تحميل رواية «الارث "صراع الاباء والابناء"» PDF
بقلم مروة البطراوي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحد الشوارع البسيطة ب محافظة البحيرة، وبالتحديد في أحد بيوت أشهر العلافين في المنطقة، وفي الطابق الأرضي، حيث يقطن كبير عائلة الحمش، الحاج هريدي، مع زوجته عائشة، السيدة الحنونة، أم أبنائه الثلاثة الذين أنجبتهم بعد صبر سنوات عديدة واشتياق مرير، وحرصت جيداً على تربيتهم. كان هريدي يتحدث معها بعصبية: - وأنا قولت هكتبله هو كل حاجة دوناً عن أخواته، يعني هكتبله. خشت عائشة من قراره فردت: - يا هريدي، حرام، محدش ضامن الموت من الحياة. اتسعت حدقة عينيها بصدمة قائلاً: - بتقولي إيه يا عيشة، بتفولي عليا يا و...
رواية الارث "صراع الاباء والابناء" الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم مروة البطراوي
ليه فسخ خطوبتنا.
ابتسمت مريم بسخرية وأرادت تفهميها حتى لا يخيل لها أنه لها.
تمام مصطفى خطبك لما سالم رفض أنه يبقى أعزب وسطهم.
تعالت ضحكات نوال بسخرية عندما فهمت أنها كانت مجرد سلمة.
حلو قوي، قوليلي تعرفي الزبالة؟ أنا أزبل منها، أنا بجد حقيرة وأستاهل.
هزت مريم رأسها تنفي وصف نوال عن نفسها، هي لم تكن تقصد إهانتها.
منين جالك الإحساس ده؟ بعدين اللي أقوله لك دلوقتي إني كل أما بشوفك بتتغيري بنسى.
نظرت إليها نوال باستغراب، أحقاً مريم تتناسى أخطاءها؟ يا لها من محظوظة، فهذا القلب الطيب من حقها.
مش معقول، هو انتي ممكن ترجعي صاحبتي زي الأول؟
ياريت يا مريم، وأنا أقسم لكِ هتعدل ومش هبص للي في إيد غيري.
نظرت لها مريم لتلمح الصدق في عينيها، ولكن كان يتملكها القلق، فالمؤمن لا يلدغ من الجحر مرتين. ترددت أن تصارحها بما في قلبها.
أنا مين يا نوال؟
أنا صاحبتك اللي جيتي عليها زمان، افتكري دي قوي وافتكري إني ممكن أفعصك تحت رجلي. لو اتعدلتي يبقى خير لينا.
ارتبكت نوال.
ها، لا أبداً.
تعملي إيه في سالم؟
ابتسمت مريم لها بخبث وغمزت.
الخطوة الجاية عندك انتي يا نوال.
اتسعت حدقة عيني نوال بخوف وهلع.
انتي مش ناوي تقابليه تاني؟ طب كده هيشك.
تعالت ضحكات مريم والشر يرتسم على وجهها.
وإيه يعني؟ أنا عايزاه يشك ويحس إن كلنا خداعين.
هزت نوال رأسها بمكر وأصرت أن توعي مريم جيداً.
انتي لازم تعتذري له عن اللي حصل وتبيني إنك مظلومة.
تعصبت مريم، فهي مرت بالمشهد الأخير بصعوبة ولن تتحمل.
انتي مجنونة يا نوال، أنا عمري ما هعتذر له، افهمي بقى، هو اللي لازم يطيب خاطري.
جحظت نوال بعينيها، فهي لن تتخيل أن سالم سيعتذر عن ذنب لم يقترفه، خاصة لمريم طليقته.
يا مريم، انتي قلتي قدامه ليها إنه مش فارق معاكي، وده ممكن يخليه يحس إنك مش عايزاه. اسمعي مني.
هزت مريم كتفيها بعدم اكتراث، كأنها كانت متشوقة لقول هذا الكلام أمامه لكي يعرف مقداره أمامها، أنه لا يساوي.
يلا خلينا نشوفه وهو مذلول ومكسور، واتنين ستات مش لازمهم. أنا عارفة إنها مش عايزاه، هي عايزة الأرض وبس.
اتسعت حدقة عيني نوال بذهول، فدائماً مريم تفاجئها بتغيرها المطلق الغير متوقع يوماً ما، وأنها لا تبالي غضب سالم بل تذله.
يخرب بيتك يا مريم، ده انتي كده ضربتيه بالجزمة القديمة، بس تعرفي يستاهل، قال بيقول عليا خرابة بيوت، على أساس إنه ديماً عامر.
مطت مريم شفتيها بلا مبالاة ورفعت كتفيها بعدم أهمية، فهو لا يعني لها شيئ حتى لم تعتبره يوماً أنه والد ابنها وتشعر أن ابنها كذلك لم يقبله.
عادي يا نوال، ها هتروحي له ولا لا؟
هزت نوال رأسها بإذعان لطلب مريم.
وأنا مجنونة أقول لأ، حاضر يا مريم.
ربتت مريم على رجلي نوال بامتنان قائلة.
تسلميلي يا نوال، عمري ما هنسى لكِ ده.
انشرح قلب نوال حيث ذكرتها مريم بأيامهم.
مريم، أنا نفسي آكل بط من إيدك، هتأكليني زي زمان.
تعالت ضحكات مريم بصخب لأنها أدركت أن نوال تغيرت.
ماشي يا نوال، بس كده أحسن دكر بط هيتعمل عشانك كمان.
في المكتبة كانت تقف شارده لدرجة لفتت انتباه بهيرة وهي تمر من جوارها.
مالك يا ولاء؟ شكلك تعبانة.
طب تعالي، أنا راحة أطمن على البيبي، تعالي معايا.
هزت ولاء رأسها ودموعها تتدفق بين مقلتيها، تضرب على قلبها تحاول إيقافه.
منك لله، منك لله، مش بتعرف تسكت أبداً، خسرتني قوتي، خليته يمرمطني عشان بحبه.
قطبت بهيرة جبينها تحاول أن تفهم ما تقصده ولاء وهي تجلد قلبها وهو يدق من أجله.
ليه كل ده؟ عمل فيكِ إيه؟ ممكن يكون زهق منك بالسهولة دي؟ ما أعتقدش، استهدي بالله.
تنهدت ولاء بتعب وحزن، تعلم أنها ظنت به خطأ، ولكن تشعر بالخزي من نفسها أمامه.
انتي عمرك جربتي تحبي حد وأخيراً يحبك، بس تفضلي شاكة فيه ولما تواجهيه تطلعي غلطانة.
فهمت بهيرة ما ترنو إليه ولاء وما تشعر بها، ذكرها بموقفها مع محمد يوم ما وجدته يربت على مريم.
هيحصل إيه بعد كده؟ أكيد هيعتذر، وانتي لازم تقبلي وتبطلي تشكي فيه، انتي حاطة في دماغك إنه بتاع بنات.
شعرت ولاء أن حديث بهيرة صحيح، ولكنها ترفض مصالحته لأنها متوقعة عتابه والذي سينتج عنه قرارات.
بجلد نفسي من امبارح يا بهيرة، عارفة إنه بقى محترم وعايز يتجوزني، بس خايفة أقوله خلاص يعاتبني إني معملتش كده تاني.
استمعت ياسمين إلى صراخ ولاء حيث كانت في مخازن الكتب وركضت نحوها تحاول أن تفهم ما بها لأن عادل لم يخبرها بما حدث.
مالك يا ولاء؟ انتي كويسة؟ حتى عادل جه امبارح متأخر قوي ودخل نام، ملحقتش أعرف آخر الأخبار وصحيت الصبح لقيته نزل. هو في إيه؟
اتسعت عيناها.
إيه يا ياسمين؟ رجع متأخر؟
استغربت ياسمين سؤال ولاء.
مالك؟ زعلتي ليه لما عرفتي إنه رجع متأخر؟
لا طبعاً، وأنا هازعل ليه؟ طب نزل الصبح بدري ليه؟
قطبت ياسمين جبينها.
ليه شاغلة نفسك؟ مش يمكن عشان موضوع حلاوتهم؟
لا لا طبعاً، أكيد في حاجة تانية، أنا مش هبلة، أنا فاهمة وعمري ما هضعف وأروح أصالحه.
نظرت ياسمين لولاء باستغراب، أما عن بهيرة فقد زفرت بحنق على رأس ولاء اليابس، ومن ثم تركوها لتطلق العنان لأفكارها العنيدة.
كان سبب خروج عادل مبكراً هو سالم حيث هاتفه.
عاوز حاجة يا حاج سالم؟ استغربت إنك بتقول عايزني.
فاجئه سالم بطلب جعل عادل يفتح عينيه على مصرعيهم.
كنت بسأل على شقة جمب شقة الست ثريا، يا ترى فيه فاضي.
قلق عادل من سؤاله وقرر أن يرواغه لكي يخرج ما ببرأسه.
انت عاوز شقة الست ثريا نفسها ولا اللي جمبها؟ عشان اللي جمبها اتأجرت.
ابتسم سالم بخبث على سؤال عادل كأنه يفهم ما يجول برأسه، ولكن تريث قائلاً.
أنا بقى عاوز الشقة اللي اتأجرت، حاول تفضيها ولك الحلاوة، عارف إنك مصلحجي.
بالرغم من عادل ومساوئه، إلا أنه في هذه النقطة لا يبالي ولا يهمه المال، يحب مساعدة الغير.
ما تحترم نفسك يا سالم، انت مفكر كل الناس زيك؟ أنا يهمني مين هيسكن جمب مين عشان المشاكل.
نظر سالم إلى عادل بكل غضب وكاد أن يهرسه أرضاً، ولكن تماسك حتى لا يصدر ضوضاء، يكفيه ما حدث.
أنا محترم غصبن عنك يا زبالة انت، أنا عارف إنك مش راضي تأجرلي عشان تفضل جمبها، بس ده بعدك، دي بتاعتي.
اتسعت حدقة عيني عادل وتدلت شفتيه إلى الأسفل على ثقة سالم المفعمة بأن مريم ملكه، ليشعر أن مصطفى كان صائباً.
زبالة مين ده؟ انت اللي زبالة صحيح، اللي خلفك مقدرش يربيك زي ما ربي أخواتك، ولما هي بتاعتك، رمتها هي وابنك ليه؟
هنا لم يتحمل سالم وانقض عليه، خاصة عندما قارن بينه وبين أشقائه الذين هم سبب معاناته في الحياة، دائماً يوقرون ويحترمون.
انت اتجننت يا عادل؟ هي حصلت؟ انت مفكر نفسك مين؟ انت مجرد صاحب بيت، واتقي شرى، يا أما هتشوف لون عمرك ما شفته.
ابتسم عادل بسخرية، فسالم من الشخصيات التي تهدد ببزخ لطالما لم ينفذه تهديده، وعادل لم يكن يوماً من الشخصيات التي تخاف من أحد.
هتعملي إيه يعني مثلاً؟
تعالت النيران في صدر سالم.
هفرجك، هريدي الحمش رباني ازاي.
فتح عادل صدره بكل أريحيه بكل شجاعة.
فرجني كرامات الحاج هريدي عليك يا أخويا.
تفاجئ سالم من جرأة عادل، ليمسكه عادل من ياقة قميصه يهدده.
انت عاوز من مريم إيه يا سالم؟ قبل ما تجاوب افتكر انت بالنسبة لها إيه.
أنزل سالم يد عادل يحاول تمالك أعصابه حتى لا ينفلت غضبه ويخسر معركته.
هرجع مريم، كان ممكن ما أحتاجش الشقة، بس بعد اللي حصل النهارده، بقى صعب.
هنا جاء مصطفى، حيث أن عادل أخبره بمقابلته مع سالم من قبل أن تحدث.
اختنقت الدماء بعيني سالم ليصيح قائلاً.
ربنا ياخدك، انتي إيه؟ مش بتغوري بعيد عننا أبداً؟ مريم هتبقى مراتي أنا، ولو قربت منها تبقى جنيت على روحك يا سالم.
استغرب سالم من وجود مصطفى في هذا التوقيت لأنه لم ينتهي عمله بعد، فنظر إلى عادل بشك، ليبتسم الآخر بخبث ليصيح.
مراتك إزاي يعني؟ هي مجنونة؟ دي لسه الصبح مواجهة حلاوتهم قدام عيني وحلفت إنها هترجع لي وهترجع لي يا مصطفى.
نظر مصطفى وهو مفتح العينين باتساع رهيب يمتلكهم الغضب، فلم يتصور أن الأمر سيتم بهذه السرعة، فأخرس سالم بصفعة.
اخرس، قطع لسانك، وإياك أشوف خلقتك تاني هنا في الشارع، والله لو حصل لأكون رازعك علقة ترقدك في الجبس سنة قدام.
ومن ثم نزع مصطفى حزام بنطاله الذي كان يرتديه ليرفعه في وجه سالم، لتكون ردة فعل سالم هو أنه أسرع بالخروج من مدخل العمارة قائلاً.
خلاص خلاص يا مصطفى، بس افتكر الحق هيكون لمين فينا.
لم يتحمل مصطفى برود سالم أكثر من ذلك، انتزعه من ملابسه.
هو إيه اللي خلاص؟ خلصت روحك انت؟ شكلك عايزة تقضي عليها.
أزاحه سالم بعيداً عنه بكلتا يديه وبكل غضب، ليختفي بروده قائلاً بقوة.
شكلي هقضي على روحك انت يا مصطفى، اصبر عليا شوية أيام وهخلصك.
تدخل عادل لأن سالم مازال يزيد العيار ولا يرحل، ويخشى أن يرتكب مصطفى شيئاً.
ما تغور بقى من هنا، إيه انت ما صدقت؟ انت مش عندك ست تروح لها بدل ما تقلق عليك.
خرج سالم من مدخل العمارة ليصعد مصطفى بخطوات سريعة نحو منزل مريم، بينما يراقبه عادل يشعر بانتصار عظيم، يعود إلى المكتبة ومعه كل التسجيلات لهذا المشهد.
أما في الأعلى، وبالتحديد أمام شقة مريم، طرق مصطفى الباب.
على الجانب الآخر، كانت تقف في المكتبة تلهي حالها لتجده يدلف عليها، فتصنعت أن معها اتصالاً هاماً.
حاضر يا بنتي، حاضر، ما تطولي بالك بقى يا غتتة، قلت لك الكتب هتكون عندك بعد بكرة، إيه مفيش صبر؟
انتزع الهاتف من على أذنها ليضعه على أذنه ليجد أنه تمثيل، فابتسم بسخرية ونظر إليها لتشيح بوجهها جانباً.
مفيش حد معندوش صبر قدك، بس أنا عندي، يا ترى هتنفع تصبر معايا ولا مش هينفع؟ كنت مفكر نفسك طويل.
احمرت وجنتا ولاء تنظر إلى الأرض سريعاً بضيق، ليقترب بيده من وجهها ويرفعه لكي تكون النظرات مقابلة بينهم.
يعني أنا جايلك لحد عندك وقلت التليفون مش هيقرب ما بينا عشان تودي وجهك الناحية التانية، بصيلي وواجهيني بعينيكي.
من أول ما وقعت عينيها في عينيه، وكأنها سكنت وهدأت وتناست كل شيء افتعلته وافتعله، ودت أن تحضنه بعينيها، فقد اشتاقت له.
مشتاقة ليك قوي يا عادل.
عادل، أنا عارفة إني غلطانة، بس صدقني غصبن عني، وأوعدك مش هتتكرر، بس بليز قلل من مقابلاتك ليها.
يعلم كم الغيرة التي تقطع نياط قلبها، ولو كان الأمر بيده لكان ابتعد عن الأخرى وبات ساكناً في أحضان معشوقته التي تمناها يوماً بنفس الصورة.
رد بهيام.
عادل، مقدرش أتحمل أكتر من كده.
شعرت أنها ترى عادل آخر غير الذي كان بالأمس.
حاسة إني أعرفك لأول مرة.
حاسة إنك غايب ووحشتني.
ود أن يحتضنها غير مكترث بمن حولهم، تهمه هي فقط.
أنا من امبارح تايه، كاره نفسي على اللي عملته فيكي.
فاق كلاهما على صوت ياسمين وهي تمصمص شفتيها.
طب ما أجبلكم بوليس الآداب؟ ولا حرام؟ هو المأذون يلم الليلة.
التفت إليها عادل وابتسم بمرح وهو يغمز إلى ولاء بكل حب قائلاً.
الله! انتي طلعتي منين؟ والله ما حاسس إنك هنا أصلاً، يا ريت المأذون فوراً.
تعالت ضحكات ياسمين وهي ترفع حاجبيها لولاء كأنما تحدثها، أخيراً هدأتي.
أومال إيه العكننة اللي إحنا فيها من الصبح دي يا ولاء؟ ده قربت أقطع شرايني.
على الجانب الآخر، فتحت مريم الباب لتجد مصطفى أمامها ينظر إليها بغضب، فابتلعت ريقها.
هنفضل واقفين قدام بعض كتير؟ ادخل يا مصطفى، ده حتى انت وحشت محمد خالص وبينده عليك.
دلف مصطفى لداخل الشقة ليجلس بالصالون، تقدم له ثريا واجب الضيافة وهو يلاعب محمد حتى تأتي مريم.
هتفضلي عندك كتير يا مريم.
انت بتعملي إيه؟ تعالي هنا، أهي بهدلة هتاكليها والسلام، أنا موجودة متخافيش، تعالي.
كانت في هذه الأثناء تحادث ولاء تسرد لها لتخبرها ولاء بما حدث بين عادل وسالم ومصطفى، لتصرخ صرخة مكتومة.
انتي هتستهبلي يا مريم ولا إيه؟ انتي يا دوب رميتيله الطعم وهو جه جري، وجبتي التانية عشان تخلصي منهم، اخرجي كده وخلّيكي أسد.
غضب مصطفى.
والله عال، عمالة تقويها يا مرات عمي، وأنا اللي فاكرك هتعقليها، يالا استحملوا هبل الزفت سالم لما يعملك فيها حاجة.
رفعت ثريا حاجبيها، فهي ظنت أنه جاء عندما علم من عادل، ولكنها تأكدت أن الموضوع أكبر من كل هذا، فسألته بتوجس.
مين المجنون اللي ممكن يقرب منها وأنا عايشة؟ اسمع يا مصطفى، مريم ما غلطتش، وكان لازم تعمل كده ومن زمان أوي.
زفر مصطفى بغضب ووضع الطفل جانباً لينهض وهو يضغط على رأسه التي كادت أن تفور من الغيظ، يتذكر سالم ووقاحته وتهديده المقزز.
رواية الارث "صراع الاباء والابناء" الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم مروة البطراوي
لسه مش عارفه سالم يا مرات عمي سالم عايز مريم من بعد الموقف ده بأي شكل حتي لو الموضوع مفيهوش أرض سالم بيتحداني.
خرجت له مريم بعد ما سردت لها ولاء كل ما حدث. أقسمت له و هي تنظر بكل خجل علي ما اقترفته به و بنفسها تود أن تميد بها الأرض.
لا و الله ما هيلمس شعرة مني و والله هي كانت ساعه واحده و كانت ساعه سوده.
أخذت تفرك يدها تريد أن تسأله هل أخبرته والدته عن زيارة أمس لهم و مقابلة سالم.
ازاي ماما عيشه يا مصطفي قالتلك اني زورتها امبارح هي و عم هريدي و كان معايا محمد.
قطب جبينه حيث أنها أقسمت أنها لن تذهب لأنها لا تود رؤيه هريدي. استغرب تغير رأيها للذهاب.
كويسه يا مريم الحمد لله بس غريبه هي مقالتش انك جيتي دي حتي بتسألني عليكم و بتقول انكم وحشتوها.
عضت مريم علي شفتيها السفليه بضيق لأنها اوقعت نفسها في الاعتراف الأخر و لكن ما باليد حيله ستدلي بكل شئ.
طبعا مستغرب هي مقالتش ليك ليه أصل أنا روحت أقابل سالم هناك كان خايف يجيلي محل الورد أو يجي هنا فروحت.
شعر بوخزة في رأسه و كأن الأرض تدور به و علم مدي وقاحه سالم معه لأن الكل معه هي و والدته و والده لم يستغرب أحد.
تقولي ليه بقي أنا طالع عيني في الشغل حتي دلوقتي سايب الدنيا تضرب تقلب بجرى ألم معجبين الست مريم و لا البيه اللي بيقنعني بكلامه.
قطبت جبينها.
بيه مين و بيقنعك بايه؟
أشار مصطفي نحو محمد.
البيه أبو ابنك يا مريم نسيتي.
ابتسمت مريم بسخريه قائله.
انت بجد مصدق يا مصطفي.
جز علي أسنانه بكل غيظ تملكه.
لما نشوف يا مريم ناوى علي ايه.
هزت ثريا كتفيها بعدم اكتراث قائله.
و لا هيقدر أنا بنتي جبته علي ملي و شه و بسرعه.
ابتسم مصطفي بضيق عندما ذكرته بما افتعلته مريم.
و حلاوتهم يا مريم محاولتش تعمل فضيحه ليكي و يحق ليها.
اتسعت عيني مريم من الصدمه تنظر اليه بغضب و تصيح فيه.
كسر حقها دي كانت زى الكلبه قدامي هي و هو أنا مريم يا مصطفي.
كاد أن يبتسم فخرا بما فعلته و لكن باتت كلمات سالم تؤرقه و تتعبه و تؤلمه.
و ان ما كنتش تقف قدامك زى الكلبه هتعملها قدام مين أنا بس سالم اللي ضايقني.
نظرت مريم أمامها بشر و كأنها انسانه أخرى غير التي كسرت من ذي قبل لتنطق.
أومال لو كنت شفته و هو مش قادر ينطق اسمع مني مجيته لعادل دي حلاوة روح.
هز مصطفي رأسه لأنها مازالت لا تعرف الكثير عن سالم اذا أراد شيئا سيحدث حتي لو كان.
انتي برضه لسه فهماه غلط أنا كنت ناوى أخليه مسخ قدامك بس اللي حصل النهارده كان فوق طاقتي.
عمرك ما هتقدر تحس الاحساس اللي أنا حسيته النهارده أنا اللي كان كله فوق طاقتي بس اسنحملت أوى.
ربما أصابت كلماتها قلبه بحزن لم يستطع تخطيه،وقف علي قدميه،و عزم علي الذهاب لرؤيه شقيقه محمد الذي يعمل بالمشفي،مستلما لرغبه مكبوته أن يخبره أن هريدي يستقبل سالم من ورائهم،قاد سيارته الصغيرة الذي ينوى بيعها قريبا لكي يمتلك شقه صغيرة مع مريم وصل الي هناك.
تردد لمرات،قبل أن يتوجه ،نحو غرفه محمد في المشفي،وقف أمامها،ينتظر خروج أخر كشف ليجدها بهيرة،ليسألها فور خروجها.
انتي كويسه؟
أنا تعبانه و مبقتش عارفه أنا مين و عارفه انت جاي تتكلم عن ايه ادخله هو كمان شايط زيك مش فاهمه أبوكم غلط في ايه ده حب يساعد.
علي الجانب الأخر بعد مصالحه عادل و ولاء دعته لتناول الغذاء معهاو بالفعل رحب فهو دائما يشتاق الي الطعام الذي تصنعه بيدها بالرغم من التقليل منه من ذي قبل.
الله الله ده انت باينك رضيتي عليا مرة واحده.
ابتسمت ولاء بخجل لتقرر تذكيره بما قاله في السابق.
علشان أنول الرضا اتعلمت الطبيخ من أول و جديد.
تناول يدها التي أعدت الطعام و قبلها بكل رضا و سعاده.
تسلميلي يا أحلي طباخه في الدنيا ده الكل يتعلم منك يا لولي.
ارتفع حاجبها باندهاش لتعلم أنه كان يناقرها و سألته بخبث قائله.
قولي بقي عرفت تنام امبارح و انا زعلانه منك مفرقتش معاك يا دولا؟
اتسعت ابتسامته عندما قامت باطلاق عليه اسما لتدلعه ليقترب منها بهيام.
نوم ايه ده أنا مش عارف عايش من امبارح ازاي يا ولاء مفيش غير مشاكل بتجرى في دماغي و صورتك مفارقتنيش و انتي حزينه كان نفسي تبقي موجوده.
تنهدت ولاء بارتياح قائله.
أنا جمبك علي طول يا حبيبي.
ابتلع ريقه حيث أن قربها يتعبه.
و بعدين ما انتي جمبي و مش جمبي.
عقدت ولاء ما بين حاجبيها تسأله بعدم فهم.
تقصد ايه لو علي موقف امبارح مش هيتكرر.
زفر بنفاذ صبر فالتوقيت يخونهم في كل مرة.
أقصد أنا و انتي هنتجوز امتي أنا هتجنن و نفس أرتاح.
هزت ولاء رأسها برفض تنبثق من بين طيات لسانها الحكمه.
أنا عمرى ما هرضي أبني راحتي علي حساب تعب ناس نفسهم يرتاحوا.
يعلم جيدا أن حديثها صائب و لكن يخشي أن موقف أمس يتكرر و تفشل علاقتهم.
لازم يبقي في حل أنا حاسس اني بعمل حاجه غلط لما بقابلك و مبقتش عارف أعمل ايه.
فهمت ولاء مما هو خائف منه يخاف من تكرار الشكوك لديها و من ثم انهاء العلاقه و لديه حق.
اوعدني انت بس انك ليا و بعد كده في داهيه أي كلمه هتتقال هي و صاحبها. عادل أنا واثقه فيك جدا.
تناول يدها بين راحتي يده ووضعها علي قلبه الذي ينبض بالعشق ينبض لها فقط مثل قلبها الذي نبض من أجله.
أوعدك يا روحي و يا قلبي أنا ليكي و لأخر العمر خفي بس العصبيه و الغيرة أبوس ايدك اللي فات حماده و اللي جاي حماده تاني.
كانت تمشي علي أطراف أصابع قدميها بعد أن أعطت الدواء لوالد ولاء عوضا عنها لأنه يرتاح مع ياسمين كثيرا و كان يعلم بالمشاجرة.
شجرة و اتنين ليمون.
ابتسم لها عادل ابتسامه واسعه.
يخرب عقلك ده أنا نسيت انك هنا.
لكزته في ذراعه و هي تغمز لولاء.
اتتفقت مع بابا ولاء اني هعيش هنا معاكم.
وضع عادل يده علي رأسه لأنه تركها مع والد ولاء.
أه أنا اللي جبته لنفسي لا بصي أنا هوافق علي ضياء.
و كأنها كانت تعلم أنه اتفق مع ضياء و كانت تستفزه لا أكثر.
ما أنا عارفه ضياء قالي انك موافق زغرطي يا بت يا ولاء.
صفعها عادل علي مؤخرتها لتنتفض صارخه و هي تتحسسها.
امشي يا بت من هنا ده كان ناقص أروح أكلمه انا علشان يخطبك.
ابتسمت ياسمين بسخريه لانها متأكده أنه يغيظها بالحديث حتي تهدأ.
لا ما هي لولو كلمته و قالتله اني هتخطب و من ساعتها و هو بيكلم نفسه.
نظر عادل الي ولاء بغيظ لتعض علي شفتيها بندم تحاول اضفاء نبرة مرح.
يا عيني قعد يكلم نفسه ساعتها و بعدها اختفي معرفش راح فين كان لازم يعني؟
لوى عادل ثغره و هو ينظر الي ياسمين يحاول مضايقتها حتي تصبح عاقله أكثر من ذلك.
لا و انتي الصادقه ده بينه ما صدق و قالك أخلص منها و من العريس دي لزقه بغيرة مش بتطلع.
اندفعت ياسمين تدافع عن نفسها و عن ضياء فهي تفهم أن عادل يغيظها ليس أكثر و أن ضياء متشوق لها.
لا يا عادل ضياء كان زعلان خالص و الله هو بس كان شايل همك ترفضه علشان ظروفه و ده اللي كان مأخره.
نظر لها عادل بسعاده فها هي أبدت بمشاعره نحو ضياء بمنتهي المصداقيه يتمني أن يكون ضياء يحبها مثل ما تحبه.
اممم بقي كده.
اسمعي يا ياسمين أخر حاجه أبص ليها هي الفلوس هو طبعا رافض اني أساعدكم و ده حقه بس أخوكي موجود.
ارتبكت ياسمين حيث كان اتفاقها مع ضياء أن يوافق علي مساعده عادل و لكنه ما زال عند موقفه رافض لمساعده أي شخص فماذا تفعل.
لا ما هو ما هو أنا و انت.
عقد عادل ما بين حاجبيه قائلا.
أنا و انتي ايه يا بت يا ياسمين؟
اضطربت ياسمين و فرت من أمامه.
عقدت ولاء هي الأخرى ما بين حاجبيها.
كل ده علشان رفض مساعدتك المفروض تفرح.
نظر اليها عادل بقله حيله فهو أكثر شخص يفهم ياسمين.
أعمل ايه يعني يا ولاء أنا عرضت عليه و هو رفض نهائي.
عوده الي المشفي عند محمد قابلت بهيرة مصطفي و هي خارجه.
جوه ادخل ليه و عقله يا محمد أبوك ما غلطتش و لا في دماغه حاجه.
وجدت الباب يفتح من خلفها علي مصرعيه و محمد ينظر اليها بغضب.
ادخل يا مصطفي و انتي روحي بسرعه و علي شقتنا متروحيش عند أمي.
وضعت يدها علي بطنها لعله يتذكر أنها حامل و أن عصبيته غير مرغوب فيها.
ما تهدي بقي يا محمد انت يتعمل كده ليه موقف و حصل خلصنا اهدي و هدي أخوك.
جز محمد علي أسنانه بغيظ و تقدم منها ليقترب من أذنها يهمس لها كفحيح الأفعي قائلا.
اتلمي بدل ما اولدك قبل ميعادك يا بيبي و تبقي انتي و ابنك واحد محتاجين الخدمه غورى.
كادت أن ترد عليه لولا ارتفاع رنين هاتفه فوجدها والدته شعر أنها تهاتفه لكي يهدأ من غضب مصطفي.
عايزة أقولك حاجه يا حبيبي أبوك تعبان أوى حاول تشوف مصطفي فين مش راضي يرد عليا أبوكم عاوزكم.
أغلق الهاتف و دلف الي مصطفي الذي كان ينتظر انتهاء شجاره مع بهيرة لكي يفيق له و لكنه وجده يقف أمامه بشرود.
أمك بتستعجل رجوعنا الظاهر ان أبوك تعبان و محتاجنا جمبه مش وقته عتاب يا مصطفي بينا نشوفه و ننسي كل اللي حصل.
انتفض مصطفي و أخذ محمد و بهيرة معهم في السيارة و تناسي أمر حملها و قاد السيارة بأقصي سرعه حتي أنها شعرت أنها ستلد . ما ان وصلا حتي دلفوا الي غرفه والدهم لتتجه نظرات مصطفي سريعا الي سالم القابع بجوار هريدي ليبتلع سالم ما في جوفه بصعوبه حيث كان يتناول الماء الذي طلبها هريدي لنفسه.
نظر اليه مصطفي بتحدي و محمد باستغراب من وجوده لما تم الاتصال به قبلهم.
هو انت عرفت قبلنا؟
نهض سالم ينظر اليهم بحقد.
أيوه أنا الكبير بتاعكم اللي أبوكم طلب يشوفني قبلكم.
تجاهل مصطفي غرور سالم و توجه نحو هريدي مبتسما.
ايه يا عم هريدي انت بتهزر معانا و لا ايه قول كده أه و الله ده شكلك أصغر مننا.
اختلس مصطفي نظرة سريعه لمريم لتبادله نظرة سريعه بمعني بأنه عمها الذي طلب رؤيتها فابتلع ريقه بصعوبه و التفتت بأنظاره الي سالم بتحدي ليقاطع نظراتهم هريدي.
واقف عندك ليه يا محمد تعالي اقعد وسطينا.
نظر له محمد ببرود و اتجه ناحيه كرسي قريب ليجلس بكبر يضع ساقا علي ساق في وجه سالم لتخرج مريم من الغرفه تقف خلف الباب تنتظر وعد عمها هريدي لها بلهفه.
أنا جبتكم النهارده علشان أبلغكم ان مصطفي طلب ايد مريم.
جحظ سالم بعينيه لأنه توقع العكس ود أن يقتل هريدي و لكنه رد ببرود.
مصطفي ده مين يا حيلتها أه ده انتم بتلاعبوني بقي أقسم بالله أصور قتيل.
ردت عليه عائشه بعفويه فهي كانت تنتظر هذه اللحظة منذ وقت طويل و ها هي.
ماله مصطفي يا سالم بشمهندس قد الدنيا ابن بار بيا و بأبوه واقف جمب اخواته وقفه رجاله.
استغرب سالم موقفها هي الأخرى يتذكر منذ ساعه و هي تستعطفه في الهاتف ليأتي و هي تعظمه.
دلوقتي بقي مصطفي الحيله يا أمااه انتم نسيتوا نفسكم ده أنا معايا كل حاجه ايه مش نفسكم ترجعوا للعز.؟
هنا صدر صوت مصطفي الذي كان مكتوما منذ لحظة حديث هريدي الذي كان ممتنا له و عرف سر وجود مريم.
ايه مستغرب يا سلومتي أوبس نسيت انت سلومة حلاوتهم و بعدين فين اللي معاك ده كله في ايد ست الستات الدلاله بتاعت القماش.
أراد سالم استفزازه لكي يكرهها و يخشي من الارتباط بها حتي أنها و هي تسمع كلماته استغربتها فهو يقول عنها ما ليس فيها ياله من حقير.
اممم طب كويس كده أوى هتقدر علي ملعنتها؟
ابتسم مصطفي بسخريه ليرد له الصاع صاعين قائلا.
طالما في مقدرتي أخليها تحبني زى ما بحبها عارف يعني ايه حب؟
تعالت شرارات الغضب في عيني سالم فالحب دائما يفتقده و ليس من مريم فقط.
تمام يبقي الأرض اللي بسبعه مليون جنيه تبقي حقي يا بتاع الحب و أنا يا أنت.
انصدم الجميع من قوله حيث ظنوا أنه وصل للعقد بينما أغلقت عائشه عينيها تذرف دموعها.
ايه يا ابني كل الحقد اللي في قلبك ده ناحيه اخواتك ايش حال ما كنت مربياك بايدي يا ابني حرام عليك.
أوقفها محمد حيث كره استعطافها لذاك الحقير حتي لو كان شقيقه و لكنه نتيجه تربيه حاقده من والده هريدي.
الكلام ده ملوش أي فايده يا أمي مع واحد قلبه اسود زى ده لو كان هيجيب نتيجه كان جاب يوم رقده أبويا و موت عمي.
تدخلت بهيرة في الحوار حيث ظلت صامته منذ لحظة دلوفها تخشي من رده فعل محمد عليها أيضا في ظل التعب الذي بها.
مستحيل واحد حقير زيه يتغير.
الحقير راح للمحامي اسماعيل طبعا كلكم عارفين قد ايه كان بيجرى ورايا الزفت.
كادت أن تكمل و لكنها توقفت تريد اخبارهم أنه ساومه عليها .احتارت ماذا تقول لهم.
رواية الارث "صراع الاباء والابناء" الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم مروة البطراوي
راح يساوم عليا.
كانت تتحدث و هي تمسد يدها على بطنها. يكاد الطفل يخرج منها في أي لحظة بسبب عصبيتها، ليقلق عليها محمد و يهرع إليها يجلسها.
"أهدي يا بهيرة."
ثم التفت إلى سالم قائلاً:
"و أنا كنت عارف يا سالم."
مط سالم شفتيه بسخرية قائلاً:
"اممم ماشي و ماله، المهم مبروك عليك مراتي يا مصطفى."
أوقفه مصطفى بكل هدوء و خبث و مكر، يريد أن يجعله يتمزق.
"طب مش تسأل محمد عرف منين؟ أنا هقولك، إحنا لقينا العقد يا سلومتي."
ضغط سالم على يده و كورها بغضب و هو ينظر إلى هريدي المبتسم بخبث.
"لازم تفهم يا سالم إنّي قبل ما أرقد الرقده دي كنت معاك، دلوقتي بقيت ضدك. وبعدين دي أرض بنت أخويا الغالية."
ابتسم مصطفى بفرحة يقبل رأس والده، يقف أمام سالم بتحدي.
سالم الذي فشلت كل كروته و محاولاته أمامهم، الذي أصبح لا يملك شيئاً.
"يعني اللي معاك حالياً بله و اشرب مياته يا سالم. أنا بقى مش هاخد مال مراتي، لااا أنا هجوزها بتعبي و شقايا. تعرف يعني إيه تعب يا سلومتي؟"
ظل متسمراً بمكانه ليقترب منه محمد.
"إيه؟ إنت لحد دلوقتي مش فاهم إنك بره؟"
ارتفع سالم بأنظاره يتوعد لمحمد و هو ينظر إلى بهيرة.
"لا أبداً، خلاص فهمت. مبروك مقدماً على اللي جاي في السكة."
نظرت إليه بهيرة بتشكيك، بينما الجميع بسخرية و بادلوا بعض التهاني.
"طب كويس يا هريدي إنك بعت تجيب البت مريم و تطلبها قدام الكل، عفارم."
رد هريدي على عائشة بسعادة و كأنه يرد اعتبار مريم و ما حدث لها على يده من ظلم.
"نذر و نذرته على نفسي يا عيشة، زي ما خذلتها و حسستها إن أبوها مات، هعوضها."
ابتسم سالم بسخرية كأنه لم يصدق حنان هريدي المفاجئ الخاص بمريم و يشعر بالغدر.
"ليه يا أبويا؟ و هي اتظلمت في إيه؟ مش يمكن أكون أنا اللي اتظلمت و ممكن أرجعها بسهولة."
تقدم منه مصطفى بكل قوة يمسكه من تلابيبه يتحدث من بين أسنانه بشر و عيناه يملأها التحدي.
"أقسم بالله لو شفتك بتعترض طريقها تاني، حتى لو بحجة محمد، لأكون ضارب عليك النار و لا يهمني."
أنزل سالم يده مصطفى للمرة الثانية من على هندامه، ينظر إليه بكل حقد و غل على أنه أخذ منه كل شيء قائلاً:
"ما خلاص بقى، في إيه؟ إنت كل شوية هتهددني علشان ست الحسن؟ بس عموماً بالشفا، بكرة تعملك مسخ زي ما عملتني."
كانت تقف خارج الغرفة و لم تجرؤ على الدخول خوفاً من مصطفى.
مر الوقت سريعاً ليقذف سالم بكلماته و من ثم يرحل.
خرج من غرفة والده و عيناه تتجول في أنحاء الشقة تبحث عنها، بينما اختبأت بغرفة مصطفى لحين خروج سالم. و لكنه توقف عند باب الشقة و استدار.
"بعينك لو شفتها مرة تانية."
ابتسم سالم بسخرية من مصطفى.
"محسسني إنها عروسة جديدة و إن عمري ما شوفتهاش، إنت مفكر إن هحرق روحي علشان أبص ليها؟ والله ده إنت غلبان أوي، علم على كلامي."
ابتسم مصطفى بخبث.
"اتكلم براحتك، ما هو ببلاش."
استهزأ به سالم و هو يهينه.
"ماشي يا خاين، يا اللي كنت بتحبها و هي على ذمتي."
لم يستطع مصطفى أن يتحمل كل هذا فقام بلكمه في أنفه.
"احترم نفسك، لأحسن أقسم بالله أروح أفتح قبرك و أدفنك حي."
وضع سالم يده على أنفه يتحسسه و يرى الدماء تسيل منه ليغضب.
"هي حصلت؟ ماشي يا مصطفى، أنا ماشي بس بمزاجي، و مسيري راجع."
أغلق مصطفى الباب خلف سالم ليعاود الجلوس معهم و ينتبه أنها غير موجودة.
"الحلو اللي عملته النهارده كتير أوي يا هريدي، ربنا يخليك لينا و يشفيك يا أخويا."
كانت بهيرة شارده في ملكوت آخر تتذكر نظرات سالم المسمومة إلى بطنها تشعر بالخطر.
"جايب منين الجبروت ده؟ شفتوا كان بيبص لبطني إزاي؟ زي ما يكون هيعمل فينا حاجة. مريم كانت معاشراه إزاي؟"
الجميع انشغل بكلمات بهيرة و أخذوا يطمئنونها حتى هريدي هو الآخر. و لكن مصطفى كان يتسائل أين هي؟ أين ذهبت؟
"إيه اللي مشي مريم؟ و يا ترى مشيت قبل ما أبويا يطلبها ليا؟ و لا بعدها؟ و ليه مقالتش إنها ماشية؟ إيه لعب العيال ده؟ أستغفر الله."
هزت عائشة رأسها بتأكيد، تنفي خروج مريم من المنزل حيث رأتها و هي تركض إلى غرفة مصطفى، ففكرت أن تبوح له لكي يدخل لها.
"مفيش حد خرج من البيت يا ابني، أكيد مستخبية في أوضتك ساعة ما خرج. روح شوفها على بال ما أشوف بهيرة و الهسهس اللي جالها."
دلف إليها.
"شكلك حبيتي القعدة هنا و لا إيه؟"
ابتسمت مريم بخجل خاصة بعد رؤية صورتها.
"الله، مش دي أوضة ابن عمي المحترم؟ ليه فيها صور بنت؟"
هز مصطفى رأسه بخبث و التقط الصورة من يدها ليضعها بقلبه.
"اممم البنت دي حبيبتي، بس للأسف مبقتش تسمع كلامي، بقت متمرده."
تنهدت مريم بملل و زفرت بحنق من كثرة معاتبته لها، فلكزته في ذراعه.
"بطل بواخة بقى، بدل ما أروح أقول لعمي هريدي و هو ياخد لي حقي."
رفع حاجبيه باندهاش من جرأتها معه و من ميوعتها للمرة الأولى في الحديث معه.
"الله الله، نسيتي نفسك و بقيت تمدي إيدك عليا؟ ناقص تسرقي مني بوسة و أنا تحت أمرك، اللي تعوزيه."
كان يتحدث و هو يقترب من شفتيها لعله ينعم بدفئها حتى و إن لم تقبله، زمت شفتيها بحزن مصطنع.
"هتاخد بوسة مني و بعدين تسيبني و تمشي؟ تقول إنّي عطيتك بوسة بس بعينك، يوم الدخلة هعطيك بوسات كتير."
ابتسم إليها بحنو بالغ، يعشق فيها التزامها بأخلاقها حتى لو كانت تعشقه و تضمن حبه، إلا أنها لا تخالف الحدود معه.
"أنا أسيب كل حاجة في حياتي و لا إني أسيبك إنت ثانية، ده أنا ما صدقت أبويا نطقها النهارده، أحلى حاجة حصلت ليا."
قلقت عائشة من وجودهم سوياً في غرفة واحدة، نعم تثق بهما و لكنها لا تثق في شيطانهم، فنهضت و ذهبت إليهم و دلفت.
"إيه يا سي مصطفى؟ في إيه؟ و إنتي يا مريم استحليتي القعدة عندك؟ اخرجوا بقى، ما يصحش كده، و بعدين هانت و تبقوا سوا."
تعالت ضحكات مريم و عائشة، تغمز لهم و تشعرهم أنهما حبيبان مثل الأساطير التي يحكى عنها.
تعلقت برقبة عائشة تعبث بذقنها.
"ملحقناش نعمل حاجة و ربنا يا مرات عمي، و بعدين ده أنا مريم و معايا مصطفى، إنتي لازم تكوني مطمنة، حتى لو متجوزين هنحترم المكان."
ابتسم مصطفى.
"علشان كده هنقعد في شقة لوحدنا."
على الجانب الآخر، بعد هبوطه من منزل والده، استقل سيارته و انطلق عائداً لمنزله.
كانت حلاوتهم تراقبه منذ لحظة ذهابه و شاهدت فمه بالدماء، كادت أن تصعد لهم و لكنها لمحت شوقي و تذكرته، فأوقفته تسأله عن عادل، فهي لم تجد له أحداً يعرفه سوى ياسمين شقيقته. أيضاً لم تراه لمدة ثلاث أيام، في البداية أنكر شوقي أنه يتذكرها، و لكنها عندما أخرجت صورة نوال من حقيبتها و مدتها إليه، فرد عليها مؤكداً.
"أنا أخوه في الرضاعة. عادل عايش مع أخته، هتتجوز الأسبوع الجاي، عادل إنسان ملتزم، أنا كنت جاي مع نوال بس مش علشان أفضحه، أنا كنت هقولك الحقيقة."
انشرح صدرها لما قاله عن عادل لتقرر تلقين سالم درساً لن ينساه أبداً.
في منزل مريم.
"ليه كده يا مصطفى؟ ليه؟"
تعجب مصطفى من موقف ثريا.
"من غير ليه، الله يخليكي، أنا بحبها."
تنهدت مريم بتعب و ربتت على يد والدتها.
"إحنا عارفين يا ماما، سالم ممكن يعمل إيه و عشان كده عم هريدي طلبني لمصطفى."
كانت ثريا مصرة على موقف أن الاستعجال سيجعل سالم يحترق و يحرقهم معه، و لن يصمت.
"حتى إنتي يا مرات عمي مستخسرة فيا الفرحة اللي أبويا عطاها ليا؟ قلتلك خلاص العملية قربت."
هزت ثريا رأسها تنفي ظنه، هي لن تقصد ذلك، كل ما قصدته التروي، تشعر أن هريدي ما زال خائناً.
"و الله ما قصدي يا مصطفى، بس بالعقل كده، منين سالم هيسكت إلا إذا كان خلاص خسر كل حاجة."
ضحك مصطفى بسخرية، فهي لم ترى سالم اليوم و بالفعل خسر كل شيء و دفعة واحدة، خاصة الأرض.
"بكرة تسمعي إنه موت نفسه بعد ما حلاوتهم تضيع، اللي وراه و اللي قدامه و يفضل لوحده، و كله يرجع لينا."
هزت ثريا رأسها بتمني حدوث ذلك حتى تقف أمام قبر والد مريم و تخبره أنه كل شيء عاد مثل ما كان، و لو كانت معه.
"ربنا يسهل يا مصطفى، بس هريدي أبوك عقدها أوي بصراحة، لسه بخاف منه و من دماغه السودة، و عمري ما هطمن ليه."
أخذ مصطفى يدها و انحنى ليقبلها و يطمئنها، لأنه اليوم ازدادت ثقته بوالده عن ذي قبل، حتى محمد بات مطمئناً هادئاً أملاً في غد أجمل.
"ربنا يشفيه يا مرات عمي، و بعدين كفاية إنه اتنازل عن الأرض لمريم، عقد بيع و شرا متوثق بالشهر العقاري، يعني خلاها أغنى مننا كلنا."
في منزل عادل يجلس يتذكر ولاء و عنادها و كبريائها الذي لا يقهر، يشعر أن قلبه ظل متوقفاً عن النبض إلى أن أتت هي و أشعلت الحرب بداخله.
"عادل، عادل."
ابتسم بضيق.
"عايزة حاجة؟"
هزت رأسها.
"آه، عايزة أدلع زي ولاء."
مط شفتيه بضيق يسألها.
"مين بقى اللي هيدلعك يا ختي؟ لا يكون اللي في بالي."
ابتسمت إليه ببلاهة، فهي تريد من ضياء أن يفعل معها ذلك.
"أيوه يا عادل، البنت منا محتاجة إن حبيبها يتمسح فيها، فروح قوله علشان ميقولش عليا نو كريمة."
تعالت ضحكات عادل و أخذ يضرب على رأسه بقلة حيلة من غبائها، هو لا يعلم أغباء أم عدم فهم.
"ياااسمين."
"هو لسه هيقول إنك نو كريمة يا بت؟ ده ناقص تروحي تجيبيه من قفاه و تتجوزيه يا بت اعقلي."
كان يتحدث و هو ينقض عليها و يقوم بربطها في رجل المقعد التي تجلس عليها حتى لا تتحدث أكثر و تغضبه.
"كح كح كح، حقك عليا و الله، أنا بهزر، لما لقيتك سرحان مش قصدي حاجة و لا عمري أعملها، يعني هو أنا اتجننت؟"
نظر إليها بتشكيك، فهو لا يضمن تصرفاتها الغريبة، يعرف أن ضياء شخص جاد و هي دائماً تستخف بجميع الأمور.
"علاقتك بضياء وصلت لحد فين يا ياسمين؟ بصي اعتبريني ولاء و قوليلى علشان لما أتكلم معاه تبقي عيني مليانة مش مخبل."
ارتجفت ياسمين من سؤال و ظنه بها الظن السوء، نعم هي شخصية لا مبالية و لكنها في مثل هذه الأمور تحفظ كرامتها جيداً.
"و الله إحنا و لا اللي لسه بنتعرف على بعض من جديد، أو إوعى تبعده عني، أنا بحبه أوي و الله يا عادل، و الله إنت فاهمني غلط، إحنا زي أصحاب."
ارتد بظهره.
"علاقتك بيه تبقى بحدود، و إياكي أشوفك معاه لوحدكم، فاهمة؟"
تذمرت ياسمين كالأطفال و نهضت تدب برجلها في الأرض تعترض.
"ليه بس يا عادل؟ دي ديكتاتورية أوي و الله، إشمعنى إنت و ولاء كل ليلة؟"
كانت معها الحق و هي تقارن بين تهاونه مع ولاء و منعه من نفس الشيء.
"دي مش ديكتاتورية، و أكيد ولاء قالتلك إننا مش بنعمل حاجة غلط و هنتجوز قريب."
شعرت ياسمين أنها زمت في شقيقها و ولاء في آن واحد، هي لا تريد أن تكون مثلهم و لكنها تضايقت.
"و أكيد إنت عارف إنّي عمري أبداً ما هقبل إن أي واحد يقرب مني، و لا أخلي سيرتك على كل لسان يا عادل، إن كل أما أشوف ضياء نتشاكل."
لوى ثغره.
"بتتشاكلوا بسبب طول لسانك و قلة أدبك، و أنا هربيكي من أول وجديد."
هربت من أمامه تختبئ خلف باب غرفتها ترتجف منه و من رد فعله عليها.
"علشان خاطري يا عادل، بلاش تزعلني، و الله ده أنا غلبانة أوي، و لما تعرف سبب شكلنا هتغير رأيك."
أخذ يحاول فتح الباب لكنه مغلق بإحكام عليها و هي تتراقص من الداخل. قذفت بالقنبلة و أرادت النجاة منها.
"بت انتي انتي هطيري برج من نافوخي، قلت له أنا مستعد أدفع في جوازتكم من جنيه لألف، و لولا إنه رفض اقتراحي كان فات عقد العمل راح عليه حلم حياته إنه يشتغل في بلد تانية، كان فات شوقي هو اللي مسافر بداله، يعني في الآخر كله لحسابك."
في هذه الأثناء أتاهم ضياء، ففتح له عادل الباب فدلف ليجد عادل يبدو عليه ملامح التعصب.
"في إيه مالك يا أبو نسب؟ هو أنا جيت في وقت غير مناسب؟ أومال فين ياسمين؟ قلت لها على الخبر؟"
تنهد عادل بتعب حيث أنهكت قواه و هو يخبرها من خلف بابها المغلق عن فرصة عمل ضياء.
زفر بحنق.
"أبدا يا ضياء."
"أختي غبية، عمال أفهمها، قافلة الباب عليها و مش راضية تفتح، بص يا ابن الناس لو إنت متمسك بالعقد يبقى كل شيء قسمة و نصيب."
نظر ضياء إلى ياسمين التي خرجت من الغرفة تحمل الهموم فوق رأسها و تنظر إليه ببلاهة.
"ها أيوه فعلاً، إنت جاي دلوقتي تقولي صح؟ رغم إنك متفق مع عادل من زمان، بس معلش اتلهيت."
نظر إليها ضياء باستغراب و هي تتهمه أنها آخر اهتماماته، و لكنه أراد أن شقيقها يسألها و على أساس رأيها تنفذ القرارات.
"اتلهيت، التهيت في إيه؟ أنا و لا اتلهيت و لا حاجة، أنا اتفاجئت زي زيك، و بعدين أنا جيت دلوقتي علشان آخد رأيك، يا أه يا لا."
شعر عادل أن ضياء سيتخلى عنها إن رفضت، فلعن غبائها و طريقتها المستفزة في التحدث معه.
رواية الارث "صراع الاباء والابناء" الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم مروة البطراوي
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
تمني عادل: أن توافق ياسمين على العرض لأنه فرصة.
- غبية! أنتِ واحدة غبية خلتيني أقول لك قبل ما يجي هو. لا اتلهي ولا حاجة. قلت لك ميت مرة بلاش تتسرعي في الحكم على كل اللي حواليكي.
حزنت قائلة:
- أيوه فعلاً فعلاً.
نهض ضياء بضيق:
- أنا مروح أنام. لو حابة تبقي مراتي يبقى لينا قعدة تانية.
بعد ساعات طويلة، تحديداً بعد منتصف الليل، وصل سالم إلى منزله ليجد حلاوتهم نائمة. وجد شاشة هاتفه تضيء باسم والده هريدي، وكان الاتصال عن طريق عائشة. رد عليه بحدة:
- حمد الله على سلامتك يا سالم. راجع متأخر ليه؟
تلفت سالم حوله ظناً منه أنه تم وضع لها كاميرات مراقبة:
- الله لا يسلمك يا والدي. المرة دي أنت كسبت وأولادك.
ابتسم هريدي بشماتة لأن ما تمناه حدث. تم كسر قلب سالم.
- برضه مقلتليش كنت فين لحد دلوقتي؟ إيه خايف من السنيورة؟
جز سالم على أسنانه بغيظ وأردف بقوة زائفة وهو يتحدى هريدي:
- ما أنت عارف إني أكيد بحاول أدور على ثغرة في عقد مريم عشان أطعن فيه.
قهقه هريدي كأنه رجل ثلاثيني لم يشبوه الزمن ولم تطرأ عليه هذه الحالة المرذولة:
- وبعد ما خلصت مش ترجع كده تشوف المحروسة كانت فين طول النهار؟ خلي بالك أنا أعرف عنها اللي أنت متعرفوش.
نهض سالم وتوجه إلى غرفتها يبعثر ملابسها ليختلط بأنفاسه عطر رجولي لم يستطع تحديده، حيث تعمد شوقي وهو يصافحها أن تصل يده المليئة بالعطر إلى حافة كمها. كل هذا جعل سالم يستشيط غضباً، ولكنه تماسك.
- ما أنا نسيت أقولك إني روحت لإسماعيل. ما هو صاحبي بقي. بصراحة أنا مش عارف ليه أنتم واثقين في بهيرة وفي اللي بطنها ده. هما قلمين مني له ركع وقال لي إنها كل يوم بتجيله المكتب وتقعد بالساعات معاه.
نظر هريدي إلى عائشة التي كانت ستتهالك من الضحك، ليغمز لها بعينيه قائلاً:
- بجد ضربته قلمين؟ إزاي يعني؟ مش إسماعيل اتجوز بقاله يومين وسافر شرم الشيخ؟
عقد سالم ما بين حاجبيه مندهشاً من معرفة هريدي أخباراً لا يعرفها هو. حتى لم يعلق على موضوع بهيرة.
- كده أنت ابتديت بالشر يا أبويا، بس بكرة تشوف مرات أولادك وهما مستقوين عليك ومطينين عيشتكم وهيطلقوا.
كانت عائشة تكتم أنفاسها مثل ما أمرها هريدي، حتى يشعر أنه من هاتفه ومن ورائهم جميعاً. ولكن بعد كلمات سالم، زفرت بحنق واختنقت كأن الأكسجين انسحب من جسدها. فهي تعلم ما الذي ينوي سالم فعله. ولكن هريدي استطاع قلب السحر على الساحر، فاستفزه قائلاً:
- ما دورتش في هدوم مراتك حلاوتهم؟
التفت سالم حوله يريد معرفة من أين يعلم هريدي:
- مراتي مش محتاجة حد يدور وراها. مش بتخرج من غير إذني.
ابتسم هريدي بسخرية وهو ينظر إلى عائشة التي مصمصت شفتيها:
- كويس أوي يا ابني. لو بس حسيت في مرة إنها خاينة، افتح قبرها وادفنها.
اعتصر سالم يده وهو يستمع لكلمات هريدي، فهو يعلم تمام العلم ما يقصده والده. أغلق هاتفه ولم يرد على والده، ليستلقي على الفراش في الغرفة المجاورة لحلاوتهم ويفكر فيما سيفعله بها، ليغلبه النوم بعدها بقليل.
في صباح اليوم التالي، استيقظ سالم على صوت الباب وهو يطرق عليه بطريقة مرعبة. ليقف على قدميه ويذهب لفتحه، ويتفاجأ بشقيقه مصطفى.
- يا حفيظ على الصبح.
ابتسم مصطفى بخبث قائلاً:
- شفت عفريت يا سالم ولا إيه؟
نظر إليه سالم باستهزاء وذهب ليجلس:
- إيه اللي جابك يا مصطفى على الصبح كده؟
دلف مصطفى وتقدم منه ليضع يده على جانبي المقعد بحدة:
- قوم يا ابن أبويا بسرعة شوف العقود اللي مضيتها لحلاوتهم موجودة ولا لأ.
عقد سالم ما بين حاجبيه بتساؤل، ما دخل مصطفى بتلك العقود ولماذا يشككه في عدم وجودها:
- امشي من هنا يا مصطفى بدل ما أصور قتيل. عقود إيه اللي مش هتبقى موجودة؟ هي حصلت؟
تعالت ضحكات مصطفى وهو ينظر إلى أعلى لعله يراها تدلف الملعب الذي ستكون به مصارعة الثيران:
- أنت زعلت يا بيضة؟ دول دقيقتين هتتأكد بس إن كانت موجودة ولا لأ. واعمل حسابك لو مش موجودين ليا الحلاوة.
قطب سالم جبينه خاصة من ثقة مصطفى بنفسه وهو يتحدث. يخشى أن يكون حديثه صحيحاً مثل حديث والده أمس، فاختنق:
- إيد ده أنت جاي تخرب بيتي ولا إيه؟ بقولك العقود في بيتي وتحت إيدي وأنا واثق في مراتي ومتحاولش يا مصطفى تغيظني.
ابتعد عنه مصطفى بمسافة بسيطة يتمعن قلقه وتوتره وقلة حيلته، لتتعالى ابتسامته الساخرة وهو يزيد الضغط عليه ويستفزه أكثر:
- طب أنا بغيظك، قوم أنت بقى هات العقود واحرق لي دمي بسرعة. وحياة أغلى حاجة عندك، ولو إني عارف إن مفيش. بس أنا عندي اللي يخليني لازم ألحق شغلي قبل الضهر.
ألقى مصطفى كلماته وهم بالجلوس بالذهاب إلى غرفة السفرة أمام أنظار سالم المذهولة، ومصطفى يجلس بأريحية على طاولة الطعام يتناول الفاكهة في انتظار سالم والعقود وحلاوتهم.
على الجانب الآخر، استدعى هريدي مريم حتى يرى حفيده:
- اعملي حسابك إن في خطوبة الأسبوع الجاي. لازم أعوضك.
نظرت إليه مريم بدهشة، فهو من رفض حفل خطبتها على سالم:
- خطوبتي أنا يا عمي؟ شكراً بجد. بس والله ما له لزوم، كان يبقى كتب كتاب وخلاص.
قبل رأس حفيده وهو على قدميه وهو ينظر لها بخبث، يعلم كم الفرحة التي دخلت قلبها:
- حد يبقى حماه عايز حفلة خطوبة ويقول ملوش لزوم؟ اسمعي يا مريم، عايز أي حاجة نفسك فيها تطلبيها.
ربتت مريم على يده المرتعشة وقبلتها بحنو بالغ، والتي قد تبللت بدموع فرحتها وهي تنظر له بعيون تلمع:
- بس يا عمي أنا... أنا مش بنت. أنا اتجوزت قبل كده وخلفت، يبقى خلاص نكتب الكتاب ونوضب شقتنا وأنا هفرح.
زم هريدي شفتيه بحزن على وضع ابنة شقيقته، والذي كان السبب الرئيسي فيه. لا يعلم كيف يرضيها لكي تنسى ما مرت به:
- وأنا قلت هنعمل خطوبة يعني هنعمل خطوبة. وانسى إنك كنتي متجوزة قبل كده. أنتِ عروسة جديدة كأنك لسه أول مرة بتتخطبي.
جاءهم محمد من الخلف وضربها على مؤخرة رأسها بخفة وهو يحمل محمد يهدده ويقبله بلطف، يغمز إلى مريم لكي تقبل بالأمر كله:
- لا تكوني بتتأمري على أخويا يا ست مريم. اكمنه كبير في السن وبتقولي أهي جوازة والسلام. لا خدي بالك ده شيخ الشباب. الا صحيح، هو فين؟
هزت مريم رأسها:
- مقصدش والله يا محمد، بس...
توقفت تتلفت حولها تبحث عن مصطفى:
- ما بسش. سيبك. هو ليه مش موجود؟ راح فين؟
خرجت عائشة تنظر إليهم بخوف، فلم تجد مصطفى:
- مين اللي مش موجود؟ تقصد بهيرة؟ دي كانت في المطبخ.
كل هذا وهريدي صامت، والكل يتساءل أين مصطفى الآن:
- مصطفى ابنك يا عيشة راح لسالم عشان يكمل اللي بدأناه امبارح.
جحظ محمد بعينيه، فهو يعلم الخطة من بدايتها إلى نهايتها ووافق عليها:
- بجد؟ أيوه كده. فعلاً إحنا أولاد هريدي الحمش. والله وكل حاجة هترجع.
نظرت مريم إليهم بحزن، فهي تود أن كل شيء يمر بسلام، وفكرة ذهابه لسالم غير مطمئنة:
- الله يخليك يا محمد، روح لهم. لاحسن سالم يعمل حاجة في مصطفى. أنا خايفة وخلاص. مش عايزة حاجة.
طمأنتها عائشة رغم القلق الذي كان يعتصر قلبها، ولذلك لم يخبرها هريدي عن موعد ذهاب مصطفى إلى سالم:
- أهدي يا بنتي. متقلقيش. أنا عارفة سالم كويس. لما بيخسر مش بيبقى شايف قدامه. وبعدين ده رايح يكشف له حقيقتها.
ابتسم محمد بشر وهو شارد يتذكر كل ما افتعله سالم به من البداية حتى النهاية، يحاول أن يتخلص منه قبل أن يزيد من طغيانه:
- الظاهر إن الفرحة الكبيرة قربت أخيراً يا سالم. هتندم على كل حاجة عملتها فينا وهتدفع التمن غالي أوي. ياااه ياااه نفسي أشوفك ذليل.
حاول هريدي تحريك يده، ولكن دون جدوى، ليبتسم أنها لا تتحرك حتى لا يتعاطف مع سالم إذا تم شفاؤه، كأن الله قدر ذلك ليتذكر دائماً ما فعله:
- وديني لأندمه على اليوم اللي طردنا فيه بره البيت.
عودة إلى سالم ومصطفى. دلف سالم ليبحث عن العقود ولم يجدها، ولم يجد حلاوتهم ولا ملابسها، فعلم أن شقيقه على حق. وأخذ يفكر كيف يخرج من هذا الموقف. لقد تركته حائراً، يراقب شقيقه بالأسفل وملامحه لا تظهر مشاعره، باهتة تماماً وباردة. قرر أن يلتزم لوناً جديداً معه، اللون الرمادي، هو ألا يبين له الموقف ولا يبين مدى حماقته، كي لا يفرح فيه، وألا يطمئنه، فقط كي يعرف من أين أتته الأخبار.
هبط إليه وتحدث معه على مضض، يطمئنه بنبرة هادئة على العقود:
- العقود موجودة، وحلاوتهم.
تعالت ضحكات مصطفى وتابع من بعد ذلك يصف له حال امرأة الجميع يبغضها ولم تجد أحد يتعاطف معها إلا سالم، رغم ما يقال له عنها:
- حلاوتهم اللي مش كويسة، طلعت كويسة معاك. ربنا يصبرها على الكلام اللي بيتقال عليها. حقك عليا يا سلومتي. فتك بعافية يا أخويا، ورايا شغل.
تركه يستشيط غضباً وخرج يبحث عنها في كل مكان.
عاد مصطفى إلى منزله وهو يحمل الأوراق التي تثبت أن كل شيء أصبح ملك عادل بجرة قلم واحدة:
- إيه يا جماعة بتبصوا لي كده ليه؟
نظرت إليه عائشة بفرحة لرجوعه:
- خطيبتك يا سيدي خايفة عليك أوي.
ابتسم مصطفى إلى مريم وتقدم منها:
- مبروك عليكي يا قلبي. بكرة هتاخدي نصيبك.
نظرت إليه مريم بحزن تخشى من القادم من سالم:
- الله يبارك فيك يا مصطفى. أنت كويس؟ عمل حاجة؟
شعر بقلقها الغير مناسب وأخذ يربت على كتفيها بعناية:
- مالك خايفة من إيه كده؟ مش فرحانة إن كل حاجة رجعت؟
هزت رأسها تنفي قولها، ولكنها كانت ترتعش بخوف من ردة الفعل:
- لا، أهم حاجة إني شوفتك تاني. مصطفى، أنا عايزة أمشي من البلد دي أرجوك.
نظر مصطفى إلى هريدي بعتاب لأنه وعده ألا يقول لمريم أنه ذاهب إلى سالم:
- مين اللي قال لمريم يا بابا إني روحت لسالم؟ مش إحنا اتفقنا؟ وبعدين محصلش حاجة.
رد عليه هريدي بضيق لأن محمد المتسبب من كثرة سؤاله على مصطفى وقلق عائشة:
- ما هي دورت عليك ملقتكش، وبعدين كان نفسي تيجي عشان أفرحها برجوع حقها كمان.
نظر إليها مصطفى بفرحة يتمنى أن تشعر بنفس إحساسه، فقد انتصر أخيراً وبدون أي خسائر:
- بس بجد، اختياري لزيارته النهارده كان في الجون. كان عامل قدامي زي الفار الدايخ. ربنا يعينه.
استمعت مريم لكلماتهم وانسحبت بهدوء لمنزلها، تمسح دموعها التي كتمتها وهي هناك. فاستغربت والدتها:
- بتعيطي ليه يا مريم؟ وفين محمد؟ لا يكون هريدي غدر بينا فعلاً وخد الواد منك؟ أقسم بالله ده أنا أقتله هو وابنه.
كادت أن تنهض ثريا وتذهب إليهم لولا أن مريم أوقفتها وجذبتها لتجلس من جديد تتحدث وهي ترتعش خوفاً من سيره:
- لا يا ماما، عم هريدي صدق في كل وعوده وكل حاجة رجعت زي ما كانت. بس أنا مش عايزة، يغور سالم واللي كان معاه.
انصدمت ثريا من ردة فعل ابنتها بعد ما رجعت كل الحقوق من جديد. لولا موقفها لقامت ثريا ورقصت للصباح، فها هم انتصروا:
- يا مصيبتي! ليه كده يا بنتي؟ ده يوم المني، يوم سعدنا وجالنا لحد عندنا. ده اليوم اللي أنا وأنتي اتمنيناه. ولو أبوكي عايش كان فاته سجد لربنا.
توترت مريم:
- أنا فرحانة بس حاسة إن الوقت مش مناسب.
زفرت ثريا براحة حيث ظنت أن أحد مسه السوء:
- يا بنتي، أبوكي عطاه كل حاجة وكان طمعان، بس للأسف سالم أخد كل حاجة.
تنهدت مريم بتعب ونفخت بضيق، حيث أنه لا أحد يفهمها والضرر سيكون لهم:
- يا بختها حلاوتهم، باعت نفسها لعادل وهربت. حتى لو اكتشفت خيانة عادل، أهي بعدت عن سالم.
ابتسمت ثريا بسخرية من مريم ومن تفكيرها، فهي لا تأبه لأحد، لا سالم ولا حلاوتهم. هي امرأة قوية:
- نهايتها وحشة وهتشوفي، وهو كمان. بس الصبر، هو دلوقتي هيدور عليها وحليني لما يلاقيها هيتلهي فيها.
بعد مرور خمسة أيام، وسالم يبحث عن حلاوتهم ولم يجدها. فشعر أن شقيقه يعلم بأمرها، فهاتف مريم لكي تقابله:
- أيوه يا سالم، عايز إيه مني؟ مش انتهينا؟ المفروض دلوقتي إني مخطوبة لواحد تاني، ولو عرف إنك بتتصل هيقتلك.
أخذ يستمع إلى كلماتها، يود أن يأتي بها ويفتك بها على طريقتها فقط في التحدث، ما بالكم لو عرف ما افتعلته به وبحلاوتهم:
- مش ناوية ترجعي لعقلك يا مريم ولا إيه؟ ده أنا بقول عليكي عاقلة وهتخافي على نفسك وابنك وحبيبك. أنا مش بنسى حقي.
ارتعدت فرائصها من تهديداته، نعم هدأ وانشغل بهروب حلاوتهم، ولكن سرعان ما تذكرها. أيعقل أنه وجدها وأخبرته بخيانة عادل:
- لا، مش ناوية ومش بخاف منك يا سالم ولا من غيرك. شيلني من دماغك بقى. إيه حيليت في دماغك دلوقتي؟ ابعد عني عشان مراتك ترجع.
غضب قائلاً:
- والله وبقيتي تتكلمي.
عضت على شفتيها بغيظ، فهو دائماً يستهزئ بها وبقوتها.
رواية الارث "صراع الاباء والابناء" الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم مروة البطراوي
كلام بس ده هعمل فيك يا سالم اللي ما يتعمل.
نظر أمامه بحده و تعالي صوته بغضب.
اسمعي يا مريم انتي لو مجتيش تقابليني مش هرحمهم.
انتفضت مريم من تهديده و ما إن جائت ترد عليه حتي فصل الخط.
جلست في محل الورد فترة طويلة تستوعب تهديده و لا تعرف ماذا ستفعل.
أغلقت المحل و أخذت طفلها تمشي شارده لتتفاجئ بمصطفي.
الجميل رايح فين و سرحان في ايه و مروح بدرى ليه؟
ايه محمد تعبان؟
عقدت مريم ما بين حاجبيها من عودته هو الآخر مبكرا و ارتبكت قائلة.
راجعه المحل.
محمد كويس و بيتحسن و بكره هيبقي أحسن إن شاء الله.
قطب مصطفي جبينه فطريقها ليس إلى المحل و لا إلى البيت فسألها بتوجس.
مالك يا مريم قلقانه من ايه؟
لا ده طريق المحل و لا طريق البيت راحه على فين؟
نظرت خلفها فوجدت بالفعل أنها خانتها حواسها و هي تبرر له إلى أين هي ذاهبة.
مفيش بس عيني بتوجعني و كنت هروح الصيدلية أجيب قطرة و مش عايزة أقلق.
نظر إليها بحنو بالغ و وضع يده على ذقنها يرفعها و هو ينظر إلى عينيها الحائرتين.
يا بختي بيكي يا مريم للدرجة دي مش عايزاني أقلق عليكي؟
بس متعمليش كده تاني.
عقدت مريم ما بين حاجبيها بتساؤل ما هو الشيء الذي يحذرها أن تفعله مرة ثانية قد يكون شك فيها.
إزاي بقى؟
ايه مش مصدقني إن عينيا بتوجعني و الله بتوجعني مش بكذب عليك و عندي صداع كمان.
جحظ مصطفي بعينيه في اصطناع و وضع يده على رأسها يتحسسها و يدلكها ليس برفق و إنما كان يضغطها.
يا خبر أبيض مين الواطي اللي جابلك الصداع ده يا روما قوليلي و أنا أقطعه بأسناني و أخليه حكاية و عبرة للي يسوى و اللي ميسواش.
ابتسمت مريم.
أيوه كده خلي الابتسامة على وشك ديما.
هزت رأسها بإذعان لطلبه الذي هي تريده.
طب أنا هرجع بقى محل الورد علشان صاحبه.
كان لا يريدها تتركه حتى لا تفتعل أي شيء بنفسها.
ماشي بس خلصي بسرعة علشان نروح نشتري الشبكة.
جحظت بعينيها لتفهم لما هو أتى باكرا يالها من صدفة أنجدتها.
طيب ماشي سلام هرن عليك أول ما أخلص متتعبش نفسك و تيجي.
فرت هاربة من حديثه وسلكت طريقها عائدة إلى محل الورد و فتحته من جديد و جلست وحدها تنظر إلى هاتفها في انتظار مكالمة أخرى من الوغد بينما مصطفي ظل ينظر في أثرها باندهاش.
ما أتعبش نفسي و أجي؟
مالك يا مريم لا يكون اللي في بالي صح.
في محل الورد جائها محمد ابن عمها حتى أنها استغربت حضوره.
مريم كنت عاوز أتكلم معاكي في موضوع مهم سالم أكيد هيتصل بيكي.
تعجبت مريم من تأكده و ظنت أنه قد يكون فخ يريد سالم إيقاعها فيه و يفضحها.
اتصل بيا فعلا يا محمد و هددني لو مروحتش أقابله هيعمل فيكم حاجة و كنت راحة.
أوقفها محمد و حذرها مما كانت مقدمة عليه و تحدث من بين فكي أسنانه بغيظ قائلا.
اوعي يا مريم تعمليها انتي عارفة الزبالة ده عمل إيه.
اتهم مراتي في شرفها و اللي في بطنها.
لم تستوعب واقع الجملة التي قالها محمد كيف أن يكون لبهيرة هذا الاتهام و سالم لم يهتم بأمرها أبدا.
إزاي يعني لا طبعًا.
يا محمد سالم مشكلته معايا أنا و أنا عارفة هو عايز إيه و أنتم عندي أهم من أي حاجة.
طلب منها محمد الهدوء و الجلوس لكي يفهمها أكثر و يحثها على إخبارهم بكل كبيرة و صغيرة تخص سالم.
بصي يا مريم من غير ما نخوض في تفاصيل أنا لما سمعتها أول مرة شيطت بس كان لازم أسمعها أي حاجة لازم نعرفها.
صدمت مريم من حديثه و أخذت تتساءل عن الشيء الذي أثار غضبه عن بهيرة.
ياله من حقير أيخوض في أعراض الجميع بلا رحمة.
شيطت؟
ليه يا محمد هو قال إيه على بهيرة ولا على اللي في بطنها؟
بهيرة قدام عين الكل و مش بتخبي علينا رايحة فين و جاية منين متأكدة.
أوقفها قائلا.
أيوه هو ده.
عقدت ما بين حاجبيها.
بص يا محمد انت تقصد موضوع إسماعيل صح؟
بس أنا و ماما و طنط عيشة كنا عارفين.
نظر محمد إلى مريم بصدمة شديدة فالكل يعرف عاداه يعتقد اعتقادًا واحدًا النساء لا يصلحن للمعاناة.
نعممم!
كلكم عارفين امتى و فين و إزاي ده حصل و ليه أنا معرفش يعني لولا إن إسماعيل كلم مصطفى.
انتفضت مريم من غضب محمد و تذكرت أنها نصحت بهيرة أن تخبره و لكن من ينصح كانت تنصح نفسها.
أفتكر إن دي حياتكم الشخصية و هي حرة و أنا مش من حقي أفرض عليها تقولك و كمان أكيد كانت خايفة.
نظر إليها محمد بحزن يشعر أنه لا يعني شيئًا لبهيرة دوما تشعره أنه ضعيف لذلك تتصرف من رأسها و تقلب الأمور.
لا و لا خايفة و لا حاجة.
كويس إني ما تفاجئتش يومها.
المهم اسمعي انتي الكلام و ما تعمليش زيها هي حظها حلو إنما انتي.
ابتسمت مريم ابتسامة باهتة فهي سعيدة الحظ مثلها و أكثر حيث أوقفها حبيبها اليوم عن ارتكاب جريمة بشعة في حق نفسها كانت ستوصم بها.
مصطفى منعني.
اتسعت عيني محمد بشدة من الصدمة.
مصطفى!
مصطفى أخويا طب ماقلتيش ليه؟
تنهدت مريم بتعب و زفرت أنفاسها بحنق شديد.
ما قولتش لأنه ما يعرفش إنه منعني أنا كنت خلاص.
هز محمد رأسه بالنفي فهو يعرف شقيقه جيدًا و يحفظ تصرفاته.
أبدا مصطفى أخويا و أنا عارفه أكيد كان حاسس أو يمكن مراقبك.
ألقى محمد كلماته و نظر إلى ساعته فهم بالخروج سريعًا لتستوقفه مريم.
انت رايح فين؟
رايح تقوله إن شكوكه صح؟
لا يا محمد أرجوك بلاش مصطفى.
التفت إليها و نظر إليها بكل تحدي يمتلكه ضدها و ضد بهيرة و ضد أي أنثى تخفي أي شيء.
أيوه يا مريم لأني تعبت منكم و مقلق من اللي ممكن تعملوه من ورانا فلازم أرتاح من ناحيتكم.
في المكتبة عند ولاء و ياسمين سردت لها ما دار بينها و بين عادل و ضياء في منزلهم لتضرب كفًا على كف.
أنا في حياتي ما شفت غباء بالشكل ده.
ايه يعني لما أخوكي قالك قبلها الدنيا خربت ما هو هو نفس الموضوع عجايب.
تذمرت ياسمين فالجميع ينعتها بالغباء و هي تبحث عن أفضل حقوقها حتى لا تكون مهمشة طيلة عمرها لابد أن يكون لها السبق.
في إيه أمال عايزاني أعمل إيه ما انتي ما جربتيش الإحساس ده و لا عمرك هتجربيه يا بنتي ده بيكبر عليا و حاطط مناخيره في السما.
أوقفتها ولاء.
بقولك إيه اسكتي.
رفضت ياسمين الصمت.
طب أعمل إيه ما انتي مش حاسة بيا؟
شعرت ولاء بالفعل أنها ضغطت على ياسمين.
طب تعالي نتكلم في الموضوع كده من الأول وجديد.
هزت ياسمين رأسها بالرفض فضياء متعجل من ردها.
ما ينفعش ضياء لو اتأخرت في الرد عليه هيسافر بره و يسيبني.
لوت ولاء فمها غيظًا فدائما ياسمين تخطأ و تريد الإصلاح على الفور.
و ديني لأقتلك يا ياسمين طب ما تعرفيش حد من أخواته تتكلمي معاه مثلا.
اندفعت ياسمين كأنها تود اقتلاع شقيقاته من جذورهم تظن أنه لم يحبوها و رافضين لها.
إخواته أه و ماله و بالذات الزفتة اللي اسمها هرمونيكا دي هتشلني زي ما يكون هتصرف عليا.
نالت ضحكات ولاء بصخب على تنمر ياسمين على شقيقات ضياء تشعر أن ضياء مظلوم بهم.
تصدقي بالله انتي فعلا محتاجة عادل يربيكي من أول و جديد يا بت كفاية تنمر أوام اتريقتي على أخته.
شهقت ياسمين بفزع عندما هددتها ولاء بأن تخبر عادل فهي تريد الفرار منه بأي وسيلة بسبب تنمره عليها.
هااا.
لا بلاش عادل أبوس إيدك قفايا و وووو بيوجعوني أنا هتجوز ضياء و ههرب منه و من إخوات ضياء.
اتسعت حدقة عيني ولاء من قرار ياسمين الفجائي فمنذ قليل كانت تبحث عن حل لتتأكد أن ياسمين تريد الأمان.
ده انتي لسه بتسألي هتعمل إيه مع ضياء أوام كده أخدتي القرار بجد انتي غريبة يا ياسمين عارفة إيه مشكلتك؟
إنك مش عارفة.
ارتبكت ياسمين من ولاء عندما واجهتها بالحقيقة فياسمين من النوع المتسرع يأخذ قرارات بطريقة عفوية و يندم و من ثم يستشير الآخرين.
أصل أصل أه ما هو برضه ما عطانيش الفرصة أرد عليه.
هزت ولاء رأسها بتفهم فهي وضعت تحت هذا الضغط منذ فترة.
اممم طب إذا كان كده كنت عاوزة أعرف هتردي عليه إزاي يا ياسو؟
شهقت ياسمين جاحظة فهي لم تتخيل أن ترد بنفسها على طلبه كانت ستدخلهم.
يالهوي على الموقف انتي تعرفي عني إن بسلك في المواقف دي؟
ده أنا خيبة.
ابتسمت ولاء بسخرية فهي فهمت أن الغرض من هذا الحديث هو التوسيط بينها و بينه.
ما أنا كمان بفكر هتعمليها إزاي و لوحدك.
لو عايزة تكملي لازم محدش يدخل بينكم يا ياسو.
زفرت ياسمين بحنق فهي تشعر أنها لضياء بمثابة زواجه فقط و ليس حبًا لو حبًا كان تلهف لردها.
يا ستي مش هتفرق النتيجة واحدة هنبقى عايشين زينا زي أي اتنين متجوزين ده ما سألش من ساعتها.
ردت عليها ولاء ببرود فمنذ أن أعاد عادل كل شيء لأصله ظلت حلاوتهم تطارده في كل الأماكن و هي تضجر.
عادي بس متاح ليكي دلوقتي مش في إيد ست تانية ممكن في أي لحظة تورطه في جوازة و انتي تضيعي في النص.
جحظت ياسمين بعينيها تتذكر حلاوتهم و مطاردتها لعادل تبتلع ريقها لأن تكون ولاء علمت بمجيئها في الصباح الباكر.
طب إيه هتخسري المعركة و لا إيه؟
أوعي يا ولاء تستلمي و تسبيه اظهرى قدامها و إياك تولع مش فاهمة بيسكتها ليه ما يخلص.
هزت ولاء رأسها بالرفض ترفض الظهور إلا إذا طلب منها عادل ذلك و إن لم يطلب هي لن تبالي و إن انخرط معها سوف تثأر لكرامتها.
لا طبعًا ده أنا برتب لفرحنا هاجي أبوظ كل حاجة؟
اللمعت فكرة خبيثة برأس ياسمين تكاد تنجح أو تفشل.
طب ما تسمعي لفكرتي المرة دي و أقسم بالله هتعجبك.
قهقهت ولاء من الضحك لأنها تعلم أفكار ياسمين المهلكة.
اممم قول يا وحيد تصدقي بالله أخوكي هيطلقني قبل ما يتجوزني.
وضعت ياسمين ذراعها في ذراع ولاء تتجه بها نحو باب المكتبة تهتف.
تعالي نروح لعادل مكتب العقارات بحجة إني بعتذر له متأكدة هتبقي هناك.
تعالت ضحكات ولاء لأن ياسمين تستخدمها لفض النزاع بينها و بين عادل.
يا خرابي يا عرابي بت انتي هتشتغليني هتاخديني سلمة أطلع بيها يا حيلتها.
زمت ياسمين شفتيها و دبت بقدميها في الأرض هي لم تقصد ما فهمته ولاء اطلاقًا.
ما تتلموا بقى و تفهموني مرة صح بقي سيبتي الكلام المهم و لزقتي إني أخداكي سلمة.
ضيقت ولاء عينيها تتذكر حديث ياسمين لتتوقف عن كلمة مؤكدة أن حلاوتهم عنده فانتفضت.
هي حلاوتهم معاه هناك و لا إيه؟
و إزاي ده حصل و ليه بقي إيه ما ناقص تبات معاه كمان أوووف.
اتسعت حدقة عيني ياسمين لأنها رويدًا رويدًا ستقول أنها جائتهم صباحًا و من المؤكد أن هذا سيتكرر.
لا طبعًا أنا أقطعلك رجلها من قلب البيت و بعدين مش دي أخلاق عادل و إحنا عارفين بس يتسجل العقد.
هزت ولاء رأسها بتفهم لياسمين و شعرت أنها على حق إن كانت حلاوتهم تطارده قيراط عليها بالأربعة و عشرين.
أيوه بقي أخير لقيت ليا أخت تدافع عني و تقف في ضهري بس عادل مش ممكن يضايق لو شافني روحت ليه من غير ما أقول.
عضت ياسمين على شفتيها السفلية بخبث و هي تسرد لها الخطة من البداية إلى النهاية لدرجة انبهرت لها ولاء و لم تصدق أنها ياسمين.
هقولك من الأول للأخر لو سمعتي كلامي ده أنا بحبك و عايزالك الخير يا ولاء و زي ما قولتي أنا أختك و خايفة عليكي دخلتك عليه هتجننه.
و بالفعل بعد محاولات كثيرة من ياسمين و إصرار أذعنت ولاء لرأيها و توجهوا إلى عادل.
عاد إلى منزله و هو يظهر على وجهه علامات الضيق لتستقبله بهيرة.
يلا يا حبيبي انت اتأخرت كده ليه أنا قلقت عليك اوعي تكون بتلعب بديلك البيبي هيزعل.
ابتسم محمد بسخرية كيف له أن يفعل ما تقوله و هي دائما تطارده و تخنقه بتصرفاتها غير المحسوبة.
خلاص مبقاش ليا نفس أبص حتى لنفسي من عمايلك انتي و سلفتك أفهم ليه بتخبوا علينا المصايب و بتقدروا؟
قطبت بهيرة جبينها فهو لم يعاتبها على موضوع إسماعيل منذ أن علم به و ما الذي أقحم مريم في هذا الأمر؟
أخبرته؟
ده انت معبي بقى يعني كنت عايزيني أقولك و أندم بعدها جرى إيه يا محمد ما انت عارف إنك عصبي و كان فاتك قتلته.
رد عليها محمد بحده و لم يبالي وضعها و لا تعبها فقط كان يريد ليثأر لنفسه و لشقيقه مصطفى دفعة واحدة بالرغم من تشديدات هريدي.
ملكيش فيه.
أغلقت عينيها.
وطي صوتك.
رد عليها بألم.
طلع عليكي إنك ماشية مع إسماعيل.
هزت بهيرة رأسها بعدم فهم ما يقوله محمد.
هو مين و يعني إيه ماشية مع إسماعيل اتفقت معاه يعني؟
صرخ محمد بأعلى صوته و هو يهزها من أكتافها يكاد يخلعها.
سالم.
سالم طعن فيكي و في شرفك يا بهيرة و اتكلم عن اللي في بطنك.
تركها و لكنها ما زالت تهتز كأنه ما زال يهزها و قد أصابت بالبلاهة نوعاً ما.
طب كويس و الله.
رواية الارث "صراع الاباء والابناء" الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم مروة البطراوي
طعن في شرفي! مع مين؟ وبعدين انت مضايق ليه؟ انت مصدق؟
ابتلع محمد ريقه، لا يعلم أيبكي على حاله أم على حالتها المذهولة، ونطق بصعوبة:
"إسماعيل... سالم لما لقي إننا عارفين بموضوعه معاه، قال إنك وارثه معاه وشكك في أخلاقك."
لم تبدِ بهيرة أي رد فعل، وكان الصمت هو سيد الموقف. لتنسحب بهدوء وتعود إلى غرفتها، لتستوقفها عائشة وقد ذُعرت لمنظرها وهي شاردة.
"مالك يا بهيرة؟"
ردت عليها بكل عنف:
"مليش. اسألي أولادك."
ألقت كلماتها ودلفت بسرعة إلى غرفتها، لتجلس أسفل الفراش تنهمر دموعها. لتجد مياه ساخنة تتدفق من بين فخذيها، لتحل عليها نوبة من البكاء الهستيري.
***
أمام مكتب العقارات الخاص بعادل، كانت تقف ولاء بتوتر. لتدلف ياسمين أولاً.
"ياسمين! إيه اللي جابك؟ انتي كويسة؟ عملتي إيه يا مصيبة؟ قولي بسرعة، أنا العفاريت راكباني."
دلفت ياسمين وخلفها ولاء إلى مكتب عادل، ليقفا أمامه. تنظر إليه ولاء بخوف وهو يقطب جبينه على مجيئها.
"إزيكم يا عادل يا أخويا، بص أنا جيت أعتذرلك عن اللي عملته يوم ما جه ضياء، حقك عليا، وجبتلك ولاء."
هو ما زاد تساؤله، هو وجود ولاء. يشعر أن مجيئها ليس بالسهولة التي تريدها ياسمين أن يتوقعها. نظر إليها:
"بخير يا ياسمين، طول ما انتي بخير ودماغك دي مش بتفكر خصوصًا في المصايب. ممكن أعرف إيه سر الزيارة؟"
تنحنحت ياسمين وسعلت متوترة مما هو قادم، تتلفت بعينيها تبحث عن حلاوتهم فلم تجدها. تخشى أن تخرج من أي غرفة.
"احم... ولاء كانت جاية مصممة إني أعتذر ليك. أنا بعترف إن تصرفاتي غبية، بليز المرة دي سامحني وكلم انت ضياء ورجعه."
نظر إليها ببرود وشك من ولاء الصامتة، تنظر حولها فقط تبحث عن أي ثغرة لكي تلومه وتعاتبه عليها، رغم تحذيراته لها آخر مرة.
"مش ملاحظة يا ياسمين إنك من ساعة ما جيتي بتتكلمي كتير؟ ادي فرصة لولاء حتى أسمع صوتها. أنا شاكك إن زورها بيوجعها ولا إيه؟"
اندفعت ولاء:
"حلاوتهم فين؟"
جز على أسنانه:
"ولاء اتلمي! إحنا قلنا إيه؟"
وضعت ياسمين يدها على رأسها:
"يا ختااي! لا إله إلا الله. اهدوا، انتوا هتتخانقوا؟"
حاولت ولاء تظبيط أنفاسها وهي تستغفر ربها:
"استغفر الله العظيم. يخربيت الشيطان أعوذ بالله."
غمزت لها ياسمين لكي تلطف الجو بينها وبين عادل:
"يلا يا ولاء صالحيه بقي، لأحسن شكله أخد على خاطره."
نظرت ولاء إلى عادل، الذي كانت نظراته لا تبشر بالخير:
"انتي السبب في مجيتي هنا النهارده. أنا بموت دلوقتي من نظراته."
طرق عادل كفاً على كف يتعجب من ولاء، فهي ليست صغيرة لتصغي لياسمين:
"أنا اتكلمت يا ولاء؟ ولا كل ده علشان أسمع صوتك؟ تقوليلي زفتة الطين فين وأنا مالي؟"
اقتربت منه ولاء تحاول إصلاح موقفها معه، خاصة بعد اندفاعها المفاجئ فيه، تتمنى عدم تكرار الموقف:
"هو انت كنت عايز تسمع صوتي بس؟ ولا كنت مش مقتنع إني جايه هنا علشان ياسمين؟ بصراحة معاك حق."
نظر إليها نظرات عنيفة يحاول تأديبها، لأنها تعلم أنه معه الحق، ومع ذلك جائت تتحرى عنه، تود كشفه متلبساً:
"انتي شايفاني عيل يا ولاء؟ ومش بتاعة؟ كلمته صح؟ قلتلك إن مفيش فايدة، قلتيلي لا يا عادل، آخر مرة، ومفيش فايدة يا ولاء."
فركت ياسمين يديها من التوتر وشعرت بدوران في رأسها، حيث أرادت مصلحة ولاء، ولكن خاب أملها بسبب المشكلة الجديدة بينهما، والتي تشعر أنها المتسببة فيها.
"أيوه مفيش فايدة طالما انت زعلان."
نظر عادل لولاء بعيون تشتعل غيظاً:
"ده آخر إنذار ليكي يا ولاء، بعدها انتي حرة."
نظرت إليه ولاء بحدة، فهي ترفض تهديده تماماً:
"انت فاكر نفسك مين؟ ولا مفكر إن معنديش مشاعر؟"
جحظ عادل من طريقة ردها، توقع استكانتها وترجيها له:
"أنا عادل النسوانجي اللي انت عايزة تربيه من أول وجديد."
كاد أن يكمل لولا أن ولاء أوقفته بحدة، لا تريد سماع الكثير منه:
"إياك تكمل. انت ماشي معايا بنظام خدوهم بالصوت لا يغلبوكم."
ثم استطردت حديثها بدموع تلمع في عينيها، تحاول منعها من الهبوط بصعوبة:
"بس أنا اللي عطيتك الفرصة تعلي صوتك عليا، لأنك عارف مهما تعمل هفضل أحبك."
انهمرت الدموع من عينيها رغماً عنها، ففرت هاربة من المكتب، لا تعلم إلى أي مكان ستسيقها قدمها. أما عن ياسمين، فابتلعت ريقها تنظر لعادل:
"ولاء قصدها إنها بتغير عليك."
يشعر عادل أنه شك وليست غيرة:
"انت تعرفي قصدها منين؟ دخلتي جواها؟"
نظرت إليه ياسمين ببلاهة، لأن أي شخص يحتسبها غيرة:
"لا بس ده طبيعي. أومال لو كانت عرفت إن حلاوتهم جاتلك."
أوقفها عادل، لا يريد سماع ثرثرة ليس لها فائدة، فقد حسم الأمر بينهم:
"ما بسش، وإياكي تدخلي ما بينا تاني، لأحسن والله لأرفض جوازك من ضياء."
نظرت إليه ياسمين بانهزام وقلة حيلة، فهو هددها بالشيء الذي تريده، تخشى أن ينفذه:
"حاضر، اللي يريحك يا عادل. أنا يهمني راحتك في الأول والآخر، وحقك عليا إني اتدخلت."
خرجت ياسمين هي الأخرى من عند عادل، لتتركه يقف ببرود يستعيد ما حدث بينه وبين ولاء:
"منين الغيرة يا ولاء؟ وانتِ عيونك مليانة شك من ناحيتي، وأنا مش هقدر أعيش مشكوك فيا طول عمري."
***
استيقظت بهيرة من غيبوبتها، لتجد نفسها في مكان غريب يبدو عليه كمشفى. شعرت أنها تائهة في عالم آخر.
"بهيرة! بهورتي! إيه الجمال ده كله يا بيضا؟ يا حلاوتك وحلاوة اللي جبتيه، نسخة من الدكتور محمد. عقبالي يارب."
كانت ولاء تتحدث بهذه الكلمات، حيث عند خروجها من عند عادل، أتاها اتصال من محمد يخبرها بولادة بهيرة لطفلها.
"بنت يا بهيرة! انتي كنتي مخبية علينا؟ لا نحسدك. إيه الجمال ده؟ قمراية! عيلة الحمش نورت، عروسة محمد ابني وصلت يا ناس."
هنا تأكدت أنها ولدت بالفعل وليس الذي مرت به إجهاض، لأنه ليس موعد إنجاب الطفل. هدأت نوعاً ما واطمأن قلبها، ولكنها ظلت شاردة.
"إيه يا بهيرة؟ انتي زعلانه إنها بنت؟"
سألتها ولاء بتوجس:
"هذا السؤال لتتحدث بألم: "ياريتها كانت اتولدت في ظروف أحسن من كده."
نظرت كل من ولاء ومريم لبعضهما باستغراب:
"مالك يا بهيرة؟ مالها الظروف؟ ما كل حاجة اتعدلت."
شكت ولاء هي الأخرى أن تكون حلاوتهم استعادت كل شيء:
"إيه اللي حصل يا بهيرة؟ سالم عمل حاجة؟ ولا زفتة الطين حلاوتهم؟"
انفعلت بهيرة ولم تهتم بأمر جرحها، حتى أنها لم تشعر به، زفرت بحنق:
"اللي حصل إني طلعت خاينه، وبدل ما يترد غيابي، لا أتحمل أنا الغلط اللي ما اتعملش."
تذمرت ولاء، حيث شعرت أنه يوم الخيانة العالمي، هي اتهمت عادل بها، وها هي بهيرة تتهم.
"انتي ما صدقتي يا بنتي؟ حصل إيه لكل ده؟ وخيانة إيه وغيبة إيه وغلط إيه اللي ركبتيه؟ انطقي."
كانت تتحدث والكلمات ثقيلة على لسانها، تستصعب الموقف خاصة أنه ليس فوق رأسها الآن:
"سالم طلع عليا إني خاينه، وطبعاً الدكتور محمد ما صدق يطلعني غلطانة. طب على الأقل كان يراعي حالتي."
زمت ولاء شفتيها باستياء، فلا رجل يراعي أي حالة نفسية لأي فتاة، يلغي دائماً مشاعرها وعليها احترام مشاعره:
"كنا فرحانين وسعداء، وكل واحد فينا كان خلاص اللي كانت هتخلف، واللي هتتجوز، واللي هتتخطب، بس ملناش نصيب."
ابتسمت بهيرة بسخرية عندما ذكرتها ولاء بولادتها، كانت تتوقع أن هذا اليوم سيكون أسعد أيامها، حيث أنه تم تحقيق المراد:
"ولادة إيه بقي؟ إذا كان محمد اللي هو أبو البنت اللي في إيديكم دلوقتي مش موجود، طبعاً مش عايز يشوف وشي، حتى طنط عيشة."
سقطت دموع ولاء من عينيها رغماً عنها، لتمسحها بظهر يديها وتحاول الحديث ولكن بنبرة حزينة مكسورة من كثرة ما ألمها قلبها:
"أنا قلت لعادل إننا مبقاش مننا فايدة مع بعض، يعني الحال من بعضه يا بهيرة، وأنا اللي ما صدقت الدكتور محمد يكلمني علشان أتلهي."
***
في منزل هريدي الحمش، كانت عائشة جالسة تفرك يدها، حيث التوى كاحلها من جراء ركضها نحو بهيرة عندما تعرضت للولادة المبكرة.
"انت رايح لهم يا مصطفى؟"
التفت إليها مصطفى يربت عليها:
"أيوه رايح لهم يا ست الكل، تؤمري بحاجة؟"
قبلت جبينه بكل حنان واحتضنته تربت عليه:
"مش هتعقل أخوك يا مصطفى؟ أنا زعلانه عليهم."
نظر إليها مصطفى نظرة ماكرة، هو يعلم أنها ليست حزينة عليهم فقط:
"اممم... زعلانه عليهم هما بس؟ طب إيه مش خايفة مني لأعملها أنا كمان؟"
هزت عائشة رأسها باستسلام ويأس، لأن أولادها لم يمرروا الشيء مرور الكرام:
"ربنا يهدي سركم يا أولادي. طب مش هتروح تشتري الشبكة؟ أو تأجلها علشان ما تحسش؟"
ابتسم مصطفى بخبث، لأن والدته تخشى أن تفهمه مريم عندما ظهر أمامها على غير موعد:
"لا نأجل إيه؟ خير البر عاجله. أنا هطلع بيها من المستشفى على الجواهرجي، وبعدها هجيب لها فستان."
انفرجت أساريرها وشعرت أنه سيعدل عن خطته لتأديب مريم، ولكي تضمن ذلك عزمت أمرها على الذهاب معه.
***
بالمشفى، دلف مصطفى وعائشة في ذراعيه ليقوموا بتهنئة بهيرة، التي عدلت من وجهها وتناست أمر ألمها لحظة قدومهم.
أخبرهم مصطفى أنه سيأخذ مريم لاقتناء الذهب والثوب. لتقول ولاء بمرح:
"طب ما تاخدوني معاكم؟ أهو أحس الإحساس ده، لأحسن شكله مش هيحصل."
عقد مصطفى ما بين حاجبيه على كلمات ولاء غير المفهومة، فسألها بمرح:
"أعوذ بالله؟ ده قر ده ولا حسد؟ لا بقولك إيه خليني ساكت أنا على تكه وربنا."
نظرت إليه مريم بشك أن يكون حديث محمد أنه يعلم باتصال سالم صحيحاً:
"لا مش وقته يا بشمهندس، وما تاخدش بالك من كلامي. ربنا يهنيكم ويفرحكم."
شعر في كلامها بانكسار روحها، يريد معرفة سبب ذلك، ولكن لا يود التدخل:
"مش وقته، طيب ولو إن بعتبرك زي أختي، وأوعي تفهميني غلط، انتي وبهيرة أخواتي."
نظرت ولاء إلى عائشة التي كانت في ملكوت آخر، تنظر إلى بهيرة ومريم كأنها تتحسر:
"مالك يا طنط عيشة؟ انتي كويسة؟ ولا الفرحة خليتك سرحانة؟ بصراحة البنوته قمر وتستاهل."
ابتسمت عائشة إلى ولاء ابتسامة باهتة، كل ما كان يقلقها بهيرة ومريم. فعرضت على مصطفى:
"خد مريم وروحوا اشتروا الحاجات اللي وراكم، في حاجات لازم أقولها لبهيرة، مينفعش تسمعها."
تأفف مصطفى لأنه تأكد أنها ستحادثها في موضوع محمد وليس موضوع نسائياً، لو كان ذلك لطلبت من ولاء:
"مش عوايدك يعني يا أمي، بس عادي هعديها المرة دي، بس خدي بالك لا محمد يدخل يبوظ الدنيا كعادته. ها يا أمي؟"
وبالفعل وضع يده في يد مريم بكل صمت دون النظر إليها، وسحبها خلفه، كمن يسحب طفلته الصغيرة، وهي تنظر إليهم.
***
في منزل عادل، كانت ياسمين تجلس شارده، ليرن جرس الباب. تنهض بتأفف، لا تريد رؤية أحد حتى ولاء، لأنها تشعر بالخزي منها.
تفاجئت بشقيقه ضياء هادئة:
"مالك يا ياسمين؟ لسه زعلانه مني؟"
استغربت ياسمين حنان هادية الثائرة:
"أخوكي يا ستي منتظر مني رد وبسرعة."
عقدت هادية ما بين حاجبيها، فضياء غير متسرع:
"مين اللي قال؟ بالعكس، ده بعتني علشان يقولك إنه موافق على أي قرار."
جحظت ياسمين بعينيها على تحول ضياء المفاجئ، فهي لا تنسى آخر كلماته:
"إزاي يا هرمونيكا، قصدي يا هادية؟ ده آخر مرة قالي منتظر ردك، لو موافقة هنتكلم."
تعالت ضحكات هادية، لأنها تعلم من ضياء أن ياسمين تنعتها بهرمونيكا، وهي تفرح بذلك:
"يخرب عقلك! وقعتي بلسانك حتى قدامي كمان يا بت؟ طب اختشي مني حتى، بس عارفه جميلة."
وضعت ياسمين يدها على شفتيها وعضت على أسنانها، لأنه طالما حذرها أن تلفظ بهذا اللفظ أمامه:
"منبه عليا متكلمش بالطريقة الوحشة دي عنك، ولذلك أنا ببعد عنك، مش عايزة يكون دمي تقيل عليكم."
ربتت هادية على كتفي ياسمين بحنان، فهادية أكبر من ياسمين بخمسة عشر عاماً، ومتزوجة ولديها صبية:
"اعتبريني صاحبتك، وكلي دماغي بكلامك، سواء عن ضياء أو عني. أنا على فكرة مش صعبة زي ما انتي حاسة."
هزت ياسمين رأسها، لأنها شعرت من عينيها أنها إنسانة صارمة، حتى في تعاملها مع أولادها، أوامرها شيء مؤكد ومنتهي:
"أيوه يا هادية، أنا حبيتك أوي، كأنك أختي، وضياء مصمم إني علاقتي بيكي تكون جد أوي، وأنا مش بتاعت جد، أنا بحب أهزر."
عقدت هادية ما بين حاجبيها واستغربت تصميم ضياء على تشكيل هذه العلاقة، الأفضل أنه كان يقربهم ولا يحدث جفاء وفجوة بينهم:
"ليه طيب؟ مع إن عمرى ما اشتكيت منك ولا وضحت. ليه كده غريب أوي ضياء؟ شكله بيخاف منك يا ياسو، بس سيبك منه، إحنا أخوات."
ابتسمت ياسمين:
"طب لو اتشكلت مع ضياء؟"
مطت هادية شفتيها بتعجب من السؤال:
"طب وليه انتي تتشاكلي مع ضياء؟ ده مهما كان بيحبك."
انتبهت ياسمين إلى شق الجملة الأخيرة، ونظرت لها ببلاهة:
"مش معقول يا هادية، اللي هو فيه ده حب؟ ده كل أما بيشوفني بيبقى عايز يخنقني."
تعالت ضحكات هادية بصخب، فهي تعرف أن ضياء من النوع الثقيل، لا يظهر ما به:
"أنا هكلم ضياء وأفهمه يحاول يظهر مشاعره شوية، معلش استحملي، ده واد تقيل في نفسه."
أوقفتها ياسمين ترفض توضيح له الأمر أو جذب انتباهه لهذا الشيء، قررت التعامل معه بمفردها.
رواية الارث "صراع الاباء والابناء" الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم مروة البطراوي
لمعت برأس هادية فكرة خبيثة حتى تحاول التوقيع في ضياء، فهي تعتبره ابنها لأنه أصغر أشقائها.
"طب ما تحاولي انتي يا ياسمين تفهمي انه لازم يخرج مشاعره، يعني مثلا خليكي انتي جد و اتقلي عليه."
زفرت ياسمين بحنق، فضياء تفشل معه كل المحاولات، يريد حباً مكتوماً لا يريد التظاهر به.
"تباً لهذا الضياء، حاولت وكل مرة مشكلة جديدة، أنا مش وحشة يا هادية بس هو مستفهمني ودايماً عادل بالنسبة لي الأساس."
تضايقت هادية على ما يفعله ضياء بياسمين.
"لو أن كل رجل يضع اعتباراً لشريكته لكانت الحياة تماششت أفضل بكثير."
"ربنا يهديه و يستر و ميبقاش نسخة من المحروس جوزي، هو أنا متعقدة من قلة و الله ما صعبان عليا إلا الغلبانة بنتي."
شعرت ياسمين أن ضياء اكتسب صفاته من زوج هادية لأنه تربى لديهم، لأنها تزوجت وهو بعمر الخمس سنوات، فبالتالي سيتأثر.
"أنا قلقانة أوي يا هادية و خايفة من ردة فعله لما أتقل عليه، قد إيه الارتباط ده شيء صعب وللأسف معنديش أم توجهني ولا حتى أخت."
ربتت هادية على يد ياسمين، تحاول بث الطمأنينة في نفسها، لا تود للقلق أن يتسرب لها فهي عاشرت القلق النفسي لسنوات عديدة ولا تريد تكراره.
"متقلقيش يا ياسمين."
ابتسمت ياسمين بفرحة.
"تسلميلي يا هادية بجد."
ذهبت ياسمين تبدل ملابسها حتى تذهب إلى ضياء بنفسها لتخبره أنها غير موافقة على السفر لكي ترى ردة فعله الصادقة.
في المشفى، ذهبت ثريا لتبارك بهيرة، لتعاتبها بهيرة.
"فينك كده من بدري يا طنط ثريا، محتاجالك."
عقدت ثريا ما بين حاجبيها وهتفت بقلق قائلة.
"إيه القلق ده بقي يا بهيرة، خير؟ وفين مريم وحماتك؟"
زمت بهيرة شفتيها بحزن، تشعر أنها في حيرة مزقتها.
"ولا تقلقي ولا حاجة، محمد عاتبني على موضوع إسماعيل."
تمالكت ثريا أعصابها وحاولت عدم التحدث بكلمة قد لا تحمد عقباها فيما بعد، لأنه يذكرها بطاهر والد مريم.
"إنتي سرحانة في إيه يا مرات عمي؟ على حد علمي انتي كنتي معايا وخلتيني أخبي عليها بدل ما يشبط في سالم."
كانت ثريا شارده تبحث عن مريم أين ذهبت، لأنها وعدتها أنهما سوف يتقابلان في المشفى لتخبرها ماذا تفعل مع مصطفى.
"آه فين مريم يا بهيرة؟ كانت موعداني أني هقابلها هنا علشان هي كمان شاكة إن مصطفى عرف إن الزفت سالم كلمها، سالم مش بيخلص."
قطبت بهيرة جبينها.
"سالم عمل إيه مع مريم؟"
زفرت ثريا بحنق واختناق.
"هددها تروح له يا أما أنت عارفه."
هزت بهيرة رأسها بضيق وحقد وغل.
"صحيح يا طنط ثريا، سالم مش بيخلص."
كررت ثريا سؤالها عن مريم بإصرار.
"مريم راحت فين يا بهيرة؟ أنا قلقانة عليها."
ابتسمت بهيرة بسعادة، لا تعلم ما يرتب له مصطفى.
"راحت مع مصطفى تجيب الشبكة والفستان، متقلقيش."
اشتعلت نيران القلق في جسد ثريا لتتجه سريعا نحو باب الغرفة، لتستمع إلى صوت عائشة وولاء وهما يتحدثان بصوت مسموع.
"مالك بس يا طنط عيشة؟ إيه اللي قلقك؟ والله مصطفى طيب ولا يمكن يحاسبها على حاجة معملتهاش، وبعدين ما هي كانت راحة علشانه."
هزت عائشة رأسها.
"سالم كلمني النهارده."
قطبت ولاء جبينها بقلق.
"ما إحنا قلنا ليكي متاخديش بكلامه."
زفرت عائشة بقلة حيلة وضعف تملكها.
"قالي إنه هينتقم منا قريب، أنا مرعوبة يا ولاء."
حاولت ولاء أن تهدأ من روع عائشة رفقاً بحالتها.
"اهدي يا طنط عيشة، هيعمل إيه يعني؟ طبعاً عمره ما هيعرف."
كانت تقف ثريا تستمع إلى كل هذا لتبتسم بشر.
"وقعت ولا حد سما عليك يا سالم، أنا بقى اللي هنتقم منك ومن أبوك."
اقتربت منهم ثريا لينتبهوا من وجودها، الذي أقلق عائشة، حيث كانت ابتسامتها مصطنعة في طريقه مباركتها على حفيدتها، في حين بهيرة وهي تهدد طفلتها انتبهت لمن دلف عندها، كانت تدندن لطفلتها.
"بابا جاي امتى؟ جاي الساعة ستة، راكب ولا ماشي؟ راكب بسكليته حمرا."
توقفت وانعقد لسانها عندما وجدته أمامها في غاية الأناقة.
"فـ قفز قلبها من الفرحة. الله شكلك حلو أوي يا محمد، ولا العريس مش أبو العروسة؟ لؤلؤ بنتنا اللي شبهك."
وضع يده على يدها بحنان وهو يمسد على رأس ابنته بحب، يتناسى برؤيتها كل شيء.
"بس إيه رأيك فيا وأنا دكتور نسا وتوليد وبولد مراتي وأكون أول واحد أشيل لؤلؤ."
وضعت يدها على الجرح تتحسسه، تسمع دائماً عن آلام الولادة ولكن لا تشعر بأي شيء.
"لا بس الجرح ولا الخياطة ولا السحر، يعني طول عمر إيدك تتلف في حرير، ربنا يبارك لك."
ابتسم إليها بخبث لأنه شعر أنها تريدها مداراة موضوع المشكلة، ولديها الحق، فليس بالوقت المناسب.
"آه أمال إيه، دي بنتي برضه يا بهورتي اللي جت في الوقت المناسب، ممكن بعد كده مش تخبي عني حاجة."
أوقفته عندما وضعت إصبعها على فمه، تريد عدم الحديث في أي تفاصيل تخص هذا الموضوع، وابتسمت قائلة.
"هش، أنا مش عايزة لؤلؤ تسمع منك كلام في الموضوع ده، كفاية اللي سمعته منك وهي في بطني و قامت نازلة."
جز على أسنانه بغيظ لأنه شعر أنها تتهمه أنه المتسبب في ولادتها باكراً.
"هو مش باكراً بشهر ولكن بأيام ضئيلة خفيفة، عاجبك كده يا لؤلؤ؟ الست ماما مضايقة إنك جيتي بدري، عايزة أقولك أنا مش طايقة أشوف وشك، تتك القرف في حلاوتك."
انفجرت بهيرة بالضحك، ليدلف الجميع إليهم على أثر ضحكاتها، ومحمد ينظر إلى بهيرة بإعجاب، بينما تنظر له ثريا باستغراب من تحوله، يذكرها دائماً بطاهر.
"مبروك ما جالك يا محمد."
رد عليها محمد بلامبالاة، يعتقد أنها المتسببة في إخفاء الأسرار.
"الله يبارك فيكي يا مرات عمي، عقبال مريم ومصطفى بس تسمع كلامه."
شعرت ولاء بتوجه مشكلة لمنظر ثريا المشتعل بالغيظ، فحاولت تغيير الحديث.
"يلا إحنا نمشي بقى يا خالتي ثريا، إحنا بقينا زي العزول، مبروك عليكم لؤلؤ الصغيرة."
ابتسمت عائشة لولاء لأنه تم تسمية الطفلة على اسمها، فقبلت الطفلة ولمست على شعرها.
"إيه ده؟ إنتوا سميتوها ولاء؟ عاشت الأسماء، عقبال ما أشوفها زيك يا لولي، وعقبال ما تخاويها."
ابتسمت ولاء بخجل، كانت تخشى أن يرفض محمد أو عائشة، ولكنهم رحبوا باسمها.
"بعد إذنكم طبعاً، أنا لما قلت لبهيرة أول حملها كنت بهزر، معرفش إنها هتجبر بخاطري بالشكل ده."
ابتسمت بهيرة ومحمد وعائشة لها، لتشعر بالخجل، تتمنى أن تصل إلى تلك النقطة مع حبيبها عادل.
"طب والله البت دي حلوة خالص، ده هتخلي محمد يلف حوالين نفسه من كتر العرسان، حلاوة عيلة الحمش."
ابتسمت ثريا بغيرة لأن ابنتها مريم من نفس العائلة، البنت الوحيدة قبل ولاء الصغيرة لهذه العائلة ودائماً مدللة.
"ليه بقى يا ست عيشة؟ طب ما هي مريم من عيلة الحمش، ولا مش محسوبة عليها؟ بنتي، طب والله ولاء شبهها."
رد عليها محمد رد سريع وكأنه كان مختنقاً منها، وانتهز الفرصة لكي يضايقها لدرجة عضت عائشة على شفتيها.
"لا مش شبهها، مريم شبه عمي طاهر، وأنا مش شبهه لأن لؤلؤة دي شبهي أنا، وهربيها أنا على كيف كيفي بعيد عنكم."
تضايقت ثريا من طريقته في التحدث، حتى طريقته الفجة تذكرها بطريقة طاهر عندما اضطهدها يوماً لنفس السبب، تخبئة الأسرار.
"معلش يا ثريا، متزعليش من محمد ابني، وأنا عارفة معرفتش أربيه مدب زي أبوه، أنا حاسة إني ما خلفتش غير مصطفى، ربنا يهنيه بمريم."
تبعتها بهيرة.
"مصطفى مين؟"
رد محمد هو الآخر.
"لا بقى قولي إنه ألعن مني."
ردت ثريا هي الأخرى مسرعة.
"اشمعنى يا محمد؟ ألعن منك في إيه؟"
تجاهلها محمد ونظر إلى طفلته قائلاً.
"يلا يا قمراية، اكبري بقى علشان أفرح بيكي."
ابتسمت بهيرة واستمتعت بكلمات محمد للطفلة.
"يلا يا لؤلؤة، اسمعي كلام بابي وفرحيني أنا كمان."
بدأ الصراع يدور في قلب ثريا كأنها تخاطب طاهر.
"ليه؟ ليه يا طاهر؟ ده أنا كنت بحبك، عايشة حياتي عشانك، كل ده عشان سر خبيته عنك؟"
ذهبت نوال إلى المكان الذي تختبئ به حلاوتهم، فهي عرفته من خلال مراقبتها لحساب أحدهم.
"يوووه، البواب ده غبي أوي، قلت له ما يطلعش يخبط عليا، مصر يعملي مصيبة، والله لأضربه على نافوخه."
كانت نوال هي من تطرق عليها وليس البواب، البواب لم تخبره نوال إلى من تصعد لأنه من المؤكد أنه سيكذب.
"جايلك أهو، وديني ما هرحمك، أنا عطيتك فلوس عشان تسيبني في حالي، لو السكان عرفوا إني هنا هتفضح، الهيفت."
فتحت حلاوتهم الباب لتتفاجأ بنوال أمامها تبتسم لها كأنها شامتها، جائت لتلعب الدور عليها جيداً.
"مش هتدخليني ولا إيه يا حلاوتهم؟ طب ده أنا يا ما دخلتك بيتنا و قلت إنك يوم ما هتطفشي هترجعي لعشي، يا حلاوتهم، ده إحنا أخوات."
أخذت حلاوتهم تنظر إليها باستغراب، كيف علمت أنها هنا ولما جائت؟ تعلم جيداً أنها عبدة للمال، فمهلاً ستشتريها لصالحها حتى لا تكون لغيرها.
"اتفضلي يا نوال."
جلست نوال في الصالة.
"شقتك حلوة أوي يا حلاوتهم."
ابتسمت حلاوتهم بخبث لظهور طمع نوال.
"شكراً يا نوال، عقبال ما تبقي شقتك، بس أخلص."
ابتسمت نوال من داخلها على خوف حلاوتهم منها.
"أنا عارفة إنك زعلانة مني، بس والله غصبن عني."
قطبت حلاوتهم جبينها، تريد أن تعلم كيف تم الأمر رغماً عن نوال.
"اممم، طالما غصبن عنك يبقى مسامحاكي يا نوال، بس أنا عندي شرط."
تلهفت نوال وذهبت لتجلس بجوارها، تحاول توضيح لها أنها جشعة حتى تخرج ما بها.
"أنا تحت أمرك يا حلاوتهم، من إيدك دي لإيدك دي، وآخر مرة أقهرك ولا أزعلك يا أختي."
فتحت حلاوتهم هاتفها وقامت بتشغيل زر تسجيل الصوت حتى تمسك على نوال مستند.
"سجلي وقولي مين اللي بعتك، علشان لحد دلوقتي أنا مش متأكدة إنك معايا، معلش كل واحد شاطر في مهنته."
أردفت حلاوتهم بتلك الكلمات لأنها متأكدة أن نوال ستنكر من الذي جلبها إليها، ولكنها تفاجئت بنوال وهي تبتسم بسعادة.
"من عنيا، بصي يا ستي، اللي بعتني ليكي سي مصطفى، طبعاً هتستغربي إني جايه علشانه بعد اللي عمله فيا، بس أنا متأكدة منك."
عقدت حلاوتهم ما بين حاجبيها باستغراب، كانت متأكدة أن من يبحث عنها هو سالم، فماذا مصطفى يبحث عنها؟ أيعقل أن سالم سرد فضيحته؟
"إيه ده؟ مين؟"
ابتسمت نوال.
"متاخديش في بالك، المهم خطوبته على مريم الأسبوع الجاي وأنا عايزة أبوظها."
نهضت حلاوتهم تنظر لها بلا مبالاة، هي ليس لها شأن بهذا الموضوع ولا يهمها.
"إيه ده كله؟ ده مستعجل؟ تلاقيه خايف لا سالم يرجع الهانم، ما هو بقى فاضي من كله."
نهضت نوال هي الأخرى لتبخ السم في أذن حلاوتهم، تهمس لها كفحيح الأفعى لتشجعها.
"تعالي نخلص منهم كلهم في ليلة واحدة، انتي تظهري يجي سالم وراكي، يطربقها، وإنتي تهربي."
كادت أن توافق، فهي ليست مبسوطة بأنها أخذت كل شيء من سالم، بل تريد قهره أمام عائلته وفضيحتها.
"هقول لعادل وأجي معاكي، هو إني في دي الساعة لما أفضح سالم قدام الناس دي كلها وأوري عيشة خلفتها."
تنفست نوال الصعداء، لأن في هذا اليوم سيتم قهر حلاوتهم من قبل عادل وسالم والجميع سيتحقق مناها وهدفها.
"حبيبتي يا حلاوتهم، للدرجة دي هتضحي بنفسك علشاني؟ ربنا ما يحرمني منك ولا من حبك، امتى بقى نرجع زي ما كنا."
عند مصطفى ومريم، أنهى اتصاله مع نوال، ومريم تتابعه تود معرفة مع من يتحدث، ولكن كان يقصد أن يخبرها أن لديه أسرار.
"الخاتم ده تحفة جداً يا آنسة، ومفيش منه غير المقاس ده، زي ما يكون متفصل على مقاسك، وحلو في إيدك أوي، تعالي شوفي يا عريس."
ترك هاتفه وذهب ليقف بجوارها، ينظر إلى الخاتم برسمية، وهي تتعالى في انفعالاتها تود خلع الخاتم وقذفه أمامه، لمس أطراف أصابعها.
"لو عجبك ناخده."
هزت برأسها واقتنت الخاتم، وعادوا إلى منزلها في صمت مطبق.
نظرت ولاء إلى الخاتم.
"أيوه يا مريم، هو نفسه الخاتم اللي انتي نقتيه واتمنيتي إن مصطفى يشتريكي ليكي، الله يا جماله."
أزاحتها ثريا حتى ترى الخاتم بعناية وأعجبت به كثيراً، حتى أنها نظرت إلى مصطفى بامتنان كبير.
"أوعي كده يا لؤلؤة، الله إيه الجمال ده يا مصطفى، ده هياكل منها حتة، ليك حق تروح لوحدك معاها، مبروك."
هز مصطفى رأسه وابتسم بخبث وهو ينظر إلى مريم، يحاول مضايقتها بكلماته المستفزة، ولأول مرة يفعلها.
"اممم، إنتوا بتروحوا تنقوا من ورايا، والله عال، وأنا اللي قلت إن الجواهرجي عايز يخلص منه، قلت طالما موافقة."
قهقهت ولاء وتعالت ضحكاتها، بينما مريم ما زالت صامتة، تتأجج النيران في صدرها من تعاليه وكبر نفسه عليها.
"لا سمح الله يا بشمهندس، انت عارف إننا كنا متشوقين، فكنا نسرح كل يوم مع بعض على المحلات، أهي أحلام وبتتحقق."
تنحنحت مريم تريد فض الاشتباك على موضوع الخاتم، لتريهم الفستان الذي اقتناه بنفسه ولم يسمح لها حتى النظر إليه.
"احممم، أنا هقيس الفستان."
رواية الارث "صراع الاباء والابناء" الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم مروة البطراوي
دلفت إلى غرفتها لتفك رباط علبة الفستان لتتفاجئ بأنه هو ذاته الذي اقتنته من قبل.
كيف له أن يعرف كل هذا؟
معنى ذلك أن ولاء وسيط.
"بسم الله ما شاء الله."
اتسعت حدقة عيني ولاء.
"يا بختك الحلو يا مريم، ده هو."
ذهبت إليها ثريا تحتضنها بحب.
"بسم الله ما شاء الله يا مريم، الفستان تحفه."
ابتسمت مريم بفرحة وهي تنظر إلى مصطفى.
"يعني كنت عارف إن نفسي في الفستان ده كمان."
غمز لها مصطفى لأنه، مع أخطائها، يعشقها حد الثمالة.
"مبقاش مصطفى إلا لما أعرف مريمية قلبي نفسها في إيه."
أحرجت مريم من طريقته وأسلوبه الذي يجعلها تنسى أوجاعها.
"شكرًا يا مصطفى، مش عشان الفستان ولا الخاتم، عشان انت موجود."
ربعت ولاء ذراعيها تنظر إليهما وتمتم لهما بآيات من الدعاء لتديم محبتهم.
"ربنا يحرسكم من عيني، سيبوا شوية من الحب ده لبعد الجواز، ربنا يبارك لكم."
ابتسم لها مصطفى بامتنان ثم نظر إلى مريم التي تناست كل شيء وبدت مسرورة.
"متخافيش يا ولاء، في كتير قدام، أهم حاجة ملكيش انتي دعوة ولا حد تاني له دعوة."
نظرت له ثريا بخبث فهي تفهم مغزى حديثه وتفهم أن محمد أوشك بمريم عنده، لذلك يتغير.
"طب ما تجيب الدكتور محمد هو اللي يدخل بينكم طالما مش عايزني أنا وولاء، ولا لازمينك؟"
شردت مريم مرة أخرى في موضوع سالم وتهديد محمد، لتخشي ولاء عليها من الحزن، فتمرح قائلة.
"بقي كده يا بشمهندس؟ الله يرحم يا ولاء. احكيلي يا ولاء، مريم بتفكر في إيه، نفسها في إيه؟ أوبس، أنا ادلقت."
ضحكوا جميعهم بدون استثناء، وما قاطع ضحكهم هو رنين هاتف ثريا التي ارتبكت له عندما نظرت للمتصل.
"ده عادل بقاله كام ساعة مكلمني، وكان المفروض أتصل عليه أول ما رجعنا بس اتلهيت فيكم، فاته زعل مني أوي."
نظرت ولاء أمامها بضيق، تفهم أنه يريد معرفة أخبارها عن طريق ثريا. استغربت اهتمام ثريا به، حتى مريم استغربت.
"قوليله روحنا اشترينا الشبكة والفستان عادي يعني، عادل مخه كبير مش هيزعل لحاجة هايفة زي دي، وبعدين لو زعل يتفلق."
تعالت ضحكات ولاء كأن الموضوع لم يوجعها، بل كل ما أثار ضحكاتها هي كلمة مريم أنه يستاهل بالفعل، تتمنى حيرته عليها.
"أيوه يستاهل، وبصي يا خالتي ثريا، قوليله ولاء راحت معاهم وكانت مبسوطة جدًا، وقولي كمان إني روحت المستشفى بالشفا يا عادل."
نظر إليها مصطفى.
"ردي يا مرات عمي."
ردت عليه ثريا بقلق.
"ألو، ازيك يا عادل، متزعلش."
قاطعها بلهفة على ولاء قائلة.
"عرفتي هي فين؟ أنا قلقان، وحشتني."
نظرت ثريا إلى ولاء وهي تبتسم بخبث.
"وانت كمان وحشتها، بس هي سايقة التقل."
قطب عادل جبينه عندما تحدثت ثريا بهذا الشكل.
"هي جمبك ولا إيه؟ طب ما روحتش بيتها ليه؟ هي عيلة؟"
أعطتها ثريا الهاتف لتتحول ولاء من المتمرّدة إلى القلقة.
"ما هو أنا، أنا روحت لبهيرة المستشفى وبعدها روحت مع مريم."
نظر عادل أمامه نظرة قاتمة، يشعر أنها استغلت فرصة تركها على راحتها.
"انتي بتقولي إيه؟ انتي ما صدقتي يا ولاء، وأنا اللي مفكرك زعلانة ومقهورة مني."
ابتلعت ولاء ريقها بصعوبة وبغصة قوية في حلقها، كذبت رغماً عنها حتى يبتعد.
"أنا روحت مع مصطفى ومريم كانوا بيشتروا الشبكة والفستان، عقبال عندك يا عادل."
أطاح ما على مكتبه بحدة وتحدث من بين أسنانه بضيق يعتبرها تذكرة بعلاقتهم العقيمة.
"إزاي يعني؟ خلاص خرجتيني من حساباتك؟ مهانش عليكي تستأذنيني؟ بس انتي ما صدقتي."
ابتسمت ولاء بسخرية وتساءلت من هو ليحاسبها بهذه الطريقة الفجة المرعبة، وقررت معاندته.
"والله نسيت يا عادل، غصب عني والله، أصل مفيش بينا رابط يحق ليك إني أقولك رايحة فين ولا جاية منين."
فهم عادل أنها تعانده وتناطحه رأس برأس وتدفعه ثمن سطوته على قلبها الضعيف الذي أصبح قاسياً تماماً.
"كويس إنك فكرتيني يا ولاء، صحيح إحنا مفيش بينا رابط، ويمكن ميبقاش فيه بعد المكالمة دي، كنت مفكرك عاقلة."
أغلق عادل الخط لتنزعه منها ثريا وتعاوَد الاتصال به، ولكن دون جدوى، فقد أغلق الهاتف.
أغمضت ولاء عينيها بمرارة وابتسمت ابتسامة مقهورة، لتنظر لها مريم بانكسار.
"مالك يا ولاء؟ هو عادل عملك إيه لكل ده؟"
ردت عليها ولاء بغصة قوية في حلقها وبحُرقة.
"عادي يا خالتي ثريا، أنا هروح عشان تعبت منه."
أوقفتها مريم تخشى أن تذهب وحدها إلى المنزل بحالتها.
"يلا أنا جاية معاكي، معلش يا مصطفى بعد إذنك هفضل معاها."
أوقفها مصطفى بحرص لأنه لا يريد ذهاب مريم إلى أي مكان.
"ثواني بس، هروح أجيب عادل ونتغدى ونتصافى ونتحاسب."
قطبت مريم جبينها لتجميعه لهم في الحساب، أي حساب يتحدث؟
"معلش يا بشمهندس، اتغدوا انتوا وأنا هروح لوحدي، بلاش تروح ليه."
شعر مصطفى بالذنب نحوها ولا يعرف كيف يحل تلك المعضلة بينهم.
"متزعليش يا ولاء، بس والله لو أقدر إن أبعت مريم معاكي كنت بعتها، اعذريني."
تفهمت ولاء حديثه جيدًا، حتى ثريا لم تعلق عليه، أما مريم كانت شارده في إصراره.
"حصل خير يا بشمهندس، أنا أصلاً عايزة أبقى لوحدي عشان هنام... النهاردة اليوم كله تعب."
أخذ مصطفى يحاول مهاتفة عادل من أكثر من رقم على هاتفه لعله يجيب عليه دون جدوى.
"عمال أطلبه أهو، ما تخلص يا ابني وترد، شوفي لو رد كلميه انتي واعتذري له بنفسك يا ولاء."
في منزل هريدي الحمش، في اليوم التالي، ذهبت ثريا لزيارة بهيرة والعائلة كلها رحبت بها عائشة.
"ده إيه الخطوة العزيزة دي يا ثريا؟ كان لازم بهيرة تخلف عشان تنوريني، عقبال خلف مريم إن شاء الله."
ابتسمت لها ثريا بحب وهي تحمل في يدها هدية الطفلة الصغيرة، والتي عبارة عن سلسال صغير باسمها.
"بنورك يا عيشة، ربنا يجعل بيتك ديما عامر بالفرح، بس يوم مريم ده هيكون عندي نفسي يا عيشة بجد أفرح."
ابتسمت بهيرة عندما فتحت ثريا علبة السلسال وانبهرت من جمالها، ونظرت لها بفرحة عارمة وألبستها لصغيرتها.
"أومال فين مريم؟ نفس أشوف الخاتم اللي جابه ليها مصطفى، أكيد ذوقه حلو زي ذوقك يا خالتي ثريا، محمد على وصول هيفرح."
ابتسمت ثريا بسعادة، لعل محمد يلين عندما يجدها بمنزلهم تهدي زوجته وابنته، ولعل كل الأمور تسير على ما يرام وينجح مخططها.
"دلوقتي زمانها جايه، أصل مراحتش النهارده محل الورد، مصطفى مش راضي يخليها تروح من غيره، حتى مرضاش يخليها تيجي معايا."
توترت عائشة.
"من كتر ما هو خايف."
ردت ثريا عليها بكل ثقة.
"شوفي يا عيشة، سالم استحالة يقرب من مريم."
ردت بهيرة هي الأخرى بنفس الثقة التي تتحدث بها ثريا.
"مريم بعد آخر مرة لما قابلها مصطفى ونجدها، استحالة تستسلم."
تمنت عائشة أن يكون حديث بهيرة صحيح وألا ترضخ مريم لسالم.
"والله يا أم سالم، أنا مستنية غلطة ليه على نار، ومش هسمح ليه يبوظ فرحتي."
ابتسمت عائشة بمرارة، فمن تتحدث عنه هو ابنها أيضاً مثل البقية، تمنت أن يكون مثلهم.
"إحنا بقينا نتكلم عنه كأنه مش من لحمنا ودمنا، صبرني يارب على ما بلاني واهديه وابعده."
لتقف من بعدها وتذهب لفتح الباب لمريم، تقبلها بفرحة عارمة عندما شاهدت المحبس بيديها، بينما ارتسمت ابتسامة خفيفة على وجنتي مريم.
"نورتي يا روما."
دلف مصطفى لوالده.
"جبت الشبكة والفستان."
ابتسم هريدي بسعادة قائلاً.
"على بركة الله، ألف مبروك."
ابتسم إليهم محمد واحتضنه.
"ألف مبروك يا مصطفى، انت تستاهلها."
رد عليه مصطفى بابتسامة شقت وجهه.
"الله يبارك فيك يا محمد، عقبال لؤلؤة بنتك."
في المكتبة كانت ولاء تجلس شارده الذهن، لتقطع شرودها ياسمين.
"إيه يا ولاء؟ مالك سرحانة كده ليه؟ مش انتي اللي اخترتي تبعدي عنه؟"
هزت ولاء رأسها تنفي السبب الذي قالته ياسمين وتؤكد لها قائلة بإصرار.
"لا أبداً، مفيش حاجة تخصه، أنا سرحانة في بابا، أصله بعافيه شوية وبفكر أروح."
تدخل ضياء في الموضوع بعد أن شرحت له ياسمين بعد موافقته على طلبها لعدم السفر.
"اهدي شوية يا ولاء وسيبى الموضوع ده علينا، ياسمين هي اللي غلطت وهي اللي هتصلحه."
لوت ولاء شفتيها بامتعاض تكاد تتمزق من الداخل لأن الموضوع بقى أصعب من تدخل ياسمين.
"مش هيصدقك ولا هيصدقها، لأن أنا بغبائي فهمته إني مش عايزاه وكذبت عليه، أنا استقويت عليه."
هز ضياء رأسه بيأس يلعن معشر النساء في صدره، يعتبرهم أغبياء لكي يكونوا شخصياتهم يقومون بالافتراء.
"إيه يا ستي؟ اتكبرتي عليه؟ عموما لو ما صدقنيش يبقى تروحي له، ومش عيب ولا ذل ولا ضعف منك لو بتحبيه."
نظرت ولاء وياسمين كل منهما الأخرى برعب، لتبادر ولاء بالحديث لأنها ترفض أن تضعف بعد أن انتصف المشوار.
"لا، ملوش لزوم يا ضياء، انت مكبر الموضوع كده ليه؟ إيه يعني لما أخرج وأروح لبهيرة المستشفى ولا حتى أروح مع مريم."
تنهد ضياء بضيق وزفر أنفاسه بحنق وهو ينظر لها ولياسمين، يريد تلقينهم درس أن إذا أحب الرجل امرأة يعتبر نفسه ولي أمرها.
"مش مكبره ولا حاجة، بس في الأساس كان المفروض تستأذني عادل يا ولاء، بس روحتي وعاندتي أو بمعنى أصح طنشتيه لأنك فكرتي إن الموضوع انتهى."
رفعت ولاء أكتافها بلا مبالاة.
"ولا يهمه يا ضياء، هو بس ما صدق يشبط."
ابتلعت ياسمين ريقها بمرارة، فهي تعلم أن عادل صعب إرضاؤه.
"ولا شيط ولا حاجة، أنا هكلمه تاني وتالت ورابع يا ولاء، مش هسكت."
زفرت ولاء بحنق، فهي تضجرت من هذا الموضوع، تريد الراحة من التفكير.
"مش هنخلص النهاردة من موضوع عادل، أنا جعانة، إيه رأيكم تعزموني بمناسبة رجوعكم."
ابتسم ضياء إلى ولاء وغمز إلى ياسمين لتجاريه الحوار حتى تترك ولاء التفكير في عادل.
"عايزة تاكلي إيه يا ولاء؟ وأنا أكلم هادية تجيب لينا الأكل لحد هنا على بال ما ياسمين تتعلم الطبيخ."
تذكرت ولاء الطعام الأخير الذي أعدته بعناية لعادل بعد تنمره على طعامها وتذكرت القبلة اللي طبعها على يدها.
"مش حقيقي اللي بيقوله ليك يا ياسمين، عادل كان بيقولي نفس الكلام، بس آخر مرة قالي إن أكلي حلو أوي وباس إيدي."
وضع ضياء يده على خديه هو وياسمين باستمتاع كأنهم يسمعون مقطوعة موسيقية عن حب عادل لولاء، ليتحدث ضياء.
"وإيه كمان يا ولاء؟ طب ما الواد حلو وأمور أهو، ده أنا أروح أتعلم منه بدل ما ياسمين تنفضلي، بقولك إيه؟ قومي يا بنتي روحيله."
كانت ياسمين تائهه في كلمات ضياء وتعبيرات وجهه، تشعر أنه يمتلك من الرومانسية أطناناً، ولكنها يخبئها لأجل غير مسمى، لتسأله.
"هو مش ده اسمه الحب باين يا ضياء؟ طب لما انت تعرف وتفهم في أموره مش بتفرجني ليه؟ حبه منه والله أنا كبيرة مش عيلة ولا بنت أختك."
ضحكت ولاء.
"لا، هو هو هو."
حذرها ضياء باصطناع.
"اوعي وشك يا ياسمين لتنحرفي."
في منزل هريدي الحمش اجتمعت العائلة على مائدة الطعام.
"عزمتي زباينك كلهم يا مريم ولا نسيتي حد منهم؟ دول بيحبوكي."
نظرت مريم إلى والدتها بسعادة وإلى مصطفى الذي ذهب معها لعزيمتهم.
"عزمتهم كلهم يا ماما متقلقيش، ومحتارين يجبولي إيه، عادة بيهادوا بالورد، بس أنا صاحبة الورد."
تدخل محمد بمرح يحاول إغاظة ثريا واستفزازها بأي طريقة عقاباً لها على التدخل في أموره الشخصية.
"قوليلهم يجيبوا جاتوه، ما هو إحنا مش هنجيب لكل دول ويجيبوا عشاهم وهما جايين، يا أما مفيش غير العلف."
زمت مريم شفتيها وهي تنظر إلى مصطفى، لا يهمها أحد غيره، هو الأمر الناهي بكل أمورها، وثريا تفور غيظاً.
"خسارة فيا يا مصطفى، ولا إيه؟ مش انت اللي قلت ليا تعالي نعزمهم كلهم؟ إيه اللي بيقوله محمد ده؟ بجد أنا زعلانة."
تعالت ضحكات محمد خاصة عندما ضربته والدته في قدميه تريد منه إصلاح ما قاله ويخف من مرحه الغير معتاد.
"لا يا مريم، بس خسارة لمصطفى، أقولك حاجة كده كويسة؟ أنا هعطيكم بنتي وأنا مطمن، أنا هجيب بنات وأنتم صبيان، اصرفوا."
نظرت مريم إلى مصطفى الذي تعالت ضحكاته حتى لدرجة أدمعت عينه من حديث محمد، التي شعرت منه أنه من الممكن أن تتضايق بهيرة من كلماته إن سمعته.
"بتضحك يا مصطفى وأنا اللي كنت مفكرك هتضايق عشان أنا اتضايقت؟ أنا غلطانة؟ طب عقاباً ليك يا دكتور، مفيش هدية للؤلؤة قلبي أنا."
ارتبك باصطناع.
"أنا يا بنتي، ده أنا غلبان."
ابتسمت مريم بفرحة وسعادة.
"طب هتجيب جاتوه للمعازيم؟"
أخذ مصطفى ومحمد يضحكان.
"اممم، وهجيب لكل واحد عروسة المولد."
كانت تبتسم ولكنها توقفت عندما شعرت بسخريته.
"نعم؟ عروسة المولد؟ ليه؟ خير؟ انت ناوي تقلب الخطوبةزار؟"
ابتسم مصطفى بحب يذكرها بأنه موعد ميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم.
"عارف إنك مفكراني بتريق، بس انتي اللي نسيتي، مولد الرسول هيبقي يومها."
عبست مريم بحاجبيها وحزنت كالطفلة لأنها تناست أفضل الأيام المحببة لها.
"والله نسيت، عليه الصلاة والسلام، عندك حق، نفس يوم فرحي على سالم."
كانت تتحدث وهي في عالم آخر، لينظر إليها مصطفى بحدة، ونهشت الغيرة جسده عندما ذكر اسمه واليوم.
رواية الارث "صراع الاباء والابناء" الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم مروة البطراوي
يا مصطفي ده نفس يوم فرحي على سلمى.
نظر إليه مصطفي بحدة، والجميع اتسعت حدقة عينيهم عندما تذكر هذا اليوم ورددوا:
- مريم، اعتبري اليوم ده اتلغي خلاص. هشوف يوم غيره، ولآخر مرة بحذرك اسمه ميجيش على لسانك.
دخلت بهيرة، زوجة محمد، لتشاركهم الطعام لتجد الصمت حليفهم وكأن على رؤوسهم الطير. لتراوغها عائشة:
- اتأخرتي كده ليه يا بهيرة؟ الأكل هيبرد. قلت لك سيبيني أنيمها وأنتي تعالي كلي معاهم، وعقلي جوزك عمال يضحك.
ابتسمت بهيرة بتوتر من الأجواء، تسأل محمد بعينيها ماذا حدث. ليرفع رأسه بأن لا تسأل، وتجلس وتتناول طعامها.
- معلش يا مرات عمي، أنا نيمتها بسرعة وجيت على طول. كفاية سهرك معايا أول امبارح. فترة وهتعدي، بكرة تكبر.
حاول محمد هو الآخر تغيير مسار الموضوع، وفضل التحدث عن طفلته لعله يخترق حاجز الصمت الذي لا يبشر بالخير.
- لؤلؤة كويسة ولا لسه تعبانة؟ لو لسه تعبانة، تعالي نروح نكشف عليها أحسن، بلاش نهمل فيها من أولها يا بهيرة، مع احترامي ليكي يا ماما.
ربتت بهيرة على يديه لتطمئنه على طفلته. لطالما انتظرت هذا اليوم بشغف أن يكون لديها طفلا من محمد، وشعور القلق على الطفل والتفكير.
- متقلقش.
خرج من غرفته بكرسيه المتحرك.
- عايزكم كلكم تجهزوا كويس عشان خطوبة مريم اللي مش هتتأجل.
نظروا إليه جميعهم، وكلهم هزوا رؤوسهم، حتى مصطفى وافق لدرجة أدهشت مريم.
- تمام يا بابا، طالما أنت اللي حكمت باليوم ده، فكلمتك سيف على رقبتي ورقبة الكل يا والدي.
بعد مرور يومين، قررت هادية بعمل حفل خطبة صغير لشقيقها ضياء على نفقتها الشخصية.
- ألف مبروك يا أحلى ياسمين في الدنيا. ربنا يقدرني أن أخلي ضحكتك تفضل منورة وشك دايما.
ابتسمت ياسمين بخجل، ولكن من داخلها كانت تتطاير من السعادة، ليس فقط لخطبتها، ولكن لحديث ضياء.
- الله يبارك فيك يا ضياء. ومبروك ليك أنت كمان، بس مش على الخطوبة، لا، على كلامك اللي زي العسل ده.
حاول ضياء إخبارها عن الاتفاقات التي أخذها مع عادل، ولكنه كان يخشي من رد فعلها لتصرفه بدون رأيها.
- كتب كتابنا الشهر الجاي إن شاء الله. وبصي، أنا بجهز نفسي من زمان، يعني هنجوز على السريع. أنا عايش لوحدي.
صمتت ياسمين، ولا تعرف سبب صمتها. قد يكون رهبة من الزواج، أم أنها كانت تريد الفرحة لشقيقها هو الآخر. لينتبه ضياء.
- ساكتة ليه يا ياسمين؟ زعلانة؟ عموما عندك حق، لتاني مرة باخد قرارات وبتفق مع عادل من غير ما أرجع ليكي وأخد رأيك.
ذكرها هو الآن بهذا الأمر، حيث أنه لم يخطر ببالها. فنظرت له نظرة قاتمة تود الفتك به، ولتأخذها حجة للتأجيل حتى تحل مشكلة عادل.
- هقول إيه يعني؟ أنت دماغك ناشفة، وأي موقف بينا مش بيغيرك. لا بترجع تعاند برضه يا ضياء. افرض أخويا عايز يخلص مني، تلبس أنت؟
حزن ضياء.
- ومالك زعلانة إني هلبس يعني؟
زفرت ياسمين بحنق لأنها شعرت بمشكلة.
- مفيش، أنا مخنوقة أوي يا ضياء، ومحدش حاسس.
شعر ضياء أنها تسرعت في خطبتها منه وتراجعت.
- بصي يا ياسمين، إحنا لسه في أولها. لو حسيتي إنك اتسرعتي...
أوقفته ياسمين عندما شعرت أنه فهم عكس ما بداخلها، فصارحته.
- بصراحة كده، أنا مكسوفة من نفسي أوي وأنا بفرح، وأخويا مهموم.
تنهد ضياء براحة لأنها خالفت توقعاته، ومن ثم ربت على يدها بحب قائلا.
- أنتي إيه يا ياسمين؟ قوليلي أنتي ملاك صح؟ خايفة على زعله وهو مش على باله؟
هزت ياسمين رأسها بحزن وهي تنظر إلى عادل، الذي يظهر فرحته وهو بداخله ممزق.
- توعدني يا ضياء إنك ما تكتبش كتابي إلا لما نحل المشكلة دي؟ بصراحة مش هقدر أشوفه كده.
قاطعها ضياء ووعدها أن يتدخل في الأمر حتى لو كلفه أي شيء، لأنه يريد القرب منها وليس خسارتها.
- قولتلك أنا هتصرف، وأنتي مليكيش دعوة. قوليلي بس اللي اسمها حلاوتهم دي لسه بتيجي عندكم ولا خفيت؟
ابتسمت ياسمين بسخرية، فعادل أمام الناس يعاملها بحب، ولكن هو مقاطع لها من يوم ما دافعت عن ولاء وأقنعته.
- لا، بس أنا معتمدة عليك ومش حابة أحتاك بعادل الأيام دي نهائياً، ولا عايزة أدخل بينه وبين ولاء. هي كمان مش عايزة أحتك بيها.
عقد ضياء ما بين حاجبيه واستغرب عدم حضور ولاء رغم أنها صديقتها المقربة، وأخذ ينظر إلى عادل، الذي ينظر إلى الباب.
- طب ليه؟ هو عمل فيكي حاجة؟ أنا عارف إنه حذرك تدخلي ما بينهم، وده الطبيعي، بس ليه مش عايزة تحتاكي بولاء؟ أنتم زعلانين؟
نظرت ياسمين أمامها وتذكرت آخر لقاء بينها وبين ولاء، والخناق الذي دار بينهم عندما طلبت من عادل أن يصالحها، وهو هاتفها لينهرها.
- أصلها بتقول عليا عيلة.
مط ضياء شفتيه وشعر بالبلاهة.
- طب فهميني إيه اللي خلاها تقولك كده؟
جزت ياسمين على أسنانها بغيظ من ولاء.
- بقولها جربي عادل تاني، تقولي أنتِ عيلة.
تعالت ضحكات ضياء لتبتسم هي بسخرية منه.
- بتضحك على إيه؟ عشان هي بتقولي عليا عيلة؟
أخذ يهز رأسه بالنفي وهو ما زال يضحك، لا يتمالك نفسه.
- لا أبداً يا كبيرة يا عاقلة، أنا بس متخيلك وإنتي بتقولي جربي.
مط ياسمين شفتيها باستياء على استهزائه باقتراحها هو وولاء.
- اشمعنى يعني؟ فيها إيه لما أقولها جربي ترجع له لآخر مرة هااا؟
حاول تهدئة أنفاسه من الضحك وتنحنح يبتلع ريقه لكي يفهمها الحوار.
- يعني ممكن كنتي تقوليها بطريقة أحسن، مش جربي، جربي دي معناها إنك مش واثقة فيه.
ارتفع حاجبا ياسمين على تفكير ضياء وتفكير ولاء، إن كان هذا نفس تفكيرها، وسخرت قائلة.
- نعععم؟ مش واثقة فيه؟ بقي أنا اللي مش واثقة فيه ولا هي؟ والله ده من يومها وهو بيدبل قدامي يا حبيبي.
ابتسم ضياء بفرحة على حبها لشقيقها، وهذا ما سيجبرها على تقبل حب هادية الأمومي له وعدم الاعتراض.
- بعد الشر عليه يا حبيبتي، يعني بتحبيه أكتر مني؟ اخص عليكي يا ياسمين، وأنا اللي كنت مفكر حبك الأول والأخير.
تعجبت ياسمين من سؤاله، ولا تنكر أنه أدخل عليها السرور والسعادة من غيرته، حتى لو كانت على سبيل المزاح من عادل.
- أنت شايف إيه؟ أكيد شايف إن حبي لأخويا حاجة وانت حاجة تانية. عادل ده أبويا اللي رباني، أما أنت الإنسان الوحيد اللي قلبي دق له.
ابتسم لها ضياء، وتعالت دقات قلبه من أثر كلماتها. هو كان يحتاج لأنثى مثل ياسمين تعدل من مزاجيته وقتامة العيش والحياة الذي يعيشها.
- قلبي أنتي.
كانت تجلس في شقتها بعد ما تجاهل عادل اتصالاتها، تخشى أن تخرج وتقابل سالم ويفعل بها جريمة. فجأة رن جرس الباب لتزفر بحنق لتوقعها أنه البواب. فخرجت إلى الشرفة لتجد أن البواب موجود بأسفل العمارة. هاتفت نوال، أخبرتها أنها لن تأتي اليوم. غمرتها السعادة لأن عادل وعدها أن يأتيها يوما ما. ركضت إلى غرفتها وفكت حجابها وأسدلت خصلاتها وذهبت لتفتح الباب، واتسعت ابتسامتها التي تحولت إلى ذعر وخوف. كادت أن تغلق الباب بسرعة من رؤية عينيه، ولكن اقتحم عليها ودلف بسرعة وأغلق الباب من خلفه وتوجه إليها يجذبها من خصلاتها.
- كنت سايبك على راحتك، واستنيت تطلبي الطلاق بلسانك.
ارتعشت حلاوتهم وحاولت تهدئة غضبه، ولكن أخذ يسحبها.
- أنت كويس يا سالم؟ أصل شفت مصطفي جاي وعينه شرار. خفت ليعمل فيك حاجة.
طرق رأسها بالحائط، ليس على كذبها فقط، بل على خيانتها أيضاً وتبريرها المضحك.
- عيب عليكي، أنتي لسه مش عارفاني ولا إيه؟ ده لا مصطفى ولا محمد ولا أبويا يقدروا عليا.
أخذت تتوجع وهو يطرق رأسها حتى سال الدم من رأسها، وهي تصرخ تستنجد بأحد حتى تنجو.
- طب معلش سيبني وأنا هفهمك وهرجعلك كل حاجة وهقولك عملت كده ليه. أنت السبب يا سالم.
تركها سالم ونفض عن يده خصلات شعرها التي اقتلعها، وجلس أمامها يرفع قدميه فوق الطاولة يدخن سيجارته.
- اتفضلي يا حلاوتهم، قوليلي أنتي عملتي كده ليه وأنا السبب في إيه، وأنا مستعد أكفر عن ذنبي معاكي، بس كله هيرجع.
ارتبكت من إصراره على إرجاع كل الممتلكات. لعنت غباءها أنها سلمت كل شيء لعادل، وعادل ابتعد عنها. فكرت في تضليله.
- أهلك، فهمت من كلامهم آخر مرة يوم ما شفتك في شقة مريم، لما بعتولي أشوفك معاها. قالولي إنهم هيعملوا المستحيل عشان ترجع.
ابتسم بسخرية وهو ينظر لها وهي تستخف به وتدخل أهله في الحوار لكي يقتنع، لكن لا وألف لا، لن يصدقها حتى لو أرجعت كل شيء.
- بصي يا حلاوتهم، فاكرة أول مرة اتقابلنا لما كنتي جاية الحارة أنتي وأمك وإنتي بتلفي حواليا. حتى لما اتجوزت، خربتي بيتي. يعني خرابة بيوت وخطافة رجالة. مفيش راجل يصدق واحدة زيك. هتقولي ما أنت صدقتني، هقولك بمزاجي. فاكرة لما قلتي إنك حامل؟ أنا ليه ما فرحتش؟ أصل أنتي جوازة مزاج. أه، عطيتك نص الأملاك ونصيب مريم، بس أنتي تحت إيدي بس تلعبي بديلك وتلفي من ورايا يا وسسسسس******. لا أجيبك تحت رجلي وكل حاجة ترجع وبعدها أتف في وشك وأرمي عليك يمين الطلاق. يلا يا قطة، خشي هاتي العقود من جوه عشان نروح نعمليلي تنازل. أه، وحاجة كمان، هتمضي على الكمبيالات دي تمن هروبك وتمن الدهب المغشوش اللي أمك ضحكت على الصايغ وعطيته ليه. بس تعرفي، أنا مليش نفس أطلقك. عارفة ليه؟ نفسي أعرف مين الزبالة اللي روحتي نمتي معاه بعد ما شوفتيني في بيت مريم، وممكن بعدها أطلقك لو شايف إنه لايق.
ازرق وجه حلاوتهم لينعقد لسانها ولا تستطيع الرد. ليسود الصمت طويلاً، ويخرج من جيبه الإيصالات ويضعهم أمامها ويعطيها القلم لكي توقع. وبالفعل وقعت كي تستطيع إخباره أن الأملاك ليست لها الآن بل ملك عادل.
بعد توقيعها بفترة، التقط سالم الإيصالات، ينظر لها ومن ثم يعاود النظر إلى حلاوتهم ليجدها بعكس شخصيتها الذي يعرفها. وجدها مثل أوراق الشجر المتساقطة، ولكن كان لجفاء قلبه منها عامل مسيطر على أنه يبتسم بخبث، غير مراعياً لحالتها.
- هيكون أجمل لو دخلتي جبتي العقود من جوه. عارفة ليه؟ لأن اللي مضيتي عليه ضعف اللي في العقود. إيه رأيك بقى؟
سقطت بالفعل حلاوتهم كأوراق الشجر، ليقلبها فوجدها مغشياً عليها. ليتجه إلى الغرفة يبعثرها، ولكن لم يجد بها أي شيء. ليرن جرس الباب فجأة. انتظر حتى يمشي من على الباب حتى لا أحد يراه. وبالفعل كانت نوال. أخذت تطرق وترن عليها. ليضع نوال هي الأخرى برأسه ويتوقع أن العقود لديها. انتظر حتى رحلت، ومن ثم طوى الإيصالات وتفحص هاتفها ليجد رقمها الجديد وأخذه ورحل. يكفيه العقود التي تحمل ضعف الأملاك، عزم أمره أن يقاضيها وتمنى موتها لكي يورثها، لطالما أخفت مكان العقود وحرمته منه.
نهضت حلاوتهم بعد رحيله حيث كانت تتماثل الإغماء حتى لا يطالبها بالعقود.
على الجانب الآخر، حملت بهيرة طفلتها الصغيرة لؤلؤة وذهبت إلى ثريا تزورها.
- ازيك يا خالتي؟ كده برضه من يوم ما جيتي تباركيلي، وأنتي مش عايزة تيجي وتشوفينا؟
عقدت ثريا ما بين حاجبيها واستغربت زيارة بهيرة لها. توقعت منع محمد لها أو جاءت بدون معرفته.
- أهلاً يا بهيرة، تعالي ادخلي. مش عوايدك من امتى وأنتي بتزعلي لما بتأخري عن شوفتك؟ أوعي تكوني جاية من وراه.
ابتسمت بهيرة بمرح، فثريا تفهمها أكثر من والدتها التي قاطعتها بعد رحيل ثروة عائلة الحمش لعدم تخليها عن زوجها وعائلته.
- الله بقى، ما أنا طول عمري كده يا خالتي. أنتي اللي مش عايزة تشوفيني ولا تشوفي لؤلؤ. يا خسارة، كنت جاية هنا لمصلحتك وربنا.
رفعت ثريا حاجبيها وهي تستمع إلى بهيرة وتحاورها معها، لتتوقف عند تلك النقطة التي أخبرتها بها بهيرة أنها للمصلحة، وأمرتها قائلة.
- أنجزي.
رفعت أكتافها.
- وأنا يعني مش بنجز.
زفرت ثريا أنفاسها بحنق.
- طيب قولي بقى في إيه؟ قلقتيني.
اقتربت بهيرة من ثريا تهمس لها.
- كنت بقول يعني اللي أنتي عايزاه حصل.
شعرت ثريا أن بهيرة تمزح معها لمرة أخرى.
- أنا عارفة والله إنك جاية تهزري، وأنا على أخر.
ضحكت بهيرة بعفوية لأن ثريا تريد كلام موضح جداً.
- أهدي عليا بقى، أنا كنت عاوزة أقولك إن سالم راح لحلاوتهم.
اتسعت حدقة عيني ثريا بسعادة بالغة، ونهضت وكادت تتراقص.
- الخبر ده هينفعنا كتير، بس استني كده، أنتي عرفتي منين وإيه اللي حصل؟
ابتسمت بهيرة بخبث ترفع أكتافها بغرور لتفهم ثريا أن بهيرة تكمل مشوارها.
- هيبقي ليكي الحلاوة يا بهيرة لو اتحقق اللي في بالي. يارب يكون عرف العقود فين.
نهضت بهيرة بعد أن وضعت ابنتها جانباً، تربت على كتفي ثريا لتطمأنها بثقة قائلة.
- يارب، بس ييجي ليها تاني، لأن عرفت إنه مضى ها على فلوس ضعف اللي خدته منه يا خالتي.
فتحت بهيرة حقيبتها وأخرجت منها هاتفها لتفتحه وتريها ما تم بشقة حلاوتهم من خلال وضع كاميرا عن طريق نوال.
- امسكي يا ستي ده.
رواية الارث "صراع الاباء والابناء" الفصل الثلاثون 30 - بقلم مروة البطراوي
نظرت ثريا إلى الهاتف بدهشة، ثم إلى بهيرة، لتلمح في عينيها نظرة الثعلب التي تخص المحامين، وتبتسم بانتصار.
تضع يدها على شفتيها:
- يخرب عقلك يا بهيرة، إيه اللي وصلك للتسجيل ده؟
ابتسمت بهيرة بخبث، ثم سألتها وهي تغمز إليها:
- حلو التسجيل يا خالتي. أنا خليت نوال تزرع كاميرا هناك.
جحظت ثريا بعينيها، لم تتوقع يومًا أن تجد امرأة تتفوق عليها.
- التسجيل ده أنا هجنن بيه سالم بجد، تسلم إيدك كأنه حلم واتحقق.
خرجت مريم من غرفتها حيث كانت نائمة، لتنظر لهن باستغراب:
- بهيرة! في إيه؟ إيه اللي جابك، لؤلؤ كويسة؟ عمي ومرات عمي كويسين؟
توجهت نحوها ثريا وهي تشير إلى هاتف بهيرة بفرحة، لتريها ما حدث:
- إيه رأيك بزمتك مش ده انتصار ما بعده انتصار، أنا قربت أشفي غليلي منهم.
نظرت مريم إلى التسجيل بإعجاب ودهشة شديدين، لم يخطر ببالها أنها ترى ذلك.
- أوووباااا إيه الجحود ده، مين اللي وصل لشقتها، لا ومصورهم سوا، جمدان بجد.
ابتسمت بهيرة وهي تتراقص وتصفق على يدها حتى تدلت شفتي مريم لأنها ظنت أن رجل افتعل ذلك.
- حلو بجد يا مريم. شكرات شكرات شكرات، بس مش ليا لوحدي، للبت نوال كمان، ما هي اللي حطت الكاميرا.
عقدت مريم ما بين حاجبيها باندهاش من تدخل نوال في الأمر.
- الله أكبر عليكي يا بهيرة، ده انتي كده هتخطف القضايا خطف، إلا قوليلي نوال وافقت بسهولة كده؟
ابتسمت بهيرة بخبث قائلة:
- ده كأني كنت بقولها روحي عيدي على حلاوتهم، ما صدقت.
شردت ثريا في الفراغ تخشى على نوال.
- أنا خايفة عليها تروح في الرجلين.
تسمرت بهيرة بمكانها عندما تذكرت كلمات سالم أنه وضعها برأسه.
- صح، وكمان لما راحت رنت الجرس وعرف إنها على تواصل معاها... نوال مش هتسلم منه بسهولة.
***
في مكتب العقارات، وبعيدًا عن ولاء وياسمين، ذهب ضياء إلى عادل.
- ضياء!
ابتسم ضياء:
- ازيك يا دوله.
قطب عادل جبينه:
- أنا كويس، بس إيه اللي جابك ليه بدري كده النهارده؟
توتر ضياء لأنه عادة يلتقون في المساء لمراجعة الحسابات.
- خطيبتي يا سيدي اللي هي أخت حضرتك.
نظر إليه عادل بحدة:
- بعتك تكلمني بعد عملتها المهببة.
ابتلع ضياء ريقه، فهو يعلم أنها خاطئة.
- أنا جيت لك علشان أعتذر لك بالنيابة عنها، كان واجب عليها تعرف ولاء إن انت هتتصل بيها، هي غلطت وأسفة جدًا والله، وياريت متزعلش منها.
زفر عادل بحنق:
- وإيه فايدة اعتذارها دلوقتي؟
فهم ضياء مغزى كلامه أن الأمور تعقدت.
- شوف انت عايزها تعمل إيه يرضيك ويكفر عن ذنبها.
انتهزها عادل فرصة ليقطع ما بينها وبين ولاء حتى ينفرد بها.
- إياك تقرب من ولاء تاني، ولا تتكلم معاها نهائي، ولا حتى تتصل بيها. لو عرفت وهعرف إنها اتصلت بيها، أقسم بالله هحبسها ومش هجوزها ليك.
تألم ضياء من قوانينه.
- ماشي يا عادل، اللي تشوفه.
رد عليه عادل بخبث:
- ياريت تعقل كده على إيدك.
هز ضياء رأسه بعزيمة:
- هيحصل إن شاء الله يا عادل.
***
في مخزن الأعلاف الخاص به.
- مطلوب منكم انتوا الاتنين، واحد نوال والتاني حلاوتهم.
ألقى أوامره التي كانت عبارة عن أوامر إنهاء حياة الاثنتين، ليتحدث الشخص الأول.
- المعلم سالم اتجنن ولا إيه؟
رد عليها الآخر بمنتهى السخرية:
- عقله فوت خالص من يوم ما مراته طفشت.
زفر الآخر بحنق:
- ده جنان رسمي، مين فينا هيقدر يقتل الاتنين دول؟
ارتعد الآخر من فكرة القتل، فهو يسرق، يعتدي بالضرب، أما القتل فلم يفتعله من ذي قبل.
- ده عاوز واحد سفاح علشان يعمل اللي طلبه مننا.
ظهر من خلفهم شخص كان يتصنت عليهم وعلى سالم.
- أنا هشيل الليلة دي بالنيابة عنكم، بس النص بالنص تمام؟
نظر الاثنان إلى بعضهما البعض وإليه، وترددوا في بادئ الأمر، ولكنهم لا يملكون الشجاعة التي يملكها، فاضطروا أن يوافقوا حتى لو هيأخذ كل المبلغ.
***
على الجانب الآخر، أبلغ ضياء قرارات عادل لياسمين، لتنتفض بغضب قائلة:
- أنا مش مصدقة اللي سمعته ده، عادل صعبها أوي، إيه القرار العجيب ده وهدفه إيه؟
ولم تستمع لأوامره، بل ضربت بها عرض الحائط، وسردت لولاء كل شيء، لترد بلامبالاة:
- ده لو قاصد يبعدنا عن بعض مش هيبقي كده يا ياسمين، عادل جابها من الآخر، خلصنا، كتر خيره.
ومن ثم تركتها ورحلت، لتذهب من خلفها ياسمين وتصعد إلى ثريا، لعلها تجد الحل عندها باعتبارها والدتهم.
- مالك يا ياسمينا؟
زفرت ياسمين بحنق:
- مخنوقة أوي يا خالتي.
تنهدت ثريا بتعب قائلة:
- لا إله إلا الله، من إيه بس؟
لوت ياسمين شفتيها بغمّاز:
- الأستاذ عادل طالب إني أقطع علاقتي بولاء.
انفجرت ثريا من الضحك لأنها شاهدتها تركض خلفها.
- إيه، إزاي يا بت؟ ده أنا شايفاكي بتجري وراها.
هزت ياسمين رأسها بعناد قائلة:
- وإنتي مفكرة يا خالتي إني هسمع كلامه؟
كانت ثريا لا تريد تعكير مزاجها، خاصة بعد التسجيلات.
- قبل أي حاجة، اتفرجي معايا على التسجيلات دي وافهمي عادل عمل كده ليه مع ولاء.
شاهدت ياسمين الفيديوهات، ثم روت لها ثريا لماذا فعل هذا مع ولاء، لتندهش ياسمين بشدة وتصمت قليلاً.
- أخوك عادل ده ما جابتوش ولاده، خلي حلاوتهم زي اللي رقصوا على السلم، ولسه عذاب سالم ليها لما يعرف إنها باعت كله لعادل.
ضحكت ياسمين على حال حلاوتهم المقبل.
- وإيه العمل مع ولاء يا خالتي؟
جزت ثريا على أسنانها قائلة:
- أخوكي ده بده خطة جهنمية.
وضعت ياسمين يدها على رأسها بتشتيت:
- أنا حاسة إن مخي وقف يا خالتي.
جذبتها ثريا من يدها قائلة:
- ولا واقف ولا حاجة، اسمعيني، لو ركزتي هتلاقي إنه أمر إنك تبعدي عنها، وهو متأكد إنك هتروحي تقولي له، تقوم تتعصب وتعمل مصيبة.
لوت ياسمين شفتيها:
- أيوه، من ساعتها دماغي هتنفجر، يالا تروح تطلع العفاريت على اللي خلفوه.
حاولت ثريا تهدئتها وتوضيح لها الأمر قائلة:
- الموضوع ده محتاج شوية هدوء مش أكتر.
زفرت ياسمين بحيرة قائلة:
- أنا هركز مع ضياء ولا مع عادل، ولا أعمل إيه يا ربي؟
نظرت لها ثريا لتجد طفلة تحاول حل مشاكل الكبار.
- يا عيني عليكي يا بنتي.
نفخت ياسمين قائلة:
- بس بقى يا خالتي، والله انتي ما حاسة إني كبرت زي الباقي كلهم.
ابتسمت ثريا بشرود قائلة:
- عادل ده بيفكرني بأبوه الله يرحمه، حويط ومكنش حد يعرف دماغه فيها إيه، اسأليني أنا.
قطبت ياسمين جبينها باندهاش على وصف ثريا لوالدهم.
- وإنتي عرفتي ده كله إزاي؟
ابتسمت ثريا وهي تتنهد بهدوء:
- كان حاططني في دماغه أول ما جيت سكنت في الشارع زي عادل كده لما كان حاطط مريم في دماغه، بس هو كان راجل كويس جدًا، ولا مرة ساومني على دفع الإيجار علشان اتجوزه. بالعكس، لما عرف إني رافضه، فضل ساكت لحد ما في مرة عرفت إن استحالة أرجع لطاهر، روحت ليه، رفضني وقال لي مينفعش أعيش معاكي وإنتي قلبك معاه، كان عامل نفسه مش فاهم وهو فاهم كل حاجة.
اتسعت حدقة عيني ياسمين من تلك القصة.
- شكلك كنتي بتحبي أبو مريم أوي، ولولا كده كان فاتك مرات أبونا دلوقتي.
ابتسمت ثريا قائلة:
- عيب يا ياسمين، ده أنا ماما.
تظاهرت ياسمين بالخوف:
- بلاش تملصي وداني يا ماما، حرمت.
تعالت ضحكات ثريا قائلة:
- يخرب عقلك، انتي مسخرة.
عضت ياسمين على شفتيها بخجل:
- بكرة هنزل أشتري مستلزمات جوازي الخاصة، ممكن تيجي معايا يا ماما؟
وضعت ثريا إصبعها على عينها اليمنى ومررته على اليسرى قائلة بوعد:
- عينيا الاتنين حاضر، من بدري نروح ونشتري حاجات ست البنات.
***
بعد ما استمعت ولاء لقرار عادل من ياسمين، انفجرت من الغضب وقررت أن تذهب إليه لتواجهه وتعلمه أنها لا تريده.
وفي طريقها، وجدتها مريم وعرضت عليها الدخول إلى محل الورد بعد موافقة مصطفى على ذهابها اليوم فقط، حتى تصفي حسابها مع وعد ألا تخرج منه، وأن جائها سالم تهاتفه فورًا.
- خلاص يا مريم، هو كده بيقولي مش عايزك.
قطبت مريم جبينها فهي لم تصدق ذلك.
- إزاي هتقدري تبعدي عن عادل يا ولاء؟ ده كان فرحكم قريب وقبلنا كمان.
انهمرت ولاء بالدموع:
- الكل كان بيقولي عادل مش عايز يخسرك، بس هو خسرني خلاص.
ردت عليها مريم بعد فهم:
- إنتي مش فاهماه يا ولاء، بس كده حرام عليه والله.
نظرت ولاء إلى الأعلى قائلة:
- فوضت أمري ليك يا رب في عادل ده، كان كل يوم بيجيلي، الأيام عدت كتير ومش بيسأل.
أوقفتها مريم حتى تعدل من دعائها قائلة:
- ربنا ما يحرمك منه تاني يا ولاء، ويبارك ليكم في بعض، اصبري إن شاء الله ربنا هيحلها من عنده.
***
عادت ياسمين إلى منزلها لتجد غرفته مظلمة، فعلمت أنه لم يكن موجودًا، فقررت مهاتفة ولاء لتخبرها بما تم فعله بحلاوتهم وأنه من أسباب ابتعاد عادل عنها، ولكن للأسف تجاهلتها ولاء ورفضت الرد عليها.
- منك لله يا عادل، أشوف فيك يوم، الله لا يسامح.
لتتفاجئ بمن يفتح الباب من خلفها وبصوت عالٍ وغضب:
- بتدعي عليا يا ياسمين؟
انتفضت ياسمين واستدارت بحرص، تشعر أنه عفريت وليس هو، ترتعش في كلماتها قائلة:
- ازيك، انت جيت إمتى وقاعد في الضلمة ليه؟
نظر إليها عادل ببلاهة قائلاً:
- إيه يا بت مالك، شفتي عفريت ولا إيه؟
هزت ياسمين رأسها بخوف لاعتقادها أنه ليس هو.
- لا، بس إحنا بليل والأوضة ضلمة، انت كويس؟ أنا أسفة إني دعيت عليك، معلش النهارده كان يوم صعب عليا فخرفت شوية.
تدلت شفتيه إلى الأسفل بتعجب قائلاً:
- صعب في إيه بالظبط مش فاهم؟ عشان منعتك عن ست الحسن ولا إيه؟
رفعت سبابتها تهزها بالنفي قائلة:
- لا يا أخويا.
ربع عادل ذراعيه قائلاً:
- والله! واللي بيعصي أوامري عارفه بعمل في إيه؟
ارتعدت أوصالها وارتعشت، ليستدير حولها ينظر لها بخبث قائله:
- أه يا بنت اللذينة.
فهمت أنه عرف من حركاتها أنها أبلغت ولاء، فابتعدت ببطء.
- أنا همشي من هنا يا عادل، هروح أنام، الله يخليك سيبني.
هز رأسه بالموافقة، ولكن استوقفها قائلاً:
- بكرة هتحتاجيها وإنتي راحة تشتري حاجتك، وابقي قابليني لو هي وافقت.
نظرت له ياسمين بضيق قائلة:
- تصبح على خير يا عادل.
***
في صباح يوم جديد، حملت حلاوتهم حالها وذهبت إلى نوال، حتى أن نوال تفاجأت بها وابتسمت لها ابتسامة صفراء.
- صباح الخير يا حلاوتهم.
ردت عليها حلاوتهم وهي تتلفت حولها:
- صباح الخير يا نوال.
ثم دلفت لتقف خلف الباب تحاول تهدئة أنفاسها، لتغلق نوال الباب وتنظر لها بخبث قائلة:
- إلا قوليلي يا حلاوتهم، هو إزاي تسأليني أنا على الباب، ولا الله، وأجي ما تفتحيش ليا الباب؟
تسمرت حلاوتهم بمكانها ولم ترد، أخبروها بالحقيقة.
- عادي، كنت نايمة ومش فارق معايا مين جه وبيخبط.
هزت نوال رأسها بعدم اقتناع قائلة:
- أيوه طبعًا براحتك، بس على الأقل كنتي ردي على تليفوني.
ردت عليها حلاوتهم بضيق قائلة:
- ياستي مكنتش فاضية، كان معايا ناس جوه.
أظهرت نوال بعض من نيران الغيرة المصطنعة واندفعت قائلة:
- أه طبعًا، المهم البيه عادل ياخد راحته، أنا بس خايفة عليكي، لياخد منك اللي أخدتيه من سالم.
توقفت حلاوتهم عند تلك الجملة وباتت تلعن نفسها، فنوال محقة، عدم رده عليها خاصة في أكبر أزماتها خير دليل على ذلك.
***
في منزل هريدي الحمش واجتماع بينه وبين أبنائه في عدم تواجد النساء إلا واحدة وهي نوال، ابتسم لها هريدي بخبث قائلاً:
- نوال، قلتي إنك عايزانا، خير يا بنتي على الصبح.
تقدمت منه نوال وهي تبتسم بانتصار قائلة:
- زي ما توقعت، جت تستخبي عندي، وبسم الله ما شاء الله، إيدها مش فاضية، جايه ومحملة الحاجة اللي كان نفسك فيها من زمان.
عقد هريدي ما بين حاجبيه قائلاً:
- فين الحاجة دي؟
نظرت نوال لأحد أبنائه ألا وهو المدعو محمد، الذي خطط كل شيء مع زوجته وتم تجنيد نوال لحسابهم الشخصي، لتتقدم نوال نحو هريدي الحمش وتضع على قدمه ملف مزرعة جديدة اشتراها سالم لتربية المواشي منذ شهور واختفت أوراقها، ومن يومها يبحث عنها سالم للتوثيق ولم يجدها، والطرف الآخر رفض تسليمه المزرعة إلا إذا أتى بالأوراق.
- ده الملف اللي كان نفسك فيه يا عم هريدي، وما تعبتش إن ألاقيه، هي خلاص كروتها انحرقت.
اتسعت حدقة عيني هريدي بذهول، ومحمد يقلب له أوراق الملف ليسألها بتوجس قائلاً:
- فين حلاوتهم دلوقتي؟
ابتسمت نوال بسخرية:
- تعبانة شوية ومش قادرة تقوم من على السرير.
شرد هريدي أن تكون حلاوتهم حامل.
- مالها يا نوال؟
تعالت ضحكات نوال لترد قائلة:
- شوية كدمات بسيطة في جسمها من ضرب سالم.
أخذ محمد الأوراق وبعث صورها إلى بهيرة لتوضح له الأمر.
- ده عقد علشان يبقى من حق سالم، لازم يتوثق، بس لو حصل غلطة صغيرة في الحسابات ودفعنا إحنا السعر الجديد للمزرعة، وطبعًا لو المالك له شروط جديدة ووافقنا عليها، هتكون المزرعة بتاعتنا، وماله ما هي تعتبر بتاعتنا مش بفلوسنا؟
نهض مصطفى قائلاً:
- طبعًا يا محمد.