تحميل رواية «الهجينة» PDF
بقلم ماهي احمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحد المنازل القديمة بحارة صغيرة تسكن ولاء، أخت غرام، مع زوجة أبيها وأخواتها غير الأشقاء. زوجة الأب: انتي ياللي ما تتسمي، ياللي اسمك ولاء. تدخل عليها البلكونة فتجدها لا تزال نائمة على الأرض لعدم توافر سرير لها داخل الشقة، فأرضية البلكونة هي المكان المخصص لها للنوم، هي وأختها غرام قبل زواجها. زوجة الأب: يخربيييييتك، انتي لسه نايمة يامقصوفة الرقبة. ولاء: يوووووه، دي مابقيتش عيشة دي، قولتلكوا حاضر شوية وهصحي، مش كل ١٨ ساعة تيجوا تصحوني. زوجة الأب: قومي يابت، قامت قيامتك، انتي إيه مابتشبعيش نوم. و...
رواية الهجينة الفصل 101 - بقلم ماهي احمد
مساء الخير.
كم قبر سأحتاج لأدفن كل ما مات بداخلي؟
إن الأبشع من الشعور السيء هو محاولة كتمان ما تشعر به. ربما تعتاد الروح على إعطاء الحنان بالرغم من فقده. فأسوأ شعور يمر على المرء إظهار عكس ما بداخله، شعور مميت، مميت إلى حد لا حد له.
كما هو معروف، نتائج حماقاتك تتحملها وحدك، ولكن في قاموس "ياسين"، حماقات الأقرب لقلبه يتحملها هو. كحماقات "شمس" التي تزداد سوءًا يومًا تلو الآخر. هكذا الوضع، مازالت تستند برأسها على صدره، يمسح بأصابعه على خصلاتها بهدوء، تشعر بالسكينة والاطمئنان. نطق "ياسين" بما شعرت وكأنها تسمعه للمرة الأولى:
_مرتاحة انت كده؟
أنتهى شرودها، ترفع رأسها من على فؤاده. فثبت هو رأسها بكف يده على صدره قائلًا بمشاكسة:
_رايحة فين؟ ده أنا ما صدقت.
أنهى كلماته وتركته. تركت عينيه متعلقة بها بعدما أجبرت شفتاها على الابتسام. تترجل من السيارة، تابع أثرها بعينيه حتى وقفت تسند بظهرها على مقدمتها. ضغط على زر تشغيل الكشافات ودون قصد فتح المذياع، لم يغلقه بل تركه ورحل خلفها. وقف أمامها يتأمل ملامحها الباهتة. اقترب منها وأمسكها من خصرها ثم رفعها وأجلسها على سطح مقدمة السيارة. تفاجأت "شمس" مما فعله. حاولت النزول ولكنه طالعها بنظراته، لديه القدرة دائمًا على سلبها منها بنظراته البريئة لها. حاولت الهروب بعينيها بالنظر أرضًا. حاولت كتم شهقاتها. مد يده ليلتقط ذقنها رافعًا رأسها لأعلى، يطالعها بعيونه السوداء كسواد الليل، يحاوط كفه كفها بحنان:
_مافيش سبب في الدنيا يستاهل إن دموعك تنزل عشانه.
ثم أشار على نفسه متابعًا:
_وطول ما الروح جوه الجسد لسه ما خرجتش، اعرفي إن كل حاجة هتبقى تمام.
قال كلماته لعله يبث بها بعض القوة. حاوطها بعيناه، شعرت وكأنها تغرق داخله. استرسل حديثه بقول:
_اعرفي إني هفضل معاكي دايما وجنبك. وعايزك تعرفي إن ابن الصاوي بيحس بيكي يا شمس.
لمعت عيناه ببريق مختلف وهو يخبرها الآتي:
_تعرفي إن أمي الله يرحمها.
كمشت حاجبيها باستغراب على تغيير مجرى الحديث هكذا فجأة. فهز رأسه بالإيجاب، يتابع قوله:
_آه، ما تستغربيش، ما أنا برضه اتولدت من أم زيكم، مش زرع شيطاني.
فابتسمت من بين دموعها بعدما جذب انتباهها. فهذه هي المرة الأولى التي يتحدث بها عن والدته الحقيقية. فأكمل هو يخبرها بعدما رأى بعينيها تطلب المزيد:
_كانت بتقولي الضحكة الصافية اللي بتطلع من جوه القلب وانت في عز غضبك دوا لقلوب نهشها الوجع. اضحك يا ياسين، اضحك في وش الوجع، يمكن الوجع يختشي على دمه ويسيبنا في حالنا ويمشي.
تابع بابتسامة مصاحبة لقوله:
_الظاهر كان عندها حق يا شمس. لما سمعت كلامها، طلع الوجع بيختشي من الضحكة اللي بتطلع من القلب بجد لمجرد إنك مع ناس بترتاح معاهم وبتطمنلهم. من وقتها وأنا سمعت كلامها وبحاول أضحك في عز وجلعي.
تابع كلامه بتأثر:
_وأنا عارف إنك موجوعة، وعارف إنه هييجي اليوم اللي هكون فيه أول واحد تشتكيله وجعك وترمي عليه حمولك، وهبقى السبب في ضحكتك في عز وجعك، بس كله مع الوقت.
استدار يعطيها ظهره، يطالع الفراغ أمامه:
_اللي أنا ما عنديش أكتر منه، وانت تستاهلي.
طالعها مرة أخرى، يخبرها بصدق نابع من عينيه:
_تستاهلي أستنى عشانك طول الوقت من غير حساب.
فاختتم هو بنبرة أذابتها كليًا بما قاله سابقًا:
_أضحكي يا شمس، عشان ضحكتك بتنور دنيتي.
قالها بابتسامة وتوجه للدخول بداخل السيارة. فنطقت هي بما أوقفه:
_كنت مرعوبة.
ظهرت ابتسامة جانبية على شفتيه، فاستدار بصمت لتسرد له ما يريد سماعه:
_بالرغم إني مكنتش برد على اتصالاتك، بس قلبي كان متعلق بدعاء واحد بس وهو إنك تبقى جنبي ومعايا. وبالرغم إنك كنت بعيد، بس إحساسي مخيبش إنك هتيجي وتنجدني من اللي كنت فيه.
أقترب منها، فطالعته بحزن ظهر في عينيها حين تذكرت ما فعله بها "فريد" منذ ساعات مضت:
_أول ما هجم عليا حسيت إن الدنيا ضلمت، حسيت إني مش قادرة آخد نفسي. إحساس وحش أوي يا ياسين.
احتضن عينيها بنظرات أسف، يعتذر لها على ذنب لم يرتكبه. فأكملت بنبرة مرتعشة:
_لما لمس جسمي، كنت حاسة إن في جبل واتحط فوقيا.
مطت شفتيها وابتلعت غصة مريرة في حلقها قبل أن تسترسل:
_حسيت إن نفسي بيتسرق والدنيا ضلمت. حسيت إن رجعت تاني أيام القبو وأنا محبوسة بين أربع حيطان، بس المرة دي اتحبست بين أحضانه ومش عارفة أخرج. كنت هستسلم، كنت هستسلم من كتر الوجع اللي كنت حاسة بيه، بس قبل ما تفتح الباب حسيت بيك وحسيت بقربك مني في المكان. حسيت إن الدنيا نورت بقربك مني.
لمعت عيناه بدموع وقفت على حافة رموشه تنذر بنزولها تأثرًا بحالتها. مسح دموعها، يعيد خصلاتها الجانبية خلف أذنها، ثم أحاط وجهها بين كفيه يطمئنها بقوله المصاحب لبسمته:
_هووووش، كله مشي، كله راح يا شمس، مافيش حاجة وحشة هتحصلك تاني.
قبل رأسها وهو يعتذر، محملًا نفسه ذنب ما حدث:
_الغلط من عندي، لو ما كنتش سافرت وسيبتك، ما كانش حصل كل ده. بس ده مش هيتكرر تاني خلاص.
احتضنها وكأنه يثبت لها بأنه هنا جوارها دائمًا وأبدًا. تشبثت به أكثر، فشعور الأمان الذي تشعر به الآن لا يضاهي أي شعور شعرت به من قبل. فبادرت بقول ما تشعر به، ساندة رأسها على فؤاده:
_حاسة إني عاجزة، مش قادرة أفكر ولا أتكلم، حاسة إني محتاجة عكاز أتعكز عليه من كتر ضعفي.
لم يستطع منع نفسه وأبعدها عنه ببطء حين طالعها بعينيه الصافيتين بنقاء صادق نابع منهما:
_يبقى خدي قلبي اتعكزي عليه.
فكرر طلبه برجاء:
_اتعكزي على قلبي، يمكن ترتاحي يا شمس.
قال لها هذا فشعرت بخفقان قلبها، تنبض بالاطمئنان فقط لأنها بجواره. مسح دموعها، فأخبرها بقوله المصاحب لبسمته:
_اضحكي بقى، عشاني.
حاولت الابتسام، فالتقطت أذنيه في الخلفية كلمات الأغنية في المذياع وهي تقول:
_تهب ياريح الحياة دايما بما لا أشتهي، واللي السنين مقدماه غير اللي قلت نفسي فيه، يلاقي قلبي فين دواه، واللي أذاه أقرب ما لي، ده جرح بيعلم.
تركها يتجه إلى السيارة، تتبع هي أثره بعينيها. فوجدته يرفع صوت المذياع قليلًا، ينظر إليها سائلًا:
_مش ده صوت نمرة حمزة اللي أنت بتحبيه؟
ضربت بكف يدها على جبينها. فاقترب منها هو بخطواته، فأجابته قائلة:
_حمزة نمرة، ياياسين، احفظه بقى.
فوضع يده على خصرها، يقربها منه أكثر. انكمش حاجبها سائلة، وقبل أن تنطق، فأكمل هو بقول:
_هحفظه عشانك. تسمحيلي بقى بالرقصة دي؟
ابتسمت باستغراب، فقبض بلين بكف يده على كفها، يلفها مرة في الثانية على أنغام الأغنية وهي تقول:
_ركز ياقلبي فاللي جاي، وألف شكر للي باع ما صانش، حتى بق شاي سلام ياتلتوميه وداع، واللي لقينا ما يسعوش في خانة الوداع، تساع مشاعرنا مش لعبة.
لفها بكف يده وعادت "شمس" إلى أحضانه من جديد بعدما لفها عدة مرات، تخبره بابتسامة:
_بس دي أغنية حزينة، ماينفعش نرقص عليها.
انكمش حاجبه باستغراب، يتمايل بها يسارًا ويمينًا، يردد كلماتها. ومازالت كلمات الأغنية في الخلف:
_حزينة؟
غريبة، اومال أنا مش شايفها حزينة ليه؟
فأجاب على نفسه، يقصدها بكلماته:
_ ممكن عشان أنا مش عايز أشوفها حزينة.
فابتسمت ابتسامة عريضة بعدما فهمت قصده، ابتسامة نابعة من قلبها بصدق. اقتربت منه تطالع عينيه الصافيتين، وبدأت بقول:
_ أنا كمان مابقيتش شايفة الأغنية حزينة.
فداهمتهما منتصف الأغنية من جديد بموسيقى عذبة. راقصها هو، واضعاً كف يدها على فؤاده، واستجابت هي له، يتمايلون على أنغام الموسيقى.
يسمع صوت ضحكاتها من بين شفتيها، ابتسامة نابعة من قلبها بصدق، وهو كان السبب بها.
أسندت برأسها على صدره، وأخذ هو يربت على خصلاتها بلطف. سكنت تماماً بداخل أحضانه، وهي تتعجب من جمعه للنقيضين. قبل قليل كانت تشعر أن خوفها كله هو السبب فيه، والآن أمانها كله معه.
بينما هو يفكر، وهي بداخل أحضانه، في القادم.
تلاحقت الأنفاس في صورة غير منتظمة، أنفاس أنهكها التعب. تقف "سارة" الآن على أعتاب منزل خالها، فهو كل ما تبقى من عائلة والدتها. دق "يزن" الباب بدقات متتالية ولكن دون رد. فطلب بألحاح:
_ مش قولتلك يا سارة مافيش حد جوه، تعالي معايا نرجع شقتي.
اعترضت "سارة" بعدما أسندت ظهرها على الحائط، والتعب بدا على وجهها جلياً:
_ لأ، كفاية عليك أنت كده يا يزن. أنت معايا من الصبح ومانمتش من امبارح، أنا هرجع عند خالي.
أشار إلى حالها الذي يرثى له:
_ مين قالك إني تعبان بس؟ خليكي في نفسك يا سارة، أنتِ شايفة حالتك عاملة إزاي؟ وبعدين مافيش حد جوه.
وما انتهى من قوله، حتى سمع خطوات أحدهم يقترب من الباب. فابتسمت سارة قائلة:
_ شوفت؟ أكيد كانوا نايمين، هيفتحوا دلوقتي.
ومامرت إلا ثواني، ففتحت ابنة خالها، الطفلة التي لم تتجاوز السابعة من عمرها. تبسمت سارة تستعد للدخول بقول:
_ أنتِ اللي صاحية يا خديجة؟ اومال فين خالي ومرات خالي؟
أتت من خلفها زوجة خالها، التي صدمتها بقول:
_ خالك مش موجود يا حبيبتي، أو بصراحة كده موجود بس مالهوش وجود.
فأتى خالها من الخلف، يبتلع ريقه بعدما كسا الخجل ملامحه من ابنة شقيقته الواقفة على أعتاب منزله. فبدرت "سارة" بسؤالها الناتج عن عدم فهم:
_ تقصد إيه طنط بالكلام ده يا خالي؟
لم يقدر على النظر إليها، بل وضع عينيه بالأرضية. فأجابت زوجة خالها بدلاً عنه:
_ يعني يا حبيبتي القرشين اللي كنتي بتدهوملنا عشان نقعدك معانا بيهم، خلاص خلصوا. كفاية طول العشر سنين اللي فاتوا دول شلناك وخدمناك فيهم، وخلصتي جامعتك وكمان اتخطبتي، يبقى كفاية علينا لحد كده. أنتِ دلوقتي واحدة مريضة وعايزة حد يشيلك ويشيل مرضك، وأنا مافيش صحة لكل ده.
كان عقلها عاجزاً عن الاستيعاب. لم تصدق ما تفوهت به تلك المرأة الواقفة أمامها الآن. بهتت تقاسيمها وهي تسمعها، أضافت كلماتها عليها المزيد من الإرهاق وزاد عليها التعب بشكل كبير بعد أن قضت يوماً حافل بالمشفى. حاولت "سارة" أن تجمع كلماتها، ولكن تفاجأت بفعله "يزن" بعدما بصق على خالها وانخرط بغضبه:
_ أخص على اللي سماك راجل. أنت راجل؟ بعد كل اللي سارة ادتهولك من ورث أمها ووقفت جنبكوا طول السنين اللي فاتت دي، تعمل فيها كده؟ دي صرفت كل فلوسها عليكم وعلى جوازة بنتك.
ليست كلمات بل صفعات متتالية. لم تطق زوجة خالها سماع كلماته، فأردفت بغضب:
_ زي ما هي ادتنا احنا، اديناها. كنا بالنسبالها العيلة والأمان، وبقت وسطنا طول العشر سنين اللي فاتوا. يعني خدمة قصاد خدمة. لكن بقى مرض ونطبطب ونسهر وندلع، لأ. كفاية لحد كده.
طالع زوجة خالها باشمئزاز واضح بعينيه:
_ أقسم بالله لو ما كنتي ست، لكنت عرفت شغلي معاكي. وسارة اللي مش عايزاها دلوقتي وبتطرديها من بيتك عشان المرض، عرف طريقها بكره أجيبك تبوسي جزمتها عشان بس تنولي رضاها. وحياة قهرتها قريب أوي، أندمك على كل كلمة قولتيها في يوم. يلا يا سارة.
استدار ليتابع سيره، متحكماً بذراع "سارة" التي بدت معترضة بقول:
_ استني يا يزن.
اقتربت "سارة" من خالها بعيون دامعة، لتجده يرفع نظارته، يمسح بسبابته دموعه. فابتسمت من بين دموعها وهي تقول:
_ بلاش تبكي يا خالو، أنا عارفة إن ما فيش بإيدك حاجة. ماتزعلش من يزن، هو مش قصده.
هنا تحدث "يزن"، يربت على كتفها أثناء قوله:
_ يلا يا سارة، مالهوش لازمة الكلام ده. قلته أحسن.
طالعها فوجد توازنها شبه يختل. أدرك أن حالتها ليست الأفضل، فدقق التركيز يسألها:
_ أنتِ كويسة؟
أشارت برأسها بالإيجاب، فقرر هو أن يأخذها معه إلى المنزل، يكرر عليها سؤاله أثناء قيادته للسيارة:
_ سارة، لو حاسة بأي حاجة قوليلي، أوديكي المستشفى حالا.
هزت رأسها نافية، فأكمل بها إلى حيث منزله. فتح باب منزله، فرأى ترنحها، تقبض بكف يدها على رأسها. أسرع هو لمساعدتها، فتح الباب بمفتاحه ودخل بها، تتكئ عليه حتى تمددت على الفراش. فأسرع بقول:
_ هجبلك الدوا حالا.
تقدم خطوات قليلة للأمام، ثم استدار يطالعها، فتابع قوله عل يبث لقلبها الطمأنينة:
_ كل اللي بيحصل ده طبيعي. الدكتور قال إن بعد الجلسة هتحسي بتعب ودوخة وترجيع.
وقبل أن ينتهي من حديثه، حتى وجدها تخفض رأسها لطرف الفراش، تشعر بالغثيان. هرول ناحيتها، يضم كف يديه الاثنان ببعضهما، يستقبل غثيانها بين يديه. لم يشمئز من غثيانها القابع بين كفيه.
حاولت منع نفسها بصعوبة من البكاء، ولكنها لم تفلح. بكت، تطالعه بعيون دامعة:
_ أنا آسفة، ما كانش قصدي. ما عرفتش أمسك نفسي مرة واحدة، لقيت نفسي بستفرغ.
فبتر هو حديثها، يمسح يده بالمنشفة بجواره:
_ سارة، أنتِ بتقولي إيه؟
لم يتحمل عبراتها المتتالية من عينيها، فجلس بالجهة المقابلة لها على طرف الفراش، يتابع حديثه سائلاً:
_ سارة، أنتِ مكسوفة مني؟
هربت بعيونها، تطالع الفوضى التي أحدثتها على الفراش. رفع ذقنها حتى لا تهرب عيونها عنه:
_ بتخبي عيونك مني ليه؟
طالعته بثبات، تخبره بما تشعر:
_ خايفة لا تقرف مني. هتفضل لحد امتى تضيع عمرك عشاني؟
رد دون تردد:
_ العمر كله.
فكرر يؤكد على كلماته سابقاً:
_ العمر كله يا سارة، تحت رجلك عمري كله. ولو طولت أعيش عمرين على عمري بس لخدمتك، هعيشه وأنا راضي.
كل أقواله في هذه الليلة تأسرها. كلماته الحانية بأمان مست قلبها. اقترب منها، فتاهت في عينيه، وقبل أن تنطق بما تريده، شعرت بالغثيان مرة أخرى. هرولت على دورة المياه، تقف أمام الصنبور، حانية رأسها حتى لا تحدث فوضى من جديد. هرول هو خلفها، يمسح على رأسها، يعيد خصلات شعرها للوراء بحنان. وبعد أن انتهت، استدارت له، تمسح فمها بظهر يدها، سائلة:
_ هو أنتِ بتحبني أوي كده ليه؟
اقترب منها أكثر، يخبرها وهو يراقب تفاصيل وجهها وكأنه يحفظها:
_ عشان أنتِ قاسية أوي على نفسك، فلو كنتِ ما بتحبيش نفسك، أنا هحبهالك.
لمعت عيناها ببريق مختلف، فنطق بما يطمئنها:
_ أنا رافض أني أقبل أنك تكوني خايفة.
عادت البسمة لها من جديد من بين دموعها، وقالت بامتنان حقيقي لهذه المشاعر:
_ أنا مش خايفة من المرض، أنا خايفة ما بقاش معاك.
أنهت جملتها، فدمعت عيناه. ضمها إلى فؤاده بقوة. لمساته الحانية بأمان مست قلبها. حاوطته بذراعها هي الأخرى، تغلل شعور الأمان إلى قلبها. سكن كل شيء حولهما، وغمرها موجة من الدفء بين أحضانه.
لم تهدأ "زهرة" منذ الساعة التي علمت بها بعدم وجود ابنتها داخل المنزل. طلبت "الطبيب" بعدما بحثت عنها بكل مكان بالقرية. تجلس "الخالة" بتوتر بجوارها بعدما شعرت بالخوف والقلق بسبب عدم تواجدها. تلقى "الطبيب" اتصالها يهتف بضجر:
_ عايزة إيه يا زهرة؟
الحقني يا علي.
خرجت كلماتها منها بشهقة مكتومة، أتلفت أعصابه، مما جعله يسأل بلهفة:
_ فيه إيه يا زهرة؟ مال صوتك؟
هتفت بقهر، مرارته في حلقها كالعلقم:
_ شمس، شمس مش موجودة في أوضتها من المغرب. دورت عليها في كل مكان في القرية، حتى عم نصير روحتله، مالقيتهاش. بتصل بيها، تليفونها مقفول.
قطب "الطبيب" حاجبيه بتساؤل:
_ أنتِ مش عارفة إنها في القاهرة؟
استكملت هي بحزن، وتوالت بالأسئلة على الطبيب:
_ لأ معرفش. أوعى يكون يا سين غصبها إنها تنزل معاه على مصر.
تنهد بعدم رضا:
_ يا دي يا سين اللي واكل دماغك. بنتك مش صغيرة. ياسين نفسه ما يعرفش إنها في القاهرة، واستغرب زيك بالظبط. هو عرف طريقها ورحلها. بحاول أكلمه بس ما بيردش هو كمان. أنا قلقان ومش فاهم فيه إيه.
لم تصدق، فكل شيء يخبرها بالعكس. لذلك هتفت بعتاب:
_ وهو اللي مفهمك كده؟ وأنت طبعاً زي الأبلة صدقته؟
سقط حديثها كدلو ماء بارد على مسامعه، فردد كلماتها بعدم تصديق:
_ أبلة!!
فأهملت قوله وعادت تحذره من جديد بضيق:
_بنتي ترجعلي في أقرب وقت وأنت اللي هترجعهالي ياعلي. أنا مش هكلم ياسين. أنت أولى بي مني.
أغلقت زهره الهاتف من دون حتى إلقاء السلام. تعلم أنها بداية النهاية بينها وبين "الطبيب"، ولكن لم تكترث للأمر. فكل ما يهمها الآن هو إبعاد ابنتها عن "ياسين". سأمت "الخاله" من حماقاتها المستمرة. ساندت بيدها على عكازها تحذرها من جديد:
_اللي بتعمليه ده مش في مصلحتك يازهره. أنت كده بتخسري علي، واللي يخسر ولدي يخسرني.
بقيت صامته أمامها ولم تتكلف عناء الرد. أكملت الخاله أمام صمتها:
طول عمري معتبراكي زي بتي وقريبة مني. رغم إني كنت بحب المهدي وكبرت معاه لسنين، بس لما شافك وافتكر فيكي مهجه مراته الأولانية، معترضتش على جوازكم وقربت منك أكتر. وخصوصًا لما مات واتغدر بي. كنت بشوفه في ملامحك أنت وشمس، بحس بوجوده طول ما أنتوا موجودين حواليا. ساعدتك كتير ومعنديش مانع أساعدك أكتر. ولما ولدي طلبك وحبك، وافقت ورحبت عشان تفضلي أنت وشمس في حضني. بس أنت مش هتيجي أغلى من ولادي. يـ ـاسين وعلي دول ولادي اللي حجري اتملى بيهم من بعد دنيا فاضية. ومش هسمح أشوفك بتدمري علي قدامي وأسكت.
سألت "زهره" بنفاذ صبر:
_عايزة تقولي إيه ياخاله؟
طالبت "الخاله" بتبرير فوري لما تفوهت به "زهره" للطبيب. أبدت "زهره" انفعالها وهتفت بضجر:
_زي ما أنت خايفة على ولادك اللي مش من صلبك، أنا كمان خايفة على بنتي اللي من لحمي. واللي هييجي عليها ويقرب منها، هاكله بسناني.
تابعت بقلب أم خائفة على طفلها:
_ياسين مايصلحلهاش ياخاله، ومش هسمح أبدًا إنه يلمس شعرة منها في يوم ولا تكون حلاله. أنا أم وعارفة مصلحة بنتي كويس. هي لسه صغيرة وفي غشاوه على عينيها. من اللحظة دي أنا هاخد حسان وارجع بيتنا القديم عشان أعرف أحافظ على بتي فيه.
قالتها وقد داهمتها الدموع وتجمعت في مقلتيها:
_ماتزعليش مني ياخاله. بصيلي بعيون أم خايفة على ضناها. الضنا اللي أغلى من كل شيء. وده ياسين اللي مهما اتغير، هيفضل برضوا ياسين.
غادرت "زهره" المكان. وتتبعت "الخاله" أثرها بعينيها. أغلقت الباب خلفها. أدارت وجهها بصمت تجلس على المقعد والدهشة تملؤها وتردد بذهنها سؤال لم يسمعه أحد إلا هي:
_معقول يازهره ترمي حب علي ورا ضهرك بطريقتك دي؟ بكرة تندمي في وقت ماينفعش فيه الندم عليه.
***
ما زال يقبض على هاتفه بكف يده. لم يستوعب ما بدر منها منذ لحظات. أتى "بربروس" من خلفه قائلاً:
_مساء الخير ياأخي.
رد متهكماً:
_بربروس مش فايقلك.
علم بحدوث شيء ما بسبب الضيق في نبرته فسأل بجدية:
_ألم تعلم عن ياسين وشمس شيئاً بعد؟
تنهد بضجر وهو يمسح على وجهه ثم قال أثناء جهاده ليلزم الهدوء:
_لأ، لسه ماردش.
قطب حاجبيه يجلس بالمقعد المقابل له سائلاً:
_ماذا بك ياصديقي؟ أحدث لهم خطب ما؟
جاهد لكي لا يتفوه بشيء بعدما أجبر شفتيه على الابتسام نافياً لسؤاله:
_لا، لا شيء. أنا بس...
قطع حديثه دقات الباب المتتالية. فأسرع "بربروس" بفتحه ليجد أول شخص تمنى أن يراه.
وجد "مارال" أمامه. ابتسم ابتسامة حانية لرؤيتها. وانمحت ابتسامته سريعاً عندما رأى الضجر يطغى على ملامحها. تراجع ليعطيها فرصة للدخول. ولم تنتظر هي بل دفعته للخلف مما جعله سائلاً بهدوء لكي يمتص غضبها:
_ما بك يا بلوتي؟ والباء حاء.
أثار غيظتها بهدوئه مما جعلها ترد بطريقته:
_بعمل عمل خيي ومابلاقيش مقابل قصاده.
فجادلها ساخراً:
_ذكريني بعمل خيري واحد قدمتي عليه بحياتك.
_حبيتك.
جمدته اجابتها. جاهد لألتزام الهدوء. فنطقت بعينين لامعة:
_إيه اللي أنت هببته ده يابيدقوس؟ يغيظيك كده أهو. أخويا هيتنيل يجوزني لـ "كي كي". هو مش إحنا كنا متفقين بلاش ياسين يتكلم خالص ونسيب دكتوري علي هو اللي يتكلم؟
استدار "الطبيب" يطالعها بابتسامة بسيطة:
_اهدي بس يامارال.
أشار لها بعينيه يحثها على الجلوس. فقابلت طلبه بالرفض:
_ماينفعش. أنا سايباه ماما لوحدها. وأخويا ممكن ييجي في أي لحظة.
وجهت حديثها لـ "بربروس" بعتاب:
_أنت مقديتنيش يابيدقوس.
فأكملت بنحيب:
_ده حتى الواد اللي أنت جايبه بيحتاج تقديري.
طالعها هو بعدم فهم:
_ولكنك لست وردة يامارال.
رد لها ما شعر به منذ ثواني. فوجهت حديثها "للطبيب":
_شايف، شايف يادكتوي علي بيقول إيه؟ قول بقى إنك مش عايز أصلًا الجوازة دي. وأنا هايوح أجوز كي كي.
تلاعب "مارال" بالكلمات واضح بالنسبة له. فأخذ يستغفر ربه هامساً وهو يقول بنفاذ صبر:
_أهذا اعتقادك؟ فلا والله وبعقد الهاء لن أتركك لهذا المدعو المثير للسخرية والاشمئزاز. وما هذا الاسم اللعين؟ هل انتهت الأسماء من على وجه الأرض؟
اردفت بغضب:
_اللعين ده لو ماتصيفتش بسيعه يابيدقوس، هيبقى جوزي. وأخويا هيصمم نعمل إكليل كامل في أسرع وقت.
أخبرته بدموع تتلألأ بعينيها. ملامحها البريئة أقرب من الوتين للقلب. طالعها هو يخبرها بصدق نابع من قلبه:
_أتعلمين بأنك حبراً ضممتُه من دون راءٍ إلى قلمي. والميم باء أرعونة أنتِ خرقاء. فوالله وبعقد الهاء، لن أتركك لغيري. حتى لو أخاكي شاء، فقد أصبحتِ لي قمراً. والميم دال، ولا يستطيع أحد الهروب منه إلا الجبان.
لانت تقاسيمها تطالعه بحب. يطالعهما الطبيب ببسمة مشفقة على جنونهم. يقول بداخله:
_مجانين والله.
***
أتى الفجر وانتشر ذلك الضوء الذي يبعث الراحة في النفوس. نسمات منعشة تعم الأجواء. خصوصاً بتوقيت الفجر. من يراه أثناء الذهاب يقود بسرعة جنونية وكأن الموت يهرول خلفه. يقود بلا أي ذرة تعقل. لا يراه الآن وهو يعود مطمئناً فقط لأنها بجواره. توقف "ياسين" بالسيارة أمام مقهى "الفيشاوي". ذاك المقهى الذي طالما كان يتردد عليه قبل معرفته "بالضبع". أمرها بالنزول. فترجلت من السيارة بتردد سائلة:
_إحنا بنعمل إيه هنا؟
قبضت بكف يدها على حقيبتها وبداخلها مذكراته. فأجابها بما تود سماعه:
_طالما عدّينا على الشارع ده، فحبيت أعرفك على القهوة اللي عشت فيها أجمل أيام حياتي.
سألها بهدوء وتوسلت عينيه للقبول:
_إيه رأيك تحبي نقعد فيها شوية؟
وأمام نظراته بعينيه الصافيتين تلك، لم تستطع الرفض. أشارت برأسها بالموافقة وتحركت معه طواعية. حاوط كف يدها لكي يعبر بها الطريق. نزلت عيناها إلى كف يده المتشبث بكفها تبتسم ابتسامة حانية بأمان. فأشار لها بيده للجلوس على إحدى الطاولات يخبرها بحنين نابع من قلبه لهذا المكان:
_تعرفي المكان ده لي عندي ذكريات كتيرة أوي.
فانصتت له باهتمام. سندت وجهها بكفها تتذكر ما دونه بالمفكرة الخاصة به عن هذه القهوة. كم مرة حثها فضولها وأتت إلى هنا بمفردها لمعرفة ما تبقى من القصة. ما الشيء الناقص الذي لم يدونه. أسئلة كثيرة وضحت بعينيها. فأرضى هو أسئلتها بقول:
_القهوة دي أحسن حاجة فيها إنها مابتتغيرش. تخيلي إن بقالها أكتر من 120 سنة. جه فيها شعراء وأدباء كتير أوي.
استكمل حديثه يدور بعينيه وهو يطالع كل شيء بالقهوة. يدرس ما طرأ عليها من تغيير أيضاً. فابتسم ابتسامة حانية عند رؤيته للصور الفوتوغرافية بالأبيض والأسود الموجودة بالحائط. فأشار لها بسبابته بلهفة مراهق يشتاق لذكرياته:
_شايفه.. شايفه الصور دي..
دي صورة محمود درويش. أكتر شاعر كنت ومازلت بحبه وحافظ كل أشعاره. كان بييجي هنا كل ما ينزل مصر ويقعد مع نجيب محفوظ. هو أصلاً فلسطيني.
عرفاه؟
فأشارت برأسها بالإيجاب قائلة:
أه طبعاً عرفاه.
فاستكمل حديثه ببريق يلمع بعينيه:
مكانش له ساعة معينة بييجي فيها، وكنت بفضل استناه هنا بالساعات على طرابيزتي. من كتر ما كنت باجي هنا، كان ليا طرابيزة معينة هي اللي بقعد عليها. ومن كتر ما صاحب القهوة عرفني وعارف قد إيه أنا كنت بحب محمود درويش، خلى الطرابيزة دي ليا وعشاني، وخلاني أكتب عليها اسمي بالطباشير. وكنت كل ما أجي هنا، أمشي على خطوط اسمي بالطباشير لحد ما اسمي يطبع على خشبها.
لمحت عينيه اللامعتين بسعادة، فهتفت سائلة:
للدرجة دي كنت بتحبه؟
ابتسم وقد وصلت إلى سبب ابتسامته:
كنت بعشق حروف قلمه وكلامه.
وقفت أمام الصور الفوتوغرافية تشير بإصبعها عليه:
أنت اللي هناك ده؟
كانت صورة بداخلها الشاعر محمود درويش يجلس بالمنتصف، واضعاً قدم فوق الأخرى. ومن خلفه شباب المقهى يرتدون البذلات، يظهر بينهم ياسين والطبيب. بالطبع كان مازال شاباً، لم يتعدى العشرينات من عمره. كانت ملامحه أصغر مما تبدو عليه اليوم. فسألها بدهشة بوجه ضاحك غامزاً لها:
لأ، لعيب؟ عرفتيني إزاي؟
وقبل أن تنطق بالإجابة، وجدت من يتكلم من خلفهما والرعشة تمتلك صوته، يتعكز على عكازه بمعاناة يخبره:
أنا ذات نفسي عرفتك.
استدار الاثنان ليجدا رجلاً مسناً يتجاوز التسعين من عمره قائلاً بجدية تمتلك الدهشة ملامحه:
ياسين الصاوي، مش كده؟ بس إزاي وأنت لسه شباب؟ ماتغيرتش.
طالع كلاً من ياسين وشمس بعضهما بحيرة:
أنت مش عارفني؟ أنا محمد العيل الصغير اللي كنت بتاخدني على رجلك لما مالقاش مكان لما محمود درويش ييجي في القهوة ونسمع أنا وأنت الشعر بتاعه. جدي هو اللي كان صاحب القهوة دي وقتها.
حاول ألا يتفوه بشيء يندم عليه لاحقاً.
تنهد قبل أن يقول بعينين برع في تحويل الكذب للصدق:
أيوه.. أيوه افتكرت. محمد العيل الصغير اللي كان بيحب، كنت بتقعد على رجلي.
أشار الرجل برأسه بحماس بالموافقة:
أيوه.
وكنت بتلبس دايماً شورت كحلي، وكان نفسك تطلع دكتور.
ابتسم الرجل ابتسامة عريضة يحاول أن يفرض جسده من كثرة انحناءه:
أيوه.
ولما كان محمود درويش بيتأخر، كنت بتحب تسمع الشعر بتاعي.
ارتفعت آمال المسن كثيراً، ناطقاً بالاستجابة. فهز "ياسين" رأسه بالرفض مخيباً آمال الرجل في لحظة، وهو يقول:
لأ، مش أنا. ده جدي.
لم يصدق، فكل شيء سمعه والشبه يخبره بالعكس. لذلك اقترب منه وسأله من جديد:
أنت متأكد يابني إن ياسين الصاوي ده يبقى جدك؟
أضاف "ياسين" وقد زرع الألم في عينيه بالإجبار، يتصنع الكذب ببراعة:
أيوه للأسف جدي ومات من عشر آلاف سنة. ادعيله بالرحمة ياحج، وأنا طالع نسخة منه. أصل أمي كانت بتحبه، أبوها بقى ولازم تحبه.
أصل أنا سمعت...
فبتر حديثه قبل أن يكمل:
ايه اللي أنت سمعته؟ أوعى تصدق أي كلمة من اللي قولتها لها. ده أنا بسرح بيها مش أكتر، وهي هبلة وبتصدق. أنا جدي كان بيحب يحكيلي كل حاجة كانت بتحصل معاه في قهوة الفيشاوي، وحكالي عنك كمان.
طالعته "شمس" بنظرة معاتبة، فأشار لها يرفع حاجبيه مع ابتسامته الساحرة. فوافقته وهي تقول:
على فكرة بقى، أنا عارفة إنك بتسرح بيا. هو برضوا ياحج، في واحد يبقى عايش أكتر من تسعين سنة ولسه شباب كده؟
اقتنع العجوز بحديثهما، فابتسم وهو يردد:
الطرابيزة اللي كان جدك ياسين بيقعد عليها لسه موجودة، هي وطرابيزة محمود درويش. أصل كنت بحب شعر جدك أوي، زيه زي محمود درويش. عشان كده احتفظت بالطرابيزتين دول، بس هي في المخزن. هبعت الولد يجبيهالي.
لم يكد يصدق "ياسين" ما قاله. وما مرت سوى ثوانٍ حتى أتى بها الشاب من المخزن. جلس ياسين عليها يمرر إصبعه على خطوط اسمه. تجلس "شمس" بجواره على مقعدها، يطلب مشروبه المفضل. أما عنها، فقد طلبت كوباً من القهوة. أخرجت هاتفها من حقيبتها لتلتقط صورة للطاولة التي تحمل اسمه. فسألها باستفسار عن سبب إخراجها لهاتفها. فتحت كاميرا الهاتف وهي تقول:
هاخد صورة للطرابيزة وهي عليها اسمك.
فبحث بعينيه قبل أن تلتقط الصورة، ليجد قطعة من الطباشير ملقاة بالأرضية. أسرع بالتقاطها، يدون اسمها بجانب اسمه. "شمس" يشير لها بعينيه قائلاً:
دلوقتي تقدري تصوري براحتك.
ابتسمت بعدما التقطت الصورة، تضع كوب القهوة على الطاولة بعدما ارتشفت منه قائلة:
معقول كنت بتقول شعر زمان؟
هز رأسه بغرور يصوب عينيه اتجاهها:
احمدي ربنا بقى إنك قاعدة معايا.
هربت بعينيها منه واتسعت ابتسامتها:
ايه الغرور ده كله؟ كان في ناس بتقول عليك مغرور، وأنا كنت بكذبهم.
فنطق مؤكداً:
لأ، أنا مغرور فعلاً. هما ما كذبوش.
فطالبته بنبرة لم يستطع الرفض بعدها:
طب ماتقولي حاجة من اللي كنت بتقولها زمان يامغرور.
علق بنبرة استنبطت السخرية منها:
حاجة من اللي كنت بقولها زمان.
لمع الإصرار في عينيها سائلة برجاء:
ياسين، بتكلم جد.
اقترب منها أكثر، جاذباً مقعده نحوها حتى أصبح وجهها على مقربة من وجهه، عيناه لا تتركها، وهو يقول بنبرته المؤثرة:
وجهها لا ينتمي لهذا الزمان، خليط من قرون عديدة، نادر وفاتن، عتيق جداً، كتحفة نادرة.
فأنهى جملته يهيم بعيونها التي لطالما أحبها:
فهي نعمتي المختلفة عن كل النعم.
نظراته لها، كيف له بنظراته الساحرة قادراً على سلب روحها؟ سيهزمها فؤادها الآن. كيف لا وهو ينظر إليها هكذا، يمارس نظراته الساحرة عليها. تغيرت نظراتها له، لم تعد تطالعه باشمئزاز عكس السابق. بداخلها بريق مختلف. فأدار كفه، الحديث بعدما قلق من نظراتها وأصبح حديثه جاداً الآن حول وضعهما، ونطق بما لم يخطر ببالها:
أوعي تحبيني ياشمس. أوعي تفكري أو ييجي في يوم في بالك إنك تحبيني.
عند هذه النقطة تحديداً، شعرت بالضياع. نطق وهو يمسح على عنقه بتعب:
اليوم اللي هتحبيني فيه، اعرفي إني هختفي فيه من حياتك. الحاجة الوحيدة اللي مقرباني منك ومخليني معاكي هو إني متأكد إنك عمرك ما هتخافي عليا ولا تحبيني في يوم. عشان كده بقرب وأنا مطمن إن مهما أعمل، هتصديني زي ما كنتي بتصديني زمان.
فأكمل بما جعلها تتفاجأ من سؤاله:
البحر هيعمل إيه لو وقع في حب السفينة؟
سؤال عارفة إجابته كويس ياشمس.
ألقى بسؤاله على مسامعها وأعطاها ظهره راحلاً، يغادر المقهى. تتبع هي أثره بعينيها بذهول تام. تعلم إجابة سؤاله جيداً، فالبحر سيغرق السفينة ولن يستطيع أحداً منهم النجاة. رفعها حد السماء، وعلى دون غرة أوقع بها على أرضية باردة. أحمق من ظن أنه يعرف ياسين حقاً.
الحريق في عينيه لا يساوي أي حريق.
وكأن مقابلته مع أبو المعاطي وبدر تمكنت ولو قليلاً من إخماد ثورته العارمة. صعد "فريد" سلالم الفيلا يصفر ببال هادئ، عكس تماماً النار المشتعلة بداخله. فأوقفه والده بحزم وهو يقول:
فريد، كنت فين لحد دلوقتي؟
تأفف بانزعاج بعدما استدار يطالع والده بعدم اهتمام:
أنت عارف كويس أنا كنت فين. أوعى تفتكر إني مش عارف بالناس اللي بتراقبني كل دقيقة وبيصوروا لك أنا فين وكنت مع مين.
ابتسم "والده" قبل أن يجيب بسخرية:
لأ، شاطر. وعشان كده جبت شمس دي الكباريه عشان تعرفني إنك مش ساكت. افرض كان اللي اسمه ياسين كان قـ ـتـ ـلك فيها.
مايهمنيش.
كلمة واحدة قالها ببطء، يدرك معناها جيداً. يسترسل حديثه:
ممكن لو قـ ـتـ ـلني وقتها تتحرك وتعمل حاجة.
وتقـ ـتـ ـله.
ومين قالك إني مش هعمل؟ أنا بس مستني.
فبتر حديثه بصرخة عالية:
وأنا مش قادر استنى. مش قادر استنى لما حضرتك تقعد على الكرسي وأنت مطمن. مش قادر. حاسس بنار تحت جلدي. كلامه وسخريته مني مابتخرجش من وداني. عايزة يدوق اللي دوقته.
واغتـ ـصابك ليها هو الحل.
أجاب بنبرة هادئة بعض الشيء، يشير برأسه بالإجابة:
آه. هو الحل اللي هيخليه ماينامش.
أنت اتجننت؟
استدار يعطيه ظهره، يصعد على الدرج متوجهاً إلى غرفته. فصاح والده بقول:
اقف يافريد، أنا بكلمك.
أهمل قول والده وأكمل طريقه وكأنه لم يكن. دخل غرفته يلقي بجسده على الفراش، يطالع السقف بعينيه. ينظر إلى صورة "شمس"، فهو يضع صورتها بالكامل على السقف، لتصبح أول شيء يراه عينيه عند استيقاظه وآخر شيء يراها قبل نومه.
نحيب يشعل القرية، النيران تأكل الأراضي والزرع أصبح رماداً. يهرول أهل القرية بكل مكان ومعهم غدير وحسان. الكل يساعد الآخر يد بيد، ولكن النيران تطول الجميع بلا استثناء. ظنوا أنهم سيعيشون بسلام بعد سنين من التعب، ولكن كان هناك من له رأي آخر. إنه "فريد".
رواية الهجينة الفصل 102 - بقلم ماهي احمد
شعور الخوف مقيت خاصتاً إذا شعرنا به بالإرغام.
هذه الكلمات تصف حالة "غدير" الآن.
جرم لم ترتكبه يعاقبها عليه "فريد" فقط لأنها من عائلة "ال صاوي".
صرخت "غدير" صرخة كانت تصدح بالأجواء بعدما أمسك بها أحدهم وهو يقول:
_ أخيراً مسكنا واحدة من عيلة الصاوي.
ارتعدت أوصالها لما يحدث. هاجمها أحدهم وتلطخ جسدها بالطين بعدما تكومت على الأرضية. وأثناء هجومه عليها، كانت هي الأسرع فقامت بركله بإحدى قدميها محاولة للوقوف من جديد.
بينما تستكمل ركضها هنا وهناك، تنظر خلفها بعينين باحثة عن النجاة بين زهور عباد الشمس الطويلة، حتى وجدت "بدر" أمامها.
سكنت الرياح وغمرتها موجة من الدفء عند رؤيته. هربت الكلمات من بين شفتيها حتى لم تستطع الحديث، ولكن بنظراتها المستغيثة له قد أوحت بكل شيء بداخلها.
نظر خلفها ليجد ثلاث رجال وبيد كل منهم قطعة حديدية يركضون خلفها. احتضن كف يدها يشير بأصبعه على شفاه بمعنى أن لا تصدر صوتاً.
هرول بها بين الزرع يحاول الاختباء ممن يحاولون اللحاق بها، ولكن إلى أين فلا يوجد مفر.
وقف "بدر" بالمنتصف يخبئها خلفه من نظرات الشر الواضحة بعيونهم. فحاوطه الرجال الثلاث وأصبحوا بالمنتصف.
ابتلع "بدر" ريقه مع محاولة بائسة لبداية الحديث، ولكن نطق أحدهم ساخراً بقول:
_ وأنت بقى ياروح طنط الفارس اللي هتنقذها؟
طالع المتحدث من بينهم أحدهم الواقف بجواره وهو يقول بنبرة آمرة:
_ خلص اللي جايين عشانه.
أقدم ذلك الرجل عليها، ولكن منعه "بدر" بالمساس بها بنبرة تحذيرية مع شفاه مرتعشة يطالع الأداة الحادة بيده قائلاً:
_ محدش يقرب منها وإلا أنا.. أنا.
اقترب منه الرجل ورفع رأسه بكبر بملامح مشوهة. نشب عراك بينه وبينهم، فسدد له أحدهم لكمة بوجهه. كانت لكمة قوية.
صرخت "غدير" للمرة الثانية، ولكن هذه المرة صرخاتها تحمل اسمه:
_ بـــــدر.
شق صراخها الأجواء. فرد "بدر" اللكمة لذلك الواقف أمامه بعدما استجمع شجاعته، ولكن سرعان ما التف حوله الآخرون. واستغل اثنان منهم الوضع وأمسكوا به من الخلف بشراسة.
رفع الأخير عليه أداته الحادة. فقبضت "غدير" عينيها حتى لا ترى ما يحدث قبل أن يضربه بها على رأسه، ولكن كان هناك سد منيع يحول بينهما.
لم تنتظر إلا ثواني معدودة حتى وجدت من يقبض على الأداة الحديدية بكف يده بعدما فتحت عيناها. فدبت الطمأنينة بقلبها وهي تنطق بحروف اسمه:
_ ياسين.
نطق "ياسين" بنبرة ساخرة لهم، نبرة مستفزة تعرفها هي جيداً. فاحتدت تقاسيمها واكتسبت الشجاعة بوجوده، وكأنها وجدت الأمان على الأرض بجانبه وهو لا يبخل به أبداً.
تستمع له وهي تنحني تجلس بجوار "بدر". قائلاً:
_ طالما عاملين فيها سبع رجالة في بعض، ماتورونا وشوشكم الحقيقية.
طالع الرجال بعضهم البعض بحيرة وعدم فهم مما يقول. فابتسمت "غدير" ساخرة تقول من خلفه:
_ دي أشكالهم ياياسين، مش لابسين ماسكات.
اشمأزت تقاسيمه بالنظر إليهم. وكعادته لبس قناع البرود وهو يقول متسائلاً بجدية:
_ ياساتر يارب، معقول في بشر طلعوا أوحش من زهرة؟
ابتسمت "غدير" من قوله. أما عنهم فكانت ملامح وجوههم مستفسرة عن قصده. فنطق أحدهم وقد استفزه حديثه قائلاً:
_ وأنت بقى المنقذ بروح الحاجة الوالدة اللي جواك؟
شهقت "غدير" بعد قوله هذا، فنطقت بقول:
_ الحق ياياسين ده بيغلط في كوكي.
هز رأسه ببطء يطالعه باستنكار نافياً دليل على اعتراضه:
_ توء.. توء.. توء. ماتجيبش سيرة كوكي عشان بزعل وأنا ببقى وحش أوي لما بزعل.
اقترب أحدهم منه يرفع الآلة الحادة يسددها على رأسه، ولكنه أمسك به بسهولة يلقيه من على بعد. فزادت مقاومتهم الضعفين بعد أن علموا مدى قوته. اجتمع عليه الجميع، ولكن بسهولة استطاع هو الأفلات منهم بل وتلقينهم درساً لن ينسوه بحياتهم.
استغرب "بدر" من سرعته، فظل يراقب بعينين سائلة. أما عن "غدير" فكانت تعلم مدى قوته. كانت تصرخ بنبرة صارخة ممتزجة بفرحة قائلة:
_ اديلوا ياياسين.. اديلوا التخين أبو شنب ده الله يحرقوا.
استدار إليها يرمقها بغيظ وعاد ينظر أمامه من جديد. فرمق سلاح موجه لوجهه من إحدى الرجال وهو يقول بأنفاس متقطعة ممزوجة بالغيظ:
_ مابقاش دكر لو موتّك مابقاش على ايدي.
وقبل أن يضغط على الزناد، كان قد أحكم "ياسين" الإمساك به وثني ذراعه خلف ظهره بعدما أمسك بسلاحه يشهره على رأسه وهو يقول:
_ بط.. دكر.. بس دكر بط ياحيلتها.
نظر الرجلان بخوف مما يحدث، فهربا بسرعة يركضون بين الحقول. أما عن هذا الرجل فقد حاول التملص من "ياسين" بكل قوته ولكنه لم يستطع. فزاد أكثر من ضغطه على ذراعه. فصرخ صرخة عالية امتزجت بألمه. فهمس "ياسين" بأذنه بكلمات لم يستطع كلا من "غدير وبدر" سماعها. فأجاب الرجل بالموافقة يهز رأسه بهستيريا قائلاً:
_ هقوله.. هقوله إنه باع دكر بط.. دكر بط.. أنا دكر بط وهقوله إني دكر بط.
ابتلعت "غدير" ريقها وكأنه غصة مريرة بحلقها من منظر الرجل. فصاحت قائلة:
_ كفاية كده ياياسين هتـ ـموته في إيدك.
أبعد "ياسين" الرجل عنه وقد رمقه بنظرات محذرة وهو ينطق كلمة واحدة من بين شفتيه ينطقها ببطء شديد:
_ اتكل.
لم يشعروا بمرور الوقت إلا بعدما دق الباب عليهم دقات متتالية. بعدما قصت شمس كل ما حدث لها منذ خروجها من المنزل حتى لحظة وصولها هي وياسين إليه. فنطقت "سارة" تسمح بدخول الواقف خلف الباب. دخل يزن وبكف يده الدواء وكوب من الماء قائلاً:
_ الدوا ياسارة الساعة بقت 12.
تبادلت "شمس" و"سارة" النظرات، ولكن "شمس" رمقتها بنظرات قلقة.
فقالت مستفسرة:
_ دوا إيه ده ياسارة؟ أنتِ طلع عندك إيه؟
لم تجب عليها بالكلمات. كانت الإجابة نظرة منكسرة. علمت "شمس" من نظرتها بأنها ليست بخير. فشعرت بانسحاب أنفاسها. توقعت بأنه ذاك المرض الخبيث. فبدا على وجهها التخبط مما جعلها تحتضنها بداخل صدرها قائلة بنبرة مؤكدة مما تقول:
_ ماتقلقيش. المرض ده بقى سهل جداً هزيمته دلوقتي، وناس كتير خفت منه وياسارة وبقوا أحسن من الأول.
وتابعت بإصرار بعينين دامعة:
_ أعرف واحدة كان عندها نفس المرض وخفت منه واتجوزت وخلفت وعايشة حياتها طبيعي.
جلس "يزن" على مقعده مشيراً لـ "سارة" بحنان. رأته في عينيه قبل حديثه:
_ عندما ينتهي مرضك سنتزوج وستنبت الأرض زهورا ستشبهك. ورحمك سيحمل أجمل فتاة في الكون ستشبهك وتحبني.
حل الصمت بعد جملته الأخيرة وبقي فقط لقاء العيون. حديثه الآن أعطاها الأمل في الحياة وانتزع جزء من مخاوفها. فطالعته وهو يمد كف يده يحثها على أخذ الدواء:
_ هتخفي ياسارة..
واعرفي إن المرض ده أتفه من إنه ياخدك مني.
استطاع بجملته الأخيرة سحب ضحكة من بين شفاها، فقامت السكون السائد منذ بداية حديثه.
مدت كف يدها تأخذ من يده الدواء قائلة:
_ربنا ما يحرمني منك يا يزن.
تجلس معه في الجراج الخاص به، يتفحص دراجته النارية بعين والعين الأخرى يتفحص غدير بها.
لم يمر سوى ثوان ثم أتى سؤال ياسين الذي أراد عليه إجابة تفصيلية:
_وإنت بقى يا غدير تعرفي "بدر" منين؟
فقابلت سؤاله بسؤالها:
_هو إنت مش مصدقني يا ياسين؟ ما أنا حاكيتلك وإحنا راجعين.
هز رأسه نافيًا:
_لأ مش مصدقك، عيدي كلامك تاني اللي قولتي.
هزت رأسها موافقة تعيد عليه السرد من جديد:
_أنا شفت بدر مرتين في حياتي أصلًا. أول مرة لما وقعت بالعجلة وخبطت فيه، والتانية لما روحتله المحل بتاعه عشان هو أخد مني العجلة يصلحها. والله ده اللي حصل.
وبعدين المفروض نشكره على اللي عمله. واحد غيره كان زمانه سابني وقال أنا مالي، مش كفاية البهدلة اللي اتبهدلها بسببي.
فأردفت بكلماتها التالية بضجر:
_وإنت سيبته يمشي من غير ما حتى تشكره على اللي عمله معايا؟
أردف بنبرة ساخرة منها وهو يقول:
_أشكره مرة واحدة وهو كان عمل إيه يعني؟
أخبرته وهي تبتعد عنه:
_ياسين ده كان ممكن يموت بسببي النهارده، ولولاه...
فبتر حديثها يردد بإصرار:
_أنا مش مرتاح للواد ده. اسمعي كلامي يا غدير، اليومين دول مش عايزك تثقي في حد مهما حصل. اللي حصل ده ممكن يحصلك تاني لمجرد أنك قريبة مني. فريد بدأ حربه بدري أوي، بس مش عايز أذيته تطولك. خدي حذرك من الكل، وأولهم بدر. ما تطلعيش مرة تانية من البيت لوحدك، خلي دايماً معاكي حسان أو ماتنزليش غير معايا. المرة دي أنا كنت موجود، المرة الجاية مش عارف ممكن يحصل إيه.
أتت الخالة من خلفه بخطوات بطيئة بعدما استرقت السمع قائلة:
_وكنت ناوي إمتى تقولي يا ياسين على اللي حصل؟
فألقت نظرة معاتبة لـ "غدير" وتابعت بقولها:
_وإنت يا غدير مكنتيش ناويه تقوليلي يا بتي؟
شعرت بالأرتباك وأردفت وهي تقول:
_أكيد كنت ناويه يا خالة، بس ملحقتش.
تحدث "ياسين" يطلب طلبه بإصرار:
_فريد مش هيخلينا نلحق نتنفس، يا أما إحنا لازم نعمل حسابنا ونزود حراسة على أبواب القرية وماحدش يدخل ولا يخرج منها إلا لما نكون عارفينه. النهاردة لحقت غدير، مش عارف هعرف ألحقها تاني ولا لأ.
أشارت الخالة برأسها بالإيجاب:
_من غير ما تقول يا ولدي، من الليلة أهل القرية هيناموا وحراسها هيصحوا.
غادرهما ورحل أمام ناظريهما، فأتى حسان من خلف الخالة مهرولًا:
_أنا جيت يا خالة.
أشارت الخالة بعينيها لـ "غدير" تحثها على الخروج، فاستجابت لطلبها. صوبت كامل نظرها على حسان قائلة:
_عملت إيه لما مشيت ورا مشيرة يا حسان؟
وقف في الجهة المقابلة يسرد لها ما حدث:
_مشيت وراها زي ما قولتيلي. كانت ماشية بتمد في خطوتها زي المجنونة يا خالة، كانت بتقول كلام ماخدتش بالي منه. كنت لسه هقرب منها، اتكعبلت في طوبة ووقعت. على ما قمت ببص قدامي مالقيتهاش. فضلت أدور عليها بس زي ما تكون اختفت.
صكت الخالة على أسنانها قائلة بغيظ:
_وأنا إيه اللي جرالي في عقلي لما فكرت أعتمد عليك يا حسان؟
دفء الفراش هو الأمثل في ليالي باردة كهذه، ولكنها فضلت برودة الليل على أن تنعم جواره بالدفء.
فصاح "الطبيب" بتهكم:
_هتفضلي قاعدة على الكرسي عندك كده كتير يا زهرة؟
هبت واقفة من مقعدها وقد زاد ارتباكها وهي تخبره:
_وهو أنا هيجيلي نوم بعد اللي حصل؟ بنتي.. بنتي الوحيدة اللي طلعت بيها من الدنيا تتجوز بالشكل ده وتخرج عن طوعي!
أخرج إحدى لفافات تبغه قائلاً وهو يدسها بين شفتيه:
_بنتك مش صغيرة، اتجوزت اللي هي عايزاه.
فتابعت بكلماتها التي تضرب كسوط بلا رحمة:
_لأ يا شيخ! وهو مين يعوز واحد زي ياسين؟ ياسين ده مافيش حد يطيقه ساعتين، مش يعيش معاه العمر كله. ده شيطان بقرنين مش بني آدم يتعاشر ويحب ويتجوز، ويوم ما يتجوز يتجوز بنتي أنا اللي ماحلتيش غيرها.
صاح بها بكيل قد طفح منذ زمن:
_إنت بتكرهي ياسين أوي كده ليه؟ إنت ناسيه إن اللي بتتكلمي عليه ده يبقى أخويا؟
طالعته فرأى في عينيها ذلك التعبير الذي لاحظه منذ قليل وهي ترمق ياسين بنظرات البغض. فعند سماع سيرته تتأكل بداخلها، فنطقت بغضب:
_يا ريت أقدر أنسى إنه أخوك، على الأقل مكنتش هكره قربه من بنتي كده.
قاطع حديثها الذي حاولت أن تبث فيه كل رفضها وهو يسأل بعدم فهم:
_يعني إيه مش فاهم؟ إنتِ تقصدي إنك بتكرهي ياسين عشان هو أخويا؟
رفعت كفها متابعة حديثها بالنفي مما جعله يرفع حاجبيه باندهاش:
_أنا بكرهه عشان زيك.. عشان هيعيشها نفس اللي إنت عيشتني فيه. مش عايزها تحس اللي أنا بحسه وأنا معاك. مش عايزها تشوف نظرات الناس ليها بعد ما شكلها يكبر ويفضل هو شكله صغير. تقدر تقولي بعد عشر سنين شكلها هيبقى عامل إزاي وشكله هو هيبقي عامل إزاي؟
طالعها بضحكة غير مصدقة، فأكملت حديثها:
_طب بلاش دي، ليه تتحرم من الخلفه وتتحرم من إنها تبقى أم وتبقى زي بقيت البنات؟ طب أنا كنت محظوظة بخلفتها ومعايا حسان، لكن هي.. ليه تعيش محرومة من نعمة الأطفال؟ ليه تعيش مع واحد تبقى خايفة وهي نايمة جنبه لا ما يحسش بنفسه وما يقدرش يتحكم بنفسه ويشتهي دمها؟ ليه ماتعيش عيشة طبيعية زي بقيت الخلق مع واحد يكبروا سوا وتجيب منه أطفال ويكونوا أسرة يعيشوا سوا ويموتوا سوا. عجبك ميرا ورعد وهما رايحين يتبنوا طفل مش من دمهم عشان ميرا مابتخلفش.. أنا عايزة بنتي تعيش طبيعية يا علي.
زاد اتساع حدقتي "الطبيب" أن ما يسمعه بالتأكيد ليس حقيقي، أثارت اهتمامه حقاً، فانتبهت كافة حواسه لها تقول بعيون دامعة:
_أنا مش وحشة يا علي، أنا أم وخايفة على بنتها تعيش وتحس اللي بعيشه معاك.
حديثها عصف بقلبه، جعل عقله يسبح في بحور حاول كثيراً تكذيب نفسه بها:
_بقى بتخافي تنامي جنبي لا أشتهي دمك في يوم؟
وقف من على فراشه، يكاد يجزم أنه سمع صوت تحطم قلبه، فأكمل حديثه النابع من قلبه بصدق:
_أنا كنت حاسس من الأول إنك اتغيرتي يا زهرة، ومبقتيش زي زمان. بس كنت بكذب نفسي وأقول معلش يا علي، أتحمل دي زهرة بنتك الصغيرة. حاولت أعوضك عن حاجات كتير ناقصاكي وعمري ما زعلتك في يوم. كنت باجي على نفسي عشانك، بس إنت ما قدرتيش ده. قبل ما نتجوز أنا قعدت معاكي وقولتلك إني يا زهرة مش هخلف ووافقتي. كنتِ عارفة أنا إيه من الأول وعارفة إني شكلي مابيكبرش، وإنك إنتِ اللي هتكبري. وبالرغم من ده وافقتي. أما عدم إحساسك معايا بالأمان، مش قادر أفهم هو وصلك من إيه. أنا عمري في يوم من اللحظة اللي شفتك فيها ما فكرت أأذيكي ولا حتى عدى على خيالي شيء زي ده. ولو خيروني بين حياتك وموتي، هختار حياتك من غير تفكير.
طلعتي أنانية أوي يا زهرة، وما فكرتيش غير بنفسك وبس، ونسيتي إن الدنيا مابتديش كل حاجة. كان ممكن يبقى معاكي واحد شكله بيكبر وبيخلف، بس يهينك وموريكي المرار وبإرادته مش غصبًا عنه زيي.
تركها ورحل صافعاً الباب خلفه، ترددت في أذنه كلماتها بعدم شعورها بالأمان معه، كلمات قيلت له عكسها من سنين. ساقته قدماه خارج المنزل، فأفاق من شروده على صوت "ياسين" وكأن أحدهم أنقذه من الغرق في هذه البحور التي تذكره بما لا يريد. تنهد يحاول الاسترخاء قبل أن يتفوه بكلمة قائلاً:
_ياسين، إنت كنت فين؟ أنا كنت بدور عليك.
رمقه "ياسين" بتساؤل عن حالته هذه، فهرب "الطبيب" بنظراته يحاول تغيير مجرى تساؤلاته:
_إنت لسه بره لحد دلوقتي، مانمتش ليه؟
تابع حديثه بجبر نفسه على الابتسام وهو يقول:
_ده إنت حتى عريس النهاردة.
طالع "ياسين" البحيرة أمامه يبتسم بسخرية مما قاله، فأجابه بما هو بعيد عن سؤاله:
_اتخانقت بسببى إنت وزهرة، مش كده؟
ابتلع ريقه، وقد زاد الارتباك بنبرة صوته:
_إيه اللي إنت بتقوله ده؟ لأ طبعاً..
ضحك ياسين ضحكات ساخرة من كلماته وهو ما زال يطالع البحيرة أمامه قائلاً:
_ وأنا كمان نفسي أشكر لها بسبب اللي عملته معايا بنفس طريقة شكرها ليا.
قهقه "الطبيب" عالياً. فتجرع "ياسين" من زجاجته المفضلة. قبض "الطبيب" بكف يده على الزجاجة يتجرع منها هو الآخر، فقال بكلمات امتزجت بضحكاته الحزينة:
_ الظاهر إنك مش لوحدك اللي عايز تشكرها يا ياسين.
انتزع "ياسين" الزجاجة من كف الطبيب فارتشف منها ما تبقى فأصبحت فارغة. فألقى بالزجاجة في البحيرة التي أمامه بكل قوته وهو يقول:
_ سيبني عليها أنت، بس وأنا هشكر فيها شكر محدش اتشكر قبل كده في حياته.
شعر "الطبيب" بانسحاب أنفاسه عند سماع كلماته. فجلس على المقعد المجاور محاولاً تمالك نفسه. فهو لم يستطع سماع مكروه يصيبها. ثنى "ياسين" ركبتيه وجلس أمامه قائلاً بحنان:
_ إيه يا علي، أنت صدقت؟ أنا كنت بهزر. أنا لا يمكن أشكر زهرة في يوم ما هما عملت معايا.
رمقه "الطبيب" بعيون مرهقة وجسد متعب. فرأسه على وشك الانفجار وهو يقول:
_ أنا بحبها يا ياسين، بحبها ومش متخيل إن ممكن حد يأذيها في يوم حتى لو بالكلام.
فهز رأسه بيقين:
_ عارف، وده اللي مصبرني عليها.
ابتسم يوجه سؤاله بسخرية:
_ بس اللي مش عارفه بقى، بتحبها على إيه الولية دي؟
أجاب "الطبيب" بعد تنهيدة طويلة خارجة من داخله بعمق:
_ تفتكر لو لينا سلطة على قلوبنا، كنا اخترنا نحب في يوم؟
اعتدل "ياسين" في جلسته يجلس بالمقعد المجاور يطالع البحيرة أمامه من جديد. يستكمل حديث "الطبيب" بعيون شارده:
_ ولا حتى كنا كرهنا في يوم. بس عاوز أقولك إن كل اللي بيحصلنا ده هيعدي وزهرة هترجع لعقلها. ولو كان مشكلتك مع زهرة بسببي أنا وشمس، فخليها تطمن. أنا اتجوزت بنتها عشان أحميها مش أكتر. يعني جواز على ورق. ما قدرتش يا علي أشوفها في خطر واقف أتفرج. وبعد ما كل حاجة تنتهي ونخلص من فريد وأبوه، هطلقها عشان تشوف حياتها من جديد وتعيش مع واحد يستاهلها بجد.
سأله "الطبيب" بسؤال صريح:
_ لسه بتحبها يا ياسين بعد السنين دي كلها؟
هرب بنظراته بعيداً، يحاول إخفاءها. فابتلع ريقه بارتباك مع إجابته قائلاً:
_ وهو اللي زيي ينفع يحب؟
أشفق الطبيب عليه بنظراته. فقد كان حديثهم الآن ما هو إلا تفريغ لما في الصدور. ولكنه انتهى بنظرات مشفقة يطالع كل منهما الآخر بها على ما حل بهم من كسر قلوبهم القوية. جبر "ياسين" نفسه على الابتسام قائلاً:
_ فين شيخ عجوة دلوقتي؟ لو كان شاف حالنا كان قال وحسرتـــــاه.
لم يكد أن ينتهي من كلمته حتى أصدر هاتفه ذلك الرنين المميز. رنة مميزة يضعها لبربروس عند اتصاله. به صوته وهو يقول:
_ وحسرتـــــاه.
علت ضحكات "الطبيب" وقد مد كف يده لـ "ياسين" يضرب كف بكف. طالعه "ياسين" وهو يعرف جيداً كيف يخرج الشخص الحزين من حزنه ويدفن هو آلامه بداخل صدره. فتح المكالمة مع مكبر الصوت فسمع بربروس ينطق متهكماً:
_ أين أنت أيها اللعين؟ لقد هاتفتك عدة مرات وكنت قد أتلقى هذا الرد الآلي الذي جعلني أفقد صوابي. كم هو صعب إيجادك أيها الملعون.
رد "ياسين" بنبرة يملؤها الغرور ساخراً:
_ لقد أطفأنا الأنوار. من يجدنا فليحرق نفسه.
فرد عليه باستنكار:
_ لا والله، بعقد إلهاء لن أحرق نفسي يا أحمق، وسأجدك وقتما أشاء.
فنطق "الطبيب" مازحاً بقول:
_ ما تقولش كده يا شيخ عجوة، ده ياسين الخير والبركة بيهزر معاك. ما أنت عارفه.
فكان رد "ياسين" محرجا ونطق بضجر:
_ الخير والبركة؟ ليه، كنت الست والدتك؟ ما تبوس إيدي أحسن.
أوقفهما "بربروس" بكلماته:
_ كفى.. كفى أيها الأحمقان. فلدي لكما خبران. أولهما حزين والآخر سعيد. بماذا تريدون أن أبدأ؟
ضحك "الطبيب" وهو يقول:
_ أي حاجة يا بربروس، انطق.
فأجاب بربروس بضحكة عريضة:
_ لقد وافقت مارال أخيراً على زواجنا.
رد "ياسين" بتلقائية مفرطة:
_ طب وأيه الخبر الحلو؟
حاول "الطبيب" كتم ضحكاته وهو يقول:
_ ده أكيد الخبر الحلو يا ياسين. ناقص الخبر الوحش.
فأكمل بربروس حديثه:
_ ربــاه لقد طفح الكيل. هذا هو الخبر السعيد أيها الملعون. أما عن الخبر السيء فهو بأنه سوف يتقدم لخطبتها شخص آخر بغضون ساعات. يجب عليكم أن تأتوا على الفور حتى أتقدم لخطبتها أولاً.
كانت كلماته سريعة يترجى بها "الطبيب" بالحضور إلى القاهرة بأسرع وقت. هنأه "الطبيب" على الزيجة المباركة مقدماً بعدما أغلق الهاتف.
استيقظت تشعر بضوء الصباح من حولها ولم تجد "سارة" بجوارها على الفراش، بل وجدتها تستعد للمغادرة ممسكة بحقيبتها قائلة:
_ أشوف وشك بخير بقى يا شمس.
تحدثت وقد ظهر في صوتها أثر النوم:
_ على طول كده؟
تحدثت بهدوء قبل أن تخرج من الغرفة:
_ أنا لازم أرجع القاهرة النهارده. أول جلسة كيماوي ليا هاخدها النهارده. ادعيلي عشان أنا خـ ـايفة أوي.
غادرت "شمس" الفراش داعية لها الوصول سالمة بعدما طمأنتها بأن كل شيء سيصبح بخير. قامت واستقامت تتجه ناحية النافذة. وجدت الجميع يستعد للمغادرة ومن بينهم "ياسين" و"مشيرة" بعدما أقنعته بضرورة السفر للقاهرة لتحضير بعض الأوراق الخاصة بها. قام بإحضار سيارة أخرى. وقبل مغادرته رفع رأسه يطالع نافذتها فوجدها تطالعه. ابتسم ابتسامة حانية ظهرت على ثغره. فانتفضت من مكانها عند رؤيته لها تضغط بأسنانها على شفاها. تعود خطوة للخلف بحركة لا إرادية منها متمنية بأن لا يراها. وما مرت سوى ثواني معدودة حتى تقدمت خطوة أخرى بالقرب من النافذة بحذر. يحثها فضولها على رؤيته من جديد. فلم تجده. اقتربت من النافذة أكثر حتى تستطيع الرؤية بوضوح. باحثة بعينيها هنا وهناك. لتجد من ينقر بأصبعه على كتفها بلين:
_ بدوري على حاجة؟
التفتت مسرعة بعدما وقعت عيناها عليه. ابتعدت عنه بعيون هاربة حتى لا يراها. هكذا تحاول التنفس بهدوء:
_ حاجة.. حاجة زي إيه؟
أهمل سؤالها بقوله:
_ أومال كنتي بتبصي على إيه في الشباك؟
فأردفت بقول:
_ عادي يا ياسين، بلاش أقف في الشباك يعني.
لم يقتنع بما يقول. ولكنه حثها بقول:
_ فين تليفونك؟
أشارت بعينيها على الأريكة المجاورة لها. فالتقط الهاتف وبدأ بتسجيل رقم هاتفه. فوجدها قد دونته بالفعل. وبجانب اسمه قلب مكسور. ابتسم باستهجان. فقام بفعل شيء آخر لم تفهمه هي. فبادرت بالسؤال باستغراب:
_ أنت بتعمل إيه؟
ضحك على استغرابها وأخبرها وهو يدون شيئاً ما على الهاتف:
_ أنا مسافر القاهرة. هخطب لشيخ عجوة. وللأسف لازم أسافر وأسيبك. عشان لو ماسافرتش هيحس إن في حاجة غلط وهيجي. وأنا مش عايز يدخل في الليلة دي. أنا ما صدقت إن مارال وافقت على جوازهم.
اقترب منها خطوة يقبض على ذراعيها بحنان أمام صمتها وعيونها المراقبة:
_ لو طلبت منك طلب يا شمس، هتنفذيه؟
طالعها بعينين يشع منهما البراءة. وكانت تنتظر هي المزيد. وأرضى هو انتظارها بقوله:
_ مش عايزك تطلعي من البيت مهما حصل لحد بكرة مش أكتر. أوعديني يا شمس.
حاولت سؤاله. ولكن قبل أن تلفظ كلماتها من بين شفتيها قاطعها هو بقول:
_ ومن غير ليه. عايزك تثقي فيا وبس. واعرفي إن ابن الصاوي مش هيقولك حاجة فيها شيء يضرك.
قال كلماته بعيون صادقة أسرتها. فاستجابت تلبي طلبه فقط لأنه هو من طلب ذلك.
مرت ساعات مرت على سفره. فوجدت "غدير" حجة للذهاب لإحدى صديقاتها. حاول "حسان" الذهاب معها. ولكنها رفضت بإصرار. صعدت على دراجتها بعدما وعدته بالعودة سريعاً. متجهة إلى محل "بدر" باحثة عنه بالمحل تنادي بأعلى صوتها:
_ بدر..
خرج بدر من الدكان والضرب ظاهر على وجهه قائلاً:
_ايه اللي جابك؟
كلماته أحرجتها وزادت من ارتباكها، فبرر هو مقصده:
_اقصد أنك ممنوعة من الخروج، مش ياسين نبه عليكي قبل ما أمشي إنك ما تطلعيش بره البيت تاني لوحدك.
سؤاله جعلها عاجزة عن الرد لثوانٍ، حتى قالت أخيراً:
_عارفة، بس أنا حبيت على الأقل أطمن عليك وأشكرك على اللي عملته معايا، وخصوصاً إن ياسين...
بتر حديثها قائلاً:
_تقصد إنه ما ادانيش وش؟ طب ما عنده حق.
استغربت من إجابته، مما جعله يستكمل حديثه:
_أنا واحد غريب بره القرية مش منها، وإن أظهر لك مرة واحدة دي حاجة بين الزرع، دي حاجة تخلي يشك فيا، وأنا احترمته على فكرة، ما تضايقتش منه خالص، أنا لو مكانه كنت هعمل كده وأكتر.
حثها حديثه على سؤاله، تقول:
_طب وأنت كنت بتعمل إيه في القرية في وقت زي ده، بين الزرع؟
تردد بأخبارها، ثم تابع بقوله:
_بحط مسامير في الطريق للعجل، أومال انتِ فاكرة كل العجل اللي عندي ده بييجيلي دايماً إزاي؟ وأنا بحط المسامير على الطريق كالعادة سمعت صرختك ما بين الزرع وجيت جري عليكي.
جحظت عيناها بعدم تصديق، فأكمل هو بقوله:
_عجلاتي بقى، معلش، ولازم أقلب رزقي.
طالعته بجانب عينيها بغيظ:
_أيوه بس كده غلط وحرام.
قبض بالكتب الموضوعة على الطاولة بكف يده يقول:
_لو ما عملتش كده مش هعرف أشتري كتب الجامعة ولا هعرف أصرف على نفسي.
جلست بجواره سائلة:
_أنت بتدرس؟
أشار برأسه بالإيجاب:
_أيوة، أنا في هندسة، آخر سنة ليا السنة دي.
انكمشت حاجباها وكست تقاسيمها تعابير غامضة، مما جعله يسأل:
_إيه، صعبت عليكي؟
صدمها بقوله، فرمقته باهتمام:
_بالعكس، هتصعب عليا ليه؟ أنا أصلاً استجدعتك وحسيتك كده راجل مسؤول عن نفسك وعايز تبقى حاجة كويسة في يوم.
استدار يلتقط إحدى الدراجات المعطلة لإصلاحها، فتأوه بألم من كتفه المصاب، فنطقت هي باهتمام وضح بنبرة صوتها:
_خلي بالك.
استدار بوجهه يشير برأسه بالإيجاب مع ابتسامة حانية:
_حاضر.
--------------------
هناك جلسات ننضم إليها رغماً عنا، كهذه الجلسة.
تدخل سارة إليها بجسد رافض وأيدٍ مرتعشة، فهذه المرة الأولى التي يستقبل جسدها العلاج الكيماوي، احتضن يزن كف يدها لكي يطمئنها بأن كل شيء سيصبح بخير، ابتسمت هي بسمة أمل بوجوده، فهو بالنهاية هنا كما اعتادت دائماً، فوجوده بجانبها يهزم مخاوفها.
قابل الطبيب يزن وسارة ببسمة مرحبة يحاول قليلاً تهدئتها بقول:
_ما تقلقيش، العلاج الكيماوي ما هو إلا محاليل، هركّب لك كانيولا في الوريد لمدة ساعتين بالكتير وممكن أقل.
فداهمته بسؤالها:
_شعري هيقع يا دكتور؟
طالع الطبيب يزن بنظرة مترددة، فأجابها يزن بدلاً عنه:
_وايه المشكلة لو وقع؟
حتى لو وقع ياساره هيطلع غيره
ابتسم "الطبيب" وبدأ بقول:
_ماتقلقيش مش كل الحالات الشعر بيقع فيها ندعي بس الأول اذا كان جسمك هيتقبل الكيماوي ولا لاء
ربت "الطبيب" على كتفها بطمانينه وهو يغادر يستكمل قوله:
_وبعدين نشوف حكايه الشعر دي بعدين
اشار بيديه على المقعد المجاور لهما:
_اتفضلوا اقعدوا شويه وهتدخل انسه ساره تاخد جلستها
جلست "ساره" على المقعد فأثنى يزن ركبتيه مقابلها قائلا:
_اوعي تفتكري للحظه أني مش حاسس بيكي أنا عارف اللي جواكي وعارف بتفكري في ايه بس الخوف اللي جواكي ده شىء طبيعي كل حاجه بتحصل جديده عليكي زي ما هي جديده عليا انا واثق في الله انه مش هيأذيني فيكي وان اللي احنا فيه ده ما هو إلا مجرد اختبار صغير من ربنا عشان نرجعله ونلجأله وماننساهوش مش عايزك تخافي ياساره طول ما انا معاكي ماتخافيش
أمسك كف يدها يقبله بحنان ابتسمت برضا وأغمضت عينيها بأطمئنان وقد عرفت للراحه طريق الأن فقط لانه هنا كما اعتادت دائما
ساعات ما قبل الغروب هي اقصى ما تحب تجلس أمام نافذه غرفتها الهدوء والسكينه التي تشعر بهما الأن هو كل ما تريد بعد ايام شاقه مرت بها لم يمر الكثير حتى وجدت "شمس" هاتفها المحمول يرن برنته المميزه فوجدته "فريد" طالعت الأسم ببغض وضح على تقاسيمها فأبت الرد وما مر إلا ثواني حتى بعث لها بفيديو قصير على موقع الواتساب ضغطت على زر التشغيل فوجدت " ساره ويزن " بالمشفى تنتظر" ساره" دورها لتلقي العلاج ولكن هناك من يوجد خلفها ومعه حقنه مسممه فبعث "فريد" برساله نصيه وهو يقول:
_الحقنه دي مسممه وهتدخل جوه الكيماوي اللي ساره هتاخده لو ماجتليش حالا على اللوكيشن اللي هبعتهولك ده انا مستنيكي
بهتت تقاسيمها وهي تقرأ كلامه فأكمل كتابه قائلا:
_ اه مش محتاج افكرك لو حد عرف بالمسيچ دي او انك جيالي أنت طبعا عارفه هيحصلهم ايه
لقد أصابها الذعر بكل أنحاء جسدها الأن بعدما قرأت عيناها رسالته اغلقت الهاتف وقامت مسرعه بالاتصال بـ "ساره" ولكن دون جدوى فهاتفها مغلق وكذلك "يزن" حتى بعث لها هو برابط على تطبيق الواتساب حثها فيه على فتحه باعثا رساله نصيه اخرى وهو يقول:
_ماتحاوليش تتصلي بيهم عشان تليفوناتهم مقفوله
فتحت الرابط مسرعه فوجدت نفسها داخل بث مباشر هناك من يجلس بجانبهم الأن ويصورهم في الخفاء يضع جهاز صغير بالقرب منهم يشوش على أشاره هواتفهم ليجعله مغلق وضح القلق جليا على وجهها توقف عقلها عن التفكير فهي تعلم جيدا مدى شره وخـ ـبثه ودون أن تتردد أحضرت حقيبه يدها مسرعه تهرول خارج المنزل تتبع اللوكيشن بهاتفها تبعث له رساله نصيه بأيد مرتعشه:
_ انا جيالك حالا مسافه الطريق ارجوك ما تأذيهمش هما مالهمش ذنب في اللي بيحصل
انتظرت ثواني ترى علامه يكتب الأن حتى بعث لها بكلمه واحده فقط وهي:
_مستنيكي
_ابنك فين ياست هانم؟
قالها الدمنهوري بصوت جهوري بينما هي ردت عليه بعدم اهتمام لسؤاله تنفخ بأظافرها حتى يجف طلاء الأظافر قائله:
_من ساعه مارجعنا معرفش عنه شىء
ضر ب على الطاوله وهو يتحدث بغـ ـضب:
_طبعا ماتعرفيش عنه حاجه وأنت فضياله يعني كفايه عليكي المانيكير والباديكير والنفخ والشد
فألقى بالهاتف بوجهها يحثها على النظر بداخله فأخذت تقلب تطالع الصور بأهمال:
_ماله صور لفريد ابنك بيشرب على البار اي الجديد يعني هي اول مره يشرب فيها ولا اول مره يرقص مع بنات
فتابع حديثه بغيظ:
_يابرودك ياشيخه أنت اتجننتي أنت مش عارفه ان ليا اعداء وممكن حد يصوره وينزلها في اي حته واتشال من الوزاره بسببه للدرجه دي مافيش دم
تأففت بانزعاج:
_يوووه ماتسيبه يادمنهوري يفك عن نفسه شويه مش كفايه البت دي واللي عملته فيه هتبقى أنت وهي على ابني أنت بس حركه التنقلات بتاعت الوزاره واكله عقلك اليومين دوول مش عارفه مش معنى المره دي اللي خايف اوي كده وبعدين مين ده اللي يتجرأ ويتحدى الدمنهوري
خشى "الدمنهوري" من القادم قائلا:
_لحد دلوقتي لسه مافيش بس اعدائي كتروا
هنا حيث هم على اعتاب المنزل يطالع "بربروس" "الطبيب" بفرحه ممسكا ببوكيه من الورد قائلا:
_هل هذه الزهور كافيه ام كنا احضرنا شيئا أخر
ابتسم "ابو المعاطي" بسمه عريضه بلهاء يغمز له بطرف عينيه قائلا:
_يابختك ياشيخنا تفتكر هييجي اليوم اللي لاقي واحده تحبني واحبها وتوريني من الدنيا حلوها
هتف "بربروس" ولم تبتعد عينيه عن باقه الزهور:
_لا بأس ياصديقي سيأتي أحدهم يوما ويعترف لك بحبه وتبدأ ايامك السعيده أيها الأبله
جحظت عيناه يقول بفرحه:
_بجد ياشيخنا
قبل أن يقول "بربروس" اي شىء قاطعه ياسين بجديه:
_اكيد لاء .. بذمتك شوفت قبل كده واحده اسمها أحدهم عشان تعترفلك بحبها
طالع "ابو المعاطي" ياسين باستغراب من رده فتحدث "بربروس" بانزعاج:
_دعك منه يا أحمق فقط انتظر بالخارج وكما اتفقنا اذا اتى احدهم
فأكمل "ابو المعاطي" يغمز له بثقه نابعه من داخله:
_ماتقلقش هزحلقه بس ده ان كان في عريس من اصله
فسأل "الطبيب" ابو المعاطي مستفسرا:
_أنت بتشتغل ايه ياابو المعاطي؟
تذكر "أبو المعاطي" ما حدث فضاق صدره:
_النهارده الصبح سبت الشغل ماستحملتش اللي المدير قاله:
رد "الطبيب" وقد غلبوا فضوله:
_وقالك ايه؟
هز "رأسه" بهدوء قائلا وهو يتركهم:
_انت مطرود
رحل ابو المعاطي فحذره "ياسين" من حماسه الكبير هذا:
_بقولك ايه احنا هندخل جوه بلاش تدلق في الكلام عشان ناخدها بأقل سعر ومايطمعوش فينا
أبدى "بربروس" اعتراضه بضجر:
_ربـــــــاه تبا للبشر
ضغط "ياسين" باصبعه على جرس الباب بقوه فأصبح رنين الجرس متواصل دون أنقطاع حثه بربروس بقول:
_تريث يا أخي تريث
فتح شقيق "مارال" الباب على مصرعيه ليجد العريس ووالدته يجلسون بالردهه المقابله وأمامهم اكواب من العصير وقطع الجاتوه اتسعت عين "بربروس" وقد ظهرت الصدمه على وجهه مما رأى فمال يـ "ياسين" عليه هامسا بسخريه:
_كنت جيبت جاتوه ياشيخ عجوه
صاح بربروس بوجه باكي:
_ياوكستـــاه
هناك خساره صعبه وخساره مستحيله ولكن الأصعب من احساس الخساره هو الشعور بضياع الفرص تقف "مشيره" أمام "فريد" وسط ملهى ليلي والضوضاء العاليه تقترب من أذنه هاتفه بصوت عالى من كثره الضوضاء حولها:
_شوفت فكرتي نفعت ازاي
تجرع "فريد" من الكأس الممسك به بكف يده مره واحده وهو يقول:
_المصلحه واحده لو أنا خدت شمس أنت هترجعي بياسين يعني مابتعمليش كده عشان سواد عيوني
رمقته بشراسه:
_اه صحيح المصلحه واحده بس برضوا ما تنكرش ان انا هبقى السبب في أنها تبقى ملكك
هتف وهو يستدير لها بنبره متهكمه:
_ماتفرحيش اوي كده لما نشوف اللي هيحصل الأول وبعد كده نبقى نقرر خطتك نجحت ولا لاء
استكملت حديثها تؤكد على ما قالته:
_هيحصل.. أنت بس اول ما تيجي خدها على الأوضه جوه خلص معاها وهات مناخيرها الأرض وهي بعد كده هتبقى تحت رجلك
رمقها مستفسرا:
_أنت متأكده أن ياسين مالمسهاش
_زي ما انا متأكده أني بكلمك دلوقت
تجرع كأسا أخر يمسح بكف يده على فمه:
_تبقى بتاعتي
ثلاثتهم الأن يجلسون على الأريكه يتوسطهم بربروس الصمت كان له النصيب الأكبر من جلستهم فطالع شقيق مارال ساعه يده متأففا بضيق شديد محاولا فتح حديث سائلا له:
_ياشيخ بربروس انا بقالي فتره كده مضايق ومش طايق حد يبقى كده عندي ايه؟
رد "ياسين" بدلا عنه وهو على يقين من اجابته:
_يبقى عندك حق
ابتلع كمال ريقه يهز رأسه بالموافقه بعدما ساد الصمت مره أخرى فقرر أن يسأله دون تردد:
_في حاجه ياشيخ بربروس اول مره تشرفنا
طالع ثلاثتهم بعضهم بعضا فتوترت الأجواء مما زاد تعقيدها ذلك العريس الجالس هو ووالدته بالمقابل
أشار الطبيب بعينيه لـ "بربروس" حتى يبدأ حديثه حسنا نظراتهم لبعضهم البعض اصبحت مخيفه الأن استغرب "كمال " شقيق مارال مما جعله ينطق مره أخرى:
_لو مافيهاش اساءه أدب ياشيخ بربروس ممكن اعرف انت جاي ليه طبعا زي ما أنت شايف الوضع
رفع "بربروس" حاجبه باستغراب سائلا:
_وماهو الوضع
ابتلع ريقه يشير على قطع الكعك والعصير بيده ثم أشار بعينيه على العريس قائلا:
_يعني جاتوه وعصير وناس قاعده هيبقى عندنا ايه
كمش "ياسين" حاجبه وهو يقول:
_عيد ميلاد
كان ذلك رد "ياسين" الذي نفاه "كمال":
_لا عيد ميلاد أيه ده اتفاق جواز عقبال عندكم
اشعلت نار الغيره بقلب "بربروس" الذي لو كان نارا لألتهم الجميع. شعر به "ياسين" وبغيرته فربت على كتفه بلين بعدما أظهر تعبير الاستغراب الذي صنعه ببراعة على وجهه قائلاً:
_عشان كده احنا جينا شيخ عجوه.. اقصد شيخ بربروس لما عرف ان في عريس جاي للأنسة مارال قال والله ما في حد هيكتب كتب الكتاب غيره
ضغط "ياسين" بكف يده على فخذه ساخراً يحاول استفزازه:
_مش كده ياشيخنا
زاد التوتر بجسد "بربروس" فنطق "كمال" باستغراب:
_كتب كتاب ايه احنا مسيحيين
تصنع "ياسين" عدم المعرفة:
_ياراجل صلي على النبي قول كلام غير ده
خرج بربروس عن صمته وهو يصيح قائلاً:
_ياحسرتــــاه
اشتعلت النيران في داخله ولكنه نجح في إخفائها وهو يقول:
_اذا كان الجالس أمامك هذا العريس فماذا أكون أنا؟
مال "ياسين" برأسه على أذنه هامساً بضحكة مكتومة:
_تبقى طيشه
خرج "الطبيب" عن صمته قائلاً:
_كفايه بقى ياياسين.. انا هفهمك يااستاذ كمال شيخ بربروس جاي يتقدم لأختك مارال
لم يستوعب "كمال" مطلب علي فصحح كلامه له بضحك:
_انتوا اكيد بتهزروا ياجماعه
طالع وجوههم الثلاثة التي بان عليها الجدية بل الشراسة أيضاً، فأعاد كلماته من جديد:
_انتوا بتتكلموا بجد
فنطق العريس بنبرة نسائية وهو يقف من على مقعده بجسد ملتوي:
_أنتوا.. انتوا بتقولوا ايه ياوحشين انتوا مش شايفني قاعد ولا ايه..
استدار بوجهه بجواره:
_يلا ياماما مافيش حد هنا محترم وجودي
تقدم العريس خطوات ناحية الباب فقالت والدته:
_استنى بس ياكركر
نظر الثلاثة لبعضهم البعض يقولون بصوتاً واحد:
_كركر
وقف ياسين من مقعده يشير بكف يده على الباب قائلاً:
_يلا ياوليه يلا ياوليه من هنا روحي شوفي كركر لا يكركر على نفسه وهو ماشي
رحلت والدة العريس وقد أغلق ياسين الباب خلفها وهو يشير بعينيه على "بربروس" يقول بصراحة مفرطة:
_الراجل ده عايز يتجوز اختك قولت ايه؟
مرور الوقت سريع.. هاهي تترجل من القطار بعدما نزلت إلى القاهرة. وضعت الهاتف على أذنها بعدما هاتفته قائلة:
_أنا وصلت يافريد اوعى تكون قربت منهم
تلقت رده فأجابته قائلة:
_انا خلاص هركب تاكسي وجيالك بس أرجوك
وقبل أن تكمل حديثها أغلق الهاتف بوجهها. قبضت عينيها بألم أشارت لسيارة أجرة تخبره بوجهتها قائلة:
_الهرم يسطا
يقف الثلاثة الأن على أعتاب الباب بعدما صفع شقيق "مارال" الباب خلفهم بقوة يصيح من الداخل بقول:
_قال يتجوزها قال ده على جثتي
نطق "الطبيب" بانزعاج:
_الراجل ده ازاي يطردنا كده دي مش اخلاق بني ادمين ابدا
فرفع "ياسين" كتفيه نافياً:
_ولا حتى بشر
ابتسم "الطبيب" من رده فلا يوجد فرق بين البشر والبني آدمين. تخطى "بربروس" الطبيب ليقف أمام "ياسين" سائلاً بنظرات قاتلة:
_ما هي أكثر اللحظات المفضلة لديك في صداقتنا أيها اللعين؟
فأجاب "ياسين" وهو يخرج هاتفه من جيبه بعدم اهتمام:
_لما كنا صغيرين
ضربه "بربروس" على كتفه قائلاً بتهكم:
_ولكننا لم نعرف بعضنا عندما كنا صغاراً أيها الأحمق
أشار "ياسين" برأسه بالإيجاب:
_بالظبط ابتديت تفهمني
_ربـــــاه لقد طفح الكيل منك بل أكثر لحظاتك سعادة هي عند رؤيتي حزين فقد افسدت الزيجة أيها المفسد ألم أخبرك بألا تتكلم قبل قدومنا
قابل "ياسين" حديثه بأهمال بعدما أنكمش حاجبه وهو يطالع هاتفه بعدم تصديق. رأى "الطبيب" تقاسيم وجهه بعدما تغيرت للأسوأ قائلاً:
_في ايه ياياسين؟
رجفة تسري في جسده وشعور بالغثيان يداهمه. صاحبه توتر. فكرر الطبيب سؤاله بحدة هذه المرة من جديد:
_ماتنطق ياياسين مال وشك اتغير كده ليه فيك ايه؟
طالعه ياسين بريبة مما يرى:
_الأبلكيشن اللي حطيته في تليفون "شمس" عرفني انها هنا في القاهرة ورايحة للهرم
حاول "بربروس" تهدئته قليلاً:
_هدىء من روعك.. هاتفها أولاً
حاول ياسين الاتصال بها مراراً وتكراراً لكن دون جدوى. ترك المكان وغادر مسرعاً. صعد بداخل سيارته ومن شدة قيادته المتهورة يمكنك سماع صوت احتكاك إطارات السيارة على الطريق. لا يعلم كيف ولكنه شعر بضياعها منه. يقود سيارته عبر الطريق متجهاً إلى "الهرم" محاولات متكررة للاتصال بها ولكن الإجابة واحدة وهي عدم الرد.
مازالت بالسيارة الأجرة تطالع هاتفها الذي يظهر على شاشته اسم "ياسين" من كثرة اتصاله بها. تنهدت بحزن تطالع الطريق بجوارها عبر نافذة السيارة.
انفعل من عدم ردها على الهاتف وظهر انفعاله في صيحته المنفعلة:
_ماتردي بقى
ألقى الهاتف بغضب وتابع الطريق بكل سرعته إليها.
كانت قد قضت في السيارة أكثر من ساعة للوصول لوجهتها. واقفه بنظراتها الحائرة على أعتاب مقهى ليلي تطالع ما يحدث بريبة. هاتفها "فريد" عبر الهاتف فأجابت هي عليه:
_انا واقفه بره
حثها على الدخول وقبل أن تجيب أغلق الهاتف بسرعة. نجح مخططه حتى هذه اللحظة. ابتلعت ريقها بذعر تخطو خطوة وترجع الأخرى. ظهر اليأس على وجهها. دخلت "شمس" تسأل عنه. هذه الأجواء والرقص الشرقي والمشروبات مع الموسيقى الصاخبة كل هذه أشياء ليست مثلها. بحثت عنه وعيناها تدور بالمكان. فرفع ذراعه حتى تراه من بعيد. وجدته يجلس على البار بين شفاه لفافة تبغ. اقتربت منه بأقدام مرتعشة. ابتسم لها بود ولكن بداخله النوايا الخبيثة.
أطفأ لفافة تبغه بالطفاية التي أمامه فسألته بتردد بأعين دامعة:
_أنا جيت يافريد وجيالك لوحدي من غير ما أقول لحد بس سيبهم في حالهم ساره ويزن مالهمش ذنب
لم ينظر لها بل تجاهلها فاستدار بجسده يشير بأصبعه لها بأن تتبعه. تبعته وهي تسير خلفه ببطء بعدما تملكها الخوف. دخل بطرقة طويلة ودلف إلى غرفة من الغرف الموجودة بها. وقفت على الباب سائلة:
_احنا هندخل هنا ليه؟
صاح فريد بنبرة هجومية:
_ادخلي يابنت ال **
وقبل أن يكمل سبه خرجت منها صرخة عالية وهو يجذبها للداخل من خصلاتها. أغلق الباب خلفها يشدد على خصلاتها بقوة يخرج كلماته من بين أسنانه بغيظ:
_بقى أنا فريد الدمنهوري أخرج من بيتكم قفايا يقمر عيش ده انا مش هسيبك الا اما اجيب أجلك النهارده
دفعها وسقطت على الأرضية ثم تبع ذلك بشق ملابسها العلوية بوحشية وتابع بقوله:
_انتي بتاعتي ياشمس عارفه يعني ايه بتاعتي واللي معرفتش اخده منك في الحلال سهل أوي اخده منك في الحرام وأنت اللي بدأتي
حاولت الدفاع وابعاد يده صارخة. لم يكن يسمع صرخاتها بل لمعت عيناه عند رؤية جسدها.
أما عنه فقد جاء بأقصى سرعته يقبض على هاتفه بكف يده ينظر عبر الشاشة فوجد نفسه يقترب من النقطة الحمراء. اجتمعت النساء من حوله في محاولة لأغرائه ولكنه أبعدهم عنه في الحال. بحث بعينيه ولكن التقطت أذنه صراخ متواصل بلا انقطاع من "شمس" جعله يميز صوتها من بين الجميع ومن بين الضوضاء المزعجة. ركل الباب بقوة فتوقفت هي عن المقاومة عند رؤيته ناطقة بأسمه بشفاه مرتعشة:
_ياسين
قبض بكف يده على سترته من الخلف بعدما رفعه والقاه بخارج الغرفة فارتطم ظهره بالحائط. انتزع "ياسين" سترته السوداء الجلدية من على جسده يضعها عليها مسد على خصلاتها بحنان يمسح دموعها من على وجنتيها. أخذ يطمئنها ببادئ الأمر وبدأ بقول:
_اطمني انتِ بخير ياشمس
حاول أعطائها الأمان والحنان. عيناها تقابل عينيه وقد غزت حصونها الدموع. نظراتها المستغيثة طالبه نجدتها. ذلك الجدار البشري الذي تختبئ بداخله وهي واثقة تماماً بأنه لن يسقط عليها ولن يؤذيها مهما حدث. وجدها تنظر خلفه بخوف استدار بجسده ليجد "فريد" قد غرز بجسده صاعق كهربائي قوته عالية. الألم يسري بكل أنش بجسده. نظر له "فريد" نظرة متشفية وقد ظهرت بسمة ساخرة على شفتيه قائلاً:
_كنت فاكرك اقوى من كده
تمالك "ياسين" نفسه فقبض بكف يده على عنقه يرفعه بذراعه فألقى "فريد" الصاعق من يده رغماً عنه فنطق "ياسين" من بين أسنانه بغيظ:
_وانا كنت فاكرك أرجل من كده
هنا توقفت الثواني عند سماع صرخاتها فقد أحمرت وجنتيه. ثواني ويلفظ أنفاسه الأخيرة. فقد أحكم ياسين قبضته عليه. فاق من فعلته على صرختها:
_بلاش ياياسين. سيبه عشان خاطري ماتلوثش ايدك بدمه ده مايستاهلش
فاق على صرخاتها بعدما فك قبضه يده من على عنقه. ألتقط "فريد" أنفاسه بصعوبة وكأنه كالغريق الذي يبحث عن الأكسجين. جلس "ياسين" القرفصاء يهتف بنبرة تحذيرية:
_اللي بييجي على المدام يبقى حكم على نفسه بالأعدام ياروح امك
رفع أصبعه بوجهه بنبرة تحذيرية:
_شمس.
اعتصر كف يدها يجذبها خلفه يخرجها من ذلك المكان المقزز بنسائه العاهرات. أصبحوا خارج المكان وما زال يجذبها من خلفه بيد، وبكف يدها الأخرى تضم سترته عليها تداري بها جسدها. لم ينطق سوى بكلمة واحدة حين فتح باب سيارته لها:
_ اركبي.
هزت رأسها بالإيجاب وصعدت بالسيارة على الفور. تراه وقد بدأت بوادر نوبة تظهر عليه من جديد. أغلق باب السيارة وعيناها تتابعه يجلس على مقعده أمام عجلة القيادة. احتكت إطارات السيارة بالأرضية تصدر صوتًا مرتفعًا. كان يقود السيارة بسرعة جنونية، سرعة يبث بها غضبه المتراكم.
وكأنه يلتهم الطريق، كانت تراقب الطريق بعينيها وهو يلتهمه من سرعته المهولة. حاولت التقاط أنفاسها دون أن تصدر صوتًا، فكلماتها الآن لن تزيد شيئًا سوى زيادة غضبه. ظهر من العدم نهاية الطريق وقد كان هناك سد منيع. طالعته بخوف شديد، وقبل أن يصطدم به على بعد سنتيمترات فقط، ضغط على المكابح بكل قوته فأصدرت السيارة صوت فرملة مرتفع. وضعت يدها على فؤادها تحاول التقاط أنفاسها. مال على عجلة القيادة يسند رأسه عليها. ابتلعت ريقها ببطء وهي ترفع كف يدها تمسح على خصلاته لعلها تقوم بتهدئته. حالته الأكثر عدوانية الآن، لذا أزال يدها بعنف مبالغ فيه، واخترقت أذنيها نبرته الشرسه يضرب على مقود السيارة وهو يقول صارخًا:
_ ما قولتيش ليه؟
انتفضت من مكانها تطالعه بخوف شديد، تخرج الكلمات من بين شفتيها بصعوبة:
_ اصل.. اصل.
بتر حديثها صارخًا بوجهها بقول:
_ اصل إيه؟ لأمتى هتفضلي تخبي عني؟ هو بيهددك بأيه؟ لأمتى هتفضلي تتصرفي لوحدك؟
نطقت بقهر صارخة:
_ ماتزعقيليش، ماتصرخش فيا، حرام عليك، كفاية اللي فيا.
وبدأت تسرد له مخاوفها:
_ أنا خايفة عليكم، مش عايزة حد يتأذى بسببي.
استدار يمسح على وجهه يطالعها بشر:
_ من إيه خايفة علينا؟ من إيه ومن مين؟ من عيل زي ده؟
كانت شبه منتهية، تفعل كل شيء بارتعاش ودموع تنهمر على وجنتيها:
_ أنت مش قادر تفهم، العيل ده يقدر يعمل إيه وممكن يأذيك ويأذي سارة ويزن ويؤذيكم كلكم، وده اللي ما أقدرش اسمح بيه أبدًا، حتى لو في أذيتي.
ضرب بيده على المقود بغضب عارم صارخًا بما جعلها تنتفض من مكانها:
_ أنت مجنونة! أنا لو ماكنتش لحقتك النهارده، أنت فاهمة كان هيعمل فيكي إيه؟
لطمت بقهر متابعة سرد مخاوفها:
_ عارفة.. عارفة، وده اللي كان مخوفني، بس بالرغم من كده روحت، روحت عشان سارة ويزن ما يتأذوش.
ما يتأذوش ولا أنت اللي عايزة كده؟ حابة إنك تعيشي دور الضحية.
بعض الكلمات مميتة، قادرة على تمزيق أرواحنا، فقد أفقدتها كلماته النطق. أحقًا اعتقد ولو للحظات أنها تريد ذلك؟ فأكمل هو يتابع بقوله:
_ أقدر أفهم؟ ما قولتيش ليه؟ اتصلت بيك ألف مرة ما رفعتيش سماعة التليفون، وقولتيلي ليه؟ عرفيني، أنا هتجنن.
قنبلة موقوتة وقد أوشكت على الانفجار، وظهر هذا جليًا في نبرتها:
_ عشان مش هتفهم.. مش هتفهم ياياسين، عمرك ما هتفهم.
جذبت انتباهه أكثر بكلماتها. طالعها باستغراب وبدأ بقول:
_ ليه مش هفهم؟ ليه؟ قوليلي.
فهدأت من نبرتها قليلاً وسردت ما بداخلها:
_ عشان بتخاف عليا ومبتخافش على نفسك. هتمنعني إني أشاركك؟ هتبعدني وتحطني في أوضة وتقفل عليا. مسحت بيدها عيناها المليئة بالدموع. لو كنت قولتلك النهارده إنه كان ممكن يحط لسارة حقنة مسممة في علاجها، تقدر تقولي كنت هتعمل إيه؟ كنت هاتروح وهو كان هيعرف وهيحطلها الحقنة قبل ما انت توصل. كانت زمانها ماتت، وكنت هتمنعني إني أروحله عشان مش هتكون شايف غير إني أكون كويسة وبس ومش مهم الباقي، زي بالظبط لما هددني بالفيديو اللي صورهولك وأنت بتحميني من مايه النار. صور سرعتك وكان ممكن ينزلها في كل حتة على السوشيال ميديا وتتعرف، وطبعًا مش لوحدك وعلي وبربروس والخالة وكلكم ياياسين كلكم. أنا بحاول أحميكم بس أنت مش فاهم، عشان كده قولتلك مش هتفهم ولا عمرك هتفهم.
تسارع عنيف بدقات قلبه الآن ما بين حزنه منها وفعلتها التي لا تغتفر، فاستدار يطالعها بنظرات نارية وكأن ما سردته له حديث غير مقنع.
هزت رأسها بيأس من بين دموعها، تفتح الباب بجوارها تطالعه بنظرة منكسرة:
_ مش قولتلك مش هتفهم ياياسين.
استدارت بجسدها تستعد للنزول، فجذبها بيده يضمها إلى أحضانه. قاومته بقول:
_ سيبني ياياسين، سيبني عشان خاطر ربنا، سيبني.
رايحة فين؟
استطاع بصعوبة وضع انزعاجه جانبًا والابتسام وهو ينظر لها، وبدأ في المسح على رأسها. سألها بنبرة هادئة، فأخرجت كلماتها من بين دموعها:
_ معرفش.. مش عارفة، هاروح فين.
ضمها إلى صدره وسندت برأسها على كتفه.
لم يستطع رفع عينه من عليها، كم تبدو جميلة عن قرب. تنهد بهدوء وكأنه يخرج لوعة قلبه بهذه التنهيدة. نظر لشعرها المجعد الذي طالما أغواه. لمسه يمسح على خصلاتها بحب، وبيده الأخرى يمسح دموعها من على وجنتيها بعدما أغلق عينيه قائلًا:
_ فهمتك ياشمس.. فهمتك.
أغمضت عينيها محاولة كتم شهقاتها من بين شفتيها. وأه لو تعلم مقدار الألم الذي ينخر الآن في قلبه بلا رحمة بسبب تلك النظرة وقلة الحيلة التي تظهر في عينيها، فأردف بحب مع ابتسامة بسيطة زادت من وسامته:
_ تعرفي ياشمس، أنت لازم تقدمي بلاغ في شيرين عبد الوهاب، أصلها انتحلت شخصيتك وقالت: "أنا كنت طول عمري جامدة وأنا ماشفتش أجمد منك وأنتي بتعيطي".
ضربت بكف يدها بلين على صدره وقد اتسعت ابتسامتها، وهذا هو مبتغاه أن يرى ابتسامتها من جديد.
هي فقط شعرة رفيعة بين العشق والجنون، شعرة بسيطة منذ وقع في حب عيناها.. حب عيون شمس وأصبح "فريد" كالمجنون. ما زال بذلك المقهى الليلي، الحقد بان في عيونه، حقد امتزج بغضبه. ينتظر بلهفة قدوم أشخاص بعدما هاتفهم بتزويده بمعلومات. وأخيرًا وبعد طول الانتظار، قدم كلًا من بدر وأبو المعاطي التحية لفريد، فبدأ هو بسؤالهم:
_ عرفت تطلع من البت اللي اسمها غدير دي بحاجة يابدر؟
فرد بدر بالإجابة:
_ أكيد طبعًا يافريد بيه.
أشار بعينيه لأبو المعاطي:
_ وأنت يا أبو المعاطي؟
المرة دي عرفت معلومات هايلة مكنتش أعرفها عن بربروس قبل كده يافريد بيه.
ابتسم فريد بخبث قائلًا:
_ هجيبك ياياسين، بس اتك على الصبر.
رواية الهجينة الفصل 103 - بقلم ماهي احمد
فلتتذكري يا ذات العيون الأسرة أنتِ من وافقتِ على أسري لكِ بكامل إرادتكِ وأنتِ من وافقتي أن تتراقصي على ألحان حبي، ليس هناك من أرغمكِ فقد أتيتِ برغبتكِ.
ما يحدث هنا من توتر الأجواء ليس كأي توتر، بل اشتعال، اشتعال النيران بكل مكان. الكل يهرول ناحية الطريق الذي يبعث منه النيران.
أتت امرأة من أهل القرية تسأل أحد الرجال:
_ في إيه يا ابني؟
أخبرها مسرعاً كي يكمل طريقه:
_ بيقولوا إن فريد اللي كان هيتجوز شمس بنت عيلة الصاوي حرق بيت عيلة مامتها القديم وكل عيلة الصاوي هناك دلوقتي.
شعرت المرأة بالشفقة حقاً، تتبع أثر الرجل بعينيها:
_ استر يا رب. أنا برضه قولت الحكاية دي مش هتعدي على خير أبداً.
هرولت "زهره" إلى منزلها القديم تطالعه والحريق يأكل جدرانه، يتحول الزرع الأخضر أمام منزلها إلى رماد. لم تقدر قدماها على تحملها. الكل يساعد في إطفاء الحريق. تناول "غدير" دلو الماء إلى "بدر" و"حسان" لإخماده.
أتى "الطبيب" يهرول من خلفها قائلاً والدهشة تملأ عينيه:
_ الحريق ده حصل إزاي؟
طالعته والدموع تقبع بعينيها:
_ معرفش يا علي، معرفش. البيت اتحرق والزرع اتاكل والحريق مابيطفيش. كل أهل القرية بيقولوا إن فريد حرق لنا البيت عشان ينتقم من اللي عملته فيه بنت المهدي.
قالت جملتها تطالع تلك الواقفة مقابلها بعتاب. تقدمت "شمس" ناحيتها خطوة وأثنت ركبتيها تطلب منها برجاء نابع من عينيها قبل لسانها:
_ قومي يا ماما ماتقعديش كده في الشارع.
لم تستجب لها. ثم سمعت صوت يأتي من خلفها صوت عالٍ نسبياً حتى يصل لها:
_ قومي من مكانك يا زهره، ماتفرجيش أهل القرية علينا.
استدارت تطالعه لتجده "ياسين" يسند بظهره على موتوره الخاص به يأمرها بالوقوف. فألقت بنظراتها الملامة عليه:
_ مش كفاية أنت السبب في اللي احنا فيه، كمان الشماتة باينة في عينيك.
مسح على عنقه بتعب يقترب منها. وظلت هي ثابتة لم تتحرك وكأنها ترسل له بأنها ليست خائفة. استرسل حديثه ساخراً:
_ أخص عليك يا "زهورتي"، أنا برضه أشمت في حماتي. ما كانش العشم إنك تقوليلي كده. شيفاني قليل الأصل ولا ناقص تربية.
هربت بعيونها تنفي ما قاله:
_ أنا ما قولت إنك ناقص تربية.
برزت ابتسامة جانبية على وجهه قبل أن يقول:
_ بس ما قولتيش إنّي مش قليل الأصل.
زاد اقترابه منها يجلس القرفصاء يهمس بأذنها بشيء جعل الدماء تغلي بعروقها. تابع بعد أن ابتعد يصعد إلى موتوره ويرتدي خوذته السوداء ساخراً:
_ وعشان أبقى صادق معاكي يا زهره.
غمز لها بطرف عينيه يضغط على دواسة موتوره:
_ أنا فعلاً ناقص تربية.
ثارت ثورتها أمام أقواله التي همس بها بأذنها، وبان هذا في صرختها باسمه تتتبع أثره بعينيها وهو يبتعد عنها:
_ يااااااسين.
***
منذ أسبوع مضى.
يقف كل منهما الآن على أعتاب منزل "مشيرة" بالقاهرة. كانوا ينتظرونها لفتح الباب. أما عنها، تقف خلفه شاردة بما حذرها منذ قليل:
_ أوعي تحبيني يا شمس. اليوم اللي هتحبيني فيه هختفي من حياتك فيه ومش هتشوفيني تاني.
فاقت على صوت "مشيرة" المنبه:
_ ادخلي يا شمس، واقفة عندك ليه؟
قالتها بود مزيف تبرر تأخيرها:
_ آسفة إني اتأخرت عليكم في فتح الباب، أصل كنت نايمة.
قالت كلماتها مما جعل "شمس" تتجمد مكانها بسبب ما وقعت عليه عيناها. ترى "مشيرة" تقوم بتقبيله أمامها من على وجنتيه ترحيباً، تضمه إليها بحب وهي تقول:
_ أحسن حاجة عملتها إنك اتصلت بيا وقولتلي إنك هتبات عندي، بس ما كنتش أعرف إن شمس جاية معاك.
عادت تنظر إلى "شمس" وأمام نظراتها الرافضة لكل ما يحدث، وجدت نفسها تقول:
_ أنا تعبانة وعايزة أنام.
تحركت "مشيرة" خطوتين ناحيتها تطالعها بنظرات متحدة:
_ إيه ده كده على طول! مش لما تشربي حاجة الأول؟ ولا أنتِ زعلتي يا شمس إني ببوس ياسين قدامك؟
كانت تطالع "مشيرة" بانزعاج شديد. شعرت "شمس" بالارتباك. ارتجف جسدها دون أن تشعر. فلاحظ "ياسين" ارتجافها حاوط كف يدها بعدما لاحظ إزعاج "مشيرة" لها، فقال ما يثير استفزازها:
_ مش عايزك تبقي قلقانة. شمس عارفة كويس أوي إن زيك زي بربروس وعلي بالظبط بالنسبالي.
نزلت "مشيرة" بعينيها إلى كف يده المتشبث بكفها تطالعه بانزعاج قائلة تصطنع الابتسامة:
_ طب كويس إنك عرفتها كل حاجة. لا عروستنا تغير ولا حاجة.
جاوبتها "شمس" بتحدي بعينيها:
_ هو ينفع برضه أغير من بربروس أو دكتور علي وانت بالنسباله زيهم بالظبط؟
سحبت "شمس" كف يدها من يده بأنزعاج طالبة منه الانصراف. برزت على شفتيه ابتسامة جانبية من رد فعلها. ابتلعت "مشيرة" ريقها بصعوبة ثم تحدثت بإصرار:
_ لا والله مش هينفع تطلعي إلا لما تشربي حاجة. أنتِ عايزة تقولي عليا بخيلة ولا إيه؟
أشارت بعينيها سائلة:
_ تحبي تشربي بيبسي ولا شيري كولا؟
عقد "ياسين" من بين حاجبيه بقرف:
_ بلاش البيبسي.
سألته "مشيرة" مستفسرة:
_ ليه؟
_ أصلها بتفكرني بزهره.
استغربت "شمس" من حديثه، حثها فضولها للسؤال:
_ وإيه علاقة أمي بالبيبسي؟
جاوبها بدون تردد:
_ الاتنين نيتهم صودا.
بان ضيقها من حديثه على والدتها. جذبها من يدها برفق يتوجه بها إلى غرفة النوم. استدارت تصعد معه الدرج بنار دفينة تحرق بها. وقبل دخوله أغلقت الباب صافعة إياه بوجهه. قبض عينيه بتأفف قائلاً:
_ افتحي يا شمس.
خرج صوتها من الداخل وهي تقول:
_ أنا تعبانة وعايزة أنام.
هز رأسه موافقاً وهو يقول:
_ طيب مش عايزة حاجة قبل ما تنامي؟
أخبرته دون تردد:
_ عايزة إنك تسيبني أنام وماتخبطش عليا تاني، وبكده مش هعوز حاجة.
صمت لثوانٍ ثم نطق أخيراً وهو يمسح على عنقه بتعب:
_ بس أنا عايز.
حثها فضولها ثم اقتربت من الباب ودون أن تنطق استرسل هو حديثه:
_ عايزك ماتناميش زعلانه، واعرفي إن ابن الصاوي مابيحبش يشوفك زعلانه يا شمس.
ابتسمت ابتسامة حانية وتركه هو وعاد إلى تلك المنتظرة تخبره بود:
_ أنا عملتلك مشكلة معاها ولا إيه يا ياسين؟
فأخبرها وهو يجلس على الأريكة بتعب:
_ خفي شوية على شمس يا مشيرة.
اقتربت منه تجلس بجواره:
_ وأنا عملتلها إيه؟ هي اللي تقمصت وطلعت على فوق على طول.
ربتت على ذراعه بحب:
_ ياسين، أنا حاسة إنك ضعيف بيها. ماتخليهاش تحسسك بأن مافيش زيها وإنها مالهاش بديل.
_ ما تحسسني أنت مالك!!
كلماته موحية تضربها في مقتل. تسارعت أنفاسها من فرط الارتباك، فأخبرته بتهكم:
_ ليه؟ وأنا عملت إيه لكل ده؟ كل ده عشان رحبت بيك وبوستك قدامها الهانم زعلت؟
ابتعد عنها وأمام سؤالها ذكرها هو بحدث مر:
_ اسمعي يا مشيرة. حركاتك دي لما كنتي بتعمليها مع أي بنت بتحاول تقرب مني واحنا في ألمانيا، أنا كنت راضي عشان هما مايهمونيش. بس دي لأ.
نطق آخر أربع كلمات ببطء شديد محذرًا إياها، استفسرت بعينيها فنطق:
_ أنتَ عارفة أنتَ بالنسبالي إيه، أنتَ غالية أوي عندي وما أحبش إن غلاوتك تروح من قلبي.
قطبت حاجبيها وتفننت ببراعة لأبراز الدموع في عينيها:
_ أفهم من كلامك ده إن عشرة سنين ممكن تروح في أي وقت عشان شمس ممكن ما تبقاش راضية عني.
استدارت تقص عليه بعتاب:
_ نسيت، نسيت أنا عملت إيه عشانك وإحنا في ألمانيا؟ نسيت مين رجّعلك عمار؟ نسيت عشنا إزاي هناك سوا، إحنا كنا هناك إيد واحدة. نسيت كمان الود اللي بينا؟ إيه اللي جرالك يا ياسين؟
زاد نحيبها علَّه يثير شفقته عليها ويكسب نقطة لصالحها بداخله. مسح على وجهه بتعب، فكل كلمة قالتها لها الحق بها، فهي كانت السند لأيامه العجاف. فنطق بما يطيب خاطرها:
_ أنا مش ناسي وعمري ما هنسى وقفتك معايا ولا الود اللي ما بينا في يوم. بس اختلافك معايا في معزتي لشمس يفسد الود كله، يفسد الود ويفسد العشرة ويفسد المعرفة، ويكشف إنك عمرك ما كنتي في يوم السند، ويكشف كمان إنك عدو ليا جديد كان مختفي بضمير مستتر. عشان كده بنبهك، وما أحبش أنبه تاني. مش عايز أخسرك يا مشيرة، أنتِ الوحيدة من بعد أهلي اللي لو خسرتها هزعل عشانها، عشان أنتِ غالية عندي.
مسح دموعها من على وجنتيها بلين:
_ وبطلي عياط، أنا ما أحبش أشوف دموعك دي وبالذات لو أنا السبب فيها.
لانت تقاسيمها بعض الشيء، تستطيع دائمًا اكتساب نقطة لصالحها، فما فعلته طوال السنين العشر يشفع لها كل شيء. ومع ذلك قام بتحذيرها للمرة الأخيرة وهو يقول:
_ شمس لأ.
ابتسمت تضربه على كتفه بلين:
_ خلاص فهمت.
استدارت تتحرك ناحية المطبخ، وقد استعاد وجهها ملامحه المتهكمة، تخبره بنبرة عالية علَّ صوتها يصل إليه:
_ تحب تشرب حاجة قبل ما تنام؟
أشار برأسه بالموافقة وهو يقول:
_ لو عندك.
فبترت حديثه قبل أن يكمل:
_ أكيد عندي، شيري كولا طبعًا.
جلس هو على الأريكة، بينما هي تصب محتويات الزجاجة بالكوب، ولم يتخلَّ وجهها عن التعبير القاسي بعدما أخرجت حبيبات الدواء التي تضاعف عنده حالات الهستيريا وتجعله فاقدًا للشعور بنفسه.
ولكن هذه المرة ضاعفت حباتها، فأكملت بتركيز حديثها الذي لم تسمعه إلا هي:
_ أنتَ عندك حق، أنا بعد كده مش هقربلها، بس هخلّي عمار هو اللي يقربلها. موتَك على إيده يا شمس.
بينما الجميع نيام، تبذل "غدير" مجهودًا ذهنيًا وهي تتقلب على فراشها حتى تأخذ حقها من النوم. وما إن غفت حتى أفاقها صوت اتصال هاتفي حرمها من الساعات المتبقية للصباح. ابتسمت ابتسامة حانية عند رؤيتها لاسم المتصل وقامت بالرد، تسمع صوت شقيقها "رعد" يسألها عن حالها وعن حال البقية. كادت أن ترد، ولكنها تذكرت تحذير ياسين لها بعدم البوح بأي شيء لكي يعيشوا بسلام. ابتسمت ابتسامة حانية بقول:
_ إحنا الحمدلله كلنا كويسين. إنتوا هترجعوا إمتى؟
تناولت "ميرا" الهاتف من كف رعد:
_ لسه شوية يا غدير، مخلصناش كل اللي إحنا جايين عشانه. المهم خلّي بالك من نفسك. داغر وهدير معانا وعايزين يطمنوا عليكي.
أنهت الاتصال بعد محادثة طويلة بينها وبينهم، يطمئنون فيها عن حالها بعدما حادثت "عمار" ابنهما الصغير. توجهت ناحية الشرفة عند سماع صوت دراجة تمر أسفل المنزل في هذا التوقيت. وقعت عينيها على بدر "بدر" وهو يضع المسامير أمام منزلهم، تأففت بضيق ثم هرولت لكي تلحق به لكي تنهيه عما يفعله:
_ أنتَ بتعمل إيه؟ أنتَ اتجننت؟
هز رأسه بالإيجاب ناطقًا:
_ آه اتجننت.
كررت سؤالها مرة أخرى:
_ بدر بجد بتعمل إيه؟
برر "بدر" فعله قائلًا بسخرية:
_ مسامير في إيدي ووش الفجر هكون بعمل إيه؟ ما أنا قلتلك قبل كده.
علمت "غدير" بأن الجدال سيزيد التعقيد. نظرت حولها تطالع الجوار بحذر حتى لا يراه أحد ويكشف فعلته. جذبته من يده مبررة:
_ تعالى، تعالى نمشي من هنا قبل ما حد يشوفك وتتعلق.
في نفس التوقيت، يقف "ياسين" على عتبة باب غرفتها من جديد بعدما رفضت دخوله. داهمه دوار لا يوصف عند تجرعه لمشروبه المفضل "الشيري كولا" دون علمه بما بداخله، فحاوط جبهته بكفه بألم. توقف لثوانٍ يحاول استعادة اتزانه، وما شعر بأنه أصبح بخير حتى هتف باسمها، فلم تجب. فتح الباب ثم دلف بحذر ليجدها غافية على الأريكة، متدثرة جيدًا بسبب برودة الأجواء، حيث تسند برأسها على كتفها. ثنى ركبتيه يجلس مقابلها دون إصدار صوت، يتأمل ملامحها لثوانٍ. برزت ابتسامة بجانب شفتيه رغماً عنه وهو يتأملها عن قرب، كم هي جميلة عند سكونها هكذا. سكونها هذا جعله يعود بذاكرته عشر أعوام، فكَّر بحدث مر بألمانيا بمزرعة المرأة العجوز وهو يتأمل ملامحها كذلك أثناء نومها، وحين أفاقت تسأله عن سبب قربه، رد وهو يقول بتلعثم:
_ مش عارف أنام من شخيرك يا شمس، بتشخري طول الليل.
ابتسم ابتسامة حانية، ثم عاد إلى واقعه. يخرج هاتفه من جيب بنطاله يلتقط لها صورة وهي غافية كالملاك الصغير، وكأن ملامحها البريئة تحثه على حفظها. نهض بهدوء يحملها، واستندت هي برأسها على صدره. تحرك بخطوات بطيئة إلى الفراش، يخشى أن يصل إليها ويضطر إلى إبعادها عن أحضانه، يضطر لفقدان ذلك الدفء الذي يحيط قلبه. وضعها على الفراش، يعدل من نومتها. قرب كفه يعدل من خصلات شعرها المتروكة على وجهها، ثم مسح بكفه على شعرها بحنان، لمسات حانية بأمان أعادت لمحات من شريط حياته سريعًا أمامه، والمشهد الوحيد الذي أوقف اللحظة عنده كان وجهها. تركها وغادر إلى الشرفة، يخرج لفافة تبغ، ينعش الهواء البارد. ملامح وجهه اشتد الدوار عليه مرة أخرى، ولكن هذه المرة وجد عمار بجواره يسند بمرفقيه على سور الشرفة يخبره بسخرية:
_ طلعت أناني أوي يا ياسين.
أخبره وهو يسحب الهواء من لفافة تبغه:
_ أنا عمري ما كنت أناني، أنتَ اللي من أول ما بقينا سوا وأنتَ دايماً اللي بتتحكم، أنتَ الأمر الناهي. أنتَ تؤمر وأنا أنفذ، أنتَ تهدد وأنا أركع، أنتَ تقول وأنا أسكت. عشر سنين وأنا خاضع، ما سألتش حتى ليه. بس لما جينا هنا.
ارتسمت على وجه "عمار" بسمة ساخرة وأكمل حديثه:
_ لما جينا هنا وقعت زي الجردل، وكأن العشر سنين اللي بعدتهم عنها كانوا عشر دقايق.
نطق نافيًا لكلامه:
_ محصلش.
سبه "عمار" من بين شفتيه، فشعر "ياسين" بالإهانة مرددًا كلماته بصراخ حتى شق صراخه أذن تلك النائمة لتجده يقول:
_ كفاية بقى، كفاااايه، كفااااايه يا عمار شتيمة، كفاية إهانة، كفاية تحكمات لحد كده.
سألته بخوف ليس منه بل عليه:
_ بتكلم مين يا ياسين؟
اقتربت منه تجده ينظر للفراغ أمامه، يطالعه بنظرات حادة. لاحظت "شمس" تلك الرعشة في يده، فعلمت أنها الكارثة. حاولت التقرب منه في محاولة بائسة منها لجعله يلتزم الهدوء قائلة:
_ ياسين فوق، أنتَ بتكلم مين، ما فيش حد هنا.
لم يكن يراها أمامه، فقد كان شبه مغيب. جرعة الدواء كانت مضاعفة، زادت من نوبته، مما جعل "عمار" يسيطر على عقله بالكامل قائلاً بتهكم:
_ لأ مش كفاية، وهقتـ ـلها عشان ترجعلي، وهترجع تسمع كلامي من جديد. هنمشي من هنا وهنعيش بعيد يا ياسين، أنتَ فاهم.
أصبح الآن مغيبًا، وصلت حالته للذروة، فقد سيطرت عليه الشخصية الوهمية التي نسجها من وحي خياله على عقله بالكامل. احتدت نظراته لها وهو يأمره:
_ اقتـ ـلها عشان نرجع سوا، اقـ ـتلها وأنا هسامحك وهفضل معاك وأرجع معاك زي الأول، وخليك عارف إن اللي قدامك دي هي السبب الوحيد اللي هيبعدنا عن بعض، وأنا عارف إنك مش عايزني أبعد يا ياسين.
أصدر أمره وما عليه سوا الإيجاب. اقترب منها ببطء، فعادت خطوات للخلف. كانت ترتعد داخليًا من نظراته. حل الذهول عليها، لأول مرة ترى الشر في عينيه لهذه الدرجة منذ فترة، منذ خروجها من ذلك القبو. حاولت تهدئته بقول:
_ ياسين اهدى، ماتخليش حاجة تأثر عليك. ياسين أنتَ بتبصلي كده ليه؟
طالت يدها الكوب الزجاجي الموضوع على الطاولة فقذفته على رأسه. نزف جبينه، مما زاد غضبه أكثر مع حالة اضطرابه التي ما زالت متمكنة منه. وضع كفه على جبينه يفرك د مـائه بيده، يخبرها باستفزاز:
_ حلوة، بصي أنا بقى الحركة دي.
قبض بكفه على عنقها، أصبح كل بجسدها يرتعد. حاولت التملص منه ولكن دون جدوى. وضعت يديها الاثنتين على كف يده في محاولة بائسة لعلها تستطيع الهرب، ولكن كفه كالأفعى التي تحاوط عنقها. أصبح وجهها كالدماء، حاوطته بنظرات عينيها، عينيها التي لطالما أحبها.
سمع صوت داخليًا ينبهه لما يحدث، فقد قاربت روحها على فراق جسدها. ملامحها البريئة التي أقرب إليه من الوتين للقلب، نظرات عيونها التي لطالما أحبها جعلته يستفيق لما يحدث. فكَّ قبضه يده من على عنقها ببطء، فشـهقت شهقة وكأنها حرمت من الأكسجين لعام كامل. وضع يده على جبينه وكأنه بصراع مستمر مع داخله. أما هي، وجدت أحدًا ما يفتح باب الغرفة ببطء. هرولت ناحيته كغريق لمح طوق نجاة بعد يأسه من نجاته، لتجد "مشيرة" أمامها. جذبت حقيبتها وهرولت للأسفل. هرولت وكأنها تهرب من وحش توعد بالتهامها. نعم، أنه وحش عند تحوله يسمى بـ"ياسين".
قطف "بدر" واحدة من ثمار التفاح الموجودة على الشجر، يعطيها لها. ابتسمت، تمد كف يدها وهي تقول:
_ أنا برضه مستغربة، أنت مابتخافش حد يشوفك بجد؟
أهمل سؤالها بقوله:
_ وأنتِ مابتخافيش تنزلي وش الفجر؟
سردت له ما تريد بصوت منخفض:
_ أنت أصلاً غلبان، أنا مابخافش. لو تعرف أنا اتربيت إزاي، مكنتش هتفكر تسأل سؤال زي ده.
سألها وقد جسد الاهتمام ببراعة:
_ واتربيتي إزاي؟ واحدة زيك من عيلة الصاوي متربية في بيت كبير مع عيلة بتحبها.
ابتسمت وقد علت صوت ابتسامتها بسخرية:
_ أصلاً عيلة الصاوي مش عيلتي الحقيقية، أنا آه منهم بس مش هما أهلي الحقيقيين، بس في نفس الوقت تقدر تقول أكتر من أهلي.
لم يقتنع بما تقول، فحثها للتوضيح:
_ مش فاهم، فهميني أكتر.
تطلعت حولها ثم أجابته:
_ حكاية طويلة، هبقى أحكيهالك بعدين.
فنطق هو بلهفة:
_ وليه مش دلوقتي؟
استفسرت بعينيها، فتابع بارتباك:
_ أقصد يعني، وراكي إيه دلوقتي؟ ادينا قاعدين بنتسلى، بس لو مش حابة تحكي خلاص، بس ماتسبنيش. خليني أفضل أبص لملامحك الجميلة وأشبع منهم.
ابتسمت بخجل، تضع عينيها في الأرضية:
_ أهي حتى ملامحي دي، لو كنت شوفتني من كام سنة كنت هقرف تبص في وشي.
قطب حاجبيه باستفسار، فبدأت بقص ما يخصها:
_ أنا اتولدت في بيت مرعب بوش محروق، أي حد يشوفني كان يترعب مني. أتولدت واللي رباني كان مايعرفش للرحمة طريق، هو كان قاسي على نفسه، فمن الطبيعي يقسى عليا. عشت كل طفولتي بفضل الصمت عن الكلام من اللي كنت بشوفه من قطع الرقاب اللي بتدخل بيتنا.
لمعت عيناها وهي تتذكر حدث مر:
_ كنت بشوف داغر أخويا بيفصل رقبة أي حد يدخل البيت قدامي، قدام طفلة عندها أربع سنين. طفلة أي حد يشوفها يترعب من ملامحها البشعة، لحد ما دخلت علينا هدير وكأنها الضوء اللي جه يبدد العتمة.
هز "بدر" رأسه بتأثر:
_ عيشتي حياة صعبة.
فنطقت دون تردد:
_ جداً، بس دايماً بيبقى آخر الضلمة نور. والنور ده كان ياسين والخالة، وأصبح لينا عيلة. وبعد ما مكانش لينا أهل، بقوا هما أهلنا.
جاءت تسرد له ما يريد، فحاول عدم الاهتمام بقول:
_ إزاي مش فاهم؟
_ أصل...
وقبل أن تنطق، سمعت صوت يناديها من بعيد. طالعت الصوت خلفها لتجده حسان. قامت تهرول قائلة:
_ معلش، أنا لازم أمشي دلوقتي، حسان بينادي عليا.
ابتسم ابتسامة حانية لها، يتتبع أثرها بعينيه. وارتفع صوته قائلاً:
_ هشُوفك تاني أكيد.
دقات الباب المتتالية بعنف جعلت "يزن" يهرول ناحية الباب. ينظر لساعته يجدها السابعة صباحاً. تساءل من الطارق بمثل هذا التوقيت. فأتاه الرد من الخارج:
_ افتح يايزن، أنا شمس.
فتح الباب وتراجع ليعطيها فرصة للدخول. ولم تنتظر، دخلت بالفعل. وقبل أن تتفوه بأي شيء سأل:
_ شمس، حصلك حاجة؟ إيه اللي جايبك في وقت زي ده؟ الخالة بخير؟ طب أنتِ بخير؟
أسئلة عديدة منه، ولم تسمح حالتها بالإجابة. أتت "سارة" من الداخل مسرعة لتسمعها وهي تقول:
_ أنا بخير، بس...
تلعثمت بالإجابة، فنطقت "سارة" بود:
_ واقفة كده ليه ياشمس؟ تعالي، تعالي ندخل جوه.
استجابت لها، تحركت تحت نظرات "يزن" المستفسرة عن وجودها بالقاهرة بحالتها المبعثرة هذه. فهدأت "سارة" من روعه:
_ مافيش حاجة يايزن، اهدى. أنا دخلتها الأوضة، سيبها ترتاح دلوقتي وهتحكيلنا كل حاجة بعدين.
أما عنه، فقد انتهت نوبة اضطرابه. تنفس بعمق وجلس على الأريكة بتعب، يحاول الاسترخاء قليلاً. تقدمت "مشيرة" باتجاهه بعدما تأكدت من رجوعه لحالته الطبيعية. سألته بخبث:
_ حصل إيه ياياسين؟ وشمس سابتك ومشيت ليه؟ وإزاي تسيبك تمشي وأنت تعبان بالشكل ده؟
تجاهلها ورحل، يهرول على الدرج حتى لا يسرد لها ما حدث. ساحباً مفاتيحه من على الطاولة. وما أن خرج من المبنى السكني، ركل بقدمه إطارات سيارته وكأنه يفرغ بها كامل غضبه. نظر لانعكاس صورته بزجاج السيارة، يطالع انعكاسه وقد سأم من كل شيء. أغمض عينيه بقوة، فلم يظهر في عقله سوى نظراتها المستغيثة، نظرات الخوف منه عادت إليها من جديد. عاد إلى واقعه، يقبض بكف يده على زجاجة مياه قد أتى بها من داخل السيارة. فتح الزجاجة بانفعال وأخذ يدفع المياه على وجهه، وصب محتوياتها كلها على رأسه. ظل يصب المزيد، وكأن هذه المياه ستزيل من على عاتقه ما حدث منذ قليل. ألقى بالزجاجة بقوة بعدما أصبحت فارغة، وجلس على مقعده أمام عجلة القيادة، ثم تبع ذلك بصفع الباب.
لم يضرب بعجلة القيادة، بل بقبضتيه ضربها بشدة صارخًا. وهنا فرت دموع قليلة هاربة من داخله. دموع لم يكن يعرف لها معنى. أخذ يسأل نفسه: هل أصبحت دموعه قريبة إلى هذا الحد؟ وكأن القلب يعرف مالكه أكثر من نفسه.
***
العديد والعديد من الاتصالات التي قام بها "الطبيب" لـ "ياسين"، وأتى مقابل اتصالاته عدم الرد. حاول "بربروس" أن يبث في قلبه بعض الطمأنينة قائلاً:
"لا تقلق عليها أيها الطبيب، فهي برفقته."
رد عليه ساخرًا من حديثه:
"ما المشكلة؟ أنها برفقته، طب على الأقل يفهمني، يعرفني هما فين؟ زهره هتتجن معاه من امبارح."
جلس بارتياح على الأريكة، يضع طاولة الإفطار قائلاً:
"ألم تخبرني بأنها أصبحت زوجته؟ إذاً، فما المانع أن تبيت معه هذه الليلة؟"
حرك مؤخرة رأسه يجيب ساخرًا:
"هو مافيش مانع، بس زهره عندها كل الموانع. سيبك من ياسين دلوقتي وقولي هتعمل إيه مع مارال؟"
أجابه بلا تردد:
"سأتزوجها الليلة."
ترك "الطبيب" مقعده واستقام واقفًا، ثم قال بعدم فهم للجالس أمامه:
"إزاي؟ هو أخوها وافق؟"
أشار برأسه نافيًا:
"لا، بل والدتها باركت هذه الزيجة، وهي ليست بقاصر. اتفقنا أنا وهي عبر الهاتف على الزواج الليلة."
"عند مغادرة شقيقها إلى عمله، وأريدك أن تشهد على زواجنا."
ضحك "الطبيب" بلا تصديق ورد عليه بسخرية:
"والله أنت دماغ."
هز رأسه مبتسمًا، يؤكد على كلامه:
"أعلم ذلك. وهيّا، هاتِف ذلك الملعون للمرة المليون حتى يستعد للحضور."
***
الكثير مر من الأحداث خلال فترة النهار، أوصلتهم إلى هذه النقطة. ولكن الحدث الأهم هو اتصال "يزن" به، يخبره بمكانها. حاول التحدث معها، ولكنها أبت محادثته. يجلس الجميع بمنزل "يزن". تقف "مارال" أمام المرآة في غرفة "ساره". طالعت "مارال" الواقفة بجوارها، تعتصر كف يدها بارتباك:
"ياخيييياشي، حاسه إن قلبي هيقف. هاتي إيدك كده ياشمس."
قبضت بكف يدها على كفها، تضع يدها على فؤادها قائلة بارتباك:
"حاسة إن قلبي هيقف، مش مصدقة إن خلاص هتجوز أنا وبربروس بجد."
برزت ابتسامة على ثغرها، ونطقت عيناها قبل لسانها بحب:
"أنتِ بنت حلال يامارال، وتستاهلي كل خير، وبربروس هو الخير اللي متشال ليكِ في الدنيا."
دخلت "ساره" إلى الغرفة، تابعت بغلق الباب خلفها. وعند وقوع عينيها عليها، أصدرت صفيرًا من بين شفتيها من شدة جمالها بيومها هذا، قائلة بصدق نابع من قلبها:
"إيه الجمال ده كله ده؟ يا بخت شيخ عجوه بيكِ."
غزّى وجهها الحزن، تقول بنبرة حزينة:
"كان نفسي أوي أخويا يوافق على الجوازة دي ويبقى معايا في ليلة عميي."
أشارت "ساره" برأسها على والدتها الجالسة على المقعد المتحرك، تخبرها بابتسامة:
"البركة في مامتك، هي الخير والبركة."
اتجهت "مارال" إلى والدتها، تثني ركبتيها، ترى الدموع بعيني والدتها لرؤيتها هكذا. قبلت "مارال" كف والدتها، ونطقت عيناها قبل لسانها:
"دي هي اللي بيقيالي في الدنيا، ومعيشش من غيرها، هعيش إزاي؟"
ربتت والدتها بكفها المرتعش، تطالعها بحب قد نبت في عينيها. ضمتها "مارال" إلى فؤادها قائلة بود:
"من اللحظة دي أنا وأنتِ بقينا مسؤولين من راجل بجد، ومش هنشوف ظلم أخويا مرة تانية لينا."
تجمعت الدموع في مقلتي "ساره" عند رؤيتهما هكذا. عندما شردت بوالدتها هي الأخرى، مسحت دموعها مسرعة، بقول:
"يلا بقى يامارال، مستنيينك بره."
ثم أشارت بعينيها لـ "شمس"، وأردفت:
"زغرطي ياشمس، ما بتعرفيش تزغرطي ولا إيه؟"
صدح رنين صوتها بالمكان. وقف بربروس بالخارج وبجانبه المأذون، وكأنه اشتم نسمات هواء ردت له روحه المعذبة بعد سنين من الحرمان. وقد تعالت على وجهه علامات الارتباك بعدما فرك كفيه، وتعالت نبضات قلبه. مال "ياسين" برأسه، يخبره هامسًا:
"بالراحة ياشيخ عجوه، مش كده؟ شامم ريحة شعر جسمك وهو بيشيط من الربكة."
رمقه بنظرة معاتبة، وكأنه يخبره بأن هذه اللحظة من حقه. وهو يقول:
"خسئت أيها اللعين."
وقبل أن تتحرك شفتاه لتوبيخه أكثر، أشار "ياسين" برأسه لكي ينظر أمامه، فقد أطلت العروس بطلتها المبهجة. لانت تقاسيمه عند رؤيتها بفستانها الأبيض الرقيق، زيّن أكمامه بالخرز الصغير المرصع عليه. وانتثرت على قماشته دانتيل بسيط على شكل زهور صغيرة، أعطته بريقًا، وكأن الفستان يتنفس، يحمل من الرقة والبساطة ما يكفي. قد ابتاعته "ساره" لعقد قرانها قبل أن يؤجل. اقتربت بخطواتها البطيئة منه، وكلما اقتربت، تحدثت عيناه بدلاً عنه لتخبرها كم هي جميلة. ووجد لسانه ينطق ما يبوح به قلبه، هامسًا لنفسه:
"أيا فريدة الجمال والجيم كاف، فقد استجاب الله لدعائي وابتهالي. فقد أردت أن تكوني يومًا ملك لكِ، ومن كثرة دعائي أبدلت الميم كاف، فأصبحت كلكِ لي."
أشاح ببصره عنها، وحاول الحفاظ على انتظام وتيرة تنفسه. جلست مقابله تنظر للأرضية بعدما غزت الحمرة وجهها بنظراته. ثم قاطع تلك النظرات الطبيب وهو يقول:
"مارال وكلتني يابربروس، وطالما وكلتني، فكنت عايز أقولك كلمتين، مع أن عارف إنهم مالهمش لازمة، بس هقولهم عشان يبقوا وصية في رقبتك."
انتبه الجميع له بعدما نجح في جذب انتباههم، ثم أردف بقول:
"البنت بيطلبها ألف واحد، وفي الآخر بياخدها واحد."
تمتم "ياسين" بعدما حك جبينه، قائلاً بهمس:
"ماحصلش، محدش طلبها غيره."
لم يستطع "يزن" كبت ضحكاته بعدما التقطت أذنه ما تمتم به "ياسين". فهو كان الأقرب إليه في الواقفين، فمال إلى الأسفل يضحك بصمت. استرسل الطبيب حديثه وهو يردف:
"الست لما بتوافق على جوازها من الراجل، بتوافق عشان تلاقي السند اللي يحميها من الدنيا وشرها. اهتمامك وقت الحب ده شيء وارد، لكن اهتمامك وقت الاختلاف والزعل، ده اللي ما يعملهوش إلا محب صادق."
حديثه لفت انتباه "ياسين"، وكأنه يقصده بكلماته. صمت تمامًا، يطالع بعينيه الصافيتان تلك الواقفة مقابله. هناك مسافة محدودة بينهم. رفعت "شمس" رأسها، فتقابلت عينها بعينه. ثم استرسل "الطبيب" حديثه:
"وهو كمان لو أخطأ في يوم، التمسيله العذر وعامليه بلين. ارفقي بقلبه اللي اتحمل ظلم السنين."
نظراته لـ "شمس" نطقت بدلاً عنه، وكأنه يرجوها أن تسامحه على فعلته تلك. عاتبته بنظرة بان فيها وجعها. بينما استرسل الطبيب حديثه:
"ولو أخطأتوا انتوا الاتنين في مرة وحصل ما بينكم خلاف، اوعوا حد فيكم يكابر في الاعتذار، مهما كان شدة الألم."
صمت للحظات، يشير بعينيه إلى بربروس وهو يتابع قوله:
"ابدأ واعتذرلها أنت الأول عشان دي الأصول، ولما هي تزعلك اعتذرلها برضه عشان يومك يعدي."
برزت الابتسامة على وجه الجميع، إلا "ياسين". نظراته التي يطالعها بها أربكتها وجعلتها تهرب، تتلاشى النظر في عينيه. فكانت نظراته نابعة من القلب، وما ينبع من القلب يصل إلى القلب.
***
صنع الأكاذيب هو أكثر ما يخيب الآمال. ككذبة "أبو المعاطي". ظل سنين يصطنع الود بعدما أخذ الخداع قناعًا له. يستمر بخوض اللعبة والحقارة تسري بدمه، وأصبح بلا شرف. هو الآن يقف أمام "فريد". تستطيع أن ترى المكان الذي اعتاد "فريد" مقابلته فيه، يجلس على مكتبه، بينما "أبو المعاطي" يقف أمامه يقص عليه ما يريد، بقول:
"هما المفروض دلوقتي في بيت يزن متجمعين عشان جوازته من مارال، ده اللي بربروس قالهولي. وبعد كده هيرجعوا يعيشوا في القرية وهياخدوا والدتها معاهم، وطبعًا ده من غير ما أخوها يعرف عشان المشاكل."
رد عليه "فريد"، وقد حملت كلماته الشر:
"بس طبعًا، إحنا بنحب المشاكل."
ابتسم "أبو المعاطي" ساخرًا، وهو يقول:
"ماتقلقش، أنا بعت لأخوها رسالة من رقم غريب وعرفته باللي بيحصل كله، بس تقريبًا لحد دلوقتي لسه ماشافهاش."
صمت "فريد" بنظرات مستفسرة:
"وأنت هتسافر معاه إمتى؟"
وضع عينيه بالأرضية، يخبره بتردد:
"للأسف بربروس مارضاش ياخدني معاه."
بتر حديثه باستهجان:
"عشان حمار."
حاول التبرير:
"أنا عملت اللي عليا وأكتر. حاولت كتير إنه ياخدني معاه القرية وهو رفض. لو كنت أصررت أكتر من كده، كان هيحس بشيء."
نظرات "فريد" له رافضة تصديقه، فاسترسل حديثه بقول:
"بس، بس أنا هحاول معاه تاني. أنا هاروحله دلوقتي وهعرفك كل شيء بيحصل، وأتمنى إنه يرضى ياخدني معاه المرة دي."
"ومستني إيه؟ أنا عايز أعرف كل حاجة بتحصل معاهم، تحركاتهم وطريقهم، وأي شيء بيحصل تقولي عليه أنتَ فاهم؟"
أشار برأسه بالإيجاب، بعدما ساد التوتر بالأجواء. أشار "فريد" بعينيه لكي يحثه على المغادرة، فاستجاب لطلبه على الفور.
***
هناك لحظات تدوم للأبد ولا يمكن نسيانها أبدًا. كلحظاتهم تلك. علت الفرحة الوجوه بعد عقد قرانهما. يهنىء بعضهما البعض على إتمام هذه الزيجة المباركة. يلتقطون الصور الفوتوغرافية مع العروسين. اقترب "ياسين" ببطء من "شمس"، قبل قوله برفق مع ابتسامة حانية زادت من وسامته:
"وإحنا مش هنتصور؟"
حاولت "شمس" الابتعاد عنه، ولكن منعتها يد "ياسين" الذي قال:
"شمس، استني."
طالعت بعينيها كف يده الممسك بمرفقها بإحكام. فحَرَّر مرفقها من قبضته بلين، يرجوها بعينيه قبل لسانه، يحاول التبرير:
"شمس، اسمعيني. أنا مش عارف أنا عملت كده إزاي. عارف إن مافيش حاجة تبرر اللي عملته، بس..."
قاطعته قبل أن ينطق حديثه بجمود، وقد حسمت قرارها، قائلة بجمود:
"ابعد عني ياياسين. أنا مابقيتش آمن على نفسي معاك."
طالعته بعينين امتزج بهما الخوف. فرأى في عينيها تلك النظرات التي كانت تطالعه بها حين كانت بالقبو، تخبره مصارحة:
"أنا رجعت أخاف منك من جديد."
استدارت وتركته يتتبع أثرها بقلب يأس. تمنى أن تكون آخر دقاته الآن. فما حدث لا يغتفر. أما عنه هو، عن "بربروس". اقترب من زوجته ببطء، يقف مقابلها بعدما لمعت الدموع بعينيه. تعلقت عيناها بعينيه، ثم اقترب هو منها بشكل ملفت، بعدما أصبحت حلاله. مال برأسه عليها، يقبلها من جبينها. اقترابه منها بهذا الشكل زاد من نبضات قلبها. شعر هو بذلك. ابتعد عنها يتأمل ملامحها بإعجاب صريح، متغزلًا بها:
"من بين كل نساء الأرض، فقد عشقها القلب. يالله! وأنت وحدك من أحببتني فيها، وأخيرًا وجدتها. ومن بين سائر النساء، جبر القلب بها، وأصبحت من القلب قريبة. وياحظ قرب قلبي بقلبك بعدما كنتِ غريبة. لم أكن أنويكِ حبًا، فقد وقع القلب فيكِ سهوًا. فكيف أعدل الميزان وقد ملئت الكفتين عشقًا؟ ربي أوصيك بها خيرًا، فعبدك الفقير لم يدق قلبه لأحدٍ من خلقك كما دق القلب لها دقا."
تجمعت الدموع بعينيها أثر حديثه. وتمتمت والدتها من فرحتها بهما. اقتربا الاثنان منها بعدما أشارت لهما بالاقتراب. حاولت البوح بما داخلها، ولكن مرضها منعها. ولكنه استطاع فهمها، فاسترسل حديثه بقول:
"لا تقلقي يا أماه، فلا أريدك أن تحملي همها الآن، فقد أصبحتم تحت حمايتي، ولن يستطيع مخلوق خلقه الخالق أن يمسها بسوء."
ابتسمت والدتها ابتسامة رضا على ما قال. فهبت "ساره" تخبرهم بابتسامة واسعة:
"أكيد مش هنعدي اليوم كده، إحنا لازم نحتفل."
رفع "الطبيب" كفه باعتراض:
"لا. لو على الاحتفال، فاحتفلوا أنتوا. أنا لازم أرجع البلد أنا وشمس، زهره مابطلتش اتصالات."
انتفضت عند سماع اسم والدتها. وبالرغم من حديثها مع "ياسين"، إلا أنها بحثت عن الأمان بداخله حين تبادلت معه النظرات القلقة. فشعر "ياسين" بذعرها، فنطق قائلاً:
"سيب شمس ياعلي، هاتروح معانا بعد ما نحتفل ببربروس ومارال."
اعترضت "شمس" على طلبه بارتباك، بينما "مارال" بترت حديثه:
"اخس عليكي ياشمس، بقى هتسبيني في يوم زي ده؟ أنا اتفقت أنا وسايه إننا هنحتفل بيومي في مكان حلو أوي، هزعل منك أوي لو ماجتيش معانا."
ثم أكملت حديثها بابتسامة واسعة، تشير بعينيها إلى بربروس:
"هو أنا هتجوز أنا وبربروس كل يوم؟"
دعمت "ساره" حديثها بقول:
"وبعدين إحنا حجزنا خلاص ومش هينفع ماتجيش معانا."
لم يكن هناك أي علم لـ "بربروس" بهذا الاحتفال، ولم يكن يعلم على ماذا ينوون. ولكنه التزم الصمت، على الأقل حتى لا يكسر فرحة مارال بيوم كهذا. لم يكن أمامها حل سوى الموافقة، فلا تريد كسر فرحتها بيومها هذا. ذهبت "مارال" لتغيير ملابسها، بعدما اتفق الجميع على العودة إلى القرية بعد الاحتفال. أما عن "الطبيب"، اتفق معهم على العودة قبلهما ومعه والدة "مارال".
***
أسدل الليل ستاره. هي الآن جوار "ياسين" في سيارته، تجهل وجهته. حل الصمت واتخذت مكانها النظرات، فأصبحت هي المسيطرة الوحيدة بينهما. قاطع "بربروس" تلك النظرات أثناء قيادة "ياسين" بسؤاله وهو في حيرة من أمره:
"إلى أين سنذهب أيها اللعين؟ أأنا آخر من يعلم بوجهتنا بليلة كهذه؟ وأين "ساره ويزن"؟"
أجابه "ياسين" محذرًا:
"أنا بحذرك، بلاش تعرف إحنا رايحين فين. ولو على ساره ويزن، فهم سبقونا على هناك بعربية يزن."
تبادلت "شمس" و "بربروس" النظرات المحيرة، بينما ابتسمت "مارال" إلى "بربروس" قائلة برجاء:
"سيبلي نفسك خالص النهاردة يابيدقوس، عشان خاطري النهاردة يومي."
وتحت إلحاحها بعيون راجية، انصاع لطلبها. وما مر سوى القليل حتى وصلا إلى وجهتهما. بانتظارهما ساره ويزن. وعند رؤيتهما قال:
"اتأخرتوا ليه؟ إحنا مستنيينكم من بدري، أنا حجزت في الأول."
بررت "مارال" التأخير بقول:
"أسفة لحد ما غيرت هدومي."
عقد "بربروس" ما بين حاجبيه مستفسرًا:
"ما هذا الحشد اللعين؟ وما أبشع هذا الضجيج بالداخل؟"
أشار له "ياسين" برأسه بعدما حثه على الدخول:
"ادخل ياشيخ عجوه، إحنا لسه على البوابة. الزحمة هتلاقيها جوه مش بره."
طالعته "شمس" باستغراب أجبره على الضحك، ثم أرضى هو حيرتها بإجابته:
"عارف إنك مش فاهمة حاجة، هندخل دلوقتي وهتعرفي كل شيء."
***
هناك من لا يستطيع عقله التوقف عن التفكير. هاتفته "زهره" للمرة التي سأم عددها. طالع "الطبيب" هاتفه بضجر وهو يستعد للنزول من المنزل، وبرفقته والده "مارال". لم يقدر على الإجابة، فهو يعلم ما ينتظره عند الرد. وقبل مغادرته، قابل "أبو المعاطي" بطريقه سائلاً:
"واضح كده إني جيت متأخر. أومال فين شيخنا؟"
هز رأسه يخبره بابتسامة ساخرة:
"مش هتصدق؟ بربروس راح يحضر حفلة كبيرة لحمزة نمرة، وكلهم معاه."
طالعه "أبو المعاطي" بعدم تصديق:
"معقولة."
***
الحشد يملأ المكان، والضجيج أصبح صاخبًا بالمكان أكمله. اتسعت ابتسامتها عند رؤية مطربها المفضل من على بعد. تراه أمامها، لا يوجد بينهما سوى عدة أمتار قليلة، يغني أغانيها المفضلة. يقف "ياسين" خلفها، يحميها بذراعيه من الحشد الكثيف، وكذلك يزن وبربروس يفعلون المثل. مال برأسه هامسًا بأذنها، نطق بهدوء شديد جعلها تشعر بالقشعريرة من كثرة اقترابه:
"مفيش شكرًا طيب؟"
حاولت التشبث بغضبها. استدارت تطالعه ولم تتخل عن تعابير وجهها القاسية:
"على إيه؟ أنا ماطلبتش منك تجيبني هنا."
كان جوابها مخيبًا لآماله. اتبع معها أسلوبه الملتوي:
"يعني مش مبسوطة؟ تحبي نروح؟"
ارتبكت وهي تجاهد لكتم بسمة سعيدة على وشك فضح أمرها. ناهيك عن صوت نبضات قلبها الذي دوى صوته في أذن "ياسين". أخبرته بعكس ما تشعر به تمامًا:
"مش فارقة، لو حابب تروح نروح عادي."
ابتسم بمكر، يطالعها بعينيه الصافيتان ببريق يسحرها كالعادة. سألته بتذمر:
"ياسين، أنت شايف نفسك على إيه بعد اللي حصل؟"
ابتسم بابتسامته الساحرة، يطالعها بعينيه السوداء كسواد الليل، قائلاً بجدية:
"أدب وأخلاق ومتربي وخفة دم. والله لو ينفع أبوس نفسي كنت بوستني."
حاولت كبت ابتسامتها بين شفتيها، ففلتت منها ضحكة صامتة. اقترب منها هامسًا بأذنها:
"اضحكي، ماتخبيهاش. بصي، هو نادر لما تلاقي حد قمر ودمه خفيف، بس أنا موجود، فمتفقديش الأمل."
طالعها بعينيه، واستدارت هي مسرعة تعطيه ظهرها قبل أن تغرق بهما، تطالع مطربها المفضل تدندن معه أغانيه بانسجام. وما مرت عدة دقائق حتى سمعت صوت "بربروس" يهتف معترضًا:
"وحسرتـــــــــا ه!"
"استغفرك ربي وأتوب إليك يا الله. أهكذا نبدأ حياتنا يامارال؟ نبدأ حياتنا بما حرم الله."
لم تنتبه لما قاله ببادئ الأمر من كثرة الضجيج. مالت عليه برأسها قائلة بصوت مرتفع سائلة:
"بتقول إيه؟ مش سامعة؟"
اقترب منها قائلاً بصدق لما يشعر به:
"أنا لا أشعر بالراحة بذلك المكان. افتقد لنفسي وأنا بداخله. أشعر وكأن شياطين الأرض تحاوطني. إذا أردتِ، ستأتين معي، وإذا اعترضتِ ستأتين معي أيضًا. ليس هناك خيار آخر. هل من اعتراض؟"
تدخل "يزن" بالحديث قائلاً:
"اهدأ بس يابربروس، هو خلاص الحفلة قربت تخلص، إحنا بقينا في نصها والمطرب أخد الراحة بتاعته."
صاح وقد فقد كل ذرة ثبات لديه:
"لا والله! وبعقد الهاء، لن أبقى هنا لدقيقة واحدة."
حاولت "مارال" أن تستعطفه وهي تسعى لإيقافه، ولكن دون جدوى. فقد جذبها من مرفقها إلى الخارج. هدأ الضجيج قليلاً. استدارت "شمس" تبحث بعينيها عن "ياسين"، وكأنه تبخر. اقترب منها "يزن" طالباً برجاء:
"قربي مني ياشمس، ماتبعديش."
"هو فـيـ"
وقبل أن تستكمل سؤالها، بتر "يزن" حديثها بقول:
"مشي وقالي أخلي بالي منك."
شعرت بثقل كاهلها عندما علمت برحيله. هوى قلبها أرضًا. هل حقًا تركها ورحل؟ شردت للحظات، لا تعلم كيف مرت عليها. فاقت من شرودها على صوت "حمزة نمرة" من جديد، يقول هاتِفًا بمكبر الصوت:
"الأغنية اللي جايه هتبقى أغنية كلكم حبتوها ونجحت بيكم، أغنية رياح الحياة."
صاح الحشد عند سماع كلماته، يهتفون باسمه. فاسترسل حديثه قائلاً بصوت مرتجف، ينظر يساره، وبدا الخوف على ملامحه جليًا:
"الأغنية دي مميزة لبنوته معانا هنا اسمها شمس المهدي، بتحبني."
وكأن هناك من توعد له، وهو ينظر يساره. فصحح حديثه:
"أقصد، بتحب الأغنية دي أوي ومميزة بالنسبالها."
هناك أفعال صادمة، ولكن فعله كان أكثر من صادم. لم تكد تصدق ما تسمعه أذنيها. شهقت "ساره" عند سماع اسم "شمس". استدارت لها "شمس"، ولم تستطع أن تكبح سعادتها هذه المرة. فاستكمل حمزه نمره حديثه قائلاً وهو يردف:
"أحب أهديلك الأغنية دي وأقولك، بالرغم من الأغنية حزينة، بس هو مش عايزك تشوفيها حزينة، عايز يشوفك سعيدة دايما وبتضحكي. راحته في ضحكتك ياشمس."
ارتجافة صوت "حمزه" واضحة بنبرته. مال "ياسين" بـجسده شيئًا بسيطًا من جانب المسرح، تراه يحرك شفتيه قائلاً ببطء حتى تستطيع قراءة ما يقول على شفتيه:
"آسف."
فعلته جذبت الأنظار إليها. أفعاله تربكها. هو هكذا مربك دائمًا. تقف بتوتر، ولمعت عيناها ببريق مختلف. كل أفعاله تؤثرها. كان الجميع يصب نظره عليها. وجدت قدميها تسحبها للخارج. خرجت بين الحشود بقلب أصابته الرجفة. وجدت من ينقر بأصابعه على كتفها، وكأن الأنفاس تنسحب منها الآن. قلبها يدق بعنف، قائلة بلين:
"عايز مني إيه ياياسين؟"
فأجابها آخر شخص تتمنى أن تراه:
"عجبك الشويتين اللي بيعملهم عليكي."
دب الرعب بقلبها من نبرته. فهذه النبرة تعلمها جيدًا. نبرة "فريد". استدارت تطالعه ببغض، رائحته مقيتة، تذكرها بأسوأ لياليها. ابتسم ساخرًا وهو يردف:
"مفاجأة، مش كده؟"
لا تعرف ماذا تفعل، وكأن محركات عقلها قد أصيبت بالصدأ المفاجئ. أردفت بأول سؤال ورد ببالها:
"أنتَ عرفت مكاني منين؟"
أجابها بما هو بعيد عن سؤالها:
"بس ياترى مفاجأة حلوة ولا وحشة؟"
نبرته مخيفة. عادت بخطواتها للخلف حتى اصطدم ظهرها بمقدمة السيارة. استرسل حديثه بانفعال، وظهر هذا في صيحته المنفعلة:
"عنيكي بتقول إنها مفاجأة، بس للأسف مش حلوة. مع إنّي حلو وأتحب، بذمتك مش أنا أتحب؟"
لم تجب، بل أجابت الدموع بدلاً عنها، تتذكر ما كان يريد فعله بها آخر مرة قابلته بها. أضاف لحديثه السخرية عند رؤية دموعها، قائلاً:
"بلاش دموعك دي، عشان ما بقتش أصدق إنك لسه البنت البريئة الشريفة. إيه؟ طلعتوا كلكم كده؟ مافيش بنت شريفة الأيام دي؟"
"طب قلت الكلام ده لأمك؟"
وجه "ياسين" سؤاله له بعدما ظهر من العدم ووقف بالمنتصف بينهما، وكأنه سد منيع. من يصدق الآن أنهم يقفون في مواجهة لأول مرة بعد زواجه من شمس، الذي قلب كل شيء رأسًا على عقب. طالعه "فريد" بعدما انفعل وظهر هذا في صيحته المنفعلة:
"مش لما تقولوا لأمك أنت الأول."
لم يجبه بالكلمات. كانت الإجابة نظرة نارية منه. وقبل أن يهتف وتزداد الشرارة بينهما، طالع "ياسين" من حوله ليجد رجال تابعة لـ "فريد"، وكأنهم ينتظرون رد فعله. أدرك بأنه ينصب له الفخ. فاستدعى كل ذرة ثبات لديه، ثم مال برأسه عليه هامسًا:
"مترفعش صوتك على تلاتة."
١- أمك
٢- أبوك
٣- أنا
سأل "فريد" مراوغًا:
"وده عشان إيه؟"
رد مسرعًا:
"عشان مصلحتك."
نطق "فريد" بكلماته، وقد حملت عيناه الشر ورغبة شديدة في أن يذوق مما يشعر به الآن:
"تعرف إن ممكن أقتلك هنا ومحدش يحس بيك؟"
طالعه "ياسين" باستخفاف:
"لا، ده أنت لو قتلتني أضايق أوي."
وقبل أن ينهي حديثه، أنذر الطقس بنزول أمطاره بليلة باردة كهذه. شعر بأنفاسها الباردة من خلفه، وعلم بأنه يجب إنهاء الشجار من أجلها.
تأوه عالٍ صدر من "فريد" حين قبض ياسين على ذراعه وثناها خلف ظهره، هاتِفًا بغلظة:
"اسمع يلا. أنت استهلكت ١٠٠٪ من رد فعلي المحترمة. أنت دلوقتي على نظام لو مش متربي، أربيك."
أخبره بما يتوعد له، وهو يحرر يده من قبضته:
"حاول تقرب منها تاني، وأنا هخليك تحضر زفتك على قبرك."
خرج الجميع من الحفلة بعد انتهائها، وهناك من صور هذه المشاجرة. حاول "فريد" إنهائها قبل أن تعلم الصحافة بمشاجرته. اقترب يبتسم بغيظ، ويمد يده بالسلام، يتمتم من بين أسنانه:
"بكرة نشوف مين اللي هيضحك في الآخر."
طالع كف يده بسخرية، وقد برزت الابتسامة على ثغره، قائلاً:
"والله أنا كان نفسي أمد إيدي وأسلم عليك، بس شمس بتغير عليا لما أسلم على حريم."
جذب بيده تلك المتشبثة بستترته القطنية من الخلف، قائلاً لها بنبرة يأمرها بها:
"يلا ياشمس."
تحركوا تحت نظرات "فريد". صعدت إلى السيارة، وجلس هو على مقعده أمام عجلة القيادة، ثم تبع ذلك بصفع الباب. ضغط على زر المساحات حتى يمسح قطرات المطر من على زجاج سيارته بعدما قاد سيارته بغيظ. يمكنك سماع احتكاك صوت إطارات السيارة من شدة انزعاجه. جلست بجواره وهتفت بامتنان لكل ما يفعله:
"شكراً."
استدار يطالعها بعدما عقد حاجبيه، ثم عاد ينظر للطريق أمامه من جديد، سائلاً:
"معنى كده إننا اتصالحنا؟"
هربت بعينيها نحو الزجاج جوارها، تتابع قطرات المطر التي تتساقط على الزجاج، وتجاهلت الرد عليه. تطالع الطريق. سمعته يقول:
"أنتِ خايفة منه ليه ياشمس؟ ده حقير ولا يسوى. ماتبينيش ضعفك قدامه، أنتِ مش ضعيفة، ده أنتِ اتربيتي."
أكملت حديثه قائلة بانزعاج:
"على الخوف؟ ماتربيتش غير عليه، ولا نسيت؟"
رد عليها بعينين اختلط صفاء بريقهما بحبه لها:
"لأ. مانسيتش، وعمري ما هنسى في يوم. وزي ما زرعت الخوف جواكي، هحصده من قلبك وأقتلعُه من جذوره، وده وعد مني ليكي ياشمس."
عم الضجيج في قلبها، وأخفت ابتسامتها مسرعة، وقف بإشارة الانتظار وقد رسم على زجاج سيارته المغيم بقطرات المطر وجه ضاحك. عقدت بين حاجبيها، تتابع ما يفعله بعدما نقش على الزجاج المجاور له جملة بجانب الوجه الضاحك. قامت بقرائتها، ألا وهي:
"اضحكي ياشمس."
أخفت ابتسامتها مسرعة وهي تستدير تقول بحدة:
"لأ."
***
لم تغفو "زهره" حتى الآن، وقد قاربت الساعة على الرابعة صباحًا. تراقب النافذة كل عشر دقائق تقريبًا، حتى سمعت صوت غلق باب السيارة. أتوا جميعًا سوياً بعدما حادث يزن ياسين بالهاتف. هبطت من غرفتها مسرعة. صفعت "شمس" باب السيارة من خلفها. أوقفها "ياسين" عند سماع اسمها قائلاً:
"مش قادر أسيبك تطلعي قبل ما تقولي إنك مسامحاني."
فردت عليه باستياء دون أن تستدير له:
"أنتَ ما دوستش على رجلي بالغلط ياياسين، دي تاني مرة تبقى عايز تقتلني فيها. أنتَ لازم تتعالج."
مسح على عنقه بتعب، وقبل أن ينطق هاتِفًا، جذبتها "زهره" من ذراعها بحده قائلة:
"كده ياشمس؟ كده تعملي فيا أنا؟ كده يابنتي؟"
تركته يتتبع آثارها بعينيه، فناداها باسمها مرة أخرى، فصمتت أذنيها عن ندائه.
***
من أكثر الأشياء المغرية في ليلة باردة كهذه هو دفء الفراش، وخاصة مع مساء ليلة لم يرحمها الشتاء. أخيرًا، في غرفتها بعد ليلة طويلة مرهقة، نام الجميع، وبالأخص والدتها، ولم يبق سواها مستيقظة. شردت فيما حدث، تستذكر يومها الطويل وما حدث به.
***
أما عنه، يريد الراحة بعد يوم مجهد كهذا. ولكن لأول مرة يتفق قلبه وعقله على عدم راحته. أرغماه على الإبحار في ما حدث بالقاهرة بمنزل "مشيرة"، والنتيجة هو هنا يقف أسفل شرفتها يناديها بصوت هامس حتى لا تستيقظ والدتها، بعدما علم بأنها نائمة بغرفتها. اقتربت من النافذة، تنظر خلفها بارتباك لتلك النائمة على فراشها، سائلة بصوت هامس:
"إمشي ياياسين. بتعمل إيه هنا؟"
برر "ياسين" حيث هتف برجاء:
"عايزك تسمعيني."
رمقت والدتها وهي نائمة بارتباك:
"مش وقته. أمي لو صحيت وشافتك هتبقى مصيبة. إمشي دلوقتي."
طالبته بنبرة شبه باكية، أوَشَكت على البكاء:
"أرجوك إمشي."
شعرت بتقلبات والدتها على الفراش. أغلقت النافذة مسرعة، وقبل أن تستدير من غلقها، وجدته بغرفتها. تمسك بمرفقها. أدارها إليه لتنظر له. وضع كف يده على فمها بقوة بعدما اصطدم ظهرها بالنافذة. تعلقت حينها عيناها بعينيه، وفي عينيه نظرة لن تنساها أبدًا. وقد غزت حصونها الدموع التي صارت أقرب رفيق لها. ولكنها رفيق إجباري. رمقته بخوف، فقد شعرت ببوادر نوبة، كما حدث من قبل. تلك الرعشة بيده، عينيه الزائغة، كل شيء تراه أمامها الآن ما هو إلا بوادر نوبة تحدث له من جديد. فعلم هو نظرتها وخوفها منه. رمقها وقد انهار أمام عينيها الزيتونيه، وفعل عكس المتوقع هذه المرة. حرر فمها بعدما أنزل كف يده من على شفتيها. سألته بذعر، وبنبرتها:
"بتعمل إيه هنا ياياسين؟"
أجابها بما لم تكن تتوقعه، بكلمة واحدة ومختصرة:
"عايزك."
وضع كف يده المرتعش على وجنتيها برفق. اقترب منها، كاد أن يقبلها، ولكنها تراجعت للخلف، تحاول ألا تصدر صوتًا على قدر المستطاع، حتى لا توقظ والدتها. تبعده بعيدًا عنها، ولكنه استمر بالتقرب منها. فأوقفته قائلة:
"ياسين كفاية. ياسين اهدأ. أنتَ بتعمل إيه؟"
أدارته بيديها بقوة، فاصطدم ظهره بعرض الحائط. وما وجدت سكينًا بجانبها، حتى رفعته على عنقه، قائلة:
"لو ما مشيتش من هنا حالا، أنا أنا."
وضع كف يده على يدها القابضة على السكين، يغرزها بعنقه أكثر، وباليد الأخرى يضمها إليه، سائلاً:
"ولو ما مشيتش، هتغرزي السكينة في رقبتي؟"
حاول الاقتراب ليقبلها مرة أخرى، فمنعته من جديد:
"ياسين، أنتَ مش في حالتك الطبيعية."
فرد وكأنه غريق يطلب النجاة:
"خلاص، خليني أتعافى بيكي."
أخبرته بكيل قد طفح:
"أنا مش دواك عشان تتعافى بيا. فوء بقى ياياسين، أنتَ لازم تتعالج. عشان خاطري، لازم تتعالج."
أنهت حديثها، وفاق لنفسه، يشعر بما فعله للتو. ابتعد عنها مسرعًا، يخبرها بصدق نابع من عينيه قبل لسانه:
"أنا مش كويس. حاسس إني مش بخير."
كان صريحًا معها. براءة عينيه تخبرها دائمًا بصدقه، وضاعف هذا خوفها عليه. وهو يكمل:
"حاسس إني بغرق وبعافر مع الموجه، مابلحقش آخد نفسي، ومش لاقي إيد تتمدلي وتقولي أنا جنبك."
علمت بانتهاء نوبته. اقتربت منه ببطء، رفعت كفها ووضعت يدها على قلبه، قائلة بصدق بانٍ في عينيها:
"أنا جنبك."
كلماتها بثت بقلبه الطمأنينة، وكأنها كالجذر الأخضر في عروق ذكرياته اليابسة. أنزلت كفها بارتباك من نظراته أولاً، ثم من صرخة "زهره" ثانيًا. كانت صرخة "زهره" هي الصرخة الناهية لأي أحاديث جانبية.
"يـــــالهــــــوي!"
كاد صراخها أن يفيق المنزل بأكمله، فبادرت قائلة:
"هو ده اللي أنا كنت خايفة منه. بتتهجم على البت في نصاص الليالي ياياسين؟"
أصابه التعب وقد أنهك الإرهاق جسده. أجابها بعيدًا عن سؤالها:
"أنتِ كنتِ بتسقطي في مادة الدين."
عقدت ما بين حاجبيها، وحثها فضولها لسؤاله:
"ليه؟"
أجابها ببرود:
"أصلك سقطت إنها مراتي."
صاحت بغيظ:
"ماتقولش مراتك."
كرر كلماته بإصرار:
"لأ، هقول. ومش بس كده، من هنا ورايح هقولك يا حماتي."
تركها ورحل. زادت اتساع حدقتي زهره. أن ما تسمعه الآن أصبح واقعًا مريرًا لم ترضَ به أبدًا. ستحاول فعل الكثير والكثير حتى ينتهي ذاك الكابوس الذي يدعى بياسين.
***
حلت الظهيرة، وحلت معها المشاكل من جديد، بعدما عقدت "زهره" العزم على المغادرة والعودة إلى بيتها القديم. تضب ما تبقى من احتياجاتها بداخل حقائبها. حاولت "شمس" منعها، ولكن دون جدوى، فقد أصرت على المغادرة بأسرع وقت. لم تمنعها "الخالة"، بل تركتها تفعل ما يحلو لها. حاول "الطبيب" منعها، ولكن دون جدوى. حزن قلبه لفراقها بقول:
"أنتِ كده بتنهي كل حاجة بينا يازهره، ومابقتيش باقية عليا."
أجابته متحدية:
"لما تبقى تقف لأخوك المحترم اللي فاكر بنات الناس لعبة، ابقى وقتها ابقى عليكِ، لكن أنتَ واقف متفرج وبس."
رد على حديثها باستهجان برز فيه اللوم:
"عايزني أعمل إيه؟ ده واحد ومراته وبنته مش قاصر."
هبت تحمل حقيبتها بين يديها، تنادي على حسان متجاهلة حديثه:
"يلا ياشمس."
"أيوه ياماما، بس..."
بترت حديثها بقول:
"من غير بس، لو مامشيتيش معايا دلوقتي، ياشمس، اعتبري إنك مالكيش أم ولا ليكي أخ اسمه حسان."
أنهت حديثها، ووجدته أمامها يـخبرها بعكس ما تتوقعه:
"امشي مع أمك ياشمس. مش معقول هتخسري أمك وتكسري كلمتها عشاني."
قال هذا متصنعًا عدم الاهتمام، فرفعت كتفيها تجيبه تسأله باستعلاء:
"أنتَ شايف كده؟"
أنهى حديثه بقول:
"مافيش حل تاني غير كده."
حديثه أثار غيظتها. تنهدت بعمق، تاركة إياه خلفها ذاهبة مع والدتها. وقبل أن تغادر، ألقت زهره بكلماتها ساخرة:
"لا فيك الخير أوي."
ابتسم ساخرًا، يجيبها بصوت مرتفع حتى يصل لها وهي تغادر:
"طول عمري، بس البهايم مابتقدرش."
***
دائمًا ما تكون الساعات التي تسبق الكارثة هادئة، ولكن بحالتهم تلك، الساعات الأخيرة كانت الكارثة الحقيقية بالنسبة لياسين. كل هذه الأحداث مرت وأوصلتهم إلى هنا، إلى تلك النقطة تحديدًا، وهي انهيار "زهره" أمام بيتها المحترق، بعدما همس "ياسين" بأذنها بقول:
"بلاش تتحديني يازهره. أنا أصلي يتفاتلي بلاد والبلاد تتفات عشان خاطر عيونها."
هنا أدركت بأنه هو من أحرق المنزل. تركها ورحل، يصعد إلى موتره. تتبعت أثره بعينيها، صارخة باسمه بنبرة مليئة بالقهره على فعلته.
***
الأمر أصبح أصعب من كل شيء. أشبه بمن وضعك في الغريق وأعطاك قشاية وقال لك: قم بإنقاذ نفسك. هنا حيث يجتمع الجميع بالبهو بمنزل "الصاوي". الجميع بلا استثناء غير راضين على فعلته. الكل بانتظاره، ولا يشعر بثقل الوقت إلا المنتظر، وخصوصًا زهره. أما عن "شمس"، فكانت تتمنى عدم حضوره حتى لا تتم المواجهة بينه وبين والدتها، وهي تعلم مسبقًا بنهاية تلك المواجهة. حضر أخيرًا، ممسكًا بكف يده خوذته السوداء الخاصة بموترة. يخبرهم ساخرًا:
"يـــــاه."
كل ده صاحي عشاني.
وضع خوذته على المقعد المجاور له، يسترسل حديثه:
_ده أنا طلعت مهم اوي كده وأنا معرفش.
ضربت "الخاله" بيدها على عكازها تخاطبه بلهجة صارمة:
_أنت اللي حرقت بيت زهره ياياسين.
لم ينكر بل هز رأسه بالإيجاب:
_أيوه أنا يا أمي اللي حرقت البيت.
هبت "زهره" واقفة تحاول أن تستوعب ما يحدث.
وجهت حديثها "للطبيب" مؤكدة على ما أخبرته من قبل:
_شوفت مش قولتلك إنه عمره ما هيتغير وقولتلك برضوا إنك ماتقدرش تعمل معاه حاجة من وقت ما ياسين رجع وحياتنا بقت جحيم. وأنت واقف تتفرج عليه.
أنهتها "الخاله" عن فعل ما تقوم به، قائلة:
_بس يازهره ماتقوميش الأخوات على بعض.
نطقت بقهر امتزج بوجعها:
_اسكت!
_يعني أبقى أنا المظلومه وخسرت بيتي وأرضي وتقوليلي اسكت.
قاطعها "الطبيب" وهو يقترب منه وجعل كل من بالغرفة يوجه أنظاره عليه، سائلاً بنبرة جامدة:
_حرقت بيت "زهره" ليه ياياسين؟ من امتى بنيجي على بعض بعد ما كنا بنقف في ضهر بعض.
فضل الصمت على الحديث. كرر "الطبيب" سؤاله:
_ساكت ليه ماتنطق.
أنا بسكت علشان لو اتكلمت هخليها تروح تتعالج نفسيًا.
هكذا كان رده مما جعلها تطالعه بغضب شديد وكأن النظرات الغاضبة اليوم من نصيبه هو فقط، قائلة:
_أنت مالقيتش حد يربيك وانت صغير.
أجابها ببرود:
_معلش مكانوش فاضيين يربوني.
أجابته باردة مما جعلها تستشيط غضبًا، قائلة بسخرية من الطبيب:
_شايف بيتريء ازاي على مراتك. وأنت شايف مراتك بتتهزء قدامك وواقف ساكت.
نجحت بأشعال غضب "الطبيب" مما جعله يردف:
_أنت كده بتيجي عليها بزيادة ياياسين.
ظهرت على وجه "ياسين" تقاسيم مسترخية على عكس ما كانت تتوقعه "زهره"، فأخبره بهدوء:
_هي اللي جت علينا الأول ياعلي وجت عليك قبل ما تيجي عليا.
اقترب منه الطبيب بنبرة تهكمية سائلاً:
_هو أنا اشتكيتلك.
مش لازم تشتكي، شيء أنا شايفه بعنيا مش لازم تنطقه بلسانك.
تدخل "بربروس" في محاولة منه لتهدئة الوضع قائلاً:
_ياسين لا تأخذ كل الأمور بشكل جدي هكذا يارجل.
أجابه بنبرة بها من العصبية ما يكفي:
_حاضر هاخدها بشكل جدتي.
انفعل "الطبيب" وظهر هذا في صيحته المنفعلة يركل المقعد المجاور له وهو يهتف:
_أنت كل حاجة عندك تريئه وهزار. ولا ياياسين لازم أنطقه! أنت اللي بتيجي عليها دي مراتي. عارف يعني إيه مراتي يعني كرامتها من كرامتي ومسمحش لحد مهما كان إنه يقلل منها. انت فاهم.
لم يهتز "ياسين" أثر حكته الأنفعالية بل أجابه بنبرة لا تقل حدة عن نبرته:
_وأنا بقولك إنها ماتستاهلش إنك حتى تقف وتتكلم عشانها وتدافع عنها. دي كانت عايزة تسيبك وترميك ورا ضهرها. خلي عندك كرامة وثور لنفسك مرة واحدة في حياتك بدل ما هي ممرمطاك وراها بقالها سنين وانت واقف تتفرج وهي بتلعب بيك وبتحاول توقع ما بينا. دلوقتي انت مش شايف؟ مش شايف هي بتعمل إيه؟ الحية عمرها ما بلعت سمها لكن بتبخ سمها علينا.
تنهدت "بغيظ" قائلة وقد اشتعلت ثورتها، توجه حديثها للطبيب:
_شايف بيقول عليا حية إزاي. سايبه يغلط في مراتك.
_كفايه بقى ياماما كفايه.
كانت هذه صرخة "شمس" صرخة ممتزجة ببكائها مما يحدث، فكانت ردت فعل "زهره" ما هي إلا ثورة من الجمر قد اشتعلت بالمنزل:
_أنا عايزه حقي ياعلي. بيقول على مراتك حية وانت واقف؟ وببخ سمي؟ ماتبقاش راجل لو مجبتليش حقي دلوقتي. وأنا مش هقعد على ذمتك بعد كده ولو دقيقة واحدة.
توترت الأجواء بالمنزل. الكل يؤلمه ما يحدث. يقف الأشقاء بمواجهة البعض والسبب أنثى تحثه على أخذ حقها منه. طالبة "الطبيب" وقد اشتعلت ثورته:
_اعتذرلها ياياسين.
وجاءه الرفض بالمقابل:
_تبقى مجنون لو فكرت إني ممكن أعتذرلها ياعلي. عارف ليه؟ عشان أنا مكذبتش وهفضل أقول إنها حية طول ما أنا عايش وهبقى على حق.
أثارت جملته الأخيرة انفعاله وجاءه ما هو غير متوقع عندما قام "الطبيب" بصفعه على وجهه من أجلها. صفعه دون ذرة تفكير واحدة في القادم. صفعه دون تردد ولا تعقل وكأنه بهذه الصفعة يخبره بأن جدار الأخوة بينهما قد هلك.
صرخت الخاله بأسمه عند رؤية الأشقاء يتقاتلون والسبب أنثى.
_ولــــــــــدي.
رواية الهجينة الفصل 104 - بقلم ماهي احمد
الحياة كالوردة، كل ورقة خيال وكل شوكة حقيقة. خُلقنا من حزن ومن حب، وكل منهما يكمل الآخر. الفؤاد يخبرني بأن الحب رحمة، والعقل يقنعني بأنه نقمه. ربما الحب أمل، وربما يكون الألم. وما بين ذاك وذاك أقع أنا. أقع هنا.
يبدو الأمر وكأنه شبه صدمة لحظية مرت على عيون "ياسين" عند رؤية دماؤها المتناثرة بين كفيه. ثنى ركبتيه، يضمها بداخله، شعر وكأن الأنفاس تُسلب منه. حاول تجميع الكلمات من بين شفتيه لكي ينطق حروف اسمها: شين تليها ميم يليها سين، أحرف سهلة وبسيطة. وعلى الرغم من بساطتها، لم يقدر على نطقها. شعر بصدمة، صدمة ذكرته بحدث مر. حدث مر عليه أكثر من عشر سنوات، وكأن كل شيء يتجدد من جديد، وكأن عقله عاد إجباريًا بالزمن إلى ما حدث قبل هذا.
شعر بوميض أبيض داخل عقله يأخذه إلى رحلة للماضي، يتذكر بها تلك الليلة. الليلة التي نزفت بها القلوب دمًا. ليلة موت "عمار". تجمد الوقت في تلك اللحظة، الدماء المتناثرة وهو يضمه داخل صدره. كل شيء يتكرر، وكأن الزمن يعود من تلقاء نفسه. تحولت صورتها أمامه إلى صورته، وكأنه يراه بدلاً منها. هنا جحظت عين "ياسين"، يتذكر ما حدث بالتفصيل في تلك الليلة القاتمة عندما فقد "عمار" روحه. تذكر صرخته وألمه، تذكر كيفية موته عندما سلب "العربي" روحه بانتزاع قلبه من داخل صدره. وجد لسانه ينطق حروف اسمه بدلاً عنها بنبرة هامسة:
_عمـــــــار
ساعة وربما أكثر تقف "غدير" خارج القرية أمام منزله. تحديدًا أمام محل الدراجات الخاص به. تنظر للمصابيح بأعمدة النور بحزن. رفعت رأسها تصوب عينيها ناحية شرفته، حتى وجدت يزيح الستائر من على نافذته. وقع بصره عليها، طالعها باستغراب على وقفتها هذه بمنتصف الليل. توترت "غدير" فور رؤيته، استدارت عائدة، ثم قام بمناداتها بأعلى صوته:
_غديـــــر، استني.
ارتفعت نبضاتها عند سماع صوته، وسعت من خطواتها، تعيد خصلات شعرها خلف أذنيها بارتعاشة واضحة على كفها. انطلق كالسهم نحو الخارج، ساحبًا سترته القطنية من على الأريكة يرتديها، مهرولاً على الدرج. خرج من مدخل منزله يبحث بعينيه عنها بعدما ابتعدت. وما أن وقع بصره عليها حتى ركض صوبها، أوقفها وهو يلهث بقول:
_أيه يابنتي مش بناديكي ما وقفتيش ليه؟
لم تجب عليه بالكلمات، بل أجابت الدموع التي لمعت بعينيها بدلاً عنها. وتابع هو وقد استدار يطالعها بتركيز:
_مالك ياغدير فيكي ايه؟
حالة من الصمت قد نالت منها. مد كف يده يربت عليها بحنان، يشير بعينيه بقول:
_طب تعالي معايا.
وافقته "غدير"، وما أن اتجها إلى محله، أمطرت السماء فجأة بدون إنذار. وكأنها تحمل إشارة معها بأن كل شيء سيصبح على ما يرام. استدار يطالعها بقول:
_مدي شوية، الجو اتقلب في ثانية.
وسعت من خطواتها تسير خلفه، وكانت النتيجة تجلس معه في محله، تنتظر حديثه. طمأنها "بدر" بنظراته وكفه الذي حاوط كفها، حيث جلس القرفصاء أمامها، يطالعها، يرى قطرات المطر على خصلاتها. ثوانٍ وأتى سؤال "بدر" بعدما أزاح خصلاتها المتناثرة على وجهها بكف يده. أعطاها ابتسامة قبل قوله برفق:
_مش ناويه تقوليلي مالك؟
هزت رأسها بالرفض، أبت الإجابة. لا تعلم كيف قادتها قدماها إلى هنا. وقفت تستعد للمغادرة بقول:
_أنا ماشيه.
قالتها وتحركت لترحل، ولكنه لحق بها يقطع الطريق أمامها. وقد حسم أمره حين نطق:
_رايحه فين يامجنونة في الجو ده؟ أنت مش شايفه المطر عامل ازاي بره؟ لو طلعتي بره المحل دلوقتي أكيد هتتعبي.
أشار لها بعينيه على المقعد بقول:
_اقعدي ياغدير، لو مش عايزه تحكي ماتحكيش وأنا مش هسألك على حاجة، بس ماتمشيش في الجو ده ممكن.
قالها بعيون راجية، فجلست على المقعد بعدما أشارت برأسها بالموافقة. أدار ظهره يحضر كوبًا من الشاي الساخن حتى تشعر بالدفء بيوم شديد البرودة كهذا. مد كفه بالكوب قائلاً:
_خدي ياغدير اشربي كوباية الشاي دي عشان تدفي.
مدت يدها المرتجفة من قسوة البرودة التي غزت جسدها. اقترب "بدر" وقد شعر بارتجافة جسدها، فقال بنبرة حانية:
_باين عليكي سقعانة.
انتزع سترته القطنية من على جسده يحاوطها بها وهو يقول:
_البسي دي هدفيكي.
_طب وانت؟
قالتها مسرعة بلهفة. برزت الابتسامة على ثغره حين شعر بخوفها قائلاً:
_هطلع اجيب چاكيت تاني من فوق.
استدار يستعد للرحيل. ثم نظرت للأرضية وهي تحاول أن تجمع الكلمات كي تكون جملة مفيدة. جملة أوقفته مكانه دون حراك حين قالت:
_هو أنا ينفع أثق فيك يابدر؟
ترك مكانه ودار ناحيتها، يحثها على القول بعيون بان بها الصدق في قوله:
_أنت شايفه ايه؟
أجابته "غدير" بنظرة رضا تطالعه ببراءة وهي تقول:
_أنا مطمنالك.
كلماتها، بالرغم من أنها قصيرة، ولكنها أدت دورها جيدًا. وقد غزت قلبه. ابتلع ريقه وأعطاها ابتسامة قبل قوله برفق:
_يبقى احكيلي ياغدير.
نطقت غدير بألم:
_ياســــين مش من البشر زينا.
سحب المقعد بكف يده يجلس مقابلها، وقد بدا على وجهه الاهتمام، سائلاً:
_يعني ايه؟
الشتاء لياليه بريئة إذا كنت بداخل غرفتك يحتضنك الفراش ويبعث دفئه داخل روحك. وشديد الرعب إذا كنت بالخارج تحتضن من تحب ودماؤه متناثرة على كفك. لا زال "ياسين" يتذكر تلك الرجفة التي هزت قاع قلبه حين رأى فقيده وفلذة كبده بين يديه. استجمع ذاته المشتت وحاول أن يخرج الكلمات منه صحيحة غير متقطعة وهو يقول بدموع قد فرت من عينيه:
_طب ازاي وانت كنت معايا دايما؟ طول الوقت ومابتسيبنيش؟
تابع "بدر" سؤاله بقول:
_يعني ايه ياغدير مش من البشر زينا؟
نطقت بقهر:
_يعني مستذئب، ومش بس هو.
شعر "ياسين" بقطرات الماء تتساقط عليه، فرفع رأسه ليجدها الأمطار التي امتزجت بدموعه حين فاق من شروده. كانت "شمس" ما زالت على حالتها بين ذراعيه، تطالعه بنظرة مستغيثة من عينين صارتا بحرًا من الدموع، تهتف بصوت شبه هامس من شدة ألمها:
_مكانش هو اللي بتكلمه يا..
استجمعت ذاتها وهي تقول بنبرة متقطعة يتخللها الألم:
_ياياسين، كل ده من وحي خيالك. عمار مات..
من ..
الشمس كانت لسه ما غابتش، لكن الدنيا بدأت تضلم. كنت واقف على شباك الأوضة، ببص على الشارع اللي تحت. الناس رايحة جاية، عربيات ماشية، كل واحد في دنيته.
"مالك واقف كده ليه؟"
لفتت وبصيت ورايا. كانت هي. واقفة في نص الأوضة، ماسكة في إيدها كوباية شاي.
"مفيش، بفكر."
"بتفكر في إيه؟"
"في كل حاجة."
ابتسمت ابتسامة خفيفة، وجت قعدت جنبي على الكنبة.
"مش لازم تفكر في كل حاجة لوحدك."
سكتت شوية، وبعدين قلت.
"محتاج ألاقي حل للمشكلة دي. بسرعة."
"وأنا معاك. هنلاقي حل سوا."
حسيت براحة غريبة. وجودها جنبي كان بيخليني أحس إني مش لوحدي.
"بس لازم نتصرف بحذر. لو عرفوا إننا بنحاول... "
"عارفة. بس مفيش حل تاني. لازم نجرب."
صوتها كان فيه ثقة، وده اللي خلاني أحس بالأمل.
"طيب. هنعمل إيه؟"
"أنا عندي فكرة."
قربت مني، وبدأت تحكيلي خطتها. كانت خطة جريئة، بس يمكن دي الحاجة الوحيدة اللي ممكن تنفع.
من عشر سنين.
كلماتها مع تذكر ما حدث تلك الليلة، أكاد أجزم لو أن القلوب تصدر صوتاً حين تنكسر لأصمك انكسار قلبه الآن.
***
أخبرها "بدر" ساخراً:
_ مستذئب!
طالعها بعينين بان عدم التصديق بهما:
_ اسمعي يا غدير، لو مش عايزة تحكي بلاش، بس ماتسرحيش بيا. احنا هنا مافيش حاجة اسمها مستذئبين، احنا مش في فيلم على الـ mbc2، احنا عايشين في الواقع في قرية الصاوي والواقع بيقول مافيش حاجة اسمها مستذئبين.
رده جعل الدموع تتحجر بعينيها. وقفت مغادرة بقول:
_ كنت عارفة إنك مش هتصدقني، بس كنت عايزة أحكي مع حد اللي واجعني ومش عارفة جيت لك أنت ليه.
استعدت للمغادرة ولكنه أوقفها بكفه بعدما رأى الصدق بعينيها متابعاً:
_ أنت بتتكلمي جد يا غدير؟ يعني ياسين فعلاً مش من البشر؟
أشارت برأسها بالموافقة وتابع بقوله وهو يشير بعينيه على المقعد:
_ طب اقعدي واحكيلي كل حاجة.
***
إن ظلمة الليل وبرودته تختلف بعدما أعطاها البرق في السماء بريقاً يخصه، وأصدر الرعد صوته بهذه الأجواء الشتوية الممطرة. يراها تغلق عيونها، تلفظ أنفاسها بصعوبة وهي تقول:
_ أنا مش عايزك تخاف عليا.
وتابعت بقوله المأثور الذي طالما طمأنها به:
_ أنا عايزك تطمن، أطمن يا ياسين.
لم تكمل حديثها وقد لفظت أنفاسها الأخيرة قبل أن تغلق عينيها. جحظت عيناه ليرى حالتها هذه. انقبض قلبه، شعر بفقدها هي الأخرى وهو يقول بذعر:
_ لا لا لا، مش هتموتي، مش هسيبك تروحي مني زي ما هو راح.
تفقد نبضها، كادت نبضات قلبها أن تقف من كثرة ضعفها. وهذا شيء لم يسمح هو به طالما مازال حياً.
***
ذكرت كل شيء من البداية، بداية من نشأتها مع شقيقها "داغر" وكيفية اقتحام "هدير" إلى حياتهما المظلمة. وكيف تعرفوا بـ "ياسين" والحرب التي نشأت بينهم وبين "العربي". سردت له عن "عز" وعن "غرام" حتى عن "عمار" وكيفية قتله. لم تترك فرداً من العائلة إلا وذكرته بحديثها ولا تركت شيئاً إلا وقد سردته له من البداية إلى تلك اللحظة. وقد استدارت وعادت إلى النظر أمامها وهي تمسح دموعها بقول:
_ وأول ما دكتور علي ضرب ياسين بالقلم حسيت إنه اتكسر والعيلة اللي بحلم بيها من زمان اتفككت. نظرة ياسين لدكتور علي، نظرة بعمري كله ما شفتها منه قبل كده، نظرة انكسار، وكأن ضهره اتكسر وهو دايماً اللي بيظهر بمظهر القوي اللي مافيش حاجة تقدر تكسره في يوم.
اقترب منها يمسح عبارتها الساخنة من على وجنتيها برفق، فتابعت "غدير" بقول:
_ حتى في عز وجعُه بيداريه باستفزازه لغيره وبيحاول يضحك في وسط ما هو مكسور من جواه. ياسين شخصيته غريبة غير أي حد ممكن تقابله في يوم، ما يفهُمهوش إلا اللي يعاشره. ولو حب بجد مهما حصل ما بيطلعش اللي حبه من قلبه.
***
حملها "ياسين" بين ذراعيه يطوقها بحضن ضيق وكأنه يخشى تسرّبها من بين ذراعيه فيضيع. تمتم بكلمات نابعة من قلبه بصدق:
_ ماتسبنيش يا شمس، ماتسبنيش يا بنت المهدي. ده أنا لسه فاكر رعشة قلبي لما شفت اللي مني ملفوف في الكفن. مش هتحمل أشوفك مكانه.
كان يهرول بأسرع ما يمكن بين طرقات المدينة بأقصى سرعته. شعر بفقدها وكأن المدينة مليئة بالموتى. كلما مر بشارع شعر بقلبه يحتضر خوفاً من فقدانها. والنتيجة هو هنا يستنجد بمن كان الأقرب له بقول:
_ حضّر كل حاجة زي زمان يا عم نصير.
نطق "عم نصير" مستفسراً:
_ وهتتحمل؟
أجابه بعدم يقين:
_ مش عارف، بس مش هقدر أتفرج عليها وهي بتموت.
***
الطريق طويل حقاً. يبدو على "مشيرة" الانتهاء. أوقفت سيارتها في أحد الأركان بالقرب من القرية، حيث الطريق من القاهرة إلى الصعيد حتى وصلت إلى هنا. تبعد عن القرية بضعة كيلومترات. تزيح مياه المطر بمساحات الزجاج الأمامي، تنتظر وصول شخصاً ما. حتى صعد إلى سيارتها. يلتفت يساراً ويميناً من حوله. وما إن صعد أغلق باب السيارة من خلفه وبدأ بقول:
_ أنا خلاص عملت اللي أنت قولتيلي عليه. فين بقيت فلوسي يا ست؟
صمت لثواني متسائلاً:
_ مش ناوية بقى تقوليلي اسمك إيه؟
حدثته "مشيرة" بغيظ:
_ وأنت مالك أنت؟ هتصاحبني؟ عملت اللي قولتك عليه ولا لأ؟
أشار برأسه بالإيجاب:
_ عندك حق، بلاش أعرف اسمك. بس اديني بقيت حقي بقى.
أجابته نافية:
_ مش قبل ما أتأكد فعلاً إنك خلصت عليها.
_ حقك، والحق ما يزعلش يا ست. يا ست البنات.
قال آخر كلمتين ببطء غامزاً لها. يخرج هاتفه من جيب بنطاله وقام بتشغيل الفيديو المصور وهو يطلق عليها طلقاته. رأت الحزن بعيني "ياسين" عند رؤيتها تصاب بعيار ناري هكذا. ابتسمت بخبث تضيق عينيها قائلة:
_ برافو عليك. أنت كده تستاهل بقيت حسابك.
أخرجت كيس من النقود تضعه بيده قائلة:
_ ابعتلي الفيديو ده بقى على الواتس. وبعدها مش عايزة أشوف وشك تاني.
التقط كيس النقود يبعث لها الفيديو عن طريق الواتساب. يهبط من السيارة راحلاً عنها بقول:
_ التعامل معاكي حلو يا ست وفلوسك أحلى. وأي خدمة تاني هتلاقيني سداد.
تركها تحت نظراتها الخبيثة تراه يبتعد عن سيارتها. أعادت الفيديو للمرة الثانية تحدث نفسها شامته بما حدث قائلة:
_ كنت هم تقيل على القلب يا شمس. وأخيراً عرفت أخلص منه.
***
صفعت باب الغرفة خلفها بضجر. أتى "يزن" من خلفها سائلاً:
_ هو في إيه يا سارة؟ أنا عملت إيه عشان تزعلي الزعل ده كله؟
تعالت شهقاتها واستدارت تطالعه وتابع بقوله مستفسراً:
_ ليه؟ ليه العياط ده كله؟ فهميني على الأقل الزعل ده من إيه؟
اقتربت منه تطالعه وكأنها تحفظ تقاسيمه بعينيها قائلة:
_ ده مش زعل منك، ده خوف عليك يا يزن. أنت مش فاهم، أنا ماليش غيرك في الدنيا دي، لا أب ولا أم ولا حتى أهل.
بتر حديثها بأنفعال:
_ طب ما أنا زيك، احنا بندارى فيهم عشان مالناش غيرهم. ياسارة، هما أهلنا بعد ما أهلنا الحقيقيين سابونا ورمونا، هما اللي أخدونا في حضنهم من بعدهم.
بكت بحسرة لا تنقطع وهي تقول:
_ عارفة، أي كلمة هتقولها أنا عارفاها وحافظاها. بس النهاردة خوفت عليك وأنت عايز تروح تقف في وش ياسين عشان تبعده عن علي. تفتكر أروح فين؟ ولا كان هيجرالي إيه لو مكانش ياسين مسك نفسه وزقك أو طلع غضبه فيك.
مسحت دموعها بعنف وهي تقول:
_ ده ياسين يا يزن، ماتنساش.
طلب منها "يزن" برفق:
_ طب أهدي، ممكن تهدي بقى؟
مسح بظهر يده دموعها من على وجنتيها قائلاً بنبرة حانية يطالع عينيها الغارقة بالدموع:
_ ياسين اتغير. ولو ما كنتيش شايفة ده أنتِ وزهرة يبقوا مابتشفوش. بدليل إنه قدر يمسك أعصابه ويتحكم في نفسه قدام علي.
قالت بانفعال:
_ أيوه بس افرض.
_ ما افرضش، ما افرضش ياسارة. دي حقيقة باينة قدامي. ياسين اتغير ومش بس مع شمس، مع الكل. وحتى مع نفسه. ماتخافيش عليا منه. ياسين دلوقتي مابقاش يتخاف منه أكتر ما يتخاف عليه. والدليل أنتِ شوفتيه بعينيكي.
كلماته أثرت بها. لم تكن لتوافق على كلامه أبداً، ولكنها خضعت بالأخير من أجله هو. مسح على خصلاتها برفق بكف يده في محاولة لتهدئتها. وما أن انتهى حتى وجد خصلاتها الكثيفة بين أصابعه إثر العلاج بالكيماوي. خبأ خصلاتها بعدما كور كفه ولاحظت هي ارتباكه:
_ في إيه يا يزن؟
هز رأسه نافياً:
_ ابداً، ولا حاجة. الأمور بس تهدى هنا في القرية ونروح أنا وأنت نعمل شوية تحاليل صغيرة كده عشان نشوف نتيجة العلاج. موافقة؟
أيدت اقتراحه بخوف مما ينتظرها قائلة:
_ أكيد هاروح وربنا يستر.
***
في دقائق لم يتغير الكثير. ارتبكت الأوضاع. لا يعلم "نصير" ما حدث ولكنه توجه إلى الخلف يحضر ما طُلب منه. وضعها "ياسين" على الفراش بداخل الكوخ ينتظر "نصير". ولكن الثواني لا تمر، شعور شديد القبح تملك منه، شعور بالعجز وهو يراها هكذا. كل ثانية تمر لها قيمتها بمثل حالتها. وما أن أتى "نصير" بطلبه حتى مزق ملابسها العلوية ورأى جسدها. حتى أسرع بسحب أقرب مفرش بجواره ووضعه عليها قائلاً:
_ الرصاصة جت في ضهرها تحت رقبتها بعشرة سم.
نبه "نصير" محذراً:
_ خلي بالك وأنت بتشيلها لا تكون قريبة من العمود الفقري. أي حركة كده ولا كده ممكن ما تقومش منها.
دفعه ياسين في حركة مفاجئة فتراجع للخلف على أثرها مصدوماً وهو يتابع في حديثه المنفعل:
_ ماتقولش كده، امسك لسانك يا نصير.
قالها بنبرة حادة مما جعل "نصير" يثبت على حديثه:
_ أنا بنبهك. عملتها قبل كده في مراتي وما قُمتش منها. عشان كده بنبهك. إيدك اللي بتترعش ثبتها.
وقلبك اللي ملاه الخوف تجمده وخللي بالك الوقت مش في صالحك.
ابتلع غصة مريرة في حلقه وهو يكمل بثبات باتر عبارته:
_ وطالما الوقت مش موجود يبقى ما أضيعهوش.
أنا طالع وواثق إني هشوفها وهي قايمة بالسلامة.
قال كلماته مغادراً الكوخ واضعاً المشعل الخاص به بجواره وتركه ورحل. أما عنه فقد اقترب منها ببطء بعدما أربكه "نصير" بما قاله. أخذ السكين وضعها على المشعل ينظف الدماء الموجودة على ظهرها. أغمض عينيه يستشعر مكان الرصاصة بلمساته لها. وما أن انتهى حتى تخللت أظافره بداخل جسدها يلتقط الرصاصة ببطء شديد حتى أخرجها. وبعد ثوانٍ سمع "نصير" من الخارج صرخاتها المكتومة من شدة الألم عند وضعه السكين على ظهرها.
من جديد هو هنا بمسجد القريه. ربما قبل الفجر بساعه يردد بصوته العذب الذي يشرح القلوب ويطرب الأذان. يردد في سكون الليل، يروح عن نفسه بكلماته، يشعر بالسكينه عند ترديد ابتهالاته.
يقلب حبات سبحته بأصابعه، ولكن توقف بمنتصف ابتهالاته. وقف وكأن انعقدت الكلمات على طرف لسانه، لم يستطع إنهاء ابتهالاته. وقد فرت الدموع رغما عنه عند تذكر ما حدث بين الأشقاء منذ ساعات قليله. فهو يعتبر نفسه شقيقهم الثالث.
تنهد "بربروس" تنهيده حاره، ثم استغفر ربه بنبره خافته وعاد من جديد يستكمل ابتهالاته.
أتت "مارال" تصعد الدرجات الصغيره التي تؤدي إلى دخول المسجد. وقفت بالخارج تدور بعينيها في المكان حتى تأكدت بأن لا أحد بالمكان سواه. رفعت الشال من على كتفها تغطي به رأسها تتخذه كالحجاب. أتت من خلفه تناديه بهمس. ومن كثرة شروده بابتهالاته وصوته لم يقدر على سماعها.
جلست أمامه ناطقه بصوت مغلف بالرضا:
_صوتك حلو أوي يابيدقوس بيدخل القلب من غير استئذان وبيريح الودان تعب ده.
ضيق ما بين حاجبيه سائلا:
_مارال!! مالذي أتى بك إلى هنا بانتصاف الليل؟
سألها "بربروس" بفضول، فأرضت فضوله بقول:
_أنا قلقت عليك يابيدقوس. أنا عارفه كويس علي وياسين بالنسبالك إيه. حتى لو ماحدش حاسس بيك، بس أنا عارفه اللي جواك وعارفه كويس أوي إنت حاسس بإيه.
هز "بربروس" رأسه نافيا، فأكدت "مارال" عليه:
_حتى لو نفيت اللي جواك عشان ماتبانش ضعيف قدامي، أثي الدموع لسه باين في عنيك.
لم يعلق "بربروس" على ما قيل، فلم يكن يرى أن هناك رد. ولكن نظرات الحزن التي وضحت بعينيه أجابت بدلا عنه. صمتت هي لثوان تقترح عليه:
_عارفة، بيقولوا الكلام بيريح.
ابتسم بسمه بسيطه يعيد ما سردته بقول:
_بماذا؟
أشارت برأسها تعيد كلمتها ببطء:
_بيــــــريـــــح.
اعتدلت بجلستها وبدأت بالشرح:
_عارفة زمان لما كنت ببقى مخنوقه من اخويا كنت بفضل احكي لماما عن اللي واجعني، مع اني عارفه ومتأكده إن هي مش هتفيد عليا ولا هتقدر تعملي حاجة، بس بحس إني خرجت اللي جوايا وساعتها بحس بالراحة. اتكلم معايا، ممكن الكلام يريحك، جيب مش هتخسر حاجة.
ابتسم موافقا على اقتراحها وبدأ بالتصريح بكل ما يدور بصدره ويؤرقه:
_أتعلمين..
حتى بزمني لم استشعر شعور الأخوة من قبل، لم أشعر به إلا معهم وبوجودهم. فقد ولدت وحيدًا ولم أشعر بالحنين لأحد كما شعرت به معهم. نعم نختلف بالأزمان ولكننا نتوافق بالقلوب. وعلى الرغم من اختلافاتنا الكثيرة ولكننا نشبه بعضنا أكثر. شعرت بضياع كل هذا الآن وكأن جدار الأخوة ينهار بيننا، وهذا ما حزن قلبي. كنت أشعر دائمًا بأننا كالمثلث ثلاث أضلع لا يمكن لضلع آخر الدخول بينهما أو ثنيه مهما حدث، ولكن خاب ظني بعد ما حدث.
قال ما بداخله وكأنه أزاح حملًا من على صدره. سحب نفسًا عميقًا وشعر بالراحة بعد قوله.
ردت على ما قاله بقول:
"بيقولوا مصائب البطن بتتعايد ومهما بعدوا هييجوا، والمثلث هيفضل مثلث يا بيدقوس. عشان أنت وعلي وياسين مافيش حاجة تقدر تفصل ما بينكم في يوم. حتى لو أنت مكنتش شايف ده، أنا شايفاه وبوضوح كمان. وبعدين تعالى هنا قولي إيه اللي كنت بتقوله من شوية ده؟ ده مكنش قرآن على فكيه."
ابتسم يوضح لها بنبرة مغلفة بالحب:
"هذا ما نسميه بالابتهال. الابتهال الديني تضرع إلى الله سبحانه وتعالى، وهو بسط الذراعين مقابل الوجه أو رفعهما إلى السماء. والابتهال المقصود به التضرع إلى الخالق والألحاح بالدعاء. أفهمتي ما أقصده يا مارال؟"
هزت رأسها بالإيجاب. وقبل أن تستكمل سؤالها، شعر بربروس بقدوم أحدهم من الخارج. وقف مسرعًا يضع بكف يدها مفاتيح المسجد النسائي وهو يقول:
"أحدهم قادم. انتظريني بالأعلى فقد حان موعد الأذان."
ركضت مارال من أمامه تنفذ ما قاله سريعًا. ثم دلف إلى المرحاض ليتوضأ من جديد لكي يتلو أذان الفجر. خرج بعدما توضأ واقترب من مكبر الصوت يقوم بتشغيله وبدأ بقول الأذان بصوته العذب التي اعتادت عليه. جلست بالطابق العلوي كما أخبرها تسمعه وتسمع صوته. شعرت بقشعريرة تقشعر لها الأبدان ودخلت كلمات الله قلبها وهو يرددها بدلًا من أذنها. تلك اللحظة تنهدت وشعرت بالراحة عند سماعها كالمعتاد.
لم يأت في باله حتى في أسوء الكوابيس أن يحدث هذا أبدًا. ألف كيف وكيف لكل سؤال يخطر بباله الآن. حل الصمت على كليهما. يجلس بالخارج بجوار عم نصير الآن. سكون الكون قبيل الفجر والهواء البارد. قطع الصمت سؤال عم نصير الذي سأله أثناء جلوسه جواره وهو يقول:
"إيه اللي بيحصل يا ابن الصاوي؟"
وكأنه ينتظر سؤاله حتى يخرج ما بداخله. أي شخص إذا سأله سيخرج ما بمكنونه باستفاضة، ولكنه وجد نفسه قائلًا:
"مش عارف."
صعوبة البوح تكمن في قلب يقول أخبره، وبين عقل يهمس ستندم. ولكنه بدأ بقول:
"حاسس إن الدنيا كلها كاسرة بخاطري. بدوس عليا بكل قوتها ومش مكفيها. زي ما تكون بتقولي كل ما تعاندني هقف في وشك أكتر. أنا حاسس بخوف لأول مرة في حياتي والنهاردة خوفت. خوفت أخسرها زي ما خسرت اللي قبلها. زي ما تكون كل حاجة جاية معايا بالعكس ومابقيتش فاهم ولا عارف هي الدنيا عايزة مني إيه."
تنفس ياسين بعمق تتسارع عباراته وتحدث فؤاده بدلًا عنه:
"أنا حاسس إني زرع شيطاني في أرض بور. زرع طلع من بذرة مجهولة رماها الريح. مع إني عمري ما اخترت أبقى كده ولا حبيت الحياة اللي أنا عايشها. أنا كنت عيل صغير لما علي قالي ماتسبنيش في الدنيا لوحدي وقرر إني أبقى معاه، كان فاكر إنها بطولة العمر الدنيا مش هتأذينا. بس كل ما نعيش فيها أكتر بدوس علينا أكتر يا عم نصير. وأنا مابقيتش قادر أتحمل قسوتها أكتر من كده. وأنا بشوف أعز ما ليا بيضيعوا مني واحد ورا التاني. والمطلوب مني إني أكمل وأعيش وأنسى، وأنا لا بعيش ولا حتى بعرف أنسى."
قال ياسين كلماته بغضب. فنطق عم نصير مهونًا:
"كل ما الدنيا تقفل باب في وشك هيتفتحلك شباك. ودي حقيقة محدش ينكرها. ماتركزش على الباب المقفول، بص دايما على الشباك عشان تقدر تكمل وتعيش يا ياسين. الشباك ده ممكن يكون أي حاجة حلوة بتحصل معاك أنت مش واخد بالك منها. الباب المقفول هو اللي فات والشباك المفتوح هو اللي جاي."
وصل إلى مسامعه أذان الفجر. ابتسم وهو يقول:
"ربنا بيناديك يا ياسين يابني. بيقولك تعالى اشكيلي همك بدل ما تشكيها للعبد اللي زيك."
تركه ورحل تحت نظراته المستغربة. يتوضأ للمرة الثانية يطلب منه:
"تعالى يا ياسين امسكلي الطرمبة دي عشان أعرف أتوضأ يابني من جديد."
تحرك باتجاهه يراه يتوضأ بصعوبة. أمسك بطرمبة المياه يضخ المياه باتجاهه. وعند انتهائه أشار له نصير ممسكًا بمضخة المياه بدلًا عنه:
"يلا يلا عشان تتوضأ معايا ووعدك إنك هتحس براحة محسيتهاش قبل كده في حياتك."
بدأ بالوضوء وما إن انتهى حتى أغلق مضخة المياه ومسح عينيه. أنهى كل شيء مستجيبًا لما يأمره به. وقد وقف بجواره مؤديًا الصلاة من خلفه. وما إن ركع لله عز وجل وجد نفسه يدعي هاتفا:
"يارب أنت الأقرب لعبدك من حبل الوريد. أنت اللي بتدخل بين الشخص وقلبه. أنت اللي عارفنا أفضل منا. وأنت الشاهد على اللي في قلبي ليها يا الله. أرشدني بقيت بلا حيلة. امنحني مخرج مناسب عشان تعبت والقلب تعب من الخذلان. اشفيها يا الله. رجعها لي من جديد. أنا عبدك الفقير بطلب منك تبقيها حية وتبعد عنها أي شر حتى لو كنت أنا الشر ده. أبعدني عنها لو كنت هأذيها في يوم."
أطال سجوده مما جعل عم نصير ينتهي من أداء صلاته تاركًا إياه مع الله. وما أجمل المكوث مع الخالق. مهما حدث ومهما مر علينا من شهور وربما من سنين. فالراحة بالعودة إلى الخالق لا تقدر بثمن. وسبحان مغير الأحوال من حال إلى حال، من جعل ياسين يعود للخالق العظيم.
رواية الهجينة الفصل 105 - بقلم ماهي احمد
من قال أن الصمت لا صوت له ولا حديث به؟ فللصمت حروف لا تُقرأ، وصوت لا يُسمع، وحنين لا يشعر به أحد.
كصمت "ياسين" بعد أن انتهى من صلاته. اتجه إلى مكان سيراه الآن بعين مختلفة، عين لم يره بها من قبل.
دار "نصير" يبحث بعينيه في المكان عنه، وكأنه تبخر ولم يعد له وجود. اتجه ناحية الكوخ، يجلس بجوار تلك النائمة على فراشه. يجلس بجوارها على طرف الفراش، يمسح بيده على خصلاتها ذات اللون الكستنائي، قائلاً بداخله بابتسامة مؤلمة:
"شوفتك سايحة في دمك بالمنظر ده بتعصر قلبي عصر يابنت المهدي. بس اللي مطمني ومطمن قلبي أني عارف أن دمك من دم المهدي وهتشفي بسرعة يابت أبوكي. أجمدي الصعب راح واللي جاي كله هيبقى البراح."
تركها ورحل. جلس على المقعد الخارجي للكوخ. ومضات تأتي إلى عقله مما حدث. لحظات أعادت له ذكرياته قديماً، منذ سبعة وعشرون عاماً تقريباً. يسرد المهدي له مخاوفه:
"زهره طلعت حامل يانصير، مش عارف إزاي بس حملت وطلعت بخلف. واللعنة كلها اللي عملتها، عملتها على طفلي اللي جاي. خايف عليها من قبل ما تتولد ومصيرها محتوم. محتوم بالعذاب والويل والموت إنكتبلها من قبل ما تشوف الحياة. أنا ممكن أجبر زهره إنها تنزل اللي في بطنها."
قاطعه باستهجان بقول:
"استغفر الله العظيم، أنت بتقول إيه يامهدي؟"
"أنا لو بيدي أعمل كده يانصير، بس مش قادر. مش قادر أقتل طفلي بأيدي وأنا متلهف لشوفته في يوم. أتمنى يطلع ولد علشان اللعنة ماتتفكش ويفضلوا بالضعف ملعونين."
"ولو طلعت بنت؟ إيه اللي هيحصل؟"
كان هذا سؤال "نصير" وهو يرتعش بخوف من الإجابة. فتابع "المهدي" حديثه يقص عليه ما يحدث:
"المهدي والضبع مش هيسيبوها في يوم، وأنا ضعفت ومش هقدر عليهم لوحدي. لو جرالي شيء، أنا مفهم حكيمة على كل حاجة. وعارف أن الضبع مش هيسيب بنتي ولا هيطمن إلا لما تبقى معاه. عشان كده هخلي حكيمة تسيبهاله يربيها. هو عمره ما هيأذيها إلا لما تتم الـ 16 سنة عشان اللعنة تتفك. والمقصود من ده كله إنها تبقى تحت جناح ياسين. وأنا متأكد إن طول ما بتي قدامه وبيشوفها بتكبر يوم عن يوم تحت عينيه، هتخرجه من الضلمة للنور وهتحرك الجانب الطيب اللي جواه ويرجع لعقله من جديد وهيحميها بروحه بعدين."
أتت "حكيمة" تتكأ على عكازها، تسير بخطوات بطيئة ناحيته. لم يشعر بوجودها في بادئ الأمر من كثرة شروده، فأشارت بيدها أمام وجهه قائلة:
"لسه بتسرح كتير زي زمان يانصير."
فاق من شروده والصدمة تعتلي ملامح وجهه من وجودها جواره، يردد اسمها بتقطع:
"حكــــــيمه."
***
كل شيء اتضح أمام أعين "بدر" بعدما قصت له "غدير" عنه. رد "بدر" على حديثها بسؤاله:
"عشان كده بين الزرع لما كان في رجالة عايزة تأذيكي، كان بيتحرك بسرعة كبيرة؟"
اقتربت لتصبح واقفة جواره مباشرة، وبدأت الإجابة برفق:
"أيوه. ياسين سرعته مش عادية. ياسين أصلاً مش عادي."
استند على يد المقعد، ومن كثرة توتره جلس عليه. بل الأحرى كاد أن يقع من هول صدمته مما علمه. شعرت "غدير" بالقلق والخوف في عينيه مما سردته له، فأضافت:
"أنت خوفت؟ ولا مش مصدقني؟"
تحرك نحوها بخطوات ثابتة دون عجالة:
"طريقتك وأنت بتحكي تجبرني إني أصدقك. عيونك ما بتحكيش إلا الصدق. بس أنا لو ما خوفتش أبقى عبيط. أنا واحد عايش بين العجل، اتربيت على الحياة العادية. حياة عادية خالص مافيهاش لا هجينة ولا مستذئبين ولا الخالة الحكيمة اللي تبقى أكبرهم سناً وحكمة في نفس الوقت. أنا واحد طول عمره عايش في الواقع. واللي بتقوليه ما شفتهوش بس غير في خيال الأفلام والخيال مالهوش مكان بينا. وبعد اللي عرفته ده كله، بتسأليني خايف؟"
"ابقى كداب ياغدير لو ما قلتش إني مش خايف."
أكملت بندم:
"يا ريتني ما كنت حكيتلك."
تركته تتجه نحو الخارج. ثم جذبها إليه من مرفقها برفق يسألها واللهفة تتضح بعينيه:
"ليه بتقولي كده ياغدير؟"
اقترب منها، أصبح أمامها تماماً. وقبل أن تتحرك، التقط مرفقها بلطف سائلاً:
"ندمانة إنك حكيتيلي؟"
قربه منها أربكها، توترت بشدة، ولكنها حسمت أمرها بقول:
"بصراحة، أيوه. خايفة لا تكون مش قد الثقة اللي اديتهالك. إحساس جوايا بيقولي اطمنيله، وشعور تاني بيقول افرض ما طلعش قد الثقة اللي اديتهاله."
أنصت لها وأعطاها كامل تركيزه، تسترسل حديثها تطالع عينيه بحنان:
"أنا زي ما قلتلك يابدر، أنا عشت حياة صعبة. وأنت أول حد أطمن له بره عيلتي. خايفة اتصدم فيك وأنا مش حمل صدمات."
قالت كلماتها بصدق نابع من فؤادها. يستطيع أن يرى إعجابها به في عينيها دون أن تنطقه، مما جعل حديثه أسهل:
"أنا عايز أقولك حاجة واحدة بس. شايفها في عينك، لكن ما قلتهاش."
هنا طالعته تنظر لعينيه. فتابع هو بابتسامة رقيقة:
"أنا معجب بيكي ياغدير. هبقى كداب لو قلت إني وصلت معاكي لدرجة الحب. بس أنا حقيقي معجب بيكي وبكل تفاصيلك."
تابع بضحكة أثرتها، يكمل حديثه:
"بذئابك بقى، بأخوكي اللي بيسمع دبة النملة وهو مابيشوفش، بمستذئبينك وبحكاياتك الغريبة. وعايز أعرف منك إذا أنتِ كمان معجبة بيا زي ما أنا معجب بيكي ولا لأ."
ارتبكت من سؤاله، صوت دقات فؤادها أوشك على كشف أمرها. جذبت كفها من كفه برفق تنظر جوارها للخارج بقول:
"المطرة وقفت. أنا لازم أمشي بقى."
تركته ورحلت بخطوات واسعة تحت نظراته المستغربة. ابتسم يناديها باسمها بقول:
"غديــــــر، استني طيب هوصلك. ماتمشيش في الوقت ده لوحدك."
***
هناك لقاءات لا يمكن أن ننساها أبداً. لقاءات تخبرنا أن ما علمناه طوال العشر سنوات ما هو إلا خدعة. وهذا لقاء مميز لأنه لقاء مع النفس. لقاء منتظر مع ذاته منذ سنين.
وصل "ياسين" أخيراً إلى وجهته. يرى كل شيء بوضوح. إنه هنا داخل مقبرته. يجلس على ركبتيه أمام اللوح الرخامي، يمرر أصابعه على اسم "عمار" المطبوع أعلى اللوح. يرافقه الحزن والاكتئاب. يسترجع أحداث ذلك اليوم المؤلم بقول:
"بيقولوا النسيان نعمة. بس في حالتي أنا نقمه. عشان نسيتك خلوني أنسى حتة مني غصب عني. وأنا ما كنتش عايز أنساك. واليوم اللي افتكرتك فيه روحت فيه ياعمار. عمري ما هنسى نظرة عينيك وأنت بتقولي قوم. أنت بتعمل إيه؟ مش قادر عليه لوحدي. لو ما كنتش سبتك مع العربي لوحدك، كنت زمانك عايش. بس أقسم لك إن وقتها كان غصب عني."
تنهد بعمق، يبتلع ريقه وكأنه كالأشواك، قائلاً:
"غصب عني حسيت بألم هيفرتك دماغي. حسيت إني بموت وكأن جسمي انهار. وقعت في الأرض، ما بقيتش حاسس بالدنيا واللي فيها. ولاقيتني بفتكرك من جديد وافتكرت أمك وهي بتقولي أنا بموت ومش عايزة ابني يموت معايا ياياسين. فوقت لاقيتك بين إيدين العربي. ما لحقتش. أقسم لك ما لحقتش أنجدك من بين إيديه. مش مكانك. مش مكانك تكون هنا. ده مكاني أنا."
تابع يخرج ما بداخله بانهيار:
"أنا عشت غريب في الدنيا دي بدور على جزء ناقص مني رغم إني ما كنتش عارف إيه هو. ولما عرفت روحت مني. والله ياعمار كان غصب عني. صدقني. وحياة الأغلى عندك تصدقني."
"كــــــداب."
رفع وجهه عالياً بجوار مقبرته، يستمع إليه وقد ظهر من العدم. يكمل بقية حديثه، فتابع هو:
"أيوه كداب. مستغرب ليه؟ ما تقولش غصب عنك."
قال "عمار" آخر ثلاث كلمات ببطء شديد. فأغمض "ياسين" عيونه بإحكام قائلاً:
"أنت مش موجود. أنت ميت."
جلس أمامه القرفصاء بنفس مستوى جلسته، يطالعه بتحدي. ينطق كلماته ببطء:
"لأ. أنا عايش. بس عارف عايش فين؟"
أشار بأصبعـه على جبهته:
"جواك ياياسين. عايش جوه عقلك ومش هخرج منه أبداً. عشان أنت عايزني أفضل موجود. جزء منك رافض إنك تصدق إني مش موجود وميت."
وقف وهو يكمل أثناء وقوفه:
"وعشان كده هفضل جواك. وكل اللي قلته ده بلح. ولا الهوا مش حقيقي. أنت من جواك اتمنيت إني أموت عشان خاطرها. عشان تبقى معاها."
حرب باردة تحدث الآن بينه وبين نفسه. يحارب ذاته. يحارب نفسه ما بين الماضي والحاضر. فقاطعه يخبره بلهفة:
"أيوه. أنت صح. أنا اتمنيتلك الموت. بس ده قبل. قبل ما أعرف إنك ابني. قبل ما أعرف إنك الجزء الناقص مني اللي بدور عليه بقالي سنين. وبالرغم من كده ما آذيتكش وأنت عايش. أنت اللي كنت بتأذيني. أنا قررت قبل الحرب بيوم إني هحميك عشانها ياعمار. عشان تفضل معاها. ده كان آخر كلام بيني وبينك."
قاطعه "عمار" باستهجان وقد بان الغضب بنبرته:
"لأ. آذيتني. آذيتني بوجودك جنبها. افتكر كويس ياياسين. افتكر كويس يوم الحرب. هي اختارت تقف ورا ضهر مين؟ لما حسيت بالخوف من العربي، كنت أنا وأنت قدامها."
أشار بأصبعـه عليه:
"بس هي اختارتك. أنت نفسك ما كنتش مصدق. وبصتلي بنظرة مش هنسى أبداً. نظرة بتقول إنك انتصرت عليا. وانتصرت بحبها. وهي نسيت كل اللي عملته عشانها. وراحتلك برجليها. رغم إنها كانت دايماً بتبقى معايا. بس نظرة عينيها ليك كانت بتوضح اللي في قلبها. لسانها بينطق شيء وعيونها بتقول كلام تاني."
أشار برأسه بلا مبالاة بحركة دائرية وهو يكمل بسخرية:
"مش مصدقك ومش هصدقك. نتيجة أفعالك واضحة قدامك. بص. بص شوف."
أشار بسبابته على اللوح الرخامي بعنف:
"عارف ده اسم مين؟ ده اسمي. وأنت السبب في اللي حصلي. ومش ههدا ولا يرتاحلي بال إلا ما يتحط اسمك جنب اسمي ياياسين."
وضع "ياسين" يده على رأسه بألم، يقبض عينيه بقوة قائلاً بنبرة قد أنهكها التعب:
"كفاية. كفاية. كفاية ياعمار. كفاية. أنت ميت. ياريتك كنت حقيقة. ياريتك كنت موجود."
"ياسين أنت بتكلم عمار؟"
ألقت "مشيرة" بسؤالها من خلفه وهي تقترب منه بخطوات سريعة تضيق ما بين حاجبيها باستغراب.
رفع رأسه وقد فقد أي ذرة تعقل به. يطالعها بعيونه وقد تحولت إلى اللون الأحمر القاتم. يقبض على مرفقها بشدة، يطالعها بنظرات شرسة يوجهها "ياسين" لها. تقابله نظرات مشيرة وقد دب الرعب بقلبها من لون عيونه المشتعلة. شهقت من الخوف ومرارة ما رأته ومشاعر كثر. فأخبرها بيقين مما يقول:
"عــمــــار ميــــــت."
***
ثم بعض الأشياء تشعر بوجودها أصبح يزهر حياتك، وكأنك وجدت ما يسرك، وكأن من بعد العسر يسر. كوجود "مارال" بحياته وقد أصبحت اليسر بعد العسر. كانوا يسيرون سوياً، يحددون وجهتهم إلى المنزل بعدما أنهى أداء فريضة الفجر. ومن ثم رأت "مارال" وقد تلاحمت الأشعة وحل شروق الشمس بأشعته الذهبية. فطلبت منه برفق ببسمة حانية تجذبه من مرفقه بلين:
"بيدقوس تعالى نقعد هنا شوية في وسط عباد الشمس. بلاش نيوح على طول. الشروق هنا يجنن."
اعترض ببادئ الأمر ولكنه وافق على مطلبها. وقبل أن يتحرك للجلوس، ألقى زميل له بالمسجد السلام وهو يمر بجواره. وضعت "مارال" الوشاح سريعاً على رأسها بحركة عفوية منها عند رؤيته. فألقى "بربروس" السلام رداً عليه. وضيق ما بين حاجبيه باستغراب على فعلتها. حمحمت ومن ثم نزعت وشاحها بقول:
"بتبصلي كده ليه؟ لاء ماتبصليش كده."
ابتسم ابتسامة مكتومة وهو يجلس ما بين الزرع وسط الرقعة الزراعية قائلاً:
"شكراً لك. أعلم جيداً لما فعلتي ذلك، ولكن لا تغيري من نفسك لأحد يامارال. فيعلم ربي أني أحببتك حباً خالصاً لوجه الله، فأنتي هدية ربي لي ووصية رسوله."
"بس أنت مش بتغيريني يابيدقوس."
قالتها سريعاً دون تردد. رمقها باستغراب. فأكملت تقص عليه ما تريد:
"يعني أنا غلطانة يعني؟ لما شفت الشيخ صاحبك ده معدي، فقولت أحط حاجة على شعري عشان ما تتحمجش مني عشان شعري وكده."
كان سيرد ولكنها وضعت إصبعها على شفتيه تمنعه من الحديث وقد تابعت:
"وقبل ما تتكلم، أنا عارفة ومتأكدة إني ما بعملش حاجة غلط حتى لو بشعري، لأن دي حاجة عادية. أنا بس عملت كده عشانك أنت، عشان في ناس هنا تفكيرها وحش زي ما أنت شايف. قيّمة وأيّفـ ـة هيقولوا بص اللي بيصلي وبيقيم بينا مياته ماشية بشعرها إزاي."
ابتسم على حديثها ابتسامة امتنان وقد طالعها بكثير من الحب. كانت نظراته كالعادة دافئة ونظراتها بها من الحنين الكثير. فقاطع نظراتهم قائلاً:
"ولذلك أنا ممتن لك على فعلتك هذه."
"عد الجمايل بقى."
ابتسم كل منهما للآخر. وعادت تسأله وكأنها تذكرت شيئاً:
"إلا قولي صح يابيدقوس، هو ليه يعني البنت المسلمة بتتحجب؟"
رد عليها بطلب بعيداً عن السؤال:
"أغلقي عينيكِ."
رمقته باستغراب. فأصر على طلبه:
"هيا أغلقيهما."
أغلقت عينيها ودار بعينيه بالمكان، ثم قبض أحد مرفقيه بإحكام، والآخر وضع به زهرة صغيرة. ومن ثم طلب منها أن تفتح عيونها وقد قام بسؤالها الآتي:
"هيا أخبريني، ما الذي يوجد بيدي اليسرى؟"
أجابته بسهولة تامة:
"زهرة يابيبيوس."
"ومالونها؟"
استغربت أكثر من طرحه لأسئلته، ولكنها أجابته بقول:
"حمراء."
"هل تستطيعين التقرب منها وأخذها؟"
كان هذا سؤاله، فأجابت هي:
"طبعاً. اقدر ما أنت فاتح إيدك ومافيش أي حاجة تمنعني آخدها."
أشار بعينيه يحثها على أخذها. ومن ثم أشار على كفه الآخر، يكور يده، يقبض على ما بداخله بإحكام، وبدأ بقول:
"هيا قولي لي ما الذي يوجد باليد الأخرى ولونها، وإذا استطعتي خذيه من بين كفي."
ردت وقد طفح كيلها:
"وأنا هعرف منين يابيدقوس؟ إيه اللي في إيدك ولونها؟ هو أنا عارفة هو إيه أصلاً؟"
أشار بعينيه يحثها على فتح قبضة يده. ثم قبضت بكف يدها على كفه تحاول فك قبضته، فلم تستطع فعلها. أخبرته من بين أسنانها وقد استفزها الأمر:
"مش قادرة أفتح كف إيدك يابيدقوس. بجد أنت محافظ عليها أوي."
أشار بأصبعـه يخبرها بكلمات سلسة وبسيطة مع ابتسامته الساحرة:
"نعم معك حق. فالمرأة المسلمة حجابها يحافظ عليها من كل سوء لحمايتهن وصيانتهن وإظهار عفافهن ومنع كل فاسق التعرض لهن. وقد أكد الله تعالى في سورة الأحزاب: {ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَن يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ}. وبالدليل فقد استطعتي رؤية الزهرة الأولى وكل شيء بها دون مجهود، فقد علمتي عنها كل شيء واستطعتي أيضاً أخذها دون موانع. ولكن هل علمتي ما بداخل كفي الآخر؟ هكذا هو الحجاب فرض على المرأة المسلمة لحمايتها في المقام الأول من كل سوء. فالله أعلى وأعلم. وإذا فرض شيء فهو لمصلحة البشر."
صمتت لثوانٍ تفكر بما قاله منذ قليل. اقترب منها هامساً بأذنها:
"لماذا الصمت هكذا؟"
هزت كتفها تخبره ببراءة:
"هقول إيه؟"
"تحدثي بأي حديث، تحدثي بأي لغة تريدين. فصمتك هذا يربك قلبي المسكين بعدما وقع بحبك وصار معذب لسنين."
تحدث بربروس ببسمة واضحة على شفاه تزيد من وسامته. رأت بسمته فانفرجت تقاسيمها وهي تقول:
"ضحكتك دي هتجنني. شوفت عرفت أعالج البؤس اللي كان على وشك من شوية إزاي."
هز رأسه نافياً، يخبرها بعيون محب صادقة:
"لأ. إذا أردتِ أن تعالجيني من البؤس، فيجب عليكِ حذف الهمزة."
ابتسمت بخجل وقد غزت الحمرة وجهها وهي تقول:
"بطل يابيدقوس."
ابتسم من خجلها يسترسل حديثه بوجه ضاحك:
"لماذا؟ ليس بعيب ولا حرام. ألستِ بزوجك؟"
طالعت الجوار بخجل واقتربت من أذنه هامسة تحدثه بنفس لغته:
"حسناً. فوالله وبعقد الهاء عندما يغلق علينا الباب، سأقتلك بقنبلة لا نون لها."
***
ألقى "ياسين" كلماته على مسامعها، ولكنه لم يؤثر بها. كل شيء صار بلا معنى عند رؤيتها لعيونه التي قد تحولت إلى اللون الأحمر القاتم. كلماته موحية، ولكنها تجاهلته وسألت بارتباك:
"عيونك حمرا كده إزاي؟"
قبض بعينيه وقد أعاد عيونه إلى لونها الطبيعي وبدأ بقول:
"ما رديتيش عليا. ليه كذبتي عليا السنين اللي فاتت دي كلها؟ ليه فهمتيني إن عمار عايش ومماتش؟"
"لا مفر." علمت بأن الكذب سيزيد التعقيد. صمتت لثوانٍ في محاولة لإيجاد مخرج. جذبت مرفقها من قبضة يده فقد ألمتها قبضته تحاول التبرير:
"سيب إيدي. إيدي هتتكسر في إيدك. حرام عليك."
حرر يدها من كفه يتابع نظراتها المرتبكة. صرخ بها يحثها على القول:
"انطقــــــي."
تابعت بعينين وقد اتخذت من تمثيل الصدق وشاحاً. وحقاً لقد برع تمثيلها وهي تتحدث بحزن:
"حاولت أقولك كتير ياياسين. حاولت أتكلم معاك وأقولك إنه ميت من أول يوم عرفتك فيه وأنت مكنتش مديني فرصة. حاولت أعالجك كتير بس مجرد فكرة إن عمار يبعد عنك كانت مستحيلة. حاولت أشرحلك بس مانفعش. عارف ليه؟"
بدأ وجهها شاحباً للغاية وهي تتابع بقول أسبابها:
"علشان عمرك ما قلتلي أسباب. عمرك ما دخلتني في حياتك. عملت معاك كل حاجة. نومتك مغناطيسياً. اديتك أدوية. حاولت أعالجك حتى من غير ما تحس. بس لما كان بيبعد عنك كنت بتبقى عامل زي المجنون. فاكر؟ فاكر لما كسرت الكوخ على اللي فيه لمجرد إني واجهتك وقولتلك بتكلم مين؟ أنا مش شايفه حد."
نعم، ما تسرد له قد حدث بالفعل. حاولت علاجه ببادئ الأمر، ولكنها فشلت بمحاولتها في المرة الأولى. وعندما نجحت، حاول تركها والعودة إلى دياره. فبدأت بوضع حبوب المخدر بداخل مشروبه حتى يزيد تعلقه به، بعدما أدركت بأنه سيتركها إذا علم بحقيقة موت عمار. تركها ورأته يتجه ناحية اللوح الرخامي من جديد. فلحقت به بخطوات لم تكن متزنة أبداً. فابتلعت ريقها بتوتر زاد بقوله لها:
"لما دخلت عندك الكوخ أول مرة، شوفتك يامشيرة وأنقذتك. حلفتيني بحياة عمار. قولتي وحياة عمار ماتسبنيش. إزاي؟ إزاي عرفتي إن بكلم واحد اسمه عمار مع إنك كنت لسه أول مرة تشوفيني؟"
التقطت أنفاسها بصعوبة وبدأت بسرد ما حدث تلك الليلة بقول:
"أنا دكتورة نفسية. شوفتك وأنت بتكلم نفسك ونطقت اسم عمار. وقتها بصيت حوالي مالقيتش حد قدامي. بس بالرغم من كده بتكلم الفراغ. عرفت حالتك من لحظة ما شوفتك. وأنا أهل جوزي هيقتلوني لو كنت مشيت وسيبتني. وقتها. قلتلك وحلفتك بحياة عمار عشان أنقذ حياتي من الموت."
جحظت عيناه مما يسمعه وانكمشت تقاسيمه، فأكملت حديثها مسرعة:
"بس. بس وحياة ربنا حاولت أعالجك. حاولت ومعرفتش أو ما قدرتش. بقيت أحطلك الدوا في الشيري كولا. ولما صورة عمار بقت تبعد عنك ومابقاش ييجي في خيالك، اتجننت وكنت عايز تسيبني وترجع بلدك. أو بالأصح ترجع لها."
"روحتِ بطلتي تعالجيني لما فكرتي إني هسيبك؟"
ثبتت نظراتها أمام سؤاله واستدارت له تجاوبه بالحقائق:
"أيوه بطلت أعالجك. بطلت أحطلك الدوا اللي يخليك ماتشوفش عمار تاني. بس ما سألتش نفسك مرة واحدة ليه أنا عملت كده؟"
رد عليها رد قوي أسكتها:
"علشان أنتِ أنانية. ما بتفكريش غير في نفسك وبس."
لمع بريق في مقلتيه وهي تصحح:
"لأ. علشان بحبك."
أخبرته بما أدهشه. أو أصدمه بالمعنى الحرفي. طالعها بذهول وقد اعتلت الدهشة تقاسيمه وهو يقول:
"بتحبيني؟"
انفجرت وقد أتى انفجارها على هيئة بكاء وصراخها به:
"اعمل نفسك مش فاهم ولا عارف. مع إنك ذكي كفاية وعارف أنا ليه جنبك السنين اللي فاتت دي كلها. وبعت الكل واشتريتك."
بانت على تقاسيمه الدهشة بعدما التحمت الأعين وهي تسترسل:
"بعد وفاة جوزي اتقدم لي كتير عشان بس في يوم أبص لهم. ما فكرتش. ما كنتش بوافق ليه؟"
رد بثبات يحاول استدعائه:
"عشان مش عايزة تتجوزي. عايزة تفضلي حرة زي ما كنتِ بتقولي لي."
بان وجعها وهي تصرخ:
"مافيش ست مش عايزة تعيش في ضل راجل يحميها ياياسين. بس. بس ضل راجل هي بتحبه وبتحس بالأمان معاه. لما كنا هناك في ألمانيا كنت بتخاف عليا وبتحميني. كان اهتمامك بيا زايد أضعاف ما بتهتم بيا هنا."
"ده مكانش حب يامشيرة. أنا وأنتِ صحاب. بس ما بحبكش. أنا كنت فاكر إننا صحاب."
"أحنا مش صحــــــاب."
قالتها على هيئة صرخة تدوي بالمكان وتحدثت دموعها بدلاً عنها. تقترب منه قائلة:
"عمرنا ما كنا صحاب. أنا كل ده مستنية إنك تيجي تكلمني وتعترفلي بحبك ليا. لما أقف جنبك وأساعدك. قولت أكيد هيحس بيا وهيحس باللي عملته عشانه. قولت البنت اللي في مصر دي أكيد كان وقت وعدى مش أكتر. لأنك كنت بتتجنب تجيب سيرتها. ولما جيت اتجوزتها قولت أكيد عشان يحميها. ما البنت دي اللي عمار كان بيحبها. واللي أكد لي إني متأكدة إنك مادخلتش عليها ولا قربت ناحيتها في يوم. كل ده وأنا متحملة. متحملة عشان أسمع منك كلمة بحبك. يامشيرة، عشر سنين وأنا مستنياها منك ومستعدة أستنى عشرة زيهم لو هتقولهالي في يوم."
ورد هو بما أوجعها:
"الراجل لما بيحب مش هيستنى عشر ثواني عشان يعترف للي بيحبها. مش عشر سنين يامشيرة. كان لازم تعرفي ده لوحدك. أنا لو كنت حسيت من ناحيتك بأي حاجة كنت اعترفتلك من زمان وما كنتش سيبتك لوجعك ده كله. بس أنا طول عمري كنت صريح معاكي. طول عمري بقولك إنك زي زي بربروس وعلي جدعة ووفية وبتقفي في ضهري. ما كذبتش عليكي ولا اديتك أمل في يوم."
اقتربت منه بألم. فاستدار ينظر بجانبه حتى لا تلتقي عيناه بعينيها. تحدثت دموعها قبل أي شيء. أدارت وجهه بكفها ببطء لينظر لها تسأله وهي أنفاسها تتعالى تطالع عينيه السوداء كسواد الليل بقول:
"يعني مافيش أمل إنك تحبني في يوم؟"
زاد قربها منه تنتظر الجواب. تمسح بظهر يدها على وجنتيه بحب. تصرح بما تعلمه منذ سنين مضت تقول بنبرة حانية مبطنة بالحب:
"أنا عارفة إنك مخبي عني كتير. عشر سنين وأنت زي ما أنت، مابتكبرش. من أول ما شوفتك وأنت مابتتغيرش. قوتك وأنت بتشيل الشنط. طريقة أكلك لما بتبقى جعان وبتحاول تداري جوعك مهما أكلت بتفضل برضه جعان. عينيك اللي اتغير لونها وقت عصبيتك. حاجات كتير أوي بشوفها فيك ومابحاولش حتى أسأل عنها ولا أفهمها. عارف ليه؟ عشان اللي بيحب مابيشوفش غير الحلو في اللي بيحبه وبس."
اقتربت منه أكثر. قبضت على كفيه تضع يده على خصرها. تعالت أنفاسه من كثرة قربها وأعطته أذن بالقرب منها. اقتربت من شفاهه وكانت على وشك تقبيله، ولكنه عاد خطوة للوراء يبتعد عنها باشمئزاز ورد بما أشعل الغيظ في فؤادها:
"لو جو الرخص ده شايفاه هينفع معايا، تبقي حماره وستين حمارة كمان يامشيرة. عشان أنا غير أي حد عرفتيه قبل كده. أنتِ عارفة إحنا فين؟ إحنا وسط ميتين."
وأكمل برضه الساخر:
"طب احترمي حتى وجودهم. لا يطلعوا لك."
ونجح بكلماته لإبعادها عنه. يسترسل بقول:
"أنتِ هنا جنب عمار اللي فضلتِ سنين توهميني إنه عايش بس عشان أفضل جنبك وما أرجعش. فاكرة بطريقتك دي هبقى ملكك ومعاكي أنتِ؟ اه نجحتي في ده لكام سنة؟ براڤو. بس خسرتيني للأبد يامشيرة بسببك أنا عشت بعيد عن عيلتي سنين."
"تبعد عن عيلتك ولا عنها؟ عن اللي صاحبك كان بيحبها."
تقصد بقول صاحبك "عمار". فهي حتى الآن لا تعلم صلته القرابة بينهم. وزاد وجعه بقولها:
"اللي كانت بتحب صاحبك وعشرة عمرك. ودلوقتي بتحب فيك. يلا ما التاني مات والحي أبقى من الميت. هتفضل السنيورة تزعل عليه لحد إمتى؟ وما صدقت إنك عرضت عليها الجواز وفي لحظة وافقت. على كده بقى المرحوم اللي إحنا واقفين قدام تربته وضعه إيه معاها."
بان الغل في نبرتها تتابع بحدة تشير على فؤادها بإصبعها:
"بتقول عليا أنا رخيصة. اومال هي تبقى إيه؟ الرخيص في الحوار ده هي مش أنا. على الأقل أنا ما بصيتش لصاحب عمري حبيبي وعملت نفسي إني عايزة أموت نفسي من فوق الجبل ياحرام، واتصل بيك على آخر لحظة عشان تلحقني وتتجوزني. دي مكيدة وأنت وقعت فيها. وشمس الحرباية عرفت تجيبك إزاي."
كور كفه في محاولة بائسة منه للتماسك حتى لا يتهور أكثر من ذلك ويقوم بإيذائها. يستدعي كل ذرة ثبات لديه بقول:
"الرخص اتخلق للي بيرمي لحمه للغريب وبيشحت الحب اللي رافضه يامشيرة. ما اتخلقش لشمس."
كلماته موحية تضربها في مقتل. ترى الإصرار في عينيه وهو يتدارك الموقف يدافع عنها بكل ما امتلك من قوة بقول:
"الرخص عمره ما عرف طريق شمس."
"شمس اللي لما ببصلها بستغرب إزاي كل المعزة دي ممكن تكون جوا قلبي ليها. أنتِ ممكن تكوني عارفة إني بعزها، بس متعرفيش أنا بعزها قد إيه. أنا الدنيا كلها أخدت مني كل حاجة، بس رزقتني بيها. ما كنتش أعرف إني بعزها أوي كده غير لما لقيت نفسي بعيط في نص الليل عشانها. عشان خايف أخسرها زي ما خسرت اللي قبلها. النظرة في عيونها بتساوي عندي الدنيا وما فيها. عشان عيونها دول حبايبي يامشيرة."
وقبل أن تقاطعه أكمل هو وقبض على مرفقها بقوة وقد احتدت نبرته بقول:
"مش عايز أشوف وشك تاني. احمدي ربنا إنك قابلتيني في سنين عرفت الرحمة طريق لقلبي فيها. يا أما كان زمانك مدفونة حية في قبر من دول. من بكرة تلمي هدومك وتمشي. ولو شوفتك في طريقي مرة تانية، هنزع الرحمة من قلبي بشوفتك يامشيرة."
كلماته تجلدها تسمعه بألم وهو يدافع بقوة عن امرأة غيرها. لا تعلم كم أحبها ولن تعلم كيف يحبها.
نعم يقول على الحب فقط معزة، وكيف يكون إذا اعترف بحبها؟ وكأنه مقسوم نصفين، نصف يريد الاعتراف بحبها والآخر يمنعه عن فعلها.
هناك اعترافات تصيبنا بالعجز، كذلك كانت حالته تمامًا حين تواصل "يزن" مع الطبيب المعالج عبر تطبيق الواتساب لإجراء بعض الفحوصات. فاستعلم "يزن" منه عن حالتها الصحية المتدهورة بقول:
_للأسف حاله سارة في تدهور تام يا أستاذ يزن، من بعد ما بقت توقف العلاج ومابقيتش تاخد جرعة الكيماوي وكل شيء رجع زي الأول وأكتر.
تيبس للحظات يعيد قراءة ما بعثه له الطبيب. لم يستطع منع سؤاله، يبعث له برسالة نصية أخرى:
_إزاي ما بتاخدش جرعتها؟ أنا اللي بوديها بنفسي وأرجع آخدها من قدام المستشفى، أنا اللي بديها العلاج بإيدي كل يوم.
بعد ثوانٍ رد عليه الطبيب قائلاً:
_دي حاجة تقدر تسألها هي، بس أنا متأكد من معلوماتي.
أغلق هاتفه وظل صدى كلماته يتردد في أذنه. خرج من غرفته يبحث عنها بأرجاء المنزل حتى وجدها أخيرًا بغرفتها تقف أمام المرآة تمشط خصلاتها بحزن. تطالع أسنان المشط وما بينها من خصلاتها المتناثرة عليه بشكل عشوائي. وما إن سمعت صوته يناديها بالخارج حتى أخفت المشط سريعًا، تلقي بخصلاتها بصندوق القمامة. ردت عليه بصوت عالٍ نسبيًا وهي تقول:
_أنا هنا يا يزن.
أجبر نفسه على الابتسام، أتى ومعه كوب من الماء والدواء الخاص بها، يحثها على أخذه بقول:
_العلاج يا سارة، جبتهولك في معاده.
مدت كف يدها تشير برأسها بالموافقة بقول:
_تمام، هاخده.
وضعت كبسولة الدواء بداخل فمها وتجرعت كوب الماء من بعده. ابتسم لها يعطيها ظهره قائلاً:
_أنا هطلع أشوف دكتور علي فين.
وما أن خرج حتى أخرجت الدواء من فمها تضعه بصندوق القمامة. تابع هو ما تفعله عند وقوفه مقابل الباب وصُدم عند معرفته بذلك. طالعته بذهول عند رؤيته وقد رآها تلقي بدوائها بداخل الصندوق، فنطق هو من بين شفتيه سؤاله بدهشة من فعلتها:
_طب ليه؟
وجودها معه بنفس المكان بل وجوارها على نفس الأريكة أربكه. جعله يخرج الكلمات بشكل متقطع من فمه وقد ابتلع ريقه بتردد. وقبل أن تنطق سريعًا برر لها:
_أنا حاولت، حاولت أبعد عن ياسين وشمس زي ما أمرتي زمان، بس وعزة جلال الله يا حكيمة شمس رجليها اللي جابتها ليا لوحدها، ما كان ليا يد في مجيتها هنا.
اعتدلت بجلستها تطالعه بنظرات محتّدة وقد اتكأت بكفيها على عكازها تسأله:
_طب وياسين هو كمان جه هنا لوحده ولا أنت اللي جريته ليك؟
فرد عليها بصدق بما بث الذعر بداخل قلبها:
_لاء، ياسين أنا اللي حاولت معاه عشان أنفذ وصية المهدي، وكنت بحاول أعرف منه أخبار عن شمس. وبالرغم من أنه كان فاقد ذاكرته والضبع كان مسيطر على عقله، بس كلام المهدي طلع صح، وجود شمس جنبه حرك جواه الجانب الطيب ومنع الضبع إنه يخلص عليا.
_ومرتك قدرت تخلصها من الضبع هي كمان ولا دفعت تمن إن ياسين يبقى جنبك؟
قصمت جملتها الأخيرة ظهره. نظر للأرضية نادمًا على فعله. وكان جوابه كلمة واحدة وهي:
_دفعته.
بغض نفسه وبشدة على فعلته منذ سنين مضت، وفكرته هي بما يحاول نسيانه بقول:
_أنت بعت المهدي زمان للضبع وهو اللي كان فاكرك.
صحبه، ياما قولتله ده بشر مشاعره بتحركه، بلاش تأمن له على سرك يامهدي، بلاش تعرفه كل شيء. بس هو كان بيدافع عنك ويقولي ده صاحبي اللي مهما حصل لا يمكن يبيعني، عنده يموت روحه وما يبيعنيش.
بتر نصف العبارة، بتر حديثها مدافعًا عن نفسه بدليل نطقته هي بلسانها قائلاً:
_أديكي قولتيها أهو، شايفة قولتي إيه يا حكيمة؟ الموت عندي أحسن من إني أبيعه ياحكيمة، بس هما مكانوش هيموتوني أنا، كانوا هيقتلوا نجاح مرتي لو مكنتش قولت لهم إن زهرة حامل، لو مكنتش عرفتهم مكانها كانوا قتلوا ها وقتها. نجاح كانت بتحبك دي كانت أقرب لك من نفسك، ما قدرتش أشوفهم وهما حاطين السلاح على ضهرها.
نطقت وقد وصل ضيقها إلى الذروة:
_وبعد ما قلت لهم ما برضه ضربوا عليها نار وفضلت مشلولة طول حياتها، يعني عاشت عيشة الميتين يا نصير.
انتفض واقفًا من مكانه يسرد لها الحقائق:
_اللي حصل خلاص حصل، ضعفت وقولت خوف على اللي مني مش عليا، سبت بيتي وحياتي وفضلت عايش في الكوخ ده سنين يا حكيمة عشان ما تعرفليش طريق، قلبك أسود ما بيسامحش، مع إنك لو فكرتي فيها ولو شوية، هتعرفي إن كل ده قدر ومكتوب وكل اللي حصل كان لازم يحصل. قولت على مكان المهدي أو ما قولتش كان هيحصل، المهدي كان عارف ده كويس، عشان كده وصاني إني أقرب من ياسين. وعرفت إزاي أبقى الركن الهادي اللي بيقوله كل مشاكله، حتى والضبع كان مؤثر عليه. كنت بعرف أخبار شمس منه وحننه عليها كتير، أنت بنفسك ما عرفتيش تعملي ده، أنا بس يا حكيمة اللي قدرت أعمله.
كان هذا جوابه ومبرره لها، ولكن كانت هي الأسرع تقف أمامه ناطقة بقول:
_ومين قالك إني مش عارفة مكانك من سنين وعارفة كل اللي بتعمله عشان تقرب شمس من ياسين؟ من وقت ما اديت دفتر ياسين لشمس وأنا عرفت نيتك، حبيت تقربهم من بعض وتعرفها حياته قبل ما تتولد كانت عاملة إزاي حتى وهو مش موجود. ده غير اللي أنت كتبته بخط إيدك عن ياسين وياسين ما كتبهوش، عرفتها كل شيء عنه من غير مجهود، حركتك عجبتني وعرفت إنك لسه ذكي زي زمان يا نصير.
وفي خضم هذه المواجهة الشرسة خرجت "شمس" من الكوخ تستند بكفيها على جدرانه. الرؤية أمامها مشوشة، بالكاد تستطيع سماعهم. نطقت كلماتها من بين شفاهه بصعوبة تحاول إخراج الكلمات بقول:
_انتوا بتقولوا إيه؟
انتبها وتوقفا حين قالت جملتها. طالعها الاثنان في آن واحد وقد اعتلت الدهشة وجوههم. نطقت الخالة من بين شفاهه بعدم تصديق:
_شمس.
التقطت أنفاسها بصعوبة، تلتقطها بين ذراعيها، وقد اعتلت الدهشة ملامحها عند رؤيتها هكذا. استفسرت بعينيها قبل لسانها عما حدث. فنطق "نصير" بما طمأنها ولو قليلاً:
_ماتقلقيش، ياسين شال الرصاصة وهتشفى بسرعة، دي بيجري في جسمها دم المهدي.
أسندتها تعيدها إلى فراشها مرة أخرى، تغوص بنومها من جديد. جلست جوارها تمسح بأصابعها على شعرها بحنان، تسأله عما حدث بذعر واضح بمقلتيها. أجابها ومعلوماته تكاد شبه معدومة قائلاً:
_معرفش حاجة يا حكيمة، كل اللي أعرفه إن ياسين جابها امبارح بالليل مضروبة بالنار. جابها وعالجها وقبل ما أتلف كانش موجود. بس اللي متأكد منه إنه هيرجع لها من جديد.
تبادلوا النظرات. هل قال مضروبة بالنار؟ من تجرأ على فعلها وخصوصًا داخل قريتهم؟ لم تكن سوى نظرات مصدومة لا يصاحبها إلا الاندهاش.
صمتت لثوانٍ تغلي الدماء بعروقها تفكر لثوانٍ ووجدت شفاهه تنطق ما يدور بداخل عقلها:
_أكيد فريد الكلب اللي عملها، ما فيش غيره.
الوضع متأزم للغاية، هي على وشك الموت. ما زال يقف أمام غرفتها بثبات يحاول تدارك الموقف الذي أقدمت على فعله بعد إلقائها بالدواء في صندوق النفايات. رأى الذعر في مقلتيها عند رؤيته، وقد كرر سؤاله وهو يسير ناحيتها بقول:
_بتعملي كده ليه؟ انطقي يا سارة.
قبض بكفيه على ذراعها بإحكام وهو يكمل بوجه مكفهر:
_مغفلاني وأنا فاكر إنك بتاخدي علاجك وبتحضري جلساتك. بتاخديني على قد عقلي وبتوافقيني وأنا بقولك نروح نعمل التحاليل. أنتِ عايزة إيه؟ عايزة تحرميني منك ليه؟
تجمعت الدموع في مقلتيها وهي ترجوه:
_كفاية يا يزن، أنت مش فاهم حاجة.
حررت ذراعيها من كفه، تراجعت للخلف تجلس على طرف الفراش تحت نظراته المستفسرة. تكمل وعبراتها الساخنة تتسارع على وجنتيها:
_مش فاهم يعني إيه شعرك يقع والألم مابيخفش. مش فاهم يعني إيه لما شعور بنت تتحول من بنت لراجل زيي زيك.
قبضت بكف يدها على أطراف شعرها فأصبحت كمية كبيرة من خصلاتها بباطن كفها. تسرد له عن مخاوفها بقول:
_بص، شوف شعري بيقع. بقيت أخاف أسرحه وأبقى قرعة.
اتجهت ناحية الخزانة بخطوات واسعة تخرج قطعة قطنية تمسح ملامحها بعنف:
_حواجبي دي أنا اللي برسمها كل يوم قبل ما أصحى عشان خلاص شعر حواجبي وقع.
التقطت رموشها الصناعية على أعلى جفنها تلقيها بوجهه صارخة بقهر على حالها:
_شايف حتى رموشي مابقيتش موجودة. ده غير الوجع طول الليل ببقى أكتم نفسي كل يوم وأعض في المخدة عشان ما تسمعليش صوت وأنا بتألم. وتيجي في يوم تزهق مني وتسيبني.
جلست على المقعد المقابل تواجه "يزن" بنظراتها وهي تؤكد:
_أنا كده كده ميتة يا يزن، وخصوصًا إني وصلت للمرحلة الرابعة. يبقى ليه أعيش الأيام اللي فضلالي وسط الحقن والمستشفيات والعلاج؟ ليه أسيب لك ذكرى وحشة كل ما تفتكرني؟ لما ممكن أسيب لك ذكريات جميلة نعيشها سوا.
دبت القشعريرة في جسده ودافع مسرعًا عن حقه الذي تسلبه منه عنوة. اتجه ناحيتها يجلس القرفصاء يحاوط كفيها برفق وقد طالعها بقول:
_أنتِ حقي، ليه عايزة تاخدي مني حقي يا سارة؟ لما تكملي علاج هيبقى فيه أمل إنك تخفي في يوم، لكن لما توقفي.
بترت جملته تجذب كفها من يده بعدما وقفت تبتعد عنه:
_والله ما هيحصل يا يزن. افهم بقى أنا كده.
كده ميتة، ما فيش حد وصل للمرحلة الرابعة وكمل وعاش. أنا ما وقفتش علاج غير لما عملت تحاليل وعرفت إن حالتي بتسوء، مابتتحسنش. لو كنت اكتشفت المرض بدري كان هيبقى فيه أمل، لكن خلاص. خلاص يا يزن كل حاجة بتروح.
احتضنها وبشدة تمسك بها. لا يتركها وقد ابتل قميصه بدموعها. حاوطته بذراعيها وكأنها تخشى ضياعه منها وقد نطقت بقول:
_أنا مش عايزة أسيبك، بس غصب عني لازم أسيبك.
توقفت الأرض الآن بكلماتها. هذه اللحظة وهذه الكلمة يشعر وكأن جسده ستفارقه الحياة إذا فارقته هي.
كان الصمت ثالثهما أثناء عودة "غدير وبدر" إلى المنزل بعدما رفضت ركوب الدراجة من خلفه. رفع طاقية جاكيته على رأسه قائلاً بمزاح:
_هتفضلي ساكتة كده كتير؟
توقفت عن السير تطالعه وقد اختلطت الحدة بنبرتها:
_هقول إيه؟
لاحظ الحدة بصوتها هذه المرة كمش حاجبيه مستفسراً:
_مالك يا غدير؟ من ساعة ما طلعنا من المحل وأنتِ متغيرة. كل ده عشان قولتيلي؟ وطالما خايفة أوي كده قولتيلي ليه؟
_معرفش.
أجابته ودموعها تحرق وجنتيها من كثرة الندم. فجاهدت تخبره بصوت مبحوح:
_كنت عايزة أحكي لحد ومش عارفة. حاكيتلك ليه؟ لو أي حد عرف الكلام ده بره العيلة هتبقى مصيبة. عيلتي اللي عيشت سنين بحلم بيها هتدمر. ياسين مش وحش يا بدر. ياسين ده أحلى حاجة في كل الحاجات. أنت ما تعرفش هو ضحى بإيه وبيعمل إيه عشاننا. أنا بس حسيت إني وحيدة معنديش حد أحكيله. أنا راهنت نفسي إنك هتطلع كويس وحكيتلك وخايفة أخسر الرهان يا بدر.
لانت تقاسيمه يمسح دموعها من على وجنتيها برفق يخبرها ما يطمئنها بقول:
_مش عارف وعدي ليكي هيبقى كافي ولا لأ. بس أوعدك يا غدير إنك هتكسبي الرهان.
بان الصدق من خلال نبرته. حديثه طمأنها ولو قليلاً وبدأ يسرد لها ما بداخله أيضاً:
_تعرفي إني عمري ما جربت شعور العيلة أبداً.
أكملت سيرها وقد أكمل هو يسير بجوارها:
_أنا أصلاً ماليش حد في الدنيا غير خالتي اللي ربتني بعد أمي وأبويا ماطلقوا وكل واحد اتجوز ومابقاش عايز يربيني. خدتني هي وربتني عشان مابتخلفش.
اتسعت عينيها قائلة:
_خالتك!!
_بصي هي مش خالتي أوي يعني، بس أنا بقولها خالتي. ماليش غيرها. هي أصلاً كانت جارة أمي وكان كل ما جوز أمي يديني علقة على أتفه الأسباب. تجري تخبيني عندها وطبعاً تسيبني عندها باليومين تلاته ولا تسأل. لحد ما مرة لقيتهم سافروا من غير حتى ما أعرف وقطعت كل صلتها بيا. ومن يومها وأنا عايش مع خالتي وهي اللي ربتني لحد ما تعبت ومابقيتش قادرة تخدم نفسها. بس أنا اللي بخدمها دلوقتي وعمري ما هنسى جميلها في يوم. ربتني وعلمتني وعاملتني على إني ابنها وأكتر.
اتسعت عينيها قائلة:
_الأم اللي تربي مش اللي تخلف وترمي يابدر.
خرجت منه تنهيدة حارة يشير برأسه موافقاً ينظر أمامه فسألته مستفسرة:
_سكت ليه؟
اصطنع نبرة شبه باكية:
_خايف. خايف تطلعي أسرار العيلة بره وتقولي لحد هتبقى مصيبة. أنتِ ما تعرفيش خالتي دي طيبة إزاي. خالتي دي أحلى حاجة في كل الحاجات.
علمت أنه يقلد نبرتها ساخراً. ابتسمت بضحكة واسعة تضربه على كتفه بخفة:
_والله، بقى أنا بعمل كده.
أشار برأسه بالموافقة وقد بانت الضحكات بكلماته قائلاً:
_بصراحة أه. أوڤر أوي.
ضحك الاثنان معاً ودون أن يشعروا وجدوا أنفسهم على أعتاب المنزل. أشارت بأصبعها على المنزل بقول:
_الظاهر كده إننا وصلنا.
نظر "بدر" حوله متأملاً المكان:
_إيه ده؟ هو إحنا وصلنا بسرعة ولا البيت اللي قرب؟
وقبل أن ترد فقد ظهر "حسان" من العدم يقف أمامهم يرد بنبرة حادة:
_كنتِ فين يا غدير؟
حمحم "بدر" في محاولة منه إعطاء بعض الهدوء:
_هي بس كانت عجلتها بايظة فـ.
بتر حديثه بغلظة:
_أنا مسألتكش أنت. أنا سألتها هي.
تهكمت تقاسيمه تجاوبه:
_في إيه يا حسان بتتكلم كده ليه؟ محسسني إني عاملة عملة ليه؟
أعاد كلماتها ساخراً:
_محسسك!!
يعني لما تفضلي بره طول الليل واستغليتي إن البيت والدنيا شايطة ومحدش هيسأل عنك وتقعدي بره طول الليل ده يبقى اسمه يا هانم يا محترمة وراجعة مع واحد غريب مانعرفهوش.
علا صوته فأصبح الجميع يطالعه مزامنة مع عودة بربروس ومارال فقد سمعوا الصوت من بعيد. أتى "بربروس" مهرولاً:
_ماذا حدث؟
صمت الجميع عن الكلام دون "حسان" الذي نطق بنبرة حادة قائلاً:
_تعالى يا بربروس تعالى شوف الهانم كانت فين.
صاحت "غدير" تنقذ نفسها قائلة:
_أنا معملتش حاجة غلط.
_لاء عملتي.
أصر "حسان" وبشدة على حديثه وتابع بقول:
_لما ماتبقيش طول الليل جوه البيت وترجعي مع واحد غريب الصبح تبقى عملتي. اللي بتعمل كده في القرية بنسميها ********.
رواية الهجينة الفصل 106 - بقلم ماهي احمد
سبها بعبارات نابيه مما جعل "مارال" تتصدى له وتقف أمامه بحده:
_ أخيس ياحسان قطع لسانك ماتقولش عليها كده.
تدخل بدر ليحجم الموقف:
_ غدير عمرها ما كانت كده، هي بس كانت مخنوقه و..
قبل أن يكمل، أشار له بربروس بكف يده حتى يكف عن الحديث قائلاً:
_ نعلم جيدا بنات عائلتنا، فمن صفاتهم الاحترام، لا داعي بأن يدخل غريب بيننا ليعلمنا من هم بناتنا.
طالع حسان بنظره حاده، نظره جعلته ينظر للأرض بندم:
_ وما قاله حسان عن ابنتنا ما هو إلا تراهات ناتجة عن قلقه فقط.
أشار برأسه لـ "مارال" يحثها على أخذ "غدير" للداخل، وافقت، تمد كف يدها لها، وما إن مدت كفها حتى استجابت لها "غدير"، تطالع "بدر" بعيون دامعه، يراها تبتعد عنه تحت ناظريه، وما إن دلفت داخل المنزل حتى حث "بربروس" بدر على الرحيل، وتوعد لـ "حسان" على فعلته منذ قليل.
رحل الجميع، وقبل أن يلدف إلى المنزل وجد "الطبيب" يصعد إلى سيارته، حثه على النزول بقول:
_ أيها الطبيب، أين أنت من ليلة البارحة؟
_ معلش يابربروس، سيبني دلوقتي.
قالها بلهجة طغت عليها اللامبالاة، يعلم جيدا ما بداخله، فنظر "بربروس" إلى الساعة بمعصم يده وقد دقت التاسعة، صعد جواره داخل سيارته وبدأ بقول:
_ إنها التاسعة صباحا، وقد تذكرت شيئا، أريد منك أن توصلني إلى مكان ما.
وضع "الطبيب" المفتاح بالسيارة وحركها وهو يسأل:
_ عايز تروح فين يابربروس؟
أجابه "بربروس" بما لديه:
_ إلى المكان الذي تقصده، فقد تذكرت أن لدي موعد هناك.
_ بس أنا مش عايز حد معايا يابربروس، أرجوك تسيبني في حالي.
قالها "الطبيب" بحده، لم يقابلها "بربروس" إلا بكل هدوء، يجلس بأريحية على مقعده وبدأ بقول:
_ حسنا، إلى أين تريدنا أن نذهب؟
أدرك "الطبيب" مراوغة "بربروس"، ضغط على دواسة البنزين يتحرك بالسيارة وهو يردف بحنق:
_ أنا عارف إني مش هعرف أخلص منك.
حلت الظهيرة ولم يأت منها إلا ضوء خافت جاء على استحياء، اتجه "ياسين" ناحية الكوخ يطالعها بهدوء من بعيد، يستند بظهره على الباب، يطالع سكينتها متمنيا بألا يصيبها أي مكروه، فشعور بأنك ستفقد من تحب يدفعك للجنون، يتحدث بعيونه ما لم ينطقه لسانه:
_ لو جرالك حاجة في يوم، العيشة في بعدك هتصبح مرة والدنيا هتفضى من الونس على واحد عاش سنين محروم منه، ومحسش بيه إلا بوجودك جنبه. أنا الغريب في دنيا نابذة وجودي جواها، متقيد بيها ومعاها، وكأنك حريتي اللي فضلت سنين أتمناها.
كلمات يرددها بينه وبين نفسه، فأتى "عم نصير" من خلفه بعدما رحلت حكيمة وهي تحذره من ألا يعلم أحد بقدومها، يمد يده بكوب من الشاي الدافئ يعطيه له، يقطع شروده سائلاً:
_ بتحبها يابن الصاوي؟
سؤاله أربكه، شعر بانسحاب الأنفاس من سؤاله، أعطاه ظهره يجلس على الأريكة الخشبية أمام الكوخ قائلاً بكلمات متقطعة نافياً سؤاله:
_ عارف لما تبقى أكتر حاجة أنت عايزها هي أكتر حاجة ماتنفعلكش، اللي بتتمناه يبقى جنبك هو الوحيد اللي لازم تبعده عنك.
أتى يجلس بجواره ومازال ممسكاً بكوب الشاي بيده، يعيد عليه سؤاله:
_ مش ده رد سؤالي اللي مستنيه ياياسين؟
لاحت على شفتيه ابتسامة ساخرة وتحدث نافياً:
_ شمس عمرها ما انكتبت ليا في يوم.
_ وده أنت اللي قررته بنفسك.
أغمض عينيه بتعب، فأعطاه "عم نصير" كوب الشاي الساخن ومد يده يستقبله منه وقال بوجه بشوش يتابع حديثه:
_ طب بلاش بتحبها، على الأقل بتحس ناحيتها بأيه؟
وقبل أن يجيبه، اقترح عليه أن يجيبه كما يفعل سابقاً، بطريقته الشاعرية بحديثه الفصحى كما كان يحب منذ سنين مضت، وهو يدون كل شيء بداخل مفكرته، حتى يخرج ما بقلبه. صمت قليلاً، ينظر أمامه وقد كان يحاول تجميع الكلمات، قال وعيونه تدور في أرجاء المكان يشرد بما شعر به:
_ أشعر وكأن العالم مظلم ووحدها من تضيء عتمته، وكأنها الجار والجوار والدار والديار، لا شبيه لها ولا مثيل ولا بديل.
أجابه بغموض لم يروِ ظمأ أسئلته، فنطق يؤكد عليه:
_ يبقى بتحبها ياياسين.
صرح ينكر جملته سريعاً:
_ ماتكبرش الموضوع، مش للدرجة دي.
أكمل حديثه يغير مجراه، وتابع "نصير" ردة فعله وهو يرى الغضب الذي كاد أن يلتهم وجهه:
_ أنا طلعت مغفل كبير أوي ياعم نصير، كنت فاكر نفسي شديد ومحدش يقدر يضحك عليا، لاء وكمان كنت فاكر إني أقدر أحمي اللي مني وطول ما هما جنبي هيبقوا في أمان. عمار طلع ميت مش عايش، وكمان لما مات مات قدام عنيا وشمس اتضربت بالنار وهي في حضني ومش هتطلع من حد غيره، مش هتطلع غير من فريد.
_ وهتتصرف ازاي ياياسين؟
وجه عم نصير سؤاله له، وقبل أن ينطق، أتت "زهره" تهرول، وقد انتشر الخبر سريعاً بين أهل القرية، الكل علم بخبر إطلاق النار على "شمس" في المساء بعدما رآه أحد المارة يهرول بها بين طرقات القرية، تنسدل دماؤها منها متجهة ناحية الكوخ. أتت "زهره" تهرول ناحيتهم، ظنت أن ابنتها قد فارقت الحياة، مجرد تخيل هذا جعل جنونها ينشط، فتحدثت بصوت نال منه الفزع وعيون مستنجدة قد نال منها الذعر، تقبض عليه من تلابيبه:
_ بنتي، بنتي فين ياياسين، حصلها إيه؟ انطق.
أغمض عينيه بتعب وفتحهما، تلقى على مسامعه البقية:
_ شوفت، شوفت أنا كنت خايفة بتي تبقى معاك ليه؟ عشان مافيش خير بييجي من وراك ياياسين مهما حصل. أنت اللي مكنتش فاهم ده. حرقتلي بيتي وطلقتني من جوزي وأنت السبب في أذية بنتي. أنا كنت كل همي في الدنيا إنها تتجوز واحد سوي تعيش معاه أيامها في أمان، واحد ماتخافش معاه من بكرة، واهو قبل ما ييجي بكرة يابن الصاوي كانت مضروبة بالنار. هو ده اللي أنت عايزه؟ أنت كده بتحميها؟ أنت مابتعملش حاجة غير إنك تدمر اللي حواليك. إيه اللي جابك بس؟ إيه اللي رجعك؟ ما أنت كنت بعيد وقولنا خلصنا منك، عشر سنين عشناهم من غيرك كنا عايشين في أمان، ومن وقت ما رجعت ماشوفناش غير وجع القلب وعدم الأمان. روح منك لله.
انهارت، لم تقدر قدماها على حملها أكثر من هذا، استشعر رعشات جسدها، خانتها قدماها وقد خرت على الأرضية ومازالت ممسكة بتلابيبه، جلس معها وفعل عكس المتوقع، فعل ما أدهشها، تحدث معها هذه المرة ووضع استفزازه لها جانباً، ربت على كفيها بحنان يحدثها بعينين صادقة وقلب مكسور:
_ أول مرة أوافقك على كل كلمة قولتيها يازهره.
حركت "زهره" رأسها بغير تصديق وعادت تنظر له من جديد، ساعدها على الوقوف وقد جلسا سوياً على المقعد الخشبي، وضع كفه أسفل وجنته وهو يقول بهدوء واستسلام، لم تعهده منه من قبل:
_ ماتستغربيش يازهره، أنت فعلا عندك حق في كل كلمة قولتيها، أنا دلوقتي بس فهمت إن طول ما شمس جنبي هتشوف الأذية ألوان.
الصدق ينطق في حديثه وفي مقلتيه وهو يدافع عن نفسه:
_ بس مش هتبقى الأذية مني، هتبقى من اللي حواليا، عشان أنا جنبها حاجة مكنتش فاهمها وفهمتها دلوقتي. حاولت تنبهيني قد إيه أنا مؤذي، بس مكنتش فاهم. كنت فاهم إن اللي زيي ينفع يتغير ويقدر يعيش في أمان زي بقيت الخلق.
برزت ابتسامة على ثغره يحاول بها أخفاء الألم الذي ينزف من كلماته:
_ آه أنا حرقت بيتك وعارف إن مكانش ينفع أعمل كده، بس وقتها مكنتش بفكر، مكنتش عايز حاجة تبعدني عنها، كنت خايف لا تبعد وتتأذي، محطيتش في بالي ولو لحظة إني السبب في أذاها. اطمني، شمس لحد دلوقتي بخير، وأنا همشي وأسيبها يازهره، بس مش قبل ما أبعد عنها اللي ممكن يأذيها وأطمن قلبي عليها.
عند هذه النقطة تحديدا، انفجرت في البكاء، تعالت شهقاتها وأصبحت تسرق الأنفاس بصعوبة من بين شهقاتها، تحدثت تبرر له:
_ ياسين أنا مش وحشة، بس أنا شفت الوحش اللي جواك. محدش فيكم باصصلي بعين أم خايفة على ضناها واللي هي حتة منها. أنا اتحرمت من شمس 16 سنة وأنت كنت بالنسبالي الوحش اللي حارمني منها، كنت بنام وأقوم وأنا كارهالك. عارفة، عارفة إن كل اللي حصلك كان غصب عنك، بس أنت مش ابني مش حتة مني عشان أحس بيك، لكن هي لأ، هي اللي طلعت بيها من الدنيا وكل اللي بتمناه إنها تعيش في أمان اللي باقي من عمرها، واديك شوفت واعترفت بنفسك إنها كل ما هتكون معاك كل ما الأذى هيجري وراها بالمشوار.
تحدثت معه باستفاضة وتفهم هو مشاعرها، وافقها على كل شيء، وأتى إلى النقطة الأصعب، ولكنه كان بارعاً في التعبير:
_ شمس تستحق ترتاح والدنيا تبقى ليها براح، حتى لو أنا مش فيها، ولا أستحق براح الدنيا معاها. شمس تستحق كل حاجة حلوة في الحياة، هي أصلا بالحياة وما فيها.
صدق نبرته أذهلها، وحتى حاول إخراجها من نوبة بكائها الزائدة بقول:
_ خلاص بقى، ده أنت نكدية بزيادة، لي حق علي يطلقك.
انكمشت تقاسيمها وزادت شهقاتها التي هتفت من بينها وتعالت نبرتها بغضب:
_ ما أنت السبب، أنت برضوا سبب طلاقي، ياللي منك لله.
حول عينيه للون الأحمر وتهكمت تقاسيمه وقد بان على ملامحه الجدية:
_ صوتك ما يعلاش يازهره، ولا عشان قعدتك جنبي وطبطبت عليكي بكلمتين هتاخدي عليا.
دب الذعر بقلبها، ابتعدت عنه متجهة إلى طرف المقعد، ابتسم "عم نصير" من فعلته، ضاق نفسها فهي الآن بمفردها معه، ابتسم يشير لها بيده مازحاً، بعدما أعاد عينيه إلى لونه الطبيعي:
_ والله يازهره أنت غلبانة بجد، وما طلعتيش حيع ولا حاجة. تعالي، تعالي، أنا بهزر معاكي، في برضوا حد يأذي حماته.
نفت كلمته وبشدة:
_ ماتقولش حماتي.
انصاع لأمرها يخبرها:
_ اللي تشوفيه يازهره، حلو كده.
صدرت عن "زهره" تنهيدة متعبة ثم أخبرته:
_ حلو، بس عايزك توعدني إنك فعلا هتبعد عنها وتطلقها.
صمت للحظة وألقت عليه نظرة وقد خيم على عينيه الحزن، وجدته يطالعها بعينين وقد لمعا ببريق ممزوج من الحزن، وبالرغم من ذلك يجبر شفتيه على الابتسام:
_ هوعدك، بس مش قبل ما تفردي وشك ده الأول.
كانت نبرته هنا جادة عكس نبرته المازحة، مسترسلاً:
_ حبايبي دول بارتين مع بعض، التكملة تحت الصورة التانية، وأرجوكي التفاعل يبقى من بره الصورتين، أرجوكي علشان صوتنا يوصل لأكبر عدد وننقذ الأسرة من الفلسطين/ييه.
_ وزي ما قولتلك هبعد لما أطمن عليها وأبعد اللي عايزين يأذيها عنها، بس لحد ما ده يحصل، أنا هفضل جنبها ومش عايز منك أي اعتراض إني أبقى قريب منها، واللي أقولك عليه تنفذيه، يعني وقت ما أقولك خليها معايا هتفضل معايا.
_ أيوه بس.
قالتها معترضة، فبتر حديثها بعدما علم مقصدها:
_ مش هلمسها، ولا هقربلها، شمس عمرها ما كانت ليا في يوم يازهره، اطمني، دي حاجة أنا عارفها ومأمن بيها كويس.
أشار برأسه يحثها على النهوض:
_ يلا، ادخلي لبنتك واطمني عليها، هي قريب هتبقى بخير.
كانت في الحقيقة تبكي وكأنها المرة الأخيرة، تفرغ كل ما لديها من الدموع، شعرت "مشيرة" بكل ما هو قاتل، كلامه مزقها، فعل كل هذا فقط حينما علم بأنها جارته بأن "عمار" ما زال حياً يرزق، أبعدها عن حياته للأبد، وأهل الأه لو علم بأنها تدس له الدواء بداخل مشروبه حتى يظل على عماه. أخذت تحدث نفسها، ماذا لو علم بأنها هي من تسبب بإطلاق النار على "شمس"؟ ماذا سيفعل حينها؟ كل هذا نفضته عن تفكيرها، كل شيء مباح لديها فقط ليظل بجوارها، عادت إلى المنزل بعدما وعدته بأنها تريد الراحة ولو قليلاً، وستغادر بعدما تلملم أشياءها المتبقية من بيت "الصاوي"، وهي تعرف تمام المعرفة أنهم سيكتشفون مقتل "شمس" قريباً، ومن ثم ستبقى بجواره لمواساته كما تفعل كل مرة. توقفت لدقائق تفكر، لم تسمع نحيب أحدهم، لم يتحدث هو عن مقتل شمس وكل ما يشغل باله فقط هو "عمار". تحرك "حسان" أمامها فاستوقفته مسرعة تسأله بلهفة:
_ الا قولي ياحسان، هي فين شمس؟
كمش حاجبيه باستغراب ثم أرضت هي فضوله بقول:
_ أقصد يعني مافيش حد في البيت، هو انتوا فين؟
بان عليه القلق بقول:
_ أنت ماسمعتيش؟ أختي شمس انضربت بالنار. كل اللي في البيت مش موجودين، كلهم راحوا عند كوخ "عم نصير".
_ يعني عايشة؟ مامتش؟
كانت ترغب وبشدة في موتها، رمقه "حسان" وبشدة وهو يعترض على ما يقول بقوله:
_ بعد الشر، إن شاء الله اللي يكرهها، جت سليمة، بس عم ياسين هيعرف يجيب اللي عملها، إن شاء الله لو كان في جحر نملة.
شلت الصدمة "مشيرة" الآن، ماهذا الذي تسمعه؟ اشتعلت عيناها، ودت لو قتلته، ولكنها تصنعت الشفقة ببراعة وهي تقول:
_ أنا ما قصدتش، بعد الشر عليها طبعاً، أنا بس كنت عايزة أطمن عليها.
أشار بكف يده للخارج:
_ أنا كنت بجيب لها هدوم ورايحلها دلوقتي، لو حابة تيجي معايا استناكي.
هتفت مسرعة:
_ لا، لاء، هاروح لها وقت تاني، أنا هدخل أوضتي عشان أرتاح.
جاء رده جافاً:
_ عن إذنك يا طنط.
استدار ليغادر، من هنا ترمقه بعيونها التي لو كانت سهاماً لأصابته، وخر "حسان" أرضاً سريعاً، الآن تمتمت بداخلها بقول:
_ طنط لما يلهفك.
دلفت إلى غرفتها، صافعها الباب خلفها، بعدما أدركت أن ما خططت له أصبح بلا فائدة، ركلت الطاولة التي أمامها بقدميها بقوة، مسحت دموعها بعنف تحاول كتم صرختها، ولكنها فشلت، وما إن وجدت زجاجة من الماء أمامها حتى ألقت بها بعرض الحائط، تحولت الزجاجة إلى قطع، ألتقطت أحداها لكي تجرح يدها بعنف حتى تهدأ، فهذه هي وسيلتها الوحيدة للهدوء عبر جرح ذراعيها، تتلذذ بالألم الخارج منها، وما تجهله بأن "الخالة" ما زالت بداخل المنزل تضعها تحت أعينها دون أن تراها، وأن الألم الحقيقي قادم لا محالة.
أخيراً، وقف "الطبيب" بسيارته أمام بيت مهجور.
بيت قديم من الطين متهالك، هبط من سيارته يقف أمامه يتأمله، تبعه "بربروس" يقف من خلفه، فقطع صمت الطبيب بسؤاله يربت على كتفه بابتسامة:
_ هل هذا بيتك القديم؟
هز "الطبيب" رأسه وقد لمعت الدموع بعينيه وهو يقول:
_ كان بيتي أنا وياسين.
جلس على الطوب اللبني بهدوء يسرد له ما كان يحدث منذ زمن:
_ لما كنا صغيرين، والدي كان دايماً شايف ياسين مستهتر مابيشيلش مسؤولية، كان كل ما يقعدوا في قعدة معاه وهو بيحل مشاكل أهل القرية، ياسين كان بيزهق ويسيبهم ويطلع فوق السطوح جنب غية الحمام. الحمام أول ما يشوفه كان بيتلم حواليه ويمسك دفتره اللي مكانش بيسيبه ويكتب قد إيه إن نفسه يكبر عشان يبعد عن القرية ويعيش حر زي الحمام اللي بيربيه. أبويا لما كان يبص ما يلاقوش جنبه كان بيعرف مكانه أكيد جنب غية الحمام، يطلع ويدور في الضرب ويديله كل قلم وقلم، كان لسه صغير ما يكملش العشر سنين. وأنا كانت صحتي على قدي، أبويا كان عارف إني هموت زمان، مكانوش يعرفوا حاجة اسمها كانسر، كان عارف إن صحتي على قدي وبس، ما أقدرش أمسك قرية بحالها، مع أني كنت بحب أقعد معاه أوي، بس هو مكانش بيرضى. كنت بصلب طولي بالعافية وأطلع السلم عشان أدافع عنه وما أخليهوش يضربه، واقف في النص ما بينه وما بين أبويا، وأبويا مراعاة لصحة تعبانة كان بيوقف ضرب في ياسين أول ما يشوفني وينزل ويسيبه.
لمع بريق في عينيه وهو يتابع من جديد:
_ كنت وقتها باخده في حضني ويفضل يبكي جواه ويقولي أنا مش عايز أبقى كبير القرية، مش عايز أبقى مسؤول عن حد.
كان حديثه هذه المرة غير المرات السابقة، حرك داخله أشياء ساكنة، دفعه للانهيار وهو يقول:
_ ولاقيته بيقولي اللي خلاني أبقى مسؤول عنه سنين طويلة، لاقيته بيقولي ياريتك كنت أنت أبويا بداله. أخدته في حضني وأنا بعيط ووعدته إني مش هخللي حد يمد إيده عليه بعد كده. وجينا آخر القرية أنا وهو وبقينا نعمل البيت ده من الطين حتة حتة وطوبة طوبة، قعدنا فيه شهور نبنيه بس كنا مبسوطين، وأنا لما كنت بتعب كان بيكمل هو بدالي، ولما كنا بنحب نهرب من القرية ومسؤوليتها كنا نيجي هنا ونفضل سوا. ولما ظهر المهدي وحكيمة أشفق عليا لأني خلاص جبت آخري وفي أيامي الأخيرة حولتني وأنقذتني من الموت وحكيتله اللي حصل، قالي ماتسبنيش وأنا كمان مكنتش عايز أسيبه، وطلبت من المهدي يحولوا زيي وبقينا من ساعتها سوا، بس مكنتش أتخيل في يوم من الأيام إني أنكث بالوعد اللي وعدتهوله وأنا اللي أضربه بدل أبويا. مش فاهم عملت كده إزاي؟ لأول مرة ما أقدرش أتحمل استفزازه ليا، لأول مرة أندفع في شعوري يابربروس وماتحكمش في نفسي قصاده. خايف لا ما يسامحنيش ويبعد عني وأنا ما صدقت رجع يبقى جنبي من جديد. ياسين مش أخويا الصغير وبس، ياسين ابني اللي ما خلفتوش وصاحب العمر ورفيق السنين الكتير اللي عيشتها.
تابع من بين دموعه:
_ محتاج أخده في حضني زي زمان وعارف إن هو كمان محتاج الحضن ده وخايف لا الأوان يكون فات.
ربت "بربروس" على كتفه مهوناً:
_ هون عليك يا أخي، من خبرتي لسنين طوال فقد علمت بأن مصارين البطن تتعارك ولكنهم يظلوا مصارين في بطن واحدة مهما تشاجروا سيعودون من جديد سوياً، فقط إنها الأيام ستداوي الجروح.
يوم جديد والأيام تتوالى على ركودها، متدثرة بفراش "عم نصير"، حالتها بدأت بالاستقرار التام، تأتي لها والدتها طوال النهار وترحل بالمساء، وهذا بعدما طلب "ياسين" من والدتها استكمال علاجها هنا تحت أنظاره حتى لا يلتقي "بالطبيب علي" داخل "منزل الصاوي". هو الآن وفي هذه اللحظة هنا حيث الكوخ البسيط، الوقت يمضي بسرعة البرق، وككل ليلة يسهر بجانبها، يسهر على راحتها بعدما غادره "عم نصير" وأخبره بأنه سيقضي الليلة لدى قريب له، فأصبحوا بمفردهما سوياً، وكالعادة أشعل النيران بالأخشاب التي بالخارج في ليلة شديدة البرودة كهذه، لعله ينعم ببعض الدفء. كل ليلة يتمنى أن تستعيد عافيتها، تعود لمحادثته من جديد، وغالباً الشئ الذي نرغب به بشدة نجده يحدث بعد قليل، عندما شعر بوجودها تقف خلفه دون إصدار أي صوت، أغلق عيونه يستشعر وجودها، يشتم رائحتها التي لطالما ميزها، اقتربت منه تقف أمامه لتجد هيئته التي نمت على أنه ليس بخير، حين رمقته تصرح بصدق معاناته، نطقت وقد بدا على وجهها الاهتمام:
_ ياسين، أنت كويس؟
مجرد نطقها باسمه يصيب قلبه باضطراب، ابتسم على سماع صوتها من جديد، رمقها بنظرة مشتاق، يشتاق إلى روحه التي كادت أن تسلب منه، لاحت على شفتيه ابتسامة ساخرة وقال:
_ أنت بتسأليني أنا السؤال ده؟ المفروض أنا اللي أسألهولك، أنت اللي اتضررت بالنار ياشمس وبقالك أكتر من تلات أيام نايمة ومحاسة باللي حواليكي.
شعرت بعدم الاتزان، فحاوط كف يدها سريعاً يساعدها على الوقوف قائلاً:
_ تعالي ارتاحي على السرير، الجو هنا برد عليكي.
أخبرته راجية:
_ لا، عشان خاطري أنا زهقت من جوه، عايزة أشم شوية هوا.
انصاع لطلبها، يساعدها على الجلوس أمام النار، دار بعينيه يبحث عن المزيد من الأخشاب بالجوار، ومن ثم وضعهم بداخلها، وقد أحضر غطاء من الداخل يحاوطها به، يضعه على كتفيها من الخلف قائلاً:
_ خلي الشال ده على كتفك عشان يدفيكي.
وضعت يدها تعدل من وضعية الشال الذي وضعه هو بفوضوية على جسدها، فلامس كفها كفه، رفعت "شمس" رأسها، فتقابلت عيناها بعينه، ارتبكت من نظراته الثابتة واستدارت تنظر جوارها، فحمحم يخبرها وهو يجلس بجوارها:
_ أعملك معايا شاي؟
أتى بالبراد الموضوع بجواره يضعه على النار المشتعلة أمامهم، طالعته بذهول، عن أي شاي يتحدث؟ فهي تعلم جيداً بأنه لا يحب الشاي، فهم هو تعابير وجهها، فابتسم بقول:
_ أنا عارف إنك زمانك بتقولي إن مابحبش الشاي وازاي بشربه دلوقتي، بس اللي يقعد بقى مع عمك نصير لازم يحبه غصب عنه، مع أنه بيعمله وحش أوي بس اتعودت عليه.
تعالت ضحكاتها، فابتسم هو على ضحكتها، يمد كفه بكوب الشاي بعدما سكبه لها، تناولت الكوب تقول وسط ضحكتها:
_ المشكلة إنه بيجبرك إنك تشرب الشاي بتاعه بالعافية أصلاً، ومهما تقنعه إنه بيعمله وحش مابيصدقش.
وذكرته هي بحديث مر عليه أكثر من اثنى عشر عاماً، تسرده بقول:
_ فاكر لما دخلت عليا القبو وخليلة كانت بتشرب كوباية الشاي، وأول ما شفتك خافت وترعشت وبقت تغمي عينيها على طول بالقماشة وفضلت ماسكة كوباية الشاي مارمتهاش. وقتها نزلت علينا بخطواتك البطيئة وبنظرتك الشريرة دي، ومع أنها معملتش حاجة روحت باصصلها كده وكسرت كوباية الشاي من إيدها.
ابتسم بألم يرتشف رشفة من كوبه، يبتسم على ذكرياته وهو يقول:
_ المشكلة مش في كده، المشكلة إنها معملتش حاجة ومش لاقيلها أي غلطة، روحت مزعق فيها وقولتلها وأنت كمان بتشربي شاي.
انكمش ما بين حاجبيه يكمل:
_ مش فاهم، ماتشرب شاي كنت بزعقلها ليه أنا؟ غلطت في إيه عشان أبهدلها البهدلة دي كلها وأبهدلك أنت كمان معايا؟
أنمحت الابتسامة من على وجهه ببطء وتهكمت تقاسيمه، يشعر بالذنب، نادماً على ما فعله:
_ كنت حارمها من كل حاجة، من أولادها وبيتها وجوزها ومن جبروتي، بعد ما فضلت 16 سنة تربي فيكي وماتشوفش الشمس في يوم، أقتلها بدم بارد ولا أكنها بني آدمة وليها حياة. ده أنا كنت جبار.
اعتدلت بجلستها كي تقترب منه، طالعته بهدوء قبل أن تقول بابتسامة حزينة ونبرة حنونة:
_ ياسين، أنت مكنتش في وعيك وأنت بتعمل كده، كل ده كان غصب عنك، كل ما تفتكر حاجة زي كده قول لنفسك إن مش أنت السبب وإن اللي حصل ده أنت كنت مجبر عليه مش بإرادتك.
ثم لانت نظراتها ورأى فيها خوفاً حقيقياً عليه، تحاول ألا تشعره بالذنب:
_ وبعدين أنا كنت بفرح أوي لما بتزعقلها، بس برضوا كنت بخاف عشان بعد ما كنت بتمشي بطلعهم عليا. طب على الأقل أنت مكنتش في وعيك، لكن هي كانت بكامل عقلها وهي بتعامل طفلة ماتكملش السنتين بمنتهى القسوة.
لمعت العبرات في مقلتيها وهي تحكي له:
_ طبعاً مش فاكرة كتير، بس فاكرة كويس أوي لما كانت بترميلي الأكل في الأرض عشان أوطي آكل منه، مكانتش بترضى تخليني أستخدم إيدي، كانت بتسيبني عطشانة بالأيام، حتى الكلام مكانتش عايزاني أنطقه، مفكرتش ولو للحظة تاخدني في حضنها زي أولادها وخصوصاً إن هي اللي مربياني. لما كرهتها وكنت بكره حتى أسمع نفسها، على الأقل في أيام رغم إن الضبع كان مسيطر عليك كنت بتبقى حنين عليا فيها، ولما كنت بتلاقي شفايفي زي الحجر رغم قسوتك كنت بتديني بوق الماية، أه بعدين بترجع تطلعه عليا تاني، بس على الأقل كان بيحصل.
كل شيء يؤلمها وبان هذا في سؤالها بوجع طغى في عينيها:
_ تفتكر أنا عملت إيه عشان يحصل معايا كل ده ولحد دلوقتي لسه بيحصل؟ لسه بعاني.
فرت دموعها تشعر بسخونتها على وجنتيها أثناء تنهدها بعمق:
_ أنت ماتعرفش أنا عشت إزاي طول العشر سنين اللي فاتوا. ماتعرفش حسيت بإيه بعد موت عمار ياياسين وكمان بعد ما مشيت وسيبتني، كنت وحيدة فضلت سنتين مكنتش بعمل فيهم أي حاجة في حياتي غير إني قاعدة جنب قبره بفكر في ألف سؤال، لو كان لسه عايش كان إيه اللي هيحصل في حياتي دلوقتي؟ طب ليه مات؟ ليه مش موجود لحد.
صمتت لثوانٍ، يتابعها بنظراته المستفسرة، فأكملت وقد حاربت ترددها:
_ لحد ما مذكراتك وقعت معايا بالصدفة، رجلي خدتني ليها من غير ما أحس.
لمحت التوتر الذي ظهر على وجه ياسين وهو يرد:
_ مذكراتي!!
ردت تؤكد على ما قاله:
_ أيوه مذكراتك، هي دايماً معايا في الشنطة مابشلهاش أبداً، منها لو كنت فتحت شنطتي كنت لاقيتها فيها.
بدا على وجهه الانزعاج، فأضافت تبرر:
_ أنا عارفة كويس إن اللي عملته ده غلط، وإن مكانش ينفع أبداً إني أقرأ حاجة شخصية ليك كده ولا أعرف عنك كل اللي عرفته، بس هتصدقني أو لاء، بس مذكراتك واللي قرأته جواها أنقذني من الوحدة وخلاني أتجه للتعليم، كان عندي فضول شديد أعرف إيه اللي مكتوب جواها.
رد بهدوء جاهد ليستدعاه:
_ وعرفتي!!
وردت بسؤال آخر:
_ اتضايقت؟
اختار الكذب وقال:
_ لا ما ضايقتش، بس كنت عايز أعرف عرفتي إيه؟
ابتلعت غصة مريرة في حلقها قبل أن تضيف:
_ إن حياتي زي ما كانت صعبة، حياتك كانت أصعب. وإن الحج يزيد باباك كان دايماً بيعاملك بقسوة، وإنك ماشفتش حلو الدنيا غير من مامتك، واختارت إنك تعيش مع دكتور علي، وإنك تعيش ميت على إنك تموت عايش، مش ده كلامك اللي كاتبه في مذكراتك؟ طول عمرك كان في غيرك بيتحكم في حياتك، الأول باباك ولما يا دوبك طلعت من تحت جناحه اتحطيت تحت جناح الضبع.
رأت "شمس" الدموع في عينيه، ولم يخفها "ياسين" بل طالعها معاتباً على النبش بماضيه، ونظراته تطالبها بأن تكف عن الحديث، ولكنها ختمت وكأنها لم تر هذه الدموع:
_ الظاهر إننا طلعنا شبه بعض أوي ياياسين، كل واحد فينا ضحية لغيره.
شريط طويل يعرض أمامه الآن، امتزجت الذكريات بعقله بنبرتها وهي تخبره:
_ ده غير كمان البنت اللي حبيتها زمان و..
_ مش جعانة؟
ألقى بسؤاله للهروب من مجرى الحديث أو الهروب من نفسه، طالعته بابتسامة وعلمت قصده وقررت ألا تضغط عليه وجارته بحديثه بقول:
_ بصراحة أه جعانة أوي، بس مش عايزة آكل أي أكل، عايزة آكل حاجة معينة.
قبض حاجبيه بتساؤل، فأشارت بعينيها خلفه، استدار للخلف على البقعة الزراعية وعاد يطالعها من جديد ببسمة حانية، يشير بعينيه بمعنى لكِ ما تريدين.
في بعض الأوقات من المفترض أن تنفذ تهديدك حتى لا تشمت من هددته بك، ولكن بحالة كحالتها لم تعد تفكر بشيء سوى محادثته حتى لو لدقائق.
ظلت تنتظر "الطبيب" كالعادة أمام منزل الصاوي، ولكنه يتهرب منها ويوصد باب غرفته عليه، ولكنها استطاعت أن توقفه هذه المرة قبل أن يوصد باب غرفته عليه بقول:
_ علي، أرجوك ماتمشيش وتقفل الباب في وشي زي كل مرة.
وقف أمامها يطالعها ورد بابتسامة كادت أن تقتلها قائلاً:
_ أي ده، زهره! أنت هنا غريبة، مكنتش واخد بالي منك.
_ علي بلاش كذب، أنت شايفني وبتشوفني كل يوم.
استدار "الطبيب" يطالعها ورأى غضبها في عينيها، وخاصة وهي تتابع:
_ أنت من ساعة اللي حصل ما بقيتش حتى تبص في وشي خلاص، نسيتني ياعلي؟ نسيت زهرتك؟
لانت تقاسيمها بعض الشيء، تقترب منه:
_ أنا زهره ياعلي اللي لما كنت بقولك سيبني في حالي كنت بتقولي أنا حالك، ومكنتش بتسيبني مهما حصل.
رد "الطبيب" وهو يمسح على عنقه بتعب يتخطاها بقول:
_ أديكي بتقوليها بلسانك يازهره، كنت حطي بقى تحت كلمة كنت دي ألف خط وخط قبل ما تقوليلي إني مش راجل، قبل ما تعرفيني إنك بتبقي نايمة جنبي وخايفة لا أشتهي دمك، قبل ما أعرف إنك على استعداد إنك تسيبيني وتبعدي وتعيشي بعيد عني.
أشار برأسه مستفسراً:
_ إيه اللي مخليكي قاعدة في بيت الصاوي لحد دلوقتي؟ مش ده البيت اللي كنتي كارهة تقعدي فيه؟ احلو دلوقتي وبقى عليه سكر.
حاولت التبرير وقبل أن تنطق، بتر عبارتها بقول:
_ ماتقوليش إن عشان بيتك اتحرق بيت أخوكي أبو حسان لسه موجود.
تنهدت "زهره" الدموع تلمع بعينيها:
_ عمرك ما كنت قاسي عليا أوي كده ياعلي.
رد عليها بما أوجعها وجعل الدموع تنهمر من عينيها بغزارة:
_ علي اللي كنتي تعرفيه أنت خسرتيه خلاص، ومهما عملتي مش هتعرفي تكسبيه تاني يابنت الناس.
ألقى بكلماته عليها كالسهام التي نخرت بفؤادها، رأته يبتعد عنها، ومع رحيله سلب أنفاسها منها.
كانت تسير وهي تنظر للسماء وقد زينتها النجوم والقمر بالمنتصف كلوحة بديعة تسر النظر وتطرب القلب، قاطع شرودها بقول:
_ مش قولتلك بلاش نتمشى، أنت تعبانة ياشمس.
كان هذا قوله ممسكاً بكوز الذرة بعد أن قام بشويه على نار هادئة، يتسايرون بالطريق بجوار الرقع الزراعية، الليل قاتم بالمكان ولا يوجد سوى عمود إنارة واحد يضفي إضاءة خفيفة، قضمت قضمة واحدة من كوز الذرة وبدأت بقول:
_ لاء، أنا بقيت أحسن دلوقتي وبجد كنت محتاجة أتمشى شوية.
وقفت أمامه بعيون سائلة سؤال يلح عليها من أول جلستهم، لاحظ هو اقتضابها وقام بإرضاء فضولها بقول:
_ أنت مستغربة إني لحد دلوقتي ماجبتش سيرة عن اللي حصلك وشايفاني هادي صح؟
التحمت عيناه وهو يلقي على مسامعها رده:
_ علشان عارف هتقولي إيه ياشمس.
تخطاها يتابع سيره، فحاولت توسيع خطواتها للحاق به، تخبره بصوت عالٍ نسبياً:
_ اقف ياياسين، أنا مش قادرة أمد، ممكن تقف عشان خاطري.
لأجل خاطرها، لأجل خاطرها فقط يفعل المستحيل، وقف يعطيها ظهره يلبي طلبها، ووقفت هي خلفه بعيون راجية تتابع حديثها بقول:
_ أنا مش عارفة مين عمل كده.
بتر حديثها بحدة:
_ بس أنا بقى عارف.
تابعت وكأنها لم تسمعه:
_ ومش عايزة أعرف، مش عايزة أعرف مين اللي عملها ياياسين، أنا عارفة مين اللي في بالك، بس ده بالذات لازم نبعد عنه.
تقصد بقولها فريد، أضاف وقد تبعت الحدة نبرته:
_ أهوه ده بالذات اللي مش هسيبه، لو سيبته أكتر من كده هيقتلكوا واحد ورا التاني.
استعد لرحيل، فتابعت بقولها الذي أثره:
_ أنا بخاف عليك.
أغمض عينيه من قولها، لطالما تمنى سماع هذه الكلمات منها، واليوم أخيراً قد أخبرته بها، تقدمت تقف أمامه، نزلت دموعها وهي تطلب منه برجاء:
_ أيوه بقيت بخاف عليك، ولو وقفنا قدامه أبواب هتتفتح في وشنا، أوعدني إننا نعيش في أمان، أنا تعبت ياياسين وعايزة أعيش حياة طبيعية زي أي بنت في سني. فريد لو اكتشف حقيقتنا الدنيا كلها هتتقلب علينا والسر اللي فضلنا مخبيينه سنين هيتكشف وهنبقى مطاردين من كل الناس، وأنا مش عايزة كده. مش عايزالك أنت بالذات كده. اوعدني ياياسين، اوعدني إنك هتبعد عنه، ده تعبان حي، بلاش تقرب منه، في كل خطوة بينصب فخ، وفي كل فخ بؤرة بيتمنى إنك تقع فيها، ولو وقعت فيها هضيع مني.
تنهدت تخبره بما داخل قلبها:
_ وأنا مش عايزة إني أضيع منك، اوعدني ياياسين، اوعدني إنك هتنسى الموضوع ده خالص ولا كأنه حصل.
ختمت حديثها وضمها إلى صدره، فدبت القشعريرة بجسدها، شعرت بالأمان، تشعر بكفه يربت عليها، تتغلل أصابعه بين خصلاتها الطويلة بحنان، زادت دقات قلبها وشعر هو باضطرابه، تنطق من بين دموعها:
_ عشان خاطري اوعدني.
أبعدها عن حضنه بروية، يطالعها بعينيه الصافية كصفاء الليل القاتم، يمسح بيده دموعها قائلاً:
_ أوعدك إني هحاول عشانك، هحاول أنسى عشانك ياشمس.
ما زالت عباراتها تتوالى على خديها، برزت ابتسامة على ثغره يمسح دموعها بقول:
_ خلاص بقى، كفاية دموع، مابحبش أشوف الدموع نازلة من حد عزيز على قلبي، وبالذات لو من عيونك علشان.
ابتسم يطالعها بعينين محب صادقة:
_ عيونك حبايبي ياشمس.
إن شعور الاختناق مميت، كانت "غدير" غارقة بنومها، تشعر بوجود شخص ما بغرفتها يقترب رويداً رويداً، هنا وبالرغم من برودة الطقس استيقظت "غدير" لاهثة والعرق يغطي وجهها، شهقت عند رؤية "ياسين"، فهو لم يعتاد على دخول غرفتها هكذا، ابتلعت ريقها وقبل أن تنطق سألها هو بنبرة حادة:
_ عملتي إيه ياغدير؟ انطقِ، قولتي له؟
اقتربت منه بجسد دبّت به القشعريرة من نبرته، ولكن لانت تقاسيمها حين اقتربت منه تخبره بابتسامة:
_ حصل، حاكيت لبدر على كل حاجة زي ما اتفقنا بالظبط.
ابتسم بسمة ماكرة يثني عليها ما فعلته:
_ برافو عليكي.
ابتسمت بغرور تغمز له بطرف عينيها مازحة:
_ عيب عليك، ده أنا تلميذة ياسين الصاوي.
الأيام متواصلة، تحسنت فيها حالة "شمس" كثيراً، وهذا سمح لـ "ياسين" بالذهاب إلى القاهرة، ذهب لغرض واحد فقط وهو مقابلة "فريد"، قرر مقابلته ورمى بطلب "شمس" عرض الحائط، وبالرغم من وعده لها إلا أنه لم يستطع تنفيذه، ذهب، ذهب يتوعد له، يتوعد بأنه سيقلب حياته رأساً على عقب، وكل اعتقاده أن ما حدث لشمس كان هو السبب فيه. هو الآن هنا بغرفته، تسري رعشة بكفه، يقف أمامه يتواجهان وجهاً لوجه بتحدٍ، ومع عقاب والده له بعدم تركه لغرفته، وخاصة أثناء تلك الأيام ظل "فريد" داخل غرفته مجبراً، ابتلع غصة مريرة بحلقه، فوجه "ياسين" لا يبشر بالخير أبداً، وكأنه تحول وعاد إلى أسوأ أيامه من قبل، وخاصة بعدما حول عيناه إلى اللون الأحمر القاتم. عاد "فريد" خطوات للخلف ببطء، لم تعد تتحمله قدمه من شدة خوفه، بلل سرواله من شدة رعبه، إنه هنا معه وبغرفته، حاول "فريد" التكلم من بين شفتيه بتقطع بقول:
_ أنت، أنت عايز إيه؟
صمت دون إجابة، ولكن عينيه كانت تنطق بنواياه، هرول "فريد" بقدم مرتعشة يحاول الخروج من الغرفة، وقبل أن يلمس المقبض الخاص بالباب كان "ياسين" هو الأسرع وقد أغلق الباب بإحكام، يقترب منه ببطء ويصك على أسنانه، وما قال سوى كلمة واحدة، كلمة واحدة كانت تفي بكل ما يريده وهي:
_ عايزك.
يلزمها اعتذار منه على غيابه لمدة يومين، يومين لم تعرف بهما شيئاً عنه، جلست على المقعد أمام الكوخ كالعادة بأنتظاره، الطقس اليوم أدفأ عن البقية، جلست "زهره" بجوارها تحثها على المغادرة بهدوء:
_ مش يلا بقى ياشمس؟ قعدتك عند عم نصير طولت، أنتِ بقيتي كويسة دلوقتي.
لم تكف عيناها عن التدوير بكل مكان عنه، فأخبرتها متحججة:
_ أصل أنا لسه مش قادرة أمشي ياماما.
أخبرتها سريعاً:
_ ماتمشيش، هجيبلك عربية لحد هنا ترجعنا بيتنا، أنا فرشت بيت خالك القديم.
تنهدت بتعب وقد نفذت حجتها:
_ طيب ياماما، اللي تشوفيه.
كان القلق ينهش قلبها من كثرة قلقها عليه، حاولت مهاتفته للمرة التي سئمت من عدها، ولكنه دائماً مغلق، دلفت إلى الكوخ توضب حقائبها، وقبل أن ترحل طلبت من والدتها الذهاب أولاً إلى منزل الصاوي لأحضار بقية أغراضها، وعند وصولها وجدت حشداً كبيراً يقف أمام المنزل من ضباط وعساكر وأهل القرية يحاوطون المنزل، حاولت المرور بين الحشد وبعد معاناة قد دلفت إلى المنزل، ترى الضابط أحمد يضع الحديد بيديه، يأخذه جاذباً إياه خلفه، الفضول كاد ينهش بها، تستفسر بعينيها قبل لسانها بقول:
_ وخدينوه ورايحين بي على فين يا حضرة ظابط؟ هو عمل إيه؟
جاوبها بآلية يسير به إلى السيارة الحديدية:
_ متهم بقضية قتل فريد الدمنهوري.
هوى قلبها أرضاً، استسلامه لهم دون مقاومة، يطالعها والضابط يجذبه من خلفه، ومن بين صوت الحشد الكثير استطاعت سماعه من بينهم يخبرها بعينين بهما الصدق، يحرك شفتيه نافياً:
_ ما قتلتهوش.
من جديد هناك جرح يتوسط القلب، وكأن حياته ناقمة عليه وعلى راحته، كلما حاول الوصول إلى بر الأمان تجرفه الموجة إلى الغريق، مهما كان استسلم، استسلم بعيون هاوية وكأنه سئم التجديف بقارب لن يصل أبداً.
رواية الهجينة الفصل 107 - بقلم ماهي احمد
هوى قلبها أرضاً استسلامه لهم دون مقاومة.
يطالعها والضابط يجذبه من خلفه،
ومن بين صوت الحشد الكثير استطاعت سماعه من بينهم.
يخبرها بعينين بأن بهم الصدق،
يحرك شفتيه نافياً:
_ ما قتلهوش _
من جديد هناك جرح يتوسط القلب،
وكأن حياته ناقمة عليه وعلى راحته،
كلما حاول الوصول إلى بر الأمان تجرفه الموجة إلى الغريق مهما كان استسلم،
استلسم بعيون هاوية وكأنه سئم التجديف بقارب لن يصل أبداً.