تحميل رواية «الهجينة» PDF
بقلم ماهي احمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحد المنازل القديمة بحارة صغيرة تسكن ولاء، أخت غرام، مع زوجة أبيها وأخواتها غير الأشقاء. زوجة الأب: انتي ياللي ما تتسمي، ياللي اسمك ولاء. تدخل عليها البلكونة فتجدها لا تزال نائمة على الأرض لعدم توافر سرير لها داخل الشقة، فأرضية البلكونة هي المكان المخصص لها للنوم، هي وأختها غرام قبل زواجها. زوجة الأب: يخربيييييتك، انتي لسه نايمة يامقصوفة الرقبة. ولاء: يوووووه، دي مابقيتش عيشة دي، قولتلكوا حاضر شوية وهصحي، مش كل ١٨ ساعة تيجوا تصحوني. زوجة الأب: قومي يابت، قامت قيامتك، انتي إيه مابتشبعيش نوم. و...
رواية الهجينة الفصل الحادي والتسعون 91 - بقلم ماهي احمد
"كان لابد من لقاء يجمعنا سويا يوما ما، ساورتني شكوكي قليلا، ولكن تملكني يقيني أكثر، كل شيء بغيابك عادي وبوجودك مبهر، تجمعت مشاعرنا دون لقاء، كما التقت عيوننا دون معاد ياصاحبه العيون الخضراء."
كانت النهاية عند وقوعها دون قصد بأحضان أخر شخص ممكن أن تتوقعه وأول شخص كانت تتمنى أن تراه مجددا. وجدت نفسها بأحضان "ياسين". رفعت عيناها لتطالعه فقد احتضن بؤبؤ عيناها عيناه. لم تعرف ماذا تقول، صدق من قال أن للعيون لغة، فقد فضحتها عيناها عند رؤيته من جديد.
ابتسم لها هو ابتسامة بسيطة زادت من وسامته، فراجع قليلا حتى يعطي لها فرصة في الوقوف مستقيمة بعدما مالت عليه. نظر للأسفل ليجد رباط حذائها المفكوك كالعادة، ليبتسم من جديد وهو ينحني يربط لها رباط الكوتشي وهو يقول:
"رباطك ياشمس."
هوى قلبها أرضا عند سماع جملته، فهذه الجملة لم تسمعها قرابة العشر سنوات، هذه الجملة الخاصة بـ"عمار". وقف واستقام بعدما عقد لها رباط الكوتشي من جديد. نظرت للأسفل على حذائها فوجدته نفس ربطة "عمار" المعقدة، فأكمل هو جملته بإبتسامة حنونه أخرى:
"ربطهولك كويس عشان مايتفكش منك تاني."
كانت ومازالت لا تستطيع الحديث، فلم تنطق ببنت شفه حتى الأن، ولكن بداخل رأسها في هذه اللحظة أسئلة كثيرة وزحمة أكثر بداخلها، ولكن تود أن تسأله سؤال واحد فقط يراودها على طرف لسانها وهو "من أنت؟" حتى كادت أن تنطق به، ولكنها صمتت عن الحديث فجأة عند سماعها صوت الطبيب قادم من خلفها ناطقا بأسمه بدهشة وعدم تصديق ما يراه الأن:
"ياسين."
أضاءت ملامحه إحدى ابتساماته الرائعة بقوله:
"وحشتني يا طبيب."
فرد "الطبيب علي" ذراعه، والابتسامة تملأ وجهه، يضمه إلى صدره فقد اشتاق إليه حقا. ظلت "شمس" تطالعه، فطالعها هو الآخر بنظرة سريعة ثم تجاهلها على الفور. شعرت الخالة بوجوده، التقطت رائحته من بين الحشود، ابتسمت ووقع العكاز من يدها على الأرضية، شعرت بروحها تعود من جديد إلى جسدها، فوجدت قلبها ينطق قبل لسانها:
"ابني."
توقف الطبل والمزمار، وظل الجميع يسأل نفسه في حيرة ينظرون هنا وهناك. تحركت "الخالة" بينهم، أزاحت الأشخاص الذين يحولون بينه وبينها. أخذ "يزن وبربروس وساره"، الجميع بلا استثناء يتابعون خطواتها بعيونهم، حتى وجدته يعطيها ظهره وهو بحضن الطبيب. وضعت كف يدها على كتفه تطالعه بدموع ترقرق بعينيها، فالتفت هو ينظر لها بابتسامة حانية:
"وحشتيني يا ما."
ها قد وقعت على مسامعها كلمة "ياما" من جديد، ضمته "الخالة" إلى صدرها بعنف، حاوطت عنقه بذراعين حوت حنان العالم أجمع، فقد عاد ولدها المفضل لديها من جديد أخيرا، بعد غياب بعيد. ألتف الجميع حوله، رحب كل واحد منهم به على حدا، فتركتهم شمس وغادرت إلى المنزل. شعرت بمزيج مثير ومميز من الشعور الذي يراودها الأن. أغلقت باب غرفتها، قرعت دقات قلبها كالطبول، خرجت كلماتها مرتعشة من بين شفتيها بعدما أغلقت عينيها وهي تردد على شفتيها باستغراب ما قاله لها منذ دقائق قليلة:
"رباطك ياشمس."
ما زال الجميع يرحب به بفرحة عارمة، حتى أتت له "غدير" وهي تسرع بخطواتها، تبعد الجميع من أمامها والسعادة تملأ وجهها. دفنت رأسها بداخل صدره وهي تنطق باسمه:
_ ياسين، أنا مش مصدقة نفسي، أنت فعلاً هنا.
فاستغرب هو مما يحدث، لم يعد يعرفها. رفعت رأسها إليه تنظر له بابتسامة عريضة، فتفحص هو ملامحها لثوانٍ قليلة، ثم نطق باستغراب على ما أصبحت عليه الآن:
_ الذبلة.
ضربت بكف يدها على كتفه بخفة، يرتسم على وجهها ملامح الاندهاش، فقد تذكرها للتو:
_ بالظبط.
أشارت على جسدها بكف يدها، بعدها استرسلت حديثها:
_ كبرت مش كده؟
فأشار لها بعينيه بأعجاب:
مهما كبرتي هتفضلي في عيني الذبلة الصغننة.
ابتسم الجميع. فسأل هو عن بربروس، فأجابه هو:
_ أنت انتظرت للأخير حتى تذكر اسمي أيها اللعين.
ضحك ياسين بهدوء على كلامه قبل أن يرد:
_ وأنا لا يمكن أن أنساك يا شيخ عجوة.
أخذه بالأحضان الحارة، وقد شعر بالارتياح بداخل أحضانه. فذهب ليزن بعد ذلك:
_ مبروك يا عريس، عارف إني جيت متأخر بس...
بتر "يزن" حديثه:
_ المهم أنك جيت يا "ياسين" دلوقتي، بس حسيت إن عمار معايا.
نظر له "ياسين" نظرة امتنان. فنظرت "الخالة" حولها تبحث بعينيها عن "شمس":
_ هي شمس لسه ما جابتش الحنة؟ ياسين هو اللي هيحطها في إيدين العريس.
أنا هاروح أجيبها يا خالة.
هرولت "غدير" مسرعة، فأتت بالحنة على الفور. ارتفع صوت الطبول والمزمار من جديد وهو يضع الحناء في يد "يزن" العريس. كان الجميع سعداء، الجميع بلا استثناء، ما عدا "زهرة"، فقد انقبض قلبها وشعرت بالحزن عند مجيئه. كانت أعين جميع من بالفرح عليه، فالجميع انتظر لسنوات عديدة ليرى من هو "ياسين" بعدما ظلت تحكي عنه "الخالة" للعديد من الناس. فالكل يعلم بأنه وريث عائلة الصاوي من بعد "الخالة". شعر بهمهماتهم ولمح أعينهم المسلطة عليه. حاول مراراً تفاديهم حتى تنتهي هذه الليلة على خير. كانت هذه الليلة من الليالي الصاخبة بالقرية. لم ينم أحد تلك الليلة. فظلت هذه الليلة مستمرة حتى طلوع الفجر. وأخيراً خفت الزحمة قليلاً، وانتهى اليوم على خير. حتى ظل شباب العائلة من جديد. فالجميع الآن أصبح من العائلة، هكذا دائماً تخبرهم الخالة. يجتمعون جميعاً حول ياسين من جديد. فأمرتهم "الخالة" بالرحيل. فرد الطبيب:
_ عايزانا نرجع البيت ليه يا خالة دلوقتي؟ إحنا ما صدقنا نتجمع من جديد.
فرد "بربروس" على كلام الطبيب:
_ هناك أناس لا يمكن أن نرفض لهم طلب، ومنهم "الخالة". ومن المؤكد أنها تريد أن تجلس مع هذا اللعين بمفردهما قليلاً.
أشارت الخالة بعينيها إلى "الطبيب":
_ شايف الناس اللي بتفهم. يلا كل واحد عارف فين مطرحه.
كان اليوم شاقاً. فذهب كل منهم على حدة ليستريح، فغداً يوم جديد.
***
حاول أن ينفرد بنفسه قليلاً بعدما غادر الجميع من حوله. ينظر هنا وهناك، فكل شبر بالقرية يحفظه عن ظهر قلب. وجوده بالقرية يذكره بأشياء بشعة يريد نسيانها. فالنسيان أحياناً نعمة وأحياناً أخرى نقمة. شرد قليلاً في الماضي، ولكن سرعان ما أفاقته الخالة من شروده:
_ ياسين، عايزاك معايا يا ولدي في كلمتين، تعالى ورايا.
وقف واستقام وهو يضع يده في جيبه الخلفي بعدما تنهد:
_ الكلمتين دول ماينفعش نأجلهم لبكرة ياما.
أشارت برأسها بالنفي:
_ لأ ماينفعش يا ولدي.
أشار برأسه بالموافقة ورحل خلفها في صمت حتى وصل إلى قبر عمار. أشارت بعكازها على ذلك اللوح الرخامي الذي دون عليه اسم عمار قائلة:
_ كتبته على اسمك بالكامل "عمار ياسين بن يزيد الصاوي". فاكر عيلة الصاوي يا ولدي ولا نسيتها؟
أشاح بنظره عن اللوح بعدما طالعه قليلاً:
_ جايباني هنا ليه ياما؟
فردت "الخالة" عليه بسؤال آخر:
_ وما جابكش ليه يا ولدي؟
وضع كف يده بين خصلات شعره الكثيفة يحاول أن يتجاهل قبر ابنه بقوله:
_ عشان مش وقته ياما. أنا جاي هنا عشان خاطر فرح يزن.
نظرت له باستغراب قائلة:
_ وقبر ابنك مش عايز تشوفه؟ ابنك ما وحشكش ياياسين؟
فرد على سؤالها بسؤال آخر:
عايزة توصلي لأيه ياما؟
كانت ستنطق بكلماتها ولكنه بتر حديثها قبل أن تنطق، فجاوب هو:
_ أنا هقولك أنت عايزة توصلي لأيه.
أشار بعينيه إلى اللوح الرخامي:
أول حاجة تخليني أشوف قبر عمار عشان تفكريني باللي فات. بعد كده تاخديني جولة في البلد وقد إيه قرية الصاوي كان ليها معانا ذكريات، فكل شبر من أرضها، وأبويا وجدي وجد جدي والناس اللي عيشنا معاهم ونشوفهم بيتولدوا ويعيشوا ويموتوا وإحنا لسه أحياء. هما موجودين وهيفضلوا موجودين طول ما الأرض والقرية بخير، بريحتهم وهيبقوا مرتاحين في تربتهم. وآخر وسيلة بقى إنك هتعرفيني على الناس هنا من جديد وتعرفيهم بيا وقد إيه هما غلابة ومحتاجين اللي يحميهم عشان تفضل قرية الصاوي بخير، مش كده ياما؟ أنا وفرت عليكي كل شيء وعايز أقول لك إني جاي أحضر حنة يزن وفرحه وهرجع مكان ما جيت عشان أنا ما بقاش ليا مكان هنا.
نظرت له الخالة باستغراب قليلاً مع الكثير من الحيرة، فهو يعلم جيداً ما يفعل. نظرت في عينيه وجدت بهما إصراراً على ما يقول يكفي لعدم مناقشته في هذه اللحظة. فضربت الأرض بعكازها وهي تنظر له نظرة تتحداه فيها:
_ ماشي يابن الصاوي. فرح يزن بعد شهر. بعد الشهر ما يخلص، وقتها نقرر إذا كنت هترجع مطرح ما كنت ولا لأ.
استغرب هو مما قالته. فأدارت "الخالة" ظهرها له لتكمل طريقها. فوقف هو بلحظة أمامها ووقف بطريقها:
_ أنت قulتِ إيه؟ شهر!!
الفرح المفروض يا بكرة يا بعده بالكتير.
فارتسمت على وجهها نظرة تتحداه بها:
_ هو أنا ما قلتلكش، مش إحنا أجلنا الفرح يابن الصاوي.
ومش هتمشي من هنا قبل ما تحضر فرحه، وده آخر كلام عندي.
تركته ورحلت. يراها هو تبتعد عنه. رفع كفيه الاثنين ووضعها خلف رأسه بعدما تنهد بعمق وقد شعر بضيق في صدره مما قالته الخالة منذ قليل. فاحتاج للقليل من الهواء النقي لكي يفكر قليلاً على انفراد. أخذ يسير هنا وهناك بين الحقول والغيطان. فقد أشرق يوم جديد. فجلس بين الخضرة والزرع وفرد ظهره ينظر إلى السماء الصافية بلحظة الشروق يستنشق القليل من الهواء.
***
هي فين شمس؟
_ هذا كان سؤال سارة لمارال وهي تضع فستانها بالدولاب الخاص بها.
مش عارفة من أول ما ياسين ظهر في الفرح وهي اختفت.
طيب ما حد يشوفها في أوضتها.
فردت غدير مسرعة:
_ سيبوها، أنا لسه شيفاها في أوضتها من شوية، لقيتها نايمة على السرير.
فردت ميرا بقلق:
لا تكون تعبانة.
_ تؤ.
تؤ ما افتكرش عشان كانت نايمة عادي. وبعدين أنتوا سايبين ياسين رجع وماسكين في شمس راحت فين.
فردت عليها سارة:
_ أيوه يا ذبلة أنتِ. مش لازم نطمن عليها.
رفعت غدير شعرها تعقده بالتوكة المشبك الخاصة بها:
_ والله شوفتها نايمة واطمنت عليها، ماتقلقوش. أنا حتى ما رديتش أصحّيها.
فسألت سؤال آخر:
_ بس أنا ملامحي ما اتغيرتش، أصل ياسين عرفني على طول.
_ لأ، ما اتغيرتيش. لسه عيلة صغيرة زي ما أنتِ.
هو أخوك هيمشي امتى؟
أنكمش حاجب "الطبيب" باستغراب، فاعتدل في نومته يطالع زهرة:
_ هو لحق يرجع يا زهرة عشان يمشي؟
قامت من على الفراش والقلق يأكل من قلبها:
_ أنا بس بسأل، يعني ما تعرفش إذا كان هيحضر الفرح وهيمشي على طول ولا هيقعد شوية.
جلس على الفراش، وكانت هي تقف في الجهة المقابلة له:
_ وأنتِ، ليه عايزاه يمشي؟ وبعدين يمشي منين؟ ده بيته.
أغلقت عيناها بعدما أخذت نفسًا بعمق:
_ ما أنا عارفة إنه بيته يا علي، أنا بس بسألك مش أكتر. إيه المشكلة في كده؟ خلاص السؤال حُرِم.
هز الطبيب كتفيه بعدم فهم:
_ ما تحرمش ولا حاجة، بس استغربت مش أكتر.
ظلت واقفة مكانها وشردت بتفكيرها قليلاً. فسألها هو:
_ إيه، مش هتنامي؟
فأفاقت من شرودها وأشارت برأسها بالموافقة، ففرد هو يديه لكي يأخذ ابنته الصغيرة بين أضلعه كالعادة.
هو الآن أمام المنزل الكبير. خطى أولى خطواته على الدرج. فكلما صعد على الدرج يتذكر ما كان يفعله بالماضي بين جدران هذا المنزل من سفك الدماء. فوقف على الدرج لم يستطع أن يستكمل طريقه. ولكن شعور ما بداخله أجبره على الدخول. نظر إلى بهو المنزل، فقد تغير كثيرًا عن أيام "الضبع". نعم، نفس الجدران، ولكن أصبح هناك حياة بداخل هذا المنزل الكبير. فقد حرصت "الخالة" أن تعيد المنزل كما كان في عهد الصاوي الكبير. فتح باب غرفته وجلس على طرف فراشه. وضع يده على الفراش وأغلق عيناه. فراودته ذكرى مخيفة وهو يحمل "شمس" بين ذراعيه يريد أن يختلي بها، حتى جاءه الضبع وقد نحت الغضب معالم وجهه:
_ أنت بتعمل إيه يا ياسين؟
_ دي مراتي، يعني أعمل فيها اللي أنا عايزه يا أبويا.
_ مش دلوقتي يا ولدي. اللعنة تتفك وبعديها أعمل اللي أنت عايزه.
فاق من شروده على تلك الذكرى المؤلمة حقًا. يؤنب نفسه دائمًا وأبدًا عما كان يفعله بالماضي دون وعي. حل زراير قميصه يحاول خلعه. ليجد من تخرج من باب الحمام بداخل الغرفة تنظر له بصدمة. لتعلو صوت أنفاسها وهي ترى جسده العاري من القميص. فأستدارت على الفور عند رؤيته. فأنكمش حاجبه قليلاً بعدما نظر إلى الأسفل ليجد نفسه عاري الصدر. فوضع يده على قميصه يضمه بيديه الاثنتين قائلًا بسخرية مع ابتسامة بسيطة:
_ يا مصيبتي.
فردت هي ومازالت تعطيه ظهرها والتوتر يعلو نبرة صوتها:
_ أنت... أنت بتعمل إيه هنا يا ياسين؟
تقدم خطوة نحوها وهو يزرر قميصه قائلًا:
_ دي أوضتي يا شمس. أنتِ ناسيه؟ وبعدين تقدري تفتحي عينيكِ. أنا قفلت القميص.
استدارت لكي تنظر له:
_ أنا مش ناسيه أكيد، بس...
تحدث بعدما بتر جملتها:
_ بس استوليتي عليها، صح؟
_ أنا ما استولتش عليها يا ياسين. كل حاجة زي ما هي، ما اتغيرتش من يوم ما سبتها.
أتجهت نحو الدولاب فتحت الدلفة قليلاً لتريه ما بداخلها:
_ شايفة.
نظر بداخل الدولاب ليجد ملابسه بالكامل مازالت موجودة، مرتبة ونظيفة.
فأكملت حديثها بعدما هزت كتفها:
_ سريرك موجود، حتى ما حاولت أغيره مع إنه قديم ويقرف.
رفع هو حاجبه باستغراب، فقد علم من حديثها بأنها حرصت أن تبقى غرفته كما كانت منذ أن تركها ورحل. فقال ببجاحة:
_ ويا ترى القبو كمان سبتيه زي ما هو، ولا ده غيرتي فيه؟
القبو؟ فهي تشعر بشعور مخيف عند سماع اسمه. فما بالك من أن تنزل به وتغير فيه؟ ففيه عاشت أسوأ مراحلها وفيه فقدت "عمار".
تنهدت ببطء وهي تحاول أن تستجمع شتات نفسها قليلاً:
_ والله لو أنت عرفت تغير فيه اللي حصل، يبقى أنا كمان هنزل أغيره.
تركته واتجهت ناحية الدولاب تأخذ منه أغراضها التي تحتاجها من الدلفة الأخرى. ذهبت باتجاه الباب ووقفت قائلة:
_ أوضتك ورجعت لك يا ياسين. أنا ما باخدش حاجة مش بتاعتي.
خرجت من الغرفة صافعة الباب خلفها بقوة، تاركة إياه ينظر لها وهي تبتعد عنه.
صباح يوم جديد. كانت زهرة وميرا يحضرون لوجبة الإفطار. يضعون الطعام على الطاولة الكبيرة. فسمعوا صوت سارة المرتفع يأتي من غرفة الضيوف قائلة:
_ إيه!!
يعني إيه الفرح اتأجل يا خالتي؟
نظر الجميع لبعضهم البعض باستغراب، فلم يستوعب أحد منهم ما قالته سارة للتو.
"اقعدي ياسارة وأهدي لما نشوف ليه الخالة عايزة تأجل الفرح."
كانت هذه جملة يزن بعدما أمسك بكف سارة يحاول تهدئتها قليلاً. فجلست سارة على المقعد وبداخلها ألف سؤال، ولكن أهمهم هو ما سألته للتو. وكان رد الخالة كالتالي:
"عشان أنا قولت كده يابنتي. فرحك كمان شهر على يزن."
"يعني إيه؟ هو حكم قرقوش يا خالتي؟"
نطقت جملتها بغضب، فضرَبت الخالة عكازها بالأرض بعنف:
"يزن شوف مراتك."
"هو أنا لسه بقيت مراته عشان يشوفني؟"
"هتبقي يابنتي هتبقي والله. مالك متسربعة على إيه؟"
علق يزن على الحوار بأكمله مستهجناً:
"يا خالتي الحكاية مش حكاية متسربعة، بس على الأقل سارة عايزة تفهم وأنا كمان عايز أفهم، ده من حقنا على الأقل."
استدعت الخالة كامل اتزانها وهي ترد بثبات:
"أنت مش واثق فيا يابني؟"
قالت جملتها فوجدت ياسين يفتح الباب ويجلس على المقعد أمامها، ينظر لها بخبث يتحداها قائلاً:
"ياما كلنا واثقين فيكي، بس على الأقل العرسان عايزين يعرفوا السبب ليه عايزة تأجلي جوازهم."
هز رأسه ببراءة:
"كلنا محتاجين نعرف."
فردت سارة مسرعة وبلهفة:
"قولها ياياسين، على الأقل لو هأجل فرحي أعرف ليه، لكن أأجله وخلاص ده يبقى ظلم، ولا إنت إيه رأيك ياياسين؟"
تفحص ياسين الخالة الجالسة أمامه بعينين ثاقبتين، لم يهزه ثباتها حتى وهو يقول:
"بصراحة قمة الظلم، واحنا لازم نستأنف في القضية دي."
قالت الخالة بتحدي:
"اطلع أنت منها ياياسين، سيبني أنا معاهم هعرف أتصرف."
نظر لهما يزن وهما يتبادلان نظرات التحدي كل منهما الآخر، فقطعت خالة هذه النظرات بقول:
"روح مع حسان، هو مستنيك بره. عاملين له استدعاء ولي أمر في المدرسة وعلي مش فاضي."
كمش حاجبه باستغراب وهو يطالعها ويردد:
"استدعاء؟"
أشار بأصبعه على نفسه فاستكمل حديثه:
"أنا أروح استدعاء ده؟ الجيش ما عملهاش."
قالت كلماتها بحزم:
"أنا قولت روح ياياسين. حسان مستنيك بره."
تنهد بعمق وهو يطالعها من جديد، فحنى رأسه قليلاً دليل على الطاعة:
"اللي تشوفيه ياما."
خرج يصفع الباب بقوة من خلفه ليجد حسان وغدير أمامه يقفان بجانب بعضهما البعض بالبهو، فسألهما:
"مين فيكم حسان؟"
فنظر كلا من غدير وحسان إلى بعضهما البعض باستغراب، فرد حسان قائلاً:
"أنا طبعاً."
فتحرك ياسين أمامه وهو يقول:
"تعالى ورايا."
***
هو الآن يقف أمام مدير المدرسة الخاصة بحسان، فتح باب غرفته دون استئذان وجلس على المقعد وهو ينظر للمدير قائلاً:
"الواد ده عاملين له استدعاء ليه؟ هو ما بيجيش المدرسة؟"
فرد عليه المدير باستهجان:
"ييجي فين يا أستاذ، إحنا في إجازة."
رفع حاجبه باستغراب مما قاله للتو بعدما نظر لحسان:
"ولما إنت في إجازة، عاملين لك استدعاء ليه؟"
هز حسان كتفه بعدم فهم، يشاور بأصبعه إلى المدير:
"معرفش، اسأله هو."
فأجاب المدير قائلاً:
"قبل ما تسألني أنا، عايز أسألك أنت مين؟ أنا أول مرة أشوفك في القرية."
"أنا ياسين الصاوي."
قالها بثبات، فتوتر المدير قائلاً:
"هو حضرتك رجعت من السفر؟"
"لأ لسه."
فابتلع المدير ريقه وهو يقول:
"نورت القرية يا أستاذ ياسين."
فرد هو بلا مبالاة:
"هنورها إزاي وأنا لسه ما جيتش؟"
ضحك المدير بهدوء على كلامه ليجامله وهو يقول:
"أنا عملت للطالب حسان استدعاء لمصلحته، حسان شايل مواد السنة دي ودي تاني سنة ليه في تالتة ثانوي، ولو ما امتحنش السنة دي المواد دي هيترفض من المدرسة وحرام السنين دي كلها تضيع وما يبقاش معاه الثانوية، على الأقل فحبيت أقولكم وخصوصاً إنه من شباب عيلة الصاوي."
فنظر له ياسين نظرة مشبعة بلوم:
"أنت ما كنتش ناوي تدخل الامتحانات؟"
رفع حسان رأسه، فقابلت عيناه عينا ياسين، ففتح فمه لكي ينطق، فقاطعه ياسين قائلاً:
"هيدخل امتحاناته، هيدخلها ماتقلقش."
مد كف يده للمدير:
"متشكرين لاهتمامك."
فمد المدير يده ليسلم عليه:
"على إيه، أنا ما عملتش غير الواجب."
رحل ياسين وبجواره حسان عائدين للمنزل بجوارهم الغيطان، فبدأ ياسين بالحديث:
"أنت مين؟"
فنظر له حسان يطالعه:
"أنا ابن زهرة وأخو شمس."
رفع حاجبه باستغراب، فحاول ألا يحرجه وهو يعلم جيداً أن شمس ليس لديها إخوة، فاستكمل حديثه:
"طيب ومش عايز تكمل تعليمك ليه يا حسان؟"
فقال بزهق:
"أنا ماليش في العلم, قولت الكلام ده ألف مرة لجوز أمي."
"هو مين جوز أمك ده؟"
سأله بحيرة، فرد عليه بما لا يتوقعه:
"دكتور علي، مش بقولك أنا ابن زهرة، هي زهرة متجوزة حد غير دكتور علي؟"
أشار برأسه بالإيجاب:
"آه معلش، تاهت عني دي. طيب ليك في إيه يا حسان غير العلم؟"
رد متلهفاً بعدما اتسعت عيناه:
"في الفلاحة، أنا بحب الأرض أوي وأفهم فيها، سيبني في أرض بور هتلاقيني بعمرها للخضار على طول."
"طيب ما ده حلو جداً، بس أنت شايف إنك لما تعمر الأرض البور وأنت مهندس زراعي ومعاك شهادتك أحسن ولا لما تبقى جاهل ومعاكش شهادة؟"
"وهتفيد بإيه الشهادة يا ياسين، وأنا كده كده عارف كل حاجة."
أشار بيديه لحسان:
"ياسين كده حاف، كنت بلعب مع اللي خلفوك، أنا جوز شطرنج."
هز كتفه قائلاً:
"ما أنا مش عارف أقولك إيه. ما أنت شكلك صغير على كلمة عم دي، أنا دكتور علي لو مكانش دكتور كنت هقوله يا علي."
أشار برأسه بالموافقة، ثم أمسك به من ياقة قميصه:
"لأ يا روح أمك، أنا تقولي يا أنكل، عايز أسمعها منك، أنكل، أنت فاهم؟"
فقال له بنبرة صوت خشنة بعدما نظر له بغضب:
"وأنا مش دكتور علي، أنا معنديش صبر، أتكلم بالذوق، لما تبقى راجل ومعاك شهادتك وتشتغل اللي بتحبه أحسن ألف مرة ماتبقى جاهل في الدنيا، دوبك بتفك الخط. الحياة محتاجة إنك تتعلم عشان تقدر تواجهه بالعلم اللي اتعلمته، أنت فاهمني طبعاً."
أشار حسان رأسه بخوف وهو يقول:
"حاضر."
حاضر يا أنكل ياسين.
أشار ياسين بعينيه للمغادرة، فرحل حسان وهو يركض من أمامه مسرعًا. ابتسم ياسين وهو يقول:
"عيال تخاف ماتختشيش."
نظر بجانبه ليجد الكوخ الصغير. شعر بحنين لهذا الكوخ، فتذكر عم نصير وزوجته. أخذه قدمه في اتجاه الكوخ ليجد عم نصير لا يزال على قيد الحياة، يجلس على المقعد الذي صنعه له منذ زمن. فجلس بجواره:
"عم نصير، أنت مش عارفني؟"
ترك عم نصير الطعام من يده ونظر له. أخذ يطالعه، يتأمل في ملامحه، فاتسعت البسمة على وجهه ودخل الفرح إلى قلبه. فقال جملته متقطعة وكف يده يرتعش:
"ياسين، ياسين، أنت رجعت."
هز رأسه بابتسامة واسعة.
"لا، مارجعتش."
حاول عم نصير الوقوف فلم يستطع، فضمه ياسين إلى صدره بحب.
"وحشتني ياعم نصير، وفين مراتك؟"
رد عليه عم نصير والدموع تترقرق بعينيه:
"مراتي تعيش أنت ياياسين. ما توا، وسابتني لوحدي."
ابتلع ريقه بعدما ظهرت على ملامحه الحزن.
"الله يرحمها، كانت ست طيبة."
كانت شمس بداخل الكوخ، فسمعت صوت ياسين. حاولت أن ترحل دون أن يراها، فسارت على أطراف أصابعها من خلفه، حتى وجدت عم نصير ينادي باسمها:
"تعالي ياشمس، ياسين رجع."
أغلقت عينيها وضغطت على شفتيها. فنظر هو خلفه ليجدها تقف على أطراف أصابعها، قائلاً:
"أنت هنا بتعملي إيه؟"
فرد عم نصير بدلاً منها:
"من ساعة ما أنت سيبت البلد من عشر سنين وهي اللي بتيجي تشوف طلباتي من ساعة ما أخدت الم..."
قاطعته شمس بصوت مرتفع:
"من ساعة ما أخدت منك ياعم نصير المش، وأنا بحب أجي هنا. أصل عم نصير كان بيبع مش زمان، فكنت بحب أشتري منه، فشوفته وحبيت أكون معاه دايماً. مش كده ياعم نصير؟"
نظرت له نظرة تستعطفه بها أن يوافقها عما قالت، فأشار برأسه:
"أيوه كده يابتي."
"وانت من أمتى بتبيع مش ياعم نصير؟"
"من زمان يابني، من ساعة مامشيت."
"على كده بقى بتعمله حلو؟"
"على قدي."
"طيب ما تعلمني."
فرد عليه هو:
"هبقى أديك بلاصة بحالها."
فقال ياسين جملته بإصرار دليل على عدم تصديقه لعم نصير:
"لأ، أنا عايزك تعلمني."
فرد هو عليه مؤكدًا:
"طيب، أول حاجة لازم تصحى بدري."
فقاطعه ياسين:
"خلاص، هات البلاصة."
ابتسم عم نصير عما قاله ياسين. جلس معه قليلاً، فقالت شمس:
"أنا خلصت ياعم نصير، لازم أروح بقى."
فرد عليها ياسين:
"استني، هانروح سوا."
"لأ، أنا همشي لوحدي."
فرد هو مسرعًا:
"تمام، ماتزعلش، جاي معاكي."
ابتلعت ريقها وهو يسير بجوارها بين الغيطان. لا يوجد سوى الصمت بينهما، والهواء يتغلغل بين خصلات شعرها. مسكت هي شعرها بيدها تحاول أن تربطه جيدًا. فنطق هو أخيرًا:
"مابقتيش تتكلمي زي الأول ليه؟"
"تقصد إيه؟"
هز كتفه قائلاً:
"بالفصحى زي بربروس."
رفعت شمس رأسها، فتقابلت عيناها بعين ياسين.
"مهتم إنك تعرف."
فرد بلا مبالاة:
"عادي، الطريق طويل بنتسلى. لو مش حابة تقولي براحتك."
دعمت شمس حديثه بعصبية:
"خلاص، مش هقول."
"براحتك. أنا بس مش عايز أضايقك. وعلى فكرة، مكانش قصدي أخنقك لما كلمتك عن القبو. حسيت إنك اتخنقتي أول ما سمعتي كلمة القبو."
"اومال كان قصدك إيه لما قولتها؟"
فجاوبها بصدق وهو ينظر لها ببراءة:
"أخنقك بصراحة."
فابتسمت هي ابتسامة بسيطة ونظرت لأسفل، لتجد من يجذبها من ذراعها له بقوة ويقول:
"اللاه، اللاه، ما أنت عايشة حياتك أهوه ومقضياها. اومال مالك مضيقاها عليا ليه؟"
قالت وهي تحاول جذب يدها منه بالقوة:
"سيبني يافريد."
جذبها "ياسين" خلفه، فوقفت هي تحتمي بذلك الجدار البشري. فنظر له "ياسين" نظرة بها من الكلام ما يكفي. فوقفت شمس أمامه تترجاه بأعين دامعة، فهي تعلم جيدًا ما الذي يحدث إذا فقد تركيزه.
"اهدأ ياياسين، أرجوك ماتتعصبش."
حاول ياسين تهدئة نفسه قليلاً، فوجد فريد يقول له باستهجان:
"أنت مين أنت كمان ياحيلتها عشان تبصلي كده وعاملك أزمة ليه؟"
ولم يكن يعلم أن رده هذا سيكون رده عليه موجعًا، حيث هتف قائلاً:
أخذ نفس عميق وهو يبعد شمس من أمامه قائلاً:
"أزمة!! أنا مقاس أزمتي 46، واللي هقلعها وأديك بيها حالًا دلوقتي لو مابعدتش عني."
استشاط فريد غضبًا وهو يصك على أسنانه وقد اشتعلت النيران في عينيه.
"أنت عارف أنت بتكلم مين وابن مين؟"
فرد عليه ببسمة صفراء وقد ارتسمت نظرة خبيثة على ملامحه:
"عنيا مش شايفة، عشان أعرفك."
رفع "فريد" سلاحه على ياسين يوجهه على رأسه قائلاً:
"أنا ممكن أدفنك حي حالًا وأنت واقف مكانك دلوقتي وماخدش فيك يوم واحد."
وبحركة سريعة منه لف كف يد فريد وأخذ منه سلاحه، وفي لحظة فك السلاح إلى أجزاء يلقيه أمامه على الأرض. فاستغرب فريد من سرعته المهولة، فأمسكه ياسين من ياقة قميصه وقربه منه وضربه برأسه ضربة قوية جعلته يفقد الوعي في لحظة.
صرخت شمس قائلة:
"فريــــــد!"
نظر لها ياسين باستغراب على صرختها له:
"خايفة على الواد ده عشان صرختك دي؟"
شعرت بنبضه لتجده مازال حيًا، فنظرت له قائلة:
"أنا خايفة عليك أنت. أنت ماتعرفش ده ابن مين، ده ابن وزير الداخلية."
دخل ياسين إلى غرفته يغير ملابسه، فتح دولابه، يفتح زرار القميص ليأخذ قميصًا آخر بدلاً منه. أغلق الضلفة ليجده أمامه. انفزع قليلاً من رؤيته، فنظر له باستنكار وهو يلقي بقميصه على الفراش:
"أنت مش قولت إنك مش هتيجي القرية، جيت ليه ياعمار؟"
نظر له وهو يربع يديه، بدا الضجر على وجه عمار وتنهد بضيق قبل أن يرد:
"أحنا مش اتفقنا إنك مش هتقربلها؟"
انتزع قميصه من على جسده وأمسك بالقميص الآخر وقال هو يرتديه:
"وانا مقربتلهاش. أنا روحت لعم نصير ولق..."
فبتر عمار جملته:
"ولما لقيتها ماخليتهاش تمشي لوحدها ليه؟"
ابتلع ريقه وهو يقول بصدق:
"عشان كده كده كنت مروح، فروحنا سوا. صدقني ياعمار دي حاجة في العادي. أنا أصلاً مكنتش عايز أجي، أنت اللي أصريت إني أجي أحضر فرح يزن."
فقال عمار وهو يضغط على أسنانه:
"وهو تحضره عشان ده يزن؟"
"وانا وافقت وجيت عشان أنت طلبت. وشمس أنا مابفكرش فيها ولا هفكر في يوم."
"انت كذاب."
قالها عمار يؤكد بكلامه: "أنا سبت كل حاجة عشانك عشان نفضل سوا. سبت شمس عشانك يابويا، ياياسين، وانت أول ما شفتها ريلت عليها."
فنفى هو جملته بصوت مرتفع:
"ماحصلش. وزي ما أنت ضحيت علشاني أنا كمان ضحيت عشانك أكتر عشان أفضل جنبك ومحدش يفرقنا."
"مش مصدقك ياياسين. أنا ماشي ومش هتشوفني تاني، واعرف إن انت اللي اخترت."
نادى هو على اسمه بخوف وهلع، فبمجرد عدم رؤيته من جديد يدب الرعب بقلب ياسين:
"عمـــار! وحياتك عندي يابني ما قصدي حاجة. شمس هنا، واكيد هكلمها."
فرد عمار ببرود قائلاً:
"على الأقل ماتظهرش قدامها بمظهر الهيرو مرة تانية، خليك جبان عشان تكرهك."
تنهد ياسين قائلاً:
"حتى لو."
فقاطعه عمار بحزم:
"حتى لو لاقيت حد بيغتصبها مالكش دعوة وابعد عنها."
"وده هيريحك."
كانت هذه جملة ياسين، فرد عليه عمار بابتسامة باردة:
"مش ده بس، أنت غلطت ولازم تعاقب نفسك. اللي بيغلط بيتعاقب، ولا أنت إيه رأيك؟"
تنهد ياسين بعمق يهز رأسه بالموافقة، فأتى بالسكين من جانبه وغرزها بكل قوة داخل جسده. أطبق عينيه بشدة والألم يأكل جسده. جثا على ركبتيه من شدة الألم، فهو لم يشرب دم بشر منذ سنين طويلة، فهذا يجعله ضعيفًا، يشعر بالألم الشديد. فجلس عمار أمامه القرفصاء ينظر لباقي جسد ياسين وهو عليه علامات كثيرة من طعن السكين. فهذه ليست المرة الأولى التي يطعن بها ياسين نفسه من أجل عمار حتى لا يتركه ويرحل. نظر له عمار فقال بنبرة ساخرة:
"شاطر يابابا."
رواية الهجينة الفصل الثاني والتسعون 92 - بقلم ماهي احمد
"عمار" نقطة ضعف "ياسين"، أصبح ضعيفًا به، وأضعف إذا تركه ورحل. ابتلع "ياسين" ريقه، وكأنه يبتلع غصة مريرة بحلقه. رفع نظره للأعلى، فتبادل الاثنان النظرات، نظرة رضا من "عمار" لما فعله "ياسين" للتو لكي يرضيه، ونظرة ألم بعيون "ياسين".
وقف "عمار" بعدما كان يجلس القرفصاء أمام "ياسين". بعدها قال:
"تقدر دلوقتي تطلع السكينة من جسمك، وزي ما اتفقنا مالكش دعوة بـ "شمس"."
قال آخر ثلاث كلمات وهو يضغط على أسنانه بنبرة تحذيرية لـ "ياسين". فحاول "ياسين" أن يخرج السكين من جسده، ولكن الألم كان مبرحًا هذه المرة، مما جعله يتأوه وهو يخرجها.
***
نزلت دموع "شمس" وهي جالسة على المقعد أمام كوخ "عم نصير"، وهي تسمع صوت "ياسين" في أذنيها وهو يقول بعصبية:
"أنت عايز تفهميني أنك خايفة عليا؟ شمس بنت المهدي بقت بتخاف عليا؟ ده من امتى؟ ومن مين؟ من عيل زي ده؟"
أشارت شمس برأسها بالنفي يسارًا ويمينًا بعيون دامعة، وهي ترفع رأسها تنظر له:
"أنت مش فاهم حاجة."
بتر هو حديثها بنبرة صوت أقل عصبية:
"ومش عايز أفهم يا شمس. ماكنتش أعرف أنك نسيتي عمار بالسهولة دي، وبقيتي تخافي على واحد تاني."
نظر "ياسين" لـ "فريد" وهو ملقى على الأرض فاقدًا للوعي، فترك "شمس" في الحال.
أفاقها "عم نصير" من شرودها فيما حدث قبل قدومها إليه. فانتفضت هي تنظر له، لتجده يمد كف يده بكوب من الشاي الساخن قائلًا:
"وبعدين يا بنتي، هتعملي إيه مع اللي اسمه "فريد" ده؟ باين عليه شراني ومش هيجيبها لبر."
مدت كف يدها وهي تأخذ منه الكوب، ترتشف منه رشفة بسيطة:
"مش عارفة يا عم نصير، من وقت ما فاق وهو بيهدد أنه مش هيسيب "ياسين" في حاله، وأنت عارف ده ابن مين."
تنهد وهو يهز رأسه بالموافقة قائلًا:
"عارف يا بنتي، عارف. بس برضه عارف ياسين ده ابن الصاوي. على العموم، سيبك منه أنت دلوقتي، المهم روحي شوفي "ياسين" ده فاكر إنك خايفة على "فريد" على حسب ما حكيتيلي. روحي ووضحي له كل شيء، وواحدة واحدة مع ياسين يا بنتي، طولي بالك عليه."
بررت له وكأنها تدفع الجرم عن نفسها:
"أيوه بس أنا ولا كنت خايفة على فريد ولا بطيقه من أساسه."
فجلس هو بجوارها يقول:
"أنا وأنتِ عارفين، بس "ياسين" مايعرفش."
أشار لها بعينيه بالمغادرة، فأشارت برأسها بالموافقة وهي تمد يدها تعطيه كوب الشاي وعلامات وجهها تدل على الاشمئزاز:
"مابتتعرفش تعمل شاي أبدًا يا عم نصير."
ابتسم لها ابتسامة رضا، يتابعها بعينيه لترحل عنه. فارتفع صوته قائلًا:
"ابقي هاتي مذكرة ياسين معاكي المرة اللي جايه وأنتِ جايه عشان لو سأل عليها، مايعرفش إنها معاكي."
التفتت له وهي تشير برأسها بالموافقة، ثم أكملت طريقها.
***
هو الآن في مركز الشرطة، يحتل الغضب ملامح وجهه، فقد حدث ما لم يكن بحسبانه، ولأول مرة استطاع أحد التهجم عليه أمام الفتاة التي وقع بحبها من النظرة الأولى. ضرب بكف يده على المكتب الخاص به، والتفكير يأكل من عقله، فكان يحدث نفسه قائلًا:
"ورحمة أمي لأوديك ورا الشمس يا ياسين يا صاوي، هخليك تندم على اليوم اللي عقلك وزك فيه تقرب مني."
دخل عليه "الضابط أحمد" بعدما انتزع الكاب الخاص به من على رأسه ووضعه على المكتب، وقال وهو يجلس على المقعد:
"مالك يا فريد باشا؟ شايفك جاي من بعيد وعلى آخرك. هو في حاجة حصلت؟"
ابتلع ريقه، وملأت التوتر نبرة صوته سائلًا:
"حاجة؟ حاجة زي إيه؟ وضح كلامك."
فاعتلت نظرة الشماتة وجه الضابط أحمد وهو يمد كف يده بالهاتف لفريد:
"حاجة زي دي كده. أصل أنا بفتح صفحة قرية الصاوي على الفيس بوك، لاقيت لك فيديو منور، بص كده."
نظر فريد إلى شاشة الهاتف، فقام أحمد بالضغط على زر تشغيل الفيديو بالشاشة، ليجد ما حدث مصورًا بالكامل صوتًا وصورة. كانت علامات الصدمة قد برزت على ملامحه، وجلس على المكتب وهو بحالة ذهول تام. فحاول الظابط أحمد كتم ضحكته وهو يقول:
"بس إزاي يا فريد باشا تاخد منك سلاحك بالسهولة دي بعد ما كنت رافعه في وشه؟ ده أخده منك "easy cake"."
أطاح فريد بيديه العاريتين وهو في حالة من الغضب، ما كان فوق مكتبه من أوراق ومستندات تناثرت الأوراق على الأرضية بكل مكان بالغرفة. فانمحت البسمة من على وجه الظابط أحمد وهو يراه بهذه العصبية المفرطة، مما جعله يسأل:
"أنت بتعمل في نفسك كده ليه يا فريد؟ ابعد عن عيلة الصاوي أحسن لك، ده اللي بقولهولك من سنين. أنت سبت حياتك في القاهرة وماحبيتش تنقل وفضلت هنا في القرية طول السنين اللي فاتت دي، وعشان إيه ده كله؟ لو على بنت الصاوي، فمش هتبقى ليك مهما عملت. أنا سمعت إن عيلة الصاوي مابتخرجش بناتها بره العيلة، وخصوصًا شمس. وأديك شفت مجرد ما قربت منها حصل فيك إيه، ياسين رجع، وصدقني القرية كلها هتبقى معاه."
لم يجب فريد على ما قاله أحمد، فأجابه بسؤال آخر:
"مين اللي صور الفيديو ده؟ انطق."
تنهد أحمد بيأس، فما قاله منذ قليل لم يؤثر به كالعادة، فهز رأسه بالنفي:
"معرفش، تلاقيه عيل شافكم من بعيد وصوره ونزله على صفحة القرية. ما أنت عارف أي حاجة بتحصل هنا في القرية بتنزل على الصفحة زي رجوع ياسين كده. الصفحة مالهاش سيرة غير عنه وعن رجوعه."
قبض فريد على الكاب الخاص به من فوق المكتب، واتجه باتجاه الباب، فأوقفه صوت أحمد:
"حتى لو روحت لصاحب الصفحة وخليته يمسح الفيديو، الفيديو نازل من ساعة والكل نزله عنده على موبايله. والفيديو يدينك أنت، ما يدينش ياسين، وخصوصًا إنك أنت اللي اتهمت على بنت الصاوي الأول، وأنت برضه اللي رفعت عليه السلاح الأول."
تنفس فريد بعمق بعدما سمع ما قاله الظابط أحمد، تاركًا إياه خلفه ورحل.
***
وصلت شمس إلى المنزل، وأول شيء فعلته هو سؤال أول شخص تقابله عن ياسين، فوجدت ميرا تقف أمام باب الخالة حكيمة تستمع لما يحدث بالداخل بينها وبين سارة ويزن، فسألتها قائلة:
"ميرا، ماشوفتيش ياسين؟"
أشارت ميرا بأصابعها على فمها:
"هووووش، وطي صوتك للخالة تسمعنا وتعرف إني واقفة هنا."
فأتى رعد من خلفها بابتسامة ساخرة:
"طب أنا بقى هقولها إن ميرا واقفة تتصنت عليكي يا خالة."
فردت ميرا مسرعة:
"هوووش أنت كمان، وطي صوتكم. أنا بجد هموت وأعرف هي الخالة عايزة تأجل الفرح ليه؟ ده الفرح لو اتأجل، سارة هتبيض على نفسها، حرام بجد."
دعمت "شمس" ما قالته ميرا:
"عندك حق، بس أنتِ عارفة الخالة، أكيد عندها أسبابها."
طالعت "شمس" رعد الواقف أمامها، ثم أشارت له بعينيها:
"رعد، ماشوفتش ياسين؟"
أشار برأسه على باب غرفته:
"أه، لسه شايفه من شوية، دخل أوضته وقميصه كان مكرمش تقريبًا."
هزت "شمس" رأسها وتركتهم سويا، فنظر رعد لميرا سائلًا إياها بعدما قرب أذنه من الباب:
"تفتكري الخالة أجلت الفرح ليه؟"
ابتسمت ميرا وهي تضغط على شفتيها بابتسامة على مجاراة رعد لها، وهي تقرب أذنيها من الباب ببطء:
"تعالى نسمع سوا، والخالة لو قفشتنا نتقفش سوا."
غمز لها بطرف عينيه بابتسامة مرحة:
"موافق."
***
هي الآن أمام غرفته تنتظره بالخارج، تفرك بأصابعها والتوتر يملؤها. فسمعت تأوهاته من الخارج، قبضت حاجبيها باستغراب، فهي الآن تسمع صرخة مكتومة من الداخل. لم تستطع "شمس" الانتظار حتى يخرج، فاقتحمت عليه غرفته، لتجده يخرج السكين من جسده ببطء وهو ينظر أمامه ناطقًا اسم "عمار".
استغربت كثيرًا مما يحدث ومما سمعت، فشعرت بالضياع مما ترى. نظرت للأرضية فوجدت بقعًا من دمه على السجاد. جلست القرفصاء بعدما أمرها بالخروج، ولكنها رفضت بعدما أغلقت الباب خلفها. همست باسمه والدموع تلتحم بعينيها، وقد تمزق قلبها وهي تقول:
"مين عمل فيك كده يا ياسين؟"
انتزع السكين من جسده وهو يضغط على أسنانه، فرد عليها قائلًا:
"مالكيش دعوة، أطلعي بره."
كانت نظراته لها معاتبة، فحاول الوقوف بعدما أسند بكف يده على طرف الفراش، لينهض. ما إن قام حتى ترنح في سيره، شعر بالدوار، فأسرعت شمس تسنده، تساعده على الجلوس، طالبة منه برجاء:
"أرجوك اقعد هنا."
ابتعد عنها خطوة وقال لها بحزم:
"ماتقربيش مني، ماتلمسنيش."
فانكمشت حاجباها وهي تسأله:
"أنا مش هقولك مين عمل فيك كده عشان واضح إنك مش هتقول، بس على الأقل أعرف جرحك مابيلتمش بسرعة زي الأول ليه؟"
وضع يده على جرحه، فتغلغلت الدماء بين أصابعه، ينتشر الألم في جسده كما تنتشر السموم بالأوردة. فنظر إلى مكان الجرح، فوجد جرحه أعمق بكثير من جروحه السابقة، فلم يلتئم كالعادة، وظلت الدماء تنزل منه. تحركت شمس مسرعة تبحث بالأدراج عن أدواتها، فكانت تضعها هنا من قبل، فهذه غرفتها، حتى أخرجت أدواتها مسرعة وهي تقول له:
"وريني جرحك."
أشاح ياسين بيده دليلًا على اعتراضه:
"سيبه يا شمس، هو هيلم دلوقتي."
أشارت برأسها بالنفي:
"مش باين يا ياسين إن جرحك هيلم المرة دي، سيبني أساعدك، ولا تحب إنادي الخالة عشان تشوف جرحك مابيلتمش ليه وتسألك مين اللي عمل فيك كده؟"
ابتسم ياسين ابتسامة بسيطة على الرغم من ألمه وسألها وهو يضع يده على معدته التي ألمته بمجرد أن ابتسم:
"أنتِ بتهدديني بأمي؟"
هزت كتفيها ونطقت بهدوء:
"أعتبره تهديد ها؟ تحب أنادي الخالة تشوف جرحك؟"
تحدث "ياسين" بتعب حقيقي:
"لا ماحبش."
ابتسمت ابتسامة ساخرة منه:
"أنا قولت كده برضوا، اخلع قميصك."
رفض ياسين رفضًا نهائيًا بذعر:
"لاء مش هقلعه، القميص مفتوح والجرح واضح قدامك."
طالعته باستغراب لتجد في عينيه الإصرار، فوافقت على عدم نزع قميصه، فوضعت كف يدها على كف يده التي يضغط بها على جرحه لكي تبعد يده قليلًا من على الجرح، فانتزع يده منها بسرعة، غزت الحمرة وجهها من كثرة الإحراج، فشعرت بقلبها على وشك التوقف، ففرت بعينيها مسرعة وهي ترجع شعرها خلف أذنها بيدها قائلة بتقطع:
"أنا..."
أنا آسفة، مكنتش حابة ألمسك بس عشان أبعد إيدك عن الجرح مش أكتر.
أشار برأسه بالموافقة دون كلام، فاسترسلت هي حديثها وهي تنظر للجرح:
"أنا مش معايا بنج دلوقتي ومش عارفة إذا كنت هتحس بألم ولا لأ."
فبتر حديثها هو:
"مش هحس."
فأكملت ما تفعله. اقتربت منه أكثر حتى شعرت بأنفاسه. كان الارتباك قد غزا الأجواء بالفعل، ولكن الآن توغله قد زاد. تبادلتا الأنظار بقلق. بهذه اللحظة، من كثرة توترها، شعرت بالرعشة في يديها. فنطق ياسين بهدوء:
"حاسة إنك مش مرتاحة، لو مش عارفة..."
فانزلقت الإبرة من يديها. انحنت لتأتي بها وهي تبتر حديثه:
"لأ، لأ..."
أكيد عارفه أنا ممرضة اتخرجت السنة دي.
فابتسم ياسين ابتسامة رضا وهو ينظر إليها سائلاً:
_ يعني اتعلمتي؟
أدخلت الإبرة بجسده فردت على سؤاله:
_ أيوه، كان لازم أتعلم ودكتور علي ساعدني كتير.
كرر ياسين بنفس نبرته:
_ على كده كنتي بتاخدي السنتين في سنة؟
أشارت برأسها وهي ما زالت تخيط جرحه بالموافقة:
أه.
_ وقدرتي؟
ابتسمت ابتسامة صفراء وهي تحاول إنهاء الأمر برمته:
_ أكيد قدرت، أنا ما بقيتش البنت الصغيرة اللي سيبتها من عشر سنين يا ياسين، أنا دلوقتي كبرت وأقدر أعمل أكتر من كده.
استدارت وهي تستكمل حديثها، فقام هو ليزرّ قميصه بأكمله:
_ أنا كنت جاية أقولك إن اللي حصل النهاردة في أرض عم نصير أنا ماليش أي ذنب فيه، فريد ده...
فقاطعها وهو يقف خلفها:
_ هتصدقيني لو قولتلك ما يهمنيش أعرف فريد ده مين؟
ابتلعت ريقها تتنفس الصعداء، فرغبت لو أشعلت النار به على ما سببه لها من إثارة غيظها، فردت قائلة:
_ تمام، اللي يريحك.
خرجت بعدما صفعت الباب خلفها بعنف، فوضع ياسين كف يده على عينيه، فتنهد بعمق وكأنه حُرم من الأكسجين لساعات طويلة. أنزل يده من على عينيه ليجد عمار أمامه ينظر له بابتسامة رضا قائلاً:
_ تعالى ورايا.
فسأله ياسين مستفسراً:
_ على فين؟
فأخبره عمار:
_ تعالى بس.
ذهب ياسين خلفه يتبعه أينما ذهب.
***
"كنتي فين يا شمس؟"
كان هذا سؤال "زهرة" لابنتها بنبرة حازمة:
_ ما رديتيش عليا، كنتي فين يا بت المهدي؟ ود مين اللي على إيدك ده؟
دلفت إلى المرحاض بعدما فتحت صنبور المياه تغسل يدها تحت المياه الجارية تحاول الهرب بعينيها من عيون زهرة:
_ ده مش دم، أنت عارفه، دي ألوان غدير وقعت على إيدي.
ربعت "زهرة" يديها تطالعها بعدم تصديق:
_ مش مصدقاكي يا بنت بطني، بس مش موضوعنا، طالما مش دمك فما يهمنيش يبقى دم مين، حتى لو كان دم ياسين اللي لسه خارجة من عنده دلوقتي.
نشفت "شمس" يدها بالمنشفة التي أمامها وتحدثت بتوتر:
_ أنا بس كنت بقوله...
فبترت هي حديثها قائلة:
_ اسمعي يا بنت بطني، أنا طول السنين اللي فاتت دي سيباكي على هواكي، جالك عرسان كتير وكنتي بترفضى وحجتك إنك تخلصي تعليمك الأول، وأهو تعليمك خلص وحجتك خلصت كمان معاه، يعني اعملي حسابك أي عريس هيجيلك وأنا شيفاه مناسب من وجهة نظري هوافق وأنتِ كمان هتوافقي يا بنت بطني.
ربتت "زهرة" على كتف "شمس" بحنان تهمس بأذنها قائلة:
_ اسمعي كلام أمك يا شمس، أنا الوحيدة اللي عارفة مصلحتك يا بتي.
***
خرجت سارة من غرفة الخالة وهي تتأفف بزهق، فصفعت الباب من خلفها بقوة، فوجدت ميرا تنتظرها بالخارج هي ورعد، وكان هذا أول سؤالها:
_ برضه ما قالتش هي عايزة تأجل الفرح ليه؟
نطقت سارة بضجر:
_ بتقول كلام مالهوش لازمة يا ميرا، حاسة إنها بتقول أي كلام وخلاص، كل ما أسألها تقول خليكم واثقين فيا، أنا مش عايزة أكذب عليكم، بس تقول السبب الحقيقي لأ، ما قالتهوش.
فجلس رعد على الأريكة بالردهة قائلاً:
_ طيب اهدي يا سارة، وبعدين أنتِ استنيتي كتير، جت على شهر يعني مش هتفرق صدقيني، المهم رضا الخالة، أنتِ عارفة الخالة تبقى إيه بالنسبالنا كلنا.
تنهدت بعمق وهي تجلس بجواره:
_ أنا بحبها بس ما بحبش تحكمتها.
فجلست ميرا بجوارها على الجانب الآخر:
_ ما فيش حاجة الخالة بتعملها إلا لما يكون وراها سبب قوي، كمان أراهنك إذا كان ياسين هو السبب، لأنها ببساطة كده من أول ما ياسين جه وهي قالت إنها هتأجل الفرح.
فنظرت سارة بجوارها لميرا بعدما انكمش حاجبها باستغراب سائلة:
_ تفتكري؟
فدعمت ميرا حديثها:
_ ده أكيد.
نظر لها رعد بتساؤل:
_ أومال يزن ما طلعش معاكي ليه من جوه؟
أشارت سارة له برأسها على غرفة الخالة:
_ وأنا طالعة الخالة ندهت على يزن وقالتله إنها عايزاه لوحده.
وضع رعد يده على ذقنه:
_ ياترى عايزاه في إيه؟
***
"اقعد يايزن هنا، جاري."
جلس يزن بجوار الخالة، فطلبت منه أن يكمل قهوته وهي ترمقه بنظرة رضا:
_ كمل قهوتك يايزن.
ابتسم وهو يشرب قهوته، فقد راقت له نظرتها:
_ ما تبرريش يا خالة، أنا خلاص فهمت أنتِ عايزة تأجلي الفرح ليه من غير حتى ما تقولي.
فأجابت هي مسرعة:
_ يعني فهمتني يا ولدي؟
هز رأسه بالموافقة وقد ارتشف آخر ما تبقى في قهوته ووضع الكوب على الطاولة:
_ أنا اللي فهمته وعرفته، وواضح أوي من غير ما تقوليه إنك عايزة تأجلي الفرح عشان خاطر ياسين، مش مهم السبب إيه يا خالة، المهم واللي متأكد منه إن السبب قوي عشان أجلتي الفرح عشانه، وأنا موافقك وواثق إن كل خطوة بتاخديها بتبقى الخطوة الصح.
ابتسمت له بحنان ثم سألت السؤال الذي طلبت منه البقاء لأجله:
_ قولي يايزن، أنا قصرت معاك في حاجة طول السنين اللي فاتت دي؟
هز رأسه نافياً لما تقوله:
_ أكيد لأ، أنتِ خلتيني أقف على رجلي من جديد وبقيت صاحب ماركة معروفة، وكله بفضل ربنا وبعدي فضلك.
جلست على مقعدها بارتياح ثم أخبرته:
_ ولو قولتلك عايزة أعرف ياسين الشغل معاك، ما تسيبهوش وتعرفه كل كبيرة وصغيرة، هتقول إيه؟
هز كتفيه بعفوية:
_ المال مالك وأنتِ حرة فيه يا خالة.
المال عمره ما كان مالي يا يزن، أنا كتبتلك كل حاجة باسمك أنت ورعد، أنا آه ساعدتك بالفلوس بس أنت اللي كبرت شغلك وأنت اللي سهرت وتعبت عليه.
_ وليه عملتي كده يا خالة؟
عشان ارتاح من ناحيتك يا ولدي، ما جاوبتش على سؤالي، هتاخد ياسين معاك؟
ابتسم يزن وهو يخبرها مؤكداً:
_ أكيد يا خالة، مش عايزك تقلقي، مش هسيبه.
ابتسمت الخالة له، فغادر هو الغرفة ويملأ وجهه ابتسامة رضا.
***
الوضع هكذا، كلاهما يسير بطريق واحد، "عمار وياسين"، على اليسار الخضرة والزرع يحركهما نسمات الهواء الباردة، وعلى الجانب الآخر مياه الترعة، وهما يسيران بطريقهما سوياً، فنطق عمار قائلاً:
حاسس إنك من ساعة ما جيت هنا وأنا مش عارف ألم عليك، خايف لا ياخدوك مني يا أبويا.
ابتسم ياسين بعدما وضع يديه بجيبه:
_ الموت هو الحاجة الوحيدة اللي هتاخدني منك يا عمار.
أوعدني إننا نفضل سوا مهما قالولك عني إني مت، مهما حاولوا يقنعوك، أنا عايش، فاهمني يا أبويا، أنا عايش.
تبادل ياسين وعمار النظرات القلقة، فقطع ياسين الصمت قائلاً باستخفاف:
_ أنا مش فاهم ليه مش عايز تعرف الكل إنك عايش يا عمار؟
فرد مسرعاً دون تفكير:
_ عشان لو عرفوا هيبعدونا عن بعض، وخصوصاً اللي اسمها شمس بعدتنا عن بعض مرة خلتنا أعداء وكانت هتفرق بين أب وابنه، شمس هي عدوتنا الأصلية يا أبويا، ما تسمحلهاش تدخل ما بينا مهما حصل.
فرد ياسين يحاول إقناعه:
_ محدش هيقدر يفرق ما بينا يا عمار مهما حصل، أنا عارف إنك لسه بتحب شمس وهي قدامك ومستنياك، ليه مش عايز ترجع لها؟
وقف ياسين ينظر لعمار، فرفع كف يده لكي يلمس وجهه، فعاد عمار خطوة للخلف حتى لا يلمسه قائلاً:
_ أنت عارف ما بحبش حد يلمسني، ودي مش أول مرة أقولهالك.
علم ياسين أن الجدال سيزيد الأمر تعقيداً، فنفذ طلبه في الحال، فاستكمل عمار حديثه بعدما رأى المقعد الخشبي على الجهة الأخرى باتجاه الترعة:
عارف أول مرة يا أبويا جيت هنا وشفتك فيها كنت قاعد هناك، كان في الكرسي ده لو تفتكر.
أشار عمار إلى جهة مياه الترعة، فانكمش حاجب ياسين مستفسراً:
_ شوفتني إزاي؟ أنا فاكر أول مرة شفتك فيها كنا في القبو يا عمار وأنت بتاخد شمس.
لالا، مش دي أول مرة، ما أنا كنت براقبك، ما أنا مش هدخل القبو من غير ما أعرف عدوي.
أشار ياسين بأصبعه على نفسه باستفسار:
_ أنا عدوك؟ اسمها كنت عدوك، وعلى فكرة أنت عندك حق، أنا كنت بحب زمان أقعد في المكان ده أوي، مش فاهم ليه بس كنت بقعد فيه وأفضل أسرح فيه بالساعات.
فابتسم عمار له بعدما أشار بيده قائلاً:
_ طيب تعالى نقعد فيه، وأي مكان كنت بتحبه أو ليك فيه ذكرى قولي عليه عشان نبقى مع بعض فيه.
أشار ياسين برأسه بالموافقة، فجلس عمار على المقعد، فهناك مقعد واحد فقط، وقف ياسين وهو يربع يديه، فطلب عمار من ياسين قائلاً:
_ احكيلي أيامك في القرية كانت عاملة إزاي؟
ابتسم ياسين وهو ينظر أمامه وشرد قليلاً قائلاً:
_ قبل الضبع كانت أيامنا حلوة وسهلة، كنت بصحى الصبح وأحب أشوف شروق الشمس أوي، الخضار كان معمر الأرض زي دلوقتي والناس كانت قلوبها صافية، أبويا الصاوي الكبير كان بيحكم القرية دي والكل كان بيقول إني هبقى من بعده كبيرهم، مع أن علي هو الأكبر مني بس الكل كان شايفني أنا الكبير، حتى الدكتور علي بنفسه كان بيقولي كده: "أنت الكبير يا خوي بحكمتك حتى لو ما كنتش بسنك". القرية كانت كل حياتي ومشاكل الناس كانت الشيء الأهم في دنيتي إني أصلحه، لحد ما دخل المهدي حياتنا، كنت وقتها لسه صغير، كان راجل حكيم ومسالم وأبويا خده تحت جناحه، كنت بحبه أوي زي أبويا بالظبط، لحد ما عرفنا حكايته وعلي اتصاب بالكانسر، الكانسر كان مرض جديد محدش يعرفله دوا وحكيمه ما قدرتش تشوفه وهو بيموت قدامها، وعرفنا أسرارهم ودخل الضبع والعربي حياتنا واتغيرت للأسوأ.
نقرت غدير بأصبعها على كتفه باستغراب:
_ ياسين، أنت بتكلم نفسك.
أفاق ياسين من شروده ينظر على المقعد المجاور له، فلم يجد عمار، فطالع هدير بنظرة شارده:
_ لا لا أبداً، تلاقيني سرحت شوية مش أكتر.
جلست على المقعد وهي تبتسم له:
_ كويس إني لقيتك هنا، أنا من الصبح من ساعة ما روحت مع حسان المدرسة وأنا مش لاقياك.
فهز رأسه دليل على معرفته:
_ آه ما أنا عارف، وكنت عايز أقولك حاجة بالمناسبة دي.
انكمش حاجبها باستغراب، فاستكمل هو حديثه:
_ لما تبعتيلي على الواتساب وما أردش، ما تتصليش بيا، ولما تتصلي بيا وأكنسل، ما تدوريش عليا، ولما تدوري عليا وما اهتمش، ما تراقبينيش فيا، أنتِ ليه بتعملي كل ده أصلاً؟ أنا مش حبيبك يا غدير.
صكت على أسنانها قائلة:
_ يعني أنت عارف إن ببعتلك على الواتساب من الصبح وما بتردش متعمد، وبعدين أنت عرفت رقمي منين أصلاً؟
ممممم، من صورتك اللي على الواتساب، ومش هسألك أنتِ عرفتي رقمي منين عشان ما يهمنيش.
قالها بنبرة باردة، فلمعت الدموع بعينيها، فابتسم هو محاولاً أن يلطف معها حديثه:
_ ما تعيطيش، ما تعيطيش وما تزنيش، ما بقتيش الطفلة الصغيرة اللي كل ما ما أوافقش على حاجة تزن عشان أعملهالها.
رفع كف يده يمسح دموعها من على وجنتيها:
_ خلاص بقى، ما تعيطيش، كنت بهزر معاكي.
قالها بحنان، فأشارت له رأسها بارتياح، فسمعت أصدقائها من الخلف يهتفون باسمها:
_ إيه يا غدير، أنتِ نستينا ولا إيه؟ مش هتعرفي علينا؟
استدارت تنظر لهما وأشارت بيديها على كل واحدة على حدى:
اه، اه طبعاً أعرفك أسماء، ولاء، حنان.
***
إنها إحدى الليالي التي يشعر فيها المرء أن قفصه الصدري لا يسع قلبه لشدة خفقانه مع وجود الحبيب بجانبه. قطفت هي وردة باللون الوردي وضعتها على أنفها تشم رائحتها، فشعرت بوجوده خلفها، فارتسمت البسمة تلقائياً على وجهها قائلة:
_ إيه اللي جابك يا بيدقوس؟
طالعها هو باهتمام قائلاً بحب:
_ ألا تريدين أن آتي؟
استدارت مارال له وضحكت بهدوء قبل أن ترد على سؤاله:
_ بيدقوس، أنت ما بتملش أبداً، أنت عارف بقالك كام سنة بتحاول.
أضاءت ملامحه إحدى ابتساماته الرائعة قائلاً:
_ وهل يمكن أن يمل الجسد من الروح يوماً يا صغيرتي؟
ابتسمت ابتسامة امتنان له، فعباراته الجميلة تمس قلبها الصغير. لمس رجاء صامت بعينيها لم يستطع خذلانه:
_ بيدقوس، أنت كده بتصعبها عليا أكتر.
لا شيء صعب إذا سهلنا الأمور يا مارال، أنا أعلم جيداً أنك تحبيني مثلما أحبك، فرسولنا الحبيب عليه أفضل الصلاة والسلام قال: "إذا أحببت أحداً فأخبره ليعلم وكررها ليطمئن".
وأنا سأظل أكررها حتى يطمئن قلبك لي، ولتعلمي مهما كانت اختلاف الأديان لن يكون عائقاً لحبي لك يوماً من الأيام.
صارحته مارال وعيناها تواجهه طالبة الصدق:
_ حط نفسك مكاني يا بيدقوس، أنت بتقول كده عشان دينك يسمحلك بالزواج من مسيحية، لكن أنا لأ. لو كنت أنت اللي مكاني ودينك مش بيسمحلك إنك تتزوج من مسيحي، كنت عملت إيه؟
فأجابها بصدق ينبع من عينيه:
_ أقسم بالذي خلقك، فوالله وبعقد الهاء، لو أحببته بصدق لن أنام ولن يغمض لي جفن حتى أنول المراد، فأنتِ تستحقي فعل المستحيل لأجلك. أنا أريد فقط منك أن تبحثي بصدق، فكل الآيات التي أقرأها عند صلاة الفجر، أريدك أن تبحثي عن معناها وتفسيرها، لا أريد منك سوى البحث القليل لتعرفي ما هو دين الحق.
تحدثت مارال بنبرة جادة:
_ وطبعاً الإسلام هو دين الحق في نظرك.
كل منا يعتنق لدينه ومقتنع تمام الاقتناع بأن دينه هو الحق، إذن أعطيني دليل واحد يا صغيرتي وسأعطيك أمامه ألف دليل.
شعرت بالتخبط أثر طلبه ونطقت بنبرة منخفضة باستخفاف:
_ عايز دليل؟ ماشي، أنا هجيبلك الدليل، تعالى هنا ونتقابل بالليل في نفس المكان وأنا هجيبلك الدليل من الإنجيل نفسه.
رفع نظره لها وهو يهز رأسه ببطء شديد دليل على الموافقة، فغادرته وظل هو واقفاً يراقبها تبتعد عنه، فجاء الطبيب من خلفه يسأله بنبرة صوت عالية:
_ ما شوفتش ياسين يا بربروس؟
انتفض بربروس من مكانه وأفاق من شروده بعدما شرد بمارال قائلاً:
_ تنحنح أيها اللعين فقد قشعر بدني.
ضحك الطبيب بصوت مرتفع ووضع يده على كتف بربروس قائلاً:
_ سلامتك من القشعريرة يا شيخ عجوة، تعالى نشوف ياسين فين.
***
علت ضحكاتهم بعدما تجمعت الفتيات حول "ياسين"، فسألته أحداهن بعد تعارفهما بقليل:
_ ممكن أسألك سؤال شخصي شوية بما إنك راجل وبتفكر زي بقيت الرجالة.
استدار لها بعدما نجحت في جذب انتباهه:
_ أعرف إزاي إنه بيحبني ومش بيتسلى بيا؟
فرد هو بصدق وبتلقائية مفرطة:
بعد الطفل التاني على طول، وقتها اتأكدي إنه بيحبك، قبل كده كل ده كلام فارغ مالهوش لازمة.
فتشجعت فتاة أخرى فسألته سؤالاً آخر:
طيب لو أنا بنت ناجحة في حياتي، أعمل إيه في الولاد اللي بتخاف من نجاحك؟
بصي، خفي نجاح شوية وشكلي اللي قدامك واتجوزيه، وبعد كده هو مش هيخاف من نجاحك، هو هيخاف منك أنتِ شخصياً.
فقالت فتاة أخرى:
طيب هو ممكن ألاقي راجل يحبني أنا لوحدي وما يبصش بره؟
فكر للحظات قبل الإجابة قائلاً:
موضوع إنه يحبك لوحدك ده انسيه خالص، كفاية إنك تبقي من العشرة الأوائل.
ضحك الجميع على كلامه العفوي، فسألته حنان قائلة بيأس:
إزاي أعرف إن العلاقة دي لازم تنتهي؟
أشار هو بيديه لها:
أول ما تبتدي مش محتاجة يعني.
فردت غدير قائلة بسؤال آخر:
هو ينفع نلاقي راجل مش toxic؟
مال بعينيه يجاوبها ضاحكاً وهو يغمز لها:
بصي، هو أنا عايزك بس تدعي ربنا الأول إنك تلاقي راجل في الزمن ده، وبعد كده بقى يطلع toxic مش toxic.
دي بقى نشوفها بعدين
ضحكت الفتيات بصوت مرتفع، فأجاباته زادت من إعجابهن به. فأجابته غدير قائلة على كلامه:
_ بس أنت راجل وراجل أوي كمان.
انمحت الابتسامة من على وجه ياسين ببطء شديد بعدما شعر بشيء في نبرة صوتها، فحاول أن يهرب من الحديث قائلاً وهو ينظر أمامه:
_ طيب روحي أنت بقى يا غدير عشان شيخ عجوه جاي.
فقالت فتاة طالبة منه أن تراه مرة أخرى:
_ تحب نشرب كوباية قهوة ونقعد في مكان؟
فنظرت لها غدير نظرة لوم، فصححت الفتاة جملتها قائلة:
_ أقصد نقعد كلنا يعني مع بعض.
فرد عليها هو بكبر يصاحبه نظرة عدم احترام:
_ في كتير نفسه يشرب معايا قهوة، اقفي في الصف عشان تاخدي دورك.
ترك ياسين الفتيات واتجه باتجاه بربروس والطبيب علي، فنظر له الطبيب نظرة بها من اللوم ما يكفي قائلاً:
_ إيه اللي اتنشر على الفيسبوك ده يا ياسين؟
ابتسم بمكر متابعاً:
_ إيه اللي اتنشر؟ بينقط عليك ولا إيه؟
تنهد بغضب وتابع بلوم وهو يمد كف يده بالهاتف:
_ ياسين أنا مابهزرش، إيه الفيديو ده؟
نظر ياسين يطالع الهاتف فوجد نفسه بمقطع الفيديو، فتحدث بلا مبالاة:
_ وانت إيه اللي مضايقك في حاجة زي دي؟
فرد عليه الطبيب قائلاً:
_ علشان أنت ماتعرفش ده ابن مين، ده ابن وزير الداخلية يا ياسين. إحنا مش ناقصين أبواب جهنم تتفتح علينا، إحنا لازم نلم الموضوع.
طالع ياسين بربروس قائلاً:
_ يرضيك الكلام ده يا شيخ عجوه؟
فهز رأسه بالإيجاب:
_ نعم يرضيني.
فنفى ياسين ما قاله علي بإصرار:
_ موضوع إيه اللي تلمه يا علي؟ أنت اتجننت؟ لو انت مش عايز تلم الموضوع أنا هتكلم على لسانك وألمه بمعرفتي.
_ ماتتكلمش على لساني، أنا مخارج حروفي واضحة وغاسل سناني وعارف كويس أوي أنا بعمل إيه يا علي.
فقال الطبيب بتهكم:
_ أنت مش عارف حاجة يا ياسين، أنت سبتنا سنين وما تعرفش عنا أي حاجة. أراهنك إنك عايز تمشي النهاردة قبل بكرة وتسيبنا.
أغلق ياسين عينيه بوجع مجاهداً:
_ عشان لازم أمشي يا علي.
_ اديني سبب واحد يخليك تمشي وتسيبنا تاني بعد ما رجعتلنا.
سأله بربروس بمشاكسة بعدما شعر بتوتر الأجواء:
_ ولماذا تريد أن تهرب من جديد؟ فلتعش هنا بيننا، ألا نستحق أن تجلس بيننا أيها المزندع اللعين.
استدعى ياسين كامل اتزانه وهو يرد بثبات:
_ أأكيد تستحقوا.
_ أذن ما المشكلة؟
أغلق عينيه بوجع مجاهداً ألا يظهر حزنه، ففضل عدم الرد:
_ أأنا لازم أمشي.
تركهما ياسين وسط أسئلة كثيرة تشغل بالهما الآن، أسئلة لا يستطيع الإجابة عليها. من يراه يقسم أنه لا يبالي بأي شيء، مزيج من الصلابة واللين في نفس الوقت، لكن بداخله وكأن العالم كله أقسم على تحطيمه.
غريبة وطأت قدميها القرية، توقفت السيارة أمام منزل عائلة الصاوي، هبطت من سيارتها وهي تبحث عن الخالة، حتى أرشدها أحد المارين على المنزل، حتى وصلت أخيراً بعد معاناة طويلة. استقبلتها الخالة بالترحاب، فكل غريب يدخل دارها يصبح قريب. جلست تلك الغريبة على المقعد بعدما رحب الجميع بها، فذهبت شمس لإحضار مشروب منعش في هذا الطقس الحار إلى تلك الغريبة. فسألتها الخالة بود:
_ أنتِ مين يا بتي؟
فردت عليها بنبرة هادئة:
_ أأنا، أنا اسمي مشيرة.
دلفت شمس إلى الغرفة ومعها المشروب الساقع، تقدمه على الصينية. فسألتها الخالة سؤالاً آخر:
_ وجاية هنا لمين يا مشيرة؟
وقفت شمس أمام مشيرة تقدم لها المشروب، فقالت مشيرة بنبرة فيها من التحدي ما يكفي وهي تطالع شمس:
_ أنا جايه لياسين الصاوي جوزي.
وقعت الصينية من يد شمس عندما سمعت ما قالته هذه الغريبة منذ قليل، فكررت كلمتها والصدمة تعتلي وجهها:
_ جوزك؟
رواية الهجينة الفصل الثالث والتسعون 93 - بقلم ماهي احمد
أكثر الأشياء مرارة في هذا العالم هو عدم البوح بما بداخلك. تشعر بتمزق روحك إلى أشلاء ولم تجد حلاً سوى الثبات على الصمت المرير. تشعر بأن كل شيء ضدك. لم يمنحك القدر ثقبًا للتنفس، ولم تمنحك الشمس أشعتها لتنير طريقك. تائه، حائر، سئمت. بأي ذنب قُتلت؟
توقعت "شمس" كل شيء إلا أن تكون تلك المرأة الجالسة أمامها وتنظر بثبات في عينيها تكون زوجته. كيف؟ ومتى؟ أسئلة فوضوية داخل رأسها الآن، ولكنها التزمت الصمت. ابتسمت زهره عند سماع هذا الخبر من تلك المرأة، فكانت أول المهنئين لها ونطقت كلماتها بفرحة تلمع بعينيها.
"معقولة ياسين اتجوز؟ ألف ألف مبروك، بس إزاي ما يقولناش؟"
ضربت الخالة بعصاها التي تتكأ عليها في الأرضية وبداخلها غضب عارم. صار اسم شمس التي كانت تحدق بتلك الغريبة للحظات.
"شمــــس"
انتفضت وأفاقت شمس من شرودها. انحنت أسفل مشيرة وأصبحت تحت قدميها تلملم قطع الزجاج المكسور وكأنها تحاول لملمة روحها التي تمزقت الآن. ارتعشت أصابعها والرعشة امتلكت نبرة صوتها. ترغب بالتبخر الآن. حاولت الحديث ولكنها لم تعرف ماذا تقول، فقد قالت بارتباك:
"أنا... أنا آسفة، مش عارفة إزاي الكوباية وقعت مني. ثواني هجيب لك مشروب غيره."
كررت "الخالة" بإصرار:
"قومي يا شمس، ما توطيش. سيبي الإزاز، أي حد تاني هيلمه."
أشارت الخالة بعينيها لـ "ميرا".
فذهبت "ميرا" وانحنت بجانب "شمس"، وضعت يدها على كتفها بحنان تطالعها بحب قائلة:
"قومي يا شمس، معايا."
أشارت شمس برأسها لميرا دليلًا على الموافقة. فوقفت واستقامت، حاولت تمالك روحها من جديد. فطالعت مشيرة الجالسة بهدوء قائلة:
"نورتي قرية الصاوي."
أشارت لها مشيرة برأسها مع ابتسامة بسيطة دون أن تتكلم. فأشاحت بنظرها إلى الخالة.
ذهبت كلا من مارال وساره خلف شمس. فجلست زهره بارتياح بجوار الخالة وهي تطالعها بنظرات متفحصة بعينيها. فسألتها الخالة قائلة:
"معلش يا بتي، قولتيلي اسمك إيه مرة تانية؟"
ابتسمت مشيرة وهي تشير على نفسها فقالت ببراءة:
"اسمي مشيرة يا خالة."
هزت الخالة رأسها:
"آه... قولتيلي مشيرة، أيوه افتكرت. ما تأخذينيش في السؤال يا بتي. أنتِ عرفتي ياسين إزاي؟"
نظرت مشيرة إلى زهره سائلة:
"إيه ده معقول؟ ما سمعتوش عني قبل كده؟ هو ياسين ما جابلكوش سيرة عني؟"
أكد لها يزن بقوله:
"ولا سمعنا عنك في طبق اليوم حتى."
سألته مشيرة وقد غاظها ما قاله:
"وحضرتك بقى مين؟ أصل ياسين ما جابليش سيرتك قبل كده، مع أني حكالي عن الكل. بس أنتَ لأ."
ربع يده وأوقعها في المصيدة وهو يسأل:
"إزاي؟ وهو جاي عشاني؟"
فقالت مسرعة:
"أنتَ يزن؟"
"غريبة! عرفتيني؟ مع أني حكالي عن الكل، إلا أنا."
ابتسمت الخالة فشعرت مشيرة بالإحراج. فنظرت للأرضية قائلة:
"هو ياسين فين؟"
نظرت الخالة لرعد بضجر:
"رعد، دور على حسان. خليه يروح يشوفلي فين ياسين وييجي ويجيبهولي هنا حالا، قبل ما أصور قتيل."
أشار "رعد" برأسه بالموافقة:
"حاضر يا خالة."
____________
هذه الأجواء الصيفية تحتاج إلى النسمات الباردة والمشروبات المنعشة لكي تشفي الصدور. هذا ما فعله "الطبيب علي" عندما جلس بجانب "ياسين" وسط الخضرة هو و "بربروس". جلس كل واحد منهم على حدى بجانبه، فأصبح هو يتوسطهم. ينظرون إلى البحيرة أمامهم. السماء صافية بلونها الأزرق الجذاب، تعكس الشمس أشعتها على البحيرة فتعطيها بريقًا ساحرًا يخطف الأنظار. مد "الطبيب" كفه بالمشروب المحبب لقلب "ياسين" قائلاً:
"امسك، أنا عارف إنك بتحب الشيري كولا."
مد "ياسين" كفه قائلاً بمزاح:
"معقول يا علي؟ أنت جايبلي شيري كولا بنفسك؟ قولي جبتها منين؟ فتحت شنطتي وأخدتها منها."
ضحك "بربروس" ساخراً وهو يعدل على ما قاله "ياسين":
"لأ، ليس هو، بل أنا."
نظر بجواره إليه قائلاً بدهشة:
"أنتَ يا شيخ عجوه؟ فتحت شنطتي؟"
هز رأسه بالنفي قائلاً بجدية:
"ويحك أيها اللعين! هل تراني أبلها لأفعل ذلك؟"
ابتسم قبل أن يخبره:
"طيب خلاص، ما تزعلش. قولي جبتها إزاي؟"
أخبره بضجر:
"خليك في حالك، لن أخبرك، فهذا سر."
فتح "ياسين" الزجاجة وارتشف من زجاجته فشعر بالانتعاش قائلاً بابتسامة أضأت ملامحه:
"اللاه.. خليك في حالك مرة واحدة يا شيخ عجوه. العشر سنين اللي قضيتهم هنا غيروك خالص."
طالعه بربروس بغيظ وأردف:
"البركة في أبناء الحارة التي أحيا بها الآن، فقد تعلمت وفي نفس ذات الوقت علّمت."
صمت لثوانٍ ثم عاد لحديثه مؤكداً:
"ونعم، لقد تغيرت. ولكن من منا لم يتغير؟ فأنت أول المتغيرين."
صحح له "ياسين" باندفاع وهو يشير على نفسه:
"أنا اتغيرت يا شيخ عجوه؟"
استدار "الطبيب" يطالع شقيقه:
"آه حصل. أنتَ متغير يا ياسين. حاسس من ساعة ما جيت وأنت واحد تاني. مش ياسين أخويا اللي أعرفه."
انقبض حاجبه وارتشف رشفة أخرى من زجاجته:
"بلاش يا علي نقلب القعدة لعتاب ولوم وأسئلة إجاباتها مش هتفيد بشيء. خلينا نقعد مع بعض شوية مش أكتر. أنا وحشتني قعدتنا سوا."
انتظر ثوانٍ ثم تابع:
"مش عارف إذا بعد ما أرجع مطرح ما كنت هعرف أقعد معاكم القعدة دي تاني ولا لأ."
أومأ له علي بالإيجاب:
"ماهو ده اللي أنا عايز أعرفه..."
ليك مين هناك أغلى مننا عشان ترجعله ياياسين. أسئلة كتير في دماغي مش لاقي لها إجابة وأنت ما بتتكلمش.
فرفع بربروس كف يده ودعم كلام الطبيب:
نعم، وأنا كمان عندي من الأسئلة ما يكفيني وأريد الإجابة في الحال.
هنا تحدث "ياسين" بضجر:
يعني مش هتبطلوا؟
أشار الاثنان برأسهما بالنفي، فاستسلم ياسين قائلاً:
عايزين تعرفوا إيه؟
بدأ "الطبيب" يسرد له كم من الأسئلة:
أول شيء، مكنتش بترد عليا ليه السنين اللي فاتت دي؟
كان سيرد، ولكن رد "بربروس" بسؤال آخر مسرعًا:
وأين كنت طوال هذه المدة؟
فسأله "الطبيب" سؤالاً آخر:
كنت بتشتغل إيه؟ واضح أن الدنيا ضحكت لك، أصلك راجع نضيف أوي، مش عوايدك.
فرد بربروس:
وأين عشت طوال هذه المدة؟ ولماذا تتصنع عدم اللامبالاة التي أراها بعينيك؟
ظل ياسين ينظر يساراً ويمينًا مع كل سؤال يطرحوه عليه، فرد صارخًا:
بس واحدة واحدة وأنا هجاوب.
هز كلا منهما رأسه بالموافقة، فأكمل "ياسين" حديثه وأشار برأسه إلى الأطفال أمامه يحاولون النزول إلى البحيرة بمرح وضحكاتهم تملأ الأجواء، فرد بسؤال آخر غير الذي ينتظرونه:
فاكر البحيرة دي يا علي؟
نفخ الطبيب من روحه بغيظ:
ياسين، ماتغيرش الموضوع.
أكد له ياسين بقوله:
مابغيروش، رد عليا بس، فاكرها؟
وافقه بنفاذ صبر:
أكيد فاكرها ياياسين. دي البحيرة اللي أبوك عملهالنا هو والمهدي الله يرحمهم.
ابتسم "ياسين" وقد عاد بذكرياته يتأمل الأطفال ويسمع صوت ضحكاتهم، يستكمل حديثه بقوله:
أهو وأنا صغير كنت بفضل أبص للبحيرة دي وأتأمل فيها بالساعات وأفضل أتمنى حاجات لما أكبر هعملها. ولما سيبتكم يوم المعركة كنت تايه ومش عارف أعمل إيه. وقفت عندها بالساعات وقتها قررت إني هعمل كل اللي اتمنيت أعمله وأنا صغير وماعملتوش. فضلت واقف عندها وهي كالحة مافيهاش ميه، أرض بور. فضلت سارح والوقت عدى قدامها وافتكرت اللي فات ولاقيت نفسي مسافر ورجعت ألمانيا. وهناك كنت وحيد، مش عارف أروح فين ولا أجي منين.
رجع ياسين بذكرياته للوراء وسرح بذاكرته يوم المعركة:
ابتسم ياسين وهو يقف أمام البحيرة ينظر جواره إلى عمار قائلاً:
أنا مش مصدق إنك جيت معايا.
فنظر له عمار وهو يضع يده بجيبه مع ابتسامة رضا:
أنا سبت الكل عشانك، حتى شمس سبتها عشان نفضل سوا يابويا. بس طول ما إحنا هنا هيبعدونا عن بعض، لازم نبعد ونسيبهم، نبعد ونروح مكان تاني خالص غير هنا، مكان بعيد محدش يعرفنا فيه. أنت بنفسك شفت شمس وعلي والخالة، كلهم كانوا عارفين إن أنا وانت دم واحد ومحدش فيهم همه غير المعركة وبس، محدش فكر فينا. كل واحد فيهم كان خايف على نفسه مش أكتر. حتى شمس ولا طلعت بتحبني ولا بتحبك، لو كانت حبت حد فينا كانت على الأقل قالتلنا. أنا عارف إنك بتحبها زي ما أنا بحبها، بس طول ما هتبقى في النص ما بينا هنخسر بعض، صدقني.
أشار له ياسين برأسه دليل على الموافقة:
ولا شمس ولا غيرها يقدروا يفرقوا بينا في يوم. أنا فضلت سنين بدور عليك قبل الضبع ما يتحكم فيا، وما صدقت إني لاقيتك ورجعتلي ذاكرتي.
طرقع الطبيب أصابعه أمام أعين ياسين الذي شرد فجأة قائلاً:
إيه؟ روحت فين؟ كمل بعد ما سافرت ألمانيا حصل إيه؟
بالطبع لم يذكر "ياسين" الجزء الخاص بعمار، فقط تذكره بمخيلته، فأفاق من شروده قائلاً:
رجعت تاني بين الجليد وبين الذئاب، بس في منطقة معزولة مافيش بشر يتحمل يقعد فيها. بعد ما عرفت إني الألفا بقيت أتحكم فيهم ومعاهم دايماً. وخدت عهد على نفسي ووعدت غيري إني مش هشرب دم بشر في يوم ولا حتى حيوانات. بس جيت في ليلة ضعفت وماقدرتش، لما لاقيت كوخ جواه واحدة ست في وسط التلج وشميت ريحة دمها وهي بتقطع حاجة بالسكينة، جرحت صباعها ونقط من دمها نزلت منها على الأرض وسمعت صوت نبضات قلبها. معرفش إزاي وليه رجلي خدتني عندها ودخلت جوه الكوخ ولاقيته مليان بالدفأ، كنت جعان وشريد ومنظري لا يسر عدو ولا حبيب.
انخرط ياسين بذاكرته وتوقف عن الكلام يسرح بما حدث له بالماضي:
جسد بلا روح، وما الأصعب من أن تجد روحك تغادر جسدك وما باليد حيلة. تحاول الصمود، تحاول الاستيعاب، تشعر بتمزق قلبك وتسمع صوت تحطيمه إلى أجزاء صغيرة.
ألم.. هجر.. فراق سنوات.. سنوات من التعب والحيرة.. غريب تائه في الطرقات.. وحيد..
شريد حتى تجده، هي لتعيد له الحياة من جديد.
تسأله وهي تتحدث اللغة الألمانية:
_ أنت مين؟ وبتعمل إيه في بيتي هنا؟ ودخلت بيتي إزاي؟
دب الرعب بقلبها، غريب بداخل منزلها. أسئلة عديدة أتت ببالها وهي تنظر له. يقف أمام الثلاجة الخاصة بها يتناول الطعام بشراهة، يظهر عليه الفقر والجوع. ملابسه متسخة، يغطي رأسه بالبيزونت الخاص بسترته. تضغط هي على زر الإضاءة الخاص بمطبخها. تحاول التقرب منه بحذر. يأكل كالحيوانات، فالجوع أصبح ينهش بمعدته. تنظر بجانبها.
للسـ ـكين الموجود على الطاولة. تقترب منه أكثر بحذر، حتى ترفع عليه السـ ـكين. حتى تطـ ـعنه. يمسك هو بمعصم يدها بقوة، يكشر عن أنيابه، فقد السيطرة على نفسه. ليجد من يقف أمامه يحذره:
_ لا يابويا بلاش. لو قتـ ـلتها مش هتشوفني تاني.
نطق ياسين ينظر له بابتسامة واسعة:
_ اللي تشوفه ياعمار.
سمعته وهو يتحدث اللغة العربية، فاستغربت أكثر. ولكنها لم تهتم في بادئ الأمر. ونظرت تلك الغريبة خلفها بهلع للفراغ الذي يحادثه. لم تجد شيئاً. والرعب يكمن بنظراتها. فترك معصم يدها يعود للخلف بخطوات بطيئة. يرفع كفيه باستسلام أمامها. أمسكت هي السكـ ـين من على الأرضية مرة أخرى بأيدٍ مرتعشة. فتمالكت رباطة جأشها تقول بشكل متقطع باللغة العربية:
_ أنا عارفة إنكم مش هتسيبوني في حالي. عارفة إني مهما أحاول استخبى منكم هتعرفوا تلاقوني. مش ذنبي. مش ذنبي إني جوزي مات وكتب لي ميراثه كله وأنا مش هتنازل مهما عملتوا.
قبض "ياسين" حاجبه باستغراب، فهو لا يعلم عما تتحدث. أنزل يده واتجه إلى الثلاجة مرة أخرى يأكل بنهم. ينزلق من شفتيه الطعام الذي يتبقى منه. فوضى عارمة أصبحت حوله من بقايا الطعام. تقف هي أمامه مذعورة مما يحدث. فلم ترى بحياتها إنسان يأكل هكذا قط. ابتلعت ريقها بعدما ارتفع صوتها أكثر:
_ لو ما قولتش أنت مين حالا، وجاي هنا ليه، أنا هبلغ البوليس.
أشبع جوعه، بعدما قبض بكف يده كمية من الطعام ووضعها بداخل جيبه وبداخل حقيبة ظهره. استدار وأعطاها ظهره، يستعد للرحيل. حتى سمع من بعيد خطوات أقدام قادمة لا تنوي بالخير وصوت أسلـ ـحة تتعمر بالذخـ ـيرة. أغمض هو عيناه ليركز بالصوت أكثر. فعلم بأنهم رجلين قادمان. استدار خلفه ليراها وحيدة. يملأ الرعب ملامحها. تتنفس الصعداء بصعوبة عارمة مما يحدث. سمع صوت عمار بأذنه:
_ أمشي ياياسين مالكش دعوة بيها.
تحرك خطوة للأمام لكي يقفز من النافذة التي أتى منها. فسمع صوت الرصـ ـاص المتوجه ناحية الكوخ. فدون أن يدرك فعل ما لا يرغب به. فتحرك بأتجاهاها سريعا، لكي يحميها. فحماها بجسده، فأصبحت هي أسفله. أشار لها بأصبع أن لا تتحرك من مكانها. فهزت رأسها بالموافقة والدموع تنهمر على وجنتيها مما يحدث. اختفى من أمامها بلحظة. فدخل الرجلين يرفعون أسلحـ ـتهم بكف أيديهم. يرتدون چواكت جلدية سوداء. يبحثون بكل مكان بالكوخ عنها. حتى وجدوها. نظروا لها نظرة سخرية بعدما تكورت هي في جلستها ويرتعش كل بجسدها. فقال أحدهم:
_ سبحان الله مشيرة هانم خايفة. اللي يشوفك دلوقتي مايشوفكيش يوم استلام الميراث.
رفع الآخر سلا حه يوجهه لها:
_ أوبقي سلميلنا على الحاج في الآخرة.
أغمضت عيناها بقوة تنتظر الموت لثواني. ولكن لم يحدث ما ظنته. فتحت عيناها وجدتهم يرقدون أمامها على الأرضية فاقدين للوعي. يقف ياسين أمامها وهو يقول:
_ سمعتهم بيقولوا إن في حد جاي معاهم يشيل جثـ ـتك بعد ما يقـ ـتلوكي. أفضلك تمشي بسرعة من هنا.
رفع ياسين البيزونت الخاص بسترته وأعطاها ظهره. فقالت مسرعة:
_ أرجوك ماتمشيش. أنا معنديش حد يحميني. هديك اللي أنت عايزه بس ماتمشيش.
لم يؤثر حديثها به. فأكمل طريقه. لم يستدر حتى لينظر لها. فأوقفته كلماتها التالية عندما قالت:
_ وحياة عمار اللي كنت لسه بتكلمه من شوية خليك.
قال بربروس بصوت مرتفع به من الضجر ما يكفي:
_ ماذا بك أيها الأحمق؟ تتحدث دقيقة وتشرد بذهنك ساعات. ماذا حدث بعد أن عدت إلى الجليد؟ ومنظرك لا يسر عدو ولا حبيب.
انتفض ياسين بعدما فاق من انخراطه وهو ينظر أمامه إلى البحيرة. فوجد طفل من الأطفال يغرق ولا يستطيع السباحة. قام يهرول بأسرع ما عنده. فلحقه بربروس والطبيب. قفز في الماء مسرعا، وأخذ يسبح حتى وصل إلى ذلك الطفل الصغير. فألتقطه من الماء مسرعا، وهو يقول:
_ أنت كويس؟
نزل بربروس والطبيب في البحيرة معه مسرعين. ولكنه كان أول الواصلين.
أشار الطفل برأسه يحاول التقاط أنفاسه:
_ أيوه. أنا كويث ياعمو.
ابتسموا جميعاً على طريقة حديث هذا الطفل الصغير. فقلده ياسين قائلاً:
_ ولما أنت مش بتعرف تعوم بتعوم ليه بس؟
فأشار الطفل بيديه على الأطفال بالجهة المقابلة وهم يسبحون:
_ سايف البنت اللي هناك دي.
أمال ياسين برأسه على الطفل وهو يحمله بين ذراعيه. فغمز له بطرف عينيه:
_ مالها؟
فقال الطفل ببراءة مفرطة:
_ عايزه لما تكبر تتجوز واحد بيعرف يعوم. وأنا مش بعرف أعوم واتكسفت أقولها.
ابتسم ياسين على برائته. فقال مؤكداً:
_ طيب عارف أنت بقى إنك لما تكبر دي البنت الوحيدة اللي هتديك على قفاك.
أشار الطفل برأسه بالنفي. فاستكمل ياسين حديثه:
_ أنا بقى جايلك من المستقبل وبقولك اللي هيحصل.
أتت والدة الطفل مسرعة والخوف يبدو على ملامحها تناديه باسمه:
_ محمد.
أشار ياسين للطفل برأسه:
_ يلا روح لماما. وافتكر إن مافيش حد يستاهل مهما كان إنك تعمل عشانه الممكن مش المستحيل.
رحل الطفل إلى والدته. وظلوا الثلاثة بمنتصف البحيرة ينظرون للطفل ووالدته على البر. وهي تضمه إلى صدرها تربت على ظهره بحنان. فنطق بربروس مؤكداً بكل ثقة مما يقول:
_ هناك أشخاص حتى فعل المستحيل من أجلهم قليل. ليس كما قلت للطفل الصغير.
اعترض "ياسين" بضحك وهو يقول:
_ ما أفتكرش.
سأله "الطبيب" باستغراب بعدما أعاد شعره المبلل بالماء للخلف:
_ وشمس ماتستاهلش؟
سأله "ياسين" باستغراب:
_ وأيه اللي جاب سيرة شمس يا علي دلوقتي؟
هنا تحدث "بربروس" قائلاً بتعجب:
_ ومن غير شمس يستحق أن يذكر اسمه. فجميعنا نعلم بأنك تحبها.
تحدث "ياسين" بغرور وكبر ينفي بإصرار ما قاله بربروس:
_ عمري ما حصلش.
رأى ياسين نظرات التعجب وعدم التصديق داخل أعينهم. فصحح حديثه قائلاً بمزاح يحاول أن يخبئ ما هو واضح بعينيه:
_ أقصد أقصد الكلام ده من عشر سنين. أنتوا لسه فاكرين.
أيوه بس.
قاطعه ياسين قائلاً:
_ الموضوع ده اتقفل. ياريت ما يتفتحش تاني.
استدار ياسين وأعطاهم ظهره في طريقه للخروج. رأى الطبيب الحزن بعينيه. فنظر لبربروس. فأشار "بربروس" إلى "الطبيب" بعينيه يتتبع ياسين. فتحركوا هما الاثنان بلمح البصر سوياً. وأمسكوا به بقوة من رأسه وضعوه تحت الماء بمزاح. فاستخدم ياسين قوته وأستطاع التملص منهم. حتى أخرج رأسه وابتعد عنهم بغـ ـضب ينفض الماء من على خصلات شعره وهو يهز رأسه يساراً ويميناً. فنظر ورائهم بأندهاش قائلاً:
_ مين اللي جاي ده؟
استدار الاثنان يطالعون ما يطالعه. دفعهم "ياسين" على حين غرة وأوقعهم بالماء وسط ضحكاته. وما أن اخرجوا رأسهم من الماء هرول ياسين يسبح بعيداً عنهم حتى لا يلحقوا به. فهرولوا خلفه سريعا، فأصبح بالمنتصف بينهم وسط مزاحهم وضحكاتهم. فأمسكه الطبيب من الخلف وأطاح به هو وبربروس وسط نوبة ضحكاتهم. فسعلوا من كثرة الضحك.
هي الأن بغرفته تجمع كل ما تبقى لها في الغرفة من أشياءها. تفتح الدلفة تأخذ ما تبقى من ملابسها بعصبية. ثم اتجهت ناحية الأدراج تأخذ كل ما بها. وقف كلا من ميرا ومارال وسارة بجانب الباب وهم يطالعونها بحزن. فقطعت مارال صمتهما قائلة:
_ معقول ياسين اتجوز؟ أزاي أنا كنت فاكياه بيحبك.
وقفت شمس عما تفعله وبيديها بعضاً من ملابسها. ونظرت إلى مارال تطالعها بلوم:
_ أيه؟ أيه اللي أنت بتقوليه ده؟
فأكدت مارال على كلامها مرة أخرى:
_ أنا كنت فاكياه كويس إنه وعمى الله يرحمه بيتخانقوا عليكي. إزاي لما عمى يموت يسيبك ويتجوز غيرك؟ المفروض يتمسك بيكي أكتر على الأقل عشان يحافظ على الحاجة الوحيدة اللي قريبة من قلب عمى. بس الظاهر إنه نسيكي ونسي عمى ويا حات اتجوز وعاش حياته.
أتت غدير من الخارج على نهاية حديث مارال تسمعها. فلم تستطع غدير منع نفسها من سؤالها:
_ اتجوز! هو مين ده اللي اتجوز ياميرا؟
لم يجب أحد على سؤالها من الموجودين. وكانت الإجابة مهمة بالنسبة إليها. فكررت سؤالها مرة أخرى:
_ هو محدش فيكم بيرد عليا ليه؟ ماتقولوا يا جماعة مين اللي اتجوز؟
طالعت ميرا غدير برجاء أن تخفض من صوتها:
_ هوووش وطي صوتك. مرات ياسين قاعدة جوه لا تسمعك.
مرات مين؟
قالتها غدير بتعجب بعدما قبضت حاجبيها باستغراب. فقالت بتلقائية مفرطة:
_ طيب وشمس؟
اعترضت "شمس" بإصرار:
_ هو في إيه يا جماعة؟ كل واحدة فيكم تقول طيب وشمس.. طيب وشمس. هو حد قالكم إني قاعدة مستنياه..
حد أصلاً قالكم إني حتى بفكر فيه أو بييجي على بالي أصلاً؟
حولت سارة نظرتها إليها قائلة:
_ أومال أنتِ قاعدة كل ده ليه ومابترديش بأي عريس يتقدملك ليه مش عشان بتحبيه؟
تحركت شمس مغادرة الغرفة قائلة:
_ ده خيالكم المريض اللي صورلكم إني بحبه مع إني عمري ما قولت كده.
غادرت شمس الغرفة تاركة أياهم ينظرون لها وهي تبتعد عنهم، وضعت ما تبقى من أغراضها بالغرفة المجاورة لغرفة ياسين وغادرت المنزل على الفور.
أشارت ميرا إليهما قائلة وهي تضغط على أسنانها بغيظ:
_ أنتوا يعني كان لازم تنسحبوا من لسانكم، أديها زعلت أهيه.
كانت ملابسهم مبللة بالكامل بعدما خرج ثلاثتهم من المياه وسط ضحكاتهم سوياً، فقد مرت السنين بسرعة على آخر تجمع لهما. يسيرون بالطرقات المفروشة بالرمال الناعمة الصفراء، على الجانب الأيسر المنازل البسيطة المصنوعة من الخشب، وعلى الجانب الأيمن الخضرة والزرع يتطاير بنسمات الهواء البسيطة. المارة بجوارهم يركبون الدراجات المرصعة بزهرة عباد الشمس من الأمام.
رأى ياسين ذلك فابتسم ابتسامة امتنان بعدما لاحظ عدم وجود سيارات داخل القرية، ولكنه اضطر يسأل سؤال يعلم إجابته من قبل. فنظر بجواره للطبيب يوجه سؤاله إليه:
_ القرية مافيهاش عربيات يا علي، كل اللي بيمشي فيها بيمشي بعجل صح؟
ابتسم الطبيب قبل أن يخبره:
_ وأكيد أنت عارف مين كان نفسه يحصل كده من زمان، قرية تبقى قطعة من الجنة، العربيات والتكنولوجيا تبقى قليلة أوي فيها عشان نتنفس هوا نضيف من غير عوادم السيارات والقرف اللي بيحصل في المدن، فاكر يا ياسين؟ فكرة العجل دي فكرتك زمان وأنا نفذتها دلوقتي.
كرر من خلفه بامتنان:
_ فعلاً، كانت فكرتي ومش مصدق إنك نفذتها، أنا برضوا لاحظت إن مفيش عربيات جوه القرية.
نظر أمامه فوجد سيارة تأتي مسرعة بالجهة المقابلة لهم، فطالع السيارة باشمئزاز قائلاً:
_ إلا العربية دي؟
أشار الطبيب لياسين بأن يهدأ من روعه قليلاً قائلاً:
_ ياسين عايزك تهدي نفسك خالص، دي عربية فريد، سيبك منه، سيبني أنا أتكلم وبعدين أنا هفهمك ليه.
ضغط فريد على مكابح السيارة مما جعل الإطارات تصدر صوتاً مرتفعاً من قوة الدفع، فوقف أمام ياسين وكأن نيته الاصطدام به. وقف ياسين ولم يبرح مكانه بتحدي، فترجل فريد من سيارته بعدما انتزع النظارة الشمسية من عينيه، يقف أمام ياسين ينظر في عينيه بتحدي سائلاً إياه:
_ فين بطاقتك؟
ابتسم ياسين بمكر فتابع بقوله:
_ عارف... أنا لو مش متأكد إن حسناتي قليلة ومجمعهم حسنة ورا حسنة ومخبيهم ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون، كنت قولت كلام الأولياء والصالحين كلهم ما يشفعولي بعد ما أقوله.
قاطعه ناطقاً بحزم:
_ أنت بتقول إيه يلا؟ أنت باين عليك شايف نفسك ومش عايز تيجيها لبر.
هنا تخلى ياسين عن صبره فطالعه بنظرة حادة، نظرة بها ما يكفي من الشر، فتحولت عيناه إلى اللون الأحمر القاتم، ارتعد فريد وعاد خطوة للخلف مما رأه الأن، وخبط قدمه بغطاء السيارة، دب الرعب بقلبه، فصرخ الطبيب بياسين قائلاً:
_ ياااااسين!
أفاق ياسين وشعر بنفسه مجدداً، فأعاد عينيه إلى لونهما الطبيعي مسرعاً، فاقترب من فريد بعدما قبض بكفه على ياقة زيه الرسمي:
_ اسمع يلا، الإنسان قبل ما يتولد ربنا بيكتب عمره بالسنين والأيام والدقايق والثواني.. وأنت يابن ال*** ضيعت منهم ٤٠ ثانية وأنا مش مسامحك عليهم.
ابتلع فريد ريقه وكأنه غصة مريرة بحلقه، فاسترسل ياسين حديثه بجدية وحزم:
_ مش عايز أشوفك مرة تانية بتحوم حواليا ولا حوالين شمس، عشان قضيتك خسرانة معايا. أنا مش محترم زي علي ولا طيب زي بربروس، أنا ياااسين، وكلمة بطاقتك دي تعملها على اللي زيك مش اللي زيي، وعشان تريح نفسك أحب أقولك أنا معايا الجنسية الألمانية يعني مش هتعرف تعمل معايا حاجة.
غمز له بطرف عيناه:
_ اخلع من هنا بقى قبل ما أخلع جدورك من الأرض.
أسند فريد بذراعيه على غطاء السيارة وصعد بداخلها وهو يهرول، فمن يراه الآن يقسم بأنه رأى شيطاناً وليس بإنسان طبيعي، فابتسم بربروس على منظره هذا قائلاً وهو يربت على كتف ياسين بفخر:
_ لقد أشفيت غليلي من هذا الفتى يا ياسين، هنيئاً لك.
صرخ الطبيب بهما هما الاثنان يطالع فريد وهو يبتعد بالسيارة بعيداً:
_ أنتوا أكيد مجانين، أنتوا فاكرين إن فريد هيسكت؟ ده لو اكتشف حقيقتنا مش هيسيبنا، انتوا مش قادرين تفهموا ليه وهيقلب البشر كلهم علينا؟
ربت بربروس على كتفه بهدوء:
_ لا تقلق أيها الطبيب، فهذا مجرد مزندق يكثر من حديثه ويقل فعله.
فدعمه ياسين بقوله:
_ قولت الخلاصة يا عجوتنا، اللي زي ده جبان مش هيعمل حاجة. والله أنا عايز أقول إنه بيض، اعمله تمن، أنت عارف كرتونة البيض بكام دلوقتي؟
فرد بربروس قائلاً بقلة حيلة:
_ لقد تعدت المائتين جنيه.
ضرب الطبيب كف يده بكفه الآخر قائلاً:
_ والله انتوا ما هتسكتوا إلا لما تودونا في داهية.
سمع الطبيب صوت يأتي من بعيد ليس بغريب عنه ينادي عليه من خلفه:
دكتور علي...
دكتور علي نظر خلفه ليجده حسان.
فأتى حسان مسرعًا والنهجة تعتلي صدره.
"أيه يا حسان جاي بتجري ليه؟"
قال كلماته بتقطع بسبب نهجته:
"الخالة عايزة ياسين حالًا في البيت الكبير."
طالع ياسين باستغراب قائلاً:
"ماتعرفش ليه؟"
أشار برأسه بالنفي:
"لاء معرفش."
هز الطبيب رأسه بالإيجاب:
"طيب إحنا جايين وراك."
فصاح بتعب:
"لاء طبعًا، أنا مش هينفع أرجع من غيركم، عايز الخالة تشلوحني."
ابتسم ياسين وهو ينطق كلمته ببطء:
"تشـــــلوحك."
فأجابه بتأكيد:
"أه وتفرشحني كمان، ماتعرفش الخالة حكيمة."
أشار على نفسه بابتسامة مؤكدًا:
"إنت هتقولي ده أنا حافظها دي أمي."
فأشار له بعينيه:
"طيب تعالى."
حاوط ياسين حسان بذراعه وسار معه يسأله عن أحواله، يتابعه بربروس والطبيب خلفهما، فساير ياسين حسان في الطريق.
"قولي عملت إيه، أوعى تكون مابتذاكرش."
***
عادت إلى مكانها، المكان المفضل بالنسبة لها الذي لطالما شعرت بالراحة به، إلى قبره، فمهما فات من الوقت والأيام تعود إليه. هنا تستطيع البوح بداخلها، هنا هو يسمعها. لامست بأطراف أصابعها اللوح الرخامي المحفور عليه حروف اسمه قائلة بدموع باكية:
"وحشتني أوي يا عمار، عارفة إني بقالي أسبوع ماجيتش ليك من أخر مرة."
ابتلعت ريقها ثم أكملت:
"بس ده عشان كنت في القاهرة عند سارة ويزن وبعد كده بقيت مشغولة مع سارة في تحضيرات الحنة، ما إنت عارف."
جلست بجانب قبره تسند ظهرها على اللوح الرخامي، فأغمضت عينيها قليلًا بعدما أنهكها التعب، فتابعت حديثها بتقطع:
"وكمان، وكمان عشان ياسين رجع، أخيرًا، رجع يا عمار."
نزلت دموعها على وجنتيها، فشعرت بأنامل تمسح دموعها بخفة، انتفضت وفتحت عينيها مسرعة، فوجدت ياسين أمامها، فجلس بجوارها يسند ظهره على اللوح الرخامي هو الآخر، فسألها بصوت هادئ:
"بتعيطي عشان رجعت يا شمس؟"
نظرت للأسفل تقول بدموع تزداد غزارتها:
"أكيد لاء."
رفع ياسين وجهها بكفه يطالع عينيها الباكيتين وكأنه يحتضنهما، حتى قال ما أسرها:
"يبقى بتعيطي عشان بتحبيني."
لم تكد تستوعب ما قاله لها للتو، طالعته وهي تنظر بعينيه، فتلاحمت نظراتهما معًا، حاولت الهرب بعينيها، وقفت وتركته تغادر المكان، يطالعها هو تبتعد عنه، حتى أوقفتها كلماته:
"خليكي عارفة إنك حتى لو هربتي مني مش هتهربي من نفسك، إنت بتحبيني."
تكررت كلماته تصدع بأذنيها، حتى أفاقها غدير من نومها وهي بجانب قبر عمار قائلة وعيناها مغلقة:
"لاء مابحبكش، أنا عمري ما حبيتك."
"شمس، شمس أصحي."
فتحت عينيها قائلة بهلع:
"أنا كنت بحلم صح، كنت بحلم."
دعمت غدير كلامها:
"أيوه ياستي كنتي بتحلمي، بس هو حد ينام هنا جنب المقابر؟ إنت أكيد حصل لمخك حاجة."
أخبرتها شمس تصحح لها:
"أنا عمري ما نمت هنا، بس مجرد ما غمضت عيني لقيت نفسي نمت، مش فاهمة إزاي."
جلست بجوارها تطالعها بترقب، فشعرت شمس بحاجتها للتكلم:
"عايزة تقولي إيه يا غدير؟"
أخبرتها غدير بحماس:
"أنا بجد مش فاهمة إزاي ياسين اتجوز، والست اللي زي القمر اللي جمالها يقرف دي وقاعدة جوه تبقى مراته، يع، يع بجد، ده اللي هو إزاي، وإزاي ينسـاكي كده بسهولة."
طالعتها شمس باستنكار:
"مش غريبة إنك كل شوية تتكلمي عني، محسساني إن أنا وياسين كنا مرتبطين، أنا كنت فاكرة إنك معجبة بي."
اعترضت مسرعة وهي تهز كتفيها:
"لاء، أنا كنت معجبة بحبه ليكي، في فرق، أنا عمري ماشوفت حد بيحب حد زي ما هو بيحبك يا شمس، عنيه بتبقى فيها لمعه غريبه وهو بيتكلم عليكي، أتمنيت لو حد يحبني زي ما هو حبك في يوم، وأنا صغيرة كان بيفضل يحكيلي عنك كتير وبعد كده يمسحلي ذاكرتي، وأنا طبعًا مكنتش افتكر، بس لما اللعنة اتفكت افتكرت كل كلمة قالهالي عنك، شخصيته مش زي أي حد، عنده حنية لو اتوزعت على أهل الأرض كلها هتكفي وهيفيض منها، رغم إنه بيحاول يبين لغيره إنه مش مهتم باللي حواليه، بس اللي جواه عكس اللي بيبينه، يحير كل اللي حواليه وتلاقي نفسك غصب عنك بتحبيه، وبجد اتصدمت لما عرفت إنه اتجوز، إزاي بعد حبه ليكي ده كله يتجوز يا شمس."
رفضت بلطف مبررة:
"محصلش، ياسين ماحبنيش، مجرد كنت حاجة بيملكها ولما لقى عمار هياخدها منه كان نفسه يرجعها مش أكتر، ولما الحاجة دي رجعت متاحة بموت عمار نسيها ودور على غيرها."
صمتت شمس وهي تنظر للغروب لثواني قليلة فقالت:
"إحنا اتأخرنا أوي، مش يلا بينا عشان نرجع."
أشارت غدير برأسها بالموافقة:
"طيب ممكن أقول أخر حاجة."
قبل أن تنطق بأي شيء قاطعتها بقولها المحذر:
"لو الحاجة دي تخص ياسين ماتقولهاش، اتفقنا."
نفخت بزهق قائلة:
"يبقى مش هقول."
"أحسن برضوا، يلا بينا."
حاوطت شمس غدير بذراعها عائدين للمنزل.
***
ها هما على أعتاب المنزل الكبير، الكل بأنتظارهم، كل من بالأرجاء بحاله من الارتباك، شعرت الخالة بحضوره أخيرًا، فدعته للدخول قائلة:
"ادخل ياياسين مستني إيه؟"
عادت شمس هي وغدير بعدما مرت من أمامه دون أن تنظر له، فدلفت شمس إلى غرفتها سريعًا، يتتبعها هو بعينيه حتى أغلقت الباب خلفها بقوة، كررت الخالة طلبها:
"ما تدخل يا ياسين واقف عندك مستني إيه؟"
دخل ياسين الغرفة، وجد الكل بانتظاره بلا استثناء، ومن خلفه بربروس والطبيب، فنظر لمشيرة التي كانت تنتظره على أحر من الجمر قائلة بضحكة لطيفة:
"ياسين وحشتني."
أسرعت لكي تحتضنه أمامهم بعدما شبكت يداها على رقبته، فأنزل هو يداها يطالع الجميع بعينيه بهدوء قائلاً ببسمة متصنعة:
"مشيرة أزيك، عرفتي تيجي هنا إزاي."
"أنا الحمد..."
وضعت الخالة يديها الاثنتين على العكاز تتكئ عليه، فسألته بحزم وقاطعت رد مشيرة قائلة:
_ أنت أتجوزت من ورانا يا ياسين؟
قبض حاجبيه ينظر لمشيرة باستغراب، فوجد نظرة الرجاء في عينيها، فجعلته يهز رأسه بالموافقة.
وقفت الخالة بحزم تضرب بعصاها الأرض بغضب:
_ يعني اتجوزت يا ياسين؟
تنهد بعمق، فصمت لثوانٍ ليفكر كيف يخرج مشيرة من هذا المأزق الذي وضعت نفسها به دون أن يحرجها، فقال مبرراً:
_ مش بالظبط.
كلمتان، هما فقط كلمتان، قالها جعلت كل الموجودين في حيرة من أمرهم، وعلى رأسهم مشيرة.
نظر الجميع إلى بعضهم البعض نظرات بها من الحيرة ما يكفي، فاسترسلت الخالة سؤالها:
_ يعني إيه مش بالظبط؟ ما هو يا اتجوزت يا ماتجوزتش، مالهاش تالت يا ولدي.
فنطق تحت أنظار الجميع، الكل يصوب نظره عليه الآن:
_ مشيرة تبقى خطيبتي، كنا ناويين نتجوز بس أجلنا الفرح عشان أقدر آجي فرح يزن.
شعرت مشيرة بالأنفاس تعود لها مجدداً، وكأن الحياة عادت لها من جديد.
وقفت غدير أمامه تطالعه باعتراض، ثم أردفت:
_ بس ليه تخطبها وأنت مابتحبهاش يا ياسين؟
هنا صاحت ميرا بها قائلة:
_ غدير تعالي هنا.
جذبها رعد من يدها بحزم:
_ تعالي معايا.
أصرت غدير على موقفها، فتحدثت مشيرة بإحراج:
_ أنا جايه من سفر بقالي أكتر مدة مارتحتش وتعبانة، فين أوضتك يا ياسين عايزه أرتاح.
طالعتها الخالة باستنكار:
_ وكيف تقعدي في أوضته وأنت مش على ذمته؟
صاحت الخالة باسم زهرة، فأتت إليها مسرعة بالإيجاب قائلة:
_ نعم يا خالة؟
فقالت بنبرة تأمرها بها:
_ حضري للضيفة أوضة الضيوف بسرعة.
صاحبها ياسين قائلاً:
_ تعالي معايا فب أوضتي يا مشيرة لحد ما زهرة تحضرلك أوضتك.
أشارت بالموافقة، فأوقفته الخالة:
_ تيجي معاك على فين يا ياسين؟ أنت باين عليك نسيت عوايدنا ولا إيه؟
فصاح ياسين باعتراض:
_ مانسيتش يا ماما، مانسيتش، وماتقلقيش، هسيب الباب مفتوح.
قبض ياسين بكف يده على ذراع مشيرة يجذبها خلفه أمام نظرات كل الموجودين.
فعل ما قال إنه لن يفعله، أغلق الباب خلفه بقوة بعدما تملك الغضب منه، سائلاً تلك الواقفة أمامه:
_ أنتِ بتعملي إيه هنا يا مشيرة؟
فاقتربت منه خطوة قائلة:
_ اتصلت بيك كتير على الموبايل ماكنتش بترد، بعتلك على الواتساب ماكنتش بيهون عليك حتى تفتح المسج، قلقت عليك يا ياسين.
فقال بنبرة متعجبة:
_ وده ما لفتش نظرك لحاجة؟
ابتلعت هي ريقها فأجابت مؤكدة:
_ أكيد، وعشان كده قلقت عليك.
فصاح بها هو بصرخة مكتومة:
_ تقومي تيجي يا مشيرة؟ أنتِ اتجننتي؟
أيوه أجي يا ياسين، أنت قلت يوم والتاني بالكتير هترجع ألمانيا، مع إن كنت معترضة إنك تيجي عشان عارفة اللي هيحصل، واللي كنت متأكدة منه حصل، النهاردة تالت يوم وماجيتش ولا حتى اتصلت.
_ وأنتِ مين اداكي الحق عشان تعترضي أو توافقي من أساسه؟ أنا أعمل اللي أنا عايزه يا مشيرة، أنتِ فاهمة؟
استدار وأعطاها ظهره يتقدم خطوة للأمام، فأوقفته بكلمتها التالية:
_ طيب وعمار مالهوش الحق كمان إنه يعترض؟ ولا لما شوفت حبيبة القلب نسيتني ونسيت عمار؟ طيب لو أنا مش في دماغك، عمار مش واحشك؟ مش عايز تشوفه؟ ده حتى كاتبلي وسألني عليك 3 أيام وأنت بعيد عنه، دي ماحصلتش قبل كده يا ياسين، إيه اللي جرالك؟
أستدار وهو ينظر لها باستغراب مما قالته للتو، فكرر كلماتها وهو يقول:
_ بتقولي مين اللي كتبلك وسألك عني؟
لم تدرك الذي قالته إلا بعد أن رأت نظراته الغاضبة لها، فقالت بتلقائية:
_ عمار، لاقيت ورق جنبي ومكتوب فيه إنك وحشته وبيسأل عليك، إيه قولت حاجة غلط؟ أنت مش عايزة يسأل عليك؟ ده كان كل شوية يكتبلي إنه خايف شمس تبعدكم عن بعض، عشان كده هو اللي قالي أجي وأجيبك معايا.
على الرغم من المشاعر السيئة التي يمتلكها الآن، إلا أنه جاوب بهدوء:
_ أنتِ كدابة يا مشيرة، عمار معايا هنا ووراكي.
ابتسم عمار وهو يسند بظهره على خزانه الملابس من خلفها، ينظر إليها بابتسامة ساخرة ويلوح يده لها بعدما رفع حاجبه بابتسامة ساخرة، أغمضت هي عينيها وضربت بكف يدها على جبينها، فنطق ياسين قائلاً:
_ شكلك بقى وحش أوي مش كده؟ إيه مش هتسلمي عليه؟
ابتسمت ابتسامة بلهاء تستدير ببطء، ترفع كف يدها تلوح له قائلة:
_ هاي عمار.
رواية الهجينة الفصل الرابع والتسعون 94 - بقلم ماهي احمد
ربما هناك لحظات تهزم مخاوفك ولحظات أخرى مخاوفك تهزمك وبين كل هزيمة وأخرى تفقد قطعة من روحك بينهما
صباح يرتدي لون النقاء.. فالصباح لديه رونقه المتميز مع هدوئه والجميع نيام، ونسماته الدافئة التي تبعث الطمأنينة داخل قلوبنا الحائرة، وأصوات غرير الطيور تحوم حولك بكل مكان، تستطيع سماع صوت تطاير أوراق الشجر من حولك ورؤية أشعة الشمس الذهبية أمامك
تكورت "شمس" داخل عشة الحمام وهي تقبض بكفي يديها طبق به من طعام طيور الحمام ما يكفي لهم وهي تحادث طير مضرب عن الطعام منهم
_ أنت النهارده هتاكل غصب عنك يا ليون ده تالت يوم ما تاكلش فيه، أنا عارفة أن ليو مارجعتش بقالها كام يوم بس صدقني هترجع
أمسكت شمس بالطائر ليون وأخرجت رأسها من العشة تحتضنه بذراعيها تصب كامل نظرها عليه وتسترسل حديثها:
_ فاكر لما اتخانقت أنت وهي قبل كده وسيبتلها العشة.. فاكر.. هي برضوا كانت زيك كده وكانت عاملة نفس الإضراب بتاعك ده ماتقلقش هي بتحبك وأكيد هترجعلك
ابتسم ذلك الواقف خلفها ساخراً مما تقول:
_ هنعمل عقلنا بعقل طيور
أنتفضت "شمس" عند سماع صوته فتركت الحمامة من بين يديها بفزع فلم تنتبه لوجوده فوق السطوح استدارت ببطء تنظر خلفها وجدته يقف على السور بثبات يعطيها ظهره واضعاً يديه الأثنان بداخل جيوبه الخلفية مغمض العينين، نسمات الهواء تداعب خصلات شعره ويستقبلها هو بصدر رحب، ابتلعت ريقها وهي تقترب منه بحذر فأسندت ذراعيها على السور طالعته وهي تقول:
_ أنت هنا من أمتى؟ وواقف كده ليه؟ مش خايف حد من أهل القرية يشوفك ويعرف حقيقتك؟
قبض حاجبيه بعدما تصنع البسمة وهو مازال مغمض العينين ينظر أمامه فأجاب أسألتها بسؤال أخر:
_ حقيقتي! وايه هي حقيقتي؟
تنهدت بعمق بعدما استدارت تطالعه بغير تصديق وتنهدت بغضب لم تستغرق "شمس" ثواني لترد قائلة:
_ أنك مستذئب ومافيش حد يقدر يقف الواقفه دي إلا لو كان واثق أنه مش هيجراله حاجة
أخرج "ياسين" يديه من جيوبه الخلفية بعدما فتح عينيه ابتسم ابتسامة صفراء يطالعها بمكر مد ذراعه لها مما جعلها تتساءل:
_ ده إيه؟
_ هاتي أيدك
كان هذا طلبه فقابلت طلبه بالرفض
_ لأ
فكرر طلبه مجدداً
_ هاتي أيدك ياشمس أنت عارفه أني ممكن امسك ايدك من غير ما اطلب بس انا بطلب بأدب مع إني قليل الأدب
طالعته "شمس" بارتباك فالجدية تتضح على ملامح وجهه فهزت له رأسها بالإيجاب وهي تمد ذراعها فقبض بكف يده على كفها فرفعها معه فأصبحت تقف أمامه تسند ظهرها على صدره يحيط بذراعه على خصرها اقتربت شفتاه من أذنها فتحدث بهمس:
_ معنديش مانع أن حد يعرف حقيقتي لو ده مش هيضركم ياشمس
كاد قلبها يخفق من سرعته فقربها منه يزيد ارتباكها تستطيع سماع أنفاسه بأذنها ناهيك عن الارتفاع فالمنظر من هناك رغم شدة جماله إلا أن ارتفاعه يدب الرعب بقلبها فاسترسل هو حديثه قائلاً بابتسامة بسيطة زادت من وسامته:
_ وعلى فكره اللي كنت ماسكاه ده مش دكر ده نتاية، عشة الحمام دي أنا اللي بانيها واعرف افرق بين الدكر والنتاية بمجرد ما ألمحه
مطت "شمس" شفتيها دلالة على عدم المعرفة وتابعت:
_ بس أنا مكنتش أعرف أنا كنت فاكرة
قاطعها بقوله:
_ وأنت من أمتى بتعرفي حاجة في الدنيا ياشمس؟
أثار هو غيظها بكلمته فاستجمعت شجاعتها وحاولت أن تستدير لتنظر له حركت قدمها على السور فضم هو حاجبه باستغراب فقبضت بيدها على كف يده تحاول الاستدارة ببطء تتشبث به بكل قوتها تنظر لخطواتها فأمسك بها من كفيها يساعدها على الاستدارة له فطالعته بعينيه بجدية قائلة:
_ أنا بقيت أعرف كل حاجة ياياسين، بعرف كل شيء مابقيتش البنت الجاهلة بتاعت زمان مابقيتش البنت اللي كانت تستنى نزولك ليها عشان تشوف النور، مابقيتش البنت اللي كانت بتحطها في القبو وتستنى نزولك عليها بفارغ الصبر عشان تحن عليها وتجيبيلها الحاجة الحلوة كل أسبوع ومابقيتش البنت اللي كانت بتشوف الدنيا من خلال عينيك
طالعته بتحدي قائلة وهي تنظر لعيناه البنيتين ترى انعكاس صورتها فيهم:
_ اصحى فتح عينك ياياسين بصلي كويس شايف قدامك شمس الصغيرة الضعيفة اللي سبتها من عشر سنين
مش معنى إني معرفتش الفرق ما بين حمامتين أبقى البنت اللي معرفش شيء في الدنيا أنا بقيت أقوى بكتير من وقت ما سبتنا من عشر سنين ومابقاش في حد هنا محتاجلك زي زمان
لم تكن كلماتها سوى صفعات، صفعات متتالية على وجهه فأدرك هو منذ هذه اللحظة أنها ليست الفتاة التي تركها منذ عشر سنوات كانت نظرات التحدي التي تطالعه بها تنهكه تحول دون أن يشعر لشخص آخر لم يكن على سجيته ففعل ما لم يكن بالحسبان، قبض بكف يده على ذراعها فانزلقت هي من على السور متشبثة بذراعه وأصبحت تحت رحمته انحنى ظهره قليلاً وهو ينظر لها وهي تحاول التشبث به حتى لا يتركها فقالت بانهيار ومقلتيها لا تتوقف عن ذرف الدموع:
_ أنت بتعمل إيه ياياسين؟ ماتسبنيش، أنت لو سبتني هقع وأموت
أردف "ياسين" بنظرات ثابتة في هذه اللحظة إلى نظرات مثل نظرات "عمار" نعم هي ملامح "ياسين" ولكن ابتسامته.. ونظرته.. وحركته.. حتى نبرة صوته كلها علامات تدل على أنه "عمار"
_ طب ما أنا مت مش معنى أنت وهو ماتوا توش
هنا كانت الصدمة لها، هنا لم تستطع التقاط أنفاسها، هنا دب الرعب بكل أنحاء جسدها، فمن رآها يكاد يجزم أنها رأت شيئاً تشتاق له منذ زمن بعيد ولكنه ليس بعمار حبيبها، قال هو جملته وهو يسحب كف يده من يدها ببطء فتشبثت بذراعه أكثر تقول بشفاه مرتعشة:
_ ياسين، ارجع لوعيك، ياسين أنا شمس، شمس اللي ربيتها على إيدك، ياسين بص في عينيا، عيوني اللي دايماً كنت بتقول أنك بتحبهم مش أنت دايماً كنت بتقولي عيونك حبايبي ياشمس فاكر ياياسين، فاكر ولا نسيت
قالتها بانهيار ومقلتيها لا تتوقف عن ذرف الدموع تحاول إثارة أي حب متبقي لها داخل فؤاده انتبه ياسين إلى ما يفعله فعاد إلى وعيه ليجد كف يدها متشبثة بذراعه لم يعرف ماذا يفعل وماذا حدث تنفس الصعداء وهو ينطق حروف اسمها ببطء
_ شمـــس
ابتسمت شمس بشفاه مرتعشة فقد عادت نبرة صوته من جديد قائلة:
_ ارفعني، ارفعني ياياسين
رفعها في الحال وهو يضمها إليه فنزل من على السور وأمسك بها من ذراعها سائلاً إياها بلهفة:
_ أنت كويسة؟
لم تعد قدماها تتحملها بعد الآن فكانت منذ لحظات مضت بين الحياة والموت تكورت جالسة على الأرضية تضم جسدها بذراعيها فاقترب منها هو يطمئن على حالها برعب شديد:
_ ردي عليا ياشمس، طمنيني عليكي، أنا
بترت كلمته قائلة بارتباك:
_ امشي، سيبني وامشي
قابل طلبها بالرفض بقوله التالي:
_ امشي اروح فين وأنا الغريق هنا
قال كلماته برجاء فرفعت رأسها بهدوء تطالعه بتأمل فقد كانت كلماته بمثابة مناجاة لها نظرت له تتأمل ملامحه الراجية هتفت قائلة:
_ ياسين أنت مش بخير
سرعان ما تحولت نظرات عينيه إلى الجمود فابتسم باستنكار
_ بالعكس أنا عمري ما كنت بخير زي دلوقتي ياشمس
كلماته كانت مختصرة فوقف واستقام تنظر له وهو يبعد عنها رفع البيزونت على رأسه فوقف وهو يعطيها ظهره قائلاً:
_ أنا مش عارف عملت كده إزاي، أنا عمري ما فكرت في يوم آأذيكي
رحل وتركها خلفه، تركها تسترجع كل ما حدث منذ لحظة وصوله فعادت إلى ذاكرتها عند رؤيته للمرة الأولى عند لحظة وصوله والكلمة الأولى التي نطق بها هي
رباطك ياشمس
انخرطت بذكرياتها إلى ذكرى أخرى عندما دلفت إلى غرفته لتجده ينطق باسم عمار والدماء تحاوطه وهو يجرح نفسه بالسكين، حاولت تجميع الخيوط ببعضها ولكن في النهاية لم تصل لشيء فكان ما يحدث أكبر من إدراكها
ده مش تصرفات ناس عاقلين أبدا.
قبضت مشيره عينيها بقوه تحاول أن تستيقظ لترد على تلك الرساله.
كتبت رساله ترد فيها قائله:
كان لازم اسافر عشان ياسين. لو قعد هنا أكتر من كده احتمال مايرجعش تاني.
فرد عليها برساله أخرى:
ما كده كده ياسين راجع. هو مش قالك أن عمار مش راضي يسافر معاه وانه مسافر لوحده؟
نظرت بجانبها لتلتقط كوب الماء بجوارها لتروي عطشها.
ثم أكملت كتابه قائله:
أيوه قالي كده قبل ما يسافر. ممكن يكون كان بيكذب عليا عشان ما اسافرش معاه. ماقدرتش ماسافرش. ده ياسين يا كمال. ووجوده جنب شمس بيأذيه أكتر. خايفه عليه من شخصيه عمار الوهميه اللي بتظهرله.
شخصية عمار تتملك منه أكثر وتجعله يؤذي نفسه أكثر وأكثر. وجوده بجانب شمس سيجعل شخصية عمار تؤذيه بزيادة، ولن تؤذيه هو وحده، بل ستؤذي شمس معه.
البنت باين عليها كيوت وطيوبة، ما تستحقش اللي ياسين هيعمله فيها. طبعًا هيبقى مش حاسس ولا واعي بنفسه، عشان كده جيت سبت عيادتي وشغلي وجيت. لما اتأخر أكتر من كده.
قرأ كمال رسالتها، فكان الدور عليه في الرد. قرأت كلمة "يكتب الآن"، فقامت من على الفراش ترتدي ملابسها لحين ينتهي من الكتابة. فنظرت إلى خزانة الملابس تستذكر ما حدث بالأمس.
رفعت مشيرة يدها تبتسم خلفها لعمار قائلة:
_هاي عمار.
تأفف عمار بضجر، فاستدار يصب كامل غضبه على ياسين قائلاً بصياح:
_إيه اللي جابها دي؟ مش قادرة تبعد عنك يومين؟
نظرت مشيرة إلى ملامح ياسين الغاضبة وهو ينظر للفراغ خلفها، فعلمت بانزعاج عمار من وجودها. فهي تقرأ ملامح ياسين فتستنتج ما يخبره به عمار. كانت ستقول مشيرة ردها، ولكن منعها ياسين الذي جذبها من يدها، فسألها بجدية:
_مشيرة بجد إيه اللي جابك؟
ابتسمت قبل أن تخبره:
_مش جايز وحشتني؟
نظر إليها باستغراب، فصححت حديثها على الفور:
_أقصد أنت وعمار وحشتوني. وبعدين ما أنت عارف أنا اتعودت على وجودكم معايا.
زفر عمار يتنهد بغضب:
_الأسطوانة المشروخة.
مسح ياسين على وجهه بضيق، يطالعه قائلاً:
_استنى أنت يا عمار.
هز عمار رأسه بالإيجاب، فنطق ياسين مما جعلها تصمت:
_وعشان وحشتك تيجي تقولي إنك مراتي؟
أجابته بابتسامة عريضة:
_أنا قولت كده عشان خاطر عمار. أنا عارفة إنه هيضايق لو شمس قربت منك، لكن لو عرفت إنك متجوز أو في حد على الأقل في حياتك، هتبعد عنك ومش هتفكر فيك.
رفع ياسين حاجبه بغيظ وهو يسألها:
_ومين قالك إنها بتفكر فيا؟
نظر عمار عينيه ولم يقل سوى بضع كلمات:
_حتى لو مابتفكرش، ادينا بنعمل حسابنا.
انتبهت مشيرة إلى ملامح ياسين الذي حدثها برفق:
_أنا شايف يا مشيرة إن مكانش لازم تيجي.
فقاطع عمار جملته:
_بس أنا شايف إنها كان لازم تيجي ووجودها كان ضروري. وإنها قالت إنك متجوز ده يشفعلها أي شيء عملته قبل كده، ولا أنت كان في دماغك حاجة تانية؟
استغرب ياسين قوله، فتابع:
_حاجة زي إيه؟ أنت مش هتبطل بقى؟ وطالما مبسوط إن مشيرة جت عشان قالت إنها مراتي، أنا كمان مابقاش عندي مانع في وجودها، مع إني من غيرها أو بيها أنا كنت راجع.
فرد عمار بتهكم:
ابتسمت مشيرة، فكلماته انتزعت جزء من مخاوفها وعلمت أن ما دبرت له قد نجح ووافق عمار على وجودها بينهما.
أفاقت مشيرة من ذكرياتها مما حدث أمس، فأمسكت بالهاتف تقرأ له ما بعثه إليها كمال شقيقها:
_اسمعيني كويس يا مشيرة، أنا عارف إنك بتحبي ياسين وإنه جدع وكويس ووقف معاكي كتير طول السنين اللي فاتت دي، ولولا وقفته جنبنا ما كنتيش عرفتي تاخدي حقك ولا كنتي شغلتِ شركات جوزك الله يرحمه. بس ياسين مريض نفسي وقربك منه بيؤذيكي أنتِ نفسك. دكتورة نفسية ولحد الآن مش عارفة تعالجيه، وبالعكس حالته بتسوء أكتر. أنا لولا عجزي وإني عاجز مابتحركش من على الكرسي، كنت وقفت معاكي قدام أهل جوزك، بس ما باليد حيلة. أنا خايف عليكي يا مشيرة.
اعترضت مسرعة ترد على رسالته:
_أنا عمري ما هسيب ياسين يا كمال إلا لما يرجع معايا وهعرف إزاي أرجعه. أنا ما أقدرش أعيش من غيره وأنت عارف كده كويس. أنا بحبه والحب من سماته التضحية. أنا لو واثقة ولو واحد في المية إن لو قرب من شمس هيبقى كويس وعمار مش هيأذيه، كنت أول واحدة هشجعه إنه يقرب منها ويبقى معاها في يوم.
طرقت زهرة الباب قائلة:
_مشيرة اصحي يلا الفطار جاهز.
تركت مشيرة الهاتف من يدها وهي تقول:
_حاضر أنا جاية يا زهرة.
تركت زهرة الباب تستكمل ما كانت تفعله، وهو تحضير سفرة الإفطار للجميع. فوجدت الطبيب أمامها يحادثها بلطف كعادته:
_إيه النشاط ده كله يا زهرتي؟ إيه اللي مصحيكي بدري أوي كده؟ لأ وكمان محضرة الفطار؟
قال جملته بعدما أخذ قطعة من الخيار الموجودة على السفرة وضعها بداخل فمه، فنطقت هي بابتسامة عريضة:
_أنت ناسي إن النهارده الجمعة، وعادي يعني حاسة إني مبسوطة النهاردة قولت أقوم وأحضرلكم أحلى فطار.
فتابعت حديثها وهي تسأل عن ياسين برضا:
_أومال ياسين فين؟ روح نادي ياسين يا علي عشان يفطر معانا، أنا صحيت مشيرة وداخلة أصحي الباقي.
ضم الطبيب حاجبيه باستغراب، فأمسكها من مرفقها بلطف يضمها إلى صدره بحنان:
_إيه الرضا ده كله؟ أنتِ راضية عن ياسين كده ليه؟ مش ده اللي كان من يومين مكنتيش عايزاه يقعد؟ دلوقتي صاحية وبتحضريله الفطار؟
فجاوبته بابتسامة:
_يــــاه يا علي أنت لسه فاكر؟ وبعدين ياسين طلع خاطب وهيتجوز وحبيت خطيبته أوي، ربنا يهنيهم ببعض.
غمز الطبيب بطرف عينيه إليها قائلاً:
_زي ما أنا متهني بيكي كده.
لم تعلم ماذا تقول، فابتسمت بحرج وسألته قائلة:
_بجد يا علي مبسوط معايا؟
أنا ما عنديش غيرك أتبسط معاه يا زهرة. أنا دلوقتي بس فهمت كنتِ عايزة ياسين يمشي ليه، بس أحب أقولك اطمني، ياسين راجع وشمس مش في دماغه خالص.
فقالت بلهفة والابتسامة تغزو ملامحها:
_بجد يا علي يعني ياسين مابقاش يفكر في شمس خالص؟
فجاوب بتأكيد وهو يهز رأسه بالإيجاب:
_أيوه يا زهرة.
فأمسكت بكف يده تجذبه خلفها:
_طيب يلا بقى عشان أنا عملالك فطير مشلتت هتاكل صوابعك وراه.
تستطيع أن ترى المكان الذي اعتادت "عائلة الصاوي" الإفطار فيه. الخالة حكيمة تتوسط السفرة وعلى جانبها الأيمن كلاً من مارال وسارة وشمس وزهرة وميرا وغدير. وعلى الجانب الآخر هم الرجال رعد والطبيب وبربروس ويزن. خرجت مشيرة لتجلس على المقعد الفارغ أمامها، فنهتها الخالة عن فعل ذلك بحزم:
_لاء ماتقعديش هنا، ده مكان ياسين. سيبته فاضي السنين دي كلها، محدش يقدر يقعد عليه غيره.
شعرت مشيرة بالإحراج واحمرت وجنتيها خجلاً، فتأسفت قائلة:
_أنا آسفة، مكنتش أعرف.
جاء ياسين من خلفها بعدما نزع طاقية جاكيته الجلدي من على رأسه، يحثها على الجلوس:
_اقعدي يا مشيرة، أنا مش هاكل.
التقت نظرات ياسين والخالة، لم تكن نظرات عادية، فأردفت الخالة:
_بس أنا قولت مافيش حد هيقعد على الكرسي ده غيرك يا ولدي، حتى لو مش هتاكل، على الأقل تقعد وسطنا.
ابتلعت مشيرة ريقها، فنظرت بجوارها لتجد مقعداً فارغاً:
_خلاص يا ياسين مش مشكلة، أنا هقعد هنا.
جلست مشيرة بجانب الرجال على المقعد الفارغ.
كررت الخالة طلبها بنبرة ظهر فيها جيداً أن الصبر لديها انتهى:
_اقعد يا ولدي، خلينا كلنا نتلم على سفرة واحدة في بيت الصاوي الكبير من جديد.
جلس ياسين وهو يتنهد سائلاً عن حسان:
_أومال فين حسان؟ هو الوحيد اللي مش موجود.
فأجابه الطبيب:
_حسان في الأرض من الصبح بدري، شوفته وهو بياخد الكتب بتاعته وبيذاكر في وسط الأرض، مابيرتاحش غير وهو جواها.
قال ياسين بضحكة منتصرة:
_المهم إنه يذاكر.
بدأت الخالة بمد كف يدها تقطع الفطير وهي تقول:
_كلوا يا ولاد، سموا الله الأول قبل ما تاكلوا.
كانت نظرات شمس لياسين نظرات تحتوي من الارتباك ما يكفي، تراقب تحركاته بحذر. وهو الآخر كان ينظر لها بنفس الحذر، كان بداخلها أسئلة كثيرة، ولكنها لاحظت نظرات والدتها لها، فنظرت أمامها على الفور. فأخذ رعد قطعة من الفطير بعدما وضع عليه العسل الأسود، يطالع الخالة باهتمام:
_أنا قررت إني هسافر يا خالة، وهرجع لداغر ألمانيا.
ضمت الخالة حاجبيها باستغراب:
_ليه يا ولدي؟ حصل إيه عشان تسيبنا وتسافر؟
فابتسمت ميرا بامتنان على خوف الخالة بأن يبتعدوا عنها، فردت بابتسامة بسيطة:
_ماتقلقيش يا خالة، إحنا مش هنروح نقعد على طول، هي بس فترة الشتا اللي داخل علينا ده مش أكتر. رعد ناوي يبيع كل ممتلكاته هناك في ألمانيا عشان نرجع ونكبر المشروع هنا مع يزن.
استكمل رعد حديث ميرا:
_أنا بقالي فترة مابروحش غير في الإجازة أزور داغر وهدير، أقعد أسبوع بالكتير وأرجع. والقصر قاعد محدش بيدخله، أنا أولى بفلوسه. وكمان قررنا على شيء أنا وميرا هنعمله.
ابتسمت ميرا عند قوله هذا، فقالت بابتسامة واسعة:
_أنا قررت أنا ورعد نتبنى طفل من هناك وهنربيه هنا.
فسألت مشيرة بجدية وعدم فهم:
_ليه؟ هو إنتوا ماتخلفوش؟
تبادل الجميع النظرات، فحك ياسين جبينه قائلاً:
_آه، العيب مني أنا، عشان كده هما مابيخلفوش.
فابتسم رعد وأجاب على سؤالها بلطف يبرر:
_آه فعلاً، أنا ما بخلفش عشان كده قررنا نتبنى طفل.
تبادلت ميرا ومشيرة النظرات في صمت، فقطعت مشيرة الصمت قائلة:
_أنا آسفة لو كنت سألت سؤال ضايقك يا ميرا.
ابتلعت ميرا ريقها وكأنها غصة مريرة في حلقها قائلة:
_لا أبداً، محصلش حاجة.
"وناويين تسافروا امتى إن شاء الله؟"
كان هذا سؤال الخالة الذي وجهته لرعد، فأجاب على الفور دون تردد:
_النهاردة بالليل إن شاء الله.
فنطقت سارة مسرعة:
_على طول كده؟ إنتوا كده مش هتحضروا فرحي أنا ويزن؟
"مش هو اتأجل شهر واحد بس يا خالة؟"
_أيوه يا بتي.
فابتسمت ميرا قائلة:
_ماتقلقيش، في خلال الشهر ده أكون خلصت شوية حاجات. وأول ما تتفقوا على معاد الفرح هاجي على طول ونبقى نرجع تاني نخلص حاجتنا.
فأردف بربروس:
_تذهب وتأتي بألف سلامة يا رعد.
"حبيبي يا بربروس."
"وايه أخبار داغر عمل العملية ولا لأ؟"
كان هذا سؤال ياسين، فأردف يزن يقول:
_للأسف حاول يعملها بس مانجحتش ومحاولش يعمل عملية تاني، ودلوقتي عايش هو وهدير في سلام نفسي بعد كل اللي حصلنا.
فسألت مشيرة مستفسرة:
_ليه؟ هو إيه اللي حصلكم؟
من الواضح بأنها لا تعلم شيئاً عن حياة ياسين وتحاول معرفة المزيد عنه. فرد ياسين بتهكم:
_مش وقته يا مشيرة، هبقى أحكيلك بعدين.
فأكملت الخالة حديثها لغدير:
_وطبعاً، عروستنا الصغيرة هتفضل معانا.
فأجابت تدعم كلامها:
_أكيد طبعاً، أنا قدمت الكلية بتاعتي هنا يا خالة.
فاعترض رعد بقوله:
_أيوه بس
فقطاعته الخالة:
_بس إيه يا رعد؟ ماتقلقش على غدير، غدير هشيلها في عنيا. وبعدين طول العشر سنين اللي فاتوا ما كانت بتيجي كل إجازة وتقضي معانا هنا في القرية إجازتها كلها، وأنت بتبقى في مصر أنت وميرا، يعني مش أول مرة. أنا ربيتها هي وحسان سوا، سيبها واتكل أنت على الله، أنا عارفة إن غدير متعلقة بينا وبالقرية.
انصاع رعد إلى أوامر الخالة، فنظر بربروس إلى ساعته باستعجال ليجد أن الوقت مر سريعاً. فخطبة الجمعة ما تبقى عليها سوى القليل، فنهض مسرعاً يردد بقوله:
_اللعنة! لقد مر الوقت سريعاً. هيا فاللّٰه ينادينا لنلبي نداءه جميعاً.
كان في حيرة من أمره يتذكر ما حدث له بالأمس، يرى أمامه عيون ياسين التي تحولت إلى اللون الأحمر القاتم. فأخذ يسرد ما رآه إلى الظابط أحمد، فقال بتهكم:
_أنت ليه مش قادر تصدقني؟ والله العظيم إن ده حصل. يابني آدم بقولك عيونه اتحولت للون الأحمر، عينه كانت عاملة زي عيون الشياطين. أنا كنت حاسس من الأول إن العيلة دي فيها حاجة مش طبيعية، من أول ما رجعوا القرية وشوفت جثث بني آدمين اتحولت لذئاب، بقالي سنين بدور وراهم مش عارف أمسك دليل واحد ضدهم.
فابتسم الضابط أحمد على قوله:
_عايز تقول إنهم أعوذ بالله عفاريت؟
أشار برأسه بالنفي، يشاور بإصبعه:
_لاء، هما مش عفاريت، بس عينيه، عينيه بس هي اللي زي الشياطين.
قال أحمد بنفاذ صبر:
_هنرجع للتخاريف دي تاني.
ضرب بيده على المكتب بعنف:
_أنت ليه مش عايز تصدقني؟
انتزع الكاب من على رأسه وهو يقول:
عشان ده مش كلام ناس عاقلين أبداً، وصدقني نكشك وراهم مالهوش أي فايدة، هتتعب روحك على الفاضي.
خرج الجميع من المسجد بعد خطبة الجمعة، يرتدون الملابس البيضاء. الأطفال تركض أمامهم بين الغطيان الخضراء، يضحكون بسعادة ومرح. أصوات ضحكاتهم تملأ المكان، فقرية الصاوي يسودها الحب بكل مكان وبقلوب سكانها. اقترب يزن من ياسين فسار بجواره:
_أنا هرجع مصر قريب، طالما الفرح اتأجل وكنت عايزك معايا الأيام اللي جايه في المعرض بتاعي، إيه رأيك يا ياسين؟
فأجابه ياسين بسؤال وهو يطالعه بعينيه:
_بذمتك مش أمي هي اللي طلبت منك تقولي كده؟
حاول يزن الهروب بعينيه من نظرات ياسين، فاكمل ياسين حديثه:
_عينيك قالت إجابة سؤالي. أنا عارف ليه أمي بتعمل كده، عايزه تربطني هنا، عايزه تخليني جنبها.
"وايه المشكلة يا ياسين؟ مش كفاية غربة لحد كده؟ الخالة صحتها في النازل، وعلي لوحده مش هيقدر يمشي القرية زي ما ماشية دلوقتي. هي محتاجاك تكون هنا جنبها، من حقها يا ياسين إنك تبقى جنبها."
فرد عليه وكانت إجابته قاطعة:
_للأسف، كلها يومين بالكتير وهاخد مشيرة وأرجع مطرح ما كنت يا يزن. أنا ما كنتش ناوي أقول لحد إلا وقت السفر. ورقمي أديك عارفه، أول ما تنوي ابعتلي هتلاقيني جيت على طول.
"يعني مافيش فايدة يا ياسين؟"
ابتسم ثم أردف:
_سيبني على راحتي.
تمر الساعات سريعاً، فيجهز كلاً من رعد وميرا حقيبتهما استعداداً للمغادرة. فأعطت الخالة مفاتيح السيارة إلى ياسين:
_خد يا ياسين وصلهم للقطر يا ولدي.
أشار ياسين برأسه بالموافقة، فصعد إلى السيارة. ذهبت سارة خلف ميرا:
_هتوحشيني يا ميرا.
ضمتها ميرا وأخذتها بين أحضانها:
_أنتِ أكتر يا سارة.
وعلى دون غرة شعرت سارة بدوار مفاجئ، وضعت يدها على جبينها، فاهتزت الأرض من حولها. أمسك بها يزن لكي يسندها حتى لا تفقد توازنها وجلست على المقعد خلفها. سألها والخوف يملأ عينيه:
_سارة مالك فيكي إيه؟ حاسة بإيه؟
حاولت أن تستجمع نفسها قليلاً وهي تبلع ريقها:
_ماتقلقش عليا يا يزن، شوية صداع ودوخة بييجوا مرة واحدة وبيروحوا لحالهم.
فقالت الخالة بإصرار:
_قومي، قومي روحي مع ياسين يوصل ميرا ورعد وتفوتي على المستشفى.
_مش وقته يا خالة.
فاعترض يزن على ما قالته سارة:
_ومش وقته ليه يا سارة؟ قومي تعالي معايا.
أمرت الخالة شمس قائلة:
_روحي معاها يا شمس، ماتسيبيهاش لوحدها يا بتي.
نظر شمس ياسين الواقف أمامها، فهرب بنظره قائلاً:
_أنا هستناكم بره.
كان حسان يجلس بمكانه المفضل، المقرب بقلبه وهو بقلب الغيطان، فأتى إليه فريد يقترب منه ببطء يتصنع البسمة قائلاً:
_شد حيلك يا بطل، سمعت إنك هتدخل الملاحق، مع إن والله ما ليها لازمة، هتطلع إيه يعني في الآخر؟ كلها محصلة بعضها.
قام واستقام ينظر له باستغراب:
_قول كده للدكتور علي وعم ياسين.
رفع حاجبه واقترب من حسان واضعاً ذراعه على كتفه قائلاً:
_عم ياسين؟ ليه هو عنده كام سنة؟
ارتبك حسان يبلع ريقه ببطء قائلاً:
_يعني نص التلاتينات كده.
أشار فريد بيده:
_غريبة، مع إن شكله أصغر من كده. الا قولي هو ياسين أكبر ولا دكتور علي؟
فأجاب قائلاً:
_لاء، دكتور علي.
جلس فريد يربع قدميه على الأرضية، فأشار بيده لحسان بأن يجلس بجواره:
_الا قولي يا حسان، إنتوا إيه حكاية الذئاب معاكم؟
ردد حسان كلمته بارتباك:
_الذئاب؟
نظر إليه فريد والشر يتطاير من عينيه:
_اسمع يا حسان، أنت هتحكيلي حالا كل حاجة عن عيلتكم وأصلها وفصلها وياسين ده جنسه إيه؟ فاهمني يا حسان؟ كل شيء.
أشار حسان بالموافقة والرعب يدب بقلبه من نظراته له.
هما الآن بالمستشفى بعدما أوصلوا ميرا ورعد إلى القطار المتوجه إلى أسيوط. يقف كلاً من ياسين وشمس أمام بعضهما البعض، يسند كل منهما ظهره على الحائط بانتظار خروج سارة من غرفة الطبيب هي ويزن. تبادلا النظرات القلقة لثواني معدودة، فقطع هو تلك النظرات بنطقه حروف اسمها:
_شمس.
اقترب منها يقف بجوارها يحاول أن يبرر لها ما حدث هذا الصباح، فطالعته باهتمام. وقبل أن يبدأ حديثه، خرج كلاً من سارة ويزن من غرفة الطبيب. أسرعت شمس إلى سارة سائلة:
_إيه؟ قالو لكم إيه؟
فأجاب يزن وهو يقبض الروشتة بكف يده:
_ماقالش، بس طلب نعمل أشعة على المخ في الدور اللي فوق.
هنا لمعت عين شمس، أخذت الروشتة تدقق بها:
_دي أشعة بالصبغة على المخ، مقالكش ليه؟
شعرت سارة بالدوار مرة أخرى، فأسندها يزن بذراعيه:
_لاء مقالش. أنا لازم أطلع بيها بسرعة. الظاهر إننا هنطول. لو حابين تروحوا روحوا انتوا بدل ما تفضلوا مستنيين.
فأجاب كلاهما بالرفض في نفس واحد:
_أكيد لاء.
فسكت كلاهما، فبدأ ياسين بالحديث.
صعدوا جميعاً للأعلى، فطلب منهم الممرض أن يبقى مع المريض شخص واحد فقط، فلا داعي للباقي. ذهب يزن معها على الفور وانتظروا هم بالخارج. شعرت شمس ببعض البرودة من المكيف، فأشار لها ياسين بعينيه:
_تحبي نستنى في العربية؟
أشارت برأسها بالموافقة:
_ياريت، المكيف هنا عالي أوي.
مضى الوقت سريعاً، لم ينتظر يزن حتى يذهب إلى الطبيب مرة أخرى بالأشعة، فسأل الطبيب المسؤول عن الأشعة بما يوجد بها، فأجابه الطبيب بكل أسف:
_للأسف، عندها كانسر في المخ وفي مرحلته التانية.
ردد كلمته بانهيار تام بعينيه والصدمة تعتلي وجهه:
_كانسر.
رواية الهجينة الفصل الخامس والتسعون 95 - بقلم ماهي احمد
"هذه أشلاؤنا.. هذه الممزقة قلوبنا.. هذه المبعثرة أرواحنا"
كان هذا شعور يزن عندما أخبره طبيب الأشعة بما وجده. لم يستوعب عقله ما أخبره به للتو. خانته قدمه فحاول التحامل عليها حتى يصل إلى أقرب مقعد يجده أمامه. شكر قدمه على تحمل السير في حالته هذه حتى وصل أخيرًا إلى أقرب مقعد.
جلس وألقى بثقل جسده عليه، فهو الآن يشعر بثقل العالم يحمله فوق كتفيه. ردد كلمة واحدة، كلمة واحدة بشفة مرتعشة.
"كانسر"
شعر بثقل بلسانه عند نطقها. نعم، هي كلمة واحدة ولكن سيأتي من خلفها العديد والعديد من الكلمات والجمل الأخرى.
***
أن لليل رهبة ورهبته شديدة، وهي للمرة الأولى تجاوره في سيارته بمنتصف الليل. التوتر يسود بينهما ويكتسح الصمت الأجواء بجداره، وكأن حربًا طاحنة نشبت بداخل رأس كلاهما الآن. بقيت هي تنظر أمامها تفرك بأصابعها. فاختلس هو النظر إليها، اختلس نظرة سريعة ثم عاد ينظر بجواره من جديد. رأى مدى توترها من خلال هذه النظرة فقط.
قطع الصمت عندما ضغط على زر تشغيل الراديو. كان مبرمجًا على قناة FM للأغاني. تندلع موسيقى إحدى الأغنيات. كان يريد أن يكسر حاجز الصمت حتى لو بأغنية، لا يهم ما هي الأغنية التي سيسمعها الآن، فكل همه هو نزع التوتر الذي يسود الأجواء.
لم يركز كلاهما في بادئ الأمر بكلمات الأغنية وهي تقول:
"جزء كان تعبان وخف، وجزء لسه للأسف. كان زمان عفريت دفنته بعد فترة رجعلي ألف"
بدأ كلاهما في التركيز على كلمات الأغنية التي لم ينتبهوا لها منذ بدايتها، ولكن سمعت أذانهم الآن:
"مش ياماضي لسه سايبك، إيه بقى تاني اللي جايبك؟"
هنا طالع أحدهم الآخر وكأن كل منهما يسأل الآخر نفس السؤال. تتحدث عيونهم ما لا يستطيع لسانهم أن يتفوه به. فتداهمهما كلمات الأغنية من جديد:
"تاني، تاني ارجع ياماضي تاني، يلا فكرني إني لسه واقف مكاني. عادي، عادي أصل اتعودت عادي، هات بقى آخرك ما هو يا أنا يا أنت الليلة دي"
جمل بسيطة جعلت كل منهما يتذكر ما يحاول نسيانه منذ سنين مضت. يحاول كل منهما المضي قدمًا، فأعادتهم كلمات بسيطة ليشق القلب الحنين. فأتمت الأغنية بكلماتها:
"مش قفلنا الصفحة دي"
واتفقنا خلاص يا وحش.
هنا ضغط ياسين على زر الإغلاق سريعًا قبل أن تتكرر كلمات الأغنية. ابتسم بسخرية مريرة، يشير برأسه لها وهو يقول:
_ مين الوحش؟
كان يقصد بقوله اسم المطرب الذي أدى الأغنية. أجابته شمس بنظرات مترددة:
_ ده حمزة نمرة.
هتف متسائلًا بعدم فهم:
_ مين؟
فأجابت هي بابتسامة بسيطة، وكأن من تتحدث عنه على معرفة به:
_ ده حمزة نمرة، مطرب حلو أوي. أغانيه كلها ليها معنى وبتطرب القلب قبل السمع كمان.
_ باين عليكي بتحبيه أوي.
قال ياسين هذا باهتمام، فأجابته هي بتلقائية:
_ آه بحبه جدًا. من الأغاني بتاعته أنا محمل الأغاني بتاعته كلها على موبايلي، وتقريبًا مبسمعش غيره.
فعاد هو لتكرار سؤاله من جديد:
_ للدرجة دي؟
_ وأكتر كمان. أصله حلو أوي.
قبض ياسين حاجبه من كثرة إعجابها به، فبررت له وكأنها تدفع الجرم عن نفسها:
_ أقصد أغانيه حلوة أوي، بحب أسمعها قد ما أنت بتحب عربيتك "الشيفروليه" دي.
بان على وجهه وكأنه تذكر شيئًا، فقال بابتسامة:
_ العربية دي "شيفروليه شيفيل"، معايا من السبعينات وبحبها أوي زي ما أنت بتحبي "نمرة حمزة".
تحدثت شمس معترضة على كلامه وهي تحرك كف يدها على وجهها، تحاول الحصول على بعض الهواء:
_ اسمه حمزة نمرة، وأنا بحب أغانيه، مابحبهوش هو.
_ طب ومالك اتعصبتي كده ليه؟ تحبي أفتحلك الشباك؟
وعلى الرغم من نسمات الهواء الباردة، أجابته ومازالت تنظر أمامها تتجنب النظر إليه:
_ آه ياريت، الجو حر هنا.
ضغط على الزر الأوتوماتيك الخاص بالنافذة المجاورة لها، فانفتحت النافذة على الفور. كان الهواء منعشًا هنا، فلامس خصلات شعرها. استطاعت الآن أخذ نفس عميق. ترددت كثيرًا قبل أن تسأله سؤالها. فبدأ هو بما يشغل بالها:
_ شمس، أنا عارف إيه اللي عايزة تقوليه.
فشجعها كلامه ونطقت بما يدور بداخل رأسها:
_ ياسين، أنت مكنتش طبيعي النهارده بجد. عايزة أعرف إيه اللي حصل الصبح يا ياسين.
هز رأسه نافيًا، فقوله في هذه النقطة كان شديد الصدق:
_ هتصدقيني لو عدت نفس كلامي ليكي وقولتلك مش عارف.
صمتت تحاول إبعاد ما بدر إلى ذهنها بأن حديثه به نبرة من الصدق، ولكن في النهاية قالت:
_ يعني إيه مش عارف؟ ياسين، أنت كنت هتموتني.
فأنفت ما قالته للتو قبل حتى أن يجيبها:
_ لأ، مش أنت اللي كنت هتموتني.
سألها محاولًا سلب كل ما لديها من معلومات:
_ تقصدي إيه يا شمس؟
قال جلمته باستهجان، وكأن الدماء تجمدت بعروقه. فقد شعر بأنها على وشك معرفة الحقيقة. فكرر سؤاله بنبرة تحذيرية وعيون ثاقبة هذه المرة:
_ بقولك تقصدي إيه يا شمس بكلمة مش أنا اللي كنت هموتك.
شعرت بالذعر الآن من نبرته التي تحولت فجأة، وكأنه يعيش بصراع داخلي. وتحدثت خوفًا، واختارت أن تصمت وأجابت بما هو بعيدًا عما بداخلها:
_ لا، مافيش حاجة. أنا هدخل المستشفى أشوف سارة عملت إيه.
لم تتردد، بل نزلت سريعًا، كمن تم إطلاق سراحه. فهبط هو من سيارته، وقبل أن يغمض لها رمش، كان يقف أمامها يتحدث مجددًا بسؤال آخر:
_ بتهربي مني ليه؟ للدرجة دي أنا بخوف؟
عادت نبرته الحنونة من جديد، عادت نظرته إليه. فدافع عن نفسه مبررًا قبل أن تنطق هي:
_ ليكي حق تخافي مني بعد اللي حصل الصبح. أنا حتى مش لاقي إجابة للي حصل، عشان مش عارف إيه اللي حصل.
صمت لثوانٍ يطالعها، فأكمل حديثه:
_ مش مستني منك أنك تصدقيني، عشان دي حاجة ماتتصدقش. بس هحاول أبعد عنك على قد ما أقدر عشان ما أذيكيش في يوم يا شمس.
كان يتحدث بصدق نابع من قلبه، ويظهر صدقه من نظرات عينيه السوداء كسواد الليل القاتم. أنهى حديثه بعدما استدار يعطيها ظهره مستعدًا للمغادرة. فابتسمت هي ابتسامة حانية، وأوقفته كلمتها التالية:
_ مصدقاك.
ظهرت بسمة حانية على وجهه، واستدار لها. عاد يطالعها من جديد، فكررت هي كلماتها بعيون هاربة:
_ مصدقاك يا ياسين. مش عارفة ليه ولا إزاي، بس حاسة إني مصدقاك.
لم يكذب شعورها. فقد شعر بصدق كلامها. هناك قبضة تحاوط كفها الصغير الآن. مالت بعينها تنظر لكفه الأسر ليدها. ربما أتى الأمان من الشخص الذي يجب أن تأخذ الحذر منه. فقال وقد استحوذ على اهتمامها:
_ وأنا هحاول أبقى صادق معاكي على قد ما أقدر يا شمس.
لم تدر بأي شيء حولها، فكفه يلمس كفها الآن. شعور بالدفء يتوغلها. شعرت بالارتباك، فسحبت كف يدها من يده، تقول بعيون هاربة:
_ نسيت أباركلك على خطوبتك من مشيرة.
تنهد بعمق بعدما أعطاها ابتسامة حانية. وقبل أن يخبرها برده، أنهى حديثهما وصول يزن وسارة، فسأله هو:
_ ما رنتش عليا ليه؟ كنت وقفت بالعربية قدام المستشفى.
استدار له يزن بعدما استعاد اتزانه الهارب منه، محاولًا التحدث بثبات:
_ أولًا، مش معايا رقمك. ثانيًا، لقيتها زي الفل، مافيهاش حاجة، بس حبيت تدلع علينا شوية.
اتجهت شمس ناحية سارة مستفسرة عما وجدوا بالأشعة:
_ قولولي يا سارة الأشعة طلع فيها إيه؟
_ طيب، مش نركب الأول بعد كده نطمن براحتنا.
كانت هذه جملة يزن. فدعمت سارة كلامه:
_ أيوه، تعالوا نركب الأول ونتكلم واحنا مروحين. أنا حاسة دلوقتي إني بقيت أحسن.
شعر ياسين بخطب ما بسبب هروب عيني يزن كلما حاول النظر إليه. ولكنه استجاب لطلبه وصعد بالسيارة، وبجواره شمس. وجلس كلا من يزن وسارة بالخلف. وقبل أن تشق السيارة طريقها، نظر ياسين إلى ذاك الجالس بالخلف في المرآة الأمامية، يطالعه من جديد. فوجد يزن نظرات ياسين مصوبة ناحيته. فوجه عينيه نحو سارة، فسألها مجددًا:
_ حاسة بإيه دلوقتي يا سارة؟
_ يادي النيلة يا يزن. دي المرة العشرين اللي تسألني فيها من ساعة ما خرجت من أوضة الأشعة. والله يا ابني كويسة، دي مجرد دوخة بتجيلي من وقت للتاني، وبكرة نروح للدكتور نوريله الأشعة، وهيطلع مافيهاش حاجة. ما تقلقش أوي كده.
عاد ياسين يطالع يزن بالمرآة من جديد، فابتسم يزن ابتسامة بسيطة، ربما يمحى بهذه الابتسامة آثار التوتر الظاهرة على ملامح وجهه. وطلب من ياسين قائلًا وهو يخرج هاتفه من جيبه:
_ قولي يا ياسين رقمك كام؟
أخبره ياسين بالتالي:
_ 01000000111. تقدر تحفظه، ده سهل جدًا.
ضحكت سارة وهي تخبره:
_ ده ست أصفار يعني زيرو مليون تلات وحايد. رقم مميز زي صحبه.
أمالت برأسها باتجاه شمس:
_ صح يا شمس؟
أشارت برأسها بنبرة متقطعة تملؤها التوتر:
_ آه..
اه طبعاً رقم مميز.
دون يزن رقمه على هاتفه، ولم تستطع "شمس" منع نفسها من سؤالها، فأدارت وجهها للخلف سائلة:
_ يعني الأشعة لسه ما طلعتش؟
فأجابتها وهي تشير رأسها بالنفي:
_ لا لسه.
أطبق الصمت على الجميع، ينظرون إلى الطريق أمامهم. أما عن ياسين، فقد كان يشق طريقه مسرعاً، شعر ولو أنه تأخر لحظة واحدة سينفجر ما بداخل يزن، بالرغم من محاولات يزن المستميتة على استعادة اتزانه من جديد، دون ملاحظة أحد منهم ما بداخله.
أطبق الصمت على منزل "الصاوي"، الجميع ينتظر بهدوء عودة سارة للاطمئنان عليها. في الغرفة الخاصة بالضيوف، تتوسطهم الخالة قائلة:
_ ادخلوا انتوا يا ولاد، باين عليهم هيتأخروا.
طالع الجميع بعضهم البعض نظرات قصيرة. كانت مشيرة لا تستطيع النوم وهي تعلم أنه معها في هذه اللحظة، فالقلق ينهش عقلها الآن. كادت أن تنطق للاعتراض على طلب الخالة، فسبقتها زهرة وهي تخبرها بطريقة هجومية:
_ لأ طبعاً، انتي بتقولي إيه يا خالة؟ إزاي أنام وأنا عارفة إن بنتي بره لحد دلوقتي.
تنفست "مشيرة" بارتياح لاعتراض زهرة، فهي لا تستطيع أن تعترض كلمة الخالة. فطالعتها الخالة ترمقها بنظرات ثاقبة:
_ وهي يعني مع حد غريب يا زهرة؟ دي مع ولدي ومع يزن، يعني مفيش خوف عليها. ولا انتي بقى نيتك وضميرك في حاجة تانية؟
_ ولا حاجة تانية ولا تالتة يا خالة، كل الحكاية إني مش هعرف أنام إلا لما أطمن إن بنتي رجعتلي.
لم تجد "زهرة" إجابة أفضل من هذه للهرب، فرمقتها "الخالة" بعدم تصديق. فأكملت بارتباك:
_ صدقيني يا خالة، أنا بس قلقانة عليها هي وسارة ومش هيجيلي نوم إلا لما يوصلوا.
لم تصدق فيما قالت، هذه ليست الحقيقة. أبعدت عينيها عنها حتى لا تكشف كذبتها، فأنقذت "مشيرة" الموقف:
_ أنا كمان مش جايلي نوم، تعالي يا زهرة نقعد بره شوية نستناهم لحد ما يوصلوا.
وافقتها "زهرة" على طلبها، فطالعتها الخالة وهي تبتعد عنها، ثم أشارت للطبيب بعينيها سائلة:
_ مال زهره يا علي؟ حساها متغيره من وقت رجوع ياسين.
كان يجلس الطبيب مقابل الخالة، فقام واستقام يجلس بالمقعد المجاور لها. تنهد بعمق بملامح يبدو عليها الحزن:
_ زهرة اتغيرت أوي يا أمي.
شعرت الخالة بحزنه من نبرته الحزينة، فأشارت للجميع بعينيها تحثهم على الخروج، فأصبحوا يجلسون داخل الغرفة بمفردهما الآن:
_ مالك يا ضنايا؟ فضفض لأمك يا علي، انت ما بتحكيش وأنا مابرضاش أسأل طول ما انت ما بتتكلمش.
_ مش عارف يا أمي، كل ما بتكبر كل ما بتتغير، ما بقتش زهرة بتاعت زمان.
نبرة الحزن كانت ظاهرة جلياً في حديثه، مما جعلها تسأله:
_ قصدك بتتغير في الشكل؟
وقف مقابلها واضعاً يده بجيبه، يتنهد بيأس:
_ شكل إيه يا أمي اللي بتتكلمي عنه؟ زهرة مهما كبرت ومهما اتنحتت معالم الزمن على ملامحها، هتفضل بنتي الصغيرة اللي عمري ما حبيت ولا هحب غيرها في يوم.
طالعته الخالة باستغراب وصوبت عينيها عليه سائلة:
_ طب ما تحكيلي يا ولدي، اتغيرت معاك في إيه؟
صمت الطبيب، فهو لم يعتاد على الشكوى من زوجته منذ زواجه منها قط. فتنهدت الخالة وقامت خلفه، ثم ربتت على كتف ابنها قائلة برفق:
_ أنا عارفة إنك مابتحبش تحكي يا علي، وخصوصاً شيء يخص زهرة. أنا حاسة بيك يا ولدي، انت اتعبت وروحك وصلت لمناخيرك، وأعرف إنك يوم ما تحب تحكي هتلاقيني مستنياك.
أشار الطبيب برأسه بالموافقة، فهو الآن لا يحتاج سوى أن تضمه إلى صدرها. ففتحت الخالة ذراعيها تستقبله بحب، حتى يشعر بالأمان.
منتصف الليل له رونقه الخاص، ربما هدوئه، ونسماته التي تحمل لفحات البرودة بعد يوم طويل من الحرارة العالية. فهما الآن في أواخر شهر أغسطس. تجلس على الدرج أمام منزل "الصاوي"، ها هي تنظر للسماء الآن. كل شيء في هذا الوقت يدعوك للتنهد بعمق، فالسماء تبدو بكامل رونقها، تترصع بها النجوم كالؤلؤ المنسور، والهواء المترقرق يذيبك به حباً. تسرح بخيالها البعيد حتى سمعت صوت يأتي من خلفها، يخبرها بهدوء:
_ ما أجمل هدوء تلك الليلة بقرية "الصاوي"، أليس كذلك؟
استدارت بجسدها تنظر إليه بعيون واسعة وابتسامة حانية:
_ فعلاً يا بيدقوس، الليل هنا يجنن. قرية "الصاوي" دي أنا ماشوفتش أجمل منها في يوم. الخالة اتفننت إنها تبقى زي ما هي عايزة، وكأنها قطعة من الجنة. جوه القرية شيء وبره القرية شيء تاني خالص. لديها إنها منعت الناس يستخدموا العيبيات جوه القرية عشان الهوا ما يتلوثش. الخضار في كل شبر فيها، زهوي عباد الشمس ماليا القرية، مجرد ما ببصلها بحس براحة ونفسيتي بتتحسن.
جلس "بربروس" على نفس درجة الدرج التي تجلس عليها، وترك مسافة بينهما، يصحح لها ما تعتقده:
_ ولكن ليست الخالة هي من صمم كل ذلك.
طالعته بحيرة، فأكمل هو ما بدأه:
_ نعم، لا تتفاجئي هكذا، فقد أخبرني الطبيب بأن كل هذا كان حلم ياسين، قبل أن ينضم للضبع قديماً. كان يبني البيوت بيتاً بيتاً على هذا الشكل، يفلح الأرض بزهور عباد الشمس، صنع قية الحمام من الطين بيديه حتى يملأ القرية بالطيور، جعل للقرية بوابه خاصة بها، وكانت أول قرية يكن لها بوابتها الخاصة. كان يريد صنع حياة خاصة به، وقد أفلح بذلك، فأصبحت قرية "الصاوي" ليست كأي قرية رأيتها من قبل. ولكن كل ذلك قد هدم بوصول "المهدي والخالة". استقبلهم والد ياسين بكل حب، فكانوا فقط يريدون أن يعيشوا بسلام. انبهرت الخالة بجمال القرية ورونقها، ومن حكمة المهدي أصبحت القرية أفضل، ولكن لم يدم ذلك طويلاً، بعدما تبعه الضبع والعربي. وبالتأكيد أنت تعلم ما الذي حدث بعد ذلك. ولكن بعد أن ربحنا المعركة، حرصت الخالة أن تعيد كل شيء كما كان من جديد، ونجحت بالفعل، إلا بشيء واحد وهو إعادة ياسين كما كان من قبل.
قالت وقد بانت علامات الاندهاش على ملامحها:
_ معقولة ياسين بيفكر بالشكل ده؟ ده أنا أول ما شوفته كنت بتعب منه، ده عكسك خالص أصلاً، ساعات بفكر انتوا إزاي أصحاب بالشكل ده وتفكيركم غير بعض خالص.
أخذ نفساً قبل أن يتحدث بنبرة منخفضة بان فيها أثر ما سيقوله:
_ لأني علمت من اللحظة الأولى التي رأيته بها أن ما بداخله عكس ما يظهره، مثلك أنتِ يا مارال.
قالت باستغراب وهي تطالع المكان بتأمل أفسده كلامه الذي أشعل توترها، وهي تشير على نفسها بإصبعها:
_ أنا؟ أنا ببين عكس اللي جوايا يا بيدقوس؟
هز رأسه بالإيجاب، فأكمل:
_ نعم، أنتِ، فلا تحاولي التهرب من الحقيقة، ألا يكفيكِ تهرباً؟
نبرة الحزن كانت ظاهرة جلياً في حديثه، مما جعله يسألها بابتسامة حزينة:
_ إلى متى الهرب يا مارال؟ فأنا أريدك بالحلال.
طالعته بارتباك وقد أبعدت عينيها عنه وهي ترد عليه:
_ بيبيوس، أنا مابهربش منك.
كاذبة هي، لم تصدق فيما قالت، فأجابها هو بما لا تريد أن تسمعه:
_ يؤسفني شعور أن أخبرك بأنك كاذبة. لم تتفوهي بالصدق بكلماتك الأخيرة. أنتِ تهربين يا مارال، ولكن ليس مني، بل من نفسك. تعيشين صراعاً داخلياً بين حبك لي وحبك لدينك، وهذا يرهقك، على الرغم من أنك قادرة أن تجمعنا سوياً، لينغلق علينا باب واحد في يوم من الأيام. لقد حاولت معك كثيراً طوال السنوات الماضية ولم أيأس يوماً. ولكن إلى متى؟ تركت أصدقائي، تركت حياة قرية الصاوي حتى أكون بجوارك، حتى أستطيع النظر إليك وأشعر بقربك، حتى لو من بعيد. لقد تنازلت عن الكثير والكثير من أجلك، ولكنك لا تبالي.
عند كلامه هذا تحديداً، أنصتت له، وبدا الاهتمام على وجهها، تسأله بما تريد أن تسمعه:
_ وإيه كمان يا بيبيوس؟ كمل قول كل اللي جواك.
صمت لثوانٍ يطالع عيناها التي ترقرق بالدموع، فأكمل حديثه يفيض ما بداخله، فتحدث بصدق يظهر بنبرة صوته:
اعلم أن ربي نهاني عن التقرب من النساء دون محرمها، وأن إذا أردتها ذهبت لوليها لأخطبها منه، لكنك من أهل الكتاب، كيف أذهب إلى أهلك وأنتِ ترفضينني.
أبكي عندما أضع أمر الله جانباً ولا أنقاد له لكي أرضيكِ. وأتذكر قول الله:
(ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله والذين آمنوا أشد حباً لله)
وأعلم أني يجب أن أغض بصري، مصدقاً قوله تعالى:
(قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم)
وأنه يجب أن أملك بصري عنكِ.
حاول التحكم في انفعاله والحديث بهدوء، جاهداً ليصل لها:
"لكني وإن ملكت بصري فلا أملك قلبي يا مارال."
وهذا ما يهون عليَّ، أن الله لا يؤاخذنا بما لا نملك عليه قدرة ولا سلطان.
لقد تخليت عن الكثير لأجلكِ، وأعلم أني لن أفلح، لكن حبكِ أعياني وأذهب عقلي. إنني أدعو الله أن لم توافقي على زواجنا أن يرد الله لي قلبي ويذهبكِ عني.
أصابت كلماته حقاً، فوقف أمامها يعطيها ظهره، مصارحاً بما لديه من صدق:
"إذاً، القرار بين يديكِ الآن، فقد أهلكني القلب حبكِ."
كاد أن يتركها ويرحل، فعلقت بابتسامة حزينة وهي تزيح دموعها التي كثرت على وجنتيها، فقالت بمشاعر صادقة:
"أنتَ فاكر إنك أنتَ لوحدك بس اللي ضحيت يا بيدقوس؟ فاكر إنك أنتَ بس اللي بتتعذب؟"
منعته كلماتها من الرحيل، فاستدار بجسده يطالعها، يعطيها مساحة للتحدث هي الأخرى بما يكمن داخل قلبها:
"أنا كمان بتعذب زيك، ويمكن أكتر كمان. طب مسألتش نفسك أنا ليه ماتجوزتش لحد دلوقتي؟ ليه بقيت يافضة، فاكرة الجواز من أساسه بعد ما كنت هموت واتجوز؟ ليه ياضيه، بكييمة اليقاصة وغييها من أهل الحاية يقولوا عليا العانس؟"
سألها مسرعاً، وقد لانت نبرته بعض الشيء عندما رأى دموعها السائلة على وجنتيها بغزارة:
"لماذا يا مارال؟"
ردت بوجع ونبرة متحسرة:
"عشان أنتَ عارف إني بحبك. مش قادرة أشوف حد غيرك جنبي. جسمي يافضة إن واحد غيرك يلمسني. أنا عارفة إن الدين عندنا بيسمح بجوازنا من بعض، وأننا نحل لكم زي ما أنتوا تحلوا لينا. بس لما سألت في الكنيسة، يد وقالي إن اتجوز من مسيحي من ديني هو أولى بيا. يعني على ديني أكتر؟ هنطيع ربنا صح؟ مش هيقلبني على ديني في يوم؟ أما المسلم هيأثر عليا في ديني وهيبعدني عن دين المسيحية في يوم. ومع عِشّتنا سوا هتخليني أعتنق دين الإسلام، وهو ده اللي أنا متأكدة إنه هيحصل. أنا بتأثر بيكِ وأنا بعيدة عنكِ، اومال لو كنت جنبك بشوفك بتصلي وتصوم واسمع صوتك العذب كل يوم وانت بتقرأ القرآن في صلاتكِ. بالقرب مني طبيعي يا بيبيوس هتأثر بيكِ وهعتنق الإسلام. مش عشان أنا مقتنعة بيه، لأ، عشان اتأثرت بيكِ مش أكتر."
برر لها بضيق:
"ولكني لن أغصبك على الإسلام قط."
كان هذا رده الذي جعلها تنفعل وتدعم عبارته الذي قالها توا:
"عارفة.. ومش عارفة وبس. بالعكس، أنا متأكدة إنك مش هتغصبني على حاجة أنا مش عايزاها في يوم. بيبيوس، افهم. أنا أمي أسلمت عشان خاطر عمي، مش عشان هي مقتنعة بالإسلام. وأنا مش عايزة أكون زيها."
صمتت لثوانٍ قليلة، تحدق بعينين تترقرق بالدموع:
"على الأقل، أقنعني إيه اللي يخليني أسيب كل ده ورايا؟ وأقتنع بدين غير ديني في يوم، غير حبي ليك."
رد عليها "بربروس" بنظرات حانية، وهو يصب عليها كامل نظره:
"حسناً.. هل تحبين عيسى عليه السلام؟"
فأجابت دون تفكير:
"أكيد طبعاً بحبه وبصلي عشانه."
نظرت "لبربروس" وقد أعطاها ابتسامة واسعة، سائلاً إياها:
"حسناً، هل تصدقينه في كل ما يقول أو قيل إنه قال؟"
"أكيد بصدق كل كلمة بيقولها، دي مش محتاجة نقاش."
"فلقد قال الله في القرآن على لسان عيسى عليه السلام: بسم الله الرحمن الرحيم:
(وإذ قال عيسى بن مريم يا بني إسرائيل إني رسول الله إليكم مصدقاً لما بين يدي من التوراة ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد)"
رفعت كتفيها ببساطة، وكأنها اكتسبت نقطة بقوله، وهي ترد على حديثه بهدوء:
"نقضت نفسك، قلت اسمه أحمد، ورسولكم اسمه محمد."
هز رأسه بالإيجاب، وعلق يكمل لها باقي العبارة:
"اسمه أحمد ومحمد ومحمود والمصطفى، وأبو القاسم كنيته."
تنهدت بعمق، ومسحت على وجهها بتعب، وقد تلاشت نظرات الانتصار بعينيها بعدما علمت أسماء الرسول عليه السلام كاملة. بدأ التوتر على وجهها، فأكمل بربروس ما بدأه:
"أتؤمنين بالمثل الذي يقول: المركبة التي لها أكثر من قبطان سوف تغرق؟"
علقت بابتسامة منكسرة:
"أكيد زي ما بيقولوا كده، المركب اللي فيها يسوعين بتغرق."
رد على هذا مسرعاً، وقد دعم كلامها:
"جميل، فهذه سفينة، فما بالك بالكون إن قاده أكثر من واحد، فماذا يحدث؟"
"تقصد إيه؟"
ردت على جملته بسؤال، فأجابها بصدر رحب:
"أقصد أنه لو كان هناك أكثر من إله كما تدعون عندكم، الأب والابن والروح القدس، وأن عيسى نصفه إله ونصفه بشر، لغرق الكون لتعدد الإله. وإن أردتِ أن تقولي حسناً، لا نقول أن عيسى إله بل هو ابن الله، فسأقول لكي: وما حاجة الإله لابن؟ فلو احتاج الإله إلى شيء، فهذه صفة نقص، أنه يحتاج. وحاشا مكون الكون أن يكون فيه نقص، بل هو أكمل الكاملين، له الكمال وحده."
ردت وقد ظهر على ملامحها بوادر الاقتناع:
"كل كلمة بتخرج من شفايفك بثقة للدرجة دي، واثق من اللي بتقوله."
"الله علمني، واعلمي أن كل شيء هنا يوصلكِ لله."
"إزاي؟"
"الله يقول في القرآن الكريم:
(وفي أنفسكم أفلا تبصرون)
بمعنى أننا إذا تأملنا حتى أنفسنا، علمنا أنه لا يمكن أن يصنع هذا كله إلا إله واحد، متنزه عن النقص والاحتياج لولد أو زوجة أو صاحبة.
بسم الله الرحمن الرحيم:
(قل هو الله أحد (1) الله الصمد (2) لم يلد ولم يولد (3) ولم يكن له كفواً أحد (4))"
"شعرت بهذه اللحظة أنه كاد أن يهزمها أو يقنعها. أيهما أقرب؟ فتحدثت هي أيضاً بدليل من الإنجيل:
"وإننا نعلم أن ابن الله قد جاء إلى الأرض، وأنار أذهاننا لنعرف الإله الحق. ونحن الآن نحيا فيه، لأننا في ابنه يسوع المسيح."
هذا هو الإله الحق والحياة الأبدية.
رد على هذا بدليل من كلامها:
سبق وقد أخبرتك أن الله واحد وبشهادتك انتي أن السفينة التي لها أكثر من قبطان تغرق.
"انت عايز تقنعني بالإسلام بمجد مثال يا بيدقوس؟"
قالت كلماتها باستهتار، فكان حديثه موجهاً لها بعدما أغمض عينيه بشدة محاولاً بكل جهده أن لا ينفعل ويظل على ثباته وهو يقول:
"قال الله على لسانه عيسى..."
فأوقفته هي باستنكار:
"لاء ثواني معلش يعني إيه قال الله على لسان عيسى؟"
"معناه إن عيسى قال هذا الكلام، فهذا على لسانه، ولكن الله ذكر كلامه في القرآن، فالله نطق بهذا الكلام الذي تكلم به عيسى، فمن باب الأمانة أن نقول قال الله على لسان عيسى."
احتفظت مارال بكامل هدوئها وهي تسأله:
"طب وعيسى قال نفس اللي قاله القرآن؟"
"لا، هذا نفس ما قاله عيسى، ولكن باللغة العربية، لأن عيسى لم يكن من العرب أصلاً."
رد هو بنفس هدوئها، فاكملت تسأله:
"طيب وربنا قال إيه على لسان عيسى؟"
قال الآيات التالية بصوته العذب، صوته الذي يشرح القلوب، مما دب القشعريرة بقلبها وارتعش كامل جسده من جمال صوته وعذوبته عندما سمعت الآيات التالية:
إذ قال الله يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم وكنت عليهم شهيداً ما دمت فيهم فلما توفيتني كنت أنت الرقيب عليهم وأنت على كل شيء شهيد إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم.
أنهى بربروس تلاوته وتوقف صوته الذي يشرح القلوب، ينظر لـ "مارال" تلك الواقفة أمامه ليجد بسمة تلقائية على شفتيها، تنظر له برضا، فطالعها هو وقد احتضنت عيناها عيناه، فتحدث بما يريد سماعه:
"أدعو الله من كل قلبي أن يحثك حديثنا الصغير هذا وينور قلبك للإسلام."
انمحت البسمة من على وجهها ببطء شديد، ثم فاقت من نظراتها المهتمة به، وأجابت بعيداً عن سؤاله:
"بيبيوس أنا عايزة أمشي، أنا أصلاً هيجع بكيه، مش هقدر أتأخر عن ماما أكتر من كده."
انكمش حاجبه بضيق، يراها تبتعد عنه وتدخل داخل المنزل، فصك على أسنانه بعدما احتدت نظراته لها، يهمس لنفسه قائلاً:
"لا فائدة."
ابتعدت عنه مارال بعدما صعدت على الدرج، وعند وصولها على باب المنزل الكبير استدارت تطالعه، فابتسم هو، وقال يهمس لنفسه وهو يطالعها بنظرات ثابتة:
"طبيبة أنتِ، والطاء حاء، لكن لسوء حظي حلوة أنتِ، وقبل الهاء فاء."
تجلس بهدوء واضح على ملامحها، ولكن بداخلها بركان ثائر، تتمنى بإشعال النار بمن حولها، والسؤال المسيطر على عقلها الآن:
"ياترى حصل ما بينهم إيه دلوقت؟ ياترى هيرجع يحن ليها من جديد بعد السنين دي كلها؟ ياترى شخصية عمار ظهرتلها وهو معاها؟"
انخرطت بداخل ذكرى حدثت بينهما في الماضي، هو الآن يجلس على الشازلونج الخاص بعيادتها، مغمض العينين، يحاول جاهداً أن لا يتفوه بشيء بخصوص شمس، ولكنها أجبرته على التكلم بطريقتها، فسألته سؤال حاول كثيراً بإخفاء إجابته:
"هتفضل تحب شمس لحد أمتى يا ياسين؟"
صمت لثوانٍ، فحثته هي على الإجابة، تعتقد بأنها استطاعت أخيراً أن تنومه مغناطيسياً، فرد باسماً على سؤالها بسخرية:
"لما تعرفي والجاموسة بتولد الطور بيحزأ ليه؟"
فتح عينيه بعدما غمز لها بطرف عينيه، يقف مستقيماً، يتوجه باتجاه المبرد يأخذ منه مشروبه المفضل، وقبل أن يرتشف منه أشار بكف يده أولاً:
"أجيبلك واحدة."
تنهدت قائلة بيأس:
"لا شكراً، مش عايزة."
فجلس هو على المقعد المقابل لها، وارتشف نصف الزجاجة مرة واحدة، يقول لها سائلاً:
"مش ناوية تطلعي شمس من دماغك بقى؟"
كان يوم مش بايناله ملامح لما حاكيتلك عنها وعرفتك سري أنا وعمار.
أفاقتها كلمات تلك الجالسة بجوارها على الأرجوحة:
_ روحتِ فين يا مشيرة؟ من ساعة ما قعدنا وإنتِ سرحانة خالص.
أفاقت من ذكرياتها تخبرها بتردد:
_ لا أبداً مفيش، هاروح فين يعني يا زهرة؟ بس قوليلي إنتِ ليه بتخافي على شمس أوي كده؟
فصمتت ثواني ثم تابعت:
_ دي بنتي ولازم أخاف عليها وخصوصاً لو مع ياسين.
نجحت زهرة في كسب اهتمامها:
_ ليه هو ياسين ماله؟
هزت زهرة كتفيها ببراءة:
_ مالهوش، بس غدار شويتين. أبقي خلي بالك منه، ياسين مش سهل وإنتِ باين عليكي طيبة.
هما الأن على أعتاب القرية يقف بسيارته أمام البوابة. في هذه اللحظة سمع رنين هاتفه الملقى أمامه. نظرت شمس إلى الهاتف دون أن تلمسه فوجدت اسم الخالة. فهتفت قائلة باستغراب:
_ إنت مسميها على تليفونك "المزة كوكي"؟
فقبض على الهاتف بكف يده يفتح الاتصال ويضعه على أذنه مبتسمًا قائلاً:
_ أصلها كانت مزة بصراحة.
انتظر حتى أكملت والدته أسئلتها ونطق:
_ لا مش إنتِ المزة.. إنتِ كنتي المزة يا أمي.
استمع إلى والدته وهو يستدير لها ليطمئنها:
_ اطمني يا أمي هما بخير، أنا خلاص عند البوابة داخل عليكي.
هز رأسه وهو يحاول إنهاء المكالمة:
_ تمام، لما أوصل نبقى نتكلم.
توقفت السيارة أمام منزل الصاوي وقد خيم الصمت على الأجواء. تستطيع سماع صوت أوراق الشجر عندما يحركها الهواء. لتشعر بأن كل شيء صامت هنا. فجأة ظهرت زهرة من العدم، تفتح باب السيارة الخاص بابنتها تجذبها من ذراعها وهي داخل السيارة.
_ الفجر أذن وإنتوا لسه ماجيتوش. مكانش ليكي لازمة خالص إنك تروحي.
كان "ياسين" قد نزل من سيارته يستمع لحديث "زهرة" وهو يحرك أصابعه بين خصلات شعره للخلف بتعب حقيقي:
_ هو إنتِ لسه صاحية يا ولية؟ مانمتيش ليه؟
نظرت له باشمئزاز وهي تجذب ابنتها خلفها:
_ أصل مستنية الأذن منك عشان أنام يا سي ياسين.
انكمش حاجبي شمس دلالة لعدم فهمها:
_ ماما في إيه؟
_ إنتِ اسكتي خالص وتعالي ورايا. إنتِ فاهمة.
أشارت "زهرة" برأسها لـ "سارة" وأنتِ كمان كفاية كده يا سارة يلا عشان ترتاحي.
رحلوا معها تحت أنظار الجميع. فطالع "ياسين" يزن بعيون ثاقبة فهرب نظر بنظراته قائلاً:
_ أنا هطلع يا ياسين، كان يوم متعب أوي النهارده.
أشار ياسين برأسه بالموافقة يراه يبتعد عنه. فأتت مشيرة من خلفه تحاول أن تستجمع كلماتها:
_ ياسين أنا ما جاليش نوم إلا لما تيجي عشان كنت عايزة أقولك.
فبتر هو كلماتها بضجر:
_ معلش يا مشيرة مش وقته دلوقتي. أبقي قوليلي اللي إنتِ عايزة تقوليه وقت تاني. أنا لازم أمشي.
سألته مسرعة وهي تراه يبتعد أمام ناظريها:
_ إنت رايح فين دلوقتي؟
لم تتلقى منه أي رد ولم يهتم هو بالرد عليها. فأسرع إلى قبر عمار ينظر هنا وهناك يلتفت بكل مكان. وقعت عيناه على اللوح الرخامي المدون عليه اسمه. قرأه بصوت مسموع:
"عمار بن يزيد الصاوي"
ثم نادى على اسمه بصوت مسموع وهو يلتفت يسارًا ويمينًا:
_ عمــــــار، إنتَ فين؟ أنا عارف إني هلاقيك هنا.
كان الظلام يسود الأجواء. لا تستطيع أن ترى كف يدك، فقط ضوء القمر البسيط. من حولك الموتى بكل مكان. فظهر له من العدم بعينين تغير لونهما إلى اللون الأحمر القاتم. تستطيع أن تراهم يضيئون بهذه العتمة. كان يتحرك بسرعة كبيرة حوله حتى وقف أمامه قائلاً ببرود:
_ عايز مني حاجة يا بابا؟
قال سرد ما يدور في خاطره:
_ إنت كنت ممكن تقتلها النهارده.
قال "عمار" بانفعال وهو يشير برأسه:
_ إنت خفت عليها.
حرك "ياسين" رأسه موافقًا وتبع ذلك بقوله:
_ أكيد خوفت عليها. هي مالهاش ذنب عشان تموت.
قال "عمار" مبتسمًا بظفر:
_ يبقى أنا كنت صح. أنا كنت عارف إنك ضعيف بيها وهتنساني أول ما تشوفها.
نفى "ياسين" ما قاله "عمار":
_ ما حصلش ولا هيحصل إني أنساك في يوم. بس بلاش موت يا عمار، بلاش تقتلها. لو على إني أرجع وأبعد من هنا، أنا عايز أبعد وإنت اللي مش راضي.
قال وهو يصرخ بأعلى صوته:
_ عشان يزن. أي حاجة في الدنيا تهون عشان يزن.
اخفض نبرة صوته قليلاً وهو يقول:
_ يزن بيفتكرني بيك. قربك منه بيحسسه بوجودي معاه.
وأنا لا يمكن أكسره في يوم وأخليك ترجع من غير ما تحضر فرحه.
فوقف ياسين ولأول مرة متحديًا عمار:
_ لو حاولت تأذيها مرة تانية هسيبه وأمشي. إنتَ فاهم؟ أنا مش جاي عشان أقتل حد.
احتدت نظرة عمار لياسين وهو يطالعه وكأنه استحوذ على عقله بالكامل. فوضع ياسين يده على جبينه من شدة الألم يقول بعدما تجمد الدم بعروقه:
_ اطلع من دماغي.
هنا أمره عمــار ومن الواضح أنه يسيطر عليه بالكامل:
_ أركع.
طبق عينيه بشدة من كثرة الألم يحاول أن يرفض طلبه هذه المرة.
_ لاء.
فكرر طلبه مجددًا ببرود تام وهو على يقين بأنه سيستجيب لطلبه:
_ هتركع وهتموتها وبعدها هتموت نفسك. إنت فاهم يا بابا؟
أشار ياسين براسه بالموافقة.
لحظة استسلام تام فقد سيطر على عقله بالكامل وأصبح مريضًا به. يحاول ياسين التخلص من مرضه كغريق يبحث عن قشاية للنجاة. فهل من منقذ له؟
رواية الهجينة الفصل السادس والتسعون 96 - بقلم ماهي احمد
شعور العجز مقيت، فهو الآن عاجز أمام رغباته.
رغبات "عمار" التي تزداد سوءً يومًا تلو الآخر، يتردد إلى ذهنه آخر كلماته وهو يؤمره بقتـ ـلها.
ما عاد يعنيه نفسه بشيء، فهو مستعد بالتضحية بنفسه طالما "عمار" رغب بذلك.
ولكن "شمس" ما ذنبها؟ هل حقًا تستحق المـ ـوت؟
وجد نفسه ينخرط بذكرى داخل عقله، وتلك الرجفة التي أصابتها عندما حاوط كفه كفها الصغير يحتضن عينه عينيه بصدق.
فاق من تلك الذكرى التي حدثت بينهما منذ ساعات قليلة، فوقف يتحداه مجددًا.
للمرة الثانية يطالع عينيه بتحدي:
_ مش هقـ ـتلها ياعـــمار.
هناك حزن يرغمك على الكلام، وهناك حزن يرغمك على البكاء.
ولكن أشد أنواع الحزن هو ما يرغمك على الصمت، عدم البوح بما داخلك، ألم داخل صدرك، وحمل يثقل كاهلك.
هو الآن يجلس بداخل غرفة مظلمة، تناسبه وتناسب حالته تمامًا.
يتقلب على فراشه يسارًا ويمينًا، يجاهد لأخذ حقه من النوم.
محاولات عدة قام بها "يزن" لأرغام نفسه على النوم حتى تهدأ تلك العاصفة بداخل رأسه.
الآن ولكن محاولاته بائت بالفشل.
فما علمه منذ قليل لم يكن بالهين.
محاولة تهدئة نفسه والتصرف بحكمة لم تجدي نفعًا.
حاول التنفس وكأن أحدهم سرق أنفاسه.
فخرج من غرفته يبحث عن ياسين ظنًا منه بأن ربما لديه الحل.
قام بمهاتفته ولكن دون إجابة.
لم يمنعه ذلك من البحث عنه.
ظل يسير هنا وهناك لا يعلم إلى أين ستأخذه قدماه.
كل ما يريده هو التقاط بعض من أنفاسه الهاربة وإيجاده.
لا يعلم كيف قادته قدماه أمام مقبرته.
مقبرة نصفه الآخر ورفيق دربه.
وجد "ياسين" يقف هناك أمام المقبرة يتحدث إلى الفراغ أمامه قائلًا بضجر بنبرة تحمل من الغضـ ـب ما يكفي:
_ قولتلك مش هقـ ـتلها.
قال جملته بصوت مزعج، نبرة خشنة.
لم يستطع يزن تمييز ما قاله، فانكمش حاجب ريبة مما يحدث.
وعاد خطوة للخلف فانزلقت إحدى قدميه بصخرة.
استدار "ياسين" بجسده يطالعه وهو يعود للخلف ووجه مقابل له يوجه له حديثه:
_ أنت كنت بتكلم مين ياياسين؟
رأى "ياسين" الذعر على ملامح وجهه.
حاول أن يطمئنه محاربًا خوفه الذي وصل ذروته.
استدار ينظر أمامه من جديد فلم يجد "عمار".
تنفس بعمق وهو يستنكر ما قاله يزن للتو:
_ تقصد إيه؟
رفع ذراعه للأعلى وهو يشير بأصبعه على اللوح الرخامي:
_ أنت كنت لسه حالا بتبص للوح الرخامي اللي مكتوب عليه اسم عمار وكأنك بتكلمه، وقولت جملة ماقدرتش أميزها.. قولت مش هقولها.. أو.. مش عارف ماقدرتش أسمعها كويس.
تطلع لـ "يزن" وغزت ابتسامة ظهرت على فمه محاولًا بها أخفاء حقيقة ما سرده يزن للتو:
_ من ساعة ما جيت هنا وأنا بحب أجي أتكلم مع عمار في أي حاجة بحس إنه موجود معايا.
حاول "ياسين" تغيير مجرى الحديث بسؤاله التالي:
_ لكن أنت بقى إيه اللي جايبك هنا في وقت زي ده؟
وجه له سؤاله وكأنه ينتظر فقط أن يسأله أحد ليفيض بما بداخله:
_ أنا كمان بعمل كده لما بكون مخنوق مابلاقيش غيره أتكلم معاه.
بلاقی رجلی بتجيبنی هنا لوحدها وكأنها عارفه طریقها.
أنا المفروض كنت بدور عليك جيت هنا إزاي مش عارف.
حاوطه "ياسين" بنظراته قبل أن يحادثه:
_ أنا كنت حاسس إن في حاجة من وقت ما خرجنا من المستشفى، كنت حاسس بيك.
فقال "يزن" دون تردد وهو يبتلع ريقه بنبرة يملؤها التوتر:
_ عارف، عشان كده لاجئتلك، وعارف إن عندك الحل.
انكمش حاجب "ياسين" يطالعه باستغراب.
فجلس "يزن" بجانب اللوح الرخامي يتكأ بظهره عليه يرفع نظره يطالعه بنظرة راجية:
_ هتساعدني ياياسين؟
أكد "ياسين" على كلمته دون تردد:
_ أكيد لو أقدر أساعدك مش هتأخر يايزن.
قال سؤاله وهو يجلس بجواره:
_ الأشعة طلع فيها إيه يايزن؟
كان هذا سؤال "ياسين" فجاوبه "يزن" بشفة مرتعشة لا يقدر على نطقها:
_ كانسر.
ظهر على وجه "ياسين" الذهول.
فتابع "يزن" حديثه:
_ في المرحلة التانية.
سارة ماينفعش يجرالها حاجة ياياسين.
أنا فتحت عيني على الدنيا دي لاقيتها هي وعمار قدامي.
ماعرفتليش لا أب ولا أم، هي وعمار كانوا كل أهلي.
وبعد عمار هي اللي سندتني عشان أقدر أقوم على رجليا من جديد وأكمل.
حرك كتفيه يسأل بعينين أوشك الحزن على قتلهما:
_ أنت مش هتسمح أنها تمـ ـوت صح ياياسين؟
علم "ياسين" مقصده فأطبق الصمت.
استقام "يزن" واقفًا أمامه يسأل بجسد يرتجف كل أنث به وعينان دخلا في ملحمة عظيمة من الدموع:
_ أنت مابتردش عليا ليه؟
أجابه "ياسين" وهو يقف أمامه لمعت عينيه بلمعة حزينة وهو يجاوبه:
_ علشان لو أنت مفكر إن بعد اللعنة في إيدي شىء أعمله تبقى غلطان.
بعد اللعنة ماتجددت كل واحد عنده موهبة راحت منه.
ولو تقصد أني أحولها فده ممكن.. بس هتمـ ـوت.
اللعنة معموله عشان كده يا "يزن" عشان مانتكاثرش واللي نحوله هيبقى ضعيف شهر والتاني وهيمـ ـوت.
أي حد اتحول بعد اللعنة بيموت وأنت عارف كده كويس.
نزلت دموع "يزن" فحاول "ياسين" الاقتراب منه ناطقًا:
_ أنا لو في إيدي شىء مش هستناك حتى تطلب.
أنا نفسي مابقتش زي الأول بقيت ضعيف.
اللعنة كل يوم بيعدي بتنهش في قوتنا.
أه مش بيبان على شكلنا بس إحنا بنضعف وهييجي علينا يوم هنكبر ونمـ ـوت مهما مرت من سنين.
فنطق "يزن" مستفسرًا بعدم فهم:
_ يعني إيه.. يعني أنت هتسيبها تمـ ـوت زي ما سبت عمار يمـ ـوت؟
أطلق كلماته كسهم، فبعض الكلمات كالقبور لا يشعر صاحبها كم أنها ممـ ـيته ولكنها تترك أثر بقلب المستمع.
طالعه "يزن" بجدية أكثر وهو يسترسل حديثه:
_ أيوه، مستغرب ليه؟
وكأنك مش عارف أنك السبب في مـ ـوته.
لو مكنتش سبته يواجه العربي لوحده كان زمانه عايش وسطنا.
لو كنت حطيت إيدك في إيده من الأول ومكنتش بتتخانق معاه على شمس كنتوا هتبقوا إيد واحدة.
ظهر "عمار" من جديد يقف خلف "يزن" يبتسم ابتسامة داعمة لما يقوله "يزن".
فنطق بقهر وهو يقف أمامه:
_ أنا اتقهرت منك وقلبي أتشرخ لما شوفتك سيبته ومشيت وهو لسه سايح في دمه.
مشيت وبعدت عنه.
طول عمرك بعيد في حياته وحتى في موته ماهانش عليك تفضل جنبه وتدفنه.
مادورتش على حل أنه يفضل عايش سيبته واختفيت وهو قلبه بره جسمه.
طالع ياسين ذاك الفراغ خلف "يزن" فأشار "عمار" برأسه له يمينًا ويسارًا ينفي ما قاله "يزن" للتو:
_ لأ ماتصدقهوش أنا عايش ماموتش ياياسين.
لاحظ "يزن" شرود "ياسين" وكأنه يطالع أحدًا خلفه.
استدار بجسده ليرى من خلفه فلم يجد سوى الفراغ وراءه.
فنظر لياسين مجددًا:
_ أنت حتى مش مهتم باللي بقولهولك.
أنا حاسس إني لوحدي وبكلم نفسي.
أنا إيه اللي خلاني أفكر للحظة إنك ممكن تقف جنبي وتساعدني.
أنت عمرك ما كنت ولا هتبقى زي عمـــار.
استدار بجسده يستعد للمغادرة يمسح وجنتيه بكف يده من دموعه المنهمرة.
فأوقفته كلمات "ياسين" التالية:
_ ساره مش هتمـ ـوت، مش هتبقى لوحدك، عشان أنا مش هسيبك في يوم يايزن.
هنجرب دكتور واتنين وتلاته.
هنسافر تتعالج بره لو مافيش أمل هنا.
ماتتفقدش أملك في الله.
أنا عارف إن الكلام اللي بقولهولك ده أنا آخر واحد تسمعه مني، بس لو أنت ضعفت ساره هتضعف بيك ومش هتكمل.
بس وجودي جنبك هيقويك.
أنا مابأسش.
أنا ممكن ماكونش زي عمار، بس هعمل كل جهدي عشان أرجع أشوف البسمة على وشك من جديد أنت وساره.
ولو مافيش أمل من شفائها هحاول مع أمي عشانها حتى لو المحاولة هتيجي على حسابي.
بس مش عايزك تيأس.
أنت لسه في الأول والمشوار قدامنا طويل.
كلماته مشابهة لكلمات "عمار" بالماضي.
فكلما كان يقع بمشكلة يلجأ إليه كالعادة ويوعده عمار بأنه سيظل بجواره حتى يخرج من ذلك المأزق.
صدق كلماته فكانت كل كلمة يقولها كان يقولها بنبرة صادقة وبنظرات تبعث الطمأنينة بقلب المتلقي.
كسى أعين "يزن" بريق نادم على ما قاله.
ارتمى بأحضان ياسين يبكي يريد أن يفيض بكل همه داخل ضلوعه.
ورحب ياسين بذلك.
ما أجمل الوصول لغرفتك الخاصة بعد يوم متعب.
فتحت "شمس" غرفتها لتجد كلا من "حسان وغدير" ينتظرونها بالداخل.
يجلسون بالشرفة يضعون أمامهم أطباق بها حبات اللب وبعض من المكسرات.
أشارت غدير بكف يدها على المقعد المجاور لها وهي تمضغ اللب بأسنانها:
_ تعالي مستنينك.
انتزعت "شمس" سترتها وألقتها على الفراش بملل وهي تقول:
_ لا لا...
مش وقته النهارده خالص أنا تعبانة أوي وهموت وأنام نبقى نقعد مع بعض وقت تاني.
وضع حسان الحامل الذي وُضع عليه أكواب العصير وهو يقول بتحذير:
_ خلي بالك أنا عندي امتحانات الأيام اللي جايه ولو مقعدناش مع بعض دلوقتي مش هنقعد تاني أقلها أسبوعين.
وافقت "شمس" بعد الضغط عليها من الاثنين واتخذت مقعدها في الشرفة بجانب غدير سائلة:
_ ومن امتى يا حسان بتهتم بامتحاناتك أوي كده؟ لأ وكمان عارف معاد الامتحان ده في تطور كبير.
ضحكت "غدير" ورمقت "حسان" بتشفّي:
_ أصل ياسين حذره لو مانجحش في الملحقين هيشرب من دمه، وأنت عارف ياسين يعملها بجد.
انكمشت ملامح "شمس" تتصنع الصدمة وهي تقول لـ"حسان" بعتاب:
_ يعني هو لازم حد يهددك عشان تذاكر؟ ماينفعش تذاكر لوحدك أبداً وتنجح لنفسك مش عشان حد.
سمعوا طرق الباب فكانت الطارقة هي سارة، فتحت باب الغرفة لتجدهم يجلسون بالشرفة وتبعتها "مارال". لم تجد مقاعد شاغرة فوضعت الوسادة على الأرضية وجلسوا هما الاثنان عليها، فبدأت سارة الحديث:
_ سمعنا صوتكم من البلكونة عرفنا إنكم صاحيين مانمتوش.
التقطت "شمس" بعض من حبات اللب والمكسرات تضعها بكف سارة وهي تقول:
_ دخلت لقيتهم مجهزين القاعدة زي زمان.
_ خيي ما عملتوا، أنا أصلاً ما كانش جايلي نوم النهاردة. حاولت أنام معرفتش.
كان هذا رد مارال، وتابعت قول سارة:
_ أنا بقى ببص من الشباك لقيت يزن نزل من أوضته وما جاش لحد دلوقتي وبتصل بيه مابيردش. قلقانة عليه أوي.
أخبرها "حسان" ببساطة شديدة، دعمتها ابتسامة:
_ ما تقلقيش، أنا شفت ياسين وهو ماشي ويزن بعدها مشي وراه. أكيد هما مع بعض دلوقتي وطالما مع ياسين فما تقلقيش عليه.
فردت "غدير" مسرعة:
_ بما إننا جبنا سيرة ياسين، بصوا لقيت إيه على الفيس وأنا بقلب من يومين.
فردت مارال والفضول يسبقها:
_ لقيتي إيه يا ذبلة؟
_ أكونت ياسين، بصوا كاتب إيه على البيو بتاعه.
أخرجت هاتفها وانحنى الجميع يصوبون نظراتهم تجاه شاشة هاتفها، فأكملت هي حديثها قائلة:
"ياترى والجاموسة بتولد الطور بيحزأ ليه"
ضحك الجميع بعدم فهم على جملته مستفسرين ما معنى هذه الجملة الغريبة باستثنائها هي، فهي الوحيدة التي تعلم معناها جيداً. فهي ليست مجرد جملة عادية بالنسبة له. تنهدت "شمس" وهي تتذكر سنين مضت من عمرها، ولكنها تركت أثراً كبيراً فيها.
كانت قد بلغت عامها الخامس عشر، اليوم هو يوم ميلادها. ومثل كل عام لا يسمح بمرور يومها المميز كيوم عادي. نزل إلى القبو بعدما وضع قرص المنوم بداخل شراب خليله المربية بعدما تأكد بأنها قد استغرقت بالنوم، فمد لها كف يده وهو يحاول أن لا يصدر أي صوت حتى لا يسمعه "الضبع"، فاخبرها هامساً:
_ أنا عارف إنك ما طلعتيش من هنا وما تعرفيش إيه في بره ولا شوفتي السما قبل كده ولا شميتي هوا نضيف. أنا هخرجك بره، اعتبري خروجك ده هدية عيد ميلادك زي كل سنة، بس أوعي تعملي صوت. الضبع لو حس إني خرجتك هيقتلنا إحنا الاتنين سوا. هو اه عجوز بس جبار.
قالها ببسمة حانية، فأشارت برأسها بالموافقة، فهي تتوق للخروج منذ سنين.
عادت إلى الواقع عندما نطقت غدير بصوت مرتفع:
_ طلع عيني لحد ما قبل طلب الصداقة. وأصلاً كان قافل الأكونت بتاعه، بس لما قبله وقلبت في الصور لقيت صوره كلها لوحده.
كانت تقلب الشاشة على جميع صوره، فأوقفها حسان على صورة وهو يمسك بذئب أبيض بين يديه، يحني ركبتيه وينظر له بابتسامة ساحرة. فقالت سارة بعدم تصديق:
_ الذئب ده شبه شيزار أوي.
وجهت حديثها إلى مارال:
_ فكراه يا مارال؟
_ أكيد فكياه، ده شبه بتاع داغي.
فنفت غدير ما قالاه للتو:
_ هو شبه بس مش هو، شيزار مميز عن الذئب ده.
فسأل حسان سؤاله:
_ بس مش غريبة كل الصور الجامدة دي ومش معاه ولا صورة ليه ومشيرة؟
فطالعته غدير قائلة:
_ لأ استني، لي صورة هو والعقربة مشيرة دي، بس هي عاملاله منشن فيها عشان كده ظاهرة عنده.
بحثت غدير عن الصورة حتى وجدتها:
_ أهيه.
أتى صوت "مارال" تخبرها بعدم فهم:
_ هو ماله بعيد عنها في الصوية كده ليه؟ معقول دول اتنين المفيوض بيحبوا بعض وهيتجوزوا؟
مسحت سارة على خصلاتها مردفة بضحك:
_ أقطع دراعي لو ما كان هيتجوزها تخليص حق. مش لايقين على بعض خالص.
كانت "شمس" تستمع لما يقولون دون أن تتدخل في حديثهما، فسألها "حسان" قائلاً:
_ وأنت إيه رأيك يا شمس؟ هو فعلاً واخدها تخليص حق؟
فأجابت بعيون زائغة، تأكد ما ستقوله:
_ ياسين اللي أعرفه ما بيعملش حاجة غصب عنه.
أمسكت سارة بالهاتف بلهفة تشاهد صور أخرى له:
_ أوبا، الصورة دي جامدة أوي وهو حاطط البيزونت عليه تحفة.
فوافقها حسان قائلاً:
_ والعربية اللي ساند عليها رهيبة.
فأكملت غدير حديثهما:
_ ما دي عربيته، شوفته قبل كده صدفة وهو سايقها ومشيرة جنبه.
ارتفع حاجبي "مارال" بتفكير وهي تسأل:
_ بس أنا بيضوا هموت وأعيف هي الجاموسة لما بتولد الطور بيحزأ ليه؟ ما تعيفيش انتي يا شمس.
انخرطت للمرة الثانية بنفس الذكرى، كل شيء يتجسد أمامها الآن، تستطيع الآن أن ترى نفسها وهي تقف بجواره بمنتصف القرية بعدما حرص هو على الخروج ليلاً لعدم استطاعتها الرؤية عندما تكون الشمس بمنتصف السماء. فوجدت "شمس" أمامها جاموسة وبجانبها طور. تقدمت نحوهم تاركة ياسين خلفها تنظر لهما بانبهار، فهذه هي المرة الأولى التي ترى بها شيئ كهذا. طالعت "ياسين" وكانت نظراتها مليئة بالتساؤل، فأجابها دون أن تنطق:
_ اللي بقرنين ده اسمه طور، أما اللي جنبه دي اسمها جاموسة.
كانت تسير على أطرافها الأربعة، فلاحظت معاناة الجاموسة، فنظر "ياسين" إلى الجاموسة بترقب:
_ دي باين عليها بتولد، بس عارفة المشكلة في إيه؟ أنا عارف إنها بتولد بس مش فاهم الطور ده بيحزأ جنبها ليه؟
ارتسمت الابتسامة على ملامحها عند تذكر هذه الذكرى البسيطة، ففاقت من شرودها على صوت زهرة وهي تجذبها من مرفقها بعنف داخل غرفتها.
_ كل ده يابت المهدي مع ياسين بتعملوا إيه؟
قالت جملتها بضجر، فردت "سارة" مدافعة عنها:
_ مع ياسين إيه يا طنط زهرة؟ شمس كانت معايا ماسبتنيش لحظة من وقت ما مشينا من هنا، حتى لما دخلت أعمل أشعة ياسين استناني بره هو ويزن وشمس دخلت معايا.
ضربت "سارة" مرفق "شمس" وأشارت لها برأسها حتى تدعم كلامها، فشلت "شمس" مرفقها من كف "زهرة" تنفي ما قالته "سارة" للتو:
_ أنا مش عايزة أكذب عليكي يا أمي. أنا ممكن أقول أيوه أنا ماسيبتهاش وأنت هتصدقي وهتطلعي من هنا مرضية وراضية وابقى كذبت عليكي وأنا مش عايزة أكذب عليكي. أنا فضلت مع ياسين بره شوية وسارة بتعمل الأشعة ويزن هو اللي دخل معاها مش أنا.
بدى الإحراج ملياً على وجه "سارة"، فقالت ببسمة مصطنعة تداري بها كذبتها:
_ أنا كنت بحاول أهدي النفوس يا زهورتي.
صكت "زهرة" على أسنانها تطالع ابنتها بحذر، فأكملت "شمس" حديثها:
_ يا ماما، يا ماما أنا ما بقتش العيلة الصغيرة بتاعت زمان خلاص.
فردت "زهرة" مسرعة:
_ وأنت مهما كبرتي مش هتكبري على أمك يا شمس.
قالت بعيون راجية وهي تمسد على شعر ابنتها برفق:
_ أنتِ ليه مش قادرة تفهمي؟ أنا مش عايزكي تشوفي اللي أنا شوفته. عايزاكي تعيشي عيشة أحسن مني ألف مرة.
فابتسمت "سارة" وارتفع صوتها قائلة:
_ أيوه بقى يا "زهور" حني على البت ووريها حنانك.
دخلت غدير من الشرفة يتبعها حسان قائلاً:
_ أنا كنت فاكر هيبقى فيه دم النهارده.
فابتسمت "زهرة" وهي تضمه إلى صدرها بحنان:
_ ربنا يبعد عنا الدم يا ابني.
أخذت تطالع كلاً من شمس وحسان تضمهم إلى صدرها أكثر:
_ إنتوا عيالي اللي طلعت بيكم من الدنيا وماليش غيركم وعمري ما هحب ولا هخاف على حد زيكم في يوم.
فطالعت غدير بعيون لامعة متحدثة بنبرة هادئة:
حتى غدير ربيتها معاكم وسطكم لما كانت بتيجي هنا كل إجازة. ربي العالم أنا بخاف عليكم قد إيه ويا خوفي من اللي جاي يا ولادي.
الملهى الليلي هو مكانه المفضل جلس به، يتجرع كأس تلو الآخر، وقبل أن يتجرع ما بيده يطلب من النادل أن يصب له المزيد.
الضجيج يعم المكان مما جعل "فريد" يقول بنبرة عالية للواقف أمامه:
_ صبلي كاس تاني.
منعه صديقه وهو يشير بأصبعه للنادل بالرفض:
_ كفاية كده يا فريد، أنت بتشرب بهبل.
وضع الكأس على البار بقوة يضغط عليه بكف يده بعنف:
_ الواد اللي اسمه حسان ده كان خلاص هيقول لي على كل حاجة، بس لولا ما مقصوفة الرقبة اللي اسمها غدير دي جت وندهت عليه، مش عارف ظهرت من أنهي داهية دي كمان.
فنظر له سائلاً:
_ الموضوع ده للدرجة دي شاغلك يا فريد باشا؟
_ طبعاً شاغلني، أنا مش قادر اطلعها من دماغي، ما فيش واحدة رفضتني قبل كده، وفي نفس الوقت ما فيش حد راضي يصدقني يا خالد. كل لما أقول إني شفت ناس ميتة اتحولت لذئاب، واللي اسمه ياسين ده عينه بتتحول للون الأحمر، محدش بيصدقني، بيفتكروني مجنون. مش عارف أثبت إزاي إني بتكلم بجد، وإن اللي شوفته ده مش تخاريف. بذمتك أنت نفسك لما حاكيت لي صدقتني؟
هز رأسه قائلاً برضا:
_ طبعاً صدقتك.
لم يكد أن يصدق ما قاله، فابتسم بسخرية وهو يتجرع كأس آخر:
_ أنت بتقول كده بس عشان خايف لا أحطك في دماغي.
وضح له خالد ما عنده ناطقاً:
_ وحياتك عندي أبداً، أنا فعلاً مصدق كل كلمة قلتها. أنا مؤمن جداً بالخوارق، وبعدين أنا سمعت عن قرية الصاوي دي زمان، واللي بيحصل فيها، احنا بس محتاجين نثبت كلامك مش أكتر.
ابتلع ريقه، مطالعاً بعدما نجح بجذب اهتمامه:
_ وهنثبت كلامي إزاي يا خالد؟
كان هذا سؤاله، فصمت لثوانٍ قائلاً:
_ أنت مش بتقول إنك لما نرفزت اللي اسمه ياسين ده عينه اتحولت للون الأحمر؟
_ أيوه حصل.
استدار له هاتفا:
_ طيب وتفتكر إيه اللي يخليه يتنرفز أكتر ويطلع أسوأ ما فيه؟
هز "فريد" رأسه وهو يقول:
_ شمس، لما بتيجي سيرتها بسوء، أو لو حصلها حاجة مثلاً.
ضرب "خالد" كف يده بكفه الآخر:
_ شمس دي اللي أنت بتحكي لي عنها؟
_ أيوه هي.
_ يبقى اتحلت يا باشا.
طالعه باستغراب، فقطع خالد نظراته قائلاً:
_ أقصد يعني لو شمس دي في مرة وهي معاه، وحد خطفها أو يأذيها على خفيف، أو حصل معاها أي شيء، وقتها مش هيقدر يتحكم في نفسه، ولو كلامك صح هيغير لون عينه زي ما عمل معاك، وهنا بقى نبقى عاملين له كمين ومصورينه، ونبلغ سيادة الوالد إن في كائن خطر على البشرية وسطنا، وأكيد الحكومة هتتصرف، بس أهم شيء نكون عاملين له كمين والفيديو يتصور صح، إحنا بس محتاجين نخطط لها وشوية مصاريف كده لزوم الرجالة اللي هنجيبها تقوم بالليلة.
ابتسم "فريد" ابتسامة رضا مما قاله صديقه وهو يتجرع كأساً آخر، يشير برأسه موافقاً:
_ لو اللي في بالي حصل وقدرنا فعلاً نصوره، حلاوتك هتبقى كبيرة أوي.
حل الصمت واتخذت النظرات محلها لتصبح هي المسيطرة الوحيدة، كان يجلس أمام البحيرة هو وعمار بعدما أعاد "يزن" إلى المنزل، فقطع عمار الصمت بينهما بقوله:
_ شكراً.
رد عليه "ياسين" وقد ابتسم بمكر:
_ على إيه؟
رد "عمار" على السؤال بأجابة أخرى مردفاً بابتسامة:
_ أخلص، أنت عارف.
تحدث "ياسين" ناهياً الحديث:
_ آه عارف، تقصد عشان يزن يعني؟
كرر "عمار" مردداً خلفه بسخرية:
_ آه عشان يزن يعني، يزن مش مجرد صاحب بالنسبالي يا ياسين، وزي ما قالك هو مكانش له غيري في الدنيا، وعايزك يبقى له غيرك من بعدي.
شرد "ياسين" لثوانٍ، فعلم "عمار" سبب شروده:
_ أنا عارف أنت بتفكر في إيه دلوقتي.
ضحك على قوله وهو يمد كفه يفتح مشروبه المحبب إليه:
_ أنا عارف إنك عارف، عشان كده مش هسألك السؤال اللي دايماً بسألهولك ومابتردش عليه.
فقال الاثنان بنفس واحد ما يردده ياسين دائماً:
_ وأنا مش هسألك يا عمار، أنت ليه مش عايز تقولهم إنك عايش؟ عشان عارف إنك مش هتجاوب غير بكلام مالوش لازمة.
ضحك الاثنان سوياً عندما انتهوا من جملتهم، فمد ياسين كف يده لعمار بمشروبه، فرفض عمار على الفور:
_ مابحبهوش، ما أنت عارف.
فأصر ياسين هذه المرة:
_ طيب جربه على الأقل.
القى ياسين بمشروب الشيري كولا إلى يد عمار، فوقع على الأرض، فطالعه ياسين بضجر:
_ طيب على الأقل أمسكه وادوني كده، وقع كله في الأرض.
رفع عمار كتفيه للأعلى بابتسامة بسيطة:
_ عشان قولتلك من الأول مابحبهوش، مش ذنبي يا سطا.
فأردف ياسين:
_ سطا!!
جلستهم ضحكاتهم وهم يشاهدون شروق الشمس فتمنى ياسين قائلاً:
"نفسي تبقى راضي عني كده على طول ياعمار"
علق عمار على حديثه هاتفا:
"طول ما أنت واقف جنب يزن أنا هبقى راضي عنك على طول وبخصوص شمس أنا عارف اني زودتها حبتين بس انت عارف انا كنت بقسى عليك ليه"
"طلع شمس ما بينا ياعمار، بلاش تحطها في دماغك"
كان هذا رجاء ياسين فتابع عمار بقوله:
"انا خايف أنت اللي تحطها في دماغك، أنت مش فاهم ياياسين اليوم اللي شمس هتقرب منك فيه هختفي من حياتك فيه يا أنا يا هي مالهاش اختيار تالت"
"وليه؟"
سأله بعدم فهم فجاوب بضجر:
"يــــوه هنعيده تاني"
رفض ياسين هذا وقال باعتذار:
"لاء مش هنعيده تاني أنا اسف بس ماتضايقش انا ماحبش اشوفك مضايق بس على الأقل مش كل خطوه تحاسبني عليها معاها طالما هفضل جنب يزن خطوه بخطوه اكيد هي مش هتسيب ساره فاهمني ياعمار"
أشار عمار رأسه بالموافقة مع نبرة تحذيرية:
"بس خللي بالك منها وانا مش هدخل الا لو حسيت اني لازم ادخل"
وافق الاثنان على ما اتفقوا عليه للتو يطالعون البحيره أمامهما فساد الصمت لثواني ثم أردف عمار قائلاً:
"أنا بحبك ياياسين"
طالعه ياسين بمرح:
"قول بابا يابن البوبي"
فكرر عمار من خلفه وضحكاته تظهر بنبرة صوته:
"يابن البوبي"
حلت الظهيره وحلت معها أشعه الشمس الحارقه محاوله النوم تجعل النوم يهرب من بين جفونك فتحت باب غرفتها سائله أول من رأته عيناها:
"دكتور علي ماشوفتش ياسين؟"
ابتسم الطبيب وهو يجيب على سؤالها:
"لاء ماشوفتهوش من امبارح بس ماتقلقيش زمانه جاي"
حاولت الاعتراض قائله بعدما وجدت شمس تمر من أمامها فارتفعت نبرة صوتها:
"مقلقش ازاي بس، دي اول مره ياسين يسيبني الفتره دي كلها لوحدي اصل أنت ماتعرفش طول المده اللي ياسين كان غايب عنكم فيها مكانش بيسيبني فيها ازاي عشان كده تلاقيني مش متعوده على بعاده مش أكتر"
كانت تسرد بما لديها وهي متعمده ارتفاع نبرة صوتها فاستغرب الطبيب ينظر خلفه فوجد شمس تمر بجانبه تتجه الى الخارج قائله:
"دكتور علي كنت عايزه اسألك عن شىء لو ينفع"
استأذن الطبيب من مشيره بقول:
"بعد اذنك"
سار بجوارها بالخارج فلم تستطع منع نفسها فبدأت بالاستفسار عن بعض الاسئله البسيطه:
"انا عارفه انك مش دكتور نفسي بس كنت عايزه اسألك كام سؤال ممكن تكون عارف اجابتهم"
فأجاب بكل سرور:
"أكيد أسألي ياشمس"
"انا بحثت طول الليل عن المرض النفسي وازاي الواحد يقدر يعيش وحد تاني ميت عايش جواه بس مالقيتش اجابه تفيدني"
فسألها هو مستفسراً:
"مش فاهم وضحي اكتر"
"يعني ينفع اني اكون عايشه بشخصيتين"
"فهمتك ياشمس، اكيد ماينفعش وعشان كده بنسمي الشخص اللي بيعيش بشخصيتين مريض نفسي وبنخصص المرض ده بأسم انفصام في الشخصيه الانسان بيعيش بشخصيتين مختلفين تماما عن بعض وممكن شخصيه فيهم تأثر على التانيه وخصوصا لو كانت شخصيه منهم شريره، الشخصيه الشريره بتبقى هي الأقوى والمريض وقتها مابيبقاش حاسس ولا فاكر الشخصيه التانيه عملت ايه"
انخرطت بذاكرتها وياسين محاولا التبرير لها:
"أنا عارف انك مش هتصدقيني بس انا مش عارف أنا عملت كده ازاي"
فعادت للواقع تستكمل ما بدات به:
"طيب لو كان عارف وحاسس بالشخصيه التانيه"
فأجاب سؤالها بسؤال اخر:
"أنت متأكده أنه عارف أن في شخصيه تانيه معاه"
حاولت التذكر اخر ما قاله لها ياسين:
"اوعدك اني هحاوعد عنك عشان ما أذكيش"
فأجابت بيقين:
"أيوه متأكده عارف ان الشخصيه التانيه كمان مؤذيه"
"بصي انا ماليش اوي في المرض النفسي بس قرأت عنه شويه لو الشخص ده عارف ان في شخصيه تانيه معاه وبيكلمها مثلاً ده مايبقاش انفصام ده يبقى مرض اسمه "جنون الأرتياب" وده اخطر من الانفصام بكتير لأن المريض بيشوف وبيتكلم مع الشخصيه الخياليه دي في دماغه وهو مقتنع انه عايش وبيتعايش وبيسمع كلامه في كل حرف بيقولوه ولو الشخصيه اللي ظهرتله وعقله كونها بأنها شخصيه شريره ممكن تسيطر على عقله وتخليه يعمل اشياء هو مقتنع بيها وممكن الشخصيه دي تبقي شخصيه طيبه تعينه على حياته برضوا على حسب الشخصيه بصي انا مش فاهم اوي بس أنت بتسألي ليه؟"
"ابدا، دي مجرد اسئله"
هكذا قالت شمس وهي تقول بتوتر:
"اصل كان في واحده صحبتي بتحس بحاجات غريبه زي اللي قولتهالك كده مع خطيبها"
فاخرج هاتفه من جيبه يستخرج رقم هاتف طبيب نفسي على معرفه وطيده به:
"بصي خللي صاحبتك تاخد الرقم ده وتتصل بدكتور سمير دكتور شاطر جداً برشحه وبقوه هو هبجاوبها على كل اسألتها خليها تروحله موجود في اسيوط وسط البلد"
ابتسمت بامتنان تشكره على مساعدته لها تاركه اياه وخلفه من يستمع لحديثهما سوياً كانت مشيره هي من تستمع لهم فاشتعلت النيران بداخلها تضغط على اسنانها بقوه فأمسكت بهاتفها تحادث شخص ما بالهاتف:
"أيوه ياسامح مش قولتلك البت دي مش هتسيبه الا لما تعالجه"
صمتت تسمع ما يقال لها عبر الهاتف قائله:
"أنت مجنون اكيد ماقولتش لكمال اخويا حاجه كل اللي قولتهوله اني خايفه على اللي اسمها شمس دي من ياسين عشان كده عايزاه يرجع معايا ما انت عارف كمال اخويا"
ظلت تقضم أظافرها ثم زفرت:
"ياسين لو اتعالج هيبعد عني وعمره ما هيرجع معايا وده اللي لا يمكن اسمح بي أبداً"
"برضوا مش هتقولي هانروح على فين يايزن؟"
كان هذا سؤال ساره بعدما جذبها يزن من مرفقها بلطف يحثها على الصعود داخل السياره ينتظرهما ياسين بالخارج:
"مافيش هانروح فين يعني تعالي ننزل اسيوط نخرج شويه وكمان في دكتور حجزتلك عنده كويس اوي عشان هنعرض عليه الأشعه"
ردت عليه ساره بانفعال:
"يزن أنت بقيت موسوس أوي على فكره انا بقيت كويسه اوي دي مجرد دوخه مش أكتر"
فرد ياسين مردفاً وهو يقف أمام سيارته:
"طب وأيه وجه اعتراض سيادتك اركبي انا كده كده رايح أسيوط اجيب شويه حاجات من هناك"
فاشترطت عليهم شرط صغير قبل أن تصعد الى السياره:
فطالعها الاثنان يسبقهما الفضول فقبضت بكف يدها على مرفق شمس تجذبها اليها قائله:
"طالما هانروح اسيوط شمس تيجي معانا"
فردت شمس سائله:
"انتوا رايحين أسيوط؟"
كانت الاجابه بنعم فوجدتها فرصه للذهاب الى الدكتور النفسي فصعدت الى السياره قائله:
"مستنيين ايه يلا انا جاهزه"
انطلقت السياره تشق طريقها ولكن هناك من يراقبهم عن كثب مبتسماً حينما تجمع الاثنان سوياً على الطريق فلم يجد فريد فرصه كهذه حتى يثبت ما كان يكذبه عقله منذ سنين فهل سينجح لما يخطط له.
رواية الهجينة الفصل السابع والتسعون 97 - بقلم ماهي احمد
استدارت بجوارها إلى "ياسين" الجالس يقبض على المقود بكفيه ينظر للطريق بعينين ثاقبتين سائله:
_هو إحنا هنروح إمتى؟
ابتسم بسخرية يجاوب على سؤالها:
_أفتكر إنك نطيتي في العربية بمزاجك، فنروح أمتى دي بقى بمزاجي.
لا تعلم كم مر من الوقت حتى بلغوا وجهتهم، هبط "ياسين" من السيارة وهو يسند بذراعه على الباب، ووقفت "شمس" بجوار الباب الأمامي الخاص بها، تردد في ذهن "يزن" وهو يهبط من السيارة آخر محادثة حدثت بينه وبين "ياسين" قبل ساعات:
_سارة هتعيش مش هتموت.. أنا مش هسيبك يا يزن.
قال آخر كلماته يطالعه بنظرات واثقة مما يقول، فبعث بقلبه شيء من الطمأنينة.
فاق "يزن" من شروده على صوت "سارة" بملامح وجه باسمة:
_هتفضل واقف عندك كده كتير؟ هو مش المفروض إننا جايين هنا نغير جو ونخرج؟
فأكمل "يزن" جملتها بعيون زائغة يحك على أنفه:
_وجايين نكشف عليكي كمان، نسيتي دي؟
تركت مكانها بعدما استدارت حول السيارة واقتربت منه تحتضن كف يده قائلة ببسمة حانية:
_يزن، والله أنا كويسة. دي مجرد دوخة مش أكتر، للدرجة دي بتخاف عليا يا يزن؟
راودت "شمس" ذكرى لـ "ياسين" في مخيلتها تسمع أنفاسه على مقربة منها عند سماع هذه الجملة من "سارة":
_بتخافي عليا يا شمس؟
ابتلعت ريقها ترمق "ياسين" بنظرات خاطفة تبدو وكأنها تصادف وجهه للمرة الأولى، بينما "ياسين" لا ينظر إليها، فكان ينظر أمامه يطالعهما ترواده نفس الذكرى وهي تقول بنبرة بها من الغيظ ما يكفي:
_لا.. لن ولم أخف عليك قط بحياتي، فأنت سبب خوفي لسنين طويلة.
حاول عدم النظر إليها بجواره، لذا ادعى شروده، يخشى أن تفضحه نظراته، فابتلع ريقه وأرغمه قلبه دون أن يشعر للنظر إليها نظرة خاطفة سريعة، فنظرت "شمس" أمامها مسرعة قبل أن يراها تطالعه هي الأخرى، فابتسم بسمة صغيرة ظهرت على ثغره.
أقترب "يزن" من "سارة" أكثر رافعاً كف يده يمرر أصابعه بين خصلات شعرها المتروكة على جبينها، أصبح وجهه على مقربة من وجهها قائلاً وعيونه تحتضن عيناها:
_وأنا ليا مين غيرك أخاف عليه يا سارة؟
تنهدت "سارة" بهدوء، تحركت ناحيته حين مسحت على عنقه تنظر له بعينين تجبره على النظر إليهما:
_أنا بحبك أوي يا يزن.
أنهت جملتها وهام هو بها، أصوات ضربات قلبه السريعة غطت على أي صوت آخر، ابتسم بسمة حانية ومال يقبل جبينها قبلة طويلة، أغمضت عيناها ورائحته تتسلل إلى روحها، كم اشتاقت لقربه منها بهذا القدر؟ الغريب بهذا كيف للمسة واحدة من شخص تحبه تكون قادرة على جعلك تشعر بأن كل شيء تريده أصبح ملكك الآن.
حمحم "ياسين" عند رؤيتهم هكذا، فاقدين الشعور بالمكان والزمان قائلاً بسخرية:
_طيب نجيلكم إحنا وقت تاني بقى.
ابتسمت "سارة" بعدما استدارت بجسدها تطالعه بمشاكسة:
_إيه؟ ماحدش خاف عليك قبل كده ولا إيه؟
انمحت الابتسامة من على وجهه ببطء، يهز رأسه نافياً، ينظر إلى تلك الواقفة من الجهة الأخرى للسيارة قائلاً:
_لاء.. مافيش.
مسح وجهه بضيق وانحنى بجسده سريعاً يعود أدراجه داخل السيارة يحاول الهرب من النظر إليها قائلاً:
_أنا هاروح أركن العربية في مكان قريب وأنت اطلع العيادة يا يزن وأنا هطلع وراكم.
أشار "يزن" رأسه بالموافقة وضغط "ياسين" على المكابح مسرعاً وكأنه يهرب من شيء ما، ربما من عدم النظر إليها أو ربما من نفسه هو نفسه، لا يعلم.
ربما هناك ألم بداخل صدورنا مهما حاولنا إخفاؤه تفضحه الأعين بمجرد النظر إليهما، لاحظ "بربروس" الحزن بعيون "مارال" من آخر محادثة بينهما وهي تحاول تجنب حديثه.
بحث عنها بعينيه حتى شعر بها قلبه، هي الآن بداخل غرفة "غدير" تضب أغراضها بحقيبتها تستعد للمغادرة، لم يستطع الدخول ولكنه انتظر بالخارج حتى لا يكونوا بمفردهما بداخل غرفة مغلقة، فانتهت هي مما تفعله تنادي على "غدير" من الداخل، لم تجب عليها حتى خرجت تبحث عنها لتجده أمامها، يصنع "بربروس" عدم معرفته بتجاهلها له، فبدأ بقول:
_أنويتي العودة؟
فأجابت تنظر بعيون باحثة عن "غدير":
_آه.. ماشوفتش غدي؟
تجاهل سؤالها وهو يصوب نظره تجاهها أكثر:
_أسنعود بتلك السرعة؟
كمشت حاجبيها وهي تصوب نظرها تجاهه تكرر كلمته:
_سنعود؟
بالتأكيد فلن أتركك تعودين بمفردك.
تحركت من أمامه تجاوبه:
_بيبيوس أنا مش عيلة صغية وزي ما عرفت أجي لوحدي أكيد هعرف أروح لوحدي.
استدار بوجهه يتابعها بعينيه تبتعد عنه، يتجاهل ما قالته قائلاً بسخرية بصوت عالٍ نسبياً:
_حسناً، خذيني أنت معك لأني ضللت الطريق.
ابتسمت "مارال" دون أن تنظر خلفها، فأكملت طريقها تبحث عن "غدير" بالخارج.
دخل "يزن" بخطوات بطيئة مترددة للعيادة، يخشى أن يصل إليها ويضطر لسماع ما يؤكد بإصابة حبيبته "سارة" بهذا المرض اللعين، يتقدم نحو الممرضة على أمل أن ينفي الدكتور ما بالأشعة التي أحضرها معه، ابتلع ريقه بتردد وهو يردد:
_في حجز باسم سارة العربي؟
أشارت الممرضة برأسها بالإيجاب بعدما تحققت من دفتر المواعيد:
_أيوه يافندم، بس للأسف الدكتور هيتأخر النهارده شوية، لو تسمح تقعدوا تستنوه، هو قدامه بالظبط نص ساعة.
أشارت "سارة" برأسها بالموافقة بعدما قرأت اليافطة المكتوب عليها تخصص الطبيب، جلست على المقعد سائلة "يزن" بهمس:
_دكتور مخ وأعصاب؟ ليه يا يزن؟
فمال هو بوجهه هامساً بأذنها:
_أنتِ هبلة يا سارة، أنتِ مش بتحسي بصداع ودوخة في راسك؟ هوديكي فين غير مخ وأعصاب؟
ذمت على شفتيها من كثرة اهتمامه بهذا الدوران الخفيف الذي شعرت به، فلم يأتي ببالها قط بأن يكون لديها ذلك المرض الخبيث.
وقفت "شمس" بعدما رفضت الجلوس تسأل الممرضة عن الدكتور "سمير فايز" إذا كان بالقرب من هنا، فأجابتها الممرضة تشير بأصبعها جهة اليسار:
_تقصدي دكتور سمير؟ دكتور أمراض نفسية وعصبية.
أشارت "شمس" رأسها بالإيجاب:
_أيوه هو.
استكملت الممرضة أجابتها قائلة:
_هتلاقيه بعدنا بشارعين برج الجوهرة الدور الرابع.
ابتسمت "شمس" بسمة شاكرة لها، تاركة إياها تخبر "يزن" و"سارة" قائلة:
_طالما الدكتور هيتأخر شوية، هاروح أعمل حاجة جيت عشانها مخصوص.
فردت "سارة" مسرعة:
_طيب افرض اتأخرتي؟
ماتقلقيش، معايا تليفوني في الشنطة، أول ما تخلصوا رنوا عليا على طول.
اعترض "يزن" على طلبها وهو يقول:
_لاء يا شمس، إحنا جينا مع بعض وهنمشي سوا، استني نكشف ونيجي معاكي مكان ما تحبي.
فأجابته بعينين راجيتين:
_أرجوك يا يزن، أنا مش هتأخر، عشان خاطري سيبني أمشي قبل ما ييجي ياسين، هسأل عن حاجة قريبة من هنا وهاجي بسرعة.
تنهد بعد إلحاحها وهو يخبرها بما استمعت له برضا:
_طيب ماتتأخريش، ساعة بالكتير وتكوني هنا، هتصل بيكي كل شوية.
أشارت برأسها وهي مبتسمة تبتعد عنهم ناحية الباب:
_مش هتأخر، مسافة السكة.
لم تطأ قدمه العيادة حتى الآن، كان يتسكع في الطرقات محاولاً تجنبها على أي حال، فأتاه اتصال في هذه اللحظة ليجد المتصل "الطبيب علي". رد وهو متوقع سيل الأسئلة التي ستنطلق عليه الآن، ليسمع صوت الطبيب يقول:
_أنت أخدت شمس معاك يا ياسين؟
رد عليه بأيجاز:
_مش أنا اللي أخدتها هي اللي جت فمشيت.
وصل إلى مسامعه تعنيف "زهره" الشديد، تلك الواقفه بجوار "الطبيب" تتحدث بصوت عالٍ، لعله يصل له:
يعني إيه هي اللي جت وإزاي تاخدها وتمشي من غير ما تقول لحد.. أنا بنتي مش هتركب معاك لوحدها، أكيد أنت اللي أجبرتها.
أضاف بعض البرود بكلامه يحاول استفزازها أكثر:
_سكت الوليه اللي جنبك دي ياعلي.
حاول "الطبيب" إضفاء بعض الهدوء لفض النار المشتعلة بين الاثنين:
_ياسين.. أرجوك زهره مراتي وشمس بنتها ومن حقها تقلق عليها.
هنا ظهر ضجره جليًا وهو يقول:
_أنا ساكتلها بس عشان هي مراتك ياعلي، وبعدين أنا ما أجبرتهاش تيجي معايا زي ما هي بتقول، هي اللي ركبت معانا بإرادتها.
فأتت "غدير" من خلف الطبيب تدعم كلامه:
_أيوه أنا شوفتها يا طنط زهره وهي بتركب معاهم أول ما عرفت إنهم رايحين أسيوط، وياسين ما اتكلمش أصلًا.
رمقت مشيره غدير بنظرات لو كانت النظرات سيوف لقطعتها أربًا، فأكد عليها الطبيب:
_أنت متأكده يا غدير إن مش هو اللي قالها تعالي معانا؟
فأجابت مسرعة تؤكد كلامها مرة أخرى:
_أيوه متأكده.. وبالعكس دي ساره هي اللي قالتلها تعالي معانا مش ياسين، وهي ما صدقت وركبت معاهم على طول.
طيب هي فين دلوقتي.. أدهاني.
قالتها زهره بانفعال جراء فعلتها الهوجاء هذه، فأجاب هو بالنفي:
_مش معايا، اتصلي بيها على موبايلها، هي مع يزن وساره.
تنفست مشيره بارتياح عندما علمت بعدم تواجدها معه، فردت زهره بعصبية أكثر:
_ما لو كان تليفونها معاها كنت اتصلت بيها، وأنا هتصل بيك ليه؟ شمس ناسيه تليفونها هنا.
زفر "ياسين" بتعب وتابع بقوله:
_خلاص هاروحلهم أنا العيادة وهخليها تكلمك من هناك.
كاد الطبيب أن يغلق الهاتف، فهتفت مشيره برجاء:
_ينفع ماتقفلش.
مد "الطبيب" كف يده بالهاتف لها، فأغلقت زر المكبر ووضع الهاتف على أذنها قائلة بحنان تبتعد عنهم بخطوات بطيئة:
_ياسين أنت كويس؟ طمنيني عليك.
مسد على عنقه بتعب يشير برأسه بالإيجاب:
_أنا كويس يا مشيره، ماتقلقيش عليا.
أنا بس حبيت أطمن عليك مش أكتر.
ابتسم ابتسامة امتنان، فقال ببسمة حانية:
_أنا أسف يا مشيره، من ساعة ما وصلتي القرية وأنا سايبك خالص، حصل حاجات هبقى أحكيلك عليها بعدين، أنت عارفه يزن مهم بالنسبة لعمار إزاي، واللي يهم عمار يهمني، بس لما أجي وأخلص اللي أنا فيه هنقعد مع بعض زي الأول.
ابتسمت ابتسامة عريضة وأخذت نفس عميق تتحدث بامتنان:
_أنا قولت إنك نسيتني لما رجعت لأهلك وناسك.
فرد عليها بثقة مما يقول:
_أنا ما أقدرش أنساكي يا مشيره ولا أنسى اللي عملتيه معايا ووقفتك جنبي طول العشر سنين اللي فاتوا.
ابتسمت متابعة:
_أنا مهما عملت معاك مش هنسى وقفتك جنبي في يوم.
كاد أن يغلق الهاتف، فتحدثت هي مسرعة تخبره بما تذكرته للتو:
_ياسين صح.. نسيت أقولك، أنا عارفه إنك بتحب الشيري كولا، فحطيتهالك في الأزايز اللي بتحبها وهتلاقيها في درج العربية.
شكرها بامتنان على اهتمامها بأدق تفاصيله، فأغلقت الهاتف تتنهد بارتياح من حديثه معها.
هناك طرقات تجبرنا على تذكر ما نحاول نسيانه، وهذا ما تفعله هذه الطرقات بـ "شمس" الأن، حين مر أمام عينيها أحداث من السنين الماضية، نفس الشوارع، نفس المحلات، ونفس الفندق. نعم، هذا الفندق الذي قضت به ليلة هي وعمار. مضى على سيرها في هذه الطرقات أكثر من عشر سنوات، طرقات يركضون بها هربًا من "ياسين"، وهي الأن تركض بنفس الطرقات لتداوي نفس الشخص الذي كان سببًا في هروبهما وفزعهما وهو "ياسين". غريبة هي الحياة، وكذلك الأيام، أليس كذلك!
أخيرًا، بعدما أرهقت عينيها بالبحث، وقع نظرها على يافطة دكتور "سمير فايز"، ابتسمت بعدما أخذت وقتها الكافي في البحث عنه، صعدت إلى عيادته تنتظر دورها، ولم تنتظر كثيرًا حتى وجدت الممرضة تنطق باسمها. دخلت وهي مترددة بالدخول، فحثتها نبرته المطمئنة على التكلم بارتياح جعلها تنتزع جزءًا من مخاوفها:
_أهلا بيكي، قبل أي شيء عايز أقولك خدي نفس عميق وحاولي ترتاحي، شايف نظراتك متوترة.
جلست أمامه تفرك بأصابعها وبدأت بقول:
_بصراحة آه، أول مرة أدخل عيادة دكتور نفسي.
قال:
_حد قالك إن الدكاترة النفسيين بيخوفوا؟
كان هذا سؤاله، فردت هي مسرعة:
_ما قصدتش بس..
فهم هو قصدها فتابع بقول:
_المرض النفسي زيه زي المرض العضوي بالظبط يا أنسه.
نظر في الورق أمامه الموضوع عليه اسمها، فبادرت هي بقول:
_شمس، اسمي شمس.
قال:
_تشرفنا يا آنسة شمس، قوليلي إيه اللي خلاكي تقرري إنك تتعالجي نفسيًا؟ إيه الأعراض اللي بتحصلك؟
_لاء، ده مش أنا.
كان هذا جوابها، جواب سريع دون تردد، فابتسم "الطبيب" على سرعتها في التحدث مما جعله يسأل:
أومال لمين؟
ابتلعت ريقها بعيون زائغة تحاول أن تستجمع كلماتها هاربة من سؤاله:
_ممكن أسأل حضرتك شوية أسئلة؟
فأجاب بالتأكيد، فاسترسلت حديثها:
_لو شخص عزيز على حد أوي ومات، والشخص اللي لحد ده مات، بقى بيتكلم زيه وساعات بيبقى نفس نبرة صوته ونظرة عيونه، وحتى كلامه وجملته اللي كان دايما بيقولها الشخص المتوفي ده، ومش بس كده، وأوقات كمان بيتكلم معاه، واحتمال كبير إنه بيأذي نفسه وبيطعن نفسه، يبقى هو كده بقى مجنون ومحتاج يتعالج؟
ابتسم الطبيب على أسئلتها التلقائية، فأجاب بهدوء يترك مقعده على المكتب ويجلس بالمقعد المقابل لها:
المريض النفسي عمره ما كان مجنون يا شمس. المريض النفسي زي ما قولتلك قبل كده بيبقى زيه زي أي مرض عضوي بيحصلنا، وممكن كمان المرض النفسي بيأذينا أكتر من المرض العضوي أحيانًا.
_يعني بيتعالج؟
اكيد بيتعالج، بس لو هو عاوز يتعالج. أنت دلوقتي قولتيلي كام حاجة ماقدرش أبدًا أقرر منهم وأشخص حالته بالظبط. لازم المريض ييجي، وأول شيء بسأله إذا كان مدمن أو لأ، لأن الإدمان عامل قوي يخلي الشخص يصاب بأنواع كتير من الأمراض النفسية.
لا.. لا مش مدمن خالص.
كانت كلماتها سريعة وبدون أي مقدمات، فسألها الطبيب السؤال التالي:
طيب الشخص المتوفي ده يقربله إيه؟
طالعته بهدوء قبل أن تقول بنبرة حزينة:
_ابنه.
ابتلعت غصة مريرة في حلقها قبل أن تضيف:
_ومكانش يعرف إنه ابنه، عرف إنه ابنه اللي بيدور عليه سنين قبل ما يموت بثواني، مات وهو في حضنه.
ترقرقت عيناها بالدموع تتذكر تلك الليلة القاتمة:
_مات ما بين إيديه، صرخ صرخة قلوبنا اترجت لما صرخها من كتر وجع قلبه عليه، كنا كلنا حواليه، بس مرة واحدة ومن غير أي مقدمات وقف وقام بص للزاوية اللي في القبو.
هتفت بإصرار امتزج مع وجعها:
أيوه، أنا فاكرة كويس إنه بص للزاوية اللي في القبو وابتسم بعد ما كان بيصرخ بكل ما فيه. ابتسم ابتسامة مش هنساها أبدًا. وكأنه كان شايف اللي ضاع منه من سنين. ساب جثة ابنه وبعد ما كان بيصرخ عليه قال بكل بساطة: أنا ماشي. كلنا كنا مستغربين إزاي يسيب جثمان ابنه وهو حتى ما دفنش، ده جسمه لسه ما بردش، بعد ما كان هيموت عليه، مشي وغاب عننا عشر سنين، بس لما رجع ما رجعش ياسين، رجع واحد تاني. بيكلم نفسه، بيكلم بنبرة ابنه، بيحاول يأذي نفسه وبيطعن نفسه بالسكين. نظراته المرعبة، وبالذات وأنا معاه، زي ما يكون عمار ابنه عايز يقولي: أنا عايش، ما متتش.
مسحت بأصابعها وجنتيها بعد انهيار دموعها قائلة:
_حاسة إنه موجود بوجوده، وياريته كان موجود حقيقي.
مد "الطبيب" كف يده بالمناديل:
_اتفضلي امسحي دموعك.
مدت كف يدها تمسح دموعها بعدما أخذت نفس وكأنها غريق تتنفس الهواء، فتابع الطبيب أسئلته:
_الظاهر إن المرحوم كان غالي عليكم أوي، الله يرحمه.
فتابع بقول:
_بصي يا آنسة شمس، بعد كل اللي قولتي ده وبعد ما حاولت أربط الخيوط ببعضها، قدرت أكون شكل مبدئي بمرضه وهو مرض نفسي اسمه (بارانويا) أو بمعنى أصح اسمه جنون الارتياب. بس قبل ما أكمل حابب أعرف علاقته بالمتوفي كانت عاملة إزاي قبل ما يموت، يعني كانت علاقتهم كويسة ببعض بما إنه مكانش يعرف إنه ابنه؟
سؤال جديد سأله الطبيب، فردت هي بحزن:
للأسف كانوا بيكرهوا بعض جدًا.
_ما تعرفيش إيه سبب كرههم لبعض؟
سؤال مفاجئ من جديد يربكها، فصمتت لثوانٍ تابعت بتردد تبتلع ريقها:
_للأسف أنا، أنا السبب في كرههم لبعض.
فسأل بعدم فهم:
_معلش توضحيلي أكتر، ليه كنتي السبب في كرههم لبعض؟
فأجابت بنبرة متقطعة تنظر للأسفل تعيد خصلاتها الأمامية بأطراف أصابعها للخلف بتوتر:
_أصل، أصل الاتنين، الاتنين كانوا بيحبوني.
كمش حاجبه باستغراب وصمت لثوانٍ، فرفعت هي رأسها تطالع ملامح وجهه.
من يراه الآن يقسم بأن ملامحه خالية من أي تعبير. لم يعد يستوعب ما قالته للتو، فأدرك صمته سائلًا:
"أب وابنه بيحبواكي إزاي؟ أنا قابلتني حالات كتير، بس أول مرة أشوف أب وابن بيحبوا نفس البنت. أولًا فرق السن، بما إنه أب أكيد راجل مسن، مش قادر يقف على حيله. إيه اللي يخليه يبص لمراهقة زيك، طالما من عشر سنين؟ وياسين ده عنده كام سنة؟"
أسئلة... أسئلة كثيرة. ماذا تخبره؟ هل تقول له بأنه مستذئب، مهما مر عليه الزمن لا يشيخ أبدًا؟ هل تخبره بأنها هجينة؟ هل سيصدق حقًا؟ أدركت المأزق الذي وضعت نفسها به. ابتسمت ابتسامة مصطنعة للمرة الأولى في هذا اللقاء، قائلة:
"أقصد هو أخوه، بس كان دائمًا بيعتبره ابنه وكان بيدور عليه، بس للأسف فقد الذاكرة. ولما رجعت له الذاكرة عرف إن ده أخوه. أنا بس التعبير خانـ ـي من كتر ما هو دائمًا بيقول إنه بيعتبره ابنه."
كاذبة... لم تستطع قول الحقيقة، فمن سيصدقها على كل حال.
تنهد "الطبيب" بارتياح عند سماعه بأنه شقيقه وليس والده، فأجابها ببسمة مريحة:
"بصي يا شمس، أنا هجاوبك على بعض الأسئلة اللي سألتيني عليها واحدة واحدة. ياسين لما عمار مات بين إيديه، عقله ما استوعبش إنه فقده. عقله ما قدرش يتحمل فقده، كان ممكن وقتها يتحول للجنون، بس عقله هنا عمل حصن منيع عشان ما يفقدش قدرته وابتدى يكون شخصية في دماغه بالحاجة اللي كان عايزها تحصل، وهي إن عمار يفضل عايش. وده سبب إن ياسين بص في الزاوية زي ما قولتي. هنا في اللحظة دي، هو كان شايفه قدامه، ولما ابتسم، الصورة اللي كونها في دماغه هي اللي كانت بتبتسمـ ـله. وهنا عقله محى ذكرى وفاته واتمسحت خالص. كان لازم الشخصية اللي اتكونت دي تؤمره بالرحيل عن جثمان عمار، لأنه لو كان شافه وهو جثة وشافه وهو واقف قدامه، كان ساعتها هيتحول للجنون، فكان لازم يمشي. تاني شيء، وهو إن جنون الارتياب ده بيكون شخصيات كتيرة، في منها المؤذي وفي منها اللي بيدعمك. يعني مثلًا لو كان عمار مات وهو بيحب ياسين والاتنين كويسين جدًا مع بعض، فكان هيظهر له بنفس الصورة، بأنه طيب وبيـ ـدعمـ ـه وبيتمناله الخير دايمًا. أما في حالة ياسين، فالاتنين كانوا بيكرهوا بعض زي ما قولتي، فبالتأكيد الشخصية اللي عقله هيكونها هتكون شخصية مؤذية وهتفضل تأذيه لحد ما يقتل نفسه في يوم أو حد من اللي حواليه."
وقفت من على مقعدها بهلع، تكرر كلماته:
"يقتل نفسه؟"
"آه، وكمان يأذي اللي حواليه ويفقد السيطرة على نفسه لما تجيله نوبة منهم. وقتها ما بيكونش شايف قدامه. لازم يهدى، لازم يشعر إن في حد جنبه ويحتويه قبل ما يرتكب فعل يندم عليه لما يفوق. مرض ارتياب الجنون للأسف من أسوأ وأعنف أنواع المرض النفسي."
نظرت له ببسمة متوجعة وهي تقول:
"طيب والعمل يا دكتور؟"
"العمل إنه لازم يتعالج قبل ما يأذي نفسه واللي حواليه أكتر من كده، ويكون هو عايز يتعالج، ده سبب رئيسي عشان يخف."
لا يوجد أمامها خيار سوى الموافقة:
"هحاول."
أنهت حديثها لتخرج بهدوء. فوقفت تنظر خلفها تسأله:
"لو حبيت أتواصل مع حضرتك وما قدرتش أجي هنا، أتواصل مع حضرتك إزاي تاني؟"
قال وهو يقوم بمد كفه يده بالكارت الخاص به:
"للأسف، ده كان آخر يوم ليا في العيادة النهاردة. بعد كده هبقى في عيادتي اللي في القاهرة، وهـ ـأجي هنا قليل أوي. لو تقدري تجيبيهولي القاهرة، أنا هكون في العنوان والمواعيد اللي عندك في الكارت. حاولي ما تتأخريش في علاجه، امبارح أفضل من النهاردة."
أشارت برأسها بالموافقة ببسمة مكسورة، تنظر بالكارت في يديها. خرجت من عند "الطبيب" لتجد توغل الليل، فعمت العتمة. كم مر من الوقت وهي بالداخل؟ استوعبت مرور الساعات وكأنها كالدقائق. فتحت حقيبتها لتبحث عن هاتفها، فبالتأكيد واردتها اتصالاتهم. ظلت تبحث بداخل الحقيبة بعشوائية، فلم تجده. ضربت بكف يدها على جبينها، تمسح بيدها على وجهها بضيق عندما تذكرت بأنها قد نسيت هاتفها في غرفتها. هرولت مسرعة إلى الخارج، تنظر هنا وهناك تبحث بعينيها عن الشارع.
مازالت تهرول بين الطرقات تبحث عن النقود بداخل حقيبتها، فوجدت أنها لم تحضر نقودًا أيضًا. قررت الذهاب إلى العيادة وهي على يقين بأنها قد أغلقت الآن بالتأكيد، تركوها وحدها ورحلوا. وعلى الرغم من ذلك، مدت خطواتها أسرع، ربما ينتظرونها هناك. حتى وصلت للمبنى، تهرول على الدرج بأنفاس مقطوعة. وصلت أخيرًا، لتجد الباب مغلقًا والإضاءة خافتة. تنبعث إضاءة خفيفة من الطابق العلوي. ظلت تدق بيديها دقات متواصلة على الباب، ربما يوجد أحد بالداخل، ولكن دون استجابة. حتى راودها شعور الإحباط. الآن توقفت عن دقاتها، فهذا ما كانت تتوقعه، ولكن كان هناك أمل صغير أن ينتظرها أحدهم. ماذا تفعل؟ لا هاتف، لا نقود، فكيف تعود إلى قريتها؟ أغلقت عينيها وخرجت من داخلها تنهيدة يائسة. استدارت بجسدها تستعد للرحيل، فوقع على مسامعها صوته وهو يجلس على الدرج بانتظارها، وهو يقول بصوت حازم:
"كنت فين؟"
دب بقلبها شعور بالطمأنينة عند سماع صوته. رفعت عينيها للأعلى لتجده يجلس على الدرج بانتظارها، أصابعه متشابكة، ينظر للأسفل، يتنفس بارتياح عند وصولها بعدما أكله القلق. فكرر سؤاله من جديد، السؤال الذي لم تجب هي منذ دقائق:
"كنت فين يا شمس؟ الوقت ده كله؟"
قال آخر ثلاث كلمات ببطء شديد من بين أسنانه. هربت الدماء من عروقها، شعرت بالخوف من نبرته، فما زال على نفس وضعيته، لم يتحرك انش واحد. شعرت بوادر نوبة كما حدثت له من قبل، فجلست بجواره دون حديث. رفعت أصابعها ببطء، تضع كف يدها على ذراعه لتهدئته قليلاً. استدار بوجهه يطالع كف يدها الموضوع على ذراعه بحنان. تسارعت دقات قلبه، تنهد بخفوت يحاول تهدئة ذلك الغبي الذي يضرب بالقرب منها، فهي ستشعر باضطرابه. فردت هي دون تفكير:
"أنا كنت... كنت بشتري حاجات وبتفرج على المحلات ومش فاهمة الوقت سرقني إزاي."
بان الكذب في نبرتها، لذا أعطاها ابتسامة خبيثة، لاحظتها هي، فسحبت كف يدها ونظرت حولها هاربة، ولكن ثبتها قوله:
"وفين الحاجات اللي اشتريتيها؟ مش شايف حاجة في إيدك."
وقفت أمامه تعطيه ظهرها، تفرك بأصابعها بقلق:
"ما هو اصل... اصل أنا كنت..."
فبتر هو حديثها قائلاً ببرود مستفز:
"يلا اكذبي كذبة تانية... ولا أقولك... استنى أنا مش مهتم."
ليست هي الكاذبة الوحيدة الآن، فهو أيضًا يكذب. فضوله ينهشه من داخله، ولكنه سبقها يهرول على الدرج، وهي تتبعه.
"يزن وسارة مستنيين، ياريت ما نتأخرش عليهم أكتر من كده."
تحمل حقيبتها بين كفيها، تضعها بالسيارة. تنظر خلفها تطالعه ببرود:
"كان ممكن تفضل مع دكتور علي يا بيبيوس، مش لازم تيجي دلوقتي."
يدرك موقفها جيدًا، يدرك الضجة التي أحدثها بداخل عقلها بحديثه الأخير معها، لذا حاول تقبل كل كلمة تتفوه بها بصدر رحب:
"أعتقد هذا يكفي، فجلوسي في القرية أكثر من ذلك لا فائدة منه."
فقالت دون تردد، تقلد طريقته:
"وجلوسك في الحارة أيضًا لا فائدة منه يا شيخنا."
أغلقت حقيبة السيارة بانزعاج وصعدت على الفور، تاركة إياه خلفها يحاول استيعاب ما قالته منذ ثوانٍ. فتذكر كم قسى عليها من قبل، تنهد بعمق محاولاً ألا يفقد أعصابه، فصعد بالمقعد الأمامي، فأمر السائق بالتحرك إلى محطة القطار.
كان يجلس على مكتبه، يضع أمامه كتاب الكيمياء الذي رسب به، واضعًا على أذنه سماعة الرأس يستمع إلى الموسيقى المفضلة له، يستذكر دروسه جيدًا، فغدًا هو يوم اختباره. دخلت عليه هامسة، تحاول أن تقترب منه ببطء، حتى أمسكت بكتابه فجأة، قائلة:
"بتعمل إيه؟"
كان هذا سؤال غدير بعدما دلفت غرفته دون استئذان. انزعج من دخولها هكذا، فطالعها بانزعاج يملأ عينيه، هتف بإصرار قائلاً:
"غدير، إحنا ما بقيناش عيال صغيرة عشان تدخلي عليا كده مرة واحدة من غير ما تستأذني. قولتلك ألف مرة قبل كده، على الأقل خبطي. افرضي كنت بغير هدومي أو مش لابس أصلًا، أو حتى بعمل حاجة مش عايزك تعرفيها."
لم تأخذ حديثه على محمل الجد كعادتها، فجلست على فراشه تربع قدميها، ممسكة بكتابه، تخبره بمشاكسة:
"ياسلام، وده من إمتى يا حسان؟ ما أنا طول عمري بدخل عليك عادي، مش معنى الأيام دي يعني. وبعدين أنا بعتبرك أخويا زي رعد وداغر كده، إحنا متربيين سوا، وأعرف عنك كل حاجة زي ما أنت تعرف عني كل حاجة. إيه اللي جد يا ابني؟"
"عشان إحنا مش أخوات."
جحظت عيناه، وقال جملته بثبات يؤكد ما قاله من جديد:
"أيوه يا غدير، إحنا مش أخوات. مش معنى إنك بتيجي تقضي هنا كل إجازة طول العشر سنين اللي فاتت، تبقي أختي. أنا ما بطلبش كتير، كل اللي بطلبه إنك تخبطي مش أكتر قبل ما تدخلي، زي ما أنت عندك خصوصياتك، أنا كمان كبرت وعندي خصوصياتي."
نبرته الجادة أحرجتها، لم تعتد على حديثه هذا، فهو بمثابة أخ لها. ولكن كلماته كانت كالصفعات على وجهها. غزت الحمرة وجهها، تتمنى لو تنشق الأرض وتبلعها الآن. أشارت برأسها بعيون دامعة، تبتلع ريقها بصعوبة، تشير بكتفيها:
"تمام، ما كنتش أعرف إني بضايقك أوي كده. أنا أصلًا مش هدخل عليك تاني، ما تقلقش."
رحلت صافعة الباب خلفها. هز رأسه وعيناه لا تفارق الباب قائلاً بجدية:
"تمام يا غدير."
رحلت "غدير"، تهرول على الدرج. بالخارج، التفتت خلف المنزل ودموعها تنهمر على وجنتيها، بعدما فتحت قفل الدراجة الخاصة بها. صعدت على الدراجة تقودها بين الطرقات المظلمة، على يسارها البحيرة، وعلى يمينها الحقول. ينساب الهواء بين خصلات شعرها القصير. كانت تقود الدراجة بسرعة كبيرة في المناطق الوعرة. وعلى حين غرة ودون أن تشعر، ظهر أمامها فتى يقف بطريقها. لم تستطع أن تقف بالدراجة في الوقت المناسب، تسمع صوته قائلاً:
"حاسبي..."
حاسبي يا انسه.
لم تستطع كبح الفرامل لتصطدم به بعنف شديد. سقط الفتى للخلف على الأرض لتقع هي فوقه والدراجه تقع عليها فأصبح هو بالأسفل قائلا من بين أسنانه بألم يظهر بنبرة صوته:
_مش قولتلك حاسبي يا أنسه.
قالت بوجه باكي:
_مكانش قصدي.
كان حاضرا بالسياره خلف المبنى الخاص بالعياده. حث "شمس" على الركوب وهو يلوح لها بكف يده على استعجال:
_اركبي.
أمسكت بمقبض الباب وقبل ان تصعد السياره قالت سائله:
_هو احنا رايحين فين؟
رد وهو يركب على مقعده جوارها:
_هخطفك.
أدار سيارته قبل صعودها فحنى رأسه يطالعها سائلا بعصبيه:
_هتطلعي ولا امشي؟
قال جملته يضغط بقدمه على مكابح الوقود يستعد للرحيل. هو هكذا مربك دائما. لا يوجد امامها اختيار سوى الصعود معه. وقبل أن تغلق الباب ضغط على المكابح على استعجال يشق الطريق شقا. راوده اتصال. فنظرت "شمس" على شاشه هاتفه دون ان تلمسه. عقدت حاجبيها باستغراب تنظر لاسم المتصل مستفهمه:
_عملي الاسود!! مين عملك الاسود ده؟
_أمك.
قالها سريعا دون تردد. فاستكمل حديثه دون ان ينظر اليها:
_ردي عليها بقى عشان اخلص من صداعها.
تنهدت وهي تبلع ريقها تستعد لسيل الاسئله التي ستواجهها الأن:
_ايوه ياماما.
انتظرت حتى انتهت زهره من توبيخها ثم اردفت:
_ضيعني ايه بس ياماما انا عيله صغيره انا بس كنت.
فقاطعتها زهره توبخها من جديد تتوعد لها عند عودتها:
_خلاص ياماما. خلاص عشان خاطري لما اروح انا خلاص في الطريق راجعه.
ابتسم "ياسين" بخبث على تأكيدها لها. حتى اوقف السياره لتجد نفسها امام محطه القطار. يأتى يزن مسرعا:
_اتأخرتوا كده ليه؟ القطر قدامه تلات دقايق ويمشي.
شعرت بأنها لا تفهم شىء. لا تعلم حتى الى اين وجهتهم الأن. وقف "يزن" مقابلها بنفس متقطع:
_يلا ياشمس مافيش وقت. احنا لازم ننزل القاهره. ساره مستنيانا في القطر. ماينفعش نسيبك تروحي القريه لوحدك في وقت زي ده.
وقفت تفكر في والدتها لثواني. تراهم امامها يصعدون للقطار. صعد "ياسين" ومن خلفه "يزن" يقفون على باب القطار. وهي مازالت واقفه. هل تصعد حقا معهم؟ ماذا عن والدتها؟ وضع "ياسين" يديه بجيوبه الخلفيه خلف يزن يطالعها بابتسامه شامته يرى عيناها الحائره. تحرك القطار ببطىء في بادىء الأمر. فمد "يزن" كف يده لـ "شمس" يحثها على الصعود:
_يلا ياشمس مش هينفع نسيبك هنا.
ودون ان تشعر مدت كف يدها لـ "يزن" وصعدت معهم. تركها يزن وتقدم الى الأمام تراه يبتعد عنها وهو يقول:
_تعالي اوديكي لساره.
تجمدت قدماها من الذهول. هل حقا صعدت معهم الى القطار؟ لا تعلم الى اين سترحل. فابتسم ياسين بسمه شامته ومال بوجهه هامسا بأذنيها:
_ده أنت هتتنفخي.
ده انا هنفخها. بس لما تجيني.
قالت زهره كلمتها وهي في قمه نرفزتها تضرب كف بأخرى:
_اهدي يازهره مش كده.
حاول "الطبيب" تهدئه "زهره" قليلا. فردت بعصبيه:
_ما أنت طبعا حاطط ايدك في المايه البارده ياسي علي ومش حاسس بيا. وهتحس بيا ازاي وانت عمرك ما هتحس باللي انا حاسه بي. ولا عمرك هتبقى أب ولا هتخلف في يوم.
قالت كلماتها دون وعي لما تقوله. نزلت كلماتها كالصاعقه تشق قلبه نصفين. طالعها بعدم تصديق مما قالته. فعقدت "مشيره" حاجبها باستغراب فهمست لنفسها قائله:
_معقول حتى علي كمان طلع مابيخلفش.
حاول أن يهدأ ولا يقدم على فعل شىء يندم عليه بعد الأن:
_أنا صحيح مابخلفش بس أنت كنت بنتي الصغيره.
كان هذا رده الذي تبعه بقول:
_زي ما بتخافي على شمس انا كمان بخاف عليها يازهره وبخاف على أي حد هنا بالرغم انه مش من دمي. شمس طلعت القطر معاهم بمزاجها مش غصب عنها. أنا عارف أنك مش عايزاها تبقى مع ياسين. بس اللي انا متأكد منه أنك لو لفيتي الدنيا كلها مش هتلاقي حد يخاف عليها ويحميها اكتر من ياسين. وسبب اني مابخلفش انت عرفاه كويس ورضيتي بيا قبل ما نتجوز. فماتجيش دلوقتي تعاقبيني بحاجه غصب عني.
قال كلماته تاركها خلفه تراه يبتعد عن ناظريها. ما الذي تفوهت به تلك الحمقاء. أخذت تؤنب حالها على ما قالته. فنطقت اسمه حتى توقفه:
_علي استنى.
لم يستمع لها تاركا أياها يغادر المنزل. فأوقفتها الخاله تضرب بعصاها الأرض:
_سبيه يازهره. سبيه يعيد حساباته. وانت كمان يابتي عيدي حساباتك من اول وجديد قبل ما تخسري علي وتضيعيه من بين ايديكى.
ابتلعت مشيره ريقها. فرؤيه الخاله تشعرها بالتوتر. هيبتها. كلامها الحكيم. نظرتها المدانه دائما. وكأنها تخبرها بأنها ستكشفها يوما ما. اسرعت بالدخول الى غرفتها ممسكه بكف زهره تأخذها معها داخل الغرفه.
كانت تجلس أمام الباب بالقطار وهو مسرعا. تستطيع سماع اصوات بوق القطارات من حولك. تسند هي بظهرها على احدى الجوانب تنظر الى الحقول والمباني تتنفس الهواء مع نسماته البارده. فأتى "بربروس" يجلس في الجهه المقابله لها. ادارت وجهها مسرعه تطالع الخضرا مع سرعه القطار. فابتدا هو حديثه قائلا:
_اعلم ما بداخلك كما اعلم جيدا سبب معاملتك لي. ولكنك طلبتي مني سائله ان اقنعك بدين الاسلام. فلا ذنب لي يامارال.
ما ان ادركت ما قاله حتى وقفت مسرعه تبتعد عنه. قبض بكف يده على معصم يدها. فنزلت بعيناها الى موضع يده. فسحب كف يده مسرعا من عليها يقول بعيون راجيه:
_أرجوكي اجلسي. فأنا لا أتحمل لحظه يحمل بها قلبك شيئا ضدي.
ابتلعت ريقها تعود أدراجها جالسه تنظر له بعيون باكيه. فنطق هو بما لا تريد البوح به فقال بلطف:
_حسنا. لقد سمعتني. أريد سماعك الأن. لما كل هذا الغضب؟ قولي ما عندك. فأنا احتاج لسماعه.
انت غلطت يابيدقوس.
ابتسم هامسا لنفسه. حسنا. لقد عادت تناديني ببيدقوس. وهذا شىء مطمئن. فأكملت هي حديثها:
_غلطت لما قولت ان احنا بنعبد 3 الهه. الكلام ده غلط اوي. احنا بنؤمن بأله واحد بس. معندناش تعدد الهه. بسم الاب والابن والروح والقدس دي زي مثلا الشمس بتطلع نور وحراره وضوء. ومع ذلك هي كيان واحد. هي الشمس. فاهمني يابيدقوس.
كانت تشرح له بغـ ـ ضب عارم. حاول الا يتحدث معها اكثر من ذلك. حاول ان يمتص غضـ ـبها يشير برأسه بالموافقه:
_افهمك يامارال. حسنا. دعينا لا نتحدث بالدين. "لكم دينكم ولي دين". هل توافقينني على ذلك؟
اشارت برأسها بالموافقه. فمسح على وجهها بأنامله دموعها التى كانت تنهمر بغزاره يحتضن عينه عيناها بحب. فابتسمت هي ابتسامه من بين دموعها. فطلب منها مره أخرى ما يتمناه منذ سنين:
اتقبلين ان تكوني زوجتي يامارال؟
ابتسمت ابتسامه خفيفه حاولت الحديث من وسط نحيبها. فخرجت الكلمات متقطعه:
_أأ.. اايوه.. ايوه.. اتجوزك يابيدقوس.
ابتسم ابتسامه عريضه زادت من وسامته وهو يصرخ بأعلى صوته بالقطار:
_ربـــــــــــاه.
كان يستلقي بظهره على سقف القطار. يضع كف يده خلف رقبته يطالع السماء والنجوم المترصعه بها. بين أصابع كفه الأخر سيجاره ينفخ بها مايريد أخراجه من صدره. يعبث الهواء بخصلات شعره الكثيفه هنا وهناك. تلاحقت أنفاسه في صوره غير منتظمه. حاول كثيرا أن ينام ولكن النوم هجره. عقله لا يتوقف عن التفكير بـ "شمس". أين ذهبت ولماذا تكذب. اخذ نفسا اخر من سيجارته ينفخ بها بزهق. تراوده افكار لا يستطيع أخراج تلك الأفكار من عقله.
شمس كنتي فين كل ده؟
جلست بجوارها تطالعها بهدوء:
_بلاش اقولك ياساره كنت فين اصل مش عايزه اكذب عليكي وفي نفس الوقت مش عايزه اقول.
همست "ساره" اليها قائله:
_اى ده للدرجه دي الموضوع كبير.
اشارت برأسها بالأيجاب. فأكملت ساره حديثها:
_اسكتي ده ياسين كان هيموت عليكي. كان عامل زي المجنون. ما سابش حته الا لما دور عليكي فيها. كان بيتحرك بسرعه جدا. مهمهوش اذا حد يشوفه ولا لاء. راح الفندق اللي كنتي فيه مع عمار وراح كمان شقه الدكتور علي. بس غريبه مش عارفه ليه بيقول عليها شقه يزن وعمار.
فردت سائله:
_هو قال كده؟
ايوه. لولا ان الدكتور طلب اشعه وتحاليل لازم تتعمل في مصر. يزن مكانش خلانا نسافر. معلش بقى عشان سافرنا فجأه.
ابتسمت "شمس" تهز راسها بلطف:
_ماتفكريش فيا. انا اهم حاجه انت.
وضعت "ساره" يدها على ذراعها بابتسامه واسعه:
_عارفه ياسين فين؟
بعدم فهم:
_لاء هيكون فين؟
رفعت سبابتها تشير الى الأعلى قائله:
_فوق القطر ابن المجنونه.
هزت "شمس" كتفيها ببراءه:
_ياسين..
هتتوقعي منه إيه غير كده.
أتى "يزن" يمد كف يده إلى سارة:
_سارة عايزك.
طالعت شمس قائلة:
_طب عن إذنك يا شمس.
نظرت "شمس" إلى الأعلى وابتسمت وهي تجلس على المقعد بجوار النافذة، تسند برأسها على الزجاج تتابع بعينيها الطريق، رائحة السفر بكل مكان، الهواء الشديد.
تحرك القطار بسرعة كبيرة، إضاءة خافتة تعتمد على ضوء القمر في الرؤية.
أخرجت من حقيبتها مذكرته التي لا تفارقها يومًا، أخذت تقرأ ما بها من جديد، تتخيله ممسكًا بقلمه يجلس على البحيرة المقربة إلى قلبه وهو يكتب:
"عاداتي مع النساء غريبة، أكره لمستهن لي، ولكني أستمتع بدماؤهن الدافئة عند غرزي أنيابي بأجسادهن. ولكن أمامها هي كل ما أريده هو أن تتجول يداها الجميلتان هاتان على جسدي بحرية، تكتشف جسدي كما لم تفعل امرأة من قبل. اللعنة عليك يا قلبي، لماذا هي؟ لماذا "شمس" هي حقًا؟ امرأة مميزة، حتى اسمها مميز مثلها. أظنني سأتذكر هذا الاسم لوقت طويل..."
جاء قطار آخر بسرعة كبيرة بجانب قطارهما فأحدث ضجة عالية، أغلقت المذكرة تحتضنها بين أضلعها، تخرج من صدرها تنهيدة دافئة، تطالع النافذة بجوارها، كم تتمنى لو أحضرت معها الهاند فري مع أغاني "حمزة نمرة" المطرب المفضل دائمًا وإليها، فهذه الأجواء تحتاج لأغانيه الآن.
وقبل أن يرمش لها جفن وجدته بجوارها، انتفضت بانزعاج تطالعه بجوارها دون أن تتحدث، فنطق هو بما لا يصح قوله:
_إيه بتفكري فيه ولا إيه؟
ابتلعت ريقها وهي تحتضن المذكرة بين يديها بإحكام، تحاول تغطيتها بيديها حتى لا يلحظها هو.
تطالعه بحذر سائلة:
_تقصد مين؟
همس لها بشيء ما في أذنها جعل الدماء تغلي في عروقها بلا رحمة، وتابع هو بعد أن ابتعد يعود للخلف بخطوات بطيئة ووجه لها رافعًا كفه ببراءة متابعًا حديثه:
_اللي كنتي عنده، فريد طبعًا، ولا في غيره.
اتهامه لها واضح وصريح، فحذرته بنظراتها قبل حديثها:
_ياسين، بلاش غضبك يخليك تقول كلام مالهوش لازمة.
هتف باستهزاء من حديثها:
_غريبة، مع إنّي مابقولش كلام مالوش لازمة.
وقبل أن تنطق اختفى من أمامها، بحثت عنه بكل مكان بالقطار فلم تجده من جديد، فعلمت أين هو، بالتأكيد عاد إلى سطح القطار.
انتظرت حتى توقف القطار أخيرًا وهبط كل ما فيه، خرجت من المحطة تهتف باسمه، يتحرك أمامها بخطوات سريعة حتى جذبته من ذراعه قائلة بعصبية:
_ياسين، استنى أنا بكلمك.
مسح وجهه بضيق قائلاً:
_عايزة إيه يا شمس؟
_إيه اللي إنت قلته ده؟ إنت عارف إنت بتتهمني بإيه؟
كانت الأجواء مشتعلة والنظرات المتبادلة تكاد تحرق الجميع، فرد بسخرية:
_كذبيني؟
قالت بعيون هاربة:
_أنا هقولك بس مش دلوقتي.
في نفس التوقيت هناك من يراقبهما، يجلس خالد رفيق "فريد" على الموتور الخاص به يراقبهما عن كثب، يتحدث بالسماعة إلى فريد:
_أيوه يا فريد باشا أنا شايفهم قدامي.
انتظر خالد حتى أكمل فريد فأجابه بإيقان:
_يا فريد باشا أنا شايفه وهو بيطلع على سطح القطر بسرعة رهيبة، أنا متأكد إن الواد ده وراه حاجة.
انتظر ثواني ثم تابع:
_تمام يا فريد باشا ما تقلقش عليها، أنا عايزك تقلق عليه هو.
طالع خالد شمس وياسين وهو يرتدي خوذته، وجدهما والنار تشتعل بينهما أكثر.
_شمس، إنتِ ما تهمينيش أنا بس صعبان عليا أمك العقربة اللي فاكرة إن أنا هبقى السبب في ضياعك.
كان يتحدث بغضب عارم، من يراه يقسم وكأن أشباح الموت تتراقص على وجهه من كثرة غضبه، حاولت أن تحتويه فقالت بنبرة متقطعة:
_أنا مش هرد عليك، بس أنا بس عايزة أقولك إن ما فيش فريد ده أصلًا.
رد "ياسين" على قولها:
_يبقى في غيره.
صاحت بغضب وهي تتخطاه:
_تاني يا ياسين برضوا بتكررها تاني، وبعدين إنت مالك أصلًا مهتم تعرف أوي كده ليه؟
_عشان كنتِ معايا، والمفروض إن طول ما إنتِ معايا أبقى عارف إنتِ فين، غير كده لأ، ما تخليش خيالك المريض يصورلك في يوم إنك تهميني. إنتِ لو بتتقطعي قدامي هفضل أتفرج عليكي من بعيد.
تركها ورحل، تراه يبعد عن ناظريها حتى اختفى تمامًا، تركها واقفة في صدمة وذهول مما تفوه به من حماقات سخيفة، سقط قلبها أرضًا، شعرت وكأن الأرض لا تتسع لهما سويًا، لم ترض أبدًا عن أي مما قاله، حاولت منع دموعها من النزول ولكن دموعها كان لها رأي آخر، لم تشعر بما حولها، فاقترب ذاك الفتى منها بسرعة لم تشعر به، كانت شارده بما يشغل بالها الآن، فتح زجاجة بها ماء نار مركز يلقيه على وجهها، نظرت إلى الزجاجة برعب دب بقلبها، استسلمت تمامًا، فلم يكن هناك أي مكان للاختباء، كل شيء حدث بسرعة غريبة حتى وجدته هو يقف أمامها، ذاك الجدار البشري يحميها بجسده، يضمها إلى صدره، يستقبل هو ماء النار كلها على ظهره بدلًا منها.
أسرع خالد بالدراجة البخارية وهناك من يصور ذلك، احترقت سترته واحترق ظهره بالكامل، فتحت هي عيناها، لم تكن صدمة بقدر ما كانت دهشة، دهشة غريبة تشبه فرحة الخائف عند شعوره بالاطمئنان، وبالرغم مما هو فيه الآن، فكان أول ما قاله بنبرة متقطعة تحمل من الألم ما يكفي:
_أطمني، إنتِ بخير يا شمس.
رواية الهجينة الفصل الثامن والتسعون 98 - بقلم ماهي احمد
حينما تهجم علينا موجة حارة وينقذنا نسمات هواء باردة تنعش أرواحنا قبل أجسادنا وتشعرنا بالحياة من جديد، ذلك الشعور المحبب لأنفسنا هو ما أصابها حين وجدت "ياسين" يضمها بكلتا ذراعيه يخبأها بداخله من شرور العالم أجمع.
حاوطت عيناه عيناها وهي مازالت تطالعه، تصدح في أذنها آخر كلماته وهو يقول بنبرة متقطعة وكأن قلبه ضاق صدره عليه:
"اطمني.. أنتِ بخير يا شمس."
كانت تطالع عينيه بقلب وجل، وأتتها الصدمة التي سرقت أنفاسها أثناء رؤيته بهذا الضعف. شموخه وكبرياؤه الذي قابلته منذ قليل تبخر. تريد "شمس" قول شيء ولكن الصوت تم أسره داخلها وكأن الأرض لا تستطيع حملها. طالعها ينظر إلى غابات عيناها الخضراء يرى انعكاس صورته فيها. نطقت عيناها قبل لسانها:
"بس أنت مش بخير يا ياسين."
حاول الثبات أمامها ولكن خانه جسده حين مال برأسه عليها فاقدًا للوعي. خانه كل عضو حتى عيناه لم يستطع فتحهما وكأنهما جبلين لا يستطيع تحريكهما. فضمته هي صارخة حتى شق صراخها الأجواء شقًا:
"ياسين!"
صدحت صرخاتها بالمكان، سمع "يزن" صوت صراخها فكان يتقدمهما ببضع طرقات. نظر كلاً من "سارة" و"يزن" إلى بعضهما البعض باستغراب، فنطق بذعر وقد سمع نبرتها التي تدل على انهيارها:
"ده صوت شمس."
عاد وهو يهرول يركض بين الطرقات حتى وجده يستند برأسه على كتفها فاقدًا للوعي. تحاول بكل ما أوتيت من قوة أن تصبح هي مسنده وملجأه. طالعهما "يزن" بذهول، فأتت سارة تهرول من خلفه لا تصدق ما تراه عيناها. تحاوط الدماء جسده بالكامل، سترته الممزقة من الخلف تستطيع رؤية جلده المحترق. شهقت "سارة" بغير تصديق وهي تغلق عيناها من بشاعة المنظر، فتحدث يزن بشفة مرتعشة:
"حصل إيه يا شمس؟"
لم تستطع الجواب بسبب ذعرها وهي لم ترَ ما أصابه حتى الآن، فكيف لو رأت؟ هو الآن يستند بوجهه عليها، وبالرغم من عدم رؤيتها لجراحه فقد شعر قلبها بآلامه. أصبحت دموعها حبيسة عيناها.. مع اصفرار وجهها.. وخفقان قلبها.. بكت أكثر وهي تنظر إلى كليهما. فصاح "يزن" بغضب ناتج عما رآه:
"انطقي يا شمس ياسين حصله إيه؟"
ارتعدت أوصالها محاولة تجميع كلماتها وشتات نفسها:
"امسكه معايا بسرعة عشان نوديه المستشفى."
وقف "يزن" بجانبه يمد ذراعه على كتفه حتى يستند عليه، فأصبح "ياسين" بالمنتصف بينه وبين "شمس" فاقد وعيه تمامًا. أخذ يمد بخطواته مستفسرًا:
"جرحه ما بيلمش ليه؟"
أشار لـ "سارة" بعينيه:
"سارة بسرعة وقفي تاكسي."
تجمدت "سارة" من رؤيته هكذا، فجراحه خطيرة. فصرخ بها "يزن" وهو يمد بخطوته:
"ساااره."
فاقت على ندائه المستغيث وانتبهت لكلماته:
"حاضر.. حاضر."
هرولت على الطريق تشير بيدها لسيارة أجرة فأوقفتها على الفور:
"بسرعة شوية أرجوك أقرب مستشفى."
كانت هذه جملة "شمس" وهي تشعر بأن جسدها كتلة من الثلج. فاعترض "يزن" على وجهتها يأمر سائق الأجرة قائلاً:
"المعادي أرجوك."
التقت نظراتها بنظرات "يزن" فأشار برأسه على أن تطاوعه فيما قاله. ابتلعت ريقها وأشارت بالإيجاب بعينين ظهرا فيهما أثر البكاء جليًا. مرت الدقائق بطيئة في سيارة الأجرة وهو يستند برأسه على فؤادها. كادت نبضات قلبها أن تشق صدرها من شدة خفقانها. تتذكر لمحات مما حدث بالماضي وكأن تلك الليلة أقسمت أن تتكرر الآن. عند رؤية "عمار" والد ماء تتناثر من جسده و"ياسين" الآن كل شبر بجسده يقسم أنه لن يلتئم بعد الآن.. بكت وهي شاردة ترى حالته هكذا. فنطق "يزن" بصوت استطاعت أن تلتقطه سريعًا:
"يلا يا شمس اسنديه عليا وصلنا."
"يا آنسة.. يا آنسة قولتلك حاسبي."
كان يقول كلماته وهو ينفض يده جراء اصطدامه بها. فانحنت "غدير" تقبض على دراجتها بكفيها تقول بنبرة شبه باكية:
"أنا بجد آسفة مش عارفة إزاي ما أخدتش بالي."
أشار بكف يده محاولاً أن يوقف دموعها الحبيسة:
"لا لا لا.. مالهوش لازمة العياط أنا كويس."
"طيب وأنا مالي تبقى كويس ولا لأ، المهم العجلة."
اندهش الشاب ونطق بضحكة واسعة:
"يعني أنت كل اللي يهمك العجلة ومش مهم اللي خبطتي فيه يولع."
جلست القرفصاء تعدل سير دراجتها:
"ما أنت كويس أهو.."
المهم العجله ده أنا بروح بيها في كل حتة في القرية.
رفع "الشاب" حاجبه باستنكار وهو يسأل:
_ طيب هتعرفي تصلحيها ولا أصلحها أنا؟
فاتسعت ضحكتها تظهر جلياً على وجهها وهي تقول:
_ أنت بتعرف تصلح عجل؟
فأشار برأسه بالإيجاب:
_ أيوه.
ضربت بيدها على مقعد الدراجة بخفة وهي تصيح:
_ طب مستني إيه؟ ما تصلحها!
تحرك "الشاب" حتى أصبح أمام "غدير" وهي تنظر بترقب حتى سألته:
_ أنت وقفت ليه؟
وسّع عشان أصلحها.
كانت هذه إجابته على سؤالها فتنحّت هي جانباً. أمسك سير الدراجة فوجده قد تهالك، ناهيك عن إطار الدراجة الأمامي فقد تمزق بالفعل، فطالعها يخبرها بالتالي:
_ العجلة اتهرست. أوبقى هاتيها بكرة المحل عشان الحم الكاوتش بتاعها وأركب لها سير جديد.
فقالت دون تردد سائلة:
_ أنت عجلاتي؟
هز رأسه قائلاً بعينين لمع فيهما انفعاله:
_ آه، عجلاتي.
استدار يعطيها ظهره فأوقفْته كلماتها بقولها:
_ طب استنى، أنت رايح فين؟ أنا مش هعرف أشيلها لوحدي. ممكن تاخدها معاك وتعرفني فين المحل بتاعك وأجيلك آخدها منك بكرة.
كادت أن تنهي كلماتها حتى وقعت على مسامعها أصوات الكلاب آتية من بعيد. خفق قلبها بسبب الرعب الذي دبّ به. فابتسم هو على حالها سائلاً إياها بهدوء:
_ أنت ساكنة فين؟
ليه؟
أجابت دون تردد بتهكم فقبض هو على دراجتها يحملها بين يديه:
_ عشان أوصلك. ولا تحبي أسيبك هنا للكلاب يمصمصوكي؟
ابتسمت هي بخبث تسير بجواره في الطريق:
_ يمصمصوا مين يا أستاذ؟ ده أنا طول عمري متربية مع ذئاب مش كلاب.
ضم حاجبه باستغراب مما قالته فتوترت هي مما تفوهت به دون قصد. فوقف سائلاً إياها:
_ نعم؟ ذئاب إزاي يعني؟
هربت من سؤاله عندما وجدت نفسها أمام منزل الصاوي:
_ ده بيتنا.
جحظت عيناه وهو ينظر للمنزل من بعيد بإعجاب شديد:
_ أنت من عيلة الصاوي؟
هزت رأسها بالإيجاب دون حديث ولكن ببسمة واسعة تعتليها الفخر. فرد هو ناطقاً بما يتمناه:
_ يابختك.
وقعت على مسامعها صوت "حسان" يناديها من بعيد علّ صوته يصل لها:
_ غدير.
استدارت بجوارها تسترسل حديثها معه:
_ مش هتقول لي فين المحل بتاعك عشان آجي آخدها منك بكرة؟
أجابها وهي تراه يبتعد عنها:
_ المحل بره القرية على الطريق بعد البوابة.
ابتسمت له مطالعاً "حسان" يقترب منها سائلاً إياها:
_ روحتِ فين؟
تجاوزته تبتعد عنه تطأ قدميها درج المنزل:
_ مالكش دعوة أنت. مش أخويا ولا مسؤول عني عشان تسألني روحت فين.
كاد أن ينطق ولكنه صمت عن الحديث فجأة عند سماعه صوت الطبيب قادم من خلفه يتحدث بنبرة قلقة بالهاتف ناطقاً بقوله:
_ أوعى يايزن توديه المستشفى. لو راح المستشفى جرحه هيلم بأسرع من العادة وهناك هيعرفوا حقيقته.
صمت لثوانٍ يستمع إلى حديث يزن قائلاً:
_ خليك معايا. أمي لازم تعرف. أكيد عندها حل.
دلف "الطبيب" إلى غرفتها للمرة الأولى دون استئذان فنطقت بما أصمه لثوانٍ:
_ ولدي مش بخير، مش كده ياعلي؟
ابتلع ريقه يطالعها بنظرات مطمئنة لعلّ يبعث بقلبها جزء من الطمأنينة. فالتقطت منه الهاتف مسرعة تجيب قائلة على المكالمة:
_ أنا جايه. ياسين مابقاش زي الأول يا يزن. حافظ عليه وأنا مسافة الطريق وابقى عندكم.
***
أمْطرت السماء بقطرات خفيفة فجأة بدون إنذار، وكأنها تحمل إشارة معها أن الأمر قادر أن يتغير في لحظة حتى وإن بدا عكس ذلك.
لم يكد يصدق "بربروس" عيناه فكيف لها أن تمطر حتى لو كانت قطرات خفيفة في هذا الوقت من السنة، فهما الآن بأواخر شهر أغسطس. ابتسمت "مارال" له مطالعته ببسمة حانية:
_ بيقولوا المطر خيّر.
فنطق قلبه قبل لسانه:
_ وهل هناك خير أكثر من موافقتك على زواجنا؟ أشعر الآن بأن القادم أفضل بإذن الله. فلا تعلمين كيف تخطيت العديد لأجلك.
رفعت رأسها تطالعه بحب:
_ واتخطيت إزاي؟
فابتسم ابتسامة أظهرت جمال ملامحه:
_ تأقلمت بصمت مع إخفاء القاف.
طالعته تنظر من حولها بريبة بعدما ابتسمت قائلة:
_ بعد الشي عليك من الألم.
اقتربت منه مسرعة تضع قبلة خاطفة على ثغره.
فمدت كف يدها تأخذ منه حقيبتها التي حملها لها طوال الطريق. يراها تبتعد عنه تدخل إلى الحارة. وقف هو متجمداً بمكانه. كاد أن يقف قلبه جراء قبلتها المفاجئة له. ثم وضع كفه على ثغره مكان موضع القبلة بإبتسامة حانية. سرعان ما انمحت هذه الابتسامة من على وجهه وكأنه تذكر شيئاً بعدما سلبت عقله بقبلتها المفاجئة له. أخذ يمسح بكف يده مسرعاً على ثغره قائلاً:
_ استغفر الله.
***
أغلق يزن "الهاتف" فسألته سارة على الفور:
_ هـا.. الخالة قالتلك إيه؟
وضع الهاتف على المنضدة وهو يجلس على المقعد الأمامي لها:
_ زي ما أنا قلت، ما نوديهوش المستشفى.
أنا مش فاهمة يايزن. هنسيبه كده ليه؟ أنت مش شايف ضهره عامل إزاي؟ وجرحه؟ جرحه مابيلمش.
طالعت "سارة" شمس الصامتة ترى دموعها محبوسة بداخل عينيها:
_ انطقي ياشمس، قولي حاجة.
بتر "يزن" حديثها يجاوبها على أسئلتها الكثيرة:
_ شمس عارفة كويس أوي إن لو راح المستشفى مش هيرجع. لأن أي حد هيكشف عليه هيعرف إنه مش طبيعي زينا والعيون كلها هتبقى عليه وهيكتشفوا حقيقته.
استدارت "شمس" بجسدها تطالعه بنظرة راجية بانت على عينيها بصدق:
_ يزن.. أنا مش هقدر. ماعملش حاجة لحد ما الخالة تيجي. لو عندك شنطة الإسعافات ياريت تجيبهالي بسرعة.
مسح وجهه بضيق نافياً وهو يقول:
_ للأسف معنديش. هنزل أجيبها بس لما أرجع هتحكيلي إيه اللي حصل ياشمس.
استدار "يزن" بجسده فتركت "سارة" مقعدها وقد ارتفع صوتها:
_ استنى يا يزن، خدني معاك.
أغلقت "سارة" الباب خلفها بينما هي شعرت بالريبة مما حدث. أما عنه فكان يتأوه من داخل غرفته بألم. يتأوه بألم كالطفل الصغير التي تصاحبه الحمى ويرتجف كمن خانته الحياة طول عمره.
فأسرعت إليه تقف على باب الغرفة. لم تستطع أن تطأ قدماها غرفة "عمار" التي كانت تحتويه لسنين، هي نفس الغرفة التي تحتوي "ياسين". تجمدت قدماها عند الباب، تطالعه من بعيد، حريصة على عدم إصدار صوت.
ما زال فاقدًا لوعيه، نائمًا على وجهه، يده تتدلى للأسفل. ما زالت سترته الممزقة ملتصقة بجسده، ممزوجة بجراحه. فتعالت تأوهاته قليلاً. أجبرت نفسها على الدخول، أخذت تطالع الغرفة باستغراب. لم ترَ غرفة "عمار" من قبل. اقتربت منه تحاول انتزاع سترته، فلم تنجح. أخذت تبحث بعينيها عن أي شيء تستطيع أن تمزق به سترته. فتحت الأدراج حتى وجدت المقص، وبجانبه صورة "لعمار" يبتسم بها ابتسامة بسيطة، ممسكًا بخوذته بكفه. دمعت عيناها على فقده.
فاستدارت بجسدها تطالع ذلك الفاقد لوعيه، لتجد الشبه بينهما كبيرًا للغاية. طالعت الصورة من جديد، انحنت لتجلس على ركبتيها أرضًا بجوار الفراش، ثم اقتربت بوجهها منه، وبكفها صورة عمار. كيف لها ألا ترى الشبه بينهما إلى هذا الحد من قبل؟ فملامحهما إذا أمعنت التدقيق ستجدها واحدة.
أمعنت التدقيق أكثر في صورة عمار، تنظر إلى فروة رأسه وشعره الكثيف، لتجد وحمة بين خصلات شعره. ارتفعت يدها ببطء، رغبت بشدة في تمرير أصابعها بين خصلات شعر "ياسين"، كادت تمدها لتلمس شعره لترى نفس الوحمة بوضوح.
فسمعت صوته قائلاً بهمس شديد، مغمض العينين دون وعي، ناطقًا باسمه:
"عمار"
انتفض جسدها، ونزعت الطمأنينة من داخلها. وصل صوته لها هامسًا وناعسًا. ابتعدت عنه، تضع صورة "عمار" في الدرج مرة أخرى، حتى وصل يزن أخيرًا، ومعه كل ما تحتاجه لتضميد جرحه، أو على الأقل فعل ما تستطيع فعله. فوقع على مسامعها قول يزن:
"شمس أنا جيبت كل حاجه طلبتيها"
مدت كف يدها تأخذ منه الشاش والقطن، تطلب منه قائلة:
"يزن حاول معايا عشان نقلعه الچاكيت بس بالراحه"
استجاب يزن لطلبها، يستدير حول الفراش ينتزع سترته ببطء شديد. فوجدت "سارة" بأن جلده ممتزج بالچاكيت. لم تتحمل رؤية ذلك، فقالت مستنفرة:
"أنا آسفة يا جماعة بس أنا مش قادرة أشوف المنظر ده، أنا هطلع بره"
التقطت "شمس" المقص بجوارها، تقص سترته، حريصة ألا تجرحه. وأخيرًا استطاعوا نزع سترته من على جسده ببطء. فأمعن "يزن" النظر على كتفه قائلاً:
"إيه ده؟"
مالت بوجهها قليلاً، فوقع على مسامعها كلمات "يزن" وهو يقرأ ما على جسده:
"ياريت كل الناس"
التقط بأصبع طرف سترته الداخلية الموجودة على كتفه ليستطيع تكملة الجملة. فانقطعت الكهرباء قبل أن يستكمل قرائتها. فنطقت سارة من الخارج بقلق:
"يزن النور قطع"
ليرد هو قائلاً بصوت مرتفع قليلاً:
"ما تخافيش أنا جاي"
وجه حديثه لشمس وهو يقول:
"هجيب شمع وأجي"
أشارت برأسها بالموافقة، تقترب من ياسين أكثر. لم تكن خطاها ثابتة، لم تكن هي نفسها متزنة. كل ما تشعر به الآن يخل بتوازنها، ولكن حثها فضولها على استكمال الجملة المحفورة على كتفه. رفعت أصابعها تزيح سترته الداخلية من على كتفه، فهي تستطيع أن ترى جيدًا بالظلام الحالك كما علمها وهي صغيرة. فاستكملت بقية الجملة "ياريت كل الناس" ومن ثم وشم للشمس مرسوم على كتفه. فقرأتها تبتسم ابتسامة حانية:
"ياريت كل الناس شمس"
أغمضت عينيها بتأثر. رفعت أصابعها تمررها على جملته المحفورة بداخل كتفه، لمسات حانية بأمان. مس قلبه بالرغم من فقدانه وعيه. شعرت بارتعاش جسده من لمستها البسيطة له.
فعاد "يزن" مسرعًا بالشموع المشتعلة، يقول وهو يثبتها على المنضدة:
"كده تمام أوي، ثبت الشمع كويس.. خلاص خلصتي ولا لسه؟"
أشارت برأسها بالإيجاب. فتبع سؤاله بآخر:
"مش محتاجة أساعدك في حاجة؟"
لم تعطه إجابة، بل توجهت إلى الشرفة. قطرات المطر، مع أنها قطرات بسيطة، ولكنها بعثت الطمأنينة بداخل قلبها. مدت كف يدها من بين الشيش الخشبي تحاول التقاط بعض حبيبات المطر التي هبطت على غير ميعاد. يبدو عليها الإرهاق. رمقتها "سارة" باشفاق. هي لا تعلم ما حدث، ولكن المعاناة تظهر جليًا على وجهها. فاحتضنت "سارة" كف "يزن"، تجذبه للخارج، موجهة حديثها لشمس:
"لو احتاجتي أي حاجة يا شمس إحنا بره"
أغلقت الباب خلفها بهدوء. فظلت هي تتابع ضي القمر بصمت، شاردة بما يشغل تفكيرها. لاح في ذهنها ما حدث قبل ذلك، يوم مقتل عمار، بعدما فقد حياته لأجلها، وكذلك ياسين كاد يفقد حياته هو الآخر من أجلها. عادت إليه مرة أخرى.
انحنت على ركبتيها تطالع وجهه الشاحب. قطرات العرق تصب على جبينه. يرتجف جسده من شدة ألمه. فمدت معصم يدها على فمه تخبره برجاء:
"ياسين.. اصحى.. أرجوك لازم تشرب الدم من جديد"
لم تجد منه استجابة، فاسترسلت حديثها:
"ياسين أنت كده هتموت، مش هتتحمل لحد ما الخالة تيجي. أرجوك المرة دي وبس"
زاد الألم بداخلها. الكابوس يتكرر. عندما لم تجد منه ردًا، أخذت تنتفض، لا تعلم ماذا تقول. ولكونه فاقد الوعي جعل الأمر أكثر يسرًا، فأخذت تردد بصدق:
"أنا عارفة إني السبب في كل حاجة حصلتلك.. وحصلت لعمار. حاسة إني موتك هيبقى بسببي زي ما عمار كمان مات بسببي. أنا معرفش ليه وامتى وإزاي.."
نزلت دموعها وهي تتابع:
"بس لأول مرة يا ياسين أخاف عليك مش منك. أنا بخاف عليك يا ياسين"
قالت بنبرة هامسة متأثرة، تطالعه بصدق:
"بخاف عليك أوي"
لأول مرة من عشر سنين، من وقت موت عمار ومن وقت ما مشيت، رجعلي إحساس إن حد بيخاف عليا وبيحميني. حد مستعد يضحي بنفسه عشاني.
شهقت من بين كلماتها:
"أنا آسفة على كل حاجة وحشة حصلتلك بسببي. أنا ماساهتلكش ولا أستاهل إنك تحفر اسمي على جسمك"
تنهدت بمرارة تجعلك بتنهيدتها تشعر بمرارة ما مرت به لسنوات:
"مكنتش فاهماك يا ياسين.. عمري.. عمري ما فهمتك في يوم"
وقفت واستدارت تستعد للمغادرة، تمسح دموعها من على وجنتيها، تشعر بالضعف وقلة الحيلة. كانت ستبتعد، ولكنه أمسك كف يدها ليلطخها بدمائه المتناثرة على كف يده. استدارت تنظر لكف يده الممسك بمعصمها بإحكام، مما جعل عينيها تتسع للضعف، وهي تسمعه يقول:
"ما تسيبنيش يا شمسي"
عادت لها الأنفاس من جديد بسماع صوته. توقفت نبضات قلبها عن الخفقان، وتيبس جسدها عن الحركة. هل قال "شمسي" حقًا وليس شمس؟ هل أنصت لما تفوهت به في لحظة ضعفها؟ لم تنطق ببنت شفة، بل عادت إلى مكانها بجواره، تطالع كف يدها الممزوج بدمه. وهو ما زال مغمض العينين، يقبض بكفه على كفها. ظلت تنظر لملامحه، لم تعلم كم عدد الساعات التي ظلت بها بجواره حتى دون حركة. وأخيرًا أخذها النوم إلى عالمه.
---------------
"موقف لا تحسد عليه" مشيرة وضعت نفسها به قبل قليل. هي الآن تجلس بالقطار بجانب الشرفة، تسترجع لمحات بسيطة مما حدث منذ ساعات.
"دلفت إلى غرفتها دون استئذان، تلهث من كثرة أنفاسها المتقطعة خوفًا عليه، فقالت مشيرة بنبرة تحمل من الخوف والقلق ما يكفي:
"صحيح اللي سمعته ده.. ياسين حد رمى عليه مايه نار"
جحظت عين الخالة من تهورها ودخولها غرفتها دون استئذان، ولكن هذا كان آخر همها الآن. فقالت "الخالة" وهي تبتعد من أمامها:
"ما تقلقيش يا بتي ياسين بخير. إحنا هانروحله وهنطمنك أول ما نوصل"
اعترضت "مشيرة" بعصبية، تهرول خلفها:
"أنا مش هفضل مستنية هنا، أنا جاية معاكي يا خالة"
صعدت الخالة السيارة، فنادت "زهرة" على الطبيب:
"علي"
طالعها بعدم اهتمام قائلاً:
"مش وقته يا زهرة، أنا لازم أمشي حالا"
جلس الطبيب على مقعد السائق، بينما مشيرة تترجى "الخالة" من خلف الزجاج:
"أرجوكي يا خالة خديني معاكي، أنا مش هقدر أقعد هنا دقيقة واحدة وهو هناك"
فردت الخالة بحزم:
"لو كان ينفع كنت أخدتك، هو بخير ما تقلقيش"
لم تجد مشيرة حلًا سوى الصعود بالمقعد الخلفي رغماً عنها. أغلقت الباب وهي تقول بعيون دامعة:
"آسفة بس مش قادرة"
أشار "الطبيب" للخالة برأسه مطمئنًا لها:
"ما تخافيش يا خالة، هنلاقي لها حل"
استغربت مشيرة من جملته، فأشارت الخالة بعينيها "للطبيب":
"اطلع يا علي"
أفاقت من شرودها على حديث الطبيب:
"يلا يا مشيرة وصلنا القاهرة"
----------------
طالعه بغضب. لم يتركه إلا حين سمع كلماته:
"يا فريد بيه افهمني، والله أنا كنت عارف إن الواد ده وراه حاجة. أنت ماشوفتش اللي أنا شوفته في القطر"
"أنت حمار وغبي كمان.. بقى ترمي عليها مايه نار"
استدار يضرب كف يده بالأخر دون تصديق:
"افرض كانت جت فيها وهو ما لحقهاش. افرض كان حصلها حاجة ولا عمرك كان هيكفيني إني انتقم منك يا خالد الكلب. أنا قولت آخرك هتوهشها بالموتوسيكل، هتعمل نفسك هتخبط فيها ولو ما جاش هتفديها. لكن مايه نار.. أنت أكيد مجنون"
فتحدث هو ببرود يطغى على كلامه:
"واهي ما جتش فيها.. وأنا متأكد إنها ما كانتش هتيجي فيها. أنا مارمتش مايه النار إلا لما شفته من بعيد وهو بيبص عليها. فتحت الإزازة لقيتلك حاجة بتطير ما بتجريش، سرعته رهيبة. قبل ما أرمي المايه في أقل من رمشة العين كان عندها. وهو ده اللي إحنا عايزينه يا باشا"
"بس افرض"
بتر خالد جملته:
"ما فرضش. اللي عايزينه وحصل والفيديو واخدناه وهي مجرالهاش حاجة، يبقى إيه لازمة اللي حضرتك بتعمله ده كله؟"
والله أنا ما أستاهل منك ده كله يا فريد بيه.
تنهد بغضب، مشيرًا بيده قائلاً:
_ هات وريني الڤيديو.
أشار بكف يده معترضًا:
_ مش قبل ما نتفق على حلاوتي.
_ مش لما أشوفه الأول يا حيوان أنت.
كانت هذه جملة "فريد"، فاعترض عليها "خالد":
_ وليه الغلط ده بس يا فريد باشا، خلينا حبايب والفيديو مش هتشوفه إلا لما نتفق على حلاوتي.
أخرج فريد دفتر الشيكات من درجه الخاص قائلاً:
_ عايز كام، أخلص.
_ مش هقبل أقل من نص أرنب.
_ نعم يا روح أمك.
قالها بصوت مرتفع من صدمته، فسمع صوت والدته من الخارج:
_ في إيه يا فريد؟ بابا كده مش هيعرف ينام.
صك على أسنانه وتحدث من بينهما:
_ أنت بتساومني يا خالد؟
رفع إصبعه يشير مؤكدًا:
_ وعزة جلال الله، أبداً. ده بس من عشمي فيك.
ضغط "فريد" بأسنانه على شفته السفلية قائلاً بعدم رضا:
_ ماشي.
حرر له الشيك وأخذ هاتفه ينظر إلى الفيديو بغضب، فوجد سرعته الرهيبة وهو يحتضنها، ولكن من حظ "ياسين" بأن من كثرة سرعته لم تتضح ملامحه في الفيديو. وعند احتضانها، فالمصور التقط له الفيديو من ظهره، فلم تظهر ملامحه أبداً.
قال "فريد" بغضب:
_ ده ملامحه مش باينة، أنت بتستهبل؟ هات الشيك.
فابتسم "خالد" بسمة خبيثة:
_ بس تقدر تساومها بيه. هات الشيك يا باشا ومبروك الجوازة.
صباح جديد ولكنه مختلف. نقرت "سارة" على الغرفة بروية، فلم تجد ردًا. فتحت الباب لتجدها غارقة بنومها، ممسكة بكف يده، يلطخ دمه كفها. دلف "يزن" خلفها سائلاً:
_ بتعملي إيه؟
أشارت على فمها بالهدوء:
_ هووووش، هتصحيهم.
_ أنا برضوا اللي هصحيهم، مش عيب كده.
لم تهتم "سارة" بحديثه وأخرجت هاتفها من جيب سترتها تلتقط لأيديهم المتشابكة صورة تذكارية، فابتسمت وهي تنظر للصورة ببسمة عريضة:
_ Sooo cute.
_ عايزين نتصور صورة زيها، تبقى سايح في دمك كده ومش سايبين إيد بعض ونخلي حد يصورنا.
ابتسم "يزن" بغير تصديق وهو يقول:
_ والله أنتِ مجنونة.
صدح صوت رنين الباب، فاستيقظت "شمس" مسرعة، فخبأت سارة هاتفها على الفور. فهتف "يزن" وهو يسرع بفتح الباب:
_ دي أكيد الخالة.
جذبت "شمس" يدها من كف يده، تشعر بلزوجة دمائه على كفها، طالعت سارة قائلة:
_ أما مش عارفة نمت إزاي.
_ كان لازم تنامي عشان ترتاحي، اللي حصل امبارح مش شوية.
وقفت بجواره، وأول شيء فعلته هو الشعور بمعصم يده، لتجده مازال ينبض، فشعرت بالراحة على الفور. دخل "الطبيب علي" يهرول بالدخول إلى الغرفة، يأمر يزن بقوله:
_ خلي مشيرة بره، ماتخليهاش تدخل الأوضة يا يزن، مهما حصل.
وقفت "شمس" بجوار الطبيب، فبدأ بسؤاله:
_ بقاله قد كام ساعة بالظبط وهو كده؟
أجابت "شمس" باهتمام:
_ مش أقل من سبع ساعات.
أشار الطبيب بعينيه للخالة فأردف قائلاً:
_ كله يطلع بره، مش عايز حد في الأوضة.
خرج الجميع، وهمت "شمس" بالخروج، فأوقفتها الخالة قائلة:
_ اقفلي الباب وراهم وتعالي، عايزاكي يا شمس.
أغلقت الباب خلفهم، تنتظر سيل الأسئلة، ولكن فعلت "الخالة" عكس المتوقع:
_ هاتي إيدك.
مدت "شمس" يدها مستسلمة لها، فأخرجت "الخالة" أظافرها وجرحت معصم يدها، تألمت بصمت، فأخذت الخالة بضع قطرات من دمها بداخل زجاجة بها عشبة الأصيص، رجتها سريعاً بكلتا يديها الاثنتين، تمزج دمها جيداً بها. استغربت "شمس" مما تفعله الخالة، مدت كف يدها تعطي الزجاجة "للطبيب" تنظر له بعيون راجية:
_ ادعي بس إنه يفلح يا علي.
أشار "الطبيب" بعينيه يتنهد على أمل أن يفلح مزيجهما، فألقى المزيج على ظهر "ياسين" بروية، حتى سمعوا صرخاته، كما امتزج البنزين بالنار، شعر بألم شديد لا يصفه كلمات، مازالت صرخته ترج الأجواء، حتى عاد جلده من جديد ببطء شديد.
سمعت مشيرة صرخاته بالكامل، حاولت الدخول، ولكن منعها "يزن"، فقالت:
_ أنت بتمنعني أنا ليه؟ أنا أحق بيها، أنا خطيبته وهبقى مراته، إنما هي تقرب له إيه؟
خرجت الخالة من الداخل تستند على عصاها، وخلفها الطبيب وشمس:
_ سيبوه يرتاح، هيفوق كمان شوية.
_ انتوا عملتوا فيه إيه؟ أنا عايزة أشوفه.
فرد الطبيب برجاء:
_ اقعدي يا مشيرة، هتشوفيه، ماتقلقيش، ياسين ما فيهوش حاجة.
_ إزاي دي غدير كانت بتقول إن فيه مايه نار.
بتر حديثه الطبيب قائلاً:
_ ولا مايه نار ولا حاجة، غدير عيلة ما فهمتش الكلام كويس، مجرد حرق في ظهره بسيط، والخالة حطيتله مرهم هي اللي عملاه بنفسها من أعشاب طبيعية، هيخليه يقوم بسرعة، ماتقلقيش.
بان الكذب في نبرته، ولكنها اضطرت أن توافقه على ما قاله، فكل همها الآن هو أن تراه أمامها من جديد.
أشارت الخالة بعينيها لشمس فتبعتها دون أن تنطق. وقفوا بالشرفة، فبدأت الخالة بحديثها:
_ إيه اللي حصل يا شمس؟
هزت "شمس" رأسها تجيب سؤالها:
_ أنا نفسي معرفش اللي حصل، كل اللي أعرفه إن كنت بتكلم معاه وسابني ومشي مرة واحدة، لاقيت واحد راكب موتوسيكل لابس خوذه، ماشوفتش منها إلا عينيه، بصلي بنظرات مريبة ورمى عليا مايه نار، وياسين لحقني ووقف قدامي، فدا نفسه عشاني، جبته هنا أنا ويزن ومش عارفة جرحه مالمش ليه، يا خالتي ومش فاهمة مين اللي عايز يأذيني بالشكل ده، أنا لولا ياسين كنت زماني ميتة، الله يعلم بيا، كان جرالي إيه من غيره.
ربتت الخالة على كتفها لتطمئنها قليلاً:
_ أهدي يا بتي، كل شيء هيتعرف بأوانه، المهم إنه يقوم منها بالسلامة، الجرح ما كانش هين، نحمد ربنا إنه فضل عايش. ياسين بقاله سنين ما بيشربش الدم، وجسمنا بيضعف، وخصوصاً عشان لعنتنا، ولا أنتِ نسيتي. الحاجة الوحيدة اللي تخلي ياسين يرجع قوي زي زمان إنه يرجع يشرب دم البني آدمين، وده اللي مش هيسمح بيه ياسين. عرفتي ليه جرحه ما لمش، وخصوصاً مع جرح شديد زي ده.
أشارت برأسها بعيون دامعة بالإيجاب دون أن تنطق، فهدأت الخالة من روعها قليلاً:
_ قدر ولطف يا بتي.
تمر الأيام أمامك ولا تستطيع اللحاق بها. هما الآن بغرفة الضيوف الخاصة "بالخالة حكيمة"، يجلس "فريد" بالمنتصف، يجلس جلسة ثقة مما يطلبه:
_ أنا جاي في الأصول وطالب إيد شمس يا خالة.
كان هذا طلبه، لم يتوقع "ياسين" أن يجتمع مع هذا الشخص من جديد. طالع "ياسين" باستخفاف شديد وتحدث:
_ ومين قال إننا ممكن نوافق على واحد زيك.
نظرات عيونهم وكأنها حرب طاحنة بينهما، ولكنها حرب باردة:
_ مين إحنا؟ أنا مش جاي طالب إيدك أنت، أنا طالب إيد شمس.
نظرات "ياسين" لو كانت سهام لضربته في مقتل:
_ أنا واثق إنها عمرها ما هتوافق على واحد زيك.
_ على الأقل اسألها، لو رفضت أنا همشي ومش هتشوفني تاني.
قال فريد جملته، يعتدل بجلسته على المقعد، فتمنى "ياسين" لو اشتعل به المقعد الأن. رأت الخالة النار المشتعلة بينهما، فأرادت إخمادها بهدوء:
_ خلاص يا ياسين، لو ده اللي هيريحها، إحنا موافقين يسمع رفضه بنفسه. نادي على شمس يا حسان.
أشار حسان برأسه بالموافقة، فأتت "شمس" تدخل بين الجميع، فنطقت الخالة قائلة:
_ فريد طالب إيدك يا "شمس"، قولتي إيه يا بتي؟
قالت تنظر للأسفل، تتجنب التطلع إليه، ترد بصوت مرتعد:
_ موافقة.
علت الصدمة وجوههم جميعاً، فأردفت زهره ببسمة واسعة تطلق زغرودة تصدح بالمكان بأكمله:
_ لولولولولولولولولولولولولولولي.
رواية الهجينة الفصل التاسع والتسعون 99 - بقلم ماهي احمد
وفجأة ترى بأنك بالفعل استهلكت نفسك كليا، تكلمت كثيرا، وشرحت أكثر، بررت بما يكفي، ثم تأتي عليك لحظة وترى أن طاقتك قد نفذت، فتتوقف عن الكلام وتبتعد عن الناس وتذهب لأقرب ملاذ آمن لك وتجلس مكتفيا بنفسك.
----------------------------
الانتـ ـحار لا يعني عدم وجود قـ ـاتل. هنا حيث الساعات التي تسبق الفجر.. كانت "شمس" تلهث بأنفاس متقطعة تقود سيارة "ياسين" بجنون. تلتفت حولها وكأن المـ ـوت يهرول خلفها، تطالع المرآة الجانبية بعيون حائرة تنهمر دموعها على وجنتيها. ابتلت فستان عرسها من كثرة دموعها. ضغطت فجأة على مكابح السيارة عندما لاحظت وجود هاتف عمومي على الطريق. هبطت من السيارة تحاول رفع ذيل فستانها الأبيض الطويل، تعيد خصلات شعرها المبعثرة إلى الخلف، تمسح دموعها الممزوجة بالكحل الأسود على وجهها. التقطت سماعة الهاتف تحاول تذكر رقم هاتفه فهي لم تستطع إحضار هاتفها الخلوي معها. فلاحت لها ذكرى بسيطة وهي بجواره في السيارة يقول لـ"يزن":
"رقمي 01000000111 ده سهل جداً تقدر تحفظه على طول."
فاقت من انخراطها تضغط على الأرقام تتمنى بداخلها بأن يكون الرقم صحيحاً. لم تستطع الرؤية من كثرة الدموع في عينيها. قبضت عينيها بقوة حتى تستطيع رؤية الأرقام جيداً حتى قامت بالاتصال به. ولم يمر سوى لحظات حتى قام هو بالرد عليها. استمعت لصوته لبرهة دون رد ومن حوله ضوضاء المزمار بكل مكان، الأنوار تملأ القرية. حاول رفع صوته قليلاً عل يصل إلى المتصل:
"الو.. مين؟"
كان يتلقى صوت أنفاسها المتقطعة بأذنه فشعر قلبه بها. كانت تحاول تجميع الكلمات ولكن لسبب ما توقفت عن ذلك. انتزعت سماعة الهاتف من على أذنها تستعد لإغلاق الهاتف فسمعت صوته وهو يقول بنبرة متسائلة:
"شمس!!"
وضعت السماعة على أذنها مرة أخرى بأيدٍ مرتعشة ترد بنبرة مرتجفة:
"أنت تعبان ياياسين.. عمــار ميـ ـت مش عايش زي ما أنت فاكر. لازم تتعالج.."
فقالت بعيون دامعة وهي تكرر:
"لازم تتعالج ياياسين وكل حاجة هترجع كويسة بالنسبالك. شوف الحقيقة.. فوق من الوهم اللي معيش نفسك لسنين فيه."
ورغم أنها تخفي خوفها فهو استشعره بنبرة صوتها:
"أنت فين ياشمس؟ سيبك مني وقوليلي أنت فين دلوقتي؟ عرفيني مكانك."
انقبض فؤادها بسؤاله فسدت الطريق أمامه ناطقة بصدق:
"أنا في طريق اللي يروح ما يرجعش وأنا مش هرجع تاني ياياسين."
كان يلتفت حوله يبحث بكل مكان في القرية عنها حتى أتت غدير قائلة بأنفاس مقطوعة:
"الحق ياياسين شمس مش موجودة في أوضتها وفريد والمأذون مستنيين."
ابتسم ابتسامة رضا وهو ما زال يضع الهاتف على أذنه يركض بين الحشود يبحث بعينه هنا وهناك وهو يقول:
"تقصدي إيه بكلمة رايحة في طريق اللي يروح ما يرجعش؟"
ابتسمت بسمة حانية ترد بما هو بعيداً تماماً عن سؤاله:
"في دكتور اسمه سمير فايز."
فبتر حديثها يصيح بها بغضب:
"ردي عليا ياشمس تقصدي إيه بـ.."
فأكملت "شمس" بضياع وعيونها تدور في كل أرجاء المكان:
"الدكتور ده هيساعدك تخف. اسأل عنه دكتور علي هيديك العنوان.. وقبل ما أقفل عايزة أقولك أسفة.. أسفة على كل أذى سببتهولك من غير ما أقصد.. أسفة إني كنت السبب إني أفرق بينك وبين عمار.. ممكن لو كنت عرفت في الوقت المناسب إنه من دمك مكانش حصل كل ده وكان زمانه لسه عايش."
بقيت تعتذر على ذنب لم ترتكبه.. وكأن سكين حاد ينهش في قلبها. رعشة سرت في جسدها بالكامل فرد هو عليها:
"ماتقفليش ياشمس.. شمس خليكي معايا."
تركت سماعة الهاتف من كف يدها دون أن تغلقه فاصبحت السماعة معلقة تبتعد عن المكان وما زال هو ممسكاً بهاتفه يردد قائلاً:
"ردي عليا ياشمس.. شمس."
صك على أسنانه وتلاحقت أنفاسه بصورة غير منتظمة يلقي بهاتفه بعرض الحائط. أسرع إلى سيارته بأنفاس متقطعة فلم يجدها. وضع كف يده على عينيه بيأس فأخرج الموتور الخاص به مسرعاً بعدما ارتدى خوذته السوداء. ضغط على المكابح وأسرع بموتوره نحو الطريق يشق طريقه إلى الخارج تحت أنظار الجميع.. كم كانت سرعته غير عادية فقد التهم الطريق يبحث بعينه عنها بكل مكان ولكن هي الأخرى سرعتها مهولة.. حتى وجد بجانبه الهاتف العمومي والسماعة ما زالت ملقاة. وقف بموتوره بعدما أخذ ينظر هنا وهناك حول عيناه للون الأحمر القاتم حتى يستطيع تتبع آثارها جيداً بهذه العتمة. فوجد آثار إطارات السيارة تتجه إلى داخل الجبال. هذه المعتوهه تسير في طريق مقطوع تتجه باتجاه الأراضي الصحراوية وهو يعلم جيداً ما الذي يوجد بآخر الطريق.
أسرع بموتوره نحو الطريق بعدما علم وجهتها.. ظل يتتبع آثار سيارتها فترة حتى وجدها تتجه نحو الجبل الأسود. حاول إيقافها ولكن سرعتها كبيرة. رأته شمس خلفها فزادت من سرعتها أكثر فأصبح كل منهما يزيد سرعته وكأنهما في سباق يتنافسان بشراسة على المركز الأول. اقترب بجانبها حاول كثيراً أن يقطع الطريق عليها وبعد محاولات قد نجح بذلك. ضغط عليها حتى تضغط على مكابح السيارة وقد نجح بالفعل. وقف أمام سيارتها بموتوره ومن خلفه المنحدر. هبط من على موتوره يتقدم نحوها. أمسك بكف يده يفتح الباب المجاور لها قائلاً دون أن يدخل بصوت أنهكه الخوف أكثر من أن ينهكه التعب:
"عايزة تـ ـموتي؟ عايزة تقتـ ـلي نفسك ياشمس؟"
أومأت برأسها وهي تضغط على المكابح من جديد:
"أنا لازم أمـ ـوت عشان أنتـ ـعايش."
أسرعت بالضغط على المكابح فلا يوجد بينها وبين المنحدر أقل من متر لا أكثر. سرعان ما دخل هو برد فعل تلقائي منه داخل السيارة فصرخت وهي تقول:
"بتعمل إيه يامجنون؟"
اضطربت حقاً في هذه اللحظة تحاول أن تضغط على المكابح بقدميها بكل ما أوتيت من قوة حتى توقف السيارة من جديد ولكن دون جدوى فقد فات الأوان.
فقد وقفت السيارة ولكن الإطارات الأمامية معلقة بالهواء والإطارات الخلفية تلمس المنحدر. كانت بين السماء والأرض تقبض على المقود بكف يديها بقوة تسير الرعشة بكامل جسدها وهي تخبره بغصة مريرة في حلقها تسأله ربما يجيبها بإجابة تريحها:
"إيه اللي خلاك تعمل كده؟ ركبت معايا ليه ياياسين؟"
طمأنها "ياسين" بنظراته وكفه الذي حاوط كفها القابض على المقود بحنان قالها وعيونهما لا تتفارق يعطيها ابتسامة قبل قوله برفق:
"عشان ماقدرتش ياشمس. مش قادر أخسرك."
زهقتي من الدنيا وشايفه مشاكلها كبيرة عليكي وماقدرتيش تقفي في وشها. وقررتي تمـ ـوتي نفسك.
تسارعت أنفاسها تكتم صوت البكاء بالإجبار راغبة بأن تستمع للمزيد فابتلع هو غصة مريرة في حلقه وهو يقول بصدق نابع من قلبه:
"عايزة تخلصي من حياتك معنديش مشكلة بس خوديني للمـ ـوت معاكي. ماتسيبنيش لوحدي هنا."
تأرجحت السيارة على المنحدر تتمايل ببطء نحو الأسفل. عم الصمت ولم يأت رد منها فتحدث من جديد يرفع قدمه ببطء يضغط على قدمها الموضوعة على مكابح السيارة برفق:
"القرار قرارك ياشمس يانعيش سوا يانموت سوا."
فاسترسل حديثه يحاوطها بنظراته الحانية:
"لا حياة لي بدونك أما معاك أو معاك."
تسارعت أنفاسها ترى الموت أمامها فالمنحدر شديد الارتفاع. تحركت السيارة مرة أخرى إلى الأسفل لم يتحدث بحرف واحد فقط يطالعها يطالع تعابير وجهها وكان ردها كالتالي:
"يبقى نمـ ـوت سوا."
ابتسم بسمة حانية ظهرت على ثغره يشير برأسه بالإجابة يردد آخر كلماتها يضع قدمه على قدمها يضغط على المكابح بقوة وهو يقول:
"يبقى نموت سوا."
--------------------------------
"A month ago" منذ شهر مضى.
أطبق الصمت على منزل "ال صاوي" بعد قول شمس الذي نجح في سلب انتباه الجميع. أما عن "ياسين" فداهمه ذلك السباق في دقات قلبه. أغمض عينيه وهو يستمع إلى ردها من جديد:
"موافقة."
صدحت الزغاريط بالمنزل مرة أخرى من "زهره" فابتسمت "مشيرة" بعد موافقتها هذه. ارتسمت بسمة عريضة على وجه "فريد" وكأنها بسمة شامتة يطالع "ياسين" بها. تبادل الجميع النظرات التي قطعها "ياسين" بقوله:
"شمس عايزك جوه."
خرجت كلماته منه بنبرة حادة. حركت رأسها بالإيجاب تتبع خطواته فتحركت "زهره" لكي تمنعها من الرحيل خلفه ولكن هناك من أوقفها عن التقدم خطوة واحدة للأمام وهو "الطبيب". نظر لها نظرة خاوية وكأنه يخبرها إذا تحركت خطوة أخرى للأمام سينقطع بينهما كل شيء. ابتلعت "زهره" ريقها دون حراك ترى ابنتها تبتعد عنها فقال "فريد" وهو يعتدل بجلسته:
"افتكر كده ياخاله معندكيش مانع على جوازنا."
أشار بعينيه على "زهره" التي لا تستطيع كتم سعادتها التي تغمرها الآن:
"وافتكر برضوا إن مامتها موافقة."
يبقى على خيرة الله هجيب والدي ووالدتي على الخميس اللي جاي نقعد ونتفق رسمي.
قال كلماته وهو يستعد للنهوض من على مقعده فألمح بنبرة بها من التهديد ما يكفي:
"مع إن والدي زي ما أنتِ عارفة يا خالة راجل مهم أوي في البلد والناس كلها هي اللي بتجيله حتى لو هو اللي عايزهم، بس نعمل إيه؟ يلا كله عشان خاطر شمس هجيبه وأجي."
أتجهت الخالة ناحية فريد وقد فهمت تهديده قائلة:
"مابحبش الكلام الملفوف، اللي تفضل تلف حواليه عشان تعرفني معناه. نبرة التهديد اللي في صوتك مش لايقة عليك يا ولدي. عيلة الصاوي مابتتهدش، ولو شمس حباك وعايزاك ما عليا غير إني أوافق وما أقفش في طريق سعادتها في يوم."
ابتلع فريد ريقه وهو يبرر:
"أنا ما قصدتش يا خالة حكيمة، أنا أقصد..."
فبترت حديثه بحده تضرب الأرض بعكازها وهي تقول:
"قصدك وصلنا خلاص وطلبك عرفناه. سيبنا نشاور عقلنا ونفكر وردنا هيوصلك في الوقت المناسب."
استخدمت طريقته الملفوفة لتطرده من منزلها بطريق غير مباشر، ففهم هو وقال بتحدي بعدما رأت الخالة الإصرار بعينيه:
"أنا مستني رأيكم، بس مش هستنى كتير يا خالة."
قال كلماته يتجه ناحية الباب، وفي أثناء خطواته للخارج سمع صوت شيء يهشم، فظهرت على ثغره ابتسامة رضا لما يشعر به ياسين الآن. فجاء الطبيب من خلفه يحثه على الخروج يشير بيده إلى الخارج:
"شرفت يا فريد."
طالع فريد بكبر قائلاً:
"عارف."
***
أسرعت الخالة في خطواتها إلى غرفة الضيوف.
عند سماعها تحطيم كل ما بها، دقت الباب بعنف. دقات الباب امتزجت بدقات قلب ياسين، فقالت بنبرة متوترة:
"افتح يا ياسين عشان نتفاهم يا ولدي."
عم الصمت ولم يأت رد منه، لم يفتح الباب، ولم يحدثها. فاستأذنت شمس من الخالة قائلة:
"أرجوكي سيبنا يا خالة."
استمعت الخالة إلى شمس ثم نطقت بنبرة تحذيرية من خلف الباب وهي تردد:
"إياك يا ياسين تأذيها."
وأكملت بقولها بنبرة منخفضة واثقة مما تقول:
"مع إني عارفة يا ولدي إنك لا يمكن تأذيها."
أشارت برأسها للجميع بالابتعاد ورحلت، والكل يتتبعها لا أحد يفهم شيئًا مما يحدث. أما عنها هي، عن شمس، فكانت وحيدة معه بداخل الغرفة تتسارع أنفاسها. إن ما تراه على وجه ياسين ليس هينًا أبدًا. فأخذت تطالعه بصمت وهو يقول:
"لما سألتك في القطر كنتِ مع فريد، كذبتي عليا وقولتيلي مافيش حاجة اسمها فريد. كنتِ معاه وقتها؟"
حتى أجاب سؤاله حرمته منه، قابلت سؤاله بالصمت وعذبته بصمتها، فأخذ يردد بحيرة:
"طب وعمار نستيه؟ نسيتي ضحى عشانك إزاي؟ نسيتي حبك قد إيه؟ ده ضحى بكل حاجة عشانك، وأنتِ عمرك ما حبيتيه."
أتى انفجارها الآن على هيئة بكاء انخرطت فيه عند سماع اسمه. فنطق بنبرة بعيدة تمامًا عن صوته. تحولت نبرة صوته إلى أخرى، نبرة تعرفها جيدًا. نبرة بها من الغيرة وحب التملك، نبرة عمار وهو يقول:
"حتى يوم المعركة كنت واقف أنا وياسين، إحنا الاتنين كنا قدامك، إحنا الاتنين كنا مستنيين نشوفك هتتحامي في مين. لقيتك وقتها اتحاميتي في ياسين."
دخل حرب مع نفسه، نعم هي حرب لم تكن هينة أبدًا. فقبض بكفه على مرفقها بقوة قائلاً:
"فاكرة اتحاميتي في مين؟ فاكرة روحتي لمين يا شمس؟"
لم تخف هذه المرة من نبرة صوته المتغيرة، فقد اعتادت عليها. ترغب في الرد وبشدة، تتمنى أن تدافع عن نفسها وباستماتة، فأخبرته بعكس ما بداخلها:
"مش فاكرة. مش فاكرة عشان نسيتك ونسيت يوم المعركة بكل تفاصيله. فات عشر سنين عايزني أفتكر إزاي."
ابتلعت ريقها تتنهد بعمق تمسح بكف يدها على وجنتيها من كثرة دموعها، تخرج كلماتها من بين شهقاتها:
"كلكم عشتوا حياتكم إلا أنا، كل واحد حب واتحب، حتى أنت يا ياسين خطبت وهتتجوز." مشيرة له مستكتر عليا إن أنا كمان أحب زي ما أنت حبيت. كتير عليا إني أشوف حياتي زيكم."
فختمت بما يمزق فؤاده:
"أنا بحب فريد وهتجوزه يا ياسين."
انتزعت مرفقها من كفه بقوة، يراها تبتعد عنه، فيتحدث بما أوقفها وهو يحاول إخفاء حزنه تحت قناع البرود:
"تستاهليه. تستاهلي فريد يا شمس."
تركها ورحل يصفع الباب خلفه، ومازالت هي تقف بالداخل، تجمدت قدماها تنخرط بذكرى حقيقة ما حدث:
كان الجميع بمنزل يزن ينتظرون استيقاظ ياسين، فاستأذن يزن من الجميع وهو يقول:
"البيت بيتك يا خالة طبعًا. بس تسمحيلي أنزل أنا وسارة نكمل التحاليل والأشعة اللي جينا القاهرة عشانها."
"خد راحتك يا ولدي، أنا كمان هدخل أريح شوية، طول الليل ما غمضتليش عين."
ابتسمت سارة قبل أن تقول:
"هاخد شمس معايا يا خالة، إيه رأيك يا شمس تيجي معانا؟"
وقبل أن ترفض قاطعتها الخالة قائلة:
"روحي معاهم يا شمس، ماتسيبش سارة لوحدها يا بتي."
تبادلت شمس النظرات المقيته من مشيرة، فوافقت وهي تشير برأسها بالإجابة.
***
هما الآن هنا على الطريق حيث القاهرة المزدحمة والسيارات الكثيرة، وكأنهم في سباق شرس. وبعد كثير من الوقت وصلا أخيرًا إلى وجهتهم. هبط يزن مسرعًا يفتح باب السيارة بجوار سارة، فابتسمت سارة بدهشة:
"إيه الرضا ده كله؟ كل ده عشان تعبانة شوية؟ أنا على كده بقى هبقى عايزة أتعب على طول."
فرد يزن بلهفة:
"بعد الشر عليكي من التعب، اطمن بس عليكي وهتشوفي مني تغيير تاني خالص يا سارة."
تابعت حديثها وهي تتجه إلى الداخل:
"أنا مش عايزة تتغير يا يزن، أنا حبيتك بعيوبك قبل مميزاتك. أنت عيوبك في نظري مميزات."
"ربنا ما يحرمني منك يا سارة."
ابتسمت شمس من خلفهم قائلة:
"ربنا يخليكم لبعض."
دخل الجميع إلى غرفة الأشعة، تنتظرهم شمس بالخارج، فلمحت آخر شخص توقعت وجوده هنا هو أول شخص وقعت عيناها عليه، إنه فريد. وجدته يقترب منها قائلاً بنبرة خبيثة:
"أخيرًا لقيتك يا شموستي، يا شيخة ده أنتِ لففتيني وراكي القاهرة وضواحيها."
"إنت عرفت مكاني منين؟"
كان هذا سؤالها وهي تنظر له نظرة مقيتة، تعبر عما بداخلها تجاهه:
"تؤ تؤ تؤ ياشموستي، ما أحبكش تكلميني بالنبرة دي. أنتِ ماتعرفيش إن أعرف أجيب النملة من جحرها، مش هعرف أنتِ فين يا قلبي."
"قلبي؟"
كان حديثه معها صريحًا، فأكمل هو للتأكيد على كلامه:
"آه قلبي، وقلبي مش كتير عليكي كمان."
استغربت هي من نظراته ونبرة صوته المتغيرة على عكس العادة، فقامت تتحرك من أمامه قائلة:
"أنا ماشية، أنا مش عارفة أصلًا إيه اللي مخليني واقفة مع واحد زيك."
أوقفها هو بعدما قبض على ذراعها بكفه قائلاً:
"الظاهر إنك ناسيه تليفونك في أسيوط. ما أنتِ لو كنتِ شفتي الفيديو اللي بعتهولك كان زمانك ماسكة فيا بإيدك وسنانك."
"أنا ماشوفتش فيديوهات ومش هشوف."
انحنى بجانب أذنها يهمس بقول:
"خلاص يبقى مصر كلها هتشوف العيلة الكريمة ويعرفوا حقيقتكم، وحقيقة ياسين الصاوي. تخيلي كده لما الكل يعرف ويشوف سرعته وعنيه اللي بتقلب للون الأحمر وازاي اترمى عليه مياه نار مركزة ومحاولتوش حتى تجيبوه المستشفى."
فاسترسل حديثه بنبرة سائلة:
"إلا قوليلي صحيح هو انتوا ماجبتوهوش المستشفى ليه؟"
استغربت هذا، هل حقًا علم حقيقته؟ ملامح وجهها يظهر عليها التأكد من كل كلمة سردها الآن، فقالت تفرك بأصابعها بتردد:
"وهنجيبه المستشفى ليه؟ هو بخير ومافيهوش حاجة."
ضرب بكف يده وهو يؤكد على حديثها:
"بالظبط، ده اللي كنت عايز أقوله، إنه كويس ومافيهوش حاجة بالرغم من الفيديو ده."
أعطاها هاتفه وهو يضغط على زر تشغيل الفيديو قائلاً:
"شوف سرعته عاملة إزاي، رهيبة يا أخي. لاء وعرف ينقذك في الوقت المناسب. بطل، بصراحة أنا شايفه بطل."
لم يخف عليها التعبير الساخر الذي ارتسم على وجهه:
"بس لو مكانش حضنك، أصل أنا بغير، ما بحبش الست بتاعتي يلمسها غيري."
تسارعت دقات قلبها من جديد، شعرت وكأن كل شيء يقف ضدها الآن، فقالت بنبرة منخفضة:
"عايز إيه دلوقتي يا فريد؟"
فقال دون تردد:
"عايزك."
"إنت قليل الأدب وبجح."
قالتها بتهكم بعدما سيطر عليها الغضب، رافعة يدها تصفعه على وجنتيه، فقبض بكفه كف يدها قبل أن تصفعه قائلاً ببرود:
"إيه ده؟ أنتِ فكرتي إيه؟"
طلع تفكيرك شمال، أنا مش و** أوي كده، مع إنّي مع غيرك و**، بس انتِ غير أي حد يا شمس. أنا استنيتك السنين دي كلها ومش مستعد أستنى أكتر من كده. أنا عايزك في الحلال عشان أنتِ بنت حلال. شفتي أنا مؤدب إزاي.
***
ترك معصم يدها وهو يبتعد ببطء قائلاً بنبرة تحذيرية:
"فكري كويس وماترديش دلوقتي، واعرفي إنّ مش بس ياسين اللي هيتأذي، ده كل أهلك هيتأذوا معاه، وأولهم الحجة الوالدة. أصل ماينفعش يكون متسترين على كائن مرعب زي ده ونسيبهم في حالهم كده."
***
فاقت من ذكراها على صوت والدتها وهي تقول:
"عملك إيه المؤذي ده؟ قوللي ياسين إذاكي؟"
***
كسا الحزن تقاسيم وجه "شمس". تركتها خلفها وأغلقت باب غرفتها بإحكام. أمسكت بهاتفها الخلوي تعيد تشغيل الفيديو من جديد. فأتتها رسالة نصية من سارة عبر الواتس اب تبعث لها بصورة قائلة:
"الصورة دي صورتها لك أنتِ وياسين لما كنتوا نايمين وماسكين إيد بعض. معرفش صورتها ليه، بس حسيت إنك ممكن تحتاجيها في يوم."
***
لم تجب عليها. طالعت الصورة بعيون دامعة. استغرقت وقتًا كبيرًا للإجابة وهي تكتب قائلة:
"إحساسك غلط، مافتكرش إنّي ممكن أحتاجها في يوم."
***
الأمر أصبح أصعب من كل شيء. إنّه الألم الذي يأكل في روحه الآن. وكأنّه كلما شعر بأنّه يستطيع التحمل، زادت آلامه أضعافًا حتى تثبت عكس ذلك. ساقته قدماه إلى حيث المكان الذي يشعره بأنّه حي يرزق. يجلس على المقعد بجواره "عم نصير"، يمد يده بكوب الشاي الساخن له وهو يقول:
"والله زمان يا ياسين. وحشتني قعدتك معايا يا ابني."
***
تحدث "ياسين" وهو يتناول كوب الشاي من يده:
"أنتَ أكتر يا عم نصير. بقالنا سنين مارجعناش نقعد نفس قعدتنا دي سوا."
***
طالع البحيرة أمامه بماءها الصافي، تستطيع أن ترى السمك الصغير بداخلها من كثرة نقاؤها. فابتسم، ولكنها ابتسامة حزينة، وكأنّه يخرج حزنه بابتسامته قائلاً:
"حاسس إنّ كل حاجة اتغيرت. مابقاش في حاجة تأثر فيا زي زمان."
***
جملته الأخيرة أدارت كف الحديث تماماً. حيث علم "عم نصير" ما بداخله من ألم. فتحدث ينفي ما قال:
"لاء، كل حاجة زي ما هي. ماتغيرتش يا ياسين. البحيرة الصافية لسه صافية، والقمر لسه منور في سماه. ماتغيرش صفاء وهدوء القرية موجود، ونسمات الهوا اللي بتحرك ورق الشجر وقلبك بيفرح بيه لسه بينعش روحك للحظة دي. بس في حاجة واحدة بس هي اللي اتغيرت يا ولدي."
***
ترك "ياسين" مقعده واستقام واقفاً. يتحرك ناحية البحيرة. زين ثغره ابتسامة هادئة تبعها قوله:
"ماتقولش أنا اللي اتغيرت يا عم نصير."
***
اقترب منه يتكئ على عكازه، يربت على كتفه برفق:
"يبقى أنتَ عارف من غير ما أقول يا ولدي."
***
نبرة "عم نصير" الهادئة وصوته في أذنه جعلت عيناه تلمع بالدموع، وكأنّه يريد فقط أن يربت أحد ما عليه حتى ينفجر بالبكاء. لمح "عم نصير" الدموع في مقلتيه هو الآخر، وحدثه بدموع تحت نظراته:
"مالك يا ابني؟ فيك إيه يا ياسين؟ حاسس إنّ جواك وجع يهد الحيل. احكيلي زي زمان، مش هتلاقي حضن يسيع همك قد حضني يا ابني."
***
سمع "ياسين" كلماته، وحينها فقط استطاع البكاء بحرية كما كان يفعل بالسابق بين أحضانه. حاوطه "عم نصير" بذراعيه فشعر بدفء قلبه بين أحضانه. أخذ يبكي، تنهمر الدموع من مقلتيه بدون وعي. تركه "عم نصير" يخرج ما بقلبه من حزن على هيئة دموع حتى شعر بارتياح قلبه، فسأله قائلاً:
"قولي يا ياسين، بتبكي ليه يا ولدي؟"
***
ابتعد "ياسين" عن أحضانه، يخرج كلماته من بين دموعه:
"الشاي.. الشاي اللي أنتَ عامله يا عم نصير وحش أوي."
***
ضربه بخفة على كتفه ضاحكاً:
"ما أنا قولت 100 مرة مابعرفش أعمل شاي."
***
فأخبره "ياسين" بعيون ممتزجة بالدموع، يحاول إخراج ابتسامة بسيطة من بين دموعه:
"ولا أنا."
***
فابتسم يقول بصدق نابع من قلبه:
"ماتحبسش البكا في عيونك يا ياسين."
***
لمعت عيناه أكثر، حيث أثر الألم الذي بداخله ما زال بهما:
"أنا تعبان.. تعبان أوي يا عم نصير."
***
غادرت "غدير" تسأل عن أقرب ورشة لتصليح العجل، فأدلها أحد ما على أقرب ورشة خارج القرية. وبعد أن تعبت بالبحث عنها وجدتها أخيراً. دلفت داخل الورشة تبحث بعينيها هنا وهناك على أمل أن تجد أحداً ما بداخلها، ولكن دون جدوى. فوجدت دراجتها بجانب ركن صغير. ابتسمت تتجه ناحيتها، تنحني وهي تنظر إلى الإطارات، فوجدتها سليمة. ابتسمت بفرحة وهي تستعد للنهوض من جديد، تصطدم به فانزلقت على الأرضية وهي تتشبث به، تحاول ألا تنزلق، ولكن دون جدوى. فنطق هو قائلاً:
"خلي بالك.. خلي بالك يا آنسة. حاسبي.. حاسبي."
***
فأخذته معها وانزلقوا هما الاثنان سوياً، وأصبحت فوقه الآن تطالعه بعيون دامعة:
"أنا آسفة والله العظيم مكانش قصدي.. مكانش قصدي."
***
قامت من فوقه مسرعة تنفض ملابسها. من جديد فقال بنبرة متهكمة:
"هو كل مرة مكانش قصدك؟ حاسس إنّ أجلي هيبقى على إيدك."
***
قالها "الشاب" وقد انكمش حاجبيه بغضب. فأصبحت هي أمامه معاتبة:
"أنتَ أصلاً اللي الغلطان. كل شوية تطلع في وشي."
***
وضع المنشفة الصغيرة الخاصة به على كتفه، يحضر لها دراجتها:
"وفي الآخر بقيت أنا الغلطان كمان. طيب يا ستي شكراً. عجلتك أهيه."
***
انتزعتها من يده بقوة وهي تقول:
"عايز كام؟"
***
هز رأسه باسماً، يرى الغضب بعينيها. فرد قائلاً بهدوء يحاول أن يمتص غضبها:
"خليها عليا المرة دي. أنا عجلاتي صحيح، بس أفهم في الواجب. أول مرة دايماً بتبقى عليا عشان أبقى أشوفك تاني."
***
تبادل كلاهما النظرات، فقالت بعيون حائرة:
"مافتكرش إنّنا هنشوف بعض تاني يا..."
***
فأجاب باسمه دون أن تسأل:
"بدر اسمي بدر."
***
هزت كتفها بعدم اهتمام تتركه وترحل وهي تقول:
"وأنا ماسألتش أصلاً."
***
فأشار هو بيده يراها تبتعد عنه:
"من غير ما تسألي، عارف إنك عايزة تعرفي اسمي."
***
ابتسمت ابتسامة بسيطة وهي تقود دراجتها دون أن تلتفت له قائلة:
"عجلاتي صحيح."
***
مرت عدة ساعات وكالعادة الليل يفرض نفسه على الأجواء. يجلس "بربروس" بعد صلاة العشاء في المنتصف ومن حوله أطفال الحارة يحفظهم آيات الله قائلاً بصوته العذب:
"قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ"
***
فردد الأطفال من خلفه:
"قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ"
***
فقال يتابع:
"وَلَا أَنتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ"
***
فقاطعه "أبو المعاطي" وهو يهرول ممسك بكف يده الهاتف المحمول يقول بنفس متقطع:
"يا شيخنا.. يا شيخ بربروس قافل تليفونك ليه بس."
***
سأله باستغراب وهو ممسك بسبحته يقلب حباتها:
"ماذا دهاك يا رجل؟ ألا ترى؟ فأنا بجلسة تعليم القرآن الكريم."
***
أجابه "أبو المعاطي" باهتمام امتزج بإلحاحه:
"أستاذة مارال عايزك. اتصلت كذا مرة لقيت تليفونك مقفول."
***
حمحم بربروس ينظر للأطفال وهو يغادر الجلسة قائلاً:
"حسناً أيها الأطفال، سأترككم لدقائق."
***
أمسك بربروس بالهاتف يغادر المسجد فسمعها تقول:
"بيدقوس عايزة أشوفك حالا."
***
فسألها سؤال مبهم:
"أأنتِ بخير؟"
***
"أيوه بخير. أنا مستنياك على أول الشارع. ما تتأخريش."
***
فأجاب بالموافقة على الفور تاركاً الأطفال خلفه.
***
كانت تنظر لعينيه منتظرة ردة فعل. أما هو فكان في عالم آخر. تنتظر إجابة لسؤالها، وعندما لم تجد منه رد كررت سؤالها من جديد:
"الأشاعة فيها إيه يا يزن؟"
***
صمت دون رد. لاحت إلى ذاكرته ذكرى بسيطة عندما أخبره الطبيب بضرورة إخبارها بحقيقة مرضها اللعين، فيجب عليها البدء بالعلاج في الحال.
***
شعر قلبها الآن بأن هناك شيء ما. شيء أكثر من مجرد هذيان أو إرهاق. فابتسمت وهي تبلع ريقها ببطء:
"أنا تعبانة يا يزن صح؟ مش.. مش مجرد دوخة وشوية صداع. هو.. هو المرض ده اللي عندي اللي اسمه..."
***
قام هو من على الأريكة بعدما وضع كف يده على فمها. تلاقت أعينهم بعدما حاولت عينيه عيناها قائلاً ببسمة حانية:
"هووش، ماتنطقيش اسمه. إحنا مش هنقول اسمه خالص. ولا أقولك تعالي نسميه المرض الوحش. حاجة مش حلوة دخلت ما بينا، بس إحنا مهما يحصل ما بينا اللي داخل ما بينا خارج، صح يا سارة؟ إحنا مافيش حاجة ممكن تفرقنا عن بعض، حتى لو المرض الوحش ده."
***
نزلت دموعه وهو يقف أمامها يستكمل حديثه:
"أنا مش هسيبك. هنهزم المرض ده سوا يا سارة."
زي ما هزمنا كل حاجة سوا وفضلنا مكملين، تفتكري مرض بسيط زي ده ممكن يهزمنا ويبعدنا عن بعض؟
لم تستطع كبت المها الذي بداخلها، فاستدارت تعطيه ظهرها، يكسو الحزن معالم وجهها، فأخبرته بما صدمه:
_ أنا كنت عارفة يا يزن.
استغرب مما قالته للتو، فاستدار يقف أمامها بعدما قبض حاجبه باستغراب:
_ عارفة!!
_ آه كنت عارفة أو كنت حاسة، بس بكذب نفسي. مكنتش عايزة أصدق، كان نفسي أكمل حياتي معاك. كنت... كنت نفسي نتجوز وأجيب منك أطفال ونشيخ سوا، عشان كده كنت بكذب.
مسحت بكف يدها أنفها المبتل، تسترسل حديثها:
_ أصل... أصل بيقولوا اتفائلوا بالخير تجدوه، وأنا كنت دايماً بتفائل إن هكون بخير ومافييش حاجة... عشان... عشان أفضل جنبك وأبقى معاك يا يزن، بس الظاهر إن ربنا... ربنا مش رايد.
فقاطعه هو حديثها بلهفة، يغزو الحزن تعابير عينه قائلاً:
_ مين قال كده؟ أنتِ... هتتعالجي وهتخفي وهنتجوز وهجيب منك عيال كتير قوي. هنربيهم سوا... أنا وأنتِ يا سارة... أنا وأنتِ سوا.
مسح الدموع من على وجنتيها بلطف، فلم يستطع منع نفسه عنها في هذه اللحظة، أخذ يمسح على ملامحها برفق بظهر يده، ينظر إليها بشوق، على الرغم من أنها أمامه، طالع شفتيها بشوق، فمنع نفسه عنها بالرغم من رغبته الملحة لفعلها، فطبع قبلة على جبينها، يضمها لصدره بحنان قائلاً بحب:
_ بحبك يا سارة، ده أنتِ الوحيدة اللي حبك عشّش جوه القلب بضمير.
***
يجلس معه في غرفة المكتب ينتظر حديثه، فتردد "فريد" وهو يقول:
_ بابا... بابا أنا كنت عايزك في موضوع ضروري.
انتزع والده نظارته الخاصة بالقراءة، يلقي بها على المكتب، فنصت إليه باهتمام:
_ وأنا مستني أشوفك هتقول إيه، بقالك ساعة بتقول عايزني ضروري يا فريد، ما تنطق.
دَلَفَت والدته إلى المكتب، تتبعها الخادمة وهي تقول:
_ حطي القهوة على المكتب يا وفاء.
وضعت الخادمة فنجان القهوة، مغادرة المكتب وهي تقفل الباب من خلفها، فقالت والدته وهي تضع قدم على الأخرى، تجلس مقابله:
_ ما تقول يا فريد، مالك؟
نبرة برع في إخراجها وهو متأثراً يقول:
_ أنا عايز أتجوّز.
ابتسم والده بسمة ساخرة:
_ وأنت عامل كل ده والقلق اللي أنت فيه ده كله عشان عايز تتجوز؟ وماله نجوزك. أنا كتير كنت بقولك إنك خلاص عديت الثلاثين ولازم تتجوز، وأنت اللي كنت بترفض.
طالعته والدته بنظرة شك قائلة:
_ استنى أنت يا دمنهوري... هو أنت ناوي بقى تتجوز مين؟ أوعى تقول البنت اللي مغلباك بقالها سنين.
_ بنت... بنت مين؟
كان هذا سؤال والده الذي سأله بعدم فهم، فأجابت والدته بسخرية:
_ بت كده مش عارفه في قرية إيه في ضواحي الصعيد.
_ ماما أرجوكي، اسمها شمس، ماسمهاش بت.
_ والكتكوته بقى رضيت عليك أخيراً؟
قالتها والدته بعدم رضا، وكان الارتباك هو المسيطر على وجه فريد قائلاً:
_ ماما شمس غير كل البنات اللي عرفتهم، هي بس مؤدبة حبتين، عشان كده مكانتش بتوافق عليا، لكن لما اتقدمتلها...
بتر والده حديثه:
_ لما إيه؟ أنت كمان اتقدمتلها؟
_ لأ يا بابا، ده كان مجرد كلام مش أكتر، بس الاتفاق هيبقى مع حضرتك.
_ وأنا مش موافق على الجوازة دي.
قالها بحزم وعاد يواصل حديثه:
_ اسمع يا فريد، في حركة تنقلات في الوزارة الأيام دي، وأنا عايز أعزز موقفي، وكنت شوفتلك بنت... بنت من توبنا، بنت مسؤول كبير في الدولة.
رد بانفعال:
_ طب وأنا؟
فسأله هو الآخر:
_ أنت إيه يا فريد؟
فقال بتهكم:
_ أنا رأيي فين؟ اسمعني يا والدي كويس، أنا الخميس الجاي هاروح وأتفق معاهم على كل شيء، سواء كنت موجود أو لأ، فـ أنا مش هتجوز غير شمس. وعلى فكرة يا أمي، شمس مش مجرد بنت من القرية، شمس بنت عيلة كبيرة في الصعيد، لو حابة تيجي معايا تشوفيها، أهلاً وسهلاً، مش حابة مش هغصب على حد فيكم.
***
مرور الأيام أصبح كمرور الساعات، تمر الأيام سريعاً، أشعة الشمس الذهبية ملأت منزل "الصاوي"، يجلس فريد بعد إصرار من "شمس" بموافقتها عليه، بغرفة الضيوف.
تجلس الخالة معه تتفق على كل شيء، تجاوره والدته رغم عنها قائلة بتهكم:
_ مش قبل ما نتفق نشوف العروسة الأول، على الأقل.
قالتها بكبر، فردت مشيرة على الفور:
_ والدتها راحت تنادي عليها، إنتوا شرفتونا النهارده، أنا هاروح استعجلهم.
خرجت على الفور تصطدم بـ "ياسين" بالخارج، فسألها بفضول:
_ مين جوه مع أمي في أوضة الضيوف؟
أدركت على الفور من عينيه بأنه ليس على ما يرام أبداً، فردت عليه تصطنع الحزن:
_ ده فريد ومامته جايين عشان يتفقوا على معاد الفرح.
زفر بتعب بعدما رمقها بنظرة وضحت ما بداخله، دخل إلى غرفته يصفع الباب من خلفه، فدخلت مشيرة ورائه قائلة بهدوء:
_ مالك يا ياسين؟ مش على بعضك ليه؟ كل ده عشان شمس هتتجوز؟ ما ده اللي إحنا عايزينه، عايزنها تبعد عنك عشان تفضل مع عمار، هو مش عمار معاك؟ مش ده كفاية؟
رفع كفه مانعاً أي استرسال منها في الحديث، وقد انفعل بعد قولها، وظهر في رده:
_ أنا مش زعلان عليها، أنا زعلان على نفسي، زعلان على عمار اللي كنت فاكرها إنها بتحبه، طلعت خاينة وغدارة، طلعت بألف وش، بتدور على مصلحتها وبس، عايزة تتجوز وتخلف وتعيش حياتها وتنساني.
فعاد يكرر كلماته بتردد:
_ أقصد تنسانا... تن... تنسانا.
ربتت "مشيرة" على كتفه برفق:
_ من أول ما شوفتها وأنا قولت عليها خاينة وغدارة. شمس ما حبتكش يا ياسين، ولا حبت عمار في يوم. بلاش تخسر عمار عشانها، تعالى نرجع ألمانيا، تعالى نبعد عنها.
فأشار برأسه بالإيجاب:
_ هنرجع... أكيد هنرجع، بعد ما آخد يزن وسارة معايا عشان تتعالج هناك، أنا وعدته إني مش هسيبه. يا مشيرة، سارة طلع عندها كانسر.
فأشفقت عليها مشيرة قائلة:
_ حرام، دي لسه صغيرة.
فتنهد قائلاً:
_ عشان كده مش هسيبهم.
فردت هي بما يطمئنه:
_ وأنا كمان أعرف دكاترة كتير هناك متخصصين ومش هنسيبها سوا.
فقال بامتنان:
_ أنا مش عارف أقولك إيه، من ساعة ما قابلتك...
فبترت هي حديثه:
_ ماتقولش، أنا مستعدة أعمل عشانك أي شيء، المهم تكون مرتاح يا ياسين، أنت وعمار.
فجاءت بشرابه المفضل وهي تضعه بزجاجته المفضلة:
_ اشرب... أنا عارفة إنك بتحب الشيري كولا.
فسمع صوت الزغاريد بالخارج مرة أخرى، بعدما اتفق الجميع على موعد كتب الكتاب، فتجرع من الزجاجة ما يكفي.
***
لم تذق النوم وكيف تعرف له طعم، بعدما تحدد موعد كتب كتابها قريباً. لو أنها تعرف كلمة أعمق من كلمة "انطفأت" لكانت قالتها الآن، فهي لم تشعر بانطفاء روحها مثلما تشعر به الآن، بات قلبها فارغاً، كأنها مدينة بلا نوافذ، فخرجت من غرفتها ترتدي الشال على كتفيها، ساقتها قدماها إليه إلى قبره في عتمة الليل، تقف أمام اللوح الرخامي، تنهمر دموعها على وجنتيها قائلة من بين شهقاتها:
_ المكان هنا في الضلمة يخوف، بس بوجودك فيه بطمن، بقدر أقول كل اللي جوايا وأنا عارفة إنه هيفضل سر ما بينا، برمي حمولي وهمومي عليك، حتى وانت مش موجود، أتحملت مني كتير وانت عايش، وتحملت أكتر وانت ميت. عارفة إني قصرت معاك الفترة اللي فاتت ومكنتش بجيلك زي الأول، بس الفترة اللي فاتت كنت مشغولة بحاجات كتير.
فظهر "ياسين" من خلفها يهمس بأذنها بصوت منخفض:
_ مشغولة بفريد.
انتفضت بمكانها بعدما دب الذعر بقلبها، تسارعت دقات قلبها من كثرة خوفها، التفتت تراه يشرب مشروبه المفضل، وكأنه بحالة من اللا وعي، بالرغم من أنه مشروب "شيري كولا" خالي من أي كحول، فمسحت وجنتيها، تضم الشال على كتفها، تحاول تجاوزه هاربة بعيونها منه:
_ ياسين باين عليك مش في وعيك، ياريت تروح دلوقتي.
كلماتها مبهمة جعلت الحيرة تظهر على وجهه، ضم حاجبه باستغراب ينظر لزجاجته:
_ بس أنا مش سكران، أنا في وعيي أوي، دي شيري كولا على فكرة.
_ طب ممكن تروح دلوقتي؟
كان رده حاسماً وهو يقول لها:
_ مش لما أعرف الأول إيه اللي جايبك هنا في وقت زي ده يا عروسة.
كان الارتباك هو السائد والمسيطر، فلم يسعفها إلا أن تبرر وجودها هنا بقول:
_ جيت كنت بدور على حاجة ولاقيت نفسي هنا وماشية دلوقتي على طول.
تقدمت خطوة للأمام، فوقف أمامها وكأنه سد منيع، فسحبها من مرفقها يقربها منه، وربت على رأسها وتكلم يطمئنها برفق:
_ أنتِ... مش عايزة فريد يا شمس؟ شمس لو في حاجة قوليلي... لو فريد غصبك على حاجة اتكلمي وأنا هقفله. مش عارف، في حاجة جوايا بتقول إنك مش عايزاه، مع إن كل حاجة بتقول إنك غدارة وبتاعة مصلحتك. شمس أنا سامعك، فكري لآخر لحظة، فكري يا شمس... أنتِ فعلاً بتحبي فريد؟
صمتت للحظات، فقربه منها يزيد توترها، وتعلو دقات قلبها، ليست دقات عادية بل كهرباء تهز جسدها بأكمله، حين اقترب منها، رفعت عينيها تجاه وجهه وعينيه الصافيتين تدل على نقائهم، تريد إخباره، تريد البوح بالحمل الثقيل الذي تحمله بداخلها، ولكنها فجأة تذكرت تهديد فريد الدائم لها ومنصب والده المرموق، تغيرت ملامحها فجأة وهي تقول بصوت حازم:
_ أنت ليه مش قادر تصدق إني بحبه؟
افهم بقى يا ياسين، أنا بحب فريد.
قالت آخر ثلاث كلمات ببطء شديد، تصنعت الصدق ببراعة، فصدق هو ما قالته للتو. تركته لترحل، فقال هو ما أوقفها بغضب:
_ عمار كان عنده حق لما قالي إنك خاينة وعمرك ما حبيتي حد فينا. أخدتينا لعبة بين إيديكي وإحنا.. إحنا كنا هنخسر بعض بسببك.
شعرت هي ببوادر نوبة جائته من جديد، فقررت أن تواجه هذه المرة. خرجت عن صمتها وهي تقول:
_ قالك إمتى إني خاينة وماحبتش حد فيكم؟ آخر مرة شوفت عمار فيها كنا في الحرب من عشر سنين، وعمركوا ما اتكلمتوا سوا. آخر مرة عمار مات ما بين إيديك، وده قبره اللي إنت واقف عنده. عمار مات يا ياسين، فوّق. بص حواليك، بص إنت فين.
صاح بوجهها قائلاً، وكأن العالم كله لا يساع صراخه:
_ اسكتي يا شمس، اسكتي. ما تقوليش إن عمار مات. عمار ما ماتش.
فظهر عمار من خلفها يطالعه وهو يقول:
_ مش قولتلك؟ مش قولتلك هتقولك إني ميت؟ مش حذرتك منها وعرفتك قبل كده قد إيه هي بتكرهنا وعايزانا نبعد عن بعض؟ شمس دي حية فرقت بينا في الأول وعايزة تفرق بينا في دلوقتي.
لاحظت هي شروده، ينظر خلفها، تصب قطرات العرق على جبينه. ابتلعت ريقها بخوف، ترددت للحظات، بعدما لاحظت "شمس" تلك الرعشة بيده، فزادت بحديثها:
_ لو هو عايش زي ما إنت بتقول، هو فين؟ خليه يظهر، عايزة أشوفه. خليه يبقى قدامي من جديد يا ياسين. ياسين، إنت مريض ولازم تتعالج.
طالع ياسين عمار قائلاً بتساؤل:
_ أظهر لها يا عمار، قول لها إنك عايش، ما متتش. عرفها إنك زيفت موتك عشان نفضل سوا. قول لها إن القبر ده فاضي وإنه ما فيهوش حد عشان إنت.. إنت عايش صح؟ إنت عايش.
لم يتلقى منه رد. وقفت صورة عمار أمامه دون حراك. اقترب منه ببطء، رفع كف يده بأيد مرتعشة، يريد فعل ما نهاه عنه لسنين، وهو أن يلمسه، يضمه إلى صدره. وجد نفسه يلمس سراب، تتحرك صورته بين أصابعه، تبخرت صورته في الهواء، يراها تبتعد عنه. أصابه الدهشة مما حدث الآن، فأخذ يصرخ باسمه:
_ عمار ما تسيبنيش.. عمــــــــــار.
لم تستطع قدماه تحمله الآن، فأثنى ركبتيه على الأرض، انحنى بظهره ودموعه تملأ مقلتيه. هرولت هي تجلس بجواره، تمسد على وجهه، تعيد خصلات شعره للخلف بحنان:
_ عمار مات يا ياسين.. مات ومش هيرجع تاني.
نظر إلى الأرضية يقول بصوت مبحوح:
_ اسكتي.
مات من عشر سنين وقت الحرب.
_ بقولك اسكتي.
اقتربت منه أكثر، تضع رأسه بين كفيها برفق:
_ العربي طلع قلبه بأيده من جسمه ومات في حضنك يا ياسين.
بقولك اسكتي.. اسكتي.. اسكتي يا شمس.. اسكتي عشان خاطري اسكتي.
نظر إلى الأرضية ومازالت تقترب منه، تنهمر دموعه منه بشراسة، لا يستوعب عقله ما حدث للتو. فاقتربت منه أكثر، تحاوطه بين ذراعيها بحنان.
أن شعور الاختناق مميت، أخذ يستنشق الهواء من حوله كمن حرم من الأكسجين. الأضواء بكل مكان تزين منزل الصاوي، عدم شعوره بالارتياح يرهب قلبه الحزين. صوت المزمار يعلو بكل مكان. أتى فريد مع والدته من جديد، ينتظر المأذون على أحر من الجمر، بعدما اتفقت معه الخالة بأنه سيكون في بادئ الأمر كتب كتاب فقط حتى ليلة الزفاف.
دخلت سارة على شمس، وجدتها تقف أمام المرآة، لم ترتدي فستانها حتى الآن.
_ سارة، إنت لسه ما لبستيش؟ يا شمس ده العريس بره.
ابتلعت ريقها تتنهد بعمق:
_ هلبس يا سارة.
فقالت بلوم:
ولما إنت مش عايزاه، وافقتي عليه من الأول ليه؟ ومتمسكة بيه أوي كده ليه؟
حاولت "شمس" اخفاء حزنها برسم بسمة على وجهها قائلة:
_ أنا قولت مش عايزاه، بالعكس أنا هلبس أهو. معلش يا سارة، ممكن تسبيني لوحدي شوية عشان اللبس.
أشارت بالإيجاب، وهي تستعد للمغادرة. التقطت شمس بين كفيها فستانها الأبيض، تستطيع شم رائحة الكفن به. كانت تشعر بأن الموت هو خلاصها. ارتدت فستانها، تقف أمام المرآة، تتخيل ياسين يقف من خلفها يغلق لها سحاب فستانها برفق، بعدما وضع قبلة حانية على جبينها. ابتسمت ابتسامة رضا، تضع يدها على وجنتها، حتى أفاقت من شرودها على صوت زهرة قائلة:
_ لسه ما خلصتيش؟ يا شمس الناس مستنية بره.
أشارت برأسها بالموافقة. ينتظر "ياسين" بالخارج، لا يستطيع رؤيتها تزف على غيره. لم يحتمل قلبه ذلك، وخصوصاً بعدما أعلنت زهرة عن قدوم العروس. وضع كف يده على أذنه، خرج يهرول بين الحشود، يتذكر كلماتها وهي تخبره بثقة:
_ أنا بحب فريد وعايزاه. ابعد عني بقى، كفاية محاولات يا ياسين. أنا مش هتجوز غير فريد.
فاق من شروده على اتصال هاتفي، فرد على الاتصال، بعدما علم بأنها هي، ابتسم قلبه من جديد.
هما الآن على حافة المنحدر، بعدما اتفقوا أن يتركوا الحياة سوياً. ضغط ياسين على المكابح بقوة، يحاوطها بذراعيه، يخبأها بداخله، فانزلقت السيارة على المنحدر بارتفاع هائل. قبض كفه بكفها، عزم على عدم تركها والموت سوياً. فانزلقت السيارة بسرعة هائلة إلى المياه، اصطدمت السيارة بالمياه على ارتفاع شاهق بسرعة مهولة. امتلأت السيارة بالمياه بكل مكان، ففتح كل منهما عيناه تحت الماء، يطالع كل منهما الآخر، ما زال ممسك بكف يدها، يلبي رغبتها. يراها تحاول كتم أنفاسها أكثر من ذلك، فضرب الباب بقدمه، يحاول إخراجها من السيارة بالقوة.
حدث عكس المتوقع، بعدما جاء والد فريد يحضر كتب كتاب ابنه، على الرغم بعدم موافقته. جاء دون حرس، جاء بمفرده مع السائق يهنئه بزواجه، فهو ابنه الوحيد. رحب الجميع به، وجلس بجانب المأذون ينتظر العروس. يتساءل الجميع الآن، أين العروس الآن؟ كان كل من بالمنزل يتهامس على هروب العروس من يوم زفافها. فقال والد فريد:
_ هي فين العروسة؟ مش شايفها ليه؟
ارتبك فريد وهو يردد:
_ أكيد.. أكيد يا بابا بتجهز.
كل هذا.
كان هذا رده، فقام فريد وهو يقول: هاروح أشوفها بنفسي.
استدار بوجهه للأمام ليجدها أمامه، بجوار ياسين يحتضن كفها بقوة. أعصابه تتأكل والنيران مشتعلة بداخله، يطالع الجميع بعضهم البعض بذهول. فقطع "ياسين" نظراتهم بقول:
_ أنا وشمس اتجوزنا، ودي ورقة جوازنا.
طالعها "فريد" بنظرات تحمل من اللوم ما يكفي، وأن القادم لن يكن باليسير. فشعرت بالخوف ولا إرادياً، وجدت نفسها تحتمي خلفه، تقبض بكفها على كفه أكثر، مستغيثة وطالبة أن لا يتركها أبداً. فكان هو حماها وملجأها الوحيد.
رواية الهجينة الفصل 100 - بقلم ماهي احمد
صدق من قال بعض الكلمات كالقبور، تدفنك حيا على الرغم من إنك على قيد الحياة. وهذا ما فعلته جملة "ياسين" بـ "فريد" وهو يتابع قوله:
_ أنا وشمس اتجوزنا ودي ورقة جوازنا.
كان "فريد" يقود سيارته ولكن عقله ذهب في جولة للمواجهة التي تمت منذ قليل مع "ياسين" وهذه الجملة تحديداً. حاول "فريد" انتزاع ورقة الزواج من يد "ياسين" ولكنه فشل في انتزاعها من كف يده. فنطق "ياسين" متهكماً:
_ لو هسمح لحد يشوف ورقة جوازنا، فأكيد مش هيبقى أنت.
تطلعت "مشيرة" إلى "ياسين" وقد انكمشت حاجباها بريبة تطلب إجابة عما يحدث. ولكن تلك النظرة التي أصابتها من "ياسين" كانت الأسرع، حيث فرضت على "مشيرة" الصمت. طالعت "شمس" تلك المتشبثة بكف يده، فكانت نظراتها لها ليست إلا ناراً وشراراً تشتعل في الخفاء. تنظر إليها نظرة مفترس يترقب فريسته. كان الجميع مصوب نظراتهم إليهم كالسهام، لا تستطيع عقولهم استيعاب ما يحدث. يطالع أحدهم الآخر بنظرات من الجلي معرفة بأنها نظرات عدم رضا.
هبت "زهرة" واقفة تحاول أن تستوعب ما يحدث، ولكن أنهتها "الخالة" عن فعل شيء أمام الحضور. قام "والد فريد" وهو ينظر هنا وهناك بعينيه، فوجد جميع من بالمكان ممسكاً بهاتفه ويقوم بتصوير ما يحدث. ضغط على أسنانه ولكنه حافظ على ثباته الانفعالي. زرّ جاكيث بدلته السوداء يستعد للرحيل، فأوقفه "فريد" ينطق بقهر وهو يرى والده يبتعد ناحية الباب:
_ بابا أنت هتسيبني كده، إحنا لازم نعلمه الأدب. شمس دي بتاعتي، شمس ليا مش لغيري.
قاطعه "ياسين" وهو يقترب منه وجعل كل من بالغرفة يوجه أنظاره عليه. يطالعه بتحدي وهو يقول:
_ شمس من اللحظة دي بقت عقيدة محرمة على أمثالك.
عاد والد "فريد" يقترب من "ياسين" بنظرات مشتعلة. لو كانت ناراً لأكلت الأخضر واليابس. تصنع البسمة على وجهه وهو يقول بهمس:
_ أنا صحيح مكنتش موافق على الجوازة دي، بس وحياة القهرة اللي شرخت قلب ابني وشوفتها في عيونه، لا هخلي الموت من ضمن أحلامك اللي مش هتعرف تحققها في يوم.
هنا حيث ظهر على وجه "ياسين" تقاسيم مسترخية على عكس ما توقعه "والد فريد". فقد انتظر غضبه وثورته على ما قاله، ولكنه لبس قناع البرود وهو يقول باستفزاز مع ابتسامة ساخرة زينت ثغره:
_ إن شاء الله، مستني.
طالع "والد فريد" الذي اشتعلت ثورته من هذا المتبجح الذي يتحدث معه بطريقة لا تتناسب مع مركزه. يراقب الحضور بعينيه وهو يحاول تنظيم تنفسه. رحل ومن خلفه "والدة فريد" وهي تقول بصوت عالٍ نسبياً عل صوتها يصل إليه:
_ استنى يا دمنهوري، خدني معاك.
أشارت برأسها بنبرة صارمة إلى فريد قائلة:
_ يلا بينا يا فريد.
فأجاب يحثها على الانتظار:
_ استني ياما، ماتمشيش.
عاد يطالع "ياسين" بعيون ثابتة. تابعها بقوله:
_ هتندم، أنت ماتعرفش إيه اللي مستنيك. لو تعرف كنت فكرت ألف مرة قبل ما تعمل حركة زي دي.
فأجاب بما هو بعيد تماماً عن سؤاله، يشير إلى والدته بعينيه:
_ ماما حلوة يا فريد.
تسارعت أنفاسه وهو يخبره بقهر:
_ أنا عايزك تفرح بنفسك دلوقتي عشان هتزعل عليها بعدين.
طالع "ياسين" وتحدث بنبرة ذات مغزى أدت دورها جيداً في جعل "فريد" يستشيط غضباً:
_ اتكل.
كلمة واحدة فقط قالها ببطء شديد وهو يشير برأسه ناحية الباب يحثه على الخروج. فطالعه "فريد" بنبرة تحمل من التوعد ما يكفي:
_ بكرة تشوف يا ياسين.
جذبته والدته من مرفقه تحاول إخراجه للخارج قائلة:
_ ماتحرقش دمك مع ناس زي دول، لا هما مننا ولا من مستوانا.
استدار "ياسين" بجسده يطالعها وقال بابتسامته الماكرة:
_ نورتي يا طنط، كان نفسي أفرحك بابنك بس مبسوط إني معرفتش أفرحك.
مما أدى إلى اشتعال ثورة "فريد" ووالدته تجذبه من ذراعه وهو يقول:
_ أنا هوريك، أنا هندمك، أنا هخليك تشوف النجوم في عز الضهر... أنا...
صفق "ياسين" بيديه في حركة مسرحية وهو يقول ساخراً:
_ ماشي يا ابن الأحبه.
طالعته والدة فريد بغضب، فاصطنع ابتسامة مزيفة وهو يقول:
_ الغاليين طبعاً، الأحبه الغالييــن.
رحل "فريد" وترك المكان ولم ينطق بحرف بعدما رحل. الصمت أصبح رفيقه الأول والغضب رفيقه الثاني.
أفاق "فريد" من تلك الذكرى التي حدثت منذ دقائق على صوت والده يستغيث بصوت مرتفع:
_ حاسب، حاسب يا فريد، أنت كده هتموتنا.
استفاق "فريد" من ذاكرته يضغط بقدمه على دواسة الوقود بقوة ولكن دون جدوى. فقد اصطدم بجرو صغير على الطريق. هبط من السيارة يصفع الباب من خلفه يرى ما الشيء الذي قام بالاصطدام به. فوجده جرو غارق بدمائه. جلس القرفصاء بجواره لم تعد تتحمله قدماه. يتكئ بظهره على السيارة وهو يبكي. يبكي بحرقة عما حدث. فهبط والداه من خلفه. فقامت والدته باحتضانه تراها تبكي من جديد. فدمعت عيناها وبدأت بقول:
_ قولتلك من زمان يا فريد، البنت دي مش عايزاك ولا عمرها حبيتك، بس أنت ماسمعتش كلامي.
طالع والده بنظرة استحقار مما يفعله بنفسه قائلاً:
_ أخس على الرجالة، حتة بت فلاحة مالهاش لازمة تعمل فيك كده، تعمل في فريد ابن الدمنهوري وزير الداخلية كده. قوووم، قووم اقف على حيلك. ولو ما جبتهاش راكعة تحت رجليك وجييتلك الواد ده يبوس جزمتك، مابقاش الدمنهوري.
انتعشت روح فريد وكأن عادت إليه الحياة عند سماع حديث والده وقد عاد الأمل له. يقول وهو يقف على قدميه:
_ بجد يابابا؟ بجد مش هتتخلى عني؟
أشار له والده بالإيجاب يتابع بقوله:
_ الأيام دي في حركة تنقلات في الوزارة والعين مفتوحة عليا حبتين. اصبر عليا شوية لحد ما أبقى في الوزارة الجديدة. وإياك ثم إياك تعمل أي شيء قبل ما أبقى ضامن إني من ضمن الوزارة الجديدة. وقتها بس هجيبهولك راكع.
تطلع لوالده وهو يقول بقهر:
_ وأنا لسه هستنى يابابا؟ وافرض مكنتش من ضمنها، هنسيبه؟
فأكد عليه والده بقول:
_ أنا ماقولتش إني هسيبه بأي حال من الأحوال، بس لازم نستنى اليومين دول. أنا محطوط تحت الميكروسكوب الأيام دي وأي شوشرة عليا هطلع منها خسران.
أخذ يربت على كتف ابنه مسترسلاً حديثه ينطق كلماته الآتية ببطء:
_ اصبر يا فريد، الصبر حلو يابني.
ما زال الحضور وكذلك المأذون الجالس على الأريكة في صدمة مما حدث. أما عن "ياسين" فبمجرد رحيل "فريد" تأفف بأنزعاج. فكل شيء يضغط على أعصابه أكثر.
مدت "شمس" كفها وقبضت على سترة "ياسين" من الخلف. كانت تنتفض من نظراتهم الملامة على ما حدث. تحاول الهرب بعينيها من نظرات الجميع، وبالأخص نظرات والدتها لها. فاختارت أن تختبئ خلف ظهره تشعر بالأمان بوجوده. ذلك الأمان الوحيد الذي نشعر به في لحظات خوفنا. وكأنه سد منيع بينهم وبينها. وقد قطع صمتهم الرهيب صوت "الخالة" وقد أقدمت على الحديث:
_ كتب الكتاب واتكتب واليوم وخلص. مشكور كل واحد جه وبارك، نردها لكم في أفراحكم. وواجب كل واحد فيكم هيترد لكم يا رجالة في يوم.
خرجت كلمات "الخالة" حاسمة لهذا الموقف، فغادر كل من بالمنزل من خارج عائلة "ال صاوي". ومع خروج آخر شخص من المنزل أشارت الخالة بعينيها إلى "حسان" تحثه على غلق الباب خلفه. أسرع "حسان" لغلقه وأصبحوا بمفردهم من جديد. اقتربت "زهرة" من "شمس" وهي تصيح بنبرة لاذعة. نبرة متهكمة. ضربت "ياسين" في مقتل سائله ابنتها بقول:
_ ياسين اعتدى عليكي يابت المهدي؟
بانت الصدمة على ملامح "شمس" دون أن تنطق. فرد "ياسين" وكان رده ينم عن وجع كبير من سؤالها:
_ أنت اتجننتي يازهره؟ أنت بتقولي إيه؟
اعترضت "زهرة" بقولها على كلامه بنبرة ساخرة من طريقة حديثه:
_ أيوه، أيوه اتصنع البراءة اللي في عينيك وكأنك معملتهاش عشان تغصب بنتي إنها تتجوزك. تقدر تقولي فستانها متقطع ليه؟ وشعرها وشكلها وانت كمان شايف نفسك عامل إزاي؟
_ أنت بتقولي إيه؟
أنا لا يمكن أأذي شمس بالشكل ده.
"الخاله" ضربت على الطاوله ناطقة باسمها بنبره محذرة، فهي تحدثت بما لا يصح قوله. فاعترض زوجها هو الآخر وحاول منعها، ولكنها استكملت ما بدأته تردد بقول:
_ ماكنتش مصدق نفسك إنها ممكن تعيش وتتجوز وتبقى مبسوطة؟ تعيش حياة طبيعية مع بني آدم زيها زيه. قولت تجيب مناخيرها الأرض، وخطفها واعتديت عليها.
قاطع حديثها "الطبيب" وكأنه كان ينتظر دوره حتى يجعلها تندم أشد الندم على اللحظة التي قالت فيها هذه الكلمة بقول:
_ أنتِ زودتيها قوي يا زهرة. كفاية كده. أنا استحملتك كتير، بس الظاهر مافيش فايدة فيكي.
ردت "زهرة" بإصرار:
_ لأ مش كفاية. تقدري تقولي إيه السبب اللي يخليها تتجبر إنها تتجوز ياسين، بعد ما كانت موافقة ومصممة إنها تتجوز "فريد"؟ لأ وكمان يوم كتب كتابها.
طالعت "مشيرة" تتابع حديثها بضيق:
_ وأنتِ يا ستي مشيرة، أنتِ مش المفروض خطيبته وهتتجوزوا؟ ساكتة ليه؟ ما تنطقي.
وقفت "مشيرة" ولكن بعدم ارتياح، وصدق ظنها حين رأت أعين الجميع مصوبة تجاهها. فأشار "ياسين" لها بعينيه يحثها على قول الحقيقة، يطمئنها بنظراته، فقالت بتردد:
_ بصراحة.. بصراحة أنا.. أنا وياسين..
قاطعتها "الخالة" بقول:
_ عمرك ما كنتي هتبقي مراته ولا خطيبته في يوم، صح يا بتي؟
اندهشت "مشيرة" بمعرفتها للأمر، فتابعت "الخالة" بقول:
_ كنت عارفة بكذبتك وملامحك اللي حاولتِ تداريها وأنتِ بتعرفينا إنك مراته. وياسين جه ودارى عليكي. نظرته اللي اتسحبت ونبرته اللي اتغيرت وهو بيوافق على كلامك بين إنه بيكذب زيك بالظبط. أنا مش عايزة أعرف أنتِ كذبتي ليه، قد ما عايزة أعرف استفدتي إيه؟
لم يتدخل "يزن" بالحديث معهم، بل قال بعد أن أنهت حديثها:
_ مش وقت يا خالة الكلام ده دلوقتي. عايزين نسأل الأسئلة المهمة. وأتمنى مشيرة ما تبقاش وسطنا وإحنا بنسألها.
تركتهما "مشيرة" بانفعال. فأشارت "الخالة" إلى حسان بعينيها حتى يلحق بها إلى الخارج في محاولة بائسة لإعطائها بعض الهدوء.
أتت "زهرة" لتتحدث، ولكن منعتها نبرة "الخالة" المحتَدة:
_ أنتِ صحيح اتجوزت شمس ياياسين؟
فأشار ياسين برأسه بالإيجاب، يطالعها بعينين صادقة:
_ أيوه يا أمي، بس طبعًا لسه ورقة الجواز ما طلعتش، والورقة اللي في إيدي دي مجرد ورقة فاضية ما فيهاش حاجة.
أشار بكف يده للخارج وهو يقول:
_ أنا حتى كنت هرميها بره، مش عارف جايبتها منين. بس اللي جت في إيدي. والاتهام اللي زهرة بتتهمني بيه مش أنا اللي أرد عليه.
استدار يطالع "شمس"، يحاول طمأنتها، يضع وجهها بين كفيه، يخبرها وعيناه تحوطها، يخبر نقاؤها عن صدق حديث صاحبه، وكأنه يمارس السحر فيسلب نظراتها بقول:
_ لو عايزة تحكي اللي حصل، احكي وهتلاقيني هنا.
أشار على ظهرها فأتبع بقوله:
_ عايزك بس تعرفي إنك دايماً هتلاقيني جنبك وفي ضهرك يا شمس. وزي ما اتفقنا قبل ما نيجي، لو مش مستعدة تحكي وتقولي اللي حصل، فأنا هفضل استنى لحد ما ييجي اليوم اللي تحكي فيه من غير ما حد يجبرك على الكلام.
بان تأثير كلماته عليها حين لانت تقاسيمها. انتظر ردها وبقت هي صامتة فقط تطالعه، حتى نطق هو بحسم وقد أبعد عينيه عنها، يوجه حديثه لزهرة:
_ عمومًا، لو أنتِ شايفة إني وحش أوي وممكن أأذيها بالشكل ده، فمعنديش مانع. يبقى افتكري اللي أنتِ عايزة تفتكريه.
وتابع بقوله الذي أثار غيظها:
_ يا حماتي.
هبت "زهرة" من مكانها وأبعدتها عنه وقد طفح الكيل، وقد نطقت:
_ ده بعيد عن عينك إنك ممكن تحلم أبقى حماتك في يوم ياياسين.
فطالعها بنظرة ساخرة مما تقول، وقد نجح باستفزازها، فالاستفزاز شيء يبرع هو فيه:
_ غريبة!! مع إن المأذون واحنا بنكتب كتب الكتاب أكد لي وقال لي ياياسين زهرة كده بقت حماتك رسمي.
مطت "زهرة" شفتيها بضيق، وقد وصل الأمر لنقطة لم ترد أن تصل إليها أبدًا. فنطقت بحزم:
_ أنتَ فاكر إنك بتلوي دراعي بعملتك السودا دي؟ ده أنا أروح فيك في داهية. حق بنتي مش هسيبه.
فنطقت "شمس" من بين دموعها، تحاول تجميع كلماتها على شفتيها:
_ ماما ياسين ما قربليش زي ما أنتِ فاكرة. وفستاني المتقطع وشكلي المتبهدل ده.. ده عشان أنا..
حاولت سرد ما تبقى من حديثها، ولكن نظرات الجميع المصوبة ناحيتها زادت من ارتباكها. فنطقت زهرة بحدة وهي تقترب منها:
_ ده عشان إيه؟ ما تنطقي يا بت المهدى؟
انتهت "زهرة" من سؤالها، وانتبه الجميع حين سمعوا "شمس" تقول ما جعل "ياسين" يطالعها:
_ لولا ياسين اللي واقف قدامك وبتتهميه تهمة بشعة زي دي، ما كنت أنا هبقى موجودة. ياسين أنقذ روحي بعد ما حكمت عليها بالموت.
ارتخت تقاسيم وجه "ياسين" بلين، بينما ظهرت على وجوههم علامات الاستفهام. كانوا ينتظروا المزيد، وأرضت هي انتظارهم بقول:
_ أنا هربت من الفرح بإرادتي. هربت بعد ما أخدت قرار إني لازم أنهي حياتي بإيدي. واللي أنتِ شايفة قدامك ده وفستاني المتقطع وشعري المنعكش ده عشان نطيت بالعربية من فوق الجبل. وياسين هو اللي ما سمحش بموتي.
أنهت حديثها وظلت محاوطة بنظرات من الجميع. "والخالة" التي سألت بخوف مستفسرة:
_ ليه يابتي عايزه تنهي حياتك؟ هو حد غصبك على فريد؟ بالعكس أنتِ الوحيدة اللي كنتي ماسكة فيه.
حالة الانهيار التي أصابتها جعلت الكل يشفق عليها. فخرجت "سارة" عن صمتها تجذبها من مرفقها بلين:
_ تعالي.. تعالي معايا يا شمس ندخل أوضتك عشان ترتاحي شوية.
تبعتهما "زهرة" بعد ما ألقت بنظرات الاتهام عليها، وعيناها بها من الأسئلة ما يكفي.
فوجه "يزن" حديثه للجميع:
_ مش مهم دلوقتي نعرف هي ليه شمس وافقت من الأول. واضح إنها مش حابة تحكي. بس الأهم إننا داخلين على حرب جديدة قصاد الدمنهوري وابنه. انتوا فاكرين إن الدمنهوري هيسكت بعد الإهانة اللي حصلت له ولابنه؟ ده وزير الداخلية. عارفين يعني إيه وزير الداخلية؟ يعني ممكن كلنا نروح ورا الشمس ومحدش يعرف لنا طريق.
نطق "ياسين" بعدوانية، وقد نجحت عيناه في بثها ببراعة:
_ اللي عندهم يعملوه. وبعدين يا ريت تشيل نون الجماعة دي. محدش فيكم يدخل في الموضوع ده، ولا حد فيكم يقول لشيخ عجوة حاجة من اللي حصلت.
وجه نظراته التحذيرية لغدير:
_ ولا حتى رعد وميرا يا غدير. سيبوهم يعيشوا في أمان. دي مشكلتي وأنا هعرف أحلاها كويس.
قال كلماته مما جعل شقيقه يزداد غضبه عليه، فنطق متهكمًا:
_ ومن أمتى لما حد فينا بيقع بنسيبه يقع لوحده ياياسين؟ إحنا لازم نفكر كويس في أي خطوة هنعملها. واللي أنا متأكد منه إن الأيام اللي جايه دي الدمنهوري مش هيقدر يعمل حاجة.
جلست "الخالة" على المقعد مستفهمة حديثه:
_ ليه بتقول كده يا ولدي؟
فرد عليها بنبرة ثقة مما يقول:
_ في حركة تنقلات الأيام دي في الوزارة، والدمنهوري الكلام كان بيتشوشر عليه الأيام اللي فاتت. وما أفتكرش إنه هيعمل أي حاجة تضره الأيام دي لحد ما يبقى متأكد إنه مكمل فيها.
هز "يزن" رأسه بالموافقة وهو يقول:
_ عشان كده جه من غير حراسة. يا دوبك هو والسواق بتاعه.
تحدث "ياسين" مدركًا تمامًا لحقيقة الأمر:
_ سواء كمل فيها أو مكملش، نظرات عينيه والإهانة اللي حس بيها تخليني متأكد إنه مش هيسكت. عشان كده قولت لكم أبعدوا انتوا عن الموضوع ده. أنا مش عايز حد يتأذي بسببي. كفاية اللي انتوا فيه.
أنهى "ياسين" جملته يهرول إلى الخارج، يمتلك عادة سيئة وهي عادة "الاختفاء المفاجئ"، ولكنها تريحه قليلاً عند شعوره بالانزعاج. يعلم بأنها تغضب من حوله، ولكن هذا ما يريحه، ولن يؤذي من أحب. سيتجه إلى عزلته دوماً.
جالسة على المقعد في إحدى زوايا الحارة بجانب عم مدبولي صاحب قدرة الفول، تنتظر قدومه بفارغ الصبر. وعند رؤيته، طلبت من "عم مدبولي" إحضار طلباتها التي طلبتها قبل مجيئه، فارتسمت بسمة على وجهها وهي تقول:
_ اتأخيت ليه يابيدقوس؟
جاء يلهث بأنفاس مقطوعة، طالعها جيدًا، حالتها عادية لا دليل على أنها ليست بخير، ولكنه أراد أن يطمئن قلبه أكثر، فسألها بخوف:
_ أنتِ بخير يا مارال؟
حاولت طمأنته قليلاً:
_ أي يابيدقوس. التوتي اللي باين على وشك ده، كل ده عشان اتصلت بيك وقولت لك عايزة أشوفك.
فأكمل هو حديثها يخرج أول كلماته من فمه ببطء:
_ ضــــروري. لقد أنهيتِ جملتك بكلمة ضروري.
أشارت له على المقعد المقابل لها بالجلوس، فتساءلت ساخرة:
_ اتعشيت؟ أنا بصراحة ما اتعشيتش، وما صدقت ماما نامت وأخويا النهاردة هيبات في الشغل، قولت نتعشى سوا. ووصيت عم مدبولي يعملنا طبق فول وعليه التحابيش بتاعته.
ابتلع ريقه وعلامات الاشمئزاز تظهر عليه، يطالع عم مدبولي الذي بادله النظرات هو الآخر بضحكة مرعبة، يضع القليل من الزيت في الفول بعدما وضع أصبعه بمنخاره وهو يقول:
_ ما تقلقيش يا آنسة مارال، ما نسيتش التحابيش.
_ ربــــــاه.
كان هذا صياح "بربروس"، ووقف على الفور بانزعاج، والأشمئزاز يظهر على تفاصيل وجهه، ممسكًا به من ظهره، يرفعه بيد واحدة وهو يقول:
_ يارجل، يارجل ماذا تفعل بحق الله؟ فوالله وبعقد الهاء لولا أن الله حرم القتل لـ ـكنت ذبحتك بيدي العاريتين ووضعت جثتك على أول الحارة حتى تكون عبرة لمن يعتبر، مثلما تأتي بالذبحة الصدرية للخلق. تبا لك أيها المزندع السفيه.
تساءلت مارال بعدم فهم:
_ فيه إيه يابيدقوس؟
أشار لها بكف يده يحثها على الوقوف:
_ هيا.
هيا من هنا ولا اريد ان اراكِ تضعين بفمك شىء من هذا العجوز
ارتفع صوت عم مدبولي وهو يقول:
_استنى بس ياشيخ بربروس طب هعملك طبق تاني يعجبك
تمتم بربروس بغيظ شديد وهو يدخل لأحدى الشوارع الجانبيه يلعن عم مدبولي وقدرة عم مدبولي ويلعن حياته هو شخصياً
وسرعان ما وقفت مارال أمامه وانفرجت شفتيها ببسمه واسعه تنظر اليه قائله:
_بيدقوس نسيت اقولك
انتبها "بربروس" ينتظر تكمله حديثها فاخبرته قائله:
_مش انا جايلي عييس
انكمش حاجبه باستغراب وقد كانت ملامحه عابسه اشار بكف يده وهو يقول:
_عي.. ماذا
فنطقت هي تستكمل الكلمه:
_عييييس.. انا قولت اقولك.. ها هتعمل ايه دلوقتي؟
وكيف لكِ ألا تخبريني بهذا الخبر التعيس من قبل
أنهى حديثه فبررت له:
_انا لحقت يابيدقوس انا لسه شيفاك دلوقت ها هتعمل ايه؟
تحدث "بربروس" بجديه:
_سأتي بالتأكيد حتى أتقدم لخطبتك من شقيقك
ابتسمت بلطف واخبرته وهي تبتعد عنه
_ماشي هاتيوح على البيت ولا هاتيوح الجامع
اجابها وهو يزفر فقد اشتعلت غيرته مما اخبرته الأن فنطق بتهكم:
_لا شىء سأكمل جلسه الأطفال فمن المؤكد بأنهم بانتظاري الأن
اشارت برأسها بالأيجاب وعادت وهي تخبره ما تذكرته للتو:
_اه بيدقوس نسيت اقولك اوعى تيجي لوحدك يعني هات دكتوي على وياسين معاك على اساس انهم اخواتك وكده اللي في القييه اوعى تنسى
أشار بربروس بالموافقه يعود للمسجد من جديد يتذكر ما قالته للتو بأن جاء لها عريس دلف الى المسجد ليجد اهالي الأطفال بأنتظاره يمسك كل والد طفل بكف أبنه متهكماً طالع ابو المعاطي بمعني "ماذا يحدث" فأشار له أبو المعاطي بكتفه بعدم المعرفه فنطق والد طفل منهم يقول:
_الأطفال اتأخرت اوي النهارده ياشيخ بربروس احنا خوفنا على أطفالنا وابو المعاطي مانعهم يطلعوا عشان يروحوا ينفع كده
طالع ابو المعاطي بلوم بعدما اعتذر لأولياء أمورهم وهو متعصب بعض الشىء ولكن جلس الجميع من حوله كالدائره فنطق والد اخر يسأله:
_بما أننا اتجمعنا على غير معاد فعايزين نسألك شويه اسئله ياشيخنا
جلس "بربروس" بالمنتصف شاعراً بنار تندلع داخله يتخيل مارال وذاك العريس الغبي ولكنه نفض ذلك عن ذاكرته يستمع الى اسئلتهم فبدأ رجل بقول:
_انا اتزوجت أمرأه وطلعت عرجاء اطلقها ولا انت ايه رأيك؟
زفر بربروس يهمس بداخله بقول استغفر الله فأكمل حديثه وهو يقلب حباته بأصابعه:
_أذا انت تزوجتها حتى تتسابق معها فانصحك تطلقها
فسأله أخر:
_انا بدخل بالتليفون الحمام ياشيخنا وطبعا بيبقى في قرأن كده يبقى حرام ولا حلال
تحدث "بربروس" بضيق مجاوباً:
_يا أخي بعقلك ايضاً تحفظ القرأن ضعه بالخارج أيضاً قبل أن تدخل الى المرحاض
ابتسم الجميع فزفر ذاك السائل فقام اخر بسؤاله:
_برأيك ياشيخ بربروس الشيطان بيولد ولا بيبيض
تصنع بربروس البسمه قائلاً بسخريه من سؤاله:
_والله وبعقد الهاء لم يعزمني على عرسه حتى اعرف اذا يولد او يبيض
قهقه الجميع بضحكات عاليه إلا هو ولكن لم يكن يعلم أحد بأن بداخله نار لا يستطيع احد اخمادها فسأل اخر بمرح:
والدتي كبيره بالعمر وما تقدرش تمشي وهي دلوقتي بتزحف كده هي من القواعد ياشيخنا:
_بل هي من الزواحف
قالها بربروس بعينين باحثه عن هاتفه بعدما استأذن الجميع بالأنصراف اخرج هاتفه يبحث عن الرقم الخاص بياسين حتى يستطيع الحضور بأسرع وقت
--------------------(بقلمي ماهي احمد)----------------
في أكثر الأوقات نريد الأختلاء والعزله والبقاء بمفردنا يتفنن المزعجون في افساد خلوتنا
يقتـ ـلها فضولها لمعرفه الحقيقه الكامله وهذا ما تفعله "زهره" الأن تحاول اجبار ابنتها على الحديث بالقوه بقول:
_انطقي ياشمس ايه اللي خلاكي تسيبي كتب الكتاب بعد ما كنتي موافقه على فريد .. كده مره واحده تهربي من كتب الكتاب كده تحطي وشنا في الأرض قدام اهل القريه كلهم.. اوعي يابت ياسين يكون دخل عليكي ولا لمس شعره منك
حاولت شمس الأبتعاد عنها ولكن منعتها يد "زهره" التي قالت:
ما انا مش هسيبك يابت المهدي غير لما اعرف الحقيقه
لم تكن الا نبره مليئه بالبغض من فعلتها الكارثيه هذه ولو طالت الأن لأزهقت روحها بدم بارد
حررت "شمس" ذراعها من كف زهره بعنف ثائره تنطق من بين دموعها:
_مالمسنيش ورحمه ابويا ما لمسني ولا دخل عليا ولا حتى حاول انه يقربلي
كلماتها هذه هدئت من روع "زهره" قليلاً فأتت "ساره" من خلفها ممسكه بفستان شتوي قائله:
_سبيها ياطنط زهره دلوقتي ارجوكي خليها على الأقل تغير هدومها كده هتموت من البرد تهدى كده وأكيد هتحكيلك على كل حاجه
احتدت نظرات "زهره" وهي تعلق بغيظ تكرر كلماتها بسخريه:
_هتموت من البرد.. وهي لسه هتموت ياساره ماهي خلاص ماتت من وقت ما وافقت بكتب كتابها على ياسين
_ليه بس كده ياطنط زهـ
غادرت "زهره" ولم تترك لـ "ساره" الفرصه لأستكمال حديثها صافعه الباب خلفها أغمضت عيناها بقوه أثر صفعه الباب الحاده فمدت يدها لـ "شمس" التى ما زالت تجلس على الأريكه بجانب النافذه تسرق النظرات لها وعلى حالها المبعثر بقول:
_ماتزعليش من طنط ياشمس اللي حصل مكانش حد يتوقعه خدي غيري هدومك عشان خاطري وانا هاروح اعملك كوبايه شاي سخنه تدفيكي في الساقعه دي
مدت "شمس" كف يدها تأخذ منها الرداء بيد مرتعشه تتبعت أثرها بعينيها حتى خرجت من الغرفه تغلق الباب خلفها أدارت وجهها بصمت تطالع النافذه سندت وجهها بكف يدها تنظر للسماء الصافيه المرصعه بالنجوم تلقي بألامها وأمالها في بئر عميق تركت نفسها لتسترجع ذكرى لم يمض على حدوثها سوى ساعات قليله وهما اسفل المياه
يطالع كل منهما الأخر ممسك بكف يدها حول عينيه الى اللون الأحمر ليستطيع الرؤيه وسط العتمه بهذه المياه أما عنها فقد استطاعت الرؤيه بوضوح كما علمها من قبل وهي صغيره هنا ابتسمت وهي تلفظ انفاسها الأخيره عندما عادت بذاكرتها بالماضي تسترجع ذكرى لهما وهما بالقبو يخبرها بقوله:
_مش عايزك شخص ضعيف الدنيا بره ما بترحمش عايزك استثنائيه تفتحي في النور والضلمه حتى لو هتفضلي تكرهيني طول عمرك بكره تعرفي قيمه اللي بعمله عشانك حتى لو على حساب كرهك ليا
عادت بذاكرتها تطالعه من جديد وهي مازالت اسفل الماء تخرج فقاقيع الهواء من فمها تلفظ انفاسها الاخيره لم يتحمل رؤيتها هكذا لتجده يركل باب السياره بقدمه بقوه اعترضت على فعلته هذه بنزع كف يدها من يده بالقوه انعدمت الرغبه في الحياه وفي كل شىء ولكن منعها هو من أن تتركه فاستدار ينظر لها يحاوطها بعيناه
فنطقت روحه بما لا يستطيع لسانه نُطقه ، فكانت تحادثها عيناه يخبرها نقاء عيناه بصدق:
_"أنا الذي لا يهزني برقً ولا رعدِ ، بعينيكِ الخضراء فقد تاهت سُفني لم يعد لي مرسى فبحر عيناكِ قد هزم ثباتي "
بان تأثير نظراته عليها وكأنها وضعت تحت تأثير سحر عيناه الصافيتان صدق من قال ان للعيون لغه وهي الوحيده التى استطاعت فك شفراته وقراءة ما بهما لانت تقاسيمها بعد نظراته فهدأت حركتها استدار هو ومازال ممسك بكف يدها بقوه لا يقدر على تركها فأخذ يسبح للأعلى يجذبها للسطح من خلفه فشهقت بعمق حين خرج بها من المياه تلك الأنفاس التي كانت تريد أن تتركها بأرادتها منذ قليل تعود لها من جديد رغماً عنها أخذت أولى أنفاسها فابتسم هو ابتسامه ظهرت على محياه يراها تتنفس أمامه من جديد فقال هامساً بداخله:
_ده أنتِ حبيبه العين ياشمس
أرتعش جسدها الصغير من بروده الماء وشفاها الزرقاء التي لا تستطيع التحكم بهما من رعشتهما المتتاليه استفاق من نظراته لها وأخذ يسبح بقوه حتى استطاع الخروج بها فهو يعلم جيداً بأنها لا تستطيع السباحه وصل اخيراً على الشاطىء مسد على عنقه بتعب استقامت تضم جسدها بيدها من كثره رعشته وجدها هكذا فاقترب منها ببطىء يحاول ضمها اليه حتى تنعم بحرارة جسده ولكنها دفعته بيدها عاد خطوه للوراء وهو يقول:
_شمس أهدي.. أطمني.. أنتِ بخير ياشمس
فصاحت بهِ بشراسه فقد كانت على حافه الأنهيار وهي تقول:
_بخير!! مين قالك أني بخير.. أنتِ نفسك مش هتبقى بخير بعد عملتك السودا دي وانقاذك ليا مش هتبقى بخير ياياسين.. محدش فيكم هيبقى بخير.. أنا مهما احكيلك مش هتفهم
انكمش حاجبه باستغراب فلم يستطع فهم ما تقول ولكنه أدرك من ردود فعلها بأنها تؤمن بأن احتضان الماء لها افضل من عالم قاسي لم يرحمها فأكملت من بين شهقاتها وارتعاشه جسدها:
_أبعد عني ياياسين قربك مني هيأذيك مش هينفعك.. أبدأ حياه جديده مع مشيره كفايه اللي حصلك بسببي في يوم أنتَ وعمار
شعر بألامها فاقترب منها ببطىء جذبها من مرفقها
يضع يده على خصرها ، دفعته بانفعال لتبعده بعيداً عنها:
_مالكش دعوه بيا انتَ ايه مافيش فايده فيك لو مابتخافش على نفسك فخاف على غيرك
فرد هو بانفعال نابع من عدم صبره:
_لو كان جوازك من فريد ده كان بالنسبالك خطه عشان تحميني منه تبقي عبيطه.. عبيطه وهبله كمان وماتعرفيش "ياسين" ليه مش راضيه تفتحيلي قلبك احكيلي هددك بأيه "فريد" الزفت ده عشان توافقي على جوازك منه عرفيني ياشمس
لم يتلقى رد ابتلعت ريقها بعيون حائره استدارت تبتعد عنه وتتركه خلفها فتنهد هو بعمق يسير خلفها فعرقل حركتها وأحكم الأمساك بها فلم يعد أفلاتها ممكن تجمدت أطرافها حين لاحظت اقترابه اكثر وقد احتضن عينها بعينيه ولكن بنظراته الأسيره تم أجبارها ان تنظر اليه لم تعلم ماذا تفعل حتى يبتعد عنها أخذت تضرب صدره بعنف بضربات متتاليه حتى يتركها..
نعم هو تركها ولكنه تركها تخرج غضبها بين أحضانه دمعت عيناها وهو يتلقى ضرباتها قائله:
_سيبني.. سيبني ياسين.. أبعد عني.. مش عايزه اجيبلك تهمه..
كفايه اللي انت فيه.
لم يتزحزح انش واحد بل اقترب منها اكثر حتى اصبح وجهها على مقربه من وجهه. أعاد خصلات شعرها الجانبيه الى الخلف وهدئت قليلا بعدما افرغت كامل غضبها به. شعر بألامها فقال بأنفاس متقطعه وقد مال بجبينه على جبينها وقد ثبت رأسها بكف يده من الخلف:
_اسف ياشمس.. مش هسمع كلامك ولو التهمه هتيجي منك فامسحي التهمه دي في قلبي.
لم تستطع قول شىء بعدما قال. أخذت تضرب برأسها على فؤاده تنهمر دموعها على وجنتيها. رفع كف يده ببطء بتردد وما مر سوا ثواني حتى مسد بأصابعه بين خصلات شعرها وكأن كل شىء سكن من حولها. نعم كانت تريد الموت ولكن قلبها يستغيث طالبا من ينتشله من كل هذا. مر دقائق وما زالت بنفس الوضعيه مائله برأسها على فؤاده يحاوطها بذراعه بحنان. أفاقت مما فيه وابتعدت عنه بذعر قائله:
_أنا.. انا عايزه اروح.
اشار برأسه بالأيجاب يجذبها من ذراعها خلفه. صعد على الموتور فحاولت هي الصعود من خلفه فعركلها ذيل الفستان. انحنى "ياسين" ومزق لها ذيل الفستان يلقيه بعيدا وهو يقول:
_ في ستين داهيه مش لايق عليكي الفستان ده.
قاد الموتور واتجه الى "عم نصير" على الفور قائلا:
_مأذون القريه فين ياعم نصير.
استغرب عم نصير مما يحدث ولكنه ابتسم قائلا:
_عمك حسين لسه ماشي من عندي كان قاعد بيتسامر معايا روح الحقه هو لسه ماطلعش على الطريق.
ابتلعت "شمس" ريقها باعتراض:
_مأذون.. مأذون ليه ياياسين أنت بتعمل ايه.
لم تتلقى منه رد. جذبها من ذراعها داخل الكوخ وأغلق بابه عليها. اخذت تطرق الباب بكل قوتها:
_افتح الباب ياياسين.. انت فاكر نفسك بتعمل ايه.. ياسين افتح الباب بقولك.
تجاهلها "ياسين" يوجه كلامه لعم نصير بتحذير:
_عارف لو فتحتلها الكوخ ياعم نصير هعمل فيك ايه.
فرد يتتبع فضوله:
_هتعمل ايه.
فرد ساخرا يغمز له بطرف عينيه:
_هجوزك كوكي.
اختفى من أمامه فسمع صياحها من ضربات الباب المتتاليه:
_افتح الباب ياعم نصير ماتسمعش كلامه هو مش فاهم بيعمل ايه.
لم يستمع لها بل أسرع بالجلوس على المقعد المقابل له قائلا:
_وانت مش فاهمه لو فتحت الباب هيعمل فيا أنا أيه. ده ياسين مجنون ويعملها ويجوزني حكيمه وما أدراكي ما حكيمه.
فحسمت أمرها بقول:
_حتى لو جاب المأذون انا لا يمكن اوافق على الجوازه دي ياسين ده مجنون و.
لم تكمل حديثها حتى وجدته فتح الباب قائلا:
_المأذون بره وياريت توكلي عم نصير عشان جوازنا.
ياسين أنت مش عارف بتعمل ايه على الأقل اسمع كلامي.
قابلها بلهجته المنفعله وقد امتزجت بالسخريه:
_ مابسمعش كلام حد ودي قله ادب مني وانا قليل الادب كوكي ماعرفتش تربيني.
يبدو الأمر وكأنه حسمه فترددت بالقبول فابتسم وهو يقترب منها يربت على ذراعها بحنان:
_اسمعيني ياشمس انا عمري ما هقربلك ولا هلمس شعره منك في يوم ولا جوازنا ده هيبقى جواز حقيقي واضح انك في خطر وانت مش عايزه تقوليلي عشان اساعدك قربك مني هو الحل مش بعدك. الورقه اللي هتربطنا ببعض هتبقى فيها أمانك وحمايتك من فريد انا مش هغصبك تقولي هو بيجبرك على جوازك منه بأيه بس هقولك زي ما انت كنت عايزه تموتي نفسك عشان تحميني انا وغيري انا هتجوزك عشان احميكي منه.
فابتسم ساخرا يحاول تهدئتها قليلا:
_وده بالنسبالي موت برضوا.
عادت ملامحه للجديه من جديد وهو يقول:
_القرار قرارك يابنت الناس وعايزك تثقي فيا عشان ياسين ابن الصاوي مابيقولش أي كلام انا خارج ياشمس وهبعتلك عم نصير وهستنى قرارك معاه.
دلف عم نصير الى الكوخ وجلس هو ينتظر مع المأذون بالخارج. كانت دقايق معدوده ولكنه شعر بها تمر كالساعات حتى خرج يخبره بقرارها النهائي وهو الموافقه.
ابتسمت "شمس" بسمه حانيه دون قصد شارده بما حدث منذ ساعات. فأتت "ساره" بكوب الشاي الساخن على الحامل المعدني تمد يدها بالشاي قائله:
_أنت لسه ماغيرتيش ياشمس كده هتبردي خدي اشربي الشاي ده يدفيكي وبعد كده غيري هدومك على طول.
أفاقت "شمس" من شرودها تمد كف يدها تأخذ منها كوب الشاي وهي تقول:
_أيه.. اه.. ايوه نسيت.
جذبت "ساره" المقعد المقابل لها تجلس عليه وهي تقول:
_لاااا.. أنت مش هنا خالص.
أشارت برأسها بالأيجاب وهي تخبرها:
_أنا خايفه أوي ياساره.
بدأ الأهتمام على وجهها وهي تسألها:
_ما أنت لو تحكيلي اللي حصل ممكن اقدر اساعدك.
استجابت "شمس" لها تهز رأسها بالأيجاب:
_هحكيلك.
الغل والحقد هي مشاعر امتزجت ببراعه على وجه "مشيره" وهي تركض بين الطرقات حتى وجدت حظيره بالقرب منها دلفت اليها مسرعه ولم يستوعب عقلها ما حدث للتو. كانت تحادث نفسها بصوت مسموع قائله:
_أتجوزها.. اتجوزها يعني أيه.. يعني كل السنين اللي فاتت واللي عملته ده كله عشان يبعد عنها راح على فشوش دي اكيد سحراله.
وقع على مسامعها صوت رنه هاتفها فأجابت على هاتفها بيد مرتعشه ودموع على وجنتيها ترد على الفيديو كول قائله:
_شوفت ياسين اتجوز يامنير.. ياسين اتجوز.
حاول تهدئتها بعض الشىء بقوله:
_اهدي يامشيره من ساعه ما بعتيلي الرساله على الواتس وانا بحاول اتصل بيكي وانت مش بتردي.
فأجابت بما هو بعيدا عن سؤاله:
_أنا لازم اخلص منها.. البت دي ماطلعتش سهله يامنير زي ما كنت فاكره.. فيها ايه زياده عني.. انا عملت كل حاجه عشانه لميته من الشوارع وخليته عليه القيمه.. مستناه عشر سنين ووقفت جنبه وفي ضهره وفي الأخر يروح يتجوزها كده بكل سهوله وانا.. انا فين يامنير.
_عصبيتك دي مش هتحل شىء خلينا نفكر هنعمل ايه ونرجعه تاني ألمانيا ازاي الشركه من غيره بتنهار والعملاء كلهم بيثقوا فيه.
فصاحت به صارخه بانزعاج:
_هو ده كل اللي يهمك طب وانا.
_ماهو لما يرجع يامشيره هيرجع ياسين تاني بتاع زمان الا قوليلي انت بطلتي تحطيلوا الحبوب في المشروب بتاعه ولا أيه وفين الشخصيه الوهميه اللي بتظهرله.
قاطعته مشيره تصرخ بحقد راكمته السنوات:
_مافيش حاجه نافعه معاه ولا حبوب ولا شخصيه عمار من ساعه ما بنت ال*** دي بقت معاه.. اقسم بالله لو وصلت اقتلها بأيدي لا هقتلها ولا اخليها تتهنى بي في يوم.
وصل غيظ مشيره وحقده الى ذروته فحاول من تهاتفه تهدئتها من جديد فصرخت به قائله:
_ماتقوليش اهدى.. انت سامع ماتقوليش اهدى.
القت بهاتفها بعرض الحائط بأيد مرتعش تبحث بعينيها عن اي شىء معدني بالأرضيه حتى وجدت قطعه من الزجاج المكسور أخذتها مسرعه ترفع كم ذراعها للأعلى تقطع يدها بالزجاج حتى تشعر بالألم فهدئت قليلا بعد فعلتها تلك.
لا يعلم كم مر من الوقت سوى هو الأن يجلس بمكانه المفضل أمام البحيره يفكر فيما سيحدث بعد اتخاذه لهذه الخطوه كم سيخسر بعد الأن. فوجد من يجلس بجواره قائلا بهدوء وكأن شيئا لم يكن:
_عارف ياياسين انا حذرتك أنك ماتقربش منها قد أيه وانت قولتلي انك مش هتقرب ورغم وعدك ليا اديك دلوقتي اتجوزتها. طب عارف انك من ساعه ما رجعت القريه وأنت بقيت ترفض طلباتي. ومابقيتش مهتم بيا زي الأول. هو ده اللي كنت بقولك عليه وانت ماصدقتنيش.
_اسكت.
لم ينطق سوى بهذه الكلمه نطق بها ببطء شديد. فأكمل عمار حديثه:
_المشكله مش فيها المشكله فيك أنت. أنت اللي مش قادر تبعد عنها مش هي. شوفت كنت بتتذللها ازاي عشان تتجوزك كان منظرك يضحك بصراحه.
كان ينظر للبحيره وما ان نطق حتى رفع رأسه يطالعه وهو يقول:
_قولتلك اسكت.
فأكمل حديثه الساخر:
_هتفضل تحبها لحد امتى ياياسين قولي لحد ما الجاموسه بتولد والطور مش عارف بيعمل ايه.
فصرخ ياسين صرخه صدحت بالأجواء وهو يقول:
_اسكـــــــت.
هنا تجمدت صوره عمار لم ينطق بشىء لم تتحرك صورته وكأنه ولأول مره هو الذي يتحكم به. رفع ذراعه دون ان ينظر جانبه ودموعه تنهمر على وجنتيه يشعر بالفراغ بجانبه ولم يجده بجواره فنطق حروف اسمه بصوت مرتعش:
_عمـــار.
حتى وجد من جلس بجواره طالعها بحزن يملىء عينيه فقالت تمسح الدموع من على وجنتيها:
_أنت خسرت عمار ياياسين. مكانش ينفع تخسره.
استدار بوجهه لمشيره متحدثا بهدوء:
_انا مش عايز اخسره.
اقتربت منه سائله بهدوء:
_بعد ايه ياياسين.
بعد ما راح منك، كان الرد جاهزًا سريعا:
"أنا ممكن أعمل أي حاجة عشان أرجعه، إلا إني أبعد عنهم وعن..."
فقاطعته بيقين:
"وعن شمس."
اقتربت منه تقول بود، تجبر نفسها على الابتسام بوجهه:
"وأنا هعمل أي حاجة عشان تفضل معاها ياياسين وجنبهم. أنت عارف أنا طول عمري هفضل في ضهرك، وفي نفس الوقت نحاول نقنع عمار إنه يفضل معاك وما يسيبكش."
طالعها بامتنان على ما تفعله لأجله:
"أنت دايماً جنبي يامشيرة، ومش هنسالك أي حاجة عملتيها معايا في يوم."
ابتسمت بوجهه بحب:
"ماتقولش كده ياياسين، أنت أغلى حاجة عندي في الدنيا دي، واللي يبسطك يبسطني."
يقولون أن الركض نصف الجدعنة، ولكن في حالتها هذه فالركض معناه النجاة بحياتك، تركض "غدير" بين الذرع بمنتصف الليل بأنفاس مقطوعة، تدور بعينيها تبحث عن الملجأ لها منهم ومن شرهم، بعدما تجمعوا على الفتك بها وبعرضها، لم تعرف من هؤلاء، فهذه هي المرة الأولى التي تراهم بها بالقرية، ومن الجلي بأنها لن تكون الأخيرة. ابتسم لها أحدهم بخبث بابتسامة مزيفة وهو يقول:
"أخيراً مسكنا واحدة من عيلة الصاوي."
صرخت بعلو صوتها، ولكن ليلة صاخبة كهذه لن يسمعها أحد بها.