تحميل رواية «الارث "صراع الاباء والابناء"» PDF
بقلم مروة البطراوي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في أحد الشوارع البسيطة ب محافظة البحيرة، وبالتحديد في أحد بيوت أشهر العلافين في المنطقة، وفي الطابق الأرضي، حيث يقطن كبير عائلة الحمش، الحاج هريدي، مع زوجته عائشة، السيدة الحنونة، أم أبنائه الثلاثة الذين أنجبتهم بعد صبر سنوات عديدة واشتياق مرير، وحرصت جيداً على تربيتهم. كان هريدي يتحدث معها بعصبية: - وأنا قولت هكتبله هو كل حاجة دوناً عن أخواته، يعني هكتبله. خشت عائشة من قراره فردت: - يا هريدي، حرام، محدش ضامن الموت من الحياة. اتسعت حدقة عينيها بصدمة قائلاً: - بتقولي إيه يا عيشة، بتفولي عليا يا و...
رواية الارث "صراع الاباء والابناء" الفصل الأول 1 - بقلم مروة البطراوي
في أحد الشوارع البسيطة ب محافظة البحيرة، وبالتحديد في أحد بيوت أشهر العلافين في المنطقة، وفي الطابق الأرضي، حيث يقطن كبير عائلة الحمش، الحاج هريدي، مع زوجته عائشة، السيدة الحنونة، أم أبنائه الثلاثة الذين أنجبتهم بعد صبر سنوات عديدة واشتياق مرير، وحرصت جيداً على تربيتهم.
كان هريدي يتحدث معها بعصبية:
- وأنا قولت هكتبله هو كل حاجة دوناً عن أخواته، يعني هكتبله.
خشت عائشة من قراره فردت:
- يا هريدي، حرام، محدش ضامن الموت من الحياة.
اتسعت حدقة عينيها بصدمة قائلاً:
- بتقولي إيه يا عيشة، بتفولي عليا يا وليه؟
شهقت عائشة ووضعت يدها على صدرها مستنكرة ما يقوله:
- ما عشت ولا كنت يا هريدي، ربنا يجعل يومي قبل يومك أنا بس.
أوقفها بعصبية يمنعها من محاولة إقناعه، لأنه يعلم جيداً أنه خاطئ:
- وأنا يعني هعمل إيه، غلط ده لفترة مؤقتة، وبعدين حتى لو أخدهم كلهم.
هزت عائشة رأسها برفض وعدم اقتناع بحديثه، لأنه يحمل في طياته الوقوع في الإثم:
- أنا عايزة تطبق شرع ربنا يا هريدي، لو خايف من الضرايب خلاص، قسم ما بين التلاتة.
رد عليها بعصبية، لأنها على حق ولكنها لا تريد ذلك، يريد الإشادة بواحد فقط:
- ربنا عطى لاتنين منهم العلم، واحد دكتور والتاني مهندس، لكن ده مكملش الدبلوم.
حاولت معه بشتى الطرق، ولكنها فشلت، فرأسه مثل حجر الصوان لا يلين أبداً، فبكت قائلة:
- ربنا عوض عليه بحاجات كتير، فاتح محل لوحده واتجوز وخلف. الدكتور اتجوز ومخلفش، والتاني مش متجوز.
ارتفع حاجباه بدهشة عندما وجدها تتعاطف مع محمد ومصطفى، ولم تتعاطف مع سالم مثله، فرد عليها قائلاً:
- يا عيشة، ده يخليكي توافقي إني أكتب كله لسالم، على الأقل جاب ولد من صلبنا، مش التاني اللي دكتور وباب النجار مخلع.
اقتربت منه عائشة وهمت بتقبيل يده برجاء ألا يفعلها، ويعمل على التفرقة بين يديه أولادها، لأنها تعلم سالم وخبثه وكرهه لأشقائه:
- أحب على يدك يا هريدي، بلاش يا أخويا، وإن كان على الدكتور مسيره يخلف، ومصطفى أكيد هيلاقي بنت الحلال، خليها بالتساوي.
هز رأسه بالرفض وأصر على ما قرر مع ابنه سالم، لتضطر إلى إخباره عن قوة ولديه الاثنين، وإن كان سالم في نظره أقوى، فهم لا بأس بهم أقوياء:
- اسمعني يا هريدي، محمد ومصطفى مش هيسكتوا.
أوقفها هريدي بلهجة محذرة، فهو يستهون بقوتهم:
- عيشة، دول أولادي وأنا حر أعمل فيهم اللي أعمله.
وضعت عائشة يدها على خديها بقلة حيلة قائلة:
- يا ميلة بختي، خلاص اللي عملته سنين عمري هيروح.
في الطابق الثاني، كانت مريم، زوجة سالم، ابنهم الأكبر، تقوم بالأعمال المنزلية، هي ابنة عمه طاهر الحمش، وهي الابنة الوحيدة له، ولذلك أصر هريدي على أخذها عروساً لسالم حتى يضمن نصيب شقيقه بالكامل، فهو ليس شريكه، بل له وكالة خاصة ويصدر مواد العلافة بمصنع بمنتصف المحافظة، ووافق سالم عليها رغماً عنه، ومع مرور الأيام اقتنع بها وبجمالها، فهي طويلة وذات جسد ممشوق، بيضاء البشرة، وعينيها بنية اللون، وملامحها حزينة كمن أتلفها الحياة، وشعرها طويل حريري بلون كلون عينيها.
كانت تجتهد في عملها حتى استوقفها ابن عمها سالم وزوجها:
- القمر بتاعي عمال هالك نفسه، ويجي الليل ينام.
زفرت مريم بحنق، فهي تفهم ما يجول برأسه:
- مش بنام يا سالم، أنت اللي بتتأخر، ابقى تعالي بدري.
ابتسم سالم بسخرية، لأنه يعلم أنها تتهرب منه ولا تطيقه:
- وإن مجيتش بدري يبقى خلاص، أتركن على الرف، مأخدش حقوقي.
جزت مريم على أسنانها بغيظ، فهي ملت الحديث معه بنفس الموضوع:
- اشتكيني يا سالم وقول إني عاصية وطلقني، أهو على الأقل تتأخر براحتك.
جذبها من ذراعها وعنفها بكلتا يديه، خاصة عندما لمح في حديثها التهديد بالبوح أنه يتأخر:
- مفيش حد هيكون في صفك يا مريم، خصوصاً بعد ما أبويا يكتبلي كل حاجة باسمي وأبقى الأمر الناهي.
عقدت مريم ما بين حاجبيها بعدم فهم، كيف له أن يفعل ما قاله للتو، ومن سيسمح له بذلك، فهي تدرك جيداً أن هذا الأمر ليس بالهين:
- أبوك مين يا سالم اللي هيكتبلك كل الهلومة دي باسمك، بلاش نضحك على بعض، نجوم السما أقرب لك من اللي بتفكر فيه. أخواتك مش هيسكتوا.
سخر قائلاً:
- كلها كام يوم.
هزت رأسها بنفي:
- مستحيل ده يحصل.
توعد لها قائلاً:
- طب وحياتك هيحصل.
أزاحته من أمامها:
- أوعي كده، أما أروح أشوف الحكاية دي.
أوقفها سالم ومنعها من الهبوط إلى الطابق السفلي:
- بكرة تنزلي، إنما النهاردة لا، لغاية ما يتم المراد من رب العباد.
ثم قام بدفعها داخل الغرفة وأغلق عليها بإحكام، حتى لا تتهور وتهبط للأسفل وتتحدث مع عمها وتجعله يعدل عن هذا القرار. فكرت مريم في الاتصال بوالدها ليحميها من بطش زوجها، ولكنها تذكرت كيف قام بالغصب عليها وإجبارها على الزواج من سالم رغم كرهها الشديد له. هو أيضاً لا يحبها، يعشق امرأة غيرها، صديقة لصديقه. مريم، وأصرت على صداقتها لتعلم ما يحدث بين مريم وسالم، وللقيام بالتفريق بينهم حتى يعود لها سالم من جديد، وبالفعل كانت تذهب إلى جارتهم كل يوم لتتلصص على أخبارهم، فضلاً عن مقابلتها بسالم آخر الليل. كانت دائماً ما تغدق على نوال بالهدايا لتخرج لها الأسرار.
"الله يا حلاوتهم، حلو قوي الشال ده، ربنا ما يحرمني منك، جبتيه إمتى؟"
ردت حلاوتهم بغرور وهي تعاتب نوال، حيث أنها سافرت لأسبوع كامل:
- لسه فاكرة حلاوتهم يا نوال، ده أنا قلت إنك بتتهربي مني لما أبوكي قالي إنك مش راجعة.
زمت نوال شفتيها باستياء، فبالفعل والدها لا يطيق حلاوتهم ودائماً يحذر ابنته منها لأنه يعلم ما بينها وبين سالم:
- أبويا ده راجل صعب قوي يا حلاوتهم، معلش متزعليش مني، وبعدين دي آخر سنة ليا في الكلية، لازم أسافر وأحضر.
غمزتها حلاوتهم بوقاحة، لأنها تجتهد من أجل أن تليق بمصطفى، فهي تعشقه وتريده، مع علمها أن مريم كانت تحبه أيضاً، ومع ذلك هي من بخت السم في أذن طاهر والد مريم ليزج بها في الزواج من سالم:
- عقبال ما أشتريلك فستان فرحك على البشمهندس مصطفى يا نوال.
ابتسمت نوال بتمني، فهي تريد منه نظرة فقط، ودائماً ما تذهب إلى مريم:
- بس هو يطل عليا بعينيه يا حلاوتهم، ده مش بيعبرني خالص، كله بسببها.
ابتسمت حلاوتهم بخبث وبفرحة شديدة عندما رأت نظرات الكره في عيني نوال:
- معلش يا نوال، هي مفكراكي هبلة ومش فاهمة إنها بتحبه، مسيرها تقع، خطافة الرجالة.
زفرت نوال بحنق، فهي دائماً تنوي أن تفتعل فضيحة لمريم، وحلاوتهم تمنعها، تريد لها الخروج بإرادتها:
- قلتلك يا حلاوتهم، زي ما غصبتها إنها تتجوز سالم، لما روحت قلت لأبوها إنها بتصاحب ولاد، ممكن أخليها تطلق من سالم.
لوت حلاوتهم شفتيها بامتعاض، فمثل هذه الأمور ستفسر على أنها كيد نساء، ومن المحتمل تمسك سالم بها أكثر وأخذها وابعادها عن شقيقه:
- اممم، وبعد ما تفضحيها، مصطفى هيتجوزك؟
انتابت نوال الحيرة، فحلاوتهم محقة، من الممكن أن يتزوجها:
- كلامك صح يا حلاوتهم، هيبقي معروف عني إني خرابة بيوت.
عودة إلى منزل هريدي الحمش، بالطابق الثالث، كان يقطن الطبيب محمد وزوجته بهيرة. كانت شارده في الفراغ تبتسم حتى دخل عليها:
- بتضحكي على إيه؟
بهيرة بتأفف وضييق:
- وأنت مش شايف اللي إحنا فيه يضحك؟
زفر محمد بحنق ورد عليها بحدة قائلاً:
- إيه اللي إحنا فيه؟ إحنا معندناش موانع.
انتفضت بهيرة وبدأت وصلة الصياح:
- وأنت مش دكتور ولا على رأي عمي؟
نظر إليها نظرة معاتبة ورد عليها قائلاً:
- أنتي أكيد اتجننتي، دي إرادة ربنا يا جاهلة.
أغمضت بهيرة عينيها بحزن وهتفت بمرارة:
- أنا من يوم الإجهاض وأنا تعبانة قوي يا محمد.
صرخ محمد في وجهها ولعنها على ضعفها قائلاً:
- كل مرة هتفكريني بالإجهاض والزفت، قلتلك مكنش ينفع نسيبه.
أخذت تتعالى أنفاسها ودقات قلبها كمن يتمزق بداخله، لا يستطع إدراك الموقف:
- مكتوب عليا لما أحمل أحمل في طفل مش مكتمل، وأفضل أتعاير من أبوك وأخوك.
استشاط محمد غضباً وجز على أسنانه بغيظ، وود سحق سالم أمامها حتى لا يتعدى حدوده مرة أخرى:
- من هنا ورابح، نزول تحت من غيري مش هيحصل يا بهيرة، حتى لو زهقتي عندك التلفزيون، حتى نزولك لمريم ممنوع.
تضايقت بهيرة من أوامره وتحذيراته، ألا يكفيه ما يجول بداخلها، سيمنعها أيضاً عن الهبوط لمريم واللعب مع صغيرها الذي تعتبره ابنها:
- كنت بلاعب محمد الصغير.
منعها وحذرها بإصبعه قائلاً:
- لا محمد الصغير ولا غيره.
ابتسمت بهستيريا وضحكت:
- ههههههه، حتى ده ممنوع؟
انشق قلبه وانفطر من أجلها:
- والله غصبن عني، بس ده أحسن حل.
ترجته وتوسلت إليه أن يعدل عن قراره:
- يا محمد، أنا غلطانة، مش هشتكي تاني.
اشتد غيظه منها ومن ضعفها وأردف:
- والله حتى لو اعتذروا ليكي يا بهيرة.
كادت أن ترد عليه، ولكنها انتبهت إلى صوت هاتفها، وعندما رأت اسم مريم ينير شاشته، قطبت جبينها، فهي لا تهاتفها إلا في أشد الأمور:
- مالك يا مريم؟
ارتبكت مريم قائلة:
- محبوسة في الأوضة، ومفيش مفتاح.
عقدت بهيرة ما بين حاجبيها قائلة:
- مخبياه فين آخر مرة؟ وفين محمد؟
تذكرت مريم أمر محمد وانتحبت قائلة:
- سالم حبسني وأخد الولد، نزله تحت، تعالي خرجيني.
سرعان ما هبطت لها بهيرة ضاربة بفرارات محمد بعرض الحائط، وما إن فتحت لها، حتى ارتمت مريم في أحضانها تسرد عليها ما حدث:
- وده يخليه يحبسك؟
هزت مريم رأسها بالنفي:
- لا، هو خاف لأثر على عمي.
ابتسمت بهيرة بسخرية ولويت شفتيها:
- يبقى عبيط، هو مش عارف عمي بيحبه قد إيه؟
اندهشت مريم لاستسلام بهيرة للموقف وعدم ضيقها:
- بقي أنا بحكيلك علشان تحاولي تلحقيه، تقوم تستلمي خالص؟
تنهدت بهيرة وزفرت أنفاسها بقلة حيلة، فهي في عالم آخر من العذاب:
- يا مريم، أنا في إيه ولا في إيه؟ وبعدين هو عمره ما هيحجز على الأملاك.
مطت مريم شفتيها، فلا أحد يعلم سالم غيرها، فهي زوجته، تشعر بأنفاسه التي تود إحراق الجميع:
- هيحجز يا بهيرة، ومحدش هيقدر عليه، ولا عمك هريدي نفسه، ربنا يستر ميجرالوش حاجة بسببه.
انتفضت بهيرة وتحدثت مع مريم، ولأول مرة بجرأة لدرجة استغربت منها مريم، كأنها ترى بهيرة أخرى:
- ولا حتى أبوكي. على فكرة، لو حصل حاجة زي دي، هيبقى أبوكي السبب، لأنه العقل المدبر لسالم، بس بكرة تشوفوا سالم هيعمل فيكم إيه.
كادت مريم أن ترد عليها لولا طرقاً على الباب، لتظهر والدة أزواجهم تدلف بمحمد، والذي من أن رأته بهيرة، حتى جذبته إليها لتدلله قائلة:
- تعالي يا مرات عمي، ادخلي.
دلفت عائشة من الباب قائلة:
- حد منكم ينزل يجهز الأكل.
اعترضت بهيرة وهي تدلل محمد:
- يا مرات عمي، محمد حلفان عليا مش أنزل.
تنهدت عائشة وهي تنظر إلى مريم بحزن:
- حقك عليا يا بهيرة، أنا عارفة إنه بيضايقك.
ربتت بهيرة على كتف عائشة وقبلتها قائلة:
- إذا كان عليا نفسي أنزل، بس أنتي عارفة اللي بيحصل.
هبطت مريم وقامت بإعداد الطعام في صمت مطبق، تتذكر ما حدث في الصباح، وما إن أتى موعد الطعام، قامت بتحضير السفرة والتف الجميع عدا مصطفى.
سأل محمد عن مصطفى قائلاً:
- أومال مصطفى فين؟ العادي إنه بيبقى أول واحد.
زم سالم شفتيه بضيق، لأن محمد يقصده بالتأخير:
- كان هنا من شوية، بس لمح البت نوال جارتنا، خرج يكلمها.
كادت أن توبخه والدته، لولا دلوف مصطفى عليهم، لتشعر مريم أن سالم صادق:
- مساء الخير عليكم جميعاً. معلش اتأخرت عليكم، كنت عند جارنا الحاج منعم بشوفه.
رد عليه الجميع، والكل مختلف في نظراته، وعلى رأسهم سالم، كانت نظراته خبيثة، أما البقية كلها استفهام:
- مساء النور.
انتبه إلى ردهم جميعاً، وانتبه أيضاً لعدم ردها، فتحدث لوالدته وهو ينظر صوب مريم:
- كان واحشه بنته اللي بعدت عنه بقالها أسبوع، وكان عايزني أشوفلها حل في الجامعة.
ردت عليه عائشة بوهن، حيث كانت في ملكوت آخر، يعصفها التفكير عصفاً في موضوع الإرث:
- وأنت هتعمل إيه يا ابني؟ أنت مسكين أنت وأخوك محمد، متعلمين آه، بس غلابة، ما باليد حيلة يا ابني.
قطب مصطفى جبينه وأخذ ينظر إلى محمد نظرات استفهام، لعله يفهمه، ولكن لن يوجد عند محمد أدنى فكرة:
- مالك يا أمي؟ الموضوع بسيط. أنتي عارفة الدكاترة أصحابي، ولولا إني مش حابب، كان زماني رئيس قسم هناك. وبعدين هي كمان صعبان عليا مرمطتها كل أسبوع سفر وسكن مش مضمون في القاهرة، ودي بنت ووحيدة لوحدها، فهتوسط ليها إن شاء الله.
انتبهت مريم لإصراره على مساعدة نوال، لتبتلع غصة مريرة بحلقها.
رواية الارث "صراع الاباء والابناء" الفصل الثاني 2 - بقلم مروة البطراوي
انتبهت عائشة لما قالته بعد أن نظرت إلى أعينهم، خاصة عيني هريدي وعين سالم الذين رمقوها بازدراء، فعدلت حديثها.
- لا يا حبيبي، ما قصدتش. أنت طبعًا كبير في المقام في الجامعة. أقصد يعني بلاش تتحشر البت دي، أنا مش برتاح لها من يوم ما سكنت جنبنا.
رد مصطفى:
- لو على البنت فهي كويسة.
هنا انتبهت مريم لدفاعه عن نوال لتسأل عائشة:
- وليه يا ماما عيشة انتي مش بترتاحي ليها؟
تنهدت عائشة بتعب وزفرت بحنق:
- أنا بشوف كتير حلاوتهم بتزورها. ومتأكدة إنها بتدفعها تقرب من مصطفى.
شعرت بهيرة أن الأمر سيزداد سوءًا فأردفت قائلة:
- يمكن بتجيب لها قماش أو هدوم، كلنا عارفين إنها تاجرة.
تأفف هريدي من مناقشتهم وأراد إيقاف حديثهم قائلاً:
- كل واحد حر في حاله. هنسيب اللي ورانا واللي أهم ونشغل نفسنا بغيرنا.
رأت بهيرة أن هريدي صائب في إنهاء هذا الموضوع، هي لا يهمها شئ سوى رغبتها.
- فين محمد يا مريم؟ من ساعة ما عطيته لكِ بعد ما خلصتي طبيخ وأنا مش سامعة له صوت.
تضايق محمد من سؤال بهيرة المتكرر عن محمد الصغير مما ينتج عنه من نظرات الشماتة في عين سالم.
- كل أما بتنزلي تحت مفيش حاجة في دماغك غير محمد يا بهيرة؟ ده مش ابنك عشان تقلقي عليه كل شوية، أمه موجودة.
غضبت بهيرة من أسلوبه معها أمام الجميع واعتبرتها إهانة ومعايرة لها بعدم الإنجاب. انتبهت إلى نظرات الجميع لها.
- خليك في حالك يا محمد. أمه نفسها بتسيبه معايا طول النهار وهو خلاص بيناديني ماما وأنا بعتبره ابني اللي ما خلفتوش. أنا مش هزعل منك على فكرة.
زفر محمد ورد عليها بغيظ:
- الحق ما يزعلش يا بهيرة، بدل ما تسمعيها من غيري.
انتفضت بهيرة من مكانها تصيح وتفرغ عما بداخلها:
- أنا هسيب لك الدنيا وطالعة، هو في إيه؟ أنا ما غلطتش لما سألت.
نهض محمد هو الآخر يجذبها بعنف أمامهم مما أثار دهشتهم.
- مالكيش حتى الحق إنك تسألي عنه ولا تقلقي عليه، هقولها تاني، ده مش ابنك.
قاطعهم هريدي بصوت زلزل جدران البيت وهو يصوب نظره الحاد نحوهم:
- بس منك ليها، هو في إيه؟ محدش مالي عينكم؟ واشمعنى دلوقتي يا سي محمد عرفت إنه مش ابنكم؟
زفر محمد بحنق وضيق من والده، فهو المتسبب الأكبر في هذا العراك من معايرته المستمرة لبهيرة.
- إيه يا والدي؟ كأنك مش السبب في اللي بيحصل واللي لسه هيحصل قدام. وانت يا سالم أنا بوفر عليكم المعايرة.
اندفعت بهيرة لتوقفه حتى لا تزداد الأمور سوءًا، خاصة عندما رأت سالم يتضجر من حديثه ويقوم برمي فوطة السفرة.
- أنا محدش عايرني يا محمد، كل اللي قلت لك ده مجرد إحساس وده عشان أدفعك إننا نجرب كمان ونعمل العملية، ده حقي.
مط هريدي شفتيه بعدم اهتمام، كل ما يهمه الآن هو سحب الغضب من بينهم حتى لا يكون معضلة لتنفيذ قراره مع سالم، رغم أنه أكبر فرصة لديه.
- حقك عليا يا بنتي.
ثم استطرد بغضب:
- وانت من امتى لسانك سو كده؟
زفر محمد بحنق حيث أنه أصبح الخاطئ.
- حقك عليا يا بابا. حقك عليا يا بهيرة. حقكم عليا.
رفض هريدي اعتذاره وأخذه حجة قوية ليريه الأسوأ.
- حق إيه بقي؟ ما خلاص البنت بتتهزق في بيتي وأنا واقف.
استغرب محمد من دفاع هريدي، ولأول مرة، عن بهيرة زوجته.
- يا بابا، اللي بدافع عنها دي لسه شاكية عليك الصبح أنت وسالم. واسألها.
تنهد هريدي بنفاذ صبر لأنه علم جيدًا أنه سيدخل في صراعات لا نهاية لها.
- يا محمد براحتها تشتكي. أنا راجل ومقدر ظروفها. ربنا يرزقها الخلف الصالح.
زفر محمد بحنق شديد يود أن يكمم فاه والده عند لفظه لهذه الدعوة لأنها تثيرها أكثر منه.
- يووه يا بابا. قلت يا جماعة إن كل ده بأوان، افهموها بقي، ولا لازم تكونوا دكاترة ولا شيوخ عشان تفهموا.
نظر هريدي إلى ابنه نظرة معاتبة على اتهامه له بالجهل، ولكن هو أصبح لا يهمه شئ سوى المحافظة على أمواله.
- لما تبقي أب وكبير زيي، أنت اللي هتفهم. على فكرة أنا استنيت كتير زيك، ويا ما أبويا سمعني كلام ولا طاهر أخويا.
انتبهت مريم لما يقوله عمها، وأول ما بدر على ذهنها أنه ينتقم منها في شخص والدها. لعنت حياتها ووجودها في هذه الحياة. التفتت لتنظر إلى زوجة عمها الداعمة لها لتجدها تضع يدها على رأسها فصرخت قائلة:
- مالك يا ماما؟
ردت عليها عائشة بوهن:
- أنا تعبانة. الحقوني بموت.
بدأ قلب مريم ينبض بعنف، أحست بكامل جسدها يرتجف من مظهر عائشة.
هرولوا بها سريعا إلى المشفي لتراهم نوال، فتملكها الحقد خاصة عندما شاهدت لهفة مريم على والد زوجها. مدت نوال شفتيها مع رفعة حاجبيها لتهمس:
- ربنا يستر.
ذهبوا إلى المشفي ودخلت مريم مع عائشة غرفة الكشف. أما عن بهيرة، قررت أن تبقى بالخارج، وكي تتخلص من التوتر المسيطر على الأجواء، تمشت بالصغير بضع خطوات، أخذت تلعب معه وتهدهده وتصوره، ثم قامت ببعث صورة إلى والدتها. ودت أن يكون ابنها لتضعه بين يدي والدتها يومًا ما. هاتفت والدتها قائلة:
- بصي يا ماما محمد كبر إزاي...؟
انتظرت بهيرة رد والدتها ولكنها مازالت نظراتها تحمل الكثير من السلب تجاهها.
- شايلاه ليه؟ ده مش ابنك... رجعيه لأمه...
صدمت بهيرة من ردها.
- ماما، حسي بيا على الأقل، محمد جميل أوي يا ماما، حساه شبهي...
هتفت سلوى بحزم تضغط على كل حروف كلماتها:
- رجعيه لمامته يا بهيرة، وبلاش تتعلقي بيه زيادة عن اللزوم...
فاقت عائشة من غيبوبتها على صوت مريم ولهفتها.
- حمد الله على السلامة يا مرات عمي، حالا هدخلهم يطمنوا عليكي.
أوقفتها عائشة بإشارتها أنها لا تريدهم، فاحتارت مريم ماذا تفعل معهم. هاتفت مريم بهيرة لكي تأتي لها بمحمد. فأذعنت بهيرة لطلبها، ومن ان دلفت ووجدت عائشة قد أفاقت، عقدت ما بين حاجبيها قائلة:
- حمد الله على السلامة. طب ليه ما بلغتهمش بره؟ دول قلقانين أوي.
صمتت مريم فهي لا تعلم بما ستجيب بهيرة. نظرت بهيرة إلى عائشة.
- مالك يا مرات عمي. انتي كويسة؟ ده محمد بره قلقان أوي وعمي كمان. أنا هدخلهم.
وما إن كادت تتوجه نحو الباب حتى أوقفتها عائشة بصوتها المبحوح وهي تتحدث بثقل:
- تعالي هنا يا بهيرة. أنا مش عايزة أشوف حد منهم. خصوصًا عمك. كفاية اللي أنا فيه من أول اليوم.
تنهدت مريم بتعب لأنها هي الأخرى تعاني منذ بداية اليوم ومعرفتها بخبر نقل الأملاك من عمها إلى زوجها.
- اللهم اجعل تدبيرهم في نحرهم. يارب لا تشمت فينا عدو ولا حبيب يارب. إحنا كنا عيلة مترابطة. مش عايزين نتفرق.
توقفت بهيرة عند تلك الجملة التي تعني دعوة من مريم بعدم الشماتة من عدو ولا حبيب. وتذكرت نظرات نوال لهم وما تحمله من شماتة.
- قوليلي يا مريم هي مش نوال دي صاحبتك؟
ردت عائشة بألم، وذلك لصمت مريم بالفعل. نوال صديقتها.
- عمك شكله ناوي يجوز نوال لمصطفى ولو ده حصل يبقى حلاوتهم هتدخل بيتنا.
مطت بهيرة شفتيها بمعنى، وإن يكن، هذا ما علاقته بالحالة الذي أنتم عليها منذ الصباح.
- وإيه يعني؟ واحدة بتزور صاحبتها زي ما نوال كانت بتزور مريم؟ وبعدين إيه علاقته باللي حصل؟
ردت مريم بحسرة لأنها تفهم مقصد عائشة أن لو صارت المقادير بيد سالم سوف يقوم بطرد مريم والزواج من حلاوتهم.
- هقولك سالم زمان كان بيحب حلاوتهم وعايز يتجوزها وعمي رفضها. ولما أنا اتجوزته اكتشفت إنها صاحبة نوال كمان. نوال اتجرأت تيجي عندنا عشان مصطفى. حتى الشارع قسوته تحتمل، ولا تحتمل كلمة منه مبطنة بدنائته وخسته أنه لم يراها يومًا أنثى معه.
كانت تعلم أن معارضتها له لا تجدي نفعًا، ومع ذلك عارضته. يعاملها أمام الجميع بحنو بالغ كما لو لم يرتكب جرمًا بحقها. تذكرت كلماته جيدًا ليلة زفافهم.
- دول فرضوكي عليا.
لولا الموقف والزمان والمكان لأضحكتها الكلمة مثلما كانت تضحكها نكاته وهم صغار، لكنها اكتفت أن تهز رأسها بذهول. هي لا تكذب تلك الحقيقة، هي فقط تستنكرها الآن. وضحت الرؤية وهو يريد أخذ حق شقيقاه الأن. شعر والده تجاهه أنه أب، أليس هو نفسه المستنكر له والمتباهي دائمًا بأخواته؟ وهو ذاته الذي هدده بمنع أمواله عنه، إذا لم يتزوج من مريم، وكأنه لا قيمة له. تذكرت يومها ردها على إهانته فقد كانت صارمة القرار، حاسمة القول.
- أنا بعفيك من الجوازة دي وهقولهم إني مش قادرة أكمل معاك يا سالم.
كانت مريم صامتة بعد حديثها الأخير تنظر إلى ابنها المتعلق ببهيرة بشرود. خرجت من شرودها على صوت هاتفها وهو يرن، فأوقفته مدعية الأسف، وتقدمت من بهيرة تضع كف صغيرها في كف بهيرة لتقلق بهيرة من تصرفاتها وتسألها بتوجس.
- مالك يا مريم؟ كبرى دماغك و خليكي في نفسك وفي ابنك، وأوعي تسمحي لحلاوتهم ولا نوال يهدموا ليكي حياتك. سالم بيحبك وأكيد عمي هيتراجع.
أوقفتها عائشة.
- عمك هريدي كتب كل حاجة بيع وشرا لسالم النهارده وجوزك ومصطفى مالهمش حاجة، كله راح يا بهيرة. ولا يمكن هيرجع تاني أنا عارفه.
نزل عليهم الخبر كالصاعقة وظلوا صامتين كما لم يوجد أحد بالغرفة، ولكن فجأة صاحت بهيرة.
- لو عشان محمد بيخلف أنا ممكن أستحمل إن محمد يتجوز عليا، وعلى فكرة محمد لو اتجوز هيخلف، العيب مني أنا صدقوني. وأكيد عمي هريدي عمل كده بسبب تمسكه بيا.
هزت عائشة رأسها وهي تبكي على حالة بهيرة.
- الموضوع مش عليكي خالص يا بهيرة. طب ما هو عندك مصطفى، أينعم مش عايز يتجوز، بس عمك لو عايز يجوزه هيعملها من الصبح.
هزت مريم هي الأخرى رأسها.
- لا مش هيقدر، عارفه ليه يا مرات عمي؟ عشان مصطفى مش بيجي بالغصب ولا بيهمه إنه يتحرم من الميراث. مصطفى مش بيتجوز بنات الناس غصب.
نظرت إليها عائشة بألم.
- أنا قلت له زيك كده يا مريم. قالي يبقى مش محتاج، كفاية عليه المكتب الهندسي اللي مفتوح بفلوسي ومحمد العيادة اللي برضو من فلوسه. فلوس العلافة.
انتفضت بهيرة بخوف وهذت قائلة:
- خلوني أحمل بس وأنا أقسم بالله هخلف أولاد صبيان كتير هيخلوا عمو هريدي يرجع في حسبته. ويرضى على الكل. ليه ياربي كده ليه؟
عائشة بحزن:
- اهدي يا بهيرة. لو محمد شافك كده هيطلقك بجد. وأنا مليش غيرك انتي ومريم في البيت ده. انتوا بناتي اللي ما خلفتهمش ويشهد ربنا إني حاولت.
انسابت الدموع من عيني مريم.
- أنا كمان حاولت وفشلت. سالم بقي يا جماعة. بس هتصرف مع بابا.
زفرت عائشة بحنق لأنها تعلم أن السبب في كل هذا والد مريم. فأردفت:
- مالوش لزوم يا مريم أصل أبوكي اللي زن على دماغ عمك عشان يعمل كده.
هزت مريم رأسها بعدم استيعاب كيف لوالدها أن يفعل ذلك وتذكرت أمرًا من الممكن أن يطيح بوالدها.
- لا مستحيل بابا يعمل كده. سالم ملوش أمان حتى مع الكل. يا خوفي على بابا وعمي وعليكي يا مرات عمي.
وما إن أنهت حديثها حتى خرجت لهم مسرعة تريد البوح بالسر الذي يقطن داخل صدرها والذي أرغمها سالم عليه. توجه هريدي نحوها ليطمئن على عائشة ويسأل لما ترفض رؤيته.
- تعالي يا بنتي قوليلي مرات عمك كويسة ولا بتكذبوا عليا؟
ارتعشت مريم من قرب عمها فهي لم تشعر يومًا أنه أبًا لها.
- عايزة أقولك على حاجة مهمة يا عمي تخص بابا واللي حصل النهارده.
لوى هريدي ثغره وأظلمت عيناه بحقد دفين عند ذكرها لوالدها وما بدر اليوم.
- خير يا مريم. ماله أبوكي. لسه حاسس إني سرقته في الصفقة الجديدة وعايز يخربها؟
تنهدت مريم بحزن وحسرة على علاقة الأشقاء والتي تتجدد في زوجها وأخواته مرة أخرى.
- يا عمي أنت معاك حق. أبويا عايز يخربيها بس من حتة تانية. هو اللي وز سالم يأثر عليك وتكتبله كل حاجة.
عقد هريدي ما بين حاجبيه بعدم فهم واستغرب موقف مريم من قراره، أي امرأة بمحلها ستسر بما حدث وأن زوجها أصبح لديه كل شيء.
- تقصدي إيه؟
ابتلعت مريم ريقها قائلة:
- قصدي إن أبويا عايز يبيعك كل حاجة.
نظر إليها بعدم تصديق وأردف بغضب:
- أهبل أنا عشان أصدق إنك بتفتني على أبوكي؟
تنهدت بتعب وزفرت بحنق وأردفت برجاء:
- بس دي الحقيقة. بابا عرف إني عاملة توكيل لسالم.
رفع سبابته يحذرها ويتوعد لها كما لو كان جلادها.
- آخرسي خالص. توكيل إيه ده اللي انتي بتتكلم عن؟
انتحبت وتملك اليأس منها في محاولة إقناعه فهو مثل ابنه.
- يا عمي بلاش أنا وأبويا بس حرام عليك محمد ومصطفى.
انتبه سالم لمجادلتها مع والده واقترب من خلفها وسمعها ليديره نحوه.
- انتي هتيجي على آخر الزمن تعلمي أبويا الحلال من الحرام؟ روحي علميه لأبوكي.
جزت مريم على أسنانها وتملك الغضب منها وقررت أنها لن تخرس لسانها هذه المرة.
- انت اللي بدأت يا سالم لما مضتني على توكيل عام بالحاجات اللي كتبها ليا أبويا عشان انتوا ما تشاركونيش في الورث.
استمع محمد لحديثهم وهو خارجًا من عند والدته بعد ما هاتفته بهيرة وأعلمته بما بدر من والده وأن عليه التدخل لإنقاذ ما يمكن إنقاذه.
رواية الارث "صراع الاباء والابناء" الفصل الثالث 3 - بقلم مروة البطراوي
انت ايه يا سالم شيطان ماشي على الأرض. مش كفاية اللي عرفته جوه، كمان ممضي بنت عمك ومراتك على توكيل. هتعمل بكل ده إيه؟
سالم بتهكم: ده حقي يا دكتور.
ثم تركهم ورحل، ولم ينتظر حتى خروج والدته من المستشفى. قام محمد بإنهاء الإجراءات بأمر من والده، وما إن عادوا إلى المنزل.
دلفوا جميعهم غرفة عائشة، لتنظر عائشة في الفراغ.
يا وارث مين يورثك يا باكي؟ مين هيبكي عليك؟
انتبهت بهيرة لحزنها، ولحزن مريم، لتردف بتأكيد:
أكيد محمد لما خرج من عندنا يا مريم، ظبط سالم صح؟
نظرت عائشة نظرات معاتبة لبهيرة، لتسرعها وتسرد لمحمد ما حدث.
قولت لك بلاش يا بهيرة، وإن اللي بتعمليه ده ممكن يشعلل الليلة مش يهديها.
ابتسمت مريم بسخرية، واعتصرت عينيها من البكاء حسرة على عمها وزوجها.
سالم مش مستني محمد يظبطه، هو متظبط جاهز، متظبط حقد وغِل من زمان أوي. ده بيقول لمحمد ده حقي.
تضايقت بهيرة، وودت أن تأتي بسالم وتسحقه أرضًا. هي خريجة حقوق ودارسة للقانون جيدًا، ولولا زواجها لكانت أسست مكتبًا.
قطع لسانه. كسر حقه. قال حق قال. ده بيشتغل حَيّالة أجرى عند عمي. على الأقل محمد ومصطفى كل واحد له شغله الخاص، إنما ده أجرى.
ردت مريم:
أنا تعبت.
اتبعتها عائشة بقلة حيلة:
أبوكي السبب في كل ده.
احتارت بهيرة ماذا تفعل.
طب والعمل يا مرات عمي؟
تنهدت مريم بتعب وقلة حيلة:
أنا لو أطول أعمل حاجة كنت عملت.
نظرت إليها عائشة وسألتها بتوجس:
طب أبوكي يا مريم، مينفعش يقف جنبنا لو سالم غدر بينا؟
هزت مريم رأسها بحيرة وعدم تأكد من موقف والدها تجاه عمها.
مش عارفة، بس أكيد لأ. هو نفسه يعمل كده في عمي من زمان، وعنده أمل إن سالم يلغي التوكيل.
تحولت بهيرة إلى كائن آخر عندما رأت مريم في موضع قلة الحيلة، وهي بيدها كل شيء، أكبر منقذ للعائلة.
أنا شايفة إنك ضعيفة وانهزامية ديمًا يا مريم. مستنية إيه؟ ما تروحي تسرقي أوراق من بيت أبوكي وتجبيهم، وأنا هتصرف.
نظرت عائشة هي الأخرى إلى مريم بتمني ورجاء أن تنفذ ما قالت بهيرة وتفتعل شيئًا جيدًا لصالح هذه العائلة. فأردفت برجاء قائلة:
بتمنى يا مريم تعملي اللي بهيرة قالت لك عليه، وصدقيني عمرى ما هنسى لك الجميل ده أبدًا. ولو عايزة عينيَّ هعطيهالك، انتي بنت قلبي.
هزت مريم رأسها:
ولا أقدر.
ثم تركتهم وصعدت بابنها إلى الطابق الخاص بها، ومن ثم تبعتها بهيرة تجر أذيال الخيبة تزيد همًا فوق همومها.
أما عن عائشة، فبدا عليها التعب أكثر، حتى عاد هريدي وأولاده.
نظر إليها باستغراب قائلاً:
فين مريم وبهيرة؟ مش المفروض يكونوا تحت رجليكي وأنتي تعبانة؟
نظرت إليه بازدراء، هو وسالم. هي لم تزوج أولادها ليكون زوجاتهم خدماً لها.
أنا قلت لهم يطلعوا بيوتهم ويقفلوا عليا. هيجرالي إيه يعني يا هريدي؟ أنا مش محتاجة حد.
ابتسم سالم بشماتة لأنه تأكد أن مريم خشيت من مواجهته بعد مواجهتها له الأخيرة في المستشفى.
أحسن يا أمي. وبعدين دول بنات مدلعة قوي، خاصة الست بهيرة اللي عاملالي فيها محامية.
تقدم مصطفى منها يربت على رجلها بحنان وحب، فهو يعشق أمه أكثر من محمد وسالم الملعون.
خليهم مرتاحين، هما ماسابوهاش من ساعة ما وقعت، وبعدين إحنا روحنا فين؟ أنا هاخد إجازة عشانك.
نظر هريدي إلى سالم، فشعر بكمية الحقد الموجودة بعينيه تجاه مصطفى ومعاملته لوالدته وحبها له ولهفته عليها.
اطلع لمراتك يا سالم، هي تعبت مع أمك النهاردة. قل لها عمك بيقول لك لو حابة تروحي ترتاحي عند أبوكي روحي، أحنا مش هنمنعك عنه.
نظر محمد إلى والده وشعر أن هذه الرسالة لزوجته هي الأخرى. فقرر أن يرد على والده ليعلمه أن بهيرة لن تتزحزح من هنا أبدًا ولن تذهب إلى أي مكان آخر.
استنى يا سالم، أنا كمان طالع لمراتي، بس مش هقول لها زيك. أنا مراتي مش بتفارق فرشتي.
انتهى اليوم وأصر مصطفى أن يبقى بالمنزل ومع والدته في غرفتها ليخدمها بنفسه، ولكن احتاج شيئًا ولا يعلم كيف يتصرف، فاضطر إلى أن يصعد إلى مريم التي كانت تجلس مع بهيرة يداعبون محمد الصغير.
طرق الباب، لتستغرب مريم من الذي يطرق بابها، فبهيرة معها.
مين بيخبط؟
انحرج مصطفى:
أنا يا مريم، محتاجك.
عقدت بهيرة ما بين حاجبيها:
ده مصطفى؟ إيه اللي مطلعه هنا؟
جذبت مريم وشاح الرأس لتضعه وطلبت من بهيرة:
افتحي له بسرعة، لا تكون مرات عمي جرالها حاجة.
استأذن بالدخول، وجلسوا ثلاثتهم في الصالون الخاص بشقتها.
قاعدين ليه عندكم علشان أنا تحت؟ صح؟ أنا قلت أريحكم، بس ماتقطعوش.
ابتسمت مريم بسخرية، فهي وصلت لها رسالة عمها واستوعبت جيدًا أنه لا يريدها.
ننزل تحت إزاي يا مصطفى؟ هو مش عمي رافض يشوف وشنا، وكمان بيطردني بالمحسوس؟
هز مصطفى رأسه دلالة على أنها فهمت بالخطأ، ولم تعِ أن والده يريد راحتها هي وبهيرة، يكفيهم ما دار بالأمس.
لأ يا مريم، انتي فهمتي غلط، أو سالم ببواخته وصل لك المعلومة غلط. المفروض تنزلوا علشان ماما متزعلش منكم، دي بتتونس بيكم.
انتفضت بهيرة كمن لدغتها حية، وثارت وهاجت، وقررت أن تخرج عن شعورها، فمثل مصطفى لا يجدي نفعًا وسط هؤلاء الطغاة.
لأ بقى يا مصطفى، ما هو مش معقول تكون عارف اللي عمله أبوك و مسالم للدرجة دي؟ تبقي إنسان مش طبيعي، ولو مش عارف نعرفك.
قاطعتها مريم:
أتكلم أنا يا مصطفى؟
ابتسم لها مصطفى قائلاً:
اتكلمي واطمئني من ناحيتي.
شردت مريم في حديثه وأردفت:
بجد يا مصطفى، أطمن لك زي زمان؟
انتبه مصطفى وزفر بحنق قائلاً لها بتحذير:
يوووه يا مريم، ما تتكلمي بقي، لزومه إيه ده؟
لمعت عيناها البندقتين بالدموع، وأشاحت بوجهها إلى الجانب الآخر، ليستطرد قائلاً:
تعرفوا إني بعتبركم أنتم الاتنين أخواتي البنات، وبشفق عليكم من بابا وسالم ومحمد.
دلف في هذه الأثناء سالم ورأى في عيني مريم الحزن والانكسار، فقرر مشاكساتها ليخرج ضعفها.
أخيرًا قلتها يا مصطفى، إنهم أخواتك يا سيدي. أنا عدم جوازك ده قلقني منك، وكنت هقول لك نشوف لك بيت تاني.
انتفضت بهيرة، فهو لا يتحدث عن مريم فقط، بل يتحدث عنها. من هذا الذي يتحدث؟ أسوأ شخص يعيش معهم.
جرى إيه يا سالم؟ إيه التلقيح اللي عمال تقوله ده؟ قصدك إيه بالظبط؟ وبيت مين اللي مصطفى يسيبه؟ ده بيته، وإحنا زي إخواته.
هز سالم رأسه برفض لكلامها، ونظر إليها باستهزاء، وأراد أن يحولها إلى فوهة من البركان حين قصد أن يغيظها ويتغابى معها.
لأ، مش إخواته يا متر. مش أنتي متر برضه، وتعرفي حاجة اسمها مشاكل وقضايا؟ لو في واحد عازب عايش في وسط متجوزين، وفيهم مش بيخلف.
قاطعته مريم بغضب:
يبقى كمان تقصدني يا سالم.
أوقفها بتذمر وبحقد وكره قائلاً:
اسكتي انتي يا مريم، حسابي معاكي.
زفرت بهيرة بحنق، ونظرت إليه باحتقار:
انت بتعاملها ليه كأنها جارية عندك؟ دي مراتك.
ابتسم سالم بسخرية، ونظر إلى مريم يعايرها قائلاً:
ما أنا عارف إنها مراتي، بس يا ترى هي عارفة ده؟
رفعت مريم إليه حاجبيها بتحذير، تخشى أن يفضحها.
خلاص يا سالم، خلصنا. مصطفى كان عايزنا ننزل تحت.
نظر سالم إلى مصطفى الصامت منذ لحظة دخوله إليهم، يتعجب من أمره.
إيه يا مصطفى؟ كلامي مش عاجبك ولا إيه؟ ولا انت كمان هتحاسبني زيهم؟
تنهد مصطفى مطولاً، وزفر بحنق واستياء من كلمات سالم ولسانه المليء باللعنات.
انت الكبير يا سالم، ولما الكبير يتكلم، اللي زيي لازم يتكتم. بس خد بالك، الكبير كبير المقام.
ضربت بهيرة كفًا على كف، ولم تصدق كمية البرود التي وصل لها مصطفى، وتتساءل ماذا بعد.
الكلام ده لو بيقول أوامر، هتنفعنا. لكن ده بيسبني وبيسب مراته وبيسبك. تعرف في القانون ده معناه إيه؟
كادت أن تكمل لولا صعود عائشة لهم، عندما لمحت عودة سالم مبكرًا، وشعرت أنه سيحدث شيء بالأعلى، وأرادت إنهائه.
خلاص بقى يا بهيرة. سالم ما يقصدش، والدليل إن مصطفى سكت. انتي بس اللي أخدتي الموضوع على صدرك، إنما مريم عادي.
تذمرت بهيرة وخرجت من شقة مريم وصعدت شقتها. أما عن عائشة، فقد أشارت إلى مصطفى ليهبط بها إلى الأسفل، تاركين سالم ومريم بمفردهم.
نظر إليها بغيظ:
شايفك مبسوطة؟
ابتسمت بسخرية:
لو مش عاجبك أبقى مبسوطة.
نظر إليها بغيظ وانقض عليها:
والله يا مريم لأطردك بره البيت.
ابتعدت عنه وهددته بكل ما أوتيت من قوة:
ابقى اعملها يا سالم، وأنا مش هسكت، ولا أبويا.
ثم استطردت وهي تعلي من صوتها، لا يهمها أن يسمعها أحد:
يا خلق يا هو، سالم ابن الحاج هريدي الحمش مضاني على توكيل غصب.
انقض عليها وكمم فاها، وصفعها بيده اليسرى ليخرج الدم من أنفها، وهمس بشراسة:
مريم الحمش، هتفضلي طول عمرك جبانة وبتخافي مني. أنا خلاص يا مريم، هاخد كل حاجة.
ومن ثم خرج من منزله ليقابله محمد، ينظر إليه بشماتة بعد ما استمع الجميع إلى صراخ مريم وفضيحتهم.
بكرة سيرتك هتكون على كل لسان. أولًا أخدت مال مراتك غصب، و طبعًا ده تدبير بابا، وثانيًا حقنا، وده تدبير عمي.
انتهى الأمر. لقد علم مصطفى بكل ما يحدث في هذا المنزل، والذي كان غافلاً عنه. علم الأمر من والدته بعد أن استمع إلى صرخات مريم، ليقابل سالم في بهو المنزل بالأسفل ويبرحه أرضًا.
حرام عليكي تاخدي مال ست يا سالم، ليه انت محتاج؟ ولا مالنا؟
ابتسم سالم بسخرية وتهكم على حنان مصطفى البالغ بمريم، وأضمر الحقد بداخله.
ملكش دعوة. مراتي وبتحبني وبذوب في التراب اللي بمشي عليه، وقالت لي خد يا سالم.
لوى مصطفى ثغره بعدم تصديق، فهي كانت تصرخ منذ قليل وهي تريد حقها من سالم.
والله هنستعبط؟ إذا كان كانت بتستنجد وعايزة حقها. انت حقير كده ليه؟ وضرايب إيه اللي بتضحك على أبوك بيها؟
لكزه سالم في صدره بكل حقد وغل، وهمس في أذنه بشراسة، يتحدث من بين فكي أسنانه بغيظ يود قتل أخاه والخلاص منه.
ما تبطل طقم الحنية اللي انت بتعمله على الستات في البيت ده. تصدق بالله انت هتخرب بيتهم، مش عارف ليه. وبعدين انت مالك؟
غمز محمد مصطفى لكي يترك سالم، فالكلام مع أمثاله لا يجدي نفعًا عليهم أعمال العقل والتدبير المحكم لرجوع كل شيء مثل ما كان.
سيبك منه يا مصطفى.
صعدت عائشة مرة أخرى إلى مريم.
تعالي يا مرات عمي، ادخلي. حقك عليا.
وجدت بهيرة عندها تواسيها، فسرت للترابط بينهم.
طلعتي تاني يا مرات عمي؟ منه لله ابنك سالم وعم هريدي.
تنهدت عائشة بتعب وزفرت بحنق، وتحدثت بقلة حيلة قائلة:
وما أطلعش تاني ليه؟ هاطلع لأعز منها، دي بنتي يا بهيرة، مش قادرة أدعي عليه.
عضت بهيرة على شفتيها بتفكير، خاصة عندما طلب منها محمد خطة لتفشيل سالم.
والعمل يا مرات عمي؟ ده سالم قفلها من كله. ده شوية شوية هيطردنا، هنعمل إيه ساعتها؟
نهضت مريم بغضب، فهي لا تريد منه أن يطردها ويتزوج أخرى بمالها أو مال أشقائه.
أنا لازم أتصرف، ومستعد أسرق من عند بابا أي ورق هتطلبيه، بس في حاجة، أنا لو مشيت مش هيرجعني.
فركت عائشة مقدمة رأسها، وأخذت تفكر هي الأخرى في حل لتلك المعضلة، ولا تعلم كيف ستكون عاقبتها.
أردفت بتوتر:
عندي حل، بس في نفس الوقت خايفة لو قلنا كده وطلعنا كذابين، هيحولوا حياتنا جحيم، ومريم ممكن تطرد برضه.
قولي يا مرات عمي، وأنا هتصرف. ممكن تكون فكرة حلوة، بس أنا ممكن أختار اللي ينفذها ما يكونش حد من اللي في دماغك أبدًا.
ترددت عائشة، وأخذت تفرك بيدها، ولكن هذا هو الحل الأمثل، لعله يلين وقلبه يحنو عليهم، حتى وإن لم يلين، فسوف تأتي مريم بكل الأوراق.
تقولي إنك حامل.
ظنت بهيرة أنها حقيقة.
بتقولي إيه يا مرات عمي؟
زمت مريم شفتيها وأردفت:
حامل إزاي وهو مش بيلمسني؟
صعقت بهيرة وتعالت ضحكاتها.
وسايباه كده يا هبلة؟ قابلي بقى اللي بيعمله.
هزت عائشة رأسها بيأس قائلة وهي تتوجع:
للأسف، ده كان الحل الوحيد عشان يحن قلبه.
على الجانب الآخر عند نوال وحلاوتهم، ونوال خائفة.
هنروح فين بس يا حلاوتهم؟ أبويا هيقتلني لو عرف إني روحت.
أخذت تجرجر فيها حتى وصلوا إلى المنزل. استقبلتهم عائشة بنفسها.
إيه ده نوال؟ مش تقوليلي يا بنتي إنك جاية؟ وكمان معاكي حلاوتهم التاجرة؟
علمت حلاوتهم أنها تستهر بها، فأبعدت نوال من أمامها واحتضنت عائشة.
ودي تيجي برضه يا ماما عيشة؟ أبقى عند نوال وأعرف إنك تعبانة وما أجيش أزوركم؟
جزت عائشة على أسنانها ولعنت حلاوتهم في سرها، ثم أبعدتها عنها بلطف لترمقها الأخرى بأعين مشتعلة.
بعد الشر عني يا حلاوتهم. أنا كويسة أهو وزي الفل. أنا بس كنت بشوف غلاوتي عند أولادي، وعند سالم بالذات. أصل كان ناوي على حاجة كده، وأول ما وقعت من طولي، باس الايادي وحلف ما بعملها، ابني بقي وعمره ما يخرج عن طوعي.
استمعت حلاوتهم إلى عائشة جيدًا وصدقتها، حيث أنها أتقنت التمثيل عليها جيدًا، خاصة أن شخصًا كسالم متلاعب ولا يصدقه أحد.
رواية الارث "صراع الاباء والابناء" الفصل الرابع 4 - بقلم مروة البطراوي
هبطت مريم لتقابل حلاوتهم. ولأول مرة، عاتبت نوال بنظرات قاتلة وهي تبتسم بتزييف.
"بس من باب الذوق برضه يا نوال، إنتي والست حلاوتهم لما تروحوا بيت غريب تستأذنوا قبلها. وكمان أبوكي عارف إنك هنا؟"
ابتسمت عائشة بخبث حينما رأت نوال ترتجف خوفاً من أن يعلم والدها، خاصة بعد تحذيره الشديد لها.
"على الأقل كنتِ تحافظين على صديقتك."
"أنا هقوله."
ارتجفت نوال.
"لا يا طنط عيشة."
ابتسمت عائشة بشماتة.
"هي يعني جت على زيارتك ليا؟"
أمسكت حلاوتهم بيد نوال لتطمئنها.
"هنمشي إحنا بقى يا ماما عيشة، وسلامتك."
أوقفتها مريم وهي تبتسم بخبث إلى نوال قائلة:
"يا دي العيبة، تمشوا على الناشف كده؟ لازم نجيب شربات."
ابتسمت عائشة إلى مريم وضحكت من داخلها على خبثها.
"أنا هبعت أجيب شربات بنفسي علشان ابني البشمهندس هيخطب."
تفاجأت نوال بما تقوله عائشة وتحسرت على حالها وفرت هاربة.
خرجت في لحظة دخول هريدي، فأمرت عائشة مريم أن تصعد إلى منزلها.
"لسه جاي؟"
عقد حاجبيه.
"البنات دول خارجين يجروا ليه كده؟"
تعالت ضحكات عائشة كأنها ما زالت صبية.
"أبدا، كنت بقولهم إن مصطفى خطب. زعلوا."
ابتسم إليها بخبث وأراد إغاظتها وتحطيم آمالها.
"جدعة يا عيشة، ما هو فعلاً خطب. لسه قارئ فاتحته على البت نوال. وهو بنفسه اللي طلبها."
"المواجهة."
"لا... لا يمكن أخلي ابني يتجوز واحدة زي دي... أنا محتاجة أفرح بمصطفى بالذات. ترجع يا هريدي ليهم وتقولهم أمه مش موافقة."
انتفخت رأس هريدي وتضخمت من أمرها.
قديماً، كانت عائشة تمثل لهريدي قيمة كبيرة، لا يرفض لها طلباً. حتى في لحظات تأخر حملها، بالإضافة إلى أنها لم تتجرأ يوماً على مراجعته في قراراته. ولكنها الآن اتسعت عينيها وأمرته أن يعدل عن قراره. قبض على يده، هو يقدر أن يسحقها أرضاً ويعتدي عليها ويضربها بعصاه القوية ويقتلها لأنها أصبحت كالعدو تناطحه في كل قراراته. بالطبع، لم يعد بقوته الجبارة التي كان يستخدمها قديماً مع أي أحد، ولكنها هي المرأة الوحيدة التي تسللت قلبه.
تركها ودلف إلى غرفته، لتنظر هي إلى الأعلى فتجد مريم تنظر بذهول، غير مصدقة أن مصطفى قام بطلب نوال بنفسه.
عند حلاوتهم ونوال، أخذت نوال تجوب غرفتها ذهاباً وإياباً.
"أعمل إيه دلوقتي يا حلاوتهم؟ ياريتني ما سمعت كلامك. شفتي أمه هتفتن عليا وتفضحني."
زفرت حلاوتهم وتذمرت. هي لا يهمها شيء، حيث أن والدها مات منذ زمن ووالدتها تزوجت.
"أنا هقولك، اتصلي بمريم وقوليلها لو حماتها اتكلمت، هتقولي عن حبها الكبير لمصطفى أخو سالم."
بالفعل، وجدت نوال في فكرة حلاوتهم أنها ستجدي نفعاً، لأن أمثال عائشة لا تريد الفضيحة لأبنائها، حتى لو كان الخبر كاذب، فقد يثير شوشرة.
وجدت مريم شاشة هاتفها تضيء باسم نوال، فلوت شفتيها بسخرية.
"لو متصلة علشان تعرفيني إن مصطفى خطبك، أحب أقولك ما تفرحيش قوي."
جحظت نوال بعينيها وتدلت شفتيها بطريقة أثارت استغراب حلاوتهم وتساءلت:
"إنتوا بتتكلموا في إيه يا نوال؟ مالك بلمتي كده ليه؟ هاتي أما أكلمها إنتي طالما خايفة."
انتزعت الهاتف من يد نوال ووضعت على أذنها وبدأت تثرثر وتحادث مريم لتتضجر.
"مش عايزة أسمع صوتك. وأوعي تفكري إن البيت اتفتح ليكي بجواز نوال من مصطفى."
قطبت حلاوتهم جبينها، وما أن حاولت أن تسألها عن مقصدها حتى وجدت مريم أغلقت الهاتف، لتعقد ما بين حاجبيها أكثر وهي تنظر إلى نوال، ولـ سعادتها:
"أنا عايزة أفهم إيه اللي حصل."
تطايرت نوال من السعادة تردف:
"مصطفى طلبني للجواز يا حلاوتهم."
صعدت عائشة إلى مريم التي كانت تبكي، وسرعان ما كفكفت دموعها.
"تعالي يا مرات عمي. أنا عارفة إني سبتك بس لقيت عمي جه فطلعت."
تنهدت عائشة بحزن ومسحت على وجه مريم بحنو تكفكف عبراتها.
"خدي بالك يا مريم، أنا زي أمك وحاسة بيكي من زمان بس مينفعش."
انتفضت مريم بغضب، حتى لو كان الأمر صحيحاً، لا تريد سماع الحقيقة.
"إيه اللي بتقوليه ده يا مرات عمي؟ مش فاهمة كلامك، تقصدي إيه؟ معلش."
نظرت عائشة إلى عينيها بمعاتبة شديدة لإنكارها حقيقة ما في قلبها وعقلها.
"دي حقيقة يا مريم، إنك حزينة إن مصطفى خطب نوال. مش عشان نوال، لا."
تملك الغضب من مريم وأصرت على كذبها ومداراتها للحقيقة وكتمانها بداخلها.
"لا، عشان نوال مش مناسبة لمصطفى، ولو هو أخدها تبقى حلاوتهم هتدخل البيت ده."
هزت عائشة رأسها بإصرار على مواجهة مريم، فهي تريد ذلك منذ فترة، مصلحة لابنها.
"لا يا مريم، إنتي مش فارق معاكي دخول حلاوتهم البيت، والدليل إن زمان سمحتي بكده. إنتي زعلانة علشان مصطفى هيتجوز. اسمعيني يا بنتي، بلاش تخربي عليه وعليكي."
انهارت مقاومة مريم في تحريف الحقيقة والبعد عنها تماماً.
"حاضر يا مرات عمي، هسكت عشانه هو بس وهفضل كاتمة."
احتضنتها عائشة وربتت على ظهرها بحنو بالغ تشفق على حالتها.
"وخدي بالك من كلامك مع الكل، محدش هيفهمك صح غير اللي بيحبك."
ذرفت مريم الدموع من مقلتيها حتى شعرت بها عائشة وهي تهبط على رقبتها.
"أنا مش عايزة أخرب على حد يا مرات عمي. يعلم ربنا إنكم أهلي، بس بلاش نوال."
أدمعت عائشة هي الأخرى كمن لو كانت ابنتها وتعاني في حياتها وسياسة فرض الأوامر.
"لو عليا يا مريم، أنا قلت لعمك هريدي بس مردش عليا زي موضوع سالم بالظبط، صوته من دماغه."
بعد دقائق قضتها مريم في أحضان عائشة، أفاقت على دخول بهيرة ومحمد الصغير وهو منفطر من البكاء.
"مش راضي ينام يا مريم، مش عارفة جراله إيه. كان كويس وبيلعب وأكل زي عادته. جيت أنيمه مش راضي."
حملته عائشة منها لتنتفض. منذ لحظة لمسها له، حيث أن حرارته ارتفعت نتيجة لتغير الهواء عليه. فشهقت قائلة بذعر:
"يا حبيبي، متحملش جو المستشفى. الواد مولع يا بهيرة، كل ده مش حاسة بيه؟ ده عمره ما هيعرف ينام. اعملي كمادات بسرعة."
جذبته مريم منها وأخذت تتحسسه وركضت نحو مطبخها بها تفرغ زجاجات الماء المثلج وتصنع له الكمادات بنفسها، لا تريد مساعدة من أحد.
"هيموت مني يا مرات عمي."
كممت عائشة فاها وقامت بتهدئتها.
"إنتوا غلطانين يومها إنكم جبتوه معاكم."
نظرت مريم إلى بهيرة التي أصرت على إحضاره.
"بس بعد ما جينا والله كان كويس، ده مش من المستشفى."
التفتت إليها عائشة ونهرتها بغضب غير مراعية لحالتها.
"دلوقتي مش وقت كلام. اتصلي على محمد أو بينا على المستشفى."
نكثت بهيرة رأسها وذهبت لتهاتف محمد، لتعاتب مريم عائشة قائلة:
"و بعدين معاكي يا مرات عمي؟ إنتي كمان هتبقي على الغلبانة وتزعليها؟"
نظرت إليها عائشة بلا مبالاة وتحولت إلى شخص مثل لزوجها وابنها قائلة:
"مش قادرة أداري غضبي منها، أعمل إيه؟ لا و عايزة تبقي أم، دي معرفتش إنه سخن."
عودة إلى حلاوتهم ونوال.
"ممكن تكون بتشتغلَك، اسألي أبوك."
شعرت نوال بالخوف أن تسأل والدها.
"دلوقتي؟ لا يا ختي، لا يكون مقلب منها."
أخذت حلاوتهم تقطم أظافرها بغل وحقد.
"علشان لو كانت اشتغالة هو يجيب عليها واطيها."
صمتت نوال لبرهة، ثم جائتها فكرة شيطانية وهي:
"كلميه إنتي يا حلاوتهم على أساس إنك عرفتي منهم."
أذعنت حلاوتهم لطلب نوال وذهبت إلى والدها فاروق.
"خير يا ست حلاوتهم؟ هو كل شويه والتاني هتيجي عندنا؟"
لوت حلاوتهم شفتيها بامتعاض، فهي تكرهه وتكره المجيء.
"معلش يا عمي، أصلي بحب نوال زي أختي. الأ قولي صحيح، مصطفى خطبها؟"
نظر إليها فاروق من رأسه إلى أسفل قدميها باستهزاء وعدم تصديق لحبها لابنته.
"بقي بتحبيها؟ طيب يا حلاوتهم، لو بتحبي نوال بصحيح ابعدي عنها لمصلحتها ولمستقبلها."
علمت وتأكدت حلاوتهم أن فاروق يراوغها ولا يريد إخبارها بالحقيقة، ولكنها مصرة أن تعرف.
"ممكن تجاوبني يا عم فاروق على سؤالي؟ ولو طلع الخبر صح أوعدك هبعد عنها علشان هما مش بيحبوني."
استهزأ فاروق بكلماتها ولم يصدق أنها تريد مصلحة ابنته، فمعروف عن حلاوتهم أنها تخرب بيوت كثيرة بسبب ترك والدتها لها والبحث عن مزاجيتها.
"وإنتي عايزاهم يحبوكي على إيه؟"
تصنعت البكاء والألم وانتحبت قائلة:
"على إني إنسانة زي زييهم، كان ممكن واحدة منهم تكون زي."
جحظ فاروق من منظرها الباكي واحتار أيصدقها أم لم يقتنع.
"خلاص يا حلاوتهم، اللي فات مات. ابدئي من جديد وعيشي بعيد."
تود أن تفتك به على بروده وإصراره على عدم إخراج الحقيقة من فمه.
"حاضر يا عمي، هبعد وألف مبروك لنوال، فرحتلها قوي. تصبح على خير."
ابتسم فاروق لها بخبث، فهو يشعر بها أنها تجلس على جمرة من نار تريد المعرفة.
"وإنتي من أهله يا بنتي. ويا ريت ما تكونيش زعلانة من كلامي، إنتي زي نوال بنتي."
ذهب كل من عائشة ومريم وبهيرة إلى المستشفى للكشف عن الصغير.
عاد هريدي، لم يجدها، تطاير الشر في عينيه، واعتقد أنها تركت المنزل.
عادوا من الخارج ودلفت غرفتها، ليجحظ بعينيه عندما شاهدها بملابس الخروج.
"كنتي فين يا عيشة؟ ومن إمتى بتخرجي من غير إذني؟ ولا خلاص شفتي نفسك؟ انطقي."
توترت عائشة، رغم أنها لم تفتعل جرم، بل ما وترها هو تغير هريدي. نعم، دائماً يعرف بدخولها وخروجها، ولكنهم يعلم أنها تخرج بدون إذن إذا كان الأمر طارئاً.
"كنا بنكشف على محمد ابن سالم."
انتفض عندما سمع الخبر، ومع ذلك عنفها.
"طول عمرك، حتى لو الأمر طارئ، بتقوليهالي."
هزت عائشة رأسها بضيق وأردفت بلا اهتمام.
"معاك حق، بس ده كان زمان يا هريدي، دلوقتي خلاص."
ثم تركته وخرجت من الغرفة، لا تريد الصراع معه أكثر من ذلك.
نام الجميع ومر الليل، وأشرقت شمس الصباح معلنة عن قدوم يوم جديد مليء بالأحداث الكثيرة. وفي شقة سالم تحديداً، كانت مريم مستغرقة في النوم عندما أتى سالم بالماء ليصبه فوق رأسها وقام بإيقاظها.
"اصحي يا ست هانم، ياللي بتخرجي من غير استئذان وترجعي تنامي ولا كأن."
انتفضت مريم وشهقت من هطول الماء على وجهها، لا ترى الرؤية أمامها، تسمع صوته.
"إنت إيه اللي بتعمله ده يا شيخ؟ ابنك كانت حرارته عالية، روحت كشفت عليه. عجبك كده؟ غرقت الأوضة."
لم يعر مرض ابنه اهتماماً، كان كل ما يريده هو إفراغ غضبه فيها، خاصة بعد الكلمات المسمومة الخاصة بحلاوتهم.
"أوضة؟ إنتي بتسمي دي أوضة؟ ولو دي أوضة، أوضة إيه بالظبط؟ أوضة العلاج، صح؟ دي مش أوضة نوم يا هانم، ولا فيها حاجة تدل على كده."
ابتسمت بسخرية.
"وإنت عايز إيه؟"
ابتسم ابتسامة نصر.
"جينا لمربط الفرس، عايز أتجوز."
هزت رأسها بغضب لتوقعها ذلك.
"طب وإحنا مش متجوزين يا سالم؟"
ابتسم بسخرية وتعالت ضحكاته باستهزاء.
"إحنا مين؟ لا مؤاخذة، ده إنتي أختي يا بت، من زمان."
انتفضت مريم ونهضت من على الفراش بضجر قائلة:
"نععععم. وده كان بمزاجي يا سي سالم، ولا مزاج حضرتك؟"
وضع ذراعيه فوق صدره وهو ينظر لها باستهزاء وسخرية.
"أنا من زمان نفسي أخلص منك، وجت الفرصة. حسي على دمك."
تعالت أنفاسها وجراء ما حدث، والذي توقعت حدوثه، أنها ستزج في الشارع.
"طيب روح اتجوز. وإنت بقى معاك كل الورث، هات ليها بيت تاني غير ده يا سالم."
تيقن أنها لن تستلم، فاستعمل معها أسلوب الضرب لكي تضطر للرحيل، لأنه شرط حلاوتهم.
هاتفت والدها لكي يأتي ويأخذها، رفضها وأجبرها على البقاء. اضطرت أن تبقى حتى الفجر، وأن تأخذ ابنها وترحل إلى أي مكان لا يعلم أحد مكانها.
و بالفعل، نهضت وأعدت حقائبها وحملتها وخرجت على الشارع العمومي لتوقف تاكسي.
فلمحها مصطفى واستغرب لهيئتها. كان عائداً من صلاة الفجر ليصعق من رؤيته.
"على فين يا مريم؟"
زمت شفتيها بسخرية.
"والله يعني مش عارف؟"
زفر مصطفى بحنق وضيق.
"عارف، ولذلك خطبت نوال."
تضايقت من رده وردت بتوتر.
"لا، الموضوع مش يخصك. سالم معدش عاوزني."
تنهد مصطفى بتعب وزفر بقلة حيلة واستنقص سالم.
"أستغفر الله، ما فيش فايدة فيه أبداً. بس أنا مش هسكت، إنتي بنت عمنا."
تعالت ضحكاتها بسخرية، فهي لم تستوعب كلماته، فدائماً هو هادئ.
"هتعمل إيه يعني لواحد مش عايز مراته؟ عشان بدافع عن حقوق أخواته."
قطب مصطفى جبينه، فهو يعرف الشق الخاص بأموال والدها، ولا يعلم الجانب الآخر.
"طب وإنتي مالك بحقوقنا؟ إحنا أخوات في بعض، وبعدين سالم مش بيأكل حق حد فينا."
تيقنت مريم أن لا أحد أخبره بما فعله سالم مع والده، وتساءلت: لم يخبر مصطفى خصيصاً؟
"يبقى متعرفش يا مصطفى إن عمي كتب كل أملاكه لسالم بحجة الهروب من الضرائب اللي عليه."
صدم مما قالته وفسر ما يحدث في المنزل منذ أيام، ومن ضمنهم مرض والدته التي أخفت هذا الجانب وسردت أمر أموال مريم فقط. كان لهذا السبب وحديث سالم معه اللاذع عن ضرورة زواجه.
"استني كده."
كاد أن يكمل، ولكن أوقفته صرخة محمد.
"بسم الله يا حبيبي، إنت سخنت تاني؟ أنا نسيت دواك."
أخذها مصطفى إلى الصيدلية لجلب العقار الخاص بمحمد.
"دول أدويته، صح؟ اقعدي، أعطيه. هجيب مياه وراجع ليكي، أوعي تمشي."
أخذت مريم منه الدواء وأعطتها لصغيرها، وهي تنظر في أثر مصطفى بحسرة على حالها وحال صغيرها.
رواية الارث "صراع الاباء والابناء" الفصل الخامس 5 - بقلم مروة البطراوي
تأخر عليها حتى حلول الصباح، وهي ظلت على حالها تنتظره بالصيدلية.
إلى أن أتى بها بشخص لم تتوقعه يومًا، ألا وهي والدتها المنفصلة عن والدها.
وما إن رأتها حتى ارتمت في أحضانها، وهي تنظر له بامتنان على ما افتعله معها.
صدقًا، هو رجل أفعال وليس أقوال.
"ربنا يخليك ليا يا مصطفى."
أخذتها ثريا وخرجوا من الصيدلية.
"إنتي ليه ما اتصلتيش بيا يا مريم؟ نسيتيني؟"
نكفت مريم رأسها بخزي لأنها تخلت عن والدتها.
"من يوم جوازي وهو حالفان عليا إني ما أكلمكيش."
هزت ثريا رأسها وأخذت تهدهد حفيدها بحنان، قائلة:
"ده ابنك ده يا مريم؟ بسم الله ما شاء الله، شبهك وشبه أبوك."
ابتسمت مريم لوالدتها، فهي ما زالت تحتفظ بملامح والدها في عقلها رغم قسوته.
"أه ده ابني وفعلاً شبه بابا."
"لسه يا ماما بتحبيه بعد ما طلقك؟"
"على فكرة، هو عمره ما نساكي."
تنهدت ثريا بحزن تتذكر ما دار بينها وبين والد مريم، وكان السبب في ذلك هريدي لكره شديد.
"وأنا يعني اللي نسيته يا مريم؟ يعلم ربنا إني بحن لأيامي معاه، بس هو اللي باعني وصدق عليا كلام هريدي."
أخذتها ورحلت إلى منزلها.
أما عن مصطفى، عاد إلى منزله بدون أن يخبر أحدًا عنها وعن مساعدته لها.
في الصباح، علم سالم أنها رحلت.
وعلى قدر فرحته بذلك، إلا أنه أراد افتعال فضيحة لها.
أخذوا يبحثون عنها في كل مكان، حتى في بيت والدها، ولا أحد يعلم عنها شيئًا.
"بردو مش موجودة يا عيشة؟"
ارتبكت عائشة ولا تعلم طريقها.
"لا، مش موجودة ومش عارفة راحت فين."
صرخ سالم فيهم وحملهم المسؤولية، قائلاً:
"قلتلكم دي طالعة لأمها، محدش صدقني."
حاول محمد تهدئته، لعلها تكون بالمستشفى.
"طول بالك يا سالم، أنا هتصل بالدكاترة."
هبط مصطفى الدرج باتزان، يغمز لبهيرة:
"روحي شوفيها عند نوال، يا بهيرة، ما هما هيبقوا سلايف."
نظرت إليه بهيرة ووالدته ببلاهة، وابتلعت ريقها.
"روحت، بس مش هناك يا مصطفى، دي مشت بشنطتها."
قطب مصطفى جبينه باصطناع وزم شفتيه بسخرية.
"هتروح فين يعني بشنطة هدومها؟ هي ليها غيرنا ولا أبوها؟"
غابت الكلمات بينهم لدقائق، لتعود عن طريق بهيرة خالية من أي تعبير.
"إحنا دورنا عليها حتى عند بابها، مش موجودة أصلًا. مستبعد إنها تكون هناك."
قطب هريدي جبينه بعدم فهم، وتيقن أن بهيرة لديها معلومات عن مريم وتخفيها.
"يعني إيه موضوع إنها تكون عند أبوها مستبعد؟ اومال اللي بتغضب بتروح فين يا بهيرة؟"
ارتفع صوت سالم عاليًا وأخذ يصرخ في وجههم، والجميع منتفضون عدا مصطفى المتزن.
"إنتوا ليه مش واصل ليكم الليلة؟ الهانم من يوم ما اتجوزنا بتتم لعن عليا وشايفة ليها شوفة تانية."
تضايقت بهيرة من حديثه وشعرت أنها بنفس الموقف.
إذا فاض بها وطفح الكيل، ستغرب عن وجهه.
"ملوش لازمة الكلام ده يا سالم."
"مريم لو كانت مشيت، يبقى بسببك. مش إنت عايز تتجوز عليها وعايزها تمشي؟"
انتفض هريدي ونهض بغضب، ينظر إلى ابنه سالم يود الإطاحة به، لأنه تعهد له أنه لن يفعلها وسيظل مرتبطًا بمريم.
"يعني إيه الكلام اللي بتقوله بهيرة ده يا سالم؟ جواز إيه وزفت إيه؟ وبتطرد البت من بيتي؟ ليه أنا معنديش علم بكل ده؟"
انتفض سالم بغضب، وقد طفح كيله وأراد إظهار الوجه الآخر لعملته الدنيئة، فهو شبيه لعمه والد مريم، افتعل نفس الفعلة.
"الله، جينا للمهم يا أبو سالم. إنت ملكش حق إنك تعرف عني حاجة. وده بيتي، أطرد منه أي حد وأقعد فيه اللي على مزاجي."
هنا سقط هريدي. فما قالته له عائشة قد حدث. تخابث سالم إليه حتى حصل على مبتغاه، ومن ثم يريد طرد الجميع وإبقاء من كان على هواه.
هرع محمد إليه أبيه يتفحصه، لتتسع حدقة عينيه بصدمة، قائلاً:
"أكيد دي جلطة. الإيد اتعوجت. وديني يا سالم لأسجنك، أبوك رجله مش بتتحرك."
انقض مصطفى على سالم أبرحه ضربًا بسبب الحالة التي وصل إليها والدهم.
"ليه. ليه يا سالم ليه. ليها حق تسيبك وتهرب منك. إنت مريض وطماع. أقسم بالله لهرجع منك كل حاجة."
أبعده سالم عنه ونظر إليه باستهزاء، وتركهم ورحل.
كانت عائشة تتابع ألم هريدي وتبكي في صمت، ولم تستطع أن تفعل له شيئًا لتخفف عنه.
وصل خبر شلل هريدي إلى ثريا، فشهقت قائلة:
"يا ساتر يارب، اللهم لا شماتة. ربنا يشفيك يا هريدي."
كانت مريم في هذه الأثناء تبدل ملابس محمد وشعرت بحرارته.
"تعالي يا ماما الحقيني، محمد سخن تاني، لازم أكشف عليه، الدوا ملوش مفعول."
ترددت ثريا أن تخبرها، فهي تعلم معدن ابنتها جيدًا، ستنسى كل شيء وتذهب لرؤيته.
"ماشي، تعالي نكشف عليه، إن شاء الله خير. هو كمان تغير الأماكن عليه مخليه يتحسس."
وجدت مريم هاتفها يضيء باسم مصطفى، فقطبت جبينها وتساءلت: أهو يريد الاطمئنان؟
"ألو. إزيك يا مصطفى. مجاش فرصة أشكرك امبارح. ياريت محدش يعرف إني مع ماما."
تنهد مصطفى بتعب وتردد أن يبوح لها أم يكتفي بالاطمئنان عليه، فهو يخشى عليها من بطش سالم.
"أكيد هتسمعي بخبر إن عمك اتشل. أرجوك يا مريم بلاش تيجي، بلاش العاطفة تسيطر عليكي، وادعيله."
شهقت مريم ووضعت يدها على قلبها تشعر بالحزن على عمها، بالرغم من قسوته عليها وانتقامه من والدها.
"طب علشان خاطري، شوف وقت سالم مش هيبقي موجود فيه وأجي أزوره. ده عمي يا مصطفى. وأنا مرات ابنه."
ابتسم مصطفى بسخرية وأراد إخبارها بالتفاصيل ما حدث اليوم، لعلها تخشى رؤية سالم وتبقى لدى والدتها بعيدًا عنه.
"افهميني يا مريم. سالم مش هيسيبك إلا لما يعملك فضيحة. هو خلاص هيطلقك غيابي. وده اللي زعل أبويا. البيه شبه طردنا."
شهقت مريم جاحظة ووضعت يدها على فمها، غير مستوعبة أن أمر طرده لعائلته تم بهذه السرعة، وماذا بعد كل هذا الشر؟ وما هو الرد؟
"مصطفى. لازم تتصرف."
هز رأسه بتأكيد وإصرار.
"وأنا هتصرف ومش هسكت."
استمعت إلى صوت طرق على بابهم بقوة، فتركت هاتفها وهرعت إلى والدتها التي فتحت الباب، وما إن رأت سالم أمامها حتى عادت لتغلقه، ولكنها وضعت قدمه ليفتحه.
"مريم بنت أمها الست ثريا هانم."
انتفض جسد مريم من الرعب.
"إنت عرفت منين إن أنا هنا يا سالم؟"
اقترب منها وهمس في أذنها كفحيح الأفعى.
"تجيبي ابني وترجعي معايا وتخدمي ضرتك."
هزت رأسها ترفض طلبه، لينقض عليها ويضربها، ومن ثم قام برمي يمين الطلاق عليها، لتندرج في وصلة من البكاء التي لا تنتهي. حتى والدتها حاولت تهدئتها.
"معلش يا حبيبتي، أنا معاكي."
ارتمت مريم بأحضان والدتها.
"ربنا يخليكي ليا يا ماما، تسلميلي."
ربتت ثريا على ظهر ابنتها وهتفت:
"والله ما هسيب حقك يروح يا مريم."
واستطردت تسألها بتوجس قائلة:
"مصطفى اللي قاله على مكانك صح؟"
هزت مريم رأسها بعدم معرفة.
لتمسح ثريا دموعها.
"بقولك إيه، انسي وأنا أهو موجودة، هنعيش مع بعض."
أومأت مريم برأسها بمعني أنها موافقة، ومسحت دموعها.
"هنسى يا ماما. هنسى كلهم، وكويس إنه طلقني، هعيش حرة."
ربتت ثريا على ركبتي مريم وهي تردد كلمة حرة في أذنها، كم تمنت الحرية لمريم منذ لحظة عقد قرانها على سالم، لأنها تعلم مدى عشقها لمصطفى، لذلك توغلت الفكرة في رأسها الآن أكثر وبأريحية تامة، لعل القدر يجمع بينها وبين مصطفى من جديد، فأردفت بحب وحنان قائلة:
"عندك حق، إنتي حرة."
انتبهت مريم هي الأخرى للكلمة.
جلست ثريا أمام الفرن الخاص بها، تضع الذرة على لوح الصاج الأسود، حيث كانت مهنتها بعد ترك والد مريم لها.
ولكنها الآن في الشتاء تقطن في منزلها وتطعم أهل عمارتها، سواء كهدايا أو مال.
فور نضوج الذرة، أعطت ابنتها لتطعمها وتطعم محمد الصغير ذو السنتين.
تتذكر أنها كانت تفتعل هذا الشيء عندما كانت ببيت زوجها، حتى منعها فامتثلت لرغبته.
تركت مريم جلستها مع جيرانها مدعية النعاس، وهي بالأصل تكره القيلولة.
نهضت من مكانها وطلبت من والدتها الاهتمام بالصغير.
وما إن أخذت والدتها الصغير وصعدت إلى جارتهم، حتى قامت مريم بالرد على مصطفى المتصارع باتصالاته.
فأخبرها أنه بالأسفل ولا بد من نزولها إليه على وجه السرعة.
ركضت تهبط السلم وهي تحكم حجابها حول شعرها كي لا يطيره الهواء الناشئ عن هبوطها السلم بسرعة، حتى وصلت إليه ووجدته يجلس على الرصيف بانكسار، فتقدمت منه وجلست بجواره.
كان الهواء شديدًا لدرجة أنه أزاح حجابها، وهو كان شاردًا لا يرى شيئًا، بالإضافة إلى طول صمته، وهي تريد العودة مسرعة.
سألته برجاء:
"ممكن تقول بسرعة عايزني في إيه يا مصطفى؟"
رفع عينيه الحائرتين بسبب صعوبة الخبر الذي يحمله، وبتيه سألها وقد فاض به حتى أنه شارد في كل شيء.
"ممكن تسمعيني من غير ما تنهاري؟"
أومأت بلا تردد.
فتابع موضحًا:
"قبل ما أتصل بيكي، لما كنت بحكيلك إن بابا اتشل والخط ما بينا اتقطع..."
قاطعته وهي تعلم أنه من أدلى بمكانها لشقيقه.
"إنت اللي قلت لسالم على مكاني صح؟"
تشكلت ابتسامة يائسة فوق شفتيه.
"كنت هقولك إن أبوك أول أما عرف إن اللي سالم عمله فرح في أبويا وفكر إن سالم هيبقي معاه، اتفاجئ إن سالم حجز على أملاكه هو كمان. الصدمة كانت كبيرة عليه، مات."
صمتت ولم تبدِ أي رد فعل، سوى أنها نهضت بجمود وذهبت نحو مدخل العمارة وصعدت سلمها، تكتم ما بداخلها من شعور.
يندهش هو في أثرها.
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
"
رواية الارث "صراع الاباء والابناء" الفصل السادس 6 - بقلم مروة البطراوي
توجهت عائشة إليه وهي تقبل يده، وهو يتذمر. احتضنته بعناية قائلة:
"طبعاً يا بهيرة. محمد كان متعود يصحي يا يطلع لكِ يا ينزل عندي تحت."
وُجدت ثريا تظهر أمامهم بحالة أخرى غير حالة الانكسار والحزن. استغربوها.
"العمارة اللي قدامنا فيها شقتين فاضيين. إيه رأيكم تيجوا تسكنوا، وبكده محمد يبقى بينا."
انشرح صدر بهيرة وتهللت أساريرها، فهي من يوم ذهاب مريم تفتقد محمد الصغير ومداعبته.
"تسلمي يا طنط ثريا. فعلاً إحنا هنسيب البيت لسالم وعروسته، بس مسيرنا نرجع لأننا مش هنسيب حقنا."
ابتسمت ثريا بسخرية وهي ترى القوة في عيني بهيرة فقط، التي لم يكن لها حق سوى أنها زوجة محمد فقط.
"وإنتوا هتعملوا إيه يا بهيرة؟ لو على الشغل كان يبقى من زمان."
"هريدي السبب في كل اللي بيحصل دلوقتي، ومريم كمان."
فاقت مريم من شرودها، حيث كانت مغيبة في اقتراح والدتها، متذمرة منه حيث أن بعدها كان السبب الرئيسي لمصطفى وليس سالم.
"ها. أنا. أنا يا ماما مذنب؟ طب كنت أعمل إيه؟ وهو شغال ضرب وإهانة، ولما كنت أروح أشتكي لبابا قالي: وافقي. اللي هتعمليه ده هيرجعلي."
ردت بهيرة:
"مريم استحملت كتير."
بكى الصغير من صوتهم.
"بسم الله الرحمن الرحيم، مش وقت عتاب."
نظرت ثريا إلى عائشة باستجهان على رفضها المعاتبة.
"ولقيتوا بيتي إزاي يا عيشة؟ ولا مصطفى هو اللي جابكم؟"
ردت عليها بهيرة بهدوء وهي تهدد حفيدها بعناية، تعطيه لوالدته:
"إحنا عرفنا من مصطفى العنوان، ومترددناش لحظة نجيلكم يا طنط."
وجدت عائشة أن وجودهم غير مرغوب فيه، فتنحنحت قائلة وهي تقبل حفيدها:
"طب هنمشي إحنا بقى، يدوبك نلحق نشوف هريدي. وشكراً على العرض بتاعك يا ثريا."
شعرت ثريا أنها قامت بتقليل العيار مع عائشة، وهي لا ذنب لها سوى إنجاب سالم الملعون.
"يا ريت يا عيشة تبقوا قدامنا، هتلاقوا هنا كل حاجة. الناس هنا بتحب بعضها أوي، وأنا معاكم هنا."
بمجرد رحيل عائشة وبهيرة، قامت ثريا بإغلاق الباب وتوجهت نحو المطبخ لتحضير العشاء في راحة تامة.
"ياااه، كان نفسي أملي عيني منه وأقوله ليه يا بابا ترفض إنّي أجلك ونواجه سالم مع بعض. الظاهر كان قلبه حاسس."
نظرت ثريا أمامها بشرود وهي تعد الطعام، لدرجة لفتت انتباه مريم، فخشت عليها من هذه الحالة وجذبت الأدوات منها.
"بجد هو ما كانش بيفكر خالص يا مريم. زمان كان بيعاير أخوه بعدم الخلفه. ربنا قاله: طب ما فيش غير مريم. إنتي قبلك مات كتير، وبعدك أصبح هو عاجز، ومن يومها افترى عليه أخوه وخربله بيته."
تذكرت مريم أنها كانت من ضمن اللعبة، ووجودها في الحياة كان بمثابة صفعة لهريدي يود ردها لشقيقه، وما أن ردها حتى قام الآخر بتوالي الصفعات.
"كده ولا كده، أنا كنت بعاصر على نفسي لمون وأنا عايشة مع سالم."
تنهدت ثريا براحة تامة، تخشى أن تكون مريم حزينة لفراق سالم، ولها الرغبة أن تعود.
"أنا حاسة إن عروسة البيه دي اللي هتجيب لنا حقنا كلنا. دي أكيد البنت اللي كان ماشي معاها."
ابتسمت مريم على توقع والدتها، لتتنهد بحزن، حيث أن الموضوع مفهوم للجميع، فكيف لها أن تكمل.
"كنت زمان ببقى خايفة لا يتجوزها عليا. أتارى الهانم شارطة تكون زوجة له لوحدها من غيري. يالا بالشفا."
شعرت ثريا بالوحشة والحزن على حالة ابنتها المستسلمة، تود إرجاع الزمن والتدخل في هذه الزيجة وتزويجها بمن تريد.
"وأنا زمان خوفت أدخل لا يرميكي في الشارع وأنا مش هقدر أصرف عليكي. صحيح يا مريم، هتقدري تعيشي معايا وأنا على قد حالي؟"
ردت مريم:
"وأنا روحت فين؟"
قطبت ثريا جبينها.
"طب وإنتي هتعملي إيه؟"
ردت مريم بعزيمة وإصرار:
"هشتغل وأعيش حياتي وأنسى."
اتسعت حدقة عيني ثريا بذهول قائلة:
"وأنا هسيبك؟ وبعدين إزاي وإنتي معاكي دبلوم؟"
زفرت مريم بحنق وضيق ولعنت سالم لإصراره على تركها التعليم.
"وأنا كان بإيدي يعني يا ماما. هشتغل في أي حتة، إن شاء الله في مستشفى."
شفقت ثريا على حالة ابنتها، فهي تعلم من المذنب، فهو والدها. تمنت الراحة لها.
"لأ مش ذنبك، بس إنتي شايفة أنا بشتغل إيه. أنا مش عايزة ألكِ تبقي زيي، أنا عايزة ألكِ ترتاحي."
شردت مريم في أمر ما وزمت شفتيها بضيق. فلها من الأموال ما يريحها، ومع ذلك أصبحت متشرّدة.
"طب واللي راح ده كله يا أمي مش هيرجع؟ على الأقل ورثي من أبويا. تفتكري أنا غلطت لما دافعت عن حق عمي؟"
نهضت ثريا وجذبتها من ذراعها، كمن تريد تلقينها الحكمة والثبات في مثل هذه الأمور. فثريا ليست كابنتها، هي إذا أرادت شيئاً تأخذه.
"بيني له ولكل إنك مش عايزة، بس في دماغك حطي حاجة واحدة، إنك مريم طاهر الحمش اللي مش هتسيب حقها أبداً، وهتاخده وهتحط على الكل."
طاف في خيالها.
"أنا بس عايزة أعرف مصطفى هيعمل إيه."
عادت بهيرة وعائشة إلى المنزل، وبهيرة تزفر بضيق.
"أنا همشي معاكم، بس والله ما هسيب له قرش يتهنى بيه."
لوت عائشة شفتيها تحاول منع بهيرة من الانفعال قائلة بهدوء:
"طولي بالك يا بهيرة، مفيش حق بيضيع عند ربنا، والدليل عمك."
دَلفت إلى غرفة هريدي لتجده ينظر إليها وهو يشير بعينيه نحو يده المشلولة.
"يعني إيه خلاص يا عيشة؟ كل حاجة راحت بلمحة عين؟ الواد هيطردنا؟"
دَلَف عليهم سالم وهو ينظر إليه بشماتة ولا يهمه ما وصل إليه، ليردف قائلاً:
"أنا ما طردتش حد غير محمد ومراته ومصطفى. إنما إنت أبويا المعلم هريدي."
علم هريدي أن سالم يسخر منه، ومع ذلك قام باستعطافه لعله يلين من نحو أشقائه.
"ده بيت إخواتك يا سالم، وبعدين مصطفى هيتجوز نوال، ودي صاحبة حلاوتهم."
ظهر مصطفى من خلفهم بقوة غير معهودة فيه، يتحدث بطلاقة جيدة وهو مبتسم لأمه.
"أنا روحت لهم النهارده بعد ما وصلت أمي لمريم، فهمتهم إن كل شيء قسمة ونصيب يا والدي."
هريدي وهو يحاول النهوض من على الكرسي المتحرك يشعر بالعجز في التحكم في أولاده.
"أنا اتشليت علشان تقلبوا الدنيا فوق دماغي. بقيتوا عاقين. ياريتني فضلت من غير خلفة، ياريتني مت."
ابتسم سالم بسخرية وشماتة وهو يرى والده عاجزاً، مسروراً من داخله وهو يهزمه مثلما كان يفعلها.
"والله لما ييجي أجلك هتموت، محدش بيخلل. وبعدين ده إنت هريدي الحمش هتتعز عن اللي خلقك، يعني."
نطق بتلك العبارات السخيفة وتركهم ورحل. لينظر مصطفى إلى والده بقلة حيلة، لا يريد تكريمه وهو دائمًا يستهزئ به.
"مصطفى يا ابني استنى، عايزة أقولك على حاجة. تعالي اطلع لك هدومك وأنا أحكيلك اللي حصل النهارده وأنا بزور مريم."
أفاق مصطفى من شروده ونظر إلى والدته بألم عندما سردت عليه حالة مريم وثريا واقتراح ثريا بالعيش في البناية أمامهم.
"جيتي من عندهم إمتى يا أمي؟ عمال أتصل بيها مش راضية ترد عليا. الظاهر إني بقيت شؤم عليها، بقت تخاف ترد عليا. إزاي هروح أسكن قدامها؟"
ربتت عائشة عليه.
"متزعلش منها يا ابني."
تنهد مصطفى بحزن.
"زعلان عليها ومفتقدها."
نظرت ثريا حولها بخوف.
"هي طول عمرها بتحبك."
عقد مصطفى ما بين حاجبيه.
"إزاي يعني تقصدي اتغصبت على سالم؟"
هزت رأسها بنعم وهمست بصوت منخفض:
"أنا أيامها كنت بهربها لأمها، بس ما كنتش عارفة طريقها."
اتسعت عينا مصطفى بغضب غير مصدق ما تقوله والدته.
"إيييه، بتقولي إيه؟ إزاي الكلام؟ وليه مقولتيليش يا أمي؟ كان ممكن أتصرف."
نظرت إليه بألم، فهو لا يدرك ما الذي سوف يحدث لو علم هو بذلك وتصرف.
"كنت عايزاني أقولك الحق يا مصطفى؟ دي بتحبك وإنت مش مبين أي رد فعل؟"
تنهد بضيق وزفر بحنق، كانت زفرته أمنية لارجاع الزمن إلى الخلف ومنع تلك الزيجة.
"بس يا أمي ده مش مبرر. محدش منكم سأل نفسه أنا في قلبي إيه من ناحيتها صح؟ ولا عمركم هتفهموا."
أوقفته عائشة بإشارة من يديها نحو فمه الذي ينطق بالأهوال التي لا يصدقها أحد، وسوف تُفهم بالخطأ بالتأكيد.
"لا مبرر. أنا كنت عارفة ومتأكدة إن حتى لو بتحبها، ما كنتش هتقدر تدافع عن حبك، وكنت هتحترم رغبة أبوك."
نظر إليها باستغراب. نعم، هي حديثها صحيح، ولكن لا نعلم ما الذي كان سيتم، فكلها غيبيات ومقدرة ومكتوبة علينا.
"هي أخبارها إيه دلوقتي؟ مرتاحة بعد ما أبوها راح وفلوسها وبقت مطلقة ومعاها ابنها؟ لا طبعاً كان ممكن تبقى أحسن."
تذكرت عائشة مريم ونظراتها وألمها النفسي منذ لحظة دخولها لتلك العائلة. شعرت كأنها ابنتها، بكت وانتجحت لأجل خاطرها.
"لأ طبعاً ترتاح فين يا ابني؟ دي في يوم وليلة افتقدت كل حاجة. صعبان عليها إنها افتقدت لجو العيلة، رغم إنها مع أمها، كان نفسها في أبوها كمان."
بالأسفل عند هريدي.
"ده خلاص بيموت مننا."
"بتقولي إيه يا أمي؟ أبويا جامد."
ردت عائشة تنفي اعتقاد ابنها قائلة:
"ده عمك يا مصطفى، لازم مريم تعرف."
لم تكن أحلام بل حقيقة، نادى هريدي عائشة.
"عييييشه، أخويا طاهر مات يا عيشة، صح الكلام؟"
هرولت عائشة الدرج، وما أن وصلت إليه حتى تحدثت:
"أيوووه، بس علشان خاطري اهدي. دي أعمار وبيد الله."
ارتجف هريدي من إعلان وفاة شقيقه، وعلم أنها لا تدوم لأحد.
"متخافش يا هريدي، إحنا معاك مش هنسيبك وهنعالجك. هو كان تعبان."
فجأة قاطع حديثهم اتصال من ثريا، فنهضت عائشة وكفكفت دموعها وخرجت.
"البت عايزة تشتغل يا عيشة، وأنا مش عارفة أعمل معاها إيه. إحنا ناقصين مرمطة؟"
رفعت عائشة رأسها إلى ابنها الذي كان يقف أعلى الدرج متوجساً من تلك المحادثة، وبدموع:
"محدش هيشتغل منكم يا ثريا، ده وعد مني لكم. إحنا خلاص كمان هنيجي نسكن قبالكم ومعاكم."
حذرتها ثريا وهي تجيب عليها بصوت منخفض حتى لا تسمعها مريم وتتضايق من تدخلهم في حياتها.
"خلي بالك يا عيشة، مريم مش هتطيق إن سالم يجيلكم، كمان مش عايزها تعرف إني اتصلت بيك، فهماني؟"
هزت عائشة رأسها باستجابة وموافقة على طلبها، وهي تنظر إلى مصطفى بثقة أنه لن يخيب رجاءها وسيتصرف.
"حاضر يا ثريا، ولا يهمك. أصلاً سالم معناش لازمينه. ده بقي بيتمني لينا الموت، ربنا يسامحه. طول ما أنا عايشة مريم مش هتتمرمط."
هبط مصطفى.
"طب ولو ردها؟"
هزت عائشة رأسها.
"لأ معتقدش يعملها."
تركها مصطفى وخرج.
"ألو، خير يا مصطفى؟ حد مات؟"
ابتسم بسخرية ورد عليها بحنو.
"أخبارك إيه دلوقتي يا مريم؟ عرفتي إننا هنسكن قدامكم؟"
تعجبت من حنوه البالغ وطريقته في التحدث معها بدون حدود.
"أنا كويسة. ماما اقترحت على مرات عمي، ودي حاجة كويسة."
ابتسم بسعادة لردها وسأل عن صغير العائلة الذي اشتاق إليه كثيراً.
"وإزاي أبو حميد الصغنن؟ أوعي تقولي إنه دوخك، أجي أملصلك ودانه."
طل على وجهها ابتسامة مشرقة أصبحت كالوردة التي إن اقتطفتها، فردت:
"بخير يا مصطفى، متقلقش عليه. أنا هعرف أربيه كويس وهعلمه يبقى راجل."
تضايق من ردها عن عزمها على تربية صغيرها، كأنها تقول له بمفردها وبدون مساعدة.
"إنتوا اتنين ستات يا مريم، مينفعش تعيشوا لوحدكم. إنتي بالذات لازم راجل في حياتك يصونك."
ابتسمت مريم بسخرية وتعالت ضحكاتها، تود القبض على رقبته ظناً منها أنه يريد عودتها لسالم.
"في دي عندك حق، بس مش هرجع لسالم يا مصطفى، انسي. ومش معنى كده إني هبقى راهبة، لا هتجوز."
استغرب من ردها العنفواني، هو لم يقصد عودتها لسالم بل يقصد ذاته، ولكن كيف بعد اندفاعها الحاد غير المتوقع.
"متقلقيش يا مريم، هو نفسه عمره ما هيردك. هو خلاص هيتجوز حلاوتهم. عقبالك، بس خدي بالك، حتى المرة دي مش بمزاجك."
ابتسمت مريم بمرارة، فهو الآخر سيقوم بتزويجها رغماً عنها. ترى من هذا الزوج المنتظر؟ أيكون محمد لرغبته في الإنجاب؟ وماذا عن بهيرة؟
"وماله."
ثم رمت هاتفها أرضاً وذهبت إلى غرفتها، لتأخذ والدتها الهاتف من الأرض وتستفسر من مصطفى ما حدث بينهم للتو، جعلها تتعصب بهذا الشكل.
"أنا ثريا يا مصطفى."
تضايق مصطفى قائلاً:
"كده برضه يا مريم؟"
تنهدت ثريا بحيرة قائلة:
"قولتلك يا مصطفى، موقفك صعب."
عض على شفتيه بتفكير وفرك رأسه.
"طب والعمل يا مرات عمي؟ دي هتتجوز."
ابتسمت ثريا رغماً عنها، فهي تعلم رأس ابنتها.
"إنت عارف كويس إنها بتغيظك مش أكتر."
واستطردت ثريا قائلة:
"هي طول عمرها بتحب تغيظك... حط في دماغك، يوم ما هتتجوز مريم، هتتجوز من واحدة مش عادية. دي بنت عيلة الحمش، فاستحمل بقى يا مصطفى."
كيف تطلب من رجل حرموه منها بالبحث عن الحكمة، الهدوء والقرار؟ هو على استعداد الآن أن يهرس شقيقه وامرأته بالكامل بأسنانه كي يقتص لها.
تابعت ثريا وهي ترمق ابنتها من بعيد باهتمام واضح على عينيها.
"عارفة كويس إنك تقدر تصمد في مواجهة سالم، ويمكن تقدر تنهيه، وإنت بس اللي تقدر... لكن الباقي لا."
مصطفى بابتسامة تتسع لها عينيه، حيث أنه لأول مرة يشعر بالثقة من جانب شخص دائماً ما يستهترون به.
"ماشي يا مرات عمي. أنا هقدر وهاخد حقها تالت ومتلت، وهدفع سالم التمن، بس لسبب واحد، هي هي وبس."
بعد انتهاء المكالمة، وجدت مريم عائشة تهاتفها، واستغربت. أهو يوم الاتصالات العالمي؟ ماذا يريدون منها؟ لقد انتهى نهائياً.
رواية الارث "صراع الاباء والابناء" الفصل السابع 7 - بقلم مروة البطراوي
ألو أيوه يا مريم ازيك و ازاي الواد محمد.
عمك عرف من شويه إن أبوكي مات و عايز يشوفك. قلتله هانت هنروح نسكن قدامهم.
تنهدت مريم بتعب و زفرت بحنق، و تذكرت أن والدتها السبب في وجودهم في البناية التي أمامهم، كانت تريد الابتعاد عن العائلة و للأبد.
"إحنا كويسين أوي من يوم ما بعدنا يا مرات عمي، ما تقلقيش علينا. حتى لو جيتوا قدامنا أنا مش هاجي أزورك، اللي كان بيني و بينكم مات و التاني طلقني."
جحظت عائشة بعينيها.
"انتوا لحمنا و دمنا يا مريم."
جزت مريم على أسنانها بغيظ.
"إحنا في بيتنا اللي عايز يجيلنا."
وجدت عائشة في حديث مريم الصواب.
"أنا هقفل على الموضوع دلوقتي عشان حاسة بيكي."
ثم استطردت تبكي و تبتلع غصة في حلقها و تهتف بمرارة.
"لو عمك جراله حاجة أرجوكي سامحيه يا مريم عشان الدم."
كادت مريم أن ترد عليها و لكن عائشة اضطرت لإغلاق الهاتف.
***
صباح يوم جديد و أماني من كل الأطراف أن يمر بسلام عليهم بدون مناورات.
"قومي يا مريم ربنا يهديكي، هما مش هيجوا دلوقتي بس لازم يلاقوا الشقة نضيفة."
توجهت مريم على مضض للبناية التي أمامهم و صعدت السلم تتحسر على حالهم.
"إيه كل ده! الست مريم بنت الست ثريا بنفسها عندنا، يا مرحبا يا مرحبا، طب كنتي قلتي."
التفتت إليه ترمقه بنظرات غاضبة، فهو صاحب المنزل شخص لعوب يدعي عادل. هتفت:
"في حاجة يا عادل؟"
"أقولك ليه هاخد إذن منك مثلاً؟ انت صاحب البيت و إحنا مأجرين منك."
استمع إلى توبيخها و لم يعيره أدنى اهتمام، كل ما اهتم به هو ملامحها، فهي تتمتع بجمال مهلك.
"إيه يا عادل؟ انت بتبص ليا كده ليه؟ ما تحترم نفسك، أما راجل ناقص بصحيح، أستغفر الله، أعوذ بالله."
خرج من شروده على صوتها الغاضب فانتبه و سخر من نفسه، فهو دوماً يفعلها و لكن ليس مع أمثالها.
"لأ، أنا مش ببص ليكي، هبص ليكي على إيه؟ أنا سرحت إن إزاي واحدة زيك بنت الست ثريا لسانها مدب."
جاءت عاملة النظافة و ألقت عليه التحية، ففهمت أنه هو الذي دفع حسابها. فأخرجت مال من حقيبتها و أعطته.
"لأ، أنا مش هاخد منك حاجة، ده حساب بيني و بين الحجة ثريا."
"ملكيش دخل فيه، ده من ضمن الإيجار بتاع الشقتين."
ردت عليه مريم باقتضاب لأن أمثاله لا يليق بهم إلا ذلك، كانت تود أن يأخذ منها المال حتى لا تكون جميلة عليهم أمامه.
"هتاخد يعني هتاخد يا عادل، أنا مش بحب أسكن في مكان سفلقة، دي شقة حمايا و التانية شقة سلفي و أنا المسؤولة عن الاتنين."
نظر إليها بصدمة، كيف لها أن تعتبرهم عائلة ثانية لها و هم من تخلوا عنها و بالمعنى الأدق ابنهم قام بتطليقها مثل ما علم من والدتها.
"احمممم، ينوروا و تنوري انتي أي مكان، بس صدقيني الحجة ثريا محاسبة على كل حاجة و طلبت مني إني ماخدش منهم حاجة ولا أطالبهم بأي شيء."
ثم استطرد بفرحة.
"أنا بحترم والدتك قوي."
تركته و أكملت السلم و دلفت إلى الشقة.
***
وقفت تباشر عمل الخادمة.
"عاوز أفهم، كان رافض يأجرها ليه؟"
التفتت مريم و ابتسمت إليها باستغراب.
"ده عادل اللي تقصديه صح؟ انتي مين بقى؟"
نظرت إليها ولاء بتدقيق و أكلتها الغيرة بشدة.
"أنا ولاء جارتكم هنا، انتي عروسة عادل صح؟"
ابتسمت مريم رغماً عنها حيث شعرت بغيرة ولاء.
"طب سيبيني أعرفك بنفسي، أنا مريم بيقولولي أم محمد."
اتسعت حدقة عيني ولاء بفرحة شديدة و احتضنتها بسعادة.
"إيه ده! أم يعني متجوزة و مخلفة، يا ما أنت كريم يارب، الحمد لله."
تعالت ضحكات مريم و ربتت على ظهر ولاء بعناية و أخذتها بعيداً.
"مرة تانية بلاش تدلقي بعواطفك كده يا ولاء، أنا هحسن الظن، غيري لأ."
هزت ولاء رأسها تنفي ما شعرت به مريم تجاه الجزء الذي يخص عادل.
"لأ والله أبداً مش زي ما انتي فاهمة، هو عادل كان قايل إن دي شقة عروسته."
كانت تنظر إليهم الخادمة و تتلصص عليهم، تتصنت جيداً لما يقولاه، لدرجة لفتت انتباههم.
"كل ده هعمله النهارده يا ست مريم و لسه كمان في شقة تانية كتير عليا و محدش بيقدر تعبي."
عقدت مريم ما بين حاجبيها باستغراب على عدم تقدير تعبها من قبل عادل، كيف و أمها من تدفع.
"تعبك ده هتاخدي عليه فلوس؟ هو مش عادل صاحب الشقق دي بيحاسبك؟ وبعدين أنا ممكن أزودلك."
زمت العاملة شفتيها بضيق و أرادت البوح بما يكنه صدرها عن معاملة عادل الرديئة لها و لغيرها أيضاً.
"لازم تكلميه يا ست مريم، دول شقتين كفاية، سلم العمارة اللي بيقطم وسطي كل جمعة و بقية البنات معايا."
كادت مريم أن تدفع الزيادة و لكنها تذكرت أنه يوجد القليل معها و بنفس الوقت لا تريد إحراج نفسها مع أحد.
"المرة الجاية إن شاء الله هجيبك عندنا و هشوف كيفك، بس خلصي قبل ما الناس توصل، عايزة أروح قبل ما يجوا."
صعد عادل و استمع إلى شكوى العاملة لمريم و توعد لها أن يفصلها، و بنفس الوقت سوف يظهر كرمه أمام مريم.
"بت انتي هتستعبطي؟ انتي أخده 500 جنيه في الشقتين و عشان ست مريم هيبقوا 700. إيه ده؟ انتي هنا يا ولاء يا بلاء."
ذغرت له ولاء بعينيها و اشتعلت بغضب و هو يستهزأ بها، فربعت ذراعيها فوق صدرها و أخذت تهز رجلها بغيظ قائلة:
"أنا جيت أشوفهم محتاجين حاجة و طالعة تاني، و فرصة اتعرفت على مريم أم محمد أخيراً، أجرت الشقة يا عادل يا أخويا؟"
نظر عادل نحو مريم التي كانت تجلس بغرور و لم تنظر إليه، و لكن كانت تتعمد تجاهله، تنظر إلى ساعتها كمن تريد الخلاص.
"مستنية مين يا ست مريم و مستعجلة يجي؟ هو طليقك هيجي يسكن معاهم برضه؟ ولا هيسكنوا لوحدهم و يبعدوا عنه؟ فرصة ترتاحي."
انتفضت مريم من مكانها كمن لدغتها حية من حديثه المسموم أيضاً، تحولت آمال ولاء إلى خيبة أمل عندما علمت أنها مطلقة و عرفت سبب تسكينه لهذا المكان.
"استني يا ست مريم أنا خلصت."
التفتت إليها مريم تهتف بضيق.
"المرة الجاية هتبقى الشقة التانية."
همت بالرحيل و لكن استوقفها عادل.
"أنا مقولتش حاجة تخليكي تضايقي."
نظرت إليه مريم بضيق و ردت باقتضاب.
"حاسب من وشي يا عادل بدل ما أعمل مشكلة."
رحلت مريم تزفر بحنق، تنظر له العاملة بارتباك.
"والله يا سي عادل حقك عليا، بس بجد اللي بتديهولي شوية."
ظلت متسمرة بمكانها تريد سؤاله من الذي سيقطن هنا بالشقة.
"دول إخوات جوزها صح؟ طب ما خوفتش إنهم يرجعوها ليه؟"
هزت العاملة رأسها بيأس، فقد سمعت مريم وهي تنصح ولاء.
"مفيش ست ما بترجعش لجوزها يا ولاء يا بنتي خصوصاً دلوقتي."
نظر إليهم عادل بمكر و تخابث أكثر و هو يرى ولاء تتمزق.
"طب واللي يوفرلها كل حاجة أكيد هتضرب طليقها بالجزمة و تتجوزه."
ابتسمت العاملة بسخرية و هتفت بداخلها خوفاً من أن يسمعها و يقطع عيشها.
"يخربيت دماغك السم، البت هتموت عليك و انت عمال تحرق دمها، حرق دمك."
انتظر عادل أن تطلق ولاء لسانها كعادتها، و لكنها ظلت صامتة تنظر إلى الفراغ.
"من يوم ما جت مريم و أنا بصراحة دخلت دماغي و اتقهرت لما عرفت أنها أم."
رفعت ولاء حاجبيها باندهاش، فهو دائماً يريد امرأة لم يسبق لها حتى الحب، فما بالكم بالزواج.
"طب و هترضي تتجوز واحدة مطلقة يا عادل؟ ده انت رفضتني عشان كنت مخطوبة قبلك."
لم يرد عليها و تركها و رحل.
***
علي الجانب الآخر عند سالم و حلاوتهم.
"يا شيخة حرام عليكي! نص إيه اللي أكتبه؟"
ردت حلاوتهم بمرواغة و لوع معهودة به.
"لأ، ما هو أنا مش ضامناك، زمان بعتني و اتجوزتها."
تطلعت والدتها إليه بطمع و أثارت قيمتها ليرضي.
"سالم باين عليه ناوي يرجع ست الحسن عشان ابنها."
انتفض سالم يستنكر حديثها و أكد لهم غير ذلك قائلاً.
"ده أنا بختي حلو إني خلصت منها هي و ابنها، عمري ما حبيته."
دمدم سالم بطيش رغماً عنه.
"أخيراً هناخد فرصتنا يا حلاوتهم."
تم زفافهم بعد أن قام بالإمضاء على نصف ممتلكاته منها ليأخذها إلى البيت الكبير ليجد مصطفى ينتظره في منتصفه.
أخذ سالم يثرثر يحاول طرده ليقاطعه مصطفى بحزم قاتم.
"تحب أموتك قدام عروستك الجديدة؟"
ثم لمعت عيناه بقسوة شر الحليم التي يعرفها سالم جيداً، و لكن همجية السارق بداخله تنتصر خاصة أمام امرأته.
"أبوك نفسه مش هيجازف بقتلي قدامها، انت محتاج تقرا الورق ده."
"في إيه؟ الورق ده؟"
أخذ مصطفى يقرأ الورق بصوت عالٍ إلى أن توقف عند نقطة هامة بتر بها الحوار بحزن مختنق، يدعي الثبات، عقله بات عاجزاً عن التخطيط، عينه تبحث عن خطة جديدة حتى يصل إليها، حتى غضب و لم يعد قادراً على التفكير به و بخيانته.
***
بعد أن علمت بزواجه تغيرت كثيراً و للأفضل، خاصة بعد ما علمت أنه كتب نصف أملاكه لحلاوتهم، نزلت للعمل بالرغم من معارضة الجميع و تعرفت على ياسمين شقيقة عادل، و دائماً ما كان يجلسون على سطح المنزل و معهم بهيرة و ولاء. ياسمين كانت شخصيتها تختلف عن شقيقها.
"يالا يا ياسمين نطلع السطح."
أردفت مريم بتلك الكلمات لتشجعها.
"أنا جيت نورت البيت، قصدي السطح."
تعالت ضحكاتهم من مرحها و طلاقتها.
"امممم، طول عمر نفسك حلو يا مريم."
تلهفت ولاء لتذوق طعام مريم رغم خجلها.
"هاتي كده أما أدوق يا بهيرة، ريحته تفتح النفس."
تنهدت بهيرة بحزن لفقدانها لطعام مريم و للصغير.
"يلا، كنا عايشين و آكلين شاربين نايمين بمريم، البركة."
صعدت لهم ثريا بالصغير حيث استيقظ و أخذ يبكي.
"مريم مبسوطة كده؟ آخر انبساط يا بهيرة."
أخذت ياسمين محمد من يد ثريا تهدهده و تلاعبه.
"الحمد لله إنك صحيت يا قمر، تعالي نلعب سوا و سيبك."
عقدت بهيرة ما بين حاجبيها على حديث ثريا لتؤكد لها.
"أه يا بهيرة، زي ما بقولك كده، أنا بنتي رجعت إنسانة طبيعية."
تذكرت ولاء أول مرة قابلت فيها مريم و كيف تخيلتها عروس.
"طب تصدقي يا أم مريم، أنا يوم ما شفتها فكرتها عروسة و بتجهز شقتها."
كان محمد الصغير يبكي بشدة لدرجة انفطر قلب بهيرة عليه، فانتفضت قائلة.
"أوعي كده يا ياسمين، انتي لسه صغيرة، هو مش بيتشال كده، وبعدين ده عنده حساسية."
استاءت ثريا من حركة بهيرة الغير لطيفة، الطفل كان يبكي يريد والدته و ليست رائحة عطر ياسمين هي السبب.
"إيه قلة الذوق دي يا بهيرة؟ الولد عايز أمهم، مش موضوع برفان ياسمين، بالعكس ده ريحته حلوة قوي و بتشد الواحد."
شعرت بهيرة أنها بالفعل وضعت نفسها في موقف سيء و محرج، و مع ذلك غيرت ياسمين الحوار حتى لا يطول الأمر.
"الا قوليلي يا مريم، ملقتيش الكتب اللي انتي عايزاها؟ أصل أنا نويت أقرأ زيك، كلامك كله صح، القراءة دي بتنسيكي همومك."
تضايقت مريم من ياسمين لأنها تريد ألا يعلم أحد عن هذا الجانب و بالأخص بهيرة لأنها من الممكن أن تخبر مصطفى و يأتي لها بالكتب.
"دورت على النت يا ياسمين و لقيت منهم نسخ إلكتروني، قريتهم و متقوليليش هاتي اللينكات لأني حذفت بعد ما خلصت قراية عشان الجهاز ما يتقلش."
جاءت السيدة عائشة و استمعت لما يدور و علمت أن مريم لم تحصل عليهم و لم تقرأهم، هي كذبت حتى لا يأتي مصطفى بهما، فابتسمت بخبث.
"طب هخلي مصطفى يجيبهملك يا ياسمين."
غارت مريم لأنها شعرت أن عائشة تريد ياسمين لمصطفى.
"اعملي سيرش يا ياسمين أسهل، هتلاقيهم، الكتب هتاخد وقت."
أخرجت عائشة من جيب معطفها هاتفها لتعطيه لمريم قائلة.
"خدي يا مريم اطلبي ليا مصطفى، ده أنا ابني شاطر هيجيبهم بسرعة."
ودت مريم أن تكسر هاتف عائشة بين يديها، هي اجتازت نوال لتأتيها ياسمين.
"عندك بهيرة يا مرات عمي، أنا مش بتصل بيه إلا للضرورة من آخر مرة اتخانقنا."
ابتسمت عائشة بسخرية و تذكرت المشاجرة التي كانت بسبب رغبتها في العمل و رفضه.
"طب و الله انتي حظك حلو، بالك لو عمك هريدي فايق ليكي كان فاته عجنك و ضربك بالعصاية."
نظرت إليها مريم بعدم اهتمام، فهي لن تصدق بيوم ما اهتمام هريدي عمها بها، هو حتى بعجزه لن يتغير.
"غريبة، أومال ماكنش بيهتم بيا ليه لما كنت على ذمة ابنه و كان بيسمعه يمرمط فيا كل ساعة و التانية؟"
تنهدت عائشة بتعب و زفرت بحنق لأنها لا تريد تقليب المواجع، تريد حياة جديدة لها و لأبنائها و لمريم.
"شكلك كده يا مريم حابة تعيشي في القديم و تقلبي علينا كلنا المواجع، ما كفاية بقى صاحب الوجع عايش مبسوط."
انتهزت بهيرة الفرصة بعد صمت طويل بعد ما أحرجتها ثريا أو بالاحرى بعد ما أحرجت ياسمين و تسببت في تدوير الحوار.
"الحساب هيبقي امتى بقى إن شاء الله يا مرات عمي؟ أنا زهقت الصراحة، محروق دمي من ساعة ما عرفت إن حلاوتهم أخدت نص الأملاك، بنت التيييت."
عائشة لم تكن تعلم بذلك.
"مين اللي قال ليكم الكلام ده؟"
توترت مريم و نظرت إلى بهيرة بعتاب.
"ده ده... ده مصطفى يا مرات عمي و ده سبب خناقنا."
انهارت عائشة لتسرع ثريا تمسك بها حتى لا تقع على الأرض.
"ده اللي كنت شايلة همه، عجبك كده يا بهيرة؟ كان لازم تتكلمي و تقولي."
ستهزأت بهيرة بما حدث لزوجة عمها لدرجة استغراب الجميع خاصة مريم.
"أنا مستغرباكي والله يا بهيرة، استحالة دي تكون زلة لسان، أكيد مقصودة، اخص عليكي."
استصعبت ولاء الموقف الذي دار أمامها و حاولت تخفيف الأمر رغم صعوبتها و عدم تمريره و لكن كيف لا تدري.
رواية الارث "صراع الاباء والابناء" الفصل الثامن 8 - بقلم مروة البطراوي
مين يا جماعة اللي انتم عاملين حسابها بالشكل ده؟ بكره يطلع عينها ويرجع أملاكها من حباب عينيها.
حاولت ياسمين هي الأخرى مساعدتهم، بالرغم أن اقتراحها مثير بالضحك لدرجة أدمعت أعينهم من فرط الضحك.
"ايه رأيكم أخلي عادل يطلق عليها الرجالة بتوعه؟ ولا أقولكم الستات اللي بيشتغلوا في العمارة يرنوها علقة تتوب فيها."
تعالت ضحكات عائشة وخرجت من حالة الانهيار التي عصفت بها، وركزت في حديث ياسمين. تعجبت من تفكيرها السطحي.
"دول كلهم عمرهم ما هيقدروا على حلاوتهم. زمان أنا والحاج هريدي حاربناها ومنعنا جوازها من سالم، وأهي لفت ودارت واتجوزته غصبن عننا."
فكرت مريم في اقتراح ياسمين.
"طب ما يمكن الموضوع ينفع معاها."
عقدت عائشة ما بين حاجبيها قائلة باندهاش.
"انتي بتقولي إيه يا مريم؟ انتي ناسيه حلاوتهم؟"
نظرت مريم إلى الفراغ بشرود وهمست بحقد.
"بكرة تقع على جدور رقبتها يا مرات عمي، وهو كمان."
فكرت عائشة في حديث مريم واقتراح ياسمين، ومالت نحوه.
"تمام، خلاص يا ياسمين. أنا هعطيكي العنوان وهي تاجرة وكتير بتتعرض لكده."
انتهت الجلسة بينهم، وتوجه كل منهم إلى منزله عدا ولاء وياسمين، التي هتفت.
"ايه اللي شاغل بالك يا لولو؟ خايفة من تدخل عادل في موضوع مريم؟ متخافيش."
هزت ولاء رأسها ولم تنكر خوفها وقلقها الشديد نحو تدخل عادل، فمؤكد سيكون له هدف.
"بصراحة خايفة يا ياسمين. عادل أخوكي ما هيصدق، وطبعاً هيشيل مريم الجميلة دي قوي."
عضت ياسمين على شفتيها بحيرة، ولعنت اقتراحها، ولكن انتهى الأمر فالجميع منتظر ما سيحدث.
"بس مش مريم اللي يتلوى دراعها يا ولاء، ولا مريم اللي ممكن تبص لعادل. مش عايزاكي تقلقي منها."
تنهدت ولاء مطولاً ثم زفرت أنفاسها بحنق، تتضايق من الموقف التي وضعت نفسها به، تندم على تركها لابن عمها.
"كنت مفكرة إن أخوكي ممكن يلين من ناحيتي ويحبني ويشتريني زي ما أنا شارياه، بس الظاهر إني غلطانة ومراية الحب عامية."
تقدمت ياسمين منها واحتضنتها لتواسيها، مربتة على ظهرها كأنها شقيقتها وليست شقيقة عادل، تود كسر رأسه على ما يفعله تجاه ولاء.
"حقك عليا."
رفعت رأسها.
"متلوميش نفسك."
شردت ياسمين.
"طب ايه رأيك لو تحبي واحد تاني؟"
عقدت ولاء ما بين حاجبيها وضربت صدرها.
"يا خبر أبيض! أحب واحد تاني ليه؟ مكنه بزارير؟"
ابتسمت ياسمين، بل وضحكت، وتعالت ضحكاتها قائلة.
"أنا هقولك. عارفة مصطفى ابن طنط عيشة، هو وهم عادل بيه."
شرت ولاء قليلاً ووجدت أن الفكرة صائبة، من الممكن أن تجدي.
"موافقة، بس اسمعي قولي إن طنط عيشة هي اللي لمحت في القعدة."
هزت ياسمين رأسها بانصياع، وقامت بحركة تمثيلية وهي تنكس رأسها.
"اتفضلي يا آخرة صبري، انتي وعادل. عيال يا ربي ومش لاقية حد يلمها."
تعالت ضحكات ولاء على مرح ياسمين المعهود، تتمنى أن يكون عادل مثلها.
"من عيوني يا ياسمين هانم. وبعدين أنا شوية شوية هقولك يا ماما ياسمين يا بت."
وما أن أنهت حديثها حتى وجدت أنه كان يتصنت عليهم. وجدته راحلاً كمن يسخر منهم.
"يا فرحة ما تمت، خدها الغراب وطار. يا ميلة بختي، طول عمري فقر والله."
عقدت ياسمين ما بين حاجبيها، لا تفهم ما تقصده ولاء وكيف تحولت بهذا الشكل.
"يا نهار ألوان! فيه إيه يا بنتجان؟ قلتلك ميت مرة بلاش التحول ده، تعرفي عادل معاه حق."
أخذت ولاء تدب برجلها الأرض بتذمر، فلأن لم تفهم ياسمين شقيقها جيداً وعادته السيئة.
"بقولك مصيبة وغراب هيكون مين؟ وبعدين تقصدي إيه إن عادل معاه حق؟ يعني أنا مجنونة؟"
هزت ياسمين رأسها بنفي، وأخذت تربت على يديها، يهبطون السلم سوياً رغم معارضة ولاء ورغبتها في البقاء.
"أنا مش فاهمة حاجة، إحنا من شوية كنا بنتفق على عادل وكنا بنضحك، لزومه إيه التحول بتاعك ده بقي؟"
"أيعقل يا ولاء؟"
أجلستها ولاء على درجة من درجات السلم، وأخذت تتباطأ حتى يمل من تأخيرهم ويدلف دون أن يسمعها كلمات سخرية.
"اوعي توصليله المعلومة اللي اتفقنا عليها دلوقتي، لأن خلاص معدش ليها لازمة. هو كان واقف وسمعنا، وطبعاً مش هوصفلك إحساسي عامل إيه دلوقتي."
أثناء غياب عائشة، قام هريدي بمهاتفة سالم.
"من يوم ما أنا رقدت وانت مش بتسأل عني."
ابتسم سالم بسخرية وشعر بقوته أمام ضعف هريدي.
"والله أبقى خلي ولادك الدكتور والبشمهندس ينفعوك."
تعالى الشرار في عيني هريدي، واستحلفت أن يقسم سالم نصفين.
"لازم ترجع كل حاجة زي ما كانت يا سالم، وإلا هبقي معاهم."
تعالت ضحكات سالم وهو يستهزأ بوالده وبمن معه، فقد سيطرته قائلاً.
"هتعمل إيه يا والدي؟ هتبقى معاهم؟ طب ما تبقى إيه؟ هخاف مثلاً؟"
جاءت عائشة، وجدت يده ترتعش وسقط الهاتف من يده، لتفهم مع من يتحدث.
"كفاية بقي! هو إيه يا أمي؟ مش بيحرم؟ لسه بيحن ليه بعد اللي عمله فينا كلنا؟ عجيبة."
تعجبت عائشة هي الأخرى من موقف هريدي، في البداية ظنت أنه بداية انتقام، ولكن حديث مصطفى صائب.
"مش وقته، ركز معايا. عارف البت ياسمين أخت عادل صاحب البيت؟ عرضت علينا إنها تسلط النسوان الشغالين على حلاوتهم."
عقد مصطفى ما بين حاجبيه بعدم فهم، ولكن ذكر اسم عادل جعله يستشيط غضباً، حتى لو كان عن طريق شقيقته ياسمين المرحة.
"مش فاهم إيه دخل ياسمين وعادل بحلاوتهم. وتفتكرى إن لو حد قرب من حلاوتهم سالم هيسكت؟ أنتم مفكرينها مريم؟ وملقتوش غير عادل؟"
لوت شفتيها.
"حكم ماله عادل؟ ولا هي تلاكيك وخلاص."
في صباح اليوم التالي.
"عارفة إني غلطانة يا عادل."
نظر عادل إلى ولاء باستغراب.
"وايه اللي خلاكي تقولي كده على الصبح؟"
تحدثت معه وهي تذهب إلى عملها عندما اعترض طريقها.
"اللي يشوفك وانت بتتصنت علينا ما يصدقش استعباطك عليا."
ذهبت إلى المكتبة التي يمتلكها عادل وصديقه شوقي، ومعهم ضياء.
"انتي اتأخرتي ليه يا ولاء؟ وايه ده؟ من إمتى بتيجي مع عادل؟ تتحسدوا."
ابتسمت ولاء بسخرية، فلولا رغبة عادل بمضايقتها ما كان ليعترض طريقها.
"لا ده سر يا شوقي. أنا نفسي استغربت دخلة عادل عليا وصباحه الغير عادي."
كان كلا من شوقي وضياء معجبان بولاء وشخصيتها، ويريد كل منهما التقرب منها.
"كده كتير يا ولاء. قلتلك أنا وشوقي فكك منه، ده متحول ده مخلي أخته تشتغل هنا بداله."
نظر عادل إلى ضياء وشوقي بضيق، وندم أنه اعترض طريقها وجاء معها ليصبح حديث اليوم.
"ماشي يا ضياء، اتريق براحتك انت وسي شوقي بتاعك. أنا أجي هنا وقت ما أنا عايز، ما أنا شريككم."
جاءت ياسمين عندما رأت ضياء يتحدث عنها وعن شقيقها، هي تعشقه ولكن يميل إلى ولاء أكثر، فنظرت إلى شقيقها.
"ما تشيلش هم يا عادل، قلتلك ميت مرة أنا هنا بدالك. أنا مش قلقانة، أنا بعرف أشغل المكتبة ولوحدي، أنا وولاء. يالا انفضوا."
توترت ولاء من دخول ياسمين عليهم، وشعرت بها وكيف لا تشعر وهي من توضع بذلك الموقف مئات المرات، ياله من حب عقيم.
"وأنا معاكي يا ياسو. انتي معاكي حق، كل واحد فيهم بتاع كلام وبس. إلا ما حد بيشيل شغل المكتبة غيرنا. يالا كل واحد يروح يشوف وراه إيه."
"انصرفوا جميعاً."
"ياه، حتى في دي سمعوا كلامك."
تنهدت ولاء، فهي لا تريد خسارتها.
"على فكرة هما بيسمعوا كلامك أكتر مني."
"مش أنا عرفت اللي أمنا ومراتك مخبينه علينا؟"
"لا، وكمان من قبل ما أمي تحكي ليا."
عقد محمد ما بين حاجبيه بتساؤل، ليس على الأمور المخبأة، ولكن على اهتمام مصطفى.
"من امتى انت بتهتم بأي حاجة بيخبوها؟ وايه هي الحاجة العظيمة اللي مخبينها علينا؟ ومنين عرفت؟"
ابتسم مصطفى بخبث، يتذكر الاتصال الهاتفي الذي أتاه أمس من ولاء، حيث جلبت رقمه بنظرة واحدة من هاتف عائشة.
"بص يا دكتور، عارف طبعاً عادل صاحب البيت. ليه أخت روشة كده، اقترحت على أمي إنها نجيب البنات اللي بيشتغلوا في البيت ويرنوا حلاوتهم علقة."
قهقه محمد على هذه الفكرة.
"وطبعاً أمك ما صدقت، والله غلبانة."
نظر مصطفى أمامه بشرود وتفكير.
"بس أنا مش غلبان يا محمد، وتقريباً لقيتها."
قطب محمد جبينه باستغراب لعدم فهم الأمر.
"لقيت إيه؟ وبرضه مقلتش انت عرفت منين."
نهض مصطفى وأراد إنهاء الحديث، وهو يلوح بيده مغلقاً على الموضوع.
في محل بيع الزهور على ناصية الشارع كانت تقف مريم.
"لو كنتي اشتغلتي مع ياسمين والبت ولاء في المكتبة كان أحسن."
كانت منهكة في عملها، فارتفعت برأسها وأخذت نفساً عميقاً، مربعة ذراعيها.
"نعم؟ خير؟ في إيه؟ أنا مرضتش أشتغل في المكتبة بالذات علشان مش كل شوية تتنطط ليا."
رفع حاجبيه بإعجاب وأخذ يتفرسها بنظراته، خاصة وهي تهز قدميها بعصبية ليثيرها أكثر.
"عاوز ورد؟ وبعدين انتي غبية؟ لو كنتي اشتغلتي في المكتبة كنت هخاف أقرب ليكي وانتِ وسطهم."
جزت مريم على أسنانها بغيظ، تود جذب شوك الورد لتغرسه في لسانه الذي يندلع بالكلمات غير المستساغة.
"انت بتسمي ده غباء؟ طب تمام، من بكرة هروح المكتبة، على الأقل فيها رجالة، إذا كان ضياء ولا شوقي محترمين."
تتطاير شرارات الغضب من عينيه، لأنه عندما هم باستفزازها باغتته وبوخته على سوء ما يتحدث به، فأغاظها أكثر.
"لا خليكي في الورد بتاعك، على الأقل أنا بحب أهادي بيه حبايبي، أما الكتب ليها ناسها وناسها دول متعلمين مش زينا."
كأنه طعنها بخنجر في رأسها عندما ذكرها بعدم إتمام تعليمها، لتتذكر مصطفى. ها هي انتهت شهور العدة ولم يقدم على خطبتها.
"نعععم؟ تقصد إيه؟ زينا؟ أنا مش زيك، ولا انت عمرك هتبقى زيي. انت صاحب أملاك وأنا كان عندي أكتر منها. التعليم أنا طلعت علشان أتجوز."
ابتسم بخبث قائلاً.
"حضري ليا بوكيه ورد."
نظرت إليه باستهازاء وسخرية شديدة.
"ماشفتش في بجاحتك قبل كده والله."
تعالت ضحكاته وصيحاته وهو يتفرس عصبيتها جيداً.
"ولا أنا والله شفت في جمالك قبل كده. كلهم وحياتك باردين."
زفرت مريم بحنق، وقامت بقطف الورد لدرجة جرحت بالشوك.
"انت عايز مني إيه يا عادل؟ صدقني والله لو عملت إيه مش هتجوزك."
جز على أسنانه بغيظ كطفل لا يقدر على ترويض لعبته لصالحه، فأردف.
"مش هتتجوزيني؟ ليه إن شاء الله؟ فيا إيه علشان أترفض؟ ما تفوقي يا مريم."
فهمت مريم مغزى كلامه، وكادت أن تصفعه، ولكنها تماسكت وردت ببرود.
"ممكن أفوق في حالة واحدة، لما ألاقي واحد زيك بيتجوز واحدة أحسن مني وبتحبه."
قبل أن يرد عادل، تفاجأ بدخول الطبيب محمد ابن عمها وشقيق طليقها، حيث شاهدهم من خلف الزجاج.
"خير يا عادل؟ على حد علمي إحنا لسه في نص الشهر، يعني مش ميعاد لم الإيجارات علشان تيجي لمرات أخويا هنا."
تعجبت مريم من كلمة زوجة أخيه، فهي زوجة سابقة، ولكنها لم تتحدث بسبب رد عادل الخبيث على محمد، فهو لا يريد الخسارة.
"وحشني محمد الصغير يا دكتور، جيت أشوفه وهو قاعد في عربية الطفل مع مامته، أصل أنا بحب الأطفال أوي ونفسي أتجوز وأخلف."
تعجب محمد.
"يا راجل؟ إممم."
هز عادل رأسه مبتسماً.
"أنا أقدر أتجوز دلوقتي حالا."
أنهى جملته بنظرة لمريم وكأنه يقصدها.
"تعالي أجبلك ممرضة من عندي تليق بيك."
كأنه يستفزه، ولكن عادل كان أكثر بروداً منهم.
"تمام، أجي مجيش ليه؟ نجرب دول، حتى ملايكة."
تعجب محمد من رده ومن فشل إثارة غضبه.
"إيه رأيك مريم تعملك بوكيه ورد، وأهو تبقى جاهز."
تعالت ضحكات عادل لأنه منذ قليل طلب الباقة من مريم.
"ابن حلال، لسه بقول لمريم تعملي بوكيه، طالما ممرضات يبقوا اتنين."
ابتسم محمد له بسخرية، ووجد مريم في حالة غضب وتريد صفع عادل.
"الظاهر يا عادل إنك هتلاقي طلبك عندي، لأن البنات بيحبوا الكريم، أيوه بقي."
عقد عادل ما بين حاجبيه، حيث وجد أن محمد يتحدث معه بجدية وليس موقف هزلي.
"لا يا عم، أنا كده هخلع بقي. هو إيه جو الكرم والبخل ده؟ كل ده هزار. بقولك إيه، فكك مني."
اتسعت ابتسامة مريم على وضع عادل المخزي والمخجل أيضاً. ذكرها محمد بخفة دمه.
"تقدر تاخد البوكيهين يا عادل، أنا خلصتهم. وألف مبروك يا رب تتجوز الاتنين ويبقى فرحك أسطوري."
أخذ منها عادل الباقتين وقذفهم في الأرض وهو ينظر إليهم بضيق، وهما يراقصون حاجبيهم له ليغيظوه.
"إيه اللي انتي بتقوليه انتي كمان؟ هو إيه حفلة؟ وما صدقتوا تحتفلوا على اللي جابوني. بطلوا ضحك منك ليها."
عض محمد على شفتيه بضيق من عادل، لأنه لا يطيق وقوفه مع مريم، لأن لو شاهد مصطفى هذا الموقف سوف يفتك به.
"اتفضل قول يا عادل، انت عايز مني إيه؟ وقدام محمد، محمد حالياً ولي أمري، لدرجة إنه لسه بيعتبرني مرات أخوه. كفاية إني بنت عمه."
تنهد عادل مطولاً من تضييقها للخناق عليه، تظن أنه غبي وسيهرب، ولكن استعمل ذكائه و قام بتضييق الخناق عليها نظيراً لما فعلته به.
"أتجوزها."
قاطعته قائلة.
"ده بعدك يا عادل."
انقض عليه محمد.
"في إيه يا زبالة؟"
أزاحته مريم من فوقه.
"ياريت بلاش فضايح يا محمد."
نهض عادل ينظر إليهم باستنكار وعيون يملؤها الشك من ناحيتهم.
رواية الارث "صراع الاباء والابناء" الفصل التاسع 9 - بقلم مروة البطراوي
الحمد لله الذى بنعمته تتم الصالحات
الفضيحه لما الكل يعرف ان أنا طالب واحده بالحلال و أخو طليقها بيضربني.
قذف بتلك الكلمات و من ثم انسحب كعاصفه خلفت ورائها غيوم.
انهارت مريم ليربت محمد علي كتفيها يحاول تهدئتها و لكن الصدمات لا تنتهي.
شاهدت بهيرة كل هذا لتنصدم أكثر.
انتهي يوم العمل للجميع و عاد محمد الي منزله ليجدها شارده.
الجميل سرحان في ايه و قاعده لوحدك ليه مروحتيش لمريم النهارده؟
اندهشت من سؤاله معني ذلك أنه يعلم جيدا انها لم تذهب لها.
فردت عليه ببرود:
- و انت عرفت منين اني مروحتش لمريم. و مالك زعلان كده ليه مش عوايدك.
عقد محمد ما بين حاجبيه لأن مقصده لما لم تصعد للسطح عند مريم و ليس المحل.
- مالك يا بهيرة متعصبه كده ليه هو في حد قفلك اليوم النهارده و لا ايه انتي ديما هاديه.
انتفضت بهيرة و نهضت من مكانها و تطاير الشرار من عينيها و هي تحتد عليه قائله:
- يالا كمل كلامك.
يوووه يا بهيرة هو انتي كل اما بتقعدي مع حد بتاخدي الكلام علي مراوحك.
تنهدت محمد بتعب و علم أنه سيدخل في ثورة جديد و لن ينتهي اليوم الا و هي تخسر نفسها.
- ما تيجي نخرج يا بهيرة أو ناخد أجازة و نسافر سوا نجدد هوا.
بهيرة بلاش نخسر بعض أنا بحبك.
قطبت بهيرة جبينها اذا كان يحبها لما افتعل بعادل ما افتعله فهو يريد مريم بالحلال بماذا أجرم.
- انت بتقول ايه؟فين الحب ده و انت بدافع عن واحده مطلقه و رافض انها تعيش حياتها و متقوليش عشان أخوك.
اتسعت حدقه عيني محمد و بهيرة تتهمه بمريم كيف لها أن تتهمه بذلك أيعقل أن حالتها أصبحت مرضيه و الظن يأكلها.
- نفسي أفهم انتي بتفكرى ازاي انتي لما شوفتيني النهارده ليه ما دخلتيش انتي ماشوفتيش حالتها كانت عامله ازاي و أه بعمل كده علشان أخويا.
ابتسمت بسخريه:
- و ماله علشان أخوك.
وضع يده علي رأسه منفجرا:
- أه يا دماغي افهمي يا بنتي افهمي.
و من ثم تركها و خرج من المنزل.
احتارت لمن تسرد الأمر فكرت في ولاء فهاتفتها لتأتي اليها.
هرولت اليه مسرعه و استمعت اليها جيدا.
- يا خرابي.
استغربت بهيرة:
- بقولك عادل بيضيع منك.
ابتسمت ولاء بسخريه قائلا:
- تسلمي انك قلتي بس هو حابب كده. أنا خلاص قررت مش هجبره علي وجودي تاني أما انتي بقي فكل اللي بتقولي ده مش صحيح استحاله الدكتور هيبص لمريم.
تركت ولاء بهيرة و عادت الي منزلها لتتصادف بمن يقطع عليها طريقها.
نظرت اليه باستحقار و تنهدت بتعب و من ثم مشت من جواره بدون أن تعيره اهتمام.
- مش شايفاني و لا ايه يا ولاء.
التفتت اليه ولاء و اصطنعت عدم رؤيته:
- مين عادل مأخدتش بالي أصل مش عوايدك ترجع بدرى.
امتلئت عينيه بالشرف.
شعرت بناقوس الخطر فأرادت أن تبخر الشر بداخله.
- نعم يا عادل أصل مش من عوايدك توقفني مرتين في يوم واحد.
اقترب منها لدرجه استغرابها و نظر لها نظرات كلها هيام غير متوقعه:
- لا بس بعد ما سمعتك بتتكلمي مع ياسمين امبارح وصورتك مش بتفارقني.
ابتسمت ولاء بسخريه فهي لن تصدقه أبدا لا بد أنه يريد التلاعب منها لصالحه.
- احممم المفروض ان كلامك ده يفرحني يا عادل بس للأسف مش هز شعرة فيا.
اتسعت حدقه عينيه فهي تغيرت منذ ساعات كانت تتمني منه نظرة و ليست كلمه.
- يا لا الهول. ايه التحول ده انتي مجنونه صح ده يا دوب الصبح كنتي بتتمني كلمه.
بحركه لا اراديه مرت من جواره هروبا منه لمنزلها و هي تضحك.
أما عادل حدث نفسه:
- الظاهر ان من الصبح لبليل مشوار طويل دي كانت بتتمني قربي هو في ايه بالظبط يا عادل.
بعد مرور ثلاثه أشهر قامت فيهم بهيرة بعمليه حقن مجهرى و الذي اقترحها محمد لكي يتم مرادها.
- بكره ان شاء الله نتيجه التحاليل يا بهيرة أنا واثقه ان ربنا هيكرمك و هيبقي وشنا حلو عليكي و وش الشقه.
ابتسمت بهيرة و لكن كان يراوضها القلق لذلك طلبتهم لكي تتحدث معهم و تتناسي أمر الساعات القادمه لها.
- ادعيلي يا ولاء ان ربنا يرزقنا و ليكي عليا لو بنت هسميها ولاء و هجوزها محمد ابن مريم مش كده يا مريم؟
ابتسمت مريم بتمني و ربتت علي ركبتي بهيرة بحنان لتطمأنها و تعطيها أمل فهي لا تحتاج سواه في مثل هذه الظروف.
- ربنا هيرزقك يا بهيرة و مش المرة دي بس لا هتجيبي كتير خلي عندك ثقه بالله ربنا مش بيضيع تعب حد أبدا و هيعطيكي اللي نفسك فيه.
بهيرة بتمني:
- يارب أخلص.
هونت عليها ولاء:
- بكره خلاص هانت.
لمعت عيني بهيرة برجاء:
- عايزة أجيب كام عيال كتير.
تعالت ضحكات ولاء قائله:
- ياست خلصينا بس و هاتي واحد.
هزت بهيرة رأسها و وضعت يدها علي فاها:
- تمام هسكت كفايه بس واحد المرة دي أنا راضيه.
علي الجانب الأخر انتظر عادل حتي هدوء الأمر و ذهب الي مصطفي ليتقدم بطلب الخطبه من مريم.
رحب بيه مصطفي لقد استغل فرصه انشغال محمد بامرأته.
- مين معلش مش فاهم انت عايز مينا.
ابتلع عادل ريقه حيث شعر أن مصطفي يريد خنقه.
- مش انتم برضه عندكم واحده بس عازبه و هي مريم.
عقد مصطفي ما بين حاجبيه و ظل يردد اسمها في سره.
- بس مريم كانت متجوزة قبل كده و بعدين هي عارفه بكده؟
تلجلج عادل لا يعلم كيف يخبره برفضها و رفض محمد فكذب.
- باين كده هي عارفه أنا لمحت ليها و قالتلي انك ولي أمرها.
انتفض مصطفي و كاد أن يصرخ عليه و عليها و يأتيها من شعرها.
- لا أنا مش ولي أمرها و بس أنا حاجه كبيرة أوى علشان كده هي بعتتك.
زفر عادل بحنق فجميع أفراد العائله لا يريدونه أن يرتبط بها ماهذا التحكم.
- ما تجولي سكه و دوغرى هو في ايه مرة أطلبها من محمد يبقي عايز يقتلني.
اتسعت حدقه عينيها عندما علم برفض محمد له معني ذلك أنه طلبها من ذي قبل.
- اما أعرف الأول انتي طلبتها امتي من محمد و هي عرفت و لا لا و لما هي عرفت رفض محمد باعتاك ليه؟
دلفت في هذه الأثناء عاىشه تتصنع أنها تبحث عند شئ خاصه عندما ارتفع صوت مصطفي و هي كانت تعلم الأمر من محمد.
- بدورى علي حاجه يا أمي.
- معلش اعذريني أنا قاعد مع عادل صاحب البيت دورى علي حاجتك بعدين و أنا هدور معاكي.
ارتفعت أنظارها اليه بخوف و قلق شديدين و حولت انظارها الي عادل باستياء و اشمئزاز و ضيق من تواجده و من طلبه المتكرر.
- لا يا ابني مش ضرورى بس بالله عليك وطي صوتك لأبوك يصحي و يسأل في ايه و احنا مش ناقصين يتعب كل شويه و استني محمد لما يرجع.
تقدم منها عادل قائلا:
- أنا جاي أطلب ايد مريم.
نظرت له بقرف وردت قائله:
- ملكش بنات عندنا للجواز يا عادل.
لوى عادل ثغره فقد فهم الأمر جيدا.
- اممم يعني هتترهبن لغايه ما ابنكم يرجعها.
ابتسمت عائشه بسخريه و أراحت فضوله قائله:
- لا بردو الحكايه و ما فيها ان في واحد متكلم عليها.
اتسعت حدقه عيني مصطفي بذهول وصدق الأمر قائلا:
- متكلم عليها! مين ده يا أمي و ازاي مليش علم بكل ده أفهم.
نظرت عائشه الي مصطفي بتوتر و الي عادل المتربص يريد معرفة من.
- هيكون مين يعني يا مصطفي علي فكرة انا مش هقدر أخبي أكتر من كده.
غضب مصطفي و شك أن يكون لمريم وجهه أخرى فقبض علي مفاصله بقوة.
- أنا يا أمي اللي هتجوز مريم و محدش هياخدها غيرى و ان كنت ساكت فده علشان لازم حقها يرجع الاول.
ابتسمت عائشه فقد تحقق حلمها و بلحظة واحده اعتراف من مصطفي أمام عادل الثرثار لابد و أن الجميع سيعلم.
- سيب الموضوع ده عليا و أهو عادل جه بنفسه لعندنا أه مجيته و طلبه غلط بس أهو منه نستفاد برضه يالا يا مصطفي قوله انت كمان غرضك منه ايه و من زمان.
و استطردت و هي تنظر الي عادل:
- سيبك من مريم هي عمرها ما هتتجوزك.
تذمر مصطفي من تدخل والدته لأنه ليس هذا الوقت المناسب.
- أمي لو سمحتي ابعدي انتي عن الموضوع ده و بعدين مش وقته.
تأففت والدته من تحكماته الزائده هو لا يعلم ما يدور بخلدها و رغبتها.
- بقولك فرصه و جت لحد عندنا و بعدين هو لو عنده اعتراض مكنش هيبقي مستني.
كاد أن يرد عادل عليهم لولا دلوف بهيرة بسعاده فعلم أنه ليس الوقت المناسب فانصرف.
- متشكرة أوى يا ماما عيشه متشكرة أوى يا مصطفي متشكرة ليكم كلكم انتم بجد عيلتي اللي وقفت جمبي.
ابتسمت عائشه بثقه و هي تحتضن بهيرة تبارك لها و تنظر الي مصطفي الذي كان شاردا ببلاهه ينظر أمامه.
- أنا قلت ميبقاش اسمي عيشه الا لو رجعت السعاده علي وجهوكم كلكم عقبال سعاده مريم و مصطفي و قريب كمان.
كان شاردا و ما انتبه الي ذكر اسمه متلصقا باسم مريم حتي تركهم و ذهب الي عادل وسرد عليه الأمر برمته.
لم يفهم عادل.
- دلوقتي سالم و حلاوتهم...هدفهم لسه مخلصش و خصوصا حلاوتهم و أنا مش هخليها تبدد تعب و شقا أبويا و عمي علي حد تاني.
ظل عادل متصلبا بمكانه ليتجه مصطفي للجانب الأيمن و وضع يده علي كتفيه ليجده متخشبا ليشعر أن عقله أكبر حجما منه.
- و هنا دورك يظهر انت لا يمكن تتفتت الثروة علي ايدك خصوصا ان هتكون حركتك سريعه بس كفايه الفوضي اللي هتعملها ليها بس خد بالك لازم تكون في بداية تعاملك معاه تكون حذر لأنها مش سهله زى الستات اللي عرفتهم.
أشار له عادل بتوضيح كيف ستكون نهاية تلك القصه من المؤكد ستكون مواجهه كبيرة و من المحتمل الخسارة.
- كان ممكن أقوم بالدور ده أو محمد بس مينفعش اخونا علي ايديها خسر و احنا أكيد هنخسر.
انت موضوعك سهل أنا و محمد رفضناك طبعا انت هتعرفها كده و هتعرفها اننا بنحاول نرجع مريم ليه و هتصدق لأن لغايه دلوقتي مريم مش علي ذمتي و مش هيحصل الا لما يرجع حقها عرفت ليه أنا اضايقت لما أمي قالت قدامك انها هتبقي بتاعتي.
بس كله خير أهي سكه تساعدنا بصراحه كان نفسي أعملها معاك من زمان بس مش عارف أجبهالك ازاي.
انتظر مصطفي الرد من عادل و لكنه كان مازال شاردا صامتا لا تظهر عليه أي علامات.
انتهي الصمت و الشرود بنهوضه و ذهابه لينظر مصطفي في أثره لا يعلم ان كان عرض فكرته علي عادل صحيحا أم خطأ.
عوده الي عائشه و بهيرة بعد خروج مصطفي.
شردت عائشه لتخرجها من شرودها بهيرة.
- ماما أنا هقوم أصلي ركعتين شكر لله علي بال ما محمد يجي و ابقي قولي انتي لعمي هريدي.
خرجت من شرودها تربت علي ركبتي بهيرة بسعاده و احتضنتها بحب و حنان أمومي صادق.
- انتي اللي لازم تقوليله بنفسك يا بهيرة ده هيفرح أوى أحلي خبر هيتقاله من بعد اللي حصل لينا.
بالفعل نهضت بهيرة و توجهت الي غرفه هريدي و لكنها وصلت للمنتصف تعقد حاجبيها متذكرة عادل.
- باين كده انكم اتفقتوا مع عادل يا مرات عمي صح.
- أخيرا هيجي ابني للدنيا و هتيجي ألاملاك معاه وش السعد.
هزت عائشه رأسها بدون أي معالم فمصطفي رفض أن يتحدث مع عادل بل و رفض اعلان حبه و زواجه من مريم.
- أه بس كالعاده مصطفي نشف دماغه و رفض يطلب من عادل الطلب اياه لا و كمان اضايق اني قلت ان مريم دي بتاعت مصطفي.
تذمرت بهيرة من موقف مصطفي و رأسه اليابس التي ترفض أي مساعده من أحد و شردت لما كل هذا ألا يريد أن يسترجع حقوقه.
- ليه هو مصطفي مفكر نفسه مين أقسم بالله الخطه بتاعته ما ينفع يعملها لا هو و لا محمد لازم وجه جديد هو مبسوط بالعرسان اللي بيتقدموا ليها؟
تنهدت عائشه بحنق:
- ابني و عارفاه دماغه ناشفه.
لوت بهيرة شفتيها و مصمصت:
- و ماله ما هتيجي فوق دماغنا احنا.
ابتسمت بهيرة بسخريه و بحنق قائله:
- شكلنا هننسي فرحتنا روحي فرحي عمك.
تذكرت بهيرة سعادتها و تحدثت بفرحه و هي تتوجه له.
- طب هروح أفرحه و انتي ادعيلي يا مرات عمي يكمل.
ابتسمت عائشه بثقه في ربها و هي تؤكد الي بهيرة قائله:
- الدور ده هيثبت ربنا هيكرمنا كلنا أخر كرم و هيبقي وش السعد.
دلفت بهيرة تبتسم الي هريدي الشارد لتخبره بحملها و هي متوجسه منه.
أشار اليها هريدي برأسه لتقترب منه و هو يجلس علي الكرسي المتحرك.
- انتي بنت أصول يا بهيرة و تستاهلي كل خير سامحيني علي اللي عملته فيكي.
احتضنته بهيرة بحب و حنان و قبلت رأسه تتحسس يده المشلوله بحسرة تعض علي شفتيها.
- لا متقولش كده يا عمي انت زيك زى أي أب عايز ابنك يخلف حتي لو كان ممكن تجوزه لغيرى.
نظر هريدي الي بهيرة بمكر فهو يعلم جيدا أنها تتحدث بهذا الكلام الأن لأنها تحمل طفلا في أحشائها.
- يعني كنتي هتحبي ان جوزك يتجوز غيرك.
- لا طبعا و أنا مكنش هيرضيني اذ كان أنا معملتهاش زمان.
هزت بهيرة رأسها غير مستوعبه تخيل أن محمد يكون زوجا لغيرها و أب لأولاد لن يكونوا منها و أدمعت عينيها.
- لا طبعا لذلك كنت بحارب أعمل العمليه مرة و اتنين و تلاته أنا بصراحه مكنتش ضامنه محمد و لا حضرتك ممكن تقلبوه عليا.
نكث هريدي رأسه حيث شعر بقذارته معها بالفعل كان سيلجأ الي هذا الحل مثلما كان طاهر يريد منه الزواج من امراه أخرى غير عائشه.
رواية الارث "صراع الاباء والابناء" الفصل العاشر 10 - بقلم مروة البطراوي
معاكي حق. تجربتي اللي فاتت مع مرات عمك، وتجربتي معاكم، تخليكم كلكم تقلقوا مني وتحسوا قد إيه إني قذر. بس معلش سامحوني كلكم.
انفعلت بهيرة:
انت اتغيرت أوي.
ابتسم هريدي بهدوء:
الحمد لله، كله بأوانه يا بنتي.
تنهدت بهيرة بسعادة ثم صاحت:
وأخيرًا طلبي من ربنا اتحقق، وهبقى أم.
دلف إليهم محمد بعدما عاد من الصيدلية يجلب المثبتات:
إيه الانفعال ده يا بهيرة؟ أهدي كده وامسكي أعصابك. مبروك يا قمري. ربنا يقومك بالسلامة.
***
علي الجانب الآخر، عند سالم وحلاوتهم، كان يشدد على رأسه من الغيظ:
انتي اتجننتي يا بت؟ انتي إيه اللي انتي عملتيه ده؟ مش مكفيكي نص الأملاك؟
نهضت حلاوتهم وتوجهت له وهي تلوك علكة بأسنانها، تتلاعب بأزرار قميصه:
ده نصيبي منك يا سالم، لكن أنا عايزة نصيب مريم من أبوها، علشان ابنك اللي جاي في السكة.
جحظ بعينيه بذهول، فهو كان لا يفكر بالانجاب، وان كان لا يكون منها بالرغم من رغبته بها، إلا أن زهوتها انتهت:
انتي حامل! عرفتي منين؟ انتي مش بتخرجي، وبعدين احنا لسه متجوزين، مستعجلة على إيه؟ احنا لحقنا نتمتع ببعض؟
شعرت حلاوتهم أنها على حق بتفكيرها في سالم، هو يريدها للمتعة فقط وليس للبقاء، وتأكدت أن ما سمعته عن رغبته في العودة.
بدرى من عمرك يا سيد الناس، ده أنا ناوية أجيبهم ورا بعض، أهو أعوضك عن ابنك اللي مش بطيقه. على الأقل اللي جاي مني حلاوتهم حبيبتك.
هز رأسه باستسلام:
آه حبيبتي يا حلاوتهم.
انتهزت الفرصة وأعطته القلم:
امضي بقى يا سالومتي، دي حاجة بسيطة.
لا يعلم كيف مضى، ولكن لا مفر، فمعها نصف الأملاك.
ادي امضتي أهو يا حلاوتهم. الا قوليلي، هي أمك مالها بالظبط؟
توترت حلاوتهم من سؤاله وابتلعت ريقها بخوف وقلق أن يعلم:
ها أمي؟ ما انت عارف إن جوزها معكنن عليها عيشتها من يوم ما بطلت أبعتلها فلوس.
عقد سالم ما بين حاجبيه غير مصدق لما تقوله، فوالدتها أينما تحتاج إلى أموال تبعث لها فورًا.
غريبة، أنا نفسي بشوف الواد اللي شغال عندي بيعطيها الفلوس، وبقت كل أسبوع مش كل شهر زي ما اتفقنا.
ارتبكت حلاوتهم وصرخت، تضع يدها على ظهرها لتلفت انتباهه أنها تشتكي من وجع الحمل، تلهيه عن أمر والدتها.
***
بعد مرور أسبوع، جاء على منزل سالم محضر يخص والدة زوجته واتهامها بسرقة مشغولات ذهبية من محل الصاغة. دلف إلى زوجته بغضب:
إيه اللي أمك عملته ده؟
ارتبكت حلاوتهم من غضبه:
ده واحد مش سليم، أخد الدهب برخص التراب.
جحظ بعينيه بذهول، حيث ظن أنها ستتفاجأ مما يقوله:
وإنتي عارفة الموضوع ده، بقي صح؟ لا، وبتدافعي عنها كمان؟
هزت حلاوتهم رأسها بإصرار وعناد، وضيق عينيها تواجهه:
هدافع طبعًا، دي أمي يا سالم، أومال انت مفكرني مريم اللي باعت أبوها؟
كانت تستمع إليهم بخوف، وما إن دافعت عنها ابنتها حتى صعدت لهم بثقة:
اسكتي يا حلاوتهم، لأحسن كلامك ده هيخلي إيده تاكله ويضربك زي ما كان بيضربها.
ثم التفتت إلى سالم تنظر إليه باستهزاء، تخبره بعينيها أنها جعلت من ابنتها خاضعة لها بعكسه.
حقك عليا يا ابني، معلش بنتي بقى ومصدقاني وواثقة فيا، وهي صح. الراجل الصايغ ده حرامي.
نظرت إليها حلاوتهم بضيق عندما تحدثت في بداية حديثها، وهي تردف بتأسف له، فهو لا يستحق:
هو اللي سرق أمي، خد منها الدهب برخص التراب، وفي الآخر يقولك مضروب. هو اللي ضربه الدهب سليم.
جز سالم على أسنانه بغيظ، يلعن حظه أنه وقع بين يديهم. كاد أن يفتك بهم، ولكن تذكر أملاكه التي بين أيديهم، فعدل عن ذلك قائلاً:
مين الصايغ ده وأنا أحلها معاه، ودي مفيش داعي للفضايح، وفي الآخر المبلغ هيبقى قليل، ما أنا عارف دهبكم خفيف.
تعالت النيران في صدره وهو يستهزئ بذهبهم وقيمته الرخيصة، فصممت أن تخبره لكي تعتليها الصدمة ويعرف مقامهم.
لا، ما هو ضحك على أمي الغلبانة يا عيني. باعت دهبها كله، وبعدين أنا دهب أمي كتير، أي قرش ببعته ليها كان بتجيب بيه دهب.
كتمت والدتها ضحكتها، فحلاوتهم كانت كمن يريد أن يجلطه ويصيبه بالشلل. كم أسعدها ذلك، فهي تريد الاقتصاص منه ومن عائلته.
ما كفاية بقى يا حلاوتهم، بالراحة عليه. الراجل شكله هيتشل زي أبوه. متزعلش يا ابني، الدهب مش قليل ولا حتى خفيف، ده شقا عمر حلاوتهم.
عنفت والدتها:
كفاية يا ماما.
زفر سالم بحنق:
في إيه تاني مخبينه؟
نظرت حلاوتهم إلى سالم بتحدي:
الدهب أغلبه بتاع خالتي، ودي بقى مش سهلة.
حقًا، لقد طفح الكيل منهم، ود طردهم، ولكن سيخسر.
اطلعي هاتي دهبك يا حلاوتهم، وأنا هعطيه للصايغ.
شهقت حلاوتهم ووضعت يدها في خصرها تهز قدمها:
يعني أنا في الآخر اللي هكون أنا ودهبي كبش فدا؟ لا.
نظرت إليها والدتها وله بترجٍ مصطنع بعكس جبروتها:
أنا راضية إني أتسجن، رغم إني هكون مظلومة، بس أعمل إيه؟
صرخت حلاوتهم في وجهه وأردفت بجنون قائلة وهي ترغمه:
سالم، انتي عارف أنا بحب الدهب قد إيه، فهرهن حاجة من الأملاك.
ارتفع حاجبيه، فهذا ما لا يريده، وأخذ يمرر نظراته بينهم. لتعنفه والدتها باصطناع:
لا، أنا كده همشي بجد. أملاك إيه اللي ترهنيها يا خايبة؟ وافرضي معرفتش أسدد، دي فلوس ابنك.
وبالفعل تركتهم، تعلم أن حلاوتهم ستجلب منه المال اللازم بدون ذهابه إلى محل الصاغة وكشف الحقيقة.
أنا آسفة يا سالم إني قولت إني هرهن حاجتي، بس بصراحة أنا مش حابة أضحي بدهبي، لأنه ده أحلى هدية منك.
كان شارداً، وواقع بين نارين، نار رهن الأملاك، ونار دفع المال اللازم لإسقاط المحضر والقضية. تنفس ببطء قائلاً:
تقدري تسحبي من الفيزا بتاعتك، بكرة هحولك فلوس عليها، بس دي آخر مرة يا حلاوتهم، ومدخلنيش في حوارت من دي.
اقتربت منه بخبث وقامت بإغرائه كامرأة نجحت في جمع الخيوط لكي تصل إلى قلب وحواس شخص محروم، وهو متزوج.
أرجوك يا سالم، افرد وشك الجميل ده، يا أبو عيون مش عارفة لونها إيه؟ اللي قولي يا سالم، انت محدش قالك قبل كده إن عينيك حلوة؟
هدأت ثورة الغضب لديه. حقًا، هي امرأة لعوب، لعبت على الوتر الحساس ونقطة الضعف. هو لم يجد من تحبه يومًا، حتى زوجته كانت تنفر منه.
ابقى قوليها ليا انتي.
تحدثت بألم مصطنع:
معلش، عارفة إنك اتعذبت.
بدأت عيناه تلمع من تجمع الدموع:
بتقدري توديني لحتة جميلة يا حلاوتهم.
ابتسمت حلاوتهم بفرحة الانتصار في أن تغلبَه:
أنا أكتر واحدة فاهماك، ومن زمان يا سالومتي يا حبيبي.
***
في محل الورد عند مريم، كانت تجهز باقة ورد لامرأة جميلة.
حضرتك البوكيه جاهز، أتمنى ذوقي يعجبك، أغلبه زهر البنفسج.
ابتسمت لها السيدة التي كانت تأكلها بعينيها كمن ينتقي عروسًا لابنها:
تسلمي يا جميلة، طبعًا ذوقك هيعجبني، انتي ذوقك راقي جدًا ومحلك جميل.
ابتسمت مريم من داخلها بسخرية على لفظ "محلك"، فهي تعمل فيه، ولكن من يراها يظنها صاحبة العمل.
نورتيني يا فندم.
أحمم... المحل مش محلي، أنا بشتغل هنا، بتمنى تجيبي من عندنا ديما، ليا نسبة على كل بوكيه.
خرجت السيدة وهي متعجبة من رد مريم الصريح. أي شخص بمحلها سيتمادى مع لفظ المحل ولم يحاول تصحيح المعلومة.
دخل بعدها مصطفى:
يا بخت زهر البنفسج.
تفاجئت مريم من وجوده:
انت مش كنت حلفان متجيش؟
تنهد مصطفى بضيق وزفر بحنق:
حد جه طلب إيدك للجواز مني يا مريم.
جحظت عيناها بذهول وهدأت أنفاسها:
اممم، وبعدين يعني؟ من الآخر، اتقبل ولا اترفض؟
تضايق من اهتمامها، ولكن تساءل لما لم تسأل من هو.
كل شيء فعلاً وله آخر. بس مش تعرفي هو مين الأول؟
استغربت من استرساله في الموضوع، هي تعلم جيدًا من هو.
معلش، مش هيفرق معايا هو مين، قد ما هيفرق معايا ردك، أقصد ردكم.
رفع حاجبيه باندهاش من ردها، وتأكد أنها تعلم أنه عادل، فظنه صحيحًا جدًا.
ليه؟ مش انتي عارفة برضه هو مين، ولا هتستعبطي؟ وبعدين ليه مهتمة لردي؟
تضايقت مريم من أسئلته، تكره في مصطفى استجوابه وغموضه وعدم توضيحه.
وانت عرفت منين بقى إني عارفة؟ مش يمكن هو حابب يعملها ليا مفاجأة؟ وطبعًا لازم أعرف ردك.
رده كان قاصفًا لجبهتها، وتعمد إثارة غضبها ليرى ملامحها إن كانت تريده أم لا، وبالفعل أصاب الهدف.
ردي إني قلتله نأجل الموضوع ده لغاية ما أنا أتجوّز، أصل عقبال عندك، اتكلمت على واحدة وأهلها وافقوا.
هزت رأسها بغضب وهي تستمع له، وما زالت تهز وهو يتضحك من داخله، ولكن كان خائفًا من رد فعلها.
اممم، طب مبروك. بس طالما الموضوع بتاعي متأجل لأجل فرحه سيادتك، بتقولي ليه؟ وبعدين انت مش ولي أمري.
مط مصطفى شفتيه يغيظها، ورفع كتفيه وتهادل في مشيته، يدور من حولها يحاول الاستماع إلى أنفاسها الغاضبة بعنف.
أنا مش ولي أمرك، ولا ضربت حد على إيده يجي يتقدم ليا، أنا حتى استغربت. قلت أكيد انتي اللي قلتي له يجي ليا علشان يتقدم ليكي. وبعدين، إحنا بعد عمي طاهر الله يرحمه.
تنهدت مريم بحزن وترحمت على والدها:
الله يرحمه، وجوده كان هيفرق كتير الأيام دي.
شعر بحزنها وهو لا يريدها حزينة، يريدها ثائرة.
جهزى ليا بوكيه ورد بقي علشان أهديه لخطيبتي.
جحظت عيناها بعدم تصديق وفهمت مغزى مجيئه:
إيه؟ يعني ده السبب اللي خلاك تيجي ليا المحل النهارده؟
ابتسم مصطفى بخبث وعض على شفتيه بغيظ واستفزاز:
منا طلبتها خلاص، مفيش غير بس أروح أشتري ليها شبكتها.
نظرت مريم إلى مصطفى بدهشة وعدم استيعاب للموقف برمته:
من غير ما هي تعرف؟ المفروض تاخد رأيها وهي بتشتري الشبكة.
شرد في كلماتها وتذكر أنه حدث معها ذلك يوم خطبتها لسالم، وكانت راضية.
حضرتك مقولتيش لا لسالم لما عمل معاكي قبل كده، واللي هتجوزها زيك بالظبط.
عقدت ما بين حاجبيها بتساؤل، بما أنه سيتزوج بفتاة مثلي، فلما لا يتزوجني أنا؟ وسأرضي.
بس أنا مقولتش لا لسالم علشان عمي كبرته، لكن دي واحدة غريبة، هتعمل مع الغريبة كده؟
تذكر والده القعيد، المصاب بالشلل في يديه ورجليه، يأخذ ما زرعه فيهم، ومع ذلك يحبه ويحترمه. يتذكر ليلة أمس عندما دلف عليه غرفته، وجده نائمًا، مستقرًا في فراشه، جلس جواره يتحسس يده ليرى نبضه إذا كان منتظمًا. هو يخاف، كطفل صغير، أن يصبح بلا أب مثلها. يتذكر عندما علم بوفاة عمه، حمد ربه على مرض والده. نعم، زادت الأعباء عليهم، ولكن هو راضٍ، ولا يشكو، ولن يفعلها يومًا. يشعر أنه هو الذي يستند على والده وليس العكس. يكفيه من هذه الدنيا وجوده أمامه، وإن كان ينسى مرارة ما فعله بهم والده. يفكر في شيئًا واحدًا، هو استرجاع كل الحقوق التي سُلبت من والده في لحظة غفلة.
أخذت تلوح بيدها نحو عينيه، لعله يفيق من شروده لينتبه لها، ومن ثم يغمز لها:
بكرة بعد ما تخلصي شغلك، هاخدك معايا للصاغة تنقي ليها. انتي طالما انتي ما نقيتي لنفسك.
ألقى كلمته عليها وخرج، لتجز مريم على أسنانها وهي تنظر في أثره.
***
عاد مصطفى إلى المنزل وهو يتذكر ملامح مريم وهي تريد الفتك به، ليتنهد:
كلمتها يا مصطفى، وفهمتها إن انتم لبعض، بس بلاش أي إعلان دلوقتي لغاية ما نخلص.
خرج مصطفى من شروده على صوت والدته الملهوفة على الاطمئنان على مريم، وابتسم:
اطمني يا أمي، أنا كلمتها، بس فهمتها إني هخطب، ومحتاجها جنبي الفترة الجاية، يعني أما أشوف.
عقدت عائشة ما بين حاجبيها بعدم فهم، وتدلت شفتيها ببلاهة وهي لا تفهم لما لم يصارح مريم بكل شيء.
تعرف إن أنا غلطانة لما قلتلك روح كلمها بنفسك، برضه سكت يا مصطفى، ومقولتش ليها إنك بتحبها خلاص؟
تنهد مصطفى مطولًا وابتسم على غضب والدته التي تهتم لأمر مريم ولحزنها جيدًا، كان يخشى أن تكون العكس.
ما تقلقيش يا أمي، أنا عامل حساب لكل كلمة بطلعها من لساني، وبعدين تقدري تقولي بلاعبها زي القط والفار كده.
ابتسمت عائشة بخبث ودارت حوله وهي تتأمل ملامحه وهو سعيد كالشاب العشريني. نعم، ما زال صغيرًا رغم القسوة.
يعني أطمن يا ابني؟ هييجي اليوم اللي أشوفك عريس ومع اللي قلبك حبها، بس أبوك وقف ما بينكم. ده يوم المنى يا مصطفى.
أوقفها وهي تدور حوله، وأخذ يديها بين كفيه، وقبلهما. لتربت هي على شعره بحنان كالطفل، وهو أيضًا يتملل برأسه تحت يديها.
اطمني يا أمي، طول ما أنا موجود على وش الدنيا، عمر ما الضحكة هتفارق لا وشك ولا وشها، ودا عهد أخدته على نفسي من يومها.
أدخلته عائشة بين أحضانها، وودت أن يفعله هريدي هو الآخر ويشعر بحنان مصطفى وهو قلق عليه، وقلق على كل العائلة، ويهتم بأمرها.
ربنا يحفظك.
***
مساء في منزل مريم، جاءت بهيرة لتبشرها، ولكن قامت بالتمثيل عليها أنها غير سعيدة. ارتعدت مريم من مظهر بهيرة وابتلعت ريقها.
مالك؟
نظرت إليها بهيرة بحزن تصنعته جيدًا لدرجة صدقتها مريم، لتتحسر من داخلها، متناسية أمر مصطفى، كانت تركز في بهيرة وحزنها فقط.