تحميل رواية «القديمة تحلى» PDF
بقلم نرمين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
غرفة كبيرة بإحدى السرايات الكبرى تجلس فتاة في الثالث والعشرين من عمرها على الفراش تضم قبضتيها بتوتر وترتدي فستان زفاف. تنظر قدوم زوجها بعد أن استدعته والدته وأمرتها بالصعود إلى الغرفة. بعد أكثر من ساعتين، كان زوجها يفتح باب الغرفة بملامح متجهمة غاضبة جعلتها تنكمش في نفسها أكثر، وصوته يقول: - قومي غيري هدومك ديه عشان ننام. تنهدت بارتياح، فعلى الأقل تنازل عن حقه حتى لو مؤقتا. فعلت ما أمرها به بصمت وسارت بخطوات عرجاء متعثرة إلى المرحاض. لم يفتها ضحكته الساخرة على خطواتها التي آلمتها كثيرا، لكن ليس...
رواية القديمة تحلى الفصل الحادي عشر 11 - بقلم نرمين
لم تهتم شيما بزوجها مطلقا بل انشغلت في التعرف إلى المدعوين بعيد ميلادها.
بالأساس هذا ما كانت تريده، أن تكون نجمة ساطعة في الحفل.
ساعدتها في ذلك السيدة نجاة، ولكن بالطبع هدف كلتيهما يختلف عن الأخرى بمراحل.
رحب قدري بشقيقه ناصر كثيراً عندما شاهده يذهب وراء زمزم، خاصة وأنه وجد ابنته تنظر له بجفاء وجمود، حتى أنها لم ترحب به.
دخلت زمزم المنزل برفقة سيلين.
تركتها سيلين وذهبت نحو عمها، فهي تحبه كثيراً رغم أنها غاضبة منه لما فعله بزمزم، لكن بالتأكيد لديه سبب.
رفعت قدمها حتى تصعد الدرج نحو غرفتها عندما صدح صوت والدها.
"مش عاوزة تشوفي وشي للدرجادي يا زمزم؟"
أخذت نفساً عميقاً والتفتت حتى تخرج ولو قليلاً مما تحمله بداخلها تجاهه.
"حضرتك قعدت أكتر من سنة مختفي... تقريباً سنتين من يوم ما لبست عروسة. مسألتش عليك ولا افتكرتك أصلاً، وده يخلي وجود حضرتك دلوقتي زي عدمه."
لم يحيد بعينيه عنها، يريد إرجاع زمزم الرقيقة التي تنتقي كلماتها بعناية حتى لا تجرح أحداً.
"يعني إيه؟"
ابتسمت ابتسامة صفراء قاسية وأردفت بصوت هادئ.
"يعني حضرتك بالنسبالي ضيف. صاحب أبويا اللي قاعد ده. غير كده لا."
قالتها مشيرة إلى عمها الذي أدمعت عيناه بلحظة وهو يتذكر ما مضى.
كان وقاص وسيلين ووالدتهم يتابعون الموقف بذهول.
لكن وقاص كان يتابعه بصدمة وذهول شديدين.
فقد استطاع الآن وببضعة كلمات بسيطة معرفة ما حدث في الماضي بين عمه وابنته من خلال كلمتين فقط تفوهت بهما زمزم: "لما كنت لابسة عروسة".
زمزم لم تكن تريده.
لم يدق قلبها له يوماً.
حتى أنها لم تتمنى الزواج منه لإعاقتها.
والدها أجبرها بطريقة ما.
***
تذرع الغرفة ذهاباً وإياباً.
منذ آخر مشادة بينهم وقت الغداء وحتى الآن.
الساعة تشير الآن إلى الثانية صباحاً.
التقطت هاتفها حتى تعاود الاتصال به مرة أخرى لربما يجيبها.
فتح الهاتف بعد قليل.
لم تعرف من الذي ضغط زر الإجابة فلم يصلها صوت واضح في الهاتف.
أدمعت عيناها وقبضت على الهاتف بيدها عندما استمعت إلى تلك الحرباء ضرتها وهي تقول بميوعة.
"كنت عارفة إنك هتيجي لي يا حياتي. انت أصلاً متفق معايا من بدري. ربنا يخليك ليا يا بودي. تعيش وتفرحني يا حبيبي. عقبال ما تطلق الأرشانة مراتك ديه."
لم تستمع إلى صوته، لكنها تعلم جيداً أن عابد لا يترك هاتفه مهما حدث.
أغلقت الهاتف ورمته أرضاً ودموعها تسقط من عينيها.
في اليوم التالي استيقظت تمارا على صوت ضجة في الغرفة.
فتحت عيناها وتفاجأت بوجوده.
لم تعطِه اهتمام ووضعت الغطاء على رأسها.
"متدايقيش أوي كده. أنا جاي آخد أي ورق ليا هنا. أنا همشي ومش هاجيلك تاني. مسافر كام شهر كده اسكندريه هفتتح شركة التأمين اللي هناك وهقعد أباشر الشغل فيها وهاخد أمي معايا كمان."
تخيلت كل شيء، وأي شيء، لكن أن يهجرها، لا لم تتخيلها.
لم تدري بنفسها إلا وهي تستمع إلى صوتها وهي تقول بنبرة مشدوهة.
"هتسبني؟!"
لم تؤثر فيه نبرتها أو ما قالته.
يعلم جيداً أنها تجيد تعشيمه حد امتلاكها وفي النهاية يسقط على جذور رقبته.
هذا ما كانت تجيده دائماً.
لكنه لن يستطيع تحمل خيبة أخرى وخذلان آخر.
آثر الابتعاد عنها وتركها.
كلاهما يريد فترة يبتعد فيها عن الآخر حتى يعيد ترتيب حساباته.
"وإيه الفرق! إحنا هنا مع بعض وكل واحد فينا لوحده. أنا قررت إني أعيش حياتي مرتاح. أنا ماشي يا تمارا. هاخد أمي وأطلعلك العيال. أبوك رجع من السفر ابقي روحيله."
وخرج من المنزل بأكمله بعدما جمع أغراضه.
توقفت أنفاسها مع جملته الأخيرة.
ناصر النوساني عاد من عمله أخيراً!
لم ترد على مكالمات أبيها منذ أن سافر إلى عمله.
حتى أنه لم يرَ سجدة فقد ولدت يوم سفره.
***
مر أسبوع كامل كانت تحاول قدر استطاعتها التغلب على ثورتها.
تريد أن توفي بكلماتها مع الطبيب الذي لم تعرف اسمه إلى الآن.
تريد أن تحدث زمزم.
تعلم أنها كانت قاسية معها عند زواجها لابن عمها البغيض.
دلف إليها الطبيب وهو يبتسم.
الآن فقط انتبهت إلى غمازتيه.
"صباح الخير."
"صباح النور."
جلس الطبيب أمامها وهتف.
"عاملة إيه يا زهرة النهاردة؟"
ابتسمت زهرة بهدوء قائلة.
"الحمد لله. أحسن من أول الأسبوع أكيد."
أومأ برأسه ثم هتف.
"ده باين طبعاً. إن شاء الله زي ما اتفقنا."
وأخرج شيئاً ما من جيب بنطاله وأمد يده لها به.
"ده التليفون. طبعاً أنا معرفش أرقام أي حد. بس أكيد إنت حافظة أي أرقام ولا إيه؟"
تعلقت عيناها بالهاتف بفرحة عارمة وهي تهز رأسها إيجاباً.
"أنا... أنا حافظة أرقام أخواتي وعاوزة أكلمهم."
أعطاها الطبيب الهاتف والتفت حتى يخرج من الغرفة قائلاً.
"تمام. التليفون هيبقى معاكي النهاردة نص ساعة ونص ساعة كمان هتنزلي الجنينة. حسب تجاوبك هتزيد المدة."
استعدت حتى تنزل إلى الأسفل حيث طاولة الطعام.
تتعمد التأخير حتى ينتهي والدها من تناول طعامه.
لا تريد الاحتكاك به أبداً.
أصر عمها أن يجلس أخيه بالمنزل لحين الانتهاء من تجهيزات منزله الجديد.
رن هاتفها فالتقطته بسرعة ظناً منها أنه ياسر فاليوم موعد قدومه كما قال لها.
نظرت باستغراب إلى الهاتف وهي تتطلع إلى هذا الرقم الغريب.
ردت على الهاتف فوصلها صوت شقيقتها الوسطى، الأقرب إلى قلبها.
جاءها صوت زهرة الملهوف.
"أيوة... أيوة يا زمزم. أنا زهرة. زهرة."
أدمعت عينا زمزم وجلست على الفراش مرة أخرى.
لم تقو قدماها على حملها.
"زهرة... زهرة حبيبتي. وحشتيني. وحشتيني أوي. إنت فين؟ لسه في المستشفى؟"
"أيوة لسه في المستشفى. وإنت كمان وحشتيني أوي. اتطلقتي ولا لسه؟"
"لسه. بس خلاص كلها شهر ولا حاجة. هنرجع نعيش مع بعض تاني."
استمعت إلى صوت بكاء زهرة.
لم تستطع مواساتها فهي أدرى الناس بها.
من المؤكد أنها تذكرت أيام زواجها من ناصر.
كيف كانت بوقتها.
رغم أنها لم تكن تريده لكن حالها في هذه الأيام كان أفضل بكثير مما هي عليه الآن.
"كل حاجة هترجع زي ما كانت وأحسن يا زهرة. صدقيني. أنا بعمل علاج طبيعي عشان رجلي وجاب نتيجة. تمارا بدأت تخس وترجع زي الأول. وإنت اهو شدي حيلك وخفي. كل واحدة فينا مرت بحاجة وجعتها ومش عاوزة تجربها تاني. هنرجع نعيش مع بعض. من غير اللواء ناصر."
ظلت تتحدث مع أختها لما يقرب الساعة ثم أغلقت الهاتف مع وعد بأن تزورها بالمستشفى.
نزلت إلى الأسفل عندما اتصلت بها سيلين تطلب منها المجيء فلبت طلبها.
"كل ده يا زمزم. عمو ناصر مستنيكي من بدري ومش راضي ياكل."
لم يكن هذا الصوت سوى شيما.
كانت تعلم جيداً ما تفعله فقد استطاعت رؤية الخوف بأعينهم جميعاً من وجوده.
كأنهم تجنبوا الحديث عن صلة قرابتها بهم لذلك تصرفت هي.
تأففت زمزم بنفاذ صبر وهتفت.
"مطلبتش من حد يستناني يا شيما. تقدري تاكلي. جوزك جنبك اهو هو وعيلته كلها."
هنا رفع ناصر رأسه ونظر إلى ابنته مباشرة والتي قابلته بابتسامة صفراء قاسية.
هتف ناصر بنبرة مشدوهة.
"م... مين جوزها؟!"
أشارت زمزم إلى وقاص الذي لم تكن دهشته أقل من والدها وهتفت.
"وقاص. وقاص جوزها. بقالهم سنة متجوزين. ادعيلهم بالذرية الصالحة بقي."
تركت والدها في دهشته وسارت نحو الحديقة وهي تضع يدها في جيب سترتها الطويلة حتى بعد ركبتيها.
وكان صوت والدها الجهوري آخر ما سمعته قبل أن تضع سماعات الهاتف بأذنيها.
"ابنك إنت يتجوز على بنتي يا قدري!!!"
"ناقصة إيه بنتي. ويجيب لها ضرتها في البيت."
تابع حديثه وهو ينظر إلى أثر ابنته وهو يهتف.
"أنا ماليش مكان هنا. لا أنا ولا بنتي. بنتي تتطلق بكرة يا وقاص. واللي بيني وبين البيت ده أخويا وبنته."
وذهب إلى غرفته حتى يلملم أغراضه ويأخذ ابنته.
يعلم أنه أخطأ بحقهم جميعاً.
لكنه عاد.
عاد حتى يصلح ما اقترفه بحق ثلاثتهم.
رواية القديمة تحلى الفصل الثاني عشر 12 - بقلم نرمين
انتهي ناصر من جمع اغراضه داخل الحقائب التي اتى بها، صاماً أذنيه عن توسلات أخيه وابنته حتى يتراجع عن قراره. لكنه لم يستمع له، فقط ما يتجسد أمامه معاناة زمزم، معاناتها حتى أصبحت بهذا الجمود.
ناصر تقريباً يعاقب أخيه وعائلته بسبب تغير زمزم. لطالما كانت رقيقة، تتأثر بالنبرة الضعيفة المنكسرة. كان مطمئناً لضعفها، فهي ورقته الرابحة والتي سيضغط بها على ابنتيه الأخريين. ولكن لم يجد ما يريده، فقد أصبحت زمزم مثلهم.
ابتلع غصة مسننة بحلقه وهو يتذكر زوجته الراحلة وهي توصيه على جواهرها الثمينة. طلبت منه عدم الانشغال عنهم بعمله، لكن ماذا فعل هو؟
"يا ناصر اقعد.. هتروح فين بس؟ ما البيت موجود أهو... كل حاجة هتتحل صدقني."
استلمت سيلين دفة الحديث من والدها قائلة بنبرة متوسلة.
"الله يخليك يا عمو اقعد... أنا مبطقش اللي برة دي.. أنا مش هقدر أقعد من غير زمزم.. هي بتحس بيا."
جلس ناصر على الفراش بتخاذل، أنهكته ذكرياته مع زوجته، طلباتها ووصيتها التي خيل له أنه أتمها.
"هقابل أمهم إزاي يا قدري!! هقولها إيه ولا إيه؟؟ وهقدر أصلاً أحط عيني في عينها؟؟ دمرتهم يا قدري... أنا رجعت.. رجعت عشان هطلع ع المعاش كمان سنة. جيت عشان آخد زمزم ووقاص يقعدوا معايا، يملوا عليا البيت بعيالهم... أنا تعبان.. تعبان وقلبي واجعني."
اقترب منه شقيقه يربت على كتفه مواسياً، واكتفى بالصمت. فلن يفيد الكلام بعد ما فعله ابنه. فماذا سيحل بأخيه المسكين إذا علم بما تواجهه ابنته على يد زوجته؟ ماذا لو علم أن قدميها بدأت تنزلق نحو الخطأ وأنها تكن مشاعر لرجل آخر وهي متزوجة؟ متزوجة!!!
زمزم ما زالت كما هي. وقاص لم يقترب منها قط، حتى أنه لم يضعف ويتجه إليها كنوع من تفريغ شحنة غضب أو ضعف.
***
جلست تبكي بنشيج صامت وحار حتى لا ينتبه صغارها لها ويرتعبوا. نظرت من نافذة الغرفة وازداد بكائها عندما رأتها بالسيارة وهو ممسك بيد والدته يساعدها على السير نحو السيارة. جلست والدته بالسيارة والتفت هو عائدًا إلى خمسة رجال أقوياء يملي عليهم أوامره بحمايتها هي وأطفاله. لم يخطئ وينظر إلى النافذة، فقد انتهى من إلقاء أوامره وصعد إلى السيارة وابتعد.
أصبحت قولاً وفعلاً وحيدة. تركها زوجها لأن قلبها لم يخفق له. ما ذنبها هي؟ شردت رغماً عنها متذكرة بداية دخوله إلى حياتها منذ البداية. كان هو أحد المدعوين لحفل خطبة سيلين، فقد استعان به عمها حتى يؤمن الحفل بالمنزل.
"نفسي أفهم بس إيه لازمتهم البادي جارد دول؟"
قالتها تمارا باستغراب وخوف قليلاً.
ابتسمت سيلين هاتفة.
"انتوا ناسيين انتوا ولاد مين يا تمارا ولا إيه؟ انتوا ولاد الفريق ناصر النوساني."
ابتسمت زهرة بسخرية هاتفة.
"ومالك بتقوليها وانت مبسوطة كده؟"
شهقت سيلين بخفة وهتفت بدهشة.
"بقي حد يبقى عمو ناصر أبوه وميبقاش مبسوط؟!"
نظرت زهرة إلى شقيقتها الكبرى تمارا وهتفت بصوت ساخر.
"اللي إيده ف الميه..."
"ها خلصتي ولا إيه؟"
"آه خلصت."
نزلوا جميعهم إلى الأسفل بعد أن انتهت سيلين من زينتها وانطلقوا في الحفل، خاصة مع انشغال سيلين بصديقاتها. رفعت رأسها للأعلى تنظر إلى تلك الألعاب النارية، جذبتها كثيراً. كانت تنظر لها وهي تشرد بخيالها بعيداً نحو ذلك الذي سرق فؤادها وانطلق حيث لا تعلم. ظلت تسير وهي تطارد الألعاب دون انتباه إلى أن اصطدمت به.
"أنا آسفة.. مم.. مأخدتش بالي."
والتفتت حتى تعود إلى الحفل مرة أخرى، لكنه جذبها من ذراعها.
"أيوة يا آنسة حضرتك عاوزة مين ولا راحة فين؟"
نظرت إليه باستغراب والتفتت حولها ووجدت نفسها بالخارج.
"حضرتك أنا لسه خارجة من جوة.. أنا بنت عم العروسة و.."
قاطعها بنفاذ صبر وصوت صارم.
"التفاصيل وقصة حياتك ديه متخصنيش... ثم إني مشوفتكيش خارجة من جوة أصلاً، أنا جيت لقيت سيادتك واقفة قدام الباب... حضرتك بقي معاكي دعوة ولا مفيش؟"
هزت رأسها نفياً ببراءة ولم تحاول الكذب حتى، ورفعت رأسها حتى تنهي المشكلة قبل أن يلاحظ والدها غيابها ويعنّفها كعادته. ولكن لم يستجب الله لأمنيتها وشاهدت والدها وهو يبحث عنها حتى وجدها وهو يصوب نحوها تلك النظرات النارية التي أرعبتها.
"فيه إيه يا عابد؟"
عابد بجدية مشيراً إليها.
"مفيش يا باشا.. الآنسة تبقي قريبة العروسة وجاية ومش معاها دعوة وزي ما حضرتك عارف مقدرش أدخلها من غير دعوة حتى لو كانت قريبتها فعلاً..."
ربت ناصر على كتفه قائلاً بتشجيع.
"عندك حق يا عابد.. هو ده الشغل المظبوط..."
والتفت بوجهه إليها قائلاً بحدة.
"وسيادتك إيه اللي خرجك من جوة أصلاً؟"
شبكت كفيها ببعضهما وهي تلعب بهما من شدة توترها وخوفها.
"ما تنطقي أنا مش قايل مفيش واحدة فيكو تخرج من جوة؟"
دمعت عيناها وهتفت بصوت حزين.
"كان فيه لعب بتنور ف السما وروحت أشوفها... مش قصدي..."
هتف ناصر بصوت أفزعها.
"سيادتك خارجة برة عشان روحتي تشوفي اللعب في السما!! حسابنا في البيت يا تمارا..."
"عابد تمارا تبقي بنتي وأنا معايا الدعوة بس جوة مع الأسف خليها تدخل تجيبها وأنا هفضل معاك هنا..."
رد عابد بلهفة.
"العفو يا ناصر باشا... هي مقالتليش إنها بنت حضرتك..."
دلفت تمارا إلى الداخل وهي ترتعد من أبيها، فهو صارم جداً خاصة مع من يخالف أوامره حتى أنه يعاقبهم وهم بهذا السن. وبالفعل منعها من الخروج مع صديقاتها بعد أن أعطاها موافقته غير عابئ بتوسلاتها حتى يتراجع عن كلامه. بعد ما فعله والدها بذلك اليوم تجنبته ولم تتحدث إليه مطلقاً، خاصة أن صديقتها أخبرتها بأن أحمد نصران سيسافر إلى الخارج حتى يحصل على فرصة عمل تناسب مكانة والدها وأنه يطلب رؤيتها، وأنها علمت ذلك من صديقه ورأته بالفعل لكنه غادر بعد أن أخبرته أن والدها منعها من الخروج.
بعد مرور يومان دلف ناصر إلى غرفة ابنته وجلس أمامها قائلاً.
"أوعي تكوني مفكرة أن أسلوب القمص ده هيجيب معايا نتيجة... تبقي غلطانة.. انتي غلطتي وأنا عاقبتك.. تقدري تقوليلي بقي لو كان حد خطفك ولا أذاكي كنت هعمل إيه؟"
"بس حضرتك لقيتني كويسة... وبرغم كده هزأتني قدام اللي كان واقف ده."
لم يستمع إلى حديثها من الأساس، أو تجاهله عمداً.
"المهم... جايلك عريس..."
صمت حتى يرى تعبيرات وجهها وتابع حديثه عندما رأى الارتباك يحتل ملامحها.
"اسمه عابد... عابد سلمي.. اللي هزأتك قدامه..."
"بـ.. بس أنا مش موافقة..."
***
"ياريتك كنت سبتني يا بابا... ياريتك مضغطش عليا... اتسببت ف قلة راحتنا احنا الاتنين."
مسحت عبراتها والتفتت حتى ترتدي ملابسها لتذهب إلى النادي عندما أصدر هاتفها صوتاً يخبرها بوصول رسالة.
"أجمل وردة ف حياتي.. صباحك بلون عيونك.. بحبك."
هنا سقط الهاتف من يدها وهي ترتجف بخوف. صاحب الرسائل يعرفها، وهي تعرفه، لكن من هو لا تعلم.
***
لم يستطع ناير زيارتها بالمشفى. كلماتها بآخر مرة ما زالت ترن بأذنه. ذراعها المتأذي بفعل الإبر ما زالت صورته نصب عينيه. إلى الآن لم يستطع سؤالها عن هوية ذلك الشخص. توالت عليه ذكريات كم شهر مضى وتوقف عندما هبطت دموعه لأول مرة عليها بهذه الطريقة.
"ها يا سيادة الرائد جاهز؟"
"أيوة يا يامن أنا جاهز... بس الإخبارية اللي عندنا لسه فاضل ع المعاد نص ساعة بحالها، أكيد مش هنروح من دلوقتي يمكن المكان يبقى مترصد جواسيس ويبلغوهم."
لم يستطع يامن إخباره بما أخبره به الجاسوس المندس بينهم كاملاً، فقد أخبره بجزءاً منه فقط.
يامن بجدية.
"لا هنروح دلوقتي يا ناير.. أنا طول عمري ماشي وراك.. امشي انت ورايا المرادي بقي..."
تبعه ناير بصمت ودون مجادلة عندما رأى جدية صديقه فعلم أن هناك شيئًا ما.
بعد مرور خمسة عشر دقيقة كان ناير يصعد إلى سطح المبنى المقابل لمبنى المخابرات. منذ يومان استطاع الرجل التابع لهم إخبارهم بنية ذلك الرجل المقنع الملقب بالظل في القضاء على شخصية هامة بالمخابرات بتفجيره لرغبته في ضياع بعض الأوراق التي يمتلكها ذلك الرجل ضده، لكنه لم يستطع معرفة الاسم، فقط يعلم المكان والزمان.
وصلا إلى الطابق الأخير عندما استمع ناير إلى صوت ما بالداخل.
"يامن.. مش ع السطح.. هنا.. هنا فيه حد.."
دلفا إلى الشقة بحذر متخذين وضع الهجوم. التفت لهم ذلك الشاب وامتدت يده إلى خصره حتى يخرج سلاحه، ولكن يامن كان أسرع منه حيث أطلق عليه وأصابه بذراعه ليسقط السلاح منه، فيما اتجه ناير إلى الثاني واضعاً السلاح خلف رأسه.
حانت منه التفاتة نحو ما كان يعبث به، ولكنه توقف وسقط السلاح من يده وهو يراها منزوية في ذلك الركن تنظر أمامها بشرود وكأنها ليست معهم. عيناها غائرتان يحاوطهما السواد. وجهها شاحب. استغل الرجل الفرصة وأخرج سلاحه من خصره حتى يقتل ناير.
صاح يامن بصديقه.
"ناير.. نااااااير.. حاسب.."
باللحظة الأخيرة انتبه ناير على نداء صديقه والتقط سلاحه وأطلق عليه الرصاصة برأسه فسقط صريعاً في الحال.
التفت إليه مرة أخرى يهزه برفق حتى تنتبه لوجوده، لكنها لم تنظر إليه حتى، ظلت على حالتها. ظل يهزها بعنف وهو يصيح باسمها بلوعة ووجع لا يعلم مصابها.
وضع يامن يده على كتف صديقه قائلاً بتأثر.
"ناير خدها وروح مستشفى يلا.. احنا منعرفش هي فيها إيه..."
لم يبدو عليه أنه استمع إليه، فقد ظل يهزها ويضرب على وجنتها بعنف تارة ورفق تارة أخرى.
"لا.. لا هي هترد عليا.. ردي يا زهرة.. أنا آسف.. آسف... انتي معايا.. أنا ناير.. ناير يا زهرة... خدتك منهم أهو زي ما قولتيلي.. زهررررررررة...."
واحتضنها وهو يبكي بصوت غير عابئ بوجود صديقه أو من صعد من العساكر حتى يأخذ ذلك المصاب وجثة الآخر.
"سيادة الرائد حضرتك معايا؟؟ بقولك المدام حالتها اتحسنت.. وتقدر تشوفها."
كان ذلك صوت الطبيب الذي يتابع حالتها.
"أيوة معاك... أنا مش عاوز أدخلها حضرتك ادخل وسيب الباب موارب أنا هشوفها من هنا..."
أومأ الطبيب برأسه دون مجادلة، فهو يعلم أن هناك شيئًا بينهما. عندما دلف إليها بذلك اليوم يأخذ منها الهاتف سألها عن هوية من اتصلت به وظلت معه لنصف ساعة كاملة، فأخبرته بسعادة وحماس أنها تحدثت إلى شقيقتيها ولم تأتِ بسيرة زوجها مطلقاً.
دلف إليها "باران" ورآها مبتسمة رغم تقييدها بالفراش.
"إيه ده مين اللي ربطك كده؟"
اخفضت عينيها بخجل وهتفت.
"أصلي اتجننت شوية كده ف اضطروا يربطوني.. وأخدت العلاج وبقيت كويسة... ينفع تفكني؟"
ابتسم باران وامتدت يده إلى وثاق يديها هاتفا.
"طبعاً... انت عارفة مبحبش أقعد مع حالة وهي متكتفة كده... عاملة إيه النهارده؟"
"الحمد لله... بفضل حضرتك طبعاً."
باران بنفي.
"لا طبعاً.. ده بفضل تعاونك انت ورغم الألم اللي كنتِ بتحسي بيه استمريتِ ومضعفتيش..."
"هو أنا هخرج من هنا إمتى؟"
"إيه زهقتي مني ولا إيه؟"
زهرة بحرج.
"لا.. لا طبعاً مش قصدي.. بس أنا بقالي شهرين متبهدلة ف المستشفيات... وجيت هنا بقالي تلت أسابيع..."
باران بضحك.
"متقلقيش يا ستي أنا عارف إنك مزهقتيش.. عموماً كلها شهر واسبوع وتخرجي ده ف حالة إنك فضلتِ ماشية ع نفس الوضع ده... وبعد كده هتخرجي وتتابعي علاجك برة وهتيجي هنا بصفة دورية عشان نعمل تحاليل ونشوف النسبة قلت ولا إيه... ونشوف لو رجعتي تتعاطي تاني... أهم مرحلة ف علاج الإدمان هي تصرفك لما تخرجي من المستشفى لأنك بتباني برة بيبقى قدامك الطريق ده وده وعلي حسب اختيارك..."
أومأت برأسها بسعادة وابتسامة صافية غابت عنها كثيراً حتى ظنت أنها لم تبتسم أبداً. كان يتابع حديثها مع الطبيب وفرحتها بتحسنها بوجع وألم يكاد يشطره إلى نصفين من شدته. يريد أن يدلف إليها ويبرح ذلك الطبيب ضرباً. يغار منه لأنه كان السبب في ابتسامتها التي عجز هو عن فعلها.
تجمد مكانه عندما أعطاها الطبيب الهاتف حتى تتحدث إلى من تريد. اعتقد أنها ستهاتفه أولاً، لكن خاب ظنه وعاد ذلك الألم يعصف به بقوة أشد وهو يستمع إليها وهي تتحدث إلى شقيقتها الكبرى. لم يرِ لوجوده معنى فغادر المشفى بأكملها بعد أن ألقى نظرة المجتمع ممزوجة بعبارات لم يستطع السيطرة عليها.
رواية القديمة تحلى الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نرمين
لم يستطع تجاهل خفقات قلبه أكثر من ذلك.
يريد أن يراها، يضمها إلى صدره حتى لو رغماً عنها.
يومه ناقص بدونها مهما حاول الانشغال بالعمل.
ابتعد عنها فقط أسبوعان، كان يحدثها بالهاتف يومياً لكن رؤيتها شيء آخر.
يريد ليلة من لياليهم معاً يطفئ بها نار شوقه إليها وولعه بها.
رغم علمه أنها لن تتجاوب معه، يستشعر نفورها منه.
يرى تعبيرات وجهها الحزينة وهي بين يديه.
التقط هاتفه حتى يتصل بها.
"الو؟"
كان ذلك صوتها. نبرتها الناعمة تلك اشتاق لها كثيراً.
يفتقد كل شيء بها، لكنه لن يتحمل خيبة أخرى وخذلان آخر.
"عاملة إيه يا تمارا؟ والعيال عاملين إيه؟"
ردت هي بجفاء.
"الحمد لله، كويسين."
وصمتت. طمأنته على حالهم وصمتت.
"تمارا أنا عايز أشوفك، عايز أشوف مراتي."
قالها بهمس ونبرة ضعيفة مكسورة لم يستطع السيطرة عليها.
تجاهلت تلك النبرة التي زعزعت كيانها بالكامل وهتفت بجمود قاسٍ.
"مراتك معاك يا عابد، زينب معاك. أنا أم ولادك. سلام."
وأغلقت الهاتف وبكت.
لم تنكر إحساسها بالنقص بدونه.
لم تكرهه يوماً، لكنها لم تستطع تقبله كزوج.
تحسست تلك الحلقة حول إصبعها وشردت في ليلة زفافها.
كانت بكاء وعويل حتى يبتعد عنها.
تجهمت ملامح وجهه بضيق وحنق قائلاً بصوت حاول إخراجه هادئاً.
"طيب أنا عملت إيه دلوقتي؟ بطلي عياط أنا ما عملتش حاجة."
لم ترد عليه وتابعت بكائها.
فزمجر هو بغضب.
"بطلي زفت وقوليلي فيه إيه؟"
توقفت عن البكاء خوفاً منه وعدلت من وضع الشرشف حول جسدها.
"أنا خايفة."
تبدلت ملامح وجهه إلى اللين وحاوط كتفيها بذراعه.
"متخافيش، أنا ما عملتش حاجة وأنتِ عمالة تعيطي. اهدي طيب."
بعد قليل توقفت عن البكاء وهدأت قليلاً.
أما هو فتراجع عما أراده وانشغل بتهدئتها حتى نامت.
سحب يده برفق ودثرها بالفراش وخرج من الغرفة حتى يجلب ماء.
بعد أن اطمأنت إلى خروجه فتحت عينيها وعاودت البكاء وهي تقول بصوت مسموع قليلاً.
"ربنا يسامحك يا بابا، ربنا يسامحك."
توقف مكانه بصدمة. لم يكن من الصعب عليه أن يفهم معنى كلماتها.
تمارا تزوجته رغماً عنها، أو بالأحرى بضغط من أبيها.
وعلى مدار الأيام التالية كان يتعامل معها بجفاء.
إلى أن مر أسبوع على زواجهم.
اقترب منها حتى يتخلص من ذلك الشك الذي عصف برأسه.
فعاودت البكاء والتشنج من مجرد لمسة لها.
هنا لم يستطع التحلي بالصبر وهتف بغضب.
"بقولك إيه، خايفة ومش خايفة ده مش عندي. ده هيحصل هيحصل فاهدي كده وارخي نفسك، مش هتموتي."
بذلك الأسبوع كانت نظرتها له بدأت بالفعل أن تتغير.
لكن بما يريد فعله الآن وبما قاله تجسدت أمامها شخصية والدها الصارمة.
تلقائياً وجدت نفسها تتوقف عن البكاء والحركة وتركته يفعل ما يريد.
أدركت بما لا يقبل الشك أنها وقعت بنسخة ناصر النوساني وأنها أصبحت زوجته شاءت أم ابت.
لذلك وجدت أن تتعامل معه كما تتعامل مع والدها.
لم تستطع أن تكون سعيدة بحملها بطفلها الأول.
اتخذته كإجراء روتيني. تزوجت، ومن المؤكد أن تنجب أطفال.
***
وكالعادة أصدر هاتفها صوتاً يخبرها بوصول رسالة.
التقطت الهاتف وفتحت الرسالة.
هذه المرة لم تكن مديح بها أو غزل.
"الساعة ١٠ ونص، بحبك."
قطبت حاجبيها باستغراب ولم تفهم.
قلبت شفتيها بجهل وتركت الهاتف وأخذت طفليها حتى تذهب إلى موعد تدريبها وترى زمزم.
فقد أخبرتها بالأمس بوجود ناصر النوساني بالمنزل.
***
ارتدت زمزم ملابسها تحت أنظار سيلين التي لم تتوقف عن الحديث عن عمها وترجوها أن تتحدث إليه، لكن زمزم لم تستمع لها.
"يا زمزم حرام، عمو تعبان والله. طيب كلميه حتى لو بالكدب."
تأففت بنفاذ صبر وهتفت بصوت حاد قليلاً.
"قلت لك لا يا سيلين، لا. أنا أبويا مات. اللي تحت ده ضيف في البيت، متكلمنيش عنه تاني لو سمحتِ."
آثرت سيلين تغيير الموضوع حتى لا تعاند أكثر وهتفت.
"مش قولتيلي إن ياسر لسه مرجعش؟ رايح فين كده؟"
"اممم، لسه مرجعش. أنا رايحة النادي هقابل تمارا هناك، ما تيجي معايا."
"هنزل معاكي بس مش هروح النادي."
غمزتها زمزم بخبث وابتسامة.
"طيب تصدقي بقى إنك سافلة."
وقذفتها بالوسادة.
نزلا إلى الأسفل فقابلهم وقاص وهو يصوب نظراته نحو زمزم بحدة.
"رايحة فين أنتِ ومراتي يا سيلين؟"
تعمده الضغط على كلمة "مراتي" أثارت غريزتها بالضحك بقوة حتى أثارت غضبه.
"أنا ما قلتش حاجة تضحك، وأحسن لك تقولي رايحة فين؟"
توقفت عن الضحك حتى لا تثير المشاكل.
فقد ساورها القلق عندما استمعت إلى صوت شقيقتها عبر الهاتف، كما أنها اتفقت معها على زيارة زهرة بالمستشفى اليوم.
"رايحة النادي، هشوف أختي هناك. عندك مانع؟"
وقاص بغموض وصوت هادئ.
"لا، ما عنديش مانع. روحي."
تعجبت من هدوئه المفاجئ ذاك، ولكن الآن تهمها شقيقتها أكثر، لذلك تركته وخرجت.
بالنادي.
تركت تمارا طفليها بالمكان المخصص للأطفال وأمرت أحد الحراس بمتابعتهم وحمايتهم وذهبت حتى تجلس على طاولتها منتظرة زمزم.
رغماً حولت بصرها بأنحاء المكان تبحث عنه، ولكنها لم تجده.
رأت زمزم قادمة إليها فابتسمت بحنين.
تري والدتها بزمزم. زمزم هي الوحيدة بينهم التي أخذت شعر والدتها البرتقالي وعيونها الزرقاء.
عندما اقتربت منها زمزم، أسرعت تمارا باحتضانها بقوة وبادلتها زمزم العناق.
"خلاص كفاية بقى خلينا نقعد."
ابتعد عنها تمارا وجلست على المقعد.
"ناصر بيه عندك في البيت إزاي بقى؟ وإزاي رجع أصلاً؟"
تنهدت زمزم ثم هتفت.
"ناصر بيه عندي بقاله أسبوعين تقريباً."
تمارا باستغراب.
"أسبوعين؟ وإزاي متقوليش؟ أنتِ لسه قايلالي امبارح بس."
ضحكت زمزم بسخرية قائلة.
"أصله جه واتخانق معايا ومع وقاص ومع عمك."
"ليه كل ده؟ مش معقولة ندم يعني؟"
"حب يعمل أب ويتقن الدور. اتخانق مع وقاص عشان اتجوز عليا واتخانق مع عمك عشان ممنعوش. واتخانق معايا عشان رضيت ومحاولتش أوصله."
"سيلين بتقولي إنه تعبان وعاوزاني أكلمه. شايفة إنه أبويا ومينفعش أقاطعه. عارفة... عارفة ناصر بيه راجع ليه؟ راجع عشان هيطلع على المعاش السنة الجاية. كان جاي هنا يقعد في وسطنا. شاف إنه كفايا بقى حاجة وتلاتين سنة غربة. وإحنا صغيرين مع ماما بترعانا. وبعدها إحنا كبرنا وهو كان صارم معانا واتربينا من غيره. بس وحلف على وقاص إنه يطلقني ووقاص مرضيش. وأدينا قاعدين أهو."
انتهت زمزم من حديثها وانخرطا في نوبة ضحك هستيرية حتى أدمعت عيناهما.
تحولت ضحكات تمارا إلى بكاء ناعم.
"أما لو عرف إن عابد اتجوز عليا أنا كمان بعد تلت سنين بس جواز!"
"ولو عرف إني بفضله وبفضل قراراته بقيت خاينة. بخون اللي اتحسب عليا جوزي بواحد تاني. لو عرف إنه سابني بعد جوازنا بشهر وسافر برة بحجة الشغل ورجعلي متجوز. لو عرف إني لسه بنت لحد دلوقتي. أنا اتدمرت. اتدمرت يا تمارا. بقيت حاسة إن ديه مش أنا. بقيت حاسة إني زبالة. زبالة ومش هنضف."
وبكت هي الأخرى على حالها.
امتدت يد تمارا إلى يد أختها وربتت عليها برفق.
"يا حبيبتي اهدي، أنتِ ولا زبالة ولا خاينة. أبوكي السبب في اللي أنتِ فيه. بقولك إيه قومي نروح لزهرة يلا."
أومأت برأسها وسارت معها نحو سيارتها حتى يذهبا إلى المستشفى.
كعادته طوال الأسبوعين الماضيين يذهب إليها المستشفى ويظل يراقبها من فتحة الباب كما يأمر الطبيب.
كان يريدها أن تسأل عنه، أو حتى تذكر اسمه ولو بالخطأ، لكنها لم تفعل.
نزعته من حياتها ولم تهتم به.
فقط تتواصل مع شقيقتيها، حتى أنها لم تفكر في الاتصال بوالدها.
احتل الألم ملامحه عندما استمع إلى حديثها مع الطبيب.
ازدادت ضربات قلبه حتى أوشكت أن تحطم عظام صدره.
دهش باران من إجابتها على سؤاله، فطلب منها الإعادة.
"أيوه، لما أخرج من هنا هدّور على شغل ومكان أعيش فيه."
"مش قولتيلي إنك متجوزة؟ وكمان عندك عيلة وإخوات وباباكي عايش؟"
ابتسمت زهرة عندما ذكر باران شقيقتيها.
"اممم، عندي فعلاً. بس أنا همشي من هنا وهروح أقعد مع أخواتي. هما كمان عاوزين يقعدوا لوحدهم."
عاود باران سؤالها مرة أخرى.
كان يشك بها من البداية واحتياجها لطبيب نفسي.
"جوزك... جوزك فين يا زهرة؟"
تبدلت ملامح وجهها للانزعاج وهتفت بضيق.
"أيوه، بس أنا مبحبوش. ومش عاوزاه. ويوم ما أخرج من هنا مش هروح معاه. هو السبب في اللي أنا فيه أصلاً."
إلى هنا ولم يستطع المتابعة، فالتفت حتى يغادر مدمع العينين على حالتها وما وصلت إليه.
صحيح أن هذا السم يخرج من جسدها، لكن حالتها النفسية تنحدر أكثر.
رأى شقيقتيها يدخلان إلى الطابق الموجودة به غرفتها.
ابتسم بألم وخرج من المستشفى بأكملها.
بالغرفة.
مدت زهرة يدها إلى باران قائلة.
"هو فين التليفون؟ أنا عاوزاه."
أعطاها الطبيب الهاتف وجلس ينظر إليها ثم نهض من مكانه حتى يخرج من الغرفة، لكن استوقفه صوت بكائها.
"مالك يا زهرة؟"
"محدش بيرد عليا، أخواتي مبيردوش. زهقوا مني."
ربت على كتفها يهدئها.
"اهدي بس يمكن التليفونات مش معاهم. آه."
لم يستطع المتابعة إذ أن أحدهم طرق على الباب، فسمح له باران بالدخول ظناً منه أنه زوجها، لكنه تفاجأ بفتاتين.
حولت زمزم بصرها نحو شقيقتها فرأتها تبكي.
"مالك يا زهرة؟"
لم تصدق زهرة أذنيها ولا عيناها.
لم تتخيل بأفضل أحلامها أن يأتوا إليها.
فتشبثت بخصر أختها وهي تبكي بقوة.
"طيب اهدي طيب، خلاص، خلاص يا زهرة هعيط أنا كمان والله."
تركهم باران وخرج من الغرفة تاركاً إياها مع أختيها.
"أنا مش مصدقة إنكم جيتولي. أنا كنت قربت أطق."
ربتت تمارا على كتفها قائلة بابتسامة.
"بعد الشر عليكي. إحنا هنيجي لك طول خلاص. التليفون ده للطوارئ. ربنا يكرمك وتخرجي من هنا."
ثم نظرت إليهم بأمل وحماية جديدة عليها.
"لسه فيه حياة تانية مستنيانا يا بنات، مستنيانا إحنا واللي نختارهم."
وأمسكت بيدهم تضغط عليها برفق وبريق الحماسة والعزم يتلألأ في عيناها.
رواية القديمة تحلى الفصل الرابع عشر 14 - بقلم نرمين
بعد مرور شهر...
دلف إلى المشفى ركضاً حتى يلحق بها قبل أن تخرج من المشفى.
فقد هاتفه طبيبها يطلب منه الحضور لاستلامها كما طلب عند تعافيها.
وللصدفة استمعت هي إلى حديثه وأصرت على الخروج وحدها.
_ أنا هخرج... أنا مش فاقدة لـ الأهلية عشان تمنعوني. وحضرتك يا دكتور واقف تتفرج!! قولهم يسيبوني.
حاول باران تهدئتها قائلاً:
_ يا زهرة اهدي... دلوقتي جوزك ييجي ياخدك وتحلوا مشاكلكم مع بعض.
صرخت هي بحدة وغضب:
_ وأنا مجبتش سيرة أي مشكلة بيني وبين جوزي. أنا قولت عاوزة أخرج من هنا.
في تلك اللحظة كان ناير وصل إليهم.
لم يكن من الصعب الوصول إليها فقد اخترقت أذنه صوتها الغاضب وهي تنهرهم لمنعها من الخروج.
اقترب منها وجذبها من يدها على حين غرة والتفت برأسه قائلاً:
_ دكتور باران أنا همشي دلوقتي وبكرة إن شاء الله هاجي عشان الإجراءات.
وخرج دون أن يأخذ إجابته منشغلاً في تلك المخلوقة التي تحاول الفرار منه بشتى الطرق.
إلى أن وصلا للسيارة فدفعها وأغلق الباب.
_ مش عاوزاك يا ناير ابعد عني وسبني في حالي بقي.
نظر إليها بحدة وغضب قائلاً بهدوء ظاهري:
_ مش عاوز أسمع صوتك لحد ما نروح البيت. تمام؟
حولت بصرها نحو زجاج السيارة تتابع حركة السيارات حتى يصلوا إلى المنزل.
******************
أغمضت عينيها بتوتر وهي تقف على ذلك الجهاز لقياس الوزن.
شهران من المجهود المضني حتى تفقد وزنها.
كان من المفترض أن تقيس وزنها كل شهر لكن خوفها من الإحباط منعها.
لكن اليوم زارتها زمزم وجلبت لها هدية وأصرت أن تقيس وزنها.
ضحكت زمزم بقوة وقالت:
_ يا بنتي خلاص فتحي عينك. خسيتي.
فتحت عينيها بسرعة عندما استمعت إلى الكلمة الأخيرة وهي تقول بلهفة:
_ بجد!! وحياة أمك خسيت؟
أومأت برأسها بسعادة بضحك مشيرة إلى الشاشة الصغيرة:
_ أهو شوفي كنتِ كام وبقيتِ كام.
وأمدت يدها وأخرجت كيس صغير من حقيبتها.
_ خدي. اكوي ده والبسيه بقي. هيبقي حلو أوي عليكي.
أنا هقضي اليوم معاكي النهاردة وهتصل بالزفتة ديه أشوفها اتأخرت ليه.
أخذته تمارا منها ودلفت إلى الغرفة وقامت بكيه وارتدته.
ظلت تدور حول نفسها بانبهار وهي تتفقد الثوب.
فقدت الكثير من الوزن.
نظرت إلى شعرها بالمرآة وابتسمت وهي تمد يدها نحو ربطة شعرها وحررته ثم خرجت من الغرفة.
خرجت زمزم من المطبخ بيدها زجاجة ماء قاطبة جبينها باستغراب:
_ البت ديه مبتردش بـ تكنسل.
وأصدرت صفيراً دلالة على إعجابها بشقيقتها.
_ إيه الجمال ده!! أيوة بقي هي ديه تمارا. مش فاهمة أنا إيه القرف اللي كنتِ عملاه في نفسك ده.
اقتربت تمارا من زمزم وعانقتها بقوة وبادلتها زمزم العناق.
_ يلا، يلا روحي اقعدي عقبال ما أشوف الزفتة ديه فين.
وعادت الاتصال بها من جديد لكن هذه المرة أغلق الهاتف تماماً.
**********
على الجهة الأخرى.
خطف ناير الهاتف من يد زهرة وأغلقه.
_ إيه اللي انت عملته ده؟ أنت اتجننت؟
صف السيارة بغضب محدثاً صريراً مزعجاً والتفت إليها بغضب.
_ انزلي.
نظرت حولها باستغراب تحول إلى خوف وتوتر وهي تشاهد المنزل الذي سبق واختطفت به.
تابع ناير تعبيراتها باستغراب ثم تحولت ملامحه إلى الألم وشتم نفسه على نسيانه مثل هذا الشيء الهام.
كيف نسي حادثة اختطافها بهذا المنزل!
عاد يأمرها بصوت أقل حدة.
_ انزلي يا زهرة.
فتحت الباب بأيادي مرتعشة تشعر بحاجتها إلى الراحة.
تشعر أن قدميها ستخذلها.
أمسك بيدها حتى يدلفا إلى المنزل.
تركها ناير بعد أن أجلسها على الأريكة وذهب حتى يجلب لها ماء.
_ خدي. اشربي واهدي كده.
أخذت منه الكوب وتجرعته كاملاً ثم وضعته على الطاولة أمامها والتفتت إليه حتى تبدأ العراك.
_ أنت جايبني هنا ليه؟ أنا مش عاوزاك يا ناير. حاول تنساني. طلقني وانساني.
من الغباء الآن أن يستخدم أسلوب الشدة معها.
ببداية زواجهم رفضته صراحة بسبب عمله وأنها تخاف من ضباط الجيش والشرطة ولكنه وعدها أنها ستكون خارج دائرة الخطر تماماً.
ورغم اعتراضها بوقتها إلا أنه وجد والدها يهاتفه يتفق معه على موعد حفلة الزفاف.
_ يا زهرة أنت بتحاسبيني على إيه؟ أنا أمنت البيت كويس. بس اللي ربنا كاتبهولك أكيد هتشوفيه حتى لو أنا عملت إيه.
دمعت عيناها وهي تتذكر حديثه معها وانتهاءه باعتذاره عن إنقاذها.
_ بحاسبك على إيه!!! بحاسبك أنك بديت شغلك عني وسبتني في إيديهم. أنت متعرفش كانوا بيعملوا فيا إيه. أنا مبقتش مدمنة وبس. لا أنا كنت يومياً بـ أتألم إلا الـ كام يوم اللي قبل ما تلاقيني فيهم. كنت بترجاهم عشان يريحوني يا أما يدوني الجرعة يا أما يموتوني. بس كانوا بيستمتعوا وهما شايفني بتلوى.
فاكر قولتلي إيه لما اتصلت عشان تتصرف وتنقذني؟ قولتلي إيه؟ كل ده تليفونات عندي شغل.
سبني أمشي يا ناير أنا مش عاوزاك.
طوال فترة حديثها كان ينظر إلى الأرض لم يستطع رفع بصره إليها.
خذلها كثيراً ويعلم ذلك.
_ أمشي يا زهرة.
نظرت إليه مصعوقة من تخليه عنها بهذه السرعة.
ثم تداركت نفسها سريعاً وأخذت هاتفها وحقيبتها وخرجت حيث أختيها.
********************
انتقل ناصر النوساني إلى منزله بعد أن انتهى من توضيبه.
لم يستطع البقاء بمنزل أخيه وهو يرى معاملة ابنته له وتجنبها إياه في كافة تصرفاتها.
كما أنه غاضب حقاً من وقاص ولا يريد رؤيته.
انتقل إلى منزله منذ أسبوع فقط.
كان يحاول معرفة كل شيء عن حياة بناته.
صعق عندما علم أن عابد وناير متزوجان على بناته.
لكن ما دهشه أكثر هي زهرة.
كيف توافق على زواج ناير من أخرى؟
وكيف يستجري عابد أن يتزوج على ابنته التي سحرته من أول مرة رآها بها؟
دلف إليه الخادم يقول بتهذيب:
_ وصلوا يا فندم. أدخلهم؟
أومأ برأسه إيجاباً.
يجب أن يضع النقاط على الحروف الآن ويصلح ما أتلفه بحياتهم بجهل منه.
دلف ناير وعابد ووقاص إلى المنزل منهم من يشعر بخطئه في الزواج مرة أخرى ومنهم من يتبجح ويسير بكل عنجهية وغرور.
_ تعالوا اقعدوا. كلامنا احتمال يطول شوية فـ اللي عنده معاد.
توقف عن الحديث وحول بصره ناحية ناير الذي تهللت أساريره فـ من المؤكد أنه سيتحدث معه عن ابنته وهو غير مستعد الآن.
تابع ناصر حديثه بحدة وصوت مرتفع قليلاً.
_ يلغيه.
جلسوا جميعهم على المقاعد منتظرين حديثه.
إلى أن هتف بجدية.
_ تعالي ورايا يا وقاص.
دلفا إلى غرفة المكتب الخاصة به حتى يستطيعا التحدث بحرية.
_ اتجوزت على بنتي ليه يا وقاص؟ ناقصها إيه عشان تتجوز عليها؟
_ ناقصها إني أكون بحبها. ناقصها إني أكون قابلها كـ زوجة حتى. وأنا لا دي ولا دي. زمزم طول عمرها بنت عمي اللي مبشوفهاش نهائي عارف اسمها بس. فـ يوم وليلة أبويا يجبرني إني أتزوجها عشان عملت حادثة وبقت معاقة!!! مش ذنبي لا أنا اللي خبطتها ولا كنت السبب.
صدح صوت ناصر الجهوري بغضب أعمى.
_ بنتي مش معاقة يا وقاص. بنتي كاملة. المعاق صح هو أنت. أنا ندمت إني أجبرتها عليك. كنت فاكرك هتهون عليها وتخفف وجعها. مكنتش أعرف إنك هتسافر بعد جوازك منها بـ أسبوع عشان تجيب السنيورة مراتك.
ظهرت دهشة وقاص على صفحة وجهه بوضوح.
_ فاكر إن مكنتش هعرف. قبل ما أجيبك هنا أنا عرفت كل حاجة. طلقها يا وقاص وكل واحد يروح لحاله.
وقاص بعناد:
_ لا. طلاق مش هطلق.
_ يبقى تطلق الجديدة بكرة وبنتي بس اللي تفضل على ذمتك.
_ بردوا لا. مش هطلق واحدة منهم. بنتـك لسه زي ما هي. مبقتش مدام. وأنا مش هطلقها. اللي تستغفلني وتمشي مع واحد غيري وهي على ذمتي حقها عندي إني أصففها التراب لحد ما تقول حقي برقبتي.
لم يستطع تدارك الوضع كاملاً.
كيف تكون ابنته كما هي؟ متزوجة منذ عامان ولم يحاول وقاص الاقتراب منها!!! وكيف تخونه من الأساس.
_ يعني إيه... بـ بتستغفلك؟
أفلتت ضحكة ساخرة من وقاص وهتف:
_ يعني بتستغفلني. ماشية مع الدكتور بتاعها. بتاع العلاج الطبيعي.
_ أنت كداب. بنتي مستحيل تعمل كده.
قالها ناصر بغضب شديد وصوت مرتفع.
اشتدت عضلات فكه بغضب وهو يلقي على مسامع عمه ما فعله حتى يتأكد مما يقول.
_ كان نفسي أبقى كداب يا عمي. بس ديه الحقيقة. أنا بـ راقبها بقالي شهر ونص. بتخرج معاه ومش عاملة حساب إنها متزوجة حتى لو عـ الورق. دخلتلها امبارح عشان أخلي جوازنا عـ الورق وحقيقة بس رفضتني. طلاق مش هطلق إلا لما أتأكد إن أنا أول واحد بنفسي.
تهدلت كتفيه بخزي من فعلت ابنته.
يعلم أنه أخطأ بحقها لكن ذلك لا يعطيها الحق أن تفعل تلك الفعلة الشنيعة.
كيف تخون زوجها. وإلى أي حد وصل الأمر بينهم قبل أن يشك بها وقاص؟
رفع رأسه نحو وقاص وعاد مرة أخرى ناصر النوساني القديم الصارم.
_ معاك أسبوع واحد. بكرة تجبلي اللي يثبت إنها بتخونك. وخلال الأسبوع ده تتصرف وتجيبها هنا وتخليها مراتك. عاوز أطمن بنفسي.
أومأ برأسه موافقاً وعقله يحيك لها الخطة من الآن.
ستدفع ثمن خيانتها له مضاعف.
بعد خروج وقاص تحولت ملامح ناصر إلى الوجع والخذلان.
وألمه بكافة أنحاء جسده.
زمزم الوحيدة بينهم التي بكت أمامه حتى يتراجع عن قراره.
حتى أنها بكت وأوشكت على تقبيل يده بتوسل حتى يتركها ولا يجبرها على شيء يوم زفافها عندما دلف إليها بالدفتر للحصول على توقيعها لكنه بقي جامداً حتى أنه لم يربت على كتفها يواسيها.
أن يقول لها أنه معها يساندها.
إلى أن انتهى بها الأمر تحمل لقب خائنة بسببه وبسبب طريقه معه وجموده.
لم تقو قدماه على حمله حتى يخرج ويستدعي ناير.
فنادى عليه من مكانه.
_ أنا مش هقولك اتجوزت على بنتي ليه. بس اللي أنا عاوز أفهمه إزاي زهرة وافقت وعاشت معاك؟
ظهر الارتباك على وجه ناير بوضوح.
_ زهرة متعرفش يا عمي.
قطب ناصر جبينه قليلاً وهتف.
_ إزاي متعرفش؟ مش اشتبهت فيك؟ ده أنت بقالك تقريباً أسبوعين مش بتبات في بيتك.
الرجل المكلف بجلب المعلومات عن ناير لم يستطع معرفة أكثر من ذلك.
لذلك أثر ناصر معرفة حقيقة الأمر من ناير نفسه.
تعرق جبين ناير وهو يرى تأزم الموقف وضرورة إخبار ناصر بحالة ابنته طوال الشهرين والنصف الماضيين.
_ أنا عارف إنها حاجة وحشة يا ناير. قولهالي وخلص. مش هتقدر تخفيها كتير. مفيش حاجة بتستخبي من الأساس.
هتف ناير بصوت مرتبك.
_ زهرة كـ كـ... كانت فـ... مصحة.
ناصر بلهفة:
_ مصحة إيه؟ هي تعبانة؟ قولي فيها يا ناير كفاية وجع قلبي عليها هي كمان.
أخذ ناير نفساً عميقاً والتفت له وتحدث دفعة واحدة.
_ مصحة إدمان. من حوالي أربع شهور زهرة اتخطفت وبعد شهر رجعتلي. بس رجعت مدمنة. أخدتها مصحة عشان تتعالج وهناك رجعت تتعاطي تاني فـ غيرتلها المستشفى. قعدت فيها شهر ونص ولسه خارجة النهاردة. طلبت مني أسيبها وأطلقها. وسيبتها الصبح وبعدها جيت لحضرتك لما طلبتني.
كانت الغرفة تدور به ووخزات قلبه أصبحت مميتة بالفعل.
لم يستطع التنفس.
ضاق صدره من كثرة سماعه بما حدث لبناته بسبب قراراته الخاطئة والتي تحملوا هم نتائجها.
دوار يجتاح جسده يجبره على إظهار عجزه.
ظل يقاوم ويقاوم لكن بالنهاية خذلته قوته وسقط على مقعده غائباً عن الوعي.
رواية القديمة تحلى الفصل الخامس عشر 15 - بقلم نرمين
باليوم التالي...
كانت العائلة جميعها تقف أمام الغرفة منتظرين خروج الطبيب حتى يطمئنهم على حالة ناصر.
بما فيهم عابد وزوجته، فقد أصر عليها بالمجيء والاطمئنان على والدها.
بعيدًا عنهم، تجلس زمزم على إحدى مقاعد المشفى وبيدها الهاتف تتحدث مع ياسر.
تطورت علاقتهم كثيرًا، أصبحت تخرج معه في أي مكان، تقضي اليوم معه، مستغلة في ذلك عدم معرفة أي شخص من طبقتهم الراقية بحقيقة زواجها من وقاص.
خرج الطبيب من الغرفة وأسرع قدري إليه يسأله بلهفة عن حال أخيه.
"طمني يا دكتور... هو عامل إيه دلوقتي؟"
رد عليه الطبيب بعملية:
"هو الحمد لله كويس، ويقدر يروح معاكم كمان. صحته الكويسة ساعدته إنه يتخطى الجلطة، بس طبعًا مش محتاج أقول إنه يبعد عن أي ضغط."
بعد رحيل الطبيب، دلف قدري وابنته وأزواج بناته الثلاث للاطمئنان عليه.
فيما اتجهت كل من زهرة وتمارا نحو زمزم وجلسوا بجانبها.
أغلقت زمزم الهاتف ونظرت إليهم هاتفية بسخرية:
"ناصر النوساني ميوقعش أبدًا، ده صحته قدنا إحنا التلاتة مرتين تلت مرات. قال يبعد عن أي ضغط قال! هو إحنا أصلًا جينا ليه؟ مش أخوه وبنته وعياله التلاتة معاه."
ونهضت من مكانها وعدلت من ثيابها وأكملت حديثها قائلة:
"حلو جدًا... أنا ماشية، خارجة مع ياسر. لو حد سأل عليا، ده لو طبعًا... فأنتم متعرفوش أنا فين."
التفتت حتى تغادر، لكن صوت شقيقتها الوسطى أوقفها.
"اللي أنتِ بتعمليه ده غلط يا زمزم. عارفة إنك متجوزاه غصب عنك، بس الطلاق كان أحسن ليكي وليه. على الأقل مش هتحسي إنك خاينة. أنتِ طول عمرك بريئة، متخليش الظروف اللي حواليكي توسخك."
جاءها صوت زمزم الجامد:
"أنا مبعملش حاجة غلط. ابن عمك من ساعة ما اتجوزني وهو راميّني ومش معتبرني مراته. جابلي مراته في البيت وعمل وعمل، وعلى الأساس ده أنا بتصرف. ولو حاسة بالذنب فـ أنا مش هقولك على أي حاجة تاني يا زهرة. سلام."
بعد رحيل زمزم، التفتت زهرة إلى تمارا قائلة:
"عقليها أنتِ يا تمارا، اللي هي بتعمله ده غلط، وأكبر غلط كمان. تطلق أحسن."
صعقت تمامًا عندما صدمها رد تمارا عليها، حتى أنها أثارت الشك داخلها.
"محدش فينا عاش اللي هي عاشته. يمكن ياسر ده هون عليها وجع حياتها كله، بتصرفات بسيطة. ويمكن بـ... بكلام بسيط كمان."
وشردت في الرسالة النصية التي جاءتها أمس، رسالة باللغة الإنجليزية:
"I miss the beautiful eyes that I can sail through forever. I miss The smile that send me to heaven."
"افتقد العينين الجميلتين والتي أبحر فيهما إلى مالا نهاية. افتقد الابتسامة التي ترسلني إلى السماء."
فاقت من شرودها على صوت زوجها وهو يهزها بعنف بعض الشيء.
"ها... إيه يا عابد؟ فيه إيه؟"
"ها إيه... بقالي ساعة بقولك ادخلي لابوكي سأل عليكوا، بس زمزم فين؟"
نهضت من مكانها حتى تذهب إليها وهي تقول:
"معرفش هي راحت فين، قالت هتمشي."
دلفت تمارا إلى الغرفة دون تعبير، حتى أنها لم تسرع نحو أبيها تطمئن عليه، فقد سارت نحو شقيقتها ووقفت بجانبها.
حفر الألم ملامحه على وجه ناصر وهو يراهم بعيدًا عنه، وتذكر أيامهم القليلة سويًا عندما كان يجتمع معهم على الإفطار.
تذكر زمزم وابتسامتها التي تذكره بوالدتها.
قطب جبينه وبحث عنها في الغرفة لكنه لم يجدها.
"زمزم فين يا تمارا؟"
"زمزم مشيت."
ناصر بقلق:
"راحت فين؟"
"معرفش. هي أول ما الدكتور خرج وقال إن حضرتك كويس مشيت. قالت وجودها ملوش لازمة."
كانت تعلم جيدًا وقع كلماتها على والدها، لكنها لم تستطع السيطرة على نفسها.
أرادت أن تشعره ولو بلمحة بسيطة مما عانته إحداهن بسبب سنة أزواجهم أو عائلاتهم.
عم الصمت بالغرفة وتوجهت الأبصار جميعها إلى تمارا.
كان من المفترض ألا تفصح عما قالته زمزم لها إذا كان جارحًا بهذا الشكل.
اصطدمت عينا تمارا بعيني زوجها، نظراته النارية الغاضبة تلك لم تعد تخيفها.
ستنفصل عنه وتتحرر منه، لا تريده ولا تريد والدها، فقط شقيقتيها وصاحب الرسائل المجهول.
***
بمكان آخر...
تجلس زمزم على الطاولة وأمامها ياسر ينظر لها بحب صادق.
لم ينتبه إلى أي شيء، يعلم جيدًا أنه سيواجه ضغوطًا من والدته حتى يتزوج جارتهم والتي تعتبرها والدته بمثابة ابنتها بعد موت والديها، لكنه لن يستطيع، فقد تعلق بها وانتهى الأمر.
"مالك يا ياسر؟ ساكت ومبحلق فيا كده ليه؟"
ياسر بعبث:
"مـ... مبحلق. عندك مانع ولا إيه؟"
هزت رأسها نفيًا وهي تبتسم بحب.
دائمًا ما تقارن بينه وبين وقاص. ماذا إذا كان وقاص يعاملها كإنسانة طبيعية؟ ماذا كان سيحدث إذا عاملها برفق؟ حتى إذا كان لا يريدها.
"إيه... مبتاكليش يعني؟"
ابتسمت زمزم بحب وهتفت:
"أنا الحمد لله يا عم، شبعت أوووي كمان. وأنت أكلت؟"
أومأ برأسه هاتفًا:
"امم... أكلت."
أمسكت زمزم حقيبتها وأخرجت منها شيئًا ما وأمدت يدها به أمامه قائلة:
"طيب... أنا حجزت امبارح تذكرتين عشان نروح سينما. ينفع؟"
أومأ برأسه، وأمسك بيدها ولثمها بقبلة رقيقة وناعمة.
ثم نهض من مكانه وأوقفها، وخرجت من المطعم ممسكة بيده وهي تبتسم بحب.
غافلة عن ذلك الرجل الذي يرصد جميع تحركاتها لزوجها.
عادت زمزم إلى المنزل بمنتصف الليل بالضبط، سعيدة بدرجة لا توصف.
توقفت مكانها عندما شاهدت وقاص أمامها ينظر لها بغموض.
"راجعة مبسوطة ما شاء الله."
ابتسمت زمزم نصف ابتسامة وهتفت:
"فعلاً، وماليش مزاج إن حد يعكنن عليا، فـ يا ريت أي مواقف شهامة ولا حاجة تأجلها لبكرة. عن إذنك."
توقفت مكانها كتمثال من الرخام عندما قال:
"بس أنا عاوز أخلي جوازنا حقيقي، والنهاردة. إيه رأيك؟"
التفتت له ببطء شديد ونظرت إليه بقوة وهي تقول بابتسامة وقسوة:
"عمرك... عمرك ف حياتك مـ... هتلمسني. ولو حصل مش هتردد لحظة إني أنتحر عشان أخلص منك أنت والشخص اللي ف المستشفى اللي محسوب أب عليا ده."
وضع يده بجيب بنطاله قائلاً بشراسة وهدوء:
"تعرفي إن رفضك المتكرر ليا ده يخليني أشك فيكي؟"
بادلته الابتسامة بقسوة شديدة وهتفت بصوت متهكم:
"لا معلش... شك براحتك. لو لاقيت حاجة ابقي قولي. تصبح على خير يا... يا ابن عمي. روح لمراتك بقي زمانها قالبة الدنيا عليك."
وصعدت الدرج بهدوء وهي تردد إحدى الأغاني الرومانسية القديمة، مما جعله يتميز غيظًا بقوة أكبر وغضب شديد.
***
بمنزل عابد سلمي...
كانت تمارا تجلس مع شقيقتها زهرة، فقد رفضت زهرة الذهاب مع أبيها إلى ذلك المنزل مرة أخرى، ولم يضغط عليها ناصر وتركها تفعل ما تريد رغم حزنه على جمود قلبها، حتى وهو مريض ويحتاج إلى الرعاية تخلت عنه.
نهضت زهرة من مكانها وهي تتثاءب.
"أنا هدخل أنام يا توته. تصبحي على فرحة يا قلبي."
ودلفت إلى الغرفة بسرعة وذهبت في سبات عميق.
أما بالخارج، فقد كان عابد ينتظر نوم زهرة بفارغ الصبر حتى يعنف زوجته على ما فعلته بالمشفى، كما أنه يريد محاسبتها على ما فعلته بنفسها دون إذنه أو إخباره.
"تمارا تعالي ورايا الأوضة عاوزك."
نهضت من مكانها بهدوء شديد وبداخلها اتخذت قرارها.
عابد لن يلمسها مجددًا، الموت أهون عليها من أن يضع يده عليها أو يلمسها.
دلفت تمارا إلى الغرفة وأغلقت الباب خلفها وجلست على المقعد منتظرة حديثه، إلى أن سمعته يتحدث إليها بحدة قائلاً:
"أقدر أفهم إيه اللي أنتِ عملتيه فـ المستشفى ده؟ إزاي أصلًا تكلمي أبوكي كده؟"
لم يرمش جفنها حتى من نبرته تلك وتحدثت بكل هدوء وثقة:
"ده نقطة فـ بحر من حاجات كتير أوي عاوزة أقولها لناصر بيه. وفي النهاية أنا حرة أقول اللي أنا عاوزاه يا عابد."
اتسعت عينا عابد بدهشة وابتسم بسخرية.
"بتعجبيني أوي يا تمارا وأنتِ لسه واحدة حبوب الشجاعة بتاعتك دي، بس ده مش معايا أنا للأسف. لأنك عارفة أنا أقدر أعمل إيه كويس أوي."
ابتسمت تمارا بقسوة وتهكم قائلة بصوت جاد:
"على فكرة دي مش حاجة حلوة. أنا عارفة أنت تقدر تعمل إيه، بس أنت متعرفش أنا أقدر أعمل إيه؟ أنا مش ضعيفة."
وتعمدت الضغط على آخر ثلاث كلمات وبريق التحدي يلمع بعينيها، يخبره بوجود شيء ما بزوجته، يخبره باقتراب حروب بينهما.
ولأول مرة يجهل الفائز فيها.
أصابت تمامًا في عدم معرفته مدى قدرتها، وهذا ما يقلقه.
***
دلف ناير إلى منزل والديه مستخدمًا النسخة الموجودة معه.
لم يستطع الدخول إلى المنزل انفصاله عنها.
لا يعلم هل ما فعله صحيح؟
تأفأف بضيق عندما شاهد زوجته الثانية تجلس أمامه على المقعد ومن الواضح أنها تنتظره.
"خير؟"
نهضت ندي من مكانها ووقفت أمامه وملامح وجهها غاضبة.
"خير؟ بعد بياتك برة البيت يومين بحالهم ومبتردش على مكالماتي جاي تقولي خير!"
نفخ بضيق شديد وهتف بنزق:
"ندي أنا مش فاضيلك، أجّل الكلام ده لبكرة الصبح."
صرخت بعنف وغضب:
"لا... لا يا ناير مش هأجّل حاجة. مش أنا اللي أتساب كده زي الكلبة. أنا مش مراتك الأولى هسكت وأترمي فـ مصحة بسببك. مش هسيبك تدمرلي حياتي. أنت جوزي زي ما أنت جوزها بالظبط. ليا حق فيك زي ما هي ليها، ويمكن أكتر. أنا اللي كنت بتجيلي وتترمي فـ حضني بعد ما السنيورة اترمت فـ المستشفى."
عندما ذكرته بما حدث لزهرة وكان هو السبب الرئيسي به، لم يشعر بنفسه إلا وهو يصفعها حتى تتوقف عن ذلك الكلام وهتف بغضب وصوت مرتفع أتى على أثره والداه:
"احترمي نفسك يا ندي، واوعي تنسي إنك أنتِ اللي كنتِ لابدة هنا عشان أبص لك. بس الله يسامحها أمي بقي، اللي بتتكلمي عليها دي أنا بحبها، وعمرها ما هتتقارن بيكي، بواحدة أخدتها غصب عني."
أمسكت والدته بندي وأخفتها وراء ظهرها وهي تقول بصرامة:
"البت دي تطلق يا ناير، أنت سامع؟ جوازك من ندي هو الجواز الحقيقي، هي دي الجوازة اللي أنا عاوزاها ليك. الثانية دي أنا مش قابلاها."
صرخ ناير بهم بغضب شديد، فقد جاء ما حدث معه هو وزهرة على رؤوسهم.
"مش هطلقها، واللي هتطلق قريب اللي أنتِ مخبياها ورا ضهرك دي. حتى لو حصل إني أقطع علاقتي بيكوا عشانها. أنا راجل، رااااااجل يا أمي ومش من حقك تدخلي فـ اللي اختارها لأنك ملكيش حق أصلًا. أنا غائر فـ ستين داهية نارها هي ولا جنتكوا."
وخرج من المنزل بأكمله صافقًا الباب خلفه بعنف جعلها تنتفض بخوف ورعب منه.
رواية القديمة تحلى الفصل السادس عشر 16 - بقلم نرمين
داخل شركة المقاولات الخاصة بقدري النوساني...
كان يجلس على الكرسي ويتحدث في الهاتف بملامح متجهمة وغاضبة. ذلك الشاب يركض وراءه منذ أكثر من شهرين منذ حفلة عيد ميلاد شيما. تلك الحفلة الملعونة. جاءت المصائب فوق رأسهم بعدها تباعًا. مجيء ناصر، وما حدث له، وما حدث لبناته وكشف بتلك الفترة.
"طيب.. طيب أنا هقفل وأتصل بيك تاني.. هفهمك كل حاجة يا غانم باشا.. سلام."
أغلق الهاتف وتأفف بضيق، ثم رفع سماعة الهاتف.
"أيوة يا بنتي.. اطلبيلي الأستاذ وقاص ضروري."
بعد قليل، دلف وقاص إلى مكتب أبيه بعد أن سمع الإذن بالدخول. تحدث قدري بحدة وملامح غاضبة للغاية.
"شوف حل ف موضوع بنت عمك يا وقاص. ابن غانم طلبها للجواز. وأنا مش هفضل أداريها كتير. الأستاذ شافها ف عيد ميلاد الهانم اللي من ساعة ما دخلت البيت والمصايب نازلة على دماغنا. واللي أنت أصرت إنها تحضرها برضه. يا تعلن جوازك منها وساعتها هتبقى ملزم تعملها فرح، يا أما تطلقها ومحدش يعرف كده كده أنت ملمستهاش."
اتسعت عينا وقاص بصدمة مما قاله والده، مستغربًا من معرفته بمعلومة شخصية كهذه.
"كلنا عارفين إنك ملمستهاش. كان زمان يخصني، لكن دلوقتي لأ. اللي أنت عاوز تعمله اعمله، بس تخلصني من غانم وابنه، مش ناقص زن أنا. اتفضل على شغلك ومش عاوز أسمع كلمة واحدة."
خرج وقاص من المكتب وهو يكاد ينفجر من الغضب بسبب تلك المدعوة زوجته. لم يكن يريد أن يجرحها أو يقضي على مستقبلها. كان سينهي الأمر بكشف صغير حتى يتأكد من عفتها. لكن الآن، وبعد أن تحدث مع والده، محى ذلك من رأسه تمامًا.
رن هاتفه فأخرجه من جيب بنطاله. تفاجأ عندما رأى رقم ذلك الرجل المكلف بمراقبتها. لماذا يتصل به الآن، فهو يقوم بسرد تحركاتها له عن طريق تقرير أسبوعي. من المؤكد أنه قد حدث أمر جلل. ولكن ما هو؟
"أيوة يا سيد..."
أغمض عينيه بقوة يعتصرهم بغضب شديد. لم يكن يتخيل أن تفعل ما فعلته. كان يحاول كبح جماح غضبه منذ أن علم بعلاقتها مع ياسر، لكن الآن لن يستطيع. بالنهاية هي زوجته، كما أنها تحمل اسم عائلته ودمه. ابنته عمه.
***
ساوره الشك نحوها عندما تحدثا بالأمس. كانت تتحدث كمن تملك درعًا حاميًا إذا ما تخلى عنها أو آذاها. لكن ذلك السند ليس بوالدها، فهي لا تتحدث معه. إذاً، من يكون؟ لم يفته ذلك التغيير فيها. لم يطلب منها قط اتباع حمية غذائية لإنقاص وزنها. إذاً، لمن فعلتها ونجحت بها، وهي التي تفشل وبجداره في كل شيء يخصه؟ كان سيواجهها ويطلب منها ردًا على تساؤلاته، لكنه تراجع، فهي لن تريح باله ولن تفصح عن الشيء الذي بدل حالها تمامًا. لذلك، ترك الأمور كما هي عليه وقرر الحديث معها بشأن موضوع ما.
"تمارا..."
كانت منشغلة بمسلسل تتابعه على التلفاز.
"هممم؟"
نفخ بضيق قائلاً:
"طب وطي الصوت واتفرجي عليها في الإعادة، لأني عاوز أتكلم في حاجة مهمة."
كانت الصوت والتفتت له بضيق شديد وهتفت:
"ها... نعم، أديني قفلته أهو."
"حضرتك بقالك سنة أهو ومحملتيش. إيه السبب بقي؟"
رمشت بعينيها بدهشة وبلاهة ثم قالت:
"نعم!!!! ده على أساس إني مخخلفتش يعني؟"
احتدمت نظراته النارية نحوها واستأنف حديثه:
"اتكلمي عدل يا تمارا. أنت جبتي عدي وكمل سنة وقبل ما يكملها كنتِ حامل في سجدة. المرادي لأ، ليه؟"
نهضت من مكانها بعصبية ورمت الريموت كنترول على الأريكة بغضب شديد.
"المرادي لأ عشان عاوزة أحس إني ست مش أرنبة عمالة بتخلف وترمي، ويا ريت اللي بتحمل منه قاعد معاها مثلاً، لأ ده بيدور على مزاجه واتجوز. محملتش عشان باخد مانع حمل ومش هبطله. حس بيا بقى يا أخويا، حس بيا شوية، مش كل حاجة عاوز تربطني جنبك وتقتل أحلامي. كفاية أبويا قتل طموحي ومنعني إني أشتغل وأنت جيت كملت. لأ، إزاي عمال تتفنن في أذايا. اوف."
دلفت إلى غرفتها تبكي على عنفه وقسوته معها في أبسط تفاصيل حياتهم. جارية... جارية عرضها والدها للبيع ودون تعب. بعد مرور نصف ساعة، جاءتها تلك النغمة التي خصصتها للرسائل. وبالطبع كانت سببًا في تبدل حالها أو نسيان ما حدث مع زوجها لدقائق، وهي تعاود قراءة تلك الرسائل مرة أخرى.
***
دلفت زمزم إلى المنزل وهي تدور حول نفسها بسعادة غامرة وتدندن بعض الأغاني الرومانسية القديمة. اندمجت كثيرًا، خاصة وأنها تعلم أن السيدة نجاة والسيد قدري خرجا من المنزل حتى يزورا أقاربهم. فقط سيلين هي من توجد بالمنزل. فكت ربطة شعرها وأصبحت تتمايل به بسعادة، إلى أن وقف أمامها وقاص يحدق بها بنظرات حارقة.
"كنتِ فين؟"
وضعت قلبها على صدرها الذي خفق بجنون عندما تفاجأت به أمامها.
"كنت ما كان م كنت... وسيبني بقى في حالي."
وتركته وصعدت على الدرج. دلفت إلى غرفتها وأسرعت بخلع ملابسها وتبديلها. اليوم ستظل مستيقظة مع ياسر على الهاتف حتى ينتهي من عمله الليلي بالمشفي. أمسكت الهاتف واتصلت به.
"زمزم!!"
"فكرتك مش هتتصلي بيا"، قالها ياسر بدهشة. ابتسمت زمزم بحب وهي تقول برقة حقيقية:
"أنا نيتي إني مرجعش في كلامي وعشان كده اتصلت. أنت بقى لو اتصالي مضايقك فخلاص ممكن أقفل."
"عاوزني أقفل؟"
أسرع ياسر يرد عليها بلهفة:
"لأ لأ تقفلي ليه. أنا أصلاً كنت هكلمك بس اتفاجئت إنها جت منك. المهم، أكل الحاجة عجبك؟"
امتعضت ملامح زمزم بعض الشيء عندما تذكرت معاملة والدته لها، ولكنها تحملتها. فلن تكون أسوأ من السيدة نجاة. توجس ياسر من صمتها ذاك. ظن أن والدته وبختها بكلامها، خاصة وأنها تعلم الموضوع كاملاً.
"زمزم، هي ماما ضايقتك ولا حاجة؟"
اصطنعت ابتسامة على ثغرها وهتفت بصوت متداعي:
"لأ لأ، بالعكس مدايقتش خالص. أنا أصلي عارفة طنط. تقريبًا كده هي مبتاخدش على الناس بسرعة، بس متقلقش هتحبني إن شاء الله."
زفر ياسر براحة، فقد كان قلبه على وشك التوقف من أن تكون والدته فعلت شيئًا لا يليق.
بالأسفل، وبعد أن صعدت زمزم، قام وقاص برمي هاتفه على الأرض الصلبة حتى تحطم، تلاه الطاولة الموجودة أمامه وأسقط ما عليها من تحف غالية الثمن. جلس على المقعد يلهث بعنف وغضب عارم وهتف بشراسة:
"تقلّي حسابك. تقلّي حسابك معايا يا زمزم، هتدفعيه أضعاف مضاعفة. صدقيني."
***
مر أسبوع كامل وهي بعيدة عنه. عن أحضانه. عن عالمه. تركته وذهبت حتى تجلس مع أختها الكبرى تمارا. لم تهاتفه مرة واحدة حتى ولو بالخطأ. ركب سيارته وأدارها عازمًا على تصفية الأمور بينهم حتى لا تتعقد أكثر. خاصة وأن ما حدث لم يكن له ذنب به. صعد إلى شقة عابد أولاً حتى يستأذنه بالدخول إلى منزله.
"السلام عليكم"، قالها ناير وهي يمد يده حتى يصافح عابد.
بادله عابد السلام قائلاً:
"وعليكم السلام. اتفضل يا ناير، ادخل."
هز رأسه نفياً وهتف بابتسامة:
"ربنا يخليك يا درش. أنا بس جاي أستأذن إني أطلع للمدام بتاعتي لأنها قاعدة في بيتك."
قطب عابد جبينه قائلاً باستغراب:
"وجاي تستأذن ليه؟ ما هي مراتك. ثم إنها أصلاً مش قاعدة حبي، ديه أصرت إنها تدفع حق قعادها رغم إني أصرت، بس دماغها ناشفة وأنا مش حمل مناهدة، فسبتها على راحتها."
أومأ برأسه بابتسامة فأكمل عابد:
"بس أنت عرفت منين إنها هنا؟"
ناير بأسف:
"أنت عارف، يعني هي مبتكلمش أبوها، ومستحيل تروحله. ومبطقش جوز زمزم، فمستحيل بردوا. مفيش غيرك يا عابد. ده غير إن ليك معزة خاصة عندها. وأنا مش ناسي إنك أنت اللي أقنعتها بيا."
ربت عابد على كتف ناير يحمسه، وبريق الخذلان يلمع بعينيه.
"المهم إن حياتكوا متفشلش. مش مهم خالص مين اللي أقنعكوا ببعض. لأن ده مش هيفيد لو البيت لاقدر الله اتهد. اطلع لها يا ناير، اطلع."
صعد ناير الدرج وصولاً إلى الشقة التي تقطن بها زوجته العزيزة. دق الباب. مرت ثوانٍ قليلة ولم يستمع إلى صوتها، فقط خطواتها التي اقتربت من الباب حتى تتأكد من هوية الطارق.
"افتحي يا زهرة. هنتكلم مع بعض بس."
مرت دقيقة. اثنتان. وفتحت الباب مشيرة له بالدخول دون كلمة واحدة. دلف ناير إلى المنزل وجلس على المقعد منتظرًا قدومها. تحركت زهرة من أمام الباب بخطوات بطيئة مثقلة نحوه ووقفت أمامه حتى تخبره بخفية أنه غير مرغوب فيه.
"عارف إنك مش عاوزة تشوفي وشي، بس ياريت تقعدي. عشان إحنا لازم نتكلم يا زهرة."
جلست أمامه ببطء ونظرت له بهدوء شديد.
"عاوز إيه يا ناير؟ آخر مرة قولتلي هسيبك وهطلقك. جاي تاني ليه دلوقتي؟"
ابتلع ريقه بصعوبة وهتف بصوت متحشرج:
"عاوزك... جاي وعاوزك يا زهرة. صدقيني بعد ما قولتلك كده ومشيتي، رحت لمأذون. وجهزتلي كل حاجة عشان أطلقك غيابي وأريحك. بس مقدرتش... مقدرتش... أنا بحبك."
دمعت عيناها بلحظة ولم تستطع السيطرة على دموعها فانحدرت لتسقط على وجنتها وصوتها الباكي يقول:
"وأنا... وأنا كمان بحبك يا ناير. بس اللي حصلي صعب. تخليك عني وأنا بناديلك وبترجاك تنقذني منهم وأنت تقولي آسف. صعبة. موتتني. وهما كملوا عليا لما أدمنت. بس الضربة اللي ضعفتني كانت منك أنت. هما كملوا اللي أنت بدأته مش أكتر."
بكى هو الآخر حزنًا عليها. أحس بسكين ينغرز بصدره وهو يستمع إلى معاناتها لأول مرة منها. إحساسه بالذنب يقتله. بالوقت الذي كانت ترى فيه العذاب ألوان، كان هو يتزوج.
"شغلي كان بي..."
قاطعته هي مكملة بصوت هادئ باكي:
"شغلك بيجبرك إنك تختاره حتى لو خيروك بينه وبين ابنك. أو بينه وبين عيلتك. بس أنا بقولك لأ يا ناير. أنا مش هعيش كده. مش هعيش مع واحد بيفضل شغله عليا. مش هعيش مع ناصر النوساني تاني. ناصر بيه سابني لأمي ومن أمي للمربيات وهو كان مشغول في الترقيات ويروح هنا وهنا عشان يترقى. لما رفضتك، رفضتك عشان شغلك. واللي أقنعني بيك عابد، وهو كان السبب إن الخطوبة تطول وتبقى ٦ شهور عشان أتعرف عليك كويس. وساعتها مصدرش منك أي حاجة وحشة. كل حاجة صدرت منك كنت أنا بتمنى إنها تكون في شريك حياتي. يمكن أنا غلطت في الحكم عليك واتسرعت. لأنك كنت بتقول كلام وبس. متحطتش في موقف فعلي."
جلس على ركبتيه أمامها يتوسلها حتى لا تتركه. لن يستطيع الحياة بدونها. يريد تعويضها عما اقترفه بحقها. يريد مواصفات ذلك الشخص حتى يأتي به ويأخذ حقها منه. هي من شاهدته.
"صدقيني يا زهرة، أنت كل حاجة في حياتي. اديني فرصة. فرصة واحدة بس. خليني أعوضك عن اللي حصلك بسببي."
أشاحت بوجهها إلى الجهة الأخرى ترفض الحديث في ذلك الموضوع. لم تكذب على نفسها، هي تحبه بل تعشقه. عوضها عن وجود أبيها، كان يعاملها كابنته. لم يطالبها بحقوقه. تركها كما تريد. ذاب الجليد بينهم، وبطريقته معها، بعد ثلاثة أشهر من زواجهم.
نهض ناير من مكانه وأزال عبراته بقوة ووقف أمامها يقول:
"هترجعيلي يا زهرة. بنتي اللي ربيتها على إيدي مش هتقسى على أبوها. أبوها إنسان وبيغلط وهي لازم تسامحه."
وخرج من المنزل بأكمله تاركًا إياها وراءه تبكي على حالهم سوياً. فقط لو حاول بث الطمأنينة داخلها في ذلك الوقت، حتى لو كانت بالكذب.
رواية القديمة تحلى الفصل السابع عشر 17 - بقلم نرمين
بالسادسة صباحًا، دلف ياسر إلى المنزل فقد انتهى دوامه.
يضع يديه على قلبه من والدته ومن رأيها بزمزم.
دلف إلى غرفته الخاصة وذهب في سبات عميق بعد ساعات من الإرهاق المتتابع والمستمر.
استيقظ ياسر من نومه يشهق بمفاجأة، فقد سكبت والدته عليه كوب ماء مثلج.
"قوم، قوم لي يا عين أمك. هي دي بقى اللي أنت بتفضلها على ميرنا؟ متخشيش ذمتي ببصلة حتى. كفاية أوي اللي نعرفه عنها. واحدة معاقة ومش متربية ودايرة على حل شعرها. عايزني أقولها إيه؟ خدي ابني أهو واتجوزيه!"
حاول ياسر الحديث وتهدئة الوضع قائلاً:
"يا ماما، يا ماما اهدي، اهدي بقى الله يخليكي. أولًا إنها تبقى معاقة ده مش عيب. ومش دايرة على شعرها ولا حاجة، حد قالك إني باخدها شقق مفروشة؟"
"المرة الجاية تاخدها وماله يا حبيبي، عشان تبقى ديوث. تتجوز دي وتبقى عارف اللي بتعمله بس هي راكباك ومدلدلة رجليها. ما أنا أربي ودي تيجي تخطف عقلك ع الجاهز ومن غير مجهود."
ثم صاحت بغضب:
"البت دي تقطع علاقتك بيها، أنت سامع ولا لأ؟ وهتتجوز ميرنا، ولو مش عاوزها ف هتبقى لا دي ولا دي. قعدتك عندي هنا أكرم لي."
وخرجت من الغرفة بغضب.
أما هو، فقد دفن وجهه بين كفيه وهو يفكر بزمزم وحدها.
شريط ذكرياتهم القصيرة معًا يلوح أمامه.
***
انتظر ذلك الأسبوع حتى يستطيع الوقوف على قدميه. لم يفته ما رأى على ابنته الكبرى بالمستشفى. كانت أضخم بكثير من حجمها عندما تزوجت وأنجبت عدي حفيده.
هاتف عابد يطلب منه المجيء إليه حتى يتحدث معه. كان عابد يحمل هم تلك المقابلة على كتفيه. ماذا سيقول لوالدها إذا ما سأله السؤال المعتاد؟ ما سبب زواجه من أخرى؟ ليس ذلك فحسب، بل أنه جاء بها إلى ابنته بمنزلها دون أن يعرف له جفن. حتى أن ابنته لم تعترض، فمن المؤكد أنه ينتظر سببًا جللًا.
بعد مرور ساعة، كان يجلس عابد أمام ناصر يتصبب عرقًا من أسئلة ناصر المتكررة عن سبب زواجه من أخرى.
خبط ناصر على المكتب بقوة قائلاً بصوت حاد:
"أنا مجوزتهاش عشان تتهان يا عابد. اتجوزت على بنتي ليه؟"
إلى هنا، فقد صبره، فهتف بضيق شديد:
"عشان عايز أحس إني راجل."
تجمد ناصر بمكانه، لم يستطع فهم ما يقوله عابد. كيف يريد أن يشعر برجولته؟ ألم ينجب منها عدي؟
"يعني إيه؟"
حك ذقنه قليلًا ثم هتف بنبرة حزينة جادة:
"عايز أحس إني مرغوب فيا عندها. عايز لما أبقى في أوقاتنا الخاصة معاها محسش إني باغتصابها. عايزها تستنى رجوعي من الشغل بابتسامة وهدوم خليعة. عايز وعايز وعايز عشان أحس بس إني راجل. لما اتجوزت عليها جريت ع البيت ورحت قولتلها كنت عايز أشوف غيرتها عليا. بس لقيتها بتزعق في وشي وبتعيط. قالتلي إني ناقص وحاسس إنها كتير عليا. وعشان كده رحت لواحدة ناقصة زيي عشان أسد فراغات شخصيتي. عايز لما أشوف عدي مفتكرش كل مرة بلمسها فيها بتبقى عاملة إزاي بين إيديا. بتسكت وبتكتم نفسها. بتخاف. دايماً شايفاني حد جاحد وقاسي أنا معرفوش. أنا معرفش أنا قلت لحضرتك الكلام ده إزاي، بس أنا بعتبرك زي والدي وهي بنتك ومن حقك تطمن عليها."
من بينهم جميعًا، لم يتعاطف مع أحد كما تعاطف مع كلاهما. نهض من مكانه وربت على كتفه.
الآن فقط فهم جملة زهرة بوقت زواج تمارا: "حضرتك هتبقى السبب في عدم راحتهم هما الاتنين. معرفش هييجي اليوم ده وأنا عايشة ولا لأ، بس ده حضرتك هتشوفه في أول الجواز بينهم. ولو كابروا فساعتها هيهدوا حياتهم بأيديهم."
"طلقها يا عابد. طلقها وارتاح وريحها يا ابني."
ابتسم عابد بسخرية مريرة قائلاً:
"حضرتك عايزني أنا أقول لتمارا: أنتِ طالق!!! طلاقها وإني أحررها مني يبقى أنا بنتحر. أنا بحبها. بحبها من أول يوم شفتها فيه. بحبها. جبت منها سجدة عندها سنتين. تمارا الصغيرة نسخة شكل وطباع. هي اللي بمسكها وأبوسها وألاعبها عشان أحس بوجود تمارا جنبي."
قطب جبينه قليلًا وهتف بحيرة:
"سجدة مين؟ وشبه مين؟"
"سجدة يا عمي. سجدة عابد سلمي. حفيتدك التانية اللي مكنتش تعرف بوجودها."
استند ناصر بكفيه على طاولة المكتب وعادت تلك النخزات مرة أخرى. فاته الكثير والكثير بحياة بناته، وجميعها ذكريات سيئة، ترى أي منهما سيستطيع محوه؟
***
بالشقة التي استأجرتها زهرة بمنزل عابد.
دق الباب، فذهبت حتى ترى هوية الطارق أولًا. وجدته رجلًا يرتدي زي ما مدون عليه اسم محل الورود الموجود بالمنطقة، لكنها شكت به فلم تفتح الباب وسألته من الداخل:
"أيوة، حضرتك عايز مين؟"
"أنا شغال في محل الورد اللي تحت والبوكيه ده جه لحضرتك. ولا تستلميه وتمضي على استلامه."
عادت تسأله من جديد:
"طب لو فيه كارت على البوكيه لو تسمح تقولي من مين؟"
تأفف الشاب بنفاذ صبر. منذ أن دخلت تلك البناية ويوجد بها شيء غريب. التفتيش الذاتي عندما حاول الدخول.
"من ناير يا فندم. ممكن بقى تفتحي الباب وتمضي بالاستلام؟"
فتحت زهرة الباب بحذر وبيدها الأخرى سكين حتى تدافع عن نفسها. أمد الشاب يده بباقة الورود وبالدفتر.
"اتفضلي يا فندم. البوكيه وياريت تمضيلي ع الاستلام هنا."
فعلت زهرة كما أملها الشاب وأخذت الباقة ودلفت إلى المنزل وهي تضم الباقة إلى صدرها. اشتاقت إلى أفعاله قبل أن تكون زوجته فعليًا وأمام الله. ثلاثة أشهر كان يغدقها بحنانه وحبه لها حتى ترضي عنه. ولم تتغير أفعاله تلك بعد زواجهم الفعلي، لكنها كانت تقل بسبب انشغاله بعمله.
"بحبك بردوا. بحبك وكل اللي أنا بعمله ده فترة بحاول أنسى فيها اللي حصل أو أتعايش معاه."
ووضعت يدها على بطنها قائلة بحزن شديد:
"عايزة حتة منك جوايا. عايزة أحس بيك في كل نفس بتنفسه."
أخرجها رنين هاتفها من شرودها. أمسكت الهاتف ثم ابتسمت عندما شاهدت رقمه يضيء شاشة الهاتف.
"أيوة؟"
"يا ستار يا رب. بقي دي طريقة يا شيخة تتعاملي بيها واحد لسه جايب لك ورد؟"
هتفت هي بجدية مصطنعة:
"بقولك إيه، هتقول أنت عايز إيه ولا أقفل؟"
جاءها همسة الخبيث الوقح الذي تعشقه، ولكن رغمًا عنها تصاعدت الحرارة إلى وجنتيها.
"اللي أنا عاوزه مبيتقالش في التليفون وانتِ ست العارفين أنا مواضيعي بتطول. أنا هقفل بقى لأني عارف إنك مش هتردي. بس كلها كام يوم وتبقي في بيتي وتحديدًا في حضني. سلام يا زهرتي."
أغلق الهاتف معها وظل ينظر إليه وهو يبتسم بعشق خالص. يريدها بين أحضانه الآن حتى يطفئ نار شوقه إليها. منذ حادثة اختطافها وبعدها دورانها على المستشفيات، وهو لم يلمسها قط. تمهيد براحة، فقد أثمرت أولى مراحل استردادها.
***
توعك معدتها أصبح مميت. منذ فجر أمس وهي تجيء وتذهب إلى المرحاض تفرغ ما بجوفها. لا تعلم السبب، لكنها بالنهاية علمت أنه بسبب أكل ذلك المطعم الذي أصرت الدخول إليه بالرغم من تحذير ياسر لها.
دلفت إليها سيلين بعد أن دقت الباب لفترة ولم تستمع لصوتها، ففتحت الباب بقلق. اقتربت منها سيلين عندما شاهدت جلوسها منحنية أعلى الفراش.
"إيه ده؟ مالك يا زمزم؟"
ردت بصوت واهن:
"مفيش تعبانة بس شوية."
سيلين بإصرار:
"قولي لي مالك، أنت شكلك عايزة دكتور أساسًا."
أشارت لها زمزم حتى تقف مكانها وتحاملت على نفسها:
"لا لا... مفيش داعي. أنا بس أكلت امبارح أكل الظاهر كده إنه مش نضيف وهو اللي بهدلني كده. بصي أنا بس عايزة حد يجبلي العلاج ده."
أخذت سيلين الورقة التي أشارت إليها زمزم قائلة:
"حاضر يا حبيبتي، هقول لصفية تجبهولك."
وخرجت من الغرفة.
أما زمزم، فقد تمددت على الفراش بتعب شديد حتى تأتي لها سيلين بالدواء.
بغرفة زمزم القديمة.
دلت شيما إلى الغرفة بملامح مغتاظة وغاضبة، فقد تلصصت على غرفة زمزم كالعادة واستمعت إلى شكوتها من وجع معدتها وعلمت السبب. ولكن سيفيدها كثيرًا إضافة بعض الكلمات التي ستغير مجرى الحديث وتسئ الفهم.
التفت وقاص إليها يغلق أزرار قميصه، فلاحظ توترها المصطنع. قطب جبينه قليلًا وهتف بتساؤل:
"مالك يا شيما متوترة كده ليه؟"
ردت هي بارتباك مصطنع:
"مم... مالي يعني. م أنا كويسة أهو."
اقترب منها وقاص وهتف بصوت حاد تعرفه جيدًا، وتعلم أنه لن يتركها حتى يعرف.
"كلامي مبحبش أعيده. فيه إيه؟"
ابتلعت ريقها وهتفت بصوت خبيث:
"بصراحة كده أنا كنت رايحة أطلب أكل من صفية. وبالصدفة سمعت صوت زمزم وهي عمالة تتوجع. جيت أدخلها لقيت سيلين دخلت وبعدين سمعتها من جوة بتقولها إن بطنها وجعاها وعمالة بترجع. سيلين قالت لها دكتور، زمزم انتفضت وزعقت لها قالت لها لا دكتور لا أنا دلوقتي هبقى كويسة. بـ بـ بـ بس..."
وقاص بنفاذ صبر:
"بس إيه يا شيما؟"
"بصراحة كده أنا شاكة فيها. أنا عارفة إنه مش من حقي أدخل، بس لما ألاقي حاجة تمسك وتمس اسمك يبقى أتوكل."
قاطعها وقاص بغضب وصوت مرتفع:
"ما تخلصي بقى. هو إيه المقدمة الطويلة العريضة دي؟"
شيما بسرعة خوفًا من غضبه هذه المرة، فهي تعمدت ألا تذكر شقيقته بالسوء حتى لا ينفضح أمرها إذا واجهها.
"زمزم على علاقة مع الدكتور اللي بتروح له. نسيت تليفونها في يوم وأنا كنت قاعدة بالصدفة فقريت رسالة جايلها. كنت شاكة فيها الصراحة عشان بتتكلم على الواتس كتير جدًا. ففتحتها لقيتها بتكلم الدكتور ده. وطبعًا العلاقة بينهم اتطورت لأن أنا أعرف الموضوع ده من كذا شهر."
أنهت شيما كلامها بصرخة ألم عندما جذبها وقاص بسرعة لم تتداركها من خصلاتها قائلاً بغضب:
"ولما أنتِ عارفة كل ده متقوليش ليه؟ سيباها على حل شعرها ولا أنتِ كمان زيها!! أنا هربيكي يا شيما بس لما هي تتربي الأول حاااااضر."
ولفظها من يده وخرج من الغرفة بغضب.
بعد خروجه، تنفست شيما الصعداء ودلت موضع الألم وهي تبتسم بخبث وفرحة.
كان ياسر يتحدث بالهاتف بملامح متجهمة وضيق جلي يظهر على محياه. يرفض حديث ذلك الرجل ويرفض ما يطلبه منه.
"أنا بحبها. حبيتها بجد. ومش هسيبها. وهي كمان بتحبني."
جاءه صوت الطرف الآخر يقول بغضب:
"يعني إيه؟ ده اتفاق. اتفاق يا ياسر. اللي أنا قلته هيحصل بدل ما أقلب الترابيزة عليك. اعقل كده ونفذ اتفاقنا."
عاد ياسر يتوسل إلى ذلك الرجل من جديد:
"ليه عايزين تدمرها كده!! كفاية بقى سيبوها. أنا حبتها بجد. اللعبة قلبت بجد وحبتها واتعلقت بيها زي ما هي اتعلقت بيا."
جاءه صوت:
"اسمع يا ياسر. الحكاية كلها كانت لعبة. أمك عارفة كده كمان. أنا استعنت بيك لأنك زي ابني. وحط ميت خط تحت زي دي. في النهاية ولائي كله لابني وأحافظ على شرفه واللي يخصه. ابعد عنها يا ياسر. زمزم تخص عيلتي وبيتي."
وأغلق الهاتف بوجهه دون زيادة كلمة أخرى.
لم يستمع ياسر إلى أي من كلماته وفتح هاتفه مرسلاً إليها برسالة:
"أنا بحبك."
رواية القديمة تحلى الفصل الثامن عشر 18 - بقلم نرمين
غلي الدم بعروقه بعد ما سمعه من زوجته. الجميع بالمنزل يعلم بعلاقتها مع ذلك الطبيب. كيف كان هو كالابله بينهم. عقد العزم على تنفيذ خطته هو وعمه وبأسرع وقت. اليوم سيقوم بها، لن ينتظر أكثر من ذلك، بالاحري لا يستطيع.
أجرى اتصالا هاتفيا مع عمه.
_ أيوة يا عمي...
_ هجبها النهاردة.. كل حاجة هتخلص النهاردة.
_ اه... بس حضرتك اللي هتتصل بيها تجبها.
_ بحجة ايه؟؟
_ اي حجة يا عمي اي حجة...
_ طيب سلام...
أغلق الهاتف ونظر أمامه بشر.
_ لو طلعتي مدوراها يا زمزم موتك هيبقي علي ايدي النهارده...
وخرج من المنزل كاملا حتى لا تشك به.
بعد مرور ساعتان خرجت زمزم من المرحاض أفضل حالا بكثير. توجد بعض النغزات لكنها ليست كالسابق، بفضل ذلك الدواء الذي وصفه لها ياسر حتى تخرج ما بجوفها كاملا.
_ اوف... اخيرا هديتي ووشك رجع للونه.. الحمد لله.
قالتها سيلين بتعب شديد.
_ الحمد لله.. أن..
قاطعها رنين هاتفها، كان والدها. تعمدت زمزم تسجيل رقمه حتى تعلم هويته المتصل إذا كان هو ولا ترد عليه.
_ مين يا زمزم؟؟
رفعت الهاتف أمام وجهها قائلة بفتور.
_ ناصر باشا.
_ طب ردي شوفيه عاوز ايه.
_ لا مش لازم يتصل بحد تاني يطلب منه اللي هو عاوزه...
ظل ناصر يتصل بها لمدة خمس دقائق متواصلة. كلما فصلت المكالمة أعاد الاتصال بها من جديد.
سيلين بحدة خفيفة.
_ يا زمزم حرام عليكي لا يكون تعبان ولا حاجة وملقاش الا انت يتصل بيها. ردي شوفيه عاوز ايه.. اعمليها ثواب يا ستي.
تأففت زمزم بضيق وردت على والدها.
_ نعم؟؟
ابتسم ناصر بمرارة وهتف بصوت ضعيف.
_ اخيرا رديتي... عموما انا تعبان وملقتش غيرك انت اللي تليفونها بيدي جرس... هتيجي تلحقيني ولا هتتمني موتي...
ردت بتردد وصوت متحشرج.
_ هه.. هاجي...
أغلقت الهاتف مع والدها ونهضت بسرعة من مكانها حتى ترتدي ملابسها تحت تساؤلات سيلين المتكررة.
_ تعبان يا سيلين تعبان ومحدش معاه.. انا هروحله هنقذه لازم الحقه لازم...
كانت انتهت من ارتداء ملابسها وخرجت من الغرفة. أما سيلين فلم تستوعب شيئا مما قالته، جمل متقطعة غير متصلة ببعضها. لذلك ذهبت إلى غرفتها وجلبت هاتفها تحدث عمها وتتفهم منه.
_ أيوة يا عمو.. حضرتك كويس؟؟
_ امال البت ديه خرجت بسرعة كده ليه ي المجنونه وعماله تقول لازم الحقه؟؟
وبضحك...
_ ربنا يعينك وتصالحها زوزة طيبة وبعدين اخويا مش سئ اوي يعني هي بس الحرباية اللي جابهالنا ديه... سلام يا عمو...
"انت مين؟؟.. وتعرفني منين؟؟"
بعثت بها تمارا إلى ذلك الرقم الذي يطاردها منذ شهر ونصف تقريبا. تريد تحديد هويته، وربما تطورت علاقتهما وأصبحت صداقة بريئة!!
جاءها الرد بعد ثوان.
"واحد معجب بيكي"
"تؤ تؤ.. انت واحد عارفني.. عيوني اللي بتتغزل فيها جمالي لما كنت لسه شباب... كل كلامك بيقول انك تعرفني"
أجفل ذلك المجهول من صراحتها وذكائها ورد بعد فترة ليست بقصيرة قائلا.
"عاوزة ايه انت بالظبط؟?"
عادت تسأله مرة أخرى.
"انت مين؟؟... وتعرفني منين؟؟"
تجمدت عيناها على شاشة الهاتف وهي تعيد قراءة تلك الرسالة مرة أخرى غير مصدقة عيناها.
" انا احمد ... احمد نصران يا تمارا.... اعرفك من زمان واعرفك اكتر من نفسك كمان ... انا قبل م اكلمك كنت بقول سيبها ف حالها هي مبسوطة ف حياتها وبلاش تدمرها... بس لما قربت منك وكلمتك لقيتك تعيسة ف حياتك... انا بحبك يا تمارا.. اطلقي من جوزك وانا هتجوزك... عيالك هيبقوا عيالي... هتعيشي ف نفس المستوي بتاعك.. مستني ردك كمان اسبوع... فكري كويس واحسبيها صح..."
حولت عيناها نحو باب الغرفة الموجود بها زوجها. رغم قوتها أمامه إلا أنها لا تستطيع الإفصاح عن أمر احمد نصران تحديدا. كانت تريد الانفصال عنه بهدوء لا يثير ريبته. ولكن بما حدث الآن أصبح عليها طلب الطلاق والحصول عليه بأسرع وقت حتى لا ينكشف أمرها أمامه. كما أنها تعلم جيدا أن حديثه بشأن الأطفال بالأمس لم يكن سوى لضيقه لانشغالها بشيء آخر يجهله. لذلك يريد إقحامها بفترة حمل أخرى ورعاية طفل مجددًا. ستطلب منه الطلاق وعلاقتها بأحمد لابد أن تنقطع وتتحول إلى صداقة. فقط صداقة.
دَلفت زمزم إلى فيلا والدها ركضًا حتى تنقذه، يكفي ما أهدرته من وقت. بحثت بجميع الغرف لكنها لم تجده. بقيت غرفة واحدة فقط لم تبحث عنه بها. فتحت الباب بسرعة لكنها توقفت مكانها بصدمة ودهشة عندما شاهدت وقاص يدلف إلى الغرفة ويغلق الباب خلفه بالمفتاح.
اقترب منها بابتسامة عابثة قائلا بهدوء.
_ نورتي اوضتك يا زوجتي العزيزه...
نيته كانت واضحة للأعمى. اندفع الأدرينالين إلى أطرافها وسارت بسرعة باتجاه الباب لكنها وجدته موصدًا.
_ افتح الباب يا وقاص... افتحه خليني أمشي.
رد عليها وقاص وهو يخلع جاكيت بدلته.
_ شوفي... مفيش ببان هتتفتح... انت جاية هنا عشان مهمة.. تخلص ارمي عليكي اليمين وتمشي أو تقعدي مش هتفرق... هتعافري وتصرخي مياكلش معايا همد ايدي وهتزعلي مني جامد.
كان داخلها يرتعش من الخوف منه. لعنت نفسها مئات المرات على استماعها لصوت قلبها وزن سيلين عليها.
_ مهمة ايه؟؟
أخرج شيئا ما من جيب بنطاله قائلا.
_ ده... بس ده... ده مقابل خلاصك مني واني ارمي اليمين حالا... قولتي ايه؟؟
هزت رأسها نفيا بهستيريا وعادت تلك الدموع تلسع عيناها وتسقط على وجنتيها.
_ لا... لا مش عاوزة سيبني ف حالي بقي وطلقني... حرام عليك.
_ ومكانش حرام لما خنتيني مع الدكتور بتاعك؟؟... مكانش حرام لما زنيتي وانت على ذمتي!!
التفتت زمزم إلى الباب ودقت عليه بقوة قائلة بصوت باكي.
_ بابا افتحلي الباب... والنبي افتحلي ومشيني من هنا... مش عاوزة حاجة منكوا بس سيبوني... قول له ميعملش فيا كده.
لم يرد عليها أي منهم، تركوها تتحدث ولم يرف لهم جفن. والدها لم يستطع التدخل خاصة بعد أن جلب له وقاص ما يثبت صحة كلامه بخيانتها له. منذ يومين رأى صورتهما سويا وهما يدلفا إلى بناية ما ظلت معه فوق الأربع ساعات وبعدها ذهبت إلى بيتها وبالتأكيد ما حدث بينهما لا يحتاج إلى تفسيرها.
انشغل وقاص بتشمير ساعديه ولم يعبأ بها فقط ما يوجد نصب عينيه الآن خداعها له. خيانتها. جريمة الزنا التي ارتكبتها بحقه وحقها وحق عائلتهم جميعها. أكملت هي نشيجها الحار مستمرة بالدق على الباب قائلة ببكاء.
_ والله انا زي م انا... معملش معايا حاجة... كفاية تدمير فيا بقي سيبوني اعيش مع الانسان اللي بحبه... انت بتحب شيماء يا وقاص... انا مجبتلكش العار... لان محدش يعرف بجوازك مني اصلا... الله يخليكوا سيبوني... مش عاوزة حاجة الا ياسر... ياسر بس...
أغمض عينيه يعتصرهم بغضب وهو يراها تصرح بحبها لشخص آخر أمام زوجها. اقترب منها بخطوات سريعة وجذبها من ذراعها بقوة ورماها على الفراش. بكت وصرخت باسم والدها. تريد سماع صوته فقط لكنه لم يفعل. تركها. سلمها له مرة أخرى بدلا من تصحيح خطئه السابق.
بالداخل لم يستطع وقاص السيطرة عليها كاملا فلم يرى أمامه سوى تقييدها حتى يتمكن منها. كان يقف أمام باب الغرفة على احر من الجمر لا يتخيل تخليها عن نفسها. لكن طالما وجد الدليل لا يوجد مكان للشك. ثوان وصرخت زمزم بقوة جعلته يبتسم بفخر.
بالداخل صعق وقاص عندما شاهد براءتها. كاد عقله أن يشت منه. كيف تكون كما هي؟؟ فاق من تساؤلاته واقترب منها يحل وثاقها. كانت كمن فقد عقله عيناها تزوغ بالغرفة بأكملها. لم ترفع عيناها إليه مطلقا بمجرد أن حل وثاقها حتى نأت بنفسها بعيدا عنه.
تركها ونهض من مكانه حتى يتحدث إلى عمه بشأن تلك الحالة.
_ خلاص يا وقاص... اتأكدت انها مخانتكش؟؟... سيبها هنا بقي... لا لازم تطلق التانية بنتي مش هترجع البيت على ضرة... وانا هصالحها.. هفهمها أن كل اللي حصل ده سوء تفاهم...
رفع وقاص المنديل الأبيض الملطخ ببراءتها التي سلبها.
_ عمرها م هتسامحني... ولا هتسامحك... انا هروح اطلبلها دكتور يشوفها... تقريبا هي اتصدمت...
اندفع ناصر إليها بسرعة حتى يطمئن عليها. وجدها تنام على الفراش وتعطيه ظهرها تحتضن قدميها وتضمهما إلى صدرها. فخرج مسرعا وراء وقاص حتى يطلب منه مهاتفة الطبيب.
بعد خروج والدها الذي لم تعي لوجوده من الأساس نهضت بسرعة شديدة وانحنت تجلب حقيبتها التي وقعت أرضا بأيادي مرتعشة وسرعة غريبة وخرجت من الغرفة مطلقة لساقيها الريح وركضت خارج الفيلا بأكملها. دون رجعة. للأبد.
دق باب الفيلا بعنف شديد. ركض ناير من مكانه مسرعا حتى يوبخ ذلك الجلف الذي يدق الباب بهذه الطريقة. بمجرد أن فتح الباب وجدها أمامه تبكي بعنف وجسدها يهتز برعشات متتالية. جذبها بسرعة من يدها وعانقها بقوة. تشبثت هي به ولاحت أمامها ذكرى ما شاهدته فلم تحتمل فوقعت مغشيا عليها.
بعد مرور ساعة. يجلس ناير على الأريكة وهي بأحضانه التي رفضت تركها مطلقا وهي تبكي تارة بعنف وشهقات وتارة بنعومة.
_ طب قوليلي فيه ايه بس؟؟... ريحيني طيب حد عملك حاجة؟؟
هزت رأسها نفيا قائلة بصوت باكي.
_ محدش عملي حاجة... بس انا خايفة... خايفة ومش عاوزة حد غيرك... احضني... احضني جامد يا ناير... اوعي تسيبني أو تأذيني.. انا بحبك والله.. بحبك...
شدد من احتضانها أكثر وقلقه يتضاعف على حالتها التي تزداد سوءا.
_ انا عمري م هسيبك ولا هفكر أأذيكي يا حبيبتي... انت النفس اللي بتنفسه يا زهرة من غيرك أموت... اهدي ونامي شوية...
ظل معها يهدهدها ويعبث بخصلاتها برقة حتى نامت وبقي هو بجانبها يفكر ماذا حدث لها؟؟؟ هل تعرض لها ذلك الرجل الذي اختطفها مرة أخرى؟؟ هل هددها بشيء؟؟ توقفت حواسه عن العمل وحول بصره ناحيتها بصدمة. مصعوقا. هل عادت لتعاطي تلك السموم مجددا وندمت فلجأت إليه؟
رواية القديمة تحلى الفصل التاسع عشر 19 - بقلم نرمين
صعد وقاص إلى الغرفة بعد أن حادث الطبيب، ووراءه ناصر يريد الاطمئنان على ابنته.
للمرة الثانية يخطئ بحقها، والآن آذاها.
دلف وقاص إلى الغرفة فوجدها فارغة.
ارتعب من أن تكون قد فعلت شيئًا سيئًا بنفسها.
دلف إلى المرحاض بسرعة فلم يجدها.
دلف إلى شرفة الغرفة بخوف ورعب، لا يريد أن يعيش بذنبها طوال عمره إذا رمت نفسها من الشرفة.
"مش موجودة يا عمي... مش موجودة... هربت... أو بالأصح مشيت... مشيت وهي في حالتها دي."
تحدث ناصر بعدم تصديق وتلعثم.
"مم... مش موجودة... إزاي؟"
جلس وقاص على المقعد بهدوء حزين.
"يعني مشيت... زمزم هربت مني ومنك... هربت من أخواتها... هربت من ياسر... خسرناها خلاص... خسرناها."
قال جملته ووضع رأسه بين كفيه بتعب شديد.
ماذا سيفعل الآن حتى يجدها؟
***
بعد مرور يومان.
دلف ناير إلى الغرفة حتى يوقظها.
منذ أن جاءت إليه وهي تقضي أكثر من نصف يومها في النوم، وعندما تستيقظ يصاحبها صداع رأسها، وذلك ما أثار شكه ناحيتها.
هزها برفق حتى تستيقظ، نومها أصبح ثقيل للغاية.
"زهرة... زهرة قومي يلا."
تململت في فراشها بانزعاج ورفعت الغطاء فوق رأسها.
جذب ناير الغطاء من عليها مصراً على إيقاظها.
"قومي عشان أنا رخيم ومش هزهق... قومي."
فتحت عيناها ونظرت إليه بضيق هاتفة:
"ما تسبني نايمة بقى."
ناير بصرامة محببة:
"قومي مفيش نوم يلا... أنا مستنيكي برة عشان نفطر ونتكلم مع بعض."
"طيب... اوف منك."
بعد خروجه من الغرفة عادت تغمض عيناها وتتسطح على الفراش.
ولكنها فزعت عندما عاد ناير مرة أخرى يقول بصوت مرتفع:
"زهرررررة... قومي يلا بقول."
ردت بسرعة:
"حاضر حاضر جاية أهو."
بعد قليل كانت زهرة تجلس أمام ناير تحاول معرفة ما يقوله.
"يعني أنت عاوز إيه يا ناير مش فاهماك؟ أنا مش عارفة أقولك إيه يعني؟"
تأفف بضيق ونزق قائلاً:
"بصراحة كده أنا عاوز أفهم إيه اللي حصلك... وليه جيتيلي بالحالة دي؟"
لم يفته ارتباكها وخوفها الذي حاولت مداراته قدر الإمكان، وذلك ما جعله يجن أكثر وتيقن أنها عادت للمخدرات مرة أخرى.
"زهررررة... أنتِ رجعتي للمخدرات تاني؟ والله العظيم المرة دي موتك هيبقى على إيدي."
صاحت فيه بغضب:
"أنت بتقول إيه؟ أنا مستحيل أرجع للقرف ده تاني يا ناير... ولو حصل فمش هستنى أعيش العذاب ده تاني وأنا اللي هموت نفسي... أنا بس شفت حاجة وخفت... وجيتلك عشان زي ما أنت بتقول أنت أبويا... بس الظاهر إني غلط... أنا ماشية."
ونهضت من مكانها حتى تذهب.
فجذبها ناير من ذراعها وأسقطها حتى جلست على قدميه.
"تمشي تروحي فين؟ أنتِ مفكرة إني هسيبك تمشي مثلاً بعد ما جيتيلي؟ تبقي عبيطة."
اقترب منها يقبل رقبتها بشوق وجوع.
تململت منه فلم تستطع التحرر.
"نا... ناير ابعد... ابعد مينفعش."
ابتعد عنها وأمسك بوجهها بين كفيه قائلاً بنبرة رقيقة للغاية:
"أنا بحبك يا زهرة... واللي حصل ده مكانش بإيدي... بحبك زي ما أنتِ بتحبيني بالظبط... متمنعنيش إني أقرب منك... من ساعة ما فتحت الباب ولقيتك قدامي وأنا حلفت بيني وبين نفسي إنك متخرجيش من تحت جناحي أبداً... مش هقدر أبعد... مش هقدر."
ذابت معه هي الأخرى.
بالنهاية هو زوجها وحبيبها ووالدها.
هو من عوضها عن قسوة أبيها.
بالأمس عندما دلفت إلى الفيلا وشاهدت أبيها يقف أمام باب الغرفة ومن الداخل صوت زمزم، اعتقدت أنه يراضيها عما فعله بها، لكنها أخطأت.
فقد استمعت إلى صرختها وبعدها خروج وقاص من الغرفة وبيده المنديل.
لم تلجأ لأحد في محنتها دونه.
لم تفكر بأي شخص.
ذهبت إليه.
تشعر بالأمان بقربه.
تشعر بالأمان بالمكان الذي توجد به رائحته فقط.
يحاوطها من كل جانب.
يحاوط روحها المتعلقة به.
***
بقصر النوساني الصغير.
يجلس كل من وقاص ووالده وعمه ووالدته وسيلين.
يخيم الحزن عليهم جميعاً عدا السيدة نجاة بالطبع.
حفر الحزن ملامحه على وجه ناصر وقدري أضعافاً.
كلاهما تهمه زمزم.
عمها اعتبرها ابنته، كما أنه يحب وجودها أمامه طوال الوقت ولا يمل منها أبداً.
ناصر فقد ابنته وهذه المرة للأبد.
وبلا رجعة.
محببة إليه أكثر من شقيقاتها، هي من تذكره بوالدتها رحمها الله.
زمردتيها وشعرها البرتقالي الطويل، الذي رفض أن تقصه حتى تكتمل صورة والدتها فيها.
هدوئها.
رقتها.
بكاءها الناعم الذي يثير غرائزه نحو زوجته الراحلة.
طوال اليومين الفائتين لم يتحدث قدري أو يوبخهم مطلقاً أملاً في إيجادها، لكن الآن بات الأمر مستحيلاً.
مر اليومان ولم يجدوا لها أثر.
لم تذهب إلى أي من شقيقتيها ولم تهاتفهما، كما أنها لو فعلت بالطبع لن يقولا لهما.
أخبر قدري ياسر باختفاءها لأسباب مجهولة، خوفاً منه، فهو عشقها.
"خلاص... خربتوها وقعدتوا على تلها؟؟ ضيعتوها خالص مننا!! اطمنت على بنتك دلوقتي يا ناصر؟؟ حسيت برجولتك دلوقتي يا وقاص؟؟ محدش يعرف هي فين ولا جرالها إيه؟?"
أغمض وقاص عينيه بقوة قائلاً بصوت جامد:
"لو سمحت يا بابا مش ناقص تقطيع فيا... سيبني باللي أنا فيه."
قدري بغضب عاصف وصوت مرتفع:
"أسيبك باللي أنت فيه؟؟ إيه اللي أنت فيه فهمني إيه اللي أنت فيه؟؟ هي اللي فيها... هي اللي سابتنا كلنا عشان أب ميستاهلهاش وواحد مش راجل اتحسب عليها جوزها... واحد سابها سنتين وراح شاف مزاجه... سابها تستحمل الإهانة هنا وهناك هو داير على حل شعره... ضيعتوا لي بنتي... ضيعتوها ومش هقدر أشوفها تاني."
والتفت ينظر إلى أخيه بغضب وحقد:
"أنت شايف نفسك أب كويس؟؟ شايف نفسك تستاهل النعمة اللي ربنا اداهالك؟؟ بتدور عليها فين بقى يا أخويا يا محترم... في الأقسام... المستشفيات... وو... المشـ...رحة."
شهقت سيلين ببكاء عندما استمعت إلى الكلمة الأخيرة.
لم تتخيل موتها أو إيذاءها مطلقاً.
عاشت معها سنتان كانت نعم الأخت والصديقة.
تنصحها دائماً.
"أنا همشي... هروح أقعد في شقة المعادي... مش طايقكم كلكم... تعالي معايا يا سيلين أنا مش هأمن عليكي مع أمك... ولا أخوكي يا بنتي."
امتعضت ملامح نجاة بغضب وحزن دفين من زوجها.
لا يستطيع الاطمئنان على ابنته معها... أمها!!
نهضت سيلين وذهبت إلى والدها مسرعة تتشبث بذراعه بخوف.
منذ أن علمت بما حدث لزمزم على يد أخيها وهي تهابه وتهاب أمها.
هما الاثنان لم يريا أي خطأ في تصرفهم.
وقاص الذي نفذ مخططه بالفعل مع والدها.
وأمها التي شجعته بعد ضياعها.
التفت قدري إليهم قائلاً بألم ودموع:
"ياسر... الدكتور كان من طرفي أنا... عمل كده باتفاق مني إنه يهتم بيها ويخليك تغير عليها أو تنتبه لها... أنا كمان غلطت معاكم... بس أنا مكنتش أعرف إن ابني غدار ولا كنت أعرف إن أخويا قاسي وجاحد كده... كان لازم أعمل حساب تربيتها الغلط... كان طبيعي إنها تحب واحد بيعاملها إنها إنسانة طبيعية ومش بيعايرها بإعاقتها... زمزم حبت ياسر وهو كمان حبها... هدور عليها وهلاقيها ساعتها هطلقها منك وأنا اللي هسلمها بإيدي لياسر... يلا يا سيلين."
خطأ آخر يضاف إلى قائمته بحقها.
تركها ولم يسأل عنها لسنتين.
تركها وهو يعلم جيداً كره والدته الغير مبرر لها.
وعاد يطالبها بدفن نفسها في الرمال كالنعام بسبب إعاقتها وإجبار والدها لها بالزواج منه.
ما فعله قبل رحيلها كان أبشع مما يتصور.
كانت تصرخ أمامه وتتوسله أن يتركها لكنه لم يعبأ.
لم تكن تريد سوى ياسر.
ياسر فقط.
من خانها وتقرب منها باتفاق مسبق مع عمها.
شعر بالشفقة ناحيتها.
كل من حولها يخونها.
أما والدها فمن كثرة أخطائه بحقها لم يستطع حصرهم.
شك بها وبتربيتها.
اتفق على ابنته مع زوجها.
كيف فاتته نبرة الذعر التي كانت تتحدث بها حتى يخلصها من براثن زوجها.
لاول مرة منذ سنتين يسمع منها هذه الكلمة "بابا".
ترجته بها وتوسلت حتى يجعل وقاص يتركها.
فماذا فعل هو؟؟
صم أذنيه عنها وعن خوفها ومضى فيما يفعله.
والنتيجة سيحيا بذنبها هي وشقيقتيها طوال عمره.
أخبره الحراس بدخول ابنته الوسطى إلى الفيلا بذلك اليوم وخروجها مرة أخرى بعد مرور دقائق قليلة.
ومن وقتها وهي تتجنبه وترفض الحديث معه.
بالأمس كانت على وشك الحديث معه بشأن موضوع الانفصال لكن منعها صوت هاتفها.
نظرت إلى شاشة الهاتف باستغراب "سيلين".
تتصل بها منذ متى وبينهما هواتف؟؟
ردت عليها بالأمس وهي تبكي وتتحدث في وقت واحد.
ظلت تهدأها لأكثر من نصف ساعة وبعدها أخبرتها سيلين بما فعله أخيها وعمها بزمزم.
بكت.
بكت وهي تسمع إلى سيلين: "زمزم اختفت... مشيت يا تمارا ومحدش عارف هي فين... حتى تليفونها مقفول ومش عارفين نوصلها... أنا خايفة أوي يكون حصلها حاجة... وقاص بيقول إنها مكانتش طبيعية لما سابها... حاولي توصليلها يا تمارا الله يخليكي... وطمنيني عليها... مش هقول لحد والله بس طمنيني عليها."
لم يزر النوم جفنيها بعد أن أغلقت مع سيلين.
ظلت تفكر بما ستفعله بحياتها وبما أن الله رزقها بنسخة أبيها -كما تظن- يجب عليها التخلص منه والخلاص بروحها منه ومن والدها.
تريد أطفالها فقط من تلك الزيجة برمتها.
دلف عابد إلى المنزل يبحث عنها.
يريد أخبارها بما فعله.
يريد البدء معها من جديد.
بحث عنها بالمنزل حتى وجدها بغرفة المعيشة تجلس بشرود.
"تمارا... تمارا أنا عاوز أقولك حاجة أنا..."
قاطعته هي بقوة وجمود:
"أنا عاوزة أطلق يا عابد... حياتنا لغاية هنا انتهت مع بعض."
رواية القديمة تحلى الفصل العشرون 20 - بقلم نرمين
بعد أن أخبره قدري باختفائها لأسباب مجهولة، لم يجلس لدقيقة واحدة. ظل يبحث عنها في جميع الأماكن التي زاروها سوياً، لكنه لم يجدها. فضلاً عن مهاتفاتها طوال الوقت، والنتيجة باءت بالفشل في كل مرة. لم يستطع التركيز في عمله، فاضطر أن يأخذ إجازة حتى يعيد تركيزه.
"مالك يا ياسر؟ بقالك يومين يا حبيبي مسهم كده؟"
"زمزم اختفت يا ماما. اختفت ومش عارف السبب إيه."
"يوووه! مش هنخلص بقي من البنت دي؟ أنا قولتلك مش هقبلها في حياتنا تاني. مش هقبلها زوجة ليك."
تنهد ياسر بتعب قائلاً: "آهى اختفت يا أمي. اختفت. ولو حد السبب في ده هيبقى أنا. محدش غيري."
والدته باستغراب وبدأ القلق يتسلل إلى قلبها: "ليه يا ياسر؟ أنت اللي ورا اختفائها ده ولا إيه يا ابني؟ الله يخليك ابعد عن المشاكل دي كلها. عمك قدري زي أبوك، وعشان كده رضينا نخليك تساعده. ابعد عن المشاكل دي يا ابني."
تأفف بضيق ونهض من مكانه، وأخذ هاتفه وخرج من المنزل بأكمله، وتركها وراءه تنعي حظ ابنها.
***
في شقة المعادي.
لم يتوقف رنين هاتف قدري منذ الصباح. ذلك الشخص مجدداً "غانم". التقط الهاتف وضغط زر الإيجاب، عازماً على إنهاء ذلك الموضوع.
"أيوه يا غانم."
"غانم. زمزم مكتوب كتابها على ابني. أيوه محدش يعرف فعلاً لأنه كان على الضيق بسبب سفر أبوها. وأبوها رجع حالياً، قريب هنعمل الفرح. طبعاً يا باشا، أنت أول المعزومين. سلام."
أغلق الهاتف ورماه على الطاولة وهو يزفر بضيق.
"يا ساتر! راجل خنيق. أوف."
"فيه إيه يا بابا؟"
"مفيش يا بنتي. من ساعة فرح سارة، زميتلك وأخوها ده عمال يدور يطلبها مني. زهقت. لأ ومكفاهوش هو عليا، جاب لي أبوه كمان."
ضحكت سيلين بخفة: "معلش بقى هو كده دايماً. المهم إنك خلصت منهم."
وذهبت حتى تجلس بجانبه. ضمها والدها إليه وقبل رأسها قائلاً بحنان أبوي: "وأنت يا حبيبة بابا، مش هفرح بيكي بقى؟ ده أنتِ حتى مبتحبيش حد. بترفضى من غير سبب كده. عايز أطمن عليكي مع واحد يقدرك صح."
لم تجد داعي لإخفاء الأمر عن والدها أكثر من ذلك، كما أنها لن تقوله له مباشرة.
"قريب يا حبيبي. قريب إن شاء الله. ادعيلي أنت بس."
وابتسمت بحب وهي تتذكر ذلك الشاب الثلاثيني، من خطف قلبها دون استئذان. مدرب التنس بالنادي الذي ذهبت إليه أكثر من مرة برفقة زمزم حتى يذهبا إلى شقيقتها. "عمرو هاشم".
***
صقيع.
الصقيع فقط ما يشعر به الآن من حوله. لم يتخيل في أسوأ أحلامه أن تطلب الانفصال عنه. تهابه، وذلك ما كان يريحه من هذا الجانب. لكن الآن ماذا حدث؟ هل تريد الانفصال عنه حتى تتزوج من آخر؟ تريد التسكع؟ تريد التحرر منه؟
اندفع إليها بسرعة وأمسك بخصلاتها يشدها بقوة. ألقتها وصوته الغاضب يكاد يصم أذنيها.
"عايزة تطلقي؟ عايزة تطلقي عشان تدوري على حل شعرك؟ قابلتي مين في النادي اللي بتروحيه قلبك عليا؟ قابلتي مين خلاكي تغيري من نفسك وتغيري شكلك ولبسك عشانه؟ انطقي."
حاولت التملص منه بقوة لكنها لم تستطع، فهتفت بصراخ غاضب: "مقابلتش حد! أنا مش خاينة زيك. مش خاينة عشان أروح أعرف راجل تاني وأنام معاه زي ما أنت عملت. أنا مش زيك. مش زيك ولا هكون. أنت لعنة، لعنة واتحطت عليا من أبويا جاحد وقاسي زيه. طول الوقت خايفة منك، خايفة تضربني، خايفة ترميني برة وتاخد عيالي مني. خايفة أبويا يتفق معاك عليا زي ما عمل في زمزم. خايفة أتنفس براحة وأنا معاك. لو كنت خاينة، كنت سمعت كلام اللي حبيته قبلك وأبويا فرقني عنه بسببك."
وقذفت له بالهاتف وهي تصرخ بهياج: "أهو! اقرا. اقرا وشوف كان بيحسسني إني ست وليا قيمة. سابني أختار أهرب معاه وأخد عيالي، بس أنا مردتش. قولت الطلاق أكرملي. ابعد عني بقى وسيبني في حالي."
وانخرطت في بكاء عنيف وشهقات متتالية. تدلت شفتاه من الصدمة، ضاق صدره مما تقول.
"كنتي بتحبي واحد تاني؟"
ردت بصوت باكي: "أيوه. واحد تاني حبيته وأنا في الجامعة وكان فقير وسافر برة عشان يرجع يتقدملي ويعيشني في نفس المستوى. بس أنت اتقدمتلي ولما قولت لبابا مش موافقة زعقلي. وقالي إنه عارف بموضوع اللي بحبه ده، بس هو عمره ما كان هيوافق. قالي إنه موافق عليك خلاص وهتحددوا الفرح بعد كام شهر. وده اللي خلاني أرفض إنك تلمسني. بس أنت قسيت عليا وأخدتني غصب. اتعاملت معايا زيه. موافقتي أو رفضي مش هيغيروا حاجة. كنت بدأت أعجب بيك، بس أنت موت الإعجاب ده بمجرد ما بدأ."
مع كل كلمة تقولها كان صدره يضيق أكثر. الهواء ينقطع عن رئتيه. فك أزرار قميصه يحاول جلب الهواء لرئتيه.
"مش عارف آخد نفسي! مش عارف أتنفس يا تمارا."
ركضت إليه بخوف شديد عليه، لا تريد خسارته. بالرغم من كل ما فعله بها، هو أفضل من أبيها.
"لا، أنت كويس. اتنفس. اتنفس عشان خاطري. متسبنيش والنبي."
غاب عن الوعي ولم يستطع الصمود أكثر. فركضت هي إلى الهاتف وطلبت سيارة إسعاف على وجه السرعة، وعادت تجلس بجانبه وهي تبكي وتحتضن رأسه بقوة.
***
في مكان آخر.
وقفت زمزم أمام ماكينة الصرافة ووضعت بطاقة الائتمان المصرفي بها تريد سحب المال. وهناك يجلس ذلك السائق بسيارة الأجرة.
"أنا هحاسبك على مشوارين يا آنسة. هاخد بدل العطلة دي. مليش فيه. أمين؟"
"طيب. حاضر. هقف أسحب فلوس وهجيبلك حقك وتمشي."
اعتمدت على سرعتها في سحب المال حتى لا تطالها يد والدها مرة أخرى. بالطبع يتابع حسابها الآن حتى يصل إليها من خلال موقعها. بالطبع يسهل عليه معرفة مكان هوية ماكينة الصرافة التي تسحب منها المال. سحبت المال بسرعة وأعطت السائق حقه، وأشارت إلى سيارة أخرى ذاهبة إلى منزل ياسر. يجب أن توضح له كل شيء. تقص عليه معاناتها مع عائلتها جميعها. خاصة بعد أن فتحت الإنترنت في هاتفها لتخبر ياسر بقدومها إليه. تفاجأت بتلك الرسالة التي جعلتها تبكي حزناً وفرحاً، وجددت دعواتها إلى الله بأخذ حقها من كلاهما.
وقفت السيارة أمام البناية التي يقطن بها ياسر. أعطت للسائق الأجرة وهبطت منها تسير نحو البناية بحزن شديد وابتسامة مرارة تزين وجهها. كانت تريد أن يكون هو أول من يلمسها. صعدت إلى البناية ووقفت أمام الشقة. كان صوت ياسر ووالدته يكاد يزلزل البناية بأكملها من ارتفاعه وغضبه الذي وصل إلى عنان السماء.
"هتجوزها يا ياسر! هتتجوزها غصب عنك. زمزم دي لأ، أنت سامع؟"
لم تستطع سماع ما تقوله عنها. تشبعت روحها بالآلام والظلم. يكفي ما عانته على يد وقاص ووالدته ووالدها. دقت الباب بقوة حتى يصل صوتها إليهم ويكفوا عن الصراخ. ذهب ياسر حتى يفتح الباب، ففوجئ بها.
"زمزم!"
***
قبل هذا الوقت بقليل.
دق هاتف ناصر النوساني. التقطه ناصر بسرعة ورد بلهفة عندما شاهد رقم صديقه الذي طلب مساعدته للوصول إلى ابنته.
"أيوه يا شاكر. ها وصلت لحاجة؟"
"أيوه يا باشا. هي حالياً سحبت فلوس من الـ ATM اللي عند بنك "ف". لو تعرفوا حد في المنطقة دي أكيد هتلاقوها راحت عنده."
أغلق الهاتف واتصل بأخيه حتى يسأله عن أي شخص يعرفه بتلك المنطقة.
"أيوه. عايز إيه تاني يا ناصر؟"
"قدري اسمعني، مش وقت كلامك ده. تعرف حد في "..."؟"
"لا. معرفش حد في المنطقة دي، اشمعنى؟"
"طب اسأل سيرين. هي كانت صاحبتها وتعرف عنها كل حاجة."
"متعرفش حد هناك يا ناصر. فيه إيه طيب؟"
تنهد ناصر بيأس فقد فشل في إيجادها.
"زمزم سحبت فلوس من ماكينة صرافة هناك، وأنا مش عارف هي ممكن تكون راحت فين. تعبت يا قدري، تعبت."
"أنت السبب. أنت السبب يا ناصر."
وأغلق الهاتف بوجهه. اتصل قدري على رقم ياسر يريد التحقق من شيء معين برأسه.
"ياسر، زمزم جتلك؟"
"لا. مجتش ولا بترد على تليفوناتي حتى. أنا قلقان قوي عليها."
"هي احتمال تجيلك يا ابني، ولو جاتلك طمني عليها. أنا مش هرجعها تاني والله."
أغلق الهاتف مع قدري وهو يدعو بداخله ألا يكشف أمره. نظرت إليه زمزم وأمسكت بيده قائلة بشكر: "شكراً إنك أنقذتني منهم يا ياسر. صدقني عمري ما هنسالك الجميل ده."
أومأ ياسر لها برأسه وشبح ابتسامة على شفتيه. الآن باتت مهمته أصعب. كيف سيقنع والدته بوجودها؟ قدري من المستحيل أن يصدقه وسيبحث عنها بمنزله أولاً. هز رأسه بضيق ويأس. الأمور تتعقد أكثر من اللازم وليس بيده شيء لحلها، فماذا سيفعل؟
بغرفة وقاص.
كانت شيماء تكاد تنفجر من غيظها وحقدها على زمزم. كانت تظن أنها فرطت بنفسها بالفعل، لذلك ذهبت إليه حتى تخبره بما تعرفه. لكن ما حدث كان العكس تماماً، فقد نأى بنفسه بعيداً عنها وكل ما يشغله إيجاد زمزم فقط. بالأمس عرضت نفسها عليه، فكان رده نظرة واحدة جعلتها تنكمش في نفسها وتذهب حتى تخلد للنوم. لكن اليوم أقسمت أن تقضي معه تلك الليلة. بأحضانِه ولن تتراجع عن حقها فيه. تريد أن تحمل طفله بأحشائها، خاصة وأن حزنه على زمزم تحول إلى حب خفي. لذلك تريد أن تربطه بجانبها بطفل يحمل اسمه.
دلف إلى الغرفة ولم ينتبه إلى التغيير الذي طرأ عليها من الأساس. اقتربت منه واحتضنته وقبلته على وجنته قائلة بصوت رقيق: "حمد الله على سلامتك يا حبيبي. يلا ادخل خد شاور كده وفوق. أنا عملالك العشا بأيدي النهارده."
رد عليها بجدية وصوت متحشرج: "الله يسلمك. تسلم إيدك يا شيماء. بس أنا مش جعان وكمان تغير هدومي وأنام. كلي أنت."
وأزال يدها التي تحاول عنقه وتجاوزها. عضت على شفتيها بغضب وحاولت معه مرة أخرى.
"بس أنا مش هيجيلي نفس من غيرك. وكمان عاوزة أقضي الليلة دي مع جوزي حبيبي."
رد عليها وقاص بنفاذ صبر: "وأنا قولت إني مش قادر ولا جعان. عايز أنام وبس لأني تعبان من الصبح. ومحبكتش النهارده تباتي في حضني يا شيماء."
هذه المرة لم تستطع السيطرة على نفسها وصاحت بغضب: "وتعبان ليه؟ تعبان من اللف على رجلك على المستشفيات والأقسام والمبالغ اللي بتدفعها يومياً عشان الناس اللي بيدوروا على السنيورة. بس لما أجي أنا أطالب بحقي فيك وفي إني أخلف تقولي تعبان. بس فاضي لواحدة خاينة. فاضي تجري وراها. واحدة باعت نفسها عشان يا حرام مقدرتش تستحمل قعدتها كده. باعت نفسها برة وحرمتك تلمسها وكانت بترفضك."
إلى هنا فقد صبره وأعصابه عليها وصفعها بقوة وجذبها من شعرها.
"أنا مفيش واحدة ترفضني يا شيما. وإذا كنت بجيلك قبل كده، فده لمتعتي ولأنه حقي. أنا دافع فيكي. أوعي تنسي نفسك. كنت حتة بياعة في محل لا راحت ولا جت. الحظ لعب معاها شوية وأنا شفتها. وعجبتني. فاتجوزتها. تتلمي وكني ف مكان بقى عشان قربت أقرف منك وأزهق. ولو ده حصل، هتطلعي من هنا زي ما جيتي."