تحميل رواية «أحببتك واكتفيت» PDF
بقلم ولاء محمود
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
تقود سيارتها بعدما أدارت المقود بعنف. هذا آخر ما تتوقع رؤيته. دارت في ذهنها العديد من التساؤلات: لما حدث هذا؟ من الذي تحدث إليها؟ كيف يجرؤ على فعلها؟ حالة من التوهان أصابتها. بل إنها تساءلت عن ردة فعلها لما جاءت باردة. تلك أثناء انشغالها بكل هذا، لم تلاحظ هذا الكمين، ولا أنها قطعته سهواً منها دون عمد. لمَ! هو تحديداً من يتم اختياره بين زملائه لهذه المهمة؟ ألم يكن على اتفاق مع اللواء رفعت بأخذ إجازة بعد قيامه بآخر مهمة؟ تذكَّر حديثه مع اللواء حينما أردف: "اعذرني يا سيادة اللواء، أنا كنت مبلغ حضرت...
رواية أحببتك واكتفيت الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ولاء محمود
في فيلا منير المنشاوي صباحًا.
قابعًا على أحد مقاعد مائدة الطعام، منتظرًا مجيء ابنته، مردفًا لأحد الخدم:
"هي كل ده نسرين نايمة ولا إيه؟"
أجابه أحد الخدم:
"لا يا منير باشا، الهانم صحيت وزمانها نازلة حالًا تفطر مع حضرتك."
كادت تنهي حديثها حين قاطعها دخول نسرين، تسحب أحد المقاعد وتجلس عليها بصمت، متناولة إفطارها.
قاطع أباها الصمت قائلاً:
"مفيش صباح الخير حتى.. عادي، أصل أنا معرفتش أربي."
همّت هي أن تتفوّه بها، قاطعها هو مخبرًا إياها:
"النهاردة هتنزلي تختاري باقي الحاجات اللي ناقصاكي عشان حددنا معاد الفرح خلاص."
تجهّمت ملامحها، شعرت أنها فقدت القدرة على النطق والمقاومة. دارت حرب شرسة داخلها، ما الذي عليها فعله الآن؟ كيف تُنقذ نفسها من هذه الزيجة؟
قطع شرودها والدها حينما أردف:
"ولما تخلصوا نتقابل كلنا في…"
ذكر اسم أحد المطاعم الشهيرة، "نتغدى ونتكلم في باقي التفاصيل."
أنهت طعامها الذي لم تتذوق منه شيئًا، راكضة تجاه غرفتها. وما إن دلفت غرفتها، أسرعت مهاتفة صديقتها تخبرها، بدهشة تارة وببكاء تارة أخرى، متمتمة بضع كلمات:
"اعمل إيه قوليلي يا نهى؟ أهرب؟ هيجيبوني تاني. أموت نفسي؟ حرام عليا. أرضى إني أتجوز إنسان مش بطيقه ولا بحبه وخاين كمان؟ طيب أعمل إيه؟"
أنهت كلماتها ببكاء، وأردفت وسط دموعها:
"نهى، لو قولتلك تعالي معايا تيجي؟ أنا مش عاوزة أروح معاه في أي مكان لوحدي أبدًا…"
على الجانب الآخر.
رنّ هاتفه مجيبًا هو:
"محمود! أخيرًا يا ابني افتكرتني. ها بقى، أقابلك فين؟"
أردف بها أحمد مقاطعًا صديقه حينما أخبره شيئًا، ضحك بسخرية:
"لا والله مش فاضي أنا أقابلك في النادي.. بص، أنا مسحول هنا في كمين وقريب مني مطعم كده وأنا متغدتش، والله ما تيجي أقابلك هناك."
محمود:
"يااااه يا عم، هو انت على طول كده؟ همّك على بطنك. ماشي، موافق. أنا في الطريق أهو."
أغلق هاتفه حينما وجّه تعليماته لزملائه من الضباط والجنود في الكمين، مردفًا لهم:
"هروح مشوار مهم كده ربع ساعة. مش عاوز عربية تعدي من غير تفتيشها كويس وتاخدوا بالكم من كل حاجة."
ألقى تعليماته ثم غادر متجهًا لصديقه.
عنده هو في الفندق.
أمسك الجهاز المسؤول عن المراقبة عن بعد خاصته، مراقبًا بها فيلا منير المنشاوي. أدرك حجم قوة الحماية المحيطة بالفيلا، وعلم موعد مغادرته من الفيلا صباحًا، كما علم موعد عودته للفيلا. لا يستطيع مراقبته عن قرب أكثر، فهو إلى الآن يحتاج يقلل ظهور عثمان متولي.
بعد إدراكه أن عثمان متولي تحت المراقبة أيضًا، أزال القناع من وجهه، ثم أردف بشر:
"انت كنت نافعني أووووي، وخصوصًا إنك ملكش أهل ولا حد يسأل عن سبب اختفائك من أول وصولك مصر. بس الظابط ده إيه خلاه أصلًا يشك فيك يا عثمان…؟"
في أحد المطاعم الشهيرة.
رن هاتفه مردفًا:
"خير، في حاجة؟"
على الجانب الآخر، صوت أنثوي يخبره بضرورة مجيئه لاستلام شحنة من البضائع وإمضاء كافة الورق المتبقي.
أجاب هو:
"مش انتي عارفة إني في مشوار دلوقتي يا شيرين؟"
شيرين:
"وأعتقد أن حضرتك قولتلي إن شحنة الأغذية دي خصوصًا هتستلمها بنفسك عشان أول تعامل ليك معاهم، وإني أبلغك على طول."
أمجد:
"خلاص، أنا جاي أهو."
أغلق هاتفه متعجلًا، ناظرًا لهما مردفًا:
"طيب، أنا هستأذن بقى يا نسرين، بس في شغل مهم جدًا لازم أكون بنفسي موجود معاهم. بس أنا مش سايبك لوحدك، معاكي نهى ومنير باشا زمانه على وصول، وأنا هكلمه أبلغه إني اضطريت أمشي."
غادر هو عائدًا للشركة.
مرت لحظات، دلف بها أحمد المطعم ليرى صديقه يشير له. اتجه إليه مصافحًا بحنين لصديق الطفولة الذي عاد تواً بعد غياب ثلاث سنوات أقامهم بالخارج:
"إيه التأخير ده؟ انت مكنتش كده زمان، كنت قبل المعاد بتبقى موجود."
قاطعه أحمد قائلاً:
"ده كان زمان قبل ما أبقى ظابط والتزامات ومسؤوليات. وانت مبسوط بقى في شغلك؟"
أجابه محمود:
"يا ابني، لو لم أكن مهندس لوددت أن أكون مهندس. لا، ما كانش ينفع أبقى زي أبويا. جو الظباط ده مليش فيه. والصراحة اللواء رفعت جدع معايا لما قالي ادخل اللي انت عاوزه، أنا مش هغصبك على حاجة."
صوت رنين قطع حديثهم. أجاب أحمد صمت لحظة قبل أن يردف قائلاً:
"فعلاً اللي حسبته لقيته…."
في منزل الحاجة حميدة.
"قومي ارتاحي شوية يا رحمة يا حبيبتي، بقالك كتير قاعدة بتذاكري." هتفت بها حميدة، مرفقة بحال ابنتها.
رحمة:
"أنا فعلًا تعبت يا أمي، شوية محتاجة أفصل. أنا هقوم أرتاح شوية."
أغلقت بعض الكتب أمامها، بينما شردت في ذكرى هذا الشاب. لم تراه مرة أخرى. ترددت كلماته بذهنها: "أنا أدهم، جاركم على فكرة." لم تتساءل ذات يوم هل المنطقة بأكملها يقطن بها هذا الشاب؟ لم تراه من قبل، لا هو ولا غيره. حين تكون بالخارج، تسير خطواتها مثبتة بصرها أمامها، غاضة بصرها، لم تلاحظ أحد من الأساس. من أين له أن يعجب بها؟ هذه المرة الأولى التي تراه بها. لم تره بعدها ثانية. هاهي خرجت بعدها أكثر من مرة، بل أكثر من يوم، لم تره.
زار طيفها خياله. هذه المرة العاشرة بل أكثر. لم يعد يكترث بعدد المرات التي رغب بها النوم وكان طيفها يؤرقه. يتخيلها نسمة أضاءت حياته، ملأت كل الفراغ بها. وقع أسير ضحكتها العذبة، براءة نظراتها، دموعها التي تنساب، ليس إلا لعلامة واحدة فقدتها في الاختبار. عشق تفاصيلها. كتم في قلبه كل ذلك لصغر سنها. بينما وعد نفسه بأنه لن يستطيع الانتظار أكثر بعد. سيبوح عما بقلبه قريبًا.
في شركة أمجد الهواري.
"جهزتي كل الورق يا شيرين؟" أردف بها أمجد.
شيرين:
"كله تمام يا أمجد."
قاطعها هو:
"نعم، استنى كده، بصي.. في الشركة قدام الموظفين، أنا أمجد بيه. بيني وبينك، قوليلي اللي انتي عايزاه."
شيرين:
"من امتى الكلام ده؟"
أمجد:
"لا، ده من زمان بس انتي اللي مش واخده بالك."
شيرين بتهجّم:
"على فكرة مش من مصلحتك تقلب عليا أنا عشان اللي عارفاه عنك مش قليل."
أمجد بنبرة غاضبة:
"وانت مش من مصلحتك تخونيني أو تبقي عدوتي عشان حياتك في إيدي أنا وبس، وممكن في ثانية أنهيها."
ارتبكت ملامحها، ثم أردفت بنبرة لينة متصنعة:
"مالك يا أمجد بيه؟ بتتكلم معايا ليه كده؟ أنا عملت إيه لده كله؟"
قاطعها أمجد بحدّة:
"انتي يا شيرين بالنسبالي زي العروسة الماريونت. أنا اللي بقرر تعمل إيه وتقول إيه وتروح فين. غير كده، انتي أصلًا مش هتعرفي تعيشي من غيري. اكسبَي ودّي أحسن."
انهارت هي باكية:
"أنا عشان بحبك تذلّني وتعمل فيا كل ده؟ حبك ده بيموتني. بينهي حياتي. انت عندك حق، أنا لعبة في إيدك."
تركها هو وسط دموعها، مغادرًا إياها متجهًا لمكتبه، غير مبالٍ بها.
كفكفت هي عبراتها، عيناها تلمع باحمرار غاضبة:
"قريب أوي اللعبة دي هتكسرك، مش انت اللي هتكسرني."
رواية أحببتك واكتفيت الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ولاء محمود
عند أحمد بعدما أنهى مكالمته وحدث نفسه مردفاً: اللي حسبته لقيته.
قطع شروده اللحظي محمود: إيه يا عم انت بتسرح وانت قاعد معايا؟ في إيه؟
ضحك أحمد مردفاً: اللي يسمعك كده يقول خطيبتي وأنا معرفش.
أردف محمود مقاطعاً حديثه: صحيح انت متجوزتش ليه يا أبو حميد لحد دلوقتي؟
أحمد: تقدر تقول أنا زيك كده برضو.
قطع حديثه عن عمد متمتماً ببضع كلمات: محمود عايزك في حاجة مهمة. في حد اسمه عثمان متولي كان مسافر كندا بيشتغل في شركة هناك. عايزك تعرف كل حاجة عنه هناك. إيه بالظبط خلاه يسيب شغله ويرجع فجأة لمصر؟ تقدر تفيدني يا محمود في الموضوع ده؟
محمود: أنا ليا حبايبي هناك، هكلمهم وأسألك عليه وهجيبلك كل معلوماته. اطمن يا أبو حميد.
قطع حديثهم ضجيج، بل هو صوت أشبه بالتعنيف. اتجهوا بأعينهم لمصدر الصوت، حينما وجدوا هذا المشهد وسمعوا تلك الكلمات، وذلك لقربهم من المائدة المنبعث منها الصوت، والتي يفصلهم عنها مائدتين فقط.
"إنتِ اللي بتغلطي دايماً، أكيد بعمايلك دي طفّش وزهق وسابك ومشي. أه هو كلمني قالي إنه شغل مهم وأنا عذرته، لكن انتي مستهترة. تقدري تقوليلي إيه مخرج واحد وخطيبته يختاروا باقي التزامات جوازهم ياخدوا واحدة صاحبتهم معاهم؟ ها يقول إيه الراجل؟ يقول مش طايقة تخرجي معاه."
لم تستطع التماسك أكثر، انفجرت باكية، شهقاتها تعلو، دموعها تنهمر بغزارة. بينما أردفت صديقتها: "انكل حضرتك عارف كويس أنا خرجت مع نينا ليه. هي ملهاش ذنب في حاجة، أنا أصريت أخرج معاهم عشان أختار مع صديقة عمري كل حاجة. تعلم أن هذا لم يحدث."
بل نسرين أصرت قائلة: "نهى والله لو مجتيش انسى إنّي صاحبتك، انتي اللي بتستهيني بعليا. يرضيكي تسبيني معاه كده؟ مش كفاية إنّي هتجوزه غصب يعني؟ مدبسة فيه كمان أخرج معاه؟ لا والله هتيجي معايا".
إلى أن أذعنت صديقتها: "حاضر خلاص جاية. اسكتي بقى انتي زنانة."
قطع شرودها صوت منير يخبرها: "انتي لو بتحبيها وبتتمني لها الخير كنتي ساعدتيها، مش تخرجي معاهم ومتسيبيهمش يقربوا من بعض."
أردفت نهى: "حاضر أنا آسفة يا انكل، بس نسرين مغلطتش في حاجة، أنا السبب."
انتبه محمود إليها مجدداً، تتحدث وكأنها لا يقع عليها اللوم رغم اعترافها بأنها المخطئة. تري ما بها هذه الفتاة تقاتل من أجل صديقتها لتنأى بها بعيداً عن تعنيف والدها.
تمتم بنبرة خافتة: "هو انتي مش هتبطلي لسانك ده على طول كده.. غلطانة بتتكلمي.. مش غلطانة بتتكلمي برضو."
أحمد: "انت تعرفها؟"
أردف محمود: "آه قابلتها هي وصاحبتها دي اللي بتعيط قبل كده. بس شوف رغم الزعيق ده كله البنت متهزتش. غلطانة وبتتكلم بمنتهى الشجاعة. عجبتني بنت الـ... دي."
أحس أحمد بوخزة خفيفة بقلبه، أردف: "هي مين دي اللي عجبتك؟ ماتركز معايا."
أجابه محمود: "بقولك اللي بتتكلم هي اللي عجبتني، مش التانية خالص."
قاطعه أحمد مدركاً بعض الارتياح، بينما وخزات قلبه تزداد والضيق يزداد، لا يعلم سببه: "ده منير بيه المنشاوي، واللي بتعيط دي بنته، وغالباً اللي جنبها دي صاحبتها. أنا أول مرة أشوفها."
قطع الأخير كلامه عنهما مردفاً: "بقولك إيه أنا مش عارف آكل." أشار للنادل بالمطعم هامساً له ببضع كلمات.
توجه على أثرها النادل لمائدة منير قائلاً: "نستأذن حضرتك يا فندم الصوت عشان سمعة المكان والزباين مش عارفه تاكل بهدوء."
أنهى النادل حديثه، بينما يتابع أحمد المشهد باهتمام، راسماً الجدية على ملامحه، مردفاً: "مش كمان الوقت اللي هنتغدى بره فيه أسمع دوشة."
أخذ يختلس نظراته إليها يراقبها، هل هدأت قليلاً؟ أخبر النادل ببضع كلمات ليس لأنه غير معتاد على الضجيج، بل لأنه أصبح يشعر بتلك الوخزات عند رؤية دموعها. لا يرغب بمعرفة ماهية الشعور الذي يجتاحه، بل يدرك تماماً أنه لم يعد بوسعه رؤية دموعها وحالتها تلك بعد الآن.
في مكتب اللواء رفعت.
رفعت: "قلتلي في أخبار مهمة يا أحمد عايز تبلغها لي بنفسك؟"
أحمد: "اتأكدت يا فندم إن كل الركاب اللي كانوا على نفس الطائرة اللي كان فيها مهدي ومتجهة لمصر من أماكن متفرقة. منهم اتنين بس هما اللي كانوا جايين من كندا في الرحلة دي؛ مهدي وعثمان متولي. وعلى أساسه يا فندم نستدعيه لسؤاله عن مهدي؟"
على الجانب الآخر.
هو يعلم جيداً أنهم يبحثون عنه، يرغب بفعلها والسفر بعيداً. أردف شارداً محدثاً نفسه: "ياترى لو سألوني إيه علاقتي بمهدي هقولهم إيه؟ بس أي حاجة تتقال برضه مش هيقدروا يثبتوا عليا حاجة. واحد شغله وقف بره حب يرجع بلده، إيه ذنبه إنه قابل مجرم مطلوب من الإنتربول في المطار؟ مكانش يعرف وقتها إنه مجرم ولا أنه مطلوب."
"كده حلو أوي، لازم بقى مهدي يظهر عشان نخف العيون عن عثمان شوية."
في منزل اللواء رفعت.
محمود مهاتفا صديقه: "بقولك إيه عندي ليك أخبار حلوة أوي، جبت لك معلومات عن اللي اسمه عثمان ده. ما تيجي النهاردة عندنا هستناك أنا واللواء رفعت ع العشا."
في فيلا منير المنشاوي.
دَلفت هي راكضة نحو غرفتها ببكاء ولوعة قلب: "لما يفعل بها كل هذا؟ هل للقدر كلمة أخرى يسطرها بزواجها من أمجد؟"
باحثة عن هاتفها تحدثت إلى رفيقة دربها: "نهى أنا آسفة، انتي مكنش ينفع تقولي كده، أنا السبب في كل ده."
قاطعتها نهى بحزن دفين بقلبها: "من هذا الرجل؟ نعم كسر بخاطري، أحرجني أمام الجميع حينما أشار عليها مردفاً بصخب: دي تقطعي علاقتك بيها، دي ميتقالش عليها صديقة أبداً، اللي متخافش على مستقبل صاحبتها تبقى صديقة خائنة."
نعتها بالخائنة وهي أبعد ما تكون عن تلك الصفة.
أردفت بإنكسار: "حبيبتي يا نينا انتي أختي، ده واجب الصديق تجاه صديقه."
لم تستطع مواصلة التحدث، تحججت بمناداة والدتها لها مردفة: "أيوه يا ماما جاية اهو. أنا آسفة يا نينا مضطرة أقفل. هكلمك تاني أطمن عليكي حبيبتي. مع السلامة."
قطعت الاتصال، أطلقت العنان لصوت بكائها دوى في الغرفة بأكملها، متمتمة بكلمات متقطعة وسط بكائها: "أنا آسفة يا نسرين، كان لازم أقفل، مش قادرة أتحمل الإهانة على نفسي. لازم أعياط وإلا هيجرالي حاجة."
يبدو مظهرها خارجياً قوية، جلِدة لا يؤثر بها شيء، بينما هي في الحقيقة هشة… كالزجاج إذا انكسرت لا تستطيع الالتئام مجدداً، وإذا التأمت تظهر الشروخ متصدعة بها رؤى العين؛ لذلك تُظهر جانبها القوي البارد فقط.
واحدة فقط تحفظها عن ظهر قلب. نسرين تعلم أنها أنهت مكالمتها عن قصد لرغبتها القوية بالبكاء، لن تكون نهى إذا بكت أمام أحد آخر سوى نفسها.
رواية أحببتك واكتفيت الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ولاء محمود
يلا بقى يا رورو قومي بطلي كسل عاوز أفطر معاكي قبل ما أنزل الشغل.
كان أحمد يُفتعل ضجيجًا في غرفتها، فقد اشتاق لها فعليًا، اشتاق لمشاكساتها معه، اشتاق للمكوث معها ومع والدته قليلاً. هي ابنته أولًا وأخته ثانيًا، صغيرته المدللة.
قبل وفاة والده بيوم، يتذكر جيدًا ما حدث منذ ثلاثة عشر عامًا.
دلف اللواء عبد الرحمن مصطفى، والده، إلى غرفته متمتمًا بكلمات لم ينسها أبدًا في حياته: "انت صاحي يا أحمد؟"
أجابه أحمد: "أيوه يا بابا لسه منمتش، في حاجة حضرتك؟"
لاحظ ملامح القلق تكتسح وجه أبيه، محاولًا إخفاءها، مردفًا: "انت عارف إنك راجل البيت يا أحمد، لازم تاخد بالك من أمك وأختك الصغيرة دي، أنا بكرة عندي مهمة، في كل مهمة بروحها بقلق ما أرجعش، وبفكر فيكم. أوقات كتير كنت بفكر أسيب الشغل وأستقيل وأعيش حياة طبيعية من غير قلق ولا خوف عليكم، لكن برجع أقول ده واجبي. لو مت في شغلي هكون شهيد وهتفضل ذكرايا عايشة معاكم طول الوقت، تفتكروني وتفتخروا بيّا، عشان كده عمري ما قدرت أسيبه. أنا مستودعكم عند ربنا يا ابني، أنا بحبك أوي وبحب اختك وامك، أنتم كل حياتي، عشت بتقي ربنا في شغلي وفيكم عشان ربنا يكرمي فيكم ويحافظ لي عليكم ولو مش وسطكم."
أنهى كلامه طابعًا قبلة على جبين ولده، ثم غادر الغرفة، تاركًا الريبة والقلق تملأ قلب أحمد. لكنه دعا الله أن يعود والده سالمًا.
اليوم التالي لم يعد هو، بل عادت بدلته وأشيائه فقط. بكى وقتها بكاءً لم يبكه بحياته قط.
كان في التاسعة عشر من عمره، في عامه الثاني بكلية الشرطة، كوالده، وكانت أخته في عامها الرابع.
أفاق من شروده، مستمعًا لصوت رحمه مردفة: "صباح الخير يا أبيه، في حد يصحّي حد كده؟"
قاطعها بمشاكسة: "لما الحد ده يكون نومه تقيل زيك يبقى لازم يصحى كده واكتر كمان، يلا قومي نفطر سوا عشان نازل الشغل يا لمضة."
بلمح البصر وجدها تقفز من السرير مردفة بسرور: "بجد يا أبيه هنفطر سوا؟ بقالي كتير مش بشوفك أصلًا."
ابتسم لها مردفًا: "أيوه، وخلّصي بقى وبطلي رغي، أنا أصلًا ناوي أخلص القضية اللي شغال فيها دي وآخد إجازة ونقضيها سوا أنا وأنتي وأمي، نسافر أي مكان ونغيّر جو."
في شركة الهواري.
رفع أمجد هاتفه يطلب سكرتيرته الخاصة، مهاتفًا: "شيرين تعالي حالًا."
أتت شيرين متمتمة: "كنت عايزني في حاجة يا أمجد بيه؟"
قاطعها هو: "لا بيه إيه، متتهزريش، مالك كده في إيه؟"
اعتلت علامات الدهشة وجهها لتردف: "مش أنت اللي كنت قلت لي أقولك كده آخر مرة وزعقت فيا جامد لما ناديتلك أمجد بس؟"
قاطعها هو: "لا ياحلوة، قدام الناس وباقي الموظفين بس، لكن بيني وبينك عادي. بصي ياشيرين، أنا مقدر إنك بتغيري عليا، وأقصى حاجة أتوقعها منك إنك تسعي بأي طريقة إني أكون ليكي ومكملش مع نسرين، بس بقولك تاني، لو اتجوزتها ده في مصلحتنا، افهمي. يلا بقى عشان عايزك النهارده نقضي ليلة حلوة كده سوا، وهاتي لي الملف الخاص بالشحنة الجديدة اللي هتيجي."
أردفت متسائلة: "شايفاك مهتم أوي بالعملاء الجدد دول."
هتف مجيبًا: "طبعًا، بيقدموا عرض أقوى وبيدوني شحنة مواد غذائية بنص السعر اللي كنت بدفعه مع عملاء غيرهم بنفس الكمية."
تساءلت هي: "بس مش كده غريب، مش يمكن يكونوا مش تمام؟"
أردف أمجد: "بصي، كل اللي يهمني طالما تواريخ الحاجة مش منتهية كده، البضاعة اللي بناخدها سليمة."
أردفت شيرين: "تمام، هجيب لك الملف حالًا."
غادرت بينما ذهنها مشغول بشيء ما.
فيلا منير المنشاوي.
نسرين لاحظت اكتساح ملامح القلق والحيرة تعلو وجه أبيها، أردفت: "بابا مالك، حساك مش تمام."
قاطعها بنبرة قاسية: "انتي شاغلة بالك بيا ليه؟ ملكيش دعوة بيا طول ما انتي مش عاوزة تريحيني، يبقى تبعدي بعيد عني وميخصكيش. أقلق ولا أزعل، لما تريحيني وترضي خطيبك عنك هبقى أنا كمان كويس معاكي."
صمتت هي، تمتمت بضعف: "أنا آسفة."
غادرت متوجهة لغرفتها، بينما هو محدثًا نفسه: "من ساعة ما بطلوا يتعاملوا معايا وأنا بتوصلني تهديدات، آخر مرة قالوا لي فيها: ده آخر تعامل بينا. رغم محاولاتي بكل الطرق إننا نكمل سوا في الأعمال المشتركة بينا، بس كان ردهم: إحنا لقينا عميل تاني بيدفع أكتر وبياخد مننا شحنات أكتر. وانت طبعًا عارف إن اللي ما يكملش معانا، أحسن له ميجبش سيرتنا بكلمة، أو أحسن لنا إحنا نخلّص عليه. ومن ساعتها وأنا بلغت الشرطة إني بتلقى تهديدات منهم، بس بما إن التهديد جاي من برّه، فأقصى حاجة يقدروا يقدموها لي الشرطة هو تأمين حياتي هنا."
في منزل اللواء رفعت.
محاضنًا صديقه بحماس: "ايه يا أبو حميد، منور، ادخل، تعالي."
على مائدة الطعام، يجلس كل منهم متحدثًا بموضوع واحد فقط.
أحمد: "قول لي بقى، عرفت إيه عن عثمان متولي ده؟"
ناظرًا لصديقه باهتمام.
أردف محمود: "فعلاً، هو قضى عمره كله في كندا، وبعدين الشركة اللي بيشتغل فيها لاحظوا إهماله في الشغل في آخر فترة، ولما الموضوع زاد ضغطوا عليه عشان يعرفوا السبب، عرفوا إنه متورط مع ناس شغلهم مش تمام، خد منهم فلوس ومعرفش يرجعها، فاضطر ياخد فلوس من الشغل محدش له علم بيها، اختلاس يعني أو سرقة. بلّغوا عنه واتحبس، وبعدها واحد خرّجه ورجع على مصر."
قاطعه هو: "متعرفش مين خرجه يا محمود؟"
مجيبًا: "آه، قالوا واحد كده اسمه مهدي باين."
عند نطق اسمه، تبادل كلاً من أحمد واللواء رفعت نظرات لها معنى.
بينما أردف رفعت: "كان عندك حق يا أحمد إنك تشك في عثمان متولي ده، الوحيد اللي هيوصلنا لمهدي فعلًا."
قاطعه أحمد: "قلت لحضرتك يا فندم نستدعيه، قلت لي ده مش دليل، معنى كده نجيب كل الركاب ونسألهم عن مهدي لمجرد إنهم كلهم كانوا على نفس الطيارة مسافرين معاه، حضرتك مقتنعتش بوجهة نظري."
قاطعه اللواء بإجراء بعض المكالمات التي أمر فيها بالقبض على عثمان متولي واستدعائه بأمر من النيابة، مكلفًا أحمد بإحضاره.
هتف محمود بهم قائلًا: "ايه يا جدعان؟ هو أنا مش ساعدتكم برضو ولا إيه؟ عشان تعرفوا ليا حبايبي في كل مكان."
قاطعته ابتسامة والده المحببة التي يستطيع هو وحده رسمها على ملامح والده.
حينما اتجه نظره إلى أحمد مردفًا: "بقولك إيه، زي ما أنا ساعدتك ماتساعدني كده وهات لي معلومات عن البنت دي، بما إنك طلعت عارف صاحبتها."
رمقه أحمد بجدية مردفًا: "ولا أعرف صاحبتها ولا حاجة، دي حاجة كده شغالين عليها وبالصدفة لمحت معلومات عنهم."
أجابه محمود: "خلاص يا أحمد، أنت زعلت عشان بقولك أنت تعرف صاحبتها؟ طيب بصي، اعرف لي البنت إياها أم لسان طويل دي، اعرف لي معلومات عنها، اسمها حتى أو ساكنة فين، وأنا هتعامل مع الباقي لوحدي."
أحمد: "هي اسمها نهى و عايشة مع والدتها، بس كده."
قاطعه اللواء رفعت: "سيبك منه يا أحمد، ده فاضي. صحيح، مصطفى كلمني قالي إنك عديت عليه، خدت منه الملف الخاص بمنير المنشاوي."
أحمد: "أيوه يافندم حصل، واطلعت على كل المعلومات اللي فيه ورجعته تاني."
همّ بالانصراف والمغادرة، مودعًا اللواء وصديقه.
أما بالفندق الذي يتخفى به عثمان متولي.
"خلاص أنا جهزت كل حاجة، العملية هتتم بكرة وبعدها تجيلي رسالة بباقي المبلغ اللي هيكون اتحول في رصيدي."
أنهى مكالمته متمتمًا: "كل حاجة ماشية زي ما أنا عايز بالظبط."
أعد سلاحه، مردفًا: "خلاص يا منير، النهاردة آخر يوم ليك في الحياة، بكرة مش هتبقى معانا، ألحق بقى ودّع حبايبك."
ثم أطلق ضحكته الشيطانية المعتادة، التي دوى صوتها المكان بأكمله.
رواية أحببتك واكتفيت الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ولاء محمود
اَعَدّ أحمد قوّة عسكرية متجهاً بها إلى الفندق الذي يمكث به عثمان متولي.
اكتسحت الصدمة ملامح وجهه حينما أخبره العامل بإدارة الفندق أن النزيل قد ترك الفندق أمس.
أُصيب بالإحباط، كان يهدف أن يتم القبض عليه اليوم وينهي القضية بأكملها.
أردف هو في حيرة من أمره: "طيب إيه الخطوة الجاية؟"
"مش لو كان اللواء سمح لي أعمل الخطوة دي بدري كان زماني لحقته."
قطع شروده رنين هاتفه، ما أن أجاب عليه حتى اعتلت ملامحه الدهشة مردفاً: "مهدي..."
غادر الفندق مُهاتِفاً اللواء رفعت متمتماً: "الظاهر يا سيادة اللواء إن المجرم اللي بنتعامل معاه سابق بخطوة عننا، بس أنا بقول لحضرتك إن في حاجة هتحصل النهاردة، أنا حاسس بكده، حاسس إنه بيشتت تفكيرنا في أكتر من مكان وعايز ينفذ حاجة معينة."
قاطعه اللواء مردفاً: "تفتكر عاوز يعمل إيه؟ تفتكر إننا هنروح مش هنلاقي مهدي!؟"
أردف أحمد ناظراً لنقطةٍ ما أمامه بشرود متمتماً بما يدور بذهنه: "أنا واثق إن المكالمة اللي جت دي هدفها إننا نروح المكان ده ونبقى مركزين هناك أكتر من أي مكان تاني، بحيث هو يقدر يتحرك براحته ينفذ اللي جاي عشانه."
أخذ يفكر مردفاً بنفاذ صبر: "هو عاوز يوصل لإيه بالظبط باللي بيعمله ده!"
لحظة.. تذكّر هو شيئاً؛ عند مغادرته من الفندق اليوم، ألم يمر من تلك الطرق من قبل؟ أليست تلك الطرق المؤدية لفيلا منير المنشاوي؟
تذكّر حينما كان واقفاً ينظر بتمعن لمداخل ومخارج الفيلا وكأن الطرق باتت أكثر إيضاحاً الآن.
عَلِم وقتها أن الفندق الذي نزل به عثمان متولي أقرب مكان للفيلا.
ألم يكن حدسه صحيح حينما أحس بوجود علاقة بين مهدي والتهديدات المُلّحقة بمنير المنشاوي؟ كما كان مُحقاً بوجود علاقة بين مهدي وعثمان متولي.
لم يجد الوقت الكافي ليُثبت صحة حدسه ليعرف من هم بالأساس من يقومون بتهديد منير المنشاوي، لانشغاله بإيجاد مهدي وظهور عثمان متولي وترك مهمة التهديدات المُلّحقة به لزميله مصطفى.
وعلى ذكرها خفق قلبه، دَعا الله أن لا يُصيبها شيء اليوم.
إن صح ما فكّر به، فهي ووالدها بخطر محدق الآن أكثر من أي وقت مضى.
أجرى عدة مكالمات، أحدهم بزميله مصطفى مردفاً: "عاوزك تشدّ على تأمين الفيلا النهاردة وتشدد الحماية عليهم وتضاعف عدد العساكر في كل الطرق المؤدية للفيلا."
أنهى مكالمته، بينما المكالمة الأخرى كانت إلى اللواء رفعت يخبره بها: أن يبعث قوة عسكرية خاصة أخرى للفندق، بينما هو في طريقه يتجه للمكان الذي أبلغه به أحدهم بوجود مهدي هناك.
***
عنده هو، مردفاً بسخرية: "هما كده زمانهم على وصول عشان يقبضوا على مهدي، خليهم هناك وأنا أكون خلصت هنا."
أطلق ضحكته المعتادة، بينما يسترجع ما حدث؛ عندما علم بأنه مراقب واستطاع الفرار منهم، عاد بعدها للفندق وباتت الأمور أكثر إيضاحاً الآن.
راقب جيداً منير وموعد خروجه من الفيلا، كما أنه خطط جيداً لها.
تفقد أيضاً أعلى مكان بالفندق، ذهب ليلاً إليه، تفقد جيداً، بعدها علم أن الخطوة التالية يجب عليه مغادرة الفندق الآن لأنهم سيأتون لاحقاً باحثين عنه.
أنهى إجراءات مغادرته، بينما مكث بعض الوقت متججاً بانتظار إحدى السيارات تقلّه، بعدها اختفى عن الأنظار تماماً.
كان حينها مختبئاً بأحد الأماكن بالفندق التي علم أنها مغلقة وتخلو من كاميرات المراقبة، ونادراً ما يتواجد بها أحد.
وصل أحمد المكان، أمر بتفتيشه جيداً.
لم تصبه الدهشة، فقد عرف من قبل مجيئه أنه سيأتي ولن يجد أحداً به، وقد كان ظنه بمحله.
تعجب من المكان كثيراً، هو بجانب النهر، بينما ارتاب في داخله، حتماً سيحدث أمراً ما الليلة.
أمر قواته بالعودة والذهاب إلى الفندق، بينما هو في طريقه مهاتِفاً مصطفى: "إيه الجديد عندك؟ في أي حاجة غريبة أو حاجة حصلت؟"
أردف مصطفى مطمئناً صديقه: "لأ، كله تمام عندي، أنا مأمن كل حاجة وكلهُم جوا في الفيلا."
***
على الجانب الآخر بالفندق، بداخل تلك الغرفة.
تجهّز، أخرج سلاحه، استعد جيداً، قام بالعد، مدركاً أنه سيخرج بعد لحظات ذاهباً لعمله.
***
في فيلا منير المنشاوي:
تجهّز هو للذهاب لعمله، وجد ابنته أمامه، تمتم لها بكلمات أشبه بالأمر: "اعملي حسابك يا نسرين، كام يوم وتبقى متجوزة أمجد، إحنا حددنا المعاد امبارح خلاص، شوفي بقى ناقص إيه وكلمي أمجد جهزوا باقي الحاجة سوا، واعتقد الخروج المرة دي من غير نهى."
أنهى كلماته مغادراً الفيلا، بينما هي قابعة مكانها لا تستطيع الحراك، تتمتم بكلمات وعبرات تنساب على وجنتيها: "يارب أنا تعبت ياااارب، أنا استحالة أتجوزه، يارب غيّر أقداري يارب..."
بينما هي شاردة الذهن تناجي ربها، سمعت صوت والدها يتحدث مع أحدهم بصخب.
ركضت هي تجاه باب الفيلا لترى ما يحدث، وجدته يردف بغضب: "إنت هتمنعني من خروجي من الفيلا، ده اللي ناقص، أنا جايبكم هنا لحمايتي مش تحبسوني."
الجانب الآخر، سمع مصطفى ضجيجاً، أردف لأحمد: "اقفل دلوقتي يا أحمد، أروح أشوف فيه إيه وهكلمك تاني، الظاهر إنه منير بيتخانق مع حد من العساكر."
قاطعه أحمد: "لأ خليك معايا على التليفون، أنا هفضل فاتح الخط وانت روح شوف فيه إيه."
ذهب هو مردفاً: "خير بس يا منير بيه، إيه اللي حصل لكل ده؟"
أجابه منير بحنق وغضب: "البهوات قالوا لي مش هينفع النهاردة تخرج."
تمتم مصطفى بهدوء: "ده عشان سلامتك يا منير بيه، جايلنا أخبارية إنه النهاردة نشدد الحماية شوية ولسلامتك طلبنا منك متخرجش النهاردة، بس يا فندم."
قاطعه هو بنبرة غاضبة: "لأ عندك بقى، أنا خارج عندي شغل."
لم تُبتَر جملته سوى رصاصة، أخذها مباشرة بجانب قلبه، سقط على أثرها أرضاً.
تُتابع هي ما يحدث، لم تدرك بعدها أي شيء آخر سوى سقوط والدها أمامها.
تُردف بصدمة محدقة العينين: "بابااااااااااي."
يستمع أحمد كل ما حدث، سقط قلبه عندما استمع صوتها، ظناً منه أن ما سمعه ليس صوتها بل كان شيئاً أعمق، اهتز له كيانه بأكمله كأنّه سمع نفسه للتو عندما نطق بنفس الكلمة عندما تسلّم أشياء والده وأبلغوه بوفاته.
***
عنده هو، أتمّ مهمته، أعدّ أشياءه، ينوي المغادرة، بعدها توقف، لم يستطع أن يستكمل باقي خطواته حينما علم أن الفندق محاطاً بأكمله ضباط وعساكر.
لحظة... هل خفقت خطته؟ لِمَ ما زالوا متواجدين؟ ألم يكن من المفترض بعد علمهم أن عثمان متولي غادر الفندق أن يغادروا هم أيضاً الفندق للبحث عنه بمكان آخر؟ لما ما زالوا هنا؟
وصل أحمد الفندق مرة أخرى.
بعدها أمر بتفتيشه بما فيهم كل النزلاء.
لم يجد أثره، فأمر بإحضار كاميرات المراقبة والبحث بسجلات أمس.
وقف عند اللحظة التي رآه بها يُنهي إجراءات مغادرته ومكوثه بضع لحظات بعدها، ثم اختفائه.
بحث بكل الكاميرات بالفندق، فلاحظ ظهوره بأكثر من كاميرا أخرى بعدة أماكن متفرقة بالفندق، يظهر بها محاولاً التخفي، بعدها عند مكان معين فُقِدَ أثره.
أمر أحد العملاء بإدارة الفندق بإخباره أين يؤدي هذا المكان، وبالفعل أخبره بأنه يؤدي إلى غرفة أعلى الفندق وبأنه مكان يستحيل لأحد أن يبقى به.
صعد إليه هو وقواته، لمحه أخيراً محاولاً الفرار.
أوقفه برصاصة أطلقها بأحد قدميه أسقطته أرضاً.
ركض إليه مسرعاً، كبّل يديه مردفاً: "إنت بتحاول تهرب من إيه؟ وإيه علاقتك بمهدي؟ هو أجّرك عشان تقتل منير؟"
ثم أمر قواته بأخذه معهم واحتجازه.
أنهى مهمته، مهاتِفاً اللواء رفعت مخبراً إياه: "قبضنا على عثمان متولي واتحجز يا فندم، أنا هستأذن حضرتك هروح المستشفى أشوف إيه الأخبار هناك."
قاطعه رفعت: "مصطفى معاهم، متشغلش بالك أنت بيهم، لو حصل جديد مصطفى هيبلغك."
صمت هو، لم يعد يعرف ما يجب عليه قوله بعد ذلك.
هل يخبره إن قلبه يؤلمه الآن أكثر كما آلمه من قبل عند وفاة والده؟ يؤلمه لسماع صوتها بتلك الحالة، يؤلمه كثيراً عندما يعرف أن أحداً فقد والده، لكن معها هي كان الألم مضاعف والوجع أكثر.
هل يخبره أنه لن يتعدى بضع لحظات يُطمئن قلبه عليها ثم يغادر سريعاً.
أدرك اللواء صمته، فقد شعر بحزنه، لم يجد سبباً مقنعاً لحزنه أبداً.
تمتم بكلمات قطع بها الصمت السائد من قبل أحمد بالمكالمة: "خلاص يا أحمد، لو عاوز تروح روح لهم بسرعة ع المستشفى يمكن تعرف حاجة جديدة ومتتأخرش هناك، وأنا هسبقك ع القسم أشوف موضوع عثمان ده كمان إيه لحد ما تيجي وتحقق معاه."
أنهى مكالمته مع اللواء، يشعر ببعض الارتياح لتمكنه من الذهاب أخيراً.
قاطعاً طريقه للمستشفى.
قاطعاً الطريق إليها.
هي فقط...
رواية أحببتك واكتفيت الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ولاء محمود
أنهى أحمد مكالمته مع مصطفى فقد كان يُحدّثهُ هاتفياً أثناء ذهابه إلى المستشفى. رفض إنهاء المكالمة وقتها معللاََ ذلك أنه في حالة وجود خطبٍ ما؛ يستطيع وقتها التعامل ومتابعة كل مايحدث.
حينها فقط أنهى المكالمة متمتماََ لمصطفى: "أنا خلاص قدام المستشفى وصلت أنا داخل حالاََ."
لاحظ مصطفى وقتها أن مكالمةَ صديقهُ لم تخلو من السؤال عن ابنة منير وعن أحوالها؛ استشعر إهتمام صديقه بها.
حينها دلف هو إلي المستشفى؛ وقعت عيناه عليها هي أمامه الأن؛ لِمَ لَمْ يهدأ قلبهُ ولو قليلا ً بعد؛ أَيُعقَل أنه يريد عُنَاقُها الأن وإخفائها داخل قلبه حتى يمر كل ذلك بسلام.
رآها تقف بجانب غرفة العمليات تنظر إليها.. بصمتٍ مطبق بينما عيناها لم تتوقف عن ذرف الدموع تارة تكفكف دموعها وتارة تتركها تنساب على وجنتيها.
توجّه هو لصديقه مردفاََ: "هو حالته ايه دلوقتي يامصطفي."
أجابه مصطفى: "الدكتور قال ان الرصاصة كانت جمب القلب مباشره فالوضع صعب دخل العمليات ولما يخرج هنشوف الدكتور ونطمن عملوا ايه."
اتجه ناحيتها تمتم بكلماتٍ استشعر ثِقَلها على لسانه: "الف سلامه على منير بيه ان شاء الله هيبقى احسن اطمني."
أبعدت بصرها عن باب الغرفة إلى مصدر الصوت التي تظن أنها سمعت تلك النبرة القلقة والحانية من قبل؛ أبصرته بتلك النظرة التي لايفهم معناها؛ يعلم انها لاتُطيق رؤيته ترتبك بمجرد النظر إليه وتُصاب بحالة لايفهمها على الإطلاق؛ إن كان يجهل كل ذلك؛ كان قد أخبر نفسه أنها كانت تنتظر مجيئه منذُ وقتٍ مضى؛ أنهى كلماته بينما هي لم تنطق بشئ بل اومأت رأسها متطلعة إليه.
إلى أن اقتطع هذا الصمت صوت مجدي مردفاََ بقلق: "ايه يا بنتي خير ايه اللي حصلها."
تجهت هي إليه تمتمت ببكاء: "انكل مجدي."
لم تُكمل باقي كلماتها؛ إلى أن احتضنها مُطَمئِناً إيّاها.
طَمئن هو قلبه عليها، عَلِمَ أنها لم تعد بمفردها بعد؛ تركها برفقة ذلك الرجل الذي يستشعر هو براحتها وطمأنينتها معه.
أثناء خطواته مغادراََ المستشفى؛ سَمِعَها تردف بين أحضان ذلك الذي يُدعي مجدي فهو بمثابة والدها: "كنت محتجالك اوي شكراََ انك جيت."
أنهت كلماتها مُتَطلعة إليه…؛ هل كانت الكلمات تلك له أم لذلك الرجل الذي استطاع أخذها بين أحضانه؛ بادلها النظر بينما هو مشوّش الذهن.
قاطع أفكاره رنين هاتفه أمسك به مجيباََ: "حالاََ يا سيادة اللواء أنا في الطريق اهو."
أنهى مكالمته متمتماََ ببضع كلمات إلى مصطفى: "خد بالك اي جديد بلغني."
أنهى كلماته مغادراََ بذلك المستشفى بأكملها متجهاَ إلى قسم الشرطة.
داخل قسم الشرطة أمر بإحضار عثمان متولي للتحقيق معه؛ دخل هو مكبّل اليدين يرمق أحمد بنظره سخريه واستهزاء.
"شايفك مستغرب اننا قدرنا نوصل لك، من نظرتك كده؛ قول لي بقى يا عثمان متولي ايه علاقتك بمهدي."
أطلق ضحكته المعتاده التي ما إن سمعها أحمد اكتسحت ملامحه الدهشة متمتماََ هو
رواية أحببتك واكتفيت الفصل السادس عشر 16 - بقلم ولاء محمود
سَمِعَ ضَحِكَتهُ المعتادة الباردة.
قاطعها أحمد متمتماً بصوتٍ جلل:
بطّل ضحكتك دي وفهمني بقى. لما اللي لقينا جثته في البحر يبقى عثمان متولي، امال انت مين؟ ومتحاولش تكذب عشان انت عارف اني من البداية شكيت فيك وان ليك علاقة بمهدي. وانت فاهم كويس اوي انك لو أنكرت حاجة هعرفها وهجيب برضو الحقيقة بيك او من غيرك.
قاطعه هو:
ايوه طبعاً عارف وعشان كده انا مش هنكر وهحكيلك على كل حاجة عشان دماغك عجبتني يا حضرة الظابط. عشان خطتي استحالة كانت تتكشف. انا كنت سابق بخطوة عنكم في كل حاجة بس بما إنك كشفت جزء من خطتي فأنا هقولك على كل اللي حصل.
في المستشفى…
استقرت حالة منير المنشاوي وتم نقله من العناية الفائقة إلى غرفة عادية وسُمح له بالزيارة.
هرعت إلى غرفة والدها ممسكة بيده تستمد منه بعض القوة. قبل الحادث كانت تعلم أن لا أحد بإمكانه أذيتها، يكفي أنها ابنة منير المنشاوي لأنها تأوي إلى ركنٍ شديد. تعلم هيبته وأن الكل يخشاه. كانت لا تخشى أحد سوى أمجد الذي فرضه هو عليها. أما الآن بحالته تلك تخشى فقدانه. إن فقدته ستصبح وحيدة كلياً. ستنهار في هذا العالم بل ستتوه به. يكفي أنه أباها.
أفاق هو على دموعها التي تنساب فوق يديه ليجدها تمسك يده بشدة وكأنها تخشى ذهابه أو أن يبعدها أحداً عنه. ليدرك أنها أحبته بصدق بعد كل هذا، أحبته حقاً.
تمتم بوهنٍ شديد:
أنا آسف يا بنتي. أنا بقالي يومين تقريباً حاسس إني تايه مش عارف روحي كانت فين. أنا افتكرت إني مت يابنتي. أنا مش قدامي وقت كتير.
قاطعته نسرين بحزن دفين:
لا ياحبيبي هتقوم وهتبقى كويس وترجع تاني بيتك. بس وقتها هنقضي وقت حلو سوا ونعمل ذكريات حلوة بينا يابابا.
قاطعها هو بتلعثم وأنفاس ضعيفة:
أنا آسف يابنتي بس أنا خايف إني أقابل ربنا وأنا كده. ادعيلي يانينا وسامحيني. أنا أذيتك كتير انتي وأمك وخنتها وقسيت عليها. أنا معملتش حاجة حلوة في حياتي أبداً.
قاطعته بنحيبٍ وبكاء:
لا ياحبيبي انت حافظت عليا وكنت عاوزلي احسن حاجة.
أردف هو وكأنه لا يسمع كلماتها أو أنه في عالم آخر.
تمتم هو دون تركيز:
لما أموت مش عايزك تكوني ضعيفة ومتخليش حد يتحكم فيكي. كفاية إني سلبت منك روحك وقهرتك. اتجوزي شخص انتي عاوزاه. سامحيني وادعيلي. أنا خايف من عذاب ربنا يا بنتي.
أردفت هي:
ربنا رحمته وسعت كل شيء يا بابا.
هنا دلفت الغرفة الممرضة تأمر نسرين بالخروج لانتهاء وقت زيارة المريض ولراحته. قاطع حديثهم سماع إنذار جهاز القلب ليعلن عن انخفاض نبض قلب المريض.
أردفت نسرين بقلق:
فيه إيه؟
أجابتها الممرضة بنبرة حادة:
بعد إذنك اتفضلي دلوقتي. المريض كده وضعه حرج جداً.
أنهت كلماتها مستدعية الطبيب المسؤول عن الحالة. يأتي مسرعاً ولكن تأتي إرادة الله فوق كل شيء. ليُعلن الطبيب بكل أسى وأسف عن وفاة المريض. تمتم بكلمات:
البقاء لله. شدوا حيلكم وادعوله.
جاءت كلماته كالصاعقة التي نزلت بها فأصابت جسدها بالكامل ليتراخى جسدها ساقطاً على الأرض من هول الصدمة.
عنده هو بقسم الشرطة.
تفاجأ عندما أصغى إلى الجالس أمامه ليخبره بالحقيقة كاملةً.
أردف بها الذي يُدعى مهدي:
سيبني أقولك الأول إني مش عثمان متولي. أنا مهدي.
أكمل كلماته:
أقولك أنا ياحضرة الظابط الموضوع جه إزاي.
Flashback
في كندا…
جاءه اتصال طارئ يخبره بها بوضع مبلغ كبير من المال ومثله في حسابه مرة أخرى بعد القيام بما طُلب منه. أما المهمة فكانت ذهابه إلى مصر لقتل شخص ما. أما هو كان يتوجب عليه الاستعداد والسفر إلى مصر لإتمام مهمته.
حينها فقط قام بالبحث عن ضحية جديدة ضعيفة تحمل الجنسية المصرية بشرط أن يكون وحيداً لا أقارب له حتى يسهل عليه استدراجه. من سوء الحظ وقع الاختيار على عثمان متولي.
بدأ بتنفيذ خطته واستقطاب ضحيته. قام بالاتفاق مع بعض أصدقائه بإقناعه بأن لديهم القدرة على زيادة دخله إلى أضعاف شهرياً عن الذي يأخذه من الشركة التي يعمل بها. إلى أن قاموا بتوريطه معهم بأعمال مشبوهة وقاموا بتهديده بدفع مبلغ مالي كبير لهم مقابل تركه يعود لحياته الطبيعية وإلا سيقومون بتبليغ السلطات عنه واحتجازه إلى مدى الحياة.
خشي هو أن يتم إلقاء القبض عليه وتوريطه. قام بأخذ مبلغ مالي من الشركة اختلاساً. عند علم الشركة قامت بالإبلاغ عنه. وهنا جاء دوره، ظهر مهدي على أنه أحد الموظفين بالشركة. سمع بما حدث له وساعده بالخروج من السجن. دخلت هذه الكذبة مخيلة عثمان متولي ومن هنا نشأت صداقة بينهم.
استطاع بها مهدي إقناعه بالذهاب لمصر وفتح مشروعات سوياً بينهم وأن مصدر رزقه في هذه البلد انتهى إلى هنا وأن الجماعة التي تورط بها لن يتركوه فحسب بل سيسعون للانتقام منه. وافق هو وأعد أغراضه مسافرين سوياً إلى مصر ومن هنا بدأ تنفيذ الخطة بدخوله لأرض الوطن.
سافرا سوياً. أمره مهدي بشراء منزل وسيارة ونزل هو بفندق. مردفاً له:
يا عثمان لازم نشتري الحاجات دي عشان نقدر نبدأ بيها ونقعد سوا ونبدأ مشاريعنا سوا.
اقتنع عثمان بكلام صديقه الذي يحسبه صديقه.
إلى أن أنهى إجراءات كل شيء. ترك هو الفندق ذهب لمنزله ثم قام بقتله، آخذاً أغراضه حتى يستطيع التجول بها في البلد متى يشاء وإتمام مهمته مخفياً ملامح وجهه بماسك صُنع بدقة يستحيل لأحد معرفة أنه شخص غير متولي عثمان.
End Flashback
أردف مهدي:
وبعد ما قتلت عثمان خبيت جثته في أعمق مكان تحت البحر مكان استحالة حد ينزل فيه أصلاً وثبتها بصخر عشان أمنع الجثة من إنها تطفو على سطح البحر وخلصت منه.
وبدأت أتابع تحركات منير. ولما بدأت أحس إن حد بيراقبني سبت الفندق على طول وكنت ناوي أخلص وأسافر على إني عثمان متولي وبكده كنت هقدر أخرج من البلد من غير ما حد يكتشف إني مهدي.
أنهى عبارته مزيلاً ما يضعه بوجهه، ليتفاجأ جميعهم بهذا القابع أمامهم.
مهدي مصفقاً بيديه:
بس برافو عليك يا حضرة الظابط إنك قدرت تعرف إن فيه علاقة بيني وبين عثمان متولي. وعشان كده أنا حتى لو حاولت أغير خطتي وأفكر في أي حاجة تاني كنت هتكتشف. ففضلت إني أعترفلك بكل الحقيقة وتسلمني لبلدي وأنا هعرف أخرج هناك بمعرفتي.
أجابه أحمد مؤكداً جزء من كلامه وهو تسليمه لبلده:
إحنا كده مهمتنا خلصت فعلاً بس قدرنا نقبض عليك ونبعدك عن بلدنا ونرحلك لبلدك هما بقى يتعاملوا معاك.
أنهى القضية بأكملها وعلم لماذا أرادوا التخلص من منير المنشاوي. كان يعمل معهم بالاستيراد. يقوم باستيراد مواد غذائية وعندما وجدوا بديلاً له، آخر يستورد منهم بضائع أكثر وبسعر مضاعف. أنهوا صفقاتهم معه كما أرادوا التخلص منه لأنه يعلم عنهم الكثير.
ها هو تفرغ الآن من المهمة المكلف بها، لينشغل بشيءٍ آخر وبقضية أخرى: ابنته منير وقلبه.
أدار مقود السيارة بلهفة متجهاً لها خاصةً بعد علمه بحالتها بعد وفاة والدها.
رواية أحببتك واكتفيت الفصل السابع عشر 17 - بقلم ولاء محمود
بغرفة المستشفى ترقد هي بأحد الأسّره، تتصل يداها بالمحاليل بينما هي تغفو، أو هي مجبرة على ذلك ضعفًا، بل هروبًا من واقعها وألمًا.
"أنا همشي دلوقتي يابنتي، هخلص إجراءات دفن منير. خليكي معاها ومتسبهاش يانهى، لازم يبقى حد جنبها. أنا رايح أنا وأمجد نخلص الإجراءات، أول ما أخلص هرجع أطمن عليها."
أردف بها مجدي موجهاً حديثه لصديقتها نهى التي تقبع بأحد المقاعد بجانب فراش صديقتها بالمستشفى.
أجابته نهى: "أكيد يا انكل مجدي، أنا مش هقدر أسيب نسرين كده. اتفضل حضرتك ومتقلقش عليها. لو في أي حاجة هكلم حضرتك أقولك."
في طريقه أثناء مغادرته المستشفى، لمح دخوله المهيب بالزي العسكري الذي يرتديه. أخذ يحدث نفسه: "الضابط أحمد إيه اللي جابه تاني؟ ماهو زميله الضابط مصطفى موجود، وهي البنت ناقصة استجواب منهم هما الاتنين، مش لما تفوق الأول."
أثناء شروده، قاطعه صوت أحمد موجهاً له التحية.
بعدما ردّ عليه مجدي التحية، أردف له: "حضرتك الرائد.. نسرين دلوقتي تعبانة ومفقتش لسه، وبعدين هي مش هتقدر تتحمل انتو الاتنين تسألوها على أي حاجة دلوقتي، كفاية صدمتها بوفاة والدها. ارجوك أجل كل حاجة دلوقتي لحد بس ما تفوق."
قاطعه بابتسامة مطمئنة له متمتماً بكلماتٍ: "اطمن يا أستاذ مجدي، أنا جاي عشان أقول لمصطفى ميتكلمش مع آنسة نسرين في أي حاجة دلوقتي، وأنا هتابع كل حاجة بنفسي."
رمقه مجدي نظرة امتنان وشكر لما يفعله من أجل نسرين، ولإحساسه بالصدق بكلامه، ولمحه لتلك النظرة بعينه. تلك النظرة تُعني الكثير لو صحَّ حدسه. لقد لمح هو نظرة أحمد لها من قبل عندما أتى المستشفى لحظة إصابة والدها ليطمئن عليها.
***
في شركة الهواري، قامت هي بإرسال الإيميلات التي طلب منها أمجد إرسالها بتحديد موعد استلام الشحنة الجديدة من المواد الغذائية. أنهت ما تقوم بعمله، ثم أمسكت هاتفها.
"أيوه يا أمجد، هتيجي أمتي عشان تتمم باقي الشحنة ونستلمها ونمضي الورق؟"
أجابها أمجد: "طيب، مسافة الطريق وجاي حالا. بس اعملي حسابك تكوني مجمعالي كل الورق اللي عاوزاني أمضي عليه عشان همشي تاني وأكمل باقي إجراءات دفن منير."
أردفت شيرين: "تمام يا أمجد، مستنياك."
أغلقت، بينما أردفت هي: "حلو كده، قريب أوي وهخلص منك."
استأذن أمجد من مجدي بإخباره بأن لديه بعض الأشياء الهامة المتعلقة بالعمل، وعند انتهائها سيأتيه على الفور.
أردف مجدي: "روح يا أمجد شوف اللي وراك، أنا ممكن أخلص كل ده لوحدي أصلًا. عمومًا، لو احتجتك هقولك."
***
بالمستشفى، دلف أحمد أخيرًا إلى غرفتها. وقعت عيناه عليها، تألم لرؤيتها بتلك الحالة. اجتاحت الوخزات قلبه مجددًا، كل مرة يراها بها بذلك الضعف أو الحزن يتمنى لو يأخذ نصيبها من الحزن كاملاً. لِمَ هي تحديدًا؟ لا يعلم.
قاطعت نظرته تلك صوتٌ آخر: "حضرتك هي لسه ما فقتش، بس الدكتور طمنا. أول لما تفوق تقدر حضرتك تسألها على اللي عاوزه."
أشاح وجهه ينظر إليها. تلك الفتاة صديقتها نهى التي دوماً يحدثه عليها محمود. أفاق من شروده: "لا، أنا جاي أطمن بس." فاستأذن بالانصراف.
عقب مغادرته الغرفة، توجّه إلى مصطفى مردفاً بكلمات: "تقدر يا مصطفى تروح أنت، أنا خلاص كلمت اللواء وهتابع باقي الموضوع بنفسي."
قاطعت الدهشة ملامح وجه مصطفى حينما أردف: "إزاي يا ابني؟ ده الداخلية كلها عارفة إنك لسه مخلص المهمة اللي كلّفك بها اللواء رفعت وهتاخد إجازة. ده حتى كلنا قولنا أيوه يا عم، والعة معاك وهتاخد إجازة. الظاهر إننا حسدناك."
قاطعه هو بحزن استشعر به صديقه: "لا، أنا أجلت إجازتي شوية وبلغت اللواء إن الموضوع بما إنه له علاقة بالقضية، فأنا هكمله لحد الآخر."
"تمام، طيب أنا همشي. لو احتاجت أي حاجة قولي. بس أنت متأكد إنك مش محتاج حتى يوم ترتاح فيه؟"
أردف بها مصطفى مستعداً للمغادرة.
"متأكد، روّح أنت يا مصطفى."
تمتم بتلك الكلمات أحمد وهو يتجه إلى أحد المقاعد يقبع بها.
***
في منزل الحاجة حميدة، والدة أحمد:
هتفت رحمة لوالدتها: "ماما، أنا نازلة عشان الدرس يا حبيبتي. عاوزة حاجة مني؟"
صمت، لم تسمع إجابة والدتها للنداء، فظنت أنها ربما لا تستطيع التحدث لأنها تؤدي فرضها.
أردفت هي: "طيب حبيبتي، أنا نازلة عشان اتأخرت. ادعيلي معاكي وإنتي بتصلي."
اتجهت إلى باب المنزل لتفتحه، لكنها توقفت قلقة محدثة نفسها: "أما أروح أطمن على ماما الأول وبعدين أنزل."
استدارت هي عائدة إلى غرفة والدتها لتطرق باب الغرفة. لم تستمع لأي إجابة منها، لتقوم هي بفتحه، لتتفاجأ بما ترى.
***
يقف آدم كعادته بالشرفة منتظراً إيّاها بشغف ولهفة. نظر إلى ساعته ليجد أن موعد نزولها من المنزل قد فات منذ ما يقارب الربع ساعة تحديداً.
أردف هو بلوعة قلب واشتياق رؤيتها: "هتنزلِ امتى يا رحمة بقى؟ نفسي أشوفك."
***
تتحدث ببكاء وخوف على والدتها، ممسكة الهاتف بيديها، مردفة: "أبيه أحمد مبيردش على تليفونه ليه بس؟"
أصابها الإحباط بأن يجيب أخوها مكالماتها. تركت هاتفها واتجهت لوالدتها مرة أخرى بعدما تأكدت أنها تتنفس بانتظام. تمتمت: "دي أكيد غيبوبة سكر وأنا معرفش أتعامل معاها إزاي، بس ابيه أحمد هو اللي عارف أعمل إيه، بس يارب."
تذكرت وجود صيدلية ومركز طبي بالقرب من منزلهم. تركت والدتها، هبطت على الدرج مسرعة متألمة تطلب المساعدة من أي مكان.
رآها هو آتية من بعيد على غير عادة، وكأنها مشتتة وتائهة تبحث عن شيء ما. أحسّ بها تهرول بخطواتها تكاد تسقط من سرعة خطواتها وعدم تركيزها. شعر هو بوجود خطبٍ ما. هبط درج المنزل وهرول إليها مسرعاً.
عند رحمة، وسط شرودها وعيناها التي ترى ضبابية الأشياء من كثرة الدموع التي تنساب على وجنتيها والدموع التي توشك على السقوط منتظرة دورها هي الأخرى.
سمِعَت صوتٍ ما يهتف لها: "أساعدك بحاجة يا آنسة رحمة؟"
لم تشعر بنفسها عندما رمقته ببصرها مردفة إليه: "ماما تعبانة أوي وأنا مش عارفة أعمل إيه."
قاطعها هو: "حالا هجيب لها دكتور، أنا هتصل بيه دلوقتي."
***
بالمستشفى، بعدما أفاقت نسرين، كان هو بالخارج قابعاً بأحد المقاعد. أغفل قليلاً حيث اعترف لنفسه أخيرًا أنه ما كان يجب عليه الذهاب للمستشفى، بل كان عليه الذهاب إلى المنزل للراحة بعض الوقت.
بعدما أفاقت نسرين، حدثتهم مردفة: "عاوزة أشوف بابا بعد إذنكم قبل ما تدفنوه، ينفع؟"
قاطعها مجدي: "بس إنتي يابنتي تعبانة، يُفضل تبقى في المستشفى لحد ما نطمن عليكي."
أردفت هي: "لا، أنا بقيت أحسن. من فضلك عاوزة أمشي يا انكل مجدي."
تمتم مجدي بكلماتٍ: "خلاص يابنتي، اللي عايزه ربنا هيكون. إحنا خلصنا كل حاجة بالمستشفى، هو هنا وهيخرج عشان يدفن كمان شوية. تعالي يابنتي."
ذهبت هي، بينما كانت بطريقها تخرج من الغرفة، وجدت عيناها عليه. رأته بحالة مرهقة يجلس بالمقعد المقابل لغرفتها، يضع قدماً على الأخرى، يخبئ وجهه بين راحة يديه مستكيناً، مطأطأ رأسه للأسفل. تعجبت هي من حالته تلك. بعدها أدركت أنه كان يغفو قليلاً. نظرت لصديقتها ولمجدي: "أخبروها بأنه أتى بعدما علم بخبر وفاة والدها وأنه أصبح الضابط المسؤول عن القضية بديل الضابط مصطفى."
رمقته بنظرة حزينة مُحمّلة بالعتاب والإشفاق بحالته تلك لتتركه، وتواصل طريقها بمساعدة صديقتها لتلقي نظرة الوداع الأخيرة على والدها.
***
دلف الدكتور منزل الحاجة حميدة. بعد الفحص طمأنهم عليها بأنها بالفعل أصابتها غيبوبة سكر نظراً للهبوط بمعدل السكر لديها. قام بإعطائها بعض الحقن مردفاً بكلمات: "الحمدلله إنكم لحقتوها، لو كنتوا استنيتوا عليها كده كان الموضوع تطور لحاجات تانية خطر. هي هتبقى كويسة بعد الحقن دي."
يقف جوارها، شكر الدكتور وقام بإيصاله، بينما اتجه إليها مردفاً: "طيب أنا هنزل أجيب الدوا اللي الدكتور كتبه وهطلع أديولك."
أنهى كلامه متجهاً لباب المنزل، سمع كلماتٍ أوقفته مكانه بل وأثارت بقلبه التوتر والخفقان، بينما ارتسمت ابتسامة على ملامحهِ ليستدير ناظراً إليها. لتردف رحمة بنبرة يشوبها الخجل الواضح بصوتها: "مش عارفة من غيرك أنا كنت هتصرف إزاي، متشكرة لحضرتك جداً. مش حضرتك أستاذ آدم برضو؟"
رواية أحببتك واكتفيت الفصل الثامن عشر 18 - بقلم ولاء محمود
شعر أحمد بالضجيج حوله، بل إن صح التعبير أفاق حينما سمع صوتها. هي فقط، أدركها تهتف بغضب يتخلله نحيب:
"أنا كام مرة أقولك متلمسنيش، أبعد بعيد عني بقى."
قاطعها أمجد مشدداً من قبضته على رسغها:
"أنا عملتلك إيه لكل ده؟ أنا كنت بساعدك ترجعي أوضتك وكنت ماسك إيدك أوصلك."
أزاحت يديه بعنف بعيداً عن ذراعيها مردفة:
"وأنا قولتلك مش عاوزاك تلمسني ولا تساعدني، أنا معايا نهى وانكل مجدي."
قاطعهم هو واضعاً يديه بعنف على كتف أمجد:
"مش الآنسة قالتلك متلمسهاش؟ اتفضل امشي."
اكتسحت علامات التعجب وجه أمجد حينما سمع الصوت آتياً من خلفه. أشاح وجهه إلى مصدر الصوت مردفاً:
"وحضرتك مالك بقى؟ دي خطيبتي."
أردف أحمد بنبرات واثقة:
"لأ، أنا مالي ومالي ونص كمان. ومطولش معايا في الكلام عشان أنت عارف إني بقيت المسؤول عن القضية دي وكل حاجة تخصني فيها بما فيهم الآنسة نسرين نفسها."
رفع أمجد إحدى حاجبيه دليلاً على الدهشة والذهول من هو ليتحدث بتلك النبرة المتمَلِّكَه.
تدخل مجدي مردفاً بكلمات لتهدئة الوضع:
"خلاص يا أمجد استنى هنا وأنا أكون خلصت باقي الإجراءات ونهى تساعد نسرين ونمشي من هنا، وأنت تبقى توصلنا بعربيتك."
دلف غرفتها مردفاً لها بكلمات تشعر هي بنبرته الحانية التي يتخللها القلق عليها. باتت تحفظ نبرته تلك بل أصبحت تنتظرها بشغف ليس إلا لشعورها بأن صوته يأتي بعتمة قلبها يبعثرها، لينير شيئاً ما بتلك العتمة.
"البقاء لله يا آنسة نسرين. زي ما عرفتي أنا بقيت المسؤول عن القضية ومحدش هيستجوبك في أي حاجة غيري أنا. وأنا هستنى لما تبقي أحسن."
أنهى كلماته تلك. وجه لها تلك النظرة التي جعلتها تشعر برجفة تناغمت مع ضربات قلبها.
أردفت هي بهمهمات:
"شكراً لحضرتك."
تقدم خطوات باتجاه باب الغرفة، يحرك مقبضه لفتحه، معلناً مغادرته.
ظلت تنظر بأثره مرددة لنفسها:
"أكيد دي مش هتبقى آخر مرة أشوفك فيها."
قبل مغادرته المستشفى قابل مجدي بالردهة. أخبره بتلك الكلمات:
"كام يوم إن شاء الله هاجي الفيلا عشان نقفل القضية دي. اعتقد إن آنسة نسرين هتكون بقت أحسن وهحط حراسة على الفيلا تاني فترة كده بس نكون اطمنا إن الأوضاع بقت أحسن وبعد كده كل حاجة هترجع لطبيعتها."
أنهى عبارته ساحباً كارت صغير من جيبه، قام بإعطائه لمجدي مردفاً:
"الرقم اللي في الكارت ده رقمي الشخصي. لو حاجة حصلت أو الآنسة حبت تقفل القضية قبل كده كلمني وبلغني وأنا هعمل اللازم."
أجابه مجدي:
"إن شاء الله. متشكر جداً لحضرتك على اهتمامك."
أردف أحمد ممتناً:
"على إيه ده واجبي. بعد إذن حضرتك."
دلف أدهم منزله، بعد عودته من منزل الحاجة حميدة.
"حمد الله ع السلامة ياحبيبي خير؟ نزلت كده ومقولتليش حتى إنك نازل وأنا معرفتش غير لما كنت بناديلك وأنت مردتش. بعدها دورت عليك ملقتكش. كنت فين يا أدهم؟"
هتفت بها والدته متعجبة من ملامح وجهه التي تعلوها علامات السعادة والبهجة، بينما أردف هو:
"ماما، على فكرة في حد من الجيران مريض مش عاوزة تروحي تزوريه وتاخدي ثواب زيارة المريض."
اندهشت هي من عبارته، تعلم أن لا علاقة له بأحد من الجيران.
أردفت بحيرة:
"جيران مين؟ مانت عارف ملناش علاقة بحد غير بالجيران اللي في البيت ومحدش منهم تعبان."
قاطعها أدهم:
"لأ دول جيران تانيين أنتِ متعرفيهاش. بس إن شاء الله نعرفهم قريب أووووى لما أروح أنا وأنتي كده نزور والدتهم عشان تعبانة جداً و…"
قص عليها ما حدث. أنهى حديثه فأجابته هي:
"لأ يا ابني دي أصول لازم نروح برضه ونطمن عليهم."
تعجبت بداخلها من اهتمامه بهم وخاصةً عندما ذكر اسم رحمة. رأت تلك الابتسامة التي تسللت منه دون إرادته وارتسمت بملامحه.
دلف إلى منزله وأخيراً لينعم ببعض الراحة والتي افتقدها حقاً.
"ياماما.. يا رحمة.. أنتوا فين وإيه الهدوء ده؟ مش عادتكم يعني؟"
هتف بها بينما كان ممسكاً مقبض باب غرفة والدته، يدلف الغرفة ويتفاجأ بوالدته مستلقية على الفراش بجانبها رحمة تنظر إليها بحزن وقلق. ليهتف بقلق:
"فيه إيه يا رحمة؟ مالها ماما؟"
عندما رأته ألقت نفسها بأحضانه باكية تهتف بعبارات متقطعة يتخللها النحيب:
"أنت كنت فين يا ابيه؟ ماما كانت هتضيع مننا. كلمتك كتير مردتش عليا وأنت عارف إحنا منعرفش حد خالص ولا لينا علاقة بحد."
زاد من احتضانها ممسداً عليها باحتواء والد وليس أخ مردفاً لها:
"أنا آسف يا حبيبتي، كنت مخلي التليفون سايلنت. ولما شوفت مكالماتك كنت في الطريق جايلكم وعشان كده متصلتش تاني. إيه اللي حصل يا حبيبتي!؟"
أردفت هي:
"ماما جالها غيبوبة سكر وأنا معرفتش اتصرف خالص. ممكن تبقى تعلمني أعمل إيه لو سمحت عشان أنا من غيرك كنت محتاسة جداً ومعرفتش اتصرف. لولا جارنا ده هو اللي أنقذ الموقف وجابلنا دكتور."
قاطعها بدهشة:
"جارنا مين ده؟ وإنتي عرفتيه منين؟"
أخبرته بما حدث. أردف لها متفهماً:
"طيب، كتر خيره. ابقى لما أشوفه وأتعرف عليه أشكرة بنفسي."
كادت أن تهمس بكلمات وحمدت الله أنها لم تنطقها وإلا لكان لأخيها موقف آخر غير الهادئ هذا. ابتلعت كلماتها مرددة بداخلها: "إيه ده؟ هو ابيه أحمد مايعرفوش؟ أمال أدهم يعرفه إزاي؟"
بفيلا منير المنشاوي:
دَلفت نسرين الفيلا معها نهى صديقتها التي أصرت عليها أنها ستبقى بجانبها إلى أن تتحسن حالتها بعد أن استأذنت من والدتها.
هتفت نهى:
"اطلعي ارتاحي شوية يانسرين، أنتِ تعبانة. تعالي أساعدك."
أومأت لها نسرين بصمت.
حينما دلفت غرفتها بكت بكاءً لم تبكه من قبل. علمت أنها أصبحت وحيدة فعلياً لا سند لها سوى الله. فقدت والديها، فقدت الحب والأمان. كان أمانها وإن كان يقسو عليها ولم تشعر يوماً بالراحة معه بعد فقدانها والدتها. لكن على الأقل كانت تشعر بالاطمئنان، تعلم لا أحد بإمكانه أذيّتها. أما الآن تركها هو فماذا ستفعل بعد رحيله بمفردها.
أردفت بهمهمات متقطعة يتخللها البكاء:
"اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيراً منها. أنا راضية يارب بس أعمل إيه؟ مش قادرة. هعيش إزاي دلوقتي؟ مش مرتاحة. محدش هيسبني في حالي. يارب أنت عارف ضعفي وعالم بكسرتي. قويني هونها عليا يارب واجبر قلبي وصبرني."
تسللت عباراته إليها وهو على فراش الموت: "متخليش حد يسلبك روحك ويقهرك زي ما أنا عملت. متكونيش ضعيفة. سامحيني يابنتي."
تمتمت بصوت مبحوح:
"الله يرحمك يابابا."
في شركة الهوارى:
"بكرة يا شيري يا حبيبتي هروح لها الفيلا أفتحها في موضوع جوازنا وهي هتوافق. عارفه ليه؟ عشان أسهم باباها اللي كان داخل بيها شراكة معانا في الشركة وعشان أنا الوحيد اللي هقدر أتمم كل الصفقات اللي كان منير بيه داخل فيها. من الآخر هي ملهاش حد دلوقتي. وأنا اللي هكون قدامها وده هيخليها توافق."
قاطعته شيرين مردفة:
"وافرض رفضت هتخليها توافق إزاي؟"
أطلق ضحكة يشوبها السخرية:
"عيب عليكي دي قدرات وأنا عارف لو موافقتش هعمل إيه بالظبط وهلعب بالورقة الرابحة."
علمت شيرين بنيته بالتحديد عند نطقه بتلك العبارات:
"بما أن أسهم الشركة بتروح للورثة في حالة وفاتهم وبما إني هتجوزها وهخليها تتنازل لي عن الأسهم دي وهضُم الشركتين على بعض وتبقى مجموعة شركات الهوارى ساعتها هي مش هيبقى ليها لازمة. بس هي حلوة مفيش مانع أفضل متجوزها وأفضل أنا وأنتي يا شيري سوا كده."
قاطعته هي:
"يعني مش هتتجوزني!؟"
قاطعها هو:
"لأ، منا مش عاوز شوشرة ودوشة. جواز مش هتجوز أنا هقضيها كده. أنا حتى هضطر أتجوزها هي عشان أنفذ خطتي. بعدها أشوف يا أطلقها وتبقى مَحيِلتهَاش حاجة، يا أخليها وأتمتع بيها. مش عارف لسه ظروفها معايا إيه."
انطلقت شيرين بغضب متجهة لمنزلها، هرولت مسرعة لغرفتها، تُخرج جهاز اللاب توب الخاص بها وتلك الفلاشه الصغيرة لتقوم بتحميل كافة الملفات التي تخص صفقات المواد الغذائية التي تتم بينه وبين الشركة الأجنبية إليه؛ مردفة بغضب ونظرة يتخللها انتظارها للانتقام منه:
"كده خلصت اللعبة خلاص. قولتلك خاف من اللعبة لتكسرك يا أمجد."
رواية أحببتك واكتفيت الفصل التاسع عشر 19 - بقلم ولاء محمود
استيقظت نهى باكراً كعادتها، اتجهت ببصرها تجاه نسرين تطمئن عليها، تهتف بهمساتٍ:
"أخيرًا نامت… الحمدلله."
أمسكت بهاتفها لتُجرِي اتصالاً بوالدتها تطمئن عليها وأحوالها.
"أيوه يا ماما، عاملة إيه ياحبيبتي، وبابا رجع من السفرية اللي تبع شغله ولا لسه؟"
أجابتها والدتها:
"لا يا نهى، ده حتى سأل عليكي وقولت له إنك لسه مرجعتيش وإنك مع صاحبتك، بس هيرجع كمان كام يوم إن شاء الله. هي عاملة إيه دلوقتي؟ أكيد الموضوع صعب عليها، ربنا يقويها ويصبرها ويعوضها خير."
أمنت نهى على دعاء والدتها:
"آمين ياماما. بصي أنا ممكن أقعد مع نسرين كام يوم ياماما، مش هقدر أسيبها في الظروف دي دلوقتي أبدًا، ولا إيه رأيك يا أمي؟"
"أيوه طبعًا، خليكي معاها وأنا هحضر لكم الغداء وأجي أطمن عليكم وأقعد معاكم كام يوم، أصل انتوا بنات لوحدكم في فيلا. أنا من امبارح قلبي واكلني عليكي. أنا هقوم أجهز نفسي وأجيلكم."
أردفت بها والدة نهى بعد حسم أمرها.
أجابتها نهى بسعادة:
"ياريت يا ماما، انتي وحشتيني أصلًا، وأكيد عارفة نسرين بتحبك قد إيه. ربنا يخليكي لينا ياماما."
ما إن أنهت مكالمتها حين سمعت خطوات الخادمة تجاه الغرفة، جائت تخبرها بمجيء أمجد ليطمئن على حال نسرين.
"قوليله إنها نايمة دلوقتي وأنا مش هقدر أصحّيها، ما صدقت إنها تنام وهي طول اليوم كانت صاحية تعبانة."
أومأت لها الخادمة لتهبط مخبرة أمجد بذلك، ليردف الأخير عليها بصُراخ:
"إيه قلة الذوق دي؟ هي مين أصلًا عشان تمنعني أشوف خطيبتي؟ اتفضلي، قولتلك صحّيها وإلا أنا هطلع أصحّيها بنفسي."
أفاقت هي على هذا الصخب والضجيج، يرتجف جسدها من صرخاته التي دوت صداها أرجاء الفيلا.
"إيه ده؟"
لم تجد أحداً بجانبها، فعادت الذكريات تضرب رأسها من جديد، هل ستستيقظ كل صباح على هذا الصخب؟
أدركت حينها أنها بالفعل فقدت والدها، ماذا بإمكانها أن تفعل أمام طغيان هذا الرجل؟ ودّت لو تستطيع اقتلاعه من حياتها للأبد.
انتبه هو على صوت طرقات على باب منزلهم، استعد لفتح الباب مُنَادِياً:
"رحمة، قومي ادخلي جوه، يارحمة، على ما أشوف مين بيخبط."
تمتمت هي أثناء دُلُوفها إلى الغرفة:
"حاضر يا أبيه أحمد، ومش هنسى هلبس الطرحة لو هخرج."
قاطعها بابتسامة رسمها على ملامحه المشاكسة لهذه الصغيرة له، ليفتح باب المنزل ويتفاجئ بوجود سيدة بالعقد الخامس من العمر، يلحق بها شاب يبدو أنه ابنها.
قامت بإلقاء التحية عليه، فيما أردف هو:
"وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته."
ثم صمت بعض الوقت منتظراً سماع شيئاً يوضحون به سبب مجيئهم.
تمتمت السيدة:
"مش أنت أحمد برضو؟"
تعجب هو حينها فأردف:
"أيوه حضرتك، أقدر أساعدكم بحاجة."
"إحنا جايين نزور الحاجة عشان عرفت إنها تعبانة شوية، قولت أجي أطمّن عليها."
أردفت بها السيدة، بينما لاحظت علامات الترحاب الظاهرة على وجه أحمد.
أفسح لهما المجال.
أما هو، ما إن وطأت قَدماهُ المنزل أخذ يبحث عنها بعينيه، لعله يلمح طيفها ويُهدِّئ خفقان هذا القلب المضطرب الذي لم يعد لديه السيطرة عليه منذ رؤيتها للمرةِ الأولى.
"انكل مجدي، الحقنا، نسرين مُنهارة ومش عارفة أعمل إيه معاها، واللي اسمه أمجد ده عمّال يزعّق فيها، تعالي بسرعة، أنا مش عارفة أتصرف معاه."
أردفت بها نهى بعد أن أنهت مكالمتها، متجهة لهم تحاول تهدئة الوضع قليلاً، فهي تعلم صديقتها جيدًا ممَّا تخشى.
"ممكن توطي صوتك شويه يا أستاذ أمجد؟ حضرتك مش عارف إنك كده ممكن نعمل فيك قضية نتهمك فيها بكل بساطة إنك بتتهجم علينا وإحنا لوحدنا."
قاطعها أمجد:
"نعم؟ قولتي إيه؟ أتهجم على مين؟ وإنتوا برا الفيلا حراسة تسد عين الشمس، واللي أنا مش شايف لازمة ليها. وبعدين إنتي بتتدخلي ليه؟ أنا بتكلم أنا وخطيبتي، ملكيش دعوة إنتي."
أنهى حديثه ناظرًا لنسرين يتمتم بحنق عليها من تصرفاتها وضعفها وبكائها المستمر الذي أصابه بالضجر منها:
"أنا مش كل ما أقولك كلمتين بصوت عالي تعيطي؟ بصي خلاص، اللي بيحميكي مات، وإنتي عارفة كويس أوي إن الأسهم دي أنا ممكن أضمها إزاي ليا بمعرفتي، وعارفة إنك ملكيش غيري، وأنا الوحيد اللي هعرف أدير أملاكك كلها عشان منير بيه كل أسراره وصفقاته معايا. فأنتي بقى حابة تضيعي نفسك بعندك ورفضك ليا؟ حلو، معنديش مانع، بس متجيش تزعلي لما تلاقي نفسك خسرتي كل حاجة."
أنهى كلماته بابتسامة تهكُّم، مرددًا:
"فكّري كويس، إنتي من غيري هتخسري، ومحدش هيحميكِ مني. مع السلامة يا نسرين."
دلف إلى الشركة مكفهر الوجه، فرأته شيرين.
"مالك؟ في إيه يا أمجد؟ هي رفضتك برضه؟ مش قولتلك محدش هَيقدر يغصبها على جوازها مِنك بعد وفاة منير اللي هي بتسمع كلامه؟ مات خلاص."
تمتم أمجد:
"لا، أنا هددتها بالأسهم وإني أقدر أخسرها كل حاجة."
قاطعته شيرين:
"إنت بجد مصدق نفسك؟ إنت بتهددها بحاجة مش ليك أصلًا ومش من حقك! أسهم إيه اللي بتتكلم فيها؟"
قاطعتها صفعة مُدوية على وجهها، مردفاً هو:
"أنا لما أقول أقدر أعمل حاجة فأنا هقدر أعملها. الألم ده يعلّمك تثقي فيا أكتر من كده. ولما أكون متعصب تهدّيني، وبعدين إنتي معايا ولا معاها؟ اطلعي بره، روحي على مكتبك، مش عاوز أشوف وشك."
يقبع هو بغرفته يتذكر ما حدث جيداً.
نظرات أدهم لأخته وإرتباكها من نظراته تلك، وترحيب والدته الغير معهود بأحد.
كم رأى سعادة والدته بعد انصرافهم، مردفة:
"يااااه، أخيرًا بقيت أعرف حد من الجيران. أنا مبسوطة أوووي يا أحمد بمعرفة الحاجة إلهام وابنها، شكلهم ناس محترمين."
أجابها هو:
"أيوه يا أمي، فعلاً محترمين، ده حتى ابنها طلب مني طلب غريب أوووي."
بدت على ملامحها الريبة، أردفت هي:
"خير يا ابني، ابنها طلب إيه منك؟"
قاطع شروده رنين هاتفه.
ما إن أجابه علم هوية المتصل، فهو مجدي.
طلب منه رؤيته على الفور لأهمية الموضوع.
ارتدى ملابسه مسرعًا، هبط الدرج، يقود سيارته ذاهبًا إلى المكان المُتَفق عليه.
"بص يا ابني، أنا هدخل في الموضوع على طول، الموضوع متعلق بنسرين."
صمت ليرى وقع اسمها عليه، وليُثبت لنفسه صحة حدسه أن الذي يقبع أمامه مهتم فعلياً لأمرها، بل إن الموضوع يتخطى الاهتمام بكثير.
رأى آثار القلق تكتسح ملامحه، ليهتف أحمد:
"خير، أنسة نسرين مالها؟"
إذاً، فليتحدث هو بارتياح.
ارتسمت ابتسامة جانبية على ملامحه دليل على طمأنينته أنه ذهب للشخص الصحيح، لم يلحظها أحمد لانشغاله.
تمتم مجدي:
"نسرين في خطر يا أحمد، أمجد مش سايبها في حالها وبيهددها إنه يخسرها كل حاجة مقابل إنها تتجوّزُه. هي المرة دي مطلبتش مني مساعدة لأنها لجأت ليا قبل كده ومقدرتش أساعدها، فأنت لو عندك حل بس نبعد أمجد عنها لحد ما ترتب أمورها ونشوف نقدر نعمل إيه."
آخر كلمة وقعت على مسامعه هي (تتجوّزُه)، بعدها لم ينتبه لأي من كلمات مجدي.
تمتم أحمد وكأنه يتحدث ليُذكّر نفسه بشيء، مرددًا:
"متقلقش خالص، مش هتتجوز حد ومش هتخسر حاجة من أملاك والدها."
بعد إذنكم.
همّ بالمغادرة، قاطعه مجدي بعباراتٍ أخرى أوضحت له الكثير مما كان يجهله بشأنها، بل كانت تُصِيبُه الحيرة في كل مرة يراها بتلك الحالة:
"هي نسرين كمان بتخاف من الصوت العالي، بس مش خوف زي اللي انت فاهمه أو الخوف العادي، لا دي فوبيا، حالة مرضية كده أو حالة غريبة بتحصلّها لما بتسمع صوت عالي أو يكون الصوت موجه ليها، أو من الآخر أي حد يتكلم معاها بزعيق بتتعب. خد بالك بس من الموضوع ده."
يقود سيارته متجهاً إليها، يؤنّب نفسه بكل مرة تحدث إليها بغضب، وبّخ نفسه بشدة.
بينما توّعد لأمجد.
دلف مدخل الفيلا، بينما تمتم لأحد الجنود المكلفين بحماية الفيلا:
"إيه؟ في أي حاجة غريبة حصلت؟"
أردف له أحدهم أنه منذ بضع ساعات أتى شخص مُحدثاً صَخَب بالداخل.
قاطعه أحمد مردفاً:
"طيب لو شوفته تاني امنعه من الدخول، فاهم؟ وبلغني على طول."
الجندي:
"تمام يافندم."
دلف هو للفيلا.
ألقى التحية على نهى، متمتماً بحس دُعابة:
"في ناس كده واكلين دماغي بيكي، ده حتى كلّفوني إني أعمل عنّك تحريات، تخيلي."
قاطعته هي بتلعثم:
"ا ا أنا مين ده؟ أنا معملتش حاجة والله."
قاطعها بابتسامة اكتسحت ملامحه بتسلية، فيبدو أنه وجد من تساعدهُ أخيراً في خطته.
أردف هو:
"يَـا بنتي متخافيش كده أوووي، عموماً لو عاوزاني أساعدك فأنا هساعدك، بس فيه مقابل."
أردفت بتوتر لُوحِظ على ملامحها:
"ياريت ياحضرة الظابط، وأنا هساعدك بكل اللي أقدر عليه."
يُردف بتلك الابتسامة الواثقة:
"حلو. مقولتليش فين نسرين بقى؟"
رواية أحببتك واكتفيت الفصل العشرون 20 - بقلم ولاء محمود
تفاجأت هي عند نطقه بهذه الكلمة التي ما زال يتردد صداها على مسامعها.
تمتم هو:
"قولتي إيه يا آنسة نسرين تتجوزيني؟"
أعادها مرة أخرى وهي بصمت تام.
ليقطع أحمد هذا الصمت مردفاً:
"صدقيني ده في مصلحتك، وده الحاجة الوحيدة اللي هتخليني أقدر أدافع عنك وأحميكي منه."
يعلم هو بقرارة نفسه أنه يستطيع حمايتها بأي وضع، ولكن عند تفكيره لمجرد أنه يكاد يفقدها أو يتزوجها غيره، تكاد هذه الفكرة تفقدُه عقله بالكامل. نعم، اتخذ هو عذر حمايتها ذريعة لتقبل هي بزواجه.
أردف وهو يلاحظ علامات الدهشة التي اكتسحت ملامحها:
"بصي، معاكي لغاية بكرة تبلغيني قرارك، وزي ما تحبي بس مضمنش أمجد ممكن يعمل إيه وايه خطوته الجاية."
أنهى كلماته، والتي لاحظ بعدها التوتر الذي ساد ملامحها. فتمتم بنبرة حانية:
"بس متخافيش، أنا هعرف أوقفه عند حده إزاي."
"اطمئني."
تركها تتخبط بأفكارها مغادراً الفيلا بأكملها. حينها دلفت نهى إليها تمتمت:
"رأيك يا نينا، كلنا هنحترمُه، بس هو عنده حق. انتي مش كنتي خايفة من بعد وفاة أنكل إنك فقدتي السند والأمان؟ مش يمكن ده يبقى سندك أو يبقى عوض ربنا ليكي عن كل اللي مريتي بيه؟"
أردفت نسرين:
"تفتكري إن حتى لو رضيت وقبلت واتجوزته، تفتكري مش هيخونّي ومش هيعمل زيهم؟ إيه الضمانات اللي قدمها لي هو عشان أصدقه أو حتى أشوفه بنظرة مختلفة عن نظرتي ليهم؟ بابا وأمجد وحتى هو، كلهم خاينين صدقيني."
أردفت نهى بيأس وفقدان الأمل بموافقتها:
"اسألي قلبك يا نسرين، القلب بيحس باللي قُدامه. ادعي ربنا وافتكري إن ربنا تقديراته لينا كلها خير يا حبيبتي."
٠٠٠٠٠٠٠٠٠
بصخبٍ أردف أمجد بصوتٍ جلل بمكتبه:
"يعني إيه كل الصفقات اللي كنت داخلها مع منير بتتسحب مني كده ومبتكملش؟ وانتي دورك إيه هنا؟ ولا خلاص خيبتي وعايزاني أجيب مكانك حد تاني؟"
تمتمت شيرين بتوتر:
"وأنا ذنبي إيه؟ وبعدين أنا مقدرش أعمل حاجة في الصفقات دي. وأنت عارف بعد موت منير المستثمرين الأجانب سحبوا الصفقات دي وتمموها مع شركات تانية وعملاء تانيين. وبعدين انت عارف إنهم كانوا بيدخلوا الصفقات دي عشان سمعة منير بيه وشركته كبيرة ومعروفة."
قاطعها هو بضرب يده على المكتب من شدة غيظه من عباراتها:
"انتي لو فاكرة إني كنت بستفيد من منير في السوق والصفقات، فإنتي أكيد عارفة إنه كمان كان بيستفيد مننا في الانتخابات، وكل واحد وليه كاره."
صمتت هي، بينما دب الرعب بقلبها منه، فغادرت مكتبه.
…………
في منزل الحاجة حميدة:
"بقولك يا أحمد خليك معانا النهاردة كده عشان الحاجة إلهام عزمتها تيجي تتغدى معانا النهاردة، وهي جاية هي وابنها فلازم طبعاً تكون موجود معانا."
أنهت عباراتها، بينما هو أردف بنبرة حاسمة:
"إزاي يعني يا أمي؟ ومعرفتيش ليه؟ افرضي أنا كان عندي شغل أنزل إزاي وأسيبك؟ وفي راجل غريب جاي أنا مش فاهم يعني."
قاطعته والدته مردفة بنبرة حانية عازمة على ألا يفهم هو الموضوع بشكل خاطئ:
"يا حبيبي أنا مقصدش حاجة. أنا قولت أعزمها عندنا وأنا الصراحة ما صدقت عرفت حد من الجيران ومبسوطة جداً وقلت إنك هترحب بالموضوع. معرفش إنك هتزعل كده. وبعدين أنا عارفة إنك خلصت القضية اللي كانت شاغلاك، وانت قولتلي بنفسك إن القضية اللي ماسكها دلوقتي بسيطة ولو احتاجتك في أي وقت أقولك، صح ولا لأ!"
أردف هو:
"صح يا حبيبتي، خلاص متزعليش كده. وأنا عندي كام حميدة في حياتي؟ بس قوليلي هنا: 'أفهم من كده إنك موافقة يعني؟'"
ارتسمت علامات الرضى بوجهها مردفة:
"انت رأيك إيه؟"
……
بفيلا منير المنشاوي:
تقبع بغرفتها تبكي تناجي ربها، تعلم أنه السند وأن لا ملجأ منه إلا إليه. ضاقت بها دنياها، لا أحد يشعر بضعفها وقلة حيلتها سوي الله.
"ماذا بإمكاني أن أفعل؟ أختار أمجد وأنقذ إرثي وأتحمل خيانته وكذبه عليها؟ أم أختار أحمد لينقذني هو من براثن خطيبها ولاعبه؟ أم أرفض كل ذلك وأنأى بنفسي بعيداً عن كل هذا؟ إذا اخترت الابتعاد، فألى أين ترى؟"
قاطع شرودها ذلك الصوت الذي أصبح يتردد بمسامعها كثيراً: "متكونيش ضعيفة ومتخليش حد يتحكم فيكي."
إذاً، حان الوقت لتتخذ قرارها وتكون مسؤولة عن تبعات هذا القرار.
"صدقني بقنعها كل شوية بس هي شايفة إنك مش مختلف عنهم كتير أو إنك خاين مثلاً زيهم؟"
أردفت بتلك العبارات نهى.
بينما قاطعها أحمد بحنق بنبرة يتخللها التسلية قليلاً:
"نعم بتقولي إيه! مين ده اللي خاين يا نهى؟ طيب متزعليش بقى، أنا كمان مش هقدر أساعدك في اللي حاطِك في دماغه ده."
قاطعته بتردد وتلعثم:
"ما هو حضرتك مش أنا اللي بقول إنك خاين، دي هي نسرين. وأنا بحاول أقنعها. وعارفة إنك هتاخد بالك منها."
ابتسم هو عندما اختتمت عبارتها تلك، مردفاً:
"صدقيني صاحبتك مش هتندم طول حياتها لو اتجوزتني، وإني للأسف معنديش ضمانات أقدمهلها دلوقتي غير إني هفضل أحميها. عرفيها كده."
قاطع المكالمة تلك التي تدور بينهم، ذلك الصوت الذي يعرف صاحبه بالتأكيد. فأنهى المكالمة وذهب مسرعاً.
…….
عنده هو "أدهم".
رأى أن تلك فرصته الوحيدة التي أمامه. فها هو أخاها استأذن منهم بالذهاب إلى الشرفة بعض الوقت ليجيب على مكالمة عمل لديه. والدتها تتحدث لوالدته. رآها هي تجلس بارتباك واضح عليها. اقترب من المقعد جانب مقعدها التي تجلس هي عليه، متمتماً بعبارات:
"على فكرة مش عارف أتكلم معاكي خالص. أول مرة شوفتك فيها سبتيني ومشيتي، ملحقتش أقولك حاجة. بعدها قررت إني مش هحاول أتكلم معاكي تاني. افتكرت إنك اتضايقتي وقتها، وفضلت زي ما أنا أشوفك من البلكونة وبس، لحد ما أقرر هعمل إيه بعدها. لحد ما شفتِك أما كنتي ماشية بتعيطي، وانتي عارفه الباقي. أنا بس عايز أقولك إني أعرفك من زمان واتكلمت مع أخوكي إني أتقدم لك لما جينا زيارة المرة اللي فاتت وهو رفض وقالي أول ما تدخلي الكلية هاجي وأتقدم رسمي. بس هو اشترط إنه من هنا لحد ما تدخلي الكلية إنه ما يحصلش حتى كلام بينا. فـ أنا عايز أقولك: ذاكري كده وركزي وادخلي الكلية بسرعة عشان أجي وأتقدم. وهفضل ساكت وكاتم مشاعري جوايا، بس أعذريني هفضل برضه أبص لك من البلكونة وأتابعك بقلبي قبل عيني."
أطرقت هي رأسها بخجل مبتسمة بعذوبة أذابت قلبه. بينما هو شارد بملامحها هكذا.
دلف أحمد إليهم يتمتم على عُجالة من أمره:
"أنا هستأذن أنا يا جماعة، أسف، عندي شغل مهم. عايزة حاجة يا ماما؟"
أردفت والدته:
"لا يا حبيبي، خد بالك من نفسك."
تمتم أدهم بعبارات زادته بنظر أحمد كثيراً:
"واحنا كمان هنستأذن، وإن شاء الله المرة الجاية تنورونا أنتم عندنا."
……
هبطت نسرين الدرج مردفة بفزع واضح عليها:
"هو كل شوية يجي ويزعق، هنعمل إيه؟"
قاطعتها نهى:
"مش عارفة، بس الظاهر إن العساكر اللي برة منعوه من الدخول وعشان كده هو مدخلش لحد دلوقتي. اطلعي انتي فوق يا نينا وأنا هتصرف عشان الصوت العالي ده ميأثرش عليكي."
قاطعتها نسرين:
"انتي عارفة طول ما الصوت بعيد عني بتعب شوية بس عادي، إنما المشكلة كلها لو الصوت كان قدامي. افتحي الباب وأنا هقف بعيد وأخلي مسافة بيننا. أنا لازم أبلغه بقراري."
همت نهى بفتح باب الفيلا. ما إن رأها أمجد تقف بعيداً على بُعد خطوات من نهى، أردف هو بغضب:
"انتي بتمنعيني يا نسرين إني أدخل عندك أو أجلك الفيلا؟ حطالي شوية حراسة يمنعوني؟"
قاطعته نسرين مردفة بتوتر ازداد بملامحها فيما حاولت جاهدة التماسك قليلاً، طمأنت نفسها أنها بضع دقائق فحسب تخبره بها بقرارها ليدعها هو وتتخلص منه للأبد:
"أنا مطلبتش من حد يمنعك، بالعكس أنا كنت مستنياك تيجي نتكلم وأقولك قراري من غير أي صوت عالي."
قاطعها بعنجهية بينما أزاح بغضب الجندي الذي يمنعه من المرور، والذي سمح له بالدخول ما أن سمعها ترفد له أنها كانت بانتظاره. اقترب منها أمجد فجأة متخطياً نهى:
"أنا مش هستنى أسمع رأيك، هو بلطجة بقى؟ أنا هجيب المأذون وأقسم بالله لو موافقتي لأكون خسرك كل اللي حيلتك يا نسرين وهتترمي في الشارع، انتي فاهمة."
أنهى عباراته، بينما هي تفاجأت باقترابه منها هكذا وقبل أن تصاب بحالتها التي تصيبها. لمحت طيفه بتشوش بالرؤية. أيعقل أنه أتى الآن أم تداخلت الرؤيا بالحلم؟ قبل أن تقبع بأحد الزوايا منكمشة بنفسها، تُغمض عينيها، تتسلل تلك الرجفة إليها من جديد.
لم يكن حلم، بل كان هو "أحمد" حينما سمع هو صوت صراخ أمجد أثناء مكالمته بنهي. أنهى المكالمة وذهب إليهم مسرعاً. كم تمنى أن يأتي قبل أن يحدث لها شيء أو يستطيع اللحاق بها قبل رؤيتها بتلك الحالة.
سحبه من ياقة قميصه خارج الفيلا مغلقاً الباب عليهم لضمان حمايتهم. موجهاً لكمة لأمجد بقبضته مردفاً:
"انت زودتها أوي، وأنا هخليك تنسى إنك تعرف حد اسمه نسرين أصلاً."