تحميل رواية «عينيكي وطني وعنواني» PDF
بقلم امل نصر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
دلفت لداخل غرفتها بخطواتٍ مثقلة وموجة من الغضب تحتاجها بعنف. من وقت أن سمعت من أبيها اسم الجار الجديد لشقتهم، وعقلها يرفض بشدة استيعاب هذه المفاجأة الغريبة. كلما دار بمخيلتها أن هذا البغيض أصبح جارها والباب أمام الباب، اقشعر بدنها وتحفزت كل خلايا جسدها بشراسة نحوه. وصلت إلى شرفة الغرفة، فوقفت تنظر للأسفل على هذه السيارة الكبيرة والمخصصة لنقل الأثاث. في أعلى السيارة من الخلف كان واقفاً، يساعد العمال أو من تبرع من أهل المنطقة في حمل قطع الأثاث لنقلها في تجهيز الشقة. مشمراً أكمام قميصه الأسود وكاشف...
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل الحادي والثلاثون 31 - بقلم امل نصر
مضيقًا عيناه ورأسه تتحرك بعدم استيعاب. ملامح وجهه شاحبة، وعيناه التي تتنقل ما بين الفتى وعصام وأبيه، تُظهر بوضوح مدى صدمته في صديق عمره، أو ما اعتبره هو كذلك بغبائه. خرج صوته أخيرًا بتشتت:
- أنت بتقول إيه؟ إزاي يعني؟ وليه؟
جاء رد مازن بعفوية:
- بقولك اللي انت سمعته بنفسك ياعم علاء. أنا امبارح ضربت اللي اسمه سعد وفتحت دماغه عشان أوقفه قبل ما يغز حقنة الهوا في دراع عم حسين ويقتله.
- إزاي دا يعني؟ وإيه السبب اللي يخليه يعمل كدة؟ ولا أنت عايز تألف من دماغك وخلاص؟
خرجت منه هادرة، وكان الرد من مازن بقوة:
- أنا مبألفش من دماغي، واللي بقولوا دا حصل ساعة ما أنت نزلت تصلي في الجامع اللي تحت وسيبتوه هو لوحده، والدنيا ليل والحركة خفيفة في المستشفى.
كتم شهقته بكف يده الكبيرة على فمه، وعيناه التي اتسعت بزعر، تتحرك مقلتيه باضطراب وبغير هوادة. وما زال هناك صوت بداخله يأمره بعدم التصديق، فلا يعقل أن تكون هذه المعلومات حقيقية. قال بحدة:
- أنت كداب يالا، وأنا مش ممكن أصدق أي حرف ولا أي كلمة قلتها. الواط دا كداب ياعصام، اطرده ولا مشيه أحسن.
زفر عصام بقوة وهو يشيح بعيناه عنه، وكان رد مازن:
- لا بقى أنا مش كداب ياعم علاء. الراجل ده مراقبه بقالي كام يوم بناءً على توجيهات عم حسين لحودة، اللي كان هو كمان بيراقب شقته السرية مع البت عشيقته وواحدة تانية اسمها أمينة.
قاطعه بعنف صارخًا:
- أمينة!!!
- أيوة أمينة ياعم الحج. دا الاسم اللي كان بيكرره دايمًا قدامي حودة صاحبي، ويقولي إن البت دي عندها سر كبير وعم حسين مصمم يكشفه.
كمطارق من حديد، تضرب فوق رأسه كلمات هذا الصغير، والتي يلقيها أمامهم بتلقائية دون الشعور بخطورتها. إنه يذكر أمينة وسعد بجملة واحدة، وعشيقة سرية أيضًا! فما الذي يربط حسين معهم أيضًا، ولماذا يقدم سعد على قتله؟
نطق أخيرًا أدهم، ذو الملاح المغلفة والغامضة، باقتضاب:
- أنت عرفت مين هي عشيقته؟
- لا ملحقتش أعرف مين عشيقته، عشان ساعتها أنا كنت براقبه عند محطة البنزين وكان هو راجع من دمياط، لما اتصل بيا حودة وقالي إنه خلاص هو وعم حسين هايكشفوا الحقيقة، ونبه عليا إني أتصل بيه أبلغه قبل ما يتحرك سعد والسواق بتاعه. بس للأسف سعد هرب بعربية الخشب وملحقتش ألحقه.
نهض عن مقعده صارخًا:
- أنت بتقول عربية خشب؟
خلفه رد أدهم بعد أن نهض هو الآخر وهو يضغط على حروف كلماته:
- أنت متأكد من كلامك ده يامازن؟ دا كلام يطير فيه رقاب؟
نهض هو أيضًا يواجههم بثبات وهو يجيب:
- طبعًا متأكد من كل حرف بقوله. وحتى اسأل الدكتور عصام، أنا اديتله الحقنة اللي اخدتها من الكل. ده قبل ما أخرجه زي القتيل من غرفة العناية بتاعة عم حسين؟
التف الاثنان نحو عصام، الذي وضع بدوره الحقنة أمامهم على سطح المكتب، فقال وهو يومئ لهم بعيناه عليها:
- تقدروا تاخدوها وتتأكدوا بنفسكم من البصمات اللي عليها، غير طبعًا بصمات مازن.
تحرك أدهم بغضب أعمى يقول:
- وأنا لسة هأتأكد؟ دا أنا هسيح دمه ابن نشوى النهاردة.
خرج ذاهبًا من أمامهم بخطواتٍ مسرعة، رغم كبر سنه. علاء، والذي لم تستطع قدماه على حمله، سقط منهارًا على مقعده:
- يعني أنا كنت مغفل طول السنين دي ياعصام؟ وبغباء عقلي اديتله الفرصة النهاردة كمان عشان يكمل اللي بيعملوا ويخلص على أخويا؟ طب ليه يعمل معايا كدة؟ أنا أذنبت معاه في إيه؟ عشان يأذيني في أقرب ماليا؟ ليه ياعصام؟ ليه؟
ود عصام لو يخرج مابعقله من أفكار واستنتاجات نحو هذا المدعو سعد، أو حتى يذكر علاء ببعض المواقف الصغيرة لهم بالجامعة، والتي كانت تُظهر بكل وضوح الخلل النفسي لهذا الشخص المريض بحقده. ولكنه أشفق على علاء، فيكفيه هذه الصدمة الكبيرة فيمن اعتبره صديق عمره وجاره. ويكفي أن انزاحت أخيرًا غشاوة عيناه، وليكتشف هو بنفسه بعد ذلك صدق ظنه.
عاد أدهم لحارته بغضبه الأعمى، وقد أمر رجاله بالبحث عن هذا المدعو سعد بكل الأماكن المعروف ذهابه إليها. أما هو، فتوجه مباشرة لمنزلهم القديم. وحينما فتحت له نشوى، صرخت مفزوعة لدخول رجاله داخل منزلها دون استئذان:
- في إيه ياحج أدهم؟ هاجم برجالتك علينا كدة، مش تراعي إن البيت له حرمة؟
مال إليها برأسه بملامح وجهه المخيفة، والتي لا تظهر سوى لأعدائه:
- بعد اللي عمله ابنك يانشوى، ما عدتش ليكم حرمة عندنا في الحارة كلها.
خرجت إليهم لبنى وهي تضع طرحتها على رأسها تسألهم بخوف:
- إيه اللي حصل يامّا؟ دول حكومة دول ولا إيه؟
تفاجأت بنظرة والدتها الجزعة، وقد انعقد لسانها عن النطق. فقال لها أدهم:
- أنا مش محتاج لحكومة يالبنى عشان أجيب حق ابني. فاهمة يانشوى كلامي دا كويس، ولا تحبي أفهمك؟
رددت نشوى بتلجلج:
- أنت بس لو تفهمنا ياحج أدهم. قصدك إيه بكلامك ولا عمايلك أنت ورجالتك دي، بدال ما إحنا عاملين كدة زي الطرش في الزفة.
خرج فجأة رجال أدهم تباعًا، وهم ينفون وجود سعد بداخل المنزل. مما جعل أدهم يهتف على المرأة بحدة:
- ابنك سعد راح فين يانشوى؟
أجابت على الفور:
- والنعمة الشريفة ما أعرف.
صمت محدقًا بها بنظراته المشتعلة ببراكين الغضب بداخله، مما جعل لبنى هي التي تجيب:
- سعد وصل عندنا هنا قبل ما تيجوا انتوا بساعتين بالظبط. دخل أوضته عالسريع وخرج بعدها بشنطة هدومه. أما سألته أنا، قالي إنه مسافر. بس ده اللي إحنا نعرفه عنه ياحج أدهم، وادي رجالتك فتشوا بنفسهم، عشان تتأكد من كلامي.
ضيق عيناه وهو يخاطبهم بلهجة بطيئة ومرعبة بهدوئها:
- عايزك تبلغي ابنك يا نشوى، إنه اتكشف خلاص، وإن حسابه بقى مع أدهم المصري نفسه. إن شاله حتى لو رجع لبطن أمه من تاني، برضوا هاجيبه وأجيب حق ابني منه. فاهماني يانشوى، أنت وبنتك. يالا بينا يارجالة.
قال الأخير وذهب من أمامهم، تاركًا لبنى تضرب بيدها على صدرها وهي تندب:
- يادي المصيبة عليكي وعلى ابنك يانشوى، يامصيبتك السودة يانشوى. هببت إيه يامنيل على عينك، هببت في سنينك السودة، يامصيبتك يانشوى، يامصيبتك يانشوى.
تمتمت لبنى بداخلها:
- طول عمري عارفة إن نهايتك سودة ياسعد، بس ياترى عملت إيه المرة دي عشان تقلب أدهم المصري بجلالة قدره عليك؟
خرجت زهيرة من غرفة ابنها وهي مستندة على ذراعي سميرة وفجر، التي خاطبتها بتحفيز:
- شدي حيلك ياخالتي زهيرة عشان خاطر حسين. إيه؟ هو انتي مافرحتيش بشوفته بقى؟
ردت زهيرة بصوت لاهث:
- فرحت ياحبيبتي طبعًا، وفرحت أكتر لما رد عليا، بس برضوا قلبي بيتقطع عليه. الواد مدشدش خالص ياعين أمه.
قالت الأخيرة وهي على وشك البكاء. نهرتها سميرة قائلة:
- في إيه ياست انتي؟ عايزة تعيطي تاني ولا إيه؟ دا بدل ما تحمدي ربنا إنه قومهولك بالسلامة ونجاه من الموت لاقدر.
نظرت إليها بأعين لامعة:
- الحمد لله ياحبيبتي على كل حال. بس أنا والنعمة ما أنا عارفة أرد جمايلكم معايا دي إزاي؟ دا أنا لو كان ليا أخت ما كانت هاتراعيني ولا تسهر جمبي زيك كدة، انتي والست فوزية.
ردت سميرة بعتب:
- بس ياولية انتي بلاش تخريف. ما أنا أختك فعلًا، وبناتي هما بناتك بصحيح، ولا انتي نسيتي ياختي؟
ابتسمت زهيرة قبل أن تقبل فجر من وجنتها وترد:
- أنسى دا إيه بس؟ دول عوض ربنا ليا بعد ما كنت بتمنى بنت واحدة مع الولاد، قوم ربنا يرزقني باتنين. ربنا يتم فرحتي بيهم على خير يارب.
تكلمت فجر وهي تنظر أمامها بقلق:
- دا علاء اللي هناك ده؟ ومال شكله كدة ما يطمنش؟
تمتمت الأخيرة بداخلها قبل أن تكمل بصوت عالي لهم:
- طب اقعدوا انتوا هنا، وأنا هاروح أشوفه.
ردت والدتها وهي تُجلس زهيرة على أقرب المقاعد التي صادفتها:
- خليه يجي يروحنا بالمرة. زهيرة مش هاتتحمل القعدة هنا.
عارضتها زهيرة:
- ليه بس ياسميرة؟ هو إحنا لحقنا نقعد؟
شددت سميرة بقولها:
- الدكتور منبه عليكي ماتجهديش نفسك. خلينا نروح وترتاحي عشان نقدر نجيبك معانا بكرة تيجي تشوفي حسين، ولا انتي عايزة ترجعي للرقدة من تاني وتنحرمي من شوفته؟
حينما صمتت بيأس، أعادت سميرة القول لابنتها التي تحركت نحو الذهاب إلى حبيبها، والذي كان جالسًا في مقعده بجمود، محدقًا بالحائط الذي أمامه وكأنه بعالم آخر. حينما جلست بجواره، لم يشعر بها. وحين لمسته على ذراعه بيدها، انتفض مجفلًا. فردت باعتذار:
- آسفة ياحبيبي إني كنت خضيتك.
مسح بوجهه وهو يطرق برأسه أرضًا:
- معلش يافجر متأخذنيش ياحبيبتي، بس أنا بصراحة مجهد شوية وتعبان.
ربتت بيدها على ذراعه قائلة بحنان:
- الله يكون في عونك ياحبيبي. أنت من امبارح مانمتش ولا ارتحت دقيقة. تعالى روح بقا معانا عشان تنام، مدام الحمد لله إن ربنا طمنا على حسين.
هز رأسه باعتراض:
- لا، أنا مش عايز أروح. أنا عايز أقعد أراعي أخويا.
قطبت مستنكرة:
- تراعي فين تاني؟ مش كفاية جوز البودي جاردات اللي جابهم عمي أدهم يحرسوه؟ هو في إيه بالظبط؟ ومين دا اللي هايؤذي واحد تعبان وعامل حادثة؟ هو انتوا مخبين عننا حاجة؟
حدق بوجهه لحظات، عاجزًا عن النطق وإخراج ما بقلبه من ألم ووجع الخيانة التي طعنته في كرامته ورجولته من شخص اعتبره في أحد الأيام أقرب أصدقائه.
سألته بقلق:
- مالك ياعلاء؟ وشك مخطوف كدة ليه ياحبيبي؟ إيه اللي تاعبك؟
أجفلها ناهضًا دون الإجابة عن سؤالها، فقال متهربًا بعيناه عنها:
- أنا هاروحكم عشان أرتاح شوية زي ما انتي قولتي، وكدة كدة أنا بقيت مطمن على حسين دلوقتي. بس أنا مش شايف شروق يعني؟
ردت بابتسامة متسلية:
- لا، ماهي شروق قالت سيبوني خمس دقايق مع حسين قبل ما أخرج وأروح معاكم؟
بصوت ناعم كانت تردد بجوار رأسه وهو يستمع لها مغمض العينان:
- وحشتني ياحسحس، ووحشني كلامك الحلو. كدة برضوا كنت عايز تسيبني؟ والنعمة لكنت هجمت عليك وقطعت في جلدك بسناني.
ابتسامة رائعة أنارت وجهه المكدوم وهو مغمض العينان، غير قادر على مجاراتها. وهي تتابع بإغواء:
- بيقولوا عليك تعبان، قال وكنت هاتدخل في غيبوبة؟ طب بذمتك والنبي بجد، كان هايهون عليك برضوا تسيب واحدة زي القمر كدة من غير ونيس؟ طب والنعمة لكنت فتحت دماغك تاني بأي حاجة ألاقيها قصادي عشان أفش غليلي فيك، وبالمرة أخليك تفوق غصب عنك. إيه رأيك بقى؟
ازداد اتساع ابتسامته حتى تألم، مصدرًا صوت تأوه. فرددت مسرعة بلهفة:
- ألف سلامة عليك ياحبيبي. والنبي ما أقصد أتعبك، بس أنا بخرجلك اللي في قلبي بس، عشان تعرف معاناتي وتعبى في اليوم اللي عدى عليا امبارح ده بطلوع الروح.
قالت الأخيرة بدلع كسابق كلماتها، مما جعله يفتح عيناه أخيرًا هامسًا بتوعد رغم ضعف صوته:
- طب والنعمة لاطلعه عليكي ياشروق، بس أفوق وأقوملك.
صدحت ضحكتها تجلجل في محيط الغرفة الصغيرة، ولكنها أجفلت على صوت علاء من خلفها:
- بتضحكي على إيه ياشروق؟ أخويا تعبان، الله يرضى عنك.
رددت وهي تحاول السيطرة على ضحكاتها:
- خلاص ياعم أنا خارجة أهو. أنا بس كنت بطمن على خطيبي حبيبي، ولا أقول جوزي أحسن، بما إن كتبنا مكتوب.
ردد خلفها بسخط:
- ماتخلصي يابت، الواد مش حملك وتعبان، بدل ما يجي عصام يطردك بالذوق أحسن.
هتفت بتذمر:
- ما خلاص ياعم، اديني خارجة أهو. سلام ياقلبي.
ختمت جملتها بقبلة على وجنته، فاجئته وذهبت مسرعة، مما جعل أنظار حسين متعلقة بها حتى خرجت. خاطبه علاء، المتابع ما يحدث مع أخيه:
- الله يكون في عونك ياحبيبي. لو تحب، ممكن أمنعها ماتيجي تزورك نهائي تاني البت دي عشان ماتتعبكش. إيه رأيك بقى؟ أمنعها ماتيجي؟
أشرق وجه حسين بابتسامة عريضة لمزحة أخيه، الذي شعر بالسعادة لاستجابته للمداعبة، ولوجوده حيًا رغم كل ما حدث له بسبب غباءه في عدم كشف هذا الثعبان، رغم كل المؤشرات التي كان يتعامى باختياره عن رؤيتها. تنهد بعمق وهو يخرج خلف شروق، وبداخله يصبر نفسه حتى يتعافى أخيه جيدًا، فيكشف له باقي الأسرار التي نوه عنها هذا الفتى المدعو مازن.
عاد أدهم لمنزله وهو يزفر متمتمًا بأبشع العبارات غضبًا من عدم عثوره ورجاله على سعد، الذي اختفى دون أثر. لاعنًا سوء حظه لعدم كشفه قبل أن يتمكن من الإمساك به في الوقت المناسب. همس متعجبًا من هدوء المنزل، فهتف بصوته الجهوري:
- نرمين.. يانرمين.. أنت فين موجودة؟
ساوره الشك وهو يخطو لداخل المنزل الكبير، يتذكر انقطاع اتصالها به من وقت أن أخبرها بإفاقة حسين وطمأنها على وضعه. إنها حتى لم تكلف نفسها عناء الذهاب إلى المشفى لرؤيته. هتف بصوت أعلى حتى خرجت إليه إحدى الخادمات من داخل المنزل:
- أيوه أيوه ياسعادة البيه. الهانم مش موجودة.
قال مستنكرًا:
- نعم!! إزاي يعني مش موجودة؟ هايكون راحت فين يعني الساعة دي؟
رددت الفتاة:
- والله ما نعرف يابيه. دا أنا لولا إني كنت بوضب البيت وشوفتها وهي خارجة بشنطتها الكبيرة من باب البيت، مكنتش أنا كمان هاعرف.
- شنطتها الكبيرة!!
صاح بها قبل أن يخطو مسرعًا نحو غرفة نومه، فوجد خزانة الملابس خاصتها مفتوحة لأخرها وتقريبًا خالية من معظم ملابسها. بحث بالصندوق الخشبي الصغير، فصعق من خلوه من جميع مجوهراتها وبعض رزمات أوراقه المالية.
- يابنت ال...
خرج سبته، وهو يستعيد قول مازن برأسه عن اكتشاف حسين لشقة سعد وعشيقته وامرأة أخرى تدعى أمينة. أتت برأسه الفكرة مع استعادة وجود السبب الرئيسي لمحاولة سعد الحثيثة لقتل ابنه وطمس الحقيقة. بغضب حارق ذهب لضرفة ملابسه مخرجًا من أسفل ملابسه المرتبة سلاحه الناري، يتأكد من خزانته المحشوة بطلقات الرصاص، قبل أن يضعها بسترته خارجًا مرة أخرى لرجاله، مصدرًا لهم تعليماته الجديدة.
بداخل غرفتها، وبعد أن أنهت مكالمتها الهاتفية مع صديقتها سحر، الساخطه من تصرفات والدتها وتعنت خطيبها في الضغط عليها للذهاب والسفر معه لبلد أخرى للعيش هناك وترك كل شيء خلفها. كانت جالسة متكومة على نفسها بقلق على حال حبيبها، الذي قابلها بعناقه الكبير والغير متوقع أمام الجميع، وفرحة مشرقة بوجهه تسع الكون لاستفاقة أخيه وتحسن حالته وقت أن رآها صباحًا وهي خارجة من المصعد. ثم تبدل حاله مائة وثمانون درجة بعد ذلك، وكأنه شخص آخر غير حبيبها. إنها حتى غير قادرة على الضغط عليه لمعرفة ما أصابه، اشفاقًا على حالته الغريبة في الحزن والإحباط. ترى، ما الذي أزعجه لهذة الدرجة وأفقده كل ألوان الحياة؟
- ممكن أدخل؟
اعتدلت مجفلة وهي ترى عمتها التي طرقت بخفة تستأذنها للدخول. ودون انتظار إجابتها، دلفت وأغلقت الباب خلفها، وهي تبتسم قائلة:
- المرة اللي فاتت برضوا كنت خايفة وكأني هاخطفك ساعة ما دخلت وقفلت الباب علينا.
ابتلعت ريقها وهي تجاهد لإخراج كلمات جيدة دون تلجلج:
- ليه بتقولي كدة بس ياعمتي؟ وأنا إيه اللي يخوفني منك يعني؟
تبسمت بتسلية وهي تجلس بجوارها:
- يعني لتكوني محرجة مني عشان شايفاكي ها تتجوزي الراجل اللي كان بيحب بنتي، وهي كمان كانت بتحبه!
جحظت عيناها وانفرجت شفتيها بعجز دون النطق بكلمة واحدة. وأكملت فوزية:
- مش دا برضوا اللي مخليكي تستخبي دايمًا مني في أوضتك، ولما تشوفيني قدامك تتهربي بعنيكي مني؟
أطرقت فجر برأسها وأسبلت عيناها، غير قادرة على مجارتها. أجفلتها فوزية وهي تمسك بذقنها لترفع وجهها وتقابل عيناها.
- ارفعي راسك يابت وحطي عينك في عيني. هو انت شايفة إنك عملتي حاجة غلط؟
حركت رأسها بالنفي:
- لا ياعمتي. أنا معملتش حاجة غلط، وعلاء لو ما كنتش متأكدة من أخلاقه، ما كنتش أبدًا وافقت ارتبط بيه.
سائلتها بجرأة:
- متأكدة من أخلاقه، ولا انتي وقعتي على بوزك وحبتيه؟
حدقت بها قليلًا قبل أن تتمكن من الرد هامسة:
- بصراحة أنا حبيته ياعمتي. لكن يعلم ربنا إني عمري ما نسيت فاتن ولا لحظة واحدة من عمري.
سألتها:
- يعني انت بجد لساكي بتحبي فاتن يافجر؟
أجابت بتأكيد:
- طبعًا ياعمتي، وربنا العالم وشاهد على كلامي.
- طب اثبتيلي يافجر إنك بتحبيها.
- اثبتلك؟ ... اثبتلك إيه بالظبط ياعمتي؟
كررت فوزية بإصرار:
- لو بتحبيها بجد اثبتيلي.
رددت خلفها بتشتت:
- اثبتلك إزاي بس ياعمتي؟ أنا مش فاهمة حاجة!
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل الثاني والثلاثون 32 - بقلم امل نصر
تبدأ أمينة بالنظر إلى الهاتف الذي يهتز على جانب رأسها، وكأنها لا تستطيع حصر أعداد المكالمات التي لم تعد ترد عليها منذ أن شحنته وعاد للعمل. تقف في حيرة، غير قادرة على الرد أو إغلاق الهاتف.
تتذمر جارتها في التخت المجاور:
"ياست أمينة ماتردي على التليفون دا اللي عمال هز قدامك بدل ماهو شغال يرن كدة عالفاضي."
تزفر أمينة ساخطة وترد:
"في إيه ياستي بس؟ ما أنا كاتمة الصوت اهو ضايقتك في إيه أنا؟"
"يابت مضايقتنيش ولا حاجة أنا بس مستغرباكي. مدام انتي مش عايزة تردي ماتقفليه في وشه وريحي دماغك."
تقلب أمينة عيناها بسأم وهي تعتدل في فراشها، وتشيح بوجهها بعيدًا عن المرأة. الأفكار المتوالية ما زالت تعصف برأسها، ولا تدري ماذا تفعل الآن. في البداية كانت مُصرة على عدم إطلاعه على معرفة مكانها، ولكن الآن وقد اقترب موعد خروجها من المشفى، وهي لا تملك مأوى سوى بيت زوجها المعروف لعلاء وعصام، أو بيت والدتها التي لم تكلف نفسها عناء الاتصال بها. لا تجد سواه أمامها، ولكنها أيضًا لا تضمن غدره وخسته، فما العمل؟ وهو شريكها والخطر الذي يهددها، نفس الخطر الذي يهدده هو أيضًا، خصوصًا بعد أن علمت من شقيقته عن اختفائه وغضب أدهم المصري عليه وبحثه الحثيث عنه هو ورجاله.
يصدح الهاتف مرة أخرى بورود مكالمته، وكالعادة تنظر نحوه دون حسم أمرها للرد أو إغلاق الهاتف. لكنها تجفل على قول المرأة بجوارها:
"تاني برضوا التليفون اللي بيرن. الا بقولك إيه ياختي.. هو انتي مشغلة التليفون القديم دا ليه من الأساس؟ وانت معاكي عدة جديدة باللمس وكبيرة؟"
تتمتم أمينة بقلق وهي تتحسس بكفها تحت الوسادة هاتف حودة، فتتكلم بعد أن اطمأنت لوجوده في مكانه:
"لا ما أنا حاطة كل الأرقام المهمة هنا والتليفون الكبير سايبه بس للتصاوير والنت. مش عايزة أمرمطه أحسن يبوظ بسرعة."
تمصممص المرأة، تلتفت للأمام بعيدًا عنها، وتتمتم بصوت خفيض وصل لأمينة:
"قال مكالمات مهمة قال.. دا على أساس انها بتكلم حد تاني غير البنية اللي بتيجي هنا؟"
تعض أمينة على باطن وجنتها غيظًا من هذه المرأة التي تحشر أنفها في ما لا يخصها، ولكنها تتمالك نفسها عن الرد، فيكفي ما يشغل عقلها في التفكير الآن عن حل لهذه المعضلة العويصة معها. أين تجد مأوى آمن لها؟
***
في مكان آخر، فوق سطح أحد الأبنية، وقد اتخذ مسكنه فيه بغرفة قديمة في إحدى زواياه منذ أيام، كان واقفًا مستندًا بظهره على الحاجز الحجري وما زال ممسكًا بالهاتف، يحاول معاودة الاتصالات المتكررة بها دون رد. حتى هتف بحدة ساخطًا:
"أبو شكلك يابعيدة.. ماتردي بقى هي ناقصة قرفك؟"
ردت شريكة السوء التي كانت واقفة بجواره ومستندة بذراعيها على الحافة، تنظر للمدينة الساكنة أمامها:
"لسه برضوا مش عايزة ترد عليك؟"
قال بين أسنانه:
"بت ال..... بتعملهم عليا وعايزة تشلني.. فاتحة التليفون وبتشوف الرنات ومع ذلك مابترودش وكأنها بتقولي اتفلق."
صمتت قليلًا، تاركة وجهها لنسمات الهواء الباردة، مغمضة عينيها باستمتاع، قبل أن تسأله بهدوء:
"طب وانت عايزها تاني في إيه؟ ما كل شئ انكشف خلاص وبان.. يعني مش فارقة."
التفت إليها رافعًا زاوية شفته باستنكار:
"نعم ياست نيرمين.. شايفك يعني حاطة على قلبك مرواح وجيالي هنا تعملي جو لنفسك تتمتعي بهوا السطح.. إيه ياعين خالتك؟ هو انتي نسيتي المصيبة اللي انتي فيها؟ ولا جوزك دا اللي قالب الدنيا عليا وعليكي؟ ولا يوكنش الفلوس اللي سرقتيها منه يابت قوة قلبك؟"
التفتت برأسها إليه تواجهه بحدة:
"يوه عليك ياسعد.. كان لازم يعني تفكرني بالهم اللي ورايا.. دا أنا مصدقت أنسى."
اعتلى ثغره ابتسامة متهمكة يقول:
"تنسي!! طب لما تنسي انتي بقى ياحلوة.. أدهم المصري هينسى هو كمان؟ باينك عبيطة ومش دريانة بالمصيبة اللي احنا فيها."
تنهدت ساخطة وهي تتكتف بذراعيها:
"اديني اتنيلت ومزاجي اتعكر بسببك عشان تستريح وماتقولش عليا عبيطة.. ممكن بقى يا أبو العريف تقولي كدة.. انت إيه اللي في دماغك إيه بالظبط؟ وليه مُصر تلاقي أمينة؟"
تناول علبة سجائره من جيب بنطاله وعود صغير من علبة الثقاب، أشعل به السيجارة التي وضعها في فمه، ينفث دخانها عاليًا في الهواء، قبل أن يرد:
"أولًا أنا اللي في دماغي كتير أوي وصعب على واحدة زيك تفهمه.. ثانيًا بقى وهو الأهم.. هو إني لازم ألاقي أمينة عشان أعرف منها هي قالت لهم إيه؟ عايز أعرف الساعة اللي قضيتها معاهم حصل فيها إيه بالظبط؟ ماهو أنا ماينفعش أسيب كل حاجة للظروف.. ثم إن ماحدش عارف.. مش يمكن ألاقي طريقة تطلعني من كم المصايب اللي عليا دي وأرجع فيها لبيتي وحالي ومالي.. مافيش حاجة في الدنيا مضمونة طول ما العقل شغال."
قال الأخير وهو يشير بسبابته بجانب رأسه. لوت هي شفتيها بغير اقتناع، ولكنها سألته:
"طب يعني على كده أنت ممكن تبرئني أنا كمان بعقلك النور ده؟"
صدح ضاحكًا بصوته العالي، يقهقه ساخرًا منها، فقال بين ضحكاته:
"تتبرئي فين يا هبلة؟ ههه وانتي هاربة بفلوس الراجل والدهب كمان؟ ههههه"
صمتت فمها، تشيح بوجهها عنه لكي تتجنب الرد على سخريته برد لاذع. فأكمل هو ببعض الجدية بعد أن هدأت نوبة ضحكاته:
"على العموم انتي لازم تخلي بالك من نفسك وماتخرجيش كتير لحد الدنيا ما تهدى ونشوف لنا صرفة.. الا قوليلي صح انتي غيرتي من اللوكاندة اللي قولتلك عليها؟"
"لا مغيرتش ياسعد.. عشان ماينفعش أروح لبيت ستي ولا أي حد يعرفه أدهم.. بس أنا شايفة كدة السطح هنا شرح وبرج.. ماتشوفلي صرفة أسكن هنا أنا كمان في الأوضة اللي جمب أوضتك."
"شرح وبرح!" قالها ساخرًا قبل أن يتابع:
"لا ياختي ماينفعش نبقى مع بعض عشان ماحدش فينا يوقع التاني.. وبرضه ماينفعش اللوكاندة ليكي وانتي ست ولوحدك.. شوفي لك سكنة عند أي حد ما يعرفهوش جوزك. فاهمني بقى."
أومأت برأسها متفهمة، وهي تتساءل بداخلها أين يمكنها الذهاب؟
***
في المقعد الخلفي بسيارة الأجرة، وهي جالسة بجوارها ولا تعلم عنوان وجهتها، تنهدت بقلق وهي تنظر من نافذة السيارة للخارج. لقد مر عدة أيام منذ حديثهم العاصف حينما طالبتها بإثبات ولائها ومحبتها لابنتها الراحلة فاتن. تلجلجت معها وهي لا تدري مقصدها، حتى سألتها بغموض:
"يعني لو طلبت منك تسيبي علاء هاتسيبه؟"
ظلت فجر لبعض اللحظات تحدق بها بعدم استيعاب، تنتظر منها التراجع عن مطلبها وادعاء المزاح، ولكن ملامحها المغلفة زادت من حيرتها. فخرجت إجابة فجر بتشتت:
"انت بتتكلمي إزاي ياعمتي؟ هي علاقة حب ولا خطوبة عادية؟ دا جواز وأنا مكتوبة على اسمه.. يعني ما ينفعش."
بابتسامة بلهاء نهضت من جوارها وهي تقول:
"يعني انتي مش عايزة تسيبي حبيب القلب وبتقولي إنك بتحبي فاتن! ماشي يافجر."
نهضت خلفها توقفها، ممسكة بذراعها، حتى سقطت دمعة على وجنتها دون إرادتها:
"يا عمتي بلاش كلامك ده.. أنا لو أعرف إن ده هايرجع فاتن هاعمله ومش هاتأخر.. بس ده مالهوش فايدة وهي دلوقتي عند ربنا.. يعني الحي أبقى من الميت زي ما بيقولوا."
انشق ثغرها بابتسامة جليدية لها، قبل أن تخرج بصمت وتتركها في حالة من الشتات والتخبط استمر لعدة أيام، وهي تعاملها بشكل طبيعي أمام الجميع. والأغرب أنها كانت تمازحها أيضًا معهم، ولكن تظل هذه النظرة المريبة منها تخبرها باستمرار الحرب الباردة بينهم. حتى جاءت اليوم تخبرها بشكل مباشر أمام والدتها أنها تريدها معها في الذهاب لزيارة إحدى الأقارب من أهل زوجها، بصفتها تعلم بأماكن المدينة أكثر منها. الغريب في الأمر أنها لم تأخذ ابنتها سميحة وهي الأولى، وحتى أنها لم تذكر لها العنوان، ولكن ذكرته بالتحديد أمام السائق؟ فما فائدة مجيئها معها إذن؟
"بس هنا على إيدك يا اسطى."
استفاقت من شرودها لتجدها تنظر نحوها قائلة بهدوء:
"إيه يافجر؟ مش عايزة تنزلي يا عين عمتك؟ إحنا خلاص وصلنا."
"وصلنا!!" قالتها قاطبة حاجبيها باندهاش ازداد أكثر حينما ترجلت من السيارة وهي ترى رقي المبنى السكني التي تتقدم بخطواتها نحوه، وهي خلفها تسير كالمغيبة. دلفت لداخل المبنى الرخامي، تلقي التحية على الحراس وهم يرددون التحية خلفها بمودة، وكأنها من أصحاب المبنى وليست غريبة عنهم.
***
وفي مكان آخر، بحديقة المشفى، وعلى أريكة خشبية تحت ظلال الأشجار الكثيفة، كان جالسًا متكتف الذراعين، رأسه مطرقة للأرض نحو قدميه الممدودة للأمام، تاركًا نفسه للحزن. وقد تمكن أخيرًا بالانفراد مع نفسه بعيدًا عن والدته أو شقيقه المريض الذي انتبه رغم تصنع السعادة والمزاح أمامه بحزنه وسأله عما به، ولكنه كان دائمًا ما ينكر، متهربًا منه ومن فراسته. يخفي بقلبه هذه الغصة المريرة لشعور الغباء الذي تملكه طوال هذه السنوات. شقيقه الصغير رغم طيبته ودماثة أخلاقه، يكتشف العيب وهو المشهور دائمًا بقرب الشبه بينه وبين والده في قوة الشخصية والتحكم، يظل أعمى وينساق خلف حمائية كاذبة لشخص مريض استغل هذه العاطفة بكل خبث ودهاء. كيف كان سيسامح نفسه لو حدث السوء لشقيقه؟ موته أهون من هذا الإحساس!
"الجو جميل هنا صح؟"
رفع عينيه نحو محدثه، وقد علمه من صوته من قبل أن يراه. أومأ له برأسه بروتينية غير قادر على الرد. تنهد عصام بصوت عالٍ قبل أن يجلس بجواره، مربتًا على ركبته برفق:
"هون على نفسك هون.. إحنا عايشين في الدنيا عشان نتعلم."
ابتسم بجانبية قائلًا:
"أتعلم إيه بالظبط؟ أنا راجل داخل ٣٣ سنة واكتشفت إني طول سنين عمري اللي عدت دي كنت حمار.. يبقى هاتعلم إمتى بقى؟"
جاء رد عصام حازمًا:
"ماتقولش كده يا علاء.. أنت مش أول واحد تنخدع في صديق.. في غيرك بينخدع في حبيبته وفي غيرك بينخدع في أهله نفسهم.. دي طبيعة النفس البشرية.. ماحدش له سيطرة عليها.. طب مثلًا عندك أنا.. كنت فاكر خالي ده في مقام والدي.. لكن بعد ما اتجوزت بنته تعالى شوفه بقى.. مطلع عين أمي على شوفة البنت رغم إنه عارف إني أحق من بنته المدلعة في حضانتها وإني بيعدي عليا وقت بخاف أمسك المشرط لاحسن أسرح من خوفي طول الوقت على بنتي لاتميل فيها والدتها زي ماعملت قبل كده كتير واحنا متجوزين.. بس اهو بقى هاعمل إيه يعني؟"
حدق به للحظات قبل أن يسأله باهتمام:
"هي بنتك عندها كام سنة يا عصام؟"
أشرق وجهه مبتسمًا وهو يجيبه بحب:
"بنتي عندها ٣ سنين بس إيه بقى قمر زي البطة كده ودمها زي السكر عكس أمها خالص.. تنكة وشايفة نفسها مش عارف أنا على إيه والله."
ضحك علاء وقد اندمج معه في الحديث قائلًا بمزاح:
"إيه يا عم ده أنت شكلك مش طايقها خالص."
أشار بإصبعيه على عظمة رقبته قائلًا بأسلوب فكاهي:
"ده كده هو.. شايف.. كده هو والنعمة مخنوق منها وهافرقع.. مش عارف اتطفت في نظري واتجوزتها إزاي بجد؟ ولا إكمنها أغرتني باللبس العرياني باين ولا إيه؟"
صدحت ضحكة علاء مقهقهًا حتى دمعت عيناه، والآخر يشاركه:
"ده أنت باينك مغلول منها يا جدع؟"
"آه والنبي يا خويا ماتفكرنيش.. ده أنا قلبي شايل ومعبي."
تبادلا المزاح لعدة لحظات أخرى، وكأنهم استعادوا صداقتهم القديمة. حتى أجفلتهم إحدى الممرضات التي أتت إليهم بخطوات مترددة:
"يا دكتور عصام لو سمحت."
"في إيه يا نهلة عايزة إيه؟"
فركت بيديها بتوتر وهي تتنقل بعينيها بينه وبين علاء الذي شعر بالقلق:
"بصراحة يادكتور أنا مكنتش أعرف إنكم مخبين عليه؟"
سألها علاء:
"هو مين اللي مخبين عليه؟ في إيه يا آنسة؟"
ردت بخوف وهي تخاطب علاء:
"بصراحة بقى الأستاذ حسين أخو حضرتك سألني عن الولد اللي كان معاه في الحادثة وأنا قولتله تعيش أنت.."
"بتقولي إيه؟" انتفض واقفًا يقاطعها.
نهض عصام هو الآخر، ولكن ليسألها بهدوء:
"وبعد ما قولتي له حصل إيه؟"
أجابت متهربة منهم بعينيها:
"بصراحة حزن قوي وهو دلوقتي عمال يعيط عليه بحرقة وحتى والده مش عارف يهديه؟"
"يخرب بيتك." قالها علاء وهو يجري مهرولًا نحو المبنى الموجودة به غرفة أخيه. أما عصام فجز على أسنانه ملوحًا لها بقبضته يقول:
"كان لازم يعني تنسحبي من لسانك.. ماينفعش تعملي شغلك وانتي ساكتة؟ روحي يا شيخة ربنا ياخدك."
ثم تحرك مسرعًا ليلحق بصديقه.
***
بدموع الوجع التي لا تتوقف، كان يبكي صديقه الصغير، وهو لا يزال عقله لا يستوعب أو يصدق الخبر، ولكن وجع قلبه يخبره الحقيقة:
"آه يا حودة."
أدهم وهو يربت على ذراعه بقلب وجل:
"يا حبيبي مش كده هدي نفسك.. ده إحنا مصدقنا إنك بدأت تتحسن."
"أنا السبب أنا السبب عشان لو مكنتش أخدته معايا في مشوار الزفت ده مكانش حصل اللي حصل وراح فيها."
صاح عليه أدهم بصرامة:
"بس يابني حرام عليك واستغفر ربنا.. ده قضاء الله وقدره.. وإحنا مالناش الاعتراض على حكمته."
حاول التماسك وهو يجاهد للتوقف، ولسانه يتمتم بالاستغفار:
"استغفر الله العظيم.. استغفر الله العظيم يا رب."
تنهد أدهم بعمق وهو يهدهده:
"أيوه يابني استغفر واستعيذ من الشيطان الرجيم.. دي كلها أقدار من ربنا."
مسح بإبهامه دمعة أخرى وهو يخاطب والده بحدة:
"بس ده مكانش قدر ربنا.. شكل العربية اللي دخلت علينا فجأة ما يظهرش أبدًا إنها حادثة.. لا دي واضح قوي إنها كانت قصدانا.. هو أنا تليفوني فين؟ والبت أمينة راحت فين؟ ماتت هي كمان ولا إيه بالظبط؟"
حرك أدهم رأسه بعدم فهم:
"بت أمينة مين؟ إحنا ما نعرفش إن كان معاكم ست ولا نعرف هي راحت فين؟ وإن كان على تليفونك فهو موجود ياحبيبي.. بس ده اتدشدش واتكسر خالص."
سأله بخشونة:
"وتليفون حودة راح فين؟"
أجاب أدهم وهو يلوح بكفه:
"والله يابني ما أعرف بس بكرة هأسأل عليه الشرطة ولازم أعرف بس أنت مهتم أوي كده ليه؟"
أجابه على الفور بمغزى:
"عشان عليه التسجيلات ولا هي الست نرمين ما قالتلكش باللي حصل؟"
انتفض في وقفته واتسعت عيناه سائلًا:
"مالها نرمين ياحسين؟ هي إيه حكايتها بالظبط البت دي؟ عشان أنا لو شفتها تاني بعد ما هربت من غير سبب هاشرب من دمها."
ابتسم يجيبه بسخرية مريرة:
"لا هو أنت متعرفش إن الزفت سعد اللي أخد فلوس منك زمان عشان يبعد فاتن عن ابنك علاء هو نفسه اللي كان مرافق نرمين صاحبة أخته قبل ما يزقها على علاء واما تفشل معاه ترمي شباكها عليك أنت فتوقعك وتتجوزها.. وهي لسه برضه عشيقته."
فغر فاهه وتدلى فكه وعيناه اتسعت بشكل مخيف وهو يردد وأنفاس صدره تصعد وتهبط بحدة:
"إيه اللي أنت بتقوله ده ياحسين؟ دا كلام خطير أوي يابني."
ردد مؤكدًا قوله:
"أنا شوفتك بعيني وأنت بتديله الفلوس ومكنتش فاهم ساعتها عشان كنت صغير لكن الشك كان دايمًا بيكبر معايا.. وإن كان على نرمين فدي حكايتها في تسجيلات الفون بتاع حودة.. بس السؤال بقى يا ولدي.. أنت كنت عارف بالملعوب اللي عمله الزفت ده لما اغتصب فاتن ولبس عصام التهمة عشان يكسر قلب أخويا..."
توقفت جملته حينما رأى أخيه واقفًا بجوار الباب بوجه شاحب، يبدو أنه استمع لمعظم الحديث. انصعق أدهم على رؤية ابنه الصامت ونظرة عينيه وحدها تتحدث.
***
حينما انفتح باب الشقة الفخمة، استقبلتهم الخادمة الصغيرة بابتسامة مرحبة بهم:
"أهلًا أهلًا ياهانم اتفضلوا."
توقفت مكانها مندهشة وهي ترى عمتها تدلف لداخل الشقة وترد التحية على الفتاة:
"إزيك يا صابرين عاملة إيه؟"
"صابرين!!" همست بالاسم متمتمة بتعجب قبل أن تجفلها عمتها التي عادت لتسحبها وتدلف لداخل المنزل:
"شايفاني داخلة مش تدخلي على طول ورايا بدل ما انتي واقفة كده زي سنفور المحطة."
رددت مندهشة:
"يقربولك إيه أهل الشقة دي ياعمتي؟ دول شكلهم يعرفوكي من زمان وكأنهم عشرة معاكي."
ابتسمت فوزية وهي تجلسها على أقرب مقعد وجدته أمامها، فجلست هي على الآخر بجوارها تقول:
"عشرة فين يابت؟ وأنا ساكنة في الصعيد وهما هنا في القاهرة."
اهتزت شفتيها فجر، وهي لا تجد من الكلام ما ترد به على عمتها التي تغرقها في غموض كلماتها وأفعالها المختلفة. أشرق وجه فوزية فجأة وهي تنظر أمامها:
"أهلًا أهلًا يا قمر."
التفت فجر نحو ما تنظر إليه عمتها لتجد طفلًا أسمر شديد الجمال بشعره الكستنائي شديد السواد، عمره يقارب الخمس سنوات وهو يتقدم إليها حتى ارتمى بأحضانها، وهي تقبله في وجنتيه. ابتسمت فجر وهي تسألها ببلاهة:
"ما شاء الله ياعمتي.. الولد اترمي في حضنك وكأنه يعرفك من زمان؟"
ازداد اتساع ابتسامة عمتها وهي تخرج الطفل من أحضانها وتخاطبه:
"بيدو يا قمر سلم على البت الحلوة دي اللي قدامك."
"واسمه بيدو كمان؟" قالتها وهي تدنو نحو الطفل الذي مد إليها كفه الصغيرة بأدب قائلًا:
"أهلًا يا طنط."
ضحكت مرحبة وهي تستقبل كفه الصغيرة بكفها:
"يا أهلًا يا حبيبي يا روح طنط انت."
رفعت رأسها فجأة نحو عمتها، ثم عادت تدقق جيدًا في ملامح الطفل، وقد ارتسم الوجوم على وجهها بشكل جلي، قبل أن تهتف على عمتها بزعر:
"مين ده ياعمتي؟!"
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل الثالث والثلاثون 33 - بقلم امل نصر
الوجه الطفولي المستدير، ذو اللون البرونزي المحبب للعين، والرموش السوداء الكثيفة. لم يغطوا أبدًا على باقي الملامح المعروفة لديها. لون العسل في عينيه، الأنف الصغير والمستقيم بعزة وكبرياء، وجنتيه الممتلئتين. عظام الوجه نفسها تشهد بقرب الشبه العجيب. فمه الصغير المنفرج بابتسامة مازالت ذكراها صاخبًة بعقلها.
مما جعلها تنتفض عائدة بظهرها للكرسي، وكف الصغير مازالت بكفها، لتسألها بخوف:
- مين دا ياعمتي؟
تبسمت فوزيه قائلة بمكر:
- إيه يافجر؟ هو انتي بتشبهي عليه ولا الولد شكله عاجبك؟
رفعت عيناها من وجه الولد لتنظر لعمتها، التي ارتسمت التسلية على ملامحها بوضوح، مما جعل فجر تقف مذعورة تتلفت في أركان المنزل وهي تردد:
- هو احنا فين بالظبط؟ وانتي جايباني هنا ليه؟ مين يقربلك في البيت ده ياعمتي؟
توقفت أبصارها فجأة على إحدى الزوايا في الحائط، لتتقدم بخطواتها نحو الصورة المؤطرة الكبيرة وهي معلقة على الحائط، لتجد الطفل في أحضان امرأة جميلة و...
انتفضت مذعورة وهي تحدق بوجهها في الصورة. استدارت لعمتها وهي تردد بعدم اتزان:
- دي فاتن ياعمتي.. هي اتصورت إمتى كدة؟ ومين الولد اللي في حضنها؟
و... حدقت بالطفل بأعين متسعة قبل أن تعود للصورة المؤطرة مرة أخرى، فوجدتها هي نفسها واقفة أمامها بابتسامتها الرائعة تقول:
- إزيك يافجر!
شهقت مفزوعة، فاغرة فمها للحظات، ترتد بأقدامها للخلف، تفرك بعينيها لتبين جيدًا هل ما تراه الآن حقيقة أم خيال. ولكن الخوف لم يمهلها الاستيعاب، لتسقط مغشيًا عليها على الأرض ويحوطها الظلام.
***
متسمرًا مكانه بمدخل الغرفة كتمثالٍ من الرخام. وجهه انطفئت فيه الحياة. شفتاه المطبقتان وعيناه تتحرك بداخلهم مقلتيه باضطراب، وكأنه يستجدي منهم التكذيب. ولكن كيف؟ وهذا ما نطق به أخيه. عن مؤامرة من صديق خائن بالاتفاق مع أبيه؟ نعم أبيه الذي ينظر إليه الآن بترجي رجل أذنب في حقه، حق ابنه! وبالتحالف مع الشيطان.
- علاء يابني ماتصدقش كلام أخوك.. دا مش فاهم حاجة؟
نظر إلى كف أبيه التي أطبقت على ذراعه وهو يسحبه بتمهل لداخل الغرفة قليلًا، قبل أن يخرج من صمته ويسأله بتماسك مزيف:
- أمال الحقيقة هي إيه.. بقى؟
أزدرد ريقه أدهم ليردف بخزي وعيناه لا تقوى على النظر في وجه علاء:
- أنا مش هكذب حسين وأقول إني ما أدتلوش فلوس.. أنا فعلًا دفعتله.. بس دا لما أقنعني إن البنت لايفة على صاحبك كمان.. ومعلقاكم انتوا الاتنين في حبالها.
قال حسين من خلفهم:
- وطبعًا انت ماصدقتش يا أبو علاء ولقيتها فرصة عشان تبعد بنت النجار الغلبان عن ابنك.
اضطرب أدهم عن الرد عليه، فجاء صوت علاء يكمل على قول أخيه:
- قولتلته اثبت لعلاء وخليه يشوف خيانتها بنفسه صح يا أبويا؟
حرك رأسه بالرفض قبل أن يقول بتوسل:
- والله يابني ماكنت أعرف الكلام اللي قالوا أخوك دلوقتي.. سعد قالي إن البنت هربت من عريسها الصعيدي وقاعدة مع عصام في شقته اللي مأجرها للأُنس والفرفشة.. عايزني كأب.. هافكر في إيه بس ساعتها؟ غير إن ابني يشوف حقيقة البنت اللي عايز يتجوزها ويعرف أخلاقها.
تكلم علاء بصوتٍ يقطر بالمرارة:
- كدة من غير بينة! صدقت على البنت واديتله فلوس عشان يعمل جريمته ويلبسها في عصام وأعيش أنا من بعدها بوجع الخيانة من صاحبي والبنت اللي كنت عايز أتزوجها.. هونت عليك.
- مساء الخير.
قالها عصام وهو يتقدم لداخل الغرفة بتوجس من هيئتهم. لم ينتبه عليه علاء وهو يتابع مع أبيه:
- طب ليه تعمل فيا كدة؟ ليه تسيبني أتعذب في مرارة الخيانة والظلم لناس بريئة... أنا فتحت دماغ صاحبي وشاركت في ظلم البنت اللي اتدبحت بسببك انت والنجس سعد.. عايزني أبص في وشك إزاي دلوقتي؟ ولا أبص لوش أنا في المراية إزاي بس؟ وأنا حاسس بالعجز والمُر اللي سكن جوايا منك.
التفت فجأة نحو عصام الذي تسمرت أقدامه عن التحرك بالقرب منهم، قائلًا بهذيان:
- خدت بالك ياعصام؟ دا بيقولك إن أداله فلوس عشان يبعد البنت عني؟ شوفت بقى ياسيدي.. أديني أخيرًا صدقت إنك بريء وإني فتحت دماغك ظلم.. حقك عليا ياصاحبي.
نزع ذراعه بحدة من أبيه ليتقدم نحو عصام وبحركة مفاجئة يقبل رأسه وهو يردد كالمذبوح بكلماته:
- حقك عليا من تاني ياصاحبي.. بس دي غلطتك انت عشان كنت مصاحب واحد حمار.. زي ماهي كانت غلطة فاتن برضوا عشان حبت واحد عاجز زيك.
تحركت رأس عصام بعدم فهم بين الثلاثة، قبل أن ينهد مربتًا على كتف علاء قائلًا بإشفاق على حالته:
- اهدى ياعلاء وريح نفسك شوية.. أنا مسامحك من زمان.. أي واحد في وضعك كان لازم هايعمل نفس اللي عملته.
اقترب أدهم بخطوات مثقلة نحو ابنه الذي انتفض للخلف يتجنب لمسته:
- ياحبيبي اهدى على نفسك شوية.. أنا مقدر صدمتك بس كمان عايزك تسمعني وتفهم موقفي.
قاطعه بحدة قائلًا:
- أفهم إيه تاني ما خلاص؟ كل المستور انكشف وبان ياعم الحج.. ياراجل دا انت شوفتني بعينك وأنا بطردها من المحل وشوفت عذابي وأنا فاقد الثقة في كل الناس بعدها.. طيب مصعبتش عليك البنت ولا صعب عليك أبوها اللي متحملش اللي حصل وساب البلد وهجر بعيلته عشان يهرب من جبروتك ويتخلص من بنته اللي شالت مصيبة أكبر من طاقتها وهي كانت عيلة يدوب ١٨ سنة.
هتف أدهم يرد بصوت مبحوح:
- يابني كنت فاكرها مش كويسة وكل اللي كان في دماغي إني أنجدك منها.
صاح عليه هادرًا:
- ماتغيرش الحقايق.. انت كنت عايزها كدة عشان يبقى ليك حجة تقنع بيها نفسك باللي عملته مع الوس... سعد.. انت مذنب زيك زيه حتى لو مكنتش عارف باللي عمله.
صمت قليلًا وهو ينظر بقوة لأبيه الذي تغضنت ملامحه بالأسى والندم الشديد. ثم تابع:
- أنا كل ما أبص في وشك دلوقتي هافتكر خيبتي وأفتكر إني كنت مخدوع طول السنين اللي فاتت.
اختنقت الكلمات في حلقه ولم يعد قادرًا على التفوه ببنت شفاة. خرج مسرعًا من أمامهم ليهتف عليه والده بجزع، وحينما لم يرد التفت أدهم نحو عصام:
- أبوس إيدك ياحبيبي حصله.. أنا رجلي مش شلاني عشان أوقفه.
حرك عصام رأسه بغير فهم قبل أن يغادر مسرعًا خلف صديقه. خطا أدهم بتثاقل نحو أقرب المقاعد ليسقط عليه بتعب. التفت نحو حسين والتقت عيناه بعينيه قبل أن يشيح بوجهه هو الآخر عن أبيه غاضبًا. أطرق أدهم يضع كفه على رأسه وقد تراكمت هموم العالم أجمع فوق ظهره.
***
رفرفت رموشها وهي تستعيد الرؤية وتستفيق من غشيتها على أثر رائحة العطر القوية التي اخترقت حواسها. لترى عمتها جاثية على عقبيها أمامها وهي مازالت ممسكة بزجاجة العطر:
- الحمد لله أخيرًا فقتي بعد ما وقعتي قلبي عليكي يافجر.
حاولت استعادة ذهنها وهي تنظر لسقف المنزل الغريب، لتنزل بأعينها فوجدت نفسها مستلقية على أريكة أثيرة ناعمة الملمس. أزدردت ريقها لتتكلم وقد استعاد عقلها المشهد الأخير الذي رأته عيناها:
- عمتي هو أنا كنت بحلم ولا حصل إيه بالظبط؟ أنا أتهيألي زي ما أكون شوفت فاتن!
قلبت عيناها فوزية وهي تجيبها:
- هي ماكنتش حلم ياعين عمتك ولا انتي نسيتي الولد كمان وافتكرتيه تهيؤات؟
جحظت عيناها وهي تنهض بجذعها لتجلس مستقيمة:
- يعني اللي شوفته جد وحقيقي! طب إزاي؟
صدر الصوت الناعم من خلفها:
- ها أكلمك بقى ولا هاترجعي يغمى عليكي من تاني؟
التفت رأسها إليه بحدة فوجدتها تضحك وهي حاملة طفلها:
- طب بذمتك ياشيخة.. في عفريت حلو كدة؟
برقت عيناها بصدمة وهي تجدها تتقدم لتجلس أمامها وتردف:
- يابنتي مالك مسبلة بصدمة كدة ليه؟ أنا فاتن قدامك أهو وما متتش.
همست بتردد وهي تتنقل بعينيها بينهم:
- طب إزاي؟ وإحنا حضرتا جنازتك في الصعيد وعمتي اللي قدامك دي كانت مقطعة نفسها من العياط عليكي؟
نهضت فوزية عن الأرض لتجلس بجوار ابنتها مطرقة الرأس وكأنها استعادت الذكرى. فردت فاتن وعيناها على والدتها:
- عمتك كانت مقطعة نفسها بكى على الوضع كله ياحبيبتي.. ماهو اللي حصل ماكنش قليل عليها برضوا.
- وهو إيه اللي حصل؟
سألتها بدون تفكير، مما أثار ابتسامة ماكرة من فاتن:
- ياسلام.. يعني انتي متعرفيش باللي حصل؟ ولا هاتقولي إنك نسيتي؟
أسدلت عيناها ترد على كلماتها بحرج:
- لا طبعًا فاكرة.. بس أنا عرفت من عصام إن علاء بريء وإن اللي حصل معاكي كانت متدبر بمكيدة هو نفسه لحد دلوقتي ما يعرفش مين اللي عملها فيكم؟
- بس أنا كنت عارفة باللي عملها؟
- كنت عارفة!
قالتها مصدومة وأكملت:
- طب هو مين يافاتن؟ خلينا نعرفه ونرتاح بقى.
أجابت ببساطة:
- سعد.
- سعد!!
صرخت باسمه فجر مصعوقة:
- انتي بتتكلمي جد يافاتن؟ هو إيه حكاية البني آدم ده بالظبط؟ وانتي إيه اللي خلاكي ساكتة من غير ما تكشفيه وتفضحيه وتجيبي حقك منه الوس.... ده؟
راقبتها فجر وهي تقبل ابنها وتطالبه بالذهاب لغرفته ليلعب بألعابه هناك. وبعد ذهاب الطفل سألتها مرة أخرى بلهفة:
- ماتجاوبي يافاتن بقى.. إيه اللي خلاكي سكتي؟
تنهدت عاليًا قبل أن تجيبها:
- عشان للأسف أنا نفسي معرفتش غير في اليوم اللي كنت هاسافر فيه مع أبويا الصعيد.. ولو قولتلك عرفته إزاي مش هاتصدقي؟
- قطبت حاجبيها تسألها بحيرة:
- إزاي يعني؟ ممكن تحكيلي.
- هاحكيلك.
***
في فناء منزلهم الفسيح كانت جالسة على بسطة اسمنتية صغيرة منزوية على نفسها، ضامة ركبيتها إلى صدرها وهي مستندة بذقنها عليهما وكأنها بعالم آخر، غير شاعرة بسخونة الشمس عليها بعد أن انهار عالمها الوردي وانتهت قصة عشقها بمأساة تقترب من الفضيحة. ولم يتبقى لها شيء بعد أن عادت إلى أبيها بعد تهربها منه لأيام تتلقى عقابها بالركلات والضرب المبرح رغم تعللها بالأختفاء لدى إحدى صديقاتها. هربًا من الزواج بابن عمها الذي أصر والدها حفظًا لكرامته بالسفر إلى الصعيد وعقد قرانها عليه بالإجبار. ولتتحمل وزر فعلتها. فهي من أخطأت وهي من عليها دفع الثمن غاليًا حتى لو كان عمرها.
- الشمس سخنة عليكي يافاتن.
رفعت رأسها مجفلة على الصوت المتردد لتمسح بإبهامها الدمعات المتساقطة على وجنتها وقالت:
- سعد! انت واقف هنا من إمتى؟
خطا ليقترب منها قائلًا:
- أنا هنا عشان عمي بدر بعتني لخالتي فوزية أبلغها بميعاد العربية اللي هاتيجي تلم العفش بتاعكم وتروح بيه عالصعيد.
أومأت برأسها وهي تعود لوضعها. فاقترب أكثر فاردا كفه أمامها لتنهض:
- قومي يافاتن وكل مشكلة وليها حل.. وأنا سداد.
رفعت رأسها إليه ناظرة باستفهام:
- مشكلة إيه اللي تقصدها؟ وانه حل دا اللي انت سداد فيه؟
تحركت عيناه يسارًا ويمينًا قبل أن يجيبها بصوت خفيض:
- انت عارفة قصدي على إيه يافاتن؟ ولا انتي ناسيه إن علاء صاحبي وبيحكيلي على حاجة؟
على الفور احترقت مقلتاها بدمعة ساخنة تشيح بوجهها عنه لتخفي هذا الألم العاصف بقلبها، فتابع هو:
- أنا مش بقولك كدة عشان أجرحك.. أنا بقولك كدة بس عشان تعرفي طينة البني آدم اللي باعك بسهولة وسلمك لصاحبه يبقى إيه؟ إحنا غلابة يافاتن وملناش غير بعض.
حدقت مندهشة فأكمل:
- أيوه يافاتن.. أنا عايزك تعرفي كويس إني بعشق التراب اللي بتمشي عليه وطول عمري ساكت ومش قادر أتكلم لتكسفيني.. بس أنا بقولهالك اهو.. أنا راضي بيكي مهما حصل.
تكلمت بحرقة:
- مهما حصل إزاي؟ لهو صاحبك مشرحلكش الوضع اللي شفتني فيه؟ هاتقبلها إزاي دي على كرامتك؟
قال مسرعًا:
- أنا قابل بأي حاجة منك يافاتن؟ عشان تعرفي بس إني عارفك وعارف أخلاقك.. انتي عيلة صغيرة واكيد الكل..... عصام هو اللي عمل فيكي الملعوب ده.
- عصام معملش حاجة...
قاطعها بحدة:
- انت لساكي برضوا مصدقاه؟ ماتفوقي بقى يابنت الناس واعرفي كويس إننا لعبة في إيدين الناس دي.. قومي معايا يافاتن وأنا هاقنع عمي بدر بجوازنا.. أنا خلاص ربنا فرجها عليا وهاعمل ورشة نجارة كبيرة تعيشنا ملوك.
قرب كفه أكثر وهو يردف بلهجة مقنعة:
- قومي يافاتن وأنا مش هاسمح لأبوكي يأذيكي أبدًا طول ما أنا عايش على وش الدنيا.
وضعت يدها بكفه مترددة لتنهض. فأطبق عليها بقوة لتنهض. فقربها منه بجموح واللمعت عيناه بالرغبة نحوها. ارتجفت هي تبتعد عنه بدفاعية، ولكن اشتعل ذهنها برائحته لتتذكر أين اشتمتها قبل لك. لم ينتبه وهو يقربها منه مرة أخرى قائلًا بحرقة:
- آه لو تعرفي أنا بحبك قد إيه؟ آه لو تعرفي أنا مستعد أعمل إيه عشانك ياترضي عني يافاتن؟
برقت عيناها بوحشية بعد أن تأكدت من ظنها لتدفعه بكفيها على صدره تبعده عنها بعنف وهي تخاطبه بازدراء:
- وأنا عندي الموت أهون من إني أتجوز واحد ندل وجبان زيك!
استفاق من نشوته وكلماته خرجت بغير تصديق:
- إزاي يعني؟ هو انتي ناسيه أبوكي هايعمل فيكي ولا ابن عمك لما يتجوزك ويكتشف الحقيقة؟
قالت بتحدي:
- عارفة ياسعد.. وأنا مستعدة وجاهزة للي يعملوه فيا إن شاء الله حتى يقطعوا من جلدي.. بس دا برضوا عندي أهون من أن أطل على خلقتك العكرة دي.
بصقت كلماته وذهبت لتدلف داخل منزلها، ويسقط هو محلها على البسطة مذهولًا مصعوقًا من قولها الجارح وازدراءها له.
***
قالت فجر وهي تمرر عيناها على أنحاء المنزل الفخم ذو الأثاث الراقي:
- أنا فاكرة بنفسي لما ودعتك في العربية اللي مسافرة عالصعيد وبعدها اتصلت بيكي وقولتيلي إنك في مصيبة وطلعتي حامل كمان.. وبعدين انقطعت أخبارك وكل حاجة عنك لحد أما سمعت إنك..... اتوفيتي بحمى شديدة.. إيه اللي حصل بقى وقلب الوضع.
تدخلت فوزية:
- اللي حصل أحكيلك أنا عنه يابنتي.. أصلها كانت في الأيام دي وكأنها واحدة تانية غير بنتي اللي أعرفها.. كانت بتتحدى أبوها وترفض ابن عمها بكل قوة وكأنها بتستفزه عشان تخرج شياطينه عليها لدرجة إنها قالتله كدة بالفم المليان إنها حامل من واحد ماتعرفوش.. شوفي انتي بقى وضع أبوها لما يسمع كدة من بنته هايظن فيها إيه؟
- ضربها؟
- ضربها دا إيه؟ قولي عدمها العافية وهي ماكنتش ساكتة معاه وكأنها بتحرضه بالقوة عشان يقتلها لحد ما طبت ساكتة بين إيديه وأنا افتكرتها ماتت وهي بتنزف من كل حتة في جسمها.. قلبي وجعني عليها ماقدرتش اسكت وأسيبها تموت بالبطيء وهي بتنزف.. استعنت على ربنا وأخدتها على الوحدة عشان ألحقها من الموت وقابلنا هناك الدكتور منذر اللي شخط فيا أول ما عرف حالتها وفهم اللي بيها.. وهددني إنه يبلغ عننا لو حد قرب لها من تاني.. وأنا بقى كنت فاقدة الأمل.
***
على سرير المشفى كانت ممدة كجثة هامدة لا تشعر بشيء. بعد أن أنقذها الرجل الأربعيني وهي على حافة الموت. بقلب منفطر على حال الفتاة الصغيرة التي لا يتجاوز عمرها الثامنة عشر. صاح على والدتها:
- انتوا اتجننتوا ياست انتي؟ أقسم بالله أنا ممكن أبلغ عنكم دلوقتي وأوديكم في داهية انتي واللي عمل فيها كدة.
ردت فوزية الجالسة على أرض الغرفة تبكي وتندب:
- بلغ واعمل اللي انت عايز تعمله يادكتور.. أنا خلاص بنتي ضاعت واللي كان كان.
هدر عليها:
- بطلي ندب بقى وفوقي.. البنت محتاجة رعاية.. إحنا وقفنا النزيف بصعوبة دلوقتي.. لكن وربنا لو رجعت تاني ولا عرفت إنها اتأذت منكم ما هرحمكم.
ردت مقررة بيأس:
- اطمن يادكتور مش هاتسمع عنها حاجة.. عشان هي خلاص انكتبت شهادة وفاتها وأبوها مش هايستريح غير لما يخلص عليها.
- لا بقى دا أنا أبلغ عنه أحسن.
قالها وهو يلتف نحو مكتبه يتناول الهاتف، فأوقفه صوت همهماتها. خطا ليقترب منها مستفسرًا:
- عايزة حاجة يافاتن.
همست بضعف:
- أبوس إيدك يادكتور ماتبلغ عن أبويا.. خليه يريحني بقى والنبي.. أبويا غلبان وأنا عايزة الراحة بقى.. أبوس إيدك يادكتور.
حرك رأسه بغير تصديق:
- يابنتي ماينفعش كلامك ده.. مامتك بتقول إنه مصر على قتلك.
أومأت موافقة:
- وأنا أستاهل يادكتور وقابلة وراضية.. والنبي ماتبلغ عنه خليه يربي خواتي.. كفاياني بقى أذية ليه؟ أنا عايزة أستريح بقى وهو اللي هيريحني.
استقام بجسده يتنقل بعينيه بينهم بعجز لا يدري ما العمل. ما هذا الوضع الغريب. الفتاة مصرة على الانتحار بيد والدها. والمرأة مستسلمة للأمر وعاجزة عن الدفاع عن ابنتها الصغيرة من بطش أبيها. فما الحل وكيف له أن يترك هذه الزهرة البريئة لهذا المصير البائس. احتدت عيناه فجأة وهو يخاطب المرأة:
- أنا عندي الحل.
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل الرابع والثلاثون 34 - بقلم امل نصر
الحل كان إيه بالظبط؟
قطبت بحيرة فجر تسأل عمتها التي تبسمت قائلة براحة:
- الحل بتاعه ياحبيبتي كان النجدة اللي جات من عند ربنا. الدكتور منذر قالي كدة بالمفتشر. مدام كدة كدة أبوها هايقتلها يبقى تخرجي من عندي تبلغيه بوفاتها وسيبي كل حاجة بعد كدة عليا وأنا هاتصرف.
سألتها مذهولة:
- ودا اتصرف إزاي بقى؟
- عرف يتصرف بمعرفته وجاب جثة بنية ميتة بقالها شهور في تلاجة المستشفى وماحدش يعرف لها أهل. وطبعًا في التغسيل والكفن ماحدش حضر معايا ولا حتى أبوها اللي ربنا وحده عالم كانت حالته إزاي ساعتها.
قالت الأخيرة بنبرة حزينة، فأكملت على قولها فجر:
- يا عيني.. دا تلاقيه افتكر إن هو السبب في موتها.
أردفت فوزية:
- مع إن الدكتور منذر كتب في تقرير شهادة الوفاة إنها حمى شديدة، لكنه برضه فضل عايش بعقدة الذنب ناحيتها لحد دلوقتي. يالا بقى.. ماهو ماكنش في حل غير كده. أصله ياحبيبتي كان بين نارين.. يا إما يجوزها ابن عمها يا إما يقتلها ويتنقم لشرفه حسب اعتقاده.
- طب وإنتي روحتي فين بعدها يافاتن؟
أشرق وجهها بابتسامة جميلة تجيب:
- أنا ياستي أخْدني على جمعية خيرية هو كان عضو فيها هناك في المحافظة. فضلت مستخبية فيها وتحت رعايته بالشهور. عرف حكايتي وساعدني بحنيته وطيبة قلبه إني أتخطى الحزن اللي عشّش جوايا وأرجع إنسانة طبيعية بالتدريج. أمي كانت بتيجي سرقة فيها عشان تشوفني. المهم إني فضلت في الجمعية دي لحد أما جه اليوم اللي قالي فيه إنه مسافر وراجع على بلده في إسكندرية. ساعتها الدنيا دارت بيا وخوفت قوي لا يسيبني وينساني. أصلي كنت زي الغريق اللي اتعلق بقشاية. وكان هو الأمان بالنسبالي. ما اتكسفتش منه وأنا بنهار قدامه عشان ما يسيبنيش. فكان رده إنه طلب يتجوزني عشان يقدر ياخدني معاه ويسافر بيا. وأنا وافقت واتجوزنا. قعدت تقريبًا سنة على ذمته وهو مراعي حالتي النفسية من غير ما يلمسني. لحد أما روحتله بنفسي وطلبت حلالي منه. عشت في حضنه أحلى سنين عمري. وربنا رزقني بعدها بكام سنة بعبد الرحمن اللي كمل فرحتي وسعادتي كمان.
رغم ارتياحها بما سمعته من حكايتها، ولكنها لم تقدر على كبح سؤالها الفضولي:
- بس إنتوا قولتوا إنه كان في الأربعينات. يعني تقريبًا ضعف عمرك. فرق السن الكبير ده ماعملش حاجز مابينكم؟
هزت رأسها بالنفي قائلة بابتسامة:
- أبدًا يافجر. هو كان ذكي ودايمًا متفهم وضعه معايا. دا غير إنه خلاني أكمل تعليمي. منذر أساسًا كان واهب نفسه للعلم. طب هتصدقيني لما أقول لك إن كنت أول بخته. على فكرة أنا جوزي كان دكتور كبير ووصل إنه بقى مشارك في مستشفى استثماري مشهورة هنا في السنتين اللي فاتوا دول. أمال أنا إيه اللي جابني على القاهرة؟
- كان!! له هو راح فين بالظبط؟
قالتها بتوجس، لتفاجأ بتغضن ملامح وجه الاثنتين قبل أن تجيبها بحزن:
- ماهو للأسف بقى.. إن عمر السعادة ما بتدوم. جوزي من ست شهور بس يافجر اتوفى بسكتة دماغية.
ارتعشت شفتاها وزاغت عيناها بينهم، وكان وقع الخبر على رأسها كالصاعقة.
***
في شقة قديمة ومتواضعة الأثاث. دلفت تجر معها حقيبتها الكبيرة بخطواتٍ مترددة مع خالتها التي كانت تتمختر بخطواتها وعباءتها المنزلية المحكمة على تفاصيل جسدها البدين. يصدر صوت أساور يدها بصخب وهي ترحب بها:
- ادخلي يا غالية يا بنت الغالية ادخلي. هو إنتي غريبة يا عين خالتك؟
بقلب مرتجف جلست على أقرب أريكة وجدتها أمامها، سندت الحقيبة بالقرب منها وهي تتلفت في أنحاء الشقة المزينة بالمصابيح الصغيرة الملونة في بعض زواياها. وبعض النساء التي تغدو وتجئ أمامها وهي لا تعلمهم. ثم استقرت أبصارها على المرأة الخمسينية وهي تحدثها وعلى وجهها الممتلئ والمزين بألوان المساحيق المتعددة ابتسامة عريضة يتخللها الانبهار:
- عاش من شافك يا مرمر. احلويتي وادورتي وبقيتي هانم بحق.
هزت رأسها قائلة بتوتر:
- تشكري يا خالتي. دا إنتي اللي عنيكي حلوة وما بتكبريش أبدًا.
صدحت ضحكتها الرقيعة بصخب قبل أن ترد:
- يالهوي عليكي وعلى كلامك الحلو يا بت يا نيرمين. أمال أنا بحبك ليه يا بت؟ عشان طالعة لي. ياما كان نفسي المصيبة بنتي تاخد نص حلاوتك ولا نباهتك. لكن أعمل إيه بقى فيها؟ فقرية زي اللي جابها.
سألتها بفضول:
- طب هي على كده لساها برضه مختفية ولا اتكلمت حتى في التليفون نهائي زي ما قولتي لي؟
- لا والنبي يا حبيبتي أبدًا. بس يعني هي هتروح فين؟ هاتلف تلف وتلاقيها دخلت علينا زي القرد. إيد ورا وأيد قدام. بلا خيبة اللي ما مرة فرحت قلبي بحاجة عليها القيمة. هاتعيش وتموت في الفقر بدماغها اللي زي الصرمة القديمة دي.
فتحت فمها لترد ولكنها انتبهت على امرأتين تخرجن بكامل زينتهن وملابسهن شبه عارية. ألقين التحية بميوعة قبل أن يغادرن لخارج المنزل. التفتت نيرمين نحوها تخاطبها بصدمة:
- أنا مش سألتك قبل ما أجلك يا خالتي وقولتي لي إنك خلاص بطلتي الشغل ده. ممكن بقى تفهميني إيه دول؟
لوكت فمها بالعلكة وهي تجيبها بتوتر:
- يا بت ما أنا بطلت صح شغل هنا في بيتي. بس بقى البنات اللي بتلقط رزقها برة البيت دي. إيه دخلي أنا بيهم بقى؟ غير إني آخد عمولتي. ولا إنتي عايزاني أموت من الجوع يا نيرمين؟
هزت رأسها قائلة بقلق:
- يعني إنتي متأكدة إنك بطلتي شغل هنا في البيت؟ أبوس إيدك يا خالتي. هما يومين ها أقضيهم معاكي قبل ما أتصرف لي بسفرية بعيدة. مش عايزة عوق ولا فضايح. دا أنا بقول ياحيطة داريني.
- ما خلاص يا بت. هو إنتي هتعمليها حكاية؟ قولت لك ما فيش يبقى تطمني. أما أقوم أعمل لك حاجة بقى تاكليها.
قالت الأخيرة وهي تنهض من أمامها على الفور. نظرت في أثرها تتمتم بقلق:
- أطمن!! هو أنا طول ما أنا قاعدة في البيت اللبش ده هايجيني قلب أطمن ولا أشوف راحة أبدًا. منك لله يا اللي شورت عليا الشورة المهببة دي!!
***
حدقت بوجهها جيدًا وهي تسألها بمكر:
- مالك يافجر وشك اتخطف كده ليه؟ لدرجة دي إنتي زعلتي على الدكتور منذر؟
ازدردت ريقها وخرج صوتها بصعوبة:
- آه طبعًا لازم أزعل أمال إيه يعني؟ أنا آسفة يافاتن البقية في حياتك.
بوجه مغلف ردت باقتضاب:
- في حياتك الباقية يافجر.
أسدلت عيناها وهي تفرك بكفيها والأثنتان يرمقنها بنظرة متفحصة. ليسود الصمت بينهم لعدة لحظات، قبل أن تقطعه فاتن:
- لدرجة دي بتحبيه يا بت؟
رفعت رأسها مجفلة تقول:
- همم.. تقصدي إيه يافاتن؟
- قصدي على علاء طبعًا أمال هايكون مين يعني؟
فتحت فمها وأغلقته مرة أخرى لتطرق برأسها أرضًا وهي لا تقوى على النظر بعينيهم. ليعود الصمت مرة أخرى بينهم قبل أن تنهض فاتن متمتمة:
- لساكي طيبة وعبيطة زي ما إنتي!
رفعت رأسها وقبل أن تعي صحة ما سمعته وجدتها تجلس بجوارها تقربها بذراعيها نحوها وهي تقبلها من وجنتها:
- طب ولما إنتي بتحبي أوي كده.. ما تقولي آه يا بت هو عيب؟
حدقت بها مندهشة قبل أن تلتفت نحو عمتها الواضعة كفها على جانب وجهها تتبسم بتسلية، فقالت مشيرة بسبابتها نحوها:
- ما هي عمتي كانت عايزاني أسيبه عشان أثبت لها إني بحبك وأنا كنت فاكرة إنك ميتة. إشحال دلوقتي لما اتأكدت إنك صاحية وما متيش؟
ضغطت بأصابع يدها على وجنتيها برفق تشاكسها:
- هو جزمة يا بت ولا فستان عشان لما أرجع آخدهم من تاني؟ دا جوزك يا منيلة على عينك يعني مش خطيبك وبس كمان.
قطبت بحيرة تسألها:
- يعني إيه؟
قبلتها بشغف وهي ترد بابتسامة دافئة:
- يا بت أنا اتجوزت من زمان وعشت حياتي مع راجل نساني الدنيا بحالها. مش بس حب المراهقة الظروف الوحشة معاه. يعني عمتك كانت بتلاعبك يا عبيطة.
- والنبي بجد؟
قالتها ببؤس وهي ترمي بأحضانها باكية مما أثار ضحكة صاخبة من فاتن ووالدتها وهي تشدد عليها بذراعيها وتردف بحرقة:
- وحشتيني أوي يا بنت اللذينة ووحشتني طيبتك وحنيتك دي.
خرجت من أحضانها وهي تمسح بإبهامها الدموع الساقطة منها على الوجنتين تهتف ساخطة:
- دي عيشتني أيام سودة وطب والنبي ما أنا مسامحاكي يا عمتي.
ازدادت ضحكات الاثنتان وفوزية تشاكسها:
- طب وأنا أعملك إيه بقى إن كنتي صدقتي ودماغك لفت من أول ما شوفتيني؟ لهو إنتي فاكراني كنت هقدر أعمل فيكي المقلب لولا إني شوفت ترددك ده وخوفك مني؟ طب ليه يا بنتي؟ دا حتى كل حاجة نصيب.
- أنا عارفة يا عمتي. آهو لقيت نفسي متلخبطة ومكسوفة لما اتفاجئت بيكي في ليلة كتب كتابي وكأنك ظبطتيني في تهمة متلبسة.
- يا حبيبة قلبي.
قالتها فاتن وهي تجذبها مرة أخرى إليها تضمها بشوق. فخاطبتها فجر معاتبة:
- هونت عليكي يا فاتن تسيبيني السنين دي كلها من ماتشوفيني ولا أشوفك. ولا مرة وحشتك فيها؟
قالت مبتسمة:
- مين قال كده بقى؟ أنا كنت كل ما أشتاق لك أطل عليكي وأراقبك من بعيد.
- إزاي؟
همت لترد ولكن أوقفها صوت الهاتف الذي كان يصدح بورود مكالمة.
- دا تليفونك يا فجر؟
أومأت برأسها وهي تخرج الهاتف من حقيبتها، فقطبت مندهشة وهي تجيب على الرقم الغريب:
- الو مين معايا؟ ........... لا طبعًا ماشوفتوش ولا قابلته من الصبح ...... إيه اللي حصل يا عصام؟ .......... إزاي يعني ما عرقش مكانه؟ هايكون راح فين بس؟ .......... طبعًا هحاول أتصل بيه وأشوفه راح فين؟ ....... ماشي يا عصام.
أنهت المكالمة سريعًا لتنهض عن كرسيها قائلة بقلق:
- طب عن إذنكم يا جماعة. أنا لازم أروح على بيتنا حالاً. علاء خرج من الصبح غضبان وماحدش عارف طريقه فين؟
***
تتلاعب بأصابع يده السليمة وهي تمازحه بدلال لعله يستجيب لها يبتسم:
- يا حسحس.. يا أبو دم تقيل إنت مش ناوي بقى تفك كرمشة وشك دي. مش لايق عليك يا عم.
رد بصوته الأجش:
- هو إيه اللي مش لايق عليا؟
قالت بدلال:
- التكشيرة. بصراحة أنا أول مرة أشوفك مدايق كده. في كل خناقتنا مع بعض ما فيش مرة وشك اتقلب فيها بالشكل ده.
اعتلت زاوية فمه ابتسامة مستخفة وهو يرد:
- يمكن عشان ما كنتش موجوع قوي بالشكل ده. ماهي خنقاتي معاكي مهما كانت أسبابها تيجي إيه في اللي أنا حاسس بيه دلوقتي!
- حاسس بإيه يا حسين؟ قول يا حبيبي على اللي مزعلك وخرج اللي جواك.
تجاهل سؤالها ليجيب بسؤال غيره:
- بقولك إيه إنتي مش ملاحظة إن علاء اتأخر أوي؟ هو راح فين؟ دي أول مرة يغيب فيها عني كل ده.
أخفت ارتباكها وهي تحاول الإجابة ببعض الثبات:
- ما أنا قولت لك يا حبيبي. عمي أدهم اتصل بيا وبلغني إن علاء روح البيت عشان يرتاح شوية من تعب الأيام اللي فاتت واكيد خدته نومه.
قال بتشكك:
- عمك أدهم برضو اللي بلغك؟ أمال هو راح فين بقى؟ مختفي هو كمان. دا حتى عصام مرجعش يطل عليه من الصبح.
ردت ممازحة بتصنع:
- الله الله هو إنت لحقت تزهق مني يا سي حسين ولا إيه؟ بقى لما أتواضع أنا النهارده بجلالتي وقَدري وأتبرع بالانفراد بيك. تفتكر لي أنت فلان وعلان وكأني مش مالية عينك ولا سادة الفراغ اللي جواك.
- فراغ إيه اللي إنتي سداه؟
- نعم!
كرر باستفهام:
- بسألك عن الجملة الأخيرة دي. إيه معناها؟
اهتزت كتفاها بعدم اكتراث:
- أنا عارفة؟ أنا بسمعها كده وخلاص.
فلت كفه من يدها ليضغط بابهامه وسبابته على وجنتها بغيظ:
- ولما إنتي مش فاهمة معنى الجملة بتكرري ليه زي البغبغان؟ هي لماضة وبس.
صاحت ضاحكة وهي تدفع يده:
- بس يا عم الله. هو إنت شايفني عيلة صغيرة؟
بابتسامة مستترة هتف متصنعًا الجدية:
- العن وامر. العيلة هاتكبر. لكن إنتي بعقلك الهايف ده هاتجنني أمي العمر كله.
ضحكت بمرح حتى جعلته يتخلى عن عبوسه ويشاركها الضحك وهي تردف بغرور:
- ربنا ما يحرمك مني يا رب.
***
وفي الجهة الأخرى كان الوضع في شقة علاء على أشده. أدهم الذي أتعبة البحث مع رجاله حتى استسلم مضطرًا للانتظار المر مع شاكر وزوجته التي لم تستطع التخلي ولو لحظة عن زهيرة خوفًا عليها لتنتكس وتعود للمرض مرة من الخوف والقلق على ابنها الذي اختفى عن رؤيتها ولم يرد ولو على اتصال واحد منها في ظاهرة لم تحدث طوال حياته مهما مر عليه من أحداث. عصام الذي ترك عمله في المشفى بعد معرفته بعدم عودة علاء من وقت أن غادر المشفى ولم يستطع اللحاق به. كان واقفًا بسيارته أمام البناية مع فجر التي شرحت له مشهد الصباح وما فهمه من كلمات علاء معه.
- أنا قولت بس أشرح لك وأقول لك على اللي حصل بما إنك شهدتي على الموضوع من أوله.
متكتفة الذراعين تهز برأسها وكأن كثرة الصدمات أفقدتها حس الاجتفال أو الاندهاش.
أردف عصام:
- يا فجر أنا قولت أشرح لك عشان تفهمي وتطمنيني عليه لما يوصل. أنا لولا بس إن بنتي الصغيرة النهاردة بايته عندي ما كنت اتحركت من مكاني في انتظاره.
تنهدت قائلة بتعب:
- روح يا عصام وأنا هاتصل بيك وأطمنك لما يوصل. هو أكيد هايرجع. مهما كانت الصدمة كبيرة عليه لكن أكيد هايرجع. مش كده برضه؟
- إن شاء الله يا فجر يرجع. حس المسؤولية عند علاء أكبر من أي جرح وأي هموم.
بعد ذهاب عصام وتركها في انتظار حبيبها الذي لم تمل تكرار الاتصال عليه رغم عدم إجابته. حتى اقتربت الساعة للحادية عشر مساءً وكاد الانتظار أن يعصف بقلوب الجميع. دلف فجأة لداخل شقته مكفهر الوجه ألقى التحية من تحت أسنانه ذاهبًا نحو غرفته ليغلق بابها عليه. ولم يبالي بنداء والده وتوسلات والدته أو حتى شاكر وزوجته. حتى وصلهم صراخه من داخل الغرفة:
- أنا تعبان ومش عايز أشوف ولا أكلم حد. ممكن بقى تسيبوني في حالي.
خرج صوتها بارتجاف:
- حتى أنا يا علاء مش عايز تسمع صوتي؟
ساد الصمت فقالت بارتجافٍ أكثر:
- علاء.. أنا مش هاتحرك من هنا غير لما تفتح لي. إن شاء الله حتى أبَات جنب باب الأوضة.
شهقت باكية:
- افتح لي يا علاء عشان أطمن عليك. يا حبيبي أنا قلبي هايوقف من الخوف والقلق.
ضربت على باب الغرفة صارخة:
- يا علاء افتح بقى وما تتعبش أعصابي أكتر من كده. افتح يا علاء.
شقت مخضوضة حينما تفاجأت بفتح الباب وهو يجذبها بسرعة للداخل ويعاود إغلاقه مرة أخرى بقوة.
لم تصدق عيناها وهي تنظر إلى وجهه العابس أمامها، وقد ارتسم الألم عليه بقوة. تقدمت نحوه صامتة بتردد حتى اقتربت تتناول كفه الكبيرة ترفعها إليها بين كفيها تداعبها بحنان وهي ترجوه بعينيها ليهدأ بركان الغضب بداخله. قبلتها برقة وهي تخاطبه:
- حاسة بيك وواجعني اللي واجعك. بس عايزاك تهدى.
عقد حاجبيه وارتفعت صوت أنفاسه الحادة رغم صمته. لدرجة أشعرتها بالخوف من غضبه. أجفلها فجأة حينما جذبها ليضمها إليه بقوة حتى تألمت عظامها ورغم ذلك بادلته العناق علّه يهدأ حتى شعرت بأصابع يده وهي تتخلل خصلات شعرها حتى جذب رأسها للخلف والتقت عيناها بعينيه وأنفاسه الحارة تلفح وجهها ودون سابق إنذار قبلها. بادلته قبلته مستجيبة لنداء احتياجه لها حتى فصل نفسه عنها مرغمًا حينما تساقطت دمعته على وجنتها ليدفن رأسه في شعرها. ويشدد من عناقه لها مرة أخرى وهي تربت على ظهره بحنان.
- أنا جنبك يا حبيبي ومش هاسيبك. اهدى بس إنت اهدى.
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل الخامس والثلاثون 35 - بقلم امل نصر
خرج من منزله يضم سترته الثقيلة حول جسده، علها تخفف بدفئها برودة الجو الشديدة في هذا الوقت المبكر من اليوم.
وصل لدراجته النارية ليقف مستندًا بجسده عليها. ثم فرك بكفيه يدفئهم قليلًا قبل أن يتناول هاتفه من جيب بنطاله ويتصل بأحد الأرقام.
فتجيبه صاحبة الاتصال:
- الوو... صباح الفل ياخالتي.
- في نعمة والحمد لله. المهم البنات صحيوا؟
- تمام ياخالتي. فطريهم بقى وجهزيهم عقبال ما أشُق ريقي بلقمة من عربية الفول اللي في آخر الشارع.
- وبعدين بقا ياخالتي متزعلنيش منك، هما كده كده في طريقي، يبقى إيه لازمه بقى المواصلات والزحمة؟ حمدًا لله المكنة شديدة وتتحمل المسافات.
- تمام، بس حاولي تجهزيهم بسرعة عشان ما يتأخروش على ميعاد المدرسة.
- ربنا يرحمه ويبشبش الطوبة اللي تحت راسه يارب.
- ماشي، سلام يا خالتي.
أنهى المكالمة واستدار بخطواته لكي يقطع الشارع ليصل للعربة في آخره التي سيتناول طعام إفطاره عليها. ولكنه توقف محله حينما لمح شبح الجسد الصغير ملثم الوجه وهو يتلفت حوله بخوف كي يصل لوجهته بخطوات مسرعة.
ابتسم بزاوية فمه وهو يتناول الهاتف مرة أخرى ليتصل برقم آخر:
- الوو... أيوه ياعم علاء، أنا مازن.
- معلش بقى إن كنت صحيتك بدري أوي، بس المعلومة دي ما ينفعش تستنى.
- سعد دخل الحارة قدامي دلوقتي متلتم زي الحرامية وزمانه وصل بيتهم.
- بسرعة بس والنبي تعالي عشان ألحق أنا مشواري وأوصل البنات أخوات حودة الله يرحمه لمدارسهم.
- تمام، وأنا هتابعك بالتليفون.
- تسلم يارب.
أغلق الهاتف ليفرك مرة أخرى كفيه مبتسمًا بحماس في انتظار المعركة!
***
خرجت من غرفتها لتجد والدها ووالدتها وعمتها فوزية على منضدة الطعام يتناولون وجبة الإفطار في انتظارها. ألقت التحية بوجه عابس وهي تجلس بجوارهم على أحد المقاعد:
- صباح الخير يا جماعة.
رددوا خلفها التحية وهي منكبة تتناول طعامها بغير شهية.
شاكسها أبوها:
- ما تفردي يابت بوزك اللي قالباه كده على الصبح من غير سبب؟ ولا يكون في سبب؟
ردت محرجة:
- يوه يابابا، هايكون في إيه يعني؟ عادي.
أردف بابتسامة ساخرة:
- عادي برضوا؟ ولا يكونش زعلانة مع سي علوة يابت وأنا مش داري؟
ازداد عبوس وجهها والذي اكتمل بحمرة الخجل التي زحفت لوجنتيها.
تدخلت فوزية:
- يالهوي عليك ياشاكر.. ما تهمد بقى ياخويا وماتكسفش البنية.. اللي بينها وبين خطيبها دي خصوصيات ملناش إحنا فيها.
مصمصت سميرة بشفتيها:
- خصوصيات إيه بلا نيلة.. دا العيال من ساعة ما خطبوا بعض والمصايب شغالة ترف على دماغنا بالكوم.. مرة بحادثة حسين وكملت بالزعلة الكبيرة لعلاء ووالده.. أموت وأعرف إيه اللي بينهم.. مش ناوية برضوا تتكلمي يافجر؟
تاففت ناهضة:
- تاني ياماما السؤال ده، ما قلتلك ما أعرفش.. أنا رايحة أجهز عشان أحصل شغلي بقى.
رددت سميرة من خلفها:
- برضوا انتي ما تعرفيش ياست الأبلة! أقطع دراعي إن ما كنتي عارفة وبتستهبلي.
لكزتها فوزية:
- ما تسيبها ياولية، هو انتي هاتموتي لو معرفتيش؟
فتحت فاهها لترد ولكن سبقت فجر وهي تهتف على والدها فجأة قبل الدلوف لغرفتها:
- ما تمشيش يابابا قبل ما تاخدني توصلني معاك.. عشان علاء اتصل وقالي إنه خرج بدري على مشوار مهم.
دوت ضحكة ساخرة من شاكر وهو يتلاعب بحاجبيه:
- أيوه بقى قولي.. يبقى عشان كده قالبة وشك يا أبلة فجر.
دبت أقدامها على الأرض بغيظ قبل أن تذهب لداخل غرفتها متأففة.
تساءلت سميرة بفضول:
- يا أخويا، إنه مشوار ده اللي يخرجه بدري كده والساعة مجابتش سبعة الصبح؟
***
توقف على مدخل الحارة بسيارته التي قادها بسرعة شديدة حتى يصل. وجد مازن في انتظاره بجوار دراجته البخارية وبجواره أخوات حودة. أسرع إليه وهو يترجل من باب السيارة قائلًا:
- حمدًا لله إنك وصلت عشان ألحق أوصل أنا البنات لمدارسهم.
تابع وهو يقترب من أذنه يهمس:
- وكويس عشان تلحقه قبل ما يمشي.
سأله بهمس هو الآخر وبأطراف أصابعه يمسح على شاربه بتحفز:
- هو فين دلوقتي؟
- خرج من بيتهم جري على ورشته من يجي عشر دقايق بس.. يعني يدوبك تلحقه.
أربت بكفه على أكتاف مازن قبل أن يتحرك قائلًا:
- تمام يابطل.. اتحرك أنت بالبنات وأنا هشوف شغلي.
- ربنا يقويك.
تمتم بها قبل أن يذهب مهرولًا نحو الفتيات. كم ود الانتظار ليرى بنفسه عقاب الخائن ولكنه لن يتقاعص عن تأدية واجبه في توصيل الفتيات. وبعدها يعود على الفور ليرى وليضحي بيوم من العمل.
***
بداخل ورشته الخالية من العمال، تناول سريعًا بعض النقود الورقية من خزانة أمواله الخشبية ليضعها في جيوب سترته الثقيلة وأيضًا في جيبي بنطاله. ثم أغلقها على عجالة كي يستطيع الخروج من الحارة بعد أن أتم مهنته برؤية والدته وإعطائها بعض النقود لإعالتها.
زفر حانقًا على وضع حاله الآن وهو مهدد ومتخفي كاللصوص داخل حارته. بعد أن كان يسير بها متبخترًا كالملوك في سنواته الأخيرة وقد تيسرت حالته المادية بفضل نجاح مشروع ورشته. ورشته المتوقفة من العمل الآن بفضل هذا الملعون الذي سرق في البداية فرحته بخطبته لشروق النسخة الأخرى من حب عمره ثم تسببه في كشف أمره بالبحث في دفاتره القديمة وإخراج أسرار ظن هو أنها اندفنت مع مرور السنوات.
بخطوات مسرعة وصل للخروج من الباب الخارجي. أغلقه من الخارج بقوة ثم استدار وهو يغطي وجهه.
خرجت منه شهقة قصيرة مجفلة، وهو يراه أمامه بطوله المهيب وعرض جسده المتحفز وكأنه مصارع وعلى وشك خوض مباراة مع أحد خصومه.
خرج صوته وكأنه يسأل نفسه:
- علاء!!
بابتسامة متهكمة حرك رأسه قائلًا:
- إيه خضيتك؟
ازدرد ريقه وهو يجاهد الثبات أمامه في الرد:
- وإيه بس اللي هايخضني منك... ياصاحبي؟
- صاحبي!!
رددها واعتلى شفته ابتسامة جانبية قبل أن يطرق بوجهه. فتحركت أقدامه ليقترب بخطوات بطيئة نحوه كنمر يحوم حول فريسته. ملامح وجهه المظلمة جعلت الخوف يزحف تحت جلده. فتضخ الدماء السريعة لقلبه لدرجة جعلته يسمع صوت دقاته. يحاول السيطرة على ارتعاش قدميه في الأسفل وهو يراقب خطواته حتى تفاجأ به يجذبه من تلابيب قميصه بعنف لتلفح أنفاسه الهادرة وجهه. يحدثه بلهجة مخيفة جازًا على أسنانه:
- يعني أنا كنت صاحبك بجد ياسعد؟
ارتجف مذعورًا وخرج صوته باهتزاز:
- في إيه ياعلاء؟ جرا إيه بس مالك؟
مال إليه برأسه قائلًا بفحيح:
- أقولك جرالي إيه.. اللي جرى إني ربيت في حضني حية ضعيفة.. دفيتها وحميتها من أذية بشر ولما كبرت واشتد عودها لدغتني أنا ولدغت حبايبي.. حبايبي اللي دفعوا تمن قربهم مني بسبب إني آمنت لواحد زيك.. وأنا عارف بعقد النقص اللي جواك وبرضوا بغبائي كنت بحاوط عليك.. شفقة بجسمك الضعيف.
سيطر الرعب عليه وجعل كلماته تخرج بتلجلج:
- بببب ييييعلاء.. انت قولت بنفسك إني جسمي ضعيف.. يعني ما تاخدنيش بذنب وأنت أكيد فاهم غلط.
رفع حاجبه وابتسم بشر:
- ما انت فعلًا جسمك ضعيف بس أنا بقى عندي رغبة أنفضك النهاردة يمكن بأذيتك تهدى شوية النار اللي جوايا.
- يعني إيه؟
خرجت بصدمة وعدم استيعاب قبل أن يباغته بضربة قوية برأسه كادت تشطر جبهته نصفين، وبعدها توالت صرخاته العالية بقلب الحارة وهو لا يقوى على ملاحقة الضربات ولا يعرف من أين تأتي!!!
***
بطرق قوي على باب المنزل الكبير فتحت الخادمة للرجل وهو يسألها بلهث:
- عم ادهم فين يابت؟ صحيه بسرعة.
خرج له ادهم من قلب المنزل بجلبابه المنزلي وهو يجفف شعر رأسه بفوطة صغيرة:
- مالك ياحوكشة بعمك ادهم؟ وعايزها تصحيني بدري ليه أوي كده؟
دلف الرجل لداخل المنزل يردف بكلمات غير متزنة:
- الحق ابنك علاء ياعم ادهم.. ماسك في سعد صاحبه ضرب وعجن لما هايخلص في إيده؟
هتف مجفلًا:
- انت بتقول مين؟ سعد؟ طب اجري بسرعة انده للرجالة.. على ما أنا أغير الجلبية وألبس غيرها.. وعلى طول الحقوه لايخلص في إيده.. أنا عايزه حي مش ميت.
- هوا يامعلمي.
هتف بها الرجل وهو يهرول للخارج وعاد ادهم بخطواته السريعة لداخل المنزل وهو يتوعد لهذه المدعو سعد.
***
وفي الخارج ووسط الحارة بعد أن خلصوا سعد من تحت يده بصعوبة وهو يقاوم للإفلات منهم رغم كل ما فعله بغريمه المغرق وجهه بالدماء وجسده لا يقوى على الوقوف لولا المساندة.
كانت تتردد كلمات الرجال بلومٍ مشوب بالدهشة:
- اهدي يابني مش كده حرام عليك دا كان هايخلص في إيدك.
- ياعم سيبوني ياعم أنا لسه ناري ما بردت.
- صلي عالنبي، هو قدك ولا حملك يابني!
- عليه أفضل الصلاة والسلام.. طب سيبوني طيب وأنا مش هاكلمه تاني... واخدينه على فين ابن المضايقة ده؟
هتف عليه الرجل المتشبث بذراعه بقوة:
- يا بني هايودوه لأمه اللي بتصرخ من بيتها عليه.. انت بس لو تقول لنا عمل معاك إيه عشان تقلب عليه القلبة السودة دي؟
حدق بالرجل صامتًا وهو يقاوم مرة أخرى لإفلاته. فتابع الرجل المتشبث بظهره من الخلف:
- كفاية بقى هديت حيلي ياعلاء وأنا عايز أسيبك بس خايف لتتهور عليه من تاني.. دا انت مرمغت وشه في التراب وخليت جسمه شوارع.. اشحال إن ما كنتوش كبار وأصحاب كمان!
صرخ يقاومهم بجنون:
- مش صاحبي.. مش صاحبي يا جدعان.. دا زرعة شيطاني وأنا اكتشفت حقيقتها بس دلوقتي.
- إيه اللي حصل يا جماعة في إيه؟
قالها ادهم وهو يقترب منهم وعيناه تجوب جمع الأشخاص الملتفة حولهم. هتف عليه أحد الرجال:
- تعالى يا ادهم يا كبير الحارة شوف ابنك يمكن تسكته ولا تسيطر عليه.. دا كسر سعد وبرضوا مصمم يخلص عليه.
رمق ابنه بنظرة سريعة قبل أن يسأل الرجال بلهفة:
- طب هو فين دلوقتي مش شايفه يعني؟
***
بداخل المحل الكبير للأدوات الصحية والخاص بأدهم الأب، ضرب بكفه على فخذه وهو يرمق ابنه بغيظ بعد أن انفض جمع الرجال:
- يعني بس لو كان ربنا قدرك واديتني فكرة من الأول.. مش كان زمانه دلوقتي بقى تحت يدي بدل ما هو هرب كده من الرجالة واستغفلهم ويعالم إمتى بقى هانقدر نجيبه من تاني؟
نظر إليه باستخفاف قبل أن يشيح بوجهه للأمام بعيدًا عنه. ليثير الغضب بداخل ادهم:
- بلاش النظرة دي ياعلاء.. أنا عارف إنك زعلان مني وليك حق.. رغم إني ما كنتش أعرف بالمصايب اللي عملها الكل... ده غير دلوقتي.. عارف إني غلطت زمان معاك بس ربنا العالم إني حاولت قد إيه أكفر عن غلطي. بدليل إني لما حسيت بس بميل حسين لشروق بنت شاكر وميلك أنت لفجر.. جريت بسرعة وطلبتهم من غير انتظار.. رغم معرفتي القديمة بصلة قرابتهم مع بدر الصعيدي ومراته وبنته.
ضرب بكفه على سطح المكتب غاضبًا يقطع استرساله في الكلام بحدة:
- بقولك إيه ياحج.. قفل على كلامك ده عشان ما أنا ما عنديش مرارة أسمع.. تمام.. وعن إذنك بقى عشان ماشي.
نهض ليغادر سريعًا ولكن نداء ادهم باسمه أوقفه ليردف قائلًا برجاء:
- كده على طول خارج ياعلاء! دا أنا صدقت أشوفك يابني وما صدقتش فرحتي لما حكالي الواضحوكشة على اللي عملته في سعد.. عشان تاخد بتارك منها.
استدار إليه يرد بلهجة ذات مغزى:
- وانت بقى افتكرت إني طفيت ناري بضربه فاصفالك أنت بعد كده؟ لا أصحى ياحج.. أنا دخلت المحل هنا عشان بس ما أكسفكش قدام الرجالة.. لكن اللي في قلبي ناحيتك مازال موجود وما اتغيرش.. فاهم يا والدي.. موجود وما اتغيرش.
بصق كلماته الأخيرة وخرج مغادرًا على الفور. تاركًا ادهم يعض أصابع الندم من خلفه.
***
- سيبته! يخرب بيتك.
صاحت بها مجفلة نحو صديقتها الجالسة أمامها بجمود تتلاعب بيدها مكان خاتم خطبتها. وقالت:
- هو ده اللي كان لازم يحصل من الأول.. أساسًا إحنا ما كناش لايقين على بعض.
ردت مستنكرة:
- مش لايقين ليه بقى يا غبية؟ هو إنتي يابت اتجننتي ولا عقلك طار منك؟ بقى أغيب عنك يومين ألاقيك تنيلي الدنيا؟
التفت إليها تهتف حانقة:
- ما كانش نافع يافجر.. أنا حاولت لكن ما فيش فايدة.. هو من عالم وأنا من عالم تاني.. هو منفتح وأنا مقفلة.. هو شكله وسيم ومهتم بنفسه وأنا أبلة عجوزة في نفسي.
لكزتها بقبضتها على كتفها قائلة بحزم:
- بس يابت اسكتي وبلاش عبط.. انتي مشيتي ورا كلام الناس اللي استكترته عليكي وهزوا ثقتك في نفسك.. قلتلك من الأول.. فُوقي لنفسك ياسحر.. رمزي بيحبك.
ابتسمت بسخرية:
- ما عدتش له فايدة خلاص.. بيحبني بقى ولا بيكرهني.. اهو كل واحد راح لحال سبيله.
هزت رأسها برفض:
- أنا مش مصدقة كلامك ده ومش متخيلة أبدًا إن دي تكون النهاية.. أكيد في حل.. فاهمة.
مطت شفتيها بعدم اقتناع فلكزتها مرة أخرى على ذراعها بغيظ:
- والنبي الله يخليكي بلاش الإمبالاة دي أنا مش ناقصة.. هو أنا هاخلص من المصايب دي بس إمتى ياربي.
ابتسمت بتصنع تغير دفة حديثهم وسألتها:
- ليه هو الأستاذ علاء لساه برضوا زعلان من والده؟
زفرت بتعب:
- والنبي ياختي ما تجيبي سيرته ولا تفكريني بيه.. دا خرج...
قطع جملتها اتصاله. فضحكت سحر ساخرة:
- مش عايزاني أفكرك بيه؟ طب اهو اتصل ياختي يفكرك بنفسه.
تحمحت تقول بإحراج وهي تتناول الهاتف:
- رغم إني متغاظة منه بس ماينفعش أسيبه يرن صح.
ردت سحر ساخرة:
- عندك حق فعلًا... عيب!
ضربتها بقدمها وهي تنهض على ساقها. فتاوهت الأخرى. أشارت لها لتخفض صوتها قبل أن ترد بجمود تحول للهفة وقلق:
- الووو...... اهلا بيك يا علاء............انت بتقول إيه ياحبيبي؟ ........... لا طبعًا أنا هستأذن وأجيلك حالًا.......بلا مدرسة بلا زفت.
أغلقت المكالمة وهي ترفع أشياءها على عجالة.
- طب إحنا نكمل كلامنا بعدين ياسحر.. عشان معايا مشوار مهم... ماشي...
نظرت في أثرها وهي تردد بمرح:
- ماشي ياختي ماشي.... آه يا جبانة.
***
- ااااه... براحة يابت.
صرخ بها نحوها وهي تضغط بالقطنة والمطهر على خدوش وجهه والكدامات. تمتمت ترد بتركيز:
- اصبر شوية واتحمل ياسعد.. ده لسه باقي كتير.
جز على أسنانه من الألم يقول:
- لسه إيه تاني؟ أنا تعبت وما عدتش متحمل.
تنهدت قانطة وهي تلتف للجهة الأخرى تتناول قطنة أخرى وتضع عليها المطهر:
- يعني أعملك إيه؟ ما أنا بحاول أخلصك أهو.. بس أنت وشك متبهدل خالص وما فيهوش مكان سليم.
- وشي بس!
قالها وارتجف جسده يستعيد هجوم علاء عليه وهو يزأر كالوحش. يكيل له بالضربات واللكمات على جميع جسده.. دون رأفة ورحمة بجسده الصغير. بمقارنة بجسده الضخم. لقد مرت هذه اللحظات المريرة لتذكره بمأساته وهو صغير قبل أن يحظى بحمايته. لينقلب عليه الوضع الآن وهو كبير. وينال من كرامته وكبريائه الذي صنعه لنفسه طوال السنوات الماضية. الإهانة في ضربه وهو يصرخ لكي يهب أهل الحارة في نجدته لعدم استطاعته صد ضربة واحدة منه. هو الذل بعينه.
- هو انت بتبكي ولا إيه ياسعد؟
أجفل من شروده ليمسح بطرف قميصه دمعة هاربة من عينه. تحمحم يتكلم بخشونة:
- دي بس من الوجع الشديد في كف إيدي.
ردت مستنكرة:
- يا ابن الناس ما أنا قولتلك من الأول روح المستشفى وانت اللي مردتش.
صاح عليها رافضًا:
- ومش هاروح يانرمين.. مش عايز حد يشوفني ولا ألاقي شفقة من حد.. من هنا للصبح لو ماتحسنتش هااروح لدكتور براني أطمن وأشوفها.
أومأت برأسها تتابع ما تفعله لتتجنب غضبه. فسألها:
- هي البت دي لساها برضوا ما رجعتش ولا في عنها خبر؟
- قصدك أمينة.. لا ما رجعتش ياسعد بس أنا خليت خالتي تتصل بيها.. ردت عليها لكن ما قالتش برضوا عن مكانها.
أخرج سبة من فمه زافرًا قبل أن يرد:
- مسيرها تقع تحت إيدي بت ال...... وإن ما كنت أدفعها التمن غالي هي والزفت حسين ما بقاش أنا.. مدام كده كده خرابانة يبقى أنتقم لنفسي صح بقى قبل ما أهج وأهرب من هنا خالص.
أوقفت ما تفعله لتسأله برجاء:
- وأنا كمان هاتلاقيلي متوى أهرب ليه ياسعد.
أومأ برأسه:
- هالاقيلك يانيرمين.. مدام انت شاطرة وبتسمعي الكلام.
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم امل نصر
ترجلت من سيارة الأجرة أمام البناية التي تقطنها والدتها.
وهي تتحامل على آلام جسدها وذراعها معلق برباط طبي.
لفتت إليها أنظار البشر الفضولية في منطقتهم من رجال ونساء.
اعتادت على نظراتهم المزدرئة لها ولوالدتها المعروفة لديهم بمهنتها.
ولكن لا يجرؤ أحد على مواجهتها ولا الاحتكاك بها لسلاطة لسانها ودنو أخلاقها في الرد.
بصعوبة تمكنت من اعتلاء الدرج الأسمنتي حتى وصلت لشقتهم.
وقبل أن تمتد يدها نحو جرس المنزل، تفاجأت بفتح الباب وخروج إحدى الفتيات الغريبة عنها.
تتفوه لمحدثتها في الداخل:
"من عيني يا أبلتي.. اتصلي انت بس في المصلحة وأنا تحت أمرك."
رمقت أمينة بنظرة مندهشة قبل أن تتخطاها لتخرج وتردف بصوتها العالي ساخرة:
"ده باين جايلك وارد جديد يا أبلتي.. بس دي متكسرة خالص يا عيني ههههه"
نظرت في أثر الفتاة أمينة بقرف وهي تغادر وتنزل الدرج.
قبل أن تلتفت لداخل منزلهم فوجدت والدتها أمامها اتت لترى ما تقصده الفتاة.
هتفت متفاجئة باسمها.. قبل أن تشهق وتضرب على صدرها بجزع:
"يانهار أسود.. إيه اللي حصلك يا بت؟"
ردت بسأم وهي تلوح بيدها لمساعدتها:
"والنبي يا أما دخليني الأول وبعدين اسألي."
اقتربت محاسن تلف ذراعيها حول ابنتها لتساعدها وهي تتمتم بتأنيب:
"تغيبي تغيبي وترجعيلي بمصيبة.. نفسي في مرة واحدة بس تفرحيني بدخلتك عليا."
تأوهت بألم قائلة:
"والنبي دخليني الأول يا أما.. هو حرام تدخليني من غير ما تأنبيني ولا تقطعيني فيا.. طب راعي حتى تعبي."
مصمصت تلوك بفمها وهي تغمغم:
"خشي يا أختي.. خش.. وانتي من امتى بس الكلام كان بيجيب فايدة معاكي؟!"
***
بداخل غرفتها كانت تتحدث في الهاتف حينما سمعت جلبة في الخارج.
اتجهت بخطوات خفيفة حتى وصلت إلى الباب تفتحه بمواربة.
لتتبين صدق ظنها حينما رأتها تدلف مع والدتها.
همست لمحدثها بمرح:
"العصفورة جات أخيرًا يا سعد."
وصلها صوته المتلهف:
"أمينة رجعت صح يا بت ولا بتهزري؟"
أجابت مبتسمة بانتشاء:
"بقولك قاعدة برة وأنا شوفتها دلوقتي وهي داخلة مع أمها.. دراعها متربط وبتمشي بالعافية دا باينه من آثار الحادثة."
أجابها من الناحية الأخرى:
"حلو أوي... عايزك بقى يا شاطرة تعملي معاها زي ما فهمتك بالظبط يا نيرمين.. ماشي."
أومأت برأسها موافقة:
"تمام تمام.. طب اقفل انت دلوقتي وأنا هبلغك بالجديد أول بأول."
أغلقت الهاتف وتنفست عاليًا قبل أن تخرج لها من الغرفة.
لتجدها مستلقية على الأريكة بتعب ووالدتها بجوارها تخاطبها بسخط:
"يا بت قولي اللي حصلك ده حصل إزاي؟ وما اتصلتيش ليه تقوليلي عشان أجلك؟ هو أنا مش أمك يا منيلة على عينك؟"
أجابت وهي مغمضة عيناها:
"والنبي يا أما ارحميني دلوقتي أنا مش حمل الكلام معاكي.. مشوار المستشفى هد حيلي وزود تعبي تاني."
"حمد الله على سلامتك يا أمينة."
فتحت عيناها مجفلة على صاحبة الصوت تردد قاطبة الحاجبين بدهشة:
"نيرمين!!! انتي إيه اللي جابك هنا؟"
***
تسير برواق المشفى بخطوات مسرعة وعقلها يعمل في عدة اتجاهات.
بعد ما حدث وانكشف السر أخيرًا بظهور فاتن.. ماذا يجب عليها أن تفعل الآن؟
أتخبره بوجودها على قيد الحياة.. أم تتجاهل الخوض في الموضوع خصوصًا مع رغبة فاتن في التخفي عن الجميع سوى عن واحد فقط!
وماذا عنه لو علم هل سيرق قلبه إليها مرة أخرى وينساها أم أن مرور السنوات قد ساهم في نسيانها من ذاكرته إلى الأبد.. ولكن هل يعقل؟
نفضت رأسها لتجلي عنها بعض هذه الأفكار وهي تتجه لغرفة حسين في المشفى والتي أصبحت المقر الرئيسي له فيها الآن بجوار أخيه.
طرقت بخفة قبل أن تفتح الباب لتُلقي التحية على الجميع.
"صباح الخير."
ردت زهيرة الممسكة بطبق الفاكهة تطعم منه ابنها المصاب ومعها شروق وحسين أيضًا.
دَلفت تقبل المرأة على رأسها قبل أن تتجه لحسين تطمئن عليه.
"عامل إيه النهاردة يا حسين؟"
أجابها حسين بابتسامة ودودة وقد استعاد وجهه بعض صفائه ورونقه:
"الحمد لله ياستي.. ادينا بنقاوح مع التعب عشان نقف على رجلينا من تاني."
قالت بابتسامة محفزة:
"شد حيلك.. أنا كمان شايفة إن في تحسن.. ربنا يقويك أكتر وتخرج من عزلتك هنا في المستشفى."
رفع كفه وعيناه للأعلى بتمني والتفتت هي نحو زهيرة تحدثها:
"وانت كمان يا خالتي عيني باردة عليكي.. باين كده تحسن حسين انعكس عليكي انتي كمان."
زهيرة بابتسامة راضية:
"ياه يا بنتي.. ده أنا روحي ردت فيا من ساعة ما فاق.. هو احنا كنا فين وبقينا فين بس؟"
تمتمت بالحمد وهي تتنقل نحو شقيقتها الجالسة بركن وحدها تكتم ابتسامتها:
"نعم يا حلوة وانتي قاعدة لوحدك وساكتة ليه؟"
ذهبت عيناها نحوه قبل أن تجيبها:
"ما أنا قاعدة مؤدبة أهو يا فجر.. فيها حاجة دي؟"
حدقت بها مندهشة قبل أن تنقل عيناها نحو حسين الذي مالت رأسه يتمتم بملامح متهكمة أثارت ضحكة شروق:
"مؤدبة!!"
التفتت فجر باستفسار نحو زهيرة التي تبسمت لمناكشاتهم وقالت:
"والنبي يا بنتي اهو من ساعة ما قعدت وأنا شايفة الحركات والنظرات دي مابينهم وما فاهمة حاجة."
تبسمت فجر هي الأخرى تخاطبها:
"ولا هاتفهمي يا خالتي.. كبري انتي مخك منهم.. دول دماغهم لوحدهم.. المهم أنا مش شايفة علاء يعني هو راح فين؟"
تحمحم حسين يجيبها ببعض الجدية:
"علاء خرج من شوية يشوف حسابات المستشفى."
تحركت لتغادر الغرفة:
"طب أنا هاخرج شوية أطل على واحدة أعرفها هنا على ما يوصل هو."
***
مطرقة رأسها في الأرض تتكلم بلهجة منكسرة وصوت خفيض:
"أنا عارفة إنك مستغربة قعدتي هنا وأكيد كمان مش طايقة تبصي في وشي.. بس أعمل إيه أنا بقى؟"
"بعد حسين ما كشفني وعرف كل البلاوي القديمة عني بسببك.."
شددت على أحرف الكلمة الأخيرة قبل أن تتابع:
"أضطريت أهرب وأسيب الجمل بما حمل لجوزي."
سألتها غاضبة:
"وانت ضاقت عليكي الدنيا بقى ومالقتيش غير هنا عند أمي عشان تقعدي وتقرفيني."
صكت أسنانها وهي تكتم غيظها:
"كتر خيرك يا أمينة.. بس أنا يا حبيبتي مش جاية أقرفك ولا حاجة.. أنا جاية هنا عشان ده المكان الوحيد اللي ما يعرفوش عني أدهم.. ما انتي عارفة اللي فيها."
أشاحت أمينة بوجهها تزفر غضبًا فهمي تعلم مقصدها.. وهو سمعة والدتها وتعمدها عدم ذكر اسمها أمامه.
عادت تخاطبها بتحذير:
"بس ما أنا مش مأمنة إياكي يا نيرمين عشان عارفة علاقتك بسعد.. وأنا مش عايزاه يعرف عني حاجة."
رفعت رأسها ترد بمسكنة:
"خلاص يا أمينة لا عاد ليا علاقة بسعد ولا غيره.. بعد ما راح مني كل حاجة في عز جوزي.. أنا بس دلوقتي بقول يا حيطة داريني.. واسألي والدتك قبل ما أجلك نبهت عليها بإيه.. إنها ما تشتغلش خالص هنا في البيت طول ما أنا موجودة."
غمغمت بابتسامة ساخرة:
"على أساس إن أمي بتسمع الكلام ولا هاتنفذ؟"
التفتت إليها تخاطبها بحزم:
"اسمعي أما أقولك أنا مش هاطردك عشان عارفة معزتك عند أمي.. لكن والنعمة يا نيرمين ما تفكري تأذيني عن طريق الكل.. سعد لكون مسودة عيشتكم وأنتي عارفة أنا أقصد إيه."
ضامت شفتيها تكبت غضبها ولتعود بمسكنة قائلة:
"اطمني يا أمينة.. مش هأذيكي ولا أقرب ناحيتك خالص ولا ليا دعوة بيكي أساسًا.. مع إني كان نفسي نعيد مع بعض ذكريات زمان.. ده احنا كنا أخوات مش ولا خالة."
رمقتها باستنكار غير مصدقة طلبها قبل أن تعود لإريكتها مستلقية مرة أخرى متجاهلة الرد عليها.
***
طرقت بقبضتها على الباب الذي فُتح وحده على الفور لتجد طفلة رائعة الجمال أمامها ببشرة حليبية على وجه مستدير وعينان زرقاوان ووجنتين ممتلئتين.
دنت فجر تداعبها بمرح:
"يانهار أبيض عالجمال.. انتي مين يا قمر؟"
غمغت الطفلة بصوت خفيض ولغة محببة وغير مفهومة.
جعل فجر تدنو أكثر نحوها مرددة:
"بتقولي إيه مش فاهمة."
دوى ضحكة رجولية من الداخل وصوت صاحبها يهتف:
"ما تحاوليش يا فجر مش هاتفهمي.. ناديها ناني أحسن."
قبلتها من وجنتها وهي تدلف بها للداخل مرددة بحبور:
"إيه الحلاوة دي يا عصام.. تقربلك دي ولا إيه؟"
أجابها بسعادة وفخر:
"دي بنتي يا فجر.. إيه رأيك فيها؟"
شهقت تقبلها مرة أخرى بمودة:
"انت بتسألني عن رأيي؟ دي قمر يا عم ربنا يخليها لك.. بس ناني دا اسمها الحقيقي ولا الدلع؟"
"لا الدلع.. اسمها الحقيقي نانيس."
"نانيس!"
رددته بدهشة مع ضحكة مستترة فأردف هو بغيظ:
"ماهو دا الاسم اللي أصرت عليه والدتها ياستي.. قال إيه؟ اسم زهرة فرعونية.. على أساس إنها بتحب بلدها قوي."
ازداد اتساع ابتسامتها وهي تداعب الفتاة مرددة:
"وانت زعلان ليه بس؟ دي أحلى زهرة قابلتها في حياتي.. ربنا يحرسها من كل شر."
غمغم بصوت خفيض:
"حمد الله ما طلعتش شبه أمها."
انتظرت هي لحظات في مناكفة الطفلة مترددة قبل أن تلتفت نحوه بجدية:
"أنا كنت جايلك النهاردة في حاجة مهمة يا عصام."
ترك الأوراق من يده التي كان مشغول في قراءتها على سطح المكتب يعطيها اهتمامه:
"أنا تحت أمرك يا فجر.. قولي اللي عايزة تقوليه."
أجمعت شجاعتها وهي تأخذ شهيق طويل قبل أن تقول:
"كنت عايزة أتكلم عن الدكتور منذر الله يرحمه اللي كان شريكك هنا في المستشفى! وأحكي عن حاجة مهمة عرفتها بس قريب."
قطب حاجبيه يسألها بدهشة:
"حاجة إيه بالظبط يا فجر؟"
***
عاد إليهم بداخل الغرفة وهو يتحدث في الهاتف من تحت أسنانه:
"يا عمي الحج بقولك معرفش غار فين؟ هاعرف،منين أنا بس؟"
"........... لا يا والدي مازن ما يعرفش عشان سعد اختفى من الرجالة كلهم وقت الخناقة............."
"ماشي يا أبويا حاضر هارد عليك لما أعرف أي معلومة........... "
"كويس النهاردة حسين والحمد لله................"
"وفجر وشروق والجميع كويسين كمان............."
"الحمد لله طبعًا هي دلوقتي أحسن من الأول............"
"تمام هاخلي بالي منها ......... سلام بقى يا والدي الله يخليك."
بعد أن أغلق المكالمة انتبه لنظرات الجميع المثبتة عليه.
قال حسين بابتسامة ذات مغزى:
"الكلام الأخير ده كان على الست الوالدة صح؟"
أشاحت زهيرة بوجهها عنه غاضبة وتبسم علاء قائلاً:
"ويعني دي أول مرة؟ ماهو على طول بيسأل."
هتفت غاضبة:
"بقولكم إيه انتوا الاتنين.. أنا مش ناقصة مقلتة ولا هزار منكم.. لموا نفسكوا أحسن."
الجمتهم عن الرد فضربت بكفيها شروق صائحة بمرح:
"أيوه كده يا زهيرة يا جامدة انتي.. أديهم على دماغهم."
رد حسين:
"خليكي في حالك انتي يا مؤدبة."
"حاضر"
قالتها بأدب لتعود محلها مدعية الخجل وابتسامة مستترة جعلت علاء يتساءل باستفسار:
"هو في إيه؟"
فردت زهيرة كفيها بقلة حيلة وأجابه حسين:
"لا يا حبيبي ماتشغلش بالك انت.. ده حوار كده مابيننا."
أومأ برأسه:
"حوار مابينكم!! آه تمام.. طب أنا كلمت فجر وقالتلي إنها داخلة المستشفى هنا.. هي لسة ما وصلتش على كده ولا إيه؟!"
***
"بتقولي مين؟"
هتف بها وهو ينهض عن مقعده خلف المكتب بعنف ليلتف حوله ويتابع:
"هو انت بتهزري ولا بتتكلمي جد؟"
تنهدت قانطة وهي تحاول انتقاء كلماتها:
"وأنا إيه اللي هايخليني أهزر بس في حاجة زي دي؟ هو انت تعرف إني تافهة للدرجادي؟"
هتف بغير تصديق:
"مش تافهة يا بنتي بس أنا أصدقك إزاي؟ وانتي جاية تقوليلي إن فاتن عايشة وكمان كانت متجوزة الدكتور منذر اللي كان شريكي في المستشفى."
أومأت رأسها بتعب:
"أنا عارفة إنك مش مستوعب ودا حقك طبعًا.. بس أنا بتكلم بجد.. ده أنا لولا إني قابلتها بعيني في بيتها واتكلمت معاها وربنا ما كنت هاصدق.. ولو فرضًا كنت بكذب مثلاً هأتبلى ليه أنا على راجل محترم زي الدكتور منذر حسب ما عرفت يعني عن سمعته؟"
سقط على الكرسي المقابل لها أمام المكتب وهي يردد بذهول:
"أنا طبعًا ما بقولش عليكي كدابة.. أنا بس مستغرب إيه اللي لم الشامي عالـمغربي.. ومن ناحية سمعة الدكتور فهو فعلًا كان راجل محترم الله يرحمه وينضرب بيه المثل في الطهر والنقاء كمان.. ورغم إنه كان دائمًا بيخبي حياته الخاصة عن الجميع.. بس احنا كان ظننا إنه عشان ملتزم يعني.. لكن يطلع متجوز فاتن اللي اتضح إنها مامتش.. بصراحة بقى دي حاجة ولا في الخيال."
استراحت بوجنتها على كف يدها المستندة على طرف المكتب بتعب وهي تنقل نظراتها منه وإلى الطفلة الصغيرة وهي تلعب على أرض المكتب بألعابها.
ثم ما لبثت أن تعتدل بجلستها تتناول حقيبتها تبحث عن شيء ما وهي تقول:
"بقولك إيه يا عصام.. أنا عارفة إنك لا يمكن هاتصدق غير لما تشوف بعينك أو تسمع بودانك صح؟"
"صح إيه؟"
رددها بعدم فهم وهو يراها تتناول الهاتف تضغط على أحد أرقامه ثم ردت على محدثتها في الجانب الآخر:
"الو يا حبيبتي إزيك... تمام بخير الحمد لله.... بقولك إيه طيب.. ما تاخدي تكلمي الدكتور عصام بنفسك.... "
مدت بيدها إليه تناوله الهاتف قائلة:
"اتفضل اتأكد بنفسك."
تحركت رأسه بالرفض القاطع:
"لالالا أنا مش عايز أكلم حد... انتي عايزاني أكلم مين أساسًا؟"
صاحت عليه حازمة:
"امسك يا عصام وبطل خوف بقى.. هي تاكلك في التليفون."
تناول الهاتف بيدين مرتعشتين وخرج صوته باهتزاز ليفاجأ بصوتها الناعم الدافئ:
"الو يا عصام.. انت خايف ما تكلمني ولا إيه؟"
سقط من يده الهاتف وكأنه حية على وشك أن تلسعه ونهض عن مقعده ينظر لفجر بأعين متسعة من الخوف والدهشة وصدره يصعد ويهبط بتنفس مضطرب.
تناولت هي الهاتف من على الأرض قائلة بسخط:
"إيه يا عم بترمي التليفون بقلب جامد كده مش خايف لا يتكسر."
"وهو بيرميك التليفون ليه؟"
التفت الاثنان على الصوت الخشن وصاحبه واقف على مدخل الباب المفتوح بيد الطفلة الصغيرة.
أغلقت هي المكالمة سريعًا فردت بارتباك:
"علاء! لا يا حبيبي دا بس وقع منه من غير ما يقصد.. هو انت وصلت إمتى؟"
ردد بوجه جامد قبل أن يتناول الطفلة يرفعها للأعلى ويقبلها:
"أنا حالًا واصل ياستي.. والقمر دي هي اللي فتحتلي باب المكتب.. إيه يا عم عصام الحلاوة دي جايبها منين بس؟"
رد عصام بتشتت وهي يعود لجلسته خلف المكتب:
"هاا... آه يا حبيبي اتفضل اقعد هنا على الكرسي الفاضي ده."
جلس علاء وهو ينظر إليه بتفحص قبل أن يلتفت لفجر مستفسرًا:
"ده ماله ده؟"
مطت شفتيها واهتزت كتفاها تجيب:
"معرفش أنا ماله... اسأله انت؟"
"أسأله أنا!!"
قالها باستنكار قبل أن يتابع:
"طب انتي جيتي هنا ليه؟ مش قولتي إنك رايحة تزوري واحدة عيانة."
ردت متناسية:
"قولت لمين إن إني رايحة لواحدة عيانة؟"
عاد بجسده لخلف المقعد ناظرًا إليها بتشكك مما جعلها تتدارك نفسها وتتذكر:
"آه.. انت قصدك على حسين وخالتي زهيرة.. معلش لو كنت نسيت.. أنا فعلًا زرت واحدة زميلة هنا في الدور التاني وبعدها جيت هنا أسأل عصام عن حالة حسين وأطمن يعني."
"تطمني من مين؟ دا شكله مش معانا أساسًا أو كأنه مضروب على دماغه.. عصاااام."
قال الأخيرة وهو يضرب بكف يده على سطح المكتب بقوة مما جعله ينتبه مجفلًا:
"إيه فيه بس يا علاء يا أخي مالك؟"
رد ممازحًا:
"هو انت بعد دا كله ولساك بتسأل؟ بقولك إيه يا بني.. نصيحة كده خد بالك من الأمورة الصغيرة أمها تشلوحك في المحاكم."
تقبل مزاحه يرد بابتسامة:
"لا ياسيدي اطمن... إحنا واخدين إجازة اليومين دول من المحاكم أصل أمها في رحلة لإيطاليا مع جماعة أصحابها.. شالله ما ترجع تاني."
غمغم الأخيرة بصوت خفيض أثار ضحكات الاثنان.
بعد مغادرة علاء وفجر.. ظل عصام على حالة الجمود والتشتت.
لا يجد تفسيرًا لما يشعر به الآن من وقت أن سمع صوتها وقد أصابته ارتجافة مفاجئة.
مع تسارع شديد في دقات قلبه.. وعقله يأتي بصورة وجهها وكأنه رآها الأمس وليس من عدة سنوات!!
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل السابع والثلاثون 37 - بقلم امل نصر
بداخل السيارة وهي جالسة في الأمام بجواره، كانت مستندة برأسها لخلف المقعد تنظر من نافذة السيارة للطريق الخارجي، وإليه مع ترديدها لكلمات الأغنية التي يصدح بها مذياع السيارة.
"وهمس لي قال الحق عليّ
نسيت ساعتها بعدنا ليه
فين دموع عيني اللي مانامت ليالي
بابتسامة من عيونه نساني
أمر عذاب وأحلى عذاب، عذاب الحب للأحباب
ماقدرتش أصبر يوم على بعده
ماقدرتش أصبر يوم على بعده
هدا الصبر عايز صبر لوحده."
كان يقود السيارة، هو مندمج معها ومع صوتها الرقيق ومعاني الكلمات الموجهة إليه وهي خالصة بالعشق. رفع كف يدها يقبلها بحب قائلًا:
"ربنا ما يحرمني منك يا رب."
تنهدت قائلة بصوتٍ كخرخرة القطة:
"أنا بحب الأغنية دي قوي يا علاء عشان بتعبر قوي عن اللي جوايا ناحيتك. أنا فعلًا ما أقدرش أصبر يوم على بعدك ولا حتى دقيقة أحس فيها بجفاك. يعني لو حصل."
ضغط بكفه المطبقة على كف يدها، يضعها على ركبته متأوهًا:
"بس بقى الله يخليك، كفاية كده. أنا مصبر نفسي بالعافية. مش كفاية عملة الزفت حسين اللي هاتخليني أنتظر فرحي عليكي شهور تاني. كنت ناقصني أنا ده."
ضحكت بدلال وهي تزيح بكف يدها الحرة خصلات شعرها المتطايرة على وجهها بفعل الهواء:
"يا سلام، يعني لدرجة دي أنت مستعجل على جوازنا؟"
ترك الطريق لينظر إليها ويحدثها بصدق:
"أوي يا فجر. نفسي اليوم دا يبقى امبارح مش بكرة ولا النهاردة. نفسي أغمض عيني وأفتحها ألاقيقي معايا في بيتي ومعانا أولادنا. أنا مقدرش أوصف لك إحساسي كان إيه لما شوفت بنت عصام النهاردة. قلبي رفرف جوا ضلوعي وأنا بتخيل إنها تبقى بنتنا أنا وأنتي. حتة منك وشبهك. يا ه. إمتى دا يحصل؟"
تبسمت بمرح قائلة:
"بس بنت عصام دي حلوة زي الخوجات. لكن أنا يا عم على قدي."
التف إليها محذرًا:
"مين دي اللي على قدي؟ اثبتي مكانك طيب بدل ما أتعصب عليكي. لو بنت عصام قمر، فأنتم قمرين وبنتنا هاتتبقى تلت قمرات في بعض. عندك اعتراض بقى؟"
قهقهت ضاحكة تقول:
"طيب أنا كنت عايزة أسألك بقى مدام عجباك لدرجة دي كده زي ما بتقول. إيه أكتر حاجة شدتك فيا؟"
التف إليها مجيبًا دون تفكير:
"عينيكي."
هزت رأسها قائلة بوجه متورد يشع بالسعادة:
"اشمعنى عيوني بقى؟ أفهم. أصل أنا طول عمري شايفاهم عاديين يعني. مش زي عيون شروق مثلًا، لونهم العسلي بيلفت النظر خصوصًا في الشمس."
كان قد وصل إلى وجهته، فأوقف السيارة أمام البناية التي تضم شقتيهم. نظر إليها محدقًا بعينيها يرد:
"مش موضوع لونهم ولا شكلهم إيه. الموضوع إني أول ما بصيت فيهم حسيت وكأن فيهم رابط بيربط ما بينا. فيهم حاجة بتشدني ليكي زي المغناطيس. فاكرة لما قولتلك بلاقي فيهم راحتي وقولت كلام كتير تاني عنهم. أنا ماكدبتش في حرف يافجر. أنا عندي استعداد أقعد بالساعات وأنا مركز فيهم وأقرأ كل لفتة منهم. وعمري ما أمل. عيونك المرسى اللي رست عليه مراكبي بعد شقا سنين طويلة يافجر."
فغرت فاها وأغلقتها عدة مرات، حتى خرج صوتها أخيرًا:
"طب أنا أقول إيه دلوقتي قصاد كلامك الحلو ده؟ أنا حاسة إني لو حاولت أرد لك هاطلع حمارة قدام رومانسية المعلم علاء. أنت بتجيب الكلام ده منين؟"
صدحت ضحكته الرنانة:
"الكلام بيخرج من قلب المحب من غير تفكير ولا تركيز. يا قلب علاء."
بقلب يضرب بالسعادة داخل صدرها، لوحت بكفها قائلة:
"كفاية والنبي. خليني أستوعب شوية شوية الكلام الحلو ده بعد نشفان وشد أعصاب الأيام اللي فاتت. عشان ما يغمى عليا قدامك دلوقتي."
قرب وجهه منها يقول بحنان:
"سلامتك يا عمري من أي سوء. أنا عارف إني مقصر معاكي عشان الظروف اللي طبت علينا فجأة. بس وعد عليا. كل ده هايتعوض الأيام اللي جاية."
هتفت بلهفة:
"بجد يا علاء. يعني هايبقى فيه كلام حلو زي اللي قلته دلوقتي؟"
تنهد باضطراب أمامها محدقًا بها بصمت وملامح مبهمة غير مفهومة، وهي منتظرة الإجابة. ثم مالبث أن قال:
"بقولك إيه يافجر. قومي الله يرضى وخلينا نكمل كلامنا بعدين عشان بس مانعملش فضايح."
تسائلت باستفسار وحسن نية:
"فضايح ليه؟ هو إحنا بنعمل حاجة غلط؟"
رد مقررًا بتأكيد:
"أنا اللي هاعمل لو ما قومتيش من قدامي دلوقتي على طول. يبقى اتحملي انتي اللوم لو والدك ولا حد من الجيران ظبطني وأنا بحضنك أو..."
"- لا وعلى إيه؟ سلام يا عم."
قالتها بعجالة وهي تترجل من السيارة هاربة. أثارت ضحكته المرحة مرة أخرى.
اعتلت الدرج وقلبها يقفز من السعادة معها، وهي تستعيد كل لفتة وكل همسة منه. تغزله لعيناها ولهفته عليها ونظراته المشبعة بالعشق. ولكنها توقفت فجأة وكأنها استفاقت من سكرة عشقه. ليصدح هذا الصوت بداخلها:
"ياترى لو عرف فاتن عايشة، هايفضل على حبه ولهفته دي ولا هايحن لحبه القديم؟"
تنهدت بأسى تكمل اعتلاء الدرج، وقد ذهب عنها مرح اللحظة وعاد إليها هم القادم.
***
بداخل المدرسة محل عملها، كانت جالسة مع صديقتها في ركن وحدهم تحت ظلال إحدى الشجيرات يتحدثن كالعادة في الموضوع الملّح.
"ما تقولي يابت، رديتي وقولتي إيه؟"
زفرت سحر تشيح بوجهها عنها:
"يووه عليكي يافجر، ما قولتلَك موضوع وخلص. لزومه إيه بس الرغي."
هتفت عليها حانقة:
"لزومه إن الراجل بيكلمني ويتصل بيا عشان أقنعك. هو فيه إيه بالظبط؟ أنا حاسة إن الموضوع أكبر من حكاية سفرك معاه."
التفتت إليها تنظر صامتة بأعين خاوية، مما جعل قلب فجر يسقط في صدرها:
"إيه اللي حصل ياسحر؟ وليه الحزن ده اللي أنا شايفاه في عيونك؟ هو غلط فيكي ولا خانك ولا إيه بالظبط؟"
ردت بصوت منكسر:
"ما خاننيش ولا غلط فيا، بس أنا قولتلَك إحنا ماننفعش لبعض. أنا أبلة وروحي في مناخيري، وهو حلو ومتشيك، تليق له واحدة زيه صغيرة تدلعه ويفتخر بيها."
لكزتها بقبضتها على ذراعها:
"بت انتي، أنا مش ناقصة ألغاز. طلعي اللي جواكي واحكي إيه اللي حصل بالظبط؟"
صدح هاتف فجر فجأة ليقطع تركيزها في التفكير لمعضلة صديقتها. زفرت بغيظ وهي تنظر في اسم المتصل:
"اسمعي أما أقولك. لينا قاعدة نرغي فيها وتحكيلي كل اللي جواكي. لولا إن أنا بس مش ورايا حاجة مهمة دلوقتي. لكن والنعمة ما هسيبك ياسحر. سامعة."
نهضت عن المقعد ترد على الهاتف بعد أن توعدت صديقتها:
"الوو......... أيوه يا عصام........... تمام، حاضر هاتصل بيها ونيجي على طول، ما تقلقش أنا عارفة العنوان."
بعد أن ابتعدت بمسافة كافية، وسحر تتابعها بعينيها بشرود، أُجفلت فجأة على اهتزاز المقعد بجوارها يشير لجلوس أحدهم. وبمجرد التفافها إلى الجالس، تفاجأت به يحدثها:
"أنا آسف لو فاجئتك أو أزعجتك. بس انتي ممكن تسمعيني الأول."
ضيقت عينيها متسائلة:
"أسمعك في إيه بالظبط يا أستاذ عبد الله؟"
***
وفي مكان آخر.
كان حسين على سريره الطبي يحاول جاهدًا بيده السليمة أن يتناول منديلًا ورقيًا من العلبة الموضوعة على الطاولة القريبة منه. يستحي أن يوقظ والدته التي غفت بجواره على المقعد الجلدي، ولا يريد النداء على الممرضة. انتابته رغبة أن يصل إلى العلبة بنفسه دون المساعدة من أحد، ولكنه كلما حاول أن يرفع جسده تألم بشدة. تكررت المحاولات، وفي كل مرة كان يسقط متنهدًا بتعب، حتى كاد أن يفقد الأمل. ليفاجأ في المرة الأخيرة بشهقة أنثوية وصوتها يصدح:
"انت بتعمل إيه ياحسين؟"
انتفضت زهيرة من نومتها وكادت أن تستيقظ، فلاحقها حسين:
"نامي يا أمي، ما تقلقيش. دي شروق بتهزر."
عادت زهيرة لنومتها، ودلفت شروق للداخل بخطوات خفيفة. هتف عليها حسين ضاغطًا على أسنانه بصوت هامس:
"مش تخلي بالك ياشروق. ده أنا مصدقت عيونها غفت من لُطعتها جنبي طول الأيام اللي فاتت."
تقربت منه قائلة بأعتذار:
"معلش، آسفة. بس أنا بصراحة لما شوفتك قلقت. هو انت كنت بتعمل إيه؟"
رد بصوت خشن:
"أنا كنت عايز أوصل لعلبة المناديل اللي هناك دي. بس مدام انتي جيتي اتفضلي، يلا هاتي لي منديل."
حينما تناولت المنديل، أردف بأمر:
"اتشطري بقى وامسحي العرق اللي على وشي كمان."
همت لتنفيذ أمره، ولكنها ارتدت فجأة قائلة بتوجس:
"حسين.. أوعى تكون دي لعبة من ألاعيبك؟"
قال متصنعًا الغضب:
"ألاعيب إيه وزفت إيه؟ فيه إيه شروق، هو إحنا هنهزر؟"
تخصرت مدافعة:
"آه ألاعيب، ولا انت نسيت امبارح؟ لما قولتلي أشوف عينك اللي اتطرت عملت إيه؟"
رد بابتسامة خبيثة:
"عملت إيه؟ ما تفكريني بقى عشان أنا مش فاكر."
قالت بابتسامة ازدادت اتساعًا تخفي خجلها:
"يا سلاااام... يعني نسيت لما شدتني بدراعك السليم ده لحد أما اترميت عليك و......."
لعب حاجبيه قائلًا بابتسامة عبثية:
"وايه؟! ما تقولي. ولا تيجي نعيد من تاني."
لكزته بقبضتها على ذراعه السليم هاتفة بضحك:
"بس بقى قلة أدب. أومال لو ما كنتش مدشدش كنت عملت إيه؟"
تأوه متألمًا:
"آه ياني يا مّا. دراعي يا مجنونة."
صدح صوت زهيرة خلفهم:
"ماله دراعك ياحبيبي؟ عملت لك إيه البت دي؟"
وضعت كفها على فمها بإحراج، غير قادرة على الالتفاف نحو المرأة. فرد حسين بجدية مصطنعة:
"مافيش حاجة يا أمي، ده أنا بس بهزر مع شروق."
"كده. طب تمام يانور عيني. ربنا يهنيكم ببعض. بس ياريت والنبي توطوا صوتكم شوية عشان أعرف أنام يعني."
قالتها بنبرة تنضح بالخبث، جعلت حسين يضحك من قلبه متشفيًا في شروق التي تسمرت محلها تكاد أن تموت من الخجل، ووجهها أصبح كقطعة الفراولة من الإحمرار.
***
"- أنا عارف إنك متفاجئة وتلاقيكي مستغرباني كمان؟ بس بصراحة أنا مصدقت اتشجع عشان أكلمك. خصوصًا لما عرفت بموضوع فسخ خطوبتك مع الجدع البقف ده."
"- بقف!"
تفوهت بها مجفلة، وقبل أن تتابع وجدته يقاطعها:
"- أرجوكي سيبيني أكمل كلامي ياسحر."
"- سحر!!"
تمتمت بها داخلها باستنكار، وهي تستمع إلى باقي حديثه:
"أكيد انتي عارفة أو حسيتي من طريقة معاملتي ليكي إن معجب من زمان ونفسي أتقدم. بس طبعًا كنت متردد عشان يعني كنت خايف لترفضيني عشان شكلي. رغم إني في أوقات كتير كنت بحس بإعجابك بيا من خلال نظراتك أو تلميحاتك بالكلام."
أشارت بسبابتها نحوها بجزع:
"أنا كنت معجبة بيك وبلمح بالكلام؟"
باغتها فجأة وهو يتناول كف يدها قائلاً:
"مش مهم ياسحر إن كنتي لمحتي ولا لأ. المهم إني فوقت لنفسي أخيرًا واتشجعت وفاتحتك. فاضل بقى إنك تتشجعي انتي كمان وتعترفي باللي جواكي. بأنك متقبلاني رغم إني شكلي يعني على قدي، مش زي الجدع ده اللي فاكر نفسه ولا نجوم السيما وهو ما يسواش قشر بصلة."
"- قشر بصلة!!"
غمغمت بها مصدومة، قبل أن تفاجأ بالأستاذ عبد وهو يرفع من ياقة قميصه وصوت رجولي خشن محمل بالغضب:
"مين ياض اللي ما يسواش قشر بصلة؟"
هتفت بجزع:
" يانهار أسود رمزي. سيبه يا رمزي."
لوح بسبابته محذرًا نحوها:
"اخرسي انتي، ما أسمعش نفسك خالص. وانت ياض.. لساك ماسك في إيدها؟ سيبها ياض بدل ما أقطعلك إيدك دي."
قالها وهو يفلت كفه عن كفها عنوة. فصاح عبد الله:
"وانت مالك انت يابارد. هي مش خلاص فسخت خطوبتها منك؟ ما تسيبها بقى تشوف حياتها مع الإنسان اللي بتحبه."
شهقت سحر بغيظ من كلمات عبد الله، لتتفاجأ برد فعل رمزي القوي وهو يهتف:
"بقى أنا بارد وهي بتحبك انت؟ طب دافع بقى ياشاطر عن حبها ليك."
ثم طرحه أرضًا ليكيل له باللكمات، وسحر تهتف لتركه خوفًا على الاثنان ودرءًا للفضائح، رغم انتشاءها بكل ضربة يتلقاها عبد الله بعد افتراءه عليها.
***
على منضدة خشبية صغيرة بإحدى الأندية الخاصة بعلية القوم، كان جالسًا يراقب صغيرته التي تلعب حوله مع أقرانها من الأطفال. منتظرًا بشرود اللقاء المرتقب. لا يصدق حتى الآن أن تكون حقيقة. لقد مرت سنوات طوال منذ الحادثة المأساوية التي ظلت عالقة بذهنه دون أن يتمكن من تخطيها والنسيان. وكانت السبب الرئيسي لتحوله من إنسان عابث إلى دكتور جاد لا يلتفت سوى لمستقبله والمحافظة على إرث والده الذي كاد أن يفقد صحته حزنًا على إصابة ابنه الوحيد. هذه الإصابة التي نتجت عن الحادثة وجعلته يتأخر في مساعدتها، وهو يثق تمام الثقة في براءتها وطهارتها.
"في مكان نقعد جمبك يادكتور؟"
رفع رأسه على مصدر الصوت، فارتد بمقعده للخلف مجفلًا. لا تصدق عيناه رؤيتها. رغم النظارة السوداء التي أكلت نصف وجهها، لكنه عرفها. ملفحة بحجاب طويل على ملابس عصرية ذات ماركات غالية يعلمها هو جيدًا. وجهها الأبيض ازداد صفاءً ونضارة أكثر من ذي قبل مع ابتسامة رائعة زادته إشراقًا، كما أظهرت النظارة الشمسية رقيها ونضجها. وتحمل بيدها طفلًا أكبر من ابنته بقليل، ولكنه جمع بين صفات أبيه الشكلية وجمال والدته.
طُرقت فجر بقبضتها على المنضدة بقوة:
"هتفضل متنح لها كده كتير مش ناوي بقى تقولنا اتفضلوا؟"
نفض رأسه وهو ينهض عن مقعده بارتباك:
"آه طبعًا اتفضلوا يا جماعة."
مدت إليه كفها الحرة بابتسامتها المعهودة:
"طب مش تسلم الأول يادكتور؟"
مد كفه المرتجفة يصافحها بتوتر:
"أهلًا بيكي يا فاتن... انتي عاملة إيه؟"
"أنا كويسة والحمد لله. انتي اللي إيدك باردة أوي وكأنك عيان."
قالتها وجلست على الفور مع ابنها. نظر هو لكفه التي صافحتها للتو صامتًا، ولكنه أجفل على صوت فجر التي هتفت عليه:
"أنا واقفة على فكرة قدامك لسه. ولا أقولك اقعد أحسن، مش وقت سلام."
لم يرد على مزحتها، بل اكتفى أن يجلس على مقعده أمامهم، وهو ما يزال مأخوذًا برؤيتها.
تكلمت فاتن بمرح:
"انت لسه برضوا مش مصدق إن أنا اللي قاعدة قصادك؟"
"بصراحة متأخذنيش، دي حاجة ولا في الخيال. خصوصًا كمان لما عرفت إنك كنتي متجوزة الدكتور منذر. يعني قريبة من دايرتي وأنا اللي بقالي سنين بضرب أخماس في أسداس عن مصيرك المجهول."
خبأت ابتسامتها وهي تتنهد قانطة، قبل أن ترد:
"عندك حق فعلًا. اللي حصل كان أكبر من أي استيعاب أو أي منطق. بس الحمد لله ربنا وضع في سكتي اللي ياخد بإيدي وينجدني. بس أنا عمري ما نسيت جميلك معايا ياعصام."
ضيّق عيناه متفكرًا:
"جميل إيه بالظبط؟ أنا مش فاكر حاجة."
أجابت ممتنة:
"يمكن انت مش هتكون فاكر، بس أنا لا يمكن أنسى اللحظة لما...."
توقفت قليلًا متأثرة بذكرة الماضي، ثم أردفت:
"لما دخل علاء واشتغل ضرب فيك وأنت كل اللي على لسانك فاتن شريفة وملمستهاش. اتحملت الضرب وانت بتدافع عني في أضعف أوقات حياتي من غير ما ترد بضربة واحدة على علاء اللي سابك في الأرض سايح في دمك. وأنت برغم كل اللي فيك كنت رافض مني المساعدة أو إنقاذك. ده انت حتى فضلت تنتظر والدم بينزف من دماغك، مش راضي تتصل بحد ينجدك غير بعد ما أنا أمشي عشان ما تضرش بسمعتي. كان أهم حاجة عندك إنّي أفضل مستورة وما نفضحش."
ظل ساهمًا بحديثها، وهو لا يجد ما يرد به عليها، وكيف يرد، وهذه الحادثة حاضرة في ذهنه كأنها حدثت أمس، وجرحه مازال ينزف بداخله.
صفقت فجر بكفيها لتفيق الاثنان:
"اصحوا يا جماعة، اللي فات راح وعدى. خلينا في الحاضر. وشوفوا اجتماعكم النهاردة على إيه بالظبط."
انشق ثغره بابتسامة مضطربة وهو ينظر نحو الطفل الصغير ليغير دفة حديثهم:
"بسم الله ما شاء الله. صحيح. ابنك جامع في الصفات اللي هاتخلي البنات تجري وراه لما يكبر."
ابتسمت بإشراق قائلة وهي تنظر نحو الطفل:
"ده حبيبي دا ابن عمري. عبد الرحمن هدية والده ليا قبل ما يتوفاه ربنا."
"ربنا يخليهولك يارب ويرحم الدكتور منذر. ده كان من أحسن الناس خلقًا والله، حتى في شراكته معانا كان في منتهى الإخلاص والتفاني."
تبسمت ترد على كلماته:
"آه شركته ليكم. جينا بقى للمهم. عشان أنا كنت عايزة أتكلم معاك في الموضوع ده."
أومأ برأسه:
"حقك طبعًا. أنا جايب معايا النهاردة كل حسابات الشهور اللي فاتت. ده غير طبعًا إني عايزك تطلعي على كل التطورات اللي حصلت في الفترة دي وخصوصًا قسم الدكتور منذر."
قاطعته فجر:
"بس بس يا عم، أنا ما عنديش دماغ للتفاصيل بتاعتكم دي. إيه رأيكم آخد عبد الرحمن ونروح نلعب مع الأمورة نانيس بنتك؟"
نهضت من جوارهم لتلعب مع الطفلان بحرية وسعادة، متناسية الزمان والمكان، حتى أتاها اتصاله فردت ضاحكة:
"الوو ياحبيبي عامل إيه؟"
أتاها صوته الغاضب:
"انتِ فين يافجر؟"
ردت مرتبكة:
"يعني هاكون فين يعني؟ رحلت مثلًا؟ هو انت بتسأل عليا ليه؟"
وصلها صوت زفرة طويلة وحادة قبل أن يهتف بغضب:
"عشان أنا روحتلك مدرستك وسألت عليكي، قالوا لي خرجت من يجي ساعتين وفي البيت مش موجودة وعند حسين وشروق في المستشفى برضه مش موجودة. قاعدة فين يافجر دلوقتي؟ جاوبيني حالًا."
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم امل نصر
ارتبكت من حدته المفرطة في الحديث إليها، حتى كادت أن تقول الحقيقة وتذكر اسم فاتن وعصام.
لكنها تداركت نفسها، فخرج صوتها بتلعثم:
- أنا عند واحدة صاحبتي تانية غير سحر.. بزورها في بيتها عشان عيانة.
وصلها صمته قليلًا، قبل أن يسألها بريبة:
- صاحبتك دي اسمها إيه يا فجر؟
ردت كاذبة باسم واحدة أتى على رأسها فجأة:
- مدام نور... هي مش أستاذة خالص على فكرة، معانا في المدرسة.. عشان تعرف يعني.
- امممم.
تابع بنبرة هادئة بشكل عجيب:
- طب خلصي مشوارك يا فجر، ويا ريت متتأخريش.
أومأت بلهفة:
- طبعًا طبعًا.. هحاول متأخرش يا حبيبي.
قال منهيًا المكالمة:
- تمام يا فجر، وأنا منتظرك عشان تحكيلي.. سلام بقى.
بعد أن أنهت المكالمة، تنفست الصعداء وهي تشعر أخيرًا بدخول الهواء إلى صدرها. فقد وترتها مكالمة علاء الغريبة بشكل مخيف، وانتابها شعور القلق بشدة، فهي لم تعهد هذه الحدة قبل ذلك من علاء، خطيبها الحنون على الإطلاق.
التفت لتعود للأطفال بعد أن انشغلت عنهم بمكالمتها مع علاء، ولكنها لم تجدهم. جالت بعينيها تبحث عنهم في جميع الأنحاء وهي تنادي بأسمائهم:
- نانيس.. عبد الرحمن.. نانيس.. بيدو.. يا ولاد انتوا فين؟
سقط قلبها عند أقدامها حينما رأت الكرة الصغيرة التي كانت تتلاعب بها معهم، بعد أن ابتعدوا عن طاولة فاتن وعصام بمسافة طويلة عنهم. وبدأت تردد بصوت مرتعش وتبحث عنهم بتشتت:
- يا بيدو.. يا ناني.. يا نهار أسود انتوا روحتوا فين وسيبتوني؟
***
خرجت شروق من الباب الخارجي للمشفى لتستقل إحدى سيارات الأجرة للعودة لمنزلهم، بعد أن أنهت زيارتها اليومية لحسين والاطمئنان عليه. ابتسمت بخفة وهي تتذكر مناوشاته لها، وهذا الجزء الخفي من الشقاوة لديه، والذي لم يظهره لسواها، ومكره الدائم للأيقاع بها رغم حالته الصحية واصاباته العديدة، ولكنه استطاع بدهائه عدة مرات خطف القبلات واللمسات الجريئة منها، متعللًا بأنه زوجها حتى لو كان طريح الفراش. والغريب أنها في كل مرة تأخذ حذرها منه، ومع ذلك ينجح بألاعيبه معها.
اعتلت الرصيف القريب من المشفى تشير بيدها لسيارات الأجرة أمامها، ولكن شتت انتباهها هذا الصوت المتكرر والذي تجاهلته عدة مرات، حتى التفتت نحو المصدر حينما ازداد علوه. وجدت امرأة ترتدي عباءة سوداء واقفة بمدخل إحدى الشوراع الضيقة، وتغطي على نصف وجهها بطرف حجابها القصير، وهي تشير لها بيدها:
- بس بس تعالي.
أومأت بسبابتها نحو نفسها ترد:
- انت بتشاوريلي أنا؟
أجابت بصوت خفيض:
- أيوة انتِ ياشروق.. إيه مش واخدة بالك مني؟
- شروق!
رددت خلفها وهي تميز بحة الصوت والشبه الذي ليس غريبًا عنها. تحركت بخطواتها حتى اقتربت منها على مدخل الشارع، فسألتها وهي تدقق النظر بها:
- انتِ نرمين صح؟
أومأت برأسها وتكلمت بانكسار:
- أنا عارفة إنك مستغرباني دلوقتي، بس أنا خايفة أكشف وشي لايشوفني أدهم ولا علاء ابنه، وأنا مش ناقصة.
سألتها بحيرة:
- مش ناقصة إيه؟ ثم انتِ موقفاني ليه بالظبط، وانتِ هربانة من يوم حادثة حسين وماحد عارف مكانك فين؟
تلجلجت قليلًا ثم قالت بتماسك:
- ممماهو ماهو انتِ ماتعرفيش ياشروق باللي عمله أدهم معايا عشان أهرب.. دا كان بيشك فيا وفي أخلاقي من غير سبب لحد أما هربت طفشانة.. بس أنا تعبت وكنت عايزاه يسامحني عشان أرجع.
- عايزة ترجعيلوا يعني، طب وأنا مالي؟
سألتها فحركت الأخرى رأسها يمينًا ويسارًا وخاطبتها:
- طب بقولك إيه.. ماتيجي معايا نقعد في أي حتة كدة عشان أفهمك.
هزت رأسها رافضة:
- آسفة معلش، أنا يدوب أروح.
تحايلت بإصرار:
- طب حتى ادخلي لجوا الشارع شوية، لاحسن حد يوصل فجأة منهم.. دول بس كلمتين عالواقف، عايزاكي تبلغيهم لأدهم عشان يرجعني.
زفرت متأففة وهي تستسلم لسحبها لداخل الشارع الضيق، وقبل أن تبتعد هتفت برفض:
- خلاص كفاية هنا، قولي بقى واتكلمي، اديكي اداريتي شوية عن مبنى المستشفى.
وقبل أن تتفوه نرمين بكلمة، تفاجأت شروق بيد كبيرة تلتف حولها، والأخرى تكمم فاهها بمنديل أبيض ذو رائحة نفاذة. حاولت مقاومتها ولكنها لم تستطع الصمود أكثر من دقائق، حتى ارتخت أعصابها ولم تعد تشعر بما حولها على الإطلاق.
***
تذرف الدمعات بدون توقف، والقلق يأكل قلبها على الطفلين، مع شعور بالحرج يكاد أن يفتك بها، وهي لا تقوى على النظر بأعين عصام الذي انطلق مع عمال النادي والموظفين في رحلة البحث عن الطفلين. وفاتن قريبًا منها على إحدى المقاعد تبكي وتنوح اختفاء طفلها، وبجوارها مجموعة من النساء أعضاء النادي يواسينها بعدة كلمات مطمئنة بقرب العثور على طفلها، فلا أحد يدخل ولا يخرج من النادي غير معلوم، بالإضافة للكاميرات الموضوعة في مدخل النادي وخارجه.
- آآه يابني ياترى انت روحت فين بس؟
ردت عليها إحدى النساء:
- يا مدام اطمني، مدام الكاميرات ماسجلتش خروجهم من البوابة، يبقى أكيد هنا في النادي.
قالت ببكاء:
- بس أنا قلبي هايوقف من الخوف عليه.. خايفة ليكون جراله حاجة هنا كمان جوا النادي، دا مساحته كبيرة والأطفال ما بيفرقش معاها أي حاجة عشان تجربها.
واستها المرأة الأخرى:
- تفائلي يا مدام وخلي إيمانك بربنا كبير.
- ونعم بالله.. أنا بس لو أعرف اختفوا إزاي كدة؟
وجهت السؤال نحو فجر التي أشاحت بوجهها عنها بصمت، وهي تتمنى الموت على أن يصيب الأطفال السوء. انتفضت فجأة على صرختها باسم طفلها وهي تنهض من مقعدها مسرعة. التفت فجر للأمام فوجدت عصام وهو يحمل الطفلين، ابنته وعبد الرحمن، الذي اختطفته والدتها لتعانقه بلهفة وشوق.
- انت لقيتهم فين يا عصام؟
سألته فجر بعد أن استقامت واقفة، فأجاب هو بنبرة مرحة:
- لقيتهم تحت الطاولة مستخبيين يا ستي، في نفس المكان اللي كنتي بتلعبي فيه معاهم. العفريتة بنتي بقى حبت تعمل فيكي المقلب اللي بتعمله معايا على طول، وجرجرت ابن فاتن معاها يا عيني.
- يعني كان مقلب من العيال وأنا شربته!
قالتها بصدمة، لتسقط مغشيًا عليها بعد ذلك.
***
بداخل السيارة التي يقودها، كانت نرمين جالسة في المقعد الخلفي مسندة رأس شروق الفاقدة للوعي على كتفها بسبب ما استنشقته.
- طب أنا كدة عملت كل اللي قلت عليا.. هاتنفذ وعدك بقى معايا ولا هاتخلي بيا؟
سألت، وكان رده بحماس:
- اطمني يا نرمين.. هو آخرهم يوم ولا يومين بالكتير وهتسافري معايا بلد جديدة، أنا جهزت كل حاجة.
- طب دي هاتعمل فيها إيه؟ وليه أصريت على خطفها أصلًا؟ لزمتها إيه معانا؟
سألته بالإشارة إلى شروق. رد هو بابتسامة ذئب وعيناه في المرآة عليها:
- هعمل نفس اللي عملته من عشر سنين يا نرمين.. وبعدها هي تختار بقى، تيجي معايا ولا تتحمل اللي هايحصل معاها. وفي الحالتين هابقى انتقمت من حسين سبب كل البلاوي اللي حصلت معايا.. ويبقى يوريني هايرفع راسه إزاي قدامي بعد كده بعد ما أكون علمت عليه.. مش قولتلك مدام خربانة يبقى أخد حقي صح.
أومأت برأسها وهي تزدرد ريقها خوفًا منه ومن عقليته السامة. لقد تجاوز بفعله فكر الشيطان نفسه.
بعد عدة دقائق سألته وهي تلف رأسها للخلف:
- على فكرة يا سعد، في عربية ماشية ورانا من ساعة ما تحركنا.
- عربية إيه؟ وما قولتيش ليه من الأول عليها؟
- التاكسي اللي ورانا على طول دا يا سعد.. أنا بس مستغربة إنه ما فرقناش نهائي.
دقق النظر في مرآته الخلفية إلى ما تشير إليه وهو يبطئ السير، فاحتدت عيناه بغضب وهو يزيد من سرعته:
- دا مش تاكسي عادي يا بت الهبلة.. دا الواد مازن ابن صاحب الخبز جارنا راكب فيه.. أكيد شافنا ابن الـ... وفهم.
شهقت عاليًا، مخضوضًا:
- يعني إحنا كدة متراقبين؟ انت بتقول إيه؟ الله يخرب بيتك وبيت سنينك ياشيخة.. دا...... إيه ده؟
قطع جملته وهو ينظر إلى السيارة التي ظهرت أمامه فجأة، ليتابع بهلع:
- يا ولاد الـ...... دول عاملين عليا كماشة!
هتفت بجزع هي الأخرى من الخلف:
- تقصد إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة؟
- عربية علاء دي اللي جاية من بعيد علينا.. دا باين الزفت مازن بلغه.
صاح بها وهو يضرب على وجنتيها بكفيه:
- يانهار أسود.. دا أنا كدة روحت في خبر كان.. أدهم مش بعيد يقطع من لحمي نساير لو عرف باللي حصل. مش كفاية إنه عرف بتاريخي معاك.
- بطلي ندب بقى وسيبيني أتصرف أنا مش ناقصك.
قالها من تحت أسنانه وهو يفتعل حركة غير محسوبة بسيارته، حينما غير وجه سيرها للجهة العكسية متحديًا قوانين السلامة والمرور كي يفلت من الاثنين. مما جعل علاء يزمجر عليه بداخل سيارته مطلقًا وابلًا من الشتائم النابية نحوه. فزود سرعة السيارة هو الآخر وغير طريقه سيره للحارة الأخرى من الطريق كي يتمكن من ملاحقته. ومازن الذي توقفت سيارته بوسط الطريق، كان يتصل بإدارة المرور، بناءً على توجيهات علاء المتابع معه على الهاتف، مبلغًا عن الخاطفين وأوصافهم مع أرقام اللوحة الخلفية لسيارتهم وشكل المخطوفة.
***
فتحت سميرة باب شقتها متأففة من صوت الجرس المستمر بإزعاج وهي تهتف:
- ما خلاص اديني وصلت عشان أفتح.. هو أنا كنت واقفة على الباب يعني؟ يانهار أسود البت جرالها إيه؟
قالت الأخيرة وهي تضرب على صدرها شاهقة حينما رأت ابنتها وهي مستندة بإعياء على جسد علاء الذي كان محاوطها بذراعه حتى لا تقع. ورد على سميرة:
- مش وقته دلوقتي يا خالتي، خليني أدخلها الأول وأفهمك اللي حصل.
- اتفضل يابني البيت بيتك.. هو انت غريب.
قالتها سميرة وهي تنزاح عن الباب بجسدها ليدلفا لداخل الشقة. غمغمت تدلف خلفهم:
- أموت وأعرف بس المصايب مش سايبانا ليه؟ هو احنا كنا طلعنا القمر بس ولا إيه ياربي بس؟
قال بحزم:
- احمدي ربنا يا خالتي، دا احنا ربنا نجدنا.
ردت بريبة على كلماته:
- الحمد لله يابني، بس هو إيه اللي حصل؟
بعد ساعة، كان المنزل صاخبًا بالأصوات الساخطة والعالية، بعد أن قص علاء جميع ما حدث من وقت أن أخبره مازن برؤية شروق ترفع مغيبة عن الواقع لداخل السيارة الغريبة، ثم ملاحقته هو لهم وبعض أفراد الشرطة، حتى يئس المجرمون فتركوا السيارة ومن بداخلها ليتمكنوا من الهرب.
صاحت سميرة:
- منه لله اللي يأذي الولايا.. بس انتي يابنتي إيه اللي يوقفك مع واحدة غريبة ومتلمتمة.. مخك راح فين بس؟
قبل أن تجيبها شروق وهي متلحفة بغطائها على الكنبة وسط الصالة داخل أحضان زهيرة، ألقت نظرتها نحو علاء الذي وصاها بعدم ذكر أسماء الخاطفين حرجًا من أبويها لما كان يمثله الاثنان بقربهم منه ومن عائلته. فردت بصوت ضعيف:
- معلش يا ماما.. هي كانت غلطة وربنا ستر.
شددت عليها زهيرة:
- ألف حمد وشكر ليك يارب إنه نجاكي.. حد عارف ولاد الحرام دول من أنه بلد.
تكلم شاكر بغضب:
- بس أنا مش هاستريح ولا يهدالي بال غير لما يتقبض عليهم ولاد الـ...... دول.. هي سرقة بنات الناس وفي وسط الشارع كدة هينة؟ دول باينهم فجرا ولاد الـ......
ازدرد علاء ريقه الذي جف وانسحبت الدماء من وجهه وهو يومئ برأسه. وبداخله يتمنى الأرض أن تنشق وتبتلعه ولا أن يعرف شاكر الحقيقة. أجفل على صوت أبيه الثائر وهو يدلف لداخل المنزل:
- وشرفي أنا ما هاسكت على اللي حصل ده.. مش مرات ابن الحج أدهم المصري اللي يتعمل معاها كدة.. هي العيال دي خابت ولا إيه؟
تركه علاء يلقي بكلماته الغاضبة وهو يرمقه بصمت في انتظار انتهاءه من مناقشاته معهم، ثم طلب منه الجلوس على انفراد في شقته بعيدًا عن الجميع.
***
- يا ولاد الحرام.
قالها أدهم وهو يشتد بجلسته على المقعد، وقد ارتسم الذهول مشوبًا بالغضب على وجهه. فتابع:
- ما اتصلتش بيا ليه وقتها عشان ألحقك أنا والرجالة ونعرف نجيبهم ولاد الـ...... دول؟ دا أنا كنت عاجنتهم عجن.
رد علاء وهو مستند بوجنته على أطراف أصابعه بسأم:
- هو دا كل اللي هامك.. إنك تمسكهم وتعجنهم! مش هامك منظرنا قدام الناس لما يعرفوا إن الحركة الواطية دي عملها صاحب ابنك ومراتك انت معاه؟
- يعني هانعمل إيه بس؟ ماهو دا حظنا بقى إننا وقعنا مع ولاد حرام.
قالها أدهم وهو يزفر بتعب وإحباط. فقال علاء وهو ينظر أمامه بشرود:
- أنا كنت في نص هدومي دلوقتي وأنا وسط الجماعة وهما بيسألوني لاكون شفت الخاطفين.. حمد لله شروق التزمت بوعدها معايا وما اتكلمتش.. بس القضية شغالة وأنا معرفش هقدر أخبي لحد إمتى؟
تفاجأ بكف أبيه وهو يربت على ركبته بدعم يقول:
- هون على نفسك يابني.. شاكر عاقل وأنا متأكد إنه لو عرف الحقيقة هايتفهم الوضع وهايقدر.. المهم انت عرفت إزاي في وقتها؟
تنهد بعمق وهو يرد:
- لا يلدغ المرء من جحر مرتين.. أنا سهيت مرة، ولا يمكن أكررها تاني؟ أما أشوف التانية كمان ظروفها إيه.
غمغم الأخيرة بصوت خفيض لا يصل إلى أبيه، مع زحمة من الأفكار والمخاوف تكاد أن تعصف برأسه.
***
في طريق عودتها إلى البيت بعد أن استفاقت جيدًا من مقلب الأطفال، أصر عصام على توصيلها بسيارته، مع استحالة أن يرافقا فاتن. كانت جالسة في المقعد الخلفي بجانب الطفلة التي كانت تلهو ببرائة معها، وهي غير قادرة على الاندماج، بسبب انشغالها في موقف علاء الذي تجاهل كل مكالماتها في الساعات الأخيرة بعد أن أخلفت بوعدها معه وتأخرت في العودة للمنزل.
أمسكت بالهاتف مرة أخرى تحاول الاتصال، ولكنه كالعادة أغلق الاتصال دون رد. زفرت بإحباط وتمتمت:
- استغفر الله العظيم.. أكيد هايعملي فيها موضوع كبير.
- أنت كنتِ بتكلميني يا فجر؟
سأل عصام مما جعلها تخرج من شرودها وردت بالنفي:
- لا لا أنا بس افتكرت حاجة كدة وطلع صوتي من غير ما أحس.. ما تاخدش في بالك انت.
قال ضاحكًا:
- ليكون افتكرتي مقلب النهاردة ولا حاجة.. دا إحنا شيبنا من الخوف لما اغمى عليكي.. واحنا كنا يدوبك كنا بناخد نفسنا برجوع الولاد.
تغضنت ملامحها وهي تتذكر، فقالت بسأم:
- والنبي ما تفكرني.. دا أنا لسة لحد الآن مش قادرة ألم على جسمي من الخضة.. أنا في حياتي ما اتعرضت لموقف زي ده.
ضحك من قلبه بصوت عالٍ وهو يرد:
- بصراحة أنا عاذرك.. هي حاجة صعبة فعلًا.. بس أنا أعمل بقى في بنتي؟ أصلها طالعة شقية زي أبوها.. انتي ماشوفتيش هي كانت ماسكة في الواد إزاي؟
ابتسمت لدعابته وردت:
- ماهو عبد الرحمن كمان قمور.. عندها حق تعجب بيه.
- انتِ هاتقوليلي.. ماهو جميل زي والدته دي بقت بطل.. آسف يا فجر متأخذينيش.
لم تستطع منع ضحكاتها وهي تشيح بوجهها عنه، مما جعله يبتسم بحرج.
***
حينما عادت أخيرًا لبنايتهم وصعدت الدرج، تفاجأت بعلاء وهو يحتل الدرجة الأخيرة أمام شقتهم، مشبكًا كفيه وينظر نحوها بتحفز، وكأن سبب جلسته الغريبة هذه هو انتظارها.
- انت قاعد كدة ليه؟ طب والسكان اللي طالعة ونازلة بيعدوا إزاي؟
سألت باندهاش، وكان رده باقتضاب:
- مستنيكي.
صعدت الدرجات الباقية نحوه وهي تسأل:
- طب ما أنا كنت بتصل بيك ماردتش عليا ليه؟
زفر مطولًا قبل أن ينهض مفسحًا لها الطريق وهو يتحرك نحو شقته يقول:
- تعالي عايزك الأول قبل ما تدخلي بيتكم.
ردت مزبهلة وهي تراه يفتح بالمفتاح باب شقته:
- أجي عندك إزاي؟ والظاهر كدة إن خالتي زهيرة مش موجودة في البيت جوا.
ألقى نحوها نظرة مخيفة وهو يدفع بيده الباب:
- وافرض الشقة مافيهاش حد غيرنا، تفتكري أخلاقي تسمحلي إني استغل الوضع حتى لو كنتِ مراتي.
أطرقت رأسها في الأرض بخزي منه. وهو تابع:
- خالتك زهيرة قاعدة عندكم في الشقة جوا.. والموضوع اللي أنا عايزك فيه ما يستناش.
بدون تفكير تحركت لتدلف معه الشقة، رغم تخوفها الكبير من هيئته.
***
- بتقول إيه؟
صرخت بها بأعين جاحظة بهلع، لتكمل وهي تهز رأسها بغير تصديق:
- لا انت أكيد بتهزر صح؟ مش معقول يكون كلامك دا جد؟
مال برأسه مضيقًا عينيه قائلًا بنبرة متهكمة:
- يعني هو دا كلام ينفع أهزر فيه؟ بزمتك انتِ تعرفي عني كدة؟
هتفت باكية:
- يانهار أسود.. يعني أنا أختي اتخطفت صح؟
- أيوه صح، ولولا إني مشغل حد يتابعها ويجيبلي أخبارها، ماكنتش أنا هقدر أوصل في الوقت المناسب عشان أنجدها من إيد ولاد الـ...... دول.
- انتي مخلي ناس تراقب أختي؟
قالت بعدم تصديق، وهو اقترب منها يؤكد:
- أيوه يا فجر.. أنا مشغل ناس تراقب شروق من ساعة اللي حصل مع سعد، وأنا مابقيتش ضامن أي حركة غدر ولا خسة منه.. زي ما بالظبط مشغل ناس تراقبك انتِ كمان عشان ماضمنش إنه يمكن يأذيني فيكي!
فغرت فاهاها وهي تستوعب كلماته، وقبل أن تنطق ببنت شفاة وجدته يسأل:
- مين الست اللي دخلتي معاها النادي النهاردة يا فجر وقعدتي فيه اليوم بطوله عشان تخرجي بعدها مع عصام يوصلك في عربيته؟
ارتدت للخلف مجفلة وهي تشعر كأن عقلها أصابه الشلل، وما عادت قادرة على اختلاق كذبة ترد بها. فقالت بتعلثم:
- دي واحدة صاحبتي ااا.. اصرت تاخدني معاها النادي، وو عصام اا.. قابلته هناك بالصدفة واصر يوصلني معاه في سكتة.. بس كدة.
أومأ برأسه يمط شفتيه:
- بس كدة!! طب الست دي اسمها إيه؟
هتفت بدفاعية:
- وانت مالك انت باسمها؟ ما أنا قولتلك إنها واحدة صاحبتي، ولا هو تحقيق وخلاص.
- لا مش تحقيق يا فجر.. بس أنا لما ألاقي خطيبتي أو مراتي بمعنى أصح بتكذب وتألف قصص وتتأخر بسبب ست بتقابلها في الخفاء، يبقى أنا لازم أعرف الست دي صفتها إيه عندك؟ ولا انتِ نسيتي لما قولتي الصبح إنك في زيارة لواحدة عيانة اسمها نور وانتِ بتكلميني من قلب النادي.
سقطت على المقعد خلفها بانهيار ولسانها انعقد عن الرد، وكأنها فقدت النطق. فتابع هو:
- براحتك يا فجر.. على العموم الست دي أنا بقى عندي عنوانها، وبكرة هسأل وأعرف اسمها.. وإن حصلت أروح لها البيت وأحذرها من أذيتك هاعملها ومش هايهمني.. يبقى من الأحسن إنك تتكلمي انتِ من نفسك.
- اسمها فاتن.
صرخت بها بانهيار. قطب حاجبيه يسألها بتفسير:
- إيه؟ بتقول إيه؟
مسحت بيدها دمعة فرت على وجنتها، فقالت بقوة:
- بقولك الست اسمها فاتن.. ولا انت مش فاكر فاتن؟
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل التاسع والثلاثون 39 - بقلم امل نصر
دلفت لداخل الشقة تجر أقدامها جرًا وقد أهلكها التعب.
متجهة على الفور نحو غرفتها، متجاهلة الرد على الفتاة التي فتحت لها وسألتها عن سبب تأخرها في العودة للمنزل، وهل كان بخطرها التلكؤ بالشوارع بعد رحلة طويلة من العدو.
لوحت بكف يدها تلقي التحية على خالتها محاسن الجالسة مع فتياتها بوسط الصالة بملابسهم العارية، تومئ برأسها دون التفوه ببنت شفاة.
من وقت أن غادروا السيارة التي تركوها مضطرين هربًا من مطاردة علاء وبعض سيارات الشرطة، هي لا تصدق حتى الآن أنها قد تمكنت من النجاة من براثن الشرطة وأدهم، بعد أن أوقعهم علاء في الفخ.
ولكن مهلًا، مازال الخطر مستمر مادامت هنا في نفس المدينة معهم.
ارتمت على تختها وخلعت حذائها تدلك قدميها لبعض الوقت حتى تخفف عنهم الألم، ثم استلقت وهي تتناول هاتفها تتصل به.
وكان رده سريعًا:
"أيوه يا نيرمين.. انتِ وصلتي البيت ولا لسة؟"
"أيوه وصلت أخيرًا.. بعد ما اتهلكت من الجري في الشوارع ياسعد.. وانت بقى وصلت ولا لسة؟"
"أنا وصلت أوضتي عالسطح من يجي ساعة كدة.. المهم بقى حد حس ولا سألك انتِ اتاخرتي ليه؟"
ردت بسأم:
"والنبي ما تجيبليش سيرة حد ولا سبت.. أنا فيا اللي مكفيني.. اتصرف بسرعة ياسعد أنا عايزة أخرج من البلد دي وأروح أي مصيبة بعيد عن هنا.. بعد اللي حصل النهاردة ماينفعش نتأخر أكتر من كدة."
"خلاص يابت."
قال بمقاطعة ثم تابع:
"هما ليلتين بس أكون جهزت ورقي وورقك عشان نسافر ونخلص من الهم دا كله.. المهم بقى البت دي عاملة إيه عندك؟ بتخرج ولا لأ؟"
زفرت متأففة:
"يا عم واحنا مالنا بيها بس؟ خلينا في همنا."
وصلها صوت أنفاسه الحادة وهو يتكلم من بين أسنانه:
"ماهو كله يبقى همنا يازفتة انتي.. ولا نسيتي أنها هي السبب في كل اللي حصل لما جرجرتك زي البهيمة على شقتي وخلت حسين يسجلك ويسجلها.. دا أنا الدم بيغلي في نفوخي وجسمي كله عشان ما عرفتش انتقم من حسين النهاردة.. وهاموت لو مشيت من غير ما أفش غليلي في حد منهم.. سبب النصايب دول."
متكومة على نفسها على سريرها بداخل غرفتها التي أغلقتها عليها من وقت أن عادت لمنزلهم، رافضة الكلام مع أحد وحتى الطعام لم تعد لها شهية فيه.
هي فقط اكتفت بالإطمئنان على شقيقتها وبعد ذلك دلفت الغرفة تكتم أحزانها مع نفسها كالعادة.
ولكن هذه المرة كان الألم قويًا يكاد أن يمزق أحشائها، ألم الفقدان.
تشعر بقرب بفقدانه كلما تذكرت تعابير وجهه المنغلقة وهي تسرد عليه كل ما حدث معها الأيام الماضية بدايةً منذ اللقاء الذي دبرته عمتها مع فاتن، حتى ما حدث هذا اليوم في النادي ولقاءهم بعصام.
كان يستمع لها وهو واجمًا لا ينطق ببنت شفاه وهي تسرد، متعمقة النظر بملامح وجهه تريد أن تستشف ردة فعل واحدة تمكنها من معرفة ما يفكر به، ولكنه لم يريحها أبدًا.
كما أنه لم يثور كما توقعت، حتى أسئلته كانت هادئة بشكل غريب حتى أنهى الجلسة بطلبه اللقاء بها كي يتأكد.
لقد وضحت لها فاتن في العديد من المرات أنها تناست عشق المراهقة لما تبعه من ويلات ومآسي عانتها بسببه، ورحبت بزواجها هي من علاء.
ولكن هو ماذا سوف يكون رد فعله حين يراها؟
ترى سوف يحن ويرق قلبه لقصته القديمة معها؟ وماذا عن عشقه لها هي؟ هل كان سرابًا وسوف يتبخر في الهواء مع ظهور العشق الحقيقي؟
تشعر برأسها على وشك الانفجار وهي تدفنها بشكل متكرر في الوسادة، وتتجاهل الرد حتى على اتصالات سحر العديدة.
فليس لديها قدرة على الاستماع ولا التفوه بالكلمات، فكيف ترد وعقلها معلق باللقاء المصيري غدًا بينها وبين فاتن وعلاء وعصام!
كانت في سبات نومها العميق حينما شعرت بلمسات بدأت خفيفة على أقدامها، كانت تتجاهلها مع ثقل رأسها ثم تطورت لمريبة حينما ارتفعت لباقي جسدها مما جعلها تعتدل بجسدها مفزوعة.
فجحظت عيناها وهي ترى هذا الظل الضخم أمامها، كادت أن تصرخ ولكنها تفاجأت بارتمائه بجوارها على التخت يكمم فمها بيده الغليظة وهو يهمس:
"أهدي الله يخرب بيتك.. انتِ هاتفضحنا يابت ولا إيه؟"
ذامت من تحت كفه برعب، ولكنه أجفلها بإشعال ضوء المصباح المجاور لتختها، فظهرت ملامح وجهه بالكامل لها.
هدأت حركتها بريبة وقد توسعت عيناها مزبهلة من المفاجأة.
رفع كفه واللمعت أسنانه التي ظهرت من تحت ابتسامة بعرض وجهه:
"مدام هديتي كدة.. يبقى افتكرتي حبيب قلبك القديم صح!"
قال بغمزة، وهي ابتعلت ريقها وعيناها تنتقل منه وإلى باب الغرفة:
"إسماعيل! هو انت ايه اللي جابك هنا وفي أوضتي كمان؟"
خلع قميصه فجأة واقترب يلف ذراعه عليها ليقربها منه وهو يهمس بإغواء:
"الاسم طالع من بوقك زي العسل.. وحشتيني يانيرمين ووحشتني لياليكي الحلوة يابت."
انتفضت وهي تحاول أن تنزع ذراعيه عنها وجسدها يرتجف بأكمله:
"ابعد إيديك دي عني يا إسماعيل.. هو انت ايه اللي جابك هنا الله يخرب بيتك؟"
شدد بذراعيه عليها أكثر وهو يردف بعينين تشتعل بالرغبة:
"أبعد إيه بس؟ بقولك وحشتني لياليكي.. دا أنا مصدقتش نفسي لما عرفت من صحابي إنك رجعتي من تاني.. ربنا يخلينا خالتي محاسن يارب."
ازداد نفورها منه ومن رائحة التبغ الفائحة من فمه وهو يجول بشفتاه على وجهها وعنقها دون استئذان.
حاولت مجاراته كي تكسب بعض الوقت قبل أن تتمكن من الهروب منه، وقد فهمت مضمون كلماته فلا تستطيع الصراخ أو المقاومة مع رجل كانت تعرفه قديمًا وتعرف حجم إجرامه وفي بيت كهذا ومع امرأة مثل خالتها قبضت الثمن.
"طب خليني أفوق الأول ولا أقوم أغسل وشي."
"لا انتي كدة حلوة أوي."
أردف مابين قبلاته وهي تفكر في حجة أخرى، ولكنها انتبهت على صيحات وصرخات تأتي من خارج الغرفة، وقبل أن تستوعب تفاجأت باندفاع باب الغرفة بقوة ليدلف أمامها لداخل الغرفة رجلين عرفتهم جيدًا من هيئتهم، فلطمت على وجهها تهتف بجزع:
"يانهار أسود بوليس..."
في اليوم التالي
وهي داخل زنزانة النساء كانت تبكي وتنوح بجوار خالتها وبقية الفتيات النزيلات ينظرن لها بحنق من صوتها العالي والمزعج في الندب.
"منك لله يا خالتي منك لله.. ضيعتي مستقبلي ولبستنيني مصيبة وأنا اللي طول عمري عايشة ورافعة راسي.. منك لله يا خالتي منك لله."
مصمصت محاسن تعوج شفتيها باستنكار:
"ياختي ماتفضيها بقى.. عمالة تدعي عليا من امبارح.. دا اللي يسمعك كدة يقول انك شريفة بحقة."
"حتها صارخة:
"أيوه شريفة ياختي.. ولولا عملتك انتِ السودة والداء الزفت اللي فيكي ماكنتش هاتحط في المصيبة دي ولا أقعد القعدة دي جمبكم."
لوحت بيدها عليهم فتجاهلتها محاسن تشيح بوجهها عنها.
تابعت بصرخة أكبر:
"بس أنا اللي عايزة أفهموا منك دلوقتي بالظبط؟ إيه اللي دخل إسماعيل سبرتو عندي ودخل الرجالة مع النسوان في بقية الأدوار وأنا منبهة عليكي إن مافيش شغل في البيت؟ ما طمرش فيكي الفلوس اللي بديهالك عشان تنبطي وتسمعي كلامي.. دول هما يومين وكنت هاسيبك.. ماكنتيش قادرة تصبري؟"
نفخت محاسن من أنفها بعمق ثم ضربت بكفيها وهي ترد بحدة:
"لا ياختي كنت صابرة وساكتة.. بس أعمل إيه بقى؟ ليلة امبارح لقيت إسماعيل ورجالته دخلوا عليا فجأة وقالي عايز بنات للرجالة وانت كان جايلك مخصوص.. وقبل ما أفتح بقي لقيتوا رمى الفلوس في حجري ودخلك.. هاقدر أوقفه إزاي ده بقى قوليلي؟ وأنتِ عارفاه ولا نسيتي؟"
فغرت فاهها تستوعب فحوى كلماتها ولكنها أجفلت على نداء رجل الأمن باسمها.
وقبل أن تنهض تذكرت تسأل محاسن وعيناه تجوب جميع النساء حولها:
"هي البت أمينة فين؟ هي مجاتش معانا ولا إيه؟"
"أمينة ياختي كانت عند الدكتور امبارح بتفك تجبيرة دراعها."
دفعها رجل الأمن بخشونة وقوة داخل غرفة الظابط حتى كادت أن تقع، غمغمت حانقة ببعض الكلمات النابية نحوه قبل أن ترفع رأسها للداخل فاصطدمت عيناه بعيناه ذات النظرة الصقيرة.
ارتدت للخلف بخوف لتتفاجأ بظابط الأمن وهو ينهض مغادرًا:
"خد وقتك يا حج بس ياريت ماتتأخرش."
أردف الظابط ليخرج على الفور، تبعته هي بعيناها وكأنها تترجاه لعدم الذهاب وتركها معه.
حينما صفق الظابط الباب أجفلها الآخر بندائه:
"إيه باعين خالتك؟ مكسوفة ماتبصي في وشي ولا إيه؟"
التفتت إليه منتفضة وهي بجوار الباب، هتف عليها بأمر:
"اتحركي يابت من جمب الباب وتعالي هنا."
انصاعت مضطرة تتحرك بأقدام مرتعشة حتى وصلت للمكتب أمامه، وهو يتفحصها مضيقًا عيناه.
انتظرت أمامه للحظات مروا عليها كالدهر، مطرقة رأسها وهو يتلاعب بسبحته بهدوء مريب.
فتحت فاهاها لتقطع الصمت ولكنها انتفضت مرتدة للخلف حينما وجدته ينهض عن مقعده:
"والنبي يا أدهم أنا ما عملت حاجة والتهمة دي متلفقة لي ظلم."
أردفت بها وهي تنتفض من الخوف أمامه لتتفاجأ به متبسمًا بزاوية فمه قائلًا:
"إنه تهمة بالضبط يانيرمين؟"
"خطف شروق ولا خيانتك واستغفالك ليا مع سعد ولا تهمة امبارح لما العساكر جرجروكي من حضن حبيبك القديم إسماعيل اسبرتو."
فغرت فاهاها بصدمة وانفاسها تتلاحق بحدة لا تقوى على الدفاع عن نفسها أمامه والخوف شل تفكيرها.
أمال برأسه نحوها وعيناه تطلق شررًا عليها:
"ماكنتيش متوقعة صح؟"
صمت قليلًا وأصبح يتنفس بخشونة من أنفه يحارب للسيطرة غضبه:
"بقى أنا.. أدهم المصري اللي يتهزوا شنبات تيجي واحدة زيك وتعمل معايا كدة؟ تعرفي يابت لولا بس إني عامل حساب سمعة عيالي لكنت دفنتك حية مع الكل.... اللي اسمه سعد.. احمدي ربنا بقى إنك هنا أهو تكفري شوية عن ذنوبك."
هم ليتحرك ولكنه استوقفته تتكلم بتلعثم:
"هو انت.. عرفت إسماعيل منين؟"
قال بسخرية:
"تاريخك يامحترمة هو اللي دلني عليه.. ومن خلاله عرفت بحكاية خالتك اللي أول ما إسماعيل رمى في حجرها الفلوس.. كان هاين عليها هي نفسها تخدمه."
"بس أنا مراتك وسمعتي من سمعتك."
أردفت بتحدي فحرك رأسه هو بسأم:
"هو انتِ فاكراني أهبل يابت؟ انتِ مطلقة غيابي من ساعة ما مشيتي.. يعني ماتخصنيش بشيء دلوقت من قريب ولا من بعيد.. والمهم بقى قبل ما أنسى وأمشي."
على حين غرة تفاجأت بصفعة قوية منه على وجنتها كادت أن تسقطها أرضًا لولا أنها تماسكت.
"دي بقى عشان شروق مرات ابني ستك وتاج راسك."
"أردف بها قبل أن يخرج ويتركها تشهق باكية ألم الخسارة لكل شيء."
في نفس مكان الأمس كان جالسًا عصام حول الطاولة الخشبية ولكن هذه المرة كان بجانبه علاء الذي كان يدخن بشراهة وفي الناحية الأخرى فجر وهي كالتائهة تنظر أمامها بشرود في انتظار القادم.
قطع الصمت عصام:
"إيه الحكاية يا جماعة؟ هو انتوا واكلين سد الحنك انهاردة ولا إيه؟"
"فيه إيه عصام مالك بس؟"
قالها علاء بسأم فرد الآخر:
"يابني ما أنا عمال أرغي وماحدش معبرني خالص؟ لا انت ولا الست فجر.. اللي كانت بتجري ورا العيال امبارح وكأنها زيهم."
رمقت علاء بنظرة ذات مغزى قبل أن تجيب:
"معلش ياعصام.. ماهو امبارح كان شيء والنهاردة شيء تاني.. ويعالم بكرة هايبقى إيه؟"
تجاهل علاء نبرتها المتهكمة ورد عصام وكأنه يريد طمأنتها:
"إن شاء الله خير يافجر.. ربنا ما بيجيبش غير الخير."
"السلام عليكم."
ارتفعت رؤس الثلاثة فجأة نحوها بعد أن أتت بطفلها كالعادة.
ردد عصام وفجر التحية أما علاء فتصلب مكانه مسهمًا بها وكأنه لا يصدق وقوفها أمامه.
"أتأكدت بقى إنها عايشة."
قالتها فجر بنبرة على وشك البكاء وهي ترى نظراته المركزة عليها. وتابعت:
"اقعدي يافاتن هو انتِ هاتفضلي واقفة ولا إيه؟"
خلعت نظارتها فظهر كامل وجهها وهي تجلس أمامهم وسألته:
"عامل إيه ياعلاء؟"
أومأ برأسه نحو الصغير:
"ما شاء الله.. ابنك ده؟"
تدخل عصام بدعابة:
"أمال يعني هايكون ابن الجيران مثلا؟ فيه إيه علاء انت مش شايف الشبه؟"
أومأ بشبه ابتسامة قائلًا:
"معلش ياعصام ممكن تقوم انت وفجر خمس دقايق بعيد عن هنا."
تفاجأ الثلاثة بمطلبه وكان الرد سريعًا من فجر التي قامت منتفضة:
"يالا بينا ياعصام.. خدوا راحتكم."
قالت فلم تنتظر عصام فقد تحركت مسرعة ذاهبة ما أمامهم.
أسرع عصام خلفها:
"استني يافجر.. هو انتِ مركبة قطر في رجليكي؟"
تتبعتهم فاتن بعيناها ثم التفتت إليه سائلة:
"هو في إيه بالظبط؟ وانت مشيتهم ليه؟"
تجاهل الرد وسألها:
"انتِ عاملة إيه يافاتن؟"
على طاولة أخرى بعيدة عنهم بمسافة كافية جلست مع عصام على مضض بعد أن كانت مصممة على المغادرة من النادي.
تقضم على أطراف أظافرها وتهز بأقدامها تحت الطاولة دون أن تشعر بنفسها:
"براحة يافجر على نفسك.. هو إيه اللي حصل بس عشان تتعصبي كدة؟"
قال عصام وكان ردها بتشنج:
"لهوا انت مش واخد بالك؟ دا قومنا من جمبهم من غير ما يراعي شعوري ولا شعورك حتى.. هو إحنا عيال صغيرين عشان يقومنا؟ ولا هو ناسي إني مراته؟ ولا يمكن عايز يحل نفسه مني؟"
تمتم عصام باندهاش:
"يانهار أسود.. إيه كل التحليلات دي يافجر؟ ماحصلش حاجة لسة يابنتي.. ثم إن اللقاء ده كان لازم يتم مهما بعدت المدة أو قصرت."
أشاحت بوجهها حتى كي تخفي هذا الألم عنه:
"عندك حق.. اللقاء كان لازم وضروي يتم وحمد لله إننا لسة في أولها عشان يقرر براحته."
ضيق عينيه يسألها بحيرة:
"قصدك إيه مش فاهم؟"
نهضت فجأة مغادرة:
"قصدي إني عايزة أمشي دلوقتي حالًا.. لو افتكر يسأل عليا بعد ما يخلص جلسته معاها.. قولوا روحت وهي متقبلة منك أي قرار."
ماشيهم ليوقفها ولكنها لم تعطيه فرصة بذهابها السريع.
عاد يجلس مرة أخرى وهو يفكر بفحوى كلماتها بوجوم.
بعد عدة دقائق أتى إليه علاء:
"خلصت جلستك مع فاتن؟"
أومأ برأسه بابتسامة راضية قبل أن يسأله:
"هي فجر راحت فين؟"
أجابه عصام:
"فجر بصراحة مشيت ومرديتش تستنى.. وبتقولك خد قرارك براحتك وهي متقبلة منك أي شئ."
"بقى هي قالتلك كدة؟"
قال باستنكار وهو يهز رأسه بيأس قبل أن يتحرك مغادرًا:
"أنا رايح أشوف المجنونة دي.. وانت بقى خليك مع فاتن معلش."
ارتسمت راحة على ملامح وجهه حاول أخفاءها وهو يردد:
"ماشي تمام.. روح انت شوف خطيبتك وأنا هاضطر أقعد مع فاتن!"
على أرض صلبة في مكان يبدو كمصنع مهجور كانت جالسة في إحدى أركانه، ضامة ركبتيها إلى صدرها تبكي وتنوح حظها السئ الذي لم يفارقها منذ مولدها.
حينما أتت إلى الدنيا من أم لم ترغب بها فلا تعير العيب أو الحرام أو الأصول أدنى اهتمام.
ولطالما قاسيت هي بسببها في عيشها من أعين الرجال الطامعة بها لمجرد معرفتهم بأن والدتها هي محاسن.
عملت في عدة مهن حتى لا يصبح مصيرها مثلها فتمنت من قلبها أن تتزوج من رجل في الحلال فينتشلها من هذه البيئة الموبؤة فتعيش كبقية النساء ولكن حتى هذه كانت غالية عليها.
فكان نصيبها الزواج من رجل مدمن على المخدرات والذي سُجن بسببها.
وعادت هي لوالدتها مرة أخرى.
رفعت رأسها تكفكف دموعها وتحمد الخالق أنه نجاها من القبض عليها أمس حينما عادت متأخرة من عيادة الطبيب.
ولكنها عادت للتشرد وهي لا تجد مكان يأويها.
تنهدت قانطة وهي تنظر للهاتف الذي أوشك شحن بطاريته على النفاذ وهو يصدح باتصاله.
فتحت على المكالمة تجيب بيأس:
"أيوه ياسعد عايز إيه تاني؟ مش ناوي تحل عن دماغي بقى؟"
وصلها صوته:
"مالك بس يا أمينة؟ دي جزاتي يعني إني عايز أطمن عليكي بعد ما عرفت باللي حصل لوالدتك ونيرمين لما كبست عليهم الحكومة لليلة امبارح."
"لا بصراحة قلبك طيب قوي.. فيك الخير."
"الله يسامحك يا أمينة.. أنا مش هارد عليكي.. بس اسمحيلي أسألك بحكم العشرة.. عاملة إيه؟ وبتبيتي فين دلوقتي بعد ما أخوات جوزك كمان استولوا على بيتك؟"
رفعت رأسها للسماء قائلة بدموع حارقة:
"حتى دي عرفتها؟"
قطعت الجملة وازداد نشيج بكائها فاستغلها فرصة ليلقي عليها الكلمات المواسية.
"خلاص يا أمينة.. أهدي يابت الناس.. انت بس لو تقوليلي على مكانك كنت أساعدك."
"في المصنع القديم."
انتفض منتبهًا على جملتها:
"إيه؟ بتقولي فين يا أمينة؟"
أردفت صارخة:
"بقولك في المصنع القديم.. اللي في آخر الشارع عندكم.. واللي كنا بنشتغل فيه زمان أنا والبنات قبل ما يفلس.. شوفت الدنيا بقى؟ أهي لما داقَت عليا ملقتش غيره."
"معلش يا أمينة ماتزعليش .. هادبرلك أنا حتة تاني تنامي فيها."
أغلقت المكالمة وهي تتمنى بداخلها أن يفي بوعده معها.
فقد احتمت هي بجدران المصنع لمعرفتها الأكيدة بمداخله ومخارجه ولكن البرودة نخرت عظامها ليلة أمس ولا تريد تكرار مأساتها.
ولكن مهلًا.. هذا سعد!
أنسيت هي من هو سعد؟
انتفضت فجأة تتناول هاتفها بدون تفكير لتضغط على أحد أرقامه سريعًا.
فأجابها الطرف الآخر:
"الو... أبوه يا أمينة ازيك."
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل الأربعون 40 - بقلم امل نصر
التوتر مع تشتت نظراته، بالإضافة إلى العرق الذي انتشر على جبهته وبعض مناطق بشرته، جميعهم أظهروا حجم صعوبة ما ينوي التفوه به. وهي جالسة أمامه بصمت في انتظار سماعه ومعرفة سبب صرفه لفجر وعصام وطلبه الجلوس معه بمفردها.
"أنا مش عارف أبدا كلامي معاكي إزاي؟ بس بصراحة مكنتش أتوقع إنها حاجة صعبة قوي كده."
قطبت مندهشة من كلماته فسألت:
"هي إيه اللي صعبة بالضبط؟"
تنفس بعمق قليلًا قبل أن يجيبها وهو ينظر إليها مباشرًا:
"الاعتراف بالغلط يا فاتن. أنا من ساعة ما عرفت من فجر امبارح إنك لسه عايشة وما متتيش، ودماغي بتعيد وتزيد في اللي حصل مني معاكي من عشر سنين."
"اللي فات مات يا علاء وكل حاجة نصيب."
قالت، فقاطعه هو ملوحًا بكفه:
"معلش ارجوكي سيبيني أكمل. أنا عارف إننا مكنش لينا نصيب في بعض، لكن أنا بتكلم عن غلطي في حقك. من أول صداقتي بواحد ابن... ضيع مستقبلك بفتنة كبيرة عملها وصدقتها أنا بغبائي، لغاية إهانتي وطردي ليكي من المحل."
خرجت كلماته الأخيرة بخفوت وهي شاحت بعينيها قليلاً، تؤلمها الذكرى، قبل أن تعود إليه مقاطعة:
"ممكن ما تجيبش السيرة دي تاني، لأن أنا بصراحة كيّفت نفسي عشان أقدر أعيش، إني أنساها وأشطبها نهائي من حياتي."
أومأ برأسه موافقًا:
"عندك حق. بس ده بالنسبالك عشان كنتِ انتِ الضحية، لكن بالنسبالي أنا لا يمكن هاقدر أنسى، إني كان ليا يد في ظلمك حتى لو مش بالقصد."
صمت قليلاً ثم أردف:
"أنا بعتذرلك يا فاتن وبتمنى إنك تسامحيني عشان أقدر أعيش أنا كمان."
ابتسمت قائلة:
"إن كنت أنت غلطت في صداقتك بواحد زي سعد، فا أنا كمان غلطت في حق نفسي لما هربت من بيت والدي وحطيت نفسي موضع شبهة لما جبرت عصام يخليني في شقته. يمكن ساعتها بحكم سني كنت شايفة المبرر قوي عشان أهرب من جواز ابن عمي بجوازي منك، لكن ده ما ينفيش غلطي. عشان كده بقولك انسى."
أطرق برأسه متأثرًا بكلماتها التي ألقت على قلبه بعض الراحة، ثم رفع رأسه إليها قائلاً:
"عندها حق فجر تحبك أوي كده. ده انتِ لو شوفتيها في بداية معرفتي بيها، مكنتش بتطيق تبص في خلقتي. ولما كنت أجي أكلمها كان وشها يحمر ويخضر من الغضب وتحسي كده إن نفسها تولع فيا."
ضحكت من قلبها، فضحك هو أيضًا معها:
"المجنونة دي. هي طول عمرها كده حمقوية أوي في اللي يخصها وميهمهاش. بس انت باين عليك بتحبها أوي عشان ده ظهر من لمعة عينيك اللي طلت فجأة لما جبت سيرتها."
لم يرد، ولكنه لم يقو على إخفاء ابتسامة أنارت وجهه لمجرد ذكر اسمها. أردفت هي بكلمات خرجت من قلبها:
"ربنا يهنيكم ببعض يا علاء. انت تستاهلها وهي تستاهلك."
تنهدت بثقل وهي تستعيد كلماتها معه، والتي لم يمر عليها سوى دقائق، ولكنها كانت كفيلة بفتح جراح الماضي وذكريات نقشت في القلب مرارتها. هي تحمد الله أنه وقف معها بأن وهبها من يأخذ بيدها ويعطيها فرصة أخرى للحياة بكرامة، ولكنها لا تنكر خطأها الذي بسببه أعطى فرصة لهذا المجرم لفعل جريمته معها.
"لحقتي تسرحي؟"
أردف بها عصام وهو يعود لجلسته أمامها. التفتت إليه هي بابتسامتها المعهودة ترد:
"أنا لو مسرحتش وافتكرت اللي فات أبقى متخلفة ومعنديش إحساس. انت ترضاهالي دي؟"
أطلق ضحكة مدوية نافيًا بتحريك رأسه:
"لا ياستي بعد الشر عليكي من التخلف وعدم الإحساس. بس أنا شايفك يعني بتهزري أهو وعلاء كمان وشه اتعدل قبل ما يمشي. أسف يعني لو بتدخل. هو الحديث مابينكم كان عن إيه؟"
"لا ياسيدي مافيش تدخل. أصل الموضوع مش مستاهل يعني، هو كان ضميره تاعبه من ناحيتي فكان عايز يعتذر وأنا رديت عليه باللي يريحه."
أردفت بها، فكان رده أن سألها قاطبًا بحيرة:
"وهو إيه اللي ريحه بالظبط؟"
"الحقيقة يا عصام. هي إن غلطه فيا والمشكلة كلها كانت نتيجة غلطتي الكبيرة لما هربت من والدي من غير ما أقدر العواقب. اللي مابينها كان ظلمك انت معايا."
"بس انتِ ماظلمتنيش يا فاتن. انتِ واحدة كنتِ مغلوبة على أمرك وأنا بقى حاولت أساعدك بس الأمور جت بنتيجة عكسية."
ردت مبتسمة بامتنان:
"انت بتقول كده عشان قلبك طيب يا عصام."
قال متفكرًا:
"مش حكاية قلب طيب. بس أنا مكدبش عليكِ يعني كل ما افتكر الموضوع ده وملابساته بستعجب قوي للي حصل رغم بشاعته. لكنه خلاني أشوف كل حاجة قدامي بمنظور مختلف. وعلى الرغم من مرور السنين دي كلها وسفري واختلاطي بناس أشكال وألوان وجوازي وطلاقي من مراتي، لكنه جعل صورتك دائمًا مطبوعة في خيالي وبتطاردني. رغم إن الأول وربنا العالم، مكنتش بشوفك غير حبيبة صاحبي."
"قصدك إيه يا عصام بكلامك ده؟"
سألت بحيرة، وكان رده حاسمًا:
"قصدي إنك تعرفيني كويس وأعرفك. واحنا كبار دلوقتي وفاهمين. تقبلي تتجوزيني يا فاتن؟"
...................................
"أنا برضه قولت هالاقيكي هنا."
التفتت برأسها على صوته، فبادلته نظرة حانقة قبل أن تعود بنظراتها إلى رؤية الميدان أمامها بمساحته الشاسعة، مستندة بكفيها على سور السطح الأسمنتي دون أن ترد ببنت شفاة.
"الله دا انتي زعلانة بجد بقى؟"
أردف بها قبل أن يحاصرها بذراعيه من الخلف يضرب ظهرها بصدره العريض.
ارتبكت مجفلة من فعلته، فخرج صوتها بتوتر:
"إيه هو ده بقى؟ إحنا قاعدين عالسطح يا علاء مش في بيتكم."
قرب وجهه من جانب رأسها يهمس:
"طب وفيها إيه؟ واحد ومراته ياستي حد له حاجة عندنا؟"
ردت من بين أسنانها:
"آه مراته آه. معلش كنت ناسيه. أصلك مقدر قوي؟"
صمت يستوعب كلماتها ويتفحص تشنجها، ثم ارتد للخلف قليلاً ليديرها إليه قائلاً:
"لدراجادي انتِ زعلانة مني يا فجر؟"
لمعت عيناها الذابلة أمامه تنذر بسقوط دمعاتها وهي تجاهد للتماسك، فقالت بشفاه مرتعشة:
"أنا قولت لعصام يبلغك إني متقبلة لأي قرار تاخده في علاقتي معاك. يعني ده لو عايز ترجع لفاتن. أصل أنا عارفة وفاكرة قد إيه كنت بتحبها زمان. فشئ طبيعي إنك تحن لها بعد ما اتأكدت من براءتها. أنا مش عايزة أقف في طريقك والحمد لله إننا لسه على البر ومحسوبة قدام الناس خطوبة مش جواز."
"خلصتي كلامك؟"
سأل رافعًا وجهها إليه لتقابل عيناه خاصتيها. تشجنت تنزع يده عنها:
"ارجوك يا علاء تسمعني كويس وتفهمني، أنا بتكلم جد. بلاش تتأثر بهيئتي ولا ضعفي قدامك. كل شيء عندي يهون إلا إني أتجوز راجل قلبه معلق بواحدة غيري. الموت أهون."
حاوط وجهها بكفيه وخرج صوته بحدة:
"ومين قال بس إن لسه قلبي متعلق بيها ولا بحبها."
"انت!"
صرخت بها متابعة:
"رد فعلك لما شوفتها وبعدها طلبت مني أنا وعصام نسيبكم لوحدكم."
"كان لازم أعتذر لها، وأسمع منها إنها مسامحاني عشان أقدر أعيش حياتي أنا كمان."
أردف صارخًا، وأكمل يمسح بأبهاميه الدموع المتساقطة بغزارة على وجنتيها يردف بحرقة:
"حياتي معاكي انتِ، عشان بحبك انتِ. فاتن حبها كان راسخ في قلبي كأنه شجرة مزروعة فيه، لكن حبك انت كان الإعصار اللي نزعها من جذورها. سامعة بقولك إيه؟ أنا لما شوفتها النهاردة ماشوفتش الحبيبة. لا.. أنا شوفتها واحدة عادية تنفع كأخت لمراتي اللي هي انتِ."
ردت بنبرة باكية:
"أيوه بس هي أحلوت أوي. ده عصام بنفسه قال عليها بطل."
رد بابتسامة:
"وافرض هي بطل، فا انتِ عندي أحلى من ميت بطل."
"صح كلامك ده ولا بتكدب عليا عشان تراضيني؟"
سألت برجاء وصوتها خرج بارتجافة. رد هو مشدداً على كلماته:
"والله يا شيخة مبكدبش عليكي. دي كانت قصة وانتهت نهاية مؤلمة عشان مكنش لينا نصيب في بعض. أنا نصيبي معاكِ انتِ. انتِ مراتي وحبيبتي وكل دنيتي. فهمتي بقى ولا أفهمك بطريقتي؟"
أومأت برأسها. بعد أن هدر الأخيرة عليها مهدداً، ولكنها أُجفلت فجأة سائلة باستفسار:
"طريقتك إيه بالظبط اللي هاتفهمني بيها؟"
قرب وجهه يميل إليها يردف بعبث خاطفاً قبلة رقيقة:
"زي كده مثلًا."
شهقت مجفلة تنزع كفيه عنها:
"يانهار أسود بتعمل إيه؟ إحنا عالسطح يا علاء وورانا الميدان."
"خلاص نبعد طيب مع إن محدش شايفنا من المسافة البعيدة دي أساسًا."
أردف جملته وهو يسحبها بعيداً عن السور، ولكنها تشجنت أكثر:
"هاازعل منك والله بجد أنا..."
قطعت جملتها مضطرة بعد أن عانقها بقوة حتى ارتفعت قدماها عن الأرض هامساً بأذنها:
"وأنا مايهونش عليا زعلك."
شدد بذراعيه عليها أكثر وتجاوبت هي تلتمس منه الحنان والطمأنينة بعد ليالٍ طويلة أرقه القلق والخوف من فقدانه.
....................................
في المنطقة الخلفية المهجورة من المصنع القديم، دفعت بيدها الحرة الباب الصدأ وهي تتحاشى بأقدامها الدهس على القمامة المكدسة والحيوانات الميتة. دلفت وهي تحمل بيدها الأخرى لفة لبطانية وملائة سرير مع حقيبة نسائية معلقة على الكتف. تنهدت تلتقط أنفاسها قبل أن تكمل طريقها للداخل حتى وصلت إلى الركن الموصوف لها من قبل. فتبسمت تجفلها حينما رأتها جالسة أمامها تعطيها ظهرها:
"بتعملي إيه يا أمينة؟"
شهقت الأخرى منتفضة وهي تلتف برأسها للخلف نحوها:
"حرام عليكِ يا لبنى خضتيني."
خطت إليها ضاحكة:
"سلامتك من الخضة يا غالية. بتعملي إيه صح؟"
"باكل يا أختي. تعالي بسم الله."
لوحت بيدها إشارة نحو الطعام الملقى على فرشة من الجرائد. ألقت لبنى ما بيدها على الأرض لتجلس وتشاركها مردفة:
"وماله يا حبيبتي ناكل. ده أنا حتى وحشني الأكل معاكي. بتاكلي إيه بقى؟"
أجابت بفم ممتلئ بالطعام:
"طعمية وفول طبعًا. هايكون إيه يعني؟"
"يا أختي رضا على رأي أمي. ده حتى في ناس مش طايلاهم."
أردفت بها لبنى قبل أن ترد أمينة وعيناها مرتكزة نحو لفة الغطاء والحقيبة:
"انتِ جايبة بطانية وملاية سرير. ربنا ما يحرمني منك يا رب. ده أنا كنت هانشف من البرد امبارح."
نكزتها بخفة قائلة:
"هو أنا عملت حاجة عشان تشكريني انتِ كمان. ده ربنا العالم لو بإيدي لكنت أخدتك تبيتي معايا في شقتي بس أمي بقى أسيبها لمين؟ بعد ما سابها سعد لوحدها. وفي نفس الوقت مقدرش آخدك معايا عندها. حكم سعد بقى الله يسامحه شوه صورتك قدامها."
أومأت برأسها متفهمة تبتلع الطعام الذي وقف كالحجارة بحلقها. وتابعت لبنى:
"بس انتِ ما ينفعش تعيشي هنا يا أمينة. أينعم المصنع مستور عن الشارع والعيون، بس انتِ ماتضمنيش عيل شارب ولا بلطجي يدخلوا عليكي فجأة ولا يأذوكي."
"ده وضع مؤقت يا لبنى. هي ليلة ولا اتنين بالكتير أكون اتصرفت ولقيتلي أوضة إن شاء الله عالسطح أو في البدروم."
قالت لبنى وهي تتأمل المكان حولها:
"بس المكان اتغير خالص من وقت ما سيبناه. الله يرحم أيام الشقا فيه وهزارنا وضحكنا مع البنات. أنا وانتِ والمدعوقة نرمين قبل ما تتفرعن وتشوف نفسها."
جارتها بشبه ابتسامة قبل أن تسألها برجاء:
"بقولك إيه يا لبنى. هو ينفع تباتي معايا الليلة دي بس تونسيني. حكم أنا ليلة امبارح كنت هأشيب من الخوف."
..................................
عادت لمنزلهم وقد أشرق وجهها بعد جلستها الطويلة في العتاب ثم الصلح ثم كلمات الغزل والعشق التي أطربت أسماعها وطمأنت قلبها أخيرًا بعد ليالي الشك والعذاب. دلفت لغرفتها فوجدت شقيقتها تمشط شعرها أمام المرآة.
"مساء الفل على أحلى شروق. عاملة إيه يا قمر؟"
"مساء العنب."
رددت باندهاش وهي تتابعها تتمختر خطواتها بسعادة لداخل الغرفة وأكملت:
"الغزالة رايقة يعني والوش اتعدل اهو بعد البوز اللي كان ممدود شبرين. إيه اللي حصل وخلاكي اتقلبتي كده من النقيض للنقيض؟"
تبسمت باسترخاء وهي تتكئ بجذعها مستندة على قائم السرير:
"خير والله يا شوشو كل الخير."
"آه يعني إيه؟ ما فهمتش برضه؟"
أردفت عليها بإلحاح فازداد اتساع ابتسامة الأخرى:
"في إيه يا بت؟ هو انتِ هاتموتي لو معرفتيش؟ كان فيه سوء تفاهم بيني وبين علاء والحمد لله الأمور اتصلحت. استريحتِ بقى؟"
أومأت برأسها ترد:
"آآآه. يعني صالحك بقى وأكيد دلعك مادام مبسوطة كده. الله يسهله يعم. وأنا اللي متخانقة مع أخوه من دقايق بس."
"ياساتر يارب. ليه يا شروق؟"
سألت فجاوبتها الأخرى:
"ابن اللذينة عشان بس فوت النهاردة مارحتلوش. عامل لي هوليلة وإني اتخليت عنه في شدته."
"طب وبعدين هاتعملي إيه معاه؟ ده أكيد زعل بجد."
"سيبك منه أنا هاعرف أصالحه. هو كده كده خارج بكرة من المستشفى."
نهضت من جوارها وأردفت:
"هاقوم أنا أشوف خالتي زهيرة. وانتِ بقى شوفي صاحبتك دي ما بطلتش رن عليكي."
شهقت متذكرة تتناول هاتفها:
"يانهار أسود سحر. دي أكيد هاتعلقني؟"
اتصلت، فأتأها الرد سريعًا من الجهة الأخرى:
"أخيرًا افتكرتي ورنيتي عليا يا خاينة ياقليلة الأصل!"
.........................................
في المساء وحينما انتصف الليل كانت مستلقية بجوار صديقتها التي وافقت على البيات معها. بعدما افترشوا الأرض ببعض الكراتين الورقية القديمة لتخفف عنهم قسوة البرودة. تحتهم الملائة وفوقهم البطانية كغطاء. عيناها ناظرة في السقف وقد جافها النوم. عقلها الذي لا يهدأ ينتقل من موضوع لآخر فلا هي تجد الحل لمشاكلها ولا هي قادرة على استراق الراحة ولو قليلاً بالنوم. انتبهت فجأة لأصوات خفيفة كوقع أقدام متلصصة آتية من ناحية الباب الخلفي. تذكرت على الفور كلمات لبنى عن تهجم بلطجي أو مدمن مخدرات عليهم. نهضت بدفاعية تبحث عن شيء لحمايتها هي ولبنى بعدما شدت عليها الغطاء جيدًا حتى رأسها. جالت بعينيها يمينًا ويساراً فلم تجد شيئاً فازداد الرعب بداخلها مع شعورها المتزايد بالخطر واقتراب وقع الأقدام. تحركت للناحية المعاكسة قبل أن يأتي إليها ويرىها تبحث عن عصا أو حتى حجر لتضرب أو تهدد به.
وفي الناحية الأخرى بعدما تخطى الباب الخلفي بصعوبة من ظلمة المكان وتكدسه بالقاذورات التي طرأت حديثاً بعد هجر المصنع وإفلاسه. مغطياً نصف وجهه حتى يستطيع التمكن من دخول المنطقة التي حرمت عليه بفضل أدهم ورجاله. ولكن لا يهم الآن. فهو سيترك لهم البلد نهائياً ولن يعود إلا وهو يمتلك من المال ما يمكنه من سحق الجميع. ولكن قبل كل هذا لابد له من إطفاء نيرانه المشتعلة بداخله. بعد أن أُهدرت كرامته وخسر معها الكثير بضربه وسط الشارع وأمام الكبير والصغير فيه من أهل منطقته. يسير على أنامله ببطء شديد وكأنه يتحسس الخطى حتى لا تشعر به. وصل أخيراً ليجدها متكومة في ركن قريب تحت الغطاء الذي غطاها من رأسها حتى قدميها وبجوارها مصباح صغير على صندوق خشبي في الأرض لينير المكان. عديمة الإحساس نائمة بسكينة وكأنها بمنزلها وليست بمصنع مهجور تحيطه القاذورات من كل ناحية. ولكن جيد جداً فبفعلها هذا وفرت عليه الكثير. فتح بهدوء سترته ليخرج منها سكيناً كبيرة لمع نصلها رغم الظلام وهو يتقدم نحوها بخطوات سريعة ليجثو فوقها بسرعة البرق ويغرزها بعدة أنحاء في جسدها بكل حقد. لم يتوقف سوى بعد أن رأى بقع الدماء انتشرت بكثافة على الغطاء. نهض متنهداً بعد أن هدأ غليله. هم ليرتد قليلاً ولكنه اصطدم بجسد صغير استدار فوجدها أمامه شهق مفزوعاً للخلف وهو ينقل أنظاره لها ونحو الجثة الهامدة في الأرض بزعر. عكسها هي التي كانت واقفة متسمرة بأعين جاحظة بصدمة ألجمتها لدقائق تستوعب ما تراه حقيقة أم خيال. حتى تمكنت قدماها من التحرك أخيراً نحو صديقتها ونطق لسانها بصرخة مدوية:
"قتلت أختك ياسعد. قتلتها يا ظالم يابن الحرام."
...................................
في اليوم التالي خرج حسين من المشفى بواسطة شقيقه الذي أتى به لمنزله مع والدته بمباركة أبيه الذي رحب برعاية والدته له ولكي تكون له فرصة أيضاً. دثره علاء بعد أن وضعه بعناية على تخته بمساعدة شاكر داخل الغرفة التي جهزتها زهيرة له وبمساعدة شروق وسميرة أيضاً. كانت الغرفة ممتلئة بأفراد العائلتين للترحيب به. إلا أدهم الذي تأخر على غير العادة.
زهيرة وهي جالسة بجواره وتربت على ذراعه بخفة:
"الف حمد لله على السلامة يا نور عيني. نورت بيتك ومطرحك."
سميرة من الناحية الأخرى:
"ده انت هنا يا بطل مع أكل زهيرة اللي يفتح النفس وشك هايورد وتبقى زي الفل."
"أيوه ياواد يا حسين ده الست الوالدة عليها طبق ملوخية يرد الروح."
أردف بها شاكر وتابعت عليها فجر:
"ولا طبق المحشي كمان ده يجنن لوحده."
قال حسين:
"مابراحة شوية عليا يا جدعان فتحتوا نفسي. لاحظوا إنّي تعبان أساساً من أكل المستشفى ونفسي إنطلقت بقى."
ردت زهيرة بلهفة:
"ده انت تؤمر يا نور عيني. من النهاردة هاعملك كل اللي نفسك فيه."
"كله إيه يا أمي؟ براحة يا غالية ده جسمه لسه تعبان وما يتحملش."
"قولوا يا علاء ده فاكرها فرصة."
أردفت بها شروق فرد حسين من الناحية الأخرى:
"مابلاش انتِ يا مؤدبة. وخليكي في حالك."
رددت بغضب مصطنع فضحته ابتسامتها:
"الله يسامحك مش هارد عليك."
دلف إليهم فجأة أدهم بعد أن فتح له إبراهيم:
"السلام عليكم يا جماعة. عامل إيه دلوقتي يا بني؟"
أومأ له حسين وردد الجميع عليه التحية فسأله شاكر:
"مش بعادة يعني يا حج تتأخر كده؟"
أجابه أدهم وهو يجلس على أقرب المقاعد بتعب:
"اسكت يا شاكر يا أخويا على اللي حصل الليلة اللي فاتت ما يتحكي حتى في الروايات. الحارة كلها صحت في نص الليل امبارح على صوت صريخ من المصنع القديم. ولما دخلنا نشوف أنا والرجالة لقينا البت لبنى الغلبانة بنت نشوى هي المقتولة."
"يانهار أسود معقول ودي مين اللي قتلها؟"
سألت زهيرة وكان رده وهو يهز رأسه باستياء:
"طلع أخوها هو اللي قتلها واللي كانت بتصرخ هي صاحبتها. دي أمها يا عيني كانت عايزة تأكله بسنانها لولا الرجالة اللي حاشوها عنه وهو واقف زي اللوح بيبص بعنيه وبس. خدناه وودناه القسم وبرضه هو على حالته."
ردد علاء:
"لا حول ولا قوة إلا بالله. انتقام ربنا جاله بإيده."
نطق الأخيرة بصوت خفيض لا يصل إلى البقية ولكن فهمه حسين والشقيقتان أيضاً.
..............................
في وقت لاحق وبعد أن انصرف الجميع ظلت هي وحدها معه في الغرفة بعد أن استأذنتها زهيرة في مرافقته قليلاً حتى تصنع له الطعام. كانت تتلاعب بهاتفها متجاهلة النظر إليه.
"إيه يا أستاذة هاتفضلي متجاهلاني كده كتير؟"
سأل وكان ردها بابتسامة:
"مش إحنا متخانقين عايزاني أعملك إيه بقى؟"
"وافرض متخانقين. ماتعرفيش تصالحيني؟"
قال بحزم وردت هي بهدوء قبل أن تعود لهاتفها:
"لأ عشان أنا مغلطتش فيك. أنا قولتلك كنت تعبانة وانت مقدرتش أعملك إيه بقى؟ أديني قاعدة جمبك أهو وبراعيك زي أي واحدة بنت أصول."
صك على فكيه غيظاً من تجاهلها ثم هتف بغضب:
"ماشي يا بنت الأصول طب أنا عايز أشرب."
نهضت تتناول الكوب الزجاجي بجواره على الكمود تقربه منه:
"اتفضل امسك. الكوباية مليانة أهي."
"قربّي بقى ترفعي راسي وتشربيني."
شهقت مستنكرة:
"أشربك ليه إن شاء الله؟ ودراعك حلو ويمسك كويس ده غير إن التاني نفسه اتحسن."
قال ببرود:
"بس دماغي لسه تعبانة ومتربطة. يعني لازم آخد حرصي. ولا إنتِ عايزاني أنده والدتي وأقولها.. إن البت دي اللي ائتمنتيها على ابنك مش هاين عليها بوق ميه تشربه؟"
هتفت ضاحكة ومتناسية غضبها:
"وقولها كمان على الحركات القرعة اللي بتعملها عشان تعرف مين ابنها."
"عادي أقول بس رد أمي هايكون إيه بقى ساعتها؟ ها تقول ده جوزك يامنيلة وكمان غلبان وعيان ولا نسيتي؟"
"لأ مانستش."
نفت ضاحكة فاردف هو بانتصار:
"حلو قوي. يلا بقى يا حلوة عشان تشربيني. بس بضمير والنبي وانتِ بتحضنيني. قصدي ااا وانتِ بترفعي راسي!"
.................................
بعدها بيومين.
كانت فاتن تنزل درج بنايتها مع فجر التي أصرت على مرافقتها لحفل عقد قران صديقتها التي لا تعلمها وهي مازالت مترددة:
"أنا مش عارفة بس إيه اللي خلاني أوافق وأروح معاكي. واحدة معرفهاش هاتقول عليا إيه بقى لما تشوفني؟"
ردت فجر بسأم:
"يوه عليكي يا فاتن. ماقولتلك يابنتي الحفلة عالضيق عشان جات في السريع ومافيش حد هايعرفك هناك. ثم إن سحر دي عسل هاتحبيها أوي لما تشوفيها. ماهو انتي كمان لازم تخرجي وتشوفي الناس ماينفعش تفضلي كده في قوقعتك."
كن وصلن لمدخل العمارة فقالت لها مستسلمة:
"ماشي يا ست فجر. اديني هاخرج وأشوف الناس وإما أشوف بقى أكررها ولا أحرم ما أعملها تاني."
ردت بثقة:
"لأ إن شاء الله هاتكرريها وتكرريها كتير كمان. بفستانك اللي يجنن ده وانت لوحدك تهبلي. وادي علاء كمان عشان يوصلنا وماتتعبيش في السواقة."
بداخل سيارة علاء جلست هي وابنها في الخلف وفجر في الأمام بجواره. وقبل أن تتحرك السيارة تفاجأت بفتح الباب الخلفي واقتحام عصام الجلوس بجوارها وهو يضع الطفل على أقدامه:
"مساء الخير عليكم. عاملين إيه بقى؟"
ردد الاثنان في الأمام التحية مبتسمين وكأنهم على علم:
"هو عصام كمان جاي معانا؟"
سألت بحسن نية لتفاجأ بنظراتهم الغريبة لبعضهم فتابعت بريبة:
"هو في إيه بالظبط؟"
"بصراحة بقى إحنا قاصدين نعملك كمين."
قال علاء وتابعت خلفه فجر باستعطاف:
"بصراحة أنا معرفتش نيتهم غير في آخر لحظة. وماقدرتش أعترض."
"تعترضي على إيه؟ وليه يعني الخطط دي؟"
"عشان أنا من ساعة ما فاتحتك وانت مردتيش عليا ولا ربحتيني بإجابة على سؤالي."
قال عصام فرددت بمراوغة:
"أرد على إيه بس وجوزي ميت من ست شهور؟"
"طب وإيه يعني ما انتِ لسه صغيرة؟"
قال علاء وتابعت فجر:
"ثم إن الحي أبقى من الميت."
"يا فاتن وافقي بقى خلينا نربي العيال مع بعض."
"إنت بتبسط الأمور أوي يا عصام وأنا بصراحة خايفة."
رد عليها علاء:
"خايفة من إيه بس يا فاتن؟ عصام ابن ناس وهايعرف يقدرك ولو محصلش أنا جنبك موجود أفتحلك دماغه تاني عادي يعني؟"
ضحكت على مزحته معهم وظهر بعينيها التردد فاستغل عصام ليزيد الضغط برجاء:
"وبعدين بقى يا بنت الناس ريحي قلبي. اهو قالك هايفتحلك دماغي لو بس مقدرتيش عايزة إيه تاني؟"
أكملت فجر:
"وافقي بقى يا فاتن خليني أفرح بيكي زي ما فرحت بسحر."
صمتت لحظات تنظر إليهم بتفكير وهم ينتظرون قرارها على أحر من الجمر ثم هزت برأسها موافقة جعلتهم يهللون بفرح وارتياح.
"خلاص بقى يبقى نكتب الكتاب عشان ماترجعيش في كلامك."
بمجرد فتح فمها لتعترض:
"وغلاوة عبد الرحمن يا شيخة ماتعترضي. امشي بينا يا ابني بسرعة والنبي."
قال الأخيرة مخاطباً علاء الذي أدار محرك السيارة فوراً ملبياً طلبه. فهتفت فجر:
"إيه ده؟ أنا عايزة أروح فرح صاحبتي."
"يابنتي هاوديكي حاضر. بس خلينا نجبر بخاطر الغلبان ده الأول ومش ها أأخرك."
ردد خلفه عصام وهو ينظر بمسكنة نحو فاتن التي لم تكبت ابتسامتها:
"آه والنعمة غلبان. وأمي ميتة كمان ونفسي في حنان. شغل يا ابني الأغاني الله يرضى عنك. ولا أقولك أغني أنا وانتوا غنوا ورايا. إنهاردة فرحي يا جدعان. عايز كله يبقى تمام."