تحميل رواية «عينيكي وطني وعنواني» PDF
بقلم امل نصر
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
دلفت لداخل غرفتها بخطواتٍ مثقلة وموجة من الغضب تحتاجها بعنف. من وقت أن سمعت من أبيها اسم الجار الجديد لشقتهم، وعقلها يرفض بشدة استيعاب هذه المفاجأة الغريبة. كلما دار بمخيلتها أن هذا البغيض أصبح جارها والباب أمام الباب، اقشعر بدنها وتحفزت كل خلايا جسدها بشراسة نحوه. وصلت إلى شرفة الغرفة، فوقفت تنظر للأسفل على هذه السيارة الكبيرة والمخصصة لنقل الأثاث. في أعلى السيارة من الخلف كان واقفاً، يساعد العمال أو من تبرع من أهل المنطقة في حمل قطع الأثاث لنقلها في تجهيز الشقة. مشمراً أكمام قميصه الأسود وكاشف...
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل الأول 1 - بقلم امل نصر
دلفت لداخل غرفتها بخطواتٍ مثقلة وموجة من الغضب تحتاجها بعنف. من وقت أن سمعت من أبيها اسم الجار الجديد لشقتهم، وعقلها يرفض بشدة استيعاب هذه المفاجأة الغريبة. كلما دار بمخيلتها أن هذا البغيض أصبح جارها والباب أمام الباب، اقشعر بدنها وتحفزت كل خلايا جسدها بشراسة نحوه.
وصلت إلى شرفة الغرفة، فوقفت تنظر للأسفل على هذه السيارة الكبيرة والمخصصة لنقل الأثاث. في أعلى السيارة من الخلف كان واقفاً، يساعد العمال أو من تبرع من أهل المنطقة في حمل قطع الأثاث لنقلها في تجهيز الشقة. مشمراً أكمام قميصه الأسود وكاشفاً عن ذراعيه القويتين على بنيان جسده العضلي. ملامح وجهه الرجولية الجذابة على شعر رأسه الفاحم السواد. لفتت أنظار معظم الفتيات والنساء في المنطقة ممن وقفن في شرفاتهن أو من تمهلت أثناء سيرها وهي تحدق بعينيها عليه كالبلهاء.
"الوغد الملعون ما زال محتفظاً بجماله الخاطف للأنفاس وتلك الهالة الجاذبة لكل صنف مؤنث."
غصة مريرة ابتلعتها في حلقها حسرة على من زهقت روحها هباءاً. فتمتمت بحرقة وهي ترتد للخلف عائدة حتى سقطت بتعب على طرف تختها.
"فاتن!!"
توقف بسيارته على أطراف الحي الضيق تنتابه الحيرة. في التقدم إلى الميدان الكبير حيث السكن الجديد لأخيه ووالدته، أم التراجع كي لا يكسب عداء أبيه الغاضب على خروج زوجته من منزله وابتعادها عنه في تحدٍ واضح لإرادة الزوج الكهل والمتزوج حديثاً بفتاة بعمر أبنائه. بحجة مرض الزوجة وعدم مقدرتها على تلبية طلباته واحتياجاته.
زفر حانقاً من تردده على اتخاذ قراره في أمر هام كهذا. فهو لم يكن أبداً من محبي التصادم والاحتجاج، عكس أخيه الكبير الذي نشأ على تحمل المسؤولية منذ الصغر ولديه حق الاعتراض أو التمرد إذا لزم الأمر. أما هو فكان دائماً المدلل من أبيه ووالدته.
ترجل من سيارته ليستنشق بعض الهواء النقي في الخارج، فالتقطت أذانه بعض الهمهمات النسائية القريبة منه.
"يالهوي على القمر يابت يا إيمان.. أموت أنا."
"دا بينه غريب يامانيلة على عينك."
تصلب مكانه مسترق السمع، كاتماً بصعوبة ابتسامته.
"هو فعلاً شكله غريب عن المنطقة من نظافته وحلاوته؟"
"أو ممكن يكون أجنبي ياشروق؟"
"تصدقي صح يابت الحلاوة دي فعلاً تدي على أجنبي."
لم يستطع الصمود أكثر من ذلك، فالتفت إليهم برأسه فجأة أجفلهم. ظهر الارتباك جلياً على قسمات وجههم وهن يسرعن بخطواتهن تتخطونه، تتساربن بصوتٍ خفيض.
"يانهار أسود دا بيبص علينا."
أسرعن بخطواتهن أمامه في الجهة الأخرى من الشارع وهن يكتمن ضحكاتهن. ظل هو ساكناً في مكانه وتابعت عيناه سيرهن حتى خروجهن من الحي. كان يبدو من ما يرتدينه من ملابس وما بيدهم من دفاتر أنهم فتيات جامعيات. الأولى كانت نحيفة بشعرها الأسود على بشرة رقيقة وبيضاء. لم يلتفت جيداً عليها وذلك لتعلق نظراته بالفتاة الثانية. ذات الوجه المستدير بالملامح البريئة والتي اختلطت بشقاوة فطرية. ظهرت بوضوح حينما استدارت برأسها إليه بابتسامة رائعة قبل أن تخرج من الحي وتختفي هي وصديقتها.
"انتي كنتي فين ياماما؟"
التفتت سميرة على صوت ابنتها وهي تدلف لداخل المنزل. فعدلت عن دخول المطبخ وذهبت إليها في الصالة الصغيرة وسط المنزل وهي تقول:
"أبلة فجر.. أخيراً يا أختي صحيتي وخرجتي من أوضتك.. مش بعادة يعني تتأخري في نومتك كده؟"
انتظرت فجر حتى جلست والدتها على الأريكة بجوارها فقالت بتوتر:
"لا ما أنا كنت راجعة من شغلي تعبانة وراحت عليا نومة."
نظرت إليها والدتها بتفحص تسألها:
"انتي فعلاً شكلك متغير.. هو إيه اللي تاعبك بالظبط؟"
أزاحت كف والدتها عن وجهها برفق قائلة:
"ياما دول كانوا شوية صداع وراحوا لحالهم.. المهم أنا خرجت من أوضتي مالقتش غير إبراهيم بس هنا في البيت قبل ما يخرج هو كمان ويروح السنتر.. هو انتوا رحتوا فين؟"
"يعني هروح فين يعني؟ أختك لسه مارجعتش من جامعتها وأنا طلعت بصنية أكل للجيران الجداد أرحب بيهم."
قاطعت والدتها قائلة بحدة:
"نعم!! وانتي توديلهم أكل ليه إن شاء الله؟ هما كانوا قرايبنا ولا لينا بيهم سابق معرفة."
صاحت عليها سميرة بحنق:
"إيه يا بت مالك؟ هو انتي هتبصي على اللقمة كمان؟ دا الراجل وأمه العيانة ملخومين في ترتيب العفش.. نسيبهم جعانين إحنا بقى عشان مش قريبنا ولا نعرفهم."
أخفضت نبرة صوتها تحاول تخفيف حدتها في القول:
"ياما أنا مابصيتش في لقمة ولا حاجة.. أنا بس مش عايزة يبقى لينا علاقة كده من أولها مع ناس غريبة عننا ومنعرفهاش."
"غريبة دا إيه بس يا فجر؟ دول ناس ولاد أصول يابنتي وولاد عز كمان.. والست الكبيرة تتحط على الجرح يطيب بس المرض بقى هدها والراجل جوزها ماتحملش تعبها قام متجوز عليها عيلة من دور عياله من غير ما يراعي شعورها ولا إحساسها.. لكن ابنها بقى ربنا يحرسه لشبابه مخلصوش قهرة والدته.. خرج بوالدته يعزل بيها وترك لوالده الجمل بما حمل."
سألت فجر مندهشة:
"وانتي لحقتي تعرفي دا كله إمتى ياما؟"
"من والدته نفسها.. ما أنا قعدت معاها والكلام جاب بعضه.. دا حتى والدك كمان اتعرف على ابنها اسم النبي حارسه علاء.. حتة شاب إنما إيه حاجة تشرح القلب.. دا أبوكي معجب بيه أوي."
فعرت فاهها مذهولة:
"حاجة تشرح القلب!! لدرجادي ياما؟"
"بكرة تشوفيه وتعرفي بنفسك."
تنهدت سميرة بصوت واضح قبل أن تقوم من جوارها وهي تتابع:
"أنا قايمة أغسل المواعين اللي اتكمت في الحوض وبالمرة أحضرلكوا حاجة للعشا."
نظرت في أثر والدتها وهي تتمتم بصوت خفيض:
"دا على أساس إني لسه ماعرفتوش!"
أجفلت مخضوضة على صوت صفق الباب وشقيقتها تدلف هاتفة بمرح:
"يالهوي يالهوي على جارنا الجديد يابت يافجر.. طول وعرض ولا نجوم السيما بالظبط.. شوفتيه ولا لسه؟"
أغمضت عينيها بتعب وهي تحرك رأسها بيأس:
"شوفته ياشروق.. شوفته."
على أقرب المقاعد ارتمت شروق وهي تتسائل بحالمية:
"هو أنا إيه حكايتي النهاردة مع الرجالة الحلوة؟"
في الشقة المجاورة وتحديداً بداخل الغرفة القريبة من غرفة فجر، تناولت زهيرة دوائها واستلقت لتنام على التخت الجديد. بعد أن تمكن الإرهاق وتعب اليوم في نقل الأثاث وترتيبه من جسدها الهزيل. رفعت رأسها على صوت الطرق الخفيف على باب الغرفة فرحبت بابتسامة قائلة:
"ادخل يانور عيني أنا لسه صاحية."
فتح الباب فازداد اتساع ابتسامتها وهي تراه يتقدم لداخل الغرفة نحوها حتى جلس بجوارها على طرف التخت فتناول كف يدها يقبلها بحنان:
"معلش بقى تعبتك معايا النهاردة ياست الكل."
زمت شفتيها بحنق قائلة:
"تعب إيه ياواد اللي تعبته؟ دا أنا آخري كنت بشرف وبس على العمال اللي انت أجرتهم مخصوص يوضبوا الشقة.. أنا حتى ملحقتش أوضب الهدوم في الدولاب."
قال مازحاً وهو ينظر للحقائب الموضوعة أرضاً:
"وماله ياست الكل أرتبهم أنا من عنيا.. دا انت تأمري."
لكزته بقبضتها على ذراعه قائلة بحزم محبب:
"ملكش دعوة بهدومي ياقليل الأدب انت.. أنا هرتب حاجتي بنفسي.. بس بكرة الصبح بقى أحسن أنا النهاردة خلاص.."
تثائبت وهي تقاوم نومها فتابعت:
"المهم بقى انت قدرت تلاقي محل هنا في المنطقة ولا لسه؟"
قَبّل جبينها قائلاً:
"نامي انتي دلوقتي وريحي جسمك.. وبكرة ابقي اسأليني براحتك بقى."
كررت بإصرار:
"يابني أنا معاك أهو.. قولي بس لقيت محل ولا لأ؟"
أجاب بيأس:
"ياستي أنا خدت فكرة النهاردة من السمسار عن بعض المحلات الجديدة والفاضية في المنطقة وبكرة بقى ربنا يسهل ونعتر على واحد كويس.. المنطقة هنا عمومي ومهمة يعني ربنا يجعلها فاتحة خير علينا إن شاء الله."
كان يتكلم بإسهاب فلم يعِ إلا متأخراً أن والدته استسلمت لسلطان النوم ولم تعد منصتة له. ظل بجوارها لبضع لحظات متأملاً وجهها الجميل. لقد كانت والدته فائقة الجمال في شبابها ببشرتها الحليبية وعينيها الخضراوان. كانت من أجمل فتيات الحي حينما تزوجها أبيه ابن الحسب والنسب وصاحب أكبر محل أدوات صحية. ولكنها أصيبت ببعض الأمراض المزمنة مبكراً كالسكر والضغط وآلام الظهر والعظام. في البداية كانت محاطة برعاية زوجها واهتمامه ولكن مع مرور الأيام زال الاهتمام والرعاية رويداً رويداً حتى تلاشى تماماً وانتهى أخيراً بزواجه من عاملة في المحل. نيرمين.. كلما تذكرها وتذكر أعيبها المكشوفة عليه قبل أن تفقد الأمل منه وتنصب شباكها على أبيه فتوقعه في شركها. فارت الدماء في عقله وجسده فزفر بضيق على إحساس العجز الذي تمكن منه في التصدي لها.
مسح بكف يده على وجهه يحاول تهدئة أعصابه. ثم تناول غطاء الفراش ودثر والدته جيداً وقبل رأسها قبل أن ينهض من جوارها ليستنشق بعض الهواء النقي في شرفة الغرفة عله يهدأ النار المشتعلة في صدره. أخرج عبوة السجائر فسحب واحدة ووضعها في فمه وهم بإشعالها بقداحته. ولكنه وقف باهتاً وارتخت يداه حينما لمح هذه الجميلة الواقفة في شرفة الشقة المجاورة. كانت ملتفة بشالها تنظر للأمام وخصلات شعرها الحريري تتطاير بنعومة في الهواء. يبدو أنها كانت شاردة مما سمح له بتأملها لفترة مبهوراً حتى التفتت هي عن غير قصد لتجفل إليه فاشتعلت نظراتها وهي تنظر إليه كنمرة متوحشة. انتفضت لتخرج من الشرفة على الفور. فابتسم بتسلية وهو يشعل سيجارته وهو ينفث دخانها في الهواء بإستمتاع. تمتم وهو يبتسم مع نفسه:
"دي باينها هتبقى فل إن شاء الله."
تقطع الغرفة ذهاباً وإياباً على قدميها بغير هوادة من وقت أن رأته بهذا القرب وهو ينظر إليها بكل وقاحة بداخل شرفته القريبة من شرفتها. ونار من الغضب المكبوت اشتعلت بأحشائها تمزقها بعنف وشراسة. لقد كانت بالكاد قد تناسته عندما خرجت لشرفتها مستسلمة لنسمات الجو الباردة والمحببة إليها في هذا الطقس، لتجده فجأة أمامها مقتحماً خصوصيتها. حاولت تنظيم أنفاسها لتخفيف هذا الشعور البغيض الذي انتابها بقلة الحيلة والقهر. أنقذها رنين الهاتف برقم تعشقه بعشق صاحبته. أجابت بهدوء.
"ألوو.."
وصلها الصوت المحبب بمرح:
"ألوو.. انتي فين ياعنيا؟ ماسمعتش صوتك من مدة يعني؟"
تبسمت بخفة قائلة:
"مدة إيه بس ياسحر؟ دا إحنا اليوم كله مع بعض في المدرسة."
"ماهو ده اللي مجنني يابنتي.. إنك ترجعي من شغلك وتقعدي الفترة دي كلها من غير ما تزعجيني باتصال واحد حتى يبقى أنا كده أقلق بقى."
صمتت قليلاً قبل أن تجيبها:
"لا ما تقلقيش ياسحر أنا بس كنت مصدعة وخدتني نومة لهتني عن إزعاجك."
وصلها صوت صديقتها القلق:
"لا يافجر.. أنا بعد ما سمعت نبرة صوتك دي بقيت متأكدة إن في حاجة بجد تعباكي مش هزار.. هتقدري تتكلمي في الفون ولا تصبري للصبح عشان الوقت اتأخر دلوقتي على الخروج."
أومأت برأسها تقول:
"أشوفك بكرة ياسحر في المدرسة إن شاء الله تصبحي على خير."
بعد أن أنهت المكالمة مع صديقتها الحبيبة. استلقت على فراشها تبتغي النوم والراحة قليلاً عن ما يدور برأسها.
في الجهة الأخرى بعد أن أنهت مكالمتها، التفتت مرة ثانية للتصحيح في كوم الكراسات المتناثرة أمامها على طاولة المكتب بعد اختبار الشهر الذي فاجأت به طالبات الفصل بالأمس. بدون سابق إنذار رفعت رأسها على صوت حفيف فستان قادم مع وقع خطوات كعب حذاء عالٍ بداخل الغرفة ورائحة العطر النسائي الذي تعلمه جيداً.
"هااا إيه رأيك؟"
فغرت فاهها وتدلى فكها بذهول وهي ترى والدتها تلتف أمامها بفستان سهرة باللون الفضي مطرز ببعض حبات الخرز على الصدر، فانعكست إضاءة الفستان مع حبات الخرز على وجه المرأة الأبيض وهي تبتسم بتفاخر وتسأل بإلحاح:
"هاا ياسحر.. ماقولتيش رأيك في الفستان إيه؟"
فاقت من ذهولها وهي تضرب بكف يدها على سطح المكتب قائلة:
"عايزاني أقول رأيي في إيه ياما؟ في سنك ده ومكانتك كموظفة محترمة في القطاع الحكومي لابسةالي فستان بترتررر؟"
شهقت رجاء تتخصر أمامها مستنكرة:
"وماله سني يا عنيا؟ كبرت بقى ولا عجزت.. دا أنا أعرف ناس في سني ولسه ما اتجوزوش.. وإن كان على الاحترام فانا محترمة غصب عن الكل.. يعني ألبس ترتر ولا مشخلع حتى ماحدش له عندي حاجة."
عضت سحر على شفتيها تكتم غيظها قبل أن تسأل:
"طيب ولما هو كده زي انتي ما بتقولي.. عايزة رأيي في إيه بقى؟"
قالت رجاء بتوسل:
"عايزاكي تقولي رأيك بجد في الفستان وأنا لابسااه من غير ما ترمي كلامك الدبش كده في وشي.. أنا ماليش هنا في البلد دي غيرك ياسحر عشان أسأله في حاجة ضروري زي دي.. فرح بنت أخويا قرب وعايزة ألحق أجهز نفسي بقى."
"ماشي ياما حاضر."
كظمت امتعاضها بصعوبة وهي تستجيب للابتزاز العاطفي من ناحية رجاء. فالقت نظرة متأنية على ما ترتديه لتفحصها جيداً قبل أن تبدي رأيها. الفستان لم يكن سيئاً بأكمله. فقد كان منسدلاً على قوامها المتناسق بنعومة. بالإضافة أن قماشه لم يكن بالضيق الذي يجعله يلتصق بجسدها. تنهدت بيأس حتى وجدت ضالتها أخيراً وهي تنظر على منطقة الخصر. فابتسمت داخلها بخبث لتجيب والدتها بكل ضمير:
"بغض النظر عن الترتر ياست ماما.. فلو نظرنا نظرة شاملة على الفستان هانلاقيه طويل وأكمامه طويلة.. دا غير إنه كمان لايق عليكي بس يا خسارة بقى فيه عيب مهم قوي."
سألتها مجفلة:
"إيه هو العيب اللي فيه؟"
"كرشك."
"نعم!!"
"بقول الحق ياما.. كرشك ظاهري قوي في الفستان."
تنهدت رجاء بغيظ وهي تتمتم بصوت خفيض:
"ماشي تمام.. هانلاقيله صرفة إن شاء الله."
سألتها ببرائة:
"هتشفيطي كرشك ولا توسعي الفستان؟"
هتفت عليها حانقة:
"مالكيش دعوة.. انتي قولتي رأيك وكتر خيرك على كده.. المهم بقى إمتى هاتجهزي انتي كمان وتشتري حاجة عدلة عشان فرح بنت خالك."
"هي غنوة ياما وعايزاني أغنيها؟ ماقولتلك مش رايحة فرح الزفتة بنت خالي ولا راجعة البلد دي تاني نهائي.. هو انتي إيه ما زهقتيش؟"
رفعت رجاء طرف فستانها وهي تردد مع خروجها من الغرفة بتصميم:
"لا ما زهقتش يا سحر وهاتروحي الفرح معايا يعني هاتروحي الفرح."
بصوت عالٍ صاحت هي الأخرى كي تسمعها:
"وأنا قولت مش رايحة الفرح يعني مش رايحة الفرح.. وأما أشوف كلمة مين بقى فينا اللي هاتمشي؟"
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل الثاني 2 - بقلم امل نصر
على طاولة صغيرة بوسط المنزل أعدتها زهيرة مائدة للإفطار. وضعت عليها بعض الأصناف الخفيفة من الطعام، بالإضافة لبراد من الشاي الساخن.
كانت تهتف على ابنها:
- ياللا بقى ياعلاء كفاية نوم يابني؟
خرج لها من غرفته يجفف شعر رأسه بمنشفة صغيرة قائلاً:
- ياست الكل أنا خرجت اهو والنعمة.. كفاية بقى تندهي عليا هاتصحي العمارة كلها معانا.
قالت ضاحكة:
- ما أنا كنت فاكراك لسه نايم ياحبيبي.. ماكنتش أعرف بقى إنك صحيت وخدت شاور كمان.
اقترب منها يقبل أعلى رأسها قبل أن يجلس على المائدة قائلاً:
- ولا يهمك ياحبيبتي.. صباح الفل عليكي.
- صباح الفل والورد كمان على أحلى علاء.
قالتها وهي تجلس هي الأخرى تشاركه، وتابعت تسأله:
- صحيت بدري لوحدك يعني؟ ما ارتحتش في مكانك الجديد ولا إيه؟
وضع لقمة كبيرة من الجبن قائلاً بمكر:
- بصراحة بقى يا أمي أنا فعلاً مقدرتش أنام في الأوضة الجديدة دي، أصلها مقفلة كده وعلى شارع خلفي بجد ما استريحتش فيها.. عكس أوضتك انتي بقى بتطل على الميدان والمناظر الحلوة.
قطبت قائلة بدهشة:
- ما هو ده كان رأيك انت يابني.. لما قولت إنك عايز الهدوء.. بعيد عن دوشة الناس والعربيات.
أومأ برأسه قائلاً بارتباك:
- هو فعلاً كان ده رأيي في الأول ياست الكل.. بس بصراحة امبارح وأنا في أوضتك حسيت براحة نفسية كده.. خلتني أتمنى إنها تبقى أوضتي.
قالت بحنان:
- يا حبيب قلبي مدام عاجباك أوي كده يبقى نبدل بقى وخذها انت وأنا ياسيدي آخد أوضتك.
تبسم بانتعاش وهو يتناول كف يدها ويقبلها:
- تسلميلي ياست الحبايب انتي دايماً كده مريحاني في أي حاجة أطلبها.
نهض عن مقعده فجأة يقول:
- أسيبك أنا بقى وأقوم ألبس عشان يدوبك أحصل مشواري مع السمسار.
لاحقته بنظراتها قائلة:
- ربنا يريح قلبك ياحبيبي ويفتحها في وشك دايماً.
أوقفته فجأة قبل أن يفتح باب حجرتها وهي تسأله بلهفة وتردد:
- هو أخوك حسين ما اتصلش بيك ياعلاء؟
التف إليها قائلاً بابتسامة مطمئنة:
- ولو ما اتصلش يا أمي برضه هايجي ويطمن عليكي.. حسين طيب وأنا عارفه كويس.
قالت بحزن:
- حتى بعد ما قولتلوا يا جبان؟
ازداد اتساع ابتسامته:
- اطمني يا أمي.. هو بس اللي أخره عنك خوفه من زعل الوالد، لكن خليكي متأكدة إنه هايجي.
***
كانت فجر تلملم أغراضها على عجالة في الحقيبة الصغيرة لها كي تلحق دوام عملها في المدرسة، حينما دلفت إليها شقيقتها شروق سائلة بتعجب:
- إيه دا؟ انتي لسه ما روحتيش الشغل يافجر؟ دي الساعة قربت على 8.
قالت باستياء:
- والنبي سيبيني في حالي ياشروق.. طول الليل ما عرفتش أنام امبارح لحد ما صليت الفجر وبعدها بقى عوضت وراحت عليا نومة لدرجة إني ما حسيتش بصوت المنبه.
سألتها بمشاكسة:
- ويا ترى إيه اللي آخد عقلك بقى لدرجة إنه طيّر النوم من عيونك يا أبلة فجر؟
لوت شفتيها بحنق وهي ترتدي سترتها الجلدية قبل أن تخطو للخروج تقول:
- مش هارد على واحدة تافهة زيك.
ضحكت شروق تتناول قلم الحمرة لتلوين شفتيها وهي ناظرة في انعكاس شقيقتها في المرآة التي كانت خارجة من الحجرة، فقالت بمرح:
- والنبي مسيرك هتقعي يافجر.
عادت إليها فجأة قائلة بتحذير ومزاح:
- خفي شوية على صباع الروج يا ماما دا مال يتامى.
***
فتحت باب الشقة لتخرج، فاصطدمت عيناها به مباشرةً أمامها وهو خارج أيضاً من شقتهم.
تنحنح في البداية وهو يلقي عليها التحية:
- صباح الخير.
تجهم وجهها ونظرت إليه نظرة تحدي وازدراء. توقع أن ترد إليه تحية الجار الجديد، لكنها مرت من أمامه تتخطاه لتنزل الدرج وكأنها لا تراه!
عقد حاجبيه وفغر فمه دهشةً من جرأتها. ظل لبعض اللحظات ينظر في أثرها مصدوماً من فعلتها. همس ذاهلاً بصوت خفيض:
- يابت ال... دي مجنونة دي ولا إيه عشان تعمل كده مع المعلم علاء وما تعبروش؟
هز رأسه يبتلع الإهانة وهو ينزل خلفها يتميز غيظاً منها ومن عجرفتها عليه دون سبب واضح، أو قد يكون السبب هو غضبها أمس حينما أجفلت عليه وهو ينظر إليها من شرفته مستغلاً غفلتها. ولكن، ماذا يفعل؟ فقد سرقته اللحظة أمس وهو ينظر إليها كالمسحور ولم يعِ بالزمان ولا المكان ولا الأصول والأعراف. تنفس بغضب وهو يقسم بداخله إنها لو كانت رجلاً لرد بتهشيم وجهها. وجهها الذي يشبه القمر، لا يدري لماذا يشعر كأنه رآها سابقاً؟
أما هي، فقد أحست بنشوة غريبة في إحراجه. كانت تشعر مع سماع خطواته خلفها وكأن نظراته تنفذان عبر ظهرها وصوت أنفاسه الهادرة يصل إليها بوضوح، وهي تتصنع البرود والغطرسة أمامه.
***
وفي مكان آخر، بداخل المحل الضخم والمخصص لبيع الأدوات الصحية.. كان المعلم أدهم المصري مستنداً بمرفقيه على ركبتيه وهو يتلاعب بسبحة يده في جلسته على الكرسي. وقد تركزت عيناه على مدخل المحل دون كلل بأمل كاذب في انتظاره.
رغم علمه الكبير بتشدد ولده حينما يقرر. لقد ورث علاء معظم جينات أبيه شكلياً وداخلياً أيضاً، خصوصاً صرامته القاطعة في اتخاذ القرارات مهما كانت صعبة أو مصيرية. لطالما افتخر به وأحبه أكثر من حسين، الذي ورث عن والدته الطيبة الزائدة كما ورث لون عينيها أيضاً وبشرتها البيضاء.
اعتدل يضرب بكف يده على فخذه وهو يزفر بضيق، يتساءل في حل لهذه المعضلة الشائكة. لقد تزوج وانتهى الأمر. لكنه أيضاً يريد زوجته الحبيبة وأولاده في كنفه، فماذا يفعل؟ وأين هو الحل؟
خرج من شروده على صوت هاتفه برقم زوجته الثانية نرمين، التي بمجرد أن فتح المكالمة قالت بتذمر:
- الوو.. كده برضه يا أدهم تسيبني نايمة وتخرج من غير ما تصحيني حتى؟
قال بصوت خفيض حازم وعيناه تدور في المحل حتى لا يلفت إليه نظر العمال أو حتى الزبائن:
- وطّي صوتك يانرمين مش ناقصين فضايح.
وصله صوتها بميوعة:
- طب ولو وطيت صوتي يعني؟ هاتسيب المحل وتيجي تشوفني وتراضيني وانت عارف كويس إني لسه عروسة جديدة وده حقي؟
تحمحم بارتباك قبل أن يتدارك نفسه فقال بصرامة:
- بقولك إيه أنا ورايا مشوار ومش فاضيلك دلوقتي.. استني لما أرجع البيت نبقى نتعاتب براحتنا.
- مشوار إيه؟
نهض فجأة وقد حزم أمره:
- بعدين بقى أقولك لما أشوفك، سلام.
***
في المدرسة وبداخل أحد الفصول، بعد أن انصرفت الفتيات لحضور حصة الألعاب في الفناء الواسع.. كانت فجر جالسة على أحد المقاعد في الفصل الفارغ، وسحر الجالسة بجوارها على نفس المقعد تسألها بجدية:
- انتي متأكدة إنه هو نفسه؟
أجابتها بثقة:
- ده أنا لو اتوه عن الدنيا كلها لا يمكن أتوه عنه.
- مش يمكن حد يشبهله؟
بشبه ابتسامة قالت:
- يشبه في الشكل والاسم كمان؟ فيه إيه ياسحر؟ أشحال إن ما كنت حاكيالك بكل اللي حصل؟
رفرفت برموشها تستوعب جيداً قبل أن تقول:
- بصراحة صدفة غريبة جداً؟ يعني صاحبنا ده ساب البلد كلها وضاقت عليه عشان ما يلاقيش غير عمارتكم ويسكن فيها؟
تنهدت بسأم قائلة:
- ياستي حسب ما سمعت من أمي إنه اختار عمارتنا عشان بتطل على ميدان ومنطقة عمومي مناسبة يفتح فيها محل أدوات صحية زي والده.. وبنفس الوقت يبقى قريب من والدته ويراعيها.
- يا سلام!!
قالتها سحر بتهكم وتابعت:
- لدرجة دي هو بيحب والدته يعني؟ غريبة فعلاً واحد بالأخلاق دي ويتصرف كده.
تبسمت بمرارة:
- أمال لو شفتي أمي وهي بتوصف في جماله وشبابه، ولا إعجاب والدي بيه عشان نصر والدته ومخلصوش قهرتها، ولا نظرة الستات ليه في شارعنا ولا كأنهم شافوا رجال قبل كده.
سالت دمعتها بخط رفيع على وجنتها وهي تتابع:
- عايش حياته يافجر وربنا ما انتقمش منه زي ما كنت بتمنى وأدعي عليه.
اقتربت تربت بكف يدها على ظهر صديقتها قائلة:
- هدي نفسك شوية يافجر مش كل الأمور بتمشي زي ما إحنا عايزين.. ربنا له تدبير مختلف عننا في تخليص الحقوق.
هتفت بانفعال:
- يعني امتى بس ياسحر العدل يتحقق والمذنب ياخد عقابه؟ لحد إمتى هايفضل الضعيف بس هو اللي يدفع التمن والقوي يعيش ويتمتع و...... استغفر الله العظيم.
أومأت سحر متفهمة ثورة صديقتها وحزنها وهي تناولها منديل ورقي لتجفف دمعتها قبل أن تسألها مجفلة:
- إلا صحيح يافجر هو عرفك؟
هزت أكتافها وهي تمط بشفتيها تقول:
- بصراحة مش عارفة.
***
- ها يا معلم علاء إيه رأيك؟
طاف بعينيه على المساحة الشاسعة والفارغة والحوائط المطلية حديثاً، فأومأ ببعض الرضا.
- كويس يا عم حودة المحل، بس السعر اللي انت عارضه غالي قوي.
قال الرجل متشدقاً:
- وأنا إيه ذنبي بس يا معلم علاء.. ده صاحب المحل هو اللي محدد السعر ده عشان زي ما انت شايف كده المنطقة عمومي والبشر فيها زي النمل، يعني لقطة. وعلى العموم لو مش عاجبك المحل في غيره في الناحية التانية من الميدان برضه.. أهم حاجة راحتك.
بنظرة متفحصة لداخل المحل وخارجه، شعر ببعض الرضا وهو يرى شرفة الشقة الجديدة أمامه.. حتى يتسنى له رؤية والدته عن قرب وهو يتابع أعماله.. مع بعض التسلية لرؤية شرفة الشقة المجاورة أمامه مباشرةً. ترى ماذا سيكون رد فعل صاحبتها المتعجرفة حينما تراه أمامها الآن لو خرجت بالصدفة؟
عاد من شروده على صوت السمسار وهو يقاطع أفكاره:
- ها يا معلم علاء إيه رأيك بقى ورسيت على أنه محل؟
بابتسامة عريضة قال:
- خير يا باشا.. بلغ صاحب المحل ده بالموافقة عشان نخلص النهاردة ياريت.. وعمولتك هاتخدها مني مقدماً.
هلل الرجل فرحاً:
- على بركة الله.. أنا هاتصل بالراجل دلوقتي عشان نجهز العقود مدام انت فلوسك جاهزة وربنا يجعلها فاتحة خير عليك.
***
كانت زهيرة منهمكة في ترتيب ملابسها داخل الخزانة بعد أن تبادلت الغرفة مع علاء ابنها.. حينما سمعت صوت جرس المنزل. تركت ما بيدها وذهبت بخطواتها البطيئة وهي تتحامل على الألم المزمن لعظامها وظهرها. فتحت الباب فتسمرت مذهولة حينما وجدته أمامها.
قال بصوته الرخيم:
- إيه يا زهيرة انتي هاتسيبني واقف كده على الباب؟ مش ناوية تقوليلي اتفضل؟
تراجعت للخلف مستاءة من لهجته المتهكمة وهي تدعوه للدخول:
- اتفضل يا حج البيت بيتك.
خطى لداخل المنزل وعيناه تطوف على كل تفصيلة في أرجائه:
- هه ياماشاء الله.. شقة واسعة على الطراز القديم لكن شكلها يفرح وتفتح النفس.. انتي لحقتي كمان توضبيها ولا...؟
قال الأخيرة بنظرة ذات مغزى عليها وهو يجلس على أقرب مقعد ويتابع:
- ولا شكله كده جابلك ناس تساعدك؟ حكم أنا عارف إنه بيخاف على صحتك.
زفرت حانقة تردد خلفه:
- أكيد طبعاً بيخاف عليا وجابلي ناس تساعدني يا معلم وهي فيها حاجة دي؟
- لا ما فيهاش حاجة يازهيرة إن ابنك يخاف عليكي ويجيبلك ناس تساعدك.. بس ياريت بقى تفتكري انتي كمان إني أنا والده وليا حق عليه زيك.
تنهدت بنزق وهي تجلس على الأريكة أمامه وقالت:
- بقولك إيه حج ماتجيب من الآخر وقولي عن سبب الزيارة الكريمة دي؟
قال بجدية:
- عايز ابني يا زهيرة يرجع لحضني من تاني يسندني ويقف جمبي.. ده طول عمره دراعي اليمين اللي بعتمد عليه.
فتحت فاهها تنوي الرد ولكنه سبقها يتابع:
- عارفك هاتقولي إنك مش ممانعة.. لكن أنا هاجيب من الآخر زي ما قولتي.. ابنك لا يمكن هايصفى لي طول ما انتي زعلانة ومنشفة راسك يا زهيرة.. الجواز كان هايحصل هايحصل سواء كانت بت صغيرة ولا واحدة كبيرة عنها. أنا بقالي سنين متحمل تعبك وعمري ما اشتكيت.. ما ينفعش انتي تيجي على نفسك بقى دلوقتي وتتقبلي الضرة؟ البيت واسع و....
قاطعته بحدة قائلة:
- لأ ماينفعش يا أدهم.. حتى لو كان البيت يساع ألف.. برضه مش قابلة الضرة.. انت بتعايرني وتقول إنك اتحملت تعبي لكن من جواك عارف كويس إني رغم تعبي ده ياما اتحملت على ألمي عشان أرضيك.. فبلاش النغمة دي والنبي.. انت راجل والبت زغللت عيونك واتجوزتها على أم ولادك.. انت حر.. وأنا كمان حرة إني ما أقِلش على نفسي بالضرة.
ظل لعدة لحظات ينظر إليها صامتاً بوجه صارم وغير مقروء قبل أن ينهض قائلاً بقسوة غير مبالٍ بتأثير كلماته على المرأة:
- ماشي يازهيرة خليكي كده على عندِك وانتِ فرحانة بابنك اللي ضمتيه لحزبك.
تحرك خطوتين قبل أن يتابع:
- بكرة بقى لما يتجوز المحروس ويشوف حياته مع واحدة تنسيه الدنيا وما فيها.. مش هتلاقي غير بيت جوزك بس اللي مفتوح يا زهيرة.. لكن أنا ساعتها هعمل بأصلي وأخلي مراتي اللي هي ضرتك تشيلك في عينيها.. عن إذنك بقى يا أم الرجال.
خرج على الفور دون أن يلتفت إلى المرأة التي شحب وجهها وتسمرت في جلستها بعد أن أصابتها كلماته في مقتل عن أكبر مخاوفها بأن تعود إليه خاضعة مستسلمة له ولزوجته.
***
عادت سميرة من الخارج محملة بأكياس الخضر والفاكهة التي ابتاعتها من السوق في جولتها الصباحية اليومية. كانت على وشك فتح باب شقتها حينما رأت الرجل المهيب بحلته الأنيقة وهو خارج من شقة جارتها الجديدة متجهم الوجه وكأن على رأسه الطير. قطبت سميرة دهشةً من عبوس الرجل لدرجة تركه باب الشقة مفتوحاً.
انتابها الفضول والريبة أيضاً لمعرفة كنية الرجل وصفته. فتحركت تلقائياً ناحية الشقة المجاورة تاركة أكياسها أرضاً. طرقت بخفة على الباب المفتوح:
- يا أم علاء... يا مدام زهيرة.. يا أم علاء.
حينما لم تسمع رداً دفعت الباب بتوجس وهي تهتف بصوت أعلى:
- يا مدام زهير.... يا نهار أسود.
دلت مندفعة لداخل المنزل حينما رأت المرأة أمامها جالسة ورأسها متدلية على كتفها وكأنها غائبة عن الوعي. اقتربت بلهفة تربت على وجنتيها وهي تهتف بلوعة:
- يا مدام زهيرة.. يا ست أم علاء.
رفعت رأسها الثقيلة بصعوبة وهي تجيب المرأة بضعف هامسة:
- أيوه أيوه أنا هنا متخافيش يا أختي.
بلعت سميرة ريقها قائلة ببعض الارتياح:
- الحمد لله يا أختي إنك بخير.. هو انتي إيه اللي تاعبك؟
قالت بصعوبة:
- معلش والنبي هاتقل عليكي.. ممكن تسنديني أدخل أوضتي أريح فيها على سريري.
- انتي تأمري يا أختي.. ألف بعد الشر عليكي.
قالتها وهي تلف ذراعيها حول المرأة تساعدها بالنهوض.
***
تعجبت فجر من مشهد أكياس الخضر والفاكهة وهي ملقاة بإهمال أسفل باب الشقة المغلق. أزاحت الأكياس قليلاً لتفتح بمفتاحها وهي تتمتم:
- هي ماما راحت فين وسابت الأكياس مرمية كده؟
هزت رأسها لاستنتاجها الأكيد بانشغال والدتها بالحديث مع إحدى الجارات. فتناولت الأكياس وهي تدلف لداخل المنزل وفور دخولها بهم المطبخ.. تفاجأت بصوت والدتها وهي تصيح:
- يا ولاد.. هو مين فيكم اللي رجع ودخل الأكياس؟
خرجت إليها مجفلة تقول:
- أنا اللي دخلتهم يا ماما ما تقلقيش...
- طب كويس تعالي.
على حين غرة جذبتها من كفها تسحبها للخارج. هتفت فجر بجزع:
- انتي ساحباني وموديني فين ياماما؟
- يا بنتي هاخليكي تقعدي جمب جارتنا أم علاء تاخدي بالك منها على مانزلت أنا أجيب لها دكتور من العمارة اللي ورانا.
جذبت كفها صائحة بحدة وهي توقفها:
- أم مين؟ أنا مش متحركة من مكاني ولا داخلة شقة الناس الغريبة دي نهائي.
نهرتها سميرة قائلة بعنف:
- فيه إيه يابت؟ هو ده وقت قنعرة برضه؟ الولية شكلها ما يطمنش وأخاف أسيبها لوحدها يجرالها حاجة على ما أجيب لها الدكتور.
تخصرت تسأل بازدراء:
- والمحروس ابنها بقى.. سايبها كده تعبانة وراح على فين؟
- هو لو ابنها موجود ولا أعرف حتى نمرته.. كنت احتاجتلك يا منيلة.. اتحركي يابت اخلصي خلينا نلحق الولية. اتحركي.
انصاعت مضطرة لوالدتها وهي تسحبها بعنف تدخلها منزل أعدائها.
***
تركتها سميرة مع المرأة المريضة وهي مستلقية على فراشها بداخل غرفة نومها بعد أن عرفتها عليها سريعاً. تململت فجر بعدم راحة وهي واقفة بوسط الغرفة مكتفة ذراعيها تحسب الوقت في انتظار عودة والدتها بالطبيب، والتي لم يمر على خروجها سوى دقائق قليلة.
هامسة لنفسها:
- الله يسامحك يا ماما على دي الورطة.
حدقت بعينيها على المرأة الغائبة عن الوعي والتي لم يترك الزمن آثاره عليها رغم تقدم عمرها ومرضها. ما زالت محتفظة بجمالها وهي تبدو مليحة القسمات رغم شحوبها. شعرت نحوها ببعض الإعجاب والتعاطف. نهرته سريعاً حينما تذكرت ابنها وما فعله قديماً مع فاتن، فتصلب فكها للذكرى وارتعشت شفتيها تتنهد بحرقة رغم مرور عدة سنوات على ما حدث.
أجفلت على صوت المرأة وهي تزوم وتحرك رأسها:
- اممم... علاء.
ضغطت على أعصابها وهي تقترب من فراش المرأة:
- أنا أنا مش علاء يا خالتي.. أنا فجر بنت جارتك سميرة.
فتحت المرأة أجفانها فظهرت عيناها شديدة الخضرة أثارت إعجاب فجر بشدة.
قالت بصوت ضعيف وهي تستفيق:
- أيوه صحيح يا بنتي أنا افتكرتك.. هي والدتك راحت فين؟
- والدتي راحت تجيب دكتور عشان يشوفك.
قالت بحرج:
- يادي الكسوف تلاقيها خافت وقلقت عليا.. بس أنا الغلطانة عشان نسيت أخد حباية الضغط النهاردة.. هاتعبك يا بنتي ممكن تجيبلي البرشام بتاعي من الأوضة التانية.
دنت فجر منها تقول بامتعاض:
- إزاي يعني؟ هو أنا هاعرفه منين؟
- هاتلاقيه في أول أوضة على الشمال.. يمكن بس اتنطر مني في الأرض ولا على السرير وأنا برتب الأوضة.
زفرت بضيق وهي تدلف لداخل الحجرة التي طل من شرفتها وجه هذا البغيض.. المدعو علاء. مشطت بعينيها على أنحاء الغرفة الأنيقة ذات الأثاث الحديث. كل شيء مرتب فيها ولا يوجد له فيها أثر من ثياب ولا حتى عطر يخصه؟
رمشت بعينيها تذكر نفسها لما جاءت من أجله. أخذت تدور وتبحث عن علب الدواء حتى رأته أسفل المقعد المنجد. فدنت على ركبتيها تتناوله وتتحقق منه جيداً قبل أن تنهض به لتعود إلى المرأة. ولكنها بمجرد أن استدارت شهقت مفزوعة حينما رأته أمامها بطوله الذي حجب الرؤية ووجهه الوسيم بخطورة فقال بتسلية:
- إيه شوفتي عفريت قدامك!
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل الثالث 3 - بقلم امل نصر
خارج كده ورايح فين ياحسين؟
التف بجسده على صاحبة الصوت مجفلًا، وعيناه اشتعلتا غضبًا من جرأتها في سؤاله، فقال بنزق:
وانتي مالك انتي عشان تسأليني؟
خطت امامه وسط الصالة بمئزرها الحريري، والذي أظهر سيقانها أسفل المنامة التي غطتها بالمئزر، فقالت بنعومة مستفزة:
يعني الحق عليا اني بسأل عشان اطمن ومقلقش عليك لو اتأخرت.. دا السيد الوالد موصيني اوي اني آخد بالي منك واراعي راحتك.
كبح جماح نفسه بصعوبة عن الرد عليها بما يليق بها، وهو الذي اشتهر دائمًا بحلمه وطيبته السمحة، لكن مع هذه المرأة المتبجحة والتي أخذت مكان والدته.. سيطير كل ما تعلمه ونشأ عليه هباءًا.
قال مابين أسنانه:
وانتي واخدة بالنصيحة قوي.. عشان كده خرجتي من أوضتك بسرعة توقفيني قبل ما اخرج من باب البيت وتسأليني.. طب راعي الأصول الأول والبسي حاجة عدلة بدل ما انتي واقفة كده قدامي بالروب والقميص.
قالت بخجل مصطنع وهي تلملم أطراف المئزر:
يووه عليا دا أنا مخدتش بالي.. بس انت مش غريب ياحسين.. انت ابن جوزي.. ربنا يحفظه ويخليه.
حاول السيطرة على حركة فكه وصدره يصعد وبهبط مع تنفسه بخشونة، وقال:
بقولك ايه يا اسمك ايه انتي.. أنا مش قابل سؤالك ولا قابل حتى كلام معاكي.. وتاني مرة اياكي أشوفك لابسة كده بالمنظر ده قدامي.. سمعاني.. عن إذنك بقى.
استدار عنها يخرج بسرعة، صافقًا باب المنزل بقوة لدرجة اهتزت بها الجدران. تخصرت تنظر في أثره ضاحكة وهي تتمايل بخطواتها، حتى توقفت أمام مرآة معلقة في الحائط.. تنظر إلى صورتها الجميلة بتفاخر وهي تتلاعب بشعرها العسلي بفعل الأصباغ وملامح وجهها التي زادتها المساحيق جمالاً فوق جمالها.. يليق بها الثراء وهي تستحق بعد حياة مليئة بالعوز والشقاء والإهانة والاستغلال.. ولكن يبقى شيء واحد فقط ينقصها.. ينقصها هو.. هو فقط!!
.................................
حينما دلف إلى منزله، والذي بالصدفة وجد بابه مفتوحًا، كان محبطًا لسبب غير مفهوم له.. فمنذ أن رآها أمس بشرفتها وهي أخذت حيزًا غير هين من تفكيره طوال الليل في جمالها الخاطف.. وهي واقفة بشرفتها وشعرها يتطاير حولها.. مشهد يغري أعظم الرسامين لتسجيله، وياليته كان شاعرًا حتى ليصفه بالكلمات.. فيأتي الصباح لتصدمه بمعاملتها المتعجرفة والمتكبرة.. فأطاحت بالباقي من عقله طوال اليوم.. حتى أنه تمنى بشدة رؤيتها الآن بشرفتها وهو عائد للبناية أو حتى صدفة كالتي حدثت صباحًا.. فتأتي المفاجأة.. ليراها الآن بغرفة نومه!!
لم تصدق عيناه رؤيتها في البداية وهي جالسة على ركبتيها تتناول علبة دواء أسفل المقعد بمشهدٍ أغراه لحبس أنفاسه، حتى وقفت والتفتت إليه لتشهق مخضوضة.
إيه شوفتي عفريت قدامك؟
قالها وعيناه تلاحق ملامح وجهها المذعورة من رؤيته بتسلية شديدة.. ظلت لبعض اللحظات فاغرة فاهها بصدمة وهي تحدق بعينيها عليه متلاحقة الأنفاس.. ثم ما لبثت أن تستعيد رشدها لتهتف عليه بقوة:
إيه يا جدع انت؟ داخل زريبة.. مش تتنحنح الأول ولا تعمل أي حركة؟
قال ببساطة:
واتنحنح وأعمل صوت أو حركة ليه؟ أنا داخل بيتنا اللي بالمناسبة لقيت بابه مفتوح.
صاحت بعنف وقد فقدت السيطرة على أعصابها:
آه.. ودا يخليك بقى تقف تبص على جارتك من غير خشا ولا حيا.
ضيق عينيه بتفكير قائلًا:
انت بتتكلمي عن إيه بالظبط؟ عن وقفتي في البلكونة امبارح لما شوفتك وتنحت ثواني أبصلك من غير قصد.. ولا دخولي دلوقتي أوضتي وأنا شايف بنت جميلة وزي القمر فيها.. وبرضوا اتسمرت من المفاجأة وما قدرتش أتكلم ولا طلع أي صوت.. بس يكون في علمك أنا في المرتين ملحقتش برضوا أبصلك كويس عشان تبقي عارفة.
توسعت عيناها بذهول من جرأته وإجاباته غير المتوقعة، فقالت بعدم استيعاب:
انت بتقول إيه؟
صمت قليلًا محدقًا بعينيها التي أثارت نظرتها رعشة بداخله، فقال بابتسامة ساحرة:
بصراحة مش عارف.
فجأة انتابها شعور بالصدمة والإرهاق دون سبب واضح لها.. فهذا الرجل الخطير حتى في ابتسامته البسيطة.. هو قادر على زلزلة كيان أعظم النساء وأقواهم.. فما بال فاتن!
قالت بتعب لإنهاء الجدال معه:
طيب حضرتك ممكن توسعلي عشان أنا عايزة أروح بعلبة الدوا دي للست التعبانة جوا.. ممكن؟
أمي أنا تعبانة.
قالها بجزع قبل يختفي من أمامها سريعًا بالذهاب إلى والدته كي يراها ويطمئن عليها. همست فجر غير مصدقة ما يحدث:
يانهار أسود.. دا إيه هو ده؟ يا عيني عليكي يا فاتن.
....................................
وقفت بعلبة الدواء متسمرة وهي تراه جالسًا على طرف الفراش بجوار والدته يهتف عليها بخوف وكأنه طفلٌ صغير:
إيه يا أمي مالك؟ أنا سايبك كويسة إيه اللي جرالك بس بعد ما مشيت؟
قالت زهيرة بصوت ضعيف ممررة كفها بحنان على وجهه:
يا حبيبي ماتقلقش عليا.. أنا بس نسيت آخد حباية الضغط النهاردة.. دلوقتي آخدها وأقوم وأبقى زي الفل.
نهض سريعًا عن الفراش من جوارها قائلًا:
لا يا أمي الكلام ده ماينفعش.. أنا هانزل حالًا أجيبلك دكتور يشوفك ويطمني عليكي.
أوقفـته فجر ممتعضة حينما هتفت عليه والدته ترجوه الانتظار:
أمي نزلت تجيب الدكتور.. فياريت يعني تستنى دقايق.. هي أكيد على وصول.
قالت زهيرة برجاء:
والنبى ماله لازمة الدكتور.. أنا بس أشرب حباية الضغط ودلوقتي أبقى زي الفل.. هو انتي لقيتي علبة البرشام يابنتي؟
قالت الأخيرة مخاطبة فجر التي همت لترد ولكن أوقفها صوت والدتها الذي أتى قريبًا من داخل المنزل وقد جاءت ومعه الطبيب.
..........................
ترجلت شروق من سيارة الأجرة أمام البناية التي تقطن فيها وهي تسرع بخطواتها، وفور أن اعتلت الدرج سمعت خلفها من يهتف عليها:
يا آنسة.. ثواني حضرتك قبل ما تطلعي السلم.
استدارت على ناحية الصوت، فجحظت عيناها من المفاجأة وهي ترى هذا الوسيم الذي رأته بالأمس أمام سيارته في الحارة الضيقة وأعجبت به بشدة.. يتقدم نحوها الآن بخفة وأناقة غير عادية وكأنه خارج من إحدى مجلات الموضة الرجالي.. قال بابتسامة رائعة وهو يخلع نظارته السوداء التي كانت حاجبة عينيه الخضروان:
السلام عليكم.
وكأنها فقدت النطق.. ظلت تنظر إليه صامتة دون حراك.
ازداد اتساع ابتسامته قائلًا بمكر:
إيه يا آنسة أنا بكلمك.. هو انتي مابتروديش ليه؟
بكف يدها كتمت ضحكتها الخجلة على وجهها الساخن وقد تحولت وجنتيها لقطعة حمراء ملتهبة.. فقالت بصعوبة:
يانهار أبيض عالإحراج.. دا أنا كنت فاكراك أجنبي.
قال بمرح:
عشان كده كنتي بتعاكسي براحتك بقى.. على أساس إني مش هافهمك.
أومأت برأسها وهي مازالت تكتم ضحكاتها وعيناها منخفضة أرضًا.. أعطته الفرصة ليتأملها جيدًا قبل أن تقول أخيرًا:
لكن انت إيه اللي جابك هنا عند بيتنا؟ أو إياك تقول إنك جاي تشتكيني لبابا عشان عكستك؟
استجاب لمزاحها ضاحكًا وهو يحرك رأسه بالنفي قائلًا:
لااا مش لدرجادي يعني.. هو أنا أطول واحدة حلوة تعاكسني.
هزت رأسها ابتهاجًا بإطرائه وهي صامتة.. فتابع هو:
في الحقيقة بقى أنا جاي لوالدتي وأخويا.. هما ساكنين هنا جديد.. تعرفي المعلم علاء ووالدته الحجة زهيرة؟
أجابت بحماس:
معرفهمش إزاي بس؟ دول جيرانا والباب قصاد الباب.
تبسم بارتياح يقول:
كويييس أوي ده.. ممكن بقى أطلع معاكي تعرفيني الشقة؟
.........................
خرج علاء مع الطبيب الذي قام بفحص والدته ليستفسر عن حالتها ويتلقى منه النصائح والإرشادات لعلاجها ومراعاتها.. فظلت معها سميرة التي دثرتها جيدًا وهي تتحدث معها بعفويتها:
الف سلامة عليكي يا أم علاء.. ربنا مايرقدلك جتة تاني أبدًا.
قالت زهيرة بامتنان:
تسلميلي ياختي.. أنا مش عارفة بصراحة هاقدر أرد جميلك دا إزاي؟ انتي والمحروسة بنتك.. ربنا يحفظهالك يا رب.
تبسمت سميرة بمودة قائلة:
في إيه بس يا أم علاء؟ لو ماكنش الجيران يلحقوا بعض في وقت زي ده.. يبقى إيه لزمتهم بقى؟ دا المثل بيقول.. الجار قبل الدار.. بس انتي لازم تراعي لنفسك وبلاش الزعل ياختي.. اديكي شوفتي بنفسك الزعل بيعمل إيه.. ودا كلام الدكتور مش كلامي.
تنهدت زهيرة قائلة بحزن:
ودي نعملها إزاي بس؟ دا الزعل ورانا ورانا مهما حاولنا نهرب منه.
لا يا أم علاء.. أنا عارفة ومتأكدة إن الراجل اللي خرج من عندك هو السبب في زعلك.. هو دا يبقى جوزك ياختي؟ أصل بصراحة الشبه بينه وبين سي المحروس علاء ابنك كبير أوي يعني.
قالت زهيرة بقلق وصوت خفيض:
وطي صوتك والنبي ياختي.. أنا مش عايزة علاء يسمع.
لا ما أنا سمعت خلاص ياماما وفهمت لوحدي السبب اللي خلاك تتعبي كده فجأة.
أجفلت المرأتان على صيحته الغاضبة وهو يدلف إليهم بداخل الغرفة، وتابع بسؤال والدته:
هو قالك إيه بالظبط ياماما وخلاك تزعلي بالشكل ده؟
أجابت نافية:
مقالش حاجة يابني تستاهل.. بلاش تعصب نفسك على الفاضي.
لا قال.
قالها بحدة عاصفة.. جعلت الدماء تهرب من وجه سميرة التي نهضت عن الفراش قائلة بارتباك:
يادي النيلة السودة.. هو إيه اللي حاصل بالظبط؟ دا أنا شكلي عكيت الدنيا وأنا مش دارية؟
حدقت زهيرة إلى ابنها معاتبة وهي تومئ برأسها ناحية سميرة:
عجبك كده؟
زفر علاء مطولًا وهو يمسح بكفه على صفحة وجهه.. فقال بلطف:
معلش ياخالتي سميرة.. أنا آسف لو كنت أحرجتك.. سامحيني.
يووه يابني.. أسامحك على إيه بس؟ دا أنت زي ولادي.. أنا بس مش عايزة أبقى سبب في مشكلة بينك وبين الراجل ده اللي الظاهر كده يبقى والدك.
أومأ برأسه واضعًا يديه الاثنتان على خصره ضاحكًا بسخرية مريرة قائلًا:
مشاكل إيه اللي هاتبقى انتي السبب فيها بس يا خالتي؟.. هو احنا كنا سايبين بيتنا وحالنا ومالنا وجايين هنا ليه طيب؟ فسحة يعني؟ دا انت شكلك طيبة أوي يا خالتي.
الله يحفظك يابني دا من زوقك.
حاول علاء التماسك وكبت غضبه أمام السيدة سميرة طوال لحظاتها المتبقية معهم والتي لم تطل كثيرًا.. حينما همت للخروج.. وقام بإيصالها حتى الباب.. تفاجأ بأخيه حسين أمامه كما تفاجأت سميرة بوقوف ابنتها شروق معه!!
.........................
ممسكًا بكف والدته يمطرها بالقبلات وهو يرجوها بندم:
أنا آسف يا أمي سامحيني.
بكف يدها وهي على شعر رأسه كانت تضمه إليها تبادله القبلات على وجنته:
مسمحاك يا حبيبي وقلبي راضي عنك دنيا وآخره.
ضمها أكثر يتنعم بحنانها وهو يردف بحرارة:
آه يا أمي.. وحشني حضنك أوي.
ما كفاية بقى أحضان ياعم أنت واتعدل عشان أتكلم معاك.
أجفل حسين من لهجته المتهكمة:
الله يا علاء.. مش والدتي ووحشاني مضايقك في إيه أنا بقى؟
هتف عليه بمشاكسة:
وافرض واحشاك.. هاتفضل بقى كده لازق في حضنها.. ماتنشف ياض.
تبسمت زهيرة بمرح تخاطب حسين:
أخوك بينكشك يا حبيبي.. دا باينه غيران!
بنظرة ذات مغزى حدق حسين نحو شقيقه مع ابتسامة ماكرة.. أثارت حنق علاء:
فرحان أوي بكلامها أنت عشان جاي على هواك.
أومأ برأسه موافقًا بابتسامة متشفية:
أوي.
ضحكت زهيرة بسعادة.. أطربت قلب علاء ولكنه تحول للجدية في سؤال شقيقه:
أخبار الوالد إيه؟ والبت دي عاملة إيه معاك؟
ذهب العبث عن وجه حسين بمجرد ذكر الاثنان أمامه.. لا يريد إثارة الشك بقلب أخيه ووالدته لو أجابهم بصدق عن ما يقلقه من هذه المدعوة نيرمين.
فقال بجمود:
أبوك ما بشوفهوش كتير والبت دي... أهي ماشية أمورها معايا.. طول ما هي بعيدة عني وفي حالها.
بزاوية فمه تبسم بسخرية علاء قائلًا:
هتفضل طول عمرك طيب يا حسين.. طيب وما بتعرفش تكذب!
................................
( لدرجادي انتي بتحبيه يافاتن؟
أحبه.. يالهوي عليا دا أنا بموت فيه.. علاء دا راجل ولا كل الرجالة.. دا حاجة كده ولا في الخيال.. جمال وهيبة وشخصية قوية.. راجل حقيقي الست ممكن تتسند عليه.. والنبي دا أنا ساعات كتير بخاف لا أكون بحلم.
يارب أتزوج واحد زيه.
يارب يا حبيبتي.. وأنا أكره.. بس لا.. لا يمكن هتلاقي واحد زي علاء أبدًا. )
أغمضت فجر عينيها بألم ودموعٍ ساخنة تحرق مقلتيها.. مع تردد هذه الكلمات برأسها دون رحمة رغم مرور أكثر من ١٠ سنوات عليها.. هذا أول لقاء يحدث بينها وبينه عن قرب وترى هذا السحر الفطري لهذا الرجل والذي يجتذب به النساء ليقعن أسيرات عشقه كالعنكبوت حينما تجتذب الفريسة لتمتص رحيقها حتى لا يتبقى منها شيء صالح للحياة.
طرق خفيف على باب غرفتها جعلها تستقيم بجلستها وهي تمسح دمعاتها سريعًا لتعود لواقعها هاتفة:
ادخل.
دَلفت شقيقتها وهي تضحك بمرح قائلة:
اسكتي يابت يا شروق.. النهاردة حصل معايا..... إيه ده؟ انتي معيطة؟
قالت نافية بارتباك:
لا طبعًا.. إيه اللي يخليكي تقولي كده؟
قالت واثقة بوجه جاد ذهب عنه الهزل وهي تجلس بجوارها على الفراش:
وشك الدبلان يا فجر وعيونك الحمرا.. في إيه يا بنتي ماتقولي على اللي مزعلك.. دا أنا أختك واقرب واحدة ليكي.. بعد المضروبة على قلبها سحر.
لكزتها بقبضة يدها على ذراعها وهي تستجيب لمزاحها:
بس يابت.. ماتقوليش كده على سحر.. لا أزعل منك والنبي بجد.
قالت شروق وهي تمط شفتيها:
أيوه يا اختي ما أنا عارفة.. صحبية الهم بتاعتكم.. أموت وأعرف مين فيكم اللي ناحسة التانية معاها؟ اتنين حلوين وزي القمر.. يقعدوا ليه من غير جواز مش فاهمة أنا؟
فعرت فاهها مذهولة تقول:
لا إله إلا الله.. نصيب يابنتي ماسمعتيش عن حاجة اسمها النصيب.
نصيب إيه يافجر؟ دا انتوا العرسان دوبت باب البيت من الخبط عليكم.. ومافيش لا حاجة بتكمل معاكم.. دا إيه النحس دا اللي متبت فيكم؟
لم تتمالك نفسها أكثر من ذلك فضحكت من قلبها.. على منطق شقيقتها ومزاحها.. وبعد لحظات من الضحك والمرح سألتها شروق بجدية:
مش هاتقوليلي بقى إيه اللي مخليكي معيطة؟
تنهدت بثقل وهي تجيبها:
افتكرت فاتن ياشروق.
نهضت من جوارها فورًا قائلة بضيق:
تاني فاتن يافجر.. ما خلاص يابنتي عيشي حياتك بقى وانسى اللي حصل وكان.. وكفاية بقى إنها كرهتك في صنف الرجالة كلهم.
صمتت أمام شقيقتها غير قادرة على الرد.. فكيف تخبرها أن الماضي عاد وبقوة بمجاورة هذا البغيض؟ وهي التي لا تعلم من القصة سوى نهايتها!
..............................
خرج أدهم من غرفة مكتبه فرحًا بغير تصديق بما أخبرته به الفتاة الخادمة بحضور فلذة كبده الكبير إلى المنزل طالبًا رؤيته.. خلفه كانت نرمين التي كانت أكثر لهفة منه ولكنها كانت بصعوبة تحاول السيطرة على مشاعرها أمام زوجها.. تسارعت دقات قلبها تكاد أن تخرج من صدرها وهي تراه واقفًا وسط بهو المنزل الكبير.. مرتدياً سترة جلدية على سروال أسود.. جذاباً بدرجة مهلكة.
علاء انت جيت يا ابني؟
التفت إلى ابيه بوجه جامد بعد أن ألقى نظرة عليها بطرف عينه وقال:
شيء طبيعي أن آتي بيتي.. ولا أنت عندك اعتراض يا والدي؟
تبسم أدهم وهو يقترب من ابنه مربتًا بكفه على أكتاف علاء العريضة:
أبدًا يا حبيبي ما عندي أي مانع.. واقف ليه؟ تعالى معايا على الصالون جوا.
أشار بكفه يوقف والده معترضًا:
معلش يا أبويا أنا مش جاي أضاف.. أنا جاي في كلمتين ورد غطاهم.
طب هاتقولهم واحنا واقفين؟ مش نقعد يا ابني ونتكلم براحتنا.
هم ليرد على أباه ولكن استوقفته بقولها:
في إيه بس يا سي علاء؟ ماتسمع كلام والدك.. هو إحنا هانخطفك؟
صك على أسنانه قائلًا بحدة:
متتدخليش انت بين الأهل وخليكي في حالك.
صاحت بلؤم:
كده برضو ياسي علاء؟ بس أنا اللي أستاهل فعلًا عندك حق.. أنا خارجة وسيبهالكم خالص عشان أريحكم.. عن إذنكم.
نظر في أثرها أدهم وهي تعتليه الدرج قبل أن يلتفت ناظرًا لعلاء بلوم قائلًا:
ليه كده بس يابني المعاملة الجافة دي معاها؟ هي كانت عملتلك إيه بس؟ دي غلبانة ويتيمة و..
قال علاء مقاطعًا والده:
ما خلاص يا والدي الله يرضى عنك.. الكلام دا قلته يجي مية مرة قبل كده.. خلينا في الكلمتين اللي أنا عايز أقولهم.
كده على الواقف يا علاء؟ ماشي ياسيدي كنت عايزني في إيه؟
قال بتحذير:
أمي يا حج أدهم يامصري.
سأله أدهم بريبة:
مالها أمك يا علاء؟
أمي تعبانة ومش حمل كلامك الصعب.. مشكلتك تحلها معايا أنا.. أمي طلبت الطلاق وخلاص دي مش نهاية الكون.. سيبها في حالها بقى وخليك في عروستك اليتيمة والمسكينة.
تنهد أدهم بعمق وغضبٍ مكبوت بعد أن تلاشت الفرحة من وجهه وحل محلها شيء آخر فقال:
يعني هو دا اللي جايبك يا علاء.. مش إنك عقلت وعرفت إن أبوك ليه حق عليك زي أمك كمان؟ كبرت يا علاء ومابقاش حد يهمك ولا تعمله حساب.. بما فيهم أبوك اللي كانت غلطته الوحيدة جوازه على والدتك الست المصونة.. اللي ما صدقت تلاقي اللي يشجعها عشان تهجر جوزها وتسيبه بفضلك.
اكتسى وجهه بغلاف البرود رغم النيران المشتعلة بداخله.. وهو يحاول الحفاظ على ثباته:
أنا مش هأرد عليك يا والدي ونلت في مواضيع انتهت.. أنا كنت جاي في كلمتين وقولتهم خلاص.. بعد إذنك يا حج بقى يا أدهم.
..............................
خرج من منزل أبيه وكأن الشياطين تلاحقه إلى الحارة الشعبية التي نشأ وترعرع فيها.. كان يسير بوجه متجهم وغاضب لما آلت إليه الأمور بينه وبين أبيه وانقسام العائلة التي كانت مترابطة منذ نشأتها إلى أن جاءت هذه الشيطانة دون سابق إنذار وفرقت بينهم.
علاء.. يا علاء.
التفت على صاحب الصوت الجالس حول إحدى الطاولات الصغيرة ملوحاً له بيده واليد الأخرى ممسكة بذراع الأرجيلة في المقهى القريب.. زفر بضيق قبل أن يذهب إلى صديق الطفولة.. سعد.. والذي كان أحد الأضلاع الثلاثة لمثلث الصداقة الذي جمعت بين الاثنان سعد وعلاء وابن الطبيب الشهير كرم الوالي.. عصام.. والذي انضم إليهم في الجامعة فوطد صداقته معهم لدرجة جعلته يرتاد حارتهم بشكل يومي حتى ظنه الناس من أهلها.. هذا قبل أن تنتهي صداقتهم معه بصورة مأساوية وبفضل امرأة أيضاً!!
إيه يا عم ماشي كده على طول ولا أكن ليك صحاب؟
سعد باشا.. معلش راحت عليا وماخدتش بالي.
تعانق الاثنان بحضن أخوي قبل أن يجلس علاء على المقعد الآخر حول الطاولة.
قال سعد بابتسامة ودودة:
انت روحت فين يا عم وقولت وعدولي؟
فرك بكفيه على صفحة وجهه قبل أن يجيب صديقه:
في أرض الله الواسعة ياسعد.. أنا لقيتلي شقة كويسة في عمارة قديمة عند الميدان أنا والست الوالدة.. وكلها كام يوم إن شاء الله أشتغل في محلي الجديد كمان.
يا ماشاء الله... ربنا يسعدك يا حبيبي.. بس يعني انت كده هاتسيب ابوك لوحده بعد العمر دا كله؟ ما بلاش ياصاحبي تنشيفة الدماغ دي.. دا مهما كان برضوا والدك.
زفر مطولًا وهو ينظر إلى صديقه دون إجابة قبل أن يقطع صمته ويستأذن في الذهاب:
معلش ياسعد أنا مصدع أوي وماليش نفس لأي كلام.. استأذن بقى متاخدنيش.
نهض سعد معه قائلًا بعتاب:
هو انت لحقت تقعد ياعلاء عشان تمشي بالسرعة دي؟
معلش.. هبقى أشوفك بعدين ونتكلم براحتنا.. ولا تجيني انت أحسن على عنواني الجديد.
قال سعد مرحبًا:
أجيلك أنا ياصاحبي ولا يهمك.. بس انت ابعتلي العنوان في رسالة حتى.
ربت على كتفه بامتنان:
طول عمرك ابن أصول وبتصون العشرة ياسعد.. ربنا ما يحرمني منك.. خلاص أسيبك أنا بقى وعلى تليفونات بعد كده.
أومأ سعد برأسه موافقًا.
طب سلام بقى.
قالها علاء قبل أن يذهب سريعًا من أمام صديقه الذي استدار برأسه ناحية منزل الحاج أدهم المصري فوجدها واقفة في شرفتها تتبع بعينيها علاء حتى خرج من الحارة واختفى.. التفتت بعد ذلك لتقع عيناها بسعد الذي تبسم بمغزى.. فارتدت هي سريعًا تعود للداخل!
..............................
حول مائدة الطعام كانت الأسرة جميعها مجتمعة لتناول وجبة العشاء.. الأب على رأس المائدة والأبناء والزوجة على جانبيها.. سميرة كانت تشرح ما حدث في يومها بشكل ممل مع زوجها الذي كان يستمع بإنصات حينما أتت السيرة عن الجيران الجدد:
لدرجادي الشبه ما بينهم كبير؟
أجابت سميرة على سؤال زوجها:
كبير أوي يا حج.. أمال أنا عرفته كده لوحدي إزاي؟.. دا نفس الطول والعرض والهيبة كمان.. فرق بس في لون الشعر الأبيض وتجاعيد الوش عند الراجل الكبير.. بس الراجل الكبير ده شكله شديد وقاسي.. مش زي اسم النبي حارسه علاء.. دي كان واقف على دماغ والدته مرعوب عليها ولا أكنه عيل صغير.
تمتم شاكر:
تلاقيه بس ورث القلب الحنين من أمه.
هتفت شروق بمرح:
هو ورث القلب وأخوه التاني خد من والدته الشبه الواضح مابينهم.. البشرة البيضة والعينين الخضرا.. حتى في الطول هو متوسط زي والدته.. ولا كأنهم قسموا شبه الولاد مابينهم عشان ماحدش فيهم يزعل.
استجاب الجميع لدعابة شروق بالضحك.. عدا فجر التي كانت تسقط لقيماتها بصعوبة.. امتعاضاً من تكرار ذكر اسمه بينهم حتى على مائدة الطعام.. أجفلت على نداء أبيها:
إيه يا فجر مابتضحكيش ليه معانا ولا بتتكلمي؟ مش عادتك يعني؟
قالت بفتور:
عادي يعني يا والدي.. أصلي سرحت شوية ومركزتش في اللي بتقولوه.
قال أبوها بابتسامة عريضة:
طيب مدام ركزتي معانا بقى أقولك أنا على خبر حلو يخصك.
أجفل الجميع على جملة شاكر، فتساءلت هي بفضول:
خبر إيه يا والدي؟
المهندس عادل ابن صاحبي عبد الصمد وكيل مدرسة السلام الثانوية.. شافك قبل كده معايا وأنا بوصلك المدرسة.. فطلب من والده إنه يفاتحني في موضوع جوازه منك.
قالت سريعًا دون تفكير:
قوله لأ يا والدي... أنا مش عايزة أتزوج.
مش عايزة تتجوزي ليه إن شاء الله؟
صاحت بها سميرة غاضبة وتابعت:
هو انتي اللي على لسانك لأ وبس.. مش لما تشوفي الراجل الأول وبعدها تحكمي.
هتفت ترد:
شوفته ياماما قبل كده وسلم عليا كمان وأنا مع والدي.. هو أي نعم شكله كويس ومش بطال.. بس معجبنيش.
قالت سميرة بتهكم:
معجبكيش ليه ياعنيا؟ مدام بنفسك بتقولي عليه مش بطال.. ولا هو بتر وخلاص.. في كل مرة يجيلك عريس لازم تطلعي عنيـنا كده.. ماتدي نفسك فرصة واقعدي معاه.
أنا شبعت أكل.
قالتها وهي تنهض وتذهب سريعًا من حديث والدتها التي لم تصمت في أثرها وهي تهتف بصوت مسموع رغم تحذير زوجها:
آه هي قامت وسابتني أتفلق ياشاكر.. ولا أكن ليها أم وعايزة تفرح زي بقية الأمهات ببنتها.. أعمل إيه معاها بس ياناس.
صفقت باب غرفتها بقوة وهي تزفر براحة بعد أن ابتعدت هاربة من حديث والدتها.. الباكية على زواجها وتتلهف للفرح بابنتها الكبرى.. خرجت لشرفتها تتلمس الهواء البارد عله يخفف من اختناقها كلما أتت هذه السيرة.. وصل إلى أنفها رائحة التبغ المحترق.. فانتقلت عيناها فورًا على الشرفة المجاورة لتجده أمامها متكئاً بأريحية على سور الشرفة.. ينظر لها بابتسامة متسلية فقال:
مساء الخير.
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل الرابع 4 - بقلم امل نصر
بداخل سيارة أبيها وهي جالسة في الكرسي الأمامي، هتفت من النافذة الأمامية وهو واقف أمام الجزء الأمامي من السيارة القديمة يفحصها بعد عدة محاولات لتشغيل محركها ولم تفلح:
- وبعدين بقى يابابا؟ دي ناوية تدور في يومها ده ولا إحنا هانخدها مواصلات النهاردة ولا إيه بس؟
هز رأسه شاكر بعدم رضا قائلًا بيأس:
- والله يابنتي مش عارف أقولك إيه.. بس شكلنا كده هانخدها مواصلات صح؟
فُتح باب السيارة الخلفي وترجل منه إبراهيم، الشقيق الصغير ذو السنوات العشر، قائلًا باعتراض:
- يعني إيه يابابا هانخدها مواصلات؟ دا أنا كدة أكيد هاتأخر ومش هلحق طابور المدرسة.
ترجلت خلفه فجر قائلة بحنق:
- ما إنت السبب يا إبراهيم في التأخير ده بنومك التقيل؟ يا ابني ده أنا بقالي ساعة جاهزة ومستنياك وفي الآخر أنا اللي هألبس الجزاء لو اتأخرت عن الحصة الأولى.
- صباح الخير يا عم شاكر؟ هي العربية عملتها معاكم ولا إيه؟
التفت الثلاثة على صوته وهو خارج من البناية. رد أبيها بالتحية عليه وأكمل بشرح ما يراه من عطل أصاب سيارته. أرغمت فجر نفسها على عدم النظر إليه وهي تراه يقترب منهم متطوعًا للكشف عن العطل، ثم عرضه النبيل ليُقلهم جميعًا معه.
التفتت بحدة رأسها رافضة عرضه الكريم:
- لا طبعاً أنا مش موافقة أركب معاكم.. أنا هاخدها مواصلات يابابا وانت براحتك بقى.. ياللا بينا يا إبراهيم.
جذب إبراهيم يده من كفها صائحًا:
- سيبى ايدي يافجر.. أنا عايز أركب العربية مع عم علاء بدل ما أتبهدل في المواصلات وأتأخر.
حدقت إليه بتوعد محذرة:
- يعني أمشي أنا يا إبراهيم وتدخل أنت المدرسة لوحدك؟
هتفت أبيها من خلفها:
- وتمشي لوحدك ليه بس يابنتي؟ ما العربية موجودة أهي وعلاء كتر خيره عارض ياخدنا في سكتُه وهو ماشي على مشواره.
أكمل علاء قائلًا ببرائة وعيناه تنطق عبثاً:
- مفيش داعي للكسوف والوالد وأخوكي الصغير هايركبوا معاكي يا أبلة فجر.
- أبلة!
تمتمها بشراسة قبل أن يعاجلها أبيها بالقول حازمًا:
- ماتخلصي بقى يا فجر خلينا نتحرك ونلحق مصالحنا بدل الوقفة اللي من غير داعي دي.. دور عربيتك يابني واحنا التلاتة هانركب معاك.
تلجمت عن الرد مصدومة وهي ترى أبيها يجذبها من ذراعها ويدفعها دفعًا في الدلوف داخل السيارة.
***
متابعة بعينيها ما يحدث في الأسفل وهي ناظرة من الشرفة، كانت شروق تضحك بمرح. سألتها سميرة التي دلفت بالصدفة بداخل الغرفة:
- بتضحكي على إيه يابت؟
أجابت مبتسمة وهي تتحرك لداخل تاركة الشرفة:
- على بنتك يا ماما.. شكلها وجوزك بيزقها يدخلها غصب عربية علاء جارنا يهلك من الضحك.
سألتها مجفلة:
- وايه اللي هايدخلها عربية علاء يابت؟
- يا ماما عربيتنا عطلت والمعلم علاء عرض على بابا وفجر وإبراهيم يوصلهم في سكتُه.. لكن بنتك بقى مابتطيقش علاء واكنها بتشوف عفريت لما تشوفه.
قطبت سميرة ذاهلة وهي تجلس على طرف الفراش:
- وايه اللي يخليها تكرهه بقى؟ هي كانت تعرفه قبل كده ولا شافت منه حاجة وحشة؟
هزت أكتافها بعدم فهم وهي تجلس بجوارها:
- بصراحة مش عارفة.. يمكن مش قبلاه ودي حاجة عادية وبياما بتحصل.. حتى لو كانت مع واحد زي علاء ده اللي عامل زي نجوم السيما في حلاوته.
قالت سميرة مستنكرة:
- بقى اختك مش قابلة علاء اللي كل بنات المنطقة هايموتوا على نظرة منه؟ أما بت خايبة صحيح.. وانت بقى يا حلوة.. إيه أخبارك؟
- أخبارك أنا في إيه يا ماما؟
مالت سميرة برقبتها إليها قائلة:
- أخبارك مع أخوه حسين يا عين أمك.. ولا انتي فاكراني مش واخدة بالي من نظراتكم لبعض وابتسامتكم اللي على الفاضية والمليانة.. دي حاجة باينة زي عين الشمس.
تورّدت وجنتيها وهي تعاود هز اكتفاها وابتسامة جميلة ارتسمت على ملامح وجهها فقالت:
- معرفش يا ماما.. بجد معرفش.
وماذا بإمكانها أن تقول؟ لقد مرت عدة أيام منذ أن رأته مجفلة على سلالم البناية يسألها عن شقة أخيه ووالدته. وبعدها أصبحت تراه بشكل شبه يومي.. مرة بداخل السيارة المصطفة بالحي القديم وهو ينظر إليها في المرآة وكأنه اعتاد انتظارها.. ومرة أخرى داخل البناية حينما كان يعاود الزيارة لوالدته.. حتى أصبحت هي متشوقة لرؤيته ومتلهفة للقائه.
- انتي سرحانة في إيه يا منيلة؟
انتفضت مجفلة على صيحة والدتها فقالت بارتباك:
- يعني هاكون سرحانة في إيه بس يا ماما؟ أنا هاقوم يدوبك بقى ألحق ألبس عشان أحصل ميعاد الكلية.
نظرت في أثرها سميرة وهي تنهض عن التخت وتخرج سريعاً من الغرفة:
- بتتهربي مني أنا يا شروق ماشي.. خيبة عليكي وعلى اختك.. بلانيلة.
***
بداخل السيارة التي كانت تقلهم.. كانت جالسة في الكرسي الخلفي على أعصاب محترقة وهي تزفر بضيق من نظراته المسلطة عليها في المرآة الأمامية أثناء قيادته طول الطريق.. يتحدث بعفوية ومرح مع شقيقها الصغير، وقبل ذلك كان أبيها الذي تركهم أمام محل عمله بإحدى المصالح الحكومية.. وظلت هي تحصي الدقائق في انتظار انتهاء المسافة المؤدية لعملها والتي لم تظن يومًا أنها طويلة هكذا.. تدعي داخلها بالصبر على سماع حديثه الممل مع شقيقها الصغير.
- مقولتليش بقى يا عم إبراهيم ناوي لما تكبر تطلع إيه؟
قال الصغير بكل فخر:
- طبعًا هطلع بشمهندس كبير.. عشان أنا أشطر واحد في حصة الرياضة.
- جدع يا إبراهيم.. شد حيلك بقى وما تكسلش عن هدفك.
سأله الصغير بفضول:
- طب انت بقى.. طلعت معلم ليه وما طلعتش مهندس أو دكتور؟ هو انت كنت بليد في الدراسة؟
ضحك بصوت عالي، ضحكة أصدرت صدى بمحيط السيارة كله.. لدرجة اهتز بها جمود فجر من روعتها.. فحاولت بصعوبة الحفاظ على ثباتها أمام عينه المتصيدة لأقل لمحة منها.
قال أخيرًا بنفي:
- لا يا عم إبراهيم.. أنا مكنتش بليد بالعكس بقى. دا أنا كنت أشطر منك كمان.. بس أنا بقى حبيت التجارة مع والدي في المحل بتاعنا أكتر من الوظيفة بعد ما اتخرجت.. وعشان تبقى عارف.. أنا حاصل على ليسانس حقوق بدرجة جيد جداً.
قال الأخيرة وعيناه عليها في المرآة.. مشددًا على الأحرف يريد إيصال الرسالة لها.. وكأنها لا تعلم!
حينما وصلت السيارة أخيرًا أمام المدرسة.. تنهدت بارتياح تفتح الباب سريعًا للخروج من هذه المساحة الضيقة بوجوده.. سبقها إبراهيم هاتفًا بمرح قبل خروجه:
- الف شكر يا معلم على التوصيلة الجميلة دي.
رد عليه ضاحكًا:
- ولا يهمك يا بشمهندس.. أنا تحت أمرك في أي وقت.
لوح له بكفه مودعًا قبل أن يهرول سريعًا لأصدقائه:
- مع السلامة.
قالت هي متحلية ببعض الذوق رغم امتعاضها:
- شكرًا.
بابتسامة مرحة قال:
- لا شكر على واجب.. دا إحنا أهل وجيران يا أبلة فجر.
"أبلة فجر!!" مرة أخرى.. كزت على أسنانها غيظًا وهي تصفق باب السيارة بقوة وهي ذاهبة من أمامه وطيف ابتسامته العابثة تكاد تفتك برأسها.
***
- هو دا محل المعلم علاء أدهم المصري؟
التفت عامل المحل حسونة على الشاب الواقف أمامه بمدخل المحل فجاوبه بعملية وهو يباشر عمله في التنظيف:
- أيوه حضرتك هو ده فعلاً محل المعلم علاء.. أصل إحنا لسه معلقين اليفطة.. على الافتتاح بقى.
خطا الشاب لداخل المحل يمشط بعيناه كل زاوية وكل ركن فيه بانبهار هامسًا:
- يا ماشاء الله ولسة كمان في افتتاح؟
لحقه الفتى زاجرًا:
- في إيه حضرتك؟ داخل كده على طول.. ما أنا قايلك من الأول إننا لسه ما افتتحناش المحل.
تحولت ملامحه فاردف بغضب:
- في إيه انت؟ هو أنا هاسرقه؟ دا أنا جاي لصاحب المحل نفسه المعلم علاء.. صاحبي.
نظر إليه الفتى بنظرة تقييمية على من رأسه لأخمص قدميه من ملابسه المتواضعة المتمثلة في قميص مزركش بعدة رسوم غير مفهومة على سرواله الجينز الباهت على جسده النحيل و قامته متوسطة.. ملامح وجهه الخشنة على بشرته القمحية موصومة ببعض الحفر الصغيرة لآثار حب شباب قديمة تركت ندوب ظاهرة.. سأله بتشكك:
- انت! ..صاحب المعلم علاء؟ ..على العموم المعلم علاء مش موجود.
قال بصوتٍ خشن وعيناه اشتعلت سعيراً من نظرة الفتى المتدنية:
- اسمع ياض انت.. أنا ممكن أتعصب عليك دلوقتي وأعرفك مقامك كويس.. أو أخلي علاء يطردك من المحل نهائي جزاءً لقلة أدبك معايا.
- أنا قليت أدبي عليك حضرتك؟
- هو انت لما تبصلي البصة دي ماتبقاش قلة أدب؟
قال الفتى ببرود وهو يتناول هاتفه:
- على العموم يافندم أنا هاتصل بالمعلم علاء دلوقتى وأسأله هايجي إمتى.. عايزني أقوله مين اللي سأل عليه بقى؟
بلهجة حازمة أثارت اندهاش الفتى قال:
- قوله صاحبك سعد مستنيك تيجي له على المحل حالاً دلوقتي.
***
على أنغام أغنية حديثة لعمرو دياب كان يدندن خلفها الكلمات بسعادة وهو يقود سيارته بعد أن أقلها لمحل عملها.. لقد أصبحت صورتها الجميلة عالقة بذهنه طوال الوقت.. نظرتها الشرسة كلما حاول مشاكساتها تثير بداخله مرحًا منقطع النظير.. معاملتها له بجمود وتوترها في حضوره وردودها المقتضبة دائمًا ما تدعوه للتساؤل والتفكير عن السبب في ذلك.. كم يتلهف لرؤيتها مبتسمة أو ضاحكة.. كم يود لو تزيل هذا الحاجز الوهمي الذي وضعته بينها وبينه وتعامله حتى معاملة الجار العادية.. وبعدها يحدث التطور كأي شيء طبيعي.
تنهد مطولاً وهو يتفادى سيارة أمامه قبل أن يلتفت لهاتفه الذي صدح بصوت ورود مكالمة من عامل المحل الجديد حسونة:
- الوو.. أيوه يا حسونة عايز إيه؟
- الوو يا معلم.. تعالي هنا شوف.. في واحد بيقول إنه صاحبك قال وعايزك تيجي فوراً تقابله.
- صاحبي مين؟
- أنا عارف بقى؟ دا واحد كده...
انقطعت جملة الفتى وسمع بعدها همهمة جدال غاضبة.
تساءل بقلق:
- في إيه عندك يا حسونة؟
فجأة وصله صوت صديقه الغاضب بعد أن تمكن من نزع الهاتف من يدي الفتى الذي كان يصيح بجواره معترضاً:
- اسمع يا علاء.. الواضح لازم تمشيه حالاً.. دا بيقل أدبه عليا ومش مصدق إني صاحبك؟
***
بوجهٍ عابس تسير في طرقات المدرسة بعد أن أنهت حصتها من درس الحساب للطالبات.. تشعر وكأنها ازدادت في العمر سنوات بداخلها.. رغم اهتمامها الواضح لأناقتها ومظهرها الخارجي.. لكن جلسة واحدة فقط مع فتيات تخطين بالأمس مرحلة الطفولة وبدأن الآن اكتشاف الأنوثة والتمرد على كل ما هو قائم.. ومن ثم القيام بكل فعل أحمق من أجل إثبات الشخصية ولفت النظر إليهن وإلى ما يملكن من مقومات.. تفقد معهن كل درجات التحضر حتى تستطيع السيطرة وحفظ الذات أمامهن.. ويالها من مرحلة تكرهها بشدة مما تلاقيه منهن.
- إنتي يابت ياللي هناك اقفي مكانك.
أجفلت الفتاة على النداء فالتفت تجيب وهي تلوك فاهها بالعلكة:
- نعم يا ميس.. إنتي بتكلميني أنا؟
اقتربت منها تميل إليها برقبتها قائلة بتهكم:
- أمال يعني هاكون بكلم الحيطة اللي وراكي؟
صمتت الفتاة مطرقة رأسها.. فتابعت وهي تفحصها بعينيها من حجابها الصغير الذي كان عائدًا لنصف رأسها ومظهر شعرها الكستنائي المصفف بعناية فتدلت منه عن قصد خصلات كبيرة على وجهها الظاهرة عليه آثار مساحيق التجميل بخبث.. فتبدو للغافل من بعيد جمال طبيعي.. ثم ما ترتديه من قميص وتنورة محكمين بشدة على جسدها الفائر:
- إيه اللي موقفك هنا ومخليكي سايبة حصتك؟ وايه اللي لابسة أساساً ده وجاية بيه المدرسة؟
قالت الفتاة بتلجلج:
- ماله بس ياميس اللي لابساه؟ ما أنا لابسة يونيفورم المدرسة أهو؟
- مخالف ياحبيبتي.. نص شعرك ظاهر من الحجاب دا غير المكياج اللي على وشك واللبس الضيق.. ولا اللبانة دي كمان تفيها من بوقك اخلصي.
بصقتها الفتاة من فاهها قائلة بخوف:
- أهو يا ميس اللبانة في حاجة تانية؟
قالت بحزم:
- روحي على الحمام بسرعة وامسحي اللي في وشك وظبطي حجابك كويس.. وحاولي بقى لما تروحي البيت توسعي هدومك دي شوية.. بدل ما هي لازقة كده عليكي.
نظرت إليها الفتاة باستنكار فقالت بسخط:
- كله ده.. طب معلش بقى ياميس أنا ما أقدرش أتحرك من مكاني هنا.. أنا أساساً واقفة مستنية ميس منى عشان آخد منها دفتري وهي أكيد خارجة حالاً من غرفة المدرسات وهاتجيبهولي دلوقتي.
- برقت عيناها بشدة وهمت لترد ولكن أوقفها النداء بأسمها من الخلف بصيحة غاضبة.
- سحر.. انتي موجودة هنا وأنا بقالي ساعة مستنياكي جوا.
ألقت على الفتاة نظرة بتوعد قبل أن تستدير ذاهبة لصديقتها المكتفة ذراعيها بغضب بمدخل حجرة الحاسبات.. تبعتها سحر لداخل الغرفة قائلة بأسف:
- معلش يا فجر اتأخرت عليكي بس البنات النهاردة طلعوا عيني و...
- وايه بس يا سحر؟ ساعة كاملة مستنياكي وإنتي حصتك خلصت من زمان أصلاً.
- يا بنتي ما أنا خدت حصة الأبلة سها عشان غابت النهاردة وتعبانة.
قاطعتها بحدة مرة أخرى:
- وافرضي سها كانت تعبانة ياستي مافيش حد غيرك ياخد مكانها؟ ملطوعة بالساعة وأنا بستناكي وإنتي ولا هامك صاحبتك ولا هامك زعلها.. إيه؟
أجفلت سحر على تشنج صديقتها بحديثها العاصف.. فصمتت قليلاً تمتص غضبها قبل أن تقترب منها قائلة بلطف:
- طيب ممكن تهدي كده شوية وتروقي أعصابك حبتين.. أنا معاكي دلوقتي وهاسمع منك كل اللي مضايقك.
زفرت فجر بقوة وهي تسقط على إحدى المقاعد خلفها.. حدقت بها سحر لحظات قبل أن تجلس هي الأخرى أمامها.. فسألتها:
- ممكن بقى أفهم إيه اللي معصبك جامد أوي لدرجة دي كده؟
- الزفت يا سحر؟
- زفت مين؟
هتفت عليها فاقدة السيطرة:
- هو في كام زفت بس يا بنتي؟ جار الهنا اللي سكن قصادي عشان يخنقني ويزهقني في عيشتي. يعني مش كفاية إنه بقى ساكن قصادي والباب قدام الباب.. لااا.. دا بقى قاطع عليا المية والنور والنفس كمان اللي بتنفسه.
رددت سحر بدهشة:
- النفس كمان اللي بتتنفسيه!! ليه يا بنتي؟ إحنا مش اتفقنا إن مالكيش دعوة بيه وإنسي اللي فات بقى وعيشي حياتك.
- أعيش حياتي إزاي بس يا سحر؟ ودا محاصرني في كل جهة حواليا.. في بيتنا وبين أهلي طول الوقت ما عندهمش غير سيرة المعلم علاء وشهامة المعلم علاء ورجولة المعلم علاء.. أخرج أشم هوا في البلكونة ألاقيه قصادي على طول قاعد قدام المحل اللي أجره جديد.. مأنتخ على الكرسي وحاطط رجل على رجل واكنه منتظرني أخرج له عشان يشلني.. يا أما ألاقيه واقف في بلكونة أوضته اللي جنبي بكل برود وابتسامة مستفزة يقولي: "مساء الخير".
لم تقو سحر على كبت ضحكتها.. فهتفت عليها فجر مستنكرة:
- شايفاني هافرقع وأنهار وإنتي بتضحكي عليا يا سحر؟
قالت سحر بقلة حيلة:
- يا بنتي بصراحة أنا مستغربة ومش عارفة أقولك إيه؟ بس الظاهر كده إن شكله بيغيظك.. وباين اللعبة عاجباه!
- بيغيظني!! ليه بقى؟ بيني وبينه إيه عشان يغيظني ولا يفكر فيا أصلاً؟
مطت سحر شفتيها قائلة بتفكير:
- بصراحة مش عارف؟
***
بعدة طرقات خفيفة على باب المنزل المفتوح هتفت سميرة على صاحبته وهي تتقدم بخطواتها في الداخل بتردد:
- يا أم علاء.. إنتي فين ياختي وسايبة الباب مفتوح؟
جاءها الرد مباشرةً من زهيرة الجالسة أمام شاشة التلفاز بوسط المنزل:
- تعالي ياحبيبتي أنا موجودة هنا قصادك على طول.. ادخلي يا أم فجر إنتي مش غريبة.
- يووه.. هو انتي موجودة هنا؟ والنبى ما كنت واخدة بالي.
قالتها سميرة بابتسامة بشوشة وهي تتقدم نحو المرأة وتابعت:
- ألف هنا يا اختي إنك سبتي السرير وخرجتي من الأوضة.. أيوه كده أحين دي الحركة بركة والقعدة في السرير تجيب العيا.
لوحت لها زهيرة بيدها قائلة بابتسامة:
- الله يهنيكي ياحبيبتي.. تعالي هنا اقعدي جمبي هنا يا أم فجر.
جلست سميرة أمامها على أقرب المقاعد.. وهي تسأل مندهشة:
- طب والباب يا أم علاء سايباه مفتوح ليه؟
بابتسامة ودودة أجابتها زهيرة:
- أنا اللي قولت لعلاء يسيب الباب مفتوح.. ما أنا عارفاكي ها تيجي تطمني عليا في الوقت ده زي كل يوم.. إنتي خلاص عودتيني على سؤالك عني.. ربنا ما يحرمني منك يا غالية.. وتفرحي باسم النبي حارسها فجر هي وبقية أخواتها.
تمتمت سميرة بتمني:
- يارب.. يارب يا أم علاء.. إنتي ادعي لها بس ربنا يهديها.. دي العرسان رايحة جاية عليها وهي اللي منشفة راسها وتاعبة قلبي معاها.. نفسي بقى أفرح بيها وأشيل عيالها.
قطبت زهيرة بدهشة سائلة:
- طب وهي إيه اللي مانعها عن الجواز؟ دي حتى زي القمر وباين عليها هادية كده؟
- هادية قوي يا اختي وزي النسمة كمان.. دي الوحيدة في عيالي اللي ما تعبتنيش لا صغيرة ولا كبيرة.. غير بس في دي!
- خليها زي ابني علاء.. ما هو أنا كمان نفسي أفرح بيه وكل ما أكلمه.. يقولي لما ألاقي بنت الحلال يا ماما.. آهو على الحال ده بقاله سنين.. من ساعة ما فاتحني بالجواز على واحدة جارتنا وأبوه رفض وبعدها يا اختي قفل السيرة دي نهائي.. بس فالح يلاوعني في الكلام كل ما أفتح معاه السيرة!!
***
- مش هو ده اللي كنت مستنيه منك ياعلاء.. مش هو ده.
صاح بها غاضباً أمام صديقه الذي كان يتعامل معه بهدوء وهو يسحبه من ذراعه ليجلسه على إحدى المقاعد البلاستيكية المصطفة أمام المحل:
- اهدى شوية واقعد يا عم.. إنت هاتعمل عقلك بعقل عيل صغير؟
- يعني الواضح يقل أدبه عليا ياعلاء وإنت ياصاحبي ماتجبش حقي!
زفر علاء مطولاً بتعب أمام صديقه المُصر بقوة على عقاب الفتى فقال:
- يعني أعمل إيه بس يا سعد أكتر من كده عشان ترضى؟ زعقت للولد وشديت عليه قدامك.. لأ وأمرته كمان يجيبلك شاي مخصوص من القهوة اللي في آخر الميدان.. إيه اللي فاضل تاني بقى؟ أطرده يعني؟
همس بتردد:
- ويعني هو لو ساب الشغل عندك مش هايلاقي غيره؟
قال علاء بعتاب:
- لا يا سعد مش لدرجة دي.. إنت عايزني أقطع عيشه عشان بس أتنتخ في الكلام معاك أو أبصلك نظرة مش ولابد.. دا عيل مكملش ١٧ سنة وإحنا كبار كفاية إننا نفوت.. فوت بقى يابني وفُك.. دا أنا قطعت سكتي في مشوار مهم لمهندس الديكور وجيتلك جري.. دا بقى ما يعرفكش معزتك عندي.
ابتسم سعد بزاوية فمه بملامح مغلفة لا تظهر أي تعبير بما يعتمل بداخله:
- اللي يسمعك بتقول كده يقول إن جتلي جري على رجليك مش بعربية.
- آه يا سعد مدام هزرت يبقى فكيت.. أيوه كده يا عم خلينا نقعد مع بعض على رواقة ونعيد بقى قعدتنا الحلوة.
ربت بكفه على ذراع علاء ببعض المرح قائلًا:
- ماشي يا عم نفك عشان خاطرك.. بس في الأول بقى نحب نبارك ونهني.. بسم الله ما شاء الله المحل شكله يبهر ويفتح النفس.. مبروك يا عم ويجعلها إن شاء الله عتبة خير.
تهللت أسارير علاء بفرح يقول:
- الله يبارك فيك يا أبو الصحاب ويسمع منك يارب.. دا أنا دافع فيه لحد دلوقتي دم قلبي ونفسي بقى المشروع ينجح وأعوض الفلوس اللي صرفتها فيه.. ولسه كمان عايز أدفع قدها تاني.
قال الأخيرة وهو يخرج نوته ورقية من سترته وتابع:
- شوف يا باشا اشرب إنت اشرب الساقع.. على ما أنا أبص شوية على حسبة الطلبات اللي هنا دي وحسبت تمنهم.
تناول سعد زجاجة المياه الغازية يحتسي منها وانكفئ علاء ينظر في النوته بتركيز قطعه سعد بالسؤال:
- الا انت ماقولتليش يا علاء.. ماشاء الله يعني إنت جبت تكلفة المحل ده منين؟ بعد ما سيبت والدك والشغل معاه؟
رفع إليه رأسه يجيب ولكنه التفت على من تلوح له بكفها من مسافة قريبة بابتسامة رائعة:
- الله ينور يا عم علاء.
رد بابتسامة هو الآخر ملوحًا بكفه.. فالتفت بعد ذلك يجيب صديقه الذي تسمرت عيناه على الفتاة:
- طبعًا يا باشا ده من فلوسي اللي حوشتها السنين اللي فاتت من شغلي مع أبويا.
عاد إليه سعد برأسه وكأنه لم يسمع ما قيل سابقًا.. سائلًا بذهول:
- مين دي يا علاء؟
نظر علاء نحو الفتاة التي عبرت للجهة الأخرى من الرصيف فأجاب على السؤال رغم دهشته:
- دي شروق بنت جيرانا في السكن الجديد.
ردد سعد وهو يتابعها بعيناه:
- ينهار أبيض.. دي شبها جامد يا جدع.
رفع علاء عيناه مرة أخرى عن الدفتر مستفسراً:
- شبه مين؟
- شبه مين؟ معقولة ما أخدتش بالك منها يا علاء؟ دي نفس الملامح وتدويرة الوش الأبيض المنور دا غير الـ...
- بس يا سعد.
صاح بها مقاطعًا بحدة وقد تحولت ملامحه إلى شكل مخيف فتابع بغضب:
- إيه الكلام في الموضوع ده يا سعد لأن أنا نسيته من زمان.. ويا ريت تاخد بالك كويس من كلامك معايا بعد كده.. عشان اللي بتتكلم عليها دي تبقى جارتي ومش المعلم علاء اللي ها يبص لجارته بالشكل ده!!!
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل الخامس 5 - بقلم امل نصر
صدحت أصوات الأغاني العالية بقوة تصم الآذان، وعُلقت عقود الإنارة ذات الأشكال والألوان المختلفة أعلى المبنى وجانبيه، لتنبئ الجميع بافتتاح محل المعلم علاء أدهم المصري للأدوات الصحية.
يتلقى التهاني من أشخاص، بعضهم يعلمهم وآخرين لا يعلمهم. كان يرتدي حلة باللون الأزرق القاتم على جسده الرياضي الطويل، فزادته بهاءً وجمالًا. يوزع البسمات على الوجوه المباركة كما يوزع الزجاجات الغازية والمشروبات الأخرى.
ولكن تظل عيناه عالقتين بشرفتها التي هجرتها من أيام، عسى أن تطل برأسها عليه فتشاركه فرحته ولو بوجهها العابس الجامد. فيكفيه رؤيتها من بعيد، رغم اشتياقه المضني لرؤية عينيها التي علقت بذهنه وأصبحت تتخلل أحلامه منذ أن رآها بهذا القرب داخل منزله. لكم يتمنى رؤيتها الآن، لكم يشتاق.
"معلم علاء."
أجفل منتبهاً على صوت شقيقه الصغير وهو يقترب منه بضحكة صافية فاتحاً ذراعيه:
"حبيب قلبي.. ألف مبروك."
بادله علاء العناق بفرحة مشدداً عليه بذراعيه:
"الله يبارك يا غالي.. وحشتني يا ض."
"وأنت أكتر والله."
تابع وعيناه تدور يمينًا ويسارًا، داخل المحل وخارجه:
"بس إيه يا عم الحلاوة دي يا عم؟ لحقت تعمل الحاجات دي كلها إمتى؟"
"طبعًا ما أنت غايب عن زيارة والدتك بقالك أكتر من أسبوع.. هتعرف منين بقى؟"
"يابني اضطريت أسافر الغردقة عشان مشكلة حصلت مع الوفد السياحي.. ما أنت عارف الشركة ومشاكلها."
غمز بعينيه يقول بمشاكسة:
"أيوه ياباشا.. فكرتني بالسياح بقى والنسوان الحلوة."
"طب وأنت تعرف عن أخوك كده برضوا يا ريس."
"حبيبي أنت حسحس تربية أخوك بجد يا ض."
لف عليه بذراعه يدفعه للأمام قائلاً:
"تعالى بقى أفرجك على المحل من الداخل عشان تشوف أخوك وأفكاره الجامدة. ده أنت هاتنبهر."
"مش ناوية بقى تقومي وتتفرجي؟ دي الدنيا هيلمان بره."
رفعت عينيها عن شاشة التلفاز وهي جالسة على الأريكة الأثيرة، قائلة بسأم:
"مش قايمة ولا زفت.. يعني هاشوف الهنا.. أهي زيطة وخلاص."
"زيطة وخلاص!"
اقتربت منها فدنت إليها برأسها تسألها:
"فيه إيه يا بنتي؟ أنتِ مقفلة كده ليه؟ بقولك هيلمان ناس رايحة وجاية وأنوار ملعلطة في الميدان كله.. ده بابا قاعد هناك وسط الرجالة اللي بتهني وماما من العصر مع الست زهيرة بتساعدها وواقفة معاها في استقبال الستات اللي بتهنيها.. ولا إبراهيم ده كمان هو وأصحابه بيرقصوا مهرجانات ولا كأنهم في فرح بلدي."
زفرت حانقة قبل أن تعود ببصرها ناحية التلفاز مرة أخرى:
"ربنا يفرح الكل يا ستي.. أنا مالي بقى؟"
مطت شروق شفتيها وهي تتحرك للأبتعاد بخطواتها:
"براحتك يا أختي.. على العموم أنا رايحة أتفرج من بلكونة أوضتك وبرضوا هارجع وأحكيلك.. عشان أغظك."
تنهدت بيأس من تلهف شقيقتها وأبويها لحضور الافتتاح العظيم ورؤيته، مع إصرار والدتها المستمر على رأسها بضرورة الذهاب للجارة أم المحروس لتهنئتها والعمل بالأصول. وكأنها تهتم.. فلتذهب الأصول إلى الجحيم. فهي أبدًا لن تعيد دخولها هذا البيت، كما حجبت نفسها عن النظر بالشرفة رغم صعوبة القرار عليها. ولكن يكفي ألا تلتقي بوجهه البغيض.
بين أجواء المرح ورقص الفتيان الصغار وانتقال بين الأفراد المهنئين، انشغل علاء قليلًا عما يدور بعقله ويحتل فكره. أما حسين فقد اتخذ موقعًا جيدًا بجانب المحل وهو ينظر في الأعلى لشروق التي احتلت شرفة شقيقتها وهي تتابع الحفل بابتسامة رائعة مثلها.
فجأة اعتدل بوقفته حينما وقعت عيناه على آخر شخص توقع حضوره في هذه المناسبة. بوجه قلق تابع أباه وهو يخرج من سيارته ويتقدم نحو أخيه، الذي سمرته المفاجأة هو الآخر فوقف جامدًا أمام أبيه الذي قطع السكون بينهم حينما جذبه من ذراعه يعانقه بحنان أبوي قلما يصدر من الحاج أدهم المصري. ومع ابنه المحبوب علاء الذي تدارك نفسه سريعًا فتبادل العناق مشددًا ذراعيه على أبيه بقوة واشتياق.
"حسين باشا."
انتفض مجفلًا بلمسة لكف كبيرة على ذراعه. فتبسم مرحبًا بابن حارته وصديق أخيه الصدوق. صافحه بحرارة قائلًا:
"أهلًا.. أزيك يا سعد.. ليك وحشة والله."
"يا راجل.. هو أنا لو واحشك فعلًا ماتجيش بقى تعدي عليا ولو مرة واحدة حتى وتسأل."
"مشاغل يا عمنا ما أنت عارف الشركة بقى والظروف اللي مرينا بيها في الأيام اللي فاتت."
أومأ برأسه موافقًا:
"عارف يا حسين عارف.. بس أهي الظروف ابتدت تتحسن زي ما أنا شايف أهو."
لوح برأسه ناحية أدهم وهو يتحدث بحميمية مع ولده علاء. فتبسم حسين وقال:
"بصراحة أنا نفسي ما كنتش متوقع مجيئه هنا بنفسه عشان يبارك لعلاء.. بس ده الحاج أدهم المصري.. يعني ماحدش نهائي هايفهم دماغه."
أومأ سعد برأسه مرة ثانية قبل أن يتحرك مستأذنًا:
"طب عن إذنك بقى أروح أسلم أنا على الاتنين."
بعد أن تركه سعد وذهب بعيدًا عنه، رفع رأسه ناحية الشرفة مرة أخرى ليعود ببصره إليها، ولكن أصابته خيبة أمل حينما لم يجدها. ليفاجأ بصرخة من جهة قريبة لامرأة غريبة وهرولة من الرجال بصخب ناحيتها مع توقف مجموعة من السيارات وأصواتٍ تصيح باصطدام سيارة لطفل. وقبل أن يدرك ما حدث جيدًا تفاجأ بصرخة صادرة منها وهي خارجة من البناية التي تقطنها:
"إبراهييييم."
بداخل غرفتها كانت مستلقية على فراشها تتحدث مع صديقتها المتذمرة والغاضبة في الهاتف. قالت أخيرًا بعد أن استمعت جيدًا لكلماتها الساخطة:
"طيب ممكن بقى أفهم أنتِ إيه اللي مزعلك بالظبط؟ زن والدتك بالموافقة على عريس الهنا ولا زنها إنك تباركي لوالدة علاء بنفسك؟"
جاءها الصوت الشاكي من الناحية الأخرى:
"الاتنين يا سحر.. عايزاني أوافق بالعريس وعايزاني أروح للست دي غصب عني.. قال إيه.. قال عشان الست زهيرة بتسأل عليها كل ما تشوفها وهاتموت وتشوفني."
"طيب ما يمكن صح يابنتي.. الست حبتك ونفسها تشوفك.. تاخديها ليه بذنب ابنها؟"
بلهجة محذرة قالت:
"إنهي الكلام في الموضوع ده يا سحر.. أنا مش ناقصاكي."
"ماشي يا ستي ننهي الموضوع خالص كمان.. طب والعريس ابن صاحب والدك بقى.. ماتفكري في الراجل مدام مهندس ومحترم زي ما فهمت منك.. حتى عشان ترضي والدتك.. دي نفسها تفرح بيكي."
وصلها الصوت المتهكم:
"شوفوا مين اللي بيتكلم؟ طيب يا ستي سحر ماتفكري أنتِ كمان بدل ما أنتِ تاعبة والدتك طنط رجاء وفرحي الست بيكي بقى."
"يابنتي افهمي.. أنا حاولت كتير لكن مافيش حاجة بتم.. مش عارفة بقى دا عيب فيا ولا غباء من الآخرين."
صدر صوت ضحكة صغيرة من فجر، فأكملت سحر بضحك هي الأخرى:
"ههه اسكتي صح يا بنتي.. مش أنا امبارح كلمت مرات خالي عشان أبارك لها على أمل إني أخلص من زن والدتي.. يالهوي على اللي حصل.. خلتني أكلم العروسة بنتها كمان.. تصوري يا فجر البت صوتها عيالي ومسرسع زي المعزة بعيد عنك وعن السامعين.. بس إيه بقى حظوظ."
"أيوه يا أختي حظو..."
انقطع صوت الهاتف فجأة، فقالت سحر بقلق:
"سكتي ليه يا فجر؟ فيه حاجة عندك؟"
لم تسمع ردًا منها، فقط سمعت صرخة قوية تصدر من مسافة ليست بعيدة:
"أخويا أنا إبراهيم عمل حادثة؟"
بصرخات ملتاعة خطت سميرة ومعها ابنتها فجر المتماسكة زورًا أمام والدتها بداخل رواق المستشفى يبحثن عن حجرة العمليات المختصة بقسم الحوادث كما دلتها الفتاة الممرضة. صرختها زادت عندما رأت زوجها الجالس على إحدى المقاعد يسبح بسبحته وبجواره أدهم المصري يربت على أرجله يعطيه الدعم. ومن الناحية الأخرى كان الأبناء علاء وحسين على رجليهم واقفين بجوار الحجرة ومعهم آخرون لا تعلمهم. وعلى جانب آخر.. وحدها كانت شروق جالسة على إحدى المقاعد ترتجف باكية:
"ابني جراله إيه يا شاكر؟ أخوكي جراله إيه يا شروق؟ حد يطمني على ابني يا ناس؟"
نهض شاكر مجفلًا ليطمئن زوجته على ابنها، وقد سبقته شروق ترمي بأحضانها:
"أنا خرجت أنده على إبراهيم زي ما قولتي يا ماما.. بس لقيته مرمي في الأرض وشه مغرق الدم والناس حواليه.. أنا خايفة عليه أوي يا ماما."
زجرها من خلفها والدها بحدة:
"بس يا بنت أخوكي كويس.. ما تفوليش عليه بكلامك ده؟"
هتفت سميرة بتشكك:
"ولما هو كويس.. قاعد جوه في أوضة العمليات بيعمل إيه يا شاكر؟ ابني ماله يا شاكر؟"
جاء صوته بالقرب منهم:
"اطمني يا خالتي سميرة.. حالة إبراهيم مش بالصعوبة دي اللي في دماغك.. أنا شوفته بنفسي.. أكيد خير إن شاء الله."
رفعت فجر عينيها عليه وهو يتحدث فتفاجأت بنظرة منه ناحيتها لم تفهمها، إن كانت شفقة أو حنان أو شيء آخر. صاحت عليهم سميرة وابنتها مازالت متشبثة بأحضانها:
"بس أنا لا يمكن هاسامحكم لو جرى لابني حاجة عشان سيبتوني ومشيتوا.. هو أنا مش والدته عشان أطمن عليه بنفسي."
زفر شاكر بنفاذ صبر:
"ده وقت كلام دلوقتي يا سميرة.. مش كتر خيره علاء شال الولد وحطه في عربيته وجرى بيه هو وصاحبه عشان يلحقوه.. على ما وصلنا إحنا في عربية والده واخوه حسين.. يعني كنتي عايزانا نسيب الولد سايح في دمه على ما نندهلك ونجيبك معانا."
تركت جميع ما تفوه به وأتت على جملة واحدة تسأل بجزع:
"يعني الولد كان سايح في دمه يا شاكر؟"
"يووووه.. ده أنت مافيش فايدة في الكلام وياكي.. أنا ما عنديش دماغ ليكي."
قالها وهو يلوح بكفه قبل أن ينتقل للجلوس مرة أخرى بجوار الحاج أدهم. اقترب علاء من الثلاثة قائلًا بلطف يتناول كف المرأة يجذبها:
"تعالي يا خالتي سميرة اقعدي هنا على الكرسي وريحي نفسك بدل ما تتعبي على الفاضي.. تعالي معاها يا فجر أنتِ وشروق."
أذعنت فجر لكلماته مضطرة وهي تدفع والدتها برفق للجلوس على مقاعد المشفى. جلست هي بجوارها مع شروق المتشبثة بوالدتها وكأنها طفلة صغيرة. رغم امتعاضها منه ومن توجيهه الكلمات لها.. ولكن ظل اسمها يتردد في ذهنها بصوته بشكل غريب. فهذه أول مرة يناديها باسمها دون "آبلة"!!!
وهكذا قُضي الوقت المتبقي في الانتظار. شاكر والحاج أدهم المصري جالسان في جهة، وسميرة وبناتها جالسات في جهة أخرى. تحت أنظار الشباب الثلاثة الواقفين: حسين الناظر لحبيبته يبثها الأمان من عينيه، وعلاء الذي لم يكن يتوقع ولو في أحلامه أن يراها الليلة بهذا القرب منه ويرى عينيها الجميلتين والمتلألأتين بحزن بعد أن تمنى من قلبه رؤيتهما.. برغم أن المناسبة غير سارة على الإطلاق. وسعد.. الذي كان يتنقل بنظراته بين شروق الصغيرة الجميلة الشبيهة بشكل كبير من فاتن التي كانت فعلاً فاتنة بحق ولكن غبية كما يذكر. وفجر التي كااانت قديمًا صغيرة بجسدٍ هش وضعيف وقد أصبحت الآن مثال المرأة المكتملة الأوصاف. لقد عرفها رغم تغيرها ومرور عدة سنوات على رؤيتها آخر مرة، ولكنه عرفها!!!
بعد مرور الوقت، كان إبراهيم الصغير ممددًا على تخت المشفى، محاطًا بالأربطة الطبية التي التفت على رأسه وقدمه اليسرى. والدته ووالديه خارج الغرفة مع الجميع بأمر الطبيب بعد أن اطمأنوا عليه قليلًا. سميرة كانت تفرك بكفيها قائلة بتوتر:
"يا حبيبي يا ابني.. الولد وشه أصفر زي اللمونة يا شاكر."
حرك شاكر رأسه بيأس من زوجته قائلًا بتعب:
"تاني يا سميرة.. يعني مش تحمدي ربنا إنها جات على قد كده وربنا نجاه بدل الزن بتاعك ده."
قال من خلفه أدهم بصوته الرزين:
"سيبها يا أستاذ شاكر.. هي بردوا أم وقلبها محروق من الخوف على ابنها."
سميرة بعتب وهي ناظرة إلى زوجها:
"قولوا يا أبو علاء خليه يبطل جمودية القلب دي عليا."
رد زوجها بنظرة حانقة موجهة إليها أثارت ابتسامة أدهم النادرة لدرجة تعجب لها ولديه، وازدادت دهشتهم وهم يتابعون حديثه المنبسط مع الجار الجديد وزوجته:
"الله يا جماعة.. هو انتوا بتبصوا لبعض كده ليه؟ أنا مش عايزة أكون السبب في خناقة ما بينكم."
تبسم الاثنان ببعض المرح استجابة لدعابته. فقال شاكر بامتنان:
"تعبناكم معانا يا أبو علاء وقطعنا عليكم فرحة المحل الجديد."
قال علاء والذي كان واقفًا بالقرب منهم مع أخيه حسين:
"ما تقولش كده يا عم شاكر دا واجب علينا.. دي سلامة إبراهيم بالدنيا كلها."
أومأ شاكر برأسه فارتسم الفخر جليًا على وجه أدهم كما ارتسمت سعادة غير مرئية على وجه سميرة التي انتقلت عيناها تلقائيًا ناحية ابنتها الجالسة على إحدى المقاعد:
"هي شروق أختك راحت فين يا فجر؟"
تمتمت بصوت خفيض:
"نزلت تجيب مية معدنية وشوية عصاير من كانتين المستشفى."
أجفلها حسين بقوله منزعجًا:
"كده نزلت لوحدها من غير ما تقول.. مش يمكن ماتعرفش مكان الكانتين ولا الكافتيريا حتى؟"
هزت رأسها ولم تعلم بما تجيبه فتفاجأت بالحاج أدهم وهو يأمر ولده:
"روح يا حسين وراها واطمن عليها دي المستشفى كبيرة وممكن تتوه فيها."
ذهب حسين سريعًا. أما علاء فقد قطب حاجبيه دهشة من سلسلة المواقف الغريبة لوالده هذه الليلة، قبل أن يتحرك آليًا ويجلس بجوارها على أحدى مقاعد المشفى متمتمًا بخبث:
"آآآه.. ده أنا رجلي تعبتني أوي من الوقفة الليلة دي."
تشنجت هي بجلستها وقد شعرت بجسده الضخم قد احتل المسافة الفاصلة بينها وبينه، وقدميه الكبيرتان تكاد تلتصق بأقدامها الصغيرة. رائحته القوية سيطرت على حواسها فطغت على رائحة المشفى. تململت بعدم راحة تريد القفز من جواره، ولكنها تذكرت ابتسامته السخيفة لها. لابد أنها ستصبح ضحكة كبيرة الآن حينما يراها تهرب من جواره. زفرت داخلها استسلامًا وهي تهمس بصوت مكتوم وصل لمسامعه فابتسم بانتشاء:
"استغفر الله العظيم يارب."
أمام بائع الكانتين وقفت بمشترياتها خلف رجل وامرأة سبقوها لدفع الحساب وهي تتابع جدال المرأة مع البائع في ثمن الأشياء بانتباه، حتى أُجفلت على صوتٍ غريب:
"عاملة إيه دلوقتي يا آنسة شروق؟"
شهقت منتفضة وهي ترى هذا الغريب يحادثها بهذا القرب لأول وهلة، قبل أن تستعيد ذاكرتها وتعلمه:
"هو انت حضرتك تعرفني؟"
قال بابتسامة:
"طبعًا أعرفك.. هو أنت نسيتي ولا إيه؟ أنا صاحب علاء..."
"عارفة عارفة إنك صاحب جارنا علاء."
قالتها بمقاطعة وصوتها خارج بتوتر وتابعت:
"وعارفة كمان إنك شيلت أخويا معاك وجبته على المستشفى قبل ما نوصل أنا ووالدي.. بس يعني إنت تعرفني منين عشان تندهني على طول كده باسمي؟"
شعرت بتأنيب الضمير وهي ترى تأثير كلماتها الحادة على وجهه وشفتيه التي كانت تتحرك بارتباك. فعادت قائلة بلطف:
"أنا آسفة يا أستاذ.. بس معلش بقى متآخذنيش أنا لسه متأثرة بحادثة أخويا ومش قادرة أميز أي كلمة خارجة مني."
أومأ برأسه:
"عندك حق يا آنسة.. ويمكن أكون خضيتك بس أنا بجد قلقت عليكي."
"قلقت عليا؟!"
"يا آنسة."
أجفلت على صوت الفتى البائع لتجد أن الدور قد أتى عليها في دفع الحساب بعد انصراف من كانوا قبلها. قالت وهي تتحرك سريعًا:
"طب عن إذنك بقى."
لم تنتظر إجابة فقد وجدتها فرصة للهرب من هذا الغريب ونظراته المسلطة عليها. فلا تعلم لما شعرت بعدم الراحة نحوه. حينما أنهت حسابها مع البائع خرجت فورًا تتجاهل النظر نحوه وهي تسرع بخطواتها للخروج من الكانتين. تنفست بارتياح وهي ترى حسين ينزل الدرج اللولبي للمشفى لتجده سريعًا قد أتى أمامها. فتوجه إليها قائلًا بانزعاج:
"أنتِ إزاي تنزلي هنا لوحدك مش خايفة لتوهي في المستشفى الواسعة دي؟"
قالت مبتسمة وقد أسعدها ما رأته في عينيه نحوها:
"أصل كنت عطشانة فسألت الممرضة ودلتني.. بس أنت نازل على السلم ليه مادام في أسانسير؟"
قال بحزم محبب:
"عطشانة تبقى تقولي واحنا الرجالة نتصرف بدل ما تخلينا.. تخلينا نقلق عليكي.. ده أنا ما قدرتش أستنى الأسانسير ونزلت جري أشوفك."
تهللت أساريرها فرحًا من جملة قيلت لها مرتين هذه الليلة، ولكن من حسين وقعها على سمعها كان وكأنها أجمل كلمات العشق.
"إنتِ هاتفضلي متنحة كده وساكتة مش يالا بقى خلينا نلحق الجماعة فوق وادي الأسانسير اتفتح أهو."
أوقفته بيدها قائلة:
"لأ أنا عايزة اطلع على السلم مش بالأسانسير."
حرك رأسه موافقًا بابتسامة رائعة يقول:
"ماشي يا شروق.. مع إن النزول كان عليه فرهدة بس موافق برضوا.. هاتي اللي في إيدك دا بقى."
قال الأخير وهو يتناول منها المشتريات قبل أن يصعد معًا الدرج اللولبي بناءً على رغبته وكم أسعده طلبها هذا. غافلين عن زوج من الأعين ترصدهم وتابعتهم حتى اختفوا.
بعد انتهاء الليلة العصيبة والاطمئنان على الطفل المصاب، كان لابد من العودة ليلاً إلى المنزل بعد إصرار مسؤلي المستشفى الخاصة بذهاب الجميع حتى أهل المريض. تطوع حسين بأن يقل أسرة الأستاذ شاكر وزوجته وابنتيه. أما الحاج أدهم فقد عاد مع ابنه علاء وصديقه سعد.
بداخل السيارة خاطب علاء أباه قائلًا:
"متشكرين أوي يا حج على اللي عملته معانا النهاردة."
"بتشكرني على إيه بالظبط؟"
"يعني يا والدي على كل حاجة الصراحة.. من أول مجيتك الافتتاح الليلة لوقفتك مع الجيران.. ده دي لوحدها كبيرة قوي عندي.. خصوصًا إنهم ناس غريبة عنك ومتعرفهاش."
قال أدهم بحزم:
"مدام جيرانك يبقوا مش أغراب ولا حاجة.. ثانيًا بقى أنا سألت كويس عن الناس دي وعرفت إنهم ناس محترمين قوي."
نقل عينيه عن الطريق لينظر فجأة لأبيه قائلًا بجدية:
"هو انت فعلًا سألت عنهم؟"
قال بثقة:
"طبعًا سألت عنهم؟ أمال يعني أسيب ناس تدخل لوالدتك وأنا مش عارف أصلهم إيه ولا فصلهم؟"
عاد للطريق وهو يمُط شفتيه قائلًا:
"والدتي!! قلتلي بقا."
عند هذه النقطة غير دفة الحديث فجأة وهو يسأل صديقه الغارق في أفكاره وهو ناظر لخارج الطريق من النافذة:
"سرحان في إيه يا سعد أنت كمان؟"
أجفل من شروده قائلًا:
"هااا.. إنت بتكلمني يا علاء؟"
قال الحاج أدهم ساخرًا:
"هه ياسعد دا أنت مش معانا خالص.. إيه اللي واخد يا ابن مدبولي؟"
بشبه ابتسامة أومأ برأسه ولم يجيب وهو يعود لأفكاره مرة أخرى.
عندما توقفت السيارة أمام المنزل الذي احتل بمساحته قطعة كبيرة من الحارة، وجدها في شرفتها تنظر إليهم بترقب قبل أن تتركها وتنزل سريعًا إليهم. ترجل أدهم من السيارة وهو يدعو ابنه للدخول:
"مش هاتنزل تشرب الشاي حتى؟"
قال بجمود:
"معلش يا والدي خليها مرة تانية.. الدنيا ليلت."
"وافرض حتى الدنيا ليلت مش بيتك ده وبيت أبوك؟ تعالى ادخل أنت وصاحبك."
خرج صوت سعد من الكرسي الخلفي:
"خليها مرة تانية يا عم أدهم وأنا هاجيبه بنفسي ونقعد معاك."
قبل أن يرد أدهم جاء صوتها المتلهف:
"حمد الله على السلامة يا حج."
سك علاء على فكه غيظًا من وقفتها على باب المنزل بزيّها المتكلف وعبائتها البيتية الخفيفة غير مقدرة لمكانة أبيه الرجل الوقور. فقال بغيظ:
"عن إذنك يا ولدي دوبك أوصل سعد على بيته ده زمانه والدته قلقانة عليه."
"ماشي يا علاء.. تصبح على خير."
قالها أدهم وهو يصفق باب السيارة بعنف، ليذهب إلى زوجته التي استقبلته بقلق مبالغ فيه:
"كده برضوا يا أدهم تسيبني كده على أعصابي وأنا هاموت من القلق عليك.. هو إيه اللي أخرك الوقت ده كله؟"
أغلق باب المنزل خلفه قائلًا بسأم:
"بعدين يا نيرمين.. ها أقولك بعدين.. بس سيبني بس أريح شوية الأول."
مصمصت بشفتيها حانقة وهي ناظرة في أثره بعد أن تركها وسط البهو الكبير.
وبداخل السيارة تكلم سعد أخيرًا بانتباه إلى صديقه:
"أحسن حاجة عملتها يا علاء.. عشان أنا عايزك في موضوع ضروري."
"موضوع إيه اللي ضروري يا سعد؟ إحنا دخلنا في نص الليل وأنا على آخري."
قال برجاء:
"معلش والنبي يا علاء اتحامل على نفسك نص ساعة بس واسمعني."
تأثر علاء برجاء صديقه فقال:
"ماشي يا سعد.. تحب نقعد فين بقى؟"
أجاب سريعًا بلهفة:
"عند القهوة اللي ورانا بيتنا.. دي بتبقى فاتحة للصبح."
بعد نصف ساعة وبعد أن سرد سعد ما يطلبه وانتظر رد صديقه الذي بهت وجهه لبعض الوقت قبل أن يقول أخيرًا:
"انت متأكد من طلبك ده يا سعد؟"
"وأنا يعني لو مش متأكد هاطلب منك يا علاء؟"
كان يحاول جاهدًا انتقاء كلماته:
"يا سعد افهمني.. البنت صغيرة أوي عليك.. ده غير كمان ظروف أخوها."
قال سريعًا:
"إن كان على ظروف أخوها فالولد أكيد بكرة يتحسن.. وإن كان على سنها فدي مش مشكلة لو أنت اتدخلت بشطارتك معاهم.. أنا عرفت إنهم بيعزوك من معاملتهم ليك.. وحسب ما عرفت إنهم عيلة على قدها ومتوسطة الحال.. وأنا زي ما أنت عارف ظروفي مشيت كويس دلوقتي وبقيت أكسب كويس من ورشتي."
"حبيبي أنا عارف كلامك ده بس.. أنا بس مش عارف أفاتحهم إزاي والله؟"
قال برجاء مع إصرار شديد ارتسم على وجهه:
"بقولك إيه يا علاء.. أنا قصدتك وأنت صاحبي.. ارجوك بقى اقف معايا في الموضوع ده.. أنا من ساعة ما شفت البنت وأنا قلبي اتعلق بيها.. وبجد بقى لو أنت صاحبي بجد وحقيقي توقف معايا في موضوع جوازي من شروق؟"
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل السادس 6 - بقلم امل نصر
بالغرفة البيضاء كانت الأسرة جميعها مجتمعة حول إبراهيم الذي استعاد عافيته قليلًا ليعي جيدًا حديثه مع أسرته. والدته بالكرسي المجاور لرأسه تطعمه بيدها، وزوجها جالس على طرف التخت. أما الفتيات شقيقاته فجر وشروق بجواره من الناحية الأخرى، يداعبنه بالأحاديث الطريفة.
قالت شروق بمشاكسة:
- طبعًا ياعم انت هاتعيش الدور بقى علينا طول الأيام اللي جاية دي.. أكل ودلع ونوم في السرير براحتك ولا دراسة بقى ولا قرف.
كان رده ابتسامة ممتعضة أثارت ضحك الجميع. فقالت فجر بمرح هي الأخرى:
- يالهوي على العسل لما يكشر بوشه.
التفت إبراهيم مخاطبًا لأبيه:
- ماتشوف بناتك ياعم الحج دول اللي بيستظرفوا على ابني العيان.
سمع منه شاكر فقال لهم حازمًا بابتسامة:
- بس يا بت انت وهي.. خلوا عندكم دم بقى وبلاش غلاسة على الولد.. يعني مش كفاية إنه عامل حادثة ومدشدش.. كمان انتوا تيجوا عليه.
ضحكت الفتاتان مرة أخرى مما أثرن ضيق إبراهيم الذي قال لوالده بعتب:
- حتى انت ياعم الحج بتقلش عليا مكانش العشم.. ماتشوف الجماعة دول يا ست ماما.
ناولته قطعة من الفاكهة ليأكلها بفمه وهي قائلة بابتسامة:
- سيبك منهم ياحبيبي وخليك في صحتك انت.. دول عالم فاضية.
رددت فجر خلفها:
- إحنا برضوا يا ست ماما عالم فاضية؟
- أيوه عالم فاضية ورايقة كمان.
قالتها سميرة بتأكيد قبل أن تلتفت على من أطل برأسه محييًا:
- صباح الخير عليكم.
رد الجميع عليه التحية عدا فجر التي خبأت ابتسامتها. فتقدم هو لداخل الغرفة قائلًا بحبور:
- عيني باردة عليك يا إبراهيم.. اخبارك إيه النهاردة يابطل؟
- الحمد لله كويس أنا النهاردة يامعلم علاء.
- اقعد يابني انت هاتقعد واقف.
قالها شاكر وهو يشير بيده على إحدى المقاعد. أجفل علاء الذي كانت مازالت عيناه عالقة ناحيتها. تحرك ليجلس أمامهم وهو يقول:
- أنا لسه جاي من عند الدكتور دلوقتي وطمني على حالة إبراهيم.. دا بيقول إنه خلاص ممكن يخرج النهاردة أو بكرة بالكتير.
- أيوه يابني صحيح زي ما قالك كده.. بس أنا زعلان من والدك.. عشان دفع حساب المستشفى من غير ما يقولي.
جحظت فجر عيناها غضبًا. أما علاء فقد ردد خلف أبيه سائلًا:
- أبويا أنا دفع؟! امتى ده؟
أجابته سميرة:
- النهاردة الصبح يابني وصل مع أخوك حسين وقعدوا شوية مع إبراهيم قبل ما يخرجوا مع شاكر.
- هو حسين خرج بدري شوية عشان كان وراه مشوار مهم.. والدك بقى فضل معايا حبتين زيادة لكنه ماجبليش سيرة نهائي.. عرفت أنا بالصدفة من حسابات المستشفى بعد هو ما مشي.. بس ليه كده يابني؟ دي الحال مستورة والحمد لله.
قال علاء بابتسامة صافية أمام نظرات فجر التي اشتعل الغضب داخلها:
- وماله ياعم شاكر دا إحنا أهل.
بعد هذه الجملة فقدت السيطرة ولم تعد تقوى بعدها الصمود:
- عن إذنكم!
- رايحة فين يابنت؟
انصرفت سريعًا ولم تكلف نفسها عناء الرد على والدتها التي قال مندهشة في أثرها:
- هي البت دي خرجت وراحت على فين؟
أجابتها شروق وهي تتحرك للخروج أيضًا:
- تلاقيها بس عندها مكالمة مهمة ولا حاجة.. أنا رايحة أشوفها.
قال علاء وهو ينظر في أثر شروق هي الأخرى رغم تغيره من موقف فجر:
- طب أنا كمان كنت عايزك في موضوع مهم ياعم شاكر.. بمناسبة إن ربنا نجا إبراهيم وخلاص خارج قريب إن شاء الله من المستشفى.
بخطوات مسرعة كانت تهتف للحاق بها:
- استنى يافجر بقى شوية انتي إيه قطر؟
التفت لشقيقتها وسط رواق المشفى قائلة بحدة:
- يعني عاجبك اللي بيحصل ده ياشروق؟
قالت شروق بصوتٍ خفيض وعيناها تدور على البشر المتناثرين حولهم:
- وطي صوتك يافجر الناس واخدة بالها.
زفرت بداخلها وهي تحاول السيطرة على الغضب المتصاعد داخلها فقالت مابين أسنانها:
- أنا هافرقع من الغيظ ياشروق.. الناس دي بقت فارضة نفسها علينا بشكل مستفز وأبوكي وامك قابلين وساكتين.. هو في إيه بالظبط؟
قالت شقيقتها بنفي رغم مايدور بعقلها:
- وأنا هاعرف منين يعني؟ ما أنا زيي زيك؟
- مالكم واقفين هنا ليه؟
التفت الاثنتان على سحر وقد أصبحت أمامهم فتابعت مازحة:
- اوعوا تقولولي إنكم اتخانقتوا هنا في المستشفى؟ لأ عيب نفرج الناس علينا.
تبسمت شروق للمداعبة أما فجر فقالت:
- كويس إنك جيتي ياسحر.. أصل أنا بصراحة مخنوقة ونفسي أرغي معاكي وأفك شوية.
همت لتتكلم ولكنها صمتت متسمرة وهي ترى علاء وهو خارج مع شاكر من حجرة إبراهيم فقالت ذاهلة:
- يانهار أبيض.. مين الحليوة دا اللي خارج مع أبوكي يافجر؟
قالت حانقة:
- حتى انتي كمان ياسحر؟
على طاولة مستديرة جلس الاثنان بداخل كافتيريا المشفى بناءً على طلب علاء الذي تلعثمت الكلمات داخل فمه وهو يدعو الله أن ينتهي من هذه المهمة الثقيلة.
- يابني ما تتكلم ساكت ليه؟ انت مش قولت عايزني في موضوع مهم؟
تحمحم يجلي حلقه فقال بحرج:
- آسف ياعم شاكر بس أنا مكسوف صراحة عشان الظرف يعني.. لكن أعمل إيه بقى في صاحبي اللي قصدني وشدد عليا عشان أفتّحك.
- صاحبك مين؟ وعايزك تفتّحني في إيه؟
- صاحبي سعد وهو... قصدني في موضوع نسب معاك.
قاطعه شاكر قائلًا ببساطة:
- قصده يعني على فجر.. ومالك يابني محرج ليه؟ ما أنا على طول الناس بتفاتحني عنها.
شعر بشحنة من الغضب اندفعت بداخله فجأة وهو يقول بحدة:
- لا طبعًا هو ما يقصدش فجر؟
- امال هو قصده على مين؟... معقولة يقصد شروق؟
أومأ برأسه وهو يتابع:
- أنا عارف إنه أكبر منها بيجي عشر سنين على الأقل.. بس هو إنسان محترم وعشرة عمر و.......
صمت عن إكمال جملته وهو يرى شاكر الذي كان يضحك بدون سبب.
- هو أنا قولت حاجة تضحك ياعم شاكر؟
قال معتذرًا وهو ينهي ضحكته:
- معلش يابني ما تأخذنيش أصل شروق العريس التاني يتقدم لها في نفس اليوم.. والعجيب بقى إنه كمان من طرفك برضوا ويخصك؟
قطب سائلًا بدهشة:
- تقصد بمين إنه من طرفي ويخصني؟
قال شاكر بابتسامة:
- يعني انت متعرفش إن والدك الحج أدهم المصري طلب إيد شروق النهاردة لحسين أخوك؟
وكأن دلواً من الماء البارد سقط على رأسه لم يعرف يرد على الرجل ولو ببنت شفاه. فتابع شاكر:
- دا حتى بالأمارة طلب مني أفكر براحتي أنا والبنت على ما يخرج إبراهيم بالسلامة من المستشفى وبعدها تبقى الزيارة رسمي.
تصبب العرق فوق جبهته من هذا الموقف الحرج فسأله بتوتر:
- طب انت كده هاتوافق على مين فيهم ياعم شاكر؟
- شوف يابني أنا هاعرض الموضوع على البنت وهي بقى اللي تقول رأيها.. إن كانت موافقة على واحد فيهم ولا هاترفض الاثنين.
بلع ريقه فقال بتوتر:
- طبعًا دا حقها أكيد.
حينما أنهى مقابلته مع شاكر.. خرج سريعًا من الكافتيريا وكأن الشياطين تلاحقه.. يريد الخروج من المشفى واستنشاق هواءً طبيعي. فطوال سنوات عمره التي تعدت الثانية والثلاثون لم يتعرض لمثل هذا الحرج. كيف لأخيه أن يفعل هذا ويتقدم لخطبة الفتاة جاره دون حتى أن يخبره. ولسخرية القدر يتم هذا الآن بعد إظهار سعد صديقه نيته الواضحة للزواج بها. فكيف يكون وضعه حينما تختار واحد منهم دون الآخر. في أية جهة يقف الآن؟
- حاسب ياأخينا.
خرجت بخشونة من أحد الأشخاص الذي كاد أن يصدم به. تراجع فورًا للرجل ليذهب من جواره. استدرك نفسه وهم ليكمل طريقه ولكنه توقف مبهوتًا لهذه الأعين المسلطة عليه وهو يقف أمامه بوسط الرواق بمسافة ليست بقريبة غير منتبه لحديث أحد الأشخاص بجواره. ملامحه الأرستقراطية نحتت مع تطور سنوات عمره لتزيده وسامة وجاذبية أكثر. يرتدي حلة رمادية وكأنه أحد المسؤولين. بلمحة بسيطة شعر بحنين الصداقة القديمة ولكنه تذكر سريعًا كيف انتهت. إحتدت عيناه واشتعل صدره بغضبه القديم. فتحرك سريعًا يتخطاه حتى اصطدم به عن قصد حتى كاد الرجل أن يسقط لولا أنه تماسك ومع هذا لم يتكلم أو يعترض حتى. هتف الرجل الذي بجواره:
- دا اتجنن دا ولا إيه؟
أوقفه بإشارة بكفه ليصمت فسأله الرجل بفضول:
- انت تعرف الراجل دا ياعصام بيه؟
بللهجة الأمر قال:
- اسمع ياعزمي أنا عايز أدخل حجرة الكاميرات دلوقتي حالًا.
قال الرجل بإذعان:
- تحت أمرك ياباشا.
خطت لداخل الغرفة نحو زوجها الجالس على الأريكة الأثيرة أمام شاشة التلفاز يدعي المشاهدة ولكن ملامح وجهه المنغلقة تظهر عكس ذلك وهو يتلاعب بمسبحته بشرود. حتى أنها جلست بجواره ولم يشعر بها. فتساءلت بصوت مسموع:
- اللي واخد عقلك ياحج يتهنى به!
أجفل من شروده فالتفلت إليها قائلاً:
- نعم يا نيرمين عايزة إيه؟
بللهجتها الناعمة:
- يعني هاعوز إيه بس ياحج؟ هو انت منقصني من أي شئ؟ أنا بس مستغربة يعني سرحانك الكتير الأيام دي.. هو انت في مشكلة عندك في الشغل؟
قال بمغزى:
- وهي المشاكل انحصرت بس في الشغل يانيرمين؟ والشخصية بقى مافيش؟ ولادي اللي انصرفوا عني وعاشوا حياتهم ولا مراتي اللي سابتني بعد العمر دا كله؟ دا عادي بقى عندك؟
قالت بارتباك:
- لا طبعًا أنا مقصديش حاجة وحشة.. انت عارفني من الأول أنا راضية بقليلي ونفسي نبقى عيلة واحدة كمان.. بس هما بقى اللي رفضوا وبعدوا من نفسهم.. أنا حتى ملحقتش أعمل مشاكل معاهم عشان تتحسب عليا.. لكن تقول إيه بقى؟ ولادك ودماغهم ناشفة زيك والست زهيرة بقى دي خدت على الدلع والأنانية.. فشئ طبيعي ترفض اللي قبلت بيه ضرتها الصغيرة والغلبانة.
- انت غلبانة يانيرمين؟
قالت حانقة من سؤاله الساخر:
- انت قصدك إيه ياحج؟
- مقصديش حاجة يابنت الناس.. عن إذنك بقى.
قالها ونهض فتركها تنظر لأثره بغيظ.
بداخل غرفته بشركة الأدهم للسياحة والسفر كان جالسًا مع أحد العملاء حينما أجفله شقيقه باقتحام الغرفة بوجهه الجامد دون استئذان وخلفه السكرتيرة تردد برجاء لمديرها:
- آسفة ياحسين بيه بس أنا قولتلوا انتظر دقايق لكنه مرديش.
أشار لسكرتيرته بالانصراف وتقدم هو نحو أخيه مرحبًا:
- دا إيه الزيارة الجميلة دي نورت المكتب يامعلم علاء.
صافحه بجمود أثار استيائه وهو يخطو لداخل الغرفة حتى جلس أمام العميل الذي شعر بالحرج أيضًا فنهض على الفور عن مقعده:
- طب عن إذنك بقى ياحسين بيه.. أكمل معاك في وقت تاني.. تشرفنا ياحضرت.
أومأ علاء برأسه وتولى حسين مصاحبة الرجل حتى باب المكتب يحدثه بلطف واعتذار حتى خرج فصفق باب الغرفة خلفه ليلتفت إلى أخيه قائلًا بقلق:
- في إيه ياعلاء؟ هو في حاجة حصلت؟
تلاعب قليلاً بشاربه وهو ينظر إليه بغموض حتى جلس أمامه فقال أخيرًا:
- اطمن ياحسين باشا مافيش حاجة حصلت.. دا بس أخوك الغلبان جاي يستفسر منك عن حاجة كده.
- غلبان!
خرجت منه باستنكار قبل أن يتابع:
- هو في إيه بالظبط ياعلاء؟ دي مش عوايدك يعني تتكلم بالألغاز.. ماتقول اللي انت عايز تستفسر عنه يمكن أفهم.
قال مباشرة:
- أجيبلك من الآخر ياحسين بيه.. لما انت بتحب أبوك أوي كده ومكبره عشان تطلب إيد البنت.. طب حتى اديني فكرة بحكم إني جارها مش في الأصل أخوك.
- بنت مين؟ انت قصدك شروق؟ معقول؟
قالها باندهاش وعدم تصديق وتابع:
- يانهار أبيض.. هو بابا لحق يطلب إيدها؟
هتف عليه غاضبًا:
- انت هاتستهبل عليا ياض.. يعني هو طلبها من غير ما يقولك؟
- يابني افهم أنا قولتلوا عن رغبتي للإرتباط بيها.. لكن ماكنتش أعرف إنه هايلحق بسرعة دي كدة يطلبها من والدها.. بس انت إيه اللي مزعلك؟
- اللي مزعلني إنك ماقولتليش وخليت منظري زي الزفت النهاردة لما والدها فاجأني وأنا بفتحه عن موضوع سعد.
- وماله سعد بشروق؟
تنهد بثقل وهو يمسح بكفيه على وجهه وأخيه يردد السؤال على مسامعه:
- مال سعد بشروق ياعلاء؟
- كان عايز يتجوزها هو كمان.
- نعم!!
صاح عليه حازمًا:
- حقه ياحسين.. شاف البنت عجبته وطلب مني أشوف أهلها بحكم إني جارها.. عمل اللي انت ما عملت ما عملتوش.
زفر حسين وهو يحاول التماسك أمام أخيه:
- ياعلاء كفاياك تقطيم فيا بقى.. أنا ملحقتش أفتّحك بحكم السفرية اللي جات فجأة وبعدها حادثة إبراهيم أخوها.. وان كان على والدي فانا وربنا ما أعرف السبب اللي خلاه يجري بسرعة كدة ويطلب إيد البنت.. يمكن ما صدق بقى عشان يخلص مني ويخلاله الجو مع عروسته الجديدة.
قال الأخيرة مازحًا جعلت طيف ابتسامة تغزو ملامح أخيه الذي أكمل:
- أو يمكن عايز يقربك منه من تاني.
ردد خلفه بتفكير:
- يمكن برضوا!
وعودة للمشفى وبداخل غرفة إبراهيم دلف شاكر بابتسامته المعهودة وهو يمشط الغرفة بعيناه:
- إيه ده؟ هما خواتك مشيوا ياعم هيما ولا إيه؟
قالت سميرة التي كانت تنتهي من صلاتها وتهم لطوي سجادتها:
- بناتك ياخويا الاتنين خرجوا مع سحر يوصلوها لخارج المستشفى.
جلس بجوار ابنه المصاب وهو يقول:
- بنت حلال سحر دي وتستاهل كل خير.. أنا مش عارف بس إيه اللي أخرها من الجواز.. هي الرجالة عميت؟
رددت خلفه زوجته:
- لأ ياخويا ما عميتش.. دي البنات هي اللي بتدلع على كيفها.. ولا انت ناسي النسخة التانية منها معاك.. مقصوفة الرقبة فجر.
تدخل إبراهيم:
- مالها فجر بس ياست ياماما؟ ماهي زي الفل معانا هي لازم تتجوز يعني؟
شهقت سميرة ضاحكة:
- ينيلك ياواد.. لهو انت مش عايز اختك تتجوز زي البنات ولا تشيل ولادها؟
- لأ مش عايزها تتجوز.
قال أبيه أيضًا وهو يضحك:
- يخرب عقلك ياابراهيم.. دا انت طالع حمش قوي على كده.. بس ياحبيبي البنت مالهاش غير بيت جوزها.. ومهما قعدت في بيت أبوها.. بيتها هو بيت جوزها في الآخر.
تنهدت سميرة بصوت عالي قائلة:
- اه يا ابو فجر.. ياما نفسي أجوزها بقى وأفرح بيها.. نفسي تعقل وتبطل جنان.. كمان لو توافق على المهندس ابن صاحبك ده وتفرح قلبي.
- سيبك بس من ابن صاحبي وركزي في اللي جاي.. إن شاء الله فجر هايجيلها نصيبها وهاتفرحي بيها بس انتي قولي يارب.. أنا دلوقتي في بنتك الصغيرة.
- بنتي الصغيرة مالها يا راجل؟
- ياولية افهمي بقى البت الصغيرة اتقدم لها اتنين النهاردة؟
فغرت فاهاها دهشة وقالت:
- هنا والاتنين النهاردة في المستشفى؟!
تبسم شاكر فسبق إبراهيم والدته بالسؤال:
- هما مين يابابا؟ فيهم حد نعرفه؟
هم شاكر ليجيب ولكن استوقفه طرقٌ على باب الغرفة.. ليدلف بعدها رجل مهيب بحلته الرمادية ومعه الطبيب المعالج لإبراهيم الذي قال بابتسامة جميلة لإبراهيم:
- السلام عليكم.. عامل إيه النهاردة يابطل؟ الباشا مدير المستشفى جاي بنفسه يشوفك النهاردة.
نهض شاكر مرحبًا بالرجل:
- أهلًا ياباشا.. دي إيه المفاجأة الحلوة دي؟
سميرة أيضًا:
- يا أهلًا مرحب بيك يا سعادة الباشا.
تحدث هو بصوت رزين ولكن متردد:
- أنا جيت النهاردة وعملت مرور على بعض الحالات.. اا انت كويس ياابراهيم.. الدكتور بتاعك طمني عليك.
أجاب إبراهيم بروتينية:
- نحمد ربنا على كل حال.
وكأنه يتفحصهم أو يبحث عن إجابة ظل ينظر إليهم بأعين مشتتة وهو يستمع من الطبيب المعالج لإبراهيم وهو يصف حالته.. حتى دلفت الشقيقتان.
- السلام عليكم.
- إيه ده؟ هو في إيه؟
جذبت المرأة بناتها الاثنتين من أيديهم تسحبهم لداخل الغرفة وتهمس لهم:
- بس يامنيلة انتي وهي.. دا البيه مدير المستشفى؟
قالت فجر بدهشة:
- ودا إيه اللي جابه عندنا؟
أكملت سميرة بنفس الهمس:
- بيقولك قال عامل مرور على الحالات.
همست شروق هي الأخرى بمزاح:
- وجاي عند إبراهيم أخويا مخصوص بقى عشان يطمن عليه و..
قطعت جملتها ولم تكملها حينها فقد أخافتها نظرة هذا الرجل المهيب رغم صغر سنه وهو يحدق بها وكأنه رأى شبحًا أمامه.. جف حلقها ولم تستطيع التنفس إلا حينما انتقلت نظراته إلى فجر ثم ما لبث أن فاجأهم بسؤاله المباشر:
- هو انت تعرفوا علاء المصري منين؟
أجفل الجميع من سؤاله المباغت لكن شاكر هو الذي أجابه رغم دهشته:
- المعلم علاء يبقى جيرانا يابني.. بس ابن حلال هو وأبوه واخوه.
أومأ برأسه وعيناه نحو الفتاتين:
- جيران وبس؟
قال شاكر وقد ازدادت دهشته:
- أيوه جيران وبس.. لكن واضح بقى إن انت تعرفه؟
تمتم بغموض:
- طبعًا أعرفه وعز المعرفة كمان.. عن إذنكم.
قال الأخيرة وخرج على الفور وخلفه الطبيب.. أمام دهشة شاكر وأسرته جميعها.
قالت شروق وهي تتنفس أخيرًا ارتياحًا بخروج هذا الغريب:
- يانهار أبيض الراجل ده خوفني قوي.
قالت فجر خلفها معترضة:
- بقى ده خوفك ياهبلة.. دا حتى شكله ولا البهوات اللي بيجوا في التليفزيون.
قال أبيهم:
- بس عجيبة يعني إنه بيسألني عن علاء!
- ياخويا ولا عجيبة ولا حاجة.. خلينا إحنا في موضوعنا.
قالتها سميرة وهي تجلس على إحدى المقاعد الجلدية أمامهم وتابعت مع زوجها:
- ها بقى يا ابو إبراهيم.. انت كنت بتقولي إن شروق متقدم لها عريسين.. هما مين بقى؟
صدر صوتها من الخلف:
- شروق مين ياماما؟
قالت سميرة بسخرية:
- هو إحنا عندنا كام نسخة منك ياهبلة بنفس الاسم؟
قالت شروق بابتسامة مرتابة قالت:
- معقولة! يعني أنا متقدم لي عريسين.. ودول يبقوا مين يابابا؟
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل السابع 7 - بقلم امل نصر
ترقبت متفحصة وجه أبيها الضاحك وهو يتلاعب بالكلمات معهم عن معرفة هوية العريسان..
حتى صاحت عليه زوجته:
- في إيه ياشاكر تعبت قلوبنا معاك.. مرة تقول معرفة جديدة.. مرة تقول الاتنين من طرف واحد.. هي فزورة ياراجل ماتقول بقى وريحنا.
- يعني غلب حماركم؟
تذمر الجميع فخرج صوت زوجته الساخط:
- يووه بقى انت لسه هاتحزر وتفزر من تاني؟
ضحك بصوت عالي قبل أن يقول أخيرًا:
- خلاص خلاص أنا هاتكلم.. شوفي يابت ياشروق أنا هابتدي بالعريس التاني وهاسألك مباشرةً كدة.. إيه رأيك في الراجل اللي اسمه سعد صاحب علاء؟
هتفت مستنكرة:
- ميين!! لا طبعًا يابابا.. مش عايزاه مش عايزاه.
سألت سميرة بعدم فهم:
- سعد مين اللي صاحب علاء؟
اقترب منها زوجها يذكرها به.. أما فجر فتذكرته جيدًا بعد أن تناسته منذ فترة طويلة.. سعد.. لقد كان جار فاتن الصامت.. الصامت دائمًا أو قليل الكلام بشكل أدق.. حينما رأته في يوم حادث أخيها لم تتعجب أبدًا.. فهي كانت تعلم أنه صديق هذا المدعو علاء..
أجفلت من شرودها على صيحة شقيقتها:
- في ايه يابابا؟ ماتقول بقى على اسم العريس التاني.. ولا انت فالح بس تقولي على العريس المنيل ده اللي جسمي قشعر بس من اسمه.
قال شاكر بتعجب:
- ياساتر يارب.. جسمك قشعر من اسمه بس! طيب ياستى العريس التاني يبقى حسين ادهم المصري.. وحش دا كمان عشان نرفضوا برضوا ولا؟
هتفت على الفور ضاحكة:
- لا طبعًا ترفضوا دا ايه ياعم شاكر.. اش جاب لجاب بس ياراجل حرام عليك وقعت قلبي.
تبسمت سميرة بفرحة غامرة أما أبيها فقال ممازحًا:
- شوفي ياخويا البت وبجاحتها.. طب وربنا أنا قلبي كان حاسس عشان كده ابتديت بالتاني.
قال إبراهيم هو الآخر ضاحكًا:
- أيوه بقى يابت ياشروق.. الواضح حليوة وزي الخواجة.
قالت شروق وهي لا تستطيع السيطرة على دقات قلبها المتسارعة من الفرحة:
- أيوه ياهيما.. دا أنا مش مصدقة نفسي ولا مستوعبة اللي بيحصل.
هتفت فجر بغضب فاجأ الجميع:
- هو في ايه بالظبط؟ هي الناس دي خلاص بقى موراهمش حد غيرنا؟
أجفل أبوها من حدتها قائلاً:
- مالك يابنتي؟ هو انت مش عاجبك حسين؟
قالت خلفه سميرة بحزم:
- وهي إيه دخلها بالعريس.. ماهي لو عايزة تتجوز هي كمان.. إحنا مش ممانعين.
قالت شروق هي الأخرى:
- انت زعلانة يافجر عشان هاتخطب قدامك.. لو عايزاني أأجل الموضوع ده أنا موافقة ياحبيبتي.. بس انتي ماتزعليش.
كانت تهز رأسها بعدم استيعاب وهي ترى حديثها أخذ منحى آخر غير الذي تقصده:
- ياجماعة افهموني.. أنا ماعنديش مانع من خطوبة شروق ولا عندي اعتراض حتى على العريس.. أنا بس مخنوقة من العيلة دي وحاسة إنهم فارضين نفسهم علينا بالعافية.
قال أبوها ببساطة:
- وافرضي زي ما بتقولي كده.. إيه اللي حاصل بقى؟ ماهم طالبين النسب يعني مش حاجة عيب ولا حرام.
حركت شفتيها تحاول إخراج جملة مفيدة تدعم موقفها أمام نظراتهم المترقبة ولكنها لم تجد.. فتحركت آليًا نحو الخارج قائلة باستسلام:
- أنا طالعة أشم هوا.
خرجت مغادرة بخطوات مسرعة ولم تنظر ولا تلتفت على صياحات أبيها الذي خرج خلفها.. فلم يستطع اللحاق بها ولا معرفة وجهتها.
عندما عاد إلى الغرفة متهدل الأكتاف بملامح ساكنة سألته فورًا زوجته:
- هي راحت فين ياشاكر.
- مش عارف.. أنا خرجت وراها بس ملحقتهاش.. هي البت دي مالها؟
قالت سميرة بتوجس:
- معقولة تكون زعلانة عشان هاتتخطب شروق قبلها؟ بس أنا عارفة بنتي فجر كويس لا يمكن تفكر في كده أبدًا.
قالت شروق وقد اختفت ملامح الفرح من وجهها:
- هي دائمًا بتكره علاء وعيلته ياماما.. معرفش إيه السبب؟
- طب وبعدين إحنا كده بقى نوافق ونراضي أختها ولا نرفض ونراضيها هي؟
سألها شاكر بحيرة فقالت زوجته بلهفة:
- نرفض دا ايه ياعنيا؟ هاتي يابت نمرة الحاج أدهم ولا أقولك هاتي تليفونك أدوس على رقم علاء أنا حافظاه من والدته.. هاتيه وأنا أكلمه.
***
بغرفته الحبيبة التي أصبحت مسكنه ومأواه من وقت أن تزوج أبيه وتركت والدته وأخيه البيت.. أصبح يقضي معظم أوقاته في العمل وحينما يعود على ميعاد النوم فقط.. فلا يأكل في البيت إلا قليلًا في حضور أبيه.. عدا ذلك فهو يطلب طعامه بداخل غرفته.. فلا يريد الجمع بينه وبين هذه المرأة حتى لو على مائدة طعام..
كان خارجًا من حمام غرفته ينشف شعر رأسه بمنشفة صغيرة حينما سمع طرق على باب غرفته وصوت أبيه يردد:
- حسين.. انت صاحي ولا نايم يابني؟
تحرك سريعًا يرتدي تيشيرت أبيض على جزعه العاري وهو يجيبه:
- أنا صاحي يابابا.. على طول هافتح اهو.
في ظرف ثواني كان عند باب الغرفة يفتحه لوالده متسائلًا بدهشة لزيارته؟
- في حاجة يابابا؟
تكلم أدهم برزانته المعتادة:
- انت هاتسيبني واقف كده على الباب؟ من غير ما تقولى اتفضل.
انزاح من أمامه مرددًا بحرج:
- أنا أسف يابابا معلش.. اتفضل طبعًا أكيد.
دلف أبيه ممشطًا بعينيه الغرفة قائلًا بمزاح:
- أيوه كده بقى خلينا ندخل عرينك ياأسد ونعرف مخبي إيه جواه يخليك تستغنى عن بقية البيت كله!
انتبه حسين لمزاح أبيه اللاذع فاستجاب بابتسامة هادئة:
- ماشي ياحج أدهم مقبولة منك.. بس انت عارف بقى إن أنا معظم الوقت مشغول.
بابتسامة ماكرة قال أدهم وهو يجلس على طرف التخت:
- ياراجل.. يعني لما تتجوز شروق بقى هاتفضل برضوا معظم الوقت بره البيت؟
ضحك باضطراب يشوبه الحياء قائلًا:
- إيه يابابا بس؟ على طول كده خليتها مراتي.. مش لما يوافقوا الأول على الخطوبة؟
- ماهم وافقوا.
- نعم!!
- نعم الله عليك ياحبيبي.. بقولك وافقوا.. انت أطرش يابني؟
هنا ازدادت ضحكاته صخبًا وفرحة قائلًا:
- جرا إيه يابابا الله؟ لسه مش مصدق ياعم.. دا بجد بقى مش هزار.
أجابه بابتسامة سعيدة لفرحه:
- لا صدق ياحبيبي.. والدها اتصل بيا حالًا وبلغني الموافقة.. وأنا اتفقت معاه إننا هانزورهم رسمي بعد خروج ابنهم من المستشفى على طول.
قال متبسمًا بامتنان:
- أنا متشكر قوي يابابا إنك اتصرفت بسرعة كده وطلبتها.. بصراحة طلبك في الوقت ده وبالسرعة دي وفر عليا كتير قوي.. المهم بقى أنا عايز دلوقتي أتصل أنا لازم أتصل على علاء أبلغه.
قال الأخيرة وهو يتناول هاتفه من على الكمود.. أوقفه أدهم قائلًا:
- لا ما أخوك عرف خلاص.. والدة البنت اتصلت عليه وبلغته بنفسها.
تنفس حسين بارتياح فقال:
- كويس قوي.
أجفله أدهم في طلبه:
- هاتسكن معايا ياحسين بعد الجواز ولا هاتخلف بوعدك؟
رغم ثقل ما يطلبه على نفسه ولكنه أومأ برأسه موافقًا لإرضائه.
- معاك يابابا إن شاء الله.
***
بخطواتٍ مثقلة تقدم ناحية القهوة الشعبية التي ضمتهم لفترة طويلة من الزمن.. وشهدت على أيام الفرح والحزن جلسات السمر والضحك.. ها هو جالس كعادته يدخن الأرجيلة وأمامه فنجان قهوته في انتظار ما سيخبره.. يبدو شاردًا من نظرته لنقطة بعيدة في الفراغ.. ترى بماذا يفكر؟
تنهد بعمق وهو يقترب منه يتمنى انتهاء هذه المهمة الثقيلة على قلبه في الحال..
أجفل سعد من شروده على أصوات الرجال حوله ممن يرددون التحية للمُعلم علاء ابن حارتهم وجارهم قبل أن يترك المنطقة مع والدته.. نهض عن مقعده فاتحًا ذراعيه للعناق الأخوي متبسمًا بأمل:
- حبيبي ياأبو الصحاب.. ازيك يامعلم.
بادله العناق الرجولي مجفلًا هو يرد له التحية.. قبل أن يجذبه سعد للجلوس قائلًا بلهفة:
- ها يامعلم طمني.. إيه الأخبار؟ أنا قاعد على نار من ساعة ماقولتلي في التليفون عايز أقابلك.
ها قد بدأنا.. يبدو أن سعد سيصعب عليه المهمة.. تحمحم يجلي حلقه فقال متهربًا:
- كده على طول! مش لما آخد نفسي الأول ولا أطلبلي حاجة أشربها حتى.
- قهوة مظبوط للمعلم علاء ياض ياحودة.
هتف بها سعد بعجالة نحو فتى القهوة قبل أن يلتفت إلى علاء متابعًا:
- وادينا طلبنالك حاجة تشربها.. اخلص بقى يالا ياعلاء قول اللي فيها.
قطب علاء بدهشة قائلًا:
- هو انت لدرجادي البت معلقة معاك؟ دا انت يدوبك شوفتها مرة ولا مرتين ياسعد!
قال متشدقًا:
- وافرض شوفتها مرة واحدة حتى ياأخي وعجبتني وطلبت اني اتجوزها.. فيها حاجة دي؟
- لا مافيهاش حاجة ياسعد.. بس أنا بصراحة مستغرب لهفتك دي وتسرعك في طلب إيدها؟
قال بتوتر:
- مستغرب ليه يعني؟ أنا أساسًا بقالي مدة بفكر وبجهز للجواز فلما شوفت البنت قلبي شاور عليها وقولت إن خير البر عاجله.. المهم بقى انت عملت إيه خلصني ياصاحبي وريح قلبي.
تنهد مطولًا وهو يجسر نفسه للرد فقال:
- شوف ياسعد أنا هاقولك اللي حصل بالظبط وانت تحكم بقى.
قال بقلق:
- هو أنا ليه حاسس إنك هاتصدمني ياعلاء؟ هي البت رفضت ولا أبوها هو اللي مرديش؟
نظر إليه صامتًا لبعض الوقت قبل أن يقول أخيرًا:
- أنا مش هاصدمك ياسعد أنا هاقول اللي حصل وبس.
ترك ذراع الأرجيلية بعنف على الطاولة الصغيرة قائلًا:
- وايه هو بقى اللي حصل؟
***
دلفت لداخل شقتهم فتفاجأت بعدة أكياس مغلفة.. لملابس بيتية ومنامات علقت على واجهتها صور لفتيات ترتديها بحرية وبالأعلى كتب بالخط العريض اسم ماركتها المحلية الرخيصة.. متناثرة على كنب الصالون بشكل فوضوي.. أزاحت مجموعة منها بيدها لتجلس وهي تهتف:
- ياماما.. انتي فين ياماما؟
خرجت لها سريعًا وهي تنشف يداها بمريلة المطبخ التي ترتديها.. فقالت:
- أيوه أيوة.. بتندهي بصوتك العالي كده ليه؟ خضيتي الجيران.
لوحت بيدها حولها قائلة بضيق:
- بنده عشان أشوف البلاوي دي.. إيه ده ياماما؟ هو انت نويتي تفتحي محل قمصان نوم وعبايات بيتي؟
- هاها ظريفة أوي.. حقيقي ضحكتيني.
قالتها بسخرية وهي تخطو لتلملمهم بيدها وتابعت:
- دول هدايا يا عينيا؟
- هدايا لمين؟
- هدايا لمرات خالك عيد وبنتها العروسة؟
صاحت عليها صارخة:
- كل دول هدايا.. ليه ياأمي؟ هو انتي غنية أوي لدرجادي؟
اعتدلت رجاء تجلس أمامها بعد أن وضعتهم جميعًا على المنضدة الصغيرة فقالت بضيق:
- مش كلهم يامنيلة.. هي أساسًا كانت موصياني عليهم.. عشان البلد هنا أرخص والحاجات كتير واحلى.. وأنا بقى جبتلها كام واحد من نفسي.
تمتمت بحنق:
- اممم.. ماشي ياماما.. ربنا يهني سعيد بسعيدة.
- وانتي بقى فين هديتك؟
قالت بتهكم ردًا على سؤالها:
- نعم!! هدية مين يا حبيبتي وأنا مالي أصلًا؟
- انت مالك دا إيه؟ أمّال هاتروحي معايا بأيد فاضية؟
فغرت فاهاها وتدلى فكها بشكل فكاهي وهي تومئ بيدها في الهواء وتوشك على الإصابة بصدمة عصبية:
- تاني ياماما.. تاني برضوا.. مُصرة إنك تاخديني معاكي الزفت البلد رغم كل اعتراضي ده.. أنا قايمة وسيبالك.
نهضت على الفور تاركة والدتها في الصالة وحدها والتي همست بتوعد:
- ماشي ياسحر.. إن ما كنت خليتك تيجي معايا مبقاش أنا رجاء.
***
- نعم!!
قالها بحدة وهو ينهض عن مقعده بعنف لدرجة أجفلت من حوله من الرجال واثارت استياء علاء الذي خاطبه بحزم:
- اقعد ياسعد بلاش فضايح.. الرجالة حواليك أخدت بالها.
تابع الآخر دون أن يبالي:
- وما ياخدوا بالهم ولا يتفلقوا حتى.. هو انت يهمكم حد في الدنيا غير مصلحتكم.
نهض علاء واقفًا ليساويه في الطول بل ليُظهر الفرق الشاسع بين جسده الضخم الطويل وجسد الآخر المتوسط والهزيل..
قال علاء بتحذير:
- تقصد إيه بكلامك ياسعد إننا مايهمناش غير مصلحتنا؟
هتف سعد أمام نظرات الرجال الذين ارتكزت أبصارهم عليهم:
- قصدي انت عارفه كويس ياعلاء.. أفهم إيه أنا بقى لما أكلمك عن واحدة جارتك تخطبهالي.. وتيجي انت تاني يوم تقولي أخوك اتقدم لها كمان.. لا وأبوها قال خيرها ما بيني وبينه؟ والبنت بقى اختارته هو.. ماهو طبيعي إنها تختاره.. ابن الحاج أدهم المصري ومعاه شركة سياحة دا غير شكله اللي عامل زي الخواجات.. هايروح فين سعد الغلبان فيكم يا عم.
ضيق عينيه وهو يهز برأسه يستوعب:
- انت واخد بالك من نفسك ياسعد؟ ولا واخد بالك من كلامك ده؟ خلي بالك.. كلامك ده هايتحسب عليك.. أنا مازلت لحد الآن بتصرف معاك بأدب ومراعي موقفك.. رغم إني مستغربه جدًا صراحة.. الهوليلة الكبيرة دي على بنت شايفها يدوبك مرتين بالعافية أمّال لو كانت حب عمرك كنت عملت إيه يعني؟ وعلى فكرة بقى.. أخويا هو اللي اتقدم الأول ومكانش يعرف نيتك منها.. وكون البنت اختارته فده مش ذنب يتعلق بيه.. أما انت بقى لو شايف معاك حق وعايز تكبر الموضوع كبره براحتك.. دا لو معاك حق أصلًا!
صمت وصمت الآخر وظلت فقط حرب النظرات قبل أن يتملك اليأس علاء فقال مغادرًا:
- أنا شايف إن ملوش فايدة القعاد وحتى القهوة اشربها انت.. سلام بقى ياصاحبي.
تحرك من أمامه وذهب أمام عينيه التي كانت تشتعل بنيران الحقد وكلماته تتردد برأسه (أما لو كانت حب عمرك كنت عملت إيه؟)
تدخل أحد الرجال قائلًا:
- هو مين فيهم اللي غلط فيك ياسعد؟ المعلم أدهم ولا أخوه؟
قال الآخر:
- تلاقي بس في سوء تفاهم مابينهم.. المعلم أدهم مايهونش عليه زعل صاحبه وحسين ربنا مكمله أخلاق وأدب.
- بسس!!!
قالها بحدة فتوقفت الألسنة عن الكلام قبل أن يتابع:
- اللي بيني وبين عيال أدهم المصري.. ماحدش له دعوة بيه.
تحرك بعدها مغادرًا القهوة وهو يخرج من جيب سترته الهاتف ليهاتف رقم إحداهن وقد مر وقت طويل على آخر مكالمة بينهم.. انتظرها لحظات حتى أجابت أخيرًا هامسة بغير تصديق:
- سعد!! بتتصل بيه ليه؟
قال بحدة وقد ابتعد بمساحة كافية عن أعين رجال القهوة المتلصصة:
- عايزك.
- نعم!
- إيه ياعين خالتك؟ هي أول مرة؟
قالت برجاء:
- لا مش أول مرة يا سعد.. بس أنا دلوقتي ست متجوزة وانت وعدتني إنك هاتسيبني في حالي وتشوف نفسك.
- ورجعت في كلامي ياستي.. تيجي حالًا ياروح أفضحك قدام جوزك وأخربها عليكي.
- يامصيبتي يامصيبتي.. انت جرالك إيه النهاردة بس؟ جوزي في البيت مقدرش أخرج.. ماتخربش عليا حرام عليك.
قال بلهجة أخف حدة:
- تمام.. يبقى تجيني بكرة على مكاننا القديم وقت جوزك مايكون في شغله.. أظن كده معندكش حجة بقى.. ماشي ياحلوة.
وصله صوتها بهمس منكسر:
- ماشي.
أغلق في وجهها الهاتف ومازالت كلمات علاء تتردد في عقله حتى تمتم هو مع نفسه:
- حب عمري!! ما انتوا السبب في ضياع حب عمري!!
***
على حائط السور الرخامي لدرج المبنى الخلفي المؤدي للحديقة الداخلية بالمستشفى استندت برأسها تبكي وتذرف دمعتها.. مستغلة خلو هذا المكان من المرضى أو الزائرين.. شعور بالقهر تغلغل داخل أعماقها.. تريد الصراخ اعتراضًا عما يجول بصدرها.. فكيف السبيل لنجاتها من هذا الغزو الذي حاصرها وسيطر على عقول جميع أفراد عائلتها؟.. عاجزة عن صدهِ.. فلو تكلمت الآن لجرحت أعز أحبابها في سمعتها وهي التي استأمنتها على سرها رغم صغر سنوات عمرها.. فكيف السبيل أو الحل؟ وهي التي ظنت أنها تناست ما حدث مع مرور عدة سنوات..
- آآآه.
خرجت بألم من أعمق أعماقها لتسمع همسًا أجشًا خلفها يقول:
- ياه.. لدرجادي انتي تعبانة وحزينة؟
شهقت منتفضة وهي تستدير على مصدر الصوت.. فوجدته بهيئته المهيبة مستندًا بكتفه على نفس الحائط الرخامي.
هتفت فيه وهي تمسح بعنف يدها الدموع العالقة على وجنتيها غير مبالية بمركزه:
- انت إيه يابني آدم انت؟ مترصد ولا مجنون عشان تعمل حركات العيال دي وتوقف تخضني في مكان خالي زي ده؟
مط بشفتيه قائلًا ببساطة:
- أنا أقف في المكان اللي يريحني.. المكان مكاني والمستشفى ملكي أبًا عن جد.
أومأت برأسها قائلة بفظاظة:
- يعني إنسان صايع ومدلع.. والده عينه مدير لمستشفى كبيرة ومهمة زي دي.. بس عشان يسلي بيها وقته بدل ما يقعد فاضي من غير شغلانة.
تبسم رغمًا حنقه من حدة لسانها.. فقال بهدوء:
- أولًا أنا مش إنسان صايع ولا مدلع.. أنا دارس وأخدت شهادات مهمة من أعظم الكليات في لندن.. ثانيًا بقى أنا مكنتش واقف عشان أخضك.. أنا بس لمحت شبح واقف في المكان الفاضي ده وقولت أشوف وأطمن.. كوني إني وقفت شوية خلفك من غير ما أتحرك ولا أنبهك فدا لأني اتعاطفت معاكي لما لقيتك بتعيطي بحرقة.
زمت شفتيها بخط قاسٍ وهي تحاول جاهدة السيطرة على رجفة الألم بداخلها فاستدارت عنه تعطيه ظهرها قائلة بصوتٍ خارج بصعوبة:
- طيب ممكن بقى تسيبني في حالي وتحتفظ بالتعاطف ده لأي حد غيري تاني.
تقدم بخطواته ليقف أمامها مباشرة واضعًا يديه داخل جيبي بنطاله ينظر لها بتحدي قائلًا:
- على فكرة الدموع مش حاجة عيب عشان تتكسفي منها وتداريها عن أقرب الناس ليكي.
رفعت وجهها الذي أغرقته الدموع قائلة بانهيار:
- ياأخي ما تسيبني في حالي بقى وشوفلك حاجة تاني تتسلى بيها.
- إيه علاقة علاء المصري بيكم؟
باغتها بسؤاله فتجمد وجهها لعدة لحظات وهي ناظرة إليه فاغرة فمها بعجز.. قبل أن تجد صوتها أخيرًا فقالت:
- هو انت إيه حكايتك مع علاء المصري؟ وليه مُصر تعرف علاقتنا بيه؟ هو انت مين بالظبط؟
تنهد من أعماقه وهو ينظر بعيدًا عنها فقال:
- إن كان على حكايتي مع علاء فدي ليها تاريخ انتهى من سنين.. وليه مُصر إني أعرف علاقتكم بيه؟.. فدي ليه سبب وجيه أوي عندي.. الشبه الغريب!
- شبه إيه بالظبط؟
احتدت عيناه واكتسى وجهه بالغضب فقال:
- تقربلكوا إيه فاتن؟
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل الثامن 8 - بقلم امل نصر
كان سؤاله الذي نبه كل إشارات الحذر لديها.
جعلها تنتصب في وقفتها، فتوقف تدفق دمعتها وهي ناظرة إليه بشراسة، مع تحفز كل خلية بجسدها نحو هذا الغريب الذي اقتحم خلوتها عن عمد.
وها هو الآن يسألها بكل جرأة عن أشد أسرارها خطورة، هذا بالإضافة لسؤاله منذ البداية عن غريمها الأصلي علاء!
خرج صوتها المتشنج وهي تسأله بقوة:
- انت مين؟
لم تجفله هيئتها الجديدة، فقال بهدوء:
- أنا عصام الوالي، ابن الدكتور أكرم الوالي، مدير المستشفى اللي إحنا واقفين فيها دلوقتي.
هتفت بحدة:
- أنا مش عايزة أعرف اسمك، أنا عايزة أعرف... إنت إيه علاقتك بعلاء بالظبط؟ وتعرف فاتن وشبهنا إحنا بيها إزاي؟
مالت زاوية فمه بابتسامة ساخرة قبل أن يقول:
- إنتِ مش ملاحظة إنك بتكرري نفس سؤالي ليكي بس مع فرق الصيغة؟
برقت عيناها أكثر مع ارتجاف جسدها الغاضب، فقالت وهي تجز على أسنانها:
- اسمع يا جدع إنت، أنا ما عنديش مقدرة على تحمل برود أعصابك ده وإنت بتكلمني عن أعز إنسانة عندي، وكأنك كنت تعرفها هي شخصيًا! جاوب عليا وقولي إنت مين؟
خرج سؤالها الأخير بصرخة جعلته يتخلى قليلًا عن ثباته المستفز، فقال:
- أنا كنت صاحب علاء، وأعرفها هي زي ما كنت بعرف كل أهل الحارة عندهم. ده كان قبل ما تتقطع كل علاقتي بيه وأسافر على إنجلترا وأكمل تعليمي هناك.
- بس؟
شعرت بارتباكه الملحوظ بعد سؤالها المختصر بكلمة واحدة، في لغة جسده المتوترة وشحوب وجهه الوسيم، فقال:
- أظن أنا كده قلتلك على علاقتي بعلاء ومعرفتي بفاتن، جه الدور عليكي بقى عشان تقوليلي عن علاقتكم بيها.
ضيقت عيناها قليلًا وهي تنظر إليه بتفكير، وكأنها غير مقتنعة بإجابته أو تشك بقوة أنها ناقصة بحقائق مهمة.
خرج صوتها أخيرًا فقالت باقتضاب:
- سر الشبه الكبير ما بينها وبين أختي، هو إنها تبقى بنت عمتي.
تحركت فورًا لتستدير عنه، فأوقفها بسؤاله المتلهف:
- طيب هي فين دلوقتي؟ وإيه أخبارها؟
عادت مرة أخرى تحدق بعينيها إلى عينيه ذات اللون البني الفاتح، فقالت:
- ما عادتش في أخبار عنها خلاص، فاتن ميتة بقالها سنين كتير، ميتة من يجي 11 سنة.
هل هذه صدمة التي ظهرت جلية بشكل مخيف على ملامح الرجل، أم أنه تأثر بخبر موتها؟
لم تريد معرفة الإجابة، فقد استدارت مغادرة وتركته متسمرًا مكانه وكأنه تمثال حجري لا تبدو عليه أية مظاهر للحياة.
***
حينما عاد إلى منزله وفتح الباب ليدلف داخله.
خطى بهدوء متعمدًا عدم إصدار صوت حتى لا يوقظ والدته، فترهقه بأسئلتها وهو لم يعد به طاقة، فيكفيه ما تلقاه من سعد منذ قليل.
تمشى بهدوء حتى وصل لباب غرفته، فاتفاجأ بصوتها يهتف من خلفه:
- إنت جيت من إمتى يا علاء؟
تدلت أكتافه بإحباط وأغمض عيناه قليلًا قبل أن يغتصب ابتسامة على وجهه وهو يلتفت لوالدته الجميلة.
التي تقدمت نحوه بابتسامة غابت عنها طويلًا ووجه مشرق وكأنها عادت بالزمن سنوات للخلف، فقالت بمشاكسة:
- ماشي كده بتتسحب وداخل على أوضتك على طول؟ هربان من حاجة يا ولا؟
مال بوجهه ينظر إلى حيويتها وهي تسير بخطواتها المتعثرة قليلًا، فقال:
- إيه يا قمر إنتِ؟ عيني باردة عليكي النهاردة.
فور أن اقتربت منه جذبته من ياقة قميصه، تطبع قبلة حنونة على وجنته.
فقالت بتمني:
- عقبالك إنت كمان يا حبيبي.
ارتفع حاجباه فقال بمرح:
- إيه ده؟ هو لحق يقولك؟ أما صحيح، اللي يتبل ما يتبلش في بقه فول.
لكزته على ذراعه بقبضتها الضعيفة بعتاب:
- بس يا ولا، ماتقولش كده على أخوك، ده فرحان والفرحة مش سايعاه، بعد ما اختار اللي شاور عليها قلبه، اتاريها كانت منمرة عليها وعاملة فيها ساهي، مش زيك خايب.
خرجت ضحكته بدهشة:
- أنا خايب برضه يا أم علاء؟ طب ليه الغلط ده بس؟ ده أنا حتى حبيبك.
- أيوه إنت حبيبي بس خايب برضه، عشان أنا عايزة أفرح بيك وأشيل عيالك وإنت ولا سائل، هاتعرف تعمل كده بقى زي أخوك؟ اللي عملهالي مفاجأة وخلت قلبي كان هايوقف من الفرحة.
قال بحنان وخوف:
- بعد الشر عليكي وعلى قلبك يا ست الكل، إن شاء الله أنا كمان أفرحك زيه.
قالت بإلحاح:
- طب أوعدني يكون قريب.
تبسم بمرح من دلال والدته، فقال برجاء:
- بس إنتِ ادعيلي من قلبك والنبي.
- داعيالك يا حبيبي من كل قلبي تاخد اللي في بالك، وتحبها وتحبك.
بعد سماعه لهذه الدعوة الجميلة، دنا بجسده إليها لينعم بحضنها الأمومي، وقد أسعده مقصد الدعوة كثيرًا، كثيرًا جدًا.
***
في اليوم التالي.
كان موعد عودة إبراهيم إلى منزله، بعد أن اطمئن الأطباء على استقرار حالته، فصرحوا له بالخروج.
ذهب شاكر مع علاء الذي أصر لإيصاله والعودة بإبراهيم داخل سيارته الفارهة، حتى أنه تولى مهمة حمله، صاعدًا به درجات السلم إلى شقتهم.
كانت شروق هي من استقبلتهم بابتسامتها المعهودة، مخيبة ظن علاء الذي كان يُمني نفسه برؤية شقيقتها.
دلف بإبراهيم إلى داخل الشقة حتى وصل غرفته، فوضعه بخفة وحرص شديد على سريره.
- بسس كويس أوي كده، ربنا يحرسك لشبابك يا حبيبي. تعبناك معانا.
استقام بجسده وهو يرفع نفسه، فقال بمزاح ردًا على كلمات سميرة:
- على إيه بس يا خالتي؟ ده حتى إبراهيم خفيف في الشيلة ومش تقيل يعني.
رد عليه إبراهيم بمشاكسة:
- طبعًا يا عم، وإبراهيم هايجي إيه بس في شيل الأوزان الثقيلة اللي بتربي بيها عضلاتك.
- يا ولد.. وإنت بقى مركز وواخد بالك؟
- وهي محتاجة تركيز يا معلم علاء؟ دول بارزين من الهدوم لوحدهم وكأنهم بيعلنوا على نفسهم.
ضحك ثلاثتهم، فانضم إليهم شاكر الذي دلف متسائلًا:
- إيه يا جماعة بتضحكوا على إيه؟
- ولا حاجة يا عم شاكر، أصل إبراهيم بيقرأ على عضلاتي.
- بيقرأ ليه بس؟ بكرة يكبر ويربي أحسن منهم.
قالتها زهيرة وهي تدلف فجأة إليهم لداخل الغرفة.
تقدمت نحوها سميرة، هاتفة بمودة:
- أم علاء.. تعبتي نفسك ليه بس وجيتي؟
بادلتها المصافحة قبل أن تقترب من إبراهيم قائلة:
- تعبت إيه بس ياختي؟ ده أنا كان نفسي أروح المستشفى وأطمن عليه بنفسي.
- وأنا اللي مانعتها، ماتزعلوش مني يا جماعة، إنتوا عارفين اللي فيها.
قالت سميرة:
- ونزعل ليه بس يا بني؟ ربنا يشفي عنها يا رب، هي حمل خروج ولا تعب، وإحنا أهل وحبايب ما بينا بعضينا، يعني ماندوقش.
قالت زهيرة بابتسامة راضية:
- تعيشي يا حبيبتي وتسلميلي. وإنت بقى يا عريسنا الحلو.. عامل إيه النهارده؟
وجهت الأخيرة لإبراهيم الذي بادلها الابتسامة في قوله:
- الحمد لله أحسن من الأول يا خالتي.
- الحمد لله يا حبيبي.. أمال فين البنات أخواتك حبايب قلبي دول؟ عايزة أسلم عليهم يا سميرة.
***
دلت مقتحمة الغرفة عليهم هاتفة بانزعاج:
- إيه يا عنيا إنت وهي؟ لازقين في الأوضة كده ليه ومستخبيين؟
ردت شروق التي كانت تمشط شعرها أمام المرآة:
- أنا مش لازقة ولا حاجة يا ماما.. أنا بس بوضب نفسي على الخفيف كده عشان ما أطلعش بشعري منعكش ولا لابسة حاجة مش تمام.. دي مهما كان برضه هتبقى إن شاء الله حمى المستقبل، والواحد لازم يخلي باله.
- آه ياختي عندك حق.. طب وإنتي يابرنسيسة.. مش ناوية تخرجي برضه وتسلمي على الست؟
قالت الأخيرة لفجر التي كانت تلعب في هاتفها.
فردت بعدم اكتراث:
- وأخرج لها أنا ليه؟ طب دي هتبقى حماتها.. أنا بقى إيه دخلي؟
تغضن وجه سميرة بالغضب وهي تهتف على فجر بصرامة:
- فجر.. إنتي مش شايفة إنك مزوداها؟ هو فيه إيه بالظبط؟
أجفلت فجر من هيئة والدته المتحولة، فقالت بتوتر وهي تترك الهاتف سريعًا من يدها وتنهض عن مقعدها:
- هايكون فيه إيه بس يا ماما؟ أنا بس مخنوقة ومش عايزة أخرج ولا أشوف حد.
قالت سميرة بحزم:
- اسمعي أما أقولك يا بنت.. إنتِ لما كنتي رافضة تروحي للست بيتها في تعبها أو حتى تباركيلها على المحل الجديد.. أنا ما غصبتكيش. لكنها بقى مدام الست وصلت هنا بيتنا.. يبقى ملزوم عليكي تخرجي وترحبي بيها، مفهوم؟
قالت تجادلها:
- طب ده بالنسبة للست.. لكن بقى اللي اسمه علاء ابنها ده كمان.. أنا بصراحة مش طايقاه.
- وإنت مالك بعلاء؟ تحبيه تكرهيه إنت حرة مع نفسك.. لكن بقى يا حبيبتي.. الأصول لازم تمشي.. واجب الضيافة لازم يمشي.. يعني مش كل حاجة على مزاجك.. سامعاني كويس؟
أومأت برأسها دون أن تنطق بكلمة.
فالتفتت والدتها نحو شروق قائلة:
- وإنتي كمان.. اخلصي في لبسك واستعجلي في الخروج.. جاتكم القرف.
بصقت كلماتها وخرجت تصفق الباب خلفها بقوة على الفتاتين.
***
بعد قليل خرجت مضطرة إليهم في صالة المنزل.
كانوا جالسين والدتها على مقعد وحدها، وعلى الأريكة أمامها كانت المرأة البيضاء ذات العيون الملونة بجوار شروق التي سبقت في الخروج إليهم.
تداعبها وتتحدث معها بفرح.
وفي الجهة الأخرى كان أبوها والمدعو علاء، الذي ارتفعت عيناه إليها فور خروجها من الغرفة.
جالسان على أريكة وحدهم.
حينما اقتربت منهم رحبت برزانة:
- السلام عليكم.
لم تعِ جيدًا من رد خلفها التحية، وذلك لأن المرأة وقفت إليها تستقبلها بفرح وهي تجذبها من يدها بتبسط:
- يا حبيبة قلبي إنتِ أخيرًا شوفتك.
استسلمت مجفلة لقبلات المرأة على وجنتيها وعناقها لها.
هزت برأسها تستجيب على مضض مع المرأة التي كانت تتفحصها جيدًا عن قرب بعينيها:
- بسم الله ما شاء عليكي.. ده إنتِ قمر إنتِ كمان.. أنا المرة اللي فاتت كنت تعبانة وملحقتش أتحقق من جمالك يا حبيبتي.
أومأت برأسها وهي تنزع نفسها عن المرأة بلطف قائلة:
- شكرًا يا طنط.. شكرًا على ذوقك.
- بتشكريني على إيه بس يا حبيبتي.
همت لتغير وجهتها في السير، ولكن نبرة والدتها وهي تأمرها أمامهم بنظرات محذرة فهمتها وحدها:
- سلمي على علاء يا فجر.
تمتمت تشتم بداخلها وهي تتقدم نحوه.
وقد نهض عن مقعده واقفًا باحترام ليصافحها.
حينما أطبقت كفه الدافئة كفها الصغيرة والباردة، كانت تنوي انتزاعها في الحال، ولكنه أجفلها بضغطه الخفيف عليها لترفع عيناها إليه ناظرة لعينيه بتساؤل.
قال هو بصوت أجش وقد غابت عن وجهه التسلية المعتادة وحل محلها مشاعر أخرى غامضة عليها:
- دي أول مرة نتعرف بجد.. أنا تشرفت بيكي يا آنسة فجر.
أومأت بعينيها وهي تنزع يدها لتستدير وتعود لغرفتها، ولكنها أجفلت مرة ثانية عندما جذبتها والدته لتجلسها بجوارها من الناحية الأخرى، فتحيط الاثنتين بذراعيها.
- اقعدي يا حبيبتي هنا معايا زي أختك.. ربنا يفرحني بيكي إنتِ كمان عن قريب يا رب.
حينما رفعت عيناه فجر ولمحت نظرة زهيرة وهي تنتقل بحالمية منها وإلى ابنها المبتسم أمامها، عرفت ما يدور بعقل المرأة جيدًا!!
***
بملامح متجهمة وقفت أمام المرآة تعدل وشاحها الحريري لتغطي به شعرها بعد أن ارتدت عباءتها السوداء الغالية.
رمشت عيناها مجفلة من صوته الذي صدح خلفها فجأة وهو خارج من حمام غرفته.
- إيه يا حلوة؟ إنتِ لحقتي تغيري وماشية؟
زمت شفتيها امتعاضًا ولم ينطق لسانها بكلمة.
مال إليها برأسه فقال بخشونة:
- ما بترديش ليه يا بت؟ القطة أكلت لسانك؟
التفت إليه بنيرانها فخرج صوتها الحانق:
- إنت مش خدت اللي إنت عايزه خلاص.. عايز مني إيه تاني بقى؟
أمسك ذراعها فجأة فباغتها أن لفه خلف ظهرها.
وقال وهو يجز على أسنانه:
- حِسِك ده ما يعلاش عليا يا عين أمك.. ولا إنتِ العيشة المريحة ولا الأكل الحلو نسوكي نفسك ونسوكي إن أنا السبب في ده كله.
قالت بألم:
- سيبِ إيدي يا سعد أنا ما غلطتش فيك.. عشان تذلني وتكسر نفسي كده.
ضغط أكثر ليزيد من ألمها ونبرته ازدادت حدة:
- ما قلتليش بلسانك.. لكن أنا حسيتها بفعلِك وإنتي قرفانة من لمستي.. وبتعدي الثواني عشان تهربي من خلقتي.. ولا إنتِ فاكراني ما بفهمش طريقتك دي يا بت.
قالت برجاء مع هذا الألم المتزايد:
- حرام عليك يا سعد دراعي هاينكسر في إيدك.
تركها فجأة فارتدت للخلف تدلك ذراعها وهي تتابع:
- إنت ليه مش حاسس بالوضع اللي بقيت فيه دلوقتي؟ أنا ما عدتش فاضية زي الأول.. أنا بقيت ست متجوزة.
ابتسم بزاوية فمه قائلًا بسخرية وهو يتقدم ليجلس على التخت:
- فرقتي إيه يعني عن الأول؟ بقيتي محترمة مثلًا؟
ارتسم الألم جليًا على وجهها وهي تكبح بصعوبة دمعة احتجزت داخل مقلتيها.
فقالت:
- إنت مش ملاحظ إنك مصمم على جرحي من أول ما جيت؟ وكأنك بتنتقم مني في ذنب أنا ما عملتوش.
أشاح بوجهه عنها وهو يتناول سيجارة من علبته ويضعها في فمه ليشعلها بقداحته بعد أن شعر بنصل كلماتها وقد أصابه في الصميم.
ظلت صامتة تنظر إليه وهو ينفخ دخان سيجارته في الهواء أمامه.
فقالت:
- شكلي كده قلت الحقيقة.. عشان تعرف بس إني فاهماك كويس.
نظر إليها بازدراء قائلًا:
- إنتِ مش كنتي عايزة تمشي.. ما تجري عجلك بقى واخلصي.. مستنية إيه؟
تحركت بتمهل تتناول حقيبتها وتتحرك للخروج، وفور أن وضعت يدها على مقبض الباب.
أوقفها قائلًا:
- استني عندك.
التفتت إليه بكليتها مجيبة:
- نعم عايز إيه؟
- حسين ابن جوزك.. خطب البت جارة أخوه علاء ولا لسه؟
أجابته رغم دهشتها:
- بكرة إن شاء الله رايحين يتقدموا رسمي ويتفقوا على حفلة خطوبة قريب.
شاح بوجهه يصرفها من تحت أسنانه:
- خلاص غوري.
لوت شفتيها قائلة بتهكم:
- يا ريت بس نظرة القرف اللي شايفاها في عينك دي.. تمنعك ما تتصل بيا تاني ولا تطلبني أجلك غصب عني.. حل عني بقى يا أخي عايزة أعيش.
تمتمت الأخيرة بصوت بطيء وهي تفتح الباب فخرجت من الغرفة والشقة نهائيًا.
تاركة إياه ينظر في أثرها عاقد الحاجبين بملامح غاضبة لا تنبئ بخير.
***
في المساء وبداخل غرفتها كانت جالسة على التخت مع صديقتها العزيزة سحر، والتي كانت تضحك دون توقف.
أثارت استياء فجر وهي تهتف عليها:
- ما كفاياكي بقى يا سحر.. إنتِ مش ناوية توقفي في يومك ده النهارده؟
- هههههه مش قادرة أتخيل منظرِك يا فجر وإنتي زي الفار المبلول وسطهم.. أمك تبحلقلك من ناحية والست وابنها يرسموا عليكي من ناحية.
صاحت بها فاقدة التحكم:
- ده بعيونهم دول كمان.. قال يرسموا عليا قال.
توقفت ضحكها وهي تغمز بعينيها بمشاكسة:
- بس الواد حلو أوي يا فيفي.. ويستاهل التفكير بصراحة.
هبت ناهضة عن الفراش قائلة بغضب:
- الكلام ده ما فيهوش هزار يا سحر.. ماتخلينيش أزعل منك.. مش كفاية الحصار اللي بقيت حاسة بيه منهم.. وهما فارضين نفسهم علينا بالعافية وكأنهم بقوا جزء من عيلتي.
قالت سحر بيأس:
- للأسف يا فيفي هما فعلًا بقوا جزء من عيلتك من ساعة ما والدك وافق بالنسب معاهم.
- إلا أنا.
قالتها بمقاطعة وتابعت:
- مهما حصل يا سحر.. أنا لا يمكن أستسلم للناس دي وأنسى اللي أذوني في أعز واحدة كانت على قلبي.. لا يمكن هانسى عذابها قبل ما تسيب الدنيا خالص وتموت بسببهم. لا يمكن.
قالت سحر مغيرة دفة الحديث لتخرج صديقتها من دوامة ذكريات لجروح قديمة لم تشفِ منها أبدًا رغم مرور السنوات.
- صحيح يا بت فجر.. كان شكله إيه الراجل ده اللي قلتي عليه امبارح؟
- راجل إيه؟
- الراجل مدير المستشفى.. إنتي نسيتيه؟
همت لتجيب ولكنها أجفلت على صياح والدتها وهي تهتف عليها:
- بت يا فجر.. تعالي هنا بره الأوضة عايزاكي.. اسحبي معاكي مقصوفة الرقبة سحر وهاتيها.
شهقت سحر مندهشة:
- أنا مقصوفة رقبة!
- اخلصي يا بت.. تعالي إنتِ وهي.
- يانهار أسود.. هببتي إيه يا سحر؟ دي أمي عمرها ما عملتها.
نهضت عن التخت متمتمة:
- والنعمة ما عملت حاجة.. يكونش زعلت عشان سيبت أمي معاها لوحدها!
***
حينما خرجت الاثنتان للصالة القريبة.
وجدن سميرة جالسة على إحدى المقاعد وعيناها المشتعلة مسلطة عليهم تطلق شرارات حارقة بوجههم.
بجوارها كانت رجاء حاجبة وجهها بين كفيها وجسدها يهتز كأنها تبكي بحرقة.
- هو فيه إيه؟ ومالها خالتي رجاء؟
كان سؤال فجر التي تجاهلتها والدتها وهي تطلق سهامها تجاه سحر مباشرة:
- مش موافقة تراضي أمك ليه يا بت؟
أجابت سحر بإجفال:
- ها.. أنا يا خالتي سميرة؟
- أيوه إنتِ.. يعني عشان مدرسة وكلمتك ماشية يبقى بقى تتكبري بقى على والدتك وما ترضيهاش في حاجة تافهة زي دي.
تابعت تنظر ببلاهة لوالدتها التي كانت تجفف دمعتها بمحرمة ورقية وسميرة التي أكملت بغيظ:
- بت يا سحر.. إنتِ زيك عندي زي الزفتة اللي واقفة جمبك دي. يبقى كلمتي أنا تمشي عليكي ولا لأ.
هزت برأسها بحركة غير مفهومة وهي تمتم:
- أكيد تمشي يا خالتي سميرة.. بس أنا مش فاهمة حاجة.
صاحت عليها بحزم:
- عنك ما فهمتي.. إنتِ تروحي البيت مع أمك دلوقتي تحضري هدومك وبكرة الصبح تسافري معاها على البلد عدل.. سامعاني.. ولا إنت عشان أمك غلبانة هاتحطي عليها؟
تلجم لسانها عن معارضة سميرة وهي تحدق بوالدتها التي تنظر إليها ببرائة.
فهمست بداخلها وهي تعض على لسانها غيظًا:
- بقى دي غلبانة دي؟!
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل التاسع 9 - بقلم امل نصر
بخطواتٍ مثقلة وذهنٍ مشتت تخطت الباب الخارجي للمدرسة. لا تتمنى العودة للمنزل الذي هي واثقة تمام الثقة الآن أنه أصبح خلية نحل تعُج بالأهل والأقارب والجيران وهن يتضافرن مع والدتها لمساعدتها والتهنئة لحفل الخطوبة الذي تقرر إقامته فوق سطح المنزل.
لقد تمكنت من الخروج صباحًا بأعجوبة، متحججة بوضع طارئ في المدرسة لا تستطيع الإفلات منه أو التغيب عنه. فهي أرادت الخروج وبشدة لتتنفس هواءً آخر، بعيدًا عن محيط هذا الرجل الذي توغل بخبثه داخل عقول أفراد أسرتها.
أسبوع كامل مر على خروج إبراهيم من المشفى وهذا الرجل يأتي يوميًا للإطمئنان عليه ومداعبته. فتعلق به الطفل الصغير كما تعلق به من قبل أبيها ووالدتها. كما تعلقت به شقيقتها شروق الذي اعتبرته أخيها من وقت أن قُرأت فاتحتها على أخيه حسين، وكأنها كانت تنتظره طويلًا ليقوم معها بدور الشقيق الأكبر.
فاندجت الأسرتان بكمياء نادرة وأصبحت الشقتان مفتوحتان أمام بعضهم وكأنهم عائلة واحدة. لم يتبقى لها في المنزل سوى غرفتها المحصنة عنه وعن والدته التي كلما رأتها لمحت لها بسذاجة وكأنها لا تفهم ما يدور بعقل المرأة.
كل ما تمر به الآن فوق طاقتها وفوق احتمالها. حتى صديقتها الغالية سحر التي كانت تلجأ لها معظم الأوقات فتستطيع بذكائها وخفة ظلها أن تخفف عنها وتُدخل السرور بقلبها، ابتعدت هي الأخرى عنها مضطرة في رحلة سفر مع والدتها لبلدتهم لحضور حفل زفاف إحدى أقاربهم ولم تعد حتى الآن.
تنفست بعمق وهي تعتلي الرصيف المؤدي لموقف الباصات حتى تستقل إحداهم. فلا داعي للهروب أكثر من ذلك والتنصل من واجباتها تجاه أسرتها وشقيقتها في مناسبة هامة كهذه.
تباطئت خطواتها حينما لفت نظرها وقوف هذه السيارة الرياضية باهظة الثمن بجانب الرصيف وبمنطقة كهذه تبدو السيارة غريبة عن المكان وسكانه والمدرسة الحكومية أيضًا. قدمت بخطواتها تتخطاها دون أن ترفع عيناها ناحية السائق ولكنها توقفت مجفلة حينما سمعت من يهتف باسمها من الخلف عن قرب.
استدارت إليه فوجدته هو نفسه هذا الغريب مدير المشفى الذي رأته سابقًا فسألها بكل جرأة عن فاتن. وقد ترجل من السيارة بأناقة تليق به وبمكانته.
فقال بتردد:
"اا ممكن كلمتين لو سمحتي يا آنسة فجر؟"
ظلت صامتة لبعض اللحظات مبهوتة لا تستوعب مطلبه. فخطا يقترب منها قليلًا يكرر:
"آسف لو خضيتك أو افتكرتيني مجنون.. بس أنا بجد محتاج أتكلم معاكي ضروري."
خرج صوتها المندهش تلوح أمامه بكفها:
"تتكلم معايا في إيه بالظبط؟ أنا بيني وبينك إيه عشان يبقى في ما بينا كلام ضروري؟"
"أنا عارف إن مافيش بينا حاجة.. بس أنا غايب بقالي سنين طويلة عن البلد وكان يهمني أعرف منك.. اللي مقدرش أسأل حد غيرك عنه. أرجوكي اركبي معايا وأنا أوعدك مش هاخد من وقتك كتير."
برقت عيناها وهتفت بحدة:
"أركب معاك فين؟ أنت اتجننت؟ أعرفك منين أنا عشان أخرج معاك وأكلمك عن اللي فاتك في سنين غربتك بعيد عن البلد."
تكلم بمهادنة وقد كان حديثه يبدو كرجاء:
"أنا آسف حقيقي بجد.. بس لو مش عايزة تركبي معايا خلاص ممكن ندخل الكافيه اللي موجود هناك ده آخر الشارع.. بس أرجوكي ماتكسفنيش.. أنا مافيش قدامي غيرك وانتي إنسانة واعية جدًا لتصرفات البني آدم اللي بيكلمك.. إن كان كويس ولا وحش."
بصرت بعينيها إلى الكافيه الذي لوح إليه بكف يده ناحيته. فعادت تنظر إلى وجهه جيدًا فوجدته شاحبًا وعيناه حمروان وكأنها لم تذق طعم النوم منذ عدة ليال. تعجبت لحال هذا الرجل الغريب وتصرفاته الأغرب معها. فوجدت نفسها تخبره ببعض الطف:
"أنا أساسًا متأخرة على خطوبة أختي.. يعني مش فاضية للخروج ولا الكلام أصلًا."
طرق بعينيه أرضًا بخيبة أمل قبل أن يرفعها ثانية إليها فقال:
"طب ممكن نخلي اللقاء يبقى في يوم تاني؟"
خرج ردها بسؤال:
"طيب ممكن أنت بالظبط تفهمني؟ عرفت توصل لي إزاي؟ ولا عرفت تجيب عنوان مدرستي اللي بشتغل فيها منين؟"
هز اكتفاه يجيب بسهولة:
"عادي.. سألت عنك وعرفت!"
..................................
حينما عادت إلى منزلها، كما توقعت تمامًا وجدته ممتلئ على آخره بالأقارب والجيران من سيدات أتت لتساعد والدتها في تحضيرات الحفل كإعداد بعض الأطعمة وبعض أصناف الحلويات بالإضافة لتحضير المشروبات الباردة ومعهم أطفالهم الذين كانوا يركضون ويلعبون بداخل البيت وكأنه ساحة للعب. وفتايات يبدوا من أعمارهن أنهن اتين من أجل العروس التي كانت بغرفتها وأصوات ضحكاتها العالية مع الفتيات صادرة خارج الغرفة وبقوة.
سمعت صوت والدتها من المطبخ ولكنها لم تجرؤ للدخول إليها فقد كان مزدحم بالنساء حولها. أكملت سيرها إلى غرفتها الحبيبة وعندما همت لفتحها وجدتها مغلقة من الداخل فطرقت على بابها.
فوصلها صوت نسائي من داخل الغرفة:
"أيوة ياللي بتخبط مين أنت يالي اللي على الباب؟"
"أنا فجر اخت العروسة وصاحبة الأوضة."
"أبلة فجر.. أيوة صحيح.. معلش والنبي ياحبيبتي أصلي برضع الواد.. استنيني دقيقتين بس وأفتحلك.. أنا جارتك أم مروان اللي ساكنة فوقيكم على طول.. انتي عارفاني؟"
تمتمت بتعب:
"طبعًا عارفاكي ياستي."
زفرت بضيق وهي ترتد للخلف عائدة فلم تجد موضع قدم أمامها لتستريح بها سوى غرفة أبويها المغلقة بإحكام وغرفة إبراهيم وهي لا تفضل إزعاجه في هذا الوقت. فأين تذهب الآن والغرفة الباقية لشقيقتها صاخبة بأصوات الفتيات.
قررت التوجه ناحية الحمام لتغسل وجهها ويديها، فتنفرد مع نفسها لدقائق، حتى تنتهي أم مروان من إرضاع ابنها.
اغلقت الباب خلفها فور أن دلفت لداخله والتفت للمغسلة لتغسل بكفيها على وجهها بالمياه الباردة وهي مستمعة ببرودتها على وجهها قبل أن ترفع رأسها أخيرًا لتنظر في المرآة. فوجدت انعكاس شبحه أمامها.
شهقت مخضوضة وهي تلتف بكليتها ناحيته مزعورة وهو واقف خلفها بالفانلة الدخلية البيضاء وبنطاله الجينز الباهت القديم. فتحت وأغلقت فمها عدة مرات وهي تتشبث بحافة الحوض فلم يخرج سوى بعض الكلمات المتقطعة:
"انت ا.. انت إيه.. جيت ا.. إيه اللي جابك هنا؟"
بكف يده أوقفها وهو يشير إليها قائلًا بهدوء وصوت خفيض:
"وطي صوتك.. إهدي.. أنا هنا بغير حنفية الشطاف.. وانتي اللي دخلتي هجم تغسلي وشك على الحوض من غير ما تاخدي بالك مني وأنا قاعد مقرفص تحت هنا عند القعدة."
"وتيجي.."
"بقولك وطي صوتك."
استجابت لمقاطعته فخرجت جملتها التالية بهمس مع رعبها:
"وانت إيه اللي يجيبك حمامنا أساسًا؟ مافيش سباك هو اللي يقوم بالمهمة دي عنك؟"
أجابها بثقة رغم همسه:
"في طبعًا.. بس أنا مقبلش حد غريب يدخل بيتكم وأنا موجود والحاجات دي أنا ياما عملتها بكل سهولة."
جحظت عيناها وفغرت فاهها مندهشة من هذا المتبجح. همت لتتكلم ولكن أجفلها الصوت النسائي الصادر من قريب. فاستدارت برأسها فورًا وهي تلمح خيال امرأة وهي تتحرك من خلف الزجاج في أعلى الباب. كما يبدو أنها تبحث عن شيء ما في الخارج.
عادت إليه بنفس اللحظة تنظر برعب قاتل، عما قد يقال عنهم لو فتحت المرأة الباب الآن. من المؤكد سيتظن بها السوء وتتخيل بخيالها وضعًا مشينًا.
وجدته يشير بيده على فاهه حتى تصمت ولا تتحرك لعدم إثارة شك النساء الثرثارات. ما أثار دهشتها حقًا هو هذا القلق الذي رأته بعينيه ووجهه الذي كان مغلفًا بصرامة وجدية لا يشوبها أي مظاهر للتسلية أو العبث.
وقفت مذعنة لأمره ولكنها أشاحت بوجهها عنه وأعطته ظهرها المتشنج وهي ترتجف خوفًا كطفلٍ صغير ينتظر العقاب. وهي لا تشعر به من الخلف فقد كان خوفه عليها وعلى سمعتها الطيبة أضعاف، مشفقًا على عقلها مما يدور به الآن من أفكار وهواجس تعصف بها مع هذا الوضع الغريب.
بمجرد ابتعاد المرأة خرجت على الفور راكضة من أمامه. فتركته يتنفس براحة وتعب أيضًا.
..................................
دلفت لداخل غرفتها سريعًا والتي وجدتها بالصدفة خالية من المرأة التي كانت تُرضع ابنها. أغلقت الباب وصفقته بقوة وهي ترمي على الفراش بانهيار. لقد كانت على وشك أن تفقد سمعتها بسببه وهي محبوسة معه في هذه المساحة الضيقة.
ذرفت دموعها المتعبة بعدم احتمال. لقد خارت قواها ولم تعد بها طاقة للتحمل وما يزيد بقلبها القهر هو الكتمان وهي لا تجد من يشاركها هذا السر الذي أثقل ظهرها سوى صديقتها وهي غير موجودة الآن. ولكن إلى متى تستطيع الصمود أمام هذا الحصار؟
مسحت بيدها دمعتها بسرعة خاطفة وهي تتناول الهاتف من حقيبتها لتهاتفها. لم تنتظر كثيرًا حتى فُتح الاتصال. فهتفت عليها فجر بمناجاة:
"أنتي فين يا سحر وسايباني؟ أنا تعبانة أوي وعايزاكي جنبي."
وصلها الصوت القلق:
"أنا فين إزاي يابنتي؟ ما انتي عارفة إني موجودة في البلد.. هو إيه اللي حصل؟"
صاحت صارخة:
"لقيته في الحمام ياسحر.. لقيته في الحمام."
"نهار أسود.. هو إيه اللي لقيتيه في الحمام؟"
"الزفت ياسحر.. الزفت اللي احتل بيتنا وبقى حاسب نفسه من أهله.. تعالي ياسحر.. أنا محتاجاكي دلوقتي أكتر من أي وقت."
"ياحبيبتي أنا فاهمة إنك تعبانة وحاسة بيكي.. لو عليا أركب العربية وأنزلِك القاهرة حالًا.. بس أعمل إيه بقى في الورطة اللي أنا فيها والنهاردة حنة بنت خالي وبكرة دخلتها كمان.. المهم دلوقتي أهدي وفهميني بشويش.. هو مين الزفت اللي شوفتيه في الحمام؟"
..............................
في المساء كان حفل الخطوبة وقد تزين سطح المبنى بشكلٍ رائع ونظمت المقاعد المستقبلة للمهنئين من أقارب وجيران ودي جي وبعض السماعات. لقد كان الحفل عائلي وصغير.
العروس الجميلة كانت جالسة بجوار عريسها بركنٍ وحدهم. فجر والتي ارتاحت قليلًا بعد جلسة الفضفضة في الهاتف مع صديقتها المحبوبة سحر، أخرجتها قليلًا من هذه الشرنقة الخانقة. فاستطاعت الاندماج في الحفل مع المهنئين وأجواء الحفل العائلي البسيط الذي تم بناءً على رغبة العروسين، أو بالأصح رغبة شقيقتها العروس، التي أرادت تقليد إحدى تريندات الميديا.
ارتدت فجر فستان بلونٍ أزرق مزين ببعض حبات الكريستال بنفس اللون. أظهر جمال قوامها ورشاقتها. وجهها الجميل زينته ببعض المساحيق الخفيفة. شعرها البني الذي صففته بعناية كان يتراقص بنعومته وكثافته بشكلٍ سرق عيناه معها أينما ذهبت.
حتى لكزه والدته على ذراعهِ بشكلٍ أجفله:
"عينك يا واد."
قال بعدم استيعاب:
"في حاجة ياما؟"
تبسمت بمكر وهي تغمز بعينيها:
"لما أنت كده هاتتجنن عليها وهاتكُلها بعنيك.. ساكت ليه ماتتكلم خلي الفرحة تكمل؟"
هز برأسهِ يضحك بارتباك:
"إيه اللي بتقوليه دا بس يا أم علاء؟"
لكزته مرة أخرى:
"بقول اللي شايفاه ياروح أمك.. فاكرني مش واخدة بالي.. دا أنت عيونك فاضحاك.. بس البت تستاهل.. جمال وتربية.. حاجة تشرح القلب كده.. يا زين ما اختارت يا حبيبي.. ياللا بقى عشان تنور دنيتي أنت وأخوك بالفجر والشروق مع بعض."
لم يستطع التماسك أكثر من ذلك فضحك من قلبه وهو يلف ذراعهِ على كتفها:
"بقيتي عفريتة يا أم علاء وبتعرفي تقلشي كمان."
نهرته هي قائلة بجدية:
"ماتخدنيش في دوكة وقول آمين عشان أكلم والدتها ولا أبوها خلينا نتحرك.. دا خير البر عاجله."
خبأت من وجهه الإبتسامة. لا يدري بما يجيبها. فطلبها هذا أشد ما يتمناه ولكن لا يدري ما الذي يجعله قلق من ناحيتها. وهي غامضة وكثيرًا يرى بعينيها مشاعر غريبة ولا يدري تفسيرها.
خرج من شروده على لكزة أخرى من والدته ولكن وجهها قد شحب وذهب عنه السرور. وهي تحدق بعينيها للأمام. نظر للوجهة التي تنظر إليها فتشنج جسده وتصلبت عضلاته وهو يرى أبيه الذي دلف بداخل السطح ومعه زوجته الجديدة نيرمين وهي تتأبط ذراعه بزينتها الصارخة على فستان باللون النبيتي. وحجاب أظهر نصف شعرها فتدلى من رقبتها سلسال كبير من الذهب على شكل قلب بالإضافة للأساور والحلي التي زينت كفها ورسغها.
خرج صوت والدته المرتعش من فرط انفعالها:
"شايف أبوك وعمايله يا علاء؟"
التفت إليها قائلًا برقة بعكس النيران التي تفور بداخله:
"سيبك منهم ياما.. ماتخليهمش يضيعوا عليكي فرحتك بابنك."
بابتسامة شاحبة وهي تتابعهم بعينيها قالت:
"فرحة إيه بقى.. ما هو أبوك ومراته قاموا بالواجب.. أنت واخد بالك؟ دا بيعرفها على نسايبنا.. شاكر ومراته.. ودلوقتي يسحبها ويتصوروا مع أخوك العريس وشروق عروسته."
طعنه هذا الألم الذي رآه جليًا بداخل عينيها فشدد بذراعيه عليها:
"فوقي ياما واصحي كده.. أنا عايزك شديدة وقوية.. ولا أنت نسيتي إحنا كنا بنتكلم في إيه؟"
عادت إليها ابتسامته الصافية وهي ترفع إليه رأسها:
"أنسى إزاي بس يا حبيبي؟ دا إحنا كنا بنتكلم على فجر وخطوبتك عليها."
انعاشه ابتسامتها فود من قلبه أن تظل هذه الإبتسامة على وجهها الجميل فلا تغيب أبدًا. فأخذ قراره بدون تفكير:
"خلاص ياما أنا موافق.. بس ياريت بقى تقنعي البت وأهلها يبقى قريب عشان مستعجل أوي."
أشرق وجهها بالفرح وكأنها عادت طفلة صغيرة فشدت على خصره بذراعيها تردف بسعادة:
"هاقول ياحبيبي ولازم أقنع أمها.. دا يوم المنى ياحبيب قلبي يا غالي."
.............................
بوجهها الجميل وابتسامتها الرائعة التي سلبت لب قلبه وهذه الشقاوة الفطرية التي تطل بعينيها. والتي في عرفها بأول نظرة منها. كان ينظر إليها هائمًا وهي تداعبه بنظراتها وتلميحات صديقاتها.
"إيه ياحسين هاتفضل كده باصصلي وبس؟ فضحتني قدام المصايب اللي هناك دول."
ألقى نظرة على صديقاتها فعاد إليها بابتسامة ساحرة:
"ومالهم المصايب دول؟ مش عاجبهم العريس بقى؟"
شهقت ضاحكة:
"مش عاجبهم دا إيه؟ هما يطولوا يلاقوا عريس قمر زيك كده؟ دا تلاقيهم دلوقتي هايموتوا من الغيظ."
رفع جايبه قائلًا بمرح:
"أمال إيه حكاية فضحتني دي قدامهم."
اقتربت منه تهمس بشقاوة:
"أنا بس مش عايزهم يحسدوني عليك.. وأنت اسم الله عليك.. أحلى من مهند التركي نفسه."
ارتفع حاجبيه أكثر وازداد مرحه فهم ليرد عليها بابتسامته المعهودة ولكن أوقفه الصوت الأجش المعروف إليه:
"مبروك ياحسين."
نهض مجفلًا إلى أبيه يعانقه ويقبله ولكن خبأت ابتسامته حينما رأى هذه نيرمين بجواره. فاكتفى بالمصافحة.
"الله يبارك فيك يا ولدي."
أبيه أبيه فجذب بكفيه إليه ليقبله على جانب وجنتيه، قائلًا بحب:
"الف مبروك يا حبيبي.. ربنا يجعلها جوازة العمر."
مدت نيرمين كفها هي الأخرى لتهنئته بابتسامتها المعهودة:
"الف مبروك ياحسين.. ربنا يتمم بخير."
بادلها التهنئة على مضض وحين أتى دور العروس تقدمت إليها تقبلها وهي تصافحها.
"عروستك قمر ياحسين.. ربنا يخليها لك."
توقفت مبهوتة أمامها قبل أن تستدرك نفسها وتكمل التهنئة. حينما ابتعد الرجل وامرأته سألته شروق بتعجب:
"بقى هي دي مرات أبوك ياحسين؟ دي خالتي زهيرة أحلى منها بمراحل."
اكتفى فقط بنظرة معبرة ولم يجيبها بالكلام. فتابعت:
"بس لاحظت ياحسين.. لما وقفت جملتها فجأة وهي بتسلم عليا وبتكلمني.. وكأنها كانت بتشبه عليا؟"
مط شفتيه بضيق فقال:
"ما تسيبك من سيرة البت دي وخلينا إحنا في كلامنا ياشروق؟"
تبسمت بدلال لتعيد إلى وجهه الفرحة:
"كنت بقول إني هاتجوز واحد أحلى من مهند!"
.................
اندماج أدهم في الحديث مع أهل العروس. وانزوت نرمين في زاوية وحدها تتابع فقرات الحفل. تراقب وترصد كل ما تقع عليه عيناها. عقلها يدور في دوامة وهي تحدق بالعروس. لديها إحساس كبير بأنها رأتها قبل ذلك ولكن أين لا تعلم؟
أزاحت الفكر من عقلها حينما رأته بهيئته الخاطفة للأنفاس. يتحدث بهيبة تفوق سنه. لطالما تمنته وفعلت المستحيل لتفوز بقلبه. ولكن كان كالجبل الذي لا يهتز ولا يتأثر. ولكن يبدو أن الجبل لم يعد كذلك. وعيناه متعلقة بهذه الفتاة شقيقة العروس كما علمت من زوجها. ذات الرداء الأزرق. ماسر هذه العائلة؟
أشاحت بعينيه بعيدًا متأففة فتذكرت فورًا أين رأت وجه هذه الفتاة حينما رأت من يدلف لداخل السطح بهيئته الماكرة وخطواته البطيئة متصنع الحياء. همست بداخله:
"طول عمري وأنا حاسة إن ليك حكاية كبيرة أوي يا سعد!"
رواية عينيكي وطني وعنواني الفصل العاشر 10 - بقلم امل نصر
جثت على قدميها أمام أخيها ذو الوجه العابس وهو جالس على إحدى المقاعد وفارد قدمه المصابة على مقعد آخر أمامه.
في محاولة لمدعبته:
- ها يا أستاذ إبراهيم.. لاوي بوزك ومكشر ليه؟
رفع إحدى حاجبيه ومالت زاوية فمه للأسفل قبل أن يشيح بوجهه عنها دون إجابة.
اقتربت منه أكثر بوجهها تخاطبه:
- ياه يا أبو خليل.. لدرجادي أنت زعلان يا قمر؟ طب ماتقول بقى على اللي مضايقك.. يمكن نعرف نصالحك يا ولا.
عاد إليها برأسه قائلاً بعتب:
- وتصالحوني ليه بقى يا أبلة فجر؟ هو أنا أفرق معاكم أصلاً؟
- ليه بس بتقول كده يا إبراهيم؟ هو إحنا قصرنا معاك في حاجة يا حبيبي؟ يكونش يعني عشان انشغلنا في الفرح واستقبال المعازيم وسيبناك شوية.
- شوية بس؟! ده أبوك من ساعة ما جابني هنا ماسأل فيا تاني وأمك رايحة جاية حواليا تجامل في الستات حبايبها وأنا ولا شايفاني.. وأنتي بقى مشغولة بالعروسة وأصحابها.. ده لولا عم علاء اللي بيطل عليا كل شوية ويجيبلي في الساقع والحلويات وياخد باله من طالباتي.. لكنت فرقعت مكاني هنا ولا نزلت حتى برجل واحدة وسيبت الفرح.
انتابها شعور بالغيظ والغيرة من هذا المتحذلق الذي اكتسب قلب أخيها فقالت بلوم:
- طيب وافرض إحنا انشغلنا شوية يا هيما عنك في مناسبة مهمة زي دي.. أنت بقى متقدرش؟ على العموم حقك علينا ياسيدي.. قولي بقى اللي يرضيك عشان تقبل أتصور معاك.
رفع إحدى حاجبيه بمكر وهو ينظر ناحية والدته:
- اللي يرضيني طبق جاتوه كبير من العلب اللي جابها العريس وأمك دارتها عني.
فغرت فاهها ضاحكة بدهشة من شقيقها الماكر:
- أنت عايز أمي تقتلني صح؟ دي أكيد شايلاهم عشان تجامل أصحابها وحبايبها وتفتخر بيهم إنها من حاجة العريس.
قال بإصرار:
- ماليش دعوة يا فجر.. أنا مش هاصالحك ولا أتصور معاكي غير لما تجيبي اللي قولت عليه.. وياريت الطبق يكون كبير كمان.
- أنا عارفة كويس إنك مش هتهدى غير لما تاخد اللي أنت عايزه.. جبار زي الست الوالدة.. أمري لله.. أقوم اجيبلك واحد وربنا يستر.
قالت الأخيرة وهي تنهض من جوارها ولكنها بمجرد أن استدارت تفاجأت باصطدامها بجسد صلب ومغطي بالون الكحلي.
ارتدت للخلف وتلون وجهها بالحرج وقد تبينت هوية من اصطدمت به.
قال هو بلطف:
- أنا آسف.. بس أنا كنت جاي أشوف إبراهيم.. ليكون ناقصه حاجة.
غمغمت ببعض الكلمات غير المفهومة وهي تذهب من أمامه وتتخطاه.
جعلت عيناه تتابعها حتى اختفت وسط جمع الفتيات المدعوات.
عاد من شروده على صوت أخيها وهو يشاكسه:
- حلوة قوي البدلة دي يا عم علاء.
التف إليه ضاحكًا فقال:
- لو عجبك أفصلك واحدة زيها يا عم هيما.
فرد ظهره وهو يقول بثقة:
- خليها بعدين بقى يا عم.. لما جسمي يتشد وأربي عضلات زيك.. عشان تبقى لايقة عليا.
- أنت لسه برضوا بتقر على عضلاتي.. ما قولنا بقى لما تكبر.. أنت إيه يا ابني مابتهدمتش؟
علت أصوات إبراهيم الضاحكة وهو يشعر بأصابع جاره علاء تتغلل بشعره وكأنها دغدغة.
جعل علاء يضحك هو الآخر.. ولكن توقفت هذه الضحكة فجأة حينما رأى أمامه من يدلف لداخل السطح بخطوات خجلة نحوه.
عبس وجهه وهو يترك إبراهيم فتقدم إليه يختصر المسافة حتى أصبح أمامه بوجه جامد ومتسائل.
وقف الآخر أمامه يخاطبه بأدب:
- إيه يا علاء؟ مش هاتسلم على صاحبك اللي جاي مخصوص يصالحك ويحضر خطوبة أخوك؟
مد كفه يصافحه بجمود قائلاً بخشونة:
- أهلاً ومرحب بيك يا سعد.. على الله بس ما يكونش لسة شايل مننا.. ما أنت عارف.. إحنا ناس ما يهمناش غير مصلحتنا.
بكف يده الحرة شد على ساعد علاء قائلاً بتشدق:
- ما خلاص بقى يا علاء.. دي كانت لحظة غضب وراحت لحالها.. وأديني جاي بنفسي أهني وأبارك للعروسين.. ده إحنا عشرة عمر يا جدع والمصارين في البطن بتتعارك.
تبسم بزاوية فمه على استحياء وهو يرى أمامه سعد صديقه القديم ذو الجسد الهزيل وهو يعتذر عن خطأ بزلة لسانه حينما لم يتقبل الرفض له وقبول الفتاة بشقيقه.
صاحب المواصفات التي تتمناها كل فتاة.
كان من البديهي أن ترجح كفة حسين شقيقه للفوز بموافقة الفتاة وأهلها.
شعر نحو صديقه بالشفقة فكما قال هو (أين يأتي سعد أمام أولاد المصري؟).
سائله ببعض اللين:
- طب وأنت عرفت بميعاد الخطوبة والمكان إزاي؟
أجابه بحماس:
- عرفت من السيد الوالد.. ماهو وجه لي دعوة بصفتي صديقك.. ها يا عم هتيجي بقى معايا عشان أبارك له بنفسي؟ ولا أروح لوحدي؟
حينما ذهب مع صديقه لتهنئة العريسان.
استقبله حسين على مضض ولكنه لم يظهر انطباعه هذا فتقبل تهنئته ببعض الذوق وابتسامة لا تصل لعينيه.
إكرامًا فقط لشقيقه الأكبر الذي أومأ له بعينيه ليفهم.
وحتى حينما صافح العروس يبارك لها هي الأخرى تماسك عن نزع كفه التي أطبقت على كف شروق.
رغم أدعائه الحياء.
فهو ليس بغافل عن نظرته إليها بطرف عينه.
حتى ذهب مع أخيه وتركهم.
تنهد ببعض الارتياح وهو ينظر للعروسة الجميلة التي انتبهت لتغير لونه فاقتربت منه تسأله:
- إيه مالك؟ في حاجة زعلتك؟
هز برأسه ينفي مجفلًا من فطنتها:
- لا طبعًا.. أنتِ ليه بتقولي كده؟
أجابته ببساطة:
- يعني عشان وشك اتقلب لما شفت اللي اسمه سعد ده لما جه وسلم علينا.. أنا أخدت بالي على فكرة.. بس أقولك على حاجة.. أنا كمان مش طايقاه.
أشرق وجهه مرة أخرى وهو يردد أمامها بالضحك:
- على النعمة أنتِ مصيبة.
بوسط الفتيات كانت نيرمين ما زالت تراقب وهي تدعي التصفيق والغناء مع الفتيات.
حتى ملت أن تكون بالهامش وهي ترى زهيرة مندمجة مع النساء بفرح وزوجها هو الآخر مع نسيبه الجديد شاكر.
أما علاء فبالرغم من جلوسه مع سعد ولكن عيناه لم تترك الفتاة هذه شقيقة العروس.
قررت التعويض عن نفسها ولفت الانتباه.
وهي تدخل في وسط الفتيات ترقص بضمير وحنكة.
حتى استطاعت لفت أنظار الجميع بما فيهم زهيرة التي كبتت قهرها وهي تستمع لتعليقات النساء جيرانها عن هوية الفتاة وعلمهم بأنها الزوجة الثانية لوالد العريس.
وهي تدعي بكل قلبها انتهاء هذه الليلة على خير وذهاب هذه نرمين.
حينما انتهت أخيرًا الليلة الطويلة بانتهاء حفل الخطوبة وغادر الجميع حتى أدهم وزوجته.
لم يبق سوى العريس الذي انفرد بعروسه في غرفة الجلوس.
وترك والدته مع أسرة شاكر في الخارج بوسط المنزل على كنبة الصالون.
تتسامر معهم وتضحك من قلبها.
حتى ينزل إليها ابنها علاء الذي كان لا يزال في السطح يشرف على العمال الذين تكلفوا برفع آثار الحفل وتنظيف السطح.
فجر كانت بداخل المطبخ تزفر حانقة وقد كلفتها والدتها بإعداد الشاي.
فقد استكفت هذه الليلة من تلميحات المرأة ونظرات هذا المدعو علاء التي كانت تتبعها طوال مدة الحفل.
رفعت الصينية والتي امتلئت بأطباق الحلويات بجوار كاسات الشاي.
تأففت متمتمة:
- يارب عدي الليلة دي بقى.. أنا تعبت.
خرجت من المطبخ لتجد الثلاثة ينظرون ناحيتها بابتسامة عريضة تكاد تصل لأذنيهم.
تقدمت لتضع الصينية على الطاولة الصغيرة أمامهم.
قائلة بتوجس:
- الشاي يا جماعة.
جذبتها المرأة من ذراعها لتجلسها بجوارها قائلة بمحبة:
- وهاتمشي ليه بس يا قمر؟ ماتقعدي معانا كده و أنسينا.. ده إحنا بقينا أهل وبكرة الشقتين يبقوا بيت واحد كمان.
تبسمت بتكلف وهي تدرك ما تبطنه إشارة المرأة فقالت بمجاملة:
- طبعًا يا طنط.. البيت بيتك أكيد.. بس معلش بقى أنا تعبانة ونفسي أريح شوية.
نهرتها والدتها بصرامة:
- ما تهمدي يابت واقعدي دقيقتين.. خلاص يعني هاتموتي وتنامي؟
هتفت عليها زهيرة بابتسامة:
- لا بقولك إيه يا سميرة.. أعملي حسابك يا عينيا ماتزعقيش في القمر دي تاني.. دي خلاص يا حبيبتي بقت حماية!
أكمل على قولها شاكر:
- أيوه بقى يا سميرة.. ده الظاهر كده إحنا مش هانعرف نكلمها تاني.. مدام بقت في حماية الست زهيرة والمعلم علاء.
انسحبت الدماء من وجهها وقد وصلها معنى التلميح الصريح من الاثنين.
وبالأخص حينما لمحت النظرة القلقة بعيون والدتها.
فهي أكثر من يعرفها.
نهضت سريعًا تنوي الهروب ولكن المرأة الطيبة أوقفتها من يدها.
قائلة بسذاجة:
- المرة اللي جاية بقى هتبقى ليلتك يا قمر.. وليكي عليا أنا بقى لاخليها ليلة كبيرة تليق بالقمر وعريسها نن عين أمه.
هنا فلت الزمام ولم تعد بها قدرة على التحمل لأكثر من ذلك.
نزعت يدها من كف زهيرة بسرعة وهي تهتف بحدة:
- كان نفسي يا طنط أفرحك.. بس للأسف أنا لا عندي وقت للجواز ولا عايزة أتـجوز من أساسه.
خبئت الفرحة بوجه زهيرة وتحول لونه للشحوب.
كحال شاكر وزوجته الذين ألجمتهم الصدمة لعدة لحظات قليلة قبل أن يقطعها صوته العنيف:
- أم علاء.
التفت الجميع على وجهه وهو واقف أمامهم بمدخل البيت.
وأنفاسه الهادرة مع اشتعال عينيه أخبرتهم جميعًا أنه سمع كل ما قد قيل.
- اتفضلي يا ست هانم.
ألقت نظرة بطرف عينها وهي تدلف لداخل المنزل استهجانًا على نبرته المتهكمة وقالت:
- ومالك بتقولها كده وأنت بتتكي على الكلام؟
صفق الباب بقوة وهو يضع سلسلة مفاتيحه في جيب سترته فقال:
- طبعًا.. وأنتِ هامك حاجة؟ هيبة جوزك ولا سمعته قدام الناس ولا تفرق معاكي بمليم حتى.
استدارت شاهقة وهي تضع يدها على خصرها:
- ده بجد بقى أنت زعلان.. وأنا أقول لاوي بوزك ليه شبرين من ساعة ما خرجنا من عند نسايب ابنك؟
- لمي نفسك يا نرمين.
أجفلت منتفضة من صيحته الهادرة فخرج صوتها بتوتر:
- في إيه يا شاكر؟ هو أنت بتزعقلي كده ليه أساسًا؟ عملت إيه أنا؟
خطا يقترب منها حتى أمسك بمرفقها فقال مابين أسنانه:
- بقى بالذمة أنتِ مش عارفة عملتي إيه؟ لميتي معازيم الفرح كلهم عليكي وأنتِ بترقصي ولسه مش عارفة عملتي إيه؟
قالت بخوف ومداهنة:
- بقى دا هو دا غلطي يا شاكر؟ إني رقصت فرحانة بخطوبة ابن جوزي؟
شدد على مرفقها:
- بلاش ملاوعة معايا يا نرمين.. أنتِ رقصتي قدام الكل رجالة وستات قاصدة تلفتي النظر ليكي ولا أنتِ فاكرني غبي.
- لا مش غبي يا شاكر.. بس أنا فاهمة زعلك من إيه بالظبط؟ أنت خايف على إحساس السنيورة مراتك.. صح يا شاكر ولا أنا كدابة؟
فلتها بعنف هاتفًا بازدراء:
- وماله لما أخاف على إحساس مراتي أم ولادي.. هو أنتِ فاكراني حجر وما بحسش.. ده أنتِ اللي جبلة بقى.
تركها وذهب بغضبه.
تمايلت هي بجسدها تلوي شفتيها غير آبهة.
جالسة على طرف التخت عاقدة كفيها بحجرها مطرقة رأسها للأسفل.
كطفلة صغيرة تتلقى التوبيخ من والدتها التي كانت تقطع الغرفة ذهابًا وإيابًا أمامها بعصبية وهي تصرخ عليها بشكل هيستيري:
- ردي عليا وفهميني.. ساكتة ليه؟
همست بصوت خفيض:
- يعني عايزاني أقول إيه؟
صاحت بصوت أعلى:
- هو أنا لسه هاقولك يا عين أمك؟ أنا عايزة أفهم بقى.. أنتِ بتكرهيه ليه؟ جالك قلب تكسري فرحة الولية الغلبانة دي إزاي بس؟
أغمضت عيناها بتعب فقالت بخزي:
- أنا ما كنتش قصدة أحرجها ولا أكشفها.. بس هي اللي اضطرتني لما فاتحتني كده فجأة.. ثم حكاية أكسر قلبها دي أوفر أوي بصراحة.. لأن الجواز نصيب ولازم يجي بالقبول.
دنت إليها برأسها تسأله بتعجب:
- وأنتي بقى يا عين أمك مش قابلة علاء؟
قالت بقوة:
- أيوه مش قابلاه يا ماما.. فيها حاجة دي؟
صاحت والدتها بصوت فاقد للسيطرة:
- أمال هاتقبلي بمين يا بت؟ لما علاء بجلالة قدره اللي كل بنات المنطقة يتمنوا ضفره أنتِ مش قابلاه.. ما تقولي يا عين أمك.. خليني أعرف مزاجك يا سنيورة.. ما تقولي يا بت؟
- خلااااص يا سميرة.
صاح بها شاكر الذي اقتحم الغرفة فجأة وتابع:
- لمي الدور بقى وخلينا ننام في الليلة المهببة دي.. واعتقيها بقى الليلادي واعتقينا إحنا كمان.
- ماشي يا شاكر.. زي ما تحب.
زفرت ارتياحًا بخروج والدتها مع أبيها فاتفاجأت بسؤال شقيقتها التي دلفت هي الأخرى.
تسألها بدهشة:
- يعني أنا اللي سمعته صحيح يا فجر؟ طيب إيه العيب اللي في علاء عشان ترفضيه؟
سدت أذنيها قبل أن تدخل في الفراش وتشد الغطاء حتى رأسها.
فقالت من أسفلها:
- ممكن تطفي النور يا شروق عشان عايزة أنام.
دلف لداخل الشرفة فوجده جالسًا على مقعده ينفث دخان سيجارته في الهواء بوجه شارد.
اقتربت منه بخطوات مترددة وهي تفرك بيديها فقالت بتوتر:
- هاتفضل كده سهران يا ابني؟ مش ناوي تقوم تنام بقى؟
التفت إليها برأسه مستندًا بمرفقه على ذراع المقعد وسيجارته بين أصابعه فقال بنظرة خاوية:
- روحي نامي أنتِ يا ماما.. وأنا لما يجيني النوم هنام أنا كمان ومش هاستنى.
طعنها هذا الحزن الذي رأته بعينيه فقالت:
- هو أنت حبيتها يا علاء؟
سألها مجفلًا:
- هي مين؟
أسبلت عيناها وهي لا تجرؤ على النطق باسمها.
فقال هو متفهمًا:
- مش وقت الكلام ده دلوقتي يا ماما.. إحنا بقينا نص الليل.
لم تتحرك للخارج ولكنها قالت برقة:
- ماتزعلش مني يا حبيبي.
هز برأسه وزفر دخان سيجارته بقوة وهو يسألها باستياء:
- أزعل منك ليه بس يا ماما؟
- حاسة إني استعجلت وبوظت الدنيا لما فتحت الموضوع كده خبط لزق.. كان لازم برضوا البت تاخد وقتها وتفكر قبل ما...
- خلاص يا ماما أبوس إيدك.
قاطعها بتعب وهو يتناول كف يدها يقبلها وتابع:
- ممكن نأجل الكلام ده لبكرة عشان أنا تعبان بجد ومش قادر؟
- ممكن يا حبيبي.
أومأت برأسه ثم قبلته على جبهته وقبل أن تستدير للخروج رددت مرة أخرى:
- بس اوعدني إنك هتريح جسمك وتنام يا علاء.
أومأ برأسه يرضيها حتى خرجت فعاد هو لشروده مرة أخرى.
- أنام إزاي بس من قبل ما أعرف هي رفضتني ليه؟
نهض فجأة يضرب بقبضته على حاجز الشرفة الإسمنتي وهو يحدث نفسه:
- البت دي بتكرهني.. أنا النهاردة بس أخدت بالي من نظرتها.. دي نظرة كره خالصة.. بس ليه؟ بيني وبينها إيه عشان تكرهني كده؟ أنا لازم أفهم ولازم أعرف اللي في دماغها.. أنا مش هاقبل أترفض كده من غير ما أعرف السبب. بس إزاي؟ دي حتى بطلت ما تطلع بلكونتها عشان ما تشوفنيش.. لدرجادي هي مش طايقاني؟ طب ليه؟
ظل على وضعه يحرق صدره بدخان التبغ وهو يحدث نفسه كالمعتوه حتى أشرقت الشمس على استحياء.
فا أحس بوقع خطوات خفيفة تسير فوق رأسه على سطح المبنى الإسمنتي.
شرد قليلًا بتفكير.
قبل أن يرتدي قميصه على عجل ويخرج من شقته متجهًا للأعلى.
ملتفة بشالها وهي تنظر لشروق الشمس بشرود مستمتعة بهذه النسمات الباردة والهدوء المسيطر على الميدان أمامها بالحركة الخفيفة للبشر والقليلة للسيارات.
لقد مرت عليها ليلة بشعة لم يرق جفنها للنوم فيها ولو لحظة.
رغم ما تدعيه من برود أمام والدتها فهي فعلاً أشفقت على المرأة.
بعد رفضها العنيف لابنها فبرغم رفضها المسبق.
إلا أن هذه لم تكن نيتها أبدًا في جرح المرأة المريضة.
ولكن هي من أجبرتها بطيبتها وسذاجتها.
وحدث ما لم تتمنى حدوثه.
فماذا بيدها الآن؟
علّ هذا الرفض يخفف قليلًا وقع هذا الضغط الذي ظل جاثمًا على ظهرها طوال الأيام الفائتة حتى أرهقها واستنزف طاقتها.
أغمضت عيناها تتمنى الخلاص والهرب بعيدًا عن ذكرياتها ومحيط أسرتها وكل ما يؤرق حياتها ويُتعبها.
فتحت عيناها فجأة بعد أن شعرت أنها لم تصبح وحدها في السطح ويبدو أنه يوجد من يشاركها فيه.
التفت فجأة فاصطدمت عيناها بعينيه العنيفة في نظرتها.
بلعت ريقها الجاف قليلًا قبل أن تأخذ قرارها للهرب من أمامه والنزول فورًا.
ولكنها تفاجأت به يقطع الطريق أمامها بجسده الضخم.
تحركت لتغير الطريق ولكنه تحرك معها ومنعها من السير.
رفعت رأسها إليه متسائلة فتفاجأت بنظرتها القوية من مستوى طوله الفارق عنها وهو يدعوها للتحدي.
قالت بتماسك مزيف:
- لو سمحت سيبني أمشي وأنزل.. ما يصحش كده.
قال بحدة:
- ما فيش نزول.
- نعم!!
- ما بقولك ما فيش نزول.
برقت عيناها وهي تهتف بغضب:
- بقولك سيبني أنزل.. هي فتونة يا معلم يا شهم.
تغاضى عن لهجتها المتهكمة فقال مابين أسنانه:
- أنتِ مش هاتنزلي من هنا غير لما تقوليلي.. أنتِ رفضتيني ليه؟
ارتدت للخلف مجفلة من جرأته فقالت بدفاعية:
- وفيها إيه بقى لما أرفضك؟ ولا أنت مستكثر عليا إني أرفض المعلم علاء بجلاله وقدره؟
قال بحدة:
- لا مش مستكثر عليكي الرفض يا ستي.. وحكاية القبول دي من عند ربنا.. بس أنتِ في سبب واضح قوي عندك وأنا شايفه في عنيكي دلوقتي وأنا بكلمك.
احتدمت أنفاسها بالصعود والهبوط وهي تنظر إليه بقوة صامتة.
فتابع هو بالتأكيد:
- مدام سكتي كده يبقى في صح.. خليكي شجاعة بقى واتكلمي.
- اتكلم أقول إيه؟
- قولي عن السبب اللي مخليكي تكرهيني وعامل حاجز بيني وبينك من أول مرة شوفتك فيها.. قولي بقى وريّحيني.. إيه اللي بينك وبيني؟
صاحت صارخة بوجهه:
- إللي بيني وبينك فات.