تحميل رواية «القاتل الراقي» PDF
بقلم سارة بركات
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
"ما زلت أبكي على ذكرى مؤلمة، ما زال الجرح عميقًا ويؤلمني كثيرًا حتى وإن تظاهرتُ بالقوة." في مساء يوم ممطر بمدينة القاهرة، وبالأخص بمنزل راقٍ يصدح به المذياع بصوت العندليب الأسمر، كانت فريدة تقف أمام مكتب زوجها والذي يُدعى مصطفى المنغمس في بعض أعماله. تنظر له بحب وعشق لم ولن ينتهي والذي نتج عنه صغيرهما الحبيب. شردت بتفكيرها قليلاً في طفلهما الذي لديه خوف من الجميع لدرجة أنها وزوجها يخفيان تواجده حتى الآن وذلك عندما علما بمرضه النفسي في سن الرابعة وبناءً على تعليمات الطبيب النفسي الخاص به. أما هي،...
رواية القاتل الراقي الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سارة بركات
"لكل جريمة شاهد"
كانت أشرقت تحاول الوصول لمريم عدة مرات، ولكنها أغلقت هاتفها منذ البداية. لا تستطيع حتى الوصول إليها.
أشرقت بتأفف: "لا.. أنا لازم أروحلها."
خرجت من مكتبها في نية منها للذهاب إلى القصر. أما مريم كانت تبكي بهيستيريا في أحضان ياسين الذي يربت على ظهرها بهدوء، وما زال ينظر لذلك الاسم المنقوش على ذلك القبر. إذا قلنا أن هناك بعض الذكريات نحاول أن ننساها لكي نستطيع أن نعيش، فتلك تكون حقيقة. لم تعلم كم مر من الوقت وهي تبكي هكذا حتى ابتعدت عنه، ولكنها ظلت قريبة منه. نظرت في عمق عينيه وبدأت تتحدث بصوت متحشرج.
مريم: "خدني من هنا، أنا محتاجة أرتاح، مش قادرة أمشي."
استقام ياسين وحملها بين يديه. استندت برأسها على صدره وأغمضت عينيها لعلها تهدأ من ذلك الصراع الداخلي الذي تعيش به. نظر ياسين للقبر مرة أخيرة ثم خرج من المقابر وهي نائمة بين يديه.
******************
في المساء:
كان عماد يجلس بكرسيه المتحرك ينظر لتلك الفتاة التي تريد التحدث مع مريم بشدة. فقد كان يقف بكرسيه في باحة القصر. كانت إحدى الخادمات تتحدث إليها.
الخادمة: "الهانم نايمة عشان تعبانة شوية، وياسين بيه أمر ما حدش يزعجها."
أشرقت: "الموضوع حياة أو موت أرجوكي، أنا محتاجة أشوفها."
كادت أن تتحدث الخادمة ولكن أوقفها صوته.
ياسين: "اتفضلي يا دكتورة."
أشرقت بإصرار: "أنا محتاجة أتكلم مع مريم."
ياسين برقي: "اتفضلي اتكلمي معايا أنا."
نظرت له قليلًا بتوتر ثم نظرت للخادمات الموجودات بالمكان.
أشرقت: "طب ممكن أتكلم مع حضرتك على انفراد."
هز رأسه وتحرك وهي تبعته حتى دخل لغرفة منعزلة ودخلت خلفه. التفت لها ينظر إليها باستفسار.
أشرقت: "دكتور طارق جالي النهاردة المكتب وقال..."
سردت عليه كل ما أخبرها به طارق اليوم. وبعد أن انتهت همهم ياسين وتعجبت أشرقت من صمته هذا.
أشرقت: "حضرتك مش هتقول حاجة؟ مش هتعمل أي حاجة؟!"
ياسين بابتسامة هادئة: "هتصرف طبعًا يا دكتورة، تقدري تتفضلي."
شعرت بالإحراج من تعامله ذاك وقررت الانسحاب أما ياسين ظل واقفًا لثوانٍ ثم خرج من الغرفة وخرج بعدها من القصر. كانت نائمة بفراشها تنظر أمامها بحزن وشرود، هبطت دمعة من مقلتيها وهي تتذكر أختها الكبرى. تتذكر كم كانتا دائمًا معًا ولا يتفرقان أبدًا. كانت كالأم بالنسبة إليها لأنها من قامت بتربيتها والعناية بها أثناء انشغال والديهما بالعمل وعندما توفى والدهما بحادث تحملت سارة مسئوليتها مع والدتهما. كان بينهما وعد وهو أن لا يتفرقا أبدًا، سيظلان سويًا حتى النهاية. لم يخفيا أي شيء عن بعضهما البعض، ولكن حصل ما لم يكن بالحسبان أدى إلى فراقهما.
منذ اثنا عشر عامًا:
كانت مريم في السادسة عشر من عمرها تقوم بمراجعة دروسها في غرفتها في جو هادئ، ولكن بعد دقائق من الهدوء سمعت صوت شجار خارج الغرفة. استقامت سريعًا من مقعدها وخرجت من الغرفة ونظرت لوالدتها التي تتشاجر مع سارة التي ترجوها في شيء.
سارة ببكاء: "يا ماما، أرجوكي اسمعيني أنا بحب كريم وهو كمان بيحبني جدًا ومستعد يعمل المستحيل عشاني، أرجوكي وافقي."
ردت والدتها نادية بغضب وضيق: "قلتلك مليون مرة الولد ده مش شبهنا، سمعته زي الزفت، سألت عليه يا بنتي صدقيني مش شبهنا نهائي، واستحالة أرميكي لواحد زي ده."
كادت أن تهم بالرد عليها ولكنها قاطعتها وهي تربت على كتفها.
نادية بهدوء ورجاء: "يا حبيبة قلبي ما تزعليش، ربنا هيقدملك كل اللي فيه الخير وهيبعتلك واحد أحسن منه بمراحل، إنتِ بس ركزي في حياتك بكرة آخر يوم امتحان ليكي في الجامعة ركزي الله يباركلك عايزين نعوض السنة اللي راحت عليكي بسبب الشغل عشان أختك، ما تخليش واحد زي ده ياكل عقلك بكلمتين."
ابتسمت بحنان وقامت بضمها واستأنفت: "وبعدين مش عايزة حد ياخدك مني دلوقتي، عايزاكي جنبي شوية، عايزة أشبع منك يا روح ماما..."
مريم بحنق وغيظ مقاطعة لها: "طب وأنا؟"
قهقهت والدتها وابتعدت عن سارة التي ابتسمت أثناء بكائها.
نادية: "تعالي يا أروبة."
احتضنت مريم والدتها وقامت بإخراج لسانها لسارة تقوم بإغاظتها.
مريم: "ماما بتحبني أكتر منك."
نادية بابتسامة وهي تبتعد عنها: "كلكم عندي واحد، حتى اسألي سارة."
تبدلت ملامح مريم للضيق أما سارة قهقهت ضحكًا فمعنى حديث والدتها أن سارة هي الأحب إليها وهذا المعنى تجهله والدتها.
مريم بغيظ: "طيب يا ماما."
نادية: "طيب يا حبايبي أنا هروح المطبخ أحضر العشاء وإنتوا روحوا كملوا مذاكرة."
دلفت للمطبخ بينما الاثنتان ظلتا واقفتان تنهدت سارة بحزن ثم اتجهت لغرفتها وجلست بفراشها، تبعتها مريم للغرفة وأغلقت الباب خلفها وجلست بجانبها على الفراش.
مريم باستفسار: "هتعملي إيه؟"
سارة بتنهيدة: "هعمل اللي ماما قالته، هنهي علاقتي بكريم ربنا يوفقه مش عايزة أزعل ماما مني كفاية إنها تعبانة في شغلها عشانا."
مريم باستفسار: "تفتكري بابا الله يرحمه لو كان عايش كان هيوافق عليه؟"
سارة بابتسامة حزينة: "لا ما كانش هيوافق عليه، ماما بتفكر بنفس تفكير بابا الله يرحمه، وهو ده الصح أصلًا."
مريم ممسكة بيدها: "طب ممكن ما تزعليش؟"
نظرت مريم ليد أختها الممسكة بيدها وبكت دون إرادتها احتضنتها مريم وربتت على ظهرها.
مريم: "ما تزعليش، كله هيعدي... "
ابتعدت قليلًا ونظرت في عينيها: "مش إنتِ دائمًا بتقوليلي كده؟"
هزت رأسها وابتسمت.
سارة بتصميم: "بكرة بإذن الله هنهي كل حاجة بينا بعد ما أخلص امتحان."
ابتسمت مريم لها بهدوء. ولكن سارة نظرت إليها باستفسار.
مريم بتعجب: "إيه؟ في إيه؟ بتبصيلي كده ليه؟"
سارة: "إنتِ قاعدة بتعملي إيه هنا؟ مش بتذاكري ليه؟"
كادت أن تجيبها.
سارة بصرامة: "روحي ذاكري."
مريم بتأفف: "حاضر."
خرجت من الغرفة أما سارة ابتسمت بعد خروجها وأمسكت إحدى كتبها لكي تقوم بالمراجعة.
********************
في اليوم التالي:
خرجت سارة من الامتحان مبتسمة لأنها قد أجابت جيدًا في امتحانها ووقفت مع إحدى زميلاتها.
سارة بسعادة: "أخيرًا آخر امتحان في المسيرة التعليمية اللي إحنا فيها دي."
هلهلت زميلتها بسعادة معها، شعرت سارة باهتزاز هاتفها بحقيبتها أخرجت الهاتف من الحقيبة وابتسمت عندما وجدتها والدتها.
سارة: "ألو."
نادية وهي جالسة بمكتبها في العمل: "أيوه يا حبيبتي عملتي إيه؟"
سارة: "كله تمام يا ماما الامتحان كان حلو."
نادية: "الحمد لله، لما تروحي حضري الغداء عشان مريم أكيد هترجع من الدروس جعانة."
سارة بابتسامة: "حاضر."
أغلقت مع والدتها وأشارت لزميلتها أنها ستخرج من الجامعة. بعد دقائق كانت تقف أمام الجامعة تنتظر أحدهم. ولكن مرت الدقائق وبعدها دقائق أخرى حتى رن هاتفها وجدته رقمًا غير مدون لديها، قررت أن تجيب.
سارة باستفسار: "ألو؟"
المتصل: "سارة معايا؟"
سارة: "أيوه."
المتصل: "أنا أحمد صاحب كريم، هو عمل حادثة ومحتاج يشوفك ضروري."
لم تشعر سوى بالتخبط والقلق عليه.
سارة بقلق وتوتر: "طب ممكن العنوان؟"
أخبرها بالعنوان وهي هرولت لتراه وتقوم بالاطمئنان عليه متناسية انتهاء علاقتها به. وصلت للعنوان الذي أخبرها به صديقه وصعدت للمبنى السكني وقامت بالطرق على باب الشقة. بعد عدة ثوانٍ فتح باب الشقة وظهرت أمامها فتاة تمضغ علكة باستفزاز، لا تدري لماذا شعرت سارة بعدم الارتياح عندما رأتها؟ ولكن أكيد هذه أخته التي ستستقبلها كما أخبرها أحمد صديقه ذاك.
سارة بتوتر: "كريم موجود؟"
نظرت الفتاة بنظرة غريبة بالنسبة إليها.
الفتاة: "آه يا حبيبتي موجود، ادخلي."
دلفت سارة للشقة بتوتر ونظرت حولها وجدتها شقة مهترئة. شعرت بباب الشقة يغلق خلفها، ولكنها تعجبت أكثر عندما سمعت إغلاقه بالمفتاح. نظرت للخلف وجدت الفتاة غير موجودة هرولت نحو الباب بسرعة وحاولت فتحه ولكنه مغلق.
كريم: "على فين؟"
التفتت سارة بخوف عندما سمعت صوته. كان يقف أمامها لا يوجد به شيء. كان سليمًا معافى.
سارة بتوتر: "أنا عايزة أخرج من هنا."
اقترب منها كريم بهدوء خبيث.
كريم: "مش لما آخذ اللي أنا عايزه الأول."
ابتعدت عنه بسرعة وحاولت الهرب منه ولكنه أمسك بشعرها بقوة قامت بالصراخ ولكنه قام بتكميم فمها.
كريم بانتشاء: "أنا كنت مستني اليوم ده يجي من زمان، أنا وإنتِ في مكان واحد."
كان من الواضح أنه شرب شيئًا ما. حاولت الهرب منه ولكنه كان يمسكها بقوة ومما زاد من خوفها وصراخها المكتوم هو باب الشقة الذي تم فتحه ودخل شابان آخران وأغلقوا الباب خلفهم.
كريم للاثنين: "أنا الأول وبعد كده براحتكم."
حاولت الانفلات من يديه وبالفعل استطاعت وركضت نحو أحد الغرف ولكن أمسكها أحد الشابين اقترب منها كريم وقام بضربها بقوة حتى كادت أن تفقد وعيها. وقام بارتكاب جريمته الشنيعة بها أمام أصدقائه وفقدت هي أعز ما تملك وفقدت الوعي. وبعدما فرغ منها تمامًا، توالى الشابان بعده اغتصابها أيضًا وبعد أن انتهوا منها.
لاحظوا نزيفها الشديد ووجهها الشاحب.
كريم: "خدها بعربيتك يا أحمد ارميها في أي خرابة."
أحمد: "طب ما تيجي معانا."
كريم: "لا أنا خلاص خلصت منها ومش عايز أشوفها، وابعت لي أحلى سلام للبت نبيلة عملت اللي مطلوب منها بالضبط، قول لها هكون عندها بالليل."
أحمد: "طيب."
حملها أحمد والشاب الذي يرافقه وخرجا من البيت ووضعوها بالسيارة. ظل يقود سيارته حتى وصل لطريق لا يوجد به أحد وقام برميها في جانب الطريق وهرب هو وصديقه. أما هي فكانت ملقاة بالطريق المظلم تنزف بشدة. وبعد مرور وقت ليس بطويل مرت مجموعة من السيارات من ذلك الطريق، وهنا توقفت السيارة الأولى مما جعل باقي السيارات تتوقف. توجه السائق ومعه بعض الرجال نحو جثة الفتاة الملقاة بالطريق، وجدوها تنزف ولكنهم وجدوا أيضًا أن هناك نبضًا ضعيفًا بها. هرول أحد الرجال سريعًا نحو إحدى السيارات الأخيرة بالخلف حتى توقف أمام سيارة. طرق على نافذة المقعد الخلفي بهدوء، تم تنزيل النافذة الزجاجية وبدأ بالتحدث.
الشخص المجهول: "أنا آسف يا بيه إن إحنا وقفنا بس في بنت مرمية في الطريق، بتنزف وحالتها صعبة."
هبط شاب من السيارة وسار بهدوء نحو جثة الفتاة حتى وصل إليها. كانت ملامحها لا يبدو منها شيء بسبب الكدمات التي تملأ وجهها مما يشير إلى أنها تعرضت للضرب المبرح. أشار لأحد رجاله بالاتصال بالمشفى. أما هو فظل ينظر لجثتها بهدوء وبعد عدة ثوانٍ عاد لسيارته مرة أخرى وأمر سائقه بالتحرك تاركًا رجاله يقومون بما يلزم. اختفت سارة من حياة مريم ووالدتها التي قلبت الدنيا رأسًا على عقب وهي تبحث عنها بقهر والبكاء والحزن لا يفارقانها، وكانت مريم مثلها أيضًا. حاولوا الوصول لعنوان الفتى الذي يُدعى كريم ولكن جيرانه أخبروهم أنه سافر.
أوقف الأطباء نزيفها بصعوبة وبسبب كثرة نزيفها بقيت تلك الفتاة مجهولة الهوية بغيبوبة بالمشفى التي تم وضعها بها. لقد تلقت العناية اللازمة بتلك المشفى حيث ركز كل الأطباء بجميع أقسام المشفى على الاهتمام بها ورعايتها، وكان من بينهم طبيب في منتصف الثلاثينات حزينًا عليها، كيف يحدث ذلك لتلك الفتاة؟! كان يعتني بها ويمر عليها في نوبته الليلية يقص عليها بعض القصص والحكايات لعلها تسمعه، ولكن كل ذلك كان بلا جدوى حتى مرت الأيام والأسابيع واستفاقت سارة من غيبوبتها ولكنها كانت بحالة نفسية سيئة جدًا. كانت إنسانة بلا روح.
وفي يوم ما، دلف الطبيب لغرفتها وجدها تجلس تنظر أمامها بشرود.
تحدث بابتسامة: "صباح الخير."
لم تجبه وظلت على وضعها ذلك. اقترب نحوها.
الشخص المجهول: "عاملة إيه النهارده؟"
لم تجبه وظلت صامتة. تنهد الطبيب ثم حاول أن يكون لطيفًا أكثر في حديثه معها.
الشخص المجهول بابتسامة: "طب إحنا ما اتعرفناش، أنا اسمي طارق إنتِ اسمك إيه بقى؟"
لم تجبه أيضًا، قرر طارق الانسحاب لتركها على راحتها.
طارق: "أنا هطمن على المرضى بتوعي وبعدها هعدي عليكي لو احتجتِ حاجة دوسي على الجرس والممرضات هيجوا لك على طول."
خرج من الغرفة وبعد خروجه بدأت بالبكاء بسبب ما حدث لها، لقد كانت فعلة شنيعة خسرت كل ما تملك بسبب ما حدث. جاء على بالها والدتها وأختها وزاد بكاؤها أكثر. انتبهت عندما فُتح الباب ودلف شاب في بداية الثلاثينات يرتدي حللًا سوداء لا تخص عصرنا الحالي ولكنها كانت راقية. جلس ذلك الشاب بهدوء على كرسي في غرفتها ونظر لها بهدوء. شعرت بالخوف من نظرته تلك ولكنها أيضًا شعرت بالأمان ولا تدري ما السبب. تحدث الشاب بهدوء.
الشخص المجهول: "سارة أحمد سعيد هنداوي."
نظرت له بتعجب لمعرفته اسمها بالكامل ولكنه استأنف حديثه بهدوء.
الشخص المجهول: "والدتك نشرت خبر في الجرائد إنك اختفيتي، المستشفى هتتصل بيها في أقرب وقت عشان تـ..."
قاطعته برجاء.
سارة: "لا، أرجوك لا. *بدأت بالبكاء* مش عايزاهم يشوفوني كده، مش عايزاهم يعرفوا مكاني، ما ينفعش أفضل معاهم بعد اللي حصلي، أرجوك ساعدني."
ساعدها وأخفى وجودها في المشفى وظلت هناك تجلس بغرفتها إما تأكل الطعام أو تشاهد التلفاز بملل وحزن. وفي يوم ما، كانت تقلب بقنوات التلفاز وتوقفت عندما وجدت خبرًا يُعد مفرحًا بالنسبة إليها، وهو جريمة قتل غامضة للشاب الذي يُدعى كريم وأيضًا اثنين من أصدقائه، لقد قُتل الذين اغتصبوها. مرت الأيام بعدها وطارق يقوم بزيارتها مرارًا وتكرارًا يقوم بالتحدث إليها ولكنها صامتة لا تجيبه. وفي يوم ما، كان يجلس بالكرسي في غرفتها ينظر إليها ولكنه انتبه على هاتفه الذي يصدر رنينًا عاليًا. انتبهت سارة لهاتفه ونظرت إليه.
طارق بإحراج: "ده ابن أختي بيرن عليّ، لحظة."
قام بالرد على المكالمة.
طارق باستفسار: "نعم يا هشام عايز إيه؟"
صمت كأنه ينتظر الرد من الجهة الأخرى، أما سارة فانتبهت لحديثه مع قريبه.
طارق بابتسامة: "طب ليه ما تخرجش؟ غير جو مش كل حاجة مذاكرة."
اتسعت ابتسامته وتحدث بحنان أبوي.
طارق: "وأنا كمان يا حبيبي."
أغلق المكالمة ونظر لسارة التي تنظر إليه بالمقابل ولكنها أبعدت نظرها عنه سريعًا. أردف طارق بتوضيح كأنها سألته ماذا هناك.
طارق: "ده هشام ابن أختي نفسيته تعبانة من المذاكرة ومخنوق، فكان بيشتكي لي واقترحت عليه إنه يغير جو."
نظرت إليه باستفسار.
طارق بتبرير وهو ينظر في عُمق عينيها: "أصل مش كل حاجة مذاكرة يعني، في حياة نستاهل إننا نعيش كل لحظة فيها."
هزت رأسها وظلت صامتة قليلًا، وبدأت بالتحدث.
سارة: "ممكن أطلب من حضرتك طلب؟"
طارق: "أكيد."
سارة: "ممكن أعمل مكالمة من عند حضرتك؟"
طارق بابتسامة: "اتفضلي."
أعطاها الهاتف وترددت لثوانٍ ولكنها قامت بالضغط على عدة أرقام وبدأت بالاتصال وبعد عدة رنات سمعت صوت والدتها المُرهق.
نادية: "ألو."
هبط الدموع من مقلتيها وهي تستمع لصوتها.
نادية بتكرار: "ألو؟"
حاولت أن تكتم شهقاتها وخاصة عندما سمعت صوت أختها.
مريم: "مين يا ماما؟"
نادية: "مش عارفة، ما حدش بيرد."
أخذت الهاتف منها وبدأت بالتحدث.
مريم: "ألو؟"
نظرت لوالدتها.
مريم: "أكيد بني آدم ما عندوش ريحة الدم بيعاكس. إحنا مش ناقصين."
أغلقت المكالمة الهاتفية وهنا جهشت سارة بالبكاء. تشتاق إليهما كثيرًا. تريد أن تراهما ولكن لم يعد بإمكانها البقاء معهما. انتبهت على طارق الذي يربت على كتفها ولكن انتفض جسدها بسبب لمسته تلك.
طارق وهو يُبعد يديه عنها: "أنا آسف، أنا بس ما حبيتش أشوفك كده. ما تزعليش."
هزت سارة رأسها وأعطته هاتفه.
في الوقت الحالي:
كانت تبكي لذكرى أختها الوحيدة. تتذكر كيف أخبرتها أختها أن طارق ظل بجانبها حتى شعرت بتحسن ومع الأيام بدأت بالتحدث إليه. كانت تُخبرها أن قصصه جميلة ورائعة يجب أن تستمع إليه في يوم ما. ظلت أختها بعيدة لمدة طويلة لا يعلمون أين هي حتى فقدوا الأمل في أنها حية ولكن في يوم ما.
منذ عشر سنوات:
كانت نادية تسير في أحد المولات تتبضع وتقوم بشراء بعض الثياب لمريم ولكنها صُدمت عندما رأت فتاة تشبه ابنتها سارة المُتغيبة عن المنزل. هرولت نحوها بسرعة ولهفة ووضعت يديها على كتفها لتنتبه لها.
نادية: "سارة."
نظرت سارة بصدمة لوالدتها، احتضنتها نادية بقوة تشُم رائحتها العزيزة على قلبها لوقت لم تحسُبه ثم ابتعدت عنها.
نادية بعدم تصديق وهي تمسك وجهها بيديها: "حبيبتي، أنتِ قدامي بجد؟ أنتِ عايشة؟"
كادت أن تتحدث ولكن قاطعها حديث أحدهم.
الشخص المجهول لسارة: "في مشكلة يا هانم؟"
سارة: "لا ما فيش، روح إنت."
نظرت لوالدتها التي تنظر للرجل الذي يبدو عليه أنه حارس شخصي وتعجبت أكثر عندما انضم لرجال آخرين يرتدون مثله.
نادية باستفسار وعدم استيعاب: "مين دول؟ وأنتِ روحتي فين؟ أنا تعبت قوي أنا وأختك وإحنا بندور عليكي، حرام عليكي يا بنتي توجعي قلبي عليكي."
لم تجبها وتعجبت والدتها من صمتها ذلك ثم نظرت لملابسها التي تدل أنها تعيش في مستوى أعلى منهم ماديًا، أي في ترف.
نادية باستفسار: "ردي عليّ يا سارة، ساكتة ليه؟"
حاولت التحكم بدموعها وقامت بالتحدث باللامبالاة.
سارة: "نعم عايزة إيه؟"
نادية باستفسار وتعجب: "يعني إيه عايزة إيه؟ أنا بطمن عليكي، بطمن على بنتي اللي اختفت من حضني فجأة لمدة سنتين."
سارة: "لا أنا ما كنتش مختفية ولا حاجة، أنا كنت عايشة حياتي اللي أنا عايزاها مع اللي بحبه."
كان الألم يعتصر قلبها وهي تتحدث بتلك الطريقة مع والدتها. كانت نادية تنظر لها بذهول من حديثها الجريء ذلك، لم تربِ ابنتها هكذا أبدًا! أرادت الهروب والبكاء بعيدًا عن أعين والدتها وكم تتمنى أيضًا أن ترتمي بأحضانها تبكي وتخبرها عن ما حدث لها في ذلك اليوم. تقدم أحد الرجال نحوها.
الشخص المجهول: "حضرتك هتتحركي إمتى؟"
سارة: "دلوقتي."
تحسرت عندما رأت نظرة سخط من والدتها. رفعت نادية رأسها بتعالٍ وتركتها ورحلت وهنا كانت النهاية بالنسبة إليها. فقد رأت أنها ماتت في عين والدتها. وهنا تحررت دموعها وقررت الرحيل.
قامت مريم بمسح دموعها وهي تتذكر خدعة أختها لهم بأنها تركتهم بقصد منها. أمها صدقت تلك الخدعة ولكنها لم تُصدقها فهي تعلمها جيدًا.
هي من قامت بتربيتها وتعلم تصرفاتها وقراراتها. تتذكر ذلك اليوم الذي جاء به اتصال على هاتف البيت الأرضي وكانت سارة تطمئن عليها في غياب والدتها عن المنزل وذلك لأنها استسلمت لاشتياقهما. تتذكر أنها عاتبتها ولكن سارة طلبت منها أن تقابلها لتقص عليها ما حدث لها. تتذكر كم بكت في ذلك اليوم معها ولكنها كانت سعيدة عندما أخبرتها أنها تحب أحدًا.
سارة بابتسامة: بيحبني أوي.. هو ممكن ما يبانش عليه إنه بيحبني عشان هو مش بيتكلم كثير، بس عينيه واضح فيها كل حاجة ليا.
مريم بابتسامة: اسمه إيه بقى؟
صمتت سارة قليلًا وهي تنظر إليها ثم تنهدت وأجابتها.
سارة بابتسامة هائمة: اسمه براء.
مريم: اسمه حلو أوي.
سارة: جدًا.. وخاصة لما يكون اسم على مسمى.. تحسيه تركيبة غريبة كده.. شخص مش شبهنا، لا هو أحسن مننا بس ظروفه هي اللي خلته كده، بس في بيني وبينه عامل مشترك.
مريم بعدم فهم: أنا مش فاهمة حاجة، يعني هو كويس طيب؟
سارة بابتسامة: آه كويس.
مريم بتنهيدة: وده المهم طبعًا، هتتجوزوا إمتى بقى؟
اختفت ابتسامتها عندما سمعت ذلك السؤال.
سارة وهي تغير مجرى الحديث: صحيح شوفي جبتلك إيه؟
أرتها الملابس الجديدة التي قامت بشرائها لها. وهكذا ظلت لقاءاتها بأختها سرية دون علم والدتها.
استقامت مريم من الفراش تحاول أن تستفيق من الشعور الذي تشعر به، دلفت للحمام وتركت المياه تنساب على جسدها وهي تتذكر ذلك اليوم الذي لن تنساه طيلة حياتها وهو يوم وفاتهما... والدتها وأختها.
كانت تجلس معها بمكان يدردشان سويًا.
مريم: هتكلمي ماما إمتى؟
سارة بتوضيح: تقصدي هكلمها للمرة الكام؟ تقصدي هتحايل عليها إنها تسمعني للمرة الكام؟
مريم برجاء: مهما يكن.. دي ماما وعمرها ما هتقولك لا، إنتي بس حاولي معاها بدل المرة 100 مرة، ماما بتحبنا إحنا الاثنين وبتحبك إنتي أكثر مني وإنتي عارفة ده كويس.. أي نعم لما تكلميها ثاني هتمثل إنك مش مهمة بالنسبة لها بس إنتي حاولي معاها وهي أكيد هتلين، وأنا المرة دي هكون موجودة وقتها وهقنعها.
صمتت قليلًا تنظر إليها ولكن مريم شجعتها بابتسامة.
سارة: طيب، هبقى أكلمها لما أروح بس خليكي قريبة.. يعني تكوني جنبها كده عشان تقدر تسمعني، أهو تخليها تلين شويه بدل ما هي كل مرة تقفل السكة في وشي.
مريم بابتسامة: ماشي، ما تقلقيش.
تنهدت سارة ثم صمتت تنظر لأختها.
سارة: مش عايزة حاجة تلفت انتباهك عن دراستك أبدًا.. إنتي في طب يعني اهتمامك الحالي دلوقتي لازم يكون المذاكرة وبس.
مريم بابتسامة: ما تقلقيش، أنا قدها.
بعدما انتهت مقابلتها مع أختها ذهبت للبيت وتناولت الغداء مع والدتها والتي اختفت الابتسامة من وجهها منذ ذلك اليوم.. قررت أن تبدأ بالحديث.
مريم بحمحمة: ماما.
نادية بانتباه لحديثها: إيه؟
مريم باستفسار: هو أنا ممكن أقولك حاجة؟
نادية: قولي.
مريم بتوتر: بالنسبة لسارة هي...
نادية بغضب مقاطعة لها: إياكي تجيبي سيرتها ثاني.. إنتي مالكيش أخت اسمها سارة أبدًا.
مريم: ماما إنتي فاهمة غلط، سا...
نادية مقاطعة لها: اخرسي، ما تجيبيش سيرتها ثاني بقولك.. هي خلاص ماتت لما هربت وسابتنا ومشيت على حل شعرها.
مريم بإصرار: يا ماما أرجوكي افهميني، بلاش تظلميها.. سارة بتحبنا ومستحيل تسيبنا أبدًا، أنا و...
نادية بغضب: بس مش عايزة أسمع ولا كلمة.
كادت أن تتحدث مريم مرة أخرى ولكنها صمتت عندما سمعت صوت هاتف والدتها يصدر رنينًا.. استقامت والدتها من المقعد وحملت هاتفها تنظر للرقم غير المدون على هاتفها.. تنهدت ثم تحدثت بهدوء.
نادية: ألو.
كان هناك صمت تام.
نادية بتكرار: ألو، مين؟
سارة بصوت متحشرج من البكاء: ماما.
صمتت نادية عندما وصلها صوتها وكادت أن تغلق الهاتف، تحدثت سارة كأنها تراها.
سارة ببكاء: ماما أرجوكي ما تقفليش، اسمعيني، أنا آسفة سامحيني عشان خاطري، كان غصب عني يا أمي، أنا ما أقدرش أعيش من غير رضاكي عليا، ارضي عني يا حبيبتي وسامحيني وخليني أشوفك ما تعمليش فيا كده.
نادية بحزم: إياكي تتصلي هنا ثاني، وكلمة ماما دي محرمة عليكي، إنتي لا بنتي ولا أعرفك، أنا زمان كان عندي بنت اسمها سارة وماتت يومها، لكن إنتي معرفكيش أ...
صمتت نادية لأنها على مشارف البكاء وفي ذات الوقت تنظر لمريم التي تحاول الإشارة لها بالهدوء وتترجاها أن تستمع إليها.
سارة باستفسار: ماما، إنتي معايا؟
نادية بتنهيدة واستسلام: أيوه.
سارة: أنا هاجي أزورك بكرة وأشرح...
تعجبت نادية من صمتها ولكنها انتبهت عندما تحدثت سارة مرة أخرى.
سارة بهمس: ماما اقفلي دلوقتي، هاجيلك بكرة زي ما قلتلك.
تعجبت نادية من همسها ولكنها ما تعجبته أكثر هو أن سارة نسيت وتركت المكالمة الهاتفية مستمرة!
ظلت نادية تستمع لما يحدث عند سارة غير منتبهة لمريم التي تقوم بالإشارة لها تستفسر عن صمتها ذلك. تعجبت مريم من تغير ملامح والدتها التي تنصت للهاتف جيدًا ولكنها بررت أنه من الممكن أن سارة تقوم بسرد ما حدث لها. تنهدت وقررت أن تتركها تستمع إليها، ذهبت لغرفتها تجلس بفراشها تفكر في أن أيامهم القادمة ستكون جميلة وستجعل والدتها وأختها سعيدتين بها فهي ستحاول قدر المستطاع أن تهون عليهما فهي لا تملك أحدًا غيرهما. مرت دقيقة اثنتان وثلاثة وهلعت عندما سمعت صوت صراخ والدتها.
نادية: قتلها.. قتلها.. يا سارة.. يا سارة..
هرولت مريم بسرعة نحو والدتها التي تصرخ بهيستيريا وتقوم باللطم على وجهها وتطلب الاستغاثة لابنتها وعزيزة قلبها.
مريم باستفسار وبكاء وعدم فهم لحالة والدتها: ماما.. في إيه؟
أبعدت نادية الهاتف عن أذنيها وهي تنظر لابنتها بذهول وصدمة: قتلها.
مريم: مين قتل مين؟
نادية: سارة.. قتلها.
مريم ببكاء وصراخ: مين؟
بدأت أنفاس نادية تنقطع فقد أصابتها أزمة قلبية. أمسكت مريم بيد والدتها تحاول إسنادها.. ولكنها ظلت تكرر تلك الكلمة.. "قتلها".
مريم ببكاء وهي تحتضنها: مين؟
لم تستطع أن تنطق اسمه لأنها لا تتذكره كل ما تذكره هو قتلها.
نادية بنفس متقطع: اللي هي.. عايشة معاه.. قتل سارة.
أغمضت نادية عينيها واستكانت في أحضان ابنتها التي تبكي ولا تفهم أي شيء مما حدث. حاولت أن تفيق والدتها بعمل إسعافات أولية لها ولكنها لم تستطع. صرخت مريم بقهر ترجو من والدتها الاستيقاظ ولكنها لم تستيقظ ورحلت عن هذه الدنيا.
في الوقت الحالي:
في المشفى:
كان طارق يقوم بتجهيز أشياءه للرحيل من المشفى والسفر وأثناء تعبئته لأشياءه أمسك بإبريق خزفي بمعنى آخر "مج" لونه أبيض مدون به جملة ما.. "الإصرار على التفاؤل قد يصنع ما كان مستحيلًا".. يتذكر ذلك اليوم الذي أعطته فيه تلك الهدية.
منذ سنوات عديدة:
كانا يقومان بالتمشية سويًا في أحد الأماكن سويًا.
سارة بابتسامة: إنت لحد الآن تعرف عني كل حاجة وأنا معرفش عنك أي حاجة خالص غير إنك عندك ابن أخت واسمه هشام.
ابتسم لحديثها ثم أردف.
طارق وهو ينظر بعمق عينيها: عشان لسه ما لقيتهاش.
سارة باستفسار: هي مين؟
طارق: الإنسانة اللي شبهي.
سارة: لو الواحد فضل يدور على اللي شبهه هيفضل طول عمره أعزب زيك كده.
طارق: لا على فكرة أنا طول عمري ما كنتش أعزب أنا كنت خاطب قبل كده وفسخت ما حصلش نصيب يعني.
سارة بهمهمة: تمام.
في الوقت الحالي:
تنهد طارق بحزن وهو ينظر لذلك الكوب ولكنه استفاق عندما سمع صوت باب الغرفة يغلق خلفه. التفت للخلف وتفاجأ بوجود ياسين المغربي يقف أمامه بهدوء طاغي.. صامت فقط ولكن كالعادة ملامحه الهادئة الباردة لا تبشر بالخير.
ياسين بابتسامة هادئة: على فين يا دكتور؟
رواية القاتل الراقي الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سارة بركات
"لكل جريمة شاهد - طفل مكسور"
توتر طارق عندما رآه أمامه بشكل مفاجئ هكذا، حاول إخفاء ارتباكه وتوتره.
طارق بهدوء مصطنع: آخر يوم ليا في المستشفى النهاردة.
اقترب ياسين منه بخطوات قليلة حتى توقف أمامه مباشرة وظل ينظر له بهدوء.
ياسين: قبل ما تمشي يا دكتور، في كلام كتير بيني وبينك لازم يتقال.
توتر طارق أكثر ونظر حوله يحاول الهرب لأنه يعلم أن نهاية ذلك الحديث لا تبشر بالخير. ترك الحقيبة التي بيده وحاول الهرب كالسارق، ولكن ياسين أمسكه من ياقة قميصه. التفت طارق له وحاول لكمه ليستطيع الهرب منه، ولكن ياسين تفادى تلك اللكمة ورد له لكمة قوية أوقعته أرضًا. أمسكه ياسين من فروة رأسه يسحبه بقوة ليرفع رأسه إليه.
ياسين بهدوء: في حاجة حصلت النهاردة وأنا محتاج أعرف منك تفاصيلها، مش مطلوب منك إنك تهرب مني زي الحرامي، المطلوب منك إنك تجاوبني بصراحة.
ضحك طارق والدم يسيل من فمه وهو ينظر في عينيه على اعتقاده أن ياسين يتحدث عن مقابلته مع مريم. عقد ياسين حاجبيه بسبب ضحكاته تلك.
طارق: أول مرة أشوف ياسين المغربي خايف، عينيك واضح فيها الخوف، خايف مراتك تسيبك وتمشي لدرجة إنك ما سألتهاش بنفسك أنا قلت لها إيه النهاردة؟
استطاع طارق الابتعاد من تحت يد ياسين واستأنف حديثه.
طارق: خايف أكون قلت لها إنك قتلت أختها؟ ولا خايف تعرف إنك ما كنتش بتحبها أصلًا وإنك بتحب سارة لحد دلوقتي.
صمت ياسين قليلًا وهو ينظر إليه ثم ابتسم بهدوء وبدأ بالتحدث.
ياسين بابتسامة: مش ده يا دكتور اللي جاي أتكلم معاك فيه، وبعدين دي أمور خاصة بيني وبين زوجتي مالكش إنك تتدخل فيها.
اختفت ابتسامة طارق وتحولت ملامحه للخوف عندما لاحظ نظرته الخالية من الحياة تلك.
ياسين باستفسار: سمعت إن حبيبتك كانت بين إيديك وهي ميتة، ممكن أعرف إزاي؟
عاد طارق للخلف من خوفه، ولكن مع كل خطوة كان يرجع بها كان ياسين يقترب منه ببرود. ظل طارق يعود للخلف حتى أصبح ظهره ملتصقًا بالحائط، نظر حوله ووجد ذلك الكوب الخزفي موجودًا على المكتب بجواره، اعتدل ووقف أرضًا وحمل ذلك الكوب وقام بكسره ورفع الجزء الحاد أمام وجه ياسين.
طارق: لو قربت مني هقتلك.
اقترب منه ياسين ببرود وطارق ما زال يلوح بذلك الكوب المكسور أمامه. أمسك ياسين بيده التي تحمل الكوب بقوة وحاول طارق أن يقوم بسحب يده وبالفعل استطاع ووجه الكوب بسرعة نحو شريان يد ياسين الأيسر، وبحركة سريعة من ياسين أمسك بيده التي تحمل الكوب مرة أخرى وصرخ طارق بألم لأن ياسين قام بكسر أصابعه ووقع الكوب المكسور أرضًا. أمسك طارق يده المكسور أصابعها بيده السليمة يحاول تحمل الألم الذي لا يطاق. أما بالنسبة لياسين فقد تجاهل الدماء التي تخرج من شريان يده اليسرى وضم يديه خلف ظهره وتحدث بهدوء.
ياسين: موتك سهل بالنسبة لي، لكن أنا في العموم جاي في استفسار بسيط يا دكتور، إزاي سارة كانت بين إيديك وهي ميتة؟ ده السؤال اللي أنا عايزك تجاوبني عليه.
نظر طارق له وعلى محياه الألم وتحدث بألم.
طارق: أنا عارف إنك قتلتها أو بمعنى أصح سمعتك.
لم تتغير ملامح ياسين وظل ينظر إليه ينتظر أن يكمل.
طارق: قبل ما تروح لها أنا كنت هناك، كنت قاعد على السلم قدام شقتها...
منذ ثماني سنوات:
كان يجلس على أحد الأدراج أمام شقتها ينظر أمامه بحزن وشرود، لا يدري كم عدد المرات التي ستخبره فيها أنها تحب ياسين وستظل معه دائمًا. لا يصدق كيف رفضته وهو يخبرها أنه يريد أن يتزوجها، أنه يريدها أن تكون شريكة حياته. يا لك من مغفل يا طارق، أنت أحمق! لا يدري كم مر من الوقت وهو يجلس على الدرج هكذا. حتى سمع صوت المصعد يتحرك وتوقف في الطابق الموجود به. استقام بسرعة من مقعده وصعد للأعلى ليرى من أتى. لقد كان هو، ياسين المغربي، يخرج من المصعد ووقف أمام باب الشقة وقام بفتح الباب بالمفتاح ثم أغلقه خلفه. تألم طارق لأنه شعر أن قلبه ينخلع من صدره عندما رأى رجلًا غيره يقوم بزيارة حبيبته في شقتها. قرر الرحيل والابتعاد عنها محاولًا نسيانها ليعيش حياة طيبة هادئة. هبط على الأدراج بهدوء يحاول الخروج من المبنى السكني الراقي ذلك. وعندما اقترب من الشقة سمع همسات عالية بعض الشيء خلف ذلك الباب، استنتج أنهم يتبادلون أطراف الحديث. أراد الرحيل ولكن فضوله جعله يضع أذنه بهدوء على الباب يحاول الاستماع لما يقولونه.
سارة: ياسين في إيه؟ كلامك مش مريحني.
ياسين: وتاني أكتر حاجة بكرهها في حياتي هي إن حد يعمل نفسه عبيط عليّ.
سارة: صدقني مش فاهمة حاجة و...
عقد طارق حاجبيه لما يسمع. انتفض عندما سمع صراخها.
سارة: أنا ما عملتش حاجة صدقني، ما عملتش أي حاجة.
ياسين: بتبيعيني لأعدائي؟
سارة: أنا ما عملتش حاجة، أنا ما خونتكش، أنت عارف إني بحبك وما أقدرش أخونك، ما أقدرش أعمل أي حاجة تأذيك.
ياسين: تالت أكتر حاجة بكرهها في حياتي هي الكذب.
كان طارق يشعر بالخوف ولا يعلم السبب. ولكن لماذا طال صمتهم هكذا؟ هل سيتركها أخيرًا له؟ هل سيتركها لحال سبيلها؟ يبدو أنه يقوم بإنهاء علاقته بها. تجدد الأمل بداخله عندما سمع جملة ياسين تلك.
ياسين: عملت منك بني آدمة وأنت مجرد واحدة رخيصة، أنت بالذات ما كنتش أتوقع منها إنها تخونني، بس عملت حسابي إن اليوم ده هييجي، لإني عمري ما وثقت فيك زي أي حد.
عقد حاجبيه عندما صمت ياسين قليلًا ولكن انتبه لحديثه عندما تحدث.
ياسين: أنت خائنة زيك زي الكل.
سارة: ياسين، هحكي لك على كل حاجة هما قالوا لي...
تعجب طارق عندما صمتت ولكنه صدم عندما سمع حديث ياسين.
ياسين: ارموا جثتها في البحر، ومش عايز يكون في أثر لوجودي في الشقة.
لم يشعر طارق سوى أنه يصعد للأعلى مرة أخرى ولكن تلك المرة الصدمة بادية على وجهه. لماذا قال جثة؟ هل... هل قتلها؟ لا يمكن! هبط على الأدراج بسرعة عندما هبط ياسين بالمصعد ودخل الشقة وجدها ملقاة أرضًا. هرول نحوها بسرعة يحاول إيقاظها ولكنه صرع تمامًا عندما وجدها مفتوحة العينين تنظر أمامها بنظرات خالية من الحياة وفي ذات الوقت رقبتها تنزف بشدة.
طارق بصوت مرتعش: سارة.
حاول إيقاظها بشتى الطرق ولكن دون شعور منه بدأ بالبكاء واحتضنها بقوة يبكي بقهر عليها ولكنه انتبه عندما سمع صوت أقدام تصعد على أدراج سلالم المبنى بسرعة. ابتعد عنها وصعد للأعلى مرة أخرى وهو يحاول أن يقوم بكتم شهقاته من صدمته التي عاشها. لقد ماتت حبيبته، لقد قتلها من أحبته، قتلها دون أن يرمش له جفن. حمل رجال ياسين جثتها وخرجوا من الشقة بعد أن قاموا بإشعال النيران في الشقة. أما طارق ظل بمكانه يبكي على فقدان حبيبته.
في الوقت الحالي:
كانت مريم تجلس بالغرفة حزينة وفي ذات الوقت تشعر بالإعياء قليلًا وبعض الدوار، تنهدت بصعوبة وقامت بفتح هاتفها متجاهلة جميع الرسائل المرسلة إليها من قبل أشرقت. وقامت بفتح برنامج معين على الهاتف تحسب به أيامًا معينة بالشهر وتفاجأت أنه مر أسبوع على التاريخ الموجود أمامها. استقامت من مقعدها وتوجهت نحو أحد أدراج خزانة ملابسها، كانت هناك علبة صغيرة موجودة بحقيبتها قد قامت بشرائها مؤخرًا من المستوصف الطبي عندما تأخر طمثها يومين وذلك كان منذ شهرين، ولكن بعد شراء ذلك الاختبار وجدت أنها قد قامت بشرائه دون فائدة وقامت بالاحتفاظ به لوقتها. قامت بفتح العلبة وأخذت الاختبار بيدها وهي ترتعش لا تدري من الخوف أم من ما هو آت؟ بدأت بعمل الاختبار وانتظرت لدقائق وعندما نظرت إليه بدأت بالبكاء، فقد كانت النتيجة إيجابية، يعني أنها تحمل طفله. كان طارق يحاول أن يمنع تلك الدموع من الهطول ولكن مع الأسف هبطت الدموع من مقلتيه وهو ينظر إليه. أما بالنسبة لياسين فقد كان ينظر إليه بالمقابل بهدوء، التفت وتوجه نحو باب الغرفة ليرحل ولكن استوقفه استفسار طارق الذي يبكي.
طارق: كانت بتحبك، اختارتك أنت عن الدنيا كلها، إزاي قدرت تعمل فيها كده؟ أنت إزاي قدرت تتجوز أختها؟ إزاي عايش معاها تحت سقف واحد وأنت قاتل أختها؟ ضميرك مرتاح؟ أنت إزاي عملت فيها وفيّ أنا كده؟ دي إنسانة سلمتك حياتها ونفسها، إزاي عملت فيها كده؟
لم يجبه ياسين وقام بفتح باب الغرفة وكاد أن يخرج.
طارق: طب ليه ما قتلتنيش لحد دلوقتي؟ ليه خارج وسايبني كده؟
تحدث ياسين بهدوء وهو معطيًا إياه ظهره.
ياسين: لأن إحساس الفقدان أصعب من الموت، والموت رحمة لك.
أغلق ياسين الباب خلفه. أما بالنسبة لطارق فقد بكى بنحيب لتذكره تلك الواقعة مرارًا وتكرارًا. لقد تدمر بعد وفاتها، كان طبيبًا مسالمًا يحب الابتسامة ويتمنى الخير للجميع ولكن حاله ذلك تبدل من بعد ما حدث لحبيبته، لقد تحول لأكثر شخص يمقته، شخص يتملكه الانتقام ويملأه الكره. لقد أحبها كثيرًا، لقد كانت الإنسانة الوحيدة التي قام باختيارها وستظل كذلك. سينتقم لها، هو من سيقوم بذلك تلك المرة ولا أحد سيفعلها غيره.
بمرور الوقت:
كانت مستلقية بفراشها على جانبها الأيمن واضعة يدها على بطنها الملساء تمسح عليها بهدوء، تنظر أمامها بشرود لا تدري ماذا تفعل. تشعر بأنها تائهة، تشعر أنها قد طعنت بخنجر في قلبها. لقد رأت الكثير من الصعاب وهي مراهقة، بكت وتألمت وصرخت ولم يراها أو يسمعها أحد، لقد كانت وحيدة. كانت تمر عليها ليال بدون أن تأكل شيئًا، لقد كان بقائها على قيد الحياة في ذلك الوقت معجزة. استفاقت عندما سمعت باب الغرفة يفتح ويتم إغلاقه بعدها بهدوء. ظلت هكذا ولم تستدر.
وقف ياسين في الجهة الأخرى من الفراش ينظر لها بملامح هادئة. تحرك للجهة الأخرى، شعرت به يقترب نحوها وأغمضت عينيها بسرعة لا تريد أن تراه. وقف ياسين أمامها وهبط أرضًا ليكون بنفس مستوى جسدها وقام بتقبيل رأسها وهنا شعر بانتفاضة جسدها إثر قبلته تلك.
ياسين: "مريم."
كانت تجاهد محاولة عدم فتح عينيها وانتبه لمحاولتها تلك. اعتدل وتوقف وتحرك نحو المرآة وقام بفك ربطة عنقه ولكنه التفت عندما سمعها تتحدث إليه وهي معطيته ظهرها.
مريم: "أنا محتاجة فترة راحة، محتاجة أسافر في مكان أرتاح شوية."
ظل واقفًا بمكانه ينظر بهدوء لتلك القابعة بفراشها والتي لا تريد حتى النظر إليه. ولكنه عاد والتفت مرة أخرى ينظر للمرآة كأنها لم تتحدث مطلقًا. أما بالنسبة إليها فقد تضايقت لتجاهله لها وأنه لم يجبها، عقدت حاجبيها بغضب واستقامت من فراشها ونظرت إليه وهو يقوم بخلع سترته بهدوء ولكنها لم تنتبه لهدوئه وهو يقوم بذلك.
مريم بغضب: "بقولك أنا عايزة أمشي من هنا."
لم يجبها وتجاهلها حتى قام بخلع سترته بهدوء وهنا تفاجأت مريم عندما رأت الدماء بقميصه وانتبهت لنقطة الدماء التي سقطت أرضًا من يده اليسرى. شعرت أنها تريد التقيؤ لمظهر الدماء أمامها ولكنها حاولت التحكم بذلك الشعور. بدأ ياسين بفك أزرار قميصه ولا يعيرها أي انتباه.
مريم بغضب: "أنا بتكلم، رد عليا ماتتجاهلنيش."
ولأول مرة يعلن ياسين عن غضبه ويتحدث بصوت عالٍ.
ياسين: "عايزة تمشي امشي، ماتنتظريش مني إجابة، .. *أشار لباب الغرفة* .. اتفضلي الباب قدامك."
هدأت ملامحها عندما رأته غاضب هكذا. ملامح لم تراها قبلًا. ذلك القاتل البارد. المجرم. لقد كان غاضبًا حقًا. دخلت الغرفة الخاصة بخزانتها لكي تقوم بتجهيز حقيبتها وبعد دقائق خرجت من الغرفة وقد بدلت منامتها لثيابٍ أخرى مناسبة وتجر خلفها حقيبة كبيرة كأنها تقوم بالهجرة لبلدٍ آخر ولن تعود. تجاهل ياسين ذلك وذهب للحمام ليقوم بتضميد جرح يده. أما بالنسبة لمريم فقد خرجت من الغرفة بدون أن تنظر خلفها لأنها ستذهب دون رجعة. تحركت بالممر وحمدت الله أنها لم تقابل عماد في طريقها فهو سوف يتمسك بها لكي لا ترحل. طلبت من الخادمات المساعدة في تنزيل الحقيبة معها وقد ساعدوها بالفعل في ذلك. هبطت على الدرج خلفهم بهدوء وهي تقوم بالمسح على بطنها بهدوء لا تصدق ما يحدث تشعر أنها في كابوس. إنها تحمل جنين ذلك القاتل. عقدت حاجبيها بغضب ولكنها تحاول أن تتحمل فهي وأخيرًا ستخرج من ذلك الكابوس. خرجت من القصر وركبت إحدى السيارات ليقوم أحد السائقين بإيصالها لأقرب محطة مواصلات بناءً على أمرٍ منها، وأصرت على عدم ملاحقة أحد من الحرس خلفها. كان ياسين يقوم بتضميد جرح يده بالحمام وبعد أن انتهى قام بإلقاء المخلفات التي استخدمها في القمامة وكاد أن يغلق سلة القمامة وجد جهاز صغير ملقى بها. التقط الجهاز ورأى النتيجة التي أمامه.
بعد مرور خمسة أشهر:
كانت تسير على إحدى الشواطئ بمدينة الإسكندرية. تنظر أمامها بشرود تتأمل حالها. لقد مرت خمسة أشهرٍ منذ أن تركت القصر ولكن غضبها لم يخمد. ونيران الانتقام بداخلها لم تنطفئ. نظرًا لأنها تحمل في بطنها قطعة منه تذكرها به. كان عماد وأشرقت يقومون بالاتصال بها باستمرار ليعلموا بمكانها ولكنها لم تخبرهم. كانت تقوم بإطمئنانهم أنها بخير ولا تخبرهم بأي شيء آخر. لم تتعجب أن ياسين لم يتصل بها خلال تلك المدة الطويلة فهي كانت تهرب منه لأنها لا تريد رؤيته من الأساس ولا حتى الاستماع إلى صوته التي باتت تمقته. بعد أن قامت بالتمشية قليلًا قررت العودة للشقة التي تقطن بها وبالطبع قامت بالعودة إلى العمل في إحدى المستشفيات بالإسكندرية ولكن بشكل متقطع ولتعجبها لقد رأف بحالها مدير المشفى فهي امرأة حبلى في الشهر السادس. تتذكر سعادتها عندما علمت جنس الجنين وأنها تحمل في بطنها ولدًا؟ كانت سعادتها لا توصف فهي أم تنتظر لقاءها بجنينها. بعد دقائق قليلة وصلت لشقتها وصعدت بالمصعد للطابق المطلوب ثم قامت بفتح الشقة بالمفتاح وهي تحمل بعضًا من الحقائب البلاستيكية بها بعض الأدوية لأجلها وأيضًا مكونات طعام الغداء الذي ستقوم بتجهيزه. وفي ذات الوقت تتذكر في بداية حملها أنها في البداية كانت تتمنى أن تتخلص من ذلك الجنين ولكن مع الأسف هذا الطفل ليس له ذنب فيما فعله والده. ومن جهة أخرى هي تكون والدته. كيف لأم أن تتخلص من ابنها وقرة عينها؟؟؟ تنهدت بصعوبة عندما دلفت للشقة وأغلقت الباب خلفها. تشعر بأنها قامت بمجهود كبير لا يطاق على الرغم أنها قد سارت لمدة ساعة تقريبًا وذلك لكي تحسن من نفسيتها بناءً على تعليمات الطبيبة التي بدأت بالمتابعة معها منذ أن أتت هنا. توجهت نحو غرفة الصالون لتريح قدمها قليلًا وعندما دخلت الغرفة صدمت عندما وجدته أمامها. ينظر لها بهدوء. أما هي فقد شعرت بشعورين مختلفين عن بعضهما عندما رأته أمامها. فقد شعرت الغضب والخوف في آن واحد وبحركة تلقائية منها وضعت يدها على بطنها الممتلئ كأنها تحاول أن تحمي طفلها من الشخص الذي تراه أمامها. نظر ياسين نحو يدها التي تضعها بحماية على بطنها الممتلئ وابتسم بهدوء.
ياسين: "أنا مش هأذيكم."
مريم: "إنت بتعمل إيه هنا؟"
ياسين بهدوء: "أنا جاي أطمن على زوجتي وطفلي."
مريم بغضب: "اطلع بره، مش عايزة أشوفك هنا."
ياسين وهو ينظر في عمق عينيها: "لو مش عايزة تشوفيني هنا، يبقى خليكي جريئة وواجهيني يا مريم بدل مانتي خايفة من مواجهتي."
نظرت له قليلًا وشعرت أنها تريد البكاء.
مريم: "مع الأسف إنت ضيعت حقك في المواجهة يا ... *نظرت له بكرهٍ وسخطٍ* .. براء، شوف إنت جاي ليه واتفضل امشي، إنت مش مرحب بيك في بيتي."
تركته وذهبت لغرفتها ولكنه ظل واقفًا بمكانه ولم يذهب. أما هي بدأت بالبكاء على ما تشعر به. قاتل أختها بالخارج. براء بالخارج!! حتى الآن تشعر بالتيه لا تعلم كيف تتصرف. لا تعلم ماذا تفعل. الرجل الذي أحبته منذ الصغر ووالد ابنها يكون قاتل أختها!! ظلت هكذا تبكي لا تدري ما العمل لأنه من الواضح أنه لم يخرج من الشقة حتى الآن. لن يتركها. ظلت هكذا خائفة على نفسها وحياة طفلها وتبكي بسبب ما فعله بها ياسين حتى تذكرت أمرًا ما. قامت بالبحث في أدراج الكومود تبحث عن زجاجة قد احتفظت بها سابقًا. حتى وجدتها أمامها، زجاجة صغيرة ممتلئة بمادة سائلة. نظرت لزجاجة أخرى موجودة بنفس الدرج ولكنها تجاهلتها وأغلقت الدرج وأمسكت الزجاجة بقوة. ظل ياسين بالشقة وقام بخلع سترته ووضعها على إحدى الأرائك بطريقة منظمة وراقية ونظر للحقائب البلاستيكية التي وضعتها مريم أرضًا خارج الغرفة. قام بحملها ودخل للمطبخ وبدأ بتحضير الغداء. سمع خطواتها وهي تخرج من باب غرفتها وتقترب نحوه والتفت عندما سمع حديثها.
مريم بجمود: "أنا اللي هطبخ، أنا مش ضامنه إنك ممكن تحطلي سم في الأكل عشان تخلص مني أنا وابني زي ما عملت قبل كده، أنا مش زيك."
تعجب ياسين من حديثها ذلك ولكنه أفسح لها المجال. لم تنتبه لعينيه الذابلتين ولا للحيته التي نمت قليلًا مما جعله وسيمًا أكثر من ذي قبل. تركها ياسين أما هي أكملت إعدادها لطعام الغداء وبداخلها تتمنى أن ينتهي الكابوس الذي تعيش به. بعد مرور عدة دقائق. كانت قد قربت من الانتهاء من إعداد الطعام وقامت بتجهيز الصحون. نظرت نحو المكان الذي دخل منه ياسين وتأكدت بأنه لن يراها وقامت بإخراج الزجاجة من جيب بنطالها ووضعت كل السائل الذي بها في أحد الصحون وقامت برسم خطٍ صغيرٍ على الطبق بالطعام لكي تعلم أيهم هو الصحن المسموم! وضعت الصحون على الطاولة وذهبت لتناديه.
مريم ببرود: "الأكل جاهز."
ابتسم ياسين لها واستقام من مقعده وتبعها. جلست على كرسي بالطاولة الصغيرة وهو جلس أمامها على الكرسي الآخر. نظر ياسين لصحنه وتحدث بابتسامة هادئة.
ياسين: "تسلم إيديكي."
مريم بابتسامة: "مش لما تدوق الأول، وبعد كده تبقى تقول تسلم إيديكي."
ياسين بابتسامة: "مش مهم إني أدوق الأول. حتى السم من إيدك طعمه حلو."
اختفت ابتسامتها عندما رأته يحمل الملعقة ويبدأ بتناول الطعام وعندما تناول أول ملعقة انقبض قلبها. نظر لها ياسين بهدوء ثم ابتسم لها وعاد ينظر في صحنه مرة أخرى للحظات ولكنه أكمل تناوله للطعام أما هي كانت تنظر إليه وهو يتناول الطعام كله!! انتفضت عندما وقعت الملعقة من يد ياسين وهو ينظر إليها بنظرة قد كسرت قلبها لعدة قطع حتى أنها لم تشعر بدموعها التي بدأت تنهمر. شعر ياسين بالإعياء وبدأ بالتحدث.
ياسين: "أنا جاهز إنك تواجهيني ماتخافيش مني. السم هيقتلني قبل ما أقرب ناحيتك زي مانتي متوقعة."
كانت تبكي وهي تنظر إليه. هل كان يعلم؟؟؟؟ لقد تناول الطعام كله. لقد كان يعلم أن الطعام مسمومٌ من البداية!
مريم باستفسار وعدم استيعاب: "ليه؟"
نظر لها ياسين باستفسار.
مريم ببكاء: "ليه أكلت الأكل وإنت عارف إنه مسموم؟"
ياسين بابتسامة: "لإني عارف إن دي الطريقة الوحيدة اللي هتخليكي تعرفي تواجهيني، ولإني عارف إنك خايفة إني أقتلك زي ما قتلت سارة، بس أنا اللي يهمني إنتي، اللي يهمني تبقي عارفة إني حبيتك، حبيتك أكتر من أي حد، إنتي الوحيدة اللي سرقت قلبي."
هزت مريم رأسها وهي تبكي.
مريم ببكاء: "إنت متخيل إنت عملت فيا إيه؟؟ إنت قتلت أختي، وبسببك ماما ماتت. إنت ظلمتنا كلنا! قتلتنا كلنا سوا. إنت متخيل أنا شوفت إيه في حياتي من بعدهم؟؟ *صرخت ببكاء* .. متخيل أنا عشت إزاي؟؟؟"
أغمض ياسين عينيه ثم أخذ نفسًا عميقًا.
ياسين بهدوء: "هتصدقيني لو قولتلك إني من أول يوم شوفتك فيه وأنا حاسس بالذنب وماكنتش أعرف إيه السبب؟ وخاصة إن اللي لفت انتباهي ليكي هو إن فيكي شبه منها، ولما عرفت إنك تبقي أختها عرفت السبب. لإنك من بعدها حصلك حاجات كتير. أنا آسف."
مريم ببكاء: "مش متقبلة أسفك ده أبدًا. أنا تقبلتك على حقيقتك لما عرفت إنك قاتل."
بس مع الأسف كرهتك ومش طايقة وجودك، وخاصة من بعد ما عرفت إنك السبب في كل اللي أنا عشته. أنا أختي عملتلك إيه؟ سارة ما كانش في أطيب وأحن منها، إزاي تقتلها؟ إزاي تحرمني من أختي اللي ماليش غيرها؟ أنا كنت دايماً مقتنعة إنك عمرك ما هتأذيني.. مهما يكن جوزي حبيبي عمره ما يأذيني.. لكن إنت عملت إيه؟ إنت قتلتني يا ياسين! إنت قضيت عليا.
صمتت قليلًا تنظر لحالته وهي تشهق شهقات كبيرة، ثم استكملت حديثها.
مريم: ليه قتلتها؟
مريم: برافو عليك، وبعد كده قتلتها صح؟ ده السبب؟
صمت ولم يجبها.
مريم ببكاء: تعرف يا ياسين، أنا بكرهك جدًا وفي نفس الوقت مشفقة عليك جدًا. أول حاجة عشان أختي ماتت مظلومة لإنها عمرها ما خانتك ومهما يكن ذنبها إيه، فهي ما تستحقش الموت. وتاني حاجة إنك ما قتلتهاش هي لوحدها، إنت قتلتها هي وابنك.
نظر لها بدهشة من حديثها ذلك.
مريم بتأكيد وبكاء: أيوه، سارة ماتت مظلومة وكانت حامل منك وقتها.
رواية القاتل الراقي الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سارة بركات
"سأظل أحبك للأبد"
ينظر إليها بدهشة مما قالته الآن. هي بريئة؟ أأقتل إنسانة بريئة؟ ثم من أين أتت بقولها أن سارة كانت تحمل طفله؟ انتبه لها عندما سألته.
مريم باستفسار: "ساكت ليه؟ رد.. قول ليه عملت كده؟ عملت في أختي كده ليه؟"
ياسين باستفسار: "جبتي منين الكلام ده؟"
مسحت مريم عبراتها وتحدثت بقوة.
مريم: "جبته من طارق. طارق اللي عاش مخلص ليها السنين دي كلها، وفي نفس الوقت هو جاني زيك بالضبط. أنتوا الاثنين السبب في موتها، مش أنت بس."
منذ عدة أشهر:
كانت تقف أمام قبر أختها تنظر لطارق الذي يتحدث عن أختها كأنه يعرفها جيدًا، وخاصة عندما أخبرها أن ذلك هو المكان الوحيد الذي يأتي إليه دائمًا.
مريم بصراخ وبكاء: "أنت تعرف أختي منين؟"
طارق باستفسار: "هي ما حكتلكيش عني؟ اللي أعرفه إنكم كنتم بتتقابلوا كثير من سنين."
نظرت مريم له باستفسار ولكن بعدها تحولت ملامحها للاستيعاب.
مريم باستيعاب: "طارق؟!"
طارق بابتسامة حزينة: "أيوه طارق."
كانت تشعر بالذهول وهي تراه أمامها. لا تصدق. كل ذلك الوقت كان رئيسها بالعمل هو صديق أختها المقرب أو بمعنى آخر الشخص الوحيد الذي كان بجانبها في تلك السنوات الأخيرة.
مريم بصوت مهزوز: "إزاي أنت تطلع طارق اللي أختي تعرفه؟ معنى كده إنك تعرف أنا مين من البداية... معنى كده إنك..."
طارق بهدوء مقاطعًا لها: "أيوه كنت أعرف أنتِ مين. كل يوم كنت بشوفك فيه بشوفها هي مش أنتِ. الشبه كبير بينكم."
نظرت مريم لقبر سارة ثم عادت ونظرت إليه ببكاء.
مريم: "ماما قالت إن أختي اتقتلت وأنا ما أعرفش جثتها فين. ما أعرفش أي حاجة غير إن براء اللي كانت بتحبه قتلها."
لمعت الدموع في مقلتيه وتحدث بصوت مهزوز.
طارق: "مع الأسف مش هتعرفي توصلي لجثتها."
مريم ببكاء: "وأنت عرفت منين إني مش هعرف أوصل لجثتها؟ وبعدين براء اللي كانت بتحبه ده راح فين؟ أرجوك قولي أي حاجة أنت تعرفها، أنا محتاجة أعرف أي حاجة عن أختي حبيبتي اللي راحت مني."
صمتت قليلًا ثم تحدثت بتفاؤل.
مريم ببكاء وابتسامة في ذات الوقت: "طب هي ممكن تكون عايشة طيب؟ ما تعرفش مكانها فين؟"
هز طارق رأسه بحزن وتذكر عندما كان عنقها منحورًا عندما كانت بين يديه.
مريم: "سكت ليه؟ سارة عايشة صح؟ هي فين طيب؟"
طارق: "هي مش عايشة، لإنها كانت مدبوحة لما لقيتها."
شحب وجهها عندما سمعت تلك الجملة وكادت أن تقع ولكنه أمسكها من ذراعيها لتستند عليه. نظرت له بأعين تائهة ومصدومة بذات الوقت.
مريم بذهول: "أنت... أنت كنت هناك!!!! طب براء ده مكانه فين؟ أنت شوفته؟ أكيد تعرفه صح؟"
كانت ملامحه حزينة. خائف على مشاعرها. خائف أن تصدم صدمة عمرها. كيف يخبرها أن زوجها هو قاتل أختها؟
مريم: "أرجوك رد عليا، أنا تعبت كثير في حياتي السنين اللي فاتت دي، تعبت بسبب موت ماما وأختي. اتبهدلت من بعدهم وما كانش ليا حد يا طارق. أنا كنت عايشة في الشارع."
انهمرت الدموع وهي تنظر في عينيه برجاء.
طارق: "أنا آسف على اللي هقولهولك ده. اللي قتل أختك آه اسمه براء بس هو ليه اسم ثاني."
مريم بلهفة وابتسامة: "اسمه إيه؟"
طارق بحزن وهو ينظر في عينيها: "ياسين المغربي."
اختفت ابتسامتها لثوانٍ ولكن بعدها تحدثت.
مريم بعدم استيعاب: "ياسين جوزي؟!"
طارق: "أيوه جوزك، هو نفسه براء اللي سارة كانت عايشة معاه."
هزت مريم رأسها بهيستيريا.
مريم: "لا أنت كذاب. ياسين ما يعملش فيا كده."
كانت ملامح طارق كما هي. ملامح جادة وصادقة وأيضًا حزينة.
مريم بتأكيد وهيستيريا: "ياسين عمره ما يعمل فيا كده. ياسين مش هيأذيني يا طارق. ياسين بيحبني. ياسين عمره ما يدمرني." انهارت من البكاء. "جوزي مستحيل يقتل أختي. أنت فاهم؟"
هز طارق رأسه بنفي وأصر على حديثه وأمسكها من أكتافها بقوة ليثبتها أمامه.
طارق بجدية: "فوقي يا مريم. أنتِ عارفة كويس إن ياسين قاتل. وطالما هو قاتل يبقى ما يفرقش معاه حد. سواء شخص يعرفه أو شخص ما يعرفهوش."
مريم: "لا. أنت كذاب. إزاي ياسين يبقى عايش مع أختي أنا وبعدها يتجوزني؟ أنت بتقول كلام مش مفهوم. ياسين مستحيل يقتل أختي. ومستحيل يتجوزني لو هو بيحب أختي. ومستحيل يعمل فيا كل ده، وأكيد مش هتضيق بيا الدنيا وفي الآخر أروح أشتغل صدفة في المستشفى بتاعة عدوي وأتجوزه في الآخر. أنت بتكذب عليا. أكيد أنت بتحاول توقع ما بينا. أكيد أ..."
طارق مقاطعًا لها: "أنا مش بوقع بينكم. دي الحقيقة يا مريم. الحقيقة اللي أنتِ رافضة تصدقيها. جوزك قتل أختك. وهدفي من البداية كان إنه يشوفك أنتِ."
تحولت ملامحها للاستفسار.
طارق بتوضيح: "أنا اللي جبتك المستشفى عشان أنتِ شبهها، عشان لما ياسين هيشوفك هيفكرك هي، وهو مش هينتبه ليكي غير بكده."
تذكرت مريم أول لقاء بينهما في المشفى بعد أن أنهت عملية ذاك الطفل المصاب بطلق ناري. عندما رآها ياسين وكأنه رأى شخصًا يعرفه ولكنه تركها كأن شيئًا لم يكن. إذا كانت لا تعلم طباع ياسين جيدًا كانت ستقول أنه كان ينظر لها. ولكن ياسين البارد الذي لا يعير أي أحد انتباه نظر لها لعدة ثوانٍ كأنه يتأكد من شيء ما، ولكنه بعد ذلك تركها ورحل كأن شيئًا لم يكن. شعرت أن قدميها لم تعد تحملانها. جلست أرضًا مبتعدة عن طارق تتذكر كل أيامها السابقة مع ياسين. حاولت أن تنفي مرة أخرى كل الاتهامات الموجهة نحو زوجها.
مريم: "بس لو ياسين كان ليه اسم ثاني كان قالهولي."
طارق: "ممكن ما كانش حابب إنه يقولك لإن وارد جدًا تعرفيه. وبعدين في الأيام اللي قعدتِ فيها في القصر أكيد سمعتي اسم براء على الأقل حتى لو لمرة واحدة."
تذكرت عندما كانت تجلس مع عماد منذ ساعتين وهما يتسايران ويتحدثان عن ياسين. تتذكر تلك الجملة التي قالها لها عماد جيدًا.
منذ ساعتين:
عماد بتلقائية وضحك: "بس براء ما يخوفش للدرجادي."
تخشبت عندما سمعت ذلك الاسم ونظرت لعماد باستفهام.
مريم: "مين براء؟"
كاد أن يتحدث ولكنها أعادت استفسارها بنبرة غريبة بالنسبة إليه.
مريم بإصرار: "براء مين؟"
عماد بتوتر: "أنا اتلغبطت يا مريم، أنا أقصد ياسين."
أغمضت عينيها بحسرة وهي تتذكر ذلك الأمر جيدًا. إذا زوجها هو الشخص الذي قتل أختها ووالدتها ودمر حياتها. لقد قلب حياتها رأسًا على عقب.
طارق: "أنا مقدر إن الصدمة قوية عليكي. بس دي الحقيقة."
نظرت أرضًا وهي تحاول التحكم بشهقاتها.
مريم: "ليه؟"
تحولت ملامحه للاستفسار. رفعت رأسها لتنظر إليه.
مريم باستفسار: "قتلها ليه؟ كان إيه السبب؟"
تذكر طارق محور حديثهم وهو أنها قامت بخيانته. أغمض عينيه وبدأ بالتحدث.
طارق: "سارة قبل ما تموت. في ناس من أعداء ياسين قدروا يوصلولها ولسوء حظها في الفترة دي ما كانش معاها حرس عشان كان ياسين بدأ يثق فيها وسمع كلامها لما طلبت منه إنه ما يخليهاش تمشي من غيرهم."
منذ عدة سنوات:
كانت متأخرة على موعدها مع مريم وتهرول محاولة الوصول لها ولكنها تفاجأت بمجموعة من السيارات تحيط بها. وتم اختطافها. بعد عدة دقائق قاموا بإزالة الوشاح من على عينيها ووجدت أنها مكبلة. نظرت حولها لتجد مجموعة من الرجال يحاوطونها وينظرون إليها بجدية.
سارة بخوف: "أنتم عايزين مني إيه؟ أرجوكم ما تعملوش فيا حاجة."
مجهول: "إهدي، ما حدش هيأذيكي. إحنا بس طالبين منك طلب بسيط."
نظرت إليه باستفسار.
مجهول مستأنفًا حديثه وببساطة: "عايزينك تقتلي ياسين المغربي، وإلا تتشاهدي على روحك."
وجه أحد الحراس الموجودين بالغرفة سلاحه نحو رأسها جاهزًا لتفريغه بها. حاولت أن تستوعب ما سمعته وما يحدث حولها. معقول؟ إنهم يطلبون منها قتل حبيبها، كأنهم يطلبون منها شيئًا عاديًا! وإذا لم تفعل ستكون هي الضحية بدلًا منه.
مجهول: "كل اللي هتعمليه إنك هتساعدينا في إننا نخلص منه وهتاخدي المبلغ اللي أنتِ عايزاه، وطلباتك كلها هتكون مجابة."
نظرت لهؤلاء الرجال والذين يبدو عليهم الخطر تنظر لحراسهم الذين يحيطونهم ويحملون أسلحتهم النارية. لو رفضت الآن سيقتلونها. إذا ماذا ستفعل؟ ظلت تفكر كثيرًا تبحث عن مهرب ولكنها في الوقت الحالي لم تجد أي مهرب. انتبهت عندما تحدث أحد آخر.
مجهول: "ادينا ردك دلوقتي."
شعرت بالحارس يضغط بالسلاح على رأسها بقوة. أغمضت عينيها بألم يعتصر قلبها. ولكن جاءتها فكرة لتحاول الهرب منهم الآن. ستظهر لهم أنها موافقة على قتله وتعاونها معهم.
سارة: "أنا موافقة."
ابتسم الواقفون أمامها وتحدث أحدهم.
مجهول: "هتقتليه إزاي؟"
سارة بابتسامة مصطنعة: "ما تقلقوش هقتله بطريقتي. هو المفروض هيجيلي النهاردة وأنا هتصرف، أنا أكثر حد بيثق فيه."
مجهول: "ولو ما قتلتيهوش؟"
سارة بحزن خافي: "اقتلوني أنا."
نظر الرجال لبعضهم ثم أشار أحدهم للحارس الذي يصوب السلاح نحوها بإبعاده عنها ويبدأ بإطلاق سراحها.
مجهول بتهديد: "قدامك 24 ساعة. لو ما ماتش هتموتي أنتِ."
أطلقوا سراحها وخرجت من المكان التي كانت محبوسة به. ظلت تنظر أمامها بشرود تائهة لعدة دقائق. ماذا تفعل؟ انتبهت على صوت هاتفها.
نظرت لرقم أختها والتي تهاتفها للمرة المائة تقريبًا. حاولت أن تهدأ وقامت بمسح عبراتها ثم قامت بإجابتها.
سارة: أيوه يابنتي.
مريم بتأفف: كل ده تأخير يا سارة؟! يابنتي إنجزي مش عايزة ماما تحس بحاجة. إنتي فين؟
سارة: نص ساعة وهكون عندك.
مريم: طب إنجزي.
أغلقت الهاتف مع أختها وأخذت نفسًا عميقًا لعلها تهدأ.
مريم بحزن وهي تنظر لطارق: أنا فاكرة اليوم ده كويس. اليوم إللي عمره ما يتمسح من الذاكرة. دي كانت آخر مرة أشوف أختي فيها. كانت آخر مرة أحضنها.
حاولت أن تقوم بمسح دموعها ولكنها زادت أكثر.
مريم بصوت مهزوز: تمام. اتقابلنا بعدها أنا وهي بس هي ما قالتليش حاجة. حتى ما بينتليش أي حاجة واتعاملت معايا عادي واتفقنا إنها هتكلم ماما وإن أنا هحاول أقنعها. إنت عرفت منين كل ده بقى؟! هي كده ما لحقتش تقولك حاجة.
هز طارق رأسه بنفي.
طارق: أنا عرفت منها كل حاجة قبل ما تموت. عرفت نيتها كانت إيه وعرفت كمان... *دمعت عيناه* ... إنها كانت حامل من ياسين.
الصدمات تتوالى ولا زالت تعصف بمريم التي شعرت أنها قد فقدت قدرتها على التحدث. تنهد طارق بحزن وبدأ بالتوضيح.
طارق: بعد ماهي سابتك ومشيت...
منذ عدة سنوات:
بعد أن رحلت وتركت مريم قررت أن تسير قليلًا تفكر بتلك الورطة التي وقعت بها. لا تستطيع فعل ذلك. لا تستطيع أن تقتل الشخص الذي تعشقه. لقد آواها وقام برعايتها. لقد ساعدها. ماذا ستفعل الآن؟ ظلت هكذا تسير متخبطة لا تعلم ماذا تفعل؟ شعرت بالدوار وأنها غير متزنة ولكنها بررت ذلك بأنه من كثرة التفكير. ولكن ذلك الدوار يلازمها منذ شهرين تقريبًا. اتجه تفكيرها نحو عادتها الشهرية التي لم تأتيها منذ شهرين ولكنها بررت غيابها أيضًا بأن حالتها النفسية سيئة كثيرًا. وأثناء سيرها انتبهت لسيدة تسير بجانبها بطنها منتفخ. ابتسمت سارة لمظهرها الرائع وتتمنى بداخلها أن تصبح مثلها هكذا. تريد أن تنجب طفلًا لطيفًا يظل معها، يقوم بتعويضها عما عاشته بحياتها، ولكن ذلك صعب فحياتها ليست بالحياة التي يتمناها المرء على الإطلاق. تنهدت بعمق وقررت أن تستفيق من ماهي فيه، "لا يمكن أن أكون حامل. بالطبع لا". نفت تمامًا تلك الفكرة وأكملت سيرها وإذ بها بعد خطوات تتوقف أمام مبنى ضخم به معمل تحاليل كبير. ابتلعت ريقها بتوتر تنظر للمبنى. وتتساءل: "هل يمكن أن أكون حامل؟" ظلت لثوانٍ هكذا ولكنها قررت أن ترحل. تحركت خطوتين ثم عادت مرة أخرى لذلك المبنى وصعدت إليه بعقل غائب تريد أن تطمئن فقط أن شكوكها تلك ليست في محلها. بعد عدة دقائق، كانت تجلس تنتظر تحليل الدم الذي قامت به وتشعر بالتوتر والقلق. جزء منها سعيد ويتمنى أن تحظى بطفل. وجزء آخر خائف من المجهول. انتبهت عندما قاموا بمناداتها واستلمت نتائجها.
بابتسامة: ألف مبروك يا مدام. إنتي حامل في الشهر التاني.
عندما سمعت سارة تلك الجملة غمرتها السعادة المطلقة ونسيت تمامًا كل صعب عاشته بحياتها. حتى نسيت أنها كانت مخطوفة منذ عدة دقائق.
سارة باستفسار وعدم استيعاب: إنتي متأكدة؟
: أيوه طبعًا. التحليل أهوه قدامك ونتيجة الحمل إيجابي.
هبطت الدموع من مقلتيها وابتسمت وهي تنظر للفتاة التي تقف أمامها.
سارة: شكرًا ليكي. شكرًا بجد.
حملت النتيجة بيدها وقررت العودة إلى شقتها. وعند وصولها للمبنى التي تسكن به توقفت عندما سمعت صوته.
طارق: سارة.
التفتت وابتسمت له عندما رأته.
سارة: إزيك يا طارق؟ أخبارك إيه؟
طارق: أنا كويس الحمد لله، إنتي عاملة إيه؟
سارة بابتسامة: أنا كويسة الحمد لله.
طارق: فاضية نتكلم شوية؟
تنهدت سارة بإرهاق فهي بالخارج منذ الصباح وتريد أن تريح قدميها قليلًا.
سارة: أيوه فاضية.
طارق: طب تعالي أخرجك ونتكلم شوية.
سارة: طب ممكن تطلع نقعد فوق أحسن. أنا تعبانة شوية ومحتاجة أرتاح، فمش قادرة أروح في حتة.
طارق بلهفة: أكيد.
ابتسمت له بهدوء وصعدت وهو تبعها. صعدا بالمصعد وهي تحمل بيدها ملف التحاليل تضغط عليه بقوة والسعادة تغمر في عينيها. وطارق بجانبها ينظر لها بهيام عاشق ثم انتبه لذلك الملف الذي تحمله وتمسك به بقوة. استفاق عندما وصلا للطابق الذي توجد به الشقة. خرجا من المصعد ودلفت لشقتها ودلف طارق خلفها.
سارة بانشغال: اتفضل عندك يا طارق، أنا شوية وراجعالك.
توقف طارق بمكانه ينظر حوله. يشعر بالضيق الشديد لوجوده بشقة تخص ياسين الذي قام بأخذ حبيبته منه. انتبه عندما سمعها.
سارة: طارق، إنت سامعني.
طارق: أيوه.
سارة: إنت ما قعدتش ليه؟
طارق: كنت مستنيكي.
ابتسمت له بهدوء وأشارت له بالجلوس على كرسي بالصالون. جلس وهي جلست مقابلة إياه. وبدأ طارق بالتحدث.
طارق باستفسار: إنتي كويسة؟ أنا حاسس تعبانة شوية.
ابتسمت له بإرهاق.
سارة: أكتر حاجة بتعجبني فيك هي إنك بتقرأني.
طارق بابتسامة: ماهو أنا ما بقاش بحبك بجد لو ما بفهمكيش أو أعرفك من نظرة عينيكي، مالك يا سارة فيكي إيه؟
نظرت أرضًا ولا تدري بماذا تخبره.
طارق: مالك؟ قلقتيني.
تنهدت بصعوبة وبدأت بالتحدث.
سارة: في ناس خطفوني عشان...
بدأت بسرد كل ما حدث لها في الصباح وعن ماذا أراد مختطفوها منها. وبعد أن انتهت.
طارق: إنتي إزاي تفضلي ساكتة كل ده وما تقوليش؟! إنتي اتجننتي يا سارة؟! يلا قومي لازم تهربي من هنا.
هزت رأسها بنفي.
طارق بإصرار وهو يستقيم من مقعده: هتقومي وتيجي معايا، ما ينفعش تفضلي هنا، إنتي بتهزري. بيقولوا يا تقتليه يا هيقتلوكي. أنا مش مستعد أخسرك.
سارة بنفي وإصرار: لا مش ههرب. أنا هفضل هنا.
طارق برجاء وهو ينظر في عمق عينيها: أرجوكي. أنا ما أقدرش أعيش من غيرك. إنتي كده بترمي نفسك للموت طالما مش ناوية تقتليه. أومال ناوية تعملي إيه؟
سارة: هفكر في حل. هتكلم مع ياسين هو هيفهم وهيساعدني. ياسين مش هيأذيني.
عقد طارق حاجبيه بغضب.
طارق: يا سلام؟! وإنتي واثقة منه أوي كده ليه؟
ظلت صامتة ولا تجيبه.
طارق بغضب: ما تردي عليا. إيه إللي خلاكي واثقة منه أوي كده؟
سارة ببكاء: عشان أنا حامل.
صدم طارق مما سمعه. لا. لا. لقد سمع جملة خاطئة أكيد. لا. شعر أنه فقد قدرته على الحديث أما هي فقد استأنفت حديثها.
سارة: ياسين هيجيلي بعد ساعة. هيأ الأمور هنا إني هقوله على حملي وبعدها هفتح معاه الموضوع ده.
طارق بعدم استيعاب: وبعدين؟! هتعيشوا في تبات ونبات؟
نظرت له باستفسار.
طارق: إنتي مقتنعة بإللي إنتي بتقوليه ده؟! إنتي عشيقته وإللي إنتي عايشه فيه ده حرام.
كانت الدموع تهبط من مقلتيها وهو يتحدث.
طارق: ردي عليا.
سارة ببكاء: أنا عارفة إن حياتي كلها غلط. بس أنا مش عارفة أخرج من إللي أنا فيه ده إزاي، بتمنى إن ربنا يسامحني. أنا حبيت ياسين. حبيته عشان حاجات كتير وأولهم إني حسيت إنه محتاج حد يساعده.
طارق بنفي: إنتي بتكدبي على نفسك ياسين مش محتاج مساعدة. كفاية إنه قاتل.
سارة: إنت ما تعرفش ياسين. ما تعرفش أي حاجة عنه.
طارق بغضب: مش من مجرد قصة هبلة قالها لك في لحظة ضعف يبقى تحكمي عليه من خلالها.
حاول أن يهدأ عندما وجد بكائها يزداد وتورك أرضًا أمامها ينظر في عمق في عينيها.
طارق: سارة. إنتي عارفة إني بحبك جدًا ومستعد أعمل المستحيل عشانك. تعالي اهربي معايا وصدقيني هتبقي مبسوطة وأنا هربي ابنك بنفسي هيكون ابني بالظبط وأوعدك إنه هيفضل مبسوط طول حياته معايا وهحبه زي هشام ابن أختي. *هبطت الدموع من مقلتيه ونفى برأسه*. لا هحبه أكتر من هشام نفسه. كفاية إنه منك إنتي. هيتربى معايا أنا وإنتي وهيبقى كويس ومحترم وأخلاقه عالية. اديني بس فرصة وأنا أوعدك إني مش هفكر في إللي فات أنا كل حلمي يا سارة هو إنك تكوني معايا ومراتي. أرجوكي ما ترفضنيش. أرجوكي ما تجرحيش قلبي.
كانت تبكي وهو يبكي أيضًا أمامها ولكن مع الأسف هي لا تريد أن تلوث حياته. كُسِر قلبها لأنها ستكسر قلبه لكي يبتعد عنها وينساها.
سارة: أنا آسفة. بس إنت عارف إني بعتبرك أخ وصديق ودايمًا كنت بقولك كده. ياسين ما لوش غيري أنا. إنت عندك أختك وابنها بيحبوك وأكيد هتقابل بنت الحلال إللي تستحقها. أنا وابني مكاننا مع ياسين وهحاول أصلح كل ده. أنا آسفة يا طارق.
كسرت قلبه وهي تنظر في عينيه. لقد بكى أمامها يترجاها كالطفل. قام بمسح عبراته بقوة واستقام من مكانه وخرج من شقتها دون أي حديث إضافي وجلس على أحد الأدراج أمام شقتها يحاول أن يستفيق مما سمعه منها. أما بالنسبة لسارة فقررت أن تقوم بالتجهيز للوليمة والتي ستخبر ياسين من خلالها أنها تحمل طفله وتخبره بما حدث لها ليساعدها ويحميها.
كانت مريم تبكي وهي تستمع لحديثه.
طارق: وبعدها ياسين جه الشقة بعد فترة بسيطة...
سرد لها ما سمعه من خلف الباب أثناء قتل ياسين لها وبعد أن انتهى. كانت مريم منهارة بسبب ما علمته "لقد قتلها". قتلها وهي تحمل طفله. قتلها دون رحمة منه.
لقد ركضت إليه تطلب الحماية وهو قتلها في المقابل.
أشفق طارق على حالها واقترب ليربت على كتفها، ولكن مريم أبعدت يده عنها.
مريم بغضب وصراخ وهيستيريا: "ابعد عني... ابعد عني... أنت ليه سبتها تموت؟! ليه ما خليتهاش تهرب غصب عنها؟! أنت السبب في اللي حصلها. أنت ساعدت في قتلها. كان ممكن تجبرها تهرب معاك، كان ممكن تخطفها تعمل أي حاجة، لكن أنت عملت إيه؟! أنت وقفت تسمع خناقتهم وعملت نفسك الشاهد. لكن لا... أنت شريك في جريمة القتل دي... ياسين مش الوحيد اللي قتلها، أنت كمان قتلتها بسكوتك... أنت جبان."
صرخت بتلك الكلمة الأخيرة في وجهه.
وشعر طارق بالتيه عندما تحدثت بتلك الكلمة.
مريم بصراخ عالٍ وانهيار: "امشي من قدامي... مش عايزة أشوف وشك... أنا بكرهكم أنتم الاثنين."
خرج طارق بسرعة من المقابر.
أما مريم، فظلت أمام قبر أختها تبكي بقهر، ولا تعلم كم مر من الوقت، واستفاقت من حالتها تلك عندما سمعت صوته.
ياسين: "مريم."
التفتت إليه وهي محمرة العينين تبكي بقهر.
رأت ذلك القاتل يجلس أمامها، زوجها وحبيبها الذي قتل أختها وطفله بيده ينظر إليها بعطف ويشعر بالحزن لأجلها.
يؤلمها قلبها كثيرًا، فهي تريد الهرب منه ولم تجد أي مهرب منه سوى أحضانه.
ألقت نفسها بأحضانه تبكي بقهر، وفي داخلها تقرر الانتقام لموت أختها ووالدتها.
****************************************
في الوقت الحالي:
لأول مرة ترى شعور الندم بأعين ياسين والذي بدأ الإعياء يختفي من ملامحه.
تنهدت بصعوبة واستأنفت حديثها.
مريم: "رجعت معاك القصر وأنا ناوية إني أقتلك زي ما قتلت أختي، لكن مع الأسف رجعت في قراري لما لقيت إني حامل في ابنك. مش معقولة لما الطفل ييجي الدنيا ويسألني: بابا مات إزاي؟ أقوم أرد عليه وأقوله: إني أنا اللي قتلته. قررت إني أبعد عنك نهائي، وأعيش حياتي بعيد عنك، وأربي ابني لوحدي؛ لإن ابني ما يستحقش ده، ابني يستحق حياة أحسن."
قامت بمسح عبراتها وأبعدت عينيها عنه.
أما ياسين، فقد اختفى الألم من جسده ولم يعد يشعر بالمرض، ونظر لها بدهشة بسبب ما يشعر.
ياسين باستفسار: "مش أنتي حطيتيلي سم في الأكل؟"
مريم ببرود وهي لا تنظر إليه: "لا ما حطتش سم. ده الترياق بتاع السم نفسه، هو كان قوي شوية على جسمك عشان ما فيش سم في جسمك من الأساس، بس اداني الوقت اللي أنا كنت عايزاه."
ياسين باستفسار: "ليه ما قتلتنيش؟"
مريم وهي تنظر في عينيه: "عشان أنا مش مجرمة زيك، ونهايتك مش على إيدي أكيد، بس كان لازم أخليك تعيش إحساس إنك تتقتل من الشخص الوحيد اللي أنت بتحبه."
تحدثت ببكاء: "كان لازم أعيشك إحساس سارة لما اتقتلت على إيد الإنسان اللي هي بتحبه."
كاد أن يتحدث، ولكنها استقامت من مقعدها وتحدثت بجمود أثناء بكائها.
مريم: "تقدر تتفضل... نهايتنا مكتوبة من قبل ما نتقابل."
ياسين: "مش حابة تديني فرصة تسمعيني؟"
مريم: "أنت ما اديتهاش فرصة تسمعها... كان ممكن الوضع يكون مختلف... كان ممكن أكون مبسوطة أكتر من كده... أنت كان عندك حق... أنا عمري ما هأكون مبسوطة معاك."
اقترب منها عدة خطوات ولكنها ابتعدت عنه أكثر.
مريم: "ابعد ما تقربش... أنت خسرت حقك في إنك تكون معايا... أنا مش هأحاسبك على أي حاجة... روح الله يسامحك... منك لربنا أنا ماليش دعوة بيك نهائي."
ياسين وهو يقترب أكثر: "مريم."
مريم بصراخ: "امشي من هنا."
أمسكها من كتفيها ولكنها حاولت أن تبتعد عنه.
ياسين بقوة: "اسمعيني."
مريم ببكاء وهي تنظر في عينيه: "مش حابة أسمعك... مالكش الحق إني أسمعك."
ياسين بحزن وهو ينظر في عينيها: "أنا آسف، أنا ما كنتش أعرف إنها بريئة، أنا غلطت يا مريم... أنا مستعد أصلح غلطي."
ضحكت مريم بهيستيريا.
مريم: "غلطك؟!... نعم؟!... أنت قتلت واحدة بريئة وقتلت ابنك معاها... دي مش غلطة... دي جريمة."
ياسين: "قوليلي أعمل إيه وأنا مستعد أنفذه، بس ابني يتربى معانا."
نظرت له لعدة ثوانٍ.
مريم: "عايزاك تمشي من قدامي وعايزاك تختفي من حياتي نهائي... مش عايزة أشوفك أبدًا."
ياسين: "ليه؟"
مريم بقهر: "لإني مع الأسف بحبك."
ياسين بحزن: "طب بطلي تحبيني وخليكي برضه معايا."
مريم: "مش عارفة أبطل أحبك، فده الحل الوحيد اللي أنا شايفاه أحسن ليا وليك والأسلم لابننا."
ياسين بابتسامة هادئة: "طب ممكن أطلب طلب أخير قبل ما أمشي؟ طالما مش حابة تسمعيني."
صمتت ولم تجبه، واعتبر تلك موافقة على تحدثه.
ياسين: "ممكن أفضل هنا معاكي وأسافر بكرة."
مريم بسخرية: "لا... مش موافقة."
لأول مرة ياسين يتحدث برجاء.
ياسين وهو ينظر في عمق عينيها: "اعتبريها المرة الأخيرة اللي هتشوفيني فيها في حياتك، فوافقي على طلبي ده."
توترت للحظات وابتعدت عنه وتحدثت بجفاء.
مريم: "ما أضمنش إنك ممكن تقتلني وأنا نايمة."
ابتسم ياسين على جملتها تلك، ونظرت إليه وهو يبتسم ثم تنهدت.
مريم: "ماشي بس هتنام على الكنبة."
هز ياسين رأسه، أما هي تركته ودلفت لغرفتها وأغلقت الباب خلفها.
لا تصدق... كم أرادت أن تقتله وبشدة منذ أن علمت الحقيقة، وفي تلك الأشهر السابقة التي مرت كانت تحاول أن تنسى فكرة الانتقام منه وتبدأ حياة جديدة ولطيفة مع ابنها، ولكن عندما رأته انهدمت جدرانها وأرادت أن تختبئ بأحضانه، ولكن لا يصح ذلك أبدًا فهو قاتل أختها!
تنهدت واستلقت بفراشها تغطي جسدها بالغطاء، وظلت تفكر بأحداث اليوم وسألت نفسها سؤالًا واحدًا كانت تتمنى لو تسأله إياه: هل كانت تستحق أن تُقتل؟
ولكن لا... لا تريد أن تظهر ضعيفة أمامه فيكفي أنه اقتنع أنه قاتل.
وهناك أمر جاء على بالها الآن... هل حقًا تزوجها لأنها تُشبه أختها فقط؟ لم يُحبها قط؟ هل أحب سارة؟
ظلت هكذا في تساؤلات كثيرة تتمنى أن تسأله عنها، ولكن لا... إنه لا يستحق أن تستمع إليه ولا أن تسأله حتى.
لقد أنهت كل ما بينهما وغدًا سيرحل.
ظل ياسين جالسًا بالخارج على الأريكة يفكر بما حدث.
لقد خالفت توقعاته.
إذا كان جمال قد قتل والديه أمامه وأصر هو على قتله انتقامًا لهم، فقتله.
إذا لماذا هو قتل أختها وهي لم تنتقم منه؟ أهي تنتقم منه هكذا؟
مع الأسف أصابت وانتقمت منه بطريقتها، وهي أنها تركته حيًا وذلك أصعب انتقام ممكن أن يتلقاه.
تنهد ياسين وهو ينظر أمامه بهدوء، وانتبه لذلك الإطار المعلق على الحائط أمامه.
ابتسم عندما وجدها صورة لمريم وهي تمسك ببطنها الممتلئ وتبتسم بسعادة.
استقام من مقعده ووقف أمام ذلك الإطار يتأمل جمالها.
لقد قتلته تلك الملاك اليوم، قتلته بأخلاقها وغفرانها وعفوها.
قتلته عندما تركته حيًا، قتله كان أهون من أن تتركه لضميره الذي يؤنبه بشدة.
أثبتت الملاك اليوم أن مَن قتَل يُقتل ولكن بالطريقة، فلكل قاتل عقاب من عند الله، وأيضًا مَن قتَل يُقتل ولو بعد حين.
ابتسم ياسين مُرحبًا بنهايته الحتمية القريبة جدًا وهو ينظر لصورتها.
****************************************
في صباح اليوم التالي:
تململت مريم في فراشها واستيقظت.
استقامت من فراشها متذكرةً أن ياسين موجود بالخارج.
قامت بفتح الباب وذهبت نحو الصالون ولكنها وجدته فارغًا، نظرت حولها تبحث عنه بالشقة ولكنه كان قد رحل!!
تنهدت بهدوء، وأثناء عودتها لغرفتها تفاجأت بوجود ورقة مطوية موجودة على طاولة الطعام.
التقطتها وبدأت بقراءتها.
"زوجتي العزيزة... كم كنتُ أتمنى لو أُخبركِ بمدى حبي لكِ ولكنكِ لم تسمحي لي بالتحدث... ولكن ها أنا سأقولها لكِ أنا أحبكِ وسأظل أحبكِ إلى الأبد... أريدكِ أن تعلمي فقط أنني نادم كثيرًا على ما فعلتُ سابقًا... أنا نادم منذ أول يوم رأيتكِ به بالمشفى... نادمٌ لأنني السبب بما حدث لكِ منذ زمن... حاولت أن أقوم بتعويضكِ ولكنني أحببتكِ أكثر مما ينبغي... حاولت أن أقوم بإبعادِكِ عني ولكني فشلت... رفضتُ حبكِ مرارًا وتكرارًا وأخبرتكِ السبب وهو أنكِ لن تكوني سعيدةً معي أبدًا ولكن ذلك كان تحذيرًا لي قبل أن يكون لكِ... فأنتِ لا تستحقين أن تكوني مع أحدٍ مثلي، أنتِ تستحقين الأفضل يا زوجتي... أنا أعتذر مرة أخرى... أتمنى من كلِ قلبي أن تُسامحينني... لقد تعلمتُ درسي في هذه الدُنيا منكِ، وسأظل أنتظر عودتكِ إليَّ حتى آخرِ يوم بحياتي... أُحبكِ."
كانت تقرأ الورقة والدموع تهطل من عينيها، ضمت الورقة إلى صدرها بقوة كأنها تضمه هو.
لكن لا هو خسرها نهائيًا... تحتاج للابتعاد حتى وإن لم يَقُم بتطليقها... يكفي أنها بعيدة عنه.
مرت الأيام وحاولت مريم أن تُكمل حياتها بعد ما حدث في تلك الليلة ولكن هناك شئٌ بداخلها قد تحرك نحوه... مشاعرها له... لقد رأت في ذلك اليوم ياسين آخر وليس ياسين المغربي الذي تعرفه... ياسين البارد ذلك لم يَعُد موجودًا أبدًا... حاولت أن تتوقف عن التفكير به ولكنها لم تستطع... وفي يومٍ ما... كانت تتحدث بالهاتف مع عماد.
عماد برجاء: "ارجعي بقى يا مريم، نفسي أشوفك أوي."
مريم: "أنا واخدة قراري... أنا مش راجعة تاني."
عماد بحزن ورجاء: "طب تعالي يومين طيب عشان خاطري، يومين بس وامشي على طول... أنا تعبان شوية الفترة دي ومحتاجك جنبي... محتاج بنتي جنبي."
تنهدت وصمتت لحديثه الحزين ذلك.
انتبهت عندما تحدث عن ياسين.
عماد مستأنفًا لحديثه: "ومن جهة ياسين ما تقلقيش، هو منعزل ومُختفي في أوضته ليل نهار، حتى الأكل بيروح له الأوضة، ما حدش بيشوفه ولا يعرف عنه حاجة، وأهي فرصة كويسة تقدري تكوني فيها معايا وما تخافيش منه، مش هيعمل حاجة."
مريم باستفسار وانتباه: "ليه، ماله؟"
عماد: "لا مش عارف، أنا بخبط عليه ما بيردش بس هو عايش وكويس أكيد."
استفاقت مريم عندما وجدت نفسها تضعف وتفكر به مرة أخرى.
مريم بجمود مصطنع: "وأنا مالي بيه، هو حر."
عماد باستفسار: "طب مش هتيجي؟"
مريم: "لا، أنا آسفة بس محتاجة أقفل ورايا شغل."
عماد: "ماشي يا حبيبتي، ربنا معاكي."
أغلقت المكالمة الهاتفية معه ولكن تفكيرها كله مركز نحو ما قاله عماد. ما به ياسين؟ هل هناك شيء ما؟ لا تدري لماذا تشعر بانقباضة في قلبها الآن؟ هل حدث له شيء؟ حاولت أن تتجاهل ما سمعته من عماد ولكن ظل القلق عليه يتآكلها حتى سئمت من قلبها الغبي. استقامت من مقعدها بالمشفى الذي تعمل به ثم خرجت من المكتب وفي نية منها الذهاب والعودة إلى القاهرة مرة أخرى.
بمكان آخر، كان طارق يقف في مخزن كبير ملئ بالصناديق ويقف مع بعض الرجال.
طارق: "زي ما اتفقنا بعد ساعات هنتحرك."
أماء الرجال له أما طارق نظر لتلك الصناديق فكم ظل شهورًا يخطط لانتقامه ذلك حتى أنه قام بإلغاء سفره لكي يبدأ بالتنفيذ.
طارق: "أخيرًا هنتقم منك يا ياسين."
في منتصف الليل بالقاهرة:
كانت مريم تقف أمام باب القصر الخارجي بيدها حقيبة صغيرة. هرول الرجال لفتح الباب لها بعد أن قاموا بإرسال سيارة تقوم بإيصالها لباب القصر الداخلي. شكرتهم جميعًا على حُسن سلوكهم وصعدت للسيارة حتى وصلت لباب القصر. هبطت من السيارة بعد أن فتح لها أحد الرجال الباب وشكرته بامتنان ودلفت للقصر استقبلها الخدم جميعهم بترحيب وابتسامة مشرقة أما هي لم تبتسم بل كانت تبحث بعينيها عن شخص معين.
سألت إحدى الخادمات: "عماد فين؟"
الخادمة: "عماد بيه نايم."
أماءت لها.
مريم: "طيب شكرًا، تقدروا تروحوا تناموا."
امتثلن لأوامرها وعادوا لغرفهن أما هي، فقد صعدت الدرج ببطء وصعوبة نظرًا لأنها في الأشهر الأخيرة من الحمل وهنا تذكرت ذلك اليوم. عندما كان ياسين يساعدها في الصعود وهي ترتدي ثوب الزفاف الذي كان سببًا في صعوبة صعودها وحركتها. ابتسمت بحزن على ذكراها تلك، فكم كانت تتمنى أن لا تعلم من قتل أختها. كانت تتمنى أن تظل هكذا جاهلة لا تعلم الحقيقة لكن مع الأسف هذه هي الحقيقة. وأخيرًا وصلت للطابق المقصود وسارت في الممر الموجود به غرفة ياسين وعماد. كان يجب أن تتوقف أمام غرفة عماد ولكنها ظلت تتحرك نحو غرفته. غرفتهما! تنهدت بهدوء وفتحت باب الغرفة، بحثت عنه بعينيها ولكنها لم تجده. أغلقت الباب خلفها بعدما دخلت وسارت نحو المكتب ورأت أن هناك إضاءة خافتة به. وضعت يدها على موضع قلبها الذي تشعر بانقباضاته القوية ولا تدري ما السبب. انتبهت لباب المكتب الذي يُفتح من الداخل وهنا فقط رأته أمامها. هادئ الملامح كعادته، وسيم جدًا. لقد تأكدت حقًا أنها تشتاق إليه كثيرًا. كان ياسين ينظر إليها بهدوء يشعر بأنه يحلم أنها هنا. انتبه لدموعها التي بدأت بالانهيار. وبحركة تلقائية منه رفع يده ليقوم بمسح تلك الدموع واستوعب أنها أمامه عندما لمس وجهها.
مريم: "أنت كويس؟"
ابتسم عندما سمع ذاك السؤال منها.
مريم باستفسار: "بتضحك على إيه؟"
ياسين: "عشان جئت لحد هنا وده لو يدل على شيء فهو بسبب إنك سامحتيني."
مريم: "ما تطلبش السماح مني يا ياسين، اطلبه من ربنا."
ياسين بابتسامة حزينة: "طلبته وأتمنى إنه يسامحني."
ابتسمت له وهو قام باحتضانها بقوة يستنشق رائحتها التي اشتاق إليها كثيرًا.
مريم: "وحشتني يا ياسين."
ابتعد عنها قليلًا ينظر في عمق عينيها.
ياسين: "وأنا مهما أقول مش هاعرف أعبر عن اشتياقي ليكي."
اقترب بوجهه منها وقبلها باشتياق وشغف أما هي استسلمت لمشاعرها وبعد دقائق قليلة استفاق الاثنان من لحظات العشق التي كانا يعيشان بها عندما انتبهوا لضوء يظهر في مرمى بصرهما. نظر الاثنان نحو مصدر الضوء وهما يقفان بالغرفة، فزعت مريم عندما رأت حريقًا كبيرًا يحدث في القاعة الموجودة في حديقة القصر. اقترب ياسين نحو الحائط الزجاجي بالغرفة أكثر ليرى ويتأكد مما يحدث، الحريق كان هائلًا وكان جميع الرجال يهرولون نحوه يحاولون إطفاءه، ثم التفت نحو مريم وحاول أن يتحدث بهدوء.
ياسين: "خليكي هنا، ما تتحركيش."
مريم بقلق: "في إيه؟ إيه اللي بيحصل؟"
ياسين: "هاشوف خليكي هنا."
خرج ياسين مُسرعًا من الغرفة متجهًا نحو القاعة بالحديقة ولم ينتبه لطارق الذي دخل القصر متخفيًا ومعه بعض الرجال التابعين له يقومون بمساعدته بإفراغ حاويات الوقود بالقصر. كان ياسين يساعد رجاله في إطفاء النيران وكانت مريم تراقبه من خلال الحائط الزجاجي ولا تدري ما السبب خلف انقباضة قلبها المستمرة تلك. بعد أن انتهى طارق ورجاله من إفراغ حاويات الوقود بأرضيات القصر، أشعل طارق عود ثقاب ورماه أرضًا وانتشرت النيران بسرعة في القصر، ابتسم طارق بشر وصعد للطابق الأول في انتظار ياسين ستكون تلك النهاية. كان ياسين منشغلًا كثيرًا مع رجاله في محاولة إطفاء الحريق ولكنه توقف فجأة عندما شعر بشيء غريب. يوجد شيء خاطئ. التفت للخلف بسرعة وتفاجأ بالنيران المنتشرة بالقصر ونظر لمريم التي تنظر له من خلف الزجاج ولا تشعر بشيء. ركض ياسين مُسرعًا وانتبه رجاله لما يحدث عندما تركهم وذُهلوا من تلك النيران الضخمة، هرولوا خلف رئيسهم في العمل ليقوموا بمساعدته وإنقاذ من يُمكِن إنقاذه. وبعضهم الآخر يحاول الوصول للإطفاء، تعجبت مريم من ركض ياسين نحو القصر ولكنها شعرت بشيء غريب. هناك رائحة غريبة بالقصر. حريق!! توجهت مريم نحو باب الغرفة وعندما قامت بفتحه وجدت أمامها طريقًا مليئًا بالنيران التي تأكل كل المفروشات الأرضية وأيضًا الستائر. أغلقت الباب بسرعة قبل أن تستنشق أكثر من ذلك ونظرت حولها بخوف تحاول الهروب ولا تعلم كيف. نظرت للحائط الزجاجي ذلك تفكر في القفز ولكن كيف؟ هكذا ستموت. وفي ذات الوقت تفكر بالآخرين النائمين بالقصر والذي يكون عماد من بينهم. تتمنى أن يتم إنقاذهم بسرعة. أما هي ستتحمل قليلًا حتى تجد طريقة للخروج من هنا. وضعت وشاحًا على فمها كي لا تستنشق رائحة دخان الحريق ووضعت يدها على بطنها كأنها تُخبِر طفلها أن كل شيء سيكون بخير. كان عماد نائمًا ولكنه يشعر بشيء غريب أثناء نومه لا يستطيع التنفس. سَعلَ بشدة واستيقظ بسبب ذلك ونظر نحو باب الغرفة وجد نارًا تأكل باب الغرفة الخشبي. فزع عماد بخوف من ذلك المشهد وحينما حاول الهرب وقع من فراشه أرضًا وآلمه ظهره كثيرًا. نظر نحو النيران التي تقترب منه وقام بمناداة ياسين بخوف.
عماد: "ياسين."
كان الرجال يُخرجون الخادمات من القصر أما ياسين كان يحاول الصعود للطابق الأعلى ولكن لسوء حظه كان هو الطابق الذي انتشرت به النيران سريعًا نظرًا للأقمشة التي كان يتزين بها هذا الطابق والتي تأكلت بسرعة في ذلك الحريق. ركض نحو إحدى الأسرة الخاصة بالخادمات وأخذ ملاءة سرير وقام بمحاوطة نفسه بها ودخل بتلك النيران. ركض نحو الممر الخاص بهم وهنا توقف عندما رأى النيران انتشرت بغرفة عماد، نظر لغرفته التي توجد بها مريم وكانت النيران بدأت تتآكل باب الغرفة. عقد ياسين حاجبيه ودلف لغرفة عماد أولًا ووجده مُلقى أرضًا وكادت النيران تقترب منه. بكى عماد عندما رأى ياسين أمامه. حمله ياسين بين يديه ونظر للحائط الزجاجي بغرفته واتجه نحوه وجد رجاله بالأسفل. وضع عماد جانبًا في مساحة آمنة وقام بكسر زجاج الغرفة وهنا انتبه رجاله لصوت الكسر وحملوا مرتبة إسفنجية ووضعوها أرضًا على مكان كسر الزجاج لأن تلك المسافة المناسبة لما سيحدث الآن. حمل ياسين عماد الذي يبكي ويخاف مرة أخرى ونظر له بهدوء.
ياسين: "عماد.. كل حاجة هتكون كويسة، ما تقلقش."
نظر له عماد ببكاء.
ياسين بابتسامة: "خليك دائمًا فاكر كلامنا النهاردة."
نظر له عماد باستفسار ولكنه تفاجأ بياسين يُلقي به خارج النافذة حتى استقر بتلك المرتبة الإسفنجية. حاوط ياسين نفسه بالملاءة مرة أخرى وركض مُسرعًا نحو غرفته والتي بدأت النيران في الانتشار بها. دلف ياسين للغرفة ووجدها هناك. مُستندة بجسدها على حائط بعيد عن تلك النيران تبكي وتسعل بشدة وتضع يدها على بطنها. ركض ياسين مُسرعًا نحوها وقام بمحاوطتها بالملاءة وحملها بين يديه. اختبأت مريم به وتشبثت به أكثر ذهب نحو النافذة الزجاجية ليُلقيها بالخارج، ولكنه تذكر أمرًا مهمًا. نظر لبطنها المُمتلئ. لن يُعيد الكرة مرة أخرى. لن يقتل ابنه بيده. نظر نحو خارج الغرفة والذي امتلأ بالنيران الملتهبة. قرر أن يخرج من خلالها.
ياسين: "مريم."
نظرت له وهي تسعل.
ياسين بابتسامة: "مش عايزك تبصي حواليكي، أنا موجود، هخرجك من هنا أوعدك."
هزت رأسها بسرعة وأغمضت عينيها وتشبثت به أكثر. نظر ياسين نحو النيران الملتهبة يتذكر ذلك اليوم الذي عاش به تلك اللحظات البشعة. لحظة احتراق والدته ووالده أمامه وقبلها قتلهم، لن يسمح بذلك أن يتكرر مرة أخرى. سينقذ زوجته وطفله. سيفعل ما لم يستطع والده أن يفعله بشكل أو بآخر. أعطى ظهره للنيران وتحرك بظهره حماية لمريم التي يحملها بين يديه. كان يحاول أقصى ما في وسعه أن لا يمسها شيء. ظل يسير هكذا يحاول تخطي النيران حتى خرج من الممر ووقف وأمامه خط كبير وضخم من النيران أمام الدرج. استغل هدوء النيران في جهة أخرى نحو أدراج القصر وهبط نحوها وبدأ بالنزول على الدرج وعندما وصل للطابق الأول الخاص بالخادمات انتبه لمن يناديه.
طارق بسعال: "ياسين."
نظر ياسين نحو طارق الذي يناديه ثم نظر لمريم التي بين يديه وتركها وأكمل نزوله على الدرجات محاولًا تخطي النيران بأية طريقة. حتى أصبح في الطابق الأرضي انتبه ياسين لبعض من رجاله يحاولون الدخول للقصر لمساعدته وبالفعل استطاع رجلان الدخول.
وقام بإنزال مريم.
ياسين: "خرجوها بسرعة."
ساعدها الاثنان لكي تستطيع أن تخرج ولكنها نظرت نحو ياسين الذي ينظر لها يتابعها بهدوء ليتأكد من خروجها. تعجبت لماذا لم يأتِ.
مريم بهمس وإرهاق من الدخان الذي استنشقته: "ياسين."
استطاع الرجال إخراجها وهنا مريم شعرت أنها كانت تفقد أنفاسها لو ظلت هناك دقيقة واحدة إضافية. عادت تنظر للداخل مرة أخرى ووجدت ياسين يبتسم لها باطمئنان ثم التفت وصعد للأعلى.
مريم بصراخ: "ياسين!"
حاولت أن تدخل له ولكن الرجال قاموا بمنعها. صرخت مريم بقوة وقهر عندما منعوها من الدخول وبدأت بالبكاء.
مريم ببكاء: "أرجوكم، ساعدوه. ياسين هيموت."
ظل يبحث عنه حتى وجده ملقى أرضًا في إحدى الغرف. يسعل بشدة. اقترب ياسين نحوه ولكمه بقوة أوقعه أرضًا. ثم رفعه له مرة أخرى ينظر بغضب في عينيه.
ياسين: "كان في قدامك طرق تانية تنتقم مني من خلالها، بس ما كنتش أتوقع إنك غبي أوي كده."
طارق بسعال: "بس أنا خطتي نجحت."
نظر ياسين له باستفسار وأمسك طارق بيده الأخرى شيئًا حديديًا وقام بضرب ياسين في رأسه به وعلى إثرها فقد توازنه ونزف بشدة في رأسه ولكن عندما استعاده اعتدل بمكانه وقام بلكم طارق في معدته ثم لكمه بقوة في وجهه.
ياسين بسعال: "أنت هتقتل نفسك وكل ده عشان تنتقم مني."
طارق بسعال وبكاء: "أنا مت من يوم ما هي ماتت. ودلوقتي جه وقت موتك."
استقام طارق وقام بدفع ياسين للنيران التي كانت خلفه والتي مع الأسف أمسكت بملابسه. كاد طارق أن يتحرك ولكنه تفاجأ بعمود خشبي ملئ بالنيران يقع عليه وهنا فقد طارق حياته. قام ياسين بخلع قميصه بسرعة عندما اقتربت النيران من لمس جلده واستقام وحاول الخروج من القصر على الرغم من أنه استنشق الكثير من سموم دخان الحريق توجه نحو أدراج القصر وهنا رأى مريم تبكي وتصرخ بالخارج ولكنها ابتسمت بأمل عندما رأته. ابتسم ياسين لها بحب ونظرة تخبرها كم أنه عاش أجمل أيام حياته معها، وكم أنه يحبها كثيرًا وسيظل يحبها للأبد. اختنق ياسين من الدخان وهبطت الدموع من مقلتيه وهو ينظر في عين زوجته، فقد أنفاسه ووقع أرضًا والتهمته النيران أمام أعين زوجته. صرخت مريم بهيستيريا وبكاء.
مريم بقهر وصراخ: "لا.. ياسين!"
رواية القاتل الراقي الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سارة بركات
الخاتمة
"براء!"
كانت تصرخ بهيستيريا وهي ترى جثة زوجها تحترق أمامها وما يمنعها من الدخول هو الحرس الذين يبكون أيضًا عليه. أثناء صراخها وانهيارها، شعرت بمياه تخرج من أسفلها، ارتجف جسدها وهي تنظر للمياه، رفعت رأسها لتنظر إلى جثة زوجها المحترقة بالداخل.
مريم بهمس: "ياسين."
رددت اسمه وبعدها خارت قواها. أما عماد كانت الدموع تهبط من مقلتيه دون توقف وهو ينظر للقصر الذي التهمته النيران بالكامل، يشعر بعدم تصديق لما حدث وما رآه. لقد مات ياسين! مات طفله العزيز مرة أخرى، ولكن ذلك مختلف، لقد مات طفله الذي ظل معه حوالي ثلاثين عامًا، رحل عنه ولن يعود! كان عماد في صدمة من موت ياسين، كان في مرحلة عدم التصديق، ينظر للنيران ولا يتحدث، كل ما يراه أمامه هو احتراق جثة ابنه العزيز، ولم ينتبه لسقوط مريم أرضًا. وصلت سيارات الإطفاء وخلفها الإسعاف، تم إطفاء النيران بالكامل ولكن بعد أن احترق كل شيء مع الأسف، وحمل المسعفون مريم وأخذوا عماد ليطمئنوا على صحته بالمشفى وأيضًا باقي الأشخاص الناجون من الحريق. وصلت مريم للمشفى وهي غائبة عن الوعي وقام الأطباء بفحصها، وجدوا أنها في المخاض لأن المياه التي تحيط الجنين قد نزلت بالكامل، جهزوا غرفة العمليات وبدأت عملية ولادتها. كان عماد موصولًا بالأجهزة في غرفته بالمشفى يبكي وهو يتذكر كيف احترق ياسين أمامه، لا يستطيع أن يصدق ذلك المشهد أبدًا، يشعر أنه في كابوس، يشعر أن قلبه يحترق لوفاة طفله.
عماد ببكاء: "يا رب صبرني وصبرها إحنا ما كانش لينا غيره من بعدك."
تذكر حديثه اليوم مع ياسين قبل وفاته بعدة ساعات.
بعد أن أغلق المكالمة الهاتفية مع مريم بعدما رفضت العودة تفاجأ بياسين يدخل لغرفته.
عماد بتعجب لدخوله الغرفة: "نعم؟ في حاجة؟"
ياسين بابتسامة هادئة: "ممكن نتكلم شوية؟"
نظر له عماد باستفسار واعتبر ياسين صمته هو الموافقة. جلس ياسين على فراش عماد الذي اقترب منه بالمقابل بكرسيه المتحرك. كان ياسين ينظر أرضًا بملامح هادئة، انتبه عندما اقترب عماد منه.
عماد: "كنت عايز تقول إيه؟"
ابتسم ياسين بهدوء وتعجب عماد من ابتسامته. أمسك ياسين بيده وضغط عليها برفق.
ياسين: "أنا ما بعرفش أعبر عن مشاعري، بس كل اللي أقدر أقوله ليك، شكرًا إنك دخلتني بيتك، وشكرًا كمان إنك علمتني وصبرت عليا، شكرًا ليك يا عماد، أنا عارف إني ما كنتش الابن اللي تتمناه، بس أنا ممنون ليك على اللي أنت عملته عشاني، مش عايزك تزعل مني في يوم من الأيام على أي حاجة فاتت، أنا أكيد ما كانش قصدي أأذيك."
كان عماد يستمع لحديثه متعجبًا. منذ متى ياسين يتحدث هكذا؟ هل هناك خطب ما؟
عماد: "أنت كويس؟"
ياسين بابتسامة: "أنا بخير."
عماد باستفسار وعدم استيعاب: "طب أنت بتقول الكلام ده ليه؟ أنا ما اتعودتش منك على كده، أنت مش ياسين اللي أنا أعرفه."
ياسين بابتسامة: "كل اللي عايزك تعرفه إني بخير يا عماد، شكرًا ليك مرة تانية."
صمت قليلًا يبحث عن الكلمات ولكنه تفاجأ من تحدث عماد.
عماد: "أنا اللي آسف."
نظر له ياسين باستفسار. شعر عماد أن دموعه ستهبط من مقلتيه.
عماد باستئناف: "أنا آسف عشان أنا سيبتك تضيع، آسف عشان حاجات كتير انا ما كنتش قدها وهو إني أكون الأب المناسب ليك، أنا بس كنت خايف يا ياسين، كنت خايف على مراتي وعلى نفسي وبيتي." هبطت الدموع من مقلتيه. "ونسيت إن أنت من أهل بيتي، نسيت إنك أنت الابن اللي دخلت بيه على مراتي، الابن اللي كان ماسك في إيدي جامد كإني مصدر حماية ليه، أنا آسف إني خذلتك، آسف إني ما وقفتش جنبك. أنا كنت فاكرك بتتدلع عليا لما لقيت سلوكك مش مظبوط، قولت طيش شباب، بس ما كانش في دماغي خالص إنك محتاج مساعدتي يا ياسين. أنا كنت متوقع إنك خلاص عديت الصدمة دي ونسيتها، بس مع الأسف اكتشفت ده بعد فوات الأوان بعد ما أنت قتلت جمال. أنا ما حطتش نفسي مكانك، أنا كنت أناني. أتمنى إنك تسامحني يا ابني، أتمنى إنك تسامحني ونبدأ صفحة جديدة سوا."
ابتسم ياسين وهز رأسه موافقًا لحديثه، اقترب عماد قليلًا منه وقام بضمه.
عماد: "سامحني يا ابني."
ابتعد ياسين عنه وابتسم بحزن.
ياسين: "أتمنى إنك أنت اللي تسامحني."
عماد: "أنا مسامحك يا ابني، مسامحك ومهما تعمل عمري ما أزعل منك أبدًا."
ياسين: "ممكن أطلب منك طلب؟"
عماد بلهفة: "اطلب أي حاجة يا ياسين لو بإيدي أجيب لك النجوم اللي في السماء كنت جبتها لك يا ابني."
ياسين بابتسامة هادئة: "محتاجك تبقى مع مريم دائمًا."
حرك عماد رأسه باستفسار.
ياسين باستئناف لحديثه: "مريم حبها ليا قوي شوية، فمحتاجك تفضل معاها وتقويها وتساعدها وتسندها، على الأقل تعوض اللي أنت ما عرفتش تعمله معايا وأنا صغير، ساعدها هي مكاني، هي محتاجاك أكثر مني."
عماد بعدم فهم: "مش فاهم تقصد إيه؟ وبعدين مريم ما لهاش غيرك بعد ربنا."
حاول ياسين أن يخفي حزنه الذي يكبر بداخله شيئًا فشيئًا حتى التمعت عيناه.
ياسين: "وصيتي ليك مريم وابني."
عماد بعدم فهم: "أنت بتقول الكلام ده ليه؟ أنت رايح فين؟"
ياسين بابتسامة: "مش رايح في مكان، أنا بس كنت حابب إني أتكلم معاك شوية، وأظن إني خلصت كلامي، تصبح على خير."
استقام من فراشه وتركه في الغرفة وحده في حيرة من أمره. لماذا كان يتحدث ياسين هكذا؟ في الآونة الأخيرة قد اختفى ياسين وظل بغرفته، وذلك ما علمه من الخدم ولم يدرِ ما السبب حيث أن الحديث بينه وبين ياسين كان قليلًا. برر عماد حديثه ذلك على أنه حزين لترك زوجته إياه ولم تعد حتى الآن.
في الوقت الحالي:
كان عماد يبكي بشدة عندما تذكر حديثهما. كان ياسين يقوم بتوديعه، كان يعلم أنه سيموت. لو كان يعلم أنه سيتحدث معه لآخر مرة كان سيقوم بإخباره العديد من الأشياء، كان سيقوم بالتوضيح له كم أنه يحبه كثيرًا. هو ابنه، حتى وإن لم يكن والده الحقيقي، ولكنه عاش معه لما يقرب نص عمره تقريبًا. ظل يبكي بحسرة وندم على ما فاته في حياته مع ياسين، ويتمنى الآن أن يعود لكي يقوم بتعويضه عما عاشه سابقًا، ولكن كيف سيعود؟ لقد مات وذهب إلى خالقه. ظل عماد يبكي بحسرة على فقدانه ابنه العزيز على قلبه حتى وإن أظهر له الكره يومًا فكل ذلك من وراء قلبه. حل الصباح بعد ساعات من موت ياسين وبدأت الصحف والجرائد تعلن عن خبر اليوم "حريق بقصر ياسين المغربي والذي كان أحد ضحايا ذلك الحريق". كان خبر محزن ومفجع للبعض ومفرح للبعض الآخر، فبموت ياسين المغربي يكون لهم فرصة في النجاح في الصفقات التي انضم لها ياسين قبل موته. كانت مريم نائمة بسريرها بالمشفى تحلم بزوجها الذي ينبض قلبها باسمه. نائمة على ركبتيه في حديقة مليئة بالأزهار، يلعب بشعرها الأسود المموج وهي نائمة. قامت بفتح عينيها ونظرت في عينيه مباشرة.
ياسين باستفسار: "كل ده نوم؟"
مريم: "أنا حلمت حلم وحش أوي، بس كويس إنك موجود جنبي ومعايا، ما تبعدش عني أبدًا، أنا ما صدقت إن إحنا بقينا سوا من غير أي قيود."
ابتسم بهدوء ثم أردف.
ياسين: "كنت بتمنى إنك تكوني سعيدة معايا، بس أنا للأسف ما قدرتش أسعدك."
اعتدلت مريم في جلستها ونظرت في عمق عينيه.
مريم: "أنا سعيدة طول ما أنت معايا وجنبي، المهم إنك ما تسيبنيش."
ياسين: "أنا آسف يا مريم."
هبطت الدموع من مقلتيها ولا تدري ما السبب. ولكنها تفاجأت باختفائه واستيقظت من حلمها والدموع تهبط من مقلتيها ووجدت نفسها بغرفة بيضاء والأجهزة موصولة بجسدها وتشعر بألم لا تدري ما سببه. نظرت لبطنها والذي قل انتفاخه قليلًا. وهنا أدركت شيئًا واحدًا. لقد كان كل ما عاشته حقيقة وأن ياسين قد مات! هزت رأسها بهيستيريا لا يجب أن يكون ذلك حقيقيًا. هي بداخل كابوس بالتأكيد. حاولت أن تعتدل في الفراش ولكنها شعرت بألم شديد مكانه أسفل بطنها. وفي ذات الوقت دلفت بعض الممرضات للغرفة ليجدوها على حالتها تلك. تحدثت إحدى الممرضات.
الممرضة الأولى: "براحة، أنتِ لسه والدة، وجرح الولادة القيصري تاعبك، ما تقلقيش كلها أسبوع وهتبقي أحسن."
نظرت لهم مريم بتيه وكادت أن تتحدث. تحدثت ممرضة أخرى.
الممرضة الثانية: "البيبي هنجيبه ليكي في خلال ساعة إحنا بس بنطمن عليه."
هزت مريم رأسها بنفي وهي تنظر لهم.
مريم: "أنا عايزة جوزي. ياسين. هو فين؟"
تحولت ملامحهم للحزن لا يدرون كيف يخبرونها أن ياسين المغربي قد توفى. حيث أن الحزن خيم على المشفى منذ أن علموا بالخبر. يبدو أنها لا تصدق أنه مات وهي بالتأكيد حضرت ذلك الحادث الأليم الذي تتحدث عنه كل القنوات الإخبارية في الوقت الحالي. انتفضوا على إثر صراخها.
مريم بصراخ: "ردوا عليا ساكتين ليه؟ ياسين فين؟!"
ظلت تبكي وهي تنظر إليهن لعل واحدة منهن تجيبها وتنفي ما رأته هي. ولكنها انهارت أكثر عندما تحدثت الممرضة بأسف.
الممرضة الأولى بحزن: "البقاء لله، ياسين بيه توفى وجثته في المشرحة."
تمزق قلبها وبكت بشدة عندما سمعت تلك الجملة. لقد مات!!! تركها وحيدة في ذلك العالم المخيف، تركها كما تركتها عائلتها. صرخت باسمه ببكاء وحاولت الممرضات أن يقمن بإعطائها مهدئ لكي تهدأ ولكنها رفضت.
مريم ببكاء: "لا. لا. أنا عايزة أشوفه، محتاجة أشوفه."
نظرت الممرضات لبعضهن ولكنهن صمتن.
مريم ببكاء: "ساكتين ليه؟ أنا محتاجة أشوفه، أرجوكم، محتاجة أشوف جوزي. أودعه."
اقتربن يساعدنها في الوقوف وأتت إحداهن بكرسي متحرك لها. جلست عليه وأمسكت إحداهما بمقبض الكرسي تحركه في اتجاه غرفة التشريح. دخلت الغرفة والتي كان بداخلها جثتين مغطتان بملاءة بيضاء. نظر طبيب المشرحة نحو زوجة مالك المشفى بحزن ثم أزاح الغطاء الأبيض عن وجه جثة ياسين.
ثم خرج وخرجت خلفه الممرضات، وتركن مريم بالغرفة وحدها. حركت الكرسي نحو جثته، وهنا رأته، وجهه به بعض الجروح ولكنها أكيد ستُشفى صحيح؟ مدت يدها نحو الجهة غير المحترقة في وجهه، وبدأت بالبكاء لتستوعب أنه مات بالفعل! مدت يدها أسفل الغطاء وأمسكت بيده المحترقة تُقبلها وهي تبكي، كانت يده سوداء كالفحم، فما بال باقي جسده؟ انهارت من البكاء ثم نظرت إليه وبدأت بالتحدث.
مريم ببكاء: "ليه؟ ليه تسيبني لوحدي؟ أنا قولتلك قبل كده إني بحبك وإني ماليش غيرك، فليه تعمل معايا أنا كده؟! أنا حبيتك من كل قلبي يا ياسين. حبيتك من صِغري من غير ما أعرفك. قلبي اتعلق بأمل وهو إني هقابلك في يوم من الأيام. قلبي اتعلق بيك إنت. أنا عارفة إن في مشاكل واجهتنا كتير بس إحنا كنا قدها، أنا آه كنت بزعل بس لا. إحنا كنا بنرجع. والمفروض نرجع دلوقتي صح؟! يعني أنا وإنت لسه كنا متصالحين سوا من كام ساعة، المفروض دلوقتي إني أكون في حضنك ومايبقاش ده حالي. المفروض إننا نكون بنضحك سوا على الأقل. نخلق السعادة الخاصة بينا إحنا. السعادة اللي أنا وإنت لسه ماعشنهاش. كان بإيدينا إن إحنا نكوِّن عيلة جميلة بس أنا غلطانة. أنا اللي كنت بزعل منك وببعد دايمًا. بس أنا ندمانة وبتمنى إنك تسامحني. بتمنى إني ماكنتش غبت عنك الشهور دي كلها. بتمنى إني عشت معاك كل اللي فاتنا. إحنا قصتنا لسه ماتكتبتش يا ياسين. إحنا قصتنا كانت بداية سطورها عبارة عن لحظات وياريتها لحظات سعيدة. كانت لحظات مؤلمة لينا إحنا الاتنين. كان المفروض إحنا نعمل لحظات سعيدة لينا إحنا. أنا كنت مستعدة إني أعيش معاك تحت أي ظرف. المهم إنك تكون جنبي. أنا ببعدي عنك اكتشفت إني ماقدرش أعيش من غيرك يا حبيبي، عشان كده رجعت قبل ما تموت بدقايق. رجعت وأنا قلبي واجعني عليك وماقدرش على بُعدك. أنا آسفة. أنا محتاجاك تسامحني. وأنا مسامحاك وهفضل أحبك عمري كله. هفضل دايمًا أفكر فيك. هتفضل دايمًا شاغل بالي وتفكيري. هتفضل إنت الحبيب الأول والأخير. إنت كل حياتي يا ياسين. ومن غيرك حياتي مالهاش أي معنى. أنا من بعدك بقيت يتيمة خلاص. من بعدك مابقتش عارفة أنا عايشة ليه؟ أنا مش عارفة أعمل إيه؟! هعيش إزاي من بعدك؟! كنت بتمنى أعيش معاك لحظات زيادة. كنت بتمنى إني أحضنك أكتر قبل ما تموت يا حبيبي."
اقتربت بوجهها من وجهه وقبلت شفتيه قُبلة سطحية.
مريم ببكاء: "أنا بحبك."
ملست على الجهة غير المحترقة.
مريم: "هتوحشني، وهفضل أتمنى أشوفك في أحلامي زي ما كان بيحصل من قبل ما أقابلك. هتفضل إنت ملك كل أحلامي."
قبلت يده مرة أخرى وأعادتها حيث كانت وقامت بتغطية وجهه وبكت بشدة لفعلها ذلك. تتمنى أن يحتضنها ياسين في تلك اللحظة ليقوم بتهدئتها ولكنه لم يعد موجودًا. بكت أكثر بسبب ذلك. نظرت لجثته القابعة أسفل الغطاء وتتمنى لو تنام بأحضانه لكي تطمئن وتهدأ قليلًا. مدت جسدها قليلًا للأمام وأسندت رأسها على صدره لعلها تطمئن وقد اطمأنت وغطت في نوم عميق متناسية أنها بمشرحة الجثث. بعد مرور وقت ليس بقصير، دخل الطبيب لغرفة المشرحة ووجدها نائمة مستندة برأسها على صدر زوجها لقد كان مظهرها يمزق قلب من ينظر إليها. قرر الطبيب أن يقوم بإيقاظها.
الطبيب: "مدام مريم."
كانت نائمة بهدوء واطمئنان ولا تشعر بأي شيء حولها. اقترب الطبيب أكثر ووضع يده على كتفها.
الطبيب: "مدام. اصحي."
قامت مريم بفتح عينيها بنعاس وهي تنظر للطبيب الذي أردف بهدوء.
الطبيب: "حضرتك نمتي هنا. وماينفعش تنامي في مكان زي ده."
نظرت حولها لتستوعب أنها في مشرحة الجثث. هزت رأسها وقامت بسؤاله.
مريم: "ياسين كان المفروض بيخرج من القصر وقتها إيه اللي حصله خلاه يقع عشان يتحرق."
قالت تلك الكلمة بصعوبة وهي تنظر للطبيب الذي يشعر بالأسف على حالها. أجاب الطبيب على سؤالها.
الطبيب: "ياسين بيه مات قبل ما يتحرق. استنشق كتير من سموم دخان النار وده اللي خلاه فقد التنفس ووقع."
أغمضت عينيها وذرفت الدموع مرة أخرى حزنًا على وفاته. قام الطبيب بالمناداة على الممرضات ليأخذوها إلى غرفتها. بعد مرور وقت قصير كانت تجلس بسريرها الصغير تبكي على وفاته. لا تصدق أنها ستعيش يومًا وهي تعلم أنهما لن يتقابلا مجددًا. كانت دائمًا في كل وقت وحين تثق تمام الثقة أنهما سيتقابلان وستتشاجر معه، لكن الآن ذلك لن يحدث مطلقًا. انتبهت على دخول إحدى الممرضات وهي تقوم بجَرّ سرير صغير أمامها.
الممرضة: "اتفضلي، ابنك أهو."
نظرت مريم للمولود النائم بالفراش وهنا شعرت بشيء غريب. دق قلبها بشدة عندما رأته كما كان يدُقُّ عندما تنظر في عيني زوجها. شعرت أن ياسين لم يبتعد عنها. اقتربت مريم نحوه بهدوء وحملته بين يديها. لقد كان صغيرًا جدًا. لا تدري ما سر الراحة العجيبة التي شعرت بها وهي تحمله كأن ياسين موجود معها في تلك الغرفة. نظرت حولها ولكنه غير موجود ولكنها تشعر بوجوده بداخلها. استيقظ الطفل الصغير وفتح عينيه السوداوين الشبيهة بأعين والده وهنا ابتسمت مريم وهبطت الدموع من مقلتيها وهي تنظر في عمق عينيه. انتبهت عندما تحدثت الممرضة.
الممرضة: "بسم الله ما شاء الله. زي القمر. قررتي تسميه إيه؟"
ابتسمت مريم وهي تنظر في عينيه البريئتين.
مريم: "براء. هسميه براء."
الممرضة: "اسم على مسمى، ربنا يباركلك فيه."
مريم: "آمين."
عادت لتنظر في أعين طفلها الهادئ وقامت بتقبيل مقدمة رأسه وابتسمت له مرة أخرى.
مريم بهمس: "براء ياسين المغربي."
انتبهت لصوت باب غرفتها الذي يُفتح ووجدت عماد يدخل الغرفة بكرسي متحرك تجره إحدى الممرضات. كان عماد يبكي وهو ينظر لمريم ولكنه انتبه للطفل الذي تحمله بين يديها.
مريم بابتسامة: "عماد. تعالى شوف براء."
اقترب عماد أكثر وحمل الطفل بين يديه ونظر له وابتسم وهو يبكي.
عماد: "واخد عيون باباه، وملامحه. تقريبًا واخد كل حاجة."
هزت مريم رأسها وهي تبكي. قبل عماد مقدمة رأس براء ونظر له بأمل. الآن قد فهم حديث ياسين. كان يُخبره أن يفعل مع ابنه ما لم يفعله معه. لقد رزقه الله بـ "براء" آخر ليعوضه عما لم يفعله مع والده. سيكون له الجد الحكيم المُحِبُّ لهُ كثيرًا. خرجت مريم ومعها عماد وطفلها من المشفى وقاما بتحضير جنازة ياسين والتي كانت جنازة مُهيبة حضرها أغلب رجال الأعمال الذين كانوا يجتمعون معه دائمًا وأيضًا حضرها الصحافة وأغلب الشخصيات المهمة ذات المنصب العالي بالبلد. وحضرها أيضًا مؤسسي ومدراء بعض الجمعيات الخيرية وأيضًا بعض المشايخ المعروفين مما زاد تعجب مريم وعماد أكثر. وبعد مرور أسبوع على جنازة ياسين، كانت أشرقت تنظر لمريم بحزن وهي تحمل براء بين يديها تُطعمه لأن الحزن لم ولن يرحل عن صديقتها أبدًا.
أشرقت: "محتاجة أساعدك في حاجة يا مريم؟"
هزت مريم رأسها بالنفي وهي تُطعم ابنها.
أشرقت: "مش هتيجي طيب تقعدي معايا اليومين دول؟ ولو كده عماد برده ييجي معاكي."
مريم وهي تنظر إليها: "لا، أنا حابة أقعد هنا."
نظرت مريم حولها، فقد عادت لشقتها التي كانت تقطن بها للإيجار أثناء فراقهم هي وياسين في المرة الأولى. والتي علمت بعد ذلك أنها مُلكه منذ البداية. ابتسمت على ذكراها تلك، فقد كان هناك بعض الذكريات بينها وبين ياسين في تلك الشقة. عندما قام بحبسها في غرفتها لكي لا تخرج وتُخبرُ الشرطة أنه قاتل. وأيضًا عندما قام بإعداد الطعام لها في ذلك اليوم. كم تتمنى أن تعود تلك الأيام مرة أخرى. تتمنى لو يعود ويصنعان ذكريات جديدة سويًا. هبطت الدموع من مقلتيها وانتبهت لطفلها الذي قد انتهى من تناول الطعام ولم يَعُد جائعًا، ظل ينظر لها بعينيه السوداوين الناعستين حتى استسلم للنوم.
أشرقت: "مريم أنا مقدرة إنك تعبانة نفسيًا. بس إنتي محتاجة تغيري جو و..."
قطع حديثها صوت دقات على باب الشقة. تنهدت أشرقت واستقامت من مقعدها وذهبت لتفتح الباب لتُفاجأ برجل أربعيني يقف قبالتها يرتدي حُلّة سوداء ويحمل بيده حقيبة سوداء ضخمة.
أشرقت باستفسار: "مين حضرتك؟"
المحامي: "أنا محامي ياسين بيه الله يرحمه، أنا كنت جاي لمدام مريم، هي موجودة؟"
أشرقت: "لحظة."
تركته أشرقت وعادت لمريم.
أشرقت: "في حد بره بيقول إنه محامي جوزك، أدخله؟"
هزت مريم رأسها واعتدلت. عادت أشرقت للرجل مرة أخرى.
أشرقت: "اتفضل."
دلف الرجل للشقة ونظر لمريم التي تقف وهي تحمل طفلها الرضيع بين يديها. اتجه المحامي نحوها بابتسامة رسمية.
المحامي: "صباح الخير يا مدام، أنا صلاح محامي ياسين بيه المغربي. أنا جاي لحضرتك عشان أتكلم في الوصية بس طبعًا هحتاج عماد بيه يكون موجود."
مريم: "حاضر. *نظرت لأشرقت* معلش ممكن تجيبي عماد؟"
هزت أشرقت رأسها وذهبت لغرفة عماد الذي يجلس على كرسيه المتحرك وينظر للنافذة بشرود.
مريم لصلاح: "اتفضل."
جلس صلاح وجلست مريم هي الأخرى قبالته وعادت أشرقت وهي تجر كرسي عماد أمامها.
عماد لصلاح: "أهلًا بحضرتك. اتفضل."
أخرج صلاح بعض الأوراق من الحقيبة السوداء الضخمة والتي حتى الآن لا يعرفون سبب ضخامتها تلك. فهو يحمل أوراقًا قليلة فقط.
صلاح بتنهيدة: "طبعًا كل حد فيكم ليه نصيب ياسين بيه حدده قبل ما يتوفى وده طبعًا من خلال وصية هو كتبها بإيده قبل ما يموت بأيام. نبدأ ونقول بسم الله."
نظر صلاح للورقة التي بيده وبدأ بالتحدث.
صلاح: "أوصي أنا. ياسين المغربي بعد وفاتي أن ترحل كل أموالي وممتلكاتي إلى كُلٍّ من. والدي عماد الرجل الذي آواني في بيته وزوجتي وحبيبة قلبي مريم أحمد سعيد هنداوي. *هبطت الدموع من مقلتيها عندما سمعت حديثه عنها في الوصية* وولدي العزيز الذي يحمل اسمي. على أن تكون الممتلكات بينهم مقسمة بنسبة متساوية وهي خمسة وعشرون بالمائة لكل من والدي وزوجتي أما بالنسبة لابني فهو يرث الباقي أي خمسون بالمائة من تركتي. وأملاكي عبارة عن..."
قصرين بالقاهرة وفيلا بالإسكندرية وشركتي الأم بفروعها الأربعة ودار أيتام ومشفى خيري وجراج ملئ بالسيارات. أما بالنسبة للمشفى الخاص فهي لم تعد ملكي حيث قمت بكتابتها على اسم زوجتي العزيزة، حيث أنها مالكة المشفى قبل أن يتوفاني الله. ادعوا لي وسامحوني وكونوا على علم أني أحبكم جميعًا.
أغلق صلاح الوصية ونظر لمريم وعماد اللذان يبكيان وتحدث بهدوء:
"ياسين بيه حاول يطبق العدل في الوصية، أي نعم حضرتك يا أستاذ عماد مش والده الحقيقي لكنه اعتبرك كده لإنك أنت اللي ربيته."
نظر لمريم التي تنظر له في المقابل وهي تبكي:
"في بس ملحوظة حابب أتكلم فيها، طبعًا القصر اللي كنتوا فيه اتحرق بس المكان نفسه لسه موجود فطبعًا مش هنستبعده من الوصية. بالنسبة لدار الأيتام والمستشفى الخيرية، المنشأتين دول بياخدوا 50% من الأرباح السنوية بتاعة المستشفى الخاصة والشركة وياسين بيه كان دايمًا حريص على كده وبما إن المستشفى باقت بتاعة حضرتك فأعتقد كده هياخدوا فلوس بس من الشركة و..."
قاطعته مريم:
"زي ما احنا، نص أرباح المستشفى هتروح للمنشآت الخيرية دي، ما فيش حاجة هتتغير."
صلاح بابتسامة:
"شكرًا ليكي، ياسين بيه كان عارف إنك هتعملي كده، وعمومًا وقت ما تحتاجي حاجة أنا موجود تقدري ترجعيلي في أي وقت وده رقمي."
أعطاها رقم هاتفه ثم تنهد ونظر للحقيبة.
صلاح لمريم:
"قبل ما أمشي، في حاجة أخيرة ياسين بيه كان سايبها لحضرتك."
تابعته مريم بأعينها وهو يقرب الحقيبة السوداء الضخمة نحوها.
صلاح:
"الشنطة دي خاصة بياسين بيه، كل محتوياتها باقت بتاعتك خلاص."
اعتدل صلاح وتنهد بعمق وقام بضبط سترة حلته.
صلاح:
"أستأذن أنا عشان متأخر."
أشرقت:
"طب الشاي طيب؟ حضرتك ما شربتش حاجة."
صلاح بابتسامة:
"وقت تاني إن شاء الله."
مريم بهدوء وهي تتدخل:
"ما يصحش، حضرتك اتفضل اشرب حاجة قبل ما تمشي."
صلاح باعتذار:
"أنا آسف، بس أنا فعلًا متأخر ورايا ميعاد في المحكمة دلوقتي."
مريم بتنهيدة:
"تمام، ما فيش مشكلة."
وجهت حديثها لأشرقت:
"معلش يا روحي وصليه عند الباب."
صلاح:
"ما فيش داعي."
أشرقت:
"لا اسمح لي."
هز صلاح رأسه وتبع أشرقت للباب.
أشرقت بابتسامة وهي تقوم بفتح الباب:
"نورتنا يا متر."
صلاح بابتسامة:
"ده نورك يا..."
عقد حاجبيه باستفسار:
"اسمك إيه؟"
أشرقت بابتسامة:
"اسمي أشرقت."
صلاح وهو ينظر في عمق عينيها:
"اسمك جميل يا أشرقت."
تاهت في عمق عينيه هي الأخرى وظلت هكذا للحظات ولكنه صلاح استفاق على صوت رنين هاتفه.
صلاح بحمحمة:
"بعتذر جدًا، مضطر أمشي، شكرًا ليكي."
خرج من الشقة أما هي نظرت في خطاه ولكنها تفاجأت بمن وقف أمامها وهو أحد رجال ياسين.
أشرقت:
"أفندم؟"
الرجل:
"جاي لمريم هانم."
أشرقت:
"اتفضل."
دلف الرجل للداخل ونظرت له مريم باستفسار.
الرجل:
"إحنا تابعنا موضوع الرجالة اللي ساعدوا الدكتور طارق في إنهم يحرقوا القصر وخلاص هما اتسجنوا. بالنسبة لأخت الدكتور بلقيس هانم، انهارت في عزا أخوها واتنقلت لمصحة نفسية وعينا دكتورة نفسية ترعاها، أي حاجة تؤمريني بيها تاني؟"
تنهدت مريم ثم ابتسمت له:
"خلاص كده، ده آخر يوم ليكم معايا."
الرجل:
"بس إحنا على عهدنا مع ياسين بيه إننا هنفضل معاه دايمًا وهنحمي اللي بيهتم بيهم."
مريم:
"وإنتم كده عملتوا اللي عليكم وزيادة شكرًا ليكم."
نظر لها الرجل بتشتت، حاولت أن تقوم بالتوضيح وفي ذات الوقت تخفي حزنها.
مريم:
"ياسين خلاص مات، ومع موته خلاص العهد انتهى. تقدروا كل واحد يعيش حياته ويشوف وظيفة تانية أحسن من دي بكتير. تقدروا تعيشوا مرتاحين من غير أعباء على أكتافكم. أنا عارفة إن شغلكم ما كانش سهل، بس حان وقت الراحة. كل واحد يشوف الشغلانة اللي تناسبه، بلغ كل الحرس إن خلاص ياسين المغربي مات ما بقاش في داعي إنهم يكونوا موجودين."
هز الرجل رأسه لها بحزن ورحل. أما هي تنهدت بإرهاق وحزن.
أشرقت:
"بتقطعي أكل عيش الناس ليه؟"
مريم:
"لازم كل واحد فيهم يشوف وظيفة تانية أحسن من دي، وأكيد أنا مش محتاجة حراسة وكل واحد هييجي وقته."
هبطت الدموع من مقلتيها:
"زي ما ياسين جه وقته وما حدش عرف ينقذه."
قامت أشرقت بضمها بقوة تربت على ظهرها بحنو.
أشرقت:
"راح للي أحسن مني ومنك ما تزعليش يا مريم، هو أكيد في مكان أحسن من هنا."
مريم ببكاء:
"أتمنى."
استفاقت مريم على صوت بكاء طفلها. استدارت للخلف ووجدت عماد يحاول تهدئته ولكنه لم يستطع.
مريم لعماد:
"تلاقيه جعان تاني، هأكله."
توجهت بنظرها نحو حقيبة ياسين السوداء ولكنها انتبهت لطفلها الصغير وأخذته من يدي عماد لتحمله بين يديها. أما بالنسبة لأشرقت فقد ساعدت عماد ليعود إلى غرفته لأنه يشعر بالإرهاق قليلًا. جلست تطعم طفلها مرة أخرى وهي تنظر للحقيبة السوداء بفضول. وبعد أن انتهت ونام طفلها مرة أخرى وضعته بالأريكة وقامت بفتح الحقيبة. وجدت بها عددًا كبيرًا من الدفاتر السوداء، تذكرت في تلك اللحظة أنها قد دخلت غرفة مكتبه ووجدته يدون شيئًا في دفتر أسود اللون. قررت أن تحمل دفترًا من بينهم وتقرأ ما به. فتحت الصفحة الأولى وهبطت الدموع من مقلتيها عندما رأت خط يده الذي تحفظه جيدًا عن ظهر قلب. بدأت بقراءة سطور الدفتر الأولى.
"تلك الفتاة التي أنقذتها من حافة الطريق المظلم، اتضح أنها أخصائية نفسية، عندما كنت أتحدث معها في يوم ما في المشفى وأعرض عليها أن تبدأ من جديد وسأساعدها بامتلاكها شقة. وقتها سألت عن إصراري في مساعدتي إياها؟ أنا وقتها لم أكن أعلم السبب، ولكن كل ما رأيته في مخيلتي هي والدتي، والدتي التي اغتصبت أمام عيني. رأت تلك الفتاة والتي تدعى سارة الحزن في عيني وعلمت أني أخفي الكثير بداخلي. وأخبرتني بشيء هو أن أدون كل ما أشعر به وكل ما أعيش في دفتر. وقد ساعدني ذلك قليلًا. أردت أن أشكرها على ذلك فقمت بشراء شقة لها وتوالت زياراتي لها لأجعلها تساعدني في حالتي دون أن تعلم أنها تساعد مريضًا نفسيًا يريد العلاج وذلك من خلال حديثنا المستمر عن الحياة وكيف أنها تخطت حزنها فيما حدث لها. ظللت أقوم بزيارتها باستمرار حتى وقعنا في الخطأ دون أن نقصد، فهي كانت تبكي لما فعلناه وكانت تخبرني أن أتركها وشأنها، ولكن أنا لا أقبل بذلك مطلقًا. لذلك قررت أن أمنحها فرصة وأمنح نفسي فرصة أيضًا، سأقوم بشراء خاتم لها لكي أتزوجها..."
قلبت مريم صفحات الدفتر وهي تقرأ عن قصة ياسين وأختها ورأت ذاك التاريخ، يوم موت أختها ووالدتها.
"كنت أجلس في سيارتي أنظر لذلك الخاتم الماسي الرائع الموجود في علبته وذلك بعد أن قمت باختياره بعناية. ولكني انتبهت على صوت وصول رسالة على هاتفي. وتفاجأت بتلك الرسالة فقد كانت عبارة عن تسجيل صوتي. ولكن! كان بصوتها هي، وهي تخبرهم أنها ستساعدهم على قتلي. شعرت بأنني أحمق. لقد تم خداعي من قبل تلك الفتاة! الفتاة التي رأيت فيها أمي والتي مع الأسف لم أعد أراها بها الآن. ما كانت والدتي ستخون والدي بهذا الشكل..."
قلبت مريم بالصفحات حتى توقفت على تلك الجملة.
"لا أحد يستحق الثقة، حتى السيدات."
تركت مريم ذلك الدفتر وحملت دفترًا آخر وكان ياسين يحكي به عن قتله لبعض رجال الأعمال بسبب أنه رأى جمال بهم. قرأت دفتر يليه دفتر آخر دون أن تنتبه للوقت الذي يمضي ولم تشعر حتى أن أشرقت قد خرجت من الشقة ظلت هكذا حتى توقفت عند دفتر جعلها تبكي.
"لم يشعر بي أحد، جميعهم ظلموني. كنت وحيدًا منذ طفولتي وما زلت وحيدًا، لم يشعر بي عماد وزوجته. كل ما كانا يريدانه هو أن يعود طفلهم مرة أخرى. لم يروا صراخي ولا طلبي لنجدتهم. لم يروا أي شيء، حتى تصرفاتي لم تعجبهم لأنهم يصدقون أن ابنهم الراحل لن يفعل تلك التصرفات أبدًا. لم يروا ولم يفهموا أني شخص آخر مختلف عنه."
نظرت مريم لدفتر آخر.
"أريد تحقيق العدالة التي لم تعد موجودة. أريد أن يخاف الظالم ويعلم أن دوره سيأتي يومًا ما، لا أريد أن يحدث مثلما حدث معي. فقد جعل جمال الشرطة تتكتم عن مقتل والدي وأظهروا أنه حادث. تلك المدينة يملؤها رجال فاسدون يجب إنهاؤهم كي لا يتكرر ما حدث معي مع أحد آخر..."
أغلقت مريم الدفتر وقامت بفتح دفتر آخر.
"رأيتها! رأيت شبيهتها اليوم، أو بمعنى آخر رأيت أختها. تلك الطبيبة الصغيرة. حينما رأيتها قد تأكلني شعور بالذنب ولا أدري ما السبب. وعندما علمت أنها أختها تيقنت أن نهايتي ستكون على يدها. لم أستطع أن أفسر سبب غضبي عليها في أول يوم رأيتها به، ولكني أعتقد أن السبب كان شعوري بالذنب نحوها، أنني قتلت أختها. وأيضًا علمت أنها الفتاة التي حضرت أول يوم أكون به قاتل. تلك الفتاة الصغيرة التي لم تكبر حتى الآن بالنسبة إلي. عندما علمت من هي ظللت أراها طفلة بعمرها العشر سنوات..."
كانت تبكي وهي تقرأ كلماته عنها.
"علمت الآن أني أشعر بالذنب لأني أنا السبب في كل ما حدث لها. لقد رأيتها اليوم تبكي بسبب ذلك الطبيب قريب طارق. تمسكت بسترتي تترجاني أن أساعدها في الاختفاء من أمام عينيه. لم أفهم سبب خضوعي وموافقتي لها ولكني كنت أتمنى لو مساعدتي لها تغفر لي ما فعلته بها قبلًا. فقد أقسمت أن أقوم بإسعادها منذ أن رأيتها تعويضًا عما فعلته بها..."
قلبت الصفحات قليلًا في ذلك الدفتر.
"تلك الطبيبة قاطعت اجتماعًا يساوي ملايين لكي تخبرني فقط أن عماد يحتاج إلى طبيب نفسي. ولكنني لم أحزن بسبب مقاطعتها إياه فقد اشتقت لرؤيتها ولكني كنت أتهرب من ذلك الشعور بغيابي الدائم والمستمر عن القصر."
لأنني كنت أقع بحبها دون أن أشعر.
قلبت بعض الصفحات بالدفتر.
اليوم كانت أجمل فتاة رأتها عيناي وهي ترتدي ذلك الثوب الأحمر في الحفل السنوي الخاص بالمشفى. إني أقع بها دون وعي مني ولكني شعرت بالضيق عندما رأيت ذلك الطبيب يمسك بذراعها كأنها ملكه، لا يعلم أنها ملكي أنا منذ البداية.
ابتسمت وهي تقرأ تلك الجملة.
لقد اعترفت لي بأنها تحبني، ولكن ذاك الاعتراف جعلني أستفيق وأتيقن أننا لن نجتمع معًا أبدًا. لقد قمت بقتل أختها وتدمير حياتها. لن تجد السعادة معي مطلقًا. أريتها أنها لا تهمني مع أنها هي أكثر من يهمني. أحببتها أكثر مما ينبغي. تعلقت بوجودها حولي. لقد أنارت قلبي المظلم دون أن أدري. تلك أول فتاة أقع بحبها ويبدو أنها ستكون الوحيدة.
بكت عندما رأت ما كتب.
منذ فراقنا وهي تبكي بسببي. لا تعلم أنني أتألم أكثر منها لفراقنا ذاك لدرجة أني لا أستطيع فراقها. أراقبها دائمًا وأطمئن عليها باستمرار دون علمها. جلبت لها وظيفة تخص مشفى أستثمر فيها كي لا تكون بعيدة عني. أريدها دائمًا أمامي حتى وإن لم تكن ملكي.
قلبت الصفحات.
ذلك الطبيب الذي يدعى آسر يتقرب ويتودد إليها. هي لا تعلم بالنار التي بداخلي والتي تجعلني أتمنى قتل ذلك الطبيب بيدي، لكن لا، هي تستحق السعادة. سيتركها لسعادتها.
بكت أكثر عندما قرأت تلك الكلمات الآتية.
كادت روحي تخرج من جسدي عندما رأيت قطعة الزجاج تلك تخترق عنقها. كنت كالطفل الصغير الخائف من فقدان والدته مرة أخرى. تمنيت أن أموت مقابل أن تعيش هي.
ظلت مريم تقرأ تلك الدفاتر وهي تبكي وترى أن ياسين لا يحبها فقط بل هو يعشقها. لقد أحبها أكثر مما هي تحبه ولكنه كان يعلم أنهما لن يكونا سويًا ولن تكون سعيدة معه أبدًا، لذلك كان دائمًا يقوم بإبعادها عنوة عنه وعن ما يريد قلبه. ظلت مريم تقرأ بالدفاتر تلك وتتمنى لو تراه أمامها الآن وتضمه بقوة، ولكنه مات! ولم يعد موجودًا.
وأثناء حملها لدفتر آخر تقرأه، انتبهت لدفتر أبيض موجود أسفل تلك الدفاتر السوداء. تركت ما بيدها وأمسكت بذلك الدفتر وقامت بفتحه.
زوجتي العزيزة، معنى وصولك لذلك الدفتر هو أنك قرأت أغلب الدفاتر وإن لم يكن كلها. أريدك أن تعلمي شيئًا واحدًا فقط، هو أنني أحببتك كثيرًا منذ أول لحظة رأيتك بها. رؤيتي لك أحيت لي قلبي. كنت على يقين من البداية أني سأموت على يديك ولكنك خالفت توقعاتي، فلقد وضعت الدواء بدلًا من السم وهذا ما قد هزمني حقًا وجعلني أحبك أكثر. أتمنى أن تسامحينني مريم. أعلم أني فعلت ذلك بإرادتي ولكن كل ما أطلبه منك الآن هو أن تقومي بالعفو عني. فأنا لا أستطيع أن أعيش بدون عفوك عني. سامحيني عزيزتي. في الآونة الأخيرة أنا أحلم بوالدي كثيرًا ولكنها أحلام غريبة أشعر من خلالها أني سأرحل عما قريب. سأعود لوالدي مريم، وأنا أنتظر ذلك اليوم منذ مدة. أعلم أنه كان ينبغي موتي معهم منذ البداية في ذلك الحريق ولكنه القدر. عشت أكثر من ثلاثين عامًا أنتظر نهايتي ولكنني عندما رأيتك شعرت أنني مذبذب قليلًا. أردت البقاء معك. أردت أن أرى بني وأحمله بين يدي. أردت أن أسمعه يناديني ب "أبي". أردت أن أقوم بتكوين عائلة أحميها بكل ما أوتيت من قوة كما كنت أعهد بذلك لأبي في أحلامي دائمًا، وها أن الآن أشعر أنني قد قمت بتنفيذ عهدي ذلك. مريم، أخبري بني أني لطالما انتظرته. أخبريه أني تمنيت أن أحمله وأرى ابتسامته. أخبريه أني تمنيت أن أراه يحبو ويسير أول خطوة له بحياته. أخبريه أني كنت أشتهي ضمة منه تجعلني أنسى من أنا. أخبريه أني أحبه من كل قلبي. اجعليه يعيش طفولته وأن لا يصبح مثلي أنا. اجعليه ينعم بجميع لحظات حياته. لا أريد أن يرى بني ما رأيته أنا بحياتي. أنا أثق بك زوجتي العزيزة وبتربيتك له. وأعلم جيدًا أنه سيكون شخصًا جيدًا يومًا ما. ذلك الدفتر الذي تقرئينه الآن هو آخر دفتر قمت بكتابته، وهو أبيض اللون لأنه يخصك أنت فقط، فإنه رسالة طويلة مني إليك. رسالة ستظل معك دائمًا. أحبك حتى النهاية وما بعد النهاية.
أكملت قراءتها في ذلك الدفتر وهي تبكي وترى رسالة زوجها لها وهو يتحدث إليها بعبارات الحب كلها. وعندما وصلت لنهاية الدفتر.
أرجوك مريم، قومي بحرق الدفاتر الأخرى التي بها أسوأ أيام حياتي وحياتك واتركي ما تريدين واعلمي جيدًا أني في مكان رائع فقد تبت إلى الله وذهبت لعدة مشايخ وأخبروني أن الله سيقبل توبتي تلك، فيكفي شعوري بالندم على ما فعلت. أحبك زوجتي العزيزة ويا أغلى ما أملك. كوني قوية.
كانت تلك نهاية الدفتر وكانت وقتها تبكي بقهر، ولكنها استفاقت على صوت صغيرها يبكي. تركت ما بيدها وذهبت لتطعمه. وفي ذات الوقت تنظر لتلك الدفاتر السوداء تخطط لتحرق أي منهم.
بعد مرور سبع سنوات.
كانت مريم تجلس بمكتبها بالمشفى وهو مكتب ياسين السابق تنظر لعدة أوراق بيديها تخص الشركة وتتابع أعمالها، وتضع الهاتف على أذنها تستند به على كتفها تتابع أعمال المشفى أيضًا وكل ذلك في آن واحد.
مريم: الأدوية اللي طلبناها هتكون موجودة في ميعادها.
همهمت ثم استأنفت: بالضبط. تمام كده. شكرًا لكم.
أغلقت المكالمة الهاتفية ثم تنهدت بارتياح وقامت بوضع الأوراق أمامها على المكتب. نظرت للإطارات الزجاجية الموجودة أمامها، أحدهم كانت صورتها مع ياسين والأخرى صورتها مع براء ابنها العزيز والذي يشبه أباه كثيرًا، والثالثة كانت صورة تجمعها هي وبراء وعماد الذي توفي منذ سنوات قليلة وترك لها نصيبه من ما تركه ياسين له، وكان لوفاته أثرًا على براء حيث أنه كان شديد التعلق بجده، ولكنها ظلت تساعده في التحسن حتى صار أفضل قليلًا.
ابتسمت بحب لتلك الصور ولكن ابتسامتها اختفت عندما تذكرت أمرًا ما. حفلة براء! استقامت من مقعدها بسرعة وخرجت من المكتب ولكنها اصطدمت بأشرقت.
أشرقت: في إيه؟ بتجري كده ليه؟
مريم: حفلة براء هتبدأ ولازم ألحق.
أشرقت: طب اهدي طيب، براحه، صلاح جاي على هنا استني طيب ونروح كلنا سوا.
مريم: لا، أنا هسبق بس عشان ألحق براء وإنتي وجوزك تعالوا في أي وقت.
أشرقت: تمام يا حبيبتي، خدي بالك من نفسك.
هزت مريم رأسها وخرجت بسرعة من المشفى ركبت سيارتها وبدأت بالتحرك، نظرت إلى الدفتر الأبيض الموجود بسيارتها وابتسمت وهي تقود السيارة.
بعد مرور عدة دقائق، كان براء يقف خلف الستار بين زملائه الأطفال وينظر لآبائهم وأمهاتهم الذين يجلسون بمقاعد مسرح المدرسة، أما هو ينتظر والدته التي تأخرت عليه بالمجيء، صاحبة المقعد الفارغ. نظر للورقة التي بيده والتي سيقوم بقرائتها أمام الحضور بمناسبة الاحتفال بعيد الأم والذي لا يشترط التحدث عن الأمهات فقط، بل متاح التحدث عن الآباء أيضًا. تجهز الأطفال لأن الستار سيرفع. انضم براء لهم في الصف وأخذ نفسًا عميقًا وأمسك بالورقة بقوة يتمنى أن تأتي والدته الآن. رفع الستار وتقدم الأطفال وبدأوا بإلقاء خطاباتهم على آبائهم وأمهاتهم. كان براء يعود للخلف في كل مرة يحين فيها دوره في انتظار والدته التي بالطبع ستأتي ولكن متأخرة قليلًا. نظر براء لساعة الحائط ثم تحدث لنفسه بهمس طفولي.
براء: إنتي فين يا ماما؟
ظل الأطفال يلقون خطاباتهم حتى تبقى براء فقط. ابتلع لعابه بتوتر عندما وجد الجميع ينظر إليه ليلقي خطابه. حمحم بإحراج وصمت وظل ينظر لباب المسرح الخارجي والذي تم فتحه بسرعة وابتسم عندما رآها تهرول للجلوس على المقعد الفارغ. عندما جلست ابتسمت له لكي يبدأ. أخذ نفسًا عميقًا وقام بفتح الورقة المطوية التي بيده.
براء: الرسالة دي جزء منها لماما.
نظرت له باستفسار ولكنه ابتسم لها في المقابل وبدأ يتحدث بصوت طفولي: شكرًا لك أمي على مراعاتك لي، وتحملك مسئوليتي. شكرًا لك على كل لحظة كان يجب أن تنهاري بها ولكنك لم تفعلي بل كنت قوية لأجلي. كنت الجيش القوي والوحيد الذي يحميني. كنت كل شيء جميل يا أمي. أنا أحبك كثيرًا.
حركت مريم شفتيها ب "وأنا أحبك أيضًا". ابتسم براء ببراءة لها ثم عاد ونظر لورقته.
براء: بالنسبة لرسالة بابا.
اختفت ابتسامتها ونظرت لبراء بأعين مليئة بالدموع.
براء: إلى أبي العزيز، لقد اشتقت لك كثيرًا. هل تعلم أنني أحببتك من قصص والدتي عنك وأنك كنت رجلًا قويًا يهابه الجميع. رجلًا يؤمن بالعدل. إلى ياسين المغربي، لم توجد ولا صورة واحدة تجمعني بك، إذ إني ولدت في يوم وفاتك أبي. ولكن لا تقلق، أنا أرى صورك التي كانت في الصحف والجرائد سابقًا. أقرأ دائمًا عنك وعن ما كنت تفعله.
هبطت الدموع من مقلتيه وأكمل: كم أتوق لمقابلتك أبي. كم أريد أن تضمني بقوة ولو لمرة واحدة تخبرني بها أن كل شيء سيكون على ما يرام كما تفعل أمي دائمًا. أشتاق إليك كثيرًا. أنا أحبك وأمي أيضًا تحبك.
قام الحضور بالتصفيق له واستقامت مريم من مقعدها. نزل براء من على أدراج المسرح وركض نحوها لكي تضمه، وهي ابتسمت وقامت بضمه بقوة.
النهاية.