تحميل رواية «الغرفة 333» PDF
بقلم سراء ابو النصر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
"انتي الدكتوره الجديده؟" "ايوه انا رغد الدكتوره الجديده هنا." "تعالي معايا." كنت ماشيه في ممر كبير فيه كذا اوضه وكل اوضه ليها رقم لحد ما وصلنا لمكتب. "اتفضلي اقعدي يا دكتوره رغد." قعدت علي الكرسي و بصيتله بفضول. "بصي يا ستي ده زي ملف كده للمريض اللي هتكوني مسئوله عن حالته اقرأيه كويس و هتبدأي تعالجيه من بكره." فتحت الملف و شوفت صورته. ملامحه كانت جميله اوي و عيونه فيها نظره حزن صغيره و بصيت علي اسمه. اسمه أسر، عمره 25 سنه. كان بيشتغل دكتور في مشرحه بس اتفصل و جه هنا بعد ما حصله صدمه. "أسر شخص ها...
رواية الغرفة 333 الفصل الأول 1 - بقلم سراء ابو النصر
"انتي الدكتوره الجديده؟"
"ايوه انا رغد الدكتوره الجديده هنا."
"تعالي معايا."
كنت ماشيه في ممر كبير فيه كذا اوضه وكل اوضه ليها رقم لحد ما وصلنا لمكتب.
"اتفضلي اقعدي يا دكتوره رغد."
قعدت علي الكرسي و بصيتله بفضول.
"بصي يا ستي ده زي ملف كده للمريض اللي هتكوني مسئوله عن حالته اقرأيه كويس و هتبدأي تعالجيه من بكره."
فتحت الملف و شوفت صورته. ملامحه كانت جميله اوي و عيونه فيها نظره حزن صغيره و بصيت علي اسمه. اسمه أسر، عمره 25 سنه. كان بيشتغل دكتور في مشرحه بس اتفصل و جه هنا بعد ما حصله صدمه.
"أسر شخص هادي و في نفس الوقت عنيد يعني هتتعبي معاه اوي بس بحكم اللي سمعته عن شغلك ومهارتك اقدر اقول انك هتعالجيه بسرعه."
"حصله صدمه من ايه؟"
"دي حكايه طويله لما تشوفيه بكره هو هيحكيلك."
"هو حكالك عليها؟"
"اعتقد انه لو أخد عليكي هيحكيلك. انا فضلت اقابله كتير واحاول معاه عشان يتكلم. كل مره احس انه غامض اكتر واكتر، حتي حكايته غامضه ومش عارف اصدقها لحد دلوقتي. حتي الدكتور اللي كان قبلك استسلم و معرفش يعمل معاه حاجه."
"بدايه مبشره مشاء الله."
"عموما هخليكي تبصي عليه بصه و نبدأ العلاج بكره زي ما قولنا."
قومت و انا متحمسه جدا و كان قلبي بيدق جامد بتوتر. كل ما بقرب من الاوضه بتاعته اوضته رقمها مميز. الاوضه رقم 333.
دخل الدكتور و بصلي.
"ادخلي يا رغد."
دخلت و انا ببص للاوضه لحد ما لقيته قاعد علي الارض في ركن في الاوضه و منكمش في نفسه و ايده علي راسه.
"أسر دي الدكتوره رغد هتكون مسئوله عن حالتك."
مبصليش اصلا كانه مسمعش حاجه خالص.
"هو تلاقيه بس تعبان شويه."
"أسر ممكن تبصلي؟"
انكمش في نفسه اكتر و سمعت صوت تنفسه. كان بيتنفس بسرعه كبيره و بيرتعش باين عليه جدا انه خايف و متوتر.
"أسر متخافش بصلي لو سمحت."
بدأت اقرب ناحيته و دقات قلبي بتزيد اكتر واكتر، كل ما اقرب خطوه منه. وكنت هقرب اكتر لكن...
"سيبيه يرتاح شويه يا دكتوره."
طلعت و انا بفكر ياتري صدمه ايه اللي حصلتله خلته خايف اوي كده. مدرتش بنفسي غير وانا في البيت و ماما بتنادي عليا.
"يا رغد ايه بقالي ساعه بنادي عليكي وانتي ولا انتي هنا."
فوقت من شرودي و بصتلها.
"نعم يا ماما عايزه حاجه؟"
"مالك يارغد من ساعه ما جيتي من بره وانتي قاعده سرحانه. انتي حتي مغيرتيش هدومك."
"ماما انا جعانه."
"حاضر يا رغد هقوم اجيبلك الاكل عقبال ما تكوني غيرتي هدومك."
غيرت و كلت معلقتين بالعدد و قومت دخلت اوضتي و جيبت الملف و قعدت علي السرير و فتحته.
"صورته باين عليها قديمه اوي و باهته كمان. كل المعلومات عنه مش مفهومه ملهاش اجابات كلها اسئله. بس جاتله صدمه و كان خاطب و سابها. طب صدمه ايه و ايه السبب يخليه يسيب خطيبته؟"
حسست علي صورته وابتسمت تلقائيا.
"انا واثقه اني هقرب منك واخليك تحكيلي كل حاجه. انا متحمسه اوي لبكره. اول مرة استني بكره يجي بفارغ الصبر كده."
الصبح.
"جايه بدري عن معادك."
"عايزه ادخله."
"للدرجادي أسر أثار فضولك؟"
"عايزه اعرف حكايته ايه."
"ورايا."
قربت من الاوضه المميزه و علي وشي ابتسامه و في نفس الوقت دقات قلبي المتسارعه بتزيد.
"صباح الخير يا بطل. الدكتوره رغد عايزه تعقد معاك شويه و لازم تحكيلها كل حاجه."
دخلت الاوضه و انا مبتسمه و فيه اشتياق اني اشوفه. المرادي كان رافع راسه و عيونه بصت عليا. حسيت اني خايفه اوي و رعشه اصابت جسمي.
"طيب يا دكتوره انا همشي وانتي ابدأي الجلسه."
الدكتور طلع و قفل الباب و بقيت انا وهو لوحدنا. بصيتله شويه وبعدين اتحركت و عيونه كانت مراقباني. جيبت كرسي و قربته منه و قعدت و بصيتله.
"عامل ايه يا اسر؟"
سكت شويه وبعدين اتكلم.
"كويس."
فتحت النوت بوك و بصيتله.
"احكيلي دلوقتي ايه اللي حصلك و انا هكتبه هنا في النوت بوك ده."
بصلي و علي وشه لا مبالاه باللي بقوله.
"لا مانت لازم تحكيلي عشان اساعدك. انت مش عايز تخرج من هنا ولا ايه؟"
ضحك باستهزاء.
"مش فارقه هنا زي هناك."
"ياه واضح ان انك عنيد و غامض بجد زي ما بيقولوا."
بصلي و ظهر علي وشه اثار حزن.
"الدكتور اللي قبلك معرفش يعمل حاجه و انتي كمان مش هتعرفي و غيرك وغيرك محدش هيفهم اللي حصلي."
"انت بتحكم ليه قبل ما ابدأ شغلي؟"
"عشان دي الحقيقه."
"و انا مش هستسلم. انا عايزه اسمع حكايتك."
دفن راسه بين ايده و نفسه بدأ يعلي.
"انا معتش بحبها. نفسي تفهم اني كرهتها من كل قلبي. كرهتها و حاولت اخلص منها و اقتلها بس..."
"بس ايه؟"
رفع راسه و بصلي و عيونه كانت فيها دموع.
"اطلعي بره."
بصيتله باستغراب من رده فعله دي.
"انت بتقول ايه؟"
"بقولك اطلعي بره. انا مش عايزك تعالجيني ولا عايز حد. انا كده كده هموت."
حاولت استوعب كلامه و بصيتله بعصبيه.
"انت مريض و لازم تتعالج و انا عمري ما فشلت في اني اعالج حد انت فاهم."
النور قطع. المكان بقي ضلمه و اصوات انفاس كتير في الاوضه و انا ببص حواليا مش فاهمه ايه اللي بيحصل و بدأت اعرق من كتر الخوف.
"ااا أسر... ااا أسر."
اصوات الانفاس بقت بتعلي اكتر واكتر لدرجه اني حاسه بيهم في وشي. قومت بسرعه و خبطت علي الباب وصرخت.
"افتحوا الباب. افتحواااا. الحقونيي."
النور رجع و أسر واقف في نفس الركن اللي كان قاعد فيه امبارح و وشه للركن ده. قربت عليه و انا بتنفس بصعوبه لحد ما وصلتله و حطيت ايدي علي كتفه.
"أسر."
لقيت جسمه بارد لدرجه اني حسيت ان ايدي تلجت جامد. لف وشه ناحيتي و نفسه كان بيضرب في وشي. كان بارد جدا و شفايفه كانت مشققه. اما عيونه فكانت سودا تماما مفيهاش بؤبؤ. صرحت جامد و وقعت علي الارض و بدأت ازحف ناحيه الباب و انا بصاله. نظراته مرعبه. كان بيتحرك ناحيتي ببطئ شديد. بطئ يخوف. و صوت تنفسه بيعلي بيعلي بيعلي حرفيا. قومت بسرعه و بدات افتح في الباب و انا برتعش و بعيط.
"انتي كويسه؟"
كان صوت اسر. فوقت علي صوته و بصيت حواليا لقيتنا قاعدين و هو بيبصلي باستغراب.
"بقولك انتي كويسه؟"
اخدت نفس و حطيت ايدي علي راسي و بعدين بصيتله.
"انا كويسه."
ابتسم و قال.
"الحكايه بدأت لما اشتغلت اول يوم في المشرحه. طبعا كنت خايف شويه بس استجمعت قوتي و قولت اهي شغلانه زي اي شغلانه و خلاص و خصوصا اني شاطر جدا في التشريح. كنا بنشتغل من 5 المغرب لحد 1 بالليل و كانت الحالات بتيجي حتي في الوقت المتأخر ده. معظم الجثث بتكون مجهوله محدش بيجي يتعرف عليها او يدفنها."
"طب بتعملوا فيها ايه؟"
"بنخليها في التلاجه لحد ما الحكومه تطلع تصاريح دفن. بتكون التصاريح دي مفيهاش اذن من اهل الجثه. اشتغلت في المشرحه سنتين محصلش فيهم اي حاجه غريبه لحد ما في يوم كنا حوالي الساعه 12 ونص عربيه جات نزلت الجثث و دخلتها المشرحه و مضيت علي تقرير الاستلام و مشيوا."
"لما مشيوا حسيت برعشه خفيفه كده مش عارف ليه. انا بقالي كتير شغال في المشرحه يعني و يعتبر عندي خبره مع الجثث. كانوا 3 جثث. كانوا ولدين صغيرين و بنت باين من ملامحها انها في العشرينات من عمرها. حطيت جثث الولاد في التلاجه و جيت عند جثه البنت. علي رقبتها اثار خنق و دم علي بوقها. لو شخصت الحاله اقول انه زي اعتداء عليها و هي كانت بتقاوم. سرحت في ملامحها في منتهي الجمال حسيت كان حاجه بتشدني ليها. معرفش كنت سرحان فيها قد ايه كأن الزمن وقف و انا ببصلها و بتأملها. ملست علي شعرها. بصيت لهدومها كان فيها بقع دم متجلط مش حديث يعني. اتنهدت و قولت في سري ياتري شافت ايه او ايه اللي حصلها قبل ما تموت. وليه اسئله كتير جات في دماغي لحد ما جيه حد من زمايلي عشان نحط الجثه في التلاجه و نقفل المشرحه."
"حطينا الجثه في التلاجه و انا ماشي سمعت صوت همس خفيف جاي من التلاجه اللي فيها البنت. مهتمتش بالموضوع الحقيقه و مشيت."
"كمل."
"و انا مروح حسيت ان حد ماشي ورايا. اتلفت حواليا ملقتش حد. انا من النوع اللي مش فضولي مش فارق معايا بمعني اصح مهتمتش كالعاده وروحت البيت."
"لقيت السرير في ثانيه كنت نايم عليه من شده التعب. حلمت ساعتها بحلم او بمعني ادق كابوس كنت بتمني اني افوق منه في اسرع وقت ممكن."
"حلمت بايه؟"
"بيها."
بصيتله بصدمه و بان علي وشي الخوف و هو ضحك و قال.
"بقولك ايه كفايا النهارده. انتي شكلك تعبتي و انا كمان صدعت."
"لا انا هسمع حكايتك كلها و النهارده. انت هتاخد بريك كده نص ساعه وبعدين هاجيلك و تحكيلي حلمت بأيه."
"ابقي خدي بالك من نفسك."
بصيتله باستغراب من طلبه.
"بتقول ايه؟"
بصلي و ابتسم.
"رغد مش كده؟"
"اه."
هز راسه و ابتسم و انا طلعت من الاوضه و انا بفكر في حكايته.
"قاعده في مكتبي متوتره. دماغي عماله تلف. رجلي بتخبط في الارض. متحمسه جدا للي عايز يحكيه. لاول مره احس اني حابه اسمع لحد اوي كده. كل شويه ببص في الساعه امتي بقي امتي النص ساعه دي تخلص. بعد الدقايق و الثواني حرفيا بتعدي كانها سنه لحد ما اخيرا خلصت. قومت بسرعه و انا في قمه حماسي و روحت اوضته و دخلت و بصيتله."
"النص ساعه عدت."
"اقعدي."
قعدت قدامه و نظراتي مليانه بالتشويق و الحماس.
"قرب مني و بص في عيوني و اتكلم بحزن. نظرات الحماس اللي في عيونك هتختفي بعد ما تسمعي كل حاجه."
رديت بابتسامه.
"احكي بس و ملكش دعوه."
رجع بضهره للكرسي و اتنهد و اتكلم.
"حلمت بيها. فتحت عيوني كانت نايمه جمبي علي السرير. قومت بسرعه و انا مخضوض. ايه اللي جابها هنا؟ قربت منها ملامحها كانت مبهره. خدودها حمرا. شعرها مفرود نازل علي عيونها. لابسه فستان ابيض قصير. منظرها سحرني. حسيت ان قلبي بيدق و هيتخلع من مكانه. قعدت جمبها علي السرير و بصيتلها و علي وشي اجمل ابتسامه. ابتسامه عمري ما ابتسمت زيها في حياتي. بعدت خصلات شعرها عن عيونها بالراحه و هي نايمه و مستسلمه جدا. فضلت اتأمل وشها. سرحت فيها لحد ما فتحت عيونها. كانت عيونها سودا و دم بينزل منها و ابتسمت ابتسامه مرعبه خلت الدم في عروقي ينشف. شفايفها بقت مشققه. شوفت المنظر خوفت. بحاول اقوم مش عارف كاني مشلول في مكاني. قامت بسرعه و مدت اديها ناحيه رقبتي و فضلت تخنق فيها. تخنق و انا بحاول اخلص نفسي منها مش عارف. فيها قوه انا مستغرب هي جيباها منين. كنت خلاص بموت لحد ما سابتني و قامت و فضلت تتحرك في الاوضه و تتأمل فيها و نظراتها المرعبه لسه علي وشها. انكمشت في مكاني و انا برتعش و انفاسي بتعلي و براقبها و هي ماشيه في الاوضه."
"بصتلي وابتسمت. قالت بصوت مرعب اجش."
"انت خايف مني؟"
خوفت اكتر و دفنت راسي بين ايدي و حاولت افتكر اي حاجه من القران مش فاكر. دماغي فيها وش. سامع صوت خطواتها بتقرب ناحيتي. مبصتلهاش. قعدت جمبي علي السرير و ملست علي راسي و قالت بنفس صوتها المرعب."
"خرجني من هناك."
مش قادر ارفع راسي ليها. الخوف مسيطر عليا و هي بتلمس شعري. ايديها بارده بارده جدا. شدتني من شعري و رفعت راسي و بقي وشها في وشي بالظبط و قالت بصوتها المرعب اللي مش راضي يخرج من دماغي لحد دلوقتي."
"لو مخرجتنيش هتندم يا اسر. سامع؟ هتندم."
وشها بيرجع تاني طبيعي جدا. نفس الملامح الجميله رجعت تاني. عيونها العسلي الصغيره بتبصلي. ملست علي شعري بلطف. المرادي كانت اديها دافيه. باصص ليها و انا مستغرب و خايف. اتكلمت بصوت مسمعتش اجمل منه."
"خوفتك مش كده؟"
حطت اديها الصغيرين علي وشي و ابتسمت ابتسامه لطيفه و قالت."
"انت مبتتكلمش ليه. انا عايزه اسمع صوتك."
لقيتني بتكلم لا اراديا.
"ابعدي عني."
"يااه دانت مرعوب مش خايف بس."
دقات قلبي بتتصارع. بقيت خايف من شكلها البرئ. شالت اديها من علي وشي و دفنت راسها في حضني و قالت و هي مبتسمه."
"علفكره قلبك بيدق جامد اوي. مكنتش اعرف انك جبان اوي كده."
مش عارف اعمل ايه و لا اقول ايه. عفريت ولا شبح ولا ايه بالظبط. بدأت تعيط و هي في حضني و قالت بصوت مليان حزن."
"هو ليه بيعمل فيا كده. انا عملتله ايه. لكل ده."
بعدت عني و بصتلي و عيونها كلها دموع و حزن.
"صدقني انا مستاهلش اللي حصلي."
رغبه جوايه عايزه تطبطب عليها. عايزه اسالها و اقولها ايه اللي حصلك. عيونها مخلياني متعاطف معاها رغم خوفي منها. رديت عليها و انا متوتر."
"هو هو مين؟"
بصتلي و ابتسمت.
"عايز اسمعني؟"
هزيت راسي بـ اه و انا عندي فضول اعرف ايه اللي حصلها.
"انا اسمي الين. بنت زي اي بنت كانت مشاعرها بتتحرك ناحيه شخص معين. شخص قلبها دق ليه هو و بس. شخص وثقت فيه من كل قلبها. كان ابن الجيران اللي سكنوا جديد قدامنا. صدف كتير جمعتنا مع بعض. اتعرفت عليه و شخصيته بهرتني. حسيت بحاجه جوايا بتقولي ان هو ده اللي عايزه اكمل معاه حياتي كلها. صارحته بحبي و علي وشي فرحه كبيره و ابتسامه الصدمه ان هو كمان كان بيحبني. حضنته و انا مش مصدقه ان ده بيحصل. قررنا نقول لاهلنا. كان بيتلكك كتير و يقولي خليها وقت تاني و انا كنت بستحمل عشانه. لحد ما في يوم كنت راجعه من الكليه لقيته واقفلي و مبتسم. ابتسمت تلقائيا و اقترح عليا اركب معاه عربيته. ركبت فعلا و روحنا كافيه و كلت كل الاكل اللي بحبه. مسك ايدي و قالي."
"مبسوطه يا الين؟"
"مبسوطه اوي يا نادر."
"الين انا جهزتلك شقه عشان نتجوز فيها."
اتصدمت من كلامه.
"بجد يا نادر؟!"
"بجد يا روح نادر. مش عايزه تشوفيها؟"
"طبعا هشوفها. عايزه اشوف زوقك عامل ازاي."
صدقته عشان انا طيبه بمعني اوضح هبله. روحت معاه الشقه. في الاول كان بيفرجني علي الشقه و الديكور بتاعها بس بدأت نظراته تكون مخيفه و كلامه بقي مش مريحني. بدا يقرب مني اوي. قاومته و انا مش مصدقه ايه اللي بيحصل."
"مافيهاش حاجه يا الين. لما احضنك."
"نادر بطل تعمل كده."
"الين انا بحبك. انتي ليا و هنتجوز. مش انتي عايزه كده؟"
"اه يا نادر. انا عايزاك تتجوزني."
ضحك ضحكه خبيثه و قرب مني تاني و بدا يلمس وشي و يملس علي شعري. زقيته و قولت بعصبيه."
"انت بتعمل ايه."
"الين انتي حلوه اوي."
بدأت اقاومه و ابعده بس مش قادره. لدرجه انه مد ايده عليا. حاولت اصرخ. كتم بوقي جامد و قالي."
"لا مش هتعرفي تعملي حاجه. انتي هنا بس عشان اعمل اللي عايزه. فاهمه؟"
بقاوم بقاوم كتير و عضيته.
"انت احقر انسان شوفته في حياتي."
زقني للحيطه و بدا يخنق فيا. يخنق لحد ما فقدت الوعي. طبعا انا دلوقتي ميته مش كده؟"
حطيت ايدي علي دماغي بحاول استوعب حكايتها.
"انا استاهل كل ده يا اسر؟"
مش عارف ارد. مش عارف اتكلم خالص. دماغي هتتفرتك من كتر التفكير. بصتلي و قالتلي و هي بتعيط."
"عشان كده عايزاك تخرجني من التلاجه يا اسر."
"انتي ميته يا الين. ميته."
صرخت صرخه رهيبه لدرجه انها اخترقت ودني و فضلت تتلوي في الارض و وشها يتحول تاني و يبقي ابشع من الاول. زحفت لحد ما وصلتلي و خنقت فيا تاني و قالتلي بصوتها المرعب."
"هتخرجني يا اسر. هتخرجني."
رواية الغرفة 333 الفصل الثاني 2 - بقلم سراء ابو النصر
بعدتها عني بكل قوتي وحطيت إيدي على دماغي وفضلت أقول بصوت عالي:
"انتي مش حقيقية، كل دي أوهام وتخاريف."
غمضت عيني وبدأت أقرأ قرآن، افتكرت آيات كتير فضلت أرددها وأنا خايف. فتحت عيني ملقتهاش، كان حلم. قمت بسرعة من على السرير وبلف في الأوضة بتأكد هي موجودة ولا لأ. الحمد لله ملقتهاش. جبت ميه وفضلت أشرب كتير أوي، حاسس إن زورى جاف جداً والميه مش بترويه. قعدت على المكتب وأنا بحاول أفكر في اللي حصل. هي ينفع العفاريت تتكلم مع البني آدمين وتحكيلهم حكايتها؟
"اسر، انت عارف إن العلم مش بيأمن بحاجة زي دي."
"بس أنا آمنت، هي فعلاً موجودة وعايزة تخرج."
جاتلي فكرة في دماغي ومعرفش أنا جبت الشجاعة دي منين وسألته:
"هو أنا ممكن أروح المشرحة دي وأشوف تلاجتها؟"
بصلي بصدمة. مهو عنده حق الصراحة، إيه الطلب الغريب ده؟ بس أنا كنت مصممة أكتر على طلبي.
"رغد، أنا عارف إنك عايزة تعالجيني بس انتي مش هينفع تروحي هناك."
"ليه مش هينفع؟ ليه؟"
"هتخليني أكمل ولا بلاش؟"
"لا خلاص، كمل."
روحت المشرحة لأول مرة أحس إني خايف. رجلي بترتعش وأنا عند بابها، كأني داخل بيت رعب. بقدم رجل وأخر الثانية لحد ما دخلت. قعدت على المكتب وفتحت ملف أو أي حاجة تشغلني عن التفكير فيها.
كان المفروض إننا نستلم جثة النهارده. بدأنا نجهز معدات التشريح عشان نستقبلها. لازم تتشرح النهارده. أوضة التشريح هي نفسها الأوضة اللي فيها التلاجات بتاعة الجثث. أول ما دخلت الأوضة بصيت على تلاجتها وبعدين قولت في سري: "دي واحدة ميتة وده كان مجرد حلم مش أكتر." بدأت آخد نفسي وأبدأ في تشريح الجثة ومتجاهل تماماً النظر للتلاجة.
سمعت صوتها بينادي عليا، صوتها الجميل الناعم.
"اسر، اسر، افتحلي يا اسر."
بتطلب إنها تخرج. أنا مستحيل أخرجها. عملت نفسي مش سامع ورجعت أكمل تشريح. كانت جثة بنت برضه، مكتوب إنها 17 سنة. بقاوم صوتها ورغبتها في الخروج وبحاول بكل جهدي برضه إني أمنع نفسي من تلبية ندائها ليا.
"اسر، انت لو مفتحتش أنا هزعل.. وعالفكرة أنا زعلي انت مش هتقدر تستحمله."
سيبت المشرط من إيدي وخرجت برا الأوضة. وعمال أروح وأجي، أنا خايف وفي نفس الوقت عايز أخرجها.
"لا يا اسر، فوق. كل دي تخاريف. إيه اللي حصلك؟ مش أول مرة تتعامل مع جثث، إيه هتخيب ولا إيه؟"
الدكتور بصلي باستغراب وقال:
"اسر، إيه اللي موقفك بره وسايب شغلك كده؟"
"أنا مش قادر أكمل شغل."
"لا يا اسر، لازم الجثة دي تتشرح النهارده عشان الحكومة هتاخدها تدفنها."
"فيه صوت خارج من التلاجة اللي جوا.. جثة عايزاني أخرجها."
ضحك وبصلي وقالي باستهزاء:
"آه، شكلك رايق النهارده وعايز تهزر.. ورانا شغل يا اسر، كمل."
قولتله وأنا خايف ومتوتر:
"صدقني، سمعتها بتنادي عليا عشان أخرجها."
"حبيبي، اهدي كده. جثة مين اللي تنادي عليك وتقولك خرجني؟ دي جثة حد ميت يا اسر، فوق... اتفضل خش كمل شغلك وبطل هزارك البايخ ده."
دخلت الأوضة وقربت ناحية الجثة. وإيه ده؟ المشرط اللي كان في إيدي راح فين؟ أنا حطيته هنا؟ دورت في الأدوات اللي قدامي يمكن حطيته في وسطهم بس ملقتهوش. نزلت تحت السرير اللي عليه الجثة وبصيت. لقيته. وبمد إيدي عشان أجيب المشرط، حاجة مسكت إيدي. شيلتها بسرعة وقمت واقفة وأنا مخضوض.
حاولت أهدي نفسي وأقول: "لازم أنسى الموضوع ده عشان لو فضلت كده هيجرالي حاجة."
نزلت تاني وجبت المشرط وقربت للجثة وكملت تشريح.
"هتفضل تتجاهلني كده كتير؟ أنا زهقت وعايزة أخرج."
كملت تشريح وأنا مصمم إني هتجاهل كل ده لأن ده في الآخر وهم مش موجود. الدكتور عنده حق، جثة إيه اللي تطلب مني أخرجها. خلصت تشريح الجثة وأنا فرحان إني هخرج من المشرحة بسرعة وبالذات الأوضة دي.
طلعت من الأوضة ومن المشرحة كلها ورجعت البيت ونمت. نمت نوم عميق جداً.
صحيت على نسمات هوا في الأوضة باردة. قمت عشان أقفل الشباك لقيته مقفول. طب البرودة دي كلها جاية منين؟ كانت الدنيا ليل. رجعت تاني لسريري وبدأت ألف نفسي في البطانية. الأوضة ضلمة، هوا مش عارف مصدره إيه. وصوت خبط على الباب.
خبط!!؟
قمت بسرعة أبص في الساعة، كانت 3 الفجر. مين ممكن يخبط على الباب في وقت زي ده؟ جربت أشغل نور الأوضة، يظهر إن الكهربا مقطوعة. روحت وأنا برتعش من البرد وببص للباب وقولت بصوت مرعوب:
"مين؟"
وأنا بقرب ناحية الباب، الخبط كان بالراحة وبعدين بدأ يعلى يعلى أكتر وأكتر لدرجة إني كنت حاسس إنه خلاص هيتكسر. وبعدين صوت الخبط رجع تاني يخبط بالراحة وبدأت أسمع صوت عياط طفل صغير.
مش عارف أعمل إيه. حاجة جوايا بتقولي افتح شوف مين، وحاجة تانية بتقولي بلاش. العياط لسه مستمر. اتكلمت وقولت:
"انت مين يا حبيبي؟"
مبيردش، كل اللي بيعمله إنه بيخبط وبيعط بس. كل اللي في تفكيري ساعتها هو إن يمكن الولد ده خايف أو تايه. فتحت الباب لقيت حاجة كبيرة خبطت فيا لدرجة إني وقعت على الأرض. سامع صوت أنفاس كتير حواليا. قمت وأنا بتألم من الوجع وقفت الباب وقولت وأنا مرعوب:
"مين؟"
كل اللي سامعه صوت الأنفاس بتقرب مني لحد ما حسيت إنهم في وشي. حاسس ببرودة شديدة أوي جاية ناحيتي.
"مش كفاية كده النهارده؟"
كان صوت الدكتور.
"بقالك أكتر من 3 ساعات يا دكتورة عنده، هو لازم يرتاح شوية."
"ابتسمت وأنا مستغربة."
"محستش بالوقت خالص."
"رد اسر وقال."
"اللي بيقعد هنا مبيحسش بالوقت يا دكتورة."
"عيونه كانت فيها نظرات شر، نظرات مريبة وهو بيتكلم."
"يلا يا دكتورة نسيبه يرتاح ونكمل بكرة."
خرجت من الأوضة وأنا ببصله بخوف واستغراب. معقولة ده اسر اللي كان بيتكلم معايا دلوقتي؟
ركبت المترو عشان أروح البيت وقعدت ناحية الشباك. كانت الدنيا ليل. بصيت للشباك وأنا بفكر في حكاية اسر وبعدين قولت لنفسي:
"مش ملاحظة يا رغد إن معظم الحاجات اللي حصلت لاسر حصلت معاكي؟ لا وكمان اللي حصل مع الين قبل ما تموت عملته مع اسر. حد بيحاول يربط الأحداث ببعضها. ممكن تكون صدفة عادي يا رغد، يعني حكاية اسر مشوقة أوي والحمد لله لقيت حاجة تشغلني عن حياتي المملة دي."
نزلت من المترو وجاتلي فكرة مجنونة إني هروح المشرحة. طلعت من شنطتي الملف بتاع اسر، اتأكدت من اسم المشرحة وعنوانها. بعد شوية كنت هناك في المشرحة، بصيت عليها من بره وقولت لنفسي:
"هو اللي بعمله ده صح؟"
اتنهدت ودخلت المشرحة وحاسة بشعور غريب، يمكن لأني أول مرة أدخل مشرحة قبل كده. لقيت دكاترة، روحت عندهم وسألتهم:
"أنا الدكتورة رغد المسؤولة عن حالة الدكتور اسر اللي كان شغال هنا."
قام واحد منهم وقالي:
"هشوف اسمه في الكشف... آه، كان فيه دكتور هنا اسمه اسر محمد الصفتي بس هو معتش بيشتغل هنا."
"الدكتور اسر اتطلب منه إنه يشرح جثة بنت اسمها الين، ممكن أعرف الجثة دي فين؟"
"لا والله معرفش الجثة دي فين.. كمان الدكتور اسر مشي من زمان أوي يعني معظم اللي شغالين هنا مش هيعرفوه."
"طيب، فيه هنا أوضة التشريح ممكن أشوفها؟"
"اتفضلي، دي أوضة التشريح ودي التلاجات بتاعة الجثث."
"طب ممكن تسيبني شوية أستكشف الأوضة؟"
"بصلي باستغراب وبعدين هز راسه بـ آه ومشي."
"ياترى أنهي تلاجة فيها الجثة؟"
فضلت أشاور بصوباعي على كل التلاجات لحد ما وقفت عند تلاجة معينة.
"هي دي التلاجة؟.. عايزة أفتحها وأتأكد."
بقرب ناحية التلاجة وبدأ يظهر عليا الخوف والتوتر. اللي هو أنا لو فتحتها هشوف جثة حد ميت بجد. روحت عندها ومسكت مقبض التلاجة وبفتحها وإيدي بترتعش من كتر الخوف لحد ما لقيتها. جثة ملفوفة في ملاية بيضا. استجمعت شجاعتي وشيلت الملاية من على وشها.
"كانت بنت جميلة أوي، ملامحها هادية."
"هو انتي بقي الين؟"
"قولتها باستهزاء الحقيقة."
رجعت الملاية على وشها وقفلت التلاجة عليها وطلعت. ماشية في الشارع وبفكر: "دي الين، أنا متأكدة. السؤال بقى ليه معملتش رعب؟ بقي وفتحت عنيها وقالتلي طلعيني من هنا عشان أنتقم زي ما اسر كان بيحكي؟ ولا هو الموضوع مش حقيقي من أوله أصلاً؟"
قررت آخد الطريق كله مشي.
"حاسبيييييي!"
كان صوتي وأنا بحذرها قبل ما العربية تخبطها. الناس اتلمت عليها وأنا كمان جريت ناحيتها. كانت ماشية بتتكلم في التليفون وبتعيط لحد ما العربية جات خبطتها، تليفونها باظ وهي وقعت على الأرض ودمها بينزل.
لما قربت منها حسيت إني أعرفها. ملامحها بتتبدل، بقت بقت ملامح الين. فتحت عيونها وبصتلي والدم بينزل على وشها وشاورت عليا. الخوف اتملك جسمي كله وأنا واقفة مصدومة من اللي بشوفه. ابتسمت ابتسامة كلها شر وعيونها بدأت تتحول للون الأسود وملامحها مرعبة حرفياً. مش قادرة أصرخ، صوتي مش طالع. ببصلها وأنا مبرقة.
اتكلمت وهي بتضحك بشر:
"الين هتخرج ولو اسر مخرجنيش أنا هقتله.. روحي قوليله كده وقوليله كمان إني حذرته وهو مسمعش كلامي."
ملامحها اتبدلت لملامح البنت الطبيعية والشلل اللي في جسمي اتفك. جريت بسرعة وفضلت أجري لحد ما وصلت البيت وأنا بنهج من كتر التعب. دخلت أوضتي وقفلت على نفسي خايفة تظهرلي. عملت زي اسر وأنكمشت في نفسي. كلامه طلع صح. ليه حق يخاف ويبقى بالمنظر ده. حطيت إيدي على وشي وقولت بصدمة:
"دي ناوية تقتله؟ لا لا أكيد لأ. أنا لازم أحذره، أنا مش عايزاه يموت."
"الصبح."
"أنا جايه أقولك إن كلامك طلع صح."
"بصلي باستغراب وقالي."
"هي ظهرتلك؟"
"اتنهدت واتكلمت بخوف."
"أيوه يا اسر، ظهرتلي. كانت مرعبة بمعنى الكلمة."
"رغد، انتي رحتي المشرحة؟"
"بصيتله ومردتش."
"ردي عليا، رحتي المشرحة ولا لأ؟"
"أيوه روحت يا اسر وشوفتها."
"ليه يا رغد دخلتي نفسك في الموضوع، ليه؟"
"كنت عايزة أتأكد من كلامك وأثبت إنك مش مجنون."
"رغد، اللي عملتيه ده غلط."
"المهم إنك مطلعتش كداب."
"الين شيطانة يا رغد، انتي وقفتي في طريقها."
"الين قالتلي أقولك إنها هتقتلك لو مخرجتهاش وحذرتك كمان وانت مسمعتش كلامها."
"عارفة حذرتني من إيه؟"
"ردت بفضول."
"من إيه؟"
"من إني أحكيلك أي حاجة يا رغد."
بان على وشي آثار صدمة وخوف.
"سامحيني، أنا اضطريت أقولك عشان كنت أناني. حكيت عشان بان في عيونك إنك فعلاً عايزة تساعديني وإنك مصدقاني. مهو أنا لازم حد يصدقني، أنا مش مجنون. أنا واحد طلعتله عفريته مش عارف طلعتله إزاي وشقلبت حياتي 180 درجة خلتني في حالة خوف ورعب. حتى لما جيت هنا بشوفها في كل حتة، بتظهرلي بكذا صورة وبكذا شكل بتهددني كل مرة بالقتل لو مخرجتهاش. أنا نفسي تقتلني وتريحني من العذاب ده."
"بصاله بصدمة ومش عارفة أقول إيه."
"بقينا في مركب واحدة دلوقتي يا رغد، مفيش حل غير إننا نكمل في الطريق ده للنهاية، سواء بموتي أو بموت روحها."
"إنت فعلاً أناني وتستاهل كل اللي بيحصلك... أنا هسيب حالتك لحد تاني."
"رغد، انتي لازم تساعديني، أنا ماليش ذنب في كل ده."
"وأنا كان إيه ذنبي إنك تورطني مع حاجة أنا مش قدها."
"يعني إنتي بتستسلمي دلوقتي؟"
"أيوه يا اسر، أنا بستسلم. إنت أصلاً ماتستاهلش أتعب نفسي عشانك."
"رد بعصبية."
"مستنية إيه؟ قومي يلا."
قومت وروحت ناحية الباب وبصتله بنظرات كلها عتاب ومشيت. "أنا اللي غلطانة إني وافقت أساعده."
"أنا مش هكمل مع اسر يا دكتور."
"ليه يا رغد؟ حصل إيه؟"
"أنا بستسلم، شوفوا حد يعالجه غيري."
وسيبت المستشفى ومشيت.
قعدت على الكورنيش وببص للبحر وبآخد نفسي. وبحاول أبعد اسر والين وأي حاجة ليهم من تفكيري.
"رغد، هما الاتنين مابقاش ليهم مكان في عقلك تاني خلاص."
ببص لشكل البحر وأنا مبتسمة وصوت أمواجه اللي بتخبط في الصخور مديني راحة نفسية والهوا اللي بيخبط فيا ويطير شعري.
"طنت."
"كان ماسك في طرف الجاكيت بتاعي."
"بصيتله وقولت بابتسامة."
"نعم يا حبيبي؟"
"أنا عايز آيس كريم."
بصيت حواليا أشوف حد بيبيع آيس كريم لحد ما لقيت.
"حاضر يا روح طنط. قولي أنت اسمك إيه الأول؟"
"عمو بتاع الآيس كريم هيمشي."
قمت وقفت وكنت هروح أجيب الآيس كريم. بيس هو مسك إيدي.
"خدي الورقة دي وافتحيها لما تروحي."
خدت منه الورقة وقولتله:
"دي فيها إيه بقى؟"
و بفتحها وقرأت اللي مكتوب: "إنتي فاكرة إنك لما تبعدي يبقى إنتي كده خرجتي بره اللعبة؟.. عايزة أقولك إن اللعبة بقت أحلى وأمتع لما ظهرتي، أو بمعنى أصح لما اسر حكالك عني.. ههه، أنا كنت عارفة إنه هيحكيلك. اسر، أنا أعرفه أكتر من نفسه هو شخصياً. ارجعي كملي العلاج وإلا انتوا الاتنين هتموتوا، والمرادي أنا مش بهدد، أنا هنفذ.. فاهمة؟"
وفي آخر الرسالة مكتوب اسمها بالدم. طبقت الورقة وبصيت للولد لقيته بيبتسم بشر وقالي:
"هي موجودة وهتخرج قريب."
ولقيته نزل على الأرض وبدأ يزحف على إيديه ورجليه زي الحيوانات واختفى.
"كل اللي بيحصلي ده بسببه وأنا مش هروحله. هسيب المستشفى دي خالص."
روحت البيت وأنا متعصبة، رميت الشنطة في الأرض ومسكت ملف اسر وبصيت لصورته لآخر مرة لأني قطعت الملف. مش عايزة الحالة دي خلاص، كفاية اللي شفته بسببه.
"بداخل الغرفة 333."
"أنا مش عايز أحكي حاجة."
"طب قولي، هعالجك إزاي وأنت مش راضي تتكلم؟"
"قولتلك مش عايز أتكلم ومش عايز أتعالج."
"لو اتكلمت هساعدك تخرج من هنا."
"أنا مش هتكلم."
دخل الدكتور وقال:
"وبعدين معاك يا اسر؟ ده رابع دكتور يجي عشان يعالجك وأنت تمشيه."
"اعتبروني مجنون.. معتش عايز أتعالج خلاص، أنا حر."
"اسر، إنت مش مجنون وأنا متأكد من ده. آه حكايتك ماتتصدقش، بس ده مش بيمنع إنها ممكن تكون حصلت فعلاً."
"أنا قولت اللي عندي، مش هحكي غير لما هي تيجي."
"هي مين يا اسر؟"
"رغد."
"رغد مش هتيجي هنا تاني يا اسر، متنشفش دماغك واحكي، خلينا نشوف شغلنا."
"ربع إيده وقال بعناد."
"خلاص، وأنا مش هحكي."
"بقالي أكتر من 5 أيام مش عارفة أنام وكل شوية بحلم بكوابيس. كلهم بينتهوا بموت اسر. أنا كنت فاكرة إني لما أبعد عنهم الموضوع هينتهي، بس للأسف الموضوع مكمل."
دخلت الحمام عشان أغسل وشي اللي كان مليان عرق بسبب كابوس امبارح. حرفياً كل كابوس أبشع من اللي قبله. فضلت أغسل في وشي وببص للمرايا. وشي بهت جداً، عندي هالات سودا تحت عيوني، شفايفي مشققة، عيوني فيها نظرات رعب وخوف، جسمي بيترعش، نفسي بارد. اللي يشوفني يقول إني جثة حد ميت. وأنا ببص للمرايا لمحت حركة خفيفة ورا الستارة بتاعة البانيو. شهقت وبصيت ورايا، مفيش حركة. حطيت إيدي على راسي واتنهدت ورجعت بصيت تاني للمرايا.
لقيت الستارة بتتفتح بسرعة ومخلوق أسود ضخم بيظهر من ورا الستارة وبيبتسم ابتسامة مرعبة. بصيت ورايا وجريت على الباب عشان أفتحه. الباب مش بيتفتح. فضلت أخبط وأرزع في الباب وهو واقف بيراقبني بعيونه الحمرا واتكلم بصوت عمري ما سمعت أوحش منه:
"ارجعي الأوضة 333.. ارجعي الأوضة 333."
فضل يكرر في الجملة كتير لدرجة إنه بدأ يزعق أكتر وأكتر. نزلت على الأرض وحطيت إيدي على وداني مش قادرة، صوته واصل لنفوخي. قرب عليا وبيصلي بشر وأنا مش عارفة أتحرك بس مكتفية بنظرات الصدمة اللي على وشي. قرب أكتر وفضل يضربني بالألم وبعدين مد إيده على رقبتي وبدأ يخنق فيها، يخنق فيها وأنا مش قادرة أق اوم وهو مابيكررش غير "ارجعي للأوضة 333."
فقدت الوعي. مش عارفة عدى قد إيه. صحيت لقيت نفسي في أوضتي، قمت بالعافية وبصيت في المرايا. شكلي طبيعي، وشي ما فيهوش حاجة. طلعت برا الأوضة وسألت ماما:
"ماما، هو أنا بقالي قد إيه مروحتش المستشفى؟"
"سلامتك يا بنتي، انتي ناسيه إنك سبتيها."
"عارفة إني سبتها يا ماما، أنا قصدي سيبتها بقالي قد إيه؟ 5 أيام؟"
"لا، بقالك يجي شهر سايبة المستشفى والدكتور برضه لسه بيتصل كل يوم.. لسه متصل من شوية وأنا رديت."
"قولت بعصبية."
"برضه يا ماما مش أنا قولتلك لو اتصل ما ترديش."
"مهو بصراحة أنا زهقت من اتصالاته دي. وعالفكرة هو قالي أوصلك رسالة."
"رسالة إيه؟"
"بيقولك إن اسر حالته بتسوء أكتر وأكتر وإنه بقاله يومين مابياكلش ومابينطقش غير اسمك."
"تاني اسر ده تاني.. أنا حاسة إنه بقى قدر واتكتب عليا خلاص."
دخلت الأوضة وفتحت تليفوني لقيت أكتر من 100 مكالمة من الدكتور فايت. ولقيته بيتصل. فيه حاجة جوايا بتقولي ردي، كفايا عناد، والتانية بتقولي لأ بلاش، مش ده اسر اللي كل اللي بيحصلك ده بسببه.
"قررت إني هرد."
"الو."
رواية الغرفة 333 الفصل الثالث 3 - بقلم سراء ابو النصر
الحمد لله انك رديتي. اسر حالته وحشة قوي يا رغد. من ساعة ما سبتي المستشفى وهو مش راضي يتكلم مع حد ولا يحكي حاجة، ومش بياكل حتى. اعملي معروف وتعالي.
بس أنا سبت حالته خلاص وقطعت ملفه.
مش مهم، المهم إنك تيجي دلوقتي، أرجوكي.
قفلت السكة وأتنهدت. لبست ونزلت. وأنا دلوقتي بقرب من الأوضة الملعونة 333. دخلت. كان دكتور أنا معرفهوش قاعد قدام اسر، واسر كان قاعد في ركن الأوضة زي أول مرة شفته فيها.
بيرتعش، وانفاسه عالية، وعمال ينكمش في نفسه. والدكتور ده بيحاول معاه عشان يتكلم.
"مهو يا اسر اللي انت بتعمله ده ماينفعش."
رديت وأنا شفقانة على اسر وقولت: "خلاص يا دكتور، أنا اللي هخليه يتكلم."
اسر بصلي، عيونه مليانة دموع وخوف. سنانه بتخبط في بعض، وشه باهت، شعره مش مترتب.
"مين حضرتك؟"
"أنا..."
قاطعني صوت اسر وهو بيقول: "رغد، خرجيني من الأوضة دي."
الدكتور اتكلم وقال: "ياه، أول مرة أسمع صوتك يا عم اسر."
"لو سمحت يا دكتور، ممكن تسيبني معاه شوية؟"
"حاضر."
مسكت إيده وسندته لحد ما قام وقف، وقعدته على الكرسي وأنا قعدت قصاده.
بصلي في عيوني شوية وبعدين ابتسم.
"لسه نظرة الحماس موجودة في عيونك."
بصتله بلامبالاة وطلعت من شنطتي أكل وقولت: "خد كل."
"مش عايز آكل."
عضيت شفايفي وأتنهدت وبصتله بغضب: "يعني إيه مش عايز تاكل؟ أنت كده هتموت يا بني آدم."
اتكلم بنوع من اللامبالاة وقال: "وايه يعني."
بصيتله بغيظ ومسكت المعلقة وحطيتها في الطبق، وبعدين قربت عليه وأكلته: "مهو انت هتاكل يعني هتاكل. انت مش جاي تموت هنا يا أستاذ."
اتكلم وبوقه مليان أكل: "هتسمعيلي تاني؟"
"لما تخلص الطبق ده كله، ساعتها هسمعك."
شد الطبق والمعلقة مني وبدأ ياكل. بصيت عليه وهو بياكل. نظرته بقت فيها لمعه. بيبصلي وبيبتسم. أنا كمان ابتسمت تلقائيا.
شوية وخلص الأكل وبصلي وقال بطفولية: "عملت اللي قولتي عليه وخلصته كله. اسمعي باقي الحكاية."
قربت ليه وقولتله: "وانت منعكش كده؟"
حطيت إيدي على شعره وفضلت أملس عليه وأرتبه وهو بيبصلي وعيونه فيها كمية براءة مش معقولة.
ابتسمت وقولت: "كده بقي شكلك حلو."
ضحك ضحكة خطفت قلبي بجد، وكل توتره وخوفه راحوا.
"قولي بقي إيه باقي حكايتك؟"
"بعد ما قفلت الباب حسيت بأنفاس كتير حواليا. حطيت إيدي على قلبي، بيدق جامد من كتر الرعب. متخيلة الموقف؟ انتي حاسة إن ناس كتير معاكي في الشقة. انتي متعرفيش هما إيه ولا مين. سمعت صوت صرخات كتير بشكل مستمر."
"رديت بعصبية وقولت: أنا زهقت. كل ده إنتي بتعمليه ليه؟"
"النور رجع. بصيت حواليا لقيتها قاعدة على الكنبة ومسكت ريموت التليفزيون وفضلت تقلب في القنوات."
"مفيش حاجة حلوة في البتاع ده. يا اسر إنت إزاي بتتفرج عليه؟"
"ارحمني بقي. أنا ذنبي إيه تفضلي تعذبيني وتخوفيني كده؟ أنا هفضل ساكت في مرة."
"تؤتؤ. اسر إنت قوي. متقولش على نفسك كده. وبعدين إنت اللي حكمت على نفسك بكده."
أتنهدت وقولت: "أخرجك من هناك إزاي؟"
ابتسمت وقامت وقفت وقربت ناحيتي وقالت: "بجد هتخرجني يا اسر؟"
هزيت راسي بـ "آه" وباين عليا نظرات الغضب.
بصت في عيوني وحطت إيدها على وشي.
"على فكرة إنت حلو وإنت متعصب كده."
بعت إيديها عني وقولت بعصبية: "أيوه يا الين، قوليلي الطريقة، خليني أخلص من الرعب ده بقي."
ابتسمت ابتسامة شريرة وحكت أنا هعمل إيه.
"اللي قولتي ده صعب. مستحيل أقدر أعمله."
"لا يا اسر، مانت لازم تعمله. مش قدامك خيار غير كده."
"طب لما تخرجي هتعملي فيه إيه؟"
"دي حاجة تخصني بقي يا اسر. أنا هتصرف معاه. خرجني بس."
"كانت إيه الحاجات اللي خلتك تعملها عشان تخرجها؟"
"روحت المشرحة بالليل ودخلت أوضة التشريح، وروحت عند تلاجتها. رسمت عليها نجمة خماسية بدم قطة كنت دابحها، وكتبت حروف وأرقام ومثلثات ودواير متشقلبة. أنا لحد دلوقتي معرفش أرسم الحاجات دي تاني. وعشان أنتقل للخطوة التانية، وهي أصعب خطوة بالنسبالي، أنا بكرة الضلمة جدا. كانت المرة دي في الحمام. كنت واقف على الباب متردد وخايف. يا ترى إيه اللي بعمله ده صح ولا غلط؟ استجمعت شجاعتي ودخلت، قفلت الباب وطفيت النور وولعت 7 شموع. حطيتهم في الأرض ورسمت في وسطهم نفس اللي كنت راسمهم على التلاجة، وقعدت في نص النجمة وكنت بقول كلام مش مفهوم. كان صوت في وداني بيمليني الكلام. كل ما أقول جملة كانت نار الشموع تعلى."
"أنا دخلت في حالة توتر ورعب رهيبة وكنت هقوم أجري أفتح الباب وأمشي، بس صوتها رن في وداني. صوتها الرقيق اللي كنت ساعتها بحب أسمعه أوي بيقولي: 'اسر، متخافش، أنا جنبك. مفيش ضلمة ولا حاجة. الضلمة دي كلها هتروح لما تخلص كل اللي طلبته منك. يلا ارجع كمل اللي بدأته.'"
"اطمنت شوية ورجعت تاني أقرأ الكلمات اللي الصوت المجهول ده بيمليني. الشموع بدأت تتهز وبقيت حاسس إن الدنيا حواليا بتتهز هزة خفيفة، وبعدين سكتت. قمت بصيت في المراية وقولت: 'بحق ملوك الجن والمرده، بحق الملوك السبع، احضروا يا خدام الأحرف السبع، احضروا الآن.'"
"شوفت في المراية مكان انعكاسي أبشع وش شوفته في حياتي. عيونه مشقوقة بالطول زي عيون الحيوانات. لونه شاحب. أنيابه طويلة ومدببة. بيبتسم ابتسامة مرعبة. وسامع صوت أنفاسه. اترعبت ورجعت لورا. رد وقال بصوت مرعب: 'لقد حضرنا.. لقد حضرنا.. اطلب.'"
"لقيتني بتكلم تلقائيا بصوت الين وبقول: 'اخرجوني من هناك.. اخرجوني ولكم مني طاعتكم.'"
"'سنخرجكِ.'"
"قال كده واختفى. بدأت أسمع صوت أنفاس كتير حواليا. وبصيت لنفسي في المراية لقيت عيون حمرا كتير حواليا. خوفت جريت عند الباب وفضلت أحاول أفتحه لحد ما أخيرا اتفتح. خرجت وقفلته ورايا. سمعت من جوة الحمام صرخات كان ناس بتتعذب. خرجت بسرعة. كل ده كان في الحمام بتاع المشرحة. خرجت جري لحد ما وصلت البيت، قفلت الباب بالمفتاح ودخلت أوضتي. قفلت أي مصدر ممكن حاجة تدخلي منه ونمت على السرير وغطيت نفسي ووشي زي الأطفال وأنا برتعش."
"سمعت صوت أكرة الباب بتاع أوضتي بتتحرك والباب بيتفتح ببطء شديد. صوت الباب لوحده كان بيخوف. لحد ما الباب اتفتح وسمعت خطوات جاية ناحية السرير بتاعي. أنا خلاص كنت هموت من كتر الرعب و عمال أخبي نفسي أكتر وكتمت نفسي. حسيت ببرودة شديدة بتقرب ناحيتي، وإيد باردة اتحطت على الغطا اللي ملفوف على راسي وبدأت تحسس عليا. وبعدين الإيد اختفت وسمعت صوت الباب بيتقفل تاني. فضولي قاتلني. شيلت الغطا من عليا وقمت قعدت. النور قاد لوحده ولقيتها في وشي. اتنفضت مكاني. كان آثار حروق على وشها كتير وبوقها بينزف وشعرها مش مترتب. بتبصلي وعيونها مليانة دموع وانفاسها بتخبط في وشي. ومع كل نفس بتتنفسه أنا بتنفض أكتر. دموعها بتنزل وصوت شهقاتها بتزيد واتكلمت:"
"ليه يا اسر؟ ليه عملت كده؟ أنا وثقت فيك وإنت خونتني، ليه؟"
"وبعدين اتكلمت بعصبية: إنت عملت زيه وخونت ثقتي فيك. أذيتني زي ما هو أذاني. أنا ذنبي إيه؟ عملت فيكوا إيه؟ كنت معاك وبأمنك إنك مش هيحصل ليك حاجة وإنت في الآخر سبتني وجريت زي الجبان."
"مش عارف أرد عليها. أنا فعلاً خونتها."
"ما تنطق. اتكلم. قول أي حاجة يا اسر. سمعني صوتك كده."
"اتكلمت وأنا زعلان عليها: مقدرتش أكمل يا الين. مقدرتش. صدقيني."
"بصتلي وضحكت ضحك هيستيري وملامحها بتتحول. وش لزج أسود مليان حروق بينزل منها دم. شعرها بيقف وبقي لونه أبيض. سنانها بتطول. عيونها بتحمر وبتوسع وضحكتها الشريرة على وشها وصوت ضحكاتها بيعلى وأنا بتفرج على كل ده وحاسس إن الدنيا بتدور بيا."
"اتكلمت بصوتها المرعب وقالت وهي بتضحك: هههه. هتخرجني يا اسر؟ أنا هخليك تدوق طعم الخوف والنوم هيطير من عينك. هخليك جبان طول حياتك يا اسر. إنت سامعني؟"
"أنا فقدت الوعي.. صحيت من النوم وأنا بنهج كأني كنت في حرب. بصيت في الساعة لقيتها 4 ونص. كده هتأخر على الشغل."
"نسيت كل اللي حصل امبارح وقمت لبست قميصي وبصيت في المراية بالصدفة. إيه ده؟"
"لمحت على دماغي زي خدش. ده نفس المكان اللي الإيد الباردة حسست عليه امبارح. مهتمتش ونزلت بسرعة لحد ما وصلت المشرحة."
"إيه يا اسر؟ جاي متأخر ليه؟"
"لسه صاحي من النوم."
"طب يلا خش الأوضة شوف شغلك. الجثة وصلت من بدري."
"دخلت الأوضة بصيت على تلاجتها. مفيش أثر للنجمة اللي رسمتها امبارح. طلعت من الأوضة وروحت للحمام بتاع المشرحة وأنا بقدم رجل وأخر الثانية، خايف أقرب بس في نفس الوقت فضولي هيموتني. أنا بعترف إني بقيت فضولي جدا. إيدي اتمدت على أكرة الباب وفتحته وإيدي بترتعش. شغلت النور. كل حاجة أنا عملتها ملهاش أثر. اتشجعت ودخلت وبصيت في المراية."
"لقيت رسالة بتتكتب عليها كأن حد بيكتبها بإيده بالدم."
"كل اللي عملته امبارح باظ بسببك وبقت أرواح كتير بتطاردك بدل ما كانت واحدة بس. إنت اتسببت في أذى ملك من الجن وعواقبك وخيمة."
"برجع بضهري لحد ما وصلت للباب وجيت أفتحه مش بيتفتح. كان وراه سور مانعه من إنه يتفتح."
"سمعت صوت فحيح زي فحيح التعبين كده بالظبط وبعدين اتكلم وقال: مش هتهرب زي المرة اللي فاتت. مهو دخول الحمام مش زي خروجه يا اسر، ولا إيه؟"
"اتكلمت بخوف: أنا قولتلها إني مش هعرف أعمل كده وهي اللي مسمعتش كلامي."
"مهي اتعاقبت خلاص وجه دورك دلوقتي. إنت ماشوفتش وشها امبارح يا عيني كان عامل إزاي؟"
"هي ملهاش دعوة، أنا اللي بوظت كل حاجة."
"يبقى تتعاقب يا اسر."
"وقفت وغمضت عيوني ومستعد للعقاب. أنا مش ههرب تاني بعد كده. استنيت شوية وبعدين فتحت عيوني لقيتني في أوضة التشريح واقف ببص للتلاجة بتاعتها تاني."
"وسمعت صوتها بتنادي عليا: اسر.. اسر.. افتح التلاجة يلا."
"مشيت وقربت ناحية التلاجة وبفتحها غصب عني. المفاجأة بقي إني ملقتهاش. التلاجة فاضية تماماً كأنها فتحت التلاجة ومشيت وهي ميتة."
"رجعت لورا ونزلت على الأرض وأنا ببص للتلاجة وعلى وشي صدمة وأفكار في دماغي كتير."
"يا ترى أنا اللي خرجتها؟ ولا هما خدواها يعذبوها تاني؟ ولا إيه؟ أنا مش فاهم حاجة."
"قعدت شوية أستوعب اللي بيحصل وروحت عند التلاجة وفضلت أفتح وأقفل فيها وأغمض في عيوني وأفتحها. جايز أنا بحلم ولا بيتهيألي؟ التلاجة فاضية في كل مرة بفتحها فيها."
"طلعت للدكتور وقولتله: أنا تعبان وعايز أروح."
"اتخض وقام وقف وقرب مني وبصلي وقال: مالك يا اسر؟ وشك أصفر كده ليه؟ وإيه اللي على دماغك ده؟"
"اتكلمت وأنا متوتر: أنا عايز أروح يا دكتور."
"اتكلم وهو شفقان على حالتي: ماشي يا اسر. خد النهارده وبكرة إجازة ترتاح فيهم وبعدين تعالي."
"طلعت من المشرحة وماشي في الشارع وأسئلة كتير بتدور في راسي."
"طب يا اسر مش يمكن حد من الدكاترة نقل الجثة في حتة تانية؟"
"مستحيل حد يحرك الجثث إلا لما أنا أسمح بكده. أنا يعتبر بشتغل في الطب الشرعي، أنا بشخص الحالة وبنقل المعلومات ليهم وبناءً على كده بيتم الحكم في المحاضر."
"يااه يا اسر، إنت شغلك صعب أوي."
"مش أصعب من اللي بيحصلي يا رغد."
"بصيتله واتأملت ملامحه وقولت بخوف: اسر، الخدش بيظهر على دماغك."
"حطيت إيدي على بوقي من الصدمة. الخدش كان بينزل دم وبينزل على وشه."
"حط إيده على دماغه وبصلي واتكلم ببرود: مالك خايفة أوي كده ليه؟ ده مجرد خدش."
"قومت وقفت وطلعت مناديل من شنطتي وقربت عليه وأنا خايفة وفضلت أمسح الدم اللي على وشه. وجيت عند الخدش.. اسر اتوجع وأنا كأني اتوجعت معاه. اتكلمت وأنا ببصله وقولت بتوتر: الدم اللي على الخدش مش راضي يقف يا اسر."
"سمعت صوت ضحك واتكلمت وقالت: هو انتي فاكرة إنك هتعرفي توقفيه؟"
"بصيت، كانت واقفة جمبي. اتخضيت. خطفت مني المنديل وأسر باصصلها بخوف. وقربت عليه وفضلت تمسح الدم اللي بينزل من الخدش."
"اسر بيتألم وهي بتضغط جامد على دماغه ومبتسمة ابتسامة كلها خبث."
"مش قادرة أستحمل اتكلمت وأنا متعصبة: إنت مش شايفة إنه بيتوجع إزاي؟"
"وقفت حركتها وبصتلي وبعدين حسيت بالراحة على شعر اسر وقالت بابتسامة: عامل إيه يا اسر؟ حبيت أطمن عليك النهارده. بص جبتلك معايا إيه."
"اسر انكمش في نفسه وحط إيده على وشه وقال بخوف: مش عايز منك حاجة. ابعدي عني. ابعدي."
"اسر، دوق الأكل ده. أنا عملته عشانك مخصوص."
"اسر حط إيده على بوقه عشان ما ياكلش حاجة منها."
"الخدش اللي كان على راس اسر مش موجود. وهي بصتلي وقالت باستهزاء: ادي العيش لخبازه يا دكتورة. مش إنتوا بتقولوا كده برضه؟ إنتى فاكرة إنك تقدري تعالجيه؟ محدش يقدر على اسر غيري أنا. أنا بس اللي بسيطر على حياته. أنا جزء من اسر ومستحيل أسيبه."
"رد اسر وهو متعصب: امشي من هنا دلوقتي. أنا مش عايز أشوف خلقتك قدامي."
"بصتلي وقالتلي: عارفة مين اللي منع عنه أذى الملك؟ أنا حميته زي ما هو كان مستعد إنه يتعاقب زيني ومايهربش زي كل مرة. روحتله البيت وأنا مبتسمة. لأول مرة أكون فرحانة كده. بس البيه عمل إيه؟ فضل خايف مني وقرر إنه هيبعد عني. واستقبلني استقبال زفت. ماشوفتش أوحش منه الصراحة. مش كده يا اسر؟"
"عايزة أقوله إنه مهما عمل مش هيعرف يبعدني عنه. قوليله إنت يمكن يفهم. رغد.. قصدي يا دكتورة رغد."
"قالتها باستهزاء. مسكت المعلقة وحطيتها في الطبق وأكلتها لاسر بالعافية وابتسمت وقالت: خدي بالك منه يا دكتورة."
"اختفت وأنا بصيت لاسر. كان بيكح وبيطلع الأكل اللي كله كان شعر كتير بيخرج من بوقه. اتخضيت وقولت: اسر إيه ده؟!"
"الشعر بيخرج من بوقه بكثافة وهو مش قادر يتنفس. عيونه بتقفل. كان بيفقد وعيه لحد ما وقع على الأرض."
"خبطت على الباب وأنا بصرخ وبقول: الحقونيييي! اسر اغمى عليه."
رواية الغرفة 333 الفصل الرابع 4 - بقلم سراء ابو النصر
خبطت على الباب وأنا بصرخ وبقول:
"الحقوني، أسر اغمى عليه!"
الباب اتفتح ودخل الدكتور. شال أسر ونيمه على السرير، وبص لي وقال:
"رغد، كويس إنك جيتي. أسر إيه اللي حصل له؟"
اتكلمت وأنا مخضوضة:
"مش عارفة، هو رجع شعر كتير من بقه وفضل يكح لحد ما أغمى عليه."
بص لي باستغراب وقال:
"شعر؟ طب ده كله إزاي؟"
رفعت كتفي وقولت بحيرة:
"معرفش."
وبصيت على أسر لقيته نايم على السرير والعرق مغطي وشه.
"رغد، عايزك في مكتبي."
وصلنا المكتب والدكتور شاور لي أقعد. اتصل بممرضة وقال:
"روحي على أوضة أسر وشوفيه."
وبص لي وقال:
"أسر بيتكلم معاكي؟ حكالك حاجة ولا عمل زي كل مرة ورفض يتكلم؟"
"أسر حكالي على حاجات كتير غريبة، مش عارفة أفسرها."
"يعني إنتي مصدقة كلامه ولا لأ؟"
"هو ينفع تنقلوا أسر أوضة تانية؟"
"والله حالياً مش هينفع، بس هحاول."
قولت في سري: يمكن لما يتنقل لأوضة تانية نفسيته تتحسن وهي تبطل تظهر له تاني.
في الغرفة 333.
أسر نايم وعمال يرتعش.
"أسر... أسر! إنت لازم تخرجني. كل السنين دي وأنا بتحايل عليك عشان تخرجني وانت بتتجاهلني، أنا زهقت منك."
أسر فتح عيونه ولقى اللي بيخنقه. كانت الين بتبص له وعيونها فيها غضب كبير قوي. أسر بيحاول يخلص نفسه منها بس مفيش فايدة، وبيحرك جسمه لأنه بدأ يتخنق.
اتكلمت بعصبية وقالت:
"هتخرجني؟ لو مخرجتنيش يا أسر، هتموت. أنا مستعدة أموتك ودلوقتي."
كانت بتخنق فيه أكتر وأكتر، وشه بقى أزرق ونفسه بيروح، لحد ما لقى اللي بيرشه بالميه.
أسر فاق وكان بيكح وبيتنفس بصعوبة، وبعدين بص حواليه.
"إنت كويس؟"
كان صوت الممرضة. أسر هز راسه بـ"آه".
"لأ، إنت مش كويس. إنت فتحت عيونك كانت كلها بيضا، ومديت إيدك الاتنين وحطيتها على رقبتك وفضلت تخنق نفسك لحد ما كنت هتموت. مكنش قدامي حل غير إني أرش عليك إزازة الميه."
أسر حاول يتكلم وقال:
"اخرجي من هنا... سيبيني لوحدي."
"إنت تعبان يا أسر."
"قولت لك سيبيني لوحدي."
الممرضة طلعت من الأوضة وقالت لنفسها:
"لو قولت لحد على اللي حصل لأسر، محدش هيصدقني، بس لازم يعرفوا إن أسر ملموس. أنا مش قادرة أتخطى عيونه اللي كانت بيضا تماماً ومحاولته إنه يخنق نفسه."
"ادخل."
"دكتور، أنا عايزة أحكيلك على اللي شوفته."
"شفتي إيه يا أمل؟"
الممرضة حكت له على اللي أسر عمله.
قمت من مكاني وأنا مخضوضة، رديت وقولت:
"أنا لازم أروح عند أسر."
"بس هو قالي اخرج بره وكان متعصب."
بصيت لها بغضب وقولت:
"أنا هروح له يعني هروح له. أنا المسؤولة عن أسر، فاهمة؟"
وبصيت للدكتور وقولت له بغضب:
"لازم ننقل أسر من الأوضة دي وبسرعة."
طلعت من الأوضة وأنا خايفة. أسر كان هيموت دلوقتي، أنا غلطانة إني سيبته. روحت أوضته ودخلت. كعادته، كان قاعد على السرير ومنكمش في نفسه. حسيت إني عايزة أخده وأهرب بيه من هنا، مش عايزة أي حد يأذيه وأنا مش هسمح لها بكده.
اتكلمت بصوت حنون وأنا بعيط:
"أسر... أسر، متخافش. أنا رغد. معتش همشي وأسيبك تاني أبداً."
قربت منه وقعدت جنبه على السرير، وحطيت إيدي على راسه واعتبر ضميته ليا.
اتكلم بصوت حزين وجع قلبي حرفياً وقال وهو خايف:
"كانت عايزة تموتني. المرادي كانت هتموتني بجد."
اتكلمت وأنا بعيط، حاولت أطمنه وقولت:
"لأ يا أسر، هي عمرها ما هتقدر تعمل فيك حاجة. هي محتاجاك."
هز راسه بالنفي كأنه رافض كلامي وقال:
"لأ، نظراتها كنت حاسس إنها بتتكلم وبتقول لي إنها خلاص ناوية تموتني. هي فعلاً هتموتني، أنا خلاص هموت يا رغد، هموت."
مسكت وشه وبصيت في عيونه وقولت بثقة:
"مش هتموت يا أسر، سامع؟ مش هتموت. وأنا مش هسمحلها تقتلك."
عيونه فيها نظرات رعب وخوف شديدة. بجد حاسة إن قلبي واجعني قوي.
مديت إيدي وقولت:
"واثق فيا يا أسر؟"
بص لي وكان متردد.
"واثق فيا ولا لأ؟"
مد إيده ومسك إيدي وبص لي، ونظراته فيها نوع من الأمل وقال:
"أنا واثق فيكي يا رغد."
ابتسمت من قلبي. بقي فيه حد معلق أمله كله فيا؟ بقي فيه حد في حياتي أهتم بيه وأخاف عليه؟
"رغد، إنتي عارفة إن إنتي الوحيدة اللي ارتحت لها من أول مرة شوفتك فيها؟ فاكرة لما دخلتي الأوضة أول مرة وأنا مكنتش ببصلك؟"
رديت وأنا مبتسمة وبسترجع ذكرياتي:
"آه، فاكرة."
"لما اتكلمتي ساعتها حسيت إن صوتك اخترق قلبي. كنت عارف إني هرتاح لك وهحكيلك على كل حاجة، وأنا كنت صح. أنا برتاح لما بتكوني معايا يا رغد."
مش عارفة أرد. نزلت راسي وبعدت نظري عنه.
اتكلم وهو مبتسم وقال:
"خدودك حمرا على فكرة."
حطيت إيدي على خدي وبصيت له وحاولت أغير الموضوع بسرعة:
"أنا قولت للدكتور إنه ينقلك من الأوضة دي بسرعة."
هز راسه وهو موافق وقالي:
"أحسن. أنا بقيت بحس إن الأوضة دي سجن وأنا مسجون فيها مدى الحياة."
"أسر، هو إنت مفكرتش تروح لشيخ قبل كده؟"
"فكرت، بس هي كانت بتمنعني و بتهددني كالعادة."
"وإنت بتخاف ليه طالما هي بتهددك بس مش بتنفذ كلامها؟"
"إنتي فاكرة إن الين سهلة؟ الين دي خبيثة وليها خدع ومكر كتير. ممكن توهمك بحاجات وتقنعك إنها حصلت، بس في الحقيقة هي مبتحصلش. كل يوم كنت بحلم إنها بتموتني وكان بيبان إنه حقيقي فعلاً، لدرجة إني مبقتش عارف الحلم من الحقيقة."
"إنت عايش لوحدك؟"
بص لي بحزن وبعدين اتكلم:
"أبويا مات وأنا صغير، وأمي حصلته بعدها بشهرين تقريباً."
قولت له وأنا زعلانة عليه:
"معندكش إخوات؟"
"عندي أخت، بس هي متجوزة وسافرت. أنا معنديش مشكلة إني أقعد لوحدي، أنا واخد على كده."
بص لي وقالي:
"إيه نظرة الحزن اللي في عيونك دي؟ هما دلوقتي في مكان أحسن، وحظهم حلو إنهم مشافوش ابنهم وهو بيحصله كل ده."
سكت شوية وبعدين قال:
"تعالى، هكمل لك باقي الحكاية. أنا برتاح لما بحكيلك."
قطع كلامه صوت الكرسي وهو بيتهز لوحده كأن حد قاعد عليه وبيحركه.
أنا اتخضيت، بس أسر مهتمش وقال:
"ده مش الين."
بصيت له باستغراب وخوف وقولت:
"أومال مين يا أسر؟"
"ده مازن، الولد اللي جه مع جثة الين المشرحة."
رديت بصدمة:
"إيه؟!"
"مازن يا حبيبي، امشي من هنا دلوقتي."
رد أسر على نفسه وقال:
"بجد؟ إنت ظهرتلها قبل كده؟"
ظهر فجأة على الكرسي ولد صغير أنا عارفاه كويس.
اتكلمت وأنا خايفة وقولت:
"أسر، أنا شفت المخلوق ده قبل كده."
مازن بص لي وابتسم وقال:
"هتفضلوا قاعدين جنب بعض على السرير كده؟"
أسر قام وراح عند مازن وشاله وقال بابتسامة:
"وبعدين مع مخك الشمال ده يابني؟ راعي إنك طفل صغير."
"لأ، أنا مش صغير. أنا عندي 1000 سنة، يعني كبير."
"ماشي يا سيدي، حقك عليا. ممكن تمشي؟ عايز أتكلم معاها شوية."
أسر نزل مازن على الأرض، ومازن بص لي وابتسم ابتسامة خبيثة. أنا كنت لسه قاعدة على السرير، لقيت مرة واحدة مازن بيجري ناحيتي ووشه بيتحول لوش مسخ بشع. صرخت وحطيت إيدي على عيوني.
مازن اخترق الحيطة. فتحت عيوني، ملقيتهوش.
"تعالي اقعدي."
قعدت قدامه وأنا بحاول أركز.
"الجثة بتاعتها ظهرت في الحمام عندي، كانت مرمية في الأرض وحواليها رسوم كتير ونفس النجمة الخماسية اللي رسمتها كانت الجثة في نصها بالظبط، وكانت متغطية بالملاية البيضا بتاعتها."
حطيت إيدي على راسي وببص للجثة وبحاول أفكر. إيه اللي جابها هنا؟ وليه تيجي عندي أنا؟
أصوات ضحك في كل ركن في الحمام بتتعالى أكتر وأكتر، وأصوات فحيح خبيث جاي من الجثة. مقدرتش أستحمل، طلعت وقفلت الباب بسرعة ودخلت أوضتي وقفلت الباب بالمفتاح. قعدت على الأرض قدام الباب وحاطت إيدي على وداني لأن صوت الضحكات كنت سامعه.
"إنت ليه مش عايز تخرجني يا أسر؟"
لقيت الجثة قدامي على الأرض. جات إمتى معرفش. اتكلمت وقولت وأنا خايف:
"سيبيني في حالي بقى. شوفي حد غيري يخرجك، أنا مش هقدر أعمل كده."
الملاية اللي على الجثة بتتقطع. قمت وقفت وأنا ساند بضهرى على الباب وببص للمنظر. الملاية اتقطعت كلها، والجثة لونها أسود زي الفحم، وشها مرعب طالع منه دود كتير لحد ما الجثة كلها اتملت دود. حاولت أفتح الباب مش لاقي المفتاح.
"مش كل مرة هتهرب يا أسر. يا تخرجني يا تموت، فاهم؟ كل الدود ده هيتلم عليك وياكلك زي ما هو بياكل الجثة اللي قدامك دي دلوقتي."
فجأة لقيت الدود كله ساب الجثة وبييقرب ناحيتي. مش بسرعة، بس كلهم بيمشوا مع بعض وبييقربوا لي.
نفسي بيعلى وبصيت على الجثة، كلها كانت حرفياً متاكلة، مفيش منها غير أجزاء صغيرة. قربوا أكتر ناحيتي، ويدوب بيني وبينهم سنتي بس.
"خلاص، هخرجك. ابعديهم عني."
لقيت كل الدود بيبعدوا وبيجروا بحركات عشوائية وبييروحوا ناحية الحيطان وبيدخلوا جواها لحد ما اختفوا كلهم. إلا الجثة اللي قدامي. متخيلة قدامي جثة متاكلة وبقاياها مرمية في الأرض.
لقيتها قاعدة على السرير بتبص لي وهي مبتسمة.
"شطور يا أسر، عارف إني كنت بقول عليك إنك عاقل وهتسمع كلامي، وكنت صح."
"وبعد ما تخرجي هتسيبيني في حالي؟"
"إيه ده يا أسر؟ إنت مش طايقني ولا إيه؟"
هزيت راسي بـ"آه" وهي بصت لي باستغراب.
"بص، مقدرش أوعدك بكده. لازم أجلك أودعك الأول، بس وداعي أنا بقى مش هتنساه في حياتك أبداً."
"يعني إيه؟"
"يعني عمرك ما هتنسى الين يا أسر أبداً."
"أنا كده استفدت إيه؟"
"استفدت إنك ساعدتني وإني هاخد حقي من اللي خانى."
"أنا مش عايز أشوفك تاني بعد ما تخرجي. متجيش عندي. أنا مش عايزك تودعيني، كفايا اللي بيحصلي ده."
قمت وقفت وقالت وهي مبتسمة:
"أنا هسيبك دلوقتي عشان باين عليك إنك تعبان، بس استني مني زيارة تانية، اتفقنا؟"
بعدت نظري عنها وبصيت الناحية التانية. قربت ناحيتي وهي لسه مبتسمة ومسكت إيدي وقالت لي:
"باي يا أسر."
اختفت. وبصيت على إيدي لقيت المفتاح بتاع أوضتي اللي مكانش موجود معايا لما الجثة ظهرت. فتحته بسرعة ونزلت. معتش طايق البيت خلاص، عايز أفضل ماشي في الشارع. خلاص مبقتش عايز أكون لوحدي. فضلت أمشي لحد ساعة تقريباً. قعدت في جنينة قاعد بتأمل في الزرع، وببص للأطفال اللي بتجري وبتضحك، بحاول أنسي كل حاجة حصلت لي فيه هناك. أسرة جميلة، أب وأم وبنتين صغيرين كانوا قاعدين وماسكين بلالين وبيضحكوا. حسيت بحزن ساعتها إن أنا وحيد في العالم ده كله. أختي الوحيدة سابتني واتجوزت.
"لو سمحت يا عمو، ممكن تدور معايا على أختي؟ أنا مش لاقياها وخايفة أوي."
كانت بتبص لي وعيونها كلها دموع.
"طب اهدي وبطلي عياط، هندور عليها."
هدت شوية ومسحت دموعها في كم السويت شيرت بتاعها.
"متعرفيش رقم أختك؟"
هزت راسها بمعنى "لأ".
"طب أختك اسمها إيه؟"
"اسمها سلمي."
"طب إنتي عارفة مكان بيتكم؟"
"لأ."
قمت وقفت ومسكت إيديها وقولت:
"يلا بينا، هنلف الجنينة كلها يمكن نلاقيها مستنياكي في حتة، اتفقنا؟"
"اتفقنا."
فضلنا ماشيين وعمالين نبص حوالينا.
"أنا عايزة شيبسي."
"تعالي، هجيب لك."
روحنا المحل وجيبتلها الشيبسي، وبصيت لها وقولت:
"متخافيش، إن شاء الله هنلاقيها."
"أختي لابسة فستان أحمر وشعرها أسود طويل وهي كبيرة."
"كنتوا واقفين فين آخر مرة قبل ما تتوهي منها؟"
"كنا واقفين عند محل اللعب."
"تمام، يا... إنتي اسمك إيه؟"
"اسمي ريناد."
"اسمك حلو زيك على فكرة."
ابتسمت وقالت بخجل:
"شكراً."
فضلنا نسأل عند كل محل لعب نقابله عن مواصفات أختها، لحد ما أخيراً لقينا المحل.
"إنت متأكد إن البنت دي كانت بتشتري من هنا؟"
"آه يا بيه، كانت هنا وكان معاها بنت صغيرة وبعدين تاهت."
"عرفت منين إنها تاهت؟"
"ماهي فضلت تعيط ودورت عليها في المحل كله يا بيه، ومشيت بعدها."
"مشيت بقالها قد إيه؟"
"هي لسه ماشية، ما يجلهاش 5 دقايق."
"مشيت كده ولا كده؟"
"مشيت ناحية اليمين."
خرجنا من المحل وقولت لها وإحنا ماشيين:
"متخافيش، قربنا نلاقيها."
وفضلنا ماشيين لحد ما لقيناها. نفس المواصفات اللي ريناد قالتها.
ريناد سابت إيدي وجريت ناحية أختها. حضنتها وفضلت تعيط، وبعدين بصت لي وقربت ناحيتي. ابتسمت عشان أقولها إن مفيش داعي تشكرني وكده.
"إنت الواطي اللي خطفتها! إيه فاكر إنك هتفلت بفعلتك دي؟"
ضربتني بالقلم قبل ما أفتح بوقي أصلاً. حطيت إيدي على خدي. الضربة موجعتش، بس أنا اتضايقت جامد، ونظراتي بقت نظرات غضب، وكنت لسه هتكلم، لقيت ريناد بتجري عندي ومسكت إيدي وقالت:
"بتعملي إيه يا سلمي؟ ده عمو ساعدني عشان أوصلك."
ظهر على نظراتها الندم، وبصت لي وكانت هتنطق. سبتها ومشيت. مش عايز أسمع صوتها ولا أشوف خلقتها تاني. أنا مش ناقص معاتيه، كفايا اللي بيحصلي.
كنت واقف تحت البيت وببص عليه، حاسس إنه كئيب، مش حابب أطلع. بصيت في الساعة، كانت 11 ونص. قررت إني مش هطلع ولفيت ضهري ومشيت. الشوارع يعتبر شبه ضلمة، المحلات كلها قافلة. السكون بيعم الشارع اللي أنا ماشي فيه. نسمات الهوا الباردة بتخبط في ضهري وراسي. جسمي اللي بيرتعش من البرد. سمعت صوت عياط فجأة. فتحت تليفوني وشغلت الكشاف ووجهته حواليا. صوت العياط بيسكت ويرجع يكمل تاني. خوفت وقولت:
"وبعدين بقى؟ هي مش ناوية تسيبني في حالي؟ بقى أنا كنت ناقص شغل عفاريت."
بس للأسف فضولي بيحركني ناحية الصوت. فضولي ده هيوديني في داهية. في مرة آه والله. بقرب بالراحة، كان شارع جانبي، أنا عارف الشارع ده، هو شارع سد. خايف ونفس الوقت عايز أقرب لحد ما لقيت...
رواية الغرفة 333 الفصل الخامس 5 - بقلم سراء ابو النصر
كان شارع جانبي. أنا عارف الشارع ده. شارع سد. خايف ونفس الوقت عايز أقرب. لحد ما لقيت بنت قاعدة على الأرض، ضامة نفسها وشعرها الطويل نازل على دراعها وصوت عياط خارج منها.
التوتر والرعب ابتدوا يوصلولي وضربات قلبي بتتصارع. واقف مكاني متخشب، مبعملش حاجة غير إني ببص عليها وأنا مرعوب. صوت شهقاتها بيعلى. عايز أتحرك وأجري مش عارف. كل اللي في دماغي دلوقتي إنها مش إنسانة.
أكيد مفيش حل غير إني أتكلم وأسألها.
"بـ بـ بتعيطي ليه؟"
صوت شهقاتها وقف، كأنها انتبهت ليا. التوتر ماليني حرفيًا. معرفش لما ترفع وشها هشوف إيه. مسخ ولا عفريت ولا إيه.
بترفع راسها بالراحة وهي بترتعش، لحد ما نظرها وقع عليا. اتكلمت بخوف وعيطت وقالت:
"ارجع البيت يا أسر."
"ولو مرجعتش؟"
"مهو مش بمزاجك هترجع، حتى لو غصب عنك."
"مفيش حد يقدر يغصبني على حاجة."
"روح يا أسر وبلاش تمشي في الضلمة لوحدك. يمكن يطلعلك عفريت ولا حاجة."
"قوليلها لو مبطلتش تعمل اللي بتعمله ده أنا مش هخرجها. أنا عارف إنها محتاجاني."
ضحكت وقالت بسخرية:
"هه. متتحدهاش يا أسر يا حبيبي، زي ما بتقولوا. ابعد عن الشر وغنيله. غني يلا يا أسر واسمع الكلام وروح."
ملحقتش أتكلم، لأنها قامت من مكانها وزحفت على الأرض، وضوافرها اللي شبه المخالب بتخبط في الأرض وصوت مرعب طالع منها وبتقرب ناحيتي بسرعة.
جسمي اتفك على آخر لحظة، لأنها كانت قربت مني وبتستعد إنها تغرز ضوافرها في رقبتي. جريت بسرعة. وأنا بجري بصيت ورايا، عليها. كانت بتزحف وبترجع لنفس الشارع تاني. أنا مش قادر أوقف جري، خايف لو وقفت تطلعلي تاني.
وصلت البيت، وللأسف فتحت الشقة ودخلت أوضتي، وكالعادة قفلت على نفسي باب الأوضة ونمت.
الصبح بقى...
"أسر، ماما بترن عليا."
"قمت وخرجت بره الأوضة ورديت عليها."
"أيوه يا ماما."
"خلصي النهاردة بدري عشان نزور خالك عشان تعبان."
"حاضر يا ماما، هحاول. سلام."
"سلام."
"دخلت أوضة أسر وأنا مضايقة، وهو استغرب وقال:"
"مالك يا رغد؟"
"ماما عايزاني أخلص بدري ونروح نزور خالو."
"طيب، وإيه اللي مضايقك في كده؟"
"مهو اللي مضايقني إن خالو مش تعبان ولا حاجة. هما بيقولوا كده بس عشان أقعد أنا ومحمد مع بعض."
"محمد مين؟"
"ابن خالي."
"خدت نفس وبعدين قولت بتكشير:"
"أنا ومحمد مش بنطيق بعض. هو لو عليه أصلاً يولع فيا. أمي وأبوه مقتنعين إننا لبعض من واحنا صغيرين."
"وكملت وأنا بضحك:"
"وقال إيه، قريين الفاتحة من واحنا صغيرين. تصدق؟"
"اتكلم ببرود وقال:"
"عادي على فكرة. أسمع عن ناس كتير بيعملوا كده."
"رديت وأنا متعصبة:"
"الموضوع هيمشي لو أنا ومحمد بنحب بعض. بقولك، لو شافني ممكن يرميني من البلكونة."
"رد وهو بيضحك:"
"يااه! عملتي إيه ليه لدرجة إنه مش طايقك أوي كده؟"
"اتكلمت ببراءة:"
"مبعملهوش حاجة، هو اللي مش طايقني كده."
"ضحك وقال:"
"بنظرتك دي معتقدش."
"احم احم. طب يلا كمل."
"مش طايق البيت بجد، حاسس إن جدرانه بتضيق عليا والهوا فيه بيقل ومخنوق منه. لبست ونزلت أتمشى في الشوارع. وبصيت لقيت إعلان لفيلم على باب السينما، عجبني. دخلت أتفرج عليه، أهو بالمرة أطلع نفسي من الرعب اللي عايش فيه. كانت آخر تذكرة للفيلم."
"إيه يابا دي؟ تذكرتي أنا."
"بصيت لمصدر الصوت الغريب ده، لقيتها واقفة جمبي وبتـ بصلي وبتوجهلي كلامها. نفس البنت اللي شفتها في الجنينة امبارح."
"رديت وقولت باستغراب:"
"تذكرتك منين إنشاء الله؟"
"هو إيه اللي منين؟ أنا اللي جيت الأول هنا، بس روحت أكلم صاحبتي أشوفها جايه ولا لأ."
"أيوه، وأنا مالي بده كله؟"
"مدت أديها ليا وقالت:"
"هات التذكرة."
"لأ، أنا دفعت فلوسها خلاص، وكمان دي آخر تذكرة. يعني مستحيل أديهالك."
"حطت أديها في وسطها وقالت بغضب:"
"زي ما قولتلك، أنا اللي جيت هنا الأول، يبقى أنا ليا الحق إني آخدها. يلا هاتها وبلاش لماضة."
"هو اللمض في الحوار ده كله إنتي على فكرة."
"أنا مش لمضة، إنت اللي رخـم وسرقت التذكرة بتاعتي."
"سرقت إيه؟!"
"... أصلاً إنتي نسيتي إنك المفروض تعتذرلي وتشكريني في نفس الوقت على الموقف بتاع امبارح، ولا إيه؟"
"منا كنت هعتذر. إنت اللي سبتني ومشيت. أعملك إيه يعني؟ أجي أبوس دماغك ولا إيه؟ مش فاهمة."
"طب وطي صوتك ده بدل ما أقطعلك لسانك."
"متـ تقدرش. لإنك لو حاولت حتى ترفع صباعك عليا، هتلاقي نفسك على الأرض وغرقان في دمك."
"ضحكت وقولت:"
"إيه الثقة دي كلها."
"تجرب؟"
"مفيش تذاكر. واخبطي راسك في الحيط."
وأخدت التذكرة ودخلت الأوضة اللي بيتعرض جواها الفيلم، واتفرجت عليه. الصراحة كان فيلم ممتع وجميل بجد، وكان يستاهل الخناقة دي.
طلعت بعد ساعتين من السينما، وبصيت لقيتها قاعدة على الأرض ومربعة رجليها وحاطة الهاند فري في ودانها. وأول ما شافتني شالت الهاند فري وقامت بسرعة وبدأت تقرب مني.
"أتمنى تكون استمتعت بالفيلم، وأنا مش مسامحاك على التذكرة. هه. وحسبي الله ونعم الوكيل فيك يا بن..."
"هو اسم أمك إيه؟"
"هو انتي هبلة؟"
"لأ يابا. احترم نفسك."
"هو أنا هخلص من الرعب أخش على جنان ولا إيه."
"منك لله بجد. أنا كنت مستنية الفيلم ده أوي."
"إنتي مستنياني أعتذرلك مثلا؟"
"أظن إنك لازم تعتذر. كان أصلاً المفروض متعاندش معايا وتديهالي."
"وأظن برضو إن المفروض يعتذر، وبالأكثر كمان. هو إنتي صح؟"
"تنهدت وبصتلي ونظراتها كلها ندم، وقالت:"
"أنا آسفة. الموقف كان صعب عليا. أختي تايهة وأنا مكنتش مركزة خالص."
"الصراحة رضيت بأسفها وقولت:"
"خلاص، مسامحك."
"احم. وانت مش عايز تقول حاجة؟"
"أقول إيه؟"
"تعتذر."
"أعتذر ليه؟ وإنتي طولتي لسانك عليا، قولتي عليا حرامي ودعيتي عليا، كل ده وعايزاني أعتذرلك برضه؟"
"أنا اعتذرت. اعتذر إنت كمان. مش هتخسر حاجة يعني."
"سكت. وهي تنهدت وقالت:"
"خلاص. متعتذرش. مش عايزة منك حاجة."
وسابتني ومشيت. وأنا فضلت أبص عليها لحد ما اختفت. أسلوبها غريب وملامحها هادية ولبسها بسيط. روحت البيت وأنا بفكر فيها. عملت شاي ودخلت البلكونة. كان الجو ليل. الصراحة سيرتها مش قادرة تخرج من دماغي. أسلوبها عاجبني. كنت بتخيل الموقف تاني وأنا مبتسم. معرفش حاجة عنها غير اسمها بس.
لمحت صوت خرفشة في الزرع اللي في البلكونة. كنت متردد شوية، بس روحت أشوف ده إيه. كانت زي ورقة سودا مكتوب عليها كلام بالدم. الكلام مكتوب بطريقة كأن عيل صغير كاتبها. حاولت أترجم على قد ما أقدر، لحد ما بدأت أقرأ:
اسمها سلمى أحمد المهدي، عمرها 22 سنة، في كلية الهندسة. بتشتغل في محل ورد في ***** ورقم تليفونها ******
استغربت وقولت: مين اللي بعت الورقة دي وليه؟
حطيتها تحت المخدة ونمت.
"يمكن اللي بعتهالك يكون مازن ده؟"
"هو فعلاً مازن اللي بعتها، بس لحد دلوقتي معرفش هو ليه عمل كده. وكل ما بسأله مابيردش ويسيبني ويختفي. عندي فضول أعرف هو ليه قرب مني أوي كده. ده العفريت الوحيد اللي عمري ما خفت منه."
"ياه يا أسر. يظهر إن قصتك مفيهاش رعب، بس طلع فيها كمان حاجات تانية."
"قولت الجملة دي وأنا مضايقة."
"حاولت أنام معرفتش. صحيت كانت حوالي 3 الفجر."
"طلعت الصالة وفتحت التليفزيون وقعدت أتفرج شوية، وبعدين حسيت برعشة في جسمي والمكان بقى بارد. شامم ريحة شياط. قمت بسرعة عشان أشوف الريحة دي من المطبخ ولا إيه. كان الغاز طافي ومفيش أي مصدر لريحة الشياط. قولت خلاص، دي مش من عندي. رجعت تاني للصالة وقعد على الكنبة. وأنا قاعد سمعت صوت باب الحمام بيتفتح بالراحة، وريحة الشياط كانت كتيرة. قاعد مكاني ببص لباب الحمام اللي بيتفتح ببطء شديد قدامي، وصوته اللي بيدخل وداني لحد ما اتفتح على الآخر. الحمام ضلمة، وفضولي بيحركني ناحية باب الحمام. شغلت النور، مفيش أي حاجة في الحمام. دخلت غسلت وشي وبصيت للمرايا، وبعدين جيت أخرج، الباب اترزع في وشي، كأن حد قفل عليا من بره. روحت عند الباب وبحاول أفتحه ومش عارف. بنهج من كتر الخبط على الباب، ووقفت خبط، لأن النور بتاع الحمام اطفي. سكون تام. ضلمة. أنفاس بتتزايد. ريحة الشياط لسه موجودة. حاسس بحرارة. بحاول أتكلم، صوتي مبيخرجش. رغبة ملحة في النوم. نوم إيه دلوقتي بس. فعلاً استسلمت للنوم."
"صحيت وأنا بقول في نفسي: أكيد ده حلم، وإني مش نايم في الحمام. بس أنا فعلاً نمت في الحمام. معرفش قد إيه، بس قومت بسرعة وحاولت أفتح الباب. وأخيراً اتفتح. خرجت كأني خرجت من سجن. بدأت آخد نفسي. وغيرت هدومي. كان جسمي واجعني. ببص لقيت آثار خدش على جسمي، وحاسس بيهم على ضهري. لبست القميص ونزلت المشرحة. بقيت عايز أهرب من البيت ده بأي طريقة."
"وصلت المشرحة."
"إيه يا دكتور أسر؟ بقيت كويس الحمد لله؟"
"هزيت راسي بـ آه. وهو كمل وقال:"
"ممكن بقى تكمل شغلك؟ الجثث بتكتر، وأنا معنديش دكتور تشريح ممتاز غيرك يا أسر."
"حاضر يا دكتور."
"طلعت من المكتب وروحت أوضة التشريح ومعايا ملف الجثة اللي هتتشرح. من الآخر، بحاول أشغل نفسي من إني أبص على تلاجتها."
"أسر، أخبار النوم في الحمام إيه؟ مش بذمتك حلو؟ دانت كنت نايم في الأرض كأنك طفل صغير."
"مردتش عليها وكملت قراية في الملف."
"على فكرة عادي. أنا أصلاً اتعودت على تجاهلك ليا. مهو اهتمامك بقى على حاجة تانية، مش كده ولا إيه؟"
"كان فيه ملايات على سرير الجثة. شقيت الملاية لقطع صغيرة ولفيتها وحطيتها في وداني عشان مسمعش أي كلمة منها. ومسكت المشرط وبدأت تشريح الجثة."
"كانت آثار الخرابيش بيوجعني، كأن نار بتاكل في جسمي."
"على فكرة يا أسر، اللي بتتجاهلها دي حايشة عنك حاجات كتير أوي. ولو سبتهم يا أسر، إنت حياتك حرفياً هتكون أوحش من الجحيم نفسه. تيجي أقولك على نبذة منهم؟"
"شوفتها كانت واقفة قدام تلاجتها مربعة أديها وبتبصلي بغضب، وبتقول:"
"الحمامات مش أماكن للنوم يا أسر. ده مكان مليان حاجات إنت متعرفش عنها حاجة... أخبار الجروح اللي على جسمك إيه؟"
"قربت ناحيتي وفتحت كام زرار من قميصي، وقالت بحزن:"
"عارف مين اللي عمل فيك كده؟"
"نظراتي بتقول إن أكيد هي اللي عملت كده."
"لأ يا أسر. أنا معملتش كده، وعمري ما هعمل كده. دول جنيات الأرض. إنت كنت زي جاكيت بيتخانقوا عليه، وإنت اللي كنت بتدفع تمن الخناقة."
"يعني إيه؟!"
"قفلت القميص وبصتلي وقالت بابتسامة:"
"متخافش. أنا خدتلك حقك منهم. التمن اللي دفعوه على عملتهم دي كان غالي أوي."
"حصلهم إيه؟"
"اتحرقوا يا أسر. أنا أقدر أعمل أي حاجة شر ممكن تتخيلها."
"وحطت أديها على كتفي وقالت ببرائة:"
"عشان كده إنت لازم تبعد. اللي بتفكر فيه ده عشان أنا أذايا وحش. وحش أوي يا أسر. ولو مش مصدقني، تعالي معايا."
"شدتني من إيدي وروحت الحمام بتاع المشرحة. مكنتش عايز أروح معاها، بس هي كانت بتجبرني بقوة رهيبة. أنا مش عارف جايباها منين. دخلنا وقفلـت الباب، ومسكت راسي وقربتها من المرايا أوي، وراسها كمان قربت. ظهر من المرايا انعكاس لبنات حلوين أوي. مشوفتش في جمالهم قبل كده. كانوا مبتسمين وبيغنوا. صوتهم بيدخل في قلبي حرفياً. كنت مستمتع بالمنظر، لحد ما فجأة غنائهم بقى صوت صراخ ورجاء، ووشوشهم الجميلة بتتبدل لوشوش سودا متفحمة، وشعرهم بيولع، وعيونهم كأنها بركان بينزل منها نار كتير أوي. نار حسيت بحرارتها كأني معاهم. صوت صراخهم مزعج، مش قادر أسمعه. حاسس كأن راسي هينفجر من كتر الصريخ، لحد ما جسمهم بقى بيدوب في برك النار اللي نزلت من عيونهم، وهم بيبصولي، وعلى نظراتهم ندم ورجاء."
"كانت الين بتضحك بهيستريا على المنظر، وبتبص بنظرات شر وانتصار. لحد ما المشهد اتبدل، وانعكاسي أنا بس ظهر على المرايا."
"بصتلي وقالت بشر:"
"ها؟ إيه رأيك؟"
"فتحت المايه وقعدت أغسل وشي كتير أوي. حاسس إن وشي بيتحرق."
"أسر. مفيش حاجة على وشك. إنت قمر."
"فعلاً معتش حاسس بحرارة في وشي. ووقفت المايه، وبصتلها وقولت بخوف:"
"إنتي عايزة إيه؟ بتعملي فيا كده ليه؟"
"ابتسمت وقالت:"
"الورقة اللي تحت المخده بتاعك تتحرق بسرعة، وإلا إنت اللي هتتحرق يا أسر. سامع؟"
"هزيت راسي بـ آه وأنا خايف. وبعدين هي ابتسمت واختفت."
"فتحت الباب وطلعت وأنا بمسح في وشي. دخلت الأوضة وكملت تشريح الجثة بالعافية. كان بيخرج منها صوت فحيح كتير. خرجت من الأوضة وروحت عند الدكتور."
"أنا مش هعرف أكمل في المشرحة دي."
"تاني يا أسر؟ أظن هتقولي إن الجثة بيطلع منها صوت ولاب لاب والكلام بتاعك ده، صح؟"
"اعتبرني مجنون. أنا برضه مش هكمل شغل هنا."
"وسبته ومشيت وهو بينادي عليا. خلاص تعبت من حياتي دي، مش قادر أكمل فيها تاني بجد."
"روحت البيت ودخلت الأوضة، وبصيت تحت المخده ملقتش الورقة."
"الورقة... متأكد إني حطيتها هنا. راحت فين؟!"
رواية الغرفة 333 الفصل السادس 6 - بقلم سراء ابو النصر
روحت البيت و دخلت الأوضة و بصيت تحت المخدة ملقتش الورقة.
"الورقة؟ متأكد إني حطيتها هنا، راحت فين؟"
سمعت صوت عياط كتير، قمت أشوف مصدر الصوت. كان جاي من الحمام. قربت وأنا خايف، الحمام ده بقى زي الجحيم بالنسبالي. أول ما دخلت صوت العياط سكت. كنت هطلع بس سمعت صوت ميه بتقع على الأرض. كانت عند البانيو. كشفت الستارة لقيت البانيو مليان دم وحاجة جوه الدم ده كأنها بتغرق. أنا نسيت كل حاجة مخوفاني وطلعت. اللي كان بيغرق جوا كان ولد صغير. حطيته على الأرض وبدأت أضغط على صدره لحد ما كح الدم اللي شربه وفتح عينه. في اللحظة دي النور اتقطع. سامع صوت ضحكات أطفال وعياط كتير مش عارف مصدرهم إيه. حاطت إيدي على قلبي وبترعش، مش قادر أقوم أفتح الباب وأجري كالعادة. فيه حاجة مكتفاني كمان. مش عارف حتى أحط إيدي على وداني عشان أمنع صوت العياط والضحك من إني أسمعه. النور رجع، ومع رجوعه ملقتش الولد. مفيش دم في البانيو، مفيش أصوات، مفيش أي حاجة خالص. ساعتها قدرت أقوم. طلعت ودخلت أوضتي وقفتلت الباب. لقيت حد نايم على سريري والبطانية مغطية وشه. مين ده وإيه اللي جابه هنا؟ معرفش. أنا مبقتش عارف حاجة خالص. بقرب بالراحة وبحاول أرفع الغطا عشان أشوف مين ده. سمعت صوت طقطقة زي طقطقة السنان في بعض بس صوتها كان عالي أوي. البطانية بتتشال لوحدها وظهر وش لنفس الولد اللي كان في الحمام. فتح عيونه وقام قعد على السرير وابتسم وقال:
"خضيتك؟"
"مش عايز أتكلم مع حد، كل اللي عايزه إنهم يبعدوا عني بقي."
ابتسامته زادت وقال:
"إزاي هيبعدوا عنك وهم عايزين منك حاجة يا أسر؟ بالعقل كده."
استغربت إنه بيقرأ أفكاري.
"أنت كل ده ولسه بتتفاجئ؟ خلاص أنت المفروض يكون عندك مناعة، ولا إيه؟"
"أنا... أنا شوفتك قبل كده."
قام وقف وقرب مني وقال:
"أنا مازن... أخبارك إيه يا دكتور أسر؟ مش أنت برضه دكتور في المشرحة الملعونة دي؟"
"أنت الطفل اللي..."
قاطع كلامي وقال:
"أيوه، أنا اللي جيت مع الشر اللي محاوطك... الأ قولي صحيح، فين الورقة اللي كانت تحت مخدتك؟"
قولت بحزن:
"اختفت لوحدها."
ابتسم بخبث وقال:
"هات إيدك كده."
مديت إيدي له، لقيته حط ورقة سودا زي الورقة اللي كان فيها كل حاجة عن سلمى. بس الورقة دي كانت فاضية تماماً. بصلي وقال:
"روح هات ولاعة واحرقها بسرعة."
"ليه؟"
"ما تروح وخلاص، دانت عنيد أوي."
"خلاص يا عم، ماتزوقش، هروح. أما نشوف آخرتها إيه."
دخلت المطبخ وجبت ولاعة ودخلت الأوضة. بصيتله وقولت بخوف:
"الورقة دي فيها إيه؟"
"مفيهاش حاجة، بس لازم تتحرق دلوقتي."
وفعلاً ولعت فيها وهو ابتسم وقال:
"كده الين افتكرت إن الورقة الحقيقية اتحرقت... أسر، أوعى تعرفها إنك معاك الورقة، وإلا أنا وأنت هيكون لينا عقاب شديد، فاهم؟"
"بس... بس أنا مش معايا الورقة، قولتلك."
"بص في جيبك كده."
حطيت إيدي في جيبي، كانت فعلاً الورقة موجودة. فتحتها وقريتها وأنا مبتسم:
"يلا يا عم، مش خسارة فيك."
شيلته وأنا مبتسم وقولت:
"أنت بتساعدني ليه يا مازن؟"
"يا عم، يعني هبقى أنا وهم عليك... أنا استغربت لما أنت مخوفتش وحاولت تنقذني في الحمام. ياريتك كنت جيت أنقذتني بجد."
"مين اللي كان عايز يغرقك يا مازن؟"
بصلي وقال بحزن:
"مرات أبويا... بعد ما أمي ماتت أبويا اتجوز، كان فاكر إنه كده هيعوضني عن أمي، بس اللي حصل العكس تماماً. هي كان عندها ولدين كانت بتحبهم أكتر مني وبتفضلهم عليا، ولما أبويا مات هي قررت تتخلص مني عشان ولادها اللي يورثوا. إحنا كنا في بلد زي الأرياف كده. استنت لحد ما الدنيا ليلت وسحبتني وودتني عند الترعة. كنت مستغرب وبقولها: إحنا رايحين فين يا ماما في الوقت المتأخر ده؟ كانت بتبصلي بحقد ومش بترد عليا. لغاية ما نزلت الترعة ونزلتني معاها. كنت خايف لأن المكان كان ضلمة وكنت برتعش كمان. الجو كان برد والميه متلجة. أنا عارف إنها عمرها ما حبتني، بس مكنتش متخيل إنها ممكن تموتني. كانت شيلاني وبتنزل راسي في الميه وأنا كنت بقاوم وبطلعها. وبصيتلها برجاء وقولتلها: ليه بتعملي كده فيا يا ماما؟ ولا كأنها سمعاني. ونزلت راسي مرة تانية، والمرادي حسيت إني بتخنق، مش عارف أطلع راسي. ضاغطة عليها جامد، قلبها كان زي الحجر. يا أسر الدنيا ضلمت قدامي، مبقتش حاسس بأي حاجة خالص... هي ليه يا أسر مكانتش بتحبني؟ هو أنا وحش؟"
حضنته، معرفش إزاي اتعاطفت مع عفريت، وبصيتله وقولت بحزن:
"لا يا حبيبي، أنت مش وحش. هي عمرها مكانت تستاهل إنك تناديها ماما."
"عارف، أنا نسيت الموضوع ده وأنا محاولتش أنتقم زي ما الين عايزة تعمل... متخرجهاش، صدقني لو خرجت أنت اللي هتدفع التمن. اتفقنا؟ اتفقنا إزاي بس، كده كده هي بتدفعني التمن، مش فارقة..."
كان صوت تفكيري.
"أسر، اللي أنت بتشوفه دلوقتي ولا حاجة من اللي هتشوفه لما هي تخرج."
نزلت مازن على الأرض وهو بصلي وقال:
"اتفقنا؟"
هزيت راسي بـ"آه" وهو اختفى. وأنا قعدت على السرير أعمل أفكر لو خرجتها هيكون ده الحل الصح ولا زي ما مازن بيقول هو الصح. أنا محتار بجد.
"وأنت اخترت إيه يا أسر؟"
تليفوني رن تاني، ساعتها رديت وأنا مضايقة:
"يا ماما يا حبيبتي، أنا في شغل وحضرتك قاطعتي الجلسة."
"معلش يا رغد، مهو الشغل مش هيطير يعني. وبعدين أنا قولت للدكتور إنك تخرجي بدري وهو وافق، يعني متليش أي عذر."
أسر بصلي وشاورلي بمعني إني أسمع الكلام وأمشي. وأنا سمعت كلامه وقولت:
"خلاص يا ماما، أنا جاية."
"مستنياكي، تعالي بسرعة."
"هضطر أمشي أرتاح شوية، وأنا هحاول أسرع نقلك من الأوضة دي..."
بصلي وابتسم وأنا خرجت من الأوضة.
"ياريت يعني تبطل ترمي كل اللوم عليا، ده لو مش هيضايق حضرتك يعني."
كانت قاعدة جمبي على السرير.
"لا، هو فعلاً اللوم كله عليكي. أنا عمري ما آذيتك، أنتِ اللي دايماً بتأذيني."
"هعيط بجد، البراءة بتخر من وشك. الوش البريء ده تعمله قدامها هي مش أنا، ها يا أسر."
"بكرهك يا الين، بكرهك."
"مش بمزاجك تكرهني أو تحبني. أنا اللي بختار يا أسر، مش أنت. وع فكرة، ل سلمى ولا رغد هيقدروا ياخدوك مني. أنت فاهم ولا لأ؟"
حطيت إيدي على وداني وفضلت أقول بصوت عالي:
"ابعدي عني، مش عايز أشوفك."
الدكتور دخل وكان معاه ممرضات. ادوني مهدئ ونمت.
"وصلنا لبيت خالي واستقبلونا استقبال كويس وأنا كنت فرحانة لأن محمد مش موجود الحمد لله."
كانوا بيتكلموا كتير وزي ما قولت خالو مش تعبان. هو باين عليه إنه كويس أهو، ما شاء الله. من الواضح إنهم هيفضلوا كده لحد ما محمد يجي.
وأنا قاعدة حسيت إن الدنيا بقت ملغوشة أوي والصورة ضباب. استأذنت منهم ودخلت الحمام أغسل وشي. حسيت بنفس جاي من ورايا. بصيت ملقتش حد. رجعت تاني بصيت للمرايا. الضباب اللي في عيوني يدوب مخليني أشوف في المرايا بالعافية. طلعت بره وياريتني ما طلعت. محمد كان قاعد. نظراته كانت عليا. وطبعاً مكانش ليا مكان غير جنبه. اتنهدت وقعدت جنبه وهو كان لسه باصص عليا.
"الأه، مش هتسلم على رغد ولا إيه يا محمد؟"
"كان صوت ماما."
بصلي وابتسم وقالي:
"إزيك يا رغد، عاملة إيه؟"
بصيتله وابتسمت واكتفيت إني أهز راسي بمعنى آه، كويسة.
"وأنت عامل إيه يا محمد؟ أخبارك إيه يا حبيبي؟"
"صوت ماما برضه."
"كويس يا عمتو."
"ماما ردت بالسؤال السخيف اللي بنكون معتادين إننا نسمعه وقالت: يا حبيبي، مش ناوي تفرحنا بيك ولا إيه؟"
بصلي وبعدين نزل راسه وقال:
"لما ألاقي بنت الحلال، ساعتها هتفرحي بيا."
ماما بصتلي وبعدين بصت لمحمد وقالتله:
"هتلاقيها موجودة، أنت بس اللي مش واخد بالك."
الموقف كان بشع بجد، فكرة إنهم بيحاولوا يقربونا من بعض وإحنا أصلاً رافضين ده، ف ليه كل التعب والمقاوحة...
سيبتهم ودخلت البلكونة.
"ماشي يا ماما، بقي أنتِ مسيباني المستشفى وأسر كمان عشان أجي وأسمع الكلام ده، ربنا يسامحك."
"أسر مين؟"
"بصيت جنبي، كان هو. رجعت بصيت قدامي وفضلت أفرك في عيوني لأن الضباب كان بيكتر."
"فيه حاجة دخلت في عيونك ولا إيه؟"
وقرب مني وحط إيده على عيوني وبدأ ينفخ فيهم بالراحة.
"عقبال ما استوعبت الموضوع والضباب اللي في عيوني بيروح، شيلت إيده وقولت: مفيش حاجة. أنت جاي هنا ليه؟"
رد عليا بعناد وقال:
"يا ماما، ده بيتي ودي بلكونتي وأجي وقت ما أنا عايز."
"يعني أنت بتطردني؟"
وكنت همشي بس مسك إيدي وقال:
"مش بمنعك يابنتي، بس مستغرب من سؤالك."
شال إيده وقال بخبث:
"ما جاوبتنيش، يعني مين أسر ده؟ ها؟"
سرحت وتخيلت أسر قدامي. ملامحه الجميلة اللي "بتخطف قلبي بجد وابتسامته اللي ما بتفارقش تفكيري وحكايته اللي حزينة عشانه وعايزاه يكون كويس بأسرع وقت ممكن."
محمد سقف بإيده قدامي بمعني فوقي وقال:
"أنتِ يا قمر بكلمك."
"بصيتله ومردتش. وهو كمل وقال: عايزك تشوفي وشك لما جيبت سيرته كان بيطلع قلوب."
صوته كان فيه نبرة عصبية وهو بيتكلم. رديت عليه وعليت صوتي وقولت:
"ملكش دعوة، هو وشي ولا وشك؟ وبعدين هتفرق إيه يعني معاك لما تعرف مين أسر؟ مش فاهمه."
بصلي بغضب وشد إيدي وطلعنا في الصالة وكان بيوديني ناحية أوضته. وكلهم كانوا بيبصوا علينا ومستغربين. دخلت وقفل الباب وبصلي وقال:
"مين الزفت ده وليه لما جيبت سيرته ابتسمتي كده؟"
قاعدة مستغربة الموقف. بيكلمني كده ليه وهو ماله؟ مين أسر؟ ولا ابتسمت ولا إن شاء الله عني ما ابتسمت... رديت عشان أخلص من كلامه وقولت:
"أسر حالة أنا مسؤولة عنها... ارتحت كده؟"
"واضح إنه مش مجرد حالة يا دكتورة رغد. أنا عارفك كويس، إحنا مع بعض من واحنا صغيرين ومكتوبة على اسمي، فاهمه يعني إيه؟"
"هو أنت مقتنع زيهم إن أنا وأنت فعلاً لبعض؟!"
"وليه لأ؟ أنا بحبك يا رغد ومستعد أعمل أي حاجة عشانك."
اتصدمت جامد من كلامه. هو ده محمد اللي مكانش بيطيقني؟ هو ده اللي كنت دايماً بشوف في عيونه الكره والغيظ ناحيتي؟
"غبية لو كنتي فاكرة إني بكرهك. أنا عمري ما حبيت قدك."
"محمد، أنت شارب حاجة ولا إيه؟ أنت مدرك كلامك؟"
قرب ليا ومسك إيدي ونظراته فيها حب وقال بابتسامة:
"تتجوزيني يا رغد؟"
مش مصدقة، لإن تخيلت أسر هو اللي لازم يقولي الكلمة دي مش حد تاني. بصاله بصدمة ومش عارفة أعمل إيه ولا أرد أقول إيه أصلاً.
"لما مردتش ساب إيدي وعيونه باين فيها الحزن وقال بابتسامة مكسورة: أنتِ بتحبيني يا رغد، مش كده؟"
كسرته دي دمرت قلبي. كان نفسي أكون أنا كمان بحبه، بس لأ. أنا بحب أسر ومش قادرة أتخيل محمد مكانه أبداً.
"أخدت نفس وقولت: محمد، أرجوك افهمني. أنا عمري ما حسيت بمشاعر ناحيتك، أنت أخويا ومش عايزة أخسر أخ عزيز وحلو زيك كده."
وابتسمت، حاولت أخرجه من الدور الحزين ده لأن الصراحة مش لايق عليه أصلاً. وهو ابتسم وقال:
"والبعيدة عامية على فكرة، هتندمي."
ضحكت وقولت:
"أيوه كده، الابتسامة هتاكل من وشك حتة."
حاول يغير الموضوع لأن باين عليه إنه مش عايز يخسر صداقتنا وقال بابتسامة:
"احكيلي بقي يا ستي، حبيتي أسر إزاي؟ يمكن نستفيد من القصة."
قعدت على السرير وحطيت إيدي على خدي وقولت بحيرة:
"القصة معقدة يا محمد وأنت مش هتصدقها."
قعد جمبي وقال:
"ليه مش هتصدقها؟ ليه؟ هتحكيلي قصة أشباح مثلاً؟"
كان بيقولها بسخرية. بصيتله بمعني إن آه، القصة عن الأشباح. وهو بصلي وقال باستغراب:
"بجد؟ أشباح؟ طب يا بنتي مش جايز يكون مجنون ولا حاجة؟"
"لا يا محمد، أسر مش مجنون. تصرفاته مش تصرفات مجانين خالص. هو بس حكايته اللي غريبة."
"احكيلي طيب، يمكن أصدق."
"باختصار شديد، أسر بتطلعله عفريته واحدة ميتة عايزاه يخرجها من المشرحة عشان تنتقم من شخص."
"يخرجها إزاي وهي ميتة؟ مش فاهم، ينقل جثتها يعني بره المشرحة؟"
"لا، مش الجثة، الروح نفسها."
"حسيت في عيونه إنه مهتم أوي يعرف القصة وأسئلته كانت كتير لحد ما حكيتله القصة بتفاصيل كتير شوية. ولقيته بصلي وقال بحماس: عايز أجي معاك الجلسة اللي جايه لو ينفع."
رواية الغرفة 333 الفصل السابع 7 - بقلم سراء ابو النصر
حسيت في عيونه إنه مهتم أوي يعرف القصة. أسئلته كانت كتير لحد ما حكيتله القصة بتفاصيل كتير شوية. لقيته بصلي وقال بحماس:
- عايز أجي معاكي الجلسة اللي جاية لو ينفع.
- ينفع.
في الغرفة 333
محمد بص لـ أسر وقال بحماس:
- الجنية دي عايزك تخرج روحها إزاي؟
أسر استغرب وبصلي وقال:
- مين ده يا رغد؟
الصراحة ضحكت، أسر مستغرب من شكل محمد اللي كان مقرب عليه أوي وبييبصله بحماس كأنه مستني منه حاجة مهمة. أسر كان بيبصلي بمعني شيلي البتاع ده من هنا أرجوكي.
- تعالي قرب الكرسي ناحية السرير يلا.
كان أسر قاعد على السرير وإحنا قربنا الكرسيين ناحيته. قعدت أنا ومحمد حوالين أسر وهو لسه بيبصلنا باستغراب. منظره حرفيًا يضحك.
- احم، ده محمد ابن خالي اللي قولتلك عليه.
أسر استغرب أكتر وقال:
- اللي عايز يقتلك ويرميكي من البلكونة ويولع فيكي وكده؟
محمد بصلي باستغراب وضحك وقال:
- الله! انتي مسوئة سمعتي قدامه؟ هيحكيلي إزاي هو دلوقتي؟
- محمد كان حابب إنه يحضر معانا الجلسة دي.
أسر كشر وشه وقال بعصبية:
- وأنا مش هقول حاجة وهو موجود.
محمد رد وقال باستغراب:
- ليه بس؟ قصتك مشوقة جداً على فكرة وحابب أعرف أكتر عنها. يا عم اعتبرني دكتور زيها أو صحفي وجاي يعمل معاك تحقيق.
- لو ممشيتش من هنا دلوقتي أنا مش مسئول عن اللي هتشوفه، فاهم؟
رديت وقولت بعصبية:
- أسر، فيه إيه؟ محمد مصدق حكايتك كمان زي ما أنا مصدقاه.
- أنا تعبان ومش قادر أحكي النهاردة. خديه وامشوا.
محمد بص له بخيبة أمل وأنا بصيت له بغضب.
خرجنا من أوضة أسر ومحمد اتكلم وقال بصيغة كأنه دكتور نفسي:
- أمم، المريض بيعاند ومش عايز يحكي. فيه حل من الاتنين. يا إما هو مش عايز يحكي عشان خايف إني مصدقوش، أو الحل التاني إن الجنية دي تكون مهدداه إنها هتحرقه أو حاجة.
كلامه أقنعني. سقفت له وقولت بابتسامة فخر:
- لأ، برافو. حقيقي جامد. طب يابني ما تيجي تشتغل هنا معايا.
- يا روحي، وأنا بقى فاضيلك إنشاء الله.
- ما تستعبطش، أنت أصلاً مش لاقي شغل.
عدل ياقة قميصه وقال بإحراج:
- احم، هو فيه بس المرتب قليل سيكا.
- طب هنعمل إيه دلوقتي يا محمد؟ أنا عايزة أسمع حكايته ومتشوقة ليها أوي.
- والله وأنا كمان عايز أسمعها.
سمعنا صوت تكسير جاي من أوضة أسر. بصينا لبعض باستغراب وفتحنا الباب ودخلنا.
كان أسر قاعد على الأرض وحاطط إيده على ودانه وعمال يزعق ويقول:
- ابعدي عني بقى يا رغد، قولي لها تمشي، أرجوكي.
روحت عند أسر وحاولت أهديه. محمد راح عند الشيء اللي اتكسر ومسكه وبصلنا وقال باستغراب:
- إيه اللي جاب الفانوس ده هنا وكسرته ليه؟
بصيت له باستغراب وبعدين بصيت لـ أسر وقولت:
- إيه الفانوس ده يا أسر؟ أنا أول مرة أشوفه.
أسر قام وزق محمد، زقه خفيفة عشان يبعد عن مكان الفانوس وفضل يلم في الإزاز الباقي وهو ساكت، مبيردش على حد. الفانوس خرج منه غبار أسود كتير ملت الأوضة لدرجة إن كلنا فضلنا نكح. وبعدين الغبار ده اختفى.
أسر قعد على السرير وكان بيحاول يركب الإزاز مع بعضه. الغريب بقى إن كان الإزاز بيلزق مع بعضه من غير لزق أو حاجة ورجع الفانوس تاني زي ما كان وشكله حتى كأنه جديد.
محمد كمان كان مستغرب من الموضوع ده.
أسر قام وقف وبعدين بص ناحية السرير ونزل كأنه بيبص على حاجة تحته. حرك شفايفه وقال كلام مش مسموع. وبعدين قام وقف تاني وبص للفانوس.
فجأة الغبار الأسود طلع من تحت السرير وراح عند الفانوس وبقى جواه تاني. أما أسر فكان مبتسم وقعد تاني على السرير وقال:
- اقعدوا.
قعدنا قدامه ومحمد بص له باستغراب وقاله:
- إزاي الفانوس رجع تاني زي ما كان؟ وإيه اللي كنت بتقوله تحت السرير؟ وليه الغبار طلع ودخل الفانوس كأنه بيسمع كلامك أو هو تابع ليك؟
- الفانوس ده مش بتاعي أصلاً.
محمد قاطع كلام أسر وقال باهتمام:
- أومال بتاع مين؟
أسر فضل باصص على محمد وبعدين هز راسه وابتسم وقال:
- أنت ابوك سالم عامل إيه؟ رغد قالتلي إنه كان تعبان.
بصينا أنا ومحمد لبعض وبعدين بصيت لـ أسر وقولتله بصدمة:
- أسر، أنت عرفت اسم خالي إزاي؟ أنا مقولتش اسمه قدامك، أنا متأكدة.
- الفانوس ده بتاع واحد دجال. روحت له عشان أنا زهقت منها، قولت له على الحكاية كلها وهو اداني الفانوس ده وقالي إن الغبار الأسود اللي فيه ده هيمنعها من إنها تظهر. بالمناسبة، قبل ما تيجوا أنا خليت الدكتور يجيبه من شقتي، عشان كده انتي مشوفتيهوش قبل كده.
- عرفت اسم أبويا إزاي؟
- مستقل بيا ابن خالك ده على فكرة. أنا لسه متجننتش.
أسلوب أسر كان غريب، مش فهماه. كان بيتكلم بطريقة حد تاني مش أسر اللي أعرفه.
- أنا شايف أسئلة كتير في دماغكم، متخافوش، مش هتمشوا من هنا غير لما تعرفوها كلها. اللي كنت بقوله طلاسم عشان أتحكم في الغبار ده زي ما أنت قولت، الغبار تابع ليا. عرفت اسم أبوك من على وشك. معلومة صغيرة إن كل إنسان بييجي هنا الأوضة دي بيكون مكتوب على وشه اسمه واسم أبوه واسم عيلته كلها نفر نفر وبعرف هو بيفكر في إيه، بس الحقيقة مش أوي يعني على قدي.
رد محمد وقال بدهشة:
- إزاي بتعرف تعمل كده؟
أسر ضحك وقال:
- ماهي حكايتي مش سهلة خالص ولا إيه يا رغد؟
رديت عليه وأنا دماغي بتودي وتجيب:
- ليه أسلوبك اتغير كده؟ حاسة إنك مش أسر.
بصلي بعيونه البريئة وقالي بصوت حنين:
- أنا أسر يا رغد وهفضل أسر اللي تعرفيه على طول.
لا، هو ده أسر اللي أعرفه فعلاً واللي متعودة على وجوده. رديت وقولت:
- هي كده مش هتظهر لك تاني مع وجود الفانوس ده هنا؟
- هي مش هتظهر، بس مش معناه إنها مش هتظهر للأبد.
محمد اتكلم وقال:
- طيب يا أسر، احكي بقى حكايتك العجيبة دي.
أسر بدأ يحكي ويقول:
- قررت إني هخرجها، مهو مش هفضل في الكابوس ده طول حياتي. تخرج وتسيبني في حالي لما أعملها اللي هي عايزاه. نزلت من البيت اللي خلاص حرفياً مش قادر أقعد فيه، بقيت بتخنق لما بكون فيه. فتحت الورقة وقريت عنوان المحل اللي بتشتغل فيه وقررت إني هروح ليها.
كان محل بسيط، الورد فيه كتير وشكله حلو والريحة كمان جميلة.
- لو سمحتي يا آنسة، عايز بوكيه ورد أحمر.
كانت مديني ضهرها ولما سمعت صوتي اتلفتتلي وبصتلي بصدمة:
- هو أنت الرخم بتاع التذكرة؟
- ما علينا، مش عايز أضايق نفسي، اتفضلي هاتي البوكيه خليني أمشي من سكات.
- حاضر.
بعد 5 دقايق لقيتها جايه وبتديني البوكيه. بصيت ليها، نفس ملامحها البسيطة والهادية، ابتسامتها مميزة وشعرها اللي متبهدل وعليه ورد متقطع.
- عاملة إيه؟
بصتلي باستغراب وقالتلي:
- وانت مالك؟ عاملة إيه ولا مش عاملة إيه يا بابا أنت؟
حاولت أمسك نفسي من إني آخدها في حضني بجد. حبيتها من أول ما شفتها. قلبي بيدق كل ما بفكر فيها أو حتى أقول اسمها.
- أهدي يا سلمى، أنا بقولك عاملة إيه ملوش لازمة الرد ده. حاسبي الڤاظة اللي وراكي دي هتقع تتكسر.
شديتها ويعتبر كانت في حضني والڤاظة وقعت فعلاً.
زقتني ووقفت عند الڤاظة المكسورة وهي على وشها الصدمة.
- فداكي، المهم إنك بخير.
بصتلي باستغراب وقالتلي:
- إنت عرفت منين إنها هتقع؟
عشان مبانش غريب قدامها أو تخاف مني، قررت إني هكدب عليها.
- شفتها كانت بتتهز وبان إنها هتقع.
صدقتني وراحت جابت البوكيه اللي وقع على الأرض وقالتلي:
- معلش، من الخضة وقع على الأرض.
ابتسمت وقولت:
- لأ يا ستي، محصلش حاجة.
أخدته منها وبصيتلها شوية. كنت سامع صوت تفكيرها، كانت بتفكر فيا. وإنها لسه مستغربة من حوار الڤاظة وإني إزاي عرفت إنها هتقع.
ابتسمت وقولت في سري:
- بس يا أسر، أنت كده عرفت هبهرها إزاي.
اتكلمت وقولتلها:
- أقولك على سر بس متسألنيش عرفت إزاي؟
استغربت شوية بس بعدين هزت راسها بـ آه.
- باباكِ هييجي من السفر النهاردة بالليل.
بصتلي بصدمة وابتسمت وقالت:
- إزاي ده؟ هو قال إنه هييجي بعد بكره.
فرحت لفرحتها وبعدين استغربت وقالت:
- لأ، قولي انت عرفت منين إنه هييجي؟ هو أنت تعرف بابا؟
- أنا عارف عنك حاجات كتير أوي يا سلمى، بس للأسف اتأخرت، لازم أمشي.
كانت بتحاول تمنعني أمشي وقالت:
- طب قولي أي حاجة من الحاجات اللي تعرفهم عني... مش يمكن يطلعوا غلط؟
ابتسمت ورديت عليها:
- طيب.. بتحبي قبل ما تنامي تشربي شاي؟ ودي عادة عندك من وانتي صغيرة وبالتفصيل، وانتي في أولى إعدادي.
حسيت إنها انبهرت، بس مش ده اللي أنا عايز أشوفه في عيونها، فقررت أحكيلها على حاجة عمر ما حد يعرفها أبداً.
- القطة اللي دوستيها بالعربية ورحتي تشوفيها ميتة ولا صاحية وخدتيها عندك في الأوضة وحاولتي تعالجيها... القطة دي كلمتك صح؟
- اااه، ااانت، ااانت عرفت الموضوع ده إزاي؟ أنا محكتش لحد عليه خالص.
- القطة قالت إنكِ هتدفعي التمن. التمن ده أنا هشيله بدالك.
بصتلي ودموعها نزلت وقالت:
- أنا مكنش قصدي أخبطها والله وحاولت أعالجها بس هي ماتت، صدقني مكنش قصدي.
عايز آخدها في حضني وأطبطب عليها وأمسحلها دموعها. رغبة ملحة بتطاردني وأنا واقف ببص على دموعها اللي نازلة على وشها.
قربت منها ومسحت دموعها وقولتلها بابتسامة:
- أنا عارف إنك مش قصدك تموتيها. بطلي عياط وهقولك على فكرة كويسة جداً.
مسحت دموعها وبصتلي وقالت بفضول:
- إيه؟
- النهاردة الساعة 5 المغرب في السينما اللي هناك. لو مجيتيش مش هقولك أنا عرفت منين كل ده.
وسيبتها في حيرتها ومشيت.
- أيوه يا عم أسر، كان شكلك جامد وأنت مخليها مصدومة.
حضنته وقولتله:
- مازن، حد قالك قبل كده إنك عسول وشاطر؟ قولي، عايز إيه وأنا هعملهولك على طول.
- طلبين. الطلب الأول إنك تفضل معاها. الطلب التاني بقى يا أسر إنك تسمع كلامي ومتخرجهاش. على العموم، أنت حر بقى، شكلك مستعد للجحيم اللي هيستناك.
- أعمل إيه طيب؟ ماهي برضه هتفضل تطاردني. أنا زهقت وشها المرعب اللي بيجمد جسمي كله من الخوف.
- مبلاش تفكر في الـ... وفكر شوية مع العسل بتاعتك يا عسل أنت.
- ماشي يا عسل أنت كمان.
- طب وسلمى جات زي ما اتفقت معاها ولا لأ؟
كان صوت محمد.
- جات، وكنت عارف إنها هتيجي. كنت واقف أستناها ولمحتها كانت جايه بتجري عشان هي متأخرة 10 دقايق.
- وبعدين بقى، على فكرة أنا آخري 3 دقايق وبعدها بمشي. بس استنيتك، أي خدمة.
بتتكلم وهي بتنهج وبتقول:
- أنا آسفة، الطريق كان زحمة.
- يلا تعالي نقطع التذاكر.
روحنا عند شباك التذاكر وهي كانت مبتسمة.
- هو الفيلم اللي هندخله إيه؟ يا... اسمك إيه صحيح؟
ضحكت لأني فعلاً نسيت أعرفها عليا وبصيتلها وقولت:
- اسمي أسر.
ابتسمت وقالت:
- حلو أسر، لا لايق عليك بجد.
- هاتي التذاكر لفيلم...
استغربت وفرحت وقالت:
- بجد؟ هنحضر الفيلم ده؟ أنا مش مصدقة.
كان نفس الفيلم اللي كانت حابة تحضره المرة اللي فاتت.
ابتسمت وقولتلها:
- يلا ورايا.
دخلنا الأوضة بتاعة الفيلم وقعدنا جنب بعض. كنت فرحان من قلبي ومركزتش في الفيلم لأني ركزت في جمالها وجمل ابتسامتها وحماسها وهي بتتفرج.
- سلمى.
ردت وهي مركزة على الفيلم:
- امم.
- سلمى، بصيلي.
النور قطع وهي فضلت تحسس جمبها الكرسي كان فاضي. اتخضت وفضلت تنادي عليا وتعيط.
- اااسر، اااسر، أنت فين؟ أنت سبتني وروحت فين؟
كانت بتعيط جامد، كانت بتخاف من الضلمة. قاعدة مكانها بترتعش من الخوف وكل اللي بتعمله إنها بتنادي باسمي.
- اااسر، اااسر، أرجوك تعالي، مشيني من هنا.
النور رجع وبصت جمبها لقتني.
كانت بتبصلي بعتاب وحضنتني، كانت خايفة.
- أنت كنت فين؟ النور قطع وأنا كنت خايفة أوي وملقتكش جمبي.
حاولت أهديها وقولت:
- طب بصيلي كده، جبتلك حاجة هتفرحك.
بعدت عني وهي بتبصلي ودموعها على خدها.
مسحت دموعها وطلعت بوكيه الورد وقولت بابتسامة كبيرة:
- تتجوزيني يا سلمى؟
رواية الغرفة 333 الفصل الثامن 8 - بقلم سراء ابو النصر
"تتجوزيني يا سلمي؟"
اتصدمت، وليها الحق طبعًا، لسه عارفين بعض مبقلناش كام يوم، بس أنا حبيتها بجد.
"حسيت ساعة ما سمعت الجملة دي بحاجة اتكسرت جوايا. مسكت دموعي وبصيتله، وهو كمان بصلي. كمل كلامه: "رغد، انتي كويسة؟"
هزيت راسي بـ"آه" وأنا من جوايا بنفي جوابي. مش قادرة أتخطى إنه كان بيحبها، ويمكن لسه بيحبها لحد دلوقتي.
"=كمل يا أسر، أنا سامعاك."
"- أسر، انت بتقول إيه؟ أنا حتى لسه عارفة اسمك من شوية."
"=وايه يعني؟ أنا حبيتك من أول مرة شوفتك فيها يا سلمي. قلبي كان بيدق كل ما بفتكر شكلك أو أنطق اسمك. أنا عارف عنك كل حاجة، صدقيني هعمل أي حاجة عشانك. موافقة؟"
"- تعرف، أنا كمان حسيت إني حابة أشوفك كل شوية. وفرحت لما جيت المحل وشوفتك."
"=يعني موافقة صح؟"
هزت راسها بالموافقة، وأنا كنت طاير من الفرحة. كنت حاسس إنها بتشدني ليها، لكن كل ده اختفى.
"أسر، نظراته اتحولت لنظرات غضب كبيرة، والخدش اللي على راسه رجع وبدأ ينزف. اتكلم وقال: "- كل حاجة اتدمرت بسببها. عايزاني أكون خاتم في صباعها هي وبس؟ أنا محبوس في سجنها الأبدي."
أنا قاعدة مش فاهمة حاجة، وفي نفس الوقت عايزة أوقف النزيف. أما محمد فكان مندهش جدًا ومستني أسر يكمل كلامه.
بصيت لأسر بخوف.
"=أسر، الجرح بينزف."
بصلي وقال بلا مبالاة: "- الجرح ده ميجيش حاجة جنب اللي عملتيه فيا يا رغد."
"=كمل يا أسر وقول هي عملت فيك إيه؟"
كان صوت محمد كل اللي همه إنه يسمع عشان يريح فضوله، لكن أنا، أنا شايفه في عيونه نظرات حقد وكرة، وحاسة إنهم لو طلعوا كل حاجة حلوة في أسر هتدمر.
"- خطبتها كانت فرحانة، كنت حاسس إنها بتحبني من قلبها زي ما أنا بحبها. بس أنا نسيت حاجة مهمة، وهي الين."
أسر بدأ يعيط وصوت تنفسه بدأ يزيد. نظرات الغضب بتملي عيونه أكتر وأكتر.
"- بعد ترددات كتير، قررت إني هقولها على الجحيم اللي أنا عايش فيه. اتأكدت فعلًا إنها بتحبني، حتى أكتر من نفسها، لأن الين هددتني."
"- أسر، ياااا أسر، تؤتؤ، هتفضل متخبي تحت السرير كده كتير؟"
كان صوتها، آه، بس مكانتش هي. شايفاها من تحت السرير. رجليها ضخمة مليانة شعر زي رجول الحيوانات، وهي ماشية بتسيب وراها آثار دم، وبتتكلم بصوتها اللي عمري في حياتي ما كرهت قده.
"- أسر، يا حبيبي، انت عارف أنت عملت إيه؟"
ضحكت بصوت عالي وكملت: "- فاكر يا أسر الجنّيات اللي اتحرقوا؟ يا ترى يحرقوا ليه؟ رد، سمعني صوتك كده؟"
سكتت شوية وبعدين قالت: "- هجاوبك أنا. بسببك. عارف ليه؟ لأنهم حطوا عيونهم على حاجة مش بتاعتهم، عشان كده مصيرهم الحرق."
رجليها بتخبط في الأرض زي الحوافر، ووقفت قدام السرير اللي أنا تحته، وقالت بضحك: "- كان اسمها إيه؟ آه، سلمي. اممم، سلمي وأسر. يع يع، بجد الأسماء مش لايقة على بعض. بص، هفكرلك في أسماء حلوة ولايقة."
لقيت وشها قدامي فجأة. وش بشع حرفيًا. عيونها مش موجودة مكانها كان فاضي وبينزلوا دم. شعرها منكوش ولونه أبيض. بتبصلي بخبث، ونفسها البارد بيضرب في وشي، وبعدين اتكلمت وقالت:
"- إيه رأيك في أسر والين؟"
بدأت تزحف تحت السرير عشان توصل لي. كنت حاسس إني كده خلاص هموت من الخوف. فضلت تقرب وقالت:
"- لقيتك، هه. إيه مالك مستخبي كده ليه زي الأطفال؟ أنت ملكي يا أسر يا حبيبي."
حطيت إيدي على عيوني، خلاص مش متحمل وشها المقرف ده. حسيت إنها انسحبت، وهي قالت:
"- اطلع، متخافش. أنا مش هاذيك."
كانت رجليها عادية. تمالكت نفسي وطلعت. كانت واقفة مبتسمة وبتسقف بإيديها.
"- أيوه شطور. بحبك وأنت بتسمع كلامي كده. أنت طفلي الصغنن يا أسر."
حضنتني، كنت حاسس إني بتحرق. فيه حاجة بتخنقني، مش عارف أتنفس. لحد ما بعدت عني ومسكت إيدي وبصتلي وقالت بملامحها البريئة الطفولية الكدابة:
"- اخلع الدبلة دي، مش حلوة."
شديت إيدي منها وقولت بخوف:
"=لا، لا مش هشيلها."
ربعت إديها وبصتلي بحزن وقالت:
"- بتحبها ولا إيه؟"
هزيت راسي بـ"آه" وقولت بسرعة:
"=أيوه يا الين، بحبها وهنتجوز، وأنتي هتبعدي عني، فاهمة؟"
قربت عندي وأنا ببعد. مش عايزها تقرب مني، أنا كارهها وكاره خلقتها. لحد ما وصلت للحيطة، أما هي فكانت مقربة عليا وبتتأملني وبتسم.
دقات قلبي بتزيد من التوتر. نظراتي باين فيها الكره ليها. لحد ما اتكلمت وقالت:
"- إيه النظرات دي؟ لا يا أسر، أنا مبحبش أشوفهم. دول وحشين أوي على قلبي."
عايز أبعدها عني، مش عارف أرفع إيدي. كل اللي بعمله إني بـراقبها بخوف.
"- خسارة ملامحك الجميلة دي وقلبك اللي بيدق ده يبقوا لحد غيري يا أسر."
"= ابعدي عني، ارحميني بقى."
بعدت فعلاً ورفعت إيديها وقالت براءة:
"- خلاص بعدت أهو، حلو كده؟"
اتحركت وبروح عند باب الأوضة، عايز أخرج من هنا. بس صوتها منعني.
"- أنت كمان تسمع كلامي زي ما سمعت كلامك، ولا إيه؟"
بصيتلها باستغراب.
ابتسمت وقالت:
"- سيبها يا أسر واسمع كلامي."
ضحكت على طلبها وضحكت على نفسي وعلى عيشتي. الجحيم بقيت عبد ليها ولازم أطيع أوامرها.
"= مش المرادي يا الين، مش هسمع كلامك المرادي."
ولفيت ضهري وروحت تاني للباب وكنت هقفله، بس اتكلمت تاني.
"- براحتك، يا تخلع الدبلة اللي في إيدك دي، يا أما هتكون حبل من نار ملفوف حوالين رقبتك."
مهتمتش لكلامها وقفتلت الباب.
عارف إنها مش هتسيبني في حالي، بس مكنتش أعرف إنها مش هتسيب سلمي. المرادي هي اللي هتعيش في الجحيم، مش أنا.
"- ياه يا أسر، قصتك غريبة شوية، بس أنا عندي الحل."
"= حل؟ حل إيه يا سلمي؟"
مسكت إيدي وقالت:
"- تعالي معايا بس."
روحنا مكان مليان ناس وشهم بيدل على إنهم طيبين، لحد ما وصلنا عند واحد معين. أول ما شافنا جه عندنا وفضل يرحب بينا.
"- ازيك يا عمو."
"= الحمد لله يا سلمي يا بنتي، كده تقطعي عنا كل الفترة دي؟"
"- معلش والله يا عم مصلحي، بس أنا فعلًا كنت مشغولة جدًا."
عم مصلحي ده بص عليا من تحت لفوق كده وبص ليها وقال:
"= مين اللي جنبك ده؟"
مسكت إيدي وقالت بابتسامة:
"- ده أسر، خطيبي."
"= بجد؟ ألف مبروك والله، وكبرتي يا سوسو."
ضربني على ضهري وضحك وقال:
"- هه، خد بالك منها دي الغالية بنت الغالي."
"= آه هاخد بالي منها، أهم."
مصلحي شاور على أوضة مقفولة وقال:
"- خشي، هيفرح لما يشوفك."
أوهمت في ودنها وقولت باستغراب:
"- هو مين؟"
مردتش ودخلنا الأوضة لقينا راجل عجوز قاعد على الأرض وماسك سبحة في إيده وبيقرأ قرآن. أول ما عيونه جات علينا ابتسم وقال:
"= اقعدوا."
قعدنا قدامه وهو بص لسلمي وقال:
"- خير يا بنتي، قولتيلي إنك عايزاني."
"= أيوه كلمتك قبل ما أجي عشان أقولك إن أسر واقع في مشكلة كبيرة أوي ومحدش غيرك هيقدر يحلها يا شيخ سالم."
"- احكوا وأنا هساعدكم بإذن الله."
سلمي حكتله الموضوع باختصار وأكدت على إن الين بتهددني إني لو سبت سلمي هي مش هتسيبني.
"= بص يابني، الجنية دي كان هدفها الأول الانتقام، بس الظاهر إنها اتحولت لجنية عاشقة وهي مش عايزة تتخلى عنك."
"- أيوه منا عارف، فين الجديد يعني؟"
سلمي بصتلي بمعني إني متكلمش بالأسلوب ده. وهو ابتسم وقال:
"= الحل الوحيد للموضوع ده إنك تتحصن منها. هنقرأ آيات من القرآن تمنعها من إنها تجيلك، بس لازم تحافظ عليها، لأن ده حصن ليك أنت، فاهمني؟"
سلمي بصتلي وابتسمت وقالت بفرحة:
"- شوفت؟ أنا قولتلك إني هساعدك."
رد عليها الشيخ وقال:
"= بس أنتِ كمان لازم تتحصني منها برضو."
"- أنا؟"
"= أيوه أنتِ. أنتِ دلوقتي الهدف الأكبر. هتحاول تأذيكي، هي عايزة تبعدك عن أسر بأي طريقة."
مسكت في دراعي وقالت بخوف:
"- لا، لا، أنا مش هسيب أسر أبدًا."
"= متسيبيهوش يا بنتي، هو محتاجك جنبه دلوقتي."
"هنبدأ دلوقتي."
الشيخ فضل يقرأ من سورة البقرة وآيات تانية من سورة الملك والمعوذتين، وفضل يملس على راسي وهو بيقرأ، وعمل كده برضو مع سلمي وقال:
"اقرأ الآيات دي على ميه واستحمي بيها، بس الأهم إنك متدخلهاش الحمام، استحمي في الأوضة."
"- كده أنا مش هشوفها تاني؟"
"= بإذن الله، لو داومت على الصلاة والذكر مش هتجيلك أبدًا."
"- لو جالك، قول الدعاء ده: اللهم إني أعوذ بك من همزات الشياطين وأعوذ بك ربي أن يحضرون."
ابتسمت لأني حسيت براحة كبيرة، وخرجنا من عنده وأنا بقولها:
"= شكرًا ليكي بجد."
"- أسر، أنت بتشكرني على إيه؟ أنا معملتش حاجة."
"= الراجل ده كويس، أنا حاسس إني مش هشوفها تاني."
"- بقولك إيه، أنا جعانة وهموت دلوقتي أهو."
"= تعالي، هاكلك كل اللي نفسك فيه."
كنت خايف أدخل البيت، بس الأحوال اتغيرت ومبقتش بشوفها لما بقيت أعمل زي ما الشيخ بيقول. لحد ما ظهرت.
"- ظهرت تاني إزاي؟"
"محمد كان مندهش، وأنا بصراحة كان عندي فضول رهيب، عايزة أعرف إزاي ظهرت تاني."
"= صحيت من النوم على صوت حد بيعيط. كان جاي من الأوضة التانية، أوضة أبويا وأمي."
استغربت، أكيد هي أو حد بعتوه عشان يخوفني، بس ظهروا إزاي؟ ده اللي هيجنني. طلعت من أوضتي وأنا بقرب ناحية الأوضة التانية. بابها مفتوح، الضلمة بتسكنها، وصوت العياط بيعلى كل ما بقرب خطوة ناحيته. المرادي أنا مكنتش خايف.
أول ما دخلت النور قاد لوحده، ولقيتها قاعدة في الأرض، فستانها مبلول وشعرها كمان، كأنها كانت غرقانة. باصة قدامها ومبتبصليش.
"- الين، أنا مش اللي خانك وقتلك عشان تعملي فيا كده. أنتِ غلطانة."
بصتلي ورجعت بصت قدامها تاني، وصوت شهقاتها بيزيد.
قولت بشماتة كبيرة:
"- أصلًا، قوليلي صحيح، أنتِ أول مرة ما تظهريش في أوضتي؟ خير، ليكون فيه حاجة؟"
بصتلي، كان على وشها اليأس والغضب، وقالت بابتسامة خبيثة:
"= بتبعديني عنك يا أسر؟ بعد ما حبيتك عايز تسيبني أنت كمان؟ أنا أستاهلش كل الكره اللي على وشك ده. صدقني، أنا كل اللي عملته إني وثقت فيك وحبيتك يا أسر. أنا بقيت بعشقك، صدقني. لو سمعت كلامي وسيبتها ونتجوز، هخليك ملك الجن وكلهم يبقوا تحت رجلك، وكل حاجة هتأمر بيها هتتنفذ فورًا."
عرضها مغري لأي حد إلا أنا.
قناعها البريء ده مبقاش يأكل معايا خلاص. مش عايز أسمع كلامها.
ضحكت جامد على كلامها وبصتلها لأول مرة بغرور وثقة:
"- مش موافق يا الين، وهتبعدي عني برضاكي أو غصب عنك. أنا معايا قوة أنتِ مش قدها."
بصتلي وبتعيط، بتحاول تقوم مش عارفة. كانت كل ما تقوم تقع تاني في الأرض. كانت عايزة توصل لي. مهربتش ووقفت.
فضلت تزحف بشكلها المثير للشفقة ودموعها اللي عمالة تنزل على خدها لحد ما بقت قدامي. اتماسكت وحاولت أقف ووقفت. لأول مرة أحس بضعفها. كنت مبتسم لا إراديًا، وهي بتبصلي.
"= لا يا أسر، ماتسيبنيش. أنا بحبك، صدقني. أي حاجة تأمرني بيها هنفذهالك. فلوس، سلطة، أي حاجة هتلاقيها قدامك. عايز سلمي؟ هبقى في شكلها وأحسن مليون مرة، بس أنت هز راسك بـ"آه"."
"- كل اللي عايزه قولته، وهقوله للمرة الأخيرة: ابعدي عني وعنها، فاهمة؟"
كانت عايزة تقرب مني وكانت هتخطو خطوة عندي، بس وقفت فجأة وبصتلي بصدمة وقالت بعياط:
"= أنت عملت إيه خلاني مش عارفة أقرب منك؟"
الواضح إن الحصن كان مانعها أوي. كلام ربنا أقوى سلاح ممكن تتخيلوه.
"- باي يا الين."
سبتها ودخلت أوضتي. حاسس إنها الملجأ الوحيد ليا بعد ما كانت الجحيم بالنسبالي.
مش عارف أنام. شكلها وهي بتعيط مش راضي يخرج من تفكيري. حسيت للحظة إنها فعلًا عايزاني وبتحبني بجد. دخلت البلكونة وفضلت أبص للسما وأفكر.
تاني يوم صحيت لقيت نفسي نايم في البلكونة على الكرسي. دخلت الأوضة وبصيت في موبايلي.
لقيت رسالة من سلمي.
"- أسر، طمني أخبارك إيه؟ مظهرتش تاني صح؟"
كنت فرحان. سؤالها عليا وخوفها بيأكدولي إنها كويسة.
"= أنا كويس يا عيون أسر. بقولك إيه، عايز أقابلك دلوقتي."
بعتلها الرسالة دي ولبست ووقفت قدام المرايا. شكلي حلو أوي عشان كده بتتخانق عليا. طبعًا بهزر. هي أنانية زيادة عن اللزوم.
جاتلي رسالة في الوقت ده من دكتور المشرحة بيقولي إنه عايزني أرجع الشغل تاني.
"= الله الله، إيه الشياكة دي يا عم أسر."
"- يابنتي، المفروض أنا اللي أعاكس مش أنتِ."
"= مانت حلو يابا أوي، أعمل إيه بس. بقولك إيه، مش ناوي تتجوزني دلوقتي؟"
ضحكت على عفويتها وبصتلها وقولت:
"- طبعًا هتجوزك، بس..."
"= إيه بس إيه؟ هي هددتك تاني ولا إيه؟"
"- لا، محصلش حاجة. بس بقول إن مش عارف أنتِ هتحبي الشقة اللي أنا فيها دي ولا لأ."
"= يا أسر، أنا مش فارق معايا حاجة. وعلى فكرة بابا كمان مش هيُمانع إننا نتجوز في شقتك دي. ها، إيه رأيك بقى؟"
"- طب، لسه حاجة كمان."
"= ولا أنت بتتلكك شكلك ومش عايز تتجوز صح؟"
حضنتها وقولت:
"- والله لو عايزة نتجوز دلوقتي حالا، أنا معنديش مانع."
بعدت عني وشدتني من إيدي وقالت بابتسامة:
"= طب يلا بينا."
"- يلا فين؟"
"= عند المأذون."
"- طب، الأول أرجع الشغل، وبعدين هنعمل كل اللي أنتِ عايزاه."
"= أنت بتشتغل فين؟ وأنا هخليهم يرجعوك."
"- ياروحي، أنا اللي سايب الشغل."
"= ليه بقى؟"
"- الشغلانة دي مش سهلة."
"= ليه؟ أنت محسسني إنك تاجر مخدرات أو حاجة. أوعى يلا تكون كده!!"
"- يا رب الصبر من عندك..... بشتغل في مشرحة."
وقفت دقيقة تستوعب اللي قولته، وبصتلي بصدمة وقالت:
"- لا، تاجر المخدرات أحلى بكتير."
"= طب يلا، يلا هفرجك على الشقة، يمكن تعوزي تغيري حاجة فيها."
افتكرت الين ساعتها. بصيت لسلمي وقولت:
"- بقولك إيه، كلمي صاحبتك أو أي حد يجي معانا."
"= ليه يا أسر؟"
"- حكيتلها على موضوع الين."
"= أسر يا حبيبي، أنا واثقة فيك، ده أولًا. ثانيًا، أنت لو كده فعلًا مكنتش طلبت مني أجيب حد معايا. ثالثًا، وده الأهم، إنك ماتقدرش يا مز تعمل أي حاجة، لأني ببساطة هاموتك. متستقلش بيا."
بعشقها بجد. هي حرفيًا بقت كل حاجة في حياتي. حد واثق فيا وبيحبني، يمكن أكتر من نفسه.
"- الله يا أسر، شقتك جميلة أوي. أنا هسيبها كده، وأوضة مامتك وباباك كمان هتفضل زي ما هي وصورهم منورين الأوضة، بس هنشيل حاجة."
"= إيه؟"
"- لو جبنا الكنبة دي هنا هتكون أحلى، مش كده؟ وكمان عايزين نحط هنا كنبة أكبر عشان نقعد مع بعض ونتفرج على التليفزيون بالليل. أما بقى أوضتك هتكون أوضتنا عشان أنا ارتحت لما دخلتها، والأوضة التانية هتكون لأولادنا إن شاء الله. أنت نفسك في إيه؟ أنا عايزة ولد صغنون كده ويكون شبهك بالظبط. وأنت بقى؟"
بتتكلم بحماس. كنت حاسس إنها طفلة بريئة بتحلم. وبتبصلي وبتتمنى إني أحقق لها أحلامها.
"- عايز... بصي، اللي يجيبه ربنا كويس. المهم دلوقتي إن ناقصنا كمان حاجة، هي هنجيب دولاب كمان عشان ده صغير."
"= لا يا أسر، ده شكله حلو أوي. متخافش، هيقضي اللبس كله. بجد مش مصدقة إن هيبقالي بيت ليا لوحدي."
"- لإيه؟ لوحدك؟ لا يا ماما، من هنا ورايح مسمعش كلمة لوحدك دي. إحنا مع بعض طول العمر، صح ولا إيه؟"
"= صح يا أسر."
كل دي أحلام وردية وهايفه. إنما الواقع أسود بشع مش هيتغير.
كنا متفقين على يوم السبت اللي هو بكرة على إننا هنكتب كتابنا. اليوم اللي كلنا منتظرينه بفارغ الصبر.
صحيت من النوم على صوت حاجة بتتكسر. بصيت حواليا ملقتش حاجة. الصوت كان جاي من نفس الأوضة. دخلت أشوف إيه تاني المرادي.
كان وشها أصفر، جسمها نحيف، ملامحها حزينة كأنها منامتش بقالها كتير. واقفة بتبصلي بحزن.
"- مكنتش متخيلة إنك هتعمل معايا كده يا أسر."
"= واضح إني غلطت. كان لازم أقرأ قرآن في الشقة كلها وأطهرها منك ومن أمثالك."
"- حظك إنك محمي مني. أنت عارف أنا كنت هعمل إيه؟ كنت هصحى تلاقي نفسك عندي أنا، في العالم بتاعي. كنت ساعتها هباهاب بيك قدامهم كلهم."
"على فكرة يا أسر، إحنا عادي ممكن نتجوز بني آدمين، وفيه كتير أوي بيعملوا كده. مجاتش عليا."
"= امتى بقى هتبطلي الأنانية اللي فيكي دي؟ إيه مزهقتيش؟"
"- لا مزهقتش، وهفضل أحاول وأحاول لحد ما أملكك، وساعتها أنت مش هتقدر تطلع بره دايرة حبي اللي أنا محدداها عشانك."
وبدأت ترسم بصوابعها دايرة في الهوا، والدايرة اتشكلت فعلًا باللون الأحمر، وبصتلي وقالت بابتسامة:
"- دايرة حبي ليك هتفضل دايرة حوالينا أنا وأنت بس، ومفيش تالت فيها، فاهمني يا أسر؟ مفيش تالت."
وفتحت الباب وخرجت. وأنا خرجت وراها بس ملقتهاش.
"- آه صحيح يا رغد، وقت الزيارة خلص."
"أنا شكلي بتطرد سيكا؟ آه شكلي كده."
"= أسر، هي دي خطيبتك اللي أنت سبتها فجأة، مش كده؟"
اتنهد وبعدين بص لنا وبص الناحية التانية كأنه بيقولنا شرفتونا.
"شاورت لمحمد يقوم، وأنا بصيت لأسر بعتاب وقولت: "- طيب يا أسر، هنمشي دلوقتي، وبكرة هنيجي لك."
"خرجنا من الأوضة، ومحمد بصلي وقال: "- مش فاهم، هو بيعاملنا كده ليه؟"
"= معذور برضو، اللي شافه مش قليل."
"- أيوه، إحنا هنبتدي ندافع عنه ولا إيه؟"
"كان بيبصلي بخبث."
"= بقولك إيه، أنا عايزة أنام، كفايا أوي كده عليا النهارده."
"- رغد، أنتِ كنتي غيرانة، مش كده؟"
"أه، كنت غيرانة. كلامه عليها خلاني أكرهها من قبل ما أشوفها. ليه فيها إيه خلاه يحبها بالطريقة الأوفر والسرعة دي؟"
"= لا مش غيرانة، وبطل هزار عشان أنا مش طايقة نفسي."
"- آه، واضح جدًا على وشك. الحقيقة."
"روحت البيت رزعت باب أوضتي وقعدت على السرير وفضلت أعيط."
"- بتعيطي ليه بس؟ مهو سابها. كل مشاعره ليها كانت زمان وانتهت خلاص. بس يمكن يكون لسه بيحبها وكده، هو مش هيكون شايف حبي ليه. ويمكن لأ. بطلي تفرضي حاجات لسه محصلتش."
"كل دي أفكاري بتتخانق مع بعض وأنا في النص بتفرج عليهم."
"- الو، محمد."
"= إيه يا بنتي؟ مش قولتي هتنامي؟"
"- جاهز تيجي معايا بكرة؟"
"= عند أسر؟ آه طبعًا هاجي."
"- لا، مش عند أسر."
"= اومال عند مين؟"
"- عند سلمي."
رواية الغرفة 333 الفصل التاسع 9 - بقلم سراء ابو النصر
"جاهز تيجي معايا بكره؟"
"عند أسر، آه طبعًا هاجي."
"لأ مش عند أسر."
"أومال عند مين؟"
"عند سلمى."
"الصبح"
"مش فاهم، إنتي موديانا عند سلمى دي ليه؟"
"هيكون ليه يعني، عشان نعرف باقي القصة."
"طب ما أسر هيحكي كل حاجة، لزمتها إيه المشوار ده بقى."
"لأ، دور أسر أعتقد إنه خلص، وجه الوقت اللي نسمع منها هي إيه اللي حصلها وليه سابته، معقولة تكون اتخلت عنه بعد كل ده."
"طب وإنتي عارفة مكانها منين؟"
"من الملف بتاع أسر، أنا أخدت نسخة تانية منه بدل اللي اتقطعت."
"أهو وصلنا.. العمارة دي الدور التالت."
"هو أسر عارف إننا هنيجي هنا؟"
"لأ ميعرفش.. بس إنت قلقان أوي كده ليه؟"
"مش قلقان ولا حاجة، بس أنا لازم أسأل عشان أفهم كل حاجة في الحكاية دي."
"ابتسمت وخبطت على كتفه وقولت:"
"طب يلا بينا نطلع."
طلعنا، وكل ما بنطلع كان التشويق بيزيد أكتر وأكتر، وفي نفس الوقت عايزة أشوف شكلها اللي سحر أسر بالطريقة دي يعني.
وصلنا عند الباب ومحمد رفع إيده وخبط على الباب.
الباب مش بيفتح، ومحمد خبط كمان مرة، والمرادي اتفتح، كان راجل كبير في السن، على وشه الحزن وشكله باهت أوي.
"محمد اتكلم وقال:"
"حضرتك والد سلمى؟"
"آه أنا أبوها، إنتوا مين؟"
"رديت عليه وقولت:"
"أنا عايزة أتكلم مع سلمى يعني بعد إذن حضرتك."
"بصلنا شوية وبعدين سمح لينا ندخل."
"دي أوضتها، سلمى بقالها أكتر من 3 أيام مش بتخرج من الأوضة دي أبدًا، وكل يوم بسمع صراخاتها بالليل، اتكررت كتير، كل ما بتيجي الساعة 3 الفجر بتفضل تصوت، مش عارف أعمل إيه، أنا حرفيًا قلبي بيتقطع عليها."
"اتكلمت وحاولت أطمنه:"
"متقلقش، إحنا هندخلها وهنشوف مالها، يمكن نقدر نساعدها بحاجة."
"هز راسه بالموافقة لأنه أصلاً ملوش حل غير إنه يقبل."
بقرب من أوضتها وسامعة صوت شهقاتها بتخترق قلبي، أنا خايفة، أنا مرعوبة أدخل، حاسة إني هدخل ألاقي شيطان في وشي.
"محمد لقاني خايفة راح اتكلم وقال:"
"سلمى، إحنا عايزين ندخل نتكلم معاكي شوية."
"صوت شهقاتها زاد أكتر وقالت:"
"إنتوا مين؟"
"رد عليها وقال:"
"أنا محمد ودي الدكتورة رغد اللي بتعالج أسر خطيبك..."
لسه محمد مكملش الجملة ولقينا صوت صرخات طالع من أوضتها وصوت هبد على الباب قوي جدا.
بصيت لمحمد ومسكت في دراعه من الخوف، اللي جوه ده لا يمكن يكون بني آدم أبدًا، قوة الصرخات والخبط كفيلة إنها تموت أي حد من الصدمة.
"محمد مسك في إيدي وحاول يطمني وبعدين اتكلم وقال:"
"افتحي الباب يا سلمى، لو عايزانا نساعدك افتحي."
"لقينا الباب بيتفتح..."
دم نازل من مناخيرها، هالات سودة تحت عيونها، خراشيش في وشها وإيديها، شعرها مش مترتب، دموعها كتير على خدودها، شهقاتها مش بتقف، وشها أصفر، فستانها محروق، وعلى رقبتها آثار واضحة إنها آثار خنق.
أول ما شفت منظرها حطيت إيدي على بوقي من الصدمة، بصالها ومش عارفة أعمل إيه.
محمد مصدوم برضو، وفي نظرة تأكيد في عيونه على إن ألين هي اللي عملت كده.
"اتكلمت بصوت بيحاول يتسمع وقالت:"
"آآسر آآسر فين؟"
كانت مش عارفة تقف على رجليها وكانت هتقع، بس محمد سندها وقعدها على السرير وإحنا قعدنا جنبها.
"اتكلمت بعياط وقالت:"
"أسر حصله حاجة؟ ردوا عليا أبوس إيديكم."
"اتكلمت وقولت بشفقة:"
"أسر في مستشفى الأمراض النفسية."
"اتصدمت وقامت وقفت وقالت بعياط:"
"ليه! إنتوا فاكرينه مجنون؟ لأ والله أسر مش مجنون، هي هي اللي عملت فيه وفيا كده، هي اللي خلتكوا تقولوا عليه مجنون، شرها لسه بيحوم حوالينا، مش راضية تسيبنا في حالنا، حياتنا جحيم حرفيًا."
"اهدي بس واقعدي، إحنا عايزين نسمع إيه اللي حصلك بالظبط، لأن بناءً على كلامك هنصدق إذا كان أسر مجنون ولا لأ."
"محمد بصلي باستغراب اللي هو إنتي مش واثقة إن أسر مش مجنون؟!"
قعدت على السرير واتنهدت تنهيدة طويلة وبعدين بدأت تحكي.
"كانت ليلة كتب كتابي على أسر، المفروض إنها تكون أسعد لحظة في حياتي زي ماهي أسعد لحظة عند أي بنت، بس هي كانت أسوأ لحظة مرت عليا بجد، أنا شفت الويل.
كان بيتصل بيا في وقت بدري جداً عشان يطمن عليا، وفضل يبعتلي رسايل كتير. حبيبي كان متحمس جداً وكان كاتب في الرسايل:
- أنا مش قادر أصبر بجد، إمتى تيجي الساعة 5 بقى...
- إنتي نايمة يا سلمى إزاي بجد، أنا مش عارف أنام، متوتر وفي نفس الوقت فرحان..... شكلك نايمة فعلاً، على العموم أنا بحبك ومش مصدق إنك هتكوني ليا بعد ساعات.... لما تصحي طمنيني عليكي مفهوم؟.... باي يا أجمل حاجة حصلتلي في حياتي كلها...
صحيت لقيت رسايل كتير منه، فتحت التليفون وقريتهم وأنا مبتسمة وحرفياً قلبي هيطير من الفرحة. قمت فتحت الدولاب طلعت الفستان اللي أسر جابهولي وبدأت أحطه عليا وألف بيه وأغني، حرفياً أنا مبسوطة، مبسوطة أوي.
بصيت على الساعة لقيتها 1، فاضل 4 ساعات عقبال ما أسر يجي، متوترة وفرحانة في نفس الوقت، ماليش نفس للأكل، كل اللي نفسي فيه إني أشوفه بس.
لبست الفستان وبصيت للمرايا وكنت مبتسمة وقولت بتلقائية: أسر، إنت هتكون ملكي.
بعد الجملة دي، شفت الجحيم بعيني.
ظهر ورا انعكاسي في المرايا بنت شعرها أبيض منكوش، عيونها سودا تماماً، بتبصلي بنظرات غضب كبيرة، لابسة فستان أسود وعليه بقع دم حديث.
اتخضيت وحطيت إيدي على بوقي وبحركة لا إرادية بصيت ورايا ملقتهاش. ببص تاني للمرايا لقيتها في انعكاس المرايا بتضحك ضحكات شريرة واتكلمت بصوت أجش:
- هه، أسر مين يا حلوة اللي يكون ملكك؟ إنتي بتحلمي.
صوت ناس بتصرخ وناس تانية بتضحك وأصوات تانية متداخلة مع بعض، مش عارفة مصدرهم إيه.
- ابعدي عنه برضاكي وإلا أنا اللي هبعدك عنه وبالغصب، فاهمة؟
حاولت أتمالك نفسي وأخفف من خوفي وشهقاتي وقولت:
"إنتي ألين، مش كده؟"
"اتكلمت بضحكة وقالت:"
"آه أنا ألين... يظهر إن أسر حكالك عني."
"حكالي آه، وعايزة أقولك إني مش هبعد عنه مهما حصل."
"يظهر إن أسر محكاش عن اللي أنا أقدر أعمله كويس، إنتي بتتحديني، إنتي عارفة يعني إيه؟"
"بتحداكي يا ألين.. أسر مش بيحبك، افهمي، هو بيحبني أنا وهيتجوزني أنا، إنما إنتي مجرد كابوس بالنسباله، سامعة؟ كاااابوس وهينتهي أكيد."
بان على وشها الغضب، وفجأة طلعت من المرايا وبدأت تخنق فيا، ببعد إيديها عن رقبتي، مش عارفة، كأنها حجر، بتبصلي بشر وبتسم ابتسامة مخيفة، مش عارفة أتنفس، الدنيا بتسود من حواليا لحد ما فقدت الوعي."
"مش عارفة فوقت بعد قد إيه، بس المكان كان ضلمة ومش عارفة أتنفس، بحاول أقوم لقيت نفسي بتخبط في حاجة، إيه ده؟ أنا أنا محبوسة في قبر!
اتخضيت وصرخت وفضلت أحسس بإيدي عشان أعرف أتحرك لحد ما وصلت للباب، فضلت أخبط عليه وأهد وأصرخ وأقول: الحقوني، أنا مش ميتة، الحقوني، حد يفتحلي الباب. مفيش أي فايدة.
الأكسجين بيقل وبدأت أتخنق، السكون اللي مالي القبر مرعب، ريحة الموت شماها. صوت خطوات بتقرب ناحيتي، حاطة إيدي على قلبي، ضرباته بتزيد، حاسة إنه ثانية وهيقف، يا ترى إيه اللي جاي ناحيتي؟
برد شديد في المكان، صوت حوافر بتخبط في الأرض لحد ما حسيت إن حد واقف قدامي بالظبط.
اتكلمت بكل خوف ورعب وقولت:
"مين.. وأنا هنا إزاي؟"
"لقيت الدنيا بتتهز جامد والأرض بتتشقق وبتتقسم نصين وفيه نار كبيرة بين النص ده والنص ده، لما الأرض اتقسمت أنا كنت هقع في النار دي بس مسكت في الحافة وطلعت، لأ أنا مش عايزة أموت دلوقتي.
ظهر في النص التاني بنات كتير قاعدة على الأرض ومتكتفة وبيقولولي وبيعيطوا، كانوا متكتفين بسلاسل كبيرة على إديهم ورجليهم ورقبتهم، بيصرخوا وبيترجوني أفكهم، منظرهم بشع حرفياً.
ظهرت من وراهم وبتدولي بشر وبتضحك ضحكات مزعجة ومرعبة، ومسكت شعر واحدة من البنات وشدته جامد لدرجة إنه طلع كله في إيديها، وفتحت بوق البنت وبتاكلها الشعر بالعافية وأنا مرعوبة من المنظر ده.
البنت يعتبر كلت الشعر كله بالعافية، وألين قامت وقفت وراحت عند البنت التانية وفكت السلاسل اللي عليها، السلاسل القوية العملاقة كانت بتفتحها كأنها بتفتح علبة تونة.
البنت من خوفها قامت وقفت وبدأت تحاول تجري بس ألين مسكتها من رقبتها وزقتها لحد ما وقعت قدامها وقالت بشر:
"همم، شايفة دي يا سلمى؟ دي كانت بتحاول تاخد أسر وكمان حضنته، شوفتي البجاحة."
"اتكلمت باستغراب:"
"إمتى حصل ده وأسر يعرفها منين؟"
"لما كان نايم في الحمام، كل الكلاب دي كانت بتتخانق عليه، واللي تملس على شعره، واللي كانت عايزة تبوسه، واللي حضنته وحاجات قليلة الأدب خالص... وده بان لما ظهر خراشيش كتير على جسم أسر لما قام من النوم."
"صرخت صرخة قوية وقالت:"
"أسر ليا أنا وبس، ومحدش هيقدر ياخده مني."
"البنت اتكلمت بصوت يكاد يكون مسموع وقالت:"
"أرجوكي اعفي عني.. أنا حبيته زيك بالظبط، هو أصلاً كان نايم في أرضي أنا."
"أيوه نام في أرضك، بس ده مش معناه إنه ملكك."
"البنت فضلت تعيط وتركع على ركبها وبتقول:"
"أنا غلطت، اعفي عني."
"ألين ابتسمت ابتسامة خبيثة وقالت:"
"ألين مبتعرفش تسامح."
"فضلت البنت تترجاها وألين حطت إيديها على ودنها عشان متسمعش رجائها وقالت بغضب:"
"أنا مبسامحش يعني مبسامحش، كلكوا هتدفعوا تمن غلطتكوا دي غالي أوي، وإنتي يا سلمى دورك قريب أوي."
"مسكت شعر البنت وفضلت تسحبها لحد ما وصلت عند الحافة وبصتلي وضحكت."
"اتكلمت بخوف وقلت:"
"لأ لأ، أوعي تعملي كده..."
"مخلصتش كلامي ولقيتها زقت البنت في النار. أنا جريت بسرعة ناحية الحافة وبصيت عليها، كانت النار بتاكل فيها وبتغطي كل جسمها وصرخاتها بتعلي، وبدأت صرخات البنات تملي المكان وفضلوا يترجوها أكتر وأكتر، وأنا رجعت بضهرى لورا مش قادرة أشوف المشهد."
"ألين بصتلي وقالت بابتسامة:"
"الجن مخلوق من نار، واللي قادر يقضي عليه النار برضه."
"فضلت تجر السلسلة اللي ماسكة سلاسل البنات وبتجرهم ناحية النار، وأنا بقول في نفسي: لأ، أرجوكي متعمليش فيهم حاجة. بس ظهر كائنات كتير قصيرة لونهم أسود وودانهم طويلة وليهم قرون وديل طويل وجسمهم نحيل، وبدأوا يوقعوا البنات كلهم في النار."
"البنات بيصرخوا وهي واقفة بتضحك ومستمتعة أوي وهي باصة عليهم وهم بيتحرقوا."
"دموعي نزلت غصب عني، هما أه مش بني آدمين، بس أنا مبحبش أشوف حد بيتعذب قدامي حتى لو حيوان."
"لقيتها في وشي فجأة، عيونها بتنزف دم ومبتسمة ابتسامة مرعبة، أنا رجعت لورا من كتر الخوف."
"بتقرب خطوة وأنا برجع عشرة، مش قادرة، حاسة إن نفسي تقيل أوي وحرارة شديدة لدرجة إني حاسة إن وشي بيتحرق."
"- إيه مالك، خايفة ولا إيه؟ أومال فين القطة اللي كانت بتتحداني من شوية؟"
"باب القبر كان عند النص اللي أنا فيه، جريت عليه وعايزة أفتحه وفضلت أصرخ وأترجى أي حد إنه يطلعني من هنا."
"سامعة صوت ضحكاتها الساخرة وقالت:"
"- إنتي فاكرة إنك هتقدري تهربي مني؟"
"قربت مني ومسكت شعري وبتوديني أنا كمان للحافة عشان تزقني في النار، بقيت بصرخ جامد بكل ما فيا وأخربش في إيديها عشان تسيبني، بس هي مش بتتأثر بحاجة وقالت بخبث:"
"- مصيرك هيكون زيهم، خليكي فاكرة إن ألين مش بتسامح يا سوسو."
"هاو، زقتني في النار."
"لأآآآآآآآآآآآآآ!"
"فوقت على صوت خبط جامد على الباب وصوت أسر بيقول بخوف:"
"سلمى، افتحي الباب.. سلمى، إنتي كويسة؟"
"كان هيكسر الباب بس أنا جريت فتحته، وكان لسه هيتكلم روحت حضنته جامد وفضلت أعيط."
"حضني وطبطب عليا وفضل يهديني ويسألني:"
"مالك يا حبيبتي."
"مش عايزة أتكلم، كل اللي عايزاه إني أستخبى في حضنه، أنا خايفة أوي."
"شالني ونيمني على السرير وجاب ميه وفضل يشربني."
"- فيه إيه يا سلمى؟ إنتي مجهزتيش ليه؟ المأذون بره عشان نكتب الكتاب."
"ظهرت ورا أسر، هي بتبصلي بتهديد."
"- لو خرجتي من باب الأوضة، أسر هو اللي هيتزق في النار المرادي، مش إنتي. أنا أعملها ولو مش مصدقاني قومي جربي."
"كان أسر بيكلمني بس أنا مش مركزة معاه، كل اللي أنا بعمله إني ببصلها بخوف ورعب."
"- سلمى، أنا بتكلم معاكي، ردي عليا."
"بص وراه ناحية منا ببص بس هو مكانش شايفها، وبعدين بصلي وقال:"
"- سلمى، مالك فيه إيه؟ اتكلمي."
"ألين ابتسمت وخرجت بره الأوضة وأنا ب راقبها بخوف ورعب."
"بعد ما خرجت مسكت إيد أسر وفضلت أقوله برجاء:"
"أسر، امشي من هنا."
"بصلي باستغراب وقال:"
"إيه؟"
"بقولك امشي من هنا، أنا أنا مش عايزة أتوجزك."
"اتصدم من كلامي وضحك وقال:"
"إنتي بتدلعي دلوقتي؟ مش وقته، يلا يا سلمى، الراجل مستني بره."
"وبيمسك في إيدي وبيقومني وكان بيسندني عشان أخرج، بس أنا زقيت إيده وقولت ببكاء:"
"قولتلك مش هتجوزك يا أسر، يعني مش هتجوزك."
"بصلي باستغراب وربع إيده وقال:"
"سلمى، لو دي فقرة من فقراتك المضحكة، وقفيها بسرعة عشان أنا اتخنقت."
"رديت عليه بصوت حزين ودموعي كانت بتنزل:"
"أسر، لو اتجوزنا هي مش هتسيبنا في حالنا، أرجوك ابعد عني."
"حط إيده على وشي وكان في عيونه نظرات الحزن وقال:"
"أسر هيتدمر لو بعد عنك يا سلمى، صدقيني.. إنتي خايفة منها ومش خايفة عليا، هي مش هتقدر تعملنا حاجة."
"زقيته وفضلت أزقه باتجاه الباب وأنا بعيط وهو ماسك نفسه بالعافية عشان ما يتعصبش، ومسك إيدي الاتنين ورجعهم ورا ضهره وبص في عيوني وقال:"
"مش هسيبك يا سلمى، إنتي هتجوزيني يعني هتجوزيني، مش عفريتة اللي تتحكم في حياتنا، كل حاجة في إيد ربنا وبس، فاهمة؟"
"بعيط، بعيط كتير أوي، أنا مش عايزاه يبعد عني، بس أنا مضطرة أعمل كده، وإلا هي ممكن تعمل فيه حاجة. لأ، أنا مش أنانية، أنا لازم أسيبه."
"فضلت أهز في نفسي وفي دراعي عشان يسيبني وأنا بصرخ وبعيط وبقول:"
"مش عايزة أتوجزك، إيه هو الجواز بالعافية؟"
"بيمسك على إيدي جامد وشدني ليه وقال بعصبية:"
"هي هددتك بإيه؟"
"أسر، أرجوك ابعد عني."
"مش باعد يا سلمى غير لما أعرف عملتي إيه؟"
"هتأذيك يا أسر وأنا مش هستحمل، صدقني، الحل الوحيد إننا نبعد عن بعض."
"وبدأت أقاوم وبحاول أفك إيدي منه لحد ما سابني وبصلي وقال:"
"إنتي فاكرة كده إنك بتنقذيني؟ إنتي كده بتعيشيني في جحيم أكبر من اللي أنا عايشه."
"رديت عليه وأنا منهارة من جوايا: حبيبي خلاص هيبعد عني، أنا مش مصدقة."
"لأ، الجحيم هيزيد أكتر وأكتر لو كملنا مع بعض، أرجوك امشي."
"فضلت أزقه تاني وأنا بصرخ وبعيط وهو كان مستسلم وبيصلي بصدمة وحزن."
"لحد ما خرج وقفلت الباب في وشه وقعدت على الأرض وفضلت أعيط."
"آآآآآآآآآآه يا قلبي."
"طب إنتي سمعتي كلامها أهو وسيبتيه! أومال إيه اللي عمل فيكي كده؟"
"كان صوت محمد وهي بصتله وردت وقالت:"
"أسر رفض إنه يتجوزها، وطبعاً كل ده عشاني."
"وظهرتلي تاني، المرادي كانت بتعيط وبتقول:"
"إنتي السبب في كل ده، إنتي السبب في إن أسر معتش بيحبني زي الأول."
"ضحكت وقولت بسخرية:"
"ومستحيل إنه هيحبك."
"هو إنسان وإنتي جن، لازم تفهمي ده كويس."
"صوت عياطها بيعلي وقالت:"
"لأ، أسر هيحبني أنا، واثقة.. إنتي العقبة اللي واقفة في طريقي."
"أنا سيبته عشان تهديداتك، إنما إنتي مش عارفة تخليه يحبك، دي بقى مشكلتك مش مشكلتي... أسر وألين مش لبعض، أقولها تاني؟"
"كل ما محاولاتها تفشل في إن أسر يحبها، تيجي تعذبني بطريقة شكل. مرة ألاقي نفسي في حفرة والكائنات الصغيرة دي بترمي عليا التراب وهي واقفة جنبهم وبتضحك."
"ومرة أشوفها لابسة فستان أسود شبه فستان الفرح وأسر جنبها على ملامحه الخوف وماسك في إيديه، بصيت على إيديه كانت متسلسلة كأنها مجبرة على إنه يحبها."
"ضحكت وبصتله وقالت بشر:"
"مش قولتلك يا أسر إن دايرة حبي هتضيق عليا أنا وإنتي بس، ومفيش تالت هيكون معانا.. بس إنت مسمعتش كلامي."
"ومرات أصحى ألاقي نفسي في الحمام وواقفه قدام المرايا ومبرقة مع إني متأكدة إني كنت قبلها في أوضتي."
"بقيت عايشة في كوابيس، حرفياً بقيت بخاف أنام، بستنى النهار يجي عشان أنام، بقيت كارهة حياتي وكارهة الأكل وكارهة أسر أكتر وأكتر، كل اللي بيحصلي ده بسببه.. بس هو مش مجنون، هي فعلاً موجودة."
"حكايتها صعبة أوي، مكنتش متخيلة إنها شافت كل ده. أنا كنت جاية عشان أشمت فيها وأشوف ليه أسر بيحبها أوي كده، بس أنا دلوقتي زعلانة عشانها وندمت، هي شافت الجحيم بعيونها فعلاً."
"محمد طلع من جيبه مصحف صغير كان بيبقى معاه على طول، واداهاولها وابتسم وقال:"
"خليه معاكي، هيحميكي منها، وقريب ربنا هيزيح عنك الجحيم ده."
"مسكت المصحف وحضنته جامد كأنها مسكت في طوق النجاة. حضنتها وحاولت أطمنها وأهديها وودعناها ونزلنا من العمارة."
"محمد، أنا بجد خايفة عليها أوي، ألين مش سيباها في حالها حتى بعد ما ضحت بحبها."
"أنا مبقتش عارف إحنا في إيدينا إيه نعمله، إنتي هتعالجيه إزاي؟"
"هادور على أي حل أبعد بيه ألين عن أسر وسلمى."
"إنتي بتحبيه صح؟"
"هكدب لو قولت لأ، أنا بحبه فعلاً."
"حتى بعد اللي سمعتيه؟"
"اللي سمعته ده كله يخليني أقف مع أسر أكتر وأكتر، أسر ملوش ذنب إنه يفضل عايش طول حياته في الجحيم."
"هو إنتي عايزها تعمل فيكي زي ما عملت في سلمى؟ عايزة تدخلي الجحيم برجلك؟"
"اتعصبت وقولت بصوت عالي:"
"أسر ملوش ذنب وأنا هقف معاه، فاهم؟"
"رغد، أنا حاسس إن العمارة شكلها متغير أوي."
"رديت عليه وأنا متعصبة:"
"إنت في إيه ولا في إيه، اتفضل يلا عايزين نروح قبل ما أمي تتصل."
"مهتمتش لكلامه ومشيت وهو مشي ورايا، واللي كنت خايفة منه حصل."
"رغد، إنتي فين؟ معاد شغلك فات بقاله ساعة وأنا بتصل بيكي وإنتي مبترديش... راعي إن فيه واحدة في البيت كانت هتموت من القلق عليكي يا أبلة."
"بصيت لمحمد وهو بصلي ومسك التليفون مني وقال:"
"متقلقيش يا طنط، أنا معاها... حاضر هاخد بالي منها... خلاص يا طنط، سلام."
"بصلي وقالي وهو بيضحك:"
"ابقي تعالي باتي عندنا."
"ليه؟ فيه إيه؟"
"أمك شكلها ناوية متباتكيش في البيت النهاردة عشان مبترديش عليها."
"شكلي فعلاً هبات عندكوا النهاردة."
"بصلي وقال:"
"هنروح فين؟ وهنعمل إيه؟"
"هنروح فين إيه؟ هنروح، أنا رجلي وجعتني. هنعمل إيه بقى فـ العمل، عمل ربنا بقى."
"إنتي هبلة يابت؟ لازم نفكر هنعمل إيه بسرعة."
"هروح الأول أشرب عصير فراولة فريش كده أهضم بيه كل الأحزان اللي سمعتها النهارده، وبعدين أفكر، حاضر."
"خبط على راسه وقال:"
"ماشي يا أخرة صبري، تعالي نروح."
ركبنا تاكسي لأني مش قادرة أركب المترو، كنت أنا ومحمد قاعدين ورا جنب بعض.
"إنتي تعرفي حاجة عن نادر ده؟"
"لأ معرفش عنه معلومات.. بتسأل ليه؟"
"ولا عن أهل ألين؟"
"لأ يا محمد، بتسأل ليه تاني؟"
"فيه حاجة غلط بتحصل."
"استغربت من كلامه ورديت وقولت:"
"مش فاهمة حاجة يابني، فهمني."
"أهل ألين مستلموش الجثة ليه؟ مش قولتي إن الجثث اللي بتكون في التلاجة محدش كان بيجي يتعرف عليها؟"
"آه."
"ليه بقى؟ معقول يكونوا لسه ما عرفوش مين اللي قتل بنتهم وجثتها فين؟"
"يبقى الزيارة التانية لاهل ألين.. يلا، أنا بقيت صحفية مش دكتورة أمراض نفسية يابني."
"ضحك وأنا ضحكت بعده، وبصيت للمرايا اللي قدامي لقيت....."
رواية الغرفة 333 الفصل العاشر 10 - بقلم سراء ابو النصر
كانت الزيارة التانية لأهل الين.. يلا أنا شكلي بقيت صحفية مش دكتورة أمراض نفسية يا ابني"
ضحك وأنا ضحكت بعده. بصيت للمرآة اللي قدامي لقيت انعكاس السواق في المرآة مش موجود. إيه مش موجود!
"شهقت وهو كان بيبصلي وفي عيونه نظرات شر وابتسم بسخرية. حطيت إيدي على بوقي وميلت على محمد ومسكت في دراعه وقولت بصوت واطي:
"محمد"
رد عليا وهو بيهمس وبيقولي باستغراب:
"إيه يا رغد"
قولتله وأنا برتعش من الخوف لإن باصة للسواق في المرآة:
"يلا ننزل من هنا بسرعة"
محمد استغرب وقال:
"ليه يا بنتي في إيه"
اتكلمت بصوت عالي وقولت للسواق:
"اقف هنا لو سمحت"
ماردش عليا وكمل سواقة. فمحمد قلق شوية وقال:
"يسطا بنقولك اقف، أنت مبتفهمش ولا إيه؟"
اتلفت وبصلنا. الخوف أصاب جسمي كله من منظره. شكله كان وحش أوي. له خمس عيون في وشه وشعر كتير مغطيه وسنانه المدببة اللي كانت ظاهرة وهو مبتسم ابتسامة مخيفة. بيبصلي بشر وقالي:
"عاملة إيه يا رغد؟ بقالنا كتير متقابلناش"
صرخت جامد وحطيت إيدي على عيوني. فتحت عيوني لقيت السواق بيتلف وقال بابتسامة احراج:
"معلش يا أستاذ، أصل سمعي على قدي حبتين"
كان وشه عادي وانعكاسه في المرآة مكانش ظاهر برضه. ده اللي أكدلي إن اللي شوفته ده حقيقة. شديت إيد محمد وفتحت الباب وطلعنا. بدأت أجري وأشده معايا لحد ما وقف وقال بتعب:
"رغد، انتي كويسة؟ فيه إيه؟"
رديت عليه وأنا بنهج من كتر الجري والخوف:
"اللي كان في التاكسي معانا كان جن يا محمد"
محمد ضحك على كلامي وحط إيده على دماغي وقال:
"أنتي سخنة؟"
شيلت إيده وقولت بخوف:
"أنا مش تعبانة صدقني، السواق ده كان جن"
محمد اتنهد وقال:
"طيب يا رغد، قوليلي إيه اللي عرفك إنه جن؟"
اتكلمت بخوف وقولت:
"كان منظره يخوف، ولما غمضت وفتحت عيوني كان وشه رجع طبيعي تاني. ولو مش مصدقني، كان انعكاس وشه مش موجود في المرآة اللي قدامه"
بصلي وفكر شوية بعدين قال:
"بس أنا ملاحظتش حاجة من اللي قولتي عليها يا رغد. الراجل كان عادي خالص من أول ما ركبنا لغاية ما نزلنا"
رديت عليه وأنا مستغربة وبحاول أثبتله كلامي:
"انت إزاي ملاحظتش حاجة؟"
"لأن مكنش فيه حاجة يا رغد. يمكن بيتهيألك ولا حاجة. مهو اللي بتسمعيه من أسر وسلمى ده مش شوية"
حاولت أصدق كلامه وهو ابتسم وقال:
"لو أسر خف وخرج من المستشفى هتعملي إيه؟"
حطيت إيدي على دماغي وبصيت لفوق وقولت بابتسامة:
"امم، أول حاجة هفرح أوي بجد. تاني حاجة هبقى نجحت في حالة جديدة وهحطم الرقم القياسي اللي كنت متراهنة مع زمايلي عليه"
بصلي وقال بخبث:
"بس كده؟"
اتكسفت ولبست الظنط بتاع السويت شيرت وبصيت قدامي وقولت:
"هتجوزه"
بصيتله كان مبتسم وحسس على راسي وقال:
"ده ربنا ابتلاه بيكي"
ضربته في كتفه وقولت بضحك:
"ده ربنا راضي عنه، أنت إيش فهمك أنت"
"أه، مهو باين"
سكت شوية وبعدين اتكلم وقال:
"إيه اللي عجبك في أسر؟"
"شكله وسيم وملامحه جميلة وهادية. بحسه طفل اتحرم من السعادة، هو وحيد طول الوقت. شايفه في عيونه حزن كبير، ده غير قصته الوحشة دي. أنت عارف أنا لما أتجوزه إن شاء الله مش هخليه وحيد أبداً وهسمعه دايماً، بس هو يطلع-"
"أنتي عارفة بحس إن أسر فيه جانب تاني كده"
ضحكت وبصيتله وقولت:
"أنت يا ابني مشفتهوش غير مرة أو مرتين بالكتير"
"عندك حق"
"تفتكر أسر ممكن يكون بيحبني؟"
بصلي وقال بضحك:
"هو فيه إيه ولا فيه إيه يا رغد؟"
بطل ضحك واتكلم بجدية وقال:
"لا، بصي. هو ممكن يكون بيحبك. أنا عن نفسي بحبك"
وشي احمر وبصيت في الأرض. وهو بصلي وقال بضحك:
"لا لا بقي، أنتي بتتكسفي يا رورو؟!"
"بقولك إيه، روح بقي. إحنا وصلنا أهو"
وقف وربع إيده وقال:
"هفضل واقف لحد ما تطلعي"
"ماشي يا أحمد، باي"
رفع إيده وشاور وقال:
"باي، يلا بسرعة اطلعي"
سبته وطلعت وأنا مبتسمة. دخلت أوضتي وبصيت في الساعة كانت 10 بالليل. قعدت على السرير وفتحت ملف أسر وحسست على صورته وبدأت أبتسم. اتمنيت ساعتها إنه يرتاح من أي حاجة مضايقاه.
نمت على السرير وأنا بضحك وبقول بحماس:
"بكرة زيارتي للغرفة 333.. أنا عايزة أشوفه كل يوم. رغبتي في رؤيته بتزيد أكتر وأكتر"
غيرت هدومي وطفيت النور ونمت على السرير وخدت الملف في حضني وبتخيل إني عند أسر.
خيالي مدامش كتير لإنني فقت على صوت صرخة رهيبة هزت المكان كله. قومت وبصيت وأنا مرعوبة وببص في الأوضة حواليا بشوف مصدر الصرخة إيه.
قمت بسرعة وشغلت النور وببص لقيت دولابي مرة واحدة اتفتح وخارج منه نار بتحرق في الهدوم كلها. أنا صرخت وفتحت الباب وطلعت بره. ماما كانت مخلصة صلاة الفجر. شديت إيديها وأنا في حالة خوف ورعب وهي عمالة تسألني فيه إيه. وأنا كل اللي على لساني إن البيت بيتحرق. دخلتها الأوضة وقولت بخوف:
"الدولاب بيتحرق يا ماما"
"بيتحرق؟ فين ده يا رغد؟!"
كانت بتقولها بسخرية. وأنا بصيت للدولاب اللي كان بيولع من دقايق لقيته مقفول. بصيتلها وقولت بخوف:
"ماما، الدولاب ده اتفتح حالا لوحده ولقيت نار كتيرة طالعة منه"
فضلت أكرر في الجملة دي كتير لحد ما ماما فتحت الدولاب وكانت الهدوم زي ماهي مفيهاش حتى خدش واحد. بصتلي وقالت:
"تلاقيقي كنتي بتحلمي ولا حاجة. قولي أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ونامي"
حطيت إيدي على قلبي كان بيدق جامد من كتر الخوف. أما ماما فسندتني ونيمتني على السرير وغطتني وقالت:
"نامي يا حبيبتي، أنت شكلك تعبتي امبارح"
يمكن كنت بحلم زي ما هي بتقول. استعذت بالله من الشيطان الرجيم وغمضت عيوني وحاولت أنام. وماما طفت النور وطلعت بره الأوضة وقفت الباب.
""الصبح""
معرفتش أنام من امبارح، بس برضه عايزة أروحه. لبست ونزلت ودلوقتي بقرب للأوضة 333 بكل حماس.
سمعت صوت من ورايا بيقولي:
"استنيني"
كان صوت محمد. التفتله كان بينهج وبصلي بعتاب وقال:
"آه يا غدارة، نزلتِ قبل ما أجي معاكي ليه؟"
"معلش يا محمد، بجد أنا مش فايقة ومانمتش من امبارح"
بصلي وقال بخوف:
"ليه؟ إيه اللي حصل؟"
كان حماسي أكبر من إني أحكيله الحقيقة:
"سيبك أنت وتعالى ندخل يلا"
دخلنا الأوضة كان لسه نايم. وقفت مكاني وفضلت أبصله وأتأمل ملامحه.
محمد قرب خطوتين جمبي وقرب إيده ناحيه وشي وقال باستغراب:
"بنتي، مبلمة كده ليه؟"
فقت من شرودي وبصيتله وقولت:
"روح صحيه"
وزقيته وهو اتحرك ناحيه أسر. وبصتلي وأنا اتكلمت وقولت بهمس:
"صحيه بالراحة، ماتزعجهوش"
محمد عوج بوقه وبص لاسر وقال بصوت عالي:
"أنت يابني، أنت يا عم ااااسرر. قوم داحنا الضهر"
كنت ببص لمحمد بعيظ وهو بيبصلي بعناد. وأخيراً أسر صحي كان مزعوج من صوت محمد وقام قعد على السرير وبيحاول يفتح عيونه كويس.
شكله كان جميل أوي، طفل لسه صاحي من النوم. شعره مش مترتب ومش عارف يفتح من النور. اتكلمت وقولت بابتسامة:
"صباح الخير يا أسر"
اتكلم وهو شبه نايم وقال:
"صباح الخير يا دكتورة رغد"
محمد ربع إيده وقال بسخافة:
"طب يلا صحصح كده عشان حضرتك هتحكيلنا بلداقي حكايتك الحلوة دي"
أسر بصله وقال بسخرية:
"استنى لما أروح أغسل وشي، حد قالك إني نتن ولا حاجة؟"
"لا يا عم، اتفضل اتفضل"
أسر قام من على السرير ولبس الكوتشي بتاعه وبصلي وابتسمت. وأنا كمان ابتسمت. بعدها فتح الباب وطلع.
بصيت لمحمد بغيظ وقولت:
"أنت ميت يا محمد، بس لما نخرج من هنا"
بصلي وقال بخبث:
"كل ده عشان حبيب القلب؟ إحنا آسفين يا ستي"
ضحكنا احنا الاتنين. وبعد شوية أسر جه وقعد على السرير وإحنا قعدنا قدامه. وفضل شوية مبيتكلمش.
"اسر، أنت كويس صح؟"
كان صوتي.
أسر بصلي وقال:
"مش عارف. اللي حصل امبارح ده كان كابوس ولا حقيقة؟ مبقتش عارف أفرق يا رغد"
اتكلمت وأنا قلقانة:
"فيه إيه يا أسر؟"
"كنت نايم، صحيت لقيت نفسي في مكان غريب. مكان مليان ناس كتير مرعبة، كائنات فيهم اللي في طول البني آدمين وفيه الأقصر منهم وفيه الأطول خالص لدرجة إنه واصل للسقف. المكان لونه أحمر كأن فيه لمض كتير حمرا بس أنا مش شايفها. ماشي بتنقل بين الكائنات الغريبة دي. كان فيه اللي بيبصلي بابتسامة وفيه اللي بيبصلي بغضب. ملامحهم مقرفة نازل على وشهم سائل أسود لزج. شعرهم كثيف مغطي جسمهم كله. ليهم قرون طويلة. فيه اللي بيزحف على الأرض وفيه اللي بيطير وفيه اللي بيختفي في لمحة عين. الجدران عليها نفس السائل اللزج ده. ماشي في مكان له سقف وله جدران، بس أنا ماشي في طريق مالهوش نهاية مبوصلش للآخر. طب أنا فين؟ وجيت هنا إمتى وليه وإزاي أصلاً؟ ودول إيه؟"
خلصت الأسئلة دي ولقيت كل الكائنات الغريبة دول بدأوا يجروا بسرعة جداً ويخبطوا في بعض، بس كانوا بيتفادوني. محدش كان بيخبطني. ببصلهم وهم بيخبطوا راسهم على الجدران وفيه اللي بيصرخ بهيستريا رهيبة وفيه اللي بيجري وخلاص كأنه تايه مش عارف يعمل إيه. صوت الصرخات مرعب بطريقة بشعة. أنا كل تفكيري إن شكلهم بيجروا كده خايفين من حاجة جاية. ياترى هشوف إيه؟ ياترى إيه شكل المسخ اللي هيجي وهيعمل إيه؟"
اتحركت وبدأت أجري أنا كمان زيهم. مش عايز أشوف اللي هايجي. المرة دي كنت بتخبط فيهم واقع وأقوم تاني. ووقعت والمرادي معرفتش أقوم لأن فيه حاجة ماسكة في رجلي مانعاني إني أقوم. بصيت. كان واحد من الكائنات دي بس كان ضخم أوي. جسمه لونه أحمر لون الدم وله 3 عيون كلهم مشقوقين بالطول زي عيون القطط. جسمه بارد. فحيح طالع منه. بيبصلي بغضب كبير. أنا حسيت خلاص إني هموت. شدني من رجلي وفضل يجرني وأنا بحاول أمسك في أي حاجة قدامي. مش عارف بيسحبني بمنتهى القوة. نفسي بيعلى، دقات قلبي بتزيد. الكائنات كلها بتصرخ وكانوا واقفين مع بعض في جانب واحد وبيبانوا عليا وأنا بتسحب. كان بيخرج من بوقهم السائل اللزج ده. وعيونهم بتطلع لبره وحطوا كلهم إيديهم على عيونهم وبدأوا يخلعوها ويرموها قدامهم. أنا مش مستحمل المنظر ولا المخلوق الغبي اللي بيسحبني ده. أغم عليا.
صحيت لقيت نفسي نايم على سرير. كنت في أوضة وحواليا بنات كتير أوي. الصراحة كانوا أجمل حاجة شفتها عيوني. اللي لابسة قصير واللي شعرها نازل على ضهرها واللي ابتسامتها بتخطف قلبي. كنت كل ما أبص لواحدة تضحكلي وأنا تلقائي بضحكلها. لحد ما كل البنات قاموا ووقفوا مرة واحدة وظهر على وشهم الخوف.
الباب اتفتح وظهر نور كبير أوي. غمضت عيوني شوية عايز أشوف الضوء ده سببه إيه. عارفين كان سببه إيه؟"
محمد اتكلم وقال بفضول:
"سببه إيه؟ كمل"
"الين.. عرفت أبصلها. حرفياً كانت أجمل من أي بنت موجودة في الأوضة. بتبصلي وهي مبتسمة. وبعدين بصت للبنات وشاورتلهم يطلعوا من الأوضة. البنات حرفياً كانوا بيخبطوا في بعض عشان يطلعوا بسرعة، كانوا خايفين منها. بتقرب مني ابتسامتها بتزيد. أنا متوتر بس في نفس الوقت عايزها تيجي. قعدت قصادي على السرير وابتسمت أكتر.
"أنا فين؟"
"إيه رأيك يا أسر؟ أنت في عالمي"
اتصدمت. أنا مش عايز أدخل عالمها. أنا مش جن. أنا مستحيل أبقى هنا.
"رديت بخوف وقولت:
"بعمل إيه في عالمك... أنا عايز أمشي من هنا"
شهقت وقالت بخضة:
"ليه؟ حد منهم لمسك؟ حد اتجرأ حتى يبصلك بصة مش حلوة؟ اتكلم"
حطيت إيدي على راسي وقولت بعصبية:
"أنتي هتسبيني في حالي إمتى؟ أنا مش عارف أعيش حياتي بسببك"
"أنا كمان مش عارفة أبطل تفكير فيك. أنا عاشقة حاجة اسمها أسر"
"وأسر كارهك، افهميها بقى"
قربت أكتر وحطت إيديها على كتفي وقالت بابتسامة:
"افهمني أنت كمان. زي ما أنا قولتلك قبل كده، أنت هنا هتكون ملك. كلهم تحت أمرك هينفذوا أي حاجة تطلبها... بس اقبل إنك تكون معايا ونتجوز"
"لا مش هقبل. أنا مش عايز حاجة منك"
جزت على سنانها وقالت:
"أسر، متخلينيش أغضب. لأني لو غضبت أنت أول واحد هتندم. فاهم؟"
"إيه؟ هتعملي إيه؟ هتموتيني؟ يلا موتيني برضه مش هعيش معاكي"
بان على ملامحها الغضب وضوافرها بدأت تغرزها في كتفي. ونظرتها كلها شر وبتقول بصوت مرعب:
"أي حد يتمنى يبقى مكانك دلوقتي. فاكر الكائنات اللي كانت بتبصلك بره بغضب دي؟ دول يتمنوا إني أبصلهم أو أرضى عنهم. دول عشانى يقدروا يعملوا أي حاجة ويتحولوا لأجمل الشباب اللي أنا أتمناهم. بس أنا سبتهم كلهم وحبيبتك أنت"
بتألم جامد وببصلها بخوف وعايز أشيل إيديها مش قادر. بتغرز في لحمي.
شالت إيديها وأنا حطيت إيدي على كتفي. كان بينزف كتير. ألم لا يطاق في دراعي كله. بتبصلي وعلى ملامحها الخوف. وحطت إيديها على إيدي اللي على كتفي وقالت بصوتها العادي:
"أسر، أنا آسفة. أنت اللي خليتني أتعصب"
كان جوايا طاقة غضب عايز أطلعها. بصيتلها وابتسمت بشر وزقيتها وقمت من على السرير وقولت:
"حبك ده بيأذيني. لو بتحبيني بجد مش هتعملي كده"
قامت وقفت وقالت ببكاء:
"أنا كل اللي عايزاه إنك تبقى ملكي. ليه مستكترها عليا؟ ليه؟"
فضلت تضحك كتير وتسقف بإيديها وتتنطط مكانها. وبعدين قربت مني أكتر وبقي وشي في وشها وقالت بغضب:
"أهلاً بيك في الجحيم يا أسر"