تحميل رواية «اقدار لا ترحم» PDF
بقلم سيليا البحيري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
في زنزانة السجن الكبيرة، السجينات متجمعين في دائرة حوالين مديرة السجن اللي مربوطة في الكرسي، والإضاءة خافتة، والجو متوتر جدا والكل حاسس بالرغبة في الانتقام. سيلين واقفة قدام مديرة السجن، ماسكة سكينة في إيدها، ووشها مليان غضب وقوة، وعينيها مليانة ثأر. مديرة السجن بصوت متوتر بتحاول تخبي خوفها: "إنتي مش عارفة إنتي بتعملي إيه سيلين. لو قتلتيني، مش هتخرجي من هنا أبدا. هتفضلي سجينة للأبد!" سيلين بتبتسم بابتسامة باردة وهي بتخبي وجعها القديم: "سجينة؟ كنتي السجانة الوحيدة هنا. خليتي المكان ده جحيم بس إنت...
رواية اقدار لا ترحم الفصل الأول 1 - بقلم سيليا البحيري
في زنزانة السجن الكبيرة، السجينات متجمعين في دائرة حوالين مديرة السجن اللي مربوطة في الكرسي، والإضاءة خافتة، والجو متوتر جدا والكل حاسس بالرغبة في الانتقام.
سيلين واقفة قدام مديرة السجن، ماسكة سكينة في إيدها، ووشها مليان غضب وقوة، وعينيها مليانة ثأر.
مديرة السجن بصوت متوتر بتحاول تخبي خوفها:
"إنتي مش عارفة إنتي بتعملي إيه سيلين. لو قتلتيني، مش هتخرجي من هنا أبدا. هتفضلي سجينة للأبد!"
سيلين بتبتسم بابتسامة باردة وهي بتخبي وجعها القديم:
"سجينة؟ كنتي السجانة الوحيدة هنا. خليتي المكان ده جحيم بس إنتي عمرك ما فهمتي.... إن الوحوش اللي إنتي زرعتيها هترجع تلتهمك."
مديرة السجن (بتصرخ):
"أنا ما عملتش غير واجبي. إنتي استاهلتي كل لحظة من الألم. إنتي مجرمة."
سيلين بتنزل راسها قدامها، ونظرتها بتبقى أكثر قسوة:
"مجرمة؟ إنتي قتلتي إنسانيتي قبل ما أفكر في الانتقام. جسدي مليان ندوب من تعذيبك بس روحي هي اللي تحطمت ومع كده مفيش حاجة قدرت تكسر إرادتي."
مديرة السجن بتتنفس بصعوبة، بتحاول تقاوم:
"مفيش فايدة. لو قتلتيني هتبقي زيي هتبقي نسخة مني، والناس هيفكروكي كقاتلة باردة."
سيلين بتبتسم بحزن:
"الفرق بيني وبينك إن أنا مش هعيش عشان أتمتع باللي عملته. اللي أنا بعمله دلوقتي مش انتقام بس... ده من أجل العدالة، لكل واحد اتعذب واتأذى بسببك."
سيلين بتلتفت للسجينات اللي واقفين في صمت كأنهم راضيين بالصمت. بعدين بتبص تاني على المديرة، وتبتدي تقرب منها بخطوات بطيئة وبعدين بتتكلم بصوت هادي لكنه قوي:
"كان عندك الفرصة تبقي إنسانة، بس إنتي اخترتي تبقي وحش. مفيش وحوش تانية هنا. المكان ده هيشهد الحرية أخيرًا... حتى لو الثمن حياتي."
بهدوء قاتل، سيلين بتغرز السكينة في صدر مديرة السجن. المديرة بتاخد شهقة أخيرة قبل ما يقع راسها، والدم بينزل من فمها. السجينات بيلتفوا حواليها، في منهم بيبكوا، وفي منهم واقفين في صمت مصدوم.
سيلين بتبص ليهم بحزم:
"إحدى السجينات: هنعمل إيه دلوقتي يا سيلين؟"
"سيلين بترد بثبات: هنعيش... من غير خوف. ولأول مرة... هنقرر مصيرنا إحنا."
في فيلا فخمة، العيلة كلها قاعدين في الصالة الرئيسية. حسام قاعد جنب مراته الجديدة "نوال"، ووالدته "ليلى" ووالده "جمال" وأخته "رهف" قاعدين متفرقين. الجو في الظاهر هادي، لكن فيه توتر بين كل فترة وفترة. نوال بتتصرف بثقة وابتسامة مكشوفة على وشها، وحسام باين عليه شارد ومضطرب، وكأن فيه حاجة جواه مش قادر يواجهها.
نوال: (بابتسامة مفتعلة وهي ماسكة إيد حسام)
"حبيبي، ليه باين عليك كده؟ مش عاجبك إن حياتنا بقت هادية وجميلة دلوقتي؟"
حسام: (يتنهد بصوت واطي، من غير ما يبص ليها)
"مفيش حاجة، نوال... أنا بس بفكر في شوية حاجات."
ليلى: (بنفخة متعصبة)
"يا حسام، ركز في حياتك الجديدة. مفيش داعي تفضل تفكر في الماضي، وسيلين خلاص مش في حياتنا تاني."
رهف: (بتردد)
"لكن... مش ممكن تكون بريئة في الآخر؟"
الجميع يبصوا على رهف باندهاش، ونوال تضحك بحقد:
"نوال: برئية؟ رهف، يا حبيبتي، انتي ناسية الأدلة؟ ناسية الجثة اللي لقيناها؟ ازاي سيلين تبقى برئية وكل حاجة كانت واضحة قدامنا؟"
جمال: (بصوت هادي ولكن حازم)
"كفاية بقى يا نوال. مفيش داعي نفتح الموضوع ده تاني."
رهف:
"لكن... هي كانت دايمًا طيبة و بريئة. ما صدقتش في يوم إن هي ممكن تعمل كده."
حسام: (يقاطع بصوت عالي، عاوز يخلص النقاش)
"رهف! اللي حصل حصل. سيلين اختارت طريقها، والموضوع انتهى."
نوال: (بتلمس دراعه بابتسامة باردة)
"طبعًا، حبيبي. ما تشيلش هم حد اختار يدمّر حياتنا."
حسام يبعد عنها فجأة، يبص ليها بنظرة مليانة تردد وندم، لكن ما بيقولش حاجة.
ليلى:
"حسام، ركّز في حياتك الجديدة مع نوال. هي كانت دايمًا جنبك، عكس سيلين اللي..."
قبل ما تكمل، رهف تنهض فجأة:
"رهف: لكن، أمي، فكرتوا في يوم إن نوال ممكن تكون السبب؟"
الجميع يوقفوا ساكتين لحظة، ونوال وشها يبيض شوية لكنها بتحاول تتماسك.
نوال: (بغضب مصطنع)
"إيه اللي بتقوليه؟ ده افتراء! إزاي تجرؤي تتهميني؟"
رهف: (بتبص ليها بتحدي)
"أنا مش باتهم... لكني بس بتساءل. إزاي واحد بريء زي سيلين فجأة يبقى قاتل؟"
حسام: (بيصرخ)
"كفاية! مش عاوز أسمع اسمها تاني!"
الجميع يسكت، ونوال تنهض وتدعي إنها بتبكي، وتسرع عشان تخرج من الأوضة. حسام قاعد، وشه مليان صراع داخلي. رهف بتبص ليه بحزن، وليلى بتهز راسها بتضايق.
جمال: (بهدوء)
"الحقايق دايمًا بتطلع في يوم من الأيام... سواء كنا مستعدين ليها أو لأ."
الجو فيه توتر خفيف بعد كلامهم عن الماضي. فجأة الموبايل بيرن. حسام يبص ع الرقم باستغراب قبل ما يرد. صوت أنثوي هادي لكنه مليان تهديد بيطلع من الطرف التاني. الكل بيسكت لما يعرفوا مين المتصلة.
حسام: (بعصبية وهو ماسك الموبايل)
"مين اللي بيتصل؟"
سيلين: (بصوت هادي بس مليان تحدي)
"مش ناوي تسأل عني يا حسام؟"
حسام يسكت لحظة، شكله متجمد من الصدمة، والعيلة كلها مركزة عليه.
حسام: (بغضب وارتباك)
"سيلين؟ إزاي بتتصلي؟ جبتي الموبايل ده منين؟"
سيلين:
"بلاش تشغل بالك بـ"إزاي". الأحسن تفكر في إيه اللي هيحصل بعد كده."
العيلة كلها تقرب لحسام بخوف، ونوال وشها يصفر وهي بتحاول تسمع.
ليلى: (بصوت واطي)
"مين اللي بيتكلم، حسام؟"
حسام: (يتجاهلها ويركز على الموبايل)
"إنتِ عايزة إيه يا سيلين؟ مش كفاية اللي عملتيه فينا؟"
سيلين: (بضحكة خفيفة مليانة سخرية)
"أنا اللي عملت؟ بجد؟ هو إنت نسيت إزاي رميتوني في النار وسدتوا عني باب الرحمة؟"
نوال: (بصوت متوتر)
"اديني التليفون يا حسام!"
سيلين: (تسمع صوتها وترد بسخرية)
"أهلاً نوال... ولا أقولك أم وليد؟ ابنك عامل إيه؟ وليد، صح؟"
الكل يتجمد لما اسم "وليد" بيتقال. نوال تحط إيدها على بقها بخوف، وحسام ينفجر غضب.
حسام:
"إياكِ تقربي منه، فاهمة؟ لو فكرتِ تأذيه، مش هيبقى ليكِ مكان تهربي له!"
سيلين: (بهدوء قاتل)
"متقلقش... أنا مش بلمس الأبرياء. بس كل اللي أذوني... هيحسوا بنفس الألم اللي دوقته."
نوال: (تصرخ من بعيد)
"إبعدي عن ابني يا مجنونة!"
سيلين:
"مجنونة؟ آه يمكن... بس الجنون ده إنتوا اللي صنعتوه. خليكوا مستعدين... الانتقام جاي، ومش هتعرفوا لا توقيته ولا طريقته، بس أعدكوا إنه هيكون مميز."
حسام: (بصوت عالي وغاضب)
"إنتِ ولا حاجة! مجرد واحدة ضايعة وحقيرة. عمرك ما هتعملي أي حاجة في حياتك غير إنك تدمري نفسك أكتر!"
سيلين: (بضحكة صغيرة مليانة تحدي)
"أوه يا حسام... حياتي انتهت يوم ما صدقت الكدب وسبتني أضيع لوحدي. دلوقتي... دوري أنا أرجّع الحقوق."
تُقفل سيلين المكالمة فجأة، وحسام يفضل واقف مذهول، الغضب مالي عينيه. نوال تبدأ تعيط بخوف، وليلى تحاول تهديها. رهف تفضل واقفة في مكانها، نظراتها كلها خوف وقلق، وجمال يقعد ساكت، باين عليه إنه مهموم جدا.
نوال: (بتعيط وهي ماسكة حسام)
"إعمل حاجة يا حسام! دي بتهدد ابننا!"
ليلى: (بغضب)
"إزاي حد في السجن يلاقي وسيلة يتصل بينا؟ لازم نكلم الشرطة حالًا!"
جمال: (بصوت هادي لكنه جاد)
"البنت دي مش هي البريئة اللي كنا نعرفها. لو قالت إنها هتنتقم، لازم ناخد كلامها بجدية."
حسام: (يقف بغضب ويضرب الطاولة)
"مستحيل تقدر تعمل حاجة! ولو حاولت، أنا أول واحد هوقفها عند حدها!"
العيلة كلها باين عليها الرعب من كلام سيلين. الكل حاسس إن العاصفة لسه في بدايتها.
وليد قاعد قدام التلفزيون في الصالة، بيتفرج على الرسوم المتحركة وهو بيضحك. الجو هادي شوية، الكل متوتر بعد مكالمة سيلين الأخيرة. فجأة الشاشة تقطع البرنامج، ويظهر خبر عاجل. صوت المذيع الجاد بيغطي المكان، وعيون الكل تروح على الشاشة.
المذيع:
"وردنا الآن خبر مقتل مديرة السجن "صفاء الحديدي" في ظروف غامضة داخل مكتبها بالسجن المركزي. التحقيقات الأولية تشير إلى وجود تمرد بين السجينات..."
الجملة تفضل مكملة، لكن الكلمات تضيع وسط صدمة العيلة. الكل يبصل بعض بخوف، باستثناء حسام اللي ملامحه مليانة غضب واضح.
وليد: (ببراءة)
"إيه ده؟ فين الكارتون؟"
نوال: (تشهق بصوت عالي وهي تحط إيدها على بُقها)
"يا نهار إسود...!"
حسام: (يقوم فجأة وهو متعصب)
"أكيد هي... أكيد سيلين ورا ده!"
ليلى: (بصوت متوتر)
"إزاي؟ إزاي حد زيها يعمل كده؟"
نوال: (تحاول تخفي ارتباكها، تمثل الخوف)
"حسام، ممكن يكون حد غيرها... دي جريمة كبيرة!"
حسام: (بعصبية وهو يشاور بإيده)
"نوال، ما تحاوليش تدافعي عنها! أنا عارف البنت دي كويس... دي مش إنسانة، دي شيطان."
رهف: (بصوت منخفض وهي بتبص لحسام)
"لكن هي كانت مختلفة زمان... ممكن تكون اتغيرت بسبب اللي حصل لها."
حسام: (يصرخ في رهف)
"مفيش حاجة تبرر اللي بتعمله! سيلين اختارت طريقها، وده طريق الشر."
نوال تستغل كلام حسام وتحاول تستميله أكتر لصفها. تقرب منه وتمسك إيده وهي بتكلم بنبرة باكية مصطنعة.
نوال:
"حسام، أنا خايفة... خايفة على وليد. البنت دي مش هتسيبنا في حالنا، خصوصًا بعد اللي قالته في المكالمة."
حسام يبصلها وعينيه باينة فيها نبرة حماية وغضب. جمال يتدخل بهدوء لكنه واضح إنه مش مقتنع.
جمال:
"طيب، بس لو سيلين ورا اللي حصل، يبقى لازم نفكر إزاي نتصرف بدل ما نسيب الغضب يعمينا."
حسام: (يضرب الطاولة بغضب)
"مش محتاج أفكر، سيلين مجرمة، وكل حاجة بتعملها دليل جديد إنها كانت دايمًا كده."
ليلى: (بتحاول تهدي الجو)
"طب ما يمكن فيه سبب خلاها تتصرف بالشكل ده؟ يمكن حد ظالمها، يمكن..."
حسام: (يقطعها بعصبية)
"ماما، بلاش كلام فارغ! كل اللي حصل بسببها. وأنا غلطان إني صدقت إنها إنسانة بريئة في يوم من الأيام."
نوال تبصل حسام بنظرة مليانة رضا داخلي، لكنها تمثل إنها متوترة.
نوال: (بحزن مزيف)
"حسام، ما تقولش كده... أنا مش عايزة أشوفك بتتعب بسببها. إحنا لازم نحمي عيلتنا وبس."
حسام يحط إيده على كتف نوال بنظرة مليانة تصميم.
حسام:
"متقلقيش، أنا مش هسمح لسيلين تأذي حد في البيت ده، خصوصًا وليد. لو قربت منه، هتندم ندم عمرها."
وليد يبصلهم وهو مش فاهم حاجة، يمسك إيد نوال ويقول ببراءة.
وليد:
"ماما، سيلين دي شريرة؟"
نوال: (تمسكه وتحضنه)
"متشغلش بالك، يا حبيبي... إحنا هنكون كويسين."
في مكان آخر، كانت ليل قاعدة على الأريكة في أوضة ضلمة، النور الخافت جاي من الشباك الصغير، والضوء بيرتد على الكأس اللي ماسكاها في إيدها. المشروب الأحمر اللامع تحت النور، وعينيها مليانة حزن وغضب. بتبص على السائل في الكأس، وبعدين ترفعه على شفايفها وترتشف منه ببطء، كأنها بتحاول تهدّي نفسها قبل ما تنفجر.
قدامها، على الترابيزة الصغيرة، في صورة قديمة لحسام، قلبها بيخفق بغضب متزايد، بس هي لسة هادية، بتحاول تتحكم في مشاعرها.
بتتكلم بصوت واطي، بس كلماتها مليانة تهديد وانتقام.
ليل (وهي رفعة الكأس):
"كنت فاكر إنك لعبتها صح، صح؟ لكنك نسيت إني كنت براقبك طول الوقت يا حسام."
ترتشف شوية تانية من الخمر، وتنظر للصورة قدامها وكأنها بتتأمل كل لحظة كانت مخدوعة فيها.
ليل:
"إنت مش فاهم يعني إيه جرح عميق. ومش هتدرك إزاي الغضب ممكن يتحول لحاجة مميتة. بس هتكتشف قريب، علشان اللعبة بدأت دلوقتي."
بتبتسم ابتسامة باردة، وترجع الكأس على الترابيزة، وبعدين ترجع تبص في الفراغ كأنها شايفة المستقبل قدامها.
ليل:
"هخليك عبرة، يا حسام. هتدفع التمن... حتى لو كنت فاكر إن كل حاجة خلصت."
فجأة قامت من على الأريكة، راحت على الشباك، فتحته شوية كأنها عاوزة تطلع الهوى وياخد معاه مشاعرها المكبوتة.
ليل:
"الانتقام مش سريع، لكن أكيد... ما تنساش ده."
رواية اقدار لا ترحم الفصل الثاني 2 - بقلم سيليا البحيري
بعد كام يوم، قدام بوابة السجن الحديدية تُفتح ببطء، وصوتها يُحدث صدى في المكان. تقف سيلين بثقة متجمدة عند العتبة، ترتدي ملابس سوداء أنيقة ورغم بساطتها تبدو وكأنها مصممة خصيصًا لها. شعرها مشدود للخلف، ونظرتها حادة وجامدة. السجينات داخل السجن ينظرن إليها من وراء القضبان، بعضهن بابتسامة فخر، والبعض الآخر بدهشة من خروجها المفاجئ. يقف حارس السجن بجانب البوابة، مرتبكًا وهو يحاول تبرير الموقف لنفسه.
الحارس:
(بتوتر)
خروجك بالشكل ده... ما حدش هيصدق إنه طبيعي، يا ست سيلين.
سيلين:
(بهدوء قاتل وهي تنظر للأفق)
الطبيعي في الحياة إنه اللي عنده قوة... دايمًا يلاقي طريقه للخروج.
الحارس:
(يحاول يقنعها)
بس... القصة هنا مش سهلة، القضية بتاعتك لسه مفتوحة، والكل هيبدأ يسأل.
سيلين:
(تلتفت له بابتسامة خفيفة لكنها باردة)
لما يسألوا، قُل لهم إن الوحش لما يخرج من قفصه... ما بيستنى أسئلة.
تتجاهله وتبدأ تمشي بخطوات ثابتة تجاه سيارة سوداء فاخرة تنتظرها بالخارج. السائق يفتح لها الباب الخلفي باحترام.
السائق:
أهلاً بعودتك يا مدام سيلين. الأوامر؟
سيلين:
(وهي تدخل السيارة)
جهز كل حاجة... اللعبة لسه في أولها.
تجلس داخل السيارة، تنظر من النافذة للخلف، ترى بوابة السجن تُغلق من جديد. تعلو على وجهها ابتسامة خافتة مليئة بالتحدي.
داخل السجن، السجينات يتحدثن فيما بينهن.
سجينة 1:
هي خرجت إزاي؟ دي مديرة السجن الله يرحمها نفسها قالت إنه محكوم عليها بالمؤبد، ودي يا دوب قعدت 5 سنين!
سجينة 2:
(بابتسامة واثقة)
لأن سيلين مش زي حد فينا... دي تعرف تحرك الدنيا كلها عشان تاخد اللي هي عايزاه.
سجينة 3:
طيب وإحنا؟ هنفضل هنا؟
سجينة 1:
يمكن لأ، يمكن لأجلها. ما حدش عارف إيه اللي ناوية عليه، بس اللي واضح... الدنيا برا هتقل.
عند سيلين، تجلس على المقعد الخلفي للسيارة وهي تتوعد للجميع بالانتقام.
سيلين:
جه الوقت.
بعد فترة قصيرة.
داخل فيلا سيلين الفاخرة، المكان مليء بالفخامة والهدوء المصطنع. تجلس سيلين في غرفة المعيشة الواسعة، ترتدي فستانًا أنيقًا بسيطًا باللون الأسود، تعكسه أنوار خافتة تضفي على ملامحها غموضًا وسلطة. بجانبها تقف خادمتها، امرأة مسنة تُدعى "أمينة"، تحمل صينية شاي بيدين ترتجفان قليلاً، ليس خوفًا من سيلين، بل احترامًا وهيبة لشخصيتها الجديدة. سيلين تتحدث بهدوء، لكن كلماتها ثقيلة كأنها أحجار تسقط على الأرض.
سيلين:
(بنبرة باردة ولكنها مليئة بالحقد)
عارفة يا أمينة؟ الإنسان لما يتولد، بيبقى صفحة بيضا... صفحة مليانة أحلام بريئة وحب للحياة. لكن الناس، الظلم، الخيانة... كل ده بيشوّه الصفحة دي.
أمينة:
(تضع الصينية على الطاولة بحذر)
والله عندك حق يا هانم. الظلم بيكسر البني آدم، بس اللي زيك، ما انكسرش... ده اتغير.
سيلين:
(تضحك ضحكة قصيرة، مليانة مرارة)
ما انكسرتش؟ يمكن. لكني أكيد اتغيرت... بقى جوايا حاجة ما كنتش أعرفها. عارفة لما الظلم يخليك تشوفي الدنيا كلها كأنها ساحة حرب؟
تلتقط كوب الشاي بهدوء وتنظر إلى البخار المتصاعد منه كأنها تتحدث لنفسها.
سيلين:
زمان، كنت أصدق في الخير... أصدق إن الحب ممكن يغير الدنيا. لكن حسام، نوال، وكل واحد في عيلتهم... علموني إن الحب ضعف، وإن الثقة سذاجة.
أمينة:
(بحذر)
بس... ما يمكن، يا هانم، في فرصة للغفران؟
سيلين:
(تنظر إلى أمينة بنظرة باردة تُسكتها)
الغفران؟ دي كلمة حلوة، يا أمينة... لكن مشكلتها إنها مش بتتقال إلا للي يستاهلها. حسام اختار يصدق كذبة نوال ويخليني أنا... أنا اللي كان بيقولي بحبك، أدفع التمن.
تضع كوب الشاي بهدوء وتنهض من مكانها، تسير إلى النافذة حيث ترى حديقة الفيلا المظلمة.
سيلين:
عارفة أنا خرجت من السجن إزاي؟ مش مهم تعرفي التفاصيل، لكن المهم... إني خرجت، وخرجت بقرار واحد: ما فيش حد فيهم هيعيش مرتاح، ما فيش حد فيهم هيهرب من اللي عملوه فيّ.
أمينة:
(تتردد ثم تسأل بخوف)
حتى الطفل... وليد؟
سيلين:
(تلتفت إليها ببطء، نظرتها جامدة)
الطفل؟ هو أغلى ما عندهم... صح؟ أنا مش محتاجة أعمل فيه حاجة، يكفيهم بس يخافوا عليه. الخوف ده، يا أمينة... هيبقى عذابهُم اليومي.
أمينة:
(تخفض رأسها، تشعر بمزيج من الخوف والإعجاب)
ربنا يكون في عونك، يا هانم... الظلم وحش.
سيلين:
(تبتسم بخفة، لكن الابتسامة مليانة مرارة)
الظلم ما يقتلش يا أمينة... بس بيخلق وحوش. وأنا؟ أنا الوحش اللي هم صنعوه.
تعود للجلوس بهدوء، وكأنها أنهت خطبة حياتها، تلتقط كوب الشاي وتبدأ في شربه وكأنها ملكة تخطط لمعركتها القادمة.
في فيلا حسام، تجلس العائلة في غرفة المعيشة. الجو مشحون بالخوف، وكل فرد يظهر توتره بطريقته. حليمة تردد أدعية بصوت منخفض، جمال ينظر إلى الأرض بصمت، بينما رهف تبدو قلقها واضحًا على ملامحها. نوال تجلس بجوار حسام، تحاول السيطرة على أعصابها لكنها تفشل، وحسام يسير جيئة وذهابًا بعصبية، الغضب والخوف يسيطران عليه.
حسام:
(بصوت غاضب ومرتبك)
مش فاهم! إزاي تجرؤ تتصل بينا وتقول الكلام ده؟! إزاي واحدة زيها، بعد كل اللي عملته، تلاقي الجرأة تهددنا؟
نوال:
(تضع يدها على ذراع حسام وتحاول التظاهر بالهدوء)
حسام، هي عايزة تخوفنا بس... دي إنسانة فقدت عقلها! المفروض نتجاهلها.
حليمة:
(تنظر إلى حسام بقلق)
بس صوتها... كان فيه حاجة تخوف. يا حسام، ربنا يعلم الظلم بيعمل إيه في الناس.
رهف:
(بصوت منخفض لكنها حازمة)
بس يا نوال، ليه إحنا؟ ليه هي بتكلمنا إحنا تحديدًا؟
نوال:
(تحاول السيطرة على توترها)
علشان تكرهني، رهف! أنا كنت سبب إنها تخرج من حياتنا، وهي مش هتنسى ده أبدًا.
جمال:
(يتحدث بصوت عميق)
اللي يخوفني أكتر مش مجرد كلامها... البنت دي اتغيرت. سيلين اللي كنا نعرفها زمان انتهت.
حسام:
(يصرخ بغضب)
سيلين انتهت يوم ما دخلت السجن! هي دلوقتي مجرد مجرمة، وقاتلة، ما تستحقش غير إنها تندفن في الماضي.
رهف:
(تنظر إليه بحزن)
بس يا حسام، إنت متأكد إنها فعلاً عملت اللي اتهموها بيه؟
حسام:
(يقاطعها بحدة)
رهف، مش عايز أسمع الكلام ده تاني! سيلين قاتلة، ونوال شاهدة على اللي حصل. إحنا لازم نحمي عيلتنا منها.
نوال:
(تبدو مرتعشة لكنها تحاول التماسك)
وأنا معاك، حسام. وليد لازم يفضل بعيد عنها، هي مستعدة تعمل أي حاجة.
ليلى:
(تمسك مسبحتها بقوة وتتمتم بالدعاء)
يا رب احفظ ولدي ووليده، واحمينا من شرها... الظلم صعب، بس الانتقام أصعب.
جمال:
(يتحدث بهدوء لكنه حاسم)
الموضوع ده ما ينفعش نستهين بيه. لو فكرت تأذينا، لازم نبقى جاهزين.
الصمت يعم الغرفة، وكل فرد يغرق في أفكاره. رهف تبدو حائرة، وكأن شكوكًا بدأت تراودها. نوال تخفي خوفها، تحاول التظاهر بالقوة أمام الجميع. أما حسام، فالغضب يعميه عن التفكير بعقلانية، وكل همه حماية أسرته.
التلفاز يعمل في خلفية غرفة المعيشة، يُعرض عليه برنامج عادي. وليد، ابن حسام، يلعب بجوار الشاشة. فجأة، يتم قطع البرنامج لإذاعة خبر عاجل. تظهر صورة سيلين على الشاشة مع عنوان "خروج غير متوقع لسجينة مشهورة... وتحقيقات حول ظروف الإفراج"، كل واحد يظهر تعبيرات صادمة ومتوترة. حسام يتجمد مكانه، نوال يزداد شحوبها، رهف تنظر بدهشة، ليلى تُمسك صدرها برعب. جمال يُسقط سيجارته على الأرض دون أن يشعر.
المذيع:
وردنا للتو خبر الإفراج عن السجينة سيلين يوسف المغربي بطريقة مثيرة للجدل. خرجت السجينة المدانة بجريمة قتل بعد خمس سنوات فقط من عقوبتها، في ظل ظروف مشبوهة، حيث تشير مصادرنا إلى تدخلات غير معلومة.
حسام:
(يصيح بغضب)
إيه؟ إزاي ده حصل؟ دي ما ينفعش تكون خرجت!
نوال:
(تمسك بيده وهي ترتعش)
لازم يكون في غلط... مستحيل تكون خرجت!
ليلى:
(بصوت مرتجف)
يا رب سترك... البنت دي مش هتسيبنا في حالنا.
جمال:
(يقف فجأة، يحاول الحفاظ على هدوئه)
اللي حصل ده خطر. سيلين مش هتخرج وتسكت، خصوصًا بعد المكالمة اللي عملتها.
رهف:
(تنظر إلى نوال بشك واضح)
هي قالت إنها هتاخد حقها... بس ليه إحنا؟ ليه هي مصرّة إنها تنتقم مننا؟
نوال:
(ترتبك وتحاول السيطرة على الموقف)
علشان هي مريضة نفسية! دايمًا كانت كده. دي بتتخيل إننا السبب في كل حاجة وحشة حصلتلها.
حسام:
(يضرب الطاولة بعنف)
كفاية كلام! إحنا لازم نتصرف... أنا مش هسمح لها تلمس ولدي، ولا حد من العيلة.
جمال:
(يفكر للحظة ثم يتحدث بجدية)
إحنا محتاجين نبلغ الشرطة، نحط حماية حوالين البيت، ونتأكد إن سيلين ما تقدرش تقرب من هنا.
ليلى:
(تُمسك بيد رهف)
بس إنت متأكد إن الشرطة هتعمل حاجة؟ البنت دي شكلها معاها ناس كبار بيساعدوها.
نوال:
(بصوت مليء بالخوف)
هي عايزة تدمرنا، مش هتوقف عند التهديدات. لازم نخلص منها بأي طريقة.
رهف:
(تنظر إلى نوال بصدمة)
تخلص منها؟ إنتي بتتكلمي عن إيه يا نوال؟
نوال:
(بحدة وبنبرة دفاعية)
رهف، إنتِ صغيرة ومش فاهمة. دي لو فضلت حرة، هنكون كلنا في خطر، خصوصًا وليد.
حسام:
(بصوت حازم)
أنا متفق مع نوال. لازم نعمل خطة. لو سيلين قررت تقرب مننا، هتندم على اليوم اللي خرجت فيه من السجن.
الجميع يظل في حالة صمت، يفكرون في الخطوة التالية. نوال تبدو وكأنها تحاول إخفاء سر كبير، رهف تراقبها بشك، وحسام يشتعل غضبًا ويفكر في حماية عائلته بأي ثمن. في الخلفية، يظهر وجه سيلين على الشاشة بابتسامتها الغامضة، وكأنها تعرف أن خوفهم بدأ يلتهمهم.
في غرفة سيلين الفاخرة في فيلتها، الجو مشحون بالتوتر والانتقام. الأضواء خافتة، وصوت الرياح يطرق النوافذ. سيلين جالسة على كرسي عتيق، يعلو وجهها تجاعيد حزن وغضب. في يدها، مجموعة من الأحجار الصغيرة. كل حجر يمثل شخصًا قررت الانتقام منهم.
سيلين:
(بتشوف الأحجار بتركيز، بتحكي لنفسها)
"كل حجر في إيدي ده بيعبر عن واحد فيهم. حسام، اللي خذلني وترك قلبي ينزف... نوال، اللي كانت سبب في كل الكابوس ده، واللي كان المفروض أعيش حياتي معاهم، ولا هو كان عايزني. وليد، المسكين، اللي مش فاهم حاجة، بس لو اضطررت، هتعلموه الدرس كمان. والمحامي... كان السبب في دخولي السجن، بيعتقد إن كل حاجة كانت مجرد صفقة بالنسباله."
سيلين بتضغط على الحجر الأول بيدها بعنف، كأنها بتضغط على قلب حسام.
سيلين:
(بصوت هادي شوية، بس قاسي)
"حسام، يا من كنت يومًا أمل حياتي... إزاي تكون قاسي لدرجة دي؟ تركتني في السجن مع عذاب الأيام، واتجوزت من الوحش. كنت بتحبني؟ فين حبك لما كنت في أشد الحاجة ليك؟"
وبعد كده تسيب الحجر ده وتروح تلتقط حجر أكبر شوية. الحجر ده مغطى ببقع حمراء صغيرة شبه الدم. سيلين بتبتسم ابتسامة متوحشة.
سيلين:
(بهدوء بس بتحدي)
"نوال، إنت السبب في الكابوس ده كله. كنتي دايمًا بتخبي سمك، بس دلوقتي مفيش مجال نخبي فيه سمك الحقيقي. لو كانت حياتي هتنتهي في الزنزانة، فلتكن حياتك إنت كمان مليانة بالظلام. كنتي عارفة إني بريئة، ومع ذلك اخترتي إني تريني الجحيم."
سيلين بتبتسم ابتسامة متوحشة بعد كده وبتروح تلتقط حجر أصغر بكتير، وبتحط إصبعها عليه بحذر. الحجر ده كان خاص بوليد، الطفل البريء اللي كان ضحية ظروف مكنش مسؤول عنها.
سيلين:
(بتنهد وعيونها بتدمع شوية)
"وليد... الطفل البريء. إنت مكنتش اخترت أبدًا تكون في الدنيا دي، بس هتدفع الثمن... مش علشان إنت مذنب، بس علشان بقيت جزء من الخراب ده. بس وعد... هكون السبب في موتك."
تسيب الحجر ده وتروح تلتقط الحجر الأخير، حجر أكبر من الباقي، وهو يمثل المحامي اللي أسهم في ظلمها بإدخالها السجن، وهو أكتر شخص سيلين بتكره دلوقتي.
سيلين:
(بشدة)
"وأنت... المحامي المخادع. عارف كويس إني بريئة، ومع ذلك كنت جزء من المؤامرة. لكن هتدفع الثمن. مفيش حد هينجو من الانتقام لما يكون الظلم في قلبه."
تتنفس سيلين بعمق، بعد كده بتروح ترمي الأحجار كلها بعيد عنها. وهي مش بتلفت وراءها، لكن صوت سقطهم على الأرض بيملى الغرفة، زي إعلان عن بداية النهاية لأولئك اللي ظلموها.
في فيلا حسام، الأجواء مشحونة بالتوتر. الجميع في حالة رعب من عودة سيلين، والتلفاز مازال يعرض أخبار خروجها من السجن بطريقة مشكوك فيها. فجأة، يرن الهاتف. حسام ينظر إلى الهاتف بتردد واضح، ثم يجيب عليه.
حسام:
(يحاول أن يخفي توتره)
آلو؟
سيلين:
(صوتها هادئ، ولكن مع نبرة سخرية واضحة)
أيوه، حسام، إزايك؟ كان لازم أخيرًا أسمع صوتك بعد كل اللي حصل.
نوال تلتفت بقلق إلى حسام، وتبدو على وجهها ملامح خوف، بينما الجميع يراقب المحادثة في صمت.
سيلين:
(تضحك بخفة، ثم تستمر)
كنتوا فاكرين إنكم هتقدروا تتهربوا من كل ده؟ فاكرين إنكم هتعيشوا في أمان؟ أكيد كنتوا حاسين إني مش هقدر أطلع من السجن... صح؟
حسام:
(يتنفس ببطء، يحاول أن يبدو قويًا)
إنتي خرجتي؟ ده مستحيل!
سيلين:
(بصوت متلاعب، وهي تضحك سخرية)
آه، مش مستحيل... بس أنا مش جايّة عشان أتكلم عن نفسي. أنا جايّة أتكلم عنكوا، عن ولادكوا، وعن طفلكم البريء، وليد.
الجميع يتجمد في مكانهم، الخوف يملأ المكان. سيلين تواصل حديثها بسخرية شديدة.
سيلين:
(بنبرة تهديد قاسية)
أنتوا عارفين، صح؟ أنكم مش هتقدروا تحموا وليد لو أنا قررت... أعمل حاجة له؟ هو دلوقتي في خطر. وده مش تهديد، ده وعد.
نوال:
(تتساقط كلماتها من الخوف، تحاول أن تخفي توترها)
إنتي... إنتي متخيلة إنك هتقدري تضرينا؟
سيلين:
(بضحكة ساخرة)
أوه، نوال... مش قادرة أصدق إنك لسه بتقولي الكلام ده بعد كل اللي عملتيه. زي ما كنتِ قادرة تلبسي جريمة القتل على شخص بريء، يمكن تلبسيها لنفسك كمان.
نوال تلتفت بسرعة إلى حسام، عيونها مليئة بالذعر. سيلين تضحك بصوت منخفض، وتواصل الحديث.
سيلين:
(تلميحًا واضحًا لنوال)
يمكن جريمة قتل واحدة مش كفاية. يمكن في حاجات تانية ممكن تندمي عليها... لو كان عندك ضمير.
حسام:
(غاضبًا، لكن خوفه واضح)
إنتي هتدفعين ثمن كل ده! مش هتقدر تضرنا.
سيلين:
(بصوت هادئ جدًا، لكن مع نبرة قاسية)
المشكلة إنك مش عارف أنا هعمل إيه في الوقت اللي ماحدش فيكم متوقعه. بس وليد... هو المسؤول عن كل حاجة. لو مش هتقدروا تحموه، يبقى ماكانش لكم الحق تتعاملوا معايا بالطريقة دي.
حسام ينظر إلى الهاتف بعينيه المملوءتين بالخوف، بينما نوال تهتز من الداخل ولا تعرف كيف ترد. الجميع في فيلا حسام في حالة من الصمت والارتباك.
سيلين:
(تسخر بخفة)
بصراحة، هتبقى نهاية حزينة لو لقيت نفسي مضطرة أستهدف شخص بريء زي وليد... بس لو لزم الأمر، مفيش حاجة تمنعني.
سيلين تغلق الهاتف، تاركة الجميع في حالة من الذهول والخوف. نوال تتنفس بعمق، وحسام ينظر في الفراغ، وكل أفراد عائلة حسام يشعرون أن الخطر أصبح أقرب منهم من أي وقت مضى.
بعد كام يوم.
في كافيه راقية في وسط البلد، الناس المترفة بيقعدوا في هدوء وعيونهم بتراقب اللي حواليهم. سيلين، قاعدة على ترابيزة جنب الشباك، عينيها بتتبع المارة بحذر. شكلها هادية، لكن في عيونها حاجة من الصمت القاسي. سيف، دخل القهوة بخطوات واثقة، قعد قدامها من غير ما يبص في عيونها.
سيف:
(بصوت هادي، لكن واضح إنه جاد)
عارف إنكِ هنا علشان حاجة معينة، سيلين. مش جايه هنا علشان نتكلم بس.
سيلين:
(بتبصله بنظرة حادة، وصوتها بارد كالجليد)
كل حاجة بوقتها، سيف. مش لازم تكرر كلامك، أنا هنا عارفة كويس إنت جاي ليه.
سيف:
(بيبص لها نظرة فاحصة، وبيمسك فنجان القهوة بهدوء)
أنتِ دايمًا جدية كده في كل حاجة. الحياة مش بس صفقات وفلوس، يا سيلين.
سيلين:
(بتاخد نفس طويل، وبتبتسم ابتسامة مش واضحة، مليانة برودة)
الحياة علمتني أكون قاسية. مفيش مكان للرحمة في عالمنا. وصدقني، لو عايز توصل للي بتدور عليه، الموضوع محتاج صفقة باردة، زي ما أنا بعمل.
سيف:
(بيميل براسه شويه، عايز يفهم أكتر)
أنتِ مش بتعبري عن مشاعرك، صح؟ الخوف من الوجع خلاكي تبني جدران حوالين قلبك.
سيلين:
(بترفع عينها عليه، وعينيها فيها لمعة غضب)
متفكرش إنك هتفهمني، سيف. الطريق اللي مريت بيه كان مليان خيانة وظلم، وأنا اللي قدرت أعيش. مش محتاجة حد يلومني على اللي أنا فيه دلوقتي.
سيف:
(بياخد لحظة قبل ما يرد، وعينيه فيها نوع من الاحترام)
يبقى، هتقدميلي إيه في الصفقة دي؟
سيلين:
(بتفتح ملف قدامه، وإيدها بتتحرك بسرعة وهي بتعرض عليه الأوراق)
دي فرصتك. التعاون بينا هيكون مفيد ليك ولشركتك. بس متتوقعش إنك تاخد حاجة من غير مقابل.
سيف:
(بيقرأ الأوراق، وبعدها بيرتفع عينيه لعيونها)
أنتِ مش عارفة الرحمة، بس أنا شايف إنك هتكوني أكتر حكمة لما تقرري مين اللي هيتعاون معاك في اللعبة دي.
سيلين:
(بتضحك ضحكة باردة)
أنا مش بلعب، سيف. أنا بس بتنفس خطتي.
سيف:
(بيقفل الملف بهدوء)
طيب، نبدأ الصفقة دي، بس افتكري، مفيش حاجة بتهرب من الزمن في الدنيا دي، حتى لو كانت اللعبة باردة زي التلج.
سيلين:
(بتغمض عينيها شوية، وبعدها بتفتحهم وبتبصله بثقة)
اللي مكتوب لينا هيحصل، واللي مش مكتوب مش هيلقي مكان هنا.
سيف:
(بيعمل حركة بسيطة زي موافقة)
يبقى نبدأ.
بعد ما تم التوقيع على الصفقة، سيلين وسيف قعدوا في نفس القهوة الفاخرة، الجو هادي وصوت الموسيقى الخافتة بيضيف لمسة من الغموض. سيلين كانت هادية جدًا، لكن في داخلها كان فيه بركان من الغضب والرغبة في الانتقام. سيف حس بشيء غريب في عيونها، زي لو كانت فيه نار محبوسة جوه، لكن هو مش قادر يعرف إزاي يوصل ليها.
سيف:
(بصوت هادي، وهو بيبص لها بحذر)
مش عايز أسألك عن حاجة، بس واضح إن في حاجة مش بتقولها لي. في حاجة مش واضحة.
سيلين:
(بتبتسم ابتسامة باردة، لكن عينيها مليانة غضب)
في حاجات ما ينفعش تقولها، سيف. لو عرفت كل حاجة، هتفهم ليه أنا بعمل كده.
سيف:
(بيميل قدامها على الطاولة، ملامحه مليانة فضول)
إيه اللي حصل ليكي، سيلين؟ شايف إنك مش بس بتدوري على الانتقام من نوال، في حاجة تانية... في حاجة أعمق من كده.
سيلين:
(بتاخد نفس عميق، وبتبصله بنظرة حادة)
نوال مش السبب الوحيد، سيف. لما دخلت السجن، تعاملوا معايا كأني مش إنسانة. كان في ظلم مفيش له مثيل، وعشان كده قلوبهم كلهم هتبقى باردة زي قلبي دلوقتي.
سيف:
(بيحاول يفهم أكتر، بيحس إن فيه سر كبير مخبي)
يعني فيه حاجة في الماضي خلّت قلبك كده؟ إيه اللي حصل قبل السجن؟
سيلين:
(بتكتف إيديها على صدرها، وعيونها بتلمع بحقد)
أنا مش سيلين اللي انت فاكرها. كنت في ميتم، واتعاملت معايا بشراسة لدرجة إنني كنت بحس إني مجرد رقم. لما كنت رضيعة، اتسرقت من عيلتي، ووالدتي كانت مخطوفة. عرفت الحقيقة دلوقتي، والدتي الحقيقية كانت عايشة حياة مليانة حقد بسبب إن جوزها اتجوز غيرها. ومن هنا بدأت الحكاية.
سيف:
(بدهشة)
إيه؟! ده يعني إن عيلتك الحقيقية كان عندهم ثروة كبيرة؟! وعرفت منين كل ده؟
سيلين:
(بتتكلم بصوت منخفض، وعينيها مش باصصة قدامه)
عميل سري هو اللي قال لي. عرفت إن نوال وأمها كانوا السبب في كل اللي حصل لي. أم نوال كانت سبب اختطافي، وكان عندها دافع رهيب لانتقام من والدي.
سيف:
(بصوت جاد)
إنتِ عايزة تنتقمي منهم كلهم؟!
سيلين:
(بتبتسم ابتسامة عميقة، ونبرة صوتها بتكون مليانة حقد)
مش بس نوال، مش بس حسام. هانتقم من الكل، من كل شخص كان له دور في تدمير حياتي. من والدتي الحقيقية وأخواتي... لما هانتقم، هقول لهم إنهم ما قدرونيش. هأخد حقي منهم كلهم، وكل واحد هيدفع ثمن خيانته.
سيف:
(بيستغرب، لكن بيحاول يهدي من روعها)
أنتِ مش لوحدك دلوقتي، سيلين. فيه ناس معاك. لو فكرتي صح، هتقدر تخلصي منهم بدون ما تخسري كل حاجة.
سيلين:
(بتبصله بعينين مليانين بالتصميم)
أنا خلاص ما بقتش زي ما كنت، سيف. مش هسمح لحد يوقفني دلوقتي. حتى لو كان من دم عيلتي، مش هرحم حد فيهم.
سيف:
(بصوت هادي وهو بيبص لها بإعجاب)
يبقى أنتِ دلوقتي مش بس بتنفذي خطتك، لكن بتعيدي بناء نفسك كمان. كل اللي حصل ليكي خلاكي تكوني أقوى.
سيلين:
(بترفع حاجبها، صوتها فيه قسوة)
أنا مش محتاجة قوة، سيف. أنا محتاجة انتقام.
سيف:
(بيبفكر شويه، وبعدها بيبتسم بحذر)
إنتِ فعلاً مختلفة، سيلين. بس خلي بالك، مش كل انتقام بيكون حل.
سيلين:
(بتبصله نظرة حادة، ومشاعرها واضحة في عيونها)
الانتقام هو الحل الوحيد بالنسبة لي، سيف.
بعد فترة قصيرة.
سيلين في حارة شعبية، تمشي بوقار وهدوء مستفز، مشت قليلاً، صعدت الدرج، حتى وصلت لشقة ما، كانت اصوات من في داخلها مسموعة من الخارج.
سيلين (بحقد):
اه يا بنت***** فاكرة نفسك إيه عشان تعملي كده فبنت الراوي.
ثم أكملت بنبرة وعيد.
سيلين:
أنا هوريكي مين هي سيلين أنتي و امك و أختك ال*****
لتدق الجرس بعنف و تفتح سهر بعد لحظات و تفزع من سيلين.
سهر (بفزع):
سيلين ؟؟ أنتي بتعملي إيه هنا ؟؟
سيلين (بقسوة و هي تضغط على فك سهر و تدفعها باتجاه الحائط):
أنا بعمل إيه هنا ؟؟ أنا خرجت من السجن اللي حطيتوني أنتي واختك فيه ظلم.
سهر (برعب):
احنا ،احنا مظلمناش حد ،انتي ،انتي اللي قتلتي ياسر و كل الادلة كانت بتقول أنك القاتلة.
سيلين (وهي تخنق سهر):
اخرسي يا بنت جميلة ، أنا عارفة كويس ازاي احاسبكم ، بس ده مش موضوعنا دلوقتي ،هاتي تاليا بسرعة.
سهر (وهي تكاد تختنق):
مش هسيبلك بنتي.
سيلين (بضحكة مستفزة و هي تفلت سهر):
بنتك ؟؟ احنا هنكدب الكدبة و نصدقها يا سوسو.
سهر (برعب):
قصدك ايه ؟
سيلين (بقسوة):
قصدي اني عارفة بلاويكي أنتي وامك ، وان تاليا هي بنتي اللي خطفتوها مني.
سهر (بتوتر):
ممين دول؟؟؟ يلا اطلعي بسرعة من بيتي و الا هتصل بالبوليس.
سيلين (بإستفزاز):
يلا ، وأنا هقول كل حاجة بردو، دلوقتي عندك دقيقة عشان تفكري ، يا تعطيني تاليا يا هتشرفي في السجن.
كادت سهر أن تتحدث لكن قاطعهما صوت طفولي خائف.
ركضت تاليا و احتضنت قدم سيلين و صاحت قائلة.
تاليا:
لو ثمحتي يا تنت ، متثيبينيث معا مامي ، هي وحشة اوي و بتضربني.
نظرت سهر لسيلين بخوف و أردفت سيلين قائلة بخبث.
سيلين:
قررتي ايه يا سهر.
سهر:
خديها ، خديها ، غوروا من بيتي.
لتحمل سيلين تاليا و تذهب وهي تتوعد للإنتقام منهم جميعا دون استثناء.
سيلين (بحقد):
هوريكوا يا ***** مش هسيبكم تتهنوا.
رواية اقدار لا ترحم الفصل الثالث 3 - بقلم سيليا البحيري
بعد كام يوم، في مطعم شيك في وسط البلد.
ترابيزة على جنب بتبص على شباك كبير من الإزاز.
تاليا كانت بتضحك وهي بتلوّن رسمة سيلين ادتهالها، وسيلين قاعدة بتبصلها بابتسامة فيها وجع وحنين كتير.
وفجأة...
باب المطعم اتفتح، ودخلت نوال ماسكة إيد ولد صغير جميل — وليد — شبه حسام جدًا.
بصّت نوال حواليها تدور على ترابيزة... وفجأة وقفت مكانها.
عنيها اتشبّتت في وش سيلين.
سيلين رفعت عنيها بهدوء، شافِت نوال... وابتسمت.
ابتسامة... باردة... وفيها نار.
نوال (بصوت واطي خالص، كأنها بتكلم نفسها):
– مستحيل...
سيلين (ببرود، وكأنها بتتذوق طعم بين اللذة والانتقام):
– لأ، مش مستحيل... دا كابوسك رجع، يا نوال.
نوال (بتتلجلج):
– إ... إنتي... خرجتي؟! إزاي؟!
(بصّة حواليها، مش مصدقة اللي بيحصل)
سيلين (بتحط كوباية العصير قدامها على مهَل):
– مش مهم خرجت إزاي... المهم إني هنا. واقفة قدامك. حرّة. وبنتي ف حضني... مش عندكم، أنتو الغربان.
تاليا (ببراءة وهي بتشاور على وليد):
– ماما! الولد دا معاه نفس لعبتي!
سيلين (بصة لوليد وبعدين لنوال، وتضحك بسخرية):
– سبحان الله... حتى عيالكم بيقلدوا بنتي.
(بتقرب من وليد وتنزل لمستواه بابتسامة):
– إزيّك يا وليد؟ عارف أنا مين؟
نوال (مرعوبة، بتشد ابنها وراها):
– إبعدي عنه!
سيلين (بصوت عالي سامعه نص المطعم، بتهكم):
– ليه؟ خايفة آخده زي ما انتو خدتوا بنتي وأنا في السجن؟
(وبصوت واطي في ودنها):
– ولا خايفة أعلّمك يعني إيه "ندم أبدي"؟
نوال (بتحاول تتماسك):
– إنتي مجنونة... إحنا اللي كسبنا، إنتي اللي خسرانة، ضيعتي خمس سنين من عمرك في زنزانة!
سيلين (بتقف من مكانها بهدوء، وتقف قدام نوال وجهاً لوجه):
– آه، كنت في زنزانة...بس إنتي، يا نوال، هتعيشي العمر كله في زنزانة الخوف اللي جواكي.
فاكرة يوم المحكمة؟ كنتي بتضحكي وأنا منهارة، صح؟
شوفي مين اللي بيضحك النهاردة.
نوال (بتحاول ترد، بس شفايفها بتترعش):
– حسام... مش هيسيبك...
سيلين (بتضحك من غير صوت):
– حسام؟ لما يبطل يرعش أول ما يسمع اسمي، كلميني.
قولي له إنّي بقول: "الجحيم لسه ما ابتداش يا عروسة حسام."
نوال (بصوت خافت):
– إنتي ناوية تأذينا؟
سيلين (بتقرب منها وتهمس في ودنها):
– لأ يا نوال...أنا مش هأذيك...أنا هعلّمك يعني إيه تتمني الموت كل يوم... وميرضاش ييجي.
تاليا (بتشد إيد أمها بلطافة):
– ماما... خلصت الرسمة! تعالي شوفي!
سيلين (بصة لبنتها، وابتسامتها بتتحوّل لحنان حقيقي):
– جايه يا روح ماما...
(بصّت لنوال نظرة أخيرة قبل ما ترجع لمكانها)
– آخر نصيحة، يا نوال...نامي كل ليلة وإنتي حاضنة ابنك كويس...عشان أنا قريبة... أقرب ما تتخيّلي.
بعد ما نوال خرجت مباشرة.
سيلين كانت لسه قاعدة، بتبص ناحية الباب بابتسامة فيها طعم الانتصار، بس باهتة...
جنبها تاليا كانت بتاكل قطعة الحلوى وهي مبسوطة، مش واخدة بالها إن العالم حواليهم بيولع.
وفجأة، ومن غير صوت.
قربت ست في أواخر العشرينات، شكلها حلو بس باين عليها التعب...
شعرها بني نازل على كتفها، وعنيها فيها نظرة بتخترق القلب…
دي كانت ليل.
وقفت عند ترابيزة سيلين، وابتسمت بهدوء.
ليل:
– ينفع أقعد؟… خمس دقايق بس.
سيلين (بصة حذرة):
– على حسب… إنتي مين؟
ليل (قعدت من غير ما تستأذن):
– أنا حد... عنده سبب كفاية يكره نفس الناس اللي إنتي بتكرهيهم... حسام ونوال.
(بتحط نضارتها الشمس على الترابيزة، وعنيها بقت جد قوي)
سيلين (بنبرة فيها جمود):
– إنتي مين؟ وبتسألي عني ليه؟
ليل (بابتسامة خفيفة):
– عشانك سيلين... اللي خرجت من السجن بخطوة محدش فاهمها، وخوّفت نوال أول ما شافتك.
– واللي الكل دلوقتي بيتكلم عنها في السر.
سيلين (ترفع حاجبها باهتمام ساخر):
– الله… بقيت مشهورة وأنا مش واخدة بالي.
ليل:
– مشهورة إنك الوحيدة اللي خرجت... ولسّه عايشة.
(وقفة بسيطة)
– ولسّه ماشية في طريق الانتقام.
سيلين (ببرود):
– ولو افترضنا إن ده صح… إنتي مالك؟ عايزة تساعديني ليه؟
ليل (بابتسامة غامضة):
– نقول إن ليا تار عند حسام…
– ومفيش أحلى من الانتقام لما يكون بإيدين اتنين.
سيلين (بتضحك بسخرية):
– واثقة من نفسك أوي!
– إيش عرفك إني مش ممكن أكون شايفاكي جاسوسة ليه؟ ولا مبعوتة منه؟
ليل (تبص في عنيها بثبات):
– عشان عنيا زي عنيكي…
– فيها وجع، وخيانة، ونار لسه مولعة.
(بتهمس)
– وعنيا ما بتعرفش تكذب.
سيلين (تسكت شوية... تبصلها بتركيز، وبعدين تبتسم ببطء):
– حلو...
– طب قوليلي يا ليل…
(تميل ناحيتها شوية)
– إيه اللي عمله فيكي حسام؟
ليل (وشها يتشدّ، تضحك ضحكة سريعة مكبوتة):
– ما قولتش إني هجاوب على السؤال ده… مش دلوقتي على الأقل.
سيلين (تبتسم بثقة، تبصلها في عنيها):
– مش محتاجة تقولي...
– في حاجة فيكِ… نبرة صوتك، قعدتك، حتى نظرتك…
– إنتي مش بس بتكرهيه…إنتي من ضحاياه.
(لحظة سكون تقيلة...)
ليل (تهز راسها ببطء، وصوتها لأول مرة يهتز شوية):
– كلنا كنا ضحاياه… كل واحد بطريقته.
سيلين (تفرد ضهرها، وابتسامتها تبقى أقوى):
– خلاص…
– بقينا اتنين دلوقتي، يا حسام.
– وأنا ووحدة زيي... ما بنرحمش لما نوصل لـ "نقطة اللاعودة".
ليل (تمد إيدها على الترابيزة بابتسامة قوية):
– شراكة… على جهنم.
سيلين (تبصلها، وترد بابتسامة أشد):
– على جهنم… وأبعد.
(يتصافحوا.
و تاليا بتضحك وهي بترسم قلب صغير على منديل،من غير ما تعرف إن أمها لسه بدأت أكبر خطة انتقام في حياتها)
في فيلا عيلة سيف – الجنينة اللي ورا.
الكل قاعد حوالين ترابيزة الفطار.
مازن بيضحك بخفة مع إيهاب، وياسمين بتحكي موقف يضحك، وتيا بتزن تطلب عربية جديدة.
هايدي قاعدة ساكتة، بتحاول تبتسم،بس عنيها مليانة ديق... خصوصًا لما تلمح نظرات سليم وهدى وهي رايحة على ياسمين.
هدى (الأم):
– يا جماعة... نرجع لموضوعنا الأساسي!
(تبص على سيف بابتسامة حنونة)
– إمتى هنشوفك عريس بقى يا حبيبي؟
سيف (بيضحك بهدوء):
– يا ماما، الشغل واخد كل وقتي، لدرجة إني نسيت يعني إيه جواز وزفّة!
تيا (بتضحك وهي بتشرب العصير):
– طب وإحنا لما نتجوز قبلك، هتعمل إيه؟ تقعد في ركن الفرح وتعيّط؟ 😅
ياسمين:
– لا لا... سيف هيكون مشغول يعد فلوس الشغل بدل الدموع 😜
مازن (بضحكة خفيفة ونبرة هادية):
– سيف قلبه كبير… بس يمكن لسه ما دخلت حياته اللي تستاهله.
سليم (الأب، بيبص له بود):
– كلامك دايمًا يدخل القلب يا مازن.
هايدي (بنبرة باردة وهي بترشف القهوة):
– الحب ما بيأكلش عيش... كله كلام فاضي.
(تبص من طرف عينها على ياسمين اللي كانت بتضحك مبسوطة)
هدى (بابتسامة مجاملة):
– مش الكل شايف الحب كده… في ناس بتعيشه بصدق ووفا.
(تبص لياسمين بحنان)
ياسمين (بخجل):
– ربنا يخليكي يا طنط... إنتو بجد زي أهلي.
هايدي (بتخبي نظرة قهر وهي بتشد على فنجان القهوة):
– أكيد...
مازن (ببراءة، وهو بيبص لهايدي):
– وأنا محظوظ إنك في حياتي يا هايدي...
(هايدي ما بتردش... تبتسم ابتسامة ناشفة، والعيلة كلها تتبادل نظرات فيها شوية حزن)
سليم (يقطع الصمت بصوت هادي بس فيه نبرة حزن):
– أهم حاجة عندي… إنك تبقى مرتاح، وصحتك تفضل كويسة.
– أي حاجة تفرّحك، إحنا معاها... حتى لو مش عاجبانا.
مازن (يبتسم بحب ويحط إيده على إيد أبوه):
– إنت دايمًا ضهري يا بوي.
تيا (بخفة عشان تغيّر الجو):
– أنا قررت! فرح سيف لازم يكون في جنينة القصر... فيها شمع وورد وكوشة زي بتاعة الأفلام!
سيف (يضحك وهو بيبص لها):
– أول ما ألاقي بنت ما تخافش من ظِلّي، هخليكي أول واحدة تعرفي.
(ضحك خفيف يملأ الجو، بس هايدي تفضل ساكتة…تشرب قهوتها بالراحة، وعنيها بتنزف غِل مكتوم...)
في شقة سيلين الفخمة – الدور اللي فوق – وقت الغروب.
الشقة واسعة، نوافذها كبيرة بتطل على المدينة، والفرش عاجي شيك، وسجاد ناعم، والورد مالي الزوايا.
تاليا الصغيرة واقفة في نص الصالة، بتلف وبتضحك بفرحة وهي لابسة فستان بينك جديد،وشعرها مربوط بشريطة بيضا ناعمة.
سيلين واقفة من بعيد بتتفرّج عليها، حاطة إيديها على صدرها، وابتسامة كلها دموع على وشها.
الدادة أمينة جنبها، بتحبس دموعها، وبتدعيلها بصوت واطي.
تاليا (بصوت رقيق وفرحانة):
– واااااو! البيت كبييييير… وفيه لمبة بتغيّر ألوان!
– والغرفة دي... فيها سرير ناعم زي المارشميلو!
(تجري على سيلين وتمسك إيدها)
– ماما… قصدي… آنسة سيلين، إحنا هنعِيش هنا على طول؟
سيلين (بتنزل لمستواها، وبتحضن وشها بإيديها):
– أيوه يا قلب ماما… هتعيشي هنا…
– في بيتك… ومعايا أنا.
تاليا (بترمش بدهشة):
– بس… سهر قالتلي إني ماعنديش ماما… قالتلي ماما ماتت.
سيلين (نبرتها مكسورة):
– كدبوا عليكي يا روحي…
(تتنهد وبتحضنها جامد)
– أنا مامتك يا تاليا… مامتك اللي كانت مشتاقالك كل يوم…
– مامتك اللي كانوا مخبّيينها عنك.
تاليا (بتبعد شوية ووشها متفاجئ، وعنيها بتلمع):
– إنتي… إنتي ماما؟
– ماما بجد؟ مش حلم؟
سيلين (بتضحك وهي بتمسح دموعها):
– مش حلم يا روح ماما… أنا مامتك، وهفضل جمبك دايمًا…
– ومفيش حد هيبعدنا عن بعض تاني، أبدًا.
تاليا (بتحضنها جامد، وبتعيط وتضحك في نفس الوقت):
– أنا عندي ماما! أخيرًا بقى عندي ماما!
(وبهمس)
– وسهر الشريرة راحت… مش هتضربني تاني، صح؟
سيلين (بتحضنها أكتر):
– لأ يا حبيبي… خلاص الكابوس خلص…
– من النهاردة، مفيش وجع…
– هتعيشي زي الأميرات.
الدادة أمينة (بتقرب منهم وهي بتعيط بهدوء):
– الحمد لله يا رب… رجعت البنت لحضن أمها.
(تمسح على شعر تاليا بحنية)
– تعالي في حضن أمينة يا سكر… أنا اللي ربيت ماما زمان، ودلوقتي هربّيكي إنتي كمان.
تاليا (بتضحك):
– يعني عندي ماما… و"أمينة"!
– النهاردة أحلى يوم في حياتي!
سيلين (تبص لأمينة بعنيها مليانة دموع):
– النهاردة… رجّعت قلبي يا أمينة.
– قلبي الصغير اللي اسمه… تاليا.
التلاتة قاعدين مع بعض على الكنبة الكبيرة.
تاليا بتضحك، أمينة بتدعيلهم، وسيلين أخيرًا بتبتسم من قلبها…
بس عنيها… فيها لسه ظل الانتقام.
لسه مخلصش.
رواية اقدار لا ترحم الفصل الرابع 4 - بقلم سيليا البحيري
الصالة منورة بنور خافت.
سيلين لابسة روب حرير غامق، شعرها مرفوع بعناية، واقفة قدام الشباك اللي بيطل على المدينة.
في إيدها كوباية شاي... بس ما شربتش منها حاجة.
الدادة أمينة قاعدة على الكنبة، مسبحتها في إيديها، وبتهمس بأذكارها، عنيها مليانة حنان وقلق.
أمينة
نامت الأميرة الصغيرة؟
سيلين
أول ما دخلت الأوضة قالتلي: "زي أوضة سندريلا!"
وبعدين حضنتني وقالت: "أنا مبسوطة يا ماما." (تحاول تسيطر على دموعها)
أول مرة تنام وهي حاسّة بالأمان… وأنا أول مرة أنام وهي جنبي.
أمينة
يا رب تدوم لمّتكم يا بنتي… ويبعد عنكم ولاد الحرام.
سيلين
يا أمينة…
اللي حصلي مش كان صدفة… كان متخطط له، بأوراق مزوّرة وضمير ميت.
أمينة
يا سيلين… إوعي الانتقام يعمي قلبك… خلاص رجعتي، وبنتك في حضنك، سيبي اللي فات ورا ضهرك.
سيلين
اللي فات خلّاني جسد من غير روح…
خمس سنين يا أمينة، اتكسرت كرامتي، واتاخدت بنتي، واللي كنت فاكراه بيحبني… باعني.
أمينة
والله ما كان بإيدي…
كل اللي كنت بعمله إني بدعيلك… ودموعي ما نشفتش يوم.
سيلين
عارفة يا أحن قلب…
إنتي أمي قبل أي حد، وشهادتك عندي بالدنيا وما فيها.
أمينة
طب قوليلي… خرجتي إزاي؟ مين وقف في ضهرك؟
سيلين
اسمه… سيف البحيري.
أمينة
سيف البحيري؟ الراجل بتاع البيزنس المعروف؟!
بس… ساعدك ليه؟
سيلين
لأنه ليه مصلحة…
الصفقة كانت واضحة: يطلعني من السجن، وأنا أشتغل معاه في مشروع كبير، هيعلنوا عنه قريب…
محتاج شركتي القديمة، وعلاقاتي… واسمي.
أمينة
بس يا بنتي… إوعي تكوني لعبة في إيده.
سيلين
لأ يا أمينة… أنا مش لعبة… أنا شريكة.
وأنا اللي طلبت كمان نفتح ملف محامي حسام…
القذر اللي لفّقلي قضية قتل ياسر.
أمينة
المحامي؟!
سيلين
أول واحد في القايمة…
هو اللي زوّر، وهو اللي خبّى الأدلة، وباع ضميره بورقة شيك.
أمينة
سيلين… إوعي الحقد يملأ قلبك… ربنا كبير.
سيلين
وأنا مؤمنة…
بس ربنا إداني عقل… وفرصة…
واللي ظلمني لازم يدفع التمن.
أمينة
والبنت اللي شفتيها في المطعم؟ اسمها إيه؟ ليل؟
سيلين
غامضة… بس مفهومة…
عنيها فيها نفس الكسرة اللي في عنيا… ونفس النار اللي جوا قلبي.
ما قالتش السبب… بس أنا فهمت.
ليل واحدة من ضحايا حسام…
وأنا وهي هنتعاون… وضربتنا الأولى قرّبت.
أمينة
يا رب يستر عليكي يا بنتي… قلبي مش مطمّن.
سيلين
لازم أبقى قوية…
عشان بنتي…
وعشان سيلين اللي ماتت…
وأنا رجّعتها من الرماد.
سيلين قاعدة على الكنبة، عنيها مولعة نار، جنبها أمينة بتدعيلها بهمس... وفي الخلفية… صوت ست ناعم بيهمس: "الانتقام… بقى أقرب من أي وقت فات."
***
في شقة قديمة بحي شعبي – بالليل – أوضة مها (أم ليل).
الأوضة ضيقة، الحيطان باهتة، وبرغم وجود دفاية صغيرة، البرد لسه بيتسلل من كل ناحية.
مها نايمة على السرير، مابتتحركش، عينيها بتتحرك ببطء، لا قادرة تتكلم ولا تتحرك، بس دموعها بتنزل كل شوية من غير إذن ولا صوت.
ليل لابسة عباية سودا طويلة، شعرها مربوط بسرعة وبعشوائية، قاعدة على كرسي قديم جنب سرير أمها، بتمسح جبينها بقطنة مبلولة.
الساعة عدّت واحدة بعد نص الليل، والشارع ساكت، مافيش صوت غير مواء قطة جعانة بره.
ليل
النهاردة… قابلتها. (تبص في عيون أمها اللي بترمش ببطء)
مراته… سيلين.
اللي سجنها، وظلمها، وبهدلها… زي ما عمل فينا بالظبط.
(مها عينيها تدمع، بس ما بتتكلمش…)
ليل
يا ماما… أنا ما نسيتش. ومش هنسى.
ما نسيتش بابا… وهو بيموت قدامي، ولا دمعتك اللي مانشفتش من ساعتها. (تسكت شوية، تتنهد، وتكمل بصوت واطي)
تعرفي عرفت حكايتها إزاي؟ (تضحك ضحكة فيها غصة)
من واحد كان شغال عنده… في الشركة اللي أسسها من سرقة الناس.
اسمه نزيه… كان عامل بسيط، بس قلبه أنضف من وشوشهم.
قالّي: "حسام بيعتبرنا عبيد، بيشتمنا، يهينّا، وساعات يمد إيده علينا… بس ياما ظلم ناس غيرنا."
وقاللي كمان: "لو عايزة تنتقمي منه، روحي لسيلين… هي الوحيدة اللي كرهته أكتر منّا كلنا." (تبص على مها)
وفعلاً… رحت، وشفتها…
وشفت الكسر في عنيها… نفس الكسر اللي فيّا. (تسكت لحظة، تقوم وتتمشى في الأوضة بهدوء)
إحنا بقينا سلاح لبعض…
أنا وسيلين… إحنا وشين لوجع واحد…
هي اتسرق منها حُضن بنتها… وأنا اتسرقت مني عيلتي كلها. (ترجع تقرب من مها، تمسك إيدها اللي بتتهز بخفة، وتدمع)
هتفتحي عينيكي يوم… وتشوفي حسام تحت رجلي.
هرجّعلك كرامتك يا أمي…
وتشوفيني… وتشوفي فيّا بنت تفرحي بيها. (تنزل جنبها وتهمس عند صدرها)
أقسمت… من يوم ما شفت بابا وهو بيتدفن،
وإنتِ بتصرخي ومحدش سمعك… أقسمت…
إني مش هرحم اللي كان السبب. (تسكت، وبهدوء… تحط راسها على صدر أمها المشلولة)
ليل تعيط في صمت… ولا صوت غير دقة الساعة… ودموعها اللي بتنزل على جبين أمها.
***
فيلا حسام – جناح النوم – نص الليل.
الفيلا فخمة بشكل مبالغ فيه، أثاث دهبي تقيل، نجف عملاق، ولوحات زيت غالية معلّقة على الحيطان.
بس رغم الرفاهية… الجو خانق، كأن الحيطان شايلة ذنوب الناس اللي اتبنت على آلامهم.
جوه أوضة النوم الكبيرة، نوال قاعدة قدّام المراية، بتشيل مكياجها بالراحة، وحسام ممدد على السرير، لابس بيجامة حرير، وبيقلّب في موبايله وهو ساكت.
بره، الخدام بيطفوا النور، ووليد نايم في أوضته القريبة.
نوال
شُفتها النهاردة...
حسام
مين؟
نوال
سيلين. (تبص له من المراية)
(حسام يتجمد ثانية، بس يخبي توتره، ويضحك بسخرية)
تقصدي المرحومة سيلين؟
يا نوال اهدي، الست دي خلصنا منها من زمان.
نوال
لأ يا حسام… ما خلصناش.
كانت واقفة قدامي… لابسة كويس، واقفة قوية… ماسكة بنتها في إيدها…
وفي عنيها نار.
حسام
وهي عرفت إنك إنتي وسِهر خبيتوا بنتها؟
قالتلك حاجة؟
نوال
ما قالتش… بس عنيها كانت بتتكلم.
كأنها بتقول: "دوركوا جاي"...
وأنا… والله خوفت يا حسام.
حسام
خوفتِ؟
إحنا اللي دمرناها!
إحنا اللي خليناها تبوس الأرض قدام المحكمة!
نسيتي كانت عاملة إزاي وهي بتلبس البدلة الحمرا؟
خلاص! راحت، وطلعت بعفو ولا واسطة… ومين قال إنها ناوية تنتقم أصلاً؟
نوال
وانت ليه صوتك عالي كده؟ (تسكت لحظة وبعدين تقول بسخرية)
ولا يمكن… ضميرك فاق فجأة؟
حسام
ما عنديش ضمير يفوق أصلاً. (يبص في السواد اللي بره)
بس لو رجعت…
هنتعامل معاها… زي ما عملنا المرة اللي فاتت.
نوال
المرة دي مختلفة…
سيلين ما كانتش مكسورة… كانت غضبانة.
ساكتة، بس مخيفة…
والمصيبة… إنها ما كانتش لوحدها.
حسام
تقصدي مين؟
نوال
معرفش…
بس البنت اللي معاها – تاليا – كانت ماسكة إيدها كأنها مش ناوية تسيبها أبداً.
وكأنها اتعلمت منها… إزاي تبقى قوية.
حسام
البنت… كبرت؟!
نوال
كبرت… وبقت قمر. شبهها.
وبتعرفك يا حسام… وبتعرفني كمان.
(لحظة سكوت تقيلة… وفجأة صوت إزاز بيتكسر بره – يمكن من الهوا – بس هما الاتنين بينطّوا من الخضة.)
نوال
حسام… لو سيلين بدأت… مش هتوقف.
وإحنا بقينا في قايمتها.
حسام
اللي يبتدي حرب… لازم يكون جاهز يدفع تمنها. (بس في صوته… الرعب بيبان رغم كل التمثيل. لإنه عارف… سيلين اللي كان يعرفها… ماتت. واللي رجع دلوقتي هو… "ظل الانتقام.")
***
بعد لحظة سكوت تقيلة.
الجو مشحون…
نوال رجعت السرير بس لسه وشها باين عليه القلق والتوتر…
حسام واقف قدام الشباك، عينيه فيها لمعة غريبة… فكرة بدأت تتشكل في دماغه… فكرة شيطانية.
حسام
لو فعلاً رجعت سيلين…
مافيش حاجة هتكسرها زي ما كسرناها قبل كده.
نوال
تقصد إيه؟
حسام
تاليا.
نوال
تاليا؟!
حسام
هاطلبها رسمي… الحضانة.
أنا أبوها، وسيلين… عندها سوابق.
المحكمة ممكن تدهالي بسهولة.
نوال
إنت بتتكلم جد؟!
حسام
طبعًا بتكلم جد.
شوفيها من ناحية القانون: أم كانت محبوسة، ماعندهاش شغل، ولا وضع اجتماعي…
وأنا؟ راجل متجوز، عندي بيت، ومستقر… المحكمة حتديني البنت وأنا مغمض.
نوال
لأ.
حسام
يعني إيه لأ؟!
نوال
تاخدها من سيلين؟ آه، تمام.
نكسر قلبها؟ نغلي دمها؟ حلو!
بس البنت تعيش عندي؟ أربيها أنا؟
تصحى وشها قدامي كل يوم؟ لأ يا حسام.
حسام
نربيها جنب وليد، تبقى أخته!
نوال
وليد ما عندوش أخت اسمها تاليا!
دي بنت عدوتي، بنت الست اللي كانت الناس كلها بتحبها وتقارنّي بيها!
أنا تعبت أطلع من تحت ظلها… علشان أربي بنتها؟! لا وألف لأ.
حسام
ماشي… نخليها وسيلة ضغط.
سلاح… كل مرة سيلين تفكر تفتح بقها، تفتكر إن بنتها مش في حضنها.
نوال
كده… ممكن.
تاخدها، تدخلها مدرسة داخلية، مربية تهتم بيها… أي حاجة، بس تبعدها عني.
حسام
تمام… سيبيلي الموضوع ده.
ورقة الحضانة… هتبقى سلاحنا الجاي.
نوال
بس خليك فاكر، يا حسام…
تاليا مش سيلين.
ولو فيها نقطة واحدة من أمها… ممكن تعمل حاجة عمرنا ما نتخيلها.
حسام
أنا اللي بكتب النهايات، يا نوال…
والمرة دي، هخليها تنتهي تحت رجلي… تاني.
(نوال تبص له بقلق واضح، وهو ياخد صورة قديمة له مع سيلين وتاليا… ويبص فيها لحظة، وبعدين يمزقها ببطء وهو بيهمس):
"حتى بنتك… هتبقى ورقة في إيدي."
***
بعد لحظات من كلام الحضانة.
حسام لسه قاعد يتباهي بالخطة، ماسك موبايله بيفكر يبعت رسالة لمحاميه، ونوال واقفة قدام التسريحة، بتمشط شعرها وبتهمس لنفسها:
نوال
يا رب تاليا تطلع كابوس في حياتها، زي ما سيلين كانت كابوس في حياتي.
وفجـــأة…
📱 موبايل نوال بيرن.
رقم مش معروف… بس نغمته غريبة كده، موترة.
نوال
ألو؟
وصوت أنثوي، بارد… عميق… يخترق الغرفة:
سيلين
مساء المؤامرات، يا عرايس الظلم.
نوال
سيلين!!
حسام
حطيها على السبيكر!
نوال تضغط… وصوت سيلين يملأ الغرفة:
سيلين
خطط حلوة بصراحة… حضانة، استغلال، مدارس داخلية… باين عليكم مخكم شغال.
بس عندكم مشكلة صغننة… (نبرة سخرية)
نسيتوا تشوفوا الكاميرا اللي فوق الدولاب… وورا الساعة… وتحت الإضاءة.
حسام
أنتي… بتراقبينا؟!
سيلين
لأ، أنا راقبت نفسي… وإنتو فتحتوا المايك… شكرًا أوي.
على فكرة، صوتكم طالع زي الفل، حتى رعشة نوال لما قلت "تاليا" سمعاها الدنيا.
نوال
أنتي… أنتي ما عندكيش حق! ده اسمه تجسس و—
سيلين
ولما لفقتهولي قضية قتل وسرقة شركة وسجنتوني ظلم… ده كان حق؟
ولا القانون بيشتغل بالمزاج في عالمكم الوسخ؟
حسام
ما تفتكريش إنك أقوى، يا سيلين! أنا معايا كل حاجة!
سيلين
معاك كل حاجة؟ (تضحك ببرود)
إنت سرقت شركتي… وأنا بنيت إمبراطورية على رمادها.
ثروتي دلوقتي؟ خمس أضعاف اللي سرقته.
مش بس أغنى منك… أنا فوقك، بخطوتين… دايمًا.
نوال
مستحيل… إنتي كنتِ في السجن!
سيلين
في السجن… اتعلمت أخلق وحوش.
واتعامل معاهم.
حسام
عايزة إيه؟!
سيلين
أنتو الاتنين… على لستة الحساب.
وتاليا؟ بنتي. مش لعبة في إيد أي حد تاني.
وليد؟ بريء… بس أكبر نقطة ضعف فيكم دلوقتي.
(صمت… ثقيل)
سيلين
ناموا… لو عرفتوا.
📞 المكالمة بتتقفل.
نوال واقفة مصدومة، وشها شاحب، ودموعها على طرف عينها.
حسام ياخد الموبايل، يحدفه في الأرض بكل غضبه، ويصرخ:
حسام
من يوم ما خرجت من السجن، حياتي بقت كابوس!!!
(الضوء يخف… وصوت ضحكة سيلين بيملأ الخلفية… ضحكة تقطع النفس.)
رواية اقدار لا ترحم الفصل الخامس 5 - بقلم سيليا البحيري
بعد ما المكالمة اتقفلت على طول
الموبايل مكسور على الأرض.
نوال واقفة مكانها، وشها متجمد كإنها شافت عفريت.
حسام ماشي رايح جاي في الأوضة زي المجنون، يمسح وشه، يخبط على الترابيزة، يركل الكرسي برجله… وبعدين يقف فجأة.
حسام (بصوت مخنوق):
– مستحيل… مستحييييل! إزاي دخلت؟! إزاي ركّبت كاميرات جوا أوضتي؟!
(بيبص حواليه بجنون)
– دي أوضتي! قلعتي! محدش بيدخلها غير الخدام!
نوال (بصوت مبحوح):
– لازم… لازم تكون زرعت حاجة… أو يمكن…
(ترتعش)
– يمكن حد من الخدام بيشتغل لحسابها!
حسام (بيقف فجأة وبيصرخ):
– مين؟! مين فيهم؟ دول بقالي سنين معايا!
نوال (بهمس مرعوب):
– من خمس سنين يا حسام… الدنيا اتغيرت.
– وسيلين… سيلين بقت حد تاني.
حسام (يخبط الحيطة بغل):
– كل حاجة مترقبة! كل كلمة قلناها، سمعتها! حتى لما خططنا ناخد تاليا…!
نوال (بتقعد على طرف السرير، تحك في راسها):
– حسام… هي عارفة كل حاجة، وبتلعب بينا لعبة نفسية.
– لازم نضرب قبل ما تضربنا… لازم نسكتها… للأبد.
حسام (بيبص لها، عنيه مليانة شر):
– تقصدي نخلّص عليها؟
نوال (بهمس سام):
– أو ندمّرها من جوا.
– تاليا نقطة ضعفها؟ نخليها تكره أمها.
– نخلي الناس تشك فيها. نلفّق لها تهمة تانية.
– نرجعها السجن… حتى لو لدقيقة واحدة!
حسام (بعينين مجنونة):
– بس إحنا مش عارفين مصدرها، طلعت إزاي، ومين وراها؟
– لازم نعرف مين ظهر في حياتها.
نوال (بابتسامة صفرا):
– لو هي بتلعب شطرنج… إحنا هنلعب بالنار.
حسام (يقرب منها، يهمس):
– أنا مش هخسر… لا قدام سيلين، ولا قدام أي حد.
نوال:
– بس أول حاجة… نطرد كل الخدام. كـــلهم.
– ونفتّش الأوضة… حتة حتة.
– وأي كاميرا نلاقيها… نعرف إن عينيها علينا من جحيمها.
حسام (بيبص حواليه بقلق):
– حتى لو مش لقينا الكاميرا… هي دلوقتي شايفانا.
يسكتوا… والرعب يملأ المكان… العظمة اللي في الأوضة الذهبية، تتحول لسجن خانق.
***
بعد شوية
الجو خانق… التوتر مالي الأوضة.
صوت الباب بيتفتح بهدوء…
إيد صغيرة تمسك بالمقبض…
وليد (عنده ٥ سنين) يدخل، شعره منكوش، وعينيه مليانة دموع.
وليد (بصوت خفيف بيرتعش):
– ماما… بابا…
(يتقدّم بخطوات مترددة)
– في صوت تحت الشباك… خوّفني…
نوال (تلف بسرعة وتحاول تبان هادية):
– حبيبي، مفيش حاجة، تعال…
حسام (ينفجر بعصبية):
– وليد!! مش وقتك دلوقتي!
(يضرب على الترابيزة)
– قلت لك كام مرة لما تنام… متخرجش من أوضتك؟!
وليد (بيرتعش ودموعه تنزل):
– آسف… بس… كنت خايف…
– في حد كان واقف يبص من الشباك… وفيه ظل…
نوال (تقوم بسرعة وتجرى ناحيته):
– ششش، تعالى عندي يا حبيبي، ماما هنا…
(تشيله وتقعد على السرير، تحضنه جامد)
وليد (يبكى بصوت واطي):
– هي خوّفتني… قالتلي إنها هتاخدني… زي ما أخدت بنتها…
نوال (تتجمد، تبص لحسام بصدمة):
– مين؟! مين قالك كده؟!
وليد (يمسح عيونه):
– صوتها… سمعته في المكالمة… نادت اسمي…
حسام (يهمس):
– مستحيييل… مستحيل يكون سمعها…
نوال (بهمس غامق):
– دي بتلعب بينا… وبتستخدم الطفل عشان ترعبنا.
حسام (بيبص لوليد بنظرة حقد مكسورة):
– وليد… اسمعني يا بطل.
(ينزل على ركبته قدام الطفل، صوته مرّ)
– انت قوي… ومينفعش تخاف من حاجة.
– ماما وبابا هيحموك، فاهم؟
وليد (يمسح دموعه):
– بس… أنا مش بحبها، الست اللي بتزعق في التليفون…
نوال (تحاول تبتسم، تمسك وشه):
– مش هتشوفها تاني، بوعدك… بس خليك دايمًا جنب ماما، ماشي؟
(وليد يومئ برأسه، وبعدين يدفن وشه في حضن نوال تاني… جسمه بيترعش من الخوف.)
حسام (يقف، يهمس لنفسه والغضب مالي صوته):
– بتستخدم ابني؟!
– والله يا سيلين… هرجعك للقبر اللي طلعتي منه…
– والمرة دي… مفيش رجوع.
نوال بتحاول تهز وليد علشان ينام، بس نظرتها شاردة…
وحسام واقف قدام الشباك، بيراقب الضلمة كإنه مستني مصيبة تطلع له.
وفي الركن…
نقطة حمرا صغيرة بتنور… من كاميرا مخفية…
ما اكتشفوهاش لسه.
***
في شقة سيلين الفاخرة – أوضة المراقبة الخاصة – بعد نص الليل
الجو هادي…بس التوتر مالي المكان كأن في كهربا في الهوا.
قدّام شاشة كبيرة متقسّمة لكاميرات مراقبة…
بتظهر صور أوضة نوم حسام ونوال، ووليد واقف بينهم بيعيط، وصوتهم طالع بوضوح من السماعات.
سيلين قاعدة في هدوء، رجل فوق رجل، لابسة بدلة سودة شيك، على وشّها ابتسامة خفيفة…باردة… كلها مكر وحساب.
وراها أمينة واقفة بقلق، ماسكة كباية نعناع ما لمستهاش، وعينيها بتتنقل بين الشاشة ووش سيلين.
أمينة (بهمس وقلق):
– سيلين يا بنتي… خلاص، سمعتيهم، شفتي الرعب في وشّهم، عرفوا إنك مش لعبة.
– ليه ما تسيبيهم لربنا؟ ليه مكملة في السكة دي؟
سيلين (وعنيها مركزة عالشاشة):
– علشان أنا كنت اللعبة، خمس سنين.
– خمس سنين وانا بتوسّل، بنزف، بتمنى الموت… وهم؟
(تشاور عالشاشة)
– كانوا عايشين وبيضحكوا، بيسرقوا، وبيربّوا بنتي عند ست ستها شيطانة.
أمينة (تتنهد، تقرّب منها وتقعد جنبها):
– بس قلبك يا بنتي… خايفة يتغيّر.
– خايفة تنسي إنتي مين… وتروحي في سكة ما تعرفيش ترجعي منها.
سيلين (تضحك ضحكة قصيرة، تبصلها):
– أنا؟
– أنا فاكرة كويس أنا مين… ده أنا خلقت نفسي من جديد.
– واللي كان اسمه "قلب"؟ دفنوه يوم ما خدوا بنتي.
(تغمز بعنيها)
– بس متخافيش… مش ناوية أبقى وحش.
– الوحوش الحقيقية؟ هم اللي جوّه الشاشات دول.
أمينة (تشهق وهي شايفة وليد بيعيّط تاني):
– حتى الولد الصغير… خوّفتيه يا سيلين…
سيلين (بهدوء وابتسامة باهتة):
– ما قربتش له… ومش هقرب.
– بس خلتهم يحسوا بشوية من اللي أنا حسّيته… شوية بس.
– وحسام؟ بيتجرّأ تاني ياخد بنتي؟
(صوتها يبقى حاد)
– لأ. دلوقتي… أنا بدوّر على رقبة جديدة في اللعبة.
أمينة (بخضة):
– تقصدي مين؟
سيلين (تضغط على ريموت جنبها، فتتحوّل شاشة لصورة راجل أنيق شايل شنطة سودا – المحامي "فادي شرف"):
– المحامي فادي.
– شاهد الزور، بياع الضمير، وتاجر العدالة.
– أول واحد هيذوق طعم الخوف… الحقيقي.
أمينة (تحط راسها بين إيديها):
– يا بنتي… لو عرفوا إنك اللي زرعتي الكاميرات؟ لو بلّغوا البوليس؟!
سيلين (بضحكة خفيفة):
– أنا؟ لا، دي مش شغلتي.
– اللي زرعهم "ضمير خادم عندهم"… وحسام ونوال لسه مش عارفين مين.
(تضحك بسخرية)
– دي لعبة ذكاء يا أمينة… لعبة طويلة… وأنا بدأت أكسب أول جول.
أمينة (تبصلها وتسأل بهمس):
– ولو خسرتي فيها يا سيلين…؟ أنا قلبي مش هيتحمّل.
سيلين (تمسك إيد أمينة بحنية نادرة):
– مش هخسر…
– هرجّع كرامتي… وكرامة كل بنت دمّروها وسكتت.
(تقوم ببطء، وتتجه للنافذة الواسعة، تبص على أنوار المدينة)
سيلين (بهمس):
– دلوقتي… دور المحامي.
***
صباح اليوم التاني – مكتب المحامي “فادي شرف”
الساعة عشرة الصبح.
شمس ناعمة داخلة من شبابيك عالية في أوضة مكتب شيك في برج زجاجي.
المكان منظم، هادي، كأنه عمره ما عرف الفساد…بس الحقيقة؟ كلها بتقول عكس كده.
فادي شرف، في الخمسينات، لابس بدلة رمادي شيك، قاعد ورا مكتبه بيروّق على شوية ورق، بيشرب قهوته الفاخرة.
السكرتيرة كانت نازلة تجيب طلبات…والباب؟ مش مقفول كويس.
والسكون؟ مستني يتكسر.
خطوات نعمة… بطيئة… تقطع الصمت.
صوت كعب حريمي بيعلى… بيقرب…لحد ما يقف وراه تمامًا.
فادي (من غير ما يبص):
– ثانية واحدة بس… قولي لهم إني مشغول 10 دقايق.
صوت ناعم… واطي… بس فيه رُعب بارد:
سيلين:
– صباح الخير… يا أستاذ فادي.
(إيده تتجمد فوق الورق. عينيه توسّع. قلبه يوقف لحظة. بيشلّ.)
فادي (بهمس):
– مستحيل…
سيلين (تتحرك ببطء، تدور حوالين المكتب):
– لأ، مش مستحيل.
– سيلين عبد الجبار… خرجت من جحيمكم.
فادي (يقوم بسرعة، يرجع ورا، يخبّط في الكرسي):
– أنـ… أنتي؟! لأ… أنتي في السجن!
– مؤبد! أنا… أنا حضرت المحاكمة بإيدي!
سيلين (بابتسامة فيها سخرية، تحط شنطتها على المكتب، وتقعد بكل هدوء):
– يا سلام… حضرت الإعدام؟ ولا كنت بس في الدفن؟
– عامل إيه؟
(تغمز)
– شكلك تعبان شوية… قلبك عامل إيه؟
فادي (بيحاول يلم نفسه، بيقّطع نفسه نفس):
– إزاي؟ إزاي خرجتي؟!
– أنتي… دي مش ممكن تحصل من غير إذني… أقصد… من غير حكم جديد!
سيلين (بتتظاهر إنها بتفكر):
– يمكن المحكمة فاقت على نفسها؟ واكتشفت إنها سجنت الغلط؟
– أو يمكن شطارتك في تزوير الأدلة ما كانتش قد كده؟
– أو… يمكن في حاجة إنت ما تعرفهاش.
(تميل عليه وتهمس)
– أنا عندي… سيف.
فادي (بيرتعش، يبص للباب):
– عايزة إيه؟ جيتي ليه؟!
سيلين (ببرود):
– أنا؟ أنا مش عايزة حاجة.
– جيت أبص عليك.
– كنت عايزة أشوف الرعب وهو بينوّر في عيني محامي كبير زيك…
– زمان، كنت أنا اللي بترعش قدامك…
– والنهارده؟
(تقف فجأة، تقرّب له خطوة)
– النهارده… أنا اللي بكتب النهاية.
فادي (بتوتر):
– لو جاية تهدديني… أنا أعرف ناس كبار!
– أبلغ الأمن دلوقتي حالًا!
سيلين (تضحك ببرود):
– بلّغ.
– قولهم: "الضحية جاتلي… وقالتلي إنها هشوفني قريب في القفص اللي أنا حطيتها فيه."
– فاكر؟ قلتلي يوم المحاكمة: "إنتي مريضة… والمجتمع لازم يتخلص من أمثالك."
– وأنا بقولك النهارده: أمثالك… لازم الناس تشوفهم من غير لا مهنة ولا ضمير.
فادي (يبلع ريقه بالعافية):
– أنتي… مجنونة.
سيلين (بابتسامة):
– لأ يا أستاذ فادي.
– المجنونة ماتت في الزنزانة…
– واللي واقفة قدامك دلوقتي؟
– ظلّها… جاي يحرق كل الظلال اللي زيك.
(تتجه ناحية الباب، تقف، تبص له قبل ما تخرج):
سيلين:
– النهارده كنت بلعب معاك…
– المرة الجاية؟
– هنلعب… على حقيقتك.
بتخرج… والباب بيتقفل وراها بهدوء مريب…
فادي ينهار على الكرسي، بياخد نفسه بالعافية، والعرق مغرق وشّه.
رواية اقدار لا ترحم الفصل السادس 6 - بقلم سيليا البحيري
فادي بيهتف، بيجري ناحية المكتب، إيده بترتعش وهو بيضغط على زر الاتصال السريع باسم "حسام".
التليفون بيرن، وبمجرد ما الخط يتفتح…
فادي (بصوت مهزوز):
– حسام!
– لازم نتكلم… حالًا!
حسام (ببرود):
– وصلتلك الزيارة، صح؟
فادي (يسكت ثانية، وبعدين ينفجر):
– إنت كنت عارف إنها خرجت من السجن؟!!
– ليه ما قلتلي؟! ليه ما نبهتني؟!
– دخلت عليا كأنها شبح! قلبي كان هيقف!
حسام (بضحكة فيها سخرية):
– كنت متوقع تزورك… معرفتش إمتى بس، شكلها شغّالة بنظام دقيق.
– وها؟ إيه رأيك؟ زيارة مرعبة؟ ممتعة؟ فيها دموع؟
فادي (بعصبية):
– يا ابن...! أنا كنت شريكك! شريكك يا حسام!
– أنا اللي قلبت الدنيا، شوّهت الأدلة، لخبطت شهود، خلتها قاتلة وهي بريئة!
– وأنا؟ أنا أول واحد بتدور عليه دلوقتي!
– لو وقعت أنا… إحنا الاتنين بنقع!
حسام (بهدوء قاتل):
– إهدا… مش هيحصل حاجة طول ما إنت ماسك أعصابك.
– إحنا دفناها بالقانون، بالأوراق، بالحجج. ماعندهاش دليل عليك.
فادي (بيصرخ):
– إنت مجنون؟
– دي مش سيلين اللي حبسناها! دي واحدة تانية! شيطانة!
– وشكلها مدعومة… خروجها بالشكل ده مش طبيعي!
– وفيه حد كبير وراها… يمكن يكون سيف البحيري نفسه!
حسام (بهمس):
– البحيري؟! لو ده حقيقي… إحنا في ورطة سودة.
فادي (ينفجر):
– أنا مش ناوي أموت لوحدي يا حسام!
– لو قربتلي، أو فتحت ملفات القضية… هفضح كل حاجة!
– من أول لحظة… من تسجيلات ياسر اللي خبّيتها، للشيكات اللي باسم سيلين اللي سرقتها، للتقارير اللي أنا زوّرتها بإيديا!
– كل حاجة عندي… ومتحفّظة في الخزنة!
حسام (يسكت لحظة، وبنبرة مرعبة):
– ده تهديد يا فادي؟
فادي (بنبرة فيها سم):
– لأ، ده جرس إنذار… يا تخرجني من المصيبة دي وتغطي ضهري،
– يا يا حسام… أنا هفتح بقي.
حسام (بصوت واطي):
– طيب…
(ياخد نفس عميق)
– اسمع، أنا هتصرف… بس إوعى تتحرك، ولا تفتح بوقك، ولا تكلم حد.
فادي:
– معاك يومين بس… وبعد كده؟ هنشوف.
حسام (يقفل المكالمة في وشّه من غير ولا كلمة):
(عنّيه بتولّع، ويبص في الفراغ ويتمتم لنفسه):
– أول ناس بيموتوا… الخونة، حتى لو كانوا شركاء
***
في مبنى قديم مهجور – الدور الأخير – بعد الغروب
ضوء ضعيف بيعدّي من شبابيك مكسورة.
السكوت مهيمن عالمكان… بس صوت الهوا بيعصف حوالين الأطراف المتآكلة من المدينة.
سيلين لابسة بالطو أسود طويل، واقفة عند الشباك، باصة للبعيد… الظلمة بقت صديقتها.
من وراها، باب حديد بيزيّق بهدوء…
ليل بتدخل، لابسة هدوم سودا، خطواتها هادية وثابتة.
ليل (بهدوء):
– كنت عارفة إنك مش هتضيعي وقت.
– فادي لسه عايش؟
سيلين (بتبتسم بسخرية من غير ما تبص):
– للأسف، آه… بس قلبه كان على الحافة مرتين في الزيارة.
– و… سبتله الثالثة يتخيلها.
ليل (بتقرب وتقف جنبها):
– قالك حاجة؟ اعترف بحاجة؟
سيلين (بتلف لها ببطء، صوتها فيه سم):
– اعترف…
– اعترف إنه مزّق الأدلة، ولفّق التقارير، واتفق مع حسام علشان يدفنني.
– فاكرة اسم “ياسر”؟ الضحية الحقيقية؟ ده كان صاحبه… وكان عنده شوية ضمير.
ليل (تكتّف إيديها):
– طبعًا خلّص عليه… الضمير ما بيعيشش وسط ناس زي حسام.
سيلين (بتقعد على صندوق خشب قديم):
– وحسام؟ كان شاطر… لبّسني التهمة قبل ما يدفن صاحبه.
– بس اللي ما يعرفوش…
– إني ما بقيتش لوحدي.
ليل (بتقعد قدامها، تبصلها في عينيها):
– وأنا؟ ما عدتش الغلبانة اللي بتلف عشان تجيب علاج لأمي المشلولة.
– ما بقاش عندي حاجة أخسرها.
– كل حاجة ماتت يوم أبويا مات… يوم حسام سرق شركته… ويوم أمي بقت جثة عايشة.
سيلين (بهدوء مظلم):
– ومين قالك على حكايتي؟
ليل:
– عامل عنده… من اللي شغالين في الشركة الجديدة اللي بناها من دمك.
– شافني بوزّع كروت أكل في جمعية… قاللي: “لو عايزة تنتقمي من الشيطان، دوّري على اسم: سيلين.”
سيلين (بتبتسم ببطء):
– راجل شجاع.
ليل (بتبصلها بثقة):
– معايا خطة… خطوة بخطوة.
– محتاجة وقت، ومعلومات، و… إنتِ.
– بس قبل ما أقول حاجة… عايزة أعرف…
– مستعدة تمشي في طريق ضلمة… للآخر؟
سيلين (ترفع عينيها، ملامحها هادية بس عنيها مولعة):
– أنا عشت في الضلمة خمس سنين…
– بقى بيتي… وبقى سلاحي.
ليل (تمد إيدها):
– يبقى… للهاوية سوا.
سيلين (تمسك إيدها بقوة):
– سوا… وللجحيم اللي بعده
***
نفس المكان المهجور – بعد لحظات من اتفاق سيلين و ليل
ليل وسيلين لسه قاعدين، بعد ما اتصافحوا، والهدوء رجع يملّى المكان...
بس فجأة، الخطوات بدأت تتسمع… خطوات تقيلة، بطيئة… صداها بيعلى في الممر الطويل والمهجور وراهم.
سيلين خدت بالها الأول، لفت بسرعة، وإيدها راحت لا إرادي على سكينة صغيرة في شنطتها.
ليل وقفت، تبص ناحية الباب بحذر وعبوس.
صوت راجل هادي من جوّا الضلمة:
– مفيش داعي للأسلحة… أنا مش عدو.
سيلين (ببرود):
– إنت مين؟ وعرفت مكاننا إزاي؟
الشخص المجهول بيقرب، بس ملامحه لسه مش باينة… لابس بالطو غامق وبيرتدي كاب.
– كنت بتابعكم من شوية…
– عجبني أسلوبكم… في الصبر، وفي الرجوع من وسط الرماد.
ليل (بحدة):
– جاوب بقى. إنت مين؟
– وعايز مننا إيه؟
المجهول بيقرب أكتر، بس لسه واقف على مسافة محسوبة.
– نقول… إني ليا تار قديم مع حسام.
– وأنا زيكم… اتدفنت حيّ.
سيلين (بهمس، بنبرة شك):
– كلنا بنكره حسام…
– بس اللي بيتدفن… نادرًا بيرجع.
المجهول (بضحكة خفيفة):
– في ناس بترجع…
– بوش جديد، بصوت مختلف، وبقلب مات فيه الرحمة من زمان.
ليل (بصة فيه جامدة):
– عايز تدخل معانا في الخطة؟
– ولا جاي تبلّغ عننا؟
المجهول (بيبصلها بنظرة مباشرة):
– لا أنا مرشد… ولا خاين.
– أنا حليف… لو قبلتوني.
– وعندي حاجة مش عندكم.
سيلين (بفضول حذر):
– وعندك إيه؟
المجهول يطلّع ظرف بني تخين من تحت البالطو، ويحطه على الترابيزة قدامهم.
– أول دليل على سرقة حسام ملايين من حسابات وهمية…
– والحسابات باسم ناس… ماتوا من سنين.
ليل تفتّح الظرف بسرعة، تبص في الورق، ووشها يتجمّد.
– مستحيل…
المجهول (بهمس):
– أعداء حسام مش تلاتة بس…
– دول جيش… بس هو لسه مش عارف مين فيهم بيحرك الخيوط.
– وأنا… أول واحد خانه.
سيلين (نظرتها بقت أعمق):
– ومن إمتى نثق فيك؟
المجهول (بابتسامة خفيفة، وهو بيبدأ يدّيهم ضهره):
– متثقوش… راقبوا.
– وهتشوفوني تاني… قريب جدًا.
(وبيمشي جوّه الضلمة… وصدى خطواته بيتملى في المكان، كإنه دخل وخرج من كابوس قديم.)
ليل (لسه بتبص ناحية الباب):
– الراجل ده… عنيه فيها نار.
سيلين (بهمس):
– مش عارفة هو مين…
– بس قلبي بيقولي… حسام داق من نارُه قبلنا
***
بعد ساعتين – مطعم شيك على البحر – الساعة تمانية بالليل
الجو هادي، النور خفيف، شموع بتنور الطرابيزة بنعومة، والمزيكا شغّالة في الخلفية، والنسيم بيعدّي من الشبابيك الواسعة اللي بتطلّ على البحر.
سيلين لابسة فستان رمادي بسيط وشيك، شعرها سايب على كتافها، شكلها رايق بس عنيها فيها لمعة واحدة بدأت تسترجع روحها.
تاليا الصغيرة لابسة فستان وردي متزوق بالورد، قاعدة بين سيلين وسيف، بتبص حواليها بانبهار كإنها أول مرة تشوف العالم بالشكل ده.
سيف لابس بدلة كاجوال أنيقة، باين عليه مش متعود يخرج مع أطفال… بس النهاردة مختلف.
تاليا (بخجل طفولي وهي تبص لـ سيف):
– ماما… هو ده بابا الجديد؟ 😳
سيلين (تضحك بخفة، وتحط إيدها على بُقها):
– لأ يا قلبي، ده الأستاذ سيف… صاحب ماما.
سيف (يميل ناحيتها بابتسامة لطيفة):
– تشرفت بيكي يا آنسة تاليا.
– ممكن أكون صاحبك أنا كمان؟
تاليا (بحماس):
– أيوه! بس بشرط!
– تجيبلي آيس كريم شوكولاتة بعد العشا.
سيف (يضحك):
– اتفقنا… بس أنا كمان ليّا شرط.
– تحكيلي كل أسرارك بعدين. 😌
تاليا (تضحك):
– ماعنديش أسرار… بس هقولك إني كنت بكره "طنط سَهر" أوي!
– كانت بتزعقلي وتاكل الشوكولاتة بتاعتي! 😠
سيلين (تبص لـ سيف وهي بتهمس):
– شكلك وقعت يا سيف…
– هي ما بتحبش الناس بسرعة.
سيف (عنينيه في عنيها، ويقول بهدوء):
– باين إنها واخدة العند والجمال منكِ.
سيلين (بابتسامة خجولة):
– والوجع كمان…
سيف (يبص للبحر، وبعدين يرجعلها):
– أنا ماكنتش ناوي أتورط في حاجة غير الشغل…
– بس أول مرة شوفتك… حسّيت إني داخل صفقة هتخسرني قلبي.
سيلين (تبتسم بخفة وتهمس):
– يمكن تبقى أول صفقة… تكسبك روح.
تاليا (تقطع كلامهم وهي تلوّح بالمعلقة):
– مامااا! بصي عليّا! بعرف أستخدم الشوكة زي الكبار! 🍴
سيلين (تضحك وتصفق):
– برافو يا حبيبتي! بقيتي أميرة بجد!
سيف (يبصلهم وهو مبتسم، يهمس لـ سيلين):
– ماكنتش متوقع أبدًا…
– إن واحدة طلعت من نار… تخليني أحس إني واقف قدّام الجنة.
سيلين (بصوت رقيق وعنيها فيها دمعة بس مش مكسورة):
– ولا أنا كنت متخيلة…
– إني ممكن أضحك تاني… بصدق.
تاليا تبص عليهم وهما بيتكلموا… وابتسامة صغيرة على وشها، كإن قلبها الصغير حاسس إن الراجل ده… مش مجرد حد عابر
***
فيلا العيلة – الدور العلوي – أوضة هايدي – الساعة 11 بليل
هايدي واقفة قدام المراية، بتحط كريم على وشها بكسل. عنيها بتبص على ملامحها الجميلة بغرور… بس فجأة النظرة بتتغيّر، وبتهمس لنفسها بنغمة غيرة:
هايدي (بهمس):
– لحد إمتى يا سيف؟
– هتفضل مش شايفني؟ حتى لو لحظة بس…
فجأة موبايلها يهزّ. رقم غريب بيظهر… بتدوس "رد"، وصوتها يتحوّل لبرود:
هايدي (بجفاف):
– أيوه؟
راجل من رجالة المراقبة (بصوت واطي):
– مدام هايدي… حصل اللي حضرتك طلبتيه.
– شفناه النهارده في مطعم "لامور" اللي على البحر.
هايدي (بتعدل وقفتها بسرعة، وعنيها تلمع):
– سيف؟ لوحده؟
الراجل:
– لأ يا مدام… كان مع واحدة.
– ست شيك أوي، واثقة من نفسها… شكلها جذّاب.
– وكان معاهم طفلة صغيرة، خمس سنين بالكتيير.
هايدي (وشّها بيتجمّد، والغيرة بتولع في عينيها):
– طفلة؟
(تسكت شوية، وتحاول تهدي صوتها)
– وصفلي الست… شكلها؟ سنّها تقريبيًا؟
الراجل:
– شعرها بني غامق، ملامحها ناعمة… كانت بتضحك مع سيف.
– ومن كتر القرب… كانوا باينين كأنهم عيلة.
– والبنت الصغيرة كانت ماسكة إيده… ما سبتهوش لحظة.
هايدي (تعض شفايفها من القهر):
– عيلة؟
(ترجع بخطوة بطيئة، وتقع على الكنبة بغيظ مكبوت)
الراجل:
– صورناهم، وعندنا ڤيديوهات كمان… تحبي أبعتهم دلوقتي؟
هايدي (تغمض عنيها، تاخد نفس عميق، وتفتحه بلمعة شيطانية):
– لأ… خليك محتفظ بيهم دلوقتي.
– وأنا بكرة هقرّر أعمل إيه.
(بصوت أوطى)
– واضح إن أستاذ سيف ذوقه… بسيط أوي.
الراجل:
– في أوامر تانية يا مدام؟
هايدي (ببرود قاتل):
– راقبه… وراقب البنت.
– أنا عايزة أعرف كل حاجة عنها… جت منين، والبنت دي بنت مين…
(ونبرتها بتبطأ وتبقى أغمق)
– وفاكرة نفسها مين عشان تقرّب له.
تقفل المكالمة، وتحدف الموبايل على السرير… تقوم واقفة
هايدي (وهي بتبص لنفسها في المراية، بصوت كله حقد):
– لو كنتي عرفتي أنا مين… كنتي جريتي من أول نظرة.
– بس خلاص… اتأخرتي.
– واللعبة دلوقتي… ابتدت
***
فيلا البحيري – السلالم الرخامية – الساعة 9:30 بليل
هايدي نازلة بخطوات كلها غُرور من على السلم، لابسة لبس شيك جدًا كأنها طالعة سهرة، شنطة من ماركة عالمية في إيديها، ونضارة شمس فوق راسها… رغم إن الدنيا ليل!
ريحة برفانها الغالي سابقالها الطريق.
عند نُص السلم، وقفت فجأة… سمعت صوت ضحك خفيف جاي من تحت.
كم خطوة كمان، وبتشوف تيا قاعدة على الكنبة، بترتب شوية كتب ومجلات بهدوء.
تيا لابسة بيچاما كاجوال نضيفة، شعرها مرفوع بطريقة بسيطة، شكلها هادي… بس عنيها مركّزة وبتراقب كل حاجة حواليها.
هايدي (وهي بتعدّل النضارة وبصوت ساخر):
– مساء الخير… ولا لسه عندكم قوانين نوم للأطفال؟
تيا (بابتسامة بريئة وهي ترفع راسها):
– مساء النور يا هايدي… لا لسه مصحيتش، بحب أستغل الليل في حاجات مفيدة.
هايدي (تضحك ببرود):
– ناضجة وصاحبة مبدأ؟ غريب إنك مش نايمة، وانتي لسه مراهقة.
تيا (بتقوم بهدوء، شايلة كتبها):
– واللي أغرب… إن في ناس كبرت في السن، بس عقلهم ما كبرش معاهم.
هايدي (تقرب منها خطوتين، تهمس بنبرة كأنها هزار):
– مازن دايمًا بيقول إنك أذكى واحدة في العيلة… بس أنا شايفة إنك بس شكلك حلو وبتعرفي تردّي.
تيا (تضحك بخفة):
– وأنا شايفة إنك غنية… بس كل اللي عرفتي تشتريه هدوم، مش احترام الناس.
هايدي (عنّيها ديقت):
– شكلك مش طايقاني، صح؟
تيا (وهي بتتحرك ناحية السلم):
– لا… أنا بس بطّلت أمثّل.
(توقف على أول درجة، تبص لها بنظرة ناعمة… بس كلامها زي السُّم)
– التيشيرت اللي لابساه؟ شُفته بنفس اللون على موقع التخفيضات…
ما كنتش متوقعة إن ذوقك يِحب البضاعة القديمة.
هايدي (مستفزة، تتقدم خطوة):
– خلي بالك… الكبرياء بيوقع ناس كتير.
تيا (بغمزة خفيفة):
– وفي ناس أول ما بيقعوا… بيتكشفوا ع الحقيقه.
تيا تطلع على السلم بخفة، وهايدي واقفة تحت، ماسكة شنطتها بإيد جامدة، وبتهمس لنفسها:
هايدي (بغُصة):
– زمان كنت بكرهكوا…
– دلوقتي؟ بكره نفسي إني عايشة وسطكوا
رواية اقدار لا ترحم الفصل السابع 7 - بقلم سيليا البحيري
قدّام شقة سيلين الفخمة – بالليل – الجو لطيف
عربية سودا شيك بتقف قدّام العمارة.
سيف بينزل بهدوء ويفتح الباب وبتنزل تاليا الصغيرة أول واحدة، مبتسمة وفرحانة، ماسكة إيد سيلين.
سيلين بتنزل وراها، بتبص حواليها شوية، وبعدين تبص لسيف وتقول بنبرة فيها اعتراض بسيط:
سيلين: – قلتلك عندي عربية وسواق... مكنش في داعي تتعب نفسك.
سيف: – اللي يوصلك ويشوف ضحكة بنتك… ما بيتعبش، بيرتاح.
(بيبص لتاليا بابتسامة)
سيف: – صح يا أميرة؟
تاليا: – أيوه! ماما، خليه ييجي دايمًا معانا… بحبه!
(وبتهمس لسيلين)
تاليا: – هو شبه الفرسان اللي في القصص، مش كده؟
سيلين: – شكلك هتبدئي تكتبي روايتك قريب يا شطورة.
سيف: – بس ماتنسيش تكتبي عني لما تبقي كاتبة مشهورة!
تاليا: – وعد!
البواب بيفتحلهم الباب، ويدخلوا التلاتة سوا.
يطلعوا بالأسانسير للدور اللي فوق، ولما يوصلوا، أمينة بتفتح الباب في نفس اللحظة.
أمينة: – حمد الله على السلامة! اتأخرتوا شوية.
سيلين: – العشا كان حلو… وتاليا اتبسطت أوي.
تاليا: – أكلنا مكرونة وسيف كان معاناااا!
أمينة: – واضح إنك خطفت قلبها بسرعة.
سيف: – الشرف ليا إني اتعرفت على أميرة زيها…
(وبيكلم أمينة بابتسامة خفيفة)
سيف: – وإن شاء الله تكوني بخير يا مدام أمينة.
أمينة: – الحمد لله… سيلين حكتلي عنك.
أمينة: – وعن وقفتك معاها… حتى لو كانت صفقة، بس انت كنت راجل بجد.
سيف: – في صفقات ملهاش مكسب مادي، بس فيها قيمة حقيقية.
أمينة: – ساعات بنكتشف إن الصفقة كانت قَدَر مش اختيار.
سيلين: – طيب… تاليا لازم تنام، عندنا بكرا يوم طويل.
تاليا: – لاااااا… بس لحظة!
(بتبص لسيف)
تاليا: – ممكن تيجي بكرا؟!
سيف: – لو ماما وافقت… أجي ومعايا مفاجأة كمان.
تاليا: – يييييي! ماماااااااااااا وافقي!
سيلين: – نشوف بكرا يا أميرة.
سيف: – تصبحوا على خير…
(بيبص لسيلين بنظرة خفيفة وصادقة)
سيف: – و... شكرًا على الوقت الحلو.
سيلين: – وأنا كمان… شكرًا.
سيف يخرج، وسيلين تقفل الباب.
أمينة بتراقبها بنظرة حنونة عميقة.
أمينة: – نظرة عينه يا بنتي… دي ما كانتش صفقة.
أمينة: – دي كانت بداية قَدَر حقيقي.
***
في شقة ليل ، حي شعبي بسيط – الصبح
الشمس طالعة بهدوء فوق نوافذ الحتّة.
سيلين، لابسة شيك بلون غامق، واقفة قدّام باب شقة قديم في عمارة شكلها تعبان ومتهالك.
بتخبط على الباب بهدوء.
تفتحلها ليل، كانت مستنياها، بنظرة جدّية.
ليل: – اتفضلي… كنت واثقة إنك هتيجي.
سيلين: – وعدتك إني هبدأ… وجِه الوقت.
سيلين تدخل وتتفاجئ من البساطة القاتلة في المكان.
عفش قديم، ألوان باهتة، وريحة دوا مالية الجو.
عنيها تروح ناحيّة الركن.
ست كبيرة مشلولة، ملامحها باهتة، قاعدة على كرسي متحرّك، عنيها بتبص على الضيفة الجديدة بسكوت.
ليل: – دي ماما… مها.
ليل: – ما بتتكلمش، ولا بتتحرك… بس بتسمع وبتحس.
(بصّة عليها بحنان)
ليل: – هي السبب الوحيد اللي مخليني مكملة.
سيلين تقرب ببطء، تقعد على ركبتها قدّام مها، وتهمس بنبرة منكسرة:
سيلين: – أنا آسفة… آسفة إن واحد زي حسام وصل حياتكم لكده.
(تبص لليل)
سيلين: – هو اللي عمل فيها كده؟
ليل: – قتل بابا قدّامي… سرق الشركة، وولّع في كل حاجة.
ليل: – وسابنا في الشارع.
ليل: – ماما لما عرفت… حاولت توقفه… عمل فيها حادث "مدبّر".
ليل: – ومن يومها وهي بالشكل ده.
سيلين تتجمد شوية، بعدين تقوم ببطء… والغضب باين في عنيها.
سيلين: – يقتل أبوك، يحاول يقتل أمك، يسرق حياتك… ويعيد نفس القصة معايا!
سيلين: – حسام مش مجرم… ده طاعون، لازم يتحبس وهو صاحي.
ليل: – ما توقعتش تتأثري كده…
سيلين: – أنا كنت بكرهه عشان دمر حياتي…
سيلين: – بس دلوقتي… بكرهه أكتر عشان بوّظ حياة ناس بريئة.
(تبص لمها، وبعدين لليل)
سيلين: – وعد مني يا ليل… لو أقدر أرجعلك كل حاجة اتسلبت منك… هرجعها.
سيلين: – ولو أقدر أخليه يندم على كل نفس أخده… هعملها، وزيادة.
ليل: – وأنا هكون جنبك… خطوة بخطوة.
سيلين: – ومن هنا… بتبدأ الحكاية.
***
بعد شوية من المشهد اللي فات
تخبط الباب خبط خفيف.
سيلين: – دا سيف… اتفقت معاه ييجي.
ليل: – سيف؟ اللي ساعدك تخرجي من السجن؟
سيلين: – أيوه… هو مش عارف تفاصيلك، بس جه الوقت يعرف.
سيلين تروح تفتح الباب.
سيف البحيري يدخل، شيك كالعادة، لكن أول ما يخطي جوه الشقة، عنيه بتتغير شوي.
بص للمكان… الفقر، الحيطان التعبانة، ريحة الرطوبة… كله بيأثر فيه بصدق.
سيف: – المكان ده… مش مكان تعيش فيه روح طيبة.
سيلين: – سيف… دي ليل.
سيلين: – البنت اللي لما سمعت قصتها، حسّيت إني أنا اللي اتظلمت أقل منها.
ليل: – أهلاً… وشكراً إنك ساعدت سيلين تخرج.
ليل: – إحنا يمكن غُرب، بس… الظلم بيجمع ناس كتير.
سيف: – الشرف ليا… سيلين قالتلي إنك قوية.
(يبص على مها المشلولة)
سيف: – ودي والدتك؟
ليل: – أيوه… ما بتتكلمش، بس بتفهم كل حاجة.
سيف: – أنا آسف جدًا… آسف إن فيه ناس زي حسام في الدنيا.
سيلين: – سيف… أنا عارفة إننا كنا متفقين على شغل وصفقات…
سيلين: – بس في صفقة جديدة عاوزاها.
سيف: – سامعاكي.
سيلين: – عايزين ننقل ليل وأمها شقة كويسة… ونعالج أمها.
سيلين: – على حسابي… أو تخصمهم من أرباحنا.
ليل: – لأ! مستحيل! أنا مش صدقة لحد!
ليل: – أنا… أنا هرجّع حقي من حسام وهسدّد كل قرش!
سيف: – محدش بيشتري كرامتك يا ليل…
سيف: – إحنا بس بنقدّم فرصة لحياة آدمية… والباقي عليكي لما تبقي قادرة.
سيف: – اعتبريه دين… بس من النوع النبيل.
ليل: – أنا… مش متعودة حد يقف في ضهري.
ليل: – حتى الناس الطيبين… كانوا بيهربوا مننا.
سيلين: – مش لوحدك خلاص… إحنا بقينا فريق.
سيف: – وكل فريق محتاج قائد… وأنا جاهز أكون سلاحكم.
وبعدين يطلع موبايله:
سيف: – هكلم الدكتور فؤاد حالًا… نبدأ العلاج فورًا.
سيف: – وبالليل… هتشوفوا شقتكم الجديدة.
***
ف شركة "الحسام جروب" – الدور الأخير – مكتب حسام
الديكور فخم بطريقة مبالغ فيها، مكتب كبير، كنَب جلد سودا، ولوحات فيها أرقام حسابات وهمية ونجاحات كدابة.
حسام قاعد على كرسيه، بيقلّب في ورق، شكله متوتر.
يدخل عماد، مساعده الشخصي، راجل في الأربعينات، شكله هادي بس فيه برود يخوف.
عماد: – عذرًا يا أستاذ حسام… في تطورات.
حسام: – تطورات إيه؟
حسام: – سيلين عملت إيه تاني؟
عماد: – زي ما قلتلي… راقبناها من بعيد.
عماد: – امبارح خرجت هي والبنت الصغيرة، تاليا… وقابلت سيف البحيري.
حسام: – سيف البحيري؟!
حسام: – لأ لأ، أكيد في حاجة غلط.
حسام: – سيف ما يعرفهاش أصلاً!
عماد: – أنا اتأكدت بنفسي.
عماد: – قعدوا سوا في مطعم "لامور"… المطعم اللي سيف دايمًا بيحجز فيه.
عماد: – وقعدوا هناك ساعتين، وبعدها سيف بنفسه وصّلها هي والبنت لحد باب شقتها.
حسام: – بنت الكلب!!
حسام: – ترجع من السجن… وبدال ما تطلب رحمة، تمشي مع سيف البحيري؟!
عماد: – واضح إن العلاقة مش عابرة.
عماد: – والبنت… كانت مبسوطة جدًا.
عماد: – ممكن يكون ده… بداية تحالف ضدك.
حسام: – تتحالف مع البحيري؟!
حسام: – دي أنا اللي رميتها خمس سنين في الزنزانة!!
حسام: – وسرقت كل قرش باسمها…
حسام: – وتيجي ترجع، ومعاها أغنى شاب في القارة؟!
عماد: – لو تسمحلي أقول رأيي…
عماد: – وضعها بيتغيّر، وده بيشكل تهديد.
عماد: – لو البحيري معاها بجد… الملفات القديمة ممكن تتفتح.
حسام: – البحيري ما يعرفش حاجة… هو يمكن بس بيتسلى وهيمشي.
عماد: – بس هي مش سهلة خالص…
عماد: – باين إنها راجعة تاخد حقها.
حسام: – لو فكرت لحظة إنها تهد اللي بنيته…
حسام: – أنا مستعد أدفنها وهي واقفة!
حسام: – زوّدوا المراقبة عليها… لحظة بلحظة.
حسام: – وكل واحد يقرب منها… اعرفلي تاريخه.
عماد: – حاضر يا باشا.
حسام: – سيلين… إنتِ ما رجعتيش تعيشي،
حسام: – إنتِ بس اخترتي طريقة مختلفة تموتي بيها.
***
في مطار القاهرة الدولي – صالة كبار الزوّار – الظهر
المطار زحمة وصوته عالي، لكن وسط الزحمة، بيظهر آسر الجندي… راجل في التلاتينات، طويل، وسيم، وأنيق لآخر درجة، لابس بدلة رمادي شيك، وبينزل من سلم الطيارة الخاصة.
ورا منه ماشي مساعده الأجنبي والسكرتيرة المصرية.
لقطة قريبة للوحة الطيارة: "AJ International – London"
آسر: – القاهرة…
آسر: – أخيرًا رجعت.
السكرتيرة: – كل حاجة جاهزة يا باشا، المكتب مأجَّر في التجمع، والسكن في الرحاب زي ما حضرتك طلبت.
آسر: – الشغل مهم، بس في حاجة أهم دلوقتي…
آسر: – عايز عنوان "الحسام جروب".
آسر: – جون، الملف اللي فيه نشاطاته كلها… هاتلي نسخة حالًا.
جون: – Already sent to your email, sir.
السكرتيرة: – حضرتك… ناوي تروحلهم على طول؟
آسر: – ابويا لما اتقتل، كنت في جنازته… بس معرفتش آخدله حقه.
آسر: – أمي لما اتشلّت… كنت بعيد، بجري ورا الفلوس، ومعرفتش حتى أحضنها.
آسر: – أختي كبرت وهي شايلة فوق طاقتها… بسببي.
آسر: – دلوقتي… حسام هيعرف يعني إيه لما الغضب يرجع… ومعاه ثروة.
***
فيلا عيلة البحيري – الدور الأرضي – صالون البيت
الشمس داخلة من الشبابيك الكبيرة، عاملة ضي دافي على المكان، وريحة القهوة والفانيليا مالية الجو.
ياسمين قاعدة على الكنبة، لابسة بيچامة بيت ناعمة، شعرها مرفوع كده على السريع، في إيدها فنجان قهوة، وعلى الترابيزة قدامها حتة كيك بالليمون.
تيا قاعدة على الأرض قدامها، بتلف شعرها بماكينة الكيرلي وهي بتضحك وتكركر.
تيا: – ياسمين! أنا قررت خلاص… هلبس فستان أزرق يوم النتيجة.
تيا: – لو جبت فوق ٩٥٪، هخلّي سيف يشتريلي عربية 😌
ياسمين: – ولو طلعت تحت الـ٩٥٪؟ هتخليني أنا أشتريهالك؟ 😅
تيا: – لأ طبعًا… هخلّي مازن يشتريهالي، بس من جيبه مش من فلوس هايدي!
(وتنفجر ضحك)
ياسمين: – والله يا تيا إنتي أخطر من لجان الامتحانات.
تيا: – ودي كانت نشرتنا الصباحية مع ياسمين اللطيفة وتيا المُدلّعة… استنونا بعد الفاصل في فقرة: "إزاي هايدي طايقة نفسها؟" 😂
ياسمين: – تياااا… اسكتي! لحسن تطلع علينا من فوق 😳
لقطة من فوق السلم:
هايدي واقفة عند الدرابزين، لابسة روب شيك، إيديها متشابكة، ووشّها مشدود وفيه غِل.
هايدي: – لطافتك دي يا ياسمين… مش هتدوم، صدقيني.
تنزل السلم بالراحة، داخلة عليهم بابتسامة مزيفة كأنها ما سمعتش حاجة.
هايدي: – صباح الفل… باين عليكم مبسوطين أوي!
ياسمين: – صباح النور… تعالي كلي كيك، القهوة لسه سخنة.
هايدي: – لأ متشكرة… أنا بحافظ على جسمي.
هايدي: – شعرك حلو النهاردة… بس إزاي فاضية تعملي كيرلي في وسط المذاكرة؟
تيا: – عشان أنا منظمة… مش فاضية أراقب الناس من ورا الشباك.
هايدي: – لسانك دايمًا طويل… بس برضو كيوت 😏
ياسمين: – يلا بقى… نحاول نعيش يومنا في هدوء، الجو حلو والقهوة طالعة من القلب.
هايدي: – حلو أوي لما الناس تعرف تستمتع… قبل ما الدنيا تتقلب عليهم.
تيا وياسمين يبصوا لبعض بنظرة كلها تفاهم.
رواية اقدار لا ترحم الفصل الثامن 8 - بقلم سيليا البحيري
في أوضة فحص خاصة، النور هادي، والأثاث شيك.
الدكتور شاكر (في الستينات، رايق وبيفهم)، بيخلص الكشف على مها اللي قاعدة على كرسي متحرك، عينيها فيها رجاء صامت.
ليل ماسكة إيد أمها بإيد، وسيلين حاطة إيدها التانية على كتف ليل تشجعها، وسيف واقف قريب، ساكت… بس عينيه فيها دفء وتركيز.
د. شاكر (بعد ما خلع نضارته):
– حالة مدام مها صعبة… بس مش ميؤوس منها.
– الجلطة كانت قوية وسيبت أثر على أعصابها، بس فيه أمل نشتغل ونحسن حالتها.
ليل (بلهفة):
– يعني ممكن… تمشي؟ تتكلم؟ ترجع زي زمان؟
د. شاكر (بهداوة):
– مش بسرعة زي ما بتتخيلي، بس بالعلاج الطبيعي المنتظم والدعم النفسي، ممكن نشوف تحسّن.
– بس محتاجة صبر… وناس حواليها بيحبوها ويريحوها.
سيلين (بصوت هادي بس واثق):
– راحتها النفسية والعلاج… إحنا هنوفرهم لها، أنا وسيف.
سيف يبص لها، وهي تبص له… نظرة فيها تقدير ودفا. لحظة من غير كلام، بس مليانة إحساس.
سيف (بثبات):
– كل اللي مدام مها محتاجاه… هيبقى موجود.
– وهننقلها على أحسن مركز تأهيلي في القاهرة… وعلى حسابي.
ليل (عنيها بدموع):
– مش عارفة أقول إيه… أنا مش متعودة حد يقف جنبي… مش بالنية الطيبة دي.
سيلين (بابتسامة دافية):
– اتعودي… لأن ده مش تَفَضُّل، ده وعد.
الدكتور يسيبهم ويمشي بعد ما سلّمهم الملف… وسكون بسيط يملأ الأوضة.
سيف (يقرب من سيلين، بصوت واطي):
– مكنتش متخيل إنك بالشجاعة دي…
– جواكي نار… بس مش نار انتقام، دي نار بتحمي اللي بتحبيهم.
سيلين (تضحك ضحكة خفيفة بس فيها سخرية):
– وإنت كنت متوقع تلاقي إيه؟
– واحدة مكسورة؟ بتتوسل؟
– أنا خرجت من النار… ومش ناوية أدخلها تاني.
سيف (يبصلها بعنيه وبنبرة فيها إعجاب):
– وخرجتي منها… أحلى وأقوى من زمان.
سيلين تبص له بدهشة بسيطة… بس هو يغيّر الموضوع بابتسامة خفيفة.
سيف (يبص لليل):
– نبدأ الإجراءات من دلوقتي. أنا هكلم المركز بنفسي.
ليل (تبص عليهم، تهمس في نفسها):
– بتحبوا بعض… حتى لو لسه مش عارفين.
***
في مطعم شيك في فندق فاخر – الساعة 8:30 مساءً
الجو رايق وأنيق، وموسيقى بيانو ناعمة شغّالة في الخلفية.
آسر الجندي قاعد لوحده على ترابيزة بتطلّ على الشباك، ماسك فنجان قهوة سادة، قدامه اللابتوب وبيقلّب في شوية ملفات… بس عينيه شاردة.
لا بيشرب، ولا بياكل… بس بيفكّر.
في حسام.
في اللي فات.
وفي الانتقام.
فجأة، ويتر داخل متوتر، وراه بنت شابة شيك، ملامحها بريئة وهادية، لابسة فستان عاجي بسيط، شعرها سايب، وعينيها فيها نعاس حلو… دي رهف.
الويتر يقرب من آسر:
الويتر:
– آسف يا فندم… حصل لخبطة في الحجز، والترابيزة بتاعة الآنسة ادوها بالغلط لحد تاني… ممكن تسمح تقعد مع حضرتك مؤقتًا لحد ما نفضي ترابيزة؟
آسر (يرفع عينه بهدوء، يبص للبنت، بعدين للويتر):
– مفيش مشكلة.
رهف تبتسم بخجل:
رهف:
– لو فعلاً مش هتضايق… شكرًا قوي.
آسر (يقفل اللابتوب بهدوء):
– متشكرش… دي مش ترابيزتي أصلًا.
رهف تقعد برقة، تاخد نفس خفيف وتبص من الشباك.
رهف (بخجل وهي بتحاول تفتح كلام):
– بتحب الهدوء؟
آسر (يبصلها لحظة، ويرد بنبرة ساكتة):
– قد ما بيساعدني أفكّر… آه.
رهف (تضحك بخفة):
– وأنا العكس تمامًا… أول ما الدنيا تسكت، دماغي تسرح في حتت مخيفة.
– عشان كده دايمًا بحب الناس… خصوصًا اللي ساكتين كتير، زي حضرتك.
آسر (يرفع حواجبه، بنظرة فيها فضول وانجذاب):
– بتهتمي باللي ساكتين؟ مش المفروض الناس تفضل اللي بيتكلموا كتير؟
رهف (تبصله بثقة ناعمة):
– يمكن… بس أنا حاسة إن اللي ساكت… جواه حكايات كتير.
لحظة سكون بينهم، بعدين آسر يبتسم ابتسامة نادرة ويغيّر الموضوع:
آسر:
– بتحبي القهوة؟ ولا من جماعة الشاي؟
رهف (تبتسم):
– قهوتي… سكر قليل، بس مليانة أمل.
آسر يبصلها بدهشة خفيفة… ويضحك لأول مرة.
آسر:
– أول مرة أسمع التعبير ده.
رهف (تبصله في عينه):
– يمكن عشان أول مرة تسمعني.
الويتر يرجع:
– آنسة، الترابيزة الجديدة جاهزة.
رهف تقوم، تبص لآسر بابتسامة هادية:
رهف:
– شكرًا على الكرم… يارب نتقابل تاني.
آسر (يبصلها، وبنبرة ساكتة):
– أكيد… بالصدفة أو من غيرها.
رهف تمشي… وآسر يفضل يبصلها وهي ماشية، ملامحه بين الذهول… والانجذاب.
آسر (يهمس لنفسه):
– هي مين دي؟
***
في فيلا عيلة حسام – الساعة 11:00 بالليل
الدور الأرضي – أوضة المعيشة
الأنوار هادية، والدنيا ساكنة.
رهف بتدخل بهدوء بعد ما رجعت من العشا. شايلة شنطتها الصغيرة وبتقلع جزمتها على مهل…
بتتفاجئ بـحسام قاعد على الكنبة، لابس لبس بيتي، في إيده كباية شاي، وعينيه شاردة.
رهف تقف لحظة، تبتسم ابتسامة خفيفة:
رهف:
– لسه صاحي؟ مش متعودة أشوفك سهران.
حسام (يبص لها ببطء):
– كنت مستنيك… اتأخرتِ.
رهف (بتقعد قصاده):
– كنت في مطعم… وحصل موقف لطيف.
حسام (يبص لها بقلق واضح):
– خلي بالك من الناس اللي حواليك، خصوصًا الأيام دي.
– في ناس مش هتسكت… حتى لو فات سنين.
رهف (تبص له بثبات):
– تقصد سيلين؟
حسام يسكت شوية، مايردش… يبص للكباية اللي في إيده.
رهف (بهدوء):
– بصراحة؟ عندها حق.
– اللي عملتوه فيها… إنت ونوال… ماينسكتش عليه.
حسام (بصوت واطي وتقيل):
– متدخليش نفسك في حاجات ملهاش علاقة بيكي، يا رهف.
رهف (بصدق):
– أنا مش بدافع عنها…بس كإنسانة، ماقدرش أشوف ظلم وأسكت.
– خصوصًا لما اللي ظالم… من دمي.
حسام ياخد نفس تقيل، يعدّي إيده على وشه، ويبصلها بعين تعبانة:
حسام:
– إنتِ أغلى حاجة عندي في الدنيا…
– ومش عايزك تدخلي في دايرة الانتقام اللي جاية.
رهف (وهي بتقوم بهدوء):
– متخافش عليّ… أنا مش لعبة في إيد حد.
– بس كمان… مش هكون شاهدة زور.
تِرَبّت على كتفُه بخفة وتمشي ناحيه أوضتها،وحسام يفضل قاعد مكانه… عينيه لسه تايهة.
حسام (يهمس لنفسه):
– حتى إنتِ يا رهف؟… حتى إنتِ شايفة إني ظلمتها؟
وشه… ملامحه خليط بين الوجع، والندم…
لكن مش كفاية علشان يتوب.
***
في شركة البحيري القابضة – الدور الأخير (قاعة الاجتماعات الخاصة)
الساعة ٩:٤٥ بالليل
المكان شيك جدًا، النور دافي، والستاير الغالية مغطية الشبابيك.
الترابيزة الزجاج الطويلة بتلمع تحت الإضاءة، وفي هدوء مهيب مالي الجو.
سيف واقف جنب سيلين، واثق وهادي،وعند رأس الترابيزة قاعد سليم البحيري، أبو سيف،وجنبه ولاده:إيهاب (الرزين اللي ملامحه جد طول الوقت)،ومازن (الهادي الطيب اللي بيكسف بسرعة).
سيلين لابسة بدلة رمادي غامق شيك جدًا، شعرها مرفوع، ملامحها ساكنة، بس قوية.
بتنحني شوية باحترام وهي بتسلم.
سيف (بابتسامة خفيفة وهو بيبص لعيلته):
– اسمحولي أقدملكم شريكتي الجديدة… الأستاذة سيلين المغربي.
الكل يبصلها، وهي ترد بابتسامة فيها احترام:
سيلين:
– الشرف ليا… مبسوطة إننا اتقابلنا.
سليم (يبصلها بنظرة فيها فِهم وهدوء):
– إحنا اللي نرحب بيكي… بيتنا مفتوح لأي حد بيكافح.
– وشكلك ست ما بتتهزش بسهولة.
سيلين تتفاجئ شوية من كلامه، بس تحافظ على ابتسامتها الهادية:
سيلين:
– البني آدم مش بيعرف قوته غير لما يضطر يستخدمها.
إيهاب يقرب ويسلم عليها:
إيهاب:
– سمعت عن شراكتك مع سيف… خطوة فيها جرأة.
سيلين (بثقة هادية):
– حياتي كلها مبنية على قرارات جريئة، أستاذ إيهاب.
مازن يقرب كمان، متوتر شوية بس بيضحك بلطافة:
مازن:
– إحنا مش متعودين ناس تدخل بينا بسرعة…بس حضورك مريح.
سيلين (بابتسامة صادقة):
– شكرًا… كلامك على راسي. ويا رب أكون خفيفة عليكم.
سليم بيراقبها في صمت…عينه شايفة وبتقرا تفاصيل كتير…شايف الحزن اللي مستخبي ورا الثبات.
سليم (وهو بيشرب قهوته بهدوء):
– في عينيكي وجع قديم…بس معرفش إزاي فضلتي واقفة.
– ودي حاجة مش الكل يعرف يعملها.
سيلين تبصله لحظة، مش كانت متوقعة الملاحظة دي…بس ترد بابتسامة فيها صلابة:
سيلين:
– الوجع بيروح…بس لو الكرامة اتكسرت، ما بتتصلحش.
لحظة صمت محترم تعم القاعة…
سيف يلاحظ التجاوب الهادي بين أبوه وسيلين،يبتسم لنفسه وهو مطمّن.
سيف (يقطع الصمت):
– أظن البداية مبشرة.
سليم (يبص لسيف، وبعدها لسيلين):
– طول عمري واثق في اختياراتك…لو اخترتها تبقى شريكتك، أكيد شايف فيها حاجات إحنا لسه ما شفناهاش.
سيلين تبص لسيف نظرة فيها شكر ساكت…وسيف يرد بابتسامة بسيطة، فيها دعم كبير.
سيلين تودعهم وتخرج من القاعة…وفي الممر برة، تاخد نفس عميق…عارفة إن الحرب لسه في أولها…بس في المكان ده… لأول مرة من سنين…ما حدش حاكمها، بل قدّرها.
***
في أوضة هايدي – فيلا البحيري
الساعة ١٠:٣٠ بالليل
هايدي واقفة قدام المراية، بتمشط شعرها بتركيز، وحاطة ماسك ليلي على وشها…
فجأة موبايلها بيرن.
الاسم على الشاشة: رغدة (السكرتيرة)
هايدي (بترد وهي بتتثاوب):
– في إيه يا رغدة؟ مش شايفة الساعة كام؟
رغدة (بصوت واطي ومتحمس):
– آسفة يا مدام هايدي بس… الموضوع ما ينفعش يستنى للصبح.
هايدي (بتلف بسرعة):
– اتكلمي بقى… قلبي مش مستريح.
رغدة تبعت لها صورة على الواتس…سيلين واقفة جنب سيف في قاعة الاجتماعات، وسليم وإيهاب وراهم.
رغدة:
– شراكة جديدة، يا مدام… أستاذ سيف جاب الست دي بنفسه النهارده.
– واللي أهم… إن سليم باشا وولاده وافقوا عليها فورًا.
هايدي (تبص للصورة، وعيونها تتجمد):
– ثانية واحدة… الست دي…
تكبر الصورة، تركّز أكتر…وفجأة وشّها يتغير وتصرخ:
هايدي (بصدمة):
– دي هي!!
– نفس الست اللي كانت معاه امبارح في المطعم!!
رغدة (بتوتر):
– حضرتك متأكدة؟
هايدي (مغتاظة ومنفعلة):
– متأكدة؟! كنت هفجّر من الغيظ وأنا شايفاهم قاعدين سوا!
– والنهاردة؟! جايبها شركته؟ وواقف جنبها كأنها ملكة؟! لأااااااا!
تقف مرة واحدة، وتحدف المراية الصغيرة من على التسريحة…
المراية تتكسر على الأرض.
هايدي (بصوت هيتجنن):
– دي مش شراكة شغل!
– دي بداية حكاية جديدة!
– وهي طبعًا… فاهمة بتعمل إيه، وعارفة سيف ابن مين وثروته قد إيه!
رغدة (بصوت واطي):
– تحبي أبدأ أدوّر عنها؟ أفتح ملفاتها القديمة؟
هايدي (ببرود بيلسع):
– دوري… وارجعيلي بكل حاجة عنها.
– كل تفصيلة يا رغدة…
– وأنا هعرفها يعني إيه تلعب في منطقتي.
هايدي تقف قدام المراية المتكسّرة، تبص لنفسها فيها، وتهمس لنفسها:
هايدي:
– سيف… ما ينفعش يكون لحد غيري…
– حتى لو كانت "رماد ست محروقة" زيها.
الصورة لسه باينة على شاشة الموبايل…
وعينين هايدي بينعكسوا في الزجاج…
نار، غيرة، وشرّ بيغلي فيهم.
***
في شقة ليل الجديدة – حي راقٍ في القاهرة
الساعة ٨:١٥ مساءً
الشقة شيك بألوان هادية، مفروشة بذوق، وريحة النظافة والراحة مالية المكان…
ليل قاعدة على طرف سرير والدتها مها، اللي نايمة في هدوء تام، لا بتتكلم ولا بتتحرك… بس عنيها فيها أمل بيقاوم.
قدّام السرير، باقة ورد حطتها سيلين كترحيب، وعلى الكومود علبة دوا جديدة، وورقة أنيقة مكتوب فيها مواعيد العلاج الطبيعي.
ليل بتمسح جبين أمها بهدوء، وتبوس إيدها بحنية، وتهمس:
ليل (بصوت دافي وموجوع):
– شفتي يا ماما؟
– أخيرًا خرجنا من الضلمة…
– أخيرًا في حد مدّ لنا إيده من غير ما يحاسبنا على كل نفس بناخده.
تسحب كرسي صغير وتقعد جنبيها، ودموعها مالية عنيها.
ليل:
– سيلين وسيف… مش شبه باقي الناس اللي عرفناهم.
– هما عارفين يعني إيه الظلم… عشان كده صدقونا من غير ما نبرّر.
تبص ناحية الشباك، نور القاهرة باين من بعيد.
ليل (بنبرة غضب):
– بس ده ما بينسينيش يا ماما…
– ما بينسينيش اللي عمله حسام!
– لا أنا ولا إنتِ هننسى!
تمسك بإيد أمها وتضغط عليها بحنية:
ليل:
– هو اللي خلاكي كده…
– هو اللي سرق فلوس بابا… وهو اللي قتله…
– هو اللي رمانا في الشارع، وسبنا نموت كل يوم حتة!
تسكت لحظة، بتحبس دموعها، وبتمشي شوية في القوضة…
تلمس الحيطة، تمسك كتاب من على الرف، تبص في المراية الطويلة:
ليل (بحزم):
– بس أنا مش هسكت يا ماما.
– والله العظيم… كل لحظة وجع عشتيها، هتدفع تمنها.
– كل دمعة نزلت من عنيكي، هيرجع يشتريها بندم!
ترجع تقف قدام أمها، وبتبتسم ابتسامة كلها مرارة:
ليل:
– وهتتعافي يا أمي… هتمشي تاني… وهتضحكي.
– وهتشوفيه بعنيكي وهو بيقع زي ما وقعنا.
تاخد نفس عميق، وتهمس:
ليل:
– بس في حاجة تانية…
– آسر…
– سابنا ومشي وقت ما كنت محتاجاه…
– رغم إني ترجّيته… هرب وسابنا نغرق!
تبص لتحت، ملامحها خليط بين الحزن واللوم:
ليل:
– مش هسامحه بسهولة… مهما رجع ومهما قال.
– هو سابنا لوحدنا وسط النار.
ترجع تبص لأمها تاني، بصوت أهدى وأحن:
ليل:
– بس إنتِ… إنتِ أهم من الدنيا كلها.
– خليكي قوية عشاني… زي ما أنا هفضل قوية علشانك.
تطفي النور، وتقعد جنبها في هدوء… تمسك إيدها وتحطها على صدرها.
ومن بره الشباك… نور القمر بينزل على الإزاز، وصوت المدينة بيهمس:
المواجهة قربت.
***
ليل لسه قاعدة جنب سرير أمها، بتهمس لها بكلام واجع القلب…
لكن فجأة…
يتسمع صوت خبط خفيف على الباب… تلات دقات ورا بعض.
ليل بتتجمد في مكانها، بتبص ناحية الباب بدهشة.
مين هييجي دلوقتي؟ ومين أصلًا يعرف العنوان؟
تقوم بحذر… قلبها بيدق بسرعة مش مفهومة…
تفتح الباب…
آسر واقف قدامها.
شكله متغير… أنيق كالعادة، بس ملامحه بقت أقسى شوية… رغم كده، نظرته لسه فيها ريحة الأخ اللي كان.
بجنبه شنطة سفر صغيرة، وإيديه مشدودة كأنه مش عارف يحضنها… ولا ينهار قدامها.
عنيين ليل بتتسع… مش مصدقة اللي شايفاه.
ليل (بهمس مخنوق):
– آسر...؟
آسر ما بيقولش ولا كلمة… بس بيبتسم ابتسامة مكسورة، كلها وجع وذكريات ضايعة.
الدموع بتلمع في عنين ليل…
ليل (بصوت بيرتعش):
– إنت… رجعت؟
– دلوقتي…؟ بعد كل ده؟
آسر أخيرًا يهمس، صوته مبحوح وتعبان:
آسر:
– أنا آسف يا ليل…
بس قبل ما يكمل… ليل تندفع ناحيته، مش بتحضنه…
بتضربه على صدره بإيديها اللي بترتعش من القهر:
ليل:
– ليه؟ ليه سبتنا؟
– ليه اختفيت وإحنا كنا بنموت كل يوم؟!!
آسر ما بيتحركش… سايبها تطلع كل اللي جواها، وبعدين يمد إيده بهدوء، يلمس كتفها بحنية:
آسر (بصوت واطي):
– جيت… علشان أصلّح كل حاجة.
ليل تبصله… عنيها مولعة دموع وحيرة وحنين…
وراه، … باين سرير الأم، نايمة في صمت موجع.
ليل تهمس بصوت مكسور:
ليل:
– أمي… كانت كل يوم بتسأل عنك من غير كلام… بس بعنيها.
– وأنا… كنت بكرهك كل يوم أكتر…
– بس برضه… كنت مستنياك.
آسر يحني راسه، كأن شيل خطايا عمر بحاله على ضهره…
وليل واقفة قدامه، ما بين حب قديم، ووجع جديد…
وما بينهم… سنين ضايعة ما حدش عارف يرجّعها.
رواية اقدار لا ترحم الفصل التاسع 9 - بقلم سيليا البحيري
جوه الشقة الجديدة – أوضة ماما
الساعة 9 بالليل
النور هادي…
مها نايمة على سريرها الأبيض، وشها هادي بس عينيها بتلمع تحت ضي الأباجورة اللي جنبها.
ليل واقفة ورا الباب، سايبة المجال… وساكتة، بس عينيها على أمها وآسر.
آسر بيقرب بخطوات مترددة… قلبه بيترعش.
آسر
(بصوت مخنوق)
ماما…
بيركع جنب السرير، ياخد إيدها اللي مش بتتحرك، يحطها على وشه، ويبوسها مرة واتنين وتلاتة… ودموعه بتنزل زي المطر.
آسر
(وهو بيعيط)
أنا آسف…
آسف إني اختفيت…
آسف إني ما كنتش راجل في وقت كنتوا محتاجيني فيه…
عنينا مها بتتفتح شوية، والدمعة بتنزل من طرف عينها… كأنها سابت وجع السنين يخرج معاها.
ليل واقفة بعيد، بتحبس دموعها بالعافية… بس الغضب لسه جوّاها.
ليل
(بحدة وهي بتكتم وجعها)
آسف؟
جاي تقول آسف بعد سبع سنين؟!
آسر يقوم، يبصلها بندم ملوش آخر.
آسر
أنا ما هربتش يا ليل…
أنا سافرت علشان أرجع أقوى…
علشان آخدلك حقك، وحق ماما… وحق بابا.
ليل تبصله بعين كلها وجع، وتقرب منه خطوة.
ليل
وإحنا كنا بنموت كل يوم…
وإنت كنت بتتعشى في مطاعم لندن ونايم في فنادق خمس نجوم؟
آسر
(ينفجر بصوت موجوع)
لأااا!!
أنا كنت بنام في الشوارع أول سنة!
اشتغلت حارس، وجرسون، وساعي…
كل ده علشان أجمع فلوس، وأدخل عالم الوساخة بتاع حسام، وأدوس عليه برجلي!
إنتي عارفة أنا شفت إيه علشان أوصل؟
عارفة الدنيا كانت عاملة إزاي من غيركم؟!
يسكت لحظة، وبعدين يبصل مها تاني…
ياخد إيدها ويحضنها.
آسر
(بصوت هادي مكسور)
هو قتلك يا مها…
قتلك من غير رصاصة…
سرق روحك وإنتي أنضف حد في الدنيا…
وأنا رجعت، علشان آخد لك حقك كله… لآخر نفس.
ليل عنيها تدمع… تسكت شوية، وبعدين تهمس.
ليل
اتأخرت… بس رجعت.
آسر يبصلها، يقرب منها، وهما الاتنين يرتموا في حضن بعض… حضن مكسور، بس بيلم اللي اتكسر.
عنيين مها تلمع من تاني… وإيدها تتحرك خفيف قوي… دمعة تانية تنزل من زاوية عينها… كأن روحها أخيرًا لقت نفسها.
***
ليل قاعدة على الكنبة، شايلة كباية شاي بإيديها، وعنيها نصها مليان دموع.
آسر قاعد قدامها، باين عليه هادي من برّه… بس إيده مضمومة والنار طالعة من عينه.
ليل
(بنبرة واطية)
كنت فاكر نفسك الوحيد اللي حسام خرّبله حياته؟
لأ يا آسر… حسام هدّ حيوات كتير… ومسح بكرامة الناس الأرض.
آسر يرفع عينه ويبصلها ببطء.
آسر
كمّلي…
ليل
(ببطء وجع)
سيلين… كانت مراته.
خدعها، وخانها مع واحدة اسمها نوال… واتجوّزها بعد ما لفّق لها تهمة قتل.
قتل صاحبه ياسر، الراجل المحترم اللي كان أشرف منه، وسرق شركاته…
وسيلين اتحبست ظلم خمس سنين!
وخد بنتها منها أول ما ولدت في السجن… وادّاها لأخت نوال، تعذّبها كل يوم.
آسر يقوم واقف بشويش، وشه مصدوم وعنيه مولعة.
آسر
(بذهول وغضب)
عمل كده؟
وسيب الناس تموت وتتبهدل ويتسرقوا؟
ده ما ينفعش يتقال عليه بني آدم!
ليل
(بتهز راسها)
وخرجت… خرجت من السجن.
اللي طلعها سيف البحيري… بس مش ببلاش.
في بينهم صفقة… مش عارفة تفاصيلها، بس باين إنها تقيلة.
آسر يزفر جامد ويمشي شوية، ويقف عند باب البلكونة المفتوح.
آسر
سيف البحيري؟
الاسم ده كبير… الراجل ده ليه وزن.
ليل
هو وسيلين اللي جابولي أنا وماما الشقة دي، وهيتكفّلوا بعلاج ماما.
وسيلين… رغم اللي حصل لها، قلبها لسه حي… ولسه بتساعدنا.
آسر يبص لمها، وبعدين يبص في عين أخته بثبات.
آسر
(بحسم)
من النهارده… إنتي وماما مسؤوليتي.
أنا اللي هعالجها، وأنا اللي هشيلكم على راسي.
اللي باقي من عمري… ليكم.
ليل تبتسم ابتسامة حزينة وتحاول تعترض.
ليل
بس سيلين كانت…
آسر
(بلُطف وهو يقاطعها)
هاشكرها… وهبقى جنبها كمان.
اللي حسام عمله فيها… لازم يدفع تمنه، كامل.
لحظة صمت، وبعدين آسر يهمس بصوت غليظ.
آسر
بس الانتقام من النهارده… مش بس علشان أبويا.
بقى كمان علشان أم بنت حسام اللي ضمّرها.
بقى للناس اللي راحت بسبب حقده ووساخته.
ليل تبص له، عنيها مليانة دموع وفخر…
لأول مرة من سنين… تحس إن فيه حد هيقف في وش الدنيا ويحميها.
***
بعد كام ساعة
غرفة هادية، منورة بمصباح خافت.
آسر قاعد على الكنبة، باصص في الهوا، ماسك كباية شاي ساقعة من ساعة، ودماغه شغالة نار.
فجأة…
تليفونه بيرن.
المُتّصل: "رقم مجهول"
آسر
(بيبص للتليفون، متردد، وبعدين بيرد)
ألو؟
صوت هادي وعميق من الطرف التاني.
صوت مجهول
مساء الخير… أو صباح الخير لو بتحب تبدأ يومك بدري.
آسر
(بارتباك وشك)
مين حضرتك؟ وإزاي جبت رقمي أساسًا؟
المجهول
مش مهم أنا مين دلوقتي… الأهم إني زيك.
عندي تار قديم مع حسام… ولازم يتصفّى.
آسر
(بيقوم واقف، صوته بدأ يبقى حد)
إنت مين؟ أنا ما بحبش الألغاز… ولو دي لعبة، فخلّي بالك، أنا مش سهل.
المجهول
(بيضحك ضحكة هادية على الطرف التاني)
لا لعبة ولا فخ.
أنا جاي أمدلك إيدي بتحالف.
شوفتك من شوية… وسمعتك.
عارف إنك راجع من لندن… وراجع علشان تاخد حقك.
آسر
(مصدوم)
إزاي تعرف الكلام ده؟
إنت تبع مين؟ سيلين؟ سيف البحيري؟
المجهول
لأ… لا تبعهم ولا تبع غيرهم.
أنا تبع الحق…
وعلشان أقولك حاجة، حسام زمان قتلني… بس نسي يقفل الحكاية، وأنا لسه عايش.
آسر عينه بتتفتح على الآخر، صوته فيه صدمة.
آسر
إيه؟!
إنت… كنت من ضحاياه؟ زيي؟ زي أمي وأبويا؟ زي سيلين؟
المجهول
(بثبات)
أكتر مما تتخيل.
حسام سرقني، غدر بيا، وخان كل اللي صدّقوه.
وأنا شايف إن الوقت جه… نرجّعه لكل حاجة عملها أضعاف.
آسر ياخد نفس عميق، إيده ماسكة التليفون بقوة.
آسر
ولو وافقت… نبدأ منين؟
المجهول
واحدة واحدة…
نبدأ من المكان اللي اتولدت فيه المصايب.
شركته.
وخليني أقولك حاجة أخيرة…
أنا مش داخل المعركة علشان سيلين، ولا ليل، ولا غيرهم…
أنا داخلها علشان الضمير اللي اتدفن من زمان… واللي لازم نحييه من تاني.
آسر
(بصوت هادي، بس فيه عزيمة)
أنا معاك… بس لازم أعرف كل حاجة قريب.
كل ما أعرفك، كل ما أقدر أقاتل جنبك بصدق.
المجهول
(بنبرة غامضة)
قريب… هتعرف كل حاجة.
وساعتها… هتعرف إني كنت دايمًا أقرب مما تتخيل.
الخط يتقفل.
آسر يبص لتليفونه، وملامحه كلها خليط بين الصدمة، والفهم، والخوف اللي جواه شجاعة.
***
فيلا حسام
الغرفة ضلمة شوية، نور خفيف طالع من الأباجورة الكبيرة.
حسام قاعد لوحده ورا مكتبه الضخم، عينه على الشباك، وتعبان من كتر التفكير.
حسام
(بصوت واطي وهو بيكلم نفسه)
في حاجة غلط…
سيلين عمرها ما كانت ترجع بالثقة دي من غير ضهر قوي…
وسيف البحيري؟ الاسم ده تقيل…
ياخد نفس جامد، يعدّي إيده على جبينه بتوتر… وفجأة صوت خطوات نوال، الباب بيتفتح من غير استئذان.
نوال
(بضحكة مستفزة)
منوّر لوحدك؟ ولا بتعمل جرد حساب؟
شكلك كده مرعوب؟
حسام
(بعصبية)
سيلين ظهرت من تحت الأرض، وطلعت قاعدة مع البحيري في أفخم مطاعم القاهرة… ومعاها تاليا!
متخيلة؟ كانت قاعدة بتضحك ومرتاحه…
أنا مش مرتاح، حاسس حاجة كبيرة جاية.
نوال تقعد قدامه على الكرسي، رجل على رجل، وتبتسم بخبث.
نوال
(بصوت ناعم ولسان سام)
حبيبي…
بدل ما تقعد ترتعش زي العيال، استخدم دماغك.
البنت معاها؟ يبقى عندها نقطة ضعف.
والنقطة دي نقدر نلعب بيها صح.
حسام يبصلها باستغراب، وهي تكمل بخبث واضح.
نوال
سيلين، في نظر الناس؟ ست خارجة من السجن.
وسُمعتها؟ يا ريت ما نفتحش السيرة…
حتى سيف البحيري؟ نقدر نجرّه معانا المحكمة بطريقة تانية خالص.
نوال تقوم تمشي في الأوضة كأنها بترسم مصيبة جديدة.
نوال
(بتركيز شيطاني)
نرفع قضية حضانة…
نقول للقاضي إن سيلين مش مستقرة، خارجة من السجن، وبتقعد في أماكن مشبوهة مع رجالة…
ونطلب إن البنت تبقى مع أبوها… الأستاذ حسام الجمال.
الراجل الناجح، المستقر، المتدين… (تضحك بسخرية)
حسام يشبّك إيده، ويبتسم باهتمام.
حسام
ولو كسبنا القضية… هنسكن البنت فين؟ البيت هنا مليان مشاكل.
نوال
(بتقرب منه وتهمس)
نبعتها مدرسة داخلية في أمريكا…
نرميها هناك وسط ناس ما تعرفهاش… وسيلين قلبها يتحرق عليها كل يوم.
سيلين خسرتنا مرة، مش هتكسبها تاني أبدًا.
حسام يبتسم لأول مرة من أيام… وكأنه لقى طوق النجاة.
حسام
(ببرود)
فكرة شيطانية يا نوال…
نبدا من بكرة.
نوال تضحك وتلف حواليه زي التعبانة اللي بتلف حوالين فريستها، وتقول ببرود.
نوال
خليها تضحك مع سيف يومين… وبعد كده تضحك وهي تحت الأرض.
***
شقة سيلين الفاخرة – غرفة المكتب – الساعة 1:10 بعد منتصف الليل
الإضاءة خافتة… شاشة ضخمة أمام سيلين تعرض بثًا حيًا من غرفة حسام ونوال… الصورة واضحة… الصوت أنقى من البلّور…
تجلس سيلين على كرسي دوّار جلدي فخم، ساق فوق ساق، ترتدي بيجاما حريرية سوداء، وكوب من الشاي الأخضر في يدها… وخلفها، الدادة أمينة تنظف بهدوء لكنها تراقبها مندهشة.
نوال على الشاشة
(من التسجيل)
نبعثها لأمريكا، ونخلي سيلين تتحرّق كل يوم!
سيلين تميل برأسها قليلاً، تبتسم… ثم تنفجر بضحكة مكتومة.
سيلين
(بسخرية)
أمريكا؟ آه والله؟
بنتي تاليا؟ في مدرسة داخلية؟
برافو نوال… أخيرًا عقلك اشتغل… بس على كوكب تاني غير الأرض.
أمينة تتقدّم قليلاً، تحدّق في الشاشة وهي تضع يدها على صدرها.
أمينة
(بقلق)
حسبي الله ونعم الوكيل! لسه ناويين على الشر!
يا بنتي، هي المراقبة دي لسه شغالة؟!
سيلين تمط شفتيها ببطء وتُشير إلى الشاشة.
سيلين
(بثقة تامة)
شغّالة يا ماما أمينة… وعاملة شغل عمري ما حلمت به.
هما فاكرين إني هسيب الكاميرات ونساها؟ لااا…
أنا سايباها مخصوص… عشان الغباء لازم يتوثّق!
تتناول الريموت، تُعيد المشهد من أول الضحك الشرير لنوال… ثم تمط شفتيها وتقلّد صوتها بنبرة ساخرة.
سيلين
(تقلّد نوال)
"نخليها تتحرّق كل يوم!"
على أساس إنكم بقالكم خمس سنين عايشين بدون نار أصلاً؟
أغبى ثنائي في الشرق الأوسط رسميًا.
أمينة تجلس على الكرسي المقابل لها، مزيج من الذهول والقلق على وجهها.
أمينة
وبعدين يا سيلين؟ هتعملي إيه؟
سيلين تنظر للشاشة، تتأمل وجهي نوال وحسام… ثم تُطفئ الصوت، وتدير الكرسي نحو أمينة.
سيلين
(بهدوء مشحون)
ولا حاجة… مش هكلّمهم المرة دي…
أنا هسيبهم يتنفّسوا شوية…
خليهم يحسّوا إنهم سابقيني بخطوة… وأنا أصلاً سبقاهم بخمسة.
تنهض من مكانها، تمرر يدها على شعرها، ثم تنظر إلى شاشة الكاميرا بنظرة انتصار خالص.
سيلين
(بابتسامة خبيثة)
عندهم ٢٤ ساعة… بعدها؟ هتبدأ اللعبة الحقيقية.
ودي كانت مجرد بروفة.
رواية اقدار لا ترحم الفصل العاشر 10 - بقلم سيليا البحيري
سيف خرج للتو من الحمام، يلف منشفة حول خصره، شعره مبتلّ، وأجواء الغرفة هادئة.
يفتح خزانة ملابسه، يمدّ يده ليرتدي قميصه.
فجأة تُفتح الباب دون استئذان.
هايدي تدخل بخطوات ناعمة ومتعمدة، ترتدي فستاناً حريرياً أسود ضيّقاً، مكياجها صارخ، وعيناها مليئة بالتصميم.
هايدي
(بصوت ناعم):
تأخرت عليك، صح؟ بس... قلتلك زمان إن بابك مفتوح لي دايمًا.
سيف يتوقف، يلتفت إليها ببرود قاتل، ينظر إليها من الرأس حتى القدم.
سيف
(بجفاء):
واضح إنك نسيتي نفسك… أو يمكن نسيتي اسمك.
هايدي
(تتقدّم نحوه):
مش ناسية حاجة يا سيف…
بس تعبت من التمثيل… سنين وأنا بحبك، وبتمنى نظرة منك…
ليه ما تعطيني فرصة؟ مازن… مازن ده ولا حاجة جنبك!
سيف يرفع حاجبه، ثم يضحك ضحكة قصيرة ومريرة، يرمي المنشفة جانبًا ويرتدي قميصه بهدوء وكأنها غير موجودة.
سيف
(ساخراً):
مازن هو راجلك… جوزك… أخويا!
وأنتي… أنتِ مجرد ظِل… ظل طمّاع، بيتحرك في البيت ده من غير كرامة.
هايدي تتقدّم أكثر، تحاول لمس ذراعه، لكنّه يصفع يدها دون عنف، فقط ازدراء.
هايدي
(بغضب):
ليه؟ عشان سيلين؟
عارف كل حاجة… كنت في المطعم… شفتكم!
كنت فاكرة إنك مستحيل تحب… بس طلع عندك قلب، بس مش ليا.
سيف يلتفت نحوها، يقترب منها حتى بات على بُعد أنفاس.
سيف
(بهدوء مريب):
آه… أنتِ كنتِ بتراقبيني؟
ماشي… أنا كنت شايفك… من أول لحظة.
لكن خليني أقولك حاجة يا هايدي…
ينظر لعينيها مباشرة، يهمس بنبرة قاطعة كالسيف:
سيف:
سيلين… فوقك بمليون درجة.
على الأقل هي بنت حقيقية… مش قشرة مزيفة زيك.
وما تحاوليش تقارني نفسك بيها… لأنك هتخسري كل مرة.
هايدي تبتعد خطوة، تشهق بصدمة وذل… عيناها تدمعان ليس من الألم، بل من الغضب والحقد.
هايدي
(بصوت متهدج):
هتشوف يا سيف…
سيلين دي… مش هتفضل في حياتك كتير!
وأنا… عمري ما بخسر.
سيف يفتح باب غرفته بحدة.
سيف
(بصوت صارم):
اخرجي… قبل ما أفقد أعصابي.
وما ترجعليش هنا تاني… عشان أخويا، أنا ساكت.
بس لو فاض بيّا… مش هرحمك.
هايدي تغادر ببطء، نظرة شر تحرق وجهها… الباب يُغلق بقوة خلفها، وسيف يقف مكانه يتنفس بعمق، ثم يتمتم في نفسه:
سيف:
اللي جاي هيكون نار… نار ليكي يا هايدي… ونوال… وحسام.
بس أنتي… أول واحدة هتتحرقي.
سيف، يفتح النافذة، يطلّ على ظلام الليل، ثم يعود ليغلقها بهدوء… لكن عينيه بقيتا مشتعلة.
بعد لحظات
تفتح هايدي الباب بعنف وتدخله بقوة، تنزع أقراطها بعصبية وترمي هاتفها على الأرض.
وجهها مشوّه بالغضب، وشفتاها ترتجفان من القهر.
مازن، الذي كان جالسًا على السرير يقرأ ملفًا طبياً، ينتبه لعودتها، يضع الملف جانبًا بسرعة ويقف.
مازن
(بقلق وطيبة):
هايدي؟ مالك يا حبيبتي؟ شكلك متضايقة… حصل حاجة؟
حد زعلك؟ قوليلي مين وأنا أروحله فوراً.
هايدي لا ترد، بل تبدأ في فك عقدة شعرها بعنف، تدور حول الغرفة كأنها عاصفة.
مازن
(يقترب منها):
هايدي… أنا قلقان عليكي… كلميّني، بالله عليكي!
هايدي تستدير فجأة، تنظر إليه بنظرة باردة مليئة بالاحتقار.
هايدي
(بصوت حاد):
سيبني فحالي يا مازن!
إنت آخر واحد ممكن يفهمني… دايمًا في واد، والدنيا كلها في واد تاني.
مازن
(بهدوء وانكسار):
أنا آسف… بس كنت فاكر إني جوزك… من حقي أقلق عليكي…
هايدي تضحك ضحكة مريرة، ثم تقترب منه خطوة بخبث.
هايدي:
جوز… جوز إيه يا مازن؟
إنت مجرد محطة… فاهم يعني إيه محطة؟
أنت أضعف راجل شفته في حياتي… لا طموح، لا شخصية… حتى مرضك مخليك تمشي ورا الكل زي العيل الصغير.
يتجمد مازن في مكانه، عيناه تمتلئان بالدموع، لكنه يكبتها بصعوبة، ويحاول أن يتمالك نفسه.
مازن
(بصوت مكسور):
هايدي… إنتي بتقولي كده ليه؟
أنا بحبك… وعمري ما خذلتك… حتى لما الناس كلها كانت ضدي، كنتي أنتي أولويتي…
هايدي تدور وجهها عنه ببرود، ثم ترتمي على الفراش بملل.
هايدي
(بصوت ساخر):
حبك ده ما بيشبعنيش…
الحب اللي ما يخلينيش ملكة… ما يسواش عندي قرش.
وصدقني يا مازن… عمري ما كنت ليا قلب أصلاً.
مازن يشعر أن قلبه يُسحق أمامه… يتراجع خطوة، يضع يده على صدره فجأة، وكأن الألم بدأ يظهر… يتنفس ببطء…
مازن
(بهمس):
ربنا يسامحك يا هايدي…
بس في يوم… هتعرفي قيمتي… بس يمكن يكون فات الأوان.
هايدي لا ترد… تغلق عينيها وكأنها تطرده بصمت.
مازن يخرج من الغرفة ببطء، يمر بجوار مرآة، ينظر إلى وجهه فيعجز عن التعرف عليه… يهمس في داخله:
مازن
(بداخله):
إزاي قلبي اختارك… وإزاي مفيش حد شاف حقيقتك قبلي…
وجه مازن مُتعب ومجروح، يسير في الممر المظلم نحو الشرفة… وحده… مريض… ومخدوع.
في الحديقة الخلفية
ضوء القمر ينساب فوق أوراق الشجر، نسمة ليل خفيفة تهبّ على الحديقة، والهدوء يعمّ المكان…
يخرج مازن من باب الفيلا الخلفي، متثاقلاً، حزيناً، عيونه زائغة، وجهه شاحب، يتوجه إلى الأرجوحة الحديدية ويجلس عليها بصمت، يدفن وجهه بين يديه…
لحظات… ثم يظهر في المشهد السيدة هدى، والدته، ترتدي عباءة بيت ناعمة ومعطف خفيف، كانت قد خرجت لشرب الماء لكنها رأت نور الحديقة مضاءً من بعيد، فقلقت.
تقترب بخطى بطيئة… تقف خلفه للحظة، ثم تتحدث بصوت ناعم يشبه النسيم.
هدى
(بهدوء وقلق):
مازن… حبيبي…
إنت كويس؟ لقيت النور منور قلت أشوف مين صاحي لهالساعة…
يرفع مازن رأسه ببطء، يمسح وجهه بسرعة كأنه لا يريد أن تُلاحظ دموعه.
مازن
(متصنعًا الابتسامة):
ماما؟ إنتي لسه صاحيه؟
أنا تمام… بس كنت بفكر شوية… ضغط شغل بس.
هدى تقترب، تجلس بجواره، تنظر إليه بنظرات أم تقرأ روح ابنها بلا حاجة للكلمات.
هدى
(بصوت حنون وعين دامعة):
الشغل؟
إنت فاكرني مش شايفا التعب في عيونك؟
يا مازن أنا أمك… وأنا اللي شلتك بإيدي قبل ما تمشي…
قلبك مش بخير، وأنا حاسة بيه.
مازن يحاول التماسك، يبتسم مجددًا لكنه يفشل، ينظر للأرض.
مازن
(بصوت مكسور):
مفيش حاجة يا ماما… صدقيني…
هدى تمسك يده، تضمّها إلى صدرها، وتهمس:
هدى:
أنا عارفة مين اللي مضايقاك…
يمكن إنت مش عايز تقولي… بس قلب الأم عمره ما بيكذب.
يصمت مازن، ثم يهمس:
مازن:
أنا بحبها يا ماما… صدقيني…
يمكن أوقات ما بفهمهاش… بس بحبها… ومش قادر أصدق إنها ممكن تكون سبب ألمي.
هدى تبلع غصتها، تحاول أن لا تفقد صبرها، لكنها تُشفق عليه كثيرًا.
هدى
(بحزم ناعم):
يا مازن، مش كل حب لازم يكون متبادل…
ومش كل الناس بتستحق القلب اللي بنهديه.
مازن ينهض من مكانه ببطء، ينظر لها نظرة ممتنة، يحاول أن يبتسم مجددًا.
مازن:
ما تقلقيش عليا يا ماما… أنا قوي…
وهقوم من أي حاجة.
هدى تنهض وتضع يدها على كتفه:
هدى:
وأنا وراك دايمًا يا ضناي…
بس أوعدني… لو وجعك زاد، تيجي تحكيلي… مش تفضل تنزف لوحدك.
مازن يهز رأسه بالإيجاب، ثم يبتسم أخيرًا ابتسامة صغيرة صادقة.
هدى تنظر له بحنان، ثم تستدير لتعود للمنزل، وقبل أن تختفي تهمس لنفسها:
هدى
(بغضب مكتوم):
يا هايدي… والله لتندمي على كل دمعة نزلتها من عين ابني.
المشهد يُغلق على مازن وهو يرفع رأسه للسماء، يغمض عينيه بضع لحظات… ثم يهمس:
مازن:
يا رب… افتحلي بصيرتي قبل ما أخسر كل شيء.
بعد كام يوم
أشعة الشمس تنساب من النوافذ الواسعة، وتداعب ستائر غرفة الطعام الفاخرة، على الطاولة تجلس سيلين بملابس صباحية أنيقة، وإلى جانبها تجلس تاليا الصغيرة ترتدي زي الحضانة الجديد بلون وردي فاتح، شعرها مربوط بذيل حصانين، ووجهها يشرق بالسعادة.
أمامهما طبق فطائر صغيرة، وعصير برتقال، وكوب حليب ساخن.
في الخلفية، تتحرك الدادة أمينة بهدوء وهي تراقب المشهد بعينين دامعتين دون أن تتحدث.
تاليا
(بفرح طفولي):
مامااا، شوفي شو حلوة شنطتي! فيها قلوب!
وودا كمان القلم البنفسجي، هو المفضل عندي! 😍
سيلين تبتسم بحنان، وتقبل رأسها:
سيلين:
وإنتِ أحلى من أي شنطة يا قلبي…
عارفة؟ أول يوم في الحضانة ده بداية حكايتك الجديدة، ومش هخلي حد يأذيك تاني… وعد مني.
تاليا تضحك ضحكة صغيرة وتميل على والدتها:
تاليا:
أنا بحبك ماما… كتير كتير ❤️
سيلين تغصّ بلقمتها، وتحاول كتم دموعها، لكنها تنظر لأمينة، التي ما زالت واقفة بصمت بجوار الطاولة.
سيلين
(بصوت منخفض إلى أمينة):
تخيلي… بنتي… بنتي اللي أنا جبتها للدنيا ما خرجتش من باب شقة خمس سنين!
ولا حتى شمّت ريحة شمس…!
أمينة تمسح دمعتها سريعًا وتجلس بجانب تاليا، تمسح على شعرها:
أمينة:
ربنا ياخد حقك يا سيلين… ويجعل أيامكم كلها فرح من النهاردة…
دي ملاك صغير، ربنا ما يكتبلكم غير السعادة.
تاليا تنظر إلى أمينة ببراءة:
تاليا:
أنتي تيتا؟
أمينة
(تضحك بحنان):
أنا أي حاجة تحبيها يا روحي… جدة؟ خالة؟ أمينة؟ اختاري 😄
سيلين تنظر إليهما وتضحك للمرة الأولى من قلبها.
سيلين:
جدتها الروحية… وشاهدة على كل لحظة من حياتي… يا رب تكوني شاهدة على فرحتي كمان، مش بس أوجاعي.
تنهض سيلين وتربت على رأس تاليا بلطف.
سيلين:
يللا يا نجمة حياتي… هنوصلك النهاردة بنفسنا، ومش هسيبك لحظة…
والحضانة دي؟ هتبقي مملكتك الجديدة!
تاليا تقفز من على الكرسي بسعادة.
تاليا:
ماما… هنعمل شعرنا ضفاير؟ زي الأميرات؟
سيلين
(تضحك):
ضفاير وقلوب وفراشات كمان… إنتِ تستاهلي كل حاجة حلوة يا تاليا.
في شركة البحيري
سيف
(بيبص على الورقة اللي سيلين حطتها قدامه):
قضية حضانة؟… كنت متوقع إنهم يتحركوا، بس مش بالسرعة دي.
سيلين
(بهدوء مخيف):
السرعة دي سلاح الجبناء يا سيف… اللي بيخافوا يواجهوا.
تتخيّل؟ بعد كل اللي عملوه… عايزيني أطلع أم مش صالحة؟
وهما يعني؟ ملائكة؟!
سيف
(بيبصلها بإعجاب وقلق في نفس الوقت):
لو القاضي شاف سيلين اللي أنا شايفها… مش هيتردد لحظة.
الباب بيتفتح فجأة، ويدخل إيهاب مبتسم ومتحمس.
إيهاب
(بحماس وضحكة عريضة):
آسف على المقاطعة… بس جتلي فكرة مجنونة!
سيلين
(رافعه حاجبها):
فكرة مجنونة؟ يعني شبه أفكار نوال؟
إيهاب
(بيضحك):
لأ، دي العكس تمامًا.
الفكرة ممكن تولّعهم قبل حتى ما يدخلوا المحكمة.
لو عايزة تكسبى الحضانة… بطريقة نضيفة…
تتجوزي سيف.
لحظة صمت تقيلة تملأ القُوضة.
سيف
(مندهش وعدّل قعدته):
إيهاب؟!
سيلين
(بحدة):
أنا؟ أتجوز؟
بعد اللي حصل ده كله؟!
إيهاب
(قرب منها وقعد قدامها بثقة):
اسمعيني للآخر…
قاضي الأسرة دايمًا بيبص على استقرار الطفل…
أب، أم، بيت آمن، دخل ثابت، سمعة كويسة…
وسيف؟ كل ده وأكتر كمان.
وإنتِ؟ أم عظيمة، بس الماضي اللي لفّقوه ليكي ممكن يهزّ المحكمة.
سيف
(بيبصلها المرة دي بجدية):
أنا مش هضغط عليكي… بس لو ده الحل اللي هيحمي تاليا… أنا موافق.
سيلين
(ضحكت بمرارة):
يعني بعد ما انسجنت ظلم… أتحول لزوجة علشان ورق محكمة؟
لأ يا سيف…
أنا هكسبها بطريقتي… من غير جواز.
إيهاب
(بهدوء):
أنا معاكِ، بس فكري فيها…
مش دايمًا الطريق الصعب هو الحل، خصوصًا لما في طفلة محتاجة حماية.
سيلين تبص من الشباك… ثم تبص على صورة صغيرة لتاليا على موبايلها… حاجة جواها بتتهز.
سيلين
(بهمس):
أنا مش هسيبهم ياخدوها…
حتى لو اضطرّيت أفتح أبواب… عمري ما كنت ناوية ألمسها.
سيف
(يهمس):
وأنا معاكي… للآخر.