تحميل رواية «القاسي و نور الصعيد» PDF
بقلم سنسن ضاحي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
يقف “سيف محمد العادلي” أو بالمعنى الأصح عمدة بلده وحاميها، لا يعرف سوى العمل والجد في حياته. يمتلك ملامح وسيمة ساحرة جنونية وعيون كالصقر المتربص بفرائسه. كل شيء وأي شيء أسير تحت قبضته. لا يعرف للحب مكانًا، لا يسكن في قلبه سوى الكبرياء فقط. لن أنكر على أحد إن قلت إنه لم يذق حبًا ولم يفتح له بابًا، قارب على الانتهاء من عامه الثلاثين ولم يتزوج إلى الآن. لديه سطوة من المال ورجال وأراضٍ وأعمال وكل ما يملأ فؤاده العمل والتوسع. سيف: اهنه ما يسكنش غريب، ولو كان حتى عابر سبيل. أنا الحكومة وأنا القانون. ت...
رواية القاسي و نور الصعيد الفصل الأول 1 - بقلم سنسن ضاحي
يقف “سيف محمد العادلي” أو بالمعنى الأصح عمدة بلده وحاميها، لا يعرف سوى العمل والجد في حياته. يمتلك ملامح وسيمة ساحرة جنونية وعيون كالصقر المتربص بفرائسه. كل شيء وأي شيء أسير تحت قبضته. لا يعرف للحب مكانًا، لا يسكن في قلبه سوى الكبرياء فقط. لن أنكر على أحد إن قلت إنه لم يذق حبًا ولم يفتح له بابًا، قارب على الانتهاء من عامه الثلاثين ولم يتزوج إلى الآن. لديه سطوة من المال ورجال وأراضٍ وأعمال وكل ما يملأ فؤاده العمل والتوسع.
سيف:
اهنه ما يسكنش غريب، ولو كان حتى عابر سبيل. أنا الحكومة وأنا القانون.
توتر الرجل الواقف أمامه واردف:
أمرك يا جناب العمدة. يرجعوا تاني بس، شكلهم غلابة وصعبوا عليا وأنا عارف قلبك طيب.
سيف بغضب:
بقولك محدش يسكن أراضينا. تروح تمشيهم وتجيب لي شحاته صاحب البيت اللي هياجرهم مطرح من ورايا وكأني طيشة!
=
هدي نفسك يا عمدة، محصلش حاجة. وجينا نقولك أهنه وعمي شحاته كبير مقدرشي يجيلك ولا قدر يأجرهم لما نشوف رأيك إيه الأول يا حضرة العمدة.
لم يزده هذا إلا غضبًا، فقبض على عصاه التي تعطيه هيبة ووقار وتحدث آمرًا:
اللي جه يمشي أي يجيب ناس من مصر عندي في الصعيد زي ما جه يمشي ومش هعاقب شحاته، بس لو فكر يسكنهم، يحصلهم. البلد هنا بلدي وباسمي. خابر ياعزيز؟
=
خابر، خابر هقوله يمشيهم.
رقيقة جميلة، حنونة، عينان سوداء، ملامح بسيطة بلمسة ساحرة، تجلس بجانب والدها في بيت “شحاته عبد الله”. خالها، قد جاءوا من القاهرة بسبب ظروف خارج عن إرادتهم. والدها مصري الهوية ووالدتها من أصل الصعيد، ولأسباب ما قادتهم للاستقرار في عزبة سيف، وهذا الاسم الحقيقي لهذه البلد.
شحاته بتوتر:
نور يابتي، نورتي الصعيد والله.
=
تسلم يا خالو، منور بأهله والله.
ــــ
والدك لي فترة تعبان، والله زعلت ع اللي حصل له.
=
الحمد لله يا خالو ع كل شيء.
ــــ
بكلمه مش بيرد!
=
ماهو مش بيسمع والسماعة باظت، هبقى أكشف له وأشوف الدنيا.
ــــ
ربنا يعفو عنه يا بنتي.
=
خالو أنا جيالك هنا عشان أنت ملاذي الوحيد، وأنا عارفة إن البيت التاني بتأجر فيه شقق وكده لأهالي. أنا جايه وهنعيش هنا وجايه أتاجر منك والفلوس معايا.
ــــ
مش موضوع فلوس يبنت اختي، كل الحكاية مش هقدر أسكنك هنا.
=
ليه بقى؟
ــــ
عشان دي مش بلدي يا نور، ولا أنا ليا إني أتصرف من غير ما أرجع لسيدها.
=
مش فاهمة يا خالو.
ــــ
اسم البلد إيه يا نور؟
=
اسمها عزبة سيف. ثواني يعني إيه هرجع القاهرة تاني؟
ــــ
للأسف يا بت اختي! العمدة هنا له قانون صارم، محدش يسكن غريب، كلها أهالي في بعضها. اللي بيخرج مبيدخلش، حتى المرحومة والدتك كانت عارفة أكده وده مش من دلوقتي، ده من وقت جده وأبوه والعمده ماشي على نظامهم، لا يعكرها غريب واللي يخرج بيكون طرد للأبد.
=
خالي والنبي هبهدل بابا فين، مش قادرة أعيش في القاهرة مش قادرة والله أنا تعبت وكمان لسه بدرس وحاجة آخر تعب والايجار في مصر غلي عليا. شوف لي أي مكان وهو مش هيعرف.
ــــ
استغفله يعني، أنتِ عايزاني أغفل كبير البلد يا نور؟ هتحبي لي الأذية؟
=
لأ لا مش قصدي..
ثم أكملت وقد انساقت دموع عيناها:
بس ساعدني أنا مالييش ضهر ولا سند يا خالو إلا أنت بعد ربنا والله بابا هيقعد في الشقة وأنا هشتغل في البيت. أنا بشتغل أصلًا مع ماي واي يعني ع النت وكده، يعني مفيش داعي لخروجي إلا وقت الدراسة واحنا في إجازة أصلًا.
ــــ
طيب يا نور بالليل هاخدك البيت واللهي تنستري. أنا مالييش حيل للتعب.
=
لا والله مفيش تعب متقلقش.
****
ــــ
جناب سيف بيه.
=
فيه إيه يا وهدان؟
ــــ
جنابك النهاردة ميعاد نزولك مصر.
=
خابر.
ــــ
وحاجة تاني، كان فيه عركة قبلي الترعة وسيرة جنابك جت كده.
عقد جبينه بغضب واردف:
جت كده كيف يا واكل ناس؟
تحدث بخوف وبدأ تعرقه جليًا على وجهه واردف الرجل:
أبدا جنابك ده عيل سكران ميتخدش عليه.
=
بتدافع عنه؟ نهار أبوك أسود أنت وهو.
ــــ
أبدا جنابك جينا نلحقه ونجبهولك غـ...
=
غـز عوض بـ...
ــــ
طوي وفلق بره العزبة.
=
عاااال قوي وكمان غريب، لا وايه علم عليكم يا نطع منك ليه، وغريب ويعلم على رجالتى في عزبة سيف العادلي. الغي معاد مصر وأنا هتصرف معاكم ومع كل كلب غريب خطي عزبتي.
****
أنهت “نور” تنظيف الأطباق في بيتها الصغير وأساسه القديم، ثم توجهت بكوب من الشاي لوالدها واطمأنت عليه. وبعد ذلك فتحت شباك غرفتها قليلًا وجدت الهدوء، لا أحد في الشارع. أهذا بفعل الشتاء يسكن الناس منازلهم أم ماذا؟ منطق غريب. الحياة هنا هادئة عكس صخب القاهرة. شتان بين هذا وذاك. أمسكت هاتفها وأغلقت النافذة. ولكن هناك قبضة اعتصرت فؤادها، فهمت بالاتصال بصديقتها شيماء.
=
شيماء ازيك وحشاني والله.
ــــ
أنتِ أكتر ي نور. أخبارك إيه في الصعيد؟
=
خايفة هنا هدوء أوي وناس طيبة.
ــــ
الله يابنت الايه يامحظوظه، نفسي أعيش عندك. وأنتي قاعدة مع خالك ولا لوحدك؟
=
لا لوحدي.
ــــ
الله ع الروقان ي نور. اشقطيلك حد مز من هناك.
=
هو انتي فاكراني في تركيا ولا إيه؟
ــــ
اه صح نسيت. دا مفيش حد عليه العين.
=
ثم أنا احتمال مكملش هنا، ده أنا عندي نار القاهرة ولا جنة هنا يبنتي. أنا مكاني وخايفة!
ــــ
ليه كل ده؟
=
مش عارفة، أنا قاعدة هنا مستخبية أصلًا!
وجاء الصباح وكل ما قاله لها خالها تناسته. ارتدت ملابسها وجمعت شعرها للخلف، ونزلت قاصدة السوق لتجلب ما نقص من المؤن.
استغربت نظرات الناس المتربصة بغرابة لها.
=
مين دي؟
ــــ
معرفش والله، شكلها من البندر.
=
لأ انت مش شايف بتنقي طماطم.
ــــ
ايوة باينلها ساكنة هنا.
=
دي ماشية بشعرها!
ــــ
وهو العمدة سيف عنده علم بكده ي دواهي يا ولاد؟ بس شايف زي القشطة كيف.
=
شايف صوتها يا وله.
ــــ
شايف شايف. فلق بينا وهدان جاي يطقس أكيد.
*****
بغضب اردف:
حرمة بشعرها وبنطلون؟
ــــ
أيوه يا جناب العمدة.
=
دخلت كيف؟ مين هيا! مين أهلها؟
ــــ
شكلها مش من أهنه واصل، شكلها بندريه.
=
ليلتك سودة أنت وهيا.
رواية القاسي و نور الصعيد الفصل الثاني 2 - بقلم سنسن ضاحي
تحرك سيف برجاله وحراسه قاصدين السوق، دب القلق في قلبه، الأمر أصبح غريبًا، بالسابق اعتدى أحدهم على رجاله، واليوم ظهرت فتاة لا يعرفها أحد في بلدته. أي غرابة تلك!
الجميع ينظرون له بتقدير جلي على وجوههم. ها هو ذا عمدتهم البيه، وهذا اللقب يليق به حقًا، فهو كفؤ له. قرر السير ماشيًا.
السيدات يتهامسون على وسامته ورجولته الطاغية. مهندم الملابس، رائع الطلة، سالب للأنفاس. لم يبالي بأي أحد من الأساس، بل لم ينظر لأحد. كانت خطوته مهيبة سريعة. كلما مر على مكان انتشر عطره الرائع.
"شايفة يبنت العمدة!"
"هو ده العمدة ولا من بلاد بره؟"
"لا يختي العمدة، معزورة وانتي هتشوفي الأشكال الحلوة دي فين."
"بس مطقطقنيش، أول مرة أشوفه، محدش يستجري يعدي من قدام ثرايته."
"بيقولوا أبوه كان حلو زيه كده، بس الواحد يفرح إنه ساكن في بلده وعزبته."
"هس، طيب وطي صوتك ليسمعنا."
"خلاص ياعبيطة ماهو عدى."
"ياخسارة لو كان فضل شوية؟"
"ليه يامليحة!"
"شمي شمي عطره وهو معدي، كرف على خلجاتي."
"طيب يلا انجري، الحيطان ليها ودان."
وقف أمام السوق.
"فين هي عاد ي وهدان؟"
"كانت هنا جنابك بتنقي خضار!"
"غباوة، مش عاوز هدور عليها في القفص ياكتوتر."
وهدان بدأ عليه الخوف جليًا.
"جنابك كانت هنا، مخبرشي راحت فين."
بدأ عليه الغضب واردف: "مخبرشي، مخبرشي. أومال فايدتك إيه عاد، معينك حارس فرخة أنا! زي ما جيت هنا ووقفت هنا، تجبلي البنت دي هنا وفي نفس المكان."
"حاضر جنابك، هاخد الرجالة معايا."
"لوحدك ي وهدان الزفت! اتحرك تجبلي الغريبة دي هنا قدامي، يلا مش هستنى كتير."
تحرك وهدان سريعًا وقد انقلب المكان بالضجيج وعم الصخب، والجميع الآن يبحث ليرضي العمدة عن تلك الفتاة. الخبر انتشر بين الأهالي عن غريبة دخلت عزبة سيف دون علمه. وهذا أكد للجميع أنه لا يخفى عليه كبيرة ولا صغيرة، وأن كل شيء تحت سطوته. وإنه لا يتهاون من أجل أرضه وبلده وعزبته.
بينما كان يتسائل الجميع عن تلك الفتاة التي ترتدي ملابس بندرية، غريبة بالنسبة لهم ولعاداتهم. نادى أحد الصبية على وهدان، ولكن الآخر تجاهله، فالوضع بالنسبة له لا يسمح لتفاهات الآخرين.
"ياعمي وهدان، يا عمي وهدان!!"
"يوووه عاد وبعدهالك عاد، عاوز إيه ياغشيم؟"
"أبداً يابو عمو، بس أنا عارف البندرية."
انقلبت الدهشة الممزوجة بالفرحة على وجه وهدان في الحال.
"فين يا وِلد، أنت خابر لو كنت بتضحك عليا هدفنك اهنه."
توتر الصبي من كلامه الأخير، ولكن ثقته المتناهية أعطته الثقة ليتحدث. فرفع رأسه قليلاً، وقال شارطًا على وهدان بثقة:
"بس لو قولتلك، هتعملي إيه؟"
"هنحتك أكيد، هاه قول مفيش وقت، فين البندرية؟"
تحدث الصبي متذمرًا:
"هو إيه اللي هحتك ده، اعمل إيه بالشكر أنا، أنا عاوز فلوس، خلي العمدة يديني فلوس!"
"حاضر، هقوله الأول فين البندرية؟"
"في البيت اللي هناك ده الدور الخامس، شوفتها في العشية وهي بتفتح الشباك، وفي الصبح وهي رايحة السوق."
"هو بس، أنت هتحكيلي قصة حياتها."
ثم هم وهدان بالمغادرة سريعًا. بينما صار خلفه الصبي وتجمع العوام أسفل المنزل. صعد وهدان وهم بطرق الباب بعنفوان آثر غضبه.
انقبض قلبها، طرقات سريعة متتالية. تُـرى من ذاك الطارق؟ قررت تجاهل الأمر حتى يسأم الطارق ويهم بالمغادرة.
"افتحي يابندرية، افتحي ياغريبة الديار، افتحي انتي جوه البيت، افتحي يا هكسر الباب!"
"مش هفتح، مفيش حد هنا، مفيش حد، امشي."
غلبت السرعة والخوف على حديثها واهتز جسدها كطفلة في ليلة مرعبة.
"افتحي يابندرية! أومال مين بيتحدت معايا؟ بقولك افتحي، هكسر الباب."
"لأ خلاص هفتح الباب، متكسرش الباب بالله عليك."
"بابي تعبان ونايم ومريض كمان، بس هو أنا عملت إيه؟"
"تيجي معايا دلوقتي، جناب سيف بيه عاوزك، وفي نفس المكان اللي كنتي فيه من قليل."
أدركت المأزق. مجرد الاسم قبض قلبها ورهب روحها. جناب سيف بيه.
نظرت من النافذة. ما هذا؟ عموم وجمع من الناس تحت المنزل. لما سرقت أمواله؟ أم قتلت رجاله؟ أم عادته؟ لم تفعل أي شيء لكل هذا. ارتدت حذاءها وفتحت الباب، والخوف في قلبها رهين، والتوتر على وجهها بائن مرسوم.
"يلا ورايا وارمي حاجة على شعرك ده."
"لأ هاجي كده!"
"انتي حرة للي هيجرالك."
"أي هتموتوني؟ هي البلد سايبة؟"
"قولي لنفسك الكلام ده، وأمشي ورايا من سكات. لا ورايا إيه ده انتي تمشي قدامي يلا."
كلما خطت قدميها للأمام، نغزها قلبها حتى اقتربت من السوق. ظلت تقترب وتقترب، حتى اشتمت رائحة عطره الرجولية المفحمة بالحياة مختلطة بالجاذبية. زاغت عيناها شمالاً ويمينًا، وارتعش قلبها وتذكرت ما قاله لها خالها عن هذا الرجل الذي كلما اقتربت منه بانت ملامحه المهيبة.
أما سيف، فقد لاحظ قدومهم فاستعد بتركيز، وملامح باردة وقلب ثائر غاضب. فتاة بملابس غريبة على بلدته، والادهى أنها في عزبته. شعر وخصلات بنية تتطاير، كما يتطاير عقله من الغضب. قصرت المسافة قليلاً بينهم. زاغت عيناها شمالاً، أما هو فقد ركز عليها غاضبًا. إلا أن نظرت لعينيه ونظر لها بتدقيق ثم...
فرت هاربة من جهة الشمال بسرعة لم يتخيلها بشري على الإطلاق. ولأول مرة يغتاظ ويثور ويغضب غضب مضاعف.
جرى خلفها ولا حقها وهدان من الجهة الأخرى. أما سيف فجرى بأقصى سرعة له. دخلت طريقًا ضيقًا، وخبطت في امرأة تحمل كرتونة من البيض، فسقط أرضًا وتهشم.
"منك لله يابعيدة، ده حتى البيض أغلى من الفرجة."
أما هو، فلاحقها من طريق آخر يعرفه جيداً، بالحتم ستعبره. انتظرها عند مفرق الطريق الواصل بالشارع الذي تعبره الآن، ثم هاتف وهدان بأن يقفل الطريق الغربي. دقائق فقط وظهرت وكانت تجري، ولكنها تفاجأت به أمامها، فهمت للرجوع خلفاً، فكان وهدان ورجال سيف قد أغلقوا الشارع بأكمله.
"تعالي قربي!"
"لأ لأ، أنت عاوز مني إيه؟"
"انتي اللي عايزة منا إيه؟"
"مش عاوزة حاجة والله، خليني أمشي."
"مانتي فعلاً هتمشي، بس على راسك."
"مش فاهمة؟"
"قربي بقولك."
"لأ، أنت عاوز إيه؟"
"روحك!"
"ليه هي سايبة؟ وانت مين في البلد؟"
نظر لها ببرود ودقق في ملامحها. ثم خلع شاله الرجالي وألقاه لها فتلقته.
"ايه ده؟"
"غطي شعرك ياقليلة الدين والتربية."
"انت ازاي تقولي كده؟ انت متخلف، شكلك متخلف. مانت حيوان عايش في الصعيد رجعي مش متمدن. أنا اعرف ربنا أكتر منك."
وللمرة التالية تناست مع من تتحدث. أما جميع العوام كانوا في ذهول تام. المكان كان خاليًا من أي صوت بخلاف أنفاسه، أنفاسه الغاضبة فقط. ولأول مرة.
رواية القاسي و نور الصعيد الفصل الثالث 3 - بقلم سنسن ضاحي
تعالي قربي!
لأ لأ أنت عاوز مني إيه؟
إنتِ اللي عايزة مننا إيه.
مش عايزة حاجة والله، خليني أمشي.
مانتي فعلاً هتمشي، بس على راسك.
مش فاهمة؟
قربي بقولك.
لأ إنت عايز إيه؟
روحك!
ليه هي سايبة، وإنت مين في البلد؟
نظر لها ببرود ودقق في ملامحها ثم خلع شاله الرجالي وألقاه لها فتلقته.
إيه ده! غطي شعرك ياقليلة الدين والتربية.
إنت إزاي تقولي كده! إنت متخلف شكلك متخلف، مانت حيوان عايش في الصعيد رجعي مش متمدن. أنا أعرف ربنا أكتر منك.
وللمرة الثانية تناست مع من تتحدث، أما جميع العوام كانوا في ذهول تام.
المكان خالي من أي صوت بخلاف أنفاسه، أنفاسه الغاضبة فقط.
ولاول مرة…. أقترب منها وترقب الجميع، في صمت وزهول.
حتى وقف أمامها، الجميع يسمع صوت أنفاسه المتسارعة.
وأعي نفسك بتقولي إيه؟
أيوة أنا عارفة بقول إيه!
أقولك أنا بتقولي إيه، بس مش هنا…
ثم نظر لرجاله وفي نبرة أمره أردف:
تجبوها على الثرى ورايا في الحال.
وهم بالانصراف أما هي فقد ارتفع صوتها وحاولت التملص من قبضة رجاله، بينما ساد الأسى على وجوه العوام وارتفع الصوت بعد مغادرته.
أوعوا كده سيبوني!
كان صوتها حاداً متوتراً يحمل الخوف.
حاولت التملص فلم يسعفها الأمر فقامت بنغز أسنانها في لحم ذراع وهدان فما كان منه إلا أن انصرع، وأفلتها من يديه.
فهم… عزيز بإمساك بها، فركلته في بطنه، وهَمّت مسرعة أماماً.
فلاحقها آخرون فوجدت قفصاً فارغاً، فالقته عليه لم يؤثر في الرجل بل زاده غضباً.
ظلوا يلاحقوها يميناً ويساراً، ولكن بداخلها تصميم على الهروب، الهروب والهـروب فقط!
تعال يبنت ال****.
مش هاجي ولا هروح حتة يا عبد سيدك!
وسيدك وسيدك، تعال أحسن سيف بيه هيخلي يومك عسير.
لا عصير ولا شاي، سيف بيه سيدك إنت مش أنا، واووعوا من وشي!
نظر وهدان للعوام وأردف بأمر وغضب:
الكل يلاحقها.
الكل يمسكها.
لاحقها العوام وهموا بإمساكها، وكبلها وهدان.
يجلس غاضباً بنوع من البرود والكبرياء، في قاعة الثرايا الأمامية المصممة خصيصاً له، تحمل ألواناً قاتمة، وطرازاً كلاسيكياً ولكنه رائع وراقي، يحمل عبقه كل ما هو راقٍ ومميز ستجده في شخصه. هدوئه، وغضبه، ثورته وبروده، أصالة، الكبرياء والحنان.
فجأة سمع صوت صراخها وثرثرتها، وأقدامهم تقترب حتى طرق حارسه الباب فقبل دخوله قال:
خليهم يدخلوها.
أنفتح الباب، ودخلت نور.
اخرج برة يا وهدان.
أمرك يا جناب العمدة.
لأ مش هيخرج، خليك، خليك. أوعي تسبني مع ده!
قلت أخرج يا وهدان.
مش هكرر حديثي مرتين.
خرج وأغلق الباب خلفه، فأصابها الرعب والتوتر في آن واحد وأصبح الجو محملاً بالتوتر بالنسبة لها، والأشيء بالنسبة له.
زأغت عيناها في هذا المكان، تنظر لأي شيء إلا هو.
هاه مين عاد قولي؟
نور اسمي نور.
منيح، إيه جابك هنا؟
رجالتك إنت، ليه غبي كده.
تمالك غضبه للمرة التي لا يعلم عددها وتفوه وهو كاظم لغيظه:
ما يبدو إنها غبية.
مين جابك هنا وأي غباوة في حديثك؟
هيكون بنهايتك. هاه مين وأصلك وفصلك إيه؟
توترت خاصةً حينما لمحت نظراته الغاضبة، الحانقة، فردفت بنبرة مهتزة أثر صدمتها:
أبداً، والله أنا جيت أعيش هنا، ادي كل الحكاية.
مين سمحلك بكده!
أنا، أنا سمحت لنفسي والله!
اشتعل غيظًا من غباوتها وغبائها.
ماتيجي تحكمي بدالي عاد، كلمة مش هكررها. مين سكنك في أرضي وبدون علمي؟
هو إيه اللي أرضك، الكون كله ملك ربنا بما فيهم إنت!
زاد غضبه من حماقتها وتمالك أعصابه للمرة التي لا يعلم عددها.
اسمعي يا زفتة إنتِ عشان إنتي وحدة ست، وملكيش كبير تتحدثي وياه، فإنتي لمي حاجاتك واخرجي بره أرضي.
شعرت بالألم على حالها يتاكل روحها وكيانها. أين تذهب بوالدها؟ القاهرة، باتت ملاذها الآن، رغم قسوة العيش بها ولكنها سبيلها الوحيد. وحمداً للمولى إنه عفا عنها.
أما هو فأخذ يتأمل وجهها وقد لاحت عيناها في اللاشيء. فأخرجها من تفكيرها حينما حمحم.
هاه من بكرة مشوفش وشك هنا.
حاضر، بس ممكن طلب؟
مالكيش طلبات عندي.
طلب من كرمك بس!
إيه هو؟
ممكن تخليني في بلدك هنا بالله عليك؟ رجاءاً!
فرت دموع من عيناها كشلال انفجر مرة واحدة، تبدتك طفلة مسالمة لأبعد مدى. لا يعلم لماذا رغم قسوته…. لما رق قلبه لها لتلك الدرجة، رغم أنها مجنونة متسرعة حمقاء، ولكنها بدت وديعة كالطفلة. معذرة فالأطفال يجمعون جنوناً رائعاً وسخافة حمقاء.
بالله عليك خليني، والله أنا مش حرامية! والله والله، أنا في حالي خالص.
مينفعشي، كل اللي هصرح لك بيه خروجك بدون عقاب. مش هعاقبك عشانك ست، فتمشي بسلام من هنا!
بالله عليك يا جناب العمدة بيه حلفتك بالمولي!
ماشي، هتقعدي بس عشان حلفتيني بالله العظيم! بس بشروطي!
موافقة على أي حاجة.
تغيري لبسك، وتحطي حجاب!
لأ طبعاً أنا مش هتحجب!
قعدتك في بلدي عشان حلفتيني بالله، وحجابك عشان الله، وأنا عاوز كده. مفيش حرمة تمشي في بلدي بشعرها، ولبس بنطلون، واللبس المايع اللي لبساه ده مش في بلدي.
بس أنا بمارس حقوقي، ودي حرية شخصية!
وأنا بمارس قانوني وأنا هنا الدولة، ولو كلامي ما اتطبقش يبقى تشوفي مكان تاني!
طيب موافقة، هتحجب وهلبس واسع. ممكن أمشي بقى؟
أتفضلي، ولمرة أخيرة كلامي يتنفذ.
بإذن الله، سلام.
بعد خروجها أراح رأسه للخلف على كرسيه قليلاً. استغرب نفسه حقيقة، استغرب كل شيء به. لماذا، لماذا؟ جميع التساؤلات دارت في رأسه. لماذا لم يخرجها؟ لما كان هادئاً رغم قسوته معها، والادهى لما أبقاها؟ ولما ولما ولما…. تساؤلات تتاكل بداخله لم يبقِ لها تفسير حرفي، لم يجد لها إجابة. برغم غيظه منها وغضبه الظاهر للعيان، تمالكه، تمالك غيظه ولكن لم يتمالك قلبه.
حلو كده؟ قالها شحاته بغضب عارم.
في إيه يا خالو؟
بلا خالو بلا زفت، إنتي تقبحي على البيه وجاية تقولي فيه إيه؟
طيب ماهو فيه إيه أنا مش فاهمة؟
مش فاهمة إيه! إنتي مش هتبطلي استهبال وغباوة!
عملت إيه لكل ده يا خالو؟
عملك أسود ومنيل بستين نيلة.
في إيه طيب؟
يامثبت العقل يارب، اللهم الصبر اللهم الصبر.
بقي بتشتمي البيه وتخرجي في النهار وبشعرك وبقيتي حديث العزبة كلها. اسمعي إنتي لمي خلجاتك وتاخدي أبوكي وترجعي مكان ما جيتي.
مش فاهمة يعني بتطردني؟
أيوا، ماهو لو ممشيتيش إنتي هتنيل أمشي بولادي أنا.
بس العمدة قالي اقعدي، والله قالي كده.
غبية غبيااااا! ده هيقعدك هنا لحد ما الدنيا تهدى ويكسر عينك.
الحمد لله إنك فهمتي، ووقتها مش هقدر أعملك حاجة. بعد ما يذلك هفتح خشمه إزاي مع البيه.
بس باين عليه محترم وجدع يعني.
نور إنتي تمشي، ابعدي طالما عرفك نهايتك هتكون على إيده. طالما بين لك إنه محترم، امشي.
نور هخلي عربية تستناكي بره البلد النهاردة الساعة واحدة.
حاضر يا خالو همشي.
رواية القاسي و نور الصعيد الفصل الرابع 4 - بقلم سنسن ضاحي
بس باين عليه محترم وجدع.
يعني نور انتي تمشي ابعدي طالما عرفك نهايتك هتكون على ايده.
طالما بين لك انه محترم، امشي.
يا نور هخلي عربية تستناكي بره البلد النهاردة الساعة واحدة.
حاضر يا خالو همشي.
غاب الليل قليلاً فـ أنتظرها.
شحاته.. اسفل المنزل ونظر في ساعة هاتفه فلم تآتِ إلى الآن.
فـهاتفها، فلم ترد على الهاتف.
لعنها بين أنفاسه الغاضبة.
دي كانت وقعة منيلة بستين نيلة.
أما هي فكانت تنعم بنوم دافئ رائع، متناسية أي شيء.
كانت تسبح في نوم عميق بتلك الملامح البريئة.
والآخر يشتعل غيظًا وغضبًا بالأسفل.
لم يود الذهاب لآفاقها وطرق بابها حتى لا يسئ سمعتها.
لكن بالنهاية قرر أن يفعل هذا.
طرق الباب بلطف قليلاً، ثم زادت طرقاته رويداً رويداً.
ثم تمتم مع نفسه قائلاً:
ياربي مش لو كنت مصلح جرس الشقة كان زمانها سمعت.
آخريتي على ايدها بغباوتها دي!
فتح باب الشقة قبالتهم وظهر شاب يرتدي بنطال كحلي اللون وتيشرت مثيله.
وقد بدأ عليه النعاس آثر النوم.
فـ إيه يا عم شحاته بترزع ليه على الباب كده قلقت نومنا؟
روح نام يا طه أنا مش فايقلك.
أنام كيف هو أنت خليت فيها نوم مانت قلقت راحتنا!
بادله شحاته نظرات مغتاظة، غاضبة، حانقة.
امشي من وشي السعادي!
طيب ماتمشي انت وخلينا نتزفت ننام في أم اليوم ده.
ولا النوم عليه إيجار؟
بقولك إيه ياواد انت، لم نفسك كده وأمشي من وشي.
إيه اللي شاغلك بيا، أنا مفييش دماغ للعيال اللي زيك!
وسعت منك يا عم طه وأنا خنقي ضيق ضيق قوي يعني.
أووووه.
ثم تجاهله ونظر إلى الباب طارقاً بقوم تلك المرة قائلاً بغضب:
يا نور افتحي أنا خالك.
أنزعجت في نومها وتقلبت، ثم تجاهلت وهمت بالنوم مرة أخرى.
أما شحاته فقد ضاق صدره وأخرج نسخة من مفتاح تلك الشقة.
مما استدعى.. طه… للفضول والزهول في آن واحد.
خاصة حينما قام بإدخاله في الباب.
وضاقت عيناه وشعر بالاحراج قليلاً، حينما صفع.. شحاته… الباب في وجهه وهو مازال واقفًا.
لم يستدعِ فضول الشاب هذا فقط، بل ما استدعى فضوله، واشمئزازه في آن واحد هي تلك الأسئلة التي دارت في عقله.
عمي شحاته متجوز؟
الشقة دي فيها البندرية؟
وعايشة لحالها؟
بيعمل معاها إيه؟
معاه نسخ لمفاتيح الشقق أكيد، حتى شقتنا ممكن يكون معاه نسخة ليها.
وأمي وأختي بيكونوا واخدين راحتهم.
العمارة هتتشبه بيه؟
عاوز أقابل سيف بيه.
أنت غشيم، جاي لسيف بيه بعد نص الليل.
عاوز أقابله موضوع مهم قوي.
سيف بيه نايم وهم أمشي بدل ما أبندقك، ولا هاخد ساعة فيك؟
يا عمي وهدان عاوز أقابله الموضوع يخص بلده، وسمعتها.
أهتم وهدان قليلاً، ولكنهم تظاهر بالجمود ونظر إلى عزيز الجالس في ساحة الثرايا الأمامية في الجنينة أمام الغرفة المخصصة للغفر.
يشعل قليل من الحطب، ويضع براداً بداخله شاي ويدندن.
وأنا كل ما أقول التوبة يابوي.
ثم نظر إلى وهدان واردف:
يلا يا بو عمو طرقه وتعالي اشرب الشاي!
روح يا عزيز لسيف بيه، قوله واحد عاوزك في أمر مهم بخصوص البلد.
هروح يا بو عمي، بس يارب ميكونش طلع على جناحه.
لأ هتلاقيه في المكتب بينام بعد صلاة الفجر يلا بالعجل!
حاضر يبو عمو.
خليه يدخل يا عزيز.
أمرك يا جناب سيف بيه.
دقائق ودخل الشاب مزبهل من هذا الرقي والفخامة.
قصر يضاهي قصور الملوك راقي جدا، أيعقل مثيل هذا يسكنه بشر.
كان مازال، في زهوله حتى سمع صوتًا هادئًا حازمًا.
هاه جاي في إيه عاد؟
وأيه الحاجة المهمة؟
چناب العمدة، أنا جاي أقولك على كلام ميلدش عليك (مش هيعجبك).
قول سامعك!
يابيه العمارة اللي ساكن فيها ال فيها البت البندرية.
هنا قاطعه… سيف… وقد بدأ مهتمًا للغاية.
مالها؟
مالها انطق فيها إيه العمارة وعملت إيه البندرية؟
توتر.. طه… وبلع ريقه في خوف وتكلم كاذبًا وافترائًا.
أبداً يابيه فيها مسخرة وقلة قيمة، والبندرية، كل ليلة حد حداها.
بقالي يومين ساكت وقولت دي ولية ومن ستر مسلمًا ستره الله.
بس يا سيف بيه فاض بيا وأنا كل نص الليل أشوف اللي داخل حداها واللي خارج.
وحاجة آخر قلة دين وتربية.
وكل ده هنا يا عمده وفي بلدك.
حتى أنا مخلصتش منها وتبصبصلي في الرايح والجاي عاوزة تتغرغر بيا يا عمده!
لم يرد عليه أخذ عصاه وألقى جلبابه الصعيدي عليه.
تعال وريني.
يتحرك بملامح باردة ظاهريًا مشتعلة داخليًا نيران غاضبة حارقة.
الأمر جلل له.
اقتربوا من المنزل وحين الوصول صعد الدرج بغضب حتى وقف أمام شقتها التي أشار الشاب طه عليها.
اها هي دي يا عمدة، ثواني أخبط عليها.
لم يعطه فرصة وكسر الباب وتحرك لغرفة النوم فوجد.
قومي البسي ويلا إيه نايمة نوم الكهف.
يتحدث بها شحاته وقد كان واقفًا أمامها.
أم سيف كان قد وارب الباب قليلاً.
قومي البسي قبل ما حد يشوفنا.
قامت عليكي حيطة.
وشوش الشاب في أذنه.
شايف يا عمدة.
قلت القيمة.
دفع الباب على مصراعيه بغضب.
إيه اللي بيحصل هنا؟
شحاته!!
أنت بتعمل إيه هنا ياراجل يا ناقص؟
توتر حتى إنه لم يستطع التفوه بحرف واحد، ونظر لـ نور بتوتر.
بينما نظر له سيف بغضب لنظراته تلك.
أما نور فقد أفاقت أخيراً فركت عيناها ببطء ولم تلحظ وجود أحد.
اقترب سيف حتى وقف أمامها كانت مازالت مغمضة العينان.
حتى فتحت عيونها فوجدته يقف أمامها على اليمين وخالها على اليسار.
فقامت سريعا وألقت نفسها بداخل أحضان خالها وقد تذكرت ما قاله خالها عنه في البارحة.
أما خالها دفعها عنه بقوة وتوتر.
خالو ف إيه؟
خالك، هو أنا أعرفك لا يا عمدة مش خالها والله.
خاااالو هو في إيه؟
حلو قوي كده، طيب مانا عارف يا شحاته إنك مش خالها وإنكم خاطيين وسفلة.
أقسم بالله أنا خالها ودي بت اختي!
أنا خالو والله العظيم خالو!
نور: أيوه دا خالو والله وكان هيهربني، عشان خايف عليا منك لتعمل فيا حاجة!
صح يا خالو؟
أخص الله يخربيت اللي جابوكي!
رواية القاسي و نور الصعيد الفصل الخامس 5 - بقلم سنسن ضاحي
نور: أيوه ده خالي والله وكان هيهربني، عشان خايف عليا منك لتعمل فيا حاجة! صح يا خالي؟
سيف: أخص الله يخربيت اللي جابوكي!
نور: مش هي دي الحقيقة يا خالي!
سيف: اسكتي خلة أما تخليكي وترحينا منك.
أردف سيف ببرود وغضب: بس منك ليها.
ثم بادل نظراته لشحاته: أنت، أنت ليك حساب عسير معايا.
بدأ الخوف ظاهرًا على وجه شحاته وحاول النطق ولكن قد ثقل لسانه.
سيف: ما تنطق، مش بحدتك أنا، بتهبب إيه من ورايا تاني؟
قاطعته نور ولكنه تجاهلها تمامًا: أنت إزاي تتكلم معاه كده؟ انت فاكر نفسك مين؟
أردف شحاته بتوتر: والله يا جناب العمدة، ما عملت حاجة، ولا أعرفها ولا تعرفني!
نور: لا إزاي ده خالي، أده يا خالي متخافش منه!
سيف: تقدري تخرسي خالص.
نطقها سيف بغضب: أنت إزاي تتكلم معايا بالأسلوب ده؟
نور: بنت إنتي أنا جبت آخري منك!!! وعامل حساب إنك حرمة.
سيف: إيه إيه حرمة إيه الألفاظ السوقية دي؟ أنا ليا اسم اسمي نور ولو حبيت تجود هتقول يا آنسة نور.
نظر لها ببرود وأردف: هااه وبعدين؟
نور: بعدين إيه مش فاهمة.
سيف: بعد الآنسة نور أجود بإيه تاني عشان أكون عارف بس.
نور: لا كده كفاية، ويكون أحسن لو تتطرق برة الشقة وتاخد خالك في إيدك، عشان هننام.
الغريب في الأمر إنه من داخله يستلطفها، ولم يستطع أن يبدي أي رد فعل قاسٍ رغم قساوته اتجاهها بل قلبه يستلطفها فقط، ولكنه خاف من هذا الشعور الذي لم يشعر به مسبقًا، ولم تكن العواطف داخل حساباته، لم يكن هكذا أبدًا، يشعر بنبض بسيط داخل قلبه كان لم يشعر به من قبل مع أي فتاة، حتى أقاربه، رغم إنهم يتميزون بجمال باهر، لكن شعر مع تلك إحساس يدفعه بقوة بأن يكون حنونًا، حنونًا فقط معها، حاول وأد هذا الشعور مبكرًا وإخراج تلك الفتاة من حياته وبلده في أقرب وقت ممكن، فخرج صوته حازمًا تلك المرة.
سيف: شحااااته، البنت دي تخرجها من البلد! وتيجي الصبح الثرايا.
رغم إنها تعلم بأن مهما كان أو تبقى من الوقت فستغادر بأي وقت ورغم ذلك شعرت بالحزن يكسو روحها فوجدته يخرج من باب الشقة وقد خرج بالفعل، فنظرت خلفها وجدت خالها قد اقترب منها وقد صفعها بقوة، حتى فرت دموع عينيها ألمًا واندهاشًا.
شحاته: غبية، ناقصة أدب، لو كنتي متربية عمرك ما كنتي هتتحدتي كده مع البيه، فضحتينا معاه، وفضحتيني في البلد، الناس بتقول البندرية البندرية وبتتحدت عليكي ومش قادر أقول دي بت أختي، أنتي عار عليا.
أنا مش عارف سيف بيه يطول باله والله باله طول عليكي كيف معرفش، وانتي سوقتي فيها عاد، أنتي عار!
نور: أنا مش عار يا خالي، مش عار.
شحاته: أنت اللي جاحد.
نور: اللي بتتكلم وترد على الرجالة وتقاوع تبقى عار!
شحاته: أنا فيا لسان ليه؟ المفروض أخرس وأشوف لبوقي استعمال تاني!
شحاته: أنتي مفيش فايدة منك وأنا لو قعدت ثانية هتشنل منك صرفي نفسك انتي وأمشي معدش ليا علاقة بيك.
وتركها وغادر في الحال.
أما هي فتجاهلت كل شيء وغاصت في نوم عميق.
شق الصباح بداية يوم جديد مع زقزقة العصافير، وفي هذا الوقت خصيصًا كان سيف قد دخل جناحه ومنه إلى غرفة نومه، ليستلقي قليلًا فلم ينم من يومين إلا وقتًا ضئيلًا، ارتدى ملابس قطنية تحمل اللون القاتم، بدأ رائعًا بها، أراح رأسه على الوسادة، ورغم إنه لم ينم قرابة اليومان، إلا أن النوم هرب من عينيه فركز في سقف غرفته أو في اللاشيء بوجه خاص، ولكنه تذكرها، فتاة غريبة، غير مبالية بأي شيء في الحياة، ولكنها جذابة بالنسبة له، وعند هذا التفكير، تجاهل شعوره ونبذه حتى لو كان مع نفسه، ارتسمت بسمة صغيرة وقد نمت باتساع حينما تذكر ما تحمله من جنون، ولكن سرعان ما اختفت مرة أخرى حينما علم بأنها ستغادر، الويل لها والويل لقلبه وما يفكر به.
حينما فاقت من نومها تذكرت، آخر ما تفوه به خالها، فلملمت أشياءها وأشياء والدها، أتى الليل وقد كان في آخره حينما وطئت أقدامها باب الغرفة، وشعرت بالبرودة في تلك الغرفة الباردة ملاذهم الآمن الآن، كل شيء كان ومازال كما تركته، حتى ضجيج المارة وصوت بائع الخضار المميز بالخشونة، تذكرت بأنهم لم يتناولوا الطعام أيضًا، فقررت النزول لجلب بعض الأغراض، لتطعم والدها، ولكن دب الخوف قلبها وليس الخوف فقط، بل أختلط بالكسل، ولكنها شجعت نفسها وهمت بالنزول.
لم تبتعد عن هذا الشارع.
وقفت أمام عربة محملة بالخضار ولكن خاطرت نفسها قائلة: خضار، هو أنا لسه هطبخ وخضار يعني مكونات وليلة زرقا سعادتك، أنا هجيب علبة جبنة وخلاص.
نور: أنتي جيتي تاني؟ أنتي لحقتي؟
سيدة: أه مانتم وحشتوني أعمل إيه بقى، قلبي مطاوعنيش أسيبكم!
نور: شوفي إزاي وأنا اللي كنت فاكراكي بياعة!
سيدة: عيب عليكي ياميادة ياحبيبة قلبي، أنا مهما لفيت وروحت وجيت ماليش إلا أوضتي وعلبة الجبنة!
نور: وأنا!
سيدة: مانتي فكرتي أني بياعة بقى، خليكي عند قناعاتك دي!
سيدة: بقولك، ناوية تعملي إيه في حياتك ومصاريف الجامعة اللي قربت وحساكي كده، إنك في مية البطيخ، ولا هامك، وقال يعني أنتي كان بيهمك.
نور: الحاجة الوحيدة اللي ناوية عليها دلوقتي إني أطلع آكل وأنام وربنا يلهمنا التفكير، مش يمكن القيامة تقوم ونموت والنهارده الخميس أصلاً.
سيدة: وأي علاقة الخميس بكلامك؟ يخربيتك دماغي لفت!
نور: بكرة الجمعة يابنتي عاوزة ألحق أجازة النوم من أولها!
سيف: وهدان!
وهدان: نعم يا جناب سيف باشا.
سيف: أنا بكرة نازل القاهرة، كلم بكر بيه قوله سيف بيه هيوصل بكرة.
وهدان: حاضر يا جناب العمدة.
حينما خرج وهدان دلفت فتاة في الحادي والعشرون من عمرها جميلة رائعة، آية، ابنة عم سيف اليتيمة التي تولى تربيتها من صغرها، ترتدي أجمل الملابس وأروعها، الجميع يعلم إن عاجلاً أم آجلًا سيتزوجها سيف، أتى لخطبتها أعتى شباب العائلة، ولكن سيف رفض الجميع، لم يقبل بأحد منهم، حتى هي لم ترغب بأحد سواه هو فقط من دخل قلبها وامتلك روحها وسكن عقلها.
آية: تعالي يا آية.
سيف: هو أنت نازل بكرة القاهرة؟
آية: أيوه! نفسك في إيه أجبهولك وأنا جاي.
سيف: الله يسلمك يا آية.
آية: تسلم يا ابن عمي يا عمدة.
سيف: أنا كنت عاوزة أطلب منك طلب كده.
سيف: أنتي تؤمري يا آية.
آية: كنت عاوزة أروح عند ريهام صحبتي أقعد شوية.
سيف: قولي لعوض السواق على مكان ريهام صحبتك وهو يجبهالك لحد الثرايا.
آية: بس.
سيف: مبقاش يا آية ويلا اخرجي وأقفلي الباب عشان ورايا شغل مهم، ومفيش خروج.
رواية القاسي و نور الصعيد الفصل السادس 6 - بقلم سنسن ضاحي
ارتدى ملابسه الأنيقة، ومن ثم نزل للأسفل فوجد آية في انتظاره بأبهى حللها، ترتدي ملابس أنيقة فبدت في غاية الجمال.
"انت مسافر ياعمدة؟"
"أيوة، مانتي عارفة من العشية إني نازل القاهرة."
ثم دار بنظره، وأردفت في الحال:
"الحاجة ماما لسه نايمة!"
"طيب أنا هدخلها!"
نادته بهمس ورقة:
"سيف!"
"نعم ي آية، في حاجة؟"
"لأ مفيش، بس كنت عاوزة أقولك."
نظر في ساعة يده واردف باستعجال:
"قولي اللي عاوزة تقولي عشان مستعجل!"
بدأت خجولة، حاولت إخفاء خجلها والتحلي بالجرأة قليلاً:
"كنت عاوزة أقولك إنك هتوحشني، والثريا مش هيكون ليها طعم من غيرك."
توتر قليلاً، ثم ركز على ملامحها واردف:
"وإنتي كمان يا آية."
طار قلبها ورفرف فرحًا، فأردفت بنبرة ممزوجة بالخجل:
"وانت كمان إيه؟"
"وأنا كمان السلام عليكم."
أردفت باحباط وقنوط:
"وعليكم السلام."
اطمأن على والدته وغادر في الحال.
"بابا أنا خارجة وهرجع فوريرة."
أومأ لها برأسه وعيناه تحمل نظرة قلقة عليها.
"أيوة ياشيماء أنا منتظراكي بقالي ساعة، نعم ياختي معاكي نصاية؟ يبنتي أنتي قولتي من ساعة معايا دقيقتين، أكيد النصاية بخمس ساعات! لا بقولك أنا زهقت."
"أهدي بس، لا هو نص ساعة بس. بنخرج الساعة اتنين، عشان بكر بيه صعب جدا!"
"ومين ماله بيه؟ مايصعب على نفسه، وبعدين في حد يبقى اسمه بكر ويسمي شركته 'السيف جروب'؟ أي الاسم البلدي ده!"
"هوس بقى! آخرسي، لما أجيلك. وأوعي تحاولي تدخلي عشان الأمن صعب جداً."
"ويبنتي يعني أنا هدخل الجنة؟ أنا منتظراكي تحت شجرة. هروح أجيب حاجة أشربها على ما تيجي."
"طيب خلي بالك من نفسك."
غادرت للتو. وفي ذلك الوقت كان قد دخل سيف الشركة، لم تراه ولم يراها. دلف في وسط ترحيب تام.
انتهى الوقت، وقد ذهبت شيماء ونور لمكان عام لكنه لأصحاب الطبقة الشعبية المتكدسة، كافيه في أحد الأماكن القريبة من منزلهم. تناولا مشروبًا باردًا، ثم نظرت شيماء لها بدقة:
"كلمت الباشمهندس بكر عنك وعن إنك محتاجة للشغل ده جدا."
بنبرة متلهفة:
"هاه، وقالك إيه؟ يلا قوليلي!"
"للأسف يانور، عنده اكتفاء موظفين!"
ظهر الاحباط جليًا، مرتسمًا بوضوح على معالم وجهها.
"هو أنا حظي كده؟ عرفاه كويس وعارفة إني فقرة، بس أنا محتاجة للشغل ده يا شيماء، وربنا عالم."
"هيتعدل يانور. الباشمهندس سيف وصل النهاردة، كنت عاوزة أقوله بس هو أصعب أصلاً من باشمهندس بكر."
"لا ياشوشو، ولا تقولي لده ولا لده. أنا عاوزة أعمل مشروع خاص بيا."
قهقهت شيماء مما أثار عبث وقنوط نور:
"بتضحكي ليه؟ أي اللي يضحك أصلاً؟"
"طموحك يضحك، طموحك يضحك لوحده. مشروع الكلمة نفسها تضحك يبنتي."
"أنا مش شايفة أنها تضحك، أنا شايفاها بنظرة تانية. عاوزة أكافح وأستقل."
بنفس الوجه الضاحك والبسمة المتسعة:
"دي حاجة كويسة يانور، بس فين مقومات مشروعك؟"
"آه قصدك الفلوس يعني؟"
"بتردي الإجابة بسؤال! بس ما علينا. آه هيا الفلوس دي؟ أنتي بتدوري على شغل يكفي بيكِ يومك، فالأدهى من كدا إنك عاوزة تعملي مشروع. دي أحلام العصر."
تحدثت بحماسة وغلبها الأمل فالأحلام مجانية والكلام ليس بالمال مجاني أيضًا، طالما في سبيل الخيال.
"الفلوس مش كل حاجة ياشوشو."
"جنت بالتاكيد، هذا مادار في عقل صديقتها."
"نعم يختي، هتعملي مشروع على الطاقة الشمسية ولا إيه؟ حتى دي بفلوس."
"لا هـغني!"
استوعبت صديقتها ما تتفوه به ولم تستطع التفوه، ولكنها قالت:
"المقومات هي أنتي، صح؟"
"أيوة برافو عليكي، وأنتي عارفة إن صوتي حلو."
"أنا مش ممانعة ومتاكدة من كده إن صوتك حلو، بس دول بقوا أكتر من الهم على القلب."
"بصي، انتي بكرة تيجي معايا عند متعهد الأفراح 'سيد طبلة'."
"موافقة أجي معاكي عند طبلة ده، بس بعد الشغل."
"ي قلبي، هنتظرك. أنا متفائلة خير بسيد طبلة."
جميع الموظفين كانوا قد غادروا، أما هو وصديقه آخر من خرج من مقر العمل.
تحدث بكر، المقارب لعمر، ببسمة تخرج من قلبه، فسيف صديق عمره ورفيقه الروحي.
"حياتك كلها بقت شغل ياصديقي، مش ناوي تتأهل بقى؟"
"والله يابكر مش حاطط كده في حساباتي."
"ياعم ده أنا اتجوزت وطلقت وانت لسه على مبادئك، وبفكر اتجوز تاني."
"غالبًا قريب هتسمع خبر يفرحك."
"خبر يفرحني؟ أنا عاوزك تفرح أنت. ناوي تتجوز أمتي؟"
"لما ربنا يسهل يابكر، هقولك."
"خلاص عرفت، مفيش غيرها."
"أيوة برافو عليك، نباهتك بتعجبني."
"كويس على فكرة، فرحتلك."
"بخلاف الموضوع ده يابكر، أنا عاوز أتوسع في شغلي. عاوز أعمل علامة وسمعة مميزة."
"الحمد لله ياسيف، إحنا مش محتاجين لعلامة. إنت اسمك لوحده علامة. كل اللي اتعامل معاك من أول مرة قدرك. إنت سمعتك زي الجنيه الدهب في عالم الأعمال."
"والله يابكر الفضل يرجع لمجهوداتك. إنت بتتعب قوي وإنت اللي مقوم كل حاجة وواخد بالك من أدق الأشياء."
"المهم، تعالي اسهر معايا في النايت النهارده."
"إنت عارف أنا مش بتاع الكلام ده، مبحبش أغضب ربنا."
"حتى إنت كفاياك مرواح هناك عشان ربنا وصحتك ونفسك."
"أنا بروح أنسي، بس مش بنسي غير نفسي."
"حتت بنت تعمل فيك كده؟"
"دي حب ياسيف، مش مجرد بنت. تعرف، أنا مقدرتش أعيش حياتي كزوج عادي. في كل ثانية كنت بتخيلها، كنت فاكر هنساها بالزواج. نسيت كل حاجة إلا هي. نسيت نفسي وروحي، بس افتكرتها!"
"كلام فارغ، الحب ده للعيال الصغيرة. مش عارف كيف راجل طول بعرض يعمل زي العيل الصغير ويدمر حياته عشان ست، وتلاقيها عايشة حياتها وانت اللي واهم نفسك."
"هي عايشة حياتها وأنا عايش بيها ومعاها. دي الذكرى الوحيدة الحلوة في حياتي. وحشتني أوي، وحشتني فوق ما تتخيل. وحشني جنونها، دبش كلامها، كلها على بعضها كانت مميزة، حتى بعيوبها كانت زي الدبش بس تتحب."
أثناء حديثه ارتسم على معالم وجه سيف التعجب والاستفزاز.
"كمان ليها عيوب وزي الدبش وبتحبها؟"
"اسكت أنت، اش عرفك؟ ده دبش كلامها هو اللي خلاني أحبها."
"ياخي جاك دبشة تفتح نفوخك، ده أنت مهزق قوي."
مساء اليوم التالي استقروا أمام مكتب متعهد الأفراح سيد طبلة. وحينما دلفوا للداخل كان المكان يعج بالعوام.
"شايفة يابت الزحمة؟ هلا بالمجد."
"الريحة هنا صعبة أوي ي نور، كأنك تحت باط الكوكب."
"هي من ناحية صعبة فهي تـ ـموت بصراحة."
تقدم منهم رجل في الأربعين، السكرتير الشعبي لسيد طبلة، بدين للغاية يكاد يتنفس بصعوبة، لديه أذن كـ أذن الأرنب البري والقط الشعبي.
همست شيماء وقد كتمت ضحكاتها بصعوبة:
"هو مالها ودنه زي ودن الفيل كده؟"
"كرييتيف أوي على فكرة، دي آذان موسيقية."
"نعم ياآبلة منك ليها، عاوزين إيه؟ وبلاش شغل المعاكسة اللي شغال عليا من الصبح ده، مكان شغل."
"أبدا والله، إحنا جايين نقابل سيد دربُكه."
"إيه؟"
"لحظة، قصدي سيد طبلة."
حينما دخلوا كتموا أنفهم بأناملهم، فها هو ذا يجلس ويتناول الفـ ـسيخ والبصل الأخضر.
"شامة ريحة الفن، كرييتيف أوي."
رواية القاسي و نور الصعيد الفصل السابع 7 - بقلم سنسن ضاحي
أساس الغُرفة من الأنواع الشعبية الغير متناسقة ذوقيًا مع بعضها البعض.
بخلاف رائحة الغرفة التي يشـع منها رائحة الفسيخ.
أشار لهم بالمكوث وقد أردف وفمه مليئ بالطعام ولم يعر ذوقيات تناول الطعام.
بدأ كـ وحوش البرية:
"أقعدي يابلة منك ليها علي الكنبة اللي هناك.
هاه خطوبة ولا جواز ولا ليلة؟"
"لأ ولاده ولاده أنا عاوزة اشتغل معاك."
نظر لها بقرف بادئ ع ملامح وجهه الخشن:
"هي المشـ ـرحـ ـة ناقصة قـ ـتلة."
ظهرت معالم الخيبة ترتسم علي وجهها ممزوجة بالبؤس والاحباط في آن واحد:
"أنا صوتي حلو والله أنا موهبة، شغلني معاك بس وهتشوف."
أرتشف من المشروب الساخن وحك ذقنه بتفكير.
حسناً، يبدو أنه سوف يتراجع عن قراره خاصة إنها تمتلك مسحات جمالية غير متوافرة مع من معه:
"موافق، سمعيني طقطوقه كده."
كتمت شيماء ضحكاتها لآخر ما تفوه به، بينما نغزتها نور لكي تهدأ وهمست بصوت خفيض:
"أسكتي هتفضحينا."
بينما عاود "طبلة" حديثه مرة أخرى بنفاذ صبر:
"فين الطقطوقة؟ سمعيني يلا."
أردفت وقد أخذت الحماسة محلها:
"طيب هسمعك، فين الفرقة اللي هطقطق عليها؟"
نَفذ صبر الآخر وبصوت منزعجاً ومزعجاً في آن واحد:
"ليه أم كلثوم ولا وائل هجرس؟"
"أسمه وائل جسار ياستاذ دربُكة."
وقف وقد اشتعل غضباً تلك المرة.
أينقصه حماقات كـ كل مرة يأتيه أحدهم، لكن تلك الفتاة جمعت حماقات كل من تعامل معهم بها فقط:
"يلا اطلعي برة، أنا عندي الضغط مش ناقصك."
تمسكت بتلك الفرصة ولن تتركها تذهب هباءً، فحاولت تهدئته وتهدئة الأوضاع.
وسريعاً رسمت معالم حزينة يائسة علي وجهها:
"أهدي ياملك الموسيقى والليالي، هسمعك طقطوقة والله هتعجبك.
أهدي، انت مايسترو وقلبك أبيض وهتدعمني ومش همشي إلا لما تسمعني."
سلم أمره لله وباستسلام أردف:
"سمعيني يلا."
أخذت نفس عميق وبدأت:
"ااااااه أزاي قلبك يسيبك ااااااه، تفتح علي ميسد حبيبك ااااه، ماتمن الكارت أنا شلته، تمن العدة أستحملته، كان كله أقسااااط ااااه، وجاي دلوقتي تقولي خلاص….. ما خلاص رصيدي خلص…. خلاص…. خلاص."
أردف مقاطعاً لها فتجاهلته:
"طيب بس خلاص."
"خلاص…. رصيدي خلص خلاص…. فتحت؟!… فتحت ليه؟….. كنسلت!!…. كنسلت ليه…. جاي؟… جاي بعد أييه ترد عليا… خط!…. خط مين… كارت؟…. هو فيييين…. شحن؟…. هو فين… متقولش نوكيا واااااه."
"خلصت هاه، أي رايك عجبتك؟"
نظر لها بزهول ودهشة.
استغربتهم شيماء وظنت بأنه سوف يقوم بإلقائهم في أي ناقل للقاذورات، خاصة مع تلك التفاهات والاضحكات التي تفوهت بها صديقتها الآن.
ولكنها زُهلت من بشاشة وجهه وإنبساطه الذي بدا ظاهراً علي معالم الرجل وكأنه عثر على كنز ثمين:
"هايلة ممتازة فنانة عظيمة، «سيد طبلة» هيعلن عن مولد فنانة، هخليكي تتنفسي عنبه، وحمو بيكا ملوك الموسيقى."
كتمت شيماء ضحكاتها للمرة التي لا تعلم عددها، أما نور فظهرت ابتسامة عريضة على محياها.
"بجد عجبتك يا طبله بيه؟"
أردف الرجل ببسمة متسعة تليق بفمه الغليظ وسماجة وجهه:
"أنت في إيد سيد طبلة، يعني في إيد أمينة."
زادت ثقتها وشعرت بالمرح وتشجعت:
"طيب أنا عاوزة أي حاجة من تحت الحساب."
تبدلت ملامح الرجل:
"هو انتي لسه عملتي حاجة عشان عاوزة فلوس؟"
"طيب ما أنا هـعمل، وعاوزة فلوس عشان أتشجع."
أخفى قبضته في جيبه وأخرج منها بعض من المال:
"خدي دول مشي نفسك بيهم!"
"أي دول تلتميت جنيه بس؟"
"لما تشتغلي هتقبضي، هو انتي لسه عملتي حاجة."
"طيب ماشي، هشتغل أمتي؟"
"سيبي تليفونك وعنوانك وهقولك وجهزي حاجة عشان عندنا طـ ـ ـ ـهور عيل، جهزي حاجة حلوة."
كتمت شيماء ضحكاتها بيدها، بينما بدت نور ممزعة قليلاً:
"مفيش حاجة أرقي من كده شوية!"
"أرقي إيه يختي، هو أنتي داخلة تنقي عباية.
ويلا ضيعتوا وقتي، سيبي كل حاجة عنك بره."
حينما خرجوا، وقفت شيماء قبالت نور:
"إيه اللي هببتيه ده؟ هتشتغلي مع الراجل ده، وإيه الأغاني الهابطة دي؟ مفيش تفاهة بعد كده بجد."
"أسكتي أنتي، واحد بياكل «فسيخ» وبصل، حتى ريحة فلوسه شميها كده.
عاوزاني أغنيله «لام كلثوم ولا عبد الوهاب» مثلاً؟ مالجواب باين من عنوانه يبنتي.
أنتي شوفتي أشاد بادئي إزاي، لا ويقولك الفنان عنبه، ده أنا شميت ريحة ذوقه زي ريحة البصل والفسيخ."
مرت الأيام وتلك المجازفة تتجول مع فرقة «سيد طبلة»، وقد حظت بشعبية للسكان الشعبية.
كانت ملابسها على غرار السابق، فقد قصدت ارتداء الملابس التي تمتاز بالاحتشام.
أما «سيف» فقد عاد إلى بلدته منذ أسبوع، وشيماء تمارس عملها باعتياد لا جديد يذكر.
أما «بكر» فقد انهمك في عمله، حتى تذكر هذا الموعد.
حفل طـ ـ ـ ـهور ابن أخته التي عاودت عليه الاتصال أكثر من مرة.
فأنهى ما بيده وذهب حيث موعد الاحتفال.
استقرت الفرقة بداخل المنزل الذي غلبه الرُقي إلا من فرقة «سيد طبلة»، بخلاف براءة الأخيرة التي تقف متوترة لشئ لا تعلمه.
أردف سيد أمراً وقد ملس على بطنه البارزة «كرشه»:
"عاوزاكي تنوري النهارده، إحنا أول مرة نيجي مكان زي ده، السطة أوي."
تقدمت إحداهن منهم وبنظرات مشمئزة:
"يلا جهزتوا، هتغنوا وتدخلوا تاكلوا في المطبخ."
"أنتي بتتكلمي كده لي يست، أنتي."
حاول «سيد» إثنائها وبدأ متوتراً، بينما الأخيرة نظرت بغضب:
"أنتي بتتكلمي معايا أنا كده يا غبية."
"مين دي الغبية يا ولية، ياللي شبه البومة."
سيد: "متقصدش ياست الكل، أصل عقلها تعبان شوية، مناخوليا بعيد عنك."
"هي مين دي المناخوليا، وهي شبه أم قويق دي متغاظة مني لي، كنت عملتلها أي أصلاً."
"أنتم تمشوا حالا حالا، يلا أمشوا."
"بركة، بس قبل ما أمشي هجيب أجلك."
سريعاً هاجمت عليها كـ قطٍ شـ ـرس.
احتشد الجميع ولم يستطع أحد ثنيها عما عزمت عليه، فتلك السيدة سليطة اللسان قد أهانتها.
فتناست كل شئ، تتقبل أي شئ إلا إهانتها، فقد طُردت من أكثر من مكان عمل بسبب تعقيداتها حول كرامتها.
لذا كان أول ما خطر ببالها الاستقلال بعمل خاص بها.
ليس تهويل بل حقيقة.
بالأسفل أن هناك فتاة قد طرحت أخته ضربًا فثار وغضب وأسرع في الصعود وقد تمتم بأبشع السبات لتلك الفتاة قبل دخوله.
وتوعد لها بأقصى عقاب.
أقترب بغضب حتى انتشلها من أخته، ولكننه صُعق حتى شُل لسانه وأصيب بالدوار والدهشة في آن واحد مردفاً «قلبي».
رواية القاسي و نور الصعيد الفصل الثامن 8 - بقلم سنسن ضاحي
انتفض قلبه وقد رآها.
أما هي، فقد كانت في عالم آخر، كأن أحدًا ما صعقها أو سُكب على رأسها دلو من الماء البارد.
"نور؟"
ملامحه تحمل كل شيء من الحنان، عيناه قد حملت بالدموع. بدأ متأثرًا، لطيفًا، حنونًا. فيض من المشاعر حل على قلبه، أصبح وديعًا.
الجميع ينظر لهم بشيء من الاستغراب، حتى أخته التي استغربت رد فعله باتجاهها. فنظرت له بغيظ:
"يلا يا بكر، عاقبها على اللي عملته فيا... هي دي مش واحدة غيرها، دي ضربتني، هات لي حقي منها. يلا مستني إيه؟"
كإنه لم يسمعها، نظر لها، ثم وجه نظره إلى تلك التي تقف بذهول. وعاود النظر لأخته وأردف:
"حاضر، هعاقبها."
ثم وجه نظراته لنور وأقبل عليها، وهم باحتضانها. حتى لم تستطع أن تسحب نفسها من بين ضلوعه، فقط تبكي بكاءً فقط. انهمرت عيناها ككبت الأنهار. لم تستوعب ما يحدث لها الآن. ظنت أنه ذهب في طي النسيان، لكن لا، تلك رائحته العطرة عادت من جديد.
هل أخبركم شيئًا آخر؟ هذا أول حضن منه، تلك الضمة الأولى. لم يستطع سيف منع نفسه من ضمها لقلبه. كانت بالسابق كل شيء بالنسبة له، كانت طفلته المدللة الرائعة التي تغير يومه بأكمله.
سحبت نفسها من أحضانه. كلاهما في شوق عاصف، حنين.
أما أخته فقد ذُهلت لما فعله، فنظرت له بغيظ دفين:
"إيه اللي أنت عملته ده؟ هو ده العقاب؟"
"دي نور، مقدرش أعمل فيها حاجة، دي سبب كل حاجة حلوة في حياتي."
ثم عاود أنظاره لها وسحبها من يدها وخرجوا لمكان عام. هواء النيل قد جعل خصلاتها تتطاير بتمرد، بدت رائعة، أنيقة، وجميلة.
"ليه سبتيني؟ ليه بعدتي عني؟ كل ده بسبب تافه؟ كنت فاكر أنها مشكلة عادية، خناقة بسيطة زي كل مرة بتبعدي، لكن كان العكس، كان العكس يا نور. بعتي أكتر قلب حبك، سبتيه. اتجوزت وطلقت، وكل بنت بشوفك فيها مش قادر أنساكي ولا قادر أعيش من غيرك. طيب هعيش من غيرك إزاي؟ أنتي كنتي ومازلتي كل حياتي. بس الحمد لله إنك رجعتيلي، وحشتيني يا عمري!"
"أنا مرجعتش يا بكر، ولا هرجع. وهكمل اللي ابتديته. الحب لوحده مش كفاية."
"إيه العلة؟ الحب لوحده أساس كل حاجة وأي حاجة، وأنتي حبي وقلبي، أنتي كل حاجة. نبض قلبي، كل دقة أنتي. عرفتي بقي إنك كل حاجة."
"صدقني مش هينفع، مش هينفع خالص بجد. وأنا مش هكمل."
"أنتي كرهتيني يا نور؟ ولا اتجوزتي؟ ولا بتحبي حد تاني؟"
"لأ يا بكر، أنا مش اتجوزت ولا بحب."
"كرهتيني؟"
"مقدرش. ربنا عالم أنا لما شوفتك حصلي إيه، كإني خفيفة، زي الفراشة اللي في الهوا طايرة. بكر أنا عمري ما نسيت حنيتك، مقدرش. أنت طيب أوي، وحنين أوي."
"وبحبك أوي، بعشقك، عشق."
"طيب أنا همشي."
"تمشي إيه؟ ده أنا ما صدقت، ما صدقت لقيتك يا نور. نتجوز يا بت، هعيشك ملكة. نور، إحنا بعد ما سبنا بعض سافرت إيطاليا، اشتغلت وجيت اشتغلت هنا. دورت عليكي في كل مكان، ملقتكيش، بس لقيتك في قلبي، فعشت بيكي، عشت على كده. يا أجمل ما دخل قلبي."
"بكر، أنا معدش فيا طاقة لخناقاتنا كل شوية، معدش ليا طاقة، ولا عندي. مش هقدر أكمل. خليني ذكرى. أنا حبيتك، بس أنت آخر مرة خدت ركن بعيد عني. تجاهلتني. قفشتك بتكلم صحبتي، منتظر مني إيه؟ أقولك باشا، روق على نفسك. أنت كنت محكم كل حاجة عليا بغيرتك. أقولك بقالنا سنة مخطوبين؟!"
"إمتى هنتجوز؟"
"تقولي لما أكون نفسي. أقولك مش محتاجة كتير، كفاية. هكون معاك طول الوقت. كنت بتبعد، والمفروض مكنتش سامحتك من الأول على كل ده. المفروض مكنتش عملت كده. بس كنت بعمل كده وبسامح عشان بحبك. كنت بتفادي غلطاتك وعيوبك. كنت بتشرب، وكثير اتخانقنا عشان كده. أقولك يا بكر، عاوزة أبني حياتي وحياتنا على رضا. وبردو مع كل ده سامحتك. لكن هسامحك لما ألاقيك بتكلم صحبتي وتخرج معاها. أنا مستحيل أرجع. حتى نظرة الحب اللي في عيونك مش هتشفعلك. ولا حبي ليك هيشفع. ولا حبك ليا هيشفع. عرفت إن في حاجات أكبر من الحب."
"مهما تقولي كلام من ورا قلبك، أنا بحبك. هنتجوز وهنعيش حياتنا يا أجمل ما في العمر. هتجوزك وهعيشك ملكة. آه، هو أنتي كنتي عند أختي بتعملي إيه؟ وكنتي بتتخانقي معاها لي أصلاً؟"
"كنت في شغل يا بكر، كنت هغني. بس أختك قلت بيا. وكله إلا كرامتي، وأنت عارف ده كويس. مبحبش حد يدوس على كرامتي."
"بتغني يا نور؟ بتدبهدلي وأنا عايش؟ مغنية في البيوت؟ وأكيد الليالي وأنا على وش الدنيا؟"
"معلش، وأنت إيه علاقتك بكده؟ هتصرف عليا ليه؟ بأي صفة تعمل معايا كده؟ لو لقيت رد مقنع قولي."
"بأي صفة يا ستي، حبيبك، خطيبك، هبقى جوزك."
"جوزي؟"
ثم تعالت ضحكاتها مما استدعى الآخر للابتسام بهيام.
"أيوه يا نور، جوزك. الأسبوع الجاي نكتب وأعملك فرح ما يتعمل لحد."
"موعودكش يا بكر، مش هقدر أكمل معاك. لو كملت هيجيني الضغط، فـ خلينا أخوات وحبايب."
"نور، أنا دلوقتي غني، ومعايا فلوس، وبحبك قبل كل حاجة."
"أنا عمري ما بصيت لفلوس ولا بصيت عندك إيه. أنا ببص لعقلي قبل قلبي عشان متعبش."
"قلبك بيحبني وده اللي متأكد منه."
"جايز وأكيد. بس تعرف، قلبي لا يبالي كده، مكسل يخوض مشاكل، مش عنده طاقة لتعب أو مجادلة. كفاية هموم الدنيا. بس رغم أي هم، أنا بحترم قلبي وحبيت نفسي وابتديت أخاف عليها. حب النفس مش وحش زي الناس فاكرة، بالعكس، ده بيحافظ على كرامتك وعلى كل حاجة فيك."
ثم تنهدت وأكملت مضطرة:
"أمشي وأشوفك بالخير دايما."
"استني ي نور، هوصلك."
"عارفة طريقي كويس."
جلست والدته بجواره، كان وسيمًا، رائعًا، خلابًا حينما كان يدقق في حاسوبه. عيناه رائعة، طالته كـكلمة مميزة. تنظر والدته له، بدت كأنما تريد خوض مناقشة كلامية. أحست أنها ربما تكون غير مجدية.
"اتكلمي ي أمي، عاوزة تقولي إيه؟"
"من غير مط في الحديث، عاوزاك تتجوز ونفسي أشوف عيالك يا سيف."
أغلق الحاسوب ونظر لها:
"مانا أكيد هتجوز."
استبشرت ملامحها وشعت بالفرح، مما أعطاها حماسة لمواصلة حديثها:
"منيح، ريحت قلبي."
"بس مش دلوقتي."
ظهر الإحباط على ملامحها مجدداً:
"ليه مش دلوقتي؟ ناقصك حاجة ياك؟ ومعدتش صغيرة، اللي قدك عندهم عيال."
"مش حكاية عيال، مش ده الموضوع."
"أومال حكاية إيه؟ بنت عمك وموجودة وبتحبك وبتحبها؟"
آخر كلامها استدعى انتباهه، فعقد حاجبيه وتبدلت ملامحه للاستغراب:
"بنت عمي إيه دي؟ زي أختي، وكمان مش زيها، دي أختي فعلاً. وأول واحد هيقفلها في جوازها هو أنا."
بدت غاضبة الآن وارتفع صوتها قليلاً:
"أنت موقف حالها، كل ده عشان زي أختك؟ رافض عرسان البلد عشان هي أختك. اسمع يا سيف، أنت وهي هتتجوزوا عشان أفرح بيكم، وأنت هتلاقي زيها فين؟"
"أهدي طيب ي أمي، آية مش بشوفها إلا أختي، أتجوزها إزاي عاد؟"
"اسمع يا سيف، آية بتحبك ومش هتحب تتجوز غيرك، وأنت عارف إنها بتحبك. ولو كان بيجيلها عرسان كانت بترفض، حتى لو أنت هتوافق. فـ هي مش شايفاك أخوها يا ابني، دي شيفاك راجلها. اعقل واتجوزوا."
"لا إله إلا الله سيدنا محمد رسول الله، ي أمي أنا مش منجذب ليها كرجل، افهمي عاد. مش هقدر أتجوزها، دي زي أختي قولتلك."
"طالما مش عاوزها هيا ولا غيرها، يبقى مش هتتجوز عاد."
"لا حول ولا قوة إلا بالله. هـ... هتجوز بس لما ربنا يريد يا أم العمدة."
"طيب أنا هسيبك، وهي عاوزة تقعد معاك حبة. هخرج وهتدخل."
"طيب، هي عاوزة إيه؟"
"معرفش يا ابني، تبقا تقولك."
وخرجت وتركت الباب مفتوحاً، ودقائق وكانت آية أمامه.
"مساء الخير."
"وعليكم السلام يا آية."
"نورت الثرايا يا سيف."
"تسلمي، الله يخليكي ي رب. ها، محتاجة حاجة؟"
"تسلم، أنت مش مخليني ناقصني حاجة. بدت متوترة، مرتبكة، خجولة، وهذا أيضاً ينطبق عليه. بس في حاجة عاوزة أقولهالك، نفسي فيها ومكسوفة."
"مكسوفة مني؟ لأ، متتكسفيش، طلباتك أوامر."
تشجعت وأغمضت عيناها وقالت مرة واحدة:
"سيف، أنا عاوزة أتجوزك ونفسي أبقى مراتك."
رواية القاسي و نور الصعيد الفصل التاسع 9 - بقلم سنسن ضاحي
مازلت مُتعبة من كل شيء… من نفسي.. ومنك… هل أجازف مجدداً..؟ بحب ضائع في آلام وأوجاع… لم أنساك يومًا، فقط أتذكرك.. أتذكرك بحق ما كان أو سيكون… صرخات قلبي عطشى للحب.. لا أجده.
ربما أحببتك.. بقدر غير كافٍ، لكن لم تعطني فرصة للتعمق بحبك وداخلك.. الآن.. الآن فقط أتيت لتعيد ما كان؟ كرة أخرى؟…. حتماً لن تجدني كالسابق.. لن تجد غير أشلاء روحي وقلبي مبعثرة… أطلال… كنت حنونًا في السابق.. انفلت الأمر منك.. تجاهلت… عشت اللامبالاة… ثم كان الفراق… وماذا بعد… ماذا بعد حبك.. ماذا بعد الفراق.. الرجوع.. فإن عاد الهوى فشَتّان بين ذهابه وعواده… عزيزي «بكر» القلوب طالما تغيرت.. نعم أحببتك… لم تكن عاديًا يومًا بالنسبة لي.. الآن أحدث نفسي وقلبي خاصة… أحاول أن أجد مسلكًا لحبك مجدداً.. لم أجد سوى أنك ذكرى فوّاحة عطرة… علّمت على قلبي أثرًا جميلاً رقيقًا مميزًا… هل يمكنني إرغام قلبي في الوقوع بداخلك.. بداخل قلبك.. هل يمكنني أن.. أجعل قلبي يحبك مجدداً… خاصة حينما عرضت علي الزواج وأتيحت لي الفرصة..؟ هل يمكنني إيجاد الحب؟
أشعر بأنني غير قابلة للحب.. فيكون عرضك بمثابة طوق نجاة… لإنقاذي من العمل ومشاق الحياة… كانت تحدث نفسها تضع تقييمًا لنفسها.. هل لازالت تصلح للحب مجدداً…؟ هل لديها طاقة كافية لذلك…؟… هل لديها طاقة لتحب؟ وقلبًا آخر ليغضب، ويغير…؟….
أما هو فقد زُهل كثيراً… تطلب يداه هي.. لم يتقبلها.. كـ حبيبة له… لم يتخيل الحب معها.. والادهى.. إنه كيف يمكنه.. إحراجها.. كيف يحرجها إذاً، وكيف يحبها أيضًا.. وجميع الردود… تلاشت هباءً كالريح العاصف… إذاً وجب الزواج منها… حتى لا يحرجها. أهذا يُعقل..؟
ــ هاه مالك سَكت ليه…؟
.. عارفة إنه صعب إن البنت تكون جريئة وتطلب ده.. وأنت علمتني كده.. بس متنساش.. إنك مش أي حد.. أنت كل حياتي.. وملخصها… هسعدك.. هكون حنينة قوي معاك… هخليك تفكر فيا دايما.. هخلي حياتك… أحلى. بص أنا بفكر إزاي أسعدك وبس..
يسمعها بتدقيق… كلمته بمثابة «الخلاصة» وعهد… فـ ليفكر في نفسه قليلاً قليلاً جدًا… يعلم إنه سيعطيها الحب.. والحنان بقدر غير محدود.. سيكون زوجًا مثاليًا لها.. لكن مهلاً… لربما لم يكن سعيدًا… لم يشعر باتجاهها بتلك المشاعر التي تدفع الرجل لجنون الحب… هو من الصعيد.. لكنه بعقل ناضج… تأخر بالزواج للحصول على الحب… يريد الحب.. لن يرغب بعلاقة حيوانية فقط لمجرد رغبات… تضغط على رجولته وتحرجه.. أي إحراج هذا… أيقبل الزواج منها فقط لمجرد أنه لا يريد إحراجها….؟
ــ ” موافق يا آية… موافق نتزوج…
ــ” أيه ده بجد ياسيف؟ … اقسم بالله مامصدقة.. هتجوزني؟.. معقول حلم عمري هيتحقق..؟
ــ” أيوه معقول… قريب هنكون مع بعض..
ــ” ده أمتي ده ده أنا مش مصدقة قلبي طاير من الفرحة… مش متخيلة إني هبقى مراتك. مرات سيف وحبيبة قلبه..
تتحدث بعشوائية أما هو في عالم آخر.. أنب نفسه.. لاندفاعه.. رغم قساوته… أنتظر الحب… حاول سابقًا.. التفكير في «آية» كـ حبيبة لقلبه، لم يسعها قلبه في الحب، أنتظر الحب، رغم قساوته،، أنتظر قلبًا يجعله كالطفل، أنتظر زوجة ليست مجرد زوجة بل صديقة ورفيقة وحبيبة يسكن إليها، يضحك معها يعانقها لأنه يحتاج لهذا..، لكن كل أمله تلاشى، لإجل تضحية بلهاء، لم يفكر في نفسه بعد.. إلى متى يظل الإنسان يخسر نفسه.. حتى ولو كسب كل شيء؟
ــ” ممكن تسبيني لحالي شوية….
ــ” حاضر، خلي بالك من نفسك.. لوقت ما خلي بالي منك..
ـــــــــــــــــــــــــ
ــ” بتقول إيه خالو مات؟ أمتي، أمتي حصل ده، طيب خلاص.. أنا هنزل البلد دلوقتي حالا…
حينما وصلت كان الصراخ يعج بالمكان.. فاضت عيناها بالدموع لم تتحمل.. فالجميع يذهب.. الحبايب يغادرون سريعًا.. سريعًا جدًا.. دون انتظار.. لم تره بعد.. أبناؤه يبكون يندبون.. وامراته تلطم وجنتيها بشيء من المرارة.. وتلك في حالة إغماء.. وهذا يقول كان بالأمس بصحة جيدة.. وغيرها من الأمور.. التي لا تجدي نفعًا.. فالموت لا يعرف مرضًا.. ولا شابًا ولا كهلاً ولا غني ولا فقير.. لا يميز بين أحد.. سوي الطيب والخبيث..، جلست في ركن جانبي.. تركت والداها مع صديقتها شيماء.. واتت بمفردها.. رغم إنها تشعر بمرارة.. وحرقة في قلبها…. إلا إنها دعت له بالرحمة.. وتذكرته بالخير والدعاء…. وأن يكون مرقده في جنات النعيم….
مضى يومان لا أحد يراها… ولا أحد يذكرها بطعام أيضًا.. فبدت هشة وضعيفة.. اختنقت من كل هذا وتلك المعاملة.. لا أحد لها ولا معها… ولم يتبق لها من هذه الدنيا سوى أباها المريض أيضًا…. قررت أن تغادر اليوم والى الأبد.. لكنها شعرت بالاختناق.. فقرت أن تتنزه في الحقول قليلاً…. وكما كان خرجت.. حتى قادتها قدماها إلى حقول وأشجار محملة بالمانجو.. صفراء.. رائحتها ذكية…. فـ قطفت واحدة.. وعند ينبوع الماء هذا غسلتها…. وتذوقتها بتلذذ……
ــ” إيه اللي جابك هنا…..؟
ــ ” ياماما هو أنت..؟
ــ ” بعبع أنا ياك يا بندارية…؟ دي جنايني وأرضي.. دخلتيها كيف..؟
ــ ” دخلتها برجلي بعدين.. هو أنا كل شوية هشوفك في وشي… كنت بعزي في خالي أطمن… وبعد كده قولت أتمشى شوية…. رجلي جابتني هنا…. كنت جعانة.. لأن بقالي يومين.. ما أكلتش.. فـ لقيت شجر المانجو ده… شكله فاخر… وريحته حلوة وطعمه كمان بالمناسبة… ولو سألتني… بتكلمي كتير كده ليه.. هقولك ليه.. بقيت يا سيدي وماسك إلا أنا….. نفس سبب جوعي هو نفسه سبب كلامي… بقالي يومين متكلمتش…. على فكرة فيه حاجة كمان.. أنا لو كان حد غيرك هو اللي فوق راسي كنت هخاف.. اطمنت لما لاقيته أنت..
حمحم بلطف وتوتر قليلاً..
ــ انت حديثك كتير كده ليه…..:
ــ” يبني مانا قولتلك.. هو كل شوية هقولك ولا إيه..،،،،”
ــ” ابنك…؟!
ــ” دي حاجة كويسة يا سيف على فكرة..!
ــ” سيف كده حاف..؟
ــ” على فكرة انت صغير وحلو.. بحسك فنان تركي كده.. وكمان.. بحسك لطيف خالص….
ثم وجدت منه نظرات غير مفهومة.. بالنسبة لها.. ولكنها لطيفة… سمعت دقات قلبها تنبض بلطف.. وقد أحمر وجهها.. ولا تعلم ما السبب الذي جعل لسانها ينعقد.. أيضًا…. كذلك هو…. لم يستطع أن يخفي ما يحدث له الآن…. لم يشعر بهذا مسبقًا.. الآن فقط علم إنها هي… حينما وجد قلبه يندفع باتجاهها بقوة…. ومشاعره تنقاد أسيرة لها… لم يستطع أحد منهم أن ينبث بحرفًا واحد… حتى هو.. وجد نفسه يعانقها عناقًا حادًا… مما جعلها مصدومة من ردة فعله تلك…. مازال يعانقها.. ومازالت مصدومة…
رواية القاسي و نور الصعيد الفصل العاشر 10 - بقلم سنسن ضاحي
يُعانقها بشدة، أنفاسه اختلطت بعبقها. لا يعلم لماذا، لماذا لم يكن هكذا؟ ضائع في قلبه. أجل، ضائع في قلبه. ووجد أنه لم ير أمامه إلا العناق. رغم أنهم لا يعرفون بعضهم جيدًا، ولكن هو يعرف قلبه، يعلمه، يعلم مشاعره وما بها وما بداخلها. كتلة لها سلبت أنفاسه، جعلت لديه حنيناً للعناق داخل عالم أحضانها.
"شايف يا ولد، مش ده العمدة؟"
"أستخبى يا عم، ملناش دعوة."
"ملناش كيف، عامل فيها الشيخ وهو لاففها حرام، وحضن البندرية."
"يا عم أمشي، مالكش دعوة، أنت شكلك هتودينا في داهية."
"أمشي إيه، ده أنا صورته وهفرج البلد كلها عليه، هنزله على جروب البلد، فضيحة العمدة، هعمل صفحة مزيفة وأنزلها."
"اسمع، أنا ماليش دعوة بحديثك ده، أنا ماشي."
"في داهية يا عم، هو أنا قلت لك اقعد."
سحبت نفسها منه، ومن ثم بصقت على وجهه. اشتعلت وجنتاها بالحمرة، مكسوة بالخجل، وأردفت قانطة منه:
"إيه اللي عملته ده يا متخلف؟ أنت واعي؟ أنت عملت إيه؟ أنت فاكرني جارية عندك؟"
"لسه كنتي مبسوطة، شرف ليكي ده."
"شرف ليا؟ يا عديم الدين، يا اللي عامل نفسك تقي. شرف إيه ده اللي يخليك تحضن بنت بالشكل ده؟ آه، ما أنت عمدة وشكلك مقضيها."
بدأ متاثرًا للحق، وظهر الإحراج على وجهه.
"أنا آسف ليكي، تقدري تتفضلي."
بدت قانطة مغتاظة.
"هو إيه اللي أنت بتقوله ده؟ إيه آسف دي؟ هو أنت خبطت فيا؟ أنت حضنتني يا بابا؟"
"يعني أنتي عاوزة إيه دلوقتي؟ قلت لك آسف، معرفش عملت كده كيف؟"
"المفروض أصدقك؟ يعني أنت متحرش وأنا لازم أشتكيك للحكومة؟"
قهقه ضاحكًا.
"اعملي اللي انتي عاوزاه، سلام يا كتكوته."
تنحى مغادرًا، ولكن كلمة واحدة أوقفته.
"عارفة إني ضعيفة، وأنت ليك صيت، عشان كده هشتكيك لربنا، هو بيسمع من الكل."
شعر بالحزن بقلبه وروحه معًا، فادار وجهه مجددًا.
"طيب صلي على النبي كده، أولاً أنا آسف ليكي، معرفش كيف عملت كده، ومش عشان لبسك، أنا عملت كده. أنا حتى مش عارف أرتب كلامي، مش عارف أرتب حاجة. واللي عاوزاه هعملهولك، اللي تطلبيه يعني."
"آما أنت حيوان بصحيح، وكمان بتساومني؟ أنت فاكرني بنت ليل زي اللي بيمشوا معاهم؟"
"يا ستي ربنا يسامحك، أنا عمري ما لمست بنت ولا ستي أصلاً. لكن نهايته اللي عندك اعمليه، أنا ماشي."
***
عصم المساء. أما هي فآخر يوم لها بهذه البلد. أما هو فيجلس أمام حاسوبه وقد تلاشى تركيزه تمامًا، كأنه لم ير شيئًا. حتى سمع طرقات متتالية على باب غرفته. فدخل وهدان وقد بدأ قلقًا للغاية، مضطرب الوجه.
"إيه يا وهدان؟"
"مصيبة جنابك، مصيبة وأعرة قوي."
"أنت هتنقطني بالكلام؟ ماتقول فيه إيه."
"خد شوف أكده."
مد هاتفه، فرأى الآخر مقطعًا له وهو يعانق نور. وهناك العديد من التعليقات الساخطة حول العمدة الماجن، بين مدافع ومعارض، ومنصف ومشكل. الجميع على لسان واحد: "العمدة وخطيئته ومجونه."
لم تتضح ملامح الفتاة جيدًا، ولكنه ثار وغضب، بدأ ساخطًا.
"شوف لي مين ماسك الجروب ده وهاتهولي."
"حاضر جنابك."
"استنى، وقبل كل ده، تاخد الرجالة على بيت شحاتة تجيب لي بنت آخته اللي جت هنا قبل سابق، تجيبها لي قبل أي حاجة بسرعة، مفيش وقت."
"حاضر جنابك."
***
دخلت والدته عليه وبوجه بشوش، أردفت:
"إيه ده يا سيف؟ أنا شايفه مأذون داخل، أنت هتكتب على إيه النهارده؟ طيب ليه مقلتش؟ بس يلا مش مهم، أهم حاجة هتكتبوا الكتاب."
لم يجيبها. ثوانٍ ودخلت نور، وعلى وجهها ملامح الغضب.
لسحبها من البيت كالدجاجة. وفي ذلك الوقت نزلت آية من الأعلى أيضًا، وعلى وجهها ملامح الاستفهام، وأردفت:
"مين دي يا سيف؟"
لم يجيبها، فأجابتها والدته:
"سيبك من مين دي يا آية، فيه خبر حلو، سيف هيكتب كتابك النهارده."
أُهلت بالفرح وأردفت بسعادة:
"صحيح يا سيف؟"
لم يعد لديه عقل الآن، ولم يجيب كلاهما الآن، فقط انتشل نور من يدها ودخل بها غرفة المكتب وسط سخطها ونفورها. بينما والدته ارتسمت الدهشة والحيرة على وجهها، وآية قبضت يدها بغيظ دفين.
***
"إيه اللي عملته ده؟ وإيه ده؟ إيه جاب صوري الشخصية وبطاقتي هنا؟"
"مش ده المهم."
"نعم؟ هو إيه اللي مش مهم ده؟ إيه جاب حاجتي هنا؟"
رفع أمام أنظارها مقطعًا وهو يعانقها، فاضطرب قلبها بعنف.
"منك لله! إيه ده؟ يا دي الفضيحة! منك لله! عملت لك إيه!"
"أنتي مش مستوعبة إني أنا اللي في كارثة أكبر منك."
"كارثة إيه؟ أنت راجل وأنا بنت، وزمان الناس هتمسخرني. حكم ومواعظ، وأنا مش بنت شمال، الجامعة كلها هتتنمر عليا."
دموعها تنهمر بشدة وجسدها يرتعش. وهذا مس قلبه.
"ممكن تهدي، مفيش حاجة من ده كله هتحصل."
"ماهو حصل خلاص، وفضيحتتي هتبقى بجلاجل."
"مش هيحصل، لآني هتجوزك، أنقذك وأنقذ... سمعتك، ومتقلقيش، مش هقعدلك فترة وهطلقك."
"بس أنا مش موافقة! إيه اللي أنت بتقوله ده؟ كلام ميدخلش العقل."
"عندك حل تاني؟ ثم إنه مش هيدوم، لآني هخطب وأتجوز بنت عمي القمر اللي شفتيها دي."
"كله بسببك، إيه اللي خلاك تحضني؟ ليه عملت كده؟"
"يلا مفيش وقت، قولتي إيه؟"
"يعني هقول إيه؟ مفيش حل غير الزفت الجواز ده؟"
"للأسف."
***
دخل من باب آخر مؤدي إلى الغرفة الأخرى حتى لا يمر على والدته وآية مجددًا ويطرحوا التساؤلات. كل شيء انتهى بهدوء، وتم كتب الكتاب، وأصبحت زوجته رسميًا.
"ألف مبروك يا نور."
"ودلوقتي أنا عاوزة أروح."
تغيرت ملامحه فورًا للغضب.
"تروحي؟ ولازمته إيه عاد كل اللي عملناه ده؟"
"طيب أنا هسافر بكرة."
"مفيش سفر، ووالدك هييجي بكرة عندك، متقلقيش."
"هو إيه أصله ده؟ أنت فاكر إني مراتك بجد؟"
"أيوه، أنتي مراتي، ودلوقتي تعالي أعرفك على أهلي."
"أنا مش عاوزة أعرف حد، ومن فضلك راعي إن حياتي اتقلبت في نص يوم، الضهر شفتك، الليل اتجوزتك، ده كلام ولا في الروايات."
"واقع وحصل خلاص، وبقيتي مراتي، واللي كان كان، أنا زعلان أكتر منك."
"مش باين عليك يعني، باين أنك عادي، ولا هامك، وكمان بتتشرط عليا؟"
***
"إيه يا سيف؟ مين المؤرفة دي اللي تبقى مراتك؟ تبقى مين دي أصلًا؟"
أردفت بها آية بغضب، مما أثار غضب نور وهمت بالرد عليها، لكنها للحق تراجعت حينما رأت نظرات سيف المخدرة لها.
فخافت وتراجعت.
"دي مراتي، مرات العمدة، فاهمة؟ وكلمة تاني منك ليها، مش هيحصل طيب أبدًا، فهمتي؟"
ثم عاودها مرة أخرى بغضب.
"بقول فهمتي؟"
بخوف أردفت:
"فهمت. بس أنا... أنت ليه كسرتني كده؟ من إمتى بتخلي بوعدك؟"
***
"وأنا من إمتى خليت بوعدي؟ متقلقيش، هتجوزك."
لم تحبه، ولكنها شعرت بنيران الغيرة تتاكل بداخلها من والدته ومنها ومنه في آن واحد.