تحميل رواية «أقبلني كما أنا» PDF
بقلم فاطمة الزهراء
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
خرج شاب من بيته المتواضع ليبدأ عمله في ورشة إصلاح السيارات. شق طريقه بعزم ليلمح أربعة كلاب جالسين حول شيء ما. ألقى عليهم نظرة بدون اكتراث معتقداً بأنهم يحمون جرائهم الصغيرة، ثم أدار رأسه بعدم تصديق عندما سمع همسات طفل رضيع يصرخ. رمش ذلك الشاب واقترب من الكلاب التي نهضت وبدأت بالنباح عليه كأنها تحمي الصغير منه. ارتد للخلف قليلاً ليرى طفل عاري معلق بالحبل السري خاصته وظاهر على صدره حرق نار. اقترب منه ورهب بيده لكي تبتعد الكلاب. لم يجد منفعة منها سوى النباح عليه. لمح عصا على الأرض، التقطها ثم حركها...
رواية أقبلني كما أنا الفصل الحادي عشر 11 - بقلم فاطمة الزهراء
ما زال يحيى وسيف يرمقون بعضهم بغضب، والوعيد يتطارح ويحلق بين أعينهم. كسر سيف الصمت بالتحدث لابنه:
"مش هتبطل شقاوتك يا بدر خالص.. أنت عارف أنا حصلي إيه في الكام دقيقة اللي بعدت عني؟"
أردف يحيى بنبرة استفزاز:
"وأنت أهبل سايب ابنك اللي مايعرفش ينطق الكلام في وسط الزحمة والشارع عادي كده؟"
كلماته اللاذعة كانت الفتيل التي أشعلت النار ليقول سيف بغضب:
"أنا روحت اشتري بالونة لأبني وهو معايا، بس بعدين اتفاجأت إنه مش موجود. رجعت تاني لقيته معاك.. بيني وبينك ما طمنتِش لما شوفتك شايله."
رمقه يحيى ببرود ثم رد عليه باستفزاز:
"ما تخافش يا دكتور.. اعتبر إني بردهالك لما طهرت الجرح بتاعي.. خلصانة.. بس إنك تدخل في اللي مالكش فيه حسابها تقيل أوي."
قبل سيف ابنه ورفع يده الصغير ليلوح بها:
"قول شكراً لعمو يا بدر."
دفأ يحيى بالحظاظة التي ملفوفة على رسغ بدر، فقرب يحيى كفه وأمسك برسغه وهمس بتنهيدة:
"العفو."
لاحظ سيف بشرود يحيى بحظاظته، ثم استدار ليغادر، ولكن فضوله لم يمنعه من سؤاله، فتوقف وعاود النظر له بتساؤل. قطع يحيى الصمت بسخرية:
"في حاجة تافهة عايز تقولها؟"
دقق سيف النظر بعينه وأردف بشك:
"ليه لما قولت اسم بدر بصيت عليا كأني بننده عليك أنت ومش على ابنك؟"
ربع يحيى ذراعيه بتهكم وقال باستفزاز:
"عشان كنت شايل طفل ما عرفتش اسمه ومستني أبوه أو أمه يجوا ياخدوه، ولما قولت اسم بدر عرفت إن في حد من أهله جه.. فهمت ولا لأ؟"
التفت سيف للخلف عندما سمع صوت زوجته تناديه باسمه بقلق:
"سيف.. أنت لقيت بدر.. طب ليه ما كلمتنيش؟"
ثم توقفت عن الحديث لما رأت يحيى. أعطاه سيف ابنه وأردف بسخرية:
"مش هتصدقي بدر كان قاعد مع مين؟ مع يحيى!!"
أصبحت نبرة صوته إلى الهدوء وحدثها بهمس:
"امشي أنتِ وبدر يا سوزان واستنوني في العربية.. دقيقتين وجاي."
أومأت رأسها له وغادرت من أمامهم. فتابع سيف الحديث بتساؤل:
"ها يا يحيى.. مش أنت اسمك يحيى برضو.. بص أحنا كرجالة بنحب اللف والدوران."
تراجع يحيى للخلف وجلس فوق سيارته وأردف بسخرية ممزوجة باستفزاز:
"والله أنا راجل وبقولك أهو مابحبش اللف والدوران، شوف أنت بقا تبع مين؟"
جز سيف على أسنانه ثم أمسك بياقة يحيى بغضب وهدر به:
"تحب أوريك مين الراجل دلوقتي؟"
أبعد يحيى يدي سيف ببرود ثم رد عليه بجمود:
"مابحبش أشوف عشان أنا عارف نفسي راجل.. أبعد عني.. أنت بتهلفت بكلام أنا ماعرفش عنه حاجة وعاوز كمان تضربني.. حل عني يا دكتور لأحسن أخرب بيتك قبل أوانه."
لم يهدأ سيف بل اشتعل غضباً من توبيخه، فانقض عليه بحدة. لم يدعه يحيى يكمل، فأمسكه ودخل به بزقاق ضيق وبدأوا بالشجار. هتف يحيى بحدة:
"أنت اللي جبته لنفسك.. استحمل الضرب بقى."
دافعه سيف بعنف ثم رد عليه باستخفاف:
"ماتشغلش بالك، أنا الضرب واخد عليه من وأنا عيل في الملجأ."
توقف يحيى بصدمة كبيرة. كان سيسدد سيف له لكمة، ولكن تفاداها فوقعوا الثنائي على الأرض بتعب. فلكز سيف يحيى على يده وبادلها له يحيى.
أخذ كل منهم باللهاث والتقاط أنفاسهم. نهض سيف ثم مد يده ليحيى، فألتقطت كفه وأحكم بها ونهض هو الآخر.
أجلس يحيى على الرصيف وسأله بجمود:
"ملجأ إيه اللي كنت بتتضرب فيه؟"
جلس سيف بجواره ثم وضع قبضته على وجنته وأردف بحزن:
"أبويا وأمي ماتوا وسابوني وحيد. عمي بدل ما ياخدني في حضنه رماني في الملجأ وخد فلوس أبويا كلها.. اتعرفت هناك على صاحبي بدر الدين، كان بالنسبالي أخويا وصاحبي بس.."
نظر سيف بوجه يحيى ودقق به النظر وقال بجدية:
"كانت عيونه رمادية وكان فيه آثار لحرق نار في صدره زيك بالظبط.. بس أنت اسمك يحيى القاضي وهو بدر الدين طه محمود."
تابع يحيى بنبرة تساؤل:
"ما اتقابلتوش تاني؟"
هز سيف رأسه بالنفي وأردف بأسى:
"بعد ما عيلتي اتكفلت بيا روحتله مرتين في الدار بس قالولي إنه هرب.. يارب تكون عيلة اتكفلت بيه زيي أنا."
نظر له يحيى وقال بجدية قاتمة:
"مش يمكن مات؟"
تنهد سيف بحزن ورفع بصره للأعلى وردد بدعاء:
"لأ.. بدر عايش وفي يوم من الأيام هنتقابل أنا متأكد من كده.. أتمناله إنه يعيش حياة جميلة أوي لأنه تعب وشال الهم وهو صغير والصدمات اللي حصلتله."
نهض يحيى ونفض ثيابه ثم سأله مرة أخيرة:
"أنا همشي."
اعتدل سيف ونظر له مرة أخيرة ثم غادر من أمامه. وفي داخله شك، استقل يحيى سيارته وغير مساره لطريق آخر ثم هاتف فارس بأن يذهب هو لأخذ النتائج من المعمل. حينما وصل يحيى للمكان الذي يذهب إليه صف سيارته بعيداً وقرر السير. اصطدم برجل وقور برفقة زوجته. أردف الرجل بنبرة هدوء:
"معلش يا بني أعذرني."
رد يحيى بنبرة اقتضاب:
"العفو يا حج."
واصل يحيى سيره إلى أن توقف بالمكان وجثى قليلاً وبدأ بالشرود.
عند مكية التي تعرفت على بعض الفتيات، بينما هي جالسة بجوار تسنيم وماريا، لاحظت مكية ارتداء ماريا قلادة والظاهر أنها من الذهب فسألتها:
"السلسلة دي دهب؟"
أومأت ماريا رأسها وقالت بجدية:
"آه."
تابعت مكية الحديث بحيرة:
"يا بنتي مش خايفة تتسرق؟"
ابتسمت ماريا وردت بنبرة هادئة بشوشة:
"لأ مش خايفة، دي بتحفظني من كل شر ومن كل خطيئة وبتقربني من ربنا.. ماما وبابا كانوا كل ما بيخلفوا بيجيبوا سلسلة زيها دهب ويكتبوا عليها اسمهم ألكسندر وڤيكتوريا."
سألتها تسنيم بهدوء:
"أنتي معاكي أخوات تانية؟"
أومأت ماريا رأسها وقالت بجدية:
"أكبر واحد اسمه جايدن وبعدين رفاييل وأنا آخر العنقود سكر معقود.. كان معانا أخ تاني بس مات وهو صغير. وانتو بقا؟"
تنهدت مكية قائلة وهي مبتسمة:
"أحنا إمبراطورية "م" أنا الكبيرة وأختي التانية اسمها مريم والصغيرة مودة.. هي ماما من الاسكندريه وكنت باجي في الإجازة لغاية ما استقريت هنا."
تابعت تسنيم بهدوء وباختصار:
"أنا وحيدة.. وعشان مكية صحبتي جيت معاها وسكنت مع عمي بس كده."
ظلوا يتحدثن بحبور ثم استكملوا دراستهن إلى أن انتهت وتوجهت كل فتاة إلى منزلها.
بالطابق الخامس من العمارة، بعد أن وصل يحيى نام ساعتين محاولاً الفرار من الواقع المرير. استيقظ وتلقائياً توجه لفتح بلكونته عاري القدمين لتلمس أصابعه قدمه بشيء. أخفض بصره ليتفاجأ ويصرخ بتهكم:
"لأ كده كتير يا مكية."
ثم رفع وجهه للأعلى فوجد ملابس معلقة وبالقرب من الحائط. وقعت فوق رأسه قطعة أمسكها وألقاها بالأرض وتوجه إلى باب الشقة. وعندما فتحه وجد مكية واضعة أذنها عليه. ارتبكت وتراجعت للخلف. رمقه بحدة وأردف بحنق:
"أنا ما طلبتش منك تلمعي أوكر.. وكويس إني لقيتك في وشي.. تعالي لمي ال..."
توقف عن نطق الجملة ثم سحبها من ياقاتها فهتفت بغيظ:
"ابعد كده انت ازاي آآ..."
أدخلها الغرفة فتوقفت مكية وصاحت بنفاذ صبر:
"عيب كده انت تدخلني أوضتك.. أنا خارجة."
واستدارت لتغادر ولكن أمسكها من ياقاتها مجدداً وأعادها ونظر بوجهها بسخرية:
"مش قبل ما تاخدي.. ال... الهدوم اللي بتقع من فوق."
أدركت مكية كلامه وتحدثت بابتسامة:
"آآآآه افتكرت.. طب كنت جبتهالي مالهاش لازمة الدخلة دي، أنا هجيبها من البلكونة."
دخلت مكية للبلكونة ونظرت للأرض بملل، ولكن شهقت من الصدمة عند رؤيتها القطعة الملقية على الأرض وهتفت بإنكار:
"إيه ده.. إيه ده.. يا نهار أسود انتوا جيتوا هنا إزاي؟"
تمدد يحيى على الفراش ونظر للسقف محدثاً إياها بسخرية:
"انشري هدومك كويس واصلاً الحاجات دي ما تتعلقش في البلكونة."
وضعت مكية ملابسها داخل حقيبتها وخرجت بخجل ولم تردف كلمة. أسرع يحيى بالأمساك بمعصمها وقال بلهجة جادة:
"الساعة أربعة العصر هتروحي مشتل الورد بتاعي."
ابتسمت مكية وأردفت بسرعة:
"أنت عندك مشتل ورد؟"
حك على ذقنه ومرر أصابع يده في خصلات شعره وهمس بنفاذ صبر:
"تقريباً بيقولوا كده... انتي شكلك هتتعبيني انت وغبائك ده.. بعد ما توصلي هتسقي الورد كله."
لوت مكية فمها بشرود وقالت بتفكير:
"طب هقول لأهلي إيه؟ الكورس خلص."
رفع يحيى يديه للأعلى ثم استأنف مقلداً لها:
"الاتفاق اتفاق يا دكتور وأنا أوعدك هنفذه.. اتصرفي مش مشكلتي."
فتح أحد أدراجه ومد أصابعه بمفتاح فتكلمت بسرعة:
"انت كل شوية هتديني مفتاح شكل.. ومفتاح إيه ده؟"
أمسك كفها ووضعه به ليقول ببرود:
"مفتاح المشتل يا بازوريكسيا."
هتفت مكية بفضول ممزوج بغيظ:
"مين بازوريكسيا اللي بتقولهالي كل شوية.. طب أنا ماعرفش العنوان."
ابتسم يحيى بسخرية وأخرج ورقة مدون عليها العنوان وسخر منها:
"معلش انتي ممنوعة تشغلي نت الشهر ده.. فكتبتهولك على ورقة.. سلام يا مكية."
ضربت بقدميها على الأرض ثم خرجت من الشقة بغضب مغلف بحرج، لم تعرف ما السبب الذي يجعلها مبتسمة عند الحديث مع يحيى رغماً عن ذلك، فإنه مستفز ويأمرها ودائم إحراجها. صعدت للطابق الأعلى وفتحت شقتها ثم جلست بجوار والدتها.
سألتها هالة بهدوء:
"إيه أخبار الكلية؟"
ابتسمت مكية عندما تذكرت الاحتفال بها فقالت بابتهاج:
"ما تتخيليش يا ماما الناس قابلتني إزاي، اللي يتصور معايا واللي يتخانق عشان يقعد جنبي حاجة جميلة وأتعرفت على ماريا."
كانت مودة تستمع لها فخرجت من غرفتها وجلست بجوارهن قائلة ببطء:
"شــــــــفـــــــــقــــــــــة مش أكتر."
ردت عليها مكية باستفزاز:
"بيتلموا عليا زي النمل عشان ياخدوا صورة.. عارفة انتي لو قولتي لزمايلك إنك أختي هيتهبلوا واحتمال تكوني مشهورة زيي."
جزت مودة على أسنانها بحقد ثم نطقت بغيرة:
"مين دي أنا؟؟ أقول إني أختك! انتي عاوزة أصحابي يبعدوا عني.. يا مكية افهمي انتي غوريلا وحشة."
للتلك اللحظة تحطمت مكية فشقيقتها تعلم بأن النعت هذا يغضبها. أكملت مكية الحديث باستفزاز مصطنع:
"الغوريلا دي عندها فانز كتيييير أوي بتتلم تحت رجلها عشان ابتسم في وشها، إنما الدور والباقي على اللي فاكرة نفسها مهمة لكن ما تسواش بصلة."
نهضت مودة وقالت بوعيد:
"أنا هوريكي أنا مين."
أردفت هالة بحدة:
"انتوا الاتنين ماتربيتوش.. مش هاممكم حد."
وقفت مكية وقالت بجفاء:
"أنا هاخد شاور عشان خارجة."
صاحت هالة بغضب:
"أنتي يا بت ماسمعتيش أبوكي قالك إيه آخر مرة؟"
أكملت مكية سيرها وغمغمت بضيق:
"مش عاوزة أقعد في البيت ده وهخرج يعني هخرج."
بداخل غرفة مودة فتحت الهاتف الذكي خاصتها وهمست بوعيد:
"والله لفضحك يا مكية وأخلي الناس اللي بتقولي عليهم فانز يشتموكي."
بمكان آخر كان لطفي جالس بجانب شيبوب ثم أكمل حديثه بغضب:
"بقولك عرف إن أنا اللي بدخل المواد المسرطنة في المزارع وطردني."
أجابه شيبوب بحدة:
"وأنا أعملك إيه؟"
نفث لطفي سيجارته ثم أردف بمكر:
"أنا بتفكر معاك بكلمتين، أنت تسمع لكن ماتعملش.. سيبلي الشغل ليا أنا.. أنا هقتل عاصم وأسجن يحيى هلبسها فيه إنه هو قتل أبوه عشان الورث."
رمقه شيبوب بابتسامة شيطانية:
"أنت إبليس يقوملك ويقولك اقعد مكاني، القتل بالنسبالك صباح الخير."
نظر لطفي للأمام بشرود فتحدث بحقد:
"أنا قتلت زمان وهقتل دلوقتي عادي جدا."
استعدت مكية للذهاب إلى المشتل الذي أمرها به يحيى رغم اعتراض والدتها إلا أنها ذهبت. وعند وصولها ترجلت من سيارة الأجرة، كانت عبارة عن منطقة ليس بها سوى جدار كبير يحيط حول نفسه.
تسلل الخوف إليها ثم سارت إلى المبنى الكبير، كانت البوابة مفتوحة. دلفت لتجد مبنى زجاجي محتوي على الزهور المثيرة العطرة. فتحت الباب ودلفت.
تفاجأت بالمنظر الخلاب الجميل. اقتربت من الزهور التي بوجهها وهمت بقطف واحدة، ولكن صوت يحيى منعها:
"ابعدي عن الأڤندر."
شهقت مكية بفزع وأستدارت بجسدها فرأته ممدد على أريكة منقوشة بالزهور. عادت إليه وسألته:
"أنت هنا من امتى؟"
رد عليها وهو شارد بالسقف:
"من زمااان.. يلا بقا شوفي شغلك."
أومأت برأسها ثم أخرجت من حقيبتها هاتفها وقالت بتوسل:
"من فضلك آخد صورة مع الورد ومش هنزلها على النت.. بس هاخد صورة أنا بحب الورد جدا."
نهض يحيى وأقترب من مجموعة من الزهور وأردف بسخرية:
"تعالي اتصوري جنب زهور النرجس يا بازوريكسيا."
تذكرت أول محاضرة لها وعن تحدثه عن مرض النرجسية، فأبتسمت باصطناع:
"ولا بلاش أنا عاوزة أخلص اللي ورايا عشان أروح."
بادرت مكية بري الزهور بحرص تحت إشراف يحيى إلى أن انتهت بسعادة. جلست بتعب:
"أنا تعبت أوي مش ممكن."
ثم همست لنفسها بوهن:
"وكمان أنا جعانة أوي."
أصغى يحيى إليها فقال بسخرية:
"عاوزة تاكلي إيه؟"
تنهدت مكية بنهم ثم لبت سؤاله بتلقائية:
"كريب."
تابع يحيى توبيخه الساخر لها:
"أنتي بيئة بصراحة يعني شياكة ورود حوالينا والجو رومانسي وتقوليلي عاوزة أكل كريب.. يعني أحنا لازم ناكل حاجة مش أقل من فتة كوارع وكرشة."
امتعض وجه مكية ثم أردفت بتقزز:
"يععع."
اقترب يحيى من الطاولة ثم أخذ علبة بسكويت وألقاه بحجر مكية قائلاً بحنق:
"مافيش غير بسكريم.. أجبلك من فين كريب؟.. انتي ناسيه إنك انتي اللي بتخدميني مش أنا."
التقطتها منه بامتنان ثم فتحتها ومدت له بابتسامة:
"اتفضل."
أمسك يحيى بهاتفه ورفض وهو ينظر بالهاتف:
"مش عاوز."
ابتسمت له مكية ثم سمعت رنين هاتفها وقالت بعزم:
"هاكلها في الطريق.. أنا دلوقتي همشي."
فتحت حقيبتها وأفرغت محتوياتها على الطاولة وأغلقت الهاتف لتعود وتضعهم. أمسك يحيى بميدالية مفاتيحها وقال بسخرية:
"لسة طلباتي ماخلصتهاش."
اعتذرت مكية بأسف:
"معلش غصب عني بكرة هعملك كل اللي عاوزه.. هات المفاتيح عشان أمشي."
يهز يحيى رأسه بنفي. فكررت السؤال بقلق ممزوج بتحذير:
"يحيى.. هات الميدالية."
ظل ناظر إليها بسخرية على حديثها، فمن هي لتقرر الذهاب وقتما تشاء. همس ببرود:
"وأنا قولت لأ."
اقتربت منه وحاولت أخذ المفاتيح ولكن كان الأسرع بحذفها خارج المشتل. حدثته بغيظ وكانت ستبكي:
"عاجبك كده.. أنا عاوزة المفاتيح بتاعتي."
خرج يحيى من المشتل وهو يكبت ضحكه لتتبعه. أنحنى يحيى يحسس على الأرض خصوصاً والظلام بدأ بالاستيقاظ. فعلت مثله مكية ولكن بجزء بعيد عنه نسبياً لتقول بسخرية:
"عاجبك كده أهو أنا هبات هنا.. شكراً ليك."
هتف بها باستفزاز:
"دوري كويس بس وحاسبي لاحسن عقرب ولا تعبان يقرصك."
قفزت مكية ونهضت لتقول بخوف:
"أنت بتهزر صح؟"
قبل أن يرد عليها سمعوا نباح للكلاب لتشهق مكية وتنطق بخوف:
"آآ.. هو في كلاب هنا."
ابتسم يحيى بلؤم فقال مسايراً لها لكي تخاف:
"في كلاب كتيييرة جدا .. وبيعرفوا يدخلوا للمشتل."
أسرعت نبضات قلب مكية فأردفت بخوف بعد أن شعرت بأن أقدامها لن تحملها:
"طب يلا نمشي من هنا."
تابع يحيى حديثه بنبرة مخيفة لإفزاعها:
"مش هنعرف نخرج... الكلاب زمانها قاعدة برا قدام البوابة وبتفكر تدخل هنا إزاي عشان تاكلنا وتفترسنا وآآ."
وقعت مكية مغشياً عليها فوق الأرض.
رواية أقبلني كما أنا الفصل الثاني عشر 12 - بقلم فاطمة الزهراء
جثى يحيى على ركبتيه ووضع رأس مكية على فخذيه وضرب بكف يده برفق على وجنتها، لكنها لم تفق.
ضغط يحيى على رسغها وقال بسخرية: "فوقي.. أنا مش دكتور عشان أعرف أفوقك."
حمل يحيى مكية على ذراعيه ودلف بها لداخل المشتل، ثم وضعها على الأريكة وفرك في رأسه. عاود ضرب وجنتها ولكن بعنف، ثم اقترب من دلو ساقية الزرع وجاء بها، ثم سكب الماء فوق رأسها.
في غضون ثوانٍ، شهقت مكية وقالت بفزع: "لأ لأ.. أنا بخاف من الكلاب."
جلس يحيى على الطاولة ثم حدق بها قائلاً بهدوء: "أنا ما قصدتش أخوفك من الكلاب.. ماكنتش أعرف إنك بتخافي منهم للدرجادي."
اعتدلت مكية ولفت ذراعيها حول صدرها فقالت بخوف: "أنا عاوزة أمشي.. بس كيف؟ ده الكلاب برا وممكن..."
قاطعها يحيى بنبرة جمود: "ما هتعملش حاجة.. عشان هي بعيدة.. مفاتيحك بكرة هجبهالك.. أنا دلوقتي هوصلك.. يلا."
نهضت مكية ورجفة بسيطة حركت جسدها ولكن لم تبالي. ألقى يحيى عليها الجاكت الجلدي خاصته على وجهها، بينما رفضت في نبرة صوتها: "شكراً أنا مش بردانة."
رمقها بتهكم ثم أردف بسخرية: "ما جتش عليه.. فيه اتنين قبل كده خدتيهم وما جبتهُمش.. بسرعة عشان أوصلك."
ابتسمت مكية ثم ارتدت الجاكت وتحركت خلفه. أغلق يحيى المشتل، ثم قبل خروجه من أمام البوابة الكبيرة، تشبثت به مكية بخوف. فطمأنها: "ما تخافيش."
اقترب من السيارة ثم فتحها ودلفت هي وهو خلفها وتحرك بها. في الطريق، كان بداخل مكية فرح لا يوصف. كانت تود إخباره بشيء ولكن خافت بأن يرفض. حسمت أمرها وقالت بتوجس: "هو ممكن أشغل النت عشان أذاكر عليه؟"
نظر لها بطرف عينه وأردف بتأكيد: "على أساس إنك ما فتحتوش؟"
هزت مكية رأسها ثم هتفت بصدق: "والله العظيم ما فتحتهوش. أنا عند وعدي.. بس.. بس عاوزة أذاكر عليه وفي حاجات مابتستناش لليوم التاني."
أومأ يحيى رأسه ورد عليها بهدوء: "أنا موافق.. أنا ماكنش قصدي إنك تفصلي على النت نهائياً.. أنا مش عاوز أي حاجة تنزليها على النت.. أكلت كذا، خرجت مع صحبتي.. أو أي مشكلة ليا وأسراري كلها على النت. هو ده اللي أنا قصده.. وأنتي حرة."
تنهدت مكية بابتسامة راضية واستطردت حديثها بهدوء: "أنا هشغل النت بس أوعدك ماهنزلش حاجة خالص عليه وكمان هكمل الشهر خدمة ليك."
لوى يحيى فمه وأجابها بنبرة تهكم: "طبعاً لازم تقولي كده.. عشان تهربي من مذاكرتك وجامعتك وأنا اللي ألبسها في الأخر."
كزت مكية على أسنانها بغيظ ثم هتفت بحدة خفيفة: "على فكرة أنا شاطرة."
كبس يحيى على الفرامل وقال بتنهيدة اقتضاب: "وصلنا.. انزلي."
قبل أن تفتح الباب، سألته بفضول: "أنت مش هتنزل؟"
نظر في ساعة يده وقال بجمود: "لأ.. هبات في الڤيلا."
أغلقت مكية الباب خلفها بهدوء وصعدت درجات السلم. قبل دخولها لمدخل العمارة، نظرت له لتجده في سيارته يعبث بهاتفه. شردت، ماذا ستقول لأهلها على هذا الجاكت ومن أين جلبته. حاولت خلعه وهي تبادر بالنزول ولكن تعثرت وطرحت على درجات السلم.
ألقى يحيى نظرة وأعاد رأسه مجدداً. وبسرعة فائقة، أرجعها وخرج من سيارته بسرعة يهرول لها. كانت تتألم من رسغها. انحنى إليها وسألها بقلق: "انتي كويسة؟ إيه اللي بيوجعك؟"
حاولت مكية السيطرة على نفسها ومنعها من البكاء فقالت بألم: "آآآآي.. آآآه إيدي وجعتني أوي."
أمسكها من كتفها ليعدلها بحرص شديد فتابع سؤاله بقلق: "تعالي هنروح لدكتور؟"
هزت رأسها بنفي وردت بهدوء حزين: "مش للدرجادي.. أنا كويسة والله.. هي بس إيدي اللي وجعتني عشان حملت عليها.. بس مش محتاجة دكتور.. شكراً ليك."
تابع إمساكها لتنهض على قدميها. ابتسمت له بخفوت: "شكراً.. أنا هطلع فوق.. اتفضل أنت عشان ماتتأخرش."
أحكمت إمساك رسغها بيدها الأخرى وصعدت درجات السلم. لمح يحيى الجاكت الملقي على الأرض، حمله وأسرع بالصعود ووضعه على كتفها. نظرت له بدهشة.
مط يحيى شفتيه بلامبالاة ونزل من السلم. ظهرت ابتسامة خافتة على وجهها وأكملت طريقها ثم دخلت بالمصعد.
خرجت مكية من المصعد وضغطت على زر الجرس. فتحت لها مريم، صدمت من هيئتها فسألتها: "مال أيدك؟"
دلفت مكية للداخل وقالت بألم: "وقعت تحت على السلم."
كانت والدتها غاضبة من خروجها ولكن عندما رأتها أكملت الحديث بسهد: "مالك يا مكية؟ وقعتي إزاي؟ وإيدك وجعاكي؟"
جلست مكية على المقعد وأجابت والدتها بهدوء: "وجعاني ومش قادرة أحركها."
هدأتها والدتها وقامت بتدليك رسغها. ثم دلفت لغرفتها وقامت بتغيير ثيابها بصعوبة وتمددت على الفراش ممسكة بالهاتف بيد واحدة ورافعة إياه أمام وجهها.
بالغرفة المجاورة لمكية، ابتسمت مودة بخبث دفين عندما طالعت الحاسوب، ثم أرجعت رأسها للخلف وشبكت أصابعها خلف رقبتها قائلة بوعيد: "كده أنا فضحتك يا مكية وبكرة هتطلعي ترند إنك قلعتي الحجاب عشان الشهرة وأبقي وريني الفانز بتوعك هيعملولك إيه؟"
بمنزل سيف، لم يهنأ عندما شك بيحيى. كيف له أن يتخيل ويحلم ويتحقق الحلم؟ نفخ بضيق ثم همس لنفسه: "مش ممكن.. نفس الحرق اللي شفته أول مرة هو اللي كان في بدر.. والعيون الرمادية.. بس اسمه يحيى.. لو كان صاحبي أكيد كان اتعرف عليا.. أكيد مش هينساني زي ما أنا لسة فاكره وبحبه."
تنهد بصوت مسموع لتستيقظ سوزان من نومها وأردفت بصوت نائم: "في إيه يا سيف؟ أنت مش جايلك نوم؟"
أحتضنها ووضع رأسها على صدره ثم قبلها وقال بابتسامة: "نامي يا حبيبتي أنا هنام."
نظر للسقف بشرود وتذكر موقف معه ومع رفيقه بدر.
*استرجاع الماضي*
بدار الأيتام الذي تربى ونشأ به سيف تحت درجات السلم، المكان المفضل له هو ورفيقه بدر. كان العمال ينظفون الدار ويعملون على ساق وقدم لزيارة ممثلة شهيرة لهم. حاولوا أن يظهروا أمامها بأنهم مهتمين بالأطفال. قامت بالتبرع لهم بعدد لا بأس به وأحضرت الهدايا والألعاب للأطفال. ركض سيف إلى رفيقه بدر الجالس بحزن تحت السلم وقال بابتسامة بشوشة: "يا بدر.. أنت هنا بتعمل إيه.. تعالى معايا بسرعة.. عارف الممثلة اللي شوفناها على التليفزيون امبارح.. موجودة برا وبتوزع لعب كتيرة.. تعالى."
هز رأسه للنفي ونطق بحزن طفولي: "مش عاوز حاجة يا سيف."
لم يعبأ بحديثه ليمسك به وأخرجه، ثم أسرع به للذهاب للممثلة والأطفال يزدادون عليها ليأخذ الألعاب. لاحظت حزنه فأقتربت منه ومدت يدها بسيارة لعبة قائلة بابتسامة: "اتفضل يا حبيبي.. عجبتك ولا أجيبلك كورة؟"
أعادها لها وهو يقول بنبرة أسى: "مش عاوز حاجة."
جلست على الأرض ووضعت بدر على حجرها وهمست بابتسامة: "ليه يا حبيبي مش عاوزة.. ما فيش حاجة عجبتك؟"
تنهد بدر بحزن وأردف بعدم فهم: "يعني إيه أبن حرام؟ اللي ماما علوية ديما بتقولهالي؟"
لرمشت الممثلة بصدمة وحاولت التخفيف عنه لتقول بابتسامة مصطنعة: "ما فيش حاجة اسمها كده يا حبيبي. يلا خد اللعبة دي زي أخواتك."
أبتعد بدر عنها وألقى باللعبة جانباً. همست الممثلة لعلوية بعتاب: "ما ينفعش تعايري طفل في العمر ده بحاجة هو مالوش ذنب فيها."
أستأنفت علوية الكذب كما أعتادت وقالت بنبرة مصطنعة: "ده أنا زي أمه وأكتر. هو اللي بيسمع كلام العيال ويصدق."
بعد إهداء الأطفال اللعب والهدايا، ذهبت الممثلة من الدار وهي تشدد بالتوصية عليهم. ما أن تأكدوا بذهابها واختفائها، ظهرت الأشكال المروعة لهم.
صرخت علوية بغضب ممزوج بوعيد: "بدر الدين والله ما حد هينجدك مني."
سارت بالرواق وهي متأكدة بأنها ستجده أسفل السلم. هتفت بوعيد: "تعالى هنا يا قليل الأدب."
اقترب منها وأردف بضيق: "عاوزة إيه؟"
صفعته علوية على وجنته ليختل توازنه ويقع. ساعده سيف بالنهوض وقال بحدة صغيرة: "مالكيش دعوة بيه.. أنت ست ظالمة."
دفعت علوية سيف وأبعدته عن بدر لتقبض على فكه وصاحت بوعيد: "بتفتن عليا قدام الناس."
جاهد بأبعاد نفسه ولكنه فشل فهتف ببكاء: "أنا عاوز أمشي من هنا.. أنتي بتقولي إن أبويا وأمي عايشين.. كلميهم عشان ييجوا ياخدوني من هنا."
دفعت علوية بأقصى قوتها بدر على الأرض أمام الأطفال الخائفة ثم أكملت حديثها بعصبية: "يا غبي افهم.. أبوك وأمك فعلاً عايشين بس مش عاوزينك. انت كنت بالنسبالهم غلطة عشان كده كانوا عاوزين يقتلوك.. عارف حرق النار اللي في صدرك ده سببه أبوك وأمك.. الكلاب اللي حمتك زمان ودفيتك من البرد أحن عليك من أبوك وأمك.. فهم مش عاوزينك لأنك كنت عار عليهم.. عارف يعني إيه أبن حرام؟ أنت اسمك بدر الدين طه محمود وأسم أمك فاطمة في شهادة ميلادك.. لكن الحقيقة أبوك وأمك ماسمهمش طه وفاطمة دي مجرد أسماء."
ثم زادت من نبرة صوتها باستخفاف: "يا عيال ده أبن حرام."
ثم دلفت لداخل مكتبها. أكمل الأطفال الهتاف والمشاورة على بدر: "أنت أبن حرام."
ركض بدر من أمامهم والأطفال خلفه يرددون ذلك النعت الذي يكرهه. لحق به سيف وأبعد عنه الأطفال، ثم جلس بدر على الأرضية الصلبة وأخذ يبكي. ربت سيف على كتفه فتابع بدر الحديث بحزن: "أنا ليه أكون ابن حرام.. أنا كنــ..."
كـلم يكمل جملته وسارع بالأرتعاش بجسده وظل يردد بهستيرية: "أنا مش ابن حرام.. مش ابن حرام."
ألتقط سيف بأيدي بدر ولكن تشنجت أعصابه مرة واحدة محاولا أن يجعلها تتحرك. في النهاية، أستكان بدر وأغشى عليه. صرخ سيف بقلق: "بدر..."
انتفض يحيى من على الفراش بفزع. كان وجهه وجسده به العرق. نظر لساعة الحائط كانت الساعة الخامسة صباحاً. أراح رأسه على الوسادة ثم زفر على مهل. أستمر بالتحديق للسقف فنهض فجأة ودلف للحمام.
بشقة التي بها مكية، أستعدت للذهاب. خرجت في كامل أناقتها. خرجت من الشقة وعندما وصلت لمقر الكلية تفاجأت بأن الجميع يرمقونها بسخرية وشماتة. لم تبالي لهم. رأتها تسنيم وسارعت بالركض إليها. أردفت مكية بفضول: "مال وشك يا تسنيم.. ليه كل ما أشوف حد يبصلي بقرف ويضحك عليا؟.. هو أنا لابسة حاجة غلط ولا مكشوف؟!!!"
أجابتها تسنيم بنبرة سريعة: "أنتي ما شفتيش صورك اللي على النت؟ ده انتي دلوقتي ترند."
حدجتها مكية بهدوء ثم ابتسمت قائلة بتباه: "بس أنا بقالي كام يوم ما بفتحش نت.. إيه بقا اللي حصل.. مش معقول يا تسنيم أكيد الناس قلقوا عليا!"
أخرجت تسنيم هاتفه ثم ردت عليها بتوجس: "صورك القديمة اللي بالحجاب اتسربت ودلوقتي الكل بيشتم ويسف عليك."
هتفت مكية بإنكار: "أنتي بتقولي إيه يا تسنيم؟ صوري أنا اتسربت!! طب إزاي؟! وريني الصور كده؟"
أعطت تسنيم لها الهاتف منتظرة رد فعل من مكية لتصيح بغضب: "مين اللي عمل كده؟"
جلست مكية على المقعد الخشبي وبدأت في البكاء ثم قالت: "أنا كده اتفضحت.. الناس كلها بتشتم فيا عاملين نفسهم ملايكة."
ربتت عليها تسنيم وجلست بجوارها وهمست لها: "يا حبيبتي الناس مالهاش غير الكلام والنم والترند هياخدوا له يومين تلاتة بالكتير والناس هتنساه."
اقتربت فتاة معها بالكلية وقالت بشماتة: "الدنيا مظاهر.. انتي مش كفاية إن عندك وحمة في وشك وشكلها وحش لأ كمان بتعصي ربنا وخلعتي الحجاب عشان تتشهري."
لم ترد عليها مكية واستمرت بالبكاء. أكملت تسنيم الحديث بغضب: "مالكيش دعوة."
هدرت بها الفتاة بعصبية: "احترمي نفسك وأنتي بتتكلمي معايا ده أنا عضوة في اتحاد الطلبة مش بتاجر بالحجاب وعملاه لعبة."
ابتعدت عنهن بحقد لتسأل تسنيم رفيقتها بهدوء: "يلا يا مكية عشان نلحق المحاضرة ومالكيش دعوة بكلام الناس."
جففت تسنيم عبرات رفيقتها وأعطت منديل ورقي لها وأمسكت بيدها وتوجهن لداخل القاعة. لم تهنأ مكية من حديث الجميع عليها والسخرية من ترك حجابها بل زاد الأمر بالتنمر على وحمتها. أكملت المحاضرة بصعوبة وعند انتهائها خرجت بحرج شديد حتى أنها خرجت من الجامعة ولم تكمل باقي يومها. ظلت تمشي بحزن على تلك الفضيحة. أوقفت سيارة أجرة لتذهب بها بعيداً.
أمام مشتل (يحيى القاضي)، كانت مكية واقفة أمام البوابة الكبيرة. تنهدت بحزن ثم دلفت للداخل وبحثت عن ميدالية مفاتيحها ولم تجدها. تنهدت بثقل وسارت أمام المشتل لتتفاجأ بميداليتها متدلية أسفل ومفتاح المشتل موضوع بالكالون. همست لنفسها بحزن: "هو لحق يجيبها."
فتحت الباب ودلفت به ثم جلست على الأريكة وحدثت نفسها بأسى: "ليه يا مودة تعملي كده؟ ليه ديما بتحسسيني إني وحشة أوي وما أستاهلش إني أتحب.. الناس اللي النهاردة بتشتمني.. امبارح كانوا بيدعموني."
وضعت رأسها بين كفيها وواصلت بالبكاء عندما تذكرت شيئاً.
*استرجاع للماضي*
في المرحلة الثانوية من عمر مكية، كانت مرتدية الحجاب وفي فترة مراهقتها جالسة بجانب رفيقتها تسنيم مستمعين لشرح المعلم. سأله بعض الأسئلة وأشار لمكية عندما وقفت. همت بالإجابة ولكن قاطعه بفضول: "إيه اللي في وشك ده؟ هو في حد ضربك؟"
ضحك معظم الفصل بسخرية فأوقفهم بحدة: "الكل يسكت."
وجه سؤال أخر لمكية: "سامعك."
أجابته بخجل ممزوج بضيق: "وحمة."
رفع المعلم حاجبيه بدهشة وتابع بفضول: "طب ما تعملي عملية تجميل.. لاحسن توقف حالك.. تفتكري في حد هيتجوزك؟"
ابتسمت مكية باستطناع لكي تخفي حرجها وجلست بجمود. تابع المعلم إلقاء بعض الكلمات عليها ولكن لم ترد عليه، عبراتها مكبوتة بمقلتيها.
*عودة للحاضر*
آجهشت مكية بالبكاء على حالها وعلى التنمر الذي مر بها وأصاب شروخ بقلبها. نهضت وأقتربت من الزهور وهمست لهم: "أنا بكرهكم كلكم."
ثم خرجت من المشتل وأغلقت الباب وتركت المفتاح به وغادرت. كان يحيى يراقبها من خلف الزجاج. بعد تأكده من ذهابها رد بصوت مسموع: "هي محطمة ومكسورة من جوا ورا الغرور والتكبر ده ضعف."
في المساء، دلفت مكية لمنزلها وصاحت بحدة: "مودة.. انتي يا بت."
تسرعت هالة بالخروج وقالت بغضب مماثل: "استني يا مكية أنا عاوزة أعرف مين اللي نشر صورك القديمة على النت."
نظرت لها مكية وعيناها حمراء وقالت بغضب: "اسألي بنتك.. هي اللي سربت الصور.. أنا الناس كلها بتشتمني.. هي فينها الحيوانة دي؟"
خرجت مودة من الغرفة وأصطنعت البرود: "مالك بتجيبي سيرتي في إيه؟ عملتلك إيه.. أنتي اللي غلطانة من يوم ما قلعتي الحجاب."
هدرت مكية بعصبية واضحة: "وأنتي مالك؟ هو ربنا هيحاسبك مكاني!! ولا هتدخلي النار عشاني؟ والله يا مودة ما هرحمك."
ثم انقضت عليها وبدأ الشجار بينهن ومكية هي التي انتصرت. حاولت هالة ومريم تخليص مكية. استفزتها مودة بغضب: "ابعدي عني يا غوريلا."
صفعتها مكية على تلك الكلمة وأكملت صياح: "وأنتي مالك.. إيه اللي يخصك في كده؟ أنا بكرهك يا مودة بكرهكم كلكم ونفسي أبعد من البيت ده.. أنا لما بدخل فيه بحس إني داخلة قبر."
رد عليها أشرف بهدوء قاتم: "وأنتي جاية على نفسك ليه يا مكية؟ ما تمشي أخرجي من البيت."
تحدثت هالة بقلق: "أنت جيت إمتى؟ وليه متعصب؟ ده البنات بيتخانقوا زي أي أخوات."
لم يعير أشرف أي انتباه لزوجته ونظر لابنته بغضب: "أخرجي برا يا مكية وما تجيش هنا تاني.. أنا بحاول أرضي فيكي لكن انتي مصرة إنك تعصبيني وطالما بتكرهينا أنا بقولك أهو أخرجي وأعملي اللي أنتي عاوزاه.. انتي خرجتي عن طوعي من يوم ما قلعتي الحجاب."
أسرعت هالة بالرفض وقالت بقلق: "أنت بتقول إيه يا أشرف؟ إزاي تطردي بنتك من البيت.. أنت فاهم بتقول إيه؟"
صرخ بها بعنف ودفعها من أمامه: "اخرسي.. أنا بكلم الهانم اللي بتقول إنها كرهتنا وعاوزة تمشي.. أخرجي بـــراااا.. جبتيلي العار."
أكملت هالة حديثه بغضب مماثل: "ويعني لو طردتها مش هتكون عار عليك؟"
تنهدت مكية ثم أردفت بجفاء: "أنا لو خرجت يا بابا مش هاجي تاني."
هدر بها بعصبية وكأنه نسي بأنها ابنته: "انتي فاكرة نفسك بتهدديني.. اخرجي بره."
ردت عليه بعنف: "هاخد كتبي وهخرج."
ثم دلفت لغرفتها وأغلقت الباب خلفها بغضب. أردفت مريم بهدوء ممزوج بتوجس: "إزاي يا بابا تطرد مكية دي خناقة بسيطة."
لم يرد عليها ودلف لغرفته. أسرعت هالة باللحاق به. شعرت مودة بالقلق لأنها لم تعرف كل ذلك سيحصل فولجت لغرفتها بسرعة. بينما همت مريم بدخول غرفة أختها، وجدتها تلملم كتبها وتضعها بحقيبة سفر كبيرة. حدثتها مريم بحزن: "استني يا مكية.. ماما بتكلمه."
اقتربت من الدولاب ووضعت حزمة من ثيابها ولم ترد عليها، فبدأت بالبكاء واحتضان شقيقتها. لم تتحمل مكية لتبكي مثل أختها ثم قالت بحزن: "أنتي الوحيدة اللي بحبها في البيت يا مريم.. هبقا أسأل عليكي انتي بس."
أردفت مريم وهي محتضنة أختها: "لا انتي مش هتمشي."
دلف هالة لهن بوجه حزين وقالت لمكية بأسى: "يومين بس يا مكية باتي عند جدك وكل حاجة هتتحل."
أغلقت حقيبتها وردت بجفاء على والدتها: "لأ مش هروح عند حد.. ومش هاجي تاني."
مدت هالة بمبلغ لأبنتها وقالت بحزن: "طب خدي دول من أبوكي."
رمقتها مكية بغضب ثم صرت على أسنانها وقالت بحدة: "مش عاوزة حاجة منه.. ابعدوا عني."
وخرجت من غرفتها ووالدتها وشقيقتها يسيران بحزن وبكاء. صرخت هالة: "طب روحي عند تسنيم يومين بس يا مكية.. عشان خاطري عدي المشكلة على خير."
فتحت مكية الباب وخرجت ثم أغلقته بعنف، لتصيح هالة بحزن: "حرام عليك يا أشرف بتعمل كده ليه في بنتك.. أنا عاوزة بنتي."
بعد خروج مكية ونزولها، جلست على حقيبتها أسفل البناية وهي تبكي. همست لنفسها: "والله لعيش أحسن من العيشة اللي معاكم."
ظلت لفترة من البكاء تحت الهواء الشديد. لم تلاحظ وصول يحيى وترجله من السيارة. اقترب منها بفضول ثم سألها: "انتي قاعدة ليه هنا؟ وايه الشنطة دي؟"
فركت في يديها ثم أجابته ببكاء: "هبات هنا محدش ليه دعوة بيا."
مرر أصابع يده في شعره وأكمل سؤاله: "في الشارع؟ وفي عز البرد! ده انتي مجنونة رسمياً."
تفتت مكية ببكاء: "لو سمحت ابعد عني مش عاوزة أتكلم مع حد."
عاد إلى سيارته وجلس فوقها ثم وضع يده أسفل ذقنه ناظراً لها. أستمرت مكية بالبكاء بصمت ثم نفخت في كفيها. قفز يحيى وأقترب منها قائلاً بجدية: "الجو برد إزاي هتباتي هنا.. وإزاي أهلك يسمحولك بكده؟"
أجابته بحزن شديد: "هم اللي طردوني."
صدم يحيى بعد نطقها لتلك الجميلة فتابع بنبرة متعجبة: "طردوكي!!!" طب تعالي فوق في شقتي."
رمقته بغضب وقالت بنفي: "وكلام الناس.. أنا مش هروح عند حد هفضل هنا."
رد يحيى عليها بسخرية: "نعم يا روح أمك.. كلام ناس مين اللي خايفة منها؟ وكان فين لسانك لما..."
أقتطع كلامه ثم قال بحنق: "يعني هنا اللي محدش هيتكلم عليكي.. تخيلي لو هجم عليكي كلب وإنتي بتخافي من الكلاب.. طب الدنيا ليل وضلمة لو شافك واحد سكران هيعمل فيكي؟ أقل حاجة إنه هيغتصبك.. عارفة وقتها هتكوني إيه؟"
نظرت له وأحسته على الحديث فواصل بسخرية كبيرة: "هتكوني 'Single Mother' قد الدنيا."
زجر يحيى بها بغضب: "هتقومي معايا وتمشي على رجليكي ولا أشيلك ومايهمش كلام الناس.. أنتي لسة هتنحي، فزي قومي."
وقفت مكية بفزع وحمل حقيبتها ودخل وهى خلفه ليدلفوا لداخل المصعد. فتح باب شقته وولج بصحبة مكية. جلس على الأريمة وحدثها بجدية: "عملتي إيه عشان يطردك؟"
جففت عبراتها بطرف كمها وقصت عليه ما حدث من بين شهقاتها. كان ينصت إليها وبعد انتهائها عض على شفتيه وحدثها بتفكير: "وهو أبوكي ماكنش يعرف إنك محجبة غير دلوقتي؟ ولما انتي جبتيله العار كان فين من زمان لما قلعتي الحجاب أول مرة؟"
رفعت كتفها بعدم معرفة ثم نطق بجدية: "اقعدي."
جلست على المقعد وأردفت بحزن: "طول عمري اختي الصغيرة بتعايرني بالوحمة.. وبابا وماما عارفين ومش بيزعقولها حتى نفسي.. كأن حاجة عادية لما تعايرني وأنا القماصة بس كلامها بيجرحني."
أو ينطق يحيى بتنهيدة: "أنا أسف."
مقته بعدم فهم وقالت بدهشة: "آسف؟!.. آسف على إيه؟!"
رد عليها بنبرة جادة: "آسف بالنيابة عن أي حد آذاكي بكلام زي السم."
جففت عبراتها وهمست لنفسها بتأكيد: "أنا بكرههم."
شبك يحيى أصابعه أسفل رأسه وقال بتعجب: "في حد يكره أهله؟.. دي أحلى حاجة إن يكون عندك أهل.. صحيح ما فيش حد عاجبه حاله خالص."
تحدثت مكية بنبرة تلقائية: "أنت محسسني إن مالكش أهل.. أنت صحيح اتحرمت من الأم بس عندك أب أكيد عوضك عن غيابها."
أومأ يحيى برأسه وأردف بتنهيدة: "نامي في الأوضة دي."
أشار لها بيده على أحد الغرف ثم وضع أصابعه على جبهته بألم. شعرت مكية به لتقول له بقلق: "أنت كويس؟"
لم يرد عليها ونهض وهو يتكأ على مسند الأريكة وبعد أن تحرك خطوتان توقف وأنحنى على ركبتيه. أسرعت مكية إليه، فبدأ يحيى بالارتعاش على الأرضية. حاولت مكية تثبيته بقلق: "أهدى يا يحيى أهدى."
أستمر بالأرتعاش وبدأت ذراعيه وساقيه بالتشنج ليستكين مرة واحدة ويغشى عليه. لطمت مكية على وجهها وهمست بحزن: "بالله عليك فوق يا يحيى."
حاولت رفع رأسه ولكن تألمت من رسغها. هزته بحدة: "فوق يا يحيى."
لم تجد منه رد فعل لتلتقط بوسادة من الأريكة ووضعتها على الأرض وأمسكت برأسه بألم وأراحتها على الوسادة ووقفت وتوجهت الى غرفته لتشعر بأنها في الهواء. شهقت بفزع ثم طالعته لتجد يحيى فائق ورافعا إياها على كتفه متوجها إلى غرفته هامسا لها بنبرة سخرية: "انتي جيتي في ملعبي."
رواية أقبلني كما أنا الفصل الثالث عشر 13 - بقلم فاطمة الزهراء
صرخت مكية بذعر وتملصت بعنف.
فألقاها يحيى على السرير وهو يشرف عليها.
ثم نهض بتعب وقال بتوهان:
"انتي ليه خايفة مني.. انا مش هأذيكي."
قيدها من رسغيها وضغط عليها لتتألم وتصرخ به:
"أبعد عني.. الحقوني."
أحست مكية بأنه ليس في وعيه لتستمر في الهتاف به:
"فوق يا يحيى أبوس ايدك."
كان يحيى في صراع في عقله ويجاهد بعدم الأرتعاش الذي عاد له من جديد.
أستغلت مكية الفرصة وقامت بركله بقدميها الأثنتين بغضب.
فأبتعد عنها قليلا ولكنه ممسك بقدمها.
فصفعته على وجنته بعنف.
كانت أعين يحيى تنظر لها بعدم وعي ويطالع اركان الغرفة ويعود لها بأعينه مجددا.
ترك قدمها بأرتعاش في يديه ثم توسل لها بتعب:
"أخرجي بــراا.. أبوسك ايدكي.. أخرجي براا."
نهضت مكية من الفراش وخرجت من الغرفة تهرول بسرعة.
أمسكت بحقيبة سفرها وفتحت باب الشقة وخرجت منه حتى انها تركته مفتوح.
بدأ يحيى بالأرتعاش والنوبة التي عادت له من جديد ثم أستكان جسده بالتدريج وأغشى عليه.
خرجت مكية من مبنى العمارة بقلق وحزن كبير.
جرت حقيبتها خلفها وسارت بشرود.
أين ستذهب في ذلك الليل الحالك وقارس البرودة؟
أقتربت من مقعد خشبي متهالك وجلست عليه بخوف.
حدثت نفسها بقلق:
"ربنا يستر.. ياترا يحيى النوبة اللي بتجيلوا دي من ايه؟!.. وعامل ايه دلوقتي؟"
أستيقظ يحيى بألم في رأسه.
نهض وأعتدل ليجلس على الفراش على ركبتيه.
ونظر بساعة الحائط وجدها الواحدة منتصف الليل.
فرك رأسه وهمس لنفسه بعدم تذكر:
"انا جيت هنا ازاي؟"
نزل من فوق السرير وخرج من الغرفة ليتفاجأ بالباب مفتوح.
أمتعض وجهه وقال بتفكير:
"انا جاتلي النوبة و.. ومكية كانت هنا."
تذكر كل شيء فصاح بسرعة:
"مكية... أكيد خرجت."
ألتقط هاتفه الموضوع على الطاولة وميدالية مفاتيحه وخرج بسرعة وأغلق الباب خلفه بيده ثم ولج لداخل المصعد نازلا لأسفل.
أستقل سيارته عندما خرج من المصعد وقادها.
ثم وضع هاتفه على أذنه لكي يهاتفها بقلق شديد.
لم ترد مكية عليه ولكن أستمع لرنين هاتف قريب.
في صمت الليل صف سيارته بسرعة ونزل منها على عجالة.
بحث عن مصدر الصوت.
صدم عندما رأى حقيبتها وهاتفها فوق المقعد وهى ملقية على الأرض.
ركض إليها ثم صاح وهو يرفع رأسها:
"مكية."
لم يعطي لنفسه فرصة ليحملها وأدخلها في سيارته.
ثم عاود مجددا وحمل محتوياتها وأدخلهما خلفه.
أنطلق بالسيارة عائدا للعمارة.
نظر لها بقلق كان جسدها يرتعش.
ضغط بيد واحدة على كفها البارد وأمسك بهاتفه يطلب رقم ما ويأمره بأن يأتي أسرع في قيادته.
بعد دقائق كان أمام المبني.
كانت ممكية متشحة بوشاح حول رقبتها.
خلعه منها وترجل من السيارة.
ثم أقترب إليها وقبل أن يخرجها لف الوشاح حول وجهها وحملها حتى لا يتعرف عليها أحد من هيئتها وينعتوها ويقذفوها بسمعته.
دلف بها بسرعة للمصعد وصعد للطابق الذي يمكث به.
دخل بها لداخل الشقة ووضعها بهدوء على الأريكة.
ودلف للمطبخ وأخرج من الثلاجة مكعبات من الثلج ووعاء به مياه مثلجة وقطعة قماشة.
جثى على ركبتيه وبلل القماشة وقام بوضعها على جبهتها.
أسرع يحيى بفتح الباب بعد الطرق.
كان سيف والقلق ظاهر عليه.
سأله بتريث:
"في ايه؟"
أفسح يحيى له الطريق ورد عليه بهدوء:
"أدخل."
دلف سيف ورأى مكية نائمة على الأريكة.
أقترب منها بقلق:
"دي مكية سند.. ايه اللي حصلها."
واقطعه يحيى بنبرة سريعة:
"شوف مالها.. اظن انا جايبك هنا عشان تكشف عليها."
بدأ سيف بالفحص ويحيى يراقبه بصمت.
بعد أنتهائه رد عليه بجمود:
"عندها دور برد بس شديد شوية.. أعملها كمادات وانا هكتبلك على خافض حرارة ليها."
ثم ألتقط القلم والدفتر الموجود على الطاولة ودون اسم الدواء عليه.
أخذ يحيى منه الورقة.
تنهد سيف وسأله بفضول:
"مين اللي جابها هنا؟ وليه؟ انت عملت فيها حاجة؟"
جز يحيى على أسنانه ثم أمسكه من ياقته وخرج به وهدر بها بحدة مكبوتة:
"أنت مالك.. انا أتصلت بيك عشان انت الوحيد اللي أعرفه من الدكاترة وشكرا لحد هنا واياك تنطق بحرف انا مش عيل ولا سكران عشان اعمل فيها حاجة."
تنهد سيف ورد عليه بغضب مماثل:
"جبت رقمي من فين؟"
أبتسم يحيى ثم أردف بأستفزاز:
"بشم على كف إيدي.. سلام يا دكتور."
رمقه سيف بعصبية وتحدث ببرود:
"أنت أسمك بدر الدين طه محمود؟"
لوى يحيى فمه بسخرية ثم قال بتهكم:
"بدر الدين مين؟.. بقولك اسمي يحيى عاصم القاضي.. هو الفصين اللي في دماغك فصين توم؟"
رمقه سيف بحنق ودلف للمصعد بدون حديث.
أسرع يحيى بالركض على السلم ليشتري لها الدواء.
بعد مرور دقائق دخل يحيى للشقة ووضع الكيس البلاستيكي على الطاولة وحقيبتها اسفل الأريكة.
وبادر في وضع القماش المثلج عليها.
كانت مكية شبه مغيبة تهلوس ببعض الكلمات الغير مفهومة.
عدلها يحيى وفتح فمها وقام بوضع الحبة داخله وسقاها ثم أراح جسدها.
أحضر لها بطانية من غرفته وفردها عليها وتابع مراقبتها.
غفى على المقعد الذي بجوارها وأستيقظ على رنين هاتفه.
نظر له وكان فارس أغلق بوجهه.
ونهض ثم أغتسل وبدل ثيابه وقام بتحضير الفطار.
تناول على عجالة بعض من اللقيمات ووضعه على صينية وأقترب من مكية واضعا اياها على الطاولة.
وضع كفه على جبهتها فوجد درجة حرارتها أنخفضت.
دون على ورقة كلمات ثم قطف وردة واضعا اياها بجانب الصنية فتابع خروجه للعمل.
بالشقة التي فوقهم خاصم النوم جميع العائلة وخصوصا هالة.
والتي ذرفت الدموع شلالات على أبنتها.
هتفت بأشرف بغضب كبير:
"انت ازاي يجيلك قلب تطرد بنت.. حرام عليك ليه بتعمل كده.. كل ده عشان رفضت أبن عمه."
رمقها أشرف بغضب وهدر بها:
"ماله معتز كان صانها وأتجوزت مش أحسن ما هى قاعدة زي البيت الواقف ولا حد راضي يبص في وشها."
واصلت هالة الصراخ بعناد:
"دي عندها ٢٢ سنة لسة صغيرة.. منك لله ضيعت البت.. ياترا حصلها ايه."
ثم زادت نبرتها على أبنتها مودة:
"أرتحتي لما فضحتتي أختك وخليتي الناس تشتمه."
تجمعت العبرات بعينين مودة وقالت بتبرير:
"انا ماعملتش حاجة."
ثم أسرعت بالخروج من الشقة لمدرستها.
آجهشت مريم بالبكاء والعويل:
"مكية غلبانة جدا يا بابا حرام عليك تطردها احنا مانعرفش حصلها ايه من امبارح."
أحس أشرف بالمبالغة في عقاب أبنته فتحدث بسرعة:
"كلموها عشان تيجي البيت.. انا همشي دلوقتي للشغل."
أبتسمت مريم وكذلك هالة على قرار عودة مكية.
أسرعت مريم بالدخول لغرفتها وهالة تركض خلفها.
أستيقظت مكية بتثاقل.
فركت في عينها وأبعدت البطانية الثقيلة لتتفاجأ بأنها بشقة يحيى.
صاحت بتفكير:
"انا جيت هنا ازاي؟ .. اخر حاجة فكراها لما خرجت وقعدت في الشارع في البرد."
رأت بصنية الطعام وتلك الورقة المطوية.
أخذتها وفتحتها وبدأت تقرأ بصوت عالي نسبيا:
"بعد ماتفطري خدي الدوا."
زادت نبرة صوتها بسخرية:
"بس كده.. بعد ماتفطري خدي الدوا هو ده اللي قدرك عليه ربنا ونسيت اللي عملته فيا امبارح."
لاحظت الزهرة الجميلة التي بجانب الصينية.
أخذتها وأبتسمت بتلقائية:
"وردة.. بيصالحني بوردة.. ريحتها حلوة اوي."
ثم هزت رأسها وتذكرت ما حدث بالأمس فقالت بنفي:
"أنا مابتصلحش بوردة.. بس هو مابيحبش اللي بيقطف الورد.. اشمعنا قطفها المرادي؟"
وضعتها بجانب الصينية وبدأت في تناول الفطور وبعد أنتهائها أخذت الدواء وأخيرا أرتشفت العصير.
ألتقطت هاتفها لتجد مريم ورفيقتها تسنيم وماريا تكثرن من الرنين عليها.
لم ترد عليهن وهمست لنفسها:
"انا مش هقدر اروح الجامعة اليومين دول الكل هيشمت فيا."
قامت بفتح النت لترى الكم الهائل من الشتائم والنقد عليها.
تركت حجابها من أجل الشهرة.
أردفت بصوت عالي:
"أنا هاخد هدنة من النت زي ماقال يحيى.. اللي بيحبني فعلا هيسأل عليا."
أغلقت هاتفها وعاودت أمساك الوردة بأبتسامة صغيرة ظاهرة على وجهها.
ثم شردت قليلا وقالت بهمس:
"طيب انا أعرف اسباب الصرع كتيرة."
في مزرعة (عاصم القاضي)
بعد أن وصل يحيى بدأ السير بالمزرعة بشرود.
ولدن أوقفه فارس بدهشة:
"التحاليل ظهرت يا يحيى."
أتكأ على شجرة وسأل أبن عمته بجدية:
"كمل."
أبتسم فارس في الحديث قائلا بتعجب:
"التحليل في صفنا.. وأثبتت ان مافيش مواد مسرطنة بعد مامنعناها لكن في حاجة كده مش قادر أصدقها.. الدكتور اللي حاشر نفسه هو اللي سحب كلامه وأعتذر."
مط يحيى شفتيه وأردف مغير للسؤال:
"لطفي لسة مصمم على رأيه في جوازك من رواء."
أبتسم بحزن ثم قال بتنهيدة:
"اه ورافض اني أقابلها نهائي وبصراحة يا يحيى انا مقدرش أتجوزها من ورا أبوها.. فهصبر يا كش يموت ولا تحصله حاجة."
أبتسم يحيى ورد عليه بسخرية:
"ده انت بتحب خالك اوي."
يضحك فارس وأكمل بمرح:
"طول عمري أعرف ان عيلة الأب الشرانية لكن في حالتي انا عيلة أمي مش صح؟"
واصل يحيى حديثه بسخرية ممزوجة بأستخفاف:
"مش عاوز أصدمك بس فعلا المصايب مابتجيش غير من القرايب فأهرب يا سيمبا."
وضع فارس يده على يحيى بضحك وتابعا السير.
وصلت ماريا إلى منزلها بعد أنتهاء يومها الجامعي لتبدأ بالصياح على والدتها.
أتاها صوت ڤيكتوريا من داخل أحد الغرف:
"تعالي ماريا.. انا في أوضة أخوكي."
دلفت ماريا وتحدثت بقلق:
"مكية ماجتش الكلية النهاردة بسبب خوفها من شتايم الناس."
أشارت لها ڤيكتوريا لتجلس بجوارها وقالت بحزن:
"ناس غريبة كلهم بيحكموا على البنت انها غلطت وأنهم مابيغلطوش خالص.. انتي أكلتي؟"
هزت رأسها بنفي وسألتها بفضول:
"بابا وجايدن ورفاييل في المطعم؟"
أومأت ڤيكتوريا رأسها بنعم فتابعت ماريا بأبتسامة:
"بقولك ايه يا ست الحبايب بما انك اسبانية ليه مانروحش أسبوعين تلاتة نسلم على جدي وجدتي.. اللي مانعرفهمش اصلا ولا نعرف نتكلم اسباني .. ولا عمرنا شوفناهم.. ده حتى الشبه بعيييد خااالص."
وضعت ڤيكتوريا كفها على وجنة أبنتها وأبتسمت بحبور:
"أنا عشت في مصر أكتر من أسبانيا.. انا وأبوكي حبينا بعض اوي بس اهلي رفضوه عشان عربي.. أضطرينا نعيش في مصر."
أحتضنتها ماريا بأبتسامة ثم قبلت وجنتها.
دلف يحيى لداخل شقته ممسك بحقيبة بلاستيكية وتفاجأ بمكية ممددة على الأريكة.
أقترب منها بصدمة من تلك الفوضى المبعثرة حولها.
فرد ذراعه وصاح بحدة:
"ايه اللي انتي مهبباه ده؟"
أعتدلت مكية وضغطت على أصابعها لتهدأه وقالت بتوتر:
"آآ.. آآ.. هنضف كل حاجة."
جلس على مسند الأريكة بتأفف ووضع الأكياس على الطاولة وقال بتهكم:
"انا جبت أكل بعد ماتخلصي أبقي نضفي."
أشار بأصبعه وأكمل بجدية:
"مستنية ايه كلي."
أخرجت من الطلب الذي جلبه لها وتفاجأت بأكلتها المفضلة الكريب.
أبتسمت له ولكن تحولت للحنق:
"ممكن أعرف ليه جبتني هنا بعد ماطردتني امبارح."
عض على شفته وأردف بجدية:
"انا مش فاكر حاجة لما جاتلي النوبة.. انا طردتك ازاي؟"
تنهدت مكية وبدأت بقص ما حدث بالليلة بالماضية.
كان ينصت إليها يحيى وبعد أنتهائها حدثها بسخرية:
"انا أقصد انك تخرجي برا الأوضة مش برا الشقة.. فكري بعقلك مرة واحدة.. لو كانت حصلتلك حاجة كنتي هتبقي مبسوطة؟ هتفرحي لما أهلك يموتوا من القلق عليكي؟"
وضعت مكية الكريب على الطاولة بحزن وأكملت بأسى:
"أهلي دول اللي طردوني؟.. أنا خوفت منك لما أول مرة شوفتك بالحالة دي انت ماعملتش حاجة."
مسح على وجهه ونطق بتنهيدة:
"ولما جاتلي الحالة سألتك انا عملتلك حاجة؟ لأن مش بكون في وعيي.. انتي متأكدة اني مش عملتلك حاجة؟"
أومأت مكية برأسها وقالت بحرج:
"انت كنت قليل الأدب."
أضاق عينيه بحنق وأردف بأستفزاز:
"ماكنتش في وعيي.. كلي عشان لسة وراكي شغل كتير."
أكلت مكية الكريب وسألته بفضول:
"أنت مش هتاكل."
هز رأسه بنفي وأستطرد بصلابة:
"شبعان."
ثم دلف لغرفته وتركها لتأكل براحتها.
كانت تلقي نظرة لغرفته بين الحين والأخر.
بعد أنتهائها لملمة الأشياء ونظفت الصالة ثم دلفت للمطبخ.
خرج يحيى وتوجه لها وجدها تغسل بعض الأطباق.
تجاهلته وأستمرت بالغسيل.
سألها يحيى بجمود من فتحة المطبخ بعد أن جلس على المقعد:
"حد من أهلك كلمك؟"
رفعت رأسها إليه وقالت بحزن:
"اه أتصلوا عليا بس انا كنسلت حتى الجامعة ماحضرتهاش."
حمحمت مكية وتابعت الكلام بتوجس:
"آآ.. هو انا ممكن أسألك سؤال."
رفع حاجبيه للأعلى وقال لها بنبرة ابتسامة مصطنعة:
"مش مرتبط."
خجلت مكية من حديثه وأردفت محاولة السيطرة على هدوئها:
"لا مش السؤال ده.. دي حياتك الشخصية انت حر فيها.. أنا أقصد على النوبة اللي بتجيلك سببها ايه؟ وليه انت مش بتتعالج؟"
تجمد وجه يحيى ونظر لها بجمود.
فأيقنت انه لا يريد الأجابة فقالت بسرعة:
"أنا أسفة مش لازم تجاوبني."
تنهد بثقل ورد عليها بشرود:
"انتي مش عارفة يعني ايه انك تداري على الضغوطات النفسية اللي مريتي بيها في حياتك كلها فتسببلك ضغط نفسي مختلف اهو انا كده.. أمي وأخويا أتحرقوا قدام عنيا وماكنتش عارف أعملهم حاجة."
تكلمت مكية بأسف:
"أنا أسفة اني فكرتك والله."
دلف للداخل بينما لفت جسدها لتقف امامه وقال لها بصلابة:
"أنا مانستهمش عشان أفتكرهم."
وآفتح عاصم باب الشقة وقال بلهفة:
"يحيى انت فين يا ابني."
ضغط يحيى بسرعة على رأس مكية لتجلس قرفصاء على الأرض تحته وقال بتعلثم:
"آآ.. انا هنا يا بابا."
نظر عاصم له وسأله بدهشة:
"أنت بتعمل ايه."
رمش يحيى بعينيه وأستأنف بتوتر وهو يضغط على رأسه مكية:
"آآ.. بغسل المواعين.. آآ.. في حاجة؟"
تابع عاصم حديثه وهو يجلس على المقعد الذي في وجه الفتحة:
"مافيش حاجة يا يحيى انا بس كنت بسأل عليك بقالي يومين ماشوفتكش.. انت مالك كده مش على بعضك؟ أنت تعبان."
حدق بوالده لفترة ثم هز رأسه بنفي وقال بسرعة:
"لأ.. مافيش حاجة.. انت أقعد جوا وأنا هعمل كوبايتين شاي وهاجي وراك."
أومأ عاصم برأسه ونهض من فوق المقعد.
تحركت مكية بدون قصد خبطت برأسها يحيى ليصرخ.
ألتفت عاصم وسأله بقلق:
"مالك في ايه؟"
أنحنى يحيى قليلا ثم ضغط على قبضته ورد عليه:
"لأ مافيش حاجة.. المية سخنة اوي.. انا جاي وراك."
بادر عاصم في سيره فأنحنى يحيى لمكية وأمسك بخصلات شعرها بعنف نسبيا وهمس لها بوجع:
"بتضربي ليه .. أجيبك من شعرك دلوقتى."
وضعت أصبعها على فمها تحثه على الصمت.
فسمع صوت أبيه يسأله بفضول:
"شنطة مين دي يا يحيى وليه البطانية هنا.. هو في حد كان بايت؟"
تبادل يحيى ومكية نظرات قلق.
ثم أسرع بالخروج له وحاول الجمود في قوله:
"دي شنطتي!!"
حدجه عاصم بإنكار ونطق بعدم تصديق:
"شنطتك؟ انت مش شايف لونها ايه؟ دي بتاعة بنات؟"
أومأ يحيى برأسه وأردف بتعلثم:
"آه بتاعتي يا بابا.. اخر مرة لما سافرت الأسماعلية عشان اخر طلبية شنطتي أتبدلت مع بنت.. ده حتى هدومها جات كانت فيها ومش عارف أوصلها ازاي.. وامبارح كنت بتفرج على فيلم أجنبي جبت البطانية ونمت هنا."
رمق أبنه بعدم تصديق ليقول بشك:
"أنت كنت مع بنت امبارح؟"
حدق يحيى بوالده بصدمة وأستأنف بتعلثم:
"ايه اللي انت بتقوله ده يا بابا.. انت مش مصدقني؟"
أتكأ عاصم على الأريكة وقال لأبنه بأمر:
"ششش.... أنت كنت هتنسيني انا جاي ليه.. السنتر بتاعك بعتولي على الڤيلا.. زي كل سنة انكم بتروحوا كام يوم تدرسوا تنمية بشرية.. بس مش عارف فين."
أومأ يحيى رأسه وأجابه بتأكيد:
"آآه.. حاجة كده زي "Fun day " انا هبقا أكلمهم بس دي لسة بعد أسبوع."
لاحظ عاصم تعلثم وريبة أبنه فقال بحزم:
"أنا ماشي يا يحيى.. أبقا كلمني.. أسأل عليا هو انا مش أبوك."
هز يحيى رأسه بسرعة ورد بتأكيد:
"أكيد طبعا أبويا."
خبط كف على أخر وخرج من الشقة بتعجب وشك كبير.
سار يحيى خلف والده وفتح له الباب وحدثه بتوتر:
"خليك يا بابا شوية."
حدجه بسخرية لما رأى يحيى فاتح له الباب والقلق مرسوم على وجهه.
خرج ودخل للمصعد فأغلق يحيى الباب خلفه بسرعة وأتكأ عليه بأرتياح:
"كنت هتقف."
هرول لمكية ليجدها منحنية ومحتضنة نفسها.
فهتف بها بسخرية:
"أسم الله عليكي من الخضة.. قومي يا بت."
نهضت مكية وأردفت بهلع:
"مشى؟"
خرجت من المطبخ وتابعت بأرتباك:
"كنت هعملك مشكلمة مع باباك؟"
سار بقدميه حتى وصل وجلس وتحدث بجدية:
"أنا سمعت صوت امك بتعيط فوق.. لازم ترجعيلهم يا مكية دول أهلك.. مافيش حد يقدر يعيش من غيرهم.. حتى عشان امك."
جزت على أسنانها بحزن وقالت له:
"أكتر واحدة بحبها في البيت هى أختي مريم."
أكمل يحيى حديثه بهدوء لكي تنصت وتستمع له:
"طب عشان مريم.. صدقيني يا مكية أهلك نعمة حتى لو هما نقمة.. فهماني؟.. ابوكي خايف عليكي ومش قادر يسطر عليكي في نفس الوقت.. اختك اللي بتعايرك بالوحمة أكيد حاسة بغيرة منك."
"بصي كل ده يهون وتقدري تتغاضي عليه لكن اللي صعب ان أهلك مش موجودين او تتربي في ملجأ حاجة صعبة اوي الأكل والشرب بمعاد.. ماتلقيش اللي يغطيكي بالليل لو أتكشفتي."
أتعجبت مكية من حديثه ليتدارك نفسه هو الأخر ونهض وأمسك بحقيبتها.
فتابعت الحديث بحزن عندما نهضت:
"أختي بتعايرني وبتقرف مني هو أنا عشان وحشة لازم يجرحوني اوي كده."
أجابها بنبرة هادئة فاترة:
"ما تقوليش على نفسك كده انتي زي القمر."
تسمرت مكية بصدمة وهتفت بعدم تصديق:
"نعم؟!"
خبط يحيى على صدره وتحدث بسرعة:
"انتي لسة ماقتنعتيش.. اول حاجة يوم ماسبتك تقطفي في الورد والورد اصلا اول اعتراف بالحب."
وقفت مكية وكانت ستركض من شدة الخجل ليمسك بها ويقول بجدية:
"عارفة ليه حبيتك.. انتي شبهي اوي في ظروف."
نظرت له بفضول وسألته:
"انا ليه ديما بحس من كلامك انك أقل واحد على وجه الأرض.. بس انت مش كده انت عندك أهل و آآ.. عيونك ملونة."
همست مكية بخجل واضح:
"شكلك آآ."
أكمل يحيى حديثه بأبتسامة ساخرة:
"شكلي حلو.. بس الشكل مش كل حاجة والفلوس مش كل حاجة اهم حاجة الروح."
أبتسمت مكية بشدة وكان قلبها سيصرخ من الفرحة وقالت بشك حزين محاولة السيطرة على نفسها:
"يعني انت بتتكلم بجد مش بتتريق عليا.. قبلتني زي ما أنا."
أومأ رأسه بتأكيد وهمس لها بحزن:
"وحمتك اللي مش عجباكي انا حبيتك بيها.. انتي واحدة من بين مليون أنا اخترتها.. بس انتي هتقبليني زي ما أنا قبلتك."
هزت مكية رأسها بسعادة لا توصف وأكملت بفضول:
"أنت قصدك على النوبة مش كده.. أكيد هقبلك بيها."
هز يحيى رأسه وتنهد بجمود ثم نطق بصلابة:
"حتى لو كنت أبن حرامي."
تبع الفصل الرابع عشر.
رواية أقبلني كما أنا الفصل الرابع عشر 14 - بقلم فاطمة الزهراء
مرت ثواني ومكية محدقة به كأنها لم تستوعب الحديث الثقيل على مسامعها.
تنهدت بأسى وقالت بعدم فهم: أبن حرام؟ ليه بتقول على نفسك كده.
الراجل اللي جه وأنا كنت قاعدة في شقتك قولته يا بابا.
نظر يحيى إليها طويلا وقال بجمود: مش أبويا.
أنا اسمي الحقيقي بدر الدين طه محمود.
أنا اتربيت في ملجأ.
عاصم مش أبويا.
هو أتبناني مش عشان أنا يتيم.
أتبناني عشان مصلحته.
ألتوت فم مكية لرأسه بصدمة أكبر فسألته بعدم فهم: أنا مش فاهمة حاجة.
وازاي لمصلحته؟
تجمد وجه يحيى ولم يعرف بماذا يرد عليها.
فـ تـابـعـت هي مطمئنة له: خليك واثق فيا يا يحيى.
أنا مش هفضح سرك؟
ولا أقولك لو مش عاوز تتكلم براحتك.
بلل يحيى شفتيه ثم أردف بنبرة منكسرة: عشت ١٥ سنة في الملجأ.
كانت كفيلة أنها تدمرني وتجبلي الصرع.
مشت مكية عينيها قائلة بتعلثم خفي: انت قصدك يتيم؟
هز رأسه بنفي ثم حدق بها وأردف بصلابة: لأ.
أنا مش يتيم.
في فرق كبير بين اليتيم اللي أبوه وأمه ماتوا وأبن الحرام اللي أبوه وأمه عايشين بس جابوه بالحرام مجرد علاقة عابرة.
سألته مكية بحذر: وأنت عرفت ازاي؟
أبتسم إليها بأستـهزاء ورد عليها بتأكيد: مديرة الملجأ كانت دايما تعايرني اني أبن حرام لحد ما جابتلي الصرع.
كانت ديما تقولي.. الراجل اللي سلمني للشرطة قبل ما يجيبوني الملجأ هو ورايح شغله.
سمعت صوت عيل صغير بيصرخ وسط كلاب وكان في حرق نار على صدري.
أنا كنت العيل ده.
سبب الحرق أنهم كانوا عاوزين يقتلوني ويداروا على الفضيحة.
هربوا وسابوني في عز البرد.
الكلاب طلعت أحن عليا منهم.
هما اللي دفنوني في البرد وبالليل.
ولما الراجل في الصبح شافني أول حاجة عملها راح بيا للمستشفى وبعد كده بلغ الشرطة وهما اللي سلموني للملجأ وقالوا للمديرة على حكايتي.
أبتلعت مكية لعابها بذعر وأكملت السؤال الذي لم تفهمه: طب ليه الراجل أتبناك وكتبك على أسمه؟
رفع يحيى بصره للأعلى للسماء السوداء وشرد بماضيه.
***
في دار الأيتام الذي بها بدر الدين بعد ذهاب رفيقه الوحيد كان دائم الجلوس بأسفل السلم بعصبية.
لم يلاحظ مديرة الدار علوية السيدة غليظة الطبع تقف أمامه وتنقر بأصبعها الحائط المتهالك وتقول بغضب: انت هتفضل قاعد كده.
رمقها بحدة ثم هدر بغضب: عاوزاني اعملك ايه.
حدجته علوية بغضب مماثل وأردفت بسخرية: أمشي من الدار.
أنت بقيت كبير أهو تقدر تدبر أكل لنفسك.
عندك ١٥ سنة.. دي دار أيتام مش ملجأ لولاد الحرام اللي زيك.
أمشي من هنا في أماكن وسراير عاوزين نوفرها لليتامى الصغيرين.
أنحنى بدر قليلا وخرج من أسفل السلم ثم تابع بعنف: أنا مش أبن حرام.
أطلقت علوية ضحكة ساخرة وهمست بأستـهزاء: لا أنت أبن حرام.
أو أقولك انت أبن كلاب مش دي الحقيقة.
الكلاب هي اللي حافظت عليك ودفنتك من البرد.
ده مش بعيد تكون رضعتك كمان.
أتسعت مقلتي بدر وأشتعل الغضب بها يغلي.
لم يعرف يرد لها بأي رد تلك الجملة الذي يكرهها وتخور قواه عند سماعها.
تحطمت حصونه ليظهر الطفل الصغير الذي لا يجرأ على شيء سوى البكاء.
تنهد بدر ونطق بحزن منكسر: طب أنا ذنبي ايه؟
ليه بتعايريني بحاجة أنا ماليش دخل فيها.
مطت علوية شفتيها بلامبالاة وقالت ببرود: ذنبك انك ابن حرام.
وأخرج برااا الدار عشان اللي عندي قولته.
أغتاظ بدر من أستفزازها.
بادلها أبتسامة ساخرة وأبتعد عنها قليلا ليمسك بحجر ملقى على الأرض ويكمل طريقه مما سبب لها الدهشة لتتابعه بعينيها.
توقف بدر في أخر الرواق فجأة وصاح بصوت عالي: علوية.
نظرت له بغضب فكيف يتجرأ أن يناديها بأسمها.
فتحت فمها لتوبخه ولكن بدر الأسرع بقذف الحجر بغضب جلي على رأسها ليرتطم به وينزف دماء.
صاحت علوية بهلع: يا حيوان والله لضربك وأسجنك.
انتو يا ناس الحقوني.
بدأ بدر بالركض وخلفه المشرفين والمشرفات ليسرع بالقفز على السور وهرول مسرعا بعيدا عنهم.
أستمر بالجري وهم خلفه في الشارع الى أن اختفى منهم.
لم يلاحظ بالسيارة التي تأتيه في الأتجاه المعاكس.
أرتطام شديد ليقع بدر على الأرض بألم.
تجمع الناس حوله وكذلك خرج من السيارة رجل وعلى وجه الضيق فقال بأمتعاض: هو أنا ناقص مصايب.
تم أخذ بدر الدين بالمشفى فتبين بأن كسر في ساقه وبعد الجروح الطفيفة على وجهه.
بعد أنفاق رأى نفسه على فراش المرضى وكان الرجل معه وسأله بجدية: انت كويس يا ابني.
والله انت اللي طلعت فجأة في وشي وأنا فيا اللي مكفيني وزيادة.
أنت فين أهلك؟
أجاب بدر بنبرة متعبة وآنين في صوته: آآآه.
أنا ماليش أهل.
واصل الرجل سؤاله بفضول: مالكش أهل ازاي؟
تنهد بدر بثقل ثم أجابه بنبرة تعب: يعني ماليش أهل.
أنا متربي في ملجأ وهربت منهم.
ومش عارف هسكن فين أو هعيش ازاي.
ياريتك كنت موتني وريحتني من الهم اللي أنا فيه.
تعجب الرجل من حديث بدر ليقول بدهشة: ليه كل الكره للحياة.
انت مش باقي على حاجة ليه؟
ثم لمعت برأسه فكرة فسأله بتوجس: طب واللي يوفرلك المكان اللي هتعيش فيه وكمان فلوس كتير.
رمقه بدر بعدم تصديق فقال بسخرية والألم يسيطر عليه: وأنا هعمل ايه عشان آخد كل ده؟
أبتسم الرجل ثم همس له بجدية: أنت أسمك ايه؟
أردف بدر بضيق: بدر الدين طه محمود.
زادت أبتسامته فقال بفرحة عارمة كأنه نسى كل شيء: تنسى ان أسمك بدر الدين طه محمود ويكون أسمك يحيى عاصم القاضي.
علامات التعجب والأستفهام تحلق حول رأس بدر ورد عليه حاسماً للموقف: موافق.
بس ليه؟
خيم الحزن على عاصم بحزن شديد لتذكر الحادثة ثم تنهد بأسى: هقولك كل حاجة.
مراتي وولادي الأتنين ماتوا محروقين.
منيرة ويحيى ومالك كلهم ماتوا.
النهاردة واللي قتلهم أخويا عشان يضمن انه مافيش حد يورث الفلوس غيره هو.
فأنا عاوزك تعمل نفسك أبني الكبير يحيى وأمنع الفلوس من لطفي.
قولت ايه؟
أزداد الألم على بدر وتابع سؤاله بأنين: طيب ما أكيد هيعرفوا اني مش أبنك من الشـ...
هز عاصم رأسه وقال بنفي: مش هيعرفوا.
عشان مراتي وولادي كانو عايشين في لندن وأخواتي ماشافوش ابني يحيى من وهو كان عنده سنة.
ودلوقتي عنده ١٥ سنة.
مستحيل يعرفوا شكله.
أنا كنت مانع كل حاجة حتى الصور عنهم.
بس عرف في الأخر عرف العنوان وأجر ناس وحرقوا البيت.
لم يفكر بدر الدين كثيراً فقد أتته الفرصة على طبق من ذهب أخيراً سيشعر بالمساواة بينه وبين الآخرين سيصبح له أب ومال.
ليقول موافقاً: أنا موافق.
أبتسم عاصم وسأله بجدية: أنت أسمك ايه؟
تنهد بدر ليقول بجمود: يحيى عاصم القاضي.
***
أنهى حديثه مستمراً بالنظر في السماء.
تنهدت مكية بصوت مسموع.
لم تتخيل مطلقاً بأن الوجع الذي يحمله أثقل من وجعها.
لتتحدث بصوت هادئ مليء بالصدق: أنت قبلتني زي ما أنا.
وأنا كمان هقبلك زي ما أنت.
أنا مابحبش أعاير حد ماعرفهوش على حاجة هو ماعملهاش ولا ليه دخل بيها.
مابالك بالأنسان الوحيد اللي حسسني أني إنسانة.
تعرف أنت الوحيد اللي ماتفاجأتش بالوحمة وأنت الوحيد اللي ماتخضيتش منها أو عايرتني بيها.
وأنت الوحيد اللي ماشفقتش عليا.
انت الوحيد اللي عاملتني كأنها حاجة عادية في وشي.
أنا كنت ديما عايشة على حبك في خيالي بقول لنفسي انك بتحبني.
حدقت به بصدق وردت بأبتسامة: قبلاك زي ما أنت يا.. يا..
أقولك بدر ولا يحيى؟
تحولت نبرته الى الجدية: يحيى.
محدش يعرف حكاية بدر غير عاصم وأنتي بس.
حتى صاحبي سيف اللي كان معايا في الملجأ وعرفته من قريب.
انه هو مش قادر أقوله أن أنا بدر صاحبك.
مش قادر أحضنه كان ديما بيساعدني في حاجات كتيرة.
أومأت مكية رأسها وأبتسمت بتنهيدة طويلة.
لم تزعل أو تحزن على حاله الذي مر به أكثر من سعادتها على أعترافه لها بحبه.
أبتلع يحيى لعابه وقال بهدوء حزين: أنا أكتر حاجة بتزعلني ان حد يقولي انت ابن حرام.
سبب النوبة اللي بتجيلي الكلمة دي.
ربتت مكية على كفه.
نظر لها برماديتها التي تعشقها.
مكية أبتسمت بخجل وأخفضت بصرها وهمست بعدم تصديق: أنا ماكنتش متخيلة ان في حد هيحبني زي البنات.
كلهم كانوا بيعايروني بوحمتي.
رفعت مكية عينيها إليه وقالت بتريث حزين: هو انا شكلي وحش بجد؟!
كل ما بحاول أنسى بيفكروني.
رأى عبرات عينيه مجمدة بمقلتيها.
فقال بنفي والصدق يغلفه: انتي محتاجة حد يفكرك كل شوية انك جميلة يا بازوريكسيا.
مشت عدة مرات وأحمرت خجلاً.
وما أن ذكر ذلك النعت المجهول سألته: مين بازوربكسيا اللي بتشبهني بيها؟
أردف يحيى بنبرة جادة: ده مرض.
أمتعض وجهها ثم قالت بحنق خفيف: مرض؟
انت بتشبهني بمرض.
ونهضت لتغادر ولكنه أمسك برسغها وأبتسم بسخرية: ده مرض جميل جدا.
أنا عندي المرض ده ومش عارف أتعالج منه.
توقفت مكية ونظراتها تحثه على الحديث.
فـ تـابـع بأبتسامة: اسمه رغبة أو جوع التقبيل.
المريض بيكون عنده رغبة أنه يبوس اللي قدامه بأي طريقة.
شهقت بصدمة لتضربه على كف يده عدة مرات وتقول بتهكم: يا قليل الأدب.
أبعد عني.
عاوزة أناااام.
أفلتت يده وأسرعت في خطواتها لتدلف بهدوء لغرفة الفتيات وتتمدد على فراشها بأبتسامة كبيرة لا أحد يشعر بسعادتها إلا هي.
أغمضت عينيها شاردة به.
***
في صباح اليوم التالي توجه سيف لعمله بشرود وتفكير في صاحب عمره.
عند دخوله لمكتبه تفاجأ بيوسف جالس به والسخرية تتطاير من عينه.
جلس سيف على المكتب وسأله بملل: جاي ليه؟
وضع يوسف ساق على أخر وأجابه بغطرسة: أبعد عن أمي.
دي مش أمك ولا هتكون أمك.
أنا مش عارف ليه النفخة الكدابة.
ربنا رزقهم بواحد زيي يقوموا يجيبوا واحد ولا نعرف أصله من فصله ويعيش معانا.
نـارمـقـه سيف ببرود ثم أستفزه في قوله عندما أقترب من يوسف: عشان أخليك تكره أيامك طول ما أنا معاك.
يا فاشل.
وأعدل نفسك وأنت بتكلمني.
ركل سيف قدم يوسف بغضب لينهض الأخر ويهدر به: فوق وأنت بتكلمني.
أنت من دار أيتام أبويا وأمي جابوك وعمـ...
آآآآآآآآآآآآآآآآآلم يكمل يوسف الجملة بسبب لكمة سيف له وصرخ به: فوق أنت.
ماتنساش نفسك.
أنت بتكلم دكتور مش صايع من اللي تعرفهم.
كان يوسف سيسدد له اللكمة ولكن سيف منعه ليلوي ذراع يوسف بعنف: لو فكرت يا يوسف ان ايدك تطول عليا في يوم من الأيام هتلاقيها مقطوعة.
دفعه بحدة وتابع هتافه به: أخرج برا.
حدجه يوسف بتهكم ثم رد عليه بوعيد: حاضر هخرج بس أنا مش هسكت يا سيف وديني فلوسي لأخدها منك.
***
بالمبنى الذي به يحيى والشباب أستيقظ الجميع وأغتسلوا وأتموا فطارهم.
جلسوا سوياً وتحدث يحيى معهم على التنمية البشرية بطلاقة وأستغلت الفتيات الأسئلة.
بينما مكية كانت مبتسمة على ليلة أمس الجميلة والذي تعجبت منه هو يحيى الصامت.
قبل وقت الغداء أنقسم الجميع إلى مهام.
منهم التنظيف ومنهم من أشترى العصائر والجزء الأهم تحضير الطعام.
أردف يحيى بنبرة جادة مشيراً للفتايات: نضفوا المكان اللي هناكل فيه.
أومأت الفتيات رؤسهن بسعادة وأبتعدن عنهن.
وأمر الشباب بأن يحضروا بعض الحلويات والعصير.
ولم يبقى سوى مكية.
ضيق عينيه وقال بأمر: أنتي بقا هتحضري الغدا.
أعترضت مكية وعندما فتحت فمها للرد أسرع هو بقول: فاضل خمس أيام والشهر يخلص.
وقتها مش هقدر أأمرك بحاجة.
هتكوني حرة.
يلا بقا أتفضلي على المطبخ عشان تطبخي للشباب اللي برا.
جزت مكية على أسنانها هل يعقل أن يكون لديه أنفصام بالشخصية.
ليكمل هو بجدية: انتي لسة هتبرقي؟
دلفت مكية للمطبخ لتتفاجأ بالكم الهائل من الخضراوات.
سمعت صوت يحيى يدلف خلفها بأبتسامة لعوبة: أنا مشيت الكل عشان أفضالك.
خجلت مكية وحدثته بهدوء مصطنع: ايه تفضالي دي؟
أبتعد يحيى من المطبخ وأردف بأمر مصطنع مغلف بأبتسامة: قدامك ساعة وتكوني خلصتي الأكل يا بازوريكسيا.
كانت ستنهره ولكنه أختفى من أمامها.
أبتسمت مكية بشدة ثم نظرت للخضار بوعيد: أنا بعمل بيض مقلي بالعافية.
يلا أستعنا على الشقا بالله يا يحيى أنا هخليك تطلب أكل دلڤير.
بدأت مكية بتحضير الطعام وهذا لم يمنع يحيى من مناغشتها لها بين الحين والآخر.
لم يعز عليه أن يراها تعمل بمفردها فأمر فتاتين بمساعدتها.
بعد أنتهاء أعداد الطعام تم وضعه على الأرض المفروشة وكان يحيى جالس بجانب مكية.
أشمأز الجميع من طبق حساء يحتوي فقط على بصل وخيار.
أرتشف يحيى بعضاً منه ولم يحمل أن يبتلعه فبصقه جانباً وقال بتقزز: بصل!! وخيار!!
من أمتى البصل والخيار بيتجمعوا في طبق واحد.
تابعت الحديث فتاة أخرى بسخرية: مكية انتي اللي هتاكلي الشوربة دي كلها.
رَمـقـتـهـا مكية بغضب ثم أرتشفت منه وأبتلعته بصعوبة وعاودت النظر لها: طعمه حلو جدا انتي اللي ماتعرفيش تاكلي.
تعجبت فتاة أخرى وردت بإنكار: بجد؟
أومأت مكية رأسها بالموافقة وفي نفسها تسب وتلعن اليوم الذي دخلت به مطبخ.
تيقن يحيى كذبها فقال بأبتسامة مصطنعة: أنسة مكية بتعرف تدوق.
كملوا أكلكم.
هى هتاكل الشوربة كلها.
ثم بدأ بأخراج قطع البصل والخيار من طبقه بالملعقة وسكبه في طبق مكية قائلاً بسخرية خفيفة: خدي دي واحدة.
ودي واحدة تانية ودي تالتة.
وبالهنا والشفا.
فـمـت مكية فمها غضب خفي لينقلب السحر على الساحر.
أكلت ما في طبقها بصعوبة كبيرة حتى أنهته.
تابع يحيى حديثه: بألف هنا.
شعرت مكية بأنها ستخرج ما في معدتها لتنهض بسرعة وتتوجه للحمام.
لا أرادياً أحس يحيى بها وسعر بأنه زاد عليها من الحمل.
تأخرت مكية عنهم.
الأمر الذي سبب ليحيى القلق.
وفي دقائق أخرى سمع الجميع صراخ مكية.
قلق الجميع عليها ليتوجهوا بسرعة وعلى رأسهم يحيى.
لم يطلب لها رد ودفع الباب وفتحه فتفاجأ بأن مكية ملقية على الأرض وتصرخ: آآآآآه بطني وجعاني أوي.
رواية أقبلني كما أنا الفصل الخامس عشر 15 - بقلم فاطمة الزهراء
بعد مشاجرة ورحيل يوسف، جلس سيف على المقعد بغضب. ظل ينفث أنفاسه بعدم اتزان، وهمس لنفسه بشرود:
"أنا كنت فاكر لما هبعد عن علوية والضرب اللي بيحصل في الدار هرتاح، بس إزاي أرتاح وصاحبي بعيد عني."
وضع سيف كفيه فوق رأسه وتابع بتأكيد:
"مستحيل ما يكونش بدر.. كل الصفات اللي كانت في بدر دلوقتي موجودة في يحيى.. طب ليه رافض إنه حتى يسلم عليا.. معقول يكون زعلان؟"
نفض سيف رأسه عند سماعه صوت ممرض يطرق على الباب.
"أدخل."
فتح الممرض الباب وتحدث بهدوء ناظراً إليه:
"دكتور سيف.. حضرتك في مرضى منتظرينك برا."
أومأ رأسه ورد عليه بنبرة جدية:
"أنا جاي."
نهض سيف ليذهب ويعمل لمهنته التي أقسم أن ينجح بها.
***
(بداخل المبنى)
أستقصى يحيى قليلاً عندما رأى مكية. أقترب منها بقلق.
"آه لو سمحتوا أخرجوا برا.. أنا هتصرف."
لم يهتم بحديثها فأقترب منها مجدداً.
"أنا كويسة.. ديما بتحصلي.. لو سمحتوا أطلعوا برا."
أمرهم يحيى بالخروج، ثم نظر لها نظرة أخيرة وخرج، صافق الباب خلفه بهدوء. لم يتوقع بأن ذلك المزاح الغير مقصود سيسبب لها الألم المبرح. تنهد بقلق لها. تناسى الشباب أمر مكية وبدأوا بالحديث والصياح بالمرح.
خرجت مكية تجفف وجهها المبلل بكمها. توجهت إلى الغرفة التي تنام بها هي والفتيات. أختلس يحيى النظر إليها وتسلل بدون معرفة الشباب ودلف لغرفتها. وجدها ممددة على الفراش بألم بسيط. لم تلاحظ به حتى وجدته جالساً بجوارها.
"أنت دخلت هنا إزاي؟"
رفع يحيى حاجبيه بدهشة وقال بنبرة ساخرة:
"دخلت من الباب."
لم يدع لها الفرصة للحديث ليتابع القول بتنهيدة أسفة:
"أنا ما كنتش فاكر إني لما أغصب عليكي تاكلي بطنك هتوجعك؟.. انتي دلوقتي عاملة إيه؟ لسة حاسة بوجع؟"
أتكت مكية على الحائط وردت بهدوء مصطنع:
"أنا كويسة.. معدتي ما بتحملش العك في الأكل."
أستهزأ يحيى في لهجته:
"وهو في حد بيطبخ خيار ببصل.. طبيعي يحصلك تلبك."
رمقته مكية بحنق ثم أشاحت وجهها. الجانب الآخر، قرب كفه منها وأدار وجهها إليه. أمتدت أصابعه لمس بأصابعه الغليظة على وحمتها. خجلت مكية وشعرت بأنه سيشمئز منها لتتجمع العبرات بمقلتيها. ثم ابعدت أصابعه وقالت بحزن:
"بلاش.. أحسن.. أحسن تقرف."
يحيى أزرار قميصه، الأمر الذي سبب لمكية الخجل. ووضعت كفيها على عينيها ونطقت بتعلثم:
"إيه اللي أنت بتعمله ده؟"
أبعد يدها ووضعها على أثر حرق النار الذي على صدره وهمس لها:
"أنتي في يوم هتقرفي من ده؟"
هزت مكية رأسها فوراً بالنفي. ليغمز لها. بينما هي حدقت في عينيه الرماديتين بابتسامة خجولة وقالت بتوتر ملحوظ:
"ممكن أسألك سؤال تاني وشخصي برضو؟"
أغلق أزرار قميصه وتحدث بمزاح:
"سؤال شخصي أكتر من كده إزاي؟"
تنهدت مكية ونطقت بتريث كبير:
"حرق النار ده من إيه؟"
تجمد وجه يحيى وأختفت ابتسامته. فأسرعت مكية بالقول:
"بلاش.. مش لازم أعرف.."
أستأثر حديثها بالأسراع بقول:
"أبويا وأمي كانوا هيحرقوني.. تخيلي الكلاب تطلع أحن منهم عليا. المكان اللي أبويا وأمي رموني فيه والكلاب اللي دفنتني من البرد.. مديرة الملجأ قالت لي عليه.. أنا دايماً بروحه ودايماً بتجيلي النوبة لما أروحه.. أول مرة شوفتيني في البيت لما جاتلي النوبة كنت في المكان ده.. ظروفك أنتي يا مكية أحسن من ظروفي."
حدقته مكية بأسف وتابعت بحزن:
"لأ يا يحيى ظروفك أنت اللي أحسن.. أنت ما عشتش أنا كان يتقالي إيه؟ ولا نظرة القرف اللي كنت بشوفها في عيونهم.. دي وحمة مش حرق نار.. أختي دايماً تتريق عليا وأمي سلبية أوي ما بتعملش حاجة.. حتى لما قلعت الحجاب كان ردها سلبي."
كتمت باقي جملتها بالتنهيدة وقالت بحزن:
"قلعت الحجاب وكنت منتظرة منهم نصيحة مش شتيمة.. أنت عارف أنا اسمي مكية ليه؟ زمان كان بابا بيشتغل وعايش في السعودية هو وماما.. كانت حامل فيا وهما في العمرة وولدتني في مكة وسموني مكية.. الناس اتريقوا عليا وقالوا اسم مكية جميل بس أنا مش جميلة."
عاود وضع أصابعه أسفل عينها ورد بنبرة صادقة:
"أنتي جميلة أوي يا مكية.. أنتي ممكن ما تكونيش شايفة ده.. بس أنا شايفه."
تجمدت مكية مكانها لا تعرف هل تصدقه؟ أم لا؟ هل هو حقيقي محب لها؟ أم لا؟ أكتفت بالصمت وبداخل قلبها ستنفجر من الفرحة. نهض يحيى وقال بنبرة هامسة:
"مستنيكي برا يا بازوريكس."
ياخجلت أكثر وخصوصاً عند علمها باسم المرض هذا. أغلق يحيى الباب خلفه بهدوء. لوحت مكية بذراعيها للأعلى بسعادة ثم انحنت قليلاً للألم الذي ببطنها.
***
في منزل (ألسكندر اسحاق الخواجة)
مجتمعين على مائدة الطعام يتناولون الغداء. تحدث ألسكندر بنبرة هادئة لابنته:
"جيتي بدري من الجامعة النهاردة يا ماريا."
رفعت ماريا رأسها وأجابته بفتور:
"في محاضرة اتلغت يا بابا."
نفض رفائيل يديه وقال بعزم:
"أنا شبعت.. هنزل أقعد في المطعم.. ماتتأخرش يا جايدن."
لم ينتظر رفائيل منهم الكلام وخرج من المنزل ليتابع عمله الذي ورثه من والده وهو المطعم للمأكولات البحرية. نظر جايدن لـ ڤيكتوريا وقال بهدوء لوالده:
"بابا أنا كنت عاوز أتكلم معاك في موضوع وياريت تسمعني للآخر أنت وأمي."
حدق ألسكندر بابنه الكبير ليحثه على الحديث. تنهد جايدن وأردف بتوجس:
"الأوضة بتاعة آآآ.."
قاطعته ڤيكتوريا بغضب:
"من قبل ما تكمل جايدن.. أوضة أخوك مش هتاخدها."
عض على أسنانه جايدن وابتلع غضبه ثم نظر لوالده بجمود:
"ها يا بابا قولت إيه؟"
تريث ألسكندر في قوله:
"طيب.. انت عاوز تاخدها تعمل بيها إيه؟"
سأله جايدن بنفس نبرة والده:
"قولوا أنتوا هتعملوا بيها إيه؟ طالما هو ميت.. ما بتعملوش حاجة غير التنضيف وتغير النظام اللي فيها بس."
زفرته ڤيكتوريا بعتاب قاسٍ:
"عيب تتكلم على أخوك."
صاح بها جايدن بغضب مماثل ولوح بيديه:
"ده ميت."
أختلست ماريا النظر وأردفت بهدوء مصطنع:
"براحة يا جايدن مش بالعصبية."
نهضت ڤيكتوريا وصاحت بجايدن:
"أنت قليل الأدب احترم نفسك وأنت بتكلمني."
أدارت ڤيكتوريا جسدها لتدلف لغرفة ابنها المتوفي وأغلقت خلفها الباب. حدقت بها، دائمة التنظيف لها حتى أنها تجلب له الثياب في كل مراحل عمره. التفت لمصدر صوت فتح الباب وكان ألسكندر. أغلق مجدداً الباب وتنهد متكئاً عليه ثم قال بحزن:
"وأخرتها يا ڤيكتوريا."
أحتضنت الوسادة مجيبة بنبرة أسى:
"صدقني ما أقدرش.. زي ما جايدن ابني.. ستيڤن ابني برضو وصعبان عليا.. وحشني أوي."
***
لم يتحمل جايدن رفض والديه فذهب مغادراً المنزل وتوجه إلى المطعم (الماريسكو). دلف لداخل مكتب أخيه بغضب شديد.
"إيه يا ابني في إيه لكل ده؟ أنت محسسني إنهم أول مرة يرفضوا؟"
جلس جايدن على المقعد وهدر به:
"ماهو ده اللي هيجنني يا رفائيل.. ليه بيرفضوا؟"
وضع رفائيل كفه على وجنته وأجابه بتلقائية:
"عشان دي أوضة ستيڤن."
عض على أسنانه كأنه يمتص غضبه وقال بحدة خفيفة:
"مات.. ستيڤن مات.. ليه مش مصدقين إنه مااااات."
نظر رفائيل لأخيه عن كثب وردد بجدية:
"أنت عاوز تعمل إيه بالأوضة يا جايدن؟"
بلل شفتاه ونطق بنبرة هدوء غاضبة:
"عاوز أفوقهم.. بابا وماما عايشين على ذكرى ميت.. لازم أبعد عنهم كل حاجة بتفكرهم بيه.. أنت مش شايف ماما لما بتفتكر الحادثة بيكون شكلها إيه؟ طب بابا اللي ستيڤن مات على إيده.. كل ده لازم يتحل وأنت هتساعدني غصب عنك."
شرد رفائيل بعد حديث أخيه ليقول وهو يومأ برأسه:
"موافق يا جايدن بس هنعمل إيه؟"
أبتسم له وأردف بعزم:
"هقولك على كل حاجة.. بس مش دلوقتي عشان الشغل.. محتاجة قعدة كبيرة."
***
في المساء عند يحيى
تحسنت حالة مكية للأفضل. تجمعوا بجانب بعضهم البعض يتحدثون في أمور التنمية البشرية. تحدث شاب بيأس:
"أنا دايماً بحاول أنجح في حياتي بس لسة مافيش أي مؤشر لكده."
أردف يحيى بنبرة ساخرة:
"وأنت مستعجل على إيه؟ ده أنت لسة عيل.. أيامك جاية بس الصبر."
سمع الشاب همهمات ضحك عليه. فتابع بنفس نبرته:
"أنا مش عيل أنا عندي ٢٣ سنة.. هحق أحلامي إمتى؟"
تنهد يحيى ثم أجابه بهدوء:
"أنت اسمك إيه؟"
أبتلع الشاب لعابه وقال بتريث:
"عبد ربه."
أبتسم يحيى ثم واصل قوله بجدية:
"عارف يا عبد ربه إيه اللي مخليك أنت وباقي الناس مش محققين أهدافكم وأحلامكم؟ إنكم مابتصبروش. عاوزين كل حاجة النجاح والفلوس والشهرة والحبيبة في وقت واحد وكمان الشرط الأول والأساسي لازم يحصل وأنتم صغيرين."
تعجب الجميع من حديث يحيى فسألته فتاة بنبرة ساخرة:
"ما ده طبيعي يا دكتور يحيى لازم ده يحصل واحنا صغيرين.. أمال يحصل لما نكبر ونعجز؟"
رمقها بسخرية مماثلة لقولها ثم أردف بتلقائية:
"أعظم إنسان في الكون سيدنا محمد صل الله عليه وسلم.. الوحي نزل عليه وهو عنده أربعين سنة.. قعد ١٣ سنة بيدعي للناس.. هاجر من مكة كان عنده ٥٣ سنة.. حقق كل النجاح لما كبر.. كل حاجة بتنجح بس في وقتها وشوية صبر مع ثقة في ربنا."
تابع يحيى بالشرح لهم جميعاً وطرق ثقتهم بأنفسهم. ثم استأذن الجميع بالخروج. أمام المبنى في الهواء الطلق. تحدثت مكية وهي تقول بهدوء للفتيات:
"هجيب موبايلي ومش هتأخر يا بنات."
دلفت للداخل ثم اقتربت من الفراش وألتقطت هاتفها. وجدت عائلتها قامت بالرنين كثيراً عليها. والآن والدها. أمتعض وجهها ولم تفعل شيئاً حتى توقف الرنين بمفرده. أستدارت لتغادر. تفاجأت بيحيى جالس على فراش آخر. شهقت بفزع ثم أردفت بريبة:
"أنت بتدخل هنا كتير ليه؟ لو البنات عرفوا هيفضحوني."
ربع ذراعيه إلى صدره ورد عليها بتوجس:
"محتاج مساعدتك في موضوع."
آآآآآه! صاحت فتاة بالخارج بمرح:
"مكية أنتي لسة قاعدة جوا.. أحنا بنلعب."
توترت مكية وتلفتت على جانبيها ثم أمسكت برسغ يحيى وأقتربت به لداخل الحمام.
"أنت اتجننت عوزاني أتخبى في الحمام زي العيال الخاينة."
تابعت مكية دفعه للداخل الحمام وردت عليه بقلق:
"أحسن من اللي هيحصل لو البنات شافوك معايا."
أمسكت بستارة المغطس وأبعدتها وأمرته:
"أدخل هنا بسرعة يا يحيى."
حدقها بغضب فدفعته ليدخل بالمغطس وعاودت أرجاع الستارة. شهقت بصدمة عندما رأت الفتاة ممسكة بوعاء كبير محتوي به ماء. نظرت لها مكية وللأناء عدة مرات لتقول بتعجب ممزوج بتعلثم:
"إيه ده؟"
لاحظت الفتاة ارتباك مكية وتلفتها للستارة فنطقت ببرود:
"هتلعبي معانا بالمية."
وضعت مكية كفها على كتفها لتخرجها من الحمام:
"تعالي نلعب برا يا رحاب."
ألتفت رحاب مجدداً ورجعت للخلف ثم قالت ببرود:
"ولا أقولك احنا كبار على لعب الصغيرين.. أنا هكب المية."
ثم قامت بفتح الستارة بسرعة وسكبته فوق يحيى الجالس على حافة المغطس. أصطنعت رحاب الصدمة لتقول بحزن مكذوب:
"سوري يا دكتور يحيى.. أنا ما عرفتش إن حضرتك هنا."
نهض يحيى ورد عليها بابتسامة مزيفة:
"أنا كنت هستحمى أصلاً."
خرج يحيى من المغطس وكأن شيئاً لم يحدث. رمقت مكية زميلتها بحدة وخرجت دون أن تبرر لها موقفها. الأمر الذي جعل رحاب تفكر بخبث ثم خرجت لزملائها وجلست بجوارهم. سألتها فتاة أخرى:
"هي مكية مش هتيجي؟"
نظرت للسماء بشماتة ولم ترد عليها.
***
خلع يحيى ثيابه ثم نظر للمرآة على أثر حرق النار الذي على صدره بغضب. تذكر حديث مديرة الدار علوية عندما كانت دائمة الشماتة به:
"أنت مشوه يا بدر.. ما فيش بنت هتقبل تتجوزك.. عشان حرق النار وعشان ابن حرام."
كور قبضة يده وضربها بالمرآة لتتهشم وتجرح أصابعه. استمر بالضرب عليها بعنف وردد بغضب هامس:
"أنا مش ابن حرام.. ولا مشوه.. ومش يتيم.. أنا ماليش ذنب في اللي حصلي.. أنا بكرههم كلهم."
أسرعت مكية بالدخول لغرفته لتقول بسرعة:
"أنا لازم أمشي يا يحيى.. جامعتي أهم وعشان أبعد عن رحاب ممكن تهبل في الكلام.. وآآ.. مالك يا يحيى في إيه؟"
لم يلتفت لها وواصل ضرب يده في الزجاج المحطم بالحائط قائلاً بغضب:
"أنا مش يحيى أنا بدر.. اسمي بدر الدين.. أنا مش ابن حرام."
أقتربت منه ومحاولة أفلات ضربه المستمر ولكن لم تستطيع. علمت مكية بأنه ليس بوعيه وسيدخل في نوبة الصرع لتقول بهدوء قلق:
"أبعد إيدك بتنزف دم كتير."
دفعها يحيى بيده الملطخة بالدماء وهدر بها:
"مالكيش فيه."
أقتربت مكية بتريث ثم نظرت له عن كثب وقالت بقلق ظاهر:
"لأ ليا فيك.. أنت مش حاسس بنفسك.. النوبة بتجيلك.. بلاش تفكر في حاجة هتتعبك.. واسمح لي أشوف جرحك."
وضع يديه على رأسه لتختلط بالدماء وقال بألم واهتياج:
"مش حاسس بالوجع اللي في إيدي.. الوجع في قلبي من جوا."
سارته مكية في القول ونبرة صوتها ترتجف بذعر:
"عشان خاطري تعالي أغير لجرحك."
صاح بها بحدة خفيفة ممزوجة بتوهان وجثى على ركبتيه:
"أبعدي عني."
أقتربت مكية تجاه يحيى ووضعت كفها على وجهه لتزيل الدماء بيدها قائلة بقلق:
"مالك يا يحيى بس.. هات إيدك."
أعتدل يحيى على قدميه ونطق بغضب شبه فاقد للوعي:
"بقولك أنا مش يحيى.. أنا اسمي بدر.. اخرجي برا وسبيني في حالي.. مش محتاج مساعدة ولا نظرة شفقة من حد."
ردت عليه بخفوت:
"طيب براحة على نفسك.. عشان خاطري.. أنا محتاجاك في حياتي."
وضع يديه على وجهه وتلطخت أكثر بالدماء وهدر بها:
"أنا مش بتاع حب ولا جواز.. أنا واخد عهد على نفسي إني مش هتجوز أبداً."
تراجعت مكية للخلف وحدقت به بصدمة عندما شاهدت جسده يهتز بسرعة ويطرح أرضاً ويفرك بجسده حتى يتشنج مرة واحدة ويغشى عليه.
"يحيى!" صاحت مكية بحدة متوجسة:
أقتربت منه وبدأت في ضربه على وجنته ولم يبدي أي رد فعل فصرخت بصوتها العالي لزمايلها بالخارج الذين لم يتأخروا عليها بالقدوم. صدم الجميع عند رؤية يحيى فاقد للوعي وجسده العلوي عاري والدماء على رأسه ويده.
"ألحقوني يحيى أغمى عليه!" أكملت مكية الصراخ ببكاء.
أقترب شابان ودنا إلى يحيى ليحملاه ويضعاه على الفراش خاصته. أحرجت الفتيات فانسحبوا بالتدريج. نطق شاب بجدية:
"أنا دكتور."
بدأ في تطهير جرح يده البسيط وساعده على ارتداء تي شيرت خفيف ثم تركه لمعرفته بأنه قد غط في سبات. كانت مكية تتابعه وعبراتها تنهمر على وجنتيها. أقترب منها الشاب قائلاً بهدوء:
"هو نايم دلوقتي بكرة هيصحى ويرجع زي ما كان.. يلا أنتي كمان روحي نامي.. عشان أحنا هنمشي بكرة."
ألقت نظرة أخيرة على يحيى وخرجت من غرفته لتدلف للغرفة التي بها الفتيات. لم تنظر أو تحدثهن غير أنها تمددت على السرير وتدثرت جيداً لكي تسمح لعبراتها بالنزول. تلفتت الفتيات لبعضهن ثم شرعوا بالنوم مثلها.
شردت مكية بكلام يحيى هل حقاً لا يفكر بالزواج ولكن لماذا أعترف بحبه لها؟ ألتمست الصدق في حديثه. نفثت الهواء من رئتيها وكشفت الغطاء ثم خرجت تتمشى في الرواق الهادئ والمظلم نسبياً. لم يمنعها فضولها من إلقاء النظر على باب غرفة يحيى. فتحته بهدوء ونظرت له لتجده نائم. أغلقت الباب وتابعت طريقها لتجلس على مقعد خشبي وتنظر لنجوم السماء. تذكرت حديثه عندما قال لها بأنه يحبها. أبتسمت بأسى وقالت لنفسها:
"ما فيش حاجة حلوة بتكمل.. بس لما بتجيله النوبة هو قالي إنه بيهلفط بالكلام ومش بيكون في وعيه."
تنهدت بحزن وشعرت بملمس أصابع على كتفها. ألتفت للخلف لتجد رحاب تجلس بجواره. تفاجأت مكية فأبتسمت رحاب قائلة بهدوء تأكيد:
"أنتي بتحبيه يا مكية وهو بيحبك."
قربت إبهامها من عينها لتجفف عبراتها وردت بحزن:
"لأ أحنا مش بنحب بعض.. أنا بس زعلت عليه."
أردفت رحاب بهدوء ناظرة للسماء:
"من أول يوم في الكورس لما أحرجك قدام الكل ولما اتخطفتوا سوا وحصل الاتفاق بينكم.. وأنا قولت إن هتحصل قصة حب بينكم.. أنا مش عاوزة أعرف إيه اللي حصل بس كل اللي أقدر أقوله ماتستسلموش بسرعة."
تعجبت مكية من قول رحاب بشدة فتابعت كلامها:
"أنا عارفة اللي هقوله وقته فات.. بس أنتي طيبة يا مكية وتستاهلي اللي يحبك زي دكتور يحيى القاضي.. يلا ننام عشان هنصحى بدري ونمشي."
وقفت بجانبها ثم عاودوا الرجوع للغرفة.
***
في صباح اليوم التالي
تململ يحيى بثقل ثم أغمض فتح عينيه وأغمضهما عدة مرات. لاحظ يده المربوطة وأنه مرتدي تي شيرت. أعتدل ثم فرك رأسه بتذكر:
"هو حصل إيه امبارح؟ أنا مش فاكر حاجة غير لما.. لما كنت هنا."
أشار بأصابعه على المرآة المهشمة. الزجاج موضوع بجانب الحائط. تذكر القليل مما حدث معه ومع مكية ثم تنهد وحدث نفسه:
"كفاية عليها وعليا لحد كده."
نهض من فراشه ودلف للحمام ليغتسل. ثم أخبر الجميع بأنهم سيذهبون الآن بنبرة جادة قاتمة وكأن لم يحدث شيء. كانت مكية تستمع له فتأكدت بأن حديثه كان صادق. حزن وغلبها الأسى لفرحته الغير مكتملة. في خلال ساعة كان الأتوبيس أمام المبنى. استقل الجميع للذهاب والعودة لمنازلهم.
***
وصل الأتوبيس أمام (سنتر يحيى القاضي).
ترجل الجميع منه وتفرقوا للعودة لمنازلهم. أقترب يحيى من سيارته. وقبل أن يستقلها لمح بمكية تنظر له شزراً. أغلق باب سيارته بعصبية وأقترب منها.
تراجعت مكية للخلف وهدر بها بحدة خفيفة:
"مستنية إيه؟ ماتمشي زي اللي مشي."
ومشت عدة مرات وقالت بتعلثم خفيف محاولة إخفائه بالعصبية:
"أنت بتزعق ليه؟ هو أنت عندك انفصام في الشخصية.. ليه بتعلقني في السما وبعدين بترميي في الأرض."
رمقها بتهكم ورد عليها بنبرة استخفاف:
"دماغي فيها مليون حاجة وأنا مش فاضيلك.. قبل ما أنسى الأربع أيام اللي فاضلين.. أنتي حرة مش هطلب منك حاجة تانية وأتمنى إنك تنسي أي حاجة قولتهالك."
ثم أستدار بجسده وتحرك بضع خطوات. أغتاظت مكية من حديثه ولم تعرف ماذا تفعل ليشفي غليلها سوى أن تقترب من أصيص الزرع الكبير الموضوع بجانب السنتر ونبشت بعض من التراب المبلل المنغمس به الورود وألقته على ظهره. توقف يحيى بجمود ثم أستدار برأسه لينظر على كتفه المتسخ وألقاها نظرة غضب فقال بوعيد:
"أنتي كمان بتحدفي عليا طين.. أنسي اللي قولتهولك من ثواني.. الأربع أيام اللي فاضلين هخليهم أربع سنين جحيم ليكي."
ثم أقترب منها وأمسك معصمها وهزه بعصبية:
"استعدي للي هيحصلك."
ترك يدها بعنف لترتد خلفها وكلتا عينيها تحدجه بحنق وعاودت أبعاد الزهور وحدفه بالطين وهى تردد بتهكم:
"أنت بتعمل كده ليه؟"
وضع يحيى يديه أمام وجه وأوشك على أن يفعل حركة أخرى أنه سيقتلها. فعل مثلها وبدأ في إمساك حفنة من التراب وألقائه عليها قائلاً بوعيد:
"أنتي مش هتجيبيها البره."
تفت مكية بغضب محاولة إبعاد نفسها:
"أبعد هنتفضح.. الناس هتتلم علينا."
لم يرد عليها ليحمل الأصيص ويفرغ بعض من التراب عليها. طرحت مكية على الأرض وهو يردد بسخرية:
"على أساس من شوية الناس كانت هتسقف لنا."
أستفز مكية من حديثه لتمسك بالتراب بيديها وتحدفه في وجهه ثم أردفت بعصبية:
"هدومي اتوسخت."
أغمض عينيه وجثى على ركبتيه ثم فرك بها. أعتدلت مكية وحدثته بضيق متلفتة للجانبين:
"نهار أسود لو حد شافنا.. أنت إزاي تعمل كده.. أنا بريستيجي ضاع."
نهض يحيى من الأرض وألتقط بالأزهار الملقية بأهمال وحدفها على رأسها قائلاً بسخرية:
"شوية ورد عليكي.. قومي عشان لسة الشغل كتير أوي."
أبعدت الزهور جانباً ونهضت تنفض ثيابها. كانت ستتحدث لولا أقتراب فتاة منهم وصاحت بإنكار:
"دكتور يحيى؟! إيه اللي عمل فيك كده؟"
ثم ألتفت لترى مكية. علمت بأنها الفتاة المشهورة ولكن قالت بضيق مدعية عدم معرفتها:
"مين دي؟"
لم يرد عليها وشرع في إزالة التراب من ثيابه. فتابعت الفتاة بنبرة فخر:
"كويس إني قابلت حضرتك.. أنا كنت عاوزاك في موضوع."
رمقته مكية بغيظ فتابع يحيى بجدية:
"أنا ما أعرف اسمك حتى."
أحرجت الفتاة ولكن لم تسمح لمكية بالسخرية منها فتابعت بأستفزاز لمكية:
"من سنة كنت باخد كورس تنمية بشرية عند حضرتك كنت محتاجة أستشيرك في حاجة.. بس مش عاوزة رد من بنات بايرة وخصوصاً البتاعة دي."
شددت على آخر جزء من جملتها لتهين مكية مما سبب ليحيى الغضب في قوله:
"بنات بايرة؟! على أساس إن الرجالة مقطعة بعضها عليكي يا بايرة."
أبتسمت مكية ابتسامة عريضة. فتابعت الفتاة بحرج قليل ولكن نطقت بحدة خفيفة:
"نعم؟"
أردف بغضب حاول التحكم به:
"أنا مش دكتور نفسي."
أردفت مكية بسخرية كبيرة:
"بالسلامة يا ملبسة."
عضت الفتاة على شفتيها بغضب كبير ثم ابتعدت من أمام وجههم وهى تغمغم بكلمات حانقة. أبتسمت مكية له ولكن أختفت ابتسامتها عندما رأت وجهه الغاضب لها. خلع سترته وحدفها على وجهها بعصبية:
"اغسليها وابقي حضريلي عشا.. عارفة يا مكية لو رجعت ومالقيتش اللي قولته اتنفذ هرتب فيكي جناية.. ويا ريت تخلصي وتمشي."
عاود الأقتراب من سيارته ثم أدخل جسده العلوي وألتقط من تابلوه السيارة مفتاحاً وألقاه عليها بحنق:
"امسكي.. دي آخر نسخة حافظي عليها."
ثم استقل سيارته وأبتعد بها ليسمع صوت رنين هاتفه. ألتقطه وأجاب بنبرة جادة:
"نعم يا بابا."
أردف عاصم بهدوء:
"أنت مش هتيجي يا يحيى.. في موضوع مهم عاوزك فيه."
نظر يحيى لجسده المتسخ وقال بضيق خفيف:
"حاضر هجيلك دلوقتي.. سلام."
أغلق الهاتف وتوجه لوالده وهو يسب ويلعن مكية.
***
وصلت مكية أمام شقته ترددت في الدلوف أولا أم تذهب إلى شقتها وعائلتها. حسمت أمرها بفتح باب شقة يحيى. أغلقت الباب خلفها بهدوء وأقتربت من الحمام وغسلت وجهها ثم بللت ثيابها لتنظيفها.
أمسكت بجاكت يحيى بغضب وكورته بحنق:
"أنت مستفز يا يحيى.. وعندك انفصام في الشخصية.. إزاي بتحبني وازاي مش بتاع حب وجواز.. شكلك معقد."
وضعته بالمغطس وفتحت صنبور المياه لتغسله. بعد انتهائها دلفت لغرفة نومه وعلقته بالبلكونة. ثم أغلقت باب الشرفة بهدوء وجلست على الفراش بنفاذ صبر:
"أحضر له يطفح إيه ده كمان؟ ماهو أصل أنا الشغالة."
خرجت من الغرفة وتوجهت للمطبخ تعبث به. أعدت له مكرونة بالبشاميل وأخذ منها وقت بعد انتهائها. أخرجتها من الفرن ووضعتها على رخامة بالمطبخ ثم خرجت منه بملل. جلست على الأريكة وحدثت نفسها بتفكير:
"هو ليه بيعمل كده؟ ساعات بحسه بيحبني وساعات بحسه إنه بيهرب مني.. وآآآ..."
فتح يحيى باب شقته فأسرعت هي بدلوف غرفته بقلق:
"يالهوي ده قالي لو لقيتك هيرتكب فيا جناية."
ألقى نظرة للصالة ولم يسمع صوتها ليتأكد بأنها ليست موجودة. فك أزرار قميصه وخلعه ثم توجه للحمام ليغتسل. بعد انتهائه لف منشفة حول خصره وخرج وهو يجفف شعره بفوطة أصغر.
سمعت مكية دندنته لتلطم على وجهها بقلق:
"يالهوي ده هيعلقني في السقف."
فتحت خزانة ثيابه وأختبأت بها. فتح يحيى باب غرفته وأغلقه خلفه بهدوء. استمر بالغناء وهو يركض في سيره ليقرب كفه من مقبض الدولاب. وعندما فتحه صرخت مكية من منظر يحيى. وضعت أصابع يديها على وجهها فهدر بها بغضب:
"يخربيتك ده أنا كنت هقلع.. اخرجي برا."
أردفت مكية بتعلثم:
"آآه.. طب ابعد من سكتي.. إيه قلة الأدب دي."
رد عليها بسخرية أكبر:
"عوزاني أستحمى بهدومي؟.. أنتي بتبصي على إيه يا متحرشة.. اخرجي عاوز ألبس."
أفسح لها الطريق بينما مكية أستعدت للخروج بحرج ونطقت بحدة قليلة من نعته لها:
"أحترم نفسك أنا مش متحرشة يا قليل الأدب يا خريج كلية البجاحة والوقاحة."
رفع يحيى حاجبه للأعلى وأردف بسخرية:
"أنتي هتعيشي في الدور يا ممثلة.. اخرجي برا ولا عاوزاني أغير هدومي قدامك كمان."
خرجت مكية من الخزانة بحنق وخجل في آن واحد قبل غلق الباب. غرفته ثم همست:
"قليل أدب."
أتاها الرد من خلفها بسخرية:
"بس محترم."
أغلقت مكية الباب وأخذت حقيبتها الكبيرة وجرتها خلفها وحملت حقيبتها الأخرى الصغيرة على كتفها ثم خرجت من الشقة متوجهه للطابق الأعلى. أرتدى يحيى ثيابه وخرج ليعلم بأن مكية غادرت الشقة.
أقترب من المطبخ ونظر لصنية المعكرونة وأخذ قليل منها في طبق وجلس على المقعد ليأكل.
في غضون دقائق قليلة سمع طرق على بابه. نهض على مضض وفتح الباب معتقداً بأن مكية تريد منه شيئاً. خيب ظنه وقال بضيق:
"عاوز إيه؟"
دفعه للداخل وأغلق الباب خلفه ليتابع يحيى بسخرية:
"أنا كده خوفت يعني!"
أقترب من يحيى ولم يرد عليه بكلمة سوى إمساك التي شيرت وخلعه منه. أحتقن وجه يحيى فهدر به:
"نهار أهلك أسود.. ده أنا هقتلك."
رواية أقبلني كما أنا الفصل السادس عشر 16 - بقلم فاطمة الزهراء
دفع سيف يحيى ليختل توازنه ويجلس على المقعد، وتابع حديثه بنفاذ صبر:
"أنت بدر الدين."
أغمض يحيى عينيه ورد على مضض:
"مش هخلص من أهلك أنا.. لأ مش أنا بدر بتاعك ده.. أنا اسمي يحيى القاضي."
أمسك سيف برسغ يحيى وقربه من عينيه قائلاً بحدة خفيفة:
"الحظاظة دي بتاعة بدر صاحبي.. أنت أعمى مش شايف."
ثم تركها بعنف وشمر عن كمه قليلاً لتظهر حظاظته وتحدث بنبرة حزينة:
"نفس الحظاظة دي بس اللون يختلف.. أنا لسة محتفظ بيها.. عيونك الرمادية نفس عيون بدر."
رد عليه يحيى بسخرية:
"مش مبرر اني عشان لابس حظاظة وعيوني ملونة أكون بدر اللي بتدور عليه."
اشتعل الغضب بوجه سيف لينهض ويمسك يحيى من كتفيه بعنف:
"بس ده يثبت.. قوم ياض."
رمق يحيى سيف بحنق وهم بالحديث، ولكن سيف كان الأسرع بدفعه إليه وعاود خلع تيشرته من جديد. حاول يحيى إيقافه ولكن لم يعط سيف له الفرصة. ثم ثبته على الحائط وضغط على أثر الحرق.
"حرق النار ده كان في بدر.. مش معقول كل الحاجات دي وهتكون صدف في الأخر.. حاجة واحدة بس لسة مش شوفتها فيك لحد دلوقتي وهي ان صاحبي كانت بتجيله نوبة صرع.. عارف ليه؟"
شعر يحيى بأنه قاب قوسين وأختفى الجمود والسخرية التي كانت بوجهه. ثم رفع عينيه بأنكسار له ولم ينطق بكلمة سوى أنه تنهد عدة مرات ثم جلس على الأرض. علم سيف بحزن رفيقه بسؤاله السخيف ليتنهد هو الآخر ويقول بنبرة أسى عندما جلس أمامه:
"طمن قلبي.. أنت بدر الدين ولا لأ.. طب أنت زعلان مني عشان مشيت وسبتك.. لو في دي فأنت معاك حق وفعلا مازورتكش بس انا لماجتلك كنت أنت مش موجود في الدار.. أنا يمكن أتبهدلت زيك.. الراجل والست اللي أتبنوني كانوا فعلا الأب والأم اللي أتحرمت منهم.. لكن أبنهم الليمفروض يكون أخويا ديما يعاير فيا.. أنا كل اللي طالبه منك أنك تقولي أنا بدر صاحبك."
وضع سيف كفه على وجنة يحيى ونظر لأنكسار عينيه التي تحاول الهرب منه ليتابع سيف الحديث بتنهيدة:
"أنا مش بعايرك يا بدر.. انا صاحبك وأخوك الوحيد.. أحنا ولاد دار واحدة وعينا على الدنيا وأحنا مع بعض.. أكلنا من نفس الطبق.. أتغطينا بباطنية واحدة في الشتا.. أضربنا من علوية عشان بندافع على بعض."
ثم شمر أعلى رسغه لتظهر آثار إطفاء السجائر وقال بحزن:
"شايف حرق السجاير من علوية."
امتدت يد سيف على معصمه فوضحت آثار حرق إطفاء السجائر وتابع في قوله:
"حتى لما أتحرقنا كنا مع بعض.. ويوم ماتفرقنا عن بعض كان غصب عننا."
أنهى سيف حديثه ومازال ينظر لرفيقه. تنهد سيف بصوت مسموع ثم ربت عدة مرات على وجنة يحيى وقال بحزن خفيف:
"أنت عندك حق أنت مش بدر صاحبي.. أنا غلطت في العنوان وفي كل الصدف .. أنا ماشي ومش هجيلك تاني.. سلام.. يا.. يا يحيى."
نهض سيف وأدار جسده ليغادر، توقف عند سماعه لصوت يحيى الطفولي الحزين:
"أبقى زورني يا سيف لما تسكن عند أهلك الجداد وماتنسانيش."
إيماءة بسيطة لرأس سيف فنظر ليحيى ليجد العبرات متجمعة بمقلتيه. كانت تلك الجملة الأخيرة التي قالها بدر عند مغادرة سيف لعائلته الجديدة. أسرع بالأقتراب منه وجلس على ركبتيه ممسكاً بكتفيه وحدثه بلهفة:
"بدر."
أغمض يحيى كلتا عينيه فتدحرجت عبراته. جذب سيف جسد يحيى إلى حضنه وقال وهو يهدأه:
"أهدى يا بدر.. أهدى."
لف يحيى ذراعيه حول صدر رفيقه مثل طفل صغير تائه وجد من يستنجد به. مسد سيف على شعر يحيى ثم أبعده برفق ووضع كفيه على وجنتي يحيى يجفف عبراته بجدية:
"أنا جنبك.. بتعيط ليه؟"
رفع يحيى بصره للسقف ولم يعرف بماذا يقول غير أنه عاود النظر له وهو يهز رأسه منكساً رأسه. ربع سيف ساقيه وقرب أصابعه ليرفع وجه يحيى من ذقنه ثم ردد بأشتياق:
"وحشني اوي."
جفف يحيى عبراته وقال بجمود مصطنع:
"يحيى.. اسمي يحيى القاضي."
ضربه سيف بغيظ على صدره ونطق بحنق:
"هنبتدي من تاني."
تراجع يحيى للخلف أثر الضربة فعاود أحتضان رفيقه بصبابة مبالغ بها. هتف سيف بغيظ:
"فهمني بالله عليك.. في ناس أتبنوك بعد ما أنا مشيت وكتبوك بأسمه."
هز يحيى رأسه بالنفي ثم أردف بحشرجة:
"دي حكاية طويلة اوي يا سيف.. هقولهالك وهريحك."
استنشق يحيى دفعة من الهواء ثم زفره على مهل وبدأ في قص كل شيء حدث له منذ بداية خروجه من الدار الى لقائه الأول معه. كان سيف منصت له. فأردف بهدوء:
"طيب مش هقولك بدر يا يحيى.. بس أنت ليه كنت رافض تقولي انك بدر."
رد عليه بجدية قاتمة:
"خايف لاحسن لطفي يمسك عليا حاجة وكل اللي رتبه عاصم من سنين هيروح في ثواني."
واصل سيف سؤاله بريبة:
"طب ومكية سند ايه اللي جابها عندك في الشقة اخر مرة شوفتك فيها."
أجابه يحيى بتنهيدة خفيفة:
"دي حكايتها حكاية طويلة.. هقولك عليها وأنا باكل لإني جعان وأنت دخلت عليا زي القضا المستعجل."
نهض يحيى وأرتدى تيشرته وتوجه للمطبخ ونظرات سيف المتعجبة له. سمع صوت يحيى بسخرية:
"المكرونة بردت على دخلتك."
وقف سيف وتحدث بتفكير مقترباً إليه:
"أنا هعزمك على سمك وجمبري في مطعم ديما باكل منه.. اهو بعوض نفسي على ايام الدار اللي عشناها.. فاكر يا يحيى الأكل."
حدج يحيى رفيقه وقال بضيق:
"فاكر.. حاجة تسد النفس بس كنا بناكله غصب عننا."
فرك سيف برأسه ورد على رفيقه بنفس نبرته الحانقة:
"طب فاكر بير السلم اللي كنا بنتخبى فيه من علوية."
ولا قاطع يحيى حديثه بتهكم:
"تعالى نحدف بعض من البلكونة عشان نخلص من الذكريات اللي عاوزة الحرق."
فتح سيف الباب وأردف بجدية وهو يخرج:
"بسرعة عشان تكمل حكايتك مع مكية سند."
أتبعه يحيى في الخروج ثم أغلق خلفه الباب ودلفا للمصعد سوياً ثم نزل بهم للأسفل. أستقل يحيى بسيارة رفيقه وتوجه به لمطعم (الماريسكو). صف سيارته وترجل الأثنين منها داخلين للمطعم كان ممتلئ بالناس وعلى طاولة جالس جايدن مع رفائيل يتحدثون في أمر والديه.
تنهد رفائيل بنفاذ صبر:
"انا مش فاهم منك حاجة يا جايدن.. بصراحة من رأي انت مدي الموضوع أكبر من حجمه.. طبيعي أي أب وأم لما يموت أبنهم هيزعلوا.. مابالك أن ستيڤن مات قدامهم وعلى أيديه."
هز جايدن رأسه بنفي وهتف بحدة خفيفة:
"أنت طيب وعلى نياتك يا رفاييل.. الحادثة حصلت وماما كانت حامل فيا.. ستيڤن كان عنده سنتين.. والحادثة حصلت من ٢٦ سنة مع أشغال الدنيا لازمينسوا.. أنا مش اقصد انهم ينسوا خالص بس على الأقل يشوفوا حياتهم وحياتنا.. مش كل كام يوم يزوروا قبره وآآلم."
لمح جايدن بشابين واقفين يبحثون عن مكان فنهض وقال لهم بجدية:
"تعالوا أتفضلوا هنا."
توقف قسمات وجه سيف بصدمة كبيرة ثم قال بتعلثم معتقداً أنهم زبائن:
"لأ حضرتك ماينفعش."
نهض رفائيل وسارع بقول:
"حضرتك فهمت غلط.. أحنا أصحاب المطعم وكنا بنتكلم.. تعالوا أقعدوا.. أحنا أصلا ورانا شغل.. عن أذنكم."
لملم رفائيل محتوياته وأبتعد عنهم بسرعة بينما جايدن لاحظ تحديق سيف به فأبتسم بمجاملة له وتبع أخيه ولكن بخطوات هادئة.
كان يحيى يعبث بهاتفه ولم يبالي بحديثهم غير أنه يحدث مكية على تطبيق الواتساب:
"بكرة بعد ما تخلصي جامعتك عدي عليا في المشتل ضروري."
هاتف مكية في حالة نشاط ولكن لم ترد عليه فأغلق هاتفه ووضعه بجيبه. سار خلف سيف ثم رفع رأسه ليتفاجأ بشيء جعله ينظر لرفيقه بصدمة.
بادلوا بعضهم البعض نظرات كفيلة بأن يفهموا بعض. بتر سيف الصمت بعدم تصديق:
"ايه اللي أنا شوفته ده؟ خدت بالك؟"
قبل أن يرد يحيى عليه جاء النادل وأحضر لهم القائمة قائلاً بهدوء:
"أتفضل يا فندم."
أخذها يحيى بريبة وأنصرف النادل. نظر يحيى بها ثم عاود النظر خلفه بتعجب.
في اليوم التالي بشقة (أشرف سند). فرح الجميع بعودتها. حاول والدها أن يعتذر لها ولكن تجنبته في الحديث مدعية تعبها من الرحلة ومودة لم تسلم عليها بينما مكية لم تنتظر منها شيء.
أستيقظت مكية وتلقائياً أمسكت هاتفها تذكرت لم ترد على يحيى بالأمس ما أمره بها فكتبت له:
"حاضر."
وضعت هاتفها على الكوميدينو ونهضت. وقبل أن تخرج سمعت صوت هاتفها معلناً عن رسالة. عادت مجدداً وقامت بفتحه لتتفاجأ برد يحيى الساخر لها:
"لما أبعتلك رسالة تردي عليا في نفس الثانية مش اليوم التاني.. اصل انا مش ناقع ترمس."
ضغطت على هاتفها لتسجل صوتها بحنق:
"على فكرة كنت تعبانة وعاوزة أنام."
أرسلتها له والغيظ يشتعل بها. رد يحيى عليها برسالة:
"النت ضعيف مش عارف أسمعه."
عاودت تسجيل صوتها بنبرة عالية نسبياً:
"بقولك كنت تعباااانة وعاوزة أناااام."
كرر يحيى أجابته بسخرية:
"بقولك النت ضعيف مش عارف أسمعه.. أنتي هبلة؟!"
خبطت على جبهتها بحرج وألقت هاتفها على السرير وخرجت لتغتسل. بعد أنتهائها من فعل أولوياتها أرتدت ثيابها وأسرعت للذهاب لجامعتها. عند وصولها أنتظرت رفيقاتها ثم قامت بفتح هاتفها لتتصفح على النت. لم يسأل عليها أحد سوى رفيقاتها تسنيم وماريا فقط. تأكدت من كلام يحيى بأن تغلق النت وتنتظر من يسأل عليها. بل زاد السب واللعن عليها عندما علموا بخلع حجابها والكره الذي ملأ قلوبهم من ناحيتها. تنهدت بحزن:
"الظاهر كلام بدر حقيقي.. بس ليه قالي أنا مش بتاع حب ولا جواز.. هو ممكن يكون بيتسلى بيا.. طب ليه قالي على ماضيه بكل حاجة؟"
أحست بهمس خلفها. كانت ماريا تعبث بخصلات شعرها. أبتسمت لها مكية وقالت بحبور:
"وحشاني يا مير."
أحتضنتها ماريا وجلست بجوارها وقالت بمرح:
"الناس اللي بتروح رحلات وضاربة الكلية شوز قديمة."
أردفت مكية بهدوء هامس:
"شوز؟! انتي مش قولتي ان مامتك اسبانية."
أومأت ماريا برأسها وردت بأبتسامة خفيفة:
"فعلا ماما اسبانية بس عاشت في مصر أكتر ما عاشت في اسبانيا."
نظرت مكية لساعة هاتفها وقالت بجدية:
"فاضل ربع ساعة على المحاضرة وتسنيم لسة ماجتش.. أحكيلي باباكي اتعرف على مامتك ازاي؟ وازاي جات عاشت لمصر وأهلها وافقوا."
هزت ماريا رأسها بالنفي ثم شرعت في قولها الهادئ المختلط بالمرح:
"بابا مصري سافر لأسبانيا وهو عنده ٢٠ سنة عشان يدرس. أتعرف على ماما هناك كانت جارته وعندها ١٨ سنة. حصلت قصة حب كبيرة قعدت لمدة خمس سنين. ولما بابا حب يتقدملها أهلها رفضوا عشان عربي.. ماما كانت بتحب بابا جدا وأتحدت أهلها وسافرت معاه لمصر عشان يتجوزها. وهو كمان أهله رفضوا ازاي يتجوزمن غير مايقولهم وطردوا من البيت. وقتها كان عايش في السويس فجه للأسكندرية وعاش فيها والناس طلعت عليه الخواجة عشان أتجوز واحدة اسبانية. فتح مطعم اسمه الماريسكو ودي ترجمته بالاسباني مأكولات بحرية. وأحنا جينا على الدنيا وهى اللي سمتنا الاسامي الأجنبية. بس في حاجة غريبة ماما عيونها رمادية مافيش حد مننا أحنا التلاتة عيونه ملونة غير سودة زي بابا. أنا شبه بابا وجايدن شبه ماما ورافييل جمع بين بابا وماما."
ثم تذكرت لتهتف بأبتسامة:
"النهاردة عيد جواز بابا وماما.. عاوزة أحتفل أنا وأخواتي بيه عشان في شوية مشاكل.. تفتكري أجبلهم ايه؟"
صاحت مكية بحماس:
"ورد.. انا اعرف واحد بيبع ورد ومش اي ورد ده نادر ومش بيتزرع في مصر.. بعد مانخلص هاخدك ليه."
لمحوا تسنيم تلوح لهن فأقتربن منها وتوجهوا لحضور محاضرتهن.
بمنزل (عكاشة الأديب). صاحت ميسرة بيوسف بنبرة غاضبة:
"أنت هتفضل صايع مع أصحابك كل يوم."
جلس على الأريكة وفرد ساقيه على الطاولة ثم قال بأستفزاز:
"براحتي.. كل ده بفلوس ابويا وعشان سيف مايخدش حاجة."
جلست ميسرة بجواره وهتفت به:
"أنت جايب السواد اللي في قلبك من فين؟.. يا يوسف.. سيف أخويا."
هز رأسه بنفي مكملاً قوله بعصبية خفيفة:
"لأ مش أخويا.. سيف أتربى وعاش في دار أيتام.. أنا مش عارف أنتو ليه جبتوه.. ربنا رزقكم بيا لازمتها ايه انكم تتبنوه؟"
ردت عليه ميسرة بتنهيدة حزينة:
"عشان تكبر ويكون معاك أخ في ضهرك."
نهض يوسف وكان سيغادر ولكن أمسكته ميسرة من رسغه بجدية:
"أستنى انت رايح فين؟"
دفعها من كتفها وهتف بضيق:
"مالكيش فيه."
لم ينتظر منها رد وتابع في سيره مغادراً للمنزل. حدثت ميسرة نفسها بحزن:
"سيف اللي ماشلتهوش بطني أحن منك يا يوسف."
في مزرعة (عاصم القاضي). دلف فارس لمكتب يحيى وسأله بتوجس:
"عاوز أتكلم معاك يا يحيى."
نهض يحيى وأرتدى جاكت بدلته ثم قال بجدية:
"تعالى نتمشى وسط الزرع."
أغلق باب مكتبه وتوجها للسير ثم تابع بسخرية:
"سامعك."
زفر فارس ثم أردف بسرعة:
"أنا عاوز أتجوز رواء وخالي لطفي رافض بفكر أتجوزها من وراه.. ايه رأيك."
وضع يحيى يديه في جيب الجاكيت الجلدي وأطلق صفيراً فتعجب فارس ثم قال بجدية:
"هاتوقف."
يحيى ورد عليه بنبرة ساخرة محدقاً بوجهه:
"ها ايه؟ عاوزني اقولك مبروك."
فرك فارس رأسه وقال بعدم حيلة:
"عندك حل تاني.. انا باخد رأيك."
تابع سيره ثم نطق بلامبالاة:
"أنت مش بتاخد رأيي.. انت عاوز تريح نفسك.. شوف أنا بكره لطفي بس مش ده الحل يا فارس.. اللي بيحب مابيسرقش."
استأنف فارس الحديث بحنق:
"انا مش هسرقها انا هتجوزها على سنة الله ورسوله.. محدش هيقدر يعايرها."
ابتسم يحيى بأصطناع ثم تحدث بجدية:
"هيعايروها انها أتجوزت من ورا أهلها حتى لو حلال.. اللي بيحب مابيحبش حد يعاير حبيبه او يقلل من كرامته او حد يذله.. نظرة الذل والكسرة مايستحملش يشوفها في عيونها."
أنصت فارس لقول يحيى بتعجب ثم قال بإنكار:
"يااااه يا يحيى انا مش مصدق انك بتقول كده.. أنت بتحب؟"
رمش بجفني عينه وزاغت نظراته على الأشجار فتابع فارس حديثه بخبث:
"دي شكلها قصة جميلة بس مين اللي حبيتها؟ بص خليني أخمن.. أنت عيونك رمادية وشكلك حلو فأكيد هى هتكون عيونها زرقا وشعرها أصفر.. دي ممكن تكون أجنبية بس أتعرفت عليها فين دي؟"
لكزه في صدره بسخرية فأردف يجيبه:
"أنت كمان أتخيلت شكىها وأصلها.. تصدق انا غلطان اني نصحتك وانت اصلا تافه."
أسرع يحيى في خطواته ليهتف به فارس وهو يمسكه من معصمه:
"أنت رايح فين؟"
أبعد يحيى معصمه من فارس قائلاً بنفاذ صبر:
"رايح لمشتل الورد."
توقف فارس ثم صاح بأبتسامة:
"والله بتحب يا يحيى."
انتهت مكية من يومها الجامعي وأصطحبت ماريا الى مشتل ورد يحيى. عند وصل السيارة بهم ترجلت مكية بأبتسامة من سيارة الأجرة وخلفها ماريا المتعجبة.
سارت مكية بسرعة لتوقفها ماريا بقلق:
"أستني يا مكية.. ازاي ده مشتل لبيع الورد في حتة مقطوعة ولا فيها أنس ولا جن.. انتي تعرفي المكان ده ازاي؟"
أمسكت مكية ذراع رفيقتها ودلفت بها للداخل وهى تقول بحبور:
"لما بكون مخنوقة باجي هنا."
تجمدت ماريا عند رؤية ظهر يحيى يقوم بسقي الزهور. ألتفت لهن لتشهق ماريا بصدمة. نظر لها ثم لمكية بتساؤل فاسرعت بقول:
"ماريا صحبتي.. عاوزة تجيب هدية لباباها ومامتها وأنا اقترحت عليها الورد من هنا."
لاحظ تحديق ماريا به فأومأ رأسه ثم نطق بهدوء مصطنع:
"أتفضلي.. شوفي اللي يعجبك."
مازالت ماريا ثابتة محدقة به. ألقى نظرة لمكية فتحدث بتعلثم:
"ماريا.. أختاري الورد اللي يعجبك."
هزت رأسها وأبتعدت قليلاً عنهم ثم أنشغلت بالبحث عن الزهور. تقدم يحيى ليقف بجوار مكية وهمس بوعيد وبحركة بسيطة بواسطة إبهامه وسبابته قرص وجنة مكية:
"أنتي هتتجملي على قفايا.. أنا ماببعش ورد ولا بسمح بقطف الورد."
كانت ستصرخ بألم ليضع قبضته على فمها ثم رمقها بتحذير. أبعدت مكية يده وتوسلته بنبرة منخفضة ممزوجة بألم:
"دي صحبتي والنهاردة عيد جواز باباها ومامتها."
وصاله سؤاله المنخفض بحيرة:
"هى بصتلي كده ليه؟"
مطت مكية شفتيها بعدم معرفة وتابعت فرك وجنتها برفق لتستدير ماريا مبتسمة:
"أنا هاخد من ده بس اسم الورد ده ايه؟"
جز يحيى على أسنانه وقال بجمود:
"هدراج.. أقطفي اللي نفسك فيه."
زادت أبتسامة ماريا ولم تبخل في قطف الزهور. كانت مكية بين الحين والآخر تلقي نظرة ليحيى لأنها تعلم ذلك يسبب له الإزعاج. أقتربت ماريا ممسكة بباقة من الزهور العطرة أعطتهم لمكية وفتحت حقيبتها لتخرج من نقود ومدت يدها ليحيى بجدية:
"أتفضل."
حدجها بضيق ثم قال بجمود:
"شكرا بس أنا مش ببيع عشان أخد فلوس.. أنا سبتك تقطفي ورد عشان مكية."
تغير قسمات مكية للفرح الشديد مدعية عدم سماعها. فتابعت ماريا برفض:
"بس ده حقك."
رمقها بغضب وأدار جسده لها. أكملت مكية بأبتسامة:
"اسمعي الكلام يا ماريا.. ويلا عشان ماتتأخريش."
أخذت منها باقة الزهور وهى تحاول وضع نقودها مجدداً بالحقيبة. لم تلاحظ بالذي وقع منها. سارت مع رفيقتها مكية وقبل الخروج لمحه يحيى فقال بجدية:
"استني يا."
أنحنى قليلاً ليأخذ قلادتها الذهبية ثم تابع بفتور:
"وقع منك."
أخذته ماريا وسارعت مكية بقول:
"شوفتي أهو وقع منك.. ربنا ستر انه وقع هنا وماوقعش في حتة تانية."
أردفت ماريا بأبتسامة مجاملة:
"شكرا لحضرتك."
عاودت الخروج مع مكية حتى أنها سبقتها. تحدث يحيى بصلابة مصطنعة:
"مكية انا لما قولتلك على المكان ده ماكنش قصدي انك تجيبي اصحابك هنا.. الورد انا زارعه عشان بحبه مش عشان أبيعه أو أقطفه."
ثم نظر لعينيها وتابع بتنهيدة طويلة:
"أتمنى انك ماتجيش هنا تاني."
استمعت مكية له وأومأت رأسها بموافقة بعد أنتهائه من الحديث:
"حاضر.. وعد مني مش هاجي تاني."
تجمد وجهها وسارت من أمامه غير مبالية له ثم أغلقت الباب الزجاجي خلفها. جلس يحيى على الأريكة ووضع كفيه بين صدغه وقال بحزن:
"غصب عني واللهي."
رواية أقبلني كما أنا الفصل السابع عشر 17 - بقلم فاطمة الزهراء
انحنى قليلا ليأخذ قلادتها الذهبية ثم تابع بفتور:
وقع منك.
أخذته ماريا وسارعت مكية بقول:
شوفتي أهو وقع منك.. ربنا ستر إنه وقع هنا وما وقعش في حتة تانية.
أردفت ماريا بابتسامة مجاملة:
شكرا لحضرتك.
عاودت الخروج مع مكية حتى إنها سبقتها.
تحدث يحيى بصلابة مصطنعة:
مكية أنا لما قولتلك على المكان ده ماكنش قصدي إنك تجيبي أصحابك هنا. الورد أنا زارعه عشان بحبه مش عشان أبيعه أو أقطفه.
ثم نظر لعينيها وتابع بتنهيدة طويلة:
أتمنى إنك ما تجيش هنا تاني.
استمعت مكية له وأومأت رأسها بموافقة بعد انتهائه من الحديث:
حاضر.. وعد مني مش هاجي تاني.
تهنجم وجهها وسارت من أمامه غير مبالية له ثم أغلقت الباب الزجاجي خلفها.
جلس يحيى على الأريكة ووضع كفيه بين صدغه وقال بحزن:
غصب عني والله.
رواية أقبلني كما أنا الفصل الثامن عشر 18 - بقلم فاطمة الزهراء
رواية اقبلني كما انا
(الفصل الثامن عشر)
.......................
صاح لطفي باستفزاز: يا يحيى
أبتعد يحيى عن مكية ثم أقترب من الباب وقبل أن يفتحه حدثها بجدية: ماتخرجيش مهما حصل برا
أومأت رأسها بتوتر، تابع يحيى خروجه واغلاق الباب ليقترب من لطفي وهو يقول بصلابة: نعم يا عمي.. في حاجة؟
أبتسامة مزيفة على ثغر لطفي متعمدا قوله المستفز: هو في حد جوا؟
هز يحيى راسه وقال بجمود: لأ.. في حاجة حصلت؟
جلس لطفي على صخرة ثم نظر لأبن أخيه وتنهد في قوله: يعني يرضيك اللي أبوك عمله.. ده أنا أخوه ازاي يطردني من المزرعة
لوى يحيى فمه على مضض ليرد عليه بتأكيد: وأنت يرضيك يا عمي تدخل مواد مسرطنة للزرع
تصلب جسده ونهض مسرعة وقال بحزن مزيف: صدقني ماكنتش اعرف يا يحيى.. الناس اللي قالولي لما السماد ده يدخل المزرعة هيخلي الخضار والفواكه تمون صحية.. أستغلوا جهلي.. قول لأبوك انه يسامحني عشان أرجع للشغل
بالطبع يحيى متيقن بأنه يكذب ويرواغ أراد ان يبعده عن المشتل فقال مجاريا له: حاضر يا عمي هبقا اقوله
أبتسم لطفي ثم تابع بحزن مصطنع: شكرا يا ابني.. يعلم ربنا انا بحبك قد ايه.. ده أنت اعز من بنتي رواء
أبتسم بأصطناع له ولم يرد عليه ليلقي لطفي نظرة المشتل وهمس بلؤم: انا مش هأخرك على الورد بتاعك.. سلام يا يحيى
أدار لطفي جسده والابتسامة المكسورة أختفت لتظهر ابتسامة شيطانية حدث نفسه بوعيد: هقتلتك. انت وابوك وهمشي في جنازتكم بس الصبر
غادر لطفي مشتل الورد والخبث يتساقط من عينيه تبعته أعين يحيى حتى استقل سيارته ورحل عن ناظريه فرك في شعره ودلف لمكية
أنتفضت بهلع سرعان ما هدأت وهى تقول: مين اللي برا؟
أقترب منها وقال بصوت جاد: ماتشغليش بالك.. المهم روحي انتي دلوقتي
أبتسمت بخفوت وأحكمت امساك الوعاء الذي يحتوي على الزهور وقالت برضا: شكرا
رفع حاجبه وأردف بتساؤل: على ايه
زمت شفتيها وأكملت قولها: على كل حاجة
خرجت من المشتل وعلى ثغرها أبتسامة كبيرة للمرة الأولى يتم مصالحتها بكريقة تعجز عن الوصف، هل خاطرها غالي ليحيى لهذه الدرجة، الحال عنده شعر بالسعادة عند رؤيتها مبتسمة
.......................
وصلت مكية لمنزلها بحماس وفرحة فتحت باب الشقة بصعوبة وحينما دلفت أغلقته بقدمها، رأتها هالة تعجبت من أبتسامتها لتسألها بحيرة: مين اللي جبلك الورد ده؟
ألتفت لها وأجابتها بأبتسامة: يحيى
رمشت هالة وتابعت سؤالها: يحيى مين؟
وضعت مكية الوعاء الزجاجي وصاحت مبتسمة: يحيى القاضي.. الدكتور اللي كنت باخد كورس تنمية بشرية وكان ساكن جنبنا في الدور
عقدت هالة حاجبيها بعدم فهم ثم قالت بتردد: انتي مش بتقولي انك بطلتي تروحي الكورس.. طب ليه يجبلك ورد؟
تعلثمت قليلاً فنطقت بهدوء مرتبك: آآ.. دكتور يحيى معاه مشتل ورد وهو شافني.. وقالي خديهم.. دعاية للمشتل بتاعه
أومأت هالة براسها وقالت بجدية: طب خليهم في الصالة هيكون أحلى
أتسعت مقلتي مكية ثم أردفت بنفي: لأ.. دول هيكونوا في أوضتي.. مش هعطلك سلام
دلفت لغرفتها تحت نظرات والدتها المتعجبة أقتربت مكية من مكتبها وأزاحت بذراعها الكتب لتقع في الارض ووضعت الوعاء عليه بأبتسامة
أمعنت النظر بالزهور الجميلة ذات الرائحة العبقة ثم همست من بين شفتيها: أنا بحبك اوي يا بدر وعمري. ماهفضح سرك.. كل اللي بتعمله معايا ده أكدلي أنك انسان جدع وشهم.. بحبك.. يخربيت حلاوة أمك.. أنت جايب الحلاوة دي من فين؟
......................
دلفت مودة للشقة بعد عودتها من المدرسة وضعت حقيبتها على الارض وقالت بتعب: جعانة يا ماما أوي
سارت هالة متوجهة للمطبخ وهى تقول بجدية: هحضر أكل ليكي انتي ومكية
تصلب وجهها وقالت برفض: لا يا ماما انا هاكل لوحدي.. مكية مابتكلمنيش
لوت هالة فمها بحنق اثر حديث أبنتها: انتي اللي غلطتي يا مودة لما فضحتي أختك ونزلتي صورها بالحجاب على النت
أردفت مودة بضيق شديد: وهى مش غلطت لما قلعت الحجاب؟
جزت على أسنانها وواصلت الكلام على مضض: وافرض غلطانة.. ربنا ساترها انتي ليه تفضحيها.. الناس اللي شتمت أختك مش شتمتها هى بس.. شتمتني انا وابوكي.. عيب اللي بتعمليه ده؟
وكمان ديما بتعايري فيها وعلى الوحمة.. وانتي عارفة أنها بتضايق.. أختك حبيبتك مالكيش غيرها هى ومريم.. روحي صالحيها في الأوضة
هتفت مودة بغيظ ممزوج بأستفزاز: لأ.. مش هروح ومش هاكل معاها أنا مابحابهاش
صرخت هالة بحدة: أحترمي نفسك وانتي بتتكلمي عن أختك الكبيرة.. غوري غيري هدومك.. قلة أدب
سارت بقدميها وهى تطرق الارض بغضب ثم دلفت لغرفتها وأغلقت خلفها الباب بعصبية، كانت تنصت مكية للحديث لتققر الخروج وسؤال شقيقتها عن تلك العداوة قتحت باب غرفة مودة ودلفت للداخل
التفتت مودة وقالت بنفاذ صبر: عاوزة ايه؟
جلست مكية على الفراش وهمست ببرود: وطي صوتك وانتي بتكلميني.. أنا مش طرشة بسمع كويس
ثم سألتها ببرود اكبر: ايه بقا سر الكره ليا هو انا كنت جيت جنبك
كان الفتيل الذي اشعل مودة لتصرخ بغضب: أشمعنا أنتي تكوني مشهورة رغم الوحنة اللي في وشك؟ ليه بتستغلي الناس بيها؟ انتي انانية اوي
تابعت مكية الحديث بهدوء بارد مستفز: انا يمكن كنت بستغل الناس بيها عشان الم فلورز بس من يوم ما سربتي الصور الناس اللي كانت بتشجعني
شتمتني وأنا عرفت انهم بيتعاطفوا شفقة.. وقتها عرفت اني مش هستنى من حد انه يقولي كلمة حلوة زي الشحاتة.. أنا حبيت نفسي اوي بالوحمة
نهضت مكية وقبل ان تهرج قالت لشقيقتها: مش عاوزة الشهرة ولا عاوزة تشجيع من حد.. انا بحب نفسيزي ما هي
ثم أغلقت خلفها الباب بهدوء وجلست تشاهد التلفاز بالصالة بدون اكتراث
......................
في مطعم (الماريسكو)
دلف السكندر الى مكتب ابنه جايدن وتحدث بجدية: فين رفاييل؟
مط جايدن شفتيه بفتور قائلا بلامبلاة: معرفش
جلس السكندر على المقعد الذي قابلة مكتب أبنه ثم أستطرد بهدوء: مالك يا جايدن.. بقالك كام يوم متغير.. في حاجة شايلها في قلبك ونفسك تقولها
حرك جايدن راسه للجانبين وأردف بتنهيدة طويلة: لا يا بابا مافيش حاجة انا كويس
ربت على يد ابنه ونهض ثم قال بعزم: براحتك.. أنا هقعد تحت شوية وبعدين همشي.. سلام
لم ينتظر رد من أبنه وغادر صافقاً الباب خلفه ليخرج جايدن هاتفه من الدرج ويهاتف أخيه بعد دقائق هدر جايدن: أنت فين؟
.......................
في المساء واقف رفائيل على الطريق والسيارة معطلة به هتف بحنق في الهاتف: في الطريق يا جايدن.. كاوتش العربية فرقع ومامعيش استبن.. ماتيجي تاخدني
أبعد رفائيل الهاتف من اذنه بدهشة: أنت بتقفل في وشي ليه؟ ايه الندالة دي
جلس على السيارة بضيق شديد لعل وعسى أحد يقابله في الطريق تناسى رفائيل نفسه بالعبث بالهاتف ليسمع صوت شاب يقول: محتاج مساعدة؟
رفع بصره له وانزله ثم عاود رفعه بهلع وعدم تصديق: ايه اللي انا شايفه ده؟!!
كرر الشاب سؤاله بتريث: محتاج مساعدة
أومأ رفائيل راسه فقفز من فوق السيارة وهو مستمر بالتحديق بالشاب أخيراً نطق بقول: فردة الكاوتش. فرقعت لو معاك استبن هتكون عملت معروف معايا
أومأ الشاب برأسه وقام بفتح حقيبة السيارة ليهرج كاوتش وعدته أقترب رفائيل منه وعاونه بحمل المتاع جثى الشاب على ركبتيه وبادر في فك عجلة السيارة ورفائيل يمد له الأدوات بعد الأنتهاء نفض الشاب يديه ثم أسرع رفائيل بقول: شكرا خالص ليك
أومأ براسه وهو يقول: مافيش شكر.. دي حاجة بسيطة
ليمد رفائيل كفه وقال بجدية مصطنعة: رفاييل الخواجة
صافحه الشاب ونطق بجدية: تشرفنا.. وأنا يحيى القاضي
تعجب يحيى من تحديق رفائيل به فأردف بتنهيدة: طب أنا همشي
قاطع رفائيل بالقول بسرعة: آآ.. أستنى.. أنا حاسس اني شوفتك قبل كده
دقق يحيى النظر به لكنه لم يتذكره فقال بمرح: جايز.. الاسكندرية اوضة وصالة
أكمل رفائيل حديثه بأبتسامة: ابويا فاتح مطعم اسمه الماريسكو لو تعرفه؟ ابقا تعالى في يوم عشان نتقابل
توقف يحيى وتذكر اسم المطع آنذاك ثم أستأنف بتذكر: انا روحت المطعم ده قبل كده مع صاحبي.. ان شاء الله هاجي تاني عجبني الأكل
سأله رفائيل مستفهما: أنت جاي من الشغل؟
أومأ برأه وهو يمط شفتاه بجدية: آه.. أبويا صاحب مزارع القاضي للخضار والفواكه
صاح رفائيل مهللا عند ذكر الأسم: مزارع القاضي انا اعرفها كويس ديما بسمع عنها.. أنتو أكيد بتبيعوا بسعر الجملة؟
هز يحيى رأسه بموافقة فواصل رفائيل القول: أحنا اخر مرة أتخانقنا مع مزرعة تانية عشان الخضار بتاعها مش كويس.. يبقا نشتري الخضار والفواكه منكم.. هات رقم موبايلك ولا اقولك خد سجله
أعطاه هاتفه ليدون يحيى برقمه له أخذ رفائيل الهاتف مجدداً وأبتسم له: هبقا أرن عليك يا يحيى
بادله أبتسامة بسيطة ثم أستقل سيارته وغادر امام ناظريه تعحب رفائيل ليخبط كف على أخر: انا مش مصدق عنيا.. بس كل حاجة جايز.. يخلق من الشبه أربعين.. ده شبه جايدن وأمي بالظبط
........................
وصل يحيى اسفل العمارة ثم صف سيارته ودلف لداخل المصعد عند وصوله للطابق الذي يمكث به تفاجأ بمكية جالسة على درجات السلم أبتسمت له
ثم سألها بفضول: بتعملي ايه هنا؟
أقتربت منه وعلى وجهها ابتسامة منقوشة فقالت بحب: كنت مستنياك عشان أقولك انا فرحانة انك ظهرت في حياتي.. اول مرة افرح بالشكل ده
لمعت برأس يحيى فكرة فأردف بحبور: أنا عاوز أوريكي مكان بحبه محدش يعرفه غيري انا
ركضت مكية للأعلى وهى تردد: هغير هدومي وهاجي معاك ثواني
دلفت لداخل الشقة وأسرعت في أرتداء ثيابها وقالت لوالدتها بأنها ستخرج لتحضر بعض الأشياء لدراستها وانها لن تتأخر عند نزولها للطابق الأرضي أعتقدت بأن يحيى ينتظرها بالسيارة
تفاجأت بأنه جالس على دراجة نارية باهظة ااثمن وممسك بيده خوذة متينة أقتربت والفضول يسأله بنظرات عينها: انت عندك موتسكل؟
أومأ رأسه بأبتسامة وشرع في قول: تعالي اركبي ومش هأخرك ساعة زمن
مد يده بالخوذة لتأخذها وترتديها ثم ركبت خلفه وأحكمت على رقبته بخوف شديد شعر بأنه سيختنق فأمسك بيديها ولفها حول خصره وقال بسخرية: أجمدي كده.. لسة ماتحركناش
رددت مكية بهلع: سوق براحة أنا اول مرة أركب موتسكل
أجابها بأستفزاز: انتي تؤمري يا بازروكسيا
أسرع يحيى بالقيادة وأنطلق بها لتصرخ بخوف: بـــــراااااااحـــــة.. انا خايفة اوي
لم يعبأ بحديثها وأستمر بالقيادة بسرعة فائقة حتى وصل الى "قلعة قايتباي" همس يحيى بحشرجة: وصلنا
أفلتت يديها ونظرت لمكان مظلم نسبيا فقالت بتعجب: احنا فين؟
ترجل يحيى من الدراجة النارية وأجابها بتلقائية: قلعة قايتباي.. تعالي
ترجلت خلفه بحذر ثم خلعت خوذتها ومدتها له، وضعها على الدراجة وأمسك كفها وسار بها ليتجولوا سويا، وصلوا عند البحر فجلس يحيى على الصخرة ومكية بجواره أردف يحيى بجدية: ده مكان من الامكان اللي بحب أزورها ديما
كانت مكية فرحة لتقول بأبتسامة: اسكندرية حلوة أوي.. زمان لما كنت باجي لجدي وجدتي ماكنتش بروح اماكن كتيرة زي دلوقتي... انا كده عرفت الأماكن اللي بتحب تقعد فيها، المزرعة والسنتر والمشتل والقلعة
زفر يحيى على مهل ثم حدق بمقلتيها ورد عليها بثقل: في مكان تاني لسة ماتعرفهوش
عقدت حاجبيها لتعصر مخها متذكرة شيء ولكن دون جدوى، فتابع يحيى بصلابة: المكان اللي لقوني فيه لما كنت عيل.. ديما بروحه
ضغطت مكية على كف يحيى تطمئنه وتربت عليه لا اراديا أبتسم لها بخفوت لتهمس بجدية: أنسى الماضي يا بدر.. عشان تعرف تعيش الأيام الحاضر والمستقبل
أردف بسخرية بسيطة: انا عايش في الايام اللي ياليتها تعود يوما
بللت شفتيها وقالت بتريث: أنت ليه رافض انك تتعالج.. ماتخفش يا بدر أنت مش محتاج دكتور نفسي انت هتتعالج زي اي مريض دوا
نظر يحيى في حدقتيها وتابع مستمر بالتحديق بعينها: النوبات جاتلي أكتر لما عرفتك انتي وسيف صاحبي.. يمكن عشان افتكرت حاجات محروم منها بس أنا بعرف أتأقلم معاها
وضعت مكية كفها على وجنة يحيى وهمست بصدق: أتعالج عشاني
ربت على ظهر يدها ثم أومأ رأسه لتقول بجدية: يعني ايه حب بالنسبالك؟
تحدث يحيى بصراحة: الحب.. نار بتحرق.. الحب بيحرق كل واحد بشكل مختلف احيانا وجع وألم لو اللي بتحبه مش موجود مابيكونش ليه لازمة
بيكون تقيل على واحد.. وأوقات مابيكونش ليه أهمية عشان لأنه بيكون روتين في حياتك سهل انك تتخلص منه.. وفي ناس معندهش حاجة اسمها حب بيكون شهوة ورغبة والحب بريء منهم
بس الحب الحقيقي انك تحب حد لنفسه وتقبله زي ما هو وتتخانقوا على حاجات تافهة، كل ده بينتهي بالجواز لما تصحى بالليل وتحس بحرارة من الناحية التانية بتبص عليه بيكون هادي وبريء بتبوسه على خده براحة عشان مايصحاش وترجع تنام.. الحب أمان وغيرة
أبتسمت مكية على الحديث الرائع الذي لمس قلبها فاستطردت بتذكر: بخصوص الغيرة بقا.. بلاش تتكلم مع بنات انا صحيح ماشوفتكش بتكلم بنات بس ابعد عنهم وماتبتسمش عشان قلبي بيدق بسرعة
تلقائيا ابتسم يحيى وهو ينظر بوجها فسبب لها الخرج ولكن أخفته بقولها: وآآ
قاطعها يحيى بسخرية: حاضر وهلبس واسع وهدخل شعري جوا الطرحة
عضت شفتها السفلية بحرج ليقول بعزم: يلا عشان أروحك
نهض يحيى ومد يده ليرفع مكية وعاودوا امام القلعة ثم أستقل الدراجة وهى خلفه متشبثة برقبته ليكرر ما فعله وضع ذراعيها حول خصره
ثم أسرع ليعود للعمارة عند وصوله لها ترجلت مكية اولا وسألته بفضول: انت مش هتطلع فوق؟
أخذ منها الخوذة وأتكأ بكوعه عليها وقال بنفي: لأ هروح الڤيلا.. سلام
كان يتحرك ولكن أوقفته مكية بسرعة: طب أستنى أستنى.. أنت مش هتقولي خلي بالك من نفسك
رمقها بحنق ليقول باستخفاف: على اساس انك هتنامي على ضهر جمل.. أمشي يا مكية وركزي في كليتك ودراستك
أدار دراجته وأبتعد عنها وهى محدقة به وعلى وجهها شبح ابتسامة دلفت لمدخل العمارة ومن ثم المصعد
.......................
بعد مرور اسبوع أنتظمت مكية بحضور كليتها بينما يحيى تابع عمله بالذهاب للمزرعة هو وفارس الذي استأذن بمغادرة المزرعة ليقابل رواء
جالسين بمطعم (الماريسكو) قطع الصمت فارس بهدوء: عاملة ايه يا رواء
أجابته بخفوت حزين: مش كويسة يا فارس نفسي بابا يوافق على جوازنا
ارتشف فارس العصير وابتسم في حديثه بمرح: براحة يا رواء انا بتكسف
جزت على اسنانها بغيظ ونطقت بنفاذ صبر: مش وقت هزار يا فارس اتكلم جد
هم بفتح فمه ليلجم لسانه عندما رأى جايدن يدلف لداخل المطعم أتسعت حدقتيه وردد بصدمة: مش معقول
رفعت رواء حاجبها بدهشة: هو ايه ده؟
تحدث بذهول وهو مستمر بالتحديق حتى أختفى: شبه يحيى
ألتفت خلفها ولكن لم تجده لتعاود النظر إليه على مضض: انا مش فاهمة حاجة.. مين ده اللي شبه يحيى
أمسك بكوباية العصير وتابع في قوله: يخلق من الشبه أربعين فعلا
.....................
أتفق يحيى أن يقابل مكية بعد خروجها من كليتها وكان الموعد في المغرب بعد أنتهائه من عمله لمدة اسبوع لم يراها او يستفزها لأنشغاله وأنشغالها
أستقل دراجته النارية وتوجه الى مشتل الورد خاصته عندما قارب الوصول اصدر هاتفه صوت معلنا عن رسالة أخرجه من جيبه الهاتف ونظر به
كانت رسالة لمكية تقول له: وحشتني
دون لها بعض الكلمات لتأتي سيارة من خلفه وتدفع يحيى بالدراجة بقوة فأرتطم بقوة على الأرض
زرفت الدماء الحارة على الأسفلت وفقد وعيه
......................
صاح لطفي بسعادة في هاتفه: هى دي الاخبار اللي تفرح.. اصرفي فلوس كتيرة للرطالة يا شيبوب وبعدين هحاسبك
أغلق لطفي هاتفه بوجه شيبوب ثم دسه بداخل جيبه بدون اكتراث وهرول للاسفل ليصرخ بحزن مصطنع: الحق يا عاصم.. قتلوا يحيى.. قتلوه
بالاسفل جالس لطفي مع رواء وفارس، تابع في بكاءه المذيف: قتلوه.. قتلوا يحيى.. عمل حادثة يا عاصم
صرخ علصم بغضب منكرا لجملته: انت بتقول ايه؟ مين قتل مين؟
اقترب لطفي منه واردف باهتياج: في ناس كلمتني وقالتلي.. يحيى عمل حادثة وحالته خطيرة بين الحيا والموت
رمقه عاصم بحدة ثم هدر به: أنت بتخرف تقول ايه؟ ابني عايش مامتش يا لطفي وآآ
لم يستطع اكمال حديثه ليقع على الارض حاول فارس امساكه وهو يهتف: يا خالي
........................
كانت مكية بسيارة الاجرة توقف السائق عن القيادة فجأة سألته مكية بفضول: وقفت ليه؟ لسة فاضل شوية
حدثها وهو ينظر بالمرآة بعدم حيلة: مش هقدر أكمل أكتر من كده الحتة دي مقطوعة.. انتي تعرفي مين اصلا هنا؟ وجاية ليه؟
أخرجت من حقيبتها مبلغ من المال واعطته له ثم ترجلت من السيارة بضيق، أدار السائق سياؤته وغادر مسرعا من تلك المنطقة
سارت مكية بهلع في الطريق ولكن نظرت للسماء التي تحولت للون البرتقالي استمرت بالمشي وهى تعبث بهاتفها تعجبت من عدم رد يحيى لها
رفعت بصرها للطريق لتتفاجأ بدراجة يحيى النارية ملقية بعدم اهتمام مكسرة في بعض المناطق
سارت إليها وقالت بقلق: يا ستار يارب.. موتسكل بدر بيعمل ايه هنا؟ طلعت عليه بلطجية؟
ثم نظرت للأمام فرأت شخص ممدد على الارض بدون اهتمام اقتربت منه بتوجس وهى تدعو الله بان يخيب ظنها، هتفت مكية بفزع: بدر
دنت إليه بعدم تصديق وهى ترى دمائها سائلة والجروح التي بوجهه لم تلمسه خشية أن يكون به كسور تابعت صياحها ببكاء: يا بدر فوق والله ماهسامحك لو مت
أمسكت هاتفها بسرعة وطلبت رقم للأسعاف وأخبرتهم بموقعها ببكاء ثم القته بجانبها رأت مكية هاتف يحيى قريب منه ألتقطته ونظرت لبصمة دمائه على الشاشة التي بها محادثته هو وهى
كانت كاتبة له: وحشتني
بينما مدون لها: وانتي كمان بحبك
ولكن لم يوافقه الحظ ليرسلها لها لطمت مكية على وجنتها ببكاء: انا بحبك يا بدر ومستحيل اسيبك تضيع من بين أيديا
......................
وصل فارس بصحبة خاله عاصم الفاقد للوعي وخاله لطفي ورواء أجتمع الممرضين وتم اخذه لداخل غرفة ما، أبتعد لطفي عنهم بصعوبة ليهاتف
تربي مدافن عائلة القاضي بجمود: عملت اللي قولتلك عليه؟..... بقولك اخويا وابنه ماته افتح القبر ونضفوا النهاردة....... كده تعجبني انا جاي شوية
عاود الاقتراب من فارس ورواء وتظاهر الحزن والبكاء: هنلاقيها من فين ياربي؟ يحيى مات ومحدش عارف طريقه وعاصم بيودع ربنا يسلم
هتف فارس بضيق وهو يهاتف يحيى: أنا بتصل بيه
سمع صوت مكية تبكي: قوم يا بدر
اردف فارس بنبرة لهفة تناسى كل شيء: مين معايا وفين يحيى؟
انصطت مكية له ثم تابعت من بين شهقاتها: الحقني يحيى عمل حادثة عن مشتل الورد
أجابها بنبرة جادة: انا هاجي دلوقتي
هرول فارس للخروج من رواق المستشفى لتخرج طبيبة من غرفة عاصم وتقترب منهم بجدية: المريض اللي جوا أتعرض لجلطة دماغية خفيفة
شهقت رواء بصدمة ثم سالت دموعها فقال لطفي بحزن مصطنع: ربنا يقومك بالسلامة يا اخويا.. خليكي يا رواء مع عمك انا رايح مشوار وهاجي.. اتصلي بمامتك عشان تيجي
لم يستمع لباقي الحديث من الطبيبة وخرج مغادرا للمستشفى متوجها لمقابر العائلة عند وصوله كان الظلام غطا السماء دلف لداخل المبنى ولم يجد التربي فقال بغضب: راخ فين ده؟ انا منبه عليه يفتح القبر النهاردة
فتح لطفي كشاف هاتفه وسار للداخل فتفاجأ بقبر مفتوح سار بحرص لينزل على درجات السلم لم يخف من شيء ثم أشهر ضوء هاتفه بداخل القبر وقال بشماتة: جوزك وابنك يا منيرة هيونسوكي انتي ومالك النهاردة او بكرة بالكتير
تفاجأ لطفي بثلاث جثث موضوعة بجانب بعضها، اردف بعدم فهم: مين التالت ده؟ انا فاكر عاصم لما ماتوا رفض انه يدفن حد تاني غيرهم.. وقال هدفن معاهم.. بس مين ده
صاح التربي بحدة: لطفي بيه.. أتفضل أطلع برا دي حرمة ميت ماينفعش تدخل هنا
صعد لطفي درجات السلم وهو يردد: مين اللي في النص ده؟
خرج الرجل خلفه ثم قال بتلقائية: مراته وولاده الاتنين اللي ماتوا محروقين
نفض في رأسه بنفي ثم قال بتأكيد: ابنه يحيى عايش اللي مات مراته وابنه الصغير
عقد الرجل حاجبيه بدهشة فأستطرد قوله بتذكر: حضرتك بتتكلم عن مين؟ عاصم بيه مراته وأبنه الكبير يحيى والصغير مالك كلهم ماتوا ودي جثثهم أنا فاكر كويس يوم الدفنة لما جابهم من بلاد برا
أشاح لطفي وجه للجانب الاخر وقال بتفكير يعجز عن وصفه: يا ناس يحيى عايش
ثم تحولت نبرته للؤم والوعيد: لو الكلام ده صح يبقا عاصم عارف اني انا اللي قتلت مراته وابنه.. ويحيى اللي عاش وأتربى معانا مش يحيى.. واحد تاني.. انا لازم أتأكد
رواية أقبلني كما أنا الفصل التاسع عشر 19 - بقلم فاطمة الزهراء
اقبلني كما انا
(الفصل التاسع عشر)
......................
بالمستشفى التي يعمل بها سيف الاديب أخبرته الممرضة بأن هناك مريض سأتي في الحال استعد ليمارس مهنته، وصلت سيارة الأسعاف الى محملة بيحيى ومعه فارس ومكية أسرع الممرضين بوضع جسده على التروللي وبدأوا في دفعه بسرعة لتدخل بهم لغرفة العمليات ركض سيف للدخول بها
وعندما رأى صديقه الممدد على الفراش أتسعت حدقتيه بصدمة سرعان ما أختفت ليتعامل معه كطبيب يحاول أنقاذ مريض
......................
بالخارج كانت مكية تجوب ذاهبة للأمام والخلف بقلق تمنت لو استطاعت أن تساعده، بين الحين والأخر يلقي فارس عليها نظرة تعجب ودهشة
لرواء ابنة خاله تنهدت ثم سألتها بتريث: آآ.. مكية انتي تعرفي يحيى؟
نظرت لها بوجه حزين واردفت ببكاء: انا كنت باخد كورس عند دكتور يحيى
تابع فارس التساؤل بجدية: بس المكان اللي يحيى عمل حادثة فيه مش السنتر ده طريق المشتل
تعلثمت مكية قليلا كيف ستجيبه أنقذها صوت توحيدة وكوثر وهن يهرولن إليهم هتفت توحيدة بقلق: عاصم عامل ايه يا فارس.. ويحيى فين؟
اسرعت رواء بقولها الحزين: أنكل عاصم جاتله جلطة بس خفيفة ويحيى لسة جوا في اوضة العمليات
شهقت توحيدة ولطمت على صدرها ثم قالت ببكاء: حادثة ايه بس اللي عملها يحيى.. يارب استر وقومهم بالسلامة
وضعت رواء خصلات شعرها اسفل اذنها كأنها تهدأ من قلقها واستأنفت بتوجس: امين
اقترب فارس من مكية وقال بهدوء مصطنع: أتفضلي أنتي امشي.. الوقت أتأخر.. وشكرا ليكي
هزت رأسها بالرفض وقالت بنبرة أسى: لأ أنا هفضل هنا.. ماقدرش أمشي لازم أطمن عليه
وضعت رواء كفها على كتف مكية وهمست بحزن: أحنا قاعدين معاه هو وأنكل.. انتي عشان ماتقلقيش أهلك عليكي.. انا هطمنك بس هاتي رقم موبايلك
أعطت لها مكية رقمها وغادرت سارت بالطريق شاردة مهمومة حزينة لماذا السعادة معها لا تكتمل؟ لماذا الشخص الوحيد الذي عشقها وعشقته لم يكتمل؟ أوقفت سيارة أجرة ثم أستقلتها وتوجهت بها لمنزلها
عندنا وصلت وفتحت الباب شهقت هالة بصدمة: ايه الدم اللي على هدومك ده يا مكية؟
لم تعد قادرة على التحمل فآجهشت بالبكاء وارتمت بحضن والدتها تردد: يحيى عمل حادثة يا ماما
ربتت هالة على ظهرها وسألتها بعدم تذكر: يحيى مين؟
هتفت مكية من بين بكائها: يحيى القاضي.. عمل حادثة
واصلت التربيت برفق عليها وقالت مهدئة أبنتها: لاحول ولا قوة إلا بالله.. اهدي يا مكية ان شاء الله. هيقوم بالسلامة.. بس انتي شوفتيه فين؟
أبتعدت من حضنها لتجفف هالة عبرات ابنتها ثم قالت مكية مجيبة لها: في الطريق
ربتت على وجنتها وقالت بهدوء: هيقوم بالسلامة ان شاء لله.. انتي أهدي وبلاش عياط.. مش هيفدم ولا هيأخر.. ادعيله.. وروحي غيري هدومك
أبتعدت مكية عنها ومستمرة بالبكاء والعويل صاحت هالة بجدية: يا مكية بلاش عياط يا بنتي
دلفت لداخل غرفتها وأقتربت من المكتب ناظرة للزهور فهمست ببكاء: انت الوحيد اللي خلاني أحب نفسي عشانك
تابعت تجفيف عبراتها الحارة المنسابة على وجنتيها بطرف كمها ثم أخرجت من حقيبتها هاتفه الذي .أخذته من الطريق نظرت للشاشة التي شرخت عدة خطوط واثار الدماء عليه لتضعه بداخل الدرج بسرعة عندما سمعت صوت مريم: مكية ممكن أدخل؟
اردفت بحشرجة وهى تجفف عبراتها: تعالي يا مريم
دلفت لداخل غرفة شقيقتها واغلقت خلفها الباب ثم قالت بنسبة من الفضول: بتعيطي ليه؟
رفعت بصرها للسقف ولم تعرف بماذا تجيب سألتها مريم بتأكيد: انتي بتحبيه؟
بللت شفتيها وأغمضت مقلتيها تلقائيا تدحرجت العبرات
تنهدت مريم بصوت مسموع وهمست لها: يبقا بتحبيه.. ربنا يقومه بالسلامة يا مكية.. بس ابوس ايديكي بلاش عياط والله ماهيعمل حاجة.. قومي غيري هدومك وصلي وأدعيله
نهضت مكية وأخذثت ثيابها من خزانة ملابسها ثم توجهت للحمام بعد أغتسالها ارتدت الاسدال وصلت فرضها ثم دعت الله أن ينجي يحيى قبل ان تخلع الاسدال نظرت لنفسها بالمرآة رأت نفسها بالحجاب
تغيرتي كثيرا يا مكية عند خلعك للحجاب أصبحتي فتاة أخرى مهوسة بالشهرة لا تهتم بشيء سوى كسب الناس على مواقع التواصل الأجتماعلي
زفرت على مهل وحدثت نفسها: مش أنا دي.. أنا اتغيرت عشان حاجات مش باقية
اخيرا قامت بخلع الاسدال ودعت الله مجددا لبدر الذي كان بدر منير لها حياتها
.....................
بغرفة العمليات بعد مرور عدة ساعات أنحنى سيف لرفيقه الغائب عن الوعي وقال بأبتسامة: حمد لله على سلامتك
تابع الممرضين أخذ يحيى لغرفة ما بعد الأنتهاء منه خرج يحيى علة تروللي وساقه بأكملها مجبرة وراسه. ملفوف حولها شاش ركضت توحيدة معه وهى يقول: يا حبيبي يا يحيى.. هو عامل ايه؟
أجابها الممرض بدون اكتراث: اسألي الدكتور سيف
عندما خرج سيف من الغرفة اقترب فارس منه وخلفه العائلة ليتابع بهلع: ايه اللي حصل ليحيى؟ وحالته ايه دلوقتي
أجابهم بلهجة جادة: حالة يحيى مستقرة واللي حصله ناتج عن حادثة أدت لكسر في رضفة الركبة وشوية جروح طفيفة
هتفت توحيدة بقلق: طب انا ممكن اشوفه دلوقتي
أومأ سيف برأسه ثم قال بهدوء: هيضر يقعد هنا لبكرة وهو نايم اثر البنج شوية وهيفوق ممكن تشوفيه عادي
شكره فارس وتابع سيف مغادرته حتى وصل لمكتبه وأنهارت حصونه همس لنفسه بقلق: مين اللي عمل فيك كده يا بدر
.....................
برواق المستشفى كان لطفي يسير بتوجس متلفتاً خلفه وعلى جانبيه دلف لغرفة أخيه النائم بهدوء وأخرج من جيبه مقص صغير ومنديل ثم قرب المقص من خراسه أخيه وقص عدة شعرات
ووضعها بالمنديل وهمس له بوعيد: هعرف كل حاجة
أدخل محتوياته بجيبه وغادر مسرعا من الغرفة ثم جز على اسنانه بحنق: خسارة كان نفسي تموت يا يحيى ولا يا اسمك ايه؟
ثم دخل بغرف يحيى واصطنع الحزن: سلامتك يا يحيى مين اللي عمل فيك كده وأنا امحيه من وش الأرض
كان نائم على الفراش والجميع معه اردف فارس بجدية: لما يفوق يا خالي هيقول كل حاجة
عاتبهن بحدة خفيفة: طب أنتو قاعدين كلكم ليه أمشوا وأنا وفارس هنبات هنا
هتفت توحيدة بحزن: ازاي امشي واسيبهم.. اخويا وأبن أخويا مستحيل يا لطفي
تابع بنفاذ صبر: انا هبات مع اخويا وفارس هيبات مع يحيى.. وماتحوليش يا توحيدة هتمشي يعني هتمشي انتي وكوثر ورواء
بعد مخاولات من الرفض اقتنع الجميع بالاقتراح تحت الحاح فارس، ولطفي الذي خرج معهم
جلس فارس على الاريكة وهو يبادل يحيى نظرات قلق، بعد مرور ساعة أخرى افاق يحيى وهمس بآنين: آآآه.. رجلي
هرول فارس إليه وقال بلهفة: يحيى انا جنبك
فتح يحيى مقلتيه ونطق بألم: رجلي وجعاني اوي يا فارس
أومأ برأسه عدة مرات وخرج من الغرفة يصيح على الطبيب اسرع سيف بالقدوم معه وأعطاه بعد المسكنات وقال بتوجس: مفعول البنج أنتهى عشان كده حاسس بألم
تعامل سيف مع رفيقه علاقة طبيب ومريض فقط أخفى مشاعره تجاهه ثم خرج من الغرفة ليتحدث فارس بقلق: الحادثة حصلت ازاي يا يحيى
أردف بألم وآنين: مش فاكر حاجة.. انا كنت رايح للمشتل وبعدين.. حسيت نفسي بتخبط جامد في الارض.. آآآه
وضع فارس أصبعه على فم يحيى ونطق بتفهم: ماتتكلمش يا يحيى.. لما تقوم بالسلامة.. أنا قاعد معاك هنا
ثم قرب الكرسي ووضعه بجانب الفراش يربت برفق على أصابع أبن خاله، مر الوقت حتى غفا يحيى بصعوبة وخلفه فارس
تسلل لطفي الى الغرفة ولكن بحذر أكتر أقترب من يحيى وفعل مثلما فعل مع أبيه من عينة الشعر
قبل خروجه هتف فارس بنوم وهو يفرك بعينيه: في حاجة يا خالي
تعلثم لطفي ولكن قال بتوتر أخفاه: آآ.. لأ.. انا كنت جاي أطمن على يحيى.. هو عرف اللي حصل لعاصم
هز فارس رأسه وقال بجدية: لأ مش دلوقتي
خرج بسرعة لطفي دون ان يردف بكلمة واحدة
.......................
في صباح اليوم التالي كانت مكية تغفا وتستيقظ بدون انتظام لم تهدأ حتى أتتها رسالة من رواء تقول: يحيى فاق وكويس
حمدت الله بكثرة ورددت محدثة نفسها: الحمد لله.. بس انا هروحله ازاي؟
نهضت من فراشها وأغتسلت ثم أرتدت ثيابها للخروج للجامعة تعجبت والدتها بالأمس كانت حزينة مهمومة والأن مبتسمة أهذه مجنونة؟
سألتها بتعجب: هو ودكتور يحيى كويس؟
أجابتها مكية بأبتسامة: عرفتي ازاي؟
تابعت هالة قولها المتعجب: من وشك
أومأت مكية رأسها ثم لملت حقيبتها وهمت بفتح الباب لتسره هالة بالصياح: استني كملي فطارك
ألقت لها قبلة في الهواء وخرجت بسرعة ودلفت المصعد
عند وصولها للجامعة أجتمعت برفيقتيها كان في نيتها بأنها ستذهب له بعد انتهاء اليوم، أستطردت تسنيم الحديث بأبتسامة كبيرة: يا بنات أنا أتخطبت لأبن عمي.. عقبالك
فرحن لها فبادرت ماريا بحبور: مبروك يا قلبي
أحتضنت مكية رفيقتها تسنيم ثم قالت بفرحة: الف مبروك يا تسنيم.. واخيرا الشلة بقا فيها دبلة
......................
حضرت له العائلة بأكملها بغرفة يحيى القاضي، هتف بألم: آآآه.. رجلي وجعاني
أردف فارس بهدوء وهو يربت على كتفه: الدكتور جاي دلوقتي
أقتربت توحيدة وقبلت رأسه ثم قالت بحزن: الف سلامة عليك يا حبيبي.. سلامتك وسلامة رجلك
همس لطفي بخبث: براحة يا توحيدة عليه راسه متعور فيها.. مش كفاية عاصم اللي تعبان
ألتفت يحيى لفارس ثم قال بعدم فهم: ماله بابا؟ وهو فين انا ماشفتهوش
رمقت كوثر زوجها بحدة ليكمل فارس الحديث بتعلثم: آآ.. خالي كويس انت ماتشغلش بالك
لم يصدق كلامه فكرر سؤاله مرة اخرى بحدة خفيفة: أبويا فين؟.. وليه ماجاش هنا.. أنت بتكدب عليا
أنتظر رد منهم ثم تابع بصدق: محدش أتكلم.. أبويا تعبان؟ حصلتله حاجة؟
أسرع لطفي بالكلام بحزن مغلف بالكذب: ماستحملش اللي حصلك يا ابني.. جاتله جلطة
هتف يحيى بعدم تصديق: جلطة؟.. وآآ
بترت رواء كلامه عندما أردفت بتريث: أنكل عاصم كويس يا يحيى الدكتورة قالت كده.. وحالته مستقرة انت أهدى
قبض على يد فارس محاول النهوض ثم قال: انا عاوز أشوفه.. خدني ليه
نهره فارس برفض قاطع: تروح فين؟ مش شايف نفسك؟ ده انت بتصرخ من الألم.. خالي كويس
لم يهدأ يحيى ولكنه أستمر بالحديث باهتياج يحاول المغادرة عندما ولج سيف تكلم بجدية: ايه الصوت العالي ده؟ وأنت أهدى مش هينفع تتحرك دلوقتي خالص
هتف يحيى بألم ممزوج بأنفعال: بقولكم لازم أشوف أبويا
أقترب سيف من فراش يحيى ثم أخذ من الممرض حقنة وأعطاها في ذراع يحيى وتابع بتنهيدة: باشمهندس عاصم بخير حالته مستقرة.. أهدى
حرك يحيى ساقه على غرة تألم على أثرها ليهتف به سيف: ماتهدى.. شوية لما يفوق ابقا روحله بس مش دلوقتي
جز يحيى على أسنانه من صراخ سيف به ولم يتحدث، اردفت توحيدة بهدوء: براحة يا دكتور مش كده
ثم ربتت على وجنة يحيى وقالت بتأكيد: اسمع كلام الدكتور ولما عاصم يفوق كلنا هناخدك ليه
........................
عند منزل (السكندر الخواجة)
أستعدت ڤيكتوريا وأرتدت ثيابها هى وزوجها خارجين لقبر ابنهم، اردف السكندر بجدية: يلا يا ڤيكتوريا عشان مانتأخرش
أجابته بموافقة: ڤاموس..(هيا بنا)
قبل فتح السكندر باب المنزل كان جايدن ورفائيل يدلفون والجدال قائم بينهم، اردف جايدن بضيق: ما تخلص رن عليه مستني ايه أكتر من كده
شهقت ڤيكتوريا واردفت بهلع: بسم الصليب
هتف السكندر بجايدن بعصبية: ماتحترم نفسك يا جايدن.. بتزعق لأخوك ليه؟
نظر لوالده وقال بجدية ممزوجة بتنهيدة سريعة: اخر مرة لما أتخانقنا مع المزرعة اللي بنشتري منها الخضار والفواكه.. أنا أتكلمت مع مزرعة تانية.. راح البيه قالي سيبك منهم وأنا اعرف مزرعة أحسن منهم في الجودة.. خلاني أفسخ العقد معاهم.. واللي أتفق معاه مابيردش عليه.. مش بعيد يكون نصب عليه بكلمتين
نطق السكندر بنبرة هادئة: جايدن بيتكلم صح يا رفاييل
أجابه بموافقة: مين مايعرفش مزارع القاضي.. أنا لما عطلت بيا العربية يحيى القاضي ابن صاحب المزرعة اللي وقفلي وساعدني وأتعرفنا وخدنا ارقام بعض.. بس هو دلوقتي مش بيرد على موبايله
واصل السكندر حديثه بجدية: هتفضل طيب واهبل لحد امتى يا رفاييل.. طب انا هاجي معاك انك قابلت صاحب المزرعة.. مس هو ده اللي تطلب منه في ناس هو مشغلهم عشان المواقف اللي زي دي
أشاح وجهه بعيدا وقال بضيق: أهو اللي حصل.. واصلا الأكل هيقضي للنهاردة.. بكرة ربك يحلها
ثم سألهم بفضول: انتو لابسين ورايحين فين؟
أستطردت ڤيكتوريا بنبرة تريث: عند قبر ستيڤن
صرخ جايدن بغضب: هو كل يوم هتروحوا
رمقت أبنها بغضب ثم ردت عليه: سيا كورتيس جايدن (تأدب يا جايدن)
لوى فمه بضيق وهمس بحنق: كلميني عربي يا ماما.. عيشي عيشتنا كمصريين مش اسبانية
خبط السكندر على وجنة ابنه ورد عليه بسخرية: كلم امك عدل.. ومالها الاسبانية يا روح امك ده أتجوزتها عشان احسن النسل الا ما في حد فيكم طلعت عيونه ملونة زيها.. أبعد ياض
أبتسمت ڤيكتوريا ومععا رفائيل وجايدن على حديث السكندر ليتابع جايدن باستفزاز لوالدته: هو في حد يزور قبر باللون ده؟
نظرت لملابسها الحمراء فبادلته الاستفزاز: اللون الروخو (الأحمر) وحش يا جايدن؟.. مش الألوان اللي هتخليني زعلانة يا اهبل
تنهد جايدن في قوله: انا عاوز اعرف عيل عنده سنتين مات في حادثة.. تفضلي زعلانة عليه لمدة ستة وعشرين سنة وكل يومين تزوري قبره ليه؟ هل مثلا ستيڤن ده؟
تنهدت ڤيكتوريا وقالت بأسى: ياريت
غادر كل من السكندر وڤيكتوريا من المنزل ورفائيل يبتسم لهم ثم اختفت عندما جايدن حدجه بغضب: عارف لو شوفت يحيى القاضي بتاعك النصاب ده هقتلك وهقتله
أردف رفائيل بسخرية: ابعد كده.. ده انت لو شوفت يحيى القاضي هطب ساكت من هول المفاجأة يا أخي العزيز
......................
بالمستشفى وبالتحديد بغرفة عاصم أستعاد وعيه كان يريد الذهاب لأبنه ولكن الطبيبة رفضت، عندما علم يحيى بذلك تلهف وأراد ان يذهب لوالده ساعده فارس وسيف في حمله وأدخلاه في
غرفة عاصم ووضع ساقه المجبرة على كرسي أخر ثم خرج الجميع ليتحدث يحيى بأبتسامة ذابلة: ده أنت بتحبني اوي؟
رد عليه عاصم بحزن: وأكتر من يحيى ابني
قبل يحيى يد عاصم وقال بتنهيدة: خف بسرعة يا بابا.. عشان أنت ابويا.. لولاك انا كنت لسة بتعاير اني ابن حرام.. انا ماليش غيرك.. بسرعة بقا عشان عاوز اتجوز وناوي أخليك تتلغبط من اسامي عيالي
أومأ عاصم رأسه بأبتسامة ثم وضع كفه على وجنة يحيى وقال بصدق: حاضر يا بدر.. انت طاقتي اللي عايش بيها.. امشي انت عشان رجلك
أغمض عينيه وهتف بصوت عالي نسبيا على فارس الذي حضر له هو وسيف وأخذاه في الغرفة المجاورة بينما دلفت توحيدة وكوثر ورواء لعاصم
...........................
بعد أنتهاء مكية من استذكار محاضراتها كانت تسير والضيق مرسوم على وجهها سألتها تسنيم بفضول: مال وشك؟
أجابتها بنبرة منزعجة: ازاي اكتب (nursing care plan) دي اكتر حاجة بكرها انا ماصدقت سنة تالتة خلصت كمان سنة رابعة هو انا ناقصة
أبتسمت ماريا ثم أردفت بسخرية: هو الهبد قصر معاكي في حاجة
أبتسمت مكية لتلك المزحة ثم صاحت بتذكر: انا لازم امشي
كانت ستركض ولكن أمسكتها ماريا وقالت بغيظ: بت انتي ايه حكايتك.. اول ما نخلص بتجري من الكلية ليه؟.. ولا عشان ابو عيون ملونة
صاحت مكية بخجل ممزوج بتعلثم: آآ.. لأ بس انا هجيب شوية حاجات لماما.. سلام
هرولت مكية من أمامهن بسرعة فائقة ثم أوقفت سيارة أجرة متوجهة بها للمستشفى
عند وصولها دلفت بخجل لتسأل ممرضة عن غرفته ثم طرقت على الباب ودخلت كان بصحبته فارس فقط، أردف يحيى بجدية: أتفضلي يا انسة مكية
أقتربت منهم وتابع يحيى قوله لفارس: انسة مكية كامنت بتاخد عندي كورس تنمية بشرية.. شكرا لتعبك انك جيتي
ونرشح لكم او ابحث من جوجل باسم الرواية التى
تود قراتها علي مدونة كرنفال الرويات
رواية حاميني بقلم اسراء محمد ،
رواية . بنت المنياوي
رواية لعنة الصقر
نهض فارس وقال بجدية: طب انا خارج اشوف خالي وجاي تاني
كانت مكية خجولة للغاية وقالت بهدوء: انت كويس يا يحيى
أجابها بهدوء: احسن بكتير.. بكرة هخرج.. انتي جيتي ليه يا مكية؟ الناس مش هترحمك بكلامهم
تنهدت بحزن وقالت بنبرة صادقة: الناس مش وراها غير كده.. مين اللي عمل فيك كده يا يحيى
غير مجرى قوله: مش عارف.. بس رجلي وجعاني.. ومجبسينها كلها.. ليه كده؟
أبتسمت مكية وقالت بهدوء: عشان كسر في رضفة الركبة
لم يفهم مصطلحها ليتابع بسخرية: امممم دكتورة بقا وهتتكبري
هزت رأسها بأبتسامة فاترة: ممرضة.. كان نفسي اكون دكتورة عشان اعالجك
رمش يطفني رماديته وقال بهيام: ماهو انتي طبيبتي يا مكية بس شيلي "ط" وحطي "ح"
زادت عرض أبتسامة مكية فهمس لها بجدية: امشي عشان محدش يمسك عليكي حاجة
أومأت رأسها ثم أخرجت من حقيبتها هاتفه المهشة وقالت: اتفضل ده موبايلك
أخذه منها ثم أردف بأمتنان وأراد أن يستفزها: شكرا.. بس المفروض انك جاية لمريض.. ده انتي حتى قزازة عصير ماجبتهاش
لوت فمها بغيظ وأردفت بنبرة متريثة: انت فصيل بشكل
ثم أدارت جسدها للمغادرة وهو شارد بالموبايل لمعت رأسه بفكرة ولكن تغيرت عند رؤية رقم رفائيل يرن عليه عدة مرات
....................
راقب لطفي عائلته حتى خرطت من غرفة عاصم ليلتفت عدة مرات على الرواق ودلف للغرفة وأغلق الباب خلفه رمق أخيه النائم ثم أمسك بوسادة
ووضعها على وجهه أنتفض عاصم محاولا تخليص نفسه ولكن لم تساعده قواه ضغط لطفي بقوة وهمس بشماتة: اقولك على سر انا قتلت مراتك سلملي على منيرة ويحيى ومالك يا أخويا
لمس كف عاصم وجنة أخيه ليبعده حتى وقعت يده معلنة عن موته أبتعد لطفي وتابع بوعيد: فاضل الواد اللي مانعرفش عنه حاجة
رواية أقبلني كما أنا الفصل العشرون 20 - بقلم فاطمة الزهراء
اقبلني كما انا
الفصل العشرون
...................
(الفصل العشرون)
....................
مجتمعين بغرفة يحيى يتحدثون ويخففون عنه تعبه، دلف لطفي وقال بأبتسامة: يا جماعة انا عندي خبر حلو ليكم.. انا وافقت على جواز فارس ورواء
صدم الجميع من تصريحه الذي اعتاد عليه بالرفض همس فارس بعدم تصديق: بجد يا خالي!! وافقت؟
أومأ لطفي رأسه وقال بأبتسامة مذيفة: طبعا بتكلم جد هو في الكلام ده في هزار يا فارس.. خلينا نفرح والخطوبة لما عاصم ويحيى يقوموا بالسلامة
أبتسمت رواء بخجل واقتربت من والدها لتقبله ربت على وجنتها وتابع بخبث دفين: انا ماليش غير فرحتكم يا حبايبي
وجه قوله لشقيقته بنبرة اسف: حقك عليا يا توحيدة لو في يوم زعلتك وكسرت خاطر فارس.. كنت معمي.. ده الخال والد
أردفت توحيدة بنبرة ممتنة: ماتقولش كده يا لطفي.. ده مصارين البطن بتتعارك
خبط لطفي على ركبتيه ونهض بتنهيدة وأستأذن: هروح أشوف أخويا
عندما اغلق الباب همس لنفسه بفرحة: كنت عاوز أجوز رواء ليحيى عشان الفلوس لكن بعد ماعرفت اللي فيها مستحيل ارمي بنتي ليه.. هى تتجوز فارس ماهو برضو هيورث
لمح بطاقم طبي يهرولون لداخل غرفة عاصم أدعى عدم المعرفة وقال بفصول مصطنع: أنتوا بتعملوا ايه في اوضة اخويا
لم يرد عليه أحد وشاهد الأطباء وهم يحاولون أنعاش عاصم دون جدوى تنهدت الطبيبة ثم غطت وجهه بحزن: البقاء لله
صرخ لطفي بغضب مصطنع: انتي اتجننتي؟ اخويا عاصم عايش مامتش.. انا هاخده لأحسن مستشفى في مصر
أحتد الكلام بين لطفي والأطباء حتى سمع من بداخل غرفة يحيى ليخرج فارس ويقول بفضول: ايه الصوت العالي ده يا خالي
هتف لطفي بحزن وتساقطت بعض من دموع التماسيح مجيبا بحزن: عاصم اخويا مات
شهق فارس ونطق بدون استيعاب: نعم!!.. ازاي؟ الدكتورة قالت ان حالته كويسة
زفرت الطبيبة على مهل وتابعت بحزن: يا استاذ هو عمره أنتهى خليك مؤمن بقدر ربنا
أغمض فارس عينيه ثم ضغط على شفتيه بأسى: ونعم بالله ربنا يرحمه
دفعه لطفي بعنف وتوجه لغرفة يحيى بصراخ: أنتو كدابين اخويا عايش مامتش والله لروح فيكم في داهية
سألته توحيدة بهلع: ايه الكلام اللي سمعته ده؟ عاصم مات فعلا
.
هز لطفي رأسه بعدم حيلة وتظاهر بالبكاء: ياريتني انا اللي مت مش انت يا عاصم يا أخويا.. هعيش ازاي من بعدك يا غالي
بدأ البكاء والعويل بين النساء بينما يحيى أتسعت حدقتيه بعدم تصديق وظل يرمق الأرض بجمود ثم نطق بنبرة هادئة: مات ازاي؟ من ساعتين أنا كنت عنده وقالي مش هسيبك؟
أحتضن لطفي يحيى وقال بحزن مصطنع: البقاء لله يا ابني
أبعده يحيى برفق وأكمل حديثه بشجن: أنا ماليش غيره.. ازاي يمشي ويسيبني.. انا عاوز أشوفه
هم بالنزول ولكن ضغط لطفي على كتفه وتابع برفض: تروح فين؟ انت مش هتقدر.. خليك هنا.. أبوك ماستحملش يسمع انك عملت حادثة.. راح فيها من الصدمة
حاول يحيى أبعاده فضغط لطفي على ركبة يحيى، ألمته بشدة وحدج لطفي بوعيد جففت توحيدة عبراتها وقالت بحزن: خليك يا يحيى انت تعبان مش هتقدر تمشي على رجلك.. روحي يا رواء شوفي دكتور سيف
خرجت رواء وعبراتها تنساب على وجنتيها بحزن شديد، لمح يحيى نظرات من لطفي غريبة الأطوار لم يعتاد عليها واستمر بالهتاف: بقولكم عاوز أشوف أبويا
آجهشت توحيدة بالبكاء مجددا لتقترب منه وتقبل رأسه: براحة يا حبيبي عشان خاطر عاصم مش هتقدر تمشي
دلف سيف بقلق ونظر لرفيقه ثم قال بلهفة: ايه اللي حصل؟ في حاجة تعباك؟
رد لطفي بنبرة غطرسة: عاوز يشوف ابوه قبل مايدفن وأنا بقوله رجلك تعباك مش هتقدر تخطي عليها.. بقولك يا دكتور أنا هروح اخلص أجرائات الدفن انا وفارس وأنت أتصرف معاه
خرج لطفي بسرعة وتبعته كوثر ورواء قبل أن تخرج توحيدة همست لسيف بحزن: خلي بالك منه
صاح يحيى بغضب: مين ده اللي يخلي باله مني؟
خرجت توحيدة من الغرفة لتلقي نظرة أخيرة على أخيها المتوفي، أغلق سيف الباب وأقترب من رقيقه حتى جلس على المقعد الذي أمامه وقبل أن يتحدث هتف يحيى بجدية قاتمة: من قبل ماتنطق بحرف أنا عاوز اشوف أبويا
أردف سيف بنبرة هادئة: عيط
رمقه يحيى بتهكم فواصل بسخرية: أعيط؟.. بص أنت تاخدني لأبويا وأبعد من وشي
زفر سيف على مهل ثم واصل قمع غضبه: بلاش تكبت في نفسك.. أنت مش حمل امراض وصدمات نفسية تانية.. كفاية اللي فيك
أغمض يحيى عينيه ثم أخذ دفعة من الهواء وعاود النظر له بقول: مش قادر يا سيف.. ده أبويا وعمل معروف عمري ما هنساه.. بس في حاجة غريبه كده نظرات لطفي ليا أول مرة أشوفها.. متأكد انه ورا الحادثة دي زي اللي قبلها
سأله سيف بتريث محاولا تهدئته: مش وقت تفكير يا بدر دلوقتي.. المهم أرتاح وأنا هخرج أكمل شغلي وأشوف عاصم بيه وشوية وهرجعلك
أدار سيف جسده وهم بمغادرة الغرفة ولكن قبض يحيى عليه وهو يقول بحدة: أستنى يا سيف.. خدني لأبويا.. يا اما والله اخرج زحف على الأرض
لم ينصت سيف له ليتابع فتح الباب ثم خرج وأغلقه همس لممرضة بأن تجلب له المفتاح سمع صريخ يحيى: يا سيف
لم تتأخر الممرضة عنه لتأتي له مهرولة بالمفتاح أغلق سيف الباب فسمع يحيى الصوت فأزدادت عصبيته وسبه لم يعبأ سيف ثم أبتعد عنه
...................
تم تغسيل عاصم بالمستشفى والأن مكفن موضوع على فراشه دلفت توحيدة مجهشة بالبكاء: يا عاصم.. يا أخويا
أبعدها فارس برفق وهمس بخشونة: أبعدي يا ماما
واصلت توحيدة بكائها المرير: ياربي يحيى هيعيش ازاي من بعدك.. كفاية الصدمات اللي شافها في حياته من هو وصغير
أحتضنتها كوثر بحزن مواسية لها إلا ان رواء أنكمشت في ركن الغرفة منهارة، حمل فارس خاله وعاونه الممرضين وخاله الأخر ثم وضعوه برفق بداخل النعش
هتفت توحيدة بآسى والحزن يأكل فتات قلبها: طب خلي يحيى يسلم عليه لأخر مرة.. يا قلب امه عامل حادثة مش هيقدر يصلي عليه معاكم
تنهد فارس بحزن:مش هيتحمل.. ممكن النوبة تجيله.. يلا يا رجالة
تم حمل النعش وخرجوا به من الغرفة مرددين بالدعاء له للصلاة عليه بالجامع ودفنه بجوار عائلته
......................
بالمساء عند منزل (السكندر الخواجة)
مازال جايدن غاضب من أخيه دلف رفائيل لغرفة أخيه وقال بأسف: حقك عليا يا جايدن.. انا غلطان بس ماتزعلش مني
زفر جايدن على مهل ثم سأله بنبرة فاترة: هو لسة ماردش عليك
بلل رفائيل شفتاه وقال بنفي: لأ
تقدمت خطواته الى أخيه حتى جلس على طرف الفراش بجواره ثم قال بتوجس: أنت مش هتنزل المطعم؟ بقالك أكتر من خمس ساعات هنا
لوى جايدن فمه بسخرية ورد عليه بحنق: كفاية السكندر الخواجة فيه.. هو مش بعد ماجه من قبر ستيڤن راح المطعم.. انا مالي آآ
ولجت ڤيكتوريا للغرفة وقاطعت أبنها بعصبية: جايدن.. أنا ساكتة رجم اسلوبك الوهش ده؟
أشاح وجهه للنافذة ولم يعلق فأكملت حديثها بعصبية: ليه بقالك كتير انفانادو (غاضب)
همس بحدة خفيفة من بين صرير أسنانه: ماحدش من عيالك بيعرف يتكلم اسباني.. يدوب بنفك الخط فيه.. من فضلك كلميني عربي
أغمضت ڤيكتوريا مقلتيها وقالت بنفاذ صبر: زالان ليه؟
رد عليها بنبرة غاضبة: عشان انتو في حاجة مخبينها علينا.. ايه هى بقا.. انتي وبابا اللي تعرفوا
فهمت تلميحاته لتتنهد بصوت عالي: مافيش هاجة مخبينها.. انت اللي بتوهم نفسك
ثم ألتفت لتغادر وقبل أن تنطق تخرج وبخته مجددا: أتألم ازاي تتكلم بأدب
رفع رفائيل حاجبيه وقال بانكار: أتآلم؟ يتآلم ليه من الكلام؟
حدقت به ڤيكتوريا بغضب فأسرع هو بالقول الفكاهي: انتي قصدك أتعلم.. ودي أخرة اللي يتجوز اسبانية
أغلقت خلفها الباب بعصبية خفيفة كان سيتابع رفائيل حديثه لولا نظرات جايدن الثاقبة فأكمل خروجه بوجه عابس
.......................
في المستشفى بغرفة يحيى
جالس وفارد ساقيه على السرير منكس رأسه شارد بحزن على مامر به لم يتخيل بأن خبر موت عاصم سيفجعه، مما لاشك فيه بأنه تبنى بدر الدين لمخطط برأسه
ليس حباً به أو أشفاقاً عليه ولكن تحولت العلاقة لأب وأبنه أعتنى به تكفل به علمه أفضل التعليم وفي أحدث المدارس جعله دكتور صرف عليه
بكثرة والأن لا يستطيع أن يحضر غسله ودفنه هل هذا رد المعروف له، تساقطت دمعة حارة من مقلتيه على الفراش
سمع سيف يفتح الباب فجفف عبراته بسرعة أغلق خلفه الباب وأقترب منه بينما أشاح يحيى وجه للجانب الأخر همس سيف: غصب عني يا بدر أقفل عليك.. لو روحت صدقني هتكون حمل عليهم
دلفت توحيدة منهارة من البكاء أحتضنت يحيى وقالت بحزن: البقية في حياتك يا ابني شد حيلك عاصم في مكان أحسن
أكملت كوثر الحديث بحزن: البقاء لله يا يحيى
أردف يحيى بنبرة ضيق محاولا أخفائه: أمتى هيجوا.. برن على فارس مابيردش
ردت عليه رواء بأسى: قربوا يا يحيى مسافة السكة
تابع قوله الجاد المصطنع: عشان أنا همشي مش هفضل اقعد أكتر من كده
جلس الجميع يواسيه ثم حضر فارس ولطفي الذي مستمر بأدعاء الحزن والبكاء على أخيه المتوفي لم يحمل يحيى أكثر من ذلك ثم خرج من المستشفى بمساعدة سيف وفارس وتم أخذه لبيت عمته توحيدة
في اليوم التالي أقام العزاء في جامع قريب منهم ورفض فارس بذهاب يحيى للعزاء حرصا على حالته مرار وتكرارا أراد الذهاب ورفض فارس وعمته رفضا قاطعا
.......................
في منزل (أشرف سند)
علمت مكية بوفاة عاصم من الحديث مع رواء حاولت الحديث مع بدر ولكن لم يرد عليها دعت الله بأن ييب خاطره ويجعله قادر على تغلب المصيبة
علمت بأن ظهره كسر الأن أصبح يتيم حقاً والده توفى الرجل الذي تبناه وكبر تحت كنفه رحل
......................
بعد مرور ثلاثة أشهر حدثت بهم الأشياء الكثيرة تحسنت حالة يحيى وفك جبسه، ظهرت التحاليل بأن يحيى ليس أبن عاصم زادت فرحة لطفي وشماتته اللا نهاية لها
أنتهت مكية من ترمها الأول على خير لم تقابل يحيى مطلقاً لمدة ثلاث أشهر كان عايش مع عمته
حدثته عدة مرات على الهاتف
......................
عند قبر (عاصم القاضي)
كان يحيى جالس على الأرض حوله باقات كثيرة من الزهور كيف له عاشق للزهور لن يجلب له ايضاً جلب له جريد للنخيل سنة على الرسول
فرش قبر والده من الزهور والجريد قائلاً بحزن: وحشتني اوي.. وأنا صغير وفي الدار كنت بتمنى اني أكون يتيم مش أبن حرام.. بس لما عشت
معاك كأني ابن وأنت أبويا أتمنيت لو كنت مُت يوم خبطني بالعربية.. صعب اوي انك تحب حد ويمشي من غير حتى ما يسلم عليك
ضم كفيه وقرأ له الفاتحة داعيا له بالرحمة: ربنا يرحمك يا بابا.. انا بحبك اوي وهدعيلك في صلاتي ان ربنا يرزقك الجنة مع سيدنا محمد.. أنت أتكفلت بيتيم مالهوش اهل
سمع يحيى خلفه صوت أقدام تقترب ألتفت للخلف ليجد رجل في الخمسون من عمره يقول بهدوء: دكتور يحيى ممكن أخد من وقتك دقيقتين.. أنا عبد الشهيد محامي عاصم بيه الله يرحمه.. كان منبه عليا قبل موته بأسبوع انه بعد ما يموت تكون أنت أول واحد يشوف الوصية
أخرج من حقيبته الجلدية ملف ومده ليحيى بقول جاد: أتفضل.. استاذ لطفي بقاله شهر بيحاول أنه يفتحها أو افتحها قدامه
نهض يحيى وأخذ الملف ملل ثم قرأه بدون أكتراث لتتفاجأ عيناه بصدمة كبيرة طعلته يهتف مرددا: ليه عملت كده؟
صدح صوت هاتفه أخرجه من جيب بنطاله ثم قال بجدية: نعم يا فارس
أردف فارس بنبرة متريثة: تعالى دلوقتي للڤيلا.. خالي لطفي عامل اجتماع للعيلة ماعرفش ليه
رد عليه بموافقة ثم أغلق هاتفه تابع عبد الشهيد قوله الجاد: حضرتك الوصية موثقة بالشهر العقاري انا كده عملت اللي عليا.. البقاء لله.. والسلام عليكم
أبتعد المحامي عنه بينما حدج يحيى قبر والده بحزن وثقل لم يعرف بماذا يقول فابتعد عن القبر
وأستقل سيارته ثم توجه بها للڤيلا التي لم يدخلها منذ وفاة والده عند دلوفه كانت العائلة جالسة منتظرة اياه تحدثت توحيدة بحبور: تعالى يا يحيى يا حبيبي
أردف لطفي بنبرة ساخرة: مات.. يحيى مات من زمان من يوم الحادثة
كان يتوقع لطفي بأنه سيخاف وينكر ولكن تلك المرة الأولى التي سيواجه لطفي بجريمته لذا قالت توحيدة بحدة خفيفة: فال الله ولا فالك يا لطفي.. أنت بتدعي على يحيى.. ربنا يبارك فيه ويديله الصحة
لوى في فمه بتهكم وقال بغطرسة: اللي قدامكم ده مش أبننا.. ده واحد تاني الله أعلم تاريخه وأسمه ايه؟ يحيى الحقيقي أتحرق ومات مع منيرة ومالك
عاصم كان بيضحك علينا عشان طماع وياكل ورثنا مش دي الحقيقة يا أخ لو مش مصدقيني دي التحاليل انا عملتها لما كنت في الحادثة انت وعاصم والنتيجة طلعت انه مش أبوك.. خد يا فارس شوف وكدبني
ألقى الملف لفارس وأستمر لطفي التحديق به، الجميع منصدم من قوله، للمرة الأولى من بعد تبنيه من عاصم جهر بأسمه: بدر الدين طه محمود ده أسمي الحقيقي
هتف لطفي بحقد: أهو أعترف أنه مش يحيى.. كان عاوز يلهف الفلوس لوحده وهى مش بتاعته.. ازاي تعمل كده؟
أخفض بصره للطفي وتابع ببرود: عادي.. مش ندمان اني وافقت أبويا.. وأنت ماسألتش نفسك ليه عاصم عمل كده؟
أجابه بلامبلاة: عشان طماع.. فاكر انه لما يموت هياخد الفلوس في قبره
جن جنون بدر ليهدر به: عشان أنت اللي قتلت مراته وولاده.. زي ما أنا متأكد انك انت اللي قتلته.. اللي يقتل مرة مرة يقتل الف.. والله ماهرحمك
هتف لطفي بانكار: انت بتقول ايه؟
صاح فارس مكذبا للورق: الكلام ده مش حقيقي.. وأنت مش بدر انت يحيى
ضحك لطفي وتابع باستهزاء: لا حقيقة يا فارس صدق.. وأنا الأهبل كنت رافض جواز رواء منك وعاوز أجوزها لده... وهو اصلا مش هياخد حاجة في الورث... انت دلوقتي اكيد مالكش في الورث والله لأحاسبك على كل قرش ادفع فيك
أبتسم بدر بأستفزاز ثم قال بسخرية: عيبك انك فاكر نفسك زكي.. عاصم طلع أزكى منك بكتير وعرف يلعبها عليك
الجميع على وجوههم الصدمة هل حقا يحيى مات في الحادثة؟ هل الذي تسبب في قتلهم هو لطفي؟
مئة علامة استفهام وعلامة، قطع التفكير صوت لطفي الصارخ: أخــــــرج بـــــرا ده مش بيتك
رفع بدر حاجبه بوعيد وأردف بنبرة هادئة مستفزة: لأ بيتي وانت اللي قاعد فيه وبمزاجي.. عاصم كتب ثروته كلها بأسمي
هلل لطفي بفرحة ساخرة: ما أنت مش يحيى وهرفع عليك قضية نسب وهكسبها
زادت ضحكات بدر وتابع بجمود: ماكتبش ثروته بأسم يحيى.. كتبها بأسم بدر الدين
هدر لطفي بانكار وعدم تصديق: انت كداب
أعطاه الملف ليقرأه كانت الوصية بأسم بدر الدين من المزارع والڤيلا جميعها بأسمه صرخ لطفي بغضب: أنت تتنازل عن كل حاجة يا اما هقتلك
رد بدر بتنهيدة مستفزة: حتى لو قتلتني مش هتاخد الفلوس.. انا مش يحيى عشان تورثني
أرتمى لطفي على الأريكة التي خلفه وحدث نفسه بغل: يعني كل حاجة عملتها راحت على فشوش.. قتلت عشان حد تاني لا من لحمنا ولا دمنا ياخد الفلوس كلها
سمعته توحيدة فأنقضت عليه بغضب: يعني كلامه صح؟ انت اللي قتلت منيرة ويحيى ومالك؟ أنت اللي قتلت عاصم؟
دفعها بحدة وقال بحنق: مش أنا يا توحيدة مش أنا انتي هتصدقي كلامه وتكدبي اخوكي
لطمت على وجهها وتابعت بهتاف: طول عمرك بتحب نفسك وأناني وتكره الخير لأي حد منك لله ضيعت الكل.. حسبنا الله ونعم الوكيل فيك
أبتعد عنها وأقترب من بدر ثم هتف بوعيد: أسمع
قاطعه بدر بغضب جلي: اسمع أنت.. ماتفكرش انك هتعرف تدخل للمزارع دي وصية أبويا الله يرحمه.. وبخصوص الڤيلا انا هعمل بأصلي مش هطردك فيها مش عشان عيونك لأ.. لمراتك وبنتك وللراجل اللي رباني وماستخسرش فيا حاجة انا اللي همشي منها
ثم ألتفت بجسده ليغادر فقال لطفي بوعيد: هفضلك زي الشوكة اللي في الزور مش هخليك تتهنى بالفلوس
لم يعبأ بكلامه وتهديداته فتح الباب وخرج ثم أغلقه بعنف لكق به فارس وقبل ان يستقل سيارته وقف. امام يحدثه بهدوء ممزوج بأنكار: يحيى
أردف بدر بجدية دون اكتراث: انا مش يحيى اسمي الحقيقي بدر
هم بأن يستقل سيارته ولكن اسرع فارس بأحتضانه: بس أنت ابن خالي اللي أتربيت وكبرت معاه.. هتفضل صاحبي وأخويا وأبن خالي لأخر العمر.. القرابة مش بالدم بالعشرة يا.. يا بدر.. وأحنا عشنا مع بعض سنين
زفر بدر بثقل ثم شدد على أحتضان فارس وهمس بتنهيدة: ابقا سلملي على عمتي.. انا ماشي يا فارس
قاطعه بهمس رافض: هتروح فين خليك معانا.. انا مصدقك ان لطفي هو اللي قتل.. ناخد تار خالي
أستطرد بدر بجدية: كل حاجة في وقتها.. المهم دلوقتي انت خد بالك من المزارع وهبقا أكلمك عشان اعرف كل جديد.. سلام
أستقل سيارته وسار بها الى منزل رفيقه سيف طرق الباب عدة مرات، عندما فتح سيف شهق من الصدمة: أنت كويس؟ في حاجة تعباك؟
اردف بدر بسخرية قليلة: مش هتقولي أدخل
أفسح له الطريق وقاده ليجلس في الصالون أردف بدر بجدية: أتكشفت وعرفوا اني مش يحيى.. والثروة كلها أتكتبت بأسم بدر الدين
تحدث سيف بتريث: طب ومكية سند؟
أجابه بدر بتنهيدة: عارفة اسمي بدر
هز سيف رأسه بنفي عندما قال: ماقصدش ده.. أقصد انك امتى هتطلب ايدها
فرك بدر في رأسه وهمس بمرح: هطلب ايدها ورجلها بس كل حاجة في وقتها.. لما تخلص الترم ده مش عاوز اشغلها
تحدث بدر مع رفيقه الذي يطمئنه من صغره لفترة طويلة، همس بدر بفضول: هى فين مراتك أعتذرلها على قلة زوقي
خرج من الغرفة وعاد في اقل من دقيقة وزوجته سزوان حاملة لصنية بها مشروبات ساخنة والطفل بدر على ذراع أبيه
أبتسم سيف وقال لزوجته: بدر الدين صاحبي اللي كنت بقولك عليه؟
حدقت سوزان به بصدمة انه يحيى ليتابع سيف بسخرية: دي حقيقة هو ده بدر صاحبي.. هقولك بعدين ازاي أتعرفنا على بعض
بالده بدر ابتسامة هادئة وقال لسوزان: انا بعتذرلك اني طردك من المزرعة ماكنتش اعرف ان لطفي هو الليبيدخل المواد المسرطنة للزرع وكمان بشكرك على حرصك تلى شغلك انك عرفتي حاجة زي كده وماسكتيش... تقدري ترجعي للشغل تاني
هتف سيف بنفي: تروح فين يا ابني؟ ده انا ماصدقت انها قعدت في البيت
أردفت سوزان بهدوء: العفو ده واجبي
وضع سيف أبنه على فخذة بدر بضحك: بدر الصغير السبب اني اعرف بدر الكبير
مسد بدر الدين على الصغير وبدأ الحديث معهم ثم أستأذن للذهاب متوجها الى مشتل الورد الذي لم يذهب إليه منذ الحادث أعتقد بأن جميع الزهور قد جفت وماتت تحولت لأوراق متساقطة على الأرض
أقترب من السراب ولمح بالمشتل الزجاجي الزهورة الجميلة المتسلقة والملتفة حول بعضها ازادت دهشته عندما سمع صوت مكية بتعب: ده انا بنضفك وتعبت امال لو بصلحك كنت عملت ايه؟
أبتسم بدر بشدة وهو يراها تنظف دراجته المهشمة نطق بخفوت من بعيد: مكية
أقترب منها وصوت اقدامه بالأرض أحكمت مكية الأمساك بوعاء المياه المختلط بالصابون السائل مستعدة له التفتت معتقدة بأنه غريب سكبت المياه عليه مردد بهلع: جاي عشان تتأكد انه مات.. ده انا اللي هقتلك
مسح بدر على وجهه ورد عليها بسخرية: هتقتليني بالمية والصابون ليه حد قالك اني جرثومة
أفاقت مكية وتركت الوعاء يقع نظرت لمصدر الصوت .بدون تصديق مكذبة للصوت حتى رأت وجهه وحالته التي تحسنت للأفضل مع أختلاطه بالصابون هتفت بفرحة: انت خفيت يا بدر.. حقك عليا كنت فاكرة الراجل اللي بيجي كل يوم هنا.. انت عامل ايه؟
مسح وجهه بكم قميصه الأسود وقال بجدية: راجل مين اللي جه هنا؟
ناولته منشفة نظيفة وقالت بفرحة وعى تنظر له: ماعرفش اسمه بس هو كبير.. كل يومين بيجي هنا عاوز يدخل المشتل وأنا برفض انا قولتله انك بعت المشتل ليا ولو مش مشي هعمله فضيحة
تابع تحفيف راسه ثم سألها بفضول أكبر: الراجل ده شكله ايه؟ تخين مثلا وشعره ابيض
أومأت رأسها بتأكيد: ايوة ايوة.. هو ده وبيلبس خواتم كتيرة
علم بدر بأنه لطفي، أسرعت مكية بسؤاله: انت كويس يا بدر؟.. البقاء لله
رد عليها بهدوء: ونعم بالله.. انتي بتعملي ايه هنا؟ وكل يوم بتيجي؟
أجابته بتريث جميل: مش شرط يوم ممكن يومين او تلاتة كنت باجي اسقي الورد وانضف المشتل والنهاردة كنت بغسل الموتسكل بس ماعرفتش اصلحه بصراحة
زفر الهواء من رئتيه وقال مبتسما لها: شكرا يا مكية.. كنت فاكر الورد كله هيموت من العطش ماتخيلتش انك هتسقيه
اردفت بأمتنان: انا بقيت بحب الورد جدا بسببك
أبتسم لها فطعل قلبها يخفق تلقائيا هتفت مغيبة عن الواقع: ماتبتسمش في وشي.. قلبي بيدق بسرعة اوي
زادت أبتسامته بوجهها فأشاحت جسدها للجانب الأخر بخجل لم تسمع منه صوت أعتقدت أنه يطالعها نظرات لتعاود النظر اليه ولكن لم تجده.. اين أختفى؟ أكانت تحلم؟
تعجبت مكية وقالت بحيرة: هو راح فين؟.. بسم الله الرحمن الرحيم
عاد لها وهو ممسك بشيء مغلف وقال بجدية: في حاجة نسيتها في العربية.. أتفضلي
حدجته بفضول: ايه ده؟
أردف بدر بهدوء: افتحي وشوفي
أزاحت مكية الورق المغلف به وجدت دفتر مكتوب عليه كوكيز وبجانبه قلب احمر كانت محادثته معها على تطبيق الواتساب مطبوع امامها أوراق ملونة
ألتمعت أعين مكية بفرحة وهى تردد: أنت طبعت الشات بتاعنا؟ طب ليه؟
شبك أصابعه خلف رقبته وبادر بقول: لما عملت الحادثة جات في بالي ان لو موبايلي اتكسر او باظ. مش هعرف ارجع كل الرسايل.. الشات بين اللي بتحبيه مستحيل يتحذف.. لو أتخانقنا نرجع لفوق ونشوف كلامنا كان ايه؟ هنبتسم ونصالح بعض
نظرت مكية له بأمتنان كبير كانت تود ان تخبره بأنها تعشقه ولكن خجلت أخفضت بصرها للأرض
أستأنف بدر قوله الفكاهي: اممممم هنقلب على شقائق النعمان.. أنا كنت جاي اشوف الورد والحمد لله انتي كنتي بتسقيه.. وقولتي بالمرة تسقيني انا كمان
أسرعت بالرد بلهفة: والله ماكنت أقصد
لملمت اشيائها وتحدثت بقلة معه ثم غادرت مبتسمة على الهدية الرائعة بينما أغلق بدر المشتل وذهب للمكان الذي سبب له شرخ بقلبه المكان الذي وجد به وهو في المهد محاطة به الكلاب، ترجل من
سيارته وجثى قليلا محدقا بالأرض لفترة طويلة شارد بالزمن تنهد بصوت خفيض، شعر باصابع على كتفه رفع بصره إلى ذلك الرجل الوقور بفضول
تابع الرجل بأبتسامة: بقالك أكتر من عشر سنين بتيجي هنا ومابتتكلمش.. انت بتدور على حاجة يا ابني؟ ولا اقولك تعالى نقعد.. انا عاوز اتكلم معاك
نهض بدر وسار مع الرجل وجلسا على المقعد الخشبي فتابع الرجل بوجه بشوش: ايه معرفتك بالمكان ده؟ واشمعنا المكان ده اللي بتقعد فيه؟ اصل ليه تاريخ قديم.. الستات اللي مابتخلفش بتيجي تزوره
رمق بدر الرجل بتعجب الذي أكمل قوله: جهل يا ابني.. عشان من كام سنة لقينا عيل في الصبح.. الله اعلم.. ابن حرام.. ومن اليوم ده الستات الجاهلة بتيجي تزور المكان عشان تخلف
سأله بدر بخفوت: أمتى حصل؟
تابع الرطل بتذكر: انا كنت خارج للشغل بتاعي في الصبح ولقيت العيل.. كان ابني شهاب عنده سنه ودلوقتي تسعة وعشرين.. يعني عنده تمنية وعشرين سنة
دقق بدر به ليواصل أسئلته: حضرتك اللي لقيته؟ من رأيي كنت سبته ومات كان أحسن
نهره الرجل بنفي وقال بضيق: يارب عفوك ليه كده؟ يعني الكلاب تكون أحن عليه مني انا الأنسان.. ربنا بيحبه لما خدته للمستشفى الدكاترة ماصدقوش انه عايش.. في البرد ولسه مولود بالخلاص بتاعه.. ربنا أراد انه يعيش هنعترض؟ بعد ما أخدته هو السلسلة الدهب على شكل صليب وآآ
تعجب بدر وردد بأنكار: صليب؟!!!