تحميل رواية «اقدار لا ترحم» PDF
بقلم سيليا البحيري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في زنزانة السجن الكبيرة، السجينات متجمعين في دائرة حوالين مديرة السجن اللي مربوطة في الكرسي، والإضاءة خافتة، والجو متوتر جدا والكل حاسس بالرغبة في الانتقام. سيلين واقفة قدام مديرة السجن، ماسكة سكينة في إيدها، ووشها مليان غضب وقوة، وعينيها مليانة ثأر. مديرة السجن بصوت متوتر بتحاول تخبي خوفها: "إنتي مش عارفة إنتي بتعملي إيه سيلين. لو قتلتيني، مش هتخرجي من هنا أبدا. هتفضلي سجينة للأبد!" سيلين بتبتسم بابتسامة باردة وهي بتخبي وجعها القديم: "سجينة؟ كنتي السجانة الوحيدة هنا. خليتي المكان ده جحيم بس إنت...
رواية اقدار لا ترحم الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم سيليا البحيري
الساعة السادسة مساءً – أمام مقر القناة الفضائية التي ظهر فيها ياسر.
شارع مزدحم، أضواء، كاميرات، رجال أمن... وسيلين وسيف واقفين عند الباب يتكلموا مع ياسر.
لابس بدلة سودة شيك جدًا، وواقف زي الملك.
صوت فرامل عربية بحدة!
ينزل حسام من العربية وهو بيولّع، عنيه طالعة منها نار، وورا منه نوال اللي بتحاول تمسك أعصابه.
ياسر بيبصله من بعيد وهو بيبتسم، وبيقول لسيف وسيلين:
"أهو جه... زي ما توقعت بالظبط."
حسام (وهو بيصرخ بصوت عالي وهو بيقرب):
"إنتَ... إنتَ لسه عايش؟!!! ده أنا قتلتك بإيدي يا ياسر! إزاي؟! إزاي؟!"
ياسر (واقف مكانه بهدوء وقلة بال):
"آه، ماشي يا حسام... قتلتني؟ ولا كنت فاكر إنك أذكى من الدنيا كلها؟ ده أنا كنت بلعب معاك شطرنج من قبل ما تفكر تبيعني."
حسام (بيهجم عليه بس سيف بيوقفه):
"سيبني عليه! سيبني يا سيف! ده كداب! ده بيزوّر! الراجل ده ميت! ده ميت!"
سيلين (بسخرية):
"اللي مات يا حسام... ضميرك، مش ياسر."
نوال (بتشد حسام من دراعه):
"اهد بس، الناس بتتفرج علينا!"
ياسر (بيضحك ضحكة ساخرة):
"الناس كلها شافت وشك الحقيقي النهارده... شوفت الضجة؟ 15 مليون مشاهدة يا حسّومة، ولسه!"
حسام (بيصوت وبيزعق):
"أنا هوديكوا كلكم في داهية! انتي يا سيلين، وانتا يا ياسر، وسيف! كلكم!"
سيف (بيقرب من وشه):
"لو لمست شعرة من سيلين أو بنتها، هتشوف مني وش عمرك ما شفته."
ياسر (واقف جنبه وبيهمس في ودنه):
"لسه ما شفتش حاجة يا صاحبي... دي كانت أول صفعة... والباقي جاي. جهّز نفسك... لأن الدور عليك."
حسام (بينفجر):
"أنا هقتلك تاني يا ياسر! والمرادي مش هسِيبلك فرصة ترجع!"
ياسر (بهدوء قاتل):
"أنا اللي راجع يا حسام... وانت اللي قربت تودّع."
المشهد ينتهي بصوت صافرات شرطة بتعدي من بعيد، وجمهور بيتجمّع حوالين المقر، وحسام بيترجّع لنوال يمشي من المكان، وعيونه حمراء من الغضب والانكسار.
سيلين تبص لياسر بابتسامة رضا... وسيف حاطط إيده على ضهرها باحترام.
***
حسام بيزيد من الغضب، إيديه بتترعش، وبيبص حواليه لقى الناس بتصوّر، و"ياسر" واقف واثق في نفسه، و"سيلين" جامدة زي الصخر، و"سيف" ملازمها خطوة بخطوة.
حسام (بصوت عالي، وبيزعق):
"أنا مش هسكت! أنا هارجع كل حاجة بالقوة!ياللي فاكرة نفسك كسبتي، انتي لسه ما شفتيش جنوني الحقيقي!"
سيلين (تتقدّم ناحيته خطوة، وبهدوء قاتل):
"جنونك الحقيقي؟ إنت متعرفش أنا وصلت لفين دلوقتي... ولو تماديت يا حسام، قسمًا بالله، هسلّم ابنك وليد للخدمات الاجتماعية بنفسي."
حسام (ينصدم):
"إنتي... إنتي بتتكلمي عن ابني؟!"
سيلين (ببرود وسخرية):
"الولد اللي نسيته في الحضانة، واللي مراته نوال بتفرّغ غضبها فيه كل ما تنهزم؟ آه يا حسام... أنا حطيت كاميرات جوه فيلتك، وشوفت كل حاجة."
نوال (بتشد حسام بقوة):
"ما تردّش! اسكت! (ثم تهمس له) دي هتودينا في داهية لو فتحت موضوع وليد."
حسام (بعصبية):
"إنتي بتتجسسي عليّا في بيتي؟ إنتي اتجننتي؟"
سيلين (بتقرب أكتر، وبنبرة جامدة):
"أنا أم، والأم تعمل أي حاجة علشان تحمي بنتها... وولاد الناس. واللي شفته بيحصل لوليد، يخليني أحرّك بلاغ في لحظة... ومش بس البلاغ، عندي فيديوهات... وأدلة."
سيف (بيقولها بثقة):
"وحسابك الجاي... هيتفتح قدّام المحكمة، مش في الشارع."
ياسر (بيضحك):
"عارف يا حسّومة، اللي عملته فيا زمان علّمني حاجة... الناس اللي بتغدر، دايمًا بتفتكر إنهم أذكى من غيرهم... بس بينسوا إن الكدبة مهما طولت، لازم تقع."
حسام (يصرخ):
"أنا هقطعكوا حتت! كلكم!"
سيلين (تضحك بسخرية وهي تبص لنوال):
"قولي لجوزك يتحكم في أعصابه شوية... عشان المرة الجاية، مش هتكون قدام الكاميرات... هتكون قدام وكيل النيابة."
المشهد يُغلق على وجه حسام المصدوم، المترنّح، بين الرعب والذل، بينما سيلين تدير ظهرها وتغادر مع سيف وياسر... بثقة المنتصرين.
***
– داخل سيارة حسام ونوال (منتصف الليل، الطريق خالي ومضطرب)
حسام سايق بجنون، عضلات وجهه مشدودة، وسواقته عنيفة كأنّه بيصب غضبه في الدركسيون.
نوال قاعدة جنبه، ساكتة... بس نظراتها مشتعلة، وكل ثانية بتعدّي بتغلي أكتر.
نوال (بصوت واطي ومليان حقد):
"يعني كده؟ كلهم ضحكوا عليك؟ وأنت واقف قدامهم زي الأهبل؟!"
حسام (يضرب الدركسيون):
"اسكتي نوال! مش ناقصك!"
نوال (تصرخ):
"لا! مش هسكت! أنا سايبة الدنيا كلها وجاية معاك… وانت واقع فـ شرك متخيط بإبرة وانت مش واخد بالك؟!"
حسام (بغل):
"أنا وقعت؟ ده أنا هدمّرهم واحد واحد!"
نوال (تقهقه بسخرية):
"وإنت لسه فاكر نفسك بتلعب لوحدك؟ المدعوة "لارين" اللي جاي تتعامل معاها في الشركة؟ "المديرة الكبيرة" اللي جايبة استثمارات بملايين؟"
حسام (ينظر لها):
"أيوه! مالها؟!"
نوال (تضحك بمرارة):
" "لارين"... دي مش غريبة خالص يا حبيبي. دي ابنة عم سيلين! وسايباك تبلبع الطُعم على مهلك."
حسام (ينصدم تمامًا، يقف بالعربية فجأة):
"إييييييييييه؟؟ انتي بتقولي إيه؟!"
نوال (بقوة):
"أيوه يا حبيبي... لارين هي مديرة شركة وهمية، ما وراهاش أي استثمار حقيقي. والشركة دي معمولة مخصوص علشان توقعك قانونيًا... تضحك عليك… تجيب أدلة… وبعدها يودّوك السجن وانت مش فاهم حصل إزاي."
حسام (يهمس وكأنه بيكلم نفسه):
"لاااا... مش ممكن... أنا كنت حاسس إن في حاجة غلط… بس… ازاي فاتتني دي؟!"
نوال (بحدة):
"فاتتك لأنك بقيت أضعف من زمان، لأنك كنت طول عمرك بتتّكل عليا! بس دلوقتي، لا أنا قادرة أساعدك، ولا سيلين هتسيبك."
حسام (يتنفس بصعوبة):
"يعني… كل حاجة كانت تمثيلية؟ حتى الصفقات… الاجتماعات…؟"
نوال (تهز رأسها):
"كله! وسيلين بتضحك دلوقتي من قلبها… ومعاها سيف، وابنة عمها، وياسر اللي راجع من الموت… وانت؟ أنت بتغرق!"
حسام (يضرب المقود):
"مش هاعديها… والله ما هاعديها… أنا هحرق الدنيا على دماغهم كلهم!"
نوال (بهمس، وهي تبص من الشباك):
"ابقى شوف هتحرقها بإيه… وانت بقيت لعبة في إيدهم."
***
فيلا البحيري – صالة الطابق الأرضي – بعد العصر
الهدوء يسود المكان، وتيا تجلس وحدها على الأريكة، تحدق في لا شيء، ملامحها حزينة بشدة، وعيونها مغرورقة.
الهاتف في يدها، لكنها لا تفتحه… كأنها تنتظر شيئًا لا يأتي.
تيا (بهمس لنفسها):
"غريبة... ليه مضايقة كده؟ أنا مالي أصلاً؟ يمكن عشان شفته... بس هو حر في حياته، وأنا معرفوش حتى."
تتنهد وتخفض رأسها، وعيناها تلمعان بالحزن.
فجأة، يُفتح باب الصالة وتدخل هايدي بخطواتها المتعالية، مرتدية فستانًا أنيقًا رغم أنها داخل البيت، تمضغ علكة ببطء وتبتسم باستهزاء عندما ترى تيا وحدها.
هايدي (بسخرية لاذعة):
"أومال فين الضحكة الحلوة؟ ده وش واحدة اتصدمت في حاجة كبيرة!"
تيا (تحاول تجاهلها):
"مافيش حاجة... سيبيني في حالي، مش ناقصة."
هايدي (تجلس قبالتها، وتدعي الشفقة):
"يا بنتي مالك؟ شكلك مش زعلانة بس… شكلك مكسورة!"
تيا (تلتفت بحدة):
"أنا بخير! وإنتي ليه دايمًا لازم تدوسي على الجرح؟"
هايدي (بضحكة صغيرة):
"جرح؟ آه، يبقى فيه جرح فعلاً… شوفي، أنا مش بحب أتكلم كتير، بس لو في حد كسرلك قلبك، فـ عادي، أنتي لسه صغيرة، وهتتعودي."
تيا (تنفجر فيها):
"إخرسي بقى! هو فيه حد يقدر يرتاح وأنتي حواليه؟ دايمًا بتقرفينا بكلامك السام!"
هايدي (تنهض واقفة، بصوت مستفز):
"بس برافو! عرفتي تردي! يعني لسه فيكي حيل… يلا خليني أمشي قبل ما تعيطي تاني."
تيا (تنهض فجأة وتشدها من شعرها):
"قولي كمان كلمة وهوريكي التربية الصح عاملة إزاي!!"
هايدي (تصرخ):
"آآآآه! مجنونة! حد يلحقني! البنت دي هتقتلني!"
يدخل مازن وهدى مسرعين، خلفهم ياسمين.
مازن (مصدوم):
"تيا! سيبيها حالًا!"
هدى (بحدة):
"تيا، إيه اللي حصل؟"
تيا (وهي تبعد نفسها عن هايدي):
"هي اللي بدأت! دايمًا بتتكلم كلام يقرف، وأنا مخنوقة أساسًا!"
هايدي (تمثل الانهيار):
"أنا؟! أنا بس كنت بسألها مالها… شوفتوا أخرتها؟!"
هدى (تنظر لهايدي باشمئزاز):
"إنتي لو عندك ذرة عقل، كنتي سكتّي. دي بنت صغيرة ومش ناقصة نكدك."
ياسمين (تحاول تهدئة الوضع):
"يلا يا مازن، خد مراتك فوق... وتيا، تعالي نشرب شاي مع بعض."
هايدي (بغصة وهي تطلع السلالم):
"أنا همشي، بس اللي حصل ده مش هعديه!"
تيا (تتمتم وهي تنظر للدرج):
"هي دي اللي لازم تتحبس في أوضة لوحدها... مش أنا."
هدى (تحتضنها):
"اهدَي يا بنتي… أنا عارفة إنك مش في أحسن حال، بس حاولي ما تدّيش لحد فرصة يستفزك."
تيا (بصوت خافت وهي تحبس دموعها):
"أنا حاولت… بس مش قادرة…"
الكاميرا تبتعد ببطء عن تيا وهي تضم نفسها كأنها تحاول لملمة شتات قلبها، بينما هايدي تصعد وهي تفكر في كيف تستغل هذا الانفجار لاحقًا…
***
شركة البحيري – الطابق الإداري – قاعة الاجتماعات الخاصة
الساعة تشير إلى الحادية عشرة صباحًا. الشمس تتسلل من النوافذ الزجاجية الواسعة، لتضيء طاولة الاجتماعات الضخمة التي يجلس حولها:
سيلين، أنيقة وهادئة، تضع ملفًا أمامها وتبدو مركّزة بشدة.
سيف بجوارها، بذقنه الخفيفة ونظراته الحادة، يمسك هاتفه يتفقد شيئًا.
ياسر يجلس على الطرف الآخر، واثقًا كعادته، يشرب قهوته ويبتسم ابتسامة رجل يستمتع بإسقاط عدوه.
لارين تدخل متأخرة قليلاً، ترتدي بزة رسمية أنيقة وتحمل جهازها اللوحي.
سيف (بهدوء وهو يغلق الهاتف):
"كل التقارير بتأكد إن حسام ابتلع الطُعم بالكامل… شَرِك في الصفقة وباع نصيب من أملاكه عشان يموّل المشروع."
ياسر (بسخرية):
"طبعًا... حسام مبيعرفش يقاوم الطمع، ولو فيه باب جهنم عليه كلمة استثمار، هيدخل وهو بيصفق!"
سيلين (ببرود):
"بس لازم نثبت دلوقتي إن شركته داخلة في مشروعنا الوهمي من غير علمه الكامل، عشان نوقعه قانونيًا… مش بس فضيحة، إحنا عايزينه يلبس قضية نصب."
لارين (بثقة):
"أنا قدرت أخلّيه يوقّع على أوراق تثبت إن كل شيء تم بمعرفته… بس بطريقة ما تخلي الشكوك عليه مش علينا، وهو فرحان بنفسه، فاكر نفسه شريك استراتيجي ذكي."
سيف (ينظر لسيلين):
"الخطة ماشية زي ما خططنا… فاضل خطوة واحدة: نفضح العملية دي إعلاميًا، بس في الوقت المناسب."
ياسر (ينقر على الطاولة):
"أنا رأيي ندي له شوية أمل قبل الضربة… نخليه يحس إنه فوق الكل، وبعدين نقطع عنه الهوا."
سيلين (تبتسم بخفة):
"تمام... خلّيه يطير شوية، ولما يقع، هيعرف إن اللي لعب معاه مش سيلين القديمة."
لارين (تغمز لسيلين):
"سيلين الجديدة مرعبة."
سيف (ينظر إلى زوجته بابتسامة هادئة):
"وخطيرة… بس الحمد لله إنها في صفنا."
سيلين (تغمز له):
"لحد دلوقتي."
(الجميع يضحك)
ياسر (ينهض من مقعده):
"طيب، لازم أروح أجهز للمرحلة الجاية… وافتكروا، حسام مش هايتوقع أبدا إن الكارت الجاي هيكون ضده ومكتوب عليه اسمي."
سيلين (بصوت منخفض):
"بس إحنا مش عارفين... ممكن يكون حسام بدأ يشك، بس ما علينا... حتى لو عرف، فات الأوان."
لارين (بحذر):
"لازم نتحرك بسرعة... قبل ما أي حد يلاقي ثغرة."
سيف (بهدوء):
"إحنا دايمًا سبقين بخطوة… ونفضل كده لحد النهاية."
الأربعة مجتمعين على الطاولة، قوة واحدة… يظنون أن الساحة نظيفة، لكن على بُعد شوارع قليلة، هناك من يجهز للرد الموجع.
***
فيلا عائلة البحيري – المساء – بهو المدخل الفسيح
الساعة تقترب من الثامنة مساءً.
أضواء الفيلا ناعمة ودافئة، وأصوات ضحكات خفيفة تأتي من غرفة الجلوس.
الباب الأمامي يُفتح بهدوء… سيلين تدخل أولاً، ترتدي معطفًا أنيقًا، يتبعها سيف بهدوئه المعتاد، يحمل حقيبتها الصغيرة على كتفه.
وفور دخولهما…
تاليا الصغيرة تركض بسرعة من نهاية السلم بضحكة بريئة:
تاليا (بحماس):
"مااامااا!!"
سيلين (تفتح ذراعيها):
"حبيبتييي! اشتقتلك كتير!"
ترتمي تاليا في حضن سيلين، وتبدأ بالكلام بسرعة وبهجة، وكأنها كانت تحفظ كلامها طوال اليوم لتخبرها به:
تاليا (بحماس طفولي):
"ماما! اليوم لعبت مع وليد، عملنا بيت من المكعبات! وبعدين ريان زعل شويّة… قالي إنو ما يحب إني أضحك لوليد كتير… بس أنا قلت له إنو وليد صديقي! ريان صار يقول إني مراته! هاهاها!"
سيف (يضحك وهو يقترب):
"آه والله؟ صغيرة ولسّا بدينا بالغَيرة؟"
تاليا (تنظر له بخفة):
"بابا سيف! مش معقول! هو ما يحب يشاركني حتى باللعب!"
سيلين (تضحك وتمسح على شعرها):
"ريان غيران لأنه بيحبك يا روحي… بس لازم نحب الكل وما نزعل من بعض، صح؟"
تاليا (بثقة):
"أنا بحبهم كلهم… وليد و ريان و ماما و سيف!"
سيف (يجثو على ركبته أمامها):
"وإحنا كلنا بنحبك يا شِقفة القمر… بس أنا أكثر واحد!"
تاليا (تضحك وتغطي وجهها بخجل):
"سيف! لا تقول كده… بخجل!"
سيلين (تراقب المشهد بنظرات حب وامتنان):
"أنت دايمًا بتعرف كيف تدخل لقلبها… رغم إنها مش بنتك…"
سيف (ينظر لسيلين بعينين دافئتين):
"هي بنتي… وأكتر… هي قلبي الصغير."
سيلين (بهمس):
"شكراً يا سيف..."
سيف (يبتسم):
"أنا اللي بشكرك… رجعتي الدفء لبيتنا… ولسّه المشوار طويل."
تاليا (تشد يد سيلين):
"يلا نروح نقرأ القصة قبل النوم!"
سيلين (بحنان):
"أكيد يا عمري… يلا نختار القصة سوا."
تمسك سيلين يد تاليا، وسيف يمشي بجانبهما مبتسماً، وتمر الكاميرا على الوجوه الثلاثة:
الابنة البريئة، الأم العائدة بقوة، والرجل الذي يحميهما بحب…
***
في شقة آسر – منتصف الليل – أضواء خافتة وموسيقى كلاسيكية هادئة
آسر يجلس على أريكة جلدية فاخرة في صالونه الأنيق، مرتدياً بيجاما سوداء أنيقة، وبيده كوب قهوة، وهاتفه المحمول بين يديه.
ابتسامة خفيفة، ساخرة، ترتسم على شفتيه وهو يحدّق في شاشة الهاتف.
صوت إشعار واتساب يهتز…
📲 "رهف الجمال: وصلت البيت… كانت سهرة جميلة، شكراً بجد 🙈"
يرتشف آسر رشفة قهوة، ويضع الكوب على الطاولة الزجاجية أمامه، ثم يبدأ في الكتابة:
📲 آسر:"السهرة حلوة عشانك فيها، مش عشان المكان."
📲 رهف:"إنت دايمًا بتعرف تقول كلام حلو 😅"
📲 آسر (يرد بسرعة):"مش كلام… دي الحقيقة. أنتِ مش بس جميلة، إنتِ مختلفة… حساسة، نقية… وده مش سهل ألاقيه."
يضحك آسر ضحكة مكتومة بسخرية، ثم يُلقي بالجملة التالية كأنها سهم:
📲 آسر:"نفسي أعرف أكتر عنك… بعيد عن اسمك ولقبك. أنا شايف فيكي حاجة مش لاقيها في حد."
📲 رهف:"أنا كمان حاسة إني مرتاحة لما أتكلم معاك… مش عارفة ليه."
آسر (بصوت ساخر لنفسه وهو يقرأ):
"آه طبعا… مرتاحة؟ استني بس لما أخلص لعبتي."
يضع الهاتف على صدره، ينظر للسقف قليلاً، ويضحك بخفوت:
آسر (بسخرية خبيثة):
"يا بنت الجمال… لو تعرفي إني داخل عليك بخطة هدية من أخوكي المجرم، كنتِ هربتي من أول كلمة! بس عادي… أنا هلبسكم واحد واحد… بالحب… وبالوجع."
📲 رهف ترسل صورة وردة حمراء
يرد عليها:
📲 آسر:"جميلة… بس مش أجمل من اللي بعتتها."
ثم يُطفئ الشاشة، ويقف متجهاً للشرفة الواسعة، يفتح الباب ويخرج للهواء البارد.
آسر (يهمس وهو يطل على المدينة):
"استعد يا حسام… أنا هكسر قلبك بنفس إيدي… وبعدين هبلّغ عليه كل شيء… بس بعد ما يتفرج عليّا وأنا باخد كل حاجة منه… حتى أخته."
***
صباح اليوم التالي – مقهى صغير هادئ بديكور زجاجي مشمس – طاولة عند النافذة
رهف ترتدي فستاناً بسيطاً بلون وردي باهت، تمسك كوب الموكا بين يديها وتبتسم بخجل وهي تحدّق في شاشة هاتفها، وصورة آسر تظهر على الشاشة.
حلا تدخل كالعاصفة، بشعرها المجعد وفستانها الملوّن، وهي تمضغ العلكة وتمسك بيدها قطعة دونات ضخمة.
حلا (وهي تجلس فجأة):
"آآه يا قلبي! مين ده اللي مخليكي سارحة كده؟! لا تقولي لي… فارس الأحلام أخيراً جه؟! 😍"
رهف (تضحك بخجل):
"يعني… ممكن تقولِ كده شوية…"
حلا (تضرب الطاولة بحماس):
"يا سلام! هو وسيم؟ طويل؟ عنده عضلات؟ ولا بيعزف جيتار كمان؟!"
رهف (تضحك):
"لا بلاش عضلات وجيتار… بس آه، هو طويل، وسيم جدًا، وشخصيته قوية كده… فيه حاجة بتشدني له."
حلا (تمط شفتيها):
"هممم… كأنك بتحكي عن أمير في مسلسل تركي! اسمه إيه بقى؟ يلا قولي… متكتمة ليه؟!"
رهف (تنظر حولها وتهمس):
"اسمه آسر."
حلا (تُجمد في مكانها وهي تفتح عينيها):
"آسر؟! ده اسم يخليني أقول آه من قلبي! 😩 يعني آسرك فعلًا من أول نظرة؟"
رهف (بخجل شديد):
"تقريبًا… شوفي، اتقابلنا بالصدفة، في مطعم… النادل لخبط بين الطاولات، وخلانا نقعد مع بعض…"
حلا (بعيون تلمع):
"أووووه! مصير! قَدَر! دي بداية فيلم رومانسي خالص! وبعدها؟ كلمك؟"
رهف (تهز رأسها بحماسة):
"آه… بعتلي بعدها، وكلمنا واتقابلنا كمان مرة، وكان مؤدب جدًا، بيهتم بتفاصيل صغيرة، بيضحكني… ومش زي الباقي."
حلا (تأكل من الدونات وتقول بفم ممتلئ):
"طيب وبعدين؟ ناوية تعترفي له بمشاعرك؟"
رهف:"لأ لأ، بدري! أنا بس بحس إن فيه حاجة مختلفة، هو كأنه بيقرب مني كل يوم أكتر… وأنا… مش عارفة، خايفة أفرّط في الإحساس ده."
حلا (تمسك يدها وتبتسم):
"اسمعي كلامي، لو قلبك بيقولك إنك مرتاحة… اتبعيه، بس خدي بالك… مرات الراحة تكون بداية وجع، ومرات تانية تكون بداية حكاية عمر."
رهف (تبتسم وهي تنظر للهاتف):
"أتمنى تكون الحكاية دي حلوة يا حلا."
حلا (ترفع كوب العصير):
"نخب الحب يا رهف… وربي يسعدك، بس لو طلع خاين، أنا أول واحدة أكسر عليه الكرسي! 😤"
رهف (تضحك بشدة):
"اتفقنا!"
***
في الحضانة – الساعة العاشرة صباحًا
الأطفال يلعبون في الحديقة الصغيرة التابعة للحضانة. أصوات ضحكهم تملأ المكان.
تاليا تجلس على الأرجوحة، تضحك وهي تتحدث مع صديقتها الصغيرة عليا، ووجنتاها تورّدت من المرح.
لقطة: دخول حسام من بوابة الحضانة، متخفي بنظارات شمسية وسترة داكنة.
يسير بخطى ثابتة نحو تاليا. يركع أمامها محاولًا الابتسام بود.
حسام (بصوت ناعم مصطنع):
"هاي يا حلوة… إزيك؟ اسمك تاليا مش كده؟"
تاليا (تتوقف عن التأرجح، تحدّق فيه بقلق ثم تعقد حاجبيها):
"إنت مين؟! إنت الراجل الوحش اللي بيزعّق لماما!" 😠
حسام (يتظاهر بالضحك):
"يا حبيبتي، دي كانت سوء تفاهم… ماما بتحبني، وإنتي كمان هتحبيني لما تعرفيني."
تاليا (بحدة وطفولية شديدة):
"لأ! إنت شرير! إنت زعّلت ماما، وأنا مش بحبك! سيبني! هقول للمس!"
حسام (بدأت أعصابه تفلت، ومد يده نحوها):
"إنتي مش فاهمة حاجة، تعالي هنا شوية بس…"
تاليا تصرخ وتبدأ بالبكاء، وتبتعد للخلف. في اللحظة نفسها، تدخل المربية "رانيا" مسرعة بعد أن راقبت كل شيء من بعيد.
رانيا (بغضب وانفعال):
"إنت بتعمل إيه هنا؟! ده مكان أطفال مش ساحة تصفية حسابات! ابعد فورًا عن الطفلة!"
حسام (يتحسس كرامته ويسيطر عليه الغضب):
"إنتي مالك إنتي؟ دي بنتي! ومحدش ليه عندي حاجة!"
رانيا (تتقدم وتضع نفسها بينه وبين تاليا):
"لو فعلاً كنت أبوها… كان زمانها عرفت ده من بدري! لكن إنت بالنسبالها راجل بيخوفها وبيزعّق لمامتها… وده كفاية يخليها تكرهك!"
حسام (يهمّ بالرد، لكن نظرات الناس بدأت تلتفت إليه، وبعض المربيات اقتربن بخوف وقلق).
تاليا (تبكي وهي تحتضن رانيا):
"خليه يبعد عني يا مس رانيا… ده بيخوفني!"
رانيا (تنظر له بنظرة صارمة):
"اخرج فورًا… وإلا هبلغ الشرطة. واللي بينك وبين أمها مش شغلي… بس هنا في الحضانة؟ لأ… هنا في أمان، وملكش مكان."
حسام يزمّ شفتيه، يتراجع بخطوات عنيفة، عينيه مشتعلة غضباً، ويخرج وهو يرمق تاليا بنظرة حاقدة.
لقطة أخيرة: تاليا في أحضان رانيا، تبكي وهي تهمس:
"ماما كانت عندها حق… هو وحش بجد…"
***
جامعة القاهرة – كلية الإعلام – المدرج الكبير – الساعة 9:00 صباحًا
المدرج يعجّ بالطلبة، وضجيج أحاديث الفتيات لا يتوقف.
تيا تجلس في منتصف المدرج، تتأمل هاتفها بشرود واضح، وأفنان بجانبها تثرثر بحماس.
أفنان (وهي تهمس):
"بيقولوا المعيد الجديد جامد آخر حاجة… أجنبي ولا إيه؟! كل الدفعات بتتكلم عنه! اسمه… أمير؟ ولا أدهم؟ مش فاكرة!"
تيا (ببرود):
"أنا مش فارق معايا بصراحة... كله واحد لما نذاكر ونمتحن وخلاص."
فتاة خلفهم (بهمس مسموع):
"ده عنده ماستر من بريطانيا! ولسّه راجع من منحة... بس شكله، أوووف، ملاك نازل يدرّس!"
ضحكات مكتومة تنتشر.
لحظة صمت... ثم يفتح باب المدرج. الجميع يلتفت.
يدخل أمير الطحاوي — شاب في أواخر العشرينات، طويل، شعره الأشقر مسرّح بإتقان، عيونه الخضراء تلمع بثقة، وكتفاه العريضتان تعكسان مظهره الرياضي. يرتدي قميصًا أبيض بسيطًا وبنطالًا كحليًا أنيقًا، يضع نظارة طبية خفيفة تضيف إلى وسامته وقارًا خاصًا.
أفنان (تفتح فمها بدهشة):
"ياااا نهار أبيض… ده مش معيد! ده موديل كتالوج إعلانات!"
تيا ترفع عينيها إليه لأول مرة، وتتجمد مكانها، تنسى تنفّسها للحظة.
تيا (بهمس مذهول):
"ده هو؟!"
أمير بصوت واضح، صارم، وهادئ:
"صباح الخير... أنا المعيد أمير الطحاوي. هكون معاكم في مادة الإعلام الرقمي هذا التيرم. وأتمنى... نكون على قدر من الالتزام. أنا مش بفرّق بين طالب وطالبة... اللي مش ملتزم، هياخد حقه."
الطلاب يلتزمون الصمت فجأة، والتوتر يسري في الجو، بينما عيون البنات تلمع بالانبهار.
تيا تحاول التظاهر بعدم الاهتمام، لكنها تقلب الصفحة في دفترها بلا معنى. قلبها ينبض بشدة.
أفنان تهمس بمزاح:
"الظاهر يا تيا إنك نسيتِ آسر خلاص!"
تيا (بهمس شديد):
"أسكتي… دا شكله مش بيهزر!"
رواية اقدار لا ترحم الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم سيليا البحيري
بعد كام يوم – قاعة الاجتماعات الرئيسية في شركة العيلة
سيلين: لابسة بدلة بيچ شيك، شكلها واثق وجاد، شعرها ملموم بأناقة.
سيف: قاعد بيراقب كل حاجة بعين صقر، هادي وواثق.
خوان كارلوس: راجل إسباني في الأربعينات، شريك محتمل، بيتكلم إنجليزي بلكنة واضحة.
معاه وفد من رجال أعمال إسبان. فيه كمان عدد من موظفين الشركة.
باب القاعة بيتفتح، وسيلين داخلة بشياكة، شايلة ملف العرض في إيدها، وسيف جنبها بيبص بسرعة ع الوفد.
سيف (بابتسامة رسمية):
أهلاً وسهلاً بيكم تاني في شركتنا، مستر كارلوس.
يا رب العرض الأولي يكون عجبكم.
كارلوس (وهو بيقوم يسلم):
بصراحة… كان ممتاز. متحمس أسمع من مدام سيلين التفاصيل الفنية.
سيلين (بثقة وصوت هادي لكن حازم):
أكيد. هعرض عليكم دلوقتي خطة العمل لسنة الشراكة الأولى، واللي مبنية على دراسة السوق هناك في مدريد وبرشلونة.
سيلين بتفتح اللابتوب وتشغّل البروجيكتور، وبتبدأ العرض، بتشرح الشرائح واحدة واحدة بدقة.
سيلين (بتركيز):
الخطة دي متقسّمة على 3 مراحل رئيسية، كل مرحلة واخدة في اعتبارها اختلاف السوق الإسباني عن المصري.
بصوا هنا…
[بتشاور على الجرافيك]
نسبة المخاطر بتقل تدريجيًا خلال أول 9 شهور، وده بيسمح نرفع حجم الاستثمار 15٪ مع نهاية المرحلة التانية.
كارلوس بيهمس حاجة لمساعده، وبعدين يبص لسيلين بنظرة إعجاب مهني.
كارلوس:
واضح إنكم عملتوا تحليل معمّق جدًا.
بصراحة ماكنتش متوقع المستوى ده من الدقة.
سيف (بيبص لسيلين وبيبتسم بخفة):
سيلين ما بتقدّمش أقل من الكمال.
سيلين (من غير ما تبص له، وبنبرة فيها حزم):
احنا ما بنحطش توقعات… احنا بنحقّقها.
ضحكة خفيفة من شوية ناس من الوفد. كارلوس يبص لسيف بنظرة جدية.
كارلوس:
تمام… أنا جاهز أناقش البنود الأولية للعقد معاكم حالًا.
سيلين:
ممتاز. إحنا محضّرين نسخة جاهزة للمراجعة، وهجهّز نقاط التفاوض أثناء الغدا.
سيف (بيقوم من مكانه):
يبقى ننتقل للمكتب التنفيذي.
سيلين تقفل اللابتوب وتاخد الملف بإيدها، وتتحرك بثقة جنب الوفد، وسيف وراها بيراقب كل لمحة وسكنة بين كارلوس والناس اللي معاه.
********************
قاعة الاجتماعات – شركة البحيري
الحضور: سيف، سيلين، كارلوس (الشريك الإسباني)، إلينا (البنت الإسبانية)، أعضاء من الفريقين.
كارلوس (وهو بيبص لسيلين بإعجاب وبعدين يبتسم بلُطف):
آنسة سيلين، باين عليكي إنك متعودة تتعاملي مع ملفات معقدة، بس فعلاً بتعرفي تبسّطيها بشكل ممتاز. قليل أوي لما نقابل ستات أذكياء وجميلات زيّك في المجال ده.
سيلين (بنبرة احترافية من غير أي ابتسامة):
شكرًا يا مستر كارلوس. أنا بحب شغلي هو اللي يتكلم عني.
سيف (بشوية تقطيبة وهو بيبص لكارلوس):
أيوه، وسيلين مش بس شاطرة... دي كمان ملتزمة جدًا… في كل حاجة.
كارلوس (بيضحك بخفة، مش فاهم التلميح):
يبقى اللي هيتجوزها يبقى محظوظ جدًا…
إلينا (وهي بتروح نحية سيف وبتبتسم له بجرأة):
والسيد سيف… شكلك كأنك لسه خارج من إعلان برفيوم! إنت بتشتغل موديل جنب الإدارة ولا إيه؟
سيف (بابتسامة مشدودة وهو حاسس إن سيلين بتراقبه):
أظن إني أفضل أعمل ديل كبير… على إني أكون تحت الأضواء.
سيلين (بتبص لإلينا بابتسامة باردة، وبعدين تبص لسيف بنظرة جانبية):
بس هو بيعرف يظهر… وقت ما يكون لازم.
كارلوس (بيقرب شوية من سيلين):
ممكن أعزمك على قهوة بعد الاجتماع؟ كزمايل شغل طبعًا. حابب أسمع أكتر عن مشاريعك اللي فاتت… لو ماعندكيش مانع.
سيف (بصوت هادي لكن نبرته فيها حدّة):
للأسف، سيلين عندها شوية التزامات بعد الاجتماع.
سيلين (بتبص له بدهشة خفيفة):
أول مرة أسمع إن…
سيف (يقطع كلامها وبيبتسم ابتسامة مصطنعة):
كنت مرتّب اجتماع داخلي بخصوص المشروع الأخير… فاكرة يا حبيبتي؟
كارلوس (بيتلج شوية):
حبيبتي؟
سيلين (بتلم الموقف بسرعة، وتبتسم لسيف ببرود):
أيوه… مديرنا العام بيهتم بكل التفاصيل الصغيرة.
إلينا (بتضحك بتوتر):
أوووه… ماكناش نعرف إنكم…
سيف (بهدوء قاتل):
متجوزين… بقالنا شوية كده.
كارلوس (بيحاول يفضل متماسك):
ألف مبروك… باين عليكم… لايقين على بعض.
سيلين (بهمس لسيف من غير ما حد يسمعهم):
إيه اللي انت عملته ده؟
سيف (بيرد بنفس الهمس):
بأكد بس إن الناس تعرف حدودها.
سيلين (بغضب هادي):
ولا علشان مش قادر تستحمل حد يوصفني بالجميلة؟
سيف (بيقرب منها شوية وبيهمس):
لأ… مش قادر أستحمل حد يبصلك كإنك ملك مشاع.
سيلين (نفسها بيتسارع، وهمسها غاضب):
وانت؟ إلينا دي كانت هتكتب اسمها على قميصك من كتر ما لازقاك!
سيف (يبتسم بمكر):
ما تقلقيش… أنا ما بشوفش غير مراتي.
******************
شركة حسام – الساعة 10:45 صباحًا
الموظفين بيجروا في طرقات الشركة، الكل عارف إن المدير العام حسام وصل دلوقتي... صوته العالي ووشّه المكشّر كفاية يخلوا الشركة كلها تعلن حالة الطوارئ.
ندى سكرتيرته بتجري وراه وهي شايلة شوية ملفات، وإيدها بترتعش:
ندى (بصوت واطي):
حضرتك عندك اجتماع مع مجلس الإدارة بعد نص ساعة، وبعدين—
حسام (بيقاطعها من غير ما يبصّ لها):
لغّي كل حاجة! أي حد عنده دماغ هيعرف إن مافيش اجتماع هيتم وأنا في الحالة دي.
ندى (بتوتر):
حاضر، يا فندم…
يدخل حسام مكتبه بعصبية، يرمي الشنطة الجلد على المكتب، ويصرّخ في التليفون الداخلي:
حسام:
وليد! إدخل حالًا!
وليد مدير الموارد البشرية يدخل وهو متردد:
وليد:
صباح الخير يا أستاذ حسام، في حاجة—
حسام (مقاطع، وبيزعق):
إنت بتعمل إيه في المنصب ده؟! بقالي أسبوع بقول عايز تقرير كامل عن الموظفين الجُدد، فين التقرير؟! أنا عايز أمشي الشركة على نظام، مش على مزاجك!
وليد (مرتبك):
يا فندم كنت مستني توقيع حضرتك على اللوايح الجديدة علشان أقدر—
حسام (يضرب المكتب بإيده):
مافيش حاجة اسمها "كنت"! لو التقرير ما كانش على مكتبي خلال نص ساعة، إنت مفصول، فاهم؟!
وليد (بصوت واطي):
فاهم، يا فندم...
يخرج وليد ووشّه في الأرض، وتمر ندى تدي حسام فنجان القهوة، يزقه بعيد من غير ما يبصّله حتى:
حسام:
قلتلك ألف مرة ما تعمليش القهوة دي بإيدك! ناديلي ريم!
ندى (بهمس وهي بتنسحب):
ريم أصلاً قدّمت استقالتها من كتر ما حضرتك كنت بتزعقلها.
يقعد حسام ورا مكتبه، بياخد نفسه بعمق، عينه سرحانة على صورة صغيرة محطوطة جنب شاشة الكمبيوتر... صورة تاليا من كاميرات الحضانة، كان واخدها من وراهم.
حسام (بغضب مكتوم):
دي بنتي... وأنا اللي دفعت عمري كله علشان أحميها... وهي دلوقتي بتكرهني!
يضرب الطرابيزة بقبضته، ويهمس:
حسام:
مش هسيبها تفضل تكرهني... بس كمان مش هاسمح لحد ياخدها مني، حتى لو كانت أمها...
******************
بعد لحظات
السكرتيرة "نورا" بتدخل بخطى مترددة، شايلة شوية ملفات، وصوتها واطي علشان تحاول تتفادى نوبة عصبية جديدة من حسام:
نورا (بهدوء):
أفندم... في ست مستنيا حضرتك في قاعة الاجتماعات، بتقول إنها عندها معاد مع حضرتك، بس الجدول ما فيهوش حاجة دلوقتي.
حسام (من غير ما يرفع راسه، بنبرة حادة):
وده الجديد؟! كله بقى فاكر إنه يقدر يدخللي وقت ما يحب! مين المزعجة دي بقى؟
نورا (بحذر واضح):
اسمها جوليانا مراد... محامية دولية مشهورة جدًا، جاية مخصوص من بيروت علشان تشوف حضرتك. بعتت كارتها، وبتقول إن الموضوع يخص... الآنسة سيلين البحيري.
(عنينا حسام بتتسع بشويّة بطء، وبعدين يبتسم ابتسامة باردة جدًا):
حسام (بهدوء خطير):
جوليانا مراد...؟ آه، سمعت عنها. بيقولوا بتشيل خصومها من على وش الدنيا من غير ما تسيب لهم حتى أثر قانوني...
نورا (بتبلع ريقها من التوتر):
تحب أدخلها لحضرتك؟
حسام (بيقف ورا مكتبه وبيعدّل الجاكيت):
لأ... خديها على قاعة الاجتماعات على طول. يمكن النهاردة نبدأ تحالف يليق بالكمية اللي في قلبي من الكره للبنت اللي اسمها سيلين.
نورا:
حاضر، يا فندم.
أبواب قاعة الاجتماعات الفخمة بتتفتح، وتدخل "جوليانا مراد" — في أواخر التلاتينات، طويلة، وشّها فيه قوة، لبسها رسمي شيك، سواد البدلة بيعكس برودها، عنيها مركّزة في حسام كأنها بتوزن الموقف بالميلي.
جوليانا (ببرود):
كنت متوقعة ألاقيك منفعل أكتر... بس شكلك بتعرف تتحكم في غضبك، يا أستاذ حسام.
حسام (بنص ابتسامة):
بتحكم فيه... لحد ما ألاقي اللي أطلّعه فيه. وشكلك جيتي في معادك.
جوليانا (وهي بتقعد وتفتح شنطتها):
يلا بينا ندخل في الموضوع على طول... إنت بتكره سيلين البحيري، وأنا كمان... لأسباب مختلفة، بس الهدف واحد: نوقعها.
حسام (بيقعد قدامها وبصّص فيها باهتمام):
كمّلي...
جوليانا (بلهجة حاسمة):
اللي هاقوله مش قانوني قوي... بس ذكي كفاية إنه يبان قانوني. عندي ناس جوا شركتها، وعارفة ثغرات هي نفسها مش واخدة بالها منها. هاسلمها لك... حتة حتة.
حسام (بيقفل عنيه لحظة ويفتحهم تاني ببطء):
بحب الناس اللي بتفكر بالطريقة دي... نورتِ فريقي يا جوليانا.
جوليانا (بتبتسم من غير أي مشاعر):
بس أوعى تخذلني.
******************
فيلا حسام – صالة الجلوس الواسعة
المكان شكله رايق وفخم، بس جوّه فيه نار مولعة من الغِل والحقد.
نوال قاعدة على كنبة قطيفة حمرا، ماسكة فنجان القهوة وبتشربه بشويش، عنيها متسمرة في صورة سيلين اللي محطوطة على الترابيزة قدامها.
بتمسك الصورة، تقلبها بين إيديها، وتبتسم ابتسامة كلها سمّ.
نوال (بصوت واطي ومليان كره):
كل مرّة تطلعي منها سليمة يا سيلين... زي التعبانة... بس المرة دي، لأ... مش هتفلتِ.
(الخدامة تدخل بهدوء وراسك محني باحترام):
الخدامة:
مدام، الست رنا وصلت.
نوال (من غير مشاعر):
دخّليها.
(تدخل رنا، واحدة في التلاتينات، شكلها حاد وذكي، لبسها كله أسود أنيق، وبتقعد قصاد نوال بثقة):
رنا:
سمعت إنك محتاجة مساعدة... بس من النوع اللي مش بالقانون؟
نوال (بخبث):
لأ، محتاجة مساعدة من النوع اللي بيخلص... أنا زهقت من الخطط اللي ما بتوصلش لحتة.
أنا عايزاها وجهاً لوجه... عايزة أخلي سيلين تركع تحت رجلي... وتترجاني.
رنا (ببرود):
وناوية تعملي إيه؟
نوال (تقرب منها وتهمس):
بنتها... الصغيرة.
رنا (ترفع حواجبها وتهتم):
تقصدي تاليا؟ البنت اللي محدش عارف أصلها إيه؟
نوال (بابتسامة باردة):
بالظبط... محدش يعرف إنها بنت سيلين، ولا حتى هي بتقول.
اللي يعرفوا السر ده: سيف، وحسام... وأنا.
واللي الناس ما يعرفهوش... أقدر أستخدمه ضده.
رنا (تحك دقنها بتفكير):
خطف طفلة... مخاطرة ومكلف.
بس لو اتنفذ صح... ممكن يكسرها فعلاً.
نوال (بثقة):
أنا مش بخاف من الخطورة.
إنتِ نَفّذي... وأنا هدفع.
أنا عايزاها بأسرع ما يمكن... وعايزة أشوفها وهي بتتبهدل قدامي.
رنا:
ومين هينفّذ؟ أنا ما بشتغلش مع هواة.
نوال:
جبتلك ملف عن مربيتها... الست اللي بتاخدها وتجيبها من الحضانة.
ركّزي معاها، ضعّفيها، راقبيها، واعرفي كل حاجة...بس أهم حاجة: البنت ما تتأذيش... مش دلوقتي.
رنا (تبتسم ابتسامة سامة):
زي ما تحبي.
سيلين هتدفع التمن قريب.
نوال (بصوت تقيل وهي بتبص للصورة تاني):
المرة دي... هتقعي يا سيلين.
وأنا هكون أول واحدة تتفرج عليكِ وإنتِ بتتحرقي.
رواية اقدار لا ترحم الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم سيليا البحيري
نوال (وهي بتمشي حوالين الترابيزة بنظرات كلها مكر، شايلة كوباية عصير وبتوشوش صحبتها):"فضل خطوة واحدة بس… لو خطفنا البنت، سيلين هتتكسر. قلبها هو نقطة ضعفها، وهتركع لنا أول ما تسمع إن تاليا في خطر."
الصحبة (بتضحك بخبث):"بس نخلي بالنا، سيلين مش سهلة خالص. عينيها فـ كل حتة."
نوال (بثقة):"حتى لو... أنا ظبطت كل حاجة. العربية جاهزة، والسواق من رجالة حسام اللي بيموتوا فيه. اللي فاضل بس إن البنت تخرج من المدرسة."
(بيضحكوا ضحكة شيطانية، مش واخدين بالهم إن ورا الستارة التقيلة، واقفة ريما الشغالة، وبتتنفس بصعوبة وهي بتحاول تكتم شهقة خوفها)
ريما (في سرها وهي عنيها بتسرح من الرعب):"يا نهار أبيض… عايزين يخطفوا تاليا! لازم أوصل لـ مدام سيلين… قبل ما يفوت الأوان!"
(ريما تتحرك بهدوء من الباب اللي ورا، وبعدين تجرى أول ما توصل لباب الفيلا اللي ورا)
(المشهد يقطع بسرعة – عربية سودا ماشية بسرعة، جواها ريما بتنهج وهي ماسكة موبايلها)
ريما (مرتبكة وبتكلم نفسها):"ردّي يا مدام… ردّي بقى، دي بنتك في خطر كبير!"
(بتظهر شاشة الموبايل: "اتصال جاري... سيلين")
برّه الحضانة، جوه عربية سيلين
سيلين كانت واقفة بالعربية قريب من بوابة الحضانة، بتبص من الإزاز لجوا، وهي شايفة تاليا بتلعب مع ريان. قلبها كان بيتقطع وهي بتشوف الضحكة البريئة على وش بنتها. ابتسمت شوية، لكن فجأة شهقت لما تليفونها رن.
سيلين (بتنهيدة وهي بترد):"ألو؟"
ريما (بصوت واطي ومرعوب):"مدام سيلين، لازم أقولك بسرعه... سمعتهم، نوال والسكرتيرة الجديدة... كانوا بيتكلموا عن إنهم هيخطفوا الآنسة تاليا!"
سيلين (شهقت وعنيها وسعت):"إيه؟! إنتي متأكدة يا ريما؟"
ريما:"والله العظيم! قالوا هيساوموكي بيها... وإنها آخر كارت في إيديهم... لازم تتصرفي بسرعة!"
سيلين بصت تاني من الإزاز على تاليا، بس المرة دي عنيها كانت مولعة بالغضب، خدّت نفس عميق وعيونها كانت نار.
سيلين (بصوت هادي لكن يخوف):"خليكي مكانك، ما تتحركيش... أنا هتصرف دلوقتي."
بعد دقايق – جوه الحضانة
دخلت سيلين بثقة، قربت من تاليا وضمّتها جامد، بعدين نادت على ريان وابتسمت له وهي ماسكة إيده.
المُربية:"مدام سيلين، مكنّاش في إبلاغ إن حضرتك هتاخدي الأطفال النهاردة..."
سيلين (بصوت ناعم بس كله قوة):"حصل ظرف طارئ. النهاردة إجازة ليهم... أنا هاخدهم معايا شوية."
بصّت سيلين على جنب القوضة، لمّا شافت وليد، ابن نوال وحسام، قاعد لوحده وساكت، شكله حزين وفيه علامة كدمة صغيرة على إيده.
عنيها وسعت، ومشيت ناحيته بهدوء.
سيلين (برقة):"يا حبيبي... وليد؟ تحب تيجي معانا النهاردة؟ نروح نلعب سوا؟ تاليا و ريان جايين كمان."
وليد بص لها بتردد، بس بعد لحظة أومأ براسه بهدوء، كأنه لقى نقطة دفء كان محتاجها.
المُربية (بتردد):"بس... وليد مفيش حد يقدر ياخده غير باباه أو مامته..."
سيلين (بصوت حازم كأنه أمر رسمي):"معايا أوراق وصاية مؤقتة من المحكمة. لحماية الولد من أي أذى... أنا مسؤولة عنه دلوقتي. ولو حابة، اتصلي بمحامي العيلة."
طلعت ورقة من شنطتها، إدّتها للمربية اللي قرتها وعنيها كلها دهشة، وبعدها هزّت راسها باستسلام.
قدّام العربية
سيلين فتحت الباب الخلفي للعربية، وركّبت التلات أطفال، وبعدها قعدت ورا الدريكسيون وبصّت في المراية.
سيلين (بهمس لنفسها):"لو نوال وحسام فاكرين إنهم بيلعبوا بالنار... يبقوا مستنيين يتحرقوا بيها."
فيلا حسام – مساءً
الصالة الرئيسية – الأجواء متوترة، الساعة تقارب السابعة مساءً.
حسام يدخل الفيلا بخطى متسارعة، نزع سترته بحدة وهو ينادي بانفعال:
حسام (بعصبية):نوال! فين وليد؟ ليه ما رجعش من الحضانة لحد دلوقتي؟!
نوال (شاردة، تنتظر مكالمة على أعصابها):ها؟ وليد؟... آه... نسيت... أكيد في طريقه مع السائق، مش مهم دلوقتي.
حسام (يتقدم نحوها):مش مهم؟! ابني مش مهم؟! إنتي من الصبح مركزة على تاليا ومخططك المجنون وناسيه ابنك فين؟!
نوال (بتوتر):أرجوك حسام، خليني أركز! المفروض توصلني مكالمة من رجالتنا دلوقتي... البنت لازم تكون في إيدينا خلال دقائق!
حسام (يمسك هاتفه يتفقده بقلق):رجعت اتصلت بالسائق، ما بيردش! والمربية كمان موبايلها مغلق!
(لحظة صمت ثقيلة)
رن الهاتف فجأة – اسم المتصل: المحامي الشخصي لحسام.
حسام (يرد وهو يتنفس بعنف):أيوه، اتفضل؟
المحامي (بصوت هادئ لكنه حاسم):أستاذ حسام... حبيت أبلغك أن المحكمة أصدرت القرار النهائي بخصوص قضية الحضانة...
حسام (يتجمد):قضية إيه؟ أي حضانة؟ إحنا ما عنا أي قضية حالياً!
المحامي:لا، هي الدعوى اللي رفعتها السيدة سيلين منذ أسبوعين بخصوص الوصاية على الطفل وليد... لقد قدمت مستندات وشهادات تثبت الإهمال وسوء المعاملة، وتم قبول الطلب بشكل مستعجل نظراً لحالة الطفل النفسية.
حسام (ينفجر):إنت بتقول إيه؟! سيلين؟! ووصاية على ابني؟!!
المحامي:أنا آسف، لكن تم منحها الحضانة المؤقتة الكاملة منذ يومين، وتم إعلام المحكمة بأن الطفل سيكون معها ابتداءً من اليوم... أي محاولة لاسترجاعه الآن تعتبر خرقاً قانونياً.
حسام (ينظر لنوال بصدمة مرعبة):هي خدت وليد... وهي معها دلوقتي...
نوال (يعلو صوتها بغضب):لا لا لا! هذا مستحيل! إحنا اللي خططنا نأذيها، مش العكس! إحنا اللي نتحكم!
حسام (يضرب الطاولة بقبضته):انتي سبب كل ده!! بدل ما تركزي على ابنك، رحتِ تلعبين بلعبة انتقام قذرة! دلوقتي مش بس فشلتي، ضيعتي ابني بإيدك!
نوال (تصرخ):مش ممكن! أنا ما كنت أعرف إنها كانت بتراقبنا... ولا إنه عندها أوراق! كيف قدرت تعمل كده؟!
حسام (ببرود متجمد):لأنها أذكى منك... وأذكى مني.
(صمت مطبق – تُسمع في الخلفية ضحكة طفل عبر رسالة صوتية على هاتف نوال... تفتحها لتسمع صوت تاليا ووليد يضحكان وهما يقولان: "ماما سيلين جابتلنا آيس كريم!")
نوال (تنهار على الأريكة):هي خدت كل حاجة... كل حاجة...
حسام (ينظر من النافذة وعيناه مليئة بالغليان):الحرب بدأت فعلاً... وسيلين هي اللي أعلنتها.
المشهد يختتم على ملامح نوال وهي تتلاشى بين الذهول والانهيار... بينما حسام يرفع الهاتف ويتصل بشخص غامض قائلاً:
حسام:جهز الخطة البديلة... ما عاد فينا نخسر أكتر
حسام كان ماشي زي التايه في الصالة، بيتمشى زي التور المجروح بعد ما سمع المكالمة من المحامي.
نوال كانت ماشية رايحة جاية، مستنية تليفون من رجالتها يطمنها إن "تاليا" اتخطفت.
لسّه مش عارفة إن ابنها "وليد" مش في البيت.
وفجأة... التليفون رنّ. رقم مش مسجل.
بصّت على حسام، وبعدين ردّت بتردد.
نوال (بتوتر):"ألو؟"
سيلين (بصوت بارد وساخر):"مساء الخير يا نوال... ولاّ أقولك، مساء الجنان! عاملة إيه؟ أكيد مشغولة في تنسيق عملية الخطف، مش كده؟"
نوال (بتتجمد):"سيلين؟!!"
سيلين (بتضحك):"أيوه يا روحي، سيلين... خصمتك اللي كل مرّة بتطلعي منها خسرانة."
حسام (من بعيد):"مين؟ بتكلمي مين؟"
نوال (بصوت بيترعش):"سيلين..."
سيلين (بهدوء يخوف):"كنت بس حابة أبلّغكم خبر صغير... تاليا بخير، ريان بخير، وحتّى... ابنكم الحبيب وليد، تمام التمام، وبيضحك دلوقتي وهو بياكل شوكولاتة لأول مرة في حياته."
نوال (بتصرخ):"إنتي بتقولي إيه؟! وليد؟!! إيه دخله هو؟!"
سيلين (بضحكة انتصار):"آه صحيح... نسيتوه وانشغلتوا ببنتي، بس أنا ما نسيتش. وليد دلوقتي تحت وصايتي، والورق كله رسمي. المحامي كلمكم، صح؟"
حسام (بياخد التليفون من نوال بعصبية):"سيلين!! إيه الهبل ده؟! وليد ابني!"
سيلين (ببرود):"كان... لما كنت تعرف تربيه. لكن القسوة اللي عاملتوه بيها؟ المحكمة شافت اللي يكفي... وهو دلوقتي مع ناس بتحبه، وبتحضنه."
نوال (بجنون):"إنتي مش هتفَلتي! والله ما هتفَلتي يا قليلة الأدب! أنا هـ..."
سيلين (بتقاطعها ببرود):"آه، على فكرة... بلّغي سلامي للعقربة هايدي، مرات مازن. كانت فاكرة نفسها ذكية؟ قولي لها تجهز، لأن اللي جاي أكبر من خيالها. إنتو كلكم عرايس ماريونيت... وأنا اللي بشد الخيط."
ضحكت سيلين ضحكة عالية، فيها مرارة بس كلها انتصار.
سيلين:"كسبنا الجولة يا نوال... بس الحرب؟ لسه بادْية."
وقفلت المكالمة.
نوال (رمت التليفون وصرخت بجنون):"آآآآآآه!!! مش ممكن!!! أنا هاقتِلها! هاقتِلها!!"
حسام قعد على الكنبة، دفن وشه في إيديه، مش مصدق اللي بيحصل.
حسام (بصوت مكسور):"كل حاجة راحت... حتى وليد... ما بقاش عندي حاجة خلاص..."
في جنينة فيلا البحيري – بعد الضهر
نسمة هادية، وشمس دافية بتلمس وشوش العيال بلطف
أُرجوحه متعلقة بين شجرتين، وترابيزة خشب صغيرة مليانة آيس كريم وشوكولاتة بألوان،
تاليا واقفة على الكرسي بتاخد "كوكيز" من الطبق، وريان بيضحك وهو بيجري ورا فراشة،
أما وليد، فقاعد جنب سيلين، بياكل شوكولاتة وكأنه بيشوف الدنيا لأول مرّة.
تاليا (بحماس):"مااااااااااما! بصّي! أنا عملت البوظة على شكل قلب!"
سيلين (بتضحك بحنية):"شُطرة يا روحي! بس إلحقي كليها قبل ما تدوب، الشمس أقوى منك النهاردة."
ريان (بينادي من بعيد):"تالياااا! تعالي شُوفي! في نملة بتاكل حتة كيكة!"
تاليا (بتصرخ):"لاااا! دي الكيكة بتاعتييي!"
سيلين (بتضحك وهي بتبص عليهم):"يا ربّي... لحظة زي دي تنسيني الدنيا كلها."
وليد (بخجل وهو بياكل):"طنط سيلين..."
سيلين (بتبص له بلُطف):"أيوه يا حبيبي؟"
وليد (بصوت واطي):"أنا... أنا مبسوط هنا... مش عايز أرجع البيت..."
سيلين (وشها كله حنية، وقعدت جنبه على النجيلة):"يا وليد... إنت مش لازم ترجع تاني لمكان يوجعك. من النهاردة، ده بيتك...وأنا... بوعدك، مش هسمح لحد يزعلك تاني أبداً."
وليد (بصّ لها وعيونه بتلمع):"بجد؟"
سيلين (حطت إيدها على راسه بحنان):"أيوه يا قلب ماما... وعد شرف."
وفجأة، جرس الباب بيرن...
سيلين (قامت بهدوء):"شكله وصل..."
تاليا (بفضول):"مين جه يا ماما؟"
سيلين (بابتسامة وهي رايحة على الباب):"ضيف قديم... زي ما أنتو غيرتوا حياتي، هو كمان... هيغير الباقي."
سيلين فتحت الباب بهدوء،
لقت ياسر واقف قدامها، أنيق كالعادة،
نظراته فيها ثقة وغموض، وابتسامة خفيفة مرسومة على وشّه...
ياسر (بسخرية خفيفة):"العيال بيضحكوا، والحلوى متوزعة... شكلي جيت متأخر؟ المعركة خلاص خلصت يا سيلين؟"
سيلين (نظرة كلها نصر وهدوء):"لأ يا ياسر... دي لسه بتبدأ."
رواية اقدار لا ترحم الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم سيليا البحيري
أوضة النوم – فيلا سيف
نص الليل
النور خافت، جاي من أباجورة صغيرة جنب السرير.
الدنيا ساكتة، مفيش غير صوت الهوا اللي بيعدّي بهدوء من الشباك.
سيلين قاعدة على طرف السرير، لابسة روب قُطني بسيط، شعرها سايب، وعينيها شاردة ناحية الشباك.
سيف بيخرج من الحمام لابس بيجامة، بيبصّ لها لحظة من غير ما يتكلم، وبعدين يقرّب منها بالراحة.
سيف (بصوت هادي):"لسّه صاحية؟ مش من عادتك تسهري كده…"
سيلين (من غير ما تبصّله):"في حاجات كتير بتلف في دماغي… مش عارفة أنام."
سيف (بيقعد جنبها):"تاليا ووليد نايمين زي الفل، وريان ماسك الدبدوب ومش سايبه…بس شكلك إنتِ اللي محتاجة تطمني."
سيلين (بتبص له بهدوء):"أنا كويسة يا سيف…بس يمكن لأول مرة من زمان أوي، أحس إني في أمان… وده لوحده بيخوّفني أكتر من الخطر."
سيف بيبتسم ابتسامة بسيطة، وبيبصلها في عنيها.
سيف: "الأمان مش مرعب… المرعب إنك تعيشي طول عمرك خايفة توصلي له.
إنتِ عملتي حاجات كبيرة، حاجات أنا نفسي معرفتش أعملها.
أنا حتى… معرفتش أحميك زي ما كنتِ تستحقي."
سيلين (بصوت واطي):"إنت الوحيد اللي فضّل جمبي…حتى لما كل الناس شكوا فيّ، إنت ما شكّيتش لحظة."
سيف (بصوت دافي):"وأنا فخور إني جنبك… مش بس علشان العيال…علشانك إنتِ، علشان سيلين اللي عرفتها من زمان."
(طلحظة صمت تمرّ، سيلين تهمس بصوت هادي، من غير ما تبص له)
سيلين: "أوقات بنسى إننا متجوزين…بس هو كده فعلاً؟ متجوزين على الورق بس…"
سيف (بهداوة، وعنيه مثبتة عليها):"الورق عمره ما كان هو اللي بيحدد القرب…ولا بيمنعه."
سيلين تتردد لحظة، وبعدين ترفع عينيها له، نظرة كلها شكر وخجل بسيط.
سيف يمدّ إيده ويمسك إيدها بهدوء.
سيف (بصوت واطي):"أنا مش هضغط عليكي، ولا هستعجل أي حاجة…بس لو في يوم حسيتي إنك عايزة تبقي قريبة…أنا هنا، ومش ناوي أبعد."
سيلين تحس برجفة صغيرة جواها، وتبتسم ابتسامة خفيفة.
وبعدين تميل برأسها على كتفه في سكون.
سيف يلفّ دراعه حواليها بلُطف.
سيلين (بهمس):"أنا تعبت أوي يا سيف…بس وأنا جنبك… بحس بالأمان."
سيف (بابتسامة فيها حنية):"وهتفضلي حاسة بالأمان…طول ما أنا جمبك."
يقعدوا سوا في هدوء وسكون…لأول مرة كإنهم فعلاً جوزين مش بس على الورق…ورغم الوجع، كان فيه دفء بيتولد جوا الضلمة.
********************
غرفة إيهاب وياسمين
الساعة العاشرة مساءً
غرفة هادئة يغمرها نور أصفر ناعم ينبعث من أباجورة جانبية.
ياسمين ترتدي منامة قطنية مزركشة وتجلس على السرير وهي تسرّح شعرها الطويل، بينما إيهاب يجلس بجانبها، يحمل كوبًا من شاي النعناع، وعيناه تتابعان ملامحها بابتسامة ناعمة.
إيهاب (بصوت دافئ):"عارفة إنك لما تسرّحي شعرك كده... بتحسيّني إني في بيت دافئ حقيقي."
يميل ليقبّل جبينها بحنان.
ياسمين (تضحك بخجل):"ما تبالغش يا إيهاب... ده بس شعر مش نار مدفأة!"
إيهاب (يضحك):"لا والله... إنتِ كل حاجة فيك بتطمني. و... بتهيألي الوقت جه."
ياسمين (ترمقه باستغراب لطيف):"وقت إيه؟"
إيهاب (ينظر في عينيها بجدية ممزوجة بشغف):"عايز أكون أب، يا ياسمين."
يسكت لحظة ثم يكمل بصوت أكثر رقة: "نخلي ضحكتك تترسم في طفل صغير... يشبهك."
ياسمين (تضع يدها على صدره بتأثر):"بجد يا إيهاب؟... كنت مستنية اليوم اللي تقول فيه كده. أنا كمان عايزة... طفل يشبهك، بنفس طيبتك وروحك الجميلة."
إيهاب (يضمها برفق):"يبقى نبدأ من النهاردة نحلم سوا."
(لحظة صمت دافئة، ثم تنتقل ياسمين للحديث بصوت خافت)
ياسمين: "تحس سيف مرتاح مع سيلين؟ حسّيت في نظراته ليها حاجة متغيّرة."
إيهاب (يبتسم بخبث خفيف):"هو مش بيعترف بسهولة، بس أنا أخوه... وبشوف. سيف من النوع اللي لو دخل حد قلبه، بيحارب الدنيا عشانه."
ياسمين (تفكر قليلاً):"وسيلين... تحسيها جبل. عدّت على اللي محدش يتحمله ولسه واقفة."
إيهاب (بثقة):"هي ما بتنكسرش، ياسمين. سيلين أقوى من الناس كلهم... حتى سيف نفسه بيخاف عليها مش منها."
ثم ينظر لها بشيء من الفخر: "هي مش بس قوية... هي ذكية، ومخلصة، و... لو سيف فاق فعلاً، هيكون أسعد رجل في الدنيا."
ياسمين (تضحك برقة):"ربنا يكتب لهم الخير... زي ما كتبه لنا."
ثم تهمس: "ونكتب اسم البيبي من دلوقتي؟"
إيهاب (يمسك يدها ويقبّلها):"نبدأ نكتب الحلم... من الليلة."
تُطفأ الأباجورة، وتستمر الهمسات بينهما في ظلال المحبة والدفء.
*********************
أوضة نوم مازن وهايدي
بالليل – نور خافت
مازن قاعد على السرير، لابس بيجامته، ماسك كتاب في إيده بس مش قادر يركز. نظرته شاردة، وشه باهت وتعبان، آثار المرض باينة عليه… بس في عينيه فيه نقطة أمل في حب ما عرفش يكتمل.
هايدي بتدخل الأوضة، لابسة فستان شيك، متعطرة، وبتبص في المراية وهي بتظبط شعرها برقة فيها دلال.
مازن (بصوت واطي ومتردد):"اتأخرتي يا هايدي… كنت قلقان عليكي."
هايدي (ببرود):"كنت مع صحابي. لازم آخد نَفَس… مش كل حياتي تبقى دوشة ومرض وهمّ."
مازن (يحاول يبتسم):"أنا آسف لو دايقتك… بس وجودك جمبي بيريّحني.
النهارده كنت تعبان شوية… والدكتور قال لازم أرتاح أكتر."
هايدي (بتلفّ تبصله بنظرة استهزاء):"دايمًا تعبان… دايمًا ضعيف.
أنا اتجوزتكش عشان أتحبس في بيت أراعى مريض طول عمري."
مازن (صوته بيكسر):"بس أنا بحبك يا هايدي…وكل اللي بطلبه بس، تبقي جنبي.
عارف إني مش زي الناس التانيين…بس قلبي ليكي، وانتي دنيتي."
هايدي (تضحك بسخرية وهي رايحة ناحية الدولاب):"قلبك؟!
أعمل بإيه بقلبك؟
أنا محتاجة راجل يحركني، يعيّشني… مش يوقفلي الزمن!
تتوقع إني أدفن شبابي في أربع حيطان عشانك؟
أنا خسرت كتير في الجوازة دي… بس الحمد لله، لسه فيه حاجة تعوّضني."
مازن (بصوت منخفض):"هايدي… تعبتِ مني؟ من مرضي؟ من حياتنا؟"
هايدي (بضحكة باردة وهي بتبص على ضوافرها):"وأخيرًا فهمت!
كنت مستغربة إزاي ما أخدتش بالك لحد دلوقتي.
الحياة معاك؟ خانقة…كأنها سجن، من غير شباك ولا نفس."
مازن (بيحاول يلم نفسه):"أنا بحاول…بحاول أكون جوز كويس، رغم كل حاجة.
بس…عمرك حبيتينى، صح؟"
هايدي (ترفع حاجبها وتقعد قدامه على الكرسي، ونظرتها باردة):"أحبك؟
أنا ما اتجوزتكش عشان الحب يا مازن.
اتجوزتك عشان إنت من عيلة الغريب…الاسم بتاعك لوحده كنز.
بس للأسف… طلعت المفتاح المكسور."
مازن (ينزل عينيه، وبيبلع غصته):"حتى لو ما بتحبينيش…ما كانش لازم تجرحيني بالشكل ده."
هايدي (بضحكة ملسوعة):"إيهاب؟ حتى وهو طيب وبريء… فيه رجولة.
وسيف؟ آه سيف… ده الراجل بجد.
قوي، واثق، عارف هو مين.
أما إنت؟
إنت مجرد ظل باهت لإخواتك."
مازن (يمسح دمعة خفيفة):"أنا أخوهم… وجوزك… وشريكك في البيت. ليه المقارنة؟"
هايدي (بتقف وتلف ضهرها):"علشان المقارنة هي اللي بتكشف الحقيقة.
وخليني أقولك… لا سيف، ولا إيهاب، ينفع يتقارنوا بيك.
حتى لو حاولت."
مازن (صوته بيتهدج):"كنت فاكر إن المرض هو أسوأ حاجة حصلتلي…بس شكلك إنتي أسوأ ابتلاء في حياتي."
هايدي (تلف تبص له بابتسامة باردة):"والأسوأ؟إنك لسه ماسك فيا…مع إني من أول يوم، ما حسيتش بيك ولا لحظة."
مازن (بيقوم بصعوبة، ويقرب منها):"مش هطلب حبك تاني…بس بلاش تكمّلي في إهانتي.
أنا مريض… مش ميت من جوا."
هايدي (تبتعد بخطوة، ببرود):"واضح…بس قريب."
مازن (يهمس وهو رايح ناحية الشباك):"ربنا يسامحك يا هايدي…عارف إنك ما تستاهليش حتى دمعة،بس قلبي… ما سمعش الكلام."
*******************
غرفة نوم فخمة في فيلا راقية – في المساء
الإضاءة خافتة، أضواء المدينة تتسلل من خلف الستائر الشفافة.
جوليانا تقف أمام المرآة ترتدي روب حريري أسود وشعرها منسدل بعناية. في يدها كأس نبيذ أحمر، وفي عينيها لمعة انتصار شيطانية.
تشغّل موسيقى كلاسيكية خفيفة من هاتفها، ثم تتحدث مع نفسها بصوت واثق وبارد:
جوليانا (تبتسم بخبث وهي تنظر لانعكاسها):"وأخيراً يا سيلين… رجعت اللعبة تشتغل، بس هالمرة أنا اللي حاطّة القوانين."
(ترتشف من كأسها وتجلس على الكرسي أمام مرآة الزينة)
جوليانا (بتهكم):"كل ما بشوف وجهك الناشف بالصور، بتذكّر الجامعة… وبتذكّر كيف كنتي دايماً الأولى… دايماً المتفوّقة… دايماً الكل حواليكي!"
(تضحك بسخرية)
"بس مش هالمرة، لا يا ست سيلين! لبنان مش مثل هون، وهون... أنا جاي آخد كل شي. شركتك، اسمك، حتى رجالك!"
تسحب من على الطاولة ملفّاً أصفر يحمل شعار شركة حسام، تقلبه ببطء وهي تتابع.
جوليانا (بثقة):"حسام لعبته واضحة، بيموت بالسلطة وبيكره الخسارة… وأنا؟ أنا بعرف كيف أزرع الكراهية صح. تحالفي معه خطوة أولى بس…"
تنهض وتمشي نحو النافذة، تحدّق في الأفق.
جوليانا (بنبرة منخفضة حاقدة):"رح أخليكي تركعي يا سيلين… رح أخليكي تتمنّي لو ما رجعتي أبداً… ولو كانت عندك نصف ذرة ذكاء، كنتي فهمتي من أول لحظة إنو جوليانا ما بتنسى، وما بتسامح."
تبتسم بتشفٍ، ترشف آخر قطرة من كأسها، وتطفئ الموسيقى.
جوليانا (بهدوء قاتل):"اللعبة بلّشت… والله يعينك عالنهاية."
*******************
فيلا حسام – بالليل – أوضة المعيشة الواسعة
الجو متكهّر، والسكوت مالي المكان، مفيش صوت غير النفس التقيل، ونظرات كلها غضب وصدمة.
حسام واقف عند الشباك بيتنفس بسرعة، نوال قاعدة على الكنبة ووشّها بيولّع، رهف باصة بقلق، وليلى متجمّدة في مكانها، وجمال واقف في النص، عينيه مليانة غِلّ وهو باصص على ابنه.
نوال (بتزعق بصوت عالي):"يعني إزاي؟! إزاي تاخده وهي أصلًا ما تعرفش عنه حاجه؟!
إزاي المحكمة تدّيها وليد؟! ده ابني! ابني أنا يا حسام!!"
حسام (بصوت غاضب ومخنوق):"أنا نفسي مش فاهم!
المحامي كلّمني وقال الحكم طالع من أسبوع وإحنا ما نعرفش!
سيلين لعبتها صح… استغلت كل حاجه!"
جمال (ينفجر بصوت مخنوق):"لعبتها صح؟!يعني إنت واقف تتفرج؟!
كنت فين وهي بتحضّر لكل ده؟
خدت تاليا وسكتنا… دلوقتي تاخد وليد كمان؟!"
ليلى (بحزن وانكسار):"مش قادرة أصدق إن سيلين…اللي كنا بنقول عليها بنتنا… تعمل فينا كده..."
رهف (بتحاول تهديهم):"ماما… بابا… يمكن في حاجه مش واضحة…يمكن كانت شايفة إن معاملة ماما لوليد…"
نوال (بتقوم وتزعق فيها):"أنا اللي ربيته!أنا اللي شايلة همه!تيجي هي كده، تاخده منّي؟!مستحيـــــل!!"
جمال (يبُص لحسام بصوت حاد):"إنت السبب!إنت ونوال!إنتو اللي خلّيتونا نكرهها، تزرعوا فينا شك وكره…تقولوا خاينة، تقولوا ملهاش ضمير…وهي؟ بهدوء… وبلا ولا صوت… كسبت!"
حسام (يضرب بإيده على الحيطة):"كنت فاكرها خلصت…إنها انتهت خلاص!ما توقعتش ترجع بالقوة دي…"
ليلى (بهمس ودموعها على خدها):"هي ما رجعتش…هي انتقمت… وبأذكى طريقة…"
نوال (بتقف وتزعق):"مش هسكت!هستأنف وهارفع قضية، وهقلب الدنيا فوق دماغها!عايزة حرب؟ أنا قدّ الحرب!"
جمال (بغضب قاسي):"ما تعيطيش بقى لما تخسري كل حاجه…سيلين مش أي واحدة…وإنت يا حسام؟لو عندك نقطة رجولة، كنت وقفتها من زمان."
رهف (بهمس وهي سرحانة):"كانت دايمًا تقول… الظلم عمره ما بيطول..."
الكل واقف مصدوم... سيلين عملتها...وخدت وليد…وابتدت تقلب الترابيزة على الكل، واحدة واحدة...
*********************
بعد لحظات من السكوت والتوتر… الكل بيغلي من الغضب، وحسام بيهرش راسه بعصبية، وفجأة عينيه بتتفتح على الآخر كإنه افتكر حاجة مهمة.
حسام (بيوشوش نفسه):"جوليانا… المحامية اللبنانية… كانت بتقول تقدر تقلب أي ترابيزة… وقالت جاية مخصوص علشان سيلين…"
يمسك تليفونه بسرعة، إيده بترتعش شوية وهو بيدوّر على رقمه.
ليلى (بتبص له باستغراب):"بتكلم مين دلوقتي؟ مش لسه مصدومين كفاية؟!"
حسام (وهو بيقف بسرعة ومتوتر):"بكلم الوحيدة اللي ممكن ترجع لي وليد… جوليانا."
جمال (ساخر وبيضحك بسُم):"آه، هتجيب المرتزقة بقى؟
سيلين لعبتها قانونية ونضيفة… مش زي ألاعيبك."
نوال (بعصبية):"بس لو جوليانا دي محامية جامدة بجد، يمكن تلاقي لنا ثغرة في الحكم!"
حسام يبعد شوية عنهم وهو بيدوس على زر الاتصال، الكاميرا تروح مع صوته في المكالمة...
جوليانا (بصوت هادي وواثق):"حسااام… ما كنتش متوقعة تكلم بسرعة كده. واضح إنك ولعت نارك خلاص."
حسام (مستعجل):"الدنيا اتقلبت يا جوليانا! سيلين خطفت وليد! إزاي عملت كده؟!لازم ترجعيه لي بأي طريقة!"
جوليانا (بضحكة خفيفة مستفزة):"ما أنا قلت لك… هي قوية، بس أنا أقوى.
قوليلي، إمتى نتقابل؟ أنا محتاجة كل ورق قضية الحضانة، وكل حاجة تخص وليد."
حسام (بحماسة):"النهاردة! هبعتلك كل حاجة الليلة… بس بالله عليكي… خلينا نكسر غرورها."
جوليانا (ببرود وقسوة):"أنا هعمل أكتر من كده، حسام…
سيلين هتندم على اليوم اللي قررت فيه تتحداني مرتين.
أول مرة في الجامعة… والتانية دلوقتي.
بس خلي بالك… ده مش هيكون ببلاش."
حسام (من غير تردد):"ادفعيها التمن اللي يعجبك…بس رجعي لي ابني… وخلّيها تنهار."
جوليانا (بهمسة مرعبة):"تمّ… جهّز نفسك، الحرب بدأت يا حسام."
المكالمة تخلص… حسام يرجع للصالة ووشّه كله غضب وعيونه مولّعة.
حسام (بصوت منتصر):"جوليانا هتتكفل بالموضوع… سيلين انتهت."
نوال (بانفعال):"يا رب تطلع قد كلمتها…أنا مش قادرة أستوعب إن وليد مش معايا!"
جمال (بيتنهد بقوة وبيحذر):"خد بالك يا حسام… اللعب بالقانون مش لعب عيال…ولو خسرت، هتدفع التمن غالي أوي."
المشهد ينتهي على لقطة قريبة من وشّ حسام… قلق وشر باينين في ملامحه،وصوت نوال وهي بتبكي وراهم بهدوء بيملأ الخلفية...
**********************
بعد كام يوم – مطار القاهرة الدولي – صالة كبار الزوار
الساعة حوالي 12 الظهر – الجو معتدل، وشمس هادية داخلة من الإزاز العالي.
سيلين وسيف واقفين جنب الكراسي الجلد الفخمة، ولارين واقفة معاهم ماسكة إيد ابنها ريان، وتاليا الصغيرة بتلف حوالينهم بحماس وشايلة شنطتها الزهرية.
ياسر وأمير واقفين على جنب، بيبصوا لبعض بنظرات متحفزة.
تاليا (وهي بتنط من الفرحة):"مامااا، هو جدو إياد اتأخّر ليه؟! قالّي هيجيبلي مفاجأة كبيييرة!"
سيلين (بتبتسم وتنزل على ركبتها تعدّل التوكة في شعر بنتها):"قرب يوصل يا قلبي... الطيارة نزلت خلاص، بس يمكن واقف في الجمارك شوية."
ريان (يجري لتاليا):"جدو قال هيجيبلي عربية بوليس جبببيرة! أكبر من اللي عندي!"
لارين (بتضحك وهى بتبص عليهم):"لو جابلكم لعب أكتر من كده، مش هنعرف نحطهم في البيت أصلًا!"
سيف (يبص لسيلين وهمس):"بصراحة… متوتر شوية. مش عارف هقوله إيه لما أشوفه."
سيلين (تحط إيدها على كدفه تطمّنه):"خليك طبيعي… إياد راجل طيب جدًا، وبيحب الناس اللي بتحبني. هيحبك من أول لحظة، صدقني."
أمير (بيبصلهم بنظرة مستفزة):"بس خليك فاكر… مش أي حد بياخد ثقة إياد باشا كده بالساهل."
ياسر (يحذر أخوه):"أمير، بلاش كلام مالوش لازمة دلوقتي."
لارين (بهدوء):"أمير، إياد بيعتبرك وسيف زي ولاده. إحنا عيلة… بلاش عداوة."
تاليا (تصرخ وتشاور ناحية البوابة):"مااااماااااا!! جدوووو إياد جيييه!! شوفتووو!!"
سيلين (تلف بسرعة وعينيها تدمع):"إياد..."
تدخل نهال – ست شيك وعنيها كلها حنية – ومعاها راجل كبير في السن ببدلة شيك، شعره أبيض بس ضحكته دافية… ده إياد.
إياد (فاتح دراعه وبيضحك):"بناتي الحلوين… تعالوا لحضني!"
تاليا و ريان (يجروا عليه ويحضنوه):"جدوووو!! جدو إياد!!"
نهال (تقرّب من سيلين وتحضنها):"وحشتيني يا بنتي… ما شاء الله، كبرتي وبقيتي أقوى من الكل."
سيلين (بدموع في عينيها):"إنتي نورنا يا خالتي نهال… وحشتوني أوي."
إياد (يبص لسيف ويمد إيده):"إنت سيف؟سمعت عنك كتير… يوسف لو كان عايش، كان فخور ببنته وباللي واقف معاها."
سيف (يمد إيده بثقة):"الشرف ليا يا باشا… وإن شاء الله أكون قد الثقة دي."
إياد (بابتسامة):"أنا مش بسهولة أدي ثقتي… بس أنا شايف في عنيك صدق وإخلاص… وده كفاية كبداية."
أمير (يبص له بخجل):"أهلاً بيك يا بابا…"
إياد (بصرامة حنينة):"تعال هنا يا أمير. (ويحضنه جامد)مش عايز خلافات بينكم… عايزين نرجع لمّة زمان… عيلة واحدة، قلب واحد."
لارين (بهمس لياسر):"الدفا رجع… كأن الزمن رجع ورا."
فجأة إياد يبص على ياسر اللي واقف ساكت، عينيه كلها لهفة وندم، وإياد يوشوش باسم ابنه:
إياد (بصوت مكسور):"…ياسر؟"
ياسر (بصوت خافت):"بابا…"
الحاجز يقع، إياد يفتح دراعه وياسر يجرى عليه، حضن طويل كله شوق ودموع بعد سبع سنين فُراق.
إياد (بيبكي زي الطفل):"ابني… حي… ابني رجعلي… كنت فاكرني فقدتك للأبد… يا رب رحمتك…"
نهال (تقرّب وهي بتحط إيدها على بُقها):"يااااسر… حبيبي… ولدي!"
ياسر يفتح دراعه ويحضن أمه كمان، الكل بيعيط، حتى سيلين حطت إيدها على قلبها، ودمعة نزلت على خدها.
ياسر (يهمس):"سامحوني… سامحوني إني بعدت… غصب عني… بس قلبي كان معاكو طول الوقت."
إياد (يشد على دراعه):"ولا كلمة… المهم إنك رجعت… والباقي نصلّحه سوا… مش هسيبك تاني أبدًا."
أمير (واقف على جنب، بيحاول يتمالك نفسه، بس عينيه فضحاه):"رجوعك رجّع القلب للبيت يا ياسر…"
سيف (واقف بيتفرج بتأثر، يقرب بعد لحظة):"حضرتك إياد باشا… أنا سيف، جوز سيلين. شرف كبير إني قابلتك."
إياد (بيبتسم وهو بيتمسح دموعه):"أهلاً بيك يا سيف… سمعت عنك كتير… وسعيد إني شفتك أخيرًا."
تاليا (تشُد إيده بحماس):"جدووو… إحنا هنروح بيتنا الكبير دلوقتي صح؟ هتناموا معانا؟!"
إياد (يضحك):"طبعًا يا حبيبتي، البيت هينور بيكم كلكم."
الأسرة كلها متجمعة… حضن، دموع، شوق، حب…
ووراهم بوابة الوصول بتفتح لذكريات ولسيناريوهات جاية…
رواية اقدار لا ترحم الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم سيليا البحيري
بعد كام يوم – شركة العيلة – الدور التالت – مكتب المحاسبة
بعد الضهر – المكان هادي والجو ساكن.
لارين قاعدة على مكتبها، بتقلب في شوية ملفات مالية، ومازن قاعد قدامها ورا مكتبه، وشه شاحب وعينيه سرحانة، ماسك قلم بس مش بيكتب حاجة.
لارين (بهدوء وهي تبصله):
مازن… إنت كويس؟ من ساعة وأنا شايفة نظراتك مش هنا خالص.
مازن (بيرتعش شوية، وبيحاول يرسم ابتسامة باهتة):
لا لا، تمام، يمكن صداع بسيط كده وخلاص.
لارين (تحط الملف جنبها وتقرّب كرسيها ناحيته):
مازن، أنا مش هايدي، ومش هاتظاهر إني مصدقة الكذبة دي… وشك بيحكي حكاية تانية خالص.
مازن (ينزل راسه وصوته واطي):
أنا… تعبت يا لارين، بجد تعبت.
لارين (بهدوء):
من الشغل؟ ولا في حاجة تانية؟
يسكت شوية، بيحاول يتحكم في مشاعره، وبعدين يتكلم.
مازن:
من كل حاجة… من الوجع اللي جوايا… من المرض اللي كل ما أفتكر إني غلبته يرجعلي تاني… ومن هايدي… أكتر وجع عندي هو هي.
لارين (بصوت هادي وهي تميل لقدّامه):
بتوجعك؟
مازن (يهز راسه):
كل يوم… بكلمة، بنظرة، بسكوتها… هي مش بتحبني يا لارين.
وأنا… كل يوم بضحّي عشانها، بس هي مش شايفة فيا غير إني ظل سيف، أو عبء هي مضطرة تتحمله.
لارين (بغضب خفيف):
هايدي ما تستاهلكش… إنت إنسان طيب ونضيف من جوا، وهي…
تسكت لحظة عشان تمسك نفسها، وبعدين تكمل.
لارين:
بتستهلك روحك على حد مش شايفك… وبتنسى نفسك وصحتك، اللي هم أهم من أي حاجة تانية.
مازن (يغمض عينه):
يمكن عشان هي حلوة وأنا… نص راجل… مريض وضعيف…
لارين (بحدة مكتومة):
مازن! ما تقولش الكلمة دي تاني، لو سمحت!
المرض مش ضعف، وطيبتك مش ضعف. ولو في حد ضعيف، فهو اللي يستغل طيبة حد زيك.
بينهم لحظة صمت، نظراتهم كلها وجع وسكون، لحد ما يبتسم مازن ابتسامة باهتة.
مازن:
شكرًا يا لارين… أنا ماكنتش محتاج غير كلمة حقيقية… وسط الزيف اللي عايشه.
لارين (برقة):
أنا موجودة… مش بس بنت عم مرات أخوك… موجودة كإنسانة حاسة بيك وبتفهمك.
الساعة تدق أربعة، مازن يقوم ببطء، يجمع شوية ورق، باين عليه التعب.
لارين (بقلق):
رايح فين؟ شكلك تعبان، اقعد ارتاح شوية.
مازن:
لازم أكمّل اللي ورايا…
التعب الحقيقي مش في الجسم، التعب في القلب… وأنا قلبي خلاص… كإنه بيقع حتة حتة.
لارين تبصله وهو بيخرج من المكتب ببطء، عينيها مليانة حنية وقلق، وتهمس بصوت خافت:
يا رب… افتحله باب نجاة قبل ما يغرق تمامًا…
***
بعد كام دقيقة من خروج مازن.
إيهاب يدخل بسرعة نسبية، شايل شوية ملفات في إيده، بيبص حواليه، لحد ما يشوف مازن خارج من الدور، وشه شاحب وظهره محني من التعب. ملامح إيهاب تتغير، يقف في مكانه لحظة، عينيه بتراقب مازن بصمت، وبعدين يعض على شفايفه من الغيظ، ويدخل المكتب اللي فيه لارين.
إيهاب (بصوت تقيل):
السلام عليكم، يا لارين.
لارين (بتقوم فورًا):
وعليكم السلام، يا إيهاب، اتفضل… لسه كان هنا مازن.
إيهاب (بحدة وقلق):
شُفته… شكله مش عاجبني خالص، هو كده بجد؟ تعبان كده؟
لارين (بتتنهد، صوتها حزين):
أوي… من كام يوم وهو بيخبّي تعبه، بس النهارده شكله واقع خلاص. كان بيحاول يشتغل بالعافية، بس واضح إن المرض راجع له تاني… وهايدي؟ كل يوم بتكسره بكلمة، بنظرة، بسكوتها.
إيهاب (يضرب الترابيزة براحة إيده بعصبية):
هايدي! أنا ساكت بقالّي سنين عشان خاطره، عشان نراعي نفسيته… بس كفاية بقى! البنت دي سمّ… بتنهش فيه كل يوم، وهو لسه ماسك فيها كإنها طوق نجاة!
لارين (تهز راسها بأسف):
هو بيحبها بصدق… وده اللي مدمّره. مش شايف حقيقتها، أو يمكن مش قادر يصدق إن اللي بيحبه هو سبب وجعه.
إيهاب (بيمسح جبينه):
لأ… شايف، بس خايف يواجه. مازن أطيب واحد فينا، قلبه نضيف ومابيصدقش إن فيه أذى من اللي حواليه. بس هايدي؟ دي عمرها ما كانت مننا، ولا كانت لينا.
(يسكت شوية، وبعدين يقول بمرارة)
سيف مشغول، وأنا ساكت… بس ده مايعنيش إننا عُمي ولا أغبيا… احنا كنا صابرين، بس مش هنسكت أكتر من كده.
لارين (بقلق):
إيهاب… هو محتاجكم، بس بالراحة. لو اتصدمتوا فيه بعنف، حالته هتسوء أكتر.
إيهاب (بحسم):
أنا مش ناوي أزعق ولا أجرح… بس لازم يعرف إننا شايفينه، وإنه مش لوحده… ويمكن كمان لازم يفتح عينه ولو مرة على الحقيقة… حتى لو وجعته.
يسكت لحظة، ويبص من الشباك كأنه بيدوّر على مازن اللي اختفى، وبعدين يهمس بصوت مكسور.
إيهاب:
مازن مايستاهلش يعيش بيموت كل يوم وهو ساكت…
لارين (بحزن):
قلبه بيموت بالبطيء، يا إيهاب… وإحنا شايفين، بس مش قادرين نعمل حاجة.
إيهاب (بحسم):
لأ… مش هنبقى عاجزين أكتر من كده. أنا هاتصرّف. وهايدي؟ لأ، خلاص… وصلت لنهايتها.
(ياخد نفس عميق، يرمي الملفات عالترابيزة، ويتجه للباب بنظرة حاسمة وعينين مولعين بالغضب)
لارين (تنادي عليه):
إيهاب… خليك جنبه، بحنان… هو مش ناقص وجع تاني.
يقف لحظة، يومي براسه بهدوء، وبعدين يخرج من المكتب بخطوات ثابتة.
لارين (تهمس وهي تبص في الأرض):
يا رب… خلص قلبه من اللي بيأذيه باسم الحب.
***
في شاليه شيك عالبحر في الغردقة.
المغرب قرب، ضوء الشمس داخل برقة من الشبابيك، وصوت الموج بيهمس في الخلفية، ريحة البحر مالية الجو… جوا، سيلين قاعدة على الكنبة، حضنة تاليا اللي نايمة في حجرها، وسيف واقف قدام الشباك بيتأمل الغروب.
سيف (بصوت هادي ولسه عينه عالبحر):
كنت دايمًا بحلم بلحظة هدوء زي دي… بس ماكنتش متخيل إنها تيجي بالسرعة دي… ومعاكم.
سيلين (بتلمس شعر تاليا بحنان وبتبتسم بخفّة):
ساعات اللحظات اللي ما بنستناهاش… هي اللي بتنقذنا فعلًا.
سيف (بيبص لهم، وبعدين يقرب بهدوء ويقعد قدامها):
تاليا… نايمة؟
سيلين (بصوت واطي وحنين):
أيوه… اتعبت من كتر اللعب، كانت بتجري ورانا طول اليوم.
(تبصله بابتسامة خفيفة)
بتحبها؟
سيف (يبص لتاليا وبعدين لسيلين بنظرة صادقة):
بحبها كإنها بنتي من أول لحظة نادتني "بابا"… حسّيت وقتها إني مش بس جوزك عالورق… بقيت حد حقيقي في حياتكم.
سيلين (عنّيها بتتلألأ، وبصوت مليان امتنان):
وأنا حسّيت إنك أمانها… وأماني أنا كمان.
لحظة سكون دافية بين الاتنين.
سيف (بيبصلها في عينيها):
سيلين… إحنا عايشين في دوامة خطط وانتقام ومواجهات… بس إنتِ… ماعدتش شايفك جزء من الخطة وبس… فيكي حاجة بتهديني… بتريحني.
سيلين (بهمس):
وأنا كمان… معاك بحس إنّي مش لوحدي… لأول مرة من سنين.
تاليا بتتحرك شوية، بتشّد حضنها على مامتها أكتر، وتهمس وهي نص نايمة:
ماما… بابا… ماتبعدوش…
سيف (يضحك بصوت هادي، ويقرب أكتر ويمسك إيد سيلين برقة):
مش هنبعد… إحنا هنا… معاكي… دايمًا.
سيلين (بتقفل عنيها للحظة، والمشاعر مغرقاها، وتهمس):
شكرًا… على كل حاجة يا سيف.
سكون تاني، صوت البحر بيزيد، والشفق بيظهر من ورا الشباك، وجو الشاليه بقى دافي… دفا يشبه حضن البيت… البيت اللي بدأ يتبني بحب لسه ما اتقالش… بس موجود… وحيّ جدًا.
***
على الشط، قدّام الشاليه – قرب نص الليل.
السماء صافية، القمر بدر، والهوا عليل، وصوت البحر بيتناغم مع خطوات سيلين وسيف وهما ماشيين حافيين على الرمل… تاليا نايمة جوا.
سيف (بيبص على الموج وبيبتسم بخفة):
تعرفي… كنت فاكر إن الانتقام هو النهاية… بس النهارده حسيت إنه ممكن يبقى بداية… لحاجة مختلفة خالص.
سيلين (بصتله، وبعدها للبحر):
الانتقام زيه زي الجرح… بيفتح حاجة قديمة ويدمّيها… بس الإحساس اللي جالي وأنا معاكي… شبه الشفا.
سكون دافي، وصوت البحر بس اللي مسموع.
سيف (بيبصلها):
بتخافي مني؟
سيلين (تضحك ضحكة خفيفة):
كنت بخاف من كل الرجالة… حتى من ظلهم. بس معاك… يمكن لأول مرة في حياتي أحس إني مش لوحدي.
بيبصوا لبعض شوية… كأن الزمن وقف.
سيف (بصوت واطي):
عنيكي بتحكي حاجات إنتي ما قولتيهاش… وقلبي… ابتدى يسمعها.
سيلين (تنزل عينيها وتهمس):
وأنا قلبي… بقى بيخاف يدق بصوت عالي… بيخاف تسمعه… وتجري.
سيف (يقرب منها أكتر):
أنا مش هاجري، يا سيلين… أنا تعبت من الهروب… أنا عايز أفضل.
لحظة صمت… وبعدين يمد إيده ويمسك إيدها برقة.
سيلين (تبص لإيده اللي ماسكة إيدها، وبعدين ترفع عينيها له):
ليه بتعمل كده؟ ليه بتعاملني كإني أستاهل كل الحنية دي؟
سيف (بيبصلها بعينين مليانين دفء):
علشان إنتِ فعلًا تستاهلي… علشان واجهتي الدنيا لوحدك وما وقعتيش… علشانك بنت قوية، وأم عظيمة… وستّ… ساحرة.
سيلين (دموعها بتلمع، وتهمس):
سيف…
سيف (يمسح دمعتها بإيده بلطافة):
لو سمحتيلي… أخلي الليلة دي بداية… مش للانتقام… بداية "إحنا".
يقرب أكتر، ويبوسها على جبينها بقبلة خفيفة… قبلة مش زي أي حاجة قبل كده… قبلة فيها أمان… مش وجع.
سيلين (بهمس وهي بتبتسم):
بداية "إحنا"… يمكن تبقى أحلى حاجة حصلتلي.
سيف يضمّها برفق، على الشط، تحت نور القمر… وصوت البحر بيغني لقلوب لقَت أخيرًا حضنها وسكنها…
***
على سُفرة العشا – فيلا عيلة سليم.
ليل هادي… بس الجو مكهرب.
الدنيا ساكتة، وصوت المعالق ع الصحون هو اللي مالي المكان… مازن بياكل ببطء، ووشه باين عليه التعب.
هدى (بقلق وهي باصة لمازن):
مازن… يا ابني، ما أكلتش لقمتين ع بعض! قلب أمك مش مطمنلك خالص.
مازن (بصوت واطي):
شوية صداع يا ماما… متقلقيش.
هايدي (رافعه حاجبها وبتضحك ببرود):
دايمًا بيهوّل المواضيع… شوية تعب، يعني لازم نعيشها فيلم درامي؟
سكون مفاجئ على الترابيزة… الكل باصص لها.
ياسمين (بصوت هادي):
يمكن بس محتاج راحة أكتر… وشوية حنية… مش كده؟
إيهاب (باصص لهايدي بحدة):
الراحة بتبدأ من البيت… من الكلمة الحلوة… من الاهتمام، مش من التجاهل والبرود.
سليم (بيرفع عينه من طبقه، بنظرة تقيلة):
في ناس بتعيش وسطينا… بس مش معانا بجد. واللي بيتعب… مش محتاج صوت عالي، محتاج حضن دافي وكلمة تطيب قلبه.
هايدي بتتجمد، بتحاول تبتسم، بس بطن شفايفها بيرتعش.
هدى (ببص لهايدي بنظرة حادة):
في ناس فاكرة نفسها أذكى من الكل… بس الذكاء الحقيقي إنك تحافظي على اللي بيحبك. مازن ابننا، ولما بيتعب… احنا كلنا بنتعب وراه.
أمينة (بحنية):
عشت مع سيلين سنين، بس عمري ما شفت حد طيب زي مازن… لو كان حد تاني مكانه، كان زمانه انهار من بدري.
مازن (بيبص لهم، وعنيه فيها لمعة دمعة، بس بيبتسم بهدوء):
كلكم غاليين عليا… بس ياريت التعب كان بيخف بكلمتين حلوين.
تيا (بتمسك نفسها، وبصوت واطي):
لو الكلام بيخفف التعب… كنت اتكلمت أنا كمان.
هدى (تلفّ ليها بسرعة):
تيا؟ مالك يا حبيبتي؟
تيا (بتبتسم ابتسامة باهتة):
مفيش… بفكر بس في حاجة.
إيهاب (بصوت فيه حنية أخ كبيرة):
حد مضايقك يا تيا؟
تيا (تضحك بهدوء):
لأ… هو بس مش حاسس إني موجودة أصلاً.
الكل بيتبادل نظرات غريبة… هايدي بتدور عنيها، بتحاول تتجاهل الكلام، وتحط الشوكة على الطبق بصوت عالي.
هايدي (ببرود):
طالما كلكم شايفني أنا سبب مرض مازن… فده، خليني أقول إني عملت اللي أقدر عليه… بس واضح إنه برضو مش كفاية!
سليم (بصوت واطي بس نبرته مرعبة):
اللي مزعلنا… إنك فعلاً مصدقة إنك عملتي حاجة من أساسه.
هدى تحط إيدها على إيد مازن… تيا تمسك إيد أخوها تحت الترابيزة… ياسمين تهمس لإيهاب حاجة، وهو يومئ براسه بحزن.
صمت تقيل… أكل ما اكتملش… وقلوب مليانة بكلام مكبوت.
بس الكل على السفرة… فهم إن الهدوء ده مش هيستمر، وهايدي وصلت لآخر حدودها.
***
أوضة مازن وهايدي – بعد العشا.
النور خافت، ومازن داخل الأوضة تعبان، جسمه مرهق وروحه أكتر.
يقعد على طرف السرير، يمسك دماغه من الألم… وهايدي واقفة قدام المراية، بتشيل حلقها وبتكشر.
هايدي (بتلف ناحيته فجأة، بعصبية):
قلتلك مليون مرة… وإحنا مع أهلك، خليك ساكت! بس طبعك الضعيف دا دايمًا بيفضحك!
مازن (بيرفع عينه ليها، مستغرب):
ضعيف؟… عشان قلت إني تعبان؟
هايدي (بتقرب وتحط إيديها في وسطها):
لأ! عشان مش بتعرف تحافظ على صورتي قدامهم! كل شوية تتنهد وتتأوه كأنك عيل صغير! مش قادر تستحمل شوية صداع؟!
مازن (بصوت مهزوز):
أنا مش بتدلع… أنا فعلاً تعبان يا هايدي… وكنت فاكرك هتفهميني أكتر من أي حد.
هايدي (بتضحك بسخرية):
أفهمك؟ يا حبيبي أنا اتعبت من "تفهمك"! على طول مريض… مكتئب… مكسور! أنا مش ممرضة! أنا مراتك!
مازن (يقوم بصعوبة، وبيتهز):
وكنت أتمنى تكوني ضهري… مش اللي يوجعني كل ليلة!
هايدي (بجفاف وقسوة):
بلاش بقى تمثيل دور الضحية! إنت السبب في كل حاجة! حتى أهلك… شكلك رحت اشتكيتني ليهم؟ أكيد ورا كل النظرات اللي كانت بتترمي عليّ على السفرة!
مازن (عينيه بتدمع وهو بيهز راسه):
ما قلتش ولا كلمة… بس هم شافوا، حسّوا… من معاملتك، من برودك، من نظرتك اللي كأنك قرفانة مني!
هايدي (تقرب منه وتهمس ببرود قاتل):
طيب اسمعني كويس… أنا ما حبتكش يوم! وافقت عليك لأسباب… والأسباب خلصت!
مازن (بيبص لها كأنها سحبت منه آخر نفس):
ما حبتينيش؟ ولا حتى لحظة؟… وأنا بين إيدك منهار؟
هايدي (بتبعد وبتلوّح بإيديها):
بلاش تمثيل بقى! أنا زهقت! وجودك نفسه بقى يخنقني! مريض… ضعيف… عايش عالة على الكل!
مازن (يقعد تاني على السرير، يدفن وشه في إيديه):
ليه؟ ليه بتعملي فيا كده؟ والله… ما استاهل منك دا كله.
هايدي (بتروح ناحية الباب):
تستاهل أو ما تستاهل، مش فارقة معايا خلاص! نام لوحدك الليلة… زي كل ليلة!
تخرج وتخبط الباب وراها… مازن يفضل قاعد لوحده… بينهار في صمت، ودموعه تنزل على كفه المرتعش.
***
في ممر الفيلا – بعد ما هايدي خرجت من أوضة مازن.
هايدي خارجة من الأوضة، ملامحها متجهمة، لابسة قميص نوم أنيق وعليه روب حرير، ماشية بخطوات غاضبة ناحية السلم… وفجأة، الزمن بيقف.
إيهاب واقف قدامها في نص الممر، هادي بشكل مرعب، إيديه في جيوب بنطلونه، وعينه مولعة غضب.
إيهاب (بصوت هادي بس نبرته حادة زي السكينة):
خلصتي المسرحية اليومية بتاعتك، يا مدام هايدي؟
هايدي (بتتجمد في مكانها، بتحاول تمثل إنها متماسكة):
مساء الخير… يا إيهاب.
إيهاب (بيقرب منها خطوة، وبصص لها من فوق لتحت باحتقار باين):
بلاش تمثلي البراءة… أنا واقف قدام واحدة ما تستاهلش حتى تكنس البلاط في بيت البحيري.
هايدي (تحاول تهدي نفسها، بس وشها بيحمر):
مش فاهمة قصدك…
إيهاب (ببرود قاتل):
ما تتعبيش نفسك… عشان ببساطة، إنتِ "ولا حاجة". وجودك هنا كان بس عشان شفقة… من مازن… ومننا… مش عشانك.
هايدي (بتتحرك خطوة ورا، والاهانة بدأت تغلي جواها):
مازن جوزي… وأنا…
إيهاب (بيقاطعها بقسوة):
لأ، بلاش تقولي "جوزي"! مازن أطهر منك بمراحل… ولو ما كان تعبان، كنت أنا أول واحد يطردك من البيت ده من غير حتى ما تبصي وراكي.
بيسكت لحظة، وبعدين يبص في عينيها من غير أي تعبير.
عارفة إيه المؤلم؟ إنك كل يوم بتكسري قلب إنسان بيحبك بجد… بيعيش عشانك… وإنتي؟ بتعاملينه كأنه عبء.
بس صدقيني… يومك جاي.
هايدي (تحاول تسيطر على نفسها، صوتها واطي):
إيهاب… أنا ما عملتش حاجة غلط…
إيهاب (بيقرب منها أكتر، صوته بيبقى أهدى بس نظرته بتقطع):
اسكتي! متتكلميش قدامي بكدبك. إنتِ نقطة سودة في صفحة العيلة دي… وهتيجي اللحظة اللي نمسحك فيها تمامًا.
بيلف علشان يمشي، وبعدين يرجع يبص لها نظرة أخيرة وهو بيرمي كلمته الأخيرة بنبرة حادة.
وافتكري دايمًا: إنتي مرات مازن البحيري… ومن غيره؟ ولا حاجة.
يسيبها واقفة، بتتنفس بعصبية، عينيها بتلمع من القهر… بس ما بتقدرش ترد.
تفضل واقفة تبص في الفراغ، وشها بيشحب من الغيظ… وبعدين تلف بسرعة وتنزل على السلم كأنها بتجري من ظله.
رواية اقدار لا ترحم الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم سيليا البحيري
في أوضة الاجتماعات في شركة سيف، كانت سيلين قاعدة على مكتبها، مركّزة في الورق اللي قدامها.
الأيام اللي قضتها في السجن غيّرت فيها حاجات كتير، بس كمان قوّتها… خلّتها تعرف تواجه أي حاجة وشّها فيها.
النهارده كان من أول الأيام اللي رجعت فيها لشركتها، اللي بقت فرع من شركة البحيري، وده بالنسبالها كان بداية جديدة. قررت تمسك الدنيا بايدها، وترجع كل حاجة مكانها الصح.
الباب خبط، ودخلت السكرتيرة بسرعة وقالت:
السكرتيرة: "مدام سيلين، في واحدة برا عايزة تقابلك… قالت إنها محامية، واسمها جوليانا."
سيلين (بهدوء): "جوليانا؟… دخّليها."
وأول ما دخلت جوليانا، الجو اتغيّر.
ست أنيقة، شعرها الأسود نازل بنعومة، وشها حاد، وعنيها مفيهمش أي مشاعر.
لابسة بدلة شيك قوي…
دي جوليانا، نفس البنت اللي كانت أيام الجامعة دايمًا مشدودة، متوترة، وبتغير من سيلين في السر.
سيلين (ببُصة هادية ونبرة واثقة):
"جايه تتكلمي عن الماضي؟ ولا عندك جدول تاني؟"
جوليانا (بابتسامة فيها سخرية):
"الماضي؟ لا يا سيلين… إحنا كبرنا على الكلام ده.
بس بصراحة، مش قادرة أفهم إزاي خرجتي من السجن، واتجوزتي أغنى راجل في أفريقيا؟
معجزة بجد."
سيلين (بابتسامة خفيفة، وهي بتعدل قعدتها):
"كل واحد فينا ليه حكاية يا جوليانا…بس خلينا في الحاضر، عايزة إيه؟"
جوليانا (قربت من المكتب، ونظرتها فيها سمّ):
"عايزة أعرف إزاي عايشة دلوقتي بعد ما خدتي كل حاجة كنتِ بتحلمي بيها؟ مرات سيف البحيري؟
ده شكله كان مجرد اختيار إضافي بالنسبالك."
سيلين (بصوت واطي لكن فيه نبرة تحذير):
"ما كنتيش تعرفي؟ اللي بييجيلي مش صدفة…وأنا مش هسمحلك، ولا لحد غيرك، إنه يعطّلني."
جوليانا (بتضحك باستخفاف):
"بس برضو… ما تنسيش، اللعبة لسه طويلة…وانتي مش الوحيدة اللي بتعرف تلعب."
سيلين (بُصة باردة وابتسامة فيها رسائل مخفية):
"بس السؤال هنا…انتي متأكدة إنك عارفة بتلعبي ضد مين؟"
جوليانا (اتوترت شوية بس حاولت تتماسك):
"تقـصدي إيه؟"
سيلين (بنبرة فيها عُمق):
"أنا متأكدة إنك فاهمة كويس انتي بتتعاملـي مع مين.بس مفيش مانع أفكّرك بحاجة…حسام؟
مش واثقة إن نوال تعرف تلعب صح."
جوليانا (اتجمدت في مكانها شوية، وبعدين ضحكت بسخرية):
"بتهدديني يا سيلين؟"
سيلين (بابتسامة بسيطة ونظرة غويطة في عنيها):
"تهديد؟لا… مجرد تلميحة خفيفة.يتهيألي إنك مش شايفة الصورة كاملة."
جوليانا (تحاول تثبت نفسها):
"فاكرة نفسك هتفضلي فوق طول الوقت؟خرجتي من السجن، ماشي…بس الحياة مش دايمًا ماشية في صفّك."
سيلين (بهدوء وواثقة):
"كل حاجة بتيجي في وقتها يا جوليانا…وأنا دلوقتي؟جاهزة أكتر من أي وقت فات."
جوليانا (بنبرة تحدي):
"هنشوف.بس صدقيني، اللي زيّك مهما حاول، مش هيكمل كتير."
سيلين (بعنيها اللي فيها نار متحدية):
"ومش هاسمحلك، ولا لأي حد، يقف قدامي.افتكري الجملة دي كويس."
وأول ما خرجت جوليانا، الجو في الأوضة بقى تقيل،وسيلين كانت عارفة…اللعبة ابتدت رسمي.
جوليانا محامية شاطرة؟يمكن…بس لسه متعرفش إنها بتمشي على أرض مش بتاعتها.
سيلين (بتتنهد خفيف، بس عنيها كلها عزيمة):
"مش هسمح لهم يهدّوني تاني…ولا حتى يقرّبوا."
في ممر الشركة الفاخر، كانت خطوات جوليانا تضرب الأرض بكعب حذائها العالي، بعنف يعكس الغليان الذي يتفجر داخلها. خرجت من غرفة سيلين والشرر يتطاير من عينيها، كأنها عاصفة بشرية محمّلة بالغضب والحقد القديم الذي عاد ليتغذّى من جديد.
وقفت عند المصعد، ضغطت الزر بعصبية وهي تهمس لنفسها بصوت منخفض لكنه مملوء بالكراهية:
جوليانا (وهي تهمس من بين أسنانها):
"مش كفاية دمّرتيني في الجامعة... لأ، كمان لازم تتفوقي عليّا في كل حاجة؟!"
(تضحك بسخرية)
"سيلين البحيري... أو بالأصح سيلين المغربي... فاكرة إنك انتصرتي؟"
(نظرتها تزداد ظلمة)
"والله ما هفرح غير وأنا شايفة تابوتك."
ركبت المصعد، لكن لم تستطع التوقف عن الحديث لنفسها، وكأن الغلّ المتراكم انفجر أخيراً:
جوليانا: "حسام؟ ده مجرد وسيلة، لعبة زيك. لما أخلص بيه، هارميه زي كلب الشارع.
بس إنتِ... إنتِ يا سيلين... مش بس هدمرك، لأ..."
(تنظر أمامها كأنها تتخيل الجنازة)
"هقتلك."
فتحت هاتفها، أرسلت رسالة قصيرة مشفّرة إلى جهة ما لم تُذكر، وكتبت:
"الهدف: سيلين المغربي
الوضع: حيّة وبتتحدى
التعليمات القادمة: قريباً"
ثم أغلقت الهاتف وابتسمت...ابتسامة سوداء... خالية من الرحمة.
وهمست وهي تضع نظارتها الشمسية:
جوليانا: "لِعبتك خلصت، يا حلوة. المرة دي... النهاية حقيقية"
في فيلا البحيري – الطابق العلوي – غرفة تيا – مساء هادئ
كانت تيا جالسة على سريرها، ترتدي بيجامتها الوردية الحريرية، ودفتر مذكراتها مفتوح أمامها. تناثرت حولها أوراق، وأقلام ملوّنة، بينما ضوء الأباجورة الخافت ينير وجهها الحالم.
تيا (تكتب بصوت خافت وهي تهمس لنفسها):
"أنا مش فاهمة قلبي... آسر دخل حياتي من غير ما يحس، وأنا لسه مش قادرة أنساه، رغم إنه يمكن ميعرفش حتى إن اسمي تيا... بس أمير كمان... في حاجة فيه بتخليني أبصله من غير ما أشعر...
أنا ضايعة بين حب مايعرفنيش، وإعجاب بشخص بشوفه كل يوم."
تبتسم بخجل، وتغمض عينيها لحظة كأنها تهرب من نفسها... لكن فجأة...
الباب يُفتح فجأة دون استئذان.
تدخل هايدي بخطوات متعالية، ترتدي فستاناً فاخراً ومكياجاً صارخاً، وعيناها تتلألأ خبثاً.
هايدي (وهي ترفع حاجبها باستخفاف):
"أوووه! إيه ده يا تيا؟ عندنا كاتبة خواطر ومش عارفين؟"
(تمد يدها بسرعة وتخطف الدفتر من يد تيا)
"نشوف بقى أسرار المراهقات المدلّعات!"
تيا (تنهض مذعورة وتصرخ بخوف):
"لاااااا! هايدي... ارجعيلي دفتري حالًا! مش من حقك!"
هايدي (تضحك بقسوة وهي تقلب الصفحات بسرعة):
"آآه والله؟ آسر؟ وأمير؟ يا حلاوة! ده أنا لازم أوري الدفتر ده لباباك، يشوف بنت مين اللي بتكتب حب وولع في بيت العيلة!"
تيا (تقترب منها بجنون وتحاول سحب الدفتر):
"قلتلك ارجعيه! هايدي، حرااام عليكي!"
هايدي (تبتعد خطوات للخلف وهي تضحك بسخرية):
"حبيبة قلبي، اللعب بدأ يا عسل..."
وفي لحظة، وبينما تيا تركض خلفها وتحاول انتزاع الدفتر من يدها، تنزلق قدمها على الحافة الرخامية للدرج!
هايدي (تصرخ بفزع):
"تيااااااااا!"
ويسقط جسد تيا من أعلى الدرج...
وتتجمد هايدي في مكانها، وجهها مصدوم، الدفتر يسقط من يدها...
جسد تيا ممدّد في أسفل الدرج، بلا حراك...
وصدى صرخة هايدي يتردد في أرجاء الفيلا
أسفل الدرج – لحظات بعد سقوط تيا
هدوء ثقيل يسبق العاصفة...
جسد تيا ممدّد أسفل الدرج، بلا حراك، شعرها منسدل على وجهها، والدماء تتسلل من جبينها.
فجأة...
تُفتح باب غرفة المعيشة ويظهر وجه تاليا الصغيرة، تركض بخفة وهي تنادي ببراءة:
تاليا (بصوت رقيق):
"تياااا؟ فينِك؟ ماما بتقولي نروح الحديقة مع ريان ووليد... تياااا..."
ثم تتوقف فجأة... ترى جسد تيا على الأرض، تنظر لثوانٍ طويلة، عيناها تتوسعان رعبًا، ثم تصرخ بأعلى صوتها:
تاليا (تصيح بصدمة):
"تيااااااااااااااااااااااااا!!"
تصرخ... تبكي... تركض نحو تيا وتحاول هز كتفها الصغير:
تاليا (بكاء هستيري):
"قومي يا تيا... ما تناميش كده! قومي بليييز! تيااااا!"
ثم يأتي إيهاب مسرعًا من الطابق العلوي:
إيهاب (بقلق شديد):
"في إيه؟ مين بيصرخ؟!"
يتوقف عند أعلى الدرج، يرى الصغيرة تاليا تبكي، وجسد تيا أسفله، وهايدي واقفة كالتمثال، ممسكة بالسسور بيد مرتجفة، ووجهها مصدوم.
إيهاب (يصرخ):
"تياااااا!! يا رب استر!!"
يركض بسرعة ومعه ياسمين التي لحقت به، ثم تظهر هدى الأم وسليم الأب خلفهم.
هدى (تشهق برعب):
"يا مصيبتي! بنتي!!"
ياسمين (تجلس بجوار تيا بسرعة، تتحسس نبضها):
"بتتنفس... بس راسها نزفت، لازم نوديها المستشفى حالًا!!"
سليم (بصوت حازم ومرتعش):
"اتصل بالإسعاف يا إيهاب! حالًا!"
إيهاب يخرج هاتفه، بينما ينظر إلى هايدي بنظرات نارية.
إيهاب (بصوت غاضب وهو يقترب منها):
"إنتِ عملتي فيها إيه؟!! إنتِ السبب؟! إنتِ دفعتها؟! هايدي!"
هايدي (ترتبك وتحاول التماسك):
"لا... لا... أنا... أنا ماليش دعوة... كانت بتجري ووقعت!"
هدى (تنظر لها نظرة تقتل):
"وقعت؟! والبنت لوحدها؟ وإنتِ واقفة هنا بتتفرجي؟! فين كنتِ؟!"
ياسمين (بنظرة ذهول):
"البنت مش ممكن تقع كده بس! في إيه حصل!؟"
تاليا (تبكي وهي تحضن يد تيا):
"هايدي كانت فوق... وماما قالت لي آخد تيا الحديقة... بس تيا كانت بتعيّط..."
سليم (بصوت هادئ مخيف وهو يقترب من هايدي):
"لو لِقيت في تحقيق الشرطة أي شك إنك أذيتِ بنتي... أقسم بالله هتشوفي غضبي الحقيقي، يا هايدي."
هايدي (تبكي أخيرًا، لكنها لا تزال تحاول الدفاع):
"أنا ما عملتش حاجة! أقسم بالله! هي اللي وقعت! مش أنا!"
إيهاب (من بين أسنانه):
"مش هنسكت... البنت دي أغلى من الدنيا كلها."
تُفتح أبواب الفيلا من جديد...
يصل المسعفون ويبدأون في رفع تيا على النقالة وسط بكاء هدى وتاليا.
هايدي لا تزال واقفة في مكانها، ممسكة بطرف السور... لكن عيناها ترتعشان من الخوف... ومن يدها، سقطت ورقة صغيرة من مذكرات تيا... دون أن تلاحظ
في فيلا حسام – الصالة – مساءً
الإضاءة خافتة…
الستائر الثقيلة مسدلة…وصوت ساعة الحائط هو الوحيد الذي يقطع الصمت المريب.
نوال تجلس على الأريكة الفاخرة، ساق فوق ساق، ترتدي رداءً منزليًا أنيقًا، لكنها تبدو مشتعلة من الداخل.
عينها على هاتفها المحمول، تشاهد آخر تحركات حسام على مواقع التواصل، وتحركاته الأخيرة التي لا تتطابق مع كلامه لها.
تمسك بفنجان قهوتها، ترتشف منه بهدوء… ثم تضعه بعصبية على الطاولة.
نوال (بصوت منخفض لكن يحمل في طياته بركانًا):
"جوليانا؟!
من أول يوم دخلت شركته وأنا قلبي مش مرتاح…بس كل مرة أدوّر… ألاقيه نظيف!
وكأنهم أشباح… يخبّوا آثارهم بإتقان!"
(تضحك بسخرية مريرة)
نوال: "بس إنت ناسي أنا مين يا حسام…أنا اللي وقفت جنبك لما كنت بتترمي…أنا اللي ضحّيت بكل شيء عشانك…بس لو اكتشفت إنك بتخونني؟!"
(تنظر إلى المرآة أمامها، ترفع حاجبها بثقة وغضب)
نوال (بنبرة تهديد):
"هدمّر حياتك…هحرق كل اللي بنيته…جوليانا دي؟! هخليها تندم إنها دخلت حياتنا…وإنت؟ هتتمنى لو ما اتولدتش أصلاً!"
(تقوم من مكانها وتمشي جيئة وذهابًا، ملامحها مشتعلة)
نوال (بصوت أكثر حدة):
"أنا مش سيلين…أنا ما بدخلش السجن…أنا بفتح السجون للي يغلط فيا!"
(تأخذ الهاتف، تفتح سجل المكالمات، ثم تغلقه)
نوال (تهز رأسها):
"مش دلوقتي…لسه…خليكم مطمّنين شوية…بس أول خيط ألاقيه؟
أنا اللي هفضحك قدّام الكل… يا حسام!"
(تضحك ضحكة باردة مخيفة… ثم تجلس وتضع قدمها على الأخرى، تنظر للفراغ أمامها بثقة ساحقة)
نوال: "اللعبة بدأت…بس أنا؟ أنا اللي هختمها.
وبطريقتي."
المشهد يُغلق على وجه نوال… نظرة غامضة، لا تشبه سوى العاصفة التي تسبق الإعصار
في شقة جوليانا – في أحد الأحياء الراقية – مساءً
الإضاءة خافتة، الستائر مسدلة، والمكان تملأه رائحة العطر الفاخر…
جوليانا تجلس على أريكة واسعة، ترتدي ملابس أنيقة لكنها جريئة، تمسك بكأس عصير وتبتسم بخبث.
حسام يقف أمامها، يرتدي قميصاً مفتوح الأزرار جزئياً، وهو يتنقل في الغرفة بتوتر خفيف وابتسامة لئيمة على وجهه.
جوليانا (بغمزة ساخرة):
"واضح إن مراتك بدأت تشك…أنا شايفة نوال هتفقد أعصابها قريب."
حسام (بضحكة قصيرة):
"تشك؟!دي لو كانت تفهم، ما كانتش ضيّعتني سنين مع نكدها.
دلوقتي… خليني أخلص منها زَيّ ما خلّصت من غيرها."
جوليانا (ترفع حاجبها):
"تقصد سيلين؟مش قولتلك زمان… الست دي غبية إنها وثقت فيك."
حسام (يجلس بجانبها ويميل للأمام):
"سيلين كانت بداية اللعبة…ونوال؟ هتكون نهايتها."
جوليانا (تضحك بخبث وهي تلمس كتفه بخفة):
"بس نوال أذكى من اللي فاتوا…عاوزين نلعبها صح، من غير أي غلطة."
حسام (بثقة):
"ولا غلطة.
أنا هخلّيها تخرج من حياتي وهي مصدّقة إن كل ده لصالحها.
وبعدين…(ينظر إليها بابتسامة ملتوية)
هنبقى إحنا الاتنين أحرار... وأقوى."
جوليانا (بصوت ناعم لكن مليء بالخبث):
"وبعدها؟
سيلين...أظنّك لسه ما خلّصتش منها كُرهك القديم."
حسام (بعينين يشتعلان):
"دي لازم تدفع تمن كل لحظة فضحتني فيها.
سيلين، نوال، وأي حد يوقف بطريقي… لازم يختفي."
جوليانا (تشرب رشفة من عصيرها ثم تنظر إليه باستخفاف):
"طيب، خلينا نبتدي بنوال…بس افتكر، أنا مش زيهم.
أنا دايمًا بكون على القمة، واللي يوقفني… بدفنه."
حسام (يضحك):
"وأنا؟
أنا بدفنه حي."
يلتقي نظرهما… مزيج من الحقد، الطموح، والرغبة في الانتقام
المشهد يُغلق على ابتسامة جوليانا الشيطانية، وصوت حسام وهو يفتح جهاز اللابتوب… وخطة خبيثة بدأت في التشكل
في شركة البحيري – الطابق العلوي – قاعة الاجتماعات
الساعة تشير إلى الثالثة مساءً،خرائط، أوراق، شاشات مضاءة بالخطة المفصلة للإيقاع بـ "حسام الجمال".
سيلين تجلس إلى جانب سيف، بينما لارين توجّه عرضاً رقمياً على الشاشة، وياسر يقف واضعاً يده على خده بتفكير عميق، ومازن ينصت وهو يدوّن بعض الملاحظات.
سيف (بصوت جاد):
"لو قدرنا نسحب المستثمر الإسباني من عند حسام ونربطه بعقد هنا… هيكون أول كارت بيقع من إيده."
ياسر:
"والمفروض الخطوة دي تتم قبل نهاية الأسبوع… لازم نتحرك بسرعة."
سيلين (وهي تقلب في الملفات):
"تمام، بس نحتاج نتحقق إن العقد اللي معاه في ثغرة قانونية نقدر نستغلها—"
رنّ هاتف سيلين فجأة...ظهر على الشاشة: "تاليا الصغيرة"
سيلين (مبتسمة بهدوء وهي ترد):
"حبيبتي؟! إزيك يا عمري؟ ليه بتتصل—"
لكن صوت الطفلة كان مختنق بالبكاء
تاليا (بصوت مرتعش):
"ماماااا... ماما عمتو تيا وقعت... وقعت من الدرج... خبطت دماغها... وعمو إيهاب خدها المستشفى... وجدو وسِتُّو كمان معاهم..."
سكتت للحظة، ثم انفجرت في بكاء شديد.
سيلين (وهي تنهض مذعورة):
"تيا؟!!"
يا ربِّي... سيف!
سيف (يقف بسرعة وهو مصدوم):
"تيا وقعت؟!يا نهار أسود! دي كانت كويسة الصبح!"
مازن (يتجمد في مكانه):
"وقعت منين؟! مين اللي معاها؟!"
سيلين (تحاول تهدئة تاليا):
"حاضر يا قلبي، خلاص، إحنا جايين حالاً... إنتي كويسة؟ ريان ووليد معاكي؟"
تاليا (تتنهد باكية):
"أيوه... معايا... بس تيا نزل منها دم ماماااا!"
لارين (تضع يدها على فمها بفزع):
"يا ربِّي! تيا"
ياسر (يمسك هاتفه):
"هبعت للسواق يجهز العربية… لازم نلحقهم بسرعة."
سيف (ينظر لسيلين وهو يتجه نحو الباب):
"مش قادر أستوعب... أختي الصغيرة تقع كده فجأة؟! أنا حاسس إن في حاجة مش مظبوطة!"
سيلين (تهز رأسها بقلق):
"وأنا كمان… بس نروح الأول… أهم حاجة نطمن عليها."
مازن (بصوت منخفض حزين):
"ربِّي يستر…"
يخرج الجميع مسرعين من الشركة، عيونهم تملؤها القلق والخوف على "تيا"، الفتاة البريئة الهادئة التي لا يعرفون أنها تخبئ حباً سرياً وآلاماً في قلبها...
رواية اقدار لا ترحم الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم سيليا البحيري
في مستشفى خاص – قسم الطوارئ – الساعة الرابعة والنصف مساءً
أصوات أجهزة، أقدام تسرع، ممرضات يتحركن، والطوارئ تعجّ بالحركة.
كل عائلة "البحيري" مجتمعة أمام غرفة العمليات.
سليم يقف، ووجهه شاحب كأن روحه معلّقة خلف ذلك الباب.
هدى تجلس على الكرسي تبكي بصمت، تمسك بيد ياسمين زوجة إيهاب، التي بدورها كانت تواسيها وهي تحاول أن تبقى متماسكة.
إيهاب واقف يتنفس بعصبية، يده على فمه، يراقب الباب كأنه ينتظر معجزة.
هايدي واقفة على بعد خطوات، بوجه متجهم، وذراعها معقودة، تحاول أن تبدو حزينة… لكن لا أحد ينظر إليها.
تدخل سيلين ووراءها سيف بسرعة، ومعهما ياسر ولارين.
تاليا الصغيرة تمسك بيد سيف بقوة وهي خائفة، وريان بجوارها متوتر.
سيلين (بصوت مرتفع وقلق):
– فينها؟! فين تيا؟!
إيهاب (بصوت مخنوق):
– جوه... في العمليات... الدكتور لسه ما خرجش!
سليم (بصوت مبحوح):
– كانت نازلة السلالم بسرعة... حدفها؟ اتزحلقت؟ مش عارفين… بس الدم كان كتير!
سيف (يشد على يد والده):
– ربنا معاها يا بابا… تيا قوية… هتقوم منها إن شاء الله.
ياسمين (بصوت منخفض لهدى):
– يا رب يا ماما… ما نتحملش نخسرها...
هدى (بدموع):
– دي صغيرة… وردة لسه بتتفتح… ما تستاهلش اللي بيحصل فيها...
سيلين (تنزل على ركبتيها أمام تاليا):
– حبيبتي… أنتي كويسة؟ شفتي تيا وهي بتقع؟
تاليا (تهز رأسها وتبكي):
– كانت بتجري ورا واحدة شريرة… خدت دفترها... تيا كانت بتعيط!
الجميع ينظر إلى تاليا... ثم ينظرون ببطء نحو هايدي، الواقفة كأنها تمثال بارد لا أحد يكترث به...
سليم (يلتفت بنظرة صارمة نحو هايدي دون أن يسميها):
– في حاجات بتتخبى… بس ربنا بيكشفها في الوقت الصح…
هدى (نظرتها قاتلة نحو هايدي):
– وإحنا اتحملنا كتير… عشان مازن وبس…
مازن (ينظر للأرض بحزن):
– لو حصل لها حاجة… عمري ما هسامح نفسي.
هايدي تنظر إليهم جميعاً، لكن لا أحد يوجه لها كلمة… وكأنها غير موجودة.
لارين (بهمس لياسر):
– في حاجة مش طبيعية… حدفها؟ دفتر؟… في حكاية أكبر من مجرد وقعة.
ياسر (ببرود):
– وأنا ناوي أعرفها… اللي لعب بالنار، يتحرق بيها.
تُفتح أبواب غرفة العمليات فجأة… يظهر الطبيب وهو يخلع قفازاته الطبية… الكل ينهض دفعة واحدة.
سيلين (بلهفة):
– يا دكتور؟ طمنّا!
الطبيب (بصوت جاد):
– عملنا اللازم… بس النزيف كان شديد… حالتها مستقرة حاليًا، لكن محتاجة رقابة 24 ساعة… والأيام الجاية حاسمة.
الجميع يتنهد بارتياح… فيما هايدي تقف في الزاوية، وجهها شاحب، تتصبب عرقاً، وتشعر أن الجميع بدأ يقترب من الحقيقة.
***
في شرفة منزل حسام في غرفة رهف – في فترة العصر، نسيم هادئ، وفناجين قهوة على الطاولة.
رهف كانت شاردة، عيناها على السماء، وابتسامة خفيفة على وجهها، بينما حلا تقطع قطعة الكيك وتراقبها بدهشة.
حلا (تغمز بمرح):
– يا بنتي رجعي روحك معانا! شكلك ناوية تطيري ورا آسر وتسيبي الدنيا!
رهف (تضحك بخجل وحرج):
– لأ… بس… مش عارفة يا حلا…كل حاجة بينا حصلت بسرعة، وحسيت إني عرفته من سنين مش من أيام.
حلا (ترفع حاجبها):
– آه، اللي هو من أول نظرة؟!
رهف (بهمس):
– هو مختلف… كلامه، أسلوبه، بيهتم بيا… بس في نفس الوقت، بحس فيه حاجة مستخبية…كأنه… بيخبي حاجة أو مش بيكون نفسه بالكامل معايا…
حلا (تأخذ رشفة قهوة، ثم تنظر لها بجدية نادرة):
– رهف، اسمعي مني…مش أي حد يقول كلام حلو يبقى ملاك.
أحياناً الناس اللي بنحس معاهم أمان بسرعة… بيكونوا أكتر ناس لازم نخاف منهم.
رهف (تتنهد، ونظرتها قلقة):
– بس قلبي مش مطاوعني أصدّق إنه بيكذب…بحس إنه مجروح… ومتألم… زي ما يكون شايل جوا حاجة كبيرة.
حلا (تمسك يدها بلطف):
– طيب، لو فعلاً بيحبك… هيقولك الحقيقة لوحده.
بس لو طلع بيلعب… يا رهف، ما تديش قلبك للي مش صادق.
وخلي بالك… الحب الحقيقي مش بيخبي ولا يمثل.
رهف (بصوت مرتعش):
– خايفة يا حلا…خايفة أطلع غلطانة، وخايفة أكون صح.
حلا (بحنان):
– ووقت ما ييجي الصح… قلبك هينورلك الطريق.
بس قبل القلب… خليه يعدي على العقل شوية.
***
في المستشفى خاص – الطابق الأرضي – أمام غرفة تيا
كان الجميع ينتظرون بقلق.
سيف واقف ويداه في جيبه، لكن القلق بادٍ على وجهه.
ايهاب يسند والدته هدى، وسليم يجلس على المقعد ويداه متشابكتان.
ياسمين تهمس أدعية، وهايدي واقفة على جنب، لا أحد يكلّمها.
مازن يجلس بصمت، وجهه شاحب وعيناه محمرتان من البكاء.
يخرج الطبيب أخيراً، بنظرة مطمئنة.
الطبيب (بصوت هادئ):
– الحمد لله… البنت بخير. الارتجاج بسيط وحنراقبها كم ساعة وننقلها لغرفة عادية.
تنفّس الجميع الصعداء… تنهّدت هدى وبكت، وابتسم سليم بحمد.
أما مازن، فنهض ببطء وابتسم ابتسامة مرتعشة…وفجأة… بدأ يهتز جسده قليلاً، ثم يتمايل، ثم يسقط على الأرض فاقداً للوعي.
ياسمين (تصرخ):
– ماااازن!!
سيف وايهاب ركضا نحوه، والهدى وضعت يدها على صدرها بفزع.
سيف (يحمله مع أخيه):
– مازن! فوق! مازن!
الطبيب (ينادي على الممرضين):
– دخلوه غرفة الطوارئ حالاً!
هايدي كانت واقفة في الزاوية، لا تعرف كيف تتصرف، ووجهها شاحب.
أدرك الجميع فجأة أن مازن لم يكن على ما يرام منذ فترة… وأن كسر قلبه كان بيد من تقف أمامهم.
هدى (تنظر نحو هايدي بنظرة نارية):
– دا جزاء اللي بيتحمل فوق طاقته… جزاء اللي بيتخان.
ياسمين (بهمس وهي تبكي):
– مازن طيب أوي… أطيب من إنه يتحمل وحده كل ده.
سيف (ينظر لهايدي بحدة):
– مازن ما كانش محتاج دوى… كان محتاج حنية.
وإنتِ… كان لازم تبقي مراته مش سجانه.
هايدي (تحاول الرد، لكن صوتها يختنق):
– أنا… ما…
إيهاب (يقاطعها ببرود جارح):
– ما تتعبيش نفسك… سكوتك أفضل.
الطبيب يعود بعد دقائق:
– عنده انهيار حاد بسبب الضغط العصبي والإجهاد الجسدي. لازم يرتاح تمامًا.
العيون كلها تلتفت من جديد إلى هايدي…لكنها هذه المرة لم تكن "زوجة" مريضة… بل "سبب" مرضه.
***
الجميع ما يزال تحت وقع صدمة سقوط مازن بعد حادثة تيا…
سيف واقف في صمت وعيناه مشتعلة، إيهاب يحاول التماسك، الأم هدى تجفف دموعها، وسليم يقبض على عصاه بقوة.
وهايدي واقفة في الزاوية، مطأطئة الرأس تتظاهر بالحزن.
تقترب تاليا الصغيرة، تمسك طرف فستان سيلين وتنظر للجميع ببراءة:
تاليا (بصوت طفولي):
– ماما… أنا شفت الأميرة تيا كانت بتتخانق مع الشريرة قبل ما تقع!
(الجميع ينظر لها بذهول)
ياسمين (منحنية لمستوى الطفلة):
– تقصدي مين يا حبيبتي؟
تاليا:
– الشريرة اللي بتزعق طول الوقت… مرات العم مازن.
(كل العيون تتجه نحو هايدي، التي تجمّدت ملامح وجهها)
إيهاب (ينفجر فجأة ويمشي نحو هايدي بعنف):
– إنتِ عملتي فيها إيه يا بنت الـ…!
سيف (يمسكه بقوة من ذراعه ويصرخ):
– إيهاب! إوعى توسخ إيدك بدمها… دي ما تسواش!
هايدي (تصرخ وهي تشتعل غضبًا):
– أنا مالي! هي اللي هاجمتني! وأنا كنت هاروح أقول لبابا الحقيقة!
سليم (بصوت غاضب مخنوق):
– حقيقة إيه؟؟
هايدي (تلتفت له بعيون نارية):
– بنتك كانت بتكتب في دفترها إنها بتحب شابين في نفس الوقت! آسر وأمير!
بنتك اللي مربيها على الأخلاق! كانت ضايعة ومش عارفة تمشي على خط واحد!
وأنا… أنا اللي غلطانة إني سكت!
(صمت ثقيل يسود المكان… هدى تكاد تنفجر، ياسمين تضع يدها على فمها مصدومة، إيهاب يوشك على فقدان صوابه، وسيف ينظر لزوجته…)
سيف (يلتفت ببطء نحو سيلين التي كانت صامتة طوال الوقت، عيناها ثابتة على هايدي ببرود مرعب):
– سيلين… سكوتك بيخوفني.
سيلين (تتكلم أخيراً، بصوت هادئ لكن يحمل في داخله عاصفة):
– اللي بيمسك دفتر بنت صغيرة ويفضحه… يبقى أوطى من إنه يتوصف.
واللي يرمي فتنة وهو متجوز أخوه المريض… يبقى نجس.
واللي يفرّق بين الإخوات ويفجر الكراهية…يبقى لازم يتحاسب.
(هايدي تصرخ):
– أنتِ فاكرة نفسك مين؟!
سيلين (بنظرة قاتلة):
– أنا مرات سيف البحيري… واللي هتحاسِبِك بمعرفتي.
وكل شيء له نهاية… حتى دورك.
سليم (بغضب):
– من النهاردة… مفيش لك مكان في البيت دا يا هايدي.
هايدي (تضحك بمرارة):
– إنتو بتطردوني؟ أنا مرات ابنكم!
هدى (تقترب منها وجهًا لوجه):
– لا… إنتِ خنتيه قبل ما تتجوزيه… وخنتينا كلنا بعدها.
هايدي تصرخ وتغادر بخطوات هستيرية… الجميع يلتفت نحو غرفة العناية، حيث يرقد مازن، وتيا لا تزال في غيبوبتها…
سيف (بصوت خافت):
– لازم ننقذ إخواتنا… قبل ما الحقد ياكل الباقي من قلبهم.
رواية اقدار لا ترحم الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم سيليا البحيري
في فيلا إياد الطحاوي
صالون أنيق وأجواء هادئة في الليل.
الأنوار خافتة، صوت الموسيقى الكلاسيكية يعزف بهدوء، وأكواب الشاي الساخن بين أيديهم.
نهال (بابتسامة خفيفة وهي تنظر لابنها):
يعني مش ناوي تفرّحنا وتستقر يا أمير؟ أخوك ياسر دخل 37 سنة ولسه ما شفنا عروس، وإنت كمان قربت التلاتين!
أمير (يضحك وهو يرفع حاجبه):
ماما إنتِ ناسية إني لسه صغير؟ ولسه الدنيا قدامي! أنا في بدايات مشواري الأكاديمي.
نهال (بمكر الأم العارفة):
صغير؟ عندك 29 سنة يا ابني… وأكتر من بنت لفتت نظري ليك، بس ما شاء الله عليك، لا حس ولا خبر.
إياد (يضحك وهو يحتسي الشاي):
أمك كانت ناوية تجوز ياسر لـ سيلين زمان... بس راحت عليه.
أمير (يضحك بخفة):
سيلين؟ دي متجوزة سيف البحيري دلوقتي، وأصلاً كانت دايمًا بالنسبة لينا أخت كبيرة.
نهال (بحسرة):
سيلين كانت بنت كلها نباهة وشطارة… راحت في كارثة اسمها حسام، وبعدها دخلت السجن وخرجت قوية أكتر... سيف كسبها، وياسر خسرها!
إياد:
بس الحمد لله إن يوسف الله يرحمه ما شاف اللي حصل... وسيلين دلوقتي واقفة على رجليها، وده أهم حاجة.
نهال (تغيّر الموضوع وهي تنظر لأمير):
طيب… ولو قلنا لارين؟ بنت عاصم، وأبوها أخو يوسف. من العيلة، ومتربية، ومطلقة وأم ريان، … ومحتاجة راجل محترم زيك.
أمير (ينتفض قليلاً في جلسته):
لارين؟! ماما… لارين زي أختي الصغيرة، كبرنا سوا، وكنت بشوفها دايمًا في بيت عمي يوسف. لا يمكن أفكر فيها كزوجة.
نهال (متعجبة):
إزاي يعني؟ بنت نضجت وبقت ست بيت، ومفيش عيب إنها مطلقة. بالعكس، دي ست محترمة.
أمير (ينظر نحو النافذة ويصمت قليلاً، ثم بصوت خافت فيه شرود):
مشكلتي مش في الزواج، مش حابب أتجوز من باب إننا نلم الموضوع والسلام… وبعدين… فيه واحدة…
إياد (ينظر له باهتمام):
واحدة؟! مين؟!
أمير (يتدارك نفسه بسرعة):
مش… مش مهمة. مجرد طالبة من طلابي في الجامعة، مفيش حاجة.
نهال (تضيّق عينيها):
طالبة؟! من بنات الجامعة؟! مين هي؟ اسمها إيه؟
أمير (بغرور بسيط يخفي التوتر):
ماما… خفّي شوية، لسه ما نعرفش حاجة. يمكن حتى مش تعرف إني موجود في الدنيا.
إياد (يضحك):
آدي اللي ناقص… ابن إياد الطحاوي، المعيد المغرور، واقع في حب بنت ومش قادر يقولها حتى اسمه!
نهال (بفضول):
شكلها حلو؟ طيبة؟ من عيلة معروفة؟
أمير (يبتسم لنفسه وهو يتذكر تيا):
معرفش عنها كتير… بس فيها حاجة… بريئة، وضحكتها هادية. مختلفة.
نهال (تبتسم بخبث):
يا رب ما تكون واحدة تكسّر قلبك زي ما حسام كسر قلب سيلين.
إياد (يرفع الكوب):
خلينا نسيب الولد على راحته، اللي فيه الكفاية… إحنا عندنا حرب نكسبها الأول.
يضحكون جميعًا، لكن أمير ينظر بعيدًا… فكره لا يزال مع "الطالبة المجهولة"...
***
إياد، نهال، وأمير يجلسون بعد نقاشهم السابق. فجأة، يرن هاتف نهال.
نهال (تبتسم عند رؤية اسم المتصل):
ياسر بيتصل.
ترد بسرعة، وقلق خفيف يلوح في صوتها:
ياسر؟ فينك يا حبيبي؟ تأخرت قوي… إحنا قلقنا عليك.
صوت ياسر من الهاتف، هادئ لكن متعب قليلاً:
ماما، أنا آسف لتأخيري… بس أنا في المستشفى.
نهال (تصيح في ذعر وهي تنهض من مكانها):
المستشفى؟! يا ربِّي، حصلك إيه؟ أنت بخير؟! إياد قوم شوف ابنك!
إياد (يقف بسرعة):
ياسر! إيه اللي حصل؟!
ياسر (يهدّئهم بصوت حنون):
بابا، ماما، اهدوا… أنا بخير. مش أنا اللي مريض.
نهال (بصوت خائف):
طمني… مين طيب؟!
ياسر:
أخت سيف الصغيرة… تيا. وقعت من على الدرج، حالتها كانت حرجة، ودخلوها العمليات… بس دلوقتي وضعها مستقر الحمد لله.
أمير (يرتفع حاجباه):
تيا؟ (يتمتم لنفسه دون أن يشعر) الاسم ده… غريب.
نهال (تتنهد براحة ولكن بقلق):
الحمد لله… طيب يا حبيبي، انتبه على نفسك، وبلّغ سيف وسليم وهدى سلامنا، وقلهم إننا بندعيلها من قلوبنا.
إياد:
وقلهم لو احتاجوا أي حاجة نحنا موجودين… سليم أخ وصاحب ومش حنسيبه.
أمير (بهدوء وهو يستمع):
إن شاء الله تقوم بالسلامة… تيا.
نهال (تنظر له):
قلت حاجة أمير؟
أمير (ينتبه):
لا لا، بس دعيت لها… ربنا يشفيها.
ياسر من الهاتف (بابتسامة رغم التعب):
هبلّغهم… وسلّموا لي على بعض. لما أخلص هرجع فورًا.
إياد:
خليك مع سيف دلوقتي، هو محتاج رجّالة حواليه… وإنت منهم.
نهال:
وربنا يحفظك يا ابني… قلبي كان حيقف.
ياسر:
بحبكم… سلام.
يُغلق الهاتف… ويسود الصمت للحظة.
نهال (تمسح دمعتها بخفة):
يا رب اشفِ البنت يا رب.
أمير (يجلس مرة أخرى وهو شارد الذهن):
تيا… تيا… (يهمس لنفسه) معقول تكون هي؟
***
في مستشفى خاص – جناح خاص بعائلة البحيري
بعد منتصف الليل بقليل.
الهدوء يلف المكان… تيا لا تزال في غيبوبة خفيفة، ومازن في سريره يتنفس ببطء وتحت المراقبة… سليم يجلس على الكرسي بجانب ابنته، يمسك يدها ويمسح على شعرها برقة بينما هدى تمسك بمسبحتها وتتمتم بدعاء.
ياسمين (بهمس لإيهاب وهي تمسك يده):
يا رب تقوم بخير… البنت لسه صغيرة، وهايدي دي… كان لازم تطلع من حياتنا من زمان.
إيهاب (بنبرة غاضبة مكبوتة):
لو مش مرض مازن… كان زمانها برا العيلة من سنين.
سيلين تقف في الزاوية تراقب المشهد بصمت… وتاليا الصغيرة نائمة في حجرها، ووجهها ملتصق برقبتها كطفلة أنهكها البكاء.
سيف (يقترب من سيلين، يهمس وهو ينظر لتاليا):
نامت أخيرًا؟
سيلين (تهز رأسها بهدوء):
كانت مرعوبة… كانت فاكرة إن تيا ماتت. فضلت تبكي لساعات.
(تنظر إليه)
مازن كمان… حالته مش مطمئنة.
سيف (يتنهد ويمرر يده على وجهه):
هايدي… قربت تنتهي. أنا مش هسكت لها أكتر من كده.
سيلين (بنبرة هادئة لكنها باردة):
ودي كانت بدايتها… كذبت، وقهرت زوجها، وكانت هتدفن البنت بمذكرة.
نظرة سريعة باتجاه الغرفة.
بس تيا قوية… حتقوم.
سيف (ينظر لسيلين قليلاً، ثم يجلس بجانبها):
لما شفت تيا نايمة كده… افتكرت يوم ما خرجتي من السجن.
(يبتسم ابتسامة خفيفة حزينة)
كنتِ نايمة بنفس الطريقة… والكل خايف يكلمك.
سيلين (تبتسم بخفة وهي تنظر لتاليا):
الفارق إنك وقتها ماكنتش مهتم… دلوقتي، أنت اللي جمبي.
سيف (يرد بسرعة، بعفوية):
لا… كنت مهتم… بس كنت بخاف أضعف قدامك.
نظرة طويلة بينهما، صمت مليء بكل شيء لم يُقال بعد… ثم تتكلم سيلين بهدوء.
سيلين:
فاكر يوم قلتلي إن الحرب دي مش حتخلص بسهولة؟
أنا كنت متعبة… وكنت فاكرة إني هشيل كل دا لوحدي.
سيف (يقترب قليلاً):
مش لوحدك.
(ينظر لها مباشرة)
من أول يوم وافقتي تبقي مراتي… بقيت مسؤوليتك، وحمايتك، ونصرك.
(تدمع عينا سيلين لكنها لا تبكي، تهمس بصوت خافت)
وساعتها… حسام خسر فعلاً.
(يسود صمت جديد، ثم يسمعون صوت الممرضة تأتي نحوهم.)
الممرضة (بلطف):
المعذرة… الدكتور بيقول ممكن حد يدخل يطمن على تيا، صحتها بدأت تستقر.
سليم (يقف بسرعة):
أنا هدخل… هدى تعالي.
يدخل الوالدان لغرفة تيا، بينما يبقى سيف وسيلين بالخارج، وتاليا الصغيرة تنام بعمق في حضن والدتها.
***
في غرفة هايدي – الطابق العلوي في فيلا البحيري
بعد منتصف الليل.
الغرفة غارقة في الظلام، الضوء الوحيد يصدر من شاشة هاتفها المحمول. هايدي جالسة على طرف السرير، عيناها تشتعلان من الغضب، وشعرها منكوش من التوتر. تمسك الهاتف بين يديها بقوة، تقرأ الرسائل القديمة، تتذكر الشتائم التي نالتها هذا اليوم، النظرات، والإهانة من الجميع.
هايدي (تتمتم من بين أسنانها):
أنا السبب؟ أنا السبب؟!
عشان البنت الغبية وقعت من الدرج، أنا أتحمل كل دا؟
والله ما يخلص على خير، يا تيا… يا سيلين… وخصوصًا إنتِ، يا سيلين.
تقوم من السرير فجأة وتبدأ المشي في الغرفة ذهابًا وإيابًا… عينها تلمع، مزيج من الجنون والحقد.
هايدي (تضحك بسخرية):
من يوم ما دخلتي البيت، قلبتي كل حاجة… سيف؟!
سيف اللي ما كنتش أصدق إنه ساكن تحت نفس السقف!
كنت قريبة… قريبة أوي… بس دخلتي إنتِ، وسرقتيه.
تتوقف أمام مرآتها، تحدّق في انعكاسها… ثم تلتفت نحو الهاتف وتفتحه مجددًا، تكتب اسم "نوال" وتتردد قبل أن تضغط على الاتصال.
هايدي (بغضب):
نوال؟ دي أغبى من إنها تفهم أي حاجة!
عايشة في أوهامها، اوهام أنها تدمر سيلين لوحدها......
تمسح الاسم وتلقي بالهاتف على السرير. تقف لوهلة ثم تهمس لنفسها بنبرة باردة:
لازم أبعد سيلين عن سيف…
لازم أخليها تشك فيه… تخاف منه…
أيوه… سيلين ذكية؟ وأنا أذكى…
سيف، هخليها تكرهك… زي ما كرهت مازن.
تبتسم بسخرية وهي تفتح درجًا صغيرًا في الكومود… تسحب منه ظرفًا قديمًا مليئًا بورق قديم ومفتاح فلاش USB.
هايدي (بخبث):
خليهم يندموا إنهم قللوا مني…
تيا؟ مازن؟ سيف؟
الكل هيشرب من نفس الكأس.
تجلس على الأرض وتبدأ تفحص بعض الأوراق… يتسلل ضوء القمر من الستارة، يضيء عينيها الشريرتين… الكاميرا تبتعد تدريجيًا، هايدي تبدو كأنها ساحرة شريرة تجهّز تعويذتها...
***
في فيلا نوال وحسام – الطابق الأرضي – صالة المعيشة
تجلس نوال على الأريكة، ترتدي رداءً حريريًا داكن اللون، وشعرها مرفوع بعناية… يدها تمسك بكوب شاي لم تشرب منه، وتحدّق بالساعة بقلق وتوتر. صوت فتح باب الفيلا يُعلن وصول حسام. يدخل بهدوء، يحمل حقيبة صغيرة، ووجهه مرهق.
نوال (ببرود قاتل):
أخيرًا… حسام بيه شرفنا.....
الساعة كام يا حسام؟
حسام (وهو يخلع سترته بتعب دون أن ينظر إليها):
متأخر… كان عندي شغل.
نوال (تقف فجأة):
شغل؟ ولا جوليانا؟
يتوقف للحظة. ينظر إليها نظرة سريعة، ثم يتجه نحو الطاولة ويسكب لنفسه ماء.
حسام (ببرود):
المحامية بتاعتي، نوال......
لو كنتِ ناسية، إحنا بنحاول نرجع حضانة وليد.
نوال (تقترب منه بحدة):
آه؟ وفين الأخبار الحلوة؟
وصلتوا لإيه؟ ولا لسه بتعملوا اجتماعات "ليلية" علشان تجهزوا الخطة؟!
حسام (بتنهيدة مرهقة):
نوال… مش وقته.....
أنا تعبان، وفعلاً مليش طاقة أتخانق.
نوال (بغضب):
لا يا روح نوال، هنتخانق…
ابني مع واحدة سرقته مني، وإنت بترد عليا ببرود؟!
حسام (بهدوء مريب):
"الواحدة" دي أحنّ على وليد منك ......وده مش رأيي بس، ده رأي وليد نفسه.......
النهاردة شُفته في الحضانة، كان مع تاليا، بيضحك ومرتاح.
نوال تنظر له بذهول، ثم تضحك بسخرية مريرة.
نوال (بعينين تشتعلان):
إنت بتقارنني بيها؟!
تقارن أم بولادها مع خدامة خرجت من السجن؟!
حسام (يحدق فيها أخيرًا، بنظرة باردة):
الخدامة اللي خرجت من السجن دي… قدرت تاخد منك ابنك بحكم المحكمة.....
والنهاردة… قدرت تعمل بيت لابنك وبنتك… وإنتي؟ لسه بتعيشي دور الضحية.
صمت ثقيل يسقط بينهما، تتسع عينا نوال بالذهول من وقاحة كلامه.
نوال (بصوت مكسور لكنه غاضب):
بتحبها؟
إنت… لسه بتحب سيلين؟!
حسام لا يرد، فقط ينظر لها نظرة طويلة… ثم يأخذ كأس الماء ويمشي بهدوء نحو السلم.
حسام (دون أن يلتفت):
ارتاحي، نوال.
خلينا نركّز على قضيتنا… مش على شكوكيك.
يصعد السلم ببطء ويختفي من المشهد، بينما نوال تبقى واقفة في مكانها، عيناها ممتلئتان بالدموع، لكن فيها أيضًا غضب وقسم واضح بالانتقام.
نوال (همسًا لنفسها):
بتحبها؟ طيب…
خليني أوريك لما نوال تقرر تلعب لعبتها الحقيقية.
***
مستشفى خاص – جناح كبار الشخصيات – الغرفة الخاصة بتيا
الصباح الباكر – ضوء الشمس الخفيف يتسلل عبر النافذة.
تيا ترقد على السرير، وجهها شاحب قليلاً، عيناها نصف مغمضتين، تتنفس ببطء. إلى جانبها تجلس والدتها هدى، تمسك يدها برفق وتتمتم بالدعاء بصوت خافت. سليم واقف بجانب السرير، يضع يده على كتف زوجته. عند الباب يقف سيف و إيهاب ومازن – الأخير يبدو متعباً لكنه أفضل من الأمس. سيلين تقف خلفهم ويداها متشابكتان، فيما تجلس ياسمين قرب النافذة وتبكي بصمت. لارين وياسر يقفان إلى جانب الحائط باحترام وهدوء.
تتحرك يد تيا ببطء… عيناها تفتحان ببطء شديد. تنظر أولاً إلى السقف ثم تهمس بخفوت شديد:
تيا (بصوت ضعيف):
ماما…؟
هدى (بانفجار دموع وفرح):
يا روحي… تيا… بنتي! سليم! فتحت عينيها!
سليم (بصوت مرتجف):
حمد الله على سلامتك يا بنتي… نورتي الدنيا يا تيا.
يسارع الجميع نحو السرير، يحيطون بها، تبتسم تيا بخفوت وهي ترى وجوههم.
سيف (بصوت دافئ):
قلقتينا يا مجنونة…
كنت ناوي أخذك شاليه مخصوص من خوفي عليك.
تيا (بابتسامة ضعيفة):
أنا… وقعت؟
إيهاب (يحاول المزاح لتخفيف التوتر):
وقعة محترمة يا حلوة، بس عدّت على خير… الحمد لله.
مازن يقترب منها ببطء، يمد يده ويمسك يدها بلطف.
مازن (بصوت حنون وضعيف قليلاً):
حمد الله على سلامتك يا تيا…
كنت خايف أموت قبل ما أشوفك بخير.
تدمع عينا تيا وهي ترى عائلتها تحيط بها بالحب… ثم تنظر خلفهم.
تيا (بصوت متقطع):
فين… تاليا… ووليد… و ريان؟
سيلين (تبتسم بثقة):
مع ماما أمينة في الفيلا… كانوا هنا طول الليل، بس تعبوا شوي، فقلنا نخليهم يناموا ويرتاحوا.....
أول ما يعرفوا إنك فقتِ، هيجنّوا يجوا.
(ياسمين تقترب وتقبل جبين تيا):
يا عمري… حمد الله على سلامتك. ما تتعبيش حالك بالكلام. إحنا جنبك، وكل شيء هيكون تمام.
(ياسر يقترب بخفة، ينظر إليها بلطف):
قلنا لكِ قبل كده إنك أميرة، بس المرة دي نزلتِ من القصر غلط.
خلي بالك في المرات الجاية، يا آنسة عنيدة.
تضحك تيا ضحكة خفيفة متقطعة… ثم تغمض عينيها قليلاً، التعب ما زال ظاهرًا عليها. الجميع ينظر لبعضه بارتياح وامتنان.
لارين (بهمس لسيلين):
كانت معجزة… الحمد لله.....
لمشهد ده رجّع الروح للقلب.
سيلين (بصوت منخفض، تنظر لتيا بحنان):
كانت قريبة من الموت… بس البنات الأقوياء، دايمًا بيرجعوا.
الجو في الغرفة مشبع بالمحبة، والترابط… رغم كل ما مروا به، هذه العائلة ما تزال تقاتل وتتشبث ببعضها.
***
بعد دقائق من استيقاظ تيا.
تيا تستند على الوسادة، لا تزال متعبة، لكن ملامحها بدأت تستعيد بعض الحيوية. تنظر حولها بتوتر خفيف، تسترق النظرات نحو وجه والدها، ثم إلى سيف، إيهاب، مازن، ووالدتها هدى. الجميع يحاول إظهار الهدوء... لكن الصمت بدأ يثقل الغرفة.
تيا (بهمس):
قبل ما أقع… كنت… في الطابق العلوي…
كنت اتخانق مع… هايدي…
يتبادلون النظرات… مازن يخفض نظره، بينما سيف يكتف ذراعيه، وإيهاب يشهق بخفة وكأنه تجهز لما سيأتي.
سليم (بهدوء صارم):
نعرف.
تيا تتفاجأ، تنظر لهم بعينين متسعتين.
تيا (مرتبكة):
تعرفوا؟... عن الخناقة؟!
هدى (بلطف لكن بنبرة أم):
نعرف عن كل شيء يا تيا… حتى عن... المذكرة.
يتسع توتر تيا، تضع يدها على فمها وتخفض عينيها، وجهها يحمر خجلاً.
تيا (بهمس محرج):
يعني… هي… أخبرتكم؟
إيهاب (بتهكم خفيف):
طبعاً… ما ضيّعتش دقيقة قبل ما تعمل من الحبة قبة.
مازن (بصوت متعب ومكسور):
قالت إنك ضايعة بين شابين… وإنك بتخوني ثقة العيلة.
(تيا تهز رأسها سريعاً وتنظر لوالدها)
تيا (باندفاع وخوف):
لا! لا مش كده! أنا بس… كنت بكتب مشاعري، ما قلتش إني بحبهم، بس كنت تايهة… مش قادرة أفهم قلبي!
سليم (يضع يده على يدها):
اهدئي، يا بنتي… محدش هنا بيحاسبك. إحنا بس كنا خايفين عليك.
سيلين (تتدخل بصوت هادئ وحازم):
تيا، إنك تكتبي مشاعرك ده مش عيب. بالعكس، ده دليل نضج…
لكن تحاولي تخبيها، وتنهاري لو عرفنا، هنا المشكلة.
تيا (بصوت مكسور):
كنت خايفة… أكون خيّبت ظنكم.
سيف (يقترب منها ويبتسم):
أنتِ ما خيّبتِ ظن حد… أنتِ بس لسه بتكبري… وبتتعلمي.
وصدقيني، اللي يستاهلك… هو اللي هيحارب عشانك، مش العكس.
تبتسم تيا من بين دموعها، وتمسح خدها بخفة، بينما يقترب مازن ويقبل رأسه.
مازن (بحنان):
أنا آسف إنك شفتِ وش هايدي الحقيقي بسببي… بس وعد، محدش هيأذيك تاني.
(تيا تهمس):
شكراً… كلكم.
(سيلين تلتفت إلى سيف وتهمس له):
أخوكَ قلبه نقي أكتر مما كنت أتصور.
رواية اقدار لا ترحم الفصل الثلاثون 30 - بقلم سيليا البحيري
الجو مشحون بالعاطفة والهدوء، وتيا بدأت تهدأ وتستعيد قوتها، لكنها لا تزال مرتبكة من كل ما كُشف. عندها، يتنحنح سيف ويقف بجانب السرير.
سيف
(بصوت هادئ وجاد)
لو تسمحوا… عايز أتكلم مع تيا لوحدنا شوية.
الجميع ينظر له باستغراب لحظة، ثم والدهم سليم يبتسم فهمًا ويومئ برأسه.
سليم
(بنبرة حازمة ولطيفة)
قوموا، خلوا أخوها الكبير يحكي معاها شوية… يمكن يقدر يوصل لقلبها أكتر مننا كلنا.
ينهض الجميع بهدوء. سيلين تبتسم لتيا وتهمس لها "أنتِ قوية يا أميرة"، قبل أن تغادر مع البقية. يغلق سيف الباب خلفهم ويتنهد، ثم يعود ليجلس بجانبها على الكرسي.
سيف
(بابتسامة ناعمة)
أخيرًا لوحدنا، أنا وإنتِ… زي زمان.
تيا
(بابتسامة حزينة)
زمان… لما كنت تجيب لي شوكولاتة بعد المدرسة وتقول لي: "الأميرات ما يبكوش".
سيف
(يمد يده ويمسك يدها بلطف)
وإنتِ لسه أميرة… بس كبرتي، وقلبك كبر معاكي.....قوليلي، تحبي تحكيلي اللي جوّاك؟
تيا
(تتردد لحظة ثم تنهار بصدق وراحة)
أنا مش فاهمة حاجة، سيف… كنت بحب آسر، بس هو ما يعرفش حتى إنّي موجودة… ولما جي أمير… حسّيت بحاجة تانية… اهتمامه، كلامه، نظراته…بس برضو… مش عارفة هو حاسس بشيء ولا لأ......أنا ضايعة بين إحساسين… وبكره نفسي إني محتارة بالشكل ده.
سيف
(ينظر لها بعطف شديد)
متكرهيش نفسك تيا. مشاعرك دليل على إنك حية… وإن قلبك لسه في أول خطواته.....الحب مش اختيار يا تيا، بس الاستمرار فيه… هو اللي محتاج وعي.
تيا
(بهمس)
أختار مين، يا ابيه؟
سيف
(ينظر في عينيها بثبات)
ما تختاريش دلوقتي… خليكِ صادقة مع قلبك، بس ذكية بعقلك. اللي يستاهلك، هيبان… مش بالكلام، بالفعل......آسر… ولا أمير… ما فيهم حد يستحقك إلا لو شفتِ فعلاً إنه بيحترمك، بيخاف على قلبك، مش بيشوفك مجرد لعبة أو لحظة إعجاب.
تيا
(بدموع خفيفة)
شكراً، يا سيف… أنت مش بس أخويا… أنت فعلاً أبويا التاني.
سيف يبتسم ويقبل جبهتها بلطف، ثم يمسح دمعتها بأصبعه.
سيف
(بمرح خفيف)
ويلا قومي بسرعة… عايزين نرجع الأمير لعرشه.
تضحك تيا للمرة الأولى منذ دخولها المشفى، وسيف ينهض ليخرج من الغرفة بينما ينظر إليها بفخر.
***
في فيلا عيلة هايدي – أوضة المعيشة الفخمة.
أبواب الفيلا بتتفتح بعنف، وهايدي داخلة زي الإعصار، شنطتها الغالية في إيدها، وبتخلع جزمتها بالكعب العالي وهي متنرفزة. بتقع على الكنبة كأن حد حدفها، وبتزعق بصوت عالي.
هايدي
(بانفجار)
وقاحة! إهانة! أنا هايدي البحيري! أتهزّق قدام الكل في المستشفى؟! أنا؟!
يدخل أبوها "زاهر" لابس روب نوم شيك، باين عليه التكبر من صغره، وراها أمها "قسمت" ماسكة كباية عصير، وساندي – أختها الشيطانة الصغيرة – داخلة بتضحك وهي بتعكّ في لبانة وبتستمتع بالمنظر.
زاهر
(رافع حاجبه)
اتطردتي؟! منين؟ ومين اللي اتجرأ؟!
هايدي
(بتقوم من مكانها، بتلوّح بإيديها)
من مستشفى العيلة! بعد ما تيا – الهبلة دي – وقعت من على السلم… والسبب؟ خناقة تفهى بيني وبينها عشان دفترها السري… البت وقعت وأنا بقيت أنا المجرمة!
قسمت
(عاملة نفسها مصدومة)
دفتر؟! هي كتبة فيه إيه؟ فضايحك؟!
هايدي
(بعصبية)
تفاهات مراهقين! بتحب اتنين في نفس الوقت، ولا فارقة معاها دراستها ولا سمعة العيلة! وأنا؟ بقيت أنا اللي زقيتها! وسليم؟ سليم طردني قدام الناس كأني شغالة عندهم!
زاهر
(بعصبية)
والراجل؟! فين مازن؟ ساكت؟! جبان!
هايدي
(باحتقار)
مازن؟ الغبي؟! واقف زي الشبح، حتى وهو تعبان ما فتحش بقه. بيخاف من أهله… شكله بقى بيخاف من عيلته كمان! يا ربي… حتى وهو مريض ملوش كرامة!
ساندي بتقعد وبتحط رجل على رجل، وبتضحك ضحكة لادغة.
ساندي
(بسخرية)
بصراحة؟ تستاهلي. من أولك وانتي بتتعالي عليهم ومفتكرة نفسك فوق الكل. ودلوقتي؟ طارت هيبتك، وسمعتك بقت مسخرة…ومازن؟ بيدبل زي الورد في البرد، وانتي مش عارفة تحافظي عليه!
هايدي
(بدموع في عينيها وهي بتزعق)
اخرسي! أنا هايدي! هايدي البحيري! مستحيل أتهزم! مستحيل أتهزق كده! كلهم هيدفعوا التمن!
قسمت
(ببرود)
بس شكلك اتهزمتي خلاص… البنت الصغيرة وقعتك، وجوزك؟ كأنه مش شايفك أصلاً…
زاهر
(بصوت بيفكر)
لازم نرجع كرامتك… لازم نرد اعتبارك. لو هما طردوكي… يبقى نوقعهم من جوا.
هايدي
(بصوت حاد)
أنا ما خلصتش… وسيلين؟ هتندم… مش عشان رجوعي،لا…عشان كل نفس تنفسّته من ساعة ما خرجت من السجن.
ساندي
(بتصفق بإيدها وببتسامة شريرة)
هايدي الشريرة رجعت… بس لو احتاجتي حد، متنسيش إن ساندي أقوى منك بكتير.
هايدي تبصّ لها ببرود، عارفة إن أختها الصغيرة مش سهلة، بس اللعبة لسه في أولها…
***
هايدي
(بتقوم فجأة من مكانها، تلف شعرها بعصبية وتقول بنبرة كلها غِل)
تتخيلوا؟ كل اللي حصل… كل الإهانة دي… كانت بسبب عيّلة! بنت عندها خمس سنين… تاليا! بنت سيلين! هي اللي فتحت بقها وقالت قدام الكل إن تيا كانت بتتخانق معايا… ومن ساعتها، كل البلاوي نزلت فوق دماغي!
قسمت
(رافعه حواجبها بدهشة)
تاليا؟ بنت سيلين؟ سيلين عندها بنت؟!
هايدي
(بضحكة مكسورة وبصوت عالي مشحون)
أيوه، عندها بنت! بنت من جوزها الأول… اللي دخلها السجن، واللي محدش عارف وساخة علاقتهم كانت عاملة إزاي! ورغم كل ده، سيف البحيري! ابن الأصول! راح واتجوزها! اتجوز مطلقة… ومعاها بنت كمان! وسماها "مراته" بفخر! تخيلوا القرف!
زاهر
(بينفجر غضب وبيخبط على الترابيزة)
سيف البحيري؟! يتجوز مطلقة… معاها عيلة؟! إيييييه العار ده؟!
قسمت
(تتظاهر بالاستغراب)
والكل ساكت؟ سليم وهدى وعيالهم؟ ساكتين كده؟!
ساندي
(بتضحك بقسوة وهي بتعكّ في اللبانة)
البنت دي… سيلين… شكلها بتلعب لعبها صح أوي. دخلت العيلة من أضيق باب… وراحت ماسكة القصر بإيد من حديد. وبنتها؟ هي السبب اللي طردك؟ واو يا هايدي… شوفي انتي بقيتي فين!
هايدي
(بتصرخ والدموع في عنيها)
عشان أنا الوحيدة اللي شايفة حقيقتها! الوحيدة اللي وقفة في وشها! بس لا…أنا لسه ما خلصتش! خلّيهم يستهينوا بيا…بس وقتي جاي! وسيلين؟ هفضحها… وهولّع في كل حاجة حواليها!
زاهر
(عنينه بتلمع طمع)
لازم نلاقي نقطة ضعفهم… ولو كانت البنت نفسها!
هايدي
(بتبتسم بخبث)
وأنا عارفة فين أضرب!
الكل بيتبادل النظرات… والمكر بيزيد، وهايدي عينيها بتوعد: سيلين؟ مش هتتهنّي باللي هي فيه.
***
في شركة آسر – طابق الإدارة، مكتب الرئيس التنفيذي.
المساء، الإضاءة خافتة شوية، والمكتب فاضي تقريبًا. آسر قاعد ورا مكتبه الفخم، لابس بدلة شيك، وعينيه فيها لمعة مكر. تدخل السكرتيرة "نغم" – بنت شيك، ذكية، ومن فترة وهي ملاحظة تصرفاته في صمت.
نغم
(وهي بتحط شوية ملفات على مكتبه وبتبتسم)
كل حاجة جاهزة لاجتماع بكرا مع شركاء دبي، أستاذ آسر. بس عندي سؤال… لو ما فيش إحراج يعني؟
آسر
(من غير ما يرفع عينه من الورق، بنبرة فيها لعب)
نغم… لو له علاقة بالشغل قولي، إنما لو فضول؟ خليّه ليوم ما نكون فاضيين.
نغم
(تضحك بخفة وبتتردد)
الموضوع مش شغل…بس الصراحة، كل الناس في الشركة بتتكلم… بجد بتحب رهف؟ أخت حسام؟ ولا ده كله تمثيل؟
آسر يرفع عينه ليها ببطء، ونظرة في وشه فيها سخرية وتحدّي، وبعدين يضحك ضحكة باااردة.
آسر
(يميل على المكتب بنبرة قاطعة وجليدية)
رهف؟ البنت اللي بتصدق أي كلمة حلوة تتقال؟ دي وسيلة يا نغم… وسيلة أخلّي بيها حسام يدفع التمن. زي ما سرق مننا كل حاجة… هسرق منه أهم حاجة عنده.
نغم
(تتجمد في مكانها)
يعني… أنت مش بتحبها؟ ولا حتى شوية؟!
آسر
(يضحك بقسوة)
حب؟ أنا؟ أنا بحب الانتقام، نغم. ورَهف؟ غبية… بريئة أكتر من اللازم. مصدقة إنها عايشة قصة حب… بس الحقيقة؟ هي عايشة قصة انتقام، أنا اللي كاتبها… والقلم؟ بدم أخوها.
نغم
(بصوت واطي، وعنيها فيها صدمة)
بس… دي بتحبك بجد.
آسر
(يقف، ويقرب منها بنبرة ناعمة وشيطانية)
ولما تقع من فوق السما وتفوق على الحقيقة… ساعتها بس حسام هيعرف يعني إيه وجع بجد. مش إنه يتعور… لأ. الوجع الحقيقي لما يشوف إن حد بريء اتكسر بسببه.
نغم تبص له بدهشة، وساكتة مش قادرة ترد. آسر يبعد عنها، ويرجع يقعد على كرسيه بكل برود.
آسر
(بلامبالاة)
اقفلي الباب وراكي يا نغم… عندي خطة جديدة محتاجة أرسمها النهاردة.
نغم تطلع من المكتب بهدوء، بس وشها متوتر، وفي سرّها، بتسأل نفسها… هي شافت بداية سقوط راجل؟ ولا نهاية واحدة غلبانة… اسمها رهف؟
***
قدّام مكتب آسر في شركته – الدور الأخير – الساعة قرّبت تبقى خمسة العصر.
رهف لابسة فستان بسيط وشيك، شايلة في إيدها علبة شوكولاتة فاخرة، ووشّها منوّر بابتسامة خجولة. كانت ناوية تفاجئ آسر بزيارتها. وصلت لباب المكتب، رفعت إيدها عشان تخبط، بس وقفت فجأة لما سمعت أصوات جوا… صوت آسر، وصوت نغم السكرتيرة.
صوت آسر من جوّه المكتب، بنبرة ساخرة وقاسية: رهف؟ البنت الطيبة اللي بتصدق أي كلام؟ دي مجرد وسيلة… وسيلة أخلّي بيها أخوها حسام يدفع التمن. مصدقة إنها عايشة قصة حب؟ لأ يا نغم، دي عايشة قصة انتقام… مكتوبة بدم أبويا اللي مات مظلوم.
صوت نغم بدهشة: بس… دي بتحبك بجد! إزاي قدرت…؟
آسر
(ببرود وقسوة)
الحب؟ مالوش مكان في لعبتي. رهف دي أداة… ولما تتكسر؟ ساعتها هتكون الطعنة اللي تغرز في قلب حسام… واللي عمره ما هينساها.
رهف وقفت متسمّرة، عينيها اتفتّحت على الآخر، حطت إيدها على بُقها عشان ما تصرخش، رجعت ورا بخطوات بطيئة، وكانت علبة الشوكولاتة هتقع من إيدها. بتتنفس بسرعة، ملامح وشّها بتتحول من صدمة… لخذلان… لانكسار.
رهف
(بهمس مرتعش)
لأ… لأ… مش ممكن… مش آسر… مش هو…
لفّت فجأة وجريت، دموعها نازلة بغزارة، نازلة السلم بسرعة، عدّت من قدّام الموظفين اللي بصّوا عليها باستغراب، بس مفيش حد اتجرأ يوقفها.
برّه – قدّام الشركة:
رهف خرجت من الباب الزجاجي الكبير، الهوا لطم وشّها، بس ما وقفتش… ماشية بسرعة، شبه بتجري، بتشهق من كتر العياط.
رهف
(بصوت مخنوق)
كنتي غبية يا رهف… كنتي ساذجة… صدّقتيه… وآمنتي في كذبة اسمها "آسر"…
بتبعد… لوحدها… وظهرها بيبعد عن المبنى اللي كسر قلبها جواه.
***
في شارع هادي قريب من الشركة – قبل المغرب بشوية.
رهف كانت بتجري… عنيها حُمرة، نفسها متقطع، ودموعها سابقة خطواتها. مشاعرها منهارة، وقلبها مكسور، وتفكيرها تايه.
رهف
(وهي بتهمس وسط شهقات العياط)
كنت مصدّقاك… كنت فعلاً مصدّقاك يا آسر… طلعت لعبة… لعبة تافهة وغبية…
بتتخبط وهي ماشية، وبتكاد تقع بس بتمسك نفسها وتكمل جري، لحد ما توصل لآخر الشارع… وهناك، فجأة، يتسمع صوت ست من وراها، صوت قوي، حازم… بس فيه دفء.
صوت الست من وراها: رهف!
رهف بتقف فجأة في مكانها، عنيها بتتسع من الصدمة، وإيديها بترتعش.
رهف
(بصوت مرتعش، من غير ما تبص وراها)
مين…؟
خطوات الست بتقرب منها بهدوء وثقة… بس وشّها مش باين. رهف جسمها بيرتعش، ودموعها نازلة.
الصوت تاني، بنبرة أهدى… بس مليانة وجع: رهف… استني، لازم نتكلم.
رهف بتقفل عنيها بقوة، تنهيدة وجع بتطلع من صدرها، وصوت بكاها بيعلى شوية… والمشهد بيقفل على وشّها الباكي، وهي محتارة… تهرب؟ ولا تفضل؟
رواية اقدار لا ترحم الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم سيليا البحيري
قدّام مبنى شركة آسر – في الخارج | الوقت: الضهر، والدنيا هادية
رهف خرجت من الشركة وهي بتجري، ودموعها مغرقه وشّها البريء…
قلبها بيدق من شدة الخذلان، نفسها متقطع، مش شايفة الطريق، بس بتجري…
بتهرب من الحقيقة اللي سمعتها بوضوح من ورا الباب.
صوت ناعم وحازم بيوقفها:
سيلين (بقلق):
ــ رهف؟ رهف! استني يا حبيبتي… في إيه؟ ليه بتعيطي كده؟!
رهف وقفت شوية بشويش، ولفّت… عنيها كلها دموع، وصدرها بيتهز من العياط.
رهف (بصوت مكسور):
ــ سيلين… (بترمي نفسها في حضنها) أنا… كنت غبية… صدّقته… وكنت… كنت بحبه.
سيلين (بتحضنها بشدة):
ــ يا قلبي، اهدي… أنا معاكي اهو… قوليلي، مين اللي وجعك؟ مين عمل فيك كده؟!
رهف (وهي بتبكي أكتر):
ــ آسر… آسر ضحك عليا! سمعته… كان بيتكلم مع السكرتيرة… بيقول إنه بيستغلني عشان ينتقم من حسام… من أخويا…
أنا بالنسباله وسيلة! مجرد أداة فـ لعبته الحقيرة!
سيلين (شهقت في سرّها، بس حاولت تخبي الصدمة):
ــ إيه؟ آسر؟!
ــ اهدي يا روحي… ما تعيطيش، إنتي ما عملتيش حاجة غلط… الحب مش ذنب يا رهف…
بس في ناس ما يستحقوش قلوبنا الطيبة.
رهف (بالدموع):
ــ كنت حاسة إن في حاجة مش مظبوطة، بس كذّبت إحساسي…
كنت فاكرة إني مميزة… حتى لو لحظة واحدة!
سيلين (بتمسح دموعها بلُطف وبتبتسم):
ــ إنتي مميزة جدًا يا رهف…
وهو؟ هو الغبي اللي خسر واحدة زيك.
تعالي، تعالي معايا… إنتي محتاجة ترتاحي شوية، ونتكلم بهدوء…
أنا مش هسيبك لوحدك دلوقتي.
سيلين تمسك إيد رهف، وتبعد بيها عن المبنى، لكن عينيها كانت فيها نار… مش هدوء.
(صوت سيلين في نفسها – ببرود وحسم):
آسر… ليل…
ماكنتش متخيّلة إن الطعنة الجاية تبقى منكم…
بس خلاص… دلوقتي عندي سبب كفاية يخليني أخلص اللعبة دي للنهاية…
ورحمة؟ الرحمة خلّصت من قلبي خلاص.
---
كافيه هادي – مساء
سيلين ورهف قاعدين على ترابيزة في الركن، جنب الشباك…
السماء بتغروب بشويش…
رهف ماسكة كوب شوكولاتة سخنة بإيدين بيرتعشوا، وساكتة، والجو كله كأنّه واقف.
رهف (بصوت واطي ومكسور):
ــ كنت فاكرة إنه مختلف…
ــ كان بيقولي إني شبه النسمة… وإن عينيّا فيها سلام…
ــ سيلين، تصدقي؟ كنت حتى بكسف أبصله… وهو خلاني أحس إني… إني ست مميزة.
سيلين (ببُصة فيها حنية، وبتمسك إيدها):
ــ وإنتي فعلًا مميزة… مش علشانه قال كده، علشانك إنتي رهف… رهف الطيبة، اللي قلبها أبيض.
رهف (بتهز راسها):
ــ بس هو اتريق عليا… قالي إني وسيلة، وقالي "غبية"…
ــ وكان بيضحكلي طول الوقت!
ــ أنا ما عملتلوش حاجة… ليه اختارني أنا؟
سيلين (بتسكت شوية، وبعدين ترد بهدوء):
ــ علشان هو موجوع…
ــ علشانك أخت حسام… اللي دمّر ناس كتير، وكسّر قلوب ما تتعدش.
ــ آسر فقد أبوه بسببه، وأخته "ليل"… (بتتوقف شوية) … اتغيّرت، وبقت نار على شكل إنسانة.
رهف (بذهول):
ــ إنتي… إنتي تعرفيهم؟
سيلين (بتبتسم بمرارة):
ــ أكتر ما تتخيّلي.
ــ إحنا كلنا ضحايا نفس الشخص… بس كل واحد بطريقته…
ــ وكل واحد بيحاول يرجّع الجزء اللي اتسرق منه.
رهف (تعيط تاني):
ــ بس هو استخدمني يا سيلين…
ــ كنت مصدقة كل كلمة، بخطط للمستقبل، بكتب اسمه في كراساتي…
ــ ودلوقتي؟ حاسة إني قذرة… إني كنت عايشة في وهم.
سيلين (بتضغط على إيدها):
ــ لأ، بلاش الكلام ده.
ــ آسر هو اللي غلط… وأنا هحاسبه بطريقتي.
ــ الانتقام عمره ما يبرر الأذى… خصوصًا لما يكون لحد بريء زيك.
رهف (بهمس):
ــ يعني… هتعقبيه؟
سيلين (بصوت هادي لكن مليان قوة):
ــ هخليه يبصلك في عينك… ويحس بالعار.
ــ هيفهم إن الطيبة مش غباء… وإنك أقوى من خيانته.
رهف (بتمسح دموعها):
ــ أنا… مش عايزة أنتقم منه…
ــ بس مش عايزة أشوفه تاني.
ــ ومش عايزة حد يفتكرني ضعيفة.
سيلين (بابتسامة دافية):
ــ إنتي هتبقي تمام يا رهف…
ــ وأنا جمبك… على طول.
سيلين ماسكة بإيد رهف، وبصا للشباك… عنيها فيها وعيد، بس وشّها هادي… هادي زي العاصفة اللي جاية.
---
فيلا عيلة حسام – الرسيبشن الكبير – قرب نص الليل
الفيلا ساكتة سكوت مرعب…
رهف بتدخل بخطوات بطيئة، عنيها منفخة من كتر البُكا، بتحاول تداري تعبها…
ترفع راسها تلاقيه واقف تحت السلم، سرحان وبيبص في الهوا… هو حسام.
يلفّ فجأة ناحيتها، عينه فيها قلق مش معتاد منه.
حسام (بصوت واطي):
ــ رهف… كنتي فين؟ اتأخرتي، وكلمتك أكتر من عشر مرات.
رهف (بتوقف وبترد ببرود):
ــ كنت في مكان بعيد… بعيد عن الضلمة اللي انت صنعتها حوالينا.
حسام (بيقرب منها بقلق حقيقي):
ــ إنتي مش طبيعية… وشك، عنيكي… في حاجة حصلت؟ حد ضايقك؟
رهف (تضحك بسخرية موجوعة):
ــ بتسأل لو "حد" ضايقني؟
ــ نسيت إنك إنت أكتر واحد آذاني في حياتي؟
ــ شيطان متخفي في شكل بني آدم يا حسام.
حسام (بصوت مصدوم):
ــ رهف؟ إنتي بتقولي إيه؟!
رهف (بتصرخ فيه):
ــ زهقت!
ــ تعبت من كونك سبب في كل الخراب اللي حوالينا!
ــ من كدبك، من دم الناس اللي نزلت بسببك، من قلوب اتحطمت عشان غلك وإنانيتك!
ــ الناس بتدفع تمن جرايمك، وأنا… أنا واحدة منهم.
حسام (مصدوم واقف مش عارف يرد):
ــ مش فاهم… سيلين؟ هي اللي قالتلك حاجة؟ غسلت دماغك؟
رهف (بعصبية):
ــ بلاش تجيب سيرتها!
ــ سيلين؟ دي ملاك… وإنت؟ حتى مش شيطان…
ــ إنت مصيبة ماشية على رجلين.
حسام (وشّه يتغير، بيغلي):
ــ أنا هروح لها دلوقتي… مش هسيبها تخربلي حياتي وتفرقني عنك كمان!
رهف (بتصرخ وبتقفله في وشّه):
ــ جرّب تقرب منها وشوف إيه هيحصلك!
ــ لو لمست شعرة منها… أنا اللي هكون خصمك، مش هي.
ــ خلّي كل اللي أذيتهم ياخدوا حقهم، بس سيلين؟ ما تقربش منها حتى بنظرة.
حسام (بيبلع ريقه ومذهول):
ــ رهف… أنا أخوكي!
رهف (بجراح تقطع القلب):
ــ وكنت أنا أختك…
ــ بس خلاص، ما بقاش في بينا غير اسم العيلة.
تلفّ وتمشي بخطوات سريعة، مليانة غضب ووجع… تسيبه واقف في الضلمة، تايه… مش عارف إذا كانت دي بداية النهاية… ولا نهايته هو بس.
---
فيلا آسر و ليل – أوضة المعيشة الكبيرة – بالليل
الجو كان مشحون في الفيلا…
آسر قاعد على الكنبة، بيقلّب في كوباية قهوة بايته في إيده،
وليل واقفة عند الشباك، عينيها مولعة من كتر الغضب المكبوت.
آسر (بغضب محبوس):
ــ كفاية تمثيل بقى… زهقت من اللعبة دي.
ــ رهف صدقت كل كلمة قلتها، وجِه الوقت نقفل السِتارة.
ــ كفاية إنها أخت حسام… ده لوحده يخلي كرامتها تتهز تحت رجليّا.
ليل (بحنق):
ــ ولسّه بيتنفس؟ بعد ما سرق حياتنا وبهدل عيلتنا؟
ــ خلّيها تدوق نقطة صغيرة من العذاب اللي إحنا عشناه.
آسر (يبصلها ببرود وقسوة):
ــ هكسرها… وبعدها هارميها زي لعبة قديمة مالهاش تمن.
**[فجأة... جرس الفيلا بيرن.]**
يتبادلوا نظرة سريعة، فيها توتر…
ليل تروح تفتح الباب… بتفتح… تلاقي سيلين واقفة.
وشّها هادي… لكن عينيها نار طالعة.
بتدخل بخطوات باردة، ونظرتها حادة، وسكوتها يخوّف.
سيلين (ببرود مرعب):
ــ آسر… ليل… مافيش أحلى من الخيانة لما تيجي من اللي كنت معتبرهم ضهرك.
آسر (يتلخبط):
ــ سيلين؟ إيه اللي جابك فجأة كده؟
ليل (تحاول تبتسم):
ــ في حاجة؟ إحنا كنا هنتّصل بيكي والله.
سيلين (بصوت واطي وحاد):
ــ ماتتعبيش نفسك بالكلام…
ــ أنا سمعت كل حاجة.
بتقرب من آسر… وفجأة بتلطشه بالقلم! صوت الصفعة يرنّ في الأوضة.
سيلين (بانفجار غضب ما شافته ليل قبل كده):
ــ رهف؟ رهف يا عديم القلب؟
ــ بنت غلبانة… مالهاش ذنب في اللي عمله أخوها!
ــ تكسر قلبها علشان بس شايلة اسمه؟!
آسر (بغضب):
ــ ومين قال إنها بريئة؟ دي لحم من لحم حسام! ما تفرقش عنه!
سيلين (بعنيها النار):
ــ ما تخلطش الحابل بالنابل يا آسر…
ــ في فرق بين الانتقام… وإنك تكون فقدت إنسانيتك.
ــ رهف ما كدبتش عليك، ما أذتكش…
ــ رهف كانت بتحبك!
ليل (بصوت واطي):
ــ سيلين… إحنا آسفين والله، بس…
سيلين (بتقطع كلامها بحدة):
ــ آسفين؟!
ــ فيه حاجات ما ينفعش يتقال فيها "آسف"…
ــ وخاصة لما يكون اللي انكسر… قلب نضيف!
آسر (بيتمرد):
ــ حتى لو… مش هبطل. حسام لازم يدفع.
سيلين (بصوت يخوف):
ــ لو إنت مش ناوي توقف… أنا اللي هوقّفك.
ــ وبطريقتي أنا.
لحظة سكون خانق تملى المكان.
سيلين (وهي خارجة):
ــ خلّيكوا أذكى من كده…
ــ متبقوش نسخه منه.
بتخرج سيلين بخطوات ثابتة، سايبة وراها سكون مرعب، وقلبين بيترعشوا من اللي جاي.
---
فيلا البحيري – ساعة متأخرة من الليل
النور خافت في الصالة الكبيرة…
هدوء تام… مفيش غير صوت عقارب الساعة بيكسر الصمت.
سيلين تفتح الباب الرئيسي بهدوء، وتقفله براحة وهي داخلة.
تفاجئت إن سيف قاعد على الكنبة، ماسك كوباية قهوة في إيده، واضح إنه ما نامش ولسّه صاحي.
عنيه كانت معلقة على الباب من ساعة ما خرجت.
سيف (بنعومة):
ــ اتأخرتِ…
سيلين (وهي بتقلع البالطو وتقرب منه):
ــ آسفة… ماكنتش ناوية أتأخر كده.
ــ حصلت حاجات خارجة عن إرادتي.
سيف (يبصلها باهتمام):
ــ إيه اللي حصل؟
ــ كنتي عند آسر وليل، مش كده؟
سيلين (بتتنهد وبتقعد جنبه):
ــ آه…
ــ رهف كانت منهارة، شفتها صدفة وهي ماشية في الشارع بتعيط.
ــ فهمت الموضوع، ورُحتلهم… وسمعت بعنيا منهم. ما قدرتش أعديها.
سيف (بنبرة فيها شوية حدة):
ــ وتصرفتي لوحدك من غير ما تقوليلي؟!
ــ يا سيلين، الدنيا بقت أخطر بكتير، خصوصًا بعد اللي عملوه في رهف.
سيلين (بهدوء):
ــ ماقدرتش أسيبها… رهف بالنسبالي زي أختي.
ــ لو كنت شفت عنيها، كنت عملت اللي عملته أنا.
سيف (بيبصلها وبيتلين صوته):
ــ والله مش عارف أقولك إيه…
ــ نار هادية؟ ولا زلزال ساكت؟
ــ كل مرة بتفاجئيني بقوتك… وبحنانك.
سيلين (بابتسامة هادية):
ــ شكرًا يا سيف…
ــ بس دلوقتي، عايزة أطمن على تاليا ووليد.
**[بتقوم وبتطلع السلم، وسيف بيبصلها بصمت.]**
---
**[المكان: أوضة الأطفال – فوق]**
النور خفيف…
تاليا نايمة، حضنة دبدوبها الأبيض، ووشّها فيه ابتسامة كأنها بتحلم حلم حلو.
وليد نايم في السرير اللي جنبها، متغطّي كويس، وشّه هادي، بس في تعبير قلق بسيط على جبينه.
[سيلين تدخل الأوضة بهدوء، تقرب من وليد، تركع جنبه وتبوس جبينه.]
سيلين (بهمس):
ــ وليد… ماما هنا، ومش هتسيبك أبدًا.
[تقوم وتروح عند تاليا، تعدل الغطا عليها وتهمس لها:]
سيلين:
ــ نامي يا حبيبتي… أنا وسيف هنفضل نحميكي لحد آخر نفس في عمرنا.
[عنّيها تدمع لحظة، وبعدها تطلع من الأوضة وتقفل الباب برقة.]
[برا، سيف كان مستنيها عند الباب… عنيه كلها حب وفخر.]
سيف (بهمس):
ــ لو كنت طفل صغير… كنت تمنيتك تبقي أمي.
سيلين (بتبتسم وهي تعبانة):
ــ وأنا… لو الزمن رجع بيا، كنت اخترتك تبقى أبو بنتي من الأول.
لحظة سكون حلوة… وبعدها يمشوا سوا بهدوء في الممر ناحية أوضتهم.
---
فيلا حسام – أوضة مكتبه الخاصة – نص الليل
الهدوء سايد، والنور خافت في الأوضة…
حسام قاعد على كرسيه الجلد الفاخر، مايل ضهره، ماسك كاس في إيده، والموبايل عَ ودنه.
على الشاشة: "جوليانا ❤️" بيبرق.
حسام (بصوت واطي وكسلان، كله غزل):
ــ صوتك لوحده بينسيني وجع الدنيا كله، عارفة؟
ــ كنت هاعمل إيه من غيرك يا جولي؟
جوليانا (من على التليفون، بصوت ناعم بس وقح):
ــ وأنا بقى؟ كنت هاعمل إيه من غير حضرة البيه اللي قلب الدنيا عشان عيل!
ــ طمني… إيه الأخبار؟ أختك الصغيرة عاملة إيه؟
حسام (بيصص للسقف):
ــ رجعت من شوية… شكلها مكسورة، عينيها حمرا، كأنها شافت حاجة كسّرتها.
ــ سألتها، بس ما نطقتش… بس أكيد وراها سيلين.
ــ الست دي بقت بتتنفس علشان تحرقلي دمي.
جوليانا (بسخرية):
ــ سيلين؟
ــ دي عندها طاقة شيطانية ما بتخلصش!
ــ بس متقلقش… قريب قوي هنخليها تدفع التمن، طفل بطفل.
حسام (يضحك ضحكة مستفزة):
ــ وليد هيرجعلي… سواء بالقانون أو بالقوة لو احتاج الأمر.
ــ سيلين عاملة نفسها الأم المثالية، بس إحنا عارفين هي مين.
جوليانا (بغنج):
ــ وأنا؟ دوري إيه بقى في المسرحية دي يا حسام؟
حسام (بصوت خبيث وناعم):
ــ إنتِ المسرحية كلها.
ــ اسمعي… مفيش حاجة في الدنيا بطراوة صوتك، ولا دفى حضنك، ولا خبثك اللي مخليني صاحي.
ــ حياتي معاكي هي الهدنة الوحيدة من النكد اللي بعيشه مع نوال.
ــ الغبية دي… فاكرة نفسها مراتي بجد!
جوليانا (تضحك باستهزاء):
ــ نوال؟
ــ دي جثة بتتحرك!
ــ تستاهل العيشة دي… على الأقل، إنتَ عايش معايا متعة حقيقية.
حسام (يهمس):
ــ متعة… وراحة… وخطة انتقام!
ــ ومتنسيش، أول ما وليد يرجع… نوال هيبقى مصيرها زي سيلين.
ــ يا تحت التراب… يا ورا القضبان.
جوليانا (ببرود):
ــ بس بلاش تتهور… خليك ذكي.
ــ خلّيها تخسر كل حاجة الأول… بعدين نقرر هنعمل فيها إيه.
ــ بس وعدتك… مش هتندم إنك اخترتني.
حسام (بغزل ساخر):
ــ ندم؟
ــ لو ندمان على حاجة، فهي إني ما عرفتكش من زمان!
يضحكوا مع بعض ضحكة خبيثة وسوداوية… والكاميرا تقفل على عيون حسام المليانة حقد وانتصار زائف.
---
بعد كام يوم فيلا عيلة البحيري – الصبح – على سفرة الفطار
المشهد يبدأ بأجواء صباح هادية، الشمس داخلة بنورها الدافي من الشباك، وريحت القهوة والعيش الطازة مالية المكان.
الكل قاعد حوالين السفرة.
سليم (وهو بيسكّب فنجان قهوة):
ــ صباح الخير يا ولادي… الجو العائلي ده رجّعلي الروح.
هدى (ببُسطة وهي بتبص على أحفادها):
ــ تاليا، وليد… خلّصوا فطاركم يا حبايبي.
تاليا الصغيرة (بتضحك بدلع):
ــ بابا سيف، شوف وليد خبّى العيشة مني!
سيف (بيضحك وبيقربها منه):
ــ وليد! رجّع العيشة لأختك يا مشاكس.
سيلين (بتضحك وبتطبطب على شعر وليد):
ــ على فكرة، هو اللي أدّاها قطعة من شوية… بس بيهزر.
إيهاب (وهو باصص لياسمين):
ــ والله لازم نخلّي الفطار العائلي ده عادة كل أسبوع.
تيا (بصوت هادي وهي بتاكل):
ــ نسيتوا إن أنا العيانة؟ المفروض تدلعوني أكتر من كده.
ياسمين (بتمسك إيدها برقة):
ــ كلنا بندلّعك يا أميرة… أهم حاجة إنك بخير.
مازن (ساكت، بيحرّك المعلقة في الكوباية، عينه تايهة في الطبق، شكله شاحب والتعب باين عليه).
أمينة (بتطبطب على كتفه):
ــ مازن يا حبيبي… كُل شوية، لازم جسمك يقوى.
[فجأة باب الفيلا بيتفتح بعنف، ويدخل زاهر ومعاه قسمت وساندي، ووراهم هايدي بكامل مكياجها ووقاحتها المعتادة.]
زاهر (بصوت عالي):
ــ صباح الخير يا عيلة البحيري!
جينا نرجّع بنتنا لبيتها وجوزها.
قسمت (بتبص لهم من فوق لتحت):
ــ بنتنا ما تستاهلش الذل اللي شافته… مكانها الطبيعي هنا.
ساندي (بعيون كلها غل وهي باصة لسيلين):
ــ أول مرة أشوفك… بس سامعة عنك كتير. باين قوي ليه أختي اتغيّر حالها.
هايدي (مباشرة نحية سليم):
ــ يا عمي… أنا غلطت، بس تطردوني؟ من المستشفى وكمان من الفيلا؟
أنا مرات ابنك برضو!
سليم (ببرود وهو باصص لمازن):
ــ القرار مش قراري… اسألي جوزك.
[الكل بيبص لمازن… اللي بيقوم ببطء من مكانه، ودموع الحزن بتلمع في عنيه.]
مازن (بصوت مكسور لكنه حاسم):
ــ كنت أعمى… كنت بقول يمكن تتغيري، يمكن تشوفيني راجل حتى لو أنا مريض.
بس كل يوم كنتي بتهديني بكلمة، كنتي بتحقريني، تقارني بيني وبين سيف وإيهاب،
حتى أختي الصغيرة ما سلمتش من شرّك.
[الكل ساكت، وهايدي مش مصدقة.]
مازن (يطلع ورقة من جيبه):
ــ دي ورقة الطلاق.
من النهاردة ما بقاش بينا حاجة…
روحي للناس اللي على مزاجك… بس ما ترجعيش لي تاني ...انتي طالق طالق طالق.
هايدي (بانهيار):
ــ لااااا! مازن! إنت مش هتقدر تعمل كده!
أنا مراتك! أنا اللي كنت جنبك!
مازن (بانفجار بعد كبت سنين):
ــ كنتي جسد من غير قلب… كنتي معايا عشان اسمي مش عشاني.
روحي! يمكن لما تبعدي أبدأ أتعالج من وجعك!
[هايدي بتصرخ، بتفقد أعصابها وبتجري على سيلين تحاول تمسكها من شعرها.]
هايدي (بجنون):
ــ إنتِ! إنتِ السبب! إنتي خرّبتيني! دمّرتي حياتي!
تاليا ووليد بيستخبوا ورا سيف بخوف، وسيف بيمسك هايدي وبيبعدها بعنف.
سيف (بصوت بارد وغاضب):
ــ لو قربتي من مراتي تاني… والله ما هرحمك.
تاليا بتعيط وسيلين بتاخدها هي ووليد في حضنها.
هدى (بصوت عالي):
ــ برا بيتي يا مجنونة!
قسمت (بتحاول تدخل):
ــ بنتي كانت تحت ضغط…
سليم (باحتقار وهو باصص لها):
ــ بنتك شيطان… وربّيتي شيطانة تانية واقفة جمبك.
ساندي (بتسقف وهي باصة لسيلين بضحكة صفرا):
ــ حلو… حلو المشهد.
بس يا سيلين… أنا مش هايدي. أنا اللعبة الأذكى.
سيلين (ببرود ونظرة قاتلة):
ــ وأنا مش هايدي… أنا النهاية.
المشهد بيقفل على وجوه آل البحيري الجادة، وهايدي بتنهار وتصرخ، وساندي بترمش بعنيها في خبث.