تحميل رواية «عينيكي وطني وعنواني» PDF
بقلم امل نصر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
دلفت لداخل غرفتها بخطواتٍ مثقلة وموجة من الغضب تحتاجها بعنف. من وقت أن سمعت من أبيها اسم الجار الجديد لشقتهم، وعقلها يرفض بشدة استيعاب هذه المفاجأة الغريبة. كلما دار بمخيلتها أن هذا البغيض أصبح جارها والباب أمام الباب، اقشعر بدنها وتحفزت كل خلايا جسدها بشراسة نحوه. وصلت إلى شرفة الغرفة، فوقفت تنظر للأسفل على هذه السيارة الكبيرة والمخصصة لنقل الأثاث. في أعلى السيارة من الخلف كان واقفاً، يساعد العمال أو من تبرع من أهل المنطقة في حمل قطع الأثاث لنقلها في تجهيز الشقة. مشمراً أكمام قميصه الأسود وكاشف...
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل الحادي عشر 11 - بقلم امل نصر
لم يهتز أو يرتد للخلف مجفلًا بعد سماعه الإسم، أو حتى تأثر وجهه الجامد كما توقعت خيالها الطفولي.
بل كل ما حدث هو أنه فغر فاهه قليلًا، مضيقًا عينيه وهو ينظر إليها بتفكير.
ثم ما لبث أن قال بهدوء:
- فاتن بنت بدر عوض الصعيدي؟
- ياااه! ولحقت تفتكرها بالسرعة دي؟ دا انت كتر خيرك حقيقي.
- بغض النظر عن سخريتك دي، بس دا شئ عادي وواضح أوي كمان من نظرة واحدة لأختك شروق. أنا شكيت في قربكم ليها، ولما سألت كويس عنكم عرفت أنها بنت عمتك.
تسارعت أنفاسها واتسعت عيناها وهي تهز برأسها بعدم استيعاب، حتى صرخت بوجهه:
- كنت عارف إني بنت عمتها وجاي تتقدملي كدة بمنتهى السهولة؟ يابجاحتك ياأخي، ياجبروتك ياأخي.
نظر إليها بقوة قائلًا بحزم:
- بجاحتي وجبروتي في إيه بقى عايز أفهم؟ واحدة كنت بحبها وعايز اتجوزها، ومحصلش نصيب ما بينا وكل واحد فينا راح لحاله. إيه بقى إللي يمنعني إني اتجوزك انتي حتى لو كنت اختها مش قريبتها؟
ألمها هذا البرود في كلماته، فضحكت بسخرية مريرة وقالت:
- فعلًا إيه صحيح إللي يمنع إن تكسر قلب واحدة وتدمرها؟ وبعدها تعيش حياتك عادي وتتجوز بنت خالها كمان؟ بنت خالها اللي شوهت في نظرها كل نظريات الحب والقصص الخيالية في العشق بعد ما شافت بعينها أعز واحدة عندها وهي بتترجاك في المحل بتاع والدك وانت بتذلها وتطردها بكل افترا، بعد ما انتهت صلاحيتها عندك وبقت حمل تقيل عليك.
قاطعها فجأة متسائلًا:
- استني عندك.. هو انتي اللي كنت واقفة برة المحل بيونيفورم المدرسة في يوميها؟
أردفت بحزن:
- كنت ساعتها في تالتة اعدادي وأنا عايشة في العالم الوردي بتاع فارس الأحلام والقصص الرومانسية اللي كانت بتحكيها فاتن عنك واكنك فارسها المغوار، قبل ما تغدر بيها وترميها زي الكلبة في الشارع بعد ما خدت غرضك منها وسيبتها تواجه مصيرها لوحدها.
تغضن وجهه بالغضب وهو يسألها بتوجس:
- انتي بتقولي إيه؟ وغرض إيه إللي بتتكلمي عنه؟ هو انتي فهمتي إيه بالظبط؟ أنا كنت بطردها عشان خيانتها ليا بعد ما اكتشفتها بنفسي.
بعدم سيطرة، دفعته بقبضة يديها تهتف:
- انتي كمان هاتشوه صورتها في عيني بعد ما دمرتها وسيبتها بالجنين اللي في بطنها.. انت إيه يا أخي؟ ما عندكش ذرة ضمير ولا إحساس.
أطبق بكفيه على قبضتيها التي كانت تضرب بها على صدره، يمنعها من الوصول إليه وهو يهتف جازًا على أسنانه، يحاول السيطرة على تشنجها أمامه:
- اسمعي مني الأول وافهمي اللي هاقولوا كويس.. دي أول مرة اسمع فيها إن فاتن كانت حامل. أنا كل اللي أعرفه إنها سافرت مع أهلها ورجعوا على بلدهم في الصعيد، بعد أنا ما قطعت علاقتي بيها نهائي.. يعني ماتحملنيش ذنب أنا معملتوش.
هتفت بقهر ودماعتها تسح على وجنتها وهي مازالت قبضتيها في يده:
- هي ما كانتش تعرف غيرك ولا حبت حد غيرك، عشان يستغلها حد تاني زي انت ما عملت كدة بالظبط.. ودلوقتي جاي تنكر قدامي بكل بجاحة عشان كداب وجبان.
هزها بقوة قائلًا باستنكار:
- أنا مش كداب ولا خاين، عشان اتهرب من مسؤليتي لو غلطت مع واحدة.. لكن كمان مش غبي عشان أسامح في الخيانة. فاتن بنت عمتك خانتني وأنا شوفتها بنفسي مع أعز أصحابي وعلى سريره.. يبقى هو اللي غدر بيها وسابها مش أنا.
هدأت حركتها فجأة، ولكن ظلت رأسها تهتز بالرفض وهي تردد بإصرار:
- أنا لا يمكن أصدق حرف واحد من اللي انت بتقولوا.. عشان أنا أكتر واحدة كنت شاهدة على حبها ليك.. اللي كان بيصل لحد الجنون.. إنت اللي خونت واتخليت عنها لما سبتها تواجه أهلها وتتحمل الذنب لوحدها.
أفلتها فجأة يشير بأصابع يده على جانبي رأسه قائلًا بانفعال:
- انت إيه يابنتي؟ مُصرة على اللي في دماغك وبس.. من غير ما تسمعي ولا تفكري حتى. لما أنا غررت بيها وغلطت معاها.. سكتت هي ليه بقى وما بهدلتش الدنيا ولا بلغت والدي حتى؟ ممكن بقى تجاوبيني؟
- عشان أكيد كانت خايفة منك ومن والدك وعلى سمعة أهلها في المنطقة.
ضرب بكفهِ على ظهر الأخرى وهو يسألها بنفاذ صبر:
- طب سيبك مني ومن أهلي.. خلينا في أهلها هي بقى.. واجهتهم ليه لوحدها وما قلتلهمش عني؟ مدام أنا اتخليت بجبني زي ما بتقولي.. يبقى على الأقل والدها الصعيدي الحر.. مش هايسكت عن حق بنته ولا هايسيب اللي غلط معاها بقى.
قالت بتعب:
- أهو والدها الصعيدي الحر ده.. خد بنته وعيلته كلها وسافر على الصعيد وسابلك الدنيا بحالها.
رفع كفيه أمامها في الهواء كإشارة:
- تمام أوي كلامك كده.. أنا مستعد يابنت الناس.. أروح لها في قلب بيتها وقدام أبوها كمان.. أسألها وأواجهها وإن طلع الحق معاها يبقى أستاهل أنا اللي يحصلي بقى من والدها وعيلتها هناك.
- تروح لها فين؟
سألته بابتسامة باهتة وتابعت بمرارة:
- بعد السنين دي كلها عايز تواجههم؟ ماهو خلاص بقى ما عدتش ينفع.. عشان صاحبة القضية نفسها ماتت بالجنين اللي في بطنها وسرها اندفن معاها كمان.
جحظت عيناه وشحب وجهه بشكل مخيف.. وكان هذا هو نهاية الحديث العاصف بينهم قبل أن تذهب من أمامه وتتركه ينظر في أثرها متسمرًا مكانه على سطح المبنى.
***
كانت عائدة من درس الرياضيات الذي أخذته مع المجموعة بعد انتهاء اليوم الدراسي في مدرستها، والتي كانت تبتعد عن مسكنها بالميدان بمسافة كبيرة.
ولكنها لم ترد العودة فورًا لمنزلهم وفضلت الذهاب لبيت عمتها ورؤية ابنتها التي غابت منذ فترة طويلة عن زيارتها في منزلهم.
فبرغم فرق السنوات والذي تعدت الأربعة، كانت فجر تعتبر فاتن صديقتها المقربة.
والسبب الرئيسي لنشأة هذه الصداقة كان الإلحاح من جانب فجر نحو فاتن الجميلة والرقيقة.
والتي لطالما اعتبرتها فجر نموذجًا يحتذى به، فكانت تسعى دائمًا لتقليدها.
وهي كانت رقيقة ودائمًا متعاونة ومحبة لفجر، فكانت دائمًا ما تدعوها بشقيقتها الصغيرة.
فور أن ترجلت من المواصلة العامة، رأتها أمامها وهي تعدو بخطواتٍ سريعة نحو الخروج من حارتهم.
ركضت خلفها تهتف باسمها مستغلة خفة وزنها لتلحق بها:
- يافاتن يافاتن.. استنى هنا شوية أنا جيالك.
استدارت مجفلة على النداء، فتوقفت عن السير بجوار إحدى المباني حتى أتت إليها لاهثة:
- أخيرًا وقفتي.. دا أنا قولت مش هاتسمعيني خالص النهاردة ولا هاتوقفي.
قالت بفتور:
- أهلًا يافجر.. انتي إيه اللي جابك دلوقتي؟
ارتسم الحرج على وجهها مع بعض الدهشة فقالت:
- في إيه يافاتن؟ هي دي مقابلة تقابليني بيها برضوا؟ وأنا اللي جيتلك جري بهدوم المدرسة عشان وحشتيني.. بعد ما لقيتك غيبتي وما عدتيش تسألي عني ولا حتى تزوري بيتنا.. بيت خالك زي الأول.
أطرقت بوجهها وهي تتهرب منها بعينيها قائلة بتوتر:
- معلش يافجر.. بس أنا اليومين دول.. مشغولة في أوي في المعهد والدروس.. عشان الامتحانات قربت.
كانت هذه أول مرة لفجر تلمح التغير الواضح الذي طرأ على ابنة عمتها الجميلة.
وجهها المستدير الناعم والنضر كان باهتًا على غير العادة.
عيناها ذابلتان وحمراوان وكأنها انتهت توها من نوبة بكاء عنيفة.
سألتها بقلق:
- فاتن هو انتي تعبانة ولا حد مزعلك؟
هزت رأسها وقالت نافية:
- لا طبعًا.. انتي ليه بتقولي كدة بس؟ هو أنا باين عليا إني تعبانة؟
- باين جدًا يافاتن.. هو إيه اللي حاصل بالظبط معاكي؟ عمي بدر هو اللي مزعلك ولا عمتي فوزية؟
- لا عمك ولا عمتك هما اللي زعلوني.. أنا اللي تعبانة لوحدي.. روحي انتي سلمي عليهم.. على مارجع أنا من مشواري.. دقايق مش هاعوق.
قالت الأخيرة وهي تهم للذهاب، ولكن فجر أوقفتها وهي تجذبها من ذراعها:
- استنى هنا يافاتن.. انتي هاتمشي وتسيبيني لوحدي مع عمتي فوق؟
حاولت جذب ذراعها وقالت بسأم:
- يابنتي اطلعي.. هو انتي عمتك هاتكلك.. أنا مشواري قريب هناك.. فرختين كعب يعني مش هاتأخر.
قالت بلهفة وهي تشدد على ذراعها:
- طب خلاص خديني معاكي.
نهرتها غاضبة وهي تخلص منها ذراعها بقوة:
- يووه عليكي يافجر.. دا انتي بقيتي مزعجة أوي وهاتفرجي علينا الشارع كله.. سيبني ياحبيبتي الله لا يسيئك.. ثواني مش هاتأخر ماشي.. ثواني.
توقفت فجر عن الإلحاح وتركتها تذهب وهي واقفة بمكانها محرجة من نظرات المارة التي ارتكزت عليها.
ولكن حب الفضول غلبها، فسارت خلفها بخطوات بطيئة تتبعها، حتى وجدتها توقفت أمام محلٌ كبير للأدوات الصحية بشارع آخر خلف حارتها، ودلفت بداخله.
أكملت سيرها حتى توقفت أمام واجهة المحل الزجاجية تنظر بداخله بالزي المدرسي، حقيبتها خلف ظهرها ودفتر ورق بيدها.
رأتها تتحدث بضعف خلف رجل شاب يعطيها ظهره، واقفًا بعنجهية خلف مكتبه ينظر نحو صورة معلقة على الحائط بجمود واضعًا يديه بداخل جيب بنطاله، يستمع لها فقط ولا يتحدث.
حتى إذا انتهت استدار إليها بحدة، فتفوه ببعض الكلمات التي لم تسمعها فجر، ولكن رأت وقعهم على وجه فاتن التي تدفقت دماعاتها أمامه بغزارة تترجاه.
فما كان منه إلا أنه أشار إليها بذراعه نحو باب المحل لتخرج، وهي تترجاه بتذلل وهو قلبه القاسي، لم يرق ولم يرضى سوى بطردها.
حتى خرجت من عنده مكسورة الخاطر، مطأطأة الرأس وهو يتبع خروجها.
فالتقت عيناهُ بعيناها فجر من خلف الواجهة الزجاجية للمحل الذي وقف بوسطه بتجبر.
ولم يشعر بالأسف نحو طرده لفاتن ولو لحظة.
عرفته فجر وقتها حينما رأته عن قرب، فتذكرته فورًا من صوره الموجودة مع فاتن.
إنه هو نفسه من دعته بالحبيب عدة مرات حينما كان مثار أحاديثهم طوال الشهور الفائتة، قبل أن تنأى فاتن بنفسها وتعزل نفسها بعيدًا عنها.
هو نفسه المدعو علاء ادهم المصري!
- فجر.. هو انتي إيه اللي تاعبك بالظبط ومنعك تروحي شغلك النهاردة؟
أفاقت من شرودها على صوت شقيقتها شروق وهي تدلف لداخل الغرفة، فاعتدلت بجسدها جالسة على الفراش، تستعيد توازنها بعد هذا اللقاء العاصف وموجة الذكريات التي لاحقتها مرة أخرى، بعد أن ظنت نسيت ماضي وما حدث به قديمًا.
- يابنتي ما تردي عليا.. انتي ساكتة ليه؟
أجلجت حلقها لكي ترد على شقيقتها:
- أيوة اا.. انتي كنتي بتقولي إيه؟
- كنت بقول إيه؟! يانهار أبيض لدرجادي؟ دي على كده الست الوالدة كانت صادقة بخوفها عليكي.
- أمي أنا خايفة عليا! هي قالتلك إيه بالظبط؟
اقتربت تجلس أمامها على الفراش وهي تنظر إليها بتأنٍ وكأنها تتفحصها جيدًا قبل أن تجيبها:
- قالتلي ياستي.. إنك دخلتي عليهم فجأة النهاردة الصبح وهما بيفطروا، وشك مخطوف واكنك كنتي معيطة. ولما سألوكي مالك ولا كنتي فين.. قولتي إنك كنتي على السطح بتشمي هوا.. وعينك بس طرفها التراب. وبعدها دخلتي جري على أوضتك ولما سألوكي مش رايحة شغلك.. قولتي لأ مش رايحة عشان مصدعة من ليلة امبارح ومش حمل مناهتة مع الطالبات في المدرسة!
- طب ماهو ده اللي حصل؟
- ده كلامك ياحبيبتي.. بس ماما مش مصدقاكي وقلقانة عليكي.
- قلقانة ليه بقى؟
اقتربت إليها أكثر تسألها:
- بقى انتي مش عارفة قلقانة ولا مش حاسة بنفسك.. ده انتي وشك دبلان ولا اكنك معيطة بقالك شهر.
نهضت عن التخت قائلة بتهرب:
- ياشروق انتي كمان.. يعني هايكون إيه اللي يخليني معيطة؟ ده بس شوية صداع جامدين هما اللي خلوني أدمع بالعافية.. بس الحمد لله.. أنا كويسة دلوقتي بعد البرشامة اللي أخدتها.
نهضت هي الأخرى تخاطبها بمهادنة:
- براحتك يافجر لو مش عايزة تتكلمي.. بس أنا حاسة يعني والله أعلم.. إنك ندمانة.
قطبت تسألها بدهشة:
- ندمانة على إيه بالظبط؟
قالت بتردد:
- يعني أنا بقول إنك لو ندمانة عشان رفضتي علاء.. إحنا لسة فيها وأنا ممكن أكلم حسين يصفي الأمور ما بينكم.
شهقت مستنكرة:
- ندمانة على مين ياختي؟ بقولك إيه يابت.. ما تروحي تتسلي مع عريسك ده ولا خطيبك.. وحلي عني أنا بلا وجع دماغ.. قال ندمانة قال.
مالت شفتيها المزمومة بزاوية فقالت:
- أتسلى معاه.. والنبي عمي علاء ده عسل وانتي اللي الخسرانة يافجر.
- طب غوري بقى من أوضتي مش ناقصاكي غوري.
- براحتك.
قالتها وتحركت بخطواتها لتخرج، وقبل أن تصل لباب الغرفة هتفت عليها فجر:
- وانتي ماروحتيش على جامعتك ليه والساعة دلوقتي داخلة على عشرة الصبح.
قالت مبتسمة بدلال:
- ياحبيبتي أنا عروسة وخطوبتي كانت امبارح.. يعني على الأقل أغيب النهاردة عشان خطيبي اللي جايلي بعد شوية يفسحني يلاقيني.
قالت حانقة:
- اممم.. طب اخرجي بقى بدلعك المِرق ده واقفلي الباب وراكي.
مصمصت بشفتيها تردد بمشاكسة قبل أن تخرج وتغلق الباب خوفًا منها:
- ياسِم!
بعد أن خرجت شروق وتفادت ضربة من وسادتها، وجدت نفسها تتناول حقيبة يدها المركونة على الكمود، تفتش فيها حتى ظهر أمامها هذا الكارت الصغير والمدون عليه الرقم الغريب والتي لم تظن بحياتها أبدًا أنها ستستخدمه!
***
( بصيلي ياعلاء واسمعني.. أنا مظلومة وربنا بس اللي شاهد على برائتي.. ياعلاء أنا في حياتي ماشوفت راجل غيرك.. يبقى ازاي هاخونك بس.. بص في وشي ياعلاء.. يا علاء إسمعيني أبوس إيدك)
زفر بعمق وهو يفرك بكفه على صفحة وجهه، وكلماتها تتردد داخل رأسه الآن دون توقف.. كيف لذكرى تناساها منذ عدة سنوات أن تطل الآن بقوة؟
أغمض عينيه وهو يعتدل بجلسته على كرسيه خلف مكتبه داخل المحل.
أخذ يطرق بقلمه على سطح المكتب ذو الخشب بحيرة.
فمنذ الصباح وهو يشعر بنيران تشتعل بصدره.. هذه الأخبار الجديدة عليه تجعله كأسدٍ حبيس بداخل قفصه.
النيران مشتعلة حوله من كل جانب وهو لا يعرف مصدرها ولا المتسبب فيها.
لقد نشأ الكره في قلبها نحوه منذ سنوات طويلة وهو كالأعمى.. لم يرى الإشارات.
وهو الذي ظن انتهائه من قصة فاتن من زمن طويل!
نهض فجأة من مكتبه حينما لمح طيفها وهي خارجة من البناية، تلتفت حولها وتتفادى السيارات حتى اعتلت الرصيف لتكمل سيرها نحو إحدى سيارات الأجرة.
- ولا ياحسونة.
التفت العامل الذي كان منشغلًا مع إحدى الزبائن نحو معلمه ليجيبه:
- نعم يامعلم علاء.
تناول هاتفه وسلسلة مفاتيحه وهو يأمره:
- خلي بالك من المحل.. أنا خارج مشوار وراجع.
"كلامي معاها لسه ما انتهاش" تمتم الأخيرة مع نفسه وهو يخرج سريعًا، ليعتلي سيارته ويلحق سيارتها.
***
توقف بسيارته على مسافة ليست بقريبة من مدرستها، وهو يراقب خروجها من السيارة الأجرة.
ترجل من سيارته ليلحقها قبل أن تدلف لداخل المدرسة محل عملها.
رغم تعجبه من التوقيت، ولكنه مصر على توقيفها للتحدث.
ولكنه قطب مندهشًا حينما رآها تتخطى المدرسة وتتجه نحو مقهى قريب منها.
لاحقها بخطواته حتى دلفت للداخل، فخطا خلفها ولكنه تسمر مكانه مبهوتًا، مشتعل العينين، حينما رأى من ينتظرها بالداخل.
وبداخل المقهى الصغير تقدمت بخطواتٍ مترددة، فلمحته أمامها على طاولة قريبة يحتسي قهوته، بملابسه الباهظة كان يبدو غريبًا عن رواد المقهى من الشباب والفتيات.
وقف يستقبلها حينما بصرها وهي تقترب منه.
- أنسة فجر.. أنا سعيد أوي إنك قلبتي دعوتي.
صافحته بخجل وهي تومئ برأسها قبل أن تجلس في المقعد المقابل لها، فقالت:
- بصراحة أنا اتصلت بيك عشان أنا كمان عايزة أعرف؟
قال بابتسامة:
- تعرفي إيه؟ أنا اللي أعرفه إن أنا اللي كنت غايب عن البلد مش انتي.
همت لترد ولكنها لم تتمكن حينما تفاجأت بهذا الذي دلف كالإعصار هادرًا وهو يجذب عصام من تلابيب قميصه يوقفه بالقوة:
- انتي تاني ياحيوان.. هو أنا مش هاخلص منك بقى؟
ختم جملته بضربة قوية من قبضته على فك الآخر.
صرخت على إثرها فجر:
- انت إيه اللي جابك من ورايا يابني أدم انت؟
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل الثاني عشر 12 - بقلم امل نصر
هجم علاء بقبضته على وجه عصام.
تدارك الأخير نفسه سريعًا قبل أن يسقط أرضًا، فوقف يقاومه وهو يصيح عليه بالهمجي والمتسرع أمام صرخاتها واستهجان رواد المقهى وفضولهم.
ليزداد الآخر شراسًا بهجومه والسباب ببعض الألفاظ النابية.
لم يتحملها عصام، فرد على هجومه وتحولت لمشاجرة بالأيدي بين طرفين نديين بأجسادهم الضخمة.
وهي واضعة يدها على فمها بحرج.
حاول عمال المقهى فض المشاجرة، فتقدمت تشارك بتردد معهم بصوتها علّ أحد هؤلاء الثيران يسمعها ويعي خطورة الموقف ووضعها معهم، ولكن لا حياة لمن تنادي.
حتى ازداد حنقها منهم وهي تصرخ عليهم.
فحدث ما لم يكن بالحسبان حينما أتتها ضربة بقبضة أحدهم على رأسها أسقطتها أرضًا فاقدة للوعي.
دون أن تدري من أين أتت؟ منهم أم من أحد عمال المقهى.
سمعت بعض الأصوات وهي تصرخ عليها باسمها جزعًا قبل أن تشوش الرؤية أمامها حتى أصبحت ظلمة قاتمة غرقت بها ولم تشعر بشيء بعدها.
"قسمًا بالله لو حصلها حاجة ما هاعتقك."
"ليه ياحبيبي؟ هي الضربة كانت من إيدي أنا ولا إيدك انت؟"
"وكان مين السبب بقى مش انت؟"
"هه.. صحيح فعلًا.. اللي فيه عيب ما يروحش منه ولو بطلوع الروح."
"وبعدين بقى معاك يا جدع انت؟ أنا ماسك نفسي عنك بالعافية."
"هه... وإن ما سكتش هاتعمل إيه بقى؟"
"دكتور عصام.. المريضة ابتدت تفوق."
قالها الطبيب المتخصص بمقاطعة ليفصل الجدال المحتدم بينهم.
يتفحصها جيدًا وهي تستعيد وعيها رويدًا رويدًا.
رمشت بعينيها عدة لحظات حتى تمكنت من الرؤية جيدًا.
أول ما رأته كان سقف الحجرة الأبيض، وهي تحاول التذكر أين هي؟ وما الذي أتى بها هنا؟
فتفاجأت بزوج من الرؤوس تطل عليها من الأعلى.
"ها.. إيه الأخبار يا آنسة فجر؟"
"عاملة إيه يا أبلة فجر؟"
اندفعت الدماء بعروقها فورًا من رؤيتهم فتغضن وجهها غضبًا منهم.
حينما مرت أمامها المشاهد سريعًا التي سبقت سقوطها.
"انتوا تاني؟ ... ااه."
تفوهت بها وهي تحاول النهوض بجذعها.
فتفاجأت بيدٍ تمنعها وصوت صادر بالقرب منها يقول:
"حاسبي يا آنسة.. الحركة العنيفة ممكن تضرك."
مالت برأسها ناحيته فوجدته شابًا صغير بملابسه البيضاء ونظارة طبية تغطي على عيناه العميقة.
فدارت عيناها على باقي الحجرة لتعي بفطنتها أين هي؟
رفعت رأسها إليهم قائلة بجزع:
"أنا إيه اللي جابني هنا؟ هو أنا حصلي إيه بالظبط؟"
"حصل خير يا حصل خير."
قالها الطبيب الشاب وهو يساعدها على الجلوس على تختها الطبي.
فدنى إليها عصام برأسه قائلًا برقة:
"أنا آسف جدًا يا آنسة فجر على اللي حصلك.. بس اديكي شوفتي بنفسك اللي دخل علينا زي القطر."
دفعه علاء ليلتصق بالحائط قائلًا بتهديد:
"احترم نفسك وماتخلنيش أتعصب عليك في قلب المستشفى بتاعتك وقدام الدكتور اللي شغال تحت إيدك."
تمتم الطبيب بحنق وهو ينظر إليه:
"شغال تحت إيده؟!"
هز عصام برأسه مستنكرًا وهو يخاطب الطبيب:
"معلش ياعمرو.. امسحها فيا أنا.. أصله ما بيعرفش يتعامل مع بني آدمين خارج محل الأدوات الصحية بتاعه."
زمجر بغضب:
"بقولك احترم نفسك.. أنا ما عنديش خلق لاستفزازك ده."
"تاني برضوا.. طب أنا عايز أشوف هاتعمل إيه؟"
"ااه.. دا انت فرحان بقى إنك في منطقتك وعايز تعمل عليا نمرة لما اتهجم عليك."
"أنا مش محتاج أعمل نمرة وأقدر أخلص لوحدي."
"ياراجل."
جحظت عيناها وهي تحدق على هذا الزوج من المعاتيه وهم يتشجران أمامها وكأنهم أطفال صغار رغم ضخامة أجسامهم.
تمتمت بذهول:
"يانهار أسود.. هو أنا إيه اللي ورطني مع جوز المتخلفين دول؟"
همس بجوارها الطبيب المبتسم بصوتٍ خفيض:
"هو انتي شوفتي إيه بس؟ دول من ساعة ما دخلوا المستشفى بيكي وهما على حالة الجنان دي واكنهم جوز ديوك بلدي.. بصراحة دي أول مرة نشوف فيها الدكتور عصام تربية الخواجات بالهيئة دي."
"طيب هو أنا حصلي إيه؟"
قالتها وهي تتحسس بيدها على جبهتها المتألمة.
نظرت بجزع نحو الطبيب وهي تشعر بملمس الرباط والشاش الطبي.
سارع هو لطمأنتها:
"ما تقلقيش يا آنسة دول كام غرزة صغيرين نتيجة البطحة.. وإن كان على ألم الصداع فدا بس مع حمل الوقعة."
"يانهار أسود.. هو أنا كمان اتبطحت وراسي اتخيطت؟"
عاد الاثنان على صوتها المفزوع.
فقال علاء بوجه عاتب وجامد:
"معلش بقى يا أبلة فجر.. أنا وربنا ما كنت أقصد ولا كنت واخد بالي منك حتى.. بس الحق عليكي بقى من الأول."
أشارت بسبابتها نحو نفسها قائلة بذهول:
"الحق عليا أنا؟ طب ليه؟"
هم ليرد ولكن أوقفه صوت عصام الحاد وهو يهتف على الطبيب:
"روح انت اعمل مرور على بقية الحالات في المستشفى ياعمرو."
بعد خروج الطبيب التفتت إليه سائلة بتحفز:
"كنت بتقول إن الحق عليا أنا يا أستاذ علاء.. ممكن أفهم بقى ليه الحق عليا؟"
"أنا فاهم ليه؟ هو يقصد عشان قعدتك معايا؟ على طاولة واحدة مع بعض في كافيه."
زمّت شفتيها وهي تحدق بعينيها عليه، تستشف صدق المعلومة.
فتأكدت من عيناه المتهربة ووجهه العبوس.
فقال بخشونة وهو ينظر ناحيتها وناحية عصام:
"تعرفي الراجل ده منين عشان تقعدي معاه؟"
"وانت مالك؟"
صدرت منها بدون تفكير حفزت شياطينه نحوها، فود لو يطبق بكفيه على رقبتها كي يعاقبها على غبائها معه.
جاء رد عصام الحاسم:
"آنسة فجر قعدت معايا بناءً على رغبة مني وطلب مُلح عليها عشان أسألها على حاجة قديمة.... تخصني."
خرجت الأخيرة بتردد.
فتح علاء فمه بضحكة متهكمة خالية من المرح، فقال:
"عارفها أنا الحاجة القديمة واللي تخصك دي.. بس ياترى بقى هي عارفة؟"
"مش عايزة أعرف حاجة.. أنا عايزة أمشي."
قالتها بتعب وهي تعصر عينيها بألم.
دنى إليها عصام يتفحصها بقلق:
"إيه مالك يا آنسة فجر؟ هو انتي الصداع شد عليكي؟"
هتف عليه علاء بقوة وهو ينزع كفه على رأسها:
"شيل إيدك عنها يا جدع انت؟ هو انت افتكرت نفسك دكتور بجد ولا إيه؟"
تمتم بذهول:
"في إيه يابني؟ هو انت مجنون؟"
صاحت عليهم وهي على وشك الانهيار:
"الله يخرب بيوتكم انتوا الجوز.. عايزة أمشي عايزة أمشي."
فتحت باب الشقة الخالية من ساكنها بنسخة المفتاح الموجودة معها منذ فترة طويلة.
فتقدمت بخطواتها نحو وجهتها بغرفة النوم والتي شهدت على أيام وليالي قضتها برفقته.
أيام الحوجة.. كما تطلق عليها هي.
ضغطت على مقبس الإضاءة فانارت الغرفة بلون أصفر من المصباح الذي توسط سقف الغرفة.
نظرت جليًا نحو الأثاث الرديء والمكون من خزانة خشبية للملابس بهت لونها البني ومراة بتسريحتها قريبة من باب الغرفة.
وفي الأرض سجاد بالية ومتهلهلة.
وتخت خشبي متوسط الحجم.
فرشت عليه ملاءة زهرية اللون.
فرشتها هي بيدها في إحدى المرات قبل أن تتزوج!
تمتمت بازدراء:
"المعفن.. مش قادر يغير الملاية.. وفي الآخر يشوف نفسه عليا.. على إيه مش فاهمة؟ يالابقى.. خليني في اللي جيت عشانه."
جلست القرفصاء بجوار السرير تبحث في أدراج الكمود بهمّة وفضول كاد أن يقتلها طوال الليلة الفائتة.
حتى أشرق النهار فتحججت من زوجها للخروج بزيارة لإحدى صديقاتها حتى تستكشف بنفسها وتبحث.
شهقت بانتصار وهي تجد ما كانت تبحث عنه!
"هي دي الصورة.. إيه دا؟ دي قديمة."
تفحصت بالصورة جيدًا وملامح الفتاة الجميلة بها وهي تتأكد من تاريخ صدورها.
اعتدلت لتجلس على التخت والحيرة ازدادت معها.
نظرتها للفتاة أمس جعلتها تعتقد أنها هي صاحبة الصورة، التي لطالما رأتها بيده يتأملها.
ولكنها الآن تأكدت بعد أن دققت النظر واكتشفت الفرق الواضح بين الفتاتين، رغم الشبه الكبير.
ضغطت بأسنانها على شفتها السفلى تتساءل بفضول:
"ياترى مين دي اللي في الصورة؟ ومحتفظ بصورتها ليه؟"
"وانتي مالك."
شهقت منتفضة وهي تلتفت على مصدر الصوت عند باب الغرفة.
لتجده في أقل من الثانية أصبح أمامها وكفه مطبقة على ذقنها ووجنتها بغل:
"طلعي الصورة اللي خبيتيها ورا ضهرك بدل ما أخلص عليكي حالًا."
صرخت بألم وهي تناوله الصورة:
"الصورة أهي ياسعد.. فك سناني هاينكسر في إيدك.. حرام عليك."
تناول الصورة ودفعها بقوة لترتطم رأسها بالفراش، وهو يتابع:
"والمرة الجاية هتبقى بطلوع روحك إن شاء الله.. عشان تحرمي تدخلي تفتشي في حاجتي تاني."
وضع الصورة بجيب سترته وهي كانت تدلك بأصابع يدها على وجنتيها التي اتعصرت بيده وفكها الذي كانت تأن عظامه ألمًا.
هجم فجأة يمسكها من تلابيب عباءتها:
"إيه اللي خلاكي تيجي تفتشي مخصوص هنا عالصورة؟"
هزت برأسها تنفي مرتعبة من هيئته المخيفة:
"ما فيش سبب ياسعد.. أنا كنت معدية بالصدفة هنا في الشارع.. قولت أطلع أطل عالشقة.. والصورة دي طلعت معايا بالصدفة وأنا بدور على قلم الكحل اللي نسيته هنا في الدرج."
قال باستخفاف:
"هه.. نسيتي قلم الكحل في الدرج.. ولقيتيه بقى ياحلوة؟"
أومأت برأسها:
"أيوه طبعًا وحطيته في الشنطة على طول.. تحب أطلعه من الشنطة تشوفه؟"
تبسم بزاوية فمه المغلق وهو يترك عباءتها ويربت على وجنتها قائلًا:
"لا مش عايز أشوفه يانيرمين.. أنا واثق فيكي.. انتي بتقولي إن وحشتك صح وجيتي تطلي عليها."
أسرعت قائلة:
"آه والنعمة صح زي ما بقولك كده."
"طب قومي ياختي.. حضري لنا لقمة من الأكياس اللي برة دي.. خلينا نقضي مع بعض وقت حلو."
"نعم!"
"نعم الله عليكي ياحبيبتي.. قومي يابت والبسيلي حاجة عدلة كدة.. بدل العباية السودة دي.. قومي يابت."
نهضت مزعنة لأمره وهي تحدث نفسها بلوم:
"انتي اللي جبتيه لنفسك يانيرمين.. كان مالك انتي بالصورة ولا صاحبتها؟!"
بطرف عيناه كان ينظر نحوها وهو يقود السيارة التي تجري بهم في طرقات المدينة وهي جالسة بجواره بوجهٍ عابس بالمقعد الأمامي.
عيناها محدقة أمامها على الطريق صامتة بغضب.
عدة مشاعر مختلطة كان يشعر بها نحوها.
لقد كاد أن يفقد عقله حينما رآها ممدة على الأرض فاقدة للوعي، جبهتها مصابة وتذرف دمًا.
خوفه عليها أنساه الغضب منها لجلوسها مع ألد أعدائه.
الخوف الذي جعله يتنازل ويقبل بذهابها لمشفاه، فكان الأهم عنده هو صحتها واستعادة وعيها.
حينما فتحت عيناها الجميلة شعر بتوقف دقات قلبه من فرط الفرح بعودتها إليه.
فرحة تبددت فور أن عاد للواقع وتذكر جلستها في المقهى مع هذا الماجن!
"عرفتيه ازاي؟"
أجفلت من شرودها سائلة:
"نعم!! انت بتكلمني؟"
"أيوه بكلمك واسألك.. الزفت ده عرفيته منين؟"
زفرت حانقة فقالت بسأم:
"انت هاتسأل وتتعبني من تاني.. ما أنا قولتك إني تعبانة ومش حمل كلام."
"ماشي يا ست البرنسيسة.. هي إجابة السؤال ده بس وبعدها مش هاسألك تاني."
تنهدت بيأس قبل أن تجيبه:
"أولًا دا كان مدير المستشفى بتاعة إبراهيم وتعرفنا عليه هناك لما سأل عنك.. وعشان تريح نفسك.. أنا اللي اتصلت بيه النهاردة عشان أسأله."
"تسأليه عن إيه؟"
صمتت ولم تجب فاردف هو:
"فهمت على فكرة من غير ما تقولي.. بس اللي ما تعرفهوش انتي بقى.. إن الزفت ده هو السبب في كل المصايب اللي...."
"كفاية أبوس إيدك."
قالتها بمقاطعة وهي تضع كفيها على جانبي رأسها بتعب، وتابعت:
"أنا تعبانة دلوقتي ومش حمل أي كلمة ولا معلومة حتى.. ممكن تسيبني أريح بقى على ما توصلني البيت."
أومأ برأسه موافقًا:
"ممكن.. بس انتي هاتقولي لأهلك إيه على البطحة دي؟"
أشاحت وجهها تردف:
"هقول إني اتزحلقت في الشارع ووقعت على دماغي."
"وقعتي على دماغك! يادي المصيبة السودة.. أنا كنت عارفة إن ليلة امبارح مش هاتعدي على خير ولازم هايجي بعدها نكد."
صاحت بها سميرة بجزع وهي تتفحص رأس ابنتها المصابة.
خرج على أثرها شاكر من غرفته مجفلًا:
"في إيه ياسميرة؟ ونكد إيه اللي بتقولي عليه؟"
هتفت بجزع وهي تضرب على صدرها:
"تعالى يا أبو إبراهيم.. شوف بنتك اللي خرجت زي الوردة المفتحة ورجعالنا دلوقتي مربطة رأسها بالشاش والقطن وما قدرتش تتكلم."
اقترب شاكر من ابنته الجالسة على مقعد السفرة مطرقة رأسها بألم يتفحص جرحها:
"مالك ياعيون أبوكي.. إيه اللي حصلك؟"
هزت رأسها صامتة وقد اشتدت آلام رأسها.
فهتفت زوجته:
"أهي مقدرتش تتكلم ياشاكر.. أنا كنت عارفة إن العين هاتصيب حد من عيالي أنا كنت عارفة."
هتف عليها بصرامة:
"خلاص ياسميرة بطلي بقى كلامك ده.. المهم يابنتي في حاجة تاني في جسمك اتأذت."
بصوت خفيض قالت:
"الحمد لله يابابا.. ما فيش حاجة تاني غير بطحة الدماغ دي."
"تمام يابنتي.. بس انتي ليه ما بلغتناش نلحقك في المستشفى ولا العيادة اللي روحتيها؟ بدال ما توقفي بطولك هناك وانتي تعبانة؟"
"ها."
فتحت فاهها مجفلة لا تدري بما تجيب.
لتفاجأ بطرق خفيف على باب الشقة وصوته يهتف:
"عم شاكر.. يا ست أم إبراهيم."
أجاب الرجل وامرأته ببشاشة:
"اتفضل يابني واقف ليه عندك؟ هو انت غريب؟"
حدقت به وهو يدلف لداخل الشقة فجحظت عيناها بصدمة وهي ترى ما يمسكه بيده وهو يتكلم بدماثة وزوق:
"مساء الخير يا جماعة.. أنا جيت بس أسلم الآنسة فجر شنطتها اللي نسيتها معايا في العربية."
"هي كانت راكبة معاك في العربية؟"
صدرت من سميرة بصوت يشبه الصراخ من دهشته.
أغمضت فجر عينيها يائسة، لتكتمل معها مآسي هذا اليوم الطويل والغريب.
تنحنح هو قبل يجيبها:
"اصل أنا كنت معدي بعربيتي في الشارع اللي وقعت فيه الآنسة فجر ساعة ما وقعت."
قاطعه شاكر سائلًا:
"هو انت اللي وصلتها المستشفى؟"
ألقى نحوها نظرة بمغزى قبل أن يومئ برأسه موافقًا.
فهللت سميرة ببشاشة وهي تنقل نظراتها بينه وبين ابنتها:
"اسم النبي حارسك يابني وصاينك.. راجل وشهم.. مايفوتكش واجب وعلى كده بقى انت اللي وصلتها هنا بعربيتك."
كادت أن تبكي منهارة أمامهم، ولكنها تماسكت بصعوبة.
قال هو مبتسمًا ببرائة:
"طبعًا يا خالتي سميرة.. دي أصول وواجب عليا."
ألقت نظرة قاتلة نحو ابنتها وهي تربت على صدره.
"والنبي ياحبيبي.. انت ما فيش منك ولا زيك في الدنيا كلها."
تمتمت فجر بداخلها:
"فاضل بس تدعي عليا قدامه وتقولي هو خسارة فيكي وبكرة ياخد ست ستك.. عشان يكمل مسلسل الذل."
أكمل شاكر على قول زوجته:
"انتي بتقولي فيها يا أم إبراهيم.. أنا عن نفسي ما شفتش في حياتي كلها حد بشهامته ولا جدعنته."
"عم علاء."
التفت الجميع على صوت إبراهيم وهو خارج من غرفته بالعكاز وكما توقعت تمامًا هرول نحوه يحمله بحب.
"حبيبي انت يا أبو خليل.. تاعب نفسك ليه بس وخارج.. مش تنده عليا عشان أجلك بنفسي."
ضربت بيدها على الجزء السليم من جبهتها.
تهمس:
"يارب بقى.. عدّي أم اليوم ده على خير.. أنا خلصت."
"انت صحيح وصلت فجر للمستشفى النهاردة ياعلاء؟"
رفع رأسه عن الهاتف يجيب والدته:
"أيوه فعلًا.. وانتي عرفتي منين بقى يا أم علاء؟"
جلست بجواره على الأريكة قائلة بمرح:
"عرفت من أمها ياحبيبي.. دي فضلت تتشكر فيك يجي ساعة.. وتهنيني أنا بقى علي تربيتي الصالحة في ولادي.. إن كان انت ولا حسين كمان."
قال بابتسامة:
"حسين كمان! وانت قولتي إيه يا ست الكل؟"
"يعني هاقول إيه بس يابني في موقف زي ده؟ مدام صادفت البنت ساعة ما وقعت في الشارع وساعدتها فدا واجب عليك.. المهم بقى.. هي قبلت تركب معاك العربية ازاي بعد اللي حصل منها امبارح؟"
قال بارتباك:
"يعني يا ست الكل... هي كانت مصابة وقبلت المساعدة.. هو أقولها أنا قبلتي مساعدتي ليه بعد رفضك ليا امبارح.. وبصراحة يعني.. فجر مش صعبة قوي لدرجة دي."
"- قصدك إيه؟"
"- ها."
"- إيه اللي ها؟ بقولك تقصد إيه؟"
قال مغيرًا دفة الحديث:
"يا ست الكل.. انتي هاتفضلي تقرري فيا كدة وتسيبني جعان.. فين الأكل اللي قولتي إنك بتحضريه من يجي ساعة؟"
"يا حبيب قلبي انت لدرجة دي جعان؟ ثواني الأكل هايبقى جاهز."
تبسم بيأس من طيبة والدته وحنانها قبل أن يلتفت لهاتفه فضغط بإبهامه على اسمها!
أتته صوتها بنعاس:
"الو.. مين معايا على التليفون؟"
قال بمرح:
"إيه يا ست البنات.. هو انت لحقتي تنامي؟"
صمتت قليلًا قبل أن تجيب بعد لحظات بصدمة:
"انت عرفت نمرتي منين يابني آدم انت؟ وإيه اللي يخليك تتصل بيا أساسًا؟"
"انتِ كمان عرفتي صوتي.. لا دا أنا كدة أفرح بقى؟"
أتته صوتها المتذمر:
"بقولك إيه يا جدع انت.. اقفل السكة انت.. بدل ما أقفلها أنا في وشك."
صدر صوته الحازم:
"إياكي تقفلي يا فجر أنا بحذرك اهو."
صمتت فوصله صوت أنفاسها الحادة.
فتابع:
"واسمعيني بقى وافهمي.. مدام قررتي تسألي في القديم عشان تعرفي.. فانا أنا كمان قررت أشاركك عشان أفهم."
"تفهم إيه؟ انت عايز إيه بالظبط."
"عايز أفهمك إن مقابلتك المرة الجاية مع اللي اسمه.. عصام.. ما هتبقيش فيها معاه لوحدك.. عشان هبقى أنا طرف فيها!"
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل الثالث عشر 13 - بقلم امل نصر
النبي زي ما بقولك كدة… أنا عن نفسي اتفاجأت زيك بعد ما عرفت من ماما.
قالتها شروق وهي تتأمل نفسها أمام المرآة بإعجاب.
أتاها صوته المندهش:
– يابنتي إيه الجنان ده؟ يعني الصبح تقوليلي إن أختك فجر رفضت أخويا علاء قدام والدتي والاتنين خرجوا من عندكم غضبانين بالليل، ودلوقتي جاية تقولي إن علاء هو اللي وصل أختك المستشفى والبيت كمان. طب أصدقها إزاي دي بقى؟
ضحكت بمرح وهي تردف بدعابة:
– شكلهم كدة بيحبوا بعض الجماعة دول، وبنفس الوقت بيستعبطوا قدامنا.
قال بتمني:
– ياريت ياشروق، والله أنا أتمنى من كل قلبي. ده أخويا علاء ده طيب قوي وتعب وشقي مع والدي كتير.
– ياسلام ياحبيبي، ما أنا كمان أختي زينة البنات وتستاهل كل خير.
وصلها صوته الضاحك:
– يعني الاتنين ولاد حلال ويستاهلوا كل خير. ادعي ربنا بقى يجمع قلوبهم على بعض.
– يارب يارب.
– تعرفي ياشروق.. إن أخويا علاء كان ليه قصة حب كبيرة مع واحدة زمان.
استدارت بجسدها عن المرآة تسأله باهتمام:
– لا دي أول مرة أعرف.. ودي كانت قريبتكم ولا زميلته في الجامعة؟
– لا كانت قريبتنا ولا زميلته في الجامعة. دي كانت بنت جيرانا في الشارع اللي ورانا، بس بقى في الجزء الفقير. أصلهم كانوا ناس على قد حالهم، ووالدي أياميها ماعجبهوش الوضع ورفض البنت يطلبها لعلاء. وحصل مشاكل وقتها وخناق مابينهم لأنه كان متمسك بيها لآخر نفس. لكنه فجأة بقى صرف نظر وانتهت حكايتهم لما البنت سافرت هي وأهلها على الصعيد وعزلوا نهائي من المنطقة.
قالت بتأثر:
– يا عيني.. بزعل أنا من قصص الحب اللي بتنتهي كده من غير جواز ولا ارتباط.
فاجأها يقول:
– على فكرة ياشروق أنا نسيت ما أقولك.. البنت دي تشبهك قوي.. وأنا كنت سمعت من والدتي قبل كده إنها تقربلكم.
عقدت حاجبيها بدهشة:
– تقربلنا إحنا إزاي بقى؟ هي كانت اسمها إيه ولا بنت مين عشان أعرف؟
– والدها كان راجل نجار كده اسمه بدر عوض الصعيدي.. والبنت نفسها كان اسمها فاتن.
– بتقول فاتن؟ معقول هي دي اللي كان بيحبها علاء؟!
***
اعتدلت بجذعها على الفراش وتفرك بكفها على جانب وجهها وقد طار منها النعاس وهي تستوعب كلماته. فقالت بامتعاض:
– سمعني تاني لو سمحت.. عشان الظاهر كده أنا ما سمعتش كويس.
قال بتصميم وهو يشدد على كلماته:
– لا إنتي سمعتي كويس يافجر.. بس بتقاومي. ورغم كده أنا هاكرر برضه تاني.. مقابلتك مع الدكتور عصام المرة الجاية هتبقى شاملاني أنا كمان.
هتفت حانقة:
– وتشملني إنت ليه بقى المقابلة دي؟ هو لقاء القمة؟ دول يدوب كلمتين هاخدهم منه عشان أعرف اللي حصل زمان.
وصلها صوته بحدة:
– أنا عارف إنهم كلمتين.. ومتأكد كمان إن الكلمتين دول هيكونوا عني أنا.
صمتت وظلت صوت أنفاسها الحادة هي سيدة الموقف لعدة لحظات قبل أن يقطع علاء صمتها:
– اسمعي يافجر.. أنا عارف إنك مش مصدقاني وعندك شك فيا.. بس أنا عايز القعدة تبقى بينا إحنا التلاتة عشان نكشف أوراقنا قدامك وتشوفي بنفسك مين فينا معاه الحق. ياريت يابنت الناس تهاوديني في كلامي المرة دي.
بعد أن أنهت المكالمة زفرت بضيق وهي ترمي الهاتف على الجانب الآخر من الفراش. وقبل أن تسقط رأسها مرة أخرى على الوسادة.. تفاجأت بشقيقتها وهي تقتحم عليها الغرفة تهتف:
– الحقي يافجر الحقي.. شوفتي اللي حصل!
فغرت فاهها وهي تحدق بها ببلاهة، فاستطردت شروق بلهفة:
– أنا حالا قافلة دلوقتي مع حسين وقالي خبر بمليون جنيه.. عارفة قالي إيه؟
ظلت صامتة أيضًا على نفس وضعها. فتابعت شروق بحماس:
– قالي إن علاء جارنا كان بينه وبين فاتن بنت عمتك قصة حب كبيرة وكان بيحارب والده عشان يتجوزها بس محصلش نصيب بينهم.
صمتت بصدرٍ لاهث وهي تراقب رد فعل شقيقتها التي كانت تنظر لها بتبلد قبل أن تنزل في الفراش وتشد الغطاء عليها وهي تأمرها بعدم اكتراث:
– اخرجي ياشروق واقفلي الباب وراكي وماتنسيش تطفي النور اللي ولعتيه.
نهضت عن الفراش متفاجئة منها فقالت حانقة:
– ده إيه التناكة دي؟ قال وأنا اللي قولت إن ها فاجئك بخبر الموسم.. روحي يا شيخة سديتي نفسي بتناحتك دي.
بعد سماعها لصوت صفق الباب القوي بخروج شقيقتها.. تمتمت هامسة:
– كان بيحارب والده عشان يتجوزها!!
***
على مائدة السفرة كان يتناول طعامه وهو صامت. يستمع لها وهي تتحدث بجواره بمواضيع شتى. وهو يومئ لها برأسه بروتينية دون حماس. دلف إليهم حسين يلقي التحية:
– مساء الخير يا والدي.
رفع رأسه عن الطعام وهو يرد عليه بوجهٍ مشرق:
– مساء الفل ياحبيبي.. تعالى كل معايا وافتح نفسي تعالى.
تبسم بداخله وهو يرى وجه نرمين الذي تغضن بحقد فقالت:
– اسم الله عليك يا حج.. ما أنا باكل معاك أهو.. ولا أنا مش قد المقام عشان أفتح نفسك؟
تغاضى أدهم عن الرد عليها وهو ينتظر رد ابنه حسين والذي قال بأسف:
– معلش يا والدي أنا أكلت حاجة خفيفة في الشغل وشبعان.. خليها مرة تانية بقى.
تنهد أدهم وخرج صوته بإحباط:
– تاني برضه ياحسين.. يعني مفيش مرة تفوتها من غير ما تاكل في الشغل وتيجي تاكل معانا أكلة بيتي ترم بيها عضمك يابني.
– لا ما أنا جيت بدري النهاردة الساعة 5 مخصوص عشان أتغدى معاكم.. بس للأسف مالقتش حد في البيت غير الشغالين يحضرلي الأكل.
ارتفع حاجب أدهم وانتقلت نظراته لنرمين التي شحب وجهها قبل أن يسأله:
– ليه بقى؟ هي مرات أبوك ماكنتش موجودة؟
– ما أنا قايلالك يا والدي.. ماكنش في حد موجود غير الخدامين. عن إذنكم أروح أغير هدومي وأرتاح.
قالها وذهب سريعًا من أمامهم. أسرعت نرمين تبرر لزوجها ذو النظرات المتفحصة لها:
– ما أنا قايلالك يا حج الصبح.. إني هاخرج أزور واحدة صحبتي وأقضي اليوم معاها.
– تقومي تقعدي لبعد خمسة العصر. وعلى كده وصلتنا هنا إمتى بقى؟
بلعت ريقها وهي تجيبه بتوجس:
– ما أنا عديت على خالتي كمان واتغديت عندها.. فوصلت هنا على الساعة 6 المغرب كده.
ظل صامتًا لبعض اللحظات مضيقًا عينيه بشكل جعل البرودة تسري بأطرافها قبل أن يقطع صمته وهو ينهض عن الطعام دون رد.
تنفست الصعداء بمجرد ذهابه وهي تمتم بخوف:
– الحمد لله ربنا ستر.. الحمد لله.. منك لله يا سعد.
***
بعدها بيومين.
بمنزل شاكر خرجت فجر من غرفتها وهي تصرخ بفرح على والدتها الجالسة على مقعد السفرة بوسط المنزل وهي منهمكة في تقطيع الخضروات على الطاولة:
– سحر اتخطبت ياماما سحر اتخطبت.
شهقت سميرة واضعة كفها على صدرها:
– بسم الله الرحمن الرحيم.. في إيه يابت خضتيني.. وسحر مين دي كمان اللي بتقولي عليها اتخطبت؟
هلت فجر بمرح:
– في إيه يا ست الكل؟ هو إحنا عندنا كام سحر بس؟ صاحبتي سحر بنت رجاء صاحبتك.. لحقتي تنسيهم برضه يا ست يا أصيلة؟
صاحت فيها حانقة:
– أكيد عرفتهم يا مقصوفة الرقبة. أنا بس مكنتش مركزة في الأول. المهم بقى انتِ عرفتي منين؟ أكيد هي اتصلت بيكي وعرفتك.
– طبعًا يا ست الكل.. دي اتصلت عرفتني وبعتت الدليل كمان.
قالت الأخيرة وهي تدنو منها وتناولها الهاتف تنظر إليه. حدقت سميرة لبعض اللحظات بصورة العريسين على شاشة الهاتف قاطبة الحاجبين قبل أن تفك عقدتهم وتنفرج أساريرها فقالت بفرح:
– ماشاء الله يا ولاد.. دي كمان لبست الشبكة وعريسها زي أنا ما أنا شايفة كده حاجة تشرح القلب.
قالت فجر بسعادة بالغة:
– هو فعلًا حاجة تشرح القلب يا ماما.. لا وايه الخطوبة جت كده فجأة قبل ما تسافر وتخرج من البلد. ياسلام يا ماما ده أنا فرحانة قوي عشانها.
قالت سميرة بمغزى:
– آه يا أختي أمّال إيه؟ ما أنا كمان فرحانة أوي بيها. البت راحت مغصوبة على فرح بنت خالها قوم النصيب يحكم وتتخطب هي من هناك. عقبالك انت كمان يا أختي لما النصيب يحكم.
خبأت ابتسامة فجر وهي تفهم قصدها فتناولت الهاتف من يدها بهدوء وهي ترتد عائدة لغرفتها فقالت بمهادنة:
– آه طبعًا أمّال إيه؟ إن شاء الله يا ماما إن شاء الله.
همت لتنسحب ولكن والدتها أوقفتها من قبل أن تتحرك:
– استني عندك يافجر.. لابسة كده ومتنأكة رايحة على فين؟
قالت كاذبة بتوتر:
– رايحة مشوار للإدارة التعليمية.. عشان عندي شوية ورق عايزة أخلصه هناك.
– والمشوار ده ماينفعش يتأجل عشان البطحة اللي في دماغك دي؟ دي حتى ظاهرة على الوش مش متدارية.
تلجلجت قائلة:
– يا است الكل.. ما أنا هلبس كاب أداري بيها.. أصل بصراحة المشوار مهم وماينفعش يتأجل أكتر من كده. عن إذنك بقى آخد شنطتي من الأوضة عشان ألحق أحصل.
***
حينما دلفت لغرفتها ذهبت سريعًا على الشرفة. نظرت أمامها نحو المحل، فاطمأنت لعدم وجود سيارته في موضعها بالخارج. تنفست ببعض الارتياح وهي تتناول حقيبتها بحركة رشيقة وتضعها على كتف ذراعها. ثم تناولت الكاب تضعه على رأسها كي تغطي به جبهتها المصابة. لتخرج بخطوات مسرعة من الغرفة والمنزل والبناية أيضًا، تود اللحاق بموعدها. لقد مر يومان منذ حديثها معه في الهاتف. حينما أصر عليها لحضور اجتماعها مع عصام. وهي أبدًا لم تقتنع رغم إلحاحه. حينما رأته في بداية اليوم يخرج بسيارته. استغلت الفرصة رغم تعبها. لتتصل بعصام وتحدد معه موعدًا في الحال. تتحداه بإصرار فهو أبدًا لن يفرض سيطرته عليها. أنسي أنه موضع اتهام؟ وهي تريد أن تعلم الحقيقة مهما كانت.
دلفت لداخل السيارة الأجرة التي أوقفتها سريعًا وعيناها مازالت معلقة ناحية المحل. تتوجس من مجيئه فجأة فيفسد لقاءها الثاني أيضًا.
– اطلع على طول يا اسطى.
قالتها لسائق السيارة الذي رد عليها بسؤال وهو يدير المحرك:
– على فين العزم يا آنسة؟
***
حينما ترجلت من سيارة الأجرة التي توقفت أمام العنوان الذي وصفه لها هذا المدعو عصام. وقفت لعدة لحظات تنظر لواجهته بانبهار وتردد في الدخول لهذا المكان ذو اليافطة الأجنبية والذي يتوسط منطقة من أرقى مناطق العاصمة. ويبدو من الوهلة الأولى أنه أُنشئ مخصوص لعلية القوم. تقدمت بخطواتها حتى دلفت لداخله فوجدته اتخذ طاولة قريبة جدًا من الباب حتى يسهل لها رؤيته. وقف لها كالمرة السابقة بملابسه الباهظة والتي تمثلت في ارتدائه لسروال من الجينز وعليه كنزة صوفية سوداء زادته بهاءًا. كان واقفًا بثقة في المكان الذي يشبهه عكس السابق. عيناها ذهبت على باقي رواد المحل من فتيات ورجال فشعرت ببعض الحرج من ما ترتديه وهذا الكاب الرياضي الذي غطى على جبهتها المصابة فلفتت إليها الأبصار بغرابتها.
استقبلها بابتسامة مشرقة جعلته وسيمًا وهو يرحب بها حتى جلست أمامه فقال بمشاكسة:
– أخيرًا وصلتي.. ده أنا قولت إنك غيرتي رأيك ولا تكوني لاغيتي الموعد.
ردت بحرج:
– بصراحة أنا بعد ما دخلت البتاع ده فكرت فعلًا ألغي وأرجع من مطرح ما جيت أحسن.
– ليه بتقولي كده؟
قالت بحرص وهي تتجنب النظر حولها:
– حضرتك مش شايف نظرات الناس ليا وكأني كائن غريب دخل عليهم في منطقتهم.
ألقى نظرة بطرف عينيه على بعض الطاولات فقال بابتسامة جانبية:
– مكنتش أعرف إن بيفرق معاك قوي آراء الناس اللي عقولها فاضية دي؟ بس على فكرة بقى.. بغض النظر عن الماركات الغالية اللي لابسينها.. إنتي أحلى وأشيك واحدة دخلت المحل.
ارتبكت واحمرت وجنتاها من غزله الصريح فقالت بجدية:
– أرجو حضرتك أنا جاية هنا على موضوع محدد وافتكر إن انت كمان عارف الموضوع ده.
أسبل عينيه وارتسم الحزن على ملامحه قبل أن يرد عليها:
– عندك حق طبعًا في اللي بتقوليه. أنا فعلًا سبب إصراري على لقائي بيكي هو…
قطع جملته يمسح بأطراف أصابعه على جبهته الباردة بحرج قبل أن يستطرد سائلًا:
– هي فاتن ماتت إزاي بالظبط؟
ضيقت عينيها وهو تنظر إليه بتفحص. فسألته:
– وإنت يهمك قوي تعرف هي ماتت إزاي؟ ليه يعني؟
قال بتصميم:
– من غير أسئلة أرجوكي.. قولي وريحيني.
انتابها الشك من هيئته الحزينة فقالت بريبة:
– أنا مستعدة أقولك ماتت إزاي؟ بس أنا عايزة أعرف دلوقتي منك.. هي فاتن كانت بالنسبالك إيه؟ هل هي كانت حبيبة صاحبك حسب كلامك ولا في حاجة تانية أنا معرفهاش؟
صمت قليلًا يفكر في الإجابة قبل أن يحسم قراره:
– بصراحة في.. بس أنا بقى مش قادر أتكلم معاكي وأنا مش عارف حدود معرفتك بيها واصلة لفين؟ عشان أقدر أتكلم معاكي بسهولة.
جحظت عيناها وتحفزت كل خلايا جسدها وهي تقترب برأسها منه تهمس من تحت أسنانها:
– عايز تعرف حدود معرفتي بيها إيه؟ يكفي أقولك إن أنا الوحيدة بعد أهلها اللي كنت على علم بحملها قبل ما يسافر بيها والدها على الصعيد…
– كانت حامل كمان؟!
قالها بمقاطعة بوجهٍ مصدوم انسحبت منه الدماء. أثار شكها أكثر فقالت:
– في إيه؟ هو مين اللي كان حبيبها فيكم؟ إنت ولا علاء؟
أغمض عينيه وهو يضغط بأطراف أصابعه على أعلى أنفه فقال همسًا:
– حبيبها كان علاء. أنا كنت مجرد واحد صاحبه وبس.
طرقت بقبضتها على الطاولة بعصبية:
– طب ماتفهمني بقى اللي حصل عشان أرسي على بر.. بدل الدوخة دي اللي دايخاها مابينكم.
فرد كفيه أمامها وهو يهز برأسه بحركة مفهومة فقال:
– مش عارف.
– نعم!!
– وربنا زي ما بقولك كده.. مش عارف.
– هههه إنت لسه برضه على نفس النغمة.. ماتغير يابني بلاش ملل.
شهقت منتفضة وهي تراه جلس بجوارها أمام نظرات عصام المتفاجئ هو الآخر. فقالت بغضب مكتوم:
– إنت تاني برضه؟ ده أنت مصمم بقى تعملي فضيحة.
جز على فكه يخاطبها بتهديد:
– احترامًا لأهلك بس.. هامسك نفسي عن إني أجرجرِك من شعرك حالًا وأخرج بيكي قدام أمة لا إله إلا الله الموجودة في المحل دلوقتي.
فغرت فاهها وهي تدفعه بقبضتها على كتفه بتعصب:
– تجرجر مين يابني آدم إنت؟ هي سايبة ولا إنت فاكر عشان أختي بقت خطيبة أخوك تبقى من العيلة بقى وتفرض نفسك عليا.
أمسك بكفه على قبضتها وهو يهمس بجرأة:
– دي المرة التانية تمدي فيها إيدك عليا وأنا برضه ساكتلك. ودا معناه إن شلتي ما بينا التكاليف.. تحبي بقى أرد لك أنا كمان؟
شهقت تنزع يدها من كفه قائلة بقلة حيلة:
– أوعى يا أخي ده إنت غتت فعلًا.
قال لها باستفزاز:
– ماشي يا حلوة حسابك معايا بعدين عشان نفذتي اللي في دماغك وجيتي تقابليه برضه لوحدك. بس معلش ملحوقة. خلينا بس الأول نشوف الباشا بتاع معرفش.
عضت على شفتها غيظًا منه قبل أن تلتفت ناحية عصام حانقة. فتفاجأت بالحزن الذي اكتسى به وجهه وهو مطرق رأسه بشرود. فرقع علاء بأصابع يده أمام وجه الآخر قائلًا بدعابة لا تحمل المرح:
– اصحى يا سي الدكتور.. إنت نمت مننا ولا إيه؟ ما تصحى ياباشا وتفهمنا بقى إيه حكاية معرفش دي بقى اللي ماسك فيها بقالك سنين.
رفع إليه رأسه وهو يسند بمرفقيه على الطاولة مشبكًا كفيه. فقال بإصرار:
– أيوه ياعلاء.. رغم استخفافك وسخريتك دي.. بس أنا برضه مُصر إني معرفش إزاي ده حصل؟ أنا معرفش إزاي لقيتها جنبي عالسرير.
ضحك بمرارة:
– هههه.. ياحلاوة.. ما تكونش البت حطتلك حاجة صفرا بقى وخلتك تاخدها غصب عنك الشقة وتبات معاك في أوضة واحدة كمان؟
قاطعتهم بصدمة:
– إنتوا بتتكلموا عن إيه؟ ومين دي اللي لقيتها جنبك عالسرير وباتت في أوضة نومك وشقتك.
التفت إليها علاء قائلًا:
– لهو إنت لسه معرفتيش ياحلوة إحنا بنتكلم عن فاتن بنت عمتك اللي فضلت طول السنين اللي فاتت متهماني أنا ضياع مستقبلها.
التفت رأسها إلى عصام قائلة بحدة:
– إنت تقصد إن عصام هو…
– أيوه كده بالظبط يا قمر.. عصام هو اللي…
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل الرابع عشر 14 - بقلم امل نصر
رايح فين يا سعد؟
صدحت من خلفه بصوتها الذي صار يبث بجسده القشعريرة والكُره. كاد يكمل طريقه للخروج ويتجاهلها، ولكنها كررت بنبرة أعلى:
ماشي على طول وعامل نفسك مش سامعني ياواد.. ماشي يا سعد ماشي يابني.
توقف يزفر متأففًا لبضع لحظات قبل أن يرسم على وجهه ابتسامة سمجة وهو يستدير بجسده إليها، وهي متكئة بجسدها الممتلئ على الأريكة الخشب الملتصقة بالحائط وسط الصالة الضيقة. أمامه تلفازٍ صغير وضع أعلى المنضدة.
معلش يا أما، مكنتش مركز وأنا خارج.. ها عايزة إيه بقى؟
مصمصت المرأة بشفتيها تصدر صوتًا متهمكمًا:
ليه يا عين أمك بقى؟ يكونش بتحب جديد؟
ضغط بأسنانه على شفته السفلى بغيظ قبل أن يرد عليها:
وافرضي ياستي بحب جديد؟ فيها حاجة دي بقى ولا هو بقى عيب ولا حرام؟
ردت بصوت متذمر:
لا يا خوي مافيهاش حاجة.. بالعكس بقى دا أنا أتمنى ربنا يهديك وتجيب لي واحدة تخدمني بدل ما أنا طالع عيني في شغل البيت والطبيخ.. وأنت البعيد ما عندكش دم.. لو شربت كوباية شاي بتسيبها بالتفل بتاعها.. ولا فيش مرة ربنا قدرك تغسل الطبق اللي بتاكل فيه؟ دا أنا بشوف رجالة بشنبات يوقف عليها الصقر وتلاقيها بتساعد أمهاتها وبتغسل المواعين وتكوي الهدوم و.....
أماااااا..
هتف بها هادرًا فاقدًا التحكم في غضبه لدرجة أرعبتها فجعلها تنكمش على نفسها صامتة بخوف.
حاول تنظيم أنفاسه قبل أن يرد عليها ببعض الهدوء:
كنتِ موقفاني ليه بقى من الأساس؟
قالت بتردد:
أنا بس كنت عايزك تعدي على أختك نبيلة.. تشوفها لا تكون عايزة حاجة.. ما أنت عارفها غلبانة.. من ساعة ما جوزها دخل السجن وهي بتدبر لقمتها بالعافية.
رد من تحت أسنانه وهو يشير بيده:
تاني برضوا.. أختي ونيلة وزفت.. هو أنا كنت مجوزها عشان أشيل همها هي وجوزها كمان؟ ولا انتي فاكراني قاعد على بنك وبغرف في الفلوس من غير حساب؟
في إيه يا ابني؟ اشحال إن ما كانت الورشة دلوقتي بتدخلك شئ وشويات.. وربنا فتحها عليك من وسعه...
كفاية يا أما الله يرضى عنك.. ماهو قرك ده هو اللي هايجيب درفها.. هابقى أتنيل أعدي على أختي وأشوفها استريحتِ؟
أومأت برأسها زامة شفتيها. فسحب نفسه للخروج، ولكنها أوقفته قبل أن يمسك بمقبض الباب:
ما تنساش تجيب لي معاك كيس برتقال يا ولا.. حكم أنا نفسي مسدودة وحاسة نفسي هاعيا.
جز على فكه وهو يخرج فورًا قبل أن يرتكب جريمة مع هذه العجوز، صافقًا الباب بقوة جعلتها تصرخ من الداخل:
طب براحة يا خوي شوية على الباب لا تكسره في إيدك.. وترجع تكسل ما تصلحه تاني.
حينما خرج من منزل والدته التي تركها بالداخل تثرثر متذمرة، سار بخطواته البطيئة وهو يتنفس هواء الشارع بارتياح بعيدًا عن محيطه الضيق معها. حتى وصل إلى ورشته القريبة من المنزل. ورشة السعد لصناعة غرف النوم وأثاث المنزل البسيط. وقف لبضع دقائق يتأمل اليافطة التي اعتلت الواجهة من الخارج، عاقد الحاجبين. لقد كان الثمن امتلاكه لها غاليًا وهو بغبائه وتسرعه جعله فادحًا!
***
تحركت مقلتاها بغير هوادة تتنقل في النظر ما بينهما دون تصديق ولا استيعاب حرف واحد مما ذكره علاء، الذي يتحدث بثقة، والآخر متكتف الذراعين أمامهما في جلسته بوجهٍ جامد مغلف بالغموض. ولكنه لا ينكر!
صاحت فجأة وقد فقدت السيطرة لدرجة أجفلت من حولها:
انتوا بتشقطوني لبعضكم زي الكورة.. ما تفهموني بالظبط إيه معنى كلامكم ده؟
فك قليلًا جموده حينما شعر بنظرات الفضول التي كانت تشع من بعض الأشخاص على الطاولات القريبة منهم، فقال بتوتر:
أرجوكي يا آنسة فجر وطي صوتك شوية.. الناس بتبص علينا.
قالت بصوت خفيض من بين أسنانها:
طبعًا أكيد.. يهمك قوي رأي الناس اللي من عينتك.. لا تشوه صورتك اللي بتلمع قدامهم.. طب وهي؟ ما خفتش عليها ليه؟ ولا هي كانت لعبة ما بينكم ولا رهان ولا إيه بس؟ أنا دماغي هاتنفجر من دايرة الألغاز دي.
قالت الأخيرة بمغزى وقد انتقلت نظرتها مرة أخرى لعلاء، الذي رد باستياء:
في إيه يا ست الأبلة بس؟ ما أنا قولتك على اللي فيها.. تحبي أفسر لك أكتر؟ ماشي يا ست البنات.. أنا كنت مجرد واحد مغفل بيحب البت جارتُه وواقع على بوزُه فيها وكنت ناوي أتجازها بحلال ربنا.. بس أبويا كان واقف في الموضوع.. قوم إيه بقى؟ فجأةً كده أشوف بعيني خيانة المحروسة ليا مع ابن البهوات اللي كنت فاتح له بيتي وأكل من عيشي وملحي.
أنا ما خونتكش.
قالها مقاطعًا بحدة. أثار انتباه الاثنين فاستطرد متابعًا:
أيوه ما خونتكش وفاتن أشرف واحدة شوفتها في حياتي كمان.
اهتزت رأس علاء بابتسامة ساخرة. أما فجر فقالت بتعب:
امال إيه بس؟ هو انتوا مش راضين تريحوني ليه وتقولوا الحقيقة؟ ما هي خلاص راحت عند اللي خالقها وما فيش مسؤولية على حد فيكم.
أنا هاحكيلك بكل اللي حصل يا فجر ويا ريت بس تسمعيني كويس.. بس في البداية كده يا ريت أخينا ده ما يقاطعنيش نهائي لحد أما أخلص كل كلامي.
التفتت إلى علاء محذرة فرفع كفيه باستسلام يمط شفتيه:
تمام خالص يا عم.. أنا هافضل قافل بوقي للنهاية وأحكي أنت وألف يا باشا على كيفك!
تجاهل عصام تهكمه وفضل التحدث مباشرةً:
في البداية كده أنا حابب أوضح معلومة.. أنا فعلاً كنت معجب بفاتن لأنها كانت بتمثل قدامي صورة حية لجمال بنت البلد اللي كنت بشوفها في السينما والتلفزيون.. لكن إعجابي ده عمره ما اتخطى إنها تخص صاحبي وهتبقى زوجته رغم علمي بمعارضة والده الشديدة ومعارضة والدها اللي كان مصر يجوزها لابن عمها زينهم في البلد.
قطعت صمتها تسأله متفاجئة:
نعم!! وأنت عرفت حكاية ابن عمها زينهم منين بقى؟
علت زاوية فمه المغلق بشبه ابتسامة قائلاً:
ماهو ده بقى أصل الموضوع!
ظهر الاهتمام جليًا على وجه الاثنين. فتابع هو:
عشان أريحكم من الأسئلة.. أنا هاحكي اللي حصل بالتفصيل.
***
(توقف بسيارته المكشوفة أمام المحل المشهور والذي توسط الشارع الكبير ضمن مجموعة من المحلات في هذه المنطقة المعروفة.. فترجل منها بخيلاء وكأنه يمتلك المكان.. حينما دلف لداخله استقبله العمال بالترحاب الشديد وذلك لتبسطه في الحديث معهم.. حتى خرج إليه الرجل المهيب.. صاحب المكان.. رحب هو الآخر بابتسامة عريضة:
أهلًا يا دكتور.. نورت المحل يا بطل.. ده إيه الزيارة المفاجأة دي؟
تبسم الآخر بإشراق وهو يرد التحية بالمصافحة:
ده نورك يا عمي أكيد.. أنا جيت النهاردة مخصوص عشانك أنت.
أشار له ليجلس أمامه وجلس هو خلف المكتب فسأله بدهشة:
جاي عشاني أنا.. يا رب يكون خير.
كيدًا طبعًا خير يا عمي.. أنا عايز أطمنك على علاء عشان كنت عنده إمبارح في زيارة وشوفته بنفسي.
رد متلهفًا:
صحيح يا ابني.. يعني هو كويس في الجيش كده ومرتاح ولا يكونش تعبان؟ أبوس إيدك يا ابني طمني.. ده مقاطعني عشان الموضوع إياه وما بيرضاش يتصل ولا يبل ريقي منه بكلمة.. ولا أكني عدوه.
معلش يا عمي.. هو واخد على خاطره منك وأنا بصراحة رغم إني متفهم موقفك.. لكن برضو متعاطف معاه.. أصله بيحب البنت أوي ومتعلق بيها.
انت كمان هاتعوم على عومه يا عصام.. ده بدل ما تعقله.
الله يا عم ادهم.. هو انت هاتزعل مني أنا ولا إيه؟ ده يدوبك بس واسطة خير ما بينكم.
طب يا خوي يا واسطة الخير.. طمني على أحوال صاحبك بقى.
ظلت جلستهم الودية في الحديث عن علاء وأحواله في الجيش لبضع لحظات.. قبل أن يغادر عصام وقد طمأن الرجل على أحوال ابنه العنيد. دلف لسيارته وأدار المحرك وهو يقود بالبطيء حتى تمكن بالخروج بها إلى الشارع الرئيسي وقبل أن يسرع تفاجأ بمن تصدرت بجسدها أمام السيارة فضغط على مكابح السيارة بعنف حتى أصدرت صريرًا. أخرج رأسه لها هاتفًا بجزع:
انتِ اتجننتي يا فاتن؟ عايزة تضيعي نفسك وتوديني في داهية؟
وكأنها لم تسمع، لفت حول السيارة حتى فتحت الباب الأمامي وجلست بغير أذن قائلة بخوف:
نزل غطا العربية يا عصام.. واخرجني من هنا بسرعة الله يخليك قبل أبويا ما يشوفني.
ليه هو في إيه...؟
ابوس إيدك بسرعة.. إنت لسه هاتستفسر.
أذعن لصيحتها ليغلق الجزء المكشوف من السيارة وأدار المحرك بسرعة لتقطع السيارة الشارع الرئيسي وبعد أن تجاوزته.. تكلم عصام بقلق:
ممكن بقى تقولي في إيه عشان أفهم اللي حصل.
رفعت وجهها المغرق بالدموع فخرج صوتها بنشيج مكتوم:
عمي زينهم وابنه فتحي.. جاين عندنا النهاردة يقروا فاتحتي مع أبويا.
يانهار أبيض.. انت بتقولي إيه؟
والنعمة زي ما بقولك كده يا عصام.. أنا رفضت ومنعت الأكل والشرب كمان.. بس أبويا مصر يجوزني ويرتاح مني.. خصوصًا بعد ما سمع من عمي ادهم لما حذره وقالوا ابعد بنتك عن ابني.. وعلاء سابني وراح الجيش.. أنا هاموت لو اتجوزت حد غيره يا عصام.. ابوس إيدك شوف لي صرفة.. انت أهلك ناس واصلين يعني تقدر تتصرف في موضوع الجيش ده.
أيوة يا بنت الناس أنا معاكي.. بس الحاجات دي بتاخد وقت وانتِ بتقولي إن النهاردة قراية فاتحتك.. نحلها إزاي دي بس؟
بأطراف أصابعها مسحت دمعتها بعنف فقالت بتصميم:
أنا خرجت هربانة ومش راجعة البيت تاني غير وأنا في عصمة علاء عشان ما حدش يملك يجبرني على حاجة تاني.
ضرب بكفه على المقود وهو يردف بعصبية:
يا أدي الداهية السودة.. انتِ مجنونة يا بنتي؟ وعايزة توديني في مصيبة معاكي؟
ازداد بكاؤها المرير بشكل أثار حنقه من نفسه، فقالت من بين بكاؤها:
أنا ما كانش قدامي حل غير كده.. وأنا عارفة ومتأكدة إني لو رجعت دلوقتي.. أبويا هايكسر عضمي عشان هربت وبرضو هايجوزني فتحي ابن عمي غصب.. ترضاهالي دي يا عصام.
استغفر للحظات قبل أن يسألها بضيق:
طب انتِ عندك مكان يا بنت الناس تقعدي فيه على ما أتصرف أنا ووالدي مع علاء بظروف جيشه دي وخرجناه إجازة؟
حركت رأسها نفيًا:
كل عناوين قرايبي وأصحابي أبويا يعرفهم.. وأنا معرفش حد تاني يساعدني.
ردد خلفها بقلة حيلة:
يعني كده أنا لبست.
زفر بضيق وهو ينظر أمامه للطريق، فتابع بعد قليل بحزم:
اسمعي يا فاتن.. أنا مقدرش أدخلك بيتنا.. ولا أعرف أقعدك عند حد أعرفه.. بس ممكن أقعدك في شقتي وأنا أقعد في بيت العيلة.. لكن كمان أخاف على سمعتك.
قاطعته بلهفة:
وايه اللي هايمس سمعتي بس وانت هاتسكن عند أهلك؟ قعدني هناك يومين وحاول تتصرف أنت وتنزل علاء إجازة بسرعة من الجيش.. عشان يخف الحمل دا من على ضهرك.
هز رأسه بقلة حيلة وهو يلتفت مرة أخرى للقيادة فقال مستسلمًا:
لله الأمر من قبل ومن بعد.
***
أدار مفتاح شقته في الباب قبل أن يفتحه ويدلف أولاً ثم هتف عليها وهي متسمرة مكانها:
ادخلي يا فاتن.. البيت بقى بيتك خلاص.
دلفت خلفه بخطوات مترددة لداخل الشقة الفاخرة بأثاثها المبهر، تتلفت يمينًا ويسارًا بعدم راحة.
قال خلفها بمزاح:
إيه يا فاتن؟ خايفة لا أستفرد بيكي ولا إيه؟
نظرت إليه بخوف فضحك بصوت رنان فتابع:
معلش هأرحمك أنا وأريحك دلوقتي.. بنت يا أمينة.. يا أمينة.
خرجت إليهم فتاة سمراء نحيفة تجيبه بارتياب وقد ارتكز بصرها على فاتن فور أن رأتها أمامها:
نعم يا سعادة الدكتور.. في حاجة.
أيوه في يا أمينة.. عايزك تاخدي فاتن وتوضبي لها أوضة تنام فيها الكام يوم اللي جايين دول؟
تقعد فين؟ في أوضتك أنت يا سعادة الدكتور.
صاح فيها هادرًا:
أوضة مين يا غبية؟ أنا بقولك شوفي لها أوضة تانية تقعد فيها مؤقت كده كام يوم.. أوضتي أنا إياكي تقربي منها ولا تدخليها.. انتِ سامعة ولا لأ.
أذعنت بصوت مطيع:
فاهمة يا بيه فاهمة.
عاد بنظره إلى فاتن الواقفة محلها بجمود يخاطبها:
اسمعي يا فاتن.. أنا هاتروحي معاها دلوقتي تختاري أوضتك وأنا هاادخل أضب شنطتي وأسيبك بقى معاها.. بس هأجي يوميًا أطمن عليكي وأجيب طلبات البيت في حضور أمينة على ما نقدر نتصرف في إجازة علاء وبعدها بقى أسلمك له وأنتوا تتصرفوا مع بعض في موضوعكم ده.. تمام كده؟
هزت برأسها موافقة هامسة بصوت خفيض:
تمام.
ذهب عصام فتركها هي بالمنزل مع الخادمة التي اختارت لها غرفة جميلة بالمنزل. مرت ليلتها الأولى لم يغمض لها جفن من القلق والخوف مما سيترتب على مغامراتها. ولكنها دائمًا ما كانت تشجع نفسها بالصبر لحين حضوره وبعدها تنحل كل مشاكلها مع عائلتها وعائلته. فهو قوي وقادر على حماية من يحب.
في اليوم التالي أتى إليها عصام صباحًا ببعض طلبات المنزل، وجلس لبضع دقائق فقط يحتسي قهوته وأخبرها أنه فاتح والده بالموضوع والذي وعده بالبحث في الموضوع بمعرفة من يستطيع مساعدتهم في الأمر. وفي اليوم الثالث حينما أتى عصام في موعده فاستقبلته الخادمة بوجه شاحب قبل أن تخرج إليه فاتن:
إيه مالك يا أمينة وشك مخطوف كده ليه؟
مسحت دمعتها بكم جلبابها فقالت:
عايزة أمشي وأشوف أمي يا سعادة البيه.. وأنت أمرتني ماسيبش الهانم لوحدها.
تنهد وهي يثني قماش بنطاله قبل أن يجلس على أحد المقاعد بصالة البيت:
يا بنتي ما أنا بقولك اصبري يوم ولا اتنين تاني بس.. وإن شاء الله هأديكي أنا إجازة كبيرة بعدها من غير خصم مليم واحد من المرتب.
يا بيه أنا أمي تعبانة وما ينفعش أقعد أكتر من كده من غير ما أطمن عليها.
تدخلت فاتن التي خرجت من غرفتها وشاهدت حديث الفتاة:
خليها تروح يا عصام وأنا هاستناها هنا على ما تيجي.. تطمن هي على والدتها بس يا ريت ما تتأخرش.
قالت الخادمة بلهفة:
لا والنبي يا هانم.. قبل ما تغيب الشمس هاتلاقيني جيت هوا.. المهم بس أطمن عليها وأشوفها.. موافق يا بيه.
أومأ موافقًا بضيق قبل أن يقول:
ماشي يا ستي.. بس ما فيش خروج غير بعد ما أنا أمشي.
تهللت أسارير وجهها فقال هو أمرًا:
فرحتي يا أختي.. يالا بقى اعملي لي فنجان قهوة على ما أقول الكلمتين اللي جاي أقولهم.. يالا.
من عنيا يا باشا.
قالتها بمرح قبل تذهب من أمامهم سريعًا.. فسألته فاتن:
ما فيش أخبار عندك يا عصام.
قال بحزن:
في أخبار يا فاتن.. الأول مش عارف بقى هايفرحك ولا يحزنك.. والتاني نخليه بعدين.
قالت بتوجس:
خلاص ابدأ بالأول.
الأول يا ستي هو إن عمك وابنه رجعوا تاني على الصعيد.. بعد ما فقدوا الأمل.. ووالدك بقى قالب الدنيا عليكي حسب ما عرفت.
أومأت رأسها بحزن عميق قبل أن تقول:
طبعًا ده المتوقع واللي عاملة حسابي عليه من الأول.. المهم بقى خلينا في الخبر التاني.
التاني يا ستي هو إن والدي قدر يتواصل مع واحد معرفته من زمان.. رتبة مهمة هناك.. قال إنه هايقدر يتصرف ويخرجوا إجازة في خلال يوم ولا اتنين بالكتير.
تبسمت بمرح لتمحو آثار الحزن من وجهها فقالت:
بجد يا عصام.. يعني خلاص أنا هاخلص من مشكلتي بقى وأرتاح.
قال خلفها بأمل:
إن شاء الله يا ستي أتمنى.
لم تدم الجلسة سوى لحظات ولكنه لا يذكر بعدها سوى أنه استيقظ من نومه على صوت مزعج لجرس وطرق عالٍ على باب شقته.. رأسه الثقيلة رفعها عن الوسادة بصعوبة وهو يتأمل غرفة نومه المعروفة.. اعتدل بجسده لينزع الغطاء عنه ولكنه تفاجأ بحركة خفيفة بجواره وصوت مكتوم.. أدار رأسه فتوسعت عيناه بجزع وهو يرى بجواره فاتن وهي ملتفة بغطائها حتى ذقنها تشهق باكية بصوت مكتوم وشعرها المبعثر يغطي وجهها.. رفعت إليه عيناها الحمراوان بانكسار.. فضرب بكفه يغطي فمه بجزع.. لا يعرف كيف حدث هذا؟ ولكنه علم جيدًا أنه وقع في مشكلة خطيرة خطيرة جدًا.
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل الخامس عشر 15 - بقلم امل نصر
الطرق العنيف على باب الشقة مستمر والصوت المزعج لجرس المنزل لا يصمت أبدًا. وهو ينظر إليها بصدمة، حتى خرج صوته أخيرًا قائلًا بتشتت:
"إيه اللي حصل بالظبط؟ وإنتي إيه اللي جابك أوضتي وأنا إيه اللي نايمني فيها أساسًا؟"
كانت تهز رأسها بحركات غير مفهومة وتتمتم بكلام لا يستطيع سماعه مع أصوات بكائها ونشيجها العالي. كرر عليها سؤاله مرة أخرى بترجي:
"أبوس إيدك يا فاتن فهميني، إيه اللي حصل يابنت الناس؟"
خرجت كلماتها من وسط بكائها فسمعها بصعوبة:
"أنا كمان مش عارفة حاجة، أنا كمان مش فاهمة. بس الأكيد هو إني صحيت فجأة، لقيت نفسي بالوضع وعرفت إني ضيعت... ضيعت."
مع ازدياد الحركة العنيفة على الباب الخارجي، نهض مضطرًا يرتدي ملابسه، ولكنه دنا منها فجأة وهو يغلق أزرار قميصه:
"أبوس أيدك يا فاتن فهميني طيب، مدام إنتي صحيتي قبلي يبقى أكيد فاهمة حاجة عني. هو أنا اللي اتهجمت عليكي يا فاتن ولا قربت منك وأنا مش داري كدة بنفسي؟"
رفعت رأسها إليه تنظر بعينيها التي ذبلت من البكاء ووجهها مغرق بالدموع، وقالت بحدة:
"أنا أول ما صحيت وحسيت بنفسي، كان هاين عليا أولع فيك وكنت قايمة أجيب سكينة أغرزها في قلبك وأنا مخي جايب فورًا إن إنت اللي عملت كدة فيا. بس اللي أنقذني منك هي ريحتك."
"نعم!"
قالها ببلاهة وعدم فهم. فتفاجأت به تجذبه من قماش قميصه تتشممه بأنفها، فصاحت بوجهه:
"الريحة اللي هلت في مناخيري وأنا بين الفوقان والنوم وكل حواسي متخدرة، إلا حاسة الشم. مش هي دي، دي ريحة تانية. شمتها أنا كتير، لكن مش ريحتك إنت الغالية، يعني مش ريحتك."
بوجه شاحب وصوت خرج بصعوبة وهي تبتلع في ريقها الجاف، قالت ببعض التماسك رغم العواصف الهوجاء التي تضرب بشدة داخل عقلها:
"وإيه اللي حصل بعد كدة؟"
تتنهد بثقل قبل أن يجيب عن سؤالها وهو يحدق في الجالس بالقرب منها على الطاولة، بوجهه الجامد وقد ذهب عنه حتى السخرية المريرة، وكأنه عاد لقلب الأحداث رغم مرور السنوات.
"الأفندي دا يقولك على اللي حصل، لأني اتفاجأت بيه وهو بيقتحم علينا الشقة زي الإعصار وعلى أوضة نومي تحديدًا، كان محدد طريقه بالظبط. وطربق الدنيا فوق دماغي أنا والبنت الغلبانة."
التفتت رأسها إليه تنظر باستفسار، فخاطبها بقوة قائلًا:
"تفتكري يعني واحد ظبط حبيبته مع أعز صحابه وفي وضع زي ده، هايبقى إيه رد فعله ساعتها؟"
"أذيتها!"
"لا طبعًا، أنا ما بلمسش حريم. أنا بس هجمت على أخينا ده وفتحت مخه. وهي بقى اعتبرتها مش موجودة ولا تستاهل تعبير مني أساسًا."
"بس هي كانت منهارة قدامك واترجيتك تصدقها؟"
"وإنت لو مكاني كنت هاتصدقها؟"
أطرق عصام بحزن يعتصر قلبه، فهز رأسه نافيًا:
"أكيد لأ، أنا مش ملاك."
ضرب علاء بقبضته على الطاولة وهو يقول ما بين أسنانه:
"ولما هو كدة؟ إيه لزوم المحن ده بقى والقصص الرخيصة اللي بتسمعها؟"
رفع عصام رأسه قائلًا بانفعال:
"بقى بعد إللي حاكيته دا كله وانت لسة برضوا مش مصدق يابني أدم إنت؟"
"يا عم وأنا إيه بقى اللي يخليني أصدق القصة الهبلة بتاعتك دي من الأساس؟ والدليل شوفته بعيني. دا غير كمان إنها طلعت في الآخر حامل، يعني فكك بقى من التمثيلية البايخة دي."
أغمض عينيه يائسًا قبل أن ينقل أنظاره إلى فجر الجالسة واجمة أمامهم، تنظر إليهم بأعين خاوية، فاقدة للحياة بها.
"وإنت كمان يا آنسة فجر مش مصدقة برضوا كلامي رغم علمك بأخلاق بنت عمتك؟"
قالت بتعب:
"يا أستاذ عصام، أنا لا مصدقة ولا مكذبة ولا عدت فاهمة حاجة خالص. أنا حاسة نفسي واقعة في بير غويط دلوقتي والبير دا ملوش قرار. ونفسي ألاقي بقى مخرج من بحر الألغاز دا، لكن مش عارفة."
"يعني برضوا مش مصدقة. طب ما سألتوش نفسكم انتوا الاتنين، هي ليه مجابتش اسمي قدام والدها بعد الدنيا ما اتطربقت فوق دماغها هي لوحدها؟"
صمتت فجر وجاء الرد من علاء بتهكم كالعادة:
"ودا بقى يأكد لنا إنك برئ، صح؟"
"اسمع ياعلاء، إنت لما دخلت علينا الشقة وضربتني وفتحت دماغي، مكنتش فاهم ولا جاب مخي أي حاجة عشان أعرف أرد عليك بيها. أنا ساعتها كنت مقدر حالتك، بس اللي حصل بعد كدة خلاني فهمت. إنت بعد ما مشيت فاتن اترعبت من منظري والفضايح اللي كانت هاتجي من ورايا. لبست هدومها ومشيت وسيبتني. أنا بقى قدرت أتصل بوالدي ودخلت بعدها المستشفى أيام على ما خرجت لقيت البنت الخدامة اختفت نهائي وحاولت أوصلك إنت وأفهمك عن طريق سعد لكنك رفضت وبشدة. كنت مشغول قوي على فاتن ونفسي أوصلها لكن اتفاجأت بخبر سفرها مع أسرتها على الصعيد. سألت عن عنوانها هناك وكنت مستعد أطلبها منهم وأتجوزها. لكن والدي خاف عليا بشدة من أهلها لما حكيت له الموضوع. وأصر إنه يبعدني ويسفرني أكمل تعليمي في لندن وأنا سافرت زي الجبان وسيبتها."
قال الأخيرة بصوت خفيض وأجش وقد سقطت معها دمعة خائنة على وجنته، أزاحها بإبهامه بسرعة، جعلت الاثنان ينظران إليه وكأن على رؤسهم الطير، قبل أن تنهار فجر فقالت باكية:
"يعني كل اللي حصل دا كان مؤامرة والبنت الخدامة مشتركة فيها مع شخص مجهول عليكم؟ طب ليه؟"
"بجد مش عارف. الخطة كانت محكمة جدًا وظهور علاء في الوقت ده بالذات عقد الدنيا من جميع النواحي."
"وأنا كنت هاعرف منين كل كلامك ده؟ أنا جاتني رسالة من شخص مجهول بيحذرني فيها من صاحب عمري اللي خطف حبيبة قلبي وخلاها تسيب الدنيا وتعيش معاه في الحرام. أنا اتبرجلت من الرسالة دي ومكنتش مصدق بس لما اتصلت بأمي أكدت لي إن البنت هربانة من أهلها بقالها يومين. أنا برج من عقلي كان هايطير مني من الكلام العجيب ده وغصب عني لقيت نفسي مقدم على إجازة وادعيت فيها مرض والدتي. وبمجرد ما نزلت على بيتنا عشان أستفسر وصلتني رسالة على فوني من رقم مجهول واحد بيستهزأ بيا وبيبلغني بوجود حبيبتي مع عصام في شقته وخيانتهم ليا فيها. وبعدها روحت وشوفت بنفسي وحصل اللي حصل. انتوا لو كنتوا مكاني كان هايبقى إيه تصرفكم ساعتها؟"
***
على مقعدٍ خشبي صغير خاص بالقهوة الشعبية داخل الحارة، كان يدخن الأرجيلة، ينفث دخانها المتصاعد عاليًا بشرود في الهواء وعيناه على المنزل الكبير والذي يشغل مساحة واسعة من حارتهم. لمحها بشرفة غرفتها وكأنها خرجت تبحث عن شئ، ولكنها عادت حانقة تزفر بضيق حينما رأته أمامها بابتسامة جانبية خبيثة.
وحدها هي من تعرف مغزاها. غمغم بصوت خفيض:
"والله وبقى ليكي بلكونة عالية يا ست نيرمين تبصي فيها على الخلق اللي تحت من فوق وتقرفي كمان منهم. هه الله يرحم."
"بتقول حاجة يا أستاذ سعد؟"
"ها؟ إنت بتقول إيه؟"
أجفل منتبهًا على سؤال صبي القهوة وهو يضع أمامه كوب الشاي ومعه كوب آخر زجاجي للماء. فعاد الصبي قائلًا:
"أصل افتكرتك بتكلمني بس شكلك كدة كنت بتكلم نفسك؟"
قال بصيحة أجفلت الرجال الجالسين بقربه:
"وإنت مالك إنت؟ أكلم نفسي ولا أكلم خيالي حتى. إنت آخرك تحط قدامي الشاي وإنت ساكت، فاهم ولا لأ؟"
مط الفتى شفتيه بنظرة أثارت حنق الآخر:
"فاهم طبعًا يا أستاذ سعد. بس إنت ما تزعلش نفسك."
قالها وتحرك ذاهبًا. أمامه فجز سعد على أسنانه ينوي إيقافه بوابل من الشتائم، ولكن نظرة واحدة نحو السيارة الأنيقة التي دلفت داخل الحارة ألجمته، فتابع بعينيه حتى توقفت السيارة أمام المنزل الكبير وترجل منها الشاب الأنيق بحلته الرائعة وحذائه اللامع. شعره الكستنائي المصفف بعناية على بشرته الخمري ونظارته السوداء والحاجبة لون عينيه الخضراء. لفتت كالعادة نظرات الفتيات نحوه من أهل الحارة بإعجاب واضح. لوح بيده ناحية الجالسين بالقهوة فهلل الرجال مرحبين بأصواتهم العالية بمرح، وعلى رأسهم كان صوت صبي القهوة:
"يا ألف مرحب يا حسين باشا، مساء الفل على عيونك."
تنفس بعمق ليجلي عن صدره قليلًا هذه النيران المشتعلة بداخله، وهو يرى تجاهل هذا المتعجرف بتحية خاصة له ليساويه بالبقية. تمتم داخله وهو يتناول الهاتف:
"ماشي ياسي حسين، خليك كدة فرحان بنفسك."
بحث قليلًا داخل صفحته الخاصة بإحدى وسائل التواصل الاجتماعي، فتبسم بانتشاء حينما وصل لمقصده، وهي كانت صفحته!
***
يغتلس نحوها النظرات وهو يقود سيارته، لا يصدق أنها بجواره الآن باختيارها. جالسة في المقعد الأمامي ساندة رأسها المائلة على خلف المقعد باسترخاء، مكتفة ذراعيها وهي تنظر من نافذة السيارة في الخارج بشرود. يؤلمه حزنها هذا وهو يشعر بالعجز في التصديق أو التكذيب لما قد قاله عصام، منذ لحظات. يفتقد الراحة التي كان ينشدها بعد اكتشاف الحقيقة، حتى لو كانت ناقصة أو مزيفة، ولكن وضح أمامها جليًا الآن صدق حديثه معها. ولكن أين ستأتي الراحة لو صدق فعلًا ما قاله عصام ولم يكن كاذبًا؟
أجلى حلقه قبل أن يخاطبها قائلًا:
"تفتكري الكلام اللي قالوا عصام النهاردة دا كان صح؟"
ردت بصوت هادئ على نفس وضعها برأسها المائلة نحو نافذة السيارة:
"وإيه اللي هايخليه يكذب؟"
هز أكتافه باضطراب:
"يعني... يمكن عايز يفتح مجال للحديث معاكي ويظهر لك براءته."
"أفندم!"
اعتدلت رأسها لتنظر إليه بإجفال:
"يعني إيه كلامك دا بقى؟"
مط شفتيه فقال:
"أنا بفترض يعني عشان بصراحة الكلام دا لو صح، هايبقى الوضع خطير قوي."
ضيقت عيناها تهز رأسها باستفسار، فتابع مستطردًا:
"أصل معنى كلامه إن الخيانة جات من حد قريب مننا أوي وكان على علم بعلاقتي أنا وفاتن وعلاقة عصام بيا."
أومأت صامتة، فأكمل:
"بس المهم بقى هو إنك عرفتي واتأكدتي بنفسك من براءتي من كل التهم اللي اتهمتيني بيها."
أطرقت رأسها مسبلة عينيها فقالت بصوت خفيض:
"هاتصدقني لو قولتلك إني كنت أفضل إني معرفش؟"
سألها باندهاش:
"ليه بقى؟"
أجابت بحزن:
"على الأقل أنا الأول كنت فاكرة إنها حبت واحد خاين وغدر بيها واتخلى عنها. صدقني رغم قسوة الفكرة، بس دي أرحم بكتير من إني أكتشف إنها اتعرضت لحالة اغتصاب من مجهول ودفعت تمن ذنب مارتكبتهوش. دا إحساس صعب أوي، إن ماكانوش بشع."
أشاحت بوجهها عنه حينما شعرت بالخط السائل لدمعاتها التي تدفقت مرة أخرى على وجهها. تنهد هو بثقل وهو يضرب بكفه على مقود السيارة، لاعنًا عجزه عن كشف الحقيقة بوقتها. ساد الصمت بينهم في محيط السيارة لعدة لحظات قبل أن يقطعه هو قائلًا:
"طب أنا مش عايز أفكر عليكي المواجع، بس أنا عندي فضول أسألك، هي ماتت إزاي؟"
التفتت إليه قائلة بغموض:
"تصدق معرفش؟"
"نعم!!"
"حقيقي معرفش. هي سافرت مع عمتي ووالدها وانقطعت أخبارهم. وبعدها وصلنا خبر موتها. عمتي ادعت إنها ماتت بحمى شديدة وأهلي طبعًا صدقوا. لكن أنا بما إني كنت عارفة بخبر حملها، فا أنا كنت متأكدة إنها ماتت بسبب تاني خالص، إن ماكنوش دفنوها بإيديهم."
انزاحت عيناه عن الطريق فالتفت إلى عينيها الجميلتين وهي تنظر إليه بصفاء رغم حزنها، فقاوم هذه المشاعر التي انتابته في هذا الوقت الصعب قائلًا:
"على فكرة مدام ماشوفتش بنفسك، يبقى مش لازم تكون فكرتك صح عن قتلها."
أجفلته سائلة:
"تفتكر تكون فاتن عرفت المجرم اللي اغتصبها وهي متخدرة؟"
أجابها وهو يلتفت للطريق:
"العلم عند الله وحده."
***
بداخل غرفتها كانت شروق مستلقية على فراشها، تتحدث في الهاتف مع صديقتها إيمان وتتلاعب بخصلات شعرها بدلال:
"يابت يامتخلفة إنتي افهميني بقى، مابيعرفش يقول كلام حلو، دي طبيعته أعمل إيه أنا بقى؟"
وصلها الصوت الساخر:
"والنبي إيه؟ بقى الحليوة ده اللي عامل زي نجوم السينما مش عارف يقول كلام حلو. بطلي كذب بقى وافتري بقى، ماحدش ياختي هايقرا عليكي اطمني."
قالت بابتسامة مرحة:
"يعني بعد دا كله وتقولي مافيش قر؟ والنبي أنا خايفة لتحصلي حاجة من عيونكم الفقر دي يا فقر."
"بقى أنا فقر يا شروق؟ وهان عليكي تقوليهالي في وشي كدة؟ دا بدل ما تظبطيني وتجوزيني أخوه، حتى عشان نبقى سلايف."
على صوت ضحكاتها وهي تضرب بكف يدها على جبهتها بيأس:
"هههههههههه أنا عارفة، والنعمة كنت متأكدة إنك بتلفي وتدوري في الكلام، عشان توصلي في الآخر للكلمتين دول."
"طب اعمل بس يابت ياشوشو؟ أصل الجدع أخوه ده من ساعة ما شفته في خطوبتك وأنا عامل لي جنان في عقلي. أصله حليوة أوي."
ردت عليها بدلال:
"اممم بس برضوا مش أحلى من حسين."
قالت خلفها معترضة:
"لا بقى في دي أنا أخالفك بالقوي. أينعم خطيبك حليوة لكن أستاذ علاء، يا أختي عليه رجولة كدة وعضلات، حاجة كدة من الآخر مزيج بين الحلاوة والخشونة."
صاحت فيها بمرح:
"آه يافاشلة يامستهترة، بتوصفي في الراجل من غير خشية ولا حيا. طب التفتي لمذاكرتك الأول وإحنا في آخر السنة وقربنا من الامتحانات."
شهقت صديقتها متذكرة:
"فكرتني صحيح، ليدر الدفعة نزل في جروب الكلية جدول المحاضرات الجديد. إنتي شوفتيه؟"
اعتدلت بجزعها على الفراش تتناول شروق من على الكمود الحاسب الآلي المحمول (اللابتوب) تفتحه وهي ترد على صديقتها:
"لا لسة ما شفتهوش. خليكي معايا بقى عشان أشوف النظام إيه؟ إيه ده؟"
"إيه في إيه؟"
"استني يا إيمان أشوف الرسايل دي اللي وصلتني من حساب غريب."
هتفت إيمان عليها محذرة:
"حساب غريب؟ طب أوعي أحسن يكون هاكر ولا حاجة."
"يابت إنتي كمان أنا ما فتحتش لينك ولا فيديو... دي مجرد صور بتحمل و...."
"يانهار أسود!"
"إيه في إيه؟"
هتفت شروق بغضب:
"دي صور لحسين يا إيمان."
"حسين خطيبك يا شروق؟"
"أيوه هو زفت. متصور وهو حاضن واحدة أجنبية بكل جرأة وهي قلعة أكتر ما لابسة. السافل الخاين. قال وعامل فيا فيها شيخ. وديني لألطين عيشته."
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل السادس عشر 16 - بقلم امل نصر
تقدم بخطواته داخل الشقة متعجبًا من حالة الصمت التي تسود المكان في هذا الوقت من اليوم. رمى سلسلة مفاتيحه على المنضدة الصغيرة والتي توسطت الصالة، مناديًا بصوته:
يا ام علاء.. يامّا.. انتي فين يام علاء؟
قالها وهو يتجول داخل البيت باحثًا عنها. حينما لم يجدها في المطبخ، أكمل بحثه عنها داخل غرفتها فلم يجدها أيضًا. ساوره الشك فبحث في باقي أرجاء الشقة بقلق، وقلبه يحدثه بالأسوأ. حتى تفاجأ بها تدلف من الباب الخارجي وابتسامة جميلة تُزين محياها.
حمدالله عالسلامة يامعلم علاء.
تنهد ارتياحًا بصوتٍ عالٍ قائلًا بتعب:
انتي كنتي فين بس يامّا؟ قلقتيني عليكي.
ازداد اتساع ابتسامتها وهي تخطو بخطواتها البطيئة قائلة:
سلامتك يانور عيني من القلق ولا أي حاجة تعكنن مزاجك حتى.
شقت ابتسامة سعيدة وجهه، هو يقترب منها من نصف المسافة، يلف ذراعه على كتفها ويقبل رأسها:
يدوملي يارب لسانك الحلو ده اللي بينقط عسل زيك ياعسل انتي.
ضحكت بسعادة وهي تستقبل قبلاته على رأسها، حتى أجلسها على الأريكة وجلس معها وسأل:
قوليلي بقى كنتي فين ياقمر؟
كنت في السطح ياعيون القمر.
بتعملي إيه في السطح يامّا؟
حاجة بسيطة ياحبيب قلبي.. طلعت أنشف سجادة المطبخ بس على سور العمارة بعد ماغسلتها.
تغير لون وجهه فقال بتوتر:
نعم!! انتي إزاي تعملي كدة بس يامّا؟ هو انتِ حمل رفع سجادة ولا حتى غسلها.. انتي عايزة تتعبي وتتعبيني معاكي ياست الكل.
قالت بمهادنة:
براحة شوية يابني براحة.. وسيبني أكمل كلامي.. أولًا أنا مطلعتش لوحدي أنشرها.. أنا كان معايا جارتي وحبيبتي أم إبراهيم.. دي شالتها لوحدها تطلع بيها السلم وأنا كنت بساعد معاها على الخفيف كدة.
نظر إليها بلوم قائلًا:
لكن غسلتيها الأول ياما وتعبتي فيها دا غير إنك تعبتي معاكي جارتك كمان.. وأنا منبه عليكي من الأول ماتتعبيش نفسك في شغل البيت.. مش كفاية إنك رافضة موضوع أجيبلك خدامة مخصوص.
يابني وأنا مالي بس بالخدامة المخصوص.. ما الست اللي بتيجي في آخر الأسبوع بتقلب البيت من فوقه لتحته تنضيف.. ودي سجادة المطبخ يعني حاجة خفيفة قوي ومكنش ينفع أسيبها لآخر الأسبوع بعد ما اتدلق عليها كوباية اللبن كانت في إيدي من غير قصد.
نظر إليها بحنان معاتبًا:
كمان يامّا.. طب كنتي استنيني على ما أرجع وأعملك كل اللي انتي عايزاه.. ياإما بقى توافقي على موضوع الخدامة وماتتعبيش قلبي معاكي.. ياشيخة دي نيرمين ال..... استغفر الله العظيم يارب.. عندها بدل الخدامة اتنين.
تغير وجهها فجأة من لفته، قبل أن تغير دفة الحديث لناحية أخرى:
أنا ماليش دعوة بحد يابني.. المهم بقى انت كنت راجع مع الأبلة فجر منين؟
رفع رأسه مجفلًا:
هاا
ابتسمت زهيرة بمرح قائلة:
إيه هو اللي ها؟ بسألك كنت راجع مع الأبلة من فين؟ هو السؤال صعب قوي كدة معاك لدرجادي؟
بابتسامة مستترة هز رأسه:
بقيتي خبيثة قوي ياحجة زهيرة وعفريتة كمان في كلامك.. يعني البنت قابلتها صدفة ووصلتها بقى معايا.. فيها حاجة دي؟
امممم .. لأ ياحبيبي مافيهاش حاجة. دا إحنا حتى أهل ونسايب.. ولا إيه يامعلم علاء.
نهض فجأة من جوارها يقاوم رغبة ملحة للابتسامة فقال:
أنا قايم أريح شوية عشان أنا حاسك كدة بتلمحي لحاجات ....
ضحكت وهي تنظر لأثره مرددة:
قوم ياخويا قوم.. على العموم مش أنا بس اللي خدت بالي.. أمها كانت معايا وخدت بالها هي كمان.
***
بعد أن بدلت ملابسها وارتدت بيجامة منزلية مريحة، توجهت فورًا لغرفة شقيقتها. طرقت بخفة على باب الغرفة قبل أن تفتحه وتدلف لداخلها مرددة:
مساء الخير ياشروق.. كنت عايزة الشاحن بتاعك؟ عشان أنا تليفوني فصل شحن والشاحن بتاعي مش شغال.
ردت عليها بتمتمة:
الشاحن على المكتب عندك خديه.
همت تتناوله وتخرج، ولكن لفت نظرها وجه شقيقتها العابس وجلستها الغريبة على تختها وهي مريحة ذقنها على قبضتيها المضمومتين وساندة بمرفقيها على قدامها المتربعة. هاتفها يصدح بجوارها على الفراش ولا تعيره أدنى اهتمام. فسألتها بتوجس:
مالك ياشروق والتليفون اللي بيرن جمبك ده مابتروديش عليه ليه؟
دا رقم حسين وأنا مش عايزة أعبره.
نعم!!
رمشت بعينيها متعجبة قبل أن تتناول كرسي صغير تقربه منها، وقالت:
والنبي إيه؟ ودا من امتى إن شاء الله؟ وحضرتك بقى مش عايزة تردي عليه ليه بقى؟
عشان اتخانقت معاه؟
ياشيحة!! طب ممكن أعرف بقى اتخانقتي مع خطيبك ليه ولا دا سر ومش مسموح لي أعرفه؟
اعتدلت في جلستها وهي تتناول الهاتف الذي صمتت رناته:
طبعًا ياحبيبتي مسموح إنك تعرفي وتشوفي بنفسك كمان أخلاق أخينا دا اللي عامل نفسه ملاك وهو مقضيها مع النسوان الأجانب.
حدقت بعينيها فجر على الصورة التي بهاتف شقيقتها، فسألتها:
دا هو نفسه حسين! معقول؟ بس انتي عرفتي تجيبي الصورة دي إزاي؟
الصورة وصلتني من حساب مجهول من واحدة بتحذرني منه ومن أخلاقه الزفت.
وانتي بقى أي واحدة تحذرك من خطيبك تقومي مصدقاها على طول.
يعني إيه؟
سألتها بريبة. فردت فجر على سؤالها بسؤال:
طب انتي لما سألتيه قالك إيه؟
قالت بتعصب:
هو عارف يرد حتى.. دا كل اللي عليه يقولي الكلام في التليفون ما ينفعش و تعالي أقابلك وأشرحلك بالتفصيل.. هو أنا طايقة اسمه الخاين ده عشان أقابله وأقعد معاه كمان.. وإيه التبرير ده اللي هايقدمه بعد ما شفت الصورة بنفسي والخاوجاية حضناه بكل سفالة وقلة أدب وبتبوسه في خده.
نهضت من أمامها قائلة بهدوء:
يبقى تروحي تقابليه وتفهمي منه كويس.. حسين لو خاين صحيح كان هايعرف يثبتك بكلمتين بمجرد ما واجهتيه في الفون.. ثم إن البنت اللي بعتت الصور دي واضح قوي نيتها سيئة للتفرقة ما بينكم.. ماتديش فرصة لحد يفرق ما بينكم واسمعيه الأول.. وبعدين احكمي بنفسك.
أوقفتها قبل أن تخرج من الباب:
بس أنا دمي بيغلي منه يافجر.. وهاين عليا أروح أولع فيه شعره الناعم ولا أبوظ وشه اللي فرحان بيه ده.
ابتسمت فجر رغم الألم القابع بداخلها:
طب افهمي منه الأول ولو ما اقتنعتيش يبقى اعملي فيه ما بدالك.. إن شاء الله حتى تسخطيه قرد مسلسل.
***
في المساء كانت سميرة بداخل غرفتها تتحدث باستفاضة عن أحداث يومها كالعادة، وزوجها الذي ينظف بمحرمة ورقية إطارات نظارته.. يستمع بتركيز مع كل حرف خارج منها حتى سألها مستفسرًا:
طب وانتي ما سألتيش بنتك ليه وعرفتي منها؟
اه ياخويا وتفتكر بقى لو سألتها هاتقول الحقيقة؟
قطب حاجبيه فقال بدهشة:
وتكدب ليه بقى؟ إذا كان هو نفسه قال لوالدته إنه شافها صدفة فقام بتوصيلها معاه في سكتُه.
مالت برقبتها أمامه تشير بسبابتها على جانب رأسها:
لا والنبي.. وأنا بقى هايدخل في مخي الكلام ده ولا حتى هاصدق كلام بنتك اللي أنا متأكدة إنها هاتكدب فيه هي كمان؟
زفر شاكر رافعًا عيناه للأعلى:
طب ياأم العريف.. ممكن بقى تفهميني انتي وجهة نظرك إيه عشان أفهم أنا بدل اللف والدوران ده معايا في الكلام.
قربت وجهها إليه وهي تردف بعينٍ خبيرة:
أنا قصدي أوصلك ياحبيبي إن بنتك اللي كانت منشفة راسها الأول من ناحية علاء ابتدت تحن وتميل له.. وحتى هو كمان حاساه ما اتأثرش برفضها ليه ولا حتى بان إنه زعل منها.. ودا طبعًا بغض النظر عن غضبه في ساعتها.. ساعة الرفض.
وضع النظارة على عينيه مسهمًا بتفكير فتابعت:
أنا شفت بنفسي نظرتهم لبعض النهاردة وهما خارجين من عربيته.. دي مش نظرة اتنين كارهين بعض ولا حصل ما بينهم عرض بالجواز والرفض.. دول بيتكلموا عادي ولا كأنهم يعرفوا بعض من سنين حتى وبينهم مواضيع للكلام.
مط شفتيه وهو ينظف بسبابته داخل أذنه:
هو كلامك معقول.. بس برضوا ممكن تفسيراتك دي وتحليلاتك دي كلها تبقى غلط أو من وهم خيالك.. لكن إن كان عليا أنا أتمنى.. علاء دا راجل وبنتك لو لفت الدنيا بحالها مش هتلاقي واحد في زيه ولا أخلاقه.
***
وفي الجانب الآخر كان جالسًا على تخته بنصف نومة.. مكتفًا ذراعيه خلف رأسه.. مستندًا على قائم السرير وقد جاف عينيه النوم بعد أن تزاحمت بعقله ذكريات الماضي وما يحدث الآن في الحاضر.. وما سيترتب على صحة ما سمعه اليوم من عصام صديقه القديم، الذي كان له بفترة من الزمن أقرب إليه من سعد نفسه صديق الطفولة والجيرة أيضًا.. قصة حبه القديم التي انتهت بجرحٍ غائر أفقده الثقة في جميع النساء لفترة طويلة من السنوات.. قبل أن يقابل جنيته الصغيرة التي خطفت لب قلبه من أول وهلة في رؤيتها.. وللعجب العجاب تبقى قصتها مربوطة أيضًا بجرحه القديم.
تنفس بحريق من داخل أعماقه.. لا يدري متى ينتهي من عذاب قلبه وكيف السبيل لحل تسلسل عقده التي ليس لها نهاية. اعتدل على الفراش بجذعه لينزل بقدمه على الأرض ويتناول علبة سجائره مع علبة كبريت فقد فوجئ بتعطل قداحته.
خطا ناحية شرفته وقبل أن يدخلها كانت السيجارة في فمه.. أخرج عودًا ثقاب ليشعل به سيجارته ولكنه توقف بيده في الهواء قبل أن يصل بالعود المشتعل إلى السيجارة داخل فمه بعد أن تسللت رائحتها المسكرة إلى صدره.. التف برأسه ناحية شرفتها فوجدها بهيئتها التي ذكرته برؤيته الأولى حينما سحرته بنعومتها وجمالها.. مستندة على سور شرفتها وشعرها المتمرد يتطاير حول رأسها بحرية.. استفاق من شروده حينما شعر بلسعة نيران عود الثقاب التي وصلت إلى أصابع يده.. نثرها من يده ورمى أيضًا السيجارة من فمه.. فما فائدتها لو غطت برائحة تبغها على رائحة الطيب من جميلته.
تحمحم بصوتٍ واضح ليصل إلى أسماعها وهو ما حدث.. التفتت إليه برأسها فقال هو بتردد:
أنا قولت أعمل صوت عشان ما أزعجكيش زي المرة اللي فاتت.
أشاحت بوجهها قليلًا بخجل قبل أن تعود إليه بابتسامة صافية منها فاجأته:
متشكرين أوي يا معلم علاء على ذوقك.. وممنونين جدًا عالتقدير.
ابتسامتها كانت بسيطة وخجلة.. لكنها جعلت الدماء تضخ داخل قلبه بسرعة مجنونة.. وصوت دقاته تصل لأسماعه كطبولٍ أفريقية.. حاول التحكم بهذا الهذيان الذي أصاب عقله.. حتى يستطيع إخراج جملة مفيدة معها. فتنحنح قائلًا بصوتٍ مهزوز:
ما أنا مش عايز أكرر غلطي.. حكم انتي المرة اللي فاتت بصيتلي بغدرة كدة ولا كأنك قطة شرسة وهاتهجم عليا.
هنا رنت صوت ضحكتها: "آه.. دلوقتي بس عرفت المجانين بيتجننوا إزاي". هذا ما حدث بهِ نفسه وهو يشعر بالخدر الذي أصاب أطرافه.. من رؤية ضحكتها الصافية والتي زادت من جمال وجهها بروعة.. خبأت ضحكتها فجأة وتغير وجهها وهي ترد:
أنا المرة اللي فاتت كان عندي أسباب عشان أكرهك بيها من قبل ما أشوفك.
يعني انتي دلوقتي ماعدتيش بتكرهيني؟
رفعت عيناها إليه مجفلة فحدقت إليه للحظات صامتة قبل أن تجيب:
مش عارفة بس أنا اكتشفت إني كنت ظالماك في حاجة انت ملكش ذنب فيها.. دا غير إني اكتشفت إن انت نفسك كنت مجروح.
مط بشفتيه أمامها وهو يعيد كلماته برأسه فأطربت أسماعه وأنعشت بداخله الأمل. فتابعت هي بسؤال:
طب احنا دلوقتي هانعمل إيه؟
قطب حاجبيه فسألها ببلاهة:
في إيه؟
رفعت عيناها وهزت رأسها بيأس فتذكر هو:
آه.. انت قصدك يعني عن موضوع الكلام اللي ذكره عصام؟
أومأت برأسها إيجابًا فقال متنهدًا في البداية:
أولًا احنا لازم نتأكد من صحة الكلام الأول.
قالت بسرعة وتعصب:
أنا متأكدة من صدق كلامه.. عشان متأكدة جدًا من أخلاق فاتن.
أطرق بعينيه أرضًا وشعر بالأسف قبل أن يتكلم:
أرجوكي ما تاخديش كلامي بمحمل على فاتن.. بس أنا راجل عشت سنين على مشهد إنها خانتني مع أعز أصحابي.. ودي حاجة أثرت جدًا في نظرتي ناحية الستات وأفقدتني الثقة في كل الناس.
وضح التفهم على ملامح وجهها فأثبتت هي بالقول:
أنا فاهماك على فكرة ومش بلوم عليك.
تنهد بارتياح وشعور بالسعادة يتسلل إليه رويدًا رويدًا.. فقال بعملية:
خلاص ياستي مدام بقينا متفهمين يبقى هاقولك على اللي بفكر فيه.. أنا من بكرة إن شاء الله هادور على البنت الخدامة اللي كانت شغالة عند عصام.
هزت رأسها بحماس وأكملت على قوله:
حلو أوي ده.. لأن البنت دي أكيد عندها حل السر اللي دوخنا طول السنين اللي فاتت.. وأنا كمان هحاول ألاقي طريقة تعرفني عن الفترة القليلة اللي قضتها فاتن في الصعيد قبل ما تموت.. يمكن يكون في حاجة تهمنا فيها.
أومأ برأسه عن رضا:
تمام.. وأهو منها برضوا تعرفي هي ماتت بجد ولا حاجة تانية.
أومأت هي أيضًا.. فسره جدًا نظرة الأمل بعينيها ورغم قساوة الوضع ولكنه وجد أخيرًا شيئًا يربطهم ويقرب بينهم.. شعرت بالحرج حينما طال الصمت بينهم فاستأذنت للعودة لغرفتها.. وتركته هو يتأمل الكون حوله بنظرة أخرى بعيدة كل البعد عن السابق.
***
في اليوم التالي.
خرج من داخل ورشته يهلل بترحيب:
دا أنا الصبي لما قالي جوا ماصدقتش.. نورت الورشة ياعلاء باشا.
تقبل علاء عناقه والترحيب بمودة حقيقية لصديقه وجاره منذ الطفولة:
وحشتني ياسعد.. ووحشتني أيامك.
شدد على كفه قائلًا بمرح:
ما انت ياعم عزلت وقولت عدولي.. تعالي اتفضل معايا جوا الورشة عشان أفرجك كمان على شغلي الجديد.
خليها مرة تانية ياحبيبي.. المهم خلينا نتكلم احنا هنا عشان عايزك في موضوع ضروري.
جلس الاثنان على مقعدين من الخشب وفي الوسط طاولة خشبية أيضًا صغيرة خارج الورشة.. فسأله سعد بفضول:
موضوع إيه بقى اللي كنت عايزني فيه.
اصل بصراحة أنا كنت عايز أسألك عن حاجة قديمة كدة مر عليها سنين.. بس أنا قولت يمكن يكون عندك خبر ولا تعرف حاجة عنها.
عقد حاجبيه بدهشة فسأل:
عن مين بالظبط؟ وموضوع إيه دا اللي مر عليه سنين؟
تنحنح علاء يلمس أربنة أنفه بتردد قبل أن يقول أخيرًا:
يعني.. اصل أنا كنت قابلت عصام.. عصام صاحبنا القديم انت تعرفه؟
جحظت عيناه واشتعل صدره بالغضب بمجرد سماع الاسم فقال بحدة:
ماله الخاين ده؟ وهو ليه عين كمان يشوفك ويفتح معاك مواضيع وانت إزاي تسمحله أساسًا؟
قاطعه علاء:
فيه إيه ياسعد؟ استنى واديني فرصة أتكلم.
حاول تنظيم أنفاسه الهادرة داخل صدره فقال:
معلش يا علاء.. بس انت عارف إني قطعت علاقتي مع البني آدم ده من زمان من ساعة ما عرفت منك موضوع خيانته ليك.
قال الأخيرة مشددًا على الأحرف لفت نظر علاء الذي رد:
يابني ما أنا عارف كل كلامك ده.. أنا بس عايز دلوقتي أتأكد من صحة الكلام اللي قالهولي.. وأعرف إن كان صدق ولا كذب.
شحب وجهه بصدمة وهو يستمع لعلاء وهو يسرد كلمات عصام فقال:
يعني هو بعد السنين دي كلها ما افتكرش يقولك الحقيقة غير دلوقتي وانت بكل سهولة كدة صدقت؟
يابني أنا لا صدقت ولا كذبت.. أنا بس عايز أشوف البنت الخدامة دي وأسألها عشان أفهم.
بصق جملته قائلًا:
وأنا مالي بقى؟
انت مالك إزاي بقى؟ هي البنت دي ماكنتش قريبتك برضوا؟
ضرب على الطاولة التي أمامه بعنف وهو ينهض عن مقعده يهدر صائحًا بغضب:
أنا ما عنديش قرايب خدامين ياعلاء.
ربت علاء على ذراعه بمهادنة:
طب اهدى طيب واقعد.. الناس في الشارع بتبص علينا.
عاد للجلوس مرة أخرى وصدره يعلو ويهبط من الغضب وهو يردد:
ما انت بتقول كلام يعصب ياعلاء.. أنا البنت دي لما قدمتها للزفت عصام.. كان على أساس إنها معرفة من ناس قرايبنا وكان صعبان عليا حالها وأمها التعبانة.. يعني مش قريبتي يا عم.. دي كانت مجرد معرفة وراحت لحالها.. يعني ماعدتش أعرف عنها حاجة.
ثم أردف بغل:
هو لدرجادي الجدع ده عرف يلف دماغك من قاعدة واحدة؟
ظهر الغضب على وجه علاء وهو يرد عليه بحدة:
أنا مش عيل صغير ياسعد عشان يجي حد ويلفني بسهولة.
صمت الآخر يشيح عنه بنظره فأجفله علاء بسؤاله:
ألا صحيح ياسعد.. لما قابلك عصام زمان عشان يوسطك ما بيني وبينه.. ما قولتليش انت ليه على الموضوع ده.
تحركت شفتاه بتوتر مرددًا:
هااا
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل السابع عشر 17 - بقلم امل نصر
حانقة.. غاضبة.. تهز اقدامها بعصبية تحت الطاولة الجالسة عليها أمامه في المطعم الشهير والذي كان قد وعدها منذ فترة قريبة.. لصحبتها في زيارته.. وفي أعلى الطاولة كانت مستندة عليها بمرفقيها وهي تستمع لتبريره بأعين متوسعة كبركتي عسل بلونهم ..مكورة شفتيها كالأطفال على وجهها الذي تخضب بحمرة قانية من الغضب.. هيئتها الشهية اخرجته من تركيزه بضع مرات فازداد غضبها منه وازدادت رؤيتها تسلية بعيناه وهو يكبت ابتسامة ملحة بصعوبة عن وجهه.
- يابنتي زي مابقولك كدة.. هو دا كل اللي حصل.
برقت عيناها اكثر تهتف :
- ياسلام.. وانا بقى عيلة صغيرة ولا هبلة عشان اصدق حاجة زي دي.
رد بابتسامة مستترة:
- صغيرة دا إيه بس ياشوشو؟ دا انت عاقلة وست العاقلين كمان .
قالت غاضبة:
- بلاش أسلوبك ده معايا ياحسين.. عشان انا حساك بتسخر مني ومن كلامي.
لم يستطع كبح ابتسامته وهو يردف:
- أسخر من مين بس يابنتي؟ هو انتي في حد يقدر يسخر منك برضوا ياقمر؟
ارتخت ملامح وجهها قليلًا ولكنها قاومت الضعف امامه.. فقالت بإصرار:
- طب قولي الحقيقة واعترف ان كانت البنت دي حب قديم ولا انت عملت معاها علاقة.. وانا هاصدقك واسامحك لو قولت الحقيقة.
- حب او علاقة!! هههه
دون ارادته.. دوت الضحكة بصوتٍ عالي قبل أن يكبتها بوضع كفه على فمه.. راقبته لعدة لحظات وهو يقهقه بصوتٍ مكتوم ولا يستطيع التوقف.. مما اثار استيائها اكثر.. فنهضت عن كرسيها بعنف
- ماشي ياحسين.. خليك انت كدة اضحك مع نفسك وانا ماشية وسايباك .
امسك بمرفقها يوقفها بحزم قبل ان تذهب:
- استني بقى واقعدي ياشروق.. الناس بتبص علينا.. اقعدي بقى عيب.
أجفلت على النظرات الفضولية حولها فجلست مضطرة وهي تطحن اسنانها غيظًا:
- هما دقايق بس ياحسين هاقعدهم.. ولو فضلت فيهم تتكلم وتضحك بأسلوبك الساخر ده مني و من عقلي.. هاقوم واسيبك وابقى دور بعد كدة بقى على حاجة تصالحني بيها.. عشان انا مش هاسمحلك نهائي.. وان شالله حتى تتفسخ......
- اوعي تكمليها لازعل بجد وربنا .
قاطعها بجدية حقيقية بوجهٍ ذهب عنه المرح.. فتابع جديته بصوتٍ أجش ممسكًا بكفها:
- انا مش بستهزأ بيكي.. انا بس شايف ان الموضوع كله هزار ومش مستاهل لخناقة مابينا انا وانتي
رقت قليلًا من نبرته فقالت ببعض الرزانة:
- انت شايفه موضوع مش مستاهل و انا شايفة العكس.. يبقى تفهمني الحقيقة.
- يابنتي ما انا قولتلك.. كانت لعبة هزار من واحد صاحبي.. حب يعمل فيا مقلب مع مجموعة من الزملا لما كنا في حفلة لشركة السياحة اللي كنت بشتغل فيها الأول قبل ما استقل وافتح شركة لوحدي.. ودا كان في سهرة مع وفد سياحي.. صاحبي ده زق البنت الخوجاية دي تيجي ترزل عليا وفي نفس الوقت كان هو بيصور اللي حاصل.
سألته بشك:
- يعني الموضوع رزالة بس ومافيش أي حاجة تاني؟
هز رأسه بالنفي وهو يبتسم بسعادة:
- وحياة غلاوتك عندي.. مش أكتر من كدة.. دا صاحبي عمل المقلب دا مخصوص نكاية فيا عشان انا كنت دايمًا مقفل وسطهم .
- طب وانا إيه اللي يخليني اصدق؟
حدق بعيناها الجميلتان يقول بصدق رأته جليًا في عيناه
- عشان انا مش هانكر لو كنت كدة فعلًا.. الموضوع ده مر عليه اكتر من سنتين يعني مكنتش لسة شوفتك ولا عرفتك عشان تتحسب عليا خيانة.. بس انا اللي مستغربه بجد هي ازاي وصلتك الصورة!
- أهي وصلتني وخلاص..
- يعني مش هاتقولي على المصدر ؟
قالت بتحدي:
- لأ مش هاقول ياحسين.. عندك مانع ؟
رفع حاجبه بتسلية:
- ماشي ياشروق.. المهم بقى انتي صدقتيني ولا لسة برضوا مصممة عاللي في دماغك.
هزت كتفها وقالت بدلال:
- مش عارفة؟
ازداد اتساع ابتسامته فقال بمرح وهو يشير بيده للنادل:
- بس انا عارف.. مدام اتكلمتي كدة باسترخاء نسبي يبقى بدأتي تحني.. نكمل عتابنا بقى واحنا بنتغدى.. تحبي اطلبلك إيه؟
............................
مع قرب انتهاء اليوم الدراسي وخروج الطالبات من غرفة الحاسبات بعد انتهاء حصتها معهم.. وقفت تلملم أشيائها وتضعهم بحقيبتها اليدوية.. قبل ان تنصرف هي الاخرى وتعود لمنزلها.. وسط انهماكها وصل لأسماعها صوت صفير من الفم بصوتٍ خفيض .. رفعت راسها لتتبين مصدره ناحية الباب المفتوح بمواربة صغيرة ولكنها لم تجد احد فعادت لما تفعله فتكرر الصوت مرة أخرى واثنان وهي ترفع عيناها ولا تجد سوى الهواء.. زفرت بغيظ وهي ترجح بانها معاكسة من إحدى الطالبات لتستفزها فتناولت عصا خشبية تستخدمها ساعة الضرورة في التدريس وذهبت لتفاجأ من يشاكسها .. رفعت يدها الممسكة بالعصا بتحفز وهي تمسك بمقبض الباب لتفتحه لتباغت من يقف خلفه. لتفاجأ بشهقة انثوية ضاحكة :
- حاسبي يا ابلة فجر انتي هاتضربي صاحبتك ولا إيه؟
فغرت فاهاها بشهقة هي الأخرى مشتاقة لصديقتها التي ارتمت عليها تعانقها:
- سحر!! وحشتيني يامجنونة.. وحشني جنانك .
سحر وهي تشدد عليها بذراعيها وهي تقهقه بمرح:
- مش اكتر مني يا فجر وربنا.. مش اكتر مني .
بشويش ياجماعة على نفسكم.. دول اخرهم اسبوعين فراق مش سنين يعني .
نزعت فجر نفسها عن صديقتها مجفلة على هذا الصوت الساخر لشابٍ يقف خلف سحر مباشرةً لم تراه هي في خضم انشاغلها بمعانقة صديقتها سوى الاَن.. نظرت لسحر باستفسار فوجدتها تبتسم بسعادة فسألتها بمشاكسة:
- اوعي تقولي انك معرفتهوش؟ والنعمة ازعل منك .
رفغت فجر عيناها اليه مرة اخرى فهزت براسها ضاحكة حينما تذكرت ملامح وجهه:
- لا ماتزعليش مني ياسوسو.. انا دلوقتي حالاً افتكرته من الصور اللي انتي بعتيهالي.. استاذ رمزي صح؟
قالت الاَخيرة وهي تشير اليه بسبابتها.. اومأ اليها هو قائلًا :
- صح فعلًا يا انسة فجر .
رحبت فجر بمصافحته الودودة وانتقلت عيناها لسحر التي تورد وجهها بفرحة جعلت ملامحها تبدوا كامرأة اخرى شديدة الفتنة والجمال .
- طب إيه هانفضل هنا واقفين عالباب والطالبات يبصوا علينا ..تعالوا ندخل جوا الغرفة على الاقل نقعد بدل الوقفة .
..........................
دلف لداخل منزله المتواضع بغضبٍ حارق تتبعه شياطينه حتى أنه لم يلتفت للطفلة الصغيرة التي كانت جالسة على الاَريكة الخشبية والخاصة بوالدته تشاهد التلفاز.. هتفت بمرح:
- خالي سعد.. ازيك ياخالي .
لم يسمعها ولم يرها أيضًا وهو يسرع بخطواتٍ ناحية غرفته.. والتي بمجرد دلوفه إليها صفق بابها يغلقه بقوة اجفلت الطفلة ذات السبع سنوات منتفضة.. وجعلت والدتها تخرج من داخل المطبخ سائلة وهي تجفف يداها:
- إيه الصوت ده؟ هو في حد دخل عندنا هنا يامروة؟
- ايوة ياماما.. خالي سعد ودخل على اؤضته وقفلها عليه كمان من غير مايعبرني ولا يرد عليا حتى.
تمتمت المرأة وهي تخطو ناحية الغرفة:
- خالك سعد!! مش بعادة يعني يجي بدري كدة؟
طرقت بخفة على باب الغرفة فوصلها صوته من الداخل:
- مش عايز اشوف حد .
- انا اختك لبنى ياسعد...
لم تكمل جملتها حينما قاطعها صارخًا بصوتٍ جهوري يصُم الاَذان:
- قولت مش عايز اشوف حد.. ابعدوا عني بقى ابعدوا عني .
ارتدت عائدة لوالدتها في مطبخهم الصغير وهي ترتجف:
- اخويا سعد ماله ياما؟
سالتها نشوى بهدوء وهي متربعة على ارضية المطبخ تنزع بيدها ريش الدجاجة المذبوحة:
- مالوا اخوكي يابت؟
بصوت مرتعش وهي تتربع امامها على الارضية:
- دخل اؤضته زي القطر واما خبطت على باب الاؤضة عشان اشوفه او اسلم عليه.. صرخ عليا خضني وقعد يقولي ابعدوا ومش عايز اشوف حد فيكم..هو ماله يامًا؟
نشوى وهي تعيد الدجاجة داخل إناء المياه الساخنة قبل ان تخرجها مرة اخرى وتكمل ما تفعله:
- يعني هايكون ماله يعني؟ دا واد نكدي يموت لو ملاقاش حاجة ينكد بيها على نفسه وعلى اللي حواليه..لا هو وصغير راضي ولا حتى بعد ما كبر وربنا فتحها عليه راضي.. عيل فقري.
- بس انا خوفت اوي من شخطته فيا ياامّا.. هو انا باجي عندكم كل يوم عشان الاقي منه المعاملة العفشة دي؟.
قالت نشوى بتحدي:
- ليه ياعين امك؟ هو انتي قاعدة في بيته؟ دا انتي قاعدة في بيت ابوكي ومع امك مش مع مراته.. سيبك منه يابت ومن قرفه واستني كدة لما اعملك طبق ملوخية تاكلي صوابعك وراه على مرقة الفرخة دي.. عشان ترمي بيها عضمك ياعين امك .
اندمجت لبنى مع والدتها في حديث الطعام الشهي وتناست سعد وما يفعله ..فسالتها:
- طب مش كان احسن ياما تخلي سيد الفرارجي ينضفها بالمرة بدل تعب القلب ده؟
ردت نشوى باقتناع:
- في بيتنا احسن يابنتي.. عند سيد الفرارجي اكيد هاينقصها من حوايجها!
.............................
وبداخل غرفته كان كالبركان الثائر بنيران الحقد.. صوت انفاسه الهادرة مسموعة بوضوح داخل فضاء الغرفة .. ترتعش مقلتيه باضطراب وهو يستعيد بذاكرته وجه غريمه من وقت أن سمع بإسمه.. والذي عاد الاَن بعد كل هذه السنوات لينبش في الماضي الذي تظل اَثاره عالقة بذهنه ولا تتركه حتى بنومه من أحلام تقبض على صدره لتذكره دائمًا حينما يغفل أو يُحاول المضي قدمًا بحياته فلا ينسى ابدًا ماحدث بوقتها ولا ينسى ما سبقها من سنوات كان يتألم ويحترق فيها صامتًا ولا يشعر به أحد.. نشأته الصعبة وهو صغير حينما كان فقيرًا معدمًا بجسدهِ الضئيل الذي لالطالما أغرى أقرانه الصغار في الحارة ليتنمروا عليه فيسحقوا ضعفه بالإهانة والاعتداء لولا وجود علاء المصري الذي كان رغم صغر سنه يقف بوجههم لمناصرته واخذ حقه وقت الزوم..كان مصدر حماية وأمان له.. أحبه كشقيق لم تلده أمه رغم شعور النقص الذي كان ينموا بداخله مع نمو جسده.. فقد من الله على علاء بالخلقة الحسنة والجسد الرجولي الخشن منذ صغره بالأضافة لمال ابيه وحسبه ونسبه.. عكسه هو الذي كان يرى النقص في كل شئ حوله.. لكنه كان يكيف نفسه ويتعايش مع هذا الشعور البغيض بفضل تواضع علاء معه الذي كان يغدق عليه بالحنان الأخوي بما يخفف عنه.. لكن مع دخول مرحلة الجامعة وتعرف علاء على هذا المدعو عصام ابن الطبيب الشهير.. انقلبت حياته لمرار وهو يرى نمو الصداقة بينهم بتكافئ مذل له.. بل ومهين وهو يرى التفاف الاصدقاء حولهم من فتيات وشباب وكأنهم نجمان متلألاَن.. الكل يتهافت على التعرف اليهم وهو بينهم على الهامش وغير مرئي اطلاقًا وتمر السنوات وتتطور العلاقة ليحتل هذا العصام مكانه في الحارة ايضًا بعد الجامعة.. فيأسر قلوب الطبقة الفقيرة من اصدقاء وجيران لهم.. وكأنه فرد نشأ وتربى بينهم.. وهو على حاله دومًا غير مرئي ولا أحد يشعر به ولا أحد يسمعه صمته.. حتى اتى هذا اليوم حينما راَها بسيارته؟ هي حب عمره وحلم حياته.. في سيارته.. فكانت هي الفرصة.
التمعت عيناه فجأة وهو يعيد بعقله ماحدث.. ويقسم بداخله على النجاة وان كان الله انقصه من نعم كثيرة انعم بها على غيره.. فقد ميزه هو بالدهاء والذكاء.. وكما نجح قديمًا فلابد له من النجاح الاَن ايضًا مهما كان الثمن!
..............................
في المساء
تفاجات فجر وهي تجلس امام شاشة التلفاز تشاهد إحدي البرامج بعودة شقيقتها من مشوارها بصحبة خطيبها بوجهٍ يشع بالسعادة عكس ما خرجت به.. تدندن بصوتها وهي تقترب منها لتناكشها و تغني .
- عارف انت الحظ بعينه ..كان وشك حلو عليا
كل اللي الناس شايفينه.. مايجيش واحد في المية
مللي انا لسة ماقولتوش.. انا لو تبقى معايا بيترج
القلب ويتهز... انا لو تاخد عيني يانور عيني عيني ماتتعز.
استجابت ضاحكة وهي تدغدغها فقالت مندهشة.
- والنبي إيه؟ طالعة من عندنا ابو الغضب مرسوم على وشك ودلوقتي راجعة وعمر دياب بيغني على لسانك؟ إيه يابت الجنان ده؟
قالت بدلال:
- وماله بس لما ارجع بعمر دياب ولا سنية العالمة حتى ..مش المهم اكون مفرفشة يااختي الابلة .
اومأت برأسها موافقة وهي تضحك:
- ان شالله يارب دايمًا ياحبيبتي.. المهم بقى احكيلي اتصالحتوا ازاي؟
اعتدلت بجلستها تسالها ببلاهة:
- وانتي عرفتي ازاي ان احنا اتصالحنا بقى؟
مالت اليها برقبتها وابتسامة متسلية على وجهها.. فردت شروق:
- معلش بقى سؤال غبي؟ وانا اساسًا مكتوب على وشي الصلح والدلع كمان .
سالتها بتوجس يشوبه المداعبة:
- دلع ياشوشو؟
اومأت برأسها:
- اه والنبي يااختي دلع.. دا خدني الاول على المطعم اللي قولت عليه قبل كدة .. صالحني هناك وفهمني اصل الصورة ومناسبتها واكلنا فيه على موسيقى هادية ورومانسية وبعدها فسحني في الملاهي وهيصنا فيها وجابلي جيلاتي.. انا النهاردة كان من اسعد ايام حياتي يافيفي..
- قالت فجر بارتياح:
- طب الحمد لله ياستي انه عرف يصالحك ويبسطك كمان ..ياريت بقى تاخدي بالك بعد كدة من اي حاجة تجيلك من ناس غريبة.. عشان ماتضريش نفسك وتاخدي خطيبك بذنب هو معملهوش.
- عندك حق يافجر.. حسين دا طيب قوي وعرف يمتص غضبي منه.. وانا بعد ما شرحلي صدقت كل حرف طالع منه.
- تمام اوي الكلام ده.. هو فينه بقى مجاش معاكي؟
- لا ماهو دخل عند والدته يشوفها ويشوف علاء اخوه.. اصل اتصل بيه وطلب يقابلوه وهو معايا بنتفسح .. المهم بقى.. انتي ليه قاعدة هنا في الصالة مش في اؤضتك وفين باقي العيلة مش شايفاهم؟
اجابت فجر:
- والدك ووالدتك أخدوا إبراهيم لدكتور العظام عشان الكسر بتاعه.. وانا بقى قاعدة هنا في الصالة كنت بستناكي عشان اطمن ياستي واديني والحمد لله اطمنت .
- حبيبة قلبي انتي .
قالتها وهي تقبلها بوجنتها قبل ان تنهض وهو تتابع:
- ربنا يرزقك انتي كمان يااحلى فجر باللي ينسيكي كل تعب السنين ويدلعك بقى.. دا الدلع حلو قوي ياجدعان .
والنعمة حلو اوي .
كانت ترددها وهي تتجه بخطواتها نحو غرفتها.. جعلت فجر تتبعها بنظراتها وهي تهمس بداخلها:
- معقول ياشروق هايجي اليوم ده اللي احب فيه واتحب زيك انتي كدة وزي سحر كمان؟
............................
حبيب قلبي يا ابوعلاء
قالها حسين وهو يفتح على اخيه باب الغرفة قبل يقطع جملته متابعًا بعد ذلك:
- ايه ياعم الدخان دا كله؟ دي الاوضة معمية بريحة السجاير .
قال بابتسامة ومزاح:
- ادخل يااض على طول واسترجل ولا انت هاتخاف على صدرك من الريحة كمان .
تقدم للداخل متافافًا وهو يهوي بيده:
- اخاف ياعم وماخافش ليه؟ ما في الحالتين الضرر واحد.. وانت بقى اللي بتعمله ده اسمه انتحار .. طب افتح شباك البلكونة حتى عشان تهويها شوية .
- اشار بلامباة:
- افتحها انت.. انا مكنتش واخد بالي اصلًا .
فتح حسين باب الشرفة على مصراعيه متنهدًا بارتياح قبل ان يعود بنظره جيدًا لاخيه الجالس على طرف الفراش بشرود وهو يدخن بشراهة ومطفأة السجائر بجانبه وقد امتلائت بالأعقاب .
ردد وهو يتناول كرسي ويقترب به للجلوس امامه:
- يانهار ابيض دا انت عاملها حريقة بجد.. كل دي سجاير شربتها ياعلاء؟ انت عايز تنتحر يابني.. وماتقوليش والنبي خاف على نفسك والكلام ده.. اصل ده مش شرب دي حريقة.
زفر علاء وهو ينفث دخان السجيارة التي بيده:
- لا ياسيدي مش هاقولك.. انا اصلًا ماعنديش مزاج ولا فيا حيل لأي كلام.
قطب حاجبيه بقلق:
- ليه ياعلاء؟ انا فهمت انك محتاجني لما اتصلت بيا.. بس شكلك بيقول ان في كارثة .
مط شفتيه بزاوية:
- هو مش كارثة قد ما هو حيرة وانا حاسس نفسي في داومة ومش عارفة طريق خروجي منها .
ربت على قدمه قائلًا بمؤازرة:
- سلامتك ياعلاء من الحيرة.. قولي اللي محيرك وانا احاول معاك في حل للدومة الغرقان فيها دي .
قال علاء برجاء:
- انا عشان كدة اتصلت بيك ياحسين.. انت اخويا وصاحبي ورغم انك الأصغر لكن انا بحسك بتشوف الامور بميزان العقل اكتر مني.. وانا عايز احكي لحد يفهمني.
بعد ان سرد علاء لأخيه كل ماحدث بينه وبين فجر وماقاله عصام وما رأه من سعد وحيره اكثر .. ظل منتظرًا لعدة لحظات لرد حسين الذي كان متكتفًا بذراعيه يستوعب ويفكر بصمت.
- إيه يابني ماتتكلم؟ هاتفضل ساكت كدة كتير؟.
حك حسين بسبابته على ذقنه المهذبة وهو يتحدث بتركيز:
- اصل بصراحة كمية المعلومات دي اللي قولتهالي مرة واحدة.. جعلتني انا كمان احتار زيك.. رغم شكي من زمان .
سأله باستفسار:
- شكك في إيه ؟
- كنت شاكك بوجود لغز في اختفاء فاتن من الحي وبين مقاطعتك انت لموضوع الجواز .
قال علاء:
- ماهو دا اللي انا كنت معتقد فيه من زمان.. انها خانتني.. لكن اخلاقي بقى منعتني احكيلك ولا اقول باللي شوفته بعيني.. لكن اللي حكاه عصام دلوقتي وتأكيد فجر على كلامه..قلب كل الموازين معايا.. وانا بقلبها في دماغي ومش عارف اتأكد ازاي انا كمان واعرف الحقيقة.
- طب ما انت قولت انك هاتدور على البنت الخدامة .
- حصل ياحسين.. بس انا مش عارف اسال مين غير سعد اللي لخبط الدنيا معايا وقالي انه مايعرفهاش ولا حتى تبقى قريبته زي ما انا كنت فاهم..
- وانت صدقته؟
- نعم!
- بقولك ياعلاء.. انت صدقت ان سعد ما يعرفش البنت؟
- تقصد آيه؟
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل الثامن عشر 18 - بقلم امل نصر
مال براسه وضاقت عيناه بتفكير وهو ينظر لأخيه مستفسرًا قبل أن يسأله بتوجس:
- تقصد إيه؟
اعتدل حسين في جلسته وهو يمط شفتاه واهتزت كتيفيه وقال:
- اقصد إن سعد ده أكيد بيكدب ومش بعيد يكون عارف كمان بمكان البنت وبيداري؟
سأله بعدم استيعاب:
- ليه يعني؟ وإيه اللي هايخليه يداري في حاجة مهمة زي دي وتهم صاحبه؟
تكلم حسين بلهجة غامضة:
- بصراحة أنا مش عارف ليه عشان أجاوْبك.. بس برضه مش مصدقه؟
- طب ليه يابني؟ ماتفهمني اللي في دماغك عشان أعرف.
اقترب برأسه من أخيه محدقًا بعينيه وقال:
- عشان مش واثق فيه يا علاء.. وعايزك أنت كمان تفتح عينيك معاه.. سعد اللي أنت شايفه دلوقتي غير سعد بتاع زمان.. سعد مبقاش صاحبك الضعيف اللي أنت كنت بتدافع عنه يا علاء من عنف العيال الصيع في الشارع.. سعد بقى واحد تاني وأنت نفسك ماتعرفوش.
سكت لبعض اللحظات مفكرًا في كلمات أخيه المفاجئة ثم ما لبث أن قطع صمته قائلاً باستنكار:
- يا حسين يا حبيبي.. أنا عايزك تجاوبني بالمنطق مش عشان يعني سعد اتقدم لخطيبتك الأول فانت هاتشك بقى فيه وتشوفه بنظرة تانية.. يابني بالاش تتحامل.....
قاطعه بحدة:
- افهمني يا علاء بقى وبلاش تقفل عينيك... دا أنت بنفسك قولت إن الخيانة حصلت من حد قريب أنت وعصام ويعرف بحكايتك مع فاتن.
انتفض عن تخته واقفًا وهو لم يحتمل الفكرة فهتف باعتراض:
- لا يا حسين.. أنت كده فرطت منك أوي.. اللي أنت بتقوله ده كلام خطير وتطير فيه رقاب.
نهض هو الآخر يقابله وقال بهدوء لا يناسب العاصفة الهوجاء في عين أخيه:
- أنا بقولك على اللي بفكر فيه يا علاء.
لوح بيده كإشارة بالتوقف:
- طب خلاص خلاص.. شيل من مخك الموضوع ده خالص وأنا هبقى أشوف لي صرفة في موضوع البنت الخدامة ده.. أنت اتعشيت ولا هاتتعشى معايا أنا ووالدتك؟
خرج سؤاله الأخير باضطراب شعر به حسين فأشفق عليه وقال مغيرًا دفة الحديث:
- لا يا سيدي هاتعشى معاكم.. أنا أساسًا هلكان جوع من لعب الملاهي مع شروق.. دي هدت حيلي ولا أكنها عيلة صغيرة ولقت فرصتها.
شقت ابتسامة وجه علاء المضطرب فقال بمودة:
- ربنا يخليهالك يا حسين.. أنتوا الاتنين لايقين على بعض أوي وتستاهلوا كل الخير.
ربت على ذراع أخيه فقال بمؤازرة:
- وأنت كمان يا حبيبي اطمن.. أكيد ربنا هايهيئلك الظروف وتنول اللي بتحبها.
سأله ببلاهة:
- تقصد مين؟
تبسم حسين فغمز بعينه وهو يتحرك لخارج الغرفة فقال بمكر وهو ممسك بمقبض الباب:
- قصدي اللي بالك فيها يا أبو علاء.. ولا إيه؟
ختم بضحكة كبيرة وهو خارج. أما علاء فتعرق واضطرب كأنه عاد مراهقًا صغيرًا في السابعة عشر من عمره.
---
خرج من غرفته بعد أن أخذ حمامًا دافئًا انعشه وارتدى ملابس نظيفة غير ملابس العمل تلك. وجد والدته جالسة أرضًا ومعها شقيقته لبنى وابنتها يتناولان معها الطعام على مائدة صغيرة ومستديرة (الطبلية). تمتم بروتينية وهو يمشط شعر رأسه بيده:
- مساء الخير.
ردت لبنى بحماس وهي تضع ملعقة الأرز بفمها:
- مساء الفل يا أخويا.. تعالى كل معانا الأكل سخن وطعمه حلو قوي.
سبقته نشوى بردها:
- سيبيه يا لبنى أحسن يقولك نفسي مسدودة زي ما بيعمل معايا كل يوم.
تحركت عيناه ناحية المائدة وما عليها من أصناف شهية فصدرت أمعاؤه الخاوية أصواتها طلبًا للطعام. تمتم وهو يفترش الأرض معهم:
- لا أنا هاكل معاكم أصل أنا جعان.. إزيك يا بت يا مروة.
ردت الطفلة بعتب طفولي:
- توك ما افتكرت يا خالي؟ ده أنا قاعدة هنا من الصبح وأنت لما دخلت ندهت عليك وأنت ولا كأنك شفتني ولا حتى عبرتني.
دفعها بكفه على رأسها بمزاح:
- العتب على النظر يا أختي.. المرة الجاية هبقى آخد بالي.
تسامر أربعتهم ببعض الأحاديث المختلفة وهم يتناولون طعامهم حتى قربوا على الانتهاء فقالت لبنى وهي تهم برفع أطباق الطعام:
- الحمد لله.. أكلة حلوة قوي يا ما. ربنا ما يحرمنيش منك.
ردت نشوى وهي تمسح يدها بطرحتها القماش:
- بالهنا والشفا يا حبيبتي.. ما يطرح ما يسري يمري.. أنا هقوم أعملك كوبايتين شاي نحبس بيهم.
هتفت لبنى على ابنتها موبخة:
- ماتبس يا بنت أنت وهي وقولي الحمد لله.. أنت هاتقعدي اليوم كله تاكلي؟ قومي يا زفتة هتبقي زي الدبة.
نهضت الطفلة عن طعامها ممتعضة فخاطب سعد شقيقته وهو يهم لينهض هو الآخر:
- ماتسيبيها تاكل.. هي كل يوم هاتكل لحمة؟
مصمصت لبنى بشفتيها قائلة:
- أهي حظها منيل زي حظ أمها اللي اتجوزت واحد فالح بس يشرب البرشام ويبيعه وفي النهاية بقى رد سجون.. وناس تانية محظوظة بقى ربنا فتحها عليهم من وسعها وبقوا هوانم كمان.
ضيق عيناه متسائلًا:
- قصدك مين يعني؟
- قصدي على نيرمين يا حبيبي.. اللي شافتني وأنا داخلة الحارة ولا كأنها تعرفني.. نسيت صاحبتها وأيام الشغل في المصنع قليلة الأصل.
نهضت وهي ترفع بعض الأطباق وتابعت:
- هي زهزهت معاها وأنا وأمينة الدنيا جات علينا بزيادة.
جذبها من ذراعها يوقفها بعنف:
- هو أنت لسة بتكلميها البت دي؟ اتمليتي عليها فين تاني الله يخرب بيتك؟
ردت بعتاب:
- يعني هاكون شفتها فيه يعني؟ ما أنا قطعت علاقتي بيها من زمان زي أنت ما أمرت.. لكن بقى جوزها طلع يبقى زميل جوزي في السجن وأنا وهي اتقابلنا في الزيارات ورجعنا أصحاب زي زمان.
جز على أسنانه وهو يضغط على مرفقها بعنف:
- البت دي لو ما بعدتيش عنها ولا لمت هي نفسها عنك أنا هايبقى ليا صرفة معاها.
نزعت يدها وهي تهتف بوجهه:
- أموت وأعرف إيه مخليك كارها أنت بالشكل ده؟ ومخليها هي تدعي عليك ليل ونهار وبرضه ما رضيتش تقولي السبب؟
رفع قبضته المضمومة أمام وجهها قائلاً بتحذير:
- ابعدي عن البت دي وما تعرفيهاش تاني يا لبنى يا مش هايحصل طيب.
قالت بتحدي:
- وإن ما بعدتش هاتمنعني من الخروج مثلًا زي زمان.. لا اصحى يا حبيبي.. أنا عندي بيت وساكنة فيه لوحدي كمان.. عن إذنك بقى خليني آخد الأطباق دي للمطبخ.
تخطته وذهبت من أمامه تتجاهل غضبه الذي تأجج مرة وهو يشعر بقرب انهيار المعبد على رأسه. مسح بكفه على شعره يكاد أن يقتلعه من منبته. يبتغي الوصول لحل سريع لإعادة سيطرته على زمام الأمور كسابق عهده.
---
- تسلم إيدك يا ست الكل.. الحمام طعمه يهبل.
- كل يا حبيبي ومطرح ما يسري مري.
قالتها زهيرة وهي تربت على ذراع حسين وهو يتناول معهم قطع الحمام المحمر أمامه بشهية. أكمل هو بمسكنة:
- آه يا أمي.. ده أنا وحشني أوي أكلك اللذيذ ده.. مش العك بتاع الطباخ الجديد ولا أكل المطاعم.. ده أنا معدتي نشفت والنعمة.
هتف عليه علاء مستنكرًا:
- ما تاكل وأنت ساكت يا ض.. هو أنت هاتحكيلنا قصة حياتك هنا؟
رد حسين بتصنع الحقد:
- طبعًا يا سيدي.. ليك حق تقطم فيا على كيفك.. ما أنت متمرغ في حضن ست الحبايب وشبعان من الأكل اللي يفتح النفس ده ويدفي في عز الشتا.
تمتم علاء:
- يخريبت قرك يا شيخ.. ده أنت الحرمان خلاك مزعج.
رنت ضحكة زهيرة النادرة فأطربت اسماع الشقيقين بسعادة وقالت:
- ربنا ما يحرمني منكم ولا من مناقرتكم أنتوا الاتنين يا ولاد قلبي.
أومأ علاء وتناول حسين كفها يقبلها بامتنان هو الآخر وصمت قليلًا قبل أن يتحدث بتردد وهو يتلاعب في طبق الأرز:
- كنت عايز أقولك على حاجة يا ست الكل.. بس خايف لا تزعلي.
قطبت زهيرة حاجبيها متسائلة:
- حاجة إيه بالظبط؟ قول يا حبيبي وما تترددش.
رفع أنظاره ناحيتها وناحية علاء المنتظر قوله بقلق:
- بصراحة والدي كان طالب مني أن أعزم الجماعة.. آآ شروق وعيلتها يعني عندنا في البيت.. فا أنا كنت يعني..
قاطعته قائلة بتماسك:
- إعزمهم يا حسين ده واجب وأصول يا حبيبي.
ردد خلفها علاء باستنكار:
- واجب وأصول يا أما! وعند نرمين؟
هدرت عليه صائحة بغضب:
- عند بيت أبوك يا علاء مش بيتها.. وبعد عمر طويل إن شاء الله هايبقى بيتك أنت وأخوك وعيالكم من بعدكم.
أكمل على قولها حسين:
- هو ده فعلًا الصح يا أمي ودا من أهم الأسباب اللي خلتني أوافق على العزومة.. وأنا من رأيي إن علاء كمان يحضر معانا دا لو ما عندكش مانع طبعًا.
- وأنا كمان!
قالها علاء باعتراض فرد حسين:
- أيوه يا علاء.. والدي مهما رحب بالجماعة مش هايبقى زيك برضه وأنا غصب عني هانشغل بشروق.. وأنا مش عايز حماتي تضايق مني ولا أبلة فجر.
قال الأخيرة بمكر انتبه له علاء الذي نزل بعينيه لطبقه يأكل منه بارتباك. فهتفت زهيرة بخبث هي الأخرى:
- حقه يا علاء.. دي تبقى عيبة في حقنا لو اتضايقوا أو زعلوا.. لازم يا بني تروح حتى عشان أخوك.
نظر إليها حسين بابتسامة مستترة قبل أن يلتفت لعلاء الذي تحمحم وقال برزانة:
- ماشي.. ماشي يا أمي هابقى أشوف الظروف إن شاء.
---
في اليوم التالي خرج شاكر من شقته في موعده اليومي في الصباح حتى يلحق بعمله وبعد أن خرج من البناية وهم بالتوجه للناحية الثانية من الرصيف ليصعد بأية وسيلة للمواصلات العامة تفاجأ بالنداء خلفه باسمه:
- عم شاكر.. استنى أوقف يا عم شاكر.
التف بجسده وهو يعدل نظراته فوجد علاء على مسافة قريبة منه بسيارته وهو يلوح له بيده فلوح هو الآخر يحيه على عجل:
- ياهلًا يا بني.. هو أنت عايز حاجة؟ عشان بس أنا مستعجل على ميعاد الشغل.
قال يدعوه:
- طيب تعالى عشان أوصلك معايا في طريقي.
رد شاكر:
- يابني مالوش لازوم أنا هالحق الأتوبيس وأخلص.
صفق علاء باب السيارة يتكلم بحمائية:
- طب على النعمة ما أنت راكب غير عربيتي تروح بيها الشغل النهاردة.. في إيه يا عم شاكر؟ هو إحنا أغراب؟
عاد إليه شاكر يهز رأسه بيأس:
- أخ منك يا معلم علاء.. يعني هو لازم الحمقة دي؟ ما قولنا مالوش لازوم.
بعد أن اعتلى معه السيارة وانتظر قليلًا ليتحرك بالسيارة سأله شاكر:
- هو أنت مستني حد يابني؟
أجابه باضطراب وعيناه في مرآة السيارة الجانبية ينظر خلفه باهتمام:
- لا طبعًا هاتحرك حالًا بس أنا كنت عايز أسألك.. هي العربية لسة عطلانة؟
- آه يا علاء ماتفكرنيش.. ده الميكانيكي طالب في تصليحها شئ وشويات.. أنا بفكر أسيبها عنده وأستعوض ربنا فيها.. دي حتى بيع ماتنفعش.
سأله بتردد ليكسب مزيدًا من الوقت:
- ليه بس؟ دي حتى باين عليها عربية أصيلة بدليل إنها عاشت العمر ده كله معاك.
- عاشت فين بس يابني؟ دي من ساعة ماجبتها وهي مطلعة عيني.. لا أنت فاكرني وارثها.. دي اشتريتها كسر بعد ربنا ما رزقني بإبراهيم حكم ساعتها كان ربنا فارجها عليا والمرتب لسة بخيره وبعرف أوفر منه مش زي دلوقتي مابياخدتش معايا لنص الشهر من المصاريف اللي كترت وو.... فيه إيه يا علاء يابني؟ هو أنت عربيتك دي مش ناوية تمشي النهاردة؟
- هاا معلش يا عم شاكر.. أصل اندمجت مع كلامك.
- الله يرضى عنك يابني دور العربية خليني الحق ميعادي.
- حاضر يا عم شاكر حاضر.
أدار المحرك بيأس لعدم رؤيتها ولكن بنظرة خاطفة للخلف عاد إليه الأمل مرة أخرى وهو يتحرك بالمقود. فقال بتصنع المفاجأة:
- أي ده؟ دي الآنسة فجر.. هي لسة كمان مراحتش مدرستها.
قال شاكر بلؤم وقد فطن لخطط علاء المكشوفة:
- آه صحيح دي هي.. استنى لما أنده لها بقى.. بت يا فجر... تعالي هنا يا بنت.
---
جلس على كرسيه الخشب خارج ورشته يرتشف من كوب الشاي بيد واليد الأخرى ممسكة بسيجارة. ينفث دخانها هي الأخرى في انتظار بقية العمال العاملون بالورشة والذين كانوا يأتون تباعًا. أجفل منتبهًا على هذا الخيال الذي شعر بظله من الخلف. وصوته الآتي يقول:
- صباح الخير يا معلم سعد.
التف إليه برأسه وجده واقفًا بأناقة بشموخ. وضوء الشمس انعكس على بشرته البيضاء فزادته وسامة. يداه الاثنتان بجيبي بنطاله. ذقنه ممدودة للأمام ونظرة غريبة منه وهو يردد:
- بقولك صباح الخير يا معلم سعد.. أنت مش سامع ولا إيه؟
وضع كوبه على الطاولة ونهض مرحبًا بحبور متكلف:
- يا أهلًا يا أهلًا يا حسين يا أخويا.. معلش بقى أصلي اتفاجأت بالزيارة الكريمة.
صافحه حسين مشددًا:
- ليه بس يا راجل المفاجأة؟ ده أنا حتى عريس.. وشي عادي إني أجيلك مش دي ورشتك برضه؟
شعر سعد بغرابة السؤال ولكنه أجاب:
- أيوه طبعًا ورشتي يا حسين.. أمال هايكون ورشة مين يعني؟
أومأ برأسه وهو يخطو نحو مدخلها فالقى نظرة لداخل الورشة قبل أن يعود بنظره لسعد القابع مكانه باندهاش:
- الورشة اتغيرت أوي يا سعد واتطورت.. أنا فاكر أما كنت بلعب في الشارع هنا زمان.. كانت يا دوب لتصليح الشبابيك والكراسي وبعض الحاجات الخشب الخفيفة.. لكن دلوقتي بقى بتجهز عرايس زي ما أنا شايف أهو.. الله يفكره بالخير بقى الراجل الغلبان.
سأله بتجهم:
- راجل مين الغلبان؟
أجاب حسين:
- عم بدر الصعيدي يا سعد.. مش برضه هو كان صاحب الورشة دي في الأول.. قبل أنت ما ربنا يفتحها عليك وتاخدها منه وتكبرها بقدرة قادر.
شدد على حروف الأخيرة قبل أن يستأذن بغموض:
- عن إذنك بقى يا سعد أصلي متأخر على شغلي.. ابقى أجيلك وقت تاني بقى عشان أتفرج على شغل الورشة ويمكن أختار ولا تعجبني حاجة منهم.. سلام بقى.
قالها واستأذن وظل سعد على وضعه متسمرًا بمكانه لعدة لحظات وهو ينظر إلى ظهره حتى اختفى من أمامه تمامًا. لا يدري سر هذه الزيارة الغريبة ولا يدري غرض حسين الحقيقي منها.
---
جالسة بنفس محلها كالمرة السابقة بالمقعد الخلفي للسيارة بعد أن أوصل والدها لمقر عمله ولكن شتان بين المرتين. في الأولى كانت تزفر بضيق وتعد الدقائق حتى تخرج من السيارة بعد أن دلفت إليها مضطرة. أما الآن فهي تشعر بالارتباك والتوتر ولا تعلم السبب. ونظراته تلاحقها منذ أن جلست بالسيارة حتى رغم وجود والدها بالمقعد الأمامي قبل أن يتركها معه وينصرف هو إلى عمله. أخرجها من شرودها وهو يسألها:
- أخبار إبراهيم إيه يا أبلة فجر؟
أجابت بخفوت وخجل تعجبت هي له:
- كويس والحمد لله.. امبارح الدكتور طمن والدي ووالدتي عليه.
أومأ براسه:
- طب الحمد لله.. أنا امبارح مقدرتش أشوفه عشان بس كنت مشغول في موضوع كده.
أومأت هي أيضًا برأسها قبل أن تسأله باهتمام:
- عرفت حاجة عن البنت الخدامة.
هز برأسه نافيًا:
- للأسف لسة.. بس اديني بسأل وإن شاء الله هبقى أعرف.
مطت شفتيها بيأس فلحقها هو قائلًا:
- ما تقلقيش أكيد ليها حل يا فجر.
أعجبها سماع اسمها منه دون أبلة فنفضت الفكرة عن رأسها وهي ترد:
- أنا مش قلقانة.. عشان عارفة إن ربنا أكيد هايظهر الحق.. ومدام الخيوط بقى تفك أولها يبقى هاتكر البقية بإذن الله.
التفت عن الطريق ينظر إليها بابتسامة رائعة أربكتها:
- فعلًا يا فجر عندك حق.. مدام ربنا أظهر جزء من الحقيقة.. يبقى أكيد هايكشف لنا الباقي بإذن الله.
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل التاسع عشر 19 - بقلم امل نصر
تتهادى بخطواتها الرقيقة وهي تقطع طرقات المدرسة وكأنها منفصلة عن الواقع. تتلقى التحية من زملاءها وبعض الطالبات، فتوئمئ إليهم برأسها وعقلها يدور في حيرة تتملكها منذ أيام. مشاعر غريبة بدأت تنبت بداخلها تجاه شخص كان منذ فترة طويلة من عمرها، تشمئز كرها بمجرد ذكر اسمه. لا تعلم ولا تجد تفسيرًا لهذا الارتباك الذي تشعر به أثناء وجوده. والسؤال الملّح هو: هل من الممكن أن يحدث؟
تنهدت بثقل وهي تدلف لداخل غرفة المدرسات، وهي تجزم بداخلها أن الأيام كفيلة لتعلم حقيقة ما تشعر به تجاهه.
ألقت التحية على اثنتين منهم جالسات بركنٍ وحدهن يتحادثن ويضحكن كعادتهن، فاقتربت من سحر وهي جالسة وحدها في آخر الغرفة، مريحة وجنتها على كف يدها المفتوحة وهي مستندة بمرفقها على طاولة المكتب، واليد الأخرى ترسم بالقلم دوائر في الصفحة الفارغة للدفتر. ألقت هي حقيبتها لتجلس على المقعد أمامها وتحدثها بقلق:
"صباح الخير.. حاطة إيدك على خدك ليه ياحلوة؟"
ردت بفتور وهي على نفس وضعها:
"صباح الخير يافجر.. عادي يعني."
قطبت حاجبيها بحيرة تسألها:
"عادي يعني!! في إيه ياسحر قلقتيني بجد؟ هو العريس زعلك ولا إيه؟ قولي يابنتي وأنا أعرفك مقامه."
بشبه ابتسامة اعتدلت في جلستها قبل أن ترد عليها:
"لا ياستي العريس مزعلنيش ولا حاجة.. دا أنا اللي فقرية لوحدي وبوز نكد."
سألتها بذهول:
"بوز نكد!! إنتِ ليه بتقولي على نفسك كده ياسحر؟ هو إيه اللي حصل؟"
زفرت سحر قبل أن تلقي نظرة نحو زميلاتها في الطرف الآخر لغرفتها. فاطمأنت لانشغالهم في الحديث والضحكات فقالت بتردد:
"هو أنا وحشة يافجر ولا شكلي كبير عن سني؟"
أسرعت فجر للنفي بقلق:
"لا ياحبيبتي ولا أي حاجة من دول.. يابنتي ليه بتقولي كده؟"
تنهدت بعمق قبل أن ترد:
"عشان هو ده اللي مزعلني يافجر.. أنا من ساعة ما اتخطبت لرمزي وشايفة نظرات الناس ليا وكأني خدت حاجة مش من حقي.. شايفينه هو صغير وأنا كبيرة رغم إننا مقاربين لبعض في السن وبالعكس بقى هو أكبر مني بسنة.. أنا طول عمري بشوف نفسي حلوة يافجر.. لكن من ساعة ما اتخطبت لرمزي بقيت أشوف نفسي ناقصة ولا وحشة من نظرات الناس اللي مستكراه عليا.. أنا شفت النظرات دي في البلد هناك وكبرت مخي عشان مجتمع ريفي.. لكن هنا في المدينة لقيته أفظع من تلميحات الجيران ولا حقد بعض المدرسات الزميلات اللي بشوفه بشكل واضح في عيونهم.. ولا الطالبات اللي كان بيتمايعوا ويتمايصوا قدامه يوم ما جاه معايا المدرسة وكأنهم بيقنعوه يسيب مدرستهم القرشانة ويتجوز واحدة صغيرة منهم."
ربتت فجر على كفها فقالت بإشفاق:
"ماتحسيش حد من الناس دي ياسحر وتتعبي نفسك.. محدش بيبحب الخير لحد.. ونظرة الحقد والحسد هاتلاقيها في أي حتى تروحيها.. خليكي واثقة في نفسك وخلي حب رمزي ليكي سلاح تواجهي بيه أي حد من الناس دي."
قالت بتشكك:
"تفتكري رمزي هايستمر بجد في حبه ده ولا هايرجع في كلامه من تلميحات الناس ونظراتهم؟"
ردت فجر بابتسامة مشرقة:
"أفتكر وأفتكر قوي كمان.. أنا من ساعة ما شفته المرة اللي فاتت وأنا قلبي حس بحبه وتعلقه بيكي من أول نظرة."
همست سحر بتمني:
"يارب يافجر يطلع كلامك صح وما أنصدمش فيه هو كمان.. أنا قلبي خلاص مش متحمل أي حزن تاني."
ضغطت فجر على كف صديقتها قائلة بدعم:
"ياحبيبتي ربنا ما يجيب حزن تاني أبدًا ويتم فرحتكم بخير إنتي ورمزي."
***
بخطوة غريبة وغير متوقعة ذهب إليه في مقر عمله عله يجد حلًا لهذه الأسئلة الملحة داخل عقله. من وصف رجل الاستعلامات الذي سأله فور أن دلف للمشفى، يبدو أنه اقترب. توقف بوسط الرواق كي يسأل عامل النظافة والذي أخبره بإكمال طريقه وسيجد المكتب أمامه من جهة اليمين. حينما وصل وأخبر سكرتير مكتبه لم يتأخر الرجل عنه ثواني حينما دخل مكتب مديره. وبعدها خرج مهرولًا يخبره أن المدير في انتظاره.
وبداخل المكتب وبعد أن استقبله عصام بترحابٍ شديد وجلس هو مقابله على كرسي المكتب الأمامي. تكلم علاء بجمود:
"أنا عارف إنك مستغرب جيتي المفاجأة دي بس أنا..."
"مش مهم السبب ياعلاء.. المهم إنك جيت."
قالها عصام بمقاطعة ولهفة جعلت علاء يهز رأسه بحركة غير مفهومة قبل أن يرد:
"لو سمحت عشان نبقى واضحين.. مش معنى إني جيت يبقى خلاص أنا صدقت."
رد عصام بحماس:
"والله عارف كل كلامك.. بس أنا فرحان إنك ابتديت تستجيب وتسمعني ودي في حد ذاتها خطوة كبيرة وأنا كنت بحلم بيها من زمان."
حدق إليه علاء لبضع لحظات صامتًا تذكر فيها أيام الصداقة القديمة ولكنه أجلى الفكرة عن رأسه فورًا فتكلم بجدية:
"أنا كنت عايز أسألك عن البنت الخدامة.. أنت كنت تعرف لها قرايب أو عنوان عشان أسأل عنه؟"
هز برأسه نافيًا بإحباط:
"للأسف ياعلاء.. البنت اختفت نهائي بعد الموضوع ده.. دورت عليها بكل السبل ومعرفتش أعثر عليها.. لأني مكنتش أعرف عنها حاجة غير إنها من طرف سعد.. إللي لما سألته هو كمان أنكر قرابته ليها وقالي إنها مجرد معرفة رغم إنه لما جابها وصاني عليها ولا كأنها واحدة من قرايبه؟"
همس علاء بصوتٍ خفيض بحيرة:
"تاني برضوا ياسعد.. وبعدين بقى."
أجفله عصام وهو يسأله:
"عاملة إيه الآنسة فجر؟ وإيه أخبارها؟"
توحشت ملامح وجه علاء وهو يرد عليه بفظاظة:
"وإنت مالك بفجر؟ تعرفها منين عشان تسأل عليها؟"
رد عصام بابتسامة مستترة:
"عادي يعني لما أسأل عليها.. مش هي كانت حاضرة معانا في ساعة الكلام.. يعني بقت طرف في الموضوع."
كشر علاء وهو يرد بصوتٍ خشن:
"لا بقى هي مش طرف عشان تسأل عليها ولا تكلمها.. وكلامك يبقى معايا أنا وبس.. ده لو في كلام.. سلام بقى."
قال الأخيرة وهو ينهض تاركًا عصام ينظر في أثره بدهشة مع ابتسامة جميلة وكأنه استعاد صديقه القديم.
***
وفي المساء.
وبداخل منزل أدهم المصري كانت الأسرتان مجتمعتان على مائدة سفرة طويلة. تراصت عليها مجموعة كبيرة من أشهى وألذ الأطعمة. أدهم كان على رأس السفرة وعلى جانبه الأيمن كانت زوجته نيرمين وأولاده علاء وحسين. وفي الجانب الآخر كان شاكر وزوجته سميرة وبناتها فجر وشروق. وأصغر الأبناء إبراهيم الذي كان جالسًا مقابل علاء الذي كان يغدق عليها باهتمامه. أما أدهم فكان يوزع اهتمامه على شاكر وأسرته بشكلٍ مبالغ فيه، حتى إنه نسي هو أن يتناول طعامه لولا شاكر الذي هتف عليه بتحذير:
"والله ياحج أدهم لو ما كنت تاكل قدامي ماهاحط لقمة في بوقي لا أنا ولا الأولاد."
زمجر أدهم رافضًا وهو يجلس على مقعده:
"وإيه لزوم الحلفان بس ياشاكر؟"
رد شاكر متشدقًا:
"أمال يعني عايزني أقولك إيه بس وانت عمال تضايف فينا وناسي نفسك من غير ما تحط في جوفك لقمة؟ في إيه ياراجل؟ هو إحنا ضيوف؟ دا إحنا نسايب وأهل في بعضاينا."
رد أدهم بابتسامة ومودة:
"وأكتر من أهل كمان.. ربنا يديم المحبة مابينا."
تبادل حسين وأخيه الابتسامة بارتياح من موقف أبيهم وفعله المشرف مع أهل عروسه قبل أن يعود بنظرات عشقه إليها. ومن نفس الجهة كان علاء الذي لم يرفع عيناه عن محبوبته التي كانت تتناول طعامها بهذا الارتباك الذي أصبح مصاحبها طوال جلستها أمامه وهي تشعر بنظراته المسلطة عليها.
كل هذا أمام نيرمين التي تبتلع طعامه بصعوبة وهي ترى علاء المصري بجلالة قدره والذي جعلها تدور حول نفسها مرارًا حتى تحظى بنظرة صغيرة منه وفشلت. هو الآن يحدق بهيام مراهق صغير نحو هذه الفتاة العادية الجمال، أو حتى لو كانت جميلة، فماذا تفرق عن غيرها ومالذي يميزها كي تأسر قلب هذا الوحش؟
أفاقت من شردوها على صوت أدهم وهو يسألهم:
"ها ياجماعة يارب يكون الأكل عجبكم.. إيه رأيك في الأكل ياست سميرة؟ بما إنك الخبيرة وسطنا."
ردت سميرة بابتسامة:
"ما شاء الله يا أبو علاء.. السفرة شكلها يفرح باللي عليها ولكن ده من صنع إيديكي يا مدام نيرمين؟"
أجفلت نيرمين من سؤالها المباغت قبل أن تتلبسها العنجهية فقالت بتفاخر:
"لا في الحقيقة يا ست سميرة.. أنا ما بطبخ بآيدي خالص.. الحاجات دي كلها بإيد الطباخ."
جز علاء فكه منها وهو يكتم غضبه ولكنه تفاجأ من رد سميرة التي خاطبتها بمكر:
"آه ياحبيبتي يعني إنتي مابتطبخيش بإيدك.. طب حتى لو كان كده يابنتي.. برضوا لازم تقفي على راسه تشرفي وتراعي بنفسك عشان تطمني.. يعني مثلًا أنا لاحظت إن معظم الأكل هنا ملحه زايد ودي حاجة مش كويسة على صحة جوزك.. ده غير إن في حاجات كتير هنا الطباخ اهتم فيها بالمظهر والشكل لكن الطعم مش بنفس الحلاوة."
بهتت نيرمين وهي لا تجد ما ترد به على تدخل سميرة السافر وتلميحاتها غير المقبولة. التفتت لأدهم لتسبين رد فعله ولكنها وجدته يأكل غير عابئ ونفس الأمر مع الجميع. وأكملت سميرة:
"حقة يا أبو علاء.. زهيرة امبارح بعتتلي طبق محشي على الغدا.. كنت هاكل صوابعي وراه أنا والولاد.. ده غير نفسها كمان في الحلويات.. ما أقولكش."
أغمض أدهم عيناه بألم وكأن رائحة طعام زوجته أتت إليه من الماضي فقال باشتياق:
"إنتي هاتقوليلي على أكلها؟ ما أنا عارفة وحافظة كمان. آخخخ."
لكز شاكر من تحت المنضدة بقدمه ساق زوجته بأعين محذرة حتى تكف على الكلام ولكن الرد جاء من حسين الذي أردف هو الآخر بخبث:
"عندك حق يا خالتي سميرة.. ده من ساعة ما اتعشيت عندها أول امبارح وأنا حاسس بطعم الحمام المحشي بتاعها لسة في بقي من كتر حلاوته.. طب تصدقي أنا حاسس إني لسة شامم ريحته."
تدخل شاكر بمزاح بعد أن لاحظ تأثر أدهم من حديثهم:
"لا بقى دي فرطت منك ياحسين.. عشان الحمام هنا قدامك عالسفرة ياحبيبي.. يعني شئ طبيعي تشم الريحة."
"بجد ياعم شاكر.. تصدق نسيت هههه."
قالها حسين وانطلقت الضحكات ليسود المرح على الجميع عدا نيرمين التي كانت تغلي من الغيظ، ولا تجد من يشاركها وكأنهم جميعًا اتفقوا على إهانتها.
بعد انتهائهم من وجبة الطعام أخذهم أدهم مع أبنائه الاثنان بجولة داخل البيت حتى إنه عرفهم على شقة في الطابق الثاني والتي ستكون خاصة بحسين وشروق بعد الزواج. والتشطيبات التي تسير فيها على قدمٍ وثاق للأنتهاء منها خلال الشهور المتبقية للسنة الأخيرة في دراسة شروق. على أن يتم الزفاف فور انتهائها من الاختبارات الأخيرة. بعد ذلك دعاهم لشرب الشاي في حديقة منزله الخلفية. خرج معه الجميع عدا فجر التي تسمرت مذهولة أمام صورة أسرية معلقة بوسط بهو المنزل الكبير. ضمت الصورة العم أدهم وهو أصغر من ذلك بسنواتٍ طويلة، واقفًا بزهو وسعادة محاوطًا بكفه على جسد علاء الصغير وهو يشبهه في الوقفة والتفاصيل الجسدية والكف الأخرى وضعها على كتف زوجته الجميلة زهيرة وهي تحمل ابنها حسين وهو يشبهها كثيرًا في طفولته بعيناه الخضروان وبشرته البيضاء. تظهر الصورة مدى سعادة الأسرة وترابطها ومعبرة عن شخصياتهم الحقيقية دون تزييف.
"عجبتك الصورة؟"
انتفضت مجفلة على صوته الذي أتى فجأة خلفها. فأكمل وهو يتقدم إليها بخطواته حتى أصبح بجوارها:
"معلش إن كنت خضيتك.. بس أنا استغربت يعني لما لقيتك مخرجتيش معانا بره في الجنينة واما رجعت شوفتك واقفة متسمرة قدام الصورة."
ردت بابتسامة خفيفة ومحرجة:
"لا ولا يهمك.. بس بصراحة إن الصورة شدتني أوي.. وغصب عني، لقيتني واقفة متنحة قدامها."
تبسم علاء وقال بحنين:
"أنا كان عمري وقتها عشر سنين وحسين كان عمره ساعتها أربعة.. أبويا في يومها بقى كان واخدنا زيارة لمولد السيدة ودخلنا الاستديو ده عشان نتصور وتبقى ذكرى."
قالت هي:
"الصورة جميلة.. بس اللي تجنن فيها بجد خالتي زهيرة.. ما شاء الله عليها دي كانت قمر."
مط شفتيه وقال:
"هي فعلًا كانت قمر ومازالت.. بس أنا بسبب الصورة دي عملت أول خناقة في حياتي وروحت فيها القسم."
التفتت إليه مرتعبة تسأله:
"يانهار أبيض.. ليه بقى؟"
أجابها:
"عشان في يوميها أنا كنت راجع من الدرس ورايح أستلم الصور من صاحب الاستديو.. بس ابن العبيطة بقى كان بيطلع في الصور قدامي ويبص بوقاحة.. لحد أما عاكس صورة أمي قدامي وأنا بقى الدم غلي في نفوخي قمت مكسر كاميرة التصوير فوق دماغه.. وبعدها روحنا القسم وأبويا دفع تمنها وعملنا مع الراجل محضر صلح.. ولولا كده كنت هاتتحبس."
كانت فاغرة فاهها وهي تستمع له حتى سألته بذهول:
"يانهار أبيض.. على كده بقى عمي أدهم ضربك هو كمان بعدها ولا عاقبك؟"
تبسم بتفاخر رجولي:
"بالعكس بقى ده فرح بيا أوي عشان طلعت راجل ومااتحملتش على أمي كلمة."
سألته بفضول:
"هو قال إيه على خالتي زهيرة وخلاك اتعصبت كده؟"
تحمحم بحرج قبل أن يجيبها بتردد:
"اا.. قالي إنها حلوة."
"يعني إيه؟"
قالتها بعدم فهم لبعض الثواني قبل أن تأتي براسها فقالت بمرح:
"قالك ماما حلوة؟"
أومأ بعيناه وهو يدير رأسه عنها بحرج ولكنها أعادها فور أن سمع ضحكتها التي صدحت في أرجاء البيت الكبير بصوت عالٍ قبل أن تحاول كتم فمها بكفها. حدق بها عن قرب يرسم تفاصيل وجهها الجميل وهي لا تستطيع التوقف عن الضحك. بشقاوة لم يرها عليها قبل ذلك، حتى أصابته هو أيضًا العدوى. فشاركها الضحك على حرج بسعادة يتراقص لها قلبه.
لبضع لحظات ظلوا غير قادرين عن التوقف هما الاثنان.. غافلين عن زوج عينان بنيتان تراقبهما من مسافة قريبة. تتأكل من الغيظ. انسحبت حتى لا تفتعل معهم فضيحة ويذهب كل تعبها وشقائها هباءًا. دلفت لداخل غرفتها وهي تقبض وتفتح على كفها حتى تستطيع السيطرة على هذه النيران المشتعلة بداخلها. ضربت بكفيها بعنف على تسريحة مرآتها وهي تنظر لوجهها المحتقن بالغضب المكتوم وصدرها يصعد ويهبط بسرعة من فرط انفعالها ونيرانها. حتى أخرجها صوت الهاتف ينبئها بمكالمة واردة. فور أن رأت الاسم فتحت ترد بغضب:
"نعم عايز انت كمان؟ ومتصل ليه في الوقت ده أساسًا؟"
وصلها صوته المتهكم:
"صوتك متغير ليه يابرنسيسة؟ هو إنتِ مش مبسوطة مع ضيوف الهنا؟"
قالت وهي تجز على أسنانها:
"والنبي ياشيخ وحياة الغالين عندك.. ارحمني من أسلوبك المستفز ده.. أنا فيا اللي مكفيني.. هألاقيها منك أنا ولا من جوز المضاريب اللي سيطروا على عقول الشباب وخلوهم زي الخواتم في صوابعهم."
سألها باهتمام:
"تقصدي مين يانرمين بكلامك ده؟"
ردت هاتفة بصوتٍ خفيض:
"أقصد الزفتة خطيبة حسين والحية أختها اللي لفت المعلم علاء وبقى عامل قصادها زي العيل الصغير."
"تقصدي فجر يانرمين؟"
"أيوه زفتة ياسيدي.. اقفل والنبي أنا مش متحملة. اقفل ينوبك ثواب."
في الناحية الأخرى أغلق معها المكالمة وهو ينفث دخان الشيشية عاليًا في الهواء ويردد بانتشاء:
"يعني الحكاية فيها فجر.. وأنا أقول القديم بيتحفر فيه ليه؟ اممم.. كده بقى أكيد ليها حل!"
***
بعد أن هدأت ضحكاتهم أكمل هو بتأثر وهو يحدق معها بالصورة:
"أنا أمي غلبانة أوي يافجر.. على قد جمالها ده كله لكن عمرها ما اتكبرت ولا شافت نفسها على أبويا.. بالعكس كمان دي من ساعة ماجابها من بلدها اللي في الأرياف وهي تحت رجله وبتخدمه وتقريبًا نست بلدها من قلة المرواح هناك بعد أبوها ما مات وبقت عيلتها هي كل دنيتها لكن بقى المرض كسرها وهدها وأثر كمان على جمالها."
ردت بسرعة:
"لا طبعًا المرض ما أثرش على جمالها.. خالتي زهيرة لسه زي القمر وتجنن كمان."
"تعرفي إنك شبهها."
"نعم!!"
قالتها وكأنها تتأكد من صدق ما سمعته، فكرر هو جملته ونظرة دافئة من عيناه أسرت عيناها بصدقها:
"بقولك يافجر.. إنك تشبهي والدتي في حاجات كتير. أوي."
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل العشرون 20 - بقلم امل نصر
رفرفت بروموشها تحدق بهِ مذهولة وهي لا تستوعب جملته ولا تعرف سببها او معناها فسألته باستفسار:
- يعني إيه بقى اشبه والدتك في حاجات كتير؟
تنفس بعمق وهو ينظر الى عيناها بهذا القرب قبل ان يجيبها فوضع يدًا في جيب بنطاله والأخرى رفعها امامها ليشير لها بأصابع يده وكانه سيشرح لها معلومات مهمة غائبة عنها:
- شوفي ياستي.. بغض النظر عن انك تشبهي والدتي، في عزة النفس والتواضع والرقة كمان.. دا بقى في المميزات الشخصية.. اما بقى في الصفات، فانت عليكي ضحكة زي اللي خرجت دلوقتي على قد روعتها وندرتها لما بسمعها من والدتي، فانا ببقى بشتاقلها ولا هلال العيد.
احمرت وجنتاها خجلًا فاأسبلت عيناها في الارض حرجًا ولكنها رفعتها فجأة حينما سمعت وصفه الثاني:
- دا غير الغمزة بقى.
سألته مندهشة:
- غمزة ايه؟ انا ماعنديش غمازات.
رد بثقة:
- لا عندك.. لما بتضحكي من قلبك بتظهر واحدة في الناحية الشمال من وشك.
توسعت عيناها بذهول متزايد من معرفته الدقيقة لتفاصيل صغيرة عنها.. هي نفسها غافلة عنها:
- يعني كمان الغمزة الخفيفة دي في خالتي.
ضحك بمرح قائلًا:
- لا بصراحة انا امي معندهاش غمزات بس دي كانت ملحوظة انا خدت بالي منها وحبيت اعرفك بيها.
دبت بقدمها على الارض غيظًا تشيح بوجهها عنه حتى لا يرى ابتسامة ملحة على وجهها. تابع هو بتسلي وهو يلاحق وجهها:
- بس دا ماييمنعش انك زي القمر وكتكوتة كدة زيها وعينيكي بقا...
لفت رأسها بانتباه حينما ذكر عيناها.. فاأردف هو بصوتٍ دافئ:
- عنيكي دي من اول مرة انا شوفتهم فيها عن قرب ودا كان في شقتنا لو تفتكري الموقف اللي اتعصبتي عليا فيه.. لما بصيت فيهم يافجر حسيت كأنهم بحر وانا غرقت فيه او كإني اعرفهم من زمان من قبل حتى ما اتولد.. او كأنهم وطن وحسيت فيه بالامان .. شوفت في عيونك أني لقيت نفسي او لقيت عنواني اللي كنت بدور عليه بقالي زمن طويل.. في عيونك راحة قلبي اشتاقلها من سنين طويلة.. طويلة اوي يافجر.
توقف عن الكلام وهو يحدق بها وهي كانت غير قادرة عن النطق مأسورة او مسحورة من كلماته المفاجاة.. تبادله النظر ايضًا ولكن بحيرة.. فكان الصمت هو سيد الموقف بينهم.. حتى استفاق الاثنان على صوت نيرمين التي عادت من غرفتها اليهم فلم تتحمل اكثر من ذلك.
- هاتفضلوا واقفين مكانكم كدة كتير.
التفت اليها الإثنان مجفلان من حدتها فتابعت بلهجة اخف كي لاتفضح نفسها:
- اقصد يعني ان الشاي برد واحنا مستنينكم برة في الجنينة.
استدركت نفسها فجر فتحركت لتخرج على الفور.. أما علاء فاحتدت عيناه نحو نيرمين التي بادلته النظر بتحدي واشتياقٍ تفضحه حركة جسدها الذي يهتز أمامه.. عض على باطن وجنته يكتم غضبه قبل ان يطرق بعيناه ارضًا يستغفر ربه ثم انسحب للخارج خلف فجر وتركها هي في البهو وحدها.
***
خرجت فجر لداخل الحديقة الخلفية.. لتجد والدتها واباها واخيها إبراهيم على طاولة كبيرو تضمهم مع العم أدهم المصري الذي كان مستفردًا بشاكر في جانب، وحدهم يتسامران بالضحك والاصوت العالية وكانهم على معرفة قديمة ببعض.. بمجرد اقترابها منهم سألتها والدتها:
- كنتي فين الوقت دا كله يافجر؟
ازاحت فجر كرسي بلاستيكي لتجلس عليه بجوارها.. قبل ان تجيبها وهي تجاهد لتداري ارتباكها وتوترها من كلمات علاء التي احدثت زلازل بداخلها:
- ما انااا دخلت الحمام ياماما.. ظبطت نفسي كدة شوية فيه.
- ظبطتي ايه بالظبط؟ انا مش شايفة اختلاف يعني.
قالتها سميرة بتشكك.. فتناولت فجر طبق من الحلويات لتنكفئ تأكل فيه بشراهة غير معتادة.. دون ان ترد عليها فهى كانت في حالة لا تسمح لها بالمزيد من الأحاديث.. همت سميرة لتسألهأ مرة اخرى بتصميم ولكنها توقفت حينما رأت علاء وهو يقترب منهم ايضًا.. فانتقلت عيناها اليهم بتشكك صامت.. ازداد اكثر حينما رات رد فعل ابنتها وهي تدعي التجاهل وعدم النظر اليه رغم جلوسه الصاخب بالمرح بجوارهم ومناكفته لإبراهيم ومداعبته.
رفعت فجأة رأسها تسال والدتها:
- هما حسين وشروق فين ياماما؟ مش شايفاهم يعني؟
ردت سميرة على سؤالها بمغزى:
- حسين ياختي واخد شروق يفرجها على بقية الجنينة والأشجار اللي فيها.. خطاب بقى ويحقلهم يبعدوا عننا ويحكوا براحتهم.
شعرت فجر بعدم الإرتياح من إجابة والدتها التي تبدوا بداخلها رسائل مبطنة لها.. واكتمل الشعور حينما جلست بجوارهم نيرمين التي كانت تطلق سهام نظراتها نحوها بشكل يثير التوجس والأرتياب.
***
وعند حسين الذي كان يحرك ببطء في ذراع ألأرجوحة الجالسة عليها شروق.. يستمتع بمشاكستها وهي تتذمر من فعله بغضب طفولي رغم هذه السعادة البادية على وجهها:
- ياعم ماتهزها كويس كدة بلاش غلاسة.
رد عليها بغضبٍ مصطنع:
- بقالي ساعة بمرجحك ياست هانم وفي الاَخر بتطلعيني غلس.. دا انتي فعلًا بقى معندكيش دم.
خرجت ضحكتها بصوتٍ عالي تؤيده:
- ايوة هو فعلًا كدة انا واحدة معنديش دم.. هزها بقى وحركها كويس ينوبك ثواب فيا والنبي يا أخي تعبتني.
ثبت ذراع الارجوحة يوقفها مما اثار ضيقها:
- بتوقفها ليه ياحسين حرام عليك.. هو انا قولتلك وقف؟
قرب وجهه يسألها بجدية:
- هو انتي لدرجادي حبيتي المرجيحة ياشروق؟
ردت بحماس:
- مش المرجيحة بس.. الجنينة كلها من اول الاشجار الكبيرة والعالية والازهار الجميلة اللي فيها.. دي كأنها جنة يابني.. يمكن انت مش واخد بالك عشان متعود عليها.. لكن انا بقى عشان طول عمري مابشوفش قدامي غير العفار والعربيات من شباك اؤضتي او بلكونة فجر.. فانا حاسة باللي بقوله ده جدًا.. اللون الأخضر كله بيريح العين ياحسين.
مال اليها برأسه يسألها بلهجة مغوية:
- طب ايه رأيك بقى مدام انتي حبيتي الجنينة اوي كدة ماتيجي نقرب احنا ميعاد الفرح وليكي عليا أمرجحك كل يوم وادلعك كمان.
انطلقت ضحكتها العالية مرة اخرى حتى مالت رأسها للخلف وهو يميل اليها ويؤرجها بسعادة.
- ماقولتليش ايه رأيك بقى
- طب والنعمة انت مجنون.
***
وفوق سطحه كان جالسًا على عقبيه يتابعهم بنظراتٍ مشتعلة وحارقة.. صدره يعلو ويهبط بجنون.. يرى هذا المدعو حسين وهو يميل اليها ويدللها بوقاحة وهي متقبلة وراضية بل وسعيدة.. كان ينقصه هو هذا المشهد المستفز.. لقد صعد على سطح منزله كي ينفرد بنفسه ويشرب في شيشته ليرتب افكاره لهذه الأحداث التي طرأت حديثًا ليفجأ بهذه الثنائي في الحديقة الخلفية لمنزل أدهم المصري والتي تطل على حارته الفقيرة.. فتذكره بالماضي ومعاناته والامه.. نفث دخان من أنفه وهو يتراجع زحفًا حتى لا يلفت اليه الانظار ورأسهِ تكاد ان تنفجر من الافكار والذكريات التي أتت بثقلها الاَن كي تقلق راحته وتؤرق مضجعه.
***
حينما عاد شاكر وعائلته من هذه السهرة العائلية دلفت فجر على غرفتها فورًا تتجنب علاء الدي صعد معهم وهو يحمل ابراهيم حتى ادخله غرفته ووضعه على تخته وبعد ان تلقى منهم عبارات الشكر والإمتنان استأذن للذهاب حينما يأس من خروجها اليه من غرفتها وقد تجنبته طوال مدة السهرة بعد ان افضى اليها بما يحمله في قلبه نحوها.. دخل على والدته زهيرة التي كانت في انتظاره تشاهد التلفاز ومتلهفة للأخبار على احر من الجمر.
- مساء الخير ياست الكل.
قالت بلهفة:
- مساء الخير ياعلاء يابني .. ها العشا عدى على خير ولا حصل حاجة لا سمح الله؟
القى بجسده على المقعد الخالي امامها وهو يرد:
- كله خير ياست الكل والحمد لله.. يعنى كان هايحصل ايه بس؟
تمتمت بالحمد قبل ان ترد عليه:
- والنبي طول قاعدتكم هناك وانا حاطة ايدي على قلبي يابني.. خايفة لابوك مايرحبش بيهم كويس ولا اللي اسمها نيرمين تعمل معاهم مغرز ولا حاجة مش ولابد.. حكم البت دي مش مضمونة وانا عمر قلبي مارتاح لها.
رد عليها:
- ومين سمعك بس ياست الكل.. انا كمان عمري ما ارتحتلها ولا طيقتها.. بس بقى النهاردة هي كانت زي الساعة ماشية بأدب.. حكم السيد الوالد كان مهتم بالجماعة النهاردة ولا السفرة اللي عمالهم كانت ايه بقى حاجة ملوكي كدا.. بصراحة كان متوصي اوي بيهم.
بشبه ابتسامة اومأت زهيرة اليه قائلة:
- طب الحمد لله يابني عقبالك انت كمان لما تتشرف بنسايبك.
تناول كف يدها يطبع قبلة كبيرة عليها وقال:
- قريب يا امي ان شاء وهاتبقي انت اللي مضايفاهم ياست الكل.
مسحت بكف يدها الحرة على راسه بتأثر استشعره هو فقرر تغير دفة الحديث:
- اسكتي صح.. دا صاحبتك الست سميرة حرقت دم نيرمين النهاردة لما كانت هاتجيبلها تبول لا إرادي.
ضحكت بمرح قبل ان تساله بلهفة:
- والنبي جد.. طب ازاي بقى فهمني قول؟
***
جالسة على تختها بملابسها التي لم تخلعها من وقت ان عادت من العزومة، ناظرة في الفراغ بشرود تفكر في ماحدث من وقتٍ قليل .. لقد فاجئها اليوم بكلماته ذات الغزل الصريح.. وهي التي كانت تحادث نفسها عن ماهية شعورها المتنامي نحوه .. بعد سامعها لهذه الكلمات التي اربكتها واوقفت عقلها عن التميز .. والتي لمست فيها رقة احساسه.. كيف لها ان تستطيع المواجهة والتفكير بشكل صحيح؟ ثم الاهم من ذلك كله.. لو صدق احساسها فعلًا .. يصدق هو ايضًا احساسه وقد كان قبل ذلك عاشقًا لغيرها وبقوة؟
- فجر انت لسة قاعدة بهدومك.
انتفضت مجفلة من صوت شقيقتها التي اقتحمت الغرفة هاتفة:
- يخرييتك ياشيخة خضتيني.
قالتها وهي ترميها بالوسادة التي تجنبتها شروق وانطلقت ضحكاتها بمرح:
- والنبي بجد اتخضيتي؟ سامحيني يافيفي .. مكنتس اقصد والنعمة.
زفرت حانقة وهي ترد عليها:
- بقى بعد ماخضتيني وخلتيني قطعت الخلف تقولي والنبي ماكنت اقصد .. بجد حقيقي مستفزة.
اكملت ضحكاتها وهي تجلس بجوارها:
- طب معلش ياابلة فجر سامحيني .. بس انا بجد استغربت قوي لما لاقيتك لساكي بهدوم الخروج.
ردت بغيظ:
- وما اقعد ياستي بهدوم الخروج ولا حتى انام بيهم .. انتي مالك ياباردة؟ ودا يخصك في ايه اساسًا؟
هتفت بدلال.. تناغشها بسماجة وهي تلتصق بها:
- ماخلاص بقى يافوفة.. سامحيني والنبي انا مقدرش على زعلك بقى.
شهقت فجر تضربها بالوسادة حتى تبتعد عنها:
- يابت ابعدي عني بدلعك المرق ده.. انا ماعنديش مرارة ليكي.. دا إيه التناحة دي بس ياخواتي؟
هجمت عليها تقبلها من وجنتيها بعنوة:
- بحبك يا اختي ياقمراية والنعمة بحبك.
قاومت فجر ضحكتها وهي تدفعها عنها:
- يابت بطلي غلاسة.. انزاحي عني خنقتيني.
استمرت شروق في محاولاتها حتى اجبرت فجر على التجاوب والضحك معها.. بعد ان هدات ضحكاتهم سألتها:
- بت ياشروق.. هي امّك زعلانة مني ولاحاجة؟
حركت راسها بعدم فهم:
- ليه يعني؟ هو انتي عملتي حاجة زعلتها؟
ردت وهي تمط شفتيها:
- معرفش ياشروق.. بس انا حساها متغيرة وانا مش فاهمة ليه؟
ردت شروق:
- يابنت الناس.. امّك لو زعلانة منك او متغيرة.. هاتقطع معاكي على طول او تديكي على دماغك.. هو انت معرفاش سميرة ياقطة؟
ابتسمت فجر بارتياح تردد خلفها:
- اه صح عندك حق.. انا امي جبارة فعلًا وماتخافش من حد.. دي كفاية اللي عملته النهادرة في اللي اسمها نيرمين.. دي نشفت ريقها بتلميحاته الصريحة.
شاركتها شروق ضاحكة:
- لا وشوفتي حسين وهو بيتفق معاها بتلقيح الكلام.. وربنا دي اول مرة اعرف فيها انه خبيث. ههه بس بدم خفيف. هههه.
***
في اليوم التالي استيقظ علاء مبكرًا حتى يحظى بمقابلة مع مجنونته التي انزوت معتكفه بعيدة عنه منذ الأمس.. علّه يستطيع لقاءها او يفوز بتوصيلة لها ولوالدها بسيارته.. ارتدي سترته السوداء ثم تناول مشطٍ صغير.. يسرح بهِ على شعره بعجالة وقبل ان يتناول ساعته تفاجأ بورود مكالمة على هاتفهِ برقم غريب .. وما ان فُتح الاتصال حتى فوجئ بصوته المعروف:
- الو ياعلاء .. انا عصام.
رد بخشونة:
- نعم ياسي زفت.. بترن عليا بصفة ايه وليه؟ ثم المهم بقى واللي عايز اعرفه دلوقتي حالًا.. انت جبت نمرتي منين وعرفتها ازاي؟ قولي.
وصله الصوت الحانق:
- ياعم مش وقت اسألتك دي دلوقتي.. وان كان على نمرتك فانا جبتها من سجلات المستشفى لما دخلت بابراهيم يوم الحادثة.. المهم بقى اني عندي ليك خبر بمليون جنيه.
قاطعه سائلًا:
- نعم يافندم .. خبر إيه بقى اللي بمليون جنيه عشان انا عايز اعرف؟
- عرفت مكان البنت الخدامة ياعلاء .. او بمعنى اصح عرفت عنوانها.
- انت بتتتكلم بجد ياعصام.
- والله زي مابقولك كدة.. انا نازل من بيتي دلوقتي حالًا اروح على العنوان مع اللي هايدلني.
- طب استناني بقى .. عشان جاي معاكم.
- هاستناك فين؟ انا خارج حالًا عشان الراجل مستنيني.
- وانا لابس وجاهز يابني ادم.. قولي اجيلك فين وبسرعة.
***
بعد نصف ساعة تقريبًا وبداخل سيارة عصام وعلى الكرسي الامامي بجوار السائق كان جالسًا علاء.. والرجل الغريب جالسًا في الخلف .. وعصام يتولى مهمة تعريف علاء بهِ:
- اهو ده بقى يبقى عم متولي ياعلاء .. كان بواب العمارة اللي فيها شقتي القديمة.. يمكن تفتكره.
تطلع علاء اللى الرجل الخمسيني بجلبابه البلدي الفضفاض وعمامة رأسه البيضاء على بشرة وجهه السمراء.. بذقنٍ خفيفة مطعمة بالشعيرات الفضية.
- افتكرته طبعًا.. هو كان اياميها شباب اكتر من كده وجسمه كان نحيف على كدة.
رد الرجل بتفكه:
- اياميها كنت لساتي جاي من البلد وشقيان.. لكن دلوك تخنت بقى من الراحة والقعدة على الكرسي.
اومأ له علاء بابتسامة خفيفة قبل ان يتوجه لعصام سائلًا:
- ايه الحكاية بالظبط فهمني؟
رد عصام وهو ينقل بصره اليه والى الطريق:
- شوف ياسيدي.. انا شوفت عم متولي بالصدفة في مستشفى حكومي وانا رايح ازور واحد صاحبي هناك .. اتكلمت معاه ودردشنا شوية اثناء ما انا بوصي صديقي الدكتور يهتم بيه.. ومن غير تفكير لقتني بسأله عن البنت امينة.. رغم انه زمان مكانش يعرف بعنوانها بس المرة دي لقيته بيجاوبني وييقولي على عنوان بيت جوزها ودا عرفه بالصدفة لما كان رايح يزور واحد من قرايبه في المنطقة اللي هي اتجوزت فيها.
التفت علاء يسأل الرجل:
- انت متأكد من كلامك ده ياعم متولي؟
اجابه الرجل بثقة:
- طبعًا يابيه متأكد امال ايه.. دا انا اعرفها من وسط مية.
اومأ علاء برأسه وهو يلتفت لعصام .. فقال بحماس وهو يفرك بيداه على فخذيه:
- على خيرة الله.. زود السرعة شوية والنبي ياعصام .. خليني نوصل لبنت الابالسة دي.
بعد قليل كانت السيارة متوقفة بمنطقة فقيرة .. انتشرت فيها المنازل بطريقة عشوائية.. معظمها مبني بالطوب الجيري والباقى يكاد يسند نفسه من السقوط على رؤس اصحابه.. فور ان ترجل الثلاثة من السيارة التي غاصت بالمياه الموحلة حتى بللت احذية الثلاثة بالإضافة لتبقع اطراف بناطيل الاثنان رغم محاولاتهم الحثيثة برفعها .. اما العم متولي فتمكن من حفظ جلبابه الفضفاض برفعه عاليًا حتى ظهرت ساقية حتى الركبة ولم يبالي وهو يتقدم امامهم نحو البيت المذكور.
قال عصام وهو يضع منديلٍ ورقي على انفه:
- الريحة هنا صعبة قوي.. وكأنها ريحة جثة متحللة.
رد العم متولي بعدم اكتراث:
- دا تلاقيه بس كلب ولا قطة ميتين في الخرابة القريبة دي.. انت مش واخد بالك من الزبالة اللى ظاهرة في مدخلها ولا ايه؟
نظر عصام نحو البيت المُشار اليه من العم متولي .. فاشاح عيناه فورًا وهو يجاهد لعدم التقيوء امامهم:
- ياساتر يارب .. دي زبالة بجد وفعلًا واضح ان في كلب ميت هناك.
رد علاء بابتسامة ساخرة:
- معلش يادكتور.. اصلك مش متعود على المناظر الوحشة دي .. فممكن تستنانا هناك في العربية على ما نخلص مشوارنا.. بدل ما يغمى عليك ولا حاجة .. واحنا خايفين عليك لا تتعب.
حدجه عصام بنظرة حانقة قبل ان يرد:
- لا ماتخافش ولا تقلق عليا ياحبيبي.. انا هكمل طريقي ومشواري معاكم عادي.. قال يغمى عليا قال.
ازدادت ابتسامة علاء بنظرة اغاظت عصام.. الذي جاهد لضبط اعصابه وعدم الشجار معه .. فقال العم متولي وهو يتوجه ناحية منزل بابه اخضر:
- هو دا البيت يابيه .. بيت امينة وجوزها.