سعادتها حينما تذكرها فرفعت يدها تتحسس ما جلبه لها فعاونها عمر حينما فتحها وجذب يدها برفق على ملامسه.
تحركت أصابعها على هديته فبكت من السعادة. نعم هو المصحف الشريف بطريقة تسهل لها قراءتها بعدما حرمت البصر.
نور بسعادة وبكاء متقطع:
_ مش عارفة أقولك إيه بجد أحلى هدية.
تأمل عمر بسمتها بشرود ثم قال بابتسامة هادئة:
_ عايزة تعرفي الاختبار التاني؟
أشارت بحماس فجذبها برفق للخارج.
نور باستغراب:
_ إحنا فين؟
عمر:
_ متخافيش يا نور إحنا بنمر على الغرف ودا تاني اختبار.
انكمشت ملامح وجهها بعدم فهم ليخبرها هو:
_ بصي يا ستي دي أوضتك.
ورفع يديها على الرقم المكتوب بجوار الغرفة فلمستها بأصابعها قائلة برفق:
_ 16.
ابتسم قائلاً بحماس:
_ برافو يا نور الاختبار هو إنك تعرفي أوضتي وتوصليلي لوحدك. الأوضة مكتوب عليها من بره عمر الجارحي في الدور الأول عايزك توصلي لوحدك.
هتفت بحماس:
_ ماشي.
ابتسم قائلاً بهدوء:
_ هنزل أستانيكي تحت وأشوف هتعرفي توصلي ولا لأ.
أشارت برأسها بابتسامة جميلة فبادلها البسمة بعدما أشار للممرضة التي تراقب خطواتها بحذر حتى لا تتعثر.
بالمقر.
حينما وصل معتز للمصعد فتفاجئ بعطل فني به.
زفر بغضب ثم صعد الدرج الجانبي السريع لمكتبه.
تأفف معتز حينما وجد فتاتين يقطعان الدرج الضيق فخطى هادئة فالدرج مخصص له وللملاكين للصعود البديل عند انقطاع المصعد عن العمل.
_ لااا أنا خايفة يابت تعالي ننزلقالتها تلك الفتاة ذات العينان العسليتان فأجابتها الأخرى بنفاذ صبر:
_ يا بنتي ارحمي أمي بقا بقالنا نص ساعة قدام الشركة.
شروق بخوف:
_ المكان مخيف يا بت ما بالك بأصحابه.
زفرت بضيق:
_ يا ستي أنتِ هتناسبيهم أنتِ ملزمة بالشغل وبس. وبعدين حمارة مين دي اللي ترفض شغل بشركات الجارحي.
تلون وجهها بحمرة الغضب:
_ أنتِ بتشتميني يابت.
ضحكت قائلة بسخرية:
_ أكيد ولو طولتي لسانك إيدي هتطول.
شروق بغضب:
_ بقا كدا طب تعالي بقا.
وكلزتها بقوة ولكن اختل توازنها لتسقط عن الدرج فأستندت سريعاً على من خلفها.
تقابلت عيناها مع عين الغاضب من تصرفهم الطفولي ولكن انسحبت نظرات الغضب لسكون حينما تقابلت عيناه الرومادية مع سحر عيناها فكف عن الحديث والتعبيرات فقط التزم الصمت.
تماسكت بوقفتها بخجل شديد فتطلع لها بهدوء ثم أكمل طريقه للأعلى بصمت قاتل.
تأملته بخفوت ثم صعدت خلفه بخجل شديد.
بمكتب جاسم.
تعالت ضحكاته قائلاً:
_ مفيش فايدة فيك هتفضل زي ما أنت.
تأتاه صوته على الهاتف:
_ يابني التغير دا لحد غيرنا مش بيقولك الشقاوة فينا بس ربنا يهدينا.
جاسم:
_ أحمد أنت شكلك خلصت شغلك وفاضي صح؟
أحمد:
_ صح الصح.
جاسم بغضب:
_ طب اقفل لقتلك.
أحمد:
_ ههههههه ماشي يا أبو السعداوي.
جاسم بغضب:
_ سعداوي في عينك.
وأغلق الهاتف ببسمة بسيطة يتابع عمله.
صعد معتز لمكتبه يباشر عمله ولكن صورة تلك الفتاة لم تترك مخيلته.
فرفع هاتف المكتب لمسؤول الوظائف بالشركة ينقل له مواصفاتها وأعطى له أمراً بأن تنال وظيفتها بموقعه وأن رغبت ببدء العمل من اليوم مرحب بها.
وبالفعل نفذ العمل ما أملى عليه فسعدت كثيراً وقبلت بذلك.
بعد أن أخبرها العامل بأنها ستكون سكرتيرة خاصة فحمدت الله على ذلك.
صعدت معه لغرفة السكرتارية الخاصة بمكتب معتز تحت نظرات حقد من السكرتيرة الخاصة.
فكم فعلت الكثير والكثير لتنال إعجاب معتز الجارحي فعلمت من مصادرها أن معتز قام باختيار تلك الفتاة بالتحديد.
تناولت الملفات وتتابعت تعليمات من تقوم بتعليمها على أن تقدمه للمدير بعدما أشارت لها عن مكتبه.
تقدمت شروق للداخل وقلبه ينبض بالخوف الشديد فهي من الآلاف الذين سمعوا عن نفوذ تلك العائلة الطاغية.
طرقت الباب بخفة ثم دلفت حينما سمعت إذن الدخول.
تقدمت للداخل بعين متطرفة للتأمل.
فوجدت مكتب فخم للغاية على الطراز الغربي شاسع للغاية بحجم منزلها تقريباً.
أكملت خطاها ليتبين لها هذا الشاب التي التقت به منذ قليل فعتلت ملامح التوتر على وجهها.
رسم على وجهه بسمة هادئة مشيراً لها بالجلوس فأنحازت له وجلست بارتباك.
معتز بهدوء:
_ خايفة؟
تلجلجت بالحديث:
_ من إيه؟
قال بثبات:
_ من اللي حصل.
شروق بخجل:
_ مكنتش أقصد.
_ ولا يهمك.
قالها معتز بعدما جذب حاسوبه الخاص وتقدم على المقعد المجاور لها بحدود حرص عليه قائلاً بعملية:
_ فيه حاجات لازم تتدربي عليها وأنا اللي هدربك بنفسي.
أشارت له بمعنى الموافقة فاستمعت له بحرص وثبات.
رفع يديه لشاشة الحاسوب قائلاً باستفهام:
_ فهمتي؟
أومأت له بنعم فعاد ليملأ مكتبه من جديد.
قامت للخروج ولكنها توقفت حينما قال ببسمة مرحة:
_ من أولها كدا.
لم تفهم ما يقول فأشار بعيناه على ما بيده فصاحت بخجل:
_ الملفات. أنا آسفة.
وتقدمت لتعطيه الملف فتلامست يديهم دون قصد.
تخشبت يديه على يدها بينما تلون وجهها بشدة فسحبتها سريعاً وهرولت للخارج.
ذهل معتز من ارتجاف يديه وانقباض هذا القلب. فكم رأى فتيات عديدة ولكن تلك الفتاة ذات طابع خاص.
أعاد رأسه على المقعد قائلاً ببسمة صافية:
_ شكلي وقعت.
أنفض تلك الفكرة عنه وأكمل عمله.
بالخارج.
خرجت من مكتبه ووجهها بلون حبات الفراولة الحمراء. بسمة صغيرة رسمت على وجهها حينما تذكرت ارتباكها.
كانت هناك أعين تراقبها بحقد فأقتربت منها قائلة ببسمة خبث:
_ إحساس حلو صح؟
شروق بعدم فهم:
_ إيه؟
أقتربت منها جهان السكرتيرة السابقة لمعتز الجارحي قائلة بمكر:
_ أصل معتز بيه حنين جداً مع كل اللي بيشتغل عنده وبصراحة ذوقه المرة دي تحفة.
تلون وجهها بغضب جامح:
_ أنتِ بتقولي إيه يا زبالة أنتِ.
ابتسمت بخبث:
_ بقول الحقيقة يا حبيبتي لو ركزتي كدا بالمنطق واحدة تقدم على شغل زيها زي مليون واحدة تتقبل وتتعين وفي يوم واحد والأغرب من كدا سكرتيرة خاصة. كان غيرك أشطر يا حبيبتي كتير معاك أسبوع ياخد غرضه ويرميكي.
لم تستوعب ما تستمع فقالت بجنون:
_ غرض إيه؟ إيه الكلام الزبالة دا؟ أنتِ أكيد مجنونة.
وتوجهت للخروج وحديثها يدور برأسها.
لا تعلم بأن حقد تلك الفتاة سينهي حياتها على يد هذا المتعجرف لتذوق جحيم ستعده بيدها.
ظلت تتأمله بصمت إلى أن قاطعه قائلاً باستغراب:
_ ليه هربتي من خطيبك؟
توترت ولم تجد الكلمات المناسبة للرد.
فعفى عنها عدي قائلاً بهدوء:
_ أنا لازم أرجع مصر بكرة. أنتِ ممكن تفضلي هنا في الشقة محدش هيقدر يوصلك.
تخشبت ملامحها حينما ذكر أنه سيعود لمصر فقالت بارتباك:
_ يعني أنا معاش هشوفك تاني.
كلمات بسيطة جعلت قلبه يخفق بقوة لا يصدق ما استمع إليه.
أتشعر مثلما يشعر هو تجاهها؟ نعم التقى بها منذ أيام قليلة لا بل ساعات معدودة على اليد ولكن قلبه يغير تفكيره لمعرفتها منذ عقد كامل.
وعت ما تفوهت به فخجلت كثيراً فأسرعت للأعلى بسرعة كبيرة.
ابتسم عدي حينما تذكر سخريته على ابن عمه رائد الذي وقع بالحب منذ النظرة الأولى فعلم الآن بأنه منحاز لنفس طريقه.
بالأعلى.
جلست على الفراش بصدمة مما تفوهت به. كيف لها ذلك؟
هي لا تعرفه حتى اسمه لا تعلمه كيف حدث ذلك؟
أيعقل أن تكون فقدت السيطرة على قلبها؟ لا تنكر أنه وسيم للغاية ولكن أخلاقها وقيمها ليست بهذا المستوى.
دق على الباب كأنه يحمل إجابة سؤالها فأسرعت للحجاب ثم فتحت الباب بخجل.
وقف أمامها بصمت رهيب يتأملها بذهول فرفعت عيناها لعيناه الغامضة فأخبرها قلبها بأنها تعرفه منذ سنوات وليست ساعات.
قطع عدي الصمت قائلاً بتردد:
_ أنتِ عملتي فيا إيه؟
لم تفهم ما يقوله. فدلف لغرفتها ثم جلس على الفراش وعيناه أرضاً.
خطت للداخل بخطى ثابت ثم جلست على المقعد القريب من الباب تستمع له.
رفع عدي عيناه ثم زفر بقوة ليستجمع كلماته قائلاً بعدم تصديق:
_ أنا مش مصدق اللي بحسه أول ما بشوفك.
رفعت عيناها له فأكملت بتلقائية:
_ بحس كأني أعرفك من سنين.
صدم عدي فكيف لها بنفس لهيب أحاسيسه.
ابتسم حينما استمع لها تقول بجنون:
_ مش عارفة أزاي دا حتى اسمك معرفوش.
_ عدي.
قالها والبسمة تزيد وسامة وجهه فخجلت كثيراً.
أقترب عدي منها فتراجعت للخلف بخوف فوقف قائلاً:
_ الخوف دا هو نفسه اللي جوايا. أنا للكل خط أحمر إنسان مجرد من المشاعر. حاولت أحب أو حتى أختار بنت مناسبة ليا بس فشلت لدرجة إني شكيت إني عندي قلب. أنتِ اللي حركتي القلب دا وخليتيني أكتشف بوجوده.
وضعت عيناها أرضاً بخجل فزفر مشدداً على شعره الطويل يستجمع باقي شجاعته فخرجت أخيراً:
_ تتجوزيني؟
جلست تنظر له بعدم تصديق وكذلك هو يتأملها بصمت ولا يعي بما تفوه به.
ابتسم قائلاً:
_ أنا مش مصدق اللي بيحصل دا.
الرحمة ببلاهة:
_ ولا أنا.
جلس جوارها قائلاً بصدمة:
_ تفتكري دا الحب من أول نظرة؟
استدارت بوجهها له قائلة بعدم تصديق:
_ ممكن.
عدي بخبث:
_ طب إيه؟
أشارت له بعدم فهم فأكمل بمكر:
_ صدمة واتصدمتي واسمي عرفتي مش فاضل غير الجواز.
تعالت ضحكاتها فشاركها هو الآخر ثم كف عن الضحك محتضناً إياها بقوة وجذبها خلف الباب بصدمة تعتلي وجهها.
ولكنها بدأت تستوعب حينما وجدت باب الغرفة ينفتح بجنون ويدلف منه رجال تعرفهم جيداً.
فتش الرجل بعيناه عنهم فوجد عيناه على الباب ولكنه تمدد أرضاً على أثر لكمة قوية من الوحش الثائر.
توفد الرجال للأعلى لسماعهم صوت يبرز من الأعلى.
شهقت خوفاً لرؤيتها الرجال يطوفون من حوله بسكين وأسلحة بيضاء.
لم تشعر بدموعها المنسدلة خوفاً عليه فربما كانت إثبات كافٍ لعشق ولد من النظرة الأولى.
فتحت فمها على مصرعيه من الصدمة حينما افتك بهم عدي بلمح البصر لتتناثر جثثهم بأنحاء الغرفة.
تقدمت منه بذهول ونظرات تتأمل الجثث بسعادة وعدم تصديق.
عدي بأنفاس منقطعة:
_ لو خلصتي فرجة ممكن نمشي.
أشارت له بفرحة ثم تعلقت بيده فنظر لها بعشق ولد من دموع الخوف بعينيها فقال بصوت عاشق:
_ لازم نتجوز بسرعة مش ضامن تصرفي.
لم تستوعب ما قاله فجذبها للخارج بعدما قرر العودة لمصر وعروسه بيده.
لا يعلم بأن ما ذاقه حلاوة العشق حان الآن ارتشاف الجزء المتبقي منه.
بالمشفى.
كان يجلس على مكتبه.
فدلف رفيقه قائلاً بخجل:
_ لسه زعلان مني يا عمر؟
زفر عمر بغضب قائلاً بهدوء جاهد ليحصل عليه:
_ اقعد يا إسلام.
إسلام بمرح:
_ مدام أقعد يا إسلام يبقى صافي.
عمر ببسمة هادئة:
_ ماشي يا خوسا صافي بس مش كل مرة.
كاد أن يجيبه ولكن صوت طرقات الباب كانت قاطعته.
سمح عمر للطارق بالدخول فدلت تلك الحورية ذات العين الزرقاء.
نور بسعادة لعطره الموجود:
_ كدا تمام يا دكتور.
ابتسم عمر بعدما قابلها لأقرب مقعد:
_ برافو عليكِ يا نور وعشان كدا هخرجك بكرة بالمكان اللي تحبيه.
نور بتردد:
_ مش بحب الخروج.
عمر بحزم:
_ قولنا إيه.
أشارت له ببسمة لا تليق بسواها.
على الجانب الآخر كان يتفحصها بأعين راغبة فلم يرى مثل ذلك الجمال من قبل.
نظراته لها كانت تنبع بما يفض بقلبه.
رغبته الدانية أنسته احترام الطبيب الذي يرتديه.
خشي أن يفتضح عمر من نظراته فاستأذن بالانصراف عزماً على الحصول عليها.
أما نور فقالت بقلق:
_ هي ماما مجتش لحضرتك النهاردة؟
عمر باستغراب:
_ لا ليه؟
بكت قائلة بدموع قاتلة له:
_ مش عارفة ماما مجتش من امبارح وأنا قلقت عليها.
جلس بالقرب منها قائلاً بهدوء:
_ طب ما يمكن في حاجة منعتها.
نور ببكاء:
_ حاجة إيه دي مش معقول إنها تسيبني.
عمر بتفهم:
_ ممكن تهدي لو تعرفي رقم تلفونها هاتيه وأنا أطلبها.
قالت بخجل وتردد:
_ مهاش تليفون.
عمر:
_ طب خلاص متزعليش قولي عنوانكم وعنوان شغلها وأنا هروح أشوفها بعد الشغل.
نور بسعادة:
_ بجد يا دكتور عمر؟
تردد اسمه بنبرة أحيت قلبه فقال بعشق:
_ بجد.
بالقصر.
جلست ملك بجوار يحيى قائلة بتوتر:
_ ياسين لسه مرجعشي.
يحيى:
_ زمانه راجع يا حبيبتي انتِ عارفه ابنك مش بيرجع غير 1.
ملك بقلق:
_ طب كلمه يا يحيى قوله إننا رجعنا.
قبل رأسها بحنان:
_ حاضر.
ورفع يحيى هاتفه يحدث ابنه الذي اجابه على الفور:
_ بابا حمد الله على سلامة حضرتك.
يحيى باستغراب:
_ وأنت عرفت إني رجعت إزاي؟
ياسين ببسمة هادئة:
_ من الرقم المصري بتاع حضرتك.
يحيى بإعجاب:
_ طول عمرك ذكي.
ياسين بغرور:
_ طالعلك.
يحيى:
_ هههههه للأسف لا طالع لعمك ياسين.
ياسين بتلهف:
_ هو فين؟ أنا نفسي أشوفه.
يحيى:
_ رجع مصر هو كمان.
ياسين:
_ لا كدا أنا جاي حالاً.
يحيى بابتسامة هادئة:
_ ماشي يا حبيبي في انتظارك.
وأغلق يحيى الهاتف ثم احتضنها قائلاً بحنان:
_ ارتحتي.
ملك بمشاكسة:
_ شوية.
يحيى بخبث:
_ لا دا دلع وأنا عارف سكته.
تعالت ضحكاتها بين أحضانه.
بالأسفل.
حمزة بغضب:
_ يابني ارحم أمي.
تالين:
_ ههههههه هو عمل إيه بس يا حمزة بيقولك وحشتني.
لوي فمه بعدم تصديق لتتعالى ضحكات حازم قائلاً بخبث:
_ شوفتي جوزك يا توتوت.
تالين:
_ معلش يا حبيبي.
حمزة بغضب:
_ حبيبك دانتي عمرك ما قولتيها لي.
حازم بغرور:
_ الناس مقامات يا أبو أحمد.
ومن هنا بدأت المشاكسة بين حازم وحمزة.
بغرفة رعد.
دينا بتعب:
_ أه مش قادرة أخيراً رجعت البيت.
جلس لجوارها قائلاً بابتسامته البراقة:
_ كنت فاكر إنك مبسوطة بس مش واضحة.
دينا بصدمة:
_ لا طبعاً كنت مبسوطة جداً بس بيتي كان وحشني ورائد وداليا.
رفع يديه على وجهها قائلاً بهمس:
_ طب وأنا؟
خجلت بشدة قائلة بارتباك:
_ أنت كنت معايا يا رعد.
أقترب منها بدلال طفولي:
_ طب مفيش احتفالية برجوعنا القصر.
لم تفهم قصده أو لما تترك لهم المشاكسة فرصة حينما دلفت داليا بسعادة:
^ حمد الله على سلامتك يا بابا.
احتضنها رعد بفرحة واشتياق:
_ وحشتيني يا روح قلب بابا.
داليا بحزن مصطنع:
_ ما هو بين مكنتش بتعبرنا.
دينا بتأييد:
_ معاكي في الحتة دي.
رعد بغضب:
_ خاليكي محضر خير يا دينا.
ثم وجه حديثه لأبنته:
_ طب أصالح بنوتي العسل إزاي؟
داليا بمكر:
_ تسافرنا معاك مرة واحنا مش هنعطلك عن ذكري شهر العسل.
تطلع رعد لدينا بغضب فعلم أنها من أعلمت ابنته بما تخبره به.
ارتعبت دينا والقت بغطاء الفراش عليها قائلة بخوف:
_ بريئة يا رعد.
خرجت داليا سريعاً بعدما أشار لها رعد بذلك وأنقض على تلك العنيدة فصرخت فزعاً.
بالشركة.
ظلت تعمل بتعب شديد بعدما أخبرها بذلك.
توجهت لمكتبه فالوقت صار متأخر للغاية ومازالت لم تعد للمنزل.
دلت بعدما طرقت الباب لتجده غافلاً على مقعده.
وقفت تتأمله بصمت واشتياق حتى ساورها الشوق فقتربت منه.
رفعت يدها على وجهه تتلامس بشرته البيضاء فزعت بشدة حينما أزاح يدها عنه بقوة.
رائد بغضب:
_ قولتلك قبل كدا فيه حدود ولازم تعرفها يوم ما تتخطيها تصرفي مش هيعجبك.
سقطت دموعها فخرجت على الفور ولكن ذراعيه كان الاقرب لها ضغط بقوة على ذراعيها فبكت ألماً.
رائد بغضب شديد:
_ أنا طلبت منك تمشي.
رانيا ببكاء وألم:
_ ااه سيبني.
تلذذ برؤية دموعها فضغط على ذراعيها أكثر فصرخت بقوة.
تركها رائد ففركت ذراعيه بألم ثم توجهت للرحيل.
هبطت للأسفل تنتظر باص أو سيارة وهو بالأعلى يراقبها بنظراته الصقرية.
تحولت نظراته لهلاك الموت حينما رآه يقف بالأسفل.
مجدي بقلق:
_ إيه اللي أخرك كدا يا رانيا؟ مريم بتعيط من ساعتها.
كأنها كانت تغرق وهو طوق نجاتها.
رمت نفسها بأحضانه تبكي بقهر وانكسار فتوّقف قلبه جذابها من أحضانه بقلق:
_ مالك يا رانيا في إيه؟
رانيا بخوف:
_ مفيش يا مجدي أنا بس تعبانة أوي مش قادرة.
عنفها قائلاً بغضب:
_ طلعتي ليه الشغل وأنتِ تعبانة وليه من أصله تشتغلي وأنا موجود.
رانيا برجاء:
_ نتكلم بعدين أنا فعلاً مش قادرة.
انصاع لها وأسندها للسيارة بينما ظل لهيب الشعلة تشع من عين رائد.
رواية الوحش الثائر (احفاد الجارحي3 الفصل الرابع 4 - بقلم اية محمد
قضت الليل بدموع تشكل وجهها. كم ودت أحتضانه بقوة والبكاء بصوت أقوى. كم ودت شكوى قسوته لعله يلين لها، ولكن لا فائدة لقلب أصبح كفيف بشعلة الانتقام. لم تشعر رانيا بابنتها المتمددة لجوارها، فهي في عالم مظلم وكحيل بظلم حبيبها.
***
بغرفة رائد.
غضبه كان أشبه بالثروة العارمة فتك به، فجعله ألعن من الهلاك. تمدد على الفراش والانتام رفيق دربه. سطعت شمس يوم جديد وما زال مستيقظًا. توجه لخزانته بوعيد لها، أرتدى حلي سوداء، مصففًا شعره بحرفية تاركًا العنان لعطره الجذاب. هبط للأسفل فشعر بالارتياح لعدم وجود أحد بالأسفل. خرج بسيارته بسرعة كبيرة حتى يشرع بتنفيذ انتقامه.
***
بغرفة آية.
صرخت صرخة مداوية، سلبت قلب ياسين. فشعل نور المصباح الخافت ثم رفع وجهها بقلق.
"مالك يا حبيبتي، في إيه؟"
ابتلعت ريقها بخوف.
"عدي يا ياسين."
تطلعت له بعدم فهم، فأكملت ببكاء.
"أنا عايزة أكلمه."
احتضنها ياسين قائلاً بخفوت.
"طب اهدى يا حبيبتي وأنا هكلمه حالا."
وبالفعل التقط ياسين هاتفه وطالب ابنه الذي أجابه على الفور.
"صباح الخير يا بابا."
"لسه فاكر إن ليك أب؟ وبعدين أنا طلبت منك ترجع في أقرب وقت."
"أنا راجع النهاردة إن شاء الله."
جذبت منه الهاتف باشتياق لتسمع صوت ابنها.
"عدي."
ابتسم حينما استمع لصوتها فقال بابتسامته الجذابة.
"إزيَك يا أمي."
"كده يا عدي متسألش عليا كل ده."
"غصب عني والله، حقك عليا."
"زعلانه منك ومش هتعرف تضحك عليا بكلمتين."
"خلاص لما أرجع هصلحك، أنا راجع النهاردة إن شاء الله."
قالت بفرحة سبقتها.
"ترجع بألف سلامة يا حبيبي."
"في رعاية الله."
وأغلقت الهاتف بارتياح ثم وضعته على الكومود. فحل الخوف على قسمات وجهها حينما رأت الغضب يتلون على وجه ياسين. اقترب منها قائلاً بضيق.
"ابنك كويس يا آية، أنتِ ليه مصرة تعيشي نفسك بوهم؟"
تناثرت الدموع على وجهها قائلة بصوت متقطع.
"غصب عني يا ياسين، الخوف عليهم مش بمزاجي."
حطمت قلبه بدموعها، فرفع يديه على وجهها يزيح تلك الدموع الألماسية بعشق ظل بدمه كالرفيق المخلد. خرج صوته الحنون قائلاً بهمس ساحر.
"مبحبش أشوف دموعك وأنتِ عارفة."
خجلت بشدة من قربه المهلك لها، حتى أنها شردت بعينيه التي لم تتغير بعد، بل زادت عمقًا وجمالًا. شردت معه ببحور من عشقه الخاص ليتوجها ملكة للمرة المليون على عرش قلبه الذهبي.
***
بالأسفل.
هبط عز ليتفاجأ بعمر يجلس على مائدة الطعام بشرود وحزن. اقترب منه بقلق بدا بصوته.
"مالك يا عمر؟ في إيه؟"
رفع عمر عينيه بسعادة.
"عمي، حمدلله على سلامة حضرتك."
ابتسم هذا الوسيم الذي لم يفقد جاذبيته بعد.
"طب ممكن نعرف مالك الأول."
زفر عمر بألم، فجذب عز المقعد المجاور له ليعلم ماذا هناك.
***
بالأعلى.
خرجت من غرفتها لتجده يجلس بالقاعة المجاورة لها يتحدث مع شقيقته بمرح وبسمة فتاكة.
"أسيل بغضب: كده يا جاسم."
ابتسم بسخرية.
"كده وأكتر كمان، الا مشفتك مرة عماللي ليك أو كومنت هسيبك من الأصدقاء ليه بقا؟"
تلونت عيناها بحمرة الغضب.
"يعني أنت عملتلي بلوك؟"
"أنتِ لسه فاكرة؟"
ومن هنا بدأت المعركة بينها وبينه، فأنقضت عليه تكيل له الضربات. لم يتمالك نفسه من الضحك حتى خارت قواه فتمكنت منه. خرجت مروج ومليكة على صوت صراخ أسيل، فوجدوا المعركة غير حاسمة بعدما استعاد جاسم قواه. قيد حركاتها قائلاً بهدوء مستفز.
"يا بنتي أنا سايبك من ساعتها يمكن تعقلي وتلمي إيدك، لكن الموضوع زاد عن حده."
صرخت قائلة بألم.
"آه سبني، والله أنت أخ قاسِ."
"بعد اللي انتِ عملتيه ده وهو اللي قاسي؟"
"ههههه البت دي مفترية أوي."
تركها جاسم ثم وقف يعدل من قميصه بعدما قامت تلك المشاكسة بجذبه منه بالقوة. توجه للأسفل غير عابئ بها أو كما تصنع هو لينال قلبها. تطلعت له بصدمة، فكيف له ذلك؟ نعم، اعتادت منه على المشاكسات اليومية حتى ولو بعينيه الساحرة التي تفقدها صوابها. وقفت تتأمله بغضب وهو يهبط للأسفل يلهو بهاتفه غير عابئ بها. لا تعلم بأنه يراها بكاميرا الهاتف ووجهه متمم ببسمة العشق الطواف الذي سيحاوطها بمكر وانتصار.
***
بالأسفل.
"أنت بتحبها يا عمر ولا ده مجرد شفقة عليها؟"
قاطعه بلهفة.
"بحبها من أول نظرة شوفتيها فيها."
ابتسم عز على صراحته ورؤية العشق بعينيه. على عكس ياسين المتحجر بمكانه بعد سماع ما قاله ابنه. رفع عز يديه على كتفيه قائلاً بحماس.
"أوعى تفرط فيها، قدامها لكل وأحجز لها مكان بعائلة الجارحي."
"صعب يا عمي."
بادله باستغراب.
"ليه؟"
وضع عينيه أرضًا بحزن.
"حضرتك قبل ما تسمعني سألتني شفقة ولا حب، أكيد ده هيكون نفس سؤالها، بس الفرق إنها هترفض تسمعني زي ما حضرتك سمعتني، وجايز أخسرها."
"لازم تعافر عشان تثبت حبك ليها."
صدم عمر وكذلك عز، فتطلعوا لمصدر الصوت ليجدوه يقف أمامهم بهدوئه المعتاد. أكمل باقي الدرج ليقف على مقربة منه قائلاً بحزم.
"مش من أول اختبار هتحط افتراضات، لازم تحارب عشان تفوز بيها."
كاد أن يصل فمه للأرض، فأغلقه عز بابتسامة كبيرة هامسًا له بصوت منخفض سمعه ياسين.
"متستغربش، أبوك كان الدنجوان ولو عرفت حكايته مع والدتك هتعرف صحة الحديث."
نظرة من ياسين جعلته يلتزم الصمت، أما عمر فحمل هاتفه ومفاتيح سيارته ثم أسرع للخروج، ولكنه توقف وركض لأحضان والده ثم هرول سريعًا. ابتسم ياسين ببسمة هادئة، فلمحها عز فأكمل بارتياح بعدما رفع يديه على كتفيه.
"العيال كبرت يا ياسووو."
تحولت نظراته لسيل من جحيم، فجذب عز يديه سريعًا قائلاً ببسمة مكبوتة.
"عندك حق، دلع زبالة."
"اتعدل معايا يا عز بدل ما تشوف الوش التاني."
"ليه بس عملت إيه؟"
قاطعه بسخرية.
"لا، كنت استنى لما تعمل وتحكي كل حاجة للولد."
تعالت ضحكاته قائلاً بسرعة لينجو بحياته.
"عيب عليك، مش كل حاجة بتتحكي."
هبط رعد ويحيى ليجدوا ياسين يكاد يفتك بعز. أسرع رعد بالتدخل بذكاء.
"على فكرة إحنا كبرنا على الحاجات دي."
"تفتكر لو حد من الأولاد نزل وشافنا كده هيكون إيه التصرف؟"
أجابه جاسم الواقف على مسافة ليست بعيدة.
"لا، خدوا راحتكم."
تطلعوا جميعًا له، فأبتلع ريقه قائلاً بخوف.
"أنا اتاخرت على الاجتماع، مش مهم الفطار."
وهرب جاسم سريعًا للخارج.
***
بمكتب رائد.
تغلغلت الدماء بعروقه وهو يتفحص الوقت، فالساعة المحددة لها زالت منذ ساعة ونصف. وصلت رانيا للشركة وقلبها ينبض بالخوف، فهي لم تر أمامه سوى شخصًا غامض تلمع عيناه بشرارة انتقام مزيف. توجهت لمكتبه بقدمين مرتجفتين بعدما علمت من السكرتيرة أنها هنا منذ الصباح وأعطى أوامره بأن تتوجه لمكتبه فور وصولها. وقفت أمام المكتب برعب حقيقي، لا تعلم مصدره. كادت أن ترحل بشكل نهائي من الشركة، ولكنها ملزمة بعقد البقاء لمدة لا تقل عن 6 أشهر. سلمت أمرها لربها ثم طرقت الباب ودلفت لتجده يجلس على مكتبه وعيناه بركان من الجحيم. ابتلعت ريقها بخوف شديد ثم أكملت خطاها للداخل. وقفت أمام المكتب أو بالأحرى أمام عين الصقر المجروح. وقف رائد وترك مقعده ثم اقترب منها بخطواته القاتلة قائلاً بصوت متمكن من غضبه بوضوح.
"الساعة كام؟"
علمت ما يلمح به، فقالت بارتباك فشلت في إخفائه.
"الساعة حاليًا 8 ونص، يعني جاية قبل ميعادي الرسمي بنص ساعة."
وضع يديه بجيب سرواله قائلاً بهدوء قاتل.
"آه، دا حضرتك بتمشي على قوانينك أنتِ."
رفعت عيناها اللامعة بالدمع لتتقابل مع عينيه، فهربت بنظراتها سريعًا بعيدًا عنه. نعم، تعلم بانهيار حصونها أمام معشوقها المحلل، فقلبها يصرخ اشتياقًا له. سكونها كان سببًا لاشتعال غضبه، فقال بغضب جامح.
"لما أكلمك تجاوبيني، أفضلك."
"أنت عايز مني إيه يا رائد؟"
جذبها من معصمها بقوة، صرخت لأجلها ألمًا لتواجه فحيح صوته.
"رائد، كده، قلتلك قبل كده لو اتخطيتي حدودك هتشوفي تصرف مش هيعجبك."
لم تفهم ما يقوله إلا عندما هوى على وجهها بصفعة قوية جعلتها أرضًا تحت أقدامه. كأنه يتعمد كسرها وتحطيمها أمامه. نعم، لم يرفع يديه عليها من قبل. هبطت دموعها بصمت ويديها تحتضن وجهها كأنها تستمد منها الحنان على قوة هذا القاسي. وقف ينظر لها بنيران تشتعل بعينيه كلما يتذكرها بأحضان هذا اللعين. تناسلت القسوة من عينيه لمجرد تفكيره بتلك الطريقة المنطقية بعدما رآها بعينه. اقترب منها وهي ما زالت تفترش الأرض بفستانها الأسود الفضفاض. جثى على ركبته ليكون أمام عينيها يتأملها بتلذذ مصطنع. لم تبالي بدمائها المنسدلة ودموعها المتوجهة، فقالت بسخرية.
"أنت كده صح؟ يعني حاسس إنك راجل بجد وأخدت حقك؟"
جذبها بالقوة من حجابها لتقف معه بألم.
"أنا أعلى من إن سيرتي تيجي على لسان واحدة رخيصة زيك. فعلاً أنا غلطت مرة بس انخدعت بالوش المزيف ده."
انكمش حجابها بين يديه وهي تحاول التحرر من بين قبضة يديه، فأنسدل شعرها الأسود الغزير على وجهها ليجعلها كسهم غزا قلبه القاسي. قالت ببكاء وهي تنظر له بغضب.
"عارف يا رائد؟ أنا عمري ما ندمت لحظة إني خبيت عليك حقيقة علاقتي بمجدي، مش عشان أنت غيور وتفكيرك رجعي، عشان غرورك اللي خلاك بالنسبالي علاقة مؤقتة."
صدم رائد مما استمع إليه، فأقترب منها بخطى تشبه شرارة عينيه. ابتلعت ريقها بخوف شديد، فجذبت حجابها الملقى أرضًا وركضت للفرار. ولكن هيهات، كانت يديها الأقرب لها. أغلق الباب بالمفتاح المنسدل خلفه ثم ألقى به من الشرفة خلفه بإهمال. صرخت به ليتركها، فذراعيه لم تحتمل ألمًا ولو صغيرًا بفضله، ولكن هيهات، فأخرجت الوحش من معتقله. قال بصوت مشابه لزفة الموت.
"أنتِ أقذر بني آدمة أنا شفتها. تعرفي أنا كنت بخلق أعذار لكِ؟ كنت بقول ممكن تكون مظلومة، لكن بكلامك ده أثبتيلي إنك رخيصة وزبالة فعلاً. كلامهم صح، اللي يبص لمستوى أقل منه بيشوف أوساخ كتير زيك."
كفت عن محاولتها للتحرر من قبضته القوية وتطلعت له بصدمة وهدوء اصطحب بدموع مفعمة بالانكسار. نعم، هي أقل منه كثيرًا، ولكنها تمتلك شيئًا عزيزًا وهي الكرامة التي حطمها بدون إحساس ولا رحمة. طافت عن هدوئها قائلة بصوت خافت.
"طلقني."
تعالت ضحكاته الشبيهة بالجنون قائلاً بسخرية.
"وهتفرق معاكِ في إيه؟ ما أنتِ مدوراها وأنتِ على ذمة الخروف."
رفعت يدها لتصفعه، ولكن من هي لتفعل ذلك؟ قيد حركاتها بسرعة كبيرة لم تتوقعها هي. قيد ذراعيها خلف جسدها بقبضة يديه القوية، لتتقابل عيناها الدامعة مع قسوة عينيه. ظلت النظرات طويلًا بين صراعها وقسوته. تطلعت لعينيه باشتياق رغم ما فعله بها، فكانت نظراتها مغلفة بحنان وشوق. أما هو، فيعلم جيدًا قراءة نظراتها، فزاده الأمر ذهولًا. كيف تشتاق له بعد كل ذلك؟ لا، هي حيلة جديدة ولن يقع بها. ألقى بها أرضًا بقوة كبيرة ثم حطم الباب بقدميه قائلاً بقسوة دون النظر إليها.
"غوري من هنا."
لم ينتظر جوابها وأسرع بخطاه للغرفة الموجودة بالمكتب، صافعًا الباب خلفه بقوة. ربما لو استدار كان ليرى معشوقته وهي تغيب عن الوعي شيئًا فشيئًا بعدما اصطدمت رأسها بالحائط على أثر قذفه لها.
***
بالقصر.
ارتدى حلي زرقاء اللون كلون عينيه واضعًا البارفينوم الخاص به. ثم ترك غرفته وتوجه للهبوط ليجدها تقف على مقربة منه تنظر إليه بإعجاب فشلت بإخفائه. تلجلجت بوقفتها على هزة خفيفة من مروج فأفاقت على الفور. اقتربت مروج منه قائلة بمعاكسة.
"إيه الجمال ده يا ياسين! لا أنا كده هنزل أطلب إيدك من أنكل يحيى."
أتاه صوته قائلاً ببسمة تزيده وسامة رغم كبر سنه.
"وأنكل يحيى موافق."
تعالت ضحكات مروج على عكس غضب مليكة، حتى أنها هرولت للمصعد بعدما قررت عدم استخدام الدرج أو وسيلة لأخفاء دموعها. رسمت البسمة على وجه ياسين، فهو يعلم بمزح مروج، ولكن لا مانع باستخدامه لهدفه. دلفت للمصعد بدموع أنستها أن تضغط على زر الهبوط. نعم، علمت بأنها تعشقه، ولكنه لها المحال. تفاجئت به يدلف هو الآخر خلفها. مسحت دموعها بسرعة كبيرة ثم وقفت بصمت. فوقف بجوارها، يتأملها ببسمة خبث.
"سمعتي اللي مروج قاله؟"
تحطم قلبها قائلة بصوت محتقن.
"لا، مسمعتش حاجة."
ابتسم ياسين قائلاً بثبات.
"مش هيتحرك."
تطلعت له قائلة بعدم فهم.
"هو إيه؟"
أشار بعينيه الزرقاء على المصعد، فصعقت حينما ألتهت بالبكاء. تقدمت لتضغط على الزر المجاور له، ولكنها تفاجئت به يجذبها ليحاصرها بين ذراعيه. تطلعت لعينيه ولقربه المهلك لها قائلة بارتباك.
"ياسين."
ابتسم وهو يستمع لاسمه من نغمات صوتها قائلاً بهمس.
"ملكة قلبي وكياني وكل ما أملك."
تحاولت نظراتها لصدمة، فابتسم قائلاً بهمس على حذر بالمسافة بينهم.
"أنتِ ليا من أول ما اتولدتِ يا مليكة، وجه الوقت اللي أعلن للكل إنك بقيتي ملكي. انتظرت الوقت المناسب لحد ما ألقى الحب اللي في عيونك ده."
حلت لعيناها الصدمة ازدادت حينما أخرج من جيب جاكته دبلة محفورة باسمه واسمها. تطلع لعيناها بسعادة قائلاً بشرود.
"استنيت كتير وجيت اللحظة المناسبة."
رفع يديها المستسلمة له ثم ألبسها ختم ملكيته بأصابعه المتصل بقلبها. رفع وجهه ببسمة أقسمت أن لم تكن بصدمة من الأمر ذاته، لكانت جثة فتاكة من وسامته. غمّز لها ياسين ثم غادر المصعد سريعًا قبل أن يفقد ما تبقى من عقله. توجه للدرج وظلت هي بالمصعد تستوعب الصدمات المتتالية. تنظر لخاتم الخطبة بعدم تصديق. خرج معتز من غرفته سريعًا، فسهى عن معاد العمل، وخاصة بوجود أعمامه، لن يتهون مع أخطائه أحد، فأسرع للمصعد ليجدها تقف بالداخل بفم يكاد يصل للأسفل.
"مليكة، أنتِ كويسة؟"
لم تجبه وظلت تنظر للفراغ تارة وللخاتم تارة أخرى، مما أقلق معتز فحركها بخفة.
"مليكة."
تطلعت له ثم رفعت يدها له قائلة بصدمة.
"أنت شايف اللي أنا شايفاه؟"
تطلع معتز للخاتم بيدها ثم انفجر ضاحكًا فقال بمكر.
"ياسين صح، كان لازم يسيبك كده لحد ما تستوي على الآخر. ههههههه."
وقف المصعد فجذبها معتز للخارج ثم قال بسخرية.
"خليكي بقى هنا وانصدمي براحتك بعيد عن الأسانسير."
وتركها معتز وغادر والبسمة تفترش وجهه على تلك الحمقاء. هبط حازم للأسفل يتحدث بالهاتف قائلاً بتأفف.
"يابني إحنا كده كده ساقطين وهنعيد السنة، فكك بقى من جو المذاكرة والحوارات دي. ثم إني بعد الشر عليا يعني مجنون عشان أتخرج وأتفخت بالشغل مع ولاد عمي، لا أنا كده قلت."
توقف عن الحديث حينما وجد مليكة تقف كالصنم بالأسفل، فقال بجدية.
"طب هكلمك بعدين."
وأغلق الهاتف ثم هبط سريعًا قائلاً ببسمة تسلية.
"مالك يا لوكا؟"
تطلعت له بنفس نظرات صدماتها، فقال بسخرية.
"يا حبيبتي يا بنتي، ده الموضوع كبير بقى، طب تعالي."
وجذبها حازم للمقعد قائلاً ببسمة تسع وجهه.
"قوليلي كل حاجة وأنا هتصدم معاكي، متقلقيش."
"قال لي إنه جه الوقت اللي أكون للكل ملكه."
"يا نهار أسوووح! هو مين ده؟!"
أكملت بعدم وعي منها.
"لبسني الدبلة وقال إن بقيت ليه هو."
"الله يخربيتك، واطي صوتك، ياسين لو سمعك هتحصل مجزرة. قوليلي مين اللي قالك كده، أو بمعنى أوضح، مين اتجرأ يعلن الحرب على ياسين يحيى الجارحي؟"
قالت بهيام لسماع اسمه.
"ياسين."
"بت، اتعدلي كده وفاهميني، مين اللي لبسك الدبلة دي؟"
"ياسين."
صاح بغضب شديد.
"ما تقول كده من الصبح، سايباني هموت من القلق والتفكير. طب يا ناصحة، لسه واخدة بالك؟ ده الموضوع ده من سنين، ده الغبي اللي قدامك عارفه."
تطلعت له باهتمام.
"موضوع إيه يا حازم؟!"
"الحمد لله مطلعتش لوحدي، فيه أغبى من أغبى."
"أنت لسه هتترسم؟ خلص."
"اسمعي ياختي، أبوكي وعمك يحيى متفقين من سنين بجوازك من ياسين، حتى البت داليا متفقين عليها لجاسم."
"وهما عارفين؟"
"يخربيت الغباء، أمال كان هيتجرأ إزاي يلبسك الدبلة دون الرجوع لأبوكي."
لم تنكر سعادتها بهذا الخبر، ولكنها غضبت حينما تذكرت بروده للفتك بها أو كما أخبرها، حتى يشعل نيران حبه بقلبها.
***
بالمشفى.
دلف لغرفتها بنظرات تفتك بها، فقالت بصوت قلق.
"مين؟"
تعجب إسلام ثم قال بصوت ثابت على عكس عينيه.
"أنا دكتور إسلام، كنت بسأل بس على نرمين."
أتت الممرضة من خلفه قائلة باستغراب.
"تحت أمرك يا دكتور."
تلجلج إسلام، فأشار لها بالخروج، فخرجت خلفه ليخبرها قائلاً برسمية.
"كنت عايزك تهتمي بالحالة رقم 78 عشان خلاص معاد العملية بكرة."
أشارت له بتفهم، فأكمل بخبث.
"هي البنت دي إيه حكايتها مع عمر؟"
تطلعت له باستغراب ثم قالت.
"ملهاش حكاية ولا حاجة، هي بس حالة مميزة عنده عشان والدتها الله يرحمها."
تعجب قائلاً.
"مش دي الست اللي جيت من كام يوم؟"
أجابت بحزن.
"أيوا، غابت عنها امبارح طول اليوم، فدكتور عمر الله يكرمه راح يسأل عليها، فعرف من الجيران إنها اتوفت."
"لا حول ولا قوة إلا بالله، طب هي عرفت؟"
أجابت بسرعة كبيرة.
"لااا، دكتور عمر محرج، محدش يقولها حاجة لأن عمليتها بعد يومين."
أجابها بحزن مزيف.
"ربنا معاها. بس هي هتعيش إزاي كده من غير والدتها لو العملية فشلت لا قدر الله."
"والله ما أنا عارفة، هي صحيح ما شاء الله ذكية جدا وبتعرف مين اللي جنبها، وده اللي لاحظته مع وجود الدكتور عمر أو والدتها، بس ده ميمنعش إنها كفيفة ومحتاجة مساعدة حد."
قاطعهم صعود عمر للأعلى قائلاً ببسمته الوسيمة.
"صباح الخير."
"صباح النور يا دكتور."
ثم استأذنت بالانصراف وتبقى هذا اللعين مع عمر.
"صباح العسل والروائح العسل دي."
"روائح إيه؟"
"رايحة البارفينوم بتاعتك المميزة يا دوك."
ابتسم عمر قائلاً برسمية.
"متشكرين يا عم على الكلام ده."
"لا بقولك إيه، أنا قلبت عليها الدنيا وملقتهاش، أديني واحدة."
"قولتلك ألف مرة البارفينوم ده مش من هنا، من إيطاليا، وياعم مش محتاج الدخلة دي، هجبلك كرتونة بحالها. يالا بقا نشوف شغلنا."
ابتسم قائلاً بمكر للوصول لمبتغاه.
"قشطة يالا."
"فيه دكتور محترم يقول فشطة والكلام الأوفر ده."
تركه إسلام قائلاً بعدم مبالاة.
"مدام شوفتني يبقى فيه."
لم يعلق عمر واتجه لغرفتها. استند بجسده على باب الغرفة فوجد البسمة تزين وجهها قائلة بفرحة.
"صباح الخير يا دكتور عمر."
دلف عمر مسرعًا قائلاً بصدمة.
"لا كده كتير، مش هسيبك غير لما أعرف بتعرفي إني موجود إزاي؟"
ابتسمت بخجل، ولكن مع إصراره قالت بوجه متورد.
"من ريحة البارفينوم بتاعك."
تأملها بصمت ثم قال بعشق.
"مش هغيرها أبدًا."
خجلت نور ولم تجد الكلمات لتتفوه بها، فقال هو.
"يالا نرمين هتساعدك عشان نخرج هدية الاختبار الثاني."
وتوجه عمر للخروج، ولكنه توقف على صوتها.
"دكتور عمر، سألت على ماما."
انقبض قلبه فقال بتوتر.
"أيوا يا نور، سألت عليها وقالت لي إنها مشغولة في الشغل شوية وإنها هتيجي في أقرب وقت. يالا بقا جهزي وأنا هستناكي تحت."
اكتفت بالإشارة له والقلق يساروها، لم تدلف تلك الكلمات عقلها، فلم تتركها أمك قط أي أمرًا ما؟
***
بنيويورك.
كانت تتأمل الناس من حولها بسعادة حقيقية بعدما تعرفت على الوحش لتكتشف قلبه الألماسي. تخفى عنها عدي ليفزع قلبها، فوقفت تبحث عنه بقلق شديد، حتى الدموع هبطت من عينيها. لا تعلم ماذا فعل بها هذا الغامض؟ أي حب هذا الذي يفتك بها من أول لقاء؟ شعرت بتراقص قلبها فوضعت يدها على قلبها قائلة ببسمة بسيطة.
"عدي."
خرج عدي من خلفها قائلاً باستغراب وصدمة.
"عرفتي منين إني هنا؟"
وضعت عينيها أرضًا بخجل، كيف تخبره بأنها تشعر به وبأنفاسه حتى لو كان بعيدًا عنها. تلمعت الدموع بعينيها خوفًا من فقدانه، فقرأ ما بعينيها بصدمة. كيف هذا؟ سيصاب بالجنون! هل هذا هو العشق الأسطوري الذي استمع عنه بالخيال؟ هل حان الوقت ليعاد الزمن من جديد بمجنون ليلى ويكون هو القيس؟ لم يعد يلقى بإجابة سوى بأنها رفيقة الروح. اقترب منها عدي قائلاً بعينيه العسلية.
"رحمة، أنتِ بتحسي بوجودي؟"
أشارت له سريعًا برأسها، فأبتسم قائلاً بخوف.
"كل ما أسرعنا بالرجوع لمصر أفضل لك."
وتركها وجلس على طاولة المطعم المجاور له. خجلت رحمة من كلماته ثم تتبعته وجلست أمامه تتراقب نظراته.
"ممكن ما تركزيش معايا خالص؟"
"ليه؟"
زفر قائلاً بنفاذ صبر وصوت خافت استمعت له جيدًا.
"يارب البنت دي مش هترجع إلا لما أعصيك."
قالت بصدمة.
"أنا معصية؟!"
"أنتِ أحلى من إني أوصفك بالقمر."
خجلت كثيرًا ثم تناولت طعامها بارتباك من نظراته. أما هو، فأشاح بوجهه عنها، فما زالت لم تكتب على اسمه بعد. صدح صوت هاتفه ليعلن عن ابن عمه. ابتعد عنها عدي ليتحدث بحرية.
"أخيرًا يا وحش."
"داخل حامي أوي يا أحمد."
"أكيد ما أنت على طول ناسينا يا عم."
"مقدرش أنساك، ده أنت صاحب العمر ياض. وبعدين مستنيك لما تعقل وتنزل مصر، رغم إني واثق من سببك المزيف للسفر."
"سيبك مني وطمني عليك."
تطلع على الطاولة ليجدها تعبث بوردة حمراء، فخطى ليختفي من أمامها قائلاً بخفوت.
"صاحبك وقع."
"إيه؟ أنت مش معقول."
"زي ما بقولك كده، أنا فعلاً وقعت. هرجع مصر وأفاتح بابا في الموضوع."
"مين سعيدة الحظ دي؟" ثم أكمل بخوف. "من العيلة؟"
"لا، لو من العيلة كنت اتجوزت من زمان."
تحطم قلب أحمد، لا يعلم أيستميل قلبه للفرح لأجل فرصته بالحصول عليها، أو يحزن لحطام قلب ألماسته الثمينة. أخرجه من شروده عدي.
"إيه يابني روحت فين؟"
"معاك يا عدي، ألف ألف مبروك، أكيد عندي فضول أشوف اللي ملكت قلب الوحش."
تعالت ضحكاته وأخذ يتمدد معه بالحديث. على الجهة الأخرى، أخرجت هاتفها من جيبها ثم أدخلت البطارية كما أخبرتها والدتها بأن تغلق الهاتف باستمرار لعدم تمكنه من الوصول إليها. ولكنها تخطف بضع دقائق للاطمئنان على والدتها.
"ماما، عاملة إيه؟"
أتاها صوتها بفرحة.
"حبيبتي يا بنتي، أخبارك إيه؟ أنا هموت من القلق عليكِ."
"أنا كويسة يا ماما، كويسة أوي."
"مصطفى قالب الدنيا عليكِ ورجع مصر من كام ساعة و..."
لم تستطع أن تكمل حديثها حينما وجدته معها بالغرفة، فقالت بصدمة.
"أنت دخلت الشقة إزاي؟"
لما يكلف نفسه عناء الرد، فرفع سلاحه وهوى على وجهها بضربة قوية أفقدتها الوعي، ولكن بعدما صرخت بخفوت ليقتلع قلب رحمة.
"مامااااا."
رفع الهاتف على أذنيه يغمض عينيه باشتياق نفسي لصوتها مطلقًا صفيرًا قويًا.
"صوتك وحشني أوي."
وبكت قائلة من وسط دموعها.
"عملت في أمي إيه؟"
"معملتهاش حاجة لسه، دي لازم تموت يا حبيبتي لأنها فارقتني بيكي."
صرخت قائلة برجاء.
"لااا يا مصطفى، أبوس إيدك لاا."
تطلع لصورتها، فحملها من على السراحة ينظر لها بجنون نفسي قائلاً بعين تلتهم ملامحها.
"أنتِ اللي هتكرري مصيرها، ارجعي مصر وإلا هترجعي بس عشان تعزي فيها."
وأغلق الهاتف بوجهها محتضن صورتها ببسمة ودمع جنوني.
"رحمة لياااا لوحدي، رحمة لياا."
أغلقت الهاتف ودموعها منسدلة على وجهها، تعلم جيدًا أنه شيطان لعين سيتمكن بالفعل من إيذاء والدتها، لعنت نفسها بعدم التفكير بتلك النقطة من قبل. ولكن ماذا ستفعل مع عدي؟ نعم، تعلم بأنه وحش كاسر سيتمكن من القضاء عليه وعلى عمها المستبد، ولكنه سيتأذى من فقدان أقرب أناسه إليه، وهي لن تقبل بذلك، فهي تعلم تخطيط عمها للانتقام كيف يكون؟ عاد عدي من الخارج ليجدها تبتسم بجنون، فركضت إليه قائلة بسعادة مصطنعة.
"عدي، مصطفى كلمني وقالي إنه موافق أكمل تعليمي وكل طلباتي هيعملها لي، يعني خلاص الخلاف بينا اتحل."
"إيه اللي أنتِ بتقوليه ده؟"
"بقولك مشكلتي معاه اتحلت، يعني خلاص الفرح وكل حاجة في معادها، أنا مبسوطة أوي يا عدي، مصطفى كان رافض إني أكمل تعليمي، وأخيرًا وافق."
جذبها عدي لتقف وتتأمل عينيه المفعمة بالغضب.
"أنتِ مجنونة صح؟"
"مجنونة ليه؟ أنا بشكرك أوي لأنك السبب في حل مشكلتي معاه، أنا بحبه أوي."
كانت كلماتها كالصاعقة بالنسبة له، ولكنه تماسك لأبعد الحدود قائلاً بثبات الوحش.
"يالا عشان معاد الطيارة."
وتركها عدي وتقدم بخطاه الغير متزن، عروقه تنبض بقوة، كم يود لطمها بقوة لتستعيد وعيها، ولكنها بارعة بالتمثيل الذي فتك به.
***
بالشركة.
ظل بداخل الغرفة لربع ساعة يستعيد قواه، ثم جذب جاكيته وتوجه للخروج ليجدها ما زالت كما هي، ففتك الغضب منه.
"أنتِ لسه هنا."
لم تتحرك من محلها، فألقى بجاكيته أرضًا وتقدم منها لتحل الصدمة ملامحه حينما وجد الأرضية مملوءة بدمائها. أدارها رائد إليه بخوف يقلع قلبه ليجد رأسها تنزف بشدة.
"رانيااااا! رانيا ردي عليا."
لما تجيبه، فأحتضنها بخوف شديد، ثم أخرج هاتفه من جيبه ليطلب الإسعاف التي أتت على الفور. حملها للأسفل بلهفة وجنون، وجهها شاحب للغاية وتوقف أنفاسها جعلها شبيهة بالأموات. فرت دمعة هاربة من عينيه، لا يعلم ما سببها؟ تمسك بيدها بخوف شديد، فبدت ملامحه بالذهول حينما وجد خاتمه يزينها. وصلت السيارة للمشفى فاستقبلتهم طاقم متكامل من الممرضات، ومنهم للعمليات. جلس بالخارج وعقله يوشك على التوقف، كيف فعل بها كذلك؟ حتى وإن أخطأت بحقه، فهو ليس بسفاح.
***
بمكان آخر هادئ.
كانت تجلس معه والابتسامة لا تغادر وجهها، فعمر مرح للغاية وقتما يشاء هو.
"ههههه مش معقول."
"بقولك أكلت قلم من يومها ختمت عليها، لو حد ضحك عليا وقالي هات إجابة سؤال بعمل نفسي أصم."
"ههههه أنا مجربتش آخد إجابات من حد."
"ههههه أنا مش عارفة هههههههه بس سعيدة وأنا بسمع ههههههههه."
"لا كده كتير بقى."
"خلاص هسكت."
ثم انفجرت ضاحكة، فحلت الصدمة ثنايا وجهها حينما قال بجدية.
"تتجوزيني يا نور."
صدمت نور مما استمعت إليه، فتلون وجهها بلون أحمر وعيناها بغضب قاتم. حاولت الوقوف ولكن جذبها عمر للجلوس قائلاً بصدق استشعرته هي.
"بحبك من أول لحظة شوفتك فيها، طلبي بالجواز منك مش زي اللي في دماغك، أنا فعلاً بحبك، صحيح المدة قليلة بس دي الحقيقة."
هرلت الكلمات من على لسانها، فوضع يديه على يدها قائلاً بصدق.
"فكري يا نور، أنا كنت حابب أفتحك بالموضوع ده بعد العملية بس معرفش الكلمات خرجت إزاي."
بدأت تنصاع له ولكلماته الحنونة، فهي لم تر منه سوى الجمال بحد ذاته. جذبها للسيارة ثم عاد للمشفى، فوجد نرمين بانتظارهم، فتحت لها الباب وعاونتها على الخروج، فقال عمر بصوت مرتفع.
"هنتظر ردك بكرا."
أشارت له برأسها وأكملت طريقها للأعلى مع الممرضة.
***
بالمقر.
جلست شروق على مكتبها بشرود، بعدما أقنعتها رفيقتها بالعودة للعمل وأن حديث تلك الفتاة مخادع لها لتترك العمل. تذكرت حينما تلامست يديه بيدها، فبدأت الخيوط تترابط بالسوء بعقلها. أفاقت من شرودها على صوت الهاتف الذي يطلبها بسجلات للملفات الأخيرة. دلفت شروق للداخل وبيدها السجلات ثم وضعتها أمام معتز قائلة بخوف ملحوظ.
"الملفات يا فندم."
رفع معتز عينيه ليجد وجهها شاحب للغاية، فقال بقلق واضح.
"أنتِ كويسة؟"
قالت باندفاع.
"حضرتك اللي يهمك الشغل، لكن أنا كويسة، أظن ده شيء يخصني."
تطلعت لها معتز بغضب شديد ثم قال بصوت كالسيف.
"أنتِ إزاي تكلميني باللهجة دي؟"
"أسفة، لهجات البنات الزبالة اللي أنت واخد عليها مش من نوعيتي."
لم يتمالك معتز أعصابه، فوقف كإعصار هائج.
"أنتِ مجنونة؟"
"المجنون ده هو أنت، تفكيرك إني لما أقبل منصب السكرتيرة الخاصة بتاعتك هيقرب هدفك تبقى غلطان."
اقترب منها وقد فاق غضبه ليتخطى حدود صنعها بعناية قائلاً بصوت كالموتى.
"وليه متقوليش إنها دخلة جديدة من زبالة زيك عشان تنولي شرف ليلة مع معتز الجارحي."
هوى على وجهه بصفعة جعلته يتصنم محله من الصدمة. أما هي، فقالت بغضب.
"بني آدم قذر."
خرجت على الفور، فكتب لها تصنمه عمرًا جديدًا، فلو كان واعيًا لكانت تلك الفتاة تزف لقبرها. ولكن هيهات، فالقادم كأس مرير سيجعلها تتمنى الموت. ويا حظك العاثر يا فتاة، معتز الجارحي أسوأ من الجميع لتدخلي عرينه الفتاك.
***
بالطائرة.
كانت تكبت دمعاتها بصعوبة بالغة، حتى أنها رفعت هاتفها عن عمد تبعث لمصطفى رسائل حب ليراها عدي فيتأكد من لعبتها. لا يعلم بأنها تذوق لألم سيجعلها تنكسر ملايين المرات، ولكن عشقه سيكون كافيًا لسماع آلامها؟ صراخاتها المستمرة بسبب هذا اللعين المتحرش سيجعل قلب معشوقها يدق ليستمع لها؟ هل ستضعف وتعود لطلب مساعدته أم أن للمجهول رأي آخر؟ ماذا تخبئ رانيا؟ وماذا لو كشف؟ ما ردة فعل رائد حينما يعلم بأمر ابنته وهل ستعطيه فرصة للتقرب منها؟ سيلجئ معتز للخداع لينال منها، فهل ستغزو قلبه أم أن الانتقام شعلته أكبر؟ ماذا لو فرض على أحمد بالزواج من أسيل؟ وأخيرًا، ما المجهول لجاسم ومروج وداليا؟
رواية الوحش الثائر (احفاد الجارحي3 الفصل الخامس 5 - بقلم اية محمد
رفعت يدها على رأسها بألم شديد.
ثم استقامت بجلستها مرددة آهات خافتة.
بدأت باستيعاب ما حدث لها، فوزعت نظراتها بالغرفة بضعف شديد لتصعق حينما تجده يجلس بغرور وثبات بمنتصف الغرفة، واضعاً قدماً فوق الأخرى، تاركاً نظراته تتفتل بها.
تطلعت له بصمت قاتل.
دموعها تلمع بعينيها الضعيفة.
ولكن بداخلها قوة للرحيل من هذا المشفى.
جذبت حجابها الموضوع على الكومود الطبي الصغير، ثم وضعته على شعرها المنسدل بضعف.
جاهدت للوقوف بمفردها، وبالفعل استطاعت رغم شعورها بالدوار.
تقدمت لتخرج من الغرفة غير عابئة به ولا بنظراته الغامضة.
ولكنها وقعت أمام الباب من شدة الدوار.
لم يتحرك رائد لمساعدتها، اكتفى بنظراته لها المخادعة بالاستمتاع لرؤيتها تنازع.
وقف رائد ثم تقدم ليكون على مقربة منها.
فجثى بركبته ليلتقي بعينيها.
تطلعت له بدموع تكتسح ملامحها، تتأمله بصمت وألم.
فحتى القسوة لم تقو عليها تجاهه.
خرج صوته المشحون بموجات الغضب:
"تعرفي أد إيه أنا مستمتع وأنا شايفك كده."
حلت الصدمة ملامح وجهها حينما رأت البسمة تزين وجهه.
قطع سيل النظرات برنين هاتفها بالحقيبة الموضوعة على الكومود.
توجه رائد للحقيبة ثم أخرج الهاتف بعين تلمع بالنيران لرؤية اسمه يعتلي الهاتف.
استدار لها بعين من لهيب نقلت لها من المتصل.
فتح السماعة الخارجية وعيناه تفترس ملامحها ليستمع لصوت هذا العدو اللدود له.
مجدي بغضب:
"أنتِ فين يا رانيا كل دا؟ أنا مش حذرتك قبل كده من التأخير؟ مريم مبطلتش عياط من ساعتها."
انكمشت ملامحه باستغراب، ولكن صوتها الطفولي قدم ليحطم ما تبقى بقلبه.
جذبت الصغيرة الهاتف قائلة ببكاء:
"ماما أنتِ فين؟ أنا خايفة أوي."
وضعت رأسها أرضاً تحتضنها ببكاء حارق وصوت شهقات مرتفعة للغاية.
ما ظلت تتخفى عنه صار حقيقة له.
أغلق الهاتف ثم ألقى به بقوة فتهشم لجزيئات صغيرة.
تلك الحمقاء تظن أنه كشف الحقيقة، ولكنها لا تعلم أي لعنة حلت عليه.
أقترب منها بخطى أشبه للموت ثم جذبها من شعرها بالقوة لتقف أمامه.
فصرخت بقوة عندما أنهال عليها بكم هائل من الصفعات قائلاً بصوت مخيف للغاية:
"زباااالة! أنا هفضحك قدام الناس دي كلها، هخليكي تقضي باقي العمر الرخيص بالسجن لخيانتك ليا. مكنتش أتخيل أنك بالمستوى الدانيء دا."
لم تعد تحتمل قواه الفائقة، فصرخت تستغيث بمن بالمشفى.
وبالفعل اجتمع من فيها ليفضوا بينهم.
فجذبت حجابها وهرولت للخارج بسرعة كبيرة، غير عابئة بدمائها المندثرة ولا بآلام القلب المحطم.
كل ما تشعر به أنها بمعتقل وحش كاسر وعليها الفرار.
لوحت بيدها برجاء لسيارة الأجرة التي وقفت على الفور.
فصعدت قائلة بدموع:
"اتحرك بسرعة الله يخليك."
انصاع لها السائق وغادر مسرعاً، فمظهرها يوحي بأنها من عائلة محترمة للغاية.
وقف السائق أمام العمارة القابعة بها، فطلبت من البواب أن يحاسب السيارة.
وصعدت هي سريعاً لشقتها.
*******__________*****
أمام المطار.
سبقت بخطاها للخارج، ولكنه تفاجأت به يجذبها بقوة لتلتقي بعينيه الممزوجة باللون العسلي والبني القاتم المخيف.
رحمة بثبات:
"في إيه يا عدي؟"
خرج صوته الثائر:
"أنا بحاول أعمل نفسي مصدقك، بس عايز أعرفك حاجة، أنا أكتر حاجة بكرهها في حياتي هي الكدب."
تلبلكت قائلة بحزن متخفي:
"ليه بتقول كده؟"
تأمل عينيها بصمت قاتل يتغلل بغضب:
"رحمة، أنتِ عارفه كويس إني أقدر للحيوان دا، هو والا يتشدد له."
أجابته بهدوء:
"عارفه يا عدي."
عدي بثبات مريب:
"أنا عمري ما حبيت ولا أعرف يعني إيه حب، أنتِ الوحيدة اللي فوقتني على حقيقة أن جوايا قلب."
رفع يديه أمامها قائلاً بثقة:
"أنا مستعد أحارب الدنيا كلها عشانك، إشارة منك ليا هتكون بمثابة إعلان الحرب على الحيوان دا."
تطلعت ليديه بدموع حتى كادت أن تضعف وترفع يدها ليده وتقبل بعرضه، ولكن واجبها تجاه والدتها أكبر من ذلك.
نعم تعلم بأنه سيتمكن من حمايتها، ولكنه سيفقد شخص عزيز بعائلته، فهي تعلم انتقام عمها كيف يكون.
كسرت حاجز الصمت قائلة بثبات مازال يلاحقها:
"أنا ممكن أكون حبيتك، بس مقدرش أكسر قلبه بعد ما عمل كل دا عشاني."
وتركته وتوجهت للخروج، فتفاجئت بيده مرة أخرى.
تطلع لعيناها قليلاً ويدها محاصرة بين يديه ليقطع ضعف نظراتها بجمال عينيه:
"هتقدري؟"
لم تجد الإجابة على سؤاله، فطلعت لعينيه بهيام شديد.
فابتسم بثقة وتركها تنظر لعسلية عينيه.
ثم رفع يدها أمام عينيها لتكون ملفتة لانتباهها.
ليتركها مرة واحدة، فتطلعت ليدها قليلاً ثم لعينيه بحيرة.
فابتسم قائلاً بسخرية وثقة عالية:
"روحي يا رحمة، بس دا..."
ورفع يده مشيراً على موضوع قلبها؛
"دا ملكي وهيفضل كده. قوتك المزيفة دي مش هتحميكي كتير، أنا واثق أننا هنتقابل تاني وساعتها هتشوفي بعينك أد إيه أنتِ ضعيفة."
وتركها تطلع له بصدمة، ثم ارتدى نظارته السوداء متجهاً لتلك السيارة التي تنتظره منذ ساعات بأمر من والده ياسين الجارحي.
أسرع الحارس بفتح باب السيارة لسيده، فدلف للداخل غير عابئ بها، لأنه يعلم جيداً حصوله على قلبها.
أما هي فظلت كما هي تطلع لطيف السيارة آلى أن اختفت من أمامه، فجلست أرضاً تبكي بصوت مرتفع.
محتقن بألم الفراق لنبض قلبها.
تحت نظرات استغراب من حولها.
********______****
بقصر الجارحي.
كان الجميع يجلسون على المائدة الطويلة يتناولون طعامها بسعادة وتبادل الحديث المرح.
تراقصت الطاولة ياسين وبمقابله يحيى.
عز بحزن:
"القعدة دي ناقصة."
هاشم بحزن هي الأخرى:
"عندك حق يا عز، أنا كلمته عشان ينزل، قالي أنه لسه شوية شغل هيخلصهم وينزل إن شاء الله."
دينا:
"إن شاء الله ينزل على خير يا حبيبتي."
تالين:
"هو رائد فين يا دينا؟"
رعد بتأفف:
"من ساعة ما رجعنا من السفر وملوش وجود."
آية بهدوء:
"رائد كان هنا امبارح يا رعد، وكان طالع لكم بس الوقت كان متأخر."
آرا بمزح:
"أيوا مهو لازم يشوف خالته الأول ههههه."
حازم:
"أنتِ بتقولي فيها يا طنط هههه."
يحيى لياسين:
"عدي هينزل إمتى يا ياسين؟"
رفع يديه قائلاً بثبات:
"طيارته وصلت من ربع ساعة تقريباً."
جاسم؛
"زمانه على وصول إن شاء الله."
مليكة بفرحة:
"إن شاء الله، واحشاني أوي."
حمزة:
"يارب يفتكر اللي قولته له عليه."
تالين بذهول:
"هو إيه؟"
حمزة بغضب مصطنع:
"أنتِ كل حاجة عايزة تعرفيها."
عز:
"خلاص يا جماعة، هو مفيش فايدة أبداً."
تطلع لهم ياسين فساد الصمت مجدداً، فكسره قائلاً ونظراته على ياسين:
"أخبار المقر إيه يا ياسين؟"
أجابه ببسمة هادئة:
"كل حاجة تمام يا عمي، جاسم نفذ المشروع الجديد على أكمل وجه، ومعتز مسك إدارة المصانع بجانب شركته، ورائد أسس مقر جديد عشان نوسع بيه العمل."
ابتسم بسمة لا تليق سوى به قائلاً بأعجاب:
"برافو عليكم، كدا نريح بقى والا إيه يا يحيى؟"
تطلع يحيى لملك القابعة لجواره قائلاً بشرود بجمالها:
"منريحش ليه، داحنا نطلع شهرين تلاته سفر تاني."
تعالت ضحكات الجميع، على عكس عمر ومعتز القابع بهدوء يفكر بما ارتكبته تلك الفتاة وكيفية الانتقام بطريقة لا تهز مملكة الجارحي.
أما عمر فكان تفكيره بها ممزق بالخوف من حسم الفكرة الخاطئة ببالها.
خطفت مليكة نظراتها له بغضب ساكن بعينيها، يعلمه جيداً، فكعادته يخفي شبح ابتسامته بسكونه التام.
قطع السكون دلوف عدي بطالته الثابتة، فهرولت مليكة لأحضانه بسعادة:
"عدي."
أحتضنها عدي بأشتياق قائلاً ببسمة بسيطة:
"أميرتي الصغيرة عاملة إيه؟"
بكت قائلة بدموع:
"زعلانة عشان مكنتش بتكلمني خالص."
ابتسم بمكر:
"هو أنا كنت بتفسح؟"
مليكة ببسمة صغيرة:
"جبتلي إيه؟"
أزاحها عمر بسخرية:
"يا شيخة أوعي، هو دا اللي يهمك."
وقف أمام أخيه يحتضنه بفرحة، فشدد هو الآخر باحتضانه هامساً بجوار أذنيه:
"بتفكر بقالك ساعة في إيه؟"
تأفف عمر لشعور عدي به الزائد عن الحد، فقال بحزن:
"فاتك كتير."
غمز له قائلاً بمكر:
"لينا أوضة تلمنا نتكلم وتحكي اللي فاتني."
ابتسم عمر وتراجع للخلف، فتقدم عدي يقبل يد والدته قائلاً بابتسامة صغيرة:
"واحشتيني يا ست الكل."
ابتلع عمر ريقه بخوف شديد ونظراته على والده من عقاب أخيه، ولكنه تفاجأ ببسمة السعادة التي تراقب عدي.
آية:
"مش قولتلك بتعرف تضحك عليا؟"
صدقنا بغضب:
"ما خلاص بقى يا بت، هو كان بيلعب ما قالك وراه شغل."
رفع رأسه لدينا قائلاً بامتنان:
"حبيبتي يا خالتو، دايماً كده في صفنا."
يارا:
"وأحنا بالخدمة برضو يا سيادة الرائد."
ابتسموا جميعاً، ثم استقبل الجميع بالترحاب به.
على عكس أسيل المتخشبة على المقعد تتأمله ببسمة واسعة.
وقف أمام والده فتطلع له بصمت، قرر قطعه بعد مدة:
"قولتلك عايز أرجع مصر، ألاقيك."
عدي بهدوء:
"كان غصب عني يا بابا، حضرتك عارف ظروف شغلي."
ياسين بشك:
"لا عارف دماغك كويس."
لم يخف عدي ملامح الإعجاب بوالده على قسمات وجهه، فشرع ببسمة بسيطة واحتضنه.
جلسوا جميعاً بالقاعة يرتشفون العصائر، والخوف يتبادل على وجه حازم لعودة الوحش الثائر لقصره.
جلس الشباب بالأسفل يتبادلون الحديث.
ياسين بسعادة:
"القصر نور برجوعك يا وحش."
عدي:
"منور بيكم يا شباب."
جاسم ونظراته على حازم:
"كده هتشيل عننا حاجات كتير."
مروج ونظراتها على معتز؛
"آه والله يا جاسم."
عمر:
"ههههههه، انتوا ما صدقتوا."
داليا:
"أينعم، وأنا أول واحدة، عدي حافظ حقوق الغلابة اللي زينا."
أسيل بنظرات هائمة:
"عندك حق يا داليا."
اكتفى ببسمة بسيطة، قاطعها بستغراب:
"رائد فين يا عمر؟"
كاد عمر أن يجيبه، فوجده يدلف للداخل بوجه محتقن.
تعجب الجميع من رؤيته هكذا، فأسرعت داليا لأخاها قائلة بقلق:
"مالك يا رائد؟"
لما يجيبها وجلس بجانب جاسم بعين تلمع بشرار مريب.
ياسين:
"أسيل، خدي مليكة وداليا واطلعي فوق دلوقتي."
كادت أن تعترض، ولكن نظراته كانت حازمة.
صعدت الفتيات، وتبقى الشباب بمجلسهم، فأقترب عدي منه قائلاً بثبات:
"في إيه؟"
رفع عيناه المملوءة بشرارة الغضب:
"في أن كلامي طلع صح في أني دخلت بن آدمة زبالة حياتي."
عمر بهدوء:
"أهدأ بس يا رائد وفهمنا في إيه."
وبالفعل انصاع له رائد وشرع بقص ما حدث.
*********_____________************
بمنزل رانيا.
دلفت للداخل، ففزع مجدي من رؤيتها هكذا.
أقترب منها بصدمة كبيرة:
"مين اللي عمل فيكي كده؟"
تطلعت له بدموع غزت قلبه ليعرف الآن من جرؤ على فعل ذلك.
******_______**
بالقصر.
معتز بصدمة:
"مش معقول!!"
رائد ببركان يصاحبه:
"زي ما سمعتم كده، الهانم مش محترمة أنها لسه على ذمتي أنا، بقا هوريها الجحيم بعينه."
ياسين بهدوء:
"الموضوع دا فيه غلط يا رائد."
صاح بغضب:
"أنت لسه بتدافع عنها؟ دي متستاهلش غير اللي هعمله فيها هي والكلب دا."
وقف عدي وتوجه إليه قائلاً بنبرته الساكنة:
"وليه متحطش في افتراضاتك أن البنت دي بنتك."
كانت كلماته صادمة للجميع، فتطلعوا له بصدمة، حتى رائد توقف يراقبه بصمت.
ثم صاح بانفعال:
"لا مستحيل."
ياسين:
"عدي عنده حق، لازم تديلها فرصة."
توجه للخروج والغضب يفتك منه قائلاً بحزم:
"أبقى غلطان لو سبتها هي والحيوان دا ثانية واحدة."
ارتعب جاسم، فقال بخفوت:
"رائد مش هيسكت."
زفر عمر بنفاذ صبر:
"أنا معتش فاهم حاجة."
معتز بعصبية:
"اللي نفهمه أنها بن آدمة زبالة زي ما قال رائد، ممكن حد فيكم يفهمني ليه مجدي دا لسه في حياتها؟"
لم يجد أحد الجواب المناسب على سؤاله.
فتراقبوا صمت الوحش بخوف.
أما عدي فتوجه لغرفته بعدما رفع هاتفه لشخص من أتباعه ليعلم ما السر الخفي وراء رانيا وهذا الأحمق المتحدي لرائد الجارحي.
******____________*****
مر الليل وسطعت الشمس المذهبة بأشعتها المخيفة لها.
فدلفت للداخل بعدما استجمعت قوتها.
فتحت لها الباب بملامح غاضبة، ثم جذبتها من شعرها بقوة كبيرة فصرخت ألم.
هناء بسخط:
"تعالي يا صايعة يالا مقضياها ولا فارق معاكي حد."
بكت رحمة وهي تحاول تخليص نفسها من بين يدي زوجة عمها القاسية، فصاحت بصراخ كثيف كعادتها:
"ماماااااا."
كلما عصف بها الضرب المبرح، صاحت بصوت أعلى للاستنجاد بوالدتها التي تنازع للحياة بعدما تلقت ضربة مميتة من هذا اللعين.
هرع قلبها حينما لم تجد منقذتها، فشرعت بالبكاء الحارق والتوسلات بأن تتركها.
هبط هذا اللعين على صوت صرختها، فوجدها تنازع للعيش بين يدي أمه.
جلس على المقعد مخرجاً من جيبه علبة من السموم ينفثها براحة وسعادة لعودتها.
لم تجد ملجأ سوى الركض إليه قائلة بدموع وهي تتمسك بقميصه:
"مصطفى أرجوك حوشها عني."
كانت كلماتها ذات مغزى مريب، وملامستها له جعلته يتلذذ بشكل غريب.
فوقف قائلاً بصوت متقطع:
"اسمي جميل أوي، منكبكت."
فوقفت خلفه بفزع لتجدها تجذبها بشدة.
حال مصطفى بينهم قائلاً بهدوء:
"خلاص بقى يا ولية، هي رجعت خلاصة."
هناء بسخرية:
"رجعت بعد ما فضحتنا يا صابع البرومبه، وبعدين أش عارفك أنها متلمتيش على الواد اللي كان معاها دا."
تعالت شعلة الغضب بعينيه، فكرهه النفسي مريب ومحبوك عليها بخيط غليظ.
استغلت رحمة انشغالهم بالحديث، ثم هرولت لشقتهم بالأعلى.
فصاحت بالطرق المستميت عليه لتفتح لها والدتها وتحفظها من هؤلاء الشياطين.
ولكن هيهات، لم تأت الدعوة بصدر رحب.
تجمدت محلها حينما رأته يصعد الدرج بعصا غليظة تعرفها جيداً، فكم نالت منها ضربات مميتة.
تراجعت للخلف بخوف شديد قائلة بدموع تغرق وجهها البريء:
"أنا معملتش حاجة والله."
ناولها ضربات قاسية ولكمات على وجهها، فصاحت بصراخ قوي وهي تتوسل له أن يستمع لها.
كم لعنت نفسها باختيارها المؤلم، بكت كثيراً وهي تعلم جيداً أنها لن تستطيع العثور على وحشها الثائر لحمايتها.
أنهى ضربه قائلاً بصوت هادئ مريب بعدما ألقى العصا:
"إيه دا رحمة؟ بتعيطي ليه؟"
لم تستغرب ما يحدث معه، فهي على علم تام بحالته النفسية المريبة.
جلست أرضاً وهي تبكي بألم محتضنة ذراعيها المنتفخة من أثر الضربات.
خرج صوتها قائلة بدموع:
"ماما فين؟"
أتاها صوتٍ تعرفه جيداً:
"أمك في المستشفى يا أختي."
رددت الكلمة بصدمة:
"مستشفى!!"
أقترب عمها منها قائلاً بغضب شديد:
"آخرة عمايلكم الوسخة أنتِ وأمك، ابني كان هيروح فيها لو أمك كانت ماتت، بس الإصابة مموتتهاش."
تناثرت دموعها بصدمة:
"انتوا عملتوا إيه في أمي؟"
بلل شفتيه قائلاً بنبرة ونظرات مخيفة:
"يلا ادخلي ارتاحي."
بكت قائلة بصراخ:
"مش هدخل غير لما أشوف أمي."
أنهال عليها بالضرب المبرح مرة أخرى حتى فقدت وعيها.
******_________******
لم يتمكن من النوم، فظل طوال الليل بالشرفة، أراد التحكم بضربات قلبه، ولكنه فشل بنهاية المطاف.
لم يتمكن للحظة نسيانها، فكيف سيتمكن وعشقها متربع على عرش قلبه.
تأمل سطوع الشمس بنظراته المتحدية لها، كأنه يخبرها بأن ظلامه لن تستطيع هي ملائه بنورها.
انسحب بخطاه للأسفل، ثم شلح قميصه لتظهر عضلات جسده المقسمة بحرافية عالية، فألقى بنفسه بمياه المسبح الخاصة به وبأخيه.
حبس أنفاسه تحت المياه، ما تمكن من الوقت لنسيانها، ولكن هيهات، كان يشعر بها لجواره.
قلبه يصرخ بتمزق، كأنها تستغيث به.
نفض تلك الأفكار عنه، ثم صعد لسطح المياه بثقة وكبرياء، كأنه يعلن لذاته قوته في نسيانها.
تفاجئ بعمر يقف أمامه وبسمته الواسعة تزين وجهه المشابه له.
خرج من المياه يجفف شعره الغزير قائلاً بستغراب:
"أنت لسه هنا؟"
عمر ببسمة واسعة:
"أكيد مش همشي غير لما أرزل عليك الصبح."
تطلع له بعدما أزاح المنشفة من على وجهه، فجلس على المقعد يجفف شعره قائلاً بخبث:
"يعني حضرتك معترف أنك رزل؟"
عمر بغرور:
"الاعتراف بالحق فضيلة."
تعالت ضحكات عدي، فتسللت الوسامة لوجهه بحرافية، ثم قال بحزم مصطنع:
"على شغلك يا عمر أحسن لك."
لوى فمه قائلاً بتأفف:
"يعني طول الليل صاحي ورافض تتكلم معايا وبالنهار على شغلك يا عمر؟ طب مش هنتكلم ولا إيه؟"
لف المنشفة على وسطه بإحكام، ثم توجه للصعود قائلاً بصوت كالسيف:
"لما يجيلي مزاجي."
عمر:
"ماشي يا عم المغرور."
وأكمل عدي طريقه للغرفة، ولكنه صاح غاضباً بعمر المتوجه للخروج:
"أنت قافل الباب يا زفت؟"
التفت قائلاً بتأكيد:
"أيوا، ليه؟"
كانت نظرات عدي له كافية بـِجعله يردد مسرعاً:
"آسف، أنا متعود على أن الأوضة ليا لوحدي لغيابك المعتاد."
عدي بغضب:
"طب بغبائك دا هدخل إزاي يا متخلف؟"
عمر:
"لف بقى وأدخل من جوا."
وغادر عمر سريعاً قبل أن يهبط الوحش للأسفل.
زفر عدي مشدداً على شعره البني الغزير بغضب جامح، ثم استسلم في نهاية الأمر.
ودلف للقصر من الباب المجاور له.
دلف بخطى ثابت، ثم توجه لغرفته مستخدماً الدرج.
تعجب عدي حينما استمع لصراخ مليكة وداليا، فخرجوا من غرفتهم للأسفل بسرعة كبيرة.
وقف يتأملهم بملامح تحمل شفقة لطفولتهم، ثم أكمل طريقه ليتفاجئ بأسيل تخرج هي الأخرى وبيدها حذاء ذو كعب عالٍ تركض خلفهم بغضب وجنون.
ولكنها تصنمت محلها حينما وجدته يقف أمامها والغضب يشتعل على قسمات وجهه.
وضعت عينيها أرضاً سريعاً، ولكنها تفاجئت بصوته الساخر:
"طب هما ممكن لسه صغيرين بالسن، وحضرتك أي نظامك؟"
رفعت عينيها المترقرقة بالدموع، فتقابلت بعينيه، ليزفر بقوة متحكماً بأعصابه:
"مش كل ما حد يكلمك تبكي يا أسيل، مليكة وداليا أصغر منك، وأنتِ المفروض يكون لكِ مكانتك. عموماً، اعملي اللي يريحك."
وتركها عدي وغادر، وتبقت هي تتأمله إلى أن اختفى من أمامها.
بسمة تردد اسمها من على شفتيه كان لهم سحراً خاص.
دلف عدي لغرفته، ثم شرع بتبديل ثيابه لسروال أسود اللون وتيشرت أبيض ضيق يبرز عضلات جسده، ثم ارتدى جاكيت طويل بعض الشيء باللون الأسود، مصففاً شعره بحرافية عالية، تاركاً رائحته العطرة تلحق به.
هبط للأسفل، فوجد الجميع يعتلون الطاولة، استأذن منهم لتأخره عن العمل بسبب أخيه.
لاحقته أسيل بنظراتها التي كانت محور اهتمام ياسين الجارحي.
******__________*****
بالمشفى.
وصل عمر المشفى، ثم صعد لمكتبه والخوف يغلف قلبه بتمكن، فجلس يحسم أموره بالصعود لها أم يتجاهلها حتى تستطيع حسم قرارها.
دلف إسلام للداخل قائلاً بلهفة مريبة:
"جبت البرفيوم."
عمر بستغراب:
"طب قول صباح الخير الأول."
ابتسم بحرج:
"صباح الخير يا عم."
لم يجبه عمر، وأخرج مفاتيح سيارته، ثم ناوله إياهم قائلاً بهدوء:
"في شنطة العربية."
إسلام بستغراب:
"طب ما كنت جبتها وأنت طالع."
عمر بسخرية:
"أشيل 250 إزازة؟!!"
إسلام بسعادة:
"لا، دانت جبت الكرتونة بقا زي ما قلت."
عمر بجدية:
"المفتاح معاك، اعمل اللي تحبه، وسيبني دلوقتي."
لم يجادله وهبط للأسفل بخطى محفورة بالخداع.
*****_________*****
بمنزل رانيا.
لم تذق النوم والقلق ينهش قلبها، فمجدي لم يعد منذ أمس.
استمعت دقات على باب الشقة، فتحملت على نفسها لترى من؟
دلت هبة قائلة بصدمة:
"مالك يا رانيا؟ وأيه اللي عمل فيكِ كده؟"
رانيا ببكاء:
"سبك مني وقوليلي مجدي رجع؟"
هبة بزهول:
"هو مش عندك؟"
جلست على المقعد وتعالى صوت بكائها لعلمها الآن بأنه وقع بشباك رائد الجارحي.
هبة بصراخ:
"في إيه يا رانيا؟ مال مجدي؟ هو مش عندك؟ فاهميني."
بكت وهي تقص لها عن رحلتها مع العناء منذ أربع سنوات، وبإعادة الماضي من جديد بعودة زوجها رائد الجارحي.
*****___________****
بمركز الشرطة.
العميد بأعجاب:
"برافو عليك يا عدي، عرفت تلعبها صح ومن غير ما تدخل نفسك في متاهات."
اكتفى عدي بابتسامته الهادئة، ثم قال:
"بفضل تعليمك لينا يا فندم."
العميد بشك:
"لا معتقدش، دا ذكائك اللي متعودين عليه في كل مهمة."
ثم أكمل بجدية:
"خلاص بقى، أنت أخدت تار صاحبك، نرجع بقى لشغلنا والا إيه يا سيادة الرائد؟"
وقف يحييه، ثم استأذن بالانصراف.
دلف عدي لمكتبه براحة كبيرة للثائر لرفيقه الذي كان طعم لهم ليحققوا انتقامهم منه، فقلب عليهم الطاولة لينهوا حياة بعضهم البعض بذكائه المعهود.
دلف مازن مسرعاً حينما علم بعودته.
":حمدلله على السلامة يا وحش."
ابتسم عدي قائلاً بملامح لا تنبت بشيء:
"الله يسلمك يا مازن، طمني عليك."
جلس مازن على المقعد المجاور له بعدما احتضنه قائلاً بلهجة مسرحية:
"صاحبك اتقحرت من غيري."
بادله بسخرية:
"والله بشك إنك ظابط شرطة."
وضع يديه على المكتب بضيق:
"يا عم أعمل إيه عشان أثبتلك بس."
عدي بتعجب:
"فين دبلتك؟"
انكمش بجلسته بحزن شديد بدا على ملامحه، فنقل لعدي ما به، فقال مسرعاً:
"في إيه يا مازن؟"
جاهد لخروج صوته:
"مفيش، أنا وشهد انفصلنا."
قال بصدمة:
"وقصة الحب اللي بينكم؟"
ابتسم ساخراً:
"تقصد استغلال."
عدي بحزم:
"متقولش كده، قول في إيه؟"
مازن بألم:
"أنا فعلاً حبيتها يا عدي، بس مشفتش منها أي حب، ديما بشوف استغلال ليا ولمنصبي كظابط شرطة، بحس أني مارد لتحقيق رغبتها وسيلة ليها عشان تكون مرتاحة في حياتها بعد كده، عشان كده فضلت أنهي العلاقة قبل ما تكون جدية بالجواز."
عدي بتفهم:
"ولا يهمك يا مازن، إن شاء الله ربنا هيعوض عليك."
كاد أن يجيبه، ليتعلل كلماته بتلك الحورية الواقفة أمامه كأنها تخبره بأنها التي ستغزو قلبه.
عدي بصدمة حقيقة:
"مروج!!"
تقدمت من المقعد فجلست بدموع ووجه متورد من البكاء.
رفع مازن عينيه ليتقابل مع تلك الفتاة الساحرة، لم يدري كم من الوقت تطلع لها أو ظل يتأمل هذا الجمال الرقيق.
ولكنه حينما وجدها تبكي، استأذن للخروج، فالأمر عائلي.
خرج وعينيه تتلفت لرؤيتها مرة أخرى، حتى أغلق باب الغرفة وغادر لمكتبه.
مروج ببكاء:
"أنا آسفة يا عدى، أنا عارفة أنك محرج علينا كلنا منجيش هنا، بس غصب عني لقيت نفسي جايالك."
ترك مقعده وجلس أمامها قائلاً بقلق:
"مش مهم الكلام دا، قوليلي مالك؟"
رفعت عينيها الممزوجة بدموع معبأة منذ زمان، ثم قالت:
"معتز لسه زي ما هو يا عدي، لو ضحكت معاه أو هزرت مش بيقبل مني حاجة، أنا هزرت معاه من كام يوم ومن ساعتها وأنا بطلب منه أنه يسامحني، اعتذرت كتير وأنا عارفة أني مش غلطانة، بس عشان يكلمني، حتى النهاردة روحتله المكتب، طردني من هناك."
قالت كلماتها الأخيرة وبكائها يزداد أضعافاً:
"عمري ما حسيت منه الحنان، على طول بحسه أنه بيكره نفسه حتى. لو عندي مشكلة كنت بلجأ لجاسم أو رائد وأحياناً ياسين وعمر، رغم أني ليا أخ بس بالاسم بس."
خرج عن هدوئه:
"إحنا كلنا أخواتك يا مروج، معتز زودها فعلاً."
نهض عن مقعده، ثم كفكف دموعها قائلاً بمزح:
"أما خليه يسف دموع مبقاش أنا، بس برستيجه هيضيع."
مروج بتأكيد:
"فعلاً."
عدي بمكر:
"طب إيه رأيك بهدية؟"
صاحت بسعادة:
"حلوة ديا."
أكمل بنفس لهجته المرحة:
"متقوليش كده، كنت جبتلك هدية وخلصت."
تعالت ضحكاتها بعدما احتضنته بسعادة أخوية، فخفف عنها ألمها، لذا هو القدوة للجميع.
خرج معها للخارج، ثم أوصلها لسيارتها.
فغادرت، واتجه هو ليلقن معتز درساً قاسياً لن ينساه أبداً.
****_______******
بالقصر وبالأخص بغرفة ياسين.
دلف جاسم للداخل، ثم أسرع للفراش، فأزاح عنه الغطاء قائلاً بصراخ:
"ياااااسين."
انقض عن الفراش قائلاً بفزع:
"في إيه على الصبح؟"
جاسم بجنون:
"كارثة، كارثة، إيه دي مصيبة هتطب على دماغنا كلنا."
انكمشت ملامحه بقلق:
"رائد."
جاسم:
"هو بجنانه خطف مجدي، أو هو اللي جاه برجله، مش عارف إيه اللي حصل بالضبط، بس المصيبة واحدة، أنه تحت بالمخزن والحرس بكل مكان."
تجمدت الكلمات، فلم تعرف طريق الخروج.
ردد بخفوت:
"دا أكيد مجنون."
جاسم بتأكيد:
"ومش بعيد نحصله لو حد من أعمامك شم خبر."
ياسين بغضب:
"إحنا لسه هنستنى."
وجذب ياسين قميصه وارتداه مسرعاً، ثم ركض للأسفل.
*******___________******
بالمشفى.
كانت تشعر بالضيق، بالعادة كان يبدأ يومه بها أولاً، ولكنها تشعر أنه يتعمد ذلك.
ابتسمت بسعادة، ثم قالت بخفوت:
"أتأخرت يا دكتور."
ابتسم بخفة، فأكمل طريقه للداخل قائلاً بهدوء:
"حبيت أسيبك تفكري براحتك."
تلون وجهها باللون الأحمر قائلة بخجل:
"بس أنا فكرت خلاص."
استجمع شجاعته قائلاً ببعض الخوف:
"طب والقرار؟"
انغمس وجهها باللون الأحمر القاتم، فبدأت السعادة تتسلل لوجهه حينما قالت:
"موافقة."
لم يتمكن من كبت سعادته، فحملها بين ذراعيه ملتفاً بها بسعادة، ثم وضعها واستعاد عقله قائلاً بصوت يملأه السعادة:
"لازم أكلم بابا."
وغادر مسرعاً قبل أن يستمع لها حينما قالت أنها تود انتظار والدتها، ولكنه غادر.
*****_________******
بالمقر.
توجهت شروق لمكتب العامل المتخصص بالوظائف لسحب أوراقها وبعض متعلقاتها التي تركتها، فتفاجئت بمعتز يعتلي المكتب بدلاً منه.
قالت بصدمة:
"أنت؟"
لم تنتظر منه الحديث وتوجهت للخروج سريعاً، ولكنها تفاجئت به يغلق الباب.
تراجعت للخلف بخوف شديد، فأقترب منها وهي تبتلع ريقها بتوتر وارتباك.
شروق بصوت متقطع:
"أنت قفلت الباب ليه؟"
لم يجيبها وظل يقترب منها حتى حاصرها بين الحائط قائلاً بصوت فشلت بفك شفراته:
"منكرش أعجابي بيكي من أول لحظة شوفتك فيها، بس دا مش طبعي ولا دي أخلاقي، وعشان أثبتلك كلامي، مقابلتي مع باباكي ووعدي ليكي بأنك هتكوني مرأتي."
لم تفهم ما يقوله، فأبتعد عنها، تاركاً الغرفة بأكملها، ومازالت كلماته تتردد بداخلها.
صعد لمكتبه، فدلف للداخل ليجد مقعده مخصص لعدي الجارحي.
فقال وهو مغمض العينان مستسلم بجلسته:
"أتأخرتم."
معتز بستغراب:
"عدي!!"
ترك المقعد ووقف أمامه بعين ملتهبة بالغضب:
"مكنتش متوقع أنك هتشوفني بعد ما أهنت أختك؟"
ابتلع ريقه بتوتر، ثم قال بغضب فشل بكبته:
"بتتعمد تهيني دايماً."
قاطعه قائلاً بصوت كالسهام:
"محصلش، وأنا وأنت عارفين كده كويس، حساسيتك أنها أكبر منك مخلياك عايز تفرض رجولتك الزايدة عشان تثبت للكل أنك أكبر منها بتصرفاتك، بس للأسف بتصغر نفسك بدون ما تحس."
صمت معتز قليلاً ليكمل عدي بثقة:
"محدش فاهمك أد إيه يا معتز، أنا لحد الآن بكلمك بهدوء وبكل احترام، رغم فرق السن اللي ممكن أستغله زي ما حضرتك بتعمل كده، بس لأ، أنا عندي خطوط حمراء مش بتعداها، وهي الاحترام، لأنك ببساطة لو محترمتش اللي قدامك عمره ما هيحترمك، سواء كنت أصغر أو أكبر منه."
صمته جعل هدي يسترسل حديثه قائلاً بثقة:
"كده كلامي وصلك؟ ياريت أرجع البيت ألاقي دا بنفسه."
وتركه عدي وغادر بعدما ارتدى نظارته السوداء.
هبط لسيارته، ولكنه توقف واضعاً يديه على صدره بألم شديد، يستمع لصوتها الباكي المتردد لصدى صوتها.
عدي…. عدي…. عدي..
لاااا، لا يتوهم، صوتها يخترق مسمعه، أهي لجواره؟
تأمل المكان جيداً، فوجده خالياً منها، أذن ما هذا الألم؟
من أين يأتي هذا الصوت؟
*******_____________**************
بالجامعة.
حازم بتأفف:
"يوووه، أنت معتش في دماغك غير سيرة المذاكرة."
محمد:
"يا حازم، الامتحانات بعد أسبوع، مش هنلحق نذاكر بأسلوبك دا، وبعدين ألا كنت خايف عليه حصل من ساعة ما اتعرفت على الشلة الزبالة دي وأنت اتغيرت."
تملكه الغضب قائلاً بصوت مرتفع:
"أنت نسيت نفسك ولا إيه؟"
دانت كلماته بمثابة خنجر له، فقال بحزن:
"لا، اللي نسي نفسه للأسف هو أنت يا حازم، سلام يا صاحبي."
وتركه وغادر، فزفر بغضب، ثم أكمل سيره لمن يجلسون أمامه على السيارات، مجموعة من الشباب المشهورة بسوء خلقهم.
رفع هاتفه الصائح بأزعاج له، ليجدها رسالة من أخيه على الماسنجر يطمئن عليه، فرد عليه الرسالة برسالة أخرى، غير واعٍ لتلك الفتاة التي اصطدم بها.
تطلعت له قائلة بغضب:
"مش تفتح يا محترم."
رفع وجهه بابتسامة تلقائية لرؤية هذا الجمال الهادئ، قائلاً بهدوء:
"بعتذر منك، مخدتش بالي."
أشارت له بخفة بتقبل أمره، ثم أكملت مسيرتها لرفيقتها المنصدمة.
نسرين بتعجب:
"مالك يا بت؟"
لم تجبها رفيقتها غير بصراخ:
"أنتِ عارفه أنتِ كنتِ بتكلمي مين من شوية؟"
قالت بعدم اهتمام:
"هيكون مين يعني؟"
"حازم الجارحي."
قالتها رفيقتها بصدمة من عدم معرفتها بالأمر.
أما الأخرى فقالت بعدم اهتمام:
"وأيه يعني؟ مطلوب منه يدوس على خلق الله مثلًا."
انغزتها رفيقتها بغضب:
"امشي يا نسرين، مفيش فايدة فيكِ، هتفضلي زي ما أنتِ."
وبالفعل انصاعت لها وتوجهت للداخل.
أما حازم فجلس بجوارهم على السيارة من الخارج، فكانوا يحاوطون بالسيارات خلف بعضهم ويجلسون عليها.
قال أحدهما بخبث وهو يشير بعينيه لرفيقه:
"روقتك صحت."
"تطلع له حازم بغضب جامح."
فقال الآخر:
"عندك حق، أنا متوقعتش من حازم الهدوء دا، قولت هيخلص عليها عشان الأسلوب الزبالة دا."
حازم بغضب:
"أنت بتتكلم كده إزاي؟"
قال الآخر بمكر:
"عنده حق يا حازم، البنت بهدلتك خالص، دي أسلوبها مع الكل أفضل من كده، أصلها جديدة هنا وبين كدا متعرفش أنت مين ولا ابن مين."
استرسل أحدهما:
"بصراحة، محدش هيحترمك بالجامعة بعد كده."
صاح بغضب:
"ما عاش ولا كان اللي يهين حازم الجارحي، وهتشوفوا هعمل في الحيوانة دي إيه."
وتركهم وغادر، وعلى وجوههم بسمة انتصار بالتشفي من تلك الفتاة المستجدة، فلم يستطيع أحد منهم الحصول على كلمة صغيرة منها.
******__________*****
بمخزن قصر الجارحي.
دلف ياسين وجاسم للداخل، فصدموا حينما وجدوا مجدي معلقاً والكدمات تغطي معظم وجه.
أقترب ياسين منه بصدمة، فحل وثاقه بمساعدة جاسم، ثم مدده على الفراش المجاور لهم.
دلف رائد خلفهم بعدما علم من الحرس باقتحامهم المكان، فصاح بهم:
"أنتم بتعملوا إيه هنا؟"
وقف ياسين قائلاً لجاسم بحزم:
"اطلب دكتور فوراً يا جاسم."
رائد بغضب:
"متطلبش حاجة، الحيوان دا هيموت."
لكمه ياسين بقوة أوقعته أرضاً، ثم صاح به قائلاً بحزم:
"نفذ اللي بقولك عليه بدون نقاش."
وبالفعل أخرج جاسم هاتفه ثم طلب الطبيب.
أما ياسين فجذبه ليقف أمامه قائلاً بغضبٍ جامح:
"غيرتك عمتك عن أخلاقك يا رائد، خلاص بقينا سفاحين بنخطف ونستقوى."
وقف يحسم أمره، فغضب من نفسه غضب شديد، فلكم الطاولة التي تهشمت بقوة كبيرة من قوته المفرطة، ثم صاع بغضب شديد:
"هي اللي عملت فيا كده! هي اللي خانتني ومكتفتش بكده، لا خالفتني منه وهي لسه على ذمتي."
يشعر بجرحه، ولكن عليه أن يكون قاسياً، فقال بهدوء:
"اعمل اللي يريحك، بس بلاش الطريقة دي."
وتركه وتوجه للقصر.
بينما ظل جاسم لجوار مجدي حتى أتى الطبيب ولملم جرحه.
***___________*******
كانت ممددة على الأرض جثة هامدة، فقط عينيها تشدو الدمعات الحارقة على ما حدث بوالدتها.
لعنت نفسها على ما فعلته، تلفظ اسمه بتكرار، لعله يشعر بها ويقسم الجبال بحثاً عنها.
شعرت بقلبها ينبض بقوة، فقالت بدموع:
"عدي…… عدي."
على الجانب الآخر.
أوقف سيارته بقوة، ثم وضع يديه على قلبه، صارخاً بقوة:
"يا الله."
ثم بدأ بسماع اسمه مجدداً، ولكن تلك المرة بوجع أشد.
******_______________***********
عاد معتز للقصر، ثم توجه لغرفة شقيقته التي تنظر له بصدمة حقيقة، فلاول مرة يدلف لغرفتها.
أقترب منها قائلاً بحزن:
"جبتلك هدية."
ألقى بها على الفراش، زافراً بغضب:
"بصي، أنا معرفش أنا بعمل كده إزاي، بس أنا مش عايزك تزعلي."
لم تجبه، فكاد فمها الوصول للأرض من الصدمة.
توجه للخروج قائلاً بحزن:
"يبقا لسه زعلانة."
جذبته بقوة تحتضنه بسعادة:
"لاااااااا، زعلانة إيه، دانا نفسي أرقص."
ابتسم معتز، ثم رفع يديه يشدد من احتضانها، فسقطت دمعة خائنة منه على معاملة أخته له برغم ما ارتكبه بحقها.
*****_______****
ترك رائد المخزن وتوجه للقصر لينصدم مثلما صدم ياسين لرؤيتهم رانيا بالداخل.
كانت عين رعد توحي بالكثير والكثير من الغضب الدفين على ابنه.
رائد بغضب جامح:
"أنتِ بتعملي هنا إيه؟"
رعد بحزم بعدما وقف أمام ابنه:
"كلمني أنا، صحيح الكلام اللي هي بتقوله دا."
تهرب منه قائلاً بضيق:
"دي حيوانة وهي أزبل منه."
"جاوبني على سؤالك."
كانت كلماته تزف بالقصر بأكمله، فهبط الجميع للأسفل.
ووقف عدي وعمر بعدما عادوا من الخارج يستمعون لما يحدث.
رائد بغضب بعدما جذبها بقوة من ذراعيها غير عابئ لأحد:
"أنتِ اللي دخلتي هنا برجليكي ومش هتخرجي غير بمزاجي."
وجذبها رائد بقوة من شعرها فصرخت ألماً.
تدخلت هبة بغضب:
"أنت كمان ليك عين، سيبها بقولك، وقولي جوزي فين؟"
كانت صدمة له، فتركها قائلاً بسخرية:
"إيه دا، أنتِ عارفة بعلاقتهم وبتدافعي عنه كمان."
دينا بغضب:
"اخرجي بره أنتِ وهي."
آية بهدوء:
"اصبري بس يا دينا لما نفهم في إيه."
أقتربت رانيا منه قائلة بدموع:
"مجدي فين يا رائد؟"
رعد بغضب شديد:
"أنت ساكت ليه؟ انطق."
يحيى:
"مش كده يا رعد، الله، جاسم اطلب عمك ياسين فوراً."
وبالفعل انصاع له.
أما رانيا فبكت قائلة بألم لم تعد تحتمله:
"قولي مجدي فين يا عمي، وأحنا هنخرج من هنا فوراً."
رعد بهدوء:
"معرفش حاجة من اللي ابني بيعملها من ورايا، للأسف."
رائد بسخرية:
"ليكي عين تيجي لحد هنا وتطلبي بعشيقك أبو بنتك."
كانت صدمة للجميع، والصدمة الأكبر صراخها.
صرخت بقوة كأنها لم تعد تحتمل الظلم أكثر:
"مجدي أخويااااا! ومريم بنتك أنت."
ثم سقطت أرضاً تبكي بانكسار.
عمر بصدمة:
"إزاي؟"
هبة بدموع هي الأخرى وهي تحاول تهدئة رانيا:
"دي الحقيقة."
رائد بسخرية:
"لا، خطة مرضية بصراحة."
رفعت عيناه له بدموع غزيرة.
فقال عدي بنبرة مؤيدة لهم:
"ممكن تسمع الأول هما عايزين يقولوا إيه."
صمت رائد والجميع، فأقتربت هبة من عدي وقدمت له شريط من الطراز القديم، فأشار للخدام بإحضار ما يناسبه.
انصاع الصوت بجميع أرجاء القصر، كأنه يعلن انتهاء عذاب تلك المسكينة وبراءة لها مما ينسب إليها، وتحطم قلب القاسي الذي طعنها بقوة.
كان صوت والدتها قبل الوفاة، فصوتها كان متقطع بصوت ملحوظة.
"أنا عارفة يا بنتي أنك حزينة على موتي، الشريط دا مش هيوصلك غير وأنا بين يدي الله، عايزكِ تعرفي حاجة واحدة بس، أنا حبيتك أكتر من نفسي يا حبيبتي."
تعالت شهقات رانيا لذاكرها محتواه، كذلك المرأة تسجل بصوت متقطع من البكاء.
"أنا مش وحشة يا بنتي، الفقر هو اللي وحش أوي، خلاني أبيع ضنايا عشان أقدر أعيش وأصرف عليكي وعلى أبوكي المريض، بعت ابني وأنا بموت ألف مرة فكرت بالانتحار، بس خفت عليكم، كنت بين اختيارين، أنتِ وهو، خفت عليكي لأن البنت ميعتمدش عليها، لكن هو مهما كان راجل. أنا كنت بشوفه كل يوم ونفسي أروح وأقوله أنا أمك، بس خوفي من الناس دي كان أقوى، بس شرطي معاهم أني بعد موتي، بنتي هتطالب بأخوها أو بالاقل تعرفه الحقيقة، الشرط كان مستمر لوفاتي، وأنا خلاص يا بنتي بواجه الموت كل يوم. أدعيلي بالرحمة، وخاليه يسامحني، مع الشريط ورقة بعنوانه: حاربي يا رانيا عشان أخوكي، وادعيلي يا بنتي."
رسالة مزقت قلوب من بالقصر، منهم من بكى، ومنهم من تحطم، ومنهم من شفق على حالها، ومنهم من ود الصراخ من تحمل تلك الفتاة، ومنهم من وقف كأنه السهام حطمت أجساده وقلبه، هكذا كان حال رائد الذي جلس على المقعد بانكسار، وعبارتها تتردد بعقله.
"غرورك اللي منعني أعرفك طبيعة علاقتي بمجدي، لأن كنت عارفه أنها علاقة مؤقتة."
رفع عينيه لها بانكسار، صدماته قوية بقدر المستطاع، هل تركها تعاني أربع سنوات لأجل ابنته؟ هل حرمت ابنته من أبيها؟ ما الذي ارتكبه هذا؟
ذنب فاضح لا يغتفر، ولكن هل ما سيفعله سينهي عذابها؟
رواية الوحش الثائر (احفاد الجارحي3 الفصل السادس 6 - بقلم اية محمد
شعر بانقباض قلبه وذهاب روحه، كان بحالة لا يحسد عليها.
وقف بخطواته غير المتزنة ثم انحنى أرضاً ليكون على مسافة قريبة جداً منها.
تطلع لها بعين أوشكت على فيض دمعات لا حصر لها.
شعر الجميع بمعاناته، فأنسحبوا على الفور، حتى دينا غادرت والدموع تترقرق من عينيها، ربما هي الوحيدة التي تشعر به.
أبى رعد التحرك، حتى أنه تحرك ليلقن ابنه درساً قاسياً على ما ارتكبه، ولكن يحيى حال بينهم وجذبه للخارج.
خرجت هبة مع ياسين لترى زوجها، ليبق هو بمفرده معها.
رفع يديه ليقربها منه، ولكنها أبعدته عنها سريعاً، ثم جاهدت للوقوف رغم الآلام المتفرقة بأنحاء جسدها.
وقفت رانيا تاركة إياه، ثم توجهت للخروج من هذا القصر اللعين كما تشعر هي، فهي تكرهه بعدما أهانت به وطردت بلا رحمة.
نعم، قطعت الوعود بعدم عودتها له، ولكنها جبرت لأجل أخيها.
جذبها رائد لتقف أمامه، فصرخت به قائلة بغضب:
"لسه عايز إيه؟ ما خلاص كسرتني، لسه عايز حاجة تانية؟"
اقترب منها فتباعدت عنه بخوف شديد.
رفع يديه ليحتضن وجهها، فاحتضنته بخوف من أن يهوى على وجهها بصفعاته القاسية.
تجمد بوقفته لما رآه من خوف زرع بجسدها تجاهه.
لم يلق سوى الألم بقلبه، فخرج صوته أخيراً:
"ليه مقولتليش يا رانيا؟"
رفعت يدها لتنظر له قائلة بدمع يلاحقها:
"أقولك!! أقولك إيه إن أمي باعت أخويا عشان الفلوس؟ كان ممكن أتكلم، بس للأسف عمري ما كنت هكسر نفسي لبني آدم مغرور زيك."
رفعت عينيها بتفحص للقصر العالي الطراز، ثم نظرت إليه بسخرية:
"المكان والمستوى اللي أنت عايش فيه مخليك مغرور. فكرت كتير أقولك، بس كل ما كنت بشوف غرورك وكبريائك دا، كنت بخاف، عشان كدا قررت أحتفظ بالسر دا لوحدي. مكنتش أعرف إنه هيسبب مشاكل لأخويا."
قاطعها بسخرية:
"غرور!!! حطمتيني وخالتيني زي المجنون بدوس على الكل وتقوليلي غرور؟ أنت عارف الأربع سنين دول عدوا عليا إزاي؟!"
خرج صوتها الباكي قائلة برجاء:
"طلقني يا رائد."
تأملها بهدوء ثم قال بثبات مريب:
"مش هيحصل يا رانيا. عارف إني غلطت، بس أنتِ كمان غلطتي لما خبيتي عليا، والأكبر إن فيه طفلة محرومة من أبوها وهي عايشة."
صاحت بصوت غاضب للغاية:
"أنا كل حاجة في حياتها، أنت ولا حاجة. لسه فاكر إن عندك بنت وبتتكلم بثقة كبيرة أوي؟ كانت فين من شوية وأنت بتتهمني بأفظع الجرايم."
اقترب منها رائد قائلاً بحزن قاتل:
"آسف يا رانيا، أرجوكي سامحيني."
تطلعت له بصدمة ممزوجة بالسخرية:
"بالبساطة دي؟؟!!! عايزني أسامحك وأنت اللي كسرتني بإيدك؟ أترجيتك من أربع سنين تسمعني، بس أنت حكمت ونفذت الحكم. طردتني من هنا قدام الكل من غير ما تهتم بمشاعري، كأني خدامة. لا، الخدم بالقصر بيتعامل أفضل من كدا. لا وراجع بعد كل دا تكمل انتقامك مني، بتعرفني الفرق اللي بيني وبينك وأنا عارفاه من زمان، وللأسف اتغاضيت عنه، بس دلوقتي لا يا رائد. نجوم السما أقربلك مني أنا وبنتي، حتى لو كان لازم أمحي الصورة اللي رسمتها للبنت عشان تكرهك زي ما أنا بكرهك كدا. أنت اديتني وعد بالجحيم وأنا بديك وعد بعذاب الضمير وحسرتك على بنتك."
كانت كلماتها كالخنجر المغروز بقلبه، فتركته يستوعب ما تفوهت به وغادرت حتى تداوي جروحها.
***
بالمشفى
كان الليل الكحيل مدسوساً على الأرجاء.
الهدوء يخيم بالمكان كأنه يعلن بغفلة الجميع.
تعبت من التفكير بأمر غياب والدتها، فغفلت على المقعد بإهمال.
دلف للداخل بنظراته المقززة يتأمل خصلات شعرها المتمردة على عينيها المغلقتين.
رفع يديه اللعينة يتلمس وجهها، ولكنه خشي أن تستيقظ، فأسرع بتكميم فمها ثم قيد حركاتها بحبل ثمين.
شعرت بثقل حركتها، ففتحت عينيها محاولة الحديث ولكنها لم تستطع.
حملها بين يديه بصمت تام ثم ألقى بها على الفراش.
يتأملها بتلذذ ونظرات لعينة.
تركها تبكي في محاولة لفك وثاقها، ثم وزع الكاميرات في أنحاء الغرفة حتى يشبع رغباته الدنيئة فيما بعد.
رش على ملابسه رائحة البرفان الخاصة بعمر، لتنقلب نظراتها من البكاء للصدمة.
"لااا... لا يعقل ذلك؟?"
***
بغرفة عمر
تمدد على الفراش بملل، وعلى جواره يتمدد عدي عاري الصدر ووجهه مسلط على الجهة الأخرى.
عمر بتأفف:
"عدي."
تمتم قائلاً بشرود:
"اممم."
عمر بمشاكسة:
"لسه صاحي؟"
عدي بغضب:
"عفريتي اللي بيرد عليك."
عمر:
"هههههه، المفروض أخاف صح؟"
عدي:
"نام يا عمر."
عمر:
"مش جايلى نوم، هنزل أتمشى تحت شوية."
عدي بنوم:
"اعمل اللي يريحك واخلع من دماغي."
وبالفعل جذب عمر قميصه على جسده الرياضي، ثم جذب هاتفه وهبط للأسفل بكسل.
تأمل عمر القصر بنظرات مملة، ثم تمدد على الأريكة بالهواء الطلق رافعاً يديه على خصلات شعره بتفكير في خطة ليفاتح والده بأمر زواجه، ولكن كالعادة أتى رائد وشحن الأجواء.
رفع هاتفه محدثاً صديقه المقرب أو كما يعتقد هو.
بالمشفى
كاد أن يلامسها فدق هاتفه.
خرج من الغرفة مبتعداً عنها قائلاً بتوتر:
"إيه؟"
عمر باستغراب:
"أنت صاحي أنت كمان؟"
إسلام بارتباك:
"عايز إيه؟"
عمر بذهول من أسلوبه:
"في إيه يالا؟ شكلك كدا بتعمل حاجة من دول؟"
إسلام بارتباك:
"إيه إيه اللي بتقوله دا؟ أنا مش بتاع الحاجات دي."
وأغلق الهاتف لينقبض قلب عمر بأن هناك أمراً ما.
***
بغرفة رائد
صاح به رعد بغضب جامح:
"أنت شايف دا مبرر؟"
رائد بحزن شديد وهو يحاول الحديث:
"أنا مكنتش أعرف حاجة."
رعد بغضب أشد:
"هو حضرتك اديتها فرصة عشان تعرف؟"
دلف ياسين بعدما علم من عز بما حدث، فأخرج رعد للخارج، ثم جلس يستمع منه.
رفع رائد عينيه قائلاً بخجل:
"عارف إني غلطت يا عمي."
"مش عيب، العيب إننا نعرف بغلطنا ومش نصلحه."
قالها ياسين بعدما رفع يديه على كتفيه.
***
بالمشفى
دلف هذا الوغد ليجدها تحاول تحرير يدها ولكنها لم تستطع، فجذبها بقوة ثم هوى على وجهها بصفعة قوية.
بكت بشهقة مكبوتة، فحاولت الدفاع عن نفسها ولكن لم تستطع.
مزق ملابسها بدون رحمة ولا شفقة، ولكن هناك موت سينال منه.
شلت حركة يده، فاستدار متصنماً من الصدمة حينما رآه يقف أمامه بغضب مكبوت، تكاد نظراته تفتك به.
فخرج مؤشر الهلاك:
"وصلت بيك القذارة للدرجة دي؟"
وقبل أن يتحدث، أنهال عمر عليه باللكمات القاتلة قائلاً بغضب جمهوري:
"أنا وثقت فيك يا زبالة، ودي كانت نتيجة المعروف."
أطاح به إسلام قائلاً بصوت يشبه فحيح الأفاعى:
"أنت معملتش معايا أي معروف، أنت شغلتني هنا عشان تخليني أشوف الفرق بيني وبينك اللي دايماً بتحسسني بيه، بس أنا بقى طلعت أذكى منك ورتبت كل حاجة عشان أوقعك في جريمة توصلك لحبل المشنقة. منكرش إنها جريمة حلوة أوي، وأنت بذكائك عايز تستغلها بعد أم أمها ماتت مالهاش حد يسأل فيها."
كانت الصدمات متتالية على قلبها، هل فقدت والدتها؟
"لااا... لم تستطع تقبل الأمر."
لكمه عمر بقوة كبيرة فسقط أرضاً، ثم أسرع لحل وثاقها.
أزاح عنها هذا الحبل الغليظ، ولكنه تعجب من هدوئها المريب.
حاول أن يحركها ولكنها لم تستجب له، فقط دموعها منسدلة بهدوء مميت.
جذب جاكيته عليها، ثم بحث بعينيه عن حجابها، فجذبه يغطي شعرها الغزير، ثم ترك هذا اللعين تحت تصرف رجال الأمن.
***
ركضت لمسافات كبيرة وهي تبكي منادية باسمه بألم، لعله يستمع لها فيخفف عنها.
أقترب منها عدي محاولاً مساعدتها، ولكنه تفاجأ بجدار من زجاج يحول بينه وبينها.
تطلع لها بغموض وحزن، ينتظر إشارة منها ليحطمه، فرفعت يدها تعلن له موافقتها.
ركلته بقوته ليتحطم بسهولة.
فهرولت لذراعيه تتشبث به بقوة.
أفاق عدي من حلمه المريب، وكالعادة نبضات قلبه تتسارع بعنف.
أغمض عينيه مستنداً على حافة الفراش، ففزع حينما استمع لصراخها.
"لا... لم يعد يحتمل ذلك."
خرج للشرفة، كيف عابئ ببرودة الجو على صدره العاري، مخرج هاتفه ليجيبه الآخر على الفور.
***
عاد عمر للقصر وهي بين يديه ساكنة كالجثة الفاقدة لمذاق الحياة.
دلف للقصر ثم حملها للجناح المخصص للضيوف.
توجه عمر لغرفة والدته، فدلف حينما استمع لإذنها بالدخول.
ولجت معه حينما أخبرها بأمر تلك الفتاة، نعم دموعها المنسدلة بحزن اخترقت أضلع قلبها.
فاحتضنتها بحزن على حالها، ثم أشارت لعمر بالخروج، وظلت هي لجوارها حتى الصباح.
فهي بالفعل تمتلك قلباً من ذهب.
***
تخفى الليل الكحيل وسعت الشمس بشهادة بلقاءات ستهز مملكة الجارحي.
نعممم، هذا العشق المجهول سيمنح فرصة للقاء مجدداً، ولكن هل سيكون عشقاً خارقاً من نوعه الخاص أم سيدعث من هذا اللعين؟
ماذا لو عاد أحمد؟
ماذا سيفعل رائد ليحظو بقلب معشوقته؟
انهيار قلب وصرخات استغاثة، ولكن هل سيكون العشق كافياً للمواجهة؟
ما هو مجهول مازن ومروج؟
ماذا لو أجبرت الظروف أحمد بالزواج من فتاة أحلامه؟
هل سيكون عشقه لها كافياً لتمكنها من التعرف عليه بعدما تستعيد بصرها؟
ماذا لو جمع القدر الوحش بفتاته الحمقاء؟
ماذا لو كان مقابلتهم تاريخية باستخدام نبض القلب سندعو الأحداث تضح للجميع علاقة قلبين مجهولين.
رواية الوحش الثائر (احفاد الجارحي3 الفصل السابع 7 - بقلم اية محمد
دلف عمر لغرفته فجلس على المقعد بأهمال.
الغضب يجعل عيناه مقبض للأرواح.
وقف يتأمل سطوع الشمس ثم دلف للغرفة ليتفاجئ بأخيه يجلس على المقعد وعيناه من جحيم.
فأقترب منه سريعاً قائلا بقلق يساوره:
_عمر كنت فين طول الليل؟
رفع عمر عيناه لأخيه فتفاجئ بدماء منثدرة من فمه.
فجن جنونه قائلا بغضب:
_مين الا عمل فيك كدا؟
لم يجيبه عمر ووضع عيناه أرضاً.
فجذبه عدي ليقف بقوة:
_أنت مش بتتكلم ليييه؟ ما تنطق!
لمح بعيناه حزن غريب.
فخرج صوت عمر الشبيه للحطام:
_مفيش يا عدي. العادي بتاعي على طول بنخدع في أقرب الناس ليا. وإمبارح كان دور آسلام بس كان صعب أوى. كان عايز يحط حاجز قوى بيني وبين البنت الوحيدة اللي حبيتها.
أنكمشت ملامح وجهه بعدم فهم عن أي فتاة يتحدث؟
فعلم عمر فك شفرات قسمات وجهه.
فأكمل بتوضيح وعلى وجهه إبتسامة عشق عرفها عدي جيداً:
_نور بنت بسيطة أوى بس من جواها زي الدهب. أول ما شوفتها كنت هتجنن إن في عين بالجمال دا وكفيفة. صحيح ربنا له حكم وأنا أكيد عارف دا كويس. بس إنسحرت بجمالها وقررت أعملها الجراحة بنفسي. بقيت بتقرب منها يوم عن يوم معرفش إني هحبها كدا. صرحتها بحبي ليها وإني أتمنى تكون زوجتي.
عدي بأهتمام:
_وبعدين؟
جلس عمر قائلا بشرود:
_جيت القصر بسرعة عشان أفاتح بابا بأنها وفقت. بس حوار رائد لغى كل مخططاتي. والحيوان دا نفذ مخططه الواسخ. لا وأيه حاطط نفس البرفينوم بتاعي عشان يوهمها إن أنا اللي حاولت أغتصابها. بس الحمد لله لحقيتها بالوقت المناسب.
تلونت عين عدي بجحيم مشتعل.
فقال بصوتٍ كالموت:
_هو فين؟
أجابه الأخر بنفس قوة الغضب:
_سلمته للشرطة. والدليل كان هو زرعه بأيده كاميرات بكل الأوضة.
عدي بوعيد:
_ورحمة جدك لأوريه أيام أسود من حياته. هو داخل كدا طريقي برجله.
أنكس رأسه بحزن:
_خايف نور متتقبلنيش تاني يا عدي.
نعم شعر به وبألم قلبه. فهو يعاني من نفس الكأس المرير.
أقترب منه ثم جلس لجواره قائلا بهدوء:
_ربك كريم. خالها تسمع بنفسها اللي حصل بينكم. يعني لو كان الحيوان دا عمل عمالته مستحيل إنها كانت تصدق إنك بريء. ودي فرصتك عشان تتكلم معاها.
أشار عمر برأسه بأقتناع.
فأبدل عدي وجه للمرح المصطنع:
_بقا كل دا يحصل وأنا أخر من يعلم؟ لا وأيه حب وجواز؟ دانت طلعت مصيبة.
لوى فمه بسخرية:
_وأنت فاضي تسمع لحد؟ دانت من يوم ما نزلت من السفر وأنا حاسس إنك كاتب كتابك على التراس كل يوم تقضيه بره.
صاحبه الحزن هو الأخر:
_مش يمكن بحاول أهرب من واقع أليم أنا كمان.
أعتدل عمر بجلسته بصدمة:
_وقعت؟
أكتفى بهز رأسه هزة بسيطة.
فهـرول عمر لباب الغرفة وأحكمه جيداً.
ثم جلس على المقعد المجاور لأخيه قائلا بأهتمام:
_جاهز للأنصات.
ظهرت شبه البسمة على وجه عدي.
فلم يمانع أن يشارك أخيه بما يذبح هذا القلب.
قلب الوحش.
حلت الصدمة والهدوء المميت على عمر.
فكان يجلس كالصنم المتخشب.
فنغزه عدي بتعجب وزهول:
_عمر.
أبعد يده ومازال يستوعب ما استمع إليه.
ثم خرج صوته المتخشب كحال جسده:
_قابلتها الصبح صدفة والظهر صدفة برضو والعصر دافعت عنها والمغرب دخلت بيتك عشان تكون في حمايتك. تاني يوم أعترفتوا لبعض إنكم حاسين بمعرفتكم إنها من سنين مش من يوم. بس فقررتم الجواز. وبعدين جالها اتصال من ابن عمها. فقالتلك إنها بتحبه وعايز ترجع مصر. لا وحضرتك مقضي الليل تفكير كأنها قصة سداسية الأبعاد منذ ألف سنة.
كان يستمع لتحليله الساخر بهدوء مريب.
ثم خرج صوته اللامع بعذاب شعر به عمر جيداً:
_بحس بوجودها جنبي. بسمع صوتها وهي بتناديني عشان أخلصها من العذاب دا. حتى صوت قلبها بسمعه قبل ما تتكلم وتقول عايزة إيه. بقرأه في عينها حتى لو كانت قريبة مني وعيني مش شايفاها. قلبي بيحس بيها.
كان عمر بصدمة لا يحسد عليها.
فربما تعليل عدي كان دافع قوي له بمعاينة الأمور جيداً.
خرج صوته أخيراً قائلا بزهول:
_طب يا عدي أنا شايف إن تبريرها مش منطقي. يعني باين قوي.
أجابه بسكون:
_عارف وواثق إنها بتكذب.
عمر بصدمة:
_طب ليه خليتها تمشي؟
وقف عدي ثم توجه للشرفة قائلا بحزن وقوة ذائفة:
_بص حواليك يا عمر وأنت تفهم أنا عملت كدا ليه. رائد هو الوحيد اللي أتحدا العادات والتقاليد وأتجوز البنت اللي اختارها قلبه وأتجوز رغم اعتراض الكل لسنه الصغير. علاقة عشقه المتين دي أتحطمت في ثانية عشان غباء منها إنها خبت عليه موضوع مجدي أخوها دا. خبت عشان خايفة من سبب أي كان هو إيه بس تسبب في دمار ودمار العلاقة. وهي أخدت نفس طريق رانيا وخبت عليا عشان خوف جواها. عشان كدا حبيت أنهي العلاقة دي وأنا لسه في أولها. لجأت لكل حاجة عشان أخليها تعترف وتتكلم. قولتلها إن أكتر حاجة بكرها الكدب. قولتلها مستعد أحارب الجنون عشانها. بس هي مشفتش كل دا. سبت المطار وجوايا أمل بأنها خلاص أتمحت من قلبي. بس الألم كان بيزيد. متوقعتش إني هحس بيها حتى بعد ما بعدت عني!
أقترب عمر منه والصدمة مازالت على وجهه.
فخرج صوته أخيراً:
_أنا سمعت عن الحب اللي بالطريقة دي في القصص الخيالية. عشان كدا بقولك هد الدنيا لحد ما تلقيها. مش صعب على عدي الجارحي حاجة زي كدا.
طلعت له عدي ببسمة شر تيقنها عمر جيداً.
فأبتسم قائلا بسخرية:
_طب يالا يا خويا نروح نشوف ابن عمك عمل إيه؟
وتوجهوا لغرفة رائد.
****_______*****
بغرفة جاسم.
كان يعتلى الفراش بنوم عميق.
فأفاق على هزات ياسين البسيطة.
فتح عيناه بتكاسل قائلا بستغراب:
_ياسين!! هي الساعة كام؟
لوى فمه بسخرية:
_الساعة بقت 10 يا أستاذ.
أشاح الغطاء عنه ثم وقف سريعاً بصدمة:
_يا نهار أسووح. ربنا يخدك يا رائد على اليوم اللي شوفتك فيه.
وهرول سريعاً للمرحاض تحت ضحكات ياسين الوسيمة.
******________****
بغرفة رائد.
كان يجلس على المقعد مغمض العينان بتفكير عميق.
فسمع لدقات الباب.
دلف عدي للداخل وأتابعه عمر وياسين بعدما انضم لهم.
جلس عمر على الاريكة المجاورة قائلا بنفاذ صبر:
_أخبارك في الحبس المنفرد إيه؟ يارب تكون كويس وبخير.
لم يجيبه رائد وظل كما هو.
فأخفى ياسين إبتسامته قائلا بجدية:
_وبعدين يا رائد هتفضل كدا كتير؟
خرج صوته المتحشرج قائلا بحزن:
_والمفروض أعمل إيه؟
ياسين بصدمة:
_إحنا اللي هنقولك تعمل إيه!!!
رائد بغضب:
_ياسين أنا مش قادر أتكلم.
_سبك من ياسين وخليك معايا أنا.
قالها الوحش الثائر بغضب جامح.
فتطلع له رائد بأنصات ليكمل حديثه الغاضب:
_أنت غلطت ولا مغلطتش؟
وضع عيناه أرضاً.
فردد عدي سؤاله مجدداً بغضب:
_رد عليا غلطت ولا مغلطتش؟
_غلطت.
قالها بحزن.
فأكمل عدي بهدوء:
_والغلط مش ليه اعتذار؟
هنا علم رسالة عدي جيداً.
فأكمل قائلا بهدوء:
_لازم تعتذر من أخوها على اللي عملته معاه. وهي مش هيكفيها الاعتذار. لازم تشوف تغيرك بعينها. ودا اللي أنا وولاد عمك هنساعدك فيه.
رفع عيناه بصدمة:
_إزاي؟
عمر بغضب:
_يوووه أنا خارج أصل هتشل.
ياسين بنفس الغضب:
_خدني معاك يا عمر.
أرتدى عدي جاكيته البني الذي يشبه لون شعره الطويل وعيناه الساحرة.
قائلا بهدوء مميت:
_والله ساعات بفكر أعتقلكم وأخلص.
ثم قال بنفاذ صبر:
_يا حبيبي أفهم. رانيا عشان تشوف التغير دا لازم تكون جانبك. وأظن أنت كمان عايز تشوف بنتك.
أجابه بلهفة أحزنت قلب عدي:
_هموت وأشوفها يا عدي.
عدي بهدوء:
_خلاص نفذ اللي قولتلك عليه وسبلنا إحنا الخطوة دي. بس أوعى تتهور وتروح لرانيا فاهم.
أشار له بهدوء.
فأرتدى نظارته السوداء وخرج على الفور.
*****_________***
هبط ياسين للأسفل.
ثم جلس على طاولة الطعام جوار معتز وحازم.
قائلا بأبتسامة صغيرة:
_صباح الخير.
أجابه معتز ببسمة هادئة:
_صباح النور. مش عادتك التأخير يعني.
شرع بتناول الطعام قائلا بضيق:
_كنا عند رائد بنحاول نحل الموضوع.
حازم بلهفة:
_طب ووصلتم لأيه؟
ياسين:
_بنحاول لسه يا حازم. الموضوع كبير.
معتز بحزن:
_حكاية حزينة أوي. كلام والدتها أثر فيا قوي.
حازم بتأييد:
_أنا محسيتش بدموعي وهي بتنزل.
ياسين بهدوء:
_فعلاً كلامها كان مؤثر. وما بالكم برانيا أكيد عملت المستحيل عشان تعرف مجدي حقيقة اللي حصل زمان وإنه أخوها.
معتز بشفقة:
_إحنا لازم نساعدها يا ياسين. لازم نجمع بينها وبين رائد تاني.
أستمع له قائلا بحزن:
_صعب يا معتز. بس هنحاول بمساعدة عدي وربنا يكرم.
حازم بخوف:
_هو عدي لسه فوق؟
ياسين بستغراب:
_آه. ليه؟!
هرول حازم للخارج قائلا بلهفة:
_طب سلام عليكم.
معتز بتأفف:
_غبي.
******___________*****
بغرفة نور.
كانت مستكينة تماماً بأحضان آية.
تشعر بأن والدتها مازالت على قيد الحياة.
حتى آية تحتضنها بخوف كأنها إبنتها.
دلف ياسين بطالته الطاغية للداخل.
فأقترب ليجلس على مقربة منها قائلا بصوت حنون:
_صباح الخير يا بنتي.
خرجت من أحضانها ببعض الخوف.
فأسرعت آية بالحديث:
_متخافيش يا حبيبتي دا ياسين والد عمر وجوزك.
قال بمزح:
_جوزك!!! حسبتك هتدلعيني وتقولي حبيبي.
إبتسمت نور بخفوت ثم جلست بشكل مستقيم.
آية ببعض الغضب المصطنع:
_مفيش دلع.
ياسين بحزن:
_كدا مش كفايا إن نور أخدتك مني طول الليل؟ شكلي كدا هديها استمارة ستة زي الواد عمر.
لم تنكر أرتياحها لتلك العائلة وبالأخص آية.
فأبتسمت بخفوت.
ولكن الدمع مسيطر على عيناها.
فلم تتمكن أن تمنح والدتها الوداع الأخير.
كان الله منحها والدة أخرى لا بل عائلة متكاملة.
كان يتراقبها بسعادة لرؤية البسمة تزين وجهها.
تطلع له ياسين بغموض لعلمه إن ابنه وقع أسير العشق.
دلف عمر للغرفة ولكنه تصنم محله حينما بدأت ملامح نور بالتشنج والصراخ القوي بين ذراعي آية.
بكت بقوة لتوافد ذكرى هذا اليوم الشنيع لذاكرتها.
حاول ياسين تهدئتها ولكن لم يستطيع.
فتداخل عمر على الفور قائلا بصوتٍ حزين:
_أهدي يا نور خلاص أنا أخدتلك حقك من الحيوان دا.
آية ببكاء:
_أهدي يا حبيبتي. حسبي الله ونعم الوكيل في كل اللي يأذي بناتنا وبنات المسلمين.
لاحظ ياسين نفورها من عمر.
ولكن بذكائه الفائق علم بأن هناك أمراً غامض.
فجذبه للخارج.
بدأت نور تستكين بين ذراعيها من جديد.
وخاصة بعد دخول مليكة ومروج وأسيل.
بالخارج:
ياسين بهدوء:
_أنا لسه معرفتش حاجة عن اللي حصل.
عمر بحزن شديد:
_حكيت لحضرتك يا بابا.
ياسين بثبات:
_حكيت بإيجاز. أنا عايز أعرف بالتفاصيل وليه البنت مش طايقاك كدا.
_هى مش قابلة ريحة البرفينوم عشان الحيوان دا استغله.
قالها عمر بعد تفكير بالأمر.
وأخذ بسرد ما حدث بالتفصيل لأبيه.
بالداخل.
بدأت نور بالأعتياد على مزح مليكة ومروج.
فعرفتها آية عليهم.
نعم كان عامل قوي لبث الأطمئنان بقلبها بعدما وجدت أكثر من فتاة بالمنزل.
كما شعرت بالسكينة والراحة لأسيل.
أسيل بمزح:
_شوفتي بقا يا نور قد إيه أنا حقي مهضوم.
علت ضحكاتها لتنغز مروج أسيل بقوة قائلة بغضب:
_أنتِ دانتِ صغننة دي يا نور مستقوية علينا بصديق طفولتها؟ أي طلب عايزاه تلجئي له. لكن إحنا لازم نعمل ثورات ومطالب اجتماعية مش كدا ولا إيه يا مليكة؟
مليكة بغرور دون الشعور بوالدتها:
_أتكلمي عن نفسك. أنا أي حاجة عايزاها سواء كانت فلوس أو خروجات بلجئ لعمر حبيبي.
آية بصدمة مصطنعة:
_إيه؟ بتقولي إيه يا مليكة؟
قالت بأرتباك:
_دا أنا بهزر يا مامتي.
مروج بسخرية:
_أينعم هزار قلبه أبيض.
علت ضحكات نور.
فدلف ملك ويارا قائلة بأبتسامة مرحة:
_صباح الخير عليكم.
أجابتها الفتيات بمرح.
فأجابت مروج:
_صباح السعادة يا مامتي العسل.
سلمت بتسلية:
_يارا بنتك وراها مصلحة عشان كدا بتدلعكم.
مروج بزعل طفولي:
_ليه كدا يا طنط؟
يارا:
_ليه بس كدا دي بنتي عسل وبتاعة مصلحتها.
علت ضحكات الجميع ومن بينهم نور التي شعرت بالألفة بينهم.
******_________****
بالأسفل.
هبط عز ويحيى ليجدوا معتز من بالأسفل بعدما رحل الجميع لعملهم.
وظل هو كما تعمد ذلك.
توجه عز مع يحيى للخارج ولكنه توقف حينما استمع لأبنه.
معتز بتوتر:
_بابا.
استدار عز له بستغراب:
_أيوه يا معتز؟
تطلع معتز له وليحيى.
ثم قال بأرتباك:
_أنا كنت عايز حضرتك في موضوع.
عز بجدية:
_موضوع إيه دا؟
معتز بأرتباك:
_أنا كنت حابب من حضرتك تيجي معايا في المعاد اللي تحدده عشان تطلب لي إيد البنت اللي اخترتها.
تهلل يحيى ولاحقه عز بالصدمة.
فقال بصدمة ليحيى:
_هو أنا بحلم ولا حاجة يا يحيى؟
يحيى بزهول هو الآخر:
_أعتقد إننا بنحلم. حلم شركة معتز ابنك مستحيل يطلب الجواز دا. طبعه قافل عن الكل.
_بس أنا سمعته كويس.
كان صوت حمزة الذي هبط هو الآخر ليقول بسخرية:
_العيال كبرت يا لهوووى. أخاف ألقى ابني بيقولي تعال اطلبلي واحدة. طب هو عايز يتجوز ذنبي إيه أكبر بالسن.
كبت معتز ضحكاته قائلا بهدوء:
_قولت إيه يا بابا؟
يحيى بصوت صارم:
_هو يقدر يتكلم؟ دا أنا بنفسي اللي هاجي معاكم.
معتز بفرحة لتحقيق هدفه:
_مش عارف أقولك إيه يا عمي بجد.
يحيى ببسمة زادته وسامة:
_متقولش. سبلي المهمة دي.
قاطعهم عز:
_هي مش مهمة. أنا موافق طبعاًااا ومتحمس أشوف البنت دي. دانا لو ينفع أبوسها مش هتردد ثانية واحدة.
أتاه صوتها الغاضب:
_عز.
هرول معتز للخارج مشيراً بعيناه وبصوته الهامس لوالده:
_ألبس يا حاج.
حمزة:
_ههههه هو هيلبس بس دا ليلته شبه البدلة اللي لبسها دي.
هرول معتز للخارج.
بينما صعد عز على الدرج قائلا بعشق:
_قلب عز وروحه.
يارا بغضب شديد:
_لا سبك من الكلمتين دول وقولي عايز تبوس مين؟!!
:_أناااا مين اللي قال كدااا.
قالها عز بقوة فشك يحيى بأنه من قال ذلك.
فأخيه يعلم كيف هو الطريق لقلب زوجته.
****___________****
بغرفة أسيل.
دلت للداخل بدمع يلمع بعيناها بعدما حاولت التحدث مع عدي ولكنه لم يسنح لها فرصة.
فلاش باك.
توجه للدرج فوجدها تصعد للأعلى.
فقالت بأرتباك من تأمله:
_صباح الخير يا عدي.
قال بثبات:
_صباح النور.
أسترسلت قائلة بهدوء:
_عدي ممكن أتكلم معاك شوية.
رفع يديه قائلا بأسف:
_مش هقدر يا أسيل. أتأخرت جدا. لما أرجع بالليل إن شاء الله.
وتركها وغادر لعمله.
جففت دموعها.
فهي تعلم جيداً بأنه يعلم بحبها له.
صدح رنين الهاتف بالمكان بأكمله بصوت المخلص لها من العذاب على الدوام.
جففت دموعها ثم رفعت الهاتف بعتاب:
_مكلمتنيش امبارح ليه؟
رفع الغطاء ثم تخل عن الفراش قائلا بغضب مصطنع:
_طب قولي مساء الخير ولا عامل إيه ولا أي كلمة. مش داخلة شمال على طول.
أسيل بغضب:
_مش هسألك عن حاجة عشان مش عودت بتكلمني زي الأول.
ردد بسخرية:
_مش عودت؟!! مش بقولك طفلة. يا حبيبة قلبي أنا عندي شغل كتير. بخطف دقايق وبكلمك.
توقف قلبها عن النبض وتلون وجهها بحمرة الخجل لأول مرة حينما سمعت تلك الكلمتين منه.
أحمد بتعجب:
_روحت فين يا بنتي؟
قالت بأرتباك:
_ها معاك. افتح الكاميرا ووريني الشغل يا كذاب انت بالبيت وأنا عارفه.
علت ضحكاته ثم فتح الكاميرا ليظهر أمامها بطالته الوسيمة بعدما ثارت الضحكات عليه قائلا بصوت متقطع من الضحكات:
_أنا مروحتش فعلاً الشركة النهاردة. بس سبك مني. أنتِ بتراقبني؟
فتحت هي الأخرى قائلة بغرور:
_أنت تطول أراقبك. وبعدين فونك كان مقفول. فطلبت تلفون القصر الرئيسي ورد عليا الخدم. عشان كدبة حضرتك تبان قدامي.
كان يتأملها بأشتياق وصمت.
كم ود أن تظل تتحدث طويلاً ويتراقبها لمدة أطول من القرن إن أمكن.
خرج صوته أخيراً ليمنعها عن بؤرة الحديث المتكرر:
_أسيل.
كفت عن الحديث وتأملته بصمت.
ليكـمل هو:
_كنتِ بتبكي ليه؟
صعقت أسيل فقالت بصدمة:
_وأنت إيه اللي عرفك؟
أحمد بمكر:
_يعني كلامي صح؟
عادت للبكاء مجدداً.
فقال بلهفة:
_في إيه؟
قالت من وسط دموعها:
_عدي لسه زي ما هو بيحاول يتجاهلني.
ضغط على قلبه بخنجر مسنون.
ثم قال بهدوء:
_أنتِ عارفه إنه لسه راجع من السفر. كمان مشكلة رائد دي كملت جميلها معاه. وبعدين أنا مش قولتلك تكوني تقيلة معاه ليه؟ بدءتي أنتِ بالكلام؟
أسيل بحيرة من أمرها:
_معرفش. أنا لقيت نفسي بكلمه.
أحمد بألم:
_طب ممكن تمسحي دموعك دي. كل حاجة هتتحل إن شاء الله.
كفكفت دموعها قائلة بتذكر:
_فييييين الفستان اللي قوليتلك عليه؟
لوى فمه بضيق:
_مفيش فستان فيك. جبته ياختي وهبعتهولك قريب.
أسيل بفرحة:
_وررريني.
أحمد بغرور بعدما أسند بظهره على الأريكة:
_بعينك.
أسيل برجاء:
_بلييييز عشان خاطري.
ألتقط الشطائر من جواره قائلا بتلذذ متعمد:
_أممم لا.
أسيل بطفولية:
_يارب تقف في زورك يا بعيد.
علت ضحكاته.
وبالفعل توقفت بحلقه نتيجة لضحكاته الشديدة.
فألتقت المياه يرتشفها بشدة قائلا بخوف مصطنع:
_لازم الواحد يخاف منك.
أسيل بتأييد:
_شوفت. وريني بقا.
أحمد:
_طب استنى هفتح الجهاز وأوريكى.
أشارت له بحماس.
وبالفعل أغلق الهاتف وأكمل محادثته من الجهاز.
لتضح الغرفة بأكملها.
ظهر أحمد أمامها بسرواله الأسود القصير بعض الشيء والتيشيرت الضيق يبرز قوة عضلاته.
شعره المنهدم على وجهه بحرافية.
توجه لخزانته ثم أخرج عمود مطول من الفساتين الجذابة.
فصرخت قائلة بفرحة:
_دول لياااااااا.
أدرهم لها قائلا بتأكيد:
_ يارب يطمر وتبطلي دعوات على خلق الله.
أسيل بحماس:
_هبطل. هبطل. بس وريني الله يخليك.
جذب أحمد أحدهما ثم عرضه عليها.
فقالت بأعجاب:
_واووو. ابعتهم في أقرب وقت الله يكرمك.
وضعه أحمد لمكانه ثم قال بسخرية:
_ماشي ياختي.
وتوجه للأريكة.
فصرخت به:
_رايح فين؟ وريني الموف.
أحمد بغضب:
_ما ألبسهملك أفضل.
أسيل بتأكيد:
_يارررريت.
أنفجرت ضاحكة حينما وجدت الغضب يسري على ملامحه.
تطلع لها أحمد بشرود في ضحكاتها الجذابة.
كم يستمتع برؤية السعادة تنبعث من وجهها.
ظلوا يتبادلون الحديث إلى أن صدح هاتفه.
فأجاب قائلا ببرود:
_نعم. أنا هو.
أكمل حينما استمع لصوتها:
_أهلاً كادريينا. أوه لقد نسيت. حسناً أمنحيني دقيقتين وسأحضر على الفور.
وأغلق الهاتف ثم صاح قائلا بأسيل:
_عجبك كدااا. أول مرة أحمد الجارحي ينسى معاد شغله.
أسيل بغضب:
_براحة عليا يا خويا. وبعدين مين دي؟
توجه أحمد للخزانة قائلا بتلقائية:
_دي بنت صاحب الشركة اللي عاملين معاهم تعاقد.
ثم صاح بوعي:
_ وأنتِ مالك؟ هتفتحي معايا تحقيق؟
أسيل بغرور:
_أينعم.
أحمد بغضب:
_بصفتك إيه؟ خطيبتي ولا أم العيال؟
علت ضحكاتها قائلة بغرور:
_روح يا عم. أنت تطول.
جذب أحمد ملابسه ثم توجه للمرحاض وأغلقه.
ثم فتحه قائلا بغضب:
_عارفه لو طلعت لقيتك لسه موجودة هعمل فيكِ إيه؟
وأغلق الباب.
ثم أبدل ثيابه لحلي سوداء اللون جعلته جذاباً للغاية.
خرج للمرآة ثم صفف شعره بحرافية شديدة.
وضعاً البرفينوم الخاص به.
ثم تطلع لنفسه بنظرة رضا.
واستدار ليغادر.
ليجدها مازالت على الاتصال وتنظر له بأعجاب شديد.
قال بغضب مصطنع:
_تحبي تيجي معايا الشغل؟
قالت بفرحة:
_يارريت. ثانية واحدة.
وأغلقت سريعاً.
فتعجب أحمد وحمل هاتفه وما يلزمه.
ثم هبط للسيارة ليجدها ترن على الهاتف.
فتحه ثم شغل الكاميرا قائلا بأبتسامات متلاحقة:
_مجنونة.
أسيل بتأكيد:
_أينعم. وهاروح معاك الشركة عشان أشوف الست كرودي دي شكلها إيه.
علت ضحكاته مشيراً للسائق بالتحرك.
وظل معها إلى أن دلف مكتبه.
*****_________******
صعد الدرج بأرتباك وتوتر.
حاول التراجع أكثر من مرة.
ولكن عليه أن يستجمع شجاعته.
طرق الباب.
فصعقت هبة حينما رأته يقف أمامها.
رفع عيناه قائلا بثبات:
_ممكن أقابل مجدي.
قالت بغضب شديد:
_لسه عايز إيه تاني؟
تمسك رائد قائلا بهدوء:
_من فضلك. أنا عارف غلطي كويس وجاي عشان أعتذر له.
لم تنكر هدؤئها بعدما استمعت له.
فأشارت له بالدلوف.
ثم توجهت لغرفة زوجها لتخبره بوجوده.
بعد قليل خرج مجدي ونظراته كافيلة بقتله.
ولكنه تحل بالصمت حينما رأي الحزن يخيم على عيناه.
فقال بغضب:
_جاي ليييه؟
وقف رائد قائلا بهدوء:
_ممكن نتكلم شوية.
تعجب مجدي من نبرته المنكسرة.
فأشار له بالجلوس وجلس بمقابله.
خرج صوت رائد أخيراً قائلا بحزن:
_أنت اللي ممكن تقدر الظروف اللي أنا اتحطيت فيها. أو ممكن تحس بيا لما تكون بتحب مراتك أوي وفجأة تحس إن في حاجة غريبة بتحصل أنت متعرفهاش. وأخيرهم دخول رجل غريب حياتها. حاولت بصورة طبيعية تعرف إيه علاقته بيها. لقيت منها إنكار. أكيد عقلك هيخليك تفكر كتير. ودا اللي حصل معايا. أنا مش ببرر اللي حصل. بس على الأقل الغلط اللي حصل هي ليها ذنب كبير فيه.
لم يستطيع مجدي الحديث.
فبالفعل رائد يمتلك حق قوي.
ولكن هناك قلب تحطم.
خرج صوته أخيراً قائلا بتفهم:
_أنا فاهم كلامك كويس. بس دا مش سبب تمد إيدك عليها وتهينها كدا. كان أبسط تصرف تطلقها وتعيش حياتك. مش ترفع إيدك عليها بالطريقة المهينة دي.
زفر قائلا بألم:
_حتى دي فشلت فيها.
كاد أن يكمل حديثه فوجد طرقات على الباب.
فأتت هبة لتجد الأميرة المشاكسة التي سلبت قلب رائد.
مريم بأبتسامة جميلة:
_اقفلي الباب بسرعة يا طنط هبة قبل ما ماما تمسكني.
وأسرعت الفتاة لأحضان مجدي تحتمي به.
دلف رانيا خلفها قائلة بغضب مصطنع:
_هي فين البنت دي؟
كانت صدمة للجميع وعلى رأسهم رائد الذي يتأمل الصغيرة بأعين لامعة بالدمع.
أما صدمة رانيا فبوجوده بالأعلى وجلوس مجدي المستكين معه بعدما فعل ما فعله.
صدمة الصغيرة بالصور التي حفظتها دوما عن والدها.
هل عاد من الخارج كما أخبرتها والدتها بأنه مسافر بأحدى بلاد الشرق؟
أقترب منها رائد بخطى بطيئة للغاية لا يصدق ما يراه.
نسخة شبيهة به.
عيناها رومادية بنفس لون عيناه.
تشبهه كثيراً.
أنحنى ليجثو على ركبته فيكون على نفس طولها.
فقالت الفتاة بأرتباك:
_أنت بابا؟!!
صدم رائد من معرفتها له.
حتى أنه وزع نظراته بين مجدي ورانيا ينتظر منهم أي رد فعل لوجوده مع الفتاة.
ولكن وجد الهدوء مخيم على الجميع.
فقال بتأكيد:
_أيوا يا حبيبتي.
أحتضنته مريم بسعادة.
فتخشب محله من صدمة الواقع.
هل هو بدوامة الحلم ليستيقظ على حقيقة جميلة؟
هل تخطى تلك المرحلة ليتفاجئ بحورية صغيرة تسميه أبي؟
رفع يديه بعد تفكير عميق.
ثم داثرها بين ذراعيه ليشعر بشيء غريب يشعره لأول مرة.
أغمض عيناه يقاوم دمعاته المشعة ولكنه لم يستطع.
هل حرمت تلك الفتاة من السعادة والثراء وأبيها رائد الجارحي؟
هل حرم من ملامحتها بما مرء من سنواتها الأربع؟
ربما منحه الله فرصة ليعوض لها ما سلبه المجهول.
خرجت من أحضانه تتفحص القاعة بتذمر.
ثم صاحت بغضب طفولي:
_رجعت من السفر من غير ما تجبلي لعبة.
إبتسم رائد قائلا بفرحة:
_لعبة واحدة؟ أنا هجبلك كل اللي انتِ عايزاه.
مريم بسعادة:
_بجد؟
أتاهها صوت من خلفها قائلة بحزم أموى فهي لها كل شيء:
_مريم. إحنا مش قولنا هجبلك اللي أنتِ عايزاه. يالا ادخلي جوا ألعبى مع ولاد خالتك.
مريم بتذمر:
_لا عايزة أقعد مع بابي شوية.
رانيا بحزم:
_أنتِ سمعتي أنا قولت إيه.
توجهت الطفلة للداخل.
ثم توقفت قائلة برجاء مصاحب بدموع:
_متسافرش تاني. عايزة أقول لملك إن عندي بابا زيك.
تحطم قلب رائد ورانيا ومن بالغرفة.
فقرب منها قائلا ببسمة مزيفة.
فهو يود البكاء بصوت مرتفع يزيح به أنين قلبه.
_لا متخافيش. مش هسافر أبداً.
مريم ببراءة أطفال:
_وعد.
لم يتمالك أعصابه.
فجذبها بقوة لأحضانه.
خرجت الصغيرة من أحضانه طابعة قبلة صغيرة على خديه.
ثم أكملت ما طلبته أمها.
فدلف للداخل.
ظل كما هو مجثو على قدميه يتأمل الفراغ التي صارت فيه طفلته.
أفاق على صوتها المزلزل قائلة بغضب فتاك:
_جاي ليييه؟
وقف رائد ثم أستدار لها قائلا بهدوء:
_رانيا. اسمعيني.
رانيا بغضب جامح:
_انت إيه مبتفهمش؟ اتفضل اخرج من هنا.
_عيب كدا يا رانيا.
قالها مجدي ليكون صدمة الجميع.
فطلعت له هبة ورانيا بصدمة.
بينما إبتسم رائد بمكر لنجاح خطة الوحش.
نعم. فأبن عمه عدي يمتلك عقلاً ألماسياً.
قرر مجدي معاونته.
فهي رجل ويعلم جيداً كيف يكون شعوره حينما يشك بوجود رجل آخر بحياة زوجته.
أقترب منها مجدي قائلا بهدوء:
_هو غلط وأنتِ كمان غلطتي.
رانيا بصدمة:
_حتى انت كمان يا مجدي؟ بعد كل اللي عمله وبتدافع عنهم؟
جدي بهدوء:
_أنا بقف مع الحق يا رانيا. وأنتِ عارفة كدا كويس.
رانيا بسخرية:
_دا أنت ناقص تقول لي ارجع معااه.
صمت قليلاً ثم قال بثبات:
_بالظبط. لازم تفكري في بنتك.
حلت الصدمة معالم وجهها.
فقالت بزهول:
_أنا مش مصدقة نفسي. أنت اللي بتقول كدا يا مجدي أنت؟!!!!!!
كاد أن يتحدث ولكنها لم تستمع له.
رفعت يدها بأن يكف عن الحديث.
ثم خرجت بسرعة كبيرة وهبطت لشقتها.
تتابعها رائد مسرعاً مردداً اسمها بأن تستمع له.
ولكنها دلفت للداخل سريعاً.
ثم جلست على الأريكة بأنتظاره أن يدلف خلفها.
وبالفعل دلف رائد وأغلق الباب.
ثم جلس على المقعد المقابل لها.
قال بهدوء مميت:
_وبعدين يا رانيا.
خرج صوتها المغلف بالدمع الخفي:
_طلقني يا رائد.
زفر قائلا بفيض من الهدوء المخادع:
_مش هيحصل. أنا لحد دلوقتي هادئ وبحاول أتحكم في أعصابي.
وقفت والغضب يفترسها:
_وتتحكم ليه؟ يالا مد إيدك عليا ما أنت أخدت عليها.
أقترب منها قائلا بحزن:
_اعتذرت ومستعيد أعتذر تاني وتالت ورابع.
بادلته بنبرة سخرية:
_اعتذارك دا هيرجع جزء بسيط من كرامتي اللي أنت دوست عليها؟
رفع يديه يشدد على شعره الغزير بمحاولة لكبح زمام أموره.
ثم قال بهدوء متزن:
_رانيا أفهميني. دلوقتي في بينا طفلة. حرام تتحرم من وجود أبوها.
ضحكت قائلة بسخرية:
_أبوها؟ وكان فين أبوها دا بالسنين اللي فاتت!!
كاد أن يجيبها لتقاطعه قائلة بجدية:
_بص يا رائد. أنا بخاف من ربنا. عشان كدا مقولتش كلمة وحشة عليك للبنت.
ثم أكملت بدموع:
_حتى لما اتهنت واتكسرت معرفتش أحطم قلب طفلة بريئة. كل حلمها في كام لعبة وفستان جديد. كل دا مش خوف منك ولا من سلطتك. دا خوف من ربنا اللي أنت متعرفهوش.
أقترب منها رائد ثم رفع يديه يزيح دموعها بحنان.
حاولت دفشه بعيداً عنها.
ولكنه شل حركاتها حينما احتضنها بين ذراعيه.
كادت أن تبعده عنها.
ولكنها أنغمست بأحضانه بصمت.
شوق.
أشتياق.
عشق.
عاصفة حاربتها وهي مستكينة بين ذراعيه.
رائحة عطره تتسلل لها ومعها ذكريات مضت منذ أربع سنوات.
لم يقوى على الأتزان وهي بين ذراعيه.
أفاقت رانيا فدفشته بعيداً عنها بدموع كثيفة.
تطلع لها ببسمة متخفية بأن قلبها مازال ملكه هو.
فقالت بصراخ:
_اخرج بررره.
أقترب منها قائلا بهدوء:
_هخرج بس هرجع تاني يا رانيا.
رانيا بغضب:
_مش هترجع يا رائد وهتطلقني.
أوقف خطواته المقترلة من باب المنزل.
ثم أستدار مقترباً منها فحاصرها بين ذراعيه.
قائلا بنبرة مريبة:
_:مستحيل دا يحصل طول ما لسه فيا النفس. ادعي أني أموت وساعتها ممكن.
رفعت يديها على فمه تجبره على أبتلاع باقى جملته.
تطلع لها بزهول.
فمازالت تريده بكيانها.
إذن لما تطرده؟
أزاح يدها عنه.
ثم ترك العنان لعشقه يحتضنها من جديد.
فطوفها بفيض من الأشتياق.
لتدلف معه عالمهم الخاص المحتوم منذ أربع سنوات.
وها قد حطم ما أخبره به عدي.
ولكن ربما ما فعله بمهام خطته.
********___________******
بالقصر.
خرج من المرحاض ثم أرتدى سروال أسود اللون وتيشيرت أبيض اللون.
صفف شعره بتنسق.
ثم رفع البرفنيوم المخصص به.
ولكنه توقف حينما تذكر ماذا حدث.
فتوجه لخزانة أخاه مستعيراً عطره المميز.
خرج عمر من غرفته ثم توجه لغرفتها بحذر شديد.
طرق الباب ثم دلف ليجدها بمفردها.
نور ببعض الخوف:
_مين؟
أقترب عمر قائلا بخوف:
_لو هتضيقي من وجودي هخرج.
تحسست على الحائط قائلة بهدوء:
_اتفضلي يا دكتور.
أقترب منها قليلاً قائلا بعين لامعة بالعشق:
_عمر بس يا نور.
حاولت تخفى حزنها ولكن لم تستطع.
فشعر لها على الفور قائلا بمصداقية:
_أنا عارف إنك زعلانه مني عشان كذبت عليكي. بس كان غصب عني. خفت موضوع وفاتها يأثر على الجراحة.
قالت بدموع:
_مش هعمل حاااجة خلاص. ماما ماتت. معتش ليا دافع أرجع لطبيعتي. عايزة أفضل كفيفة على أني أشوف حقيقة الناس البشعة.
أقترب منها عمر قائلا بحزن:
_أنا أخدت حقك منه خلاص.
:_من فضلك مش عايزة أتكلم في الموضوع دا.
قالت لها نور بدموع كثيفة.
ثم أكملت برجاء:
_رجعني بيتي.
عمر بصدمة:
_ليه يا نور؟ حد زعلك؟
أجابت بلهفة:
_لااا بالعكس. أنا أول مرة أحس بأمان.
أجابها بستغراب:
_طب ليه عايزة تمشي.
جلست على الاريكة قائلة بدموع:
_مينفعش أفضل هنا لأني ماليش أي صلة قرابة.
جلس عمر بجانبها قائلا بهدوء:
_أقرب صلة إن أمي بتعتبرك بنتها.
ثم رفع يديها على يدها بتردد قائلا بعشق:
_وقلبي أنتِ الا احتلتيه. نور أنا مش بحبك وبس أنا بعشقك.
_مينفعش.
قالتها بعدما سحبت يدها من بين أحضان يده.
فقال بغضب:
_ليييه؟
نور بدموع:
_عشان مينفعش تتجوز واحدة كفيفة.
عمر بغضب شديد:
_نور أنتِ ملكي أنا. سواء رفضتي أو قبلتي. بكرا كتب كتابنا عشان ميكنش ليكي حجة إنك تفضلي هنا. والفرح لما تحددي أنتِ.
وتركها وغادر.
لتبتسم بخفوت على هذا العاشق.
***_________******
توقفت سيارته أمام المشفى.
فأسرع الشرطي بفتح باب السيارة لرئيسه.
هبط عدي بطالته الساحرة.
ثم دلف للداخل بخطاه الفتاك.
دق هاتفه فرفعه قائلا بصوته الرجولي:
_أي يا بني. مش كنت معاك من شوية؟
علت ضحكات جاسم قائلا بسخرية:
_وحشتني. الله.
:_تعال دغري وقول عايز إيه.
تأفف جاسم قائلا بنفاذ صبر:
_بصراحة عايزك تشوفلي دماغ داليا إيه. تعبت بجد ومعتش فاهم حاجة خالص.
عدي بسخرية:
_شاكك فيك أنت من عيلة الجارحي بجد.
جاسم بغضب:
_عدي الله.
عدي بحزم:
_طب يا خويا. لما نرجع نتكلم.
جاسم بتعجب:
_أنت فين؟
أكمل خطاه قائلا بثبات:
_في المستشفى. مازن اتعرض لإصابة في دراعه.
جاسم بحزن:
_لا حول ولا قوة إلا بالله. هشوف ياسين ونجي نشوفه.
عدي بنفاذ صبر:
_اعمل اللي يريحك. سلام.
وأغلق عدي الهاتف وأكمل طريقه للغرفة.
ولكنه تخشب محله بصدمة وألم زاد عن الحد.
رفع يديه على موضع قلبه يصرخ بقوة.
لأول مرة يفتك به الآلام الوحش الذي لا تقوى عليه الإصابات بالطلق الناري والطعنات.
يكاد يستسلم من قوة الألم المفرطة على موضع قلبه.
خلع نظارته ثم جلس على مقعد قريب منه يحاول التحكم بألم صدره.
لا لم يستطع فالألم يزداد أضعاف.
على بعد مسافات منه كانت تجلس بقرب والدتها.
فاليوم هو زفافها.
وكان طلبها الأخير منه لأتمام هذا الزفاف أن يدعها ترى والدتها.
فوافق بأصطحاب مجموعة من الحرس القوي.
جثت على يد والدتها تبكي بقوة تخبرها كم هي ضعيفة وبحاجة لدعم قوي.
أغلقت عيناها تردد اسمه بدموع.
عدي.
على الجانب الآخر.
إستمع لأسمه يصدح بقوة من تالبيب صوتها.
ألم قلبه يزداد شيئاً فشيء.
رافع يده على قلبه ثم وقف يتأمل حوله بغضب أطاح المقعد.
قائلا بصراخ:
_كفايااا.
إستمع لصوتها مجدداً ولكن تلك المرة أقوى وأعمق.
رسمت صورتها أمامه مثلما جسدت بالحلم.
أغمض عدي عيناه وأتبع قلبه.
لعله يدله على مكانها.
تقدم خطوات ومرشده قلبه فأتبعه.
لعله المناجي لآلم غليظ.
توقف ففتح عيناه ليجد أنه أمام العناية المركزية.
لم يفهم ما به.
فشدد على شعره الغزير بغضب.
لعله يحتاج لعلاج نفسي من إدمانها.
إستدار ليغادر.
ولكن كانت صدمته تفوق الأضعاف.
نعممم.
هي أمامه.
هي بذاتها.
من جردت قلبه من القسوة وأصطحبته برحلة العشق الخالد والمميز.
تصنمت محلها وهي تحاول تصديق ما تراه.
لاااا.
هو مجرد حلم.
تناثرت دموعها على وجهها.
فصدم حينما وجد ألم قلبه يتزايد.
ليعلم الآن ما سبب الألم المجهول.
جذبت يدها من الحرس بحركة مفاجئة وهرولت لتقف أمامه.
رفعت يدها بتوتر لتعلم أن كان من يقف أمامها حلم أم خيال واقع أم مجهول.
لتذف للعالم قصة عشق محيت منذ آلاف السنوات.
رواية الوحش الثائر (احفاد الجارحي3 الفصل الثامن 8 - بقلم اية محمد
جذبت يدها بصورة تلقائية ثم تقدمت منه بخطى غير متزنة. ربما تلحق سراب أو حلم مزيف.
وقفت أمامه بغير تصديق تتأمله بصدمة وارتجاف. إلى أن توصلت لحل سيمنح قلبها السكينة والكف عن المعاناة.
رفعت يديها بخوف شديد من كونه حلم كالعادة. تلامست يدها مع ضربات قلبه لتعلم الآن أنها بواقع مجمل برؤيته.
ابتسمت بفرحة ليس لها مثيل فمزجت عيناها بدموع ليس لها مثيل.
كان بحالة لم يجد كلمات لتفسيرها. فوقف يتأملها بصمت إلى أن رفعت يديها ببطء تقربها منه لتأكيد الأمر.
لم يمانع وتراقبها بشدة ليتبين له الأمر هو الآخر حتى تكف معاناته.
تلامست أصابعها الرقيقة مع صدره القاسي فشعر بها ليعلم بأنه على أرض الواقع.
تلاقت العينان فكانت كلقاء خالد من نوعه ليجثو على العالم لمرات معدودة من الأساطير الخيالية.
تلاحق الدمع بعيناها وهي تتأمله بصمت قاتل. تدعي عيناها تتشبع به بسكون.
لم يكن الهدوء يخيم على الدور بأكمله. فهناك من يقف يتأمل ما يحدث بحيرة وتعجب. فرفع هاتفه يتحدث مع رئيسه الذي أخبره بالتداخل على الفور.
أقترب اثنان منهم لينهوا الأمر ولكن هيهات. لم يتمكن من مسك معصمها قبضة يد الوحش الذي أخرجوه ليثير بالجنون لهم.
تعالت صوت تهشم العظام. كان يصرخ بين يديه. عيناه مخيفة لهم.
وقف يتأملهم بعيناه التي تشبه عداد الموت غير عابئ لمن يصرخ بيده. من الصائب أن تقيم قوة عدوك وهكذا ما فعله رجال هذا اللعين.
هرولوا بعدما رأوا بعينهم مصير رفيقهم.
ألقاه أرضاً ثم أستدار ليجدها تتأمله بصمت. جذبها من ذراعيها فأنصاعت له وأتابعته للخارج.
قاد سيارته ومازال الفكر يشعل باله هل ما حدث حقيقي أما مازال يتوهم.
كان يوزع نظراته عليها وهي تجلس لجواره بسكون. فكأنها وسيلة تأكيد له عما يحدث.
وقفت السيارة أمام فيلا حديثة الطراز. اسم الجارحي ساطع على عمودها الخارجي ليلفت انتباهها.
دلف عدي للداخل بعدما هبط وفتح الباب العمالق بنفسه. فهي معزولة عن مسكنهم.
هبطت رحمة بعدما توقفت السيارة أمام الباب الداخلي للمداخل. تحركت بخطوات شبيهة لفقدان مذاق الحياة أو كالتي لا تمتلك هوية.
لم تسنح لها الفرصة تأمل هذا المكان الراقي. فألقت بنفسها على مقعد هذه الطاولة الضخمة المخصصة للطعام.
رفع عدي هاتفه ثم أجرى اتصالاته لتوفير حماية على الفيلا بأقوى طقم من الحرس المتكامل.
أنهى اتصالاته ثم أقترب ليجلس مقابلا لها. جلس يتأملها بصمت وهي تتأمله بسكون وصدمة جعلتها ساكنة.
أيا من سكنت القلب والهوى.
فكنت له عشق الروح.
تركتك ولكني تركت قلبي المترنم على عشقك المرهون.
كلما شعرت بالمحن بكيت ورددت اسمك بجنون.
لم أنكر ملذتي بشعور الراحة والسكون.
شكيت لربي أنين قلبي فأخبرني بأنك المنشود.
رحمة. (آية محمد رفعت)
يا قلبٍ هوى القسوة والجفاء.
فأتت تلك الحورية بخفيان.
طعنت قلبي بلعنة لتكون رفيقة الروح طوال الزمان.
كدت أصل للجنون كيف لقلب الآلام وصراخه الغير معهود.
فرميت ما به وأغلقت العيون فزفوني لجسد الروح حتى ألقى مصيري المحتوم.
جسدته بعشق فتاة المجهول.
عدي. (آية محمد رفعت)
كان هذا الحديث مردد بين نظرات العيون مكبوت يكنه كلاهم للآخر ولكن لم تقوى الألسنة على الأقوال. فتركن العين تنقل ما بداخل قلوب الريحان.
خرج صوته أخيراً قائلاً بعدم تصديق:
أنا مش مصدق اللي بيحصل دا.
تطلعت له بصمت قاتل كأنها تطالبه بالمزيد. ربما يكفي لتقبل حقيقة الأمر. هل من عشق مثل هذا.
تألمت وناجت باسمه باستماة لتجده أمامها يقول لها ها أن حبيبة الروح وقد خطيت المحال لأزيح دمعاتك الثمينة.
أكمل عدي حديثه بمحاولة للثبات:
بجد مش فاهم حاجة.
ولا أنا.
قالتها رحمة ببسمة صغيرة للغاية وأكملت قائلة بدموع:
أنا خسرت كل حاجة يا عدي. ماما بين الحياة والموت بسبب الحيوان دا. حتى أنت كنت فاكرة أن خلاص مش هشوفك تاني.
رفع عيناه العسلية المحاطة برموش كثيفة للغاية كأنها تحمي جوهر خالد قائلاً بهدوء:
كذبتي عليا يا رحمة.
أخفضت عيناها بخجل قائلة ببكاء:
كان غصب عني يا عدي. كنت فاكرة أني بحمي أمي.
تخلى عن مقعده ثم جلس لجوارها قائلاً بهدوء:
مش هسمحلك تسبيني تاني ولا اللي حصل دا أنه يتكرر تاني.
رفعت عيناها ببسمة قائلة بسخرية:
قلبك هيدلك على مكاني.
ابتسم هو الآخر قائلاً بعدم تصديق:
على فكرة الجنان أحياناً بيبقى تفسير منطقي.
انفجرت ضاحكة فأكمل بتأكيد:
اسمعي مني طب بذمتك لو حكينا اللي حصل دا لحد هيصدق.
رحمة بسخرية:
أنا عن نفسي مش مصدقة ولا مستوعبة حاجة من اللي بتحصل دي.
مش مهم المهم أننا مع بعض.
قالها بعشق فتاهت بسحر عيناه. فحل الصمت مجدداً عليهم.
بالقصر.
عاد ياسين من الخارج ثم توجه للأعلى ولكنه لمح حوريته الصغيرة تجلس بالخارج.
هبط مجدداً ثم توجه إليها ليجدها تجلس على الأريكة بالحديقة. شاردة للغاية.
أقترب منها ببطء ونظرات العشق تتطوفها ثم جذب المقعد المجاور لها لتنتبه لوجوده فتستقيم بجلستها.
مليكة بستغراب:
ياسين؟
تطلع لها قائلاً بهدوء يكمن بصوته:
ممكن أعرف إيه اللي مقعدك كدا؟
وضعت عيناها أرض تبحث عن إجابة لسؤاله ولكنها لم تجد كلمات تتحدث بها.
ياسين بقلق:
مليكة أنتِ كويسة؟
ابتسمت قائلة بخفوت:
يهمك أمري؟
تعجب ياسين من تصرفاتها ولكنه لجأ لتصرفه المعتاد ألا وهو الثبات الطاغي:
أكيد يهمني زي ما يهمني إجابتك.
ابتسمت بخجل:
بصراحة بحاول أعمل نفسي زعلانة.
أعتلى وجهه الذهول:
من إيه وليه؟
منك.
قالتها بهيام بعيناه الزرقاء فأبتسم قائلاً:
طب لييييه؟؟
جذبت معطفها ثم توجهت للأعلى قائلة بمرح:
اسأل نفسك.
وصعدت للأعلى تاركة قلب عاشق يتأملها ببسمة عشق.
تمدد على الأريكة يتأمل القمر من أمامه قائلاً بشرود بجمالها الهادئ:
ناوية تعملي فيا إيه تاني؟
عاد رائد للقصر وقلبه يدب به شعوراً متناقض بين السعادة والحزن. لا يعلم ما عليه فعله بعدما خالف قواعد الوحش.
صعد لغرفته ثم دلف للمرحاض تاركاً شلالات المياه تتناثر بقوة على جسده لعلها تريح هذا العقل من التفكير.
يتذكر كيف صار الحزن على ملامحها وجهها بعدما وهبها العشق بطريقته الخاصة وكيف صاحت به وترجته للخروج على الفور.
نعم انصاع لها حتى يهادئها. وخرج من المنزل ولكن بداخله رابط قوي بأن هناك أمل للعودة مجدداً.
بالأسفل.
دلف عز ويحيى ورعد من الخارج فجلسوا بالقاعة.
عز بزهول:
أنا لحد دلوقتي مش مصدق أننا طالبنا إيد البنت لمعتز.
حمزة:
هههههه بس عنده حق يقع البت موزة.
تالين بغضب:
بتعاكس اللي قد بنتك يا حمزة.
حمزة بصدمة:
يخربيتك بتعترفي بلسانك أنها قد بنتي.
لوت فمها بضيق:
هو أنت بتعرفني ولا بتقنع نفسك؟
رعد ببسمة مكبوتة:
الاتنين.
يحيى بنفاذ صبر:
هو أنتِ مركبتيش مع يارا وملك ومعتز ليه؟
تالين بحزن مصطنع:
هو أنا تقيلة عليكم كدا.
حمزة:
جدااا.
عز بنفاذ صبر:
أنا طالع أريح شوية الله يعينك عليهم يا يحيى.
يحيى: يعين مين خدني معاك.
وصعد يحيى خلفه بينما ظل رعد يحاول الفصل بينهم.
بسيارة معتز.
كان يجلس جوار السائق بفرحة تستحوذ على عيناه. يستمع لحديث والدته وملك بصمت وشرود. لم يعينه فرحتهم بعروسه الجميلة. كل ما يعنيه هو أقترب تحقيق هدفه برد الصاع صاعين.
وخاصة بعد أن طلب من والدها بأن تباشر عملها أن أحبت ذلك.
لا يعلم أن شرارة العشق ستلعنه أولاً.
بمكان آخر.
كانت تجلس على الأريكة بشرود. كانت تود الرفض ولكن بعدما رأت يارا وملك شعرت بالراحة. ربما حديث رفيقتها صائب وتلك الفتاة كانت تريد أن تزرع الشك بعقلها.
ابتسمت بخجل شديد عندما تذكرت نظراته لها. لا تنكر وسامته ولكن بداخلها شيء من الخوف لا تعلم مصدره.
بفيلا عدي.
حاوطها الحرس بأمر من عدي الجارحي.
بالداخل.
كان يستمع لها بصمت قاطعه قائلاً بغضب:
إنسان زي دا مكانه في المصحة مش وسطينا وبعدين أنتِ أزاي توافقي عليه من الأول.
رفعت عيناها بدموع قائلة بصوت مزقه:
كنت مجبرة يا عدي بعد ما بابا توفى مبقاش لينا دهر. كنت فاكرة الدهر دا عمي وإبنه مكنتش أعرف أنه اللي هينهش فينا. كانت أقل مشكلة يمد إيده عليا وبعدها ميفتكرش هو عمل إيه أصلاً. ماما كانت بتحاول تفسخ الخطوبة بس مقدرتش عشان كدا ساعدتني أهرب.
مش هسيبك يا رحمة صدقيني.
قالها عدي بعدما أزاح دموعها بحنان. فأزاحت يده بارتباك من قربه المهلك لها.
ابتسم قائلاً بمكر:
أنا همشي أفضى.
وحمل هاتفه ومفاتيح سيارته ثم توجه للمغادرة. فصاحت به بقلق:
أنت رايح فين؟
أستدار لها قائلاً بصدق:
هرجع تاني يا رحمة متقلقيش. الحرس اللي بره دول بجيش كامل محدش يقدر يتخطاهم. دا بعد جنانه أنه يتحدا عيلة الجارحي.
قال كلمته الأخيرة بسخرية ثم غادر للقصر.
بغرفة عمر.
جاسم بصدمة:
نعم؟
عمر بزهول:
هو أنا قولت حاجة غلط؟
أجابه بغضب جامح:
عملت غلط؟ بقا أنا بقالي سنين بعافر عشان أوصل لمرحلة الجواز وأنت تيجي بالسهولة دي وتقول هتجوز. لا والمصيبة تعرفها من فترة قليلة.
عمر بشفقة:
استهدى بالله يا جاسم.
جاسم بسخرية:
هي لسه في استهدى.
وترك الغرفة بأكملها وتوجه لغرفتها. أتابعه عمر على الفور ليلحق به بعدما تخل عنه العقل.
بغرفة داليا.
كانت تجلس لجوار الفتيات قائلة بتأفف:
زي ما سمعتم كدا جاسم أتغير جدا.
كاد أسيل أن تتحدث ولكن أتى هو ليؤكد حديثها.
دلف للغرفة وهو بحالة من الجنون يبحث عنها بعيناه إلى أن وقعت عليها.
أقترب ليقف أمامها والسكون يخيم على الجميع وعلى رأسهم عمر. يتراقبون ما سيحدث.
جاسم بهدوء مخيف:
تعرفي أنا بحبك أد إيه؟
تسللت الحمرة لتغطي وجهها فحاولت الحديث ولكن لم تستطع.
أسيل بصدمة:
إيه اللي بيحصل دا؟
عمر:
مش عارف.
جاسم وغضبه يتضاعف:
اسمعيني كويس أنا استحملت كتير جداً ودلوقتي جبت أخري. كتب كتابنا بكرة مع الواد دا.
عمر بسخرية:
الا هو أنا.
جاسم بحزم:
اخرس انت.
رمقه بغضب ولكنه تحل بالهدوء قائلاً بشفقة:
أوك.
أستدار ليكمل:
سواء رفضتي أو قبلتي هتجوزك غصب والكل قدام الكل.
ثم أستدار للجميع:
حد عنده اعتراض؟
مروج:
إحنا نقدر برضو.
أسيل بصوت منخفض:
أخويا أتجنن منك لله يا داليا.
على الجانب الآخر.
جن جنونه عندما علم بالأمر فأمر رجاله بالبحث عنها ولكنه تفاجئ بوالده الذي قطع الأمر قائلاً بحزم:
متخدوش أي خطوة من غير إذني.
مصطفى بصدمة:
إيه اللي بتقوله دا يا بابا.
اللي سمعته أنت متعرفش الولد دا يبقى مين ولا مين عيلته.
قالها والده بشيء من الخوف ففزع مصطفى قائلاً بغضب دافين:
هيكون مين يعني.
أقترب منه والده قائلاً بصوت مهتز:
إبن ياسين الجارحي. يعني حضرتك كدا لعبت بالنار اللي هتحرقنا كلنا بسبب البنت الزبالة دي.
تعالت عيناه بتصميم:
هجيبها يعني هجيبها.
وخرج من المنزل بأكمله والأصرار يرمس قلبه الكفيف.
دلف عدي لغرفته ومازال عقله يرفض تصديق ما حدث اليوم. ظل مستيقظ طوال الليل يفكر بها.
رفع هاتفه وإسمها يلمع به بعدما ترك هاتفه الآخر معها ولكنه تراجع بنهاية الأمر.
أفاق عدي من شروده على صوت أخيه المفزوع من حلمه مردداً اسمها.
كان يراها أمامه تتعثر. عيناها تنزف بشدة وهو يقف أمامها مكتوف الأيدي لا يستطيع مساعدتها.
صرخ بأسمها فهرول إليه أخيه.
عدي بصدمة وهو يحركه بعنف:
عمر.
فتح عيناه ليجد أخاه أمامه فحمد الله كثيراً أنه مجرد حلم وليس حقيقة. لا يعلم خفايا المجهول.
تأمله ثم صاح بلهفة:
أنت كويس؟
أشار له ووجهه يصب عرق شديد.
ألتقط عدي المياه ثم قدمها له فأرتشفها مسرعاً.
ابتسم بسخرية:
هي لعنة وحلت علينا ولا إيه.
تعالت ضحكات عمر قائلاً بتأكيد:
بين كدا الغريبة أن الوحش يقع عادي زينا.
عدي بغضب:
طب نام.
وتركه وتمدد على الفراش المقابل له.
تخلى القمر عن مكانه وأعلن سطوع شمس يوم محفور بمفاجئات الجميع. فاليوم سيشهد على تغيرات حاسمة للجميع.
وخاصة بعد الحفل الذي سيقام بالقصر.
هبط عدي لأسفل بطالته الكابتة للأنفاس ليجد الخدم تعمل على تزيين القصر. فتذكر أن اليوم حفل ميلاد أخته وإبنة عمه داليا.
هبط وأكمل طريقه للخارج بسيارته. ربما أقترب خطوات من حقيقة بشعة وربما ستكون الخطوات القادمة مصيرها محتوم.
بمنزل رانيا.
كانت تعد الفطور لأبنتها بشرود بما حدث بالأمس. لم تشعر بدموعها المنسدلة على وجهها.
استمعت لصوت طرقات على الباب فأرتدت حجابها ثم توجهت لترى من؟ ولكن ابنتها من فعلت.
تعالت ضحكات الصغيرة عندما وجدت أمامه ويحمل عدد كبير من الألعاب الجذابة.
رائد ببسمة زادته وسامة:
صباح الخير يا مريومة.
تعقلت الصغيرة به قائلة بسعادة:
دول ليا.
حملها قائلاً بتأكيد:
أكيد طبعاً وهجيبلك كل اللي انتِ عايزاه بس يالا أدخلي غيري هدومك عشان هننزل.
صرخت بحماس ثم أسرعت لوالدتها التي تراقب ما يحدث بصمت.
جذبت الصغيرة يدها قائلة بسعادة:
يالا يا مامي غيريلي بسرعة.
رانيا بهدوء:
روحي أختاري اللبس وأنا جاية حالا.
حاااضر.
قالتها الصغيرة بعدما هرولت لغرفتها بسعادة. وتبقت هي ترمقه بغضب شديد.
أقتربت منه قائلة بهدوء يعاكس ما بداخلها:
هو أنت ليه مش عايز تفهم؟
قاطعها قائلاً بحزن:
أنا عارف أني جرحتك يا رانيا وعارف كمان أنك عايزة تكوني حرة.
عشان كدا أنا جيت النهاردة أعرض عليكي اقتراح.
مشت ملامح وجهها بعدم فهم فأكمل قائلاً:
هتيجي أنتِ والبنت تعيشوا معانا في القصر لمدة شهر وبعد المدة دي هطلقك.
رانيا بغضب شديد:
أنت أكيد مجنون صح.
الا عندي قولته.
قالها بحزم وعين لا تقوى النقاش. قلبها صرخ بعنف فأقتربت منه قائلة بسكينة مميتة:
موافقة.
أستدار لها بملامحه الثابتة:
متتأخريش.
وتركها وهبط لأسفل.
توقف بسيارته فأصدرت صوت سريع من قوة صدماته. لا يقوى على الاستماع أكثر مما استمع إليه فأستدار بسيارته عائداً للقصر مرة أخرى ليلقنها درساً قاسياً ربما ستعلم الآن مع من تلهو.
عشق سيجعله يتجرد من شخصيته ليرتدي قناع للغموض عن قصد.
ولكن ماذا لو كشفت الحقائق أمام الجميع؟
هل سيصمد عمر أمام المجهول؟
هل ستتمكن تلك الكفيفة من معرفة معشوقها بعدما تستعيد بصرها؟
ماذا لو كشف السر المجهول بعلاقة ياسين ومليكة؟
هل سيتمكن ياسين من إنقاذ معشوقته من مجهوله الأليم الذي أخفاه عن الجميع؟
ماذا لو فرقت الأقدار بين جاسم وداليا؟
أما الوحش ماذا ستكون ردة فعله حينما يرى أشياء مجهولة عن فتاة الروح كما يلقبها؟
هل ستتمكن عائلة الجارحي من الصمود أمام موجة المجهول؟
رواية الوحش الثائر (احفاد الجارحي3 الفصل التاسع 9 - بقلم اية محمد
تلونت ملامح وجهه للغضب المميت بعدما استمع للتسجيل الصوتي على هاتفه. فاستدار بسيارته عائدًا للقصر مرة أخرى. ولكن تردد الهاتف ليعلن عن عشق الروح.
أوقف سيارته ثم رفع الهاتف بشيء من القلق، لتتراقص نغمات القلب حينما يستمع لصوتها الراقي.
"السلام عليكم."
أجابها ببسمته المرسومة بسماع صوتها رغم غضبه الثائر.
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته."
صمتت تنتظره أن يبدأ الحديث. ولكن كان صوت أنفاسه هو الصدى المعاكس لها. فتلربكت لثقل الكلمات على لسانها. هل تخبره بأنها استيقظت خوفًا من أن رؤياه مجرد حلم؟ فأسرعت لهاتفه الذي أعطاه لها لتتأكد من كونه حقيقة لجوارها.
"نفس إحساسي أول ما صحيت من النوم."
كان صوته الهامس برفق بعدما استند برأسه على مقعد السيارة يستمع لأنفاسها وصورتها المرسومة أمامه. صدمت من كلماته فقالت بلهفة.
"انت عرفت إزاي إن دا تفكيري؟"
رفع يديه يعيد خصلات شعره البني المتمردة على عيناه بفعل الهواء قائلًا ببسمة ساحرة.
"لما أجي هقولك."
قالت بخجل ووجهه متورد بلون حبات الفراولة الحمراء.
"وهتيجي إمتى؟"
شغل محرك السيارة ثم استدار قائلاً بعشق.
"حالا يا حبيبتي."
أغلق الهاتف فجلست على الفراش بوجهه قاتم، تتردد كلمته بصدى الغرفة فتجعلها بقمة الارتباك، حتى أنها وصلت لدرجات جنون العشق تبتسم تارة وتنصدم من كلماته تارات أخرى.
نفضت عنها تلك الأفكار. ففتحت الخزانة تلتقط ما اشتراه لها وبعثه مع الحرس الخاص. وجدت أرقى الملابس التي لم تأت بمخيلاتها قط. أنقت فستانًا من اللون البني ممزوجًا باللون الأبيض. ثم توجهت للحمام واغتسلت لتؤدي فرضها الصباحي.
***
بالقصر.
استيقظ عمر من نومه على صوت طرقات عنيفة على باب الغرفة. جلس على الفراش بنوم شديد فألتقط ساعته الموضوعة لجواره ليجدها تلمع بالثامنة صباحًا فقال بنوم.
"ادخل."
دلف آية للداخل قائلة بخبث بعدما جذب الغطاء مرة أخرى.
"إيه دا يا عمر أنت لسه نايم؟"
وضع يده يتفقد الغطاء قائلاً بنوم.
"دا سؤال يا ماما. النهاردة أجازتي وأنتِ عارفه بقضي نصه نوم والباقي رياضة. سيبيني بقا الله يكرمك."
وأكمل نومه فأبتسمت آية هامسة لمن تقف جوارها.
"اسمعي بقا اللي هيحصل."
أشارت لها نور والبسمة تزين وجهها. شرعت آية بتنفيذ باقي المخطط فأقتربت منه قائلة بمكر.
"خلاص يا حبيبي أنا آسفة. سمعت من باباك غلط افتكرته بيقول إن كتب كتابك على نور النهاردة."
رفع الغطاء قائلاً بصوت أشبه للصراخ.
"دااا بجد! والله طول عمري بقول على الراجل دا ذوق وبيفهم كدا."
تعالت ضحكات نور فأنتبه عمر لوجودها بالغرفة. ترك العنان لعيناها تتشبع بتلك الحورية ذات العينان الزرقاء. لم ينتبه لأبيه الذي يقف لجواره ولا لوالدته التي تتعالى ضحكاتها على مظهره الطفولي. كل ما يجذب انتباهه بسمة نور التي صنعت له عالمًا خاصًا بهم. جذبه ياسين قائلاً بثبات مخادع.
"هو حد كان قالك إني مبفهمش؟"
عاد عمر لأرض الواقع ولكن بصدمة أشد وقوعه بيد ياسين الجارحي. ابتلع ريقه قائلاً بصوت مرتبك.
"مين قال كدا يا حاج؟ دانا بقول كله ذوق حتى اسأل ماما."
ضيق عيناه الساحرة بشك ثم قال بخبث.
"لا هسأل نور."
هرول عمر ليقف جوارها قائلاً بلهفة.
"لن أقبل أبدًا أن تلجأ نوري للكدب من أجل الحفاظ على حياة زوجها المستقبلي."
كانت دعوة صريحة لها أنها إن تفوهت الحقيقة ستفتك بعمره. زادها الأمر ضحكات بصوتها الرنان حتى آية وياسين شاركاها البسمة.
***
بإيطاليا.
أنهى آخر اجتماع أتى لأجله ثم أعدا الرحيل لمصر. دلف لمكتب أحمد قبل أن يغادر المكان ليودعه وداعًا مؤقتًا. وقف أحمد يتطلع له ببسمة غامضة ولكن الحزن هو المتحكم بتعبيرات وجهه.
"خلاص هترجع مصر؟"
جلس على المقعد قائلاً بغضب مصطنع.
"أنا عارف إنك عايزاني أخلل بجانبك هنا عشان مفيش حد معاك."
تعالت ضحكات أحمد قائلاً بتأكيد.
"الصراحة أه هههه."
أغلق أدهم حقيبته الصغيرة بعدما وضع بها الأوراق الهامة ثم جلس بشكل مستقيم قائلاً بجدية.
"بص يا أحمد أنا عارف سبب سفرك وعارف ليه رافض تنزل مصر تاني."
استقام بجلسته بتوتر ليكمل أدهم حديثه قائلاً بحزن.
"وعارف كمان قلب بنتي فين. مقدرش أكون قاسي عليها وأزعلها مني وفي نفس الوقت رافض المبدأ من الأساس لأني عارف عدي كويس وعارف إنه شايفها زي مليكة ومروج وداليا وهي للأسف مش شايفة غيره."
كان أحمد يتابعه باهتمام وحزن يفوقه أضعاف فأنقبض قلبه حينما استمع لما تفوه به أدهم.
"عشان كدا أنا قررت أحط حد للبيحصل دا والحل عندك أنت."
خرج صوته المتحشرج.
"حل إيه؟"
استدار بوجهه له يدرس ملامحه المتلهفة فأكمل حديثه.
"إنك تتجوزها."
صدم أحمد فلم يستطع الحديث. وقفت الكلمات كأنها تخلت عنه للأبد. فأعفى عنه أدهم حينما رفع يديه بأن يحتفظ بكلماته قائلاً بحزم.
"دا قرار مفهوش نقاش. الجواز هو الحل لأسيل يمكن ساعتها تقدر تشوف غيره وتعيش حياتها. أنا لازم أعمل كدا عشان بنتي حتى لو لجأت للقوة والضغط. وأنا طبعًا مقدرش أضغط عليك. أنا عارف إنك بتحبها من وأنتم صغيرين ومش أنا لوحدي عشان كدا عرضت عليك العرض دا ولو رفضت هجوزها للشخص اللي هلاقيه مناسب لبنتي."
كان يشعر بأن دلوًا من الماء المثلج ألقي عليه مرة واحدة. نعم هو يعشقها حد الجنون ولكنه لن يقبل خضوعها له بالقسوة. ترددت كلمات أدهم برأسه هل سيزوجها لرجل آخر.
وقف أدهم ثم حمل حقيبته وتوجه للخروج. لحق به أحمد قائلاً بلهفة.
"بس يا عمي مقدرش أتجوزها غصب عني."
رفع مقبض الباب قائلاً بإصرار.
"هتقدر يا أحمد. أنا عارف دماغ بنتي كويس ومستحيل أقبل أشوفها كدا. بكرة الصبح تكون بمصر."
كاد الحديث فشدد أدهم على باقي جملته بتأكيد كأنه يؤكد له.
"مش عايز نقاش بالموضوع دا."
وغادر أدهم تاركًا أحمد بنيران تتأجج بقلبه المسكون.
***
وصل عدي للفيلا فدلف للداخل بسيارته السوداء فترنح الباب ليهبط هذا الوسيم بسرواله الأسود وقميصه الأسود بنفس اللون. ضيق يبرز عضلات جسده. نسمات الهواء تحرك شعره الطويل بعنف كأنها تغار من لونه المثير. خلع نظارته السوداء ثم استدار يتأمل طقم الحرس ببسمة رضا وإعجاب لاختياره.
فتح الباب الرئيسي فتقدم بخطواته الواثقة للداخل. عيناه هي من خانته فلم تلتزم الثبات كحال جسده. خالفت قوانين الوحش وتنقلت تبحث عن معشوقة الروح. تجمدت النظرات حينما وجدها تهبط الدرج بفستانها الذي يتابعها على الدرج كأنها عروس تزف. حجابها الأبيض الذي جعل وجهها ساطعًا بنور جعلها كالفراشة البيضاء التي تلمع بين القمر والنجوم.
كلما قصر الطريق بينها وبينه كانت تشعر بسرعة ضربات قلبها. لم ترد الاقتراب أكثر فوقفت تتأمله بصمت.
أقترب عدي قائلاً بأعجاب.
"هو أنا ممكن أعاكس؟"
تعالت ضحكاتها قائلة بسخرية.
"هو في ضابط بيعاكس على حد علمي. هو قدوة للكل."
جلس على المقعد يتأملها بسكون ثم خرج صوته الهادئ.
"طب خلاص قدام أنتِ شايفة كدا بس ياريت لحد ما أفتح بابا بالموضوع تحاولي تخففي الزيارات شوية."
تعالت ضحكاتها فقالت بسخرية وغرور مصطنع.
"على فكرة حضرتك في بيتي فأعتقد تخفيف الزيارات دي تخصك أنت."
"بتطرديني يا رحمة؟"
قالها عدي بمرح يحمل الجدية. ابتسمت بكبرياء.
"وأكثر من كدا يا عدي."
أقترب منها بخطاه الثابتة فتراجعت للخلف بخوف.
"قولتي إيه؟"
قالت بلهفة.
"مقصديش والله أنا بهزر معاك."
"رددي اسمي تاني يا رحمة."
هنا كفت عن الحديث وتلون وجهها بحمرة الخجل. حاولت الهرب من نظرات عيناه ولكن لا مفر من ذلك. أقترب منها فتراجعت للخلف بخجل إلى أن شعرت بتثاقل قدامها فكادت أن تتعثر ولكن يده كانت الأسرع لها. وضعت يدها على صدره بصورة تلقائية ففشى القلب لنصفه الروحي بما يكمن به. صدح دقاته فألهبت ملمس أصابعها الرقيقة فابتعدت عنه على الفور وضعت عيناها أرضًا بخجل.
وقف يتأملها بابتساماته الماكرة. فصدح صوت هاتفه ليعلن عن ياسين الجارحي.
"ممكن أعرف حضرتك فين؟"
"أنا في بره القصر."
"معلومة مفيدة جدًا. أمال أنا طالب سيادتك ليه؟"
"طب ممكن أفهم حضرتك في إيه؟"
"عدي ارجع القصر حالا بدون كلام كتير."
"حاضر."
وأغلق عدي الهاتف قائلاً بمزح.
"لازم أمشي. الأمر جاي من فوق ياسين الجارحي بنفسه."
ابتسمت على طريقته المضحكة فتوجه للخروج ثم استدار قائلاً بهدوء.
"نقلت والدتك مستشفى تانية غير اللي كانت بيها."
وقبل أن تجيبه بالشكر كان بسيارته ويتوجه للخروج بعدما رمقها بآخر نظرة من عسل عيناه الصافي. راقبت سيارته إلى أن اختفت من أمامها والأبتسامة تزين وجهها حينما تذكرت نظراته الفتاكة. رفعت يدها تغلق الباب فتوقفت حينما تسللت رائحة برفانيوم الخاصة به أنفها. تعجبت كثيرًا حتى أنها خرجت تتأكد من أنه ليس بالخارج. رفعت يدها لتكتشف أن مصدر الرائحة يفاح منها بعدما استندت بيدها على صدره. احتضنت يدها بابتسامة هيام كأنها كنز ثمين ثم دلفت للداخل تعيد ذكرى اليوم بوجوده ورائحته المختومة بين كف يدها الصغير.
***
هبطت للأسفل بضيق شديد بعدما أخبرها مجدي بأن عليها تنفيذ قراره لعلها تحظى بالحرية. لا تعلم بأنه أعد تلك الخطة ليجمع بها بعاشق جعله العشق لعنة فحطم كل شيء وها هو يعود من جديد لاسترجاع ما أتلفه سوء الظن.
وقف ينتظرها بالأسفل، مستندًا بجسده العمالق على سيارته. الخوف يملأ قلبه من فقدانها أن لم يتمكن من إقناعها. لم ينكر إعجابه بخطة ابن عمه عدي ولكن عليه المجاهدة لتمنحه فرصة التقرب منها فربما تشعر بخفقان القلب النابض بحبها المتوج لعرش المغرور كما تعتقد هي.
أتت هي لتوقف فكره المشغول بطالتها الساحرة كأنها تتعمد تقمص دورها الساحر في الثأر منه. لم يشعر بابنته المتعلقة بيديه كأنه هائم بعالم آخر عالم لا يوجد به سواها هي وهو.
أنهت الدرج لتقف على مقربة منه تتأمل صمته بهدوء مريب. عاونته طفلته على هبوط أرض الواقع حينما شددت من ضغط يدها الصغيرة على يده فأنتبه لهم. فتح باب السيارة قائلاً بعين لامعة بالعشق.
"اتفضلي."
تطلعت له تارة ولباب السيارة تارة أخرى. حتى قررت إنهاءها فتوجهت للجلوس بالخلف. لم يعلق رائد لعلمه صعوبة مهمته. جلست الصغيرة جواره تضحك بحماس لمعرفة إلى أين ستتحرك تلك السيارة.
***
بغرفة جاسم.
تململ بغضب على صوت هذا الأحمق. زفر حازم بغضب لعدم تمكنه من إيقاف جاسم فأتت إليه فكرة من ذهب كما أعتقد. جذب أعمدة الكبريت الصغيرة ثم وضعهم بين أصابع قدميه وبسمة الخبث تعبث بوجهه. رفع السخان الصغير (الولاعة) ثم أقترب منه كمحاولة أخيرة.
فقال بخبث.
"جاسم قوم أشرف لك من اللي بفكر فيه."
لم يلق أي رد فعل فتحمس لبدء خطته. أقترب منه ثم أشعل ما بدأه. ما هي إلا ثوانٍ معدودة حتى صاح جاسم بصوت مزلزل من الآلام التي لحقت به ولكنه تمكن من انتزاعهم عنه. لمح هذا الأحمق المبتسم بشماتة واضحة له. أقترب جاسم بعين كالصقر قائلاً بصوت مخادع للهدوء.
"أنت اللي عملت كدا؟"
تملكه الغرور.
"هو في حد تاني بالأوضة غيري؟"
أقترب منه ليضع يده على كتفيه ببسمة تخفي ما أعظم.
"تحب نبدأ منين؟"
"تبدأ إيه؟"
"أنا هفهمك."
قالها جاسم وهو يكيل له اللكمات المميتة.
"ااااه أهدأ يا جاسم الله يخربيتك بوظت وشي خالص دا النهاردة الحفلة يا جدع."
"هو أنت لسه شوفت حاجة. تعالوا لكمة جاسم بالقوة."
فهو هرول سريعًا للخارج.
بالخارج.
كان معتز يقف بجوار ياسين يقدم له بعض الأوراق للتوقيع فتفاجئوا بحازم يهرول سريعًا وجاسم خلفه.
"هو في إيه؟"
معتز ببرود.
"متحطش في دماغك كمل كمل."
وبالفعل انصاع له وأكمل توقيع الأوراق. هبط عمر بطالته المميزة قائلاً بابتسامة تفوقه جمالًا.
"صباح الخير يا شباب."
"صباحك سعادة يا دكتور."
كاد أن يجيبه ياسين ولكن صعق حينما استمع لصراخ قوي يأتي من الأعلى.
"هو في إيه؟"
معتز ببسمة مكبوتة.
"لا متأخذش في بالك."
"أنا خارج. حد عايز حاجة من برة؟"
"ههههه لا بس متنساش الهدايا."
"أنت جبت؟"
"أكيد جبنا مجانين إحنا عشان منجيبش."
"طب هلحق أنا بقا."
أشار له معتز فتوجه عمر للخروج ثم استدار حينما استمع لصوت صرخات مرة أخرى قائلاً بذهول.
"هو في إيه فوق؟"
معتز بسخرية.
"متأخذش في بالك دا جاسم بيعمل الواجب مع زومي."
"ربنا معاه يارب."
بادله ياسين الابتسامة.
"يارب يا خويا."
وغادر عمر وتبقى ياسين يراقب ما يحدث بالأعلى وعلى جواره معتز المبتسم بمكر.
هبط عز للأسفل فأقترب من ابنه قائلاً باستغراب.
"بتبص على إيه؟"
"بشوف جاسم خلص على الزفت دا ولا لسه."
"زفت مين؟"
وكأن الرد كان سريعًا فأتى من خلفه.
"الحقني يا عمي أبوس إيدك حوش الأخطبوط دا عني."
"بسم الله الرحمن الرحيم."
"هو المنظر بقا وحش كدا منك لله يا جاسم هقابل الضيوف إزاي."
معتز بسخرية.
"دا لو لحقت الأخطبوط نزل أقصد جاسم."
تلبب حازم بعز المنصدم مما وصل إليه وجهه.
"هو فيييييين؟"
معتز بصدر رحب.
"أهو عندك أه."
"أبو شكلك عيل رزل."
استدار عز بوجهه قائلاً بصوت منخفض.
"على فكرة دا ابني."
"حقك عليا يا أبو المحميح بس حوش عني وأنا هدعيلك بضمييييير."
"بتتحامى بعمك يا لخم."
"أيووا."
"أنا مش فاضي للعب العيال دا."
وتركهم عز وغادر ليكمل جاسم تلقينه الدرس جيدًا. حمل ياسين الملفات ثم غادر هو الآخر بعدما رمقهم بنظرة حارقة. صعد لسيارته وتوجه لمصير سيهدم حياته. كان يقود سيارته بشرود في حوريته وجمالها الهادئ فأفاق على اصطدام قوي نتيجة لشروده بالقيادة.
هبط ياسين ليرى ماذا حدث فحمد الله كثيرًا حينما وجد أن السيارات فقط من تعرضت للخدوش. تراقب من بالسيارة الأخرى يهبط ليرى أن كان بخير أم تعرض لإصابات. خرجت من السيارة لتكون له كالعاصفة التي ستدمر حياته. صعق حينما رآها أمامه لم يتمالك أعصابه فتأملها بصدمة كبيرة. نعم أتت لتشكل حاضرك بقلم الماضي.
***
وصلت سيارة رائد للقصر فتأملته الصغيرة بسعادة كبيرة فقالت بطفولية.
"الله أنت عايش هنا يا بابي؟"
أجابها بفرحة لرؤية ابتسامتها البريئة.
"أيوا يا قلب بابي ومن النهاردة دا بيتك."
"يعني ألعب هنا؟"
"أكيد يا حبيبتي."
قالها رائد بعدما أوقف السيارة وقبلها بحب. حملها بين ذراعه ودلف بها للداخل. ترك جاسم هذا الأحمق من بين يديه ثم استدار ليجد تلك الصغيرة. أقترب منها قائلاً بسعادة.
"دي بنتك يا رائد؟"
قبلها رائد. قائلاً بفرحة.
"مريم."
حملها جاسم ثم قال بمرح.
"أنتِ عسل أوي."
"عيب كدا على فكرة."
انفجر رائد ضاحكاً فشاركه معتز البسمة على عكس جاسم المتصنم مكانه. أخبر رائد الخادمة بأن تخبر والدته بوجودهم فصعدت للاعلى لتخبرها.
بالأعلى.
كانت الفتيات مجتمعات بغرفة ملك يتبادلان الحديث المرح حتى نور تشاركهن الفرحة والحديث. وكالعادة لا تخلو الجلسة من مشاكسات مروج وأسيل ومرح داليا ومليكة.
"والله ملك صح. البت يارا دي بتاعت مصلحتها."
"مش هي أمي وأنا معترفة معاكم رغم القرابة يعني."
"كدا يا مروج. أوك."
"معلش يا يارا بتهزر معاكي."
"والله موجة دمها عسل."
"ظهر الحق يا ناس. شهادة من طنط تالين."
"يخربيتك هتفضحينا."
"إحنا لسه هنتفضح. والله أنا خايفة على القمر دا مننا."
"ليه يا طنط شذا هو إحنا مجانين؟"
"ما دي الحقيقة يا بت."
"دمك سم أنتِ وهي. أنا راحة أجهز لبس الحفلة."
"طيب يا حبيبتي."
"خدي يا بت إحنا فين والحفلة فين. تعالي عايزك."
دلف الخادمة لتخبرها برسالة رائد فهرولت لأسفل لترى ابنة ولدها التي تشبهه كثيرًا. حملتها دينا بين أحضانها بسعادة ثم صاحت به قائلة بغضب.
"أنا لسه صغيرة على فكرة."
"هو إحنا في ولا في إيه."
"هاتي كدا الملاك دا."
التفوا جميعًا حول الصغيرة بينما جذبت آية رانيا بعيدًا عنهم تعتذر لها عن بدر وتطمئن عليها. صدمة أفتكت به جعلته لا يقوى على التفكير هل عاد ما دُفن للحياة مجددًا.
ألم. ماضي. اختيار سيجعله بمأزق حقيقي فهل سيتمكن من الاختيار بين عشقه الحالي وبين ماضيه؟ هل سيظل القلب رفيق الروح ليشعر بجحيم خفي؟ ماذا لو كان الخصم قويًا بحرب رائد؟ هل سيتمكن من غزو قلبها من جديد أم هناك قائمة للحرب؟ وأخيرًا ما مجهول داليا؟ ونور؟
رواية الوحش الثائر (احفاد الجارحي3 الفصل العاشر 10 - بقلم اية محمد
تطلع لها بزهول وهى تتأمله بسكون مخفى بالأشتياق يلعب الشوق مداهمة مريبة مع قلبها.
نعم، استمعت لصوته يصيح بأسمها وتراه أمامها. لم تتوهم، هي بحقيقة لا طالما هربت منها.
أقترب ياسين ليقف أمامها مباشرة. فرفعت عيناها السمراء لتقابل عيناه الجافة. لم تتخيل أن تلك العينان كانت تكن لها حبًا بيومٍ ما. ربما ما فعلته يستحق القسوة والكراهية.
وقف يتأملها بعاصفة من المشاعر المرتبكة كحال قلبه. هل مازال هذا القلب يميل لها بعد ما ارتكبت بحقه؟ لا، هو الآن لملكة أخرى.
خرج صوتها أخيرًا قائلة بتوتر:
_ عامِل إيه؟
وقف يتأملها بسكون مريب، ثم حطمه بعدما توجه لسيارته قائلاً بسخرية:
_ شيء ما يخصكيش.
وغادر ياسين تاركها تتطلع للفراغ التي سلكته السيارة.
***
بالقصر.
ترك سيارته بإهمال ثم دلف للقصر مسرعًا. فأتى الحارس وصفها بانتظام.
توجه لغرفة والده مسرعًا، فلحقت به تلك الفتاة قائلة بغضب:
_ فين هديتي يا عدي؟
استدار ليجد شقيقته تقف والشرار يلمع بعينيها. فقال بسخرية:
_ هو الحفلة خلصت ولا إيه؟
مليكة بصدمة:
_ هي لسه بدأت!
رفع يديه على وجهها بخفة:
_ طب قولي لنفسك بقى.
وتركها عدي وأكمل طريقه.
طرق الباب وعندما استمع لصوت والده دلف للداخل قائلاً ببسمة هادئة:
_ صباح الخير.
رفع يديه يتأمل ساعته قائلاً بسخرية:
_ قصدك مساء الخير.
جلس على المقعد يتراقب حديثه بعناية. فأكمل ياسين قائلاً باستغراب:
_ مش روتين أجازتك الخروج يعني، ولا الحال اتقلب؟
ابتسم بمكر على دهاء والده ثم تمتم قائلاً بجدية مصطنعة:
_ هو حضرتك متعرفش إلا حصل لمازن؟
ضيق عيناه الساحرة التي ورثها هذا الوحش عنه قائلاً بخبث:
_ على حد علمي إن مازن في المستشفى بقاله يومين وحضرتك مرحتلوش.
_ عشان كدا خرجت النهاردة وغيرت الروتين.
قالها هذا الوحش بثباتٍ تام اعتاد عليه من والده.
لم ينكر ياسين إعجابه بدهاء عدي، ولكنه يعلم جيدًا بأن هناك أمرًا ما.
خلع ياسين نظارته ثم أغلق الحاسوب قائلاً بنبرة مزيفة:
_ أوك يا عدي، النهاردة يوم مهم في حياة عمر ولازم تكون جنبه، وأظن ده من واجباتك كأخ قبل ما تكون ضابط شرطة، ولا إيه؟
ابتسم عدي قائلاً بتأكيد:
_ أكيد.
_ طبعًا سمعت إن معتز وجاسم عايزين يعقدوا القران معاه.
ياسين بهدوء:
_ حاسس إن معتز متسارع شوية وده شيء مريب، لكن جاسم ده طبيعي.
استقام بجلسته قائلاً باهتمام:
_ طبيعي إنه حب بنت فحابب يرتبط بيها بشكل رسمي.
ابتسم بخفوت على تبدل عقلية الوحش، فعلم الآن بأن تفكيره هو الصائب.
_ مش معتز اللي يفكر كدا يا عدي.
بادله الحديث بنفس نبرة الهدوء:
_ طب إيه الحل؟
شرد بعقله قليلاً ثم قال بثبات:
_ الحل موجود عنده بس هو يستغله صح.
عدي بعدم فهم:
_ مش فاهم حضرتك.
استرسل حديثه ببسمة هادئة:
_ متخدش في بالك، المهم تكون متواجد هنا معاهم.
_ حاضر، عن إذن حضرتك.
قالها عدي بعدما نهض عن المقعد وتوجه للخروج. فأشار له ياسين بالانصراف.
***
بغرفة نور.
كانت تجلس على الفراش بهدوء، تفكر بنعم الله عليها.
حينما فقدت بصرها كانت والدتها لجوارها لتكون هي مرشدها. وعندما أذن رحيلها أتى عمر ليكون خاتمها بعشقه وحنانه المنان. نعم، لم تطلب من الله استرداد بصرها قط.
كانت تحمده على نعمه العديدة، فكيف لها الانتباه لذلك وهي منغمسة بقوافل نعمه العطرة.
ولكنها ما إن دلف عمر لحياتها حتى باتت تدعو الله أن تستعيد بصرها ولو لدقائق تختم صورته عيناها وتظل هي آخر من تراه.
اليوم ستكون له زوجة، لم تصدق ذلك، ولكن شعورها بفرحته المزفوفة بنبرة صوته أشعلت الفرحة بقلبها المظلم.
أفاقت نور على صوت دقات باب الغرفة. فتحسست بيدها الفراش إلى أن وقعت يدها على حجابها، فوضعته على رأسها قائلة بصوتٍ هادئ:
_ أدخل.
دلفت مليكة أولاً تتراقب الأمر، ثم اقتربت منها لتخبرها بأن أخاها الأكبر يود رؤيتها ويستأذن للدلوف.
ابتسمت نور على أخلاق تلك العائلة، فرغم غناهم الفاحش إلا أن قلوبهم معطرة بقيم تفوقها ملايين المال.
دلف عدي بعدما أخبرته مليكة بترحيبها به.
جلس على المقعد وعيناه تفترش الأرض. أسندتها مليكة للجلوس على الأريكة المجاورة له، ثم فتحت الباب على مصراعيه وغادرت.
عدي ومازالت عيناه أرضًا:
_ أنا حبيت أعرفك عن نفسي، مدام هتكوني زوجة أخويا.
ابتسمت على طريقته المرحة قائلة بفرحة:
_ سمعت عن حضرتك كتير من مليكة وماما.
عدي باستغراب:
_ ماما؟
قالت بخجل:
_ أنا بنادي لطنط آية ماما بناءً على رغبتها وإحساسي ناحيتها كدا.
ابتسم قائلاً بجدية:
_ طب تمام أوي، اسمعي بقا الكلمتين اللي جاية أقولك عليهم.
أنصتت له جيدًا فاسترسل حديثه قائلاً بابتسامة صغيرة:
_ صحيح، أنا وعمر توأم بس هو بيختلف عني كتير. عمر قلبه من دهب، لما بيحب بيحب بجد. افتكر وأحنا صغيرين، تصميمه على إنه يكون مختلف عن الكل كانت أبسط أحلامه يكون دكتور ويعالج الناس. عمر فعلًا مختلف عن الكل، عمره ما كان أناني أو حب التكبر. بالعكس، قراراته دائمًا بتكون من القلب. بقولك الكلام ده عشان تتأكدي إنه بيحبك بجد، ووصوله للجنان ده بسببك. أينعم أنا معادش عارف استحمله، بس كلها كام أسبوع ويغور عني أقصد يتجوز يعني.
تعالت ضحكاتها بسعادة لما استمعت له، فرفع عدي عينيه ليرآها أخيرًا قائلاً بسخرية:
_ بتضحكي؟ أوك، بكرا تشوفي وتقولي أخويا الكبير حذرني من الواد ده.
لمعت دموع الفرح بعينيها، فرددت بهمس:
_ أخويا.
أجابها بصدمة مصطنعة:
_ إيه ده، يعني هي ماما ومليكة أختك وأنا ابن الجيران؟ تصدقي أنا غلطان، كنت هقف معاكي ضد الحيوان ده لو عمل حاجة.
_ لااا طبعًا، أنا فرحانة لأني كان نفسي يكون ليا أخ.
قالتها نور بدمعة حارة على وجهها، فابتسم قائلاً بجدية:
_ والأخ ده قدامك أهو، أنتِ دلوقتي زي مليكة بالظبط. يوم ما تحتاجييني متتردديش ثانية واحدة.
كان على بعد مسافات قليلة منهم يستمع لأخيه بسعادة واحترام، فعدي يكبر بأنظاره يومًا بعد يوم، يشعر بأن الفارق بينهم كبير للغاية، ليس دقائق بل أعوام.
خرج عدي بعدما زرع الفرحة بقلبها ليجد شقيقه بالخارج يتطلع له بفرحة. نظراته تحمل الكثير من الحديث المكبوت.
رفع يديه على كتفيه قائلاً بثبات:
_ مبروك دخولك عرين الزوجية.
تعالت ضحكاته قائلاً بحزن مصطنع:
_ لسه كتير، ده مجرد كتب كتاب بس.
عدي بغضب:
_ احمد ربنا يا أخي، غيرك لسه موصلش للمرحلة دي.
تعالت صدمات عمر ليقول بزهول:
_ غيرك! اللي هو أنت؟ لا، فاهمني، أنت لقيت رحمة؟
ابتسم الوحش إبتسامته المثيرة مشيرًا بعينيه، فاكمل عمر بحماس:
_ أذير.
ربت على كتفيه قائلاً بثبات:
_ بلاش عشان أنت داخل على جواز والعملية عندك مش ناقصة جنان.
عمر بصدمة:
_ للدرجادي؟
عدي بتأكيد:
_ وأكتر.
ابتلع ريقه بصعوبة من تفكيره بالأمر قائلاً بلهفة:
_ بعد الحفلة هعرف.
تركه وغادر قائلاً بمكر:
_ افتكر.
وقف يتأمله بغضب ولكنه انفض عنه أي أفكار وتوجه لغرفتها.
***
توجه لغرفته ليجدها تعتلي طريقه، فتجمدت الدماء بعروقه حينما تذكر رسالتها.
أسيل بخجل شديد:
_ بعتلك رسالة على الواتساب، شوفتها؟
ما إن ذكرت كلماتها حتى جذبها من معصمها بقوة لغرفته ثم أغلقها سريعًا.
تطلع لها بشرارة تكاد تلهب الغرفة بأكملها، فخرج صوته المزلزل:
_ أنا حذفت الرسالة وهلتزم الصمت عن اللي سمعته.
سألته باستغراب:
_ ليه يا عدي؟
زفر قائلاً بغضبٍ جامح:
_ أسيل، أنتِ عارفة كويس أنتِ بالنسبالي إيه؟ بلاش تعيشي بوهم، أنتِ مش قده.
فر الدمع من عينيها كشلالات عميقة قائلة بحزن شديد:
_ بس أنا بحبك أوي.
رفع يديه بقوة كبيرة حطمت الزجاج من خلفها، فصرخت بخوف.
رفعت عينيها لتلتقي بعين الوحش الثائر قائلاً بنبرة كالموت:
_ اخرجى من هنا.
ثم رفع يديه المملوءة بالدماء:
_ عارفة لو سمعت الكلام ده تاني هعمل فيكِ إيه؟
تطلعت له بدموع قائلة بنبرة تحتضن الحطام والكسرة:
_ مقدرش أوعدك.
قالت كلماتها الأخيرة بعدما توجهت لباب الغرفة.
خرجت والدموع تلحقها كأنها لعنة مميتة تود الفتك بها.
أما هو فجلس على الفراش يشدد على شعره بغضب من تلك الفتاة التي تتابع وهمًا قاسي وتترك عاشقها المحبب.
تزرع الجراح بقلبه وهو يستقبلها بصدر رحب.
بالخارج.
توجهت لغرفتها بدموع، رأها ياسين الجارحي ليخمن الآن ما الذي يحدث لها؟
***
بغرفة رعد.
دينا بصدمة:
_ أنتِ مجنونة صح؟
داليا بدموع:
_ ليه؟ عشان بقولك مش شايفاه غير مجرد أخ؟
دينا باستغراب:
_ بس أنا كنت بشوف الحب في عيونك لجاسم من وأنتِ صغيرة.
_ يا ماما، فيه فرق بين الاحترام والحب، وأنا بحترم جاسم بس ده مش معناه إني بحبه.
قالتها داليا بعدما تركت المقعد وجلست جوار والدتها على الفراش.
لم تجد كلمات تتفوه بها فقالت بهدوء:
_ يا بنتي راجعي نفسك، جاسم شاب كويس مش هتلاقي حد يحبك قده، وبعدين أنتِ كدا هتعملي مشاكل بين أبوكي وأدهم، الكل عارف إن النهاردة كتب كتابك مع عمر.
صدمت من حديثها فقالت بدموع:
_ يعني عشان متحصلش مشاكل أتجوز واحد مبحبوش؟
قاطعتها قائلة بلهفة:
_ لااا يا بنتي مقصدش الكلام ده، بس يا حبيبتي إيه اللي مش عاجبك بجاسم؟
صرخت قائلة بغضب:
_ يوووه يا ماما، مش بحبه، شايفاه زي رائد وياسين وعدي والكل، شايفاه أخ، هتجوزه إزاي ده؟
تفاجئت دينا حينما وجدت رعد يقف خلفها، ولكنها تطلعت له بحزن من القادم.
داليا بصدمة:
_ بابا!
رعد بهدوء:
_ من إمتى وإحنا بنغصب عليكم حاجة؟
قالت بارتباك وعيناها أرضًا:
_ أنا.
قاطعها بإشارة من يديه قائلاً بحزم:
_ اعتبري الموضوع منتهي، روحي على أوضتك.
أنصاعت له وتركت الغرفة.
اقترب رعد من دينا الباكية رافعًا يده على كتفيها بحنان، فرفعت وجهها المنغمس بدموع:
_ هو ليه بيحصل مع أولادنا كدا يا رعد؟ رائد واللي بيحصل معاه ودلوقتي داليا، هو مش مكتوب لنا نفرح؟
جلس لجوارها محتضنها بحنان، فهو يعاني مثلها ولكن عليه الصمود.
أخرجها من أحضانه قائلاً بهدوء:
_ وعسى أن تكرهوا شيئًا وهو خيرًا لكم، نسيتي كلام ربنا ولا إيه يا دينا؟
أجابته بهدوء:
_ ونعم بالله.
أكمل حديثه قائلاً بثبات:
_ وبعدين مالهم أولادنا؟ داليا مشكلتها بسيطة ورائد الحمد لله، إحنا كنا فين وبقينا فين، وإن شاء الله رانيا تقدر تسامحه.
رددت بأمل:
_ يارب يا رعد.
احتضنها هامسًا بصوته الرجولي العميق:
_ يارب يا حبيبتي.
***
وقفت أمام الغرفة بتردد، تقدم قدمًا وتأخر أخرى.
ذكريات تهاجمها من الماضي المغموس بالعشق والوجع.
لمعت حديث آية برأسها أن عليها تخطي الماضي من أجل ابنتها.
خطت للداخل فتطلعت للغرفة بصمتٍ قاتل.
تتعيش مع ذكرياتها المعتقة بالعشق، ولكن سرعان ما قلبت لذكريات مريبة جعلت قلبها ينبض بعنف لذكرى هذا اليوم.
فلاش باااك.
عاد من الخارج يبحث عنها بعينيه إلى أن وقعت عيناه عليها وهي تجلس بالتراس.
أقترب منها فاحتضنها هامسًا جوار أذنيها:
_ وحشتيني.
ابتسمت بفرحة لسماع صوته، فاستدارت لتتقابل مع عينيه الرومادية.
تطلعت له بخجل شديد من نظراته الخبيثة ثم قالت بتوتر:
_ بتبصلي كدا ليه؟
رفع يديه يحتضن وجهها تاركًا العنان لنظراته تنقل لها عشقه المتوج:
_ مش مصدق إن الجمال ده ملكي.
تلون وجهها بحمرة الخجل، فابتعدت عنه قائلة بارتباك:
_ أنا هدخل آخد شاور عشان نازلة مع مليكة.
رائد باستغراب:
_ رايحين فين؟
رفعت يدها تزيح خصلات شعرها المتمرده على عينيها بفعل الهواء قائلة بارتباك من نظراته الفتاكة:
_ رايحين نشتري شوية حاجات، وداليا جاية معانا.
قالت كلمتها الأخيرة واختفت من أمام عينيه.
أما هو فوقف يتأملها إلى أن اختفت من أمامه.
جلس على الأريكة يتأمل الأشجار من حوله.
الهواء العليل يتمرد على خصلات شعره الغزير، فأغضبه كثيرًا حتى أنه توجه للدلوف، ولكنه توقف على صوت الهاتف.
تطلع رائد للطاولة بزهول حينما هاتفها يلمع برقم مجهول، فألتقطه:
_ ألو.
أغلق الهاتف بوجهه سريعًا، فزع الشك بقلبه.
فتح السجل ليجد ما يصل لأكثر من عشر مكالمات باليوم الواحد، وما جعل الغضب يلعب دوره المحسوم، المحادثة بينهم على الواتساب.
سمح لنفسه التجول بالرسائل السابقة، فتعالت شرارة الجحيم.
ألقى بهاتفها أرضًا فتهشم كحال قلبه، ثم دلف للغرفة يبحث عنها كالمجنون.
خرجت من المرحاض بعدما ارتدت ثيابها وبيدها الحجاب، فتفاجئت به يصيح باسمها بجنون.
أقترب منها ليقف أمام عينيها، فتطلعت له بصدمة من رؤيته هكذا.
وقف يتأملها بصمت قاتل لا يقوى على التصديق، لا، هناك أمر خاطئ، ولكن عقله لم يمنحه السكينة.
ربط ارتباكها بالفترة الماضية وتصميمها بالخروج الزائد عن الحد مع ما حدث منذ قليل، فأصدر القرار بانتساب تلك الكلمة القاتلة لها "خائنة".
يا لها من خنجر طعنه بقسوة بدون رحمة أو شفقة لعشق زرع بالقلوب.
أنهى حديث العينان بصفعات قوية لم تتوقعها منه.
وقفت تطلع له بصدمة ألجمتها عن الحديث حينما شرع لها بتلك الكلمة، ثم أنهال عليها بكم من اللكمات المبرحة.
صرخت وتراجعت للخلف كأنها ترى ما حدث أمامها.
رفعت يدها على أذنيها لعل صوته يكف عن الحديث، لم تشعر بدمعاتها تشق طريق وجهها حينما تذكرت حديثه وذكرياتها التي ظلت حليفتها طوال تلك المدة القاسية.
أتى من الخارج بعدما أوصل ابنته لغرفتها الجديدة، ففرحت بها كثيرًا.
وجدها تتراجع للخلف بفزع كأنها ترى شبحًا، أقترب منها بحذر فصطدمت به.
أستدارت رانيا لتجده أمامها، تملكها الخوف مما صار منذ أربعة أعوام، حتى أنها لم تقوى على الوقوف، فسقطت بين يديه كالجثة الهامدة.
حملها بخوف شديد، اقتلع قلبه، فحاول جاهدًا أن يجعلها تستعيد واعيها.
***
بغرفة نور.
ارتدت ما اشتراه لها عمر بعدما خرج صباحًا لأجلها.
فستان من اللون الأزرق كالون عينيها.
أعانتها مروج على ارتدائه بعدما نقلت لها صورة عن تفاصيله ولونه الجذاب.
ارتدته وهي تشعر بتراقص نغمات قلبها حينما شعرت بوجوده لجوارها.
ربما قرب الموعد ليزدهر أشواك العشق.
***
بغرفة عدي.
دلف ياسين للداخل وعيناه تبحث عنه بغضب شديد.
إلى أن وقعت عليه، فهبط للأسفل ليقف أمامه.
حبس أنفاسه تحت المياه كأنه يحاول إثبات شيئًا ما، فطوفت بها عاصفة العشق والريحان نقلت صورة بسمتها الساحرة، فجعلته يبتسم بهيام.
خرج عدي من قاع المياه لشعوره بأنه بحاجة للهواء، فتعجب حينما وجد أباه يقف لجواره.
_ بابا.
قالها بخفوت واستغراب، فتوجه للخروج قائلاً بزهول:
_ في حاجة يا بابا؟ أنا كنت لسه عند حضرتك؟
_ اسمع يا عدي، أنا صبرت عليك كتير، بس أنت استغليت صبري.
قالها ياسين الجارحي بعدما رفع يديه بوجه ابنه الأكبر بغضب يكاد يفتك به.
لم يعلم ما سبب غضبه المفاجئ، فقال بحذر شديد:
_ أنا مش فاهم حاجة، في إيه؟
اقترب ياسين منه قائلاً بنبرة صوته الثابت:
_ أنا واثق إن في حاجة انت مخبيها عليا. ببساطة ممكن يكون جوازك على أسيل مع أخوك، وأنت عارف إني أقدر أعمل كدا.
عدي بغضب:
_ هو انتوا ليه مش قادرين تفهموا؟ أنا مش بحبها، أنا بعتبرها أخت ليا مش أكتر ولا أقل، ثم إني مش مجبر أتجوزها، وحضرتك عارف كدا كويس.
حاوطته نظرات ياسين القابضة للأنفاس، فحل السكون على عدي حينما علم ما تفوه به.
خرج صوت ياسين الحازم قائلاً بعصبية:
_ أوعى تكون فاكرني أهبل أو مش بفهم، أنا ياسين الجارحي، عقلي يوزنك انت وعشرة زيك، عشان كدا سايبك تعمل اللي يريحك، بس يجي ببالك إني غبي ومش فاهم اللي بيحصل لأولادي وأنا هنا بمكاني، تبقى بتحلم حلم سخيف.
وصعد ياسين الدرج متوجهًا لغرفة عدي المنصدم مما استمع إليه.
ولكنه لم يتمكن من إخفاء ابتسامة إعجاب بنفوذ ياسين الجارحي.
دق هاتفه برقم كبير الحرس، فرفعه بصمت يستمع للقادم.
الحارس:
_ الشخص اللي حضرتك اديتنا صورته حاول الهجوم على الفيلا.
رفع يديه يزيح خصلات شعره المتمردة على عينيه بفعل المياه قائلاً بلهفة:
_ مصطفى ما يعديش من تحت إيديكم، عايزه أرجع بالليل ألاقيه.
قاطعه حديث الحارس قائلاً بخوف:
_ للأسف يا فندم، في مجموعة أخدوه قبل ما يوصل للفيلا.
عدي باستغراب:
_ مين دول؟ تعرفهم؟
الحارس بتردد:
_ الحرس الخاص بياسين بيه، والد حضرتك.
أبعد الهاتف عنه والبسمة تتسع شيئًا فشيء، فترددت صدى كلمات والده برأسه ليعلم الآن بأنه على علم بما يحدث معه.
***
بغرفة معتز.
رفع هاتفه يطلبها فأجابته بعد عدد من الاتصالات.
حاول كبت غضبه فقال بهدوء:
_ برن عليكِ من ساعتها.
جاهدت للحديث، فهي تعلم بأنها اليوم ستصبح زوجته بعدما نجح بإقناع والدها.
_ آسفة، كنت بعيدة عن الفون.
جلس على المقعد قائلاً بثبات ونبرة هامسة:
_ ولا يهمك، أنا كنت بكلمك أطمن، يا ترى ذوقي عجبك؟
تطلعت للفستان الموضوع على الفراش بعناية بابتسامة إعجاب قائلة بخجل:
_ جدًا، ذوقك جنان، تسلم إيدك يارب.
معتز بصدمة:
_ الكلام الحلو ده ليا؟
لم تتمكن من الحديث أو حتى التحكم بابتسامتها، فصمتت تستمع له.
استند برأسه على المقعد الذي يتحرك معه بعنف فقال بهمس:
_ تعرفي يا شروق، أول ما شوفتك حسيت إنها مش هتكون أول مرة، وإن فيه حاجة غريبة هتحصل. مكنتش أعرف إن الحاجة دي هتكون سرقة قلبي.
كانت تستمع له بسعادة، هل تسعد لجمال اسمها بين نغمات صوته أم كلماته المعسولة؟ لا تعلم بأنه يعد لها خندقًا لتغزو به.
***
مر اليوم سريعًا وتدلى القمر ليعلن عن الليل الحافل للجميع.
عاد ياسين للقصر ولم يرى أمامه من قوة صدماته، حتى أنه لم يتمكن من مباشرة أعماله فألغى اجتماعاته وعاد للقصر.
صعد خطوات الدرج بتميل وغير اتزان.
هرولت مليكة خلفه حينما رأته يتجه للأعلى فقالت بابتسامتها الرقيقة:
_ كنت فين يا ياسين؟ مش عارف إن النهاردة عيد ميلادي؟
تطلع لها بنظرات غريبة لم تفهمها مليكة، ولكنها خجلت كثيرًا حينما وجدته يتفحص فستانها الجديد بإعجاب.
خرج صوته الهادئ على عكس الحرب التي يقودها قلبه:
_ كل سنة وأنتِ طيبة.
_ كدا من غير هدية؟
قالتها بغضب طفولي، فتأملها بغموض.
رفع يديه لأول مرة على وجهها، فلم تتوقع ذلك، قائلاً بنظرة أربكتها من كونه ليس بخير:
_ أنتِ أحلى هدية يا مليكة.
حالت النظرات بينهم وهو مازال يتطلع لها كأنه وجد إجابة لسؤال يدور بقلبه.
تاهت ببحر عيناه الزرقاء حتى أنها أقسمت بأن المياه ستغار من لونها الساحر.
أخفض يديه لجيبه تحت نظراتها، ثم أخرج سلسال من الألماز رقيق للغاية بمنتصفه قلب صغير يلمع بطريقة ملفتة.
ابتسمت بسعادة وخجل حينما اقترب منها يلبسها بنفسه.
رفعت عيناها تتأمله بخجل شديد، فحمر وجهها لقربه المهلك.
خطفت أنظارها للسلسال، لعله يشيح نظراته بعيدًا عنها، ولكنه مازال متعلقًا بنظراتها.
قاطعت حبال النظرات داليا قائلة بمشاكسة:
_ طب وهديتي فين؟ ولا اتنسيت؟
صعد ياسين للأعلى قائلاً بمرح:
_ افتكرك بتاع إيه؟
داليا بغضب:
_ كدا يا ياسين، مااااشي.
تعالت ضحكات مليكة ويدها متعلقة بالطوق كأنه حياتها منذ الآن.
***
تعالت أصوات الموسيقى الهادئة، فاليوم مميز للغاية بمناسبات عديدة لعائلة الجارحي، وأهمهم عقد قران عمر ومعتز وجاسم كما يعتقد البعض.
هبطت نور للأسفل بمساعدة آية لتخطف الأنظار بطالتها البسيطة وحجابها الأزرق ذو الطرف الطويل على خصرها، فكانت كالملكة بحق.
تقدم منها عمر وعاونها على الجلوس وظل هو يتأملها بشوق لأن تكون زوجته.
أما معتز فأعجب بذوقه الرفيع الذي جعلها كالحوريات الهاربة من أحد القصص الخيالية، فكانت فتاكة بكل ما تحمله معاني الكلمات.
كانت جميع العائلة حاضرة للحفل، فتم عقد قران عمر ونور ومعتز وشروق.
نبض قلب ياسين بخوف شديد، فتقدم من عدي قائلاً أمام الجميع:
_ أنا كمان عايز نعقد القران بعد إذن حضرتك يا عمي.
تطلع له عدي وياسين والجميع بزهول، ولكن ازدادت فرحتهم وخجل مليكة حينما وافق ياسين.
وبالفعل تم عقد قران ياسين ومليكة.
أما على الجانب الآخر.
صدم جاسم مما استمع إليه، حتى أنه سأل عمه مرة أخرى، فأجابه بأسف قرار ابنته.
لمعت عيناه بشعلة غامضة، فبحث عنها كثيرًا إلى أن وقعت عيناه عليها، فجذبها بعنف للأعلى.
***
خرج عدي للتراس فرفع هاتفه يستمع لصوتها، ولكن لم يأتيه رد.
جن جنونه وحاول كثيرًا ولكن لم يأتِ صوتها العاشق ليحلل قلبه.
فأسرع لسيارته يقودها بجنون ليصل لمعشوقة الروح.
***
بالقاعة الخاصة.
جذبها عمر للداخل قائلاً بسعادة:
_ مبروك يا حبيبتي.
صمتت فلم تقوى على الحديث من خجلها، فأبتسم قائلاً بمزح:
_ أنا اتجوزتك غصب عنك ولا إيه؟
تعالت ضحكاتها قائلة بسخرية:
_ هبلغ عنك وأقولهم كفيفة والدكتور بتاعي استغلني.
ابتسم عمر قائلاً بحزن مصطنع:
_ وأهون عليكي يا نور؟
ترقص قلبها من طرب صوته المقرب لها، فعلمت بأنه قريب منها.
وضعت عيناها أرضًا ثم قالت بارتباك:
_ عمر، أنا كنت عايزة أقولك حاجة.
وسعت بسمته حينما استمع لأسمه، فقال بلهفة:
_ قولي، حاجات مش حاجة واحدة.
ابتسمت قائلة بجدية:
_ أنا موافقة أعمل الجراحة.
_ عشان الجواز مش كدا؟
قالها عمر بغضب شديد، فقاطعته قائلة بإنكار:
_ لااا، صدقني ده قراري.
ثم قالت بحزن مصطنع:
_ وبعدين انت ليه معتش بتعملي اختبارات؟ أنا بحبها على فكرة.
تأمل عينيها بعشق ثم قال بفرحة:
_ بس كدا جاهزة؟ ولا المرادي صعب جدًا؟
نور بغرور مصطنع:
_ مفيش حاجة صعبة بإذن الله، قول يلا الاختبار.
اقترب منها يتأملها ملامح وجهها الملائكي، ثم رفع يديها لتتابعه بخطواتها.
وقفت تشير بيدها لتعلم إلى أين هي، فأستغل اللحظة ورفع هاتفه يلتقط لها صورًا كثيرة.
سمعت صوت الفلاش، فعلمت ماذا يصنع، فتسللت الحمرة لوجهها.
وضع هاتفه على الطاولة ثم حمل لوحة الرسم لها.
جذب المقعد وعاونها للجلوس، ثم قدم لها اللوحة.
قالت باستغراب:
_ أرسم إيه؟
جلس أمامها ثم رفع يديها على عيناه قائلاً بهمس:
_ أنا يا نور.
تجمدت يدها حينما لامست كل إنش بوجهه.
نعم، كم تمنت أن تراه، ولكن خجلها كان أقوى منها، وها هو يعاونها على تحقيق رغباتها.
تركت الحرية له، فحرك يدها على أنحاء وجهه.
حفرت ملامحه الوسيمة بقلبها.
أبعدت يدها بخجل شديد حينما طبع قبلة رقيقة على يدها.
عمر بعشق:
_ هتعرفي؟
اكتفت بالإشارة له بارتباك ثم توجهت للخروج، فكادت أن تتعثر من طول فستانها.
أحتضنها بخوف شديد قائلاً بلهفة:
_ أنتِ كويسة؟
أشارت له بصمت، فعنفها قائلاً بغضب:
_ كان ممكن تطلبي المساعدة.
نور بخجل بمحاولة لتغيير الحديث:
_ هرسم في أوضتي وهوريك بكرة عشان تشوف إنك أد التحدي.
ابتسم قائلاً بثقة:
_ ملامحي صعبة تترسم.
وضعت يدها على خصرها قائلة بغضب:
_ ليه بقا إن شاء الله؟
_ بمناسبة الوقوع، مشفتش الواد جاسم.
قالها حازم بعدما دلف لينال ضربية من عمر.
***
بالأعلى.
كانت تبكي بشدة، فلم تهبط الحفل، كل ما تراه هو... أينما ذهبت يكون رفيقها، تراه بكل مكان، ما ذنب قلبها أن وقع أسير حبه؟
أفاقت أسيل من دروب أوجاعها على صوت باب غرفتها، فصعقت حينما وجدتة يقف أمامها.
نعم، عاد من جديد، أحمد...
رددت اسمه بصوت مبحوح وبسمة تحمل الشقاء، ثم هرولت لأحضانه تبكي بقوة، فربما سيكون لها المداوي وربما سيكون السجان.
العشق القاتل حائل بين قيود العشق ليجعل الكأس المرير مذاق الجميع.