تحميل رواية «الارث "صراع الاباء والابناء"» PDF
بقلم مروة البطراوي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحد الشوارع البسيطة ب محافظة البحيرة، وبالتحديد في أحد بيوت أشهر العلافين في المنطقة، وفي الطابق الأرضي، حيث يقطن كبير عائلة الحمش، الحاج هريدي، مع زوجته عائشة، السيدة الحنونة، أم أبنائه الثلاثة الذين أنجبتهم بعد صبر سنوات عديدة واشتياق مرير، وحرصت جيداً على تربيتهم. كان هريدي يتحدث معها بعصبية: - وأنا قولت هكتبله هو كل حاجة دوناً عن أخواته، يعني هكتبله. خشت عائشة من قراره فردت: - يا هريدي، حرام، محدش ضامن الموت من الحياة. اتسعت حدقة عينيها بصدمة قائلاً: - بتقولي إيه يا عيشة، بتفولي عليا يا و...
رواية الارث "صراع الاباء والابناء" الفصل الحادي عشر 11 - بقلم مروة البطراوي
هيكون مالي يا مريم تعبانه.
تنهدت مريم بحزن وزفرت قائلة:
يوووه يا بهيرة دي إرادة ربنا، المرة الجاية هيكرمك صدقيني.
ابتسمت بهيرة من داخلها بخبث وزمت شفتيها:
متشغليش بالك بيا، روحي اعمليلي ملوخية عشان الوحَم.
نهضت مريم وتوجهت إلى المطبخ، ولكن وقفت في المنتصف والتفتت إليها:
يا بنت اللذينة. عمالة تشتغليني من ساعة ما جيتي وأنا قلبي بيتقطع عليكي، أه منك.
تعالت ضحكات بهيرة بصخب وهي تنظر إلى مريم التي تود أن تفتك بها على ما فعلته:
مش قادرة يا مريم، مش قادرة، هموت وهفطس من الضحك، انتي صدقتيني؟ أنا لو كده مكنتش جيت.
ابتسمت مريم لسعادة بهيرة وتوجهت إليها تحتضنها، مربتة على ظهرها بحنان الأشقاء، داعية لها أن يتم الحمل:
أنا حاسة بيكي يا بهيرة، ودعيت كتير إن ربنا يرزقك المرة دي بالذات، انتي جميلة وتستاهلي كل خير. أخيرا محمد هيبقى له أولاد عم؟
هزت بهيرة رأسها بسعادة وهي تتحسس بطنها الصغيرة للغاية براحة يديها وبرفق، كمن تخشى على قشرة بيضة أن تكسر، ما بالك إذا جاء إلى الحياة:
مقدرتش ما أبشروش.
قطبت مريم جبينها بعدم فهم:
مين ده؟ مش فاهمة، فهميني كده.
تنهدت بهيرة بارتياح وهي تقول:
دخلت لعم هريدي الأوضة وبشرته.
شردت مريم في عمها، فهي منذ أتى لم تقدم على رؤيته.
خرجت من شرودها على صوت جرس الباب، فنهضت لتفتحه، تتفاجأ بولاء تدلف بسعادة:
والله فرحتلك.
ومن ثم تقدمت منها واحتضنتها لتبارك لها، ومريم تنظر إليها بشك، كيف لولاء أن تعرف هذا الخبر وهي بالمكتبة طيلة النهار، معني ذلك أنها العروس لمصطفى:
الأخبار الحلوة بتيجي ورا بعض.
عقدت ولاء ما بين حاجبيها بتساؤل:
خير يا مريم، شكلك عندك خبر حلو.
رفعت مريم حاجبيها وظنت أن ولاء تستغباها:
عندنا عريس هيخطب عروسة وشبكة هتتشرى.
نظرت ولاء إلى بهيرة بتساؤل، لتمط الأخرى شفتيها:
خطوبة مين على مين يا مريم؟ أوووبس، انتي وافقتي على عادل؟
شهقت ولاء من داخلها وحزنت، كيف لمريم أن توافق عليه وهي تعلم أنها تحبه:
لا ده مصطفى يا بهيرة، هيخطب واحدة، والظاهر إنها قريبة مننا عشان جه النهارده وقالي.
نظرت بهيرة إلى ولاء ببلاهة:
مين هي؟ أيعقل أن تكون ياسمين؟ لماذا ياسمين؟ لماذا يختار أي قريبة منها؟
بجد يا مريم؟ انتي بتتكلمي بجد ولا بتهزري زي ما هزرت معاكي من شوية؟ أصل عادل كان عندنا النهارده.
واستطردت بهيرة وهي تنظر إلى ولاء بحرص بسبب حالة خيبة الأمل التي انتابتها ومريم ونظراتها الخبيثة:
هو قالك إن عادل جه وهو طرده صح؟ بس غريبة موضوع خطوبته ده، اللي عرفته من مرات عمي إنه هيتجوزك انتي.
كانت كلا من مريم وولااء بعالم آخر شاردتين، ولكن ولاء كانت تستصعب الموقف، فها هو للمرة الثانية يتقدم لخطبة مريم:
دي أخرتها يا عادل، انت مفيش منك فايدة، كنت بتلاعبني عشان تفرج الكل إنك مرغوب فيك. أنا اللي غلطانة، بس هتشوف مني حاجات عمرك ما تتوقعها.
ضحكت مريم بسخرية من مصطفى:
صح كده؟ أنا بانت ليا الرؤية، ماشي يا درش.
أخذت بهيرة تغمز لمريم حتى تنتبه إلى ولاء وحزنها:
ودي رؤية رمضان ولا العيد يا حزينة؟ أما عجايب انتوا.
أرادت بهيرة إراحتهما الاثنتين وسردت لهم خطة مصطفى:
وهنا فهمت مريم سر صمت مصطفى، كان دائماً ينصت ويراقب تصرفات الجميع، ويبني خططه على هذا الأساس، والصمت هو الذي دفعه لذلك، دفعه إلى أن ينصت للعدو والحبيب، ولأي شخص أي كان، حتى لو كان الشخص هذا أضعف منه.
تتذكر جملة قالها لها عندما علم بما افتعله سالم، حيث ردد بعزيمة وقوة قتالية:
أيوه العقل والصبر والهدوء يا مريم... هي دي الأساسيات اللي لازم نمشي بيها... لو هنرجع حقنا من مين.
عقدت مريم حاجبيها وهي تفكر في كلماته، لتتفاجأ أنه قد حانت اللحظة الأهم... نهاية سالم... وخروجه هو وحلاوتهم من البيت.
خرجت من شرودها على يد بهيرة وهي تدغدغدها من خصرها، لتعلو ضحكاتها، وتنتبه إليهم لتجد ولاء شارده حزينة تفكر في عادل:
تصدقي يا بهيرة، انتي فعلاً صح، النهارده ولا فرحتي بدخول رمضان اللي هييجي بعده العيد، وأنا واثقة في مصطفى وفي خططه، هو وعدني.
عقدت بهيرة حاجبيها:
دي كمان كانت وعد؟
هزت مريم رأسها بتأكيد:
بس موضوع عادل ده لأ.
ثم استطردت بقلق وتوتر:
في حاجة. ممكن محدش يصدقه.
ابتسمت ولاء بسخرية، فهي تعرف عادل:
بتقولي إيه يا مريم؟ ده عادل اللي هيعرف يلعبها.
توترت مريم، أن يقوم عادل بخيانة الاتفاق ويتحد معهم:
معاكي حق، عشان كده أنا مش مصدقاه شخصياً، الله أعلم.
ابتسمت بهيرة بمكر وأرادت المرح معهم حتى يخرجوا من القلق:
يبقى برضه كتر خيره، يمكن سالم يعرف والنار تشعلل فيه ويرجع.
انتفضت مريم بذعر وهبت واقفة، يتطاير الشرار من عينيها، تبصق في الأرض:
مش هيحصل يا بهيرة، على جثتي، يا تاخدي روحي ولا إني أرجعله تاني، قال نار تشعلل فيها.
تعالت ضحكات كلا من بهيرة وولااء، حيث فهمت أن بهيرة افتعلت ذلك لتخرج مريم من قلقها:
اممممم. لا من ناحية النار فهي شعللت أوي يا مريم، وهو مصطفى هيسكت؟ ما خلاص بقي زمن الصمت.
نظرت مريم إليهم بغيظ ونفخت براحة شديدة، متخيلة سالم وهو يجبرها على العودة كخادمة إلى حلاوتهم، لتهز رأسها:
في حاجات مينفعش فيها الهزار بجد يا بهيرة.
مجرد التخيل خلّى الدم يفور في نافوخي، أنا ما صدقت خلصت منه، بجد ربنا بيحبني.
تقدمت منها بهيرة تربت على يديها بحنان، وتنظر لها بأسف، كأنها تطلب السماح على سوء ما قالته لمريم، حتى لو كان على سبيل المزح:
لا، وهي يعوضك.
ابتسمت مريم بثقة:
أنا طول عمري عندي ثقة في ربنا.
كأن كلمات مريم رسالة موجهة إلى ولاء:
طب خلاص، أنا هفكني من عادل وهثق في ربنا.
ابتسمت مريم من كلمات ولاء، فتأكدت من وصول الرسالة:
كنت ديما أقول كده لبهيرة، وقولتهالك قبل كده يا ولاء، ابقي قولي لياسمين.
تعالت ضحكات ولاء عندما تذكرت ياسمين وما تفتعله في ضياء في المكتبة:
اسكتي يا مريم، دي سايبة المكتبة بقالها خمس أيام بحالهم، وكل شوية تليفون، مسألش عني.
تذمرت بهيرة لأنهم تناسوا أمر الطفل وبدأوا يثرثرون في أحوالهم، هي تريد الاهتمام بها فقط:
طب ما تسيبكم من ياسمين دلوقتي وتعالوا احلموا معايا، يا ترى هيبقي شكله إيه؟ ولد ولا بنت.
غمزت ولاء إلى مريم أن بهيرة تتضايق عند ذكر اسم ياسمين منذ آخر موقف، وأرادت تخفيف الموقف:
والله ياسمين طيبة وغلبانة، انتي بس اللي اندفعتي فيها يا بهيرة، دي ديما تسأل عني وبتدعي لك إن ربنا يرزقك.
أوقفتها بهيرة، لا تريد السماع أكثر عن ياسمين وصفاتها، هي حتى لا تعلم لما تتضايق عند ذكر سيرتها، بل و تقيئت الآن عندما تذكرت عطرها:
اسكتي، هرجع.
التفتت ولاء:
يالا يا بهيرة، الساعة أربعة.
عقدت ثريا ما بين حاجبيها قائلة:
و ماله، لما تكون أربعة ووراكي ميعاد؟
نظرت إلى عادل كأنها تريد إغاظته قائلة:
عشان أنا داخلة كورس على النت والمستر بيزعق.
كتمت كلا من ثريا وبهيرة ضحكاتهما وهم يراقبون انفعالات عادل:
الله! كورس ومستر يا ولاء؟ ما تاخديني معاكي؟ أنا خالتك ثريا برضه.
قهقهت ولاء من الضحك وأخرجت لسانها تتلاعب به، كان المقصود عادل:
خلاص هقوله وهيوافق أكيد، هو بيحب الحلوين، وانتي هتنولي إعجابه بسرعة.
رفعت ثريا حاجبيها بإعجاب لولاء وتغيرها وخروجها من هالة الحزن التي تلتصق بها:
والله لو كنت صغيرة ما كنت سبتك تاخدي الكورس، كنت هاخده لوحدي، أصل أنا ست ضعيفة.
هنا أحس عادل بغيرة من كلام ولاء وأحس برغبة عارمة في خنقها، لأنها تعدت حدود الأدب مع مدرسها، ولا يعلم لماذا يشغل باله وتفكيره هذا الموضوع، وسرعان ما نفى هذا الإحساس وأكمل طريقه وحده.
بعد أسبوع منذ ذلك الوقت، وبمحل حلاوتهم، حيث أنها فتحت محل لها خاص:
جايين نشتري شوية حاجات حلوة منك يا ست حلاوتهم لجهاز ياسمين أختي.
تلفتت حولها حلاوتهم بقلق ورعب أن تكون مراقبة من قبل سالم، وغمزت قائلة:
هنروح المحل التاني عشان المخزن فيه، عشان ما نبقاش نمشور الشغالين، تعالي.
بالفعل ذهب معها، وهو يتفرس ملامحها بدقة، وهو يحدث نفسه، لقد وقعت في المصيدة:
عندي ليكي خبر مش كويس، سالم كان عند أهله أول امبارح، ومريم كانت هناك، الله أعلم.
تذكرت ليلة أمس عندما قامت بمداعبته وهو ينفر منها، معني ذلك أنه بسبب تلك الزيارة الشؤم:
محضر ليا إيه يا ابن الحمش؟
كان عندي حق لما أخليك تكتب ليا نص أملاكك وأملاك الهانم.
حزم عادل الموقف وانتهز فرصة حديثها عن الأملاك ليبخ سمه في أذنها رويداً رويداً قائلاً:
مبقاش اسمي عادل، أما طربقتها فوق دماغهم لأجل عيونك يا حلاوتهم.
هقلبه عليها وهتشوفي.
أحست حلاوتهم أن قلبها يدق بشغف من حديثه وهمساته وكلماته، وأرادت إخراج ما يجول برأسه:
إيه يا عادل؟ هتعمل إيه يعني؟ هتتجوزها إزاي؟ والكل رفضك وقال إيه بحجة إنها لمصطفى، كنت عارفة إنه ملعوب.
ابتسم ابتسامة لعوب وأخذ يدور حولها بمكر، وهي شارده في تفاصيله، وكأن الشيطان يرقص برأسها ويميلها نحوه:
هخلصك من الموضوع ده، أنا ميهونش عليا نكدك يا حلاوتهم، كل اللي عليكي تحولي كل اللي أخدتيه منه ليا، وأنا هكتبلك ورقة ضد.
دقائق ودخلت ياسمين المحل، فقد كان شرطها أن تكون معه منه ضمان ألا يغدر بهم، ومنه أن تبتعد عن المكتبة قدر الإمكان حتى ضياء يختار، أشارت له ليأتيها:
خف شوية يا عادل، أنا مراقباك.
زفر عادل بحنق وندم على جلبها:
بت! هو أنا جبتك هنا عشان تضيقي عليا؟
عقدت ياسمين ما بين حاجبيها بذهول قائلة:
لا، بس شكلك وأنت مقرب منها كأنك هتغدر.
ابتسم عادل بنصر لأنه استطاع إقناع شقيقته بالدور:
مع نفسك بقي، وحلو أوي إنك وصلك الإحساس ده كمان.
جحظت ياسمين بعينيها وتدلت شفتيها ببلاهة لتفهم شقيقها:
يا واد يا ابن اللذينة، جدع من يومك، ده أنا نفسي اقتنعت باللي بتعمله.
ابتسم عادل بثقة وهو ينظر إلى حلاوتهم الشاردة في حديثه، غافلة عن ياسمين:
أديني رشيت طقم الحنية دي، حتى لها نصيب الأسد، عمري ما كنت رهيف مع حد كده.
نظرت ياسمين إلى حلاوتهم، بالفعل كانت تتمتع بجمال أنثوي طاغي يلفت نظر أي شخص:
أكيد لازم تبقى رهيف معاها. هي وقعت سالم من شوية يا ابني، ده كان مع مراته ومعاها.
انقضى اليوم وقد لعب عادل في رأس حلاوتهم لتبصق على حياتها مع سالم، تود التمتع بالحياة الجميلة وتنهي حياتها مع سالم، غافلة عن اصطدامها بالواقع والذي سيكون المنتهي الطويل لها، فقد جذبها عادل من كافة الاتجاهات، حيث كان يتمتع بطول القامة وكان مفتول العضلات، ارتدائه للملابس الشبابية العصرية بعكس سالم المرتبط بالأعلاف فقط.
رواية الارث "صراع الاباء والابناء" الفصل الثاني عشر 12 - بقلم مروة البطراوي
ظلت تتذكر أول لحظة دلف عليها عادل المحل.
بقت عيناه في عينيها، تشعر أنها تسبح فيها.
كم كانت غبية! وقعت في جماله وأمواله.
سحقًا لهذه المرأة، ولكن ما أُخذ بالقوة لا يُسترد إلا بالقوة.
وما أُخذ بالخداع والمكر لا يُسترد إلا بهما.
يبدو أن خطة مصطفى ستنجح.
ويبدو أن عادل سيقتل الشيطان الذي بداخله وينتصر عليه.
تمنى الجميع أن تسير الأمور على ما يرام، ولا يعكر صفوهم أي بشر.
ولكن دائمًا تأتي الرياح بما لا تشتهيه السفن.
كانت تمشي في الشارع الذي تقطن به، شارده، حزينة، تتذكر ما مرت به وحبها لمصطفى، والتي علمت أنه سيتزوج مريم.
من حلاوتهم، تذكرت أيضًا معاتبة والدها لها، خاصة عندما عاد مصطفى وسرد له الأمر برمته عن ما فعلته ابنته وزيارتها المتكررة للعائلة.
اصطدمت بشخص.
نوال: هو انت؟
عادل: انتي تاااني؟
نوال: جالك عين تيجيلي الشارع اللي أنا ساكنه فيه؟
عادل: ليه هحفظه من أول مرة يا حرامية الكتب؟ فين يا بت الفلوس؟
نوال: بدل ما تتبلى، كنت فوق لنفسك. أنا بستعير الكتب، أنا حطيت ليك تمن إيجارها.
عادل: تطلعي دلوقتي بيتكم يا بت؟ انتي تجبيلي الكتب. لما هما استعارة لسه مرجعوش ليه؟ هتتغطي بيهم؟
نوال: يا أخي طلعت روحك. أرجعهم إزاي؟ وأنت كنت بتتحرش بيا يومها. طبيعي لازم أخاف من أشكالك.
عادل: انكتمي، قطع لسانك. أنتي اللي بت سايبة. أنا أصلا مش شغال في المكتبة وكل عارف إني ببقى موجود في نهاية الأسبوع.
نوال: لا ده انت مجنون و مريض نفسي. انت مين عشان أنا المهندسة نوال فاروق أعرف إنك في المكتبة آخر الأسبوع؟ أنا افتكرت إنك عامل فيها.
عادل: لولا إني مستعجل كنت عرفتك شغلك.
كان سالم ذاهبًا إلى حلاوتهم عندما علم أنها بالمحل الثاني.
شاهد نوال وهي تتعارك مع عادل، فتدخل.
سالم: وطّي صوتك، انت في شارع مش بتاعك. لو ليك حق هتاخده، ملكش ستات الشارع. الرجال هيعملوك كفتة.
عادل: ليا حق، بس إزاي الهانم بدل ما تلم الدور بتفضح نفسها.
سالم: معلش، حقك بيتاخد من المصلحة اللي انت واقف فيها، مش في الشارع. حتى لو هي حابة كده.
نوال: الأستاذ شغال في مكتبة، روحت أجر منه كتب. قعد يعطف ويلطف. حطيت الفلوس على مكتبه، ومن ساعتها نفسي قفلت.
عادل: مين ده اللي يعطف ويلطف يا بت؟ انتي هتجنني؟ محصلش. وبعدين المكتبة دي بتاعتي، أغنيالك والكتب حلال عليكي، مش عايز من خلقتك حاجة.
انتبهت حلاوتهم للصوت وركضت إليهم.
حلاوتهم: حقك عليا يا عادل بيه، متزعلش من سالم ده جوزي وعصبي حبتين.
سالم: حلاوتهم! انتي تعرفي البني آدم ده منين؟ ده جاي مخصوص ياخد حقه من نوال.
حلاوتهم: معلش، أنا مش فاهمه أصلاً انت بتقول إيه يا سالم. عادل بيه ده زبون عندي وجاي يجهز أخته.
نوال: اها، علشان كده لازم سيادتك تعتذري له. أصله زبون وبيدفع بقي يا حلاوتهم، وانتِ بتحترمي اللي بيدفع.
سالم: خلاص يا نوال، مفيش داعي للكلام ده. هو استغنى عن كتبك، مش موضوع. اتفضلي اطلعي بيتك، وانت شرفتنا.
نظرت نوال إلى الجميع باستحقار وصعدت بيتها متوعدة لكل فرد بالجحيم.
أما عن عادل، ابتسم بخبث إلى سالم ودلف سيارته.
وقفت حلاوتهم تنظر في أثره بشك، حسمت أمرها أن تعرف الكثير عنه وعن علاقته بنوال.
أما عن سالم، كان شارداً في ملكوت آخر.
لهفته حلاوتهم على عادل واعتذارها له خشية من أن يكون سلط لسانه عليه.
تدافع عن رجل غريب أمامه.
في صباح اليوم التالي، كانت ذاهبة إلى محل الورد لتتفاجأ بظهور مصطفى أمامها.
مصطفى: ليه ما اتصلتش بيا وعرفتيني الميعاد اللي هنقي فيه الشبكة لعروستك؟ هي ولاء، مش كده؟
مصطفى: تفتكري هكرر الغلط مرتين وأروح أنقي عروسة صاحبتك برضه يا مريم؟ مش يمكن العروسة رفضت وجودك؟
مريم: مش عارفة، انت اللي غاوي أصحابي. زمان نوال قلت يمكن عشان تبقي سلفتي، صاحبتي زي بهيرة. إنما اللي هتختاريها مش هتكون سلفتي خالص.
مصطفى: اممم، مش يمكن أرجعك لسالم.
مريم: بحبك والله يا مريم، ومن زمان أوي. آسف إني مأخدتش موقف أيام جوازك من سالم.
مصطفى: إيه الصمت ده؟ انتي بتتعلمي مني؟ آه، أنا سكت سنين بس اتكلمت أهو. اتكلمي انتي كمان، قولي اللي في قلبك.
مصطفى: مالك يا مريم؟ انتي مش موافقة عليا ولا إيه؟ أنا توقعت إنك هتفرحي، خصوصاً إني أصرت أصارحك باللي في قلبي ومش أخبي عليكي.
مريم: أنا هروح شغلي.
مصطفى: ماشي يا مريم، براحتك.
عادت إلى المنزل وما زالت شارده.
ولاء: بغنيلا وبدقلاَ. وغير بحبك ما بقللا.
مريم: مين ده اللي بيغني وبيدق؟ هو عادل قابلك النهارده؟
ولاء: أنتي بتحلمي يا مريم، ده لو كل الحبيبة قالوا لحبيبتهم بحبك، هو لا.
مريم: معاكي حق، كنت زيك كده زمان أوي، لغاية النهاردة لما قابلت مصطفى.
ولاء: أيوه بقي، وأخيراً جالها. مصطفى أبو الهول نطق يا حارة. فرحنالك أوي يا روما، بس انتي سرحانة ليه؟
مريم: أقصد إني كنت زيك، مصطفى طلع بيحبني من زمان وعمره ما بين ليا، وفجأة صارحني يا ولاء، انتي متخيلة؟ ومن ساعتها وأنا في ذهول.
ولاء: فاهمه قصدك، بس مصطفى مش زي عادل.
مريم: هو إيه اللي مش زيه؟ أنا عمري ما حسيت إن مصطفى بيحبني.
ولاء: بصراحة، إحنا كلنا كنا عارفين إنه بيحبك، لكن عادل الكل متأكد إنه مش بيحبني.
مريم: بجد يا ولاء؟ عرفتوا منين؟ ده كان كل شوية يقولي أنا بعتبرك أختي، لما زهقت حتي فكرته هيتجوزني عشان بنت عمه.
ولاء: والله بيحبك، وباين عليه.
ولاء: المهم، عرفيني قلتي إيه لما قالك إنه بيحبك.
مريم: مش عارفة، اللي عملته ده صح ولا غلط. بس اتفاجئت يا ولاء، وهربت منه.
ولاء: بس كده يا ختي. اتصدمتي وخرصتي وهربتي؟ يا ميلة بختك يا بشمهندس، بقي تجيلك الفرصة وتجري؟
مريم: ما أنا معرفتش أعمل إيه. ولاء، شايفني مجربة قبل كده، وبعدين ده قبلها كان بيغيظني ويقولي هرجعك لسالم، باين عليه متحول.
ولاء: هو كمان؟
مريم: هو كمان، أول مرة.
ولاء: الحب بهدلة، بالذات لما تكوني محدش بيقدرك.
مريم: والله بكرة تروق وتحلى، خلي عندك أمل، هيرجع ليكي.
ولاء: وماله، هييجي تحت البيت كدهون ويقولي يا بت يا ولاء أنا بحبك.
- في إيه يا مريم؟ مالك مبسوطة زياده عن اللزوم ليه النهارده؟ زي ما يكون جالك عريس.
مريم: مفيش يا ماما، النهاردة قابلت مصطفى وأنا راحة الشغل، وقالي إنه عايز يتجوزني، أنا مردتش عليه.
ولاء: كنت مفكراكي هتقولي زي ما قلتيلي تحت. جرى إيه يا مريم؟ انتي مكسوفة تقولي لمامتك اللي مصطفى قاله ده؟ أكيد هتطمن عليكي أكتر.
ثريا: لا بجد قالك إنه بيحبك؟ يا ما انت كريم يا رب. وانتِ هربتي يا خايبة؟ ابقي قابليني لو عبرك تاني، ده مصطفى يقولها مرة، وهي المرة.
رواية الارث "صراع الاباء والابناء" الفصل الثالث عشر 13 - بقلم مروة البطراوي
في صباح اليوم التالي، في المكتبة عند عادل وضياء وشوقي.
"بس ليه عملت كده في نوال يا عادل؟ دي كانت زبونة محترمة."
سأل ضياء عن المدعوة نوال، الذين يتحدثون عنها، فهو دائمًا مسافر.
"مين نوال دي اللي بتتكلموا عنها يا شوقي؟ لا تكون أم شعر منكوش."
انتفض عادل بغضب، أولاً من معاتبة شوقي له، وثانياً من معرفة ضياء بها.
"اسكتوا انتوا الجوز واسمعوني، لو حد جه هنا سأل عن اللي عملته فيها، طلعوها كذابة."
شعر ضياء أن بالأمر خطب ما، فحاول تهدئة عادل لكي يفهم الأمر جيداً، خاصة عندما لمح في عيني شوقي الرفض.
"اهدي بس يا عادل، احنا عايزين نفهم. انت ليه عامل اهتمام للبنت دي؟ وبعدين دي معاكسة عادية وبتحصل منك كتير."
أوقفه عادل عن الحديث بإشارة من سبابته، يخشى أن يسرد أمر المعاكسة، لو سُرد من المحتمل أن تعدل حلاوتهم عن تنفيذ قراراته.
"ولا معاكسة ولا زفت حتى، الموضوع ده ملوش لزوم يتقال. لو لزم الأمر طلعوها زبالة. بقولكم إيه، أنا في أم الليلة دي، يا قاتل يا مقتول."
هز شوقي رأسه بخبث.
"خلاص يا عادل، متخافش."
نهض عادل ينظر إلى شوقي بقلق.
"انت بالذات يا شوقي، شيل ايدك من الموضوع ده."
عند مريم وثريا.
استيقظت مريم وتناولت فطورها، وكانت مسرعة حتى تلحق به وترى ذهابه إلى عمله، لتوقفها والدتها تنظر إليها باستغراب قائلة:
"البسي طرحتك."
تحسست رأسها وشهقت.
"آه، ده إزاي أنساها كده؟"
ابتسمت ثريا بمكر قائلة:
"مصطفى بيحب يشرب الشاي قبل ما ينزل، لسه بدري."
تنهدت مريم بحزن وزفرت بضيق، ودت أن تتخلص من هذا الضيق.
"اشمعنا امبارح نزل بدري، أكيد علشان يلحقني. صعب إني أشوفه، هتأخر."
ربتت ثريا على يدها وقامت بتجهيز محمد وعربته لكي تذهب مع مريم.
"عادي، كل أما نروح بدري شغلنا البركة تزيد. وبعدين بلاش تشيلي هم، أكيد هيفسر سكوتك خجل."
زمّت مريم شفتيها بضيق، وارتدت حجابها ووضعت ابنها في العربة التي تخصه وخرجت من المنزل.
"كويس إنك أخدتي بالك إني مش لابسة الحجاب، كان فاتي فرجة للي يسوى واللي ميسواش، وكانوا قالوا عليا اتهبلت."
قابلتهم في الطريق ولاء، وابتسمت له وألقت عليهم تحية الصباح، وهي تدقق النظر في وجه مريم الواجم، تنظر إلى أعلى عند شرفة مصطفى.
"فيه إيه على الصبح؟"
هزت ثريا رأسها بلامبالاة.
"عادي يا بنتي، مريم توتر اشتغلت."
حقا نظرت ولاء إلى مريم ووجدتها مضطربة.
"صحيح، الحجاب مش مظبوط. إيه يا بنتي، مفيش مراية؟"
لكزتها مريم في ذراعها بيدها اليمنى، واليد اليسرى تهندم حجابها.
"أي حاجة، ما هو كل يوم مظبوط، جت على النهاردة؟ ومن امتى بتاخد بالك؟"
تعالت ضحكات ولاء بصخب، حيث تأكدت أن مريم خطت على أول سلم المعاناة.
"ده اللي هو إزاي يعني؟ بجد يا مريم، باين عليكي التغيير النهاردة. تكونش بتحب يا قلبي؟"
قابلتهم ياسمين، حيث سمح لها عادل بالذهاب إلى المكتبة لكي تضع عينها على شوقي حتى لا يتحدث عنه.
"طب وكتاب الله المجيد اللي بيعمله فيا عادل، ألعن من الحب. شايفين المرمطة مرة ياخدني لحلاوتهم ومرة يبعتني المكتبة."
جحظت ولاء بعينيها عند رؤية ياسمين ذاهبة معها إلى المكتبة، وظنت أن عادل يتخلص منها لكي يخلو له الجو مع حلاوتهم، فاعترضت.
"لا، ده بيخلص منك."
ضحكت ياسمين قائلة:
"لو بيخلص مني، ما كانش بعتني المكتبة. تعالي فطّريني وأنا أحكيلك."
سحبتها ولاء أمامها تضربها في ظهرها بضيق، فهي دائمًا استغلالية.
"طفسة، قال يعني ما فطرتيش يا بت. اعملي حسابك، هو فطار بس مفيش غدا."
نظرت ياسمين إلى ولاء ببرود وأخرجت لها لسانها تغيظها وتراقص حاجبيها.
"معلش، ما هو انتي لما تعرفي ليه بعتني المكتبة، هتفطريني وتغديني وتعشيني، وهتبيتين عندي."
سردت ياسمين لولاء أسباب إصرار عادل على أن تبقي في المكتبة، ومن قلقه الشديد من نوال وما سوف تفتعله.
جاء عادل في المساء إلى المكتبة ليجد ولاء وياسمين ما زالوا بها، فاستغرب من تأخرهم. لتنظر له ولاء، فوجدته مهموماً كمن خسر.
"شكل وشك بيقول إنك هتودينا في داهية. أنا قلت إنك مش هتفلح، قال عادل اللي هيحلها، قال. كفاية إن نوال طلعت عرفاك، لازم يطلع لك في كل خرابة عفريت."
زفر عادل.
"افهمي زي ما تفهمي."
شعرت ولاء أنها ضايقته.
"طب فهمني، مالك قالب وشك؟"
نظرت ياسمين هي الأخرى له بدهشة.
"أنا حاسة إن البت نوال حكت لحلاوتهم."
تنهد عادل بعمق وجلس على كرسي المكتب.
"طب روحي اعملي لي قهوة يا ياسمين، على نار هادية."
فهمت ياسمين أن عادل يريد أن يكون مع ولاء على انفراد.
"على فكرة، مفيش داعي إنك تزحلقها، إحنا مفيش بينا أسرار."
نهض عادل ودار حول المكتب وتقدم منها لتضطرب قليلاً.
"أومال إحنا بينا إيه؟ حب؟ ولا مشروع جواز؟ تعرفي إني سألت نفسي السؤال ده النهارده."
اضطربت ولاء من اقترابه وتوّترت، وأخذت تبتعد عنه تلملم شتات أمرها وحقيبتها.
"أنا مفيش بيني وبينك حاجة، مجرد مستأجرة عندك وشغالة عندك في المكتبة، مفيش داعي للأسئلة."
شرد عادل في الفراغ وأخذ يقارن بينها وبين أخريات، وعلى رأسهن حلاوتهم التي جعلته يكره النساء.
"وهي اللي دفعتني النهاردة أسأل كل الأسئلة دي. عمري ما شفت ولا هشوف ست بالقذارة دي، كرهتني فيكم."
تصاعدت أنفاسها وخافت منه. كان كذئب بشري يود أن ينقض عليها ليرتاح من عناء فريسة أخرى. هدأت أنفاسها.
"معرفش ومش فاهمة، انت بتتكلم عن مين؟ لو بتتكلم عن حلاوتهم، فعندك حق، بس أوعى تقيس واحدة زيها علينا، عشان هتبقى ظالم."
ابتسم عادل بسخرية من حديثها الفوضوي، بالفعل هي ليست مثلها، فحلاوتهم كلامها موزون وتطلق الكلمة من شفتيها بحساب، يهمها المصلحة وكفى.
"وهبقى ظالم ليه؟"
احتارت في أمره فأردفت.
"طب ممكن نأجل الكلام لبكرة؟"
اعترض طريقها وأوقفها قائلاً بجدية.
"لا، مش هأجل الكلام معاكي، لازم نخلص."
عقدت ولاء ما بين حاجبيها باستغراب منه.
"ليه؟ وإيه اللي لازم يخلص النهاردة يا عادل؟"
هدأ عادل حيث كان في ثورة غضبه يريد تفريغه.
"روحي الوقتي يا ولاء، وعلى رأيك نكمل بكرة، بس لازم."
تنهدت ولاء تنهيدة طويلة، لا تعلم إن كانت راحة أم تعب منه.
"أنا بجد تعبت واحتارت في أمرك، ما تريح دماغك عني وأنا كمان."
رفع سبابته لها يحذرها، وكأنه عاد إلى الغضب مرة أخرى، يرفض أن تتملص منه.
"لا، مش هشيلك من دماغي بعد النهاردة، ولعلمك أنا خلاص أخدت قرار في اللي بينا."
قطّبت جبينها بعدم فهم، أي قرار اتخذه وما الذي بينهم ليتخذ قرار؟ ما به هذا الرجل أصابه الجنون؟
"دلوقتي حالا تروحي وتبلغي أبوكي إني هاجي أقابلكم بكرة، وبكرة متجيش هنا ومتسألنيش ليه، فهماني؟"
ارتعدت فرائصها من صوته الذي كان مسموعاً ورج جدران المكتب بل وصفحات الكتب، لتتذمر قائلة:
"لو جيت بيتنا هطردك يا عادل، أنا مش عايزاك، ولا ممكن هكون ليك، انت اللي لازم تفهم، أنا مش عبدة عندك."
تقدم منها وجذبها من ذراعها بعنف ليقف بجوار أذنها يهمس كفحيح الأفعى ليجعلها ترتعش من همساته التي تمنت أن تكون عشقاً.
"يومين اتنين و تفكري في اللي أنا قلته وردك عليه، بس مش اللي قلتيه دلوقتي، لأني اعتبرت نفسي ماسمعتوش، مش ولاء اللي تقول كده."
لملمت شعرها ليبتسم.
"وابقي البسي الحجاب."
ردت بإحراج من قوله.
"أنا كنت ناوية أصلاً ألبسه."
اتسعت ابتسامة عادل ببلاهة.
"لا بجد، يعني مش عشان أنا طلبت."
انتبهت لما تقوله وانجرافها معه، لتعتدل.
"هو إيه اللي انت طلبته؟ لا طبعاً، أنا حرة."
وضع شالاً كان يربطه به عنقه على شعرها.
"وافقي يا ولاء، أنا محتاجك، محتاج تعدلي عادل."
هزت ولاء رأسها بمعني الموافقة، لتجد يديها بين يدي عادل يحملها ويقبلها بشفتيه وهو ينظر لها بسعادة لا يتحملها قلبها، حقاً المفاجأة صعبة.
"كفاية."
أنزل عادل يدها، وعلا وجهه ووجهها ابتسامة الفرح والسعادة.
كانت ياسمين واقفة من بعيد تتابعهم بابتسامة، ثم أقبلت عليهم.
"ها، وصلتوا لحد فين المرة دي؟ شكلكم كده بتسخنوا لمشكلة كبيرة."
غمز عادل إلى ياسمين وهو ممسك يد ولاء، لا يتركها رغم خجلها.
"خلاص يا ياسمين، أنا النهاردة اتأكدت إن ولاء نصيبي الحلو من ربنا."
شهقت ياسمين بفرحة وقامت بالتصفير والتصفيق والتهليل، وأضافت.
"أيوة بقي، ألف مبروك يا لولو. أخيرا يا دولة حنيت، عقبالي يارب، عقبالي."
كمّت ولاء فاها تحاول تهدئة فرحتها حتى لا تثير ضوضاء لأهل الشارع.
"بس يا ياسمين، بلاش جنان. هتفضحينا، الناس تقول الهبلة بتزغرط على إيه."
تعالت ضحكات عادل وهو ينظر إلى ولاء باستغراب، وهي تكتم فرحتها بحرص.
"متبقاش ياسمين لو ملمتش الدنيا علينا، بس أنا مبسوط، ياريت الكل يفرح زيي وأكتر."
احمرّت وجنتا ولاء من حديث عادل الذي يعلن فرحته للجميع، فرحته بها فقط.
في اليوم الثالث لاعتراف مصطفى لمريم بعشقه الدفين، ذهبت كعادتها إلى محل الورد، وكانت مسرعة بسبب هطول المطر، كانت تخشى على محمد الصغير من نزلات البرد. أغلقت الباب بإحكام عليها، وأخذت تنظر إلى المطر من خلف الزجاج. انتهى وقت المطر، ولكن لا تزال قطرة تسقط. اختفت وقت معانقتها للزجاج، لتتذكر معاناتها مع سالم.
عند سالم، هو لا يتوقع خيانة زوجته، وذلك خير ما منحه إياه غباء عقله. أحياناً يتمنى لو ظل والده على صحته، وأصيب أحد من أشقائه بدلاً منه، كي يتناسى أمر مريم وتضيع بينهم، وينسوا ألمها منه ويستمد من والده القوة الذي كان يستمدها دائماً. يشغل باله بتدمير أشقائه، غافلاً عن الحية التي بأحضانه، متناسياً أمر السيدة ابنة عمه الذي تزوجها وعذبها، وابنه الأول منتظراً ابنه الثاني سيعود ليفرق في المعاملة مثل ما افتعل والده. ولكن ماذا إذا استفاق يوماً وندم؟ ماذا لو استمرت حلاوتهم في خطيئتها، وظلت تمارس أخطائها مع عادل أو غيره، إذا نجت من فخ عادل.
أخبرت ولاء ثريا في الصباح ما حدث في المكتبة.
"الواد عادل ده مجرم، ده لسه من كام يوم كنت بقنعه."
نظرت لها ولاء نظرات معاتبة وأردفت إليها قائلة.
"ليه كده يا حاجة ثريا؟ قلتلك سيبيه على راحته، النصيب غلاب."
اقتربت منها ثريا بخبث تتساءل عن حلاوتهم وما يدور بينهم.
"وهي حلاوتهم مش ممكن تعرف؟ ده مصطفى مش راضي يخطب مريم."
رفعت ولاء أكتافها بلامبالاة، لا يهمها الخطبة، يهمها فقط اعترافه بالعشق.
"عادي يا حاجة ثريا، أنا مش غبية ومش هجبره على حاجة دلوقتي خالص."
رفعت ثريا حاجبيها بإعجاب من شخصية ولاء وتفهمها والتضحية بفرحتها.
"ليه يا ولاء؟ مش نفسك كده تلبسي دبلته وتمشي وإنتي إيدك في إيده زي الحبيبة؟"
ربتت ولاء على يد ثريا بحب تنظر إليه على أنها والدتها التي حرمت منها وهي صغيرة.
"يا حبيبة قلبي، أنا نفسي في كل اللي بتقوليه ده، بس طالما ده هيبوظ على ناس حاجات، يبقى بلاش."
ابتسمت لها ثريا بامتنان وهي تأخذ على عاتقها أن تسعدها كوالدتها بشتى الطرق لصبرها وتحملها.
"بكرة هيبقى أحلى، وإنتي يا ولاء هتشوفي أيام مكنتيش تتوقعي إنها تحصل. كفاية حبك لينا كلنا، ربنا يكرمك."
نهضت ولاء واحتضنت ثريا من خلفها بفرحة، متمنية ألا ترفض طلبها وألا تخجلها، فوجودها سيكتمل سعادتها.
"يعني موافقة تحضري القعدة اللي هيجي فيها عادل يطلب إيدي؟ هو قالي كمان يومين، وعماتي مش هيلحقوا يحضروا."
ربتت ثريا على يدها ونهضت تحدثها بكل ثقة، فهي كانت تنوي بالفعل أن تطلب من عادل أن يتقدم لها باعتبارها ابنتها.
"أصلاً من غير ما تقولي، أنا كنت هقولك تقولي لعادل يجي يخطبك مني. إنتي بنتي يا ولاء، أنا من يوم ما جيت الشارع وأنا متعلقة بيكي، إنتي وياسمين."
ابتسمت ولاء قائلة.
"ياسمين كانت هتفضحنا."
عقدت ثريا ما بين حاجبيها.
"إزاي يا بنتي؟ وبعدين هي فين؟"
استمعوا إلى طرقات الباب، ففتحوا لتدلف ياسمين.
"إيه يا خالتي، انتي منزلتش الشغل ليه النهاردة؟ فيكي حاجة؟"
ابتسمت ثريا بود لقلق ياسمين عليها والسؤال عنها وعن تأخيرها.
"رجلي بتوجعني، فهأجز النهاردة. قوموا انتوا الحقوا شغلكم، وابقى فوتوا على مريم."
قامت كلا من ولاء وياسمين ذاهبين إلى المكتبة، وعادل في طريقه إلى حلاوتهم، التي كان يبخ لها السم عنه عن طريق نوال، التي أقسمت أن تهدم لذته.
"طب يالا تعالي نروح هناك، وإنتي تشوفي."
نظرت إليها حلاوتهم بتردد، فهي تريد تصديقه.
"بقولك إيه يا نوال، إنتي فاهمة غلط، اللي بيني وبينه شغل. بس لو مصرة، هاجي معاكي وهقف من بعيد، وإنتي تسألي وأنا أسمع."
انفرجت أسارير نوال، حيث وصلت إلى مبتغاها، وهي التوقيع لعادل، الذي أهاتها أمام الجميع أول أمس، متغاضية عن كذب حلاوتهم.
"من عيوني، وبعدين أنا مرضاش ليكي إنك تبقي ظاهرة في موقف زي ده، إنتي مهما كان تاجرة وليكي اسمك ومرات سالم الحمش."
أخذتها وذهبت إلى منزل ثريا مباشرة، وأوقفتها خلف الباب الذي فتحته ثريا لها، وهي تنظر لها باستهجان واستياء ومعاتبة على ما افتعلته.
"ممكن أعرف إيه اللي جابك؟"
هنا جذبت نوال حلاوتهم لتضعها في المنتصف، لكي تضيق الخناق عليها أكثر وأكثر أيضاً، لتخبر ثريا أنها ليست المتسببين في المجيء هنا، بل حلاوتهم التي تخشى من رجوع زوجها لطليقته مريم.
رواية الارث "صراع الاباء والابناء" الفصل الرابع عشر 14 - بقلم مروة البطراوي
تعالي يا حلاوتهم.
دي الست ثريا، مامت مريم.
تفاجئت ثريا من جراءة حلاوتهم لكي تأتي إليها في عقر دارها.
"اممم، كمان حلاوتهم؟ يا مراحب يا مراحب. إيه جايه تدوري على جوزك عندنا؟"
نظرت إليها حلاوتهم بغل وحقد، تود قتل نوال على الموقف الذي وضعتها به، قائلة:
"جوزي مين يا ست أنتِ؟ اللي هيبقي عندكم؟ أنا حبيت أجي أقول كلمتين لبنتك، بلاش حركات رخيصة."
استهزأت بها ثريا لأنها تعلم أن هذا ليس الغرض من زيارتها، ولكن الغرض التأكد من عادل وما يفعله.
"منا عارفة إنك جاية علشان الكلمتين دول بس. روحي قوليهم لسالم اللي ما استحملش يعرف إنها هتبقى لغيره."
نظرت إليها حلاوتهم بتوتر، وتأكدت أن حديث عادل عن سالم ومريم صحيح مئة بالمئة، فقررت أن تصطف معه.
"ده بس عشان عرف إنها هتبقى لأخوه، أخوه اللي كان معاهم في بيت واحد، والله أعلم كان بيحصل إيه من ورا ضهره."
علمت ثريا جيدًا أن حلاوتهم تحاول استفزازها بالحديث عن مريم بالسوء والتشهير بسمعتها وسمعة مصطفى حتى تنهي أمرهم.
"لا، ما هو لو كان كلامك صحيح كان فاتهم متجوزين من بعد شهور العدة. ده حتى ده كلام سالم. ليه مش قادرة تحسي إن سالم رجع لعقله؟"
مقتتها حلاوتهم.
"وإنتي هترجعي بنتك له بعد الإهانة دي كلها؟"
تعالت ضحكات ثريا وكأنها أخذت الإجازة من حسن حظها.
"خلاص بقى يا حلاوتهم، الأسى بيتنسي. ده أبو ابنها اللي كل شوية هنا بحجته."
تعالت النيران في صدر حلاوتهم، ونوال تتابعها جيدًا بشماتة، تتلفت بعينيها نحو الغرف.
"فين مريم وحمادة الصغنن يا خالتي؟ وحشوني أوي. أنا فرحانة إنهم راجعين لسالم، أرحم من عادل الزفت."
نظرت إليها حلاوتهم بمكر، خاصة عندما ذكر اسم عادل، لترد الضربة إليها وإلى ثريا أضعاف مضاعفة، وهي تقول:
"مش يمكن مريم مع مصطفى دلوقتي بيتفقوا إزاي يرجعوا من سالم كل حاجة؟ بس يا عيني هيرجعوا إيه الحديدة أصل خلاص."
التفتت إليها نوال بغيظ، حيث استطاعت حلاوتهم إثارتها عندما ذكرت اسم مصطفى مقترنًا باسم مريم، بمعني لا محالة ستسير الأمور بينهم.
"أنا ساعتها هعمل اللي إنتي مش عايزة تعمليه، هثبت لسالم إن مريم بتضحك عليه."
جذبتها ثريا من أكتافها وأخذت تهزها بغضب، تهتف من بين أسنانها بحدة وغيظ، قائلة:
"أنا اللي هكلم أبوكي المعلم فاروق، هقوله الحق جوز بنتك لأي حد، فاكرة إني عيشة الطيبة يا بت؟"
كم أرعف نوال تهديد ثريا، وبالرغم من ذلك لم تبين ضعفها لها، بل انتزعت أكتافها من يد ثريا، تهتف بحدة:
"بقولك إيه يا ست أنتِ؟ أنا مش بخاف ولا بيهمني حد، وأنا الموضوع ده مش عشان مريم، لا عشان عادل، لازم أنتقم منه."
نظرت إليها ثريا بخبث ولعبت الفكرة برأسها جيدًا، إذا كان الانتقام من عادل، فمهلاً، فل تجذبها إلى اللعبة.
"أيوه انتقمي منه براحتك، بس بعيد عن بنتي وجوزها اللي هيردها إن شاء الله قريب. بلاش تخربي على حياة مريم مرتين يا نوال، مسيرك تحتاجيها."
شردت نوال في حديث ثريا، لتنظر لها ثريا بخبث، حيث أنها ستساعدهم في تغطية خطتهم الكبيرة عن طريق استمالتها إليهم.
في محل الورد، دلف آخر شخص تتوقعه مريم، ألا وهو سالم. كان يتأملها بخبث شديد.
"إيه رأيك يا مريم نرجع لبعض بدل المرمطة اللي إنتي فيها دي؟ وما دام مصطفى لغاية دلوقتي ما تحركش ولا اتجوزك، شفتي بقى إن إخواتي إزاي ما يقدروا يمدوا إيديهم على حاجة كانت في يوم من الأيام بتاعتي."
"احذر يا سالم، لقد جئت بقدميك إلى أرض المعركة التي ستنتهي بقتلك وتضييع مستقبلك."
يشعر بالنشوة كلما يراها أمامه ترتجف من وجوده، بالرغم من كل شيء فعله معها. هو عادة يحب أن يرى نظراتها المروعة من محياه، وهي دائمًا تظهر عليها تلك النظرات في كل مرة دون تمييز للمرحلة التي هي بها. حتى وإن كان ظهوره هذه المرة استثنائيًا، في البداية كانت تقف بجواره كالتمثال. فعقد حاجبيه بجدية، وقال وهو يحادثها، ولكن كان ينظر إلى الخارج من خلال الزجاج:
"أتمنى أن مصطفى ما يتهورش. أنا مش عايز أقتله قدامك وتتحسري عليه."
رفعت سبابتها تحذره بكل عزيمة ممكنة لديها، وبصوت حاد كالرجال:
"مش هتقدر يا سالم... لو ده حصل أنا اللي هاذيك بنفسي وهخليك عبرة للكل."
"هههههههههههههه، ما تقلقيش... أصلًا معنديش وقت ليه ولا ليكي ولا لابنك."
عقدت مريم ما بين حاجبيها بتساؤل، إذا كان ليس لديه وقت لهم ثلاثتهم، فلماذا أتى؟
"إيه مالك تنحتي كده ليه؟ أنا قلت حاجة غلط ولا إنتي فاكرة نفسك مهمة يا مريم؟"
هزت مريم رأسها بعدم فهم، تتأكد أنه مريض نفسي بداء حب النفس، جاء ليفرض سطوته.
"مش فاهمة الصراحة، لما ما عندكش وقت لينا عايز تقتله ليه؟ جاي هنا أصلاً عندي ليه؟"
نظر إليها وإلى عصبيتها المفرطة بتلذذ، فهو يعشق استفزازها وإثارتها بالجنون والاستهزاء بها.
"كنت بسمع عن الحب من أول نظرة وما كنتش بصدق لحد ما شفتك وإنتي مستعدة تضحي بروحك عشانه."
اتسعت حدقة عينيها بصدمة. ألهذه الدرجة يحقد على عشقها لشقيقه؟ ما هذا النوع من الرجال حقًا؟ سحقًا لأمثاله.
"بس إنت متعرفش حاجة عن الحب الكبير، حب الأب والأم والأخوات. إنت أخدت فلوس بس لسه فقير وهتفضل فقير."
كور عضلات يداه الاثنان بحقد وغل، شع من عينيه، وهي تصفه بالفقر. دائمًا لديه نقص من ناحية الجميع، وظن أن المال سيعوضه.
"مش عاوز أعرف أي حاجة. أنا عاوزك تكوني زي ما إنتي، ما تتجوزيش بالذات مصطفى. لو حصل مش هتتهني ساعة معاه، وابقي قولي سالم."
"زفرت بنفاذ صبر."
"طب ليه إنت مالك؟"
جز على أسنانه بغيظ.
"خلاص يبقى خطوبتك عليه صح."
ابتسمت مريم ابتسامة نصر وردت بشماتة.
"ماشي، إذا كان اللي سمعته صح يبقى صح يا سالم."
اقترب بعينيه من عينيها، وتتطاير شرارات الغضب.
"أول ما هلاقي دبلته لمست إيدك هقطعها. ليه يا مريم؟"
جحظت بعينيها بذهول على جبروته اللامتناهي، وأردفت:
"إنت إيه؟ واخد الدنيا عافية؟ على إيه اللي عملوا زيك زمان أخدوا إيه؟"
ابتسم سالم إلى مريم بسماجة ورد عليها بكل غرور وكبرياء وثقة.
"أنا مش زيهم يا مريم، لا أموت ولا أتشل، لأن محدش هيقدر ياخد مني حاجة."
سرحت مريم لدقائق تتأمل كلمات سالم الحاقدة وجبروته في التعامل معهم، لتتذكر العكس في مصطفى.
"إنتي يا مريم مفكرة إن اللي أنا أخدته هيرجع تاني؟ لا يا حلوة، إنتي بتحلمي، بس نصيحة مني احلمي على قدك."
كانت ما زالت شارده تتذكر قسوته وعنفه معها، التي لا تريد أن تعود مرة أخرى. تتذكر كلمات مصطفى المطمئنة.
"هااا، أبدًا. الكلام كان زمان لما كنت معاك، مكنش في أحلام. لكن أنا من يوم ما سبتك بقيت بحلم، وغيري هيحقق أحلامي."
اقترب منها أكثر وأمسك بقطعة من حجابها منسدلة على صدرها بإحكام، وأخذ يلفها حول إصبعه يحاول إخافتها، ولكن دون جدوى.
"و ماله، خليه يحقق. بس عمرك ما هتكوني معاه، يا هترجعي خدامة يا هتفضلي مريم أم محمد وبس، اللي الزمان غدر بيها لأنها تستحق. لأنها حبت راجل غير جوزها."
في منزل هريدي الحمش.
"هنفضل ساكتين يا مرات عمي؟"
ردت عليها عائشة بقله حيلة، قائلة:
"أعمل إيه بس يا بنتي، أنا خايفة."
صدمت بهيرة من خوف عائشة.
"دي حاجة وحشة في حقنا إننا نسكت."
هزت عائشة رأسها ترفض اقتراح بهيرة.
"كلها كام يوم وكل حاجة ترجع زي الأول."
نهضت بهيرة وترجتها وتوسلت إليها، قائلة:
"طب أروح أقف معاها بدل ما هي لوحدها معاه."
أوقفتها عائشة لتمنعها، لأنها تعرف بهيرة جيدًا.
"لا يا بهيرة، إنتي ممكن تقعي بلسانك ويشك فينا."
زفرت بهيرة بحنق وجزت على أسنانها بغيظ، قائلة:
"يوووه عليكي يا مرات عمي، ديمة خايفة مني. أنا مش هتكلم."
هزت عائشة رأسها لبهيرة بالرفض وبإصرار على عدم ذهابها.
"هفضل طول عمري خايفة، وعليكي أكتر منك. أنا مش هضمن ابني."
تنهدت بهيرة بتعب وجلست بعد أن أذعنت لطلب عائشة، وأردفت قائلة:
"ولحد امتى هنفضل خايفين منه يا مرات عمي؟ وليه متأكدة إن مريم مش هتعمل زيي؟"
زفرت عائشة بقلة حيلة، لأن سؤال بهيرة ليس له إجابة حاليًا، وإن كان له فلن تكون عند عائشة.
"طب هنعمل إيه يا بهيرة؟ لو كان عيل صغير كنت ضربته بنفسي، لكن ده أب. كفايا إني بدعي عليه."
هزت بهيرة رأسها بحيرة هي الأخرى، ترى الموضوع معقد من كافة الاتجاهات لدرجة أنها لن تجد حلاً.
"مش عارفة، بس صعبان عليا مريم وهي واقفة معاه لوحدهم، وخايفة مصطفى يشوف المنظر، تبقى مصيبة."
تذكرت عائشة مصطفى ومعاناته الدائمة في عدم الحصول على أي شيء يريده منذ صغره، وهو دائمًا يرضى.
"مكتوب على جبينه يفضل يحبها وتتجوز أخوه، ولما جه الأوان ياخدها أخوه، راجع يمنعه. منك لله يا سالم يا ابني. قلبي وربي غضبانين عليك ليوم الدين."
عودة إلى مريم وسالم. ظلت تنظر إليه باندهاش على تأكيده أنها لن تكون لمصطفى بيوم من الأيام. فعاندته وتحدته.
"النهاردة بليل مصطفى هيقابل ماما وهنخطب يا سالم، وأعلى ما في خيلك اركبه. أوعى تفكر في يوم من الأيام إنك تقرب مننا."
ارتفع حاجبيه باندهاش من عنادها وتحديها، وقابل تحديها بمنتهى الاستهزاء وقلل من شأنها وهو يرد عليها، ينظر إلى محمد الصغير.
"تمام، يعني خلاص كلامي معاكي ملوش فايدة صح؟ طيب أنا ليا عندك حاجة وهاخدها غصبن عنك طالما هتتجوزي يا غندورة ابني."
تعالت ضحكات مريم، تعلم جيدًا أنه تهديد فقط، وأنه لا يريده، ولو أخذه سوف يعيده وفقًا لأوامر حلاوتهم، بالإضافة إلى أن الزوج هو العم.
"طبعًا ابنك."
لحسن حظها، عادل عاد مبكرًا إلى الشارع لأن حلاوتهم هاتفته وألغت معه الموعد. كان شارداً يفكر لماذا ألغت الموعد، وبالصدفة رأى سالم يقف مع مريم، فدلف قائلاً:
"كل مرة بشوفك صدفة يا حاج سالم."
التفت إليه سالم يرمقه بنظرات غاضبة.
"مش صدفة يا عادل، أنا هنا عند طليقتي."
جزت مريم على أسنانها بغيظ وزفرت.
"أكيد يا سالم، تعرف عادل صاحب البيت."
ابتسم عادل بخبث وهو يغمز لها لتهدأ، قائلاً:
"كل حاجة بعتها الست حلاوتهم لياسمين عجبتها أوي."
أسند سالم يده للكرسي وتنهد بضيق ليتركهم ويعود إلى حلاوتهم.
بعد خروجه، نظر عادل إلى مريم ليراها تترجاه بعينيها ألا يبوح بمصطفى عن تواجد سالم اليوم. أذعن عادل لطلبها، بالرغم من أنه شعر أنه خاطئ، ولذلك قرر أن يتصرف من جهة أخرى.
مع اقتراب المساء، قامت بغلق المحل لتتفاجئ بيد مصطفى تغلقه معها. ارتجفت حواسها عندما لمست يده يدها، ومن ثم حمل الصبي من العربة ومشى معها.
"بعد كده أنا هبقى أجي أروحكم."
توترت مريم وشعرت أنه علم بوجود سالم.
"ممكن اللي بتعمله ده يستفز سالم أكتر يا مصطفى."
ابتسم إليها بهدوء ونظر إليها بعمق يعاتبها، قائلاً:
"للدرجة دي مستقلية بيا؟ أنا سالم ما يهمنيش، إنتي اللي تهميني."
لمعت عينيها من السعادة وتناست أمر سالم، تسأل مصطفى قائلة:
"يا مصطفى، تفتكر سالم ممكن يبوظ علينا كل حاجة؟ أنا خايفة أوي."
كان يود احتضانها ليطمئنها أكثر، ولكن اكتفى بأن يمسك يدها.
"هو حد يقدر يقرب ليكي وأنا موجود؟ أنا بس لسه ملقتش إجابة لسؤال."
تشجعت مريم وانتهزت الفرصة التي تتمناها منذ يومين، وقبضت على يده.
"نعم يا حبيبي، نعم. أنا بين شفايفك نغم. أيامك قبل عدم، وأيامي بعد ندم يا حبيبي."
ترك يدها وأخذ يقذف بمحمد الصغير إلى أعلى ويحتويه مرارًا وتكرارًا، وهو يقفز من السعادة.
"إن سكتي تاني مرة هشد لسانك وهجبرك إنك تغني ليا. صوتك يا مريم كان بيموتني وأنا بسمعه زمان."
دقائق وكلاهما وصلوا إلى منزل مريم، لتقابلهم ثريا بلهفة تجاههم، لتصدم مريم من منظرها أيضًا. أصاب مصطفى الدهشة ليسألها ما بها، فقامت بسرد كل ما حدث من حلاوتهم ونوال، ليبعد محمد عن أحضانه ويعطيه لمريم، التي توجهت إلى الغرفة بحجة أنها ستجهزه للنوم، تخشى أن يعلم أن سالم جاءها هو الآخر. ولكنها نظرت بشك أمامها، أيعقل أنه اتفاق بين حلاوتهم وسالم؟ هي تأتي لوالدتها وهو يأتي إليها.
"إنتي بتقولي إيه يا مرات عمي؟"
ابتلعت ثريا ريقها بمرارة، قائلة:
"إيه يا مصطفى، إنت مش سمعتني؟"
نظر مصطفى إلى الفراغ بعصبية.
"لا، ده الموضوع زاد عن حده أوي."
سألته ثريا بتوجس وهي تنظر إلى غرفة مريم.
"إيه يا مصطفى؟ هتعمل إيه؟ هتقول إنكم مخطوبين؟"
تصلب جسد مصطفى وأردف بإصرار، ومريم تتابعه.
"جوازة بإذن الله يا مرات عمي، عشان حلاوتهم تفرح."
ذرفت ثريا بالدموع، تخشى أن تفشل كل المخططات في لحظة.
"حرام عليك يا مصطفى، أنا أكدت لحلاوتهم إن سالم راجع. اصبر يا ابني."
هز مصطفى رأسه بإصرار بالرفض، وظل معانداً على موقفه، يجز بغيظ.
"أنا مبحبش الخوف ولا عمري هضعف. أنا مبحبش غير القوة، وهتجوز مريم."
حاولت ثريا تهدئة غضبه، لأن الحالة التي بها حلاوتهم مفيدة للجميع، لأنها ستترك سالم.
"أنا يا ابني مش بقول عليك إنك جبان ولا ضعيف، أنا حكيت ليك عشان تفرح إن الخطة نجحت. وطالما نجحت، يبقى القرار ليا أنا، إنت مش هتتجوز مريم إلا أما كل حاجة ترجع لأصلها."
رواية الارث "صراع الاباء والابناء" الفصل الخامس عشر 15 - بقلم مروة البطراوي
علم أن الحديث معها لا محال منه وستظل على موقفها من رفض ارتباطهم حتى ترجع كافة الحقوق.
أبلغ عادل ولاء بوجود سالم عند مريم، وأملى عليها أن تبلغ عائشة وبهيرة بما حدث بشكل غير مباشر.
ذهبت ولاء إليهم لتتفاجأ بمعرفة عائشة، حيث أنه كان عند والدته منتهزًا فرصة عدم وجود محمد ومصطفى.
"إيه يا طنط عيشة، قالك انتي اللي المفروض تبعديهم عن بعض وسمعتي كلامه؟ طب ليه مش مصطفى ده ابنك برضه؟"
وضعت عائشة يدها على وجهها تنتحب، وترتعش يدها، تعلم أن صمتها هو الذي يدفعه إلى الانجراف في الشر، ولكنها خشت على مصطفى ومريم منه.
"خلاص يا ولاء يا بنتي، ملوش لازمة الكلام ده، بكرة ربنا يحلها من عنده."
انتفضت ولاء من مكانها ونهضت تنظر إلى عائشة بضيق، لتحمل حالها وتذهب إلى مريم، وأشارت لها بهيرة أن تنتظرها حتى تذهب معها وتطمئن عليها.
"مالك يا مريم زعلانة ليه كده؟"
كانت مريم تبكي على رفض والدتها.
"بطلي عياط يا مريم، مالك بس؟ احكي لبهيرة حبيبتك."
مسحت مريم بظهر يدها دموعها التي شققت وجهها.
"مفيش، مفيش حاجة، سيبوني لوحدي لأني هفضل طول عمري لوحدي."
زفرت ولاء بحنق ظنًا منها أن عائشة أبلغتهم بقرار سالم بضرورة البعد عن مصطفى.
"كل ده علشان اللي ما يتسمي سالم، أعلى ما في خيله يركبه، بكرة عادل يرجع كل حاجة."
أكدت بهيرة على حديث ولاء وهي تحاول تقوية مريم على حالها لتظل صلبة لنهاية المطاف.
"يا حبيبتي، انتي ولا في بال سالم أصلاً، وهو عمره ما حبك وكلنا عارفين كده، وع فكرة هو ضعيف جدا."
أكدت ولاء على حديث بهيرة، لأن طلبه من والدته كان له معنى واحد، أنه فقد السيطرة على الأمور فلجأ إليها.
"هي بس طنط عيشة خافت منه زي عادتها، بس والله هو ضعيف، هو لو يقدر كان ما طلقكيش وخلاكي طول عمرك على ذمته."
تنفست مريم بعمق وزفرت زفرة طويلة، وقررت أن تسرد لهم عن زيارة نوال وحلاوتهم، المؤكد أنها مرتبة مع سالم للتضييق من كل جهة.
"أنا مش زعلانة إنه جالي المحل، أنا اللي ضايقني مجيه حلاوتهم ونوال هنا."
قطبت بهيرة جبينها، وتراقصت فكرة شيطانية برأسها، وقررت أن تردفها أمامه.
"تاهت ولقيناها، الست حلاوتهم مراتك يا سي سالم راحت لأم طليقتك وبتسأل عن راجل غريب."
ضربت ولاء كفًا على كف، لأن هذا الأمر سيصعب عليهم الخطة أكثر، لأنه سيقوم بتضييق الخناق عليها.
"خليكي ساكتة أبوس إيدك يا بهيرة، انتي عارفة معنى كلامك إيه؟ إن حلاوتهم هتتحبس ومش هتقابل عادل."
دقائق مرت سريعًا لتدلف عليهم ثريا، تنظر إلى مريم بحزن، تعلم أن حزنها بسبب رفضها الزواج من مصطفى حاليًا.
"انتي زعلانة مني ليه يا مريم؟ أنا ومصطفى اتفقنا خلاص، ووالله عائشة ما كلمتني ولا قالتلي حاجة، أنا بس لاقية الموضوع ماشي."
لا أحد يعرف ما تعرفه ثريا، ولا أحد يريد أن يعرف، ها هنا الجهل نعمة عظيمة.
يوم وفاة والد زوجها لم تتيح له الفرصة أن يحضر العزاء، وكان يصله عبر الهاتف بين الحين والآخر، وكان يجلس بهَمين ليس بهما واحد، هم ولادة طفله الأول الذي لم تشأ له الحياة أن يعيش، وهم التقاط والده لأنفاسه الأخيرة، ولا يدري أي حظ هذا الذي أودى به في ورطة لا فرار منها.
خرج من المستشفى بزوجته ليرى شقيقه يجلس على سلم البناية يمنعهم من الصعود، ويخبرهم أنها أصبحت ملكه وفقًا لوصية والده التي وجدها جواره على الفراش.
رأت طاهر يستعطفه، يذكره أنه الكبير، ويذكره أنه من رعاه منذ ولادته، حيث جاء هريدي إلى الحياة ومن ثم ماتت والدتهم، ولكن هريدي رفض سرد تلك التفاصيل المزعجة.
يخبره أن يرحل لأن لا أحد سيأخذ مكان والده في المنزل أو العمل سواه، وكان هذا كله بمثابة خيانة ميثاق الأخوة بينه وبين شقيقه، بمعنى أن البداية كانت من عند هريدي لتنتهي عند سالم، وهنا صممت ثريا على استرجاع حق طاهر حتى وإن كان طاهر قد طردها يومًا ما.
مسحت مريم دموعها وتظاهرت بالقوة قائلة:
"محصلش حاجة يا ماما، أنا لا زعلت ولا غيره."
أرادت بهيرة تخفيف الوضع بإطفاء جو مرح عليهم.
"يلا بقى، أنا عايزة أتعشى، هموت من الجوع، الواد بيرفص."
تعالت ضحكات ولاء هي الأخرى، حيث فهمت بهيرة وأسلوبها.
"عمرك ما كنتي طفسة يا بهيرة، الظاهر الواد هيطلع ليا سمين طفس."
لوت بهيرة شفتيها بامتعاض وكادت أن تتقيأ عند ذكر ياسمين وعطرها.
"وانتي بتفكريني بياسمين ليه دلوقتي يا بنتي؟ حرام عليكي، معدتي قلبت منها."
ضحكت الفتيات جميعًا ما عدا مريم، التي كانت ضحكتها حزينة مليئة بالحسرة.
في إحدى محلات حلاوتهم، دلف إليها سالم ينظر إليها بغضب، وهي تجلس وبجوارها بعض العاملين في المحلين.
"إيه ده؟ انتي لمّاهم كلهم حواليكي كده ليه والمحل التاني فاضي؟ دي مش طريقة شغل، ده استعباط. حسابات إيه دي؟ تخلف."
نظرت إليه باستهزاء، لأنها علمت أنه كان عند مريم، حيث رأته، بل الأحرى نوال هي التي أصرت أن تلفت انتباهها إليه.
"إحنا بنشتغل يا سالم، وده شغلي ودي محلاتي، وأنا ست حرة محترمة نفسي، مش واقفة مع واحد غريب لوحدنا، ومبحبش حد يدخل."
جحظ بعينيه بذهول وهي تحدثه بهذه الطريقة أمام العمال، مما دفع أحدهم أن يكتم ضحكاته، لأن أغلبهم يعرفون من هو سالم الحمش.
"لا، أنا أدخل غصبن عنك، انتي نسيتي نفسك ولا إيه؟ نسيتي المحلات دي فتحتيها إزاي؟ وبعدين تعالي هنا، مش خايفة يكون حد منهم عيان؟"
نهضت قائلة:
"معلش، هبقى أكشف عليهم."
شعر أنها تسخر منه أمامهم متعمدة.
"محتاج أتكلم معاكي، خلصي اللي في إيدك."
وجدت نوال تدلف إليهم ومعها شخص لا تعرفه.
"هتتكلم معايا في إيه؟ أنا مش هخلص دلوقتي، نتكلم في البيت."
التفت سالم إلى مرمى بصرها وتساءل ما الذي أتى بنوال ومن معها.
"أنا جوزك يا حلاوتهم، لما أطلب أتكلم معاكي، على الأقل تنجزي وتكلميني."
كانت حلاوتهم تريد التخلص منه بأي وسيلة حتى تعرف من هذا الشخص الذي مع نوال.
"مش هينفع دلوقتي يا سالم، انت كده بتبوظ شغلي وشغل المحلات، وفي الآخر هيطلع الموضوع هايف."
تأكد أنها تريد التخلص معه حتى تجلس مع نوال والشخص الذي معها بأريحية، فاستدار إلى نوال يسألها:
"نوال، عاوزة حاجة؟ مش انتي قلتي من آخر مرة إنك مش هتعتبّري محلات حلاوتهم تاني؟ ممكن تسيبينا لوحدنا؟"
هزت نوال رأسها، فهي تخشى سالم وغضبه، هو لا يهمه أحد، ولو يعلم من هو شوقي واللعبة سيترك مريم لمصطفى.
"حاضر يا حاج سالم. أنا آسفة والله. ده زبون كنت مواعدة حلاوتهم إنه هياخد منها الشغل وجبته رغم اللي حصل بينا."
اتسعت حدقة عيني شوقي وهو ينظر إلى نوال ولسانها الذي يقطر كذبًا، ليتأكد أنه أخطأ عندما تعامل معها ضد عادل.
"صعب جدًا يا نوال التأجيل اللي انتي طالباه مني، مستحيل. أنا مسافر وبعدين الشغل مش عاجبني، كنت مفكرة أرقى من كده."
نظر إليه سالم بغضب وهو يستكبر أن يضع أمواله في عمل حلاوتهم، لأنه بنفسه من يشرف على إجلاب كل هذا، وكان حريصًا أن تكون بجودة عالية.
"أومال انت عاوز إيه؟ لا مؤاخذة؟"
شعرت حلاوتهم أن شوقي يكذب، فاقتربت من سالم.
"اهدي شوية يا سالم، العصبية غلط عشانك، وانت مش عاجبك شغلي، في داهية."
على الجانب الآخر، بعد تناول بهيرة العشاء مع مريم وولا، عادت إلى منزلها بصحبة ولاء، التي سردت لها ما تم بين سالم ومريم اليوم بالمحل.
"الله الله، عايزها متتجوزش."
هزت ولاء رأسها بنعم وبضيق.
"أيوه، هو مفكر نفسه مين علشان يمنعها؟"
ظنت بهيرة أن الأمر متعلق بمصطفى فقط.
"هتلاقيها حلاوتهم اللي مش عايزاها تتجوز."
مطت ولاء شفتيها بعدم معرفة وأردفت قائلة:
"وهي مالها؟ مش جوزها معاها تتلهي فيه؟ دي زبالة."
عقدت بهيرة ما بين حاجبيها بتساؤل وتفكير غيرهم.
"وليه متقوليش إنها متعرفش إنه كان عند مريم في المحل؟"
جاءتها من خلفها ياسمين حتى اشتمت بهيرة رائحة عطرها.
"هتفضلوا واقفين كده كتير وسادين الشارع؟ البرفيوم بتاعي هيخنقكم."
كانت بهيرة متسمرة بمكانها تمسك معدتها تريد تقيؤ العشاء بالكامل، فضحكت نوال.
"وراك وراك، أهو أنا دلوقتي مجبتش سيرتها. اجري يا مجدي. العشاء خسارة ترجعيه."
بالفعل حاولت بهيرة الركض إلى منزلها، ومن ثم صعدت لتسرد إلى عائشة ما حدث عند ثريا.
في اليوم التالي، أخذ سالم والدته وبهيرة وذهبوا سويًا إلى منزل ثريا للحديث في نفس الموضوع.
"يالا يا مرات عمي، قولي قدامنا كلنا ليه مصرة كل حاجة ترجع زي الأول، رغم إن مكنش في دماغك."
صمت تام وشرود حزين في أحداث الماضي، لا تريد ثريا تشويه صورة هريدي أكثر من ذلك.
كسرت بهيرة حاجز الصمت.
"وحدوه. إيه يا طنط ثريا؟ هو عمي طاهر مات تاني؟ إيش حال ما كنتم مطلقين قبل اللي حصل ده بزمن، إيه اللي خلاها تطق في دماغك بالشكل ده؟"
رد الجميع:
"لا إله إلا الله."
سألتها مريم:
"إيه اللي انتي بتقوليه ده يا بهيرة؟"
أخذت بهيرة تنظر إلى ثريا بشك.
"إيه يا طنط ثريا؟ هتفضلي ساكتة؟"
زفرت ثريا بحنق وشعرت أنها تختنق.
"أعمل إيه يعني؟ أقولكم إن كل ده طاهر ليه فيه النص؟"
جحظت عائشة بعينيها، فهي تتذكر شيئًا لهذا الحديث.
"ما تتكلمي يا ثريا، قولي إزاي طاهر ليه النص، ولا حمّانا غلط؟"
شعرت بهيرة أن الأمر سيتصاعد بين ثريا وعائشة، فحاولت التهدئة.
"خليها تتكلم بالراحة يا مرات عمي، بلاش هجوم، لا انتي ولا هي، أكيد ليكم ذنب."
هنا تأكدت مريم أن والدتها على صواب، إن كان بالفعل والدها له حق ستأخذه بالتأكيد.
"مش هينفع أمي تتكلم يا بهيرة، ممكن تتفهم غلط، إذا أنا نفسي فهمتها غلط، بس لا، أنا معاها."
ابتسمت بهيرة بحب إلى مريم، التي صفت بجوار والدتها ولم تدافع عن أهوائها ومطالبها فقط.
"طبعًا يا مريم، هو انتي أي حد، وإحنا كمان معاها، مع الحق، وأكيد مصطفى دلوقتي فهم الوضع."
كان ينظر في الفراغ شارداً، متخيلًا جده أنه قام بالتفرقة بين والده وعمه بنفس الطريقة التي قام بها هريدي.
"الله يخرب بيت كده، هيقابلوا إزاي وجه كريم وهم مفرقين بين أولادهم؟ على الأقل أبويا عايش بيشوف النتيجة."
نظرت له مريم بعتاب، ظنًا منها أنه يحمد ربه على نجاة والده لعله يتوب، غافلاً عن حق والدها الذي شعرت بظلمه.
"خايف أوي على عمي، مش زعلان على حق أبويا اللي ضاع؟ آه، أن أبويا غلط، بس ده من الظلم اللي وقع عليه، طول عمره مقهور."
هز مصطفى رأسه بعصبية وغضب، يرفض اتهامها، هو كان فقط يتأمل ما حدث وما سوف يحدث من عقاب لكل شخص فرق بين أولاده بالإرث.
"لا طبعًا، أنا زعلان عليه."
ما زالت لا تقتنع بتفكيره.
"آه، ما أنا عرفت إنك زعلان."
نظر مصطفى بعيون حزينة لمريم ولم يكمل كلامه.
في المكتبة عند شوقي وضياء وولاء وياسمين.
تحدث شوقي بصوت منخفض إلى ضياء الجالس بقربه.
"اللي حصل بقى يا ضياء، أنا مكنتش متخيل إن نوال حقيرة. المهم أنا عايز أقول للبنات، ما تبقي وسيط بيني وبينهم وتفهمهم بالراحة، أنا مش عايز أخسر عادل."
شعر ضياء بحجم المشكلة.
"أوامرك يا سي شوقي يا أخويا."
نهض ضياء متجهًا لمكتب ولاء ليتوقف أمامها.
"شوقي خل بالاتفاق اللي بينه وبين عادل وراح مع نوال امبارح لست كده اسمها حلاوتهم."
جحظت كلا من ولاء وياسمين من كلام ضياء، وشعروا أن الأرض تميد بهم، فبفعلته حطم كل شيء.
"إيه؟ بتقول إيه؟ راح فين؟ لحلاوتهم؟ منه لله، وديني لأقول لعادل يطرده، ملقاش غير نوال، كل ده ليه بيحقد؟"
حاول ضياء إسكات ولاء بشتى الطرق، ولكن ما استغربه هو موقف ياسمين، حيث كانت تنظر بصدمة كبيرة.
"وطي صوتك يا ولاء، هو عاوز يعرفك علشان تفهمي عادل إنه رجع في كلامه في آخر لحظة لما عرف إنها ملاعبة."
كسرت ياسمين حاجز الصمت بداخلها وجزت على أسنانها بغيظ وهي تنظر إلى ضياء الذي يحاول الدفاع عن شوقي باستماتة.
"وهو الحيوان ده عاوز إيه؟ انت إزاي تتوسط لواحد حقير زيه؟ خلي بوعده لعادل حصل إمتى الكلام؟ ما أنا متنيلة قاعدة في المكتبة عشان كده."
عقد ما بين حاجبيه.
"انتي بتيجي عشان كده؟"
همت ياسمين بالوقوف غاضبة.
"لا، عشان سواد عيونك يا سي ضياء."
تضايق ضياء منها وأنها كشفت اهتمامه.
"احترمي نفسك يا ياسمين، إيه سواد عيونك دي."
هنا دلف عادل ليجدهم في نزاع، شعر أنه بسبب ضيق ياسمين من عدم اهتمام ضياء بها، فهو حذرها مرارًا وتكرارًا ألا تلفت انتباهه وتبتعد عنه تمامًا.
"ما تلم نفسك انتي وهي."
التفتت إليه ضياء وقرر مصارحته.
"عاوزك تعرف إن شوقي راح مع نوال لحلاوتهم."
جحظ عادل بعينيه ونظر إلى ضياء بغضب قائلاً:
"يطلع من جحره يعرفني بنفسه يا ضياء، هو مش عيل."
من مسافة قريبة خارج المكتبة كان شوقي يتابع الشجار الذي دار بين ضياء وياسمين، وما إن دلف عادل حتى انتفض شوقي من مكانه، لأنه تأكد الآن أن عادل سيعرف كل شيء، واحتار ماذا يفعل؟ أ يترك الأمر ويرحل أم يتدخل ويواجه الأمر ويعترف بخطئه ويرضي بالعقوبة المطلوبة.
رواية الارث "صراع الاباء والابناء" الفصل السادس عشر 16 - بقلم مروة البطراوي
شعر ضياء ببروده في رأسه فقرر شوقي التدخل.
- وأديني جيت بنفسي أهو، بس والله أنا راجعت نفسي.
ابتسمت ياسمين بسخرية وهي تنظر إلى ضياء المتيبس بمكانه.
- أهلاً يا شوقي بيه، وإيه يا أخويا اللي خلاك ترجع في كلامك؟
انفجر الجميع بالغضب وعلى رأسهم شوقي الذي لم يستطع كبت الغضب على كلمات ياسمين.
- عرفت قد إيه إنها بنت كدابة، أنا اللي كنت حابب أساعدها وأبرئها قدام سالم، أتاريها بتكدب عليه.
عقدت ولاء ما بين حاجبيها بتساؤل، كيف وجدت شوقي ولماذا تريد براءتها أمام سالم، ومن أين علم كذبها.
- سيبك من سالم دلوقتي، هي نوال كانت أخداك علشان تقابل سالم ولا حلاوتهم؟ وليه عايزة تبان بريئتها قدامه؟
مط شوقي شفتيه بعدم معرفة مع حركة رفع أكتافه التي توحي أنه لم يفهم شيئاً.
- عندما طلبت منه ذلك كان مغيباً فقط.
- آه، وبصراحة أنا ماحبتش أقصر، لأن مهما كان عادل غلطان، ويا ما قلت له اللي بتعمله ده هيجي فوق دماغك في يوم.
نظر له عادل بغضب، فهو يريد أن يجدوه على صواب، متناسياً أمر الورطة التي وضعهم بها، حتى لو عادل خاطئ فهو طلب منه الوعد.
- واحدة جايه تتبلى عليا ليه، مصمم إن أنا اللي كنت وحش معاها، علشان أنا وحش صح؟ طب أقسم بالله البنت دي أكتر واحدة فرتها معايا على الآخر.
نظر شوقي إلى ضياء بغضب، الذي أشاح بوجهه للأرض.
- احممم، أنا آسف على غبائي يا عادل، وأوعدك مش هتتكرر.
ثم استطرد بضيق وهو ينظر إليهم جميعاً، محاولاً تحمل العقوبة.
- أنا دلوقتي اتسببت في مشكلة، ومستعد لأي عقوبة بس تسامحوني.
نظرت له ولاء بحزن، فهو ليس لديه ذنب سوى رغبته في مساعدة نوال.
- أنت بس احكي لنا التفاصيل، وليه اتراجعت في آخر لحظة عنها طالما بتساعدها.
تنهد شوقي بضيق وهو يرى نظرات عادل وياسمين وضياء المتهمة له بأي حال.
- ملوش لزوم، بس هي لغز، أول فهمتني إن سالم جوز أختها، بس اللي شفته غير كده.
ابتسمت ولاء بسخرية لأنها تعلم الكثير عن نوال من خلال سرد بهيرة لها، وأولهم الكذب.
- طبعاً يا شوقي، لأن الحقيقة غير كده، سالم جوز حلاوتهم، وحلاوتهم ملهاش أخوات، دي صاحبتها. عموماً يا شوقي، دلوقتي مش وقت اعتذار، أنا وعادل هنقعد مع بعض نشوف آخرة ده كله إيه، أتمنى تحترم قرارنا، عن إذنكم.
أنهت حديثها ووضعت يدها في يد عادل وتمنت ألا يخجلها.
بالفعل انساق معها لدرجة ذهول ياسمين.
- رايحة فين يا بت انتي وهو، وسايبين مع دول؟ ده أنا أخاف على نفسي منهم، ناقص يفتنوا عليا لست نوال.
ابتسم شوقي ابتسامة خفيفة، ولكن ضياء كان شاردًا في ملكوت آخر، غاضبًا على تصرفات ياسمين.
التفتت إليها ولاء.
- اقعدي ساكتة ولسانك جوه بؤك، ساعة وراجعين، ياسمين بلاش تتقلي العيار أكتر ما هو، خليكي في حالك واقعدي على جمب.
ذهبت ولاء مع عادل في مكان عام وجلست على الطاولة أمامه ليتحدثا عن المشكلة سوياً.
ما أثار دهشة عادل هو رد ولاء ببساطة.
- دي حاجة سهلة جداً يا عادل، إحنا قدامنا حل من الاتنين، يا شوقي يفضل يلاعبها لحسابنا، يا هي نفسها تبقى لحسابنا زي ما طنط ثريا قالت.
تعجب عادل.
- إزاي يا ولاء؟
تنحنحت ولاء.
- شوقي يشتغلها.
فكر في اقتراحها جيداً ولم يجد بديلاً عنه، ومن ثم عادا إلى المكتبة ليدلي بقراره لشوقي، لطالما قال إنه يريد العقوبة، ها هي العقوبة، سيظل معها.
على الجانب الآخر عند سالم وحلاوتهم، انتفض كمن لدغته عقرب.
- لا طبعاً، عقد بيع الأرض مستحيل، كفاية نص البيت والمخازن كلها.
نهضت حلاوتهم تتحدث معه بثقة أنها ستأخذهم، ستأخذهم بدون منازع.
- هو انت تعرف الأرض دي كام فدان؟ انت حتى المحصول مش بتبعت تجيبه.
شرد في حديثها، فهو صحيح هو لا يعلم شيئاً سوى أنه معه العقد وعليه التصرف.
- لو افترضنا إن كلامك صحيح وقدرت ألاقي العقد، هتبقى قسمة ما بيني وما بينهم.
هزت رأسها بخبث ترفض تفكيره وتحدثت وهي تهمس له كفحيح الأفعى قائلة بهدوء.
- حتى يمكن يكتبها باسمهم ويسيبك الحق دور عليه، والمحامي موجود، يزور بس تبيع ليا.
تراقصت الفكرة في رأسه كالشيطان، بالفعل هي شيطانة أغوته لصالحها فقط.
نظر إليها بإعجاب.
- حلوة دماغك يا حلاوتهم، آه يا ما نفسي يقع في إيدي ولازم يعرفوا اللي عملته فيهم علشان ما يستقلوش بيا.
أخذها وذهب إلى المحامي ليتدارسوا الأمر سوياً، غافلين عن تلك الأعين التي تراقبهم وتترصدهم من بعيد.
- مستحيل يحصل يا سالم بيه، ده تزوير وأنا مليش في التزوير، أسف لو كانت حاجة واضحة وصريحة كنت قلت ماشي.
غمز سالم إلى إسماعيل المحامي فهو صديقه، ولكن أكمل تعليمه بعكس سالم الذي نظر إلى التعليم على أنه مضيعة وقت.
- جرب يا إسماعيل، مش هتخسر حاجة، وبعدين هبسطك وهشوف كيفك، ما انت عارفني، متبقاش عبيط، دي بهيرة لو مكانك ما هتصدق.
تذكر إسماعيل بهيرة التي تزوجت من محمد بعد ما رفضته، ليشعر أن حديث سالم هذا لينتقم منها على تعاليها عليه، وهي زوجة الطبيب.
- هشوف.
نظرت حلاوتهم إلى إسماعيل بتحدي.
- هتشوف وهتساعدنا وهتقدر يا متر.
ابتسم سالم إلى إسماعيل بخبث وأردف.
- ليك عليا يا إسماعيل لأفتح لك مكتب كبير.
هزت حلاوتهم رأسها توافقه الرأي قائلة.
- طبعاً لا، وكمان هيبقي في الشارع اللي ساكنة فيه بهيرة.
خرج كلا من سالم وحلاوتهم من عند إسماعيل ليسألها سالم.
- إلا قوليلي يا حلاوتهم، انتي منين عرفتي الشارع اللي ساكنة فيه بهيرة؟
تسمرت حلاوتهم بمكانها تخشى أن يعلم أمر زيارتها لثريا.
ابتلعت ريقها.
- ها، آه الزفتة نوال، ما هي راحت لهم بتحوم حوالين مصطفى وقالتلي العنوان.
عاد من جديد يتذكر مريم وهي تنكمش بكرامة أمامه، حقاً هي امرأة حرة، خاصة وهي تبتعد عنه في كل مرة يحاول الوقوف بجوارها.
ذقنها المرفوعة أمامه في شموخ رغم كل خوف ووجع وتعب تمر به، كانت تردد دائماً.
- هتغور إمتى؟
- للدرجة دي مش طايقاني؟
- آه، كفاية بقي، إحنا خلاص اللي بينا انتهى.
كان يتنفس باستمتاع وهو يمط شفتيه بخبث، يغمز لها.
- أنا في انتظار رجعتك مكسورة ليا يا مريم، وهيحصل.
أخذت تهزه حلاوتهم تحاول إخراجه من شروده ليرتبك قائلاً.
- بقولك عرفتي منين الشارع اللي ساكنة فيه بهيرة؟ أنا عمري ما قلت لك.
وضعت على توتره علامة استفهام كبيرة.
كانت منذ دقيقة تجيبه، ماذا عنه؟
- جرالك إيه يا سالم؟ أنا لسه قايلالك إني عرفت من نوال، خير سرحان في الهانم؟
ارتبك سالم أكثر حيث أنه انتبه فقط على اسم مصطفى المقترن دائماً بمريم التي فلّت من يده.
- هاااهانم مين اللي أسرح فيها يا حلاوتهم، بلاش معيلة، أنا كنت سرحان في العقد وبفتكر مكانه.
نظرت إليه حلاوتهم بخبث وشعرت أنه يريد أن يذهب إلى هذا الشارع بحجة زيارة والده لأخذ العقد.
- اممم مش فاكر صح؟ طب يكون أبوك أخده معاه؟ روح يا حبيبي بحجة إنك بتطمن على صحته ودور هناك.
هز سالم رأسه بالموافقة، فهو بالفعل يريد الذهاب إليهم ليعرف تطورات الوضع عن الفرمان الذي أصدره لوالدته.
- آه تمام، هروح، ههههه أنا حتى لو سألت أبويا هو فين هيعطيه ليا، الراجل ده طيب أوي، بفكر أجيبه يعيش معانا، بيحبني.
ابتسمت حلاوتهم بسخرية وتحدثت إلى نفسها قائلة.
- وماله، هاتيه يا أخويا علشان دوله حبيبي يطردكم انتوا الاتنين، حلال فيكم.
طلبت ولاء من ثريا أن تحضر هي ومريم ومصطفى لكي تعلمهم بما بدر من شوقي وقرارها بخصوص نوال لتعرف ما هو رأيهم.
- ولاء هتيجي إمتى؟ أنا عايزة أروح يا ماما محمد مع بهيرة عند مرات عمي، وأخاف لمرات عمي تفتن لسالم وتقول إني بقيت حبيبة مصطفى.
جاءت ولاء.
- تروحي فين؟
زفرت مريم بضيق.
- معلش اتكلموا انتوا.
همت مريم بالوقوف ليقف مصطفى أيضاً.
- اتفضلي، هوصلك، مش هسيبك تمشي لوحدك.
هزت مريم رأسها بالرفض، هي تود الهروب منه.
- ملهاش لزوم، أنا مش صغيرة وانت مش ولي أمري.
شدد على شعره بغيظ وتحدث من بين أسنانه قائلاً بحنق.
- مينفعش اللي انتي بتقوليه ده، مش هسمحلك المرة دي يا مريم.
ضربت ثريا على سطح الطاولة لتخرسهم، لأن الأمر تطور.
- ما ولاء قالتلك إنها جايبة أخبار مهمة، ده وقت لعب عيال، ما تتلموا.
تضايقت مريم من أسلوب والدتها معها، وهي ترمقها بنظرات غاضبة.
- بعد إذنك يا ماما، أنا مش قادرة لا أقعد ولا أسمع حد، تعبت بجد ومحتاجة أرتاح.
ذهبت مريم سريعاً.
أما سالم، توجه بكلامه لثريا بنبرة عتاب، فهو حتى لو مريم خاطئة لا يريد أن أحد يحدثها بهذه الطريقة، حتى لو كان هذا الشخص والدتها.
- علشان خاطري بلاش تعملي معاها كده.
تنهدت ثريا بتعب، فهي ملت مواقف مريم.
- أنا قلت إيه يعني؟ مريم بقت بتدلع يا مصطفى.
لم يهتم سالم لما قالت وركض سريعاً يلحق بمريم.
- مريم يا مريم استني، مريم اقفي بقولك، صحيح ده دلع.
التفتت إليه ونظرت إليه نظرات غضب وتحدثت بعصبية.
- عايز مني إيه؟ ابعد عني، روح لأبوك خليه يلحق نفسه ويتوب.
كان يود احتضانها ليفهمها مقصده أكثر، ولكن ليس من حقه أبداً.
- والله ما كان قصدي يا مريم، انتي بس اللي فهمتيني غلط، ما هو زي أبوكي.
شردت في حديثه، هي كانت تعتبره مثل والدها، ولكن هذا قبل معرفة الحقيقة.
- أمال إيه اللي انت قلته ده؟ انت حتى ما ترحمتش عليه وكنت مبسوط ومرتاح إن أبوك لسه عايش.
هز مصطفى رأسه بيأس، فهو لا يعلم كيف يوصف لها شعوره الذي يكمن في إنقاذ ما يمكن إنقاذه لكي تكون النهاية كريمة.
- أنا بس اتفاجئت من اللي عمله بابا في عمي زمان، مبقتش عارف أقول إيه، وأقسم لك لو العكس شعوري هيكون واحد، دول آباءنا.
كانت تختنق من داخلها بسبب الظلم الذي وقع على والدها ويقع عليها الآن، ودت أن تصرخ بأعلى صوت لها، ولم يكن أمامها سوى مصطفى، فأبعدته عنها.
- ابعد عني يا مصطفى أرجوك.
هز رأسه يرفض الابتعاد عنها.
- أرجوكي انتي متبعديش تاني يا مريم.
انهمرت دموعها أمامه، تراه متمسك بها.
- بحبك يا مصطفى ومش عايزة حاجة تفرق بينا.
كاد أن يقبل عليها ولكن عاد بظهره إلى الخلف ينظر إليها.
- وأنا بعشقك يا قلب مصطفى، وأوعدك مفيش حاجة هتفرق بينا.
اقترب مصطفى من مريم ليقبل جبينها لتبتعد عنه مريم تشهق وهي تضع يدها على شفتيها.
- انت اتجننت يا مصطفى؟ إيه اللي انت عملته ده؟ افرض حد شافنا؟ مصطفى بلاش نتقابل تاني.
نظر إليها مصطفى ببلاهة حيث أنه لم يشعر بحاله وهو يقبلها، بل هي شهوات النفس أملت عليه.
- إيه ده؟ أنا معلش ما حستش بنفسي، أنا أسف يا مريم.
- حقك عليا، مقدرتش أمسك نفسي معاك، آخر مرة.
هزت مريم رأسها بإصرار لأنه لا تريد تكرار هذا الأمر مرة أخرى، وإلا نترك أنفسنا لأوامر الشيطان.
- أيوه كده صح، قلتلك إحنا منعرفش نوايا اللي حوالينا إيه، وخد بالك من الحبيب قبل العدو، ومن القريب قبل الغريب.
بالرغم من حديثها الصحيح، إلا أنه عاد ليقترب منها، ينظر إليها بخبث وهي مرتبكة من قربه، فهي دائماً قريبة وبعيدة.
- طب ما تدليني انتي مين الحلو من الوحش وتقربيني منك أكتر، علشان انتي حلوة كتير. انت النصيب اللي اتعان ليا سنين.
نظرت إلى قربه منها مبعثراً لكلماتها وضارباً لها بعرض الحائط، فصممت على رأيها، هي لا تريد اقترابه في الوقت الحالي.
- الله ابعد يا مصطفى، بلاش جنان، اعقل كده، من إمتى الجنان ده؟ وبعدين لو أنا النصيب الحلو، فانت العوض عن كل حاجة مرة في حياتي.
هز رأسه.
- حاضر، اتفضلي، يلا قدامي.
قطبت مريم جبينها بتساؤل.
- على فين؟ أنا مش عايزة أسمع ولاء.
زفر بيأس وهو يريد تحطيم رأسها اليابس.
- نسيتي اتفاقنا ولا إيه؟ إننا نسمع لكل حاجة.
تذكرت بالفعل كلماته هذه، ولكن حاولت مراوغته.
- اممم هو إحنا اتفقنا على حاجة ولا إيه؟ أنا مش فاكرة.
فهم أنها تراوغه، ولكن ما باليد حيلة، عليه استحمالها للنهاية.
- اممم ماشي، تعالي وأنا أفكرك اتفقنا على إيه، ولا أقولك نوال هتفكرك.
أكمل الاثنان طريقهما بمرح وسعادة ليتوقفوا أمام نوال، حيث سردت لثريا الأمر.
- الله الله، كل ده علشان توصل لمصطفى؟ أنا نفسي أفهم البت دي معجونة من إيه.
ربت مصطفى على كتفها ليهدئها، فالثبات والهدوء مطلوبان وليست العصبية تربح.
- عشان انتي ستها وتاج راسها، اعرفي قيمتك، واحدة غيرك المفروض تفرح، أنا هتصرف.
نهضت ولاء من على المقعد بعد أن سردت لثريا كل شيء واستمعت إلى حديث مريم ومصطفى.
- تمام، أنا كده خلصت وهخلصكم منها بعون الله، أنا اتفقت مع شوقي وعادل إنها هتكون الطعم بتاعنا.
نظرت إليها ثريا بإعجاب، فدائماً ترى ولاء تشبهها كثيراً في التفكير، تمنت لو أن مريم تكون مثلها، ولكن دون جدوى.
- بسم الله ما شاء الله، مفيش غلطة، كل حاجة محسوبة، وكمان مش بتاخدي وقت في التفكير زيي يا لولو، وأنا موافقة ومعاكي.
رواية الارث "صراع الاباء والابناء" الفصل السابع عشر 17 - بقلم مروة البطراوي
ابتسمت ولاء بامتنان لثريا.
"فلها الفضل، فمنذ أن جئت إلى هذا الشارع وولاء دائمًا عندها تعلمها وتدربها على الحياة ومآسيها."
"عيب، أنا تلميذة خالتي ثريا. أنتِ عوضتني عن موت ماما، الله يرحمها. وعمري ما هنسى كل اللي كنتِ بتغرزيه في دماغي أبداً."
هزت ثريا رأسها بحب. تعلم كم الغيرة تأكل مريم الآن، ولكن هذا وقته. لعلها تفيق من الغيبوبة التي صنعها لها والدها. أما عن مصطفى، كان يبتسم من الداخل.
"آه طبعاً، ده انتي دراعي اليمين. لو أمك عايشة مش هتحبك قدي."
ضحكت ولاء، ومما أثار الدهشة أن مريم هي الأخرى ضحكت.
"ماما الله يرحمها كانت بتعلمني كل حاجة، وموتها كان صدمة."
ربتت ثريا على ظهر ولاء وهي تحتضنها تواسيها وتطمئنها قائلة:
"بجد يعني مش عارفة أقولك إيه، أنا مهما عملت مش هقدر أعوضك."
شدت ولاء من أحضان ثريا وهي تنظر من خلف ثريا إلى مريم قائلة:
"طبعاً عوضتيني وجبتيلي أخت زي مريم الطيبة والحنية والإحساس."
عند هريدي، كانت تعاتبه عارفة على ما فعله بشقيقه والناتج عنه ما يفعله سالم.
تنهد قائلاً:
"كان أيامها عمري خمسة وعشرين سنة، أم ماتت وهي بتولدني، أبويا موجود وكأنه مش موجود، حتى أخويا ديما مع أبويا في الوكالة وأنا لوحدي. ولما شفتك يا عيشة اتعلقت بيكي أوي، وأول ما جيت قلت لهم محدش اعترض، اللي هو زي ما أكون عروسة بايِرة وبيزحلقوني. ورغم إنهم كانوا بالدنيا عندي، بس ديما كنت بسأل ليه بيعملوا معايا كده!"
تنفست عائشه بعمق، وابتلعت كلماته بغصة. وهو يتابع سرد الحكاية ودموعه تتغلغل في عينيه:
"ليه حسسوني إني مش عايش معاهم. كان بيعطيني الإيراد كل كام شهر مرة، وأخويا ماسك كل حاجة في إيده، ولما أطلب يقول لي كلم أخوك. طب أنا مش بمسك كل حاجة ليه! كنت مقتنع وقتها إنه ما بيحبنيش زي طاهر لأنه مش السبب في موت أمي زيي. وكبرت وأنا مش عارف أتخلص من الشعور ده."
بعد أن انتهت ولاء من الجزء اللي يخص مريم، ذهبت إلى بهيرة لسرد الجزء اللي يخصها، ألا وهو الأرض والعقد.
صمتت بهيرة واستمعت جيدا.
"طب والحق اللي لينا؟"
هزت ولاء رأسها بيأس قائلة:
"قولي ده كله هيرجع المصيبة لو في كمان."
نظرت بهيرة أمامها بتفكير وتساؤل. كم تبلغ الأرض؟
"اممم ويا ترى الأرض دي كام فدان؟ ويا ترى إسماعيل هيقدر؟"
رفعت ولاء حاجبيها بدهشة، فهي لم تذكر اسم المحامي حتى، لم تعرفه.
"انتي بتقولي إيه يا بهيرة؟ مين قالك إن المحامي اسمه إسماعيل؟ حتى عادل ما يعرف."
ابتسمت بهيرة بخبث. فلا أحد يعلم ما يدور برأسها، فهي محامية وما أدراكم بلعبتها القانون.
"إيه يا ولاء، انتي بتستقلي بيا ليه؟ انتي ناسيه إني محامية؟ وكمان أنا عارفة إن المحامي بتاعهم إسماعيل."
صفقت ولاء بيديها بحماس، وكأنهم تفوقوا ونجحوا في الشيء اللي يخططوا إليه. شعرت أن النهاية اقتربت.
"إحنا كده تمام أوي، إيه رأيك يا بهيرة تتواصلي مع إسماعيل؟ أكيد هو محامي وعارفك كمان، حاولي توصلي للعقد."
عقدت بهيرة ما بين حاجبيها بتفكير، وأخذت تفكر كيف تتواصل مع إسماعيل لكي يصف معها، ولكنها لا تضمنه أبداً.
"إحنا نخلص الموضوع ده بس بعد ما نخلص من نص الأملاك وورث مريم. الحمد لله إننا اكتشفنا موضوع الأرض دي."
نظرت إليها بهيرة بصدمة، وخشت أن يكون ما خفي كان أعظم، فهي تستغرب دائما سكون هريدي ورغبته في عودة سالم.
"يا نهار أزرق، ليكون لسه في حاجات تانية وإحنا ما نعرفش. بس استني يا ولاء، إيه اللي عرف سالم موضوع الأرض؟ يكون عمي؟"
انتبهت ولاء إلى ظن بهيرة. بالفعل هذا الموضوع لم يظهر في الصورة إلا بعد زيارة سالم لهريدي وفرمانه بعدم زواج مريم المؤكد أن الأرض ملك لطاهر.
"كده يبقى الأرض بتاعت مريم."
عقدت بهيرة ما بين حاجبيها قائلة:
"وآخرتها لو معرفش يرجع الأرض يرجع مريم؟"
هزت ولاء رأسها بيأس، لا تعرف ماذا تقول في مثل هذا الموقف.
"والله ما أنا عارفة يا بهيرة، شكل عمك قاله على الأرض عشان يرجع لمريم."
تنهدت بهيرة بتعب وزفرت بحنق، فالأمور تتعقد والسبب هو هريدي نفسه دائماً.
"طيب، الا قول لي حلاوتهم وهي بتحكي لعادل ما كنتش خايفة لا يرجع لمريم ولا خلاص؟"
ضحكت ولاء بشدة لما قالته بهيرة، فهي مسكينة لا تعرف أمثال حلاوتهم وما الذي يهمها أيضاً.
"يا بنتي دي حلاوتهم اللي قدرت تضحك على الكل. إيه يا بهيرة، انتي مش عارفة بجد هي بتعمل إيه."
تذمرت بهيرة، فهي ما تفكر به حالياً هو طفلها فقط، وإن كانت تتحدث في هذه الأمور فكل ذلك من أجله.
"ما هو برضه سالم مش قليل يا ولاء، وطول عمره ما بيسكتش. بصراحة أنا فرحانة فيه أوي إنه خدها."
ربتت ولاء على يدي بهيرة لتطمئنها أن القادم أفضل وللجميع، وأنها ستفعل كل ما في وسعها لكي يرسوا لبر الأمان.
"هو برضه شكله ما صدق عرف موضوع الأرض، وأكيد ده طعم رماه عمي هريدي بيه، بس الهدف غلط، حرام عليه."
انتبهت بهيرة إلى هذا الأمر، وكان ضرورياً عليها أن تحذر ولاء ألا تخبر مريم حتى لا تكره عمها أكثر مما تكرهه.
"بقولك إيه، اسكتي لأحسن حد يسمعنا. أنا مش عايزة مريم تعرف وتكره عمي هريدي أكتر ما بتكره. مش عارفة بيفكر إزاي."
نهضت ولاء وهي تتأوه، فقد كان يوماً متعباً ومليئاً بالأحداث الصعبة والأخبار السيئة. لعل غداً يشرق بيوم أفضل للجميع ولا يحزن أحد.
"لا، أنا هقوم أنام."
أوقفتها بهيرة بسؤالها:
"والورق ده مش هنعرف نوصله؟"
شردت ولاء في سؤالها بتفكير وأردفت:
"بكرة إن شاء الله يبان إن كان حقيقة ولا كذب."
لمعت فكرة خبيثة برأس بهيرة واقترحتها على ولاء.
"طب ما تيجي نروح لحماتي ونقولها وهي ممكن تعرف."
عقدت ولاء ما بين حاجبيها بقلق، فهي لم تأخذ رأي عادل، فتحججت:
"دلوقتي دي زمان نامت، خليها بكرة بعد ما أخلص شغل في المكتبة."
ومن ثم هربت من أمام بهيرة حتى لا تورطها، تخشى أن تسرد الأمر.
هبطت من عندها لتجد إضاءة المكتبة، لتذهب على الفور ظناً منها أنه عادل. ولكنها تفاجأت بياسمين وهي تضع يدها على خديها بحزن، فسألتها ما بها.
"ولاء، أنا هعتذر لضياء والله على اللي عملته، وحتى عشان ما يفكرش إني مستغليه، هقولها ليه قدامكم بكرة في الشغل، وكمان هجيب مريم ومصطفى والكل."
ربتت ولاء على يدها تهون عليها.
"فعلاً، بس خايفة عليكي لا ما يقبلش اعتذارك."
بعد مناقشات طويلة بين ولاء وياسمين، انتهت باقتناع ولاء بمبادرة ياسمين، ومن ثم عادت ولاء لتتأوه مرة أخرى لتشعر بها ياسمين وبتعبها.
"روحي نامي انتي بقي."
عند حلاوتهم وسالم.
"أنا أصلاً زعلانة منك مهما تعمل."
وكأنه مثل الطفل الصغير الذي عاتبته أمه.
"أنا مقدرش على زعل حبيبة قلبي، شوفي إيه اللي انتي عايزاه وأنا أعمله."
قررت حلاوتهم أن تخبره أنها علمت بذهابه إلى مريم في المحل، ولتتحجج بنوال.
"مفيش حاجة تعوضني إنك رحت لمريم. نوال قالت لي إنها شافتك واقف معاها في محل الورد."
جز سالم على أسنانه بغيظ ولعن نوال في صدره. حقاً أنها مزعجة ووجودها سيعطل له كل شيء.
"يا حبيبة قلبي والله كنت عند أبويا، انتي عارفة عشان الأرض وحلفني أروح أشوف ابني فروحت."
ابتسمت إليه بخبث، فهي تمتلك من الخبث أميال وهو لا يقدر على الغوص في بحورها، فهي عميقة.
"عاوز تفهمني إنك روحت لأجل خاطر أبوك بس، يعني الولد ما وحشكش ولا هي وحشتك؟ عادي ما هي القديمة تحلى."
انتظر لتكمل المثل، ولكنها توقفت لأنها متأكدة أن مريم ليست بذلك ولا تنعت بذلك. حمد ربه أنها لا تكمله حتى لا يكون له رد فعل.
"اممم بصراحة وحشني. كانت ساعة سودة لما أبويا قالي أروح لها. عارفة شفت مين هناك؟ عادل. وبيشكرك على اللي بعتيه لأخته. انتي بعتي إيه بالظبط؟"
انتفضت بضيق وتسرعت.
"ليه عادل كان عندها بيعمل إيه؟"
رفع سالم كتفيه بعدم معرفة وزم شفتيه.
"قابلته صدفة يمكن بيشتري منها حاجة، الله أعلم."
ابتسمت حلاوتهم بسخرية وأردفت بكلمات ذم في مريم.
"مريم مش هتغلب يا حبيبي، تلاقيها بتظبطه على بال ما مصطفى يتحرك."
شعر سالم أن حلاوتهم على حق، لأن منذ لحظة دخول عادل محل الورد شعرت مريم أنه طوق النجاة.
"تخيلي يا حلاوتهم، لغاية ما طلقتها كنت حاسس إنها مش هترضي تتجوز حد وهتعيش وتربي ابنها بس للأسف."
تعالت ضحكات حلاوتهم بسخرية، فهي قذفت الهدف وأصابت المرمى، وأرادت تتقيل العيار وأنها لا تستحق التفكير.
"لا والله تصدق بالله انت غلبان أوي وصعبت عليا. شوفي يا حبيبي أنا مش عايزالك تروح غيره، لا أنا خايفة عليك، مريم مش سهلة."
هز سالم رأسه بتأييدها. دائماً سالم يسرق بفكره ومشاعره أمام تلك الحية. أعتقد أنه أخطأ من أطلق عليها هذا الاسم، فهي مرار لمن يعاشرها.
"أيوه كده."
انتهى اليوم واستيقظ سالم ليرى حلاوتهم ترتدي ملابسها على عجلة لتذهب إلى المحلات. تركها وأكمل نومه. استيقظ على صوت طرق باب منزله. فتح الباب ليجدها نوال فسألها باقتضاب.
"في حاجة يا نوال؟"
"حلاوتهم راحت المحل. محدش هنا غيري."
دَلَفَت إلى المنزل وأغلقت الباب من خلفها ووقفت بثبات لتردف:
"مش عارفة أسكت أكتر من كده يا حاج سالم. ليه مش عايز ترجع لمريم؟"
عقد ما بين حاجبيه يتساءل هي مع من؟ مريم أم حلاوتهم؟ نعم، هي تريد مصطفى.
"طب وانتِ عايزاني أرجع ليها ليه؟ انسي مصطفى يا نوال. عمره ما هيتجوزك."
سألته بتوسل ورجاء لدرجة شعر بها هو بصدقها، حيث أظهرت الانكسار في ملامحها.
"ممكن تقعد وتتكلم معاه، يمكن يقتنع؟ وأنا راضية أكون خدامة تحت رجليه. بس بلاش يتجوزها."
هز سالم رأسه بالرفض، لأنه في اللحظة الذي شعر فيها بصدقها شعر أيضاً بفخ منها لصالح حلاوتهم.
"معلش مش هينفع. وبعدين انتي مش خايفة من حلاوتهم؟ دي لو عرفت اللي انتي بتقوليه ده هتنفخك. أغزي الشيطان يا نوال."
نظرت إليه بيأس، ولكن ما ظلت ثابتة في محاولتها، لن تتزحزح. فها هي الفرصة أتتها للتغيير على يد شوقي، خاصة بعد ما أعلمها أن زواج مصطفى من مريم لا محالة له.
"هي دي أخرتها يا حاج سالم؟ ابقي خلي حلاوتهم تنفعك."
تنهد سالم بضيق وزفر بحنق وقرر أن يوافقها على مضض.
"أوووف طيب يا نوال هساعدك. بس حلاوتهم ما تعرفش. فهماني؟"
انفرجت أسارير نوال، فقد وقع سالم بفخها هي الأخرى. وطلبت منه:
"ممكن الكمبيالة اللي كتبتها لحلاوتهم عشان أجيب كتب أخر ترم."
هو يعرف أمر هذا الإيصال وأراد أن يعيده لها حتى يضمن ولاءها له. أحضر لها الإيصال لتأخذه منه وينشرح قلبها. وبحركة سريعة ومقصودة قامت بتمزيقها وبعثرتها على الأرض، ليذهل سالم من فعلتها. لتتصنع قائلة:
"أسفة. أنا أسفة يا حاج سالم، مش كنت أقصد بس افتكرت يوم ما مضتني عليه وكنت مذلولة."
نظر إليها سالم ببرود، هو لا يهمه ما افتعلته. يهمه هو كيف لم قصاصاته حتى لا تنتبه حلاوتهم.
"لا ولا يهمك، ثواني هجيب المكنسة. أعتقد إن حلاوتهم المفروض متعرفش إني عطيتك الوصل."
دلف سالم إلى غرفة المعيشة لكي يأتي بالمكنسة الكهربائية، وما أن أتى بها حتى سمع صوت مفاتيح حلاوتهم، فقد عادت بوقت غير مناسب.
اتجهت نوال لتفتح الباب، والأخرى تدس مفتاحها به، لتصطدم حلاوتهم بوجود نوال وتتلاشى ابتسامتها، حيث أنها كانت مع عادل يخططان إلى القادم.
"انتي جيتي يا حلاوتهم بدري؟"
جحظت حلاوتهم بعينيها وهي تحاسبها.
"انتي إيه اللي جايبك بيتي وأنا مش موجودة؟"
ابتسمت نوال من داخلها لأنها أتت بالوقت المناسب.
"معلش أصل روحت المحل ملقتكيش، قلقت عليكي."
نظرت إليها حلاوتهم باشمئزاز لأنها تعلم أنها مع عادل.
"ده إيه الحب ده كله يا ختي، من امتى يا نوال. الزمي حدودك."
قبل أن تكمل نوال كلماتها وتوقفها عن تهديدها، تفاجأت حلاوتهم بوجود سالم الواقف أمامها حاملاً للمكنسة.
"روحي انتي يا نوال وشكراً على اهتمامك وقلقك على حلاوتهم وسؤالك عنها، بس زي ما فهمتك حلاوتهم في محلها."
ثم التفت إلى حلاوتهم يرمقها بنظرات غاضبة، خاصة عندما علم أنها ليست بالمحل وهذا معناه أنها تذهب إلى أماكن لا يعرفها.
"نعم يا حلاوتهم، إيه اللي جابك صحيح بدري على رأي نوال. عادة انتي مش بتسيبي محلاتك إلا لما يكون فيه مصيبة. خير يا حبيبتي."
نظرت حلاوتهم إلى نوال وسالم وشعرت أن بينهم أمر ما، وأن هذا انتقام من نوال أيضاً. لفت نظرها أمر المكنسة لتنظر إلى الأرض وتلمح قصاصات الإيصال.
"كنت فاكراك حاميها، طلعت حراميها."
فرت نوال هاربة، ليرد سالم على حلاوتهم بعصبية.
"اخرسي يا حيوانة، روحي شوفي نفسك كنتي فين."
صاحت بمبدأ أن تلهيه بصوتها قبل أن يغلبها بسؤاله.
"هو انت ليك عين تسألني؟ انت أصلاً حقير، متستاهلش."
تفاجأت حلاوتهم بصفعة مدوية هبطت على وجهها، ليجذبها من رأسها ويقذفها أرضاً.
رواية الارث "صراع الاباء والابناء" الفصل الثامن عشر 18 - بقلم مروة البطراوي
قذفها على الأرض لتسقط، ويسقط معها بعض قطرات الدماء من بين قدميها.
وضعت يدها على فخذيها وتفاجأت بالدماء التي تخرج منها، لتتحدث بألم وانكسار:
"كنت جاية من عند الدكتور علشان أبشرك إني حامل في ولد، علشان أفرحك بيه يا سالم."
كانت تتحدث وهي تريه الدماء التي على يدها من أثر ملامستها لخاصتها.
لتستطرد قائلة:
"بس خلاص، ما عاد له لزوم. كنت عارفة إنك مش عايزه من الأول، بس و ديني لهندمك عليه."
ألقت بكلماتها لهم وذهبت، وتركتها في دوامة الذهاب إلى المشفي أو مهاتفة الطبيب لإنقاذها.
ليتخبط في التفكير، ويربكه التفكير فيما فعله بها وبابنه.
تذكر قطرات الدماء التي هبطت منها على الأرض ليشعر بنغزة في صدره.
تفاجأ بيد نوال تربت على ظهره، ليبتعد عنها بقوة ويردف بعنف:
"ابعدي عني، كله منك يا شيطانه."
عقدت نوال ما بين حاجبيها قائلة:
"إيه، ليه؟ هي عملت فيك إيه؟ طردتك؟"
جذبها من ذراعيها وهزها بعصبية:
"قلت لك ابعدي عني، والاتفاق اللي ما بينا انتهى."
نظرت إليه باستحقار، ظناً منه أنه عاد ليرضخ لحلاوتهم:
"انت اتجننت يا سالم؟ عملت لك إيه لكل ده؟ الحق عليا نبهتك إنها بتخرج من وراك."
أوقفها بإصبعه لكي يخرسها، فهو لا يريد أن يستمع للمزيد، يكفيه ما حدث منذ قليل:
"كلمة كمان وهندمك إنك جيتي لي البيت، وهي مش موجودة من الأساس. كفاية إن ابني ضاع بسببك."
كادت أن تتعالى ضحكاتها بسخرية، ولكنها تماسكت، لا تريد إظهار حقيقة حمل حلاوتهم أنه كاذب.
فغضبت:
"هتندم يا سالم، هتندم كتير. وانت مصدق حلاوتهم في كل حاجة. روح فهمها إننا ما فيش بينا حاجة ولا هيكون."
تركت نوال سالم في دوامة الغضب، ليذهب إلى عمله ويرتمي على الكرسي، لا يستطيع استيعاب ما فعله مع حلاوتهم بسبب نوال التي جعلته يفقد أعصابه.
على الجانب الآخر، وفي نهاية كل يوم، يلتقي العاشقين في الخفاء، ولاء وعادل.
الذي كان يشعر أنه يتعلم أبجديات الحب على يد ولاء، وأن ما سار من قبلها كان هراء.
"وحشتيني كتير يا ولاء، طول اليوم بحس إني تايه من غيرك. زي العيل الصغير اللي بيروح مدرسته وبيستنى اللحظة اللي يرجع فيها ويترمي في حضن أمه."
أعجبها التشبيه، فردفت:
"وأنا كمان بشتاق ليك في كل لحظة، وصعب عليا كل يوم أشوفك بس آخر الليل."
تنهدت بحب، والحرمان يدغدغ حواسه.
لم يتخيل يوماً أن يرتبط بواحدة بهذه الطريقة:
"معنتش قادر على بعدك أكتر من كده يا ولاء."
"خايف أكتب الكتاب ونتجوز، نتكشف وما صدقت الأمور تمشي."
كم سرت لحديثه غير المتوقع يوماً.
أيعقل أن عادل لا يريد البعد عنها لساعات؟ أيعقل أنه يريدها اليوم وعلى وجه السرعة:
"والله وأنا كمان يا عادل، بس هنعمل إيه طيب. لو اتجوزنا وهي اكتشفت فعلاً، يبقى كل اللي عملناه هينهار في لحظة، وده مش في صالحنا."
هز رأسه:
"باقي القليل."
تلهفت نوال:
"بجد يا عادل؟"
ابتسم إليها:
"يا ولاء، انتي قلتيها، واحد منهم هيموت التاني."
شهقت ولاء، حيث أنها عندما قالتها لم تقصدها:
"لا بعد الشر، موت إيه؟ دول أرواح وانت في النص."
ابتسم لنقاء وصفاء قلبها، وربت على يدها ورفعها ليقبلها:
"قلبك ديما طيب ومش جايب لك غير المشاكل، وخصوصاً مني."
فرحت ولاء جداً بحديثه عنها وعن قلبها، وأرادت الليل يطول بينهما:
"والله لو منك على قلبي زي العسل بجد، انت كفاية وجودك معايا."
انشرح صدره لأنها تناست أمر أفعاله المشينة، وتذكرت فقط حبه:
"وانتي بجد حبك ليا أكبر مكسب، يا كل حاجة حلوة في حياتي، يا قلبي."
تلهفت إلى اللحظة الذي سينتهي فيها الصراع وكل شيء ليجتمع سوياً:
"منتظرة اللحظة اللي هتجمعنا سوا على أحر من الجمر يا قلبي، ربنا يسهل."
نظر عادل إلى ساعته، وجدها الثانية عشر منتصف الليل.
لا يريد تأخيرها أكثر:
"يلا يا حبيبتي، اطلعي انتي بقي بالسلامة وتصبيحي على خير، أحلام سعيدة معايا."
ودت أن تمضي معه الليلة بأكملها، ولكن لا محالة تشعر بضيق في صدرها طفيفاً:
"مع السلامة يا قلبي، وأكيد أحلام سعيدة ومعاك، كفاية إني بختم يومي بيك وليك يا حبي."
هاتفت بهيرة لتخبرها بتفاصيل يوم عادل، وأخبرته أيضاً أنه يريدها بأسرع وقت.
لتشعر بهيرة بالسعادة لولاء.
في صباح اليوم التالي، تجمعت الفتيات.
حيث قابلت ياسمين بهيرة في الشارع، وتعمدت إيقافها بالرغم من محاولة هروب الأخرى.
إلا أنها وقفت تسمعها:
"بجد البرفيوم بتاعي وحش؟"
كادت أن تنفلت ضحكات بهيرة:
"والله نفسي تغيريه وتشوفي الفرق."
شردت ياسمين في أن أمر العطر هو السبب في بعد ضياء:
"والله هجرب، وأهو فرصة حلوة علشان ضياء، يمكن يغير رأيه ويطلب إيدي."
هنا تعالت ضحكات بهيرة وبصخب، لأن ياسمين تريد ضياء وبشدة، لدرجة ظنها أنه العطر:
"أيوه أيوه، يعني مش علشاني؟ لا ده علشان ضيو باشا، ولا وقعنا وطبنا أهو فرصة يظبطك."
خجلت ياسمين وزمت شفتيها بتذمر طفولي، وعبست ما بين حاجبيها على تنمر بهيرة المستمر:
"بس يا بهيرة، انتي متعرفيش أنا من جوه عاملة إزاي، اللي هو خلاص فقدت الثقة في نفسي وفقدت الأمل."
جاءتهم ولاء من خلفهم، تشير إلى بهيرة بالصمت حتى تخرج ياسمين ما في قلبها دفعة واحدة.
وولاء تفزعها:
"مبروك يا ياسمين، والله يا بنتي، وقعتي ولا حدش سمي عليكي، والصراحة ضياء ابن حلال ويستاهل المرستان."
التفتت إليها ياسمين بفزع، ومن ثم ضيقت ما بين حاجبيها بنظرات معاتبة لولاء، مع بعض القلق مما هو آت.
لتردف قائلة:
"نفسي في اليوم اللي أقول لكم فيه الله يبارك فيكم. تفتكري عادل هيوافق بضياء؟ انتي عارفة ظروفه، وآخر مرة قالي ابعدي عنه."
تدخلت بهيرة لعلها تزيل التوتر والقلق الذي انتاب ياسمين فجأة، أو من الممكن أنه بها منذ فترة، وهذا ما يدفعها بالهجوم على ضياء:
"ومين يوافق ليه؟ ضياء محترم، وانتي عايزاه لنفسك من غير أي حاجة تانية، وأهله ناس محترمين كمان. واحنا هنقف جنبك، حماتي وطنط ثريا هيقنعوه."
طمأنتها ولاء أكثر:
"عادل قبل ما يعطيه كلمة، هيتأكد الأول من حبه."
جاءت مريم لتلقي تحية الصباح عليهم، وتستكمل معهم حديثهم:
"يلا يا بنات، يدوب نلحق. معلش اتأخرت عليكم النهارده، كنت بفطر محمد."
مالت بهيرة بجسدها نحو عربة الطفل الخاصة بمحمد، تحدثه بحب قائلة:
"فطرت إيه حلو يا سكر انت كده؟ تفطر من غيري؟ مش انت ابني برضه يا حمادة؟"
نظرت إليها مريم بتعجب، فهي قريباً ستكون أماً، ولكنها لا تنسى أمر محمد أول طفل:
"لا، هو فطر خفيف النهارده. ماما عاملة محشي، وكلكم معزومين، بس ابقوا هاتوا بيبسي."
صفقت بهيرة على يدها وهي تعتدل لتنهض، لقد اشتاقت لهذه الأكلة منذ أن كانوا بالمنزل القديم:
"ياااه، حبيبتي يا طنط ثريا، والله بحبها جداً، فكرتني بأيام العز، كانت حماتي تجمعنا ونقعد نحشي لينا وللجيران."
تعالت ضحكات مريم، حيث كانت مريم هي التي تقوم بكافة عمله هي وعائشة، وبهيرة تتحجج بمحمد وبكائه المستمر:
"يلا يا طفسة."
"قال أغير البرفان قال، لا مش هغيره إلا بعد الأكلة دي، علشان آكل منها براحتي. شكلك ممكن تبلعي بينا وانت بتاكلي."
جزت بهيرة على أسنانها بغيظ، تتوعد إلى ياسمين.
وولاء ومريم ينظرون إليهم وهم يتناقرون كالضراير.
لتهدد بهيرة ياسمين قائلة ومحذرة:
"طب اياكي أشم ريحة البرفان ده تاني."
ضحكت الفتيات سوياً، وأخذت ولاء ومريم يمازحونهم:
"احم، إيه البرفان ده يا ياسمين؟ ياريتني ما قلت لك تغيريه."
جارت مريم ولاء في الحوار، تحاول تقليد ياسمين بدقة:
"بجرب، بجرب يا رمضان، جبت من ده كتير على سبيل التجربة."
ردت عليها ولاء وهي تتصنع الاختناق، تمثل أنها تود أن تتقيأ قائلة:
"كح كح كح. هموت، هرجع، هختنق. والله لأقول لضياء ابعد عن البت دي."
لتقترب مريم من ولاء مثل ياسمين، تحتضنها بشدة وتتعلق في رقبتها قائلة:
"ما هو أنا لازم أما أجرب أجرب فيكي يا بيرى، ده انتي أول من اكتشف العيب."
عاد سالم إلى منزله ثاني يوم ليجد حلاوتهم ووالدتها يتصدرون منتصف المنزل:
"في إيه؟ انتي وهي؟ ما تتكلموا قاعدين ليا كده ليه؟ ولا السجانين؟ ليكم شوق في حاجة؟"
نهضت والدتها السيدة وفاء ترمقه بسخرية وغضب على عدم اهتمامه بما حدث منه أمس:
"مفيش، والله أنا بسايسها من امبارح، راكبة راسها ومصرة تطلق منك، وبصراحة عندها حق."
جحظ سالم بعينيه، فهذا ليس الوقت المناسب.
يود طرق رأسه بالحائط على الصفعة التي طالتها منه:
"بقولك يا سالم، طلقني، وأوعدك هسافر ومش هتعرف لي طريق، طالما بتشك فيا يبقى مينفعش نكمل."
انتفض سالم يريد إصلاح ما يمكن إصلاحه، حتى لا ترحل عنه بأملاكه التي اقتنصتها منه.
فأخذ يراوغها:
"بجد؟ يعني ممكن تتغاضي على الجديد لمجرد إني رفعت إيدي عليكي؟ طب ما انتي غلطتي، شكيتي فيا وخبيتي عني."
رن جرس الباب، فنهضت وفاء لتفتحه، وتتفاجأ بولاء وهي تدلف، تضع رأسها في الأرض في محاولة اعتذار مصطنعة:
"يا حاج سالم، انت طول عمرك خيرك عليا، وانتِ يا حلاوتهم، انتي الصدر الحنين، سامحوني، أنا فعلاً محقوقة ليكم انتوا الاتنين."
نظر إليها سالم باندهاش، فهي بالأمس كانت تحذره من حلاوتهم، وأشارت إليه أنه سيندم إذا استمر معها، لدرجة شكه أنه لا يوجد حمل، ولكن كيف وهو شاهد الدماء أمامه:
"سيبك مننا يا نوال، اللي كان بينا كمبيالة، وانتِ خلاص أخدتيها. ابعدي عني وعن حلاوتهم، انتي بتخرابي على رأي الكل، ويا ما خربتي بيوت بإيدك."
تضايقت ولاء من رده:
"هعتبر نفسي ما سمعتش."
ردت عليها وفاء من خلفها:
"ليه انطرشِتِ إن شاء الله؟ يارب."
التفتت إليه نوال تهددها بعينيها جيداً:
"لو سمحتي، ما تتحشريش بيني وبين حلاوتهم."
كادت وفاء أن تصفعها، ولكن حلاوتهم أوقفتها قائلة:
"هو كمان السبب، ياما فتح لها البيت وعطاها الكمبيالة."
اقترب منها سالم، فلا محالة من استخدام طريقة الاستعطاف:
"ربنا يخليكي ليا يا حلاوتهم، ارجعي عن الطلاق، وأوعدك مش هشك فيكي تاني."
انتهزت نوال الفرصة لكي تلين حلاوتهم من ناحيتها مرة أخرى، فتقدمت لتقف أمامها:
"وأنا الهي ربنا ياخدني لو كان في دماغي أعمل مشكلة ما بينكم، أنا كنت عايزة الكمبيالة وبس."
جز سالم على أسنانه، فهو لا يريد تدخل نوال، لأن تدخلها سيفقده أشياء كثيرة، وعلى رأسها حلاوتهم:
"ابعدي شرك عننا بقي يا نوال، ده انتي بومة وربنا هي، عمرها ما هتسامحك، ولو سامحتني هيبقي علشان أنا جوزها."
مصمصت وفاء على شفتيها، تستغرب الحنان الذي يقطر من لسان سالم، فالكل يعرفه جيداً أنه لا أمان له، ويشهد على ذلك مريم:
"يا حنين، وكنت فين وانت بتلطشها بالقلم امبارح يا أخويا؟ ولا وانت بتجرجرها ومصمم ترميها على الأرض؟ طبعاً علشان تخلص."
خشيت حلاوتهم أن يتطور الأمر، ويبدأ في التساؤل عن كيفية الإجهاض، أو أن نوال من كثر المماطلة في العفو عنها، نقول ما لا يعلمه سالم عن حملها.
"الله، وهو ذنبه إيه؟ هي دخلة شيطان."
كادت والدتها أن ترد عليها، لولا طرق بابهم ووجود آخر شخص من المتوقع ظهوره ودخوله هذا البيت من جديد، لدرجة التفتت الجميع لبعضهم البعض:
"ربنا يجعل دخلتي عليكم خير."
ذهب سالم ليقف بجوار حلاوتهم، ينظر إلى ثريا قائلاً:
"خير يا مرات عمي، لينا طبعاً، بس مش عارف هيكون ليكي إزاي."
همست وفاء بعد ما رأت ثريا أمامها، ما زالت صبية لا يشوبها شائب:
"ما هو لو كنتي عرفتي اللي عملتيه فيكي زمان، ما كنتيش عتبتي عتبة البيت ده."
استمعت لها نوال بدقة، حيث كانت قريبة منها، ومن ثم سحبتها من يديها لتعلم:
"ليه بقي يا طنط فوفو؟ عملتي إيه زمان في الست ثريا؟ تكونيش أخدتي عمو طاهر؟"
نظرت إليها وفاء باستهزاء، وأرادت إثارة غضبها حتى تترك أمر التدخل في أمور الآخرين:
"لا، عملت زي ما انتي عملتي زمان، روحت قلت لعمك هريدي إن ثريا ماشية على حل شعرها."
بالفعل ذكرتها بما افتعلته بصديقة عمرها عندما وشّت بها عند طاهر أنها تمشي مع رجال كي يزوجها:
"اممم، ماشي."
كان سالم يتحدث مع ثريا وينفي ما تقوله عن زيارته لأهله ولـ مريم في محل الورد:
"ولا حاجة يا مرات عمي، هتفرق عند حلاوتهم، هي واثقة فيا. برأيي ترجعي مطرح ما جيتي وتاخدي دوا الضغط، انتي ست كبيرة، مش في حمل اللي ممكن أعمله فيكي. عايزك تبقي جامدة علشان ترجعي تسندي بنتك تاني لما آخد ابني منها، أصل حلاوتهم سقطت امبارح، وأنا اشتقت أحضن ابني."
مرت دقائق طويلة، وفي خضم حديثهم خرجت وفاء لهم لتقف بالتحديد بجوار سالم:
"أما فكرة حلوة أوي، أهي تعوض حلاوتهم عن العيل اللي نزل، يا نضري، ده كان واد."
هزت ثريا رأسها وهي تضحك من داخلها، لأنها وجدت في عيني حلاوتهم استياء قاتم:
"آه، والله يا فوفو، كده بنتك هتروق وهتبقى حلوة، وانتِ كمان تاخدي راحتك وتدوري على شبابك."
زفرت وفاء بحنق على كلمات ثريا المهينة لها.
أما سالم، فهو استغرب موافقة ثريا، توقع ثورتها عليه، ولكنها رحبت بالأمر واستسهلته.
رواية الارث "صراع الاباء والابناء" الفصل التاسع عشر 19 - بقلم مروة البطراوي
-طب مش معترضه يعني ان أخد ابني. غريبه أوي فكرتك. هتعلي صوتك و تهدديني زي ما عملتيها قبل كده.
هزت ثريا رأسها بخبث وهي تنظر إليه وإلى حلاوتهم. ووفاء تتأمل رد فعل كل شخص منهم في عيونه لترد:
-لا يا شيخ. ده على أساس إنك عملت بتهديدي و بعدت عن مريم. وماله. النهارده يرجع محمد. بكرة ترجع مريم ليك.
نظرت إليها حلاوتهم بغضب لأنها أكدت لها أن طلبه لمحمد تمهيد للاتيان بمريم، ولكنه لا يريد إثارة غضب حلاوتهم الآن.
- وأنا هقدر برضه يا مرات عمي على بنتك. دي عايزة تعيش براحتها. مرة لعادل ومرة لمصطفي. وما خفي كان أعظم.
علمت أنه يريد استفزازها لصالح حلاوتهم، لكن لا وألف لا. لقد أقسمت أن تضعه في مأزق لا مخرج منه لكي تتوهج حلاوتهم.
- يعني كانت اختارت تتجوزك زمان. ما هي مشيت ورا كلام أبوها وهي مغمضة. مريم عجينة طرية وأنت بتعرف تشكلها على كيفك.
كان يتمعن في كلماتها ويشعر بها أنها صحيحة. مقارنة بسيطة بين ما كان عليه وما هو عليه الآن بين مريم وحلاوتهم التي تفور غيظاً من ثريا.
- طبعاً طول عمرها بتسمع الكلام.
نظرت ثريا إلى حلاوتهم ووفاء بمكر ثم أردفت:
- خلاص رجعها لعصمتك تاني والولد يبقى بينكم.
فزع من طلبها خاصة أنه كان أمام حلاوتهم ووفاء.
- إيه؟ مين؟ أنتي بتهزري يا مرات عمي؟ أنتي عارفة إني لا يمكن أرجعها.
ضحكت ثريا بسخرية وهي ترى ارتباكه ونظرات حلاوتهم الصامتة.
- مش أنت يا ابني اللي لسه قايل إن طول عمرها بتسمع كلامك ومريحاك؟
كاد سالم أن يفتك بها على خبثها معه. هي أرادت الوقيعة بينه وبين حلاوتهم.
- يا ستي أهو كلام وبقوله. لكن رجوع انسى. أنا متجوز ومراتي مكفيني. خلصنا.
تعالت ضحكات حلاوتهم وهي تراه يندفع بثريا لأجل إرضاء حلاوتهم فانتشت منه.
- أه يا عيون حلاوتهم. وإن كان على الواد خليه لأمه. وأنا أجيبلك سيد سيده العمر قدامنا.
نظرت ثريا لنوال لكي تتدخل في الأمر. فقامت بإلقاء بعض الكلمات عن محمد ليوقفها سالم.
- بس يا بت انتي. بقولك إيه يا مرات عمي؟ أنا مش هرجع بنتك مهما تعملي. وبلاش حركات رخيصة.
بالرغم من إهانته لثريا إلا أنها ابتسمت بفرحة لأن عيون حلاوتهم كانت لا تصدق انفعالاته.
- عموماً مقبولة منك. بس عايزة أقولك حاجة. إن يوم السعد والمنى بالنسبة ليا لما بنتي ترجعلك يا سالم.
ضربت وفاء يدها كفاً على كف متعجبة ومندهشة، تظن أن التي تقف أمامها ليست ثريا المغرورة والمتكبرة.
- ربنا يهديكي يا ثريا. باين طلاق بنتك عمل لك لطف من امتى وأنت بترخصي بنتك كده؟ ده حتى انتي ما رخصتيش نفسك.
كانت تتحدث وفاء بما يدور في رأس سالم، والذي أثار اندهاشه هو الآخر تغير ثريا. أما حلاوتهم فعماها غباء قلبها عن هذا.
- وبعدين؟ هو انتي جيتي علشان توقعيني في مراتي؟ ملقتيش فايدة؟ عايزة ترجعيني لبنتك بأي طريقة؟ بصراحة أنا مستغرب. ده انتي فرحتي يوم طلاقنا.
تعالت ضحكات وفاء بسخرية.
- بتهزر؟ معلش أصلها اشتاقت للبيت.
ضرب سالم يده كفاً بكف متعجباً.
- لا بجد. كله ده هزار يا مرات عمي؟ معقولة.
تقدمت منه ثريا تقف بجوار أذنه تهمس كفحيح الأفعى.
- أينعم خفة دم زي خفة الإيد. أنت أكتر واحد عارف خفة الإيد.
ومن ثم تركتهم وخرجت بعد أن قذفت الشك في قلوبهم جميعاً.
***
في منزل بهيرة، عادت إلى منزلها كانت تنظر بشرود وخيبة أمل. ليسألها محمد ما بها. كفكفت دموعها بيديها المرتعشتين، وعقدت ذراعيها حول بطنها التي تؤلمها. ليجحظ محمد بعينيه قائلاً:
- بهيرة في إيه؟ انطقي.
هزت رأسها لتعلمه أن ما يظن به غير صحيح. هي فقط تجري العادة هذه الأيام من حركة الطفل. تمسك بطنها خاصة إذا كانت حزينة تزداد حركته كأنه يغضب عليها ويعتصرها. كتمت أنينها وتوجعها وأردفت بصوت متعب:
- هكذب لو قلت لك إن عمري ما حقدت على سالم، أو غرت منه. حتى والدتك لاحظت ده عليا كتير. كنت شايفه دايماً إنه بيبني سعادته على تعاسة غيره.
زفر محمد بحنق.
- لذلك أمي هي الوحيدة اللي مش اتعاطفت معاه. حتى يوم ما أبويا طلب مريم ليه كانت معارضة جداً. كنت مفكر عشان مصطفي طلع الموضوع أكبر.
استمعت إليهم عائشة ودلفت إلى هريدي بوجوم. فنظر إليها بفضول وقلق لأنها كانت صامتة. ومن ثم أنهت حاجز الصمت وهي تمسح على وجهها المكفهر. تعاتبه على كل شيء من البداية حتى النهاية لأنه واقع عاشته لسنوات طوال.
- لما قفلت الباب في وشه راح اشتغل وكافح. بس أنت ما قدرتش تشوفه ناجح. حجمته في شغله وخسرته كتير واضطر يسافر. قد إيه أنت أناني؟ دي مراته ما كنتش بتلحق تشوفه والنفوس شالت من بعضها كتير. وبعت اللي تشككه في أخلاق مراته عشان يرميها ومينفعش الصلح بينهم.
زفر بحنق وتأفف منفعلًا.
- انتي عايزة توصلي لإيه؟
انتفضت ومن ثم نهضت لتردف بحكمة لعلها تحيي شفقة في قلبه الصلب.
- عايزة أوصلك إن الدنيا اكتفت منك ومن أمثالك. فبلاش تكون سبب في زيادة حد شبهك.
***
في منزل مريم، حيث قامت ثريا باستدعاء ولاء كي تسرد أمامها ما حدث عندما قامت بزيارة سالم.
- والله ما كنت عاوزة أجي. ورايا شغل كتير مش بيخلص. كمان عادل بيعدي عليا هيستغرب لو ميلقنيش.
ابتسمت ثريا بخبث ولكنها نظرت إلى مريم وجدتها شاردة. فارتعشت ابتسامته واحتارت أتؤجل حديثها؟
- كانت بهيرة جاية بس محمد كلمني وقال لي إنها تعبانة ونامت. فكنت خلاص كلمتك مرضتش أرجع في كلامي.
انتفضت مريم عندما سمعت أن بهيرة مريضة وظنت أن هناك خطب ما بحملها وأرادت أن تتخلص من الحديث.
- يا ريت كانت جت. كنت قرأت ليها قرآن. كل أما الحمل بيتقل بهيرة بتتوتر. أصل أنا ملاحظة إنها مش على بعضها.
هزت ولاء رأسها تؤكد على حديث مريم، ولكنها تذكرت. أيعقل أن تكون بهيرة أباحت بسر الأرض لمريم؟ لا لا يعقل. لقد حذرتها.
- اممم فعلاً. بس أكيد متوترة عشان خلاص كلها كام شهر وتولد. ربنا يقومها بالسلامة. كل أما بتظهر حاجة جديدة لازم تاخدها على أعصابها.
انتبهت مريم.
- إيه اللي ظهر يا ولاء؟
ارتبكت ولاء وتوترت بشدة.
- ها. ولا حاجة. ربنا يستر. كله خير.
أرادت ثريا تغيير الموضوع أفضل.
- أنتي هتتجوزي في شقة عادل يا ولاء.
استغربت ولاء من سؤال ثريا ولكنها انتبهت.
- لا طبعاً. عمري ما هبعد عن بابا. اتفقنا نبقى معاه.
عقدت ثريا ما بين حاجبيها لأنهم تناسوا أمر ياسمين.
- طب أنتي هتتجوزي عادل وياسمين هتسيبوها لوحدها؟
تذكرت ولاء أمر ياسمين الذي تناسته تماماً وأردفت بحزن.
- ومين قالك؟ مش يمكن موضوعنا يطول تكون هي اتجوزت.
انتفضت مريم عندما ذكر عن إطالة الموضوع وتحدثت بصدمة.
- إيه؟ إزاي يعني؟ أومال عادل بيهبب إيه كل ده؟ أنا زهقت وعايزة أخلص.
انتهزت ثريا الفرصة لتطرق على الحديد وهو ما زال ساخناً فأردفت بغضب.
- أنتي اتجننتي ولا إيه؟ وهو عادل كفاية عشان يتحل؟ لازم احنا كمان ندخل وده اللي عملته.
جحظت ولاء بعينيها لأنها تأكدت أن ثريا فعلتها وذهبت إلى سالم. ولكن عليها الآن تهدئة الوضع.
- لا ما اتجننتش. يا مريم فكري بالعقل كده. عادل هيحلها إزاي وإمتى وفين؟ ولو اتطلقت زي ما كانت عايزة النهارده.
انتفضت مريم خاصة عندما سمعت عن رغبة حلاوتهم في الطلاق الآن بعد أن أخذت كل شيء. لا لابد من تركها لتعيش معه.
- مليش دعوة. واعملوا حسابكم لو بتفكروا ترجعوني ليه حتى لو تمثيل أنا مش هقبل. ساعتها ههرب وهتجوز مصطفي وهو قادر يحميني.
صدمت ولاء.
- وتسيبينا وتعيشي لوحدك؟
سخرت ثريا من موقف مريم.
- وليه تظلم نفسها عشان ترجع حق أبوها؟
واجهتها ثريا بالحقيقة المرة لتربت ولاء عليها.
- لازم تضحي عشان تعيشوا مرتاحين يا مريم.
هزت مريم رأسها برفض فكرة الرجوع إلى سالم.
- ميبقاش كده يا ولاء. أنتي وعادل لو في نفس الموقف مش هيقبل.
شعرت ولاء بوخزة من الألم عندما تخيلت نفس الموقف. لن تتحمله.
- ميهونش عليا يا مريم. بس صدقيني مش هينفع غير كده. عارفة إنك مش هتقبلي على نفسك.
اقتربت ثريا من مريم تربت على ظهرها بحنان تحاول تشجيعها لما هو قادم حتى لا يخسروا كل شيء.
- هتتعدل يا مريم. متيأسيش من رحمة ربنا. كل اللي طلباه منك لو جالك في أي وقت وسألك قوليلي ماما عندك.
هزت ولاء رأسها تثني على حديث ثريا بكل قوة وشجاعة وحماس مع إضافة نكهة من المرح اصطنطنتها جديداً.
- يارب. إحنا ملناش غيرك. خليه يتشل من برود مريم أو يجيله طفح. ونخلص منه. والله أنا حاسة إنه هيخاف يجيلك.
تعالت ضحكات مريم على دعوات ولاء على سالم. وبالرغم من أنه والد ابنها إلا أنها تحمل له المزيد من الكره في قلبها.
- بكرة تروق وتحلى ونضحك على اللي قلناه ده. فظيعة انتي يا ولاء. يعني لو مش مقتنعة هتقنعيني. عليكي أسلوب زي ناس كده.
انفرجت أسارير ثريا وتهللت. فمعنى حديث مريم أنها اقتنعت بفكرتها وستنفذها. ولكن احتاجت التأكيد منها ليس أكثر. فأردفت قائلة:
- لا بقولك إيه. عندنا مبدأ. أنا وولاء عاوزين منك كلمة أه يا لا عشان نجهز نفسنا للجديد ونشوف مين فيهم هيطلع من جحره الأول ويجيلك.
توترت مريم.
- هقول لمصطفي إزاي؟
اقترحت عليها ولاء قائلة:
- أنا هكلمهولك. ولا أقولك هقول لعادل.
ما زالت ثريا تقتنص الفرص قبل تغير مريم.
- ومستنية إيه؟ يلا كلميه. بلاش تضييع وقت. إحنا ما صدقنا.
أمسكت ولاء بهاتفها لتهاتف عادل الذي أجابها سريعاً لينتشي من صوته بعد صوت الحمقاء.
- لولي اللي واحشاني اللي بتتصل ديما في الوقت المناسب. فرصة أريح ودني من صوت البومة.
نظرت ولاء إلى ثريا ومريم التي ابتسمت لها بخبث وهي في وضع محرج حيث كان الهاتف صوته مسموع.
- احممم. أزيك يا عادل. على سيرة البومة. في طلب لازم تنفذه عشان نسرع ونخلص منها وانت ودانك ترتاح.
عقد عادل ما بين حاجبيه على أسلوبها المقتضب معه واستغرب. أهي ولاء التي كانت بالأمس لا تود تركه؟ ما بها.
- حد جنبك ولا إيه؟ عموماً ماشي. أنا تحت أمرك. وأنتي عارفة كده كويس. وشكل العملية قربت. الدنيا والعة بينها وبينه.
ابتسمت بسعادة وهي تنظر إليهم حتى أنها غمزت لثريا دلالة منها أن زيارتهم لهم كانت ناجحة مئة بالمئة. انتظر ردها لتجيبه:
- ماما ثريا ومريم بيسلموا عليك. ومريم عايزاك تفهم مصطفي بلاش يفهمها غلط. الفترة الجاية أي حاجة هتعملها لمصلحة الكل.
تعالت ضحكاته خاصة عندما علم أن حديثها الرسمي كان بسبب وجودها معهم. ولكن انتبه على باقي حديثها وتذكر جيداً خطة ثريا.
- قاعدين تسمعوا خالتك ثريا عملت إيه؟ بس مش فاهم. يعني هي مريم ناوية ترجع لزفت الطين زي ما أمها قالت؟ وهتشغلوني خاطبة يعني؟
نفت ولاء.
- لا. هما هما يعني.
انتظر لتقول ما عندها.
- قولي يا لولي محتاجين إيه.
ابتسمت بخفوت وقلق منه قائلة:
- أقول ولا هتيجي تجيبني من شعري؟
ضيق عينيه ليشعر أن ظنه القادم صحيحاً.
- أنا كنت هأجل مقابلتنا لبكرة بس خلاص مش هينفع.
شهقت ولاء حيث شعرت أنها هي التي ستكون متضررة.
- كححح. وأنت كل حاجة هتلبسهالي أنا؟ خد خالتي ثريا معاك.
أخذت ثريا الهاتف منها وهي تشير لها حتى تهدأ. ومن ثم حدثته.
- ما تلم نفسك كده وتجيلي هنا وتتكلم معايا وأنا هفهمك كل حاجة.
جلست ولاء بجوار مريم تضرب على قدمها بحدة تندم على مهاتفته.
- أه وربنا أنا حمارة دلوقتي. لو جه هيعلقتي. طب أهرب؟ هيجيلي بيتنا.
وما هي إلا ساعة حتى أتى لهم. فتحت له الباب ليقرصها في ذراعها فصرخت.
- سلامتك من الاه. يا لولي مالك؟ هي عيوني حسدتك ولا إيه؟ قلت لك بلاش النهارده.
هزت ولاء رأسها بخوف وقلق من كلمات ونظراته المتفرسة بها يكاد يقتلها بها.
- أبداً. دي الحيطة اتخبط فيها وأنا بفتحلك. وبعدين ما يحسد المال إلا أصحابه يا عادل.
أمسك ذراعها بلهفة وشوق مصطنعين وهو يكاد يخلعه من مكانه يمثل أنه يربت عليه.
- أجيب لك مرهم ولا حقنة ولا إيه؟
بصي هجبلك حقنة وحلاوتهم بتعرف تضرب حقن أهو نخلص.
كادت ثريا أن تطلق ضحكتها ولكنها اقتضبتها عندما وجدت ولاء تتأوه لتنتشله من أمامها قائلة له:
- احنا مبنخافش من حد يا حبيبي. خف على ولاء. هي ملهاش ذنب. ده اقتراحي وانت لازم تفهمه لمصطفي.
هز عادل رأسه بيأس على إصرار ثريا على خطتها التي من الممكن أن تخرب ما بين مصطفي ومريم أكثر.
- لسه مصممة برضه يا خالتي؟ الخطة دي طويلة ومريم مش هتقدر ليها. وأنا معنديش استعداد أخسر مصطفي.
أخذته ثريا في ذراعيها وهي تشرح له الأمر لدرجة اندهاش مريم وولااء من طريقتها في جذب انتباهه وإقناعها.
- لا دي قصيرة وهتجيب من الآخر. وعلشان تتأكد مريم دورها بسيط لو فرضاً وده مش هيحصل. ولو راح ليها هتقوله كلم ماما.
نظر إليها عادل مطولاً متحيراً ما بين الموافقة على خطتها أم رفضها وتبليغ مصطفي.
رواية الارث "صراع الاباء والابناء" الفصل العشرون 20 - بقلم مروة البطراوي
وجد أنها مقنعة بالفعل. لطالما أن مريم لم تماطل مع سالم، لأن أمثاله لا ينسون تلك الحركات وسيظل يذلها.
"خلاص يا خالتي. لو على قد كلام ماما، فهي مقبولة. ربنا بس يصبر مصطفى على مجيئها، بس متأكد إنه جبان وهيخاف منها. عنده حق."
تضايقت ولاء من حديثه عن حلاوتهم وأن سالم يخشاها. وله الحق؟ أي حق ليخاف الرجل من المرأة؟ المعروف هو العكس، وواجب احترامه.
"سيبك منهم يا عادل. أنا عاوزاك في دي، متركزش."
ابتسم عادل بخبث لأنه شعر بغيرتها من حلاوتهم عليه.
"قولي يا لولي، مركزش في حلاوتها ولا في أخلاقها، ها؟"
نظرت ولاء إلى مريم التي ضحكت وكأن حلاوتهم لعنة.
"مريم، إيه اللي بيحصل ده؟ هما كلهم بيتشدوا ليها كده ليه، ها؟"
أخرج لها عادل لسانه ليغيظها ويتحدث عن حلاوتهم باستمتاع.
"مالها؟ طب ده حتى ممشية سالم على العجين ميلخبطوش، وهو متعلق بيها."
اعترضت ولاء على حديثه ونهضت لتضع يدها في خصرها، تحتد على حديثه.
"لا، هي اللي متعلقة بيه زي القردة، وهو حمار زكي، فلوس بتخر على رأسها وبس."
ابتسم عادل بخبث وهي تنفعل أمامه وتتحول إلى هالة من البركان تود الانفجار التام.
"وإيه يعني؟ حد يقول للفلوس لأ؟ وهي عمرها ما هتقول لأ. عرفت من أين تأكل الكتف."
شعرت ولاء أن حديثه صادق وأنه معجب بشخصية حلاوتهم، فأردفت والحزن في عينيها:
"يعني.. يعني مريم غلطانة لما ما قبلتش تكمل معاه؟ وأنت لو قابلت واحدة زيها هتوافق عليها وتتجوزها؟"
صمت عادل قليلاً لترتبك ثريا ومريم ووالاء من صمته. ليعاود الحديث وهو ينظر إلى مريم يسألها شخصياً:
"مريم، إنتي رأيك إيه في اللي بتقوله ولاء؟ ندمانة إنك ما كملتيش معاه وضيعتي حقك، ولا شايفة إنه ما يستاهلش؟"
ثبتت مريم في مكانها لثانية. جاءت لتتحرك وترد عليه، لتقاطعها ولاء حين ربتت على كتفه، ثم همست بصوت مرتعش:
"أنا لما حبيت آخد رأي، حبيت آخد رأيك إنت يا مريم. أنا والكل عارفين رأيها كويس. إنت ليه بتتكلم عن حلاوتهم بالطريقة دي؟"
عقد عادل ما بين حاجبيه. هو لن يقصد أن يتحدث عن حلاوتهم كما فهمت، ولكنه كان إثارة للغيرة فقط، فأوضح لها وجهة نظره.
"مين قال كده؟ أنا بتريق عليها، مش بتكلم عنها بطريقة حلوة. إنت بس اللي أخدت الموضوع جد، بس كويس علشان آخد بالي مهزرش."
اتسعت حدقة عيني ولاء بذهول. لم تتخيل للحظة أنه يمازحها أو يغايرها. شعرت أن الكلمات تنبثق منه بصدق، شعرت أنه عاد لتاريخه القديم.
"إنت بتسمي ده هزار؟ إنك تشتغلني قصادهم هزار؟"
أردفت بسؤالها، ومن ثم تركته وهي ما زالت منفعلة.
"مريم، هي ولاء عايزة إيه بالظبط؟ فهميني لأني مش فاهم."
ردت عليه مريم بكل أدب واحترام، وأفهمته جيداً أنه أخطأ.
"زي ما إنت شايف يا عادل. ولاء ست زي أي ست بتغير من كلام حبيبها على واحدة تانية."
نظر في الفراغ بشرود. حقاً لقد تغير الوضع. كان دائماً يغايرها، لكن الآن لا بد وأن يراقب تصرفاته.
"ماشي يا مريم، إنتي معاكي حق. الظاهر إني تقلت العيار. أنا هروح أطيب خاطرها بكرة، لأنه مش هينفع تقابلني دلوقتي."
هزت مريم رأسها بحزن على وضع ولاء التي ستنام ليلتها ودموعها على خديها. حقاً، إنه الأمر الأصعب، تحدث الرجل عن امرأة.
"اللي تشوفه طبعاً يا عادل. بس ممكن تحاول تتصل بيها؟ أنا عارفة إنها مش هترد، بس كفاية إنها تشوف اسمك بيرن عليها. جرب، مش هتخسر."
دقائق و أنهى عادل حديثه مع مريم وثريا، ليترك البيت ويجرى اتصالاً بمصطفى.
"ألو. فينك يا درش دلوقتي؟ لو في البيت انزل، عايزك ضروري. الموضوع مستعجل جداً."
تنهد مصطفى بتعب، حيث أنه يجهد نفسه بهذه الأيام حتى يشتري شقة ويتزوج بها بعيداً.
"مطحون يا عادل والله. بقولك إيه، لو مستعجل، تعالي العنوان قريب منك، وفرصة تسليني."
بالفعل ذهب له عادل، وبعد أن هاتف ولاء ليجدها تفصل الخط في وجهه، ومن ثم تغلق هاتفها.
"واخد بالي إنك بتهلك نفسك طبعاً علشان مريم. ربنا يبارك لكم في بعض، وميدخلش شيطان بينكم."
عقد مصطفى ما بين حاجبيه، يربط بين الأمر المتعجل وأمر هذا الدعاء. لينهض ويجلس أمامه قائلاً:
"عايز إيه يا ابن الكامل؟ متسرع تقولي إيه؟ وعن مريم طالما دعيت لينا الدعوة دي، أنا مش غبي على فكرة."
ابتسم عادل بحفاوة على ذكاء مصطفى. يتمنى أن يمتد الذكاء لنهاية الموضوع، وألا ينقلب السحر على الساحر.
"واحد ذكي فعلاً. عايز أعرفك إنك الوحيد اللي عارف أصل وفصل وتاريخ مريم كله من يوم ما أمها ولدتها."
هز مصطفى رأسه يؤيد حديثه. ولكن ماذا بعد؟ هل من الممكن أن ظنونه في محلها؟ أتكون افتعلت شيئاً وتركته لتعود؟
"عنيا مش بتشوف غيرها. أول ما بروح ببقى هتجنن وعايز أشوفها. لساني بيردد اسمها. عارف حتى عنواني، ديماً عنوانها."
شعر عادل أن الأمر صعب عليه. كيف يوضح له الخطة وهو يتحدث عنها بهذا الهيام؟ نعم، هي لن تخطئ، ولكنها لمجازفة.
"هي أكيد برضه بتردد اسمك، وعنوانكم هيفضل واحد. بس اسمعني، هي نفسها تخلص من موضوع سالم. فتهاوده، بس مش بالمعنى السئ."
اتسعت حدقة عيني مصطفى بذهول مما يقوله عادل. حتى لو كان الأمر بسيطاً، هو سيتصعبه. هو يضمنها، لكنه لا يضمن سالم وتصرفاته.
"تعرف لو شفتها بعينيا بس بترد عليه؟ هعمل إيه؟ وهو يبقي يخلينا ألمحه بس يعتب عتبة المحل بتاعها يا صاحبي."
شعر عادل أن كلمة "صاحبي" دلالة من مصطفى على موقف عادل المشين بتوسطه في هذا الموقف. فنهض يحاول تهدئته.
"ماشي، إنت عندك حق. بس هي مش هتعمل حاجة، وأنا أؤكد ليك إنه مش هيجرؤ يروح ليها. إحنا بس بنفترض. وحقك عليا. سلام."
خرج عادل من مكتب مصطفى ليتركه بداخله تدور الأسئلة.
في منزل الحمش.
"مش المفروض غضبك يطول؟ طفل ملوش ذنب، وبمزاجك أو غصب عنك هو ابنك يا سالم."
كلمات أردف بها هريدي، حيث انتظر فرصة خروج مصطفى ومحمد إلى عملهم، واستدعى سالم، ومن ثم أجبر عائشة على استدعاء مريم.
"عااا. لا بقي ده مستحيل. يعني خفت تجيلي المحل؟ ولا حتى تجيلي البيت؟"
عقد سالم ما بين حاجبيه بذهول على تغيرها وسؤالها المشاكس، وهريدي يبتسم بخبث.
"هو أنا كنت هاجيلك علشان نفسح محمد؟ بالله عليكي ارحميني، أنا طالع عيني وصفقات كتير طارت."
حملت مريم ابنها محمد، ومن ثم أعطته إياه لتشعل الشوق في كل جوارحه. تنظر إلى هريدي، غامزة له.
"شفت يا بابا يا محمد؟ مش طايق حد قدامه. رغم إننا ملناش ذنب. خلاص بقي بيخاف يجيلنا المحل ولا حتى بيتنا."
أخذ يحاول تهدئة الطفل وهو يصرخ كأنه ينفر منه، وعائشة تنظر إلى مريم تتدلي شفتيها إلى الأسفل، غير مستوعبة.
"كله من بنت الجزمة وديني لو أطولها لأقتلها وأرتاح منها. آخر مرة جيتلك راحت فتنت عليا، وبعدين إنتي اتغيرتي أوي."
نظرت إليه مريم بعدم فهم، ولكنها أدركت. يبدو أن حلاوتهم لم تخبره أنها جاءت إلى والدتها وألصقتها بنوال، فأهلاً بالمعارك.
"بت مين؟ أنا مش فاهمة حاجة. أه تقصد نوال؟ حرام عليك، هي يعني كانت شافتك لوحدك؟ ما هي كانت معاها حلاوتهم لما جت تهدد أمي."
كاد هريدي أن يرفع يده المشلولة ليصفق لها، وعائشة ما زالت على حالها، ترى مريم جديدة أمامها، وسالم في عالم آخر يلعن حلاوتهم على كذبها.
وما زال الصغير يصرخ.
"اسكت بقي. خديه روحي نيميه يلا، وهنتقابل هنا كل يوم الصبح."
أخذته طفلها من بين يده، الذي سرعان ما هدأ لدرجة استغربها سالم. فرحل من أمامهم وذهب إلى عمله، وانتهى يومه ليعود إلى منزله.
دلف سالم لغرفته حتى يبدل ملابسه لملابس النوم. اتجه للفراش ليتذكر حديث مريم وطفله الذي لا يأبه أن يحمله، ويتذكر قطرات الدماء التي شاهدها تنساب من بين قدمي حلاوتهم، والذي تسبب في فقدان جنينها. كل هذا بسبب معرفته أنها خرجت بدون إذن.
"غبيه وضيّعت ابني. أه، بس لو كنت أعرف إنك روحتي لمرات عمي، والله ما كنت هتردد لحظة إني أموتك. الغريبة إنها لم تكن هنا، ما قالتش."
في صباح اليوم التالي، والساعة تدق العاشرة في منزل مريم. استيقظت ثريا تنظر إلى المنبه لتجحظ بعينيها بصدمة.
"غريبة. إيه اللي مخلي مريم تنام لحد دلوقتي؟ مريم.. مريم قومي يا بنتي، إنتي تعبانة؟ المحل كان لازم يتفتح من بدري."
نهضت مريم لتنظر إلى ثريا وهي تتمطع في فراشها، غير مبالية بالتأخير، كأنه يدور برأسها خطة لا تعلمها ثريا نهائياً.
"إيه مالك بتصرخي كده ليه يا ماما؟ يعني اتأخرت على الديوان؟ إيه يعني لما أنام مرة من نفسي؟ ده أنا حتى بفتح الجمعة."
عقدت ثريا ما بين حاجبيها بتساؤل. فمريم من أول يوم اشتغلت بالورد لم تتغيب ولم تشتكي، ودائماً تذهب حتى لو مريضة.
"مش قلتي إنك هتصحي بدري علشان تروحي تقابلي سالم في بيت عمك هريدي وتكملي على الشوية الفاضلين في مخه، ولا إيه؟"
تنهدت مريم مطولاً وابتسمت بخبث. فهي تريده أن يأتي إلى هنا، وليس كالجبناء في بيت والده يتخفى من الحرباء الحمقاء حلاوتهم.
"طولي بالك، مش لازم كل ميعاد بيني وبينه ألتزم أنا بيه. ياما مواعيد وهو خلى بيها كل وعوده كدابة، ومن حقي أنا كمان أرمطه حبتين."
تركتها ثريا وأسرعت إلى الحمام وارتدت ملابسها لتنزل عملها بأقصى سرعة. وبعد فترة طويلة وصلت إلى عملها.
على الجانب الآخر، حدث ما توقعته مريم. عندما وجدها تأخرت، ذهب إليها. طرق بابهم. كانت تود أن تكون والدتها موجودة، ولكنها استسلمت وفتحت الباب.
"اتأخرتي ليه."
أردفت ببرود.
"معلش، اتأخرت غصبن عني."
جز على أسنانه بغضب قائلاً.
"مش شايفة إنك حابة تعمليلي مشكلة؟"
ابتسمت بخبث، وأخيراً شاهدته يرتعب.
"مش هتتكرر تاني. محمد كان تعبان ومنمتش."
لحظة أن علم أن ابنه مريض، انفزع ودلف إليه.
"إنتي مبتفهميش في العيال؟ مروحتيش للدكتور ليه؟"
تفاجأ إلى من دلفت خلفهم بصياح بسبب رسالة بعثت لها.
"إيه؟ محسسني إنك أبوه؟ ما تهدي يا سلومتي، ده عيل صغير."
اندهش سالم من وجودها ولم يستطع إبداء أي ردة فعل من شدة جرأة حلاوتهم.
"اتكلمي معايا عدل يا حلاوتهم. ده ابني، عارفه يعني إيه ابني؟ ومن حقي أشوفه وأطمن عليه."
اتسعت حدقة عيني حلاوتهم من ردة فعله. فهي توقعت ارتجافه عندما يراه. فنظرت إلى مريم.
"وإما أجي أزور ابن جوزي أبقى غلطانة؟ ده حتى ممكن أجبلكم دكتور، ولا الست مريم هتمنعني؟"
شعر أنها تتخابث وتحاول قذف مريم ببعض الكلمات عن شرفها، فقرر إيقافها عند حدها. لدرجة استغربتها.
"ده لو فعلاً كنتي صادقة، إنما إنتي جايه تلقحي كلام. إني هنا من الآخر كده، أنا هرجع مريم لذمتي، بس هي ترضي."
اشتعلت حلاوتهم غضباً لتمسك بفازة الورد، خاصة مريم، تفلقها نصفين بكل برود أعصاب وتلقيها أرضاً. لتقف مريم أمامها بكل تحدي.
"أنا فعلاً الست مريم طاهر الحمش، ومش واحدة زيك اللي هتعلي صوتها في بيتي. وإن كان على جوزك، صدقيني ميفرقش معايا. وفرجيني هتعملي إيه؟ وأنا بردلك القلم قلمين. كل اللي عليكي هتقفي تتفرجي وتستني وبس."
ألقت مريم بكلماتها ببرود، لتهم بالذهاب إلى باب الشقة تشير لهم بالخروج. لتخرج حلاوتهم، ومن ثم هو خلفها، يخشى أن تفتعل شيئاً بعد كلمات مريم. لتغلق مريم المنزل خلفها وتذهب للجلوس في غرفتها.
على الجانب الآخر، كانت نوال تنتظر تحت المنزل. فنوال هي من بعثت الرسالة إلى حلاوتهم بأمر من مريم. صعدت إليها مسرعة بعد أن وجدت سالم يلحق بحلاوتهم يحاول تصحيح الخطأ الذي ارتكبه.
"الجميل قاعد لوحده ليه."
ابتسمت مريم إليها بسخرية.
"اقعدي معايا. ماما مش هنا، اطمني."
نظرت إليها نوال بانبهار. فقد تغيرت.
"بس إيه الجمدان ده؟ ده إنتِ زي ما يكون ما صدقتي."
ابتسمت مريم إلى نوال بسماجة، فنوال كانت من أسباب تغيرها.
"أنا مش هسكت لأي حد يغلط في حقي بعد كده يا نوال. خدي بالك."
ضحكت نوال بعفوية وهي ترى تهديداً واضحاً ينبثق من بين طيات لسان مريم.
"حد زي مين؟ تقصديني أنا مثلاً؟ اطمني خلاص يا مريم، أنا أه كنت هفضح عادل، بس مكنتش فاهمة."
زمّت مريم شفتيها وزفرت بحنق، تشعر أن نوال لم تتغير، ولكن عليها مسايرتها إلى آخر المطاف.
"علشان عرفتيه في أوقات زفت، وطبعاً خوفتي على صحبتك، بس هي ما صدقتكيش. عارفة ليه؟ علشان مش بتحبك."
هزت نوال رأسها تؤيد كلام مريم، فسنوات تقنعها أن حلاوتهم شخصية متسلقة تريد مصلحتها فقط، وهي تتغاضى عن ذلك.
"إيه؟ لا يا مريم، دي طعنتني يوم ما سمعتها بتتكلم عني لسالم إني بمشي مع رجالة وبلاش مصطفى يتجوزني. كنت عايزة أخنقها."
عقدت مريم ما بين حاجبيها بذهول. ألهذه الدرجة تصل قذارة حلاوتهم؟ أبعد ما وصلت لهدفها؟ لا تريد نوال التي كانت حليفتها في كل شيء.
"لو كان يقدر يعملك حاجة كان عمل. إنتي متعرفيش حاجة."
قطبت نوال جبينها ظناً منها أنه لهذا تركها مصطفى.
"طب أنا حابة أعرف بجد والله. هو مش مصطفى سابني علشان كده؟"