تحميل رواية «الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه» PDF
بقلم اسماعيل موسى
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
جلس الألفا حول المائدة المستديرة في مقاعد نُقشت عليها أسماؤهم وأسماء عائلاتهم في القاعة التي توسطت القصر القديم. خلف كل ألفا وقفت خادمة تلبي طلباته، وأمامهم رُصّت الأطباق وفناجين القهوة. كانوا يتهامسون عن عودة الألفا الملكي، الزعيم رعد، بعد شهور قضاها في العزلة بعد مقتل رفيقته. حيث رحل رعد إلى جبل بازيخ بعيدًا عن الناس، ليس معه أحد سوى خادمة صغيرة تدعى ماجي، وهبت نفسها لخدمة الألفا منذ نعومة أظافرها. كانت نظرات الترقب تطل من عيونهم، وهمسات الجنون تتحدث عن فقدان عقله، حتى البيتا الملكي آدم لم يكن...
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم اسماعيل موسى
كانت ليلة مظلمة، بلا قمر، والريح تعوي بين الكثبان، وكأنها تهمس بأسرار الأرض القديمة.
جلست ليلى خارج الخيام، وحدها، تبكي بصمت فوق الرمال الباردة، عيناها شاخصتان نحو السماء، تبحث عن رحمةٍ لم تأتها يومًا.
كانت قد قضت سنواتٍ طويلة في الأسر والعبودية، تُنقل من يد ساحرٍ إلى آخر، كل منهم يعذبها بطريقته، وكل ليلة كانت تتساءل: هل سيأتي الفجر ليأخذها من هذا العذاب؟
وفي تلك اللحظة، حين كانت روحها منكسرة تمامًا، ظهر أمامها شابٌ غريب، لم يكن مثل السحرة الذين عرفتهم، لم تكن في نظراته القسوة، بل شيءٌ لم تفهمه… شفقة؟ لطف؟
كان جميلًا بشكلٍ غير مألوف، عينيه كنجمتين في ليلة صافية، وشعره أسود ينسدل فوق كتفيه، بشرته ناعمة شاحبة كأنها لم تعرف حرارة الشمس.
"لماذا تبكين؟" سألها بصوتٍ هادئ.
رفعت رأسها إليه، لم تعرف بماذا تجيب، لكنها شعرت بأن كلماته كُتبت من أجلها.
"تعالي معي، سأساعدكِ على الهرب."
نظرت حولها، خائفةً من أن يكون هذا خدعة، لكنها لم تكن تملك خيارًا، ولم يقدم لها احد فرصه من قبل، أومأت بصمت، فمدّ يده وأخذها بعيدًا عن الخيام، يسير بها عبر الرمال دون أن تترك أقدامهما أثرًا.
سار بها طوال الليل، حتى وصلا إلى كهفٍ معزول في قلب الجبل، كان باردًا، لكن الأمان الذي شعرت به هناك كان أكبر من أي نارٍ قد تدفئ جسدها.
"ابقِ هنا حتى أعود." قال وهو ينظر نحو الأفق.
"ألن تبقى؟" همست ليلى، ممسكة بطرف عباءته.
"لا أستطيع البقاء بعد شروق الشمس."
لم تفهم معنى كلماته حينها، لكنها كانت مرهقة، ونامت قبل أن تسأله المزيد.
لكن الراحة لم تدم طويلًا.
في مكانٍ آخر، كان ساحر العظام يستمع إلى خادمه الشيطاني، ذلك الكيان الملتف بالدخان الأسود، الذي همس له بخبر هروبها.
غضب الساحر، غضبًا لم يشعر به من قبل، كيف تجرأت على الهرب؟ كيف سمحت لنفسها أن تحلم بالحرية؟
لم ينتظر، انطلق مع حراسه وخدمه، تتبعوا أثرها حتى وصلوا إلى الجبل، وحين وجدوا الكهف، كانت الشمس على وشك الغروب، وكانت ليلى نائمةً بسلام، كأنها تظن أن هذا العالم لن يطاردها مجددًا.
دخل الساحر إلى الكهف، وفي عينيه نيرانٌ لم تكن من هذا العالم، لم يصرخ، لم يهدد، بل اقترب منها، ولكزها بعصاه السحرية في معدتها، بقوةٍ جعلتها تنتفض مستيقظة، شهقت من الألم وفتحت عينيها لترى وجهه المشؤوم.
"تظنين أنكِ تستطيعين الهرب؟"
أشار لحراسه، فأمسكوا بها، رغم أنها حاولت المقاومة، رغم أنها صرخت، رغم أنها عضّت أحدهم، لكنها كانت ضعيفة، مرهقة، وسرعان ما قُيدت يداها وساقاها بالسلاسل.
"علمتكِ النار الصبر، لكن يبدو أنكِ لم تتعلمي الدرس بعد."
بإشارةٍ واحدة، أُضرمت النيران، واقترب الحديد المحمّى من جسدها.
عندما لامس جلدها، ارتفع صراخها عاليًا، كان ألمًا أشدّ من الموت، أشدّ من كل العذابات التي مرت بها.
"ساعدني…!"
كانت صرختها نداءً، لاسمٍ لم تنطقه، لكنها كانت تعرف أنها تستنجد بذلك الشاب، ذلك الغريب الذي أعطاها أملًا لليلةٍ واحدة.
لكن لم يأتِ أحد.
لم يظهر.
كانت وحدها.
بعد أن أنهكها الألم، وبعد أن خارت قواها، ربطها الساحر بحبلٍ طويل، وجرها خلف حصانه.
"عودي إلى مكانك، كما يليق بعبدةٍ هاربة."
ثم انطلق الحصان، يجرّها على الأرض الصخرية، جسدها يحتكّ بالحجارة والرمال، الألم يمزّقها، لكنها لم تبكِ هذه المرة، لم تصرخ، فقط نظرت إلى الأفق، تنتظر معجزة.
فجأة، اهتزّت الرمال بعنف، كأنها تستجيب لنداءٍ غامض، قبل أن تنطلق رؤوس الحراس في الهواء، مقطوعة في لحظةٍ خاطفة، والدماء تناثرت كأنها رسمٌ أحمر على الرمال الذهبية.
وقف الساحر متجمّدًا، وعيناه تبحثان عن الفاعل.
ثم… رأى ذلك الشاب الجميل، لم يكن بشرًا.
وقف هناك، وسط العاصفة، شعره الأسود يرفرف في الريح، عينيه تشعّان بلونٍ لم يكن من هذا العالم.
كان… جنيًا.
ولم يكن سعيدًا.
"أخطأت حين لم تقتلها، زهير." قال بصوتٍ بارد.
ثم، دون أن يمنح الساحر فرصةً للنطق بتعويذة، انقضّ عليه، بقوةٍ لا تُرى إلا في كائنات الليل القديمة.
كان الهجوم خاطفًا، ولم يحتج لأكثر من لحظاتٍ قبل أن يسقط ساحر العظام على الأرض، ميتًا، محاطًا بدمائه، وجسده بلا روح.
أما ليلى، فقد فتحت عينيها بصعوبة، ورأته يقترب، يفك قيودها، ويحملها بين ذراعيه.
هذه المرة، لم يتركها قبل شروق الشمس.
بعد أن أنقذها من الساحر، حملها الأمير الجني بعيدًا عن الرمال الملطخة بالدماء، بعيدًا عن الألم الذي لاحقها لسنوات.
كانت يداها تحيطان بعنقه، ورأسها يستريح على صدره، بينما كانت الرياح تهمس باسمه في أذنها.
"ما اسمك؟" همست ليلى، بالكاد تجد صوتها بعد العذاب.
نظر إليها بعينيه العميقتين، ثم قال:
"إسمي ريان."
كان يحملها بين ذراعيه، يسير بها فوق الرمال دون أن يترك أثرًا، إلى أن وصلا إلى غابةٍ سحرية لا تظهر في عوالم البشر.
هناك، بين الأشجار التي تهمس، والأنهار التي تُنشد الألحان، شفى جراحها، وأعطاها فرصةً لم تعرفها من قبل: الحياة.
لكن لم يكن الأمر مجرد إنقاذ. كان قد وقع في حبها، حبًا لم يكن متوقعًا، حبًا لم يكن سهلًا.
"أريدكِ زوجةً لي، ليلى."
كانت الكلمات غريبةً على مسامعها، لم تفهمها في البداية، لكنها عرفت أن قلبها، لأول مرة، لم يعد خائفًا.
في إحدى ليالي القمر المكتمل، وقف الاثنان تحت شجرةٍ قديمة، جذورها ضاربة في عمق العوالم السحرية، وارتبطا بعهدٍ أبدي، ليس برباطٍ بشري، بل بعهدٍ جنيّ، حيث لم تعد ليلى مجرد فتاةٍ بشرية، بل أصبحت جزءًا من عالمه.
كان ريان يعلم أن ليلى لم تكن مجرد إنسانة عادية، فقد نجت من عذاباتٍ لا يتحملها أقوى الرجال، وكان بداخلها قوةٌ لم تُكشف بعد.
بدأ بتعليمها أولى دروس السحر:
"السحر ليس مجرد كلماتٍ تُقال، بل هو فهمٌ للمادة، وإرادةٌ تفرض سيطرتها على الطبيعة."
علّمها كيف تستمع إلى الأشجار، كيف تشعر بنبض الأرض تحت قدميها، كيف تُحرك الماء بإرادتها، وكيف تستدعي النار دون أن تحرق أصابعها.
"هناك أنواعٌ كثيرة من السحر، لكن الأهم أن تعرفي ما يناسبكِ."
عرّفها سحر العناصر – حيث يمكن التحكم بالماء، النار، الهواء، والأرض.
سحر الروح – الذي يسمح برؤية الأرواح والتحدث معها.
سحر المادة – القدرة على تغيير طبيعة الأشياء وجعلها تخدم مستخدمها.
السحر الأسود – المحرّم بين الجن، لأنه يتغذى على الظلام والدماء.
كان تعليمها بطيئًا لكنه عميق، وعندما أتقنت الأساسيات، بدأ بتدريبها على تطويع المواد لخدمتها.
أعطاها قطعةً من الفضة، وطلب منها أن تجعلها تنحني لإرادتها.
في البداية، لم تفهم كيف، لكن مع التدريب، أصبحت قادرةً على جعلها تلتف حول معصمها كإسوارة، ثم تطيلها كسيفٍ، أو تجعلها خفيفةً كريشةٍ في يدها.
ثم علّمها كيف تخلق من الرماد نارًا، ومن الرياح عاصفةً، حتى أصبحت قادرةً على حماية نفسها دون الحاجة إليه.
لكنه كان يعرف أن هذا العالم لن يتركهما بسلام.
كان هناك من يراقب، خادمٌ شيطاني كان يتبع زهير الساحر المقتول، ولم ينسَ دماء سيده التي أُريقت.
ذهب إلى من هو أقوى، إلى ملك الجان الأحمر، والد ريان.
وقف أمام العرش العريق، وجثا على ركبتيه، وقال بصوتٍ مسموم:
"أيها الملك، ابنك قد خانك… وتزوج بامرأةٍ بشرية."
كانت الكلمات كافيةً ليهتز العرش، ويغضب الملك غضبًا لم يشهده أحدٌ من قبل.
"أين هو الآن؟"
"يختبئ في الغابة السحرية، يُعلمها سحرنا، ويعطيها قوةً لا تليق بالبشر."
لم يكن الملك ليسمح بذلك. لم يكن الجان ليسمحوا بضعفٍ كهذا.
عندما وصل جنود الملك إلى الغابة، وجدوا ريان وليلى معًا.
"تعال معنا أيها الأمير."
رفض.
بأمرٍ واحد، استخدم قوته، وسحب ريان بعيدًا، إلى مكانٍ لا تصل إليه الشمس، ولا يعرفه بشرٌ أو جنيّ، منفىً أبديًّا، حيث لن يستطيع رؤية ليلى مجددًا.
أما ليلى فقد حبست فى زنزانه سحريه يحرسها الشياطين حتى تمكنت من الهرب وراحت تبحث عن ريان.
كانت تعلم أن الجان لم يقتلوه، بل نفوه.
ومنذ ذلك اليوم، لم تتوقف عن البحث عنه.
سافرت عبر الصحارى والغابات، بحثت في المدن البشرية، دخلت أراضي الجان الخفية، واجهت مخلوقاتٍ لم تكن تعرف بوجودها.
سألت العرّافات، طرقت أبواب السحرة، قدمت القرابين للآلهة القديمة، لكن لا أحد كان يعرف أين اختفى.
لكنها لم تفقد الأمل.
كانت تعلم، في مكانٍ ما، كان ريان ينتظرها.
ومهما استغرق الأمر، لن تتوقف عن البحث حتى تعثر عليه.
حتى وصلتها قدميها هذه الأرض حيث كانت تقصد الساحره باتريكا ثم شاهدت ما حدث وتدخلت فى الوقت المناسب لإنقاذ رعد ورفاقه، لكنها خسرت مساعدة الساحرة الوحيده التى كان من الممكن أن تساعدها.
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم اسماعيل موسى
جلس نوار مستندًا إلى جذع شجرة، عيناه نصف مغلقتين، ووجهه شاحب كما لم يكن من قبل. جراحه لم تكن عادية، بل مسّتها لعنة سحرية جعلت النزيف لا يتوقف، وجعل الألم يتسلل إلى نخاع عظامه، كان الجميع حوله، قلقين، لكن لم يكن هناك شيء يستطيعون فعله.
حتى نهضت ليلى.
"أنا أعرف كيف أوقف هذا."
في البداية، نظروا إليها بريبة، لم يكن أحد يعرف من تكون، وما إن كانت ساحرة أم مجرد إنسانة متهورة، لكن حين جثت بجوار نوار وبدأت تعمل، لم يستطع أحد التدخل.
أخرجت كيسًا صغيرًا من الأعشاب المجففة، وبدأت تهمس بكلمات غير مفهومة بينما تسحق الأوراق بين راحتيها، حتى تحولت إلى معجون أخضر داكن. كانت يدها ثابتة وهي تضع الخليط على جرح نوار، الذي انتفض من الألم، لكنه لم يصرخ.
"سيؤلم قليلًا، لكنه سيوقف النزيف."
وبالفعل، بعد لحظات، بدأ الدم يتوقف، واللحم المحترق حول الجرح أخذ يهدأ. لم يكن العلاج سحرًا خالصًا، بل مزيجًا من الأعشاب السحرية والتقنيات القديمة التي تعلمتها من ريان.
راقبها رعد بصمت، لم يقل شيئًا، لكن عينيه كانتا تراقبان كل حركة، كل لمسة، كل همسة خرجت من شفتيها. لم يكن مرتابًا فقط... كان هناك شيء آخر في نظرته.
الإعجاب.
في تلك الليلة، جلست ليلى وحدها، بعيدًا عن ضوء النار، تتأمل القمر، تفكر في الرحلة الطويلة التي أوصلتها إلى هنا. لم تكن تخطط للبقاء مع القطيع، لم تكن تعلم حتى إن كانوا سيسمحون لها بذلك، لكنها شعرت بشيء مختلف هنا، شيء لم تشعر به منذ أن فقدت ريان.
"أنتِ لا تشبهين البشر الآخرين."
استدارت ببطء، لتجد رعد واقفًا خلفها، يراقبها بعينين ذئبيتين تعكسان نور القمر.
"وكيف يكون البشر الآخرون؟" سألت بصوت هادئ.
"ضعفاء، خائفين... لا يعرفون كيف يحاربون."
ابتسمت بمرارة. "ربما كنت ضعيفة يومًا، لكن الضعفاء لا ينجون من عالم الجن."
تقدم نحوها خطوة أخرى، كان صوته منخفضًا، لكنه يحمل نغمة لا تحتمل الرفض.
"ماذا تريدين، ليلى؟"
نظرت إليه مباشرة، وكأنها تقيسه، ثم همست:
"أريد أن أصبح ذئبة."
لم يتغير تعبير رعد، لكنه لم يكن يتوقع تلك الإجابة.
"لماذا؟"
"لأن الذئاب أقوى. لأنها لا تُكسر بسهولة."
نظر إليها طويلًا، وكأنها لغز لم يستطع حله بعد، قبل أن يقول بصوت بطيء:
"الذئاب تدفع ثمنًا باهظًا مقابل قوتها."
"وأنا دفعت أثمانًا باهظة قبل أن أتعلم السحر، قبل أن أهرب من النيران."
صمت رعد للحظات، ثم أدار ظهره.
"لن تكوني ذئبة بمجرد أن تتمني ذلك، ليلى."
راقبته وهو يبتعد، لكن كلماتها بقيت في الهواء، عالقة بينهما.
لم يكن هناك وقت للمزيد من الكلام، كان عليهم الرحيل مع أول ضوء للفجر.
تحركت المجموعة عبر الغابة، مستغلين الظلال الكثيفة للحفاظ على سريتهم، كانت الأرض موحلة بعد المطر الأخير، ورائحة الأشجار مبتلة برائحة الطين.
تحرك رعد في المقدمة، صامتًا كعادته، لكن كان واضحًا أن أفكاره مشغولة. ليلى كانت خلفه، عيناها لا تتوقفان عن التحديق في ظهره العريض، تراقب الطريقة التي يتحرك بها، كيف يستشعر الخطر قبل حدوثه، كيف يتنفس حتى وكأنه متصل بالغابة ذاتها.
خلفهما، كان نوار يستند إلى أحد الرجال، لا يزال ضعيفًا لكنه قادر على المشي، بينما ماجي تحرس المؤخرة، عيناها تمسحان المكان بحثًا عن أي خطر.
عندما اقتربوا من حدود الغابة، توقف رعد فجأة، رفع يده مشيرًا للجميع بالتوقف.
"نحن لسنا وحدنا."
شعرت ليلى بشيء يتغير في الهواء، نبض الأرض تحت قدميها لم يكن هادئًا، هناك شيء... أو أحدٌ ما، يراقبهم.
"كم عددهم؟" همست.
لم يرد رعد، فقط قبض على سيفه بإحكام، استعدادًا لما قد يأتي.
كانت هذه الأرض تابعة للقطيع، لكنهم كانوا يعرفون أن الأعداء لا يلتزمون بالحدود.
كانت الليلة مشحونة بالترقب، والخوف يزحف في أزقة القرية مثل ظلٍ ثقيل، عندما وصل الخبر إلى القطيع، انتشرت الهمسات كالنار في الهشيم: "رعد عاد."
البعض لم يصدق، والبعض فرّ هاربًا إلى داخل منازله، يختبئ خلف الأبواب المغلقة وكأنها ستمنع العاصفة القادمة. آخرون تجمّعوا عند الساحة المركزية، يراقبون الأفق بقلوبٍ تخفق، بينما وقف ألفا المقاطعات المختلفة عند مدخل القرية، بانتظار ظهوره، عيونهم تشع بتوترٍ مكبوت.
كان كل شيء ساكنًا للحظة، حتى دوّت خطى ثقيلة بين الأشجار.
ثم خرج من الظل.
رعد، شامخًا، جسده الموشوم بالجراح، عينيه باردتان كحجرٍ قديم، ووراءه تسير مجموعته بصمت.
في تلك اللحظة، لم يعد هنالك مجال للشك. لقد عاد حقًا، وكان يطالب بما هو له.
في الجهة الأخرى من القطيع، كان كين في قصره، يحدّق في الحراس الذين أحاطوا به، كان يعلم أن هذا اليوم سيأتي، لكنه لم يتوقعه بهذه السرعة.
"إنه وحده." قال أحد ذئابه، لكن كين لم يبتسم، لم يكن بحاجة إلى الابتسام، كان يعرف جيدًا من هو رعد.
"اجمعوا الحراس." أمر بصوتٍ هادئ، وهو ينهض من مقعده. "إنه يعتقد أن بإمكانه استعادة القطيع؟ حسنًا، سأريه أنه لم يعد له مكان هنا."
كان يعلم أن القوة وحدها لن تهزم رعد، لذا لم يعتمد على ذئاب القطيع فقط، بل استعان بمحاربي القطيع الصخري، أشدّاء، لا يعرفون الرحمة، كانوا يقفون خلفه الآن، أنيابهم مكشوفة، وعطشهم للدم واضح في أعينهم.
"عندما يظهر عند الساحة، أريد رأسه على رمح."
وصل رعد إلى الساحة، حيث كان الجميع ينتظر، رأى الذئاب مصطفين، سيوفهم تلمع تحت ضوء القمر، وجوههم متجهمة، لكن لم يكن في قلبه خوفٌ ولا تردد.
كين، يقف هناك، وسط رجاله، سيفه الضخم على كتفه، وعيناه تضيقان بازدراء.
"أنت متأخرٌ جدًا، رعد." قال بصوتٍ ساخر. "لم يعد لك مكان هنا."
رفع رعد رأسه، نظر إليه ببرود، ثم قال بثبات:
"هذا القطيع لي، وسأستعيده."
ثم، دون أن ينتظر، اندفع إلى الأمام.
كان الأمر أشبه بانفجار. شقّ صفوفهم كإعصارٍ جارف، لم يحتج إلى مساعدة أحد، لم يطلبها، ولم يرغب بها. كان ذئبًا وحيدًا، ولكن هذا لم يجعله ضعيفًا، بل جعله أكثر فتكًا.
أول من اقترب منه كان محاربًا من القطيع الصخري، لكنه لم يحصل حتى على فرصة لرفع سيفه—رعد أمسك به، كسر عنقه بحركةٍ واحدة، ثم ألقى بجثته جانبًا وكأنه شيء لا قيمة له.
آخرون حاولوا الهجوم عليه دفعةً واحدة، لكنه كان أسرع. سيفه تحرك كأنه جزءٌ منه، حاد، لا يرحم. قطع رأس أحدهم، غرس نصله في قلب آخر، وركل ثالثًا بقوةٍ أسقطته أرضًا، قبل أن يغرز مخالبه في صدره وينتزع قلبه.
كان الدم يتطاير، والصراخ يتردد في الهواء، لكن رعد لم يتوقف. كان قد أقسم أن يستعيد مكانه بنفسه، وكان ينفذ هذا الوعد الآن.
وأخيرًا، بقي كين.
كان يقف هناك، يحدّق بجثث رجاله المتناثرة حوله، والدم يغطي الأرض. كان يمكنه أن يهرب، لكنه لم يفعل، لأن الخوف لم يكن شيئًا يعرفه.
رفع سيفه، واستعد للهجوم، لكن رعد لم ينتظره.
تحرك كظلٍ قاتم، سريعًا، قوته تنفجر في الهواء، وقبل أن يتمكن كين من ضربه، كان نصل رعد قد شق صدره.
توقف العالم للحظة.
نظر كين إلى الأسفل، إلى الدم الذي بدأ يتدفق من جسده. حاول أن يتكلم، لكنه لم يجد صوتًا.
ثم، ببطء، سقط على ركبتيه.
لكن رعد لم ينتهِ بعد.
جلس فوقه، مزّق صدره بمخالبه، وأخرج قلبه ببطء، كأنه يستمتع بكل لحظة، رفعه أمام عيني كين المحتضرتين، ثم غرس أنيابه فيه، والتهمه.
كان هذا هو الحكم الوحيد الذي يستحقه.
عندما وقف رعد أخيرًا، كان الجميع يحدقون فيه بصمت. لم يكن هناك شكٌ بعد الآن.
مرت الأيام، لكن عقل ليلى كان مشغولًا بشيء واحد... ريان.
لم تكن تعلم عنه شيئًا منذ أن وقعت كل تلك الأحداث، ولم يكن بوسعها أن تتجاهل الأمر أكثر. كان عليها أن تعرف إن كان حيًا أم ميتًا، إن كان لا يزال في الأسر أم أنه استطاع الفرار.
في البداية، لم تجرؤ على الحديث عن الأمر، لكنها لم تستطع إخفاء قلقها عن رعد. كان يراقبها بصمته المعتاد، يدرك أن شيئًا ما يشغلها، وعندما سألها أخيرًا، لم تتردد.
"أريد أن أبحث عن ريان."
لم يكن رعد بحاجة إلى التفكير طويلًا. لم يعترض، لم يحاول إقناعها بالبقاء، بل قال ببساطة:
"سأذهب معك."
نظرت إليه بدهشة. لم تتوقع أن يترك القطيع بعد أن استعاد حكمه بالكاد، لكنه لم يمنحها فرصة للاعتراض.
"القوانين ستظل كما هي، ونوار سيهتم بكل شيء حتى أعود."
نوار اخى وحان الوقت ليأخذ كرسى الزعامه، كان يثق به أكثر من أي شخص آخر وإذا كان هناك أحدٌ قادر على إدارة الأمور مكانه سيكون نوار.
أصدر رعد أوامره بسرعة، وأعد العدة للمغادرة، لم يكن يعلم كم سيستغرق الأمر، لكنه كان مستعدًا لمواجهة أي شيء يعترض طريقه.
إصرار ماجي على مرافقتهم
بينما كان رعد يستعد للرحيل، وقفت ماجي أمامه، عيناها ثابتتان ببرودها المعتاد، وقالت دون تردد:
"سأذهب معك."
لم يكن طلبًا. كان تصريحًا.
رفع رعد حاجبه، متأملًا الفتاة التي لم تكن تجرؤ على الحديث دون إذنه سابقًا. لكنها لم تكن تتراجع هذه المرة.
"لماذا؟" سألها أخيرًا.
لم تجب على الفور. بدت وكأنها تفكر، لكنها قالت بعد لحظة:
"لأنك ستحتاج إلى شخص لا يلفت الأنظار، يستطيع التحرك بين الناس بسهولة، ويعرف كيف يجمع المعلومات."
نظرت ليلى إلى ماجي، محاولة أن تفهم دوافعها الحقيقية، لكن ماجي لم تكن تكشف الكثير عن نفسها.
أدار رعد الأمر في رأسه لثوانٍ قليلة، ثم قال:
"حسنًا،"
أومأت ماجي برأسها دون نقاش، وكأنها كانت تتوقع هذا الرد.
وهكذا، غادروا القطيع، تاركين كل شيء خلفهم، نحو رحلة مجهولة... بحثًا عن ريان.
وهناك على أطراف الغابه كانت جود تنتظرهم واضعه فوق ظهرها حقيبتها الثقيله.
"كيف عرفت؟" سأل رعد بأبتسامه.
همست جود "انسيت انتى عنقاء؟"
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم اسماعيل موسى
كانت الغابة تمتد بلا نهاية أمامهم، كأنها بحرٌ من الأشجار الملتفة والجذوع المتشابكة.
في النهار، كانت الأوراق تحجب أشعة الشمس، تُلقي ظلالًا متراقصة على الأرض الرطبة، لكن في الليل... كان الأمر مختلفًا.
كان الليل هنا يلتهم كل شيء، يبتلع الألوان، يجعل الأصوات أعمق، ويجعل المسافات بين الأنفاس أقصر.
رعد كان يسير في المقدمة، خطواته واثقة كما لو أنه يعرف كل شبر من هذا المكان، عيناه تلمعان في الظلام كعيني حيوان مفترس يراقب العالم من بعيد.
خلفه بخطوة واحدة فقط، كانت ليلى، تتحرك بخفة، لكنها لم تكن صامتة كعادتها، إذ كانت تسرق النظر إليه بين الحين والآخر، متأملةً الطريقة التي يتنفس بها وكأنه جزء من الغابة، وكأن الطبيعة كلها تستجيب له.
في البداية، لم يكونا يتحدثان كثيرًا، رعد لم يكن من النوع الذي يملأ الصمت بكلمات لا معنى لها، وليلى لم تكن ممن يكسرون الحواجز بسهولة.
لكن شيئًا غير مرئي كان ينمو بينهما، شيئًا بطيئًا، لكنه ثابت، كجذور تمتد تحت الأرض دون أن يلاحظها أحد حتى تصير شجرة عملاقة.
توقفوا بجانب نهر ضيق، مياهه تعكس ضوء القمر الذي بدا أكبر مما ينبغي في السماء.
كان الجميع قد ناموا، جود وماجي غارقتان في راحتهما، لكن ليلى لم تستطع النوم، كانت عيناها معلقتين بالسماء حين سمعت صوته خلفها:
"لا تستطيعين النوم؟"
استدارت لتجد رعد يقف عند حافة الماء، عاري الصدر، كأنه جزءٌ من العتمة ذاتها.
هزت رأسها، ثم قالت بصوت منخفض:
"القمر هنا مختلف."
ألقى نظرة إلى السماء، ثم عاد إليها بعينين غامضتين:
"القمر دائمًا هو نفسه، نحن الذين نختلف."
لم ترد، لكنها فكرت في كلماته، كان هناك شيء فيها يتغير، شيء لم تفهمه تمامًا. نظرت إليه مجددًا، إلى الجراح القديمة التي تعبر صدره، إلى السكون القوي الذي يحيط به كدرع لا يُخترق. كان رجلًا صُنع ليكون وحيدًا، لكنها شعرت بأنه لم يعد كذلك.
"ما الذي تفكرين فيه؟" سألها، وصوته كان أقل حدة من المعتاد.
لم تعرف ماذا تجيب، لكنها همست:
"أحاول فهمك."
ضحك بصوت خافت، وكأن الفكرة راقت له، ثم قال:
"هذا لن يكون سهلًا."
"أنا لا أحب الأشياء السهلة." ردّت، ونظرت إليه نظرة لم يتوقعها.
مع مرور الأيام، تغير شيء آخر بينهما—لم يعد رعد مجرد الحامي، وليلى لم تعد مجرد الفتاة التي تبحث عن رجل ضائع أصبحت تُعلّمه.
لم يكن الأمر سهلًا، ليس لأنه لم يكن يملك الموهبة، بل لأنه كان عنيدًا.
"عليك أن تشعر بالطاقة، لا أن تحاول السيطرة عليها بالقوة." قالت له في إحدى الأمسيات، حين كانا يتدربان بعيدًا عن الآخرين.
ضاقت عيناه، ثم تمتم:
"أنا لا أؤمن بشيء لا يمكنني لمسه."
"هذا هو السبب في أنك لا تستطيع التحكم به."
رسم ابتسامة جانبية، ثم استدار نحو الهدف الذي أمامه—حجر قديم أرادت منه أن يرفعه دون أن يلمسه.
أخذ نفسًا، شدّ جسده، حاول فرض قوته على الطاقة حوله... وفشل.
"مرة أخرى."
كررها مرارًا، لكنه لم ينجح. وأخيرًا، عندما فقدت ليلى صبرها، تقدمت منه، أمسكت بذراعه، نظرت في عينيه مباشرة.
"توقف عن القتال." همست.
شعر بالبرودة تزحف إلى جلده من لمستها، لم تكن برودة حقيقية، بل نوعًا من التغيير، كأنها كانت تحرك شيئًا داخله لم يعرف بوجوده من قبل.
عندما أغمض عينيه، وحاول هذه المرة أن "يشعر" بدلًا من أن "يسيطر"، تحرك الحجر، ارتفع قليلًا، ليس كثيرًا، لكنه ارتفع.
فتح عينيه، نظر إلى ليلى، ورأى تلك الابتسامة الصغيرة التي لم يرها من قبل.
في ليلة أخرى، عندما كانا وحدهما مجددًا، نظر إليها وقال فجأة:
"إذا استطعتِ هزيمتي، سأجعلكِ ذئبة."
توقفت ليلى عن التنفس للحظة. لم يكن الأمر مزحة، كان وعدًا.
"حقًا؟"
"حقًا."
كان في صوته شيء جعلها تصدقه، لكن كان هناك شيء آخر أيضًا، شيء جعلها تشعر أن هذا لم يكن مجرد تحدٍ، بل كان اختبارًا... له ولها.
ابتسمت ببطء، نظرت إليه بعينيها اللامعتين، وقالت بثقة:
"إذا كان هذا هو الشرط، فسأفوز."
ضحك بصوت خافت، لكن في داخله، لم يكن متأكدًا من أنه يريدها أن تخسر.
---
عندما حلّ الصباح، لم تكن ليلى قد نسيت الوعد، منذ أن قاله رعد، أصبح كالنار التي تشتعل في داخلها، تدفعها للأمام، لم يكن الأمر مجرد تحدٍّ، بل كان إثباتًا—لنفسها، له، وللذئاب الذين لم يروا فيها سوى إنسانة عادية لا تنتمي إلى عالمهم.
لكن كيف يمكنها هزيمته؟ رعد لم يكن مجرد ذئب، بل كان أقواهم، الأكثر دهاءً، والأشد عنادًا.
لم يكن انتصاره عليها خيارًا، بل كان طبيعيًا... إلا إن استطاعت قلب القواعد.
في المساء، عندما توقفت القافلة للاستراحة، تقدمت ليلى نحوه. لم تقل شيئًا، فقط وقفت أمامه، عيناها مثبتتان عليه.
رفع حاجبًا وهو يتكئ على جذع شجرة، كأنه كان ينتظرها.
"أهذا هو الوقت؟" سأل بصوت هادئ.
أومأت برأسها.
ابتسم رعد ابتسامة جانبية، ثم دفع نفسه بعيدًا عن الشجرة، مشى ببطء إلى الساحة التي اتخذوها مكانًا للتدريب، وهناك، وقف، مشيرًا لها أن تتبعه.
عندما وقفت أمامه، قال:
"القواعد بسيطة. لا أسلحة، لا مساعدة من الآخرين، فقط أنا وأنتِ. إن استطعتِ إسقاطي أرضًا، فزتِ."
بدا الأمر مستحيلًا.
لكن ليلى لم تكن تفكر بهذه الطريقة.
بدأ القتال.
رعد لم يتحرك في البداية، كان يراقبها، يمنحها فرصة للهجوم أولًا. لكنه كان يعلم أنها لن تفعل، ليس بسرعة على الأقل. كانت ذكية. لن تهدر طاقتها في ضربات لا فائدة منها.
وعندما تحركت أخيرًا، كانت أسرع مما توقع.
اندفعت إلى جانبه، ثم تراجعت بسرعة، كأنها كانت تختبر رد فعله. رعد لم يقع في الفخ، بقي ثابتًا.
حاولت مرة أخرى، لكن هذه المرة، كانت أقرب. اقتربت بما يكفي لتمد يدها إلى ذراعه، وبحركة مفاجئة، حاولت سحب توازنه.
لكنها فشلت.
أمسك بها بسهولة، وبحركة واحدة، كان يمكنه أن يرميها أرضًا... لكنه لم يفعل، بل قربها منه أكثر.
اعتصرها للحظة، تلاقت عيناهما.
كانت تلهث، لكنه كان هادئًا، كأن الأمر لا يتطلب منه أي مجهود.
"ستحتاجين إلى أكثر من ذلك، ليلى."
لكنها لم تكن قد انتهت بعد.
بدلًا من محاولة جره بقوتها، فعلت شيئًا لم يتوقعه—استخدمت وزنه ضده.
عندما حاول تثبيت قدميه، انزلقت بطريقة غير متوقعة، جاعلة ثقله كله يميل إلى الجانب.
وفي اللحظة التي فقد فيها توازنه للحظة خاطفة، دفعته.
لم يكن سقوطًا كاملاً.
رعد تراجع للخلف، وقبل ان يلمس ظهره الأرض نهض بسرعة.
ظل يحدق بها للحظة طويلة، ثم... ضحك.
كانت ضحكة لم يسمعها أحد من قبل—لم تكن سخرية، لم تكن استهزاءً. كانت ضحكة حقيقية، وكأن شيئًا فيه تفاجأ، وأُعجب.
ربما مره اخرى او اختبار اخر؟
وقفت ليلى هناك، تلتقط أنفاسها، وعيناها لم تفارقا وجهه. لم تكن تعرف كيف تشعر.
لكنها عرفت شيئًا واحدًا.
رعد لا يكسر وعوده.
وكان هذا يعني أنها، أخيرًا، ستصبح ذئبة.
"ماذا تريد؟" همست ليلى بتحدٍ.
"في هذا الظلام؟" أجاب رعد بنبرة ماكرة.
"لن تشرق الشمس قبل أن أصبح ذئبه يا رعد، ضعك رهانك الجديد."
رفع رعد يده ثم أشار إلى الجبل المكسو بالخضرة قبل أن يهمس:
"التاكي (Takin)."
"لن أعود دون التاكي." صرخت ليلى وهي تعلق جعبة السهام في عنقها وأضافت بثقة:
"سلام مؤقت أيها المغرور."
لم تكن ليلى تعرف ما ينتظرها خلف أشجار الغابة وبين صخور الجبل.
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم اسماعيل موسى
كانت الغابة تمتد أمامها كأنها متاهة خضراء، تتشابك أغصانها كأنها تحاول أن تمنعها من العبور.
التاكي… ذلك الحيوان الغامض الذي طلبه رعد، لم يكن مجرد صيد عادي، بل اختبار، ربما أكبر مما توقعت.
كانت تعرف القليل عن التاكي—مخلوق نادر، سريع، يعيش في أعالي الجبال حيث الهواء بارد والضوء شحيح. لم يكن الوصول إليه سهلًا، لكن ليلى لم تكن تفكر في الصعوبة، بل في النصر.
عندما وصلت إلى سفح الجبل، وجدت آثار أقدام غائرة في الطين، لم تكن لحيوان واحد، بل لأكثر من واحد.
نظرت حولها، متتبعة العلامات، حتى قادتها إلى ممر ضيق بين الصخور، بالكاد يتسع لجسدها.
تقدمت بحذر، يداها تلامسان الجدران الباردة، لكن الرياح التي خرجت من الممر حملت معها رائحة غريبة—دخان، وأعشاب محترقة، ورائحة أخرى لم تستطع تحديدها، لكنها كانت قوية، قديمة، كأنها تنتمي لعالم آخر.
وعندما خرجت من الممر، وجدت نفسها أمام مدخل مغارة واسعة، بابها يتدلى منه ستار ممزق، وأمامها نار مشتعلة تتراقص ألسنتها بلون أزرق غريب.
في عمق المغارة، جلست امرأة عجوز، جسدها هزيل، وظهرها محني، لكن عينيها كانتا تلمعان ببريق لا يشي بالضعف.
كانت ترتدي عباءة سوداء، ويداها مغطاتان بالوشوم القديمة.
نظرت إلى ليلى كما لو أنها كانت تتوقع مجيئها.
“لم أركِ من قبل في هذا الجبل.” قالت بصوت أجش، بينما كانت تقلب شيئًا في قدر حجري ضخم.
“أنا أبحث عن التاكي.” قالت ليلى بثقة، رغم أنها شعرت أن هذه المرأة لم تكن شخصًا يمكن خداعه بسهولة.
ضحكت العجوز ضحكة غامضة، ثم أشارت إلى النار.
“كل شيء له ثمن، يا فتاة. والتاكي ليس مجرد حيوان، إنه روح الجبل. لن يمسك به إلا من يعرف كيف يطلبه.”
تقدمت ليلى خطوة، عيناها لم تفارقا وجه العجوز.
“وكيف أطلبه؟”
رفعت العجوز يدها، كشفت عن عقد من العظام الصغيرة، ووضعت واحدة منها في راحة يد ليلى.
“هذا سيقودك إليه، لكن إن كنتِ تبحثين عن شيء آخر… فربما عليّ أن أخبرك أن هناك سرًا أكبر ينتظرك.”
“أي سر؟”
نظرت العجوز إليها طويلًا قبل أن تقول: “ريان.”
تجمدت ليلى، لم يكن اسمًا كانت تتوقع سماعه هنا، لكن الطريقة التي نطقت بها العجوز جعلتها تشعر أن كل شيء لم يكن مصادفة.
“أنت تعرفين أين هو؟”
هزت العجوز رأسها ببطء.
“لا أحد يعرف مكانه… إلا ساحر يعيش في أرض الجان، اسمه الغُضريف.”
كان الاسم غريبًا، لكنه حمل شيئًا ثقيلًا في نبرته، كأنه لا يُنطق إلا لمن يملك الجرأة لمواجهته.
“وأين أجد هذا الساحر؟”
ابتسمت العجوز، لكنها لم تجب فورًا، بل مدت يدها إلى وعاء حجري، وغرست أصابعها فيه، ثم رسمت دائرة صغيرة على جبين ليلى.
شعرت الأخيرة بحرارة خفيفة، ثم همست العجوز:
“عندما تجدين التاكي… سيقودك إلى طريق لا يعود منه أحد بسهولة.”
“سأجد طريقي.” قالت بثقة.
“وهل انت مستعده لدفع الثمن؟” خاطبتها الساحره عندما أدارت ليلى ظهرها.
“اذا اوصلنى الساحر إلى ريان سأسدد دينى لك.” ثم اختفت بين دروب الجبل.
نزلت ليلى من الجبل مع شروق الشمس، وجسدها يئن من الإرهاق، لكنها لم تكن خائفة أو مترددة.
كانت تحمل ما جاء من أجله—التاكي.
لم يكن مجرد حيوان، بل كان دليلها. عينيه الواسعتين السوداوين تلمعان بشيء غامض، وصوفه الداكن بدا كأنه جزء من الليل نفسه.
عندما وصلت إلى المخيم، كانت جود وماجي جالستين بجوار النار، لكن أعينهما اتسعتا عند رؤيتها.
أما رعد، فكان واقفًا بالقرب من الأشجار، ينتظرها.
“أحضرتُه.” قالت وهي تثبت عينيها عليه.
نظر رعد إلى التاكي، ثم إلى وجهها المتعب، لكن فيه شيئًا آخر—إصرار لم يره من قبل.
“أخبريني، ماذا وجدتِ هناك؟”
رفعت ليلى رأسها وقالت بثبات:
“وجدت ساحرة. وأخبرتني شيئًا عن ريان.”
سكن الهواء للحظة، ثم قال رعد بحدة:
“وماذا قالت؟”
“قالت إنه لا أحد يمكنه العثور عليه، إلا ساحر يعيش في أرض الجان، يُدعى الغضريف.”
“الغضريف…” تمتم رعد، ثم عاد لينظر إليها.
“وكيف نصل إليه؟”
أخرجت ليلى العظمة الصغيرة التي أعطتها الساحرة، ورفعتها أمامه.
“قالت إن هذه ستقودنا.”
عندما حلّ المساء، وقف رعد وليلى في وسط الغابة، بعيدًا عن الآخرين.
كانت النار تشتعل بينهما، تعكس ظلالًا طويلة على الأرض.
“هل أنتِ متأكدة؟” سألها، صوته لم يكن ساخرًا هذه المرة، بل كان تحذيرًا حقيقيًا.
“أنا لم أعد متأكدة من أي شيء.” قالت بصدق، ثم أضافت: “لكنني أريد هذا.”
أومأ ببطء، ثم تحرك نحوها، عينيه تلمعان كما تفعل عندما يكون على وشك التحوّل.
“سيكون الأمر مؤلمًا.”
“أنا مستعدة.”
لم يرد، فقط اقترب أكثر، حتى أصبح وجهه قريبًا منها.
مد يده، ومرر أصابعه على جانب عنقها بلطف غريب، ثم أمال رأسه، وقبل أن تفهم، غرز أنيابه في جلدها.
لم يكن الألم مثل أي شيء شعرت به من قبل. لم يكن مجرد ألم جسدي، بل كان كأنه يحطم شيئًا داخلها، يعيد تشكيلها.
شعرت بالنار تشتعل في عروقها، بالدم يغلي، بالعالم ينهار ويُعاد بناؤه في اللحظة نفسها.
سقطت على ركبتيها، تلهث، بينما كان جسدها يرتجف.
ثم… تغير كل شيء.
رأت العالم بطريقة مختلفة. الألوان أصبحت أعمق، الأصوات أكثر وضوحًا.
سمعت دقات قلب رعد، رائحة الأرض، وحتى الرياح وهي تتحرك بين الأشجار.
عندما رفعت عينيها، لم تكن بشرية بعد الآن. كانت ذئبة.
ورعد، بابتسامته الخافتة، نظر إليها وقال:
“أنتِ واحدة منا الآن.”
لم يكن الوصول إلى أرض الجان أمرًا عاديًا. لم يكن هناك طريق مباشر، بل كان عليهم أن يسلكوا طريقًا لا يسلكه البشر—طريقًا كان معروفًا فقط لمن يملكون الشجاعة لدخوله.
قادهم التاكي إلى وادٍ مخفي، حيث كانت الأشجار تتشابك فوقهم، تخفي السماء تمامًا.
الهواء هناك كان مختلفًا، كثيفًا، محملًا برائحة الأرض الرطبة والسحر القديم.
عند نهاية الوادي، وجدوا كهفًا واسعًا، مظلمًا كأنه لا ينتمي إلى هذا العالم.
“هذا هو المدخل.” قالت ليلى بصوت خافت، وهي تشعر أن شيئًا ما ينتظرهم هناك.
لم يتردد أحد. عبروا إلى الداخل، ومع كل خطوة، كان الظلام يبتلعهم أكثر، حتى اختفوا تمامًا… ودخلوا أرض الجان.
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم اسماعيل موسى
وصلوا إلى أرضٍ تختلف عن كل ما عرفوه؛ كانت وكأنها لوحة فنية سُطرت بأنامل أساطير قديمة.
كانت الأرض مفروشة بطبقة رقيقة من الطين الناعم الذي ينبعث منه وهج خافت، وكأنها تحتفظ بذكريات الزمن الماضي.
الأشجار هنا لم تكن مجرد نباتات، بل كانت كائنات حية تنطق بأسرار الطبيعة؛ أوراقها تلمع بألوان فسفورية تتغير مع حركة النسيم، وجذوعها محفورة بنقوش غامضة تروي قصص أزمانٍ لم تُنسى.
تحت هذه الأشجار، تناثرت أزهار نادرة ينبض لونها بالحياة، تتفتح في هدوء كأنها تتمايل مع لحنٍ خفي.
في السماء، لم يكن القمر وحده نجم السهرة، بل إن رقص النجوم مع ضوء شفقٍ غريب خلقا لوحة سماوية لا تُصدق؛ طيور بأجنحة شفافة تظهر وتختفي وسط السحب كما لو كانت رسائل من عالم آخر، تغرد بألحانٍ فريدة تحاكي همسات الرياح وتنبض بإيقاع قلب الأرض.
أما الحيوانات، فكانت تختلف تمامًا عما اعتادوا رؤيته؛ فرأوا مخلوقات صغيرة تشبه الأرانب بألوان قزحية لا مثيل لها، تتحرك بخفة فوق العشب وكأنها تهمس بأسرار الطبيعة.
كما كانت هناك حيوانات غامضة بعيون لامعة تحرس طرق الوادي، تتنقل بظلالها بين الصخور والأشجار، وكأنها تجسد روح المكان ذاتها.
كل شيء في هذه الأرض كان ينبض بالسحر والغموض؛ حتى الهواء كان مختلفًا، يحمل رائحة عطرية مختلطة برائحة التراب المبلل ورحيق الزهور البرية، وكان النسيم ينثر حولهم حبات ضوء صغيرة كأنها نجوم نازلة من السماء، تضيء الطريق وتهمس لهم بأسرار لا يدركها إلا من يجرؤ على الاستماع.
في هذا العالم العجيب، شعرت ليلى أن الطبيعة تحكي قصةً قديمة، قصةً عن وحدانية الكون وتداخل الأرواح، وعن عهود لم تعد كما كانت.
كان المكان بمثابة بوابة إلى عالمٍ لا يُمكن للبشر فهمه بسهولة، عالم تمتزج فيه الأسطورة بالواقع، وتحتضن فيه الأرواح الجريحة لحن الحياة من جديد.
كانت ليلى تشعر بأنفاس المكان تراقبها. منذ أن وطأت أقدامهم هذه الأرض، لم تهدأ الرياح، ولم تتوقف الأشجار عن الهمس بلغة لا يفهمونها. حتى الحيوانات، رغم غرابتها، بدت وكأنها تحمل وعيًا خفيًا، وكأنها لم تكن مجرد كائنات، بل عيونًا وآذانًا للجن الذين يملكون هذه الأرض.
توقفت عند مدخل كهف يلوح كفم مفتوح في قلب الجبل، بدا كملجأ آمن وسط هذا العالم المجهول.
نظرت إلى رعد، ثم إلى الآخرين، وقالت بصوت خافت لكنه حازم:
"علينا أن ننتظر حتى طلوع الشمس. لا نعرف كيف سيستقبلنا الجن، ولا أريد أن ندخل في مواجهة غير محسوبة."
نظر إليها رعد للحظة، ثم ألقى نظرة سريعة حوله. كان كل شيء يبعث على القلق؛ الهواء كان ثقيلاً، والظلال كانت تتحرك كأنها كائنات مستقلة. لم يكن هذا عالمهم، وكان يعلم أن الدخول في مواجهة هنا سيكون خطأً فادحًا.
أومأ بصمت، فتبعه الآخرون إلى الداخل.
عند دخولهم الكهف، شعروا فورًا بالفرق—كان الهواء أكثر برودة، والجدران كانت ناعمة على غير العادة، كأنها نُحِتت بعناية لتكون ممرًا طبيعيًا. أضواء غامضة تومض بين الشقوق، وكأن الجدران نفسها تتنفس بنبض خافت.
اتخذوا أماكنهم على الصخور المنتشرة في الداخل، بينما جلست ليلى بالقرب من المدخل، تراقب الخارج بعينين حادتين.
"سننتظر حتى الفجر." قالت بصوت منخفض، لكن الحزم فيه لم يترك مجالًا للنقاش.
كانوا يعرفون أن الليل هنا ليس كأي ليل، وأن انتظار الشمس قد يكون الفرق بين النجاة… والفقدان.
داخل الكهف، وسط الظلال المتراقصة على الجدران، جلسوا بصمت ثقيل.
كان اللهب الخافت المنبعث من الصخور الغريبة يضفي ضوءًا شاحبًا على ملامحهم المتعبة. ليلى، التي جلست عند المدخل، كانت أكثرهم يقظة. عيناها تراقبان الخارج، لكن عقلها كان مشغولًا بشيء آخر—كيف سيجدون الغضريف؟
"علينا أن نحدد خطوتنا القادمة." قال رعد أخيرًا، صوته هادئ لكنه مشحون بالتوتر.
نظرت ليلى إليه ثم إلى الآخرين.
"الساحرة قالت إن العظمة ستقودنا، لكنها لم تقل كيف."
أخذت العظمة الصغيرة من جيبها وتأملتها، كانت منحوتة بعناية، تحمل نقوشًا غامضة. لم يكن فيها شيء يوحي بأنها دليل واضح، لكن ليلى شعرت أن هناك سرًا فيها لم تكتشفه بعد.
"ربما تحتاج إلى تفعيل بطريقة ما." قالت ماجي وهي تمعن النظر فيها.
هزّت ليلى رأسها.
"أعتقد أنني سأعرف عندما يحين الوقت."
نظر إليها رعد طويلًا قبل أن يقول:
"كيف أنتِ واثقة من ذلك؟"
تنفست بعمق، ثم رفعت عينيها إليه.
"لأنني كنت هنا من قبل."
ساد صمت ثقيل.
"ماذا تعنين؟" سألت جود، وعيناها تحملان قلقًا خفيًا.
"أعرف هذه الأرض بطريقة لا يفترض أن أعرفها. وأعتقد أن هذا يجعلني القائدة في هذه الرحلة."
رعد لم يُجب فورًا، لكنه كان يدرسها بعينيه الذئبيتين. ثم أخيرًا، أومأ.
"سنثق بك."
قبل أن ترد، قاطعهم صوت غريب—حفيف خافت، أشبه بملامسة رياح غير طبيعية للحجارة.
التفت الجميع، وأمسكوا بأسلحتهم، لكن ليلى شعرت به قبل أن تراه.
لم يكونوا وحدهم.
من عمق الكهف، خرج شيء لم يكن يفترض أن يكون هناك.
كائن طويل القامة، جسده أسود كأنه مصنوع من الظلال، عيناه تتوهجان بلون أزرق غريب. لم يكن يتحرك على أقدام، بل كأنه ينساب على الأرض، يقترب ببطء... وبصمت قاتل.
عندما تكلم، لم يكن صوته عاديًا. كان أشبه بصوت آلاف الهمسات المتداخلة، كأن الأرواح المفقودة تتحدث من خلاله.
"أنتم… لستم… مرحبًا بكم هنا."
ثم، وقبل أن يتمكنوا من الرد، انقضّ المخلوق!
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم اسماعيل موسى
ارتفع الظلام في أرجاء الكهف كأنه كائن حي، يتلوى ويتحرك، يضيق المساحة حولهم شيئًا فشيئًا.
تراجع الجميع، وأيديهم تمسك بالأسلحة، لكن لم يكن هناك شيء يمكن توجيه الضربة إليه.
الكائن لم يكن مجرد جسد، بل كان جزءًا من العتمة نفسها، كأن الكهف يلفظ روحه الغاضبة أمامهم.
"أنتم… لستم… مرحبًا بكم هنا."
كان الصوت أشبه بصدى يتردد بين الصخور، يزرع قشعريرة بطيئة في العظام. لم يكن مجرد تهديد، بل كان تحذيرًا محملًا بشيء أعمق—كره خالص، لا يحتمل وجودهم.
ثم، بدون إنذار، تحرك.
لم يكن له خطوات، لم يكن هناك صوت يدل على اقترابه، لكنه كان فجأة أمامهم، كأن المسافة لم تكن تعني له شيئًا. امتدت يد—أو ما يشبه اليد—نحو ليلى، بسرعة غير طبيعية.
تراجعت، لكن شيئًا ما شدّها من الداخل، كأن الهواء من حولها تجمد فجأة، وكأن روحها نفسها أصبحت ثقيلة. شعرت بجسدها يتباطأ، كأنها تُجر إلى أعماق بئر لا قاع له.
"ليلى!" صرخت ماجي وهي تحاول التقدم، لكن رعد كان أسرع.
اندفع، مخالب يده تنغرس في الفراغ الذي يشكّل هذا الكائن، لكن الضربة لم تصب شيئًا ملموسًا. مرت من خلاله كأنه دخان، ولم يبدُ أنه تأثر أبدًا.
بدلًا من ذلك، التفت إليه المخلوق، وعيناه المشعتان اتسعتا كأنهما بوابتان إلى عالم آخر.
"أنتم… تفسدون التوازن."
لم يكن في صوته غضب، بل يقين هادئ يجعل التهديد أكثر رعبًا.
شعرت ليلى بأن قبضته غير المرئية تزداد إحكامًا، أنفاسها أصبحت ثقيلة، ورأسها يدور. لم تكن تفهم كيف يحاصرها، لكن جزءًا منها كان يعرف أنه إذا لم تتحرر الآن… فلن تتحرر أبدًا.
ضغطت أصابعها حول العظمة الصغيرة التي أعطتها الساحرة. حرارة غريبة سرت في راحة يدها، كأنها نبض بطيء يأتي من شيء حي.
تذكرت كلمات الساحرة: "عندما تجدين التاكي… سيقودك إلى طريق لا يعود منه أحد بسهولة."
لم تكن تفهم وقتها، لكنها الآن فهمت.
أغمضت عينيها، وتركت العظمة تسقط من يدها إلى الأرض.
لحظة صمت… ثم اهتز الكهف.
تقلّص المخلوق للحظة، كأن شيئًا دفعه للوراء، وعيناه انطفأتا للحظة واحدة، لكنها كانت كافية. الهواء عاد للحركة، والقبضة التي شعرت بها حول جسدها اختفت.
رعد لم يفوت الفرصة. هجم بكل سرعته، وبقية المجموعة تحركت معه. السيوف، المخالب، حتى الحجارة التي ألقتها جود—كلها اخترقت الظلام الذي يشكّل هذا الكائن. لم يصرخ، لم يصدر صوت ألم، لكنه تراجع… ثم تلاشى، كأن شيئًا ما استدعاه بعيدًا عنهم.
عاد الكهف إلى صمته الأول، لكن الصمت لم يكن مطمئنًا.
التفتت ليلى إلى العظمة على الأرض، كانت تتحرك ببطء، كأنها تتحرك وفق نمط غير مرئي، ثم توقفت فجأة، مشيرة باتجاه نفق ضيق في الجدار الصخري.
"هذا هو الطريق." همست ليلى، وعيناها لا تفارقان الممر المظلم.
رعد أخذ نفسًا عميقًا، ثم قال: "إذن، فلنبدأ."
وبدون تردد، دخلوا النفق، تاركين وراءهم الكهف… وظله الذي لم يختفِ تمامًا.
عندما خرجوا من النفق، كان العالم مختلفًا.
لم يكن الظلام الذي ألفوه في الكهف، ولا الغابة التي عبروها للوصول إلى هنا. بل كانت مدينة… مدينة لم تنتمِ إلى عالم البشر.
امتدت المباني أمامهم، ليست كأي عمارة عرفوها من قبل—لم تكن حجارة ملساء ولا طوبًا، بل هياكل متشابكة كأنها نمت من الأرض نفسها. الأبراج كانت ملتفة كجذوع الأشجار العملاقة، والجدران تلتمع تحت ضوء غريب لا يصدر عن الشمس، بل عن الأحجار المتوهجة المدمجة في الأسقف والنوافذ.
في السماء، حلق مخلوقات لم يروها من قبل—أجنحة ضخمة كأجنحة الحشرات، لكنها شفافة، تعكس الضوء بألوان قوس قزح، وأجساد نحيلة تتحرك برشاقة غير بشرية.
"هذه… أرض الجان." همست جود، وكأنها تخشى أن يسمعها المكان نفسه.
في الشوارع، كان الاحتفال في ذروته. أصوات الغناء تتردد بين الأزقة، وآلات موسيقية غريبة تصدر أنغامًا لم يسمعوا مثلها من قبل. كان هناك موكب يتحرك وسط الشارع الرئيسي، وعلى جوانبه، اصطف الجان بأشكالهم المدهشة—بعضهم يشبه البشر إلى حد كبير، لكن بلمسات غريبة: عيون ذهبية أو سوداء بالكامل، بشرة بلون النحاس أو الفضة، شعر يتغير لونه كلما تحركوا.
لكن البعض الآخر لم يكن بشريًا على الإطلاق.
رأت ليلى جنّيين طويلين، أجسادهما نحيلة كأن الرياح تستطيع حملهما، وجلدهم أملس بلون الزبرجد. آخرون كانوا يملكون قرونًا منحنية تلتف حول رؤوسهم مثل التيجان، وأجنحة رقيقة ترفرف خلف ظهورهم.
كانت هناك مخلوقات صغيرة بأعين واسعة وآذان طويلة، تقفز بين الحشود، تعبث بأطراف ثياب الجان الكبار قبل أن تفر ضاحكة. وهناك أيضًا كائنات غامضة تلتف حول نفسها كأنها أجزاء من الظلال، تتحرك دون أن تلامس الأرض.
في وسط الموكب، كانت العربة الملكية. لم تكن مصنوعة من الخشب أو المعدن، بل من مادة شفافة تشبه الكريستال، تعكس الألوان حولها كأنها مصنوعة من الضوء نفسه. وعلى العرش داخلها، جلست الأميرة الجديدة.
وجهها كان جميلاً بطريقة تكاد تكون غير مريحة—عيونها بلون العنبر، وبشرتها تشبه اللؤلؤ، وشعرها الطويل الأسود بدا كأنه امتداد للّيل. كانت ترتدي تاجًا نحيفًا من فروع ملتفة، ينبض بوهج أزرق باهت.
مرّ الموكب بجانبهم، وعندما اقتربت العربة، توقفت لوهلة قصيرة، والتقت عينا الملكة بعيني رعد.
كان في نظرتها شيء ثقيل، شيء لا يمكن تجاهله. لم يكن مجرد فضول ملكة تراقب الغرباء بل شيء أعمق.
رعد لم يبتعد بنظره، لم يكن من النوع الذي يخفض رأسه أمام أحد، حتى لو كانت ملكة الجان نفسها.
احتدت نظراتهما، كأنهما في صراع صامت، اختبار غير منطوق.
قبل أن يصرخ غول حارس من الجان انت اخفض رأسك امام الملكه !!
وقبل ان يعترض رعد ضغطت يد عملاقه فوق جسده اجبرته على الانحناء.
كاد رعد ان يقاوم لكن ليلى حذرته التطلع لوجوة ملكات الجان عقابه الموت يا رعد، دع الأمور تمضى إلى حال سبيلها.
ثم، بعد لحظة بدت وكأن الزمن توقف فيها، ابتسمت الملكة.
ابتسامة صغيرة، لكنها حملت وعدًا بشيء ما—شيء لم يكن واضحًا بعد، لكنه كان قادمًا.
ثم تحرك الموكب مجددًا، تاركًا خلفه احتفالات الجان، وصدى تلك النظرة التي لم يكن من السهل نسيانها.
لكن الغول لم يترك رعد فى حاله.
بعد مرور موكب الملكه امر حراسه ان يحضرو البشر فى الشوارع لقصر الملكه ليقومو بخدمة أمراء وملوك مقاطعات الجان.
كان قصر ملكة الجان مشيدًا من حجر أسود لامع، تزينه نقوش فضية متشابكة، كأنها تروي حكايات قديمة من عصور لم يعرفها البشر. عند دخول القاعة الكبرى، امتدت الطاولات تحت الثريات المتدلية، التي بدت كأنها مصنوعة من ضوء القمر المتحجر. كان المكان يعج بالجان، بمظاهرهم المختلفة—بعضهم نحيلون بأجنحة شفافة كأجنحة الحشرات، وآخرون بجلود خضراء أو قرون متشعبة، بينما وقف بعضهم بعيون سوداء كاملة، لا تعرف إن كانوا ينظرون إليك أم عبرك.
الطعام كان مشهدًا بحد ذاته. على الطاولات الطويلة، تراصت الأطباق بألوان زاهية؛ عنب بحجم التفاح، وتفاح بلون أزرق سماوي، وكعكات تتلألأ كما لو أنها مرصعة بالأحجار الكريمة. كان هناك أطباق من اللحم الوردي تُقطّع بسكاكين فضية، وأكواب من شراب ذهبي لا يعكس الضوء، بل يبتلعه.
في منتصف القاعة، رقص الجان، حركاتهم أشبه بالسحر، أقدامهم تكاد لا تمس الأرض. كانت الموسيقى غير مألوفة، أنغامها كأنها تُعزف من أوتار الهواء نفسه، تثير إحساسًا غريبًا بين الجمال والرهبة.
وعلى العرش المصنوع من خشب داكن، مغطى بنسيج يبدو كأنه حي، جلست الملكة. نظراتها لم تكن تنجرف مع الاحتفالات، بل كانت ثابتة، متيقظة، وكأنها، رغم كل هذا الصخب، كانت تراقب شيئًا—أو شخصًا ما.
في البداية، كان الجان يتحركون بانسيابية، دوائر تتداخل، خطوات متقنة، أصابعهم الطويلة تمتد كأنها تحيك سحرًا في الهواء. لكن سرعان ما تصاعد الإيقاع، ضربات الطبول باتت أعمق، حادة كأنها صدى قلب وحشي. صرخ أحدهم، ثم آخر، وفجأة، تحول الرقص إلى شيء بدائي، أشبه بطقوس قديمة، حيث الأقدام تضرب الأرض بجنون، والضحكات تملأ الأجواء كأنها ليست ضحكات بل صرخات مبتهجة.
كانت الخمر تسكب بلا توقف، ذهبية شفافة، تنساب في كؤوس نحيلة، تحملها أيدٍ بأصابع طويلة وأظافر معقوفة. بعض الجان شربوا بنهم، عيونهم تتوهج مع كل جرعة، والبعض الآخر كانوا يضحكون وهم يلقون بأنفسهم في الدوائر الراقصة، أجسادهم تتلوى كأنها خفيفة أكثر مما ينبغي.
وفي قلب كل هذا، كان رعد.
جسده القوي لم يكن مكسوًا بجلده المعتاد، بل كان يرتدي رداءً بسيطًا خاصًا بالخدم، يحمل صينية فوقها كؤوس تتعرق بندى الشراب المسحور. كان وجهه بلا تعبير، عيناه غير قلقَتَين، غير متحديتين—فقط خضوع تام. كانت التعويذة تحكمه هو ورفاقه جود وليلى وماجى.
لكن حين رفع رأسه، دون وعي، دون قصد، التقت عيناه بعيني الملكة.
جلست على عرشها الفاخر، يحيط بها الجان الأقوياء، تاجها البراق يلقي ظلالًا على وجنتيها الحادتين. نظرت إليه كأنها تعرفه. كأنها، وسط كل هذا الجنون، لم ترَ سوى خادم صامت، واقف بطبق ممتلئ.
ثم... ابتسمت.
ابتسامة خفيفة، هادئة، تكاد تكون ناعمة. لكنها لم تكن ابتسامة عادية—كانت ابتسامة تعرف أكثر مما يجب، تخبئ شيئًا لا يستطيع أحد قراءته بسهولة.
ورعد، رغم السحر الذي كبح إرادته، شعر بشيء غريب يتحرك داخله.
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم اسماعيل موسى
في اللحظة التي التقت فيها عينا الملكة بعيني رعد، كان العالم كله يبدو وكأنه توقف للحظة.
الموسيقى ما زالت تعوي في القاعة، الأقدام ما زالت تضرب الأرض بجنون، المشاعل ترقص بلهبها الأخضر، لكن بالنسبة لهما، كان هناك سكون غريب، شيء ثقيل وغير مرئي مرّ بينهما، كأنهما يختبران شيئًا لا يراه أحد غيرهما.
رعد لم يرمش.
لم يكن قادرًا على ذلك، لم يكن يستطيع أن يشيح بنظره بعيدًا عن تلك العيون التي بدت كأنها تعرفه، تعرفه أكثر مما يعرف هو نفسه.
عيناها لم تكونا بلون واحد، بل مزيج من الذهب السائل والزمرد، عميقتين كأنهما تريان ما تحت جلده، ما تحت عظامه، إلى جوهره نفسه.
والابتسامة على شفتيها—تلك الابتسامة الرقيقة—لم تكن عادية. كانت وعدًا. تهديدًا. سرًا يُكشف ببطء.
لكن قبل أن يستطيع أن يفهم، قبل أن يدرك ما كان يحدث، صدح صوتٌ حاد عبر القاعة.
"اقترب."
الأمر لم يكن موجهًا له وحده، بل لكل الخدم المسحورين في القاعة. وفي لحظة، كأن تعويذة خفية قد سُحبت من الهواء، بدأوا جميعًا بالتحرك—رعد من بينهم—بخطوات ثابتة، خالية من التردد، كأن شيئًا ما يسحبهم من الداخل.
اقتربوا من العرش حيث جلست الملكة، شعرها المتشابك مثل خيوط ضوء القمر ينسدل حول كتفيها، فستانها الداكن مزين بأوراق ذهبية كأنها نمت عليه بشكل طبيعي.
حولها وقف الجان، بجلودهم الشاحبة، بآذانهم المدببة، بتلك الجمال القاتل الذي لا ينتمي لعالم البشر.
رفعت الملكة يدها، وبإشارة واحدة منها، تجمد الجميع في أماكنهم.
ثم نظرت إلى رعد مجددًا. هذه المرة، لم يكن مجرد نظرة عابرة، بل تمحيص، فحص، تقييم.
ثم قالت بصوت ناعم لكنه محمل بالقوة:
"أنت... لست مثل الآخرين."
كانت جملة بسيطة. لكنها أيقظت في داخله شيئًا ظل خامدًا طوال الوقت الذي قضاه هنا. شيئًا كاد ينساه وسط التعويذة التي قيّدته، وسط الأوامر التي أجبر على طاعتها.
شيئًا كان دائمًا في داخله.
الغضب.
لأول مرة منذ زمن لم يستطع قياسه، شعر بشيء يكسر القيود غير المرئية التي حاصرته. شعر بنبضه يعود، شعر بالهواء في رئتيه كما لو أنه يتنفس لأول مرة.
وعين الملكة، ما زالت عليه، مبتسمة، كأنها كانت تنتظر هذه اللحظة بالذات.
في اللحظة التي شعر فيها رعد بشيء يتكسر داخله، تسلل صمت غريب إلى القاعة. لم يكن صمتًا حقيقيًا—فالموسيقى ما زالت تعوي، والجان ما زالوا يدورون في رقصاتهم المسعورة، والأقداح تُرفع وتُسقط—لكنه كان صمتًا في رأسه، فجوة بين ما كان عليه قبل لحظات وما أصبح عليه الآن.
شيء ما تغير.
أحسّ أنفاسه تتباطأ، وشيئًا ما يُنتزع من داخله، كما لو أن قوة لم يعد بوسعه تجاهلها كانت تستيقظ. لأول مرة منذ أن وطأت قدمه أرض الجان، لم يشعر بأنه مجرد خادم مسحور.
كان هو.
لم يكن يعرف إن كان هذا بسبب نظرة الملكة، أو كلماتها، أو شيء أعمق من ذلك—شيء كان ينتظره منذ اللحظة التي دخل فيها هذا العالم الغريب. لكنه أدرك أمرًا واحدًا: كان يرى بوضوح.
والملكة لاحظت ذلك.
"مثلك لا يُخضع بالسحر بسهولة،" همست، ابتسامتها لا تزال مكانها، لكنها هذه المرة، كانت مختلفة—لم تكن مجرد ابتسامة جنيّة متعالية، بل كانت اعترافًا.
اعترافٌ بأنه كسر شيئًا لا يُكسر عادةً.
أنه تحداها دون أن ينطق بكلمة.
رعد لم يرد. لكنه لم يخفض رأسه أيضًا، كما كان يفعل كل الخدم المسحورين حوله. لم يطرق بصره إلى الأرض كما كان يُفترض به أن يفعل. ظل يحدّق فيها، تمامًا كما تحدّق فيه.
كانت تلك لحظة قصيرة. لكنها كانت طويلة بما يكفي ليشعر الجان من حولهم بتوتر غريب يتسلل إلى القاعة.
في هذه اللحظة، تغيّرت الموسيقى.
لم تعد مجرد أنغام جنونية تملأ المكان، بل أصبحت إيقاعًا أبطأ، أثقل، كما لو أن الحفل بأكمله تغيّر.
"أنت لست مجرد بشري."
قالت الملكة ذلك كأنها تقرأ شيئًا مكتوبًا على جلده، محفورًا في عظامه. كأنها لم تكن تتحدث عن شخص أمامها، بل عن لغز حاولت حله منذ زمن.
أمسكت بكأسها، أدارت السائل الذهبي داخله، ثم رفعت عينيها إليه مجددًا وقالت ببطء:
"أخبرني، لمن ترفع سيفك؟"
كان سؤالًا غير متوقع. لكن الأغرب منه هو الطريقة التي قيل بها—وكأنها تعرف الإجابة مسبقًا، وكأنها لا تنتظر سماع كلماته، بل سماع كيف سيقولها.
رعد لم يُجب فورًا. بل راقبها كما تراقبه، وكأن هذه اللحظة بينهما ليست مجرد حديث عابر، بل بداية شيء أكبر.
وبينما كان يبحث عن الكلمات، أدرك شيئًا واحدًا.
أنه مهما كانت هذه الملكة، ومهما كانت نواياها—فإن مواجهتها ستكون أخطر مما توقّع.
ضربه عفريت طويل بأذنى ماعز ضربة قويه جعلت جسده كاد يطير فى الهواء
وصرخه:
"اجب الملكه يا بشرى يا لعيني"
أجبرت الضربة رعد ان ينحنى وكان عيون الجان مصوبه نحوه.
رفع العفريت يده الضخمه مره اخرى ونزل بها على عنق رعد امام عيون الملكه المتربصه.
فى تلك اللحظه امسك رعد يد العفريت القويه تلاقت العضلات مع بعضها.
كان ماسيك أقوى عفاريت الجان، الحارس الشخصي للملكه.
ولم يستطع جان طول حياته ان يقف امامه.
ضربته مثل الصخره لكن ماسيك كان الان يعانى ليحنى يد رعد البشرى.
سرعان ما تحولت قاعة الاحتفالات لحلبة الجان يتراقصون ويضحكون بجنونه.
توقفت يد ماسيك فى الهواء بدت القوتين متعادلتين لا غالب ولا مغلوب.
استشاط ماسيك غضبآ، القى ردائه على الأرض وسحب سيفه.
لقى جنى قزم سيف تجاه رعد وارتفع التصفيق.
"بشرى يتحدى ماسيك"
جلست الملكه تحتسى خمرها وتتابع باستمتاع.
سحب رعد سيفه ووضعه خلف ظهره وارعش معطفه الطويل.
لمعت عينيه الزرقاء ونفض شعره الطويل.
كان ماسيك أطول واقوى لكن رعد اسرع، دماء الآلفا تسرى فى عروقة.
عندما التقا السيفان ارتج عرش الملكه ولمعت نجمه فى سماء مملكة باسيف.
نجمه مظلمه تظهر كل الف عام مذكوره فى كتب علماء الجان ومشعوذيها، هاج البحر وففزت الأسماك بين الأمواج.
كان الحكيم العجوز الذى يجلس خلف عرش الملكه مغمض العينين منذ بداية الحفل، فتح عينيه الان ونظر إلى الملكه.
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم اسماعيل موسى
في تلك اللحظة، كأن وميضًا خافتًا عبر عينيها، مثل نصل يلمع للحظة قبل أن يغوص في الظلام.
شعر رعد بجسده مشدودًا، ليس بفعل السحر هذه المرة، بل بشيء آخر... شيء غير مرئي، لكنه حقيقي.
رأت ليلى ملامحه تتغير، عينيه تضيئان بتحدٍّ صامت، لم يكن ينحني بعد الآن، لم يكن مجرد خادم مسحور مثل الآخرين. ارتفع قلبها بقلق، لكن قبل أن تتحرك، وضعت الملكة إصبعًا واحدًا على شفتيها، وكأنها تأمر الجميع بالصمت.
ثم قالت، بنبرة هادئة لكن مليئة بالإغراء: "اقترب أكثر، أيها الذئب."
ذئب ؟
سرت همهمه بين الجان، الذئب الوحيد الذى يعرفونه كان قائد جيش والد الملكه والذى اختفى فجأه خلال مهمه سريه بعثه إليها الملك جونغان للبحث عن ساحره عظيمه تسكن أرض البشر.
كأن الكلمات اخترقت جلده، وصلت إلى شيء مدفون داخله. للحظة، تردد... لكنه تحرك. خطوة، ثم أخرى، حتى أصبح أمام العرش مباشرة.
رفعت الملكة يدها، وببطء، مررت أصابعها الرشيقة على جانب وجهه، كما لو كانت تستشعر شيئًا غير مرئي.
"دمك يحمل أكثر مما تدرك..." همست، ثم ابتسمت، قبل أن تضيف بصوت بالكاد يسمع: "وأنا... أريد أن أراه ينزف."
وفجأة، شعرت ليلى بشيء يتغير، لم يكن واضحًا بعد، لكنه كان بداية شيء لن يستطيع أحد إيقافه.
"مثلك لا يُخضع بالسحر بسهولة."
همست الملكة بتلك الكلمات، لكن صداها كان أقوى من مجرد همس. لم يكن صوتها مجرد نغمة عابرة، بل كان كأنه يغوص في عمق كيانه، يلامس شيئًا لم يكن رعد يدرك وجوده.
أحس بحرارة غريبة تتسلل إلى عروقه، كأن دمه اشتعل للحظة. جفونه ارتعشت، أصابعه قبضت على السيف الذى يحمله حتى كاد يحطمه. كان هناك شيء يتفكك داخله، شيء كان مثبتًا عليه كالأغلال.
شعر بالتعويذة تهتز. لم تختفِ بالكامل، لكنه شعر بها لأول مرة، كأنها قيد أصبح مرئيًا له، خيط رفيع لكنه ليس غير قابل للكسر.
ثم، بابتسامة بالكاد تُرى، أضافت الملكة: "لكننا نعرف كيف نجعلك تنحني."
في اللحظة ذاتها، أحس بألم مفاجئ في صدره، كأن شيئًا غير مرئي اخترقه. الهواء اختفى من رئتيه للحظة، وانحنت ركبتاه رغماً عنه. لم يكن الألم جسديًا تمامًا، بل كان شيئًا أعمق—كأن روحه نفسها تعرضت لضربة.
رأى انعكاس نفسه في الأرضية المصقولة، لكنه لم يرَ وجهه فقط. خلفه، كظل ممتد، كان هناك شيء آخر—شيء لم يكن قد رآه من قبل.
كانت هناك أعين أخرى تحدق إليه. ليست عيون الملكة، ولا عيون الجان حولها، بل شيء أقدم، أعمق، شيء من الماضي أو ربما من المستقبل.
سمع صدى صوت، لم يكن واضحًا، لكنه لم يكن بحاجة لسماع الكلمات ليفهم معناها.
"استيقظ… أو اخضع."
الملكة انحنت قليلاً للأمام، كأنها تراقب ما يحدث داخله، لكنها لم تتدخل. كانت تنتظر.
ورعد… كان على وشك أن يقرر.
إما أن يكسر القيد بالكامل، أو أن يسمح له بأن يلتف حوله مرة أخرى.
في تلك اللحظة، سُمع صرخة في القاعة.
لم تكن صرخة ألم، بل كانت أشبه بصدى بعيد، كأن الرياح ذاتها نطقت. الجميع التفتوا، حتى الملكة، وعيناها الذهبية ضاقتا للحظة.
في مدخل القاعة، وقف شخص لم يكن أحد يتوقعه.
ليلى.
لكنها لم تكن كما كانت من قبل. كان شعرها يتطاير كأن عاصفة تحيط بها، وعيناها—توهجتا بشيء لم يكن بشريًا بالكامل. في يدها، أمسكت بشيء صغير، شيء كأنه قطعة من العظم القديم، لكنه كان ينبض بطاقة غير طبيعية.
"لن يكون هناك خضوع اليوم." قالت، وصوتها لم يكن صوت فتاة عادية.
رعد، رغم الألم الذي لا يزال يمزقه، شعر بشيء آخر.
شعر بأن الصراع لم يعد صامتًا بعد الآن.
لقد بدأ.
ساد الصمت للحظة، لكنه لم يكن صمتًا حقيقيًا، بل كان ممتلئًا بتوتر يكاد يقطر في الهواء. عينا الملكة ثبتتا على ليلى، لم يبدُ على وجهها أي انفعال، لكن الجان حولها تبادلوا نظرات قلقة. لم يكن ظهور ليلى متوقعًا، ولا القوة التي تلبستها.
رعد، رغم الألم، أجبر نفسه على الوقوف. كان لا يزال يشعر بقبضة التعويذة، لكنها لم تعد مُحكمة كما كانت قبل لحظات. كأنه، بوجود ليلى، انفتح شرخ في شيء لم يكن يدرك حتى أنه كان مغلقًا بإحكام.
قالت الملكة بهدوء مخيف: "يبدو أنكِ أخطأتِ الحسابات، يا صغيرة."
ليلى لم ترد، لكن اليد التي تحمل القطعة العظمية انغلقت عليها بقوة. شعرت أن الكيان الذي استدعت أثره عبر تلك القطعة لا يزال معها، لا يزال ينظر من خلالها، يتابع المشهد كما لو كان ينتظر اللحظة المناسبة للتدخل.
"أنتِ لا تنتمين إلى هنا." تابعت الملكة، ثم التفتت ببطء نحو رعد. "وأنتَ… بدأتَ تدرك أنك أيضًا لا تنتمي."
كان في كلماتها إشارة خفية، لكنها لم تمنحه وقتًا للتفكير. في لحظة، رفعت يدها، ولمحت ليلى التوهج الذهبي في أطراف أصابعها قبل أن تندفع موجة من الطاقة نحوها.
رعد تحرك قبل أن يفكر—أو ربما شيء آخر تحرك فيه. لم يكن سريعًا بما يكفي لإيقاف الهجوم، لكنه كان كافيًا ليقف أمامه.
الطاقة اصطدمت به مباشرة.
لم يكن الألم كما توقع. لم تكن نارًا ولا صاعقة، بل كان كأنه يُسحب إلى هاوية باردة، كأن جزءًا من كيانه يُمحى ببطء. للحظة، رأى نفسه مرة أخرى في الانعكاس على الأرضية—لكن هذه المرة لم يرَ شخصًا واحدًا.
رأى وجهًا آخر يتداخل مع وجهه. وجه لم يكن يعرفه، لكنه شعر به مألوفًا حد الرعب.
ثم، في ومضة، انكسرت الموجة من حوله، وكأن شيئًا آخر تصدى لها من الداخل. هوى رعد على ركبتيه، لكنه لم يسقط بالكامل. في عينيه كان هناك وعي جديد، شيء لم يكن موجودًا قبل لحظات.
الملكة لم تتحرك، لكنها ضيّقت عينيها قليلاً، كأنها أدركت أن ما حدث لم يكن طبيعيًا.
أما ليلى، فقد ابتسمت.
لم تكن ابتسامة تحدٍ، بل ابتسامة شخص رأى للتو أول شرارة لحريق عظيم قادم.
"لم أخطئ الحسابات،" همست، ثم فتحت يدها، وتركت القطعة العظمية تسقط على الأرض.
وعند ملامستها للأرض، اهتزت القاعة بأكملها.
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل الثلاثون 30 - بقلم اسماعيل موسى
اهتزت الأرضية المصقولة تحت أقدامهم، كأن القصر بأكمله ارتجف في خوف.
تموجت الظلال على الجدران، وارتفع همس خافت كأن الأرواح التي كانت نائمة هنا منذ قرون قد استيقظت أخيرًا.
الملكة لم تتحرك، لكنها أدارت نظرها ببطء نحو القطعة العظمية التي ارتجفت على الأرض، ثم استقرت بلا حراك.
للحظة، بدا أن شيئًا لم يحدث، ثم—انطلقت شقوق سوداء من العظم، كأنها عروق تنمو بسرعة، تزحف على الأرضية الرخامية، تتجه مباشرة نحو العرش حيث جلست الملكة.
الجان من حولها تراجعوا على الفور، أعينهم تتابع المشهد في ذعر،
حتى هم، بمكرهم وقوتهم، كانوا يدركون أن هذا لم يكن مجرد سحر عادي.
رعد، الذي لا يزال راكعًا، شعر بنبض غريب في جسده،
كان الأمر كما لو أن القيود التي كبلته لسنوات بدأت تتآكل، كأن شيئًا داخله يستيقظ، شيئًا كان مخفيًا بعناية تحت لعنات لا تحصى.
أحس بصوت يهمس في أذنه، لكنه لم يكن صوتًا بشريًا.
"ليس بعد… لكن قريبًا."
رفعت الملكة يدها، وفي لمح البصر، اختفت الشقوق كما لو لم تكن موجودة.
ساد القاعة صمت ثقيل.
ثم نظرت إلى ليلى، ولأول مرة، ظهر في عينيها شيء لم يكن غضبًا ولا سخرية.
كان فضولًا.
"أنتِ..." همست، ثم نهضت من عرشها ببطء، ثوبها الأسود ينساب حولها كالدخان.
اقتربت خطوة، ثم أخرى، إلى أن وقفت أمام ليلى مباشرة.
لم يكن هناك سوى مسافة أنفاس بينهما.
"ما أنتِ؟" سألت الملكة، وعيناها تلمعان باهتمام حقيقي.
ليلى لم تجب فورًا.
كانت لا تزال تشعر بالطاقة تتدفق عبرها، لم تكن تعرف مصدرها، لكنها كانت تعرف شيئًا واحدًا—لقد تغيرت.
"أنا..." ترددت للحظة، لكنها رأت انعكاسها في عيني الملكة، وابتسمت.
لم تكن خائفة بعد الآن.
"أنا من سيكسر السلاسل."
وفي تلك اللحظة، انفجرت الرياح في القاعة كما لو أن أبواب العالم الآخر قد فُتحت.
رعد، رغم الثقل الذي غلّ جسده، رفع رأسه ببطء.
كانت التعويذة تتغلغل في كيانه، تقيّد إرادته مثل سلاسل غير مرئية، لكنه لم يكن رجلاً يستسلم بسهولة.
زفر ببطء، ناظراً إلى الملكة التي استرخت على عرشها وكأنها أنهت معركتها بالفعل.
بصوت أجش لكنه ثابت، قال:
"إذا كنتِ تبحثين عن خدم، فهناك طرق أفضل من فرض الطاعة بالقوة. أبرمي معي صفقة، وسأعطيك ما هو أكثر قيمة من مجرد الولاء القسري."
ساد صمت ثقيل.
بعض الجان حول الملكة تبادلوا نظرات متفاجئة، غير معتادين على أن يجرؤ أحد على التفاوض بعد أن أحكمت قبضتها عليه.
أما الملكة، فلم يبدُ عليها أي انفعال.
فقط حدّقت به بعينيها الذهبيتين، قبل أن تنطق ببرود:
"صفقة؟"
مالت قليلاً إلى الأمام، وواصلت، بصوت كأنّه ينساب مثل ماء سام:
"أنت لستَ في موقع يسمح لك بالتفاوض، أيها الذئب."
نزلت عن العرش ببطء، وخطت نحوه.
مع كل خطوة، شعر رعد بثقل التعويذة يضغط عليه أكثر، كأنها تثّبّت سطوتها ليس بالكلمات فقط، بل بالحضور ذاته.
توقفت أمامه، ونظرت إليه كما لو كان مجرد شيء مثير للاهتمام، لا أكثر ولا أقل.
"الولاء القسري؟" همست، ثم مدّت إصبعها ولمست صدره بلطف قاتل.
"أوه، لا تخطئ الفهم، هذا ليس ولاءً. هذا تحطيم تام لما كنتَ عليه."
شعر بكيانه يهتز، كأن كلماتها نفسها تعمّق أثر التعويذة.
"لا أريد صفقة معك." أضافت ببرود، "أريدك أن تكون لي بالكامل. جسدًا، روحًا، وذاكرة."
ثم، بابتسامة خافتة، همست:
"وأنت… ستوافق."
رعد شهق بصمت، محاولًا الحفاظ على وعيه، لكنه شعر أن الخيوط غير المرئية التي تقيّده أصبحت أكثر إحكامًا.
لكن في أعماقه، وسط العتمة التي حاولت الملكة فرضها عليه، كان هناك شيء آخر، شيء صغير لكنه حيّ… شيء لم تستطع لمسه بعد.
هبّت الرياح في القاعة كأنها زئير عاصفة محتجزة منذ قرون.
ارتفع ثوب الملكة السوداء قليلًا، وكأن الظلام نفسه كان ينبض تحت قدميها.
لم تعد تبتسم، ولم يعد الفضول يشغلها.
الآن، كان في عينيها شيء آخر—إرادة مطلقة، وسيطرة لا تقبل التحدي.
مدّت الملكة يدها ببطء، وبحركة بالكاد مرئية، رسمت بإصبعها رموزًا غير مألوفة في الهواء.
اشتعلت الرموز بتوهج ذهبي باهت، لم يكن دافئًا بل باردًا، كأن النجوم نفسها قد جُرّدت من حرارتها واحتُجزت في هذا القصر.
"بالدم الذي سُفك قبل أن تولدوا،
وبالعهد الذي قُطع في ظلال العروش،
وبالرياح التي تحمل أسماء المنسيين،
أربطكم بإرادتي، فلا فكاك،
أكسر مقاومتكم كما يُكسر الزجاج،
وأطوعكم كما تُطوَّع الرياح.
خدمونني حتى أفك أسركم،
أو حتى تُمحى أسماؤكم من الوجود."
كل كلمة نُطقت لم تكن مجرد صوت، بل كانت طاقة خالصة، خيوط غير مرئية امتدت عبر القاعة كأنها يد خفية تحاول الالتفاف حول رعد ورفاقه.
شعر رعد بشيء يشد جسده، لم يكن مجرد ضغط، بل كأن كيانه ذاته يُعاد تشكيله ليكون أداة بيد هذه المرأة.
حاول أن يقاوم، حاول أن يدفع الطاقة بعيدًا، لكن التعويذة كانت أقوى من أي شيء واجهه من قبل.
لم تكن مجرد كلمات، بل كانت قانونًا جديدًا يُفرض عليه.
ملوك الجان لا يستخدمون السحر كما يفعل البشر أو المخلوقات الأخرى.
إنهم لا "يُلقون" تعاويذ، بل يغيرون قوانين الواقع حولهم.
عندما يتحدث ملك جان، فإن كلماته ليست مجرد أصوات، بل هي شفرات تنسج نسيج العالم نفسه.
إنهم لا "يطلبون" من السحر أن يعمل—بل يفرضونه على الكون بالقوة.
رعد شعر بالتعويذة تتسلل إلى داخله، إلى عظامه، إلى دمه.
رأى ليلى تتراجع للخلف، شفتيها تتحركان كأنها تحاول أن تتلو شيئًا، لكنها لم تستطع.
الطاقة أحاطت بها كما أحاطت به، كأنها شبكة من الأوامر التي لا يمكن خرقها.
ماجي كانت الوحيدة التي لم تسقط على ركبتيها بعد، لكنها كانت تهتز، وعيناها تومضان برفض صامت.
لكنها، مثلهم جميعًا، لم تكن قادرة على المقاومة.
عندما انتهت الملكة من تلاوة تعويذتها، انحنى الهواء حولها كأن القاعة بأكملها قد رضخت لإرادتها.
نظرت إلى رعد، الذي كان لا يزال يكافح للنهوض، وابتسمت.
"الآن، أنتم لي."
ثم، دون أن تنتظر، استدارت وجلست على عرشها مجددًا، وكأن كل شيء قد انتهى.
لكن رعد، حتى وهو يلهث تحت وطأة التعويذة، شعر بشيء آخر.
شيء لم تتوقعه الملكة.
شيء في أعماقه لم ينكسر بعد.
همس رعد بصعوبه،
"اريد ان اعرف مكان أمير الجان الأحمر ريان وسأمنحك كل ما ترغبين به."
نطق رعد بصعوبه رغم احكام التعويذة عليه.
عندما نطق رعد بتلك الكلمات، لم يتغير شيء للحظات.
كانت الملكة لا تزال تراقبه بعينيها الذهبيتين الهادئتين، كأنها لم تتأثر.
لكن من حولها… الجان لم يستطيعوا إخفاء ردود أفعالهم.
البعض تصلّب في مكانه، آخرون تبادلوا نظرات خاطفة، وكأنهم سمعوا شيئًا محرّمًا.
ريان… أمير الجان الأحمر.
كان اسمه وحده يكفي ليقلب الأجواء، ليخلق توترًا غير مرئي في القاعة.
أما الملكة، فقد ظلت صامتة للحظات أطول مما ينبغي.
كان ذلك وحده إشارة كافية.
رعد، رغم الألم، لاحظ ذلك.
لم يكن يعرف القصة كاملة، لكنه رأى شيئًا في عينيها للحظة… شيئًا شبيهًا بالغضب المكتوم.
ثم، بابتسامة بالكاد تُرى، انحنت قليلًا وهمست:
"أنت تحاول أن تساومني بما ليس لديك."
لكن صوتها، رغم هدوئه، حمل شيئًا آخر… شيئًا يشبه الحذر.
رعد لم يرد الاستسلام.
قبض على أنفاسه، وصوته كان بالكاد يخرج، لكنه قال:
"أعرف كيف أبحث… أعطني الحرية، وسأجد لكِ ما لا يستطيع أحد غيري إيجاده."
الملكة نظرت إليه طويلاً.
كانت أفكارها تتحرك خلف نظرتها الثابتة، لكنه لم يستطع قراءتها بالكامل.
ثم، وببطء، ابتسمت—لكن ليس بلطف، بل ببرود يشبه شفرة سكين.
"حرية؟" همست، كأنها تذوق الكلمة بسخرية.
"لا، أيها الذئب، لن تحصل على ذلك. لكن… ربما سأسمح لك بأن تبحث لي عن أمير الجان الأحمر بطريقتي."
استدارت مبتعدة ببطء، ثم رفعت يدها.
وفي لحظة، شعر رعد بشيء يشدّه من الداخل، كأن الخيوط التي تقيّده أصبحت أكثر عمقًا.
"من الآن فصاعدًا، ستبحث لي عن أمير الجان الأحمر، ليس بإرادتك، بل بإرادتي."
ثم، بهمس لم يسمعه سوى هو، أضافت:
"ولن تستطيع إخفاء أي شيء تجدُه عني… حتى لو حاولت."
كانت قد ربطت مصيره بمهمته، وجعلت كل خطوة نحو الحرية مجرد وهم.
رواية الفتاه التي حلمت ان تكون ذئبه الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم اسماعيل موسى
كان الألم مثل تيار بارد يجتاح جسده، لكنه لم يكن ألمًا جسديًا فقط. كان شيئًا أعمق، كأن روحه نفسها تُعاد تشكيلها وفق إرادة الملكة. رعد حاول أن يقاوم، لكن كلما اشتد في معارضته، شعر بالتعويذة تتعمق أكثر، كأنها تحفر مساراتها في عقله ودمه.
أما ليلى، فكانت واقفة بصمت، لكنها لم تكن كما كانت قبل لحظات. شيء ما تغير فيها، شيء لم يكن مرئيًا بعد، لكنّه كان موجودًا، ينتظر لحظة الانفجار.
الملكة راقبتهم بعينيها الذهبيتين، نظرة المنتصر الذي يعرف أن معركته قد حُسمت قبل أن تبدأ.
"الآن، ستفعلون ما أطلبه منكم دون مقاومة."
بإشارة من يدها، انبعث ضوء ذهبي خافت من أجسادهم، رموز غريبة كانت تتوهج للحظات قبل أن تختفي، لكنها لم تُمحَ—لقد انغرست في أعماقهم.
"بحثكم عن ريان لن يكون خيارًا، بل مصيرًا." أضافت الملكة بصوت هادئ لكنه لا يقبل الجدل. "ستسيرون في طرق لا عودة منها، وستجدونه لي… أو ستُمحون من الوجود."
كانت تلك ليست تهديدًا، بل حقيقة محكمة.
شعر رعد بأن جسده أصبح أكثر خفة، لكن ليس بحرية… بل لأنه لم يعد ملكًا له. كان شيئًا ما يتحرك داخله، كأن إرادته لم تعد تخصه وحده، كأن جزءًا منه أصبح خاضعًا لنداء خفي، لمسة خفيفة لكنها غير قابلة للمقاومة.
ماجي، التي كانت لا تزال تحاول استجماع أنفاسها، أدركت ذلك أيضًا. نظرت إلى الملكة بعينيها الحادتين، محاولة إخفاء توترها، لكنها لم تقل شيئًا.
أما ليلى، فلم تحاول إخفاء شيء. حدقت في الملكة مباشرة، دون خوف أو تردد.
"وأنتِ، ماذا ستفعلين عندما نجده؟"
الملكة ابتسمت ببطء.
"هذا ليس شأنكِ، لكن بما أنكِ تسألين…" نظرت إليها نظرة طويلة، ثم أضافت بصوت هادئ: "سأعيد التوازن لما لم يكن ينبغي كسره."
لم توضح أكثر، لكن الكلمات نفسها حملت وزنًا أكبر من أن يكون مجرد لغز.
ثم، دون أن تعطيهم فرصة أخرى للحديث، لوّحت بيدها.
"اذهبوا."
وفي لحظة، اختفى المكان من حولهم.
…
عندما استعاد رعد وعيه، كان الهواء من حوله باردًا، الأرض تحت قدميه خشنة، والظلام يحيط به كأنه عاد إلى سجن النهر الأسود… لكنه لم يكن هناك.
كانوا في مكان آخر.
مكان لم يروه من قبل.
كان المكان أشبه بغابة، لكنها لم تكن غابة عادية. الأشجار كانت طويلة بشكل غير طبيعي، جذوعها ملتوية كأنها نمت تحت تأثير قوى غامضة. أوراقها بلون أرجواني داكن، تتوهج بخفوت مع كل نسمة هواء تمر.
كانوا وسط دائرة حجرية ضخمة، أعمدة قديمة منحوتة بعلامات غير مفهومة تحيط بهم. بدا كأنه موقع مقدس، لكن لأي كائن؟
رعد وقف أولًا، رغم الألم الذي لا يزال يثقل جسده. نظر إلى ماجي وليلى، اللتين كانتا تنهضان ببطء، تحاولان استيعاب المكان.
"أين نحن؟" سألت ليلى بصوت خافت.
رعد حدّق في الرموز على الأرض، ثم قال بصوت منخفض: "لا أعرف… لكن أشعر بشيء يسري في عروقي. كأن هذا المكان مرتبط بالتعويذة التي ألقتها علينا."
ماجي، التي كانت تراقب الظلال بين الأشجار، قالت بحذر: "لسنا وحدنا."
كان هناك صوت… ليس مجرد صوت الرياح بين الأوراق، بل همسات، خطوات خفيفة، حركة بالكاد تُرى بين الأشجار.
ثم—ظهر أولهم.
كان طويلًا، أطول من أي جان رأوه من قبل، جسده نحيل لكن طاقته كانت ثقيلة، كما لو أن الهواء نفسه انحنى عند اقترابه. عيونه لم تكن ذهبية مثل الملكة، بل حمراء، عميقة كدم غامق متجلط. خلفه، بدأت أشكال أخرى بالظهور، جميعهم يحملون العيون نفسها، جميعهم يحدقون بهم بصمت.
ليلى شعرت بقلبها ينبض بقوة. نظرت إلى رعد، الذي كان يقف بثبات، رغم أنه كان يشعر بالثقل ذاته.
الجان الحُمر.
لم يكن عليهم أن يسألوا، كانوا يعرفون.
ماجي قبضت على يديها، كأنها تحاول مقاومة الرغبة في التصرف باندفاع، لكن رعد رفع يده قليلًا، كإشارة لها بالصبر.
ثم تحدث الجان الطويل، بصوت يشبه الحجارة تُسحق ببطء:
"أنتم ملعونون."
لم يكن سؤالًا، لم يكن استنكارًا… بل حقيقة.
رعد لم يرد مباشرة، لكنه قال بعد لحظة: "نبحث عن أميركم، ريان."
لم يرمش الجان ذو العيون الحمراء، لكنه مال قليلًا إلى الأمام، كما لو أنه كان يتأكد مما سمعه.
ثم ضحك، لكنها لم تكن ضحكة عادية. كانت باردة، جافة، كأنها لم تحمل أي متعة.
"إذن، أرسلتكم هي."
لم يذكر اسم الملكة، لكنه لم يكن بحاجة لذلك.
"إن كنتم تبحثون عن أميرنا، فأنتم إما أغبياء…" نظر إليهم واحدًا تلو الآخر، ثم أضاف بصوت منخفض: "أو ميّتون بالفعل، لكنكم لم تدركوا ذلك بعد."
كانت الرياح بين الأشجار تحمل همسًا جديدًا، أقرب إلى نذير شؤم.
رعد شعر أن رحلتهم لم تبدأ إلا الآن.
لم يكن هناك تحذير. لم يكن هناك إنذار.
بلمح البصر، تحرك أحد الجان الحُمر. كان سريعًا، أسرع مما توقعه رعد، وهاجم بلا مقدمات. لم يكن سلاحه معدنًا، بل طاقة سوداء انطلقت من كفيه كشرارة ممزقة للهواء، متجهة نحوهم بقوة ساحقة.
رعد بالكاد استطاع تفادي الضربة، لكن الأرض تحته لم تكن محظوظة—انفجرت الحجارة وتشققت، كأن قوة التعاويذ نفسها قد نُزعت من أعماقها.
"تراجعوا!" صاح، لكن لم يكن هناك وقت.
حارسان آخران تحركا في نفس اللحظة، أحدهما هاجم ليلى، والآخر اندفع نحو ماجي بسيف غامق اللون، بدا وكأنه مصنوع من ظل متجمد.
ليلى رفعت ذراعيها غريزيًا، وعندما فعلت، اندفعت منها طاقة لم تكن تتوقعها—طاقة بنفسجية داكنة تشبه ضوء النجوم الميتة، صدّت الهجوم الأولي للحارس، لكنها لم تمنعه بالكامل.
"متى…؟!" شهقت، لكنها لم تمتلك وقتًا لتفكر في ذلك الآن.
ماجي، في المقابل، لم تعتمد على السحر. كانت تعرف أن سرعتها ليست كافية لمجاراة الجان، لكنها لم تكن بحاجة لذلك. عندما انقض عليها الحارس، لم تتراجع—بل اندفعت نحوه بشكل مفاجئ، استخدمت زخمه ضده، انحنت في اللحظة الأخيرة، ووجهت لكمة مباشرة إلى أسفل ضلوعه.
كان أثر ضربتها أقل مما كانت تأمل، لكنه كان كافيًا ليفقد توازنه للحظة.
رعد، في تلك الأثناء، واجه الجان الأول، الذي كان لا يزال يحاول صعقه بطاقة الظلام خاصته. لكن رعد لم يكن في مزاج للانتظار.
اندفع نحوه، متفاديًا ضربة أخرى بالكاد، ثم قبض على معصمه بقوة. كان يعلم أن لمسه لن يوقف تعاويذ الجان، لكنه راهن على شيء آخر—القوة البدنية الخالصة.
شدّ ذراعه، ودفع الجان أرضًا بقوة. اصطدم الأخير بصخرة خلفه، مما جعله يصرخ بغضب، لكن رعد لم يمنحه فرصة أخرى—وجه إليه لكمة مباشرة إلى وجهه، جعلت رأسه يرتد للخلف.
لكن حتى مع ذلك، لم يكن الجان من النوع الذي يُهزم بهذه السهولة.
شعر رعد بحرارة قاتمة تتصاعد من جسد عدوه، ثم فجأة—انفجر ضغط رهيب من الطاقة حوله، دفعه إلى الخلف بقوة. اصطدم بصدره بشجرة ضخمة، لكنه استخدم قوة ساقيه ليمنع نفسه من السقوط.
"هذا ليس جيدًا…" تمتم، بينما رأى الحراس الآخرين يستعدون لجولة ثانية.
كانت هذه مجرد بداية المعركة.
لم يكن لدى رعد سوى لحظات لالتقاط أنفاسه قبل أن يشعر بضغط غريب في الهواء. ثم، كما لو أن الظلام نفسه قد تشكل إلى كائنات حية، انبثق المزيد من حراس الجان الأحمر من الفراغ. كانوا خمسة هذه المرة، أعينهم تلمع بتوهج أحمر قاتم، وجلودهم تكسوها أنماط سوداء متحركة كأنها سحرٌ حيّ.
"هذا… ليس جيدًا." تمتمت ماجي، قبضتها تشتد حول السكين الصغيرة في يدها.
"إن بقينا هنا، سنُقتل أو ما هو أسوأ." قال رعد وهو يتراجع بخطوات مدروسة، عيناه تراقبان كل حركة من أعدائهم الجدد.
أحد الحراس رفع يده، وعندما فعل، تشكلت حوله دوامات من طاقة داكنة، كأن الهواء نفسه يتمزق حوله. ثم أشار نحوهم، فانطلقت موجة من الظلام القاتل، تمزق الأشجار في طريقها، وتحول الأرض إلى حفرة سوداء.
لكن قبل أن تصل إليهم—ارتفع جدار من النور البنفسجي أمامهم، صد الهجوم كما لو كان درعًا منيعًا.
كانت ليلى.
عيناها تألقتا بتوهج لم يكن موجودًا فيها من قبل، وكأن القوة التي استيقظت داخلها قد بدأت تتشكل أخيرًا. مدت يديها إلى الأمام، وبدأت ترسم في الهواء رموزًا لم تكن تدرك أنها تعرفها.
"اتبعوني!" صاحت، قبل أن تضرب الأرض بكفها.
على الفور، تشكل ممر ضيق عبر الظلام، كأنها مزقت الواقع نفسه لخلق طريق آمن. كان النفق ينبض بطاقة غريبة، يتلوى كأنه مخلوق حي، لكنه كان مستقرًا بما يكفي للعبور.
رعد لم يتردد. "تحركوا!"
اندفعت ماجي أولًا، تتبعها ليلى، ثم رعد في المؤخرة، فيما كان الحراس يطلقون عليهم موجات من الطاقة لإيقافهم. لكن كلما اقترب أحدهم من الممر، كان الجدار البنفسجي يهتز للحظة ثم يعيد تشكيل نفسه، مانعًا أي اختراق.
عندما وصلوا إلى نهايته، وجدوا أنفسهم في غابة كثيفة، بعيدة عن موقع المعركة. كان الهواء هنا أكثر نقاءً، لكن إحساس الخطر لم يتلاشَ بعد.
رعد استدار نحو ليلى، التي بدت مرهقة، لكن عيناها لا تزالا مشعتين بتلك الطاقة الغريبة.
"كيف…؟" بدأ يتكلم، لكنه تراجع عندما رآها ترتجف، كأن جسدها لم يعتد بعد على هذه القوة الجديدة.
"لا أعرف." تمتمت، قبل أن تنهار على ركبتيها، يديها ترتجفان.
ماجي اقتربت بسرعة، وضعت يدها على كتفها، ثم نظرت إلى رعد. "علينا التحرك قبل أن يجدونا مجددًا."
رعد أومأ، عينيه لا تزالان على ليلى. كان هناك شيء يتغير، شيء لم يفهمه بعد.
لكنه كان يعلم شيئًا واحدًا—الهروب لم يكن سوى البداية.
اختفى الممر الان كانو فى مكان بلا ملامح جلسو يستردو أنفاسهما.
"العظمه؟" سأل رعد ليلى المنهك.
"مع الملكه." همست ليلى بتعب.
"كيف سنصل إلى الساحر ضرغام دون العظمه؟"
قالت ماجى، "ربما من الأفضل اننا فقدناها، لا تنسى اننا نخدم ملكة الجان."
حاول رعد ان يصرخ ان يسب الملكه لكن لسانه لم يطاوعه.
ثم ظهره جراده غريبه كانت تطير فوقهم.
غمزت ليلى بعينها بما يعنى اننا مراقبون.
ثم دوي صوت الملكه فى اذهانهم، "لا تظنو انكم فى رحله. لديكم وقت محدد بعده ستعمل التعويذه ضدكم، سيتقلص جسدكم حتى تتلاشو تمامآ."