تحميل رواية «عينيكي وطني وعنواني» PDF
بقلم امل نصر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
دلفت لداخل غرفتها بخطواتٍ مثقلة وموجة من الغضب تحتاجها بعنف. من وقت أن سمعت من أبيها اسم الجار الجديد لشقتهم، وعقلها يرفض بشدة استيعاب هذه المفاجأة الغريبة. كلما دار بمخيلتها أن هذا البغيض أصبح جارها والباب أمام الباب، اقشعر بدنها وتحفزت كل خلايا جسدها بشراسة نحوه. وصلت إلى شرفة الغرفة، فوقفت تنظر للأسفل على هذه السيارة الكبيرة والمخصصة لنقل الأثاث. في أعلى السيارة من الخلف كان واقفاً، يساعد العمال أو من تبرع من أهل المنطقة في حمل قطع الأثاث لنقلها في تجهيز الشقة. مشمراً أكمام قميصه الأسود وكاشف...
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم امل نصر
طرق العم متولي للمرة التي لا يعلم عددها على باب المنزل، الذي بهت لونه الأخضر، ولا أحد مجيب، وكأنه لا يوجد به أحياء.
قال عصام المتأفف من الرائحة:
"الظاهر كده مافيش حد في البيت ده، ماتيجوا نروح ياجماعة ونبقى نيجي في وقت تاني."
ألقى علاء نحوه نظرة حانقة قبل أن يلتفت إلى العم متولي ويسأله:
"انت متأكد ياعم إن هو دا البيت نفسه ولا يمكن غلطت في العنوان؟"
رد الرجل:
"طبعًا يابيه متأكد، عشان بيت قريبي هناك في الشارع اللي وراه وأنا في كل مرة باجي عنده بعدي عليه. ولو عايزين أجيبلك قريبي هو كمان نسأله مافيش مانع."
"تتسألوا مين يابهوات؟"
قالتها المرأة الواقفة بالقرب منهم على باب البيت الملاصق لبيت أمينة. التفت إليها الثلاثة مجفلين على صوتها ليجدوها أمامهم متكئة على الحائط، بعباءة منزلية خفيفة، نصف شعرها الأمامي ظاهر من ربطة رأسها وزينة وجهها صاخبة بالألوان.
تولى العم متولي الإجابة عليها:
"إحنا جايين نسأل على أصحاب البيت ده ياست، ماتعرفيش بقى هما راحوا فين؟ عشان بنخبط بقالنا فترة ومحدش بيرد."
ردت المرأة وهي تقيم الاثنين علاء وعصام بنظرات متفحصة من منبت شعرهم حتى أحذيتهم الغالية الثمن والتي تلطخت بالطين:
"لهو انت متعرفش باللي حصل؟"
سألها علاء مجفلًا رغم استيائه من جراءة نظراتها:
"مالهم أهل البيت وإيه اللي حصل معاهم بالظبط؟"
لوكت بعباءتها بداخل فمها وهي ترد عليهم بتمهل:
"إزاي بس ماتعرفش يابيه؟ دا فتحي اتقبض عليه من يجي ست شهور بتهمة تعاطي واتجار بالبرشام."
ردد خلفها عصام:
"اتجار بالبرشام!! طب إحنا عايزين مراته هي فين؟"
رفعت المرأة حاجبها الرفيع باستهجان وهي تسأله:
"انتوا عايزين أمينة؟ طب ليه؟"
أردف خلفها بلهفة مما أثار ارتياب المرأة:
"أيوه بالظبط كده.. هي أمينة دي.. فينها بقى؟"
صك علاء على فكه وهو يلقيه بنظرة محذرة حتى يصمت، وأكمل على قوله ببعض الكياسة:
"ياست إحنا من جمعية بتراعي الناس الفقرا والباشا اللي جمبي ده عايز يساعدها."
مالت رأس عصام وهو ينظر إليه ببلاهة وعدم استيعاب ليفاجأ بالمرأة تقترب منه بعباءتها الضيقة تطبق بيدها قماش قميصه الأبيض قائلة بلهفة:
"طب ما أنا كمان عايزة مساعدة يابيه.. دا أنا شقيانة في خدمة البيوت.. وجوزي بيطلع عينه في السواقة على كام ملطوش.. ولا هي المساعدة ماتجوزش غير على أمينة."
تدلى فكه واتسعت عيناه يحاول تخليص يده منها وهو لا يعرف بما يجيبها، يرجو المساعدة من علاء الذي ينظر إليه بتسلٍّ بابتسامة مستترة.
استدرك العم متولي بفراسته فقام بإبعاد المرأة قائلاً:
"ياست ابعدي شوية خلي الراجل ياخد نفسه.. معلش بقى ياعصام."
قالها متولي وهو يرى جزع عصام وهو ينظر لكم قميصه المبتل.
فقالت المرأة ببعض الخجل:
"سامحني يابيه.. أصلي كنت بغسل هدوم الواد."
صاح برعب:
"هدوم الواد!!"
تابعت بترجّي:
"أيوه يابيه هدوم الواد.. دا أنا إيدي باشت من كتر الغسيل.. لو تتعطف عليا جمعيتكم وتجبولي غسالة يبقى كتر خيرك."
هتف عليها متولي باستنكار:
"ياست بيقولك جمعية.. يعني إجراءات وشغل كتير وبحث عن حالتك في البداية.. جاوبينا الأول على سؤالنا وبعدها نشوف أمرك."
زفرت المرأة حانقة من العم متولي فقالت بامتعاض:
"أمينة مش هاتلاقوها هنا.. عشان هي أساسًا من ساعة ما جوزها اتحبس وهي بتبات عند أمها وبتيجي هنا زيارة بس توضب البيت أو تاخد لها هدوم تلبسهم هناك."
سألها علاء:
"طب ما تعرفيش عنوان بيت أمها دا فين بالظبط؟"
شهقت رافعة حاجبها مرة أخرى:
"انتوا كمان هاتروحولها بيت أمها؟ هي لدجادي اسمها مهم عندكم في الجمعية؟"
صاح عليها العم متولي:
"خبر إيه يابت؟ ماتجاوبي عالسؤال وخلاص.. لزوموا إيه الرط دا كله."
رد باستنكار:
"ماهو أنا معرفش بيت أمها دا فين عشان أقول."
مسح علاء بكفه على صفحة وجهه شاعرًا بخيبة الأمل، فاتفاجأ بعصام وهو يخاطب المرأة بلطف:
"طب ممكن يامدام لما توصل هنا أمينة تتصلي بالرقم اللي أنا هاكتبهولك دلوقتي تبلغيني؟"
شهقت بفرحة وهي تراه يخرج من جيبه ورقة صغيرة يدون عليها بالقلم الحبر رقم الهاتف:
"هو دا رقم تليفونك يابيه؟"
كشر بوجهه إليها وهو يناولها الورقة:
"حضرتك دا رقم الجمعية مش رقمي، وعلى العموم انتي فاهمين حالتك وأكيد هما هايتصرفوا معاكي."
لمست بأصابع يدها على كفه الممدودة بالرقم بجرأة أثارت ارتعابه وهي تخاطبه بنعومة:
"تسلم الايادي ياباشا."
بلع ريقه وهو يحرك قدميه هربًا منها وذهب معه علاء أيضًا. العم متولي استأذن منهم لزيارة قريبه. أما هي فأخرجت هاتفها الصغير من جيب صدرها تتصل برقمها، فوصلها الصوت المتعب:
"الو يا راوية.. عايزة إيه؟"
ردت بلهجة مائعة:
"الو ياست أمينة.. ياللي طلعتي ميه من تحت تبن.. بقى بتعرفي الناس النضيفة دي وتخبي عليا جارتك حبيبتك."
"تقصدي إيه ياراوية؟"
***
بفناء المدرسة وعلى أريكة خشبية ضمتهما الاثنتان أسفل الشجرة الكبيرة سألتها بمرح:
"قالك إيه ياقطة؟ عيدي كدة اللي قولتي ده من تاني."
ردت فجر بتذمر:
"وأعيد من تاني ليه ياختي؟ هي أغنية؟"
هزت سحر رأسها بابتسامة خبيثة:
"لا ما أنا وداني بايظة النهاردة.. عيدي والنبي."
لكزتها بقبضتها على ذراعها:
"لا انتي بتستهبلي ياسحر ولا وداني بايظة ولا حاجة.. انتي بس عايزة تحرقي دمي وخلاص."
هتفت عليها بصوت ينبض بالفرح:
"وأحرق دمك ليه بس ياعبيطة انتي؟ هو إحنا كل يوم بنلاقي رجالة بتقول الكلام الحلو ده.. ولا حتى بنلاقي أبلة فجر تستجيب ووشها يحمر كمان... يابنتي دا تطور كبير قوي مكناش نحلم بيه."
أشاحت فجر عنها وجهها تداري عنها ضحكتها وقد لامست كلمات سحر ما تشعر به بالفعل.
فتابعت سحر:
"لا بقى دا انت شكلك كدة واقعة على بوزك.. بتبعدي وشك وتداري ضحكتك عني.. ما خلاص اتكشفتي ياقطة وسرك بان."
التفتت إليها فجأة تسألها بقلق:
"بجد ياسحر.. يعني أنا فعلًا بحبه بقى ولا دا مجرد فرحة من اهتمام راجل بيا؟"
ردت سحر بجدية:
"ماهو ياقلبي لو ماكنش الراجل ده ليه مكانة في قلبك مكنتيش انتي حسيتي بكلامه ده ولا وشك الحلو ده نور من الفرحة."
تابعت بتشتت:
"طب إزاي دا بس يحصل.. وإنتي بنفسك عارفة اللي فيها يعني وكدة."
"تقصد يعني على حبه القديم لفاتن؟"
سألتها فأومأت برأسها توافق.
فردت سحر:
"بقولك إيه يافجر.. ماتسيبي الماضي ياحبيبتي وارميه ورا ضهرك.. عيشي اللحظة يابنتي وإنسي بقى.. أنا مش قصدي تنسي فاتن طبعًا.. أنا بس عايزاكي تفتكري كويس مدام اكتشفتي بنفسك برائة علاء.. يبقى شيلي كمان من دماغك حكاية تأنيب الضمير.. عشان انتوا الاتنين مابتغلطوش.. والحي أبقى من الميت."
شردت فجر وهي تنظر للبعيد تفكر في كلمات سحر. فاصطدمت عيناها بعين أخرى تنظر نحوهم من نافذة مفتوحة لإحدى الفصول وكأنها تراقبهم.
فعادت لصديقتها قائلة بدهشة:
"بت ياسحر.. انتي مش ملاحظة إن الأستاذ عبد الله مدرس الرياضيات بيبصلك كتير دا غير إني بدأت أحس بتصرفاته بقت غريبة شوية معاكي اليومين دول!"
"نظرت نحو ما تنظر إليه فارتد هو عائدًا لداخل الفصل، فردت باندهاش:"
"أمال لو شوفتيه وهو بيسلم على رمزي.. دا كأن في مابينهم تار بايت!"
شهقت فجر ضاحكة:
"يكونش بيحبك يا منيلة؟"
شهقت الأخرى متفاجئة:
"نهار أسود.. يعني كان بيحبني في صمت وبيكتم في قلبه ياعين أمه."
ردت فجر ضاحكة:
"وإنتي ولا حاسة يا عديمة الإحساس هههه."
حركت كتفها بدلال:
"وأنا مالي ياختي.. حد قالوا يقعد ساكت مع واحدة معجبينها كتير."
ازدادت ضحكاتهما لتردف فجر:
"هو الخسران."
"طبعًا هو الخسران."
***
نهض حسين عن مقعده يستمع لكلمات أخيه وهو يقطع غرفة مكتبه ذهابًا وإيابًا بتوتر وتركيز شديد مع كل حرف. حتى انتهى علاء فعاجله حسين سائلًا:
"طب وبعدين ياعلاء.. مشيتوا كدة من غير ما تعرفوا أي معلومة عنها؟"
"بس انتوا اتأكدتوا من العنوان؟"
"وانتوا متأكدين بقى إن جارتها دي هتبلغكم لو شافتها."
"طب مليني العنوان اللي انتوا راجعين منه دلوقتي."
"مالكش دعوة ياعم.. مليني وخلاص."
تناول ورقة يدون فيها العنوان ثم أنهى المكالمة مع أخيه. لينظر في الورقة وكأنه وجد ضالته، يتمتم بالحمد. ثم ما لبث أن يتحرك ذاهبًا من مكتبه، لوجهة يعلمها جيدًا.
***
بداخل السيارة وهو يقود كان ينظر لأكمام قميصه المبقعة بقرف. أثار انتباه علاء الذي ما إن انتهى من مكالمة أخيه حتى انطلق في الضحك مرة أخرى يردد:
"هههه يابني ما أنا قولتلك.. خليك في عربيتك وأنت عشان ماتتعبش.. أنت مش حمل المناظر دي."
رد عليه عصام بسخط:
"ماتبطل أنت قلشك بقى وترقيتك دي.. محسسني إن واد طري من بتوع اليومين دول.. لا ياحبيبي أنا دكتور ومتعود على مشاهد تشيب.. مش الحاجات الخفيفة دي."
صدحت ضحكة علاء الصاخبة وهو يكمل في مشاكسته:
"طب ولما هي حاجات خفيفة.. حسيت ليه أنا إن قلبك هاوقف من الرعب أول ما الست كلبشت في دراعك هههه."
تأفف حانقًا يهز رأسه بضيق من أسلوب علاء المتهكم، ولكن بداخله كان يشعر بسعادة تبدو مؤقتة لاستعادة صديقه.
تابع علاء:
"ماترد يادكتور يامحترم على كلامي وقول إنك ماخفتش منها بجد بدل ما انت بتاكل في نفسك وبس."
التفت إليه عصام كابتًا ضحكته:
"بصراحة خوفت ماكدبش عليك."
انطلقت ضحكته تزامنًا مع ضحكات علاء الصاخبة قبل أن يكمل:
"بس دي شيء عادي يا عم.. فجأة لقيتها بتمسك في إيدي خضتني هههه.. وفي الآخر طلعت غاسلة هدوم الواد كمان!"
قهقه الاثنان غير قادرين على التوقف لعدة لحظات قبل أن يمسك نفسه أخيرًا علاء وسأله مندهشًا:
"رقم مين صح اللي ادتهالها وادعيت إنه رقم الجمعية المزيفة."
رد عصام:
"ماهو فعلًا رقم جمعية حقيقي.. أينعم أنا اتخضيت في الأول لما لقيتك بتألف الموضوع ده.. بس لما فهمت إنه عشان سمعة الست والعادات في المناطق الشعبية.. دوغري افتكرت جمعية بنتي وأديتها رقم حقيقي."
ضيق علاء عينيه مستفسرًا:
"بنت مين؟ وجمعية إيه بالظبط؟ هو انت اتجوزت وخلفت كمان؟"
رد عصام:
"في الحقيقة دا حصل من 3 سنين بالظبط.. بعد ما رجعت من لندن.. اتجوزت بنت خالي.. بس بقى كانت مدلعة وبتهمل حتى في تربية بنتها.. ماقدرناش نكمل مع بعض واتطلقنا.. بس للأسف خالي ومرات خالي أخدوا البنت في حضانتهم وحرموني منها.. فا أنا بقى من شوقي خوفي طول الوقت عليها من إهمال واستهتار والدتها.. أسست جمعية خيرية وكتبتها باسمها عشان ربنا يباركلي فيها."
التفت لعلاء وجده ينظر إليه بشرود. طرقع بأصابعه أمام وجهه:
"إيه ياعم سرحت في إيه وأنا بكلمك؟"
استفاق علاء من شروده وهو يلتفت للطريق أمامه فقال متهربًا:
"سوق ياعصام.. خليني أحصل المحل اللي سايبه من الصبح ده."
تعجب عصام من التغير المفاجئ لعلاء ولكنه آثر الصمت، حتى لا يزعجه بفضوله. والتفت يركز في قيادة سيارته.
***
في المساء وبينما هو منهمك في عمله على إحدى قطع الأثاث بمساعدة عامل آخر في الورشة.. دلف صبي صغير من حارتهم يهتف عليه:
"عم سعد ياعم سعد.. الحق في ناس عايزينك برة."
رفع رأسه إليه يسأله:
"مين ياض ياعبودي اللي عايزني برة؟"
رد الطفل بلهث:
"واحدة ست ياعم سعد.. قالتلي أدخلك وأنهدلك بسرعة."
"ست مين ياض؟ طب معرفتش اسمها."
قالها سعد ليجدها فرصة عمال الورشة في المزاح معه.
قال أحدهم:
"الله ياعم سعد.. انت عايزها تقول اسمها وتفضح نفسها قدامنا."
فقال الآخر:
"الله يساهله ياعم سعد.. اخرج ياعم وشوفها.. دي الست عايزاك بسرعة."
نفخ صدره وهو يتلقى مزاحهم بتفاخر وبخطواتٍ منتشية ذهب من أمامهم. حتى إذا خرج من باب الورشة.. نظر إلى الطفل متسائلًا:
"فين الست دي ياض ياعبودي اللي بتسأل عليا."
رد الطفل وهو يشير بيده:
"اللي واقفة هناك ومديه ضهرها."
تقدم سعد نحو المرأة المجهولة وقبل أن يقترب منها وجدها تلتف إليه بكليتها.. لتصطدم عيناها بعينيه التي جحظت من رؤيتها وكاد أن يقع أمامها في وسط الشارع وأمام المارة. استدرك نفسه يضبط خطواته، وهو يقترب منها ومقلتيه تتحرك يمينًا ويسارًا ناحية وجوه البشر في الشارع. مرتعبًا من فكرة التخيل حتى.. إنها هنا في وسط حارته وخلف منزل أدهم المصري وفي هذا الوقت الحساس إليه.
إنها حتى لم تتغير شكليًا ولم يتغير جسدها النحيل.. هي نفسها ببشرتها السمراء الناعمة وعيون المها خاصتها تنظر إليه بتحدٍ لم يره عليها قبل ذلك. حينما اقترب منها وجدها تبتسم بزاوية فمها قائلة:
"إزيك يامعلم علاء وحشتني ياراجل."
لم يرد تحيتها بل اقترب يدفعها بيده متمتمًا:
"امشي اتحركي على طول.. ومن غير نفس اخلصي."
تحركت تسير معه مضطرة وهي تهمس باستفزاز:
"طب حتى رد السلام الأول.. لدرجادي مرعوب لحد يشوفني ويعرفني."
دفعها بحدة كاد أن يوقعها هامسًا هو الآخر:
"وإنتي بلعتي حبوب الشجاعة النهاردة وجاية تتحديني يابنت محاسن."
أخرجت ضحكتها صوتًا وهي ترد عليه واضعة كفها بجانب فمها:
"أيوه صح أنا بنت محاسن وانت ابن نشوى التخينة بياعة الخضار هههه."
آه قالتها بألم حينما وجدت نفسها تدفع بقوة داخل مخزنٍ ممتلئ حولها بالأخشاب. دلف خلفها يغلق الباب فورًا بقوة. وتقدم خطوات أمامها ببطء وجسده يهتز من فرط انفعاله.
أكملت هي دون أن تهابه وقالت باستفزاز:
"يامعلم سعد؟ انت جايبني هنا المخزن بتاعك عشان تخلص عليا ولا تدفني فيه حي..."
لم يعطها فرصة لإكمال جملتها وذلك لأنه أطبق بكفه على عنقها قائلًا بغضبٍ حارق:
"إيه اللي جابك عندي النهاردة يا أمينة؟ بايعة عمرك ولا عايزة تحصلي جوزك في السجن؟"
ردت ضاحكة باستفزاز رغم خروج صوتها بصعوبة:
"ما عدتش عندي حاجة... أبكي عليها ياغالي.. وإن.. وإن دخلت السجن مش هادخ...ل لوحدي.... هاتدخل.. انت.. معايا....."
ضغط بكفيه الاثنان:
"يبقى هاخلص عليكي أحسن وتبقي جيتي لقضاكي."
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل الثاني والعشرون 22 - بقلم امل نصر
جحظت عيناها بقوة حتى كادت أن تخرج من محجريها. بشرتها السمراء أصبحت تتحول للون الأحمر القاتم. يداها التي تقاوم لكي تنزع كفيه المطبقين على عنقها النحيف بدأت ترتخي مع قرب نفاذ الهواء من صدرها، أو قرب نهايتها التي لطالما توقعتها دائمًا بمخيلتها.
منذ هذا التاريخ المشؤوم حينما شاركت هذا الملعون جريمته بغبائها، وحاجتها للعاطفة الكاذبة التي أوهمها بها في بداية تعارفهم كي يكسب ثقتها. وبعد أن حدث ما حدث، رأت وجهه الحقيقي الذي يبدو في الظاهر واجهة بشرية، ولكن بداخله مسخ. مسخ مشوه لا يتورع عن فعل جريمته وإلصاقها بغيره، ثم رميها هي كذبابة من أمامه بعدما انتفت حاجته إليها.
لتتحمل هي بعد ذلك عواقب ما حدث وحدها، وتتجرع من مرار الأيام ما يذكرها دائمًا بجريمتها معه. لقد تعبت ولم تعد بها طاقة في حمل هذا الوزر الثقيل. إذن فاليزهق روحها ويخلصها، علّها تستريح ولو قليلًا من عذابها!
كان يطبق على رقبتها الهشة يود لو يكسرها بيده ولتذهب لجحيمها الغبية التي جاءت إليه بكل صفاقة كي تستفزه وتخرج شياطينه. غضبه الأعمى جعله يتمنى ذلك ويرغبه بشدة لبعض اللحظات، قبل أن يستفيق ويدرك نفسه. فتركها على آخر لحظة قبل طلوع روحها من جسدها.
سقطت على الأرض تسعل بشدة بعد أن تركها وابتعد عنها يسب ويلعن. ثم ما لبث أن تناول خشبة صغيرة فضرب بها على الأرض بقوة أمام رأسها المنخفضة للأسفل قائلًا:
"جاية ليه دلوقتي بعد ما نسيتك ونسيت أيامك الغبرة يا أمينة الزفت؟"
رفعت عيناها إليه وقد هدأت أنفاسها قليلًا، ولكن ما زالت قدماها لا تقوى على الوقوف. فعادت لابتسامتها المستفزة:
"انت خلاص صرفت نظر عن قتلي يا سعد، ولا عايز تعرف سبب مجيتي لك الأول؟"
هتف عليها:
"جاوبي واخلصي يا بت، أنا مش ناقص قرفك."
ردت بمرح في غير محله:
"وحشتني يا سعد وقولت أشوفك، فيها حاجة دي؟"
هز رأسه بعدم استيعاب من فعلها. فنزل أمامها على عقبيه مضيقًا عيناه يسألها:
"انتي يا بت شاربة حاجة؟ جمودية القلب دي غريبة عليكي. قولي يا بت مبلبلة إيه بالظبط؟"
قال الأخيرة وهو يجذبها من قماش بلوزتها التي نزعتها بعنف عن يده قبل أن ترد عليه بغضب وقد ذهب عن وجهها العبث:
"شاربة المر من كياني يا حبيبي. من ساعة ما اتجوزت فتحي بياع البرشام عشان ألاقي حد يلمني وأتحامى في كنفه بعد ما غدرت بيا. وقولتلي ماحدش ضربك على إيدك وكل فينا يروح لحاله ويشيل مسؤولية نفسه. شيلت يا أخويا وبعدت عن وشك وريحتك من همي. لكن يا غالي الحال اتغير. علاء وعصام وصلوا لبيتي، يعني قربوا يوصلولي."
لكزها على ذراعها ليرد بعدم تصديق:
"كذابة يا بت محاسن ومش مصدقك. بيت مين اللي وصلوله؟ هما يعرفوا اسمك كامل أساسًا عشان يعرفوا بيت جوزك؟"
صاحت بغضب:
"أنا ما بكذبش يا سعد. راوية جارتي حاكتلي إن فيه تلات رجالة جم على بيتي يسألوا عني بحجة إنهم جمعية خيرية وعايزة تساعدني. راوية أكدت إنها سمعت اسم الدكتور عصام على لسان واحد منهم واللي عرفته أنا من المواصفات اللي حكتها ومواصفات التاني مش بعيد يكون علاء. واللي خلاني اتأكدت أكتر بقى مين؟ عم متولي اللي كان بواب العمارة. العمارة اللي كان فيها شقة عصام فاكرها طبعًا يا نور عيني. أكيد هو اللي دلهم عليا، عشان ابن عمه ساكن ورا بيتي وياما شافني وشوفته في الشارع هناك."
انسحب اللون من وجهه فاستقام بجسده واقفًا وهو يستوعب كلماتها المفاجئة. وحينما ظل على صمته فترة ليست بقليلة، هتفت عليه:
"يكون في معلومك يا سعد. أنا لو حد منهم عثر عليا ولا عرف مكاني، أوعى تفتكر إني هاسكت ولا أنكر. لا يا حبيبي أنا هأقر بكل حاجة وأحكي من طق طق لسلام عليكم."
التفت إليها بنظرة تطلق شررًا من حدتها، فعادت لابتسامتها المستفزة وتابعت غير آبهة:
"ما أنا ما عدتش عندي حاجة أخاف عليها أو أخسرها لو حبسوني ولا حتى أعدموني."
غلف وجهه بقناع جامد وهو يومئ لها بذقنه سائلًا باقتضاب:
"والمطلوب إيه؟"
أجابت بقوة:
"شوف لي مكان أتاوى فيه غير بيت أبويا وتحميني منهم لو وصلوا لي!"
***
بداخل سيارته التي صفها في ركن مظلم بالشارع الضيق، كان ينظر في ساعة يده يحصي الدقائق في انتظار خبر أو معلومة على هذا اللقاء المثير. هذا اللقاء الذي توقع حدوثه منذ علمه بمعرفة أخيه بعنوان المرأة المنشودة. وهو استنتج بذكائه لجوءها إلى شريكها. فوضع الاحتمالات برأسه لمراقبة بيت زوجها ومراقبة أخرى دقيقة لسعد الذي سيكشف حقيقته أخيرًا لشقيقه ويعلم بحقيقة ما فعله قديمًا.
ولحسن الحظ لم تتأخر المرأة لتأتي بعد ساعات فقط من تكليفه لعامل القهوة حودة، والذي تسبب شجار سعد الدائم معه لقطع رزقه منها. ليقبل بمهمة مراقبته ومراقبة من يقابلهم بكل سرور. ولكن طال الانتظار وبدأ القلق يتسرب إلى قلب حسين. فكما أخبره حودة، المرأة دخلت مع سعد مخزن ورشته الخشبي ولم يخرجا حتى الآن. ترى ماذا يحدث الآن وما الذي يتفقان عليه الآن هؤلاء المجرمون؟
مسح بأطراف أصابعه على ذقنه المهذبة وعقله يدور في ألف سيناريو. صدح الهاتف بورود مكالمة من حبيبته، ولكنه مضطر لتجاهلها لانتظارها المكالمة الهامة والتي لم تتأخر كثيرًا بعد ذلك. رد حسين عليها سريعًا بلهفة:
"أيوه يا حودة، إيه الأخبار؟"
"... خرجوا هما الاتنين!"
"طب راحوا فين يعني؟"
"... خليك وراهم ماتسيبوهمش الله يرضى عنك. وتابعني بالأخبار أول بأول ولو لمحت أي حركة مش مظبوطة أو فيها قلق اتصل بيا فورًا."
"... بعد ما يخلص مشوارك معاهم تعالالي البيت قابلني. لو على الفجر حتى أنا هأفضل مستنيك. عشان تحكي لي بالتفصيل الممل."
"تسلم لي يا حودة يا مجدع."
بعد أن أنهى المكالمة زفر بسأم لعدم انتهاء هذه الليلة الطويلة مع شعوره المتزايد بالقلق. أدار محرك السيارة ليذهب لبيته، وقد ضاعت عليه فرصة لقائه بالمرأة ومحاصرتها الليلة بالحقائق لتعترف. ولكن لا بأس. إن لم تكن الليلة فالأيام قادمة.
***
زفرت حانقة وهي تنظر لهاتفها وتدور حول نفسها من القلق بداخل غرفتها. فقد وصل بها الضيق لأعلى مراحله من كثرة محاولاتها الفاشلة في الاتصال به وهو لا يجيب، ولا يكلف نفسه عناء إرسال رسالة حتى ليطمئنها ويرضيها. تحدث نفسها بتوعد:
"ماشي يا حسين. خليك كده ماترودش ولا تعبرني وحسابك معايا بعدين بس."
ودت لو تهشم هذا الهاتف لقطع صغيرة. فما فائدته في يدها وهي لا تستطيع به الاطمئنان على حبيبها الآن. صور لها الشيطان إفراغ غيظها برميه على الحائط وليحدث ما يحدث بعدها. فرفعت يدها لكي تفعلها، ولكن إضاءة الغرفة التي عادت تتراقص مرة أخرى أعادتها لقضيتها الأساسية وهي السبب الرئيسي لاتصالها الدائم بحسين الآن.
فوصلها صوت والدتها من خارج الغرفة:
"رد عليكي حسين يا شروق؟"
رفعت عيناها لأعلى بسأم قبل أن تخرج إليهم لصالة المنزل لترد:
"لأ يا ماما. برن عليه لما هاكسر التليفون وهو لا معبرني حتى."
لوحت سميرة بكفيها في الهواء بقلة حيلة:
"طب نعمل إيه بس دلوقتي يا ربي؟ أبوكي وقافل تليفونه عشان عزا الراجل صاحبه. وخطيبك بترني عليه مابيرودش. وإحنا ولا إيه هانجيب منين بس كهربائي في الساعة المتأخرة دي؟"
تكلم إبراهيم بجوارها:
"يا ماما أنا بردان هنا في الصالة. عايز أدخل أوضتي الدافية عشان أنام وأرتاح فيها."
هتفت عليه سميرة بغيظ:
"ما تتنيل واصبر شوية على ما نشوف آخرتها. النور ضعيف في البيت كله. خليك جمبي هنا عشان ما تخافش لو الكهربا قطعت. وانت قاعد لوحدك هناك."
سألتها شروق بقلق:
"طب هانعمل إيه إحنا يا ماما لو قطعت وبابا مش موجود عشان يتصرف؟"
ضربت سميرة على كفيها:
"يعني عايزاني أقولك إيه؟ ما أنا بضرب قدامك أخماس في أسداس أهو ومش لاقية حل. ما هو لو كان أبوكي سمع كلامي وغير كهربة البيت اللي عفى عليها الزمن، ما كناش وقعنا في المغرز ده دلوقتي."
اهتزت الإضاءة مرة أخرى فصاحت سميرة:
"بتتهب إيه عندك يا فجر؟ ما تيجي بقى يا بنتي وبلاش وجع قلب."
وصلها الصوت من الداخل:
"يا ماما ما أنا بحاول أشوف صرفة أوقفها بيها."
همت لتجادلها سميرة ولكن أوقفها صوت زهيرة التي هتفت على باب الشقة:
"يا سميرة يا بنات. إيه الأخبار."
ردت سميرة:
"ادخلي يا حبيتي انتي هاتستأذني."
خطت زهيرة لداخل الشقة من بابها المفتوح وهي تتكلم:
"لأ ما أنا بستأذن عشان علاء يا حبيتي. أصلو جاي عشان يشوف الكهربا عندكم."
صدح صوته من خلفها:
"مساء الخير يا خالتي."
ردت سميرة بلهفة:
"تعالي يا حبيبي. ادخل يا ابني انت مش غريب."
تقدمت شروق نحو زهيرة لتجلسها على الأريكة ودلف خلفها علاء. فقالت زهيرة:
"والنبي يا أختي. أول أما قولتله مارضاش يستريح ولا يشرب بق مية حتى. غير لما يجي يشوف المشكلة عندكم سببها إيه."
سميرة وهي تخاطب علاء:
"معلش يا ابني هانعبك معانا. نعمل إيه بس وأبو العيال النهاردة مسافر البلد في عز واحد صاحبه."
رد علاء وعيناه تبحث عنها وسطهم:
"لأ يا خالتي ما تقوليش كده أنا مش غريب عنكم. هي سكينة الكهربا فين عشان أشوفها؟"
ردت شروق وهي تشير بيدها:
"سكينة الكهربا جوه في المطبخ يا علاء. دي حتى فجر بقالها فترة جوه بتحاول فيها."
ذهبت عيناه فورًا ناحية المطبخ فقالت سميرة:
"ادخل يا ابني خلي شروق توصلك بس انت هاتعرف بقى؟ دي كهربا يعني مش حاجة سهلة."
رد عليها وهو يتحرك مع شروق:
"والله لو ما عرفت يا خالتي. هأنزل على طول أجيب الكهربائي. ما أنا مش هأستنى عشان أعك كمان."
أومأت سميرة برأسها والتفتت بعد ذلك للحديث مع زهيرة وذهب علاء مع شروق التي صدح هاتفها بمكالمة من خطيبها حسين. فتوقفت في الطرقة الموصلة للمطبخ والمرحاض. تشير لعلاء:
"معلش يا علاء حسين بيرن. ادخل انت أهو المطبخ قدامك عشان وأنا هأرد على الفون."
أومأ لها برأسه فذهبت لترتد عائدة لغرفتها ودلف هو وحده عندها بداخل المطبخ. فوجدها واقفة محلها أمام القاطع الكهربائي للإنارة العمومي للشقة. ممسكة بيدها عصا صغيرة تحاول جاهدة فيه على أطراف أصابعها.
ألقى عليها التحية بابتسامة زينت وجهه على هيئتها اللذيذة وكأنها طفلة بالبيجامة ذات الرسوم الكارتونية:
"مساء الخير."
أنزلت قدميها على الأرض لتستدير إليه وترد التحية:
"مساء النور يا معلم علاء."
سألها بمشاكسة:
"بتعملي إيه؟"
رافعت حاجبيها ترد باستنكار:
"والله كلك نظر يا معلم علاء. بحاول أثبت في المفاتيح الملخلخة دي وهي بتطفي وتنور لوحدها."
تقدم لداخل المطبخ قائلًا بمرح:
"بس واضح كده إن طريقتك مش نافعة ولا يمكن عشان انتي قصيرة ومش طايلة تثبتي كويس."
ردت بغيظ وهي تلوح بالعصا على المفاتيح المثبتة في القاطع:
"مش موضوع قصيرة. الموضوع إنها هي نفسها بايظة. يعني مثلًا أثبت الجزء ده بتاع أوضتي وأوضة النوم بتاعة ماما وبابا. ألاقي الجزء اللي جنبه اللي بيشمل أوضة شروق وإبراهيم أطفأ. وأما أثبت الجزء ده بتاع بتاع الصالة والمدخل ألاقي هااا..."
صرخت شاهقة وهي تكمل بخوف:
"ألاقي الصالة والحمام هما اللي انطفوا."
صدحت ضحكته مجلجلة في هذه المساحة الضيقة حينما عمها الظلام بانطفاء الجزء الخاص بها من مفاتيح القاطع. أنار كشاف هاتفه ليراها منكمشة على نفسها على حافة حوض غسيل الأطباق. ولكنها استقامت فجأة لتداري ارتباكها وتوترها أمامه. فالتفت للقاطع يثبته على إنارة جميع الشقة باحترافية تعجبت لها. ثم استدار إليها قائلًا بخيلاء:
"حاجة بسيطة أهي. يعني ماكنش لازم تتعبي نفسك الوقت ده كله. كنت اندهيني بس أو شاوريلي من البلكون وأنا أحله."
فغرت فمها تنظر إليه مندهشة من طريقته حتى خرج من أمامها بابتسامة شملت جميع وجهه.
***
بداخل غرفته حسين وهو جالس على طرف سريره يتحدث معها بمحايلة:
"يا بنتي والنبي ما كنت فاضي."
وصلته صرختها:
"حتى لو ما كنتش فاضي يا حسين. تطمني حتى برسالة مش تسيبني آكل في نفسي والقلق والأفكار الوحشة تلعب في دماغي."
رد بحنان وقد لامست قلبه كلماتها:
"سلامتك يا قلبي من القلق ولا الخوف. وسامحيني عشان نسيت موضوع الرسالة دي. بس والله دماغي كانت مشغولة ومازالت."
سألته بتوجس:
"مشغولة في إيه بقى دماغك؟"
"نعم!!"
"بقولك مشغول في إيه يا حسين وجاوب بقى عشان دماغي أنا ما تروحش في حتة تانية."
سألها بعدم فهم:
"حتة تانية فين بالظبط يعني عشان أعرف؟"
صدر صوتها بتعصب:
"في الستات مثلًا يا حبيبي. يعني تكون بتفكر في واحدة تانية غيري. والنعمة ما يحصل يا حسين لا أكون مسودة عيشتك وممرارها كمان."
قهقه يضحك من قلبه:
"ههههه يخرب عقلك يا شروق ضحكتيني بجد يخرب عقلك. هو أنا عندي وقت أعرفك انتي نفسك عشان أعرف واحدة تانية. وحتى لو في؟ مين ده اللي يقدر ياخد مكانك يا قمر؟"
رقت لهجتها وهي مازالت تهاجم:
"ماتحاولش تاكل عقلي بكلامك ده يا حسين عشان ما عدتش بيأثر معايا فاهم؟"
"والنبي بجد اللي بتقوليه ده؟ يعني أنا ما عنديش معزة في قلبك على كده بقى؟"
أصدرت صوت طقطقة بفمها تنفي بدلال:
"لأ."
تابع معها:
"طب والنبي سامحيني المرة دي بقى عشان خاطري وحياة الغاليين عندك يا شيخة. دا انت حتى حنينة وقلبك طيب. مش برضوا قلبك طيب؟"
قالت بمرح:
"أنا مستعدة أسامحك المرة دي عشان الغاليين بس. مش عشانك انت وبشرط إنك ما تتكررهاش تاني كمان فاهم؟"
"فاهم يا قمر يا أم قلب حنين انتي. ربنا يخليكي للغلابة يا رب."
صدحت ضحكتها الجميلة على أسماعه. انعشت صدره بعشقها وأدخلت السعادة على قلبه. فأنسته همه وما يشغل عقله. همس بحب:
"ربنا يخليكي ليا يا شروق ويبارك لي فيكي يا قلبي."
رددت خلفه:
"وانت كمان يا حبيبي. ربنا ما يحرمنيش منك أبدًا وأفضل أنا كده على قلبك طول العمر."
ضحك على دعابتها وهم للرد ولكن قاطعه ورود المكالمة المنتظرة. فأسرع ينهي معها:
"شروق يا قلبي. ممكن تسامحيني دلوقتي وتقفلي والنبي عشان عندي مكالمة مهمة."
همت لتعترض ولكنه استرضاها برجاء حتى أنهى المكالمة سريعًا ورد على حمودة الذي كان ينتظره بأسفل البيت ولم يقبل بالصعود إليه في هذه الساعة المتأخرة من الليل. فنزل إليه حسين يقابله في حديقة منزله:
"انت متأكد إن ماحدش فيهم شافك يا حمودة؟"
"عيب عليك يا حسين بيه. هو انت فاكرني غبي؟ ده أنا كنت براقبهم من مسافة بعيدة. ده غير إني كنت لابس كمامة كمان ولابس لبس تقيل عشان الزفت ده لو شافني ما يعرفنيش. حكم أنا عارفه ده بلوة مسيحة."
ربت حسين على ذراعه مشجعًا:
"جدع يا حودة. أنا عارفك راجل من الأول ومخك نضيف أمال أنا لجأتلك ليه انت بالذات على طول عشان عارفك. المهم الشقة اللي شوفتهم داخلين فيها دي. ماتعرفش بتاعة مين فيهم؟"
رد حودة بحماس:
"طبعًا سألت وعرفت. الشقة دي بتاعة الزفت سعد ومأجرها في الخفا من كام سنة كده. للمزاج والعب. بس الجيران أكدولي إن فيه واحدة بتتردد على طول شقته دي وكأنها عشيقته."
انتبه حسين لمقولته فحث حودة بتصميم:
"طب أنا عايزك تستمر في مراقبة الشقة دي كويس وتخلي ناس ثقة من ناحيتك. يشاروك في مراقبة الاتنين سعد وأمينة وأهم حاجة. تعرف لي مين هي دي الست اللي كانت بتردد على الشقة المشبوهة مع سعد سامعني يا حودة؟"
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل الثالث والعشرون 23 - بقلم امل نصر
على طرف سريره القديم كان جالسًا بقدميه المثنية لجواره، وهو مستند بكتفه على القائم. يدخن سيجارته شاردًا فيما يحدث معه الآن، وهذه المصائب التي حلت فوق رأسه دفعة واحدة. ألا يكفي ظهور عصام المتعجرف وبحثه في الماضي بالتقرب مرة أخرى من علاء واللعب بعقله، حتى تأتي هذه الملعونة لتقلب الطاولة فوق رأسه وتزيده همًا فوق همومه. لقد تناساها ونسي أيامها بعلاقته مع نرمين، لكن بظهورها الآن أعادت الأحداث بذاكرته وكأنها الأمس.
تتوالى بذاكرته المشاهد واحدة تلو الأخرى دون توقف. بداية من عودته من عمله في هذا اليوم الفارق في حياته حينما رآها تدخل السيارة مع هذا الطاووس الذي لم يكره في حياته أكثر منه، فاشتعلت النيران بقلبه. ود لو يوقف السيارة فيسحبها من ذراعها كي تخرج من جواره، لكن بأي حق وهو يعلم تمام العلم أنها لن تقبل. تحركت قدماه نحو ورشة أبيه كي يخبره بما حدث وتتلقى هي وهو عقابهما. لكن على آخر لحظة هداه شيطانه لتغيير وجهته لمكان آخر. وقد ارتسمت بذاكرته خطة لضرب عدة عصافير بحجر واحد.
وكانت أمينة صديقة شقيقته، والتي عملت بفضل وساطته لها عند عصام، هي أداة لتحقيق هدفه ومعرفة جميع ما يحدث داخل الشقة. وقد سارت خطته على أكمل ما يريد حتى هذا اليوم حينما اتصل بها للترتيب في ساعة الحسم التي بناءً عليها تنجح خطته.
***
كانت أمينة بداخل المطبخ الرخامي تهمس غاضبة في الهاتف وعيناها تراقب للخارج نحو الجالسين بوسط الصالة الواسعة.
"أأجله ساعتين إزاي يا عم أنت؟ بقولك هايشرب قهوته ويمشي على طول."
وصلها صوته المنزعج:
"يا بت اتصرفي، شغلي عقلك بأي فكرة تخليه يستنى على ما يوصل علاء من جيشه، دا ركب القطر وخلاص هانت."
"أيوه يعني هأقوله إيه عشان يستنى وما يخرجش؟"
صاح عليها هادرًا:
"أنتي غبية يا بت انتي؟ كام مرة هأفضل أعيد وأزيد في الكلام عشان تفهمي."
"ما تزعقش فيا يا سعد حرام عليك، أنا بنفذ كل اللي بتقوله لكن في دي بقى هاتصرف إزاي يعني؟ أضربه بقى على راسه مثلاً عشان يفضل مستني وما يخرجش؟"
صمت قليلًا قبل أن يتكلم بحماس:
"بت يا أمينة أنا خلاص هأقولك تعملي إيه بعد ما جبتيلي انتي الفكرة من غير ما تدري."
"فكرة إيه يا سعد مش فاهمة؟"
"ما فيش وقت عشان أشرحلك، المهم بقى إنك تستني كده على القهوة اللي على النار دي، شوية كده على ما أنا أوصلك."
"وأيه دخل القهوة بس يا سعد؟ أنا مش فاهمة حاجة."
"عنك ما فهمتي، نفذي اللي بقول عليه وأنا في ظرف دقايق هأكون عندك من الباب الخلفي بتاع المطبخ وهافهمك نعمل إيه."
"أحسن تتأخر يا سعد؟"
"يا غبية هاتأخر فين بس وأنا موجود أساسًا قريب منك بأراقب البيت، اخلصي اقفلي يلا وأنا هاوصل الصيدلية وأطلعلك على طول."
"صيدلية إيه يا سعد؟"
"اقفلي يا بت بلا غباوة."
***
بعد نصف ساعة.
لطمت بكفيها على وجهها تخاطبه بجزع وهو واقف أمامها بوسط الصالة في شقة الدكتور عصام.
"يانهار أسود يانهار أسود، أنت حطيتلهم إيه في القهوة؟ دول باينهم ماتوا؟ يا مصيبتك السودة يا أمينة يا مصيبتك السودة."
هتف عليها بغضب وهو يجثو بركبته على الأرض التي استلقى عليها عصام دون إرادته قبل أن يصل لباب الخروج بفعل المنوم.
"بس يا زفتة انتي دول ماتوش ولا حاجة، تعالي بس ساعديني عشان نشيل الزفت ده ندخله أوضته ونيمه على سريره."
قالت بترجي وهي تفرك كفيها ببعضهما:
"أوعى يكون مات يا سعد وحياة الغاليين عندك يا شيخ."
هتف بصوت خفيض مابين أسنانه:
"يا بت ماتبقيش غبية وافهمي بقى، دا منوم، يعني مش سم عشان يموتوا، هاستفاد إيه أنا بموته بس؟ تعالي ساعديني وماتقلقيش هما آخرهم ساعتين ولا حاجة وتلاقيه قام زي القرد. تعالي يلا ساعديني نشيله مع بعض ربنا يهديكي."
أذعنت لأمره مضطرة، فجثث على ركبتيها تساعد برفعه من أقدامه وهو من رأسه وأكتافه. فسألته وهي تومئ برأسها نحو فاتن المستلقية لا حول لها ولا قوة على الأريكة الأثيرة:
"ودي هانشيلها بردوا ولا هنسيبها مكانها؟"
رد بحزم وهو يرفع لأعلى ثقل عصام:
"نفس الأمر بس هاندخلها أوضتها."
وقد كان. بعد أن أنهوا مهمة حمل عصام، قاموا بنقل فاتن هي الأخرى لغرفتها. ولإكمال الخطة خرجت أمينة من الباب الرئيسي ليراها حارس العمارة بشكل طبيعي للذهاب إلى منزلها. وخرج هو من الباب الخلفي بناءً على اتفاقه مع أمينة، ولكنه توقف بوسط الدرج. ولم تطاوعه قدماه للنزول. فنزل بجسده جالسًا بإرهاق، يفرك بأطراف أصابعه على جبهته المتعرقة. لا يستطيع السيطرة على تفاعل جسده منذ أن حملها بيديه الاثنتين وشعر بنعومة جسدها الفاتن كالاسمها. يريد إزاحة مشهد رؤيتها عن رأسه وهي نائمة على فراشها وقد كشفت بلوزتها عن جزء كبير من كتف ذراعها الغض ولا يستطيع. يبتلع ريقه بصعوبة حتى أصبح جسده يرتجف. ثم مالبث أن ينهض مستقيمًا لينحي عقله جانبًا عن التفكير. وصعد مسرعًا ليفعل ما أملاه على رأسه شيطانه وغريزته الدنيئة دون تقدير العواقب. لم يشعر بعظم ما يفعله من خطأ إلا بعد وقت طويل، وقد نال ما تمناه وأرق مضجعه ليالٍ طويلة في أحلام النوم أو اليقظة.
نهض عنها ينظر بصدمة لآثار جريمته عليها. زحف يبتعد عنها بأعين متسعة بذهول من نفسه، فهذا لم يكن مدرجًا في خطته ولكنه حدث. فما العمل الآن والوقت لقرب وصول علاء يمر؟ نهض عن السرير فجأة وقد حسم أمره واتخذ القرار. فلتبدوا جريمة مكتملة، لكن لا رجعة للخلف مرة أخرى.
ارتدى ملابسه بسرعة ورفع من الغرفة كل أثر يدل على حضوره، ثم حملها هي وخرج بها لغرفة عصام يضعها بجواره. فنزع عن عصام ملابسه هو الآخر. وبعد أن جذب عليهما غطاء الفراش، تحرك بظهره للخلف يلقي نظرة أخيرة قبل أن يستدير ينوي الخروج، ولكنه تفاجأ بأمينة التي كانت واقفة على باب الغرفة المفتوح كتمثال أسمر شاحب وعينان كبيرتان اتسعتا بشدة تتحرك مقلتيهما باضطراب. شفتيها منفجرتان بصدمة. اقترب منها يدفعها بعنف لخارج الغرفة، ويغلق بابها بسرعة.
استفاقت من صدمتها فهجمت عليه تمسكه من تلابيب قميصه صارخة تسب وتشتم:
"يا حيوان... يا ابن الكلب..."
بكف يده أطبق على فمها يمنع وابل الشتائم واليد الأخرى دفعها للخلف فشل حركتها بذراعه ليهدر بصوت مخيف أظهر قبح قلبه:
"صوتك دا ما يطلعش يا بنت محاسن، واسمعي مني اللي جاي دا كويس قوي، عشان أنا وأنتي في مركب واحدة. هاتعملي مصدومة هاتعملي بريئة! أنتي ملطوطة معايا في كل اللي حصل، يعني المصيبة عليا وعليكي."
زمجرت تحت كفه المطبقة على فمها بقوة، تحرك رأسها بنفي واعتراض ودموعها تتدفق من عينيها بعجز. فضغط يهزها بعنف وقسوة مشددًا بقوله:
"بلاش دور المسكنة والصعبانيات دي عليا أنا يا روح أمك، ماحدش كان ضربك على إيدك يا بت. فوقي كده واصحي، خليكي حلوة ونفذي للآخر اتفاقك معايا، عشان اللي هايضرني هايضرك واللي هايسري عليا هايسري عليكي. فهمتي بقى يا حلوة ولا نعيد في الكلام من تاني؟"
هزت رأسها تومئ بقهر، فنزع كف يده عن فمها وذراعه عنها. وحينما هدأت حركتها سألها بخشونة:
"إيه اللي رجعك على هنا تاني؟"
همست بضعف:
"رجعت آخد تليفوني اللي نسيته في أوضة الدكتور عصام."
"طب خشي انجري يلا هاتيه وشوفي ناسيا إيه تاني وراكي، مش ناقصين مصايب. وحاولي تنجزي بسرعة عشان قطر علاء قرب يوصل."
***
عاد من الذاكرة الأبدية في رأسه لحاضره الآن وهو يتنفس بعمق، يحاول استيعاب الأمر والتفكير بروية لحل ما. فحينما فاجئته الليلة على حين غفلة بهذه المعلومات الجديدة، لم يجد أمامه سوى وضعها تحت عينيه الآن وضمان سيطرته عليها. فلتبقى في هذه الشقة لبعض الوقت حتى يجد الحل الجذري لكل مشاكله.
***
بعد يومان.
صعدت فجر لسطح البناية التي تقطن بها وهي تحمل على كتفها سجادة متوسطة الحجم، ولكنها كانت تلهث من ثقلها. تتقدم بخطواتها البطيئة بها نحو حافة السور الخرساني لتلقيها عليه. ولكنها تفاجأت بالسجادة وهي تسحب من ذراعيها وانتزعت منها بحركة سريعة للأعلى. استدارت مجفلة لتجد علاء يحمل السجادة بذراعه وكأنها لا تزن بيده شيئًا.
"خضتني يا علاء، مش تتكلم طيب ولا تديني إشارة قبل ما تسحبها كده."
قالتها وهي تضع يدها على صدرها تهدئ ضربات قلبها السريعة. فتحرك يتجاوزها نحو السور الخرساني وهو يتكلم بجمود:
"وأنتی طالعة بيها لوحدك ليه مش تخلي حد يساعدك؟"
ردت وهي تقف بجواره وتساعد في فرد السجادة معه:
"يساعد مين يا عم؟ هو أنا عيلة صغيرة ولا دي أول مرة أشيل السجادة فيها يعني وأنشرها هنا عالسطح."
التفت إليها مضيقًا عينيه يسألها بغموض:
"وفي كل مرة برضوا بتتطلعي بالبيجامة دي؟"
ألقت نظرتها على بيجامتها ذات الرسوم الكارتونية فسألته بعدم فهم:
"مالها يعني البيجامة؟ هي يمكن تكون قديمة شوية وشكلها مبهدل بس يعني أنا بنضف هالبس إيه بقى."
"مش دا قصدي إنها مبهدلة ولا قديمة، بل بالعكس بقى دي حلوة عليكي بزيادة ودا اللي مضايقني، عشان دا سطح عمارة وفي ناس تانية ساكنين معانا فيها."
فتحت فمها لترد وأقفلته مرة أخرى تخفض عينيها خجلًا وهي لا تدري بأي إجابة تجيبه.
"ممكن يا بنت الناس ماتطلعيش بيها تاني؟ يا إما تنشريها في البلكونة."
ردت ببرائة:
"البلكونات في شقتنا مابتوصالهش الشمس كويس، وإحنا متعودين أساسًا ننشرها هنا عشان إحنا آخر دور، ده غير إن البيجامة واسعة."
"لا محزقة."
"نعم!"
رد بتصميم وجرأة:
"محزقة يا فجر، وطرف البنطلون اللي مشمراه دا مخلي رجليكي باينة منه."
شهقت خجلة لتستدير و تبتعد عنه ولكنه تصدر لها كالمرة السابقة. رفعت عينيها إليه تسأله بدهشة:
"فيه إيه يا علاء؟ هو أنت هاتعملها تاني بردوا معايا زي المرة اللي فاتت؟"
قال ببساطة وعيناه تحاصر عينيها:
"المرة اللي فاتت أنا كنت بوقفك عشان أعرف إجابة لأسئلة محيراني، بس المرة دي أنا موقفك عشان وحشتيني ومش عايزك تمشي وتسيبيني."
فتحت فمها بعجز غير قادرة على الرد فتابع هو:
"بتبعدي ليه عني وتختفي كل ما تشوفيني؟ ده غير البلكونة كمان اللي حرمتي ما توقفي فيها؟"
تحركت للخلف لتبتعد عن مرمى سهام عينيه وردت بتوتر:
"عادي يعني؟ الأيام اللي فاتت أصلًا أنا كنت مشغولة."
أجفلها سائلًا:
"هو انتي زعلتي عشان الكلمتين اللي قولتهملك في بيتنا؟ أنا آسف لو كنت زعلتك."
هزت رأسها ترد نافية:
"أنا مزعلتش أنا بس..... استغربت واحترت."
"احترتي؟" قالها ثم سألها:
"طب ليه تحتاري؟ دول كلمتين كانوا في قلبي ناحيتك وانتي تستاهلي."
"مش موضوع أستاهل ولا من قلبك، الحكاية بس!"
سألها بحيرة:
"بس إيه يا فجر ماتكملي، وقولي اللي في قلبك."
صمت مضيقًا عينيه قليلًا بتفكير ثم قال:
"اشاحت بعينيها عنه غير قادرة على النطق، لتزيد من حيرته وهو ينظر نحوها صامتًا هو الآخر ولكن بتساؤل. ثم مالبث أن تكلم قائلًا: فجر هو انتي مأثرة معاكي قصتي القديمة مع فاتن؟"
أومأت برأسها موافقة. قال هو:
"طب ليه يا فجر، ودا موضوع قديم وانتهى من سنين؟"
سألته هي:
"طب والحب اللي كان مابينكم، انتهى كمان من قلبك؟ دي حتى كانت قصة حبكم أسطورية وأنا نفسي كنت شاهدة عليها مع فاتن."
ارتفعت زاوية فمه بشبه ابتسامة:
"وأفرض يا فجر كانت جميلة ورائعة في نظرك كمان، بس ربنا ما كتبش لنا نصيب مع بعض، يبقى الدنيا تقف على كده."
"طب دي ماتعتبرش خيانة مني؟"
"تبقى خيانة لو هي عايشة؟ لكن دي توافاها الله، وأنا وانتي عايشين يبقى ندفن اللي في قلوبنا ليه؟"
صمتت عن الرد مرة أخرى ليجفلها قائلًا:
"تتجوزيني يا فجر؟"
برقت عيناها وانعقد لسانها عن الرد أو الاستفسار عن صحة ما سمعته، فأكمل هو:
"أنا عارف إني بفاجئك بطلبي ده، لكن أنا راجل دغري وبحب أدخل البيت من بابه. تسمحيلي يا أبلة فجر أدخل بيتكم من بابه؟"
***
لولولولولوي!
أطلقتها سحر بصوت عالي قبل أن توقفها فجر بكف يدها على فمها.
"اكتبي الله يخرب بيتك هاتفضحينا."
أزاحت سحر كف صديقتها قائلة بمرح:
"فرحانة يا بنتي، أعبر عن حبي إزاي بس يا ناس؟"
"ما تعبريش دلوقتي ولا تتنيلي، استني لما يحصل بجد."
"ليه بقى؟ مش بتقولي إنك وافقتي وهو أخد ميعاد من والدك عشان يجيب والده ويجي يطلبك؟"
ابتسمت فجر تستعيد هذه اللحظات المجنونة، حينما أومأت له برأسها موافقة ولكنه أصر لسماعها من فمها صريحة، فردت موافقة على استحياء، ليقفز بفرح كأنه طفل صغير وينزل مهرولًا لأبيها يطلبها مرة أخرى. بمفاجأة أصابت والديها حينما سألوها وأجابت بنعم.
وحدث بعدها كل شيء سريعًا. حينها دلفت إليها زهيرة تضمها وتحضنها بدموع الفرح والسعادة.
"أنتي يا بت انتي روحتي مني فين؟"
عادت فجر من شرودها ترد بقلق:
"سرحت في اللي حصل النهاردة يا سحر، بصراحة ما أقدرش أحط عيني في عيون والدي ووالدتي من الكسوف."
أطلقت سحر ضحكة بصوت عالي استفز فجر قبل أن ترد:
"هههه حاسة إن مشاعرك بقت مكشوفة قدامهم صح؟ ودي حاجة مش متعودين عليها من الأبلة فجر؟"
لكزتها بقبضتها حانقة:
"صح في عينك، هو انتي هاتعملي زي الزفتة شروق دي كمان، اللي واخداني السليوة بتاعتها النهاردة ضحك ومسخرة."
علت سحر ضحكتها مرة أخرى:
"هههه يا عيني عليكي يا فجر، ده انتي هاتشوفي أيام عنب معانا بكسوفك ده. ههههه."
لكزتها فجر مرة أخرى وقد أصبح وجهها كقطعة حمراء من الخجل. سألتها سحر:
"ما قولتيليش بقى، هو والده هايجي إمتى بالظبط يطلبك رسمي؟"
"بكرة إن شاء الله بعد المغرب."
***
"ما خرجتش خالص! أنت متأكد من كلامك ده؟"
كان هذا سؤال حسين لحودة والذي أجابه بتأكيد:
"والنعمة زي ما بقولك كده يا حسين باشا، من ساعة ما دخلت العمارة ما خرجتش منها تاني نهائي، رغم مرور كذا يوم على كده."
قال حسين بتحذير:
"حودة، أوعى يكون البت بتخرج وأنت سهيت عنها، أزعل منك بجد والله."
رد حودة وهو يلوح بكفه في الهواء:
"والنعمة ما حصل يا حسين باشا، دي حتى خضار مابتجيبش رغم إن سوق الخضار قريب منها، الزفت سعد دخل عندها مرتين بالأكياس وبعدها ما راحش تاني وكأنها حابساها."
تنهد حسين وهو يطرق بيده على مقود السيارة المتوقفة، فقال وهو يجز على أسنانه:
"ابن الـ... بس ماشي، أكيد بردوا هاوصلها. خليك أنت مستمر في المراقبة يا حودة مع الرجالة اللي معاك، أبوس إيدك ما تغفلش عن أي حركة ماشي."
رد حودة بحماس:
"أكيد طبعًا يا حسين باشا، خليك متأكد وحط في بطنك بطيخة صيفي."
***
صاحت عليه في الهاتف وهي تهز أقدامها بتعصب:
"بقولك زهقت وعايزة أخرج يا سعد، أنت هاتفضل قافل عليا بالمفتاح كده لحد ما أموت بقى وأعفن في الشقة؟"
صاح عليها من مكانه بحزم:
"اترزعي واصبري لحد ما أشوفلك صرفة يا بت انتي، أنا مش ناقصك."
صرخت هي:
"لحد إمتى بقى؟ ده أنا هأكمل أسبوع من غير ما أشوف الشارع ودي عمرها ما حصلت."
رد باستهزاء:
"طبعًا يا أختي انتي هاتقوليلي؟ ما أنا عارف دا كويس، مش وش بيوت أبدًا."
أصابتها الكلمة في كرامتها، بلعتها داخلها وهي ترد عليه بتماسك:
"الله يسامحك يا ابن الأصول، أنا مش هأرد عليك وهأصبر زي ما بتقول، بس بقى يا حبيبي الأكل قرب يخلص من البيت، يعني ابعتلي حد بالتموين يأما تيجي بنفسك ولا أنت عايزني أموت من الجوع بقى."
رد بغضب:
"اتنيلي استنيني هأجيبلك النهاردة أكل وتموين، عايزة حاجة تاني يا أختي؟ اقفلي بقى عشان أنا قرفت."
وبدون استئذان أنهى المكالمة مما أثار استيائها وحنقها أكثر. فركت بيديها وهي تسب وتلعن عليه:
"ماشي يا سعد الـ.... ربنا يوريني فيك يوم."
ظلت على وضعها هذا لعدة لحظات حتى نهضت أخيرًا مقررة تسلية وقتها بعمل أي شيء في هذه الشقة المتواضعة والتي تذكرها بشقتها. بدأت بالصالة ثم اتجهت لغرفة النوم تنظف الأتربة العالقة بها. رفعت السجادة البالية عن الأرض واتجهت لتغيير ملاءة الفراش. فتفاجئت ونزع كيس المخدات، فصدر سقوط شيء ما أمامها على الأرض. دنت تتناوله فتوسعت عيناها وانفرج فمها بابتسامة ساخرة وهي تتلاعب بهذا القرط النحاسي الكبير بشكله المعلوم إليها جيدًا.
تمتمت وابتسامتها ازدادت اتساعًا:
"آه يا نرمين الـ.... طب والنعمة كان قلبي حاسس، ماهو على رأي المثل البيض المنشّش يدحرج على بعضه! بس يا ترى بقى جوزك عارف؟"
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم امل نصر
لم يكن الأمر بهذه السرعة حتى في أحلامه. فمنذ أسبوع واحد فقط كان يتمنى أن تخرج له من شرفتها فيُملي عينه بالنظر إليها. كم من ليلة مرت عليه وأرقه السهر في التفكير بها. كم حرقه الشوق ليرى ضحكتها التي رآها مرة أو مرتين فقط، لكنها فعلت بعقله الأفاعيل حتى كاد أن يصيبه الجنون بها.
حتى بعد أن وافقت على طلبه بعد عذاب. حتى وهو يأخذ المباركة من أبيها بتحديد موعد مع والده للأتفاق على خطوبة رسمية أمام الناس، فتأتي المفاجأة من أبيه الذي اقترح اختصار الوقت بعقد قران ابنيه الاثنين على الأختين، متعشمًا بهذا بالتقارب الذي حدث بين العائلتين في هذه الفترة القليلة وتوطد العلاقة بينهم.
وكانت المفاجأة الأكبر حينما رحب أبوها ووافقت هي في الجلسة أمام الجميع. ليأتي هذا اليوم المبارك ويعقد قران أخيه أولاً على شروق، ثم يأتي دوره ليعقد على حبيبته التي كانت جالسة أمامه في الصالة التي توسطت المنزل بجوار شقيقتها العروس أيضاً ووالدتها ووالدته وبعض النسوة من الأقارب والجيران. فالحفل صغير واختصر على عدد قليل من المدعوين على حسب الاتفاق، على أن يتم الحفل الكبير بعد انتهاء شروق من اختباراتها الأخيرة في الدراسة.
حينما وضع كفه في كف العم شاكر، يبدو أن الرجل قد شعر برجفته فقال متفكهًا:
"إيدك باردة أوي يابني. هو لدرجادي الوضع يخوف؟"
صدحت الضحكات العالية من المدعوين القلائل بصخب. حتى علاء نفسه ضحك رغم تعرقه وتوتره. ثم جاءت اللحظة الحاسمة. فحَبَس أنفاسه وهو يراها تدنو على الدفتر الكبير وتوقع بيدها الصغيرة عليه. كانت دقات قلبه العنيفة تقفز في صدره قفزًا من سرعتها وهو يراقبها. فرغم كل ما يحدث الآن كان ينتابه الخوف من تراجعها المعتاد معه لآخر لحظة.
حينما رفعت رأسها إليه بابتسامتها الساحرة انطلقت الزغاريد الفرحة من الأحباب لإعلام الجميع بإتمام المهمة وأن فجر شاكر عبد المنعم أصبحت زوجة رسمية لعلاء أدهم المصري. كاد قلبه أن يتوقف من الفرحة وهو يتلقى المباركات من أبيها وأبيه وشقيقه حسين والمدعوين من الرجال.
حتى اقتربت زهيرة منهم بدموع الفرح تُعانق أبناءها بعد أن تم فرحها أخيرًا بزواجهم بأجمل الفتيات وأقربهن إلى قلبها رغم قصر المدة التي عرفتهم فيها، ولكنها علمتهم جيدًا وعلمت أخلاقهم.
أخرجها من حضنه علاء ليقبل رأسها. فضحك من قلبه على هيئتها الباكية:
"ههه إيه يا أم علاء، دا وقت بكى برضو؟"
قالها وهو يمسح بإبهام كفيه الاثنين الدموع العالقة وجنتيها.
ردت هي بصوتٍ مشحون بالعواطف:
"فرحانة أوي ياحبيبي بيكم. أخيرًا ربنا حقق أمنيتي وشوفتك عريس."
هزها حسين فجأة بعد أن لف ذراعها كتفها قائلاً بمرح:
"فرحانة بيه هو بس يا أم علاء؟ وأنا إيه بقى؟ نسيتيني؟"
لكزته بقبضتها الصغيرة على كتفه قائلة بحزمٍ محبب:
"بس يا واد، بلاش غلاسة. انتوا الاتنين أكيد طبعًا فرحنالكم. بس بقى فرحتي بعلاء ما تتوصّفش عشان دا البكري واللي غلبني سنين طويلة لحد ما ربنا أخيرًا هداه."
قالت الأخيرة بتأثر واضح ارتد أثره على علاء الذي قربها منه يقبلها مرة أخرى على رأسها عدة قبلات. جذبها فجأة حسين نحوه بملكية:
"إيه يا عم، هي أمك لوحدك؟ ماتسيب شوية للناس الغلابة."
صدرت ضحكة زهيرة النادرة من قلبها وابنها حسين يقبلها على رأسها ووجنتها بصبيانية أمام علاء الذي أصابته عدوى الضحك من والدته. فتوقفت ضحكته فجأة على صوت أبيه الذي أتى نحوهم ناهرًا حسين بوجه عابس:
"ابعد شوية عن أمك ياض وبطل شغل عيال. الناس بتبص عليكم."
خبأت ابتسامة زهيرة وهي ترى زوجها شديد القرب منها هي وابنها الذي قربها أكثر يلف ذراعه حولها قائلًا بمزاح:
"ومالو يا أبو علاء؟ خليهم يبصوا براحتهم. واحد فرحان وبيبوس في أمه اللي زي القمر، فيها حاجة دي؟"
تجاهله أدهم وهو يحدق بزهيرة عن قرب بأعين مشتاقة. فخاطبها قائلًا:
"مبروك يا أم العرسان. ربنا يفرحك بولادهم كمان."
أجابته بتماسك وأعين متهربة وهي تتملص من حسين:
"الله يبارك فيك يا أبو علاء ويفرحك انت كمان. معلش بقى عن إذنكم عايز أشوف الضيوف."
تركها حسين تذهب أمام نظرات أبيه التي تعلقت عيناه بها وتحرك فمه دون صوت وكأنه يناجيها للتوقف حتى ابتعدت. أصابه الإحباط فذهب هو أيضًا عائدًا لجسته مع شاكر. تبادل حسين نظراته مع أخيه علاء الذي كان مراقبًا بصمت. فانتقلت عيناه بتشفٍ نحو نيرمين الواقفة بإحدى الزوايا مع جارة قديمة لهم وهي تغلي من الغيظ.
***
وفي الجهة الأخرى كانت فجر هي الأخرى لم تستوعب الأمر بعد. هزتها سحر التي كانت جالسة بجوارها وهي تضحك بمرح:
"إيه يابنتي مالك؟ اصحي كده وفوقي وأنا بكلمك."
رمشت بعينيها وهي تهز برأسها:
"أفوق إزاي بس ياسحر؟ والنعمة ما مصدقة اللي بيحصل دا كده وبالسرعة دي. دا أول امبارح بس كنت بستخبي وأتهرب منه عشان ما يشوفنيش ولا أشوفه. وقبلها بسنين طويلة ما كنتش بكره في حياتي حد قده. النهاردة بقى بقيت مراته! لا بجد أنا حاسة إني في غيبوبة."
ردت سحر بمشاكسة:
"غيبوبة إيه بس يا كهينة؟ هو انتي هاتعمليهم عليا يابت؟ يعني لما وافقتي على كتب الكتاب ما كنتيش دريانة ياقطة."
ضحكت فجر وهي تبرر:
"والنبي ياشيخة أنا لحد الآن ما أعرف إزاي دا حصل؟ كل اللي فاكرة إن عمي أدهم كان موجود عندنا هو وعلاء وحسين بيتكلموا في الخطوبة ونده علينا أنا وشروق نسلم عليهم ونقعد معاهم. فجأة لقيته بيسألني وياخد رأيي في علاء. طبعًا أنا اتكسفت ومعرفتش أجاوب بس مع الإصرار هزيت دماغي بالموافقة. وكانت هي الإشارة ياستي. لقيت الراجل بيقول لأبويا.. إحنا بدل الفرحة نخليها فرحتين وبدل الخطوبة نخليها كتب كتاب للعريسين على البنات واحنا أهل وعارفين بعضنا. لقيت بقى والدي ووالدتي والحجة زهيرة بيرحبوا بلهفة وحسين وشروق كمان الفرحة مش سايعاهم. فضل بقى علاء يبصلي برجاء وكأني هاكسر قلبه لو رفضت. من غير تفكير لقيت نفسي بهز دماغي وقبلت. وعنها بقى نزلنا تاني يوم جبنا الشبكة وأدي اليوم التالت أهو بقيت مراته! انتي نفسك صدقتي؟"
جذبتها سحر ترد عليها وهي تعانقها بسعادة:
"أصدق ياحبيبتي وما أصدقش ليه بقى؟ ربنا يكتبلك الفرح والهنا ياروح قلبي."
بادلتها فجر التهنئة:
"وانتي كمان ياحبيبتي. ربنا يتمم فرحتك انتي ورمزي على خير وتتجوزوا قريب بقى وأفرح فيكي. هو فين صحيح مجاش معاكي ليه؟"
"مين هو اللي مجاش ياعنيا؟ هو يقدر؟ دا أنا بس سبته يدور على مكان يركن فيه عربيته ونزلت أجري عشان أحصل كتب كتابك. دلوقتي إن شاء الله يجي يبارك ويهني ونتصور أنا وهو معاكي انتي والمعلم علاء. دي هتبقى ذكرى حلوة قوي."
قالت فجر بتشتت:
"طبعًا هتبقى ذكرى حلوة أكيد. بس دا تسميه إيه دا اللي بيحصل معايا ياسحر؟ لأني بصراحة مش فاهمة."
أومأت سحر بعينيها ورأسها عن اقتناع:
"دا بقى اسمه النصيب ياحبيبتي عشان تفهمي بقى وتفوقي. واتعلمي بقى من المحروسة أختك هي ومقاصيف الرقبة أصحابها وشوفي بيعملوا إيه."
قالتها وهي تشير بيدها نحو شروق الجالسة بالقرب منهم على مقعد وحدها وحولها عدة فتيات أصدقائها يتبادلن معها التقاط صور السيلفي بعدة أوضاع، غير عابئين بنظرات الجميع حولهم. ولا نظرات حسين التي تراقب أصدقائها بحسد للقرب منها في هذه اللحظة المهمة لهم وهو محاصر بعدد من أصدقائه وأقاربه، يستعجل التملص منهم للذهاب إليها.
***
"إيه يا حبيبتي، هو انتي سرحتي مني؟"
التفتت نيرمين على محدثتها مجفلة فسألتها بتشتت:
"نعم يـ... هو انتي كنتي بتقولي حاجة؟"
ردت المرأة وهي تهدهد في ابنها الصغير النائم برأسه على كتفها وهي تحمله على ذراعها:
"أنا أم مروان وساكنة في الشقة اللي فوق. هو انتي لحقتي تنسيني؟ دا انتي كنتي سرحانة بجد بقى وماخدتيش بالك من كل الكلام اللي قولتهولك."
ردت بسأم وابتسامة مصطنعة:
"معلش يا أم مروان متأخذينيش يا أختي. أصلي حاسة بصداع كده ودوخة."
قاطعتها بلهفة:
"انتي بتقولي دوخة؟ معقولة يكون عملتيها وحملتي؟ طب خلي بالك بقى من صحتك اليومين دول. دي العيال بتيجي بوجع قلب."
ردت عليها نيرمين مستنكرة:
"حامل دا إيه ياستي انتي كمان؟ دي شوية دوخة كده وهايروحوا لحالهم. يعني لا حامل ولا زفت."
لوت المرأة شفتيها وهي تتقرب منها وتهمس همسًا بالنصائح لها:
"طب شدي حيلك بقى ياناصحة واتشطري عشان تلحقي تجيبلك حتة عيل قبل ما الراجل يفلسع. يعني الشر بره وبعيد. أصل الزمن دلوقتي ياحبيبتي مش مضمون. واديكي شايفة بنفسك نظرة جوزك ناحية ضرتك."
توسعت عينا نيرمين بجزع من فراسة المرأة والتي بدت وكأنها تقرأ أفكارها بخبث. وتابعت المرأة بنفس الهمس:
"ماتتبصيش كده ياحبيبتي بخضة. دي حكاية باينة زي عين الشمس. وضرتك زي ما انتي شايفة كده حلوة ومش باين عليها سن. دا اللي يشوفها وهي واقفة مع خالتي سميرة يديها هي السن الأصغر. دا غير إنها متحامية بولادها الرجالة اللي بكرة يورثوا الجمل بما حمل مع بنات سميرة وتطلعي انتي من المولد بلا حمص لو ما خلفتيش عيل يشاركهم في الورث."
هبط قلبها بداخل صدرها وهي تتخيل سيناريو ما سيحدث بعد وفاة زوجها من زهيرة وأبناءها الكارهين لوجودها من الأساس. فتعود هي لحياة الفقر والعوز مرة أخرى!
استفاقت من شرودها على صوت رجاء والدة سحر وهي تهتف على إبراهيم الجالس بجوار السماعات:
"إيه يا عم هيما؟ ماتشغلنا أغنية فرايحي خليها تفرفشنا كده وتهيصنا عايزين نرقص. دا إحنا في فرح ياحبيبي."
"من عنيا يا خالتي رجاء. أحلى أغنية لأحلى رجاء."
قالها إبراهيم ليصدح بعدها أغاني مهرجانات خاصة بالأفراح أشعلت الأجواء. لترقص رجاء في الوسط وشروق وصديقتها يحاوطنها يصفقن بكفوفهن ويرقصن معها. أمام سحر التي كانت تنظر إليها بيأس مع فجر التي كانت تضحك لها بمرح لإغاظتها.
***
بعدها بقليل جلس علاء بجوارها على أريكة ضمتهم هما الاثنان فقط. ليلبسها خاتم زواجه بها ومعها محبس آخر من الذهب وأسورة جميلة زينت رسغها. ليصدح صوت الزغاريد من النساء والفتيات التي التفت حولهم يشاهدن ويلتقطن الصور لهم بفرح تحول لهمهات منبهرة لرؤيته وهو يقبل كفها دون أن يأبه بهم ولا لخجلها الذي أنعش قلبه بالفرحة بها أكثر.
أقبلت عليهم سحر وخطيبها رمزي بالتهنئة والتعارف مع علاء والتقطت بعض الصور الجميلة لأربعتهم. مما أثار غيرة حسين الذي سحب شروق من يدها لينحشرا بجوارهم على الأريكة مما أثار امتعاض علاء الذي كشر بوجهه لهم. فبادله حسين النظرة بكل برود وفاجأه بـقلبه سمجة على وجنته. مسحها علاء بقرف فانطلقت ضحكات شروق بقهقه هي والفتيات أصدقائها والمدعوين. وازدادت اللحظات الجميلة لتسجلها عدسات الكاميرات. فتجفلهم سميرة فجأة برشة من الملح منعًا للحسد تسير امتعاض الجميع وثناء زهيرة التي كان قلبها ينبض بسرعة خوفًا من كم الفرح الكبير الذي أتى بعد سنوات طويلة عجاف.
تحول وجه حسين فجأة وهو يومئ بعينيه لعلاء نحو مدخل الباب ويهمس:
"دعيته ليه ياعلاء؟ إحنا مش قولنا قاعدة عالضيق وخلاص؟"
أجفل علاء لحدة شقيقه فرد بدهشة هامسًا هو الآخر:
"وإفرض عالضيق ياحسين؟ مدعيش أنا بقى صاحبي؟"
قال الأخيرة وهو ينهض قائمًا ليستقبل سعد الذي تنقلت عيناه بين صديقه وبين الجميلة ذات الثوب العسلي والذي تناسب مع لون عينيها وانعكس على بشرتها فزادها بياضًا ونضارة. وقبل أن يصل إليهم تفاجأ بحسين الذي جذبها من يدها وابتعد بها عن مرمى عيناه.
حاول التماسك وهو يعانق علاء يهنئه ويغتصب الابتسامات ليخفي بها اشتعال صدره من الداخل. لقد فاجأه علاء حينما هاتفه في الظهيرة يخبره بعقد قرانه هو وأخيه على الشقيقتين. كالعادة ذهبت لغيره ولم يجد الفرصة للتقرب منها. كالعادة حظه العسر يحول بينه وبينها. وكالعادة يكبت مشاعره من داخله ليظهر العكس في الظاهر.
***
صدحت بعض الأغاني الخاصة لمحمد منير بناءً على رغبة علاء الذي نسق مع إبراهيم لإذاعتها من السماعات. فسحب فجر من يدها يراقصها عليها لتتمايل معه هي بخجل. يعبر بيداه وجسده وفمه يردد مع كلمات الأغنية ما يعبر عما بداخله ناحيتها. فهو يعشق أغانيه ويعشق كلماتها.
دلف حسين يشاركهم الرقص مع شروق واشتعلت الأجواء. حتى أنهم سحبوا سميرة وزهيرة أيضًا التي كانت تتمايل بخفة لظروف مرض ظهرها وعظامها. بعباءتها التركواز وكأنها عادت طفلة صغيرة. وقد خففت الفرحة عنها ألمها وتعبها. غافلة عن أعين أدهم المصري الذي ارتكزت أبصاره عليها بحسرة وندم. أنسته طعم الفرحة بزواج أبناءه الاثنين.
أما نيرمين فكان بداخلها بركان يغلي من التجاهل وهي تشعر بقزمها وضآلتها بينهم. علاء الذي تمنته حتى الموت وهو لم يعيرها أدنى اهتمام ها هو الآن يرقص مع هذه الفتاة القصيرة بفرحة لم ترها على وجهه طوال سنوات معرفتها به. حسين وهو يراقص شروق وعيناه تحاصرها ولا ترى غيرها وكأنها قطعة منه. مشاعر جميلة حرمت منها. وضاعت سنين عمرها بين شقاء في العمل وعلاقات خفية مع أشخاص استغلوها فيرحلوا بعد أن تنتفي حاجتهم منها. ثم الزواج برجل بعمر أبيها وقد ظنت أن الدنيا فتحت لها أبواب الهناء. وها هو أيضًا يبدو أنه قد مل منها. حتى سعد الذي لطالما كرهته وكرهت علاقتها به، لم يكلف نفسه حتى النظر إليها وكأنها ليست جميلة ولا تستحق الاهتمام كهاتين الفتاتين الملعونتين. أو حتى هذه المرأة العجوز التي خطفت قلب زوجها وأعادت إليه الحنين إليها رغم بساطة ما ترتديه وتزين به وجهها.
سعد الذي كان ممسكًا بكوب العصير يتناوله وكأنه العلقم بحلقه مع مراقبته لهم ولفرحهم. انتبه على ورود مكالمة منها تجاهلها في البداية ولكن مع رؤيته لرسالتها انتفض خارجًا من المنزل وذهب إليها بسرعة.
***
فتح بمفاتيحه باب الشقة ليدلف داخلها بسرعة هاتفا عليها:
"انتي يازفتة انتي هببت إيه في الشقة؟"
خرجت إليه أمينة مهرولة من المرحاض:
"أنا مهببتش حاجة ياعنيا؟ سباكة الشقة بتاعتك هي اللي مصدية وقديمة."
تسمر مكانه وهو ينظر إليها ولم يعي ما تقوله. شعرها الحريري الأسود كان مبتلًا وبشرتها النضرة دومًا كانت ندية بشكل لافت. عباءتها الخفيفة أظهرت امتلاء خفيف حوط جسدها برشاقة بعد النحافة الشديدة قبل ذلك. ابتلع ريقه وهو يسألها ببعض الهدوء:
"هي إيه بالظبط اللي مصدية؟ عشان أنا اتخضيت لما شوفت رسالتك."
لوحت بيديها نحو المرحاض:
"أنا بكلمك عن حنفية الحمام ياسعد. دي باظت مني ومرداياش تتقفل. بقالي ساعة عمالة أحاول فيها وأنشف بالمساحة عشان الشقة ماتغرقش."
تقرب منها حتى اشتم رائحة الصابون في شعرها فسألها:
"هو انتي واخدة حمام؟"
ارتدت للخلف منتفضة وقد رأت اشتعال الرغبة في عينيه. فصاحت عليه تجفله:
"واخدة حمام ولا عني ما كنت متزفتة حتى. انت مالك؟ مش تسمع الأول أنا بكلمك في إيه؟"
أظلمت عيناه وتبخرت رغبته بها في الهواء فقال مزرءًا:
"على أساس إني ميت في جمالك يا أختي؟ دا أنا بس كنت بجبر بخاطرك."
قالت ضاحكة بسخرية:
"هه كتر خيرك يا شيخ ياسعد. خش ياخويا الحمام وشوف حنفيتك لا تغرق الشقة وتقع على أصحابها هي مش ناقصة."
جز على فكه غيظًا منها قبل أن يتحرك نحو المرحاض فهتف ساخطًا:
"يخرب بيتك ياشيخة بهدلت الدنيا. يخرب بيتك ياشيخة."
لوت شفتيها ولم ترد على سبابه وشتائمه وراقبته وهو يشمر بنطاله ويخلع قميصه في الأعلى ليضعهم على كنبة صغيرة في صالة الشقة قبل أن يدلف للحمام ويقوم بأعمال التصليح.
أجفلها مناديًا:
"هتفضلي واقفة كتير كده مكانك وتعمليلي فيها هانم؟ اخلصي يابت اعمليلي كوباية شاي."
تحركت متأففة لتفعل ما أمرها به ولكنها توقفت فجأة على صوت هاتفه. تناولته وقبل أن تهتف منادية عليه لتنبيهه استوقفها الاسم الغريب. رددته بدهشة:
"ن م.. إيه ده؟ هو عامل اختصار للأسماء."
دققت جيدًا في الرقم الذي لم يكن غريبًا عنها. فتذكرت صاحبته على الفور فمصمصت شفتيها مستنكرة. همت بتركه حتى لا تتسبب لنفسها بمشاكل معه. ولكن مع انتهاء المكالمة صدر صوت رسالة قادمة في الهاتف بتطبيق الواتساب بنفس الرقم. لم تقوى على حجب فضولها نحو رؤية الرسالة. فقرأت ( عايزة أشوفك ضروري ياسعد. أنا عارفة إنك مستغرب. بس أنا محتاجالك قوي. فاضي بكرة أجيلك الشقة؟ )
قضمت نعيمة على أطراف أظافرها بتوتر وهي تراقب نحو المرحاض وانشغال سعد في تصليح صنبور المياه. فكتبت ترد باقتضاب:
( تعالي )
تبسمت بانتشاء وهي تمسح الرسائل. وتعود بنظرها مرة أخرى تراقب قبل أن تذهب نحو المطبخ وتفعل ما أمرها به.
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل الخامس والعشرون 25 - بقلم امل نصر
خطت لداخل المنزل خلف زوجها وحريق صدرها ما زال لم يهدأ ولم ينطفئ بعد. بل ازداد اشتعالًا وهي تراقب تجهم زوجها وشروده معها طوال عودتهم بالسيارة، وتجاهله لأحاديثها المتقطعة معه، حتى أفقدها حماسها وفرحتها المصطنعة أمامه بزواج أبنائه لكسب وده.
ولكن طفح الكيل ولم تعد بها قدرة على الصمت. رمت حقيبتها على أقرب مقعد وجدته أمامها، تهتف عليه متخصرة قبل أن يصل إلى الممر المؤدي لغرفته.
- إيه اللي في إيه بالظبط؟ أنا عايز أفهم.
استدار على صيحتها مجفلًا يسألها عاقدًا حاجبيه.
- تفهمي إيه يا نرمين؟ وليه الزعيق ده أساسًا؟
اقتربت منه تردف بحدة.
- ما أنا بسألك يا حبيبي عشان شايفاك مش معايا ولا حاسس بيا خالص وأنا معاك.
زفر يرد عليها بسأم.
- شكلك كده فاضية ولا زهقانة وعايزة تتسلي بكلام فارغ وأنا ما عنديش وقت ليكي وعايز أنام.
قالها وهم أن يستدير عنها، ولكنها أجفلته صائحة بغير سيطرة.
- لدرجة دي ما عدتش طايقني يا أدهم؟ حتى كلمتين معايا مش متحمل تسمعهم، هو أنا لدرجة دي بقيت تقيلة على قلبك.
أظلم وجهه بالغضب واحتدت عيناه نحوها، فهتف عليها بغضب.
- في إيه يا بت مالك؟ هو انتي اتجننتي ولا عقلك ساح منك؟ ما عنديش دماغ أنا لدلع النسوان على آخر الليل دلوقتي.
انتفضت داخلها من صيحته الهادرة. فهي أعلم الناس بشدة أدهم المصري وقسوته لحظة الغضب. تدفقت عيناها بالدموع علّها تساعدها قليلًا بمواجهته. ضغطت على عيناها بكفيها تستدعي البكاء بحرقة وصوت شهقاتها يصدر بصوت عالٍ.
رقت ملامح أدهم قليلًا رغم حنقه منها، فقال ببعض الهدوء.
- يا بنت الناس هو انتي حد قرب منك عشان تنصبي المناحة دي دلوقتي؟ أنا بصراحة مش فاهمك.
رفعت إليه عيناها المغرقة بالدموع ترد ببكاء.
- أنا اللي ما عدتش فاهماك يا أدهم. دا أنت كنت أحن عليا من أبويا اللي اتحرمت منه وأنا صغيرة. ما كنتش بتعز عليا حاجة حتى لو طلبت عيونك.
سألها مضيقًا عيناه بتفكير.
- آه وإيه اللي حصل بقى؟
ردت بمسكنة.
- اللي حصل هو إنك كرهتني باين ولا مليت مني؟ عيونك اللي فضحتك النهارده وأنت بتبص على مراتك القديمة خليتني أحس بقيمتي عندك كويس أوي. واعرف إني ماليش قيمة وسطكم أنت وعيالك ومراتك. طب أنت حنيت لها، ذنبي إيه أنا عشان تبعد عني وتحسسني إني كنت السبب في فرقتك عن مراتك حبيبتك وعيالك.
أشاح بعيناه عنها صامتًا لا يجد ردًا على كلماتها التي أصابت الحقيقة بداخله، ولكنه يأبى الاعتراف.
فتابعت بمكر وهي تتقرب منه واضعة يدها على ذراعه فقالت بنعومة.
- أنا مقصديش أفرقك عنهم ولا أكرهك فيهم. أنا بس مش عايزة إك تبعد عني يا أدهم. حتى لو هاترجع لهم. دا أنا مقطوعة من شجرة وماليش غيرك في الدنيا دي كلها. أنت أهلي وأنت ناسي كلها.
ربت بكفها على كف يدها التي وضعتها على ذراعه قائلًا بلطف.
- أنا ما بعدتش عنك يا نرمين ولا هابعد ياستي. فبلاش تنكدي عليا وعلى نفسك وشيلي الفكر ده من دماغك. أنا النهارده كان فرح ولادي فشئ طبيعي إني أسرح ولا أتلهي عنك.
كذاب. تعلم أنه جيدًا أنه كاذب، ولكنها قررت مسايرته لتصل لغرضها.
- طيب ما أنا كمان كنت مبسوطة أوي بفرحهم النهارده ولولا إني عارفة بوضعي معاهم لكنت رقصت ودرمغت الدنيا. بس بقى أنا عارفاهم مش طايقاني ولا هايقبلوا بفرحتي معاهم. مع إني ربنا العالم إني بعتبرهم زي أخواتي وأكتر. وأمهم بقى الله يسهلها.
رفع حاجبه بشر وهو يسألها.
- قصدك إيه يا نرمين على أمهم بالجملة الأخيرة دي؟
عادت لخوفها من غضبهِ مرة أخرى فقالت بتردد.
- أنا مقصديش حاجة وحشة طبعًا يا أدهم. أنا بس أقصد على قسوتها معاك وتكبرها عن الصلح.
نزع يدها بعنف ليذهب عنها.
- اللي بيني وبينها مالكيش دعوة بيه يا نرمين. خليكي في نفسك انتي وبس.
قال الأخيرة من بين أسنانه قبل أن يستدير، ولكنها جذبته من ذراعه توقفه.
- طيب ماشي خليني في نفسي وبس يا أدهم أنا قابلة. بس بقى أنا نفسي أخلف عيل منك.
التف إليه برأسه قائلًا.
- وما تخلفي يا أختي أنا مانعك.
قالت بلهفة.
- حلو أوي يعني هاتقبل تروح معايا عندك الدكتور بكرة؟
ابتسم بزاوية فمه يقول.
- وأروح ليه عند الدكتور يا حبيبتي؟ أنا راجل سبق لي الخلفة قبل كده. يعني ما عنديش عيب. شوفي انتي بقى نفسك. إيه اللي مانع عندك؟
سقطت يدها عنه بصدمة وذهب هو من أمامها غير مبالٍ بتأثير كلماته عليها.
كتمت انهيارها وهي تضرب بقبضتيها على جانبيها وعلى وشك الانفجار. لقد رأتها في عيناه. أدهم المصري لم يعد يريدها حتى لو أنكر ذلك. الشعور بالخطر كاد أن يذهب بعقلها. دون أن تدري تناولت هاتفها تطلب رقمه تبتغي المشورة لإنقاذها. حينما لم يجيب على المكالمة، لم تتردد في إرسال رسائلها إليه وكان جوابه رسالة بكلمة واحدة (تعالي). هدأت أنفاسها قليلًا لانتظار الصباح. ولكن عاد إليها شعور الحسرة حينما تذكرت وضعها هي الآن مع الرجل العجوز. ووضع العرسان الشباب الذين خرجوا ليحتفلوا مع عرائس الهنا وحدهم بحرية ومباركة الجميع. ابتعلت مرارة حلقها وهي تهمس بغل.
- يعني أنا بس اللي اتكتب عليا الغلب والحظ المنيل.
***
بداخل السيارة التي كانت تصدح بأغاني المهرجانات وكانها هي الأخرى مهرجان بالأصوات العالية الصادرة من داخلها. كان حسين في المقعد الخلفي مع محبوبته يردد لها الكلمات خلف المطرب بصوته الغالي وهي تشاركه أيضًا.
بهوايا إنت قاعدة معايا عينيك ليّ مراية، يا جمال مراية العين
خليك لو هتمشي أناديك، إنت ليّ أنا ليك احنا الإثنين قاطعين
تسيبيني أكره حياتي وسنيني هتوه ومش هلاقيني، وهشرب خمور وحشيش
وتجيني تلاقيني لسه بخيري، مش هتبقي لغيري
أيوه أنا غيري مفيش.
صاح عليهم من الأمام وهو جالس خلف المقود يقود بيد السيارة واليد الأخرى ممسكة بكف فجر الجالسة بجواره على المقعد الآخر.
- لم نفسك يا ضنى انت وهي. صوتكم وحش ويصحي الميتين.
ردت شروق وهي تضحك بمرح.
- الله يا عم علاء مانفرحش يعني بنفسينا ونهيص واحنا النهارده عرسان.
ردد خلفها حسين.
- أيوه صح يا عم علاء. إحنا عرسان ومن حقنا نفرح ونسمع الناس اللي ماشية كمان في الشارع عشان تفرح معانا.
هتف علاء متصنع التذمر رغم سعادته البادية على وجهه.
- عما الدبب يا بعيد. انتوا الاتنين أرخم من بعض وما جمع اللي أما وفق.
انفجر الثلاثة في الضحك حتى فجر التي كانت تخبئ فاهاها بكفها وشعور الحرج يكاد يقتلها مع وضع كفها الضاغط عليها بكفه فوق ركبته. ألقى إليها نظرة سريعة بوجهه المبتسم قبل أن يعود إليهم.
- يعني مش كفاية قبلنا بيكم تركبوا معانا وتكتموا على نفسنا. كمان بتصدعونا بأصواتكم النشاز؟
رد حسين وهو يلف ذراعه على كتف شروق.
- بصراحة يا باشا إحنا كنا محتاجين الخروجة دي. عشان أنا والبنية بقالنا فترة كبيرة مخرجناش. وأهو كمان عشان مانسيبكمش لوحدكم. انتوا برضوا لسة جداد وما لحقتوش تاخدوا على بعض.
- وانتوا بقى اللي خدتوا بعض!
قالها باستنكار قبل أن يهتف حازمًا.
- شيل ايدك من على كتفها يا ضنى.
رد حسين بغمزة.
- لما تسيب انت كف عروستك يا حبيبي أبقى أرفع أنا دراعي عن عروستي.
قهقهت شروق وهي تدفن رأسها بكتفه بسعادة انعكست على وجه حبيبها، وأثارت سخط علاء، الذي تمتم في الأمام.
- عيل بارد وغتت ومراته نسخة منه.
لعب حسين إليه بحاجبيه يغيظه، وهو تجاهله حينما سمع همستها الخجلة بمرح.
- خلاص سيبهم وملكش دعوة بيهم. هما فعلًا شبه بعض على فكرة.
- وانتي حتة مني وحبيبتي.
قالها وهو يرفع كفها إلى فمه يقبلها، ولكنه انتفض على صيحة حسين.
- أيوه بقى عالرومانسيات إحنا كده هانغير.
تناول زجاجة مياه فارغة يدفعه لخلف عليه هاتفًا بغيظ.
- أبو شكلك يا شيخ. دا انت فعلًا عيل غتت.
قالها علاء وانفجرا الثلاثة مرة أخرى في الضحك حتى أصابته العدوى منهم، وشاركهم.
***
توقفت السيارة أمام مدينة الملاهي الشهيرة. فترجل الشقيقان منها أولًا قبل السيدات. نظر علاء للواجهة الكبيرة المضيئة فقال بامتعاض.
- يعني برضوا دا كلام يا جدعان. عايزني وأنا في سني ده أركب مراجيح ولعب عيال. هو دا برضوا الوقت الحلو بالنسبالكم؟
ردت شروق بحماس ولهفة والتي غطت كتفي فستانها بسترة حسين.
- لعب عيال إيه بس؟ دا جوا دنيا تانية يا علاء وربنا. ناس كتير كبيرة وصغيرة الكل فيها بيقضي وقت حلو وجميل.
- ردد خلفها حسين.
- فعلًا يا علاء المكان جوا هايبسطك بجد. ثم إيه حكاية سنك دي؟ هو انت عجنت يا عم؟ دا انت حتى في عز شبابك يا راجل.
التفت إليها يسألها.
- إيه رأيك؟ ندخل مع جوز المجانين دول ولا نخلع منهم إحنا ونروح حتة تانية تكون هادية؟
قالت بابتسامة.
- خلاص بقى. مدام المجانين اختاروا النهارده نوافق إحنا ونخلي الحتة الهادية وقت تاني.
كاد قلبه أن يخرج من صدره من فرط السعادة التي يشعر بها وهو ينظر إلى وجهها الجميل وهي تجيبه بخجل. وقد انعكست الأضواء المبهجة على وجهها الملائكي ذو الزينة المتقنة وفستانها الزهري فزادتها تألقًا وجمالًا. ذكرته بأميرة قد رآها قبل ذلك في إحدى أفلام ديزني.
خرج من شروده على صيحة شروق وهي تدفع شقيقتها للأمام فاجفلها منتفضة.
- ما تتحركي بقى يا بت وبلاش تناحة. انت هاتفضلي لازقة مكانك كده كتير؟
تحرك أمامها ملوحًا بقبضته بجدية مصطنعة.
- شيلي ايدك من عليها وما تزوقيهاش ولا تضربيها. أنا على آخري أساسًا منك وانت وعريس الهنا بتاعك.
ارتدت للخلف مقهقة بشقاوة فجذبها حسين إليه. يقف لأخيه.
- في إيه يا عم؟ انت هاتضربنا بجد ولا إيه؟ أمال لو عرفت إن العزومة كلها على حسابك النهارده هاتعمل إيه بقى.
أجري يا شروق أجري.
قال الأخيرة وهو يجذبها من يدها للهروب من علاء الذي استوحشت ملامحه أمامهم بمزاح. وأصوات ضحكاتهم تسبقهم في العدو.
التفت إلى حبيبته التي كانت تضحك على مشهد الاثنين بمرح. فرد كفه إليها قائلًا.
- انتي هاتفضلي واقفة مكانك بجد ولا إيه؟ مش يالا بقى عشان نحصل المجانين دول.
وضعت كفها بكفه بابتسامتها الجميلة. ليتابعا سيرهم خلف شقيقه وشقيقتها. إلى داخل مدينة الملاهي حيث يحتفل الأربعة بمناسبة عقد قرانهم.
***
وبداخل إحدى المطاعم وعلى طاولة وحدهم بإحدى الزوايا المختصرة بالمحل. توقفت عن تناول طعامها بملامح واجمة تسأله.
- عايزني أسافر معاك؟
رد بدهشة.
- أيوه يا سحر تسافري معايا. فيها إيه بقى؟
صمتت قليلًا تستوعب قبل أن ترد.
- فيها كتير طبعًا يا رمزي. بقى عايزني أسيب أمي وشغلي وأسافر كده لبلد معرفش فيها حد وغريبة عني كمان؟
- البلد دي فيها شغل جوزك يا سحر. يعني فيها أكل عيشه وبكرة بإذن الله. هاتبقي بلد ولادنا لما ناخد الجنسية من عندهم.
- كمان عايزني أفضل هناك أنا وعيالي لما تاخد الجنسية؟
- وفيها إيه يا سحر لما نعيش فيها ونكبر ولادنا هناك؟ البلد متقدمة والتعليم فيها مستوى تاني. دي حلم لناس كتير وفرصة الشباب بتموت نفسها عشانها.
أشاحت بعيناها عنه صامتة وقد ذهبت شهيتها لتناول الطعام بغير رجعة. سألها رمزي.
- هو لدرجة دي القرار صعب عليكي يا سحر؟ أنا افتكرتك هاتنبسطي بالعيشة هناك.
التفت ترد عليه.
- لا يا رمزي أنا لا يمكن أنبسط في بلد غير بلدي ولا مكان مش موجودة فيه أمي. برغم كل عمايلها معايا اللي بتحرق دمي. بس مقدرش أسيبها.
سألها بتجهم.
- يعني هو دا آخر كلامك يا سحر معايا؟ وما فيش بقى فرصة حتى عشان تفكري؟
***
حينما عادوا أخيرًا بعد سهرة طويلة في قضاء وقتهم الممتع بداخل مدينة الملاهي. بتجربة الألعاب المعروفة بها أو التنزه وتناول المثلجات. أمام البناية السكنية الموجود فيها شققهم. تركهم حسين على مضض للعودة بسيارته إلى منزله مع والده وزوجة والده نرمين. صعدت قبلها شروق تسبقها إلى منزلهم. أما هي فكانت تصعد الدرج بخطوات متمهلة معه. تنظر بسعادة للدب القطني الكبير بين ذراعيها والذي ابتاعه لها لتتذكر المناسبة.
سألها بدهشة.
- ما كنتش أعرف إن الحاجات دي هاتعجبك زي بقية البنات.
ردت بابتسامتها الرائعة.
- بصراحة وأنا كمان. طول عمري بشوف الحاجات دي مع البنات وأقول عليها تفاهات. بس منك أنت حسيتها لها طعم حلو أوي.
أشرقت ملامح وجهه بأثر كلماتها وسألها.
- أنا مش عايز أبقى غلس بس أنا نفسي أسألك يا فجر. هو انتي عمرك ما حبيتي ولا حتى عجبك حد؟
شدت بذراعيها على الدب داخل أحضانها وهزت رأسها بنفي قبل أن ترد.
- عمري يا علاء. أصل أنا دايما عندك فكرة مقدسة للرومانسية وهي إنها ما يصحش تبقى غير مع واحد بس والواحد ده لازم يبقى الحبيب. والحب الحقيقي أكيد ما بيبقاش بالسهولة اللي تخلينا نلاقيه في طريقنا كتير. عشان كده بصراحة أنا ما كنتش مصدقة مشاعري في البداية ناحيتك.
توقف مذهولًا من كلماتها التي أصابت قلبه في الصميم. ود لو يحتضنها ويعبر عن ما يجيش بصدره نحوها بالفعل وليس الكلام.
- وقفت ليه مكانك؟ مش ناوي تدخل الشقة تطمن خالتي زهيرة بقى برجوعك؟ دي زمانها قلقانة عليك عشان اتأخرنا.
اكتشف أنه في الدرجة التي قبل الأخيرة وهي تخطته لتصل إلى شقتهم. لعن حظه لأنه لم يتمكن من تنفيذ ما يشعر به.
لوحت له بكفها وهي على باب منزلهم.
- إيه ده بقولك اتحرك يا علاء. هو انت سرحت في إيه بالظبط؟
التفتت لتقرع جرس منزلهم حينما وجدته يتحرك بخطواته نحو شقتهم ولكنها شهقت متفاجئة حينما باغتها بقلبة سريعة على وجنتيها قبل أن يذهب من أمامها سريعًا غامزًا بعيناه.
توسعت عيناه ورأسها ملتفة للخلف نحوه تتبعه وهو يدلف لداخل شقتهم التي فتحها بمفتاحه، فأرسل إليها قبلة في الهواء مع ابتسامة متسلية بمكر. قبل أن يختفي بداخلها تزامنًا مع فتح باب شقتها. التفتت فجر رأسها بحدة على هذا الصوت الذي سمعته يناديها بمرح على مدخل باب منزلهم.
- الأبلة فجر بنفسها وصلت أخيرًا!
جحظت عيناها بصدمة وهي ترى آخر شخص تتوقع رؤيته في هذه الليلة بالذات؟ بلعت ريقها وخرج صوتها ب اهتزاز.
- سميرة!
جذبتها الفتاة لداخل شقتهم وأغلقت الباب لتعانقها بمحبة واشتياق قائلة.
- أيوه سميرة بنت عمتك يا خاينة انتي. بقى بتتخطبي وتكتبي كتابك من غير حتى ما تفكري تتصلي بينا؟
اختفت الكلمات من ذهنها. لا تدري بما تجيبها وهي غير قادرة حتى على تصنع الابتسامة. كل ما استطاعت أن تفعله هو أنها أومأت لها برأسها فقط. وسمحت لها تجرجرها لداخل شقتهم وهي تعلم علم اليقين بما ينتظرها بالداخل.
- بنت خالي فجر أخيرًا جات يا ما.
قالتها سميرة وهي تخطو إلى داخل غرفة المعيشة والتي اجتمع بها جميع أفراد الأسرة للترحيب بشقيقة شاكر وابنتها في زيارة لا تتكرر سوى مرة أو مرتين في العام. ولكن أن تأتي في هذه الليلة مخصوص. هذا ما جعل البرودة تجتاح فجر بزعر. وهي تشعر أمامهم بزواجها من علاء بخيانة لذكرى فاتن بمجرد النظر لعمتها. تقدمت بأطراف مرتعشة نحو المرأة التي وقفت لاستقبالها. وقالت بغموض.
- أخيرًا بقى وصلت الأبلة فجر عشان نسلم عليها ونشوف وشها!
***
في اليوم التالي. وبداخل شقة سعد كانت أمينة بداخل المطبخ تصنع لنفسها شطيرة من الجبن وتضع بداخلها شرائح من قطع الخيار. لتناول وجبة إفطارها والساعة قد أتمت العاشرة صباحًا حينما سمعت بصوت باب الشقة الذي فُتح بمفتاحه. خرجت منه وهي تخمن عودة سعد رغم دهشتها التي لم تطل كثيرًا وتحولت لابتسامة عريضة شملت وجهها. وهي تراها تخطو لداخل الصالة الصغيرة وبيدها تحمل عدة أكياس لم تتبين ما بداخلها سوى الفاكهة. كانت غافلة عنها.
فتكلمت أمينة بمرح وهي تستند بكتفها على الحائط تجفلها.
- نورتي الشقة يا مدام نرمين.
سقطت الأكياس من يداها الاثنتان وانتقلت عيناها تنظر نحوها برعب تتمتم قاطبة حاجبيها.
- أمينة!
كتفت ذراعيها أمامها ترد.
- أيوه أمينة يا عنيا. عاملة إيه انتي بقى؟ ياااا مدام نرمين؟
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل السادس والعشرون 26 - بقلم امل نصر
تسمرت قدماها عن التحرك وهي تنظر نحوها باضطراب، وكأنها لا تعي ولا تستوعب إن كان ما تراه الآن هذا حقيقة أم خيال. أمينة ابنة خالتها، صديقة الطفولة وأيام الشقاء، تقف أمامها وداخل شقة سعد بملابس بيتية مريحة.
"إيه اللي جابك هنا؟ ولابسة ليه كدة؟"
تجاهلت أمينة الرد عليها لتتحرك نحوها، تتمختر بخطواتها حتى اقتربت منها لتقف أمامها وتحدق بعينيها صامتة مع هذه الابتسامة العبثية المستفزة التي لم تفارق وجهها. نيرمين تبتلع ريقها بترقب.
فاجأتها أمينة فجأة وهي تدنو للأسفل تلتقط الأكياس المبعثرة على الأرض، فقالت وهي ترفعهم وترى ما بداخلهم:
"يا حلاوة يا ولاد، دي فرخة مشوية وفاكهة وإزازة بيرة كمان، لزوم الجو."
قالت الأخيرة بغمزة من عينيها أثارت سخط نيرمين، فجعلتها تغمض عينيها وهي تقبض يديها وتشيح بوجهها عنها.
"ههههه، بتصرفي على سعد يا نيرمين؟ هههه، بتصرفي على سعد يا منيلة، يخيبك يا بنية، طب استنضفي طيب هههه."
استدارت لها نيرمين بغتة تمسكها من تلابيب ملابسها قائلة بشراسة:
"وانتي بروح أمك بقى بتعملي إيه هنا عشان أفهم بس؟"
قهقهت أمينة بصوت عالٍ قائلة بمرح لتغيظها:
"أنا واحدة جوزها محبوس في قضية برشام، والدنيا ملطشة معايا يعني ما حدش هايستغرب عليا أي فعل أعمله. لكن انتي يا قمر يا اللي واخدة الراجل الكبير، جاية هنا ليه بقى؟ وكمان صارفة ومكلفة... لدرجادي يا روحي الشوق غالبك؟"
صاحت تهزها بعنف:
"مالك انتي ومالي يا زفتة؟ بتضحكي وتتمسخري عليا ولا كأنك قفشتيني معاه في أوضة النوم. إيه حال إن ما كنت أنا اللي طبيت عليكي في شقته وانتي قاعدة ومريحة فيها ولا كأنك صاحبته ولا عشيقته؟ في إيه يا بنت محاسن؟ على آخر الزمن كمان هايطلع لك صوت؟ يكونش نسيتي يا أختي شغلة أمك؟"
اختفى العبث من وجه أمينة وهي تنزع كفي نيرمين عن ملابسها بعنف، فقالت وهي تقبض على رسغها بقوة:
"أيوه أنا بنت محاسن يا نيرمين وعارفة شغلة أمي كويس أوي ومش ناسياها. بس أنا يا حبيبتي مش على راسي بطحة عشان أخاف ولا أكش، عكسك انتي يا حلوة... يا اللي لعبتي ودورتي على حل شعرك أيام الفقر عشان تطولي فرصة كويسة. وحصل... ووصلتي للي انتي عايزاه. دلوقتي بقى إيه حجتك عشان تخوني الراجل الكبير جوزك مع سعد؟"
قالت الأخيرة بقرف، ونيرمين انعقد لسانها واتسعت عيناها زعرًا من هذه المجنونة التي أتت إليها في أشد أوقاتها صعوبة.
***
زهيرة وهي جالسة بجواره على طرف الفراش تهزهزه بيديها وصوتها يهتف عليه ليستيقظ من غفوته العميقة على ما يبدو من عدم استجابته لها:
"علاء باشا... انت ياحلو، يا عريس يا قمر انت، ماتصحى يا وله تعبت قلبي."
فتح أجفانه بغتة وأشرق وجهه بابتسامة مرحة وهو يتناول كف يدها يقبلها:
"الف بعد الشر عليكي يا ست الكل من تعب القلب."
لكزته بقبضتها حانقة:
"يعني انت صاحي من زمان بقى وبتستهبل عليا يا زفت انت؟"
خرجت الأخيرة بشهقة وقد فاجأها بنهوضه على حين غرة يلف ذراعه على كتفها ويقبل وجنتها، ويقول:
"طب واصحى أنا ليه بقى وأتحرم من الدلع بتاعك؟ ها؟ قوليلي كده يا زوزو؟ قوليلي."
على صوت ضحكاتها وهي تحاول التملص من ذراعيه:
"أيوه يا خويا اعملهم عليا، بكرة تستكفي بحضنها ودلعها هي بنت سميرة دي."
"والنبي ولا ألف واحدة يغنوني عن دلع انتي يا ست الكل يا قمر."
ازدادت ضحكاتها ولكنها أجفلته:
"طب خلاص بقى، واض، سيبني عايزة أقوم. صاحي يا خويا، فايق ورايق، باين عليها السهرة كانت صباحي مع حبيبة القلب على التليفون بعد ما رجعت من مشوارك متأخر."
نزع ذراعه عنها وقال بجدية:
"أبدًا والله يا أمي، دي حتى ما ردت على أي اتصال مني، معرفش ليه؟"
نهضت من جواره وهي ترد:
"تلاقيها بس تعبت ونامت. قوم انت بس وصحصح، ده النهاردة الجمعة، ودي مش عادتك تتأخر كده في النوم."
"ليه هي الساعة كام؟"
"الساعة عشرة يا حبيبي."
قالتها وهي تتحرك للخروج، وهو نهض مجفلًا يتناول هاتفه:
"يانهار أبيض، كل ده سيباني نايم يا أمي؟ طب الحق أتصل بيها أشوف مالها دي؟ مارنتش ليه هي كمان؟"
خاطبته زهيرة قبل أن تخرج من غرفته:
"علاء، ماتنساش يا حبيبي بعد ما تخلص كلامك في التليفون مع فجر تتصل بأخوك، عايزاه يجي."
سألها:
"عايزاه في إيه يا ماما؟"
قالت بقلق:
"يعني مش حاجة بعينها، أنا بس عايزاه يجي وخلاص."
أومأ بسبابته على الناحيتين من وجهه بابتسامة حنونة:
"من عنيا الجوز، ليكي عليا لو مجاش بنفسه أسحبهولك أنا من قفاه."
بابتسامة أنارت وجهها:
"تسلملي عيونك يا روح قلبي."
***
وفي الشقة المجاورة وبداخل غرفتها... أتاها اتصاله وكأنه نجدة من السماء، لتنهض من جوار ابنة عمتها التي كانت نائمة بجوارها على الفراش. سارت على أطراف أصابعها حتى دخلت الشرفة، أجابته بصوت خفيض:
"أيوه يا علاء، صباح الفل والورد يا حبيبي."
"..."
"عارفة وربنا عارفة، بس أعمل إيه بقى؟ ما انت ما تعرفش اللي حصل؟"
"..."
"عمتي يا علاء، وصلت امبارح وأنا ما كنتش قادرة أتنفس حتى من الإحراج وأنا معاهم، ربنا وحده اللي عالم الليلة دي عدت عليا إزاي."
"..."
"إزاي بس يا علاء؟ ما كانش ينفع طبعًا أرد عليك انت بالذات وأنا متحاصرة بوجودها حواليا. دي نظراتها غريبة أوي ناحيتي."
"..."
"حاضر، ححاول طبعًا، بس انت ماتزعلش مني يا روح قلبي."
"روح قلبك برضه يا أبلة فجر؟"
انتفضت فجر وهي ترى ابنة عمتها أمامها على باب الشرفة، والتي تابعت بغمزة من عينيها:
"هو انت بتكلمي حبيب القلب؟"
هزت رأسها بتوتر وهي تنهي المكالمة سريعًا، ثم التفتت لها قائلة:
"هو انتي صحيتي من امتى يا سميحة؟"
ضيقت الفتاة عينيها وردت بابتسامة ماكرة:
"بتقفلي السكة في وش خطيبك يا فجر عشان ما يسمعش كلامكم، وكمان عايزة تلهيني؟"
"ألهيكي!"
قالتها فجر بتعجب من سماجتها، فسميحة، ابنة عمتها هذه، والتي تزوجت عن عمر السادسة عشر وهي تشبه شقيقتها الراحلة في بعض الملامح الدقيقة بوجهها، ولكن ليست برقتها ولا رقيها، تعاملها بتبسط ولا تراعي فرق العمر بينهم والذي يتعدى السبع سنوات، تزعجها منذ الأمس بالأسئلة الفضولية والأحاديث الخاصة، وكأن بزواجها قد قفزت لعمرها وأصبحت صديقتها فجأة!
"سكتي وسرحتي في إيه تاني يا أبلة فجر؟ هو لدرجادي كلامه حلو؟"
قطبت فجر حاجبيها دهشة واستنكار قبل أن ترد ببعض الحكمة:
"هو انتي مش متجوزة برضوا يا سميحة؟ يعني أكيد جربتي؟"
زمت سميحة شفتيها بحنق تجيبها:
"يا أختي هما شهرين بس اللي اتخطبت فيهم وكنت ساعتها أنا بجهز نفسي وهو بيجهز الشقة، بالعافية كنا بنشوف بعض خطف كده وبعد الجواز... هما برضوا شهرين وسافر يا أختي على الخليج وسابني، يعني ما لحقناش حتى نعرف بعض."
رقت ملامح فجر نحو الفتاة التي في عمر الطالبات بمدرستها، ولكنها لم تستطع كبح السؤال الذي يلح بداخلها منذ الأمس:
"معلش يا سميحة في سؤالي، بس أنا بصراحة كان نفسي أعرف، هي فاتن ماتت إزاي؟"
ردت سميحة بعفويتها:
"الله يرحمها أختي يا رب ويبشبش الطوبة اللي تحت راسها. أنا عرفت من أمي إنها ماتت بحمى شديدة، أصل أنا كنت صغيرة أوي ساعتها لما شفت أمي بتسحب فاتن وهي تعبانة مش قادرة تفرد طولها، وخرجت بيها توديها المستشفى وبعدها بقى ما رجعتش على بيتنا غير بكفنها."
اللمعت عيناها فجر وهي تتذكرها وترسم بعقلها هذا المشهد وكأنها تراه أمامها وتشعر بألمها. انتفضت فجأة على صيحة سميحة:
"برضوا مش هاتحكيلي عريسك كان بيقولك إيه؟"
حدقت إليها بجزع، هذه الفتاة المزعجة لا تشبه فاتن على الإطلاق ولا حتى بالملامح.
***
بملامح متجهمة اقترب من أبيه الذي كان يتحدث في الهاتف وهو جالس على إحدى الأرائك وعيناه مثبتة على شاشة التلفاز:
"صباح الخير يا أبو علاء."
التفت إليه أدهم ونحى الهاتف عن أذنه بعد أن استأذن محدثه في الناحية الأخرى قبل أن يرد ببشاشة:
"صباح الفل يا حبيبي، لابس كده ورايح فين؟"
رد بغموض:
"ورايا مشوار مهم عايز أعمله. المهم بقى أنا حاسس الجو هدوء، يعني؟ هو انت ما فيش حد معاك؟"
رد أدهم بابتسامة:
"لا ما فيش حد معايا يا حسين باشا، نيرمين استأذنت تزور واحدة قريبتها عيانة."
أومأ برأسه بملامح مغلفة لا توحي بشيء. تابع أدهم:
"ماتتأخرش بقى في مشوارك يا حسين، عايز أقعد معاك يا ابني شوية، ده النهاردة الجمعة."
"تحرك للخلف وهو يتحدث بوعد:
"أخلص بس مشواري يا أبو علاء وأنا هاجيلك وأقعد معاك قعدة طويلة كمان، بس أخلص مشواري."
ترك أبيه يكمل مكالمته واستدار هو للخروج، بوجه جامد، يتصاعد الغضب من كل خلية بجسده، يريد التأكد بنفسه من صدق المعلومات التي أخبره بها حودة. وبعدها لا يلومن المخطئ إلا نفسه على حصد نتائج أفعاله.
قبل دقائق...
استيقظ حسين على صوت هاتفه المزعج ينبئه بورود مكالمة، رد بصوت ناعس:
"الوو... أيوه يا حودة عايز إيه عالصبح؟"
وصله الصوت الألهث:
"أيوه يا حسين باشا، في حاجة مهمة أوي عايزة أقولهالك."
اعتدل عن الفراش بجذعه قائلًا بلهفة:
"معلومات إيه يا حودة؟ هي البت دي خرجت ولا الواد سعد عمل حاجة تاني؟"
رد الآخر بقلق:
"لا دي ولا دي يا حسين باشا، ده حاجة غريبة كده أنا مستغربلها و..."
قاطعه بحدة:
"انت لسه هاتوقوق... ماتخلص قول يا ابني انت في إيه؟"
"بصراحة كده بقى أنا شفت الست نيرمين داخلة العمارة اللي فيها شقة سعد، وأما راقبتها لقيتها بتدخل شقة سعد بعد ما فتحتها بمفتاح كام معاها في شنطتها!"
انتفض واقفًا عن الفراش فقال بحزم:
"انت متأكد من كلامك يا حودة؟"
"والله يا باشا زي ما بقولك كده، هو أنا هتوه عنها؟"
تأجج صدره بالغضب وعقله يدور في عدة سيناريوهات، فقال:
"اسمع يا حودة، أنا عايز أعرف البت دي بتعمل إيه في الشقة، فاهمني؟"
"إزاي بس؟ هو أنا هاعرف منين بقى؟"
قال مشددًا وهو يتحرك في غرفته كالأسد الحبيس:
"اتصرف يا حودة ولا شوف أي طريقة، أنا عايز أعرف البت دي دورها إيه مع الكلاب دول، وليك عليا أزودك بالفلوس اللي تغنيك عن الشغل والمرمطة."
***
وفي الجهة الأخرى...
وقف حودة بوجه ملثم يترقب حركة الأشخاص الخفيفة في هذه المنطقة النائية، خلف البناية القديمة المتشققة الموجود بها شقة سعد، يبحث عن منفذ يمكنه من الصعود والدخول بداخل الشقة. لقد وعده حسين بالمال الوفير الذي سيمكنه من تأسيس مشروع جديد يعيش بعائده، ولكن هذا رغم إغرائه يأتي بالمرتبة الثانية لديه، فهو متشوق لكشف حقيقة سعد مع هؤلاء النساء. ويبدو أنه قد وجد الطريقة!
بخفة الفهد تسلق على إحدى مواسير الصرف مستغلًا عدم ثقل وزنه، حتى تمكن من الصعود إلى الشرفة الإسمنتية، سقط بداخلها ولحسن حظه كانت نافذتها مفتوحة. دلف من خلالها بحرص إلى داخل غرفة النوم، مشطها سريعًا بعينيه فانتبه على هذه الأصوات الصادرة عن قرب. خطى بخطواته حتى أصبح خلف الباب الذي فتحه بمواربة ليرى هاتان المرأتان واقفتان بوسط الصالة الضيقة. جذبه حديثهم فتناول هاتفه ليُلتقط الصور ويسجل ثم يرسل الرسائل تباعًا لحسين الذي طلب منه أن يتابع معه ما يحدث لحظة بلحظة.
***
وعند نيرمين التي هدرت على أمينة حانقة وهي تدفعها للخلف:
"ماتحلي بقى عني يا بت، مالك انتي باللي بعمله ولا أهببه مع سعد؟ إيه يا عينيا؟ رجعتي تحنيله تاني بعد ما رماكي زي الكلبة زمان."
صدرت ضحكة ساخرة من أمينة وهي ترد:
"أحن لسعد؟ طب بذمتك انتي مصدقة نفسك وانتي بتقوليها؟ سعد ده كان فترة وعدت من حياتي وأنا صغيرة، لما كنت زي الغرقانة بدور على قشاية تسندني وتخرجني من جو أمي والرجالة اللي كانت داخلة خارجة عندها، ما كنتش لسه عرفت الدنيا على حقيقتها. سعد يا حبيبتي كان بيضحك عليا بكلامه المزوق والناعم وأنا من هبلي كنت فاكراه ها يتجوزني في حلال ربنا ويبعدني عن أمي وقرفها. لكن انتي بقى يا عينيا... إيه حجتك عشان تمشي معاه في سكة؟ ها؟"
هزت رأسها بعدم احتمال وهي تنفي:
"سكة مين يا مجنونة انتي؟ أنا مش فاهمة انتي عاملهالي تحقيق ليه أساسًا؟ هو انتي لدرجادي الغيرة قتلاكي من ناحيتي؟ لدرجادي بتحقدي عليا عشان أنا اتجوزت راجل غني واستريحت وانت فضلت في المرمطة والفقر؟ إيه ذنبي أنا إن كنتي اتجوزتي واحد بياع البرشام ورد سجون؟ كل واحد بياخد اللي يستحقه، أنا ربنا خلقني حلوة وجميلة وانتي ربنا خلقك وجمالك على قدك، إيه ذنبي فيها دي بقى؟"
صدرت ضحكة أمينة بصوت عالٍ ورذيل مستهزئة بما قالته:
"هو انتي لسه برضوا فيكي الأنعرة الكدابة دي يا نيرمين؟ فاكرة زمان لما كنتي تلبسي الدهب الصيني قدام الناس وتقولي ده حقيقي، ولا أفكرك أحسن بالحلق الكبير النحاس اللي كنتي بتفتخري بيه قدام البنات في المصنع، على أساس إنهم هبل وما يعرفوش الفرق. فاكرة الحلق؟"
قالت الأخيرة وهي تخرجه من جيب عبائتها البيتية، وتلوح به أمامها.
جحظت عيناها نيرمين وتدلى فكها بعدم تصديق. همت لتتناوله ولكن أمينة أبعدته عن مرمى يديها، وهي تقول بمرح:
"عارفة يا نيرمين... لما لقيته في كيس المخدة وأنا برتب أوضة النوم جوا... استغربت قوي، إنه لسه عايش معاكي. بس استغربت أكتر لما عرفت إنك ماشية مع سعد بقالك سنين، هههههه."
رفعت نيرمين يدها نحو القرط تريد تناوله بانهيار، فتلاعبت بها أمينة وهي تبعده عنها باستمتاع وتابعت:
"الأقولي لي صح؟ هو انتي عرفتي توقعي الراجل الكبير ده إزاي؟ ها؟ ومين دلك على سكة أساسًا؟ سعد برضوا؟ ههههه."
"كفاية بقى يا أمينة وإلا وديني لأكون حاكية لعلاء عالسر اللي بينك وبين سعد!"
توقف أمينة فجأة عن ما تفعله تسألها بصدمة وعدم تصديق:
"سر إيه؟ أنا ما فيش بيني وبين سعد أسرار."
ردت نرمين وقد شعرت أنها قد أصابت هدفها:
"لأ في؟ والسر الخطير ده هو اللي خلاكي تقبلي تتجوزي البرشامجي، وخلى سعد يقطع صلته بيكي. أوعي تفتكري إني ما كنتش فاهماكي، أي نعم انتي وسعد ما حدش فيكم كان نطق بحرف، بس أنا ولبنى أخت سعد، فهمناها لوحدنا لما اختفيتي فجأة عن الشغل عند البيه اللي اسمه عصام صاحب علاء. لبنى أخت سعد حكتلي بنفسها إنها في مرة سمعت أخوها وهو بيحذرك وينبه عليكي في التليفون عشان ما تعتبيش بيتهم تاني ولا تعتبي الشارع حتى عندهم، لعلاء ولا الدكتور عصام حد فيهم يشوفك وساعتها هاتروحي في داهية."
تسمرت أمينة مكانها وشحب وجهها ليقارب صفار الموتى، فقالت بصعوبة وهي تحاول ابتلاع ريقها الجاف:
"بقولك إيه يا بت انتي، ماتحاوليش تلعبي عليا وتخترعي قصص من عندك، أنا ما عنديش قصص ولا حكاوي عشان أخاف منها."
هذه المرة ضحكت نيرمين وهي تنظر نحوها بتشفي وقد تبينت الحقيقة وصدق تخمينها من هيئة غريمتها المزرية، فقالت بميوعة:
"ماشي يا عينيا زي ما تحبي، أصل بصراحة أنا معرفش حقيقة السر ده إيه بالظبط. بس طبعًا لو روحت لعلاء وبلغته بكلام لبنى أخت سعد اللي عدى عليه سنين، وبلغته بعنوانك انتي هنا، أكيد طبعًا هايفتكر ويعرف، ولا انتي إيه رأيك؟"
عند هذه النقطة رفعت أمينة راية الاستسلام، فمدت إليها كفها مفتوحة كي تتناول قرطها وقالت بصوت محذر وخارج بصعوبة:
"خدي حلقك واطلعي من هنا يا نيرمين، وحسك عينك الكلام ده يطلع قدام حد تاني، عشان ساعتها يا حبيبتي، أنا هافضحك قدام جوزك وأبلغه بعلاقتك بسعد ولو حصلت أجيبله تاريخك كله وأسماء الرجالة اللي مشيتي معاهم."
ابتسمت نيرمين بانتصار وهي تتناول القرط، فتحركت للذهاب بخطوات بطيئة وواثقة. وقبل أن تصل للباب أوقفتها أمينة وهي تهتف باسمها:
"نيرمين، نصيحة ليكي ياريت كمان ما توصليش اللي حصل ده لسعد، عشان ساعتها انتي اللي هاتتأذي بجد."
لوت شفتيها بسخرية وهي تنظر إليها بصمت دون أن تريحها ولو بكلمة، ثم ما لبثت أن تتحرك فتصل إلى مقبض الباب لتفتحه، فكانت الصدمة التي جعلتها تتمنى لو أنها تهذي أو أن ما تراه هو من وحي خيالها فقط. همست بغير تصديق:
"حسين!!!"
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم امل نصر
أغمض عينيه وتنهد بسأم وهو يستمع لإلحاح أخيه عليه في الهاتف بعد أن رد على اتصاله أخيرًا.
بعد عدة اتصالات منه كان قد تجاهلها في خضم انشغاله مع رسائل حودة وسماع التسجيلات.
حتى أنه تجاهل اتصالات شروق بهِ واكتفى بإرسال رسالة موجزة لها على تطبيق الواتساب يخبرها أنه سيحاول الاتصال بها لاحقًا لانشغاله مع أحد الأشخاص.
قال بتعب:
- يابني خلاص بقولك هاجي إن شاء الله. بس مش لازم يعني يكون على الغدا. سيبني بس أفضى شوية كده من المشوار اللي في إيدي. وبعدها أشوف بقى.
........................
- ياحبيبي أبوس إيدك سيبني دلوقتي أنا مش فاضي. هاتصل بيك بعد شوية. خلاص يا علاء ياحبيبي فهمت. طمنها بس انت وقولها إني جاي النهاردة. على العشا تمام ماشي. ما أنا كده كده كنت عايزك في كلام مهم. هو ده وقته؟ بقولك مشغول يابني. أما أشوفك هاقولك. سلام بقى الله يخليك.
أنهى مكالمته سريعًا رغم شعوره بتعجب أخيه وارتيابه. ولكنه مضطر لضيق الوقت بيده خصوصًا بعد اطلاعه على الرسالة الأخيرة لحودة.
صفق باب سيارته يغلقه بقوة بعد أن ترجل منها. ثم سار بضع الخطوات القليلة نحو المبنى القديم. بعد أن صف السيارة بجواره. اعتلى الدرج المتهالك بخفة وسرعة حتى وصل أمام الشقة الموصوفة له من حودة في الطابق الأول في الجهة اليمين.
وقبل أن يطرق بقبضته على باب الشقة. رفع هاتفه ليرى آخر التسجيلات المرسلة من حودة. استمع لهذا الحوار الأخير بين نيرمين وأمينة. وقبل انتهاء التسجيل بثوانٍ قليلة.
رفع رأسه نحو الباب الذي فُتح بغتةً. فرأى نظرة نيرمين الجذعة بعد أن تفاجأت به.
اعتلت شفتيه ابتسامة متهكمة وهو يخاطبها:
- إيه يامدام مش هاتقوليلي اتفضل؟
حينما ظلت على تسمرها وفمها الذي يفتح ويغلق دون النطق ببنت شفا. دفعها هو للداخل ودلف خلفها يغلق باب الشقة بملامح متجهمة أرعدتها. فارتدت للخلف بخطواتها حتى اصطدمت بأمينة التي كانت واقفة بمحلها في وسط الصالة محدقة عليهم بدهشة. لتفاجأ بحسين الذي كان يخطو للداخل خلف نيرمين التي مازلت ترتد للخلف بظهرها.
- أنتي بقى أمينة ياروح أمك؟
قطبت حاجبيها مذهولة من حدته بالرغم من عدم معرفتها بهِ. نقلت نظرها باستفسار نحو نيرمين التي التصقت بالجدار خلفها. فأجفلها هادرًا:
- انطقي يابت.
انتفضت مرتعبة فردت على الفور:
- أيوه يابيه أنا أمينة. بس هو انت مين بالظبط يعني؟ ظابط ولا شرطة؟
جز على فكه وهو يقترب بوجهه منها ينفث دخان من حريق صدره الغاضب. فانتقلت عيناه نحو نيرمين يسألها بسخرية:
- إيه يامدام. انتي مكسوفة ما تعرفيها أنا مين؟ طب اعملي بالعيش والملح اللي أكلتوه مع بعض في المصنع ولا حتى أيام شقاوتك. قبل ما توقعي الراجل الكبارة في حبالك وتخليه يتجوزك بخبرتك الواسعة. وبعدها برضوا تحني لأصلك تخونيه مع سعد الكل؟
لطمت بكفيها على خديها وقد تأكد إليها استماعه لحديثها مع أمينة. ولكن كيف هذا؟ رفعت عيناها نحو أعلى الحوائط لترى أن كان هناك كاميرا خفية. لتفاجأ بخروج أحد الأشخاص من غرفة النوم ملثم الوجه. غريزيًا اتجهت عيناها بشراسة نحو أمينة الواقفة محلها كتمثال حجري. فاغرة فاهها بصدمة بلا حول لها ولا قوة.
استفاق الاثنتان على صيحة حسين:
- اصحي انتي وهي معايا أنا معنديش وقت ليكم.
خرجت نيرمين من صمتها تدافع عن نفسها بصوتٍ مهتز:
- الكلام اللي سمعته من البت دي ياحسين أنا بريئة منه. دي واحدة غيرانة وحاقدة عليا. زيارتي من الأساس النهاردة كانت فخ من تخطيطها. وأنا والنعمة ما أعرف حتى إن دي شقة سعد. أصل يعني لو هاخون جوزي صح لا سمح الله. فينه هو ده اللي خونته معاه؟
هز رأسه بنظرة مزدرية قبل أن يتجه لحودة الذي أظهر وجهه فانصعقت نيرمين:
- الواضح دا راح فين يا حودة؟
رد حودة بعد أن نظر بطرف عينه نحو الاثنتين:
- الواضح سعد من الفجرية كان في دمياط بيجيب نقلة خشب لورشته. آخر الأخبار اللي وصلتني من مازن هي إنهم وصلوا القاهرة. وهما دلوقتي واقفين قدام محطة بنزين يمونوا العربية النقل ويريحوا شوية في الاستراحة هناك.
اقتربت منه نيرمين وهي تتحدث بدفاعية مستغلة المعلومات الأخيرة:
- أهو قالك بنفسه أهو إنه من الفجرية بره البلد. يعني أنا بريئة أهو من التهمة الزور وكلام البت دي بت الحرام. دي شايفة الناس كلها أوساخ زيها هي وأمها.
نزل حسين بانظاره للأسفل نحو الأكياس المرتمية على الأرض قبل أن ينقلها مرة أخرى نحو نيرمين بابتسامة ساخرة ذات مغزى. قبل أن يقول لها من بين أسنانه:
- عارفة يابت الـ... لولا بس إن عندي اللي أهم منك وعشان انتي خلاص كمان بقيتي كارت محروق ومن النهاردة هاترجعي لمكانك الطبيعي في أقرب مقلب زبالة. لكنت انتظرت عشان أشهد عليكي العمارة كلها مع الكل. بتاعك بس ملحوقة. أخلص بس من اللي في إيدي دلوقتي. اخلصي يالا غوري من وشي.
انتفضت من صيحته التي خرجت فجأة فأجفلتها. لدرجة أنها وقفت محلها غير مستوعبة. فاطلق صيحة أخرى أشد حزمًا وحسمًا:
- غوري بقولك دلوقتي أنا مش فاضيلك.
وقتها لم تشعر بقدميها التي انطلقت كالريح نحو الباب الخروج. مما جعل أمينة المصعوقة يخرج صوتها أخيرًا بتشتت:
- هو انتوا جايين لمين بالظبط؟
لم ينطق حسين وهو ينظر إليها بغموض. فخرجت الإجابة من حودة الذي كان يلعب بهاتفه:
- إحنا جايين لك انتي ياحلوة عشان نسجل معاكي لقاء تليفزيوني. ها نسجل بقى ونقول أكشن؟
............................
خرج علاء من غرفته ليجلس حول السفرة على إحدى مقاعدها بغرض تناول طعام إفطاره من بعض الأصناف الموجودة عليها. ولكنه كان واجمًا بحيرة. لا يدري سببًا لهذا القلق الذي شعر به من وقت انتهاء مكالمته السريعة مع شقيقه. نبرة صوته كانت منفعلة وغريبة عن طبيعته الهادئة والرزينة. هذا بالإضافة لهذه الجملة الغريبة عن إخباره بكلامٍ مهم. ترى مالذي يشغلك يا حسين وسوف تفاجئني به؟
- رد عليك؟
- هممم.
ارتفعت عيناه نحو والدته وقد استفاق من شروده:
- بتقولي حاجة يا أمي؟
تبسمت زهيرة بارتياب وهي تجلس أمامه وتضع عن يدها طبق الجبن. ترد:
- إيه اللي واخد عقلك ياحبيبي ومخليك تنسى حتى أكلك؟
ارتفع حاجبيه باستيعاب فتبسم بتصنع رغم اضطرابه قائلًا وهو يتناول قطعة من الخبز يضعها بطبق الفول:
- عريس جديد يا أمي. وشئ طبيعي إني أسرح في عروستي.
قطبت حاحبيها وارتسم على وجهها عدم التصديق. فقالت:
- قالك إيه أخوك؟
- قالي إنه هايجي على العشا.
ردت زهيرة بتذمر:
- لسه كمان هايقعد للعشا؟ أنا كنت عايزاه يجي على الغدا يابني.
رد علاء بابتسامة وهو يضع اللقمة بفمه:
- وفرقت إيه بس يا ست الكل إن كان عشا ولا غدا؟ مش المهم بقى إنه يجي؟
أومأت زهيرة برأسها وهي تدعي تناول الطعام دون شهية تذكر وهذا لعدم شعورها بالارتياح.
..............................
أمام إحدى الكافتريات الشعبية بجوار إحدى محطات البنزين كان جالسًا على مقعدٍ بلاستيكي. يتناول إفطاره من شطائر الفول والفلافل الموضوع على المنضدة الخشبية التي توسطت الجلسة بينه وبين سائق الشاحنة المحملة بالأخشاب. صدح هاتفه باتصالها. أصدر بفمه صوت قرقعة بسأم وهو يتجاهل الرد. ولكنها حاولت مرة وأخرى حتى أثارت اهتمام السائق معه:
- ماترد يا معلم سعد لاحسن تكون مكالمة مهمة ولا حاجة!
رد عليه بملامح الملل:
- يا عم ولا مهمة ولا حاجة. دي بس زن نسوان فاضية للرغي والكلام الفاضي.
على صوت ضحك الرجل قبل يرد بمرح:
- وافرض يا عم إن كانت نسوان فاضية ولا حتى رغاية. هو في حد طايل في الزمن ده؟ رد يا سعد باشا وماتتكسفش. أنا هاقوم بقى أوسع لك الجو وأدخل الحمام جوا. وانت بقى عيش وخد راحتك. ها.
قال الأخيرة بغمزة وهو ينهض من ثم تحرك ذاهبًا أمامه. رفع سعد حاجبه بانتشاء وهو يرد على اتصالها:
- أيوه يا نرمين. عايزة إيه؟
وصله صوتها الباكي:
- أيوه ياسعد أنا اتخرب بيتي وكله من بوز الأخص البت أمينة.
اعتدل في جلسته يسألها بعدم استيعاب:
- أمينة مين يازفتة؟ هو انتي بتقولي إيه بالظبط؟
هتفت تشهق بالبكاء:
- بقولك أمينة ياسعد اللي انتي مأويها في بيتك ولا أكنها عشيقتك؟ الزفتة جرجرت رجلي وخلتني أروحلك الشقة عندك النهاردة وفتحت معايا في كلام جديد وقديم عن سيرتي معاك ومع الرجالة اللي مشيت معاهم قبلك. وكل اتسجل عند حسين اللي طب علينا فجأة مع الواد حود...
- بس الله يخرب بيتك.
خرجت منه بمقاطعة هادرة وقد انتفض من جلسته واقفًا. وتابع:
- ممكن بقى تفهميني اللي حصل بالظبط؟ وبالراحة وبإيجاز عشان أفهم. والمهم دلوقتي بقى قولولي انت بتكلميني من فين؟
سحبت نفسٍ طويل تحاول التماسك قبل أن ترد أخيرًا:
- أنا واقفة في شارع السوق اللي قريب من بيتك.
..............................
بعد قليل وبداخل سيارة النقل الكبيرة التي كان يقودها بسرعة عالية كالبرق رغم حمولتها الثقيلية. بعد أن استمع لشرحها الوافي لما حدث وأجلته بالأهم وهو مشاهدتها لحسين وحودة خارجين من مبنى شقته وأمينة مسحوبة كالشاه لتذهب معهم بالسيارة. لم يمتلك رفاهية التفكير بعدها وهو يتناول سلاسل مفاتيح السيارة وقبعة رأس السائق الذي لم ينتظر خروجه من غرفة المراحيض العمومية بهذه المنطقة. قفز سريعا بدخلها في الأمام خلف عجلة القيادة وذهب بالسيارة دون سائقها. كل ما كان يدور بعقله هو إيقافهم عن الوصول لوجهتهم. لو علم علاء بما فعله قديمًا أو عصام أو أدهم المصري؟ وما أدراك ما أدهم المصري؟ ستكون نهايته حتمًا بالإضافة إلى ضياع كل ما تمكن من بناءه في السنين الفائتة. ألا يكفي له سرقته حلم عمره بالإرتباط بها أو بشبيهتها لا يهم. كان على علم بخط سيرهم الآن لمعرفته الدقيقة لوجهتهم والطرق المؤدية لحارتهم. في بعض اللحظات الفاصلة لا يمكن التنبؤ بأفعال الفرد حينما يكون مهدد. لا يمكن التنبؤ فعل الفرد ليتمكن من النجاة. ولابد له من النجاة. ولا يوجد حل آخر.
وكانت الفرصة حينما رأى السيارة التي يعلمها جيدًا آتية من مسافة قريبة في الجهة العكسية. لم يتردد حينما زود السرعة أكثر والتف بها في أول فرصة وجدها أمامه في الطريق. كان من الجميل في الأمر هو أن قيادة سيارتهم كانت عادية وطبيعية لدرجة مكنته للحاق بهم حتى أصبحوا على مرمى بصره. فهدأ من سرعته قليلاً حتى اقترب نسبيًا منهم. رأسه مازلت مغطاة بقبعة رأس السائق وهو الآن قريبًا منهم ولابد من تحين الفرصة. والتي ما أن شعر بقربها لم ينتظر. حينما التفت سيارة حسين أمامه لتقطع طريقًا آخر لم ينتظر وقتًا آخر لاستغلال هذه الالتفافة وقد تلاشى عقله وضربات قلبه تنافس في سرعتها السيارة والتي زاد مرة أخرى من سرعتها بشكل هستيري مكنه من صدم السيارة الكبيرة حجمًا ووزنًا بالسيارة الصغيرة بشكل أجفل ركاب السيارة وقائدها الذي لم يتمكن حتى من الاستيعاب عندما وجد نفسه ينقلب مع السيارة والآخرين لعدة مرات بشكل عنيف أدى لتدمير السيارة للقضاء على من بداخلها!
............................
منذ الأمس وهي تشعر بنفسها كالحبيسة داخل غرفتها. تتجنب اللقاء بعمتها. من وقت أن تفاجأت بزيارتها وهي لا تفارقها النظرة الغامضة منها. رغم تعاملها بشكل طبيعي مع الجميع إن كان أخيها شاكر أو زوجته أو حتى شروق. أما هي فلم ترتاح لهذا الوجه الملغف بالغموض. يقلقها حتى ابتسامتها. ترى كيف تراها الآن؟
خرجت من شرودها على صوت فتح باب غرفتها دون طرقه. كشرت فجر بوجهها نحو شقيقتها التي دلفت منه:
- مش تخبطي يازفتة انتي. هي وكالة من غير بواب؟
ردت شروق بروتينية وهي تجلس بجوارها:
- هو أنا دخلت عليكي وانت عريانة مثلاً؟ ما انتي بكامل هدومك أهو؟
فغرت فجر فاهها تود توبيخها بالكلمات ولكن اجفلها هذا السكون على وجه شقيقتها وعيناها المضطربة. سألتها باقتضاب:
- مالك؟
ردت شروق:
- مش عارفة يا فجر. بس مضايقة أوي. حسين مش راضي يرد على أي اتصال مني وفي الآخر قفل السكة في وشي.
- معقول؟ طب ليه يعني؟ دي حتى مش عوايده.
هزت شروق رأسها باضطراب وقالت بقلق:
- لا هي حصلت مرة أو مرتين لما كنا نتخانق مع بعض وأشد أنا عليه في الكلام. بس أنا مش فاكرة خالص إني اتخانقت معاه المرة دي.
ربتت فجر على ذراعها تطمئنها بابتسامة:
- خلاص يا قمر. يبقى أكيد عنده حاجة ضروري شغالاه. وأول ما يفضى هايرن عليكي يطمنك.
تنهدت بثقل وهي تفرك يديها:
- يارب يا فجر يارب.
أشفقت فجر على شقيقتها التي بدا على وجهها القلق جليًا. فغيرت دفة حديثها:
- ما قولتيليش صح يا شروق؟ هي عمتك بتتعامل كويس معاكي؟
- آه طبعاً عادي وايه اللي هايغيرها معانا مثلاً؟
رفعت اليها عيناها فجأة تسألها بانتباه:
- صحيح يا فجر هو أنا ليه حساكي لازقة هنا في الأوضة وما بتخرجيش كعادتك. تضحكي وتهزري معاها؟
لوت شفتيها وقالت بتوتر:
- عادي يا شروق يعني؟ أنا بس ماليش مزاج. ثم إن سميحة بنتها قايمة بالواجب معايا وبزيادة. دي صدعتني بحكايتها مع جوزها وحماتها أم لسان طويل.
أشرق وجه شروق بالضحك:
- يعني عليكي يا غلبانة؟ بس ماتنكريش إن دمها عسل.
أومأت رأسها فجر بيأس:
- هي فعلاً دمها عسل بس رزلة جدًا وزنانة قوي. إلا صحيح هي مش بتغلس عليكي زي أنا؟
نهضت من جوارها ترد بثقة:
- هي مين يا بت اللي تغلس عليا؟ هو أنا عندي وقت ولا مرارة للعيال دي زيك؟
- يا جامد.
- أمّال يا بنتي.
قالتها بثقة وهي تفتح باب الغرفة فاتفاجأت بها أمامها:
- عمتي!
اعتدلت فجر منتفضة وهي تنظر نحو وجهها الباسم وهي تخطو لداخل الغرفة:
- أيوه عمتك يا روح عمتك. انتي بقى عاملة إيه؟
لم تتعجب فجر من احتضان عمتها لشروق فالطالما كانت تعشق تفاصيل وجهها والتي تذكرها دائمًا بابنتها الفقيدة بهذا الشبه الكبير بينهم. حتى برغم عشقها لفجر والتي تُشك باستمراره الآن بعد زواجها من علاء. ولكن تظل مكانة شروق المميزة بقلبها طوال الوقت. أجفلت من هذه النظرة الغريبة نحوها:
- أبلة فجر. مختفية ليه يا عروسة؟
ردت ببلاهة من توترها:
- هممم. مختفية إزاي بس يا عمتي ما أنا موجودة أهو؟
ازداد اتساع ابتسامتها الغامضة مما تسبب في زيادة قلقها. والذي تحول لجزع وهي تستأذن من شروق للخروج من الغرفة. كي تتركهم وحدهم. جحظت عيناها فجر وهي تشاهد شقيقتها تنسحب من الغرفة تاركة عمتها معها وحدها بالغرفة وتغلق الباب عليهم خلفها. ابتعلقت ريقها وهي ترى عمتها تجلس بجوارها على طرف التخت. تهز بأقدامها مع هذه الابتسامة الغريبة والملازمة وجهها. ثم قالت:
- حابسة نفسك عني ليه من امبارح يا بت؟
أومأت بكفها على صدرها قائلة بصدمة:
- أنا ياعمتي؟ ليه بس بتقولي كده؟
حدقت اليها بنظرة ذات مغزى. جعلت فجر تخفض عيناها عنها باضطراب. ولا تقوى على النظر إليهم. وقبل أن تستمع لكلمة أخرى منها انتفضت من الصرخة التي أتت إليهم من خارج الغرفة. بل ومن خارج الشقة نفسها. خرجت وعمتها معها بجزع لترى الجميع خرج قبلهم نحو مصدر الصوت والذي كان صادرًا من الشقة المقابلة لهم:
- علاء.
صرخت بها وهي تسرع بخطواتها إليهم. فرأت زهيرة المرتمية على الأرض مغشيًا عليها. وعلاء ابنها يحاول إفاقتها ووالدتها التي دنت هي الأخرى بجواره لمساعدته. تسأل:
- في إيه يا ابني حصل إيه؟
رفع انظاره إليهم جميعًا بوجهٍ شاحب هاربة منه الدماء:
- ابوس إيديكم يا جماعة حد يجي يفوقها ويراعيها. أنا عايز ألحق بسرعة أخرج وأروح لأخويا.
سألت شروق على الفور:
- ماله حسين يا علاء؟ وانتوا ترحلوا فين؟
أطرق بوجهه وخرجت كلماته بصعوبة:
- أخويا عمل حادثة!
هذه المرأة الصرخة خرجت من فجر. جزعًا على شقيقتها التي سقطت هي الأخرى مغشيًا عليها!
..........................
بعد أقل من نصف ساعة تقريبًا. كان بداخل المشفي يعدوا مع شاكر وابنتيه بخطواتٍ مسرعة ومتماسكة رغم. رهبة الحدث. وصعوبته بعد تمكنه من الوصول بمعجزة إلى المشفى. تاركًا والدته المريضة برعاية سميرة. وصل إلى قسم الاستعلامات بالقسم يسأل إحدى العاملات:
- لو سمحتي كنت عايز أسأل عن حسين المصري وحودة عرفان.
ردت العاملة وهي تنظر بإحدى الدفاتر أمامها:
- اللي جم في الحادثة حضرتك؟
أومأ برأسه دون النطق ببنت شفا.
ردت الفتاة بعملية:
- حضرتك هما وصلوا في حالة صعبة أوي. واحد في العمليات دلوقتي مع نخبة من الدكاترة تحت إشراف الدكتور عصام.
- الدكتور عصام!!
- أيوه حضرتك والتاني بقى؟
سألها بتوجس ماله الثاني؟
قالت بأسف:
- للأسف تعيش أنت. والبقاء لله.
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل الثامن والعشرون 28 - بقلم امل نصر
جالسًا محله على إحدى المقاعد المخصصة للزوار في المشفى.. من وقت أن سمع الخبر وأتى إلى هنا بخطواتٍ مسرعة بجوار غرفة العمليات منتظرًا.
وهو على وضعه هذا.. منكمش على نفسه بالمقعد الذي يبدوا وكأنه التصق به.. فلم تقوى أقدامه على حمل جسده.. يبتلع في ريقه الذي جف من الخوف وهو يردد بلسانه الآيات والأدعية.. علّها تساعده على الثبات وفك الكرب.
شعر بكف العم شاكر وهي تطبق على كتفهِ بمؤازرة.. فالقى نحوه نظرة خاوية قبل أن ينقلها سريعًا نحو محبوبته الجالسة أمامه بصف آخر للمقاعد بقلبٍ ملتاع وحزين تؤازر هي الأخرى شقيقتها التي لم تجف دموعها بعد من وقت أن استفاقت من غشيتها وتحاملت على نفسها كي تأتي معهم إلى هنا.
نقلت فجر أنظارها نحوه والتقت عيناها بعينيه.. فاَلمتها هذه النظرة الضائعة منه لها. ودت من قلبها لو استطاعت معانقته للتخفيف عنه في هذا الحدث الجلل وطمأنته أن كل هذا سيمُر وسيصبح كل شيءٍ بخير.
"علاء يابني أخوك ماله؟"
صدحت بصوتٍ عالي بعض الشيء ومرتعش رغم خشونته من قلب للممر.. انتقلت نظرات الجميع على صاحب الصوت والذي كان أدهم المصري. يتقدم نحوهم بخطواتٍ مثقلة و بملامح جزعة وكأنه ازداد في العمر سنواتٍ أخرى.
يسير بجواره سعد! وهو يدعي مراعاة الرجل من السقوط.
نهض شاكر عن مقعده يتلقف صهره من يده ليجلسه ويطمئنه.
"إطمن ياحج أدهم إن شاء الله خير."
رد أدهم برجاء وهو يستسلم لسحب شاكر نحو الجلوس على أقرب المقاعد أمامه.
"ابني ماله ياشاكر.. أبوس إيدك تقولي الحقيقة."
شدد شاكر على ذراعه وهو يجلسه.
"ياسيدي طمن قلبك هو بس دلوقتي في أوضة العمليات والدكاترة إن شاء الله يلحقوه."
نظر إليه أدهم بأعين ملتمعة وكأنه يلتمس منه الصدق قبل أن يتجه نحو ابنه الجالس بالقرب منه يخاطبه بتوسل.
"أخوك هايبقى كويس يا علاء صح.. حسين جدع ومش هايرضى إنه يزعلني ولا يتعب قلبي بالقلق عليه."
أومأ له علاء برأسه صامتًا لا يقدر على النطق ولو بكلمة قبل أن يرفع عينيه نحو سعد الذي ربت بكفه على كتفهِ بمؤازرة. أومأ له برأسه وعاد ليطرق برأسه للأسفل وعاد لانكماشه.
تنهد سعد بصوتٍ عالي يدعي الأسى وهو يجلس بجواره هو الآخر صامتًا يواكب الحدث.
وجدها أمامه جالسة بجوار شقيقتها.. تبكي بحرقة وجهها الجميل البيضاوي مرقط بالإحمرار من أثر البكاء.
تنهد بداخله وهو يتساءل عن فرصته معها الآن وقد أوشك غريمه على الانتهاء. لقد رأى بنفسه حطام السيارة التي دهسها بالسيارة ذات الحمولة الثقيلة. مشهدها ينبئ باستحالة نجاة من بداخلها. إنه حتى لا يدري كيف تمكن من التصرف بهذه السرعة. إنه لم يوقفهم وحسب.. لقد قضى عليهم جميعًا وضرب ٣ عصافير بحجر واحد.
ولكن مهلًا.. لماذا يشعر أن هناك شيء غير مظبوط!
استفاق من نشوته وهو يتذكر كلمات علاء الذي هاتفه باستغاثة لكي يخبر والده بخبر حادث شقيقه مع الملعون حودة.. لعدم قدرته هو على الكلام ومواجهة صدمة أبيه. ولكنه لم يذكرها! هل خجل أم تناسى ذكرها أمامه؟
ابتلع ريقه بتوتر وقد اكتنفه شعور بعدم الراحة. نهض فجأة معتذرًا من جوارهم. وذهب فورًا نحو استعلامات المشفى.
وقف أمام الفتاة المنشغلة بالرد في الهاتف. يطرق بقبضته على الخشب المثقول لتنبيهها.
"لو سمحتي يا آنسة."
أشارت له بيدها لينتظر ولكنه ازداد طرقه بعصبية.
"لو سمحتي بقى أفضيلي."
حدقت إليه الفتاة بحدة وهي تزيح على الهاتف عن إذنها.
"نعم يا حضرة عايز إيه؟"
"عايز أعرف عدد المصابين في حادثة حسين أدهم المصري؟"
نفخت الفتاة بنزق وهي تتناول الدفتر أمامها تبحث. ثم ما لبثت أن ترفع رأسها قائلة.
"هما اتنين بس اللي دخلوا المستشفى من الحادثة دي.. واحد متوفي والتاني دخل العمليات فورًا بأمر الدكتور عصام اللي شافه أول واحد."
رد بدهشة.
"الدكتور عصام!! طب والبت؟"
سألته بحدة.
"بت مين؟"
قال وهو يشدد على أحرف كلماته.
"انتي متأكدة من كلامك ده؟"
زفرت حانقة.
"حضرتك دا اللي مقيد عندي في الدفتر.. وأنا ما عنديش رد تاني."
قالتها واستدارت برأسها تنهي الجدال معه وتكمل مكالمتها في الهاتف.
شتم بداخله صلف الفتاة معه وتجاهلها له. قبل أن يتحرك مبتعدًا وعقله يكاد أن ينفجر من التفكير متسائلًا.
"يعني هاتكون غارت فين بس بت ال...... دي.. اتخطفت يعني ولا داستها عربية تانية غيرها؟"
زفر حانقًا وهو يتحرك ذاهبًا للانتظار معهم خارج غرفة العمليات ونية العزم بداخله في ازدياد. لقد سار في طريقه ومهما كانت العواقب والصعوبات سيتخطاها كما.. وسيصل إلى وجهته مهما كانت النتائج.
وبعد ساعات طويلة خارج غرفة العمليات.. حينما خرج إليهم عصام ومعه بعض الأطباء. تسارعت نحوهم الخطوات حتى علاء انتفض أخيرًا من جلسته يسأل بلهفة.
"إيه الأخبار يا عصام طمني؟"
ربت عصام على ذراعهِ يتكلم بإرهاق.
"خير يا علاء إن شاء الله.. خير."
"يعني حسين حالته إيه دلوقتي؟"
خرجت من عدة أفواه بأصواتٍ متعصبة وقلقة.
تنهد يشير إليهم بكفيه الاثنتين.
"يا جماعة اهدوا كدة وافهموني أبوس إيديكم.. عملية حسين كانت خطيرة.. وأنا مقدرش أفتي ولا أتكلم دلوقتي بحاجة غير بعد ما نطمن عليه بعد ٢٤ ساعة.. يعني دلوقتي أرجوكم بس تكثفوا الدعاء الفترة دي عشان بس ما تحصلش تطورات تعقد الموضوع معانا."
قال الأخيرة بصوت خفيض ومتوتر.. زادت من جزع الجميع. وتابع هو.
"هما دلوقتي هايخرجوه على غرفة العناية."
صدرت أصوات صرخات عالية. فاردف هو بعجالة.
"يا جماعة أرجوكم منكم أن تمسكوا نفسكم شوية وتحافظوا على ثباتكم عشان المرحلة دي حرجة وهتبقى صعبة الجميع معلش يعني.. عن إذنكم."
قالها وتحرك على الفور متهربًا من صعوبة الموقف.
سعد والذي كان شديد التركيز مع كل كلمة قالها عصام.. تكلم بخبث ليلهي عقله قليلاً.
"ودا ماله ده مش طايق يرد على حد فينا.. هو ما عندوش دم البعيد عشان يحس بحرقة قلبنا على حسين."
خرج الرد من خلفه بحمائية من طبيب شاب.
"مين حضرتك اللي معندوش دم؟ دا لولا الدكتور عصام ما لحق الحالة بسرعة.. لكان الله أعلم هايحصل إيه معاه.. ما أنت لو شوفت الدكتور جوا في أوضة العمليات وشوفت المجهود الجبار اللي عمله ما كنتش اتكلمت من الأساس."
جز على فكه بغيظ وهو يرى رد فعل الجميع وهما يتأسفون للطبيب الشاب المدافع بتعصب عن رئيسه.
بعد قليل.
وقف أربعتهم خلف الزجاج العازل لغرفة العناية المشددة.. بعد انسحاب أدهم المصري الذي لم يتحمل رؤية ابنه على هذه الحالة وتبعه شاكر القلق على صحة الرجل الكبير.
علاء و الذي طار ثباته في الهواء وتساقطت دمعته على رؤية شقيقه الغائب عن الوعي. رأسه ملفوفة بالأربطة الطبية والتي أحاطت العديد صدره وبعض أعضاء جسده الأخرى. معلق بيده الأنابيب الطبية والموصلة بالأجهزة الحيوية.
كانت فجر تربت على ذراعه كي تدعمه بوجه مغرق بالدموع وبنفس الوقت محتضنة شقيقتها التي على نشيج بكائها الحارق.
تكلم سعد وهو ينظر بطرف عينه نحوها.
"مش كدة يا جماعة.. إحنا لازم نمسك نفسنا شوية.. البكاء ما فيش منه فايدة.. كلنا قلوبنا محروقة بس لازم نتماسك.. هدي أختك يا أبلة فجر.. لا يجرالها حاجة.. دي لسه صغيرة على وجع القلب.. ولا إيه يا علاء."
مسح بكفه على جميع وجهه. يجفف دمعته وينشد القوة وهو يرد.
"عندك حق يا سعد إحنا فعلًا لازم نتماسك.. عشان أنا عارف أخويا قوي وعنيد.. وإن شاء الله مش ها يخذلني ولا يخذل حبيبته."
عض بداخل فمه على باطن وجنته من كلمات علاء المستفزة ولكنه مضطر التصنع.
"طبعًا يا حبيبي أمال إيه؟ ربنا يطمنكم عليه."
"مين فيكم اللي يخص المريض؟"
التفتت الرؤوس نحو الرجل الذي تقدم إليهم بالحلة الرسمية يكررها.
"مين فيكم يا خوانا قريب المريض؟"
تقدم نحوه علاء يرافقه سعد الذي يريد الإطلاع على كل شيء.
"أنا حضرتك علاء المصري أخو المريض حسين المصري."
رد رجل الأمن بعملية.
"طيب إحنا كنا عايزين نسألك شوية أسئلة."
قاطعه بلهفة.
"قبل أي سؤال ياسعادة الباشا.. أنا عايز أعرف منكم قدرتوا تقبضوا على اللي عمل كدة ولا لأ."
رد الرجل وهو يمُط شفتيه ويهز رأسه بالنفي.
"للأسف إحنا عرفنا من أقوال الشهود أن اللي قام بالحادثة دي.. كان سايق عربية نقلة خشب كبيرة.. جري بيها بسرعة.. ومن أرقامها الموصوفة عرفنا أن صاحب العربية بلغ النهاردة بسرقة عربيته."
"يعني اللي عمل كدة كان قاصد أخويا بقى مش موضوع حادثة عادية في الطريق."
خرجت منه هدرة حارقة بأعين جاحظة بصدمة.
"ابن ال...... وديني لأدور عليه وما هأرحمه."
ازدرد ريقه الذي جف بصعوبة من هيئة علاء الذي توحشت ملامح وجهه وهو لم يراعي حتى وجود رجل الأمن أمامه. والذي رد كالعادة بتحذير.
"بلاش كلامك ده يا أستاذ علاء لا يعرضك للمسؤولية القانونية.. إحنا أكيد هانوصل للفاعل وساعتها بقى القانون ها ياخد مجراه."
أومأ علاء برأسه رغم عدم اقتناعه. اردف رجل الأمن.
"طيب ممكن بقى تيجي معانا عشان نتأكد من صفة الشاب المتوفي في الحادثة."
ود سعد لو يسأله بفمه عن الملعونة أمينة ووجودها في السيارة وقت الحادث ولكنه لم يقدر. وتابع مسيره مع علاء نحو ثلاجة الموتى.
خرج من الحجرة الباردة يجر أقدامه للتحرك بصعوبة.. يكاد أن يشعر بذهاب أنفاسه عن صدره. من وقت أن رأى الفتى اليافع جثة هامدة وأكد هويته لرجل الأمن. رأسه تدور في السيناريو الأسوأ لو كان شقيقه مكان الفتى. ما أصعبه من إحساس وأخيه الآن بين الخالق. يدعو داخله بتوسل إلى الله ألا يحدث هذا وينجيه. دمعته المحتبسة تحرق مقلتيه وهو يدعي الثبات أمام البشر المترقبة المنتشرة في هذا المحيط.
ربت على ظهره سعد للمرة التي لا أذكر عددها. وهو يلقي بكلمات التهوين على أسماعه وهو يومئ له برأسه. مقدرًا شهامته وعدم تركه ولو لحظة في هذا الوقت العصيب!
أجفل فجأة على رسغ يده وهو يجذب بشدة من فتى صغير لا يتعدى عمره الثامنة عشر يخاطبه بوجهٍ مغرق بالدموع والكلمات خارجة منه بصعوبة ما بين شهقاته.
"وحياة النبي يا عم علاء خليهم يدخلوني عشان أشوف صاحبي.. ما هم دخلوكم انتوا أهو.. هي جات عليا يعني؟"
سأله بعدم استيعاب.
"انت مين يا حبيبي؟ ومين دا اللي عايز تدخلوا؟"
"أنا مازن ابن سيد صاحب مخبز العيش في الشارع اللي وراكم.. وصاحبي هو حودة.. حودة اللي كان مع عم حسين أخوك في الحادثة."
أومأ برأسه متفهمًا قبل أن يرد على الفتى بإشفاق.
"يابني بس أنت صغير أوي وهما مش بيدخلوا أي حد وخلاص."
"كلمهم يا عم علاء.. هما أكيد هايسمعوا كلامك."
رد عليه سعد ما بين أسنانه.
"ما قالك ياض أنت صغير وهما مش بيدخلوا حد يعني لازم تكون قريبه أو يخصك.. هي غلبة وخلاص."
تجاهله مازن عن قصد وهو يتناول كفه يود تقبيلها ولكن علاء رفعها على الفور مما أثار سخط الآخر. فقال بتوسل.
"وحياة الغالين عندك لا تخليهم يدخلوني.. أنا راجل وهأتحمل.. يعني مش هأعملهم مشاكل ولا أجيب عليهم مسؤولية.. ربنا ينجيلك عم حسين يارب."
بعد دقائق وبعد أن تمكن الفتى من إقناع علاء الذي تصرف مع عمال الحجرة اشفاقًا على الفتى وتقديرًا لرجولته رغم صغر سنه ووفائه النادر لصديقه. كان واقفًا أمام جثة صديقه بشجاعة نادرة ومع ذلك ينوح بصوت عالٍ وهو يقبل رأسه.
"صاحبي....... يا صاحبي......... هاتوحشني يا حبيبي........."
"والنعمة ما هانساك وهافضل فاكرك طول حياتي............"
أخذ فترة يشهق بغير توقف. قبل أن يكمل.
"اطمن يا حبيبي على خواتك البنات ووالدتك.... والنعمة ما هأخليهم يحتاجوا لحاجة ورقبتي هاتفضل دايمًا سدادة في أي حاجة يحتاجوها....... وعد عليا يا حبيبي لأكمل أي طريق مشيت فيه لوحدك أو مشيتوا أنا معاك...... وأنت عارف ومتأكد من صدق أي كلمة بتخرج من صاحبك.........."
"صاحبك يا حبيبي .. يا حبيبي يا غالي."
حينما أنهى أخيرًا الفتى لقاء صديقه خرج يسير بداخل أروقة المشفى يكفكف دموعه. وقد أفرغ من ضيق صدره شحنة كبيرة ببكائه. كان قد وصل إلى القسم الموجودة بهِ غرفة حسين. حينما تلقى اتصال والدته.
"الو ياما ...... ربنا يرحمه يارب أنا لسه مخرجتش من المستشفى............"
"ياما والنبي أنا ما فيا حيل للكلام دلوقتي .......... حاضر ياما مش هاتأخر ..........."
"لأ ياما أنا مضمنش أنا هارجع امتى عشان أنا دلوقتي عندي شغل.........."
"ما فيش حاجة انتهت ياما بموت حودة... أنا لسه شغلي ما وقفش!"
قال الأخيرة وأنظاره متجهة بتصميم نحو الجالسين بالردهة الواسعة في المشفى.
فتحت أجفانها لتُبصر هذا الضوء الأبيض القوي. تئن بألم من جميع جسدها. تتناثر الأصوات كثيرة حولها دون توقف. حركت رأسها بصعوبة نحو هذا التجمع الكثير لأُناس تغدي وتروح ولا تعلمهم. توقفت عيناها نحو المرأة الجالسة بالسرير الطبي بجوارها والتي انتبهت عليها هي الأخرى فقالت بحماس.
"إيه ده؟ أخيرًا صحيتي يا بنت الناس.. حمد الله على سلامتك يا أختي."
رفرفت برموشها قليلاً تستوعب أين هي. نزلت أنظارها نحو جسدها الممدد على التخت الطبي. تفاجأت بهذه الأربطة الطبية والملتفة حول ذراعها المستند فوقها. فقالت بصوت متعب.
"هو أنا من امتى هنا؟ وليه حاسة بجسمي كله واجعني؟ هو حصل إيه؟"
ردت المرأة وهي تقضم قطعة من الفاكهة التي بيدها وهي تتفحصها بتركيز.
"هو أنا مش شايفة حاجة تانية متربطة في جسمك غير دراعك.. والباقي بس يدوبك خدوش في وشك وأكيد هايكون في منها كتير في جسمك.. وتلاقي دا اللي تاعبك.. بس أنا سمعت من الممرضة أن عملية دراعك كانت صعبة وأخدت شرايح ومسامير كتير.. دي العضم كان متفتفت حسب ما سمعت.. هي دي واقعة ولا حادثة؟"
أغمضت عيناها وقد أعادت المرأة بكلماتها كل ما كانت قد تناسته في غيبوبتها المؤقتة.
وقت الحادث.
كانت في المقعد الخلفي ترتجف بداخلها من ما سوف يحدث معها على إثر هذه الاعترافات التي اعترفت بها بكل سهولة أمام هذان الشخصان والذي علمت أن أحدهم يكون شقيق علاء المصري. تبكي بصمت وهي منتظرة حدوث الأسوأ معها. ورغم تسليمها من داخلها أن هذه هي النتيجة الطبيعية لخطئها. ولكنها كانت ترتجف من رأسها حافي أخمص قدميها.
الفتى الشاب يتلاعب في الهاتف مع هذا المدعو حسين.
"دا إحنا كدة بالأعترافات دي يا حسين باشا هنوديه في داهية على طول من غير كلام."
رد حسين.
"أهم حاجة عندي دلوقتي يا حودة أن أكشفه قدام والدي وعلاء المغشوش فيه وفاكره صاحبه كمان!"
مصمص حودة بشفتيه.
"ونعمة ربنا أنا عارفه من الأول وس...... عشان ياما شوفته مع نساوين لامؤاخذة ...ويجي قدام الناس يعمل نفسه شريف وابن أصول كمان.. ياخد أوسكار في السفالة وقلة الأصل."
ضحك حودة وضحك معه حسين هو الآخر. وكانت الأخيرة في كل شيء. فقد وجدت نفسها أمينة تنقلب من مكانها مع انقلاب السيارة والذي تكرر لعدة مرات مع صراخها وصراخات الجالسين بالمقاعد الأمامية حتى شعرت بالنهاية. قبل أن يتوقف انقلاب السيارة أخيرًا وتشعر أمينة بأنها محتجزة في هذه المسافة وعدة الأمتار لا تحمل بجسدها وذراعها أسفل جسدها وهي ما عادت تشعر به وكأنه تخدر وقتها ولم تعي ما بهِ. حتى انتبهت على الأصوات الكثيرة لبشر لا تعلمهم. حتى شعرت بنفسها وهي تجذب بجسدها الهزيل من عدة أيادي. حتى أخرجوها من السيارة والأصوات تزداد في ترددها بكلمات الأسى على الشابين المغرقين في دمائهم بالجزء الأمامي من السيارة والذي نال النصيب الأكبر من التدمير. والقليل من يردد بكلمات أخرى على اسماعها بالقرب منها حتى استفاقت لتعي جيدًا وضعها.
فهتف الرجل العجوز ومعه عدة شباب حولها.
"الحمد لله أهي واحدة فاقت.. عقبال الباقي يارب."
ترددت كلمات اليأس من الشباب التي تحاول إخراج الشابين مع بعض الأدعية لنجاتهم حتى سمعت بأحدهم وهو يهتف بصوته.
"خلاص يا خوانا الأسعاف قريبة من هنا قربت توصل ومعاها البوليس إن شاء الله عشان يعاين."
بمجرد سماعها اسم الشرطة انتبهت بداخلها غريزة النجاة فقالت بتوسل للرجل العجوز.
"أبوس إيدك يا عم روحني.. لو البوليس وصل أنا هأتفضح."
قال شخص بالقرب من الرجل.
"تتفضحي ليه يا ست؟ هو أنت عاملة غلط؟ دي حادثة."
بيدها السليمة تمسكت بقماش قميص الرجل العجوز.
"والنبي روحني أبوس إيدك.. أنا ركبت معاهم بحسن نية لكن بقى لو الخبر اتنشر هايقولوا مرات فلان كانت مع جوز الرجالة اللي عملوا الحادثة.. دا غير إني هادخل في سين وجيم كمان.. ربنا يستر على ولاياك يارب."
اقتنع الرجل العجوز فخاطب الشباب المشغولة في محاولاتهم الحثيثة لإخراج الجسدين المكومين في الجزء المدمر بالسيارة.
"الست عندها حق ياشباب.. هي مش عايزة حد يجيب سيرتها.. أنا هاخدها وأوديها على أقرب مستشفى."
قال أحدهم بعدم اكتراث.
"خدها يا عم.. يعني هايبقى موت وخرب ديار."
فقال الآخر وهو يرفع هاتفًا محمولًا بيده.
"طب التليفون دا بتاعك يا ست ولا بتاع الشباب؟"
حدقت بالهاتف فتذكرت أنه يخص الفتى الصغير والذي كان يتلاعب به.. يبدو أنه سقط من يده للخلف وقت ارتطام السيارة. تذكرت تسجيلات اعترافها عليه. فاأومأت له برأسها موافقة بدون تفكير. وضعه الرجل على حجرها فقالت بتذكر لهاتفه الحقيقي والصغير والموجود بحافظتها.
"طب والنبي كمان هات البوك بتاعي دور عليه عندك هتلاقيه."
"رجعت لحاضرها تتساءل بجذع أمام المرأة.
"التليفون بتاعي؟ والبوك الكبير خدوه مني ولا راحوا على فين بس؟"
لاحقتها المرأة بالرد على عجالة.
"يا حبيبتي ماتقلقيش.. أنا شايفة الممرضة بنفسي وهي بتحطهم تحت المخدة في الناحية اليمين."
مدت يدها السليمة تبحث حتى أخرجت الاثنان. تنهدت بارتياح وهي تضع هاتف حودة وكأنه تضمه داخل أحضانها. أجفلت على قول الممرضة التي أتت إليها.
"حمد الله عالسلامة يا أمينة.. عاملة إيه دلوقتي؟"
أومأت برأسها صامتة دون رد.
فقالت الممرضة.
"طب يا حبيبتي.. انتي ماتعرفيش حد قريبك بقى يجيلك ويشوف حساب المستشفى؟ حكم الراجل اللي وصلك.. دفع جزء صغير من الحساب ومشي ومحدش شافه تاني."
سهمت بشرود ولم تنطق أيضًا فكررت الممرضة.
"يا ست أمينة عندك حد تتصلي بيه يجيلك؟ ماينفعش سكوتك ده."
توترت وهي تنظر لهاتف حودة بيدها قبل أن ترفع أنظارها نحو الممرضة الشابة تسألها.
"أنا تليفوني فاصل شحن ممكن تتصلي انتي من تليفونك."
أخرجت الممرضة هاتفها من جيب سترتها فسألتها بعملية.
"أهو ياستي مليني الرقم وقوليلي اسم صاحب الرقم!"
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل التاسع والعشرون 29 - بقلم امل نصر
بمن تتصل؟ بوالدتها التي تهتم بالفتيات اللاتي تسرحهن في أعمالها المنافية أكثر من اهتمامها بابنتها، ولو مر على غيابها بالأشهر! وما العجيب في ذلك؟ فالفتيات سيعُدن عليها بالمنفعة.. أما ابنتها المنبوذة عديمة الفهم كما تصنفها دائمًا، فما الفائدة التي ستعود من ورائها؟ لأول مرة تحسد الفتيات على اختصاصهن باهتمام والدتها دونًا عنها.
أم تتصل بسعد! منبع الفساد والسبب الأساسي في خطيئة حياتها، وهي تعلم تمام العلم أنه لن يمر اعترافها بسرهم الأكبر مر الكرام.. وهي أدرى الناس بغدره وسواد قلبه.. إذن بمن تتصل؟ وزوجها حبيس السجن، وأخواته الفتيات لن يعيرنها اهتمامًا ولو وجدنها حتى جثة مرمية أمامهن في الطريق، سيتخطينها ويعبرن الطريق دون ذرة من ضمير حي منهن نحوها..
لم تدري بشرودها سوى من صيحة الفتاة الممرضة عليها:
- يا ستي أمينة.. سرحتي في إيه بس؟ ماتمليني أي رقم تعرفيه وخلصيني بقى.
انتبهت فجأة تجيب الفتاة وقد هداها تفكيرها بمن تتصل بها:
- طب اتملي الرقم اللي هقولك دلوقتي!
***
في المسجد الصغير والمحلق بالمشفى الكبير.. كان جالسًا مربعًا أقدامه.. فمه لا يكف عن التمتمة بالأدعية والأذكار، والمسبحة العقيق بيده.. وكأنه انفصل عن العالم لصالح قضيته الأساسية.. وهي استجابة الخالق لدعواته بشفاء ابن قلبه حسين..
خاطبه شاكر والذي أتعبة ظهره من كثرة الجلوس:
- وبعدين يا أدهم... هانفضل هنا لحد أمتى؟ دي الدنيا ليلت علينا.
رفع إليه عينيه المضطربة يرد بكلمات بالكاد تُسمع:
- روح أنت يا شاكر.. أنا مش متزحزح من هنا غير لما ربنا يستجيب لدعائي وابني يفتح عينيه.
رد شاكر بغير تصديق:
- يا أبو علاء ماينفعش كلامك ده.. تعالى روح معايا ريح جثتك عشان تقدر تقف في الأيام الجاية.
قال بحسم رغم ألمه:
- مافيش أيام جاية يا شاكر ولا في راحة لجثتي طول ما ابني كده بين الحياة والموت.. مافيش حاجة هاتريحني غير وأنا بقربه وبدعيله مكاني ده..
رد شاكر بأسى:
- طيب لو فرضنا عمال المسجد سمحولك تبات هنا.. أنت نفسك هاتتحمل نومة الأرض.
- مش لو عرفت أغمض عيني من الأساس.. ده لو حصل يبقى زادت عليا نومة الأرض.
قالها بصوت مبحوح من ثقل ما يشعر به، وصورة ابنه في العناية المشددة التي لم يتحملها لا تفارقه.. انعقد لسان شاكر عن الرد ولم يقو على الجدال مرة أخرى معه.. فالمصاب أكبر من طاقة الجميع.
***
وبداخل المشفى كان علاء يتحدث مع سميرة في الهاتف ليطمئن على صحة والدته، وبجواره فجر وشروق التي غلبها التعب وغفت على كتف شقيقتها:
- يعني هي كويسة دلوقتي يا خالتي؟
وصله الصوت المضطرب:
- إن شاء الله تبقى كويسة يا ابني.. طمن قلبك أنت.
- طب اديهالي أكلمها.
- ماينفعش يا حبيبي الدكتور اداها حقنة مهدئة وهي نايمة دلوقتي.. إن شاء الله لما تصحى يارب نسمع خبر حلو عن حسين عشان تقدر تقوم وتيجي بنفسها.
- يااااارب يا خالتي يارب.
- طيب ممكن تديني فجر لو قاعدة جنبك يا حبيبي.
- آه ممكن طبعًا.. اتفضلي أهي معاك.
تناولت فجر منه الهاتف وردت عليها:
- أيوه يا ماما.. إيه الأخبار؟
ردت سميرة بصوتٍ خفيض حتى لا يصل سماعه إلى علاء:
- الحمد لله يا بنتي.. بس الست تعبت قوي معايا النهاردة بعد ما مشيتوا وهي تصرخ وعايزة تروح لابنها لحد أما وقعت من طولها.. ولولا الدكتور عطاها مهدئ.. ربنا العالم مش بعيد كان راحت فيها لاقدر الله.
هزت رأسها وهي تجاهد لعدم إظهار تأثرها وحزنها أمامه حتى لا تزيد من همه:
- طب انتي اتصرفتي ازاي دلوقتي؟
- والله يا بنتي ما عارفة أقولك إيه؟ عمتك الله يكرمها ساعدت معايا شوية في مراعية الست لكنها فجأة سابتني وخرجت قال في مشوار مهم لناس قرايبها رغم أنها ماخدتش بنتها الرغاية معاها!
- يعني هاتكون راحت فين يعني؟ هي تعرف حد في البلد غيرنا؟
خرجت منها بهمهمة قبل أن تجفلها والدتها سائلة:
- أنتوا مش ناوين ترجعوا بقى دي الساعة داخلة على حداشر؟
- مش عارفة يا ماما دلوقتي اصبري كده شوية.
بعد أن أنهت المكالمة وأعطته الهاتف.. خاطبها هو وقد فهم فحوى كلمات والدتها الأخيرة:
- على فكرة يا فجر خالتي عندها حق.. انتوا اتأخرتوا فعلًا ويدوبك بقى تروحوا ماينفعش قعدتكم هنا لحد دلوقتي.
لم تسمع أي حرف من كلماته فقد كانت مأخوذة بهذا الألم المرتسم على وجهه وهو يدعي الثبات أمامها وأمام الجميع.. دون أن تنطق ببنت شفة أجفلته فجأة تتناول كف يده الكبيرة تطبق عليها بكفيها الصغيرتين.. تومئ له بعينيها وصوتها الدافئ الحنون:
- خليك مطمئن إنه إن شاء الله هايبقى كويس وهايقوم من تاني على رجليه.
رغم دهشته من جرأتها وفعلتها غير المتوقعة.. غمره إحساس الراحة والسعادة المؤقتة رغم صعوبة الموقف. وكأنه بهذا التواصل البسيط بينها وبينه قد ضمن شفاء أخيه ونهوضه مرة أخرى على قدميه.. دون أن يدري أطبقت كفه الحرة على إحدى كفيها الملتفين حول كف يده الأخرى.. ليرفعهم إليه ويقبلهما الاثنتين.. في تعبيره عن امتنانه لها ولدعمها.. فخرج صوته بصعوبة:
- أنا مش عارف أشكرك إزاي يا فجر.. مجرد إحساسي بقربك جنبي في اللحظة دي.. خفف عليا كتير قوي وربنا.
اللمعت عيناها بدموع تحاول جاهدة منع سقوطها أمامه فتفقده صموده حتى الآن أمامها.
- احم احم.. مساء الخير.
ارتفعت عيناهما الاثنان نحو عصام الذي تهرب بعينيه عنهما في رسالة واضحة منهما.. أشعرتهم بالحرج وقد استفاقوا أخيرًا أنهم جالسين في ممر المشفى وعرضة للنظرات الفضولية من البشر حولهم.. سحبت فجر كفها فجأة بحرج لم يعترض علاء وقد انشغل فورًا بالسؤال:
- إيه الأخبار يا عصام؟ أخويا عامل دلوقتي؟
رد عصام:
- خير إن شاء الله.. بس إحنا لازم ننتظر مرور أربعة وعشرين ساعة على ما يفوق.
تدخلت فجر:
- طب هو إحنا لازم نصبر أربعة وعشرين ساعة ماينفعش يفوق قبل كده؟
رد بتمني:
- والله يا ريت.. بس دي فترة تقريبية عشان بصراحة لو ما فاقش بعد كده ممكن المدة تطول وماحدش فينا يعرف إمتى دا هايحصل بالظبط؟.. أنا بس بوضحلكوا الصورة.
تمتمت فجر بالدعاء أما علاء فقد شحب وجهه خوفًا أن يحدث هذا.. استيقظت شروق على أصواتهم ترفع رأسها على قول عصام:
- أنا مش عايز أزعجكم يا جماعة.. بس أنا شايف إنكم تروحوا ترتاحوا شوية.. قعدتكم هنا مافيش منها فايدة.
رد علاء بحمائية:
- أنا مش متزحزح من هنا غير لما أخويا يفوق.
- يا حبيبي قعدتك مافيش منها لازمة...
- بقولك مش منقول ياعصام.
- إيه مالكم؟ هو انتوا بتتخانقوا ولا إيه؟
قالها شاكر الذي أتى إليهم.. فكان الرد من عصام الذي تنهد بتعب وهو يضع كفيه في جيبي سترته الطبية:
- أنا بس بقولهم إن مافيش داعي لقعدتهم كده وتعبهم.. ويروحوا دلوقتي يرتاحوا شوية.. فيها غلط دي؟
- لا يا ابني مافيهاش غلط.. الدكتور بيتكلم صح.. قوم معايا يا علاء يا ابني مش كفاية والدك اللي مرضاش هو كمان يسيب مكانه في مسجد المستشفى.
قالها شاكر بحزم وكان الرد من علاء ببعض اللطف:
- معلش يا عم شاكر اتفضل أنت وروح البنات معاك.. عشان أنا مش هاقدر أروح الليلة دي خالص.
ردت شروق بانفعال:
- وأنا كمان مش هاروح وهافضل جنب حسين.
رد علاء:
- روحي أنت دلوقتي يا شروق وتعالي الصبح.. على الأقل أنت هناك هاتأخذي فرصتك كويس عشان تصلي وتدعيله من قلبك.. ده اللي محتاجه مننا دلوقتي.
اقتنعت بكلمات علاء ونهضت لتذهب مع أبيها.
شدد شاكر على ذراع علاء قائلاً:
- بإذن الله نيجي بكرة وتبلغنا أنت بالبشرى.. ربنا يعينك يارب ويقويك.
أومأ له علاء برأسه.. ألقى شاكر نظراته نحو ابنته الأخرى التي ودت لو تعترض على ترك حبيبها وحده الآن في محنته ولكن منعها الحياء.. فنهضت بصعوبة وعيناها لا تترك عيناه الملاحقة لها حتى ابتعدت.
عصام الذي كان مراقبًا بسعادة بداخله استقرار صاحبه وعثوره على الحب أخيرًا بعد!
استفاق يجلي من رأسه الجرح القديم فقال مخاطبًا صديقه القديم:
- أنا كمان مش هأسيب المستشفى الليلة دي يا علاء.. لو عاوزت أي حاجة مني أنا في مكتبي قريب من هنا.
***
يابت بطلي هبل واهدي شوية كده على ما نشوف إيه آخرتها.
تفوه بها وهو يسير في طرقات المشفى.. وصله صوتها المرتعش في الهاتف:
- يعني أصبر لحد إمتى بس؟ لما يفوق وبقى ويفضحني قدام أبوه؟ ده كان أدهم يدبحني.. ولا أنت مش عارفه؟
- عارفه أكتر منك يا أختي.. دي عشرة عمري كله مش سنة جواز زيك.
- طيب لما هو كده عايزني أستنى تاني ليه؟ ده أنا بموت في الدقيقة يجي مية مرة وأنا مستنية في أي وقت ألاقي أدهم دخل عليا يبلغني إن ابنه فاق وعرف الحقيقة منه.
زفر متأففًا قبل أن يرد:
- مش هايلحق يا نيرمين.. وخليكي متأكدة من كده.. عمليته دماغه دي صعبة يعني على ما يقدر يفوق عايز وقت وأنا بقى في الوقت ده هاعرف ألحق وأتصرف.
تكلمت بعد ذلك عدة كلمات لم تصل لذهنه فقد تشتت عقله برؤيتها في الناحية الأخرى تسير مع والدها وشقيقتها نحو الخروج من المشفى.. تنهد بثقل وهو يُمني نفسه بقرب الوصول إليها حينما يتخلص من غريمه.. أجفل على صرخة في أذنه:
- روحت فين يا سعد أنا بكلمك؟
أخرج من فمه سبة قبيحة لها قبل أن يرد عليها من بين أسنانه:
- وطي صوتك يا هبابة انتي.. ولا انتي عايزة تفضحنا؟ قال ما شافهمش وهما بيسرقوا شافوهم وهما بيتخانقوا.
- ما أنا بصراحة خوفت لما أنت مرديتش عليا.
- لا يا أختي ماتخافيش واطمني.. المهم بقى كنتي بتقولي إيه؟
- كنت بسألك.. معرفتش بقى الزفتة أمينة راحت فين؟
أخرج سبة أخرى:
- بت ال...... دي كأن الأرض انشقت وبلعتها.. وأنا هاتجنن عشان أعرف مكانها.
***
- ألف سلامة عليكي يا حبيبتي والنبي ده أنا مقدرتش أتحكم في أعصابي من ساعة ما سمعت من البت الممرضة باللي جرالك.
أومأت لها بابتسامة باهتة على وجهها الشاحب وهي مستلقية على التخت الطبي والجالسة على طرفه الأخرى:
- تشكري يا حبيبتي.. ربنا ما يحرمني منك.. ومعلش يعني إن كنت تقلت عليكي في حساب المستشفى.. ما أنا بصراحة مالقتش حد غيرك أبلغه بمصيبتي واللي جرالي.. ما انتي عارفة اللي بيني وبين والدتي بقى.
قالت الأخيرة بخزي أثار شفقة الأخرى والتي ردت:
- عارفة يا أمينة من غير ما توضحي.. أنا وانتي غلابة زي بعض والدنيا لطمتنا يا ما.. إلا قوليلي صح.. هي حادثتك دي كانت في إيه بالظبط؟ عربية صدمتك ولا حاجة تانية؟
أنكرت على الفور:
- لا طبعًا عربية إيه بس؟ ده أنا كنت دايخة وأنا بنزل سلالم المترو وفجأة يا أختي وقعت متخرشمة ما حسيتش بنفسي إلا هنا بعد ما ولاد الحلال جابوني ودفعوا جزء من حساب العملية.
- آه يا حبيبتي ألف سلامة عليكي يا رب.. ينعل أبو الفقر اللي بيبهدل فينا كده.. بس كمان الحوادث دي بتبقى قضاء وقدر من عند ربنا مالهاش دعوة بغني ولا فقير.. زي مثلاً ابن الحاج أدهم المصري.. حسين اللي كتب كتابه امبارح.. النهاردة يا أختي نسمع إنه عمل حادثة والعربية اتقلبت بيه مع واحد غلبان من حارتنا اسمه حودة مسكين يا عيني بيسعى على رزق أمه وإخواته البنات الصغيرين بعد ما اتوفى أبوه وساب واحدة فيهم كانت يا دوب حتة حمرا.. اهو مات هو كمان وسابهم.. ادي حال الدنيا بقى.
دون أن تشعر تساقطت دمعتها بأسى على الفتى الصغير الذي رأته بنفسها في أشد أوقات شدتها وكان مع الشاب الآخر مصدر تهديدٍ لها وذهب في غمضة عين.. انتبهت عليها الأخرى:
- أمينة.. هو انتي بتعيطي يا أختي؟ يقطعني يا حبيبتي عشان نكدت عليكي وانتي فيكي اللي فيكي.
مسحت بإبهامها على وجنتيها وسألت:
- طب والشاب التاني يا لبنى أخبارُه إيه بقى؟
- لا ما الثاني كمان حالته حالة.. خرج من أوضة العمليات يا دوبك من تلت أربع ساعات كده.. وبيقولك حالته خطيرة وهو دلوقتي بين إيدين ربنا بس اللي قادر ينجيه.
مصمصة بشفتيها وأصدرت بفمها أصوات استهجان وهي تتابع:
- لا وايه يا أختي مضروبة الدم نيرمين اللي هي مرات أبوه ولا باين عليها خالص.. طبعًا وهي هايهمها في إيه؟ كانت أمه يعني؟ دي تلاقيها فرحانة إن هاتنزاح نمرة من اللي هايشاركوها الورث في يغمى الراجل الكبير جوزها.
قطبت حاجبيها وهي تتمتم مع نفسها الأسم نيرمين وعقلها تصدر بداخله إشارات الارتياب والتحذير.
أجفلتها لبنى:
- انت سرحتي في إيه يا أمينة؟
ردت منتبهة:
- لا يا حبيبتي مش في حاجة مهمة يعني.. بس انتي ما قولتيش جبتي فلوس المستشفى منين؟ أوعي تكوني بلغتِ سعد أو حتى والدتك لا تقوله هي كمان؟
- لا يا حبيبتي ماتخافيش أنا عملت زي ما نبهتِ عليا بالظبط.. ما ردتش أبلغ مخلوق.. وإن كان على حساب المستشفى فانا اتصرفت من فلوس جمعية كنت قابضاها قريب.. والحمد لله إنها حكومي يعني الدفع فيها حاجة رمزي.
- تسلميلي يا غالية ربنا ما يحرمني منك.. أنا بس أقوم على رجلي وهاتصرفلك فيهم.. بس وغلاوة النبي عندك ما تبخلي حد بحادثتي حتى أمي نفسها.. مش مضمونة.
تمتمت الأخيرة من غير صوت وهي تعنيها تمامًا.
***
نظر نحوه وهو يتقدم بخطواته إليه قائلاً:
- رجعت تاني ليه يا ابني بس؟
رد عليه بابتسامة وهي يقترب ليجلس بجواره:
- أمّال يعني عايزني أسيبك لوحدك هنا؟ ده أنا حتى ما يجيليش نوم!
رد علاء بتأثر:
- يا حبيبي ما أنت واقف معايا اليوم كله؟ كان واجب بردوا تريح جثتك شوية وتيجي الصبح.
تغيرت ملامح سعد بحمائية مصطنعة:
- ليه بقى هو أنا غريب؟ ده حسين ده يبقى أخويا الصغير.. يعني مصابك مصابي ولا إيه رأيك يا عم علاء؟
أومأ برأسه إليه بامتنان قائلاً:
- طبعًا يا حبيبي أخوك أمّال إيه؟ ربنا يقومه بالسلامة يا رب عشان يشكرك بنفسه.
بابتسامة جانية متهكمة غفل عنها علاء:
- لا يا سيدي أنا مش عايز شكر أنا بس عايزه يقف على رجليه من تاني.
ربت علاء على فخذه والتفت للأمام وهو يتمتم بالدعاء:
- يااارب يااارب.
تمتم هو الآخر بصوته قبل أن يسأل علاء:
- في أخبار جديدة عن صحته أو حد طمنك بأي جديد.
حرك رأسه بالنفي وكلماته تخرج بصعوبة:
- عصام بيقول إنه في ظرف أربعة وعشرين ساعة لو ما فاقش يبقى لا قدر الله حصل الأسوأ ودخل في غيبوبة وساعتها يبقى الله أعلم هايقوم منها إمتى؟
رد متحاملًا على عصام:
- ماتكررش الكلام ده يا علاء.. أخوك إن شاء الله أكيد هايقوم منها.. هو افتكر نفسه دكتور صح ده كمان؟ دلوعة أمه اللي ورث مستشفى عالجاهز.
التفت إليه علاء محدقًا باندهاش مما أثار ارتباك الآخر:
- بس عصام دكتور بحق يا سعد.. ولا أنت نسيت كلام الدكاترة زمايله عن اللي عمله مع حسين؟
قال بتوتر متهربًا بوجهه عن عينيه الثاقبة نحوه:
- لا طبعًا ما نسيت.. بس أنت قولت بنفسك.. زمايله أو بمعنى أصح اللي شغالين عنده.. ومين يشهد للعروسة؟
حينما ظل علاء صمته تابع:
- أنا قولتلك سابق قبل كده.. لا يمكن هاسامح البني آدم ده على اللي عمله زمان ولو أنت صدقت براءته.. فانا لسه بتاع نسوان بدليل نظراته النهاردة ناحية البنات......
- بس ياسعد..
قالها بمقاطعة حادة أنهت الحديث بينهم.. ليُشيح علاء بوجهه عنه ويستمر على وجومه هذا لفترة استمرت لقرابة الساعتين والآخر جالس بجواره صامتًا.. يترقب لحظة غفوته.. والتي لم تأتي ولكنه نهض فجأة قائلاً:
- أنا تعبت من كتر القعدة وعايز أصلي ركعتين تهجد لربنا.
رد عليه بحماس مستغلًا الفرصة:
- طب انزل يا حبيبي على مسجد المستشفى وأنا هافضل مكاني مستنيك. ولو في أي جديد هابلغك.
أومأ إليه برأسه وقبل أن يتحرك شدد عليه:
- ارجوك يا سعد والنبي.. تبلغني على طول حتى لو الخبر تافه.
- طبعًا يا حبيبي من عنيا.
كاد قلبه أن يرقص فرحًا وهو يتابع ابتعاد علاء حتى اختفى.. تحرك بخطواته يمينًا ويسارًا يتتبع حركة البشر في هذه الساعة المتأخرة من الليل.. حتى اطمأن لهدوء المنطقة التي يريدها.. سار بحرص حتى دلف لغرفة العناية المشددة ينظر بتشفٍّ نحو المستلقي بداخلها على التخت الطبي وهو بين الحياة والموت.. تبسم بزاوية فمه وهو يخرج حقنة من داخل جيب بنطاله.. جهزها حتى امتلأت بالهواء واقترب يبحث عن وريدٍ بجسده متاح حتى يتمكن من إيقاف الدماء عن المخ والقلب وينهي مهمته أخيرًا بموته.. وجد أخيرًا ساعده الأيمن خالي ويصلح للبحث.. بمجرد أن دنا برأسه تفاجأ بضربة قوية بشيء ثقيل وقوي وقبل أن يتمكن من رفع رأسه بُوغت بأخرى أسقطته أرضًا وقد أظلمت الدنيا بعينيه ولم يشعر بعدها بشيء!
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل الثلاثون 30 - بقلم امل نصر
أقسم أن يكمل المشوار. أقسم ألا يكرر خطأه مرة أخرى بعد أن سهى قليلًا عن مراقبته وفوجئ بعدها بفاجعة الحادث الأليم، والذي راح ضحيته صديق عمره. بقي حسين وحده بين يدي الله في صراع البقاء. هو لا يعلم الحقيقة كاملة، ولكنه يعلم جيدًا حقيقة هذا الثعبان ذي الواجهة الناعمة من كلمات صديقه الراحل، وبما لمسه هو نفسه أثناء مراقبته طوال الأيام السابقة، قبل أن يغفل عنه لدقائق فقط عند محطة الوقود.
حينها ابتاع بعض الأشياء من محل البقالة الكبير الملحق بالمحطة، متكلًا على دلول السائق المرافق له في غرفة المراحيض العامة، ليخرج بعد ذلك ويفاجأ باختفاء السيارة الكبيرة واختفائه معها. ظل فقط السائق الذي كان يسب ويلعن بأفظع الشتائم. حتى تحدث في الهاتف وهدّأ بعدها وكأن شيئًا لم يكن. وقتها فقط شعر بالخطر.
هذا الخطر الذي رآه بعد ذلك بعينيه، وهذا الثعبان يتسحب بقدميه ناحية غرفة العناية في هذا الوقت المتأخر من الليل، ورأسه تدور يمينًا ويسارًا بدليلٍ واضح على سوء نيته. مما جعله يترك موقعه بوسط الدرج الرخامي، والذي جلس يستريح عليه أخيرًا بعد رحلة تهربه من عمال المشفى بين الطوابق.
سار بخفة خلفه ليتبع خطواته، ثم توسعت عيناه بجزع وهو يراه من خلف الحاجز الزجاجي وبيده الحقنة التي كان يملؤها بالهواء. توقف عقله عن التفكير بأي شيء سوى إيقاف هذا المجرم. ليجد نفسه يتناول سلة القمامة الوحيدة التي وقعت عليها عيناه وقتها. وعلى أطراف أصابعه سار بداخل الغرفة التي دلفها، وبعزم شديد رفعها في الهواء ليضرب بقاعدتها القاسية على مؤخرة رأسه، وتبعه بضربة أخرى أقوى من سابقتها. أسقطته مغشيًا عليه قبل أن يتمكن حتى من رؤيته.
بصق بفمه مخرجًا سبة وقحة قبل أن يقترب من حسين، فخاطبه بلهجة حازمة ولوم:
"ما تقوم بقى ياعم حسين وفوق عشان ترجع الفيران دي لحجورها من تاني. قوم بقى وكفاياك ياعم."
ثم دون أي كلمة أخرى أخرج سلة المهملات سريعًا ليضعها قرب الباب، ثم سحبه من أقدامه ليخرجه منها نهائيًا، وتركه بالردهة الصغيرة خلف الغرفة بعد أن تناول الحقنة ووضعها بجيب سترته. خطا سريعًا عائدًا لمكانه وسط الدرج في انتظار من يأتي.
لم يشعر بدخول الهواء داخل صدره سوى بعد ساعة تقريبًا من الزمن، بعد أن رأى الفتاة الممرضة وهي تتقدم نحو الغرفة، والتي خرجت بعدها بقليل مهرولة بجزع لتأتي ببعض العمال وأصدقائها الممرضات.
***
حينما عاد علاء من صلاته التي وصلها بصلاة الفجر، تعجب من مجموعة البشر الملتفة حول شيء معين. شعر بالخوف يجتاح قلبه وهو يسرع بخطواته حتى وصل إليهم. أبعد بيده اثنين من الأشخاص وهو يسأل بتوجس:
"فيه إيه؟ إيه اللي حصل؟"
تفاجأ بسعد، والذي ارتفعت إليه عيناه غريزيًا إليه وإحدى الممرضات تطبب له رأسه وتربطها بالشاش الطبي. سأل علاء بجزع وهو يحدق لهذا الجرح الواضح خلف رأس سعد:
"إيه عوّرك كده؟ حصلك إيه بالظبط ياسعد؟"
اعوج فمه وهو يطرق برأسه بإحباط بعد فشل مخططه، وتكلفت إحدى الممرضات بالإجابة:
"الأستاذ صاحبك لقيته مرمي جمب غرفة العناية المركزة بتاعة المريض اللي يخصكم."
توسعت عيناه بصدمة وهو يتساءل بعدم استيعاب:
"إزاي يعني؟ أنا مش فاهم حاجة.. وقعت على دماغك يعني؟ ما ترد ياسعد."
سبقه أحد العمال برد متحذلق:
"وقع دا إيه؟ دا شكله خد ضربة شديدة على نفوخه من ورا.. ولا انت مش واخد بالك يا أستاذ من مكان الإصابة فين؟"
حدق علاء بتفحص نحو ما أشار الرجل على رأس سعد في الخلف مكان الإصابة، وبأطراف أصابعه حركها قليلًا، فصرخ عليه سعد:
"آه ما بالراحة يا علاء أخي.. انت مش واخد بالك من التعويرة."
"معلش يا عم أسف.. بس أنا كنت بشوف حجم الإصابة."
هم ليرد عليه مرة أخرى ببعض الكلمات التي تُظهر حجم ضيقه، ولكن احتدت نظراته فجأة نحو هذا الذي أتى إليهم لاهثًا يسأل:
"ألف سلامة عليك ياسعد.. هو انت اللي حصلك دا حصل إزاي؟"
أظلم وجهه وهو ينظر إليه بأعين مشتعلة وإشارات الشك برأسه تدور نحوه. ثم من دون أن ينطق ببنت شفاة نهض يتجاهله وهو يخاطب علاء:
"أنا رايح الحمام."
ذهب على الفور أمام نظرات التعجب من الاثنين والصمت الذي قطعه عصام:
"انت معرفتش ماله؟"
هز علاء رأسه نافيًا:
"لا معرفش أنا واصل حالا لإني كنت بصلي الفجر في الجامع اللي تحت."
"وأنا بصراحة عيني غفلت على كنبة المكتب و..."
لم يكمل جملته وذلك لأنه تفاجأ بأحد الأشخاص من إداري المشفى يستأذنه:
"دكتور عصام لو سمحت ممكن كلمة."
استأذن ليذهب للرجل من علاء الذي عاد للجلوس على مقعده من الأمس في انتظار إفاقة شقيقه. ليضاف إليه أيضًا انتظار سعد ومعرفة ما الذي أصابه.
***
بداخل غرفة المراحيض الخاصة بالمشفى، وقف أمام المرأة الكبيرة المعلقة بالحائط يغسل بحرص من ماء الصنبور على جانبي وجهه آثار الدماء التي نزلت على رقبته ولوثت قميصه أيضًا. وحريق مشتعل بداخله مما حدث له منذ قليل وأجهض خطته وما كان ينتوي فعله. عقله يشير نحو هذا عصام، ولكن مع مساحة قليلة من التفكير. إن كان هو بالفعل، فما الذي منعه من كشفه أمام علاء، بل وفضحه أمام المشفى جميعها أيضًا وهو مديرها وله السلطة بالقبض عليه وتسليمه للشرطة؟ إذن، فمن هذا الذي فعلها؟ من الذي رآه واكتفى بضربه فوق رأسه؟
فجأة انتابه شعور الخطر الكبير وقد ذهب منه إحساس الأمان بداخله لغير رجعة. ولابد من التصرف!
***
حدق بالشاشة أمامه لدقائق بأعين متسعة قبل أن يتجه بأنظاره نحو هذا الفتى الصغير، والواقف بجوار رجال الأمن بثقة وعدم خوف من نتائج ما فعله.
"إيه ده إيه ده؟ إيه يابني ده؟ جبت الجبروت دا منين عشان تعمل دا كله لوحدك ولا انت معاك شريك؟"
أجابه بجرأة:
"أنا لوحدي ومعايش حد؟"
"كمان!!"
قالها باستهجان قبل أن يخاطب رجال الأمن وجميع الموجودين داخل الغرفة من موظفين بغرفة الكاميرات بالإضافة إلى رئيسهم:
"وانتوا بقى كنتوا نايمين ولا إيه ظروفكم بالظبط؟ عشان عيل زي ده يستغفلكم ويبات في المستشفى، لا وكمان يجيب لنا مصيبة؟"
دافع كبيرهم قائلًا:
"يا دكتور عصام الولد زي ما انت شوفت بنفسك.. كان بيتهرب من مكان لمكان وجسمه الصغير مساعده.. لكن اهو قدرنا بالكاميرات نجيبه ونعرف مكانه."
توعدهم بحزم وهو يطرق بقبضته على خشب المكتب المثقل:
"ماشي ماشي خلي تبريرك دا لبعدين انت والبقية في التحقيق إن شاء الله."
"وهما ذنبهم إيه عشان تجازيهم؟ أنا اللي غلطت تبقى تحاسبني أنا."
صاح به الفتى مما جعل عصام يفقد البقية من أعصابه:
"وانت كمان ليك عين يا ولد إنك تدافع وتتكلم بعد ما عملت مصيبتك لما كنت هاترتكب جريمة قتل بضربك لسعد بالطريقة الغبية دي وفي نص الليل كمان. ولا انت ماشوفتش شكلك في الكاميرا حالا وانت بتجره زي القتيل."
هتف حانقًا:
"أما كنت عايزيني أشوفوه وهو بيحاول يقتل عم حسين بحقنة الهوا وأتفرج زي الأهبل بقى وأقعد ساكت؟"
قطب حاجبيه يسأله بعدم تصديق:
"يقتل مين يا ولد؟ هو انت بتخرف ولا اتجننت؟"
"أنا ما بخرفش ولا اتجننت وادي الحقنة أهي وشوف بنفسك."
قال الأخيرة وهو يضع الحقنة بعنف على المكتب الصغير، بعد أن أخرجها من سترته. مما جعل عصام ينظر لها جاحظ العينين لعدة لحظات قبل أن يستدرك نفسه مخاطبًا وكيل المشفى:
"نعيم اقفل علينا باب الأوضة دي حالا دلوقتي وانت يابني عايزك تشرحلي كدة وبهدوء انت بتقول إيه بالظبط عشان أفهم."
***
في منزل شاكر، بداخل غرفتها وبعد أن أدت فرضها بصلاة الفجر، استقامت فجر وهي ترفع معها سجادة الصلاة. وفور أن استدارت، أجفلت لوجود سميحة ابنة عمتها واقفة بجوار الباب. خاطبتها وهي تخلع عنها رداء الصلاة (الإسدال):
"واقفة عندك ليه؟ ماتدخلي."
تحركت بتثاقل لداخل الغرفة لتجلس بجوارها على التخت وهي ترد عليها:
"أنا بس مستغرباكي يعني.. إمتى لحقتي تنامي؟ وامتى لحقتي تصحي؟"
ردت بابتسامة باهتة وهي تشد الغطاء عليها وتستند بظهرها على قائم السرير:
"يابنتي أنا ملحقتش أنام أساسًا عشان أصحى؟ دا احنا على ما وصلنا امبارح بالليل واطمنا على خالتك زهيرة كانت الساعة واحدة وعلى ما دخلنا البيت وصلينا أنا وشروق كانت الساعة مقربة على تلاتة. بعدها بقى حطيت راسي عشان أعرف أنام معرفتش أبدًا أو يمكن أكون غفلت نص ساعة وما حسيتش بيها. المهم إني قمت بدري زي ما انتي شايفة كدة وصليت الفجر. انتي بقى إيه اللي مصحيكي بدري؟"
لوت شفتيها وهزت كتفيها تقول:
"مش عارفة والنبي يابنت خالي.. ولا يمكن عشان نمت بدري امبارح لما لقيت البيت هس هس ومافيش حد غيري عشان أكلمه وابراهيم أخوكي قاعد على شاشة الكمبيوتر بتاعه في أوضته. قال وأنا اللي قولت إني هاخد السبوع هنا معاكم رغي طول الليل والنهار. قوم تيجي الحادثة المنيلة دي.. عشان تعرفي بس إني حظي الزفت مرافقني على طول. حتى هنا."
ردت عليها فجر برقة:
"ليه بتقولي كدة بس يابنتي؟ ادعي انتي ربنا يعديها على خير وبعدها نرغي ونحكي معاكي للصبح. بس انتي مقولتليش يعني.. هي والدتك مباتتش معاكي امبارح ليه؟"
"لا ياستي.. ماهي باتت مع عمتي سميرة عند الست، حماتك العيانة.. ربنا ياخد بإيدها يارب.. دي هي نفسها رجعت متأخر كمان يدوبك قبلكم بساعة."
قطبت بحيرة:
"قبلنا بساعة؟! ليه يعني واليوم كله امبارح قضته فين بقى؟"
تنهدت بيأس قائلة:
"مقلتش يافجر ولو سألتها هاتقولي أي كلام. أمي أساسًا اتغيرت من ساعة أختي ما اتوفت زيها زي أبويا. بس على الأقل هي بتتعامل كويس معانا غيرش بس لما تفتكر أختي وتدخل أوضتها وتقعد فيها بالساعات وماحدش فينا يقدر يقرب ولا يخبط عليها. أما أبويا بقى فدا في ملكوت تاني. دايمًا سرحان وضحكته مطفية. حتى في عز فرحته بيا."
"إخواتي الصبيان بيحبوا بعض عشان فاهمين بعض وأنا بحس إني غريبة وسطيهم. أصلها حلوة أوي لما تبقي أختك هي صاحبتك. ياما كان نفسي يبقالي أخت أكبر ولا أصغر مني أحكي وأتحاكى معاها زيك انتي وشروق كدة. على قد ما هي زي القطة النفرية لكن تتحب من أول قعدة."
ارتسم الحزن جليًا على ملامح وجهها اشفاقًا على ابنة عمتها الصغيرة التي حُرمت من شقيقتها الكبرى والتي كانت لها هي قديمًا خير صديقة. ربتت على ذراعها وقالت بحنان:
"أنا صاحبتك واختك وحبيبتك ياستي.. مبسوطة بقى؟"
تبسمت لها سميحة وهمت أن ترد ولكن استوقفها نداء شاكر من خارج الغرفة:
"يافجر انتي وسميحة أنا سامع صوتكم.. ومدام صاحيين يابنات اطلعوا يالا حضروا الفطار عشان ألحق مشوار المستشفى."
***
لماذا لم يفكر فيه سابقًا؟ لماذا غفل عنه كل هذه السنوات في خضم بحثه عن الحقيقة؟ متناسيًا بكل غباء الوجه الآخر لسعد الذي رآه هو فقط في عدة مواقف صغيرة أثناء دراستهم بالجامعة، والتي كان يستغل فيها بكل حنكة ومسكنة طيبة علاء وعاطفة الحماية نحوه. كيف تمكن عقله الغبي من نسيان نظراته المكشوفة نحو فاتن حبيبة صديقه؟ كيف صدقه حينما أنكر معرفته بأمينة الطرف الآخر في الجريمة وهو من أتى بها؟ كيف غفل عن المستفيد الوحيد للتفرقة بينه وبين علاء وبين علاء وحبيبته السابقة فاتن؟
"سرحت في إيه ياسعادة الدكتور؟"
استفاق من شروده ينظر بأعين شاردة نحو هذا الفتى الصغير الذي تمكن بشجاعته من كشف الستار أخيرًا عن اللغز الذي أرق مضجعه لسنوات طوال. مسح بأطراف أصابعه على ذقنه بتوتر وقال:
"بقولك إيه يا مازن.. مستعد انت بقى تشهد بالكلام ده قدام علاء أو الحاج أدهم المصري؟"
"وأشهد قدام المحكمة كمان لو حصل.. لهو أنا جبان عشان أضيع حق أصحابي؟"
أومأ برأسه له قبل أن ينتقل لوكيل المشفى المتبقي الوحيد معهم في الغرفة بعد أن أخرج جميع الموظفين:
"اسمعني يانعيم عايزك تراجع الكاميرات وتنبه على العمال ينتبهوا قوي على غرفة حسين في الأيام اللي جاية وتاخد بالك من مازن وتجيبلوا فطار وتشوفله مكان يريح فيه و..."
"أنا مش هفضل هنا أنا عايز أخرج عشان آخد بالي من عم حسين."
قالها مقاطعًا لعصام الذي هتف عليه حانقًا:
"بس بقى يابني وافهم إن المهمة دلوقتي بقت على المستشفى كلها."
فتح مازن فمه ليجادله مرة أخرى ولكن أوقفه طرق الباب وأحد الأطباء يهتف من الخارج:
"يادكتور عصام حالة المريض بتاع حادثة امبارح الأستاذ حسين فاق من البنج!"
***
في شقة علاء التي اقتحمتها شروق هاتفة بصوتها العالي:
"خالتي زهيرة يا خالتي.. انتي فين يا خالتي زهيرة؟"
خرجت سميرة مجفلة من المطبخ وبيدها كوب زجاجي ممتلئ بإحدى المشروبات الساخنة:
"مالك يابت بتزعقي كدة ليه؟"
ردت شروق بلهفة وهي تتجه نحو غرفة نوم المرأة وخلفها فجر أيضًا:
"حسين فاق يا ماما حسين فاق."
حينما فُتح الباب فجأة، وجدوا زهيرة واقفة بوسط الغرفة وهي مستندة بجسدها الضعيف على ذراعي عمتهم فوزية، متسمرة بوجه رخامي وكأن سماعها للخبر من خارج الغرفة أصابها بالتخشب. كررت شروق على مسامعها بهدوء:
"حسين فاق يا خالتي زهيرة وان شاء الله هايبقى كويس."
هطلت دمعتها بغير تصديق وهي تنقل عيناها نحو فجر تلمس الصدق منها. فرددت هي أيضًا بتأكيد:
"صدقيها يا خالتي زهيرة.. علاء اتصل بينا دلوقتي حالا وبشرنا وقال لنا نيجي كمان نبشرك عشان مستنيكي تيجي مع والدتي على هناك. هاتقدري تيجي تروحي تشوفيه يا خالتي؟"
لم تستطع النطق سوى أنها فتحت ذراعيها لتستقبلهما بعناقها ودموع الفرح انطلقت منها بشهقات ومنهن أيضًا داخل أحضانها. مسحت فوزية بإبهامها الدمعات التي سقطت متأثرة ببكائهن. أما سميرة القوية دائمًا فكانت تكرر بكلمات الحمد مترافقة أيضًا بسقوط دموع عزيزة قلما تخرج منها.
***
قبله فوق رأسه الجريحة وواحدة أخرى فوق جبينه استمرت للحظات قبل أن يقبل كفه أيضًا وصوته الأجش خارج بصعوبة من فرط مشاعره نحو ابن قلبه الذي نجا واستفاق أخيرًا:
"حمد الله على سلامتك ياحبيبي.. ألف ألف حمد الله على سلامتك."
أومأ له بعينيه ورد بصوت بالكاد خارج منه:
"الله يسلمك يا والدي."
ردد خلفه بصوت خرج بارتعاش:
"يا حبيبي.. وحشني صوتك قوي يانور عيني ربنا ما يحرمني منك يارب."
صدر صوت عصام من خلفه:
"كفاية بقى يا عم أدهم عشان مانتعبوش أكتر من كده."
رفع رأسه يرد عليه:
"يعني ما ينفعش أفضل دقيقتين كمان معاه؟"
جاء الرد من علاء، والذي كان واقفًا من البداية متكتفًا باستمتاع وهو يراقب أدهم المصري الرجل المهيب والمشهور بقوته، وهو الآن في أضعف حالاته بجوار شقيقه الذي استفاق أخيرًا بمعجزة:
"ما خلاص بقى يا والدي مش عايزين نبقى طماعين كفاية إننا اطمنا عليه."
تحرك أدهم مضطرًا يقبل كف ابنه مرة أخرى قبل أن يبتعد عنه:
"عندكم حق أنا مش عايز أبقى طماع وكفاية عليا إنه فاق للدنيا والباقي بعد كده يجي بالصبر. ألف حمد ليك يارب.. ألف حمد."
نظر علاء نحو أخيه قبل أن يخرج معهم، فهمس إليه باسم حودة. أومأ له بتوتر يرجو ألا يكشف كذبته:
"كويس يا خويا اطمن.. كويس إن شاء الله."
هم ليتهرب ولكنه همس باسمها هذه المرة فأشرق وجه علاء ليطمئنه بابتسامة أعادت الدماء إلى وجهه:
"اتصلت بيها يا عم وزمانها جاية في السكة مع فجر وابوها. دي فرحتها بسلامتك ماتتوصفش."
***
بعد أن خرج الثلاثة من غرفته تنهد علاء ارتياحًا ومعه والده الذي لم يكف لسانه عن الحمد. أجفلهم عصام قائلًا:
"طب يا جماعة أنا كنت عايزكم تيجوا معايا على مكتبي في موضوع مهم."
تكلم أدهم بقلق:
"أوعى يكون في حاجة خطر على حسين."
أسرع نافيًا:
"لا يا عم أدهم.. حسين ماشاء الله وضعه لحد الآن كويس أوي. بس أنا كنت عايزكم في حاجة تانية خالص."
"حاجة إيه يعني؟"
قالها علاء بعدم تركيز فقد انشغل برؤية حبيبته التي كانت خارجة من المصعد، فهرولت إليه بفرحة استقبلها معانقًا إياها حتى ارتفعت أقدامها عن الأرض. خرج صوتها بتلجلج وارتباك لعدم توقعها فعلته هذه أمام الجميع:
"ألف... ألف... حمد على سلامة حسين."
أنزلها مضطرًا باستحياء حينما رأى هذه النظرة الحازمة من أبيها، والذي ردد من تحت أسنانه:
"حمد على سلامة حسين يا عم علاء."
ضحك أدهم يشاكسه والتفت هو لحبيبته التي زحف اللون الأحمر على وجنتيها وهي مطرقة عيناها للأرض بخجل، فزجرته شروق كالعادة تدفعها:
"ودا وقته ده؟ أنا عايزة أشوف خطيبي."
عض على أسفل شفته غيظًا وهو يكور قبضته نحوها مما أثار ضحكة عالية لأدهم، فخاطبها مابين ضحكاته:
"قدمي لقدام شوية يا بنتي مع والدك وفجر واسبقونا. واحنا دقيقتين كدة وراجعين لكم."
تحرك شاكر ومعه ابنتيه نحو غرفة حسين. وتحرك الثلاثة في رواق المشفى في اتجاه غرفة مكتب عصام، الذي لم يكن منتبهًا لكل أجواء البهجة والمرح من حوله. وسألهم:
"أما سعد راح فين يا علاء؟ أصل يعني مش شايفه."
هز بكتفيه يرد بعدم معرفة:
"معرفش.. فجأة اختفى في وسط المعمعة اللي حصلت لما الدكتور بشرنا بفوقان حسين."
تمتم عصام بداخله عليه بسبة وقحة وهو يتوعده:
"ماشي ياسعد ال..... حسابك جاي جاي.. هاتروح فين يعني؟"