تحميل رواية «القاسي و نور الصعيد» PDF
بقلم سنسن ضاحي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
يقف “سيف محمد العادلي” أو بالمعنى الأصح عمدة بلده وحاميها، لا يعرف سوى العمل والجد في حياته. يمتلك ملامح وسيمة ساحرة جنونية وعيون كالصقر المتربص بفرائسه. كل شيء وأي شيء أسير تحت قبضته. لا يعرف للحب مكانًا، لا يسكن في قلبه سوى الكبرياء فقط. لن أنكر على أحد إن قلت إنه لم يذق حبًا ولم يفتح له بابًا، قارب على الانتهاء من عامه الثلاثين ولم يتزوج إلى الآن. لديه سطوة من المال ورجال وأراضٍ وأعمال وكل ما يملأ فؤاده العمل والتوسع. سيف: اهنه ما يسكنش غريب، ولو كان حتى عابر سبيل. أنا الحكومة وأنا القانون. ت...
رواية القاسي و نور الصعيد الفصل الحادي عشر 11 - بقلم سنسن ضاحي
تملك الغضب منها، بينما بدت ساخطة قانطة. لاحظ هذا، لم يبالي بتلك النيران التي تتاكل بداخلها. حتماً ستصير رماداً لو اقترب الوقت أو لم يقترب.
لاحظت آية رد الفعل والملامح المغتاظة، فشعرت بالبهجة تكن بداخلها، خاصةً مع حديثه الداعم لها. فبدت مبتهجة مسرورة، منفردة السرور، مفعمة بالابتهاج أيضاً. أحست نور بإنها انتصرت عليها، فشعرت بالاغتياظ منها ومنه، ومنه بالاخص.
ودت كتم ملامحها اللعينة، لربما كشفت ما بداخلها من اغتياظ على وجهها. ودت لو لم تبالي به وبهم، أوغاد حمقى. لكن طبيعتها بكونها أنثى وهذا زوجها، منعتها من هذا، منعتها من كتمان ما بداخلها.
"ايه اللي بتقوله ده؟ تتجوز مين أومال أنا أبقى إيه؟"
نظر لها ببرود وببسمة سمجة أراحت قلب الأخيرة.
"هو إيه انتي تبقي إيه دي؟ أنتي مراتي، وأنا هنا راجل البيت وعمدة البلد."
"مانا عارفة ده كله مش محتاجة تعريف يعني، بسألك هتتجوز مين؟ وكمان هتتجوز عليا دي."
وأشارت لها بسخرية ممتزجة بالغيرة في آن واحد. بينما آية ظهرت غاضبة أيضاً. فلم يسعه الأمر إلا أن:
"اتعودي تكوني محترمة، وتتكلمي بأدب وذوق. آية دي تبقى خطيبتي، وأنا أقول اللي يعجبني، مش محتاج منك رأي عشان تقولي أو تفرضي. أنتي زيي زي الكرسي اللي هناك ده وعياله. ولا تكونيش فاكراني جوز الست، لا فوقي. شوية حاجات تفهميهم وفي ودنك حلق تعلقيهم. ملكيش رأي، رأي ملكيش. زي الكنبة في البيت تعيش."
كلامه استفزها، وأخرج آخر ذرة عقل بداخلها. مستفز، أحمق، قاسي، على عهد أجداده.
"أنت بتقول لمين الكلام ده؟"
"الكلام ده ليكي ولا أي مخلوق، فاهمة. واللبس المايع ده، تنسيه. تلبسي لبس إسلامي، أقولك تتنقبي، حلو النقاب. وحتى الثريا تحت تنزليها بحجاب مفهوم."
باندفاع وانفجار، وبدت متأثرة معقدة الوجه بكلامه، احمر وجهها غضباً، بينما الأخيرة تنظر باستمتاع ممزوج بالغيرة أيضاً لتدخله في نظام ملابسها.
"ثانياً مين قالك هغير لبسي؟ مين اداك الحق تتحكم فيا أصلاً؟ أنت مين عشان تأمر وتتآمر؟ مين أنت عايزة أفهم. وكمان فاكرني هسمعلك وهنفذ كلامك؟ وهتحجب عشان حضرتك عاوزني أتحجب؟ يعني خوف منك؟ أديني حكم ومواعظ بالمرة. وعلمني أركان الإسلام، آه مانا مش عارفة ربي بقى، فعرفهولي أنت، بحكم إنك معاك رخصة اسمها جوزي وكده يعني، صح؟"
لم يرق له كلامها، شعر بالنفور منها. الآن فقط لام اندفاعها. لابد إنها ممن الذين يساوون المرأة بالرجل في كل شيء، يطيحون بالأعراف والقوانين والدين والعرف عرض الحائط. أولئك الذين تستفزه أفعالهم، داعمون لهراءات مبتذلة، مخببين المرأة على زوجها، والفتاة على والدها. شعر الآن أنه وقع في فخ ومازق. لقد نفر من أولئك النسوة ومن منظماتهم التي عجت كل مكان في وقت قصير.
"أنتي من الحريم اياها؟ يبقى هتطلقي."
عقدت حاجبيها وأردفت محاولة الاستفهام.
"حريم اياها؟ إيه مش فاهمة؟ وعلى الطلاق ما كدة كدة هنطلق."
"الحريم المايعة الفيمينست اللي لا يعرفوا لا دين ولا أدب."
"الله دي أحلوت أوي. أنت ذكوري؟ طلعت راجل ذكوري عايز تضطهد حقوق المرأة وتكون أي وسيلة غير إنها إنسانة. هو فيه منك لدلوقتي؟ أنا افتكرت إنكم ولعتوا بجاز. لأ وكمان جاي تقولي أتحجبي وفاكرني لعبة عاوز تحركها بمزاجك. واعملي ومتعمليش، وامشي ومتمشيش. أمشي على هواك. اللي أنت عاوزه أعمله عشان حضرتك تتبسط وترتاح، وتشعر إنك كملت النقص اللي جواك. أيوه أنا فيمنست وهفضل على مبادئي هفضل كده طول عمري. بس مش معنى كده أني كافرة، ومش بصلي ولا أصوم. لا كل الحكاية ربنا خلق لي عقل وقلب، فبعمل اللي مقتنعة بيه، مش اللي أنت مقتنع بيه."
زادت دهشة كلاهما، سيف وآية. الأولى شعرت ببراكين الغضب في عيناه وشعرت بالسرور. الآن فقط الحرب. كلاهما مختلفان كفرق السماء والأرض، تباعد وتضاد. ملامحه كانت تشع غضباً وعقله يدفعه أن يقوم الآن ليضرب بها حتى تعدل عن هذا وذاك التفكير العقلاني المدمر.
"أنتي مش هتقعدي على ذمتي بس طول ما انتي في بيتي كلامي يتنفذ. اعتبريني ذكوري، أي حاجة في بالك اعتبريني. أنا وهتتحجبي وهتطلقي. لأن انتي وراكي مصايب. حاسك ملحدة من العيال اللي بتاخدها موضة، اللي بيسايروا أي تيار على أساس يدعوا العمق، وهم أزبل ناس على وجه البشرية."
استغربت حديثه بالاول يتكلم بشيء من العلم، ولكنها تذكرت إنه خريج كلية الهندسة. كان ذلك في بطاقته الشخصية.
"والله يا بشمهندس دي كمان حقوق ناس، مالكش علاقة سواء ملحدين أو كفار، مانت مش هتمشي الكون على مزاجك. فخليك في حالك. ربنا هو اللي بيحاسب."
***
يتجول بسيارته في ضواحي المدينة، شارد العقل، حزين الفؤاد. أشباح الماضي تطارده. توقف وآخرج سيجار، أشعله بتوتر، يفكر فقط كيف يرجعها له مجدداً. دائماً كان يفكر بها، لم ينساها، ولم يحب سواها، مفضلته. يحتفظ برسائلها القديمة، التي باتت كبيت مهجور، كقلبه. جيد أن المرء يحب، فيشعر إنه مازال على قيد الحياة. حتى في الفراق يبدو الحب لذيذاً، حتى ولو كان مؤلماً.
لكن لربما يقوده حبه يوماً لشيء أشبه بالجنون. فما زالت في أحلامه. كان يرى طليقته هي. لم يعد عقله يستوعب غيابها، حتى ولو مر ألف عام. حاول بكر بالبداية تجاهلها، حاول تجاهلها وإمحاء التعلق. فما شاء الله أن يتعلق بها أكثر فأكثر. مقابلتها ولقائها لم يمحوا حزنه، بل زاد تعلقه أيضاً. يعلم بأنها حمقاء مندفع، متعبة، ولكننه يحبها ويعلم بأنها طيبة القلب، بسيطة النفس. لو لم تكن كذلك لغيره، فهو يراها بعينه وعين المحب. فلتر، ما زال على تفكيره حتى استوعب نهاية سيجارته فالقاها بدون مبالاة. وفي قرارة نفسه كرر التفكير بجنون. هذه المرة، سيأخذها عنوة إلى حضنه وبيته. سيقتلع كل ما يقف في سبيل سعادته، حتى لو كانت هي.
***
في غرفة أنيقة جميلة بداخل جناحه الخاص، ولكنها منفصلة. أمسكت هاتفها بغضب.
"أيوه يا شيماء!!"
"إيه فيه كل ده مختفية ومتأخرة؟"
"أنا اتجوزت ياشيماء. اتجوزت النهاردة. وفي اتنين هييجوا ياخدوا بابا. لو تقدري تجيلي معاه هكون ممتنة ليكي."
لم تستوعب صديقتها ما تقوله، لابد إنها جُنت أو فقدت عقلها وخبّلت.
"نعم يا أختي اتجوزتي؟ انتي رايحة جنازة ولا جوازة؟"
"مفيش منه الكلام ده. أنا اتجوزت بني آدم غبي غباء، وشهر وهطلق. الظروف حتمت عليا اتجوزه."
"ظروف؟! انتي بتقولي إيه يا بني آدمة انتي. أقفللي يا نور أنا مش في حالك."
لم يطرق الباب، دلف بدون استئذان. وحينها اشتعل وجهها غضباً.
"أنت يابني آدم انت إيه جابك هنااااا؟"
رواية القاسي و نور الصعيد الفصل الثاني عشر 12 - بقلم سنسن ضاحي
دلف اللي الغرفة…
بينما ظهر الغضب جليًا علي ملامحها فنفخت في ضيق…
واصبح الجو مكتومًا كئيبًا بالنسبة لها.
فاردفت بنبرة ضائقة:
” أنت أيه اللي جابك هنا….”
نظر باستغراب… لكنه يحمل بروداً ثلجي:
” عجايب… ده بيتي… ولا ليكي راي تاني…”
مستفز بارد… لاتطيقه ولم تتحمل وجوده آيضًا.
” اسمع…. اللي بيني وبينك عقد… لتكون فاكر أني مراتك بجد. عمرك ما هتكون غير ستار بس لفعلتك اللي عملتها فيا…”
أحرجها حينما تركها وتناول هاتفه ينظر به… وقبل خروجه نظر لها واردف:
” مش هبص لبنت مسترجلة…”
في مكان ما يغلب عليه الريبة…. تحدث الرجل بدهاء مختلط بالمكر في آن وآحد:
” متقلقش يابكر بيه… انا سربت البضاعة… كله تمام يعني… بس الواد الجديد اللي جابهولنا “محروس” بيله غبي. وانا مفيش عندي مرارة… الواد ابعته ببضاعة يسلمها… لـ “” بريزة “” الراجل طلع عنده ضمير وبعتها مع رجالته. الله يخربت غباوته….”
تأفأف… فأكثر ما يمقته في عمله الغباء… العمل حساس.. والمسؤولية تقع علي عاتقه.
بدئ مغتاظاً، فقبض علي عنق… متولي وتحدث كـ فحيح الافعي… حتي نظراته بدت كـ نظرات شيطان لعين… مما أستدعي الواقف امامه الذي حاول التملق بعنقه وافلات قبضته… ولكن انفاس بكر الغاضبة الثائرة لفحت وجه الاخير الذي ارتفعت… نبضات قلبه رعبًا.
” أنت بتشغل ناس أنت ومحروس… الكـ ـلب من رأسك… مبتفكرش إنه يكون جاسوس علينا… ولا مخبر يا كـلـ ـب بس ملحوقة…..”
هنا قد ظهر الرعب حقًا علي وجه الرجل واستغاث به وطلب العون والرحمة.
” مبكرهش قد الغباوة وانت أغبي منه… وعشان كده سلملي علي جهنم لحد مجيلك….”
خرجت الرصاصة تعرف مقصدها.. فا استغاثت في قلبه… نزف دمـ ـاء ساخنة، بينما نظر له الاخير ببرود، وبصق علي وجهه.
نزلت صباحًا… وكان قد وصل والدها فجراً.
وحين مرورها علي غرفة… سيف… وجدت سريره… مرتب… ولا أثر له.
تنهدت براحة من ثم نزلت بعد الاطمئنان علي والدها.
كانت والدة سيف بالاضافة الي آية يتسامرآن بصوت خفيض… وبهدوء.
القت التحية… فلا آحد منهم بادلها الرد… فلم تكترث.
جلست أمامهم بهدوء… بينما نظرة لها.. آية… بغيظ دفين… لم تكترث آيضا لهذا ولم يشغل بالها من الاساس.
أما آية… فرفعت صوتها تنادي علي مديرة الثرايا حتي آتت لها.
” نعم ياست آية…؟”
” بقولك ايه جناح سيف بيه تطلعي توضبيه… واوضة نومه هو… وتفتحي الستاير كده عشان الجناح يتهوا… وتخلي عزة تطبخله… طاجن بامية باللحمة الضاني عشان بيحبه وأي حاجة تخصه ترجعيلي انا فوراً…”
” أمرك ياست هانم…”
من ثم عاودت أنظارها لها مجدداً… ولكن بانتصار.. وحقد آيضا.
خاصة حينما مسكت هاتفها واتصلت به.
” ايوة ياسيف… أنت جاي علي الغدا…؟”
” ايوة يا آية بتسالي ليه؟”
” أبداً ياعمري أصل لو مجتش هستناك….”
استغرب وقد فهم الآن لربما بل بالتاكيد نور تجلس امامها.
” طيب يا آية أنا مش فاضي للعب العيال ده…”
ثم اغلق الهاتف في وجهها.
أحمر وجهها من الاحراج ولكنها افتعلت أنه مازال يحدثها.
بينما خرجت ضحكات نور تتوالي… وهي تنظر لها بمرح.
بينما.. بادلتها الاخري نظرات حاقدة.
بعد قليل آجتمعوا حول الطاولة… بينما جلست آية بجوار سيف… لم يبالي من فعلتها وآيضًا… نور… فقط تنظر باستغراب.
بينما أرتسمت بسمة علي فاه والدته.
حل الصمت واخذ مجراه… الا من الحقد الداخلي ل آية باتجاه نور.
مازالت حاقدة قانطة تجاهها… أما الآخري.. فـ لا رد حقيقة.
حتي وضعوا الطعام.
أشهي الاطباق التي بإمكانها أن تجعل المعدة تعزف مقطوعة موسيقية.
بخار الاطعمة آخترق أنف…. نور…. فلم تهتم بأحد…. واخذت… تحتسي الشوربة… باستمتاع.
بينما نظرت لها…. آية…. بنفور…. لم تبادلها اي رد فعل من الاساس.
وأقتربت بالمغرفة أتجاه… طاجن البامية الرئيسي الذي كان بالقرب من… سيف… فلم تطاله إيديها.
أبتسم بداخله….. واخذ منها الطبق…. وغرف لها.
” شكراً…”
ببسمة ودودة رائعة.
” العفو بالهنا…”
لمعت عيناها…. وغرست المعلقة به.
بينما ماحدث الآن أثار قنوط… وغيظ آية.
” ناس جعانة حقيقي….”
لم تشغل… نور.. بالها بها ولم تعطيها ماتطلبه وتركتها تهترا التفاهات… وتشتعل بالنيران.
بينما نظر… سيف… بغضب تجاه… آية…. بل بادلها آحر النظرات.
التي جعلت الاخيرة تبتلعلعابها بخوف جلي بدئ ظاهراً علي معالم وجهها.
قليل من الوقت… وظهر التعرق بادئ علي ملامح… سيف… ونور آيضا.
هناك شيئ غير طبيعي… يحدث لكلاهما… تُري ماهو… يشعر بحرارة… بداخله… هناك شيئ غريب.
حاولت آية… ابعاد… نور…. عن سيف تلك الليلة باي طريقة…. لكنها تبدو متعبة…. والاخر يبدو غير طبيعي آيضا.
أما نور فشعرت بثقل في معدتها واسرعت… لاعلي… ودخلت المرحاض.
أفرغت ماكان داخل معدتها…. ورغم إنه متعب… مثلها آيضا.
صعد خلفها.
حاولة… آية إثنائه.
” خليك أنت انا هطلع أشوف مالها وارجع وانت شكلك تعبان والحجة راحة مشوار، وكده كده كنت عاوزاك في موضوع في المكتب….”
لم يعد يعي شيئ… صداع يتاكل بداخله…. راسه ممزق المًا.
أما… آية…. فقد صعدت ووجدتها… مهمدة… تهذي… غير عالمة بما يدور حولها.
حتي أخذها الغيظ والغضب… في آن واحد.
بينما آلشر… ظهر علي معالم وجهها البرئ ظهر بكل وضوح… علي عيناها.
فـ بكل شر…. أخذت تصفعها متمتمه “فيكي أيه…. فاكراني سهلة…. أهو أنتي تحت أيدي…. ممكن افعصك…. ده مش ممكن ده الاكيد…. فاكره انه هو ليكي… فوقي حطاله.. مخدر وانتي اكلتي منه… شوفتي إنك طفسه…. هنزله…. وبكره اعيطله… علي اللي عمله فيا… هيتزوجني… وبعده بالكتير… اطردك بره البيت… يا حشرة….”
فعلتها متاثرة كليا بالمسلسلات الهندي التي اتلفت عقول الفتايات والسيدات.
علمتهم اصول المكر والدهاء… أنطبعت عليها… فاصبحت كـ شريرات… افلام الكارتون ايضا.
لكنها.. نفذت كل هذا…. كانها بداخل هذا العالم.
ظلت تصفعها… وتسبها… حتي آحمرت وجنتيها…. وتورمت وتخدرت.
كانت تهزي بكلمات وصوت متالم غير واعية لاي شيئ.
” كفااية… عملت اي….”
صوتها خفيض متالم… والاخر نظراتها سـ ـادية… فقدت عقلها وظلت تركلها آيضا علي قدميها.
مر وقت قليل… أصبحت فيه نور كـ الجثة الهامدة… إن لم تكن جثة فعليًا.
نزفت الدماء من إنفها بغزارة.
أما بالاسفل… كان سيف لا يعي شيئ آيضا، فقادته قدماه…. للصعود.
حتي طرق باب… جناحه…. فـ كانت آية قد آنهت مهمتها ونظرت لها براحة.
ففتحت الباب وجدت سيف… أمامها…. مهزوز… غير واعي.
حاولت.. بكل الطرق…. أخذه للاسفل… لكي تكمل خطتها… ولكنها ازاحها بعيد عنه… بعنف غير طبيعي… وأغلق الباب خلفها بقوة.
فعاودت الطرق بكل عنف فلم يستجب لها.
رواية القاسي و نور الصعيد الفصل الثالث عشر 13 - بقلم سنسن ضاحي
تنفسها تباطأ كثيراً.
أما سيف… فقد ثقل رأسه كثيراً. لم يرها، بل دخل المرحاض. غسل وجهه وما زال رأسه ثقيل جداً. بدل ملابسه. وآيضاً لم يراها ولم يشعر بها.
ألْقَى بجسده على سريره، وهو لا يعي شيئاً، فقد خُدّر كلياً.
حتى سمع أنين… أنين متألم، متألم لأبعد مدى ممكن. فلم يستطع أكثر وقام من مكانه. ولكن قد انقبض قلبه، كأنه يُعتصر. هو أيضاً… لم يشعر بجسده، لكن هذا الصوت آلم فؤاده. تشوشت رؤيته.
كانت قد وضعت كمية مخدرة لا بأس بها. وضعتها بغباء دون حساب العواقب الصحية لهذا.
لكن بداخله شيء دفعه للمقاومة. المقاومة فحسب.
حتى وجدها. لم يستوعب عقله ما رآه للتو. هز رأسه. آهو كابوس؟ أم حلم ثقيل لعين؟ هل تلك هي؟ المشاغبة خاصته؟ ملقاة، تسيل من أنفها دماء؟ من فعل هذا؟
للتو اتجه إليها بتوتر. لم يستطع… من الأساس… تذكر اسمها. ولكنه حاول… حاول بكل ما لديه.
أفاقها. لم تفق بعد. ماذا حدث لها وله؟
خلع قميصه القطني، حتى بدأ عاري الصدر. جفف الدماء التي التحقت بعنقها من أثر شدتها. لم تتوقف، لكنه حاول. ظل يحاول إفاقتها، وهو من الأساس لا يعي شيئاً. لكن إنقاذها الآن هو كل شيء بالنسبة له فقط.
أما الأخرى، طرقاتها عالية على باب الجناح. لكنه في دنياه معها.
هدأت أنفاسها، حتى أصبحت طبيعية. ولكن ما زالت وجنتها متألمة. متألمة منتفخة، حمراء. من أثر صفعاتها.
كل هذا وهو لا يعي شيئاً، ولكن قلبه مندفع ليذكره من هي. من هي فقط.
تبعثر شعره الناعم. بدأ غاية في الوسامة، كتلة من الجاذبية. رائع، رائع للغاية. لكنه… لا يعي شيئاً. وهذه مأساة.
حتى بدأ مفعول آخر للمنشط. يا للمأساة الآن.
حملها بين ذراعيه. وضعها على… السرير. عقله الآن في المريخ. دون حساب العقبات. لا عقل، لا حسابات. كل ما به خارج عن إرادته. حتماً ستكون العاقبة وخيمة.
تبعثر شعره. عيناه تشع جمالاً لن تراه في غيره. اقترب منها.
وهنا فتحت جفن عينيها. لا ترى شيئاً. ولكنها رأت وجهاً وسيماً. شعر مبعثر، خصلات متمردة. يقترب منها ببطء حتى اختطف قبلة.
أما الأخرى، ظلت تركل بقدميها في باب الغرفة بكل ما لديها من قوة. لا أحد يسمعها. كلاهما غارقان. ظلت تركل بكل قوتها. لا أحد يستجيب. حتى أحست باقتحام الصباح وشروقه. فذهبت لغرفتها.
جاء الصباح. فتح سيف عينيه فوجد نفسه لا يرتدي شيئًا. بخلاف صداع رأسه. لكنه الآن قد فاق. لحظة استيعاب. لحظة… لحظة… تركيز. نظر بجواره. هي… هو… كلاهما لا شيء يرتدونه. ما هذا؟ لحظة أخرى من التركيز. لحظة أخرى. هل اغتصبها؟ ما كل هذا الدمار بوجهها؟ آثار ضرب وتعنيف على وجهها. تبًا.
مر وقت وقد أمر أحد العاملات بالثريا بإحضار كوب شاي له. دخل الغرفة مجدداً. ما زالت نائمة. وما زال هو يأنب نفسه أيضاً. هو بالنسبة لنفسه من الأوغاد.
فاقت بعد وقت. لم ينزل من الجناح. بل ظل يحتسي شاي على كرسي قريب منها. الآن فاقت. فتحت عينيها. لحظة تركيز أيضاً. تليها لحظة استيعاب. الآن انقبض قلبه. حينما… نظرت لنفسها مرة تالتها مرة للتأكيد. ثم ملامح وجه مندهشة. ثم تحسست وجنتيها وجسدها. ثم وجهت أنظارها له. وجدته يبادلها نظرات حزينة. لملمت الفراش حول جسدها.
"عملت فياااااااا آيه، ليه عملت كده؟ كنت عملت فيك إيه؟ آغتصـ ـبتني؟ ضـ ـربتني؟ أنت لي حيوان كده؟"
دموعها تنهال كأنهار. بل هي أنهار. حاولت الصراخ، فتألمت رأسها. استغاثت بالله بالدعاء والانتقام منه.
تحسر قلبه عليها. اقترب منها مواسيًا.
"حقك عليا… والله أنا هتجنن… والله ما عارف… عملت كده كيف… والله ده مش طبعي… أفهمي أنا مش غشيم ولا حيوان… حقك عليا يانور… عارف كل اللي هقولهولك… مش هياثر ولا له لزمة بس حقك عليا… عارف أني عملت غلط… بس غلط مش فاكر عملت كده كيف… أنا كل اللي فاكره أخر مرة… واحنا بناكل… بعد كده مش فاكر عملنا إيه… أنا بعصر عقلي عشان افتكر… مش فاكر والله… بلاش دموع وعياط… حقك عليا… قومي غيري… وهتتحل والله هتتحل… اللي عاوزة تعمليه فيا أنا راضي بيه… والله بس مش فاكر حاجة… هتجنن… بحاول افتكر بس مش فاكر."
تنهال دموعها فقط بصمت. صمت شق كيانها. فطر قلبها. حتى صاحت في وجهه بقوة.
"أطلع برة مش عاوزة أشوفك قدامي."
"حقك عليا… أنا…"
قاطعته بصراخ يحمل الجنون.
"قلتلك آطلع برة."
نزل لأسفل. لكنه كأنه تائه. ألغى كل أعماله. ولكن لحظة… لما تلك مرتابة؟ لماذا تقف متوترة هكذا؟ ضيق عينيه. حاولت تمويهه.
"مالك ياسيف شكلك تعبان."
نبرتها مهزوزة متوترة. لماذا؟
نفض أفكاره تلك.
"آية هو أنتي سمعتي صوت امبارح؟"
حاولت الكذب ولكن تكلمت بدهاء.
"آيوة طبعًا كان فيه صويت وصراخ في جناحكم."
تحمس للمزيد وأردف باستفسار.
"وايه كمان؟"
أردفت مجارية ومسايرة له.
"كان صويت جامد بس… طأطأت رأسها في خجل.
"بس إيه…؟…كملي…"
رسمت الخجل مرة أخرى ببراعة.
"بس بس يعني مش هقدر أكمل… الاه ياسيف بقي…"
الآن تأكد له إنه وقع في ذنب لا يمكن غفرانه. تأكد له إنه وغد من الأوغاد.
نظرت له بمكر حينما وجدته شارداً. فأردفت.
"هو كان في إيه ياسيف….بتسأل ليه؟"
تجاهلها وخرج من الثريا. أما هي، وجهت أنظارها لأعلى ثم صعدت.
طرقت الباب بهدوء. حينها كانت تمشط نور شعرها. وما زال جسدها يؤلمها. تشممت جسدها باشمئزاز حينما وجدت إن عطره ما زال عالقًا بجسدها حتى بعد الاستحمام.
"مين….!!!"
بمكر وخبث.
"أنا آية ياحبيبتي….."
فتحت الباب والتعب يلملم جسدها من كل اتجاه. أخذتها آية بداخل أحضانها وقبلتها على وجنتها. بينما ظهر الشر والغيرة والغيظ في آن واحد على وجهها حينما وجدت رائحته عالقة بها، عطره يغمرها. حاولت إخفاء… غيظها وقنوطها ونيران غيرتها. تحسست وجنتها بالألم. بينما الأخرى تعطشت لسماع… عن مغامرات أمس. مع إنها على علم إنها من فعلت بها كل هذا، لكنها مغتاظة أيضاً وتشعر بالبؤس لما حدث بينهم. كل ما رتبت له كأن لها هي فقط.
أما "نور" فبرغم ما حدث بينهم، لم تفشِ ما كان بينهم. أو ما فعله بها. لن تفشي سره أبداً.
"أبداً ياحبيبتي ده أنا اتكعبلت في السجادة…"
"غريبة وهو معقول السجادة تعمل فيكي كل ده؟"
"أيوة ممكن أصل أنا حساسة وجسمي حساس، فـ بيأثر بكل حاجة…"
نيران الحقد تشتعل بداخلها. لا تهتم نور بكل هذا. بل بدت تائهة. في ما حدث وكيف حدث. لكن الأخرى تحدثت بدهاء.
"اصل سيف قال انتقمتلك منها….وأنا مكنتش أحب يحصل فيكي كده…عشان أنا بعزك…"
فاقت من شرودها مجدداً.
"انتقملك؟…مني!….أزاي ده….هو أنا كنت عملتلك إيه أصلاً….يستدعي الانتقام….؟"
بالحقد فقط والخبث كالحية والمكر الذي ضاهى مكر الذئاب تحدثت.
"أبداً اصل اللي حصل فيكي امبارح حصل فيا أنا بردو….وأنا جاية عشان نترابط عليه…مش عارفة أقوله إزاي…هتفضح….على الأقل أنتي مراته…ومتجوزك…."
ثم انهمرت دموعها بخبث. بينما اعتلت الدهشة وجه الأخرى. فـ أكملت آية بمكر.
"سيف كان سكران…واغتـ ـصبني….."
رواية القاسي و نور الصعيد الفصل الرابع عشر 14 - بقلم سنسن ضاحي
ظهر على معالم وجهها الزهول كأنها صعقت للتو بما سيفعل.
لتلك الدرجة... لا يوجد لديه ضمير... لتلك الدرجة هو شيطان متمرد... لماذا كل هذا... لماذا هو هكذا لعين... لعين بحق كل شيء... لعين لهاته الدرجة... لماذا يفعل هكذا... لاحظت آية زهولها، فبدت مرتاحة لهذا. بدت أيضاً تتصنع عين الجرو، ولكن...
المكر ظهر جلياً على ملامحها حينما أردفت:
"هقوله إزاي... هيعرف كيف... أنا اتدمرت... مكنتش أتوقع إن سيف، سيف ابن عمي يعمل فيا كده... هو كأنه صابر على جوازنا بالعافية... كان دايماً يبصلي بصة متريحش... عمري ما ارتحت لنظراته... ولما أتجوزك... معلش يعني قولت أهو بيفك عن نفسه شوية... مكنتش أعرف كل ده... ليه حصل معايا ومعاكي... مش قادرة أقول ربنا ينتقم منه... ولا هقدر أسكت... لازم أتكلم."
نظرت لها نور باستفهام، وأردفت مستفسرة:
"غريبة، مكنش في منك أي مقاومة يعني... وشك منور كده مفيهوش خربوش واحد؟ ولا حتى ريحة البرفيوم بتاع سيف؟ وبتقولي كل ده حصل امبارح؟ وعاوزاني أساعدك؟"
"وأشمعنا النهاردة بالذات؟ طيب ليه مش اتجوزك إنتِ؟ طالما بيحبك... ماهو إنتِ قدامه طول الوقت، بنت عمه وبيحبك زي ما بتقولي... يعني مفيش عقبات في طريقكم... اسمعي يا آية... أنا بردو بحب المسلسلات الهندي الحمضانة دي... كان على عيني أفتح بوقي لكلامك من الزهول... بس أخاف... أخاف تدخلي في دبانة... وأنا بصراحة بقرف... بقرف أوي يعني... بلاش تيجي تتذاكي عليا وتبدأي شغل المحن ده."
"عشان عرفاه... ده إنتي لو سيف كان عمل فيكي حاجة... كنتي هتسكتي وتيجي تقوليلي أنا."
"أنا بيني وبينه آه مفيش عمار... لكنه جوزي."
"وحطي ألف خط تحت كلمة جوزي... وميخصكيش اللي بينا."
"مالكيش علاقة بده كله... وأنا بحترمه... وبلاش المسلسلات والحوارات دي... فكك منها والنبي... مش هتأكل معايا."
بدأ الريب والحقد والغضب والخبث، كل هذا ظاهراً على الأخرى.
"لأ بس هو حصل كده فعلاً... أنا مش بكذب."
قاطعتها قائلة:
"لا بتكذبي، كدابة وكل كلامك كذب."
ارتفع صوت الأخرى قليلاً:
"إنتي بس مش عاوزة تصدقي ودي حاجة ترجعلك... إنما هو عمل فيا كده."
"خلاص ياشاطرة، عين الحق قوية... قوليله بنفسك."
"الموضوع مش مستاهل إنك تخبي... روحي قوليله... يبنتي ده عين الحق قوية أوي... أو بلغي عنه طالما آذاكي كده."
"لكن فيلمك الحمضان ده ميخشش عليا يروح قلبي... بلاش تتذاكي عليا... عشان هتتعبي."
***
أمام شركة "سيف"، تقف فتاة وسيدة في عمرها الخمسون.
بملامح ناصحة:
"بصي يا ليلي... الشركة دي فيها الراجل ابن الكلب اللي قتل أبوكي زمان... يتمك وأرملني... وجريت عليكي... وإنتي أهو خدتي الدبلوم... وتقدري تجيبي حقنا."
عيناها الزرقاوتين رائعتين، جميلتين، متناسقة القامة.
ولكن ملامحها الهادئة لا تخفي كونها فتاة متمردة. تنفست.
"ليلي":
"على فكرة أنا مش عاجبني حوار خبطي بالعربية ده... أفرض رجلي اتكسرت ولا روحت فيها؟"
بدأ الضيق على وجه والدتها جلياً، ومن ثم نغزتها في ذراعها، فتأفأت الأخرى وظهر الضيق على ملامحها. ولكن...
تحدثت والدتها بغلظة وخشونة وتحذير:
"هيجرالك إيه يعني... ما إنتي بتنشلي في عز الضهر... مش هتقدري تتجنبي الخبطة... إحنا حرامية آه... بس أصحاب عين... بكر ده علم علينا لما قتل أبوكي وعمرك تلات سنين... ده قتل ناس ياما."
تحدثت الفتاة بزهق:
"بس حوار عؤ ده... أنا خايفة عين البوليس تتفتح علينا... وبعدين ده شركة واصلة أوي... يعني أكيد اللي فيها مش أي كلام... لو اتمسكنا هنتعمل بوفتيك."
"أنا معاكي ياما، أنا مش هسيب حق أبويا سيد الرجالة وهجيب حقه... بس سبيني استمخمخ كده."
"وأشوف حوار بدل حوار كسر الرجل ولا الرقبة ده."
"قصدك إيه يابنت... قولي ياموكوسة... إيه اللي في دماغك السو دي؟"
ظهر الاهتمام والحماس بنبرتها:
"هنصب عليه... هضيع كل ما يملك... كل قرش عمله هخليه شحات."
بدأ الغيظ مرة أخرى على وجه والدتها، وسحبتها من يدها بعيداً خلف شجرة، وبفحيح نهرتها بضيق:
"إنتي عارفة يامخمودة "بكر" الزفت ده شغال في إيه ومسنود بمين؟ هتنصبي على أكبر نصاب؟"
ببرود أردفت:
"عارفة ياما... ماهو إحنا في القار بردو بس على أقل عموم... كل شنب وليه مقص... بردو ياما تفكير خبط العربية ده حوار فاكس وقديم وهيخرج منه زي الشعرة كده، هيسلك منه بسهولة."
"سبيني أفكر في سكة تانية أدخله منها."
***
"هنشوف ياموكوسة... بس لازم أبرد ناري منه... اللي قتل جوزي ويتمك لازم أشوفه مزلول."
***
دخل "سيف" الثرايا في المساء، وجد والدته تجلس كـ المنكوبة، وأيضاً آية بملامح ضائقة حزينة، منكوبة أيضاً.
"في إيه... مالكم قاعدين كده... في حاجة ياك؟"
وقفت والدته، نظرت له بغيظ، ثم لطمته على خده.
حينما استوعب ذلك، كانت نظراته أكثر شراسة. كلاهما ارتعبا في ذلك الوقت، حتى والدته تراجعت. أما آية فقد انتفض قلبها. وكل هذا كان تزامن مع نزول نور، التي زهلت هي الأخرى.
"إيه اللي عملتيه ده... إيه اللي عملتيه ده."
توترت وخرجت نبرتها مهزوزة:
"إنت فاكر إنك هتكبر عليا ياك ياسيف... عملت في البنت كده ليه؟"
هنا استوعب إنها تقصد ما حدث بينه وبين نور، فردف ببرود:
"مراتي... مراتي... وده شيء ميخصكيش... ده بينا... مالكيش تدخلي... نور مراتي وأنا هعرف أراضيها كيف."
"مراتك إيه وأنا مالي ومال الشحاتة دي... أنا على بنت عمك... بنت عمك إيه اللي ضيعت شرفها... وصل بيك الحال إنك تغتصبها؟ تغتصب بنت عمك؟ ما أنا ياما قولتلك اتجوزها... حصل ولا لأ... قولتلك كده ولا لأ... ليه تعمل كل ده في الدرا... تضيعها ليه؟"
أما هو فقد زهل حتى إنه لم يستطع التحدث مرة أخرى.
بينما نور اقتربت منه ورتبت على كتفيه بهدوء، فنظر لها ببرود مرة أخرى. صدمته، وأي صدمة... اقترب من "آية" وأردف:
"أنا عملت فيكي إيه؟ انطقي."
ملامحه شرسة متوحشة... أمسك كتفيها، بينما توترت "آية" ووالدته في آن واحد. فردفت والدته بشر:
"سيبها... إنت كمان ضيعتها وبترفع صوتك عليها؟"
نظر للأخرى بغيظ أيضاً:
"مسمعش صوتك يامي مفهوم."
ووجه أنظاره لآية مرة أخرى:
"انطقي أنا عملت فيكي إيه... عملت فيكي إيه عشان تحطيلي مخدر... عملت فيكي إيه عشان تطلعي تضربي البنت الغلبانة بالشر ده... وكمان جاية تلزقيلي حاجة نسبة مخدر عالية في التحليل... ولو خدت نور هلاقيه كده بردو... مشفتش بنت كلب وواطية زيك... ده جزاء إحساني ليكم... عشان بعاملكم إنكم دنيني... نسيتوا أنا مين... أنا سيف بيه... نسيتي يأمي مين سيف بيه... قبل كده قولتلك إيه... قولتلك مش هتجوزها... مش هتجوزها... اسمعي يا آية سهل عليا أدمنك وأتويكي... ودلوقتي... ولا حد هيسأل عنك."
تدخلت نور:
"أهدي يا سيف."
"اخرسي إنتي... واطلعي على فوق يلااا."
"أما أنتم فتمشوا من ثرايا ودلوقتي."
رواية القاسي و نور الصعيد الفصل الخامس عشر 15 - بقلم سنسن ضاحي
والدته تنظر له بدهشة، والاخرى لا تقل عنها، بينما الارتباك بدأ ع وجه نور جليًا.
الان فقط ظهر وجهه الآخر، منتهي القساوة.
نظرت والدته له فوجدت جمود وبرود ع وجهه.
"عاوز تطلعني من الثرايا يا سيف؟"
ببرود مماثل لبرود القطب الجنوبي أردف:
"ده أنتم كنتم هتطلعوني من خلجاتي، لكل فعل رد فعل، ده رد فعلي عشان تعرفوا مين سيف باشا."
"أنا كده معرفتش سيف ولدي، أنا عرفت الشيطان، أنت مش ولدي أنت شيطان، لا أنا ولا قلبي راضيين عليك."
ثم نظرة ببغض وحقد تجاه نور، وكل ده عشان السنيورة اللي دخلتهالنا الدار؟ اللي معرفش هببت معاها ايه قبل الجواز، خلاك تتجوزها بالسرعه دي، وتبقيها عليا وعلي بنت عمك، اخص ع ربايتي فيك."
حك ذقنه قليلا وبنفس البرود.
"بلاش تغيير الاتجاه، بلاش تغيير الحوار، مراتي خط احمر طالما في حالها، مش إهانة، ولا هتُهان بيها، ولا هسمح لحد يهينها، طالما معملتش حاجة. هي مراتي، حطتلي مخدر عشان أغتصبها، فربك من فوق بقي عدلها، مجتش في اللي عاوزها وعاوز يوقعني، ويلبسني فيه، وأكون انا السيئ اللي في كل القصة دي. عارفه دي عملت ايه؟ ضربتها، ع أساس أنا اللي عملت كده، والنهاردة كدبة جديدة، اني هتك عرضها، وإني الوحش مدمر أفئدة العذاري. ليه كل ده؟ ليه كل التحوير ده؟ من الأول خالص، قولتلكم هتجوزها، ليه بترسموا وتخططوا؟ ليه استفدتوا ايه؟ غير إنكم دلوقتي في نظري ولا شيئ، أنتم ساقطين من نظري. أمي تقعد، بس البنت دي، البنت دي لا لحمي ولا دمي، دي دم إبليس، مش عاوز أشوفها هنا، مش قابلها، هي مجرد دنيئة ورخيصة."
هنا تدخلت نور بتعاطف:
"خلاص ياسيف علشان خاطري، أنا مسامحاها والله، أنت كمان سامحها، وعفا الله عما سلف."
هنا تبادلت نظرات آية ووالدته، فماثلت نظرات إبليس.
"وأنتي مالك ايه علاقتك، هو كان حد اشتكالك، عيلة ومع بعضها، ايه يدخلك مابينا، مناخيرك خليها في وشك، ابن عمي وبيربيني، بيتكلم هو ووالدته، تدخلي نفسك لي يا مستفزة."
"آيييييييه" نطقها سيف بغضب.
"تعتذري لنور فورًا."
"مش هعتذر علشان أنا مش غلطانة."
"غصب عنك هتعذري، مش علشان غلطانة لأ علشان قليلة الرباية ووقحة."
تقدمت منها ومعالم القنوط والحقد اردفت.
"أنا اسفه."
"حصل خير!"
لم يخرج أحد من الثرايا، ولكن الحقد أيضاً تزايد بداخلهما، حتى كاد أن يسحق قلبيهما.
يارب.
أما سيف صعد هو ونور لجناحهما.
وقفت بتوتر وقد شاهدته يخلع عبائته الصعيدية، وجهه بدأ تائها.
لم تدخل غرفتها الداخلية بل ظلت في غرفته، بينما هو دخل غرفة الملابس الخاصة به وارتدي تي شيرت قطني بني اللون وبنطال قطني كاتم اللون.
كان رائعًا وسيما جميلا للحد الذي لا حد له.
حينما خرج وجدها تجلس وامامها شاي وبعض الكعك.
أفرغت الشاي في الأكواب.
استغربها.
لم يتحدث معها.
عقله مشغول بكل ما يحدث له من تقلبات في الفترة الأخيرة.
"أنا جبتلك شاي وحاجة خفيفة، ممكن تشرب معايا؟"
بسمتها رقيقة صغيرة بدت ع ملامح بسيطة لوجه رائع.
تلقائيًا ارتسمت بسمة صغيرة ع شفته.
مدت يدها له بكوب من الشاي الساخن.
حينما جلس أمامها.
أخذه منها وحمحم.
"تسلم يدك."
"تسلم الله يحفظك."
"أحسن شاي شربته في حياتي ده على فكرة."
بدت خجولة رغم أنها كلمات عادية.
"شكراً ع المجاملة الذوق دي."
"لأ دي مش مجاملة، هو بالفعل قمر أوي."
نظرت له باستغراب.
"هو ايه ده؟"
ببسمة أردف.
"الشاي، مالك فيه ايه؟"
ارتسم الجد ع وجهه حينما قال.
"نور."
"أنا آسف ع اللي حصل مني امبارح، او بالاحرى، اسف ع الطريقة، اللي مش فاكرها اصلا."
"على فكرة قد ما كنت مش مسامحاك، قد ما أنا مسامحاك، أنت مش ليك ذنب ياسيف، إن بعد الظن إثم. سيف بجد أنت طيب، وموقفك اللي حصل تحت ده مش هنساه، برغم إننا مسيرنا الطلاق."
تجاهل كلمتها الأخيرة وتظاهر بإنه عادي.
ولكنه أكمل.
"من حق أي راجل أن يصون مراته طالما ع حق. مش يعملها إهانة لأي حد يا نور."
لم تستوعب ما ستقوله.
"عاوزة أحضنك، ممكن؟"
ظهر الاندهاش ع وجهه.
"عاوزة أحضنك ياسيف، ممكن؟"
أنتشلـها بين أحضانه واطبق ذراعيه عليها وهي بالمثل كالغارق الذي وجد سبيلا للنجاة.
فرت دموعها، حتى دخلت بين أحضانه في نوبة بكاء هستيري.
بينما هو ربت ع ظهرها بلطف، وقبل أعلى رأسها.
لكن مهلا، ازداد بكاؤها بدرجة غير طبيعية.
حتى أخذه القلق، فنظر لوجهه ووجده غارق في الدموع.
حالتها غير طبيعية.
احتضنها مرة أخرى مردفًا بصوت حنون عذب قلق.
"نوري أهدي."
قبل وجنتيها بلطف، رتب ع ظهرها بحنان بالغ، كأنه يبلها.
"نوري، أنتي كويسة دلوقتي؟"
استرخي جسدها بين ضلوعه.
الان فقط وقعت في نوم عميق بين أحضانه.
فحملها نحو سريره، ومازل يحتضنها، ويرتب شعرها، ويقبل أعلى رأسها بحنان بالغ.
لقد وقع كلاهما في شيء لا يعرفانه.
"لقد وقعا في الحب."
أنت لا تعي ما ذنبي؟ وما جنيت؟ لم أبع الحب يومًا بالخبز، لست بتلك الدونية، فلو كنت لطيفًا محبًا مشاعرك، كقصر بناه عمالقة، لست أنا لم أبع الحب بالخبز، تبًا لكولقلبي وتبًا لمن أحب أولئك الأوغاد الذين سلبوا أبي من بين أحضاني، وجعلوني متشردة القلب، متسكعة في الإجرام. أعطاني الله هذا الوجه الملائكي هبة منه عما قسيته في حياتي، من تمرد وشر دفين، خلف هذا القناع المزيف، أو لربما لم يكن هكذا، لو كان أتيح له حياة أفضل. الان فقط، أنا عقل إبليسي، يخطط ويدمر، حتى ولو حرقت أصابعي، لا يهم، فقد مات القلب قبل كل شيء. لم يعز قلبي علي، أيعز أي شيء آخر.
ارتدت ليلي ملابسها الرائعة فبدت كالنجم الساطع، تغيير كلي في شكلها ومظهرها بالملابس الراقية.
"أيوة يا هانم عاوزة مين؟ أقولك اتفضلي اشربي الشاي معانا جوه، ولو إن المكان مش قد المقام."
ارتفعت ضحكاتها مما أدى لاستغراب الأخرى.
"الضحكة المايعة دي أنا عرفاها كويس، أكدب ودني؟"
"لا متكدبيش، ده أنا ليلي ياما."
"وعاملة في نفسك ليه كده ونضفتي، ده أنا معرفتكيش."
"ده لزوم الشغل، هخرب كل حاجة ع راس بكر."
"هتفرطي في شرفك؟ هخليكي تحصلي أبوكي."
"عيب يا ست الكل، دي مش سكتنا."
دخلت النايت ليلا وجدته يجلس ع البار يتجرع الخمر، كإنه ماء الحياة، بينما نظرت للجميع باشمئزاز. لهاته الدرجة تملكتهم الخلاعة، يصرفون ويشربون، وتلك النساء تبيع الهوى، وأجسادهم لا يسترها سوى ما يعريها. أما ليلي، تقدمت منه حتى جلست بجواره. نظر لها بغرابة، ثم تجاهلها، وأخذ يتجرع الخمر مرة أخرى.
"عاوزاك."
نظر لها بقرف.
"عاوزاني؟ لا أنا بقرف، شوفي لك زبون غيري."
"نطلع من هنا الأول وهقولك أنا عاوزاك في ايه."