الفصل 18 | من 30 فصل

رواية البوص الفصل الثامن عشر 18 - بقلم يمنى عبد المنعم

المشاهدات
17
كلمة
5,642
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 60%
حجم الخط: 18

قام شخص ما بقطع هذه اللحظات عند حافة الباب، قائلاً بسخرية لاذعة: "يظهر كده إني جيت بوقت غير مناسب ولا إيه." صُدم الجميع بذلك الرجل طويل القامة الذي يرتدي بنطالاً بني اللون وقميصاً من قماش الكتان. يرتدي أيضاً على عينيه نظارة شمسية غامقة اللون. قبل أن ترفع ملك بصرها إليه، كان قد ألقى سليم بالقلم الذي بقبضته بغضبٍ واضح، ثم أسرع نحوه كالبرق وأخرجه إلى خارج الغرفة، جاذباً إياه نحو حجرة أخرى.

أدخله البوص، صافقاً الباب خلفه بقوة، قائلاً بخشونة: "إيه اللي جابك ممكن أفهم." اتسعت ابتسامته الماكرة، محدقاً به باستخفاف، قائلاً بعبث: "في حد يقابل أخوه المقابلة الوحشة دي، بعد الغيبة الطويلة دي كلها." ذم سليم شفتيه بحدة، قائلاً بغضب: "إيه الكلام الفارغ اللي بتقوله ده، مين قال إني عايز أشوفك."

جلس خلفه على المقعد بكبرياء مزيف، ثم خلع نظارته الشمسية، يتأمل البوص بنظراتٍ مبهمة. وتبين الشبه الكبير بينهما، نفس الطول الفارع ونفس الملامح إلى حد كبير. قائلاً بهدوء مفتعل: "ده بدل ما ترحب بأخوك حبيبك." جز سليم على شفتيه من كثرة الغضب، حتى كاد أن يدميهما، قائلاً بغلظة: "شوف شغل التلات ورقات بتاعك ده أنا عارفه كويس، ومش هتعمل الشويتين بتوعك عليا فاهم، ويالا من هنا بسرعة بدل ما أطلبلك الأمن ييجوا يرموك برة."

تنهد الشخص تنهيدة حارة ونهض، مقترباً منه متجاهلاً هذا النفور الواضح من جانب شقيقه، قائلاً بنبرة ساخرة: "بس تعرف إن ذوقك حلو أوي في البنات، هيا ملهاش أخت شبهها." فوجئ الشخص بقبضة أخيه القوية تقبض على فكه، واليد الأخرى تخرج سلاحاً تقربه من جبهته، قائلاً بعصبية: "كلمة واحدة زيادة وهيكون الرصاص مفرتك دماغك، ويالا غور من هنا وإلا انت عارف هيحصلك إيه."

تظاهر بعدم الخوف، مع إن نبضات قلبه أسرعت من الفزع المباغت الذي شعر به، قائلاً بهدوء ظاهري: "أظن إن مش من الشهامة إنك تقتل أخوك." دفعه للخلف بقسوة، وهو مازال شاهراً السلاح ناحيته، قائلاً بغضب: "وهوا بردو كان من الشهامة إنك تعمل اللي عملته فيا من خمس سنين." صمت لا يدري ولا كيف يدافع ويبرر عن نفسه ما فعله، فأطرق برأسه أرضاً. زمجر البوص متابعاً بحدة:

"اسمعني كويس في الكلمتين دول، أنت هتتحبس هنا لغاية ما رجعلك، وأي حركة كده ولا كده رجالتي هيصفوك فاهم." هز رأسه بالموافقة رغماً عنه، فليس هناك مجال سوى الانتظار هنا. انصرف من الحجرة، مغلقاً الباب بالمفتاح عليه. رفعت ملك عيونها المغرورقة بالدموع، تحدق بسليم الذي تجاهل نظراتها الباكية. لا تهتم بالشخص الذي قاطعهم دون سابق إنذار هكذا، ولا مبالية بما يحدث، فكل اهتمامها فقط هو فيما آل إليه نصيبها.

قام سليم بتوقيعه على آخر قسيمة أمامه، والتي من المفترض أن يكون قد وقعها من قبل أن يأتي أخيه. تحت نظراتهم المتسائلة، وبالأخص إبراهيم، الذي قام بالإمضاء هو الآخر مع الشاهدين. ابتلعت فريدة ريقها بصعوبة بالغة، يرتجف قلبها بريبة، قائلة بخفوت: "في حاجة يا أبيه." أغمض أهدابه بقسوة شديدة دون أن ينظر إليها، ولا يجيب تساؤلها الخائف. اقتربت منه تحاول معرفة ما به من غموض مفاجئ، قائلة بتوتر: "الظرف في إيه يا أبيه."

بوغتت به يُلقيها بوجهها بقوة، قائلاً بلهجة يشوبها الغضب: "خدي شوفي فيه إيه." اتسعت حدقتاها بهلع وهي ترى بعض الصور لها وورقة زواج عرفي منتهية بإمضاءها وذلك الشخص الحقير المسمى عمر. رفعت بصرها إلى عاصي الواقف يتأملها، ومشاعر شتى تنتابه وتتداخله. دموعها تسبقها بقلقٍ ممزوج بذعر، تتحدث باضطراب: "كل ده كدب يا أبيه، معقوله انت تصدق فيا كده."

لم يجيبها، إنما الصمت كان مرافقاً له رغماً عنه، رافضاً بداخله تصديق ما شاهدته عيناه من كارثة جديدة تحل فوق رأسه. أشاح بوجهه بعيداً عنها، اقتربت منه تتوسله بنظراتها الراجية أن يرد عليها ويطمئنها أنه يعلم تماماً بأن هذا ما إلا إلا كذبةً كبيرة من اختراع ذلك المجرم عمر.

قاطع هذه المشاعر الصادمة وصول رسالة على هاتف عاصي، تخبره بالمزيد من الوقاحة من ذلك الحقير، بأنه هناك الكثير معه من الصور وعلى استعداد تام بنشرها في أي مكان، وأنه استكفى فقط بهذه الكم الذي أرسله إليه. وأنه كان أيضاً يستطيع أن يرسل ما بعثه عبر هاتفه، ولكنه فضل إرسالها أمام منزله بطريقةً تقليدية، وهدده أيضاً بفضحها بين زملائها بالكلية إذا ما تصرف بأي رعونة في أي وقت.

ركضت ملك خارج الحجرة، تعتلي درجات السلم متجهة إلى غرفتها بعد أن انتهى عقد القران، مطلقة لمشاعرها العنان. بعيداً عن الجميع، انهمرت عيونها الواسعة بالمزيد من البكاء، ألقت بنفسها على الفراش، تبكي ما وصلت إليه. فاهي هي أصبحت زوجة ذلك المجرم الخطير، وعليها أن تستلم رغماً عنها للأمر الواقع.

هبت من مكانها تتأمل محياها الشاحب بالمرآة، تنفر من حالها ومن ثيابها الغالية الثمن، سارعت إلى انتزاعها عن جسدها بمنتهى القسوة، تحتقر نفسها أكثر من ذي قبل. والكثير من المرارة تملأ قلبها الحزين، تريد الفرار لكن إلى أين. استبدلت الثياب وكأنها بعالم آخر، منفصل عما حدث للتو معها.

وضعت كفيها على وجهها تجهش بالبكاء من جديد، تندب حظها العاثر بالوقع في طريقه، وها قد أصبحت زوجته للأبد، فمهما فعلت لن يتركها لحال سبيلها أبداً، وبالأخص أنه كان مطلبها هي منذ البداية. عاد سليم إلى شقيقه الذي ينتظره رغماً عنه، قائلاً بحدة: "ممكن أعرف إيه اللي فكرك بيا دلوقتي ها." ابتسم بجانب شفتيه ابتسامة صفراء، قائلاً ببرود: "وحشتني وقلت آجي أشوفك." قبض على قميصه بقوة من الأمام، قائلاً بعصبية:

"مين قال إني عايز أشوفك ولا أسمع سيرتك، أنا منبهك كذا مرة قبل كده، إني مش بعتبرك أخويا وانت بالنسبة بالي مُـت خلاص." ظن البوص أن شقيقه سيخشى من العقاب المنتظر له، لكن على العكس، تظاهره باللامبالاة جعله يشد ويقسو عليه أكثر من ذي قبل. متابعاً حديثه بخشونة: "يالا على برا مش عايز ألمحك حتى في أي مكان أن موجود فيه." هز شقيقه رأسه متظاهراً بالسخرية، قائلاً بجمود: "انت ناسي ولا إيه إني ليا هنا أمانه ولازم أخدها."

ضيق سليم عيونه بغموض قاتم، قائلاً بصوتاٍ كالفحيح: "إنت ما لكش أي حاجة عندي ويالا امشي من هنا بسرعة وكفاية أوي لغاية كده." بُهت وجهه بشدة، قائلاً بعدم تصديق: "سليم انت أكيد بتهزر." قاطعه انطلاق رصاصة مرت بجانبه، فابتعد على الجانب الآخر، يتصبب العرق من جبهته من كثرة صدمته المفزعة، ونبضات قلبه تخفق بعنف. مردفاً بنبرة مرتعشة: "بقى عايز تقتلني." قاطعه بصوتٍ قاس: "كلمة زيادة والرصاصة الجايه هتكون في دماغك تحب تشوف."

تطلع إليه للحظات، ثم أسرع من أمامه راكضاً للخارج. زفر سليم بضيق، قائلاً لنفسه: "لسه ليك عين توريني خلقتك." ثم ضم قبضته بقوة، مغمضاً أهدابه بغضب. مستكملاً حديثه لنفسه: "شكل كده الأيام الجايه هتبقى مليانه مغامرات وابقى لازم أكون مستعدلها كويس أوي." تأملته فريدة بإلحاح، قائلة برجاء: "أرجوك يا أبيه رد عليا، معقوله تكون مصدق كل ده." تجمد بصره عليها بشكل مبهم، قائلاً بصرامة:

"طب واسمك اللي ماضيه بيه الورقة العرفي تقولي عليها إيه." صمتت طويلاً تحاول الإجابة عن هذا السؤال، لكن عاصي لم ينتظرها، بل تركها وغادر المنزل. شعرت فريدة باليأس كثيراً، فها هي بمشكلةٍ ضخمة ليست بإمكانها الصراع فيها، فكل وقتها المتبقي للامتحان لا يكفي ما ستدخله من صراع من أجل ذلك التافه. وبذلك التوقيت بالتحديد، فهي تريد أن تقرب عاصي منها، وليس هذا وقت النفور والبعد عنها، إنها مظلومة وتتمنى أن يصدقها، وإلا ستدمر حياتها.

جلس عاصي خلف عجلة القيادة شارد الذهن، غاضباً مما يحدث مع فريدة، حائراً هل يصدقه ويكذبها هي، أم ماذا عليه فعله الآن في هذا الموقف المسيء له ولعائلته من حيث الشرف والسمعة. أغمض عيونه بتكاسل، يبتسم ببعض من الخبث والتشفي، جالساً بأريحية على أريكة وبجانبه أحد أصدقاء السوء، قائلاً: "يا ترى هيبقى إيه ردت فعل قريبها ده اللي اسمه عاصي." مط عمر شفتيه مبتسماً بسخرية، قائلاً:

"ولا حاجة أكيد واحد زي ده استحالة هيبلغ عني، يمكن مثلاً هيخاف من الشوشرة والفضايح اللي هتحصل، يعني آخره كده هيزعق شوية وهيسكت." هز صديقه رأسه بشرود، ثم رفع أحد حاجبيه قائلاً بشك: "بس استحالة واحد زي ده هيعدي منه الموضوع كده من غير ما يتصرف." زفر عمر بضيق، معتدلاً بمجلسه، قائلاً بجمود:

"وبعدين معاك بقى، ما قلتلك إن الموضوع أنا مظبطه، ومش هيقدر يعمل معايا حاجة، انت ناسي إن فيها شرف بنت، ده غير إن واحد زيه ميقدرش يهوب ناحيتي." أسدل الليل خيوطه الأولى على الجميع، بينما تقف ملك تارة وتجلس تارة أخرى في داخل غرفتها. والقلق والخوف يعتريها أكثر وأكثر، فبقدوم الليل يزداد الهلع بداخلها، فبالتأكيد لن يتركها وحيدة هذه الليلة بدونه.

أخذت تفرك بيديها بارتباك، تتساءل بفزع هل سيأتي حقاً مطالباً إياها بالخضوع والطاعة له رغماً عنها، أم سيتركها لهذا الصراع الداخلي دون جواب شاف. وقفت فريدة تطلع من النافذة في هذا الوقت المتأخر من الليل الحالك الظلام، والقلق يعصف بقلبها في مهب الريح، فإلى الآن لم يأتِ عاصي بعد من الخارج وهاتفه مازال مقفلاً. فهي حتى الآن لم تهدأ أعصابها ولن يرتاح عقلها من التفكير به إلى أن تطمئن عليه.

ابتلعت ريقها بصعوبة، تستند بكفها الأيمن على حافة النافذة. تنظر إلى الطريق، علها تستمع إلى صوت بوق عربته، هامسة بتوتر: "يا ترى انت فين يا أبيه لغاية دلوقتي." زاغ بصرها محدقةً بساعة يدها، فوجدتها الساعة الثانية والنصف صباحاً، تنهدت بعدم ارتياح، فبداخلها هلعاً لم تشعر به من قبل. قائلة بصوت مسموع مضطرب: "أنا قلبي مش مطمن، أكيد في حاجة حصلت، مش من عوايده يتأخر أوي بالشكل ده بره البيت."

لجظات مرت بها كالدهر عندها، لمحت عبر النافذة اقتراب سيارة من المنزل، تهلل وجهها بالفرحة، قائلة بلهفة: "أخيراً أبيه وصل." ركضت فريدة إلى خارج الغرفة كي تكون باستقباله. مُحيت الابتسامة عن محياها الرقيق، وحل مكانها الخوف الشديد، عندما رأت عاصي مترنحاً بضعف على غير عادته. اقتربت منه بخطى ثقيلة كي تساعده، فأشار لها بيده أن تقف مكانها، تسمرت قدميها بالأرض قبل أن تعترض على حديثه إليها. قائلاً بضيق:

"خليكي في مكانك اوعي تقربي مني فاهمه." تأملته بعيون قلقة، فوجدت العديد من الكدمات الحمراء المختلطة بالأزرق بوجهه، ما بين تحت عيونه وفوق حاجبيه، غير ثيابه التي قاربت على التمزق. يدل مظهره الخارجي على أنه تشاجر مع أحد الأشخاص، ساورها الشك على أنه سيكون ذلك المدعو عمر هو من فعل به ذلك. قائلة بخفوت: "مين اللي عمل فيك كده يا أبيه." جاءت لتقترب منه أكثر فصرخ بها: "قلتلك إوعي تقربي مني، يالا اطلعي على أوضتك."

هزت رأسها بالرفض، قائلة بإصرار: "مش هطلع غير لما أعرف مين عمل فيك كده." احمر وجهه من كثرة الغضب، رغم تعبه الشديد. قائلاً بغضب: "فريده اسمعي كلامي يتسمع بدل ما هطلع كل اللي جوايا عليكي." خشيت من مظهره وتهديده، فخطت نحو الدرج بقدمين ثقيلين، تجبرانها على عدم تركها له، وأن تكون برفقته. دخل عاصي مكتبه ولم يصعد هو لحجرته، أغلق الباب وراءه بغلظة، قائلاً لنفسه: "انتِ السبب في كل ده، إذا اتعرف الموضوع هتبقى فضيحة وقتها للكل."

ظلت ملك مستيقظة في فراشها ولم تنم، تتقلب على الجانبين بحيرة واضطراب، فبالرغم من قلقها هذا، إلا أن سليم لم يأتِ الليلة كما ظنت. فقد تعجبت من عدم مجيئه إليها، لقد كان بادياً عليه اللهفة من هذا الزواج. هذا ما ظنته من نظراته اليوم إليها. ضيقت عيونها باستغراب، قائلة لنفسها بارتباك: "معقول مش هيجي بعد كل اللي حصل، أمال ليه كان بيتجوزني من البداية."

تنهدت متعجبة، تحاول أن تغمض جفونها كي تنام. أما البوص فقد كان بالخارج إلى هذا الوقت المتأخر. دخل حجرته ثم ألقى بثيابه وبنفسه أيضاً على الفراش، شاعراً بشتى المشاعر، فمن ناحية شقيقه الذي يحاول نسيانه طوال هذه الأعوام الماضية. ومن ناحية أخرى، عقد قرانه على تلك الفتاة الذي ربط نفسه بها دون التفكير كثيراً بعواقب ذلك الارتباط.

تأفف من وضعه هذا، ثم أغمض أهدابه عله ينسى ما مر به اليوم، لكن صورة تلك العيون الواسعة ظلت تطارده حتى وهو مغمض العينين. في الصباح الباكر، استيقظت فريدة بعد نومها المتقطع طوال الليل. دخلت إلى المرحاض ثم ارتدت ثيابها لتطمئن على ابن عمها عاصي. لكن خطاها قد توقفت من التوتر، إذا تصرف نحوها مثل الأمس. أغمضت جفونها تفكر ماذا عليها أن تفعل.

استقرت بعد مرور بعض الوقت أن تذهب وترى ما الذي حدث له، طرقت عليه الباب عدة طرقات لكنه لم يجيبها، ضاق حاجباها بقلق، هامسة لنفسها: "معقول يكون لسه نايم." تناهى إلى أذنيها صوت آتٍ من المطبخ، فهرولت باتجاه الدرج. أحست أنه هو، بسببه من يصدر هذا الصوت، ثم تسلل إلى أنفها رائحة القهوة، فتأكدت أكثر أنه عاصي. هبطت السلم راكضة صوب المطبخ، ووقفت بجانب حافة الباب بارتباك، فكان مولياً ظهره إليها، نادته بتردد، قائلة بخفوت:

"أبيه عاصي صباح الخير." لم يلتفت إليها كما توقعت. ضمت شفتيها بتوتر أشد، ثم اقتربت منه أكثر، مردفة بتساؤل قلق: "حضرتك زعلان مني." لم يعيرها أي اهتمام، وتركها مغادراً المطبخ إلى مكتبه. ازدردت ريقها بصعوبة، وضاق حاجباها بحزن، هامسة بصوتٍ مسموع: "أكيد اللي حصل معاه كان بسببي وبسبب اللي اسمه عمر." مر الصباح دون أن يأتي سليم على حجرة ملك، مما زاد من تعجبها، بالرغم من ارتياحها لهذا الأمر.

إلا أن هناك شيء ما غامض، تشعر به. نزلت إلى الأسفل لتتبين ماذا يوجد وراء كل هذا الجو الغامض. بحثت عنه فلم تجده، شعرت بالارتياح نوعاً ما كي تتحرك بحريتها دون قيد داخل الفيلا، متخذة من عدم وجود الخادمة فرصة ذهبية، علها تعرف ما يدور من وراءها.

تنهدت متسائلة في نفسها، من أين تبدأ في البحث. وقع بصرها على تلك الغرفة المغلقة الموجودة بالقرب من الاتجاه صوب القبو، فاختارت قدميها إليها، حاولت فتحها لكن لم تستطع، فقد كانت مغلقة بإحكام شديد. تأملت الباب، قائلة بتساؤل: "يا ترى فيها إيه، أكيد موجود حاجة مهمة أوي، طالما مقفولة بالشكل ده." زفرت بضيق، ثم تجولت بعينيها مرةً أخرى، فرأت حجرة أخرى فتحتها دون تردد.

وقفت بداخلها تتفقدها، فشاهدت العديد من الصور المعلقة على الجدران، والتي لم تتعرف إلى أي شخص منهما، وأيضاً مع العديد من قطع السلاح المختلفة. لكن هناك صورة متوسطة الحجم تبدو أنها لوالديه. تأملتهم بعض الشيء شاردة الذهن، ثم أشاحت نظراتها. إلى اتساعها ووجود طاولة كبيرة في منتصفها، كأنها مخصصة للاجتماعات المهمة بالنسبة لعمله الإجرامي، الذي يقوم به.

ابتلعت ريقها بقلق، فقد أحست بالخوف المبهم، فمظهرها الكئيب أوحى لها بالقلق والفزع أكثر من ذي قبل. اقتربت من صورة بإطار فضي موجود فوق منضدة. انحنت قليلاً كي تلتقطها بيد مترددة، لكنها تراجعت، فقد استمعت إلى صوت إغلاق الباب خلفها، فقفزت من مكانها إلى الوراء بفزع كبير. متسعة العينين، مع صوت دقات قلبها العالية التي شعرت بأنه سيخرج من حلقها. هرب الدم من وجنتيها وحل محلهم الاصفرار والصمت المميت.

ولجت فريدة إلى مكتب عاصي ولأول مرة من غير أن تطرق عليه الباب وتستأذنه، فهي تعرفه جيداً، فلن يسمح لها بالدخول، وهو على هذه الحالة. كان واقفاً يرتب بعض أوراقه على المكتب، عندها لمحها، فقبض حاجبيه قائلاً بحدة: "إيه اللي دخلك هنا بدون إذني." ابتلعت ريقها بارتباك، تحاول أن تسيطر على خوفها منه. قائلة بخفوت: "لأن عارفه انك مش هتسمحلي أدخل." زفر بغضب واستكمل جمع أوراقه بسرعة. قائلاً بجمود: "اطلعي على أوضتك ذاكري أفضل."

أومأت برأسها ببطء، قائلة برجاء: "هطلع وهذاكر بس قولي مين عمل فيك كده." أغمض عيونه يحاول تمالك أعصابه، ولم يجيبها، مما أدى إلى ازدياد قلقها عليه. متابعة بجرأة قبل أن تضعف: "عمر هوا اللي عمل كده." تجهم وجهه للحظات، ثم تابع أخذ أوراقه ووضعهم داخل حقيبة صغيرة. مدت فريدة يدها وأمسكت بالحقيبة كي يجيبها. اتسعت عيونه بقسوة وهو يمسك بذراعها داخل قبضته يكاد يسحقه، قائلاً بصرامة:

"شكلك كده نسيتي خوفك مني وبدأتي تتجرأي وتتعدي حدودك معايا." هزت رأسها سريعاً بالنفي، رافضة ما يقوله، وأحست بوجع شديد مؤلم بيدها، قائلة بألم: "دِراعي يا أبيه وجعني أو." قاطعها بحدة غاضبة: "عن أنهي وجع جايه تكلميني." ظهر الألم جلياً بوضوح على وجه فريدة، التي تأوهت مرة أخرى من شدة الوجع من إمساكه إياها بهذه الطريقة المهينة، لكنها عذرته على الرغم من ذلك. هامسة بضعف: "أرجوك يا أبيه سيبني دراعي وجعني."

نظرات قاسية صوبت إليها كالأسهم الحارقة، هاتفاً بها بمرارة: "وجع… وجع إيه ده اللي بتتكلمي عنه... تعرفي إيه انتِ عنه عرفيني." ثم صمت برهةً جعلتها تندهش وتُصدم من محياه الذي تحول سريعاً من غضب ثائر إلى حزن عميق يدفنه بداخله. جعل قلبها يئن من أجله، مستطرداً بصوتٍ خفيض: "الوجع اللي انا عشته في سهري على خدمتكم طول الوقت من وانا صغير ومشغول عليكم طول الوقت، لدرجة إني معظم الوقت كنت بحاسب نفسي أول بأول عنكم."

صمت برهةً لم تستطع مقاطعته، مردفاً: "ولا وجعي أنا بالذات من ساعة ما جيتي وعيشتي معانا، وإلتزمت بربايتك والاهتمام بيكِ طول الوقت، قدام ربنا واشتغلت وعلمتكم كويس وفي الآخر ردتولي الجميل انتم الاتنين مش كده." هزت رأسها سريعاً نافية عنها ما يتهمه بها. ثم رفعت بصرها إليه والدموع تترقرق في حدقتيها التي بدأ الاحمرار يسري بِهما، تترجاه. قائلة بلهفة:

"بس أنا لا يا أبيه انا عمري ما أخذلك أبداً ولا نسيت اللي عملته ولا اللي لسه بتعمله علشاني لغاية دلوقتي." تركها بغتةً، دافعاً إياها نحو أريكةً وقعت عليها بعنف، متجاهلاً لجملتها الأخيرة. قائلاً بصوتٍ هادر: "عايزه تعرفي مين هوا أيوه عمر اللي عملها، رجاله أبوه ضربوني لم اتهجمت عليه قصادهم وضربته وفي الآخر مضطر اني اتحمل واسكت المرادي، علشان متتفضحيش أكتر من كده."

انهمرت دموعها بغزارة أكثر، غير مصدقة ما تورطت به رغماً عنها، قائلة برجاء: "أنا بريئة من كل الاتهامات دي والله يا أبيه." صرخ بها قائلاً بمرارة: "عارف إنك بريئة وانه حقير وواطي بس انتي السبب سبتيه لما ضايقك كذا مرة من غير ما تبلغيني على الرغم اني منبهك قبل كده." تطلعت ملك إلى الشخص الذي أوصد الباب جيداً، فوجدتها امرأة بكامل أنوثتها وثيابها الأنيقة، تدقق النظر إلى وجه الأخرى الممتقع، وفي عيونها الكثير من الغموض والخبث.

أزاحت خصلات شعرها خلف أذنها وهي تضم شفتيها باشمئزاز، قائلة بكبرياء: "واضح ان سليم بقى ذوقه في النازل أوي." زاغ بصرها بارتباك، شاعرة بإحراج وإهانة من كلماتها، فهناك فعلاً فرق شاسع بينهما من حيث ثياب كل منهما وجمال الوجه، فالأخرى تضع العديد من مساحيق التجميل. أما ملك فوجهها بريء، على الرغم من أنها ذات وجه جميل، فلا تضع شيئاً على وجهها، فهي لا تحتاج إليه والجميع يشهد لها بذلك، بما فيهم البوص. حاولت النطق، قائلة بتوتر:

"إنتي مين... ودخلتي هنا ازاي." رفعت المرأة جانب شفتيها ضاحكة بخبث، وهي تخلع نظارتها الشمسية عن عيونها. التي تخبأ وراءها المكر والخداع التي لم تصل إليه ملك في يوم من الأيام. ثم جلست على أحد المقاعد، واضعة قدم فوق الأخرى، تتأملها باستخفاف. قائلة بازدراء: "أنا أيتن وأبقى حبيبة البوص." دخل إبراهيم إلى غرفة مكتب سليم، قائلاً: "كل اللي طلبته نفذناه بس في حاجة لازم تعرفها حصلت." ضيق عينيه باهتمام، قائلاً: "في إيه قولي."

أجابه ببطء حذر: "أيتن هانم في الفيلا دلوقتي." اتسعت حدقتاه على آخرهما، قائلاً بغضب: "ومين اللي أذن لها تدخلها." صمت إبراهيم ولم يعرف بأي شيء يجيبه. هب من مقعده متعجلاً، ثم تناول هاتفه، قائلاً بجمود: "إلغى لي أي مواعيد النهاردة." ركب سيارته متجهاً إلى هناك. كاد يكسر عجلة القيادة بين قبضتيه من شدة غضبه، قائلاً بحدة: "راجعة تكملي لعبتك القذرة، إن ما وريتك يا أيتن."

لم تصعد ملك إلى غرفتها كما هو متوقع منها، بل على العكس، هبطت بالأسفل عند الطفلة الصغيرة نهلة، التي تجد الراحة بجانبها بعض الشيء، وبصحبتها تهرب مما تعانيه هذه الأيام الصعبة. وعلها أيضاً تنسى ما حدث منذ قليل. ابتسمت الفتاة لدى رؤيتها وتهلل وجهها بالفرحة. احتضنتها ملك قائلة: "عاملة إيه يا حبيبتي وحشتيني يا نهلة." ردت الطفلة بقولها: "أنا كويسة بس ليه مش بتيجي عندي زي الأول."

صمت برهةً من الوقت، لا تعرف كيف تهرب من إجابة هذا السؤال، قائلة بتردد: "معلش يا عمري كنت بس مشغولة شوية، يالا تعالي نلعب مع بعض بالألعاب الحلوة دي." مر وقت قصير عليهما وهما يلعبان، وأثناء هذا رأت ملك كتباً دراسية على رف المكتب الصغير الخاص بها. سألتها قائلة: "انتي بتذاكري في الكتب دي يا نهلة." هزت الطفلة رأسها قائلة باللامبالاة: "أيوه بذاكر بس مش كل يوم."

نهضت من مجلسها وتناولت أحد الكتب مكتوب عليه اللغة العربية للصف الرابع الابتدائي، فتحته تقرأ ما به، قائلة بحنان: "تعالي نقرأ سوا وأشرحلك كمان، وهخليكِ أشطر بنت في مدرستك كمان." ظهر الحزن العميق في عيون الصغيرة، قائلة: "بس أنا يا طنط مش بروح المدرسة دلوقتي من ساعة ما جيت هنا." شردت ملك قليلاً، ثم دقت النظر إليها، قائلة باهتمام: "من امتى ومبقتيش بتروحي المدرسة." أطرقت نهلة رأسها بتردد. شعرت بملك، فربتت على كتفها قائلة:

"متخافيش وقوليلي بصراحة مروحتيش المدرسة من امتى." تنهدت الطفلة قائلة ببراءة: "مروحتيش ولا مرة السنة دي." زفرت ملك بضيق، قائلة بحدة: "المجرم حتى المدرسة حارمها منها." ضاق حاجباها مردفة لها: "متقلقيش يا نهلة، أنا هذاكرلك كل يوم لغاية ما تبقي أشطر تلميذة على مدرستها." لم تصدق الفتاة ما تسمعه، فقالت بعدم استيعاب: "صحيح هبقى اشطر بنت على مدرستي." احتضنتها ملك بحب، قائلة بحنان:

"إن شاء الله ياحبيبتي بس ذاكري معايا واللي أقولك عليه تعمليه، وانتي تبقي متفوقة على زمايلك." أومأت برأسها بالإيجاب، وابتسامة بريئة على وجهها، قائلة بأمل: "حاضر هسمع ويالا ذاكريلي دلوقتي." ابتسمت لها كي تبث بداخلها الطمأنينة، قائلة بهدوء: "طيب تحبي نبدأ بإيه." أشارت بيدها على الكتاب الذي بين يديها، قائلة: "نذاكر عربي." ربتت على ظهرها بحنان بالغ. جلست نهلة بجوارها بجانب المكتب، ثم بدأت تشرح لها.

بحث البوص بداخل أرجاء الفيلا عن ملك فلم يجدها، حتى أنه صعد إليها في حجرتها. وقف أسفل الدرج، قابضاً قبضتيه بقوة، هامساً لنفسه بصرامة: "شكلها مش هترتاح من أولها." ما أن انتهى من عبارته، حتى سمع صوت ضحكات عالية آتية من القبو، تنهد بضيق غاضب، ثم هبط باتجاهه. بهت وجه كل من ملك ونهلة، واختبأت الطفلة وراءها تريد الاحتماء من نظراته التي لا يوجد بها أدنى رحمة.

ابتلعت الأولى ريقها بصعوبة بالغة، تريد الصراخ، لكن من سينقذها من شره. حاولت الثبات بالرغم من خفقات قلبها التي تكاد تتفتت من شدة خوفها منه. هدر بها: "اخرجي قدامي بسرعة." لم تتحرك من مكانها، وأمسكت بيد الفتاة الذي بدا من مظهرها أنه سيغشى عليها من الفزع. شعر سليم بالغضب أكثر، قائلاً بحدة: "سمعاني انا قلت إيه." زاغت عيونها الحائرة ما بين الطفلة وبينه. قائلة بصوت خفيض: "هخرج بس هاخد نهلة معايا."

جحظت عيناه الواسعة، غير قادر على استيعاب ما تتفوه به. زفر بحدة: "إنتي واعية للي بتطلبيه مني." أومأت برأسها بالإيجاب بشيء من الخوف. ولم تستطع أن ترد عليه وتواجه نظراته القاسية من جراء ما تفوهت به. تجهم وجهه من تحديها له. تأفف للحظات، ثم خرج يسبقها من القبو. تنهدت بارتياح وهي تغمض عيونها، غير مصدقة أنه تركها، ثم التفتت إليها تطمئنها، قائلة بهدوء ظاهري: "تعالي يالا معايا هطلعك أوضتي." سعدت الفتاة وتمسكت بها بقوة،

قائلة بفرحة: "يعني هنام معاكي في أوضتك." هزت رأسها قائلة بحب: "طبعاً ياقلبي يالا بينا من هنا بسرعة قبل ما البوص يرجع في كلامه." بعد أن تركتها بحجرتها بالأعلى، وعدت إياها أنها لم تتأخر عليها وستأتي ويستكملان ما كانا يفعلانه. هبطت إليه متجهة إلى مكتبه وهي تأهب نفسها لمواجهة غضبه عليها. طرقت عليه الباب وفتحته ودلفت إليه متوجسة بما سيفعله بها. وجدته بانتظارها واقفاً خلف مكتبه، مبهم الوجه، قائلاً ببرود:

"مين قالك تنزلي عند نهلة وخصوصاً إني حذرتك قبل كده وقلتلك متنزليش عندها." ضمت كفيها بقلق، لا تعرف بأي شيء تجيبه. فقالت بعفوية: "علشان هيه الوحيدة اللي لسه بريئة واللي ممكن أقعد معاها براحتي من غير خوف منها." أشعلت جملتها نار مخبأة بداخله، فظهرت على محياه الوسيم، فأظلمت عيناه من ما يشعر به، قائلاً بعصبية: "انتي هنا علشاني أنا وأي حاجة تانية متخصكيش وخاصة نهلة متدخليش في حياتها."

ابتعدت عنه إلى الوراء والخوف الزائد يعتري قلبها، قائلة بتردد: "لأ نهلة طفلة محتاجاني أكون جنبها وأنا محتاجاها كمان في حياتي." بخطوتين واسعتين كان قد وقف أمامها، يحدق بعيونها بثبات، وأمسك بكتفيها بقسوة، قائلاً بصرامة: "ملك متخلنيش اوريكي الوش التاني، ساعتها هتندمي." أتت على نفسها وتحملت ألم أنامله الذي يغرسها بكتفيها بقوة، قائلة بإصرار: "نهلة هتقعد معايا في أوضتي." اتسعت عيونه بغموض شديد، قائلاً بحدة:

"وإن رفضت طلبك ده." ابتلعت ريقها بصعوبة، خشية رد فعله الغاضبة، قائلة بنبرة مرتجفة: "يبقى تطلقني." ضيق عيونه بقسوة مما تفوهت به، فلم يكن يتوقع منها هذا الرد الحاد. ورغم ذلك، ضحك بغتةً، تاركاً إياها بقوة. كادت هي تسقط أرضاً، لكنها تمسكت بحافة المقعد الذي بجوارها. متعجبة من رده الغريب عليها، والتي ظنت رداً آخر سيفعله. أخرج من جيب حلته بطاقة دعوة، مناولاً إياها. عيناه تدقق النظر إلى عيونها، وشفتيها التي ترتعد خوفاً منه.

قائلاً ببرود: "انسي الطلاق ياحلوة فرحنا يوم الاتنين الجاي يا عروسة." جلست بأحد النوادي تنتظر قدومه، قائلة بضيق: "وده إتأخر ليه كده لدلوقتي." زفرت بحدة تنظر إلى ساعة يدها بعصبية. رفعت بصرها فوجدته آتياً نحوها، والإبتسامة تملئ وجهه. شعرت بالغيظ منه ومن اللامبالاة الذي يعيشها، قائلة بانفعال: "إيه اللي أخرك لدلوقتي." أجابها بهدوء: "غصب عني معلش." قاطعته قائلة بحنق:

"انت لازم تشوف حل للمصيبة اللي إحنا فيها، أخوك خلاص هيتجوز يوم الاتنين الجاي." صمت قليلاً، ثم أجابها بهدوء ظاهري: "والمطلوب مني." ذمت شفتيها بقوة، قائلة بحدة: "تمنع الجواز دي حالاً عايزاها ماتمش فاهم." دخل أحد رجال أدهم الصاوي إليه في مكتبه بالشركة، قائلاً بحذر: "في خبر لازم تعرفه يا أدهم بيه." ضيق حاجبيه باهتمام، قائلاً بتساؤل: "إيه هوا انطق بسرعة." أجابه على الفور قائلاً: "فرح البوص يوم الاتنين الجاي."

لمعت عيناه بخبث شديد، قائلاً بغموض: "وانا لازم أبارك له."

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...