تحميل رواية «الخادمة هانم» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
وهو متوقف في إشارة المرور، رعد كان بيقول في نفسه، أنا كرهت الشوارع المصرية من الأشكال اللي بتتحدف على كل صبح، المتسولين والمشردين بقوا أكتر من عساكر المرور! ودّي عايزة إيه كمان؟ كانت فيه بنت شابة لصقت إيديها المتسخة بزجاج سيارته المرسيدس، رافعة إيدها بتضرع بتطلب صدقة. بعد ما رعد تأمل وشها الطفولي، الجرح الحديث اللي قاطع خدها وهدومها المقطعة، صرخ: "انتي لو تعرفي إيديكي القذرة اللي وسخت زجاج العربية هتكلفني كام؟ ما كنتيش عملتي كده. ابعدي من هنا!" البنت ما كانتش سامعة حاجة، لكن شايفة شفايف رعد بتتح...
رواية الخادمة هانم الفصل الأول 1 - بقلم اسماعيل موسى
وهو متوقف في إشارة المرور، رعد كان بيقول في نفسه، أنا كرهت الشوارع المصرية من الأشكال اللي بتتحدف على كل صبح، المتسولين والمشردين بقوا أكتر من عساكر المرور!
ودّي عايزة إيه كمان؟
كانت فيه بنت شابة لصقت إيديها المتسخة بزجاج سيارته المرسيدس، رافعة إيدها بتضرع بتطلب صدقة.
بعد ما رعد تأمل وشها الطفولي، الجرح الحديث اللي قاطع خدها وهدومها المقطعة، صرخ: "انتي لو تعرفي إيديكي القذرة اللي وسخت زجاج العربية هتكلفني كام؟ ما كنتيش عملتي كده. ابعدي من هنا!"
البنت ما كانتش سامعة حاجة، لكن شايفة شفايف رعد بتتحرك بعصبية.
بعدت عن العربية بخوف وقعدت على الرصيف.
رعد مش متوعد على كده، اتعود إن المشردين عندهم لزوجة أكتر من دبان الشتا ومش بيتخلوا عن مطالبهم بسهولة.
كمان دي كانت أول مرة يشوفها في إشارة المرور. ابعد نظره عنها وفضل منتظر إشارة المرور اللي اتأخرت جداً. كان فيه حادثة قريبة معطلة الطريق ورعد ما أخدش باله.
نزل رعد من العربية يشوف فيه إيه. صرخ على البنت اللي قاعدة على الرصيف: "انتي يا شاطرة تعرفي فيه إيه؟"
البنت بصت لرعد ومتكلمتش، بصت ناحية الأرض وسكتت.
رعد قرب منها: "أنا بكلمك مش بتردي ليه؟"
البنت قالت: "أنا جعانة!!"
رعد: "لازم تكوني جعانة، هو اللي زيك حافظ غير الكلمة دي عشان تصعبوا على الناس؟"
"من فضلك،" قالت البنت وهي بتتنفس بصعوبة، "سيبني في حالي."
تأملها رعد مرة تانية ورغم إنه مش بيحب يدخل في حوار مع ناس أوباش، إلا إن نبرة البنت وطريقتها أثارت فضوله.
طلع ورقة بعشرين جنيه ورماها قدامها على الأرض: "روحي كلي!" وزقها برجله!
البنت بصت لرعد بعيون مهزومة، وقالت: "متشكرة، خد فلوسك. أنا لو مت من الجوع مش هاخد فلوسك، أنا مش حيوانة يا أفندي."
رعد فاهم حيل المتشردين كويس. الإشارة كانت فتحت، راح على عربيته وساب البنت والعشرين جنيه مرمية قدامها تحت رجليها ومشى.
بعد ما خلص شغل رجع رعد على الفيلا. في طريقه شاف نفس البنت قاعدة في مكانها.
قال: "طبعاً العشرين جنيه مش كافية بالنسبة ليها، أكيد عايزة تجمع فلوس كتير."
وقبل ما يعبرها شاف العشرين جنيه في مكانها تحت رجل البنت.
ضغط رعد فرامل وسط الطريق وركن على جنب ونزل من العربية.
مشي ناحية البنت اللي كانت باصة على الأرض، نايمة وراسها وسط رجليها.
مس كتفها لحد ما فاقت. بصت البنت لرعد برعب: "انت عايز إيه مني؟"
"انتي ما أخدتيش الفلوس ليه يا شاطرة؟"
البنت بصت لرعد: "أنا قلتلك مش هاخد فلوسك حتى لو مت من الجوع."
"إيه اسمك إيه؟" سألها رعد بتوجس.
البنت، هرشت دماغها: "مش عارفة، مش فاكرة حاجة."
رعد: "انتي فاقدة الذاكرة؟"
البنت: "مش عارفة، سيبني في حالي من فضلك."
فكر رعد دقيقة، بص على الشارع اللي مليان ناس.
وسألها بنبرة جادة: "انتي فعلاً مش عارفة اسمك إيه؟"
البنت: "والله العظيم مش عارفة، أنا مش فاكرة حاجة."
بنبرة كلها أمر، رعد قالها: "تعالي معايا!"
البنت بخوف: "انت عايز مني إيه، سيبني أرجوك!"
رعد بنبرة فيها لطف: "متخفيش، أنا مش هأذيكي، تعالي معايا."
البنت ببرأة: "احلف بربنا إنك مش هتأذيني؟"
ابتسم رعد: "والله العظيم مش هأذيكي."
ركبت البنت العربية مع رعد وقاد السيارة لحد ما دخلوا من بوابة الجنينة. قبل ما يوصلوا الفيلا، رعد طلب منها تنزل.
البنت نزلت بخوف وجسمها مرتعش.
رعد نده على واحدة من خدم الفيلا، طلعت بسرعة، قالها: "خديها جوه وشوفي لها أي شغل في الفيلا." وسابها ودخل الفيلا.
الخدامة سحبت البنت من إيدها وخدتها من باب الخدم. قبل ما البنت ما تدخل جوه، قلعت حذائها المتسخ وركنته على جنب، وقالت للخدامة: "أنا آسفة إني هوسخلكم الأرضية."
تصرف ما توقعتوش الخادمة من واحدة متشردة.
خدتها على الحمام. البنت غسلت نفسها وادوها هدوم جديدة غير هدومها الممزقة.
وحطوا الأكل قدامها، أكل كتير، فراخ، لحمة، مكرونة، خضروات، فواكه. الخادمة قالت لها بقرف: "كلي" وسابتها ومشت.
حطت البنت فوطة فوق هدومها وبدأت تاكل بهدوء رغم جوعها.
كانت بتاكل بطريقة منظمة، أنيقة لا تليق بمتشردة.
ورغم كمية الأكل الكتيرة اكتفت بجزء صغير جداً جداً.
الخدامة لما رجعت انبهرت من طريقة تعاملها مع السفرة، واستغربت إنها ما أكلتش إلا حاجات بسيطة جداً.
الخدامة: "هانم."
رواية الخادمة هانم الفصل الثاني 2 - بقلم اسماعيل موسى
بعد أن أنهت الفتاة أكلتها المتواضعة، طلبت من الخادمة أن تدلها على المطبخ.
قامت بغسل الأطباق ورصها دون كلام.
كان الحزن يكسو ملامحها، كأنها خرجت من مقبرة على غير رغبتها.
"إنسانة تكره الحياة، مضطرة للعيش بلا هدف."
"أنا هعمل إيه هنا؟"
سألت البنت الخادمة التي كانت واقفة بجانبها.
الخادمة قالت: "هتساعديني في الطبخ، الغسل، الكنس، صنع فناجين القهوة، إعداد المائدة."
مرة أخرى، نظرة حزن طلت من وجه البنت، فخلت الخادمة تلين وتسألها: "مالك؟"
"أنا معرفش أطبخ، لكن ممكن أرتب المائدة، أرص أطباق الطعام، أغسلها، أعمل قهوة."
الخادمة ضحكت: "متشليش هم، كلنا كنا كده في البداية، بعد كده اتعلمنا كل حاجة."
كانت الخادمة تتكلم، لكن البنت سرحت عندما وصلها صوت موسيقى هادئ قادم من الطابق الثاني البعيد.
مجرد نغمات جعلتها تشرد: "العظيم فاغنر في سوناته افتتاحية فاوست، كونشرتو فاوست إلى، للأسف ما كملهاش وتركها مثل غيرها بلا نهاية."
الخدامة سألتها: "مالك؟"
البنت: "أنا عارفة الموسيقى دي، سمعتها كتير قبل كده لكن مش فاكرة فين!"
الخدامة فتحت فمها بغباء: "دي يارا هانم، مجنونة العيلة، اللي محدش أبدا يقدر يعرف بتسمع إيه، حاجات غريبة مش مفهومة. ماله حماقي وأحمد شيبة؟ على الأقل كنا فهمنا وغنينا معاها."
البنت بنبرة جدية: "إنتي مش فاهمة حاجة، فاغنر ده سيد الأوبرا بلا منازع. فيه ناس بتقول إن الإيطالي جوزيبى فيردي زيه، لكن دا تجني على فاغنر. فاغنر اتولد ليكون عظيم."
الخادمة التي لم تفهم شيئًا قالت: "سيبك يا أختي من الكلام ده وساعديني نحضر الغدا قبل ما البيه ينزل من فوق."
البنت: "تقصدي الشاب اللي وصلت معاه؟"
الخدامة وهي تقلب الطعام: "لا، رعد بيه دا ابن الباشا. الباشا دا حاجة تانية، زي السكر كده."
"رعد؟" رددتها البنت في نفسها.
"طيب والباشا اسمه إيه؟"
"اسمه أدهم."
حطت البنت رجلها في الرواق عشان ترص الأطباق على طاولة الطعام، وكانت منبهرة بشكل الأثاث وتقنية الديكور الأخاذ.
مستمتعة بدقات الهورن والترمبون لفاغنر اللي واصل لها من غرفة المجنونة يارا.
رصت الأطباق على الطاولة، مستمرة في الحركة بين المطبخ والصالة لحد ما جهزت طاولة الطعام كاملة.
البنت: "بعد ما خلصت كل حاجة انسحبت للمطبخ وسابت الخادمة أسماء في الصالة جنب السفرة."
العائلة نزلت من غرفها.
أدهم بيه قعد على مقدمة طاولة الطعام، جنبه رعد وابنته يارا.
قال أدهم بيه بنبرة مرحة: "شكل السفرة النهاردة يفتح النفس، رصت الأطباق دي جديدة على الفيلا. أنا آخر مرة شفت التقنية دي كنت في مطعم سارتو لا دورن تحت برج إيفل في باريس."
أدهم باشا ضيق عينيه ورفع حاجب عينه الأيمن: "طبعًا يا أسماء مش إنتي اللي عملتي كده؟ أنا شامم ريحة حاجة غريبة في الموضوع."
أسماء كانت متربية في الفيلا وتعامل أدهم بيه زي والدها.
قالت: "والله يا فندم دي الخادمة الجديدة اللي جابها رعد بيه معاه النهاردة وهو راجع من الشغل."
أدهم بيه بص لرعد ابنه بنظرة ماكرة: "إنت يا ولد مقلتش إنك جبت خدامة جديدة؟"
رعد بلا مبالاة: "دي بنت متشرّدة، أشْفَقت عليها من ذئاب الشوارع وجبتها تاكل عيش هنا."
أدهم: "يعني متعرفش أصلها ولا فصلها؟"
رعد: "لا."
أدهم: "بس دا غلط يا رعد، مش ممكن تكون لصّة؟"
رعد: "لا، ما أعتقدش."
أدهم بيه: "ممكن أعرف ليه بتقول كده؟"
رعد وهو مستمر في لا مبالاته: "أنا عندي أسبابي الخاصة اللي تدفعني إني أقول إنها مش لصّة."
أدهم بيه وهو بيبتسم: "على العموم، حتى لو كانت لصّة، فهي لصّة أنيقة. رصّت الأطباق دي بتدل على عقلية منتقاة بعناية، أكاد أجزم إنها متربية في قصور أرستقراطية."
أسماء خدت طرف الكلام: "أيوه والله يا باشا، دي حتى كانت بتبرطم بكلام مش مفهوم عن واحد مغني اسمه فاغنر."
يارا بغضب: "اسمه فاغنر يا جاهلة، فاغنر."
بعد كده يارا بلعت ريقها بصعوبة ووجهت الكلام لأسماء: "بتقولي كانت بتتكلم عن فاغنر؟"
الخادمة أسماء: "أيوه يا يارا هانم، البنت لما سمعت الموسيقى جاية من أوضتك قعدت تقول إنها متذكرة إنها سمعت السوناتا دي قبل كده."
ياره مرة تانية بغضب: "السوناتات يا أسماء، لكن غريبة، هي إزاي تعرف كل ده وليه بتقول متذكرة إني سمعت؟"
رعد: "لأنها فاقدة للذاكرة ومش بتعرف اسمها ولا أي حاجة!"
أدهم بيه: "طيب خلونا نتناول طعامنا قبل الأكل ما يبرد، بعد كده نتناقش في الموضوع ده."
وهما بياكلوا، يارا قالت: "أعتقد لازم نختار لها اسم نناديها بيه، ولا إيه رأيك يا بابا؟"
أطرق أدهم بيه بنظرة لبعيد: "أعتقد نيرة اسم مناسب؟"
رعد بثقة حادة: "عنترية كارمة، وكأنه بينهي الكلام."
يارا: "إشمعنى كارمة يعني؟"
رعد: "أنا اللي جبتها هنا وأنا اللي من حقي اختار اسمها."
يارا بتحدي لرعد: "إن قررت خلاص."
يارا: "مش من حقك تختار لوحدك، أنا كمان عندي اسم."
"رويدة."
ضرب أدهم بيه طاولة الطعام بقبضته، الكل صمت وسكت.
"أعتقد إن الشخص الوحيد اللي من حقه يختار اسمه هو البنت نفسها."
"روحي يا أسماء اندهي البنت."
دخلت أسماء المطبخ لقيت البنت قاعدة على الكرسي شارده بتفكر وإيدها على خدها.
"الباشا عايزك!"
البنت: "ليه؟ السفرة فيها حاجة غلط؟"
أسماء بضحك: "لا، الباشا مبسوط منك. هو عايزك في حاجة تانية."
البنت وقفت في مكانها: "طيب، حاضر. بعد ما يخلصوا أكل ميصحش أدخل دلوقتي!"
أسماء طلعت وقالت لأدهم بيه: "هتيجي حالا يا أدهم بيه، لكن بعد ما تخلصوا أكل. بتقول ميصحش تدخل عليكم دلوقتي."
أدهم بيه بص على رعد ابنه اللي كان بيبص على يارا أخته بفخر وغرور كأنه بيقول: "أنا اللي جبتها هنا."
بعد ما خلصوا أكل، ظهرت البنت على باب الرواق.
كانت ماشية بهدوء، عينيها الحزينة بتبص قدامها، ووشاحها على رأسها بيحاول يخفي الجرح اللي في خدها.
إيديها متشنجة كأنها داخلة معركة، جسمها مشدود متصلب.
على بعد عشرة خطوات بصت ناحيتهم.
على بعد خمسة خطوات أحنت رأسها لأدهم بيه اللي كان بيتأملها.
"مساء الخير يا فندم!!"
"مساء النور يا..."
وساب أدهم بيه الكلمة معلقة في الهوا شوية قبل ما يقول: "يا بنتي."
رغم الجرح في خدها، بعد أن نظفت نفسها كان لها وجه وديع يجعلك تشعر بالطمأنينة والراحة.
وجه كفيل بتصدير الفرحة والسعادة للغير.
وجه ملائكي ببياض طفيف غير متكلف.
البنت كانت باصة ناحية الأرض، تشعر بالخزي من الجرح اللي في خدها واللي حتى مش متذكرة حصلها إزاي أو إيه سببه.
كان واضح إن الجرح حديث، يدوبك ليه شهر مثلاً، وده اللي لاحظه أدهم بيه السلحدار.
وفضل باصص عليها بيحاول يتذكر شاف الوش ده فين.
لحد ما شعر بالحرج من نظرات أولاده.
"الحقيقة إحنا طلبناكي هنا لأمر مهم جداً، وأعتقد إنك الوحيدة اللي من حقك تاخدي القرار فيه."
البنت بصت لأدهم بيه بعدم فهم.
أكمل أدهم بيه كلامه: "إحنا عرفنا من رعد ابني إنك فاقدة للذاكرة. وطبعاً عارفة إننا لازم نناديكي باسم، مش معقول هتكوني السيدة 'نكرة'؟"
"عشان كده..."
وفتح أدهم بيه السلحدار كفة إيده: "إحنا هنعرض عليكي مجموعة أسماء تختارى بينها."
"نيرة، رويدة، كارمة."
الكل بص على البنت بتركيز منتظر هي هتختار اسم إيه.
حتى أدهم السلحدار نفسه كان طرف في التحدي وبينتظر ردها بفارغ الصبر.
البنت بقيت صامتة لفترة طويلة وظهرت عقصات على جبهتها من حدة التفكير قبل ما تقول!!
رواية الخادمة هانم الفصل الثالث 3 - بقلم اسماعيل موسى
فتحت البنت بقها، وكانت حمرة الخجل تكسو غمازتي كرزها.
"اسمحلِي أدهم بيه أتكلم بحرية؟"
رعد بص على البنت بنظرة مهتمة. حط رجل على رجل، وضم طرفي بدلته السوداء.
يارا اكتفت بابتسامة خفيفة، بينما أدهم بيه رفع إيده.
"اتفضلي!"
"كون حضرتك أدهم بيه وابنيك اخترتوا لي الأسماء مسبقاً، دا يعتبر تجنّي على رأيي وتناقض واضح من المقصد العام اللي هو حريتي! إزاي حضرتك تطلب مني أختار اسم من بين أسماء معينة وتعتبر دا نوع من الحرية؟"
برقت عينَي رعد ورفع حاجبه بغضب، وكان مستعد للانقضاض على البنت دي وتوبيخها وربما طردها خارج الفيلا.
لكن والده أدهم بيه اداله إشارة واضحة بالصمت، وهز دماغه بتفهم.
"سامح للبنت تكمل كلامها."
"إذا كان من حقي أختار اسم، فأنا بفضل يكون من اختياري أنا. وأنا مع فكرة حضرتك. أنا أرحب باسم السيدة Nothing."
وسط اندهاش رعد ويارا، سأل أسماء أدهم بيه.
"لكن انتي مش شايفة إن اسم السيدة نكرة دا صعب شوية ويحمل بين طياته إهانة مستترة؟"
كلام رجل أعمال محنك، التجارة علمته يكون لين وخبير في الإقناع.
البنت ابتسمت.
"أنا متفقة مع حضرتك جداً. أنا هختار الاسم اللي حضرتك قلته، نيرة."
"قبل ما تمشي يا نيرة، عندي تساؤل ممكن تردي عليه؟"
"اتفضل أدهم بيه."
"إزاي عرفتي إن اسم نيرة من اختياري؟ ليه ما يكونش اختيار رعد أو بنتي يارا؟"
قالت البنت وهي بتستعد للحركة.
"بصفتك رب الأسرة، طبيعي يكون أول اسم من اختيارك، واللي يليه اختيار رعد بيه، وآخر اسم من اختيار يارا."
"ماشي، ممكن تتفضلي تمشي يا نيرة دلوقتي!"
بعد ما نيرة مشيت، رعد ظهرت ابتسامة على فمه. كان بيفكر في نفسه إنها بنت ذكية.
لكن أدهم بيه طلب منهم يركزوا معاه بعد ما جمعهم حواليه وبدأ يتكلم بصوت واطي أشبه للهمس.
"أنا عايزكم تعاملوا البنت دي كويس. طريقة كلامها لا تدل أبداً على أنها مشردة، تربية شوارع. أكاد أجزم إنها ابنة عائلة مثقفة وحاسس إن وراها قصة كبيرة وعجيبة. أنا كنت هطردها مع بداية كلامها لصفاقتها، لكن النبرة دي والقدرة على الإقناع مش متكلفة أو مصطنعة، دي محفورة جواها. الإنسان ممكن يفقد ذاكرته فعلاً، لكن يظل السلوك والثقافة واضح وظاهر مع كل حركة بيقوم بيها. البنت كانت بتعبر عن رأيها بكسوف تكاد تنفجر من الخجل، لأنها إنسانة اتربت على حرية الرأي. أنا مندهش إزاي رعد عثر عليها في الشارع؟"
وكان رعد سارح بيحاول يلاقي احتمال معقول ومقبول لوجود بنت تعتبر مثقفة مرمية على ناصية طريق بتطلب صدقة أو حسنة.
وانتبه لما والده وجه له الكلام يطالبه إنه يقص عليه إزاي عثر على نيرة وإيه اللي حصل وخلّاه يحضرها معاه للفيلا.
وبدأ رعد يحكي لوالده وأخته اللي حصل بينه وبين نيرة عند إشارة المرور.
***
نيرة خرجت من عندهم وقصدت المطبخ. قعدت على مقعد مهمومة ومنكسرة، ومرتبكة أكثر من اللازم. لما دخلت الفيلا كانت مقررة إنها مش هتفتح بقها بأي كلمة معارضة بعد ما لقت مكان يلمها من الرصيف. إنها مش هتقول غير حاضر وبس. لكن اللي حصل غير كده، والظاهر إنها لخبطت الدنيا كلها، وده خلى الهم يركبها.
أسماء دخلت عليها لقيتها في الحالة دي، دماغها وسط ركبتيها وعمالة تعيط وتبكي.
"إيه فيه تاني يا بنتي؟ بتبكي ليه؟"
"أنا ما كانش قصدي أزعلهم مني والله يا أسماء. الكلام خرج غصب عني."
"متخافيش، أدهم بيه دماغه كبيرة وقلبه طيب. ولو كان مضايق منك كان قالك في وشك بصراحة."
"ما هو ده اللي مضايقني. أدهم بيه شخص محترم جداً وأنا بكل حماقة قمت بإزعاجها."
"والنبي يا نيرة، لما تتكلمي معايا بلاش الكلام المعقد ده. كلميني عربي. ودلوقتي يلا لازم نلم السفرة بسرعة قبل ما الباشا يطلب القهوة؟!"
"حاضر."
خرجوا للرواق، نيرة وأسماء وقاموا بجمع الأطباق وتنظيف الطاولة. نيرة تولت غسل الأطباق وتكفلت أسماء بصنع القهوة.
نيرة رصت الأواني في غسالة الأطباق وقامت بغسلها وشطفها ورصها في مكانها.
وكانت أسماء لسه ما عملتش القهوة. اتأخرت شوية على بال ما رعد طلب منها تحضر القهوة.
بعد ما خلصت تحضير القهوة، أسماء تذكرت حاجة مهمة وطلبت من نيرة تقدم القهوة بدل منها.
"قدمي القهوة وارجعي بسرعة من غير كلام. كفاية أوي اللي حصل من شوية."
"حاضر."
"قدمي قهوة أدهم بيه الأول."
"بعده رعد بيه، بعده يارا هانم. مفهوم جداً، لازم الفتاة تكون آخر شخص في العائلة."
حملت نيرة صينية نحاسية مرصوص فوق منها فناجين القهوة ومشيت بهدوء ناحية الرواق.
كان أدهم بيه ورعد ويارا بيتناقشوا مع بعض في أمور عادية.
نيرة كانت باصة على الأرض، لكن أول ما وصلت الرواق رفعت عينيها ناحيتهم.
وتوقف الزمن لحظات. عين نيرة وقعت على لوحة "سيدة كليمت". السيدة ذات المروحة اليدوية المعلقة على الجدار فوق دماغ أدهم بيه.
امرأة ذات شعر داكن مجهولة الهوية، تذكرها بنفسها، ترتدي ثوب فضفاض عاري الكتفين في إيدها مروحة، وراها تحفة كليمت، عصافير زرقاء وخضراء وزهور بأنماط من الألوان على خلفية صفراء.
ضيقت نيرة عينيها. الخطوط الخفيفة لرموش سيدة كليمت وشفايفها المغلقة اللي زادت اللوحة جمال وابهار. وعدى الوقت بسرعة. دقائق ونيرة مثبتة عينيها على اللوحة بتتفحصها بدقة.
تحت اللوحة على طاولة واطية على الجانب الأيمن لأدهم بيه، منحوتة جياكوميتى الأشهر "الكلب".
اللي قال عنها جياكوميتى: "هذا أنا، رأيت نفسي ذات يوم أتسلق في الشوارع."
تسمرت نيرة منبهرة. المنحوتة دي تمثلها. لطالما شعرت في الشهر الماضي إنها كلبة متشرّدة تلف في الشوارع تنام على الأسفلت وتحت الكباري.
أثناء شرود نيرة، تذمر رعد وكاد ينهض ويصفعها لتعود لرشدها وهو يتمتم: "البنت دي مجنونة، القهوة هتبرد؟"
يارا كمان أكدت على كلامه: "القهوة باظت، أنا مش فاضية."
وحده أدهم السلحدار ظل ثابت بلا حركة، محذراً أبنائه الاتيان بأي حركة ضد نيرة، سامحاً لها تأخذ الوقت الكافي لتأملاتها واستغراقها.
متحلياً بالصبر، مقتنع إنه حتى لو تلف أو سُكب أو باظ، إنه مجرد فنجان قهوة في نهاية الأمر.
نزلت دموع نيرة، سقطت على الأرض، بللت الصينية النحاسية وسبحت دموعها بين فناجين القهوة مجرى متعرج بلا نهاية.
فجأة ارتجف جسد نيرة.
قالت بنبرة أقرب للصراخ وهي بتجري ناحيتهم: "آسفة."
"آسفة جداً، عارفة إن دي حماقة كبيرة لا تُغتفر. آسفة بجد، أرجوكم سامحوني، أنا تعديت حدود كوني خادمة."
نهض أدهم السلحدار، الباشا، المليونير من مكانه ومشى قابل نيرة وخد منها الصينية ووضعها على الطاولة.
"اعتذارك مقبول يا نيرة، انتي بتبكي ليه؟"
لحد دلوقتي نيرة ما كانتش لاحظت إنها بتبكي ولا إن دموعها بللت السجاد والصينية اللي عليها الفناجين.
"فيه أحيان دموع بتنزل رغم عنا يمكن من غير ما نشعر. دموع صامتة بتحكي مأساة مرت بينا، لحظات انكسار وهزيمة. مذبحة من مذابح الحياة."
"أنا آسفة والله يا أدهم بيه، منحوتة جياكوميتى ذكرتني بنفسي وحياتي التعيسة اللي مالهاش أي معنى."
منبهر بص أدهم بيه السلحدار على أولاده اللي كانوا أكتر اندهاش منه وعينيه بتقول: "مش قولت لكم يا أولادي، فيه حاجات أهم من القهوة؟"
"وانتي تعرفي جياكوميتى من فين يا نيرة؟"
"أنا بحب جياكوميتى جداً، بالذات منحوتة الراجل الماشي. ولما شفت لوحة كليمت عيني وقعت على المنحوتة."
"وبتحبي إيه كمان يا نيرة؟"
نيرة حطت صباعها على شفايفها.
"كلود مونيه، لوحة بركة زنبق الماء. رينيه مارغريت، إمبراطورية الضوء. بحبها جداً وممكن أقعد يوم كامل أبص على الشارع المظلم والبيت بنوافذه المضاءة. كنت أتمنى أكون البارونة ماري جيون كرويه. وبانكسي، الحب في سلة القمامة."
رعد، يارا.
الأشخاص اللي كانوا من لحظة مستعدين لتمزيق نيرة بالإهانات، فضّلوا يستمعوا باندهاش لفتاة مشردة بتسرد عليهم تاريخ أعظم رسامين أوروبيين.
خايفين حتى يصحوا ويقاطعوا تأملات نيرة وحديثها العذب.
نيرة لما رجعت لنفسها قالت: "أنا آسفة، أنا غبية جداً. القهوة بردت وباظت. آسفة يا يارا هانم، آسفة يا رعد بيه. آسفة يا أدهم بيه."
ابتسم أدهم السلحدار.
"اتفضلي انتي يا نيرة ومن فضلك بلغي أسماء تعمل قهوة جديدة وتجيبها بنفسها. مش عايزين القهوة تبرد تاني يا ستي." وقعد يضحك.
لما نيرة أدته ضهرها، كان أدهم السلحدار بيفكر في نفسه عن السبب اللي دفع نيرة بالاعتذار ليارا بنته قبل رعد، ولرعد ابنه قبله هو شخصياً عن تلف القهوة.
وبقى دقيقة بيفكر لحد ما وصل للسبب. لحظتها ابتسم وقال لأولاده: "ها، إيه رأيكم؟"
"غريبة جداً يا بابا، البنت فعلاً غير عادية. أنا معرفش نص الكلام اللي قالته."
"ولا أنا." قالت يارا رغم شعورها بالضيق. "من شوية كانت بتتكلم عن فاغنر اللي محدش من صديقاتي يعرفها أصلاً، ودلوقتي كليمت!"
قال أدهم السلحدار: "كل حاجة هتبان في وقتها. دلوقتي من فضلكم نفذوا اللي طلبته منكم. عاملوا نيرة بطريقة كويسة، البنت مسكينة تشعر بالوحدة والضياع. عن إذنكم أنا هطلع غرفتي أريح شوية."
"والقهوة يا بابا؟"
أدهم السلحدار وهو طالع السلم: "قلتلكم القهوة ممكن تنتظر، أنا مش محتاجها دلوقتي."
نيرة رجعت على غرفتها. لأول مرة تكون سعيدة من مدة طويلة. كان جواها حاجات كتير محتاجة تخرج، تتنفس. وطلعت جزء منها. ولاول مرة تحط دماغها على وسادة وجسمها على سرير بعد ما الأسفلت أكل جسمها في الشهر اللي فات.
***
مر شهر تاني ونيرة مقيمة في الفيلا. بقيت حافظة شغلها كويس، وحريصة إنها ما تسرحش أو تشرد. كل يوم بتعيد ترتيب السفرة بشكل مختلف. لحد ما في يوم أدهم بيه استدعاها هي وأسماء وقال كلام محدد واضح. بمناسبة صفقة ناجحة أبرمها هيقيم حفلة كبيرة في الفيلا، ونيرة هتتولى التنسيق والأمور الإدارية وطلب منها إن تبهر الضيوف زي ما نجحت في إبهاره في الفترة الماضية.
رواية الخادمة هانم الفصل الرابع 4 - بقلم اسماعيل موسى
كنت أشعر بصداع يكاد يفتك بذهني، أدهم بيه كان حريص جدًا أن الحفلة تظهر بصورة تفوق التوقعات وكان متأكد أنني سأقدر أفعل ذلك.
في آخر كلمات أدهم بيه حسيت بدوار وكدت أن أسقط على الأرض، لكني تشبثت بآخر قواي وأبقيت قدمي ثابتة.
يقول سالينجر في مطلع رواية اليوم المرتجى لسمك الموز أن الأمل يقتل صاحبه، ولم أكن مستعدة لفقد الأمل الذي منحه لي السلحدار.
لقد كانت نظرته لي دائمًا نظرة أب عطوف، ولا يمكن لابنته البارة أن تخزل والدها.
كان علي أن أعيد ديكور الفيلا مرة ثانية، صحيح الألوان كانت متناسقة مع الأثاث، لكن كان ينقصها لمسة عجائبية.
لما قعدت مع نفسي شوية لقيت كل الحاجات اللي محتاجها قدامي.
وكنت محتاجة مجهود جبار عشان أنقل لوحة بركة زنبقة الماء لكلود مونيه الكبيرة في صحن الرواق عشان تكون أول حاجة يشوفها الضيوف.
بعدها على طول وقع الاختيار على لوحة فتيات القارب لمونيه وحسيت إنها هتبقى مناسبة للتناسق.
أسفل منهم أحضرت طاولة أنيقة واطئة وحطيت فوقيها منحوتة جياكوميتي "الرجل الماشي".
شخص طويل السيقان لدرجة إنه غير قادر على ثنيها، يظهر أنه مستعد للمشي لكنه لا يتحرك أبداً.
بعدت شوية عشان ألاقي نظرة عامة على المشهد الفني، موسيقى فاغنر "الرجل الهولندي الطائر" هتكون مناسبة جداً لافتتاحية حفلة راقية.
كان المشهد الأول اكتمل مع أضواء خافتة، ده كان تصوري.
واحتار بعد كده أعمل إيه؟ كان لازم أحافظ على عنصر الإبهار بطريقة لا تعطل التناسق اللي رسمته في دماغي.
وفكرت أن سيمفونية بيتهوفن التاسعة اللي قال عنها جيلانكومتي إنها موسيقى سماوية ممكن تكون مناسبة وشعرت بالشك للحظة.
عمق الكونشيرتو هيكون غريب على حفلة روادها رجال أعمال، كل همهم الفلوس.
قعدت على الأرض على السجادة أفكر، الناس دي مش جاية مركز ثقافي أو داخلة حفلة أوبرا ومحتاجة موسيقى منعشة ولازم تكون غير تقليدية عشان تناسبني أنا.
ودق في دماغي هوربورن تشايكوفسكي، كسارة البندق، نغمة تكاد تكون خفيفة واختيار ملائم.
ونهضت بفرحة عشان أكمل شغلي، نطيت على ترابيزة وخدت لوحة كليمت عشان أحطها في منتصف الصالة.
من تسرعي رجلي اتزحلقت ووقعت على الأرض، لكن قدرت أحافظ على اللوحة مرفوعة عشان ما تتكسرش.
قمت بصعوبة والصداع لسه بيعصر دماغي، حطيت دماغي وسط إيديه وغمضت عنيه شوية.
لما فتحتهم كانت فيه بقعة دم كبيرة على السجادة!!
دماغي سليمة، ما جرحتش، الدم ده جه منين؟
وقبل ما أتحرك شعرت بالدم بيسري على جلد ساقي قبل ما ينزل الأرض، دم كتير.
معقولة دورتي الشهرية اللي اتأخرت شهرين تهاجمني في الوقت ده؟
معدتي بتتقطع، دوار، الدنيا بتلف بيا، أسندت على الطاولة ومشيت أحاول الوصول للحمام وأنا بأترنح.
عندما وصلت الحمام وأغلقت الباب على نفسي شعرت أن معدتي كلها تسقط من خلالي.
لا يمكن لأي كلمة أن تصف الألم الذي كنت أشعر به.
سقطت على البلاط، نصف ساعة كاملة قبل أن أستعيد وعيي.
كانت ملابسي ملطخة بالدم وأسماء تضرب الباب بقبضتها تكاد تكسره وهي تصرخ: نيرة! نيرة!
الحفلة دي مهمة جداً بالنسبة لي يا رعد يا ابني، دي مش مجرد صفقة كسبناها في السوق، الموضوع مش موضوع فلوس.
انت عارف إن عيلة مدكور كانوا منافسين لينا في السوق وكنا ماشيين قصاد بعض خطوة بخطوة لحد ما استحوذوا على أكبر شركة في الشرق الأوسط شركة المرحوم علي الدرملي، بعدها الكفة مالت لصالحهم.
ودلوقتي جه الوقت اللي هنرغمهم فيه يشاهدوا نجاحنا.
أنا واثق إن نيرة هتشرفنا ومش قلقان من الناحية دي.
لكن أنا عايزك أنت تكون واثق من نفسك ومتستجبش لاستفزازات.
الولد مهند مدكور، من فضلك عايزين الحفلة تعدي بسلام؟
حاضر يا بابا متقلقش، أنا هعمل كل اللي أمرت بيه.
يا أدهم بيه؟
يا أدهم بيه؟
وصلت أسماء بتجري وهي بتصرخ على أدهم بيه:
نيرة مغمى عليها في الحمام وبتنزف دم.
"لا حول ولا قوة إلا بالله"، رعد كلم الدكتور يحضر بسرعة وأنا هروح أشوف نيرة مالها.
وصل أدهم السلحدار وساعد هو وأسماء نيرة تقف ووصلوها لسريرها وهي في قمة الإعياء والمرض.
وصل الطبيب، متأخرش، كشف عليها وعلق لها محاليل وأداها حقن توقف النزيف.
بعدها طلب أدهم بيه على انفراد.
خير يا دكتور مهاب؟ شغلتني، ليه مش عايز تتكلم قدام الولاد؟
دكتور مهاب: البنت دي تقرب لك إيه يا باشا؟ جبتوها منين؟ أنا أول مرة أشوفها في الفيلا؟
أدهم السلحدار: دي بنت غلبانة، رعد ابني أشفق عليها وجابها تشتغل من الفيلا لما لقيها قاعدة على الرصيف في الشارع.
دكتور مهاب: مم، رصيف؟ شارع؟ فيه إيه يا مهاب، مالك بتتكلم بالألغاز؟ قول لي فيه إيه؟
البنت كانت حامل وسقطت يا أدهم، لكن الحمد لله عدت على خير.
صمت أدهم السلحدار، لم يكن قادرًا على استيعاب المفاجأة بعد.
حط إيده على كتف دكتور مهاب: من فضلك يا مهاب ياريت الكلام ده يفضل سر ما بينا، مش عايز حد يعرف عنه حاجة لحد ما أشوف هعمل إيه.
أكيد يا باشا، عشان كده أنا فضلت أكلمك على انفراد.
وصل أدهم السلحدار دكتور مهاب لباب الفيلا ورجع على غرفة نيرة.
حط إيده على دماغها:
متقلقيش يا بنتي هتبقى كويسة، الدكتور طمني، أنا عايزك تستريحي ومتبذليش أي مجهود خالص، فاهمه؟
رفعت نيرة وسطها: لكن الحفلة يا أدهم بيه؟
تتحرق الحفلة يا ستي أهم حاجة صحتك، أسماء خلي بالك منها ولبي كل احتياجاتها.
خرج أدهم السلحدار من غرفة نيرة وحاجة واحدة شاغلة باله، نيرة ممكن تكون متجوزة لكن ده قبل ما تفقد ذاكرتها لأنه متأكد إن نيرة مش ممكن يكون ده حصل معاها في الشارع وإنها مش من الأشكال دي.
وكان مندهش، إزاي بنت على درجة عالية من الثقافة تقبل إنها تتجوز في عمر صغير زي كده؟
ده اللي مقدرش يفلح في فك شفرته.
نيرة صباح يوم الحفلة كانت قدرت تتحرك بصورة طبيعية ورغم مطالبات أدهم بيه السلحدار ليها إنها تلزم السرير أصرت تكمل استعدادات ما قبل الحفلة ووعدت أدهم باشا إنها بعد ما تخلص التحضيرات وتتطمن مش هتشترك في الحفلة وهترتاح جسمها في غرفتها.
قبل الحفلة ما تبدأ كانت نيرة اتفقت مع مهندس الصوت على الموسيقى وترتيب السيمفونيات، فاغنر، تشايكوفسكي، شومان "رقصة الفراشات"، مدخل افتتاحي لـ "كارمينا بورانا" لكارل أورف، المقطع الثاني للآلات الوترية.
وكتبت قائمة منسقة لأنواع المأكولات وكيفية تقديمها واختارت أزياء الخدم بعناية.
قبل المغرب كل شيء كان تمام وزي ما نيرة وعدت أدهم السلحدار توجهت لغرفتها وقعدت فيها.
بدأت الحفلة، الضيوف توافدوا أفواج على مدخل الفيلا تستقبلهم موسيقى "الرجل الهولندي الطائر" ثم توالت فقرات الحفلة الناجحة.
قبل نهاية الحفلة نيرة خرجت من غرفتها تلقي نظرة من بعيد على ضيوف الحفلة وكيفية سير الأمور.
وقفت على بداية الرواق مدة دقيقة ترقب الضيوف، مهند مدكور غمز رجل والده بقوة:
شايف يا بابا مين موجودة هنا؟ حاول تبص من غير ما تلفت النظر.
بص مدكور والد مهند ناحية نيرة، وشه تحول لكتلة من الغضب تكاد تنفجر في أي لحظة وشعر بلسعة صقيع في عموده الفقري.
وهمس لمهند ابنه بغضب: إنت مش قلت البنت دي ماتت؟
رواية الخادمة هانم الفصل الخامس 5 - بقلم اسماعيل موسى
رواية الخادمة هانم الفصل السادس 6 - بقلم اسماعيل موسى
كانت الحفلة راقية، مما جعل أدهم السلحدار يفخر بفقراتها، والتي لم يكن يفهم معظمها.
لكن أدهم السلحدار قرر بينه وبين نفسه أنه يومًا ما سيسمح لنيره أن تأخذه في رحلة في عالم الفنون. كان يريد أن يعرف الخلفية الفنية لنيره، من أين أتت.
لا يمكن لشخص أن يتحدث الإسبانية بين ليلة وضحاها، حتى لو كان كاتب القصة نفسه.
فالسلحدار رجل أعمال، الصفقات والمناورات التجارية أخذت معظم عمره، ويرغب في أخذ عُزلة، لكن بعد أن يطمئن على رعد ويارا ابنته.
وكان هناك شيء مهم شاغل باله، ولا يمكن أن يقول عليه لأي شخص.
حمل ثقيل كُتب عليه أن يحمله بمفرده.
فك شفرات لغز نيره، كيف نيره كانت حامل؟ ومن مين؟
راقب أدهم السلحدار الحفلة بعيون ثعلبية، وأدرك تمامًا أن اقتراب مهند مدكور من نيره لم يكن ليحدث صدفة أبدًا.
وشوشات مدكور النمروسي مع ابنه، نظرات الغضب الشيطانية التي رسمت على ملامحه، كانت كافية لإدراك أن هناك علاقة تجمع نيره بمهند ووالده.
جلس أدهم السلحدار بمفرده بعد انتهاء الحفلة، رفقة فنجان قهوة ساده.
قلبه دق من أول مرة رأى فيها نيره، وهذه حاجة غريبة.
البنت دخلت قلبه بلا استئذان، ويشعر بالحزن كلما رآها ترص الأطباق.
ولولا إثارة الشكوك، لما تركها خادمة، بل كان سيتركها في الفيلا كفرد منهم، واحدة من العائلة.
وفعلًا، أمر مكتب عمل أن يحضر خادمة جديدة، حتى تخف الأشغال من على ظهر نيره بصورة غير مباشرة.
بعد يومين من الحفلة، اصطحب أدهم السلحدار نيره لطبيب مخ وأعصاب مشهور.
أخضعها لفحص شامل، وشخص حالتها بفقدان ذاكرة طويل الأمد.
ورغم تطور الطب، فإن استعادة ذاكرة نيره مرهون بمعجزة إلهية.
أدهم السلحدار رجل مؤمن، ومدرك أن الله سبحانه وتعالى لديه خطط لعباده، وأنه رحيم بهم.
الدكتور: "البنت يا أدهم بيه تعرضت لضرب مبرح، ضرب موت. أنا مندهش أنها عايشة زينا، ولسه ما ماتتش. آثار الضرب واضحة جدًا في عظم الجمجمة وتقعصاته، زي ما تكون دخلت مفرمة. لكن تذكرها للغة معينة بادرة خير، كونها لسه حافظة ما درسته عن الفنون أمر مدهش، وهذا معناه أن الماضي لسه داخله."
"لكنه بيقودنا لمشكلة أصعب، معضلة لا يتمناها أي طبيب. أن يكون عقلها الباطن الرافض لحدث معين قرر أن يمسح موقف معين من حياتها. في هذه الحالة، نيره عقلها اقتطع ما تعرضت له في لحظة معينة من قسوة أو عذاب أو مهانة، أو حتى تحرش أو اغتصاب، أو فقد شخص عزيز جدًا من حياتها. الموقف الذي لم تقوى على تحمله، محاه عقلها، بينما سمح لأشياء تحبها أن تظل على حالتها. وهذا بنسميه فقدان ذاكرة نوعي، أو اختياري، ولا يمكن مطلقًا أن نحدد موعد شفاء له."
كان أدهم السلحدار يستمع للدكتور لطفي بانتباه، وهو يفكر: "إيه الشيء القبيح، القاسي إلى ممكن يحصل لإنسان، للدرجة اللي لا يمكنه فيها تحمله، فينهار عقله دفعة واحدة ويسقط ذلك الحدث من عقله؟"
وحس بالهم. كل النتائج بتقول أن نيره تعرضت للاغتصاب، وهذا الاحتمال الأقوى بالنسبة لحالتها.
وكان متأكد جدًا أن نيره مش فتاة شوارع متشرده، أو بنت سيئة السلوك، بل وريثة عائلة أرستقراطية محترمة جدًا، مهتمة بالأدب والفنون. أحسنوا تربيتها وتعليمها فن التعاملات الراقي.
وطاف بعقله كل الأحاديث التي دارت بينهم، ولغتها الحوارية الأنيقة غير المتكلفة.
"نيره أكثر رقي من بنتي يارا. عارف أنه أحسن تربية بنته جدًا، وكون نيره تمتلك تلك الدرجة من الأحاسيس النزيهة، ما لوش غير معنى واحد. البنت اتربت في بيت زي بيته، بل أكثر ثراء منه، وذا ميول أدبية. وهذا بالنسبة له بيقلل الاحتمالات كثير، وبيخلي الصورة تتضح أمامه."
ورسم خطة في غاية الدهاء، قرر أن ينفذها ببطء وتروٍ.
"أنه سيقوم بدعوة معظم العائلات إلى بيشك في نسب نيره لهم. ممكن حد يتعرف عليها."
لكنه اصطدم بمعضلة مرعبة. نيره في خطر محدق، ومش بعيد أنه بكده بيكون هو الشخص اللي بيجيب الخطر لحد عندها.
***
تفاجأ رعد أدهم السلحدار أن مهند مدكور النمروسي يقوم بمهاتفته بنفسه.
كان شاعر بغرابة من يوم الحفلة، لكن دلوقتي مش مصدق نفسه. مهند بنفسه بيتصل بيه ويكلمه.
ورغم أنه كان حديث عادي في البداية، لكن مهند محاور محنك، وبيعرف إزاي يوصل لهدفه.
مهند: "بصراحة يا رعد بيه، من يوم الحفلة واندهاشي لم يتغير أو يقل بالخدامة بتاعتكم. أنا منبهر الصراحة بيها. يا أخي الواحد بيقابل بنات عائلات كتير وبنات رجال أعمال، لكن عقولهم فارغة. أنا فكرت فيها للحد اللي دفعني أني أنشئ متحف للفنون، أجمع فيه لوحات من كل بلاد العالم، وأعرض فيه رسومات عصرية لرسامين حاليين. معرض رسم يعني، وما فيش أفضل من نيره إنها تكون مديرة المتحف ده وتشرف عليه. الصراحة، البنت دي مش قدرها تكون خدامة، قدرها تتساب في مكان بتحبه وتظهر فيه مواهبها. أنا بطلب منك تعرض الفكرة عليها، ومستني ردك. أكيد أنت مهتم بمصلحتها زيي وأكثر كمان."
رعد: "والدي رافض إن نيره تسيب الفيلا. أنا اتكلمت معاه قبل كده وعارف قراره."
مهند: "اتكلم معاه تاني يا أخي، فيه حاجات جديدة جدت، ويمكن الموضوع ده يكون فتح خير بينا."
رعد: "هعمل اللي يقدرني عليه ربنا. مصلحة نيره تهمني طبعًا."
خلصت المكالمة.
مدكور النمروسي: "ها، الولد رعد قالك إيه يا مهند؟"
مهند بتفكير: "بيقول إن والده رافض فكرة خروج نيره من الفيلا."
النمروسي بابتسامة ساخرة: "مش قلتلك يا ولد، السلحدار بيلعب بينا. مش موضوع خدامة مهم، إنه شاله حتى تكون وزيرة ثقافة. السلحدار عرف البنت وعرف قصتها، ومحتفظ بيها ورقة ضغط ممكن يستخدمها في أي لحظة. قال خدامة قال؟"
رفع النمروسي هاتفه ووضعه على أذنه: "عايز قرصة ودن صغيرة يا هكه. نفذ اللي أمرتك بيه. ويا هكه؟ متحاولش تستخدم دماغك، فاهم؟"
هكه: "فاهم يا باشا."
النمروسي: "وانت يا رعد، حاول تتقرب من بنت السلحدار. عايزك تلف البنت تحت جناحك، لازم نكون مستعدين لأي طارئ. عايز البنت تحبك وتبقى زي العجينة في إيدك."
مهند: "يا با، أنا مش بطيق عيلة السلحدار ولا بطيق شكلهم. مش كفاية إنك تجبرني أكلم العيل رعد ده؟ وكمان إزاي البنت دي هتحبني وهي عارفة إننا ألد أعدائهم؟"
النمروسي بغضب: "مهند، متنساش إن كل اللي إحنا فيه ده بسببك، وسبب طيشك وفشلك. لو كنت قتلت البنت، كان زمان كل حاجة خلصت. وبعدين، أي بنت في مصر تتمناك. كدب يا أخي، ما أنت بارع في الكدب. اخترع أي قصة، أقولك؟ قلها إنك مش موافق على اللي بيعمله والدك ومش متفق معاه، وإنك دايماً بتعارضني، وإني راجل ظالم، وأحيانًا بضربك بقسوة، وإنك قررت إنك تشق طريقك بمفردك."
خرج النمروسي وساب مهند ابنه بيفكر هيعمل إيه. والده فتحله طريق، وكل اللي عليه إنه يمشي فيه.
كان وصول مهند لجامعة يارا في منتهى السهولة. شخص يقود عربية مرسيدس أو بي إم دبليو وبيوزع الفلوس، مش ممكن حارس أمن لعين هيوقفه.
حارس الأمن، ورجل المرور، والمخبر السري موجودين عشان صنف واحد من الناس، وهو مش واحد منهم.
واستطاع بسهولة إنه يوصل ليارا ويراقبها من بعيد. كان عارف إن يارا تعرفه شكليًا، ومش ممكن تقبل أي تعارف بينه وبينه.
لكنه بسهولة وظف فتاة تربطها علاقة بيارا، أن تختلق عدة مناسبات يكون فيها موجود في نفس مكان تواجد يارا.
وفي كل المناسبات دي، مهند كان بيتعامل برقي وتواضع مثير وملحوظ، حتى لشخص أعمى.
وبدأت يارا تشعر إنه شخص مختلف عن ما يصوره والدها أمامها. وطرق فكرة عقلها: "ماذا لو كان والدها مخطئًا؟"
ولما تعرفت على مهند النمروسي، اكتشفت إنه شخص مختلف، مش مغرور ومتعالي زي ما بيوصفه رعد أخوه، بل شخص في منتهى التواضع والرومانسية.
تندب المرأة حظها وتلعن الحياة، وتشعرك أن العالم كله تحطم فوق مخها بعد أي تجربة فاشلة يكون طرفها رجل. وتنسى منذ البداية أن الرجال متحولين، ويمتعتون بالقدرة على التمويه مثل الحرباء، ويمكنهم أن يكونوا رومانسيين عندما يرغبون بذلك.
كان رعد يخبر نيره في حديث عابر بنبرة مزاحية عن إعجاب شخص مهم بها ورغبته في نيل خدماتها من أجل إدارة معرض للرسم ومتحف للفنون.
متحف عالمي مثل متحف الفنون في أمريكا، أو متحف اللوفر.
أطرقت نيره باهتمام، وكانت على وشك إبداء رأيها عندما تدخل أدهم السلحدار وسأل رعد: "مين الشخص ده؟"
قال رعد بضحك: "مهند النمروسي."
السلحدار: "أنا مش قلتلك يا رعد تبعد عن الولد ده؟ ده ولد لئيم ماكر خبيث مثل والده."
يارا، التي كانت قاعدة معاهم، تسمع كلام والدها بلا اقتناع، وفي داخلها شكوك كثيرة عن مهند، الذي بالنسبة لها شخص بسيط ومختلف جدًا عن الأوصاف المتجنيه هذه.
نيره: "أنا متأكدة أن أدهم بيه يفهم في طبيعة البشر أكثر مني، ومش ممكن أعارض رأيه مهما كان. أنا بعتبره زي والدي."
الجلسة السعيدة دي تحولت لنكبة بعد ما تليفون وصل أدهم السلحدار يعلمه بتعرض إحدى شركات لسطو مسلح.
مجموعة أشخاص مسلحين اقتحموا الشركة وحطموا الأجهزة والمعدات، وأحرقوا المنتجات التي كانت مجهزة للبيع.
صفقات أبرمت والتأخر عنها يعني دفع شروط جزائية بمبالغ ضخمة.
صرخ رعد من الغضب، وأخذ يسب ويلعن في كل جهة واتجاه.
بينما كان أدهم السلحدار يتمتع بثبات نفسي مزعج، ويفكر في صمت.
أن النمروسي اتخذ أولى خطواته الانتقامية، وأن ما فيش شخص غيره ممكن يعمل كده. وكان محتار في السبب؟
يا ترى ده رد على الصفقة اللي هربت منه؟ ولا رسالة خاصة مشفرة خاصة بنيره؟
شركة بكاملها تحطمت، خسائرها تفوق المكاسب المرجوة من الصفقة الأخيرة.
وسط الانفعال والصخب ده، كان السلحدار بيبص على نيره بتركيز وثبات.
تقريبًا توصل أدهم السلحدار لفك اللغز الذي حيره أيام طويلة.
لقد عرف في هذه اللحظة من تكون عائلة نيره، ولم يتبق أمامه سوى رتوش صغيرة تشبه وضع النقط على الحروف.
رواية الخادمة هانم الفصل السابع 7 - بقلم اسماعيل موسى
كانت مقيدة من يديها في خازوق معدني مغروس في الجدار، قيد يسمح لها بالجلوس وثني قدميها وركبتيها.
تأملتها وهي راقدة، تبدو كالملاك.
من النادر أن تبدو فتاة جميلة وهي نائمة، فإنهن في الغالب يمتلكن وجهًا مرعبًا أثناء نومهن ولحظة استيقاظهن.
"كم مضى على بقائك هنا؟"
"لا أتذكر!"
وغير مهتمة بالتذكر.
كل ما أعرفه أنها حبست لفترة كافية تجعلها تتمنى معرفة سبب احتجازها في هذا المكان القذر.
"مستعدة لتنفيذ أي أمر تسمعه أذناها مني، بل أبعد من ذلك، أي كلمة أنطقها على الإطلاق!"
كل يوم أكتفي بمعاينتها.
أحضر لها الطعام وأرحل.
أستمتع بتوسلاتها: "من فضلك؟ أرجوك، قل فقط ما ترغب به مني؟"
لقد تعلمت وأدركت وأيقنت أنني لن أرد عليها.
الشخص الصامت الملثم الذي يحضر عندها يحضر لها الأكل ويكتفي بلمسة لخدها، أو تمريرة خاطفة على عمودها الفقري، وربما خصرها.
بمضي الأيام، توقفت عن الصراخ وقت رحيلي.
واختفت نظرة الأمل من وجهها عند رؤيتي.
أنا بالنسبة لها أنا مجرد شبح متخفٍ يظهر ويرحل فجأة.
اقتربت منها، أسمع تأوهاتها الضعيفة.
عينيها الضعيفة رمقتني بوهن.
رمقت برعب يدي التي تحركت نحوها.
نزعت ملابسها، مزقتها، وقبل أن تصرخ، وضعت قماشة في فمها.
أحس قشعريرة جسدها الخائف المرتعش.
سكبت الماء الدافئ على جسدها العاري ونظفته كله.
حللت قيدها.
نهضت وهي تترنح.
ألقيت إليها ملابس جديدة.
فهمت ما أريد، لبست الهدوم بسرعة.
أشرت للقيد، تحركت طواعية نحوه، كبلت يديها وجلست خلفها.
أسرح شعرها الطويل، أمسده ببطء حتى انتهيت، ثم تركتها ورحلت.
***
في غرفتها جلست نيرة.
كان واضح أن جو الفيلا ملخبط بعد مشكلة الشركة وكانت عايزة تستعيد أعصابها.
ولا يمكن أن يحدث ذلك دون موسيقى.
مزاجية نيرة تستجيب للنغمات ودقات الهورن ووشوشة الناي ورقصات البيانو.
وانطلق نغم بصوت واطي لمعزوفة قديمة لسترافنسكي، "فتاة وحيدة تعبر النهر للجهة الأخرى".
اضطجعت نيرة على السرير تحمل بين يديها لوحة رينيه ماغريت الأشهر "العشاق".
ماغريت رسام الأسرار والألغاز.
نيرة كانت بتحب اللوحة دي جداً اللي بتصور اندماج رجل وامرأة ملفوفان برؤوسهما بقطعة قماش بيضاء غارقين في قبلة.
لوحة قد تبدو مبهمة.
شاب وفتاة كل واحد منهم دماغه ملفوفة في قماشة بيقبلو بعض.
اللوحة اللي بتعبر عن وجهة نظر رينيه ماغريت بعمق عن عدم قدرة الإنسان على الكشف الكامل عن الطبيعة الحقيقية لعلاقاته حتى مع أقرب الناس.
اللوحة تحمل أكثر من اسم، "قبلة من خلال قماش"، أو "فقدوا رؤوسهم من الحب".
بس نيرة ليها وجهة نظرها الخاصة بالنسبة للوحة دي، كانت تعرف ماغريت جيداً.
الرسام اللي والدته انتحرت وهو طفل ابن 14 سنة، وجدت جثتها في النهر.
لما أخرجوا الجثة رينيه كان موجود وشاف القماش مغطي دماغ والدته.
من لحظتها ومعظم رسوماته تخفي الرأس.
تخفي ألمه.
ينجح كل إنسان في إخفاء ألمه بطريقة عجيبة.
نيرة اللي كانت مدركة أن حتى الحب القوي غير قادر على إعطاء الفرصة لفهم الحقيقة ولا يمكن أن يعرف الناس بعضهم البعض تماماً.
لو حسبت عدد الناس اللي تعرفك كويس هتندهش من قد إيه أنت إنسان وحيد جداً وليس لديك أصدقاء أو أحباء.
الكل يقول عن رينيه ماغريت شخص شريف ولم يكن لديه علاقة خارج أسرته، وأنه عمره ما عمل علاقة مع أي واحدة غير زوجته جورجيت.
إلا نيرة اللي كانت فاهمة جداً علاقة رينيه مع البارونة آن ماري جيون كرويه.
قال لها ماغريت عند لقائهم الأول: "أترين، لقد رسمتك قبل أن أقابلك".
وده كان حقيقي لوجود بنت شديدة الشبه بماري ظهرت في لوحات ماغريت عدة مرات قبل ما يشوفها أو يعرفها.
ولما راجل يقول لست أول مرة يشوفها في حياته أنه يعرفها حتى من قبل ما يتقابلو، مش الموضوع يتوقف عند النقطة دي.
***
الشرطة متوصلتش لأي نتيجة في واقعة تحطيم شركة أدهم السلحدار.
السلحدار وحده كان عارف مين الفاعل لكن مكنش عنده دليل.
المجرمين كان عندهم وقت كافٍ ينظفوا آثارهم ويمسحوا البصمات.
خسارة كبيرة مضطر يتحملها السلحدار في صمت.
السلحدار رجل الأعمال الشريف اللي كان بمقدوره ينتقم لخسارته، لكن كان مستحيل يستخدم طرق النمروسي الملتوية اللا أخلاقية.
وكان كل الوقائع بتقول أن القضية هتقيد ضد مجهول.
رعد قرب يفقد عقله ويطلق الاتهامات ووالده بيطلب منه الصبر.
"لازم تكون راجل يا رعد، متسمحش لصفعة واحدة توقعك أو تغير قناعاتك."
مضى أكتر من 15 يوم من غير جديد، والموضوع اتنسى.
خمسة عشر يوم يارا كانت بتقعد مع والدها وأخوها في صمت من غير ما تفتح بقها بتسمع اتهاماتهم لمهند مدكور وأبوه اللي تسببوا في تحطيم الشركة.
أدهم السلحدار كان ملاحظ كده، صمت يارا بنته الغير معتاد، لكنه قال في باله أن بنته مش مهتمة بالمصانع والشركات ولا مشاكله الشخصية، وده أمر عادي.
لكن اللي كان محيره شرود يارا، سرحانها، توهانها لأوقات طويلة.
عدم ردها على كلامه بسرعة وقلة تركيزها.
في يوم على العشا رعد ووالده كانوا بيتحاوروا في موضوع الشركة كالعادة.
رعد انفعل وأقسم أنه هيقتل النمروسي وابنه مهند.
يارا بصت لرعد أخوها ووشها ضرب ألوان.
مهند النمروسي مش بيخبي عنها حاجة، اعترف لها أن والده هو اللي حطم الشركة وأنه مستعد يشهد على كده في المحكمة.
يشهد ضد والده عشان خاطرها، عشان بيحبها ومش مستعد يخسرها.
ابتسمت يارا بلا هدف وهي بتتذكر كلام مهند مدكور النمروسي لما سألته هتقف ضد والدك عشاني.
"أيوه"، رد عليها مهند من غير تفكير، "عشان تعرفي أن حبي ليكي صادق ومش مسرحية. عشان تثقي فيا، أنا هروح معاكي الفيلا وأعترف لوالدك وأخوكي إن أبويا هو اللي دمر الشركة."
يارا اللي صدت إصرار مهند واللي وضحت له أن اكتشاف والدها لعلاقتها معاه هيعمل مشكلة أكبر من ضياع شركة أو حتى عشرة.
وتذكرت لمسته لإيدها لما ضم قبضته عليها، نظرته لعيونها وغرقها فيه.
مهند اللي مستعد يعمل أي حاجة من أجلها، يارا اللي دلوقتي بتعتبره مش حبيب بس، بل دنيتها كله.
مهند لمحلها أنهم لازم يتجوزوا ويحطوا والديهم في الأمر الواقع.
وده اللي كان شاغل تفكير يارا اللي طالبت مهند يصبر شوية.
مهند قال لها: "مش قادر أعيش بعيد عنك."
وقبلها.
بكرة أو بعد بكرة مهند هيفرجها على الشقة اللي هيعيشوا فيها.
مش هيروحوا بمفردهم طبعاً لأن البنت اللي عرفتهم على بعض هتكون معاهم.
السلحدار أمر رعد أنه ميذكرش الكلام ده تاني قدام أي شخص مهما كانت درجة قرابته.
"حدود انفعالك ومحيطه جدران الفيلا دي يا رعد، فاهم؟"
"فاهم يا بابا."
"إحنا مش ممكن نكون زيهم يا ابني أو نتعامل بطرقهم، كن واثق أن النهاردة دنيا وبكرة آخره وعند الله تجتمع الخصوم."
***
كان مهند في انتظار يارا بعد ما خلصت المحاضرات.
خدها في العربية مع صديقتها أميرة ناحية الشقة عشان تتفرج عليها.
الشقة كانت في الطابق الرابع في عمارة جديدة.
مهند كان معرف يارا أنه مش هيتجوز في قصر والده وأنه مقرر يعتمد على نفسه ويشق طريقه بمجهوده.
الشقة كانت واسعة وجميلة وجاهزة تماماً للسكن، العفش كامل موجود بداخلها.
أميرة قالت بالمناسبة دي: "أنا هنزل أشتري حاجة ساقعة وأرجع بسرعة."
مهند أخد يارا جولة داخل الشقة.
لما يارا شعرت بالعطش فتحت الثلاجة.
واللي بالصدفة كانت مليانة حاجة ساقعة.
لكنها فكرت أن مهند نسي.
أميرة اتأخرت.
مهند عرض على يارا يحضر لها مشروب من إيده.
يارا مرضيتش تقول لمهند أن فيه حاجة ساقعة داخل الثلاجة.
كان عندها فضول تشرب حاجة من صناعة مهند وتتفرج عليه.
صنع مهند عصير برتقال وناول يارا كوبها.
تجرعت يارا العصير المثلج بسرعة.
شعرت بدوران وسرعان ما فقدت وعيها.
رواية الخادمة هانم الفصل الثامن 8 - بقلم اسماعيل موسى
بالبحث في دفتر تسجيل مشاعري وجدت أن المشاعر ذاتها تجتاحني كل عام ولا جديد يذكر وهذا أمر جد مقلق.
كانت التعليمات واضحة: تخلص منها، لا تعرض المهمة للخطر.
بس أنا بكره كل الحاجات الروتينية اللي هي لازم تحصل.
أنا خارج عن المؤلف وأمارس الحياة على طريقتي.
احتجزتها لمدة شهر دلوقتي وحاسس إني لم أكتفِ منها.
والدي معتقد إنها ماتت، أنا ما كذبتش على والدي.
البنت هتموت، مش فارق قبل شهر أو بعد شهر.
إحنا استولينا على كل ممتلكاتهم.
ثم أنا مش قادر أستغني عنها، تعودت على وجودها، توسلاتها، استجدائتها، صراخها، خضوعها.
بتغذى على ضعفها، حاسس إني بأكل روحها، ببلتهمها في كل نظرة انكسار وخضوع ناحيتي.
والدي مش ممكن يعرف إنها هنا، لا هو ولا غيره.
وهي؟
هذه الفتاة الراقية لن يبحث أحد عنها، لقد محي اسمها من سجلات الحياة.
وأنا متعلق بها.
أجلس أتأملها، هذا الحضور الهادئ النقي يستفزني.
رغم كل ما تعرضت له، كل ما فعلته بها لا زلت أشعر أنها أفضل مني.
إنها مثل الهالة المضيئة وأنا الفراشة التي تحاول الاقتراب منها.
كلما أخضعتها للضغط، للإذلال لا يزيدها ذلك إلا بهاء في عيني.
كلما لوثتها بحركاتي ولمساتي ازدادت نضارة.
مقاومة غير ملموسة أو ملحوظة، كأن جسدها يطلق دفعات مضادة لهجماتي القذرة.
نظرها معلق بي وأنا أدخن لفافات التبغ.
تسألني: أنت عايز إيه مني؟
أعرف أنها مستعدة لكل ما سأطلبه منها.
وربما عقلي يصور لي ذلك.
أنهض ألمس وجنتيها الرطبة، يقشعر بدنها، يتقزز من حضوري.
يرفضني.
يشعرني أني حثالة.
كل ذلك بلا كلمة واحدة!
وأسأل نفسي بكونها كذلك وهي التي صنعت أنا كل آلامها، عليها أن تكون ممتنة، راغبة، متلهفة.
أطلق تنهيدة طويلة، كلها ملكي، رغم ذلك لم تشعرني ولا لحظة أنها ملكي.
أخرج لساني وألعق عنقها العاجي، ثلجي البياض، ألعقه بشهوة.
يرتعش جسدها، يرفضني.
لكنها لا ترفضني، لا تستطيع أن تقول كلمة رفض واحدة.
لطالما تمنيت ذلك.
أن تقول أغرب من وجهي: ارحل، أن تمنحني الدافع لغزوها ودك حصونها.
لكنها، تلك اللعينة تفهم.
فمي صامت كمدق ترابي قديم وجسدها يرفضني.
بالي طويل جداً، صبري شلال دون مصب، غرضي يتحقق كل مرة.
إنها مسألة وقت.
الحياة ليست عادلة على الإطلاق، وليس دائماً ما ينال المجرمين ما يستحقونه فيها.
وحدهم المسالمين الطيبين يتلقون عقابهم بسرعة فائقة.
كانت يارا ممددة على السرير، دماغها مصدعة.
لما فتحت عينيها مكنش حد جنبها.
آخر حاجة فاكراها مهند بيعزم عليها بالعصير.
لكن مهند فين؟
وإيه اللي حصل معايا؟
وأميرة فين؟
وإزاي يسيبوني في الحالة دي؟
سمعت يارا ضحكات مكتومة قادمة من الغرفة المجاورة.
أنهضت نصف جسدها المكتسر، كأنه دق بقدوم خشب.
كل قطعة فيه تؤلم.
كافحت يارا لحد ما وقفت ومشيت ناحية الصوت.
باب الغرفة مفتوح، أميرة في حضن مهند في مشهد عاطفي حميمي جعل جسدها ينكمش.
ضهر مهند ناحيتها، لكن أميرة صديقتها لمحتها بتبص عليه.
توقعت يارا أن تصرخ أميرة، أن تستر جسدها.
أميرة بصت على يارا بنظرة ساخرة وحضنت مهند أكتر.
خائنين.
همست يارا.
خائنين.
مهند حبيبها؟
لماذا الآن؟
لماذا هذا المكان وهذا التوقيت؟
شعرت بقلبها يتقطع، مشرط حاد يشرخها من الداخل.
أغمضت يارا عينيها، تراجعت للخلف، ابتعدت عنهم.
لازم أمشي من هنا.
نقطة دم على الأرض خلفها، جريت تاخد شنطتها.
مكان نومها كان فيه نقط دمع.
قلبها يحاول أن يرفض الفكرة.
قبضت على حقيبتها وركضت هاربة.
هاربة من فكرة تركض خلفها، تمسك رجليها، تلتصق بها.
عقلها يغلي.
ضربت دماغها بإيدها ترغب بالصمت.
أن تصل الفيلا حيث تقبع غرفتها وتغلق الباب على نفسها.
في غرفتها بعد ما اكتشفت الحقيقة بكت يارا.
الحقيقة دايماً بتوجع، لكنها بتجرح كمان.
اكتشفت أنها ملوثة.
احمرت عيونها من البكاء.
تذكرت كل كلمة قالها والدها.
وتذكرت أيضاً، استخفافها بكلامه.
واعتزلت العالم، لم تذهب للجامعة، اكتفت بجرعات قليلة من الأكل لحد ما جسدها نحُل.
والدها المشغول بصراعاته، لكن كان عارف أنها متغيرة من مدة طويلة.
وكان منتظر الوقت اللي تيجي ترتمي في حضنه وتقوله عن أوجاعها.
يارا كانت عايزة تعمل كده، محتاجة حضن والدها جداً، لكن هتقوله إيه ولا إيه؟
وكانت نيرة من بعيد تلاحظ تغير يارا.
البنت المجنونة بالموسيقى اختفى شغفها.
غرفتها صامتة زي القبر.
ضحكتها اختفت وجسدها نحُل.
يارا اللي بقيت مش بتخرج من غرفتها خالص وبتاكل في غرفتها.
خبطت على غرفة يارا وحاولت تتكلم معاها، لكن يارا كانت رافضة الكلام.
الحزن داخلها، الخزي، الإثم خلاها تصرخ في وش نيرة: انتي فاكرة نفسك صاحبتي؟
انتي مجرد خدامة عندنا.
دخل مهند على والده في المكتب مهللاً الوجه.
النمروسي بمكر: ها حصل؟
مهند بفخر: حصل يا بابا، ابنك عمره ما يفشل في مهمة يكون طرفها امرأة.
عالٍ عالٍ قال النمروسي: دلوقتي اللعب هيحلو ورقبة السلحدار في إيدي.
تحت رجلي لما أحب أدهسه هدهسه.
مش هخليه يفوق من صدمته، لكن الأول هساومه، هديه فرصة صغيرة.
هبعتله رسالة صغيرة، يبعتلنا البنت دي ويقفل بقه نظير تسترنا على فضيحة بنته.
بص النمروسي على مهند: أنت متورطتش في الموضوع ده صح؟
أنا ابنك يا بابا، متقلقش، كل حاجة تمت زي ما أمرت بالضبط.
ضحك مدكور النمروسي وضرب كرشه: الولد ده محظوظ والله.
ابن محظوظه.
أنا هسيبه يكتشف المصيبة بنفسه، هجبره يكتشفها ويواجه أيام سودة.
عايز أشوف نظرة الانكسار في عيونه والذل.
بعت النمروسي موظف عنده يخطب يارا، موظف يدير شركة من شركات النمروسي تحت اسمه عشان الضرائب.
عريس مناسب جداً.
السلحدار قابل الولد اللي كان شايف إنه كويس ومفيش حاجة تعيبه.
لكن يارا رفضت بإصرار.
أنا مش هتجوز غير لما أكمل دراستي.
وبدأ العرسان يطرقوا باب السلحدار من كل شكل ولون ويارا ترفض.
آخر مرة كلمت والدها بطريقة وحشة.
صرخت فيه: أنت عايز تخلص مني، ليه مستعجل على جوازي؟
مع إنه كان بياخد رأيها مش أكتر.
كل ده والنمروسي مستمتع، عارف إن السلحدار ذكي وهيفكر في سبب رفض بنته للجواز.
كان معتمد على ذكاء السلحدار في اكتشاف فضيحة بنته.
وحضر النمروسي للمفاجأة الكبيرة، قام بزيارة للسلحدار مع ابنه يطلب إيد بنته لابنه رعد.
استقبل السلحدار ضيوفه في الفيلا زي ما الأصول بتقول.
السلحدار هيرفض مهند، لكن بطريقة متحضر.
مش محتاج رأي بنته.
رواية الخادمة هانم الفصل التاسع 9 - بقلم اسماعيل موسى
مدكور النمروسي بص لأدهم السلحدار نظرة رجل أعمال مشغول.
"أنا هدخل في الموضوع على طول يا أدهم، أنا بطلب إيد بنتك يارا لابني مهند. أنت عارف إن مهند ابني الوحيد وإن كل شركاتي ومصانعي وفلوسي هتبقى له. يعني بالمختصر المفيد أنا مش جاي ألعب عليك وداخل دغري خالص."
عرف أدهم السلحدار أنه لم يتوقع عرض النمروسي بتلك الطريقة.
حتى في طلب الزواج لازم يكون فيه مصلحة.
"ليه بنتي يا نمروسي؟ أنت عارف اللي بيني وبينك، ليه اخترت بنتي لابنك الوحيد؟ شركائك كتير ورجال أعمال وسياسيين حاطين عينيهم على ابنك ويتمنوا مشاركتك، ليه تختار بنتي أنا؟ وأنت بتعتبرني عدوك؟"
النمروسي بهدوء: "ما محبة إلا بعد عداوة يا أخي، خلينا ننسى الماضي ونفتح صفحة جديدة."
السلحدار بتريث: "أنت عارف يا نمروسي إني مش ممكن أجوز بنتي لابنك مهند، مهما حصل."
ضيق السلحدار عينيه، عارف وفاهم إن النمروسي وراه سر.
النمروسي بثقة: "يعني أنت بترفض جواز ابني من بنتك يا سلحدار؟"
السلحدار بتحدي: "أيوه."
دخلت نيرة شايلة فناجين القهوة، حطتها على الترابيزة بأناقة وهي بتبتسم.
وقفت دقيقة حاطة إيدها ورا ضهرها، قبل أن تنحني وتسير للخلف مبتعدة عنهم.
لمح النمروسي نيرة واشتعلت حريقة داخل صدره وبص في عينين أدهم السلحدار يقرأها، يحاول يعرف إن كان السلحدار بيضغط عليه.
بيقوله: "أنا كشفت سرك يا نمروسي."
لكن عيون أدهم السلحدار كانت بريئة، طيبة لا تخفي أي أسرار.
قرب النمروسي من السلحدار وهمس: "أنا طلبت إيد بنتك زي ما الأصول بتقول وأنت رفضت. لكن بكرة يا سلحدار هتيجي تتراجاني وساعتها هفكر."
"يلا بينا يا مهند، إحنا غلطنا لما جينا هنا."
خرج النمروسي وابنه مهند من فيلا السلحدار، هو مبتسم ولا يشعر بأي ضيق.
"ولد يا مهند، حان الوقت عشان تشتغل. عايزك تبعت الفيديو للبنت دي وتضغط عليها، فاهميني؟ عايزها تخضع ليك ومن رعبها تنفذ كل طلباتك. توصلها شعور الفضيحة ممكن تعمل إيه في والدها وعيلتها. فاهم؟"
"فاهم يا بابا."
قبل ما نوصل الفيلا تكون مخلص كل حاجة.
تناول مهند مدكور النمروسي هاتفه وحمل فيديو أرسله ليارا متبوع بالتعليمات.
كانت يارا راقدة على سريرها لما وصلها مقطع الفيديو.
شافت اسم مهند وحست بمصيبة هتقع فوق دماغها، من أول اللي حصل محاولش يتكلم معاها.
فتحت الفيديو، شافت نفسها في الصورة ومقدرتش تكمل.
رمت التليفون على السرير بخوف وقعدت تندب.
"يا مراري، يا مراري." احترقت الدموع في عينيها، فقدت وعيها من الصدمة وسقطت على الأرض.
بعد ما استعادت وعيها مسكت التليفون مرة تانية، عدت الفيديو وقرأت الرسالة اللي مبعوتة وراه.
كان مطلوب منها تسرق ملفات معينة من مكتب والدها وتوصلها لمهند بسرعة جدا وإلا هيفضحها ويرسل الفيديو لوالدها.
قفلت يارا التليفون وقعدت تعيط، الرعب ضج جواها، قلبها قضمه منقار غراب.
للحظة تخيلت والدها بيشاهد الفيديو ومقدرتش تتصور ردة فعله.
قامت من مكانها بسرعة، مفيش وقت للتفكير، أحيان بعض المواقف مش بتمنحنا رفاهية الوقت.
نيرة كانت بتسلي وقتها بتنضيف الفيلا، التراب اللي ملتصق بالمقاعد والطاولات.
الاباجورات واللوحات الجدارية.
كانت بتنظف بعناية وهي بتغني وتدمدم مع نفسها.
شافت يارا خارجة من غرفتها وداخلة غرفة مكتب والدها أدهم بيه.
منذ آخر مرة ولم يجمعهم أي حديث.
يارا لم تكلف نفسها عناء الاعتذار.
ونيرة لديها عزة نفس كبيرة، كما أنها تلوم نفسها على تدخلها في ما لا يعنيها.
واصلت نيرة التنظيف بدقة إنسان آلي، كانت شخص نبيل يحاول الاستمتاع بكل لحظة سعيدة تمنحها لها الحياة.
وتذكرت صورة مغشاة سطت على عقله.
نيرة في مهرجان ريغا في لاتفيا وسط عشرات الآلاف من الفتيات الجميلات، كل واحدة منهم تضع على شعرها إكليل من الزهور وترتدي ملابس من العصور الوسطى وتردد مع الجوقة ترانيم قديمة يعود أصلها لأكثر من مئات الأعوام.
نيرة كانت لابسة زيهم تنورة بمشد باللون الأخضر والأزرق تغني معهم.
في الأيام الأخيرة عقل نيرة بيتذكر حاجات غريبة تخليها تشعر بالصداع.
بعد ما يارا خرجت من مكتب والدها دخلت نيرة نظفت المكتب ورتبته.
ورجعت على غرفتها تستريح.
يارا غيرت هدومها، دست الملفات في حقيبتها، خدت عربيتها وقادت على الطريق ناحية مهند.
مهند إلى أجبرها إنها تقابله في نفس الشقة ولما حاولت تعترض صرخ فيها.
إنها هتنفذ كل أوامره غصب عنها.
وصلت يارا العمارة وطبعت على الشقة، مهند كان منتظرها.
دخلت الشقة ورمت المستندات في وشه.
"خد يا قذر." وبصقت عليه.
مسح مهند البصقة بمنديل.
كان حاطط رجل على رجل وبيدخن سيجارة.
يارا تحركت تمشي، ترجع الفيلا.
مهند بنبرة بغيضة: "أوقفي مكانك!!"
"يارا عايز إيه يا زفت انت؟"
أبتسم مهند: "أنت لسه متعلمتيش الطاعة باين؟ تعالي هنا؟"
"مش جايه ولو قربت مني هشرخ وشك."
واصل مهند ابتسامته: "بقولك تعالي هنا، قربي."
"يارا بغضب: قلتلك لأ!"
"مهند، متجبرنيش أطلع المسيطر اللي جوايا."
"يارا بتحدي: هتعمل إيه أكتر من اللي عملته؟ أنت إنسان زبالة وحقير."
وقف مهند، قرب من يارا إلى وقفت قدامه بتحدي.
رفع إيده وضربها على وشها بالقلم.
لم يكتفي بصفعة واحدة، عدت صفعات متتالية بقسوة وقوة خلتها تقع على الأرض.
بصق مهند بلعومه، لعينه، حقيرة.
انحنى على الأرض ولف شعرها على إيده وجرها مكان ما كان قاعد.
قعد على الكرسي ويارا تحته بتبكي، صفعة أخرى نزلت من إيد مهند على دماغ يارا.
"لما أقول حاجة تتنفذ."
صرخت يارا: "أنت حيوان حقير يا مهند، زبالة ورخيص."
أبتسم مهند وهو بيجر يارا من شعرها: "وإنتي ____ ملكي."
وضع مهند قدمه في ضهر يارا وضغط عليه وهو بيشد شعرها.
صرخت يارا صرخة صاخبة: "سيبني، آآه، سيبني."
صفع مهند يارا مرات كثيرة لحد ما توقفت عن مقاومته واتكومت على الأرض.
تحت رجلين مهند: "أنتِ ملكي وهتكوني مطيعة ليا بإرادتك أو غصب عنك، فاهمة يا حثالة؟"
تأوهت يارا من الوجع، عظم جسمها كان بيوجعها كله.
"أنا هبعت الفيديو لوالدك حالا هفضحك!"
مسكت يارا رجل مهند: "ارجوك متعملش كده، ارجوك." صرخت وهي بتبكي.
"بلاش ارجوك، ارجوك، ارجوك، ارجوك، ارجوك."
نزلت دموع يارا الساخنة على قدم مهند، شعر بالانتشاء والمتعة.
دفع قدمه في فمها اللاهث وهو يبتسم: "قبلي رجل سيدك!"
بصت يارا، التليفون في إيد مهند، عينيه مصوبة عليها، الرعب سكنها.
باعت رجل مهند.
كت مهند دقائق طويلة خلالها تمكنت سارا من النهوض.
"ممكن أمشي من فضلك؟ ارجوك سيبني أروح، أنا نفذت كل أوامركم."
مهند بسخرية: "لأ، مش هتروحي، أنا عايزك!"
كانت نيرة نايمة في غرفتها لما أسماء خبطت عليها.
"أدهم بيه عايزك يا نيرة."
غيرت نيرة هدومها وخرجت تقابل أدهم السلحدار إلى كان قاعد في الرواق مهموم حاطط إيده على خده بيفكر.
وصلت نيرة عنده.
"نعم أدهم بيه!"
السلحدار، من غير ما يبص عليها: "أنتِ نظفتي المكتب النهاردة؟"
نيرة: "أيوه فعلاً أنا نضفته يا أدهم بيه."
السلحدار: "فتحتِ الخزنة؟"
نيرة بخوف: "لأ يا أدهم بيه، مقربتش منها."
السلحدار رفع وشه وبص على نيرة: "فيه ملفات خطيرة ضاعت من الخزنة. يارا بتقول إنك الشخص الوحيد اللي دخل المكتب."
نيرة بثبات: "يارا هانم قالت كده؟"
السلحدار: "أيوه، قالت كده وشافتك بتفتحي الخزنة وبتسرقي الملفات."
نيرة بحزن: "يبقى يارا هانم صادقة وأنا كدابة."
السلحدار بهدوء: "ممكن أعرف ليه عملتي كده؟ ووخبيتي المستندات فين؟ وعايزة إيه في المقابل؟"
نيرة بحزن وهزيمة وانكسار: "ملقتش جواب." بكت، بكت مثلما بكت في الشارع وعلى الرصيف، في البرد والخلاء.
السلحدار: "ردي يا نيرة من فضلك."
نيرة شهقت، أجهشت بالبكاء، صوتها مبقاش مسموع، جسمها قعد يهتز ويرتعش.
وصل رعد واللي كان عرف اللي حصل، لقى نيرة بتبكي ووالده بيخاطبها بهدوء.
صرخ رعد: "أنتِ عملتي ليه كده؟ أنا لميتك من الشوارع يا قذرة يا حقيرة يا لص."
وقفت نيرة من غير كلام تسمع إهانات رعد اللي تجرأ ووصفها على خدها.
السلحدار: "بس يا رعد ملوش لازمة الكلام ده، بلاش الطريقة دي."
"دلعك ليها يا بابا هو اللي عمل كده، مكنتش بتعاملها كخادمة لحد ما تجرأت وسرقتنا."
"ميغركش يا بابا سكوتها وهدوئها، الحركات دي مبقتش تجيب فايدة."
"أنتِ يابت لو مخرجتيش الملفات هدبحك، هرميكي في السجن والله لارميكي في السجن."
نيرة مفتحتش بقها، اكتفت بنظرة موجهة لأدهم السلحدار، نظرة من تعرض للخيانه من شخص غير متوقع.
"البنت دي لازم تسيب الفيلا يا بابا، دي مكانها الشارع."
السلحدار بانكسار: "الصباح رباح يا ابني."
رعد بغضب: "كلامك ده يا بابا هو السبب، أنا مصر إني أغور من هنا."
"وهسلمها للشرطة كمان."
قال السلحدار: "مفيش داعي للشرطة يا ابني."
"نيرة يا بنتي طلعي المستندات وأنا هسامحك، أقسم بشرفي هسامحك."
نيرة بضعف: "معرفش والله ما أعرف."
واستشعر السلحدار من كلام نيرة أمر كان قد خفى عليه.
ركن للصمت ورعد يصرخ: "هتعملي إيه بالمستندات؟ عايزة فلوس؟ هنديكي فلوس، طلعي المستندات مخبياها فين؟"
نيرة بنبرة مكررة: "معرفش، معرفش."
رواية الخادمة هانم الفصل العاشر 10 - بقلم اسماعيل موسى
كانت ملقية على الأرض، دون قيود. لم تكن قادرة على نصب طولها. قدماها المجروحة حرة لأول مرة منذ شهر أو أكثر. كانت مربوطة مثل كلب. الآن لا ترى أي شخص. الغرفة تدور بها. آخر شيء فاكرها العنف الذي تعرضت له. عارفة أنها لازم تهرب لكن مش قادرة تحرك رجليها. طيف شخص يغادر الغرفة.
زحفت على أيديها ناحية باب الغرفة، اتسندت على الحيطة ووقفت.
"البنت مرمية جوه الأوضة، اتخلصوا منها بسرعة."
"هيكا، نقتلها يا باشا؟"
"مهند، اقتلوها."
قاد مهند سيارته واختفى داخل الشوارع الصاخبة الضاجه بالصياح والفقر.
انتظر، هيكا عشر دقايق خلص فيها سيجارته. صديقه: "يلا بينا يا هكه، ممكن البنت تكون فاقة."
"هيكا، هتروح فين يعني! إحنا تحت العمارة ومحدش خرج منها."
تسللت ديلا، حاولت أن تنزل درجات السلم. بذلت مجهود هائل عشان تنزل عشر درجات. لكن وعيها بدأ يرجع لها. سمعت خطوات على السلم. في الطابق الثاني فيه شقة بابها مفتوح، دخلت فيها. اختفت ورا الباب لحد ما هيكا وصديقه طلعوا على شقة مهند في الطابق الرابع.
خرجت ديلا وركضت. وصلت الشارع واختفت داخل زقاق. عرجت في زقاق آخر. أخذت طرق ضيقة فرعية تبعدها عنها الشقة. نصف ساعة من الركض داخل الأزقة والحواري الضيقة، تركض بكل سرعتها. أحد الأزقة نهايته طريق سريع. قبل أن تنتبه، صدمت ديلا سيارة، طوحتها في الهواء وسقطت من ارتفاع خمسة أمتار تحت الكوبري.
لم يتكسر عظمها كما اعتقد المارة الذين تجمعوا حولها. ملابسها قديمة. ملابس متشرده لم تجعلهم يهتمون بنقلها للمستشفى. ديلا التي فتحت عينيها مش متذكرة ولا حاجة، وفيه جرح كبير في خدها. من صيدلية قريبة أسعفتها فتاة طيبة، قطبت جرحها ومنحتها مضادات حيوية وتركتها.
هامت ديلا في الشوارع الموحشة. كانت تتحرك باستمرار لأكثر من شهر حتى وجدها رعد.
***
وضع مدكور النمروسي الملفات على طاولة في مكتبه ينظر إليها بابتسامة كبيرة.
"ده كفن أدهم السلحدار، كل ثروته هنا. الصراحة أنا كنت عايز أطلب منه يسلمني البنت ديلا مقابل الملفات دي. لكن بعد اللي حصل النهاردة أنا غيرت رأيي. أنت بتقول إنهم هيطردوا ديلا من الفيلا صح؟"
"مهند، صح يا بابا."
"كويس جداً. عايزك تكون مستني بره الفيلا أول ما البنت دي تظهر تجيبها عندي هنا، أنا هقتلها بنفسي لأنها تمتلك سبعة أرواح. مش هنكرر الغلطة تاني يا مهند. وثروة السلحدار أنا هضمها لينا. كلف المستشارين القانونيين يطعنوا في صحة التوقيعات وهو كده كده معندوش نسخ أصلية. النسخ كلها عندنا هنا."
"وبنته يارا أعمل معاها إيه يا بابا؟"
"انشري الفيديوهات المخلة على شبكات التواصل الاجتماعي. عايز فضحتها وفضيحة أبوها تبقى على كل لسان. مش عايز السلحدار يقدر يرفع وشه من على الأرض."
صمت النمروسي دقيقة وعينيه مصوبة على ابنه.
"ولا أقولك، انتظر شوية. نضمن إن ديلا اتطردت من الفيلا بعد كده نفضحها. أنا عايزك تكلم بنت السلحدار تاني، هددها إن البنت الخدامة اللي عندهم لازم تتطرد من الفيلا. خليها تخترع أي مشكلة معاها وتطردها وتأكد من كده. أول ما ديلا تبقى في إيدينا ننشر الفيديو."
"مهند، حاضر يا بابا."
***
"رعد، يلا لمي هدومك وامشي من هنا. إنتي أكبر سقطة في حياتي."
"السلحدار، قلت الصباح رباح. إحنا مش هنسيبها تلف في الشوارع في نصاص الليالي يا رعد يا ابني."
"رعد، وليه لا يا بابا؟ ما هي متعودة على الشوارع. تربية أرصفة وأخلاق متشردين."
أدهم السلحدار بزعيق، "أنا قلت خلاص يا رعد خلاص."
"نيرة من فضلك روحي غرفتك ومتخرجيش منها غير بكرة الصبح."
سحبت نيرة رجليها نحو غرفتها وأغلقت الباب عليها.
"رعد لأبوه، معاملتك دي يابا هي اللي خلت واحدة زي دي تعمل كده."
أدهم السلحدار وقد أيقن أن فقد معظم أملاكه إن لم يكن كلها، يسأل نفسه "هل علي أن أتعامل معهم بنفس الطريقة؟ سأكون حينها غير مختلف عنهم."
دخل السلحدار مكتبه، طفى النور وقعد على الكرسي في صمت وحزن.
وصلت رسالة من مهند ليارا، "الخدامة لازم تطرد الليلة وإلا إنتي عارفة هعمل إيه."
"يارا، أنا قولتلك البنت هتطرد، كفاية حرام عليكي!"
"مهند، قدامك ساعة واحدة والبنت تكون مرمية بره الفيلا. سلام."
مضى أكثر من ساعة وأدهم السلحدار قاعد في مكتبه في الضلمة. لما شاف بنته يارا نازلة تسحب من غرفتها ورايحة على غرفة نيرة. بعدها بدقيقة بالظبط سمع صراخ يارا بنته وهي ساحبة نيرة من شعرها ونازلة فيها ضرب وسط الصالة وهي بتصرخ.
خرج أدهم السلحدار مزعور على صراخها. "فيه إيه يا يارا بتصرخي ليه؟"
نيرة كانت واقفة بتبكي من غير كلام.
"يارا، أنا يا بابا نزلت أشرب من المطبخ والهانم خرجت من غرفتها لما شافتني في المطبخ وشتمتني وضربتني. هي وصلت لحد كده يا بابا لازم تطردها حالا، البنت دي مش ممكن تستنى دقيقة واحدة هنا."
نزل رعد هو الآخر يصرخ من غرفته وهو يقسم أن يقتل نيرة. لكن أدهم السلحدار منعه وبعده عنه.
"رعد، إنت بتدافع عنها ليه يا بابا؟ مش قادر أفهم ليه. أنا بدأت أعتقد في حاجات سيئة بينك وبين الخدامة دي."
"يارا، أيوه صح يا بابا ليه بتعمل كده."
طوح السلحدار يده في الهواء وصفع رعد على وجهه حتى أسقطه أرضاً. ثم صفع ابنته يارا عدة صفعات متتالية جعلتها تصرخ من الضرب.
"أي حد هيقرب لنيرة لا هو ابني ولا أنا أعرفه، فاهمين؟"
"رعد، فاهم يا بابا."
"نيرة، فاهمه."
كل واحد من الأولاد راح على غرفته. أدهم السلحدار قعد نيرة جنبه.
"أنا آسف يا بنتي، الغضب تملكني وخلاني ما أفكرش كويس. لكن ربنا مش بيسيب المظلوم وبيقف معاه. أنا زيك زي والدك الله يرحمه وبترجاكي تقبلي أسفي."
"نيرة وهي بتعيط، ممكن أرجع غرفتي من فضلك؟"
ربت أدهم السلحدار على كتف نيرة. "اتفضلي يا بنتي."
بعد ما نيرة مشيت، أدهم السلحدار حط دماغه بين إيديه. "يارا بنته بتكدب. رجع الأحداث في دماغه. اللي يكذب مرة يكذب مرتين. لولا إني شفت يارا بعيني رايحة غرفة نيرة كنت صدقته. لكن نيرة إنسانة طيبة وربنا أراد إني أشوف كل حاجة بعيني. يارا بتكدب ليه؟ والمستندات راحت فين؟"
طلع أدهم السلحدار على غرفة يارا، خبط ودخل وأغلق الباب وراه. قعد على السرير وعينيه متثبتة على بنته.
"أنا عايزك تقولي الحقيقة مهما كانت وهسامحك، لكن أي كلمة كذب هيكون عقابها شديد. إنتي ليه اتبليتي على نيرة وقلتي إنها دخلت عليكي المطبخ وشتمتك؟"
"لأن هو ده اللي حصل يا بابا. البنت دي عديمة الأدب ومش متربية."
"أدهم السلحدار، متكدبيش يا يارا. أنا طول عمري علمتك تقولي الصدق."
"يارا، إنت مش مصدقني يا بابا. هتخلي كلمتي قصاد كلمة خدامة؟"
نهض السلحدار وصفع يارا بيده. "أنا شفتك بعيني وإنتي بتدخلي غرفتها. عايز أعرف الحقيقة كلها، وعايز أعرف المستندات راحت فين."
ارتعش جسد يارا فجأة. سقطت على الأرض تصرخ وتندب. لسانها معقود لا يطاوعها على الكلام.
"أنا هقول كل حاجة يا بابا، كل حاجة."
في غرفتها وضعت نيرة (ديلا) كل النقود التي كسبتها في الفيلا على الطاولة. نزعت ملابسها وارتدت الملابس الممزقة التي حضرت بها.
"سأخرج من الفيلا مثلما حضرت، لن أكون سبب في تمزيق شكل العائلة بسببي. مش هحط أدهم السلحدار في موقف محرج قدام أولاده بسببها."
خرجت من الغرفة، فتحت باب الفيلا ودعت كل شيء بدموعها.
"ها هو النحات جياكوميتي يعود مرة أخرى، منحوتته الأشهر 'الكلب'. هذا أنا، رأيت نفسي ذات يوم أتسلق في الشوارع والأزقة."
فكرت ديلا. ربما قدري أن أتسلق في الشوارع حتى موتي بلا مأوى.
***
استمع أدهم السلحدار لكلمات ابنته وهو يبكي. وأنت لا تعرف أبداً مقدار الألم الذي من الممكن أن يجعل رجل ينتحب. مع كل كلمة كانت تنطقها ابنته يارا كان يشعر بالفشل. فشله في كونه والد اعتنى بابنته وأحسن تربيتها. ولا يطعنك بشدة إلا من كان قريب منك.
ويارا ابنته الوحيدة التي كان يعاملها كصديقة وليست ابنة. ربما الآن يشعر بمقدار الألم من عدم قدرته في الماضي على متابعة تحركاتها معتمداً على الثقة التي منحها له.
لقد شعر السلحدار أنه تحطم، وأنه كبر عشرين عام دفعة واحدة. النمروسي وابنه لم يكتفيا بتدمير شركته، أخذ نقوده، يدهم طالت ابنته الوحيدة والحبيبة.
كان هناك تصدع في صدره وشعر أن جسده يتشرح كجدار قديم ضربه زلزال مدمر.
شعر السلحدار بدوار، ترنح وكاد أن يسقط على الأرض. جسده لم يتحمل الصدمة. ابنته فلذة كبده طعنته بخنجر مسموم وجعلت روحه ملك النمروسي يتحكم بها كيفما يشاء.
ارتعش جسد السلحدار وهو يتذكر كلام النمروسي، "بكرة تيجي تبوس رجلي عشان أوافق على الجواز دي."
ارتخت كتفي السلحدار، كأن كل الكلمات المخزية التي سمعها من بنته صخور قفزت على كتفه.
النمروسي لن يتأخر في أذيته وفضحه في كل مكان. نهض السلحدار وبدل ملابسه.
"هيروح للنمروسي يترجاه ما يفضحش بنته. مكنش مهم بالنسبة له الشركات ولا الفلوس. أهم حاجة الشرف. وشرفه بيد النمروسي."
وصل السلحدار قصر النمروسي وطلب من الخدم، يعلموا النمروسي بوصوله.
النمروسي تأخر ساعة كاملة قبل ما يقابل السلحدار. قعدوا في مكتب النمروسي الذي سأل السلحدار ببرأة.
"خير يا أدهم بيه؟"
وكانت نظرات مدكور النمروسي الساخرة تخترق جسد وروح السلحدار وتغتصبه بلا رحمة.
بلع السلحدار ريقه، مش متعود يتزل لأي شخص مهما كان، لكنها بنته، شرفه وعرضه.
"يا مدكور بيه أنا موافق على جواز منه بيه من بنتي. أنا كنت غلطان لما رفضت الجوازة وارجو أن تسامحني."
ابتسم النمروسي. نهض من مكانه ودخن سيجار فاخر يصنع في كوبا على سيقان الفتيات العذراوات. ورأفت على كرشه الكبير وهو يتمشى في المكتب.
"إيه اللي خلاك تغير رأيك بسرعة كده يا سلحدار؟ أنا جيت لحد عندك وانت رفضتني كأني حثالة. ما راعتش مكانتي وقيمتي وأدرت لي ظهرك."
"آسف يا باشا، كنت غلطان واديني جيتك بنفسي لحد مكتبك."
النمروسي بسخرية، "قولي إيه اللي اتغير يا سلحدار، حابب أعرف السبب؟"
السلحدار بأقصى نبرة تحكميه، "لأنكم نسب يشرف يا باشا وأنا كنت غلطان."