تحميل رواية «البنات زينة البيت» PDF
بقلم نهى عادل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في مدينة القاهرة، في إحدى الأحياء الراقية، تسكن عائلة سامح الأنصاري. قرر سامح أن يجمع عائلته بعد عودتهم من رحلة العمرة بحوالي خمسة شهور، في كمبوند متكامل بالشيخ زايد، حيث المساحات الخضراء والطبيعة الخلابة. كان يريد أن تكون كل عائلته بجانبه. يسكن سامح في فيلا راقية ومعه آسيا زوجته وزين. وبجانبه فيلا يوسف وإيناس وابنتهما حور، الذين انتقلوا للعيش بجوار أدهم بعد وفاة منى ورفعت في مكة، وتم دفنهما في مقابر «المعلاة» الشهيرة في السعودية. حزن الجميع على وفاتهم، ولكن ما أجمل أن تكون هكذا خاتمة، لتعرف بأن...
رواية البنات زينة البيت الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم نهى عادل
أردفت خديجة قائلة: دي شهادة أعتز بها يا فندم.
أردف القائد قائلاً: ندخل بقى في الجد.
أجابت خديجة بثقة: اتفضل يا فندم.
من حوالي شهرين رصدنا عمليات بتتم لمجموعة من سيدات في أكتر من جمعيات مشهورة أو نوادي عامة بتغري الفتيات بعروض شغل والسفر خارج مصر وهكذا، ولكن لاحظنا إن الفتيات دي مش بترجع مصر تاني، وفي كذا بلاغ تم.
ظل يقص لها على هذا المهمة.
بعد خروج خديجة من غرفة القائد، سارت متجهًة إلى صالة التدريبات.
بعد حوالي نصف ساعة، وصل أدهم مبنى المخابرات لكي يبلغ القائد بما حدث معه في المهمة وإعطائه المعلومات التي حصل عليها، وكيفية دخول تل أبيب.
بعد أن أنهى الاجتماع مع القائد، دلف إلى مكتبه. أخرج هاتفه من جيبه لكي يقوم بالاتصال على خديجة، فهو من آخر اتصال لهم أبلغته بأنها تحضر له مفاجأة. ولكن قبل أن يضغط على زر الاتصال، دلف إليه جمال وهو يكتم ضحكته قائلاً: أدهم حمد الله على السلامة.
أردف أدهم قائلاً بتعجب وهو يرى ضحكة جمال: الله يسلمك يا جمال. مالك بتضحك ليه على الصبح كده؟
كتم جمال ضحكته وأردف قائلاً: أنت شفت الدفعة الجديدة؟
أردف أدهم قائلاً: لا. أول ما وصلت دخلت عند القائد صلاح على طول، وبعد كده جيت على المكتب عشان أكلم خديجة أطمن عليها وعلى الأولاد.
انفجر جمال من الضحك قائلاً: وأنت عارف مين اللي بيدربهم؟
أجاب أدهم: لا. لأني اللواء صلاح طلب مني أدربهم، بس أنا طلعت المهمة وأكيد شاف حد يدربهم بدالي.
أردف جمال قائلاً بخبث: ما هو فعلاً شاف حد غيرك.
خديجة مراك، حتى بيقولوا عليها بطل الأبطال.
انتفض أدهم من مكانه وأردف قائلاً: نعم! يا نهار أبوها أسود.
خرج كالإعصار متجهًا إلى صالة التدريب. وقف أمام الباب وجد خديجة تقف وسط الطلاب الجدد.
برزت عروقه من الغضب عندما سمع أحد الطلاب قائلاً: إيه المكنة دي؟ على النعمة بطل الأبطال.
طالب آخر: لا أنا بقى حبيت جهاز المخابرات واللي بيدرب جهاز المخابرات. صار وأرض جو.
طالب آخر: لا الصراحة حاجة فاخر من الآخر. يلهوي على عينيها ولا حاجبها منور وشها. بس يا خسارة سمعت إنها متجوزة. أكيد جوزها غبي عشان يسيب مزة طحن كده تشتغل وسط وحوش زينا.
لهنا وطُفح الكيل. برزت عروقه أدهم من الغضب وأصبح وجهه شديد الاحمرار وسار وقف أمامهم.
رأته خديجة قائلة بفرحة: أدهم راجع!
ولم تكمل حديثها عندما صرخ أدهم قائلاً: هش!
تعجبت خديجة من أدهم. وقفت صامتة. أما هو فنظر بغضب إلى الطلاب قائلاً بصوت حاد زلزل المكان: أنا أهو الغبي جوز الرائد خديجة، المقدم أدهم يوسف مندور، واللي هيدربكم بعون الله بدل الرائد. ونقول بسم الله.
دفعهم أدهم الثلاثة أمامه وبدأ يوجه لهم الكثير من اللكمات.
أردف أحد الطلاب قائلاً بتعب: يا فندم حضرتك متأكد إن ده تدريب؟ أنا جسمي كله اتكسر بس فداك يا فندم. كفاية إننا هندرب مع المقدم أدهم يوسف. أكيد أمنا.
أمنا دعى لنا سيادتك.
ابتسم أدهم بخبث وأردف قائلاً: أكيد دعت عليكم مش لكم.
وبصوت قوة أكمل: يلا عشان نكمل التدريب، ولا نقضيها.
رغي ولت.
نظروا بعينين متسعتين من شدة الخوف.
أما خديجة فكانت تنظر ببلاهة، عيناها متسعتان وهو ترى أدهم يقوم بضرب هؤلاء الطلاب.
بعد حوالي ربع ساعة، أخذ أدهم نفسًا طويلًا وأردف قائلاً: استريحوا ربع ساعة ونكمل.
وفي لحظة، سحب يد خديجة متجهًا بها إلى مكتبه.
دلف بها داخل المكتب قائلاً بغضب وغيره: إيه اللي حصل ده يا خديجة؟ إزاي جيتي هنا الجهاز وأنا معرفش؟ يا بطل الأبطال.
ابتسمت خديجة، فهي عملت أن أدهم غار عليها من هؤلاء الطلاب. اقتربت منه قائلة بدلال وهي تلعب في أزرار قميصه بمكر: ما هي دي المفاجأة يا حبيبي، إننا نكون في نفس المكان.
نظر أدهم إلى يد خديجة ونظر إليها ورفع حاجبه قائلاً: والله شكلك بتلعبي بالنار يا ديجا.
ابتسم بخبث وأكمل: بس مفاجأة مش حلوة خالص يا خديجة. أنت زي الجدعة تتصرفي وترجعي تشتغلي مع اللواء سامح من تاني. كفاية اللي حصل دلوقتي، أنا مش هقبل إن اللي حصل يحصل تاني. أنا دمي فار لما سمعتهم بيقولوا عليكِ "عود بطل".
قال هذا ونظر للخلف مبتعدًا عن النظر إليها حتى لا يضعف.
ابتسمت خديجة بسعادة عندما شعرت بغيرة أدهم عليها.
أردفت خديجة بنبرة حنونة لتجبره على النظر داخل عينيها قائلة بدلال: أدهم، دومي.
دون شعور منه، حول بصره كالمسحور ينظر إليها بعشق. تنهد وسحب عنها بصره ثم أردف بنبرة حازمة وملامح وجهه عابسة كلما تذكر مدح هؤلاء الطلاب لجمالها قائلاً: اتفضلي روحي على مكتب القائد صلاح واطلبي نقلك تاني عند اللواء سامح.
اقتربت منه ووضعت يديها على صدره ونظرت داخل عينيه وأردفت بنبرة عشق قائلة: بس أنا عايزة أكون معاك هنا يا أدهم، جنبك على طول يا حبيبي، عشان خاطري وافق أكمل معاك هنا في جهاز المخابرات.
ابتلع ريقه حين استمع لنبرتها المترجية. أثارت غيرته وعشقه لها. وفي لحظة، حاوط خصرها يقبلها من شفتيها قبلة يبث فيها مدى حبه وغيرته عليها.
ألصقت جسدها به وباتت تتمسح بوجهها بصدره كقطة.
دفنت وجهها في عنقه وما كان حاله أفضل منها. فحاوط خصرها محتضنًا إياها برعاية واهتمام.
أفاقوا عندما سمعوا طرقًا على الباب.
ابتعد عنها ونظر إليها قائلاً بعشق: وجودك خطر هنا يا ديجا.
أردفت بدلال قائلة بنبرة هائمة عاشقة: وجودي مينفعش غير مع الفهد الأسود.
في شركة الملاك.
دَلفت رحيل الشركة تتهاوى في ثوب رقيق من اللون الأبيض به نقوش لزهور من اللون الأخضر وحجاب من اللون الأخضر كلون عينيها. فكانت آية من الجمال والسحر. زفرت بغضب وهي تنظر إلى ساعة يديها، فهي قد تأخرت على ميعاد وصولها بحوالي ربع ساعة. ولكن ما ذنبها؟
تنهدت وسارت باتجاه المصعد ولكنه وجدته معلقًا.
ابتسمت بخبث وهي ترى المصعد الخاص برؤساء الأقسام.
هرولت بسرعة عندما رأت شخصًا يدلف إليه لتقوم بوضع ساقيها، ولكن اختل توازنها وكادت أن تقع. إلا أنها وجدت يدًا تحاوط خصرها بشدة. رفعت عيناها وانصدمت عندما رفعت عيناها ونظرت، ووجدته مالك.
لغة العيون فقط من تتحدث. إلتقمت عيناه ببريق من الانبهار عندما نظر إلى وجهها الذي يشع نضارة وسحر عجيب. ثم نظر إلى شفتيها، فكانت مهلكة وهو يراها شديدة الاحمرار.
ارتبكت رحيل من نظرات مالك إليها وشعرت بقشعريرة تسري في جسدها. أما هو، فشعر بدقات قلبه الشديدة. ابتعد عنها ونظر إليها بغضب عندما رآها بهذه الإطالة وأردف بحدّة قائلاً: على فكرة يا آنسة هنا شركة محترمة، ومينفعش.
كل المكياج ده. اتفضل امسح الروج ده حالا.
تعجبت رحيل قائلة بخجل: بس يا أنا يا مستر. مش حاطة أي حاجة صدقني لأني مش بحب المكياج. الحمد لله أنا عارفة ربنا كويس.
زفر بغضب عندما وقف المصعد. خرج مسرعًا بدون أي كلمة.
أما هي، بعد خروج مالك من المصعد، خرجت خلفه. وقفت قائلة: مربى ابن الذين. هيوقف قلبي.
دلف مالك إلى مكتبه كالإعصار يلعن نفسه ومشاعره لتلك الفتاة. أغمض عينيه وهو يتذكر رائحتها وقربه منه.
أخذ نفسًا طويلًا وآفاق عند سماع أغنية جاءت في الوقت المناسب لكي يفوق من هذه المشاعر.
الحلم الجميل .... البيت الصغير
كله ضاع .... كله راح
كله اتكسر .... كله اتغير
وفضيت علينا الدار .... والوحدة زي النار
راحوا اللي كانوا بيمسحوا بأيديهم دموعنا
راحوا اللي كنا بنرمي في أحضانهم وجعنا
حلم السنين تاه .... وفقلبي ميت آه... من يومها طعم الحياة
زي المرار
كانوا زمان جنبنا ... حاسين بنار جرحنا ... بيصبروا قلبنا
على الحياة
لو توهنا أو ضيعنا ... عيون ترجعنا ... وقلوب بتسمعنا
لو قلنا آه ... آه
ولا ألف صرخة ألم ... ولا ألف دمعة ندم ... وقت الفراق اتحسم
وبإيدنا إيه ... إيه
ده نصيبنا وقدرنا ... أحزاننا تكسرنا يارب صبرنا
على اللي احنا فيه
وفضيت علينا الدار .... والوحدة زي النار
راحوا اللي كانوا بيمسحوا بأيديهم دموعنا
راحوا اللي كنا بنرمي في أحضانهم وجعنا
حلم السنين تاه ... وفقلبي ميت آه ... من يومها طعم الحياة
زي المرار
خارت قواه ليقع على الأرض يبكي بشدة وهو يتذكر ضحكة ملاك حضنها حنانها.
أما بالخارج.
وقفت رحيل أمام باب المكتب. أخذت نفسًا تهدئ من أعصابها وإحساسها بأنها بدأت تعجب بمالك، بل أصبحت تحبه. طرقت على الباب عدة مرات ولكن لم تسمع ردًا.
رجعت إلى منى قائلة: منى، هو مستر مالك جوه؟
أردفت منى قائلة: آه من بدري.
لوت رحيل شفتيها قائلة: طيب هروح أخبط عليه تاني لأنه قالي عايز ترجمة الإيميل التركي بسرعة.
وسارت مرة أخرى. وقفت أمام الباب وطرقت عدة مرات ولكنه لم تسمع الرد. قلق قلبها فقررت الدخول من غير إذن.
دَلفت إلى الداخل واتسعت عيناها عندما وجدت جالسًا في الأرض يبكي بشدة.
اقتربت منه وقلبها يألمها على مالك قائلة بحنان: مستر مالك، حضرتك كويس؟
تنهد مالك وانتصب واقفًا نظر إليه قائلاً: تتجوزيني.
الفصل العشرون
وسلام على من رأى تراكم الغيم في العين وقبل أن تمطر أضحكها
سلامًا لمن..... إذا لاحظ أنك سار رممه بالمحبة
وإذا رأى تقصيرًا عذره بالرحمة
وإذا رأى عيبًا ستر.
وإذا رأى خيراً شكر
سلاماً لمن إذا تكلمنا أنصت
وإذا صمتنا سمع وقدر
سلاماً لمن لهم في القلب مكانة
مهما عصفت رياح التغيير وتقلّبات الأزمان
عندما يحبك أحدهم فإنه لن يطلب منك المستحيل.
كل ما يريده منك قليلاً من الاهتمام!
وبضع كلمات دافئة يصاحبها الابتسام!
أن تجدك عندما يحتاجك وأن لا تضعه في الهامش.
أن لا تختفي من ناظريه فيعاني فقدك أو يشتاقك!
قدروا حب من يحبكم وبادلوهم الحب حباً واهتماماً، فإسعاد الآخرين هو سر سعادتنا.
***
في شركة الملاك
في مكتب مالك
اتسعت عيون رحيل، كاد أن يوقف قلبها عندما سمعت كلمة مالك.
حاولت إخراج صوتها قائلة: "حاضرتك قلت إيه يا مستر مالك؟"
اقترب منها مالك حتى أصبحت المسافة بينهما لا تذكر، لكنهما لا يتلامسان.
تنهد مالك بقوة وهو ينظر داخل عينيها ليغرق في بحور هم، وأردف قائلاً بخفوت:
"قلت تتجوزيني يا حبيبتي."
نظرت له بذهول، أصبح صدرها يعلو ويهبط من شدة سعادتها.
حاولت السيطرة على نفسها وأردفت قائلة:
"جواز كده على طول؟ حضرتك حتى متعرفش عني حاجة غير اسمي!"
أغمض عينيه بشدة ثم أخذ نفساً طويلاً قائلاً:
"وده يكفي يا رحيل. قولتي إيه؟"
لم تشعر بحالها إلا ودموعها تهبط من عينيها من هول ما استمعت إليه، فكم تمنت وحلمت وسرحت بخيالها أن تستمع لتلك الكلمة منذ أن رأته.
ابتسمت بخجل وهمست برقة:
"موافقة، بس أنا يتيمة وعايشة هنا لوحدي."
نظر إليها، وللحظة شعر بألم في قلبه وهي تقول بأنها يتيمة.
أردف قائلاً بثقة: "يبقى خلاص نكتب كتابنا على طول ونتجوز، إيه رأيك؟ وإن شاء الله هعوضك، هعوضك يا حبيبتي."
أومأت له برأسها وفرت من أمامه هاربة من نظرات عينيه.
بعد خروج رحيل، أردف مالك قائلاً:
"أخيراً يا ملاك هترجعي حياتي من تاني."
***
بعد مرور أسبوع
قام مالك بإقامة حفل لنجاح إحدى صفقاته والتعاقد مع أكبر الشركات.
حضر فيها جميع العائلة وقام بتعريف رحيل لهم.
الجميع في حالة من الصدمة، الوجه وجه ملاك مع اختلاف بعض الملامح، أما الشخصية، فرحيل بعيدة كل البعد عن ملاك بشخصيتها المرحة.
الكل وقع في عشقها من خفة دمها.
أمام فيلا سامح الأنصاري
صف مالك سيارته أمام الفيلا، ترجل وسار تجاه الباب ودلف إلى الداخل لمقابلته ليخبره بأمر زواجه من رحيل.
وجد آسيا تجلس في الردهة ومعها أولاد خديجة، وحور يشاهدون التلفاز.
اقترب وأردف قائلاً: "السلام عليكم."
هرول الصغيران ليقوم مالك بفتح ذراعيه قائلاً: "حبايب قلبي وحشتوني."
وقام بتقبيلهم بحب.
أردف يوسف: "وأنت كمان وحشتني يا برنس والله. إيه يا عم الغيبة دي كلها؟"
قهقه مالك على حديث يوسف ثم ضربه على رأسه بخفة.
ثم اقترب من آسيا وقام بتقبيل يديها قائلاً:
"إزيك يا أمي."
حزنت آسيا وأردفت قائلة: "لسه فاكر يا مالك إن لك أمي يا مالك؟"
تنهد قائلاً: "غصب عني، الشركة واخده كل وقتي."
ابتسمت آسيا قائلة بحب: "ربنا معاك يا حبيبي."
نظر إلى حور: "عاملة إيه يا حور في الحمل؟ ربنا يكملك على خير."
ابتسمت حور برقة قائلة: "الحمد لله يا أبيه مالك."
اقترب يوسف من حور وأردف قائلاً بشقاوة:
"متقلقيش يا برنس، أنا واخد بالي من تاجي."
وجد من يضربه من الخلف (قفه) قائلاً:
"تاجك مين يا حيوان وابعد عن مراتي."
قهقه الجميع من حديث يوسف وثقته بأن حور حامل في فتاة، بل قد تم إطلاق اسمها أيضاً.
اقترب زين من مالك وقام باحتضانه قائلاً:
"وحشتني يا كبير والله."
ابتسم له مالك قائلاً: "وأنت كمان يا حبيبي."
أخذ نفساً وأردف قائلاً: "فين بابا؟ كنت عايز أتكلم معاه ضروري."
أردفت آسيا قائلة: "في المكتب، جاله تليفون من الشغل."
أردف مالك قائلاً:
"طيب بعد إذنكم هدخل له."
بالفعل اقترب مالك من الباب وتم الطرق ودلف قائلاً:
"فاضي يا بابا؟ محتاج أتكلم معاك شوية."
ابتسم سامح قائلاً: "تعالى يا حبيبي أقعد."
جلس مالك أمام سامح، نظر إلى والده وأردف قائلاً:
"بابا أنا عايز أتجوز."
نظر له سامح بقوة وأردف قائلاً بحدة خفيفة:
"وأنت عايز تتجوز رحيل عشان رحيل؟"
تنهد وأكمل: "ولا عشان شبه ملاك؟"
انصعق مالك من معرفة سامح بكل هذا.
نظر إليه سامح بنظرات عديدة.
ارتبك مالك من نظرات والده، هل هو مكشوف؟
أبعد بصره وأردف قائلاً: "إزاي بتقول كده يا بابا؟ أنا فعلاً عايز أكمل حياتي مع رحيل."
انتصب سامح واقفاً وسار تجاه مالك، الذي وقف هو الآخر وأردف قائلاً: "خلي بالك يا مالك، أنت كده بتلعب بالنار وأنا خايف عليك، لتتحرق النار دي وتحرقك، وساعتها تندم ندم عمرك. أنت لسه ماتخطتش فراق ملاك. أنت شايف رحيل نسخة من ملاك؟ بس يا ابني، الاثنين ممكن يكون لهم شبه من بعض، بس ملاك، الله يرحمها، غير رحيل. رحيل إنسانة يتيمة، حرام تظلمها وتظلم نفسك كمان."
نظر إلى والده، هو معه كل الحق، هو رأى ملاك بوجه رحيل.
أردف مالك قائلاً: "متخافش يا بابا، أنا عارف كل ده، وفعلاً عايز أكمل حياتي مع رحيل."
ربت سامح على كتفه بحنان قائلاً:
"أتمنى فعلاً تكون دي الحقيقة يا حبيبي ورحيل فعلاً تكون عوض ربنا ليك."
ابتسم مالك ابتسامة خفيفة وأردف قائلاً:
"بعد إذنك يا بابا."
بعد مرور حوالي ثلاثة شهور
تم عقد قرآن مالك ورحيل، ولكنه لم يتم زواجه منها إلى الآن.
كان يعاملها بشكل رسمي، كانت ترى في عينيه نظرة حزن.
تعجبت منه، فهو لم يسألها ولو مرة عن نفسها، ماذا تحب، ماذا تكره، من أين بلد هي؟
لم تنكر بأنها كلما جلس معها يظل ينظر إليها دون أن يتحدث، حتى أنه لم يفكر يمسك يديها ولو مرة، مجرد النظر فقط.
أخبرها بأنه كان متزوج قبلها، لم يذكر أي شيء آخر عن حياته السابقة.
لدرجة أنها ندمت بقرار عقد القران بهذه السرعة.
أخبرها بأنه يقوم بتجهيز منزل خاص بهم لأنه لا يريد العيش في منزل والده.
ورغم كل هذا، إلا أنها كانت شديدة الفرحة، فقد حصلت على حب حياتها مالك.
أعجب بها من أول نظرة وأحبته بل عشقته في هذه الشهور القليلة، وتم تحديد الزواج بعد ثلاثة شهور.
في فيلا أحمد العاصي
أصبحت سلمى في شهرها التاسع.
سعادة الدنيا لم توصف، مدى فرحتها، وأخيراً بعد سنوات طويلة عاشت محرومة من نعم الإنجاب.
عوضها الله سبحانه وتعالى ورزقها بتوأم لتكون سبب في فرحة زوجها النبيل جمال.
وآه من جمال، زين الرجال بمعنى الحقيقي.
كان عوض وسند وحامي، أخ وصديق وزوج.
كان لها كل شيء.
خرجت من الحمام تشعر بوجع أسفل بطنها.
وقفت أمام المرآة تنظر وتلمس على بطنها بحنان شديد.
أردفت قائلة: "أنا بحبكم قوي."
شعرت بوجع أشد، أكملت حديثها: "بس براحة على ماما شوية يا حلوين."
لتشعر بتجدد الوجع مرة أخرى ويتعرق وجه جبينها، لتطلق آه شديدة.
جاءت إليها فاطمة مسرعة عندما سمعت صوتها.
أمسكتها بحنان قائلة: "اهدي يا سلمى براحة."
لمعت عيون سلمى بالدموع وأردفت قائلة: "مش قادرة يا ماما فاطمة. اتصلي على جمال."
لتطلق آه شديدة أخرى.
دلف أحمد وقد هاتفه جمال بأن يذهب إليها إلى المشفى.
بعد مرور بعض الوقت
في مستشفى الدكتور ماهر
دلف جمال يهرول.
نظر وجد أحمد وفاطمة وبجانبهم جمال الصغير أمام غرفة العمليات.
اقترب قائلاً بلهفة: "أخبار سلمى إيه يا عمي؟"
ربت أحمد بحنان على كتفه:
"كويسة يا جمال، زين وماهر وكمان بدور جوا معاهم."
وجدوا ماهر يخرج قائلاً بمرح وهو ينظر إلى جمال:
"ادخل يا عم مراتك شكلها حالفة مش تولد إلا وانت..."
ولم يكمل ماهر حديثه وهرول جمال داخل غرفة العمليات.
اقترب بلهفة قائلاً بألم وهو يرى شحوب وجه سلمى:
"وتحسبانه هنيئاً وهو عند الله عظيماً."
وأمسك يديها المرتعشة بحنان وقام بوضع قبلة رقيقة.
ابتسمت له قائلة: "جمال خليك جنبي، أوعى تسيبني لحد ما أولد يا جمال، أنا خايفة."
ابتسم لها جمال قائلاً: "اهدي واطمني يا سلمى، إن شاء الله أقل من نصف ساعة وأنت والأولاد هتكونوا زي الفل."
كانت تنظر له بعيون مرتاعبة وقلب وجسد مرتعش، قائلة بخفوت:
"طيب أوعى تسيبني."
أردف قائلاً بحنان: "متخافيش يا سلمى، أنا مش هخرج من هنا إلا وانت وأولادنا معانا."
سحب كرسياً صغيراً وجلس جوارها.
اقترب زين بعد أن خرج من غرفة التعقيم قائلاً: "جاهزة يا سلمى؟"
أومأت رأسها وأردفت قائلة: "إن شاء الله."
أردف جمال قائلاً: "زين خلي بالك منهم."
ابتسم له زين قائلاً: "اطمني يا جمال، يلا بسم الله توكلنا على الله."
همس جمال بداخل أذنها قائلاً: "قولي ورايا يا سلمى، أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمد رسول الله."
وبالفعل رددت سلمى الشهادة.
ليبداً الطبيب بتخدير سلمى بنج نصفي.
أردفت بهدوء من أثر البنج قائلة: "جمال أنت جنبي صح."
شدد جمال من ضمة يديها قائلاً: "أنا معاكي يا حبيتي متخافيش."
قطع حديثهم صوت بكاء الصغار واحد تلو الآخر، لتقوم سلمى بولادة ثلاثة أطفال.
انتفض قلبه ليبكي جمال بشدة وهو يقبل رأس سلمى قائلاً بفرحة:
"اللهم لك الحمد، اللهم لك الحمد."
اقترب زين يحمل اثنين من الصغار ومعه ممرضة تحمل صغيراً آخر.
أردف قائلاً بشقاوة: "عملتيها إزاي يا جاحد؟ ثلاثة مرة واحدة."
التقط جمال صغاره ويقربهم من سلمى التي كانت تبكي بشدة وقبلتهم بحب قائلة: "اللهم لك الحمد والشكر."
كل هذا حدث وهم غافلين عن ماهر الذي يقف معهم يصور لحظاتهم وعوض ربهم.
أردف جمال قائلاً: "مبروك يا حبيبتي، مبروك يا نور عيوني."
ابتسمت سلمى بوهن وأردفت قائلة بفرحة:
"ما شاء الله يا جمال حلوين قوي، بس هما نوعهم إيه؟"
أردف زين قائلاً: "بنتين وولد."
اتسعت عيناهم بفرحة وسعادة.
بعد قليل تم نقلها إلى غرفة خاصة وقام الأطباء ومعهم زين واطمأنوا عليها وعلى الصغار.
ثم دلف أحمد وفاطمة وحتى أدهم وخديجة وبدور، حتى حور جاءت.
أردفت حور التي كانت تضع يدها على بطنها المنتفخة أثر وصولها للشهر الخامس قائلة بمرح:
"مبروك يا سلمى، قولولي بقا شعورك إيه وأنت في أوضة العمليات ولما عرفتي إنك ولدتي ما شاء الله ثلاثة أطفال."
ابتسمت سلمي باتساع وهي تنظر إلى أطفالها قائلة:
"شعور جميل طبعاً، كله فضل ونعمة من عند ربنا."
اقتربت فاطمة بوجه سعيد وهي تحمل إحدى الصغار وهو الولد قائلة بسعادة:
"ما شاء الله يا سلمى، الأولاد كلهم قمرات، ربنا يبارك فيهم."
***
بعد مرور أسبوع
كانت حفلة سبوع الصغار الذي أقيم في فيلا أحمد العاصي بحضور كل الأقارب والأحباء.
فهذا هو عوض الله سبحانه وتعالى.
بعد مرور أسبوع آخر
- - -
في شقة في حي راقٍ
بداخل إحدى الغرف، كان يبتسم بخبث وهو يرى آخر الأخبار.
"فضـيحة الدكتور ماهر ابن اللواء سامح الأنصاري الذي اعتدى على فتاة وقام باغتصـابها."
أخرج دخان سيجارته ببطء وأردف قائلاً: "ولسه يا دكتور ماهر، دي البداية."
سمع طرقًا على الباب، فقام بفتحه ليجد فتاة تبتسم بخبث.
"قولت أجي نحتفل بالقبض على الدكتور ماهر سوا يا بيبي."
سحبها من يديها، أحاط خـصـرها، ثم مال على شـفـتـيها يقـبـلها بعنف قائلاً:
"جيتي في وقتك يا حبيبتي. برافو عليكي، لعبتيها صح."
أردفت الفتاة قائلة بخبث:
"ولسه، يلا مش خسارة في المبلغ اللي اندفع عشان العملية دي تكمل على خير."
أما عن ماهر، كانت حالته تسوء، لا يريد أن يرى أحد. دلف إليه والده داخل مكتب وكيل النيابة وأردف قائلاً:
"ماهر، ممكن أفهم إيه اللي حصل بالظبط؟"
تنهد ماهر بحزن قائلاً: "صدقني يا بابا، أنا مش عارف اللي حصل ده حصل إزاي. أنا فقت في الشقة دي لقيت البنت دي نايمة جنبي على السرير."
"حاولت أفتكر إيه اللي حصل، للأسف مش فاكر حاجة خالص. ولما فقت، قعدت تصرخ وتقول إني أنا اللي عملت فيها كده واغتـصـبتها."
"اممم، أنت لما رحت الشقة دي، شربت أي حاجة هناك؟"
"لا يا بابا، أنا روحت على طول عشان أكشـف على والدتها المريضة. رغم إني قولتلها إني مش بروـح أكشف برة المستشفى، لكن هي أصرت إني أروح معاها لأنهم من أسرة فقيرة ومش أول مرة تيجي أكشف عليها وعملت لوالدتها عملية قبل كده."
تنهد سامح بحزن: "للأسف يا ماهر، ده فخ اتعمل لك. وأكيد اللي عمل كده قاصد تشـويه سمعتك، لأن تقدير الطب الشرعي أثبت إن تم اغتـصـابها بالفعل."
"وإيه العمل يا بابا؟ صدقني أنا بريء."
"إن شاء الله فيه حل يا حبيبي."
رمى نفـسه على أقرب كرسي ووضع يـده حول وجهه وهمـس بضعف: "أخبار بدور وأولادي إيه يا بابا؟"
"كويسين يا حبيبي، متقلقش."
في فيلا سامح الأنصاري،
حالة من الدهشة سيطرت على الفيلا، الكل في حالة ذهول. ماهر شخص محترم، تـربـيـة اللواء سامح، لا يمكن أن يفعل شيئًا هكذا، فهو يخاف الله قبل كل شيء.
كانت بدور تبكي بشدة، تفرك يديها. أردفت قائلة وهي تنظر إلى آسيا: "ماهر لا يمكن يعمل كده، أنا لازم أروح أشوف."
أردفت آسيا بحزن: "استني يا بدور لحد ما ييجي سامح ونشوف عمل إيه."
"لا يا ماما، أنا لازم أكون جنب جوزي." وبالفعل، أخذت حقيبتها وخرجت مسرعة متجهة إلى القسم المتواجد فيه ماهر.
بعد حوالي نصف ساعة،
وصلت بدور إلى القسم وطلبت إذنًا بالدخول لمقابلة ماهر.
دلفت إلى الداخل، وجدته يجلس ينظر لأسفل حزينًا شاردًا.
همـست بوجع قائلة: "ماهر."
رفع ماهر وجهه، وانتصب واقفًا، وجرى إلى بدور وأخذها في أحـضـانه يضمـها بشدة وأردف قائلاً: "صدقني يا بدور، أنا بريء."
ربتت بدور على ظـهـره بحنان قائلة: "إحنا كلنا عارفين إنك بريء يا حبيبي. كلنا واثقين فيك. أنت تـربـيـة بابا سامح."
"كلنا معاك يا ماهر، وإن شاء الله أكيد ربنا هيظهر بـراتـك."
احمر وجهها وأردفت بغضب: "أما اللي عملت فيك كده، دي حـسـبـها معايا أنا، لأنها لعبت مع الشخص الغلط."
ابتسم ماهر بـفـخـر وهو يرى بدور، وسـحـبـها مرة أخرى إلى أحـضـانه.
رواية البنات زينة البيت الفصل الثاني والخمسون 52 - بقلم نهى عادل
في قسم الشرطة
مازالت بدور تجلس مع ماهر لمعرفة بعض تفاصيل يوم الحادث.
أردفت وهي تنظر له بألم قائلة: "ممكن يا ماهر تفهمني إيه اللي حصل بالظبط؟ ياريت كنت جيت معاك المستشفى النهارده."
تنهد ماهر وأمسك كف يدها قائلاً بوهن: "بلاش تلومي نفسك يا بدور، ده نصيب وكله مقدر ومكتوب."
أغمض عينيه وشرد.
بعد أن أنهى عملية جراحية، دلف إلى مكتبه وهو يشعر بإرهاق شديد وطلب من كافتيريا المستشفى قدحًا من الشاي، مشروبه المفضل. وبالفعل جاء له فرد من أفراد الكافتيريا يحمل بيده قدح الشاي الساخن. أخذه منه ماهر وشكره وبدأ يرتشف قدح الشاي بهدوء. بعد لحظات سمع طرقًا على الباب. أذن بالدخول. الشخص وما كانت إلا تلك الفتاة سماح.
كانت تبكي بشدة، دموعها تنزل بغزارة. أردفت من بين دموعها قائلة: "الحقني يا دكتور أبو إيدك، أمي بتموت مني وأنا مش عارفة أجيبها هنا."
انتصب ماهر واقفًا قائلاً: "طيب اقعدي وفهميني إيه حصل لها."
بالفعل جلست سماح على مقعد أمام المكتب. أردفت قائلة: "ماما من شوية مش عارفة تاخد نفسها، وشها أزرق ومش عارفة أجيبها هنا. من فضلك تعال شوفها في البيت، أرجوك انقذ أمي، أنا ماليش غيرها."
تنهد ماهر قائلاً: "بس فعلًا أنا مش بروح زيارات خارج المستشفى."
اقتربت سماح قائلة: "أبو إيدك يا دكتور، هي تعبانة ومش قادرة تتحرك."
تنهد ماهر، رغم أنه يشعر بتعب وصداع شديد، إلا أنه وافق وخرج.
بعد قليل.
صف ماهر سيارته أمام بناية متوسطة الحال لحد ما. ترجل من السيارة تليه سماح. سارت باتجاه البناية.
صعد خلف سماح التي قامت بفتح باب إحدى الشقق قائلة: "اتفضل يا دكتور، اتفضل."
دلف ماهر إلى الداخل معه حقيبته. دارت عيناه في الشقة قائلاً: "فين والدتك يا سماح؟"
أردفت سماح قائلة: "آه موجودة أهي، اتفضل..."
ولكنه بعد مرور ربع ساعة فتح عينيه ببطء يشعر بصداع شديد. حاول تذكر ما حدث ولكنه قفز وانتصب واقفًا من صدمة ما رأى. وجد نفسه مجردًا من جميع ثيابه، والأكثر صاعقة له وجود تلك الفتاة نائمة على السرير مجردة هي الأخرى من ثيابها والماء على الفراش بكثرة. شل تفكيره، بل أصبح شبه مشلول. أغمض عينيه بحزن وقام بتغطيتها. دار حوله في المكان يبحث عن ملابسه ليستتر جسده. وجدها وقام بارتدائها بسرعة، حتى أنه وجد تلك الفتاة تستيقظ من نومها لتصرخ قائلة:
"إنت عملت إيه يا دكتور؟"
قامت بشد الغطاء على جسدها وظلت تصرخ.
أردف ماهر قائلاً بحزن وألم: "اهدّي، أنا مش عارف إيه اللي حصل."
صرخت الفتاة أكثر قائلة:
"هو إيه اللي مش عارف؟ ده أنا هوديك في ستين داهية، انت اعتدت عليَّ واغتصبتني."
كان ماهر ينظر إليها بذهول، هو لم يتذكر شيئًا.
ظلت تصرخ إلى أن تدخلت الجيران وقاموا بالاتصال على الشرطة.
عودة.
ربتت بدور على ظهر ماهر بحنان قائلة:
"إن شاء الله هتطلع بسلامة لنا يا ماهر، بس افتكر معايا كده، إنت ماشربتش أي حاجة هناك عند البنت دي؟"
تنهد ماهر قائلاً: "لا، آخر حاجة شربتها كانت في المستشفى، هو الشاي."
ضرب جبينه قائلاً: "إزاي أنا ماخدتش بالي من الموضوع ده؟ أنا بعد ما شربت الشاي في المستشفى بدأت أحس بصداع وزغللة بس بسيط."
أردفت بدور قائلة: "طيب اهدي يا ماهر، إنت لما روحت الشقة مع البنت دي شفت مامتها؟"
أردف ماهر قائلاً: "لا، ولاء، حتى بعد ما حصل كده الجيران كلها طلعت، لكن والدتها لا."
دلف أحد العساكر قائلاً: "الزيارة انتهت."
تنهد ماهر ونظر إلى بدور قائلاً: "خلي بالك من نفسك ومن الأولاد وبلاش تتعبي نفسك وتيجي تاني هنا، أنا معايا ربنا وبابا وحتى أدهم وجمال وعمار مش سايبيني."
رمت بدور نفسها داخل أحضانه قائلة: "إن شاء الله هتطلع براءة يا ماهر، كلنا عارفين إنك مظلوم، والبنت اللي عملت كده لعبت في عداد عمرها، لا إله إلا الله."
ابتسم قائلاً بحب: "محمد رسول الله."
بعد مرور أسبوع.
في فيلا سامح.
اجتمع سامح ومعه بدور، أدهم، وخديجة، وعمار، حتى جمال.
أردف سامح قائلاً: "الحمد لله أحنا مسكنا أول الخيط، وإن كان فيه نسبة مخدر قوية في جسم ماهر مع بعض المنشطات اللي تأثيرها يبدأ بعد مرور نصف ساعة، وده الفترة اللي تمت فيها الحادثة من أول ما ماهر شرب الشاي لحد ما راح مع البنت دي البيت. رغم إن تقدير الطب الشرعي أثبت إن الاعتداء اللي حصل مش لماهر عن طريق تحليل الـDNA، وكان ممكن يطلع منها، بس إحنا عايزين نعرف مين اللي وراء البنت دي."
أردف أدهم قائلاً: "البنت دي اختفت إزاي من المستشفى؟ إلا لو حد شغال وساعدها على الهروب، إحنا لازم نوصل لها في أقرب وقت."
أردف عمار: "وكمان عامل الكافتيريا اختفى من يوم الحادث."
أردف جمال: "كده وضحت، اللي عمل كده قصده التشويش لسماع ماهر، لأنه عارف إن بسهولة الطب الشرعي يثبت إنه مش ماهر، والحمد لله إن حضرتك يا سيادة اللواء أمرت بتحويلها على الطب الشرعي على طول، وإلا كانت كارثة لو عدى عليها ثلاثة أيام من وقوع الحادث."
الكل تحدث ماعدا بدور التي كانت شاردة. نظر إليها سامح قائلاً:
"بدور، أنتِ كويسة؟"
"بدور..."
ربت سامح على ظهرها بحنان قائلاً: "حبيبتي مالك؟"
أردفت بدور: "هاه؟ بتقول حاجة يا بابا؟"
تنهد سامح ونظر بألم وحزن على ما أصاب أولاده. استغفر ربه، فكل هذا مقدر ومكتوب من عند الله عز وجل.
أخذ نفسًا طويلًا وأردف قائلاً وهو ينظر إلى بدور:
"مالك يا بدور؟ مش ظهرت براءة ماهر فيكِ؟ إيه يا حبيبتي؟"
تنهدت بدور قائلة: "هي آه ظهرت، وممكن يطلع، بس برضه محدش عرف مين وراء كل ده. والمرة دي طلع على خير، يا عالم المرة اللي جاية ممكن يعمل معاه إيه؟"
أردفت خديجة قائلة: "فعلاً يا بابا، بدور معاها كل الحق. إحنا لازم نكثف البحث أكتر من الأول علشان نوصل للناس دي في أقرب وقت."
أردف سامح قائلاً: "إن شاء الله..."
بعد مرور ربع ساعة.
جاءت رحيل تشعر بالخجل. قابلت الفتيات وآسيا وسامح الذين رحبوا بها بشدة، فهي إنسانة مرحة ذات خلق عالية. حزن سامح، فهو يعلم بأن ابنه سيضع جوهرة من يده، ولن يفيق إلا بعد فوات الأوان.
ابتسمت برقة قائلة: "آسفة إني جيت من غير ميعاد، بس قولت أجي أطمن على بدور وكمان مالك تليفونه غير متاح وفيه أوراق مهمة لازم يمضي عليها."
ابتسمت لها آسيا قائلة بحب أبوي حقيقي: "إنتِ تيجي في أي وقت يا رحيل، دي بيتك يا حبيبتي، إنتِ كلها كام شهر وتيجي تنوري حياتنا."
ابتسمت رحيل قائلة: "شكرًا يا ماما آسيا."
أردف سامح قائلاً بمكر: "اطلع لمالك فوق، هو لسه طالع جناحه."
اتسعت عيون رحيل قائلة: "بس، بس..."
أكمل سامح حديثه قائلاً: "بس إيه يا حبيبتي؟ إنتِ مراته، اطلعى عادي له."
نظرت رحيل إلى الجميع، وجدتهم يكتمون ضحكاتهم، أما هي فأصبح وجهها شديد الاحمرار من الخجل.
اقتربت منها آسيا قائلة: "تعالي معايا أوريكِ أوضته يا حبيبتي."
بالفعل صعدت رحيل مع آسيا.
قبل قليل، بعد أن أنهى سامح حديثه، صعد مالك إلى جناحه. أخرج صورة ملاك وظل ينظر إليها ويتأمل ملامح وجهها الجميلة وهو يبكي بغزارة قائلاً:
"وحشتيني يا ملاك، وحشتيني يا نبض قلبي، أنا مش عارف أعيش من غيرك يا حبيبتي، ليه سبتيني ومشيتي."
"الحياة صعبة من غيرك، ليه بقيتي تجيلي في الأحلام وتقولي إني ظالم وإني هخسر خسارة أكبر من اللي خسرتها. أنا فعلًا خسرتك وخسرت ابننا يا ملاكي، هو فيه خسارة أكبر من كده؟"
تنهد ثم وضع الصورة على التخت وهاتف زين وطلب منه بأن يجلب له قرص مسكن فهو يشعر بصداع شديد. خلع ملابسه ودلف إلى الحمام يأخذ حمامًا دافئًا ينعش به جسده بعد أن بكى وتألم قلبه وهو ينظر إلى صورة ملاك وشرد.
عودة.
وقفت رحيل تفرك بيديها تشعر بالخجل وهي تطرق على الباب لتسمع صوته الجذاب يأمر بالدخول، وهو يعلم بأنه زين جاء لكي يعطيه الدواء.
دلفت إلى الداخل وانصعقت عندما وجدته يخرج من الحمام يلف خصره بمنشفة قطنية ويده الأخرى ممسكة بمنشفة أخرى يجفف بها شعره.
أردفت قائلة بخجل: "أنا آسفة، والله مكنش قصدي."
كادت أن تفر إلا أنه أمسك يديها وأردف قائلاً:
"استني عندك، رايحة فين؟"
"هاه؟ أصلًا هاه..."
ابتسم مالك على طريقة حديثها وخجلها قائلاً: "إنتِ جيتي هنا علشان تقولي هاه وتمشي؟"
واقترب منها أكثر، شعرت بذراعيه تطوقان خصرها وجذبها عليه ولصقها به، ومال مستندًا على وجهها بجبهته وقد تحطمت كل حصونه التي ظلت بينهم.
أردف قائلاً بخجل: "لا، أنا جيت علشان أطمئن عليك."
"وعلى بدور."
غامت عينيه بنظرة جديدة عليه كليًا، نظرة يلمؤها الرغبة.
خاصها بها وحدها وهم بالتهام شفتيها قائلاً: "وحشتيني يا ملاكي."
ولكنها شهقت بخفوت ووضعت يديها على فمه وأردفت بخجل قائلة: "خلّيها لما نكمل جوازنا."
استعاد وعيه الذي كان على وشك فقدانه معها، وأردف قائلاً وهو يدلف إلى غرفة ملابسه: "انزلي استني تحت، أنا جاي وراك على طول."
وقف في الغرفة، حاول السيطرة على نفسه. كان صدره يلهث ويهبط من أثر هذه المشاعر.
أما هي، سيطرت على نفسها من هذه المشاعر. هذه أول مرة يقترب منها مالك بهذا الشكل. فرحت كثيرًا وكأنها امتلكت سعادة الدنيا وهو يناديها ملاكي.
وأثناء خروجها من الغرفة لمحت صورة، نظرت إليها ولكنها صعقت عندما رأتها. نظرت إلى الخلف وجدت مكتوب "ملاكي". ابتسمت بحب ولكنها تعجبت بل ذهلت من هذه الصورة. هي طبق الأصل منها ولكن مع تغير بعض الملامح. وتذكرت بأنها ولو مرة في حياتها ارتدت هذه الملابس. وضعتها مكانها وخرجت تذهب إلى الأسفل.
أما مالك، بعد أن ارتدى ملابسه، ظل واقفًا في غرفة الملابس حتى أنه أغمض عينيه عندما وجدها تنظر إلى صورة ملاك. تنهد وخرج من الغرفة ونزل هو الآخر إلى الأسفل.
صباح اليوم التالي.
دلفت الصغيرة ملاك إلى جناح والدتها، وجدتها ترتدي ملابسها لتذهب.
"مامي، فين بابي؟" سألت بحزن.
تنهدت بدور واحتضنتها، تربت على ظهرها بحنان.
"مش أنا قولتك يا ملاك، بابا سافر في شغل. كلها كام يوم وجاي. وكمان مش هو لسه متصل وكلمك أنت وسامح من يومين؟"
"بس هو وحشني كتير يا مامي."
نظرت إليها قائلة: "وحشني كلنا يا حبيبتي."
سمعت بكاء الصغيرة. اقتربت منها ماجدة، تنظر إليها بعشق. كانت صورة طبق الأصل من ماهر، بلون عينيها الساحرة.
تنهدت وحملت الصغيرة، وظلت تناجي ربها بأن يخرج زوجها من هذه المحنة على خير ويعود لينور حياتهم مرة أخرى.
بعد مرور ساعة.
صفت بدور سيارتها أمام المشفى، وترجلت منها وسارت باتجاه المشفى، لعلها توصل لأي شيء. دلفت إلى مكتب ماهر، دارت حوله في المكان لتشم رائحته. حزنت وفرت دمعة من عينيها. سمعت طرقًا على الباب وأذنت بالدخول. الشخص الذي وجدته إحدى الممرضات تقف أمامها تفرك بيديها.
"تعالي يا ثناء، محتاجة حاجة؟" قالت بدور بابتسامة لها.
"لا، أنا مش محتاجة حاجة يا دكتورة بدور. خير، الدكتور ماهر وخيرك سابق. بس أنا شفت حاجة وقولت لازم أبلغك في الأول. قولت أكيد مش مهمة، بس قولت أقولك وخلاص."
تنهدت بدور: "قولي كل اللي عندك يا ثناء، شفتي إيه؟"
أخذت ثناء نفسًا واردفت: "يوم الحادث، أنا شفت الدكتورة نسرين هنا في المستشفى. هي كانت متنكرة، بس أنا عرفتها من صوتها. وكمان لما قلعت النظارة اللي كانت لابساها، كانت واقفة مع عامل الكافتيريا وطلعت من شنطتها حاجة أنا معرفش إيه، وعطتها للعامل بتاع الكافتيريا وقولتله إنه يحطها في أي مشروب يطلبه الدكتور ماهر، بس يبلغها قبله علشان تعمل حسابها."
اتسعت عيون بدور واقتربت من ثناء: "أنت متأكدة من الكلام ده يا ثناء؟"
"آه والله يا دكتورة، ده حتى أخد منها فلوس كتير. والكلام ده حصل تحت في المخزن المهجور. أنا كنت بنزل أدوات تعقيم تحت في المخزن وسمعتهم."
ابتسمت بدور: "متشكرة يا ثناء، بس من فضلك بلاش حد يعرف بالكلام ده."
"حاضر يا دكتورة، متقلقيش. وإن شاء الله الدكتور ماهر يطلع براءة، لأنه لا يمكن يعمل كده. عن إذنك يا دكتورة، أروح أكمل شغلي."
بعد خروج ثناء، أخرجت بدور هاتفها وقامت بالاتصال على سامح وقصت له ما قالته الممرضة ثناء.
بعد يومين من مراقبة نسرين، كانت تتردد على شقتين. إحداهما للدكتور علاء الذي قام ماهر بطرده من المشفى، والأخرى لم يعرفوا لمن.
في اليوم التالي، أثناء مراقبة نسرين، وجدوها تقف بسيارتها منتظرة أحدًا ما. بعد قليل جاء الشخص، وما كان إلا علاء. ركب معها السيارة.
"في إيه يا نسرين؟ هي البت دي هتفضل توجع دماغنا؟"
زفرت نسرين بغضب: "مكنش ينفع يا علاء تغتصبها. كنا سيبناها سليمة كده وخلاص. ولا إيه؟ عشان أنت طمعت والبت حلت في عينك عملت كده؟"
ارتبك علاء قائلاً: "مفيش حد يملأ عيني غيرك يا حبيبتي. بس أنا عملت كده عشان أثبت التهمة على ماهر."
ضحكت نسرين بسخرية: "إحنا هنضحك على بعض يا علاء؟ ما أنت عارف بمجرد ما تتحول للطب الشرعي هيثبت إن مش ماهر اللي عمل كده عن طريق الحيوانات المنوية يا حبيبي. وإحنا كنا اتفقنا معاها فضيحة مش اغتصاب يا علاء. وأهو بت تهدد من حتة بت لا راحت ولا جت."
ارتبك علاء من نظرات نسرين. هم بالفعل تم الاتفاق مع هذه الفتاة وقاموا بإعطائها مبلغًا ماليًا كبيرًا على أنها تأخذ ماهر إلى المنزل وتقول بأنه أثناء الكشف على والدتها كان يريد أن يعتدي عليها. ولكن لمعت عيناه بالرغبة عندما جردتها نسرين من ملابسها بعد أن ضربتها على رأسها بعد أن غاب ماهر عن الوعي بفعل المخدر الذي وضعه له عامل الكافتيريا.
بعد قليل، صفت السيارة أمام بناية في حي راقٍ. ترجلت من السيارة يليها علاء، ثم صعدوا في الأسانسير ليقف في الدور الرابع. خرجوا وساروا متجهين إلى إحدى الشقق.
كل هذا وسامح ومعه عمار وخديجة وبدور يجلسون في سيارتهم أسفل تلك البناية. أما أدهم وجمال، فقد تم استدعاؤهما في مركز المخابرات للأهمية.
بداخل تلك الشقة، كانت صرخات تلك الفتاة تزلزل المكان. تبكي بشدة. كانت تنظر لها نسرين بلامبالاة، تنفخ دخان سيجارتها بملل.
"اهدي يا حلوة، أنت متعرفيش أنا ممكن أعمل فيك إيه. اهدي عشان نشوف حل، وبعدين ما أنت أخدتي على قلبك قد كده."
وقفت سماح واردفت بندم: "أنا اللي غلطانة إني سمعت كلامك وطمعت. بس النتيجة إني خسرت شرفي. ومكنش ده اتفاقنا. أنا لازم أروح أبلغ وأقول على كل حاجة." وكادت أن تذهب إلا أن نسرين أمسكت إحدى التحف وقامت بضربها على رأسها من الخلف، لتقع مغشي عليها غارقة في دمائها.
"إيه ده؟ أنت عملت إيه يا مجنونة؟"
اقترب من الفتاة وقام برفع يديها.
"دي ماتت. الله يخرب بيتك."
نظرت له نسرين قائلة بملل: "يلا في داهية، يلا بسرعة خلينا نمشي من هنا قبل ما حد يحس بحاجة."
اقتربت من باب الشقة وقامت بفتحه، إلا أنها وجدت من يقول: "على فين يا حلوين؟"
وما كانوا إلا سامح وعمار وخديجة وبدور، ومعهم قوة من الشرطة.
تراجعت نسرين قائلة بخوف: "أنا مليش دعوة، علاء اللي عمل كل ده."
انصعق علاء وصرخ قائلاً: "آه يا بنت الـ*** يا كذابة! أوعي تصدقيها يا سامح باشا، دي هي العقل المدبر لكل حاجة، حتى هي اللي قتلت سماح دلوقتي."
"خذوهم على البوكس، وكله هيبان في التحقيقات."
بعد مرور يومين، تم براءة ماهر من التهمة المنصوبة إليه بعد اعتراف علاء ونسرين بأنهما هما من دبرا كل هذا لكي ينتقما من ماهر.
وعاد ماهر إلى منزله تحت فرحة الجميع وأطفاله.
هذه هي الثقة بين الزوجين.
بعد مرور أسبوع.
في فيلا سامح.
بداخل جناح حور وزين.
خرجت حور من الحمام تبتسم بخبث. سارت باتجاه زين الذي ينظر إليها بحب.
"زيني حبيبي، كنت عايزة أقولك على حاجة."
لمعت عيناه بحب وهو ينظر إليها بنظرة عشق قائلاً: "امممم، عارف يا حور. وبعون الله، شوفي بعون الله هتولدي طبيعي مش قيصري يا حوري."
لوت شفتيها قائلة: "لا زين، الصراحة أنا خايفة من الطلق. أرجوك بقى خليني أولد قيصري."
ضمها داخل أحضانه قائلاً: "أنتِ عارفة يا حور أخطار الولادة القيصرية وأنا خايف عليكي. هقولك، سيبها على الله. أنتِ لسه فاضلك حوالي تلات شهور. بس اللي فرسني أكتر إنها بنت. وكل شوية يوسف يقعد يقولي تاجي..."
قهقهت حور من حديث زين قائلة: "طيب والله الاسم جميل، تاج زين سامح الأنصاري."
رفع لها حاجبه قائلاً: "فرحانة أنتِ صح؟"
أومأت له برأسها ليقترب منها ويميل على شفتيها يقبلها بنهم عاشق حد النخاع.
بعد حوالي ثلاثة شهور.
اليوم حفلة سبوع الصغيرة تاج، كما أطلق عليها يوسف ذلك الاسم. تتضمن الأحباب والأصدقاء المقربين. انتهز مالك هذه المناسبة أيضًا وأمر بأن تكون حفلة زفافه مع رحيل في فيلا سامح الأنصاري.
كان احتفالًا أكثر من رائع. كان سامح يحتضن آسيا، ينظر بحب وسعادة إلى عائلته. ولكنه رغم كل هذا، إلا أن هناك غصة في قلبه بسبب مالك الذي ينظر بشرود إلى رحيل.
رتبت آسيا على ظهره بحنان واردفت قائلة: "ربنا يديمك لنا يا سامح، أنت الحامي والسند بعد ربنا. دائمًا محافظ علينا يا حبيبي."
ابتسم لها بعشق ورفع كف يديها يقبلها بحنان: "أنتِ أحلى عوض ربنا لينا يا آسيتي."
نظر إليها بمكر وأكمل: "وشكلك زعلانة مني ولازم أصلحك زي كل مرة."
قهقهت آسيا وأردفت قائلة: "بقيت جد ولسه زي ما أنت يا سموحه."
اقترب منها يحاوط خصرها: "أحلى سموحه دي ولا إيه؟"
سمعوا صوت أدهم قائلاً: "استعدوا يا جماعة عشان نتصور كلنا مع بعض."
احتضن سامح آسيا بذراعه، وحملت آسيا الصغيرة بذراعه، وبجانبه ماهر محتضنًا بذراعيه بدور. ليسرع جمال بإمساك يد ملاك.
بينما حمل يزن ابن عمار ماسة، ووقف عمار وبجانبه ريم ليحمل عبد الرحمن. لين الصغيرة وفي الجهة الأخرى وقف أدهم يضم خديجة ليحمل يوسف تاج الصغيرة ابن زين الذي كان ينظر له بغضب وهو يقف بجانب حور. بينما وقف جمال وبجانبه سلمى التي كانت تحمل صغيرها أحمد. ليحمل سامح الصغيرة مكة ابن جمال وسلمى. بينما وقف أحمد العاصي يحمل الصغيرة فاطمة بذراع ويضم فاطمه بذراعه الآخر. أما مالك ورحيل كانوا يقفون في المنتصف. فكانت صورة ولا أروع. كانت الفرحة تعم المكان. وهم ينظرون إلى الكاميرا، فكانت سعادتهم ظاهرة على وجوههم.
رواية البنات زينة البيت الفصل الثالث والخمسون 53 - بقلم نهى عادل
السعادة لا تعني أنك لن تحزن، لن تتألم.
السعادة أن تملك روحك الرضا على كل أقدار الله وتعيشها صابرة، حامدة، شاكرة، ومستبشرة من الله الخير.
الله إذا قضى بقضاء أمر ما أحب أن يتقبله عبده لا أن يلومه، لذا يعد الرضا بالقضاء والقدر من الأشياء الثمينة التي تزهي من روح صاحبها وتجعله ذات قيمة في المجتمع، ومع مرور الوقت يقضي الله أمره بالخير دائمًا لأنه تقبل القدر في كل حياته.
وأيضًا، الرضا بالقضاء والقدر يعد جزءًا لا يتجزأ عن الرضا بالمقسوم.
***
أثناء حفلة السبوع هرولت الصغيرة ملاك إلى والدها قائلة:
_ بابي خلى جمال يبعد عني، أنا زعلانة منه ومش عايزة أكمله تاني.
قهقه ماهر وأردف قائلًا: وليه بقا زعلانة منه يا ملاكي؟
وجد من يقول: لو سمحت يا أنكل ماهر، محدش يقول لها يا ملاكي غيري.
رفع ماهر حاجبه وأردف قائلًا: اتلم يلا.
ثم قام بحمل ابنته وأردف قائلًا: قولي لي جمال زعلك ليه؟ ونظر إلى جمال وأكمل: يا ملاكي.
أردفت الصغيرة قائلة: جمال بيخوفني يا بابي، أنا بحب أفرد شعري وهو عايزني أربطه وكل شوية يقول لي اربطيه عشان ما تزعليني، أنا بس اللي أشوفه مفرود لما نكبر، وكمان عايزك تتحجبي، يرضيك كده يا بابي؟
اتسعت عيون ماهر وهو ينظر ببلاهة إلى جمال الصغير وأردف قائلًا: الله الله، وإيه كمان يا سي جمال؟
نظر له الصغير وأردف قائلاً بقوة لا تناسب سنه:
_ من فضلك يا أنكل ماهر، ماتتدخلش، ده موضوع خاص بيني وبين ملاك، وأنا مش حابب حد يدخل بينا.
نظر له بتعجب وأردف قائلًا: أنت لا يمكن تكون تربية أحمد العاصي أبدًا.
ليسمع صوتًا قائلًا: عندك حق والله يا ماهر، ده تربية جمال الله يسامحه.
ضحك الجميع وأردف الصغير قائلًا: الحق عليّ إني بخاف عليها وبحميها من عيون الناس، وكمان لازم تلبس الحجاب من دلوقتي.
رفع ماهر حاجبه وأردف بغيرة على صغيرته:
_ وبصفتك إيه عشان تسمع كلامك يلا؟
أردف الصغير بكل ثقة قائلًا: بمناسبة إني قرة عينا المستقبل...
جاء له أخوه وقام بحمله قائلًا: جدع يا چيمى، لازم تكون شديد من الأول.
قهقه ماهر وأردف: طيب بص وراك كده.
استدار جمال ووجد سامح ابن ماهر يحمل ابنته مكة ويقبلها من وجنتيها.
صك جمال على أسنانه بعنف وأردف قائلًا: اللي بنعمله في الناس هيطلع علينا ولا إيه؟
ثم نظر بشر إلى ماهر وأكمل: خلي ابنك يا ماهر يسيب مكة من إيده وكفاية بوس.
قهقه ماهر قائلًا وهو يحمل ابنته ملاك: حرام عليك يا چيمى، خلي الولد ياكل عيش.
وغمز له وتركه وذهب من أمامه.
ليهرول جمال إلى سامح الصغير ليأخذ منه مكة ابنته تحت ضحكات الجميع.
***
بعد انتهاء الزفاف، ذهب الجميع إلى منزله. أما مالك أخذ رحيل وذهب بها إلى الفندق وحجز جناحًا لقضاء ليلتهما المميزة.
في فيلا عمار الأنصاري.
أردفت ونس وهي تتهرب من عيون عمار قائلة:
_ أنا رايحة أطمن على يزن وماسة.
ابتسم لها وأردف: تمام، بس بلاش تتأخري على ما أدخل آخد شاور.
بعد قليل.
كانت تجلس ونس تفرك بيديها تنظر إلى ابنتها لين.
وفي لحظة فتح باب الحمام وخرج منه عمار وهو عار الصدر يضع منشفة حول خصره وقطرات المياه تتساقط من شعره الفاحم الجذاب. وأثناء ذهابه إلى غرفة ثيابه لفت انتباهه شحوب وجه ونس وتفرك بشدة. تعجب واقترب منها قائلًا:
_ مالك يا ونسي؟ فيك إيه يا حبيبي؟
ابتعلت ريقها وظلت تفرك بيديها قائلة بكذب: مفيش يا عمار، أنا كويسة الحمد لله.
ضيق عيناه ورفع وجهها وأردف بنبرة حنونة: من إمتى ونسي بتخبي عني حاجة؟
ابتسمت له وأردفت قائلة بخجل:
_ أصلًا الصراحة أنا حامل يا عمار ومش عارفة حصل إزاي.
نظر إليها بذهول وأردف قائلًا بتعجب: نعم!!!!
وفي لحظة شهقت عندما وجدت نفسها بين يدي عمار يضمها بشدة داخل أحضانه ويدور بها في المكان قائلًا:
_ مبروك يا حبيبتي، دي أحلى خبر أنا سمعته في حياتي.
لمعت عيناها بسعادة وأردفت قائلة: يعني بجد مش زعلان إنك عرفت إني حامل ولين لسه صغيرة وكده وكنت طالب مني أشوف وسيلة لمنع الحمل؟
ابتسم لها ابتسامته الجذابة التي خصها بها وحدها مع إظهار غمزات وجنتيه وهو ينزلها بحنان ورقة على السرير:
_ أنا قلت لك كده لأني كنت خايف تفتكر إني أناني ومش عايزك تكملي شغلك في الجامعة يا حبيبتي، لكن أنا بتمنى تجيبي لي كل سنة طفل يكون حتة منك يا ونسي.
وأكمل حديثه وهو ينظر إليها نظرة رجل عاشق لحد النخاع: أنا مش بس بحبك، لا أنا بعشقك يا ونسي.
لفت يديها حول عنقه وأردفت بنبرة هائمة:
_ وأنا بحبك أوي أوي يا عموري، وعلى فكرة يزن نايم ولين كمان.
وغمزت له بدلال.
قهقه عمار حتى أدمعت عيناه ينظر إليها بمكر وأردف قائلًا: يبقى لازم نحتفل يا قلب وروح عمورك.
وأخذها في جولة من جولات عشقه غارقين في حلال الله.
***
في فيلا سامح الأنصاري.
دلفت آسيا إلى الجناح وجدت سامح جالسًا على إحدى الأرائك وأمامه قدح من القهوة. اقتربت منه قائلة بحب:
_ مالك يا سامح؟ سارح في إيه يا حبيبي؟
ابتسم لها وأمسك يديها وأجلسها بجانبه على الأريكة وأردف قائلًا: خايف يا آسيا على مالك، خايف يجرح مراته في يوم من الأيام. مالك لحد دلوقتي ماتخطاش موت ملاك بدليل إنه قفل فلته وهيجي يسكن معانا هنا، على فكرة رحيل بتحب مالك جدًا، أنا شفت ده رغم إنها غامضية وعلى طول حزينة، ولحد دلوقتي معرفتش حاجة عنها غير اسمها رحيل عامر عابدين وأنها يتيمة الأب والأم، إلا إنها في حاجة غامضية في حياتها، البنت دي كمان مجروحة جدًا، بتمنى من ربنا يخليهم دواء لجروح بعض.
أخذته آسيا في أحضانها ترتب على ظهره بحنان وأردفت قائلة: إن شاء الله كله خير يا حبيبي، كفاية وجودك جنبنا، لحد إمتى هتفضل شايل هم الصغير قبل الكبير؟ سيبها على الله يا سامح.
ابتسم بحب وأردف قائلًا: ونعم بالله.
اقترب منها يضمها وهمس لها في أذنها: أنا كنت فاكر من شوية إنك زعلانة مني، إيه رأيك أصالحك؟
ابتسمت له بخجل.
لمعت عيناه بسعادة وانتصب واقفًا وسحبها وحملها بين يديه قائلًا: يبقى لازم أصالحك يا آسيتي.
أردفت قائلة: يا سامح نزلني عشان ضهرك.
اتسعت عيناه وأردف قائلًا بمكر: وده تيجي برضه أنت كده وأخدة فاكرة غلط عني ولا أصلحها؟
ومال عليها يقبلها بنهم عاشق لحد النخاع.
***
أمام إحدى الفنادق الفاخرة.
ترجل مالك من سيارته وقام بمساعدة رحيل على النزول، دلفا إلى الداخل ثم صعدوا إلى المصعد.
بعد لحظات.
دلف مالك ومعه رحيل الجناح. دارت عيناها في المكان بانبهار وهي ترى الجناح مزينًا بأجمل باقات الزهور والشموع ذات الرائحة الفواحة.
أردفت قائلة بخجل: أنا هروح أغير هدومي في الحمام.
تنهد مالك وهو ينظر إليها قائلًا: تمام، وأنا هغير هنا لحد ما تخلصي عشان أدخل أتوضأ ونصلي سوا.
أومأت برأسها وفرت من أمامه لتذهب إلى الحمام.
أما هو قام بخلع ملابسه وارتدى تي شيرت نصف كم وسروال بيتي مريح.
بعد قليل خرجت رحيل من الحمام وهي ترتدي أسدال الصلاة، فكانت ولا أروع، إيه من الجمال نظر إليها مالك وسحر في وجهها الجذاب.
دلف إلى الحمام وتوضأ وخرج وأقام الصلاة.
بعد انتهاء الصلاة أردف قائلًا: تعال يلا عشان تتعشى زمانك جعانة.
ابتسمت له ابتسامة جذابة وأردفت قائلة: لا أنا شبعانة الحمد لله.
قامت بخلع الأسدال تحت خجلها الشديد وهو ينظر إليها. لمعت عينيه ببريق من السعادة وصدره يعلو ويهبط من الاحتياج وهو يراها ترتدي ثوبًا من اللون الفيروزي، لونه المفضل، قصير يصل إلى منتصف ركبتها بفتحة صدر عاري الذراعين.
اقترب منها كمغيب، هو لم يراها في هذه اللحظة إلا ملاك. همس وهو يضمها إليها:
_ ملاكي.
شدها داخل أحضانه يضمها باحتياج. انتفض جسدها بالكامل فرحًا بأول حضن لها من معشوق روحها ثم مال عليها يقبلها بنهم ورفعها متجه بها إلى السرير وأنزلها بهدوء وهو يضمها داخل أحضانه.
***
صباح اليوم التالي.
استيقظت رحيل تشعر بسعادة وفرحة مما عاشته ليل أمس. نظرت إلى مالك بحب الذي كان يضمها بشدة ورفعت يديها ولمست خصلات شعره بحنان. فتح مالك عينه ببطء.
أردفت رحيل قائلة: صباح الخير.
انتفض مالك من نومه وأبعدها بعنف عندما رآها وعلم بأنه قد تم زواجه منها. انصدمت رحيل من ردة فعله.
أردفت رحيل قائلة وهي ترفع كفي يديها لتلمس كتفه قائلًا: إيه اللي حصل مالك؟
اقشعر جسده وهو يهمس قائلًا: أنا خائن، خنت ملاك.
نظر إليها بندم وخزي وأردف قائلًا: أنا آسف، أنا مش عارف اللي حصل ده حصل إزاي، أرجوكي تسامحني، أنا لما شفتك لابسة القميص ده بنفس اللون خليتك ملاك مراتي، أنا بجد آسف، صدقني أنا مش عارف حتى إزاي اتجوزنا بسرعة دي.
كانت تنظر له بعيون مصدومة وداخلها يصرخ ويتمزق.
لم يعد قلبها يتحمل رفضه لها.
أكمل وهو لم يبالي بصاحبة القلب المحطم التي تنظر له ودموعها تنهمر بغزارة.
وأردف قائلًا: اللي حصل غصب عني لأن ملاك كانت وحشاني، وحشاني حضنها وحنانها، أنا بجد آسف.
ابتسمت بسخرية: آسف على إيه؟ واللي حصل بينا طبيعي يحصل بين أي زوجين وطبيعي جدًا يحصل يعني مش آسف.
كانت تتحدث له ودموعها تنهمر على وجنتيها، حديثه لها نزل على قلبها كنصل حاد.
تألم مالك وأردف قائلًا: أنا آسف يا ملاك.
صرخت بكل قوتها وأردفت قائلة: أنا مش ملاك، كفاية بقا أنا مش ملاك، حرام عليك، أرحم قلبي شوية!
تنهدت ودموعها تنهمر أكثر وأردفت وقلبها يتمزق قائلة:
_ أنا صحيح حبيبتك، وشوفت فيك عوض ربنا لي، شوفت فيك الأخ والحبيب والسند، بس أنا مقدرش أكمل معاك وأنت شايف فيا واحدة تانية يا مالك.
أخذت نفسًا طويلًا وأكملت: أنا مقدرش أكون ملاك، أنا رحيل ومش عشان وشنا شبه بعض يبقى إحنا واحد، أنا كنت فاهمة أنك بتاديني أنا ملاكي، بس لما كنت عندك في الأوضة شوفت الصورة وفهمت كل حاجة، غصب عني إني أكمل معاك لأني حبيتك بجد وقولت ممكن مع الأيام تتغير وتحس بيا وتحبني كـ رحيل مش ملاك، وصدقني أنا مش أنا نية إني أقولك أنساها وحبني أنا. لا والله، أنا كنت طمعانة في جزء بسيط من حبك ليا، قولت أكيد في يوم هتحس بيا، دي أنت حتى متعرفش عني أي حاجة ولا مرة سألت أنا منين وأصلي فين وأهلي فين، كل اللي قولته مش مهم عندي، كله ده المهم أنت وأنا المغفلة اللي صدقت إنك حبيبتني.
كان ينظر إليها بذهول، وصد مه صامت لم يعرف ماذا يقول، هي معها كل الحق في كل كلمة قالتها!
نظرت له بقوة أكثر وأكملت قائلة:
_ عارف إيه أصعب حاجة ممكن تمر بها يا مالك؟!
أنك تحب حد وقلبه مع حد تاني، حتى لو الحد ده مـش شعور بيوجع أوي.
كان ينظر إليها بصدق واستنكار من حديثها، انتصب واقفًا ودلف إلى الحمام. قام بفتح المياه الباردة وأغمض عينيه يتذكر كل حديثها.
بعد لحظات، خرج ووجدها تجلس على التخت بوضع القرفصاء، تضم جسدها بقوة. يسمع شهقتها، تألم قلبه. أراد أن يذهب ويضمها داخل أحضانه، ولكنه أضعف من أن يفعل ذلك. تنهد وارتدى ملابس خروج، واقترب منها وأردف قائلاً بندم: "رحيل، أنا بجد آسف على اللي حصل. صدقيني ما كانش قصدي. أنا حضرت لك الحمام، ادخلي خدي شاور وأنا نازل شوية. تكوني هديتي علشان نعرف نتكلم."
رفعت وجهها. انصدم مالك عندما رأى وجهها وعيناها شديدة الاحمرار.
تألم وفر من أمامها. أما هي، فدَلفت إلى الحمام تشعر بتمزق قلبها وروحها، ولكنها عزمت أمرها بأن لا تبقى معه وتخرج من حياته.
بعد قليل، خرجت رحيل من الحمام، ارتدت ملابسها، وأخرجت من حقيبتها ورقًا وقلمًا وكتبت بعض الكلمات لمالك وتركتهم وذهبت وخرجت من حياته. بل عزمت العودة إلى موطنها الأصلي.
بعد مرور ساعة.
دلف مالك الجناح ووجده شديد الظلام. تنهد وقام بتشغيل الإضاءة، ولكنه صعق عندما لم يجد رحيل. اقترب من الحمام وقام بالطرق على الباب قائلاً: "رحيل، رحيل، أنتِ جوه؟"
لم يسمع صوت. قام بفتح الباب ولم يجدها. شد خصلات شعره بعنف وكاد أن يذهب إلى الخارج. وجد ورقًا على التخت. أمسكها بيد مرتعشة وقرأ:
"حبيبي ومالك قلبي مالك. صدقني أنا مش ندمانة على جوازي منك. أنا عشت معاك أجمل لحظات حياتي، حتى لو كانت بسيطة. أنا فعلًا لقيت فيك السند والحامي. كنت أتمنى تكون عوض ربنا ليا على اللي شفته في حياتي. أنت خسرت فرد واحد وهي مراتك. لكن أنا خسرت أمي وأبي وإخواتي كلهم ماتوا قدام عيوني وماقدرتش أعمل لهم حاجة. كنت نفسي أقعد أحكي لك على كل حاجة وأقولك أنت لما دخلت حياتي عملت فيها إيه. من أول لما قلبي دق لك، لما خفت فيك بالغلط في الفرح، أصلًا أول مرة أعرف يعني إيه حب كان معاك. وفرحت جدًا لما عرفت إنك صاحب الشركة. كنت نفسي أبني معاك أسرة جديدة ونداوي جروح بعض. بس ربنا مش راضي نكمل. للأسف أنا مش خرجت من حياتك بس. لأ، أنا خرجت من البلد كلها ورجعت بلدي اللي كنت نفسي أقولك عليها وأعرفك بها. عيش حياتك يا مالك، كفاية حزن لحد كده. ربنا جعل لنا نعمة النسيان علشان نقدر نتكيف به في الحياة. أنت عارف إيه اللي أصعب من الموت يا مالك؟ الفراق. صدقني أنا عمري ما هـنساك وهتفضل ذكرى حلوة ليا أعيش بها. أتمنى لك كل السعادة يا حبيبي."
خارقت قواه، دموعه تنهمر على وجنتيه.
ظل يصرخ باسمها: "رحيل! أنا آسف يا رحيل، حقك عليَّ."
ثم أخذ مفتاح سيارته وهرول خارج الفندق يبحث عنها، لعله يجدها أمامه.
بعد مرور ربع ساعة، صف سيارته وترجل. هرول إلى الداخل ليصرخ قائلاً: "رحيل! يا رحيل!"
نزل سامح مسرعًا ومعه آسيا، حتى زين وحور. الجميع في حالة من الدهشة والصدمة وهم ينظرون إلى حالة مالك.
أردف قائلاً وهو ينظر إلى والده: "بابا، هي رحيل جت هنا علشان خاطري يا بابا؟ قول إنها عندك."
تنهد سامح وقد علم بما حدث من هيئة ابنه. أردف قائلاً وهو يرتب على ظهره بحنان: "اهدأ يا مالك. وقال لنا إيه اللي حصل؟"
صرخ أكثر وأردف: "أهدى إزاي وأنا ضيعت مراتي وسيبتني وخرجت من حياتي؟ أنا لازم أدور عليها. بس هتكون راحت فين؟"
ضحك سامح بسخرية: "وأنت تعرف عنها حاجة يا مالك؟ تعرف حتى اسمها رحيل إيه؟ كانت ساكنة فين؟ قولتك قبل كده خلي بالك لتخسر كل حاجة، وأديك خسرت تاني يا مالك."
أردفت آسيا قائلة بحزن: "اهدأ يا سامح وبلاش كلامك ده، هو مش ناقص."
أردف مالك قائلاً بصوت حاد وعالي: "يعني إيه؟ يعني خلاص كده؟ لتاني مرة أتوجع كده؟ ملاك وبعدها رحيل؟ هو ربنا بيعمل معايا كده ليه؟ اشمعنى أنا الكل عاش مبسوط وفرحان وأولاده في حضنه؟ اشمعنى أنا اللي مراتي تموت وهي حامل؟ ولما ألاقيها تسبني تاني ليه؟ يا رب يا رب!"
اقترب منه سامح ووقف أمامه، وفي لحظة قام سامح برفع يده وضرب على وجنتيه.
صرخت آسيا وأردفت قائلة: "ابني ليه يا سامح كده؟"
أما زين، فحزن وتألم على حال أخيه وانكسرت قلبه. وحور كانت دموعها تنهمر بغزارة على وجنتيها.
تنهد سامح وأردف قائلاً: "استغفر ربنا. أنت هتكفر ولا إيه؟ ربنا عوضك وبعت لك اللي تداوي جروحك، بس أنت كنت معمى عن كل ده. قفلت قلبك وحياتك. أنا كنت بشوف نظرات رحيل لك كلها حب واحتواء."
تنهد وأكمل: "أما أنت، كانت نظرات حنين بس مش لها. لملاك الله يرحمها. محدش قالك انسي ملاك يا ابني. بس ربنا عطالك فرصة تبدأ بها حياتك، وللأسف أنت ضيعتها من إيدك. روح يا مالك، دور عليها، بس ادعي إنك تلاقيها."
مسح مالك دموعه وأردف قائلاً بوجع: "هـلاقيها إن شاء الله، هـلاقيها. وأتحدى القدر وأي حد يقف قدامي."
ولكنه قبل أن يكمل حديثه، وقع مغشيًا عليه. صرخ زين باسمه وقام بحمله بمساعدة سامح وطلب الإسعاف ليتم تشخيص حالته بأنه أصابه انهيار عصبي أدى إلى فقد النطق لديه.
حزن الجميع على ما أصاب مالك.
بعد مرور يومين، استعاد مالك وعيه. كان جالسًا حزينًا في المشفى ينظر إلى الأعلى، يبكي فقط، لا يستطيع الحديث.
دلف إليه سامح وأردف قائلاً وهو يبكي: "أنا آسف يا حبيبي. يا ريت كانت تنقطع إيدي قبل ما أمدها عليك، حقك عليَّ. إن شاء الله كلنا هندور على رحيل."
ابتسم له مالك وقام برفع كف يد سامح وقبله بحب ورتب على ظهره بحنان. سحبه سامح داخل أحضانه يلمس على شعره بحنان، يناجي ربه في سره بأن يشفي ابنه ويريح قلبه ويرد له ضلته.
مرت أيام وشهور بل سنوات ولم يعثر مالك على رحيل. رجع إلى وحدته مرة أخرى، بل أسوأ من ذي قبل. لم يبق له إلا عمله الذي كان يتابعه في جناحه في فيلا سامح الأنصاري. فقط كل ليلة، يتذكر ترجمة الإيميلات وضحكها، يتذكر ليلتهم معًا. كانت من أروع الليالي. شعر بدفء شديد وهي داخل أحضانه. هو لم ينس ملاك، بل علم أنه عشق رحيل، وآه من رحيل.
ماذا فعلت كي تمل وصالي؟
ابحث عن سبب لهجرك دون جدال.
فأصبحت تائه بين حقيقة وخيالي.
لم أطلب أن تعود إلي.
لكن أريد أن تجيب سؤالي.
كنت أشكو إليك كل أحوالي.
فعجبًا لمن تغير وعجبًا لتغير الحالي.
فاقطع وصالك متى شئت فإني لا أراك تبالي.
أبدًا لن أجاد لك في غيابك أبدًا.
لأنك خيبت كل آمالي.
رواية البنات زينة البيت الفصل الرابع والخمسون 54 - بقلم نهى عادل
البنات زينة البيت
أبلغ حبيـبا في القلب مرقده
أن الفؤاد على عهد الهوى باقي
وخذ من أنفاسي لهيب الشوق
عساه يدرك أن ابتعاده قد زاد إحراقي
آيا طير الهوى سلاما مني أبلغه
ولهفة خاطري قد سكنت بأعماقي
قل له أن الحنين قد فاض بي
وجنت كل جوارحي وأحداقي
لا تسخري من جنوني مثلما سخروا
إن كنت برقاً.. فإني الرعد والمطر
وإن قلبي على ما فيه من وجع
وذكريات.. وأشواق.. سينتصر
***
بعد مرور خمس سنوات
في فيلا سامح الأنصاري
بداخل جناح مالك الذي يسكنه في فيلا والده، اختار العتمة والظلام، اختار الوحدة، رجع كما كان، بل أسوأ من ذي قبل، حزين شارد يفكر ويفكر في رحيل، يفكر في أجمل ليلة قضاها معها، تنهد وهو ينظر إلى صورتها وهي تبتسم في ليلة زفافهم، حتى هذا حرما منه ولم تشكتي، ظل يبحث عنها ولكنه لم يجدها، لعنه نفسه، ربنا أعطى له هدية، عوض من نوع خاص، ولكنه لم يحمده ويشكره، أضاعها من حياته.
تنهد وترك الصورة ودلف إلى الحمام، توضأ وخرج يصلي ويناجي ربه في سره، عسى أن الله يهدي له نفسه وينور دربه.
***
في فيلا ماهر الأنصاري
كانت تنام في أحضانه، ينهال عليها بالكثير من القبلات ويضمها إليه بشدة، يهمس لها بكلام من الحب، فجأة بدا أن هناك زلزال في المنزل، نهضت بسرعة من أحضانه وارتدت ملابسها على استعجال.
وهي تركض إلى الأسفل، سمعت أصوات ضوضاء عالية، نظرت إلى غرفة المائدة بصدمة، الغرفة مقلوبة رأس على عقب، نظرت وجدت أبناءها سامح وملاك ينظرون إليهم، هتف سامح: "أسف يا أمي على الإزعاج، إحنا بنعمل فيديو تيك توك، بس خلاص خليه وقت تاني مادام أنتِ صحيتي يا بدري".
وكاد أن يذهب سامح من أمامها إلا أنها أمسكته من الخلف: "انت رايح فين يا ضنا؟ خد يا حبيبي، ثواني وأشوف السفرة رجعت مكانها".
رأت ملاك تتسحب إلى غرفتها، صرخت قائلة: "وانتي يا ملاك هانم تعالي ساعدي أخوكي في الفوضى دي، لازم تنتهي حالا، وبعد كده تعالوا لي أوضتي علشان عاوزة أتكلم معاكم في أمر مهم".
أردفوا قائلين: "حاضر يا مامي".
نظرت بدور وجدت ماهر يرفع لها حاجبه ويضحك بشدة، يهمس لها: "عدالة السماء".
نظرت له بغضب وأردفت قائلة: "والله قصدك إيه بقى يا ماهر؟ ده أنا كنت نسمة في بيت أبويا".
اقترب منها وحاوط خصرها وهمس في أذنها:
"على يدي يا بدري، نسمة على يدي".
أردف الصغير وهو يصفق بيده قائلاً: "أوعدني يارب وحنن قلب البنت مكة عليَّ هي وأبوها".
خلعت بدور خفها المنزلي وقامت بالقائه في اتجاه سامح قائلة: "اتلم يلا وروح ساعد أختك".
دارت بعينيها في المكان وأردفت: "فين ماسة؟".
أردف سامح قائلاً: "ماسة فوق في أوضتها بتقرا كتاب".
أردفت قائلة وهي تنظر لهم بغضب: "أنا مش عارفة أنتم ليه مش طالعين لها، ربنا يهديكم".
***
بعد مرور نصف ساعة
دلف سامح ومعه ملاك إلى جناح بدور.
ابتسمت لهم قائلة: "تعالوا اقعدوا نتكلم مع بعض شوية يا حبابي".
جلس الصغار أمامها على إحدى الأرائك.
أردفت بدور قائلة: "أنا زعلانة منكم أوي ومش أنا وبس، لأ اللي زعلان منكم أكتر مني ربنا سبحانه وتعالى".
تعجبوا الصغار وأردفوا: "ربنا!!!".
أردف سامح قائلاً: "ليه يا ماما إحنا عملنا إيه يخلي ربنا يزعل مننا؟".
تنهدت بدور وأردفت قائلة: "أقولك يا حبيبي، بس الأول أنت امبارح نمت الساعة كام؟".
أردف سامح قائلاً: "نمت امبارح حوالي الساعة أربعة ونصف".
نظرت بدور إلى ملاك قائلة: "وأنتِ يا ملاك؟".
أجابت ملاك قائلة: "زي سامح بالظبط يا مامي".
تنهدت بدور وأردفت قائلة: "وكنتم بتعملوا إيه؟". نظرت لهم بحدة وأكملت: "أقول لكم أنا كنتم بتعملوا إيه؟ كنتم بتعملوا فيديوهات تيك توك، صح؟".
أومأ لها سامح رأسه بنعم.
أكملت بدور حديثها قائلة: "طيب هل بعد ما خلصتوا الفيديوهات واللعب صليتوا الفجر؟ رغم إنكم كنتم صاحيين".
نظر إليهم الصغار بحزن وشعروا بالخجل.
أردفت بدور قائلة بحدة: "مش معنى إن أنا وبابا عطينا لكم حرية يبقوا تستخدموها غلط، أنا شايفة إن السوشيال ميديا أخدت كل وقتكم صح ولا لأ، وأنتم عارفين أخطارها إيه، مش هقول لكم بلا، وعاشوا كل حياتكم صلاة وقراءة قرآن، لأ طبعاً، أنا بقول لكم اعملوا وقت لكل حاجة، زي وقت لقراءة القرآن، وقت للعب، تقرأوا قصص، شوفوا حاجة مفيدة في وقت الفراغ، مش معنى إن مفيش دراسة يبقى نستغل وقتنا في حاجات مش مفيدة وفيها ضياع للوقت ومعصية ربنا".
ثم نظرت بغضب إلى سامح قائلة: "وبعدين يا كبير يا عاقل إزاي قابل على أختك البنت تقعد ترقص وتخليها تغني وتصورها وبعد كده ترفع الفيديوهات على التيك توك اللي مفيش فيه رقابة وممكن حد يستغل الفيديو ويشوه سمعتها حتى لو لسة صغيرة، عايزة أقول لكم إني مش بحب أعمل مقارنة بينكم أنتم الثلاثة بس ماسة ما شاء الله عليها غيركم، كل ليلة لازم تيجي تسمع وردها قبل ما تنام".
شرّدت في سامح وأردفت: "تعرفوا إن بابا سامح كان كل يوم قبل النوم لازم يجي يحفظ لنا سورة من القرآن لحد ما ختمنا القرآن، ومع كل سورة كنا بنحفظها كان بيجيب لنا هدية، ولحد دلوقتي محتفظة بكل هدية حفظت فيها القرآن، أنا كنت متابعة معاكم أول بأول لحد ما لقيت الموضوع زاد عن حده، طول النهار والليل فيديوهات ولعب على الموبايل، حياتكم بقت عبارة عن إيه، موبايل ليل نهار، أنتم كده بتدمروا خلايا مخكم، وده ممكن يأثر على أعضاء جسمكم كله مش المخ والعين وبس، وصدقوني أنا مش بمنعكم إنكم تبطلوا تمسكوا الموبايل، لأ بس مش يكون هو محور حياتكم. تعرفوا إن فاضل حوالي شهر على رمضان، يعني لازم نكون مستعدين لاستقباله من صلاة وصوم وعمل خير صح ولا لأ؟".
اقتربوا الصغار وأردف سامح قائلاً: "أنا آسف يا ماما بعد كده هخلي بالي وهشغل وقتي بحاجات مفيدة".
أردفت ملاك: "وأنا كمان آسفة يا مامي، وبعد كده أحفظ القرآن مع ماسة ونيجي نسمع لك كل يوم".
ابتسمت لهم بدور وقامت بفتح ذراعيها وضمتهم بحب ليجدوا صوت يصرخ قائلاً: "عاااااا خيانة أخواتي في أحضان أمي وأنا لأ، التار ولا العار!".
قهقهت بدور وأردفت: "عوض على يارب عوض الصابرين، حتى أنتِ وأنا فاكرة إنك عاقلة اللي فيهم".
ارتمت ماسة هي الأخرى في أحضانها قائلة: "خدوني معاكم في هذا الحضن الدافئ يا ولاد".
كل هذا حدث أمام ماهر الذي شعر بالفخر من زوجته وحب حياته بدور.
***
في فيلا أدهم الأنصاري
في جناح أدهم وخديجة
استيقظ أدهم على صوت الهاتف، فتح عيناه ببطء ثم جذب الهاتف وعدل من جلسته وقام بالرد، بعد أن أنهى المكالمة نظر إلى تلك الغافلة ينظر إليها بحب وعشق، ثم مال عليها وقبلها من وجنتيها بعشق، استيقظت خديجة من نومها تفتح عيناها ببطء من جراء فعلته هذا، أردفت قائلة: "صباح الخير يا حبيبي".
ابتسم لها بحب قائلاً: "صباح الورد والعسل على أجمل عيون".
حاوط خصرها يضمها بشدة وأردفت خديجة قائلاً: "صاحي بدري ليه مش النهارده إجازة؟".
تنهد أدهم بحزن وأردف قائلاً: "للأسف جالي تليفون من اللواء صلاح وطلب مني أستعد للسفر بعد يومين عندي مهمة".
عدلت خديجة من جلستها وأردفت بحزن: "مسافر!!".
سحبها أدهم داخل أحضانه قائلاً: "مالك يا ديجا؟ يعني دي أول مرة أسافر فيها؟".
أردفت خديجة قائلة: "لا مش أول مرة بس كل مهمة بتسافر وممكن تغيب فيها أكثر من شهرين وممكن ثلاثة كمان، وأنت عارف إن رمضان فاضل عليه حوالي شهر، وأحنا اتعودنا وجودك جنبنا في رمضان أنا والأولاد".
ابتسم لها وضع قبلة على وجنتيها قائلاً: "إن شاء الله أخلصها بسرعة وأقضي معاكم رمضان زي كل سنة يا حبيبتي، إيه رأيك لو النهاردة نعزم العائلة عندنا على العشاء؟".
أردفت قائلة: "طبعاً موافقة".
***
في فيلا أحمد العاصي
بداخل جناح سلمي وجمال
بعد أن أنهى جمال مكالمته مع القائد وتليها مكالمة أدهم الذي أخبره عن موعد العشاء، شرد في هذه المهمة وما بها من مخاطر، أفاق على خروج سلمى من الحمام، اقتربت منه قائلة: "سر حان في إيه يا چيمي؟".
ابتسم لها وانتصب واقفاً قائلاً بعشق: "فيكِ يا روح وقلب چيمي".
لف ذراعيه حول خصرها وألصقها بجسده قائلاً بعشق: "أنا بعشقك يا سلمى، يا نور حياتي، كنت عايش وحيد وماليش حد بعد موت أبويا وأمي، لحد ما دخلتي حياتي ونورتها إنتِ وأولادنا".
أردفت قائلة بحنان وعيون مغيمة بدموع السعادة جراء حديث زوجها النبيل: "إيه الحاجة اللي عملتها في حياتي يا جمال علشان ربنا يكافئني ويرزقني بحبك الكبير يا حبيبي؟".
نزلت دمعة من عينيها وأكملت: "سترتنا وفضلت صابر عليَّ وعمرك ما زعلتني ولا صرخت في وشي، عرفت تحتويني كويس، حتى لما اتأخرت في الحمل فضلت واقف جنبي بدون ملل ولا كلل، أنا مش بحبك، لأ أنا بعشقك وبعشق أولادنا علشان هما حتة منك يا جمال، أنت أحلى عوض من ربنا".
اتسعت عيناه بسعادة وأردف قائلاً بنبرة هائم:
"طيب إيه هنفضل نقضيها أقوال مفيش أفعال قبل ما عيالك ييجوا يغلصوا علينا زي كل يوم".
ولم يكمل كلمته وسمعوا طرق على الباب.
قهقه وأشار لها على الباب قائلاً: "مش قولت لك".
أذن بالدخول أطفاله.
أردف أحمد قائلاً: "بابي إحنا جينا علشان ننام معاك، إشمعنى مامي بتنام معاك كل يوم وإحنا لأ".
اتسعت عيون سلمى بذهول وهي تنظر إليهم وهم في أحضان جمال الذي كان يضحك بشدة على حديثهم، فهم كل ليلة يفضلون النوم في أحضانه.
نظر جمال إلى وجه سلمى العابس واردف قائلاً للصغار: "طيب إيه رأيكم تروحوا تلعبوا مع خالو جمال وخليه يستعد عشان بليل رايحين عند عمو أدهم."
صفق الصغير بيده قائلاً: "هو ده الكلام، ده چيمي هيفرح أوي، بس يا ترى ملاكة هتيجي عشان نصالحهم على بعض؟"
قهقهت سلمى بشدة قائلة: "ذنب ناس بيخلص من ناس."
رفع جمال إحدى حاجبيه قائلاً: "قصدك إيه يا روحي؟"
ابتسمت قائلة: "قصدي إنك ما شاء الله مربي جمال تربية فظيعة، وأهو جمال بيربي أولادك زيك بالظبط يا روحي."
"نفس الجنيات سبحان الله."
صك على أسنانه ونظر إلى أطفاله قائلاً بمكر: "طيب روحوا أنتم بلغوا جمال عشان أنا عايز ماما في موضوع مهم."
اردفت مكة قائلة وهي تخرج مع أخواتها: "أيوه يلا بينا، إحنا عند چيمي، أكيد بابا هيحط لماما قطرة في عينيها."
اردفت فاطمة قائلة: "لأ يا مكة، چيمي قال القطرة بابا بيحطها لماما لما يكون زعلان منها بس."
اتسعت عيون جمال، وقف ينظر ببلاهة إلى أطفاله.
ليجد سلمى تضحك بشدة حتى أدمعت عيناها، ليقترب منها ويحاوط خصرها قائلاً: "مبسوطة إنت صح؟"
أومأت له برأسها وهو تكتم ضحكتها.
ألصقها بشدة داخل أحضانه قائلاً: "طيب تعالي عشان أحطلك قطرة في عينيك زي ما بنتك قالت!"
وحملها متجه بها إلى التخت.
***
في فيلا سامح الأنصاري.
في جناح سامح وآسيا.
استيقظت آسيا من نومها عندما أحست ببرود في الفراش، فتحت عينيها ولم تجد سامح، قلقت بشدة وانتصبت واقفة، ارتدت روبها وكادت أن تخرج من غرفتها إلا أنها وجدت باب الشرفة مفتوح، تنهدت ودلفت إلى الداخل.
وجدت سامح يجلس شارداً حزيناً وأمامه قدح من القهوة، اقتربت منه قائلة: "صباح الخير يا حبيبي."
نظر إليها وابتسم قائلاً: "صباح النور يا حبيبتي، صحيتي بدري ليه؟"
ابتسمت آسيا قائلة: "من امتى بيجي لي نوم لما بحس إنك قمت من جنبي، مالك يا سامح؟ أنت طول الليل صاحي، فيك إيه؟"
تنهد سامح وسحبها وأجلسها بجانبه يضمها داخل أحضانه واردف قائلاً: "صعبان عليا مالك، كل إخواته مرتاحين أهه بعد ما شافوا العذاب لحد ما وصلوا للمرحلة دي بصعوبة."
أخذ نفساً طويلاً وأكمل: "رغم إني عارف أصل وفصل رحيل، إلا إني بجد مش عارف أوصل لها فلسطين، وأكيد هي هناك لأن ملهاش مكان تاني غير بلدها تسافر فيه. والمشكلة أكتر لما دورنا في الجوازات، مالقناش اسمها في أي مطار، يبقى أكيد سافرت تهريب، لأنك عارفة العلاقات بين البلاد عاملة إزاي."
اردفت آسيا قائلة: "طيب أنت متعرفش بعلاقاتك تعرف مكانها فين في فلسطين؟"
تنهد سامح بقلة حيلة: "للأسف لأ، إنت عارفة الأوضاع هناك عاملة إزاي، صعبة أوي. حاولت أشوف طريقة أسافر بيها بس مش هينفع في الوقت الحالي. وطبعاً مالك لحد دلوقتي ميعرفش عنها حاجة، ولا حتى هي منين، حتى قبل ما يفقد النطق، ما حاولش يسأل. كان عايش في دوامة الماضي، خسر كل حاجة بسبب غباؤه. رغم إني روحت وفهمتها حياة مالك كانت إزاي، بس مش عارف حصل إيه وصلها إنها تمشي ومش تقدر تكمل حياتها معاه. مكنش ده كلامها معايا."
تنهدت آسيا واردفت: "أكيد مالك جرحها جامد لدرجة إنها فقدت كل السيطرة على التحمل، كل واحد منا عنده طاقة لكل شيء، لو نفذت يبقى خلاص يا حبيبي. بس تفتكر مالك تم جوازه منها؟"
حك سامح ذقنه قائلاً: "مش عارف."
أخذته آسيا في أحضانها ورتبت على ظهره بحنان.
شرد في مقابلته مع رحيل...
***
فلاش باك.
بداخل شقة في حي راقي.
كانت تجلس تتحدث في الهاتف مع ابن عمها عامر قائلة:
"أنا منيحة يا ولد العم، كيف الشيخ عابدين؟"
الشخص:ــــــ
سمعت طرقاً على الباب لتنهي المكالمة وقامت بفتح الباب، وقفت مصدومة أمامه.
اردف الشخص قائلاً: "هفضل واقف كتير على الباب يا رحيل، فين كرم أهل فلسطين؟"
اتسعت عيناها واردفت: "اتفضل حضرتك، أنا آسفة."
دلف سامح إلى الداخل واردف قائلاً: "ذوقك جميل يا رحيل."
ابتسمت رحيل قائلة بخجل: "حضرتك تشرب إيه يا سامح باشا؟"
ابتسم لها سامح قائلاً: "هو حد يقول لحمايا يا سامح باشا؟"
"إنت من يوم ما دخلتي بيتنا وبقيتي خطيبة مالك، بقيتي بنتي يا رحيل، وده اللي جابني النهارده. تعالي اقعدي، محتاج أتكلم معاكي شوية."
جلست رحيل أمام سامح، تنهد وأردف قائلاً:
"أنا عارف إنك بتحبي مالك."
"وعارفة إنك مستغربة حالة مالك، بس أنا هقولك إيه سبب حالته دي."
وقص لها ما حدث معه، نظر إليها وجد دموعها تنهمر على وجنتيها، ابتسم لها قائلاً: "ها يا رحيل، قررتي تكملي مع مالك بعد كل اللي حكيته لك، ولا هتفضلي البعد عنه؟ لأن خلي بالك إنت مشوارك طويل وهتتعبي لحد ما مالك يرجع يشوفك رحيل مش ملاك."
خجلت رحيل وأردفت قائلة: "أنا فعلاً حبيت مالك وحبيتكم كلكم، مالك أنا شفت فيه أهلي اللي ماتوا قدام عيوني. أنا تركت فلسطين وجيت مصر عشان كنت بدور على شركة كويسة توريد لنا أجهزة طبية في فلسطين عن طريق تركيا، وسبحان الله قبلت مالك وقررت أبدأ حياة جديدة معاه وأعيش في مصر، مش هروب من وطني لا سمح الله، بس أنا حبيت مالك بجد وإن شاء الله أبدأ معاه حياة جديدة ونكون عوض لبعض."
ابتسم سامح بفخر على هذه الفتاة، فهو علم معدنها من أول مرة رآها فيها. أردف قائلاً: "وأنا من اللحظة دي بقى عندي خمسة بنات، ربنا معاكي يا رحيل، لأن مهمتك مش سهلة."
***
عودة.
أفاق على رنين هاتفه، وجدها خديجة وأخبرته بموعد العشاء وتجمع جميع العائلة.
***
بداخل جناح حور وزين.
كان يحمل ابنته أريج داخل أحضانه قائلاً: "حبيب بابي اللي كل ما أقرب من مامي يفضل يعيط، هو في تار بيني وبينك يا بنتي؟!"
وجد حور تضحك بشدة، نظر إليها بغضب قائلاً: "خدي بنتك نامت أهي."
أخذت منه أريج ووضعتها في تختها، ثم اقتربت منه.
ورفعت يديها تلعب في أزرار قميصه قائلة بدلال: "وحشتني يا زيني أوي أوي."
ابتسم لها بحب وعشق وحاوط خصرها قائلاً: "إنت أكتر يا روحي، بس خلي بالك العطلة مش من عندي، أنا تمام التمام، بنتك هي السبب."
لكزته حور في كتفه قائلة: "يا سلام، ما هي نايمة أهي، والله أنت ظالمها."
غمز لها قائلاً: "يعني أمان ونبدأ العمل، ولا هشغل الإنذار وأنا لسه بسخن."
وقبل أن تتحدث حور، سمعوا طرقاً ودلفت تاج قائلة بلهفة: "يلا يا مامي بسرعة، لبسني الفستان وسرحي لي شعري."
نظر زين بغضب قائلاً: "وتاج هانم مالها مستعجلة ليه؟"
اردفت تاج قائلاً: "أصلاً يا بابي، يوسف لسه مكلمني في الفون وقالي إننا كلنا رايحين عندهم النهاردة."
اردف زين قائلاً: "لا والله، طيب إيه رأيك يا تاج، مش رايحين؟ هنشوف كلام مين اللي هيمشي، أنا ولا سي يوسف."
زمت الصغيرة شفتيها قائلة: "ليه يا بابي؟ ده يوسف هيزعل مني وأنا مش بحب أزعله مني."
نظر إليها زين: "لا والله، ماشي يا يوسف، يا أنا يا أنت يا حيوان، عايز تسيطر على بنتي، هنشوف."
اردفت حور قائلة: "روحي يا تاج على أوضتك يا حبيبتي، لسه بدري، إحنا رايحين بليل."
أومأت الصغيرة وخرجت من الغرفة.
قهقهت حور قائلة: "أنا مش عارفة أنت حطيت يوسف في دماغك ليه، الصراحة كله على بعضه كده بيفكرني بحد أعرفه، كان نسخة منه سبحان الله في تملكه ومقالبه."
ابتسم زين على حديثها، فهو علم أنه تقصد هو بحديثها.
اقترب منها قائلاً: "سيبك من الحيوان يوسف وخليكي معايا، هااا، كنا بنقول إيه قبل ما تاج تيجي؟ آه افتكرت."
مال عليها وقبلها بحب وعشق قائلاً: "وحشتني يا حوري."
***
بعد مرور يومين، موعد سفر أدهم.
كان يقف في منتصف الردهة قائلاً بثقة إلى أولاده: "أنا عارف إن ورايا رجالة، خلي بالكم من ماما وآسيا في غيابي، وبلاش شقاوة ومقالب يا سي يوسف وخف شوية على تاج، أنا ماسك زين بالعافية منك."
ابتسم يوسف قائلاً بفخر: "حاضر يا بابا، كلها كام سنة وهاخده منه ويبقى يقبلني لو شافها تاني."
تعجب أدهم قائلاً: "يا ابني اعقل، خليك زي عبده عاقل أهو ما شاء الله."
ثم نظر إلى عبد الرحمن قائلاً: "خلي بالك منه يا عبده."
ابتسم الصغير: "حاضر يا بابا، تروح وتيجي لنا بألف سلامة وترجع منتصر من المهمة."
لمعت عيون أدهم بالسعادة من أبنائه.
هرولت آسيا إليه وقام بضمها قائلاً: "هتوحشي بابي يا آسيتي."
ابتسمت آسيا: "وحضرتك كمان هتوحشني يا بابي، خلي بالك من نفسك."
اردف يوسف قائلاً بمكر: "يلا بينا أحنا، يمكن الباشا عايز يقول كلمة سر لـ ديجا ولا حاجة."
وأخذ أخواته وصعدوا إلى الأعلى.
قهقه أدهم واقترب من خديجة الشاردة الحزينة قائلاً:
"والله ابنك يوسف ده بيفهم وعنده وجه نظر."
حاوط خصرها يضمها إليها بشدة: "حبيب قلبي، ماله زعلان وحزين ليه؟!"
ضمته خديجة قائلة بحزن: "خايفة عليك يا أدهم، قلبي مش مرتاح المرة دي، وإنت كمان مش راضي تقولي مسافر فين."
ارتبك أدهم قائلاً: "يا خديجة، إنت عارفة إنها أسرار شغل."
تنهد وقام بتقبيل جبهتها قائلاً: "خلي بالك من نفسك ومن الأولاد يا حبيبتي، إنت مش حبيبتي وبس يا خديجة، لا إنت نور عيوني، روحي بنت قلبي اللي عشقت ودعيت ربنا يجمعني بها طول حياتي."
تنهد وأكمل: "لو جرى لي حاجة، أرجوكي خلي بالك من أولادنا، ولازم تعيشوا حياتكم، أنا بحبك أوي أوي يا خديجة."
وتركها مرعباً كيانه من تلك الكلمات التي ألقاها عليها، اهتز جسدها من كلمته تلك، لتهرول قائلة: "أدهم، أدهم!"
وقف أدهم وأغمض عينيه ليجدها تضمحه قائلة: "خلي بالك من نفسك، أنا عارفة إنك هترجع لنا تاني، لا إله إلا الله."
ابتسم بحب وعشق: "محمد رسول الله."
رواية البنات زينة البيت الفصل الخامس والخمسون 55 - بقلم نهى عادل
في فيلا أدهم مندور
بعد مرور أسبوع من ذهاب أدهم ومعه جمال إلى المهمة، عاد جمال فقط بعد أن طلب منه اللواء صلاح رجوعه وبقاء أدهم.
في فيلا أدهم مندور
كانت تجلس خديجة حزينة شاردة، كل يوم تحلم به ينادي عليها، ولكنها لم تره. علمت برجوع جمال فقط، انتصبت واقفة وقامت بارتداء ملابسها وركبت سيارتها متجه إلى فيلا أحمد العاصي لكي ترى جمال وتسأله عن أدهم ولماذا هو عاد لوحده دون أدهم.
بعد مرور حوالي ربع ساعة، ترجلت من سيارتها وسارت باتجاه الفيلا، دلفت إلى الداخل وقابلت فاطمة وأحمد العاصي، ثم جاءت إليها سلمى ومعها جمال.
أردفت خديجة وهي تنظر إلى جمال قائلة: أدهم فين يا جمال؟
تعجب جمال قائلاً: أدهم مسافر برلين يا خديجة لأنه عنده مهمة هناك.
أردفت قائلة بقلق: واشمعنى أنت رجعت وهو لا؟
تنهد جمال قائلاً: لأن دي الأوامر اللي عندنا، ومتقلقيش صدقني أدهم كويس وبإذن الله هيخلص المهمة وهيجي في أقرب وقت.
أردفت قائلة: يارب. أنا بجد آسفة على الإزعاج، استأذن أنا.
أردفت سلمى قائلة: متقوليش كده يا خديجة، انتي تيجي في أي وقت وخلّيكي قاعدة اتغدى معانا.
ابتسمت خديجة قائلة: معلش يا سلمى خليها وقت تاني، الأولاد لوحدهم في الفيلا.
بعد مرور شهر
انتظرت خديجة رجوع أدهم ولكنه لم يرجع، بل سافر إليه جمال هو الآخر ولم يعد، واليوم أول ليالي رمضان.
في فيلا سامح الأنصاري
بعد أن أخبر سامح الجميع على الإفطار وقضاء أول ليلة من ليالي رمضان في فليته، كانت الأجواء أكثر من رائعة حيث زينت الحديقة والفيلا بالزينة المخصصة للاحتفال بقدوم شهر رمضان المبارك.
كان المكان يضج بالحضور منتظرين إطلاق مدفع الإفطار وأذان مغرب أول أيام الشهر الكريم في جو مليء بالروحانيات والبهجة والسرور. كل حاضر ما عدا أدهم وجمال.
كان الرجال يجلسون معًا في الحديقة، والأطفال كل منهم ممسك بفانوس يلعبون ويمرحون، ما عدا تلك الماسّة التي كانت تجلس تحت شجرة تقرأ كتاب الله.
اقترب منها يزن قائلاً: كل سنة وأنتِ طيبة يا ماسّتي.
صدقت ماسة ونظرت له قائلة: وأنت طيب. ولو سمحت يا يزن أنا اسمي ماسة وبس.
ابتسم يزن وأردف قائلاً: بس انتي ماسّتي أنا وبس.
وتركها وذهب، وعادت هي تمسك كتاب الله تكمل وردها.
أما جمال اقترب من ملاك ويحمل علبة كبيرة بيده قائلاً: كل سنة وأنتِ طيبة يا ملاكي، خدي هدية كل سنة اهي.
نظرت له وأردفت بغرور: وأنت طيب يا چيمي.
ثم أخذت منه العلبة وقامت بفتحها، وجدتها فلوس مزين باسمها "ملاكي"، لمعت عينيها بسعادة وأكملت حديثها قائلة: الله الفلوس جميل أوي أوي يا جمال، أنا هروح أوريه لجدو سامح ونانا آسيا. وذهبت من أمامه قبل أن يكمل لها حديثه.
كانت تهرول تلك الصغيرة صاحبة العيون الزرقاء والشعر الأسود الغجري، وفجأة وقعت في الأرض تبكي بشدة. اقترب منها زين ابن عمار وونس وأمسك يديها بحنان يساعدها على الوقوف قائلاً: معلش يا فاطمة، تعالي اقعدي على الكرسي.
جلست فاطمة على الكرسي تبكي بشدة. رفع زين يده وقام بمسح دموعها قائلاً: بلاش تعيطي يا فاطمة، خليكي هنا وأنا هروح أجيب لك ميه.
ابتسمت فاطمة قائلة: لا يا زين أنا صائمة الحمد لله. مش أنت صايم كمان؟
أردف بفخر قائلاً: طبعًا صايم الحمد لله، وكمان بختم القرآن، قربت على حفظه.
رفعت فاطمة يديها وقامت بنكش شعره قائلة: شطورة يا زين.
زمّ زين شفتيه قائلاً: إيه شطورة دي؟ على فكرة أنا راجل يا فاطمة، ولا عشان انتي أكبر مني بسنة فاكرني صغير؟
وتركها وذهب بوجه عابس.
أما يوسف كان يقف ينظر إلى تاج، إلى تجلس بجانب زين تنظر له هي الأخرى. همست لوالدها قائلة: بابي ممكن أروح ألعب مع يوسف شوية.
نظر إليها بغضب قائلاً: مفيش لعب مع يوسف أو غيره يا تاج، انتي خلاص كبرتي.
أردفت تاج قائلة بغضب: أشمعنى أريج يا بابي بتلعب مع أحمد؟
نظر زين في اتجاه ابنته أريج، رأى أحمد جمال يرفع يده إلى وجهها يرجع خصلات شعرها إلى الخلف.
زفر بغضب وأردف: يعني أعمل فيكم إيه وأخفيكم من العصابة دي فين يا ربي؟
أردف ماهر قائلاً: عندك حق والله يا ابني، أنا مش عارف نعمل فيهم إيه العيال دي.
ضحك عمار وأردف قائلاً: ما تسيبوا العيال تأكل عيش يا جدع منك ليه.
نظروا إليه نظرة نارية. أردف عمار: محدش من العيال دي كلها، هتخاف عليهم أكتر منهم، وأنتم عارفين كده كويس. بس أنتم عشان غيرانين منهم بتعملوا كده فيهم.
وتركهم وذهب.
اقترب يوسف الصغير من حور قائلاً: بقولك يا حور، يا ما تشوفي لك حل في زين؟ مش عارف أقعد مع تاجي خالص، يرضيكي كده؟
قهقهت حور قائلة: لا طبعًا مش يرضيني. بس خف أنت شوية، أنتم خلاص كبرتم ولازم تعملوا حدود بينكم.
أردف يوسف قائلاً: تصدقي عندك حق، لازم تاج تعمل حدود مع كله.
ثم غمز لها وأكمل: إلا أنا.
أما عبد الرحمن كان يجلس على الأرجوحة في الحديقة. اقتربت منه لين قائلة: ممكن أقع جنبك يا عبده.
ابتسم لها قائلاً: طبعًا يا لين، تعالي اقعدي.
جلست لين ونظرت إلى الكتاب الذي يحمله عبده قائلة: أنت بتقرأ إيه يا عبده؟
أردف عبد الرحمن قائلاً: قصص الأنبياء يا لين.
ابتسمت لين قائلة: الله، ممكن يا عبده أقرأ معاك.
ابتسم عبد الرحمن قائلاً: طبعًا يا لين.
أما مالك كان يجلس بجانبهم ينظر إليهم بحب وسعادة. كما تمنى أن يكون لديها أسرة مثلهم، لو كانت رحيل معه الآن لكان لديها أطفال في عمر أريج ابنة أخيه زين.
عند الرجال
أردف يوسف مندور قائلاً وهو ينظر إلى سامح الذي كان يجلس أمامه يشاهد برنامج فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي: كل سنة وأنت طيب يا سيادة اللواء. ودائمًا البيت مفتوح بحسك وبحس أولادك وأحفادك.
ابتسم له سامح وأردف بود: وأنت طيب يا يوسف. وبعدين إيه سيادة اللواء دي؟ إحنا أهل يا أبو أدهم.
نظر سامح إلى وجه يوسف وجده حزين، أردف قائلاً: مالك يا يوسف؟
تنهد يوسف قائلاً: كان نفسي أدهم وجمال يكونوا معانا.
أردف أحمد العاصي الذي كان يجلس بجانبهم: ربنا معاهم ويجوا بالسلامة.
أردف يوسف قائلاً: اللهم آمين.
أما النساء بداخل المنزل تسابقن الريح في صنع كل ما لذ وطاب، حيث الروائح الذكية من طواجن وصواني لأشهى المأكولات، وتحضير الحلوى الخاصة بالشهر الكريم والتي تعدها آسيا بإتقان ويفضلها الجميع من يدها.
أردفت آسيا قائلة وهي تنظر إلى الجميع بحب وفرحة: كل سنة وأنتم طيبين، ويا رب دائمًا متجمعين على خير.
ابتسم الجميع قائلين: وأنتِ بألف خير.
كانت تجلس إيناس ومعها خديجة الشاردة في حبيبها حول الطاولة تجهز طبق السلطة الخضراء. أما ونس ومعها آسيا الصغيرة يقومان بعمل أشهى المشروبات الخاصة بالشهر الكريم قبل انطلاق مدفع الإفطار.
بعد قليل انتهت النساء من رص جميع الطعام على السفرة لينطلق مدفع الإفطار.
بعد استماع الجميع لأذان المغرب، بدأت بدور وسلمى بتوزيع التمر على الجميع.
تناول الجميع حبات التمر، وتحرك الرجال والصبيان إلى المسجد، وصُليت النساء ومعها الفتيات.
بعد رجوع الرجال من الصلاة، جلسوا إلى سفرة الطعام.
أردف سامح قائلاً وهو ينظر إليهم بسعادة: كل سنة وأنتم طيبين يا جماعة، ورمضان كريم.
رد الجميع بسعادة وبدأوا بتناول الطعام وسط أجواء سعيدة، ما عدا تلك الشاردتان في أزواجهن.
بعد الانتهاء من الإفطار، أردف سامح قائلاً وهو ينظر إلى أحمد العاصي ويوسف مندور: تعالوا نروح نقعد في الجنينة لحد ما يعملوا لنا القهوة.
ثم نظر إلى خديجة قائلاً: ديجا اعملي لنا القهوة من إيدك.
ابتسمت خديجة قائلة: حاضر يا بابا.
بعد قليل جلست الرجال بالحديقة، ودلفت النساء إلى المطبخ، وأعدت خديجة مشروب القهوة للرجال وقدمته للجميع.
بعد قليل.
انتهت العاملات من جلي الصحون وتنظيف المطبخ والفيلا بمساعدة الفتيات.
جلست آسيا ومعها إيناس وفاطمة يتحدثون، كما جلست بدور وونس وحور يتحدثون في أمور الحياة. أما خديجة وسلمى كانوا يجلسون بوجه حزين ذابل لقضاء أول ليلة من ليالي رمضان بدون أزواجهن.
كما تجمع الصغار يلعبون ويمرحون.
نظرت بدور إلى خديجة قائلة: بقولك يا ديجا، بكرة هنخلّي ماما تعمل لنا طواجن السمك من إيديها.
أجابتها خديجة بنبرة باردة خالية من الشغف: إن شاء الله يا بدور.
حزنت بدور على حال أختها وصديقتها ودعت ربها أن يحفظ أزواجهن.
عند تجمع الأطفال
كان يراقب جمال بغضب تلك الجميلة ملاك التي لم تتحدث إليه، أصبحت متمردة، فاتنة الجمال، يراها تتحدث مع الجميع إلا هو. زفر بغضب واقترب منها قائلاً:
ملاك لو سمحتي ممكن أتكلم معاكي شوية.
وجد من يقول: وإنت عايز تتكلم معاها ليه؟ بص بقى متخلينيش أحطك في دماغي. ملكش دعوة بيها نهائي يا جمال، فاهم؟
حزن جمال وكاد أن يجيب على حديث ماهر، إلا أن ملاك
أجابت بسرعة قائلة: لا بابي مش للدرجة، جمال زي أخويا سامح بالظبط وأنا بحب أتكلم معاه.
اتسعت عيون جمال من حديث تلك الملاك التي كادت أن توقف قلبه. عن أي أخ هو هذا تتحدث؟
أما ماهر نظر إلى جمال بتشفٍّ ونظرة انتصار على وجهه، وتحرك بكل غرور ممسكًا بيد صغيرته.
بعد مرور بضع ساعات، أذن آذان العشاء لتذهب الرجال والصبيان إلى صلاة التراويح، كما صُليت النساء مع الفتيات في المنزل.
بعد رجوع الرجال من صلاة التراويح
اجتمع سامح بأحفاده، نظر إليهم بفخر وحب، أردف قائلاً: يا ترى يا شباب، عاوزين نبدأ بقصة إيه من قصص الأنبياء؟
اردف سامح الصغير قائلا باحترام:
ايه رايك يا جدو لو نبدأ بقصة أول الأنبياء، نأخدهم بالترتيب، كل يوم قصة ونختم بقصة سيدنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام.
ابتسم له سامح قائلا: عليه أفضل الصلاة والسلام، وهو كذلك، نبدأ بقصة سيدنا آدم.
طبعًا كلنا عارفين يا أولاد إن سيدنا آدم – عليه السلام – أنه كان أول بشر خلقه الله – عز وجل – وقد كرمه ونفخ فيه من روحه، وأمر الملائكة أن يسجدوا له احترامًا لقدره ومكانته. لذلك فإن آدم – عليه السلام – هو أبو البشرية كلها. والملائكة هم أول المخلوقات التي خلقها الله – عز وجل – وحتى قبل أن يخلق آدم – عليه السلام – وقد أخبرهم الله – تعالى – أنه سوف يخلق بشرًا من طين، وليس من نور مثلهم، وأنه سوف يسويه وينفخ فيه من روحه، وسوف ينزل إلى الأرض ليعبد الله – عز وجل – هو وذريته التي سوف تكون من نسله.
وورد ذلك في القرآن الكريم في قوله تعالى: (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً ۚ قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) . ورد الملائكة يوحي بأنهم يعلمون طبيعة البشر، وأنه يمكن أن يخطئوا وأن طبيعتهم تختلف عن طبيعة الملائكة الذين لا يخطئون أبدًا، ولا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. لذلك قالوا أن البشر سوف يفسدون في الأرض، ويقتلون الأنفس، وهم الذين يفضلون عليهم لا يكون لهم هذا الشأن العظيم. لكن جاءهم الرد، وهم في حيرة من أمرهم من الله – عز وجل – بقوله تعالى: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ).
ثم ذكرت الآية الكريمة التي أخبر بها الملائكة عن البشر: بسم الله الرحمن الرحيم.
(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ * فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ * فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ). صدق الله العظيم.
أخذ سامح نفسًا وأكمل: هنا يبين الله أنه سوف يخلق آدم عليه السلام من طين، وأنه سوف يجمع من تراب الأرض الأحمر، والأصفر، والأبيض، والأسود. وبعد ذلك يتم خلط التراب بالماء حتى يصبح صلصالًا من حمأ مسنون، ثم تعفن الطين وانبعثت منه رائحة. وهذا الأمر جعل إبليس يتعجب من كون أن هذا الطين الذي انبعثت منه الرائحة هو الذي سوف يخلق منه هذا المخلوق الجديد. لذلك سأل الله – عز وجل – عن ذلك فجاءت الإجابة بالتنفيذ. عندها سواه الله – عز وجل – بيده ونفخ فيه من روحه. وهنا امتثل الملائكة لأمر الله – عز وجل – عندما أمرهم بالسجود تكريمًا له. ولكن إبليس كان من الملائكة، ولم يسجد لآدم – عليه السلام – وقال الله تعالى له: (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ ۖ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ الْعَالِينَ). ورد على الله – عز وجل – بقول يملأه التكبر، وقال: (قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِّنْهُ ۖ خَلَقْتَنِي مِن نَّارٍ وَخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ).
عندما صدر هذا الموقف من إبليس بالتكبر والتعالي على ما خلق الله – عز وجل – بيديه، أمر الله – عز وجل – أن يخرج إبليس من الجنة فقال – تعالى –: (قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ * وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَىٰ يَوْمِ الدِّينِ). وعاش آدم – عز وجل – في الجنة ما شاء الله له، ولكنه كان يشعر بالوحدة فهو البشر الوحيد في هذه الجنة الواسعة. فخلق الله – عز وجل – له زوجته حواء حتى تكون سكنًا له ويشعر بالنعيم عليهما ويتمتعا سويًا.
ولكن جرت حكمة الله بالكثير من الأمور ومنها خروج سيدنا آدم من الجنة وحرمانه وزوجته من النعيم الذي يعيشان فيه. وهذا لأن إبليس توعد لآدم – عليه السلام – أنه سوف يخرجه من الجنة، ويكون له الشقاء بالخروج منها، حيث قال: (فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ * إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ). وعندها أراد الله – عز وجل – أن يعلم سيدنا آدم أنه في نعيم ليس بعده نعيم، وهو وجوده في الجنة التي يوجد فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر. وقال له أن لا يمكن أن يجوع في الجنة، ولا يعرى، لا يظمأ أبدًا. وذلك في قوله تعالى: (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا ۖ وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ). (فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَىٰ).
وبعد ذلك جاء قول الله تعالى: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ * فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ ۚ وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ). وهذا يدل على أن الشيطان أخذ يوسوس لآدم – عليه السلام – بأن هذه الشجرة هي أحلى ثمار الجنة، وأنه يجب أن يأكل منها حتى يشعر بطعم ثمارها اللذيذ. ورغم التنبيه الذي نبهه الله – عز وجل – له فقد عصى آدم أمر الله – عز وجل – وفضل وغوى، وسمع كلام إبليس اللعين، وما مكر له. فنزل من الجنة هو وزوجته وغضب الله – تعالى – منه، ولكنه استغفر ربه، ودعا أن يسامحه على ما فعل وأخطأ إلى أن غفر الله – عز وجل – له.
بعد أن أنهى سامح سرد قصة سيدنا آدم، أردف سامح قائلاً وهو ينظر إلى أحفاده: يا ترى إيه الدرس المستفيد من القصة يا شباب؟
أردف سامح الصغير قائلاً بثقة:
أن الإنسان مخير وليس مسيرًا كما يقولون الكثير من الناس، وأن الله عز وجل كتب عنده الأقدار، ولكن يجب علينا السعي حتى ننال خيرها، ونطرد عنا شرها بالدعاء. كمان عرفنا أن إبليس هو العدو الأكبر لنا في هذه الحياة، ولا يجب أن نطيعه في أي أمر من الأمور حتى لا يكون مصيرنا الخروج من الجنة، ودخول النار في الآخرة.
ابتسم سامح بفخر وأخرج من جيبه مبلغًا من المال ذا الفئة العالية قائلاً: برافو عليك يا سامح، ودي أول جائزة لك.
أخذ منه سامح الصغير باحترام قائلاً: شكرًا يا جدو.
ابتسمت الصغيرة ملاك قائلة:
جدو سامح أنا مش بحب الشيطان ده علشان خلى ربنا يزعل من سيدنا آدم.
ابتسم سامح وقبلها من جبهتها قائلاً: صح يا ملاك، الشيطان وحش والمفروض الناس كلها مش تحبه.
لمعت عيون ماهر بسعادة والفخر من تربية بدور لأبنائها، فهي دائمًا تحثهم على القراءة وحفظ القرآن والابتعاد دائمًا عن الأشياء الضارة.
انتهت السهرة ورجعت كل عائلة إلى منزلها.
رواية البنات زينة البيت الفصل السادس والخمسون 56 - بقلم نهى عادل
الو فاء قصة بأعماق القلوب، فهو الجزء الأصعب في كل حكاية. الو فاء لا يمكن أن تعطيه على جرعات، فالمرء إما أن يكون وفيًا مخلصًا أو لا يكون. لطالما آمنت أن صفة "الوفاء" من أعظم الصفات التي قد يحملها الإنسان. الوفاء الذي يبقي الذكريات الطيبة حية في داخلك وإن طال الزمان. الذي يحثك على حفظ المودة وإن تباعدت المسافات. الذي لا يجعلك تتنكر لمن مد لك يده يومًا. هذه الصفة هي رأس الأخلاق النبيلة.
ليلا
في فيلا سامح الأنصاري
بداخل جناح سامح وآسيا
خرجت آسيا من الحمام بعد أن أخذت حمامًا دافئًا تنعش به جسدها. وقفت أمام المرآة تحرك رقبتها بتعب، فهي تشعر بألم شديد بها. اقترب منها سامح ورفع يده وقام بتدليك رقبتها، وسط فرحتها وسعادتها اللامتناهية من اهتمام سامح، ذلك العاشق الولهان.
ابتسمت له وأردفت قائلة: "كل سنة وأنت طيب يا حبيبي ودائمًا حسك معانا في الدنيا."
حاوطها بعينيه ومال على عنقها، ودفن أنفه في عنقها، وبدأ يستنشق أكبر قدر من رائحتها الذي بات يعشقها.
أردف قائلاً بنبرة هائمة: "وأنتِ طيبة وجوه حضني يا نبض قلب سامح."
ابتعد عنها وذهب، ثم عاد يحمل بيده علبة وأعطاها إليها.
قائلاً: "اتفضلي يا آسيتي هدية كل سنة."
ابتسمت بسعادة وأخذتها وقامت بفتحها، وجدت بها قلادة منقوش عليها اسمها بالألماس. أردفت قائلة: "جميل أوي يا سموحه، ربنا يخليك ليا، كل سنة وأنت داخل حضني، مفيش رمضان عدي علينا وانت بتجيب ليا فانوس."
اقترب منها وقبل عنقها وأردف قائلاً بهيام:
"إزاي قادرة تحافظي على درجة عشقي ليكي بعد كل السنين دي يا آسيتي؟ إزاي قادرة تخليني مجنون بحبك وعشقك وأبقى عايز أخفيكي عن عيون الناس كلها؟ جوه حضني أنا وبس."
ابتسمت بسعادة من حديثه، ذلك الزوج العاشق الولهان، وأردفت قائلة بنبرة هائمة: "بجد يا سامح لسه بتحبني زي زمان وفي نظرك حلوة كده زي زمان لما كنت صغيرة؟"
الصقها في جسده وظل يقبلها برقة وأردف قائلاً: "وأكثر يا آسيا، حبي لك كل يوم بيزيد عن اللي قبله."
نظر إليها نظرة احتياج وأردف قائلاً وهو يغمز لها: "بقولك إيه، ما تيجي ناخد شاور قبل السحور، حتى فيه ناس بتقول أن الشاور قبل السحور بيعمل شغل عالي أوي أوي."
ابتسمت خجلًا وأردفت قائلة بدلال: "ما أنا لسه واخداه."
ابتسم لها قائلاً وهو يحاوط خصرها: "وماله ناخد تاني."
وفجأة شهقت حين وجدته يحملها بين أحضانه متجهًا بها إلى الحمام، ولكنهم سمعوا طرقًا على الباب. أردفت آسيا قائلة: "الباب بيخبط يا سامح."
زفر قائلاً: "سيبك منه."
لم يسمعوا الطرق مرة أخرى، لتكمل آسيا: "عشان خاطري نشوف مين."
وبالفعل أنزلها سامح بحنان وقام بفتح الباب وانصدم حين وجد أحفاده، أولاد زين، تاج وأريج.
أردف قائلاً وهو يقف أمام الباب يمنع دخولهم: "نعم، في إيه؟"
أردفت تاج قائلة: "بابي قالي نيجي عند حضرتك يا جدو نسهر معاك علشان هو مش فاضي مشغول شوية."
صك أسنانه بعنف وأردف قائلاً: "أيوا يعني عايزين إيه؟"
أردفت أريج قائلة: "عايزين نسهر معاك يا جدو ومع نانا آسيا، بابي قال لنا نسهر معاك ومع نانا، وأنا بحب أسهر معاك يا جدو وأنام في حضنك."
وجدت آسيا تتحدث من خلفه قائلة: "حرام يا سامح، دخلهم."
استدار لها قائلاً بغضب: "كانت غلطة مني إني وفقت إن الحيوان زين يعيش معانا."
ابتسم بخبث وأردف إلى الفتيات قائلاً: "إيه رأيكم لو تروحوا عند عمو مالك؟ هو بيعرف يقول حدوتة أحسن مني."
فرحت الفتيات قائلين: "بجد يا جدو؟"
ابتسم لهم سامح قائلاً: "بجد يا روح جدو، يلا بسرعة روحوا..."
وبالفعل هرولت الفتيات متجهين إلى جناح مالك، ولكنهم وقفوا وتذكروا بأن مالك لم يستطع الحديث. كادوا أن يتحدثوا إلا أن سامح
قام بقفل الباب في وجوههم ونظر إلى آسيا التي كانت تضحك بشدة، وأردف قائلاً: "كنا بنقول إيه يا آسيتي، آه افتكرت."
وقام بحملها مرة أخرى ودلف بها إلى الحمام...
في جناح زين وحور
أردفت قائلة بخجل وهي داخل أحضانه: "عجبك كده يا ترى باباك هيقول علينا إيه دلوقتي لما البنات راحت له؟"
ابتسم لها قائلاً: "ولا حاجة يا حبيبتي، أنا عارف سامح باشا كويس، أكيد هياخد البنات في حضنه علشان عارف إن ابنه مش فاضي، وهيقول كلمة سر حالــــ"
ولم يكمل حديثه عندما وجد سمع طرقًا على الباب.
لتجد حور تضحك بشدة قائلة: "طيب قوم افتح الباب للبنات."
صك على أسنانه وانتصب واقفًا يعدل من ثيابه وقام بفتح الباب ليجد الفتيات أمامه بوجه عابس. أردف قائلاً: "رجعتوا ليه من عند جدو يا بنات؟"
قصت له الفتيات ماذا قال لهم سامح، لتكمل أريج قائلة:
"ولما افتكرنا إن أنكل مالك مش بيعرف يتكلم، كان جدو قفل الباب في وشنا."
قهقه زين على والده وأردف قائلاً في سره: "طول عمره نمس باشا باشا يعني، لا ماهي الليلة مش هتعدي كده، لازم أشوف حل."
نظر إليهم وأردف قائلاً بمكر: "طيب إيه رأيكم لو أنتم تروحوا لعمو مالك وتحكوا له حدوتة؟"
أردفت أريج قائلة: "ماشي يا بابا، أنا بحب أنكل مالك كتير عشان هو عايش لوحده."
حزن زين على أخيه، تنهد وأردف: "طيب يلا، مسنتين إيه؟ بسرعة روحوا."
هرولت الفتيات إلى جناح مالك، أما زين عاد مرة أخرى إلى أحضان زوجته...
أما في غرفة مالك...
كان يصلي يناجي ربه عسى أن يعود إليه صوته وينور دربه. بعد قليل أنهى صلاته وانتصب واقفًا واتجه إلى التخت وأمسك ألبوم الصور الذي يتضمن صور ملاك ورحيل، وشر فيها وهمس في سره: "يا ترى أنتِ زعلانة مني ليه عشان اتجوزت عليكي، ولا عشان خسرت رحيل زي ما قلتي لي إني هخسر خسارة كبيرة؟ وليه جيتي لي تاني امبارح في الحلم وقلتي لي برضه إن فرج ربنا قريب وعوضه قادم؟ بس المرة دي لازم أحافظ عليه وأحارب عشان أوصله. تنهد وأكمل: يا ترى قصدك إني ممكن أشوف رحيل تاني؟ فعلاً بابا كان عنده حق في كلمة قالها."
سامح معه كل الحق، الآن يحيا أصعب سنين عمره، عايش وحيد حزين، خسر قلب بعثه له الله يطيب له خاطره ويكون عوضًا له. ولكن ماذا فعل هو؟ كانت دموعه تنهمر على وجنتيه. أفاق على طرق الباب.
انتصب واقفًا وسار تجاه الباب وقام بفتحه ليجد الفتيات تبتسم له وأردفت تاج قائلة: "إحنا جايين عشان نسهر معاك ونحكي لك حدوتة يا أنكل."
ابتسم لهم وقام بحملهم وقبلهم بحنان ودلف بهم إلى الداخل وسط فرحته الشديدة.
صباحًا في فيلا ماهر الأنصاري
بداخل جناح ماهر وبدور
تململ ماهر من نومه وهو يتمطى بتكاسل، فتح عينيه ونظر بجانبه وجد بدور نايمة بشكلها الفوضوي. ابتسم وحمد ربه على وجودها في حياته. ابتعد عنها وكاد أن يقف، أردفت وهي مغمضة العينان: "سايب حضني ورايح فين يا ماهر؟ النهارده إجازة وهنقضي اليوم كلنا سوا، وبعد كده هنروح نفطر عند بابا."
ابتسم لها قائلاً بمرح: "رمضان كريم يا بدرى، خلينا أقوم أروح أصلي الضحى وبعد كده هقرأ الورد مع الأولاد."
أردفت بنعاس: "طيب أنا هنام شوية ولما الظهر يأذن صحيني عشان تصلي بينا جماعة."
أومأ لها برأسه ودثرها جيدًا بالغطاء، ودلف إلى الحمام وتوضأ وصلى الضحى، ثم خرج وأغلق الباب خلفه وذهب إلى أطفاله لكي يقرأ معهم وردهم كما وعدهم ليلة أمس...
في فيلا سامح الأنصاري
كان يجلس زين في الردهة الخاصة بالفيلا ومعه تاج وأريج بعد أن استيقظوا من حضن مالك ليزلوا إلى الأسفل، وجلسوا مع زين الذي كان يستمع إلى التلفاز ويشاهد الأغاني الخاصة بشهر رمضان.
ليجد سامح يقترب ويتحدث قائلاً: "يا ترى كنت مشغول في إيه يا زين وخلّيت بناتك تيجي عندي؟"
ابتسم زين قائلاً بمرح: "نفس موضوعك يا باشا اللي خليت البنات تروح عنده لمالك."
رفع سامح حاجبه قائلاً: "اللهم إني صائم.. بعد الفطار هروّك يا حيوان."
أردف زين قائلاً باحترام: "وأنا تحت أمرك يا باشا..."
في فيلا سامح
قبل انطلاق مدفع الإفطار
كان يجلس في حديقة الفيلا ومعه أحفاده.
أما النساء داخل مطبخ الفيلا
يقفن على قدم وساق تجهيزهن أشهى المأكولات والمشروبات الخاصة بالشهر الكريم.
دلف ماهر واقترب من بدور وهمس لها قائلاً بحب: "وحشتني يا بدري."
خجلت بدور واحمر وجهها وأردفت قائلة: "رمضان كريم يا دكتورة، جاي ليه؟"
ابتسم لها وأردف قائلاً: "جيت أقولك أوعي تنسي تعملي الكنافة من إيدك يا قلب الدكتورة."
ابتسمت له قائلة: "متقلقش، عملتها لك يا حبيبي من بدري."
ابتسم لها وأردف قائلاً: "تسلم إيدك يا بدري."
اقتربت آسيا قائلة: "يلا يا ماهر بلاش عطلة واطلع بره اقعد في الجنينة، رمضان كريم يا حبيبي."
اقترب عليها وقام بتقبيل وجهتها قائلاً: "الله أكرم، حاضر يا حبيبتي."
وتركهم وخرج...
خرج ماهر إلى الحديقة وجد والده جالسًا ومعه الأطفال يستمعون إلى درس فضيلة الشيخ محمد متولي الشعراوي، وبعد لحظات انطلق قرآن المغرب ما قبل مدفع الإفطار.
بعد لحظات انطلق مدفع الإفطار وأذن أذان المغرب، خرج الرجال إلى المسجد لأداء الصلاة، وبعدها عاد الجميع لتناول الإفطار بفرحة وسعادة.
انتهى الإفطار
وجلست العائلة يتحدثون في أمور الحياة، بعد ما طلب سامح من خديجة عمل القهوة للجميع...
بعد مرور عدة دقائق أذن أذان العشاء وذهب الرجال إلى صلاة العشاء والتراويح...
كمثل اليوم الأول من ليالي رمضان اجتمع سامح بأحفاده ومعه أولاد جمال أيضًا بعد صلاة التراويح ليبدأ لهم قصص الأنبياء. أردف وهو ينظر إليهم قائلاً: "مين الشاطر اللي هيقول لي مين النبي اللي النهارده قصته؟"
أردف يزن ابن عمار وونس قائلاً: "سيدنا إدريس عليه السلام يا جدو."
ابتسم سامح قائلاً: "شاطر يا يزن."
أردف سامح ماهر قائلاً: "جدو مرة زمان حضرتك قولت لنا إن سيدنا شيث ابن سيدنا آدم عليه السلام هو اللي جاء بعده."
أردف سامح قائلاً: "شاطر يا سامح، ولكن اختلف العلماء في النبي الذي جاء بعد سيدنا آدم، منهم من قال أن النبي الذي جاء بعد آدم -عليه السلام- ابنه شيث، قال ابن كثير رحمه الله: 'فلما مات آدم عليه السلام قام بأعباء الأمر بعده ولده شيث عليه السلام'."
ومنهم من قال أن النبي الذي جاء بعد شيث بن آدم عليه السلام، حيث قال بعضهم ومنهم ابن كثير -رحمه الله- أنه إدريس عليه السلام، بينما قال بعضهم الآخر أنه نوح عليه السلام.
وبعض العلماء ذكروا سيدنا إدريس كما ذكر في القرآن الكريم، وهم 25 نبينا...
ويكون ثاني الأنبياء ظهور بعد سيدنا آدم.
اردف احمد جمال قائلا:
على فكرة يا جدو أنا عارف قصة سيدنا إدريس.
أردف سامح قائلا:
طيب ايه رايك يا بطل تحكي لنا النهارده قصة سيدنا إدريس.
لمعت عيون احمد بالفر حة والسعا دة و بدأ يقـ ص قصة سيدنا إدريس قائلا:
سيدنا إدريس -عليه السلام- كان نبيًا من أنبياء الله تعالى، وصفه الخالق جل شأنه بالنبو ة والصد يقية ، فقال تعالى: «وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا»
و كمان سيدنا إدريس -عليه السلام- أول من أوتي النبوة من بني آدم بعد شيث عليه السلام، وقد أدرك من حياة آدم ثلاثمائة وثمانية سنوات وقيل ستمائة سنة واثنتان وعشرون سنة،
تنهد أحمد و أكمل:
سيدنا إدريس أول من خط بالقلم كما روي عن ابن إسحق، وقد رفعه الله مكانًا عليا حيث مر به النبي عليه الصلاة والسلام عليه في رحلة المعر اج وكان في السماء الرابعة.
نظر سامح الى أحمد قائلا بفخر:
برافو عليك يا يا ابو حميد.
و أخرج من جيبه مبلغ من المال ذات الفئه العالية و اعطا ئه له.
اردف زين عمار قائلا:
يا تري ايه هو نـ سـب سيدنا إدريس عليه السلام يا جدو.
أردف سامح قائلا:
تعددت الاحاديث حول نـ سب سيدنا إدريس -عليه السلام- و أر جحُها أنّه إدريس بن يرد بن مهلا ييل، ويُعر ف أيضًا باسم أخَنو خ، ووجه تسـ ميته إدريسًا أن الاسم مأ خوذٌ من الدَّر س والدِّر اسة لكثرة درا سته و تفكره وتأ مله في الصحف المُنز لة على آدم وشيث -عليهما السلام- وقيل عن إدريس إنّه أول من خطَّ وخاط، أيْ: خطَّ بالقلم و خاط الثياب كما جاء في الحديث.
أردف جمال احمد العاصي قائلا:
يعنى ايه ور فعناه مكانا عليا يا جدو.
ابتسم سامح و أردف قائلا:
اختلفَ أهل التفـ سير في وفاة سيدنا إدريس -عليه السلام- بسببِ ما ورد في قوله تعالى عنه: «وَ رَفَـ عْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا»، فقال المفـ سّرون المقصود بالرفع هو الرفع الحـ سيّ الحقيقيّ إلى السماء الرابعة وهو أر جحُ الأقوال، حيث مرّ به الرسول -صلى الله عليه وسلم- وهو في السماء الرابعة.
و امر الله سبحانه تعالى ملك الموت -عليه السلام- بأن يقـ بض رو ح إدريس -عليه السلام- في السماء الرابعة، ونزل ملك المو ت، ور فع إدريس عليه السلام بجناحيه إلى السماء وقـ بض الله رو حه فيها،
أردف سامح قائلا:
طيب يا شباب من النبي الذي رفعه الله إلى السماء ولم تقـ بض رو حه؟!
أردفت تاج زين سامح قائلة:
هو سيدنا عيسى عليه السلام، كما ورد ذكره في القرآن: «وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدتُّ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا»
ابتسم سامح و أردف قائلا:
برفوا يا تاج.
وفعل معها كما فعل مع أحمد جمال و سامح ماهر.
أردف يوسف قائلا:
سيدنا إدريس أتولد فين يا جدو؟!
و قبل أن يجيب سامح أردف عمار قائلا:
ينفع أنا اقول.
نظر سامح وجد عمار و ماهر و مالك والفتيات وحتى آسيا يجلـ سون يسـ معون احاد يثه مع أحفاده.
ابتسم بفخر ونظر الى عمار قائلا:
قول يا عمار.
أردف عمار قائلا:
اختلفَ العلماء في مكان ولا دة سيدنا إدريس، فقيل في بابل من أرض العراق، وقيل في مصر وهو الأرجح عند كثير من العلماء،
أردف سامح:
فعلا اختلف مولد سيدنا إدريس بس الارجح من كل العلماء ان سيدنا إدريس من مصر.
أردفت ملاك قائله:
ايه هى رسالة سيدنا إدريس يا جدو فى الأرض؟!
أردف ماهر قائلا:
أنا عارف اقول!!
أردف سامح قائلا:
قول يا ماهر..
أردف ماهر قائلا:
د عا سيدنا إدريس قو مه إلى الإيمان بالله تعالى وحده، وذلك لما أصا بهم من بعد سيدنا آدم من ضياع وسوء ونزاعات وظلم وعدم اتّبا ع شر يعة الله التي أنزلها، ولكن فئةٌ صغيرةٌ منهم رجعوا عما كانوا فيه، وفئة كبيرة حاربته ومن معه، فخرج فيهم إلى مصر، فتوقف عند النيل وأخذ يسـ بح اسم الله و يمجده ويد عو الناس إلى مكار م الأخلا ق وطا عة الله،
اردف سامح قائلا:
برفوا عليك يا ماهر، طيب انا هسأل.
كم كانت مدة إقامة إدريس في الأر ض؟!
أجابت آسيا سر يعة:
ثمانمائة عام، ثم ر فعه الله تعالى إليه إلى السماء الرابعة، كما ذكر الله تعالى في قوله: «وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا»
ابتسم سامح بفخر قائلا:
برفوا عليكى يا آسيتي لك عندي مكا فأة حلو اوي بس لما نطلع فو ق.
قهقه الجميع و أردف ماهر قائلا:
نحن هنا.
نزل دمعه من عينيه كم تمنى في هذه اللحظة أن يكون له أولاد مثل أولاد أخواتهُ، كم تمنى أن يرجع له صوته حتى يشارك معهم فى احاديثهم….
آفاق على دلوف جمال بوجه حزين شديد الاحمرار.
أنتصب الجميع واقفين عند مـ شا هدة جمال بهذه الحالة.
هرولت خديجة و أردفت قائله:
مالك يا جمال وفين أدهم..
لمعت عيون جمال بالدموع و أردف قائلا:
البقاء لله أدهم ربنا اختاره من الشهد اء.
إنتـ فض قلب خديجة و ارتجف جـ سدها بالكامل بعد سـ ماع كلمة جمال.
صرخت بعلو صو تها الذى زلزل الجدران:
لا مـ ستحيل.
ادهم يموت لا، مادام قلبي بيـ د ق يبقى ادهم عايش.
كانت دموعها تنهمر بغزارة على وجنتيها تنظر بشرو، د.
تهمـ س بضعف:
لا مــ ستحيل أدهم يموت، هو قالى إنى بنت قلبه، اه اه انا بنت قلبه.
حاول سامح ان يهد ئها ولكنها لم تسـ مع لـ أحد.
صرخ سامح فى بدور وماهر وزين قائلا:
اعملوا حاجة أنتم واقفين تتفر جوا عليها و هى كده.
أما حور عندما سـ معت حديث جمال: شـ حب وجها ظلت تصرخ وتصرخ الى ان اخذ ها زين فى احـ ضانه يحاول ان يهد ئها هى الأخرى.
هرولت الى اطفا لها الذين يبكون بشده اخذ تهم بداخل أحـ ضانها قائله:
أوعوا تخا فوا بابا عايش، هو وعدني أنه راجع و أدهم عمره ما خلف وعده أبدا صدقوني والله أدهم عا يش.
اقتربت بدور منها:
أهدي يا خديجة و تعالِ خدى الحقنه دي تهد يكِ شوية.
_لا مش عايزه حاجة، أنا كويسه و أدهم عايش.
هرولت إلى آسيا قائله:
مش أدهم عايش يا أمي صح، بلاش عيا ط محد ش يعيط على جو زي، هو عايش،
اخذتها آسيا في أحـ ضانها ترتب على ضـ هرها بحنان قائله و دمو عها تنهمر بغزار ة على وجـ نتيها:
أهدي يا حبيتى كله خير من عند ربنا.
وظلت خديجه داخل أحـ ضان آسيا تهمـ س باسم أدهم…
أردف يوسف من بين دمو عه و رفع يـ ده الى السماء:
_ يارب رجع لنا بابا و انا هبطل أعمل اى مقالب او شـ قاوة تانى بس بابا يرجع لنا تانى.
تذكر عبد الرحمن حديث أدهم قبل ذهابه: و ذهب الى أخيه و اخته و أخذهم فى أحـ ضانه قائلا:
تعال يا يوسف معايا و أنت كمان يا آسيا نصلي و ند، عى ربنا ان بابا يرجع لنا تانى.
وبالفعل ذهب عبده ويوسف و آسيا للصلاة ولكنهم وجدوا جميع اطفال يصلون معهم وهم يبكون بشده.
اقترب جمال من خديجة قائلا بألم على صديق عمره:
اتفضلِ يا خديجة الجواب ده أدهم قالي اسلمه لك في ايـ دك.
نظرت له بوجه خالي من الد ماء، ر فعت يـ ديها المر تعشة تحاول اخذ الخطاب ولكنها استـ سلمت للظلام.
وو قعت مغـ شي عليها.
ليهرول إليها مالك وقام بحـ ملها و ادخلها غرفتها. ومعها الفتيات.
أردف عمار بحزن:
أزاي حصل كده يا جمال و أنت كنت فين؟!
أردف سامح قائلا بغضب:
أدهم كان مـ سافر فين يا جمال؟! تل أبيب، صح.
أومأ جمال برأسه.
صرخ سامح قائلا:
غبي غبى قولت له بلاش تستلم المهمة دي من الأول لأنها صعبة.
أردف جمال قائلا:
بعكس يا فندم أدهم نجح في المهمة، وقدر يحصل على الميكر وفيلم لولا الانفـ جار اللي حصل في المنـ شأة لحظه اخذ الميكرو فيلم و خرو جي انا ومازن بأمر منه لأنه هو كان قائد المهمة.
شر د سامح قليل ثم أردف:
احكي كل اللي حصل بالظبط يا جمال.
تنهد جمال قائلا:
اللي حصل.
فلاش بالك..
رواية البنات زينة البيت الفصل السابع والخمسون 57 - بقلم نهى عادل
سا فر جمال إلى أدهم اجتمع به في المكان المحدد في منطقة حيفا في فلسطين.
نظر جمال في ساعته بقلق. نظر إليه أدهم وأردف قائلًا:
- مالك يا جمال؟ كل شوية تبص في ساعتك ليه؟
أردف جمال قائلًا:
- عامر أتأخر أوي.
كاد أدهم أن يجيب إلا أنه وجد عامر يدلف قائلًا:
- أسف على التأخير.
ابتسم أدهم قائلًا:
- ولا يهمك، المهم يا عامر جبت الخريطة الكاملة للمنشأة؟
أردف عامر قائلًا بثقة:
- طبعًا معايا يا فندم. والتحريك بعد يومين لأن في الوقت ده هيكون عندهم احتفال والمنشأة شبه فاضية.
أردف أدهم قائلًا:
- إن شاء الله. يلا تعالوا علشان نتسحر. كل سنة وأنتم طيبين، رمضان كريم.
ردوا بسعادة:
- الله أكرم.
أردف أدهم في سره قائلًا:
- كل سنة وإنتِ طيبة يا ديجا. لأول مرة ييجي رمضان ومش موجود جنبك.
بعد الانتهاء، جلس الجميع أمام طاولة الاجتماعات. أردف عامر قائلًا:
- يا فندم، مش كنتم جيتوا تتسحروا في بيت أبي الشيخ عابدين؟
أردف أدهم قائلًا:
- مرة تانية يا عامر. إحنا عارفين إن شعب فلسطين معروفين بالكرم، وأكيد لينا عزومة عندكم. بس إنت إزاي بتتكلم مصري كويس يا عامر؟
أردف عامر قائلًا بثقة:
- لأني أمي مصرية وأبي فلسطيني، وعشت هناك في مصر مدة كبيرة. حتى لما التحقت بجهاز المخابرات كانت أمنية حياتي أقابل الفهد الأسود والصقر.
أردف جمال:
- وأديك معانا يا عامر، ودورك لا يقل عنا.
أردف عامر قائلًا:
- أنا هروح أعمل لكم شاي.
أومأ له جمال وأدهم برأسهما.
بعد ذهاب عامر، أردف أدهم قائلًا بحزن:
- أمي وأبويا وخديجة والأولاد عاملين إيه يا جمال؟
تنهد جمال وقص له ما حدث معه عندما جاءت خديجة له.
شعر أدهم بوخزات في قلبه وأغمض عينيه، ثم أخذ نفسًا وأردف قائلًا:
- إن شاء الله المهمة تعدي على خير ونرجع كلنا سوا.
أردف جمال قائلًا:
- إن شاء الله هتكمل على خير.
بعد يومين.
فجرًا.
بعد أن انتهى أدهم ومعه جمال وعامر من صلاة الفجر، رفع يده وظل يناجي ربه أن يحفظ عائلته من كل شر. اختفى دقائق وعاد ممسكًا بظرف. نظر إلى جمال وأردف:
- خد يا جمال الجواب ده. لو جرى لي حاجة أديه لخديجة، وخلي بالك من أولاد دي يا صاحبي.
غضب جمال وأردف قائلًا:
- بلاش هبل يا أدهم. إن شاء الله المهمة هتكمل على خير ونرجع مصر على خير.
وسحبه إلى أحضانه يرتب على ظهره بحنان.
ابتسم أدهم:
- ربك موجود يا جمال. اسمع مني وخد الجواب.
تنهد جمال وبصعوبة شديدة أخذ الظرف.
أردف عامر قائلًا:
- المفروض نتحرك دلوقتي.
أردف أدهم قائلًا:
- بسم الله، توكلنا على الله.
بعد حوالي نصف ساعة.
تحرك عامر وخلَفه جمال وأدهم بداخل نفق من الأنفاق المتواجد تحت الأراضي الفلسطينية لكي يدخلوا المنشأة في تل أبيب.
تعجب أدهم ونظر بشرود قائلًا:
- في حاجة مش طبيعية في المكان.
أردف جمال قائلًا:
- ليه بتقول كده؟ قصدك إيه؟
أردف جمال وهو متجه بغرفة الحاسوب قائلًا:
- مفيش أي مقاومة ولا حتى حراسة.
أردف عامر قائلًا:
- ده طبيعي بعد كل احتفال عندهم، الكل في حالة سُكر.
دلف الجميع إلى الغرفة. دار أدهم بعينيه ونظر إلى الحاسوب. اتجه إليه وجلس أمامه وقام بإدخال بعض الكلمات المشفرة ونجح في فتحه. أردف قائلًا:
- مش معقول.
أردف جمال قائلًا:
- فيه إيه يا أدهم؟
أردف أدهم قائلًا:
- المعلومات دي لازم توصل مصر حالا. في مجموعة من الاغتيالات هتحصل الفترة اللي جاية، وفيه معلومات مهمة كمان لازم توصل للواء صلاح بنفسه.
انتهى أدهم من تحميل المعلومات وقام بقفل الحاسوب ليسمعوا صوتًا قائلًا:
- مش لما تخرجوا من هنا الأول.
بجد منورين، الفهد الأسود والصقر، وذئب فلسطين عامر اللي دوخني معاه.
وفي لحظة، ألقى أدهم قنبلة من الغاز وأردف قائلًا:
- بسرعة يا عامر، خد جمال واخرجوا ومعاكم الميكروفيلم. لحد ما أنا أعطلهم.
أردف جمال:
- إحنا هنطلع سوا يا أدهم، مش هسيبك.
أردف أدهم بغضب عندما سمعوا رشاشات الرصاص تفتح عليهم. قائلًا:
- بسرعة، ما فيش وقت. نفذ الأوامر يا جمال أنت وعامر. أنا القائد هنا. بسرعة اخرجوا أنت الأول وأنا وراكم.
خرج جمال ومعه عامر بصعوبة. وبعد لحظات من خروجهم سمعوا صوت انفجار شديد في المكان. صرخ جمال وحاول الدخول إلا أن عامر أمسكه وأردف قائلًا:
- لازم نتحرك بسرعة والمعلومات دي توصل مصر الليلة يا فندم.
صرخ أكثر وظل ينادي على أدهم ودموعه تنهمر بغزارة على وجنتيه.
عودة.
أردف جمال وهو يبكي:
- هو ده اللي حصل يا سيادة اللواء.
أردف عمار قائلًا:
- يعني عايز تقول إن اللي حصل كان مجرد فخ علشان يوصلوا لكم؟
تنهد جمال قائلًا:
- مش عارف. مش عارف.
تنهد سامح قائلًا:
- لا حول ولا قوة إلا بالله. لله الأمر من قبل ومن بعد. روح أنت يا جمال استريح، أكيد جاي تعبان.
في فيلا أدهم مندور.
بعد إفاقتها، طلبت العودة إلى منزلها. رغم رفض سامح وآسيا، ولكنها أصرت الذهاب إلى بيتها وبالأخص غرفتها التي جمعتها بمالك قلبها.
بعد يومين.
ليلًا.
تظاهرت خديجة بالنوم حتى يخرج الجميع وتبقى لوحدها. لم تنعم بالراحة، ولم تتذوق طعم النوم. عينيها لا تتوقف عن البكاء. كانت نائمة على الأريكة المتواجدة في الغرفة وبداخل حضنها ملابسه. كلما صعدت إلى تخته الذي كان يجمعهم سويًا، تشعر ببرودة شديدة تجعلها تنكمش على نفسها. فلم تتحمل مكانه خالي من دفئه.
انتصبت واقفة وذهبت أخذت صورة زفافهما لتشرد.
ليلة الحناء عندما صعد أدهم إليها.
بداخل غرفتها في بيت أبيها، بعد انتهاء مراسم الحناء وذهبت كل عائلة إلى منزلها. دلفَت إلى الحمام تنعش جسدها بحمام دافئ. اختفت عدة دقائق خرجت ترتدي ثوبًا أظهر جمال جسدها الجذاب. شهقت حين وجدت، تتطلع إليها بنظرة ساحرة. اقترب منها كالمسحور وبدون أن ينطق كلمة مال عليها وقبلها بنهم عاشق لحد النخاع.
بعد قبلة ساحرة، ابتعد أدهم عن خديجة وهما يلهثان بقوة ونظر لعينيها بعمق وتحدث بابتسامة جميلة تزين وجهه.
- مبروك يا حبيبتي.
كانت خديجة غامضة عينيها تستقبل قبلته بترحاب وعشق وشوق. غمرها هو بلهفة. إذا قلبها وتغلبت على خجلها. جعلتها تفتح عينيها وتتأمل ملامحه بشوق.
همست له:
- الله يبارك فيك يا حبيبي. بس إنت جيت ودخلت إزاي؟ وبابا قال ما حد يشوف التاني قبل الفرح؟
ابتسم أدهم:
- مقدرتش أقعد يوم من غير ما أشوفك. ثم غمز لها: ولا أنا وحشتك؟
ضحكت بخجل. ساد الصمت قليلًا وطالت نظرتهما التي تصرخ بالعشق لبعضها. عينيها تلمع ببريق عشقه ونظرته الهائمة به جعلته يقترب أكثر وهم بتقبيلها بشوق ولهفة أكثر.
- أنا مش عارفة ليه التعذيب ده. ما إنتِ مراتي. يعني لازم تبعدي عني.
ضحكت واقتربت منه ووضعت قبلة على وجنتيه:
- معلش يا دومي يا حبيبي. بكرة الفرح خلاص.
ابتسم بمكر:
- دومي. اممم. طيب تعالي بقى يا حبيبة دومي.
حملها واضعًا يد أسفل ركبتيها والأخرى حول خصرها.
قربها منه بهذا الشكل جعلها تنتفض أكثر وتنكمش على نفسها داخل صدره دافنة وجهها في عنقه قائلة بخجل:
- اعقل يا أدهم. إنت هتعمل إيه؟
- ولا حاجة. أنا هاخدك في حضني وبس.
- ضحكت له: وفرض حد جه يا حبيبي.
- عادي يا روحي. ووضعها على السرير ثم ابتعد. اقترب من الباب وقام بغلقه بالمفتاح. ثم ذهب إليها وغمز وقام بخلع ملابسه وظل بشورت قصير فقط. واقترب منها.
- نظرت له بخجل قائلًا: اعقل يا أدهم، بكرة فرحنا.
- أردف أدهم قائلًا بمكر: منا عاقل أهو. هو أنا عملت حاجة؟ أنا هنام في حضنك وبس. وبالفعل أخذها أدهم في أحضانه وقام بتقبيل عنقها وذهبوا في نوم عميق. رغم أنه كانت زوجته حافظ عليها من نفسه. يخاف عليها بشدة ولما لا وهي ابنة قلبه كما يقول لها.
أفاقت.
كانت دموعها تنهمر بغزارة على وجنتيها. هي لم تصدق أنه تركها وذهب. كانت تشعر به ينادي عليها. تشعر بروحه ورائحته التي تعشقها. ضمت ثيابه في حضنها لعل تلك الوخزات المؤلمة في قلبها تهدأ. ثم قامت بتقبيل ثيابه وأردفت قائلة:
- أنا عارفة إنك عايش يا حبيبي، لأن أنا كمان لسه عايشة. أنا عارفة إنك راجع ولا يمكن تسيب بنت قلبك لوحدها.
نظرت وجدت الخطاب بجانبها الذي أخذته من جمال.
أمسكته وقامت بفتحه بيد مرتعشة وقرأت.
"بنت قلبي ونبضه، أول ما يكون وصلك الجواب ده اعرفي كده إن مهمتي انتهت في الحياة، وربنا استرد أمانته. وصيتي الأولاد. أنا سايب وحوش ورايا. أنا عارف إن جسدي هو اللي فارق الدنيا، لكن روحي هتفضل ساكنة جوه روحك يا حبيبتي. خلي بالك من نفسك ومن أولادنا. قوليلهم إني بحبهم أوي. كنت نفسي أوفي بوعدي وأدرب آسيا بنفسي علشان تكون أشطر ضابط في الداخلية. بس إنتِ موجودة يا حبيبتي وهتكملي بعدي. الحمد لله إني نلت الشهادة يا خديجة. خلي بالك من أبويا وأمي وحور يا بنت قلبي."
بعد الانتهاء من قراءة الخطاب، ظلت تصرخ وتصرخ بعلو صوتها قائلة:
- لا مستحيل تموت وتسيبني. طيب حتى خدني معاك. أنا ما أقدرش أعيش من غيرك.
أنا والله حاسس إنك عايش. لا يمكن تكون موت. كنت حسيت وعرفت بس قلبي لسه بينبض لك يا حبيبي.
رفعت يديها إلى الأعلى تناجي ربها قائلة:
- يارب رجعه لنا بالسلامة. يارب يجمعنا بك يا حبيبي على خير. يارب يلم شملنا وتأخذنا في حضنك أنا وأولادنا.
دلف إليها آسيا واقتربت منها تتضمها بحب وتبكي هي الأخرى على بكاء ابنتها.
أردفت قائلة:
- اهدي يا خديجة. علشان خاطر أولادك. حرام اللي هيموتوا من العياط. كفاية العيال بتصوم من غير سحور وعلى الفطار يدوب بتاكل حاجات بسيطة. حتى حماتك يا بنتي ربنا يصبرها.
مسحت خديجة دموعها وأردفت قائلة:
- مالها ماما إيناس يا ماما؟
قصت لها ما حدث لها.
أردفت خديجة قائلة وهي ترتدي حجابها:
- أنا لازم أروح لها وأطمن عليها. معلش يا ماما خلي الأولاد تلبس علشان هتروح معايا.
في فيلا يوسف مندور.
حالة من الحزن الشديد سيطرت على الفيلا.
بداخل غرفة إيناس.
كانت تنام على التخت محاطة بالأجهزة الطبية. لا تشعر بأحد. تهمس من بين نومها باسم عزيز عينيها. وبجانبها حور ابنتها التي دموعها تنهمر بغزارة. حتى يوسف كان يبكي بشدة على ولده. أما زين كان يقوم بقياس معدل مؤشراتها الحيوية.
أردف يوسف قائلًا وهو ينظر إلى زين:
- هي لحد إمتى هتفضل كده يا زين؟ إمتى هتفوق؟ يومين وهي كده.
تنهد زين بألم:
- الأفضل لها تكون نايمة يا عمي. وطبيعي من أثر المهدئات اللي واخداها.
ربنا يصبره ويصبرنا جميعًا.
بكى يوسف قائلًا: يارب يا ابني، الصبر من عندك يارب. بدل ما هو اللي يأخذ عزائي، آخذ أنا عزاءه.
اقترب زين من يوسف وقام بتربيت على كتفه بحنان قائلًا: وحد الله يا عمي، حضرتك راجل مؤمن.
تنهد يوسف بألم: ونعم بالله.
سمعوا طرقًا على الباب. أذن يوسف بالدخول.
دَلَفَت خديجة ومعها أولادها، وحتى آسيا جاءت معها.
هرول الأولاد على يوسف الذي فتح لهم ذراعيه، يضمهم داخل حضنه، يشم رائحة ولده. غمرهم بوابل من القبلات.
بكى الجميع على هذا المشهد.
أردفت خديجة قائلة: إزاي حضرتك يا عمي وإزاي ماما إيناس؟
أردف يوسف: الحمد لله زي ما أنت شايفة، إيناس تعبانة أوي يا خديجة.
ليسمعوا همس إيناس قائلة: أنت جيت يا أدهم؟ جيت يا حبيبي. أنا حاسه بك وشامم ريحتك يا نور عيني.
فتحت عينيها ببطء، نظرت إلى خديجة وأكملت:
أدهم معاك يا خديجة؟ قولي إنه عايش.
اقتربت منها خديجة قائلة بألم ودموعها تنهمر بغزارة:
أيوا أدهم عايش إن شاء الله، ولازم تفوقي وترجعي زي الأول علشان لما يرجع يلاقي صحتك كويسة.
كانت تتحدث وقلبها يتمزق من تلك الوخزات. كانت تريد أن تصرخ، ولكنها سيطرت على نفسها حتى لا تنهار إيناس أكثر.
***
اجتمع سامح بأحفاده بعد صلاة التراويح، كمثل كل يوم، لسرد قصص الأنبياء.
أردف الصغير زين ابن عمار وونس قائلاً: يعني إيه ابتلاء يا جدو؟ أنا سمعت الكلمة دي من بابا.
ابتسم سامح وأردف قائلاً: هقولك يا زين، النهارده هنتكلم عن الابتلاء، إيه رأيكم؟
أومأ له الأولاد بالموافقة.
وجد آسيا وأولاده جلسوا بجانب الأولاد. ابتسم وأردف قائلاً: بسم الله الرحمن الرحيم.
"إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنسَانَ مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا". صدق الله العظيم.
نظر إلى مالك وأكمل:
فالابتلاء أمر لا بد أن يصيب الإنسان بدرجات مختلفة حتى يختبر الله صبرنا وإيماننا بالقضاء، ولكن ما أجمل العوض بعد الصبر على الابتلاء، بيكون عوض جميل.
تنهد ونظر إلى خديجة وأكمل:
ولكن في المقابل فإن الله أعد للصابرين أجرًا عظيمًا بما صبروا. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه".
هتف الجميع: صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
أكمل سامح حديثه قائلاً:
قال عليه الصلاة والسلام أيضًا: "ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولدِه وما له، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة".
ويا سلام لو كان البلاء من غير شكوى، زي اللي حصل لسيدنا يعقوب عليه السلام كما أخبرنا المولى عز وجل، وهو الصبر على البلاء بدون شكوى. قال تعالى في سورة يوسف الآية: "فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ".
هحكي لكم قصة صغيرة عن فضل الصبر على الابتلاء. يروى أن رجلًا كان معروفًا بتقواه، كانت كلما أصابته مصيبة، قال: خيرًا إن شاء الله. وذات ليلة أتى ذئب فأكل الديك الوحيد الذي كان يربيه في حظيرته. فقال: خيرًا إن شاء الله. وفي نفس الليلة ضرب الذئب الكلب الذي كان يحرس بيته. فمات الكلب، فقال الرجل: خيرًا إن شاء الله. وأيضًا في نفس الليلة سمع حماره ينهق. فذهب ليراه، وجده قد مرض ومات أيضًا. فقال الرجل كلمته الشهيرة: خيرًا إن شاء الله.
فشعرت زوجته بالضيق وقالت له: كيف تقول خيرًا ونحن فقدنا كل ما نملك؟ وفي الليلة التالية نزل إلى قريتهم مجموعة من الأشرار الذين أغاروا على كل منازل القرية وقتلوا كل من فيها ونهبوا كل ما وجدوه، إلا منزل ذلك الرجل الصالح، لأن اللصوص قد استدلوا على المنازل من خلال صياح الديك، ونهيق الحمير، ونباح الكلاب الموجودة فيها. أما منزل الرجل الصالح فكان مظلمًا ولا يصدر منه أي صوت، فلم يذهب إليه اللصوص.
أردف سامح أدهم قائلاً: يعني لو ما كانش الديك والحمار والكلب ماتوا، كانوا اللصوص عرفوا مكانه وكانوا هيكون مصيرهم زي مصير أهل القرية كلها.
ابتسم سامح قائلاً: برافو عليك يا سامح.
نظر إلى مالك وأكمل: ساعات الابتلاء بيكون خير لنا، وبعدها عوض من ربنا على صبرنا من الابتلاء، بس الإنسان يكون شاكرًا لنعم الله عز وجل ومتقبلًا الابتلاء بصدر رحب، ودائمًا نقول: الحمد لله.
بعد حديث سامح، شعرت خديجة ومالك، حتى ونس وعمار الذين تذكروا اختطاف يزن، بالراحة. أردف الجميع قائلين: الحمد لله.
حتى مالك همس في سره: الحمد لله والشكر لله.
رواية البنات زينة البيت الفصل الثامن والخمسون 58 - بقلم نهى عادل
في فيلا أحمد العاصي..
ليلاً..
خرج جمال من الحمام بعد أن أخذ حماماً دافئاً وارتدى ملابس مريحة. اقترب من سلمى وجدها تغفو فوق السرير، فهو يعلم أنها غاضبة منه وبشدة. تنهد وتمدد بجانبها واحتضنها من الخلف بشدة. دفن وجهه في عنقها وبدأ يشم رائحتها.
سمع شهقاتها، أغمض عينيه بألم وأخذ نفساً وأردف قائلاً:
"وحشتيني يا سلمى."
انفض قلبها واقشعر جسدها، وفي لحظة نسيت حزنها وزعلها منه عندما علمت بما حدث له ولأدهم، وطلبت منه أن يترك هذا العمل. استدارت له قائلة:
"أنا آسفة يا جمال إني صوتي علي عليك، بس غصب عني. أنا لما روحت وشوفت حالة خديجة واتخيلت نفسي مكانها، مجرد الفكرة إنك ممكن تروح مني موتتني. صدقني يا جمال أنا بحبك أوي ولا يمكن نقدر نعيش من غيرك أنا والأولاد."
رفع كفه ومسح دموعها قائلاً:
"أنا عارف شعورك يا سلمى ومقدر اللي أنتِ فيه. وربنا يصبرنا على فراق أدهم."
نظر إلى داخل عينيها ومال عليها يقبلها بنهم عاشق حد النخاع.
صباحاً اليوم التالي.
استيقظ سامح، أو نقول إنه لم ينعم بالراحة ولم يتذوق طعم النوم. حزين بشدة على ما حدث لعائلته. تذكر كل هذه الأزمات، ولكن كان عنده يقين بأن الله سيصلح كل شيء.
نظر إلى تلك الغافلة، ابتسم بحب وعشق وحمد ربه على وجودها في حياته. قام بتقبيل وجهتها وانتصب واقفاً، ودلف إلى الحمام وتوضأ وخرج. ارتدى ملابس الخروج، صلى الضحى وخرج متجهاً إلى مبنى جهاز المخابرات.
بعد قليل، صف سامح سيارته أمام جهاز المخابرات. فهو يتجول بدون حراسة رغم تعرضه للكثير من الاغتيالات، ولكنه كان دائماً يقول: "إن الرب واحد والعمر واحد."
ترجل من السيارة ودلف إلى الداخل متجهاً إلى مكتب اللواء سامح الأنصاري.
بعد قليل..
أردف سامح بغضب وقام بضرب المكتب قائلاً بغضب:
"يعني إيه يا صلاح؟ أنتم سلمتوه أدهم للمخابرات الإسرائيلية بكل سهولة؟ إزاي يحصل كده؟ أدهم بنسبة لهم صيدة كبيرة وأنت عارف يعني إيه "الفهد الأسود"."
تنهد صلاح قائلاً:
"اهدأ يا سامح. الحمد لله إننا عرفنا إنه لسه عايش وكويس إنه بلع الكبسولة في الوقت المناسب وعرفنا إنه حي."
أردف سامح قائلاً بألم:
"خديجة بتموت يا صلاح من غير أدهم. لازم نشوف حل علشان نوصل له داخل تل أبيب. أكيد هيستخدموا كل الوسائل القذرة علشان يعرفوا منه معلومات. إحنا لازم نوصل له بسرعة."
أردف صلاح قائلاً:
"الحل الوحيد اللي قدامنا السفر لفلسطين. ده المكان الوحيد اللي ممكن ندخل منه لتل أبيب بمساعدة رجالتنا هناك."
شرد سامح قائلاً:
"تمام، يبقى أنا هسافر ومعايا رجالتي يا صلاح."
أردف صلاح قائلاً:
"بس كده، فيه خطورة عليك يا سامح أنت كمان."
أردف سامح قائلاً:
"سيبها على الله يا صلاح. أنا مش هكون لوحدي. معايا جمال وعمار."
ثم ابتسم وأكمل:
"ومالك كمان."
تعجب صلاح قائلاً:
"ومالك ماله ومال شغلنا؟"
أردف سامح قائلاً:
"يمكن دي تكون إشارة من ربنا سبحانه وتعالى يا صلاح. رحيل مرات مالك من هناك. حاولت أوصل لأي معلومة عنها، بس للأسف موصلتش لحاجة. يمكن لو روحنا هناك نوصل لها هي كمان."
أردف صلاح قائلاً:
"طيب هي أصلها إيه؟"
تنهد سامح قائلاً:
"من أب فلسطيني وأم مصرية. ويوم كتب الكتاب طبعاً أنا اللي خلصت الإجراءات اللازمة من السفارة، ومدحت صابر المحامي خلص الأوراق اللازمة لدرجة إن ماهر حتى مضى من غير ما يشوف هي منين وأصلها وفصلها إيه. دفن نفسه في الماضي، وأهو بيدفع الثمن غالي أوي."
رفع صلاح يده ورتب على كتف سامح قائلاً:
"إن شاء الله تلاقيها هناك ورجالتنا هتساعدك في العثور عليها."
أردف سامح قائلاً:
"يارب يا صلاح، لحسن مالك حالته بتسوق يوم عن يوم."
بعد انتهاء المقابلة، خرج سامح من مبنى المخابرات وركب سيارته متجهاً إلى خديجة.
بعد حوالي ساعة.
صف سامح سيارته وترجل منها متجهاً إلى الداخل.
دلف سامح إلى فيلا أدهم.
صعد إلى غرفة آسيا، قام بالطرق لتأذن خديجة بالدخول.
وجد الغرفة شديدة الظلام، قام بتشغيل الإضاءة.
صعق عندما وجد خديجة تحضن أولادها ودموعها تنهمر بغزارة. تنهد بحزن وأخرج هاتفه وقام بتصويرها لهدف ما، واقترب منها قائلاً:
"خديجة."
رفعت وجهها ونظرت إليه بضعف. حزن سامح عليها فقد بريق وجهها. أردفت قائلة:
"نعم يا بابا، في حاجة؟"
أردف سامح قائلاً بفرحة:
"أدهم عايش يا خديجة."
انتصبت واقفة وكادت أن تقع، إلا أن يد سامح قامت بضمها، يرتب على ظهرها بحنان قائلاً:
"براحة يا حبيبتي."
أردفت قائلة ودموعها تنهمر على وجنتيها من شدة الفرحة:
"بجد يا بابا؟ أنا كنت متأكدة وواثقة في رحمة ربنا. ألف حمد وشكر يارب."
هلل الأولاد بعد ما علموا أن والدهم حي يرزق.
ابتسم لها سامح بحنان:
"مش قولتك يا خديجة، خلي عندك ثقة في الله."
أردف عبدالرحمن قائلاً:
"يعني إيه الثقة بالله يا جدو؟"
أردف سامح قائلاً:
"الثقة بالله يا عبدالرحمن تجدها في إبراهيم عندما أُلقي في النار فقال بعزة الواثق بالله: حسبنا الله ونعم الوكيل، فجاء الأمر الإلهي: يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم."
"الثقة بالله تجدها في هاجر عندما ولى زوجها وقد تركها في وادٍ غير ذي زرع صحراء قاحلة وشمس ملتهبة ووحشة، قائلة: يا إبراهيم لمن تتركنا؟ قالتها فقط لتسمع منه كلمة يطمئن بها قلبها. فلما علمت أنه أمر إلهي قالت بعزة الواثق بالله: إذاً لا يضيعنا. ففجر لها الله تعالى ماء زمزم وخلد سعيها. ولو أنها جزعت وهرعت لما تنعمنا اليوم ببركة ماء زمزم."
"الثقة بالله تجدها في أولئك القوم الذين قيل لهم الناس: إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم. ولكن ثقتهم بالله أكبر من قوة أعدائهم وعدتهم، فقالوا بعزة الواثق بالله: حسبنا الله ونعم الوكيل. فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء. الثقة بالله نعيم بالحياة، طمأنينة بالنفس، قرة العين، أنشودة السعداء."
"الثقة بالله إن كل قال إن أدهم مات، ولكن خديجة قالت إن عندها ثقة بالله إنه عايش."
"الثقة بالله يا عبدالرحمن إن بعد أكثر من 20 سنة جمع بين أدهم وخديجة، وكل واحد فيهم كان واثق في الله أنه يجمعه بالثاني."
"وعلى ذكر هذه الذكرى ابتسمت خديجة."
أردفت خديجة قائلة:
"طيب هو فين يا بابا دلوقتي؟"
تنهد سامح قائلاً:
"بعدين يا خديجة، بعد صلاة التراويح نتكلم. يلا روحي ارتاحي شوية يا حبيبتي."
أردفت قائلة:
"حاضر يا بابا."
في فيلا سامح..
دلف إلى الداخل وجد آسيا تجلس فوق الأريكة في الردهة الكبيرة بداخل الفيلا، ترتدي ثوبها الخاص بالصلاة، تقرأ في كتاب الله العزيز بصوتها العذب. لمعت عينيه بالسعادة والفرحة. اقترب منها وحمحم لكي يلفت أنظارها.
رفعت آسيا نظرها، صدقت وأغلقت كتاب الله وأردفت قائلة:
"حمد الله على السلامة يا سامح."
تنهد وجلس بجوارها قائلاً:
"الله يسلمك يا آسيا."
نظرت له آسيا، وجدته حزين الملامح، شاحب الوجه. أردفت قائلة وهي تربت على ظهره بحنان:
"مالك يا سامح؟ فيك إيه؟ وليه نزلت الصبح من غير ما تصحيني؟"
أخذ نفساً طويلاً قائلاً:
"أدهم عايش."
انتفض قلب آسيا وأردفت قائلة بفرحة:
"بجد؟ ألف حمد وشكر يارب. طيب ده حاجة كويسة، أمتى هيرجع؟"
أردف سامح قائلاً بهدوء:
"الحمد لله إنه عايش وقدرنا نعرف، بس مكانه لسه، وأكيد هيكون صعب الوصول له. تنهد وأكمل: أدهم في تل أبيب يا آسيا، أسير هناك."
شحب وجهها وأردفت قائلة:
"يعني إيه يا سامح؟"
أردف سامح قائلاً لتغيير مجرى الحديث، فهو لم يرد إدخالها في عمله قائلاً:
"أنا هطلع آخد شاور وبعد كده أنزل المكتب، عندي شغل مهم، ولما ييجي عمار وجمال خليهم يستنوا في المكتب."
أومأت له برأسها قائلة:
"حاضر، ربنا يقويك."
بعد مرور نصف ساعة.
بعد أن أخذ حماماً دافئاً أنعش به جسده وصلى صلاة الظهر، نزل إلى الأسفل. سار باتجاه غرفة المكتب، دلف، وجد عمار وجمال في انتظاره.
ألقى السلام وجلس أمامهم على كرسي المكتب.
أردف قائلاً:
"عرفتوا إن أدهم عايش؟"
أردف جمال قائلاً:
"لسه جاي من الجهاز واللواء صلاح قالي، وكمان قالي إن حضرتك هتسافر معانا."
أردف عمار قائلاً:
"بس كده، يبقى فيه خطورة عليك أنت كمان يا سيادة اللواء."
أردف سامح قائلاً بهدوء:
"سيبها على الله يا عمار. أنا اخترتك تكون من ضمن الفريق، وكمان مالك هيسافر معانا."
نظر عمار وجمال بذهول من حديث سامح. أردف جمال قائلاً:
"مالك؟"
طيب أزاي و يفهم إيه في شغلنا...
ابتسم سامح قائلاً: بعدين تعرفوا، بس أهم حاجة السرية التامة.
بعد الانتهاء من حديثهم، خرج جمال متجهاً إلى بيته. وعمار وسامح خرجا إلى حديقة الفيلا. أمسك سامح كتاب الله وبدأ في تلاوته، أما عمار فذهب ليلعب مع أطفاله.
دارت عيناه في المكان، ووجد جميع الأطفال يمرون ويلعبون إلا ابنته لين. حزن بشدة، فهي تعاني مشكلة في القلب.
اقترب من طفلته لين قائلاً: لينى حبيبة بابي، زعلانة ليه؟
أردفت لين قائلة: أشمعنا أنا يا بابي اللي مش بلعب معاهم؟ دايماً هم بيجروا ويلعبوا وأنا لأ. ولو عملت كده بعدها يغمى عليّ.
أخذها عمار في أحضانه، يرتب عليها بحنان قائلاً: مش إحنا قولنا لك قبل كده إنك تعبانة شوية؟ وبعدين يا لين، إنتِ بتعملي كل اللي نفسك فيه، مش لازم تجري وترهقي نفسك يا حبيبتي. وإن شاء الله ربنا هيشفيِك.
أردفت لين قائلة: طيب، هو ربنا مش بيحبني عشان كده أنا تعبانة؟ لأني بدعي أخف بس لسه تعبانة زي ما أنا، وبآخد علاج كتير. وساعات من التعب مش بقدر أصوم.
تنهد عمار قائلاً: لا طبعاً يا حبيبتي، ربنا بيحبك. وإن شاء الله هتخفي، بس قولي يارب، ولازم يكون عندك ثقة في الله.
أردف لين قائلاً: يارب.
لمح عمار عبد الرحمن يجلس هو الآخر وحيداً على الأرجوحة. أردف قائلاً: إيه رأيك لو تروحي تقعدي مع عبد الرحمن تقروا مع بعض قصص؟
أردفت لين قائلة: ماشي يا بابي، أنا بحب عبده أوي لأنه دايماً بيقعد معايا وبيحكي لي قصص. بس هو زعلان عشان أنكل أدهم.
انتصبت الصغيرة واقفة وسارت باتجاه عبده وهي تمسك مجموعة من القصص. أردفت قائلة: ممكن أُقعد جنبك يا عبده؟
ابتسم لها قائلاً: طبعاً يا لين، تعالي.
أردفت قائلة بعد أن جلست بجانبها: إيه رأيك أحكي لك أنا النهارده قصة؟
ابتسم لها وملس على شعرها بحنان قائلاً: موافق طبعاً.
وسردت له الصغيرة القصة.
***
بداخل فيلا سامح.
انطلقت تواشيح أذان المغرب. خرجت العاملات ومعهن الفتيات وآسيا، وبدأن برص أطباق الطعام التي بها كل ما لذ وطاب. حتى خديجة فقد شاركتهم بعد أن هدأ قلبها قليلاً بعد أن أكد لها سامح بأن أدهم حي لم يمت.
بعد لحظات، انطلق مدفع الإفطار، وقام المؤذن برفع الأذان. تحرك الرجال إلى المسجد ليؤدوا صلاة المغرب.
بعد أن رجعوا من الصلاة، التف الجميع حول الطاولة، وبدأوا في تناول الطعام بفرحة بعد أن علموا أن أدهم حي.
أردف ماهر قائلاً وهو ينظر إلى سامح: مادام أدهم عايش الحمد لله، أمتى هيرجع؟
نظرت خديجة بلهفة تنتظر إجابة والدها الذي أردف قائلاً: بعد الفطار هجاوب على كل الأسئلة.
أردفت تاج التي كانت تجلس بجانب يوسف: ضع الطعام أمامه قائلة: يلا كل يا يوسف، الحمد لله أنكل أدهم كويس.
أردف زين قائلاً بغضب: يا حنينة.
قهقه الجميع من كلمة زين.
انتهى الإفطار، ونظر سامح إلى خديجة قائلاً: اعملي القهوة يا خديجة وها تها لنا في الجنينة.
أردفت قائلة: حاضر يا بابا.
دلفت إلى المطبخ، ووقفت أمام الموقد وبدأت في صنع القهوة لتشرد.
كانت تقف أمام الموقد تصنع القهوة لحبيبها وعزيز عينيها. شهقت حين وجدته يضمها من الخلف، ويقبلها في عنقها بحب وعشق. أردفت قائلة: وبعدين معاك يا أدهم؟ القهوة فارت.
ابتسم لها وضَمَّها أكثر إليه قائلاً: فداكي القهوة يا بنت قلبي. بس تعالي، في موضوع مهم عايز أتكلم معاك فيه.
قامت بإغلاق الموقد، واستدارت له قائلة بدلال: هي موضوعك مش بتخلص ليه يا دومي؟
ابتسم لها، وفجأة حملها. رفعت يديها حول عنقه قائلاً: بحبك يا ديجا.
قبلته من وجنتيه قائلة: وأنا بعشقك يا ولد عمي.
صرخ أدهم قائلاً: يا بوي. ده إحنا ليلتنا فل بعون الله.
أفاقت على حديث بدور: القهوة يا خديجة، فارت.
مسحت دموعها وأردفت قائلة: هعمل غيرها.
اقتربت بدور وأخذتها في أحضانها، ترتب على ظهرها بحنان قائلة: وحدي الله يا خديجة، الحمد لله إن أدهم عايش وهيرجع لنا تاني.
أردفت خديجة: لا إله إلا الله، الحمد لله.
دلفت إليهم ونس قائلة: خيانة أخوا تي الاثنين في أحضن بعض، وأنا لأ. لأ، ده حتى عيب في حقي.
ضحكت خديجة وفتحت يديها لتأخذها هي الأخرى في أحضانها.
بعد قليل، خرجت الفتيات.
حملت خديجة القهوة، ونس صينية بها الكنافة، وبدور مشروبات للأطفال.
أردف سامح قائلاً: تعالوا اقعدوا علشان نتكلم.
جلسوا الجميع في حديقة المنزل يتحدثون، بينما الأطفال كانت تلهو.
بعد أن قص لهم سامح ما حدث مع أدهم، صرخت خديجة قائلة: أسير؟ أدهم جوه زي أسير؟ لأ، وكمان في إسرائيل.
تنهد سامح قائلاً: اهدي يا خديجة، أنا هسافر فلسطين ومعايا عمار وجمال، وإن شاء الله مش هنرجع إلا وهو معانا.
شحب وجه آسيا، وونس التي نظرت إلى عمار وانتفض قلبها.
كادت خديجة تتحدث، إلا أن أذن صلاة العشاء.
أردف سامح قائلاً: يلا نروح نصلي وبعد كده نتكلم.
***
بعد خروج الجميع إلى صلاة العشاء، كانت تجلس حزينة شاردة. وجدت جميع الفتيات يقتربن منها. أردفت ونس قائلة: آسيتي.
نظرت لها آسيا قائلة: عايزة إيه يا ونس؟
أردفت قائلة بمرح: لازم تشغلي سلاحك على البوب، خليه يوافق نسافر معاه كلنا. أقولك، قوليه نقضي بقيت العيد هناك.
نظرت لها آسيا بذهول: إزاي يا هبلة؟ ده مسافر في مهمة وهنروح كلنا إزاي بأولادكم؟
أردفت بدور قائلة: يعني ترضي البوب يسافر بعيد عنك؟ متعرفيش حاجة عنه. ده أنا سمعت كمان إن بنات وستات فلسطين صاروا أرض جو يا آسيا يا أختي. أنا خايفة ينخطف منك.
شردت آسيا في حديث الفتيات.
بعد رجوع الرجال من صلاة العشاء والتراويح.
دلفا إلى الداخل، وجدا آسيا تجلس ومعها الفتيات حولها.
نظر بشك. أردفت خديجة قائلة:
_ بابا، أنا مليش دعوة، أنا مسافرة معاكم.
أردف سامح قائلاً: تسافر إزاي؟
أردفت قائلة بألم: حضرتك نسيت إني ظابط وممكن تختارني معاكم في المهمة.
تنهد سامح قائلاً: يا خديجة، الوضع في فلسطين صعب أوي، وكمان عشان أولادك يا حبيبتي.
أردفت قائلة ودموعها تنهمر على وجنتيها: عشان خاطري يا بابا.
تنهد سامح قائلاً: حاضر يا خديجة، ربنا يسهل.
ليجد من يقول من الخلف: وإحنا كمان معاكم.
تعجب سامح واستدار. انصدم عندما وجد آسيا وبناته وأحفاده.
زفر بغضب قائلاً: وأنتم إيه إن شاء الله؟
لكزت الفتيات آسيا، وهمست لها بدور في أذنها: ادلعي عليه وخليه يوافق.
نظرت لها آسيا بغضب، فغمزت لها بدور بإحدى عينيها.
كل هذا وسامح يكتم ضحكته من شكل آسيا وهي تقترب منه قائلة: وإحنا عايزين نروح معاكم، منا لا يمكن أخليك تروح لوحدك، وكمان لازم أكون جنب بنتي.
أردف سامح قائلاً بصوت حاد: هو إحنا رايحين رحلة؟ اعقلوا كده، أنا مسافر في مهمة مش رايح أفسح.
نظرت آسيا إلى الفتيات، لتغمز لها الفتيات وتهمس لها بأن تشغل سلاح الأنثى لديها.
اقتربت آسيا قائلة: عشان خاطري يا سموحه، وافق إن إحنا نسافر معاكم ونصلي صلاة العيد هناك.
كتم ضحكته، ونظر إلى الجميع قائلين: عشان خاطرها يا سموحه، وافق.
أردف ماهر قائلاً: هو في إيه؟ أنا مش فاهم حاجة.
زفر سامح قائلاً: عايزين يسافروا فلسطين، كلهم.
ابتسم ماهر قائلاً: الله، طيب والله فكرة حلوة.
أردف سامح بغضب قائلاً: محدش هيسافر إلا أنا وجمال وعمار ومالك.
رفع مالك وجهه لوالده، ونظر له نظرة بمعنى: أنا كيف ولماذا؟
وجد من يقول: وإحنا كمان عايزين نسافر معاك يا سيادة اللواء.
نظر، ووجد يوسف مندور ومعه إيناس.
أردف سامح قائلاً: الله أكبر، أهي كملت، يا صبر أيوب.
أردفت لين قائلة: جدو، ممكن تحكي لنا قصة سيدنا أيوب؟
ابتسم لها سامح، وقام بحملها، ووضع قبلة على جبهتها قائلاً: حاضر يا حبيبتي، يلا تعالوا كلكم اقعدوا علشان تعرفوا رحمة ربنا، وإن بعد كل ابتلاء صبر وأجمل جبر.
أردف سامح قائلاً: نبي الله أيوب عليه السلام، هو من ذرية إسحاق عليه السلام. ضرب الله به مثلاً للبشرية في نموذج لرجل أعطاه الله النبوة والمال والأولاد والصحة، وابتلاه الله أعظم البلاء رغم نبوته، فصبر صبراً لم تعهده البشرية كما كان أيوب عليه السلام. قال تعالى: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ).
أردف زين عمار قائلاً: إيه هي ثروة سيدنا أيوب عليه السلام؟
أردف سامح قائلاً: سيدنا أيوب كان رجلاً يملك الكثير من المال والأنعام والعبيد والمواشي والأراضي المتسعة بأرض الثنية من أرض حوران، وكان له أولاد. وعاش على هذه النعم عشرات السنين. إلا أنه الله سبحانه وتعالى حب أن يختبر إيمانه وصبره، وهل فعلاً يستاهل كل هذه النعم ولا لأ، فنزل عليه البلاء.
أردفت آسيا أدهم قائلة: وإيه هو ابتلاء سيدنا أيوب عليه السلام يا جدو؟
ابتسم لها قائلاً:
_ ابتلى الله أيوب في جسده فأصيب بأمراض لم ينجُ منها عضو في جسده سوى قلبه ولسانه. فكان صابراً محتسباً ذاكراً لله في ليله ونهاره. طال مرض نبي الله حتى انقطع عنه الناس خشية العدوى وانتقال المرض، وأُخرج من البلد، وأُلقي في مزبلة خارجها، ولم يحنَّ عليه.
وهنا دور الزوجة الصالحة: كانت زوجته ترعى له حقه، وتعرف قديم إحسانه إليها وشفقه عليها، فكانت تتردد إليه، فتصلح من شأنه وتعينه على قضاء حاجته وتقوم بمصلحته.
أردف يزن قائلاً: كل ده ابتلاء.
أردف سامح قائلاً بهدوء وهو ينظر إلى مالك:
_ لا يزن، ومش بس كده، ده كمان سيدنا أيوب فقد ماله ومزارعه وأراضيه، ومات أولاده واحداً تلو الآخر. فكانت المصائب تتوالى عليه، ورغم كل ده كان صابراً ذاكراً محتسباً. وضعف حاله وحال زوجته، فاضطرت أن تخدم الناس بالأجر، لتستطيع إطعام زوجها أيوب. وهي رضى الله عنها صابرة مع زوجها على ما حل بهما من فراق المال والولد والمرض وضيق ذات اليد بعدما عاشوا سنين في رخاء ورزق وفير في المال والولد والصحة.
نظرت آسيا، وجدت سامح حزين ينظر إلى أولاده. أردفت قائلة: ممكن أكمل الباقي زي ما أنت كنت بتحكيها ليا يا سامح.
لمعت عيناه بفخر، أوما لها برأسه.
أردفت آسيا قائلة: بعد كده تدهورت صحة نبي الله، وتساقط لحم جسده ولم يبق إلا العظم والعصب. فكانت امرأته تأتيه بالرماد، تفرشه تحته. فلما طال عليها، قالت: يا أيوب، لو دعوت ربك لفرج عنك.
فقال أيوب: قد عشت سبعين سنة صحيحًا، فهو قليل لله أن أصبر له سبعين سنة. فجزعت المرأة من كلامه هذا.
أردفت إيناس قائلة: أنا قرأت قبل كده يا بابا إن الشيطان وسوس لسيدنا أيوب.
أردف سامح قائلاً: فعلاً يا إيناس الشيطان وسوس له.
بس إزاي؟
أردف يوسف مندور قائلاً: جاء الشيطان وتمثل في هيئة طبيب والتقى بزوجة أيوب، والتي رحبت به وأدخلته على زوجها للعلاج. فأصابه الشيطان بآلام وعذاب، حتى أدرك أيوب أنه ليس طبيبًا، وإنما شيطان، فانفطر ده، وغضب من زوجته وأقسم ليضربنها بالسوط مائة ضربة.
أردفت تاج قائلة: ليه يا جدو زوجة سيدنا أيوب تبيع ضفيرتها؟
أردفت إيناس قائلة: أنا عارفة أقول.
أومأ لها سامح قائلاً: طبعًا اتفضل.
تنهدت إيناس قائلة: ازدادت الأحوال سوءًا على سيدنا أيوب وزوجته، فقد امتنع الناس أن يتعاملوا مع زوجة أيوب خوفًا من أن يصابوا من بلاء زوجها أو تعديهم زوجته نتيجة مخالطته. فلم يعد يطلبون خدمات زوجته، ولم تعد تستطيع جلب المال للإنفاق على زوجها. فاضطرت لقص إحدى ضفيرتيها وبيعها لبعض بنات الأشراف مقابل طعام طيب كثير. فلما أتت به أيوب سألها: من أين لك هذا؟ فقالت: خدمت به أناساً.
أكملت خديجة قائلة: في اليوم التالي، عجزت زوجة سيدنا أيوب أن تعمل لجلب المال، فاضطرت للمرة الثانية أن تبيع الضفيرة الثانية، وأصبح حالها مبتذلاً. ولما أتت بالطعام، أيوب حلف ألا يأكل هذا الطعام حتى تخبره من أين جاءت به. فكشفت عن رأسها خمارها. فلما رأى رأسها محلوقًا، تألم واشتد كربه.
فلجأ إلى الله وقال: رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين. قال تعالى: (وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين * فاستجبنا له فكشفنا ما به من ضر * وآتيناه أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب).
أردف ماهر قائلاً: وبالفعل استجاب الله لدعاء نبيه، وأذن بكشف الضر عن عبده أيوب. فخرج أيوب لقضاء حاجته وزوجته تمسك بيده وتسنده، وراحت تنتظره حتى ينتهي لتأخذ بيده حتى يرجع. لكنها ظلت تنتظره كثيرًا، فقد تأخر على غير عادته. فقد أوحى الله إلى أيوب أن اضرب برجلك الأرض يخرج منها ماء بارد، اغتسل منه واشرب تشفى مما أصابك من كافة الأمراض. ففعل أيوب فاسترد صحته وعافيته بأحسن حال. قال تعالى: (واذكر عبدنا أيوب إذ نادى ربه أني مسني الشيطان بنصب وعذاب * اركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب * وهبنا له أهله ومثلهم معهم رحمة منا وذكرى لأولي الألباب * وخذ بيدك ضغثا فاضرب به ولا تحنث * إنا وجدناه صابرا نعم العبد إنه أواب). فلما عاد لزوجته لم تعرفه وظنته غريبًا، وسألته عن أيوب وقالت: أي بارك الله فيك، هل رأيت هذا المبتلى الذي كان ها هنا؟ أخشى أن تكون الكلاب أو الذئاب قد ذهبت به. فقال لها: ويحك أنا أيوب. قالت: أتسخر مني؟ قال: أنا أيوب، رد الله على جسدي. وكانت مفاجأة مدهشة لزوجته التي غمرتها السعادة والشكر لله على فضله وجزائه لعباده الصابرين.
أردف سامح قائلاً: فعلاً ربنا استجاب لدعوة سيدنا أيوب، ومش بس كده، لأ أصلح الله لأيوب حال زوجته، ورد لها جمالها وشبابها. فحملت وولدت، ورزقهما الله مثل أولادهم الذين فقدوهم فيما مضى، وأعطاه الله مثلهم معهم. كما رزق الله أيوب رزقًا وفيراً من المال والمزارع والأراضي كما التي فقدها من قبل ومثلها معها. وأوحى الله لأيوب أن يستغفر لمن هجروه، فعادوا لصحبته كما كانوا. وأوحى الله لأيوب أن يجمع حزمة من الأعواد الصغيرة ويضرب بها زوجته ضربة واحدة خفيفة حتى يبر بقسمه السابق ولا يحنث. وكانت رخصة من الله حتى لا يؤلم زوجته الصابرة المحتسبة الصديقة البارة بزوجها. وده قصة سيدنا أيوب بعد كل ابتلاء جبر.
نظر إلى الجميع ووجدهم دموعهم تنهمر بغزارة.
ردوا جميع: الحمدلله لله، والشكر لله.
رواية البنات زينة البيت الفصل التاسع والخمسون 59 - بقلم نهى عادل
كن مع الله ولا تبالي
"قد يسوق إليك الله قد رًا يبكيك ساعةً، لئلا تبكي بعدها دهرًا.
قد يسوق إليك تأخيرًا لأمرٍ كسنةٍ، لئلا تتوقف بعدها الخيرات عنك دهرًا.
قد يأخذ منك مقدار حبةٍ من خردلٍ من رزقٍ، ليغمرك بمداد البحر أجرًا.
قد يذيقك ألم الوحشة ليلًا، ليفتح على قلبك بابًا للأنس به لا ينقطع سرًّا.
قد يبعد بينك وبين ما تمنى قلبك حينًا، ليختبر صبرك فيتركه لك أبدًا.
قد يقطع عنك رسائله أمدًا، ليأتي بك إليه جَرًا.
قد يتركك تنادي طويلًا ظانًا أن صوتك لا صدى له عنده، لتطيل النداء فيزداد الدعاء فيعظم العطاء.
قد يُكتب عليك قدرًا لم تتصور أن يكتبه عليك يومًا، لأنه يُخَبئ لك بعده رزقًا لم تتوقعه أيضًا.
قد يقطع أسبابك جميعها فتظنه يُعجزك، وهو الذي يرفعك لدرجة المضطر فيجيب حينها دعاءك ويلبي حاجتك.
قد يتركك للأيام تأكل جدران قلبك يأسًا دون إجابة، لأنه يعلم مدى حلاوة الجبر بعد اليأس من النصر، فيكتب لك أجر الصبر وحلاوة الجبر.
قد يراك نائمًا قانتًا من رحمته ساخطًا على قدره، ثم يوقظ عبدًا صالحًا من عباده في ثلث الليل يذكرك فيدعو لك غيبًا.
قد يفعل الله لك شيئًا تتعجب: لماذا حدث؟
ولماذا في هذا التوقيت بالتحديد؟
قد يحتار عقلك، بل حتمًا سيحتار عقلك في فهم كثير من الأحداث، إلى أن يؤذن لك برؤية الله في أقداره، رؤية آثار رحمة الله في قضائه، رؤية يد الله التي تعمل في الخفاء.
"وما كان الله ليضيع إيمانكم.. إن الله بالناس لرؤوف رحيم.. لرؤوف رحيم.. لرؤوف رحيم"
***
بداخل تلابيب
"أدهم"
كان يجلس بداخل غرفة قديمة عصبت عينيه بشريط أسود اللون حتى لا يرى شيئًا. سمع صوتًا قائلًا: "وأخيرًا لقد وقع الفهد الأسود."
ابتسم أدهم بسخرية ولم يهتف بأي شيء.
ابتسم ديڤ قائلًا: "أنت لم تعرفني، سوف آخذ منك كل ما أريد وسوف ترى."
ليضحك أدهم أكثر.
غضب ديڤ وأردف قائلًا: "هيا أيها الجنود قوموا بإمساكه جيدًا وأعطوه أول جرعة من المخدر، وسوف نرى قدرته على تحمل هذا الألم إلى متى!"
قاوم أدهم ولكنه فشل، وبالفعل قاموا بحقنه.
مر يومان.
فعل ديڤ المستحيل حتى يجبر أدهم على الحديث وإعطائه المعلومات، ولكن أدهم صامت لا يتحدث.
دلف إليه ديڤ قائلًا: "معي المصل المضاد، إذا أردت أخذه فعليك أن تمدني بالمعلومات التي أريدها."
أمر أحد الجنود بفك عصبة عينيه.
فتح أدهم عينيه بضعف ووهن، فقد تغلب المخدر على جسده.
ابتسم ديڤ قائلًا: "هيا أدهم، معي المصل المضاد لكي ينهي لك كل هذا الألم، بمجرد أن تأخذه يومين فقط وسيخرج مفعول هذا المخدر من جسدك وتعود كما كنت."
ابتسم أدهم قائلًا بوهن: "الأفضل لك أن تقتلني يا ديڤ، فلم تتمكن من أخذ شيء مني."
فرك أنفه بقوة وهو يجاهد البقاء واعيًا قائلًا: "أنت لم تعرف من هو الفهد الأسود."
رغم ضعف أدهم أكمل قائلًا بثقة: "أنا الجحيم بحد ذاته."
أردف قائلًا بغضب: "لنرى متى ستصمد، أيها الجندي كثف له الجرعة."
كان يجلس أرضًا يلهث من فرط حركاته الثائرة ليبدأ بالاسترخاء حين دقق ذلك الجندي بحقنه بمحقن غليظ اخترق عروق أدهم.
هدأت حركاته الثائرة لينظر إلى ديڤ الذي ابتسم بنصر قائلًا: "هيا أدهم، معي المصل وسينهي لك كل هذا الألم."
أغمض أدهم عيناه بضعف، بل ذهب في عالم آخر اختار الظلام له وحده.
***
في فيلا أحمد العاصي
أثناء تناول الإفطار بعد أن جاء أحمد وجمال من صلاة المغرب، جلست مكة على ساقه وبدأ يطعمها بحنان شديد، بينما جلست فاطمة على ساق أحمد العاصي وجلس أحمد الصغير على ساق سلمى. لمعت عيناه بسعادة وهو يرى أطفاله، ما أجمل عوض الله، تمنى طفل ولكن رزقه الله بأربعة، فهو يعتبر جمال ابنه أيضًا.
أردف أحمد العاصي قائلًا: "هتعملوا إيه يا جمال بعد ما عرفتوا إن أدهم أسير في تلابيب؟"
تنهد جمال قائلًا: "هنسافر طبعًا ومعانا اللواء سامح."
أردف أحمد قائلًا بقلق: "بس كده في خطورة عليكم وعلى سامح أكتر."
أردف جمال قائلًا: "مش عارف هو مصمم على السفر معانا وكمان عايز مالك بالأخص."
تعجب أحمد قائلًا: "ومالك يفهم إيه في شغلكم؟ المهم السفر إمتى."
حزن جمال وهو ينظر إلى سلمى الصامتة تنظر له بخوف. أردف قائلًا: "لسه الوقت ما تحددتش بس أكيد في أقرب وقت."
أردفت فاطمة قائلة بحب أبوي حقيقي: "ربنا معاكم يا جمال تروحوا وتيجوا بسلامة وبإذن الله ربنا ينصركم وترجعوا ومعاكم أدهم."
ابتسم لها جمال قائلًا: "الله يسلمك يا أمي، دعواتك."
أردف أحمد الصغير قائلًا: "بابي ممكن بعد الفطار نروح عند جدو سامح علشان ألعب معاهم."
ابتسم جمال قائلًا: "حاضر يا عيون بابي."
بعد انتهاء الإفطار حملت العاملات الأطباق وساعدتهن سلمى التي قامت بإعداد القهوة وقامت بإخراجها إلى والدها وزوجها في حديقة المنزل.
وضعت القهوة على الطاولة وذهبت بدون أن تتحدث كلمة واحدة. نظر إليه جمال بحزن. أردف أحمد قائلًا: "روحي اتكلمي معاها يا جمال، هي أكيد خايفة عليك."
تنهد جمال قائلًا: "حاضر بعد إذنك."
انتصب جمال واقفًا ودلف إلى داخل الفيلا ثم صعد إلى جناحه، وجدها تجلس تبكي على التخت.
زفر بغضب وجلس بجانبها وأخذها في أحضانه قائلًا: "ليه الدموع يا حبيبتي بس؟ إنتِ مش عارفة إن دموعك غالية عندي يا سلمى."
شدت سلمى من احتضانه قائلة: "خايفة عليك يا جمال غصب عني والله."
رفع يده ولمس شعرها بحنان: "سيبيها على الله يا سلمى، الرب واحد والعمر واحد. وبعدين بقا هنقضيها كده؟ أنا ما صدقت إن عيالك مش موجودة، أنا مش عارف العيال دي كل ما أقرب لك بتطلع ليا منين."
ابتسمت له قائلة: "أنا بحبك أوي أوي يا جمال، ربنا يخليك لنا."
ضمها إليه وأردف قائلًا: "وأنا بعشقك يا قلب جمال."
ومال عليها يقبلها بنهم عاشق حد النخاع، غارقًا في حلال الله.
***
في فيلا سامح الأنصاري
بعد أن أنهى سامح قصته عن نبي الله أيوب أردف قائلًا:
"عرفتوا إن رحمة ربنا كبيرة وأن بعد كل صبر جبر."
لم يكمل حديثه عندما صدح صوت هاتفه. أخرج الهاتف ووجد اسم المتصل اللواء صلاح. ابتعد عن الجميع وقام بالرد قائلًا: "أيوا يا صلاح، في جديد؟"
اللواء صلاح: "آه قدرنا نحدد مكان أدهم يا سامح ولازم في أقرب وقت السفر، لازم جمال وعمار يسافروا الفجر."
تنهد سامح قائلًا: "تمام يا صلاح، أنا هتصل بجمال ونشوف هنعمل إيه؟!"
بعد أن أنهى المكالمة اقترب مرة أخرى للجميع. أردف قائلًا وهو ينظر إلى عمار: "عمار اتصل على جمال خليه يجي حالا."
أردف عمار قائلًا: "تمام."
وبالفعل قام عمار بالاتصال على جمال وأخبره بضرورة الحضور إلى فيلا سامح.
بينما كانت خديجة تنظر بقلق إلى والدها. اقتربت منه قائلة بقلق: "بابا إيه اللي حصل؟!"
نظر إليها سامح وأبتسم لها: أطمني يا خديجة أدهم كويس بس لازم عمار وجمال يسافرا النهارده.
أجابته خديجة قائلة: أنا لازم أسافر معاهم.
أغمض سامح عيناه وأخذ نفسًا طويلًا وأخرجه ببطء شديد قائلًا: للأسف الأوضاع صعبة حالًا وكل دقيقة بتمر على أدهم خطر عليه، يبقى الأهم نفكر بعقلنا ونشوف الصح وكله هيبقى خير بإذن الله.
بالفعل جاء جمال واجتمع مع عمار واللواء سامح وأخبرهم بماذا يفعلون ليكون التحرك فجرًا اليوم التالي.
فجرًا اليوم التالي
بعد مرور عدة ساعات وصلوا إلى مطار الأردن، وجدوا فردًا من جهاز المخابرات يقف في استقبالهم ليدخلهم فلسطين عن طريق بعض الطرق والأنفاق.
***
في فلسطين
وصل جمال ومعه عمار إلى مكان التجمع، وجدوا عامر في استقبالهم. رغم صغر سنه إلا أنه ماهر في عمله، ملقب بذئب فلسطين، فهو يعلم بكل صغيرة وكبيرة في فلسطين، يخافه الجميع من قوات الاحتلال الإسرائيلي.
صافحهم عامر وأردف قائلًا: حمد الله على السلامة.
رد جمال قائلًا: الله يسلمك يا عامر.
نظر إلى عمار وأردف قائلًا: أحب أعرفك على الرائد عمار.
أردف عامر: تشرفنا يا فندم.
ابتسم عمار قائلًا: الشرف ليا يا عامر.
أردف جمال قائلًا: عرفت تحدد مكان أدهم يا عامر؟
أردف عامر قائلًا: طبعًا يا فندم بفضل الكبسولة اللي بلعها المقدم أدهم في الوقت المناسب.
ابتسم جمال وربت على كتف عامر قائلًا بفخر: الفضل لك يا عامر في أننا نعرف أدهم عايش لحد دلوقتي بسبب فكرة الكبسولة، فكرة عبقرية.
أردف عمار قائلًا: إمتى الهجوم؟
نظر عامر في ساعته قائلًا: بعد حوالي ساعتين يعني بعد السحور بحوالي نصف ساعة.
أردف جمال قائلًا: تمام يا عامر.
أردف عامر قائلًا: بعد إذنك يا فندم أروح أجهز السحور.
أومأ له جمال برأسه قائلًا: تمام.
بعد حوالي ساعتين
فعل عامر مع عمار وجمال مثل ما فعل مع أدهم وجمال في المرة الماضية، وأعطى لهم كبسولة تحدد أماكنهم في البر أو البحر، تم تفعيلها بواسطة عامر الذي قام بابتكارها، لم يستطع أحد اكتشافها حتى لو تم وضعها تحت أي جهاز أو اختبار.
بعد مرور حوالي نصف ساعة
دلف عامر إلى نفق ومعه جمال وعمار، ساروا خلفه.
إلى أن وصلوا إلى ممر به عدة أجهزة، أخرج كل منهم مسدسًا ووضع به كاتم للصوت، بدأ كل منهم يقاتل بشراسة، كل منهم في مكان مختلف. شعر عامر بحركات غير منتظمة تصدر من إحدى الغرف، أمسك جهاز اللاسلكي المتصل بجمال وأردف قائلًا: أنا محتاج دعم يا فندم علشان أقدر أقتحم.
أردف جمال قائلًا: تمام يا عامر أنا جاي لك أنا وعمار.
وقف عامر وأشار بعينه في اتجاه الغرفة المجاورة، ثم فتح باب الغرفة بحذر شديد، هاجم كل منهم وأصوات الرصاص تتطاير في المكان. أردف عامر قائلًا بعد أن نظر إلى ساعته: مفيش وقت يا فندم لازم نتحرك بسرعة.
كان جمال يتفحص الغرفة بنظرات غاضبة، وقف مذهولًا ينظر كالصاعقة وهو يرى أدهم ينام جثة هامدة، أردف بغضب: يا ولاد الكلب، يا ولاد الكلب عملتوا فيه إيه.
فتح عيناه بضعف وهو يحاول تحريك جسده الثقيل، سعل بقوة وحك ذراعيه بجنون، أردف قائلًا وهو ينظر: جمال اديني الحقنة بسرعة.
صعق عمار مما استمع عندما جاء بعد أن قام بقتل مجموعة كبيرة من الرجال المسلحين، أردف قائلًا: أدهم عملوا فيك إيه.
أردف أدهم قائلًا بوهن: عمار خديجة يا عمار.
جاء عامر وهو يهرول قائلًا: بسرعة مفيش وقت لازم نمشي، إحنا اكتشفنا.
أردف أدهم قائلًا بألم: جمال اقتلني وخلصني من اللي أنا فيه.
نظر جمال بشر وقام بضرب الجدار قائلًا: أنت مش ضعيف يا أدهم، أنت هتخرج من هنا وهترجع أحسن من الأول عشان خاطر مراتك وولادك، مراتك اللي كان عندها يقين إنك عايش والكل قال إنك مت.
وبالفعل قام جمال بحمل أدهم، أردف قائلًا بوهن: فجروا المكان ومترحمش حد.
ثم فقد الوعي. أردف جمال وهو يخرج من الممر قائلًا: نفذ الأمر يا عامر.
أما عمار كان يقف ينظر بذهول غير مستوعب ماذا حدث مع أدهم، أهذا هو الفهد الأسود؟ أخرج سلاحه وظل يضرب في رؤسائهم، تحولت الغرفة إلى بركة من الدماء، وبالفعل بعد قتل الجميع قام عامر بتفجير المكان.
بعد حوالي ساعتين دلف جمال الذي كان يحمل أدهم ودموعه تنهمر بغزارة على وجنتيه، وبجانبه عمار وعامر.
أردف عمار قائلًا بألم وهو ينظر إلى أدهم: هنعمل إيه يا جمال.
شد جمال خصلات شعره وأخذ نفسًا طويلًا وأخرجه بغضب قائلًا: مش عارف، أنا بقول نتصل باللواء سامح بس الأول عايزين نفوق أدهم.
تنهد عمار قائلًا: ربنا معانا إن شاء الله.
وبالفعل قام جمال بالاتصال على اللواء سامح وأخبره بما حدث.
***
في فيلا سامح الأنصاري
بعد رجوع الرجال من صلاة المغرب وجلسوا لتناول الإفطار، صدح صوت رنين هاتف سامح. انتصب واقفًا وابتعد عن الجميع وقام بالرد، ليجدوه جمال الذي قص عليه ما حدث معهم وماذا حدث لأدهم. أخذ نفسًا وأردف قائلًا: جمال هبعت لك فيديو خليه أدهم يشوفه ضروري.
قام بإنهاء المكالمة وعاد مرة أخرى ينظر بشرود إلى أن انتهى من الإفطار في صمت.
بعد مرور حوالي ساعة أذن صلاة العشاء ليذهب الجميع إلى صلاة العشاء.
وكمثل كل يوم اجتمع سامح مع أحفاده بعد صلاة التراويح ليقص لهم قصص الأنبياء. أردف يوسف قائلًا:
إيه رأيك يا جدو تحكي لنا قصة نبي الله يعقوب الليلة لأنه من فلسطين.
ابتسم سامح وأردف قائلًا: تمام يا يوسف.
نشأ وكبر سيدنا يعقوب -عليه السلام- مع والده إسحاق -عليه السلام- في مدينة فلسطين، وقد أُمرته أمه أن يغادر إلى خاله لابان في أرض حران، ليقيم عنده بعد أن حصل خلاف بينه وبين أخيه العيص، ومكث عند خاله مدة من الزمن، وتزوج من ابنته الصغرى ثم الكبرى. ويُذكر أن زوجته راحيل أنجبت له يوسف -عليه السلام- وأخيه بنيامين.
أردفت ملاك قائلة: كم عدد أبناء سيدنا يعقوب يا جدو؟
أردفت آسيا قائلة: أنا عارفة أقول.
لمعت عيون سامح بالسعادة وأردف قائلًا بحب: طبعًا قولي يا آسيتي.
خجلت آسيا وأردفت قائلة:
رزق الله سيدنا يعقوب عليه السلام باثني عشر ولدًا ذكرًا وبنتًا واحدة، أقرب أبنائه لقلبه وأمهما، وهما نبي الله يوسف عليه السلام وأخوه بنيامين وأمهما راحيل بنت لابان، وهي ابنة خال سيدنا يعقوب عليه السلام.
ثانيًا: روبين وهو الابن الأكبر لسيدنا يعقوب عليه السلام وإخوته يهودا، لاوي، شمعون، زبولون وياساكر والابنة الوحيدة لنبينا يعقوب عليه السلام دينا، وأمهم ليا بنت لابان، وهي بالطبع أخت راحيل وابنة خال يعقوب.
ثالثًا: ابنيه دان وانفتالي وهما ابنيه من بيلها.
رابعًا: ابنيه جاد وعشير وهما ابنيه من زيلفا.
أردف سامح قائلًا: برافو عليكي يا آسيا.
أردفت لين قائلة: من هم قوم سيدنا يعقوب عليه السلام؟
أردف سامح قائلًا وهو ينظر إلى ماهر: قول أنت يا ماهر.
ابتسم ماهر وتذكر هذه القصص عندما كان يرفض أن يجلس مع الفتيات يستمع إلى والده، ولكنه كان يختبئ ويستمع له من بعيد، أردف قائلًا بثقة:
اتفق المفسرون على أن قوم سيدنا يعقوب -عليه السلام- هو إسرائيل الذي ذُكر في القرآن الكريم، وبنو إسرائيل في زمن يعقوب -عليه السلام- جاء من نسلهم بنو إسرائيل، وهم ذاتهم الموجودين في هذا الزمان، فهم من نسل أبناء يعقوب -عليه السلام- الاثني عشر، ولذلك فإن الله -تعالى- حين خاطب اليهود في زمن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذكرهم بما كان يفعل آباؤهم من قبل، لأنهم من نفس النسل، حيث قال الله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ).
ابتسم سامح قائلًا: برافو عليك يا ماهر واضح أنك كنت مركز زمان.
أردفت تاج قائلة: أنا عارفة يا جدو أن كل نبي كان عنده ابتلاء، إيه هو ابتلاء سيدنا يعقوب عليه السلام؟
أردف سامح قائلًا: شاطرة يا تاج سؤالك حلو أوي واللي تجاوب عليه خديجة.
رفعت خديجة الشاردة وجهها وأردفت قائلة:
كان سيدنا يوسف -عليه السلام- ابن يعقوب -عليه السلام- أحب أولاده إليه، وأعلاهم منزلة في قلبه، فأراد الله -تعالى- أن يبتلي صبره بفراق ولده مدة طويلة من الزمن، حيث كان إخوة يوسف الاثنا عشر يشعرون بالغيرة من أخيهم، ويرون أنه قد شغل قلب أبيهم عنهم، فأرادوا أن يتخلصوا منه، حتى يصفى لهم أبيهم، فدبروا لذلك مكيدة وحيلة، فأخذوا يوسف -عليه السلام- بحجة التنزه واللعب، ثم ألقوه في بئر عميقة، وأخذوا قميصه بعد أن لوثوه بدم كذب، حتى يقتنع والدهم بصدق روايتهم. وعندما أصبح يوسف -عليه السلام- عزيز مصر، وجاء إخوته يستطعمونه عرفهم يوسف، فأراد أن يأتي بوالده وشقيقه إليه، فأحجم عن إعطائهم نصيبهم من الطعام حتى يأتوا بأخيهم الأخير. فلما حضر الإخوة ببنيامين شقيق يوسف، أبقاه يوسف -عليه السلام- عنده بالحيلة، ففقد الأب ولديه الاثنين، إلا أن غياب بنيامين لم يطل، لأن يوسف أخبر إخوته بحقيقة أمره، إلا أن غياب يوسف -عليه السلام- نفسه عن أبيه بسبب كل الظروف ظل ما يقارب أربعين سنة، وقيل في رواية أخرى: ثمانين سنة، وقيل غير ذلك. وكان الأب يعقوب -عليه السلام- في كل السنوات صابرًا محتسبًا، فلم يفقد الأمل بعودة ولده، ولم يقنط من رحمة الله تعالى.
نظر سامح إلى مالك وأردف قائلًا: فعلاً سيدنا يعقوب كان عنده يقين بوعد الله -تعالى-، لم ييأس ولم يستسلم لخبر فقدان ابنه يوسف، بل علم يقيناً أنه سوف يراه ويلتقيه مجدداً، لذلك ظل يحث أبناءه على تحسس خبر يوسف وأخيه بنيامين لإيمانه بوعد الله -تعالى-.
أخذ نفسًا وأكمل:
تربية سيدنا يعقوب عليه السلام لأولاده ظهرت صفات النبي يعقوب -عليه السلام- جليّة في سورة يوسف، وذلك في العديد من المواقف التي كان فيها معلمًا لأبنائه، ومن تلك المواقف: حسن توكل يعقوب -عليه السلام- على الله تعالى، فبالرغم من أنه أرشد أبناءه للأخذ بالأسباب في دخول المدينة إلا أنه توكل على الله وحده في تفريج كربه، قال الله تعالى: (إِنَّ الْحُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ). الإقبال والاعتماد على الله -تعالى- بقضاء الحوائج، وبث الحزن له وحده، حيث قال الله تعالى: (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ). حسن الظن بالله تعالى، حيث قال الله عز وجل: (وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ). وصية يعقوب لأولاده ذُكرت وصية يعقوب -عليه السلام- في القرآن الكريم، لعظمها وفضلها، حيث أوصى أولاده بالثبات على دين الإسلام حتى لقاء الله تعالى، وهي في قول الله تعالى: (وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)، وقال أيضًا في سورة البقرة: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ).
أردف عبد الرحمن قائلًا: كم عمر سيدنا يعقوب حين توفي؟
أردف سامح قائلًا:
توفي نبي الله يعقوب -عليه السلام- وقد زاد عمره عن المئة عام، وكان ذلك بعد لقاء ابنه يوسف -عليه السلام- بسبع عشرة سنة، وكانت وصيته أن يُدفن عند والده إسحاق وجده إبراهيم عليهما السلام في فلسطين.
بعد أن أنهى سامح قصة نبي الله يعقوب نظر إلى خديجة وأردف قائلًا: خديجة حضري نفسك انت ومالك للسفر معايا بكرة إلى الأردن.
***
في فلسطين
بداخل تلك الغرفة المتواجد بها أدهم فتح عينيه بضعف، نظر حوله وجد جمال وعمار وعامر بجانبه. ابتلع لعابه وبدأ يفرك في ذراعيه بقوة وسعل بقوة أكثر.
نظر إليه جمال بحزن لا يعرف من أين سيبدأ معه العلاج، ولكن سيبذل قصارى جهده حتى يجعله يسترد عافيته ولن يتركه ويفعل معه مثل ما فعل معه عندما أصيب في إحدى المهمات.
بلاش بالك.
في مستشفى القوات المسلحة حالة من الهرج والمرج سيطرت على المشفى، وبالأخص تلك الغرفة التي كان يتواجد بها جمال عندما أصيب بطلق ناري في ظهره. أجمع جميع الأطباء على أنه لم يستطع التحرك مرة ثانية، سيبقى هكذا مدى الحياة. وعندما علم بذلك الخبر ظل يصرخ إلى أن دلف إليه أدهم قائلًا: أهدي يا جمال.
لمعت عيون جمال بالدموع وأردف قائلًا بكسرة وبألم: أهدي إزاي، أنا بقيت مشلول يا أدهم، عارف يعني إيه مشلول.
حزن أدهم على حال جمال وأردف قائلًا: أهدي يا جمال، أنا بعت الأشعة والتحاليل لدكتور بره مصر والرد جه إن في أمل تمشي تاني بعملية وعمل علاج طبيعي، بس خلي عندك إيمان وثقة بالله وصبر، لازم الصبر يا جمال.
أغمض عينيه وأردف قائلًا: ونعم بالله.
وبالفعل لم يتركه أدهم ولو لحظة، ظل معه حتى تعافى ومشى مرة أخرى.
أفاق على همس أدهم وكأنه يحلم. مسح دموعه واقترب منه قائلًا: عمري ما هسيبك يا صاحبي.
رواية البنات زينة البيت الفصل الستون 60 - بقلم نهى عادل
الو فاء قصة بأعماق القلوب.. فهو الجزء الأصعب في كل حكاية. الو فاء لا يمكن أن تعطيه على جرعات. فالمرء إما أن يكون وفياً مخلصاً أو لا يكون. لطالما آمنت أن صفة "الوفاء" من أعظم الصفات التي قد يحملها الإنسان. الوفاء الذي يبقي الذكريات الطيبة حية في داخلك وإن طال الزمان.. الذي يحثك على حفظ المودة وإن تباعدت المسافات. الذي لا يجعلك تتنكر لمن مد لك يده يوماً. هذه الصفة هي رأس الأخلاق النبيلة.
في فيلا سامح الأنصاري..
بداخـل جناحه كان يجلس على التخت شارداً. اقتربت منه آسيا قائلة: مالك يا سامح؟
تنهد سامح وأردف قائلاً: سلامتك يا آسيا. هي الساعة كام دلوقتي؟
ابتسمت آسيا وأردفت قائلة: لو خبيت على الدنيا كلها لا يمكن تقدر تخبي عليّ يا حبيبي.
رفعت يديها ورتبت على ظهره بحنان قائلة: أنت قلقان علشان مسافر ومعاك خديجة صح؟
أومأ لها برأسه قائلاً: فعلاً. رغم إني خايف وقلقان على أدهم، بس خوفي الأكبر علشان خديجة مش تستحمل تشوف أدهم كده، وبنفس الوقت لازم تكون جنبه.
أردفت آسيا قائلة: كله خير يا سامح. ربنا قادر على كل شيء. إيه رأيك تاخد شاور وننزل نتسحر ونصلي الفجر سوا زي زمان.
ابتسم لها سامح وقام بتقبيل جبهتها.
بعد مرور بعض الوقت نزل سامح إلى الأسفل ومعه آسيا. وجد الجميع جالسون على مائدة الطعام.
جلس بجانبهم وبدأوا في تناول الطعام.
بعد قليل، وعند إذن صلاة الفجر، أردف قائلاً: "إيه رأيكم لو نصلي كلنا هنا؟"
هلل الصغار، وبالفعل وقف سامح في الأمام وخلفه أولاده وأحفاده الذكور، وخلفهم النساء والفتيات. بعد أن أنهى صلاة الفجر، جلس في الأرض وبجانبه الجميع في حلقة ذكر. أردف يزن قائلاً: "جدو، بما إن النهارده ليلة وترية، إيه رأيك تحكي لنا عن فضل ليلة القدر؟"
ابتسم سامح وأردف قائلاً: "ليلة القدر ليلة من الليالي العشر الأخيرة من شهر رمضان المبارك، وهي غير محددة بليلة معينة، إذ ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: (التمسوها في العشر الأواخر، والتمسوها في كل وتر)." وقد اختصها الله -تعالى- بشأن عظيم، فأنزل القرآن الكريم فيها في مرحلة من مراحل نزوله، قال الله -تعالى-: (إنا أنزلناه في ليلة القدر). وهي ليلة مباركة يقدر الله -تعالى- فيها ما سيكون في العام، إذ قال: (إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين * فيها يفرق كل أمر حكيم). وأجر العمل الصالح فيها أفضل من أجر العمل مدة ألف شهر، قال -عز وجل-: (ليلة القدر خير من ألف شهر). وقد كان الرسول -عليه الصلاة والسلام- يتحرى ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان، ويجتهد فيها بالعبادات والطاعات ما لا يجتهد في غيرها، فقد ورد عنه أنه قال: (من قام ليلة القدر إيماناً واحتساباً، غفر له ما تقدم من ذنبه). وبهذا يجدر بالمسلم بذل الوسع في المسارعة لأداء الأعمال الصالحة والعبادات في ليلة القدر، لما لها من عظيم الأثر الحسن في الدنيا والآخرة."
أردفت آسيا الصغيرة قائلة:
"إمتى بيكون ميعادها بالظبط يا جدو؟"
أردف سامح قائلاً:
"الأقوال اختلفت في تحديد ليلة القدر وتعيينها. فقيل إنها في الليالي الفردية من العشر الأواخر، استدلالاً بما روي عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: (أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: تحروا ليلة القدر في الوتر، من العشر الأواخر من رمضان). وقيل إنها في الأيام السبع الأخيرة من رمضان، لما ثبت من رواية الإمام البخاري عن عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما-: (فمن كان متحريها فليتحرها في السبع الأواخر). وقيل إنها منتقلة، دون تحديدها بالليالي الفردية، أو الزوجية."
أردف سامح ماهر قائلاً: "إيه هي علامات ليلة القدر يا جدو؟"
نظر سامح إلى الجميع ووجد كلاً من ونس وخديجة في عالم آخر. تنهد وأردف قائلاً: "جاوب إنت يا ونس."
أردفت ونس قائلة:
"طلوع الشمس دون شعاع في صباح اليوم التالي لها. فقد ورد عن أبي بن كعب -رضي الله عنه-: (وآية ذلك أن تطلع الشمس في صبيحتها مثل الطست، لا شعاع لها، حتى ترتفع)."
"تاني حاجة من علامات ليلة القدر:"
"اعتدال الجو فيها، فلا يوصف بالحرارة، أو البرودة، إذ روي عن عبدالله بن عباس -رضي الله عنهما-: (ليلة القدر ليلة سمحة، طلقة، لا حارة ولا باردة، تصبح الشمس صبيحتها ضعيقة حمراء)."
"تالتًا:"
"النقاء والصفاء، فقد روي في أثر غريب عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه-: (أمارة ليلة القدر أنها صافية بلجة كأن فيها قمرًا ساطعًا ساكنة سا جية، لا برد فيها ولا حر، ولا يحل لكوكب يرمى به فيها حتى تصبح، وإن أمار تها أن الشمس صبيحتها تخرج مستوية ليس لها شعاع مثل القمر ليلة البدر، ولا يحل للشيطان أن يخرج معها يومئذ)."
"رابعًا: نزول الملائكة أفواجًا، فقد قال -تعالى-: (تنزل الملائكة والروح فيها بإذن ربهم من كل أمر)."
وروي عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: (وإن الملائكة تلك الليلة أكثر في الأرض من عدد الحصى).
أردفت ملاك قائلة: "إيه الحكمة من إخفاء ليلة القدر؟!"
وجدوا مالك يرفع يده، فرح الجميع. جاء مالك بورقة وقلم وكتب فيها:
"يعلل سبب إخفاء ليلة القدر وعدم تحديدها بغاية ترغيب وتحفيز العباد على الاستمرار والمداومة على العبادة والمثابرة عليها والمبالغة فيها طوال العشر الأخيرة من رمضان، ولئلا يقتصروا على العبادات والطاعات في ليلة واحدة. ولذلك كان جديرًا بالمسلم تحري الليالي العشر الأخيرة من الشهر المبارك كاملة، وقيامها، والمواظبة فيها على ذكر الله، والدعاء، والصلاة، وقراءة القرآن، وبذلك يشغل العبد نفسه ووقته كله في طاعة الله -تعالى."
فرح سامح والجميع بمشاركة مالك معهم. كم تمنى بأن الله يريح قلبه ويرجع له صوته. أردف قائلاً وعيناه تلمعان بالدموع: "برفوا عليك يا حبيبي."
أردف يوسف قائلاً: "إيه أحب الأعمال اللي ممكن نعملها في العشر الأواخر يا جدو؟!"
نظر سامح إلى ماهر وأردف قائلاً: "جاوب أنت يا ماهر."
أومأ ماهر برأسه وأردف قائلاً:
"يفضل الإكثار من قراءة القرآن والدعاء والأذكار والتسبيح وسؤال الله -تعالى- العتق من النيران والتعوذ منها. فالدعاء فيها مستجاب، والاجتهاد فيه مرغوب، ولذلك يتسابق العباد ويحرصون على التوبة والفوز برضا الله -عز وجل- وتوفيقه ونيل المنزلة الرفيعة. قال سفيان الثوري: 'الدعاء في ليلة القدر أحب إلي من الصلاة'."
"وأفضل ما يدعو به المسلم في ليلة القدر العفو والمغفرة من الله -سبحانه-، إذ روي عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: (قلت يا رسول الله أرأيت إن علمت ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: قولي اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عني)."
"وقال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: 'لا سبيل للعبد إلى النجاة إلا بعفوه ومغفرته -جل وعلا- وأنه رهين بحقه، فإن لم تتغمده بعفوه ومغفرته، وإلا فهو من الهالكين لا محالة، فليس أحد من خلقه إلا وهو محتاج إلى عفوه ومغفرته كما هو محتاج إلى فضله ورحمته'."
"و قراءة القرآن في ليلة القدر يستحب للمسلم تلاوة آيات القرآن الكريم وترتيلها في شهر رمضان، ولا يشترط ختمه كاملاً في تلك الليلة، إلا أنه ينال أجرًا عظيمًا وفضلًا كبيرًا إن ختمه. فالقيام لا يقتصر على الصلاة، بل يكون بأداء مختلف أنواع العبادات. قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: (من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا، غفر له ما تقدم من ذنبه)."
"الصلاة في ليلة القدر تؤدى صلاة القيام ركعتين ركعتين كما ثبت في صحيح مسلم عن عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما-: (أن رجلاً سأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن صلاة الليل، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح، صلى ركعة واحدة توتر له ما قد صلى). وقيام ليلة القدر من أسباب مغفرة الذنوب وتكفيرها عن العباد."
أردف سامح قائلاً: "ربنا سبحانه وتعالى أعطى لنا فرص كتير للرجوع إليه والتكفير عن ذنوبنا. لازم الإنسان يستغل كل ده ويتوب عن كل معصية. ربنا رحمته وسعت كل شيء وباب المغفرة مفتوح في كل وقت."
نظر سامح إلى ساعته وأردف قائلاً وهو ينظر إلى خديجة ومالك: "اطلعوا يلا جهزوا نفسكم هنتحرك بعد نصف ساعة.."
***
بداخل جناح سامح وآسيا..
بداخل غرفة الملابس، خرج سامح من الحمام. سمع صوت شهقات، علم ببكاء آسيا وهي تحضر له حقيبة ملابسه. تنهد بألم ودلف إلى الداخل. صدم عندما وجد دموعها تنهمر بغزارة على وجنتيها. اقترب منها وضَمَّها بحنان شديد قائلاً: "ليه الدموع يا حبيبتي؟"
زادت شهقاتها. حزن سامح وأمسك يديها وخرج بها إلى الخارج. أجلَسها على إحدى الأرائك وجلس بجانبها يحاوط كتفها قائلاً: "مش قولتي بلاش دموع يا حبيبتي؟ أنا مش بستحمل أشوف دموعك."
رفع يده وقام بمسح دموعها.
أردفت قائلة: "خايفة عليكم يا سامح. الأوضاع هناك صعبة. إحنا كل يوم بنسمع في الأخبار عن استشهاد المئات منهم، وإنت رايح هناك ومعاك خديجة ومالك. لا وكمان أدهم وعمار وجمال هناك. صعب أوي يا سامح، صعب صدقني."
أخذها سامح في أحضانه يرتب على ظهرها بحنان قائلاً: "سيبها على الله يا آسيا. وبعدين إحنا هنكون في مقر تبع جهاز المخابرات، ملناش اختلاط مع جنود الاحتلال الإسرائيلي. وبعدين يلا بقا اضحكي، متخلنيش أسافر وأنا قلقان عليكي."
خرجت من أحضانه ونظر إليها لتلمع عيناه بالحب والعشق. مهما كبرت، فهي دائمًا وجهها يشع نورًا ونضارة، شديدة الجمال بأنفها ووجهها شديد الاحمرار، فكانت مثل قطعة كرز. أردف قائلاً بمرح: "اللهم إني صائم. قومي يا آسيا الله يرضي عنك، كملي تجهيز الشنطة."
خجلت آسيا وابتسمت له ابتسامة خطفت قلبه. أمسك كف يديها وقام بوضع قُبلة قائلاً: "ربنا يديمك ليا يا أسيتي."
أردفت قائلة بنبرة عاشقة هائمة: "ويديمك ليا يا نور عيوني."
وانتصبت واقفة وسارت باتجاه غرفة الملابس لتكمل تجهيز الحقيبة.
***
بعد مرور حوالي أربعة ساعات..
خرج سامح ومعه خديجة ومالك من مطار الأردن. وجد عنصرين من جهاز المخابرات الأردنية بسيارة وبعض الرجال بناءً على تعليمات المخابرات المصرية. استقل السيارة وركب في الخلف ومعه خديجة، أما مالك فركب في الأمام بجوار السائق.
***
في إحدى المناطق القديمة في غزة في منزل مكون من غرفتين.
بداخل إحدى الغرف..
فتح عينيه بضعف ووهن. يفرك بأنفه بشدة، جسده ثقيل من شدة أثر المخدر. كان يحلم بها تنادي عليه، يسمع صوتها تنادي باسمه ولكنه لم يرها. ظل يسمع إلى أن اختفى الصوت. صرخ بصوتها: "خديجة!"
انتفض من نومه، يفتح عينيه ببطء. وجهه يتصبب عرقًا غزيرًا. نظر حوله فوجد جمال وعمار يجلسان بجانبه.
أردف قائلاً بضعف وهو يحك ذراعيه بجنون: "أنا فين؟"
تألم جمال على حال صديقه وأردف قائلاً: "إنت في أمان يا أدهم، اطمن."
أغمض عينيه بكسرة على ما وصل إليه قائلاً: "ليه يا جمال رفضت تموتني؟ كنت ريحتني من اللي أنا فيه."
أردف جمال قائلاً: "خلي عندك ثقة بالله. وبعدين هتسيب اللي وراك لمين؟"
وضع يده داخل جيبه وأخرج هاتفه وقام بتشغيل الفيديو ثم قربه منه قائلاً: "قبل كل شيء، شوف الفيديو ده يا أدهم."
أمسك أدهم الفيديو بيد مرتعشة. نظر بألم وحزن عندما رأى خديجة شاحبة الوجه، دموعها تنهمر بغزارة. شد خصلات شعره بعنف. لمعت عيناه هو أيضًا بالدموع. لقد وصلت إلى هذه المرحلة بسببه هو فقط. المسئول هو من جعلها في هذه الحالة. شعر بوخزات شديدة في قلبه على ما وصلت إليه. ظل ينظر إليهم وإلى أولاده، حنين واشتياق. أغمض عينيه بألم وفتح ببطء وأعطى الهاتف لجمال. كاد أن يتحدث ولكن دلف عامر قائلاً:
"اللواء سامح ومعه الرائد خديجة وصلوا فلسطين."
دق قلبه بعنف وأصبح جسده ثقيل جدًا. وجهه يتعرق بشدة. أردف قائلاً: "مش لازم خديجة تشوفني وأنا كده."
"قال إن فيه مصل تقدر تحصل عليه يا عامر؟"
"تنهد عامر بحزن إلى ما وصلوا إليه. الفهد الأسود، أردف قائلاً بثقة: "أقدر أحصل على مصل غيره، بس مفعوله هيبقى أقل، يعني مش قبل أسبوعين يكون التعافي."
حاول أن يكون ثابتًا أمامهم من شدة الألم الذي هاجم جميع أنحاء جسده. يشعر بالبرد الشديد، يحك ذراعيه بشدة. هو يريد هذا المخدر بأي طريقة. أردف قائلاً بضيق وكسرة: "أنا جسمي كله بيوجعني ومش قادر أتحكم في نفسي. موتني يا جمال وارحم عذابي."
دارت عيناه في المكان ولم يجد عمار. أردف قائلاً: "فين عمار؟"
أردف عامر قائلاً: "عمار رايح يستقبل اللواء سامح والرائد خديجة ويوصلهم لبيت أبي الشيخ عابدين. وأنا لازم أروح أطمنهم عليك دلوقتي حالا."
أردف أدهم قائلاً: "أنا عايز أقابل اللواء سامح لوحده يا عامر."
أومأ له عامر برأسه قائلاً: "تمام يا فندم بعد إذنك..."
أخرج من جيبه حقنة قائلاً: "الحقنة دي مهدئ قوي ومش بيضر. ممكن لو لقيت نفسك مش قادر تستحمل وجع جسمك، خلى المقدم جمال يديهالك؟!"
***
في غزة..
في إحدى الأحياء المزينة بزينة رمضان، بداخل منزل الشيخ عابدين، في ردهة كبيرة كان يجلس الشيخ عابدين ومعه خديجة ومالك وعمار. لم يستطع عمار التحدث عن حالة أدهم بوجود خديجة.
دلف إليهم عامر قائلاً: "السلام عليكم. فلسطين نورت." وقام بتسليم عليهم.
أردف سامح قائلاً: "فلسطين منورة بشعبها وأهلها الطيبين."
أردفت خديجة بشتياق: "أدهم عامل إيه؟ وهو فين دلوقتي؟ ليه مش موجود معاكم؟"
تنهد عامر قائلاً: "المقدم أدهم كويس جدًا، بس هو حابب يشوف اللواء سامح الأول."
أردف الشيخ عابدين: "قوم يا عامر نادي على إحدى النساء تاخد الرائد خديجة تستر يح فوق لحد موعد الفطار."
نظرت إلى والدها وأومأ لها برأسها بأن تذهب.
بعد خروج خديجة، اجتمع سامح والشيخ عابدين ومالك الجالس حزين شارد يسمع فقط، وعامر وعمار لمعرفة كيفية علاج أدهم. حزن سامح بشدة على ما وصل إليه، فهو عنده حق من عدم رؤية خديجة له بهذا الشكل. وطلب من عامر أن يذهب إليه حالًا، ولكن رفض الشيخ عابدين أن يخرج قبل أن يفطر معهم، فباقي أوقات قليلة ويأذن صلاة المغرب.
وأثناء شرود مالك، سمع صوتًا ينادي قائلاً: "مالك، مالك، تعال هنا، بدك أزعل منك."
انتصب واقفًا ينظر بذهول إلى مصدر الصوت. تعجب سامح من وقوف مالك بهذا الشكل وأردف قائلاً: "مالك يا حبيبي، فيك حاجة؟"
وفجأة اقتحم الغرفة طفل يلعب وهرول إلى حضن الشيخ عابدين قائلاً: "جدّي عابدين، بدي أختبئ يا جدي."
قهقه الشيخ قائلاً: "وبدك تخبي ليش يا مالك؟"
شعر مالك بدقات قلبه وهو ينظر إلى ذلك الطفل. كذلك انصعق سامح وهو ينظر إلى ذلك الصغير، فهو صورة طبق الأصل من مالك ابنه في صغره.
اقترب منه مالك وابتسم له ليجد الصغير يبتسم له أيضًا. أردف الشيخ عابدين قائلاً: "تعرف يا مالك، هذا الرجل اسمه مالك مثلك."
اقترب الصغير من مالك وأردف قائلاً: "إنت اسمك مالك مثلي."
أومأ مالك برأسه وهو يأخذه في أحضانه ويرتب على ظهره بحنان.
سمعوا صوتًا قادمًا قائلاً: "مالك وينك أنت؟ أكيد بداخل عند عمي عابدين."
ودلفت إلى الداخل وأردفت: "تعال لهون يا مالك."
رفع مالك نظره وانصدم عندما وجدها رحيل تقف أمامه ومعها طفلة أخرى تمسكها بيديها. ليقترب منها وهمس:
"رحيل!!!"
وقفت أمامه مصدومة.
كيف جاء إلى فلسطين؟ دارت بعينيها، وجدت أيضًا عمار واللواء سامح يقف ينظر إليهم بفرحة. عندما سمعوا صوت مالك.
اقترب سامح قائلًا بفرحة: "صوتك رجع لك يا حبيبي."
ابتسم له مالك قائلًا: "الحمد لله يا بابا."
اقترب مالك ووقف أمام رحيل قائلًا: "طيب إزاي إنت هنا؟ وإزاي بتعرفي تتكلمي مصري كويس؟"
أردف الشيخ عابدين قائلًا: "اهدي يا مالك يا ابني، رحيل دي بنت أخي الراحل، وأمها بتكون مصرية."
اقترب الصغير مالك وهو يشد ثوب والدته قائلًا: "أمي، هاد الزلمة اسمه مالك مثلي."
أغمضت رحيل عينيها ودموعها تنهمر بغزارة على وجنتيها.
دارت عيون مالك بين رحيل وبين ذلك الصغير، وأيضًا تلك الصغيرة التي كانت تختبئ خلف والدتها.
ليذهب إليها مالك الصغير قائلًا: "تعالي يا ملاك، بدك أعرفك على عمو مالك."
سحبها مالك الصغير ووقف بها إلى مالك سامح الذي كان ينظر بذهول وصدمة. أردف مالك الصغير قائلًا:
"دي ملاك أختي يا عمو مالك، تؤامي."
نظر بذهول، دَق قلبه بعنف وهو ينظر إلى الأطفال. اقترب من رحيل بسؤالٍ ترتجف، لعل ما فهمه يكون غير صحيح. حاول إخراج صوته وأردف قائلًا وهو ينظر إليها بضعف: "أوعي يكون اللي فهمته صح، وإن ده يكون ولادي."
رحيل: ــــــــــ
صامتة لا ترد، فقط دموعها هي التي تتحدث.
أمسكها مالك من ذراعيها وظل يهزها بعنف وأردف قائلًا: "ردي عليَّ."
لهنا وقد طفح الكيل، ليصرخ عامر، وقف أمام مالك وأبعده بعنف عن ذراعي رحيل قائلًا: "بعد يدك عنها يا جدع إنت."
لينظر إلى رحيل قائلًا: "رحيل إنتِ منيحة؟"
أومأت له برأسها دون أن تتحدث.
ليشعر مالك بغيرة شديدة في قلبه من هذا العامر، ليصرخ قائلًا: "أبعد عن مرتي! إنت إزاي تتكلم معاها كده؟"
أردف سامح بصوتٍ حادٍ قائلًا: "اهدي يا مالك، خلينا نفهم كل حاجة الأول."
تنهد ونظر إلى رحيل قائلًا: "رحيل يا بنتي، ممكن تفهميني إيه اللي بيحصل هنا؟"
ثم نظر إلى الصغار ونظر إليها وأكمل حديثه: "دول يبقوا أولاد مالك، صح؟!"
أومأت له برأسها ونظرت إلى الأسفل وأردفت قائلة: "أيوا يا عمي سامح."
وقع مالك على أقرب كرسي، لم يستطع أن يتحدث أو يقف على ساقيه. مرة أخرى يفرح أنه أصبح له أولاد أم يحزن على عدم معرفته بهم؟
أغمض عينيه بضعف ودموعه تنهمر بغزارة على وجنتيه. اقتربت منه تلك الصغيرة ملاك ورفعت يديها.
وقامت تمسح دموعه قائلة: "ماما قالت إن مفيش رجال بتعيط."
سحبها مالك داخل أحضانه يشدد من احتضانها.
فهو من أخطأ، ولكن لماذا هي لم تصبر عليه؟ لماذا مع أول عاصفة تركته وذهبت؟ وهو أخطأ واليوم يدفع الثمن، ولكن تذكر كل قصص والده عن الأنبياء والابتلاء والصبر. فحمد الله كثيرًا على عوضه.
أذن صلاة المغرب، طلب الشيخ عابدين من رحيل أن تذهب وتحضر خديجة.
في الأعلى.
كانت تجلس خديجة على إحدى الأرائك في الغرفة تقرأ كتاب الله العزيز. وردها سمعت طرقًا على الباب، صدقت وقامت بقفل كتاب الله ووضعته على الطاولة وقامت بفتح الباب. انصدت حين وجدت رحيل أمامها.
نظرت لها بذهول قائلة: "رحيل إنتِ هنا؟ طيب إزاي؟"
ابتسمت لها رحيل قائلة: "بعدين أفهمك كل حاجة، بس الأول مش هتسلمي عليَّ؟ وحشتيني يا ديجو."
فهي منذ معرفتها لم تنادها إلا ديجو.
أخذتها خديجة في أحضانها ترتب على ظهرها بحنان شديد.
بعد رجوع الرجال من صلاة المغرب، جلس الجميع تحت توتر شديد. كان ينظر إليهم مالك بحنين وحب واشتياق، ولكنه غضب حين وجد عامر يقرب منها، طبق بها طعامًا قائلًا: "رحيل، هذا طبق السلطة تبعك إنت."
ابتسمت رحيل له قائلة: "شكرًا عامر." وأخذته منه تحت نظرات مالك الغاضبة.
بعد انتهاء هذا الفطار الذي كان شبه كارثة، ذهب سامح إلى أدهم الذي طلب منه عدم إحضار خديجة إلى هنا مهما حدث، وأن يخبرها بأنه سيصلي معها صلاة العيد بعد أسبوعين.
أما مالك، لم يستطع البقاء في المنزل وخرج لصلاة العشاء، وأثناء دخوله المسجد وجد رحيل تصرخ. ذهب إليها مسرعًا ليفهم، وجد إحدى الرجال يعترض طريقها، فهذا الشخص يريد أن يتزوجها وهي لم تعطِ له وجهًا.
ذهب إليها مالك وسحبها من يديها وأوقفها خلفه قائلًا بغضب: "إنت مين يا حيوان وعايز منها إيه؟"
صرخ ذلك الشخص: "أنا هوريك من الحيوان."
وقام بإخراج سلاح أبيض، وفجأة دون أن ينتبه مالك، قام بجرحه في يده.
صرخت رحيل باسمه قائلة بقلق: "مالك أنت كويس؟"
أردف قائلًا: "أنا كويس، متخافيش."
أردفت قائلة برعب: "كويس إزاي وذراعك بينزف؟"
جاء عامر واقترب من ذلك الشخص قائلًا: "نزل السلاح يا مصطفى."
ضحك مصطفى بسخرية: "بعد إنت يا عامر."
ولكن في لحظة هجم عليه عامر وقام بضربه لكمات كثيرة في وجهه. وأثناء أخذ السلاح تم جرحه في كف يده.
بعد قليل انتهت هذه المشاجرة وعادوا إلى
منزل الشيخ عابدين.
في غرفة المتواجد بها مالك.
اقتربت رحيل من مالك وأردفت قائلة بخجل: "اخلع القميص خلينا أغير لك على الجرح."
ابتسم لها مالك بمكر وأردف قائلًا: "مكنتش أعرف إنك بتعرفي في الإسعافات الأولية."
نظرت وأردفت قائلة بغضب: "وأنت كنت تعرف إيه عني؟ يلا خلينا أغير لك على الجرح عشان أشوف جرح عامر."
شعر مالك بغيرة شديدة عندما نطقت اسم عامر. نظر إليها ورفع يده وحاول فك أزرار قميصه إلا أنه فشل من شدة الألم.
تنهدت ورفعت يديها على استحياء تفك له أزرار القميص.
تحت خجلها الشديد ورعشة يديها، كانت تنظر له بعينيها.
نظرة يملؤها الغرام زلزلت كيانه، أنفاسه لفحت برودته بشرتها. ظل يتأمل كل أنفاسها ويحفظ ملامح وجهها في قلبه. ثم نظر إلى شفتيها التي أطاحت بعقله، جعلته يفقد صوابه وهو يراها. شد يديها الاحمرار، أردف قائلًا بغضب وغيره: "مش عيب عليكي تكوني محجبة وحجابك طويل وحاطة روج."
تعجبت رحيل قائلة بغضب: "على فكرة الحمد لله، أنا بخاف ربنا وباحترم الحجاب اللي أنا لبسه ومش بحط لا روج ولا أي مكياج أصلًا."
ابتسم مالك بخبث قائلًا: "يبقى أتأكد بنفسي."
ومال عليها يقبلها برقة شديدة، لتزيد رحيل من لهيب شوقه لها وهي تهمس قائلة: "وحشتني يا مالك."
تعمق في قبلته وشعرت بذراعيه يحاوط خصرها وجذبها إليه، ومال برأسه مستندًا جبهتها بجبهته، وقد تحطمت حصونهم التي ظلت بينهم كل هذه السنوات.
تعالت وتيرة أنفاسها وشعرت بناقوس الخطر يدق. غضبت من نفسها واستسلامها وكادت أن تبتعد إلا أن دخول عامر أنقذها. نظر إليهم عامر قائلًا بمكر: "هو إيه اللي بيحصل هنا؟"
زفر مالك بغضب ولعن عامر في سره قائلًا: "مش من الذوق تخبط على الباب قبل ما تدخل علينا كده."
رفع عامر حاجبه وأردف قائلًا: "على فكرة أنا عندي ذوق وخبطت كتير ومحدش رد، قولت يمكن تكونوا مشغولين بحاجة كده ولا كده."
نظر إليهم وأردف بمكر: "أنا خارج وأسف للإزعاج."
وتركهم وخرج.
استعادت رحيل وعيها الذي كانت على وشك أن تفقده معه. لملمت شتات نفسها وسارت للخارج بخطى مسرعة تنزل إلى الأسفل دون النطق بحرف واحد.
أما مالك، بعد خروج رحيل ظل يلعن ويسب في عامر الذي قطع عليه أجمل لحظة في حياته. رفع يده ووضعها على شفتيه وابتسم حين تذكر تلك القبلة.