تحميل رواية «البنات زينة البيت» PDF
بقلم نهى عادل
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في مدينة القاهرة، في إحدى الأحياء الراقية، تسكن عائلة سامح الأنصاري. قرر سامح أن يجمع عائلته بعد عودتهم من رحلة العمرة بحوالي خمسة شهور، في كمبوند متكامل بالشيخ زايد، حيث المساحات الخضراء والطبيعة الخلابة. كان يريد أن تكون كل عائلته بجانبه. يسكن سامح في فيلا راقية ومعه آسيا زوجته وزين. وبجانبه فيلا يوسف وإيناس وابنتهما حور، الذين انتقلوا للعيش بجوار أدهم بعد وفاة منى ورفعت في مكة، وتم دفنهما في مقابر «المعلاة» الشهيرة في السعودية. حزن الجميع على وفاتهم، ولكن ما أجمل أن تكون هكذا خاتمة، لتعرف بأن...
رواية البنات زينة البيت الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم نهى عادل
في قسم الشرطة، مازالت بدور تجلس مع ماهر لمعرفة بعض تفاصيل يوم الحادث.
أردفت وهي تنظر له بألم قائلة:
"ممكن يا ماهر تفهمني إيه اللي حصل بالظبط؟ يا ريت كنت جيت معاك المستشفى النهارده."
تنهد ماهر وأمسك كف يدها قائلاً بوهن:
"بلاش تلومي نفسك يا بدور، ده نصيب وكله مقدر ومكتوب."
أغمض عينيه وشرد.
بعد أن أنهى عملية جراحية، دلف إلى مكتبه وهو يشعر بإرهاق شديد وطلب من كافتيريا المستشفى قدحًا من الشاي، مشروبه المفضل. وبالفعل جاء له فرد من أفراد الكافتيريا يحمل بيده قدح الشاي الساخن. أخذه منه ماهر وشكره وبدأ يرتشف قدح الشاي بهدوء.
بعد لحظات، سمع طرقًا على الباب. أذن بالدخول. الشخص لم يكن إلا تلك الفتاة سماح. كانت تبكي بشدة، دموعها تنزل بغزارة.
أردفت من بين دموعها قائلة:
"الحقني يا دكتور أبو سـ ايدك، أمي بتموت مني، وأنا مش عارفة أجيبها هنا."
انتصب ماهر واقفًا قائلاً:
"طيب اقعدي وفهميني إيه حصل لها."
بالفعل جلست سماح على مقعد أمام المكتب، أردفت قائلة:
"ماما من شوية مش عارفة تاخد نفسها، وشها ازرق ومش عارفة أجيبها هنا. من فضلك تعال شوفها في البيت، أرجوك أنقذ أمي، أنا ماليش غيرها."
تنهد ماهر قائلاً:
"بس فعلاً أنا مش بروح زيارات خارج المستشفى."
اقتربت سماح قائلة:
"أبو سـ ايدك يا دكتور، هي تعبانة ومش قادرة تتحرك."
تنهد ماهر، رغم أنه يشعر بتعب وصداع شديد، إلا أنه وافق وخرج.
بعد قليل، صف ماهر سيارته أمام بناية متوسطة الحال لحد ما. ترجل من السيارة تلته سماح. سارت باتجاه البناية.
صعد خلف سماح التي قامت بفتح باب إحدى الشقق قائلة:
"اتفضل يا دكتور، اتفضل."
دلف ماهر إلى الداخل ومعه حقيبته. دارت عيناه في الشقة قائلاً:
"فين والدتك يا سماح؟"
أردفت سماح قائلة:
"آه موجودة أهي، اتفضل."
ولكنه بعد مرور ربع ساعة، فتح عينيه ببطء يشعر بصداع شديد. حاول تذكر ما حدث، ولكنه قفز وانتصب واقفًا من صدمة ما رأى. وجد نفسه مجردًا من جميع ثيابه.
والأكثر صاعقة له وجود تلك الفتاة نائمة على التخت، مجردة هي الأخرى من ثيابها، والدماء على الفراش بكثرة. شل تفكيره، بل أصبح شبه مشلول. أغمض عينيه بحزن وقام بتغطيتها.
دار حوله في المكان يبحث عن ملابسه ليستر جسده. وجدها وقام بارتدائها بسرعة، حتى أنه وجد تلك الفتاة تستيقظ من نومها لتصرخ قائلة:
"انت عملت إيه يا دكتور؟"
قامت بشد الغطاء على جسدها وظلت تصرخ.
أردف ماهر قائلاً بحزن وألم:
"اهدّي، أنا مش عارف إيه اللي حصل."
صرخت الفتاة أكثر قائلة:
"هو إيه اللي مش عارف؟ ده أنا هوديك في ستين داهية! انت اعتدت عليّ واغتـ صبتني!"
كان ماهر ينظر إليها بذهول، هو لم يتذكر شيئًا.
ظلت تصرخ إلى أن تدخلت الجيران وقاموا بالاتصال على الشرطة.
عودة.
رتبت بدور على ظهر ماهر بحنان قائلة:
"إن شاء الله هتطلع بسلامة لنا يا ماهر، بس افتكر معايا كده، انت ماشربتش أي حاجة هناك عند البنت دي؟"
تنهد ماهر قائلاً:
"لا، آخر حاجة شربتها كانت في المستشفى."
ضرب جبينه قائلاً:
"إزاي أنا ماخدتش بالي من الموضوع ده. أنا بعد ما شربت الشاي في المستشفى بدأت أحس بصداع وزغللة بس بسيط."
أردفت بدور قائلة:
"طيب اهدي يا ماهر، انت لما روحت الشقة مع البنت دي شفت مامتها؟"
أردف ماهر قائلاً:
"لا، ولا حتى بعد ما حصل كده. الجيران كلها طلعت، لكن والدتها لا."
دلف أحد العساكر قائلاً:
"الزيارة انتهت."
تنهد ماهر ونظر إلى بدور قائلاً:
"خلي بالك من نفسك ومن الأولاد، وبلاش تتعب نفسك وتيجي تاني هنا. أنا معايا ربنا وبابا، وحتى أدهم وجمال وعمار مش سايبيني."
رمت بدور نفسها داخل أحضانه قائلة:
"إن شاء الله هتطلع براءة يا ماهر، كلنا عارفين إنك مظلوم، والبنت اللي عملت كده لعبت في عداد عمرها. لا إله إلا الله."
ابتسم قائلاً بحب:
"محمد رسول الله."
بعد مرور أسبوع.
في فيلا سامح، اجتمع سامح ومعه بدور، أدهم، خديجة، وعمار، حتى جمال.
أردف سامح قائلاً:
"الحمد لله أحنا مسكنا أول الخيط، وإن كان فيه نسبة مخدر قوية في جسم ماهر مع بعض المنشـ طات، اللي تأثيرها يبدأ بعد مرور نصف ساعة. وده الفترة اللي تمت فيها الحادثة من أول ما ماهر شرب الشاي لحد ما راح مع البنت دي البيت. رغم أن تقدير الطب الشرعي أثبت أن الاعتداء اللي حصل مش لماهر عن طريق تحليل الـ DNA وكان ممكن يطلع منها، بس إحنا عايزين نعرف مين اللي وراء البنت دي."
أردف أدهم قائلاً:
"البت دي اختفت إزاي من المستشفى؟ إلا لو حد شغال وساعدها على الهروب. إحنا لازم نوصل لها في أقرب وقت."
أردف عمار:
"وكمان عامل الكافتيريا اختفى من يوم الحادث."
أردف جمال:
"كده وضحت اللي عمل كدة قصده الشوشرة لـ سمعة ماهر، لأنه عارف إن بسهولة الطب الشرعي يثبت إنه مش ماهر. والحمد لله إن حضرتك يا سيادة اللواء أمرت بتحويلها على الطب الشرعي على طول، وإلا كانت كارثة. لو عدى عليها تلات أيام من وقوع الحادث..."
الكل تحدث ما عدا بدور التي كانت شاردة. نظر إليها سامح قائلاً:
"بدور، أنتِ كويسة؟"
رتب سامح على ظهرها بحنان قائلاً:
"حبيبتي مالك؟"
أردفت بدور:
"ها؟ بتقول حاجة يا بابـ ـا؟"
تنهد سامح ونظر بألم وحزن على ما أصاب أولاده. استغفر ربه، فكل هذا مقدر ومكتوب من عند الله عز وجل.
أخذ نفسًا طويلًا وأردف قائلاً وهو ينظر إلى بدور:
"مالك يا بدور؟ مش ظهرت براءة ماهر، فيكِ إيه يا حبيبتي؟"
تنهدت بدور قائلة:
"هي أه ظهرت، وممكن يطلع، بس برضه محدش عرف مين ورا كل ده. والمرة دي طلع على خير، يا عالم المرة الجاية ممكن يعمل معاه إيه؟"
أردفت خديجة قائلة:
"فعلاً يا بابا بدور معاها كل الحق. إحنا لازم نكثف البحث أكتر من الأول عشان نوصل للناس دي في أقرب وقت."
أردف سامح قائلاً:
"إن شاء الله..."
بعد مرور ربع ساعة.
جاءت رحيل تشعر بالخجل. قابلت الفتيات وآسيا وسامح الذين رحبوا بها بشدة، فهي إنسانة مرحة ذات خلق عالية. حزن سامح، فهو يعلم بأن ابنته ستضع جوهرة من يده، ولن يفوق إلا بعد فوات الأوان.
ابتسمت برقة قائلة:
"آسفة إني جيت من غير ميعاد، بس قولت أجي أطمن على بدور وكمان مالك تليفونه غير متاح، وفيه أوراق مهمة لازم يمضي عليها."
ابتسمت لها آسيا قائلة بحب أبوي حقيقي:
"إنتِ تيجي في أي وقت يا رحيل، دي بيتك يا حبيبتي، أنتِ كلها كام شهر وتيجي تنوري حياتنا."
ابتسمت رحيل قائلة:
"شكرًا يا ماما آسيا."
أردف سامح قائلاً بمكر:
"اطلعي لمالك فوق، هو لسه طالع جناحه."
اتسعت عيون رحيل قائلة:
"بس، بس..."
أكمل سامح حديثه قائلاً:
"بس إيه يا حبيبتي؟ أنتِ مراته، اطلعى عادي له."
نظرت رحيل إلى الجميع، وجدتهم يكتمون ضحكاتهم. أما هي، أصبح وجهها شديد الاحمرار من الخجل.
اقتربت منها آسيا قائلة:
"تعالي معايا أوريكِ أوضته يا حبيبتي."
بالفعل صعدت رحيل مع آسيا.
قبل قليل، بعد أن أنهى سامح حديثه، صعد مالك إلى جناحه. أخرج صورة ملاك وظل ينظر إليها ويتأمل ملامح وجهها الجميلة وهو يبكي بغزارة قائلاً:
"وحشتيني يا ملاك، وحشتيني يا نبـ ـض قلبي، أنا مش عارف أعيش من غيرك يا حبيبتي، ليه سبتيني ومشيتي؟ الحياة صعبة من غيرك، ليه بقيتي تجيلي في الأحلام وتقولي إني ظالم، وإني هخـ ـسر خسارة أكبر من اللي خسرتها؟ أنا فعلاً خسرتك وخسرت ابننا يا ملاكي، هو فيه خسارة أكبر من كده؟"
تنهد، ثم وضع الصورة على التخت وهاتف زين وطلب منه بأن يجلب له قرص مسكن، فهو يشعر بصداع شديد.
خلع ملابسه ودلف إلى الحمام ليأخذ حمامًا دافئًا ينعش به جسده بعد أن بكى وتألم قلبه وهو ينظر إلى صورة ملاك وشرد.
عودة.
وقفت رحيل تفرك بيديها، تشعر بالخجل، وهي تطرق على الباب لتسمع صوته الجذاب يأمر بالدخول، وهو يعلم بأنه زين جاء لكي يعطيه الدواء.
دَلفت إلى الداخل وانصعقت عندما وجدته يخرج من الحمام، يلف خصره بمنشفة قطنية ويده الأخرى ممسكة بمنشفة أخرى يجفف بها شعره.
أردفت قائلة بخجل:
"أنا آسفة والله، مكنش قصد..."
كادت أن تفر، إلا أنه أمسك يديها وأردف قائلاً:
"استني عندك، رايحة فين؟"
"هااا، أصلاً هااا..."
ابتسم مالك على طريقة حديثها وخجلها قائلاً:
"إنتِ جيتي هنا عشان تقولي هااا وتمشي؟"
واقترب منها أكثر. شعرت بذراعيه تطوقان خصرها وجذبها عليه ولصقها به، ومال مستندًا على وجهتها بجبهته، وقد تحطمت كل حصونه التي ظلت بينهم.
أردفت قائلة بخجل:
"لا، أنا جيت عشان أطمن عليـــك وعلى بدور."
غامت عيناه بنظرة جديدة عليه كليًا، نظرة يلمؤها الرغبة. خصها بها وحدها. وهم بالتهام شفتيها قائلاً: "وحشتيني يا ملاكي."
ولكنها شهقت بخفوت ووضعت يديها على فمه وأردفت بخجل قائلة:
"خلـ ـيـ ـها لما نكمل جوازنا."
استعاد وعيه الذي كان على وشك فقدانه معها، وأردف قائلاً وهو يدلف إلى غرفة ملابسه:
"انزلي استني تحت، أنا جاي وراك على طول."
وقف في الغرفة، حاول يسيطر على نفسه. كان صدره يلهث ويهبط من أثر هذه المشاعر.
أما هي، سيطرت على نفسها من هذه المشاعر. هذه أول مرة يقترب منها مالك بهذا الشكل، فرحت كثيرًا وكأنها امتلأت سعادة الدنيا وهو يناديها "ملاكي".
وأثناء خروجها من الغرفة، لمحت صورة. نظرت إليها، ولكنها صعقت عندما رأتها. نظرت إلى الخلف، وجدت مكتوب "ملاكي". ابتسمت بحب، ولكنها تعجبت بل ذهلت من هذه الصورة. هي طبق الأصل منها، ولكن مع تغير بعض الملامح. وتذكرت بأنها ولو مرة في حياتها ارتدت هذه الملابس. وضعتها مكانها وخرجت تذهب إلى الأسفل.
أما مالك، بعد أن ارتدى ملابسه، ظل واقفًا في غرفة الملابس حتى أنه أغمض عينيه عندما وجدها تنظر إلى صورة ملاك. تنهد وخرج من الغرفة ونزل هو الآخر إلى الأسفل.
صباحًا اليوم التالي.
دَلفت الصغيرة ملاك إلى جناح والدتها، وجدتها ترتدي ملابسها لكي تذهب.
أردفت قائلة بحزن:
"مامي، فين بابي؟"
تنهدت بدور وأخذتها في أحضانها، ترتب على ظهرها بحنان قائلة:
"مش أنا قولتك يا ملاك، بابا مسافر في شغل وكلها كام يوم وجاي. وكمان مش هو لسه متصل وكلمك أنتِ وسامح من يومين."
أردفت الصغيرة قائلة:
"بس هو واحـ ـشـ ـني كتير يا مامي."
نظرت إليها قائلة:
"وحـ ـشـ ـني كلنا يا حبيبتي."
سمعت بكاء الصغيرة، ماسة. اقتربت منها تنظر إليها بعشق، فهي صورة طبق الأصل من ماهر، بلون عينيها الساحرة.
تنهدت وحملت الصغيرة وظلت تناجي ربها بأن يخرج زوجها من هذه المحنة على خير ويعود ينور حياتهم مرة أخرى.
بعد مرور ساعة.
صفت بدور سيارتها أمام المشفى، ترجلت منها وسارت باتجاه المشفى، لعلها توصل لأي شيء.
دَلفت إلى مكتب ماهر، دارت حوله في المكان لكي تشم رائحته. حزنت وفرت دمعة من عينيها. سمعت طرقًا على الباب وأذنت بالدخول. الشخص، وجدتها إحدى الممرضات تقف أمامها تفرك بيديها.
أردفت بدور وهي تبتسم لها قائلة:
"تعالي يا ثناء، محتاجة حاجة؟"
أردفت ثناء قائلة بتوتر قائلة:
"لا، أنا مش محتاجة حاجة يا دكتورة بدور. خير الدكتور ماهر وخيرك سابق، بس أنا شفت حاجة وقولت لازم أبلغك في الأول. قولت أكيد مش مهمة، بس قولت أقولك وخلاص."
تنهدت بدور قائلة:
"قولي كل اللي عندك يا ثناء، شفتي إيه؟"
أخذت ثناء نفسًا وأردفت قائلة:
"يوم الحادث، أنا شفت الدكتورة نسرين هنا في المستشفى. هي كانت متنكرة، بس أنا عرفتها من صوتها. وكمان لما قلعت النضارة اللي كانت لابساها، كانت واقفة مع عامل الكافتيريا، وطلعت من شـ ـنـ ـطتها حاجة أنا معرفش إيه، وعطتها للعامل بتاع الكافتيريا، وقولتله إنه يحطها في أي مشروب يطلبه الدكتور ماهر، بس يبلغها قبلها عشان تعمل حسابها."
اتسعت عيون بدور واقتربت من ثناء قائلة:
"إنتِ متأكدة من الكلام ده يا ثناء؟"
أردفت ثناء قائلة:
"آه والله يا دكتورة، ده حتى أخد منها فلوس كتير. والكلام ده حصل تحت في المخزن المهجور. أنا كنت بنزل أدوات تعقيم تحت في المخزن وسمعتهم."
ابتسمت بدور قائلة:
"متشكرة يا ثناء، بس من فضلك بلاش حد يعرف بالكلام ده."
"حاضر يا دكتورة، متقلقيش، وإن شاء الله الدكتور ماهر يطلع براءة لأنه لا يمكن يعمل كده. عن إذنك يا دكتورة أروح أكمل شغلي."
بعد خروج بدور، أخرجت بدور هاتفها وقامت بالاتصال على سامح وقصت له ما قالته الممرضة ثناء.
بعد يومين من مراقبة نسرين، كانت تتردد على شقتين. إحداهما للدكتور علاء الذي قام ماهر بطرده من المستشفى، والأخرى لم يعرفوا لمن.
في اليوم التالي، أثناء مراقبة نسرين، وجدوها تقف بسيارتها منتظرة أحدًا ما. بعد قليل، جاء الشخص وما كان إلا علاء. ركب معها السيارة وأردف قائلاً:
"إيه يا نسرين؟ هي البت دي هتفضل توجع دماغنا؟"
زفرت نسرين بغضب:
"مكنش ينفع يا علاء تغتصبها، كنا سيبناها سليمة كده وخلاص. ولا إنت عشان طفس والبت حلت في عينك عملت كده."
ارتبك علاء قائلاً:
"مفيش حد يملأ عيني غيرك يا حبيبتي، بس أنا عملت كده عشان أثبت التهمة على ماهر."
ضحكت نسرين بسخرية:
"إحنا هنضحك على بعض يا علاء، ما أنت عارف بمجرد ما تتحول للطب الشرعي هيثبت إن مش ماهر هو اللي عمل كده عن طريق الحيوانات المنوية يا حبيبي، وإحنا كنا اتفقنا معاها بفضيحة مش اغتصاب يا علاء، وأهو بتهدد من حتة بت لا راحت ولا جت."
ارتبك علاء من نظرات نسرين. هم بالفعل تم الاتفاق مع هذه الفتاة وقاموا بإعطائها مبلغًا ماليًا كبيرًا على أنها تأخذ ماهر إلى المنزل وتقول بأنه أثناء الكشف على والدتها كان يريد أن يعتدي عليها. ولكن لمعت عيناه بالرغبة عندما جردتها نسرين من ملابسها بعد أن ضربتها على رأسها بعد أن غاب ماهر عن الوعي بفعل المخدر الذي وضعه له عامل الكافتيريا.
بعد قليل، صفت السيارة أمام بناية في حي راقٍ. ترجلت من السيارة، تليها علاء، ثم صعدوا في الأسانسير ليقف في الدور الرابع. خرجوا وساروا متجهين إلى إحدى الشقق.
كل هذا وسامح ومعه عمار وخديجة ودور يجلسون في سيارتهم أسفل تلك البناية. أما أدهم وجمال، فقد تم استدعاؤهم في مركز المخدرات للأهمية.
بداخل تلك الشقة، كانت صرخات تلك الفتاة تزلزل المكان. تبكي بشدة. كانت تنظر لها نسرين بلامبالاة، تنفخ دخان سيجارتها بملل.
أردفت قائلة:
"اهدّي يا حلوة، أنتِ متعرفيش أنا ممكن أعمل فيكِ إيه. اهدّي عشان نشوف حل، وبعدين ما أنتِ أخدتي على قلبك قد كده."
وقفت سماح وأردفت بندم:
"أنا اللي غلطانة إني سمعت كلامك وطمعت، بس النتيجة إني خسرت شرفي، ومكنش ده اتفاقنا. أنا لازم أروح أبلغ وأقول على كل حاجة."
وكادت أن تذهب، إلا أن نسرين أمسكت إحدى التحف وقامت بضربها على رأسها من الخلف لتقع مغشية عليها، غارقة في دمائها.
أردف علاء قائلاً:
"إنتِ عملتِ إيه يا مجنونة؟"
اقترب من الفتاة وقام برفع يديها.
أردف قائلاً بخوف:
"دي ماتت، الله يخرب بيتك."
نظرت له نسرين قائلة بملل:
"يلا في داهية يلا، بسرعة خلينا نمشي من هنا قبل ما حد يحس بحاجة."
اقتربت من باب الشقة وقامت بفتحها، إلا أنها وجدت من يقول:
"على فين يا حلوين؟"
وما كانوا إلا سامح وعمار وخديجة وبدور ومعهم قوة من الشرطة.
تراجعت نسرين قائلة بخوف:
"أنا ماليش دعوة، علاء اللي عمل كل ده."
انصعق علاء وصرخ قائلاً:
"آه يا بنت الـ ـكـ ـلـ ـب يا كذابة! أوعي تصدقيها يا سامح باشا، دي هي العقل المدبر لكل حاجة. حتى هي اللي قتـ ـلت سماح دلوقتي."
أردف سامح قائلاً:
"خدوهم على البوكس وكله هيبان في التحقيقات."
بعد مرور يومين، تم براءة ماهر من التـ ـهـ ـمة المنـ ـصـ ـوبة إليه بعد اعتراف علاء ونسرين بأنهما هما من دبروا كل هذا لكي ينتـ ـقـ ـموا من ماهر.
وعاد ماهر إلى منزله تحت فرحة الجميع وأطفاله.
هذه هي الثـ ـقـ ـة بين الزوجين.
بعد مرور أسبوع.
في فيلا سامح، بداخل جناح حور وزين.
خرجت حور من الحمام تبتسم بخبث. سارت باتجاه زين الذي ينظر إليها بحب. أردفت قائلة وهي تجلس بجانبه ويديها تلمس شعره بحنان:
"زيني حبيبي، كنت عايزة أقولك على حاجة."
لمعت عيناه بحب وهو ينظر إليها بنظرة عشق قائلاً:
"امممم، عارف يا حور، وبعون الله، شوفي بعون الله هتولدي طبيعي مش قيصري يا حوري."
لوت شفتيها قائلة:
"لا زين، الصراحة أنا خايفة من الطلق، أرجوك بقى خليني أولد قيصري."
ضمها داخل أحضانه قائلاً:
"إنتِ عارفة يا حور أخطار الولادة القيصرية وأنا خايف عليكِ. أقولك، سـ ـيـ ـبـ ـهـ ـا على الله. إنتِ لسه فاضلك حوالي تلات شهور بس. اللي فرسني أكتر إنها بنت، وكل شوية يوسف يقعد يقولي 'تاجي'..."
قهقهت حور من حديث زين قائلة:
"طيب والله الاسم جميل، تاج زين سامح الأنصاري."
رفع لها حاجبه قائلاً:
"فرحانة إنتِ صح؟"
أومأت له برأسها ليقترب منها ومال على شفتيها يقبلها بنـ ـهـ ـم عاشق حد النخاع.
بعد حوالي ثلاثة شهور.
اليوم حفلة سبوع الصغيرة تاج، كما أطلق عليها يوسف ذلك الاسم. تتضمن الأحباب والأصدقاء المقربين. انتهز مالك هذه المناسبة أيضًا وأمر بأن تكون حفلة زفافه مع رحيل في فيلا سامح الأنصاري.
كان احتفالًا أكثر من رائع. كان سامح يحتضن آسيا، ينظر بحب وسعادة إلى عائلته. ولكنه رغم كل هذا، إلا أن هناك غـ ـصـ ـة في قلبه بسبب مالك الذي ينظر بشرود إلى رحيل.
رتبت آسيا على ظهره بحنان وأردفت قائلة:
"ربنا يديمك لنا يا سامح، أنت الحامي والسـ ـنـ ـد بعد ربنا، دائمًا محافظ علينا يا حبيبي."
ابتسم لها بعشق ورفع كف يديها يقبلها بحنان:
"إنتِ أحلى عوض ربنا لينا يا آسـ ـيـ ـتـ ـي."
نظر إليها بمكر وأكمل:
"وشكلك زعلانة مني ولازم أصلحك زي كل مرة."
قهقهت آسيا وأردفت قائلة:
"بقيت جد ولسه زي ما أنت يا سموحه."
اقترب منها يحاوط خصرها:
"أحلى سموحه دي ولا إيه؟"
سمعوا صوت أدهم قائلاً:
"استعدوا يا جماعة عشان نتصور كلنا مع بعض."
احتضن سامح آسيا بذراع وحمل آسيا الصغيرة بذراع. وبجانبه ماهر محتضن بذراعه بدور. ليسرع جمال بمسك يد ملاك. بينما حمل يزن ابن عمار ماسة ووقف عمار وبجانبه ونس ليحمل عبد الرحمن. لين الصغيرة. وفي الجهة الأخرى، وقف أدهم يضم خديجة ليحمل يوسف تاج الصغيرة ابنه زين الذي كان ينظر له بغضب وهو يقف بجانب حور. بينما وقف جمال وبجانبه سلمى التي كانت تحمل صغيرها أحمد. ليحمل سامح الصغيرة مكة ابنة جمال وسلمى. بينما وقف أحمد العاصي يحمل الصغيرة فاطمة بذراع. ويضم فاطمة بذراعه الآخر. أما مالك ورحيل كانوا يقفون في المنتصف. فكانت صورة ولاء أروع. كانت الفرحة تعم المكان وهم ينظرون إلى الكاميرا، فكانت سعادتهم ظاهرة على وجوههم.
رواية البنات زينة البيت الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم نهى عادل
أثناء حفلة السبوع هرولت الصغيرة ملاك إلى والدها قائلة:
_ بابي خلى جمال يبعد عني، أنا زعلانة منه ومش عايزة أكمله تاني.
قهقه ماهر وأردف قائلاً: وليه بقا زعلانة منه يا ملاكي؟
وجد من يقول: لو سمحت يا أنكل ماهر محدش يقول لها يا ملاكي غيري.
رفع ماهر حاجبه وأردف قائلاً:
_ اتلم يلا.
ثم قام بحمل ابنته وأردف قائلاً:
_ قولي لي جمال زعلك ليه؟
ونظر إلى جمال وأكمل: يا ملاكي.
أردفت الصغيرة قائلة:
_ جمال بيخنقني يا بابي، أنا بحب أفرد شعري وهو عايزني أربطه وكل شوية يقول لي اربطيه علشان مش تزعليني. أنا بس اللي أشوفه مفرود. ولما نكبر كمان عايزك تتحجبي، يرضيك كده يا بابي؟
اتسعت عيون ماهر وهو ينظر ببلاهة إلى جمال الصغير وأردف قائلاً:
_ الله الله، وإيه كمان يا سي جمال؟
نظر له الصغير وأردف قائلاً بقوة لا تناسب سنه:
_ من فضلك يا أنكل ماهر، ماتدخلش. ده موضوع خاص بيني وبين ملاك، وأنا مش حابب حد يدخل بينا.
نظر له بتعجب وأردف قائلاً:
_ أنت لا يمكن تكون تربية أحمد العاصي أبداً.
ليسمع صوت قائلاً:
_ عندك حق والله يا ماهر، ده تربية جمال الله يسامحه.
ضحك الجميع.
وأردف الصغير قائلاً:
_ الحق عليّ إني بخاف عليها وبحميها من عيون الناس. وكمان لازم تلبس الحجاب من دلوقتي.
رفع ماهر حاجبه وأردف بغيرة على صغيرته:
_ وبصفتك إيه علشان تسمع كلامك؟ يلا.
أردف الصغير بكل ثقة قائلاً:
_ بمناسبة إني قرة عيناها المستقبلي.
جاء له أبوه وقام بحمله قائلاً:
_ جدع يا چيمى، لازم تكون شديد من الأول.
قهقه ماهر وأردف: طيب بص وراك كده.
استدار جمال ووجد سامح ابن ماهر يحمل ابنته مكة ويقبلها من وجنتيها.
صك جمال على أسنانه بعنف وأردف قائلاً:
_ اللي بنعمله في الناس هيطلع علينا ولا إيه؟
ثم نظر بشر إلى ماهر وأكمل:
_ خلي ابنك يا ماهر يسيب مكة من إيده وكفاية بوس.
قهقه ماهر قائلاً وهو يحمل ابنته ملاك:
_ حرام عليك يا چيمى، خلي الولد ياكل عيش.
وغمز له وتركه وذهب من أمامه.
ليهرول جمال إلى سامح الصغير لياخذ منه مكة ابنته تحت ضحكات الجميع.
بعد انتهاء الزفاف ذهب الجميع إلى منزله. أما مالك أخذ رحيل وذهب بها إلى الفندق وحجز جناح لقضاء ليلتهم المميزة.
في فيلا عمار الأنصاري.
أردفت ونس وهي تتهرب من عيون عمار قائلة:
_ أنا رايحة أطمن على يزن وماسة.
ابتسم لها وأردف: تمام، بس بلاش تتأخري على ما أدخل آخد شاور.
بعد قليل كانت تجلس ونس تفرك بيديها تنظر إلى ابنتها لين.
وفي لحظة فتح باب الحمام وخرج منه عمار وهو عاري الصدر يضع منشفة حول خصره وقطرات المياه تتساقط من شعره الفاحم الجذاب.
وأثناء ذهابه إلى غرفة ثيابه لفت انتباهه شحوب وجه ونس وتفرك بشدة. تعجب واقترب منها قائلاً:
_ مالك يا ونسي؟ فيكِ إيه يا حبيبي؟
ابتعلت ريقها وظلت تفرك بيديها قائلة بكذب:
_ مفيش يا عمار، أنا كويسة الحمد لله.
ضيق عيناه ورفع وجهها وأردف بنبرة حنونة:
_ من امتى ونسي بتخبي عني حاجة؟
ابتسمت له وأردفت قائلة بخجل:
_ أصلاً الصراحة أنا حامل يا عمار ومش عارفة حصل إزاي.
نظر إليها بذهول وأردف قائلاً بتعجب:
_ نعم؟
وفي لحظة شهقت عندما وجدت نفسها بين يدي عمار يضمها بشدة داخل أحضانه ويدور بها في المكان قائلاً:
_ مبروك يا حبيبتي، دي أحلى خبر أنا سمعته في حياتي.
لمعت عيناها بسعادة وأردفت قائلة:
_ يعني بجد مش زعلان إنك عرفت إني حامل ولين لسه صغيرة وكده؟ وكنت طالب مني أشوف وسيلة لمنع الحمل.
ابتسم لها ابتسامته الجذابة التي خصها بها وحدها مع إظهار غمازات وجنتيه وهو ينزلها بحنان ورقة على السرير:
_ أنا قولت لك كده لأني كنت خايف تفتكر إني أناني ومش عايزك تكملي شغلك في الجامعة يا حبيبتي. لكن أنا بتمنى تجبّي لي كل سنة طفل يكون حتة منك يا ونسي.
وأكمل حديثه وهو ينظر إليها نظرة رجل عاشق لحد النخاع:
_ أنا مش بس بحبك، لا أنا بعشقك يا ونسي.
لفت يديها حول عنقه وأردفت بنبرة هائمة:
_ وأنا بحبك أوي أوي يا عموري. وعلى فكرة يزن نايم ولين كمان.
وغمزت له بدلال.
قهقه عمار حتى أدمعت عيناه ينظر إليها بمكر وأردف قائلاً:
_ يبقى لازم نحتفل يا قلب وروح عمورك.
وأخذها في جولة من جولات عشقه غارقين في حلال الله.
في فيلا سامح الأنصاري.
دلت آسيا إلى الجناح وجدت سامح جالس على إحدى الأرائك وأمامه قدح من القهوة. اقتربت منه قائلة بحب:
_ مالك يا سامح؟ سرحان في إيه يا حبيبي؟
ابتسم لها وأمسك يديها وأجلسها بجانبه على الأريكة وأردف قائلاً:
_ خايف يا آسيا على مالك. خايف يجرح مراته في يوم من الأيام. مالك لحد دلوقتي ماتخطاش موت ملاك بدليل إنه قفل فلته وهيجي يسكن معانا هنا. على فكرة رحيل بتحب مالك جداً. أنا شفت ده رغم أنها غامضية وعلى طول حزينة. ولحد دلوقتي معرفتش حاجة عنها غير اسمها رحيل عامر عابدين وأنها يتيمة الأب والأم. ألا إنها في حاجة غامضية في حياتها. البت دي كمان مجروحة جداً. بتمنى من ربنا يخليهم دواء لجروح بعض.
أخذه آسيا في أحضانها ترتب على ظهره بحنان وأردفت قائلة:
_ إن شاء الله كله خير يا حبيبي. كفاية وجودك جنبنا. لحد امتى هتفضل شايل هم الصغير قبل الكبير. سيبها على الله يا سامح.
ابتسم بحب وأردف قائلاً:
_ ونعم بالله.
اقترب منها يضمها وهمس لها في أذنها:
_ أنا كنت فاكر من شوية إنك زعلانة مني، إيه رأيك أ صالحك؟
ابتسمت له بخجل.
لمعت عيناه بسعادة وانتصب واقفاً وسحبها وحملها بين يديه قائلاً:
_ يبقى لازم أ صالحك يا آسيتي.
أردفت قائلة:
_ يا سامح نزلني علشان ضهرك.
اتسعت عيناه وأردف قائلاً بمكر:
_ وده تيجي برضه أنتِ كده واخده فاكرة غلط عني؟ ولا أصلحها؟
ومال عليها يقبلها بنهم عاشق لحد النخاع.
أمام إحدى الفنادق الفاخرة.
ترجل مالك من سيارته وقام بمساعدة رحيل على النزول. دلفا إلى الداخل ثم صعدوا إلى المصعد.
بعد لحظات دلف مالك ومعه رحيل الجناح. دارت عيناها في المكان بانبهار وهي ترى الجناح مزيناً بأجمل باقات الزهور والشموع ذات الرائحة الفواحة.
أردفت قائلة بخجل:
_ أنا هروح أغير هدومي في الحمام.
تنهد مالك وهو ينظر إليها قائلاً:
_ تمام، وأنا هغير هنا لحد ما تخلصي علشان أدخل أتوضأ ونصلي سوا.
أومأت برأسها وفرت من أمامه لتذهب إلى الحمام.
أما هو قام بخلع ملابسه وارتدى تي شيرت نصف كم وسروال بيتي مريح.
بعد قليل خرجت رحيل من الحمام وهي ترتدي أسدال الصلاة فكانت ولا أروع. إيه من الجمال نظر إليها مالك وسحر في وجهها الجذاب.
دلف إلى الحمام وتوضأ وخرج وأقام الصلاة.
بعد انتهاء الصلاة أردف قائلاً:
_ تعالي يلا علشان تتعشي زمانك جعانة.
ابتسمت له ابتسامة جذابة وأردفت قائلة:
_ لا أنا شبعانة الحمد لله.
قامت بخلع الأسدال تحت خجلها الشديد وهو ينظر إليها. تلمعت عيناه ببريق من السعادة وصدره يعلو ويهبط من الاحتياج وهو يراها ترتدي ثوباً من اللون الفيروزي لونه المفضل، قصير يصل إلى منتصف ركبتها بفتحة صدر عارية الذراعين.
اقترب منها كالمغيب، هو لم يراها في هذه اللحظة إلا ملاك. همس وهو يضمها إليها:
_ ملاكي.
شدها داخل أحضانه يضمها باحتياج. انتفض جسدها بالكامل فرحاً بأول حضن لها من مشتاق روحها. ثم مال عليها يقبلها بنهم ورفعها متجهاً بها إلى السرير وأنزلها بهدوء وهو يضمها داخل أحضانه.
صباح اليوم التالي.
استيقظت رحيل تشعر بسعادة وفرحة مما عاشته ليلاً أمس. نظرت إلى مالك بحب الذي كان يضمها بشدة. ورفعت يديها ولمست خصلات شعره بحنان. فتح مالك عينيه ببطء.
أردفت رحيل قائلة: صباح الخير.
انتفض مالك من نومه وأبعدها بعنف عندما رآها وعلم بأنه قد تم زواجه منها. انصدمت رحيل من رد فعله.
أردفت رحيل قائلة وهي ترفع كفي يديها لتلمس كتفه قائلاً:
_ إيه اللي حصل مالك؟
اقشعر جسده وهو يهمس قائلاً:
_ أنا خائن، خنت ملاك.
نظر إليها بندم وخزي وأردف قائلاً:
_ أنا آسف، أنا مش عارف اللي حصل ده حصل إزاي. أرجوكي تسامحيني. أنا لما شفتك لابسة القميص ده بنفس اللون خليتك ملاك مراتي. أنا بجد آسف. صدقني أنا مش عارف حتى إزاي اتجوزنا بسرعة دي.
كانت تنظر له بعيون مصدومة وداخلها يصرخ ويتمزق. لم يعد قلبها يتحمل رفضه لها.
أكمل وهو لم يبالي بصاحبة القلب المحطم التي تنظر له ودموعها تنهمر بغزارة:
_ اللي حصل غصب عني لأن ملاك كانت وحشاني. وحشاني حضنها وحنانها. أنا بجد آسف.
ابتسمت بسخرية:
_ آسف على إيه؟ واللي حصل بينا طبيعي يحصل بين أي زوجين وطبيعي جداً يحصل يعني مش آسف.
كانت تتحدث له ودموعها تنهمر على وجنتيها. حديثه لها نزل على قلبها كنصل الحاد.
تألم مالك وأردف قائلاً:
_ أنا آسف يا ملاك.
صرخت بكل قوتها وأردفت قائله:
_ أنا مش ملاك! كفاية بقى أنا مش ملاك! حرام عليك، أرحم قلبي شوية؟!
تنهدت ودموعها تنهمر أكثر وأردفت وقلبها يتمزق قائلة:
_ أنا صحيح حبيبتك، وشوفت فيك عوض ربنا لي. شوفت فيك الأخ والحبيب والسند. بس أنا مقدرش أكمل معاك وأنت شايف فيا واحدة تانية يا مالك.
أخذت نفساً طويلاً وأكملت:
_ أنا مقدرش أكون ملاك. أنا رحيل ومش عشان وشنا شبه بعض يبقى إحنا واحد. أنا كنت فاهمة إنك بتاديني أنا ملاكي. بس لما كنت عندك في الأوضة شفت الصورة وفهمت كل حاجة. غصب عني إني أكمل معاك لأني حبيتك بجد وقولت ممكن مع الأيام تتغير وتحس بيا وتحبني كـ رحيل مش ملاك. وصدقني أنا مش نيتي إني أقولك انساها وحبني أنا. لا والله أنا كنت طمعانة في جزء بسيط من حبك ليا. قولت أكيد في يوم هتحس بيا. دي أنت حتى متعرفش عني أي حاجة ولأول مرة سألت أنا منين وأصلي فين وأهلي فين. كل اللي قلته مش مهم عندي. كله ده المهم أنت وأنا المغفلة اللي صدقت إنك حبيبتني.
كان ينظر إليها بذهول وصد مه. صامت لم يعرف ماذا يقول. هي معها كل الحق في كل كلمة قالتها!
نظرت له بقوة أكثر وأكملت قائلة:
_ عارف إيه أصعب حاجة ممكن تمر بيها يا مالك؟! إنك تحب حد وقلبه مع حد تاني. حتى لو الحد ده مات. شعور بيوجع أوي.
كان ينظر إليها بصد مه واستنكار من حديثها. انتصب واقفاً ودلف إلى الحمام. قام بفتح المياه الباردة وأغمض عينيه يتذكر كل حديثها.
بعد لحظات خرج وجدها تجلس على السرير بوضع القرفصاء تضم جسدها بقوة. يسمع شهقتها. تألم قلبه أراد أن يذهب ويضمها داخل أحضانه، ولكنه أضعف من أن يفعل ذلك. تنهد وارتدى ملابس خروج واقترب منها وأردف قائلاً بندم:
_ رحيل أنا بجد آسف على اللي حصل. صدقيني مكنش قصدي. أنا حضرت لك الحمام ادخلي خدي شاور وأنا نازل شوية تكوني هديتي علشان نعرف نتكلم.
رفعت وجهها انصدم مالك عندما رأى وجهها وعيناها شديدة الاحمرار. تألم وفر من أمامها. أما هي دلفت إلى الحمام تشعر بتمزق قلبها وروحها ولكنها عزمت أمرها بأن لم تبق معه وتخرج من حياته.
بعد قليل خرجت رحيل من الحمام ارتدت ملابسها وأخرجت من حقيبتها ورق وقلم وكتبت بعض الكلمات لمالك وتركتهم وذهبت وخرجت من حياته بل عزمت العودة إلى موطنها الأصلي.
بعد مرور ساعة.
دلف مالك الجناح وجده شديد الظلام. تنهد وقام بتشغيل الإضاءة ولكنه صعق عندما لم يجد رحيل. اقترب من الحمام وقام بالطرق على الباب قائلاً:
_ رحيل، رحيل أنتِ جوه.
لم يسمع صوت. قام بفتح الباب ولم يجدها. شد خصلات شعره بعنف وكاد أن يذهب إلى الخارج. وجد ورق على السرير. أمسكها بيد مرتعشة وقرأ:
"حبيبي ومالك قلبي مالك.
صدقني أنا مش ندمانة على جوازي منك. أنا عشت معاك أجمل لحظات حياتي حتى لو كانت بسيطة. أنا فعلاً لقيت فيك السند والحامي. كنت أتمنى تكون عوض ربنا ليا على اللي شفته في حياتي. أنت خسرت فرد واحد وهي مراتك، لكن أنا خسرت ماما وماما وإخواتي كلهم ماتوا قدام عيوني وماقدرتش أعمل لهم حاجة. كنت نفسي أقعد أحكي لك على كل حاجة وأقولك أنت لما دخلت حياتي عملت فيها إيه. من أول لما قلبي دق لك لما خبت فيك بالغلط في الفرح. أصلاً أول مرة أعرف يعني إيه حب كان معاك. وفرحت جداً لما عرفت إنك صاحب الشركة. كنت نفسي أبني معاك أسرة جديدة ونداوي جروح بعض. بس ربنا مش رايد نكمل. للأسف أنا مش خرجت من حياتك بس، لأ أنا خرجت من البلد كلها ورجعت بلدي اللي كنت نفسي أقولك عليها وأعرفك بها عشان حياتك يا مالك. كفاية حزن لحد كده. ربنا جعل لنا نعمة النسيان علشان نقدر نتكيف به في الحياة. أنت عارف إيه اللي أصعب من الموت يا مالك؟ الفراق. صدقني أنا عمري ما هنساك وهتفضل ذكرى حلوة ليا أعيش بها. أتمنى لك كل السعادة يا حبيبي."
خارقة قواه دموعه تنهمر على وجنتيه. ظل يصرخ باسمها:
_ رحيل أنا آسف يا رحيل حقك عليّ.
ثم أخذ مفتاح سيارته وهرول خارج الفندق يبحث عنها لعله يجدها أمامه.
بعد مرور ربع ساعة صف سيارته وترجل هرول إلى الداخل ليصرخ قائلاً: رحيل يا رحيل.
نزل سامح مسرعاً ومعه آسيا حتى زين وحور. الجميع في حالة من الدهشة والصدمة وهم ينظرون إلى حالة مالك.
أردف قائلاً وهو ينظر إلى والده:
_ بابا هي رحيل جت هنا علشان خاطري يا بابا؟ قول أنها عندك.
تنهد سامح وقد علم بما حدث من هيئة ابنه. أردف قائلاً وهو يرتب على ظهره بحنان:
_ اهدى يا مالك، وقال لنا إيه اللي حصل؟
صرخ أكثر وأردف:
_ اهدى إزاي وأنا ضيعت مراتي وسابتني وخرجت من حياتي. أنا لازم أدور عليها بس هتكون راحت فين؟
ضحك سامح بسخرية:
_ وأنت تعرف عنها حاجة يا مالك؟ تعرف حتى اسمها رحيل إيه؟ كانت ساكنة فين؟ قولتك قبل كده خلي بالك لتخسر كل حاجة وأديك خسرت تاني يا مالك.
أردفت آسيا قائلة بحزن:
_ اهدى يا سامح وبلاش كلامك ده هو مش ناقص.
أردف مالك قائلاً بصوت حاد وعالي:
_ يعني إيه؟ يعني خلاص كده لتاني مرة أتوجع كده؟ ملاك وبعدها رحيل. هو ربنا بيعمل معايا كده ليه؟ إشمعنى أنا الكل عاش مبسوط وفرحان وأولاده في حضنه، إشمعنى أنا اللي مراتي تموت وهي حامل، ولما ألاقيها تسيبني تاني ليه يا رب يا رب.
اقترب منه سامح ووقف أمامه وفي لحظة قام سامح برفع يده وضرب على وجنتيه.
صرخت آسيا وأردفت قائلة: ابني ليه يا سامح كده؟
أما زين حزن وتألم على حال أخيه وانكسرت قلبه، وحور كانت دموعها تنهمر بغزارة على وجنتيها.
تنهد سامح وأردف قائلاً: استغفر ربنا. أنت هتكفر ولا إيه؟ ربنا عوضك وبعت لك اللي تداوي جروحك بس أنت كنت معمى عن كل ده. قفلت قلبك وحياتك. أنا كنت بشوف نظرات رحيل لك كلها حب واحتواء.
تنهد وأكمل: أما أنت كانت نظرات حنين بس مش لها. لـ ملاك الله يرحمها. محدش قالك انسى ملاك يا ابني، بس ربنا أعطى لك فرصة تبدأ بها حياتك وللأسف أنت ضيعتها من إيدك. روح يا مالك دور عليها بس ادعي إنك تلاقيها.
مسح مالك دموعه وأردف قائلاً بوجع:
_ هلاقيه إن شاء الله هلاقيه وأتحدى القدر وأي حد يقف قدامي.
ولكنه قبل أن يكمل حديثه وقع مغشياً عليه. صرخ زين باسمه وقام بحمله بمساعدة سامح وطلب الإسعاف ليتم تشخيص حالته بأنه أصابه بانهيار عصبي أدى إلى فقد النطق لديه. حزن الجميع على ما أصاب مالك.
بعد مرور يومين استعاد مالك وعيه كان جالس حزين في المشفى ينظر إلى الأعلى يبكي فقط لا يستطيع الحديث.
دلف إليه سامح وأردف قائلاً وهو يبكي:
_ أنا آسف يا حبيبي، ياريت كانت تنقطع أيادي قبل ما أمدها عليك. حقك عليّ. إن شاء الله كلنا هندور على رحيل.
ابتسم له مالك وقام برفع كف يد سامح وقبله بحب ورتب على ظهره بحنان. سحبه سامح داخل أحضانه يلمس على شعره بحنان يناجي ربه في سره بأن يشفي ابنه ويريح قلبه ويرد له ضلته.
مرت أيام وشهور بل سنوات ولم يعثر مالك على رحيل. رجع إلى وحدته مرة أخرى بل أسوأ من ذي قبل. لم يبق له إلا عمله الذي كان يتابعه في جناحه في فيلا سامح الأنصاري فقط. كل ليلة يتذكر ترجمة الإيميلات وضحكها. يتذكر ليلتهم معاً كانت من أروع الليالي. شعر بدفء شديد وهي داخل أحضانه. هو لم ينس ملاك بل علم أنه عشق رحيل. واه من رحيل. ماذا فعلت كي تمل وصالي؟ أبحث عن سبب لهجرك دون جدال. فأصبحت تائه بين حقيقة وخيال. لم أطلب أن تعود إلي، لكن أريد أن تجيب سؤالي. كنت أشكو إليك كل أحوالي، فعجبا لمن تغير وعجبا لتغير الحالي. فاقطع وصالك متي شئت فإني لا أراك تبالي أبدا. لن أجد لك في غيابك أبدا. لأنك خيبت كل آمالي.
رواية البنات زينة البيت الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم نهى عادل
خليك اتغدا معانا يا ادهم
خليها وقت تاني يا فندم
ضحكت آسيا: ايه افندم دي قول لي يا آسيا
رفع سامح حاجبه وهمس لها: ناقص تاخذه بالاحضان
الله وفيها إيه مش زي ابني واحضنه
لا يا حبيبتي دي حضني أنا وبس
أما أدهم سحب خديجة ببطء حتى لا تراها خديجة إلى خارج الفيلا
استني يا أدهم رايحين فين
تعالى بس أقولك على حاجة، أدخلها إلى سيارته وركب بجانبها
هااا يا سيدي في إيه
أخذها أدهم في أحضانه وظل يوزع القبل على وجهها وعلى عنقها ثم نظر إلى شفتيها ومال عليها يقبلها بحنان
تبادلت خديجة القبل تحت خجلها الشديد، وهذا ما أعجبه أدهم، ضمها إليه أكثر. وهمس لها: امتى الشهر ده يعدي وتبقى في حضني وفي بيتي يا ديجا
خرجت خديجة: أنا لازم أخرج أروح أشوف بدور، سلام يا أدهم وخرجت مسرعاً من السيارة
نظرت إليه وهو يقود السيارة ثم ألقى لها قبلة في الهواء
***
وصل ماهر إلى الفيلا... صعد الدرج وقف أمام غرفة بدور بدون أن يطرق الباب
دلف ماهر الغرفة وهو غاضب يريد أن يعرف ماذا تريد بدور هل تحبه أو لا، ولكنه في كل مرة وهو يقرب منها يرى العشق في عينيها، لكنه صدم مما وجده فقد وجد بدور تقف أمام خزانة الملابس ولا ترتدي إلا منشفة صغيرة تلفها حول جسدها العاري وشعرها يتساقط منه الماء فكانت مثيرة بحق... ابتعل ماهر ريقه بصعوبة وبدأ يتصبب عرقاً وهو ينظر لها ثم اقترب منها ببطء ووقف ورائها. أما بدور فلم تنتبه وظلت تتحدث على أن خديجة من دلفت الغرفة
بت يا خديجة خليكي عندك أنا... ثواني وأكون عندك... ثم قطعت حديثها عندما التفت ووجدت ماهر ينظر لها بشوق ولهفة.... خجلت كثيراً من مظهرها وحمرت وجنتاها بشدة وكانها على وشك الانفجار. ثم ركضت بسرعة باتجاه الحمام لكي تهرب من نظراته المصوبة عليها ولكن ماهر منعها قبل أن تدخل وثبتها على الحائط ووضع يديه حولها ثم اقترب منها ببطء حتى شعرت بأنفاسه الحارة تلفح وجنتها وهمس في أذنها بحب و...
مش كفاية بقي هروب
أنا مبهربش ولو سمحت ابعد عني
ببرود واستفزاز تحدث معها: ولو مبعدتش... هتعملي إيه!!!
لو سمحت ميصحش كده
إيه اللي ميصحش، انتي مراتي
على الورق لحد ما نخلص من المصائب اللي إحنا فيها
يعني إيه
يعني فترة وأطلقني، أنا اتفقت مع بابا سامح على كده
غضب ماهر بشدة وأمسك ساعديها وجذبها نحوه بقوة حتى التصقت به ونظر في عينيها بحدة
ده على جثتي، ثم لانت نبرته قليلاً وتحدث بهدوء: أنا مش اتفقت على حاجة، انتي عاوزة تتطلقي علشان حبيب القلب صح
حبيب القلب!
أيوا الدكتور عامر
الدكتور عامر
ليه مكنتش تعرفي أنه بيحبك وعايز يتجوزك، ليه مشفتيش نظرات الحب والعشق في عينه ليكي، ولا انتي غبية لدرجة ده
ماهر اتكلم بأدب واحترم نفسك، وأوعى تفكر إني لما بسكت على إهانتك ببقى ضعيفة، لا أنا ساكتة لك من زمان يا ماهر، هاااا من زمان من أيام ما كنا صغيرين احترام لبابا سامح، لكن انسى إنك تغلط فيا أو في أخلاقي، أنا تربية اللواء سامح وآسيا أمي
حاول أن يقول لها بأنه يحبها ويريدها زوجة ولكن كبرياؤه منعه، فهي ترفضه، تركها وخرج من الغرفة مسرعاً
لتبكي بشدة، فهي أحبته بشدة ولكن هل هو يحبها أم تزوجها شفقة، وهي ترى رفعت تاني أمامها فذكرتها لم تمحى من معاملة والدها لأمها آسيا
طرقت خديجة الباب ودلفت لتجد بدور تجلس على السرير تبكي بشدة، اقتربت منها ورتبت على ظهرها بحب
فهي توأمها وتشعر بوجعها
مالك يا بدور
أنا بحبه يا خديجة، بحب ماهر أوي
طيب ما دي حاجة كويسة
لا مش كويسة، لاني خايفة أكون آسيا تاني مع رفعت، أكون نسخة منها
بس ماهر مش زي رفعت يا بدور
رغم ما حدث إلا أن خديجة لم تعترف بـ رفعت والد لها ولم تنطق بـ "بابا" إلا لـ سامح الأب الحقيقي لها
على فكرة ماهر بيحبك وجداً كمان، ماهر طيب، ماهر ابن بابا سامح يا بدور، انتي مشفتيش ماهر كان عامل إزاي وانتِ مخطوفة، ادي نفسك فرصة يا بدور، خرجي آسيا ورفعت من ذاكرتك، خليكي قوية، عيشي حياتك مع زوج يكون عوض لكِ يا حبيبتي
كان واقفاً أمام الباب وسمع حديثها مع خديجة، حزن عليها ولكنه أقسم سيعلمها فنون العشق، ابتسم بمكر قائلاً: أول طريق الاعتراف الغيرة
لنبدا اللعبة يا لعبتي!
***
صباح يوم جديد
خرج مالك من الفيلا وكان حزين، فهو لم يرى ملاك من أكثر من شهر، فقد علم بأنها أخت خديجة وونيس وبدور من الأب، فرح بشدة ولكنها لم تحاول أن تقابلهم
وصل المطار ودلف إلى الداخل، وجد زميله مروان يقابله، قائلاً: أخيراً مالك جاه بعد طول انتظار
ابتسم مالك: والله ما ناقصه كلامك يا مروان، الرحلة النهاردة فين
تعجب مروان من مالك، فهي أول مرة لم يهتم مالك بمعرفة ذهابه إلى أي بلد
الله إيه الصاروخ الأرضي اللي دخلت علينا، ياريتنا ما كنت اتجوزت دلوقتي
نظر مالك إلى ما ينظر إليه مروان، ووجد ملاك تقف مع إحدى المضيفات الأخريات، رغم غضبه من حديث مروان، إلا أنها ابتسمت عندما رآها! ولكن وجد أحد الضباط متجهاً إليها قائلاً: حضرتك الآنسة ملاك أمين
استدارت ملاك قائلة بخوف: أيوا أنا، في حاجة
معايا أمر بتفتيش شنطتك
شنطتي!!!
دلوقتي هتعرفي، عندك مشكلة إني أفتش
لا طبعاً معنديش
اقترب منها مالك وهمس لها قائلاً: اطمئني أنا معاكي
أومأت له برأسها
وبالفعل تم تفتيش الحقيبة، وأخرج الضباط الكثير من القطع الأثرية
صدمة وذهول تام على الجميع، بكت بشدة قائلة
والله العظيم الحاجات دي مش بتاعتي
تحدث الضباط: في الإدارة هنعرف، اقبضوا عليها
كان مالك يقف لم يعرف ماذا يفعل!
ينظر إليها بشفقة، ولكنه حزين عليها
نظرت إليها ملاك: والله يا مالك الحاجات دي مش بتاعتي
سحبها الضباط من يديها لتخرج معه، صرخ مالك في الضباط قائلاً: ابعد إيدك عنها وإحنا جايين معاك
وقف الضباط: وحضرتك تطلع مين عشان تكلمني بالشكل ده
بصوت حاد وغاضب هتف مالك قائلاً: الكابتن مالك سامح الأنصاري، ابن اللواء سامح الأنصاري
شحب وجه الضباط قائلاً وهو يرى غضب مالك
أنا آسف يا فندم، اتفضلوا معايا
كان يجلس في مكتبه وحيداً، حتى الولد لم يكن من صلبه، وأنجب فتاة، حتى أنها رفضت المكوث معه وذهبت تعيش مع فاطمة
دلت عليها الخادمة تخبره بأن أحد الضباط يريده
خرج إليه
حضرتك السيد رفعت مندور إبراهيم
تنهد قائلاً: تحت أمرك يا حضرة الرائد، في إيه
حضرتك مطلوب القبض عليك
سمع رفعت هذا وأغمى عليه
رواية البنات زينة البيت الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم نهى عادل
أحياناً عثرات الحياة ليست ضدك، بل هي لأجلك لتعي ما هي الحياة، لتفهم مواقف لم تكن تفهمها، لترى أشياء لم تكن تراها.
***
بعد ما أخذت الشرطة ملاك، وقام مالك بالاتصال على سامح ليخبره، سامح بالاطمئنان. وبالفعل بعد مرور حوالي ربع ساعة كانت ملاك داخل مكتب اللواء سامح ومعها مالك.
استقبلها سامح ونظر إلى الضباط الذي قام بالقبض عليها: "اتفضل أنت يا حضرة الرائد، وأنا هقوم باستجواب المتهمة."
أدى التحية قائلاً: "تمام يا فندم." وخرج.
بعد خروج الضباط، ابتسم سامح قائلاً: "اقعدي يا ملاك، وأنت كمان اقعد يا مالك."
هتف مالك بسرعة: "بابا، ملاك بريئة، حضرتك عارف إنها لعبة من أمين ومهجة."
ابتسم سامح فهو يعلم بمدى حبه لها، تنهد قائلاً: "اهدأ يا مالك، أنا عارف إن ملاك بريئة، ومش بس كده، ملاك بتساعدني في كشف أمين ومهجة وكل أفراد الشبكة اللي في مصر. وطبعاً قبل كل شيء أحب أشكرك إنك جيتي علشان تقولي على خطف بنتني، واللي هي اختك طبعاً."
ابتسمت ملاك قائلة بخجل: "لا شكراً على واجب يا فندم."
أما مالك كان جالس لا يفهم شيئاً عما يحدث.
نظر له سامح: "أنا أفهمك يا مالك."
فلاش باك.
في منزل أمين.
سطر الحزن على فاطمة وملاك، حتى أنها لم تخرج من المنزل نهائياً، لم تقدر أن تنظر في عين مهجة، تلك المرأة التي باعت ابنتها لأجل المال، حتى المدعو والدها رغم أنها لم تشعر بأي شيء تجاه أمين، ولم يعاملها بحب ولو مرة، إلا أنها لم تعترف برفت أب لها رغم أنه طلب أن تبقى معه.
تنهدت واقتربت من فاطمة الذي أظهر الحزن على وجهها وعينيها، قائلة بحب حقيقي: "ماما، أحضر لكِ الفطار علشان علاجك."
تنهدت فاطمة بوهن: "لسه لحد دلوقتي بتقولي يا ماما، بعد ما عرفتي الحقيقة."
أمسكت ملاك يد فاطمة وقامت بتقبيلها قائلة: "لأنك فعلاً أمي! الأم هي اللي سهرت على راحة أولادها، كفاية تربيتك ليا يا حبيبتي، ويلا عشان خاطري تعالي كلي."
ابتسمت لها فاطمة بحب: "حاضر يا حبيبتي!"
بالفعل أكلت فاطمة بعض لقمات صغيرة، وقامت من على السفرة، ثم قامت ملاك بأخذ الأطباق والذهاب بهم إلى المطبخ.
بعد قليل وجدوا أمين دلف من الباب ومعه حقيبة، لينظر إليهم بغضب قائلاً: "حضر لي الأكل يا فاطمة." ثم نظر إلى ملاك: "وأنت لسه قاعدة هنا ليه، خلاص يا أختي المولد انفض، روحي عندك اللي مخلفك."
حزنت ملاك وأحست بنار في قلبها، وقبل أن تجيب، ردت فاطمة عليه بعنف وصوت حاد قد فاض بها، كبت السنوات سيظهر الآن، وإحراق قلبها على ضناها، صرخت قائلة: "البيت ده بيتي يا أمين، وبيت ملاك بنتي، أنت اللي مالكش مكان معانا، ياريت تطلقني في هدوء بدل ما أرفع عليك قضية وأكسبها، منك لله ابني مات بسبب طمعك وجشعك."
"بقولك إيه، أنا دماغي مش فاضية ليكي، أنا داخل أريح ساعة قبل ما أنزل." وأخذ معه الحقيبة إلى الداخل.
دلف أمين إلى الغرفة وهو غاضب، بموت شاكر قد أضاع منه الكثير من الأموال، سوف ينتقم بشدة. رن هاتفه وجده مسعود، اتجه إلى الشرفة قائلاً: "أيوا يا مسعود، عايز إيه؟"
"رجالتك جاهزة يا أمين عشان خطف الدكتورة بدور."
حك في ذقنه قائلاً بمكر: "الصراحة لأ، المبلغ قليل وعايزين أكتر."
"عايزين كام من الآخر واخلص، العملية فاضل عليها يومين."
"ربع مليون."
"نعم! ليه كتير يا أمين."
"وهي خطف الدكتورة ونس سامح الأنصاري بسهولة كده يا مسعود، أنا حاولت أنزل معاهم بس رفضوا."
تنهد مسعود: "مش مهم، أنا موافق، المهم الموضوع ده يخلص بسرعة من غير نقطة دم."
"هيخلص بسرعة متخافش عشان أفضي انتقم من رفعت."
"قصدك إيه؟"
"ملاك."
"طيب ومهجة؟"
"مهجة ملهاش دعوة، مش كفاية ابني اللي مات بسببها."
"طيب هتعمل إيه يا أمين؟ أوعى تعمل لنا مشاكل، الصفقة الجديدة على وصول."
"متقلقيش يا مسعود، أنا ناوي أحط لها قطعتين آثار وهي مسافرة وأبلغ عنها ويتقبض عليها في المطار، بس تخرج بنت الكلاب دي من البيت، دي من ساعة اللي حصل ورجعت مع فاطمة وأنا مراقبها ومخرجتش خالص، وكمان لسه مفاجأة رفعت اللي في الشركة عنده، قضية محترمة تجارة آثار ومخدرات."
"أنا كل اللي يهمني خطف الدكتورة يا أمين، سلام."
انتهت المكالمة غافلاً عن ملاك التي سمعت كل شيء وهي تقف في غرفتها.
ظلت طوال الليل تفكر وتفكر ماذا تفعل، إلى أنها وصلت لحل وهو الوصول في أقرب وقت إلى اللواء رفعت.
بالفعل تاني يوم عملت بأن أمين نائم ولم يخرج من غرفته، تنهدت بفرحة وخرجت من البيت وذهبت إلى وزارة الداخلية. دلفت إلى الداخل أخبرت أحد الضباط بأنها تريد أن تقابل اللواء سامح ضرورياً، وبالفعل بعد لحظات دلفت إليه. كانت تفرك بيديها وتشعر بتوتر.
ابتسم في وجهها: "اتفضلي اقعدي يا ملاك، خير، حابة تقابليني ليه؟"
"أصلاً الصراحة..." وقصت له ماذا سمعت من خطف ونس، وأنه سوف يضع لها آثار في حقيبتها.
ابتسم سامح لها وقد علم بأن معدن ملاك أصيل وثمين.
ضحك بخبث قائلاً: "يبقى نخلي أمين ينفذ اللي هو عايز يعمله، وبكده نقدر نمسكه متلبس. أنتِ أول ما ترجعي البيت تقولي إنك راجعة الشغل بعد يومين، يكون هو نفذ خطف ونس، وبعد كده أنا هتصرف، ولازم كل حاجة تكون طبيعية لأنه أكيد مراقب كل تحركاتك. اتفضلي أنتِ دلوقتي عشان محدش يلاحظ غيابك."
بعد خروج ملاك، اتصل سامح على عمار وأبلغه بما حدث، وماذا يفعل مع ونس. وقضية الآثار.
عودة.
ابتسم مالك، لمعت عينيه من السعادة وظل ينظر إلى ملاك التي خجلت من نظراته لها.
تم طرق الباب ودلف الرائد المكلف بالقبض على رفعت وأبلغهم بما حدث له وتم نقله إلى إحدى المستشفيات.
***
ضربة الغريب
تقوي الظهر.
وتكشف للعين الكثير.
وضربة القريب
تكسر الظهر.
وتقتل في العين الكثير.
في المواقف يظهر الأصدقاء.
وفى الشدائد يظهر الرجال.
وفى الأحزان يظهر المنسيون.
وفى الأفراح يظهر الزائفون.
وفى الغضب تظهر التربية.
بعد يومين أمام غرفة رفعت والتي توجد أمامها حراسة مشددة بأمر من اللواء سامح.
دلف إليه سامح وجده شاحب الوجه حزين، لا حول له ولا قوة.
اقترب منه سامح: "إزيك دلوقتي يا سيد رفعت."
تنهد رفعت قائلاً: "الحمد لله، أنا متشكر لك يا سيادة اللواء على وقفتك معايا."
رتب سامح على كتفه قائلاً بهدوء: "الصراحة البركة في ملاك بنتك، لولا أنها سمعت مؤامرة أمين، كان لا يمكن تطلع منهم. شد حيلك، والدك الحاج مندور بيسأل عليك، وطبعاً علشان صحته للأسف محدش بلغه بحالتك."
رد بوهن وضعف: "كله على الله."
أراد أن يسأله عن الفتيات ولكنه خجل، فهو قد أضاع وباع الغالي بالرخيص.
أما عن أمين خاف من ضياع المال منه، أخبر مسعود بأن تم اختطاف ونس ومتحفظ عليها، حتى أنه كان متواجداً في المطار أثناء القبض على ملاك، ليضحك بخبث، وهم يقبضون عليها، فهو انتقم منها بسبب وفاء شاكر.
بعد مرور يومين.
الوضع كما هو، ونس في شقة عمار، بدور متواجدة في غرفتها تفكر في حديث خديجة، ملاك في وزارة الداخلية بداخل مكتب سامح كما أمر، مالك يريد بعد إنهاء هذه المهمة أن يطلب يد ملاك، ماهر أقسم بأن بدور لم تكن إلا له، أما زين يفكر في حور وكل يوم في كلية الطب يبحث عنها، ولكنها بسبب كل هذه المشاكل لم تذهب إلى الكلية.
***
اليوم موعد إتمام الصفقة والقبض على أكبر شبكة لتهريب الآثار. شكل اللواء سامح فريقاً للقبض عليهم.
خديجة وعمار، حتى أدهم رغم أنه من الجيش إلا أنه طلب الانضمام ليكون متواجداً بجانب محبوبته.
في وزارة الداخلية، اجتمع اللواء سامح بجميع القيادات المسؤولة عن تنفيذ هذه المهمة، وأعطى الأوامر اللازمة بتنفيذ الخطة، لتكون ساعة التنفيذ منتصف الليل.
في منتصف الليل.
كانت تقف مهجة ومعها مسعود في إحدى المخازن المتطرفة في الصحراء تشاهد الرجال وهم يقومون بنقل الصناديق إلى خارج المخزن.
زفرت بغضب قائلة: "أمين لحد دلوقتي لسه مجاش ليه؟ الحيوان معاه قطعتين لازم يكونوا موجودين عشان الصفقة تكمل."
حاول مسعود أن يتهرب من الإجابة، فهو يعرف ماذا فعل أمين!
"أنت ساكت ليه يا مسعود، ما ترد عليّ، أمين فين؟"
"هااا، وأنا أعرف منين، ما أنا معاك أهو..."
أحد الرجال الذين يقومون بتسليم المال: "فين القطعتين الناقصين يا مهجة هانم."
"على وصول يا حسام باشا، على ما الرجال تكمل نقل الصناديق تكون وصلت."
لتجد أمين يدلف ولكنه فارغ اليدين. غضبت وصرخت قائلة: "أمين إيه التأخير ده كله، وفين الحاجة؟"
ضحك بخبث وشر: "بحت يا مهجة، الحاجة بحت."
شحب وجهها قائلة: "يعني إيه بحت؟"
"يعني القطعتين اللي خايفة عليهم قوي كده، وعشانهم الصفقة لازم تتم، بحت، مفيش، هم دلوقتي للأسف في وزارة الداخلية متحفظة عليهم، أصلاً نسيت أقولك، مش ملاك اتقبض عليها متلبسة وهي بتهربهم في المطار."
"امسكته من ياقة قميصه: أنت بتقول إيه يا حيوان."
"اخرسي، عدل ربنا، ابني مات، وأنا انتقمت منك في بنتك، لا، أوعى تقولي إنك زعلتي عليها."
صرخ حسام: "المهزلة دي توقف حالا، أنا عاوز القطعتين وإلا ما فيش تسليم النهارده."
في لحظة سمعوا صوت سيارات الشرطة تقتحم المكان ويطلبوا منهم تسليم أنفسهم. حاولت مهجة الهروب ولكن أخرج حسام مسدسه وقام بضربها لتقع غارقة في دمائها، فارقت الحياة، وتم القبض على أكبر شبكة لتهريب الآثار. وصدم مسعود عند معرفة بأن عمار رائد في الشرطة، هتف بفرحة وبشر: "هههههه، أنا لو مش طلعت من هنا محدش هيعرف ونس فين يا باشا، بنتك معايا."
ابتسم عمار بمكر: "هههههه، ونس مين اللي معاك يا حيوان، اسمها الدكتورة ونس، وكمان اللي هي في مكان آمن، يلا خدوه على البوكس."
نظر مسعود بغضب ل أمين، الذي قام له بأن ونس معه، فهو خطط لخطفها لتكون كارت هروبه إذا حدث شيء في المهمة، ولكن فشل مخططه.
انتهى كل شيء وتم الاعتراف.
فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره
بعد انتهاء المهمة، والتي تمت بنجاح، تم القبض على أمين ومسعود وكل رجال المافي. أما عن الإصابات، فقد أصيب الكينج في ذراعه بطلق ناري سطحي من حسام أثناء هروبه.
اقترب سامح من عمار قائلاً له:
"عمار، أنت كويس؟ هتقدر تروح المستشفى ولا نطلب لك الإسعاف؟"
ابتسم عمار بحب وعشق، وظهرت غمازات خده قائلاً:
"لا، روح عند ونس، وانسى بقى."
نكز سامح في ذراعه المصاب قائلاً بحدة خفيفة:
"اتلم يلا، ويلا يا زفت."
ثم نظر إلى خديجة ووجدها قريبة منه بشدة، وهمس لها بشيء جعل وجهها يحمر، ونظرت إلى الأسفل. زفر بغضب وهتف:
"إيه اللي في إيه بالظبط؟ يلا الكل على السيارات عشان نمشي نروح نجيب ونس. اتفضلوا."
اقترب من خديجة قائلاً بمكر:
"هو انتي وشك أحمر ليه يا حبيبتي؟"
"خجلت ونظرت إلى الأسفل."
أما أدهم، كان واقف يغمز لها. فقد همس لها بأن يأخذ منها بوسة مشبك.
***
في شقة عمار.
حالة من الفوضى داخل كل غرفة، فهي انتقمت منه أشد الانتقام، فشقة عمار بنسبة له خط أحمر.
وصل عمار وبسرعة البرق، صعد درجات السلم بخطوات سريعة، لم ينتظر الأسانسير. شاهده سامح وظل يضحك عليه بشدة. وصل إلى الشقة، وقف يأخذ أنفاسه، وصدره يعلو ويهبط من هذا الشعور. لقاء عاشق. قام بطرق الباب ليسمع صوتها تقول:
"ثانية واحدة."
جاء سامح قائلاً:
"مش براحة يا زفت! أنت تعبان وإيدك بتنزف، كنا روحنا المستشفى."
تحدث بهيام:
"كله فداء ونس يا بوب."
وفتحت الباب عند هذه الكلمة، خجلت ونظرت إلى سامح:
"بابا حبيبي، وحشتني."
أخذها في أحضانه ورتب على ظهرها أمام هذا العاشق، ود هو أن يخطفها داخل ضلوعه.
شحب وجهها عندما نظرت إليه، ووجدته مصاب في ذراعيه. حزنت عليه، نظرت قائلة:
"عمار، مالك؟"
كانت عيناه تلمع بالسعادة والحب والعشق لها:
"أنا بقيت فل الفل."
صرخ سامح:
"اتلم يلا! ونس يا حبيبتي، ادخلي هاتي شنطتك!"
غضبت من نفسها بعد ما تسببت في كل هذه الفوضى وهو مريض، ولعنت غباءها.
دلف سامح وعمار إلى الشقة. صدمة وذهول تام على وجه سامح، ولكن عمار أكثر من سعيد، فهو شعر بأنها لمست كل شيء في الشقة بيدها. فرح، بل أحس بسعادة كثيرة في قلبه. هي أرادت أن تنتقم منه، ولكنها لم تكن تعلم بأنه مصاب. غضب سامح منها بشدة.
جاءت ومعه الحقيبة وهي تنظر بخجل. تنهد سامح وتحدث بغضب:
"ونس، يلا، ولنا كلام تاني في البيت."
فركت يديها بتوتر ونظرت إلى عمار، ولكنها رأته لم يغضب، ويزين وجهه أجمل ابتسامة لم تراها من قبل، قائلة بندم حقيقي:
"عمار، أنا آسفة."
نظر إليها بحب قائلاً:
"الشقة وصاحب الشقة وقلب صاحب الشقة فداكي."
صرخ سامح:
"تصدق يا زفت، حلال فيك اللي عملته. يلا يا ونس!"
وأمسك الحقيبة وكاد أن يخرج، إلا أن أوقفه عمار:
"عنك يا باشا الشنطة."
تحدث سامح بحب أبوي ورتب على كتفه قائلاً:
"لا، خليك أنت يا عمار. ادخل ارتاح شوية، وأنا هبعت لك حد من الخدم يعمل لك الشقة."
ابتسم عمار:
"ما أنت عارف يا بوب إن بحب أعمل كل حاجة بنفسي، ومحدش غريب بيدخل الشقة خالص."
غمز لـ ونس التي كان يظهر عليها الحزن:
"مفيش إلا الحبايب وبس."
"وش فقر تستاهل. يلا يا ونس."
خرج سامح وخلفه ونس، ولكنها نظرت إلى الخلف. ألقى لها قبلة في الهواء.
خجلت وخرجت مسرعة وراء سامح.
أما عمار، نظر إلى الشقة بحسرة قائلاً:
"شكلك عنيفة أوي يا ونسي."
رغم تعبه، إلا أنه كان أكثر من سعيد.
رواية البنات زينة البيت الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم نهى عادل
مر أكثر من شهر وبدور تحاول أن تنسى الماضي وتعيش المستقبل.
كانت لديها مرور في المستشفى وأثناء مرورها وجدت صاروخ أرض جو بقرب زوجها ماهر.
همست في نفسها: ينهار أسود إيه دي بتنور في الضلمة؟
الله الراجل اللي حالتي هتضيع مني بسبب غبائي.
واقتربت منهم، ظلت تلف وتدور حولهم وهو يشاهدها ويكتم ضحكته، لتقف أمامهم مرة واحدة.
نظر لها ماهر بمكر: في حاجة يا دكتورة بدور؟
بمناسبة، أحب أعرفك بآنسة نسرين سليمان، بنت الدكتور سليمان عيسى، المسؤول عن قسم العظام.
آه، أهلاً وسهلاً. وقامت بتسليم عليها.
ودي تبقى الدكتورة بدور، مسؤولة قسم القلب، اللي هتكون مسؤولة عن تدريبك.
التصقت نسرين بماهر: بس أنا عايزة أتدرب تحت إيدك أنت يا دكتور ماهر.
كانت تقف على آخرها تحت اشتعال صدرها بنار الغيرة، تريد أن تولع في هذه نسرين.
نظرت إلى ملابسها وشكلها، ثم نظرت إلى نفسها: يلهوي البت أرض جو وهتخطف الراجل، لا.
لاحظ هو تغير وجهها وابتسم بسعادة لا توصف لذلك الإحساس المرضي لرجولته، فهو علم بأن أول طريق لقلبها هو الغيرة.
وفي لحظة اقتربت من ماهر: إيه يا حبيبي مش تكمل للدكتورة نسرين التعارف وتقول لها إني أكون زوجتك قرة عينك يا حبيبي، وأنا وأنت واحد.
ووضعت يدها في يده، واقترب منها لينظر إليها ماهر بمكر، ويده على خصرها.
فجأة شهقت بدور.
فماهر ظل يلمس ظهرها بطريقة مغرية.
ظل يصعد وينزل على ظهرها بحركات أذابت عظمها خجلاً.
ابتعد عنها وهو يرى احمرار وجهها، كتم ضحكته قائلاً: ممكن نتكلم في المكتب أحسن؟
وبالفعل دلف ماهر ومعه بدور ونسرين.
جلسوا وتم الاتفاق على أن ماهر هو من يقوم بتدريب دكتورة نسرين، تحت غضب بدور التي تغار بشدة على ماهر.
بعد الانتهاء هتفت نسرين بدلع: إمتى أول تدريب يا دكتور ماهر؟
نظر ماهر إلى وجه بدور الغاضب.
أحم، بعد يومين، اتفضلي أنتِ روحي على قسم العظام.
بالفعل خرجت نسرين.
زفرت بدور بغضب، وقفت لتذهب.
وعند وصولها إلى الباب وجدت ماهر يسحبها من خصرها محاوط بها.
همس لها بصوته العذب الذي أذاب قلبها: رايحة فين؟ مش اللي حضر العفريت يصرفه.
تعجبت بدور واستدارت له: قصدك إيه؟
غمز لها ومال على شفتيها وقبلها بنهم عاشق.
ابتعد عنها وهو مصدوم بل غضب عندما رأى دموع عينيها.
صك على أسنانه بعنف وغضب قائلاً: بره، اطلعي بره، ومش عايز أشوف وشك تاني في مكان أكون متواجد فيه.
حاولت أن تتحدث، ولكن أشار لها بأن تخرج.
مساء في الفيلا.
جاء أدهم ومعه يوسف وإيناس وحور، حتى مندور.
والأغرب أن رفعت جاء بطلب من سامح.
وسلمى وجمال، الذي منتظر فرجه بفارغ الصبر.
كان ينظر زين من حين لآخر إلى حور التي خجلت من نظرته.
كانت الفتيات تجلس في مكان والآخرون يجلسون في مكان آخر.
كانت بدور حزينة من تصرفها، فهي تعلم بحب ماهر لها وهو زوجها.
ولكن لم تريد أن تكون نسخة من أمها، هي تحبه بل تعشقه.
كانت خديجة تعلم ما بداخلها، اقتربت منها قائلة: بدور تعالي عايزك، نتكلم في الجنينة.
خرجوا إلى الجنينة.
تنهدت خديجة: مالك يا بدور فيكي إيه؟
رمت نفسها داخل أحضان خديجة قائلة: ماهر لا يمكن يسامحني بعد اللي حصل، ماهر كرهني يا خديجة.
سمعت صوت من الخلف قائلاً: بس ماهر بيحبك يا بدور، واللي بيحب عمره ما يكره، ادي لنفسك فرصة يا حبيبتي.
نظرت الفتيات إلى الخلف، وجدوا سامح يفتح لهم ذراعيه.
جروا إليه وقام بضمهم: في إيه يا بنات؟ الناس جوه وأنتوا هنا؟
ثم نظر إلى بدور: ماهر على وصول يا بدور، اقعدي اتكلمي معاه، ده جوزك يا حبيبتي، ماهر طيب ويتساهل إنك تكوني معاه.
تنهدت: حاضر يا بابا.
وإنتي يا ديجا هانم، هو أدهم باشا جاي ليا؟ ده جاي يخطب مراته.
وظل يضحك بشدة.
الله يا بوب، مش بيعمل الأصول يا كبير.
أما عن زين، عند خروج الفتيات وبقاء حور مع ونس الشاردة في عمار.
اقترب وجلس بجوارها قائلاً: إنتي بتحبي الشعر؟
همست بخجل: جدا، وإنت؟
أمسك ياقة قميصه قائلاً بغرور: أصلاً أنا بكتب شعر، تحبي تسمعي؟
يا ريت.
احم احم، تس تس.
ابتسمت حور بخجل ونظرت له نظرة زلزلت كيانه، ليقول لها: يا جارحني بلقمة ناشفة والعيش عندك طري، ثقلان علي ليه؟ ارحمني يا مفتري.
وفي لحظة وجد من يمسكه من الخلف ويضربه قفا قائلاً: لا والله، وهو ده شعر؟
استدار زين لأدهم قائلاً: عيب عليك يا يسطا، ده إنت جاي تطلب أختي اللي هي مراتك؟ طريها الناس لبعضها، وأنا غرضي شريف.
ثم نظر إلى حور التي احمر وجهها بشدة من كثرة الضحك، وغمز لها: آه والله غرضي شريف، وقلبي نضيف.
أما أدهم كتم ضحكته وهتف بحدة خفيفة: حور روحي اقعدي مع بابا وماما.
همست برقة: حاضر يا أبيه.
وجد زين يذهب خلفها، أمسكه من الخلف: إنت رايح فين؟
بدلع هتف زين: رايح عند بابا وماما يا أبيه، هااااا.
ضحك أدهم: ما تنشف ياض، في إيه؟
وضع زين رأسه على صدر أدهم بطريقة مضحكة قائلاً: يقطع الحب وسنينه يا أدهم يا أخويا.
دلف سامح ومعه الفتيات من الجنينة ليشاهد زين في هذا الوضع.
ابتسم بمكر: هو إيه اللي بيحصل هنا؟ أدهم وزين مع بعض؟ إنت يا ابني جاي تتقدم لخديجة ولا زين؟
فزع زين وخرج من حضن أدهم: لا يا بوب، زين راجل، وراجل قوي كمان، وطالب القرب في أقرب وقت.
نظر له سامح: الأصول مش كده يا زين، نخلص موضوع خديجة.
ثم نظر إلى ونس الشاردة في عمار بعد ما تركت الشقة في فوضى وهو مصاب بذراعه قائلاً: وموضوع ونس كمان.
نظر ت، وجدت عمار يقف بجانب سامح ويغمز لها.
فرحت ولمعت عينيها بسعادة.
ها قد تحقق حلم حياتها، كانت تشعر بسعادة، فعمار هو الرجل الوحيد الذي تشعر معه بالأمان.
دق قلبها له فقط.
لم يقل عمار سعاد عنها، مجنون بها، فقلبه متيم بها.
كاد أن يغادر صدره من قوة دقاته، عينيه معلقة بها بلهفة عاشق، يتطلع إليه بابتسامة الأكثر من جذابة التي أظهرت غمازات خديه.
يتمنى أن يضمها ويأخذها داخل أحضانه.
رغم أن سامح دعا رفعت، إلا أنه كان يجلس وحيداً ينظر إليهم ويتحسر على حاله.
ولكنه كان ينظر من حين لآخر إلى أسيا، مما أزعج سامح وندم بأنه قام بدعوته.
نظر بأنه والدهم، ولكن وجوده كان غير مرحب به من اتجاه الفتيات.
تم الاتفاق على زواج أدهم وخديجة، عمار ونس، جمال وسلمى.
في مجيء ماهر الذي سمع الحديث، نظر بوجع وألم إلى بدور وألقى السلام وذهب مسرعاً إلى غرفته.
حزنت وتألم قلبها وحسمت أمرها، عليها أن تنهي كل هذا الليلة.
انتهت السهرة، البعض سعيد والبعض حزين، والبعض يفكر الفوز بمحبوبته.
في جناح سامح وآسيا.
كان يجلس على الأريكة وبجانبه آسيا التي كانت شارده في بدور.
ضمها سامح، وضع قبلة على شفتيها: مالك يا آسيتي؟
تنهدت بحزن: مش عاجبني حال بدور يا سامح، حتى ماهر أنا شفت في عينيه حزن كبير.
أنا عارفة إن بدور خائفة، بس بتحبه.
أنا أروح أتكلم معاها.
قبل رأسها قائلاً: لا استني أنتِ، أنا اللي رايح.
ثم غمز لها: أوعي تنامي.
ابتسمت بخجل قائلة: حاضر، يلا بقا روح.
وبالفعل خرج سامح ليتحدث مع بدور، ولكنه رآها تدلف إلى غرفة ماهر.
ابتسم ودلف إلى غرفته.
قبل قليل.
أمام غرفة ماهر كانت تقف بدور تفرك في يديها.
هي لم تقدر على تجاهل ماهر، بل نار الغيرة تنهش في قلبها كلما رأت نسرين تقترب منه.
حسمت أمرها لتنهي كل هذا الشجار.
طرقت الباب لتسمع صوت ماهر يأذن لها بالدخول.
دلفت إلى الداخل، كانت تنظر إلى الأسفل وتفرك في يديها.
تحدث ببرود قائلاً: في حاجة يا بدور؟
رفعت وجهها ولكنها صدمت عندما رأته يقف عار الصدر أمامها.
مطت شفتها وضيق عينيها في حركة أذابت حصونه.
كانت تقف بارتباك وهي تفرك يديها وتنظر له بنظرات عاشقة.
هتفت بخجل: شكلك مشغول، أبقى آجي وقت تاني.
استدارت لتخرج، ولكنه كان الأسرع وحاوط خصرها.
همس لها في أذنها: جاية لحد هنا علشان تمشي.
ووضع قبلة على عنقها.
وجدها تبكي بغزارة وتحتضنه بل وتضمه باحتياج وتشد من أحضانه وكأنها وجدت ملاذها داخل أحضانه.
همست له: أنا بحبك يا ماهر، قلبي دق لك أنت وبس.
لكن أنا مش هقدر أكون آسيا تاني، صدقني مش هقدر.
كان يستمع لها بقلب هائم وعيون عاشقة.
خرجت من أحضانه ونظرت له، وجدته يتألم وعيونه حزينة.
ضمها بشدة وهو يتألم عليها، ورتب على ظهرها بحنان لعله يخفف حرج قلبها.
همس لها: بدور أنا بموت فيكي، مش بس بحبك.
وقام بتقبيل شفتيها.
احمرت وجنتاها فزادتها جمالاً.
نظر إليها بمكر وقام بتقبيل شفتيها مرة أخرى فاستجابت له وتبادلته هي الأخرى.
ابتعد عنها ينظر إلى داخل عينيها.
ابتسمت له بخجل.
شعر بسعادة وهتف بعشق: أنا بحبك، لا بعشقك يا بدور.
ضحكت له بدلال: وأنا كمان.
ضمها إليه أكثر: وإنتي كمان إيه؟
بحبك يا ماهر.
وفي لحظة حملها ماهر إلى التخت وأجلسها ووضع قبلة على خدها ثم رقبتها ثم مال إلى شفتيها.
غارقان في بحر عشقهما الحلال.
بعد مرور الكثير من الوقت أصبحت بدور زوجته قولاً وفعلاً.
كانت تجلس بدور بداخل أحضان ماهر مشدداً عليها بذراعيه، ينظر إليها بهيام.
أما هي تنظر له بخجل.
أحس بسعادة تغلغلت داخل قلبه بل وزلزلت كيانه بامتلاكها وامتلاك روحها.
سمع طرق على الباب وزفر بغضب.
سحب نفسه عنها.
خجلت وشدت الغطاء لتداري به جسدها.
نظر إليها وغمز: أروح أشوف مين وأرجعلك يا وحش.
فتح الباب ووجد سامح أمامه، واقف أمامه عار الصدر وعينيه تشع نور.
شك سامح في أمر.
خجل ماهر من والده وحاول إخراج صوته: في حاجة يا بابا؟
رفع حاجبه ونظر له بمكر: كل خير يا حبيب أبوك، وألف مبروك.
وغمز له وتركه وذهب من أمامه.
ابتسم وأغلق الباب واتجه إلى بدور ووجدها تجلس شارده.
اقترب منها وجلس بجوارها قائلاً: بدور إنتي ندمانة على اللي حصل بينا؟
هزت رأسها بنفي سريع وهتفت بحب: لو مكنتش حابة قربك مكنتش خليتك قربت مني يا ماهر، بس أنا مكسوفة منهم.
نظرت له وعيونها مليئة بالغرام: بحبك يا ماهر.
وفي لحظة خطفها ماهر من على التخت داخل أحضانه وأخذ يدور بها بسعادة في الغرفة.
ثم نظر إلى المرحاض بمكر.
وجدته يدلف إليه، خجلت وهمست له: إنت رايح فين؟ نزلني.
ابتسم لها بحب عاشق حقيقي وغمز لها: هناخد شاور يا بدري.
أما سامح عاد إلى غرفته يضحك بشدة على ماهر وخجله.
رغم أنه رجل، ولكنه كان سعيد لأجله.
دلف إلى الداخل بعد ما طلب منه آسيا الخروج ثانية للاطمئنان على بدور وماذا فعلت عند ماهر.
جرت إليه آسيا قائله: طمني يا سامح حصل إيه مع ماهر وبدور.
ابتسم بمكر وحملها وهمس لها في أذنها: حالا أقولك حصل إيه يا حبيبتي. وذهب بها إلى التخت يوزع على وجهها القبل، ثم مال وقبل شفتيها بحب وعشق.
ضحكت آسيا ونظرت له بصدمة قائله: قصدك إن ماهر وبدور...
غمز لها: بالظبط كده.
قالت: طيب كان استنى لما كنا عملنا فرح يا سامح.
قال: هما أحرار يا آسيا، دي مراته يعني حلاله يا حبيبتي. خلينا صح، كنا بنقول إيه؟ آه افتكرت. وعاد يقبلها مرة أخرى.
***
أشرق صباح يوم جديد.
في غرفة ماهر.
لم يتذوق كلاهما النوم سوى سويعات قليلة. لقد قضيا ليلتهما الأولى بحب وعشق، غارقين في حلال الله.
استيقظ ماهر وهو ينظر بقلب هائم عاشق لتلك النائمة بجانبه، لا يصدق ما حدث بينهما وأنها أصبحت زوجته قولًا وفعلًا. نظر إلى شفتيها المغريتين ومال عليها ووضع فوق شفتيها قبلة ناعمة. ظل يوزع القبل وهو يلهث وأنفاسه متسارعة متشوقة. فتحت عينيها ببطء وهي خجلة من وضعها. ضمها ماهر بحب قائلًا: صباحه مبارك على أجمل عروسة في الدنيا.
خجلت ودفنت وجهها في حضنه قائلة: الله يبارك فيك يا حبيبي.
قال: أنتي قولتي إيه؟ هو اللي سمعته ده بجد؟ من كتر ما أتمنيت أسمعها منك بقيت بتخيلها؟
ابتسمت له برقة ولمست وجنته بنعومة أذابت قلبه قائلة: أيوه بحبك يا ماهر ومش هبطل أقولهالك. ثم تنهدت: أنا اتأكدت من حبي لك لما حسيت إني ممكن أخسرك.
نظر إليها بعشق ثم مال عليها قائلاً: يبقى نتأكد عملي. وقبل شفتيها.
***
بعد مرور أسبوع.
كان الجميع يستعد لزفاف الفتيات، حتى سامح ذهب وطلب يد ملاك، والتي فرحت بأخواتها كثير.
وكانت تقضي معهم الكثير من الوقت. كما أنه تم نقل أشياء بدور إلى غرفة ماهر. حتى زين تم خطبته على حور. الجميع في حالة من السعادة.
***
في يوم شديد الأمطار، اتفق الفتيات على التجمع في إحدى المولات. الكل ذهب ما عدا سلمى التي كانت تتواجد في كمين. وطلبت منهم أن يذهبوا وهي تلحق بهم.
بعد مرور نصف ساعة، انتهى الكمين. زفرت بغضب فهي لم تحب الشرطة نهائيًا. ركبت سيارتها لتذهب إلى الفتيات، ولكن بعد مرور ربع ساعة.
تعطلت السيارة. خرجت قائلة: عملتها تاني. زفرت بغضب وأخرجت هاتفها وقامت بالاتصال على خديجة. قامت خديجة بالرد عليها: بت سلمى وصلتي ولا لسه؟ البنات كلها اتجمعت.
قالت: لا، العربية عملتها معايا. حتى الفون قرب يفصل شحن. بقولك إيه؟ أنا هفتح لكِ الجي بي إس، وأنتي لو الفون فصل ابقي اعرفي مكاني. ودلوقتي ممكن أركب تاكسي أو أوبر.
ردت خديجة: طيب استني أجي آخدك.
قالت: لا، الجو صعب وشكله في مطر شديد. أنا ما صدقت أخلص الكمين المنيل ده. وجمال في سيناء مش هنا.
قالت خديجة: طيب تمام، هتابعك من الجي بي إس. سلام يا عروسة.
ضحكت سلمى: طيب ما كلنا عرائس يا ديجا.
وبالفعل بعد قليل وجدت سلمى تاكسي وركبته. وبعد مدة وجدت السائق يغير الطريق. هتفت بغضب: أنت رايح فين يا بني آدم؟
استدار لها السائق وهو يضحك بعلو الصوت قائلاً: وقعت يا حلوة.
قالت: أنت!
***
يا من تبحثون عن الحب... لا تبحثوا عن الحب فقط، بل ابحثوا عن الصدق الذي يغلف الكلمات. والإخلاص الذي يستند خلف الأفعال. ابحثوا عن ثقة لا تهزها عواصف الدنيا. عن لهفة دائمة وشغف لا ينقطع. لا تبحثوا عن الحب، بل ابحثوا عن السند. عن من يحنو مودة ويدنو رحمة. عن الأمان الذي لا يعقبه خوف.
***
كان الجميع يستعد لزفاف الفتيات، حتى سامح ذهب وطلب يد ملاك، والتي فرحت بأخواتها كثير.
وكانت تقضي معهم الكثير من الوقت. كما أنه تم نقل أشياء بدور إلى غرفة ماهر. حتى زين تم خطبته على حور. الجميع في حالة من السعادة.
***
في يوم شديد الأمطار، اتفق الفتيات على التجمع في إحدى المولات. الكل ذهب ما عدا سلمى التي كانت تتواجد في كمين. وطلبت منهم أن يذهبوا وهي تلحق بهم.
بعد مرور نصف ساعة. انتهى الكمين. زفرت بغضب فهي لم تحب الشرطة نهائيًا. ركبت سيارتها لتذهب إلى الفتيات، ولكن بعد مرور ربع ساعة.
تعطلت السيارة. خرجت قائلة: عملتها تاني. زفرت بغضب وأخرجت هاتفها وقامت بالاتصال على خديجة. قامت خديجة بالرد عليها: بت سلمى وصلتي ولا لسه؟ البنات كلها اتجمعت.
زفرت بغضب: لا، العربية عملتها معايا. حتى الفون قرب يفصل شحن. بقولك إيه؟ أنا هفتح لكِ الجي بي إس، وأنتي لو الفون فصل ابقي اعرفي مكاني. ودلوقتي ممكن أركب تاكسي أو أوبر.
ردت خديجة: طيب استني أجي آخدك.
قالت: لا، الجو صعب وشكله في مطر شديد. أنا ما صدقت أخلص الكمين المنيل ده. وجمال في سيناء مش هنا.
قالت خديجة: طيب تمام، هتابعك من الجي بي إس. سلام يا عروسة.
ضحكت سلمى: طيب ما كلنا عرائس يا ديجا.
بعد أن أغلقت المكالمة، خديجة نظرت إلى الفتيات قائلة:
سلمى العربية تعطلت بها وهي جاية. هتركب تاكسي، بس الفون فصل. تعالوا احنا ندخل على ما تيجي.
ردت ونس: طيب ما كان حد راح خدها من الكمين وخلاص.
قالت خديجة: قولتلها بس هي مرضيتش.
وجدت هاتفها يرن. وجدته أدهم. ابتسمت وقامت بالرد.
قالت: الووو. إزيك يا أدهم؟ عامل إيه؟ وحشتني.
قالت: يا أدهم أنت ساكت.
تنهد أدهم قائلاً بحب: بسمع صوتك يا روح وقلب أدهم. وحشتني يا ديجا.
ضحكت بدلع: وأنت كمان يا دومي.
قال: لا بقولك إيه؟ الله يخليكي اثبتي. جاية تدلعي وأنا بعيد عنك. أنا ممكن أجي دلوقتي حالا.
كانت تنادي عليها بدور.
قالت: اقفل يلا يا أدهم. البنات بتنادي عليّ.
قال: ليه؟ أنتم فين؟
قالت: في المول. هنشتري شوية حاجات عشان الفرح. أنا والبنات كلها، حتى سلمى جايه لنا.
قال: امممم طيب بقولك ابقي كترّي من الحاجات اللي بتنور دي يا روحي.
خجلت خديجة قائلة: آه يا سافل. وقامت بغلق الهاتف.
***
بعد قليل وجدت سلمى تاكسي وركبته. وبعد مدة وجدت السائق يغير الطريق. هتفت بغضب: أنت رايح فين يا بني آدم.
استدار لها السائق وهو يضحك بعلو الصوت قائلاً: وقعت يا حلوة.
قالت: أنت!
قال: أه أنا. ولا انتي فاكرة إني سكت على ضربك ليا يا حلوة؟
صرخت سلمى وحاولت أن تخرج من السيارة إلا أنه أخرج مخدرًا ورشه عليها. وفي لحظة ذهبت في نوم عميق.
بعد حوالي ربع ساعة فتحت عينيها وألم في رأسها شديد من أثر المخدر. وجدت نفسها في منزل قديم ومقيدة في كرسي. ظلت تنظر حولها، وجدته يقف وينظر إليها بخبث ورغبة. هتفت بشراسة: أنت عاوز إيه مني يا حيوان؟
أثارت غضبه بشدة بعد هذه الكلمة. كانت فاقدة تركيزها من أثر المخدر تحت محاولتها بأن تفك قيودها.
اقترب منها بسرعة وفك يدها. حملها بين يديه بقوة لتبدأ بالصراخ وهي تراه يتجه بها إلى أحد الغرف.
أخذت دموعها تنزل بغزارة وهي تراه يقترب منها أكثر.
ظلت تبحث عن أي شيء تود أن تضربه به ولكنها لم تجد.
ظلت تبكي بشدة وتصرخ ولكن لما يسمعها أحد، فهذه الليلة كانت شديدة الأمطار والرعد.
ألقاها على السرير بعنف.
شحب وجهها عندما بدأ يخلع ثيابه واحد تلو الآخر وهي تغمض عينيها. لا تريد رؤية كل هذا. كانت تصرخ وتنادي على اسم جمال. آه من جمال.
قالت: حرام عليك. أنت عايز إيه مني؟ أنا مكتوب كتابي.
ضحك بخبث: هدفعك ثمن ضربك ليا يا حلوة.
بكاء مؤلم ممزوج بأصوات المطر الشديد كانت تصرخ وتصرخ وتحاول أن تحمي جسدها الذي بدأ ينتهكه بدون أي وجه حق وبشراسة وكأنه ذئب في هيئة بشر.
بعد مدافعة باءت بالفشل، تمت العملية بنجاح وحشي. ليقوم من عليها وهي ملقاة جثة هامدة لا تتحرك، فقط تتنفس بصعوبة.
انتهك جسدها ببشاعة.
ابتسم بخبث وأخرج هاتفه وقام بتصويرها. اقترب منها وهمس: لو حد عرف باللي حصل وأنا مين، فضيحتك هتبقى على كل لسان. وصورك هتبقى عند الباشا جوزك وأبوكي. ثم نهض يلملم أغراضه ثم خرج من البيت بأكمله. وتركها بهذه الحالة دون شفقة أو رحمة.
***
أما عن خديجة، كانت قلقة على سلمى.
اقتربت منها بدور: مالك يا خديجة؟ فيكي إيه؟
تنهدت خديجة: مش عارفة. قلبي وجعني جامد. والبت سلمى اتأخرت. أقولك أنا هرن عليها. لو الفون فصل هشوف الموقع وهروح أجيبها.
وبالفعل قامت بالرن عليها، ليكون هاتفها غير متاح.
تتبعت موقعها. استغربت من وجودها في هذه المنطقة. قالت للفتيات بأنها ستذهب لإحضارها.
ركبت سيارتها وتتبعت الموقع إلى أن وصلت إلى بيت شبه مقطوع. نظرت حولها بتعجب قائلة لنفسها: إيه اللي يخلي سلمى تيجي هنا؟ وأخذت تتبع الإشارة إلى أن دلفت إلى أحد الغرف.
انصدمت خديجة مما وجدت. سلمى فاقدة الوعي في حالة يرثى لها. والدماء تسيل من بين قدميها.
وقفت خديجة وحاولت أن تستوعب ماذا حدث. وبسرعة البرق خرجت إلى سيارتها وأخذت زجاجة مياه ودلفت إلى سلمى. رشت القليل وحاولت إفاقتها لتسمع سلمى تصرخ: لا لا يا جمال. جمال.
أخذتها خديجة في أحضانها وهي تبكي وتربت على ظهرها بحنان قائلة: اهدى يا سلمى. أنا خديجة. اهدى يا حبيبتي.
ابتعدت خديجة وظلت تنظر حولها ونظرت إلى نفسها. انكمشت على نفسها وهي ترتجف بشدة وتصرخ باسم جمال وهي تحاول ستر نفسها.
همست بضعف وهن: خديجة. أنا ضعت. ضعت. وظلت تضرب على وجهها.
قالت خديجة: سلمى اهدى. وتعالى نروح أي مستشفى.
تذكرت وصرخت: لا لا مستشفى لا. ارجوك يا خديجة.
قالت خديجة: اهدى يا سلمى. دي حالة اغتصاب. مين اللي عمل فيكي كده؟
شحب وجهها وهتفت بضعف: مش عارفة. أنا مش فاكرة حاجة. أنا عايزة أمشي من هنا بسرعة ارجوكي. أوعي تقولي لحد يا خديجة ارجوكي. وظلت تبكي بغزارة.
خلعت خديجة معطفها وساعدت سلمى بارتدائه وسندتها وخرجت بها وفتحت السيارة أدخلتها وركبت بجانبها.
***
على حدود سيناء.
كان جمال يجلس ومعه أدهم يخطط لعمل مفاجأة لسلمى والذهاب بها شرم الشيخ لقضاء شهر العسل. فهو كان سعيد بالزواج منها. أحبها من أول نظرة رغم أنها كانت زوجته، إلا أنه لم يفكر أن يقبلها ولو مرة. أراد أن تكون أول قبلة بينهم في منزلهم الذي يجمعهم.
شعر بنغزة في قلبه ووجع شديد وكأن أحد ينادي عليه. وضعت يده على قلبه وكان ينهج بصوت عالٍ.
لاحظ أدهم حالة جمال: مالك يا جمال؟ فيك إيه؟ وشك أحمر ليه كده؟
تكلم بوهن: مش عارف يا أدهم. مرة واحدة قلبي وجعني وحسيت إن في حد بينادي عليّ.
رتب أدهم على ظهره: خير يا عريس. ده أكيد مجهود وشكلك هتفضحنا يوم الفرح.
ابتسم بضعف قائلاً:
لا أنا خائف تكون سلمى فيها حاجة. أنا هتصل بيها.
وبالفعل أخرج جمال الهاتف ليقوم بالاتصال على سلمى، التي كان رقمها يعطي بأنها غير متاح.
حاول أكثر من مرة والوضع كما هو، غير متاح. زاد قلقه وقام بالاتصال على رقم البيت. أبلغته إحدى الخادمات بأنها ليست في المنزل.
ظهر القلق على وجهه.
"جمال، أنا خائف تكون سلمى فيها حاجة!"
"لا، أكيد هي كويسة. إنت نسيت إنها هتخرج مع خديجة والبنات النهاردة."
"آه صح، طيب ممكن يا أدهم تتصل بيها؟"
"حاضر."
وبالفعل، أخرج أدهم الهاتف وقام بالاتصال عليها.
أثناء سيرها بسيارتها، وجدت الهاتف يرن. نظرت، ووجدته أدهم. قامت بالرد.
"الووو، أيوه يا أدهم، عامل إيه؟"
"أنا كويس يا حبيبتي. بقولك، هي سلمى معاكي؟"
"سلمى!!!"
فزعت سلمى عند ذكر اسمها.
"آه سلمى معايا، في حاجة؟"
"جمال قلقان عليها لما رن عليها وتليفونها غير متاح."
همست لها سلمى بأنها لا تريد أن تتكلم، فحالتها صعبة جداً، وألم جسدها كان أقوى.
"آه معلش، فصل شحن واحنا في المول. ناقص إيه؟ سلام دلوقتي يا أدهم."
استغرب أدهم من طريقة خديجة في الكلام، لكنه نظر إلى جمال وطمأنه.
قامت خديجة بالاتصال على بدور وطلبت منهم العودة إلى الفيلا، بدون الدخول في أي تفاصيل.
بعد لحظات، وصلت سلمى وخديجة إلى بيتها. دلفت بها إلى الداخل. حمدت ربها بأن أبيه لم يكن في المنزل. توجهت مباشرة إلى غرفتها، ساعدتها خديجة بأخذ شاور وتغيير ملابسها. وذهبت بها إلى السرير وأخذت بعض المسكنات. كانت حالتها صعبة، ألم شديد في جميع أنحاء جسدها. بعد قليل، ذهبت سلمى في النوم.
قامت خديجة بالاتصال على سامح وأسيا، وقامت بالاستئذان منهم بأنها ستقضي الليلة مع سلمى لأنها مرضت أثناء الكمين. ثم قفلت هاتفها حتى لا يتصل بها أدهم.
في منتصف الليل، استيقظت خديجة على صرخات سلمى وفزعها وارتعاش جسدها، تهتف بغضب: "لا لا، حرام عليك يا جمال." اقتربت منها خديجة وضمتها وظلت تقرأ لها القرآن إلى أن هدت ونامت.
مرت الليلة على سلمى بصعوبة شديدة، حتى أنها لم تتذوق النوم إلا سويعات قليلة، وذلك من شدة وجع جسدها، وشدة خوفها مما هي آتية عليه. تبكي بغزارة، لم تجف دموعها طوال الليل. كانت تسرح في تخيل ليلتها مع جمال يوم زفافها. ولكنها أفاقت على صفعة قوية من واقعها المرير حين تذكرت ماذا حدث معها.
صباحاً.
أخذتها خديجة في أحضانها، وهي تبكي هي الأخرى على حالتها.
"لازم تكشفي يا سلمى، لازم يا حبيبتي. انكل أحمد جاه واستغرب إني معاكي، وشاف وشك وإنتي تعبانة. قولته إنك أخدتي دور برد وإنتي في الكمين."
"هو السبب، بسببه حصلي كده. قولته مش عاوزة أدخل كلية الشرطة، قالي لازم تدخليها غصب عنك. طيب أهو يشوف هيرجع شرفي تاني إزاي..."
تنهدت خديجة.
"سلمى، إنتي ليه مش عاوزة تقولي مين اللي عمل فيكي كده؟"
شحب وجهها وكادت أن تقول، إلا أنها تذكرت الصور، وأن خديجة لم تسكت وستقوم بالبحث عنه.
بكت بشدة قائلة: "قولتك معرفش. أرجوكي يا خديجة، أو إوعي تقولي لأدهم أو لأي حد. ممكن يقول لجمال. أرجوكي." وانهارت في البكاء.
"قصدك إيه يا سلمى؟ إنتي مش هتقولي لجمال؟"
"لا لا، جمال أنا هطلق منه."
"إزاي يا سلمى؟ جمال بيحبك وأكيد هيقف جنبك."
"ومين قالك إني عاوزة جمال يكون جنبي شفقة؟ أنا لازم أبعد عنه. جمال يستاهل حد أحسن مني."
حزنت خديجة. هتفت قائلة: "بس جمال بيحبك، واستحالة يطلقك."
"بس أنا هخليه يطلقني غصب."
"إزاي؟"
قصت لها سلمى بماذا ستفعل مع جمال.
"إنتي اتجننت؟ إزاي عايزة تعملي كده؟"
"مفيش حل إلا كده."
استمر هذا الوضع حوالي أسبوع، وسلمى لم ترد على مكالمات جمال ولم تخرج من غرفتها، حتى أبوها لم يعرف عنها شيئاً مما حدث لها.
خديجة كانت حزينة، شاردة. الكل شك في أمرها. لم تضحك. كانت تذهب باستمرار عند سلمى، لم تتركها ولو لحظة. تهاتف أدهم قليلاً. حتى جمال لم يعرف شيئاً عن سلمى، هاتفها غير متاح. ولولا أنه في مهمة لترك كل شيء وذهب إليها.
رواية البنات زينة البيت الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم نهى عادل
نظر جمال في ساعته بقلق. نظر إليه أدهم وأردف:
"مالك يا جمال كل شويه تبص في ساعتك ليه؟"
أردف جمال:
"عامر أتأخر أوي."
كاد أدهم أن يجيب، إلا أنه وجد عامر يدلف قائلاً:
"آسف على التأخير."
ابتسم أدهم:
"ولا يهمك. المهم يا عامر، جبت الخريطة الكاملة للمنشأة؟"
أردف عامر بثقة:
"طبعاً معايا يا فندم. والتحريك بعد يومين، لأن في الوقت ده هيكون عندهم احتفال والمنشأة شبه فاضية."
أردف أدهم:
"إن شاء الله. يلا تعالوا علشان نتسحر. كل سنة وأنتم طيبين، رمضان كريم."
ردوا بسعادة:
"الله أكرم."
أردف أدهم في سره:
"كل سنة وأنتِ طيبة يا ديجا. لأول مرة يجي رمضان ومش موجود جنبك."
بعد الانتهاء، جلس الجميع أمام طاولة الاجتماعات. أردف عامر:
"يا فندم، مش كنتم جيتوا تتسحروا في بيت أبي الشيخ عابدين؟"
أردف أدهم:
"مرة تانية يا عامر. إحنا عارفين إن شعب فلسطين معروفين بالكرم، وأكيد لنا عزومة عندكم. بس إنت إزاي بتتكلم مصري كويس يا عامر؟"
أردف عامر بثقة:
"لأني أمي مصرية وأبي فلسطيني، وعشت هناك في مصر مدة كبيرة. حتى لما التحقت بجهاز المخابرات، كانت أمنية حياتي أقابل الفهد الأسود والصقر."
أردف جمال:
"واديك معانا يا عامر، ودورك لا يقل عنا."
أردف عامر:
"أنا هروح أعمل لكم شاي."
أومأ له جمال وأدهم برأسيهما.
بعد ذهاب عامر، أردف أدهم بحزن:
"أمي وأبويا وخديجة والأولاد عاملين إيه يا جمال؟"
تنهد جمال وقص له ما حدث معه عندما جاءت خديجة له.
شعر أدهم بوخزات في قلبه وأغمض عينيه، ثم أخذ نفساً وأردف:
"إن شاء الله المهمة تعدي على خير ونرجع كلنا سوا."
أردف جمال:
"إن شاء الله هتكمل على خير."
بعد يومين.
فجر.
بعد أن انتهى أدهم ومعه جمال وعامر من صلاة الفجر، رفع يده وظل يناجي ربه أن يحفظ عائلته من كل شر. اختفى دقائق وعاد ممسكاً بظرف. نظر إلى جمال وأردف:
"خد يا جمال الجواب ده. لو جرى لي حاجة، اديه لخديجة وخلي بالك من أولاد دي يا صاحبي."
غضب جمال وأردف:
"بلاش هبل يا أدهم. إن شاء الله المهمة هتكمل على خير ونرجع مصر على خير."
وسحبه إلى أحضانه، يرتب على ظهره بحنان.
ابتسم أدهم:
"ربك موجود يا جمال. اسمع مني وخد الجواب."
تنهد جمال وبصعوبة شديدة أخذ الظرف.
أردف عامر:
"المفروض نتحرك دلوقتي."
أردف أدهم:
"بسم الله، توكلنا على الله."
بعد حوالي نصف ساعة.
تحرك عامر، وخلّفه جمال وأدهم بداخل نفق من الأنفاق المتواجدة تحت الأراضي الفلسطينية، لكي يدخلوا المنشأة في تل أبيب.
تعجب أدهم ونظر بشرود قائلاً:
"في حاجة مش طبيعية في المكان."
أردف جمال:
"ليه بتقول كده؟ قصدك إيه؟"
أردف جمال وهو متجه لغرفة الحاسوب:
"مفيش أي مقاومة ولا حتى حراسة."
أردف عامر:
"ده طبيعي. بعد كل احتفال عندهم، الكل في حالة سُكر."
دلف الجميع إلى الغرفة. دار أدهم بعينيه ونظر إلى الحاسوب. اتجه إليه وجلس أمامه، وقام بإدخال بعض الكلمات المشفرة ونجح في فتحه. أردف:
"مش معقول."
أردف أدهم قائلاً:
"في إيه يا أدهم؟"
أردف أدهم:
"المعلومات دي لازم توصل مصر حالا. في مجموعة اغتيالات هتحصل الفترة اللي جاية، وفيه معلومات مهمة كمان لازم توصل للواء صلاح بنفسه."
انتهى أدهم من تحميل المعلومات وقام بقفل الحاسوب، ليسمعوا صوتاً قائلاً:
"مش لما تخرجوا من هنا الأول؟ بجد منورين. الفهد الأسود والصقر، وذئب فلسطين عامر اللي دوخني معاه."
وفي لحظة، ألقى أدهم قنبلة من الغاز وأردف:
"بسرعة يا عامر، خد جمال واخرجوا ومعاكم الميكروفيلم لحد ما أنا أعطلهم."
أردف جمال:
"إحنا هنطلع سوا يا أدهم. مش هسيبك."
أردف أدهم بغضب عندما سمعوا رشاشات الرصاص تفتح عليهم:
"بسرعة، ما فيش وقت. نفذ الأوامر يا جمال أنت وعامر. أنا القائد هنا. بسرعة اخرجوا أنت الأول وأنا وراك."
خرج جمال ومعه عامر بصعوبة، وبعد لحظات من خروجهم سمعوا صوت انفجار شديد في المكان. صرخ جمال وحاول الدخول، إلا أن عامر أمسكه وأردف:
"لازم نتحرك بسرعة والمعلومات دي توصل مصر الليلة يا فندم."
صرخ أكثر وظل ينادي على أدهم ودموعه تنهمر بغزارة على وجنتيه.
عودة.
أردف جمال وهو يبكي:
"هو ده اللي حصل يا سيادة اللواء."
أردف عمار:
"يعني عايز تقول إن اللي حصل كان مجرد فخ علشان يوصلوا لكم؟"
تنهد جمال:
"مش عارف، مش عارف."
تنهد سامح:
"لا حول ولا قوة إلا بالله. لله الأمر من قبل ومن بعد. روح أنت يا جمال استريح، أكيد جاي تعبان."
في فيلا أدهم مندور.
بعد إفاقتها، طلبت العودة إلى منزلها. رغم رفض سامح وآسيا، إلا أنها أصرت الذهاب إلى بيتها، وبالأخص غرفتها التي جمعتها بمالك قلبها.
بعد يومين.
ليلاً.
تظاهرت خديجة بالنوم حتى يخرج الجميع وتبقى لوحدها. لم تنعم بالراحة، ولم تتذوق طعم النوم. عيناها لا تتوقف عن البكاء. كانت نائمة على الأريكة المتواجدة في الغرفة وبداخل حضنها ملابسه. كلما صعدت إلى تختها الذي كان يجمعهم سوياً، تشعر ببرودة شديدة تجعلها تنكمش على نفسها. فلم تتحمل مكانه الخالي من دفئه.
انتصبت واقفة وذهبت، أخذت صورة زفافهما لتشرد في ليلة الحناء عندما صعد أدهم إليها.
فلاش باك.
بداخل غرفتها في بيت أبيها، بعد انتهاء مراسم الحناء وذهبت كل العائلة إلى منزلها.
دَلفت إلى الحمام تنعش جسدها بحمام دافئ. اختفت عدة دقائق، خرجت ترتدي ثوباً أظهر جمال جسدها الجذاب. شهقت حين وجدتـه يتطلع إليها بنظرة ساحرة. اقترب منها كالممسوس، وبدون أن ينطق كلمة، مال عليها وقبلها بنهم عاشق حد النخاع.
بعد قبلة ساحرة، ابتعد أدهم عن خديجة وهما يلهثان بقوة، ونظر لعينيها بعمق. وتحدث بابتسامة جميلة تزين وجهه:
"مبروك يا حبيبتي."
كانت خديجة غامضة عينيها، تستقبل قبلته بترحاب وعشق وشوق. غمرها هو بلهفته، أذا بقلبها وتغلبت على خجلها. جعلتها تفتح عينيها وتتأمل ملامحه بشوق.
همست له:
"الله يبارك فيك يا حبيبي. بس إنت جيت ودخلت إزاي؟ وبابا قال محدش يشوفك تاني قبل الفرح؟"
ابتسم أدهم:
"مقدرتش أقعد يوم من غير ما أشوفك." ثم غمز لها: "ولا أنا مش وحشتك؟"
ضحكت بخجل. ساد الصمت قليلاً وطالت نظراتهما التي تصرخ بالعشق لبعضها. عينيها تلمعان ببريق عشقه، ونظرته الهائمة به جعلته يقترب أكثر، وهم بتقبيلها بشوق ولهفة أكثر:
"أنا مش عارف ليه التعذيب ده. ما إنتِ مراتي، يعني لازم تبعدي عني."
ضحكت واقتربت منه ووضعت قبلة على وجنتيه:
"معلش يا دومي يا حبيبي. بكرة الفرح خلاص."
ابتسم بمكر:
"دومي. اممم. طيب تعالى بقى يا حبيبة دومي."
حملها واضعاً يداً أسفل ركبتيها والأخرى حول خصرها.
قربها منه بهذا الشكل جعلها تنتفض أكثر، وتنكمش على نفسها داخل صدره، دافنة وجهها في عنقه قائلة بخجل:
"اعقل يا أدهم، إنت هتعمل إيه؟"
"ولا حاجة. أنا هاخدك في حضني وبس."
ضحكت له: "وفرض حد جه يا حبيبي."
"عادي يا روحي."
وضعها على السرير ثم ابتعد. اقترب من الباب وقام بغلقه بالمفتاح. ثم ذهب إليها وغمز، وقام بخلع ملابسه وظل بشورت قصير فقط. واقترب منها.
نظرت له بخجل قائلة:
"اعقل يا أدهم، بكرة فرحنا."
أردف أدهم قائلاً بمكر:
"منا عاقل أهو. هو أنا عملت حاجة. أنا هنام في حضنك وبس."
وبالفعل، أخذها أدهم في أحضانه، وقام بتقبيل عنقها، وذهبوا في نوم عميق. رغم أنه كانت زوجته، حافظ عليها من نفسه، يخاف عليها بشدة. ولما لا وهي ابنة قلبه كما يقول لها.
أفاقـت.
كانت دموعها تنهمر بغزارة على وجنتيها. هي لم تصدق أنه تركها وذهب. كانت تشعر به ينادي عليها، تشعر بروحه ورائحته التي تعشقها. ضمت ثيابه في حضنها، لعل تلك الوخزات المؤلمة في قلبها تهدأ. ثم قامت بتقبيل ثيابه وأردفت قائلة:
"أنا عارفة إنك عايش يا حبيبي، لأن أنا كمان لسه عايشة. أنا عارفة إنك راجع، ولا يمكن تسيب بنت قلبك لوحدها."
نظرت، وجدت الخطاب بجانبها الذي أخذته من جمال.
أمسكته وقامت بفتحه بيد مرتعشة، وقرأت:
"بنت قلبي ونبضـه، أول ما يكون وصلك الجواب ده، أعرفي كده إن مهمتي انتهت في الحياة، وربنا استرد أمانته. وصيتك الأولاد. أنا سايب وحوش ورايا. أنا عارف إن جسمي هو اللي فارق الدنيا، لكن روحي هتفضل ساكنة جوه روحك يا حبيبتي. خلي بالك من نفسك ومن أولادنا. قوليلهم إني بحبهم أوي. كنت نفسي أوفي بوعدي وأدرب آسيا بنفسي علشان تكون أشطر ظابطة في الداخلية، بس إنت موجودة يا حبيبتي وهتكملي بعدي. الحمد لله إني نلت الشهادة يا خديجة. خلي بالك من أبويا وأمي وحور يا بنت قلبي."
بعد الانتهاء من قراءة الخطاب، ظلت تصرخ وتصرخ بعلو صوتها قائلة:
"لا مستحيل. تموت وتسيبني. طيب حتى خدني معاك. أنا ماقدرش أعيش من غيرك. أنا والله حاسس إنك عايش. لا يمكن تكون مت. كنت حسيت وعرفت، بس قلبي لسه بينبض لك يا حبيبي."
رفعت يديها إلى الأعلى تناجي ربها قائلة:
"يارب رجعه لنا بالسلامة. يارب يجمعنا بك يا حبيبي على خير. يارب يلم شملنا وتأخذنا في حضنك أنا وأولادنا."
دَلفت إليها آسيا واقتربت منها، تضُمها بحب وتبكي هي الأخرى على بكاء ابنتها.
أردفت قائلة:
"اهدي يا خديجة، علشان خاطر أولادك. حرام اللي هيموتوا من العياط. كفاية العيال بتصوم من غير سحور وعلى الفطار ياكلوا حاجات بسيطة. حتى حماتك يا بنتي ربنا يصبرها."
مسحت خديجة دموعها وأردفت قائلة وهي ترتدي حجابها:
"مالها ماما إيناس يا ماما؟"
قصت لها ما حدث لها.
أردفت خديجة قائلة:
"أنا لازم أروح لها وأطمن عليها. معلش يا ماما، خلي الأولاد تلبس علشان هتروح معايا."
في فيلا يوسف مندور.
حالة من الحزن الشديد سيطرت على الفيلا.
بداخل غرفة إيناس.
كانت تنام على التخت محاطة بالأجهزة الطبية، لا تشعر بأحد. تهمس من بين نومها باسم عزيز عينيها. وبجانبها حور ابنتها التي دموعها تنهمر بغزارة. حتى يوسف كان يبكي بشدة على ولده. أما زين كان يقوم بقياس مؤشراتها الحيوية.
أردف يوسف قائلاً وهو ينظر إلى زين:
"هي لحد إمتى هتفضل كده يا زين؟ إمتى هتفوق؟ يومين وهي كده."
تنهد زين بألم:
"الأفضل لها تكون نايمة يا عمي، وطبيعي من أثر المهدئات اللي واخدها. ربنا يصبرها ويصبرنا جميعاً."
بكى يوسف قائلاً:
"يارب يا ابني، الصبر من عندك يارب. بدل ما هو اللي يأخذ عزائي، آخذ أنا عزاءها."
اقترب زين من يوسف وقام بالتربيت على كتفه بحنان قائلاً:
"وحد الله يا عمي، حضرتك راجل مؤمن."
تنهد يوسف بألم:
"ونعم بالله."
سمعوا طرقاً على الباب. أذن يوسف بالدخول.
دَلفت خديجة ومعها أولادها، وحتى آسيا جاءت معها.
هرول الأولاد على يوسف الذي فتح لهم ذراعيه يضمهم داخل حضنه، يشم رائحة ولده. غمرهم بوابل من القبلات.
ليبكي الجميع على هذا المشهد.
أردفت خديجة قائلة:
"إزاي حضرتك يا عمي؟ وإزاي ماما إيناس؟"
أردف يوسف:
"الحمد لله زي ما أنتِ شايفة. إيناس تعبانة أوي يا خديجة."
ليسمعوا همس إيناس قائلة:
"إنت جيت يا أدهم؟ جيت يا حبيبي؟ أنا حاسس بك وشامم ريحتك يا نور عيني."
فتحت عينيها ببطء، نظرت إلى خديجة وأكملت:
"أدهم معاكي يا خديجة؟ قولي إنه عايش."
اقتربت منها خديجة قائلة بألم ودموعها تنهمر بغزارة:
"أيوا أدهم عايش. إن شاء الله ولازم تفوقي وترجعي زي الأول علشان لما يرجع يلاقي صحتك كويسة."
كانت تتحدث وقلبها يتمزق من تلك الوخزات. كانت تريد أن تصرخ، ولكنها سيطرت على نفسها حتى لا تنهار إيناس أكثر.
اجتمع سامح بأحفاده بعد صلاة التراويح، كمثل كل يوم، لسرد قصص الأنبياء.
أردف الصغير زين ابن عمار وونس قائلاً:
"يعني إيه ابتلاء يا جدو؟ أنا سمعت الكلمة دي من بابا."
ابتسم سامح وأردف قائلاً:
"هقولك يا زين. النهارده هنتكلم عن الابتلاء. إيه رأيكم؟"
أومأ له الأولاد بالموافقة.
وجد آسيا وأولاده جلسوا بجانب الأولاد. ابتسم وأردف:
"بسم الله الرحمن الرحيم. 'إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعًا بَصِيرًا * إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرًا وَإِمَّا كَفُورًا'. صدق الله العظيم."
نظر إلى مالك وأكمل:
"فالابتلاء أمر لابد أن يصيب الإنسان بدرجات مختلفة حتى يختبر الله صبرنا وإيماننا بالقضاء، ولكن ما أجمل العوض بعد الصبر على الابتلاء. بيكون عوض جميل."
تنهد ونظر إلى خديجة وأكمل:
"ولكن في المقابل، فإن الله أعد للصابرين أجراً عظيماً بما صبروا. يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: 'ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه'."
هتف الجميع:
"صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم."
أكمل سامح حديثه قائلاً:
"قال عليه الصلاة والسلام أيضاً: 'ما يزال البلاء بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وما له، حتى يلقى الله وما عليه خطيئة'."
"ويا سلام لو كان البلاء من غير شكوى، زي اللي حصل لسيدنا يعقوب عليه السلام، كما أخبرنا المولى عز وجل، وهو الصبر على البلاء بدون شكوى. قال تعالى في سورة يوسف الآية: 'فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ'."
"هحكي لكم قصة صغيرة عن فضل الصبر على الابتلاء. يروى أن رجلاً كان معروف بتقواه. كانت كلما أصابته مصيبة، قال: خير إن شاء الله. وذات ليلة، أتى ذئب فأكل الديك الوحيد الذي كان يربيه في حظيرته، فقال: خير إن شاء. وفي نفس الليلة، ضرب الذئب الكلب الذي كان يحرس بيته، فمات الكلب، فقال الرجل: خير إن شاء الله. وأيضاً في نفس الليلة، سمع حماره ينهق، فذهب ليراه، وجده قد مرض ومات أيضاً. فقال الرجل كلمته الشهيرة: خير إن شاء الله."
"فشعرت زوجته بالضيق وقالت له: كيف تقول خيراً ونحن فقدنا كل ما نملك؟ وفي الليلة التالية، نزل إلى قريتهم مجموعة من الأشرار الذين أغاروا على كل منازل القرية وقتلوا كل من فيها ونهبوا كل ما وجدوه، إلا منزل ذلك الرجل الصالح، لأن اللصوص قد استدلوا على المنازل من خلال صياح الديك، ونهيق الحمير، ونباح الكلاب الموجودة فيها. أما منزل الرجل الصالح، فكان مظلماً ولا يصدر منه أي صوت، فلم يذهب إليه اللصوص."
أردف سامح أدهم قائلاً:
"يعني لو مكنش الديك والحمار والكلب ماتوا، كانوا اللصوص عرفوا مكانه وكانوا هيكون مصيرهم زي مصير أهل القرية كلها؟"
ابتسم سامح قائلاً:
"برافو عليك يا سامح."
نظر إلى مالك وأكمل:
"ساعات الابتلاء بيكون خير لنا، وبعدها عوض من ربنا على صبرنا من الابتلاء، بس الإنسان يكون شاكراً لنعم الله عز وجل ومتقبلاً الابتلاء بصدر رحب، ودائماً نقول: الحمد لله."
بعد حديث سامح، شعرت خديجة ومالك، حتى ونس وعمار الذين تذكروا اختطاف يزن، بالراحة. أردف الجميع قائلين:
"الحمد لله."
حتى مالك همس في سره:
"الحمد لله والشكر لله."
رواية البنات زينة البيت الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم نهى عادل
فى فيلا أحمد العاصي…
ليلاً..
خرج جمال من الحمام بعد أن أخذ حماماً دافئاً وارتدى ملابس مريحة. اقترب من سلمى وجدها تغفو فوق السرير فهو يعلم بأنها غاضبة منه وبشدة.
تنهد وتمدد بجانبها واحتضنها من الخلف بشدة، دفن وجهه في عنقها وبدأ يشم رائحتها.
سمع شهقاتها. أغمض عينيه بألم وأخذ نفساً وأردف قائلاً:
"وحشتيني يا سلمى."
انفضت قلبها واقشعر جسدها، وفي لحظة نسيت حزنها وزعلها منه عندما علمت بما حدث له ولأدهم وطلبت منه أن يترك هذا العمل.
استدارت له قائلة:
"أنا آسفة يا جمال إني صوتي علي عليك، بس غصب عني. أنا لما روحت وشوفت حالة خديجة واتخيلت نفسي مكانها، مجرد الفكرة إنك ممكن تروح مني موتني. صدقني يا جمال أنا بحبك أوي ولا يمكن نقدر نعيش من غيرك أنا والأولاد."
رفع كف يده ومسح دموعها قائلاً:
"أنا عارف شعورك يا سلمى ومقدر اللي أنتِ فيه، وربنا يصبرنا على فراق أدهم."
نظر إلى داخل عينيها ومال عليها يقبلها بنهم عاشق حد النخاع.
صباحاً اليوم التالي.
استيقظ سامح، أو نقول إنه لم ينعم بالراحة ولم يتذوق طعم النوم، حزين بشدة على ما حدث لعائلته. تذكر كل هذه الأزمات ولكن كان عنده يقين بأن الله سيصلح كل شيء.
نظر إلى تلك الغافلة، ابتسم بحب وعشق وحمد ربه على وجودها في حياته. قام بتقبيل وجهها وانتصب واقفاً ودلف إلى الحمام وتوضأ وخرج.
ارتدى ملابس الخروج، صلى الضحى وخرج متجهًا إلى مبنى جهاز المخابرات.
بعد قليل، صف سامح سيارته أمام جهاز المخابرات، فهو يتجول بدون حراسة رغم تعرضه للكثير من الاغتيالات، ولكنه كان دائمًا يقول: "إن الرب واحد والعمر واحد."
ترجل من السيارة ودلف إلى الداخل متجهًا إلى مكتب اللواء سامح الأنصاري.
بعد قليل..
أردف سامح بغضب وقام بضرب المكتب قائلاً بغضب:
"يعني إيه يا صلاح؟ أنتم سلمتوا أدهم للمخابرات الإسرائيلية بكل سهولة؟ إزاي يحصل كده؟ أدهم بنسبة لهم صيدة كبيرة وأنت عارف يعني إيه الفهد الأسود."
تنهد صلاح قائلاً:
"اهدأ يا سامح، الحمد لله إننا عرفنا إنه لسه عايش وكويس إنه بلع الكبسولة في الوقت المناسب وعرفنا إنه حي."
أردف سامح قائلاً بألم:
"خديجة بتموت يا صلاح من غير أدهم. لازم نشوف حل عشان نوصل له داخل تل أبيب. أكيد هيستخدموا كل الوسائل القذرة عشان يعرفوا منه معلومات. إحنا لازم نوصل له بسرعة."
أردف صلاح قائلاً:
"الحل الوحيد اللي قدامنا السفر لفلسطين. ده المكان الوحيد اللي ممكن ندخل منه لتل أبيب بمساعدة رجالتنا هناك."
شرد سامح قائلاً:
"تمام، يبقى أنا هسافر ومعايا رجالتنا يا صلاح."
أردف صلاح قائلاً:
"بس كده فيه خطورة عليك يا سامح أنت كمان."
أردف سامح قائلاً:
"سيبها على الله يا صلاح، أنا مش هكون لوحدي، معايا جمال وعمار."
ثم ابتسم وأكمل:
"ومالك كمان."
تعجب صلاح قائلاً:
"ومالك ماله ومال شغلنا؟"
أردف سامح قائلاً:
"يمكن دي تكون إشارة من ربنا سبحانه وتعالى. يا صلاح رحيل مرات مالك من هناك، حاولت أوصل لأي معلومة عنها بس للأسف موصلتش لحاجة. يمكن لو روحنا هناك نوصل لها هي كمان."
أردف صلاح قائلاً:
"طيب هي أصلها إيه؟"
تنهد سامح قائلاً:
"من أب فلسطيني وأم مصرية. ويوم كتب الكتاب طبعًا أنا اللي خلصت الإجراءات اللازمة من السفارة ومدحت صابر المحامي خلص الأوراق اللازمة لدرجة أن ماهر حتى مضى من غير ما يشوف هي منين وأصلها وفصلها إيه. دفن نفسه في الماضي وهو أهو بيدفع الثمن غالي أوي."
رفع صلاح يده ورتب على كتف سامح قائلاً:
"إن شاء الله تلاقيها هناك ورجالتنا هتساعدك في العثور عليها."
أردف سامح قائلاً:
"يارب يا صلاح، لحسن مالك حالته بتسوى يوم عن يوم."
بعد انتهاء المقابلة، خرج سامح من مبنى المخابرات وركب سيارته متجهًا إلى خديجة.
بعد حوالي ساعة.
صف سامح سيارته وترجل منها متجهًا إلى الداخل.
دلف سامح إلى فيلا أدهم.
صعد إلى غرفة آسيا، قام بالطرق لتأذن خديجة بالدخول.
وجد الغرفة شديدة الظلام. قام بتشغيل الإضاءة.
صعق عندما وجد خديجة تحضن أولادها ودموعها تنهمر بغزارة.
تنهد بحزن وأخرج هاتفه وقام بتصويرها لهدف ما.
اقترب منها قائلاً:
"خديجة."
رفعت وجهها ونظرت إليه بضعف. حزن سامح عليها فقد بريق وجهها.
أردفت قائلة:
"نعم يا بابا، في حاجة؟"
أردف سامح قائلاً بفرحة:
"أدهم عايش يا خديجة."
انتصبت واقفة وكادت أن تقع، إلا أن يد سامح قامت بضمها. يرتب على ظهرها بحنان قائلاً:
"براحة يا حبيبتي."
أردفت قائلة ودموعها تنهمر على وجنتيها من شدة الفرحة:
"بجد يا بابا؟ أنا كنت متأكدة وواثقة في رحمة ربنا. ألف حمد يا رب."
هلل الأولاد بعدما علموا أن والدهم حي يرزق.
ابتسم لها سامح بحنان:
"مش قولتك يا خديجة خلي عندك ثقة في الله."
أردف عبد الرحمن قائلاً:
"يعني إيه الثقة بالله يا جدو؟"
أردف سامح قائلاً:
"الثقة بالله يا عبد الرحمن تجدها في إبراهيم عندما أُلقي في النار فقال بعزة الواثق بالله: 'حسبنا الله ونعم الوكيل'، فجاء الأمر الإلهي: 'يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم'.
الثقة بالله تجدها في هاجر عندما ولى زوجها وقد تركها في وادٍ غير ذي زرع صحراء قاحلة وشمس ملتهبة ووحشة قائلة: 'يا إبراهيم لمن تتركنا؟' قالتها فقط لتسمع منه كلمة يطمئن بها قلبها. فلما علمت أنه أمر إلهي قالت بعزة الواثق بالله: 'إذاً لا يضيعنا'، ففجر لها الله تعالى ماء زمزم وخلد سعيها. ولو أنها جزعت وهرعت لما تنعمنا اليوم ببركة ماء زمزم.
الثقة بالله تجدها في أولئك القوم الذين قيل لهم: 'إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم'، ولكن ثقتهم بالله أكبر من قوة أعدائهم وعدتهم، فقالوا بعزة الواثق بالله: 'حسبنا الله ونعم الوكيل'، 'فانقلبوا بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء'.
الثقة بالله نعيم بالحياة، طمأنينة بالنفس، قرة العين، أنشودة السعداء.
الثقة بالله أن كل قال أن أدهم مات، ولكن خديجة قالت أنها عندها ثقة بالله إنه عايش.
الثقة بالله يا عبد الرحمن أن بعد أكثر من 20 سنة جمع بين أدهم وخديجة وكل واحد فيهم كان واثق في الله أنه يجمعه بالثاني."
وعلى ذكر هذه الذكرى ابتسمت خديجة.
أردفت خديجة قائلة:
"طيب هو فين يا بابا دلوقتي؟"
تنهد سامح قائلاً:
"بعدين يا خديجة، بعد صلاة التراويح نتكلم. يلا روحي ارتاحي شوية يا حبيبتي."
أردفت قائلة:
"حاضر يا بابا."
في فيلا سامح..
دلف إلى الداخل وجد آسيا تجلس فوق الأريكة في الردهة الكبيرة بداخل الفيلا. ترتدي ثوبها الخاص بالصلاة، تقرأ في كتاب الله العزيز بصوتها العذب. لمعت عينيه بالسعادة والفرحة. اقترب منها وحمحم لكي يلفت أنظارها.
رفعت آسيا نظرها، صدقت وأغلقت كتاب الله وأردفت قائلة:
"حمد الله على السلامة يا سامح."
تنهد وجلس بجوارها قائلاً:
"الله يسلمك يا آسيا."
نظرت له آسيا ووجدته حزين الملامح، شاحب الوجه. أردفت قائلة وهي تربت على ظهره بحنان:
"مالك يا سامح، فيك إيه وليه نزلت الصبح من غير ما تصحيني؟"
أخذ نفساً طويلاً قائلاً:
"أدهم عايش."
انتفض قلب آسيا وأردفت قائلة بفرحة:
"بجد؟ ألف حمد وشكر يا رب. طيب ده حاجة كويسة، أمتى هيرجع؟"
أردف سامح قائلاً بهدوء:
"الحمد لله أنه عايش وقدرنا نعرف بس مكانه لسه، وأكيد هيكون صعب الوصول له. تنهد وأكمل: أدهم في تل أبيب يا آسيا أسير هناك."
شحب وجهها وأردفت قائلة:
"يعني إيه يا سامح؟"
أردف سامح قائلاً لتغيير مجرى الحديث، فهو لم يريد إدخالها في عمله قائلاً:
"أنا هطلع آخد شاور وبعد كده أنزل المكتب عندي شغل مهم، ولما ييجي عمار وجمال خليهم يستنوا في المكتب."
أومأت له برأسها قائلة:
"حاضر، ربنا يقويك."
بعد مرور نصف ساعة.
بعد أن أخذ حماماً دافئاً أنعش به جسده وصلى صلاة الظهر، نزل إلى الأسفل. سار باتجاه غرفة المكتب. دلف وجد عمار وجمال في انتظاره.
ألقى السلام وجلس أمامهم على كرسي المكتب.
أردف قائلاً:
"عرفتوا أن أدهم عايش؟"
أردف جمال قائلاً:
"لسه جاي من الجهاز واللواء صلاح قالي، وكمان قالي أن حضرتك هتسافر معانا."
أردف عمار قائلاً:
"بس كده يبقى فيه خطورة عليك أنت كمان يا سيادة اللواء."
أردف سامح قائلاً بهدوء:
"سيبها على الله يا عمار، أنا اخترتك تكون من ضمن الفريق، وكمان مالك هيسافر معانا."
نظر عمار وجمال بذهول من حديث سامح.
أردف جمال قائلاً:
"مالك!! طيب إزاي ويفهم إيه في شغلنا؟"
ابتسم سامح قائلاً:
"بعدين تعرفوا، بس أهم حاجة السرية التامة."
بعد الانتهاء من حديثهم، خرج جمال متجهًا إلى بيته، وعمار وسامح خرجوا إلى حديقة الفيلا.
أمسك سامح كتاب الله وبدأ في تلاوته، أما عمار فذهب ليلعب مع أطفاله.
دارت عيناه في المكان، وجد جميع الأطفال يمرون ويلعبون إلا ابنته لين. حزن بشدة فهي تعاني مشكلة في القلب.
اقترب من طفلته لين قائلاً:
"لينى حبيبة بابي، زعلانة ليه؟"
أردفت لين قائلة:
"اشمعنى أنا يا بابي اللي مش بلعب معاهم دائمًا؟ هم بيجروا ويلعبوا وأنا لا، ولو عملت كده بعدها يغمى علي."
أخذها عمار في أحضانه يرتب عليها بحنان قائلاً:
"مش أحنا قولنا لك قبل كده إنكِ تعبانة شوية، وبعدين يا لين إنتِ بتعملي كل اللي نفسك فيه، مش لازم تجري وترهقي نفسك يا حبيبتي، وإن شاء الله ربنا هيشفيكي."
أردفت لين قائلة:
"طيب هو ربنا مش بيحبني عشان كده أنا تعبانة؟ لأني بدعي أخف بس لسه تعبانة زي ما أنا وبأخد علاج كتير وساعات من التعب مش بقدر أصوم."
تنهد عمار قائلاً:
"لا طبعًا يا حبيبتي ربنا بيحبك، وإن شاء الله هتخفي بس قولي يارب و لازم يكون عندك ثقة في الله."
أردف لين قائلاً:
"يارب."
لمح عمار عبد الرحمن يجلس هو الآخر وحيدًا على الأرجوحة.
أردف قائلاً:
"إيه رأيك لو تروحي تقعدي مع عبد الرحمن تقروا مع بعض قصص؟"
أردفت لين قائلة:
"ماشي يا بابي، أنا بحب عبده أوي لأنه دائمًا بيقعد معايا وبيحكي لي قصص، بس هو زعلان عشان أنكل أدهم."
انتصبت الصغيرة واقفة وسارت باتجاه عبده وهي تمسك مجموعة من القصص.
أردفت قائلة:
"ممكن أقعد جنبك يا عبده؟"
ابتسم لها قائلاً:
"طبعًا يا لين تعالي."
أردفت قائلة بعد أن جلست بجانبها:
"إيه رأيك أحكيلك أنا النهارده قصة؟"
ابتسم لها وملس على شعرها بحنان قائلاً:
"موافق طبعًا."
وسردت له الصغيرة القصة.
بداخل فيلا سامح.
انطلقت تواشيح أذان المغرب. خرجت العاملات ومعهم الفتيات وآسيا وبدأن برص أطباق الطعام التي بها كل ما لذ وطاب، حتى خديجة فقد شاركتهم بعد أن هدأ قلبها بعد أن أكد لها سامح بأن أدهم حي لم يمت.
بعد لحظات، انطلق مدفع الإفطار، وقام المؤذن برفع الأذان. تحرك الرجال إلى المسجد ليؤدوا صلاة المغرب.
بعد أن رجعوا من الصلاة، التف الجميع حول الطاولة وبدأوا في تناول الطعام بفرحة بعد أن علموا أن أدهم حي.
أردف ماهر قائلاً وهو ينظر إلى سامح:
"مادام أدهم عايش الحمد لله. أمتى هيرجع؟"
نظرت خديجة بلهفة تنتظر إجابة والدها الذي أردف قائلاً:
"بعد الفطار هجاوب على كل الأسئلة."
أردفت تاج التي كانت تجلس بجانب يوسف:
"ضع الطعام أمامه قائلة: يلا كل يا يوسف الحمد لله أن أنكل أدهم كويس."
أردف زين قائلاً بغضب:
"يا حنين!"
قهقه الجميع من كلمة زين.
انتهى الإفطار ونظر سامح إلى خديجة قائلاً:
"اعملي القهوة يا خديجة وهاتها لنا في الجنينة."
أردفت قائلة:
"حاضر يا بابا."
دلفت إلى المطبخ، وقفت أمام الموقد وبدأت في صنع القهوة لتشرد.
كانت تقف أمام الموقد تصنع القهوة لحبيبها وعزيز عينيها. شهقت حين وجدتـ ه يضمـ ها من الخلف ويقبلها في عنقها بحب وعشق.
أردفت قائلة:
"وبعدين معاك يا أدهم؟ القهوة فارَت."
ابتسم لها وضـ مها أكثر إليه قائلاً:
"فداكِ القهوة يا بنت قلبي. بس تعالي في موضوع مهم عايز أتكلم معاكِ فيه."
قامت بإغلاق الموقد واستدارت له قائلة بدلال:
"هي موضوعك مش بتخلص ليه يا دومي؟"
ابتسم لها وفجأة حملها. رفعت يديها حول عنقه قائلة:
"بحبك يا ديجا."
قبلته من وجنتيه قائلة:
"وأنا بعشقك يا ولد عمي."
صرخ أدهم قائلاً:
"يا بوي."
"ده إحنا ليلتنا فل بعون الله."
أفاقت على حديث بدور:
"القهوة يا خديجة فارَت."
ارتـ مـ سحت دموعها وأردفت قائلة:
"هعمل غيرها."
اقتربت بدور وأخذتها في أحضانها ترتب على ظهرها بحنان قائلة:
"وحدي الله يا خديجة، الحمد لله إن أدهم عايش وهيرجع لنا تاني."
أردفت خديجة:
"لا إله إلا الله، الحمد لله."
دلف إليهم ونس قائلة:
"خيانة أخوا تي الاثنين في أحضان بعض وأنا لا؟ لا ده حتى عيب في حقي."
ضحكت خديجة وفتحت يديها لتأخذها هي الأخرى في أحضانها.
بعد قليل، خرجت الفتيات.
حملت خديجة القهوة، وونس صينية بها الكنافة، وبدور مشروبات للأطفال.
أردف سامح قائلاً:
"تعالوا اقعدوا عشان نتكلم."
جلسوا الجميع في حديقة المنزل يتحدثون بينما الأطفال كانت تلعب.
بعد أن قص لهم سامح ما حدث مع أدهم، صرخت خديجة قائلة:
"أسير، أدهم جوزي أسير، لا وكمان في إسرائيل."
تنهد سامح قائلاً:
"اهدي يا خديجة، أنا هسافر فلسطين ومعايا عمار وجمال وإن شاء الله مش هنرجع إلا وهو معانا."
شحب وجه آسيا وونس التي نظرت إلى عمار وانتفض قلبها.
كادت خديجة تتحدث إلا أن أذن صلاة العشاء.
أردف سامح قائلاً:
"يلا نروح نصلي وبعد كده نتكلم."
بعد خروج الجميع إلى صلاة العشاء، كانت تجلس حزينة شاردة. وجدت جميع الفتيات تقترب منها.
أردفت ونس قائلة:
"آسيا."
نظرت لها آسيا قائلة:
"عايزة إيه يا ونس؟"
أردفت قائلة بمرح:
"لازم تشغلي سلاحك على البوب خليه يوافق نسافر معاه كلنا. أقولك قوليه نقضي بقية العيد هنا."
نظرت لها آسيا بذهول:
"إزاي يا هبلة ده مسافر في مهمة وهنروح كلنا إزاي بأولادكم؟"
أردفت بدور قائلة:
"يعني ترضي البوب يسافر بعيد عنك متعرفيش حاجة عنه. ده أنا سمعت كمان أن بنات وستات فلسطين صاروا خُضرة جو يا آسيا يا أختي، أنا خايفة ينخطف منك."
شردت آسيا في حديث الفتيات.
بعد رجوع الرجال من صلاة العشاء والتراويح.
دلفا إلى الداخل وجد آسيا تجلس ومعها الفتيات حولها.
نظر بشك.
أردفت خديجة قائلة:
"بابا أنا مليش دعوة أنا مسافرة معاكم."
أردف سامح قائلاً:
"تسافر إزاي؟"
أردفت قائلة بألم:
"حضرتك نسيت إني ظابط وممكن تختارني معاكم في المهمة."
تنهد سامح قائلاً:
"يا خديجة الوضع في فلسطين صعب أوي وكمان عشان أولادك يا حبيبتي."
أردفت قائلة ودموعها تنهمر على وجنتيها:
"عشان خاطري يا بابا."
تنهد سامح قائلاً:
"حاضر يا خديجة، ربنا يسهل."
وجد من يقول من الخلف:
"وإحنا كمان معاكم."
تعجب سامح واستدار. انصدم عندما وجد آسيا وبناته وأحفاده.
زفر بغضب قائلاً:
"وأنتم إيه إن شاء الله؟"
لكزت الفتيات آسيا وهمست لها بدور في أذنها:
"ادلعى عليه وخليه يوافق نسافر معاه كلنا."
نظرت لها آسيا بغضب، فغمزت لها بدور بإحدى عينيها.
كل هذا وسامح يكتـ م ضحكته من شكل آسيا وهي تقترب منه قائلة:
"وإحنا عايزين نروح معاكم، منا لا يمكن أخليك تروح لوحدك وكمان لازم أكون جنب بنتي."
أردف سامح قائلاً بصوت حاد:
"هو إحنا رايحين رحلة؟ اعقلوا كده، أنا مسافر في مهمة مش رايح أفسح."
نظرت آسيا إلى الفتيات لتغمز لها الفتيات وتهمس لها بأن تشغل سلاح الأنثى لديها.
اقتربت آسيا قائلة:
"عشان خاطري يا سموحة وافق إننا نسافر معاكم ونصلي صلاة العيد هناك."
كتم ضحكته ونظر إلى الجميع قائلين:
"عشان خاطرها يا سموحة وافق."
أردف ماهر قائلاً:
"هو إيه ده أنا مش فاهم حاجة."
زفر سامح قائلاً:
"محدش هيسافر إلا أنا وجمال وعمار ومالك."
رفع مالك وجهه لوالده ونظر له نظرة بمعنى أنا كيف ولماذا.
وجد من يقول:
"وإحنا كمان عايزين نسافر معاك يا سيادة اللواء."
نظر وجد يوسف مندور ومعه إيناس.
أردف سامح قائلاً:
"الله أكبر، أهي كملت يا صبر أيوب."
أردفت لين قائلة:
"جدو ممكن تحكي لنا قصة سيدنا أيوب؟"
ابتسم لها سامح وقام بحملها ووضع قبلة على جبهتها قائلاً:
"حاضر يا حبيبتي، يلا تعالوا كلكم اقعدوا عشان تعرفوا رحمة ربنا."
"وإن بعد كل ابتلاء صبر وأجمل جبر."
أردف سامح قائلاً:
"نبي الله أيوب عليه السلام، هو من ذرية إسحاق عليه السلام. ضرب الله به مثلاً للبشرية في نموذج لرجل أعطاه الله النبوة والمال والأولاد والصحة، وابتلاه الله أعظم البلاء رغم نبوته، فصبر صبرًا لم تعهده البشرية كما كان أيوب عليه السلام. قال تعالى: (وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)."
أردف زين عمار قائلاً:
"إيه هي ثروة سيدنا أيوب عليه السلام؟"
أردف سامح قائلاً:
"سيدنا أيوب كان رجلاً يمتلك الكثير من المال والأنعام والعبيد والمواشي والأراضي المتسعة بأرض الثنية من أرض حوران. وكان له أولاد، وعاش على هذه النعم عشرات السنين.
إلا أنه الله سبحانه وتعالى حب أن يختبر إيمانه وصبره وهل فعلًا يستاهل كل هذه النعم ولا لا.
فـ نزل عليه الابتلاء."
أردفت آسيا أدهم قائلة:
"وإيه هو ابتلاء سيدنا أيوب عليه السلام يا جدو؟"
ابتسم لها قائلاً:
"ابتلى الله أيوب في جسده فأصيب بأمراض لم ينجُ منها عضو في جسده سوى قلبه ولسانه. فكان صابرًا محتسبًا ذاكرًا لله في ليله ونهاره.
طال مرض النبي حتى انقطع عنه الناس خشية العدوى وانتقال المرض، وأُخرج من البلد، وأُلقي في مزبلة خارجها، ولم يحنُ عليه.
وهنا دور الزوجة الصالحة:
كانت زوجته ترعى له حقه وتعرف قديم إحسانه إليها وشفقه عليها، فكانت تتردد إليه فتصلح من شأنه وتعينه على قضاء حاجته وتقوم بمصلحته."
أردف يزن قائلاً:
"كل ده ابتلاء؟"
أردف سامح قائلاً بهدوء وهو ينظر إلى مالك:
"لا يا يزن ومش بس كده، ده كمان سيدنا أيوب فقد ماله ومزارعه وأراضيه ومات أولاده واحدًا تلو الآخر. فكانت المصائب تتوالى عليه ورغم كل ده كان صابرًا ذاكرًا محتسبًا. ضعف حاله وحال زوجته، فاضطرت أن تخدم الناس بالأجر؛ لتستطيع إطعام زوجها أيوب، وهي رضى الله عنها صابرة مع زوجها على ما حل بهما من فراق المال والولد والمرض وضيق ذات اليد بعدما عاشوا سنينًا في رخاء ورزق وفير في المال والولد والصحة."
نظرت آسيا وجدت سامح حزين ينظر إلى أولاده.
أردفت قائلة:
"ممكن أكمل الباقي زي ما أنت كنت بتحكيها ليا يا سامح؟"
لمعت عيناه بفخر، أومأ لها برأسه.
أردفت آسيا قائلة:
"بعد كده تدهورت صحة نبي الله، وتساقط لحم جسده ولم يبق إلا العظم والعصب، فكانت أمه تأتيه بالرماد تفرشه تحته. فلما طال عليها، قالت: 'يا أيوب لو دعوت ربك لفرج عنك'. فقال أيوب: 'قد عشت سبعين سنة صحيحًا فهو قليل لله أن أصبر له سبعين سنة'. فجزعت المرأة من كلامه هذا."
أردفت ونس قائلة:
"أنا قرأت قبل كده يا بابا أن الشيطان وسوس لسيدنا أيوب."
أردف سامح قائلاً:
"فعلاً يا ونس الشيطان وسوس له."
"بس إزاي؟"
أردف يوسف مندور قائلاً:
"جاء الشيطان وتمثل في هيئة طبيب والتقى بزوجة أيوب والتي رحبت به وأدخلته على زوجها للعلاج، فأصابه الشيطان بآلام وعذاب، حتى أدرك أيوب أنه ليس طبيبًا وإنما شيطان فطرده، وغضب من زوجته وأقسم ليضربنها بالسوط مائة ضربة."
أردفت تاج قائلة:
"ليه يا جدو زوجة سيدنا أيوب تبيع ضفيرتها؟"
أردفت إيناس قائلة:
"أنا عارفة."
أومأ لها سامح قائلاً:
"طبعًا اتفضلي."
تنهدت إيناس قائلة:
"ازدادت الأحوال سوءًا على سيدنا أيوب وزوجته، فقد امتنع الناس أن يتعاملوا مع زوجة أيوب خوفًا من أن يصابوا ببلاء زوجها أو تعديهم زوجته نتيجة مخالطته، فلم يعد يطلبون خدمات زوجته، ولم تعد تستطيع جلب المال للإنفاق على زوجها، فاضطرت لقص إحدى ضفيرتيها وبيعها لبعض بنات الأشراف مقابل طعام طيب كثير. فلما أتت به أيوب سألها: 'من أين لك هذا؟' فقالت: 'خدمت به أناساً'."
أكملت خديجة قائلة:
"في اليوم التالي عجزت زوجة سيدنا أيوب أن تعمل لجلب المال، فاضطرت للمرة الثانية أن تبيع الضفيرة الثانية وأصبح حالها مبتذلاً، ولما أتت بالطعام سيدنا أيوب حلف ألا يأكل هذا الطعام حتى تخبره من أين جاءت به. فكشفت عن رأسها خمارها، فلما رأى رأسها محلوقاً، تألم واشتد كربه."
"فلجأ إلى الله وقال: 'رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين'. قال تعالى: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَـ سَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ*فَاسْـ تَجَبْنَا لَهُ فَكَـ شَـ فْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ ۖ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ)."
أردف ماهر قائلاً:
"وبالفعل استجاب الله لدعاء نبيه، وأذن بكشف الضر عن عبده أيوب، فخرج أيوب لقضاء حاجته وزوجته تمسك بيده وتسنده، وراحت تنتظره حتى ينتهي لتأخذ بيده حتى يرجع، لكنها ظلت تنتظره كثيرًا فقد تأخر على غير عادته. فقد أوحى الله إلى أيوب أن اضرب برجلك الأرض يخرج منها ماء بارد، اغتسل منه واشرب تشفى مما أصابك من كافة الأمراض، ففعل أيوب فاسترد صحته وعافيته بأحسن حال. قال تعالى: (وَاذْكُرْ عَبْدَنَا أَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَـ سَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ* ارْكُضْ بِرِجْلِكَ ۖ هَٰذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ*وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنَّا وَذِكْرَىٰ لِأُولِي الْأَلْبَابِ* وَخُذْ بِيَـ دِكَ ضِغْثًا فَاضْرِب بِّهِ وَلَا تَحْنَثْ ۗ إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا ۚ نِّعْمَ الْعَبْدُ ۖ إِنَّهُ أَوَّابٌ)، فلما عاد لزوجته لم تعرفه وظنته غريبًا، وسألته عن أيوب وقالت: 'أي بارك الله فيك، هل رأيت هذا المبتلى الذي كان ها هنا؟ أخشى أن تكون الكلاب أو الذئاب قد ذهبت به'. فقال لها: 'ويحك أنا أيوب'. قالت: 'أتسخر مني؟' قال: 'أنا أيوب، قد رد الله على جسدي'. وكانت مفاجأة مدهشة لزوجته التي غمرتها السعادة والشكر لله على فضله وجزائه لعباده الصابرين."
أردف سامح قائلاً:
"فعلاً ربنا استجاب لدعوة سيدنا أيوب ومش بس كده، لا أصلح الله لأيوب حال زوجته، ورد لها جمالها وشبابها، فحملت وولدت، ورزقهما الله مثل أولادهم الذين فقدوهم فيما مضى، وأعطاه الله مثلهم معهم، كما رزق الله أيوب رزقًا وفيرًا من المال والمزارع والأراضي كما التي فقدها من قبل ومثلها معها، وأوحى الله لأيوب أن يستغفر لمن هجروه، فعادوا لصحبته كما كانوا، وأوحى الله لأيوب أن يجمع حزمة من الأعواد الصغيرة ويضرب بها زوجته ضربة واحدة خفيفة حتى يبر بقسمه السابق ولا يحنث، وكانت رخصة من الله حتى لا يؤلم زوجته الصابرة المحتسبة الصديقة البارة بزوجها. وده قصة سيدنا أيوب بعد كل ابتلاء جبر."
نظر إلى الجميع، وجدهم دموعهم تنهمر بغزارة.
ردوا جميع:
"الحمد لله، لله، والشكر لله."
رواية البنات زينة البيت الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم نهى عادل
"لا تبااااالي” قد يسوق إليك الله قدرًا يبكيك ساعةً، لئلا تبكي بعدها دهرًا.
قد يسوق إليك تأخيرًا لأمرٍ كسنةً، لئلا تتوقف بعدها الخيرات عنك دهرًا.
قد يأخذ منك مقدار حبةٍ من خردلٍ من رزقٍ، ليغمرك بمِداد البحر أجرًا.
قد يذوقك ألم الوحشة ليلًا، ليفتح على قلبك بابًا للأنس به لا ينقطع سرٌّ مدًا.
قد يباعِد بينك وبين ما تمنى قلبك حينًا، ليختبر صبرك فيتركه لك أبدًا.
قد يقطع عنك رسائلهُ أمَدًا، ليأتي بك إليه جرًا.
قد يتركك تنادي طويلًا ظانًا أن صوتك لا صدى له عنده، لتُطيل النداء فيزداد الدعاء فيعظم العطاء.
قد يكتب عليك قدرًا لم تتصور أن يكتبه عليك يومًا، لأنه يخبئ لك بعده رزقًا لم تتوقعه أيضًا.
قد يقطع أسبابك كلها فتظنه يعجزك، وهو الذي يرفعك لدرجة المضطر فيجيب حينها دعاءك ويلبي حاجتك.
قد يتركك للأيام تأكل جدران قلبك يأسًا دون إجابة، لأنه يعلم مدى حلاوة الجبر بعد اليأس من النصر، فيكتب لك أجر الصبر وحلاوة الجبر.
قد يراك نائمًا قانطًا من رحمته ساخطًا على قدره، ثم يوقظ عبدًا صالحًا من عباده في ثلث الليل يذكرك فيدعو لك غيبًا.
قد يفعل الله لك شيئًا تتعجب: "لماذا حدث؟!" و"لماذا في هذا التوقيت بالتحديد؟!"
قد يحتار عقلك، بل حتمًا سيحتار عقلك في فهم كثير من الأحداث، إلى أن يؤذن لك برؤية الله في أقداره، رؤية آثار رحمة الله في قضائه، رؤية يد الله التي تعمل في الخفاء.
"وما كان الله ليضيع إيمانكم.. إن الله بالناس لرؤوف رحيم.. لرؤوف رحيم.. لرؤوف رحيم"
***
بداخل تل أبيب.
كان أدهم يجلس بداخل غرفة قديمة، عصبت عينيه بشريط أسود اللون حتى لا يرى شيئًا. سمع صوتًا قائلًا:
"وأخيرًا لقد وقع الفهد الأسود."
ابتسم أدهم بسخرية ولم يهتف بأي شيء.
ابتسم ديڤ قائلًا:
"أنت لم تعرفني، سوف آخذ منك كل ما أريد وسوف تريني."
ضحك أدهم أكثر.
غضب ديڤ وأردف قائلًا:
"هيا أيها الجنود قوموا بإمساكه جيدًا وأعطوه أول جرعة من المخدر، وسوف نرى قدرته على تحمل هذا الألم إلى متى؟!"
قاوم أدهم ولكنه فشل، وبالفعل قاموا بحنقه.
مر يومان.
فعل ديڤ المستحيل حتى يجبر أدهم على الحديث ويعطيه المعلومات، ولكن أدهم صامت لا يتحدث.
دلف إليه ديڤ قائلًا:
"معي المصل المضاد، إذا أردت أخذه فعليك أن تمدني بالمعلومات التي أريدها."
أمر أحد الجنود بفك عصابة عينيه.
فتح أدهم عينيه بضعف ووهن، فقد تغلب المخدر على جسده.
ابتسم ديڤ قائلًا:
"هيا أدهم، معي المصل المضاد لينهي لك كل هذا الألم، بمجرد أن تأخذه يومين فقط وسيخرج مفعول هذا المخدر من جسدك وتعود كما كنت."
ابتسم أدهم قائلًا بوهن:
"الأفضل لك أن تقتلني يا ديڤ، فلم تتمكن من أخذ شيء مني."
فرك أنفه بقوة وهو يجاهد البقاء واعيًا، قائلًا:
"أنت لم تعرف من هو الفهد الأسود."
رغم ضعف أدهم، أكمل قائلًا بثقة:
"أنا الجحيم بحد ذاته."
أردف قائلًا بغضب:
"لنرى متى ستصمد، أيها الجندي كثف له الجرعة."
كان يجلس أرضًا يلهث من فرط حركاته الثائرة، ليبدأ بالاسترخاء حين دث ذلك الجندي بحنقه بمحقن غليظ اخترق عروق أدهم.
هدأت حركاته الثائرة لينظر إلى ديڤ الذي ابتسم بنصر قائلًا:
"هيا أدهم، معي المصل وسينهي لك كل هذا الألم."
أغمض أدهم عينيه بضعف، بل ذهب في عالم آخر اختار الظلام له وحده.
***
في فيلا أحمد العاصي.
أثناء تناول الإفطار بعد أن جاء أحمد وجمال من صلاة المغرب، جلست مكة على ساقه وبدأ يطعمها بحنان شديد، بينما جلست فاطمة على ساق أحمد العاصي وجلس أحمد الصغير على ساق سلمى. لمعت عيناه بسعادة وهو يرى أطفاله، ما أجمل عوض الله، تمنى طفل ولكن رزقه الله بأربعة، فهو يعتبر جمال ابنه أيضًا.
أردف أحمد العاصي قائلًا:
"هتعملوا إيه يا جمال بعد ما عرفتوا إن أدهم أسير في تل أبيب؟"
تنهد جمال قائلًا:
"هنسافر طبعًا ومعانا اللواء سامح."
أردف أحمد قائلًا بقلق:
"بس كده فيه خطورة عليكم وعلى سامح أكتر."
أردف جمال قائلًا:
"مش عارف هو مصمم على السفر معانا وكمان عايز مالك بالأخص."
تعجب أحمد قائلًا:
"ومالك يفهم إيه في شغلكم؟ المهم السفر إمتى."
حزن جمال وهو ينظر إلى سلمى الصامتة تنظر له بخوف.
أردف قائلًا:
"لسه الوقت ما تحددتش بس أكيد في أقرب وقت."
أردفت فاطمة قائلة بحب أبوي حقيقي:
"ربنا معاكم يا جمال، تروحوا وتيجوا بسلامة، وبإذن الله ربنا ينصركم وترجعوا ومعاكم أدهم."
ابتسم لها جمال قائلًا:
"الله يسلمك يا أمي، دعواتك."
أردف أحمد الصغير قائلًا:
"بابي ممكن بعد الفطار نروح عند جدو سامح علشان ألعب معاهم؟"
ابتسم جمال قائلًا:
"حاضر يا عيون بابي."
بعد انتهاء الفطار، حملت العاملات الأطباق وساعدتهم سلمى التي قامت بإعداد القهوة وقامت بإخراجها إلى والدها وزوجها في حديقة المنزل.
وضعت القهوة على الطاولة وذهبت بدون أن تتحدث كلمة واحدة. نظر إليه جمال بحزن.
أردف أحمد قائلًا:
"روحي اتكلمي معاها يا جمال، هي أكيد خايفة عليك."
تنهد جمال قائلًا:
"حاضر بعد إذنك."
انتصب جمال واقفًا ودلف إلى داخل الفيلا ثم صعد إلى جناحه، وجدها تجلس تبكي على التخت.
زفر بغضب وجلس بجانبها وأخذها في أحضانه قائلًا:
"ليه الدموع يا حبيبتي بس، إنتِ مش عارفة إن دموعك غالية عندي يا سلمي."
شدت سلمى من احتضانه قائلة:
"خايفة عليك يا جمال، غصب عني والله."
رفع يده ولمس شعرها بحنان:
"سيبيها على الله يا سلمى، الرب واحد والعمر واحد، وبعدين بقى هنقضيها كده؟ أنا ما صدقت إن عيالك مش موجودة، أنا مش عارف العيال دي كل ما أقرب لكِ بتطلع ليا منين."
ابتسمت له قائلة:
"أنا بحبك أوي أوي يا جمال، ربنا يخليك لنا."
ضمها إليه وأردف قائلًا:
"وأنا بعشقك يا قلب جمال."
ومال عليها يقبلها بنهم عاشق حتى النخاع، غرق في حلال الله.
***
في فيلا سامح الأنصاري.
بعد أن أنهى سامح قصته عن نبي الله أيوب، أردف قائلًا:
"عرفتوا إن رحمة ربنا كبيرة وإن بعد كل صبر جبر."
لم يكمل حديثه عندما صدح صوت هاتفه. أخرج الهاتف وجده اسم المتصل اللواء صلاح. ابتعد عن الجميع وقام بالرد قائلًا:
"أيوا يا صلاح، فيه جديد؟"
اللواء صلاح:
"آه، قدرنا نحدد مكان أدهم يا سامح ولازم في أقرب وقت السفر، لازم جمال وعمار يسافروا الفجر."
تنهد سامح قائلًا:
"تمام يا صلاح، أنا هتصل بجمال ونشوف هنعمل إيه."
بعد أن أنهى المكالمة، اقترب مرة أخرى للجميع، أردف قائلًا وهو ينظر إلى عمار:
"عمار، اتصل على جمال خليه يجي حالًا."
أردف عمار قائلًا:
"تمام."
وبالفعل قام عمار بالاتصال على جمال وأخبره بضرورة الحضور إلى فيلا سامح.
بينما كانت خديجة تنظر بقلق إلى والدها. اقتربت منه قائلة بقلق:
"بابا، إيه اللي حصل؟ أدهم كويس؟"
نظر إليها سامح وابتسم لها:
"اطمني يا خديجة، أدهم كويس بس لازم عمار وجمال يسافروا النهارده."
أجابته خديجة قائلة:
"أنا لازم أسافر معاهم."
أغمض سامح عينيه وأخذ نفسًا طويلًا وأخرجه ببطء شديد قائلًا:
"للأسف الأوضاع صعبة حالًا، وكل دقيقة بتمر على أدهم خطر عليه، يبقى الأهم نفكر بعقلنا ونشوف الصح وكله هيبقى خير بإذن الله."
بالفعل جاء جمال واجتمع مع عمار واللواء سامح وأخبرهم بماذا يفعلون ليكون التحرك فجرًا اليوم التالي.
فجرًا اليوم التالي.
بعد مرور عدة ساعات، وصلوا إلى مطار الأردن. وجدوا فردًا من جهاز المخابرات يقف في استقبالهم ليدخلهم فلسطين عن طريق بعض الطرق والأنفاق.
***
في فلسطين.
وصل جمال ومعه عمار إلى مكان التجمع، وجدوا عامر في استقبالهم. رغم صغر سنه، إلا أنه ماهر في عمله، ملقب بذئب فلسطين، فهو يعلم بكل صغيرة وكبيرة في فلسطين، يخافه الجميع من قوات الاحتلال الإسرائيلي.
صافحهم عامر وأردف قائلًا:
"حمد الله على السلامة."
رد جمال قائلًا:
"الله يسلمك يا عامر."
نظر إلى عمار وأردف قائلًا:
"أحب أعرفك على الرائد عمار."
أردف عامر:
"تشرفنا يا فندم."
ابتسم عمار قائلًا:
"الشرف ليا يا عامر."
أردف جمال قائلًا:
"عرفت تحدد مكان أدهم يا عامر؟"
أردف عامر قائلًا:
"طبعًا يا فندم، بفضل الكبسولة اللي بلعها المقدم أدهم في الوقت المناسب."
ابتسم جمال وربت على كتف عامر قائلًا بفخر:
"الفضل لك يا عامر في إننا نعرف أدهم عايش لحد دلوقتي بسبب فكرة الكبسولة، فكرة عبقرية."
أردف عمار قائلًا:
"إمتى الهجوم؟"
نظر عامر في ساعته قائلًا:
"بعد حوالي ساعتين، يعني بعد السحور بحوالي نصف ساعة."
أردف جمال قائلًا:
"تمام يا عامر."
أردف عامر قائلًا:
"بعد إذنك يا فندم أروح أجهز السحور."
أومأ له جمال برأسه قائلًا:
"تمام."
بعد حوالي ساعتين.
فعل عامر مع عمار وجمال مثل ما فعل مع أدهم وجمال في المرة الماضية، وأعطى لهم كبسولة تحدد أماكنهم في البر أو البحر. تم تفعيلها بواسطة عامر الذي قام بابتكارها، لم يستطع أحد اكتشافها حتى لو تم وضعه تحت أي جهاز أو اختبار.
بعد مرور حوالي نصف ساعة.
دلفا عامر إلى نفق ومعه جمال وعمار. ساروا خلفه إلى أن وصلوا إلى ممر به عدة أجهزة. أخرج كل منهم مسدسًا ووضع به كاتم للصوت. بدأ كل منهم يقاتل بـشراسة، كلٌ منهم في مكان مختلف. شعر عامر بحركة غير منتظمة تصدر من إحدى الغرف. أمسك جهاز اللاسلكي المتصل بجمال وأردف قائلًا:
"أنا محتاج دعم يا فندم علشان أقدر أقتحم."
أردف جمال قائلًا:
"تمام يا عامر، أنا جاي لك أنا وعمار."
وقف عامر وأشار بعينه في اتجاه الغرفة المجاورة، ثم فتح باب الغرفة بحذر شديد. هاجم كلٌ منهم وأصوات الرصاص تتطاير في المكان.
أردف عامر قائلًا بعد أن نظر إلى ساعته:
"مفيش وقت يا فندم، لازم نتحرك بسرعة."
كان جمال يتفحص الغرفة بنظرات غاضبة، وقف مذهولًا ينظر كالصاعقة وهو يرى أدهم ينام جثة هامدة.
أردف بغضب:
"يا ولاد الكلب، يا ولاد الكلب عملتوا فيه إيه؟"
فتح عينيه بضعف وهو يحاول تحريك جسده الثقيل. سعل بقوة وحك ذراعيه بجنون.
أردف قائلًا وهو ينظر:
"جمال، أديني الحقنة بسرعة."
صعق عمار مما استمع عندما جاء بعد أن قام بقتل مجموعة كبيرة من الرجال المسلحين.
أردف قائلًا:
"أدهم، عملوا فيك إيه؟"
أردف أدهم قائلًا بوهن:
"عمار، خديجة يا عمار."
جاء عامر وهو يهرول قائلًا:
"بسرعة، مفيش وقت، لازم نمشي، إحنا اكتشفنا."
أردف أدهم قائلًا بألم:
"جمال، اقتلني وخلصني من اللي أنا فيه."
نظر جمال بشر وقام بضرب الجدار قائلًا:
"أنت مش ضعيف يا أدهم، أنت هتخرج من هنا وهترجع أحسن من الأول عشان خاطر مراتك وولادك، مراتك اللي كان عندها يقين إنك عايش والكل قال إنك مت."
بالفعل قام جمال بحمل أدهم.
أردف قائلًا بوهن:
"فجروا المكان، ولا ترحم أحدًا."
ثم فقد الوعي.
أردف جمال وهو يخرج من الممر قائلًا:
"نفذ الأمر يا عامر."
أما عمار كان يقف ينظر بذهول غير مستوعب ماذا حدث مع أدهم. أهذا هو الفهد الأسود؟ أخرج سلاحه وظل يضرب في رؤسائهم. تحولت الغرفة إلى بركة من الدماء، وبالفعل بعد قتل الجميع قام عامر بتفجير المكان.
بعد حوالي ساعتين، دلف جمال الذي كان يحمل أدهم ودموعه تنهمر بغزارة على وجنتيه، وبجانبه عمار وعامر.
أردف عمار قائلًا بألم وهو ينظر إلى أدهم:
"هنعـمل إيه يا جمال؟"
شد جمال خصلات شعره وأخذ نفسًا طويلًا وأخرجه بغضب قائلًا:
"مش عارف. أنا بقول نتصل باللواء سامح، بس الأول عايزين نفوق أدهم."
تنهد عمار قائلًا:
"ربنا معانا إن شاء الله."
وبالفعل قام جمال بالاتصال على اللواء سامح وأخبره بما حدث.
***
في فيلا سامح الأنصاري.
بعد رجوع الرجال من صلاة المغرب وجلسوا لتناول الإفطار، صدح صوت رنين هاتف سامح. انتصب واقفًا وابتعد عن الجميع وقام بالرد ليجده جمال الذي قص عليه ما حدث معهم وماذا حدث لأدهم. أخذ نفسًا وأردف قائلًا:
"جمال، هبعت لك فيديو خليه أدهم يشوفه ضروري."
قام بإنهاء المكالمة وعاد مرة أخرى ينظر بشرود إلى أن انتهى من الإفطار في صمت.
بعد مرور حوالي ساعة، أذن صلاة العشاء ليذهب الجميع إلى صلاة العشاء.
وكمثل كل يوم، اجتمع سامح مع أحفاده بعد صلاة التراويح ليقص لهم قصص الأنبياء.
أردف يوسف قائلًا:
"إيه رأيك يا جدو تحكي لنا قصة نبي الله يعقوب الليلة، لأنه من فلسطين."
ابتسم سامح وأردف قائلًا:
"تمام يا يوسف."
"نشأ وكبر سيدنا يعقوب -عليه السلام- مع والده إسحاق -عليه السلام- في مدينة فلسطين، وقد أمرته أمه أن يغادر إلى خاله لابان في أرض حران؛ ليقيم عنده بعد أن حصل خلافٌ بينه وبين أخيه عيص، ومكث عند خاله مدة من الزمن، وتزوج من ابنته الصغرى ثم الكبرى، ويُذكر أن زوجته راحيل أنجبت له يوسف -عليه السلام- وأخيه بنيامين."
أردفت ملاك قائلة:
"كم عدد أبناء سيدنا يعقوب يا جدو؟"
أردفت آسيا قائلة:
"أنا عارفة أقول؟"
لمعت عيون سامح بالسعادة وأردف قائلًا بحب:
"طبعًا قولي يا آسيتي."
خجلت آسيا وأردفت قائلة:
"رزق الله سيدنا يعقوب عليه السلام باثني عشر ولدًا ذكرًا وبنتًا واحدة، أقرب أبنائه لقلبه وأمهما، وهما نبي الله يوسف عليه السلام وأخوه بنيامين وأمهما راحيل بنت لابان، وهي ابنة خال سيدنا يعقوب عليه السلام."
"ثانيًا/ روبين وهو الابن الأكبر لسيدنا يعقوب عليه السلام وإخوته يهودا، لاوي، شمعون، زبولون وياساكر والابنة الوحيدة لنبينا يعقوب عليه السلام دينا؛ وأمهم ليا بنت لابان، وهي بالطبع أخت راحيل وابنة خال يعقوب."
"ثالثًا/ ابنيه دان وانفتالي وهما ابنيه من بيلها."
"رابعًا/ ابنيه جاد وعشير وهما ابنيه من زيلفا."
أردف سامح قائلًا:
"برافو عليكِ يا آسيا."
أردفت لين قائلة:
"من هم قوم سيدنا يعقوب عليه السلام؟"
أردف سامح قائلًا وهو ينظر إلى ماهر:
"قول أنت يا ماهر."
ابتسم ماهر وتذكر هذه القصص عندما كان يرفض أن يجلس مع الفتيات يستمع إلى والده، ولكنه كان يختبئ ويستمع له من بعيد. أردف قائلًا بثقة:
"اتفق المفسرون على أن قوم سيدنا يعقوب -عليه السلام- هو إسرائيل الذي ذُكر في القرآن الكريم، وبنو إسرائيل في زمن يعقوب -عليه السلام- جاء من نسلهم بنو إسرائيل، وهم ذاتهم الموجودين في هذا الزمان، فهم من نسل أبناء يعقوب -عليه السلام- الاثني عشر، ولذلك فإن الله -تعالى- حين خاطب اليهود في زمن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذكرهم بما كان يفعل آباؤهم من قبل؛ لأنهم من نفس النسل، حيث قال الله تعالى: (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ * وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ)."
ابتسم سامح قائلًا:
"برافو عليك يا ماهر، واضح أنك كنت مركز زمان."
أردفت تاج قائلة:
"أنا عارفة يا جدو أن كل نبي كان عنده ابتلاء، إيه هو ابتلاء سيدنا يعقوب عليه السلام؟"
أردف سامح قائلًا:
"شاطرة يا تاج، سؤالك حلو قوي، واللي تجاوب عليه خديجة."
رفعت خديجة الشاردة وجهها وأردفت قائلة:
"كان سيدنا يوسف -عليه السلام- ابن يعقوب -عليه السلام- أحب أولاده إليه، وأعلاهم منزلةً في قلبه، فأراد الله -تعالى- أن يبتلي صبره بفراق ولده مدة طويلة من الزمن، حيث كان إخوة يوسف الاثنا عشر يشعرون بالغيرة من أخيهم، ويرون أنه قد شغل قلب أبيهم عنهم، فأرادوا أن يتخلصوا منه؛ حتى يصفو لهم أبيهم، فدبروا لذلك مكيدة وحيلة، فأخذوا يوسف -عليه السلام- بحجة التنزه واللعب، ثم ألقوه في بئر عميقة، وأخذوا قميصه بعد أن لوثوه بدم كذب؛ حتى يقتنع والدهم بصدق روايتهم، وعندما أصبح يوسف -عليه السلام- عزيز مصر، وجاء إخوته يستطعمونه عرفهم يوسف، فأراد أن يأتي بوالده وشقيقه إليه، فأحجم عن إعطائهم نصيبهم من الطعام حتى يأتوا بأخيهم الأخير، فلما حضر الإخوة ببنيامين شقيق يوسف، أبقاه يوسف -عليه السلام- عنده بالحيلة، ففقد الأب ولديه الاثنين، إلا أن غياب بنيامين لم يطل؛ لأن يوسف أخبر إخوته بحقيقة أمره، إلا أن غياب يوسف -عليه السلام- نفسه عن أبيه بسبب كل الظروف ظل ما يقارب أربعين سنة، وقيل في رواية أخرى: ثمانين سنة، وقيل غير ذلك، وكان الأب يعقوب -عليه السلام- في كل السنوات صابرًا محتسبًا، فلم يفقد الأمل بعودة ولده، ولم يقنط من رحمة الله تعالى."
نظر سامح إلى مالك وأردف قائلًا:
"فعلاً سيدنا يعقوب كان عنده يقين بوعد الله -تعالى-، لم ييأس ولم يستسلم لخبر فقدان ابنه يوسف، بل علم يقينًا أنه سوف يراه ويلتقيه مجددًا لذلك ظل يحث أبناءه على تحسس خبر يوسف وأخيه بنيامين لإيمانه بوعد الله -تعالى-."
أخذ نفسًا وأكمل:
"تربية سيدنا يعقوب عليه السلام لأولاده ظهرت صفات النبي يعقوب -عليه السلام- جليّةً في سورة يوسف، وذلك في العديد من المواقف التي كان فيها معلمًا لأبنائه، ومن تلك المواقف:"
"حسن توكل يعقوب -عليه السلام- على الله تعالى، فبالرغم من أنه أرشد أبناءه للأخذ بالأسباب في دخول المدينة إلا أنه توكل على الله وحده في تفريج كربه، قال الله تعالى: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ)."
"الإقبال والاعتماد على الله -تعالى- بقضاء الحوائج، وبث الحزن له وحده، حيث قال الله تعالى: (قَالَ إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ)."
"حسن الظن بالله تعالى، حيث قال الله عز وجل: (وَلا تَيأَسوا مِن رَوحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيأَسُ مِن رَوحِ اللَّهِ إِلَّا القَومُ الكافِرونَ)."
"وصية يعقوب لأولاده ذُكرت وصية يعقوب -عليه السلام- في القرآن الكريم؛ لعظمتها وفضلها، حيث أوصى أولاده بالثبات على دين الإسلام حتى لقاء الله تعالى، وهي في قول الله تعالى: (وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ)، وقال أيضًا في سورة البقرة: (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَـٰهَكَ وَإِلَـٰهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـٰهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ)."
أردف عبد الرحمن قائلًا:
"كم عمر سيدنا يعقوب حين توفي؟"
أردف سامح قائلًا:
"توفي نبي الله يعقوب -عليه السلام- وقد زاد عمره عن المئة عام، وكان ذلك بعد لقاء ابنه يوسف -عليه السلام- بسبع عشرة سنة، وكانت وصيته أن يُدفن عند والده إسحاق وجده إبراهيم عليهما السلام في فلسطين."
بعد أن أنهى سامح قصة نبي الله يعقوب، نظر إلى خديجة وأردف قائلًا:
"خديجة، حضري نفسك إنت ومالك للسفر معايا بكرة إلى الأردن."
***
في فلسطين.
بداخل تلك الغرفة المتواجد بها أدهم، فتح عينيه بضعف. نظر حوله وجد جمال وعمار وعامر بجانبه. ابتلع لعابه وبدأ يفرك في ذراعيه بقوة وسعل بقوة أكثر.
نظر إليه جمال بحزن لا يعرف من أين سيبدأ معه العلاج، ولكن سيبذل قصارى جهده حتى يجعله يسترد عافيته ولن يتركه ويفعل معه مثل ما فعل معه عندما أصيب في إحدى المهمات.
بلاشك، في مستشفى القوات المسلحة، حالة من الهرج والمرج سيطرت على المشفى وبالأخص تلك الغرفة التي كان يتواجد بها جمال عندما أصيب بطلق ناري في ظهره. أجمع جميع الأطباء على أنه لم يستطع التحرك مرة ثانية، سيبقى هكذا مدى الحياة. وعندما علم بذلك الخبر، ظل يصرخ إلى أن دلف إليه أدهم قائلًا:
"أهدأ يا جمال."
لمعت عيون جمال بالدموع وأردف قائلًا بكسرة وبألم:
"أهدأ إزاي؟ أنا بقيت مشلول يا أدهم، عارف يعني إيه مشلول؟"
حزن أدهم على حال جمال وأردف قائلًا:
"أهدأ يا جمال، أنا بعت الأشعة والتحليل لدكتور بره مصر والرد جه إن فيه أمل تمشي تاني بعملية وعمل علاج طبيعي، بس خلي عندك إيمان وثقة بالله وصبر، لازم الصبر يا جمال."
أغمض عينيه وأردف قائلًا:
"ونعم بالله."
وبالفعل لم يتركه أدهم ولو لحظة، ظل معه حتى تعافى ومشى مرة أخرى.
أفاق على همس أدهم وكأنه يحلم.
مسح دموعه واقترب منه قائلًا:
"عمري ما هسيبك يا صاحبي."
رواية البنات زينة البيت الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم نهى عادل
في فيلا سامح الأنصاري..
داخل جناحه كان يجلس على السرير شارد.
اقتربت منه آسيا قائلة: "مالك يا سامح؟"
تنهد سامح واردف قائلاً: "سلامتك يا آسيا. هي الساعة كام دلوقتي؟"
ابتسمت آسيا واردفت قائلة: "لو خبيت على الدنيا كلها، لا يمكن تقدر تخبي عليّ يا حبيبي."
رفعت يديها ورتبت على ظهره بحنان قائلة: "أنت قلقان علشان مسافر ومعاك خديجة صح؟"
أومأ برأسه قائلاً: "فعلاً. رغم إني خايف وقلقان على أدهم، بس خوفي الأكبر علشان خديجة مش تستحمل تشوف أدهم كده، وفي نفس الوقت لازم تكون جنبه."
اردفت آسيا قائلة: "كله خير يا سامح. ربنا قادر على كل شيء. إيه رأيك تاخد شاور وننزل نتسحر ونصلي الفجر سوا زي زمان؟"
ابتسم لها سامح وقام بتقبيل جبهتها.
بعد مرور بعض الوقت، نزل سامح إلى الأسفل ومعه آسيا. وجد الجميع جالسين على مائدة الطعام.
جلس بجانبهم وبدأوا في تناول الطعام.
بعد قليل، أذن لصلاة الفجر. اردف قائلاً: "إيه رأيكم لو نصلي كلنا هنا؟"
هلل الصغار، وبالفعل وقف سامح في الأمام وخلفه أولاده وأحفاده الذكور، وخلفهم النساء والفتيات.
بعد أن أنهى صلاة الفجر، جلس في الأرض وبجانبه الجميع في حلقة ذكر.
اردف يزن قائلاً: "جدو، بما إن النهاردة ليلة وترية، إيه رأيك تحكي لنا عن فضل ليلة القدر؟"
ابتسم سامح واردف قائلاً: "ليلة القدر ليلةٌ من الليالي العشرة الأخيرة من شهر رمضان المبارك، وهي غير محددة بليلة معينة؛ إذ ثبت في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه-، أن النبي -عليه الصلاة والسلام- قال: (فَالْتَمِسُوهَا في العَشْرِ الأوَاخِرِ، والتَمِسُوهَا في كُلِّ وِتْرٍ). وقد اختصها الله -تعالى- بشأن عظيم؛ فأنزل القرآن الكريم فيها في مرحلة من مراحل نزوله، قال الله -تعالى-: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ). وهي ليلة مباركة يُقدّر الله -تعالى- فيها ما سيكون في العام؛ إذ قال: (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ*فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ). وأجر العمل الصالح فيها أفضل من أجر العمل لمدة ألف شهر، قال -عز وجل-: (لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ). وقد كان الرسول -عليه الصلاة والسلام- يتحرى ليلة القدر في العشر الأواخر من شهر رمضان، ويجتهد فيها بالعبادات والطاعات ما لا يجتهد في غيرها، فقد ورد عنه أنه قال: (مَن قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ). وبهذا يجدر بالمسلم بذل الوسع في المسارعة لأداء الأعمال الصالحة والعبادات في ليلة القدر؛ لما لها من عظيم الأثر الحسن في الدنيا والآخرة."
اردفت آسيا الصغيرة قائلة: "أمتى بيكون ميعادها بالظبط يا جدو؟"
اردف سامح قائلاً: "الأقوال اختلفت في تحديد ليلة القدر، وتعيينها؛ فقيل إنها في الليالي الفردية من العشر الأواخر؛ استدلالاً بما روي عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: (أنَّ رَسولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ، قَالَ: تَحَرَّوْا لَيْلَةَ القَدْرِ في الوِتْرِ، مِنَ العَشْرِ الأوَاخِرِ مِن رَمَضَانَ). وقيل إنها في الأيام السبع الأخيرة من رمضان؛ لما ثبت من رواية الإمام البخاري عن عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما-: (فمَن كانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا في السَّبْعِ الأوَاخِرِ). وقيل إنها مُنتقلة، دون تحديدها بالليالي الفردية، أو الزوجية."
اردف سامح ماهر قائلاً: "إيه هي علامات ليلة القدر يا جدو؟"
نظر سامح إلى الجميع ووجد كلاً من ونس وخديجة في عالم آخر. تنهد واردف قائلاً: "جاوب أنت يا ونس."
اردفت ونس قائلة: "طلوع الشمس دون شعاع في صباح اليوم التالي لها؛ فقد ورد عن أبيّ بن كعب -رضي الله عنه-: (وآيةُ ذلك أنْ تَطلُعَ الشَّمسُ في صَبيحتِها مِثلَ الطَّستِ، لا شُعاعَ لها، حتى تَرتفِعَ).
تاني حاجة من علامات ليلة القدر: اعتدال الجوّ فيها؛ فلا يوصف بالحرارة، أو البرودة؛ إذ روي عن عبدالله بن عباس -رضي الله عنهما-: (ليلةُ القدْرِ ليلةٌ سمِحَةٌ، طَلِقَةٌ، لا حارَّةٌ ولا بارِدَةٌ، تُصبِحُ الشمسُ صبيحتَها ضَعيفةً حمْراءَ).
ثالثاً: النقاء والصفاء؛ فقد روي في أثر غريب عن عبادة بن الصامت -رضي الله عنه-: (أمارَةَ ليلةِ القدْرِ أنها صافيةٌ بَلِجَةٌ كأن فيها قمرًا ساطعًا سا كنةٌ سا جيةٌ لا بردَ فيها ولا حرَّ ولا يحِلُّ لكوكبٍ يُرمى به فيها حتى تُصبِحَ، وإن أمارَتها أنَّ الشمسَ صبيحتَها تخرُجُ مُستويةً ليس لها شُعاعٌ مثلَ القمرِ ليلةَ البدرِ ولا يحِلُّ للشيطانِ أن يخرُجَ معَها يومَئذٍ).
رابعاً: نزول الملائكة أفواجاً؛ فقد قال -تعالى-: (تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ).
وروي عن أبي هريرة -رضي الله عنه-: (وإن الملائكةَ تلك الليلةَ أَكْثَرُ في الأرضِ من عَدَدِ الحَصَى)."
اردفت ملاك قائلة: "إيه الحكمة من إخفاء ليلة القدر؟"
وجدوا مالك يرفع يده. فرح الجميع وجاء مالك بورقة وقلم وكتب فيها:
"يُعلل سبب إخفاء ليلة القدر، وعدم تحديدها؛ بغاية ترغيب وتحفيز العباد على الاستمرار والمداومة على العبادة، والمثابرة عليها، والمبالغة فيها طوال العشر الأخيرة من رمضان، ولئلا يقتصروا على العبادات والطاعات في ليلة واحدة؛ ولذلك كان جديراً بالمسلم تحري الليالي العشر الأخيرة من الشهر المبارك كاملة، وقيامها، والمواظبة فيها على ذكر الله، والدعاء، والصلاة، وقراءة القرآن، وبذلك يشغل العبد نفسه ووقته كله في طاعة الله -تعالى."
فرح سامح والجميع بمشاركة مالك معهم. كم تمنى بأن الله يريح قلبه ويرجع له صوته.
اردف قائلاً وعيناه تلمع بالدموع: "برفوا عليك يا حبيبي."
اردف يوسف قائلاً: "إيه أحب الأعمال اللي ممكن نعملها في العشر الأواخر يا جدو؟"
نظر سامح إلى ماهر واردف قائلاً: "جاوب أنت يا ماهر."
أومأ ماهر برأسه واردف قائلاً:
"يفضل الإكثار من قراءة القرآن والدعاء، والأذكار، والتسبيح، وسؤال الله -تعالى- العتق من النيران، والتعوذ منها؛ فالدعاء فيها مستجاب، والاجتهاد فيه مرغوب، ولذلك يتسابق العباد، ويحرصون على التوبة، والفوز برضا الله -عز وجل-، وتوفيقه، ونيل المنزلة الرفيعة، قال سفيان الثوري: 'الدعاء في ليلة القدر أحب إليّ من الصلاة'.
وأفضل ما يدعو به المسلم في ليلة القدر العفو والمغفرة من الله -سبحانه-، إذ روي عن أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها- أنها قالت: (قلت يا رسول الله أرأيت إن علمت ليلة القدر ما أقول فيها؟ قال: قولي اللَّهمَّ إنَّك عفُوٌّ تُحبُّ العفوَ فاعفُ عنِّي).
وقال الإمام ابن القيم -رحمه الله-: 'لا سبيل للعبد إلى النجاة إلا بعفوه ومغفرته -جل وعلا- وأنه رهين بحقه، فإن لم يتغمده بعفوه ومغفرته، وإلا فهو من الهالكين لا محالة، فليس أحد من خلقه إلا وهو محتاج إلى عفوه ومغفرته كما هو محتاج إلى فضله ورحمته'.
وقراءة القرآن في ليلة القدر: يستحب للمسلم تلاوة آيات القرآن الكريم وترتيلها في شهر رمضان، ولا يشترط ختمه كاملاً في تلك الليلة، إلا أنه ينال أجراً عظيماً، وفضلاً كبيراً إن ختمه؛ فالقيام لا يقتصر على الصلاة، بل يكون بأداء مختلف أنواع العبادات، قال النبي -عليه الصلاة والسلام-: (مَن قَامَ لَيْلَةَ القَدْرِ إيمَانًا واحْتِسَابًا، غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ، ومَن صَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا واحْتِسَابًا غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ).
الصلاة في ليلة القدر: تؤدى صلاة القيام ركعتين ركعتين كما ثبت في صحيح مسلم عن عبدالله بن عمر -رضي الله عنهما-: (أنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ عن صَلاةِ اللَّيْلِ، فَقَالَ رَسولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ: صَلاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى، فَإِذَا خَشِيَ أحَدُكُمُ الصُّبْحَ، صَلَّى رَكْعَةً واحِدَةً تُوتِرُ له ما قدْ صَلَّى).
وقيام ليلة القدر من أسباب مغفرة الذنوب، وتكفيرها عن العباد."
اردف سامح قائلاً: "ربنا سبحانه وتعالى أعطى لنا فرص كتير للرجوع إليه والتكفير عن ذنوبنا، لازم الإنسان يستغل كل ده ويتوب عن كل معصية. ربنا رحمته وسعت كل شيء وباب المغفرة مفتوح في كل وقت."
نظر سامح إلى ساعته واردف قائلاً وهو ينظر إلى خديجة ومالك: "اطلعوا يلا جهزوا نفسكم. هنتحرك بعد نصف ساعة."
***
داخل جناح سامح وآسيا..
داخل غرفة الملابس، خرج سامح من الحمام. سمع صوت شهقات علم ببكاء آسيا وهي تحضر له حقيبة ملابسه. تنهد بألم ودلف إلى الداخل. صدم عندما وجد دموعها تنهمر بغزارة على وجنتيها. اقترب منها يضمها بحنان شديد قائلاً: "ليه الدموع يا حبيبتي؟"
زادت شهقاتها. حزن سامح وأمسك يديها وخرج بها إلى الخارج. أجلسها على إحدى الأرائك وجلس بجانبها يحاوط كتفها قائلاً: "مش قولتلك بلاش دموع يا حبيبتي؟ أنا مش بستحمل أشوف دموعك."
رفع يده وقام بمسح دموعها.
اردفت قائلة: "خايفة عليكم يا سامح. الأوضاع هناك صعبة. إحنا كل يوم بنسمع في الأخبار عن استشهاد المئات منهم، وأنت رايح هناك ومعاك خديجة ومالك، لا وكمان أدهم وعمار وجمال هناك. صعب أوي يا سامح، صعب صدقني."
أخذها سامح في أحضانه يرتب على ظهرها بحنان قائلاً: "سيبها على الله يا آسيا. وبعدين إحنا هنكون في مقر تبع جهاز المخابرات. ملناش اختلاط مع جنود الاحتلال الإسرائيلي. وبعدين يلا بقا اضحكي متخلنيش أسافر وأنا قلقان عليكي."
خرجت من أحضانه ونظر إليها لتلمع عيناه بالحب والعشق. مهما كبرت فهي دائماً وجهها يشع نور ونضارة شديدة الجمال بأنفها ووجهها شديد الاحمرار، فكانت مثل قطعة الكرز.
اردف قائلاً بمرح: "اللهم إني صائم. قوم يا آسيا الله يرضى عنك كملي تجهيز الشنطة."
خجلت آسيا وابتسمت له ابتسامة خطفت قلبه. أمسك كف يديها وقام بوضع قبلة قائلاً: "ربنا يديمك ليا يا آسيتي."
اردفت قائلة بنبرة عاشقة هائمة: "ويديمك ليا يا نور عيوني."
وانتصبت واقفة وسارت باتجاه غرفة الملابس لتكمل تجهيز الحقيبة.
***
بعد مرور حوالي أربعة ساعات..
خرج سامح ومعه خديجة ومالك من مطار الأردن. وجد عنصرين من جهاز المخابرات الأردنية بسيارة وبعض الرجال بناءً على تعليمات المخابرات المصرية. استقل السيارة وركب في الخلف وهو معه خديجة، أما مالك فركب في الأمام بجوار السائق.
***
في إحدى المناطق القديمة في غزة، في منزل مكون من غرفتين.
داخل إحدى الغرف..
فتح عينيه بضعف ووهن. يفرك بأنفه بشدة. جسده ثقيل من شدة أثر المخدر. كان يحلم بها تنادي عليه، يسمع صوتها تنادي باسمه ولكنه لم يرها. ظل يسمع إلى أن اختفى الصوت نهائياً. صرخ بصوتها: "خديجة!"
انتفض من نومه يفتح عينيه ببطء. وجهه يتصبب عرقاً غزيراً. نظر حوله وجد جمال وعمار جالسين بجانبه.
اردف قائلاً بضعف وهو يحك ذراعه بجنون: "أنا فين؟"
تألم جمال على حال صديقه واردف قائلاً: "أنت في أمان يا أدهم اطمن."
أغمض عينيه بكسرة على ما وصل إليه قائلاً: "ليه يا جمال رفضت تموتني؟ كنت ريحتني من اللي أنا فيه."
اردف جمال قائلاً: "خلي عندك ثقة بالله. وبعدين هتسيب اللي وراك لمين؟"
وضع يده داخل جيبه وأخرج هاتفه وقام بتشغيل الفيديو ثم قربه منه قائلاً: "قبل كل شيء شوف الفيديو ده يا أدهم."
أمسك أدهم الفيديو بيد مرتعشة. نظر بألم وحزن عندما رأي خديجة شاحبة الوجه دموعها تنهمر بغزارة. شد خصلات شعره بعنف. لمعت عيناه هو أيضاً بالدموع. لقد وصلت إلى هذه المرحلة بسببه هو فقط المسؤول، هو من جعلها في هذه الحالة. شعر بوخزات شديدة في قلبه على ما وصلت إليه. ظل ينظر إليهم وإلى أولاده حنين اشتياق. أغمض عينيه بألم وفتح ببطء وأعطى الهاتف إلى جمال. كاد أن يتحدث ولكن دلف عامر قائلاً:
"اللواء سامح ومعاه الرائد خديجة وصلوا فلسطين."
دق قلبه بعنف وأصبح جسده ثقيل جداً. وجهه يتعرق بشدة. اردف قائلاً: "مش لازم خديجة تشوفني وأنا كده."
"قال إن فيه مصل تقدر تحصل عليه يا عامر؟"
تنهد عامر بحزن إلى ما وصلوا إليه. "الفهد الأسود."
اردف قائلاً بثقة: "أقدر أحصل على مصل غيره بس مفعوله هيبقى أقل يعني مش قبل أسبوعين يكون التعافي."
حاول أن يكون ثابتاً أمامهم من شدة الألم الذي هاجم جميع أنحاء جسده. يشعر بالبرد الشديد. يحك ذراعه بشدة. هو يريد هذا المخدر بأي طريقة.
اردف قائلاً بضيق وكسرة: "أنا جسمي كله وجعني ومش قادر اتحكم في نفسي. موتني يا جمال وارحم عذابي."
دارت عيناه في المكان ولم يجد عمار. اردف قائلاً: "فين عمار؟"
اردف عامر قائلاً: "عمار رايح يستقبل اللواء سامح والرائد خديجة ويوصلهم لبيت أبي الشيخ عابدين. وأنا لازم أروح أطمن عليك دلوقتي حالا."
اردف أدهم قائلاً: "أنا عايز أقابل اللواء سامح لوحده يا عامر."
أومأ له عامر برأسه قائلاً: "تمام يا فندم بعد إذنك."
أخرج من جيبه حقنة قائلاً: "الحقنة دي مهدئ قوي ومش بتضر. ممكن لو لقيت نفسك مش قادر تستحمل وجع جسمك، خلي المقدم جمال يديهالك؟"
***
في غزة..
في إحدى الأحياء المزينة بزينة رمضان، بداخل منزل الشيخ عابدين في ردهة كبيرة كان يجلس الشيخ عابدين ومعه خديجة ومالك وعمار. لم يستطع عمار التحدث عن حالة أدهم بوجود خديجة.
دلف إليهم عامر قائلاً: "السلام عليكم. فلسطين نورت." وقام بتسليم عليهم.
اردف سامح قائلاً: "فلسطين منورة بشعبها وأهلها الطيبين."
اردفت خديجة بشوق: "أدهم عامل إيه وهو فين دلوقتي؟ ليه مش موجود معاكم؟"
تنهد عامر قائلاً: "المقدم أدهم كويس جداً بس هو حابب يشوف اللواء سامح الأول."
اردف الشيخ عابدين: "قوم يا عامر نادي على إحدى النساء تاخد الرائد خديجة تستريح فوق لحد موعد الفطار."
نظرت إلى والدها وأومأت له برأسها بأن تذهب.
بعد خروج خديجة، اجتمع سامح والشيخ عابدين ومالك الجالس حزين شارد يسمع فقط، وعامر وعمار لمعرفة كيفية علاج أدهم. حزن سامح بشدة على ما وصل إليه. فهو عنده حق من عدم رؤية خديجة له بهذا الشكل وطلب من عامر أن يذهب إليه حالاً. ولكن رفض الشيخ عابدين أن يخرج قبل أن يفطر معهم، فباقي أوقات قليلة ويأذن صلاة المغرب.
وأثناء شرود مالك سمع صوت ينادي قائلاً: "مالك، مالك، تعال هنا. بدك أزعل منك؟"
انتصب واقفاً ينظر بذهول إلى مصدر الصوت. تعجب سامح من وقوف مالك بهذا الشكل واردف قائلاً: "مالك يا حبيبي فيك حاجة؟"
وفجأة اقتحم الغرفة صغير يلهو وهرول إلى حضن الشيخ عابدين قائلاً: "جدي عابدين، بدي أختبئ يا جدي."
قهقه الشيخ قائلاً: "وبدك تخبي ليش يا مالك؟"
شعر مالك بدقات قلبه وهو ينظر إلى ذلك الصغير. كذلك انصعق سامح، وهو ينظر إلى ذلك الصغير فهو صورة طبق الأصل من مالك ابنه في صغره.
اقترب منه مالك وابتسم له ليجد الصغير يبتسم له أيضاً. اردف الشيخ عابدين قائلاً: "تعرف يا مالك؟ هذا الرجل اسمه مالك مثلك."
اقترب الصغير من مالك واردف قائلاً: "أنت اسمك مالك مثلي؟"
أومأ مالك برأسه وهو يأخذه في أحضانه ويرتب على ظهره بحنان.
سمعوا صوت قادم قائلاً: "مالك وينك انت؟ أكيد بداخل عند عمي عابدين."
ودلفت إلى الداخل واردفت: "تعال لهون يا مالك."
رفع مالك نظره وانصدم عندما وجدها رحيل تقف أمامه ومعها طفلة أخرى تمسكها بيديها. ليقترب منها وهمس: "رحيل!!!"
وقفت أمامه مصدومة. كيف جاء إلى فلسطين؟ دارت بعينيها وجدت أيضاً عمار واللواء سامح يقف ينظر إليهم بفرحة عندما سمعوا صوت مالك.
اقترب سامح قائلاً بفرحة: "صوتك رجع لك يا حبيبي."
ابتسم له مالك قائلاً: "الحمد لله يا بابا."
اقترب مالك وقف أمام رحيل قائلاً: "طيب إزاي إنت هنا وإزاي بتعرفي تتكلمي مصري كويس؟"
اردف الشيخ عابدين قائلاً: "اهدي يا مالك يا ابني. رحيل بتكون بنت أخي الراحل ووالدتها بتكون مصرية."
اقترب الصغير مالك وهو يشد ثوب والدته قائلاً: "أمي هاد الزلمة اسمه مالك مثلي."
أغمضت رحيل عينيها ودموعها تنهمر بغزارة على وجنتيها.
دارت عيون مالك بين رحيل وبين ذلك الصغير، وكذلك تلك الصغيرة التي كانت تختبئ خلف والدته. ليذهب إليها مالك الصغير قائلاً: "تعالي يا ملاك، بدك أعرفك على عمو مالك."
سحبها مالك الصغير ووقف بها إلى مالك سامح الذي كان ينظر بذهول وصدمة. اردف مالك الصغير قائلاً: "دي ملاك أختي يا عمو مالك. تؤمر؟"
نظر بذهول، دق قلبه بعنف وهو ينظر إلى الأطفال. اقترب من رحيل بسؤال تترعش، لعل ما فهمه يكون غير صحيح. حاول إخراج صوته واردف قائلاً وهو ينظر إليها بضعف: "أوعي يكون اللي فهمته صح، وإن دول يكونوا ولادك."
رحيل: ــــــــــصامتة لا ترد، فقط دموعها من تتحدث.
أمسكها مالك من ذراعها وظل يهزها بعنف واردف قائلاً: "ردي عليّ."
لهنا وقد طفح الكيل ليصرخ عامر. وقف أمام مالك وأبعده بعنف عن ذراع رحيل قائلاً: "بعد يدك عنها يا جدع أنت!"
نظر إلى رحيل قائلاً: "رحيل أنت منيحة؟"
أومات له برأسها دون أن تتحدث.
ليشعر مالك بغيرة شديدة في قلبه من هذا عامر ليصرخ قائلاً: "ابعد عن مراتي، أنت إزاي تتكلم معاها كده؟"
اردف سامح بصوت حاد قائلاً: "اهدي يا مالك خلينا نفهم كل حاجة الأول."
تنهد ونظر إلى رحيل قائلاً: "رحيل يا بنتي ممكن تفهميني إيه اللي بيحصل هنا؟"
ثم نظر إلى الصغار ونظر إليها وأكمل حديثه: "دول يبقوا أولاد مالك صح؟"
أومأت له برأسها ونظرت إلى الأسفل واردفت قائلة: "أيوا يا عمي سامح؟!"
وقع مالك على أقرب كرسي. لم يستطع أن يتحدث أو يقف على ساقيه مرة أخرى. يفرح على أنه أصبح له أولاد أم يحزن على عدم معرفته بهم.
أغمض عينيه بضعف ودموعه تنهمر بغزارة على وجنته. اقتربت منه تلك الصغيرة ملاك ورفعت يديها وقامت بمسح دموعه قائلة: "ماما قالت إن مفيش رجال بتعيط."
سحبها مالك داخل أحضانه يشدد من احتضانها. فهو من أخطأ ولكن لماذا هي لم تصبر عليه؟ لماذا مع أول عاصفة تركته وذهبت؟ وهو أخطأ واليوم يدفع الثمن. ولكن تذكر كل قصص والده عن الأنبياء والابتلاء والصبر. فحمد الله كثيراً على عوضه.
أذن صلاة المغرب. طلب الشيخ عابدين من رحيل أن تذهب وتحضر خديجة.
في الأعلى
كانت تجلس خديجة على إحدى الأرائك في الغرفة تقرأ كتاب الله العزيز وردها. سمعت طرقاً على الباب. صدقت وقامت بقفل كتاب الله ووضعته على الطاولة وقامت بفتح الباب. انصدمت حين وجدت رحيل أمامه.
نظرت لها بذهول قائلة: "رحيل إنت هنا؟ طيب إزاي؟"
ابتسمت لها رحيل قائلة: "بعدين أفهمك كل حاجة. بس الأول مش هتسلمي عليّ؟ وحشتني يا ديجو."
فهي منذ معرفتها لم تناديها إلا ديجو.
وأخذتها خديجة في أحضانها ترتب على ظهرها بحنان شديد.
بعد رجوع الرجال من صلاة المغرب، جلس الجميع تحت توتر شديد. كان ينظر إليهم مالك بحنين وحب واشتياق، ولكنه غضب حين وجد عامر يقرب منها. طبق بها طعام قائلاً: "رحيل هذا طبق السلطة تبعك."
ابتسمت رحيل له قائلة: "شكراً عامر." وأخذته منه تحت نظرات مالك الغاضبة.
بعد انتهاء هذا الفطار الذي كان شبه كارثة، ذهب سامح إلى أدهم الذي طلب منه عدم إحضار خديجة إلى هنا مهما حدث، وأن يخبرها بأنه سيصلي معها صلاة العيد بعد أسبوعين.
أما مالك لم يستطع البقاء في المنزل وخرج لصلاة العشاء. وأثناء دخوله المسجد وجد رحيل تصرخ. ذهب إليها مسرعاً ليفهم. وجد إحدى الرجال يعترض طريقها. فهذا الشخص يريد أن يتزوجها وهي لم تعط له وجه.
ذهب إليها مالك وسحبها من يديها وأوقفها خلفه قائلاً بغضب: "أنت مين يا حيوان وعايز منها إيه؟"
صرخ ذلك الشخص: "أنا هوريك يا حيوان." وقام بإخراج سلاح أبيض. وفجأة دون أن ينتبه مالك، قام بجرحه في يده.
صرخت رحيل باسمه قائلة بقلق: "مالك أنت كويس؟"
اردف قائلاً: "أنا كويس متخافيش."
اردفت قائلة برعب: "كويس إزاي وذراعك بينزف؟"
جاء عامر واقترب من ذلك الشخص قائلاً: "نزل السلاح يا مصطفى."
ضحك مصطفى بسخرية: "بعد أنت يا عامر؟"
ولكن في لحظة هاجم عليه عامر وقام بضربه لكمات كثيرة في وجهه. وأثناء أخذ السلاح تم جرحه في كفه.
بعد قليل انتهت هذه المشاجرة وعادوا إلى..
***
منزل الشيخ عابدين.
في غرفة المتواجد بها مالك..
اقتربت رحيل من مالك واردفت قائلة بخجل: "اخلع القميص خلينا أغير لك على الجرح."
ابتسم لها مالك بمكر واردف قائلاً: "مكنتش أعرف إنك بتعرفي في الإسعافات الأولية."
نظرت واردفت قائلة بغضب: "وأنت كنت تعرف إيه عني؟ يلا خلينا أغير لك على الجرح علشان أشوف جرح عامر."
شعر مالك بغيرة شديدة عندما نطقت اسم عامر. نظر إليها ورفع يده وحاول فك أزرار قميصه إلا أنه فشل من شدة الألم.
تنهدت ورفعت يديها على استحياء تفك له أزرار القميص.
تحت خجلها الشديد ورعشة يديها، كانت تنظر له بعينيه.
نظرة يملؤها الغرام زلزلت كيانه. أنفاسه لفحت برودته بشرتها. ظل يتأمل كل انشاباته ويحفظ ملامح وجهها في قلبه. ثم نظر إلى شفتيها التي أطاحت بعقله جعلته يفقد صوابه وهو يراها شديدة الاحمرار. اردف قائلاً بغضب وغيره: "مش عيب عليكِ تكونِ محجبة وحجابك طويل وحاطة روج."
تعجبت رحيل قائلة بغضب: "على فكرة الحمد لله أنا بخاف ربنا وباحترم الحجاب اللي أنا لبسه ومش بحط لا روج ولا أي مكياج أصلاً."
ابتسم مالك بخبث قائلاً: "يبقى أتأكد بنفسي." ومال عليها يقبلها برقة شديدة، لتزيد رحيل من لهيب شوقه لها وهي تهمس قائلة: "وحشتني يا مالك."
تعمق في قبلته. شعرت بذراعه يحاوط خصرها وجذبها إليه. ومال برأسه مستنداً جبهتها بجبهته وقد تحطمت حصونهم التي ظلت بينهم كل هذه السنوات.
تعالت وتيرة أنفاسها وشعرت بناقوس الخطر يدق. غضبت من نفسها واستسلامها. وكادت أن تبتعد إلا أن دخول عامر أنقذه منها. نظر إليهم عامر قائلاً بمكر: "هو إيه اللي بيحصل هنا؟"
زفر مالك بغضب ولعن عامر في سرّه قائلاً: "مش من الذوق تخبط على الباب قبل ما تدخل علينا كده."
رفع عامر حاجبه واردف قائلاً: "على فكرة أنا عندي ذوق وخبطت كتير ومحدش رد. قولت يمكن تكونوا مشغولين بحاجة كده ولا كده."
نظر إليهم واردف بمكر: "أنا خارج وأسف للإزعاج."
وتركهم وخرج.
استعادت رحيل وعيها الذي كانت على وشك أن تفقده معه. لملمت شتات نفسها وسارت للخارج بخطى مسرعة تنزل إلى الأسفل دون النطق بحرف واحد.
أما مالك بعد خروج رحيل ظل يلعن ويسب في عامر الذي قطع عليه أجمل لحظة في حياته. رفع يده ووضعها على شفتيه وابتسم حين تذكر تلك القبلة.
رواية البنات زينة البيت الفصل الثلاثون 30 - بقلم نهى عادل
بداخل دار القضاء العالي كان يقف خلف قضبان القفص الحديد، ذليل لم يقدر أن يرفع وجهه. هكذا كان عدل الله.
ينادى الحاجب بصوت قوى:
محكمة!!!
سكوت تام. الكل منتظر عدل الله وعدل القضاء.
بعد الاطلاع على أوراق القضية واستماعنا إلى تقرير النيابة والشهود، حكمت المحكمة حضورياً على كل من المتهم ياسر عواد الدمنهوري بالحبس خمسة عشر عاماً مع الشغل والنفاذ، وعلى المتهم عواد الدمنهورى بالحبس لمدة عامين مع الشغل والنفاذ، وذلك لتجارهم في المواد المخدرة والأطعمة الفاسدة. فعواد كان يكتب كل صفقاته باسم ابنه ياسر حتى يبعد الشبه عنه. عجب من هذه الآباء.
رفعت الجلسة.
كان يجلس اللواء سامح وبجانبه خديجة وأدهم، عمار.
جمال وسلمى، التي كانت تختبئ داخل أحضان جمال.
كان عدالة السماء فوق كل شيء. هكذا كان قصاص جمال وأدهم واللواء سامح. بعد الكثير من التحريات علموا بأن سيادة عضو مجلس الشعب خائن لبلده، يتاجر في أرواح الناس، يكسب المال من دماء الناس الغلابة بإدخال الكثير من المواد المخدرة والأطعمة الفاسدة. وتم ثبوت القضية بالأوراق وتم الحكم عليهم.
شردت خديجة.
في غرفة خديجة، بعد ذهاب أدهم وهو غاضب منهم بسبب سوء تصرفهم عندما ذكر اسم والدها. دلفت إلى غرفتها، حاولت أن تنام ولكنها لم تستطع. خرجت واتجهت إلى جناح سامح، طرقت الباب. فتح سامح وجدها تفرك في يديها.
ابتسم لها وفتح ذراعيه وأخذها في أحضانه وظلت تبكي بشدة. ربت على ظهرها بحنان. نظرت إليه قائلة:
بابا، عاوزة أتكلم معاك، ويا ريت نكون لوحدنا.
ابتسم لها:
حاضر يا حبيبتي، تعالي نتكلم في المكتب.
وبالفعل، بعد لحظات دلفوا إلى المكتب. جلسوا على الأريكة، يضمها بحب أبوي حقيقي.
كانت تبكي بشدة وتتحدث:
هو أنا مطلوب مني إني أسامح واحد رماني أنا وأمي وإخواتي في الشارع؟ مطلوب منا بعد كل السنين دي، لما نشوفه يدخل حياتنا عادي؟ طيب إزاي؟ ووجع أمي وعذابها؟ إزاي نقدر نقبله في حياتنا؟
كان يستمع إليها، أراد أن تخرج ما في قلبها.
تنهد سامح قائلاً:
عاوزة تعرفي إزاي يا خديجة؟
أومأت له برأسها.
ابتسم سامح قائلاً:
من باب إن الله غفور رحيم. من باب صلة الرحم يا حبيبتي. من باب تربيتي فيكم. من باب العفو عند المقدرة. سامحي يا حبيبتي مهما كان رفعت أبوكي الحقيقي، رفعت ندم وأخذ درس عمره. يبقى ليه إحنا مش نغفر له أخطائه.
نظرت له بذهول:
حضرتك اللي بتقول كده يا بابا.
تنهد سامح:
آه يا خديجة، أنا اللي بقول. الذل والكسرة شيء بشع يا بنتي، ورفعت أبوكم انكسر مذلول فعلاً ندم. حاولي إنتي وإخواتك تدوا له فرصة يا حبيبتي.
إنتي أعظم أب في الدنيا يا حبيبي.
ثم وجدها تبكي بشدة قائلة:
في موضوع تاني عاوزة أتكلم حضرتك فيه بخصوص سلمى.
نظر إليها سامح:
قولي يا حبيبتي، سلمى مالها.
بابا، أنا هقولك بس اوعدني بلاش حضرتك تتدخل إلا لو في خطر على جمال وأدهم. وبالفعل قصت خديجة لسامح كل ما حدث، تحت نظرات سامح الغاضبة وحزنه الشديد على ما حدث مع سلمى. أنهت حديثها، نظرت إلى سامح وجدت وجهه شديد الاحمرار، برزت عروقه بشدة من الغضب. كل هذه المعاناة عاشتها سلمى، فهو يعتبرها ابنته مثل باقي الفتيات.
تحدث سامح بحدة:
هاتي التليفون بتاعك. كان بداخل جيبها.
أخذ الهاتف منها وأخذ الرقم الذي بعث الرسائل. ومن هنا بدأت التحريات وفريق بحث مكثف على هذه القضايا. كان سامح يتتبعهم من بعيد لبعيد. تركهم يفعلون ما يريدون، ولكن عند القصاص، القضاء يأخذ مجراه.
عودة.
ابتسمت خديجة بحب إلى سامح الذي غمز لها.
أما جمال، لم يذكر حادثة سلمى من باب أن الله حليم ستار. ونظر إلى حالتها النفسية ومركز والدها.
"فسلام على رجل لم يتحجج بالظروف أو النصيب، بل تحايل على الظروف وحولها لصالح حبيبته."
تم الاتفاق على زفاف جميع الفتيات حتى بدور التي فرحت بشدة وعلمت بأنها حامل، ولم تخبر أحد حتى لا أحد يمنعها من الرقص. وعقد قران عمار على ونس ومالك على ملاك، حتى زين على حور. ولكن الزفاف بعد انتهاء الكلية.
بعد مرور أسبوع.
في المساء، أصبح الجميع متأهباً لحضور حفل عقد القران والحناء معاً.
في غرفة الفتيات، كان يجلسون ويضحكون بشدة على بدور التي تخجل من حديثهم. فهي الوحيدة التي تم زواجها. همست لنفسها:
كل دي تريقة عليّ. أموت لو عرفوا إني حامل. اسكت بقى يا لساني.
كانت ملاك تنظر إلى أخواتها بفرحة شديدة وحب.
انتهت الفتيات من وضع اللمسات الأخيرة، فكانوا حوريات بمعنى الكلمة.
دَلَفَت إليهم آسيا، وعندما رأتهم بكل هذا الجمال، بكت بشدة. ضمتهم بحب، حتى ضمت ملاك وحور معهم.
ابتسمت برضا وحمدت الله كثيراً.
في الحفلة، تم عقد قرآن مالك وزين وعمار الذي هتف:
أنا بقيت عريس يا جدعان! لولولولولولوي!
الكل ضحك بشدة عليه. من رأي عمار، هكذا لم يرى أثناء عمله.
اقترب عمار من اللواء سامح قائلاً:
يلا بقى يا عمو.
رفع له سامح حاجبه:
يلا إيه؟ وبعدين إيه عمو دي؟ انشف يلا يا مالك!
والله أطلع أنا أجيب ونسي.
اتأخر يلا، لسه الفرح بكرة.
وكمان أنا قلت مش هتشوفوهم إلا يوم الفرح.
ولكن بعد قليل.
نزلت الفتيات إلى الأسفل في منظر خاطف للأنظار.
كانت خديجة ترتدي فستاناً من اللون الأحمر بأكمام طويلة مع مكياج هادئ ساحر برز جمال عينيها. والأكثر جمالاً حجابها الذي يزين وجهها. لدرجة عندما رآها أدهم، دمعت عيناه.
كانت تبكي بشدة وهي لم تصدق نفسها. تخطت كل هذا، وأن الله رزقها بزوج مثل جمال. ونظرت إلى فستانها الذي كان من اختيار جمال بلون البيبي بلو. وضعت مكياجاً هادئاً ورقيقاً مثلها.
نظر إليها جمال وكاد قلبه يقفز من الفرحة من شدة جمالها. ألقى لها قبلة في الهواء، فخجلت.
أما بدور، كانت ترتدي فستاناً من اللون البنفسجي الهادئ ووضعت فقط ملمع شفاه مع حجاب أسود.
نظر إليها ماهر وكأنه لاول مرة يراها. فهي يحبها بل يعشقها.
لتطل ونس بفستان فضي مطعم ببعض الزهور مع مكياج هادئ وملمع شفاه أحمر برز جمال شفتيها.
لينظر إليها عمار برجل فاض به العشق، ولكنه صك على أسنانه عندما رأى شفتيها بكل هذا الإغراء.
كما طلت ملاك بفستان أسود بفصوص فضية. رغم صغر سنها، إلا أنها كانت ساحرة شديدة الجمال.
نظر إليها مالك بحب وهو يبتسم ويحمد الله أنها أصبحت زوجته. فهو أحبها من أول نظرة.
أما حور، كانت ترتدي فستان روز أبرز جمال جسدها، ووضعت ملمع شفاه فقط.
اقترب منها زين، وفي لحظة بدون سابق إنذار حملها وظل يدور بها تحت خجلها الشديد، قائلاً:
بحبك يا مراتي.
قهقه الجميع. واقترب سامح من أولاده وضَمهم إليه قائلاً:
مبروك يا حبايبي.
ليرد الجميع:
الله يبارك فيك يا بوب.
اقتربت فاطمة من ملاك وضمتها وظلت تبكي في أحضانها قائلة:
مبروك يا حبيبتي.
قبلت ملاك يد فاطمة قائلة:
الله يبارك فيكي يا أمي.
وهكذا فعل أحمد مع سلمى، ويوسف وإيناس مع أدهم وحور.
اقترب كل زوج من زوجته تحت فرحتهم الشديد.
كان ينظر إليهم بندم شديد بأنه لم يكن جزءاً من هذه العائلة، ولكن فات الأوان. ثم نظر إلى سامح الذي كان يحتضن آسيا بتملك وحب، فهو يغار عليها.
بدأت أجواء الاحتفال وبدأ صوت الموسيقى يصدع بأرجاء الفيلا لتبدأ الفتيات تتمايل بين أحضان أزواجهم.
حتى سامح أخذ آسيا في أحضانه. وهكذا فعل يوسف وأخذ إيناس في أحضانه يرقص معها.
كان مندور ينظر إليهم بفرحة شديدة وظل يدعو إلى رفعت بأن يحن قلب بناته عليه. اقترب منهم ليبارك لهم بفرحة جد يرى سعادة أحفاده قائلاً:
ألف مبروك يا ولاد، ربنا يسعدكم.
لترد جميع الفتيات:
الله يبارك فيك يا جدو.
أما خديجة، رفعت وجهها ونظرت إلى رفعت ووجدته حزين، منكسر. أحست بوجع في قلبها.
بعد قليل.
دَلَفَت الفتيات إلى إحدى الغرف، فكانت تجلس فتاة متخصصة برسم الحناء. اختارت الفتيات التصاميم تحت حماسهم ومرحهم المعتاد. فكل واحدة نقشت اسم زوجها فوق قلبها.
بعد انتهاء حفل الحناء وذهاب الجميع، ولكن بقيت ملاك وحور بعد طلب خديجة بأن يكونوا معها. حتى عمار طلب من ونس بأن تقابله في الجنينة، ولكنها رفضت.
في غرفة ونس، كانت تضحك بشدة كلما تذكرت وجه عمار عندما رفضت أن تقابله. دلفت إلى المرحاض لتنعم بحمام دافئ. أنهت حمامها وقامت بارتداء البرنص وخرجت تقف أمام المرآة لتجفف شعرها. شهقت لتنصدم من ذلك الذي يقف يطالعها بأعين تلمع بعشقها. صرخت قائلة:
إنت دخلت هنا إزاي يا نهار أسود! وحاولت الهروب. إلا أنه فاجأها عندما لف يديه حول خصرها يجذبها إليه لتصطدم بصدره. وفي لحظة مال على شفتيها وقبلها بنهم، قائلاً:
بعشقك يا ونسي.
ابتعد عنها وغمزلها قائلاً بمرح:
اثبت يا وحش، أنا بسخن بس. وخرج من الشباك مثل ما دلف.
أما ونس، وضعت يديها على شفتيها وضحكت بشدة على هذا العاشق المجنون.
في غرفة خديجة.
دَلَفَت إلى غرفتها بعدما جلست مع ملاك وحور، وجدت أدهم يجلس على التخت ويضع ساق فوق ساق وينظر إليها بمكر.
تعجبت قائلة:
أدهم، إيه اللي جابك؟
ابتسم لها واقترب منها:
جاي أبارك لكِ على الحجاب.
وفي لحظة اقترب منها وفك حجابها وقبّلها من شفتيها.
بعد قبلة ساحرة، ابتعد أدهم عن خديجة وهما يلهثان بقوة ونظر لعينيها بعمق، وتحدث بابتسامة جميلة تزين وجهه:
مبروك يا حبيبتي.
كانت خديجة غامضة عينيها تستقبل قبلته بترحاب وعشق وشوق. غمرها هو بلهفة أذابت قبلتها وتغلبت على خجلها.
جعلتها تفتح عينيها وتتأمل ملامحه باشتياق.
همست له: "الله يبارك فيك يا حبيبي، بس انت جيت ودخلت إزاي؟ وبابا قال محدش يشوف التاني قبل الفرح!"
ابتسم أدهم: "مقدرتش أقعد يوم من غير ما أشوفك، ثم غمزة لها: "ولا أنا مش وحشتك؟"
ضحكت بخجل. ساد الصمت قليلاً وطالت نظرتهما التي تصرخ بالعشق لبعضها. عينيها تلتمع ببريق عشقه ونظرته الهايمة به جعلته يقترب أكثر وهو يقبلها بشغف ولهفة.
"أنا مش عارفة ليه التعذيب ده، ما أنتَ مراتي، يعني لازم تبعد عني."
ضحكت واقتربت منه ووضعت قبلة على خده: "معلش يا دومي يا حبيبي، بكرة الفرح خلاص."
ابتسم بمكر: "دومي، امممم، طيب تعالى بقى يا حبيبة دومي."
حملها واضعاً يداً أسفل ركبتيها والأخرى حول خصرها.
قربها منه بهذا الشكل جعلها تنتفض أكثر وتنكمش على نفسها داخل صدره، دافنة وجهها في عنقه قائلة بخجل:
"اعقل يا أدهم، أنت هتعمل إيه؟"
"ولا حاجة، أنا هاخدك في حضني وبس."
"ضحكت له: "وافرض حد جاه يا حبيبي."
"عادي يا روحي." وضعها على السرير ثم ابتعد. اقترب من الباب وقام بغلقه بالمفتاح. ثم ذهب إليها وغمز وقام بخلع ملابسه وظل بشورت قصير فقط واقترب منها.
"نظرت له بخجل: "اعقل يا أدهم، بكرة فرحنا."
"أنا عاقل أهو، هو أنا عملت حاجة؟ أنا هنام في حضنك وبس." وبالفعل أخذها أدهم في أحضانه وقام بتقبيل عنقها وذهبوا في نوم عميق. رغم أنه زوجها، فهو لم يكمل زواجه منهم.
أما مالك، حاول أن يدلف إلى ملاك ولكنه لم يعرف بسبب وجود حور معها. فكر وقرر في خطة وذهب إلى زين، الذي كان هو الآخر يحاول أن يرى حور. ضحك مالك بشدة قائلاً: "فين أفكارك يا زين باشا؟ اتصرف وخلي مراتك تطلع من عند مراتى عشان أنا عاوز أشوفها."
"امممم، خلاص لقيتها."
وأمسك هاتفه وقام بالاتصال على حور لترد حور قائلة:
"الوووو زين."
"هااا، أحلى زين ده ولا إيه؟" نكزه مالك. "آه آه صح، ماما عايزة تقابلك في موضوع مهم."
شحب وجه حور: "تقابلني؟ هو فيه حاجة حصلت؟"
"ماتقلقيش يا حور، ماتقلقيش. اطلعي أنتِ هتلاقيها في جناحها."
"حاضر." وقامت بإغلاق المكالمة.
استدارت لـ ملاك التي كانت تستعد للنوم قائلة لها: "ملاك، أنا هروح أشوف طنط آسيا عايزاني ليه وجاية على طول."
"ماشي يا قلبي، وأنا هنام لأني جسمي كله متكسر."
وبالفعل خرجت حور. وأثناء سيرها وجدت يداً تسحبها، وقبل أن تصرخ، وضع زين يده على شفتيها وهمس لها:
"اهدّي، ده أنا يا روح وقلب زين." وأخذها في غرفته، تحت صدمتها.
دلف بها وهي مصدومة من فعلته هذه. قام بغلق الباب قائلاً: "وحشتيني يا حوري."
"زين، هو فيه إيه وفين طنط آسيا؟"
ابتسم لها بمكر: "مفيش طنط آسيا، فيه زين وبس."
خجلت قائلة: "طيب وأنت جايبني هنا ليه؟"
اقترب منها ببطء شديد ومال على شفتيها، قلبها بنعومة قائلاً: "عشان أبارك لكِ على كتب كتابنا."
خجلت حور وابتعدت عنه قائلة: "آه يا قليل الأدب!" وفرت من أمامه إلى غرفتها.
في الغرفة التي بها ملاك.
دلف مالك إلى الغرفة وجدها شديدة الظلام. هي تحب النوم في الظلام، ولكن بجوارها أحد مثل ما كانت تنام فاطمة بجانبها. سمع صوتها:
"حور، انتِ جيتي؟ تعالي بقى نامي يلا عشان أنا معرفش أنام لوحدي."
ابتسم بمكر قائلاً: "هو ده عز الطلب." وفي لحظة نام مالك جوارها وظل يقترب منها ببطء، إلا أنها أحست بجسد صلب وكادت أن تصرخ، إلا أن مالك قبلها من شفتيها. لأول مرة يشعر بهذا الشعور وهي في أحضانه، قائلاً لها بحنان: "متخافيش، أنا مالك." قام بتشغيل الإضاءة.
لينصعق من مظهرها، فكانت حورية بحق.
غمز لها قائلاً بوقاحة: "صغير بس تحيّر."
أما ملاك، فكانت تنظر ببلاهة وذهول إلى مالك. لم تصدق أنه هو نفسه مالك.
خجلت قائلة: "هو فيه إيه؟ وأنا اللي افتكرتك مؤدب."
قهقه مالك عليها بشدة من تعبير وجهها، وكاد أن يجيب إلى أن دلفت حور.
خجلت حور قائلة: "آسفة والله، ماكنتش أعرف إن حضرتك موجود."
ابتسم مالك: "ولا يهمك، أنا أصلاً جيت أقول لـ ملاك على حاجة وخارج تاني." وغمز لها وخرج.
نظرت حور إلى ملاك التي كانت في شدة خجلها، وجهها شديد الاحمرار. ولم تصدق ما فعله مالك. حتى حور ضحكت على جنون زين.
نظر الفتيات إلى بعضهن، انفجروا في الضحك.
في غرفة ماهر وبدور.
زفرت بغضب، فقد طلبوا ماهر في المستشفى لأمر هام. صقفت بيديها قائلة بمرارة: "طيب والله فرصة."
بعد قليل، ارتدت رداءً قصيراً وفردت شعرها وبدأت تتراقص على أغانيها المفضلة وهي تضع يدها بحنان على بطنها وتتمايل وترقص قائلة: "أيوا بقى يا بت يا بدر، بكرة هولّعها في الفرح."
لتسمع صوت ماهر الذي قائلاً: "ومين اللي هيسمح لكِ بكده؟"
خجلت واقتربت منه: "ماهر، أنت جيت إمتى؟"
رفع حاجبه ونظر إليه بوقاحة: "من ساعة لما بدأتِ وصلة الرقصة الجامدة دي."
"يعني بكرة هتخليني أرقص مع البنات يا ماهر؟"
"لا طبعاً، بس موافق ترقصي لي أنا بس."
ثم نظرت إليه ووجدته يحمل علبة كبيرة. تعجبت قائلة:
"إيه ده يا ماهر؟"
ابتسم لها بحب قائلاً: "افتحي وانتِ تشوفيها."
بالفعل فتحت العلبة وشهقت، لم تصدق. فماهر جلب لها فستان زفاف مثل فستان الأميرات. رغم أنها اختارت فستاناً مع أخواتها، ولكن هذا خطف قلبها قبل عينيها.
اقتربت منه ورمت نفسها في أحضانه قائلة: "أنا بحبك أوي يا ماهر."
حاوط خصرها وحملها قائلاً: "بس أنا بعشقك يا روح ماهر." ومال على شفتيها، قبلها بحب وعشق، غارقين في حلال الله.
في الصبح، اجتمع الكل على مائدة الإفطار ما عدا آسيا وسامح، وسط جو عائلي مرح تحت خجل حور وملاك كلما تذكروا أفعال زين ومالك.
قاطعهم دخول أدهم وعمار ليكمل الاجتماع. اقترب أدهم من خديجة وجلس بجانبها قائلاً: "وحشتيني يا ديجا."
ابتسمت له وهمست: "هو أنا لحقت أوحشك؟" ثم حمحمت: "ما أنت كنت بات معايا."
أمسك كف يديها وقبلها: "أنتِ على طول بتوحشيني يا حبيبتي."
سحبت يديها: "اسكت، ليكون بابا نازل بقى."
تعجب أدهم: "آه، هو فين؟"
"بابا فوق، أنا شوفته محضر الفطار وطالع فوق عند ماما."
ابتسم أدهم: "الله يسهله، عقبالي يارب."
"بس بقى..."
في جناح سامح وآسيا.
دلف إلى الداخل حاملاً بيده أشهى المأكولات والعصائر الطازجة. اقترب من الطاولة ووضع الطعام عليها. واقترب منها يتطلع إليها بحب وعشق، ليطبع قبلة على جنينها. فتحت آسيا عينيها ببطء، وجدت سامح ينظر إليها بحنان قائلة له:
"صباح الخير يا حبيبي."
قبلها من شفتيها: "صباح الخير يا قلب سامح. يلا عشان تفطري، أنا حضرت لكِ الفطار وهنفطر هنا."
ثم ابتسم لها: "ده أنا محضر لكِ مفاجأة بعد فرح الأولاد، يارب تعجبك."
لمعت عيون آسيا بالدموع. ماذا فعلت في حياتها ليرزقها الله بزوج مثل سامح.
تنهدت بحب ونظرت إليه، وضعت يديها على وجهه قائلة: "أنا بحبك أوي يا سامح..."
ضمها إليه: "بس أنا بعشقك يا روح وقلب سامح."
في المساء...
كانت الفيلا تضيء ويعمها البهجة والفرحة، فاليو م ميعاد ربط القلوب. كان كل شاب ينظر إلى زوجته بعشق خالص، فاليوم هو اتحاد أرواحهم.
نزلوا من على الدرج على نغمات:
آدي الزين وآدي الزينة
قالوا الجنة هي جنينة
وعاليسمينا نشوف أسامينا
لو زفينا الزين ع الزينة
حلوة عروستي واخدها نقاوة
عين حسادها تزيدها حلاوة
سموا وصلوا وقولوا بهداوة
رشوا العتبة بالفرجاوه
الذي كان يغنيها جمال وهو محاوط خصر سلمى بتملك وحب، التي كانت تبكي في أحضانه.
انطفت الأنوار ثم عادت مرة أخرى. كان سامح جالساً في الوسط، وأحاطت به الفتيات في مشهد رائع يأسر القلب قبل العينين.
اقتربت خديجة وهي تمسك المايك وتغني:
أبويا اللي عليه مسنود
حنّان قلبه ملوش حدود
كبرت ولسه من عطفه
كأني من ساعات مولود
أبويا ده قصة وحكاية
وعن طيبته هقولك آية
ده جسر من الوفا ممدود
ثم غنت بدور وهي تقفز:
أبويا وعزيزي من خيره
جناح حوط على طيرة
أنا اللي كفاية من غيره
ما كانش هيبقى ليّا وجود
أبويا في الوفا نادر
وحتى وهو مش قادر
ثم أكملت ونس وهي تقرب أكثر من سامح:
أقول عايز يقول حاضر
ويفتح كل باب مسدود
وأقوله ارتاح يرد يقول
وتيجي إزاي وأنا المسؤول
ويخرج كل يوم مهموم
ويرجع من التعب مهدود
وقف سامح ويده حول خصر آسيا وهي تبكي من شدة فرحتها. اقتربت جميع الفتيات في نفس واحد:
"وأقوله يا أبويا شلني وشيل الشيلة شلني
لأمتى يا أبويا هتشلني؟ يقولي طول ما أنا موجود
في كل دقيقة بحياها، ملامح أبويا جواه
أنا اللي يا أبويا بتباهى وبدعي له في كل سجود
وبدعي له في كل سجود وبدعي له في كل سجود"
تتطلع إليها سامح بفرحة غامرة تسع الكون بأكمله. يرى أمامه حصاد سنوات طويلة. اجتهد كثيراً ليكون خير الأب لهم ولأولاده. حديثهم هذا أثبت له أنه قد نجح.
أما عن فرحة سامح لا توصف وآسيا في أحضانه، وبناته وأولاده يقفون حولهم بهذا الشكل.
على جانب آخر، يجلس رفعت يبكي، لأنه خسر كل شيء. خسر آسيا وهو يراها في حضن سامح وسعيدة. يبكي على خسارة بناته، وآه من بناته. أراد الولد ولكنه لم يكن من صلبه، ومات وجاءت له ابنة أخرى لا تقل أدباً وتربية عن أخواتها. نظر إليهم ورأى أن لا مكان بينهم، خرج من الفيلا نهائياً.
وأثناء خروجه وهو شارد، اتصدم في إحدى الكراسي وكاد أن يقع، إلا أنه وجد يدًا تساندُه. رفع وجهه ونظر، وجدها خديجة وبجانبها أخواتها.
نظر إليهم بكسرة، فهو لم يعرف ماذا يقول لهم. هو لم يقدم إليهم إلا الخذلان والكره. أكمل طريقه، ولكن وقف عندما سمع الفتيات قائلة: "رايح فين وسايبنا يا بابا؟".
وقف رفعت في مكانه، لم يقدر حتى أن يستدير إليهم. كان يبكي بشدة. اقتربت منه الفتيات، وقامت خديجة بمسح دموعه.
أمسكت الفتيات يده قائلة: "يلا يا بابا، فرحتنا مش هتكمل إلا بيك".
ابتسم رفعت ونظر إلى سامح، شكره بعينه. هذه هي تربيته، زرع أخلاق، زرع مبادئ، زرع العفو عند المقدرة.
***
اقترب يوسف من إيناس ومسح وجهها، فهي كانت تبكي من شدة جمال الفتيات وابنها أدهم عريس. ابنتها حور تم عقد قرانها هي الأخرى على زين.
همست له: "شفت حلوين إزاي يا يوسف؟ آسيا عرفت تربي".
نظر لهم بكل حب وحنان: "مش بس آسيا يا إيناس. شوف الراجل الطيب حصاده النهارده. سامح ده زين الرجال".
اجتمع الجميع، وكل زوج يرقص مع زوجته، على أغاني "يا سهر الليالي...".
أخذ جمال سلمى إلى أحضانه وظل يدور بها في مكان.
وفعل مثله جميع الشباب.
حتى خديجة والفتيات كانوا يرقصون بين أزواجهم وبين آبائهم.
بعد انتهاء الزفاف، ودع الفتيات الجميع وركبوا سيارتهم ليذهب كل زوج مع زوجته بفرحة وسعادة تحل قلوبهم بلقاء انتظروا كثيرًا.