الفصل 1 | من 12 فصل

رواية احببت فريستي الفصل الأول 1 - بقلم بسمة مجدي

المشاهدات
30
كلمة
2,723
وقت القراءة
14 د
التقدم في الرواية 8%
حجم الخط: 18

هدوء.. صمت.. شرود.. لا يوجد سوى صوت أنفاسها. عيناها تروي قصصاً من ألم. دلف إلى الغرفة كعادته ليجلس بجوارها متطلعاً بحزن. تنهد ليقول بابتسامة هادئة: -حبيبي عامل إيه النهاردة؟ لم تجبه ولم تلتفت حتى وكأنه لم يأتِ. تأمل عيناها الزرقاء الذي اختفى بريقها أو ربما لم يكن من الأساس. تأمل بشرتها الشاحبة وشعرها الأسود الذي يصل إلى خصرها. كم يعشقه وكم حذرها من قصه. ليكمل بحنان: -طب مش عايزة تعرفي جبتلك إيه؟ لا رد.

أغمض عينيه بألم، هو يدري أنها لن تجيبه ولا تسمعه من الأساس. فهي في عالم آخر، هي فقط جسد بلا روح. ليردف باشتياق وعيناه تلتمع بالدموع: -وحشني صوتك أوي يا حبيبتي... وحشتني ضحكتك ووحشتني غيرتك. صمت ليكمل بضحكة مؤلمة: -وحشتني عصبيتك وقوتك، وحشتني ميرا القوية اللي مبيهمهاش حد. اقترب ليلثم جبينها كعادته ويمسد بحنان على خصلاتها. نظر لها بحزن جم وخرج من الغرفة ليلج لمكتب الطبيبة المسؤولة عن حالتها. ليهتف بحزن: -ها يا دكتور؟

ميرا هتفضل كده؟ دي بقالها 3 شهور على الوضع ده. عدلت الطبيبة نظاراتها الطبية لتجيبه بعملية: -أنا قولت لحضرتك قبل كده يا أستاذ يوسف، حالتها دي ناتجة عن تراكمات كتير وأنا لازم أعرف إيه اللي حصلها بالتفصيل عشان أقدر أساعدها. تنهد بألم ليردف: -طيب أنا هحكيلك كل حاجة حصلت... أنا وميرا اتقابلنا من سنتين و... قبل سنتان... جلست تتململ بضيق في مقعدها وعيناها تتلفت يميناً ويساراً. تعرق جبينها بحبات عرق.

رفعت شعرها الأشقر المصبوغ بضيق وهي توعده سراً. أخرجت مرآتها لتتأكد من زينتها المبالغ فيها. تطلعت لساعة يدها للمرة التي لا تذكر عددها. لتسقط أنظارها عليه وهو يدلف إلى المقهى بطلته الجذابة وخصلاته البنية وابتسامته الجانبية الساحرة. لم تستطع إلا أن تنظر لعضلاته البارزة وطوله الفارع الذي يليق بسنواته الـ 31. جلس أمامها ليقول ببرود: -سوري يا بيبي، كنت سهران امبارح لوقت متأخر فمعرفتش أجي في معادي. تتفوه بامتعاض:

-مانت طول عمرك متأخر، هي عادتك ولا هتشتريها. ليقهقه بخفة ويردف بتساؤل: -ها؟ كنتي عايزاني في إيه بقى؟ لتجيبه بجدية: -أنا عايزة أعرف أخرتها يا يوسف؟ هنفضل كده كتير؟ قطب جبينه ليقول بحيرة: -كده اللي هو إزاي يعني؟ ضاقت ذراعاً من تهربه وبروده لتجيبه بحنق: -قصدي على علاقتنا يا يوسف... قولتلي لازم نتعرف الأول ونقرب من بعض، وافقت وقلت ماشي. بقالنا سنة كاملة مع بعض ولغاية دلوقتي مجتش تتقدم لي. ليقول بتأفف:

-هو انتي هتفضلي تزني كتير كده؟ كام مرة طلبتي أجي أتقدم لكِ وقولتلك لسه مش دلوقتي. -امال امتى يا يوسف امتى؟ أجابها بضجر: -بقولك إيه يا ساندي، متوجعيش دماغي خلينا كويسين مع بعض، أنا مرتاح كده. -بس أنا بقي مش مرتاحة كده! أنا مش هفضل ماشية معاك في الحرام كتير! يا تيجي تتقدملي يا أما نقطع علاقتنا أحسن وكل واحد يروح لحاله. -ساندي أناااا... لتقاطعه بصرامة: -لا يوسف، هي كلمة يا تتقدم يا بلاش خالص. -طب اسمعيني أنا...

لتقاطعه مرة أخرى برفض تام: -أنا قولت اللي عندك ومش عايزة أسمع تبريرات فاضية من بتوعك. -بس أنا مش هبرر... قاطعته بسخرية: -إيه؟ أكيد مقررتش تيجي تتقدم صح؟ -يا بنتي اسمعي، أنا كنت هقولك أنا موافق! -على إيه؟ ليردف ببرود تام: -على الانفصال. أصلي بصراحة مليت منك نكد طول الوقت وزن كتير، فخلاص خلينا ننفصل أحسن. اتسعت حدقتاها في دهشة، أبهذه السهولة يتخلى عنها؟ ويتحدث عن الأمر كأنه إحدى الصفقات التي فشلت.

لتترقرق الدموع بعينيها وتقول بنبرة مهزوزة: -يعني انت عايز هتسبني يا يوسف؟ -ساندي أنا مش عايز دراما، انتي عارفة كويس إني مش بتاع جواز ولا بتاع حب... بس مصدقتي إني عبرتك وقولتي يمكن تخليني أحبك وأتجوزك. أنا كنت بتسلى وانتي كمان كنتي بتتسلي، بس الموضوع شكله قلب معاكي بجد لأن انتوا كبنات عاطفيين شوية ومش بتعرفوا تحسبوها صح. وده مش ذنبي طبعاً. لتصيح بانفعال وهي تحاول صفعه: -انت بني آدم حقير وو...

اسمها يديها بغضب قبل أن تصل لوجهه وهو يقول ببطء ونبرة مخيفة: -لمي الدور وخلينا ننفصل بهدوء وبلاش جنانك، انتي عارفاني أنا أجن منك. لتسحب كفها من قبضته بعنف وتصيح بغضب وهي تلتقط حقيبتها وتستعد للمغادرة: -ماشي يا يوسف، كنت بتتسلى بيا أنا بقي هندمك على اليوم اللي فكرت فيه تجرحني، والا مبقاش ساندي الرفاعي. وغادرت بخطوات سريعة غاضبة. وهو يتمسح دموعها بقوة. نظر في أثرها ببرود ليشير إلى النادل:

-عايز قهوة مظبوطة عشان مصدع وياريت لو فطار خفيف. كاد النادل يطلبه في صدمة وقد تابع ما حدث ورأى أن الفتاة كانت على وشك صفعه وأصواتهم جابت المقهى بأكمله. وهو يطلب ببرود يحسد عليه. *** ألقت هاتفها بضيق، فهذه الشركة الثالثة التي ترفض توظيفها. دلفت إلى المرحاض لتخلع نظارتها الطبية وتتأمل وجهها الأبيض وعيناها الزرقاء الحادة. لملمت خصلاتها السوداء الناعمة التي تصل إلى خصرها وجمعتها بواسطة أحد أقلامها.

سمعت رنين هاتفها لتخرج. وما أن أجابت حتى صدع صوت الطرف الآخر ببكاء: -ميرا افتحي أنا قدام الباب. نهضت "ميرا" مقطبة جبينها لتنظر إلى الساعة لتجدها تشير إلى السابعة صباحاً. خرجت لتفتح الباب لتصدم بوجه " ندي " ذات الأعين الخضراء والشعر الأسود القصير التي انقضت عليها تحتضنها ببكاء. بعد مرور بضع دقائق، جالسة منتظرة أن تتوقف عن البكاء حتى تحكي لها ما حدث. لتهتف بضجر: -ندي ممكن تبطلي عياط وتفهمني إيه اللي حصل؟ أجابتها "ندي"

بتقطع من بين شهقاتها: -حازم الحيوان خد موبايلي من غير ما آخد بالي ونقل كل صوري عنده وبيهددني بيها. صاحت بعنف: -وانتي إيه اللي خلاكي تقابليه؟ لترد "ندي" بحزن وهي تلعن نفسها على غبائها: -أصله كلمني وقعد يقنعني أقابله عشان موضوع ضروري وإنه هيديني أي حاجة ليا وإنه خلاص مش هنشوف بعض تاني. -طول عمري بقولك البني آدم ده مينفعكيش يا ندي وانتي مصممة إنه كويس، مصدقنا إن فركشتي خطوبتك وبردو تروحي تقابليه! -طب أعمل إيه دلوقتي؟

لتغمغم بغموض: -مش هتعملي حاجة، أنا اللي هعمل. *** وصلت إلى مكتبه لتسير بخطواتها الناعمة. لتقف أمام مدير مكتبه وتهتف بنعومة: -لو سمحت عايزة أقابل المتر حازم صلاح. تنفس مدير مكتبه بصعوبة وهو يرى كتلة الجمال التي أمامه بملابسها الضيقة ومكياجها الصارخ، خاصة أحمر شفاها وشعرها الأسود القصير الذي يصل إلى منتصف رقبتها. ليقول بتوتر: -أأأ أقوله مين؟ استندت بمرفقيها على مكتبه وهي تقول بغنج وضحكة لعوب: -قوله ريهام حداد.

ذهب بخطوات متوترة حتى اصطدم بالحائط لأكثر من مرة وهي تضحك بخفة. حتى عاد إليها وهو يهتف بسرعة وتوتر: -أأتفضلي حضرتك. سارت بجواره بغنج لتدلف إلى المكتب. فينتهض "حازم" بلهفة قائلاً: -أهلاً أهلاً، اتفضلي يا آنسة. جلست أمامه لتهتف بابتسامتها اللعوب: -هو انت مش فاكرني يا حازم؟ قطب جبينه يحاول تذكرها ولكن لا يذكر أنه كان على علاقة بفتاة بمثل جمالها. ليهتف بتوتر من جمالها المغري: -لا الحقيقة مش واخد بالي مين حضرتك؟

نهضت لتمشي أمامه بخيلاء حتى وصلت أمامه مباشرة. ازدرد ريقه بتوتر لتميل عليه وهي تهمس بنبرة مغرية في أذنه: -أنا قدرك الأسود. لم يكد يصدم بكلماتها حتى أخرجت زجاجة صغيرة ورشت عليه ما فيها. حتى فقد وعيه في أقل من ثواني. تنهدت بضيق وهي تنظر له باشمئزاز. لتفتشه حتى أخرجت هاتفه وحطمته بقوة. وأخذت تفتش بمكتبه بأكمله. وأمسكت بحاسوبه وأسقطته أرضاً بقوة حتى تحطم. أمسكت بعصا خشبية جاءت بها وأخذت تضرب الحاسوب حتى أصبح حطام.

ومدير مكتبه يطرق الباب بخوف وهو يتساءل عن أصوات الحطام. لم تعره اهتماماً حتى أنهت مهمتها. لتعدل ثيابها وتلتقط حقيبتها وتفتح الباب. ليطل السكرتير قائلاً بلهفة: -هو فيه إيه حضرتك؟ إيه صوت التكسير ده؟ اقتربت منه وهتفت بنبرة لعوب: -أصل مديرك شقي أوي. تبعت جملتها بضحكة خليعة وخرجت مسرعة. صعدت إلى سيارتها لتنطلق بأقصى سرعة. خلعت شعرها المزيف "الباروكة" وأخرجت محرمة ومسحت زينتها الصارخة وارتدت نظاراتها الطبية. ورفعت

هاتفها لتقول بانتصار: -خلاص يا ندي الموضوع خلص، ولا هيعرف يبتزك بحاجة تاني بعد كده. -بجد يا ميرا؟ طب عملتي إيه؟ -مش مهم، المهم إن الموضوع خلص. عادت لمنزلها بإرهاق. غيرت ثيابها لتغلق باب غرفتها جيداً وتذهب في نوم عميق. *** ركضت بهلع بين الناس ولكن لم ينتبه لها أحد. فهي مجرد طفلة لم تتعد العاشرة من عمرها. وكادت تسقط لأكثر من مرة لكنها لم تتوقف. تنظر خلفها من حين لآخر بخوف حتى وصلت لأحد الأزقة الخالية من الناس.

لتتكوم أرضاً وتضم ركبتيها إلى صدرها وهي تشهق ببكاء. بعد عدة دقائق، ترفع وجهها الأبيض الشاحب الذي به كدمة زرقاء واضحة بجانب ثغرها الذي يرتعش من البكاء. لتمسح عبراتها التي تنهمر من عيونها الزرقاء بظهر كفها. وتتذكر جملته بصوته الأجش الغليظ: -مش لو كان جه واد كان أحسن من البت الخايبة دي، ربنا يأخدك ويريحني منك. دفنت وجهها بين ركبتيها لتبكي بمرارة لا تليق بطفلة بعمرها. لتجد كف صغيرة تربت عليها بلطف. لترفع وجهها سريعاً.

فتجدها صديقتها "مريم" التي قالت ببرأة وحزن: -ميرا انتي لازم تروحي دلوقتي بسرعة، باباكي بيدور عليكي ولو مروحتيش هيضربك جامد. أزاحت خصلاتها الطويلة السوداء الناعمة المبعثرة على جبينها. لتنهض وهي تهتف بتقطع من البكاء: -خلاص أنا هروح دلوقتي، هو كده كده هيضربني. لتجيبها بحزن طفولي: -متزعليش، معلش يمكن باباكِ بيضربك عشان بتعملي حاجة غلط. متعمليش حاجة غلط وهو مش هيضربك. لتبتسم بسخرية تفوق عمرها:

-لا، هو على طول بيضربني من غير ما أعمل حاجة. يلا مش مهم، أنا هروح. وصلت بعد قليل لتقرع الباب بخوف وقلبها يدق بعنف كالطبول من شدة الرعب. وما أن فتح الباب حتى التقت بعينيه الحمراء كاللهب من الغضب. ليجذبها ويهدر بصراخ: -كنتي فين يا بت؟ هو انتي فاكرة نفسك فين يا روح أمك؟ أنا هوريكي إزاي تخرجي من غير إذني. لينزع حزامه الجلدي. اتسعت زرقاوتاها رعباً وهي تتراجع للخلف حتى تعثرت وسقطت. وضعت يديها على وجهها لتحميه من بطشه.

رفع حزامه عالياً ليهوي بأولى ضرباته على جسدها الصغير. لتنتفض فزعاً وهي تصرخ برعب: -لاااااااااا كفاية. نظرت حولها لثواني لتجد نفسها بغرفتها وعلى فراشها. تنفست بعمق بعد ما تأكدت أنه كابوسها المعتاد. لتنهض ببطء. كادت أن تدلف إلى المرحاض ليصدع رنين هاتفها. أجابت بنبرة جافة: -ألو! أنا ميرا السويفي، مين معايا؟ ليجيب الطرف الآخر برسمية: -القرض بتاع حضرتك اتقبل يا فندم، وتقدري تستلميه من النهاردة. تنهدت براحة لتقول بامتنان:

-أنا مش عارفة أقول لحضرتك إيه، متشكره جداً. أغلقت الهاتف لتتنهد براحة. بعد دقائق، أبدلت ثيابها لتصبح أكثر رسمية ببذلتها النسائية الأنيقة. تطلعت لوجهها في المرآة، كم هي جميلة بشعرها الأسود الحريري وعيناها الزرقاء التي ورثتها عن والدتها الراحلة. دمعت عيناها للحظات حين تذكرتها. وسرعان ما استعادت تماسكها الزائف وارتدت قناع البرود والقوة. وصلت بعد دقائق البنك وأخذت قرضها واستطاعت الحصول على شقة منفصلة لتعيش بمفردها.

أنهت معاملاتها والآن استعدت للذهاب إلى مقابلتها بأحدي الشركات الضخمة. ترجلت من سيارتها التي أهدتها إياها أختها الكبيرة. عبرت الطريق بشرود ولم تنتبه لتلك السيارة القادمة مسرعة. أفزعها صراخ أحدهم قبل أن تتسع حدقتاها في رعب وقد شعرت بأوصالها تجمدت منتظرة صدامها الذي بالتأكيد سيؤدي بحياتها. *** رفع صوت الموسيقى وهو يقود سيارته بسرعة عالية غير عابئاً بأحد وهو يدندن باستمتاع.

رن هاتفه ليجده صديقه المقرب "سامر"، رفيقه منذ الجامعة. ما أن أجاب حتي صدع صوت "سامر" بنبرة مصدومة: -إيه يا بني اللي عملته ده؟ بقي حد يسيب ساندي اللي الشباب كلها بتتمنى نظرة منها. -يا عم فكك بلا ساندي بلا بطيخ، دي بت دلوعة ومع كل واحد شوية، جت عليا أنا يعني. دانت مشوفتش وشها لما قلتها إني عايز ننفصل. ده وشها جاب ألوان أكتر من اللي هي حطاها. قال كلمته الأخيرة لينفجر كلاهما في الضحك. ليقول "سامر" من بين ضحكاته:

-الله عليك يا چو يا قاهر النساء. ليهتف "يوسف" بمرح: -لا وكمان قول. قاطع حديثه ظهور تلك الفتاة ذات الشعر الأسود أمام سيارته. والتي ما أن رأته حتى تجمدت بمكانها. ليصرخ بصدمة: -اااااااه، حاسبي!

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...