تحميل رواية «الارث "صراع الاباء والابناء"» PDF
بقلم مروة البطراوي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحد الشوارع البسيطة ب محافظة البحيرة، وبالتحديد في أحد بيوت أشهر العلافين في المنطقة، وفي الطابق الأرضي، حيث يقطن كبير عائلة الحمش، الحاج هريدي، مع زوجته عائشة، السيدة الحنونة، أم أبنائه الثلاثة الذين أنجبتهم بعد صبر سنوات عديدة واشتياق مرير، وحرصت جيداً على تربيتهم. كان هريدي يتحدث معها بعصبية: - وأنا قولت هكتبله هو كل حاجة دوناً عن أخواته، يعني هكتبله. خشت عائشة من قراره فردت: - يا هريدي، حرام، محدش ضامن الموت من الحياة. اتسعت حدقة عينيها بصدمة قائلاً: - بتقولي إيه يا عيشة، بتفولي عليا يا و...
رواية الارث "صراع الاباء والابناء" الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم مروة البطراوي
كان هريدي شاردا يستمع إليهم جيدًا ويوافقهم الرأي.
"على خيرة الله."
بعد انقضاء عمل مريم بمحل الورد، عادت لتذهب إلى المكتبة ولم تجد ولاء، فصعدت إليها.
"مروحتيش الشغل ليه النهارده يا ولاء؟"
زفرت ولاء بحنق قائلة:
"معدش ينفع."
لوت مريم فمها بغيظ:
"مالك حصل حاجة تاني؟"
أدمعت عينيها بندم قائلة:
"جيت على نفسي امبارح وحاولت أتصل بيه مردش عليا. مريم أنا بفكر أرجع لخطيبي ابني عمي برضه ومن لحمي ودمي ومش هيمرمطني بالشكل ده."
اتسعت حدقة عيني مريم من برود عادل:
"إيه؟ طب اصبري أنا هخلي ماما تكلمه."
أوقفتها ولاء وجذبت هاتفها لتنحيه جانبًا:
"انتي عارفه إنه مش هيرد على حد، متتعبوش نفسكم معاه."
هزت مريم رأسها باقتناع وربتت على يدها قائلة:
"طب علشان خاطري متزعليش، والله هتتحل متأكدة."
هزت ولاء رأسها بلا مبالاة قائلة:
"ماشي."
رحلت مريم لتودعها ولاء على السلم، وفجأة شعرت بانتفاخ في معدتها لدرجة أنها حاولت الاستغاثة بمريم لتنقذها.
"مريم الحقيييني."
ولكن دون جدوى حيث رحلت عنها، ليخرج على صوتها وهي تئن وتحاول كتمه عادل. لينظر إليها برعب وهي تمسك معدتها تتلوى منها.
"مالك يا ولاء مالك؟"
أشارت ولاء إلى معدتها، ليسرع عادل بحملها ومن ثم يطرق على ياسمين حتى تقف بجانبه، يحاول عمل أي شيء لذهاب ألمها ولكن دون فائدة. فحملها مرة أخرى وذهب بها إلى المستشفى لإسعافها، وهي ترفض مساعدته وإسعافه. ليزمجر غضبًا قائلاً:
"خليكي كده عمال تعاندي لغاية ما هتروحي من بين إيديا، اسكتي واهدي بقي."
لتغمض عينيها وتدفن وجهها في عنقه تحاول تهدئة آلامها قائلة:
"حاضر هسكت ويمكن أسكت للنهاية."
هرول عادل بها إلى حجرة الاستقبال ليصل في غضون دقائق ويضعها على سرير الكشف ليتم فحصها. خرج هو وأدخل ياسمين عوضًا عنه حتى تساعدها. مرت ربع ساعة لتخرج ياسمين ووجهها يبدو عليه الحزن، ليقلق عادل من مظهرها ويسألها بتوجس:
"طمنيني ولاء كويسة جرالها حاجة يا ياسمين؟"
أخبرته بضعف شديد قائلة:
"ولاء لازم تعمل تحاليل وأشعة ضروري وبسرعة."
عقد عادل ما بين حاجبيه بعدم فهم قائلاً:
"تحاليل وأشعة ليه مالها؟"
هزت ياسمين كتفيها بعدم معرفة:
"معرفش، كل اللي الدكتور قاله إنه لازم وبسرعة."
التقط عادل هاتفه واتصل بمحمد لكي يأتي له ويفهمه طبيعة وضع ولاء وما بها. وبعد عدة دقائق جاءه محمد ودلف إلى الطبيب ليخرج معه بعد ربع ساعة من النقاش، وهي تحت تأثير الأشعة والتحاليل. انطلق إليه عادل بعد أن تركه الطبيب المعالج:
"مالها يا محمد طمني بالله عليك هي كويسة؟"
ابتسم إليه محمد قائلاً:
"اطمن يا عادل، ده القولون العصبي، كنا شاكين إن عليه حاجة خصوصًا لما سألها جوه وقالتله مش أول مرة يتعبها بالشكل ده، انت مكنتش تعرف؟"
تيقن عادل الآن أن هناك أشياء كانت تخفيها عنه كي لا تحزنه، ولكن ما زال القلق يساوره فسأل محمد قائلاً:
"طب والأشعة المقطعية دي لزمتها إيه؟"
زفر محمد بحنق على غباء عادل قائلاً:
"بقولك كان شاكك إن على القولون ورم."
تنهد عادل براحة شديدة قائلاً:
"ربنا يطمنك يا دكتور محمد."
ابتسم محمد وهو ينظر له بخبث:
"خير، انت ناوي ترجع ولا إيه؟ عمومًا فيه شروط لازم تبعد عن أي ضغط نفسي وبلاش تتعصب، ها يا عادل بلاش تتعصب يعني ريحها يا مرتاح. فاهمني؟"
هز عادل رأسه بطاعة قائلاً:
"ماشي يا دكتور محمد."
تركه محمد وذهب لاستئناف عمله ليجد ياسمين تقف أمامه مربعة ذراعيها وتهز رجلها بعصبية قائلة:
"أظن الرسالة وصلت، ادخل بقي وحل مشاكلك معاها، حرام عليك كده كتير."
هز عادل رأسه برفض قائلاً:
"لا مش داخل، هي أساسًا مش عايزاني."
نظرت له ياسمين باندهاش قائلة:
"لا يا شيخ، المفروض تعمل لك إيه تقول لك بالله صالحيني؟ انت مش حاسس إنك السبب في اللي حصل ده؟ البت كاتمة في بطنها وساكتة."
أدمعت عيناه وهو يتذكر كلمات محمد عن تكرار ألمها:
"كانت خايفة أقلق عليها، بتخاف على الشخص اللي مش بيقلق عليها، خايفة تخسرني، بس للأسف أنا اللي خسرتها."
ربتت ياسمين على ظهره بحنان:
"لسه العمر قدامكم طويل وما خسرتهاش، ادخل يا عادل وانسى."
دلفت ياسمين لتجد ثريا جالسة بجوار ولاء تواليها، لتغمزلها قائلة:
"تعالي يا خالتي الممرضة هتدخل تعطيها حقنة علشان تنام."
استغربت ثريا ومن ثم وجدت عادل خلف ياسمين، لتنظر له بعتاب قائلة:
"طبعًا يا ياسمين، هي محتاجة تنام، يلا بينا."
دلف عادل ليجد الدموع بدأت أن تنزل من عينيها:
"ألف سلامة عليكي يا لؤلؤتي."
جحظت بعينيها وفتحتهم على مصرعيها:
"لؤلؤتك لسه فاكر؟"
بدأ يمسح دموعها بأطراف إصبعه:
"لؤلؤتي وجوهرتي وكل حاجة غالية."
زفرت بغضب كانت تكتمه لدرجة وضعت يدها على معدتها:
"طب ليه سددتها في وشي رغم إنك عارف إن بحبك وبغير عليك؟"
تنهد عادل بتعب قائلاً:
"عملت معاكي كده علشان تبعدي انتي."
اتسعت حدقة عينيها بذهول فهو ما زال مصراً:
"والله وأنت شايف إن قدرت أبعد؟"
هز عادل رأسه بنفي قائلاً:
"أنا مش شايف إنك قدرتي ولا أنا قدرت."
رفعت حاجبيها باندهاش:
"وأنت شوفت إنك مقدرتش إزاي؟"
ثم استطردت بغصة في حلقها وهي تبتلع ريقها:
"هو أنا كنت مقصرة في حياتك، ده أنت طلبت من أختك تبعد عني."
وتابعت حديثها ودموعها تنساب لدرجة أنها تتجرعها من على وجهها بدون قصد وينبح صوتها معها:
"قولي إن تلقيحة ورميت نفسي عليك وفضلت وراك لغاية ما حسيت بيا وبعدين زهقت، ده الطبيعي أنا عارفه."
نظر إليها عادل بحزن شديد:
"لا يا ولاء، أنا بعدتك علشان أوقعها ولما سالم يروح لها تفكره أنا."
لم تقتنع ولاء بحديثه وردت قائلة:
"ولما هي تمثلي مقولتليش ليه مش ده اتفاقنا؟"
هز عادل ليوضح لها أنه خلا بالاتفاق، ولكن أوضح لها:
"أنا بحبك أوي يا ولاء وكنت عارف إن مينفعش تمثيل، إحنا مش بنقدر نبعد عن بعض."
أخذت تذرف دموعها لتذكرها الأيام والليالي التي قضتها بدونه، ليحتضنها مربتاً على ظهرها:
"أرجوكي يا ولاء صدقيني، أنا كنت في كل ليلة بندة عليكي كأنك معايا وأقول يارب أوصل ليكي تاني."
لم تتحمل ثريا أن تتركهم كل هذه المدة، فهي مصرة على عقاب عادل لجرحه لولاء، فاقتحمت عليهم الغرفة:
"كده كتير يا عادل، سيبتك تجرح في البت ودلوقتي جاي تصالحها بعد ما كانت هتضيع مننا؟"
التفت إليها عادل يضع يده على أذنه يجذبها كأنه يعاقب نفسه وهو يعتذر قائلاً:
"سامحيني يا خالتي وخليها تسامحني."
تعالت ضحكات ياسمين من خلفها قائلة:
"إن قلت مش هعمل كده تاني هيسامحوك."
نظر إليها نظرة يرعبها بها قائلاً:
"تاني يا ياسمين بتدخلي هحرمك من ضي."
ابتسمت ياسمين وثريا وولاء من حديثه، لينظر إلى ولاء:
"أنا هنتظر لما تخلصي فترة العلاج وهنكتب كتابنا على طول."
كانت عائدة من منزلها لتتفاجأ بمن يسحبها ويدخلها بداخل شوال من الأعلاف ويصعدها السيارة وهي مربطة، ليغشى عليها. وبعد ساعات أفاقت لتجد نفسها في إحدى مخازن الأعلاف الخاصة بسالم، وهو يهبط بوجهه عليها وهي جالسة على الأرض:
"أنا اتأخرت في محاسبتك أوي يا نوال، أجلتك كتير."
ارتعدت أوصالها أن يكون لديه علم بموضوع الأوراق:
"حقك عليا يا حاج سالم بس أنا معملتش حاجة ومليش دعوة بالموضوع، هي اللي جات لي برجليها."
انخفض بجسده يسألها بتوجس:
"موضوع إيه ده يا نوال؟"
ابتلعت ريقها قائلة:
"مزرعة المواشي."
عقد ما بين حاجبيه يربط كلماتها ببعضهم البعض وقرر استغلالها لصالحه قائلاً:
"المزرعة! طب هعمل معاكي اتفاق، تجيبي لي الورق ده لو هو معاها وساعتها هيبقى ليك الحلاوة."
هزت رأسها بخوف متأكدة أنها لم تستطع إيصال الأوراق له، ولكنها قررت كسب الوقت معه لكي تنجو:
"حاضر بس سيبني أرجع وأحاول أفتح شنطتها دي بقفل، أصلها حكت لي إنها هتاخد الوصلات مقابل الأرض."
تركها لتخرج لتصطدم بشوقي الذي حدجها بنظرة ثاقبة ليخبرها أنه سينظم الأمر:
"مساء الخير."
التفت إليه سالم:
"مساء النور، الرجالة بلغوني إنك عاوزني."
ابتسم شوقي له بخبث قائلاً:
"بقي أنت عايز تخلص من نوال وحلاوتهم؟"
نظر إليه سالم باستهزاء قائلاً:
"وأنت بقي هتقدر؟ وبعدين مش دي نوال اللي كنت حاطط إيدك في إيدها وجاي تشتري القماش من حلاوتهم؟"
هز شوقي رأسه بنعم قائلاً:
"أنا عارف إنك مش مصدق."
احتر سالم في شوقي، عقله يريد تصديقه:
"يارب أقدر أصدقك بس أنت مصلحتك إيه؟"
أقنعه شوقي قائلاً:
"أولاً حلاوتهم أنا للأسف اتعاملت معاها والنتيجة بضاعة بقيمة مليون جنيه أولاً متهربة وثانياً تلات أربع أتواب القماش شايط. ولعلمك أنت كنت موارث معاها لأنك شريكها، كان ممكن أسجنك أنت وهي بس قررت آخد حقي بإيدي وأغرقكم في السوق وأحرقها هي وبضاعتها في مخزنها، بس عرفت إنك كمان عايز تخلص منها، فليه لا؟ أما أحط إيدك في إيدي وأعرف إنك متعود على الجرايم دي."
شعر سالم بالخطر الذي يداهمه إذا رفض وضع يده في يد شوقي:
"أنت بتهددني ولا إيه؟"
مط شوقي شفتيه بلا مبالاة قائلاً:
"ما أنا بقولك أهو، حط إيدك في إيدي تكسب."
قبض سالم على يديه بعصبية قائلاً:
"ماشي بس الكلام يفضل يكون بليل، ولا ملكش في الليل؟"
ابتسم شوقي بسخرية قائلاً:
"أنا بتاع الليل وآخره أهو، على الأقل بكون فايق، إيه رأيك ما تبعت تجيب المدام ونخلص؟ أه كنت عايز أسألك على حاجة، كان فيه واحد اتشاكلت معاه نوال في الحارة عندكم اسمها تقريبًا عادل صح؟ كان بيجي يجهز أخته اسمها ياسمين باين، عايزك تلحقه قبل ما يهرب بفلوسك بره مصر، أصل نوال قالت لي إن الست حلاوتهم بكل برود باعت كل أملاكك بيع وشرا لعادل حبيب قلبها."
صعق سالم مما تفوه به شوقي، عقله يرفض تصديق ذلك حقاً، جعله مسخ نعم، عادل من كان يلعب عليها منذ البداية:
"طول عمري بيقولوا عليا طماع، طلع فيه اللي طمع في فلوسي وبيتي ومراتي، أقسم بالله لهقتله هي وهو وأحرقهم."
ربت شوقي على كتف سالم ومن ثم ضغط عليهم وهو يستدير من حوله يبخ السم في أذنه قائلاً:
"الله عليك، اخلص من حلاوتهم وعادل سيبه عليا لأن بيني وبينه تار قديم، ومتسألنيش هو إيه، دي أسرار."
نظر له سالم بإصرار أن يعرف ما بينه وبين عادل:
"لازم أعرف اللي بينك وبينه عشان أشوفك هتنتقم بجد ولا بتسكتني."
ابتسم شوقي بخبث كان يعلم إصرار سالم على معرفة السبب، محضرًا لإجابته:
"طلع هو اللي موارث معاها."
أخبر محمد بهيرة لتأتي لزيارتها في المستشفى لتدلف بمرح وهي تصيح قائلة:
"يا أهلاً بالوقعات التي تجلب الحبيب على الفور."
ضحكت ولاء رغماً عنها وهي تمسك بطنها قائلة:
"تعالي يا آخرة صبري، عارفة إنك هتتريقي."
نظرت إليها بهيرة بتعجب قائلة:
"تريقة مين والناس نايمين يا بت؟"
صرخت ولاء من معدتها لأن تأثير المسكن بدأ في الانخفاض تدريجياً، لتنظر لها بهيرة بخوف:
"مالك فيكي إيه يا ولاء؟ محمد قالي إن الموضوع بسيط."
هزت ولاء رأسها بهدوء قائلة:
"أنا فعلاً كويسة يا بهيرة متخافيش."
نظرت بهيرة إلى ثريا بقلق قائلة:
"ولاء مالها يا مرات عمي؟ أكيد محمد مش هيخبي عليا."
ربتت ثريا على يد بهيرة بحنو:
"يا حبيبة قلبي، إنتِ عارفة الفترة اللي فاتت أثرت على القولون بس."
ابتسمت ولاء حيث أنها وجدت في قلق بهيرة الشقيقة التي تمنتها يوماً:
"متخافيش يا بهيرة، والله بقيت كويسة، متقلقيش، تعبت وروقت لما أخدت المسكن."
نظرت لها بهيرة بخبث قائلة:
"بقي روقتي لما أخدتي المسكن؟ صح مش مصدقاكي."
تعالت ضحكات ياسمين قائلة:
"في مسكن تاني أخدته كان أقوى."
نظرت لهم بهيرة بشك قائلة:
"ههههه، كنت هقولها أصل عارفه المسكن ده."
ابتسمت ولاء بخجل قائلة:
"قصدها إن فعلاً اتوصف لي مسكن جديد غير اللي باخده كل مرة."
تنهدت بهيرة بحب قائلة:
"أنا مش شايفة إن تأثير مسكن عادي، المهم قومي بقي من رقدتك دي خلينا نفرح."
عادت نوال إلى منزلها التي تقطن فيه حلاوتهم لتنظر لها حلاوتهم تجدها شارده حزينة:
"هو النهاردة خطوبة المخفين مش كده؟"
هزت نوال رأسها بالنفي قائلة:
"ما هما أُجلوا خمس أيام عشان بنت جارتهم اسمها ولاء وقعت من طولها."
سخرت حلاوتهم من الأمر، ولكن ذكر هذا الاسم أمامها جعلها تقطب جبينها لأنها سمعته من ذي قبل:
"ها بجد أجلوا خطوبتهم عشان واحدة جارتهم؟ مش عارفة الواحد زي ما يكون سمع اسم البنت دي قبل كده."
ردت عليها وفاء والدتها حيث جاءت لزيارتها حتى تقوم حلاوتهم بإعطائها عقد مزرعة المواشي كي تخفيه عندها:
"والله يا بنتي أنا مش مرتاحة للأيام الجاية دي أبداً، كان ماله سالم ما هو كان ماشي تحت رجلك، لازم يعني تبصي لعادل؟"
عند ذكر اسم عادل شعرت نوال أن وفاء جاءت لأخذ عقد المزرعة وتأكدت أنه سيتم اتهامها، وعليها الذهاب إلى هريدي لتخبره، فانتفضت:
"طب أنا هسيبكم على راحتكم يا حلاوتهم، البيت بيتكم، معلش."
رواية الارث "صراع الاباء والابناء" الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم مروة البطراوي
نسيت أجيب حاجات العشا و أنا جايه سلام دلوقتي.
نظرت إليها وفاء وحلاوتهم بشك، ولكن أرادوا منها تركهم حتى لا تعلم بأمر العقد. وما إن خرجت حتى ذهبت حلاوتهم لتعطي العقد لوالدتها، ولكنها لم تجده. لتنظر إلى الفراغ أمامها وهي تجز على أسنانها، حيث تأكدت من سرقة نوال لها. وعزمت أمرها أن تريها ويلات من العذاب، ومن ثم هربت هي ووالدتها من المنزل.
كانت نوال ما زالت بجوار منزلها لتراهم يرحلون من المنزل، لتضع يدها على صدرها تتنهد براحة شديدة. وقد وجدت حجتها أن استدعاها سالم وطلب منها العقد. ستأخذ إلى بيتها وتعلمه أنها هربت عندما شعرت أن نوال قد تسرقه منه. ولكن عليها الآن أن تعلم إلى أين حلاوتهم ذاهبة، لابد من تتبعها حتى تبلغ الجميع بمكانها الجديد الذي سيقتطبها منه سالم.
رحلت حلاوتهم مع والدتها وفاء لمكان نتردد عليه وفاء أثناء الأزمات. لتقطب نوال جبينها على هذا المكان، حيث كان قريباً من المقابر. مكان لا يخطر على بال أحد أن حلاوتهم ترضى لأن تقطن به.
عادت ولاء إلى منزلها بعد إتمام فترة العلاج، وعلمت من ياسمين أن مريم ومصطفى قاموا بتأجيل حفل خطبتهما حتى تشفى.
"يالهوى بقي أجلتوا فرحتكم علشاني يا مريم؟"
رد عليها ياسمين بثقة قائلة: "إيه هو انتي شوية يا لولي؟"
ابتسمت مريم وأقبلت تحتضن ولاء قائلة: "إزاي بس عايزاني ألبس الفستان اللي اخترناه سوا ولا الخاتم وأنتي راقدة في المستشفى؟"
نظرت لهم ثريا كمن تنظر إلى بناتها وليست مريم فقط: "بقولكم إيه مش وقت عواطف، الخطوبة بعد بكرة وولاء بقت كويسة، نحضر نفسنا بقى."
هزت مريم رأسها بالرفض: "مستحيل يا ماما أسيبها وأنزل معاكم، أنا تقريباً حاجتي خلصانة، شوفي حاجة ياسمين وبعدين مصطفى مانع أنزل من غيره."
نهضت ولاء بحذر قائلة: "لو على تعبي أنا بقيت كويسة وهنزل معاكم كمان."
صفقت ياسمين على يديها قائلة: "ما عادش في حجة يا مريم، يلا بقى خلينا نفرح."
ابتسمت ثريا بسخرية قائلة: "هو أصلاً مصطفى هيستحمل تأجيل أكتر من كده؟"
هزت ولاء رأسها تؤيدها قائلة: "عليكي نور."
هزت مريم كتفيها بدلع قائلة: "وأنا قلت لأ بس الظروف حكمت."
نظرت لها ولاء بعناد قائلة: "انتي عارفة إني بستنى اليوم ده من زمان ومفرحتش يوم ياسمين، أفرح يومك يمكن يطلع وشكم حلو عليا."
واستطردت بفرحة تغمرها قائلة: "ها هنفرح بقى؟"
ابتسمت ياسمين بخبث قائلة: "دي هتكون ليلة العمر لينا كلنا."
نظرت لها ثريا بمكر قائلة: "ما أنا فاهمة."
رفعت مريم سبابتها بتحذير: "خلي بالك يا ماما أنا مش بحب المفاجأت."
نفت ثريا برأسها قائلة: "متقلقيش يا بنتي."
علمت بهيرة من نوال مكان حلاوتهم، ولضيق وقت ثريا قررت أخذ عائشة والذهاب إليها.
"بت يا بهيرة، بت انتي جايباني فين؟"
ردت عليها بهيرة بكل هدوء قائلة: "إيه يا مرات عمي عاوزة تروحي فين وأنا أوديكي."
قطبت عائشة جبينها تسألها بتوجس قائلة: "انتي تعرفي مين ساكن هنا؟"
زمت بهيرة شفتيها بسخرية قائلة: "واحدة حبيبتي مش شوفتها من زمان."
اتسعت حدقة عيني عائشة بذهول، فبهيرة من النوع الخائف: "انتي مش خايفة من المكان ليه كده؟"
رفعت بهيرة أكتافها بلامبالاة قائلة: "عادي كلنا لها."
تفاجأت عائشة من برود بهيرة: "يا برودك يا بهيرة، ده أنا اللي اسمي ست كبيرة ميتة في جلدي وعايزة أروح، افرضي حد أخدنا في أي طربة وقتلنا وتوانا حبيبتك مين اللي تيجي علشانها هنا؟"
تأكدت بهيرة أنها أخطأت عندما أخذت عائشة معها، كان لابد من أخذ ثريا أو محمد لولا انشغالهم. "استر يا رب، طب بتخوفيني ليه دلوقتي يا مرات عمي؟ ده أنا جايه لمرات ابنك الحلوة حلاوتهم."
شهقت عائشة ووضعت يدها على شفتيها تتلفت حولها قائلة: "خلاص يا بنتي تعالي نرجع، هتبقى حلاوتهم والمكان كمان؟"
وضعت بهيرة إصبعها في فمها تفكر قائلة: "أنا هطلع أنا، ولو اتأخرت اتصلي على محمد."
هزت عائشة رأسها بخوف وقلق، وقرار صادر من أعماقها أنها ستهاتفه فور صعود بهيرة: "تمام اخلصي بقى، ولو إني مش فاهمة إيه سبب الزيارة الهم دي."
هاتفت بهيرة نوال وهي تصعد السلم لتسألها بأي طابق يسكنان، لتخبرها قائلة: "الدور التالت، أنا هتصل حالا بسالم، خليه يجي مش هقدر أسيبك لوحدك معاها."
أكملت حلاوتهم صعودها وطرقت على الباب لترتبك حلاوتهم، حيث كانت بالداخل بمفردها وتستجمع شجاعتها وتفتح الباب وتتفاجأ من بهيرة وتتحدث بصوت خافت: "بهيرة!!!"
هاتفت عائشة محمد ووصل إليها مسرعاً وأجلسها في سيارته بعيداً عن المنطقة، كان اتفاقاً بينهم ألا يتدخل إلا في الوقت المناسب، ولكن لم يتحمل وحدّث نفسه قائلاً: "انت مجنون دي مراتك يا أهبل، انتي هتفضل مستخبي، اطلع شوف حلاوتهم هتعمل فيها إيه."
وصل إلى باب الشقة واستمع لما يدور بالداخل، واستمع إلى صوت سالم وهو يتحدث بحدة: "انتي إزاي تسرقيني يا واطية وتهربي، لا وكمان خاطفة مرات أخويا وبنتها وجايباها هنا، فاكرة إني مش هعرف، ده أنا هولع فيكي انتي وأمك."
ردت حلاوتهم عليه هي الأخرى بحدة وبهيرة تتصنع الخوف والقلق بعدما بعثرت شكلها قبل أن يقتحم عليها المنزل، مما أثار اندهاش حلاوتهم: "انت هتصدقها يا سالم؟ والله العظيم دي لسه داخلة قبلك، وأخطفها بتاع إيه هي وبنتها، دي محامية، عارف يعني إيه؟ يعني بتوقعك وبتوقعني."
تعجب سالم لكذبها لأنه يعرف بهيرة جيداً، لن تأتي لهذه الأماكن وتفتعل بنفسها هكذا حتى توقعه: "نعععم، أومال أصدقك انتي؟ طب إزاي بس، حلو إني عرفت مكانك بعد ما هربتي من عند نوال، بقي بتبيعي حاجتي لعادل، ده أنا هلبسك قضية زنا."
قطبت حلاوتهم جبينها قائلة: "نوال مين اللي هربت منها؟ نوال سرقت عقد مزرعة المواشي ومش بعيد تكون بعتته لأبوك، شكلها بعتنا إحنا الاتنين في ضربة واحدة."
نظر إليها بغضب: "وأنا هعرف آخد حقي منها زي ما هاخده منك دلوقتي."
نظرت إليه بصدمة وهو يقترب منها: "مستحيل."
جذبها من رأسها وأخذ يهزها بتعنيف: "هو إيه اللي مستحيل؟ انتي نسيتي إنك لسه على ذمتي، أنا قتيلك النهاردة."
ثم استطرد بمكر قائلاً: "ولا تحبي نكمل كلامنا في المخزن زي ما كنا بنتقابل زمان."
لم تخشى منها، ما كان يطمئنها هو وجود بهيرة، فردت عليه بتحدي قائلة: "بعينك، وأعلى ما في خيلك اركبه، ومش خايفة منك ولا عشرة زيك، وإن كان على أملاكك اللي انت سرقتهم من أهلك، فأنا عطيتهم لحبيبي."
حاول سالم السيطرة على أعصابه حتى لا يفقدها: "واحدة خطفت سلفتها وبنتها، محضر طويل عريض وتتسجني، وطبعاً بهيرة ومحمد مش هيفوتهم قضية زي دي."
هزت حلاوتهم رأسها ترفض اتهامه قائلة: "انت مش عارف حاجة، أقسم بالله أنا ما خطفتها."
استهزأ بها قائلاً: "وإنتي حيلتك إيه عشان تيجي لك برجليها؟ ولو كلامك صح كان ممكن مريم، كان ممكن ابني عشان تبقي محبوكة، لكن انتي قصدتيها عشان تبعتي لإسماعيل وتوقعيهم في بعض."
ابتسمت بهيرة بابتسامة نصر أن سالم بلع الطعم جيداً، لتراها حلاوتهم لتشير نحوها قائلة: "أيوه طبعاً، بس وحياة أمي اللي ما ليا غيرها لأدفعك التمن يا بهيرة انتي ونوال ومريم وثريا، أنا عارفة إنكم وقعتوني في الفخ، هقتلكم."
لتتفاجأ بصفعة مدوية على وجهها وضرب مبرح من سالم لها.
كانت بهيرة تحمل الصغيرة بين يديها، ومن ثم فتحت الباب ليظهر محمد من خلفه هو وقوة من الأمن تضبط سالم متلبساً، لتتسع عينيهم بشدة من هول الصدمة، لتردف بهيرة بحدة: "إياكم تفكروا إننا سهلين، واللي اتاخد مننا بالساهل برضه بيرجع بالساهل، مع الأسف انتوا لبستوا انتوا الاتنين قضية خطف طفلة وأمها."
حدث الموقف الذي رتبت له بهيرة سريعاً، لتسرع بالخروج من شقة حلاوتهم، ليستقبل محمد طفلته ويحملها منها، وتقابلها نوال: "أستاذة يا بهيرة، يلا بسرعة، طنط عيشة في العربية بتسأل عليكم، اضطريت أقولها إن الدكتور معاكي جوه من كتر قلقها."
هبط أحد رجال الأمن جاذباً حلاوتهم يضعها في عربة الشرطة، لتجد نوال أمامها تنظر بشماتة، ليغلي الدم في عروقها، لتقابلها نوال بابتسامة نصر وشماتة.
اضطر محمد إلى الذهاب خلف شقيقه واستدعى شوقي وعادل ليكونوا شهوداً بكافة التسجيلات عليه وعلى حلاوتهم، فاستأجر سيارة حتى يعيد والدته وزوجته إلى المنزل.
تلهفت عائشة وأخذت الطفلة من بين يدي محمد تنظر إليها وهي وديعة، كان من المخطئ أخذها، ولكنها الآن علمت لماذا أصرت بهيرة على الصعود بها: "ده اللي هتخلصي معاها بدري يا بهيرة، اخص عليكي، بس إيه اللي بهدلك كده؟"
عضت بهيرة على شفتيها، لا تعلم كيف تخبرها، فاضطرت نوال إلى أن تسرد الأمر برمته، لينهش الألم في قلب عائشة، فهو ابنها البكرى، هل ستستطيع رؤيته بالسجون، وهل هذا كافٍ لتربيته. تحدثت بمرارة في حلقها: "ما قلتليش ليه إنه فخ لسالم يا بهيرة."
واستطردت بحزن قائلة: "ليه يا بهيرة؟"
نكست بهيرة وجهها في الأرض قائلة: "كنت هقولك لما كل حاجة تخلص، بصراحة مكنتش ضامنة إن خطتي كلها هتمشي صح، أنا آسفة والله ما كنت ناوية أخبي عليكي، بس خايفة أضغط عليكي أكتر من كده لأنه ابنك."
انتفضت عائشة بغضب قائلة: "وليه تلبسوه قضية أصلاً، ما كفاية هي؟"
ردت عليها بهيرة بعقلانية: "عشان محدش سلم من ظلمه، جرح فينا كلنا، حتى بكلامه كان عايز يبقى ناجح على أكتاف الكل، طول عمره عنده نقص، هو اللي خلى الناس تقول عليه ده أخو الدكتور وده أخو المهندس، محدش قال ده سالم، وهو السبب مش أنتم."
وضعت عائشة يدها على صدرها يكاد يحترق بسبب: "وأنا تسيبوني يتحرق قلبي عليه، ده ابني، إزاي هعتبر حتة مني كده كأني قطعتها."
نظرت إليها بهيرة وهي تحاول كبح جماح دموعها لتردف قائلة: "مكنش هيسكت، كان هيفضل يزعل فينا واحد واحد، عمره ما حبنا ولا عمره اعتبرك أمه اللي الجنة تحت رجليكي، عمره ما خاف يخسرك، بالعكس خسركم كلكم بورقة واحدة، لو هو كان يعرف يعني إيه معنى الأب والأم مكنش ده بقى حاله، إحنا اللي بنحبك بجد يا ماما عيشة، أنا ومصطفى ومحمد ومريم كلنا، ومش ذنبك إن ابنك يبقى جاحد بالشكل ده، ومش غلط الغلط إنك تسكتي عليه."
أخذت عائشة تبكي وتشرد في ماضيها مع سالم منذ لحظة طفولته وتمردها عليها، وهي صامتة أبد الدهر لا تريد خسارته. لتردف بهيرة بهدوء: "ما تعيطيش، هو عايش وموجود وسطنا، ممكن تبقي تزوريه، ويمكن في يوم من الأيام يتغير."
ذرفت عائشة دموعها وتساقطت على الوجه الأكمل، لتسارع بهيرة باحتضانها تمسح دموعها وتقبل رأسها ومن ثم يديها: "خلاص بقى يا مرات عمي، محمد ومصطفى لو شافوكي كده نفسيتهم هتتعب، هما بيحبوكي جداً ومستعدين يعملوا اللي انتي عايزاه."
عادوا إلى منزلهم، فقابلتهم ثريا في الطريق، وقطبت جبينها عندما رأتهم بهذه الحالة المرذلة، وسألتهم بتوجس، فسردت لها بهيرة الأمر، لتنطلق منها ضحكة عفوية وهي تقول: "بجد مش معقول سالم هيبات في الحبس أخيراً."
نظرت إليها عائشة بعتاب قائلة: "مش زعلانة طبعاً عليه، ما هو مش ابنك."
أدركت ثريا أنها أخرجت فرحها أمام والدته: "طب سلام، أنا دلوقتي هطلع أظبط عشان فرح البنات."
أوقفتها عائشة بصرامة لدرجة شعرت بها ثريا بالقلق من نظراتها: "لا استني."
ومن ثم صعدت إلى شقتها، لتصعد خلفها ثريا تنتظر ماذا تريد منها، لتخرج عائشة من غرفة هريدي تحمل بيدها علبة كبيرة قديمة من المشغولات الذهبية الخاصة بثريا، والذي اتهمها طاهر أنها ابتاعتها لكي تصرف بها على رجل آخر. لتشهق جاحظة، لتعض عائشة على شفتيها بتعب وتردف بكل شجاعة: "كل مرة من يوم ما لقيتهم في أوضته وأنا نفسي أبعتهم لطاهر أو ليكي، بس خوفت ابني يطلع حرامي قدام الكل، والنتيجة إن أنا اللي بوظته، أنا اللي عملت من سالم شخص متساهل بيستبيح أي حاجة مش بتاعته، عارفة إنكم هتلوموني، بس اعذروني ده ابني اللي حفيت عشان أجيبه بعد معايرة طاهر ليا، بس خلاص أنا اتعلمت الدرس كويس أوي، وخصوصاً النهاردة، هو هياخد جزائه كل السنين دي."
أخذت ثريا العلبة من عائشة وفتحتها تنظر إليها بفرحة، الذي ضاع منه شيء ووجده حتى لو بعد فوات الأوان: "وإنتي لسه بتفتكري؟ بس معاكي حق، ابنك ولازم تعملي المستحيل عشانة، بس في الصح يا عيشة، انتي ساعدتيه في الغلط، عارفة إنه ما يعرفش إنك استرتي عليه، بس غلط، زي ما أنا بعمل المستحيل عشان مريم لأنها تستحق إنها تعيش."
أمسكت العلبة تهزها وتسمع صوتها، ثم نظرت إلى عائشة قائلة: "دي دليل براءتي السنين دي كلها."
هزت عائشة برأسها، ومن ثم سألت عن مريم: "أومال فين مريم ومحمد ابنها."
استمعوا إلى صوت جرس الباب، لتذهب بهيرة وتفتحه وهي تقول: "دي تلاقيها مريم، ملقتكيش في البيت عرفت إنك هنا."
ارتبكت ثريا، فهي لا تريد أن ترى مريم العلبة حتى لا تتعصب على عائشة: "بجد؟ طب خدي يا عيشة اخفي دي دلوقتي."
ارتبكت عائشة قائلة: "بس دي حقك يا ثريا، ولازم مريم تعرف كل حاجة، عارفة إنها هتزعل، بس أنا راضية."
شددت ثريا على حروف كلماتها بسرعة وبغيظ قائلة: "مفيش أسي بيتنسي يا عيشة، كلنا بنفضل فاكرين."
بالفعل حديث ثريا هو الصواب الوحيد، دلفت مريم تبتسم إليهم غير مدركة لما تم، ليسردوا لها الجزء الخاص بسالم وحلاوتهم، لتتنهد براحة، فهذا سيجعلها تنظم حياتها بطريقة هادئة ومنظمة بعيداً عن المناورات والمشاحنات والمعارك.
ذهب مصطفى إلى أشقائه في قسم الشرطة ليروا ماذا سيتم مع سالم وحلاوتهم، بعدما تم تقديم التسجيلات الخاصة بالتحريض على القتل من قبل شوقي، حيث تم الاتفاق من قبل مع الشرطة على تسجيل كل ذلك أيضاً، تم استدعاء نوال لتدلي بشهادته، وبهذه الطريقة تم تضييق الخناق على كل من حلاوتهم وسالم، ولم يجدوا مفر، حتى وفاء تخلت عن ابنتها.
رواية الارث "صراع الاباء والابناء" الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم مروة البطراوي
في حفل الخطبة، شاهدت ياسمين كاتب لعقد الزفاف يدخل من باب القاعة. جحظت عيناها ووضعت يدها على قلبها، متمنية أن يكون لها.
قالت: "يارب يارب يارب يكون المأذون ده علشان كتب كتابي على ضيو."
كانت تقف من خلفها بهيرة تحاول كتم ضحكاتها، لتصفعها على مؤخرتها.
قالت بهيرة: "إيه يا ياسمين مالك كده؟ انت ما صدقتي تشوفي المأذون يا بت، متسرعة على إيه؟"
أخذت ياسمين تتحسس مؤخرتها، فالكل يصفعها عليها عدا ضياء، يبدو أنه محرج.
قالت ياسمين: "بحبه أوي أوي يا بهيرة، من يوم ما جه شارعنا وسكن قصادنا واشتغل في مكتبتنا وأنا مستنية اليوم ده."
ابتسمت بهيرة لها بحب.
قالت بهيرة: "ربنا يقرب البعيد يا ياسو، خلاص هانت. ولو المأذون ده مش ليكي، يبقى أكيد لما يشوفه هيغير رأيه ويعجل إنه كمان يكتب."
شبكت ياسمين يديها ووضعتها بالقرب من فمها بتمني، وهي ما زالت تنظر نحو عاقد القران.
قالت ياسمين: "يارب. بس تعرفي، الظاهر زي ما انتي قلتي، المأذون ده مش ليا. باين تايه ودخل قاعة غلط، أصل مفيش راجل من تبعنا قاعد معاه خالص."
شعرت بالبرودة.
قالت ياسمين: "أنا هدخل للبنات."
وما إن جاءت تتحرك حتى اعترض ضياء طريقها.
قال ضياء: "كل ده تأخير يا روحي، المأذون مستني تحت بقاله كتير."
جحظت ياسمين بعينيها وهي تنظر إلى بهيرة ببلاهة، ثم بفرحة.
قالت ياسمين: "وانت اللي جايبه يا قلبي؟ انت بجد؟"
نظرت إلى ضياء.
قالت ياسمين: "ركز يا ضياء، يمكن جايبه لعادل."
كان يحمل بيده الأوراق الخاصة بها لعقد القران، فأعطاها لها وهو يقول: "افتحي الورق ده وشوفي جواه إيه، هتلاقي صورك اللي جبتهم عن طريق هادية."
فتحت ياسمين الأوراق لتتفاجئ بصورة بطاقتها والصور الخاصة بها.
شهقت من شدة الفرحة بهم.
قالت ياسمين: "ربنا يباركلي فيك يا ضيو يارب. شفتي يا بهيرة، أنا أمنيتي اتحققت وبسرعة. المأذون طلع ليا، باين هو هو هو."
ابتسمت لها بهيرة واحتضنتها بعناية.
سألت ياسمين: "إيه رأيك في البرفيوم الجديد يا بهيرة؟ أوعي ترجعي ولا يغمى عليكي، ده أنا مركّباه ومتكلف، أه وربنا."
تعالت ضحكات بهيرة.
قالت بهيرة: "جميل، بسم الله ما شاء الله، ريحته حلوة أوي يا ياسو. يا بت، أنا كنت بتوحم أيامها وكنت بحب أغظك أوي عشان محمد ابن مريم."
نظرت ياسمين إلى ضياء الذي كان يضحك هو الآخر.
سألت ياسمين ضياء: "حلو؟ أنا كمان كنت حاسة إن بعدك عني سببه البرفيوم، أصل من يوم ما غيرته وانت ما شاء الله بقيت بتحبني أوي. أنا هثبت عليه."
قال ضياء: "طول عمر برفانك حلو."
التفتت ياسمين إلى بهيرة.
قالت ياسمين: "لو على اللي حصل، قلتلك وحم."
جذبها ضياء من معصمها برفق.
قال ضياء: "نحترم بقي المأذون اللي قاعد تحت."
نظرت بهيرة إلى أسفل وهي تضحك.
قالت بهيرة: "اللي سبق أكل النبق، في اتنين سبقوكم."
صرخت ياسمين بصوت مرتفع.
قالت ياسمين: "بس بس بقي كفاية حرام، المأذون ده بتاعي."
استنتج ضياء من الذي جلس بجوار من يعقد القران.
قال ضياء: "شكله كده عادل سبقنا وعملها، هنيا له، يستاهل كل خير."
ابتسمت له بهيرة وهي تهز رأسها مسرورة لعقد قران ولاء.
قالت بهيرة: "لازم انتم كمان تنزلوا تاخدوا دوركم، خلاص انكتب كتاب ولاء."
ابتسم ضياء هو الآخر.
قال ضياء: "أنا جايب المأذون مش علشاني بس، لا عشان عادل، لأنه صاحب الفضل عليا."
أغمضت ياسمين عينيها بفرحة، ثم انسحبت لتكون أول من يحتضن ولاء، لتتبعها بهيرة.
قالت ياسمين: "استني يا بهيرة، استني."
ركضت ياسمين مسرعة لتكون أول من احتضن ولاء.
قالت بهيرة: "ياسمين استني، ياسمين، والله هزعل لو عملتيها قبلي، طب عشان خاطر لؤلؤة الصغيرة، طب خليها هي."
توقفت ياسمين تنظر إليها بخبث ومكر.
قالت ياسمين: "أمال عايزة تحضنيها قبلي؟ مش كفاية اتفرجتي على كتب الكتاب من فوق وأنا لا. أه منك يا بهيرة يا مكارة يا قصيرة."
تعالت ضحكات بهيرة.
قالت بهيرة: "حقك عليا يا طويلة، أنا آسفة، بس مش عايزة أقولك إنك أقصر مني يا ياسمين، لولا الكعب العالي اللي هتحرمي تلبسيه بعد الخلفه هتختفي."
ابتسمت ياسمين.
قالت ياسمين: "خلاص بلاش معايرة."
لكزتها بهيرة في كتفها.
قالت بهيرة: "قلبك أبيض يا ستو أنا."
قبلتها ياسمين في وجنتها.
قالت ياسمين: "ماشي، تعالي نبارك سوا."
تقدموا ناحية ولاء وهي ممسكة بيد عادل.
قالت ولاء: "كل ده سايبني لوحدي؟ كنتوا عارفين المفاجأة؟"
احتضنتها ياسمين كما أقسمت قبل الجميع.
قالت ياسمين: "وانتي تستاهلي المفاجأة يا ولاء، مبروك يا بابا عادل."
ابتسم عادل لكلمة "بابا" واحتضنها هو الآخر.
نظرت إلى بهيرة.
قالت ولاء: "مش هتباركيلي انتي كمان يا بيرو؟ اللي كنتي واقفة من فوق تتفرجي."
خرجت ياسمين من بين أحضان عادل تنظر إلى بهيرة بخبث ومكر.
قالت ياسمين: "دي قعدت تلهيني أنا وضياء فوق عشان أنزلش أعمل دوشة، أنا عارفة."
نظرت ولاء إلى بهيرة بإعجاب وانبهار على هدوئها وتركيزها ودقتها الدائمة.
قالت ولاء: "ما شاء الله، راكزة أوي يا بهيرة، وحافظة إني بتوتر من الدوشة، بحبك جدا يا بيرى."
احتضنتها بهيرة مربتة على ظهرها.
قالت بهيرة: "الله يبارك لك فيه يا ولاء، انتي النهاردة أحلى خصوصًا لما لبستي الفستان ده، على فكرة ده ذوق عادل."
نظرت إليه ولاء لتجده يخطف قلبها قبل عقلها، ليهز لها برأسه ويمد يده لها حتى تضع يدها بيده.
قال عادل: "لؤلؤة، هاتي التوينز اللي جبته ليكي وتعالي ألبسه ليكي قدام الناس كلها، وانتوا تعالوا ورانا، أنا لازم أقول للكل حاجة."
ترددت ولاء من مواجهة الجميع.
قالت ولاء: "حاضر، ثواني هطلع الأوضة وهظبط الميكب وهاجيبه وهحصلك، معلش محتاجة أهدي شوية، عارفة إني متوترة أوي يا عادل."
اتجهت ولاء لإحضار الخاتم والمحبس.
وقفت عائشة بجوار ثريا.
قالت عائشة: "الفرحة مش سايعاني يا ثريا."
نظرت إليه ثريا بفرحة عارمة.
قالت ثريا: "الدنيا كلها فرحانة يا عيشة، حتى هريدي."
أعلن عادل زواجه أمام الجميع وهو يقبل يد ولاء.
قالت ولاء: "كلها خمس أيام وأبقى في بيتك يا عادل، مش مصدقة."
قبلها عادل من رأسها أمام الجميع.
قالت ولاء: "وعقبال كده ما يبقى عندنا قمر شبهك ويجنن البنات زيك."
نظرت إليهم بهيرة بمرح.
قالت بهيرة: "مين اللي بيتكلم؟ انتي بتدعي على ضناكي يا بنتي ولا بتدعي على مين؟"
ابتسمت ولاء بخبث.
قالت ولاء: "ليه كده يا بهيرة؟ ده انتي عندك بنت، بس اطمني، إن شاء الله هتكون بنت ياسمين، هو كده."
تعالت ضحكات بهيرة.
قالت بهيرة: "والله انتي طيبة أوي يا ولاء، يعني ضاقت بيكي الدنيا وبتتنمرى على بنت ياسمين، طب قولي بنت مريم."
استمع ضياء لهم.
قال ضياء: "فعلاً، أنا ما أضمنش البت بنتي ممكن تكون لسعة زي أمها، والعملية مش ناقصة، هتبقى البت وأمها، يارب لا يارب."
اعتقد عادل أن ضياء يتحدث عن شيء آخر.
قال عادل: "بتقول حاجة يا ضياء؟"
قال ضياء: "اعقل يا حبيبي. انت لسه ما كتبتش كتابك. تحب تروح مع أخواتك؟ المفروض تتمنى. بلاش تلعب في عداد عمرك."
هز ضياء رأسه بالنفي.
قال عادل: "لا أبداً، بس انت عارفني بتخنق بسرعة من الانتظار."
تعالت ضحكات عادل.
قال عادل: "طول بالك شوية، المأذون لسه بيبتدي في ورقكم، معاه حالة تالتة."
انضم إليهم محمد.
قال محمد: "إزيكم يا عرسان؟ إيه الحلاوة دي؟ تصدقوا بالله شوقتوني أبقى عريس."
تعالت ضحكاتهم.
قالت بهيرة: "خير؟ إزيك يا ه؟ وإزاي أماه؟ يا خرابي يا عرابي على اللي هيجرالك واللي هيحصلك."
ضحك محمد.
قال محمد: "أنا كويس جداً."
قال ضياء: "في إيه يا دكتور محمد؟ سكت ليه؟ ما تكمل، لسه نفسك تبقى عريس ولا قطعت الخلف يا دكتور؟"
قال محمد: "أنا أقصد امتى أبقى أبو العروسة، وخصوصاً إني بشوف محمد ابن أخويا بيكبر قدامي."
قال عادل: "عدلت كلامك بسرعة ليه يا دكتور؟ عموماً، هنيا لك، يا خسارة البنات اللي في الحفلة كان نفسهم يطلعوا بدكاترة."
نظر إليهم محمد بوعيد.
قال محمد: "هعدي الهزار البايخ بتاعكم ده عشان ولاء بنتي، إنما قوليلي، الجوازة دلوقتي الدور فيها على مين؟ يارب يكون مصطفى."
عدل ضياء من وضع بدلته.
قال ضياء: "ما تحترموني بقي شوية وتحترموا إن أنا اللي جايب المأذون، واحد وأنا فوق وبجيب ياسمين، انتهز الفرصة وكتب، والتاني لازق هناك."
قال محمد: "حيث كده بقي أروح أدور عليها وأسيب ليك لؤلؤة."
صعد إليه وهو يصفر لها ويقف بجوارها يحاول التودد لها.
قال محمد: "دكتور محمد، زوج المحامية بهيرة، بس عقد جوازي ضاع، رجعيه."
نظرت إليه بهيرة ببلاهة.
قالت بهيرة: "أرجعهولك منين؟ ده المأذون اللي كتب كتابنا مات بعد ما وثقه في الشهر العقاري."
لكزها في ذراعها وقرصها قرصة خفيفة.
قال محمد: "ما انتي هترجعيه، يعني هترجعيه، زي العرسان الجداد دول، هتبقى ليلة عسل و كلها تسع شهور ونلاقي مصطفى وصل."
نظرت إليه ببرود تام.
قالت بهيرة: "خد بنتك النهاردة وروح بات عند ماما عيشة، محتاجة أستجم لوحدي في البيت وعندي تنفيض ومسيح وكنيس، وانت عندك عمليات."
وجدت ولاء أن عادل يحمل لؤلؤة الصغيرة.
قالت ولاء: "هات لؤلؤة عشان وحشتني."
بالأسفل اضطر عادل أن يعطي لؤلؤة الصغيرة إلى ولاء.
قال عادل: "بكرة إن شاء الله يا ولاء، تجيبيلنا قمر زي دي وتكون شبهك."
انضمت إليهم ثريا لتبارك لهم.
قالت ثريا: "و هو بكرة بعيد ده؟ خلاص كلها خمس أيام، عايزة أبقى جدة من أول وجديد."
ابتسم لها عادل.
قال عادل: "كلامك وطلباتك أوامر وأحكام وسيف على رقبتنا يا خالتي ثريا، هو إحنا نقدر."
كادت تهدد ولاء لؤلؤة الصغيرة.
قالت ولاء: "طب ما تروح تشهد على كتب كتاب مصطفى ومريم طيب؟ الدكتور محمد مشغول فوق."
هز عادل رأسه بحرج.
قال عادل: "مش عاوز أكون متطفل على حد، أنا كده مرتاح، لو عايزة هييجي ياخدني، الواحد لازم يفهمها لوحده."
زفرت ولاء بحنق.
قالت ولاء: "يوووه، الحق عليا كنت عايزة أفرح مريم وأقف جنبها، خصوصاً إن خالتي ثريا هنا، ألا صحيح، سيباها لوحدها ليه."
ارتبكت ثريا ورحلت.
قالت ولاء: "الهي تتكسر يا ولاء، انتي يا بت عبيطة، هي سابتها عشان تبقى جامدة كده متبقاش اتكالية، ما انتي كمان كنتي واقفة معايا لوحدك عادي."
زمت شفتيها.
قالت ولاء: "بكرة تندم على كلامك."
كاد أن يتأكل من الغيظ.
قالت ثريا: "امشي يابومة يا غراب النكد."
عادت لهم ثريا ووجدت ولاء تبكي.
قالت ثريا: "ما خلاص بقي يا ولاء، مكنتش كلمة."
في سراي النيابة العامة، صمم هريدي على الذهاب.
قال هريدي: "بكرة جه يا سالم وكلامي هو اللي اتحقق وانت ضيعت."
جحظ سالم بعينيه في ذهول.
قال سالم: "عشان إيه ده كله يا أبا؟ عشان أخدت حق تعب سنيني معاك؟"
اتسعت حدقة عيني هريدي.
قال هريدي: "عشان تبقى تقدم تعب سنينك لواحدة دخلت حياتنا غلط، ليه يا سالم؟"
هز سالم رأسه ليفهم.
قال سالم: "ماشي خلاص، وأهي باعت كل حاجة للزفت عادل ورجعها ليكم، رجعني أنا كمان."
تعالت ضحكات هريدي بسخرية.
قال هريدي: "أرجعك فين؟ انت متعرفش إنك متهم في حاجة كمان، إنك اختلست من خزنتي فلوس وعندي الدليل."
عقد سالم ما بين حاجبيه.
قال سالم: "اختلاس إيه وزفت إيه؟ انت نسيت انت كنت بتعمل فيا إيه؟ كان كل حاجة بتخرج بأمرك، ده أنا كنت شغال تباع."
ابتسم هريدي بسخرية.
قال هريدي: "زي ما بنت عمك كانت حاسة بالظبط، انت مجرد تابع لكلامي، عمرك ما قلت لا عشان طمعان. كله يبقى ليك في يوم."
قطب سالم جبينه بعدم فهم.
قال سالم: "مش فاهم تقصد إيه؟ يعني كنت عارف إن بسايس أموري عشان أوصل؟ طب ما انت اللي وصلتني واتشليت فيها وأنا اللي كسبت."
نظر إليه هريدي باستهزاء.
قال هريدي: "تتجوز بنت الراجل اللي عمك مرة أجره عشان يحرقلي المخازن؟ تتجوز بنت الست اللي خربت بيت عمك ومن غير ما حد يقولها، أهو انت شربتها."
جحظ سالم بعينيه.
قال سالم: "لا ممكن أبداً، أنا مكنتش أعرف."
لم يقتنع هريدي بنفيه.
قال هريدي: "طول عمرك عندي، وقصدت تعمل كده."
حاول سالم إقناعه بعدم معرفة هذا الموضوع.
قال سالم: "طب قولي ومنعني، يمكن كنت بعدت عنها ومجراش كده."
كان هريدي يرد له صفعة مريم أضعاف مضاعفة.
قال هريدي: "كسرة بنت أخويا وانت بتتجوز غيرها، خلتني أسكت وأقول اشرب يا سالم."
شدد سالم على شعره.
قال سالم: "انت السبب، لو كنت اتكلمت مكنتش اتجوزت حد غير مريم وكان فاتنا عايشين."
نظر إليه هريدي باندهاش.
قال هريدي: "لا والله مش دي حلاوتهم، حبيبتي يا أبا، ولو عشرة زي مريم مش هيبقي زي حلاوتهم."
هز سالم يحاول رفض الواقع.
قال سالم: "مش حكاية حبيتها ولا لا، كان لازم أتجوزها وأخلي مريم خدامة ليها وأحاسبها على عدم حبي ليا، وانتوا كمان لازم تتحاسبوا لأنكم بتكرهوني."
فقد سالم وعيه وسقط على الأرض.
ذهبت بهيرة لتدلي بشهادتها في النيابة العامة.
قالت ولاء: "بهيرة اتأخرت وأنا قلقانة عليها."
نظرت مريم إلى ساعتها.
قالت مريم: "بقالها خمس ساعات، حاجة تقلق فعلاً يا ولاء."
أخذت تفرك في يديها.
قالت ولاء: "عادل راح معاهم النهاردة، هيقول شهادته قدام حلاوتهم."
أخذتها مريم من يديها تحاول تهدئتها.
قالت مريم: "طولي بالك، عادل راكز، ميتخافش منه، ولو رجع بلاش أسأله كتير."
تنهدت ولاء بضيق.
قالت ولاء: "وبردو أكتم أوي وأتعب أوي، لا يا ستي، هو المفروض يحكي ليا مش يسكت."
تنهدت مريم.
قالت مريم: "استغفري ربنا وأخزي الشيطان يا ولاء، ربنا يهديكي، متخافيش، هو هييجي يحكي كل حاجة."
جاءهم الخبر دفعة واحدة.
اتسعت عيني مريم من هول الصدمة.
رواية الارث "صراع الاباء والابناء" الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم مروة البطراوي
اتسعت عيني مريم من الصدمة، وبالرغم مما فعله بها، فقد امتلأت عينيها بالدموع من شدة الخبر، لتحدث نفسها:
- هي دعوتي عليه استجابت بالسرعة دي؟
وضعت عائشة يدها على صدرها قائلة بحرقة:
- ساااالم.
لتتجه ثريا نحوها بحزن مرير:
- اهدي يا عيشه، هيبقي كويس.
ارتمت عائشة في أحضانها، وهي تنظر تجاه هريدي قائلة:
- كنت حابة حاله ينصلح وما يقعش بالشكل ده.
اندفع الجميع نحو عائشة لتهدئتها، عدا مريم التي ألجمتها الكارثة، لتقترب منها بهيرة:
- هو الخبر أثر فيكي بالشكل ده؟
هزت مريم رأسها بحزن:
- أيوه طبعًا.
ربتت بهيرة على يدها:
- دَين تدان يا مريم.
كانت مريم تشعر أنها في عالم الأحلام:
- أنا حاسة إني بحلم. بهيرة، ده حلم صح؟
احتضنتها بهيرة لكي تفيق مما به قائلة:
- دي حقيقة يا مريم، ولازم تكوني جامدة. علشان مصطفى ممكن يشك إنك لسه بتحبي سالم.
هزت مريم رأسها تنفي هذا الإحساس قائلة:
- لا، بس الخبر صدمني.
اقترب هريدي بكرسيه المتحرك من عائشة، فهم أصحاب المصيبة وحدهم:
- انت كنت هناك ساعتها، شفته يا هريدي صح؟
ابتلع هريدي غصة في حلقه، فهو شاهد المنظر بدقة:
- أنا أكتر واحد فقدت ابني يا عيشه، روحت و قلت له كل اللي في قلبي.
كانت عائشة تبكي بمرارة، ليقترب منها هريدي أكثر:
- لولا الرقدة بتاعتي كنت شيلته على أكتافي، بس هو السبب.
هزت عائشة رأسها بمرارة قائلة:
- لا، أنا لحد دلوقتي مش مصدقة اللي جرى لسالم.
كان يحاول أن يمتد بيده ليربت على يدها، ولكن لم يستطع:
- فعلاً، وأنا لو مكانك مش هصدق، بس شفت بعيني.
اقترب منهم محمد، ومن ثم مصطفى، ليردف مصطفى:
- مش ناوي يا محمد تخلي بهيرة تدخل وتخفف الحكم بعد اللي حصل له؟
رد محمد بكل حنان، مستشعرًا حالة سالم وما وصل له:
- لا، ما أنا خليت إسماعيل يمسك القضية، وضع بهيرة حساس.
جاءهم عادل بعد أن أنهى عمله بالنيابة، بنظر إليهم بخزي:
- بجد، أنا مكنتش متوقع يوصل الوضع لكده، مين كان يصدق إن ده يحصل؟
نظر محمد أمامه بشرود:
- من ساعة ما تطاول و أخد حق مش حقه، كان لازم هو يخاف من كده، انتقام ربنا كبير.
جذب عادل مصطفى من ذراعه وهمس في أذنه يوضح له شيئًا هامًا:
- أخوك محمد مزودها حبتين ومش مراعي حالة أبوك وأمك، كلمه أو خده على جنب.
نظرت عائشة إلى محمد بمنتهى الحزن وأردفت بمرارة قائلة:
- أخيرًا يا محمد، خلصت من شره، وطبعًا بهيرة فرحانة.
زفر هريدي بحنق قائلاً:
- وإيه البونيه عملت إيه يا عيشه. اعقليها، أنا عارف إن الموضوع صعب عليكي، بس لازم نتحمل نتيجة تربيتنا الغلط وما نحملش حد الذنب.
قبل محمد يدها قائلاً:
- انتي ست جميلة يا أمي وأنا عاذرك، بس مكنش قدامنا حل غير ده، ولو في مكاننا هتعملي أكتر.
أخذت تبكي وتنوح أكثر مما كانت عليه، غير متقبلة لما حدث، ليعلو صوت هريدي بغضب عارم:
- انتي اتجننتي يا عيشه؟ كله إلا كده، فاهمة؟ ده قدره ونصيبه، مسيره يخف ويتعالج ويخرج من سجنه.
قذف بكلماته، ثم تحرك بكرسيه بعيدًا عنها، ليتركهم في حالة من الذهول يتساءلون لمَ كان موقفه يحمل الجمود:
- هو انتي شايفاني فرحان في أخويا يا أمي؟
قطب مصطفى جبينه من قسوة هريدي على والدته:
- ماله بابا يا أمي؟ عمل كده ليه؟
ابتلعت عائشة غصة مريرة بحلقها:
- كنا كويسين وفرحانين، مش عارفة ليه هريدي عطاه كل حاجة وضيعنا من البداية للنهاية.
تحدث عادل بما سمعه من هريدي قائلاً:
- البنت اللي اسمها حلاوتهم طلعت بنت الراجل اللي حاول يحرق مخازن الأعلاف بتاعتكم، وأمها هي السبب في طلاق خالتي ثريا من عمكم.
اندهش مصطفى قائلاً:
- انت جبت الكلام ده منين؟ إحنا كل اللي نعرفه عنها إنها صاحبة نوال صاحبة مريم.
سرد لهم عادل أن هذا حديث هريدي الذي أردفه لسالم، وهذا ما أسفر عنه سقوط سالم، تعجبوا أنه كيف لوالدهم أن يصبر عليه وعلى ارتباطه بهم، أوضح لهم عادل أنه لم يعلم بحقيقة أمرها إلا بعد أن جاءت ثريا وسردت عليه من هي والدة حلاوتهم، غير ذلك لم يكن يعلم بأمرها ولا حقيقتها إلا أنها من أغراب منطقتهم.
اضطر هريدي لقول ذلك لسالم حتى ينتقم منه أشد انتقام لأنه خرج عن طوعه، وهذا أمر لم يتوقعه هريدي في حياته. أمر تحداه فيه طاهر أنه سيجعل ولد من أولاده يخرج عن طاعته، وهذا ما دفع هريدي لإعطاء سالم كل شيء خشية منه أن يتسرب من بين يديه دون أشقائه، لأن فطرتهم غير فطرته. فما حدث في النيابة ما هو إلا عقاب من هريدي لسالم، ولكن كان عقابًا شديدًا أودى به إلى العجز، ليتمنى هريدي بهذه اللحظة أن يموت.
علم هريدي الآن أن كل ما يحدث له نتيجة استبداده منذ بادئ الأمر مع شقيقه، ولذلك هو يحاول الآن التكفير عن كل ذنوبه، حتى لو عاقب نفسه وزوجته في آن واحد.
عند مريم وبهيرة:
- سيبيني لوحدي يا بهيرة.
هزت بهيرة رأسها بالموافقة:
- أه، تمام، حاضر.
ذهبت مريم إلى مصطفى تريد التحدث معه، ليتركها ويذهب، لتستوقفه قائلة:
- اقف وكلمني يا مصطفى، بقولك محتاجالك.
اعترضتها ثريا قائلة:
- سيبيه دلوقتي يا مريم.
لم تهتم مريم لحديثها وأكملت طريقها خلفه لتمسك بيده. وقف أمام سيارته وفتح الباب الخاص به وركب، لتطرق هي على الباب الآخر، ففتحه ثم ركبت، ليسألها بحدة:
- ركبتي ليه؟
نظرت إليه باندهاش قائلة:
- انت أكيد كنت عايزني أركب.
بعد ما علمت عائشة من عادل كل شيء، ذهبت إلى هريدي:
- إيه اللي انت عملته ده يا هريدي؟
زفر هريدي بحنق:
- انتي تسكتي خالص بقى يا عيشه، مكنتيش تعرفي إن حلاوتهم بنت وفاء، ولا داريتي عليا زي موضوع دهب ثريا.
انتفضت عائشة من شدة غضب هريدي وتراجعت خوفًا للوراء، كأنه ليس به عجز، ونظرت بقلق إلى ثريا، ثم إلى هريدي، الذي نظر بدوره إلى ثريا، التي ذهبت له وأوضحت له جيدًا أن لا أحد يعلم بموضوع أن وفاء والدة حلاوتهم سواها هي ثريا، وعرفته منذ اللحظة التي ذهبت فيها لزيارة سالم وحلاوتهم، غير ذلك كانت حلاوتهم غريبة لمنطقتهم، شابة جاءت بعمر السابعة عشر للمنطقة بمفردها.
في السيارة عند مريم ومصطفى:
تعجب من ثقتها الزائدة بأنه يريدها أن تركب معه، لتؤكد له ثانياً:
- أه، أه، انتي أكيد عايزاني معاك، استحالة عايزني أبعد عنك.
نظر مصطفى أمامه والكلمات تتعثر على لسانه قائلاً:
- امسحي اللي ما بينا بأستيكة يا مريم، وارْجعي لسالم، هو محتاجك.
صدمت من طلبه ونظرت له بكل قوة قائلة:
- وانت هتقدر؟ هتسيبني تاني؟ هتقبل إن أعيش معاه وأنا بحبك؟
وضع يده على أذنه يحاول إسكات أي صوت يحثه على عدم التضحية قائلاً:
- اسكتي خالص، فاهماني.
نظرت إليه مريم باستغراب شديد، فهي لم تتوقع أن يقول هذا، وهو أيضاً لا يدرك ما يقول، ولما فكر في ذلك ليزيد الأمر سوءاً قائلاً:
- بيتك اللي ظبطتيه بإيدك هدية مني ليكي.
نظرت له مريم بدهشة قائلة:
- نعم؟ هدية؟ ليه؟ هو ده مش بيتنا؟
أدمعت عيني مصطفى وهو يردف:
- عنوانك كان دايماً عنواني، بس خلاص.
أوقفْته مريم بشراسة قائلة:
- أنا نازلة يا مصطفى، انت زودتها.
يعلم أنه زادها معها، فسألها بتوجس:
- هتعملي إيه يا مريم؟ هترجعي له ولا لأ؟
أغمضت مريم عينيها بمرارة قائلة:
- هبلغ الكل إنك مش عايزني ومش هرجع له.
ثم استطردت بقوة غريبة:
- وطالما مش هرجع له ولا هكمل معاك، أنا هسافر محافظة تانية.
التفتت إليه واتسعت عيناه من قرارها، لتتابع بصرامة:
- بس على بال ما أسافر توصلني ورقة طلاقي، بلاش مماطلة.
ابتلع ريقه بمرارة وسألها قائلاً:
- هتسافري فين؟
ابتسمت بسخرية:
- مينفعش أقولك مسافرة فين.
تعجب من جبروتها المفاجئ:
- وما فكرتيش إنك بكده بتحرقي قلب أبويا وأمي، وإنتي بتبعدي عنهم حفيدهم؟
نظرت إليه بغيظ قائلة:
- وانت مين قالك إني هبعده عنهم؟
كاد أن يرد عليها لولا خروجها من سيارته مسرعة لتذهب بخطوات سريعة إلى منزل والدتها، كمن تفر هرباً ألا تنهار في لحظة أمامه، تريد أن تبقى قوية.
عاد مصطفى إلى منزله، وجده هادئاً ومظلماً، ليذهب إلى غرفته، وما إن دلف حتى جاءته والدته لتطمئن عليه بعد ما حدث:
- تعالي يا أمي.
دَلفت عائشة وعلى وجهها علامات الحزن:
- عرفت إن مريم هتسافر يا مصطفى؟
تنهد مصطفى بتعب قائلاً:
- عرفت، ومش عارف أعمل إيه.
علمت عائشة أن ما حدث بسبب تأثيرها:
- طب ممكن تنسي كل اللي حصل وتحاول تصالحها؟
وضع مصطفى يده على رأسه بحزن وتفكير في الأمر:
- أنا تعبان وعايز أرتاح، بسأل نفسي سؤال، ليه مكتوب عليا كده؟
ردت عليه وهي تلعن نفسها:
- انت مالكش ذنب، ولا هي، ارمي كل حاجة ورا ضهرك وفكر، عشان ما تندمش.
تركته بمفرده يحاول أن يرضخ ويستسلم لما حدث، خاصة أنه سيكون المتسبب في بعدها عن العائلة، يعض على أنامله من الغيظ على أنه افتعل معها هذا الشيء، ولكن لا ذنب له، ما سمعه من عادل عن سالم أشعره أن سالم ضحية.
قرر أن يذهب لزيارته قبل إصدار الحكم، تحدث ما في قلبه ليوضح له سالم أنه لم يندم يوماً على تركه لمريم، ولو عادت بكل ما تملك لن يقبل، وأوصاه أن يتزوجها ويربي ابنه لحين خروجه من المستشفى أو السجن، والدعاء له إن وافته المنية يوماً ما.
ذهب من بعدها مصطفى إلى ثريا، لتفتح له الباب، تنظر له بوجوم، ليسألها عن مريم، فأخبرته أنها ذهبت إلى محطة القطار، وهي ستلحق بها بعد تسليم الشقة لعادل. انتفض مصطفى بغضب، لتتعجب ثريا منه قائلة:
- أومال مين اللي كان عايزها ترجع لجوزها؟ مش أنت؟ مش أنت اللي في لحظة اتخليت عنها زي ما اتخليت عنها زمان؟ بصراحة، أنا كده ارتحت.
تركها مصطفى ولم يعر لحديثها أدنى اهتمام، وركض إلى سيارته وصعد بها وذهب إلى المحطة ليلحق بها، لتنظر ثريا من نافذة منزلها وهي تبتسم بخبث، ناظرة إلى هريدي حيث كان جالساً في شرفته، تلوح له أنه تم الأمر.
ومن ثم هاتفت مريم لتملي عليها أن تنتظر قليلاً حتى يأتي، ولكنها لم تتقبل هذا الأمر وواصلت مسيرتها وصعدت إلى القطار قبل بدء رحيله.
وصل مصطفى يبحث عنها فلم يجدها، أخذ ينظر لعربات القطار لعله يلمحها، وبينما هو يبحث كانت تتدلى يدها من النافذة وهي تحمل محمد، غافلة عن يدها التي ظهرت أمامه، عرفها من خاتمها الذي اقتناه لها، فصعد مسرعاً ووصل إليها، ليقف أمامها، فتقطب جبينها على أنه وصل إليها بهذه السهولة، فهي تعمدت الصعود حتى لا تجده، ليبتسم لها بخبث حاملاً منها محمداً، الذي احتضنه فور حمله لأنه متعلق به أكثر من والده:
- هو مش أنا برضه لسه جوزك وممنوع تسافري من غير إذني.
زمت شفتيها بسخرية على تذكره للأمر، ألم ينسَ أنه هو الذي طلب تركها:
- لا طبعاً، انت هتطلقني، بس الظاهر الظروف اللي عندكم شغلتك ونسيت إنك طلبت الطلاق، ولا يمكن عايز تساومني إني لما أطلق أرجع؟
أوقفها واضعاً يده على شفتيها يمنعها من استمرار الحديث قائلاً:
- لا يا مريم، مش أنا اللي أعمل كده معاكي. مريم، أنا آسف على كل حاجة عملتها معاكي، مش في الموضوع ده وبس، لا وزمان كمان، أوعدك إن خلاص هنعيش سوا من غير أي تعب.
- أنا عارف إنك مش غلطانة في حاجة، أنا من هنا ورايح عايزك ترتاحي، أنا مش عارف أصلاً عملت معاكي كده ليه، بس يمكن عشان كنت متأثر بحزن أمي، واللي حصل لسالم، خلي كل الناس تتكلم علينا وعن تربيتنا العَقيمة.
ثم استطرد بمرارة:
- وهو أبو ابنك، وأكيد كلام الناس هيكون إنك لازم ترجعي له. مريم، صدقيني، انتي حبيبة قلبي، ويعلم ربنا إني كنت بقولك كده وأنا بتقطع، أنا مش زيه، مارضاش أبني سعادتي على تعاسة غيري، ولا انتي شايفاني زيه.
اقتنعت مريم بالحالة التي انتابت مصطفى فور سماعه خبر سالم، ولا تختلف عن حالتها، هي فقط لم تتخذ قراراً صارماً مثله، علمت من ثريا لما اتخذ هذا القرار عندما شعر أن سالم ضحية لوالديه:
- طبعاً، انت مش زيه. بس أنا حقك يا مصطفى، انت بس محرومة منك من زمان وما صدقت تكون نصيبي، كان صعب عليا أتحمل أي كلام وخصوصاً منك.
أغمض عينيه بسعادة وهي تردف قائلة:
- أنا محرومة منك من زمان، وأوعى تفكر تسيبني تاني، حتى لو أنا اللي طلبت منك كده.
جذبها مصطفى من ذراعها وأنزلها من القطار، ومن ثم أصعدها سيارته حتى وصل بها إلى المنزل:
- يلا، اطلعي نامي وارتاحي يا مريم، عندك فرح لازم تصحي من بدري.
ابتسمت له مريم بحب قائلة:
- تصبح على خير يا مصطفى.
لم يتحمل رقة صوتها الذي عاد إلى أذنيه يذيبها من جديد، فقبل وجنتها قائلاً بحب:
- وانتِ من أهلي ومعايا في الجنة يا مريمة قلبي.
أشرقت شمس الصباح ليبدأ يوم جديد مليء بالأفراح الكثيرة، حيث استيقظت الفتيات جميعهم وتقابلوا بمركز التجميل لوضع لمسات الجمال الخاصة بهم حتى يتم زفاف كل عروس منهم على الوجه الأكمل.
أما عن الرجال، وبرفقة بهيرة وثريا، حضروا جلسة النطق بالحكم على سالم وحلاوتهم، تم إصدار الحكم على سالم مخفف خمس سنوات، وسيَقضي أغلبهم في المستشفى للعلاج حتى يتم شفاؤه، أما عن حلاوتهم، تم إضافة لها قضية محل الصاغة، وتم ضبط والدتها هي الأخرى، وتم حبس كل منهم عشر سنوات، لتتحقق العدالة الإلهية.
أما عن عائشة وهريدي، أخذوا يبحثون عن وسائل للتكفير عن ذنوبهم عن طريق التبرع بالمال وزيارة سالم باستمرار حتى لا يشعر أنه بات وحيداً، حتى أشقائه مصطفى ومحمد، الذي كان يذهب إليه على مضض، بدأ يذهب له بأريحية وبدون حساب، متأملين أن يجدوا فيه شخصاً آخر بعد خروجه من السجن.
طلب هريدي من ثريا أن تذهب به إلى قبر طاهر، أخذ يبكي ويطلب السماح منه ويخبره أن ما حدث لسالم كان ذنب ما افتعله به عندما كانوا شباباً، تمنى أن يكون حياً ويرى ابنته تزف لمن يحبها وتحبه.
رواية الارث "صراع الاباء والابناء" الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم مروة البطراوي
أصرت ولاء على الذهاب إلى مصفف الشعر بمفردها بعيدًا عن الفتيات. وافق عادل على مضض، لأن لديه موعدًا مع مصطفى ومحمد وثريا. اضطر إلى الذهاب معها.
"يا عادل، كمل فطارك. هتروح تلف على المحاكم وأنت على لحم بطنك كده؟"
كان يريد الإسراع والذهاب إلى المحكمة، فرد عليها قائلًا:
"اخلصي يا ولاء، هاتي الفستان أحطه في شنطة العربية خلينا نخلص."
لكزته ثريا في ذراعه بلوم حتى لا تحزن ولاء:
"ما تلم لسانك يا عادل. تخلص من إيه بالظبط؟ المفروض تخلص من المشوار مش من الجواز."
تذمرت ولاء بطفولة:
"توبة إن قلت لك وصلني مشوار تاني. كنت روحت مع البنات أحسن."
وضع الفستان في شنطة السيارة وهي تقف بجواره، لينظر إليها بهيام قائلًا:
"بتقولي إيه؟ توبة؟ تفتكري هتقدري تتوبي عني يا لولي؟"
هزت رأسها بلا قائلة:
"بقول ربنا يجعلك معايا في كل مكان وفي كل مشوار وما نفترقش أبدًا."
شعرت ثريا برومانسيتهم التي أخفوها خلف باب شنطة السيارة، ليتعالى صوتها:
"مش عايزين نتأخر يا عادل علشان نلحق الفرح."
أغلق عادل الباب وتوجه نحو السيارة ليقودها قائلًا:
"إن شاء الله يا خالتي، مفيش تأخير. إحنا جاهزين من بدري."
ركبت ثريا بجواره، وولاء من خلفه، لتربت ثريا على يده وهو يقود:
"ربنا يحفظك يا عادل ويوقف لك أولاد الحلال زي ما وقفت جنبنا ورجعت حقوقنا."
ذهبت ولاء إلى الجميع في مركز التجميل. ليمر الوقت طويلًا، ومريم ينتابها القلق.
"عادل لسه ما بيردش عليكي يا ولاء؟"
ردت ولاء بثبات:
"إن شاء الله المرة دي هيرد."
اندهشت كلًا من مريم وياسمين من رد ولاء الذي يحمل الثقة، لينظروا لها بدهشة وتعجب شديدين من تغيرها. لتدلي شفتي ياسمين قائلة:
"انتي كويسة يا ولاء؟"
ابتسمت ولاء من داخلها، ولكنها تماسكت أمامهم، لتسألها مريم هي الأخرى:
"مالك يا ولاء؟ أصلها إيه بالك طويل ومش متعصبة إنه مش بيرد عليكي؟"
نظرت إليهم ولاء برضا قائلة:
"هيفضل بالي طويل على طول زي ما نصحتيني يا مريم. أنا قبل كده تعبت وهو مقدرش يستحمل تعبي، يبقى كفاية عليه كده."
ربتت مريم على كتفيها بحنو بالغ قائلة:
"يا حبيبتي، فعلاً عادل زعل عليكي جدًا. طول عمره بيحبك وخايف عليكي من نفسه."
تنهدت ولاء بحب قائلة:
"أنا كفاية عليا حبه وخوفه عليا، أنا خلاص مش هعوز حاجة منه أكتر من كده."
نظرت لها ياسمين بعدم فهم قائلة:
"يعني إيه؟"
ردت ولاء بثقة:
"يعني خلاص اللي بيني وبين عادل أقوى من إني أشك فيه تاني. وإن نبعد عن بعض أكتر من كده، أنا وهو جوازنا كان مستحيل وفجأة بقى حقيقة، وهنفضل عمرنا مع بعض. إحنا اخترنا بعض وكان عندنا حق."
كانت مريم مستمتعة وهي تستمع إلى كلمات ولاء، تندهش من هدوئها التام:
"يا سيدي على الهدوء النفسي. أحلى حاجة في الدنيا."
ضربتها ولاء بخفة على يدها قائلة بمرح:
"هزعلك يا مريم. بلاش تقريه ورحمة أبوكي."
كانت ياسمين شاردة في الفراغ تتحدث باندهاش:
"عادل كمان عمره ما كان كده. انتي عارفة يا ولاء، كان بينسى إن له أخت."
ابتسمت ولاء لها بخبث:
"وأهو افتكر أهو. استني بس، قدام هتشوفي عادل تاني خالص."
تحدثت مريم بثقة هي الأخرى قائلة:
"عادل ومصطفى وضياء، ويمكن شوقي كمان اتغيروا لسبب واحد هو الحب."
اجتمعت دموع الفرحة في عيني ولاء، لتردف قائلة:
"الحب بيهون على الواحد كل حاجة."
ردت ياسمين شارده:
"الحب كمان بيعقل أوي يا ولاء."
هزت ولاء رأسها تؤيد حديث ياسمين:
"وأنا من الناس اللي عقلوا بعد الجنان."
هتفت مريم بحب قائلة:
"ربنا يتمم لك على خير يا ولاء، انتي وياسمين."
لترد عليها ياسمين بالدعاء قائلة:
"يارب، وأنتي كمان. يلا بقي رغينا كتير، تعالوا نلبس، لسه ورانا الشعر."
مر الوقت وجائتهم هادية لتراهم وهم بثوب الزفاف.
نظرت ياسمين إلى نفسها في المرآة قائلة بحرج:
"والله ما عارفة أخرج إزاي وأوريه وشي وهو متغير كده."
ربتت هادية على كتفها بحنو قائلة:
"اقعدي يا ياسمين. أنا كنت زيك، ده طبيعي."
سحبت هادية المقعد لياسمين لتجلس عليها:
"والله هو التوتر ده طبيعي يا هدهود؟ أصل أنا قلقانة."
تمعنت هادية النظر فيها بدقة:
"كانت الكوافيرة تخفف البودرة شوية."
تذمرت ياسمين قائلة:
"بس بقي، ده التوتر زاد."
لوت هادية شفتيها قائلة:
"يا ريتني ما اتكلمت."
تعجبت ياسمين من ندم هادية:
"وكنتي مفكرة إني مش هضايق لو قلت ليا كده؟"
ابتسمت هادية بخبث قائلة:
"اسكتي يا ختي، كنت بشوفك واثقة من نفسك ولا لأ."
ثم استطردت:
"بقولك، هي فين ولاء ومريم؟ هما معاكي في نفس المركز ولا راحوا مكان تاني؟"
اندهشت ياسمين لأنهم خرجوا برفقة مصطفى وعادل، وهي تجلس تنتظر ضياء:
"هو انتي مش شوفتيهم وإنتي داخلة؟"
ردت هادية بتوتر، فهي لم تراهم، تخشى أن يكون حدث شيء:
"أنا لا. أصل ما هو بصي، أنا دخلت هنا من ربع ساعة بس على التواليت. الصراحة يا ياسمين، انتي أول واحدة تعرفي اللي حصل. أنا عملت تيست حمل وطلعت حامل."
رفعت ياسمين أكتافها بلا مبالاة، غير مستشعرة وضع هادية وهي مشرفة على سن الخامسة والأربعين:
"عادي بقي. المهم لو جت بنتها هيبقي اسمها ياسمين علشان أنا أول واحدة أعرف."
شردت هادية في رد فعل زوجها، هل سيفرح أم سيتضايق من الإنجاب في هذا السن:
"هااا، سرحتي في إيه؟ ولا بتهربي مني؟"
أفاقت هادية من شرودها قائلة:
"معاكي. ادعيلي بس جوزي ما يتعصبش عليا."
ابتسمت ياسمين بسعادة قائلة:
"كان نفسي تشوفي ولاء وهي واثقة من عادل النهارده."
قطبت هادية جبينها تسألها قائلة:
"إيه اللي حصل؟"
سردت ياسمين ما حدث وختمته:
"اللي مقدرناش نعمله معاها حصل في ثانية."
ابتسمت هادية بثقة قائلة:
"أنا قلت شوية بس ومش هتقدر."
تعجبت ياسمين منها قائلة:
"يا راجل، شكلك مجربة يا هدهود."
تعالت ضحكات هادية قائلة:
"كنتي تعالي اتفرجي قبل ما أخلف أولادي."
تلهفت ياسمين لسماعها وسألتها بمرح قائلة:
"إيه؟ انتي كمان كانت عفاريتك حاضرة؟ اشمعنا أنا؟"
رفعت هادية يدها تدعي لياسمين بأن تغير على ضياء:
"قولي يارب أغير عليكي يا ضياء، وهيحصل."
تعجبت ياسمين ومن ثم دعت ربها هي الأخرى:
"يارب، ده حتى الغيرة فلفل وشطة نار."
نظرت إليها هادية بمكر قائلة:
"أومال مين اللي كانت بتغير على ضياء زمان."
شعرت ياسمين بمكر هادية:
"اممم، وأنتي يعني مش عارفة يا هدهودة؟ ضياء مش حاكي ليكي؟"
ترددت هادية في أن تخبرها أنها كانت تعلم كل شيء من ضياء الذي طلب تدخلها ليخبرها أنه لم يعشق في حياته سواها:
"ها، لا أبدًا. أنا بخمن بس يا ياسو."
تنهدت ياسمين وزفرت أنفاسها قائلة:
"طيب بصي وما تستغربيش، أنا كنت بغير من ولاء."
نظرت إليها هادية بحزن، فهي كانت لا تريد تذكيرها:
"أها، مش هسألك إزاي، وأسفة إني قلبت في حاجة ملهاش لازمة."
ابتسمت ياسمين:
"ليه يا هدهود؟ شايفاني لسه بغير؟ ولاء دي أختي، وبعدين كل الرجالة بينبهروا بشخصية زي ولاء."
تعجبت هادية قائلة:
"يعني كنتي عارفة إنه معجب بشخصيتها بس؟"
أردفت ياسمين بتردد قائلة:
"قصدي يعني إن ولاء مش زيي، أنا عبيطة وهبلة."
زمدت هادية شفتيها وهي متضجرة من تفكير ياسمين الذي لا يتغير مطلقًا:
"عادي، العبط والهبلة دول ميزة فيكي، وأكيد ضياء انجذب لها. أنا عايزاكي واثقة من نفسك."
في العرس الذي أقيم لها، كان يقف عادل بجوار ولاء ليجذبها من يدها ويأخذها بعيدًا، لتندهش قائلة:
"خير يا عادل، في حاجة؟"
نظر إليها عادل بهيام يتلمس بإصبعه وجنتيها:
"كنت عاوز أتكلم معاكي في موضوع مهم. ولاء، أنا بحبك ومن زمان، بس كنت بكابر وبقسي عليكي. كنت خايف أرتبط بيكي وأرجع في كلامي."
اتسعت حدقة عيني ولاء بذهول:
"كان ممكن تتكلم معايا وأنا كنت هختار إننا نمر بالتجربة. عارف يا عادل، أنا كنت حاسة، بس عمايلك كانت بتثبت ليا إنك عمرك ما بصيت ليا."
لمس ذقنها بيده:
"انتي حضورك كان جامد في حياتي يا ولاء. أنا بني آدم مكانش ليا أمان، كنت بدور على أي حد ما يندمش إنه يرتبط بيا. موضوع ابن عمك كان قاهرني كمان."
نظرت له بملل:
"ابن عم مين بس يا عادل؟ ده مجرد جه طلبني مش خطوبة زي ما أنت فاهم. حتى لما قلت إني هرجع البلد وهتجوزه، كان كذبة مني. هو اتجوز وخلف."
نظر إليها باعجاب:
"أنا ديما بلاقي فيكي حاجة شاداني بطريقة غريبة، وكنت بحلم باليوم اللي أطلبك فيه. حلاوتهم على قد قذارتها، بس كانت سبب إني أشوفك أنقي واحدة."
تدفقت الكلمات كثيرًا بينهم، فقد حان الوقت لبوح كل شخص منه بمشاعره الصريحة نحو الآخر. عادل بشخصيته الجديدة البعيد كل البعد عن القديمة التي كانت تتمثل في تجاهل ولاء وعنادها. فهو عندما نوى الارتباط بها ارتبط وهو متأكد أنها لن تندم أبدًا. فهو يعلم بمدى عشقها له، وهو الآخر يعشقها حد الجنون. دائمًا صوت قلبه ما كان يصرخ باسمها ويدفعه نحوها وبشدة، ولكن صوت عقله كان دائمًا يحذره من خداعها حتى لا يصل يومًا أن يلوم نفسه بما فعله بتلك الرقيقة. حتى في لحظات غضبهم، كان العند هو المسيطر عليهم على مشاعرهم، وهيهات هيهات. انتهى كل شيء لتطغى المشاعر الصادقة والحب.
عند مصطفى وهريدي:
"مبروك يا مصطفى."
اتجه مصطفى نحو هريدي وانحنى ليقبل جبينه قائلًا:
"الله يبارك فيك يا بابا."
نظرت عائشة إلى مريم:
"بسم الله ما شاء الله، ربنا يحفظك."
توجه هريدي بكرسيه نحو مريم، وكان واضعًا علبة من القطيفة على رجله ليطلب منها أخذها وفتحها. لتتردد، ولكن غمز لها مصطفى لتفتحها، لتندهش بما بها:
"الله، جميلة أوي. الأسورة دي."
ابتسم لها هريدي قائلًا:
"لو أقدر ألبسهالك كنت عملتها."
تعجبت مريم من حنان هريدي:
"ربنا يشفيك يا عمي. أنا هسيبها لغايه ما تخف."
زم هريدي شفتيه بحزن قائلاً:
"هتزعليني منك ليه يا مريم وتحسسيني إني مش ضهرك؟ أنا حقيقي ما عملتهاش معاك في يوم من الأيام، وسامحيني. أنا اتغيرت، انتي بنتي."
ربتت على يده بحنو:
"ربنا ما يحرمني منك أبدًا يا عمي. أنا كفاية عليا مصطفى."
دفعها هريدي ليقبلها من رأسها، ومن ثم تركهم لينتهي العرس ويذهبوا إلى منزلهم. صعدوا سويًا، ثم دلفوا إلى حجرتهم. ليتركها حتى تبدل ملابسها، ولكن تركه وقتًا طويلًا حتى ظنت أنه تركها وتراجع. وتذكر شقيقه. وما إن دلف حتى ركضت إليه بلهفة:
"مدخلتش ليه من بدري يا مصطفى؟ كنت فين؟ قلقتيني عليك."
نظر إليها مصطفى وإلى لهفتها بتعجب:
"مين اللي بيقول الكلام ده؟ انتي يا مريم، معقولة!"
هزت مريم رأسها لتؤكد له أنها هي ولا أحد غيرها:
"إيه؟ مش مصدقني؟ أيوه أنا يا مصطفى، مريم حبيبتك مش حد غيري."
نظر إليها مصطفى على جرأتها في الحديث وإعلانها أنها معشوقته الوحيدة:
"ياااه يا مريم، كنتي فين من زمان. ده أنا قلت شعري كله هيشيب ومش هسمعها منك."
شعرت مريم بتوتر طفيف، هي دائمًا تود البوح له والتصريح بكل مشاعرها، ولكن تنتظر:
"معلش، أنا يعني كان نفسي أقول كده من زمان، بس كنت بخاف ميحصلش. لغايه ما حصل يا حبيبي."
نظر إليها مصطفى بفرحة لأنها تكرر كلمة حبيبي مرة أخرى، كلمة يقشعر لها بدنه، كلمة تجعله يندم على الماضي:
"المهم إنك قولتيها في الآخر."
ثم استطرد وهو يقترب منها:
"وحشتيني أوي، عمرك ما بعدتي عن خيالي ولا لحظة."
احمرت وجنتا مريم من أثر كلماته التي أذابتها وأعادت لها أنوثتها:
"الله بقي يا مصطفى، ما تحرجنيش وترجع تاني أكتّم في قلبي وأتكسف منك."
ابتسم على خجلها وهبط نحو وجنتيها ليقبلها، ومن ثم همس في أذنها بعذوبة ارتجفت لها:
"لا، هتقوليها تاني وتالت ورابع كمان. انتي خلاص بقيتي بتاعتي يا مريم لوحدي، ولازم تقولي كل اللي في قلبك ليا."
احتضنها بحرارة يبث بها مشاعر الحب والشوق إليها، مردفًا بكلمات متمنيًا أن تفهمها بالطريقة الصحيحة وليس بالخطأ:
"كان نفسي أكون أول بختك، بس هعوضك وهنسيكي وهشيلك على كفوف الراحة. هلف بيكي الدنيا انتي ومحمد، وهتبقي حياتنا كلها عسل."
أطرقت رأسها بخجل:
"كلامك حرجني، ما جرحنيش."
رجع بظهره ينظر لها بهيام وسعادة:
"أخيرًا بقيتي تفهمي مصطفى يا مريميه."
هزت رأسها لتخبره أنها فهمت مغزى كلماته:
"هي لازم تتفهم إنك بتحبني أوي يا مصطفى."
أردف بحب وهو يقبل زاوية شفتيها بحرارة:
"أنا بحبك كمان وكمان طول ما انتي بتفهميني صح."
ابتسمت مريم وهي تنظر إليه بحرج كأنها لأول مرة تتزوج:
"مصطفى، انت بتعمل إيه؟ بالراحة عليا، أنا مش حمل ده كله مرة واحدة."
انهال عليها بالقبلات الرقيقة الناعمة:
"روح وعقل مصطفى انتي يا مريم اللي وقعوا في حبك."
وضعت يد على قلبها واليد الأخرى تحاول إبعاده عنها برفق:
"وأنا كمان روحي وعقلي وقلبي وكل كياني ليك من زمان أوي."
شعر مصطفى بأن فرحته بمريم غير عادية، بل أنها جاءت بعد أحزان:
"بجد يا مريم، أنا عشت عمري كله بتخيل اللحظة دي وبمني نفسي بيها."
خجلت مريم لأنها كانت تتخيلها قبل زواجها من سالم وبعد طلاقها منه، وليس في فترة زواجها:
"طول عمري بقول كل شيء في وقته حلو، وأنا عندي ثقة دونًا عن الكل إن وقته ده هيجي. ربنا مش بيرضي بالظلم."
نظر في الفراغ أمامه ليتأكد أن لو سالم كان على حق لعاش أيام سعيدة مع مريم، لكنه لم يتق الله في والديه ولا أشقائه ولا زوجته:
"أنا كمان فضلت مستني لغايه ما أمي قالت لي إنك اتخطبتي. وقفت حتى أحلامي لأنه مينفعش أحلم بيكي وأرتكب حرمانية. ولما اتطلقتي فضلت خايف لغايه ما شفت إن كل الطرق بتسلك قدامي."
مرت عليهم ساعة كانوا يتحدثون فيها بكافة الأشياء، إلى أن حان موعد الصلاة بها كزوجة. الصلاة التي طلبتها من سالم ورفضها.
نعم، بعضكم تشعرون أن سالم ضحية، أوافقكم الرأي. نحن ضحايا إلى سن معين، ولكننا ناضجون مدركون لأفعالنا. سالم لم يكن مقربًا من ربه، هرع خلف نزواته، تناسى أمر عقوق الوالدين. تناسى أمر حقوق الغير، وهكذا استمرت حياته لينال جزاته.
بتمني الفكرة تكون وصلت ليكم صح. ربوا أولادكم صح وما تفرقوش بينهم مهما كان. وأتمنى عدم الغفلة عنهم وهم صغار بحجة الانشغال بالأعمال وعدم التغاضي عن أخطائهم.
يستوقفني بعض المشاهد، وعلى رأسها المدافعة عن الابن أو الابنة حتى لو كانوا على خطأ، والاستماع لهم فقط، والنتيجة تربية جيل عقيم يرى نفسه على حق. أستحلفكم بالله أفيقوا من هذه الغفلة. انصروا أولادكم في حالة الصدق فقط، هذا ليس حبًا منكم لهم بل جريمة.