تحميل رواية «عشقت طالبتي» PDF
بقلم منار حسين
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ما هو مافيش الكلام ده، هدخل يعني هدخل. الدكتور بعند: مافيش دخول، واللي عندك اعمليه، ويلا عشان عايز أبدأ المحاضرة. يلا هش من هنا. هي: نعم، هي وصلت لكده؟ أنا أصلاً مش هاحضر محاضرة لدكتور أهبل زيك. وسابته ومشيت. الدكتور بصدمة: يا بنت المجنونة! أنا أهبل؟ وأكمل بغضب: طب وربنا ما أنا سيبك يا حيوانة، انتي حاجة. هم في الكافتيريا. هي: بقا أنا زينة يتقالي هش ليه؟ شيفني قطة بروح خالتو؟ ماشي يا دكتور الكلب، انت ماشي. خلصت المحاضرة. صاحبة زينة نور: مالك يا زينة؟ إيه اللي حصل؟ (معلومة: نور في قسم غير زينة، بس...
رواية عشقت طالبتي الفصل الحادي عشر 11 - بقلم منار حسين
حادت بنظرها عنه تحاول بث شجاعة في قلبها، لن تُظهر ضعفها، لكن أظهرت مقتها حين ترك معصمها وضمها لصدره يحتويها بين يديه.
حاولت الابتعاد عنه وتنحنحت قائلة ببرود واستهزاء مُبطن:
وماله يعني، هي أول مرة؟ بس قول لي هترجع الساعة كام بالضبط، أصلك من ليلة ما اتجوزنا وانت بتخرج من بدري وترجع وأنا نايمة. كمان ليلة جوازنا وهدومك اللي كان عليها دم، أكيد كنت في رحلة صيد وكنت بتصارع ديب في الجبل.
صك أسنانه من برودها وضمها أقوى، يُحاصر جسدها بقوة بعد أن كانت تحاول الابتعاد عنه. استكانت بقصد منها أنها امتثلت لقوته. أرخى يديه ونظر لها بتمعن يحاول كبت غيظه من برودها المتعمد. نظر نحو شفتيها التي تذمها. لمعت في عينيه نظرة خاصة وأحنى رأسه. بنفس اللحظة رفعت وجهها ونظرت إليه نظرة خالية من أي شعور، حتى حين اختلطت أنفاسهم وكاد يقبلها لم تُعطِ أي رد فعل، لا انسجام ولا نفور. بينما هو لا يعلم سبب ذاك الشعور، هل هو اشتهاء، أم شعور آخر ما زال لا يعلمه. لكن قطع تلك اللحظة صوت دقات جواله الخلوي. في البداية أراد أن يتجاهل ذلك ويقبلها، ربما يعلم سبب ذاك الشعور حين تخمد القبلة لحظة الاشتهاء، لكن رنين الهاتف المستمر جعل ثريا تتفوه:
موبايلك بيرن، يمكن يكون أمر أهم من...
توقفت عن بقية حديثها. شعر سراج لوهلة أن تلك اللحظة هي مجرد اشتهاء منه، وهو ليس الشخص الذي يسير خلف تلك الشهوات. فك حصار يديه وابتعد عنها. ذهب نحو الهاتف صامتاً. جذبه ونظر إلى الشاشة. زفر نفسه. ولم يقم بالرد. بنفس الوقت لم تهتم ثريا، كأن تلك اللحظة التي كانت قبل قليل مجرد هفوة عقل. جذبت وشاح رأسها وقفت أمام المرآة تضعه حول رأسها. بينما شعر سراج بصراع في عقله وغضب من برود ثريا، تفوه بتلكيك:
شعرك اللي بتتحايلين بيه وسيباه مفرود يتلم جوه الحجاب، مفيش شعرة تظهر.
تهكمت ببرود وأزاحت الوشاح عن رأسها وقامت بجمع خصلات شعرها وقامت ببرمها بكعكة محكمة، ثم عاودت وضع وشاح رأسها. مما سبب له شعوراً بالغيظ حاول كبته، بينما هي تبتسم وهي تتلاعب مع مزاجه بالتمرد وأخرى بالامتثال الواهي.
***
باستراحة صغيرة جوار محلج الكتان الخاص بـ مجدي وأخيه.
جلس مجدي أولاً ثم أشار لـ آدم بالجلوس. جلس آدم للحظة ظل صامتاً. هو يسمع مجدي يطلب من أحد العمال أن يأت له بأرجيلته وضيافة آدم. غادر العامل. بينما تنحنح آدم قائلاً:
أنا مش هلف وادور، هدخل في الموضوع دوغري.
كان العامل قد جهز ما طلبه مجدي وأنجز بلحظات وعاد بتلك الأرجيلة ووضعها أمام ساقي مجدي. اضطجع مجدي بظهره للخلف، ثم جذب خرطوم الأرجيلة وغادر العامل. تنفس دخانها ببرود قائلاً:
أنا كمان بحب الدوغري.
تمسك آدم بالجسارة في قلبه ورسم بسمة ثقة على وجهه قائلاً:
الموضوع أنا عارف أنه حساس، بس متأكد إن ذكاء حضرتك يسهل توافق عليه.
ضيق مجدي إحدى عينيه مستفسراً بفضول.
تبسم آدم بحنكة قائلاً:
الموضوع اللي محتاج لك فيه... موضوع نسب بين عيلة "العوامري والسعداوي".
توقف مجدي عن تنفيث الدخان ونظر له مشدوهاً لوهلة ثم سأل باستفسار:
مش فاهم، قصدك إيه بالحديث اللي بتقوله ده.
استجمع آدم شجاعته قائلاً بتفسير:
أنا بطلب منك إيد الآنسة حنان للجواز مني.
زادت ملامح مجدي اندهاشاً وتعلثم بمفاجأة قائلاً:
إنت بتقول إيه، إنت عارف إن كان فيه تار قديم بين عيلة العوامري والسعداوي.
تفهم آدم ذلك، وبخبرته ككاتب يستطيع التلاعب بحوار المشاعر والنفوس قائلاً:
قولت كان... يعني انتهى بالصلح اللي حصل، وأعتقد العداوة كمان انتهت، والنسب مش هيكون صعب، بالعكس ممكن يكون فرصة لتأكيد صفو النفوس.
عاود مجدي تنفيث دخان الأرجيلة يعقل حديث آدم العقلاني، لكن نظر بتمعن لـ آدم، وبالأخص إلى إحدى ساقيه. تذكر أمر إصابته القديمة التي ما زال أثرها على ساقه. فهو "الأعرج". الأعرج... لكن مع اسم أحد شباب عائلة العوامري تختفي تلك الصفة التي لا تقلل من شأنه. كذلك هو أحد الأقطاب الثلاثة لـ "عمران العوامري". ليس فقط كبير العائلة بل أكثرها ثراءً سواء بتجارة الكتان وحتى تجارة الخيول. والمعروف أن من يمسك تلك التجارة هو آدم، أو "الأعرج" الذي تفاجأ بطلبه.
فكر، وفكر، وقرر. لا داعي لإعطاء قرار مباشر الآن. لابد من أخذ وقت للتفكير جيداً. فالرفض خطأ قد يندم عليه لاحقاً، والقبول مجازفة غير محسوبة العواقب لاحقاً.
تنحنح قائلاً:
تمام، اديني يومين أشاور في الموضوع.
وقف آدم بثبات وأخرج بطاقة صغيرة من جيبه ومد يده بها له قائلاً:
تمام، هنتظر يومين، وأكيد الرد هيكون لمصلحة العيلتين. وده الكارت الخاص بي فيه أرقامي الخاصة. هنتظر قرارك أياً كان.
أخذ مجدي تلك البطاقة وأومأ برأسه، وظل ينظر إلى آدم وهو يغادر. ركز على سيره. كان يسير بطريقة شبه طبيعية، فقط عرج غير ملحوظ.
***
بعد الظهر بقليل.
بمنزل مجدي السعداوي.
كانت حنان منهمكة في تحضير الطعام وحدها بعد أن خرجت والدتها لزيارة أحد الأقارب. في ذاك الأثناء سمعت صوت دق جرس باب المنزل. تركت ما كانت تفعله وذهبت ترتدي ذاك الإسدال فوق ثيابها المنزلية، وكذلك وضعت وشاحاً على رأسها، مما سبب غيابها للحظات أكثر. فعاود دق الجرس مرة بل مرات. تفوهت بهدوء:
تمام، وصلت أهو.
قطعت حديثها حين فتحت باب المنزل وتفاجأت بذاك الواقف أمامها يبتسم بنظرة عينيه التي تبغضها. تعلثمت قائلة:
"حفظي".
ابتسم لها عيناه تنظر لها بنظرة وقاحة. بينما هي عاودت السؤال:
حفظي، رجعت هنا إمتى؟
انفرجت بسمة شفتيه بتلك النظرة الفجة قائلاً بإيحاء:
لسه واصل دلوقتي، جيت من محطة القطر. على إهنه أشوف عمي أصله وحشني جوي جوي.
ابتلعت ريقها الذي جف قائلة:
أبوي مش هنا، إنت عارف إنه مش بيرجع للدار قبل المسا و...
قطعت حنان حديثها حين اشتمت رائحة احتراق الطعام وأرادت أن تتهرب من نظرات ذاك المتطفل. تفوهت بتسرع:
ماما مش هنا في الدار والطبيخ عالبوتاجاز.
ذهبت مسرعة على أمل أن يغادر، لكن هو ليس فقط متطفل بل بلا أخلاق. دلف خلفها إلى الداخل وترك الباب مفتوحاً. ذهب خلفها إلى المطبخ. عيناه رغم زيها الفضفاض، لا يشعر بنخوة. كاد يمد يديه يتحرش بها ويحتضنها، يطفئ هوس رغبته المتأججة دائماً حين يراها. يود سحق جسدها غراماً. بينما هي تشعر ببغض وغضب من دخوله خلفها وهو يعلم أنها وحدها بالمنزل، وهذا منافٍ للأخلاق والعادات. لكن هو لا يمتلك أي أخلاق وليست المرة الأولى التي تشعر بعينيه تخترق جسدها تنهشها بنظراته الفجة. استدارت وتحدثت له باستنهاز:
إيه اللي دخلك الدار يا حفظي وإنت عارف إن...
قاطعها وهو يقترب بعيون وقحة:
هو أنا غريب، أنا ابن عمك وقريبًا...
قطع حديثه حين سمع نحنة قوية وصوت عمه يقول بسؤال:
سايبين باب الدار مفتوح ليه؟
شعر بارتباك وتوتر وذهب مسرعاً نحو صحن الدار. إذاردت حنان ريقها حين غادر ذاك المتطفل الوقح وشعرت براحة نفس وأمان بعد أن كاد قلبها يرتجف من غلاظة نظرات حفظي وعدم امتثاله للأخلاق وتبريراته الكريهة.
بينما توقف حفظي أمام مجدي الذي استغرب وجوده سائلاً:
حفظي رجعت إمتى؟ وكيف دخلت للدار؟
ارتبك حفظي بتبرير:
لسه راجع يا عمي وكنت جاي أبشرك إني حلّيت المشكلة اللي كانت في مصر.
شعر مجدي بغضب بسبب رجولته على أهل داره قائلاً:
إنت عارف إني في الوقت ده بكون في المحلج، ما جيتش على هناك ليه؟
توتر حفظي قائلاً بتبرير:
السواق نزلني هنا و...
قاطعه مجدي بغضب قائلاً:
تمام، مع إن كان الأفضل تروح لأبوك المستشفى مباشر.
تلجلج حفظي وحاول إعادة فكر مجدي عن وجوده بغيابه قائلاً:
إنت صح يا عمي، هروح الدار أغير هدومي وأروح أطمن عليه وأسأل الدكاترة فيه تقدم في حالته وإن لزم الأمر أنا هسفره للعلاج بره مصر.
شعر مجدي بآسي قائلاً:
يا ريت كان ينفع، ربنا يتولاه برحمته. دلوقتي لازم تكون جاره باستمرار دايمًا.
أومأ حفظي قائلاً:
آمين. هستأذن أنا يا عمي، توحشت أبوي هروح أغير وأروح له المستشفى. سلاموا عليكم.
غادر حفظي ليس خزيًا من تطفله بل خوفاً من أن يثير غضب عمه فيفشل في الوصول إلى ما يريد. عليه تحمل غلاظته حتى يصل إلى ما يبغي. بينما خرجت حنان من المطبخ وتوجهت إلى الردهة تشعر بأمان حين رأت والدها ومغادرة ذاك المتطفل قائلة:
أحضر لك الأكل يا أبوي.
استهجن عليها بغضب قائلاً:
كيف بتسمحي لـ حفظي يدخل للدار وأنا أو أخوكِ مش هنا وفين سناء؟
ارتعشت قائلة بتبرير:
أمي راحت عند خالتي عشان يزوروا خالتهم عيانة، والله يا أبوي أنا ما جلت له يدخل هو اللي...
قاطعها بغضب قائلاً:
تمام، روحي حضري الأكل على ما أستحمى.
هربت رغم ارتياح قلبها. بينما وقف مجدي قليلاً يفكر يشعر بتشتيت في عقله بالمقارنة بين حفظي وآدم. هو على دراية بقسوة حفظي، لكن بالنهاية هناك أمر واقع هو طلب حنان أولاً. كذلك هو ابن أخيه. آدم... آدم ليس لديه فكرة عن أخلاقه، لكن ما يصل إليه أنه شاب ذو شأن وله مكانة قريبة من بعض البسطاء. حيرة ولابد من اتخاذ قرار صائب خلال يومين فقط.
***
بالمشفى.
كان يراقبها عن كثب إلى أن جاءت له فرصة. حين كانت تسير بالرواق بالقرب من غرفة الأطباء وكان وقت انشغال بالمشفى، والغرفة فارغة. فزعت حين شعرت بيد تجذبها من معصم يدها وبلا شعور طاوعت ذلك ودخلا إلى غرفة الأطباء وأغلق بابها. بصعوبة التقطت أنفاسها الهاربة قبل أن ترفع عينيها وتنظر إلى ذاك الذي يبتسم. لوهلة ظلت شاردة من المفاجأة لكن فاقت وتحولت نظرتها إلى غضب ودفعته بيديها بغضب بعد أن شتمته قائلة:
يا حقير خضتني بسببك قلبي كان هيوقف، مش هتبطل حركاتك الغبية دي، وبعدين...
ابتعد لخطوة وقاطعها ببرود:
سلامة قلبك، وبعدين عيب لما تشتمي دكتور تشريح محترم زيي.
- محترم!
قالتها بسخط. ضحك قائلاً بعتاب:
ليه مش بتردي على اتصالاتي ولا الرسائل؟
نظرت له بغضب قائلة:
سبق وقولت لك أنا مش للتسلية يا دكتور، كمان مش بفرض نفسي على حد مش عارف هو عاوز إيه من اللي قدامه، أنا مش تجربة معرضة للنجاح أو الفشل، أنا أحب الشخص صاحب القرار الحاسم مش اللي بيتسلى و...
قاطعها واضعاً يده على فمها قائلاً:
كل ده رد على سؤال بسيط، وبعدين مين قال لك إني بتسلى و....
قبل أن يكمل تبريره فُتح باب الغرفة ودلف أحد الأطباء. توترت قسمت وشعرت بالخزي، وكادت تغادر حين نظر الطبيب نحوهما. بينما شعر إسماعيل هو الآخر بالضيق من ذاك الموقف وحاول تبرير وجودها هنا قائلاً:
تمام يا دكتورة، هعرف لك الأعراض الجانبية للعلاج اللي قولتي عليه وهكتبها في تقرير مفصل.
بينما تحدث بهمس لها:
هستناكِ بكرة في نفس الكافيه وأرجوكِ بلاش تحرفي الأمر على هواكِ. هنتظرك الساعة أربعة العصر.
هزت رأسها بنفي وقالت بتوتر:
تمام، متشكرة لخدمتك يا دكتور. هستنى التقرير.
غادرت، بينما نظر إسماعيل للطبيب الآخر قائلاً:
منور يا دوك.
ضحك الطبيب قائلاً بمرح:
بنورك يا بروف.
استهزأ إسماعيل قائلاً:
دوك، وبروف... والطبيب المصري أشطر دكتور في العالم. يلا هسيبك عندي جثة في المعمل شغال عليها.
أومأ الطبيب ضاحكاً غير مبالياً لما رآه، فهو لا يعنيه الأمر، وكذلك لم يكونا بموقف مخل.
***
رغم درجة الحرارة القاسية بوقت الظهيرة.
بسهول الجبل.
رغم أنه يعلم أنه نجا بأعجوبة من تلك المداهمة بعد أن لعب معه الحظ وغادر قبل المداهمة التي تمت قبل أيام وقامت بتصفية الكثير من هؤلاء المجرمين الذين كانوا يتخذون من باطن الجبل مأوى لهم. لكن ما يشعر به من غضب يود أن يصرخ، ربما يخف من تلك النار المشتعلة بقلبه. يلوم نفسه غيابه لأسبوع بعيد عن البلدة والدار. حين عاد كانت صدمة أخرى اخترقت قلبه، شبه أهلكته في جب يغرقه، يصارع، لا يستطيع التنفس. كانت تلك الذئبة جائعة لسوء حظها كانت تبحث عن جيفة لطير أو حيوان نافق طعام تقتات به هي وصغارها الذين يحاوطونها. حين رأت ذاك الذي يتقدم قامت بالحربقة عليه ترهبه كي يبتعد عن تلك الجيفة التي عثرت عليها. لكن هو كان متوحشاً أكثر منها. أخرج سلاحه من جيبه وبثوانٍ كان يمطرها هي وصغارها بالرصاص. يصرخ مثل النساء من قسوة جمرة قلبه بسبب رؤيته لـ سراج وثريا تجلس بجواره صباحاً. غضباً يسيطر على عقله، خوض حرباً يحرق الباقي من تلك العائلة الذي ينتمي إليها. وعقله يسأل سؤال واحد: لما وافقت على الزواج ثانياً من سراج؟ والجواب: هي مثل الفراشة تنجذب ناحية الضوء. سراج هو الآخر رسم عليها بالشهامة كما خدعها غيث بمعسول كلامه الزائف. لكن لا، لن يستسلم. لابد أن يقصي سراج مثلما فعل مع غيث حين سفك دمه. ليس طمعاً سوى بأن ينال ثريا لاحقاً. شاهد طرد ولاء وزوجة عمه لها قبل انتهاء أيام العزاء. هو من ساعدها تخرج من المنزل قبل أن يغتالوها بقسوة عذاب. فقد غيث غدراً، وصموه بـ"جلابة النحس". لما وافقت على سراج وأن تعود بين براثن إعصار قد يقتلع قلبها هذه المرة.
سراج... سراج.
دائماً كان بينهم عدم وفاق وتآلف منذ صغرهم. كان ذا شخصية قوية. كانوا يشكلونه ليصبح هو كبير العائلة. رغم ذلك شرد عنهم واختار طريقاً آخر. حتى حين عاد نسوا أنه تخلى عن مكانته سابقاً بإرادته. أعطوا له حجماً أكبر ورحبوا بعودته. وقت قليل وسيطر على عقول ليس فقط كبار العائلة بل كبار البلدة والمحافظة. فعلته مع ثريا وأنقذه لها. وبعدها زواجه من أرملة أحد أبناء العائلة أظهرته ليس فقط بالشهامة، كذلك بالرجولة. لم يتهم أنه شاب وكان من حقه فتاة لم يسبق لها الزواج. أثبت أن الشهامة مع الرجولة لا تنقص منه إن تزوج بامرأة كانت لغيره سابقاً. وهي كيف وافقته؟ هذا ما يحير عقله. حاول لفت انتباهها أكثر من مرة لكن كانت تعطي رد فعل غير مبالية. بل كان أحياناً يشعر أنها قد تظن أنه مثل غيث لقربه منه بحكم أنهما دائماً كانا معاً. والحقيقة هل يفرق عنه؟ الجواب... لا، بل أسوأ منه. أنت قتلت من أجل امرأة ومع ذلك لم تنالها. لكن لا شيء مستحيل وعلى استعداد بسحق جديد.
***
بدار عمران العوامري.
بالمطبخ.
كانت كل من فهيمة وثريا تساعدان الخدمات في الانتهاء من تجهيز وجبة الغداء. تبسمت عدلات لـ ثريا قائلة:
إنتِ لسه عروسة، المفروض ما تقفيش معانا هنا بالمطبخ والوكل يجي لحد عندكِ بالأوضة بتاع سراج بيه.
تهكمت ثريا وقبل أن تتحدث كانت دخلت ولاء إلى المطبخ وسمعت حديث الخادمة واستهزأت وهي تنظر إلى ثريا بدونية قائلة باستهزاء وتلميح صريح:
كانت بت بنوت إياك وأول جوازة لها، مالوش لازمة الدلع المايع ده. وشيلوا شوية خلصوا الوكل، زمان الرجالة على وصول.
شعرت ثريا بالغضب من قولها وتوقفت عن ما كانت تفعله قائلة:
صحيح مش أول جوازة ليا، بس ده ميمنعش إني عروسة برضك، والحمد لله بتجوز بشرع ربنا مش ماشية في الحرام ولا عملت حاجة محدش عملها قبل كده. وكمان مش أنا اللي رميت نفسي على سراج وغصبته يتجوزني، هو عشجان (عاشق) والدليل العرس اللي عمله سبع ليالي بحالهم ده. الناس في الكفر لسه بتتحدث عالعرس ده لحد دلوقتي.
سمع كل من بالمطبخ صوت صك أسنان ولاء التي شعرت بغضب وقالت باستقلال واستقواء:
بلاش تتغري يا بت الحناوي، وإلزمي حدودك واعرفي بتتحدثي ويا مين، بلاش تفكري إن ليكِ مكانة هنا. إنتِ زيك زي أي شغالة هنا، بالنهار تخدمي في الدار وبالليل تبقي تحت مزاج سيدك سراج. يمكن تفلحي وتملي مزاجه يرضي عنك، قبل ما يفوق زهوة الشهامة، وزي ما حصل قبل سابق تلاقي نفسك مطرودة من جنة العوامرية، بس المرة دي هتطردي خالية.
شعرت ثريا بالغيظ، ودت الرد على ولاء بما يناسبها، لكن غادرت ولاء بعد حديثها الفظ ووجهت أمرها للخادمات بإنهاء عملهن. كذلك أمسكت فهيمة يد ثريا وقالت لها بهدوء:
بلاش تردي عليها يا ثريا، هي بتستفزك للغلط.
تعصبت ثريا قائلة بغضب:
أغلط... في مين دي؟ مين أساساً واحدة حشرية وعاوزة تفرض سيطرتها إنها لها مكانة وكلمة حتى على رجالة العيلة. مفكرة نفسها صاحبة شأن على عيلة كل رجالتها...
وضعت فهيمة يدها على فم ثريا قبل أن تزيد وتخطئ وجذبتها وخرجن من المطبخ بعد أن غمزت لـ عدلات التي نظرت إلى بقية الخادمات بتعسف قائلة:
مالكم وقفتوا شغل ليه؟ الست ثريا مهما إن كانت هي دلوقتي مرات سراج بيه، ولازم تتعاملوا معاها على هذا الأساس، وإحنا ملناش صالح بأمورها مع الست ولاء، دول نسوان العيلة وإحنا خدامين لقمة عيشنا. يلا هموا خلونا نخلص.
شعرن بالخزي وعدن لعملهن، بينما بغرفة تخزين جوار المطبخ توقفت فهيمة مع ثريا قائلة بتنبيه:
ثريا بلاش تتحدثي قدام الخادمات كده، في منهم بينقل الحديث لـ عمتي ولاء وكمان بلاش تنشطي قصادها، هي كده بتجرك للغلط ولما تردي عليها هي بتعصبك أكتر. الأحسن تبقي زيي وتفوتي لها.
نظرت ثريا لـ فهيمة:
سبق وعاشرت ولاء وأختها، الاتنين كانوا أسوأ من بعض، وسكتت وفي النهاية ما أخذت من عيلة العوامري غير عذاب روحي، ومش ناوية أنحني ولا أحط واطي مرة تانية لحد ومش خايفة إن حديثي يتنقل لها. أنا مش باقية على حد.
غادرت ثريا تشعر بغضب، بينما فهيمة تنهدت بقلة حيلة قائلة بأسى:
عارفة اللي حصل لك منهم قبل كده، ربنا ينتقم منهم.
صعدت ثريا إلى تلك الغرفة وقفت تشعر باختناق تستشعر غضبها. تود أن تصرخ لكن لا، هي لن تنهزم مرة أخرى ولن تتخذ الصمت كما فعلت سابقاً. لن تظل مهزومة، يكفي انهزاماً، هي تمتلك عمراً واحداً فقط، ولن تقبل إهانة أو امتثال لرغبة أحد غير نفسها.
بينما ولاء ذهبت إلى غرفة الضيوف وجلست تضجع بظهرها تشعر بزهو وهدوء نفسي بعد أن أفضت غضبها بـ ثريا أمام الخادمات وعرّفتها قيمتها أنها لا تفرق عنهن، بل هي الأسوأ. هي هنا خادمة وجارية لرغبات سراج، التي لديها يقين أنها لن تستمر كثيراً، فهي أخيب بل أضعف من أن تعلم أساليب جذب النساء لمجاراة متطلبات الرجال.
***
مساءاً.
أمام تلك البقالة.
أثناء سير ممدوح سمع نداء فتحي عليه. ذهب نحوه تبسم قائلاً:
صباح الخير يا عم فتحي.
رد عليه:
صباح النور، تعالي يا ممدوح كويس إني شفتك قبل ما تروح القهوة. تعالي عاوزك في أمر مهم.
ابتسم ممدوح ودخل إلى المحل، جلس جواره. تبسم فتحي قائلاً:
رغد شكرت لي إنك لخصت لها جزء من المنهج ما كنتش فاهم. أنا بالصدفة إمبارح كنت في البندر بشتري بضاعة، والمصنع اللي كنت بشتري منه، بيورد وجبات غذائية لمدرسة خاصة. وسمعت منهم إن المدرسة محتاجة مدرسين جدد. سألت عن اسم ومكان المدرسة، وأهو كتبتهم في الورقة دي. روح يا ولدي وقدم فيها، يمكن الحظ يساعدك. إنت كنت من الأوائل في الجامعة، بلاها تدفن شهادتك وتشتغل قهوجي زي اللي ما معهوش شهادة.
غص قلب ممدوح، هو يشعر هكذا حقاً. لكن هل يعلم فتحي أنه حاول سابقاً التقديم لأكثر من مدرسة للعمل وكان الرفض دون أسباب. لكن وافق فتحي فقط وأخذ تلك الورقة ونهض قائلاً:
تسلم يا عم فتحي.
حرضه فتحي قائلاً:
قدم يا ولدي وتفائل خير وربنا هيرضيك.
أومأ له برأسه فقط دون حديث وغادر يشعر بأسى من حظه السيئ. لو كان ذا نفوذ أو سطوة لكان له شأن آخر مميز. على سيرة النفوذ والسطوة، لما لا يفكر في استغلال نسب عائلة العوامري. لا... سرعان ما ذم نفسه. هو ليس مثل ثريا أخته. لن يخضع لا لـ سطوة ولا نفوذ حتى لو اضطر أن يبقى صاحب مقهى صغير يكفيه أنه يستطيع تدبير شؤونه واحتياجاته المادية دون الاعتماد على أحد.
***
بدار العوامري.
بالمطبخ.
كانت كل من فهيمة وثريا تساعدان الخدمات في الانتهاء من تجهيز وجبة الغداء. تبسمت عدلات لـ ثريا قائلة:
إنتِ لسه عروسة، المفروض ما تقفيش معانا هنا بالمطبخ والوكل يجي لحد عندكِ بالأوضة بتاع سراج بيه.
تهكمت ثريا وقبل أن تتحدث كانت دخلت ولاء إلى المطبخ وسمعت حديث الخادمة واستهزأت وهي تنظر إلى ثريا بدونية قائلة باستهزاء وتلميح صريح:
كانت بت بنوت إياك وأول جوازة لها، مالوش لازمة الدلع المايع ده. وشيلوا شوية خلصوا الوكل، زمان الرجالة على وصول.
شعرت ثريا بالغضب من قولها وتوقفت عن ما كانت تفعله قائلة:
صحيح مش أول جوازة ليا، بس ده ميمنعش إني عروسة برضك، والحمد لله بتجوز بشرع ربنا مش ماشية في الحرام ولا عملت حاجة محدش عملها قبل كده. وكمان مش أنا اللي رميت نفسي على سراج وغصبته يتجوزني، هو عشجان (عاشق) والدليل العرس اللي عمله سبع ليالي بحالهم ده. الناس في الكفر لسه بتتحدث عالعرس ده لحد دلوقتي.
سمع كل من بالمطبخ صوت صك أسنان ولاء التي شعرت بغضب وقالت باستقلال واستقواء:
بلاش تتغري يا بت الحناوي، وإلزمي حدودك واعرفي بتتحدثي ويا مين، بلاش تفكري إن ليكِ مكانة هنا. إنتِ زيك زي أي شغالة هنا، بالنهار تخدمي في الدار وبالليل تبقي تحت مزاج سيدك سراج. يمكن تفلحي وتملي مزاجه يرضي عنك، قبل ما يفوق زهوة الشهامة، وزي ما حصل قبل سابق تلاقي نفسك مطرودة من جنة العوامرية، بس المرة دي هتطردي خالية.
شعرت ثريا بالغيظ، ودت الرد على ولاء بما يناسبها، لكن غادرت ولاء بعد حديثها الفظ ووجهت أمرها للخادمات بإنهاء عملهن. كذلك أمسكت فهيمة يد ثريا وقالت لها بهدوء:
بلاش تردي عليها يا ثريا، هي بتستفزك للغلط.
تعصبت ثريا قائلة بغضب:
أغلط... في مين دي؟ مين أساساً واحدة حشرية وعاوزة تفرض سيطرتها إنها لها مكانة وكلمة حتى على رجالة العيلة. مفكرة نفسها صاحبة شأن على عيلة كل رجالتها...
وضعت فهيمة يدها على فم ثريا قبل أن تزيد وتخطئ وجذبتها وخرجن من المطبخ بعد أن غمزت لـ عدلات التي نظرت إلى بقية الخادمات بتعسف قائلة:
مالكم وقفتوا شغل ليه؟ الست ثريا مهما إن كانت هي دلوقتي مرات سراج بيه، ولازم تتعاملوا معاها على هذا الأساس، وإحنا ملناش صالح بأمورها مع الست ولاء، دول نسوان العيلة وإحنا خدامين لقمة عيشنا. يلا هموا خلونا نخلص.
شعرن بالخزي وعدن لعملهن، بينما بغرفة تخزين جوار المطبخ توقفت فهيمة مع ثريا قائلة بتنبيه:
ثريا بلاش تتحدثي قدام الخادمات كده، في منهم بينقل الحديث لـ عمتي ولاء وكمان بلاش تنشطي قصادها، هي كده بتجرك للغلط ولما تردي عليها هي بتعصبك أكتر. الأحسن تبقي زيي وتفوتي لها.
نظرت ثريا لـ فهيمة:
سبق وعاشرت ولاء وأختها، الاتنين كانوا أسوأ من بعض، وسكتت وفي النهاية ما أخذت من عيلة العوامري غير عذاب روحي، ومش ناوية أنحني ولا أحط واطي مرة تانية لحد ومش خايفة إن حديثي يتنقل لها. أنا مش باقية على حد.
غادرت ثريا تشعر بغضب، بينما فهيمة تنهدت بقلة حيلة قائلة بأسى:
عارفة اللي حصل لك منهم قبل كده، ربنا ينتقم منهم.
صعدت ثريا إلى تلك الغرفة وقفت تشعر باختناق تستشعر غضبها. تود أن تصرخ لكن لا، هي لن تنهزم مرة أخرى ولن تتخذ الصمت كما فعلت سابقاً. لن تظل مهزومة، يكفي انهزاماً، هي تمتلك عمراً واحداً فقط، ولن تقبل إهانة أو امتثال لرغبة أحد غير نفسها.
بينما ولاء ذهبت إلى غرفة الضيوف وجلست تضجع بظهرها تشعر بزهو وهدوء نفسي بعد أن أفضت غضبها بـ ثريا أمام الخادمات وعرّفتها قيمتها أنها لا تفرق عنهن، بل هي الأسوأ. هي هنا خادمة وجارية لرغبات سراج، التي لديها يقين أنها لن تستمر كثيراً، فهي أخيب بل أضعف من أن تعلم أساليب جذب النساء لمجاراة متطلبات الرجال.
***
بدار العوامري.
بالمطبخ.
كانت كل من فهيمة وثريا تساعدان الخدمات في الانتهاء من تجهيز وجبة الغداء. تبسمت عدلات لـ ثريا قائلة:
إنتِ لسه عروسة، المفروض ما تقفيش معانا هنا بالمطبخ والوكل يجي لحد عندكِ بالأوضة بتاع سراج بيه.
تهكمت ثريا وقبل أن تتحدث كانت دخلت ولاء إلى المطبخ وسمعت حديث الخادمة واستهزأت وهي تنظر إلى ثريا بدونية قائلة باستهزاء وتلميح صريح:
كانت بت بنوت إياك وأول جوازة لها، مالوش لازمة الدلع المايع ده. وشيلوا شوية خلصوا الوكل، زمان الرجالة على وصول.
شعرت ثريا بالغضب من قولها وتوقفت عن ما كانت تفعله قائلة:
صحيح مش أول جوازة ليا، بس ده ميمنعش إني عروسة برضك، والحمد لله بتجوز بشرع ربنا مش ماشية في الحرام ولا عملت حاجة محدش عملها قبل كده. وكمان مش أنا اللي رميت نفسي على سراج وغصبته يتجوزني، هو عشجان (عاشق) والدليل العرس اللي عمله سبع ليالي بحالهم ده. الناس في الكفر لسه بتتحدث عالعرس ده لحد دلوقتي.
سمع كل من بالمطبخ صوت صك أسنان ولاء التي شعرت بغضب وقالت باستقلال واستقواء:
بلاش تتغري يا بت الحناوي، وإلزمي حدودك واعرفي بتتحدثي ويا مين، بلاش تفكري إن ليكِ مكانة هنا. إنتِ زيك زي أي شغالة هنا، بالنهار تخدمي في الدار وبالليل تبقي تحت مزاج سيدك سراج. يمكن تفلحي وتملي مزاجه يرضي عنك، قبل ما يفوق زهوة الشهامة، وزي ما حصل قبل سابق تلاقي نفسك مطرودة من جنة العوامرية، بس المرة دي هتطردي خالية.
شعرت ثريا بالغيظ، ودت الرد على ولاء بما يناسبها، لكن غادرت ولاء بعد حديثها الفظ ووجهت أمرها للخادمات بإنهاء عملهن. كذلك أمسكت فهيمة يد ثريا وقالت لها بهدوء:
بلاش تردي عليها يا ثريا، هي بتستفزك للغلط.
تعصبت ثريا قائلة بغضب:
أغلط... في مين دي؟ مين أساساً واحدة حشرية وعاوزة تفرض سيطرتها إنها لها مكانة وكلمة حتى على رجالة العيلة. مفكرة نفسها صاحبة شأن على عيلة كل رجالتها...
وضعت فهيمة يدها على فم ثريا قبل أن تزيد وتخطئ وجذبتها وخرجن من المطبخ بعد أن غمزت لـ عدلات التي نظرت إلى بقية الخادمات بتعسف قائلة:
مالكم وقفتوا شغل ليه؟ الست ثريا مهما إن كانت هي دلوقتي مرات سراج بيه، ولازم تتعاملوا معاها على هذا الأساس، وإحنا ملناش صالح بأمورها مع الست ولاء، دول نسوان العيلة وإحنا خدامين لقمة عيشنا. يلا هموا خلونا نخلص.
شعرن بالخزي وعدن لعملهن، بينما بغرفة تخزين جوار المطبخ توقفت فهيمة مع ثريا قائلة بتنبيه:
ثريا بلاش تتحدثي قدام الخادمات كده، في منهم بينقل الحديث لـ عمتي ولاء وكمان بلاش تنشطي قصادها، هي كده بتجرك للغلط ولما تردي عليها هي بتعصبك أكتر. الأحسن تبقي زيي وتفوتي لها.
نظرت ثريا لـ فهيمة:
سبق وعاشرت ولاء وأختها، الاتنين كانوا أسوأ من بعض، وسكتت وفي النهاية ما أخذت من عيلة العوامري غير عذاب روحي، ومش ناوية أنحني ولا أحط واطي مرة تانية لحد ومش خايفة إن حديثي يتنقل لها. أنا مش باقية على حد.
غادرت ثريا تشعر بغضب، بينما فهيمة تنهدت بقلة حيلة قائلة بأسى:
عارفة اللي حصل لك منهم قبل كده، ربنا ينتقم منهم.
صعدت ثريا إلى تلك الغرفة وقفت تشعر باختناق تستشعر غضبها. تود أن تصرخ لكن لا، هي لن تنهزم مرة أخرى ولن تتخذ الصمت كما فعلت سابقاً. لن تظل مهزومة، يكفي انهزاماً، هي تمتلك عمراً واحداً فقط، ولن تقبل إهانة أو امتثال لرغبة أحد غير نفسها.
بينما ولاء ذهبت إلى غرفة الضيوف وجلست تضجع بظهرها تشعر بزهو وهدوء نفسي بعد أن أفضت غضبها بـ ثريا أمام الخادمات وعرّفتها قيمتها أنها لا تفرق عنهن، بل هي الأسوأ. هي هنا خادمة وجارية لرغبات سراج، التي لديها يقين أنها لن تستمر كثيراً، فهي أخيب بل أضعف من أن تعلم أساليب جذب النساء لمجاراة متطلبات الرجال.
***
بدار العوامري.
بالمطبخ.
كانت كل من فهيمة وثريا تساعدان الخدمات في الانتهاء من تجهيز وجبة الغداء. تبسمت عدلات لـ ثريا قائلة:
إنتِ لسه عروسة، المفروض ما تقفيش معانا هنا بالمطبخ والوكل يجي لحد عندكِ بالأوضة بتاع سراج بيه.
تهكمت ثريا وقبل أن تتحدث كانت دخلت ولاء إلى المطبخ وسمعت حديث الخادمة واستهزأت وهي تنظر إلى ثريا بدونية قائلة باستهزاء وتلميح صريح:
كانت بت بنوت إياك وأول جوازة لها، مالوش لازمة الدلع المايع ده. وشيلوا شوية خلصوا الوكل، زمان الرجالة على وصول.
شعرت ثريا بالغضب من قولها وتوقفت عن ما كانت تفعله قائلة:
صحيح مش أول جوازة ليا، بس ده ميمنعش إني عروسة برضك، والحمد لله بتجوز بشرع ربنا مش ماشية في الحرام ولا عملت حاجة محدش عملها قبل كده. وكمان مش أنا اللي رميت نفسي على سراج وغصبته يتجوزني، هو عشجان (عاشق) والدليل العرس اللي عمله سبع ليالي بحالهم ده. الناس في الكفر لسه بتتحدث عالعرس ده لحد دلوقتي.
سمع كل من بالمطبخ صوت صك أسنان ولاء التي شعرت بغضب وقالت باستقلال واستقواء:
بلاش تتغري يا بت الحناوي، وإلزمي حدودك واعرفي بتتحدثي ويا مين، بلاش تفكري إن ليكِ مكانة هنا. إنتِ زيك زي أي شغالة هنا، بالنهار تخدمي في الدار وبالليل تبقي تحت مزاج سيدك سراج. يمكن تفلحي وتملي مزاجه يرضي عنك، قبل ما يفوق زهوة الشهامة، وزي ما حصل قبل سابق تلاقي نفسك مطرودة من جنة العوامرية، بس المرة دي هتطردي خالية.
شعرت ثريا بالغيظ، ودت الرد على ولاء بما يناسبها، لكن غادرت ولاء بعد حديثها الفظ ووجهت أمرها للخادمات بإنهاء عملهن. كذلك أمسكت فهيمة يد ثريا وقالت لها بهدوء:
بلاش تردي عليها يا ثريا، هي بتستفزك للغلط.
تعصبت ثريا قائلة بغضب:
أغلط... في مين دي؟ مين أساساً واحدة حشرية وعاوزة تفرض سيطرتها إنها لها مكانة وكلمة حتى على رجالة العيلة. مفكرة نفسها صاحبة شأن على عيلة كل رجالتها...
وضعت فهيمة يدها على فم ثريا قبل أن تزيد وتخطئ وجذبتها وخرجن من المطبخ بعد أن غمزت لـ عدلات التي نظرت إلى بقية الخادمات بتعسف قائلة:
مالكم وقفتوا شغل ليه؟ الست ثريا مهما إن كانت هي دلوقتي مرات سراج بيه، ولازم تتعاملوا معاها على هذا الأساس، وإحنا ملناش صالح بأمورها مع الست ولاء، دول نسوان العيلة وإحنا خدامين لقمة عيشنا. يلا هموا خلونا نخلص.
شعرن بالخزي وعدن لعملهن، بينما بغرفة تخزين جوار المطبخ توقفت فهيمة مع ثريا قائلة بتنبيه:
ثريا بلاش تتحدثي قدام الخادمات كده، في منهم بينقل الحديث لـ عمتي ولاء وكمان بلاش تنشطي قصادها، هي كده بتجرك للغلط ولما تردي عليها هي بتعصبك أكتر. الأحسن تبقي زيي وتفوتي لها.
نظرت ثريا لـ فهيمة:
سبق وعاشرت ولاء وأختها، الاتنين كانوا أسوأ من بعض، وسكتت وفي النهاية ما أخذت من عيلة العوامري غير عذاب روحي، ومش ناوية أنحني ولا أحط واطي مرة تانية لحد ومش خايفة إن حديثي يتنقل لها. أنا مش باقية على حد.
غادرت ثريا تشعر بغضب، بينما فهيمة تنهدت بقلة حيلة قائلة بأسى:
عارفة اللي حصل لك منهم قبل كده، ربنا ينتقم منهم.
صعدت ثريا إلى تلك الغرفة وقفت تشعر باختناق تستشعر غضبها. تود أن تصرخ لكن لا، هي لن تنهزم مرة أخرى ولن تتخذ الصمت كما فعلت سابقاً. لن تظل مهزومة، يكفي انهزاماً، هي تمتلك عمراً واحداً فقط، ولن تقبل إهانة أو امتثال لرغبة أحد غير نفسها.
بينما ولاء ذهبت إلى غرفة الضيوف وجلست تضجع بظهرها تشعر بزهو وهدوء نفسي بعد أن أفضت غضبها بـ ثريا أمام الخادمات وعرّفتها قيمتها أنها لا تفرق عنهن، بل هي الأسوأ. هي هنا خادمة وجارية لرغبات سراج، التي لديها يقين أنها لن تستمر كثيراً، فهي أخيب بل أضعف من أن تعلم أساليب جذب النساء لمجاراة متطلبات الرجال.
***
بدار العوامري.
بالمطبخ.
كانت كل من فهيمة وثريا تساعدان الخدمات في الانتهاء من تجهيز وجبة الغداء. تبسمت عدلات لـ ثريا قائلة:
إنتِ لسه عروسة، المفروض ما تقفيش معانا هنا بالمطبخ والوكل يجي لحد عندكِ بالأوضة بتاع سراج بيه.
تهكمت ثريا وقبل أن تتحدث كانت دخلت ولاء إلى المطبخ وسمعت حديث الخادمة واستهزأت وهي تنظر إلى ثريا بدونية قائلة باستهزاء وتلميح صريح:
كانت بت بنوت إياك وأول جوازة لها، مالوش لازمة الدلع المايع ده. وشيلوا شوية خلصوا الوكل، زمان الرجالة على وصول.
شعرت ثريا بالغضب من قولها وتوقفت عن ما كانت تفعله قائلة:
صحيح مش أول جوازة ليا، بس ده ميمنعش إني عروسة برضك، والحمد لله بتجوز بشرع ربنا مش ماشية في الحرام ولا عملت حاجة محدش عملها قبل كده. وكمان مش أنا اللي رميت نفسي على سراج وغصبته يتجوزني، هو عشجان (عاشق) والدليل العرس اللي عمله سبع ليالي بحالهم ده. الناس في الكفر لسه بتتحدث عالعرس ده لحد دلوقتي.
سمع كل من بالمطبخ صوت صك أسنان ولاء التي شعرت بغضب وقالت باستقلال واستقواء:
بلاش تتغري يا بت الحناوي، وإلزمي حدودك واعرفي بتتحدثي ويا مين، بلاش تفكري إن ليكِ مكانة هنا. إنتِ زيك زي أي شغالة هنا، بالنهار تخدمي في الدار وبالليل تبقي تحت مزاج سيدك سراج. يمكن تفلحي وتملي مزاجه يرضي عنك، قبل ما يفوق زهوة الشهامة، وزي ما حصل قبل سابق تلاقي نفسك مطرودة من جنة العوامرية، بس المرة دي هتطردي خالية.
شعرت ثريا بالغيظ، ودت الرد على ولاء بما يناسبها، لكن غادرت ولاء بعد حديثها الفظ ووجهت أمرها للخادمات بإنهاء عملهن. كذلك أمسكت فهيمة يد ثريا وقالت لها بهدوء:
بلاش تردي عليها يا ثريا، هي بتستفزك للغلط.
تعصبت ثريا قائلة بغضب:
أغلط... في مين دي؟ مين أساساً واحدة حشرية وعاوزة تفرض سيطرتها إنها لها مكانة وكلمة حتى على رجالة العيلة. مفكرة نفسها صاحبة شأن على عيلة كل رجالتها...
وضعت فهيمة يدها على فم ثريا قبل أن تزيد وتخطئ وجذبتها وخرجن من المطبخ بعد أن غمزت لـ عدلات التي نظرت إلى بقية الخادمات بتعسف قائلة:
مالكم وقفتوا شغل ليه؟ الست ثريا مهما إن كانت هي دلوقتي مرات سراج بيه، ولازم تتعاملوا معاها على هذا الأساس، وإحنا ملناش صالح بأمورها مع الست ولاء، دول نسوان العيلة وإحنا خدامين لقمة عيشنا. يلا هموا خلونا نخلص.
شعرن بالخزي وعدن لعملهن، بينما بغرفة تخزين جوار المطبخ توقفت فهيمة مع ثريا قائلة بتنبيه:
ثريا بلاش تتحدثي قدام الخادمات كده، في منهم بينقل الحديث لـ عمتي ولاء وكمان بلاش تنشطي قصادها، هي كده بتجرك للغلط ولما تردي عليها هي بتعصبك أكتر. الأحسن تبقي زيي وتفوتي لها.
نظرت ثريا لـ فهيمة:
سبق وعاشرت ولاء وأختها، الاتنين كانوا أسوأ من بعض، وسكتت وفي النهاية ما أخذت من عيلة العوامري غير عذاب روحي، ومش ناوية أنحني ولا أحط واطي مرة تانية لحد ومش خايفة إن حديثي يتنقل لها. أنا مش باقية على حد.
غادرت ثريا تشعر بغضب، بينما فهيمة تنهدت بقلة حيلة قائلة بأسى:
عارفة اللي حصل لك منهم قبل كده، ربنا ينتقم منهم.
صعدت ثريا إلى تلك الغرفة وقفت تشعر باختناق تستشعر غضبها. تود أن تصرخ لكن لا، هي لن تنهزم مرة أخرى ولن تتخذ الصمت كما فعلت سابقاً. لن تظل مهزومة، يكفي انهزاماً، هي تمتلك عمراً واحداً فقط، ولن تقبل إهانة أو امتثال لرغبة أحد غير نفسها.
بينما ولاء ذهبت إلى غرفة الضيوف وجلست تضجع بظهرها تشعر بزهو وهدوء نفسي بعد أن أفضت غضبها بـ ثريا أمام الخادمات وعرّفتها قيمتها أنها لا تفرق عنهن، بل هي الأسوأ. هي هنا خادمة وجارية لرغبات سراج، التي لديها يقين أنها لن تستمر كثيراً، فهي أخيب بل أضعف من أن تعلم أساليب جذب النساء لمجاراة متطلبات الرجال.
***
بدار العوامري.
بالمطبخ.
كانت كل من فهيمة وثريا تساعدان الخدمات في الانتهاء من تجهيز وجبة الغداء. تبسمت عدلات لـ ثريا قائلة:
إنتِ لسه عروسة، المفروض ما تقفيش معانا هنا بالمطبخ والوكل يجي لحد عندكِ بالأوضة بتاع سراج بيه.
تهكمت ثريا وقبل أن تتحدث كانت دخلت ولاء إلى المطبخ وسمعت حديث الخادمة واستهزأت وهي تنظر إلى ثريا بدونية قائلة باستهزاء وتلميح صريح:
كانت بت بنوت إياك وأول جوازة لها، مالوش لازمة الدلع المايع ده. وشيلوا شوية خلصوا الوكل، زمان الرجالة على وصول.
شعرت ثريا بالغضب من قولها وتوقفت عن ما كانت تفعله قائلة:
صحيح مش أول جوازة ليا، بس ده ميمنعش إني عروسة برضك، والحمد لله بتجوز بشرع ربنا مش ماشية في الحرام ولا عملت حاجة محدش عملها قبل كده. وكمان مش أنا اللي رميت نفسي على سراج وغصبته يتجوزني، هو عشجان (عاشق) والدليل العرس اللي عمله سبع ليالي بحالهم ده. الناس في الكفر لسه بتتحدث عالعرس ده لحد دلوقتي.
سمع كل من بالمطبخ صوت صك أسنان ولاء التي شعرت بغضب وقالت باستقلال واستقواء:
بلاش تتغري يا بت الحناوي، وإلزمي حدودك واعرفي بتتحدثي ويا مين، بلاش تفكري إن ليكِ مكانة هنا. إنتِ زيك زي أي شغالة هنا، بالنهار تخدمي في الدار وبالليل تبقي تحت مزاج سيدك سراج. يمكن تفلحي وتملي مزاجه يرضي عنك، قبل ما يفوق زهوة الشهامة، وزي ما حصل قبل سابق تلاقي نفسك مطرودة من جنة العوامرية، بس المرة دي هتطردي خالية.
شعرت ثريا بالغيظ، ودت الرد على ولاء بما يناسبها، لكن غادرت ولاء بعد حديثها الفظ ووجهت أمرها للخادمات بإنهاء عملهن. كذلك أمسكت فهيمة يد ثريا وقالت لها بهدوء:
بلاش تردي عليها يا ثريا، هي بتستفزك للغلط.
تعصبت ثريا قائلة بغضب:
أغلط... في مين دي؟ مين أساساً واحدة حشرية وعاوزة تفرض سيطرتها إنها لها مكانة وكلمة حتى على رجالة العيلة. مفكرة نفسها صاحبة شأن على عيلة كل رجالتها...
وضعت فهيمة يدها على فم ثريا قبل أن تزيد وتخطئ وجذبتها وخرجن من المطبخ بعد أن غمزت لـ عدلات التي نظرت إلى بقية الخادمات بتعسف قائلة:
مالكم وقفتوا شغل ليه؟ الست ثريا مهما إن كانت هي دلوقتي مرات سراج بيه، ولازم تتعاملوا معاها على هذا الأساس، وإحنا ملناش صالح بأمورها مع الست ولاء، دول نسوان العيلة وإحنا خدامين لقمة عيشنا. يلا هموا خلونا نخلص.
شعرن بالخزي وعدن لعملهن، بينما بغرفة تخزين جوار المطبخ توقفت فهيمة مع ثريا قائلة بتنبيه:
ثريا بلاش تتحدثي قدام الخادمات كده، في منهم بينقل الحديث لـ عمتي ولاء وكمان بلاش تنشطي قصادها، هي كده بتجرك للغلط ولما تردي عليها هي بتعصبك أكتر. الأحسن تبقي زيي وتفوتي لها.
نظرت ثريا لـ فهيمة:
سبق وعاشرت ولاء وأختها، الاتنين كانوا أسوأ من بعض، وسكتت وفي النهاية ما أخذت من عيلة العوامري غير عذاب روحي، ومش ناوية أنحني ولا أحط واطي مرة تانية لحد ومش خايفة إن حديثي يتنقل لها. أنا مش باقية على حد.
غادرت ثريا تشعر بغضب، بينما فهيمة تنهدت بقلة حيلة قائلة بأسى:
عارفة اللي حصل لك منهم قبل كده، ربنا ينتقم منهم.
صعدت ثريا إلى تلك الغرفة وقفت تشعر باختناق تستشعر غضبها. تود أن تصرخ لكن لا، هي لن تنهزم مرة أخرى ولن تتخذ الصمت كما فعلت سابقاً. لن تظل مهزومة، يكفي انهزاماً، هي تمتلك عمراً واحداً فقط، ولن تقبل إهانة أو امتثال لرغبة أحد غير نفسها.
بينما ولاء ذهبت إلى غرفة الضيوف وجلست تضجع بظهرها تشعر بزهو وهدوء نفسي بعد أن أفضت غضبها بـ ثريا أمام الخادمات وعرّفتها قيمتها أنها لا تفرق عنهن، بل هي الأسوأ. هي هنا خادمة وجارية لرغبات سراج، التي لديها يقين أنها لن تستمر كثيراً، فهي أخيب بل أضعف من أن تعلم أساليب جذب النساء لمجاراة متطلبات الرجال.
***
بدار العوامري.
بالمطبخ.
كانت كل من فهيمة وثريا تساعدان الخدمات في الانتهاء من تجهيز وجبة الغداء. تبسمت عدلات لـ ثريا قائلة:
إنتِ لسه عروسة، المفروض ما تقفيش معانا هنا بالمطبخ والوكل يجي لحد عندكِ بالأوضة بتاع سراج بيه.
تهكمت ثريا وقبل أن تتحدث كانت دخلت ولاء إلى المطبخ وسمعت حديث الخادمة واستهزأت وهي تنظر إلى ثريا بدونية قائلة باستهزاء وتلميح صريح:
كانت بت بنوت إياك وأول جوازة لها، مالوش لازمة الدلع المايع ده. وشيلوا شوية خلصوا الوكل، زمان الرجالة على وصول.
شعرت ثريا بالغضب من قولها وتوقفت عن ما كانت تفعله قائلة:
صحيح مش أول جوازة ليا، بس ده ميمنعش إني عروسة برضك، والحمد لله بتجوز بشرع ربنا مش ماشية في الحرام ولا عملت حاجة محدش عملها قبل كده. وكمان مش أنا اللي رميت نفسي على سراج وغصبته يتجوزني، هو عشجان (عاشق) والدليل العرس اللي عمله سبع ليالي بحالهم ده. الناس في الكفر لسه بتتحدث عالعرس ده لحد دلوقتي.
سمع كل من بالمطبخ صوت صك أسنان ولاء التي شعرت بغضب وقالت باستقلال واستقواء:
بلاش تتغري يا بت الحناوي، وإلزمي حدودك واعرفي بتتحدثي ويا مين، بلاش تفكري إن ليكِ مكانة هنا. إنتِ زيك زي أي شغالة هنا، بالنهار تخدمي في الدار وبالليل تبقي تحت مزاج سيدك سراج. يمكن تفلحي وتملي مزاجه يرضي عنك، قبل ما يفوق زهوة الشهامة، وزي ما حصل قبل سابق تلاقي نفسك مطرودة من جنة العوامرية، بس المرة دي هتطردي خالية.
شعرت ثريا بالغيظ، ودت الرد على ولاء بما يناسبها، لكن غادرت ولاء بعد حديثها الفظ ووجهت أمرها للخادمات بإنهاء عملهن. كذلك أمسكت فهيمة يد ثريا وقالت لها بهدوء:
بلاش تردي عليها يا ثريا، هي بتستفزك للغلط.
تعصبت ثريا قائلة بغضب:
أغلط... في مين دي؟ مين أساساً واحدة حشرية وعاوزة تفرض سيطرتها إنها لها مكانة وكلمة حتى على رجالة العيلة. مفكرة نفسها صاحبة شأن على عيلة كل رجالتها...
وضعت فهيمة يدها على فم ثريا قبل أن تزيد وتخطئ وجذبتها وخرجن من المطبخ بعد أن غمزت لـ عدلات التي نظرت إلى بقية الخادمات بتعسف قائلة:
مالكم وقفتوا شغل ليه؟ الست ثريا مهما إن كانت هي دلوقتي مرات سراج بيه، ولازم تتعاملوا معاها على هذا الأساس، وإحنا ملناش صالح بأمورها مع الست ولاء، دول نسوان العيلة وإحنا خدامين لقمة عيشنا. يلا هموا خلونا نخلص.
شعرن بالخزي وعدن لعملهن، بينما بغرفة تخزين جوار المطبخ توقفت فهيمة مع ثريا قائلة بتنبيه:
ثريا بلاش تتحدثي قدام الخادمات كده، في منهم بينقل الحديث لـ عمتي ولاء وكمان بلاش تنشطي قصادها، هي كده بتجرك للغلط ولما تردي عليها هي بتعصبك أكتر. الأحسن تبقي زيي وتفوتي لها.
نظرت ثريا لـ فهيمة:
سبق وعاشرت ولاء وأختها، الاتنين كانوا أسوأ من بعض، وسكتت وفي النهاية ما أخذت من عيلة العوامري غير عذاب روحي، ومش ناوية أنحني ولا أحط واطي مرة تانية لحد ومش خايفة إن حديثي يتنقل لها. أنا مش باقية على حد.
غادرت ثريا تشعر بغضب، بينما فهيمة تنهدت بقلة حيلة قائلة بأسى:
عارفة اللي حصل لك منهم قبل كده، ربنا ينتقم منهم.
صعدت ثريا إلى تلك الغرفة وقفت تشعر باختناق تستشعر غضبها. تود أن تصرخ لكن لا، هي لن تنهزم مرة أخرى ولن تتخذ الصمت كما فعلت سابقاً. لن تظل مهزومة، يكفي انهزاماً، هي تمتلك عمراً واحداً فقط، ولن تقبل إهانة أو امتثال لرغبة أحد غير نفسها.
بينما ولاء ذهبت إلى غرفة الضيوف وجلست تضجع بظهرها تشعر بزهو وهدوء نفسي بعد أن أفضت غضبها بـ ثريا أمام الخادمات وعرّفتها قيمتها أنها لا تفرق عنهن، بل هي الأسوأ. هي هنا خادمة وجارية لرغبات سراج، التي لديها يقين أنها لن تستمر كثيراً، فهي أخيب بل أضعف من أن تعلم أساليب جذب النساء لمجاراة متطلبات الرجال.
***
بدار العوامري.
بالمطبخ.
كانت كل من فهيمة وثريا تساعدان الخدمات في الانتهاء من تجهيز وجبة الغداء. تبسمت عدلات لـ ثريا قائلة:
إنتِ لسه عروسة، المفروض ما تقفيش معانا هنا بالمطبخ والوكل يجي لحد عندكِ بالأوضة بتاع سراج بيه.
تهكمت ثريا وقبل أن تتحدث كانت دخلت ولاء إلى المطبخ وسمعت حديث الخادمة واستهزأت وهي تنظر إلى ثريا بدونية قائلة باستهزاء وتلميح صريح:
كانت بت بنوت إياك وأول جوازة لها، مالوش لازمة الدلع المايع ده. وشيلوا شوية خلصوا الوكل، زمان الرجالة على وصول.
شعرت ثريا بالغضب من قولها وتوقفت عن ما كانت تفعله قائلة:
صحيح مش أول جوازة ليا، بس ده ميمنعش إني عروسة برضك، والحمد لله بتجوز بشرع ربنا مش ماشية في الحرام ولا عملت حاجة محدش عملها قبل كده. وكمان مش أنا اللي رميت نفسي على سراج وغصبته يتجوزني، هو عشجان (عاشق) والدليل العرس اللي عمله سبع ليالي بحالهم ده. الناس في الكفر لسه بتتحدث عالعرس ده لحد دلوقتي.
سمع كل من بالمطبخ صوت صك أسنان ولاء التي شعرت بغضب وقالت باستقلال واستقواء:
بلاش تتغري يا بت الحناوي، وإلزمي حدودك واعرفي بتتحدثي ويا مين، بلاش تفكري إن ليكِ مكانة هنا. إنتِ زيك زي أي شغالة هنا، بالنهار تخدمي في الدار وبالليل تبقي تحت مزاج سيدك سراج. يمكن تفلحي وتملي مزاجه يرضي عنك، قبل ما يفوق زهوة الشهامة، وزي ما حصل قبل سابق تلاقي نفسك مطرودة من جنة العوامرية، بس المرة دي هتطردي خالية.
شعرت ثريا بالغيظ، ودت الرد على ولاء بما يناسبها، لكن غادرت ولاء بعد حديثها الفظ ووجهت أمرها للخادمات بإنهاء عملهن. كذلك أمسكت فهيمة يد ثريا وقالت لها بهدوء:
بلاش تردي عليها يا ثريا، هي بتستفزك للغلط.
تعصبت ثريا قائلة بغضب:
أغلط... في مين دي؟ مين أساساً واحدة حشرية وعاوزة تفرض سيطرتها إنها لها مكانة وكلمة حتى على رجالة العيلة. مفكرة نفسها صاحبة شأن على عيلة كل رجالتها...
وضعت فهيمة يدها على فم ثريا قبل أن تزيد وتخطئ وجذبتها وخرجن من المطبخ بعد أن غمزت لـ عدلات التي نظرت إلى بقية الخادمات بتعسف قائلة:
مالكم وقفتوا شغل ليه؟ الست ثريا مهما إن كانت هي دلوقتي مرات سراج بيه، ولازم تتعاملوا معاها على هذا الأساس، وإحنا ملناش صالح بأمورها مع الست ولاء، دول نسوان العيلة وإحنا خدامين لقمة عيشنا. يلا هموا خلونا نخلص.
شعرن بالخزي وعدن لعملهن، بينما بغرفة تخزين جوار المطبخ توقفت فهيمة مع ثريا قائلة بتنبيه:
ثريا بلاش تتحدثي قدام الخادمات كده، في منهم بينقل الحديث لـ عمتي ولاء وكمان بلاش تنشطي قصادها، هي كده بتجرك للغلط ولما تردي عليها هي بتعصبك أكتر. الأحسن تبقي زيي وتفوتي لها.
نظرت ثريا لـ فهيمة:
سبق وعاشرت ولاء وأختها، الاتنين كانوا أسوأ من بعض، وسكتت وفي النهاية ما أخذت من عيلة العوامري غير عذاب روحي، ومش ناوية أنحني ولا أحط واطي مرة تانية لحد ومش خايفة إن حديثي يتنقل لها. أنا مش باقية على حد.
غادرت ثريا تشعر بغضب، بينما فهيمة تنهدت بقلة حيلة قائلة بأسى:
عارفة اللي حصل لك منهم قبل كده، ربنا ينتقم منهم.
صعدت ثريا إلى تلك الغرفة وقفت تشعر باختناق تستشعر غضبها. تود أن تصرخ لكن لا، هي لن تنهزم مرة أخرى ولن تتخذ الصمت كما فعلت سابقاً. لن تظل مهزومة، يكفي انهزاماً، هي تمتلك عمراً واحداً فقط، ولن تقبل إهانة أو امتثال لرغبة أحد غير نفسها.
بينما ولاء ذهبت إلى غرفة الضيوف وجلست تضجع بظهرها تشعر بزهو وهدوء نفسي بعد أن أفضت غضبها بـ ثريا أمام الخادمات وعرّفتها قيمتها أنها لا تفرق عنهن، بل هي الأسوأ. هي هنا خادمة وجارية لرغبات سراج، التي لديها يقين أنها لن تستمر كثيراً، فهي أخيب بل أضعف من أن تعلم أساليب جذب النساء لمجاراة متطلبات الرجال.
***
بدار العوامري.
بالمطبخ.
كانت كل من فهيمة وثريا تساعدان الخدمات في الانتهاء من تجهيز وجبة الغداء. تبسمت عدلات لـ ثريا قائلة:
إنتِ لسه عروسة، المفروض ما تقفيش معانا هنا بالمطبخ والوكل يجي لحد عندكِ بالأوضة بتاع سراج بيه.
تهكمت ثريا وقبل أن تتحدث كانت دخلت ولاء إلى المطبخ وسمعت حديث الخادمة واستهزأت وهي تنظر إلى ثريا بدونية قائلة باستهزاء وتلميح صريح:
كانت بت بنوت إياك وأول جوازة لها، مالوش لازمة الدلع المايع ده. وشيلوا شوية خلصوا الوكل، زمان الرجالة على وصول.
شعرت ثريا بالغضب من قولها وتوقفت عن ما كانت تفعله قائلة:
صحيح مش أول جوازة ليا، بس ده ميمنعش إني عروسة برضك، والحمد لله بتجوز بشرع ربنا مش ماشية في الحرام ولا عملت حاجة محدش عملها قبل كده. وكمان مش أنا اللي رميت نفسي على سراج وغصبته يتجوزني، هو عشجان (عاشق) والدليل العرس اللي عمله سبع ليالي بحالهم ده. الناس في الكفر لسه بتتحدث عالعرس ده لحد دلوقتي.
سمع كل من بالمطبخ صوت صك أسنان ولاء التي شعرت بغضب وقالت باستقلال واستقواء:
بلاش تتغري يا بت الحناوي، وإلزمي حدودك واعرفي بتتحدثي ويا مين، بلاش تفكري إن ليكِ مكانة هنا. إنتِ زيك زي أي شغالة هنا، بالنهار تخدمي في الدار وبالليل تبقي تحت مزاج سيدك سراج. يمكن تفلحي وتملي مزاجه يرضي عنك، قبل ما يفوق زهوة الشهامة، وزي ما حصل قبل سابق تلاقي نفسك مطرودة من جنة العوامرية، بس المرة دي هتطردي خالية.
شعرت ثريا بالغيظ، ودت الرد على ولاء بما يناسبها، لكن غادرت ولاء بعد حديثها الفظ ووجهت أمرها للخادمات بإنهاء عملهن. كذلك أمسكت فهيمة يد ثريا وقالت لها بهدوء:
بلاش تردي عليها يا ثريا، هي بتستفزك للغلط.
تعصبت ثريا قائلة بغضب:
أغلط... في مين دي؟ مين أساساً واحدة حشرية وعاوزة تفرض سيطرتها إنها لها مكانة وكلمة حتى على رجالة العيلة. مفكرة نفسها صاحبة شأن على عيلة كل رجالتها...
وضعت فهيمة يدها على فم ثريا قبل أن تزيد وتخطئ وجذبتها وخرجن من المطبخ بعد أن غمزت لـ عدلات التي نظرت إلى بقية الخادمات بتعسف قائلة:
مالكم وقفتوا شغل ليه؟ الست ثريا مهما إن كانت هي دلوقتي مرات سراج بيه، ولازم تتعاملوا معاها على هذا الأساس، وإحنا ملناش صالح بأمورها مع الست ولاء، دول نسوان العيلة وإحنا خدامين لقمة عيشنا. يلا هموا خلونا نخلص.
شعرن بالخزي وعدن لعملهن، بينما بغرفة تخزين جوار المطبخ توقفت فهيمة مع ثريا قائلة بتنبيه:
ثريا بلاش تتحدثي قدام الخادمات كده، في منهم بينقل الحديث لـ عمتي ولاء وكمان بلاش تنشطي قصادها، هي كده بتجرك للغلط ولما تردي عليها هي بتعصبك أكتر. الأحسن تبقي زيي وتفوتي لها.
نظرت ثريا لـ فهيمة:
سبق وعاشرت ولاء وأختها، الاتنين كانوا أسوأ من بعض، وسكتت وفي النهاية ما أخذت من عيلة العوامري غير عذاب روحي، ومش ناوية أنحني ولا أحط واطي مرة تانية لحد ومش خايفة إن حديثي يتنقل لها. أنا مش باقية على حد.
غادرت ثريا تشعر بغضب، بينما فهيمة تنهدت بقلة حيلة قائلة بأسى:
عارفة اللي حصل لك منهم قبل كده، ربنا ينتقم منهم.
صعدت ثريا إلى تلك الغرفة وقفت تشعر باختناق تستشعر غضبها. تود أن تصرخ لكن لا، هي لن تنهزم مرة أخرى ولن تتخذ الصمت كما فعلت سابقاً. لن تظل مهزومة، يكفي انهزاماً، هي تمتلك عمراً واحداً فقط، ولن تقبل إهانة أو امتثال لرغبة أحد غير نفسها.
بينما ولاء ذهبت إلى غرفة الضيوف وجلست تضجع بظهرها تشعر بزهو وهدوء نفسي بعد أن أفضت غضبها بـ ثريا أمام الخادمات وعرّفتها قيمتها أنها لا تفرق عنهن، بل هي الأسوأ. هي هنا خادمة وجارية لرغبات سراج، التي لديها يقين أنها لن تستمر كثيراً، فهي أخيب بل أضعف من أن تعلم أساليب جذب النساء لمجاراة متطلبات الرجال.
***
بدار العوامري.
بالمطبخ.
كانت كل من فهيمة وثريا تساعدان الخدمات في الانتهاء من تجهيز وجبة الغداء. تبسمت عدلات لـ ثريا قائلة:
إنتِ لسه عروسة، المفروض ما تقفيش معانا هنا بالمطبخ والوكل يجي لحد عندكِ بالأوضة بتاع سراج بيه.
تهكمت ثريا وقبل أن تتحدث كانت دخلت ولاء إلى المطبخ وسمعت حديث الخادمة واستهزأت وهي تنظر إلى ثريا بدونية قائلة باستهزاء وتلميح صريح:
كانت بت بنوت إياك وأول جوازة لها، مالوش لازمة الدلع المايع ده. وشيلوا شوية خلصوا الوكل، زمان الرجالة على وصول.
شعرت ثريا بالغضب من قولها وتوقفت عن ما كانت تفعله قائلة:
صحيح مش أول جوازة ليا، بس ده ميمنعش إني عروسة برضك، والحمد لله بتجوز بشرع ربنا مش ماشية في الحرام ولا عملت حاجة محدش عملها قبل كده. وكمان مش أنا اللي رميت نفسي على سراج وغصبته يتجوزني، هو عشجان (عاشق) والدليل العرس اللي عمله سبع ليالي بحالهم ده. الناس في الكفر لسه بتتحدث عالعرس ده لحد دلوقتي.
سمع كل من بالمطبخ صوت صك أسنان ولاء التي شعرت بغضب وقالت باستقلال واستقواء:
بلاش تتغري يا بت الحناوي، وإلزمي حدودك واعرفي بتتحدثي ويا مين، بلاش تفكري إن ليكِ مكانة هنا. إنتِ زيك زي أي شغالة هنا، بالنهار تخدمي في الد
رواية عشقت طالبتي الفصل الثاني عشر 12 - بقلم منار حسين
مازال يشعر بإشتياق للمزيد من القُبلات.
وشعور آخر يتوغل لقلبه وهو يدفعها بجسده للسير.
وهي تمتثل دون شعور منها، أو ربما أفقدتها المفاجأة ولهفة القُبلات تركيز عقلها.
كأنها فقدت الإدراك للحظات، غابت عن الاستيعاب.
قبل أن تشعر بيده فوق تلك العلامة التي بفخذهها، عادت للوعي.
لا تعلم ماذا حدث وكيف وصلا إلى الفراش وهو فوقها.
مُستمرة قُبلاته.
شعرت أنها تكاد تختنق.
تحكم عقلها، شعرت باحتياج للهواء، كذلك شعور برفض لتلك اللمسات.
لا، ليس رفض بل اشمئزاز ونفور.
حين أغمضت عينيها تتخيل أن غيث هو من يحاول إرغامها.
زاد رفض عقلها وقامت برفع يديها تدفعه عنها بشراسة.
ترك شِفاها، لتلتقط نفسها.
لكن مازال ذاك الإحساس يُسيطر عليه، يُقبل وجنتيها وأسفل ذقنها.
بينما هي تشعر بتصارُع أنفاسها، تستجمع قوتها الواهية وهي تدفعه عنها.
حتى دون وعي منها نطقت مُترجية برفض:
"أرجوك سيبني يا غيث... غيث... إبعد عني."
"غيث".
طنين الكلمة برأس سراج كأنها صرير رياح قوية اقتلعته من تلك المشاعر التي كانت تتحكم به.
وتركت مكانها إعصار عاصف، عصف بعقله.
نهض سريعًا.
وابتعد عنها، وقف أمام الفراش ينظر لها بغضب.
كانت مازالت تغمض عينيها.
منظر منامتها التي تكشف جزء من صدرها وخصرها العاريين.
كذلك نبضات صدرها التي تعلو وتهبط بتصارُع عكس ما يجتاحه في هذه اللحظة من إعصار هادر يغزو كل كيانه.
لجم غضبه، ولملم المنشفة حول خصره.
وتوجه نحو دولاب الملابس، جذب بعض الثياب له، وتوجه ناحية الحمام.
لكن توقف للحظة قائلًا بغضب وأمر:
"مش عاوز أطلع من الحمام أشوف وشك، وكلي مع اللي في المطبخ مش عاوز ألمح طيفك قدامي."
ثم دخل إلى الحمام يصفق الباب خلفه بقوة.
ارتج قلب ثريا لها وهي تحاول استعادة تنفسها طبيعيًا.
لم تستطع.
لكن تحاملت على نفسها ونهضت جالسة على الفراش تحاول استيعاب ما تفوهت به غصبًا.
سالت دموع عينيها.
نهضت تلهث أنفاسها، تتحامل على وهن جسدها.
وجذبت عباءتها وارتدتها.
وضعت وشاح رأسها بعشوائية دون إحكامه.
أكملت سير وخرجت من الغرفة تسير بلا هوادة كأنها فرع مكسور ينجرف بمهب الريح.
لم تستطع السير كثيرًا، خشيت أن تخونها ساقيها وتقع بالممر.
نظرت أمامها كان هناك مرحاض بالممر.
عادت تتحمل بضع خطوات ودلفت إليه ببطء.
جلست على حرف حوض الاستحمام، تحاول التقاط أنفاسها.
ظلت قليلًا إلى أن شعرت بخلايا جسدها.
بينما سراج مازال يُسيطر عليه الغضب.
فتح صنبور المياه الباردة على رأسه لدقائق.
حاول تهدئة غضبه.
ليس من رفضها له، بل لذكرها اسم "غيث" في تلك اللحظة.
شعور غير مفهوم يشعر به.
والتفسير هو الغضب منها.
أقل ما قد يفعله هو أن يخرج ويرغمها على إتمام زواجه منها ووضعها أمام واقع هو زوجها.
والآخر أصبح ماضي عليها نسيانه.
بل محوه من ذاكرتها.
لامه عقله.
"-لما تريد ذلك؟"
"-هل نسيت سبب زواجك منها؟ ليس لشهوة."
"-لابد أن تسترد قطعة الأرض منها بأقرب وقت. هذا كان هدف زواجك منها."
"-لا تفكري بشيء آخر."
"-لابد أن تمضي على تنازل لقطعة الأرض في أقرب وقت وينتهي كل ذلك."
"-و... والسؤال: ماذا بعد ذلك؟"
"-تخرج من حياتك."
"-ولما أدخلتها؟"
"-والجواب غير معلوم لديه."
"-ربما كان عقابًا."
"-وسؤال آخر: عقاب لمن؟"
"-جواب غير مقنع: عقاب لتلك المحتالة."
إستهزأ بذاك الصراع الدائر بعقله بشيء لا يستدعي ذاك التفكير.
جذب ثيابه يرتديها وبرأسه إعصار آخر.
لو خرج إلى الغرفة ووجدها سيهلكها بقسوة.
إتخذ عقله القرار وخرج من الحمام.
نظر بالغرفة.
لم يجدها.
إختفت.
غادرت كما أمره.
لوهلة تبدل ذلك الصراع إلى شعور آخر.
كان يود أن يجدها، ربما حتى لو تفوه لها بغضب كان استراح من ذاك الشعور.
لكن هي امتثلت.
أو بالأصح أرادت ذلك.
تنهد بعنفوان يُزفر أنفاسه وغادر الغرفة.
بينما ثريا شعرت بهدوء قليلًا.
بالتأكيد مر وقت ليس بقليل وبالتأكيد وقت كافٍ لترك سراج الغرفة.
نهضت تشعر بتوهان.
خرجت من المرحاض تسير ببطء.
توجهت نحو تلك الغرفة.
لكن تصادفت مع عدلات التي تبسمت لها قائلة:
"ست ثريا العشاء جاهز و..."
لم تُبالي ثريا بحديثها وتوجهت نحو الغرفة تُعطيها ظهرها قائلة بشبه خفوت:
"مش جعانة، مصدعة محتاجة أنام."
أومأت لها عدلات وغادرت تشعر بصعوبة عليها قائلة:
"منها لله ولاء أكيد بخت سمها لـ سراج بيه واتعصب عليكِ."
دخلت ثريا إلى الغرفة تشعر بدوران الغرفة.
كأن الأرض تميد بها وهي واقفة.
ذهبت نحو تلك الأريكة جلست عليها تشعر باختناق.
سحبت وشاح رأسها.
بكت بدموع تشعر بقهر.
وضعت يديها حول رأسها تقول بندم يزداد مع الوقت:
"إنتِ اللي وافقتي عالجواز يا ثريا وكنتِ عارفة نفسك كويس، فكرتي إيه هتعاقبي سراج ده من عيلة العوامري، نسيتي ليه ماضيكي معاهم، رجعتي تشربي من المر تاني."
"-إنتِ إيه يا ثريا."
جملة تطن برأسها والغرفة تدور بها كشريط سينمائي.
تسمع ضحكات غليظة من "غيث" يقول بإستقواء:
"أنتِ بتحاربي طواحين الهوا، إنتِ عارفة إنك زي ورقة شجرة دبلانة وسهل أنفخ شوية هوا تقعي وأدهسك تحت رجليا."
ضحكات غليظة وغرفة تدور بها، وصوت مكتوم تود أن تصرخ.
لكن انحشر صوتها.
خيالات تمر وأصوات بغيضة تطن برأسها.
أغمضت عينيها تسمح للدموع الغزيرة تنساق من بين أهدابها تحرق وجنتيها وقبل ذلك يحترق كيانها.
تكورت بجسدها مثل الجنين.
سلمت نفسها لغفوة دون شعور منها، أو ربما كان غيابًا عن الوعي نهائيًا.
وهي لا تدري بأي شيء غير أنها هكذا تشعر بهدوء بلا ضجيج.
بغرفة السفرة دخل سراج بوجه عابس.
لاحظت ولاء ذلك تبسمت بداخلها.
حقًا لم تحكي لـ سراج عن وقاحة ثريا معها.
لكن يبدو بوضوح أن هناك ما يزعجه وبالتأكيد يخص تلك الحمقاء.
ولا مانع من بعض من الرياء حين نادت على الخادمة التي لبت ندائها وجاءت.
نظرت بتعمد لـ سراج قائلة بقصد:
"فين ثريا خليها تيجي تتعشى."
ردت عدلات:
"الست ثريا قالت مش جعانة مصدعة وهتنام."
تفوهت ولاء برياء:
"لاء سلامتها."
لم يهتم سراج والتقط ملعقة الطعام وشرع في تناول الطعام دون مبالاة.
لم يشعر بنظرات ثريا المنشرحة له إلا حين رفع وجهه وتقابل بعينيه معها.
أومأت رأسها له بابتسامة.
لم يُعطي رد فعل وأكمل تناول الطعام دون مبالاة.
بعد وقت صعد، توقف أمام غرفته يتنهد يحاول كبت ذاك الغضب.
واتخذ القرار.
دخل إلى الغرفة نظر نحو الفراش أولًا.
كان خاويًا.
نظر نحو تلك الأريكة كما توقع، هي غافية عليها.
ذهب نحوها.
كانت ملامحها مختلفة، بها بعضًا من العبوس وهي نائمة هكذا متكورة على ذاتها.
خصلات شعرها المشعثة لكن بها جاذبية.
ما سر تلك الجاذبية؟
التمرُد والاحتيال.
هما هذا السر.
تنهد بنزق وهمس باسمها كي تصحو.
لما يود أن تصحو؟
لا يعلم.
ربما فقط مجرد تعسف زائد منه.
نفض ذلك.
وصمت ينظر لها فقط.
ثم انحنى يحملها.
بالتأكيد ستشعر بذلك وتصحو وقتها.
"-وقتها ماذا؟"
"-ماذا تريد يا سراج؟"
"-إيلامها مرة أخرى؟"
"-أم إثبات أنها لا تعنيك وليس لها أي تأثير عليك."
"-وهل هذا صحيح؟"
"-أجل، ليس لها أي تأثير."
هكذا اقتنع وهو يحملها وتوجه نحو الفراش.
لم تفتح حتى عينيها.
جسدها شبه مرخي.
حين وضعها على الفراش لم تُعطي أي رد فعل ولا حتى تحرك جسدها.
لوهلة خفق قلبه واقترب من أنفها تأكد من تنفسها.
شعر بارتياح وعدل جسدها وألقى فوقها غطاء الفراش الخفيف.
ولم ينتظر.
خرج من الغرفة صعد إلى تلك الشقة التي كان من المفترض أن يتزوج بها.
دخل إلى غرفة النوم مباشرةً.
تمدد على الفراش يضع رأسه فوق يديه يفكر في سبب لما لم يتزوج بـ ثريا بتلك الشقة كما كان يجب.
كان سهلًا عليه فرش الشقة بأقل من أسبوع.
لما أراد أن يجمعهما غرفة واحدة؟
بالتأكيد لسبب هو يعلمه جيدًا.
أن لا تدعي الدلال والتمرُد وتحاول فرض تمرُدها عليه وتطلب بقائها بغرفة خاصة بها.
رغم إرهاقه كذلِك ضجره لم يستطع النوم.
وظل ساهداً لوقت غير معلوم عقله يشعر بالتشتت ورغبة تطلب منه أن يعود لتلك الغرفة.
وقرار عقلهُ يمنعه.
بعد مرور يومين.
صباحًا.
بدار العوامري.
على طاولة الفطور.
جلست ولاء تنظر نحو سراج تشعر بسعادة بالغة.
فالأمور بين سراج وتلك الحقيرة ثريا تسير مثلما تريد.
كانت زهوة رغبة ويبدو أنها انطفأت سريعًا.
والدليل هو عدم جلوسها معهم على طاولة الطعام لمدة يومين.
كذالك معظم الوقت تلتزم بغرفتها.
وكذالك تلك الخادمة التي أخبرتها أن سراج ينام بالشقة الخاصة به ولا يذهب إلى الغرفة الموجودة بها ثريا.
يبدو أن هذا الزواج سينتهي سريعًا.
لكن بالتأكيد قبل نهايته وإقصاء ثريا، لابد أن يسترد قطعة الأرض منها أولًا.
تعمدت القول لتلك الخادمة:
"فين ثريا بقالي يومين مش بشوفها في الدار، روحي نادي عليها تيجي تفطر معانا."
نظرت الخادمة نحو سراج وارتبكت قائلة:
"الست ثريا خرجت من الدار بدري."
"فرصة وجاءت أمامها واستغلتها جيدًا تحاول بسمها قائلة:"
"هي مش عارفة إنها لسه عروسة ومكنتش تخرج من الدار دلوقتي، ولا هي لسه فيها نفس العادة القديمة، تخرج من غير ما تعمل حساب لأي شيء... معندهاش التزام ولا احترام... من أيام..."
نظر لها سراج.
لوهلة كأنه يحذرها أن تذكر اسم ذاك البغيض الذي إن كان سابقًا على خلاف أخلاقي معه فهو الآن يشعر بالبغض نحوه دون سبب.
أو ربما ثريا هي السبب، جعلته يبغض شخص لا وجود له.
شعر بغضب ونهض من خلف طاولة الطعام قائلاً:
"أنا شبعت رايح الإسطبل."
غادر مسرعًا يشعر بغضب من تلك التي تتعامل كأنه ليس موجود.
ذهب إلى إسطبل الخيل.
أخرج هاتفه وقام باتصال قائلاً:
"تمام يعني هي بالمحكمة دلوقتي تمام، عاوز خطواتها خطوة بخطوة..."
تنهد بنرفزة قائلاً بوعيد:
"ماشي يا ثريا واضح إني اتهاونت معاكِ."
أخرج مُهرة جامحة وبدأ في ترويضها.
لكن كأن اليوم هو يوم المتمردات سواء كانت المُهرة أو تلك المحتالة التي تزوجها.
مازالت المهرة غاضبة وجامحة وهو شعر ببوادر فتور لا يود تكملة ترويضها.
يعلم أنه بسهولة يضع لجام حول عنقها ويُسيطر على جموحها.
لكن لا رغبة له في ذلك.
تركها ترمح بالمضمار كما تشاء وهو يقف يتابع جموحها يروضها لكن بطريقة مرهقة لها هي.
بالتأكيد من كثرة الجري ستشعر بالإرهاق.
وقتها تستسلم عنوة لترويضه لها.
ربما حسبها خطأ، حين صدح رنين هاتفه فتحه وسمع حديث الآخر له.
شعر بعصبية قائلاً:
"بتقول مين اللي ضربتها."
أجابه الآخر وأخبره بما حدث.
شعر بعصبية قائلاً:
"والست دي متعرفش هي متجوزة مين، على العموم عاوز عنوان الست دي."
أغلق الهاتف يضغط عليه بقوة يكاد يسحقه بقبضة يدهُ من شدة غضبه.
لم يلاحظ تلك المُهرة التي عادت تهرول نحوه بجموح وكادت تصطدم به.
لولا أن نبهه آدم الذي يقترب من المضمار.
ابتعد عن طريقها بآخر لحظة.
ثم وقف ينظر لها جازمًا: هذا يوم المُتمردات وعليه وضع حد لهن.
بالفعل جذب اللجام وعصا وناور تلك المُهرة لدقائق حتى استطاع السيطرة عليها ووضع اللجام بعنقها وإمتطاها وهي مازال الجموح مُتمكن منها.
تحاول أن تُسقطه من فوقها وتعود للهرولة بجموح.
لكن هو خيال واستطاع ترويض جنوحها، وسارت هادئة.
كان آدم يُراقبه.
حتى ترجل من على تلك المهرة، وأعطى لجامها لذاك السايس.
وذهب نحو آدم الجالس تحت مظلة بالإسطبل.
تفوه له آدم بافتخار:
"المهرة دي كانت شرسة حاولت معاها كتير، وإنت خلال أيام قليلة روضتها."
رسم بسمة وزفر نفسه.
تبسم له آدم سائلاً:
"مالك بقالك كام يوم متعصب، إيه الجواز مش جاي على هواك، لاء وسمعت كمان إنك بتنام في الشقة اللي المفروض كنت تتجوز فيها، اللي أعرفه اللي بيغضب الست مش الراجل."
نظر له بسخافة قائلاً:
"إنت بتراقبني ولا إيه."
ضحك آدم قائلاً:
"أنا ماليش في المراقبة يا سيادة الضابط، إنت عارف إن أقل حركة في دار العوامري الكل بيحس بيها."
زفر نفسه حول الموضوع قائلاً:
"ويا ترى يعرفوا إنك اتقدمت لـ بنت السعداوي."
ضحك آدم قائلاً:
"لاء لسه، مستني آخد الموافقة من أبوها وبعدها أحط الصدمة قدامهم كده... متوقع رد الفعل طبعًا، مش بعيد أبوك يقول يا خيبتي في ولادي الصبيان عليهم اختيارات تنوش الدماغ."
ضحك سراج قائلاً:
"جهز نفسك كمان لكلام عمتك ولاء مش بعيد تطلعلك التار القديم."
تنهد آدم بآسف قائلاً:
"ربنا يستر، بس كل اللي قالقني قرار أبو حنان، المفروض يرد النهارده وبقينا نص اليوم ومفيش رد."
طمئنه سراج قائلاً:
"لاء عندي شبه يقين هيوافق، بس جهز نفسك للخطوة التانية هي الأصعب."
قبل وقت قليل بأحد المحاكم.
رغم خسارة ثريا لتلك القضية التي كانت تترافع عنها، لكن كان بداخلها شعور سعيد.
لكن بعد أن خرجت من قاعة المحكمة سحبت تلك السيدة الثمينة يدها وأخذتها إلى فناء المحكمة وقالت لها بإستهجان وغضب:
"كيف خسرتي القضية."
ردت ثريا بسهولة:
"سبق وقولت لك يا حاجة إن قواضي الشرع كلها بتحكم للنسوان، ودي قضية نفقة والقاضي حكم بإلزام ابنك بالنفقة على عياله، وده مش بس قانون لاء كمان شرع ربنا، مش معنى إنه طلق مراته، يطلق عياله كمان معاها... والنفقة مش مبلغ كبير، دي ما تقضي مصاريف عياله أسبوع."
نظرت لها السيدة بغضب قائلة:
"هيصرف على طليقته كمان في دار أبوها."
ردت ثريا:
"لاء يا حاجة، هو بيصرف على ولاده، وملزم بيهم."
تنفست السيدة بغضب قائلة:
"ونفقة الحاضنة دي كمان إيه مش بيصرفها عليها."
أجابتها ثريا:
"ده حقها القانوني والشرعي، قصاد تربية عيال ابنك."
نظرت لها السيدة بغضب جارم وبلا تفكير بسبب ردودها قامت بصفعها بقوة على وجهها.
اغتظت منها ثريا وقالت بإستهجان:
"حضري نفسك يا حاجة لسه قضايا كمان وطليقة ابنك هتكسبه، لسه بدل سكن، ومصاريف المدرسة كمان، يلا شوفي لك محامي يرضي ببلاوي ابنك اللي هتشحتوا سوا عشان تدفعوا النفقة، ده غير بقية مستحقاتها القايمة بتاع العفش وكمان الشقة من حق الحاضنة، جهزي لك سكن مع ابنك قبل ما تطردكم من داركم."
غادرت ثريا، كان من السهل أن ترفع قضية على تلك السيدة، لكن لن يشفي ذلك غليلها.
ما قالته جعل تلك السيدة تغتاظ بشدة.
لم تنتبه ثريا إلى تلك العيون التي رأت ما حدث وقامت بنقله مباشرةً.
بالظهيرة.
على طاولة الغداء بمنزل مجدي السعداوي.
كان بين الحين والآخر ينظر نحو حنان التي لاحظت ذلك وابتسمت له.
بداخلها تود أن يُخبرها عن عرض آدم له ولن تُخفي موافقتها به.
لكن هو لم يُخبرها وقد مر يومين كما قال لـ آدم.
شعرت بيأس أن يوافق على عرض آدم، بالتأكيد كل ميله ناحية حفظي ذاك المتطفل.
بعد قليل انتهوا من تناول الغداء، نظر وجدي لـ حنان قائلاً:
"اعمليلي كوباية شاي وهاتيها المندرة."
أومأت رأسها بموافقة.
دقائق ودخلت إلى المندرة تحمل تلك الصينية قائلة:
"الشاي يا أبوي."
كان عقله شاردًا.
انتبه حين تحدثت حنان، تنحنح قائلاً:
"حطيه عندك وتعالي عاوز اتحدث وياكِ في كلمتين."
ازدردت حنان ريقها بتوتر وجلست.
اعتدل مجدي في جلسته ونظر لها قائلاً:
"من يومين لما دخلت للدار حفظي كان هنا و..."
ارتابت حنان وقالت بتبرير:
"والله يا أبوي أنا فتحت له وقولت له إن محدش في الدار وهو اللي دخل ورايا محستش بيه، ومش أول مرة يا أبوي يغلث عليا، هو كده من زمان وأنا كنت بصده، بس..."
توقفت حنان عن الحديث مما زاد الفضول بعقل مجدي قائلاً:
"بس إيه؟"
ارتبكت حنان قائلة:
"بس هو مفكرني بكن له مشاعر وهو مش أكتر من ابن عمي وعمري ما حسيت ناحيته غير كده، وجولت له كده بس هو اللي مصمم وقالي إن حضرتك مش هتلاقي أحسن منه، بس والله يا بابا أنا الموت عليا أهون من إني أتجوزه."
توقفت حنان تشعر بريبة بعد ان أخطأت تخشى رد فعل والدها.
قد يتعصب عليها الآن وليس بالبعيد أن يصفعها.
لكن كان رده هادئ عكس توقعها قائلاً:
"وليه مش موافقة على حفظي."
أجابته بريبة:
"هو بالنسبة ليا زي أخويا متربيين سوا مش قادرة أحطه في مكانه أكتر من كده."
تفهم مجدي ردها، ثم سألها:
"طب لو اتقدم لكِ عريس تاني ومتعرفهوش توافقي عليه."
بتسرع اجابت:
"أنا أوافق على أي حد ما عدا حفظي، ارجوك يا أبوي..."
قاطعها مجدي بتعسف قائلاً:
"تمام، قومي روحي لامك المطبخ وسيبني لحالي."
غادرت حنان تشعر بخوف في قلبها.
بينما عاود مجدي الاضطجاع على الأريكة وأخرج من جيبه تلك البطاقة الورقية وفكر قليلاً.
لكن سرعان ما تراجع حين صدح رنين هاتفه.
قام بالرد سريعًا، ثم نهض مغادرًا من المنزل دون الحديث لأحد.
بشقة خاصة بالمدينة.
حياته الإجرامية بين شقوق الجبال جعلته مثل الضواري.
السمع لديه حاسة قوية دائمًا.
تأهب بحذر حين سمع صوت تكات فتح المفتاح بمقبض الباب.
سريعًا جذب ذاك السلاح الذي دائمًا يحتفظ به كذراع ثالث.
وجهه ناحية باب الشقة.
لكن سرعان ما أخفض السلاح ووضعه خلف ظهره قائلاً:
"قابيل."
تهكم عليه بغضب قائلاً:
"أيوه قابيل هو في حد غيري يعرف مكان الشقة دي يا "عطوان"."
أومأ له عطوان قائلاً:
"مش حكاية حد يعرف مكان الشقة، بس إنت عارف بعد حكاية هجوم البوليس عالجبل، ربنا كتب لي النجاة من الموت أو السجن والحذر مطلوب، إنت كنت دعيّت نبي يدوب مشيت من الجبل، وحصلت كبسة، من يومها بقيت، قاعد هنا في الشقة كيف الولاية، أنا اللي كنت ريس على رجالة قلبي ميت بقيت بخاف أسمع نبش."
نظر له قابيل بضيق قائلاً:
"كفاياك عويل عاد كيف الحريم، احمد ربنا إنك عرفت تهرب ونجيت من الموت أو السجن، إنت لو كان اتقبض عليك كانوا هيعلقوا رقبتك على حبل المشنقة، ناسي أحكام الجرايم اللي عليك... بطل عويل كلها فترة والحكومة تهدا والجبل يرجع يتملي من أتباعك تاني، خد أنا جبت لك وكل وكام إزازة بيرة وكل اللي طلبته، وبعد كده ممنوع تتصل عليا غير للضرورة وبس."
نظر عطوان له قائلاً:
"نسيت حاجة يا باشا نسيت تجيب معاك الحتة الطرية."
نظر له قابيل بسحق قائلاً:
"العمارة كلها ناس محترمة لما يشوفوا ست، ولا غازية داخلة هنا ياخدوا بالهم، وأكيد مش هيسكتوا، جلت لك فترة حاول تتحمل."
زفر عطوان نفس بضجر مُرغمًا.
بينما نظر له قابيل قائلاً:
"بستغرب كيف عرفت تهرب من البوليس؟"
رد عطوان بزهو:
"بلاش تستهون بذكائي، أنا قتلت عسكري ولبست هدومه."
لمعت عين قابيل بإعجاب ليس من ذكاء عطوان بل لأنه هو الأفضل لتلك المهمة التي يُخطط لها.
عطوان لابد أن يقترب من سراج.
لكن بهوية جديدة وخدعة.
عليه إبادة سراج من أجل أن يظفر بـ الثريا البعيدة.
بدار قابيل.
دخلت ولاء إلى تلك الغرفة.
نظرت إلى أختها وابنتها إيناس التي تعوي ببكاء.
كذالك أختها تعوي على فقدها لـ غيث الذي مازال ينحر في قلبها.
زفرت نفسها بضجر وقسوة قائلة:
"إيه المندبة اللي انتوا عاملينها دي، مش كفاية عاد ندب."
نظرت نحو إيناس قائلة:
"طب أمك وعارفة سبب ندبها لكن إنتِ بتندبي ليه."
أجابتها إيناس ببكاء:
"بندب حظي الأسود، أنا حبلى يا خالتي."
تهكمت ولاء بإستهزاء وسخرية قائلة:
"وفيها إيه لما تبقي حبلى، إنتِ حبلى في الحرام، مش حبلى من جوزك."
أجابتها بآسي:
"جوزي مش عاوز الجنين اللي في بطني ومن يوم ما عرف إني حبلى وهو طفشان من الدار."
استغربت ولاء ذلك قائلة:
"وإيه السبب؟"
أجابتها:
"معرفش، هو مش رايد عيال، وأنا نفسي أخلف ولد تاني وأسميه على اسم المرحوم "غيث" أخوي."
ازداد بكاء أختها.
نظرت ولاء لها قائلة:
"دلوقتي بتبكي، ياما جولت لك بلاش جوزك يسلم حتة الأرض لـ ثريا، أهي خدتها وصغرت سطوة العوامريه، بس كده، لاه كمان أرغمت سراج يتجوزها، بس قلبي حاسس إن الجوازة دي مس هطول، وسراج مش زي غيث ممحون وكانت بتلعب بيه، سراج راجل وهو اللي هيرد الأرض وهيطلعها بالهدلة اللي عليها، وترجع زهوة العوامريه، وإنتِ يا إيناس بطلي نواح ومتبقيش زي أمك ضعيفة، وقابيل كلها كام يوم ويرضي بالأمر الواقع ويرجع كيف الأول، بلاش كل ما يشوفك تكوني بتنوحي كده... اتعلمي من جبروت بت الحناوي، اللي مش هيكسرها غير ولد العوامري كيف ما عمل غيث قبل كده، كان عارف يمشيها صح، كانت بترتعب لما تسمع صوته مني."
تهكمت إيناس قائلة:
"وسراج هو اللي هيقدر يرجع الأرض كيف، أنا شوفت ثريا قبل كده بتحاول تتحدث ويا قابيل بس هو معطاش لها وش، أكيد حيه لما ملقتش فايدة من قابيل رمت شباكها على سراج وعرفت توقعه."
اتسعت عين ولاء سائلة بتأكيد:
"متى شوفتي ثريا بتتحدث ويا قابيل."
ردت إيناس:
"بعد موت غيث شوفتها مرة كان ماشي في البلد بعربيته واتعمدت تقف قدام العربية وأكيد عاوزة تلفت نظره بس هو يومها كمل طريقه بعيد عنها."
برزت لمعة عين ولاء، وهي تفكر، ماذا لو فعلت مثلما حدث سابقًا مع عمران وأدخلت الشك برأسه من ناحية "رحمة"، ماذا لو فعلت ذلك مع ثريا وأدخلت الشك برأس سراج، بالتأكيد وقتها قد تكون مساومة منه لها قبل أن يُقصيها، بأذلال.
مساءً.
بدار العوامري.
دخلت ثريا إلى الدار.
لكن توقفت ولاء أمامها حين رأت سراج ينزل على درج السلم.
لكن كان بعيدًا قليلاً تحدثت لها بإستهجان:
"تو ما رجعتي للدار يا وش الشوم."
نظرت لها ثريا بإستهزاء:
"أنا وش الشوم، يارب عقبال ما أبقى وش الشوم وأطهر دار عمران العوامري من وباء."
اغتظت منها ولاء وحين اقترب سراج منهن ادعت البكاء وقالت بإفتراء:
"إكده إنت زي بنتي برضك، وكتر خيرك."
لاحظ سراج الذي اقترب بكاء ولاء المصطنع لكن لم يفهم.
حين نظر إلى ثريا التي تنظر له باستبياع.
تحدث بسؤال:
"إيه بيحصل هنا واقفين كده ليه؟"
أجابته ولاء برياء وبكاء:
"أنا كل اللي جلت لها إنتِ لسه عروسة جديدة مكنش لازم تخرجي من الدار."
"هبت فيا وتجولى إني بحشر نفسي في اللي ماليش فيه، أنا مش قاعدة هنا ولا دقيقة، أنا مش على آخر الزمن تيجي حتة عيلة وتقل أدبها علي."
سمع عمران حديث ولاء وتعصب واقترب منهم.
وقال بتعسف:
"اللي ملهاش مكان هنا هي الخايبة اللي داخلة الدار وعاوزة تقلبها حريقة."
أخفت ولاء بسمتها، بينما لم تُذهل ثريا من كذب ولاء، وإدعت عدم المبالاة.
لكن سراج قطع بقية حديث عمران، وجذب ثريا من يدها بغضب وتوجه نحو الخارج.
أرغمها بالسير معه، نحو تلك السيارة وجعلها تصعد لها غصبًا.
بينما لمعت عين ولاء ببسمة ظفر.
لاحظتها فهيمة، هزت رأسها بآسف تلك المتسلطة تحيك مؤامرات وجديرة بتنفيذها تستفز ثريا، وثريا تقع ببراثن الغضب.
قاد سراج السيارة بسرعة كبيرة.
لم تهتم ثريا بذلك، مازالت تتحلى بالبرود.
لكن ما أثار فضولها حين خرج بالسيارة من على الطريق ودخلت إلى أرض صحراوية.
توغل بها قليلًا ثم توقف بالسيارة التي افتعلت عاصفة ترابية.
سريعًا ترجل سراج من السيارة.
ظلت هي لوقت لاحظت فتح سراج لصندوق السيارة من الخلف لم تر ماذا أخذ منها وعاود إغلاق الصندوق بقوة افتعل صوتًا عاليًا.
لم تُبالي وظلت جالسة، إلى أن اقترب من الباب المجاور لها وقام بفتحه بغضب قائلاً بأمر:
"انزلي من العربية."
امتثلت ليس لغضبه لكن فضول.
ترجلت من السيارة نظرت حولها كان الظلام على مدى البصر، وصوت عواء ذئاب من بعيد.
لا تنكر ذاك الخوف الذي دب في قلبها، فالمكان مظلم وموحش.
لولا إنارة أضواء السيارة لكان معتمًا.
لاحظت ذاك الحبل المصنوع من الخيش الخشن بيد سراج، زاد فضولها.
لكن لم يستمر كثيرًا، حين جذب أحد يديها بقوة، وقام وربط عقدة حول معصمها.
وكذلك فعل باليد الأخرى قيدها بإحكام.
رفعت عينيها نظرت له كان يُخفض وجهها وهو يُقيدها.
قبل أن تتحدث، ترك قيد يديها المُحكم، وضغط على كتفيها بقسوة وقوة جعلها تركع أسفل من ساقيه.
تركها للحظات وتوجه للسيارة جذب تلك الأوراق، وعاد نحوها قائلاً:
"امضي على التنازل ده."
نظرت إلى ذاك الورق وفهمت أن هذا تهديد آخر لها.
ضحكت قائلة:
"كل الشو اللي عامله ده عشان أمضي على التنازل، سبق وقولت لك مش هتنازل عن الأرض يا سراج."
توقفت قليلًا عن الحديث، رغم الرعب الذي بقلبها لكن تشجعت بقوة واهيه قائلة بإغاظة:
"مكنتش أعرف إن رومانسي جايبني مكان هادي، والنجوم طالعة، هو بس القمر اللي غايب... وكمان أصوات الذيابة الهادية اللي جايه من بعيد، عاملة جو شاعري."
أصابت ثريا واثارت غضب سراج.
لكن سرعان ما علم أن المحتالة تمتلك صفة أخرى، وهي الاستفزاز.
نظر يُفكر للحظات إلى ثريا الجاثية أمامه ثم اتخذ قرار آخر.
جذبها من عضد يدها بقوة كي تنهض معه.
بالفعل استجابت ونهضت واقفة.
شعرت بألم بيديها المُقيدتين بسبب جذبه لمقدمة الحبل الذي بيده بقوة يُرغمها للسير خلفه.
رغم الألم يديها بسبب خشونة الحبل على معصميها، لكن كالعادة تتحمل وتُظهر عكس ضعفها قائلة بإستبياع:
"-إيه غيرت رأيك ومش هتسيبني هنا في الجبل للذيابة تاكلني، أساسًا مبقاش في ذيابة خلاص في الجبل، ده كان زمان، دلوقتي الذيابة بقت تخاف من البشر، بالك أمي بتسمع تمثيلية "ذئاب الجبل" عشان آخر حلقة تسح عياط في المشهد اللي بترجع فيه وردة، والسلوموشن اللي بيحصل وصدى صوت الأخوات وهما بيقولوا "وردددده، بدااااار" وأنا بقى بقعد أضحك أصل أمي طيبة وجلبها طيب، ناسيه إن في نوعية زي خالي مختار الواطي اللي حرمها هي وخالتي من الورث في أرض جدي الله يسامحه هو كمان، قال إيه... الحريم مش بتورث في الأرض، أهو عشان وسرق وكال حق أمي وخالتي ربنا مش محلله وأهو المتعوس ابنه هيضيع كل اللي أخده بالحرام... إنت بالتأكيد غيرت خطتك هتدفني صاحية مش كده، بس كده أهلي هيشاركوك في الأرض وممدوح أخويا مش بعيد يطلع واطي زي خالي ويقولك حقي بشرع الله."
شعر بضيق أبطأ حركة سيره قليلًا ثم قال وهو يُعطي لها ظهره:
"لاه أنا مش هدَفنك دلوقتي أنا هكمل جوازنا وهخليه فعلي وأخلف منك ولد وهو يورثك، والأرض وجتها هترجع كاملة ليا."
ضحكت بعبث قائلة:
"-منين جالك إني هخلف ولد، مش يمكن أخلفلك بنت ووجتها برضو هتلاقي اللي يشاركك في الأرض، أو يمكن مخلفش خالص الله أعلم مش يمكن بيا علة، ما أنا كنت متجوزة قبل كده وفضلت مع جوزي أربعين يوم قبل ما يتقتل، ومحبلتش مع العلم أنا كنت زي النسمة الرقيقة ومهنية ومفيش مرة حسيت حتى بمغص، يعني ممكن تنتظر لوقت طويل هتقدر تتحملني."
توقف مرة واحدة وجذب الحبل بقوة.
لإنشغالها بالحديث لم تنتبه وإصطدمت بجسدها في صدره.
لحظات كانت تبعث لقلبه ذبذبات خاصة، وهي بحضنه، كذالك هي صمتت، كادت أن تُكمل بقية عبثها بالحديث.
لكن هو نفض تلك الذبذبات وجذب ذاك الوشاح الذي فوق رأسها وقام بعقدهُ حول فمها وأنفها.
كادت تختنق، لكن انتبه سريعًا أزاحه عن أنفها، وأكمل سير حتى اقترب من مكان ركن سيارته وفتح بابها الخلفي وضغط على رأسها بقوة حتى انحنت وأدخلها إلى السيارة.
ثم صفق باب السيارة بعنف قائلاً:
"-دلوقتي عرفت ليه إنتِ محامية فاشلة وعمرك ما هتكسبِِ قضية، وحلال عليك ضرب الولية اللي ضربتك بعد ما خسرتِها آخر فرصة في قضية ابنها، لأنك مش شاطرة غير في الرغي كتير على الفاضي."
ضحكت رغم شعورها بآلم في يديها، قائلة:
"عادي قضية وخسرتها، طول عمري بخسر مش جديد عليّ. تعرف يا سراج أنا عايشة آخر قضية في حياتي ومستحيل أخسرها لأن لو خسرتها أبقى بكتب نهايتي."
نظر لها واستهزأ باستقلال سائلاً:
"ويا ترى إيه هي بقى القضية دي، لأني متأكد إنك هتخسريها زي العادة."
ضحكت ثريا قائلة بعناد وتصميم:
"قولتلك دي آخر قضية مستحيل أخسرها. عارف ليه؟ لأن قضيتي هي هزيمتك يا سراج."
•
رواية عشقت طالبتي الفصل الثالث عشر 13 - بقلم منار حسين
ترك النظر لعينيها لينتهي ذاك الحديث الدائر الذي كان بالعيون بينهم.
كل منهم لم يسمع جواب الآخر على السؤال الذي برأسه.
كانت فقط مجرد نظرات انتهت، وكل منهم نظر أمامه نحو الطريق الذي مر.
وكل منهم يسأل عقله: لما دخل بهذا الزواج؟
ولا جواب مفيد يعطي سبباً.
كان لكل منهم وجهة نظر، لكن اكتشف أنهما يشعران بسراب.
بسبب الإرهاق، أضجعت ثريا برأسها على مسند المقعد، غفت عينيها دون وعي منها.
بينما سراج كان منتبهاً للطريق، إلى أن اختلس نظرة نحوها.
تفاجأ بها تُغمض عينيها، في البداية ظنها فقط كذالك، لكن مد يده سحب ذاك الوشاح عن فمها.
لم تُعطِ رد فعل، مازالت تُغمض عينيها.
لوهلة تأمل النظر لها.
ملامحها مغايرة لطباعها، ملامحها وهي نائمة ناعمة تشبه براءة الأطفال، عكس طباعها المتمردة، لا بل المحتالة المستفزة.
شتان بين ملامح وجهها الناعمة، وطباعها التي تجعله دائمًا يحاول كبت ذاك الجموح والطموح بداخلها.
ثوانٍ أعطى القلب حق بأن يقترب منها، يتذكر قُبلاته لها قبل أيام.
بالفعل اقترب وكاد يُقبلها، لولا وهج نور في الطريق سطع وازداد من سطوع ضوء داخل السيارة.
كان ضوءاً لأحد عمدان الإنارة للطريق.
نفض تلك الرغبة عن رأسه بعد تحكُم عقله.
انتبه للطريق أمامه، إلى أن وصل إلى إسطبل الخيل.
لا يعلم لماذا لم يكمل الطريق ويعود إلى الدار.
توقف بالسيارة وهو يخرج هاتفه يحدث حارس الإسطبل أن يفتح له البوابة كي يدلف إلى الداخل.
لحظات وفُتحت البوابة، دخل بالسيارة توقف أمام تلك الإستراحة الصغيرة التي تلتحق بالإسطبل.
ترجل من السيارة، توجه ناحية ثريا، فتح الباب، وقف لحظات يتابع بعينيه تلك الغافية.
مد يده كاد ينكزها كي تصحو، لكن تراجع عن ذلك.
وبسهولة جذب جسدها يحملها بين يديه.
ظن بالتأكيد ستصحو، لكن خاب أمله، هي غافية.
تهكم ساخراً: واضح إن نومك تقيل.
لكن هي كانت عكس ذلك، تغفو حقاً، لكن ببراثن الحلم ترا نفسها تطفو فوق سحابة مثل نجمة تسير بلا هوادة.
هي كذلك كأنها طفلة تلهو وهي تسير مع ضوء القمر، حلم مريح نفسياً.
لا تود أن تفتح عينيها وتعود إلى العتمة الحقيقية بحياتها.
إستغرب عدم صحيانها، حتى حين فك وثاق يديها لم تصحُ.
بعد أن وضعها فوق الفراش، لم يهتم وألقى عليها دثاراً خفيفاً، ثم غادر إلى خارج الإستراحة.
جلس على مقعد أسفل مظلة.
تنهد بقوة يحاول نفض ذاك الشعور غير المفهوم.
لما كلما حاول أخذ موقف حاسم معها يتراجع؟
زفر نفساً أقوى.
حياته العسكرية عودته على اتخاذ القرار بلحظة، لا يفكر، ولا يتراجع.
تلك المحتالة معها يتردد ويتراجع دون سبب معلوم.
حاول شغل عقله بشيء آخر ونهض واقفاً يفتح هاتفه يقرأ تلك الرسائل التي لا يعرف سبب عدم حذفه لها رغم مرور وقت عليها، وإنهاء ذاك الشأن.
كانت رسائل عاطفية كثيرة، منها ما لم يقرأها سابقاً، كانت تعبر عن أحاسيس وأشواق وحب.
كان يمقت قراءة تلك الرسائل، كان عقلانياً حين شعر أنه لن يستطيع أن يكمل.
أنهى ذلك الارتباط قبل أيام قليلة من الزفاف.
فكر بعدم الزواج حالياً، لكن بسبب المحتالة كان القرار بلحظات.
حيرة وبغض يشعر بهما.
حيرة... سببها العقل الذي ما يشعر به يتنافى مع ما يشعر به في قلبه لأول مرة.
لأول مرة يكون بينهم خلاف.
بغض... يبغض ذاك الشعور.
كأنه مجبور أن يتقبل تلك الحيرة.
❈-❈-❈
بـغرفة آدم.
اقتربت نهاية مدة اليومين، مازال لم يفقد الأمل.
ينظر إلى الهاتف القابع بين يديه وهو جالس على الفراش يضجع بظهره على خلفية الفراش، يقرأ تلك الرسالة التي أرسلتها له حنان قبل ساعة تقريباً فحواها ربما غير مبشر.
أخبرته أن والدها لم يخبرها بشيء بخصوص عرضه الزواج منها.
عكس ما فعل سابقاً مع حفظي، لكن مازال في انتظار قرار مبهم.
والانتظار هو أسوأ إحساس.
ثوانٍ تمر كدهور من الزمان.
نهض يحاول تشتيت عقله عن التفكير بذاك الشأن كي لا تفتعل الظنون برأسه.
وقف بالشرفة الخاصة بغرفته.
كان القمر أحدبًا.
في الأساطير القديمة كان ذاك المنظر نذير شؤم.
تنهد يستنشق الهواء، الذي من المفروض أن يميل خريفياً، لكن طبيعة المكان مازال حاراً رطباً بعض الشيء.
قبل أن تتخذ الظنون حيز عقله، سمع رنين هاتفه.
دخل سريعاً إلى الغرفة.
جذب الهاتف بلهفة إزدادت حين علم هوية المتصل.
حاول الرد بهدوء.
بعد السلام بينهم تفوه مجدي بعد مراوغة لوقت:
"أنا موافق على عرضك الزواج من بنتي بس الموافقة مرهونة بـ..."
توقف مجدي عن استرسال حديثه قصدًا منه، مما جعل فضول بل رغبة ملحة من قلب آدم لمعرفة سبب رهن تلك الموافقة.
فسأله:
"الموافقة مرهونة بأيه."
تبسم مجدي بخبث قائلاً:
"أولاً... لازم نمشي حسب الأصول ويجوا الحريم يطلبوا إيد بنتي من قلب بيتي... مش من الشارع زي ما عملت."
إبتسم آدم بهدوء قائلاً:
"أكيد طبعاً ده هيحصل، بس كنت لازم آخد تصريح الأول."
لمعت عين مجدي بخبث ثم أكمل قائلاً بنبرة تعالٍ وأمر:
"بنتي مش أقل من مرات أخوك سراج، رغم إنها كانت عازبة وبنتي بِكر، لازم يتعمل لها فرح كبير يليق بـ بنت مجدي السعداوي."
لوهلة تضايق آدم من نبرة التعالي التي في حديث مجدي، لكن ابتلعها من أجل نيل ما يبغي عليه، تقبل ذاك التعالي لوقت فقط.
تنهد قائلاً:
"أنا عارف قيمة حنان كويس، وأكيد هي مش هتفرق عن مكانة مرات سراج والعُرس هيتم بنفس الطريقة."
رغم ضيق مجدي من حنكة رد آدم الذي ساوى بين ابنته وبين زوجة سراج، فهناك اختلاف كبير من كل الزوايا.
هو ذو اسم له سطوة كبيرة ومكانة أعلى من نسب سراج، كذلك ابنته أول زواج لها عكس الأخرى.
لكن حاول الهدوء قائلاً بتعالٍ فظ:
"بنت مجدي السعداوي متتساوى بمرت أخوك، وتمام كده باقي المسائل من مهر وشبكة هنتحدث فيها لم تتم زيارة الحريم."
ابتلع آدم فظاظة مجدي بصعوبة بعد أن أغمض عينيه يتخيل حنان معه، وهذه ما يهمه، ليس ذاك المتعالي الفظ.
تنهد بقبول:
"تمام."
انشرح صدر مجدي قائلاً:
"تمام... دلوقت تصبح على خير، متعود أنام بدري."
أغلق مجدي الهاتف يبتسم يشعر بزهو من امتثال آدم له.
لم يفكر بشيء سوى أنه سوف يصل إلى ما يبغي، نسب عائلة العوامري سيعطيه سطوة كبيرة.
نسي حكاية الثأر القديمة، لا لم ينساها لكن لن تكون عقبة بل ميزة، فالمصاهرة بالتأكيد لمصلحة الصلح الذي تم قبل سنوات.
العقبة الآن هي كيف سيخبر حفظي وأخيه بقراره التراجع عن قبول طلب زواجه من حنان.
لكن لما يتردد؟ سهل أن يخبرهم أن ذلك قرار ابنته، هي سبق واعترضت حين أخبرها بطلب حفظي لها للزواج.
لكن أنت أيضاً لم تسألها عن قرارها القبول أو الرفض لـ آدم العوامري.
أجابه عقله: حتى لو رافضة كلمتي أنا اللي هتمشي.
لم يهتم لشيء سوى أن نسب عائلة العوامري الآن هو في مصلحته بعد أن قرر الترشح للانتخابات البرلمانية بدلاً عن أخيه الذي ينهشه المرض.
لكن من باب وخبرهم فقط نهض وذهب نحو غرفة حنان.
تنهد آدم يزفر أنفاسه بضيق من طريقة مجدي الفظة، لكن لا يهم، المهم الآن أن يرفق بقلب حنان ويخبرها بذلك حتى يهدأ قلبها.
بينما بغرفة حنان الأخرى كان اليأس دب في قلبها من عدم رد والدها على آدم إلى الآن.
لا تحليل آخر له سوى الرفض، الذي حتى لا يهتم بإخباره بذلك.
لكن في خضم يأسها كانت رسالة كافية بجعل قلبها يعود للنبض، بعد أن شعرت بخضة بسبب رنين الهاتف بيدها وكانت شاردة بيأس.
سرعان ما فتحت الرسالة قرأت ذاك المختصر: "والدك وافق على جوازنا".
كلمات قليلة كانت بمثابة عودة الروح لها.
رغم عدم تصديقها قرأت الرسالة أكثر من مرة كي تُصدق، ومازالت تعتقد أنها في حلم.
عليها أن تتأكد.
قامت بإرسال رسالة أخرى إلى آدم: "بتتكلم بجد، أبوي رد عليك بالموافقة".
يعلم أنها لم تكن تتوقع موافقة والدها ببساطة هكذا.
لكن آدم من خبرته كان لديه يقين أن والدها يتلاعب بالرد في آخر الوقت كي يصل إلى مبتغاه وهو الضغط على آدم بقبول شروطه دون اعتراض.
ليس صعب عليه تفسير شخصية والد حنان، هو طامع.
وآدم حتى إن كان معاقاً كلياً بالنهاية من نسل "عمران العوامري".
مجرد ذكر كنية نسب بينهما في مصلحة مجدي السعداوي بعد تلك الإشاعات التي تدور بالبلدة أنه هو المرشح القادم للبرلمان.
لكن طيبة قلب حنان جعلتها تعتقد أن الكل يفكر مثلها بطيبة قلب.
إنخضت حنان حين فُتح باب غرفتها دون استئذان، وطل والدها من خلفه.
توجست سريعاً بلا وعي ضغطت على زر الهاتف وفصل نهائياً.
إعتدلت جالسة تقول بتعلثم:
"خير يا أبوي."
نظر لوجهها التي خفتت ملامحه وتعلثمها في الحديث سائلًا:
"مالك اتخضتي ليه كده، كنتِ بتعملي إيه على الموبايل."
إرتبكت تلوح بالهاتف يدها ترتعش أسفله قائلة:
"ولا حاجة يا أبوي ده فصل شحن، كنت هحطه عالشاحن وأنام."
لم يهتم ولوهلة أراد إخبارها وأخذ رأيها لكن تراجع.
لابد أن يفي آدم بوعده أولاً بإرسال الحريم لطلبها رسمياً، وقتها يأخذ قرارها لا داعي لسبق الأحداث.
توجه ناحية باب الغرفة قائلاً بحده:
"بلاش سهر كتير عالمايل ونامي تصبحي على خير."
ردت بخفوت:
"حاضر يا أبوي، وأنت من أهل الخير."
رمقها بنظرة شعرت بريبة لوهلة، إرتجفت، بعد أن احتارت من معنى نظرته تراجعت خشية أن تسأله عن سبب دخوله إلى غرفتها بهذا الوقت فيوبخها.
هدأت وإلتقطت نفسها بعد أن أغلق خلفه باب الغرفة تشتنشق الهواء بروية حتى شعرت بعودة الروح لها.
❈-❈-❈
بـ دار عمران.
بلا تردد من آدم اتخذ القرار بعد أن رأى على هاتفه أن هاتف حنان أصبح بلا إشارة.
بالتأكيد بسبب صدمتها بعد أن أخبرها بموافقة والدها.
تبسم وهو ينهض وغادر غرفته نحو غرفة والده.
وقف يدق على باب الغرفة ثم تجنب إلى أن فُتح باب الغرفة، طلت زوجة والده.
تنحنح بحرج قائلاً:
"أبوي صاحي."
كان الجواب من عمران نفسه قائلاً:
"أيوه صاحي، ادخل يا آدم."
دلف آدم للغرفة نظر نحو صوت والده كان جالساً فوق الفراش، ابتسم له قائلاً:
"تعالى يا آدم، خير، أكيد جاي في أمر مهم."
نظر آدم نحو زوجة أبيه وتنحنح بحرج.
تفوه عمران لها قائلاً:
"سيبنا لوحدنا يا فهيمة."
كادت تستمع لقوله لكن منعها آدم قائلاً:
"الموضوع مش سر يا أبوي، خليكِ يا حجة."
ابتسمت له بغبطة.
لا تنكر هو وأخواته الاثنين لا يعاملنها بسوء.
نظر له عمران بفضول قائلاً:
"تمام، قول الموضوع اللي مسهرك لحد دلوقتي."
استجمع آدم شجاعته قائلاً:
"أنا قررت أتجوز يا أبوي."
انشرح قلب عمران قائلاً:
"بجد فرحت جوي ولدي، قول لي بقى عينك على واحدة بعينها ولا أقول لعمتك ولاء تشوف عروسة بنت ناس أكابر."
ببساطة أجابه:
"مالوش لازمة تتعب عمتي يا أبوي، أنا خلاص اخترت اللي واثق إنها الإنسانة اللي هتبقى شريكة حياتي."
ابتسمت له فهيمة قائلة:
"ألف مبروك، ربنا يسعد جلبك."
أومأ لها آدم مبتسماً بود.
بينما تبسم عمران سائلاً:
"وتبقى بت مين دي بقى؟"
أجابه آدم بترقب:
"حنان بنت مجدي السعداوي."
في البداية لم ينتبه عمران أو ربما أراد تأكيد آدم وسأله:
"بتجول مين!؟"
لم يستغرب آدم رد فعل عمران وعاود تأكيد قوله.
إنذهل عمران وهب جالساً بإستقامة بعد أن كان مضجعاً بظهره على بعض الوسائد، وقال بتسرع:
"مستحيل، إنت أكيد عقلك جن."
تبسم آدم بتوقع قائلاً:
"لاه يا أبوي، أنا عاقل جدًا."
تعصب عمران قائلاً:
"إنت مش عارف إن كان في تار بين العائلتين."
أجابه آدم:
"حضرتك قلت، كان، دلوقتي فيه صلح، يبقى إيه المانع."
"المانع كبير جداً، أنا مستحيل..."
قاطعه آدم بتصميم:
"دي شريكة حياتي يا أبوي، وأنا اللي هعيش معاها، وخلاص أنا خدت القرار، باقي التنفيذ."
"قرار إيه وتنفيذ إيه، إنتوا إيه كل واحد فيكم يختار على مزاجه وييجي يجولي، كأني مش موجود وليا كلمة عندكم، لاه يا آدم أنا..."
قاطعه آدم:
"لاه إيه يا أبوي، أنا حُر في حياتي، تصبح على خير."
غادر آدم دون زيادة في الحديث، يعلم أنه لو ظل أمام والده سيفعل المستحيل كي يقنعه بالتراجع عن ذلك.
لكن لو تركه وهو يعلم بإصراره سيعترض قليلاً ثم يتقبل مرغماً لاحقاً.
❈-❈-❈
اليوم التالي.
صباحاً بالإسطبل.
فتح سراج عينيه بعد أن داعبت أشعة الشمس عينيه وهو نائم تحت تلك المظلة.
شعر بتيبس في عنقه.
تمطئ لا يعلم متى غفى هنا.
نهض واقفاً يمارس بعض التمرينات فكت ذاك التيبس.
نظر نحو تلك الإستراحة، شعر بضيق.
بالتأكيد ثريا مازالت نائمة تنعم بفراش مريح وهو غفى هنا بالأطلال.
فكر ليذهب إليها يلقي بعض الأوامر، لكن فكر تركها قليلاً حتى يتريض بإحد الخيول، ينشط جسده.
بينما قبل دقائق، استيقظت ثريا تشعر براحة في جسدها رغم ذلك تشعر بخمول تود المزيد من النوم.
لكن نفضت ذلك تمطئت.
شعرت بليونة الفراش أسفلها كذلك تلك الوسائد الناعمة، لا تفرق عن ذاك الفراش التي تنام عليه بغرفة سراج بالدار، لكن هنا شعرت براحة أكثر.
فكرت في العودة للنوم، لكن تذكرت أن لديها موعد مع أحد زبائن مكتب المحاماة بالمحكمة من أجل رفع إحدى القضايا.
مرغمة تحملت ونهضت جالسة على الفراش تتمطئ قائلة:
"لو فضلت عالسرير هرجع أنام تاني."
تجولت عيناها للحظة واكتشفت أنها ليست بغرفة سراج.
تساءلت: "بس أنا هنا فين، هو إحنا مرجعناش الدار ولا إيه، أكيد جه عليا نومه، بس أنا فين وإزاي وصلت لهنا من غير ما أحس، أكيد بسبب التعب الكتير نمت ومحستش، وسراج رماني من العربية ولاقاني ناس طيبين وقالوا يكسبوا فيا ثواب."
بنفس الوقت سمعت صوت صهيل خيل.
نهضت من فوق الفراش وتوجهت نحو تلك الشرفة.
أزاحت الستائر ونظرت إلى الخارج.
رأت أحدهم يمتطي إحد الخيول يهرول بها بمضمار قريب من تلك الغرفة.
ربما خمنت مكان وجودها، بالتأكيد أنه إسطبل الخيل.
سبق واحتجزها به سابقاً، لكن المرة السابقة كان بغرفة رديئة، وهذه المرة غرفة تبدو مريحة.
لم تفكر كثيراً، ونظرت إلى ثيابها التي ترتديها منذ أمس حتى أنها ليست نظيفة بسبب رمال الصحراء.
رأت باب آخر بالغرفة خمنت أن يكون مرحاضاً.
توجهت نحوه، وصدق تخمينها دخلت إليه.
تبسمت حين رأت غسالة صغيرة بالمرحاض، كذلك معطف قطني رجالي معلق.
تفوهت: "كويس في غسالة أكيد بتنشف الهدوم، اهو أخد دوش وألبس الروب اللي هناك ده على ما هدومي تنضف وتنشف في الغسالة مش هتاخد وقت طويل."
بالفعل نزعت ثيابها ووضعتها بتلك الغسالة، ثم أخذت حماماً بمياه فاترة وارتدت ذاك المعطف.
كان شبه مناسب لها رغم وسعه بعض الشيء لكن ربطته بإحكام على جسدها.
ذهبت نحو الغسالة، نظرت إلى المؤقت الخاص بها، رأت أنه مازالت الثياب تحتاج لوقت كي تصبح جاهزة للارتداء مرة أخرى.
نظرت لذاك المعطف بتقييم كان مناسباً للخروج من الحمام به.
بالفعل توجهت نحو باب الحمام وكادت تضع يدها فوق المقبض كي تفتحه، لكن شهقت بخضة حين فُتح الباب بتلقائية.
لم تنتبه وعادت خطوة للخلف وكادت تنزلق قدماها بسبب المياه الموجودة بالأرضية الناعمة.
لكن بسرعة طوق سراج خصرها، أصبحت محنية بيده، قبل أن تعتدل واقفة.
قصداً منه تذكر صلافة لسانها بالغد وتعمد أن يسحب يده عن خصرها لعدم اعتدالها سقطت أرضاً.
شعرت بألم في ظهرها وهي تسبه.
وهو يضحك على منظرها وهي واقعة هكذا.
لكن هنالك شيء لفت نظره، حين انزاح المعطف عن جسدها وعري ساقيها بالكامل تقريباً لمح تلك العلامة الكبيرة بأحد فخذيها.
لكن هي سرعان ما سحبت طرف المعطف عليها وأخفتها ثم نهضت واقفة تزجره بغضب تشعر بضيق من نظرة عينيه نحو ساقيها اللتان تعرت.
ربما لم يفرق معها تعريهما، لكن تلك العلامة الواضحة تشعر بالغضب حين يلمحها أحد.
بينما سراج حين وقعت ضحك في البداية لكن سرعان ما خفتت تلك الضحكة وتحولت إلى رغبة لرؤية تلك العلامة المشوهة.
لا فضول لمعرفة سبب تلك العلامة، واضح أن سببها حرقاً.
لكن ثريا بغضب سارت من جواره وخرجت من الحمام بلا حديث.
بينما الفضول جعل عقل سراج ينسى أنه قبل لحظات حين دخل إلى الغرفة ولم يجد ثريا سمع صوت هدير مياه من حمام الغرفة توجه نحوه عن عمد كي يثير إزعاجها فقط.
وحدث ذلك حين انخضت من دخوله دون استئذان.
كذلك انزعجت حين تركها تسقط.
لكن سرعان ما توغل شعور آخر، توقف للحظات وفكر منذ زواجهم لم تقم ثريا بارتداء أي زي قصير أو شفاف حتى أنها لا تحاول حتى إثارته بل طريقتها معه دائماً مازالت تصادم.
لكن تغاضى عن كل ذلك وتوغل فضول لديه لرؤية تلك العلامة بفخذها ومعرفة سببها.
كاد يخرج خلفها، لكن شعر بشفقة غريبة في قلبه.
زفر نفسه على تلك المشاعر التي تختلط بين قلبه وعقله، يحتاج إلى استقرار مشاعره.
لم يهتم ونزع ثيابه ودلف لحظات فقط أسفل المياه، يحاول نفض كل تلك المشاعر، أولها الغضب وآخرها الشفقة.
بينما ثريا خرجت من الحمام جلست على أحد المقاعد تشعر بغضب.
ليس فقط من سراج الذي خضها وتعمد تركها تسقط حتى تتألم أمامه، بل الغضب الأكبر من تعرية ساقيها أمامه ونظرة عينيه إلى تلك العلامة القبيحة.
دمعة سالت من عينيها سرعان ما جففتها بيديها حين شعرت بخروج سراج من الحمام.
نظرت نحوه سرعان ما أخفضت بصرها حين رأته يرتدي منشفة فقط حول خصره.
راقبها سراج ورأى إحاديثها النظر له، يعلم أنها وقحة فليست المرة الأولى الذي يقف أمامها هكذا.
لكن هذه المرة الأولى التي تحايد النظر له وتدعي انشغالها بتصفيف خصلات شعرها.
منظر وجهها الأحمر القاني، لو بموقف آخر كانت أصبحت بالنسبة له مثيرة للشغف كامرأة.
لكن ذاك الفضول يتحكم بعقله وهي تجلس تحكم ذاك الرداء عليها.
ذهب نحو دولاب صغير بالغرفة وجذب زيًا خاصاً بالفروسية ونظر نحوها.
نهضت واقفة وذهبت نحو الحمام مرة أخرى دون حديث معه.
تركت الفضول بعقله وعادت للمرحاض ترا ملابسها هل انتهى تجفيفها بالمجفف لكن كان الوقت لم يمر، مازالت تحتاج إلى وقت آخر.
خرجت من الحمام، تفاجأت مرة أخرى حين خرجت أنه كاد يصطدم بها، لكن انتبهت وحايدت الابتعاد عنه.
لكن تلاقت عيناهما للحظات صامتة قبل أن يتنحنح سراج قائلاً:
"مش جعانة."
رغم شعورها بالجوع فهي منذ الأمس لم تتناول الطعام، لكن تعودت على ذاك الشعور.
هزت رأسها قائلة بنفي:
"مش جعانة أوي."
على يقين أنها كاذبة فهما منذ الأمس لم يتناولا الطعام.
جذبها على غفلة وضمه إلى صدره ونظر إلى وجهها المشدوه حين رفعت وجهها ونظرت له.
سرعان ما حاولت الخلاص من ذلك ودفعته بيديها لكن هو ضحك وتعمد قائلاً:
"إيه اللي لبسك الروب بتاعي."
دفعته بضيق قائلة:
"ملقتش غيره ألبسه، وكلها ربع ساعة بالكتير وهدومي تنشف وألبسها تاني.. و..."
قاطعه عيناه تلمع بشغب وضمها أكثر قائلاً:
"طب كويس نستغل الوقت ده في..."
توترت وارتجف جسدها لحظات ونظرت إلى وجهه سائلة ببلاهة:
"قصدك إيه."
ضحك على ملامحها، كذلك شعر برجفتها.
تعمد الاقتراب بوجهه من وجهها يلفح وجنتيها أنفاسه، وهي تشعر بضيق من ذلك تحاول الخلاص من بين يديه.
لوهلة توغل لقلبه رغبة في تقبيل شفتيها ونزع ذاك المعطف عنها ليس لتعريتها بل لسبب الفضول.
لكن رنين هاتف فصل هدوءها كذلك أفاقه من تلك المشاعر.
بتلك اللحظة تراخت يديه عنها سرعان ما ابتعدت عنه وهو ذهب نحو ذاك الهاتف نظر له وقام بفصل الرنين.
عاود الاقتراب منها ينظر إلى ارتباكها بتسلية قائلاً:
"كنت بقول إيه قبل ما الموبايل يرن... آه... نستغل الوقت في...."
قاطعته بحِدة تتهرب من أمامه:
"هروح أشوف هدومي زمانها نشـ...."
قاطعها بجذب يديها سريعاً اصطدمت بصدره سرعان ما عادت للخلف ضحك قائلاً:
"إنتِ فكرك راح لفين، أنا قصدي نستغل الوقت إننا نفطر، الإستراحة هنا فيها مطبخ وأنا جعان ومتعود حد يحضرلي الفطور."
ازدردت ريقها قائلة بتهكم:
"والإستراحة مفيهاش خدامين."
هز رأسه بنفي، قائلاً:
"للأسف كل اللي بيشتغل في الإستراحة رجالة."
تنهدت بسخرية قائلة:
"تمام، قول لي فين المطبخ اللي هنا."
أشار لها بيده لتخرج من الغرفة وهو خلفها أشار لها نحو مكان المطبخ.
دخلت، تبسمت فهو مطبخ مجهز.
بحثت بين الأدراج عن بعض الأطعمة، التي تستطيع طهيها سريعاً.
تنقلت بين الأماكن تحضر الفطور، بينما جلس سراج على أحد المقاعد يراقبها بفضول عيناه تنظر نحو ساقها.
الفضول يتلاعب به وكاد يسألها عن سبب تلك العلامة.
لكن هي وضعت أمامه بعض الأطباق المملوءة بالطعام، قائلة:
"الفطور."
نظر نحو الطعام قائلاً بهدوء:
"تسلم إيدك."
نظرت نحوه بإندهاش.
لاحظ إندهاشها، جذبها من يدها اختل توازنها وجلست على أحد المقاعد.
تحدث بمزح قائلاً:
"إقعدي نفطر سوا."
نظرت لقبضة يده ونفضتها عن يدها قائلة:
"على رأي المثل، طباخ السم بيدقوه."
ضحك دون حديث وبدأ في تناول الفطور وهي كذلك، لكن بين الحين والآخر يختلس النظر نحو ساقها.
لا يعلم سبباً لما لم يسألها.
تناولا الطعام وسط صمت غريب عليهما، كل منهم بعقله سؤاله:
هو ما سبب تلك العلامة؟
هي ما سبب هذا الهدوء بينهم على غير العادة.
انتهيا من تناول الفطور.
نهضت ثريا وضبت ما تبقى، تهربت قائلة:
"عندي ميعاد مع زبون في المحكمة، يادوب ألحق الطريق."
أومأ لها وهو يحتسي من كوب الشاي الذي بيده.
ذهبت سريعاً.
بعد دقائق تقابلت معه في الردهة كانت أبدلت ذاك المعطف بثيابها.
نظرت نحوه ثم سارت أمامه، خرجا من الإستراحة.
أثناء سيرها تقابلت مع ذاك القذر التي سبق وضربته على رأسه.
نظرت له بإشمئزاز، بينما هو أخفض وجهه بكسوف وخوف.
تضايق سراج من رؤيته أيضاً ذكره بخطأ افتعله.
لم تهتم ثريا وأكملت سير نحو باب الإسطبل.
لكن جذب سراج يدها سائلاً:
"رايحة فين."
أجابته ببساطة:
"هخرج من الإسطبل، موقف الميكروباص مش بعيد، ربع ساعة مشي."
نظر لها متهكماً بغيظ:
"ربع ساعة مشي؟ هتمشي في الصحرا إحنا في الإسطبل مش في الدار، والإسطبل بعيد."
لم تهتم أليس بالأمس هو من أراد تركها في الصحراء.
قمة التناقض في شخصية سراج، عقلها لا يفهمه عكس غيث.
كان واضحاً أسلوبه الفج معها.
لكن تهكمت ساخرة بضحكة مصطنعة:
"صحرا ليلة امبارح كنت هتسيبني في الصحرا للديابة عادي، مفيش فرق، عالأقل دلوقتي إحنا بالنهار."
تنرفز وجذبها من يدها نحو سيارة قائلاً:
"أنا كمان عندي مشوار في البندر."
وافقت وذهبت معه ليست مرغمة بل لسبب ميعادها مع الزبون بالمحكمة.
بعد قليل جلسا بالسيارة دون حديث.
لكن لعدم انتباه سراج أثناء السير لم يلاحظ أحد المطبات بالطريق، حاول تبطئ السرعة.
بلا قصد يده لمست فخذ ثريا الموصوم بتلك العلامة.
اهتز جسد ثريا، وضمت ساقها للأخرى بعيداً، بينما لم ينتبه سراج لذلك.
❈-❈-❈
بـ دار السعداوي.
رفض قاطع من ولاء عقلها غير مستوعب ما أخبرها به.
بنفس الوقت دخل عليهما آدم الغرفة.
نظرت له بغضب قائلة:
"مستحيل الجوازة دي تتم، أكيد عقلك مش في راسك."
استهجن آدم قائلاً بإصرار:
"دي حياتي وأنا حر في اختياري، و..."
قاطعته ولاء بإستهجان:
"مستحيل، إنت وأخوك خلاص البنات خلصت، واحد يتجوز من عازبة، والتاني عاوز يتجوز من بت اللي كان بينا وبينهم تار، لاه كتير قوي منكم، أنا مستحيل أروح دار مجدي وأطلب يد بت منهم... وأستحمل حرج رفضهم."
نظر لها آدم باستهوان قائلاً:
"بسيطة، أنا ما يرضيني تتحرجي عشان خاطري يا عمتي، وإتصلت على خالتي رحيمة وبعتلها عربية تجيبها وهتروح معاها ثريا ومرات أبوي."
نظرت له بسحق قائلة:
"هتعمل زي أخوك و....."
قاطعها آدم بتصميم:
"سبق وقلت دي حياتي، وأخويا كمان حر في حياته وكل واحد بيختار حسب مزاجه، وكل واحد بيتحمل نتيجة اختياره، عن إذنك هروح أشوف خالتي وصلت لفين."
غادر آدم بينما نظرت ولاء لـ عمران بغضب قائلة:
"ساكت ليه، لازم تنصحه وتعرفه، إن حتى لو حصل صلح الدم مش بيتنسي... أنا مش ناسيه إن عيلة السعداوي كانوا السبب في قتل خطيبي، دول قتلة."
اخفض عمران رأسه مرغماً ثم نظر لها دون رد.
إغتاظت منه فالصمت معناه أنه يوافق ولده.
عمران ضعيف أمام رغبات أبناؤه يتناول لإرضائهم، لكن هي لا، لن تتنازل، حتى لو عاد الثأر مرة أخرى.
❈-❈-❈
بـ دار مجدي السعداوي.
كانت مفاجأة لـ سناء حين فتحت باب الدار ورأت أمامها ثلاث نساء.
تعلم هوية اثنتين منهن والثالثة رأتها سابقاً.
استقبلتهم بحفاوة، وأخذتهن إلى غرفة الضيوف.
وضايفتهن هي وحنان التي تعلم سبب زيارتهن لكن لم تُظهر ذلك.
تشعر بسعادة بالغة، في نفس الوقت تشعر بريبة من الترقب، تخشى أن يتراجع والدها عن قراره الذي أعطاه لـ آدم.
جلسن سوياً لبعض الوقت، أحاديث جانبية إلى أن تحدثت رحيمة وطلبت يد حنان.
التي انصهر وجهها خجلاً.
بينما تفاجئت سناء بذلك وتلجم لسانها.
وكان ردها مختصراً:
"هقول لـ الحج مجدي وهو صاحب القرار."
تفهمن ردها، نهضن بعد دقائق.
نظرت رحيمة لـ حنان وضمتها قائلة:
"أحن واحد في ولادي هو آدم، وجلبي حاسس إنك هتبقي العوض لقلبه الطيب."
تبسمت حنان بخجل.
غادرن بعد وقت قليل.
على عكس عادة مجدي جاء للمنزل، بلا انتظار أخبرته سناء بزيارة الثلاث.
تبسم لها قائلاً:
"تمام، بكرة تتصلي على خالة آدم وتجولي لها إننا موافقين."
ذهلت سناء دون رد.
بينما صدفة تسمعت حنان وسمعت رد والدها لتشعر بسعادة بالغة.
❈-❈-❈
ليلاً، حين عادت ثريا إلى المنزل قابلتها عدلات مبتسمة تقول:
"الدار نورت يا ست الستات، سراج بيه لسه واصل من هبابه وجالي لما توصلي أجولك أنه عاوزك في المجعد بتاعكم."
استغربت ثريا ذلك، منذ قليل أرسل لها رسالة على الهاتف أن تعود باكراً.
كذلك قول عدلات شعرت بفضول، لكن قالت لها:
"عطشانة جوي، هروح المطبخ أشرب وبعتها أطلع له."
بينما سراج بالغرفة مازال يشعر بالفضول من تلك العلامة ولابد أن يعلم سببها.
مسك ذاك الثوب اللامع الذي به جزء شفاف هو اختار ما يناسب فضوله.
بنفس الوقت صدح رنين هاتفه، ترك الثوب، وذهب نحو شرفة الغرفة يقوم بالرد.
تعمدت ثريا التأخير إلى أن صعدت إلى الغرفة بعد دقائق.
دخلت إلى الغرفة تشعر بإرهاق شديد.
استغربت حين لم تر سراج بالغرفة، فمنذ دقائق أخبرتها الخادمة أنه ينتظرها بالغرفة على الفور.
لكن هي كعادتها عاندت وتعمدت أن تتأخر.
لكن لفت نظرها قطعة القماش التي تضوي بلمعان الموضوعة على الفراش.
بفضول منها ذهبت نحو الفراش وجذبت تلك القماشة بين يديها.
سرعان ما تهكمت باستهزاء قائلة:
"ده توب غازيه... إيه جابه لإهنه."
إنخضت بشهقة حين سمعت صوت سراج من خلفها قائلاً بغيظ ثم تهكم وأمر:
"اتأخرتِ ليه بقالي أكتر من نص ساعة بعتلك الخدامة."
صمت للحظة ينظر لها باحتقان ثم تفوه باستهوان:
"سلامتك من الخضة."
صمت مرة أخرى نظر للثوب الذي كان بيدها وتفوه بوقاحة:
"أنا اللي جبت توب الغازية عشان إنتِ تلبسيه وإنتِ بترقصيلي دلوقتي."
بسبب الخضة وقع من الثوب على الأرض.
بنفس الوقت استدارت له، سرعان ما حايدت بصرها عنه للحظات.
لكن عاود يتهكم قائلاً:
"مالك، وشك اصفر كده ليه."
بسبب الخضة تركت ذلك الرداء لكن سرعان ما استغربت انحناءه وجذبه لذلك الثوب وأعاد وضعه بين يديها ثم رفع يده وسحب وشاح رأسها وأسدل خصلات شعرها قائلاً:
"يلا بلاش تضيعي وقت وإقلعي العباية اللي عليكي دي وإلبسي التوب ده، مزاجي مش رايق وعاوزك ترقصيلي، أهو أحسن ما أروح لغازية عالأقل إنتِ حلالي..."
توقف للحظات ثم نظر نحو شفتيها وضع إبهامه على شفتيها قائلاً بتلميح مباشر:
"يمكن... أكيد الليلة هيكمل جوازنا وتحملي في الولد اللي..."
قبل أن يكمل بقية تلميحه قاطعته ضحكات ثريا التي اغتاظ منها.
ظن أنها تضحك سخرية من حديثه بينما بالحقيقة كانت ضحكاتها ضحكات موجوعة.
رواية عشقت طالبتي الفصل الرابع عشر 14 - بقلم منار حسين
بعد مرور أكثر من ثلاث أسابيع.
صباحًا، بالمحكمة، بغرفة خاصة للمحامين، كانت تجلس ثريا مع بعض زُملائها يتجاذبون أطراف الحديث في المعلومات القانونية فيما بينهم، تستمع أحيانًا وتشارك بتلك المعلومات أحيان أخرى، إلى أن انسحبوا لمتابعة قضاياهم.
حتى هي نهضت، رغم عدم وجود قضايا لها، لكن لو ظلت بدار العوامري ستتضايق من سخافة تلميحات ولاء الصريحة واستقلالها من شأنها، كذالك تنسب لها بعض أعمال المنزل كنوع من إثبات علو شأنها وأنها ذات كلمة مسموعة. تذهب إلى المحكمة حتى تتجنبها.
خرجت من الغرفة حاسمة أمرها، ستغادر المحكمة لكن لن تعود إلى دار العوامري. ستذهب إلى منزل والدتها أو إلى قطعة الأرض، أي منهما حتى تعود مساءً كما أصبحت تفعل. لا تود سماع سخافات "وباء" كما تنعتها. زفرت نفسها، تشعر كأن عودتها إلى دار سراج ثقيلة على قلبها، ثقيلة كوسع ذاك المنزل.
تفاجئت أثناء خروجها من مبنى المحكمة بتلك السيدة التي سبق صفعتها قبل أيام. لم تهتم وأخفت بسمتها، فعبوس وجه المرأة كفيل بتهدئة غيظ ثريا من صفعها. بالتأكيد لن ينفعها تبديل المحامي، فتلك القضايا معلوم أحكامها، رغم أنها شبه ظالمة للمرأة المطلقة.
حاولت إحداهن، وهي تستكمل سيرها، لكن تلك المرأة حين رأتها أخفضت وجهها وشعرت بالغيظ. حايدت النظر ومرت من جوارها دون النظر إليها. ضحكت ثريا على ذلك رغماً عنها وأكملت سيرها. خطوات لكن الفضول جعلها تنظر خلفها لها وضحكت كما توقعت، لقد قامت بتوكيل محامي آخر.
بينما تلك المرأة وقفت مع محامي آخر، تزفر أنفاسها غيظًا وهو يخبرها عن خسارة ابنها لقضية أخرى خاصة بتدبير سكن لأبناء ابنها.
سألته: كل قضية جصادها بنخسرها إكده، مفيش حل؟
أجابها: يا حاجة قضايا الشرع كلها للست المطلقة الحاضنة، هي اللي بتكسبها. القانون في صفها.
- والحل؟ هكذا سألته بإستياء.
فأجابها: الحل تعطيها حقوقها، و...
قاطعته بإستياء: حقوقها إيه، وأنا عاوزة حل. كفاية إلزام النفقة اللي بدفعها لها مضاعفة بعقد قانوني.
أخفى المحامي بسمته قائلاً: يا حاجة سبق لما جيتي لي مكتبي قولت لك إن القضايا دي معروف إنها في صف الست. كل اللي أقدر أعمله ليكي هو المماطلة في الوقت. غير كده دي قوانين ثابتة، ومافيش فيها ثغرات أقدر أدخل منها.
ضجرت المرأة بغضب وتفوّهت بلفظ نابي. تضايق منه المحامي قائلاً: يا حاجة إنتِ حرة، أنا عندي قضية تانية دلوقتي، عن إذنك.
غادر المحامي وترك تلك السيدة تشعر بغضب ساحق، وهي تنفخ أوداجها بإحتقان قائلة: كله من الغبية اللي مسكت القضية من الأول. ياريت كنت خنقتها مش لطشاها بالقلم. بسببها غصب عني هدفع النفقة مضاعفة بعد ما جوزها "سراج العوامري" هددني أنا وولدي، وحكم علينا ندفع النفقة مضاعفة غصب عنِنا.
***
بمركز الشباب.
كان جسار يتحدث عبر الهاتف إلى أن انتهت المكالمة. عاود الدخول إلى قاعة التدريب. تفاجأ بمدير المركز واقفًا مع إيمان وسمعه يقول لها: ألف مبروك يا كابتن إيمان، ربنا يكتر أفراح عيلة العوامري.
لوهلة خفق قلبه بإحساس غير معلوم. شعر بفضول عن سبب لما يقول لها ذلك. اقترب منهم بترقب سائلًا: خير يا سيادة المدير، بتبارك للكابتن إيمان على إيه؟
أجابه المدير مُنشرحًا بمدح: الأستاذ آدم أخو الكابتن إيمان هيتجوز.
استغرب جسار لوهلة وقال بلا انتباه لرد حديثه: هو أنتم كل شهر حد بيتجوز عندكم؟
تفوه المدير: ربنا يزود الأفراح. ده هيتجوز بنت الحاج مجدي السعداوي، اللي متوقع يكون هو النايب بتاع الدايرة الفترة الجاية. أكابر عيلة العوامري نسبوا أكابر عيلة السعداوي. ربنا يتمم بخير يارب.
أومأ جسار برأسه قائلاً بنبرة سخرية مبطنة: بت الأكابر لولد الأكابر... طبعًا هو ده النسب العالي. ألف مبروك يا كابتن إيمان.
شعرت إيمان بسخريته، تضايقت، لكن عن عمد تحدثت بتعالٍ: طبعًا نسب عالي. وشكرًا. وكمان شكرًا لك يا سيادة المدير. ودي الدعوة بتاعت حضرتك.
توقفت إيمان وأخرجت بطاقة دعوة زفاف من حقيبتها الخاصة. وجهتها للمدير، وبطاقة أخرى وجهتها نحو جسار بتعالٍ قائلة: اتفضل دي دعوة زفاف وأتمنى إنك تحضر، هتنبسط قوي.
التقط جسار دعوة الزفاف منها ورسم بسمة باردة قائلاً: أكيد هحضر. ده أول مرة أحضر زفاف صعيدي. ومش أي زفاف، ده زفاف أكابر العائلات هنا.
نظرت إيمان نحوه وأومأت ببسمة استسخاف. رد عليها جسار ببسمة برود. لكن هنالك انشراح غريب في صدره بعد أن كان يشعر بشعور آخر غير مفهوم السبب. بينما هي تشعر باستياء مزدوج معلوم أسبابه.
الأول... سخافته.
الأخير... اصطناعه بالبرود.
***
مساءً.
منزل مجدي السعداوي.
نهض آدم يصافح مجدي الذي تبسم له قائلاً: تمام كده، اتفقنا على كل شيء يخص كتب الكتاب بكرة بعد الظهر هنا في الدار.
أومأ له آدم مبتسمًا. زادت بسمته حين رمق حنان بنظرة خاطفة وهو يتوجه مع مجدي نحو باب الدار كي يغادر. نظرة كفيلة ببث ترددات خاصة قوية المدى بقلب كل منهما للآخر. أيام قليلة ويجتمعان.
خرج آدم من الدار يسير بلا انتباه.
بالطريق.
شعر كأن هنالك من يتعقبه، يراقبه. بالفعل كان هنالك من يتتبعه، مثل الذئب الذي يراقب فريسته. بمجرد أن خرج من المنزل، سار خلفه يترقب فرصة كي ينقض على آدم. وها هي الفرصة سنحت له بزاوية شبه مظلمة وضيقة بالطريق. لم يكن آدم غافلاً، كان يتابع ذلك عبر خيال ظله أحيانًا. وقصدًا مر بذاك المكان الضيق كي يعلم نوايا ذاك البغيض الذي تجرأ وقام بتسديد لكمة قوية. لانتباه آدم، تفادى تلك اللكمة بسهولة. لكن ذاك الأحمق لم يهتم وثار غباؤه وكرر اللكمة بعنفوان أكبر، ظنًا أن آدم ضعيف البنيان. لكن آدم لم يكن كذلك، بل كان فارسًا بأخلاق، لكن ليس ضعيفًا. كذالك إعاقة قدمه ربما كانت عائقًا، وذاك الوغد تذكر ذلك وسدد ركلة قوية بتلك الساق التي أضعفته، مما سبب له زهوًا، وهو يهذي بعنفوان وأمر قائلاً: إنت تبعد عن سكة حنان بنت عمي وأنا أولى بها، وعمرها ما هتكون لراجل غيري.
رغم ألم آدم، لكن تشجع بجسارة قائلاً: بلاش أوهام يا حفظي، وكمان بلاش تخلق عداوة. إنت أكتر واحد هتخسر. حنان حتى لو أنا مكنتش اتقدمت لها، عمرها ما كانت هتوافق عليك، لأنك بالنسبة لها شخص وقح معندوش أخلاق، بيستغل الأعراف القديمة لمصلحته.
اغتظ حفظي وبدأ يثور بهزبان غاضب وهو يصيح كي يفتعل المشاكل، وهو يلفت نظر الناس لذلك كي يكسب دعمهم بأنه هو الأح
ق بإبنة عمه من ذاك العدو. حاول ركل، ولكم آدم، لكن كان غافلًا عن من حضر. وبكلمة منه توقف حفظي عن ما كاد يفعله، وهو ينظر خلفه بعد أن استمع إلى نداء اسمه بنبرة تحذير: حفظي!
جحظت عيناه حين رأى سراج يقف بتحفز. شعر برجفة قوية في جسده، لكن لعدم وجود أخلاق لديه، تباجح قائلاً: جايب أخوك يدافع عنك يا ولد العوامري. طول عمر العوامريه رجالتهم إكده يتحاموا ويتكاتروا على اللي جدامهم. لكن أنا مش هخاف زي غيري.
لم يقف عند الحديث الفج، بل بعصبية غضب، استغل الموقف لصالحه وهو يصيح كي يستجمع الأهالي ويروا افتراء الأخوين عليه وهو يدافع عن حقه بإبنة عمه. بالفعل حاز على ما يريد، وبدأ بعض الأهالي يتجمعون بريبة. الثأر القديم سيعود الليلة. هنالك عراك دائر بين اثنين من عائلة العوامري، وفرد واحد من السعداوي. يستغلون قوتهم هكذا بدأ حفظي في استقطاب عطف الأهالي. لكن كان الثنائي يتحلون بضبط النفس، مما أخفق في كفة حفظي، الذي بدأ يتعصب ويهذي ويسب في الأهالي، أنهم ضعاف ويخشون بطش وخسة عائلة العوامري. بغفلة من آدم، لم ينتبه حين اقترب حفظي منه وقام بركله في ساقه. ركلات متتالية أضعفته بسبب ذاك الألم، مما جعل سراج يتدخل فورًا، ولكم حفظي. لم ينتبه لوجود سلاح معه بعد أن لكمه. ذهب نحو آدم يطمئن عليه، بينما أخرج حفظي السلاح ووجهه نحوهم. سمع الاثنين صوت فتح حفظي لصمام أمان السلاح. نظرا نحوه بجسارة. بغباء أطلق حفظي رصاصة في الهواء محذرًا بتهديد مباشر: لو مش عاوز الثأر القديم يرجع مرة ثانية، يبقى تنسى بنت عمي.
لم يهتم آدم واستقام بشجاعة بعد أن ساعده سراج، الذي حذر حفظي: حفظي، بلاش تلعب بالنار، هتكون إنت أول الخسرانين.
التوى حفظي بشفتيه بسخط قائلاً: ولد العوامريه اللي اتجوز أرملة ولد عمه بعد ما رسم الشهامة. بعد عن طريقي، وإلا مراتك هتدور لها على راجل تالت تنام معاه من بعدك.
تفوه حفظي ليس بحماقة وصلف، بل جبانة وعدم احترام مبالغ فيه. في لحظة كان مسجى على الأرض، والسلاح الذي كان بيده أصبح بيد سراج موجهًا لرأسه. ارتاع وجحظت عيناه، لكن الجبان دائمًا يستغل كل الفرص ويصيح أن أبني العوامري يستقويان عليه. بنفس الوقت، أتى مجدي بعد أن أخبره أحد الأهالي، جاء مسرعًا، ورأى سراج يوجه السلاح نحو حفظي الراكع أمام ساقيه. مازال يحاول التحكم في غضبه كي لا يفتعل المناوشات. كذالك صياح حفظي الذي تبدل من صفاقة إلى تصعيب يثير الاستصعاب، لكن كان فاشلاً. كذالك لم يهتم مجدي واطمأن على آدم، مما سبب انفلات لعقل حفظي. لكن كانت كلمة مجدي صارمة: سراج، هات السلاح اللي بيدك، وخد آدم وامشي من هنا في الحال وكفاية كده.
امتثل سراج وقام بإعادة ضبط صمام أمان السلاح بعد أن أخرج منه خزينة الرصاص، وأعطاه لمجدي. ثم اقترب من آدم ووضع يده على كتفه بمؤازرة وأخذه وغادر الاثنان. ليس خوفًا، بل حفاظًا على دماء قد تُسفك الليلة دون سبب، سوى تحقيقًا لغرض أحمق لا يهتم سوى بنيل ما يبغي غصبًا. بينما مجدي تحدث بصوت جهور للأهالي المتجمعة: واقفين إكده ليه؟ انفض كل شيء، كل واحد يشوف طريقه منين.
انصرف الأهالي يتهامسون. بينما وضع مجدي السلاح بجيبه ونظر بغضب وسخط واحتقان لـ حفظي، الذي مازال راكعًا، قائلاً: قوم نفض عن عفرة التراب عنك، وكفاية إكده وبلاش تثير المشاكل. لو اتعرضت لآدم مرة تانية، يمين بالله لأكون أنا اللي طخك بالنار في وسط راسك قبل ما تفتح بحر دم من تاني. قوم غور من وشي. واحمد ربنا إني راعيت مرض أخوي وصفحت عنِك. قوم وإياك المحك جدامي مرة تانية، مش هتردد أطخك... ولا أقولك أنا ماشي وخليك راكع إكده، اظهر مش بس خستك... كمان إنك جبان يا عِرة شباب السعداوية.
زادت عصبية حفظي. وما كان على مجدي أن يتركه حرًا دون لجام، فهو مازال ثائرًا بغضب صريع ولن يهدأ قبل أن يثير الإعصار مرة أخرى، ولن يهتم سوى بإستحالة إتمام ذاك الزواج، فـ حنان حقه هو.
***
بدار العوامري.
الأخبار لا تحتاج لوقت طويل كي تصل إلى أصحابها. وصل إلى عمران خبر بما حدث مع ولديه بالشارع. لم يتوانى ولم يهتم حتى بإراقة بحر دم الليلة مقابل خدش لأحد ولديه. وأخذ سلاحه بعد أن جمع، بدقائق معدودة، لفيفًا من عائلة العوامري، وكاد يخرج على رأسهم من الدار لولا دخول آدم وخلفه سراج إلى بهو الدار. نظر الاثنان إلى الرجال. تحدث آدم بسؤال معلوم إجابته: على فين يا أبوي؟
أجابه وهو يتلهف، يقترب منه يفحص تلك الكدمة الظاهرة بوجهه بغضب ساحق، كذالك حركة قدمه الثقيلة، هاتفًا بغلاظة ووعيد: اللي يتجرأ ويمد يده على واحد من ولاد عمران العوامري مش هيكفيني قطع يده.. لأ هقتله.
نظر له سراج مهدئًا: مالوش داعي يا أبوي، ده كان خلاف بسيط وإنتهي ومالوش لازمة تكبر وتصعد الموضوع تديه أكتر من حقه.
تعصب عمران قائلاً بلوم: كنت متأكد إن النسب ده هيجيب مشاكل كتير.
أجابه آدم بهدوء عكس ذاك الألم بساقه: خلاص يا أبوي، كان خلاف بسيط وكيف ما قال سراج إنتهي، مالوش داعي نكبر الموضوع أكتر من...
قاطعته ولاء التي دلفت إلى الدار تقول بغيظ وغضب مستعر: خلاف إيه اللي بسيط؟ هنستنى لما...
قاطعها سراج بأمر قائلاً: كفاية إكده! الموضوع انتهى. ورانا بكرة كتب كتاب، لازم نجهز عشانه. يلا يا آدم، أنا اتصلت بإسماعيل وهو في الطريق.
أومأ آدم، لا يود كثير من الشغب، يكفي، هو كان متوقع ذلك، وإلى الآن الأمور غير مستقرة. كذالك ليست عاصفة... صعد آدم مع سراج الذي يسنده. أثناء صعوده، تقابلت عيناه بعيني ثريا التي كانت تقف أعلى السلم. كان واضحًا على ملامحها عدم المبالاة، حتى لم تبالِ من باب الفضول وسألت عن ما حدث. تدعي الاطمئنان عليه كأي زوجة. مر من جوارها دون حديث، كذالك هي لم تهتم، وعادت نحو الغرفة.
دخلت بعد مبالاة، خلعت ذاك الوشاح عن رأسها وجلست فوق الفراش، لا شعور لديها. لو كان سابقًا، ربما كانت خافت على زوجها. فـ غيث قُتل بمشاجرة على الطريق بعد أن خرج عليه قطاع طرق. لامها قلبها سائلًا: للدرجة دي قلبك مات يا ثريا، مبقتيش تحسي ولا تهتمي بأي حد؟
جاوبها عقلها: سراج ميفرقش عن غيث، الاثنين أسوأ من بعض... سرعان ما ضحكت بوجع قائلة: عالأقل غيث مكنش عنده تفاخر إنه بطل، كان جبان مش بيستقوي غير عالضعيف.
نهضت واقفة تلوم ذاتها قائلة: أنا شاغلة دماغي ليه؟ الموضوع ميفرقش معايا. مش كفاية صحيت من النوم مفزوعة عالأصوات العالية كأن القيامة هتقوم. أما أقلع العباية وأرجع أنام تاني وبلاش أشغل نفسي باللي ما يخصنيش... ربنا يضرب الظالمين ببعض.
خلعت عباءتها وتمددت على الفراش. سرعان ما تبسمت بإعجاب قائلة: بس بصراحة، آدم طلع راجل شهم بصحيح وبطل عكس سراج. شكله واقع في غرامها... يا بختها بيه.
سرعان أيضًا ما ذمت عقلها قائلة: واقع في العشق ولا مش واقع، نامي يا ثريا وبلاش تفكير في شيء مالكيش فيه. عشق وغرام إيه ده للناس الفاضية.
بالفعل أغمضت عيناها مستسلمة لغفوة إرهاق بدني وذهني.
***
بينما بالأسفل، مازال عمران ثائرًا بفضل تحريض ولاء أن ما حدث إهانة لهم وما كان أن ينتهي ذلك بهذا الهدوء، هذا ضعفًا منهم. تفوهت إيمان: بالعكس، اللي عمله سراج وآدم هو أفضل رد، حكموا العقل.
نظرت لها ولاء بغضب واستهجان قائلة: عقل! عقل إيه؟ وبعدين إنتِ إيه حشرك في الحديث؟ اخرسي لما متعرفيش تقولي حديث له معنى، يبقى تنكتمي. مش ناقصين حديث عيلة متفهمش في حديث الكبار.
اعترضت إيمان بغضب قائلة: أنا مش عيلة يا عمتي، وفي رأيي يا أبوي بلاش تصرف في الموضوع وتسمع لحديث مش هينفع، وزي ما قال آدم وسراج، الموضوع خلاص انتهى.
لو كانت إيمان صنمًا لتفتتت إلى رمال في الحال من نظرة عين ولاء التي كادت تتحدث. لكن لاول مرة يعقل عمران حديث برأسه، ونظر لإيمان مبتسمًا. تلك البسمة جعلتها تقترب منه وتضم رأسه بيدها بمحبة ابنة قائلة: تصبح على خير يا أبوي.
تبسم لها بأبوة قائلاً: وإنتِ من أهله.
تبسمت وهي تغادر بصحبة والدتها. التي رغم صمتها، لكن وافقت إيمان في حديثها وشعرت بسعادة من امتثال عمران، تتمنى ألا تستطيع ولاء التأثير عليه مرة أخرى. لكن لم يخيب أملها حين تعصبت ولاء وهي تهمس لنفسها بغضب ساحق: عمران نقطة ضعفه أولاده الأربعة، ياريت وياخد التلاتة، لأ الأربعة. الغبية الصغيرة دي لها تأثير عليه.
نفضت ذلك وغادرت الدار. كذالك هؤلاء الرجال أشار لهم عمران بالانصراف، فلا داعي لوجودهم. غادروا. ذهب هو نحو غرفة المكتب الخاص به، فتح تلك الخزنة وأخرج تلك الصورة، نظر لها بعيون دامعة. قرب الصورة لموضع قلبه، وأغمض عينيه، يشعر كأنه يحتضن جسد تلك التي بالصورة بين ضلوعه وهمس قائلاً: آدم دايمًا بيفكرني بيكي يا رحمة، في قلبه قوة تخضر الجدر الناشف، بس خايف عليه يهلك زيك بسرعة.
كانت كأنها همست بأذنه بصوتها الناعم: أنا كنت ضعيفة واستسلمت من أول الطريق. آدم عكسي، قلبه مغامر يا عمران، حارب العجز وقدر يرجع يمشي تاني على رِجله. زمان الدكاترة قالوا إنه لو قدر يقاوم مع الوقت الإعاقة هتختفي، وده اللي حصل.
أومأ لها يشعر بأنها تقبع بين يديه ويشعر بنفسها قريب من صفحة وجهه تضع قبلة مؤازرة... لكن سرعان ما اختفت حين فتح عينيه، وبقي فقط تلك الصورة التي يضمها لصدره. أبعدها قليلاً ينظر لها بدموع سالت وندم قد فات أوانه. كانت مثل نسمة هواء ربيعية بقلبه الذي أهلكها في حرارة جفاف قلبه. هي لم تكذب، ولكن كان هنالك حقيقة مخفية أفسدت حياتهما. كان عليه أن يتحرى جيدًا عنها، ويعلم أنها كانت "أرملة". كانت تلك حقيقتها التي ظنت أنه يعلمها، لم تُخفها عمدًا. لكن هو صُدم بتلك الحقيقة ليلة زواجهم. تلك الحقيقة لو كان يعلمها سابقًا ما كانت أصبحت عائقًا لعشقه لها. لكن تأخير معرفة تلك الحقيقة هي ما زرعت الشك بقلبه. الشك الذي أهلكهما معًا. إن كانت هي سكنت الثريا، فهو بلا روح، أو يعيش فقط من أجل أن يرى أبناءه سعداء، حتى لو تنازل عن معتقدات هو مقتنع بها من أجلهم. يكفي ما عاشه من بؤس ومازال يعيش به. بعد رحمة، كان هنالك بسمة واحدة هي "إيمان". كأنها هي من أرسلتها لتُضمد من جراح روحه.
***
بغرفة آدم.
ساعده سراج أن يتمدد على الفراش. لكن قبل أن يسأله من أين علم بفخ حفظي، فُتح باب الغرفة ودخل إسماعيل باندفاع سائلًا: آدم، إنت بخير؟
أجابه آدم بألم: لأ، عاوز حقنة مسكن ألم... رجلي وجعاني قوي.
شعر سراج وإسماعيل بالأسى على آدم، لكن مازح إسماعيل كي يخفف عنه قائلاً: عاوزها بقى حقنة وريد ولا عضل؟
نظر له آدم بسحق قائلاً: إخلص، الألم بيزيد. ولو اتكلمت هقوم أفقع عينك بسن الحقنة، مش ناقص برود دكاترة التشريح ده.
ضحك إسماعيل وهو يقوم بتحضير إبرة المسكن قائلاً بافتخار: بالك دكتور التشريح ده هو أكتر دكتور عنده خبرة في كل التخصصات الطبية.
استهزأ آدم بألم قائلاً: طبعًا، ما هو بيستلم الجثة بعد السر الإلهي ما بيطلع، يقطع بقي على مزاجه.
ضحك سراج أيضًا. بينما انتهى إسماعيل من تحضير الإبرة قائلاً: طيب يلا يا سراج، امسك آدم عشان أشكه بالحقنة، أصل عنده فوبيا الحقن.
ضحك سراج، بينما رسم آدم بسمة استسخاف، قائلاً: ياريت تخف إيدك وإنت بتديني الحقنة.
ابتسم سراج وإسماعيل الذي بعد لحظات انتهى من إعطاؤه الإبرة، نظر له قائلاً: قولي بقى إيه اللي حصل بالتفصيل، أنا بحب الأفلام الأكشن قوي.
نظر له آدم ثم أغمض عينيه يقاوم الألم دون رد للحظات، إلى أن بدأ يشعر بزوال الألم قليلاً. فتح عينيه ونظر لسراج سائلًا: قولي مين اللي وصلك خبر فخ حفظي؟
قبل أن يجيب، دق رنين هاتفه. ابتسم مجيبًا: اللي قالت لي هي اللي بتتصل دلوقتي. خد رد عليها طمنها بنفسك.
أخذ آدم الهاتف من يد سراج وقام بفتح الخط مباشرةً ليسمع لهفة حنان تسأل: آدم، إنت بخير؟
رغم عدم زوال الألم، لكن رد عليها بهدوء يطمئنها: أيوه، أنا بخير. إنتِ إزاي عرفتي بفخ حفظي؟
أجابته بخجل: إنت لما مشيت من دارنا، أنا كنت ببص عليك من شباك الأوضة وشوفت حفظي وهو ماشي وراك. رنيت عليك عشان تاخد حذرك منه، بس موبايلك كان بيرن ومش بترد. قلقت عليك وفكرت إنك كنت ادتني رقم أخوك سراج عشان يكلم معارفه في مركز الشرطة يخلصوا لأبوي إجراءات في المركز.
تنهد آدم بألم قائلاً: والله أبوكِ مش محتاج لوساطة سراج، بس أنا فاهم دماغه. عالعموم أهو وجود رقم سراج معاكِ وقف نزيف دم كان ممكن يتفتح الليلة.
شعرت بأسف تلوم نفسها قائلة: كل ده بسببِ أنا...
قاطعها يقاوم الألم: لأ يا حنان مش بسببك، ده غباء من حفظي، والحمد لله الموضوع انتهى على خير ومعتقدش حفظي هيفكر تاني يعترض طريقي.
تنهدت حنان بتمني قائلة: بتمنى يفهم ويبطل نبرة العند اللي هو فيها. هو عارف كويس إني عمري ما حسيت بأي شعور من ناحيته غير إنه ابن عمي وبس...
قاطعها آدم الذي بدأ مفعول إبرة المسكن يتوغل في جسده: بس هو كان عنده أمل. عالعموم حصل خير والموضوع كده انتهى.
شعرت حنان بتغير نبرة آدم، ظنت أنه يود إنهاء المكالمة حتى لا يتضايق أكثر. تنحنت قائلة: الحمد لله، إني اطمنت إنك بخير.
لم ينتظر آدم وأغلق الهاتف وقدم يده به نحو سراج ونظر له بامتنان قائلاً: شكرًا يا سراج، لولاك كان ممكن أنام الليلة في المشرحة تحت إيد الحيوان ده.
ربت سراج على كتفه قائلاً: بعيد الشر عنك. أنا كان نفسي أبعت له حفظي، بس قولت نعدي الفرح اللي بعد تلات ليالي بخير، وبعدها لو فكر بس يعترض طريقك أو طريق حنان هخليه يتمنى الموت ومش هيطوله.
تبسم إسماعيل قائلاً: طبعًا هتستخدم أساليب التعذيب بتاع ظباط الجيش.
ضحك سراج ونهض قائلاً: آدم واضح الحقنة بدأت تأثر عليه، خلينا نسيبه يرتاح. كمان عشان يصحي فايق بكرة كتب كتابه ولازم يكون واعي.
أومأ إسماعيل ضاحكًا يقول: عندك حق طبعًا، أبو حنان هيكتب مهر ومؤخر يستاهل نسب "آدم عمران العوامري".
بعد دقائق، دخل سراج إلى غرفته. كان بها ضوء خافت. نظر نحو الفراش لتلك الغافية. تنفس باحتقان منها. لو زوجة أخرى لكان حتى الفضول جعلها تظل مستيقظة وتسأله عن ما حدث، لكن تلك المحتالة لم تهتم بذلك وغفت. تنهد وهو ينظر لها. برأسه سؤال. بعد فترة صغيرة من زواجهم، اكتشف أنها متبلدة المشاعر. شعر كذالك بحيرة، ما الذي جذب غيث لها، وكيف تحمل تبلدها المستفز. والجواب سهلة: هي لا تجيد شؤون الإغراء بالجسد، لكن التبلد أيضًا له إغراء حين يلهث خلفها كي ينال الرضا. وقتها تصل إلى هدفها. لكن معه ذاك التبلد لا يأتي بمفعول، فهو لا يهتم. إلى الآن مازال زواجهم ناقصًا، مجرد أحضان وقبلات، ولحظات خاصة تنقطع قبل أن تكتمل. سر تلك العلامة الذي مازال يود رؤيتها مرة أخرى وسؤالها عن سببها... زفر نفسه. تلك المحتالة بدل من أن يكبح جماحها أصبح حائرًا بتحليل شخصيتها. شعر بغضب من تلك الحيرة وهو يبغض مشاعر ثريا المتبلدة.
لو ظل واقفًا قد ينشق قلبه إلى طريق آخر ويقع هو الآخر أسير المحتالة. ذهب نحو المرحاض، أزال ذاك الغبار عن جسده وخرج يتمدد على الفراش جوارها. عيناه منصبة عليها لوقت قبل أن يغفو.
***
صباح اليوم التالي.
بدار العوامري.
استيقظت ثريا كعادتها باكرًا. نظرت إلى سراج النائم جوارها لوهلة تأملت ملامحه. رغم سمار بشرته، لكن ملامحه تمزج بين الهدوء والشجاعة... زمّت نفسها على ذلك ونهضت توجهت نحو المرحاض، لكن لعدم انتباهها، صدمت باب المرحاض بقوة قليلاً، مما جعل سراج يفتح عينيه. نظر إلى جواره، كان الفراش خاويًا. تنهد وعاود إغماض عينيه.
وتذكر بالأمس حين دخل إلى الغرفة كانت ثريا نائمة لا تبالي، عكس حنان التي كانت قلقة بشدة على آدم... زفر نفسه بغيظ من تلك المتبلدة. فتح عينيه حين سمع صوت فتح باب الحمام. اعتدل نائمًا على ظهره ينظر لها. كانت بثوب خروج ترفع ذيل الثوب لأعلى قليلاً، ظهر بنطال قصير وضيق أسفله. لاحظ ذلك الفترة السابقة، دائمًا ترتدي بنطالاً ضيقًا أسفل ملابسها. لم يهتم لذلك، لكن نظر لها قائلاً: على فين العزم بدري كده؟
أجابته وهي تجذب وشاح رأسها: عندي قضية في المحكمة، وبعدها...
قاطعها بتهكم ساخر: وبعدها إيه؟ ناسيه النهارده كتب كتاب آدم.
أجابته بسخرية واستهتار: وإنت عاوزني أعمل إيه؟ للأسف النسوان مش بتشهد على كتب الكتاب.
رغم ضيقه منها، لكن ابتسم ونهض من فوق الفراش يقترب منها، وجذبها عليه. ينظر لها بتحذير قائلاً: أوعي تفكري إني عشان غايب طول اليوم عن الدار مش عارف إنك معظم الوقت بره الدار.
لم تهتم بأنه يحاصرها بين يديه وتهكمت بضحكة قائلة: طبعًا لازم يكون لك عيون جوه الدار تنقلك الحدث وقت وقوعه مباشرةً، وأكيد أهم حدث هو غيابي عن ساحة الدار. أعتقد غيابي مش مؤثر.
ضيق حصار يديه حولها يود سحق ليس لسانه فقط، بل سحقها هي الأخرى. لكن شعرت بألم طفيف من حصار يديه. زمّت شفتيها التي رمقها سراج صدفه. أثارت بفضول أن يعاقبها بقبلة يسحق شفتيها. لم ينتظر وهجم على شفتيها يقبلها بقسوة. في البداية، للغرابة، كالعادة رد فعلها بارد، كأنها تتعمد ذلك. لكن اليوم سيخرج تلك الأنثى المتبلدة، أو التي تدعي التبلد. جذبها للسير معه إلى أن وصلا إلى الفراش. ترك عراك شفاها ودفعها بقوة تسطحت فوق الفراش، وبلحظة كان يجثو فوقها ينظر لها وهي تلهث تلتقط أنفاسها المسلوبة. وقبل أن تنتظم أنفاسها، عاود الهجوم على شفتيها يقبلها، لكن ليس بقسوة، بل برغبة أخرى. ازدادت حين شعر برجفة جسدها أسفله. بينما هي في بداية تقبيله لها شعرت بالبغض من قسوة القبلة. هاودته للسير معه برغبتها حتى حين ترك شفاها ودفعها على الفراش. لوهلة شعرت بانسحاب روحها قبل أن تستعيد نفسها كان يعتليها. أربكتها المفاجأة، وارتجف جسدها. وحين عاود تقبيلها، كأنها فقدت الإدراك. هذه المرة تشعر بقبلاته بإحساس آخر، شبه اختفى تبلدها وشبه اندمجت مع قبلاته. يخفق قلبيهما بنبضات متساوية بسرعة وتيرة واحدة. كاد يتمم زواجهما بإندماج جسديهما. لكن قطع غفوة اللحظة دقات على باب الغرفة. أفاقت ثريا أولاً حين ترك شفاها مرة أخرى، لكن مازال فوقها ينظر لها وهي تلهث وهو كذالك. تلاقت عيناهما، كأنها تتحدث مع بعضها بحوار صامت. لاول مرة لا تنفر من اقتراب سراج منها بهذه الحميمية، رغم نفورها سابقًا من غيث وكذالك سراج قبل أيام قليلة. حتى حين ترك شفاها شعرت بشعور غير مفهوم لديها. كأن عينيها تطالبه بأن يقبلها مرة أخرى، ربما تجد تفسيرًا لذاك الشعور غير المفهوم.
بينما عيني سراج تسألها أين ذاك التبلد الذي، كنت أشعر به سابقًا، لما الآن أشعر أنكِ امرأة أخرى؟ سر تلك الرجفة التي شعرت بها في البداية. حيرة، ربما لو قبلها مرة أخرى يجد جوابًا لتلك المشاعر غير المعهودة منها. استجاب لرغبته ورغبتها وكاد يعود لتقبيلها. لكن عقب دقات باب الغرفة، صوت الخادمة تقول: سراج بيه، آدم بيه مستني حضرتك في أوضة السفرة عشان تجهيزات كتب الكتاب.
فاق الاثنان من تلك التساؤلات، ربما ليس لها أجوبة الآن. نهض سراج عنها ووقف لحظات ينظر لها وهي تحايد النظر له، وهي تدعي الانشغال بإغلاق أزرار ثوبها التي كان فتحها بيديه قبل لحظات. تُخفي عُري صدرها الذي مازال يخفق بشدة مثل صدره. فكر أن يتمم زواجهم في هذه اللحظة الخالية من التبلد. لكن فكر بآدم، أرجأ ذلك لوقت آخر. نفض عنه تلك الرغبة قائلاً بتعسف: إعملي حسابك بعد كده ممنوع تفضلي برا الدار طول اليوم. إنك تروحي الأرض في القيظة ده ممنوع.
لملمت شتات نفسها وأومأت برفض وقالت بنبرة تحدي: إن شاء الله. في أوامر تانية... ولا لسه هتسأل عمتك ولاء.
نظر لها بغضب سحيق لكن كبت ذلك، يعلم أنها تستفزه كالعادة... ضيق عيناه قائلاً: أنا عارف إن معندكيش أي قواضي النهارده في المحكمة، فمهمتك بقى طبعًا النهارده كتب كتاب آدم وهيجي للدار ضيوف، سواء ستات أو رجالة. إنتِ بقى مهمتك تستقبلي الستات دي، طبعًا بصفتكمرات "سراج عمران العوامري". أسلوب الاستفزاز اللي عندك ده ممنوع، وإلا متلوميش غير نفسك يا ثريا.
لم ينتظر ردها وذهب وصفع باب الحمام خلفه. بينما هي سخرت باستهزاء للحظات ثم فكرت وضحكت بخبث: ولما لا... فرصة لإثارة غضب "وباء".
***
مساءً.
بمنزل مجدي السعداوي.
رجفة قلب حنان تخشى حدوث سوء بعقد القران. الوقت يمر سريعًا وهي تترقب بخوف. تتمنى أن يخيب إحساسها السيئ ويتم عقد القران بلا مشاكل.
بغرفة الضيوف، جلس آدم مقابل مجدي. إتمام عقد القران، الذي كان مختصرًا على آدم وعمران، الذي رغم رفضه لكن فقط يؤازر أحد أبناؤه مراعاة لمنظر العائلة، كذالك سراج وإسماعيل الشاهدان على العقد، ووالد حنان وعمها الذي يجلس هزيلًا بسبب المرض. لا تخفي ملامح وجهه غضبه ورفضه ذاك الزواج، لكن يفعل ذلك فقط كواجب. بعد افتعال حفظي لتلك المشكلة بالأمس، عليه تهدئة وتلطيف ما حدث كي لا يتسبب في أذى أكبر بعد أن أخبره مجدي بذلك. فإذا عاد الثأر لن يرحم أحد، وذكره بمساوئ الماضي وما حدث من خسائر للعائلتين على كافة المستويات، سواء المالية وخسائر الأرواح التي أزهقت دون سبب. كذالك ارتفاع شأن العائلة، فلو نشب ثأر الآن مرة أخرى، السطوة ستكون لعائلة العوامري كما كان بالماضي... تهديد صريح من أخيه الذي اختار مصلحته الشخصية غير مبالٍ بمشاعر ابن أخيه... غصبًا امتثل لحضور عقد القران كتفويض موافقة منه كي لا يترك فرصة لاعتراض حفظي كما أخبره وأرغمه على تقبل ذلك... وإلا يثير شغب مرة أخرى، فالأمر انتهى، حنان ليست من نصيبه... رغم أنه مازال ثائرًا ولم يتقبل، لكن مع الوقت سيتقبل ذلك حين يجد نفسه وحيدًا دون دعم.
بعد وقت مضى عقد القران بـ «سلام مؤقت».
رواية عشقت طالبتي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم منار حسين
مساءً بدار عمران العوامري.
ضاقت ثريا ذرعًا من أحاديث نساء العيلة عن أمور تافهة لا تعنيهن، هن فقط مجرد ثرثرات، رغم أنها هي الأخرى ثرثارة مثلهن، لكن لا تهوى سماع الثرثرة التي تحمل بين طياتها الحقد والحسد والغلول، ذلك ما جعلها تبغض ثرثرتهن.
كذلك تلامزهن عليها المُبطن، ومنهن من أثارت عن قصد:
"ربنا يكتر أفراح عيلة العوامري، عقبال ما نفرح بعوضك انتِ وسراج، زينة شباب العيلة."
قوّصت شفتيها ببسمة سخرية، تومئ برأسها رغم عدم قبولها لحديث السيدة التي تمدح ذاك السراج الذي يظهر للعلن عكس حقيقته. هي الوحيدة التي تعري أمامها من صفات الشهامة التي تتحدث عنها، فهي تظهر للآخرين كبطل، أما هي فمنذ البداية ظهر لها بحقيقته أنه مجرد شخص يهوى إلقاء الأوامر، كذلك يستقوي بقوته عليها.
تلميحات ولاء التي تحاول التقليل من شأنها، وإظهار أنها سيدة العائلة ذات الكلمة المسموعة، والتفاف النساء حولها ليس حبًا ولا ودًا، بل لصيتها بين أفراد العائلة أنها ذات ذكاء حاد.
تهكمت ثريا:
"فـ ولاء حقًا تشبه الوباء الذي ينتشر بسهولة ويفرض أعراض الإصابة على الجميع عداها هي فقط. لديها مناعة، تعلم حقيقة خبثها، هي ليست أكثر من متسلطة تهوى السلطة ونالتها ليس لذكائها كما يمدح البعض فيها، بل لأن الكذاب الأفاق له سطوة يستطيع بها الوصول إلى مبتغاه. كذلك ضعف نساء العائلة سبب حنكتها في اختلاق الإفق والإدعاء أنها أكثر من تود رفعة شأن راية العائلة."
ضجرت من ذاك الرياء، نهضت وتحججت برنين هاتفها الكاذب، خرجت وتركتهن لغبائهن.
وقفت بالحديقة التي أمام المنزل، أوقفت صوت الهاتف وسحبت أكبر كمية هواء، كأنها كانت تختنق بسبب قلة الأكسجين بالداخل.
تهكمت قائلة:
"واه يا أبوي، كنت هتخنق من رغيهم العبيط. لاء وشغالين تفخيم في وباء، ناقص يعملوا لها تمثال ويحطوه في الجنينة. منافقين وهما مش طايقينها أساسًا، وهي ناقص تطق من كتر النفخة اللي هي فيها. يارب أنا كان عقلي فين لما وافقت أرجع لشر العيلة دي من تاني."
سارت خطوات قليلة.
فجأة هبت نسمة خريفية هدأت قليلًا من ضجرها، لكن توقفت حين رفعت رأسها للسماء. رأت ذاك القمر الشبه مكتمل، كذلك تلك النجوم التي تسير بالسماء بحركة واضحة.
تنهدت بهدوء قائلة:
"النجوم بدأت تمشي في السما، الصيف خلاص انتهى وبقينا في الخريف والنجوم هتختفي ورا الغيوم والضباب، زي حياتي دايمًا غم وضياع."
فجأة شهقت بخضة حين سمعت صوتًا من خلفها يقول:
"واقفة اهنه ليه مش قاعدة ويا الحريم... بالتوكيد رغيهم الكتير وجع راسك."
كان صوتًا هادئًا جعلها تستدير تنظر له. سرعان ما عبست ملامحها في مقابل بسمة الآخر السخيفة بنظرها. لا تعلم لماذا بداخلها دائمًا شعور بالنفور منه، رغم أنه ساعدها سابقًا.
فسر عقلها بأنها تشعر أنه نسخة أخرى من "غيث"، فهما كانا على وفاق. سمعت مديح إيناس به سابقًا بهيام وأنه مغرمًا بها. فهي تعطيه كل السعادة وهما معًا بلحظات خاصة. فالرجال يهيمون بالمرأة التي تشبع رغباتهم وتسير حسب متطلباتهم.
للوهلة اشمئزت من نظرة عينيه التي ذكرتها بنظرة عين "غيث" حين كان يخدعها بمعسول كلامه قبل ليلة زواجهم التي كشف كم كانت حمقاء. فهنالك حقائق تكون واضحة، لكن سكرة الاحتياج قد تطمسها.
غيث علم ما كانت تحتاج إليه من شعور الدفء في قلبها وتلاعب بكل براعة. لم يبخل من إطراء لها يطرب قلبها البريء، وهدايا كانت حين ترفضها يلومها أنها أصبحت مسؤولة منه. كانت تقبلها بعد محاولات.
أغمضت عينيها لوهلة تضغط عليهما. تشعر كم كانت بريئة بأحلام وردية فاقت على حقيقة دموية. "غيث" كان قاتلًا مثل الذئب، يثيره لون الدم يجعله ينتشي، وأكبر انتشاء شعر به منها وهو يلعق دمائها كأنه يتذوقها باستمتاع، وصدى صوته البارد يتردد بأذنيها يقول بشماتة وهي ممدة فوق الفراش تنزف بغزارة:
"لو كنتِ طاوعتيني كان زمانا بنستمتع سوا، لكن إنتِ اللي عصبتيني. بعد كده بلاش تعصبيني وأنا هبسطك."
شعرت بارتعاشه كأن برودة ثلجية أصابت جسدها. بتلقائية منها لفت يديها حول جسدها. فتحت عينيها رأت نفس البسمة البغيضة... تظهر أنيابه. خوف سيطر على قلبها، جعلها تتخذ القرار وكادت تسير من أمامه بصمت، لكن هو مد يده وكاد يلمسها، لكن توقف حين سمع صوتًا ناهراً يقول بغلظة:
"ثريا إيه اللي موقفك هنا."
لأول مرة تشعر بأمان. ذهبت نحو سراج، وقفت أمامه كأنها تود تحتمي به من نظرات ذاك البغيض. رغم نظرة عيني سراج الغاضبة بوضوح، كذلك إعادته لنفس السؤال بطريقة أخرى أكثر غلظة، لكن لم يكن السؤال لها بل كان لـ قابيل الذي أخفض يده يضغط على قبضة يده تكاد تنفر عروق يده من شدة الغيظ من سراج الذي سحب ثريا من أمامه وأصبحت خلف جسده كأنها يخفيها عن عينيه:
"إيه اللي موقفك هنا، مش المفروض تكون قاعد وسط الرجال في المندرة يا قابيل."
بتوتر وغيظ أجابه قابيل بتبرير كاذب:
"أنا كنت طالع أشرب سيجارة في الهوا، شوفت ثريا واقفة جولت يمكن محتاجة لحاجة."
تهكم سراج بغيظ قائلاً:
"لاه كتر خيرك، ثريا ليها راجل لو محتاجة حاجة هتطلبها منه."
أنهى سراج حديثه التعسفي وجذب ثريا من يدها بقوة وذهب من أمامه، تركه ينظر في آثرهما. وثريا تسير معه بطواعية تحاول مجاراة سرعة جذبه لها وهو يسير يقبض على يدها. قبضة يده، تلك كأنها يقبض على قلبه، يشعر بحقد كفيل بزرع البغض والغِل في قلبه. هو الأحق بها.
زفر نفسه الواهج وهمس من بين أسنانه بغيظ:
"كده كفاية جوي، مش هتحمل كتير. سراج لازم يحصل غيث في أقرب وقت."
أخرج سيجارة أشعلها، ينفث دخانها بجمود يخترق الدخان عينيه يجعلها تتوهج بدموية، غافلاً عن تلك الحمقاء التي رأته عبر شباك تلك الردهة يقف مع ثريا. شعرت بحقد دفين. خرجت سريعًا تتوجه نحوهم، لن تتوانى في إيلام وتوبيخ تلك الحقيرة، ستضعها بمكانتها التي تستحقها. لكن رؤيتها لـ سراج الذي جذب تلك المحتالة بهذه الطريقة العنيفة جعل قلبها يهدأ من الحقد، وامتثلت بالبرود وهي تتوجه نحوه.
بمجرد أن اقتربت تبدلت طريقة سيرها إلى غنج، كذلك صوتها تبدل إلى نبرة اشتياق وهي تسأله بخباثة كأنها لم تر وقوفه مع ثريا:
"قابيل واقف كده هنا ليه؟"
وجد فرصة ليصب غضبه عليها قائلاً:
"في إيه هو حرام أقف بالجنينة أشرب سيجارة. وأنا ها ماشي من هنا. لاه من الدار كلها. أنا مصدع وإن كان جلسة الحريم انتهت خلينا نرجع لدارنا."
بغنج ظنت أن حديثه يحمل بين طياته الاشتياق لها عكس حقيقة غضبه. تبسمت قائلة:
"وإن كان حتى الجلسة منتهتش إنت عندي أهم يا حبيبي."
نظر لها بتمعن يشعر بضجر من طريقة حديثها الناعمة كأنها تنتظر منه إشارة فقط. لم يخيب ذاك الرجاء السافر الذي بعينيه وأشار لها أن تلحقه إلى منزلهم. سارت خلفه، ترسم بقلبها شعورًا بالغرام، تغفل عن نيته التي يود سحقها ولن يتوانى عن ذلك، يود التنفيث عن ذاك الحقد. مثلما يفعل سراج الآن مع ثريا، سيفعل مع تلك العلقة التي التصقت به مثل اللعنة.
***
ما زال يقبض بقوة فوق معصم يدها إلى أن فتح باب غرفتهما، ودلف بها إلى الداخل بقوة. جذبها عليه ينظر إلى وجهها بغضب سائلًا:
"إيه اللي وقفك مع قابيل في الجنينة."
رغم شعورها بالألم من قبضة يده، لكن لم تبالي بذلك ولم تطلب منه أن يترك يدها، بل نظرت إلى عينيه وأجابته ببرود:
"السؤال ده تسأله له مش ليا. أنا اتخنقت من رغي النسوان الفارغ، قلت أطلع أشم شوية هوا في الجنينة. محسيتش بيه غير لما اتحدت؟"
ما زال يقبض بقوة على يدها، بل وازدادت الضغط بغضب وغيرة يحاول كبتها. سألها:
"وكان بيتحدت وياكِ عن إيه بقى."
أجابته بنفس البرود:
"معرفش مخدتش بالي من حديثه."
ترك معصمها وضم عضديها بين يديه بغضب سائلًا:
"وليه ممشيتيش وسيبتيه زي أي ست محترمة."
تجمرت عينيها بغضب قائلة:
"أنا كنت لسه همشي، ومشوفتنيش واقفة معاه في أوضة مقفولة علينا لوحدنا... الجنينة مفتوحة قدام الكل."
قالت هذا ولم تحاول دفع يديه عنها، بل ظلت واقفة بين يديه رغم شعورها بالألم، وعقبت مرة أخرى:
"أنا مش محترمة يا سراج وإنت عارف بكده من قبل ما تتجوزني وإفتكر إني مغصبتش عليك تجوزني."
قالت ذلك بفظاظة منها، ورفعت يديها بعد أن شعرت بتراخي يديه، وقامت بدفعه بيديها بصدره كأنها تصفعه بغضب. بسبب تراخي يديه، فكت من أسره وابتعدت عنه بتعسف قائلة باستهزاء مُبطن:
"لازم أرجع لمندرة الستات أجعد وياهم أنا برضك مرة راجل منهم، ومش أي راجل ده كبيرهم البطل الشهم."
لم تنظر وغادرت الغرفة مسرعة قبل أن يقبض على يديها مرة أخرى. خرجت تصفق خلفها الباب بقوة، ذهبت إلى ذاك المرحاض الذي بالممر، وقفت خلف الباب تضغط بيدها فوق موضع قلبها الذي يثور بداخلها، تشعر كأنه قطعة ملتهبة. تحجرت دموع عينيها بين مقلتيها. ربما لو كانت بكت لكانت شعرت براحة، لكن لن تنهزم مرة أخرى. لو يعلم سراج أنها تمقت قابيل، ربما كانت أراحته، لكن هي لا تود ذلك، تود إثارة غضبه دائمًا حتى تنتقم من خداعه. استقوت واتخذت قرار العودة للجلوس بين النساء، عليها الاستفادة بأحد مكتسبات تلك الزيجة الكاذبة. وهي تجلس رأسها برأس ولاء، كذلك تحرق قلب والدة غيث حين تراها أخذت مكانه أقوى بقلب عائلة العوامري. لها ثأر معهن وأقل شيء هي حرقة قلبهن بوجودها بينهن، دون أن يستطعن فرض هيمنتهن عليها. يكفي انهزام يا ثريا... مقدار ما فعلوا سيدفعون الثمن.
بينما سراج شعر بضجر، جلس يضع ساق فوق أخرى، واضطجع بظهره يستريح على مسند تلك الأريكة التي بجانب الغرفة. زفر نفسه بغضب لو لم يكتمه لكان مزق قابيل إربًا بسبب وقوفه مع ثريا هكذا بالحديقة أمام مرأى الجميع، بل من مجرد النظر لها. كذلك كان صفع تلك الوقحة على ما تفوهت به من حماقة أثارت غضبه. هي مستفزة، لو كانت أجابته بطريقة أخرى مهذبة ما كان تعمد قول ذلك وانتهى الأمر بسلام. لكن هي هكذا دائمًا عصية. فكر أنه يستطيع ترويضها بالزواج، لكن... لكن ماذا؟ ما دام ما زالت تعلن العصيان بتحدٍ. وكيف يخمد هذا التحدي؟ بأي طريقة؟
منذ قبل بداية زواجهم أعلنت العصيان والتمرد.
منذ ليلة عقد قرانهم.
تذكر ليلة عقد قرانه على تلك المحتالة المستفزة.
بالعودة إلى تلك الليلة.
بمنزل والدتها، بغرفة الضيوف. كان المأذون يجلس وجواره سراج، ومعهم بالغرفة زوج خالتها كذلك وآدم وعمران فقط، كذلك أخيها الذي كان يجلس كالمتفرج.
طلب المأذون حضور العروس لإتمام إجراءات عقد القران.
نهض زوج خالتها ودقائق وعاد بها.
دخل خلفه، رفع نظره ينظر لها. وجهها كان هادئًا، بل ملامحها كانت باردة لا يوجد عليها أي تأثير بالخجل. حقًا تزوجت سابقًا، لكن أين الحياء؟
تهكم، فهي لا تمتلك أي حياء. لكن لن ينكر أنها بهية بذاك الرداء البسيط ذو اللون الأبيض المائل للاصفرار اللامع. تشبه زهرة برية لها رونق خاص.
بكل جرأة جلست على الناحية الأخرى للمأذون، بعد أن قال لها بسؤال:
"توكلي مين عنك يا عروسة."
أجابته:
"أنا وكيلة نفسي، أكيد حضرتك عارف إني كنت متجوزة قبل كده يعني 'ثيب' مش بكر."
لم يستطع آدم كتم ضحكته من جرأة تلك الحمقاء التي بالتأكيد تستفز سراج.
نظر له سراج بزغر فتوقف عن الضحك. كذلك ممدوح نظر لـ ثريا وضحك. لاول مرة نظرت له وابتسمت. بينما تضايق عمران ربما أكثر من سراج نفسه.
تفهم المأذون قائلاً:
"تمام ضع يدك يا سيد سراج في يد السيدة ثريا."
لحظات فكرت. ألا تفعل ذلك وتمد يدها وتنهض واقفة تنهي تلك المهزلة. نظرت نحو يد سراج الممدودة ونظرة عيناه المتوعدة بوضوح. ما زالت تفكر في التراجع وتنهض تخذله أمام الموجودين وسرعان ما سينتشر ذلك.
لحظة، لحظة. ويد سراج ممدودة. لو نهضت قد تكتسب نفسها. لا داعي للعودة لبراثن عائلة العوامري. لو ظلت قد تخسر آخر فرصة لإظهار حقيقة ذاك الآفاق. وجعله يندم على محاولاته للضغط عليها. زواجه منها أكبر عقوبة. هي امرأة بلا مشاعر. أنثى. وهو يستحق ذلك. امرأة تجعله يبغض النساء من خلفها.
نظرة عين سراج المتوعدة. لو تراجعت الآن ستكون نهايتها وهو كسب التحدي. لكن ما زالا الجولة الأولى. وإيماءة رأسه لها كأنها أمر.
بالفعل رسمت بسمة ومدت يدها ووضعتها بيده. بمجرد أن تلامست يدها بيده قبض على يدها بقوة. لو بإرادته لحطمها الآن. نظر لوجهها رغم تألمها لكن لم تئن ورسمت بسمة عناد وتحدٍ.
"ليتم عقد القران. وأول خاسر هو أنت يا سراج."
وضحكة تملك من سراج:
"لا تقلقي، أنا محارب وتعودت على الانتصار ولن أنهزم بمعركة سهلة."
تحدٍ وعناد. على من يكسب. والإثنان أصبحا بعاصفة واحدة. قطعة الأرض هي من ربطت بينهم بوثاق. ظن كلاهما أنه لجام يضعه حول رقبة الآخر.
[عودة]
على دقات هاتفه أنزل إحدى ساقيه وانحنى للأمام جالسًا وفتح الهاتف. قرأ تلك الرسالة. سرعان ما نهض واقفًا. ينفض عن رأسه. لا داعي للتفكير بذلك كثيرًا. ليهدأ الآن ويترك العقاب لاحقًا.
***
باليوم التالي ظهرًا.
أمام ذلك المشفى كان يجلس بالسيارة يراقب عن كثب. إلى أن رأى خروج قسمت من المشفى. ترجل إسماعيل وذهب نحوها قائلاً:
"قسمت."
توقفت تنظر له للحظات، ثم نظرت حولها بالمكان ترا إن كان أحدًا يلاحظ وقوفهم. ثم لم تهتم وكادت تسير بقصد منها. فهي تعمدت الفترة الماضية تجاهل إسماعيل. رغم أنها تكن له مشاعر، لكن هي لا تحب أن تغوص بمشاعر واهية تُقلص نظرتها للحب على أنه مجرد انجذاب وقتي. أو موعد غرامي. تريد الحب بمفهومه الشامل. أنه تكامل وانسجام اثنين قادران خوض طريق واحد معًا. ربما دراستها العلمية أثرت على تكوين شخصيتها الواضحة هكذا. عقلانية بعض الشيء لا تهوى أنصاف التجارب. لكن لن تدخل بتجربة لديها شكوك أنها ستفشل بنهايتها. إسماعيل أخطأ حين لم يجيب عليها ذاك اليوم، لكن بعدها حاول الاتصال عليها وبعث رسائل. كذلك لقائهم بغرفة الأطباء الخاصة بالمشفى. تعمدت تجاهلهم، تختبر صبره وقوة إرادته. رسائل يرسلها وهي لا تهتم. تود قرارًا حاسمًا منه. رغم مفاجأتها بوقوفه هكذا، لكن لوهلة شعرت بالحياء. تستمع له:
"قسمت كفاية تتهربي مني، لازم نقعد مع بعض. مش هقبل اعتذار."
لوقوفهم هكذا بالشارع شعرت بالحياء من نظرات البعض لهم. أومأت رأسها موافقة. ابتسم وهو يشير لها بيده للسير ناحية السيارة. توقفت وكادت أن ترفض ذلك، لكن إسماعيل تفوه بمزح:
"متخافيش أنا مش خُط الصعيد... بس هخطفك."
"معاكِ الراقي على ضفاف نيل مصر الخالد."
ابتسمت وصعدت إلى السيارة. بعد دقائق كانا يجلسان بذاك المقهى. بوضوح تحدثت قسمت:
"قول اللي عاوز تقوله. أنا مقلتش لأهلي إني هتأخر بعد وردية شغلي في المستشفى."
نظر إسماعيل نحو مجرى النيل، قائلاً:
"أنا كنت أصغر أخواتي، كان عندي حوالي خمس سنين وقت وفاة أمي، يعني ملحقتش أستوعب حتى ملامحها. عرفت ملامحها من الصور. أبوي قد ما هو متشدد بس لينا مكانة عنده. معرفش حنان الأم شكله إيه. خالتي هي اللي كملت تربيتنا أنا وأخواتي. حاسس إن في قلبها حنان يشبه حنان أمي الحقيقية ويمكن أكتر كمان. من فترة لما كبرنا وكل واحد فينا اختار له طريق، طلبت ترجع بيتها من تاني. خالتي كان ليها هيمنة كبيرة حتى أبوي مكنش بيقدر يتحداها. أوقات بحسها جبارة رغم حنيتها. كنت مرتبط بها أكتر من أخواتي الاتنين. منكرش لما سابت الدار حسيت بفجوة. كنت بسيب دار أبوي وأروح حداها معاها بحس براحة كبيرة وأنا نايم على رجليها وهي بتلعب لي في شعري..."
توقف للحظات. ثم عاد بنظره نحو قسمت واستطرد حديثه:
"هتقوليلى بحكيلك الحكاية دي ليه، هقولك معرفش. أنا عندي هاجس جوايا بخاف أفقد حد بحبه، عشان كده في دماغي هدف وبتمنى أوصل له."
سألته بإستفسار:
"وإيه هو الهدف ده؟"
أجابها بتوضيح:
"الحياة. أنا اخترت طب التشريح بإرادتي يا قسمت، كان سهل أختار أي تخصص تاني. طب التشريح اللي معظم الدكاترة بتهرب منه لأنه مالوش مستقبل هنا في مصر، لكن بره مصر، دكتور التشريح ده له أهمية كبيرة. مش عشان يعرف أسباب الوفاة... لاء عشان يكتشف أسرار طبية ممكن تدي حياة. أنا راسلت أكتر من جامعة خارج مصر بأبحاث طبية عملتها. مستني منهم رد بانضمامي لأطباء اللي بيختاروهم لتنفيذ تجارب لهم. مش عارف طريقي هيوصل لفين؟"
فهمت قسمت جزء من حديثه أن لديه طموح طبي، لكن لم تفهم لما يخبر بها. فسألته:
"مش فاهمة عاوز توصل لإيه."
أجابها:
"أنا في أي لحظة ممكن أسيب مصر وأستقر بالخارج. وقتها أكيد حياتي هتتبدل. أكيد مش هعيش في بلد ومراتى في بلد تانية."
"مش فاهمة برضوا تقصد إيه."
أجابها بتوضيح:
"أنا فعلاً بحبك يا قسمت مش بتسلى ولا عاوز وبنت أخرج معاها في الكافيهات. لكن كمان مش عاوز أظلم حد معايا. لما قولتلي إيه آخر خروجنا ارتبكت وترددت. مش عارف أنا خطوة الارتباط دي مش هكدب وأقولك كنت بفكر فيها، بالعكس كانت أبعد ما تكون عن راسي في الوقت الحالي، قبل ما أعرف طريقي هياخدني لفين. لكن لما حسيت إنك هتضيعي مني مقدرتش أتحمل. أنا دلوقتي حطيت أحلامي كلها قدامك. لو عندك استعداد تشاركيني الأحلام دي ونكون سوا بطريق مش معروف ملامحه."
تهكمت ببسمة عن قصد منها تعمدت القول:
"إسماعيل العوامري، زينة شباب عيلة العوامري المعروفة بصيتها الواسع مش عارف ملامح مستقبله. لاء ده تواضع منك، ولا أعتبره تهرب من المسؤولية."
تبسم قائلاً:
"عمري ما اتعاملت مع حد على إني فرد من عيلة العوامري، بالعكس أنا حابب أفرض شخصيتي بعيد والدليل إني الطير الشارد اللي اختار يسير بعيد عن السرب. كمان عمري ما تهربت من المسؤولية، لكن مش كمان حابب أفرض طريقي المجهول على غيري."
ابتسمت قائلة:
"ومنين جالك إنه طريق مجهول، ده علم معروف. إنت ليه متخيل إن الطريق ده صعب على أي حد يتحمله، والدليل إن معظم الأطباء دول معروفين ولهم عائلات كمان، يمكن إنت اللي بتدي لنفسك عذر عشان تتهرب من المسؤولية، إن يكون معاك شريكة حياة تشاركك النجاح ده. ليه مش تجرب وأكيد مش هتلاقي مانع، لكن طول ما أنت مقرر إنك..."
قاطعها قائلاً:
"تتجوزيني يا قسمت."
ابتسمت بمكر قائلة:
"الطلب ده مينطلبش مني يا دكتور، أكيد إنت عارف الأصول كويس، البنت بتنطلب من أهلها الأول، بعدين بياخدوا قرارهايا توافق يا..."
توقفت ضاحكة حين عبس وجهه مثل الأطفال، وقالت:
"يا توافق يا إسماعيل."
انشرح قلبه وبتلقائية جذب يدها قائلاً:
"يعني موافقة إنك تربطي حياتك بـ..."
قاطعته بمرح:
"موافقة أربط حياتي بشخص مجنون."
***
بدار عمران العوامري.
كان آدم انتهى من تجهيز شقته التي سيتزوج بها، لكن ما زال كتب تلك المكتبة الخاصة به. ترك نقلها إلى شقته إلى آخر الوقت، كي لا تتلف من المنقولات الأخرى. ثريا رغم عدم هوايتها للقراءة، لكن صدفة علمت أنه يهوى اقتناء كتب بمجالات مختلفة. سألته عن أحد الكتب النادرة التي تتحدث عن القانون. أجابها أنه يمتلك نسخة منه. طلبت استعارته منه. أجابها أنه بـ شقته الخاصة بين تلك الكتب الذي ما زال يضعها بالصناديق قبل أن يضعها فوق رف المكتبة. بأخوة منه طلب منها أن تصعد معه كي يعطيها ذاك الكتاب.
لسوء الحظ، سمعت خادمة ذلك وأخبرت سيدتها بذلك. لمعت عينيها بدهاء قد تكون فرصتها. حين رأت دخول سراج إلى الدار بهذا الوقت. لم تهتم بأن سراج وآدم إخوة، طالما قد تصل إلى هدفها وهو التشكيك بأخلاق ثريا.
تعمدت سؤال الخادمة:
"الست ثريا فين، روحي نادي عليها عشان تنزل تتغدا."
نظرت الخادمة ناحية سراج وفهمت ولاء. سارت معها على نفس الهدف قائلة:
"الست ثريا من هبابة طلعت شافت آدم بيه."
أومأت لها ولاء قائلة:
"اطلعي لها وجولي كمان لـ آدم بيه إن الغدا جاهز."
سمع سراج ذاك الحديث، انتابه شعور بالغضب. هكذا فسر عقله، وتفوه بإنزعاج واضح:
"خليكِ انتِ شوفي شغلك أنا هطلع أقول لهم."
بالفعل توجه سراج إلى أعلى، بينما لمعت عين ولاء وتلك الخادمة التي سرعان ما أومأت لها ولاء بالانصراف، ووقفت تتابع صعود سراج بقلب منشرح فما أسهل زراعة الشك.
بينما صعد سراج إلى شقة آدم، كان باب الشقة مفتوحًا. دخل دون استئذان. سمع صوت حديث هادئ بين آدم وثريا حتى وصل إلى تلك الغرفة. دخل مباشرةً. كان آدم يقوم بوضع بعض الكتب فوق الأرفف، بينما ثريا جالسة تبحث بأحد الصناديق، إلى أن وقفت قائلة:
"أهو أخيرًا لقيت الكتاب، بس قول لي إنت قرأت الكتب دي كلها."
تبسم آدم الذي يعطيها ظهره:
"لاء مش كلها، بس أنا بحب أحتفظ بالكتب عمومًا."
تبسمت قائلة:
"أنا بصراحة معنديش هواية قراءة الكتب، أكتر من كتب المدرسة وبعدها الجامعة، وكتب القانون عشان دراسة القواضي اللي بترافع فيها."
ابتسم آدم قائلاً:
"القراءة في حد ذاتها متعة كبيرة."
ضحكت ثريا قائلة:
"لاء رفاهية، عالعموم شكرًا عالكتاب وأوعدك أقراه وأرجعه تاني."
تبسم لها آدم، وقبل أن يسترسل الحديث معها، تنحنح سراج الذي دخل ونظر لهما. لم يكن هناك ما يثير أي شيء، لكن شعر بغضب من طريقة حديث ثريا الهادئة مع آدم، كأنهما على وفاق عكس حديثها معه دائمًا بندية. نظرا الاثنان نحوه، تبسم آدم قائلاً:
"كويس إنك جيت يا سراج تعالى شوف مراتك بتقول على قراءة الكتب رفاهية."
نظر سراج نحو ثريا بغضب حاول كبته كي لا يلاحظ آدم، ثم قال:
"خلينا نشوف الموضوع ده بعدين، دلوقتي خلينا ننزل الغدا جاهز."
تحدث آدم:
"أنا مش جعان، هكمل رص الكتب عالرفوف خد مراتك."
أومأ سراج قائلاً:
"تمام براحتك، يلا يا ثريا ننزل نتغدا مع العيلة."
كادت تعترض لكن جذب سراج يدها. سارت معه حتى لا تفتعل غضبه. غادرا الشقة. نظر في أثرهما آدم وتبسم، فنبرة سراج واضحة أنه يغار عليها.
بينما سار سراج مع ثريا لكن لم ينزلا إلى غرفة الطعام بل جذبها إلى غرفتهم الخاصة حتى دخلا. ترك يدها ثم جذبها من عضد يدها بقوة قائلاً بنبرة قوية:
"إيه اللي طلعك شقة آدم."
لم تستغرب من طريقة حديثه لها، كذلك ضغطة يده القوية. أجابته ببساطة وهي تلوح بذاك الكتاب بيدها:
"كنت بجيب الكتاب ده منه."
استهزأ وهو ينظر إلى الكتاب ثم لوجهها قائلاً:
"مكنتش أعرف إن ليكِ في هواية قراءة الكتب."
شعرت بأنه يستهزأ، تحدثت بتوضيح:
"أنا ماليش في هواية القراية، والقراية رفاهية بالنسبة لي، بس ده كتاب بيتكلم عن القانون والعدالة، يعني ممكن يفيدني في المحاماة."
تهكم مستهزئًا:
"قانون وعدالة... محاماة... التلاتة دول أبعد ما يكونوا عنك. تمام ممنوع بعد كده تطلعي شقة آدم."
بعقله يبرر ذلك أن هذا ليس شعور بالغيرة بل وضع حد لها بالاقتراب من أي فرد من العائلة حتى لا تطمع في مكانه.
شعرت أنه يستهزئ منها، ليس هذا فقط بل أيضًا يقلل من شأنها. أومأت رأسها بطواعية، تشعر بوجع في قلبها مستمر. حديثه يعطي لها شعور بالندم يزداد وتتأكد مع الوقت تلك الزيجة كانت لحظة خطأ وغضب منها ولن تستمر، وليتها تنتهي الآن قبل الغد.
لم تنتظر وغادرت الغرفة تشعر بغضب جم. كذلك سراج لام عقله كيف تحدث هكذا، وكيف دخلت الغيرة في عقله أعمت تفكيره. ثريا وآدم. إن كان لديه شك بـ ثريا فلا يوجد لديه ذرة شك بـ آدم. ذم عقله ذاك الشعور وفسره أنه ليس غيرة، لكنه ضجر من أفعال ثريا. بالأمس كان قابيل واليوم آدم، كان عليه وضع حد لحديثها مع رجال العائلة.
***
بعد مرور ثلاث أيام هادئة نسبيًا.
منزل مجدي العوامري.
ما زال هنالك شعور بالخوف في قلب حنان رغم أن الليلة هي ليلة الحناء، لكن لديها توجس تخشى أن يفتعل حفظي مناوشات. لكن آدم كان حذرًا، وطلب من مجدي تشديد أمن المكان تحسبًا لذلك. وطلب من سراج المجيء برجال خاصة للحراسة، بالأخص بمنزل مجدي تشديدًا. تولى سراج تدبير رجال الحراسة بل وكان على رأسهم بمنزل مجدي، ولحسن الحظ كان يطمئن على إجراءات الأمن بالمنزل.
بينما بداخل المنزل.
كانت تجلس ثريا بين النساء فقط تصفق وهي تبتسم لـ حنان التي تبدو ملامحها مترقبة وخائفة. وضعت يدها على فخذ حنان التي رفعت نظرها لها، تبسمت. أومأت ثريا لها برأسها ثم اقتربت من أذنها وهمست بتشجيع:
"حنان اطمني متأكدة الحنة مش هيحصل فيها حاجة شينة. ابتسمي في وش النسوان عيتحدتوا عليكي كأنك عتتجوزي غصب عنكِ مش آدم ده اللي رايده جلبك. اطمني متأكدة آدم راجل يستحق بعد اللي عمله عشانك."
تبسمت لها حنان، وضعت يدها فوق يدها تستمد منها شجاعة تحتاجها.
أثناء حديث ثريا مع حنان لم تنتبه لتلك المرأة التي نهضت تتمايل بغنج وسط النساء إلى أن وصلت أمامهن وانحنت بقصد وسحبت ثريا من يدها جذبتها لتنهض واقفة. نهضت ظنًا أنها ربما تريد أن تجلس جوار العروس، لكن كانت لها نوايا أخرى. حين جذبت وشاح إحدى النساء وانحنت قليلاً وقامت بربط ذلك الوشاح حول خصرها. ونظرت إلى تلك المرأة التي كانت تغني بعض الأغاني الفلكلورية وهي تدق على الطبل، بدلت تلك الأغاني بنغمة راقصة. في البداية بدأت تلك المرأة بالتمايل والرقص تجذبها معها دون إرادتها للرقص. كادت تمانع بإصرار، لكن كما يقولون "العند قد يطاح مقابله رقاب".
نظرة خطف بسببها رأت ذلك الذي كان يقف خلف تلك المشربية الفاصلة بين الغرفة وتلك الردهة. رأته بوضوح ينظر نحوها. لم تبالي وعنادًا فيه استجابت لرغبة تلك المرأة وبدأت تتمايل بخصرها تحصد إعجاب النساء يندمجون بالتصفيق لها. وهي ترفع ذيل ردائها إلى أعلى قليلاً تظهر جزء صغير من ساقيها يندمج تمايل خصرها مع رنات ذلك السوار الذهبي الموضوع فوق كاحل إحدى ساقيها.
توغل شعور الغضب لديه. فكر لوهلة واتخذ القرار وكان سيدلف إلى غرفة النساء ويسحب تلك المحتالة الوقحة من خصلات شعرها تلك التي انسدلت خلف ظهرها من أسفل ذاك الوشاح، ويعطيها درسًا بالأخلاق. لكن تمالك جأشه بصعوبة، وأرجأ درس الأخلاق لفيما بعد فلن تمر الليلة دون عقاب مناسب. بغضب رمقه بنظرة توعد. ثم جذب تلك الستائر التي كانت حول المشربية، وتوجه نحو باب المنزل، وقف أمام ذلك الحارس قائلاً بأمر:
"ممنوع رجل أي رجل يدخل جوه الدار."
هو ليس متلصصًا، ولكن صدفة دخوله إلى المنزل للاطمئنان من الحرس. كذلك فضول فقط أراد رؤية تلك المحتالة المستفزة ماذا تفعل. توقف يستنشق الهواء بحنق. قبل أيام رفضت الرقص له خلوةً بينهم والآن تتباهى بالرقص على مرأى النساء دون حياء. لن يمر ذلك بسهولة لابد من "عقاب مناسب".
رواية عشقت طالبتي الفصل السادس عشر 16 - بقلم منار حسين
للحظات أثناء رقص ثريا، نظرت ولاء لأختها، وكذلك لإيناس التي فهمت نظرة عينيها وأومأت لإحدى النساء برأسها. فهمت ذلك وكادت تقوم بالتقاط صورة لثريا وهي تتمايل.
لكن رحمية لاحظت الموقف من البداية، تلك المرأة التي نهضت خصيصًا لتجذب ثريا، والتي مانعت في البداية. كانت تتمنى أن تظل على نفس القرار، لكن لم تعلم أن ثريا فعلت ذلك عنادًا بسراج وهو يراها بنفسه. فهمت أن هذا فخًا لثريا سيكون له توابع.
رغم أنها ليست كبيرة بالعمر، إلا أن سقم السنين أصابها بعدما نال من قلبها الحزن على فراق الأحبة. زوجها الذي كان سندًا لها، تحمل معها قسوة القدر حين كانت تُنجب، وبعد أشهر معدودة تفقد وليدها دون سبب، غير أن هذا كان قدرها ربما لحكمة ليست معلومة.
الا حين فقدت بعده أختها الوحيدة. كان القدر رغم قسوته رؤوفًا بها، عوضها بثلاثة أطفال يحتاجون لها. بالفعل، ضمتهم قسرًا رغم قوة وسطوة عمران، لكن تحدته بقوة ونفذت وصية أختها أن تهتم بأبنائها. أخذت ليس مكانتها، ربما مكانها. حاولت حسب مقدرتها أن تعوض جزءًا ولو ضئيلًا، ونجحت في ذلك. كبرت بهم ومعهم.
لكن لن تكون بتلك المكانة وتترك أحدًا يعكر صفو أحدهم، لتفسد عليهم خططهم الماكرة. هي ليست أقل منهن مكرًا، وإلا لما استطاعت العيش دون التكيف معهن. بخباثة، نهضت بتكاسل واقتربت من ثريا وأمسكت يديها وقامت بالتمايل ببطء حسب قدرتها. ابتسمت لها ثريا، شاركتها لحظات ثم تنحت لها ووقفت تصفق لها بمحبة.
عمدًا من رحمية، ذهبت نحو ولاء وأختها وتعمدت الرقص أمامهن، تعلن لها أنها بمكانة خاصة لدى أولاد أختها. بعدها عنها لم ينقص من قيمتها ومكانتها في قلوبهم، بل هم من يقومون برضاها ومودتها. ليست كأخت لوالدتهم الراحلة، بل هي بمكانة والدتهم، وإن كانت هي الأكثر تأثيرًا بقلوبهم. زرعت بقلوبهم شجاعة لم تكن تمتلكها والدتهم.
بالفعل، شعرن بالغضب لوجودهن، لنهضن يغادرن بغيظ بعد فشل التقاط صورة لثريا، وكذلك دعم تلك المعتوهة لها.
بعد وقت، انتهت ليلة الحناء بهدوء مرتقب.
***
بدار العوامر، دخلت رحيمة تستند على ثريا، يمرحن بالحديث وهن يتذكرن بعض لقطات الحناء. سبقهن الثلاثي ولاء وأختها وإيناس، اللواتي ما زال الغضب يسيطر عليهن بعد أن أفسدت رحيمة مخططهن القذر. تقابلن مع عمران الذي تنهد براحة قائلًا: "الحمد لله، الحنة عدت على خير. كنت خايف أحفظي يثير شغب ومناوشات."
تهكمت ولاء حين دخلت إيمان مع والدتها خلفهن، وتوجهت ناحية عمران تقف جواره تلوح بيديها قائلة بسعادة: "الحنة كانت حلوة أوي يا ابوي، والعروسة حتة سُكرة على رأي خالتي رحيمة اللي حنتها. وكمان أنا طلبت منها ترسم لي حنة على يدي، ولسه الكيس في يدي. هسيبها للصبح عشان يطلع لونها أغمق وتفضل أطول مدة على يدي. كمان كتبت اسمي وسط الرسمة. الصبح هبجي أوريهالك."
تبسم لها عمران، بينما نظرت لها ولاء بسخط واحتقان، تشعر بالبغض، خصوصًا حين قالت رحيمة بعفوية: "عقبالك يا زينة الصبايا، وندر عليا لو كان لسه فيا عمر هحنيكِ للي يسرك قلبك ويصونك، ويغلبك بالحنان والمحبة. تغلبيه بالذرية الصالحة."
تهكمت ولاء قائلة باستخفاف مبالغ: "وهي كانت ماعون تتجوز بس عشان تخلف؟ ياما أرض بور واتجوزوا ومخلفوش وماشيين يوزعوا عبط كل من هب ودب... بت العوامرية تجعد ملكة والكل يبجي خدام تحت أجدامها... بنات العوامرية هوانم مش جواري يدفوا السراير للرجال."
كانت تتحدث بذلك الحقد وهي تتعمد النظر نحو ثريا، التي فهمت تلقيحها، وقالت باندفاع أغاظ ولاء: "ربنا يخلي دعاء خالتي رحيمة من حظك يا إيمان. أنا معشتش كتير مع أبوي، بس هو كان أحن راجل قابلته في حياتي... بعدها قابلت رجال بالاسم في البطاقة بس."
نظرت ولاء لها بشرر وكادت تتهجم بالحديث الساخط، لكن سبقتها رحيمة وربتت على كتف ثريا قائلة: "رجليا وجعوني من الواقفة كده، خلينا نطلع للمقعد بتاعك انتِ وسراج، عاوزة أمدد رجليا على السرير."
تبسمت لها ثريا وأخذت يدها قائلة: "هقول لعدلات تجيب ماية بملح وأدعكلك رجليكِ."
لو كان مجرد النفس يحرق، لكان الاثنتان أصبحتا لهبًا لن ينطفئ قبل أن تصبحا رمادًا.
ذهبت ثريا مع رحيمة، وكذلك إيمان مع فهيمة. وتنحنح عمران وتحجج بالذهاب إلى مقعد الرجال من أجل مجاملتهم. بينما ظل الثلاثي أنفاسهم كفيلة ببصق السم القاتل. نظرت ثريا إلى أختها قائلة: "إنتِ اللي خليتي للمحتالة ثريا قيمة. كان نفسي أخنقها بيدي."
أخفضت أختها رأسها بندم، تسيل دموعها بحسرة قلب على فقدان ابنها بريعان شبابه. بينما إيناس تشعر بغضب، ما زال هناك حقد بقلبها من ناحية من كانت زوجة أخيها وكانت تعاملها باستقلال. عادت تلك الوضيعة للعائلة مرة أخرى بزواجها من ذاك المعتوه سراج، الذي يمتلك شخصية مختلفة عكس "غيث". لم يصغِ سوا لقراره نفسه فقط. تغاضى عن زواجها السابق بغيره. سمهن يسري بعروقهن حقدًا.
***
بغرفة ثريا، بعد وقت. كانت تجلس على الأرض أسفل قدمي رحيمة تقوم بتدليك قدميها بود منها. تستمع لثرثراتها وهي تحكي عن مواقف وحكايا مرت بها، تضحك تارة وتدمع تارة أخرى.
لكن فجأة، فُتح باب الغرفة. نظرت الاثنتان إلى من دخل بشبه هوجاء، لكن حين رأى ذاك المنظر تعجب وتلجم غضبه فجأة وهو يرى ما تفعله ثريا غير مستوعب. نظرت له رحيمة، بينما عمدًا تجاهلت ثريا النظر له وأكملت تدليك ساقي رحيمة، التي ابتسمت له قائلة: "الحنة خلصت والرجال اتفضوا."
أومأ لها سراج، عيناه على ثريا الجالسة على وسادة أرضًا بهذا المنظر الذي لم يتوقعه منها. لكن نفض ذلك حين رفعت رحيمة قدميها من ذاك الإناء قائلة: "كفاية رجليا ارتاحوا، يريح قلبك ويسعدك يا ثريا يا بنت نجيه."
أومأت لها ثريا ببسمة، ونهضت تحمل الإناء وتوجهت إلى حمام الغرفة. لم تغب إلا لحظات وعادت. كانت تتوقع ثورة سراج، لكن بالتأكيد ما لجمه هو وجود رحيمة بالغرفة. تبسمت رحيمة وتمددت بساقيها على الفراش قائلة: "أنا هنام هنا مع ثريا في الأوضة، تعبت من الحنة. خلاص بجيت كبيرة وأقل مجهود بيتعبني، والبت ثريا جلبها طيب وأنا حبيتها من أول ما شوفتها. هنام هنا، تصبح على خير يا سراج، خد الباب في إيدك وانت خارج."
حاول كبت غضبه. هو كان ينوي لثريا عقابًا، ليس فقط على رقصها بين النساء، بل أيضًا على سلاطة لسانها التي سمع عنها.
بينما رحيمة أرادت البقاء مع ثريا عمدًا منها. تعلم بالتأكيد قد قامت ولاء ببخ سمها بأذن سراج. ملامحه قبل أن يرى ثريا تقوم بتدليك قدميها كانت متهجمة، وتبدلت لذهول. لكن لو تركته معها الليلة سيفتعل معها المشاكل. بالفعل، انسحب بهدوء، بعد أن قال: "وانتِ من أهل الخير يا خالتي."
غادر سراج، بينما نظرت رحيمة لثريا التي كانت تكبت ضحكتها. سراج بكل وقاحته واستقوائه عليها كان مثل الطفل أمام رحيمة، واستمع إلى حديثها ونفذ رغبتها دون اعتراض، غادر.
بينما رحيمة أضجعت على إحدى الوسائد ونظرت لثريا قائلة: "طفي النور يا بتي وتعالى نامي، بكرة هيبجي يوم طويل."
تبسمت لها ثريا بقبول وأطفأت الضوء وذهبت إلى جوارها بالفراش. سمعت رحيمة تقول لها بنصح: "رقصك وسط الحريم كان غلط. إنتِ مش أي حد، إنتِ مرات سراج العوامري. يرضيكِ النسوان تتناقل الحديث الفارغ ويقولوا إن مرت الكبير رجاصة."
ضحكت ثريا. هي لا يهمها حديث الناس، هي تعمدت إغاظة ذاك المستقوي المخادع. لكن شرد عقلها به حين انصاع لرغبة رحيمة طواعية. لأول مرة تراه هكذا يسمع لرغبة أحد غير نفسه. يبدو أن رحيمة لها مكانة خاصة بها لديه. لمعت عينيها بوميض خاص وخفق قلبها بإحساس غير مفهوم. سراج الذي دائمًا ما يتعامى معها بتعسف، كلمة من رحيمة لم يعترض. غفت بداخل قلبها صراعًا مع عقلها الذي يسأل: من هو "سراج العوامري"؟ لما معها عكس ذلك؟ معها تعرّت من أكاذيبه وظهرت خصاله الحقيقية الذي يخفيها.
بينما صعد سراج إلى تلك الشقة ودلف إلى داخلها، جلس على أحد المقاعد بالردهة، وأضجع بظهره ورأسه إلى الخلف. ما زال منظر ثريا وهي جالسة أسفل قدمي رحيمة أمام عينيه. تلك المحتالة الذي لمس لديها بعضًا من العناد والتكبر، كيف قبلت وجلست هكذا. كانت ملامحها واضحة أنها تفعل ذلك بقبول منها. لكن من تلك المتحدية الوقحة سليطة اللسان؟ من هي "ثريا الحناوي"؟ محتالة... وقحة... عاصية معه. قبل خالتها كانت مطيعة ومتقبلة.
وصورة أخرى كل منهما رآها بالآخر الليلة تجعله يعاود التفكير بالآخر بطريقة أخرى.
***
بآخر الليل، بمكان مظلم لا ضوء به سوى شعلة خشب. كان الخبيث قابيل يتحدث بفحيح: "متأكد إن سراج دلوقتي هنا في الوقت ده مش صدفة. نفس التوقيت يحصل هجوم من البوليس على الجبل. من أكتر من خمسة عشر سنة ما حصلش هجوم سري بالشكل ده."
عقل الآخر حديثه وفكر قليلًا ثم نفى ذلك قائلًا: "لا تخمينك بالتأكيد غلط. يوم هجوم الجبل كان دخلة سراج وبالتأكيد كان مع مراته، مش معقول هيسيبها و..."
قاطع بتذكير: "غيث كمان ليلة دخلته سابها وراح قتل الخاين. وأتاريه هو اللي كان خاين وقتله للراجل ده كان عشان يخفي خيانته."
عقل الآخر فحيح غيث برأسه ثم نفى ذلك بيقين: "لا معتقدش، سراج عمل كده..."
كاد غيث أن يتحدث لكن الآخر سبقه: "وأنا هتأكد من حديثك ولو طلع صح..."
سبق غيث بعين لامعة مثل الذئاب قائلًا: "ولو حديثي أكيد الثمن هو دم سراج.... ونضرب عصفورين بحجر واحد. نبقى خدنا بتارنا من الحكومة اللي صفت عدد كبير من رجالتنا وحرزت البضاعة اللي كانت في الجبل. وكمان قتل ظابط زي سراج هيكون له شنة ورنة وهيوصل الخوف في قلبه غيره، والحكومة ترجع تنسى الجبل... وجتها نشتغل على كيفنا زي ما كان."
نظر له الآخر وفكر ثم أومأ قائلًا: "بلاش نتسرع ونقتل سراج دلوقتي قبل ما نتأكد..."
كاد قابيل أن يتحدث بإصرار، لكن كلمة الآخر كانت ناهية وقاطعة: "جولت لازم نتأكد الأول، ممكن قتله دلوقتي بدل ما يبقى في صالحنا يفتح علينا نار ويفتح العين أكتر على الجبل.... دلوقتي لازم نفكر نعوض البضاعة اللي خسرناها. زين إننا كنا نزلنا الآثار من الجبل قبل الهجوم. أنا اتحدت ويا التاجر اللي هيصرفها لينا، أهو نعوض خسارتنا في البودرة والمخدرات، والسلاح اللي صادروه. عاوزك تهدا وبلاش تتسرع. بلاش نتصادم ونرجع نندم."
غصبًا امتثل قابيل وأومأ برأسه قائلًا: "تمام... المخزن اللي شايل فيه الآثار متأمن كويس، زي ما يكون قلبي كان حاسس. الحمد لله لو كانت لسه في الجبل كنا خسرنا كتير." ربت الآخر على كتفه بمؤازرة تقديرية يمدح في ذكائه قائلًا: "زين، زين، دلوقتي مسؤولية توصيل الآثار هتبقى لك. اتفق مع الرجالة اللي تعرفهم في المرور على الطرق... وبس تتم العملية دي بسلام لك مكافأة كبيرة." همس لنفسه بإصرار وتمني: "مكافأتي الكبيرة هي قتل سراج."
***
مع شروق الشمس، بغرفة سراج. نهضت رحيمة من جوار ثريا التي ما زالت غافية من بعد صلاتهن للفجر معًا، عدن إلى النوم. لكن كعادة رحيمة، تصحو مع شقشقة العصافير، واليوم برأسها هدف، أو بالأصح زيارة خاصة. بالتأكيد سراج استيقظ هو مثلها، يصحو باكرًا. صعدت بضعف إلى تلك الشقة ودقت الجرس. فتح لها سراج الباب. تبسمت له قائلة: "اتوقعت إنك صاحي، زين يلا تعالى معايا عندي زيارة لازم ألبيها، قبل ليلة دخلة آدم. هم يلا لازم نرجع بدري اليوم طويل."
تبسم لها وهو يأخذ يدها سائلًا: "والزيارة البدرية دي هتكون لمين بدري أوي كده؟"
غامت عينيها بالدموع قائلة: "لازم أزور قبر المرحومة رحمه، وأقول لها إن آدم الليلة عرسه. أنا متعودة اتحدث وياها دايمًا وأبشرها. بالك الواد إسماعيل يوم ما اتخرج من كلية الطب جات لي في المنام فرحانة، بس لامت عليا إني ما روحتش لها وبشرتها، كيف ما عملت يوم لما دخلت كلية الحرب بتاعتك دي."
ضحك سراج قائلًا: "حربية يا خالتي."
تبسمت له قائلة: "نتحدث في الطريق."
تبسم لها وذهب معها إلى المقابر. ما زال عقله مشغولًا بثريا. لا يعلم السبب، أو ربما فسر عقله السبب هو الغضب ما زال مسيطرًا عليه، فهو لم يستطع معاقبتها بالأمس. هكذا فسر عقله. لكن لينتهي الزفاف بهدوء وبعدها تبدأ عاصفته معها.
***
بمنزل وجدي العوامري. فتحت عينيها، ما زال هناك هاجس بقلبها يخيفها. حفظي ليس بهذا الهدوء ليلتزم دون افتعال مشاكل. ليس حبًا فيها بل لطمعه وجشعه. هي على يقين أنها ليس عاشق لها بل عاشق لثروته وسطوة أبيها. كذلك وقاحته تدل على ذلك. محاولته التحرش بها سابقًا تدل على انعدام أخلاقه، فهو لم يصن أنها ابنة عمه ولابد أن يكون لديه نخوة هي بمكانة خاصة. كان يتعمد التحرش بها لفظيًا، وحاول جسديًا، ونظرة عينيه البغيضة كانت تخترق جلدها، تجعلها تشمئز منه بل تبغضه.
نفضت عن رأسها قليلًا حين صدح هاتفها بصوت رسالة. تبسمت تعلم من صاحب الرسالة الصباحية. شعرت بانشراح في قلبها وهي تجذب الهاتف تقرأ الرسالة بصوت هامس: "صباح الخير قُبلاتي زوجتي الحبيبة."
ضيقت عينيها بخجل. لأول مرة يرسل رسالة صريحة هكذا. خصها بكلمة "زوجتي". ليس هذا فقط، كلمة "قُبلاتي" لأول مرة يكتبها لها. شعرت بانشراح في قلبها. لما تستغرب ذلك؟ بنهاية الليلة سيجتمعان. حلم كان مستحيلًا أصبح واقعًا يتحقق بعد ساعات. نهضت من فوق الفراش تحتضن الهاتف بين يديها، تقوم بالرد عليه لكن لم تكن جريئة كعادتها: "صباح الخير يا آدم." سرعان ما وصل لها إشعار برسالة: "المفروض الرد يكون، صباح الخير زوجي الحبيب، وقُبلة."
خجلت. هذا ليس آدم الذي عاهدته. كان دائمًا هناك حدود. يخصها بكلمة "حبيبتي" لا أكثر من ذلك. ماذا تغير؟
ذمت نفسها: أيها البلهاء، هو أصبح زوجك بعد ساعات ستكونان بغرفة واحدة دون قيود.
بخجل أجابت على رسالته: "واضح إنك صاحي مبسوط."
أجابها: "أنا ما نمت أصلًا."
والسؤال منها: "وإيه السبب اللي ما نمت بسببه؟"
والجواب منه: "بتمنى اليوم ينتهي بسرعة ويجي الليل ونبقى مع بعض للأبد."
ابتسمت بحياء: "صبرت كتير، كم ساعة مش هيفرقوا، ونام ساعتين عشان تبقى فايق."
ابتسم واضعًا قبلة ومعها رسالة: "نجتمع مساءً زوجتي الحبيبة."
أنهت الرسائل: "نجتمع على خير يا آدم." أغلقت الهاتف وقذفته على الفراش، تمطت بيديها، كأنها مثل العصفور الذي يفرد جناحيه ليستعد للطيران. ذهبت نحو شرفة الغرفة، أزاحت الستائر تسمح للنور أن يدلف إلى الغرفة، لكن وقفت متصنمة حين وقع بصرها على ذاك المعتوه حفظي، يقف قريبًا من منزلهم. خفق قلبها. بالتأكيد كيف شعرت بالاطمئنان. زاد خفقان قلبها حين أشار لها بيده متعمدًا، كأنها رسالة واضحة منه. ارتعبت من ذلك، وسرعان ما تركت الستائر وساد الظلام بالغرفة. وضعت يدها فوق قلبها، تهدأ ذاك الخفقان. ذهبت نحو هاتفها وفتحته وقامت بإرسال رسالة: "حفظي واقف في مكان قريب من بيتنا."
كان الرد سريعًا: "لا تقلقي، هو جبان لن يستطيع فعل شيء وهو مراقب جيدًا."
أغلقت الهاتف. هدأَت قليلًا وتمنت أن تمر الليلة بخير وسلام.
***
مساءًا، بمنزل "عمران العوامري". كان هناك استقبال مهيب للعروس التي ذهبت إلى تلك الخيمة وجلست وسط النساء تشعر بتوتر. تتمنى أن ينتهي ذاك الاحتفال والاحتفاء، كلما تقلص الوقت كان أفضل. هناك ريبة بقلبها جعلتها تنظر نحو النساء اللاتي يتبادلن الرقص والغناء. عيناها زائغة بينهن، تود أن تنهض لكن كأن ساقيها تصنمت. رغم أنها تعلم أن المكان مؤمن جيدًا، كذلك هذه خيمة للنساء ومحرم الاقتراب منها. لكن مع حفظي لا شيء مستبعد. لم يخيب توقعها، فهو بلا أخلاقها، هو الوقح يفتح الخيمة ويدخل رافعًا سلاحه نحو النساء. اللواتي تبدل غناؤهن إلى صريخ، وهن يتجنبن بعيدًا عن ذاك الوغد الذي دهس حرمة تلك النساء. تجولت عيناه بينهن إلى أن وقع بصره على ثريا، التي كانت تمسك يد رحيمة تبعدها عن هرولة النساء خشية أن يدهسنها وهن يهرولن احتماءً ببعضهن. لمعت عيناه، هي هدفه، فلو أخذ العروس لن يستفيد شيئًا، هي من سيساوم عليها. بالفعل، جذبها بعنف كبير رغمًا عنها. اقتربت منه بتلقائية، فصفعته بغضب قائلة: "ما عندكش خشوع ولا حياء ولا أخلاق، داخل على الستات بسلاح. أوعي تفكر..."
قطع حديثها حين صفعها ذاك الوغد، وبقبضته القوية على يدها منعها من السقوط من قسوة تلك الصفعة. لكن هي لم تهدأ وقامت بمحاولة صفعه وحاولت التملص منه قائلة: "سيبني يا حقير، صدقني انت اللي هتطلع خسران."
جذبها بقوة قائلًا: "مشي معايا بالذوق بدل ما أفرغ السلاح اللي معايا في النسوان دي."
فكرت ثريا للحظات: لما لا تعترض وتتركه ينفذ تهديده، ربما أصابت طلقة منه ولاء وأختها والسفاهة الثالثة إيناس. لكن نظرت إلى من تنظر لها عيناه، كانت رحيمة. خشيت عليها، هي مثلها عاشت بائسة، لا تستحق رصاصة من ذاك الوغد. سارت معه بطواعية إلى أن خرج خارج الخيمة. عاودت محاولة التملص منه، لكن هو جذبها بقوة. لكن كان مغفلًا. هل يظن أن ينخدع به سراج ويترك له فرصة ومكان مفتوح يسمح له بالدخول إلى المنزل بسهولة؟ كان خطأه. تفاجأ بالمكان محاطًا برجال يشهرون أسلحتهم نحوه. فلم يتوقع ذلك الوغد الأحمق أن هناك فخًا بانتظاره. لكن لابد أن ينجو بحياته هو أمام أمر واقع لو لم يتصرف سريعًا. وساوم على حياة أخرى مقابل خروجه من هنا حيًا. بسبب غبائه وعدم تفكيره، جذب آخر من يظن أنها هي طوق نجاته الليلة. بقسوة سحبها عنوة خلفه يحاول الخروج من فناء المنزل، حتى يصل إلى النجاة. ما زال يشهر سلاحه برأسها، حتى اقترب من باب الخروج من المنزل، قائلًا بمساومة لهؤلاء الرجال الذين يشهرون أسلحتهم نحوه: "إبعدوا عن الباب، اللي هيقرب مني هفرتك راسها."
لكن رغم فجاجته، فجأة ارتعب خوفًا من ذلك الذي دلف للفناء وأصبح قريبًا منه بمواجهة بضع خطوات، يشهر سلاحه بيده اليسرى ينظر له باستهزاء. لكن ذلك الأحمق عاود يساوم باستقواء وبنبرة صوت آمره: "حنان" بت عمي قصاد "ثريا" مرتك."
ظهرت أنياب سراج اللامعة بعدما ضحك بقهقهة قائلًا بعدم مبالاة وهو ما زال يشهر سلاحه: "إختارت اللي تساوم عليها غلط، اللي معاك مجرد دخيلة على العيلة."
رغم أنها ليست خائفة من ذلك المعتوه الذي يضع السلاح برأسها، لكن فتحت عينيها باتساع من رد سراج المقلل من شأنها. نظرت له بازدراء، وأغمضت عينيها تبتلع ريقها تهمس الشهادتين بعد أن سمعت ذلك الوغد يفتح صمام الأمان بالمسدس، كي يزداد بمساومته، وينهي حياتها قبله، قائلًا باستفزاز: "متوقع من رجالة العوامري ما عندهمش نخوة."
نظر له سراج يشعر بغضب. حاول التمسك بالبرود خداعًا، لكن ذلك الوغد كان غبيًا لا يعلم أنه أمام الملقب بـ "النسر الأشول". عيناه كانت عليها وسمع همسها بالشهادتين. بلحظة كانت رصاصة تخترق جسد ذلك الوغد يتردى جسده في الحال، غير مباليًا ببركان الثأر الذي سوف يثور لاحقًا. بينما هي استسلمت لتلك الهوة ظنًا أن الرصاصة قد أصابت رأسها. مالت بجسدها لكن لم يصل جسدها للأرض، بل سقطت بين يدي سراج الذي نظر لوجهها الذي اختفت ملامحه خلف دماء ذلك الوغد التي لطخت وجهها بالكامل. استقام يحملها بين يديه، قائلًا بآمر: "آدم روح خد مراتك من الخيمة واطلع لشقتك، العرس انتهى... بلا التجمع ده وسعوا خلوني أدخل الدار."
سماع صوت الرصاصة فزع الجميع واندفعن النساء من الخيمة، يهرولن للنجاة بعد أن ساعدهن تلك الرجال أن يخرجن من المنزل بسلام. كانت حنان لا تزال بداخل الخيمة مع رحيمة التي تحاول تهدئتها. لم تهدأ إلا حين رأت آدم يدلف إلى الخيمة. بتنهيدة هرولت نحوه بتلقائية تحتضنه، وهي ترتعش للحظات ثم شعرت بخجل قائلة بتعلثم: "حفظي؟"
صمت آدم. بينما اقتربت رحيمة منه تشعر براحة وسألته: "حد جراله حاجة؟"
صمت آدم للحظات ثم قال: "خلونا نطلع، العرس انتهى، يلا هات إيدك يا خالتي."
مدت رحيمة يدها وسارت إلى جواره هو وحنان إلى أن خرجن من الخيمة، لكن توقفت حنان مصعوقة حين رأت رجلين يحملان جثمان حفظي الذي ينزف. صرخت بهلع ولم تستطع الوقوف، غابت عن الوعي وكادت تسقط أرضًا. رغم ألم ساق آدم، لكن تلقفها بين يديه. حملها وذهب إلى شقته الخاصة، تاركًا والده مع إسماعيل يتعاملان مع ما حدث.
***
بغرفة سراج، قبل لحظات. دخل يحمل تلك المحتالة الغائبة عن الوعي بوجهها المتناثر عليه الدماء. وضعها فوق الفراش، ظل ينظر لها للحظات. لوهلة ضحك حين تذكر نظرة عينيها له. ماذا ظنت تلك الحمقاء أنه سيقتلها؟ بالتأكيد هذا ما فكرت به، فهو هددها بالموت قبل ذلك. لكن... "لكن ماذا؟" هذا هو سؤال عقله. لم يكن يتوقع أن ذاك الوغد سيساوم بحياة ثريا، وإلا لما كان سمح له بالدخول كي يصطاده بالجرم المشهود. توقع أن يساوم بـ حنان دون المساس بها. أخطأ ما كان عليه أن يتساهل هكذا. لوهلة كانت ستدفع ثريا ثمن ذلك. ضيق عينيه. لما يهتم بذلك؟ ماذا تعني له تلك المحتالة ليشعر بهذا القلق عليها وقت أن كانت بين يدي حفظي؟ "يدي حفظي". شعر بالغضب من اقترابه منها بهذا الشكل القريب. لم يندم على تلك الرصاصة الذي أطلقها به، لكن تلك المحتالة لما ما زالت غافية. ذهب نحو أحد الأدراج وآتى بقطعة قطن وجذب زجاجة عطر، سكب منها فوق القطنة، لكن قبل أن يقربها من أنف ثريا فكر بمكر، ونظر نحو تلك القنينة الموضوع بها ماء فوق طاولة جوار الفراش. لمعت عيناه. لكن ذهب نحوها أولًا. حرر رأسها من ذاك الوشاح. انسللت خصلات شعرها. رغم تلك الدماء على وجهها، لكن كأنها من ملامحها كانت بهية الطلعة. ترك ذاك الإعجاب، وجذب قنينة الماء وسكب منها ملأ كوبًا كبير وباندفاع قذفه بوجهها. صحت مفزوعة، بينما هو يضحك. نظرت نحوه كأنها ما زالت غائبة عن الوعي. سارع سراج بقذف كوب آخر بوجهها. شهقت مرة أخرى، وبدأت تعود للوعي تدريجيًا تهذي: "المجرم سراج أكيد قتلني."
ضحك قائلًا باستفزاز: "كان بودي والله، بس الرصاصة غلطت ونفذت منك، بس المسدس لسه فيه طلقات لو..."
توقف ضاحكًا حين فاقت ثريا كليًا على صوته. نظرت له بغضب ساحق. سرعان ما نهضت من فوق الفراش أمسكته من تلابيب ثيابه. لعدم انتباه سراج انحنى بجسده عليها، سقطت على الفراش وهو فوقها يحاول تلجيم حركة يديها، لكن ثريا قاومت إلى أن شعرت بإنهاك. نظرت له قائلة بلهث: "قاتل مجرم حقير..." توقفت للحظات وعادت بذاكرتها إلى قبل قليل. دفعته بقوة وعنفوان قائلة: "إنت كنت موجه السلاح ناحيتي كنت عاوز تقتلني يا حقير. أنا مستحيل..."
قاطعها يحاول تلجيم يديها إلى أن سيطر عليها بجسده قائلًا بغيظ سحيق: "لمي لسانك أوعي تفكري إن مش هعاقبك على رقصك وسط النسوان. جسمك اللي كنتِ بتتمزقي وبتتحالي به ده هكسرهولك."
نظرت له باستهوان واستبياح قائلة: "هتعمل إيه يعني؟ هتضربني؟ عادي جثتي منحسة."
تحول من العصبية إلى البرود وحاول كبت ضحكته ونظر لها بسخط وهو يقوم برفع ذيل فستانها، ثم تركه وفتح سحاب الفستان وقام بالتمسيد بأنامله يده الأخرى برقة حول عنقها وكتفها الذي عراه قائلًا بهدوء عكسي، بتلميح صريح ومباشر: "وهو الضرب بس اللي بيكسر الجسم."
شعرت بغيظ منه وما زالت تحاول الفكاك منه، بينما سراج نظر إلى صدرها الذي يعلو ويهبط بتسارع، كذلك شفاها، وحركة جسدها أسفله. كل ذلك حرك رغبة بداخله أو هكذا ظن. وقبل أن تستمر في الحركة والسب، كان يطبق شفتاها فوق شفتيها يقبلها قبلة قوية وهي ما زالت تحاول الفكاك منه، لكن هو تعمق بقبلاته لم يترك شفاها إلا ليتنفسا، قبل أن تهدأ أنفاسهم عاود تقبيلها. شعر باستكانتها أسفله. ترك شفاها، ونظر إلى عينيها، التي سرعان ما أخفضتهما تنظر نحو شفاة بلا إرادة منها. ضغط على شفاهها، ترك النظر لعينيها وسلط نظره على شفاها متشوقًا لقبله. بالفعل عاود تقبيلها وفك تلجيم يديها. يديه الاثنتين يسيران بحميمية فوق جسدها وهي غير رافضة كأنها فقدت عقلها. تفاجئ بامرأة أخرى عكس تلك المتبلدة التي كانت تستفزه بذلك. كانت دافئة قبلاتها، لم تنفر من لمساته بل تقبلتها ويديها اللتان كانت تدفعه بهما على استحياء منها وضعتها فوق ظهره. ترك شفاها ينظر لها مستغربًا ومتسائلًا: أين ذهب ذاك التبلد الذي كان يسيطر عليها. ربما غفوة عقل منها، لكن هي تشعر بانصهار. حاولت أن تدفعه وبدل أن تفعل ذلك وضعت يديها على ظهره، كأن عقلها أراد شيئًا وقلبها أراد شيئًا آخر. كأنها تطفو فوق سطح مجرى مائي عذب ترتوي بعد عطش وجفاف. كذلك سراج الذي يمتلك هو البداية يغوص بنهر من الغرام يتعطش كلما تذوق منه يود المزيد عله يشعر بالارتواء. كأن كلاهما بإعصار عاصف لكل تحفظات كلُُ منهم مع الآخر. بالنهاية تركا الأمر لمشاعرها تقودهم بإستسلام. وقاما بـ «رفع الحظر لباب العشق».
رواية عشقت طالبتي الفصل السابع عشر 17 - بقلم منار حسين
قبل قليل دخل آدم الشقة الخاصة به. منها لغرفة النوم مباشرةً، يحمل حنان وضعها فوق الفراش. شعر بألم في ساقه المصابة، استسلم وجلس على طرف الفراش. ينظر نحو حنان الغائبة عن الوعي.
رغم ذاك الألم القوي الذي يشعر به، نهض بتحامل وذهب نحو مرآة الزينة. جذب قنينة العطر وعاد بها نحو تلك الغافية. وضع القليل على يديه ثم قرب إحدى يديه من أنفها، يربت بيده الأخرى فوق إحدى وجنتيها بخفة، محاولًا إفاقتها. إلى أن استجابت له بالفعل وبدأت تفتح عينيها بغشاوة. مازال منظر حمل الرجال لحفظي محفورًا بعقلها. بمجرد أن فاقت، جلست بفزع. تقول بشهقة ندب:
حفظي مات.
تنهد آدم محاولًا تخفيف وطأة ذلك، قائلًا بهدوء:
حنان...
توقف عن استرسال حديثها حين بدأت بالندب والبكاء:
أنا السبب. كنت متأكدة إن حفظي مش هيعدي الليلة بسلام، يا...
قاطعها آدم قائلًا:
يا إيه، يا حنان... اهدي. الرصاصة جت في كتف حفظي، يعني ما ماتش.
نظرت له حنان تستشف منه الصدق وهدأت قليلًا، تقول برجاء:
بجد يا آدم، يعني حفظي عايش.
تنهد آدم متفهمًا:
حنان اهدي، ومن امتى كذبت عليكي.
تنهدت براحة. بينما رغم شعور آدم بالألم من ساقه، نهض واقفًا يتحرر من بعض تلك الثياب عليه. فتح أزرار قميصه، ظهر جزء كبير من صدره. كذلك شمر ساعديه، ثم نظر إلى حنان قائلًا:
هروح آخد دش في الحمام التاني... حاسس بشوية صداع.
نهضت حنان بتسرع. بسبب حجم فستان زفافها، كادت تتعرقل، لكن تلقفها آدم بين يديه. رفعت يديها وضعتها حول وجهه بتلقائية تتحسس حرارة وجهه. شعرت بألم، قائلة:
دماغك سخنة شوية.
رغم ألم ساقه، لمعت عيناه بشغف وهو يضم خصرها بين يديه. تبسم وهو ينحني يقبل إحدى وجنتيها، عدة قبلات مقتربًا من فكها. لكن فجأة وعَت حنان على فعلتها. شعرت بالحياء. كذلك قبلات آدم هزت ليس قلبها فقط بل جسدها أيضًا، الذي برد فعل تلقائي ارتجش بين يدي آدم الذي شعر بذلك وتمسك بيديه على خصرها أقوى. أخفضت وجهها بحياء، وعادت برأسها للخلف. تبسم آدم على خجلها ورفع إحدى يديه عن خصرها نحو وجهها. وضعها أسفل ذقنها. رفع وجهها، تلاقت عيناهما بحديث صامت، لكن يبوح بمقدار وافر من العشق في قلب كل منهما للآخر. سرعان ما عاد آدم وكاد يلتقط شفاه حنان، لكن هي وعَت بخجل، وتنفست بتوتر، قائلة بتهرب:
أنا لابسة الفستان من وقت طويل، وتقيل أوي.
تبسم وترك خصرها وتوجه إلى الفراش. أخذ تلك المنامة الخاصة به قائلًا:
هروح أغير في الحمام التاني.
أومأت له بخجل وهو يغادر الغرفة، يغلق خلفه الباب. لحظات كان قلبها يخفق عشقًا لذلك الآدم، لكن عاد لرأسها منظر حفظي وهم يحملونه. غص قلبها. لو هاتفها معها لكانت تأكدت من والدها أنه حقًا مازال حيًا كما أخبرها آدم. لكن سرعان ما نهرت نفسها. منذ متى كذب آدم عليها. تنهدت بأسف بسبب حدسها الذي صدق. حاولت نفض ذلك عن رأسها. ربما تشعر براحة حتى لو كانت لبعض الوقت فقط. ذهبت نحو الفراش جذبت تلك المنامة التي كانت فوق الفراش. استحت من ارتدائها. ذهبت نحو دولاب الملابس، أخرجت منامة أخرى لها محتشمة. ثم نظرت نحو باب الغرفة. قامت بفتح سحاب فستان زفافها وقامت بخلعه، وارتدت تلك المنامة. ثم ذهبت إلى حمام الغرفة. وقفت أمام الحوض. نظرت إلى بقايا مساحيق التحميل القليلة التي على وجهها. لفت نظرها ذاك الكحل الذي ساح حول عينيها يعطيها منظرًا بشع بالتأكيد بسبب بكائها. غسلت وجهها أكثر من مرة حتى زال ذاك الاسمرار. لكن كان هناك هالات سوداء حول عينيها. بالتأكيد سببها معلوم هو عدم نومها بانتظام في الفترة الماضية بسبب ما كانت تراه من هلوسات. حقًا تحقق جزء منها، لكن في النهاية ربما هذا كان أفضل الأسوأ. ظلت لدقائق إلى أن سمعت طرق آدم الذي عاد للغرفة قبل دقائق. دخل بعد أن طرق على باب الغرفة ولم يسمع سماح حنان له بالدخول. ظل لحظات ثم شعر بترقب ودلف إلى الغرفة. لم يجد حنان. كان الفستان موضوعًا على أريكة في الغرفة. تبسم وجلس يشعر بألم ساقه بدأ يهدأ قليلًا بعد أن تناول أحد المسكنات. لكن استغرب حنان. نهض وتوجه إلى باب الحمام. قام بالطرق عليه قائلًا:
حنان.
اهتز قلبها، وهي تشعر بخجل. كذلك غص بقلبها. كانت تود أن تكون مثل بقية الفتيات أن تصير ملكة ليلة زفافها على من هوى قلبها، لكن شاء القدر. ربما الأهم الآن أنها اجتمعت مع من رغبت بتكملة الباقي من عمرها معه. غسلت وجهها من آثار البكاء، وخرجت. تبسمت حين رأته قريبًا من باب الحمام. بادلها نفس البسمة. تحدث بمودة:
أنا توضيت.
أومأت له بمفهوم أنها هي الأخرى توضأت.
بعد قليل كان الاثنان يجلسان خلف بعضهما على سجادة الصلاة.
كان آدم بداخله يشكر الله أن العرس انتهى بأقل الخسائر. رغم ألم ساقه الذي عاد بقوة بسبب غباء حفظي الذي استغل وجيعته. لكن مرور الليلة هكذا كان أفضل الأسوأ.
بينما حنان تبتهل إلى الله تتمنى أن لا يترك ما حدث الليلة صراعًا لاحقًا. دعت بقلب خاشع.
بعد قليل نهض آدم ومد يده إلى حنان، التي نظرت إلى يده الممدودة ثم إلى وجهه. تبسم لها. بتلقائية وضعت يدها في راحة يده، ثم نهضت هي الأخرى. لحظات كانت العيون هي منبع الحوار بينهم بتطميس أن البداية ربما ليست كما كانا يتمنيان، لكن كل شيء قدر. والأهم أنهما معًا الآن. ضمها. شعر بتوترها. تبسم آدم قائلًا:
أكيد جعانة زيي.
كانت إيماءة خجل منها. تبسم وهو يسحب يدها وذهبا نحو طاولة الطعام الموضوعة بالغرفة. كشفها مبتسمًا، يحاول فك توتر حنان وصرف تفكيرها عن ما حدث بنهاية العرس قائلًا:
سبق وقلتيلي إن نفس مامتك في الطبيخ لا يعلى عليه.
أومأت قائلة:
قدامك أهو، دوّق وانت تتأكد من كلامي.
ابتسم قائلًا:
خلينا ندوق سوا.
رغم عدم رغبتهما، لكن منهما يحاول أن لا يكون متحاملًا على الآخر. تناولوا القليل من الطعام الذي رغم أنهما لم يشعرا بأي مذاق، لكن مدح آدم:
فعلًا طبيخ مامتك طعمه هايل.
نظرت إلى القليل الذي نقص من الطعام. علمت أن آدم يجامل. تفهمت ذلك. الليلة كل شيء فقد رونقه. بعد قليل تمدد آدم على الفراش جاذبًا حنان. التي تمددت جواره بحياء منها. تثاءب يشعر بالنعاس. ليس لحاجته لذلك، لكن تأثير ذاك المسكن. كذلك حنان تشعر بقلق لكن تحاول نفض ذلك. شعرت بيدي آدم الذي ضمها وقبل عنقها. ارتجفت حنان وبتوتر نطقت اسم آدم. فهم من نبرة صوتها أنها ليست مستعدة.
تفهم توترها، فالليلة كانت صعبة على الجميع. كذلك هو هدأ بعد شبه زوال ألم ساقه. كذالك يكفي وجود حنان بين يديه قريبة منه. طبع قبلة على عنقها ثم أتبعها:
تصبحِ على خير يا حنان.
برجفة صوت حدثته ولم تحاول الابتعاد عنه. كل ما تود أن تشعر به هو نبض قلب آدم الذي سرعان ما غفى. لكن حنان غفت للحظات ثم شعرت بعودة الهلوسات. فتحت عينيها تنظر إلى ملامح آدم. مشاعر مختلطة بداخلها، بين الريبة والترقب من القادم، والشعور الأقوى هو عشقها لآدم.
***
بغرفة سراج
لا يدري أيًا منهم سيطر على الآخر. بلحظات استسلما الاثنين لغمرة مشاعر غير محكومة بالعقل. ساد السكون إلى أن اخترق الصمت شهيق أنفاسهم المنتشية. مازال جاثيًا بجسده الضخم بالنسبة له جسدها شبه ضئيل. لم تكن تشعر بثقل جسده فوقها. فقط تلاقت عيناهما ينظران لبعض فقط. نفس كل منهم يلفح وجه الآخر. لحظات منتشية، لا معنى ولا مغزى من تلك النظرات، كأنه لا يوجد برأسيهما عقل. فقد الإدراك. نظرات فقط، كأن الزمن توقف وكل شيء تصنم حتى المشاعر.
أخرجهما من تلك الحالة صوت آتٍ من ناحية شرفة الغرفة. كان صوت شيء أصاب باب الشرفة، وأصوات أطفال ربما يلهون بالحديقة أسفل شرفة الغرفة بالمفرقعات الخاصة بالأطفال. انزاحت نظرة عيناه عن عينيها وأخفض رأسه بين حنايا عنقها. كأنه عاد يشعر مرة أخرى. زفر نفسه برقة فوق عنقها. لكن عاود عقله التحكم به. ماذا حدث قبل دقائق. أصبحت زوجته كليًا. نبضات قلبه بدأت تعلن التمرد كتلك المتمردة التي تقبع أسفل جسده. جسدها ضئيل أسفل جسده، لكن لم تتذمر من ذلك الثقل عليها. لكن هي متمردة دائمًا لا تعترف بالضعف تتحمل أضعاف طاقتها. رغم أنها فعلًا لا تشعر بثقل جسده فقط تشعر بأنفاسه فوق عنقها مثل نسائم ربيعية تطفئ لهب حرارة جسدها بعد هذا اللقاء. تراخى بجسده تعمد أن يثقل أكثر في جسده فوقها علها تتفوه بما يجعله يفيق من تلك النشوة. تعود لطبيعتها الجافة، لكن أنفاسه كأنه تلجم عصيانها الدائم. ربما عليه كتم أنفاسه كي يستطيع لسانها الكلام. لكن توهان. وكل منهم ينتظر المبادرة من الآخر كي يعود لطبيعته.
رفع رأسه حاسمًا بإنهاء تلك اللحظات. لكن عادت تتلاقى عيناهما. سرعان ما تخلت عيناهما عن النظر إلى بعضهما. تسمرت نظرات عيني كل منهم فوق شِفاه الآخر، وأنفاس تعلو بتوق لقبلة. لحظة وإثنين. أخفض وجهه وبادر هو بالقبلة التي تلقتها بقبول. تحولت القبلة لوابل من القبلات الحارة بأنفاسهم. لقاء حميمي آخر كان مفعم بالمشاعر أكثر من اللقاء الأول. مليء بالحرارة. وليست أجسادهم هي من تنصهر وتمتزج بل قلوبهم تذوب بحرارة وتمتزج بعنفوان عشق يقاوم الإثنين غزوه بقلوبهم هما مثل القطبين المتنافرين. انتهى اللقاء كما بدأ بـ قبلة وأعين تنظر لبعضها تستشف رد فعل الآخر، ولا تبوح بشيء.
أخرجهما من تلك الحالة أصوات الأطفال وهم يلهون تزداد أصوات المفرقعات. نظرا نحو باب الشرفة للحظات. لم يكن يود أن ينهض من فوقها. ود أن تتذمر من ثقل جسده. لكن مُرغمًا نهض قبل أن يعود ويقبلها، ويترك لجام عقله مرة أخرى. كذلك هي شعور غريب عليها يختلج بعقلها يجعله بغفوة متمنيًا أن يقف الوقت ويظل هذا الهدوء النفسي. لكن نهوضه عنها جعلها تشعر كأن البرد سرى فجأة بعظام جسدها. للحظات سحبت دثار الفراش على جسدها. لم تكن لتستر به بل كي تستمد دفئ. كذلك كان شعوره جذب سروال له سريعًا كأنه لا يود منه أن يخفي عري جسده، بل يريد بعضًا من الدفئ.
تعالى صوت الأطفال مع طرقعة مفرقعات قوية قادمة من خلف الشرفة. ربما تلك المفرقعات التي كانوا يلهون بها قد سقط أحدها خلف باب الشرفة. بصعوبة نفض تلك المشاعر وعاود للجمود كي يطمس تلك المشاعر المتملكة منه. نظر لتمسكها بدثار الفراش وسخر باستقلال، قائلًا باحتداد يطمس حقيقة تتوغل منه:
الأرض مش من حقك يا ثريا. ولازم ترجع لأصحابها من تاني.
أغمضت عينيها للحظة. كأنها تنفض ذلك التوهان عن رأسها وتلك المشاعر لم تكن سوى غفوة وصحوت منها. تبدلت نظرة عينيها لتلك الجافة، واعتدلت شبه جالسة على الفراش، تضغط بيديها بقوة على الدثار كي تترك لجام غضبها. وقالت باستهجان واستقواء:
لاء الأرض دى حقِ. حقِ اللي بسببه جوزي سابني بعد ما دخلت دارهُ ليلة عُرسي وراح عشان يقتل ورجعلي هدومه كلها دم. حق معاملته القاسية ليا. حق ضياع فرحتي زي أي عروسة استكتروها عليا. صحيح إنه زي ما قتل اتقتل، بس هو كان يستحق القتل ألف مرة. وحق إني اترملت قبل ما أكمل أربعين يوم جواز والحنة كان لسه آثرها على يدي. حق كلمة "عَاذبة" اللي كتير عليها تتجوز مرة تانية من زينة الشباب. آخرها تتجوز راجل عجوز تمرضه. حق معاملة "ولاء" الفظة ليا اللي أقل وقول عندها إني قدم نحس عالرجالة. واللي بتعاملني على إني خدامة انت جايبها الدار لأمرها. وانت عارف بمعاملتها ليا وعاجبك. حق تهديدك ليا مرة بالقتل ومرة بالاغتصاب. الأرض دى مش هترجعلك غير بموتي حتى وقتها هتلاقي اللي يشاركك فيها يا سراج.
شعر بغضب واختفى النور من عيناه تحولت إلى سوداء قاتمة. بعصبية نزع عنها دثار الفراش وجذب ساقيها جعلها تتمدد فوق الفراش عنوةً وجثا بثقل جسده فوقها. رغم أنه قبلها بغضب، لكن لم تكن قبلاته عنيفة. كذلك يعبث بيديه فوق جسدها. هذه المرة شعرت بثقل جسده، والإشمئزاز من لمساته. لكن أبت أن تتفوه، وأظهرت مشاعر باردة.
بعد لحظات ترك شفاه نظر لها بتحدي قائلًا:
وشريكِ هيكون ابني من "صلبي" منك يا ثريا.
عكس ما شعرت قبل لحظات، طغى عليها التبلد مرة أخرى. أغمضت عينيها لحظات. جاء لخاطرها ذكرى أخرى وغيث يحاول أن ينتزع عنها ثيابها عنوة. اعصرت عينيها تحاول نفض تلك الذكرى. سراج ليس أفضل من غيث. كانت صورة واهية رأتها له حين احترم رحيمة. هو معها ليس فقط عاري الجسد بل عاري بحقيقته الذي يجملها فقط أمام الآخرون. شعرت باختناق من تلك القبلات. لم تمنعها، ربما تختنق وتنتهي للأبد هذا أفضل لها. الحياة هي آخر ما توده. ليت ذلك الأحمق حفظي قتلها قبل أن تقع بهذا الفخ مع ذاك الكاذب. كل شيء ينتهي بلحظة حتى الغرام والعذاب. الغرام. غرام سراج الذي يحاول طمسه بتلك الأفعال الدونية حتى في نظره هو. ربما بداخله يود بداية أخرى دون قيود. العذاب. عذاب ثريا وهي تشعر بالندم وتود نطق كلمة "النهاية". ربما كان ذلك أفضل ما تحصل عليه ابتغاء حرية نفسها.
قبل أن يتوغل في غفوة وحماقة عقله وهو يحثه على سلب ليس جسدها فقط بل روحها الباردة أيضًا. نهض عنها مُرغمًا بعدما سمع طرقًا متواصل على باب الغرفة. هبط من فوق الفراش وقف لحظات ينظر لها بعين متحجرة وهي تُغمض عينيها كأنها تمقت النظر له. شعر كذالك بتحجر في قلبه من ناحيتها. جذب ثيابه التي كانت ملقاة أرضًا. سريعًا ارتدى بنطال والقميص، مازال مفتوحًا. توجه ناحية باب الغرفة فتحه بعصبية يستمع إلى قول تلك الخادمة التي أخفضت وجهها قائلة بحياء:
سراج بيه الحاج عمران بيجولك إنزل له هو في المندرة.
كان رده مختصرًا:
تمام، قولي خمس دقايق ونازل.
أغلق باب الغرفة بتعمد منه لم ينظر ناحية الفراش، يتجنب النظر لها كأنها غير مرئية. دخل إلى الحمام صافقًا خلفه الباب. بينما هي جمعت غطاء الفراش حول جسدها تشعر بالتمزق بكل خلية في جسدها، لكن أبت الدموع عن تنساب من بين مقلتيها. ظلت ماكثة بالفراش تشعر بمقت من نفسها. بينما سراج وقف أسفل المياه الفاترة يشعر بثوران يود الفتك بأي شيء أمامه عله يشعر بالهدوء. أغمض عيناه لثواني يشعر بهطول المياه فوقها. سكنت للحظة ثريا خياله وهي معه قبل لحظات، قبل أن تثور عليه مرة أخرى. وسؤال بعقله لما بهذا الوقت أردت أن تعيد الأرض. كانت طائعة بلحظات ثارت مثله. كان هادئًا بلحظات أصبح غاضبًا. أخرج وجهه من أسفل المياه وتنفس بقوة. أوصد الصنبور وخرج يلف خصره بمنشفة. حايد النظر إليها وتوجه إلى خزانة الملابس. ارتدى ثيابه. لكن بفضول منه رمقها. كانت تنام على ظهرها فوق الفراش تستتر بالغطاء. تنظر إلى أعلى لم تبالي به، كأنه معدوم الرؤية أمامها. تعصب وخرج يصفع خلفه الباب.
بينما هي حقًا كانت تنظر إلى أعلى عالقة الذكريات المرة. فاقت منها على صوت صفع باب الغرفة. نظرت نحوه. ثم نظرت نحو باب الحمام كان مفتوحًا. تيقنت أن سراج قد غادر. تحاملت وهن جسدها ونهضت. تركت ذاك الدثار وتوجهت إلى الحمام. وقفت أسفل المياه الدافئة تتنفس كأنها مثل سمكة قد خرجت من الماء وقبل أن تلتقط أنفاسها الأخيرة عادت إليها. أغمضت عينيها للحظات. لكن قبل أن تعود للذكريات فتحتهما تسيل تلك القطرات التي كانت عالقة فوق عينيها بخطوط تلهب وجنتيها. لم تستطع الاستمرار واقفة. أوصدت المياه وجذبت ذاك المئزر وارتدته. ثم خرجت عادت للفراش مرة أخرى تنظر إلى منظره المبعثر. شعرت باهتراء في قلبها. كان خادعًا بامتياز، جعلها تستسلم له ولرغبته. رفعها إلى أعلى قمة وبلحظة عادت للحقيقة "الأرض" هي ما يود الوصول إليها. لكن مستحيل أن تترك تلك الأرض سوى في حالة واحدة هي حين تصبح بالثري. قاومت ألم ينخر قلبها وروحها، وتمددت على الفراش تستسلم لغفوة كانت مريرة بالذكريات.
***
قبل قليل بالمندرة
وقفت مثل أفعى شديدة السم تدس السم بحديثها الغاضب:
كل واحد فيهم خد مرته وطلع بها، وسابونا في مصيبة هما الاتنين اتسببوا فيها. دلوك بجتل حفظي هنرجع تاني للتار اللي حصد خطيبي زمان. ويا عالم هيحصد مين تاني.
رغم ثورة عمران، لكن تفوه بقسوة:
اللي هيقرب من ضفر واحد من ولادي مش هيكفيني فيه إبادة نسلهُ.
بنفس اللحظة دخل سراج إلى الغرفة متعصبًا يقول:
محدش هيقدر يمس فرد من عيلة العوامري. وكفاية يا عمتي، حفظي ما ماتش.
نظرت ولاء نحوه بتتمعن. كان شعره رطبًا. شعرت بغضب مضاعف وتهكمت باستهزاء قائلة:
تو على ما افتكرت تنزل. طب آدم هقول العريس. إنما انت إيه قلبك ضعف لما مثلت إنها مغمى عليها. تلاقيها هي اللي قامت مع حفظي بسهولة. عارفة إزاي تلعب بقلبك وترقصك على صوابعها كيف ما تريد شاطرة في كُهن الحريم. سيطرت عليك زي ما سيطرت على غيث قبلك ويا...
قاطعها سراج بتعسف وغضب قائلًا:
عمتي بلاش طريقتك دي في الكلام معايا. والموضوع انتهى. ارتاحي انتِ وأنا هعرف أحله بدون خسائر لأي طرف. هدي انتِ أعصابك.
شعرت بغيظ وكادت تتفوه لكن علمت أنها لن تستطيع التحكم في سراج كما تتحكم بعمران. تعصبت أكثر وقالت بضجر:
أما أشوف هتحلها إزاي دلوقتي. أنا رايحة داري أشوف عيالي.
أومأ لها سراج برأسه موافقًا. جلس مع عمران وحدهما سائلًا:
إسماعيل فين.
أجابه:
إسماعيل راح ويا الرجالة المستشفى عشان يتابع حالة حفظي. مكنش لازم تتهور وتضربه بالرصاص.
نظر سراج نحو والده صامتًا لوقت، إلى أن صدح رنين هاتفه. نظر للشاشة ثم لـ عمران قائلًا:
ده إسماعيل. هطلع أكلمه من الجنينة الشبكة أفضل.
أومأ له عمران يتمني أن لا يسوء الأمر.
***
خرج سراج للحديقة سمع حديث إسماعيل:
حفظي الرصاصة بأعجوبة تفادت الرئة. هو لسه في العمليات، بس أعتقد الحالة مش خطيرة أوي. عرفت تنشن صح. لاء ظابط كفء بصحيح.
لوهلة تبسم سراج قائلًا:
تمام. عاوزك تتابع حالته ويكون على أوضته حراسة مشددة. انت عارف صيادين المية العكرة.
تفهم إسماعيل قائلًا:
لاء اطمن عارف. ربنا يستر. أهو آدم زمانه نايم في الجنة وأنا وانت بنسدد من وراه.
زفر سراج نفسه قائلًا:
خليك معايا على تواصل طول الوقت. سلام.
أغلق سراج هاتفه. استنشق الهواء يملأ رئتيه. صدفه رفع رأسه لأعلى لاحظ ضوء غرفته مازال شاعلًا. سأل عقله، ماذا تفعل تلك المحتالة. جلس على أحد المقاعد يفكر كثيرًا فيما حدث بينه وبين ثريا قبل قليل. تنهد يشعر بجمود. منذ متى وهو يتأثر بتلك المشاعر. لابد أنها كانت مجرد رغبة وقت لا أكثر. لكن هناك ما لفت نظره. وهو يسترجع مقتطفات من ذاك اللقاء العاطفي. ثريا كأنها... -كأنها ماذا لا تتوهم. هي ليست عذراء. -لكن ارتجافة جسدها من البداية تدل على عكس ذلك.
زفر نفسه بقوة وعقله يردد اسم واحد - ثريا. ثريا. شخصية متحجرة وعاصية، لكن هو صلد أيضًا.
شعر بنسمة خريفية بها بعض البرودة. نهض واقفًا يفكر لدقيقة ثم عاود النظر نحو غرفته كانت مازالت مضاءة. ربما مازالت تلك المحتالة مستيقظة. حسم قراره سيصعد لها يعكر صفوها التي تنعم به وهو هنا بعقل يكاد يصاب بالثوران. بالفعل صعد فتح باب الغرفة ودلف ببطء للغرفة يترقب ماذا تفعل تلك المحتالة. لكن تفاجأ حين وجدها ممددة فوق الفراش بمئزر الحمام القطني، تُغمض عينيها تبدو غافية. اقترب يتأكد. همس اسمها بصوت منخفض. لم تفتح عينيها. تأكد أنها غافية. تأمل شعرها الذي مازال رطبًا. مد يده يمسك بضع خصلات منه. لاحظ ذاك الاحمرار الظاهر على إحدى وجنتيها. كان أثرًا لأصابع يد. لم يلاحظها سابقًا. ربما بسبب الدماء التي كانت متناثرة على وجهها. قبض بأنامله على أطراف خصلات غضبًا. لو كان يعلم أن ذاك الوغد صفعها ما كان ترك له فرصة للحياة. أفاقه من غضبه حين أن. انتبه وظن أنها استيقظت. لكن ربما أثناء تقلبها على الفراش شعرت بألم من قبضة يده على أطراف شعرها. ترك خصلاتها. لكن أثناء تقلبها انحصرت فتحة المئزر وتعرت ساقيها بالكامل. تأمل تلك العلامة الظاهرة بوضوح تبدو أثر حرق. منظرها بشع. لكن رغم ذلك لم ينفر منه بل غص قلبه كيف تحملت قسوة حرق كهذا. جذب دثار الفراش عليها، وغادر الغرفة مرة أخرى.
بينما بأحلامها تهلوس بحقيقة عاشتها: "اقترب منها غيث يجذبها من عضديها تصطدم بصدره ينظر لها باشتهاء مقزز. نظرة عيناه كفيلة ببث الرعب في قلبها، والنفور وهو يحاول تقبيلها عنوة، وهي تعافر حتى يتركها. لكن كلما تمنعت كلما زادت الشهوة بقلبه وتمكنت من عقله. دفعها بقوة وقعت على الفراش. قبل أن تنهض كان يخرج من أحد الأدراج. تلك القنينة الصغيرة الحجم ويفتحها يتصاعد منها دخان يشبه دخان السيجارة المشتعلة. لمعت عيناه حين رأي نظرة الهلع بعينيها. وهي تهز رأسها بترج. تزحف إلى الخلف تبتعد عنه. لكن هو كان مثل الثعلب الذي قبض على دجاجة. جذب إحدى ساقيها بقبضة يده عراها وبثواني كان يسكب محتوى تلك الزجاجة فوق فخذها الأيسر. صرخت ربما تقطعت أحبالها الصوتية من شدة الألم الحارق. بل كان لحم فخذها يسيح مثل الشمع. وهي تصرخ وتبكي، وهو عيناه تلمع بانبساط وشفتيه تضحك بجلجلة وهو يقترب منها يفرغ باقي الزجاجة إلى أن فرغت. لم يبالي بشيء لا بصراخها ولا بكائها. بل جذب خصلات شعرها وجذبها للخلف بقوة قائلًا بفحيح ثعبان يتلذذ بعصر فريسته قبل أن يلتهمها: احمد ربنا إني رميت مية النار على فخدك، المرة الجاية هتبقى على وشك، هشوهك، خليكِ كده لحد ما أحرق جسمك بالكامل، كل ما هتعصبيني هيكون ده جزائك. هلعت عينيها وهي تتلوي من شدة الألم، وكأن لا أحد سمع صوت صراخها الذي انبح صوتها منه."
فتحت عينيها ونهضت تشهق وهي تشعر بألم ذاك الحرق. نظرت حولها تتوجس بريبة. لحظات يتملكها هاجس الخوف وكأن ذاك الحدث يحدث الآن. نظرت نحو فخذها كان مغطى. كشفته وتفاجأت أنها نائمة بمئزر الحمام، الذي يكشف ساقيها. ربما هذا هو سبب تلك الهلوسة. لا ليست هلوسة بل واقع عاشته والدليل ذاك الأثر البارز بفخذها. تنظر له بنفور. نهضت تحاول نفض ذلك عن رأسها، ترثي نفسها، تلومها، كيف قبلت بالزواج مرة أخرى. لماذا. من من تنتقم من نفسها أم من سراج، الذي استسلمت له. سؤال يسأله عقلها. هل كان استسلام خوف؟
والجواب: اعترفي هو لم يجبركِ.
وبين السؤال والجواب حقيقة غير معلومة بالنسبة لها.
***
بعد مرور خمسة أيام.
بدار العوامري صباحًا.
بشقة آدم.
تململت حنان بالفراش فتحت عينيها نظرت لجوارها على الفراش كان الفراش خاويًا. لكن وجدت زهرة وأسفلها ورقة ملونة. جذبتهما. استنشقت عبير الزهرة ثم قرأت محتوى الورقة:
"صباح الخير حبيبتي، أنا في الإسطبل، وهنتظرك نتغدا سوا هناك. هبعتلك العربية الساعة اتنين... قُبلاتي، رغم إني بوستك قبل ما أخرج."
تبسمت وضعت الورقة على الفراش واضطجعت بظهرها على تستنشق عبق تلك الزهرة تشعر بانتعاش في قلبها. هائمة بذاك الحنون. لكن فاقت من ذاك الهيام على رنين هاتفها. اعتقدت أنه آدم كعادته. لكن استغربت وخفق قلبها حين قرأت اسم والدتها. سرعان ما ردت عليها. سمعت قولها وتفوهت بذهول:
مات!
***
مساءً.
أثناء خروج ثريا من الدار. انتبهت إلى تلك التي تقترب من الدار، وأشارت لها قائلة:
لو سمحتِ.
توقفت تنظر لتلك الفتاة التي تبدو بوضوح ليست من أهل البلدة. تبسمت لها قائلة:
مساء الخير الأول.
ببسمة بسيطة ردت عليها المساء، ثم استمعت لسؤالها:
أنا مش من هنا، من فضلك أنا كنت سألت حد على بيت الحج عمران العوامري، واحد من أهالي البلد ودلني عالماكن هنا، بس مش عارفه بيته أي واحد في البيوت دي.
بفضول من ثريا سألتها أولًا:
واضح إنك غريبة وتقريبًا مش من الصعيد بسبب لهجتك الواضحة. عاوزة بيت الحاج عمران ليه؟
ابتسمت لها بصفو قائلة:
فعلًا أنا من القاهرة. أنا أبقى خطيبة ابن الحاج عمران.
نظرت لها ثريا بتمعن. فكرت. بإسماعيل فهو الوحيد الذي لم يتزوج بعد. تبسمت بذهول سائلة بفضولها المعتاد:
خطيبة مين؟
أجابتها بعين لامعة بشغف:
خطيبة "سراج العوامري".
بنفس اللحظة استدار الاثنان بعد أن سمعا صوت سراج خلفهن. نظرن نحوه بينما هو سلط عيناه ينظر نحو الأخرى قائلًا ببرود:
تالين!
نظرت تالين نحو سراج مبتسمة برقة. بينما هو ترك النظر لها ونظر نحو ثريا التي لم تفهم معنى نظرتها له بهذه اللحظة. منذ خمس أيام وهو غائب عن البلدة. كل ما عرفته بالصدفة أنه بالقاهرة. لا تعلم متى سافر ولا متى عاد، ولم تهتم بمعرفة ذلك. اختلطت النظرة بداخلها هل كانت نظرة ألم، أو عتاب أم بالحقيقة «نظرة جفاء».
رواية عشقت طالبتي الفصل الثامن عشر 18 - بقلم منار حسين
انسحبت ثريا وغادرت دون أي رد فعل، غير تلك النظرة التي رمقتها لتالين. كانت نظرة شاملة، ربما ليست أجمل منها، لكنها تبدو بوضوح من طبقة راقية، سواء أناقتها المحتشمة أو طريقة حديثها الرقيقة والراقية. غادرت بصمت، رغم نظرة سراج لها ورغبته في أن لا تغادر.
بنفس اللحظة، وقبل أن يأمرها سراج أن تنتظر، توقف بعد خروج ولاء. التي لا يعلم إن كان صدفة أم سوء حظ مجيئها الآن لترحب بتالين بترحاب حافل، عمدًا منها، غيظًا في ثريا، التي لسوء حظ ولاء كانت غادرت ولم تر ذاك الترحيب.
لكن شعر سراج بالضيق من مغادرة ثريا بهذه الطريقة التي تشبه الانسحاب من معركة خاسرة.
تفوّهت ولاء بترحيب:
مش ترحب بخطيبتك يا سراج؟ دي أول مرة تزورنا هنا في دارنا.
بغضب رد عليها سراج موضحًا:
إنتِ عارفة إن أنا وتالين انفصلنا من أكتر من سنة.
أقبلت ولاء بسخافة وحضنت تالين، حاولت إثارة غضب سراج قائلة بذم:
حتى لو انفصلت عنها، دي ضيفة عندينا... تعالي لجوه الدار يا تالين، إنتِ مش ضيفة، إنتِ من الحبايب.
دخلت تالين مع ولاء، عقلها مشغول بسراج الذي لم يدخل خلفهن. عيناه تنظر نحو ذاك الباب التي غادرت منه تلك الفتاة التي رافقتها عيناه. بتخمين منها، ربما تلك هي زوجته. شعرت بغصة قوية في قلبها. لاحظت نظرات سراج، كذالك هي نظرتها له، كأنها واثقة بحبه لها. بينما تضمها ولاء بحفاوة.
بينما سراج وقف مكانه، يفكر عقله في الذهاب خلف ثريا، تلك التي غادرت عنادًا فيه، كأنها لم تهتم لما قالته تالين. كاد أن يوضح أنها قالت ذلك ربما دون قصد منها، وأنها لا شيء بالنسبة له. فقد أنهى خطبتهما بعد وقت قليل من الخطبة، دون سبب وقتها، غير أنه لا يود الارتباط في ذاك الوقت. ما زالت تالين لا تفهم أنها انتهت من حياته بمجرد أن خلع خاتم الزواج وأعطاه لها.
زفر نفسه بضجر. هو عاد اليوم بعد تلك المهمة السرية التي كان بها، يشعر بإنهاك جسده. كل ما كان يوده فقط هو حمام بارد وفراش يستلقي عليه. لكن ليس أي فراش، فراش به رائحتها. ما زال قلبه مأثورًا وعقله في تلك الليلة، ليلة اندماجه معها قبل أن يتعكر صفو الليلة.
تنهد بجمود، كذالك يشعر بالغضب من مغادرتها دون استئذان منه، كأنه لا شيء بالنسبة له. زفر نفسه، ماذا توقع أن يجدها تستقبله بابتسامة كمثل أي زوجة زوجها كان غائبًا. نفض عن رأسه، فبالتأكيد حين تعود سيكون هناك حديث خاص بينهما.
بعد وقت، كانت ولاء تحتفي بتالين، حتى أنها أصرت أن تبيت بأحد الاستراحات الخاصة بالمنزل. هي ليست ضيفة. وافقت تالين كنوع من الذوق لا أكثر. ترقبت أن يطلب منها سراج ذلك. لكن سراج في الوقت الذي جلس معهم كان صامتًا شاردًا. كان يرد باقتضاب. رغم تلميحات ولاء أن زوجته ليست سوى امرأة عادية لا تليق بأن تكون كنة عائلة العوامري الشهيرة. هو لم ينتبه لذلك وغادر، متحتجًا بالإرهاق. صعد إلى غرفته مع ثريا، استلقى بجسده على الفراش، ينظر إلى سقف الغرفة، يفكر ويفكر في ردود أفعال تلك المحتالة. كيف غادرت هكذا. لو كانت تالين محلها لكانت أعلنت ملكيتها له. لكن تلك المحتالة دائمًا غير مبالية. ولما تبالي وزواجهما على المحك. لاول مرة بحياته يكون هكذا، لا يعلم بأي اتجاه يسير.
زفر نفسه، هل ما يشعر به إنهاك بدني، أم إنهاك عقلي. انتفض جالسًا يحاول نفض تلك الأفكار عن رأسه. توجه ناحية المرحاض، حاول إنعاش جسده بحمام بارد، ثم خرج. ارتدى ثيابه وقام بإجراء اتصال على آدم، ثم أغلق الهاتف. نظر إلى ساعة حائط موجودة بالغرفة، كانت اقتربت الساعة من العاشرة ولم تعد ثريا، أو ربما عادت وما زالت بالأسفل. اتخذ القرار وخرج من الغرفة.
على آخر درجات السلم، تقابل مع عدلات التي تبسمت له. سألها:
ثريا رجعت للدار.
أجابته بتوتر:
لأ، الست ثريا لسه ما رجعتش. يمكن في الطريق، وعلى وصول هي.
قاطعها يحاول كبت غضبه:
تمام، روحي إنتِ نامي. تصبحي على خير.
أومأت رأسها وانصرفت من أمامه، تنظر إلى خروجه من الدار. تتمتم:
يارب الست ثريا توصل، ويعدي الليلة على خير.
***
بمكتب ثريا، قبل قليل. كانت تجلس مع أحد الزبائن. لكن أثناء حديث تلك السيدة معها، شردت لوهلة فيما حدث قبل قليل. تذكرت وقت خطبة سراج. كانت ما زالت في بأول أيام زواجها من غيث. كم كانوا يمدحون بعلو قيمة نسب سراج، فهو اختار ما يناسب اسم عائلة العوامري. ابنة لواء سابق بالجيش ذات رقي وعلو شأن. كان الغرض وقتها تقليل شأنها وأنهم منوا عليها بحجة أن مرآة الحب عمياء. "غيث" أحد أهم شباب عائلة العوامري تزوج من فتاة دون المستوى. كم كان هذا سخيًا بالنسبة لها، بل كان أكثر سخاءً مما تستحق.
زفرت نفسها ودمعة تتحجر بعينيها. يبدو أن هناك دائمًا مقارنة بانتظارها. فمنذ خمسة أيام وسراج غائب، لا تعلم إلى أين ذهب. بالتأكيد عاد مع تلك الفتاة لهدف في رأسه. فليس صدفة دخولهم خلف بعض في وقت قليل. بالتأكيد الهدف معلوم، هو "المكايدة". تنهدت، فحتى هذا لن تناله يا سراج. هي لن تهتم والنهاية معه معلومة. زواج خطأ والتصحيح لابد أن لا يطيل هذا الزواج لفترة أطول. وقبل ذلك، لن تخرج خاسرة وتتنازل عن الأرض كما يبغي.
فاقت من شرودها على وضع تلك السيدة يدها فوق يدها قائلة:
يا أستاذة بكلمك مش بتردي.
نفضت عن رأسها ونظرت لتلك السيدة قائلة بتبرير:
كنت بفكر في القضية.
هزت السيدة رأسها قائلة:
والحل دلوقتي إيه.
تنهدت بآسف قائلة:
للأسف الحلول الودية فشلت. مبقاش قدامنا غير إننا نقدم قضية في المحكمة ونحاول نثبت جواز بنتك، عشان نقدر بعدها نثبت نسب الجنين اللي في بطنها لوالده. وده مشوار طويل وللأسف هيبقى فيه ألاعيب كتير.
تنهدت السيدة بآسف قائلة:
منه لله. بينكر إنه اتجوز من بنتي مع إن البلد كلها عارفة. مش كان الإشهار في الجامع. إحنا مش عاوزين منه حاجة بس غير يعترف بالجنين اللي في بطنها.
تهكمت ثريا قائلة:
للأسف المحكمة ملهاش بالإشهار في الجامع. ليها باللي متسجل في الأوراق الرسمية الموثقة. وجواز بنتك مش مسجل في أي أوراق رسمية موثقة من المحكمة. ومعنى كده إن معانا مشوار طويل. وبالتأكيد بمجرد ولادتها هندخل في قضية إثبات نسب ابنها. وربنا معانا.
بكت تلك السيدة بآسف. نظرت لها ثريا ولم تشفق عليها، فطمعها وجشعها جعلها تعطي ابنتها التي لم تبلغ بعد طعمًا لأسوأ الرجال الذي يقبل على نفسه الزواج من قاصر، دون السن القانوني والهدف معلوم. جوازة ببلاش. بكت تلك السيدة أكثر. لم تشفق عليها ثريا، لكن بداخلها شفقة على طفلة ضاعت طفولتها. وليت هذا فقط، هنالك طفل آخر بأحشائها ربما يصبح منبوذًا بلا نسب.
بعد وقت. كانت منهمكة في قراءة أبعاد تلك القضية، تحاول صرف تفكيرها بما حدث اليوم. سحبها الوقت دون دراية منها، لم تنتبه لمرور الوقت. أو ربما أرادت أن تنسى الوقت عمدًا. قلبها بائس. لا تشعر بأي إحساس يجعلها تعود لذاك المنزل. زواج بقرار خاطئ منها.
فاقت من انشغال عقلها بتلك القضية على طيف واقف أمامها. رفعت رأسها. نظرت أمامها. استهزأ عقلها حين رأت سراج يقف أمامها بوجه متجهم. أغلقت الملف واستمعت لحديثه الساخر يشوبه الغضب:
مش ملاحظة إن الوقت اتأخر؟ ولا سيادة الأڤوكاتو نسيت إن ليها بيت لازم ترجع له. ولا يمكن معتبره أوتيل أو بنسيون تروحه بمزاجها. متفكريش إني كنت غايب عن هنا ومش عارف إنك بترجعي للدار بمزاجك.
زفرت نفسها ببرود وتحدثت بنبرة إغاظة:
والله أنا هنا بيتي الأصلي.
نظر لها بغضب واقترب منها بغيظ وقبض على معصمها بقوة قائلاً:
ثريا بلاش النبرة دي معايا. متخلينيش أمنعك تخرجي من دار العوامري. لغاية دلوقتي.
للوهلة، ارتجف جسدها من قوة قبضة يده القوية. نهضت واقفة تنظر له وقاطعته بتحدي:
سيب إيدي. ولغاية دلوقتي إيه؟ مشبعتش حكمات فارغة. أنا مش عارفة سر ولاء مع رجالة عيلة العوامري.
نظر لها بغضب قائلاً:
ومن مش عارف ليه دايمًا حاطة عمتي ولاء في دماغك. مع أنك عارفة إني مش بسمع كلام من أي حد. بمشي اللي في راسي وبس. والدليل إني اتجوزتك رغم معارضة الجميع. وأعتقد هنا المكان مش مناسب إننا نتخانق هنا كمان في دار أهلك.
- قصدي داري. أنا مكاني الحقيقي هنا يا سراج.
نظر لها قائلاً:
كان يا ثريا. وبلاش تستفزيني ويلا بينا.
كادت ثريا أن تعترض، لكن دخول سعدية إلى المكتب من الباب الآخر، تبتسم قائلة:
بت يا ثريا، إنتِ هتفضلي طول الليل في...
صمتت سعدية حين رأت سراج يقبض على يد ثريا. كذالك نظرة عيناه التي تحولت حين نظر إلى سعدية وابتسم بقبول. تبسمت هي الأخرى بتلقائية حين رأت سراج، رغم شعورها القديم بالبغض من غيث. لكن لا تعلم لما بقلبها شعور آخر نحو سراج. رغم ذاك، كانت معارضة لزواج ثريا منه. فأحيانًا تخطئ مشاعر القلب. نظرت نحو ثريا وقالت:
أهلاً يا سراج. رجعت امتى؟ مش كنت مسافر.
أومأ لها برأسه وأجابها:
أهلًا وسهلًا. رجعت النهاردة المسا.
تبسمت بإقتضاب حين نظرت نحو ثريا. استشفت من ملامحها الضجر. ثريا ليست ابنتها، لكن هي أكثر من يفهمها. بغض النظر أنهن دائمًا على خلاف. لكن هل تتوه عن شبيهتها بالأخلاق. تبسمت قائلة:
بقالى ساعة مستنية تخلصي الحديث ويا الست اللي كانت هنا. أكيد ولية رغايه وصدعتك. كنت هقولك تعالي معايا أنا ونجيه نتسلى سوا ونسمع فيلم شغال لإسماعيل يس.
رغم عن سراج تبسم قائلاً:
للأسف مش هتتسلي مع حضرتك. أنا بقول طالما مصدعة ترجع دارها ترتاح.
-"دارها". طنت الكلمة برأس ثريا، وسعدية. كل منهن فسرتها حسب أمنيتها.
سعدية... تمنت أن يكون سراج كما تشعر نحوه بالألفة.
ثريا... هذا كذب، ليس لها مكان.
رغم ذلك لم تعارض، لا تود أن تحمل أحد خطأها حين وافقت على الزواج مرة أخرى. بطواعية سارت مع سراج قائلة:
تمام، نسهر مرة تانية يا خالتي. ابقي اقفلي الباب بقى.
أومأت سعديه ببسمة طفيفة وتعمدت القول:
توصلي بالسلامة. هبجي أجي معاكِ بكرة عشان ألم الرز. هاجي أساعدك فيه.
تبسمت لها ثريا قائلة:
تسلمي يا خالتي.
غادرت ثريا خلف سراج الذي كان يشعر بضيق. ساد الصمت إلى أن اقتربا من المنزل. فجأة، أثناء سير ثريا، لم تنتبه وتعثرت بإحدى الحصوات الكبيرة وانزلقت إحدى قدميها، وجثّت من الألم. خرج منها أنّة قوية. نظر سراج نحوها، تفاجأ بها جاثية. تلهف عليها وجثى جوارها قائلاً:
مالك.
رغم ألم قدمها، لكن كابرت على ذلك قائلة:
مفيش. بس اتعبلت في حصوة.
مد يده لها كي يساعدها حتى تنهض، لكن كعادتها تنظر ليده وتتحامل على نفسها وتنهض وحدها. بالفعل فعلت ذلك وحاولت الوقوف على قدمها. لكن لوهلة كادت تختل وتقع مرة أخرى، لكن سراج اقترب من خصرها حاوطها بيده حتى وقفت. تفوّهت بإستقواء رغم ألم قدمها بعد أن حاولت إزاحة يده عنها قائلة:
شكرًا. هعرف أمشي لوحدي.
تنفس بضجر قائلاً بحِدة:
ثريا بلاش.
قاطعته بحِدة:
وجع بسيط.
ترك خصرها مستسلمًا، لا يود جدال. أصبح يعلم بعض خصال ثريا، وهو العند. بالفعل تركها، سارت خطوة واثنتين وتوقفت تشعر بألم حاد. لكن كعادتها تحاملت وعاودت السير ببطء. لكن تبسم سراج واقترب منها حاوط خصرها مرة أخرى. وقبل أن تتفوه بعناد، همس جوار أذنها بهدوء:
بلاش عند وامشي بدل ما أشيلك غصب.
نعومة حديثه هزت قلبها، وحقًا قدمها تؤلمها. لكن عاندت وهي تحاول إزاحة يده. لكن تشبث وهو ينظر لعيناها التي تلاقت مع عيناه. كانت نظرة تحدي منه. لم تستسلم، لكن سارت صامتة. تبسم سراج خفية.
دلفا إلى داخل الدار. لم يلاحظا تلك العيون التي رأت ما حدث. عين شعرت بحسرة وآسف وهي ترى ذاك القاسي سراج الذي أخبرها سابقًا أن حياة الزواج والاستقرار لا تناسبه كضابط بالجيش. معرض يوميًا للإصابة أو حتى الاستشهاد. لكن الحقيقة واضحة أمامها. سراج لم تر منه يومًا تلك النظرة التي رأتها بعينيه لها. حتى حين غادرت، غادرت وعيناه خلفها. يبدو بوضوح عاشق لتلك البسيطة. دموعها سالت حسرة من عينيها. لا تلومه، فمن يستطيع التحكم في قلبه. لو كان ذلك لكانت هي أول من تحكمت في ذلك ونسيت عشقها له. فمن قبل أن تراه كانت تسمع من والدها مديح عنه أنه بقلب شجاع. أرادت رؤيته وصدفة جمعتهم. منذ رأته أول مرة أغرمت به. لكن هو كان برأسه هدف واحد وهو "الفدائية" التي تخلى عنها فجأة وعاد لهنا، وتزوج. كان بداخلها أمل أن تكون مجرد نزوة في حياته كما أخبرتها ولاء. ودعتها للحضور هنا كضيفة لأيام. لكن الحقيقة ليست نزوة، فالعين تفضح، ليس العين فقط بل المواقف.
وقوفهم بهذه الحميمية أمامها أكد أن السراج الشارد قد عشق.
تنهدت بألم وقامت بمسح تلك الدموع التي تخدش وجنتيها.
"اتخذت القرار، الخاسر الوحيد هو الذي يحارب وهو يعلم أنه دخل إلى معركة يُقحم نفسه فيها دون سبب."
عينان أخريان شريرة تلمع مثل الذئاب التي تضوي بشرر وهي ترى فريسة ترغبها.
آخر يمتلكها، عينا قابيل الذي كان يقف في إحدى شرفات منزله بالظلام ورأى ما حدث ليقتحم قلبه نار مشتعلة.
لكن لن ينتظر كثيرًا، الطريقة الوحيدة لتهدئة ناره هو إبادة سراج.
***
بغرفة سراج.
بمجرد أن دخلا إلى الغرفة، نفضت ثريا يده عن خصرها وتوجهت سيرًا بصعوبة.
جلست على أحد مقاعد الغرفة، انحنت تخلع حذائها ثم نظرت إلى قدمها كانت متورمة قليلًا.
حاولت تدليكها لكن منعها قسوة الألم.
لم تهتم بسراج الذي توجه ناحية حمام الغرفة.
نفخت أوداجها بألم، وكادت تنهض.
لكن بنفس الوقت اقترب منها سراج وجثى على ساقيه أمامها وجذب قدمها المصابة.
لوهلة ذُهلت ثريا.
لكن فاقت من ذهولها حين ضغط على قدمها، آنت بآه خافتة.
حاولت جذب قدمها، لكن سراج تمسك بها قائلًا:
"ده التواء مش كسر."
تهكمت بسخرية قائلة:
"مكنتش أعرف إنك دكتور عظام."
أخفى بسمته وهو يخفض وجهه يقوم ببعض التمسيد على مكان الوجع بقدمها.
ثم شغلها بأحاديث جانبية، كانت ترد باقتضاب.
شعرت بالخجل من تمسيد يده لقدمها، وكذلك شعور آخر لم تفهمه.
حاولت جذب قدمها بعنف قائلة:
"لكن..."
تمسك بها سراج وبغفلة قام بلفت قدمها بطريقة خاصة.
جعلها تئن آهة قوية سمعها.
حتى أن من شدة الألم اللحظي، وضعت يدها تقبض على أحد كتفيه بقوة.
رفع وجهه ونظر لها وتبسم قائلًا:
"كده الألم تقريبًا هيروح، كمان المرهم ده هيرخي الوجع، والصبح هتبقى كويسة."
استعجبت ثريا حين وضع قليلًا من ذاك المرهم فوق قدمها وبدأ بتدليكها.
شعرت كأن الوجع اختفى.
شعرت كذلك بضعف للحظات وتمنت أن تدوم تلك اللحظة.
لأول مرة يهتم بألمها أحد غير والدتها وخالتها.
تمنت لو كان ممدوح أخيها عارضها مرة، ربما كانت استمعت له وشعرت أنه سند لها.
لكن دائمًا هي من تدفع بنفسها داخل المعارك، وبالنهاية تجد نفسها منهزمة مستسلمة.
لكن شبعت من الهزائم ولن تستسلم مرة أخرى.
لوهلة تجمعت الدموع بعينيها وهي تتذكر حرق فخذها المؤلم للغاية وهي دون حتى مرهم يسكن الألم الفظيع.
ونبرة الشماتة في صوت غيث وهي غير قادرة على الحركة راقدة بالفراش تشعر كأن ساقيها أصيبا بالشلل.
جملة قاسية يستمتع بها:
"كل ما ترفضي إني أقرب منك وهيكون عقابي أسوأ من العقاب اللي قبله. أنا قدرك الأسود، هخليكي تتمني الموت ومش هتطوليه."
والسؤال برأسها: ماذا فعلت له كي يفعل بها ذلك؟
تمنعت أن تسلمه جسدها، لا ليس هذا سببًا كافيًا لأفعاله الشنعاء بها.
الحب كما كان يقول:
"حياتي كلها، عاشرت ستات كتير، مفيش ست قدرت تستحوذ عليا زيك، بقيت مجنونك. لكن أنا مش من النوع اللي بيذل نفسه، اللي بيفكر يمنع عني حاجة أنا عاوزها بمحيه، حتى لو كان روحي فيه. احمدي ربنا إني صابر عليكي."
كشف ردائها عن ساقيها ونظر له بقسوة، ضغط عليه جعلها تصرخ من الألم المميت.
ضحك بغلاظة على صراخها.
دموعها، ألمها، صوت ضحكته كأنه صرير تروس حديدية تحتك ببعضها.
صوت مفزع يجعل قلبها ينقبض، وليته ينقبض ويتوقف عن النبض وتنهي بعد أن يخرج من تلك الغرفة التي جهزها خصيصًا بمجسات خاصة كاتمة للصوت.
لا تعلم كيف خدعها بهذا الشكل الرقيق، سابقًا كان صائدًا ممتاز وهي أسهل فريسة وقعت تحت يديه.
نسي ضبابه عليها، واستسلمت للعتمة تائهة.
أغمضت عينيها بقوة تحاول إيقاف تلك الدمعة أن لا تخرج من بين أهدابها.
"يكفي ماذا فعلت لها الدموع."
لا شيء.
لكن سبقتها الدموع وسالت من إحدى عينيها، خدشت وجنتها وصولًا إلى ساعد سراج الذي كان انتهى من تدليك قدمها ولف رباط ضغط عليها.
رفع وجهه حين شعر بنقطة ساخنة على ساعده.
نظر نحو ثريا كانت تغمض عينيها بل تعتصرها.
لحسن حظها أنه ظن ذلك رد فعل من تألمها.
غض قلبه قائلًا:
"دلوقتي مفعول المرهم هيشتغل ومش هتحسي بأي وجع."
سريعًا فتحت عينيها.
"عن أي وجع يتحدث؟ وهل هذا ألم؟"
تهكمت ومسحت تلك الدمعة.
جذبت قدمها، وارتكزت بيديها على مسندي المقعد، ثم نهضت واقفة.
حين ضغطت على قدمها المصابة شعرت بألم طفيف، لكن تحاملت وجذبت ملابس أخرى وذهبت نحو حمام الغرفة.
دقائق وعادت.
كان سراج قد تخلص من بعض ثيابه وأصبح بسروال منزلي وفوقه فانلة بلا أكمام.
نظر نحوها قائلًا:
"خدي المسكن ده هيريحك، وحاولي متدوسيش عليها."
أخذت المسكن من يده، تناولته وإرتشفت قطرات مياه ثم ذهبت نحو الفراش وتمددت.
لا تشعر بألم قدمها، لكن ألم آخر أقوى عذاب.
ألم روحها المسلوبة، جروح لا تندمل مع الوقت.
حاولت إغماض عينيها تستجدي النوم علها تحصل على راحة عقلها.
بالفعل لم تتخذ وقت وغفت ربما بسبب ذاك المسكن.
بينما تسطح سراج بجوارها ينظر لها صامتًا.
لما بعد أن كان غاضبًا تحول إلى هادئ.
نظر لملامحها كانت بريئة وهي نائمة.
خصلات من شعرها تمردت.
لاحظ سابقًا بعض خصلات بيضاء تظهر بوضوح في شعرها الأسود، تعطيه منظر جذاب كأنها خيوط فضية تشق الظلام.
هدوء غريب يشعر به، كان يفتقد ذاك الإحساس.
كان ثائرًا، وبلحظات تبدل إلى لطيف.
اعتدل نائمًا على الفراش بظهره، لكن نظر لها تنفس بقوة وأغمض عينيه.
***
قبل قليل.
بمنزل والد حنان.
عرس ما قبل الأمس تحول اليوم لعزاء.
رغم مرور أيام لكن النساء ما زلن تتوافدن لتقديم العزاء.
هنالك تلامز بينهن، بسبب جلوس حنان بينهن.
فما زال حفظي بالمشفى رغم تحسن حالته وخروجه من مرحلة الخطر، لكن ما زال بغيوبة لم يفق منها.
ماذا سيحدث حين يعود للوعي ويعلم أن والده قد توفي، وأنه لم يأخذ عزاءه؟
والسبب هو تلك التي تبكي، من يرى بكاءها يعتقد أنها بريئة.
وربما هي السبب في تعجيل وفاة عمها بعدما لم يتحمل إصابة ولده ومكوثه بالمشفى بين الحياة والموت، والسبب تلك التي تسيل دموعها، مثل التماسيح.
بالمندرة.
نهض آدم وهو ينظر إلى ساعة يده، كذلك يشعر بوجع في ساقه.
تفوه بهدوء:
"احمد روح قول لحنان إني منتظرها بره عشان نرجع لدارنا."
وافق وذهب.
وقف مجدي يصافح آدم قائلًا:
"كتر خيرك يا ولدي، واجفتك كانت طيبة معانا."
تنهد آدم بأسف قائلًا:
"ده واجب حتى لو مش بينا نسب، وربنا يجعلها آخر الأحزان."
بعد قليل.
بدار العوامري.
فتح آدم الشقة وتنحى جانبًا.
دخلت حنان أولًا ثم هو خلفها.
جلست على أحد مقاعد الردهة وخلعت وشاح رأسها الأسود تنهدت بآسف.
جلس آدم جوارها يضمها من كتفيها لصدره.
مالت برأسها على صدره وتنهدت وأطلقت عنان عينيها.
شعر آدم بسخونة دموعها على صدره.
رفع وجهها ونظر لها يشعر بأسى سائلًا:
"بتعيطي ليه يا حنان؟"
وضعت رأسها على صدره مرة أخرى قائلة:
"عمي كان صحيح قاسي، كنت بشوفه جبروت وبخاف منه. قد إيه المرض هزله في وقت قصير، وقضى عليه. سمعت حديث النسوان وهما بيتهامسون بيقولوا إن السبب في موته هو إصابة حفظي."
ضمها قائلًا بمواساة:
"ده عمره وما فيش أي سبب لموته، هو كان مريض واشتد عليه المرض وربنا أراد يريحه من الألم. أوقات كتير الموت عند التعب راحة، وده اللي حصل معاه، ما فيش أي سبب غير إن ده أجله."
تنهدت تضم نفسها لآدم تحتضنه.
ضمه بين يديه وقبل رأسها قائلًا:
"مش كفاية حزن بقى، بحب أشوف عينك بتبتسم."
رفعت رأسها عن صدره ونظرت له.
ضمت وجهه بين يديها قائلة:
"أنا بحبك يا آدم، بحب أخلاق الفارس اللي عندك. أنا اتربيت على التحكمات والأوامر، أمي كانت وما زالت شخصيتها ضعيفة، أنا كمان زيها، لكن إنت مش زي أبوي."
ضم وجهها ثم قبل وجنتها قائلًا.
ثم اقترب من عنقها قبلها قبلة ناعمة هامسًا بعشق:
"أنا مش بحب الشخص الضعيف، سواء ست أو راجل. الضعيف دايمًا بيبقى خسران يا حنان. ومش معنى كده إني أتجبر وأستقوي، أستقوي في الحق، لكن مستقواش لمجرد فرض الهيمنة والقوة. عاوزك تبقي قوية، عشان ولادنا."
تنهد آدم يشعر بأسى وتذكر والدته كانت ضعيفة فأهلكها ضعفها عكس خالته رحيمة كانت صامدة مثل جذع الشجرة التي يتشبث بالأرض.
هي من كانت تعارض دائمًا، ليس لشيء، فقط لمجرد المعارضة وأنها قادرة على فرض ما تريده.
لمعت عين آدم بشغف وهو يرى خجل حنان حين اقتربت شفاه من شفتيها ترحب بقبلته لينعما بقبلات عاشقة تقودهما إلى غرفتهما يأخذان وقت مستقطع من الأحقاد الذي على يقين أنها ما زالت تحاوطهما.
***
بشقة قابيل.
كان يجلس يضع خرطوم الأرجيلة بفمه ينفخ دخانها يشعر بغضب غيظ دفين كلما تذكر حمل سراج لثريا هكذا بين يديه.
نظر إلى بصيص نار فحم تلك الأرجيلة يشعر ببغض.
يبحث طريقة للتخلص من سراج نهائيًا.
فكر بقتل حفظي، لكن تراجع، فبالتأكيد سراج وقتها لن يكون عليه أي خطية، فـ حفظي تهجم عليه أولًا.
لكن إذا عاش حفظي قد تكون فرصة، هو على يقين بأخلاق حفظي السيئة، رغم وجود خلافات سابقة بينهم، لكن هناك تشابه بينهم في بعض الخصال والمنافع.
حفظي يريد... حنان.
وهو يريد... ثريا.
والهدف واحد لديهم، وكل شيء مباح.
في خضم تفكيره قطع عليه ذلك تلك التي أتت تتهادى تتدلل بغنج في سيرها بزيها الشبه عاري.
نظر لها بسخط، هي لا تثيره حتى لو كانت عارية.
شعر بمقت منها.
ألقت بنفسها بين يديه وجلست على ساقيه تعانقه بإغواء.
تحاول إثارته بالفعل.
ترك خرطوم الأرجيلة وضمها وقبلها قبلة قوية.
كاد يسلب روحها ترك شفتيها قبل أن تختنق.
نظر لها وهي تلهث، ثم صفعها بحميمية على أسفل ظهرها.
شعرت بإثارة، لكن هو نهض قائلًا:
"من زمان مرقصتيش؟"
نظرت له قائلة:
"أرقص كيف ناسي إني حبلى؟"
أجابها بعين لامعة:
"مشتاق أشوفك بترقصي لي، وبعدين يعني مش هتهزي جامد."
بطريقته أقنعها أن ترقص.
لم تبالِ سوى بإرضائه.
هز خفيف لن يضرها.
بالفعل بدأت ترقص، وهو يستحثها على المزيد وهي مستمتعة بلمساته الجريئة لجسدها.
كأنها نسيت ما بأحشائها.
تمايلت بعنفوان بعد أن اندمجت بالرقص.
دوى شعور منها، فاقت من تلك الغفوة تشعر بألم كبير.
نظرت نحو ساقيها حين شعرت بسيلان دافئ يسيل منها.
ذُهل عقلها وهي ترى دمائها تسيل أسفل قدميها وهي تئن بألم حتى أنها جثت على عقبيها، تضع يديها على تلك الدماء ورفعت رأسها بألم تنظر نحو قابيل.
لكن كان تحت سطوة توهان مسطول.
تجمدت عيناه وهو ينظر إلى أنينها وهي تنزف.
نظر إلى تلك الدماء التي تندفع منها وهي تئن بإستسلام لغياب عقلها.
منظر دمائها كأنها مياه سائلة.
***
بعد مرور يومين.
بدتر العوامري.
على طاولة العشاء.
كان اجتماع عائلي يضم أفراد العائلة على شرف تلك الضيفة "تالين" وإن كان هناك ترحيب زائد بها من ناحية ولاء.
رغم عدم مبالاة سراج هو معظم وقته يقضيه بالإسطبل بين الخيول.
لكن الإجتماع كان بحضور الجميع.
كذلك ثريا التي رغم بغضها لكن تحملت.
أسلوب ولاء في التلقيح عليها، لا تبالي بشيء هي ماقتة وتتمنى أن تخرج من براثن تلك العائلة.
تلوم نفسها لما زجت نفسها بينهم مرة أخرى.
انتهى العشاء وذهب الجميع إلى المندرة.
وقفت ولاء أمام ثريا قائلة:
"ساعدي الخدامين، وكمان هاتي لينا الشاي المندرة، يلا يا تالين تعالي معايا."
لوهلة شفقت تالين على ثريا وشعرت بالغضب من ولاء، لكن ذهبت معها إلى المندرة.
بينما ثريا شعرت بحقد.
سراج لم يرا ذلك كان غادر الغرفة، لكن حتى إن رأى ماذا سيفعل.
ربما كان طلب هو منها ذلك.
زغرت ثريا عينيها بغضب، لكن هي لن تترك ولاء تظن أنها السيدة وهي خادمة.
ذهبت نحو المطبخ وطلبت من الخادمة عمل الشاي، حتى انتهت من صنعه.
سارت بالمقدمة والخادمة خلفها تحمل صنية الشاي.
دلفن إلى الغرفة، أمرت ثريا الخادمة بوضع الصنية على منضدة بالغرفة قائلة:
"تسلم إيدك يا عدلات، أنا هقدم لهم الشاي، روحي إنت ساعدي اللي في المطبخ."
بالفعل غادرت عدلات.
لكن شعرت ولاء بضيق.
ثريا هزت مكانتها بفعلتها تلك أثبتت أنها إحدى نساء العائلة ليست خادمة، كما حاولت التقليل منها.
قامت بإعطاء أكواب الشاي للجميع وتركت ولاء للنهاية.
أعطت تالين أولًا ثم جلست ولم تعطي لولاء كوبها.
نظرت ولاء بغضب.
نظرت ولاء لها تنتظر أن تعطيه الكوب، لكن لم تبالِ بنظرتها وجلست جوار إيمان وحنان اللتان تبسمن لها بمؤازرة.
لكن نهضت ولاء بغضب قائلة:
"قلة الذوق والتربية وصلت بيك لحد لازم يتوضع لك حد."
تهكمت ثريا رغم معرفتها بأن ولاء تقصدها لكن لم تهتم وقالت ببرود:
"تقصدي مين."
نفخت بفحيح:
"هو في حد دخل العيلة معندوش أصل ولا أدب ولا تربية غيرك."
انتفضت ثريا بغضب قائلة:
"أنا مؤدبة وعندي أخلاق مع الناس اللي بتتعامل معايا بذوق. أنا هنا مش خدامة يا ولاء."
أنا هنا مرات واحد من رجالة العوامريه اللى إنت دايمًا تنفخي فيهم وهما...
توقفت ثريا قبل أن تستقل بشأن رجال العائلة، لكن عاودت الحديث بغضب:
وأصل الناس مش بفلوسهم ولا بسطوتهم، الإنسان هو اللي بيعمل لنفسه قيمة، وأنا قيمتي عالية وإنتِ عارفة كده كويس.
عالاقل أنا مش بفرض حقد قلبي عاللي حواليا، فوقي يا ولاء، أنا زيي زيك، بل أنا الأعلى منك.
أنا دلوقتي مش مرات السفيه "غيث"، أنا مرات "سراج العوامري".
ما كان عليها أن تذكر سيرة ذاك الـ"غيث" كمنصت قدح من النار فوق صدره. ربما ما كان جادلها وتركها تقول أكثر لـ"ولاء". هو الآخر يبغض أفعالها منذ أن كان بالثامنة قبل وفاة والدته، يكره تعنتها واستكبارها. لكن أخطأت ثريا.
نظرت ولاء نحو سراج الذي ألقى كوب الشاي على الأرض بقوة.
ونهض. في البداية ظنت أنه سيصفعها أمام العائلة، لكن سراج أخلف ظن الاثنتين، وجذب ثريا من يدها بقوة يجذبها للسير خلفه، وهي تحاول مجاراته كي لا تتعرقل، كذلك تشعر ببعض الوجع بقدمها المصابة.
دخل إلى الغرفة، دفعها بقوة. ترك معصمها.
نظرت لمعصمها، كانت آثار قبضته القوية واضحة. لم تُبالِ بالألم ورفعت نظرها نحوه بغضب، بينما هو عيناه تقدح نارًا، يُزفر نفسه ساخنًا كاللهب الحارق وهو ينظر إليها.
جلست على أحد المقاعد. وقف لحظة ينظر لها بغضب سحيق، وهي تجلس ما زالت مشتعلة داخليًا تنتظر رد فعل سراج.
الذي جذب إحدى التحف الفخارية وألقاها بتعسف أرضًا، ينظر لها بثوران.
لحظة وإثنان وفار الثوران، وهو يقول لها بغضب:
عاوزة توصلي لأيه يا ثريا؟ مبسوطة بالعرض اللي عملتيه قصاد العيلة؟ هدفك منه إيه؟
أجابته ببرود:
ماليش أي هدف يا سراج، بس اللي هيقلل من قيمتي مش هيهمني هو مين.
صمت لثوانٍ ينظر لها قبل أن ينفجر مثل الإعصار قائلًا:
إنتِ ليه غاوية عناد؟ مفكرة بكده هتقدري توصلي لهدفك؟
تهكمت بإستهزاء غاضب سائلة:
هدفي... هدفي إيه؟
عاود القبض على معصمها قائلًا:
أنا مش غيث يا ثريا، متفكريش إنك هتقدري تسيطري عليا بأسلوبك البارد ده وهجري وراكي عشان أنول الرضا. فكري كويس في مكانتك هنا.
قاطعته بضحكة متهكمة تقول بوجع بقلبها:
مكانتي هنا! مكانتي هنا مجرد دخيلة زي ما أنت قلت ولا نسيت.
نظر لها بغضب يشعر بضيق. هو قال ذلك فعلًا، لكن كان هذا فقط ليتلاعب بعقلها حتى لا يؤذيها. قبل أن يوضح ذلك، كانت هي تثور بغضب:
أنا هنا مجرد دخيلة، ماليش أي حق ولا أي مكانة، ولا حتى مكان. آخر حدودي هو باب الأوضة دي، الأوضة اللي اتعمدت تتجوزني فيها. يا حرام جوازنا تم بسرعة ملحقتش تفرش شقة خاصة بينا. أو الأساس مش هتحتاج معايا أكتر من أوضة. هدفك معروف. الأرض رغم إني قولتلك الأرض دي مش هتنازل عنها غير بموتي. كل هدفك إنك تزهقني وأتنازل عنها. متتكلميش مع أخواتي، مهما تعمل مش هتوصل لهدفك يا سراج، ومتستناش مني إني أخضع لأوامرك. وبسيطة تقدر تصلح غلطك.
عمري ما بصيت لحد، بس لما شوفت آدم سألت نفسي إيه اللي ينقصني عن حنان عشان راجل يعمل معايا زي آدم. بس أنا عارفة إيه اللي ناقصني، أنا مش بنت حسب ونسب زيها، وكمان عذبة سبق لي الجواز من راجل تاني. لازم أرضخ وأرضي. اللي زيي آخرها تتجوز راجل عجوز وتبقى خدامة له، أو تحفظ كرامتها وبلاش تتجوز تاني وده كان الأفضل بالنسبة ليا.
فهم معنى حديثها. ما زال غاضبًا. لابد من قرار رادع لفعلتها تلك. فكر في لحظة.
وتبادل الاثنان النظرات. بداخل كل منهما أن هذه لحظة مواجهة وقرار.
رواية عشقت طالبتي الفصل التاسع عشر 19 - بقلم منار حسين
واجهة.... كانت حامية.
قرار... ربما يبدو سهلًا، لكن بالحقيقة شاق عليهما.
مواجهة منها... تنتظر قرارًا ربما يكون هو بداية الحرية في نظرها.
قرار منه... كلمة قد تُنهي المواجهة.
لكن... أي كلمة؟
الطلاق... ووضع النهاية... أم الانطلاق؟ ربما يبدو فرصة للبداية.
أغمضت عينيها لوهلة، وكأنها سمعت قرار سراج: "الأرض مقابل حريتك يا ثريا".
هكذا طن برأسها... أو بالأصح توقعت قوله ذلك بمساومة منه.
لكنها لن ترضخ.
لكن الحقيقة حين فتحت عينيها، كان سراج ينظر لها صامتًا للحظات قبل أن يرفع إحدى يديه يجذبها من عنقها.
وبلحظة كان يلتهم شفتيها بقبلة مزيج متشعب من المشاعر غير المفهومة لا بعقله ولا بعقلها الذي غيبه المفاجأة.
قبلة غضب تحولت إلى قبلات تغيب عقليهما الاثنين.
لم يدري أيًا منهما كيف وصلا إلى الفراش، كأنهما سقطا بفجوة زمنية فقد فيها الاثنان الوعي.
حتى ذاك الرنين في البداية تجاهلاه، وظلت مستمرة القبلات واللمسات.
لكن الرنين المتواصل أفاقهما من تلك الغفوة.
نهض سراج عنها، وقف يحاول تهدئة أنفاسه قبل أن يرد على الهاتف.
خرج صوته متحشرجًا وهو يسأل بتورية: متأكد من المكان.
أكد له الآخر.
تحدث سراج: تمام، ساعة بالكتير هكون عندك.
بينما شعرت ثريا بالخزي من نفسها من ذاك الاستسلام المباغت منها.
وحاولت تعديل ثيابها، تحايد النظر نحو سراج الذي عدل هندامه وهو يذهب ناحية باب الغرفة.
وتحدث بأمر وهو يعطيها ظهره: ممنوع تحتكي بأي حد في الدار، وأما أرجع لينا كلام تاني مع بعض.
لم ينتظر ردها، وخرج صافعًا خلفه باب الغرفة بقوة.
جلست على الفراش تشعر بغضب من تحكماته الزائدة.
كذلك تنفست بجمود وهي تشعر أنها مثل الضالة الشريدة.
كانت تود قرارًا حاسمًا لمواجهتها له، لكن انتهت المواجهة بلا قرار.
***
بعد قليل.
مكان خالٍ قريب من الجبل...
أخذ سراج تلك الصور من ذاك الوسيط قائلًا: واضح إن في عملية تهريب كبيرة هتتم قريب.
من اللى وصلك الصور دي.
أجابه الوسيط: ده الراجل بتاعنا اللي في وسطهم، بس أعتقد إن في حاجة هتحصل قبل ما تتم العملية دي، كنوع من التشتيت للجهات الأمنية.
لغاية دلوقتي العميل بتاعنا بيقول مفيش أي أوامر وصلت له بتنفيذ أي شيء.
تنهد سراج بتفكير قائلًا: أكيد مش هيفتشوا أوراقهم كلها مرة واحدة.
أنا عاوز العميل ياخد حذره لأن العملية واضح إنها كبيرة.
وهما مش هيأمنوا لأي حد، ولو شكوا في أي شخص مش هيفرق هو مين.
والتصفية عندهم أسهل شيء، ومتأكد هيبقى في تصفيات كبيرة الفترة الجاية.
أجابه الوسيط: تمام يا أفندم، عاوزك تطمن.
أنا محذر عليه ياخد حذره... وكمان في تعاون بين الجيش والداخلية عشان كده.
ابتسم سراج قائلًا: قولي بقى إيه آخر أخبارك؟ شايفك اتأقلمت هنا بسهولة.
ابتسم الوسيط قائلًا: أنا هنا في مهمة خاصة يا أفندم والمطلوب مني بنفذه.
وكمان شُغلنا في الجيش، وإننا بنأدي مهمات وعمليات خاصة.
عودنا نتأقلم عالمكان اللي إحنا فيه مهما كانت طبيعة المكان.
لأن كل الأماكن متاح لينا العيش فيها، مش لازم نصعبها على نفسنا.
ربت سراج على كتفه بمؤازرة وافتخار قائلًا: تمام.
إنت ضابط كفء وكنت أفضل اختيار للمهمة.
ابتسم الوسيط قائلًا بمدح: أكيد بتعلم من سيادتك، وسعيد جدًا إني بشتغل تحت قيادتك.
إنت عارف كان نفسي أشتغل مع حضرتك، والفرصة جت لي، وأتمنى أكون مفيد وعند حسن ظنك.
ربت سراج على كتفه قائلًا بتشجيع: إنت من أكفأ الضباط وكفاية مدح كتير.
مش عاوزين العملية دي تتم بدون ما الجيش يكون له الكلمة الأخيرة فيها.
بعد قليل أثناء قيادة سراج للسيارة عائدًا للدار، توقف للحظات.
في البداية شك أن هناك من يتعقبه، لكن كان مخطئًا.
ربما تفكيره بتلك المحتالة جعله يتخيل ذلك.
زفر نفسه.
لو عاد الليلة إلى الدار قد يعود الشجار بينه وبين ثريا، وقد لا يتحكم في أعصابه.
تنهد بضجر مصحوب بمشاعر مختلطة غير مفهومة.
ثريا تلك المحتالة العنيدة، أصبح لها تأثير عليه.
بدل أن يعاقبها على ما تفوهت به، وجد نفسه يقبلها.
يريد أخذ قرار حاسم وردع تمردها، لكن بالنهاية يحدث العكس.
تنهد بجمود وبدل طريقه من العودة إلى دار العوامري، إلى مكان آخر قد تهدأ فيه عاصفة عقله.
بعد قليل كان يقف أمام ذاك المنزل يدق عليه وانتظر دقائق حتى فتح الباب.
نظرت له رحيمة بخفة قائلة بلهفة وقلق: سراج خير يا ولدي، إخواتك بخير، ثريا بخير.
أجابها مبتسمًا: إخواتي بخير يا خالتي وثريا كمان.
أنا كنت في مشوار قريب من هنا قولت أفوت أطمن عليكِ.
- كاذب يا سراج. هكذا أخبرها إحساسها.
لكن تبسمت قائلة: واقِف جدام الباب إكده ليه، تعالى لچوه الدار.
ابتسم وهو يدلف خلفها يغلق الباب.
نظرت له بحنان سائلة: إنت عارف إني بصلي العشا وأنام، أجيب لك تتعشى.
هز رأسه بنفي قائلًا: لأ مش جعان.
تبسمت له قائلة بحنان وهي تجلس على الأريكة: تعالى. إجعد عالكنبه چاري، رچليا بيوچعوني من الواقفة كتير، عجِزت بجى.
ابتسم وهو يراها تجلس تشير على فخذها.
فهم غرضها، وهذا هو ما يريده أن يتمدد بجسده يضع رأسه على فخذيها، ربما يهدأ قلبه.
تبسمت بحنان حين وضع رأسه على فخذيها.
وضعت يدها على رأسه تتخلل أصابعها بين خصلات شعره تمسدها بحنان، وهو يغمض عيناه يتنفس بهدوء.
عن قصد سألته: إزي ثريا.
فتح عيناه، وتنهد لثواني قبل أن يجيبها: بخير.
تبسمت قائلة: يا ريت كنت جِبتها معاك، كانت دَعَكت لي رچليا، إيديها حنينة، وهي كمان قلبها حنين.
زفر نفسه، فهو لم ير من حنانها شيء.
هي معه دائمًا عاصية تستفزه.
تبسمت رحيمة ووضعت يدها فوق صدر سراج تسير بكفها إلى أن وصلت إلى موضع قلبه.
وقالت بتصريح حنون ومباشر: العشق وشم محفور على القلوب يا ولدي، صعب يتمحي حتى بكى النار هيسيب آثر لسهم العشق اللي اتوغل من جلبك، مش هتقدر تجاوم كتير، العشق هيغلبك، ويغلبك.
البنية جلبها ناشف زي الأرض الشراچي (الشراقي) بس ندى الصباح قادر يرجع الخضار لقلبها.
هي الوحيدة اللي قادرة تحتوي غضبك، بلاش الجسوة يا ولدي، تجسي جلبك، أمك زمان مماتتش من المرض، ماتت من الجسوة.
الهالك بيكبر أكتر من الورد بس.
الأرض الطيبة كيف ما تزرعها بتحصد منها.
أغمض سراج عينيه، يفهم قصدها، لكن مازال التمرد بعقله.
لكن زادت رحيمة قولها: بلاش تتمرد عالقدر يا سراج، ثريا هي قدرك، افتح جلبك للعشق وبلاه العند هيخسرك كتير.
فتح عينيه ينظر لها وهي تبتسم تومئ له برأسها أنها تفهم سبب مجيئه لها بهذا الوقت.
أراد أن يشعر بالاهتمام والاحتواء، كذلك أراد أن يفهم سبب لتلك الحالة الذي أصبح بها.
لم يكن يخطر على عقله يومًا أن يقع براثن العشق.
أغمض عينيه يشعر بهدوء نسبي.
تبسمت رحيمة ومازالت تمسد خصلات شعره، حتى أنه غفي بسلام نفسي.
صباح اليوم التالي.
فتح سراج عينيه حين وصل إلى أنفه تلك الرائحة الطيبة.
تمطئ ونحى ذاك الدثار عنه ونهض يسير خلف تلك الرائحة إلى أن وصل إلى ذاك المطبخ الصغير الذي لا يحتوي على تجهيزات عصرية.
بضع أرفف رخامية تحمل الأواني وثلاجة صغيرة، موقد صغير ومنضدة أرضية.
كل شيء بها صغير لكن به رائحة طيبة.
تبسمت له قائلة: كنت هاجي أصحيك، عشان نفطر سوا.
يلا روح اتوضا وصلي ركعتين الصبح وتعالى، أكون جهزت الأكل عالطبلية.
كمان عملت لك صينية الراوني، وصينية محوجة اللي بتحبهم من يدي.
كمان عملت صينيتين تانيين بس مش ليك، تاخدهم لأخواتك ومتنساش تدي منهم لـ ثريا حبيبتي.
أومأ لها متبسمًا.
بعد قليل، كان بالطريق يشعر بصفاء.
لكن لفت نظره في المرآة الجانبية للسيارة، كأن هناك سيارة تحاول الاقتراب منه والالتصاق به عليه بالطريق.
تجنب لها على جانب الطريق كي تمر من جواره.
لكن في البداية، راوغ سائق تلك السيارة وحاول الاحتكاك به أكثر من مرة.
أخذ حذره وفتح صندوق بالسيارة أخرج منه سلاحًا، وتأكد أنه به رصاص.
لكن قبل أن يقوم بفتح صمام الأمان، سارت تلك السيارة وابتعدت عنه.
لاحظ سيرها بالطريق كانت تسير بتعرج على الطريق مما سبب له الحذر.
إلى أن انحدر بطريق آخر ونظر بالمرآة الأمامية، كذلك الجانبية كان الطريق حركة سيره عادية.
نفض عن رأسه الشك، ربما تلك السيارة كان سائقها لا يجيد القيادة.
بعد قليل وصل إلى دار العوامري.
ترجل من السيارة دلف إلى الداخل.
تقابل مع إحدى الخادمات سألها: الست ثريا نزلت؟
أجابته: الست ثريا خرجت من الدار من بدري، شكلها رايحة المحكمة كان معاها ملف بيدها.
أحضر لك جنابك الفطور.
نفى براسه قائلًا: لأ، شوف شغلك.
صعد إلى غرفته دلف يتنهد بجمود وهو ينظر نحو الفراش المرتب.
بالتأكيد ثريا من هندمته.
ذهب نحو الفراش وتمدد عليه يغمض عينيه للحظات.
عاود يتذكر قبلاته لها بالأمس، وفجأة فتح عينيه يشعر بضيق وغضب.
لو تخيلها كانت تقبل ذاك السفيه "غيث" كما نعتته.
لكن بعقله حيرة لما يستطيع اختراق مشاعرها بتلك السهولة، وتبدو كأنها حقًا لم تتزوج سابقًا.
سر تلك العلامة بفخذها.
أسئلة وإجابتها هي ثريا تلك المحتالة.
وأمنية صارت برأسه... ليتها تتنازل عن تلك الأرض ويبدآ ببداية أخرى.
لا عناد ولا تحدي منها، كذلك لا تحكمات منه.
تنهد بقوة ونهض من فوق الفراش وخرج من الغرفة.
لا يعلم لماذا أراد دخول الغرفة، ربما شيء بداخله أراد الشعور برائحتها التي تسكن الغرفة.
***
ظهرًا.
أمام ذاك المشفى.
بعد الانتهاء من وقت عملها بالمشفى، تبسمت حين خرجت ورأت إسماعيل يقف أمام سيارته يضع على عينيه نظارة شمس تعطيه وسامة خاصة.
اقتربت من مكان السيارة، لكن راوغت ذاك المجنون.
عن عمد منها أشارت بيدها لإحدى سيارات الأجرة.
استفزه ذلك، ذهب نحوها وأخفض يدها قائلًا: بقالي ساعة مستني تخلصي ورديتك، واقف في الشمس، وجالي صداع من الحرارة وفي الآخر بتشاوري لتاكسي.
أخفت بسمتها قائلة: تصدق مشوفتكش، أكيد الشمس زغللت في عيني، أو يمكن النضارة اللي لابسها خافية وشك.
تنهد بتوتر قائلًا: شمس فين دي، إحنا في الخريف.
صحيح الشمس قوية بس مش اللي تزغلل عينك.
على العموم يلا تعالي معايا، عشان ألحق ميعادي مع باباكِ وميقولش إن مواعيدي مش مظبوطة.
تبسمت له قائلة: لأ طبعًا، أنا عمري ما ركبت عربية مع حد غريب.
خلع نظارته ونظر لها بضيق قائلًا: وأنا غريب؟ قريبًا هبقى جوزك.
نظرت له والشمس تداعب عيناه التي تحولت من سوداء إلى عسلية.
كذلك نسمة الهواء الخريفية التي داعبت خصلات شعره السوداء الناعمة التي انسدل منها بعض خصلات على جبينه.
كان وسيمًا للغاية.
توترت من ذلك الإحساس ونحتت بصرها عنه قائلة: لما تبقى جوزي وقتها هركب معاك دلوقتي.
قاطعها: فيكفيه التوتر الذي يشعر به وسحبها من يدها تسير جواره قائلًا: أنا على أعصابي، بلاش حديث ملوش لازمة.
يعني سواق التاكسي كان معرفة سابقة، بلاش رغي كتير.
سحبت يدها من يده بعنف وهي تخفي بسمتها ورغمًا عنها صعدت إلى السيارة.
بمجرد أن جلس خلف المقود، بقصد منها تفوهت بما يوتره أكثر: آخر مرة هسمحلك تسحبني وراك بالشكل الهمجي ده، وياريت تلتزم حدودك معايا.
إحنا مفيش بينا ارتباط يسمحلك تمسك إيدي.
زفر نفسه بعصبية قائلًا: إن شاء الله، بس نرتبط مش همسك إيدك بس، أنا.
صمت حتى لا يتفوه بوقاحة، وتزداد عصبية قسمت.
تبسمت قسمت تعلم بقية حديثه، لكن صمتت.
إلى أن وصلا إلى العنوان الخاص بها، ترجلت من السيارة.
كذلك إسماعيل الذي اقترب منها، نظرت له سائلة: إنت رايح فين؟
أجابها ببساطة: طالع معاكِ، عشان أقابل باباكِ.
نظرت له بضيق قائلة: لأ، أنا هطلع الأول وإنت لسه نص ساعة على ميعادك مع بابا.
كمان المفروض دي أول مرة تدخل شقة بابا، والمفروض تدخل ومعاك هدية مميزة، مش تدخل بإيدك فاضية.
تنفس سائلًا: وإيه هي الهدية المميزة بقى.
فكرت قسمت قائلة: أنا عاوزة بوكيه ورد وبابا ممكن تجيب له شوكولاتة.
استفزها قائلًا: شكلك داخلة على طمع، أجيب لك ورد منين دلوقتي؟
تبسمت باستفزاز قائلة: ماليش فيه، اتصرف، ومتنساش شوكولاتة لبابا.
يلا أشوفك بعد نص ساعة متتأخرش، بابا أكتر شيء بيكرهه هو عدم الالتزام بالمواعيد.
تركته قسمت وتوجهت إلى مدخل البناية الخاصة بها، تبتسم.
بينما زفر إسماعيل نفسه قائلًا: الشوكولاتة سهل أشتريها لكن أجيب لها بوكيه الورد منين دلوقتي.
أنا غلطان كنت بعتت لهم عمتي ولاء مباشر، كانوا خافوا من سمها.
قطع بقية حديثه صوت رسالة آتية إلى هاتفه.
أخرجه من جيبه وقرأ الرسالة باستفزاز: الوقت بيمر يا دكتور، فاضل سبعة وعشرين دقيقة، متنساش الورد والشوكولاتة.
تنرفز ينفخ أوداجه.
بعد قليل وقف أمام باب تلك الشقة ينظر إلى علبة الشوكولاتة الفاخرة، وتلك الزهرات التي بيديه.
وضعهما بيد واحدة ثم رفع الأخرى ودق جرس الشقة وانتظر جانبًا ينظر للزهرات، كذلك الشوكولاتة يستهزأ من نفسه لكن يهون ذلك، كي يحصل على موافقة والد قسمت.
فهي أخبرته أن والدها ذو شخصية حادة وعليه التعامل معه بطريقة حذرة.
لحظات قبل أن تفتح والدة قسمت له باب الشقة مبتسمة ورحبت به.
كانت لطيفة ربما هذا ما هدأ من توتره قليلًا، كانت سيدة بشوشة الوجه لطيفة باستقبالها له.
ذهبت معه إلى أن دخل إلى غرفة الضيوف واستأذنت منه.
بعد لحظات دلف رجل بنهاية العقد الخامس ذو وجه صارم ينظر لإسماعيل بتدقيق.
نظر ليد إسماعيل الممدودة وصافحه.
تنحنح إسماعيل: أنا.
قاطعه بصرامة: إنت الدكتور زميل قسمت في المستشفى.
كلمتني عنك، وقالت إن في زميل لها عاوز يتقدم لها.
أومأ إسماعيل برأسه وقدم له علبة الشوكولاتة.
ابتسم والد قسمت وأخذها منه ونظر لها قائلًا: شوكولاتة نوع ممتاز، واضح إنك ابن أصول.
أقعد واقف ليه.
شعر إسماعيل بهدوء قليلًا وجلس، بينما دخلت قسمت تبتسم.
نهض إسماعيل وقدم لها تلك الزهور.
نظرت له وقالت بهمس: تلات وردات اللي هانوا عليك، ماشي يا إسماعيل.
كادت قسمت أن تجلس لكن نهاها والدها بتعسف قائلًا: قومي شوفي مامك بتعمل إيه.
بطاعة نهضت قسمت وقفت على جانب الباب تتسمع على سؤال والدها لإسماعيل: قولي بقى إنت دكتور إيه تخصصك.
أجابه إسماعيل بحشرجة: تشريح.
- نعم.
أجلى إسماعيل صوته وأجابه مرة أخرى: دكتور تشريح.
أوما والد قسمت رأسه بإعجاب قائلًا: ممتاز، أحب أنا الشاب اللي قلبه جامد.
بالك قسمت بنتي خوافة كان التنسيق جايب لها طب تشريح وقولت لها ده طب ممتاز يحتاج القلوب الجامدة، بس هي زي مامتها قلبها ضعيف وحولت من ورايا صيدلة.
المهم بقي يا أسد قول لي إنت من هنا من الصعيد طبعًا.
أجابه إسماعيل: أيوه صعيدي أبًا عن جد.
ومن عيلة معروفة كمان.
فتح والد حنان علبة الشوكولاتة والتقط واحدة وقام بإزالة التغليف ووضعها بفمه يتذوقها بإستمتاع.
ثم سأل إسماعيل: كويس أوي، عيلة إيه بقى؟
أجابه إسماعيل بفخر: عيلة العوامري.
أنا أبقى الابن الثالث لعمران العوامري.
سأله والد قسمت: عمران العوامري المشهور بتاع مصانع الكتان.
أومأ إسماعيل بفخر.
تبدلت ملامح والد قسمت إلى تجهم ونهض واقفًا يقول برفض قاطع: طلبك مرفوض.
يا أخ معنديش بنات تتجوز من شخص أهله برجوازيين.
غر إسماعيل فاهه بعدم فهم، قائلًا: يعني إيه "برجوازيين" أصلًا.
تفوه والد قسمت بعصبية: كمان مش عارف يعني إيه برجوازيين تبقى غبي وجاهل.
طبعًا الشهادة بتاع الطب دي اشتريتها بفلوس أبوك، يا فاشل.
اغرب عن وجهي يا إمعة.
ذهل إسماعيل وعاود قول بعض الكلمات بسخرية: اغرب عني وجهي يا إمعة، إنت قديم أوي يا عمي، وإهدي كده إحنا.
قاطعه بغضب: إحنا إيه يا سليل البرجوازية؟
اخرج من بيتي، معنديش بنات للجواز، بره، بره قبل ما أرميك من البلكونة، يا سليل البرجوازية.
تعصب إسماعيل، قائلًا: تمام هطلع بره وهاخد الشوكولاتة بتاعتي، مش أنا اللي جايبها بفلوس أبويا البرجوازي.
تمسك والد قسمت بعلبة الشوكولاتة قائلًا: لأ هتخرج لوحدك بدون علبة الشوكولاتة.
هعد لتلاتة ولو لقيتك قدامي أنا هكسب ثواب وأضرب برجوازي سليل البرجوازي مُستغل.
بعصبية نظر له إسماعيل وكاد يتحدث لولا دخول قسمت ووالدتها وحاولن تهدئة الأجواء.
تحايلت قسمت على إسماعيل قائلة برجاء: عشان خاطري يا إسماعيل، امشِ دلوقتي، بابا متعصب.
حاول أن يهدأ قائلًا: تمام، همشي عشان خاطرك بس عاوز علبة الشوكولاتة بتاعتي، إنتِ عارفه تمنها كام، ده نص المرتب طار في تمنها هي والورد.
وضعت يدها على خصرها قائلة: نص مرتبك طار في تلات وردات وبتحسبهم عليا بوكيه؟
لأ بقى بابا عنده حق، إنت برجوازي مستغل.
تنهد إسماعيل سائلًا: إنتِ تعرفي يعني إيه برجوازي.
أجابته قسمت بغباء: لأ معرفش بس بابا طالما قالك كده يبقى حاجة مش كويسة.
ولو سمحت بلاش تعصب بابا أكتر.
زفر إسماعيل نفسه قائلًا: تمام، بس مش مسامح في تمن الشوكولاتة، وإن شاء الله هيجيلك السكر.
خد من قلبي بدعي عليك، دعوة برجوازي.
ضحكت قسمت قائلة: بابا عنده السكر أساسًا.
كفاية بقى يا إسماعيل بلاش تعصبه أكتر، وبس يرجع يهدي إن شاء الله هيوافق، بس بلاش تعصبه دلوقتي، أرجوك عشان خاطري.
نظر لها قائلًا: تمام، طب هاتي الورد أرجعه أهو أستفاد بأي حاجة.
زغرطت له قائلة بقطع: طبعًا لأ، الورد خلاص بقى بتاعي.
نظر لها بسخط قائلًا: إنتِ وأبوكِ طماعين واستغلاليين.
هو طمع في الشوكولاتة وإنتِ في الورد وأنا مش مسامح في الاتنين.
غادر إسماعيل الشقة بعد رجاء قسمت له.
وقف أمام سيارته يفكر سائلًا: هو يعني إيه برجوازيين؟
***
مساءً.
مركز الشباب.
منذ زفاف أخيها وهي لم تذهب إلى التدريب.
تشعر بشعور غريب، بينما إيمان هي الأخرى لديها رغبة أن تراه لكن تعتقد ذلك مجرد عناد لا أكثر.
أن يعرف أنها ذات شخصية مستقلة.
لإنشغال جسار بشراء بعض المستلزمات الخاصة به، خارج مركز الشباب تأخر على التمرين المسائي للأشبال.
للصدفة ذهبت إيمان اليوم.
تبسمت للأشبال وهم يقومون ببعض الحركات الجديدة بإتقان.
هلت لهم بتشجيع، وهي تقوم بالتمرين معهم، سعيدة بمستواهم الذي ازداد تقدمًا.
بذلك الأثناء دخل جسار إلى صالة التدريب.
تبسم بخفقان قلب حين رأى إيمان، وهلل بتشجيع هو الآخر وهو يرى الأشبال تتباري مع بعضها لإظهار مدى تقدمهم الرياضي.
توقفت إيمان، ونظرت إلى جسار الذي اقترب منها يبتسم، وهي الأخرى يخفق قلبها.
لأول مرة بمشاعر غير مفهومة، تجعلها تشعر بأحاسيس جديدة عليها.
لكن نفضت ذلك وهي تبتسم لأحد الأشبال وكانت فتاة.
نظرت إلى يد إيمان وسألتها بطفولة: كابتن إيمان، الحنة اللي على يدك حلوة قوي عاوزة أرسم زيها على يدي، مين اللي رسمهالك.
نظرت إيمان إلى الحناء التي مازال أثرها على يدها واضح جدًا قائلة: دي خالتي رحيمة هي اللي كانت رسماها لي، بس أكيد هتلاقيها عند العطار ومامتك ممكن ترسمهالك.
تبسمت الطفلة.
بينما نظر جسار إلى يدي إيمان وتبسم.
من تدعي أنها فتاة متمردة، بالنهاية تهوى أشياء تهواها كل الفتيات.
تلك الحناء، كانت رائعة على يديها.
حوار بالعيون والنظرات بين الاثنين.
لكن حادت إيمان نظرها أولًا وشعرت بخجل لا تعلم سببه ونظرت إلى الأشبال قائلة: يلا كفاية كده وقت الراحة انتهى خلونا نرجع للتمرين.
بينما جسار لام عقله بذم، كيف يفكر بإيمان كأنثى ويعجب بها.
هو ليس حُر.
***
بعد المغرب بقليل.
بدار عمران.
وقفت عدلات أمام ثريا تمدح في جمالها وأناقة تلك العباءة ذات اللون البنفسجي التي ترتديها قائلة: والله إنتِ اللي يشوفك بالعباية دي يا ثريا يقول ملكة جمال.
لو سراج بيه شافها عليكِ هيمنعك من الطلوع من الدار.
أنهت عدلات حديثها وغمزت بعينيها بإيحاء.
تهكمت ثريا مبتسمة تقول بود: تسلميلي يا عدلات والله الدار دي كلها مفيهاش حد بيجبر بخاطري غيرك.
يلا لازم ألحق الحنة، عشان هفوت الأول على خالتي نروح سوا.
طبطبت عدلات على كتف ثريا قائلة: عقبال ما تفرحي بعوضك يا ثريا.
بلاش تتأخري في الفرح، سمعت إن في خلاف بين أبو العروسة وأهل العريس، معرفش إزاي اتفقوا من الأول.
ربنا يعدي الفرح على خير.
تبسمت لها ثريا قائلة: لأ متقلقيش مش هغيب، هو بس نص ساعة كده جبران خاطر.
أم العريس هي وخالتي جيران وألحت عليا أحضر.
هروح بس مجاملة نص ساعة مش هغيب.
تبسمت لها عدلات.
حين غادرت تنهدت تتمنى قائلة: قلبك أبيض يا ثريا خسارة.
يا ريتك اتقابلتي مع سراج بيه من زمان وكان هو أول بختك، كان هيسعد قلبك، ومكنتيش شوفتي العذاب والقسوة اللي شوفتيهم من غيث اللي.
تنهدت بأسف قائلة: يلا ميجوزش عليه غير الرحمة مع إني أشك إن ربنا يرحمه.
بعد قليل.
فتحت ثريا باب منزل خالتها الذي كان مواربًا ثم دخلت تنادي عليها قائلة: فينك يا خالتي سايبة باب الدار مفتوح ليه.
أجابتها سعدية بصوت مزكوم قائلة: أنا في أوضة النوم، تعالى يا ثريا.
دخلت ثريا وجدتها ممدة على الفراش ترشح.
تبسمت قائلة: مالك يا خالتي إنتِ عيانه ولا إيه؟
أجابتها سعدية: أيوه يا بت يا ثريا واخده دور برد شديد جوي، وجوز خالتك جلت له يروح الصيدلية يجيب لي علاج.
وتلاقيه هو اللي ساب باب الدار مفتوح عشان ولاد خالتك ممعهمش مفتاح للدار.
كمان كنت جلت له إنك جايه، ومش هقدر أتحرك وأفتح الباب.
بس إيه الحلاوة دي يا بت، سراج شافك وإنتِ طالعة من الدار بالحلاوة دي.
تهكمت ثريا قائلة: لأ مكنش في الدار، بس إيه شوية برد يعملوا فيكِ كده وترقدي عالسرير.
عطست سعدية قائلة: أنا كبرت ومبجتش زي الأول.
سيبك مني جول لي، عرفت إن إيناس أخت غيث اللي ما هيشوف رحمة، في المستشفى إيه اللي جرالها.
غص قلب ثريا وسردت لها كل ما تعرفه: اللي أعرفه إنها كانت حبلى، وجالها نزيف زايد أوي وسقطت والنزيف فضل مستمر.
وسمعت إن الدكتور قرر إنه لازم تستأصل الرحم وإلا النزيف هيفضل مستمر.
ومعرفش أكتر من كده، مش بسأل عنها.
تنهدت سعدية وقالت: صحيح ربنا مش بيسيب حق حد وكل المظالم بتترد.
ده ذنبك يا بت يا ثريا، هي كانت مشاركة في اللي عملوه أخوها فيكِ.
غص قلب ثريا وكادت تدمع، لكن نهضت قائلة: المظالم بتترد يا خالتي، بس مش بتمحي الظلم عن اللي شافه وعانى منه.
هجوم أروح الفرح نص ساعة وأرجع لك تاني، بس هجامل الست اللي دعتني.
شعرت سعدية بقلق وقالت لها: بلاش تروحي، وخليكي معايا اهو نتساير، بدل غمزة الستات وعيونهم تحسدك وإنتِ أحلى من العروسة.
ضحكت ثريا قائلة: مش هغيب، نص ساعة بس وأرجعلك، أهو تكوني خدتي العلاج وإتحسنتِ شوية.
تبسمت لها سعدية بمزح، وربما بداخلها إحساس لا تود ذهاب ثريا قائلة: قليلة الأصل زي أمك بدل ما تقعدي معايا وتاخدي بالك مني هتروحي الفرح بتاع الست اللي أنا وهي مش بنطيق بعض.
ضحكت ثريا قائلة: هقول لامي، مش هتأخر، بس عشان الست متزعلش دي بتجيب لي قضايا، والله كلها مآسي.
تبسمت سعدية قائلة: يعني مجاملة مصالح؟ طب متغيبيش بقى.
تبسمت ثريا وأومأت برأسها وهي تغادر الغرفة.
بينما تنهدت سعدية بداخلها ريبة تشعر بها، لكن نفضت ذلك بعد أن عطست قائلة: الراجل جوزي قال رايح الصيدلية بقاله ساعة، يكون تاه ولا ملجاش العلاج وراح يجيبه من البندر.
بالعُرس كان هناك هدوء أو سكون ما قبل تلك العاصفة.
بسبب كتابة قائمة منقولات العروس حدث خلاف بين الطرفين، وتطاولا على بعضهما بالسباب الحاد كذالك بالأيادي وطال أكثر من ذلك بالأسلحة فيما بينهم.
وامتد ذلك إلى مكان المعازيم من النساء والرجال.
أعيرة نارية تنطلق بلا هدف وتحصد أرواح بريئة.
***
بدار العوامري.
يدخل سراج قابلته إحدى الخادمات، قائلة: سراج بيه الحج عمران قاعد في المندرة وجالي لما تجي للدار أجولك أنه منتظرك.
أومأ لها وذهب نحو المندرة وجد عمران وآدم يتحدثان.
جلس بعدما ألقى عليهما السلام.
تفوه عمران بقلق: عرفت إن حفظي فاق من الغيبوبة.
رد سراج: لأ، لسه عارف منك دلوقتي.
تنهد عمران قائلًا: أنا متوغوش منه، حفظي حقود وجاحد واكيد حكاية موت أبوه وهو في الغيبوبة هيأثر عليه.
ربنا يستر.
تفوه آدم أولًا: حفظي جبان يا أبوي، ومعتقدش إنه هيفكر يأذي حد من العوامرية.
أكد سراج ذلك قائلًا: وبعدين هو اللي غلط من الأول لما دخل وسط الستات واتحامى فيهم، ده دهس حرمة الدار.
شعر عمران بقلق وحاول أن يتحلى بالهدوء وعدم التسرع.
***
بينما بمكان العُرس.
طلقة واحدة انطلقت، ظنت ثريا أنها كانت بمجاملة، لكن كانت البداية لوابل من الطلقات لا تفرق بين جماد وإنسان.
حاولت ثريا الابتعاد عن مرمى الرصاص واحتوت بأحد الأركان داخل منزل العريس.
تحاول مساعدة تلك السيدة التي أصيبت برصاصة في كتفها.
داخلها لا تشعر بخوف، ربما لو كان سابقًا لكانت ارتاعت.
لكن ما مرت به ووصولها إلى الموت ربما جعل قلبها يجحد ولا تخشى الموت.
بينما بدار العوامري.
هرولت عدلات إلى المندرة وفتحت الباب دون استئذان وقفت تلهث قائلة: سراج بيه الست ثريا راحت فرح بنت واحدة من جيران دار خالتها، وفي ضرب نار عشوائي شغال هناك.
هرع سراج واقفًا ولم ينتظر سماع محاولة أبيه منعه من الذهاب.
وصل في دقائق لم يتوقف لحظة يبحث عنها يحاول تفادي تلك الرصاصات التي تتطاير عشوائيًا تحصد كل ما يقف أمامها.
أين هي؟ عقله سيشت في الحال.
ليست بين الضحايا، وليس لها أثرًا.
لكن تعرف على تلك الخادمة الأخرى ممددة أرضًا.
اقترب منها وحاول جث عنقها كان مازال بها الروح.
سألها بلهفة وهي تلتقط نفسها الأخير: فين الست ثريا؟
لم تستطع الرد عليه أشارت له بيدها على إحدى نواحي المكان ثم سكنت يدها جوار جسدها.
شعر بأسف وتركها وذهب نحو تلك الناحية.
بحث عنها لكن هي كانت تجلس جوار إحدى المصابات.
مازال الرصاص يتطاير حولها.
اسمها نطقه قلبه قبل لسانه.
ثريا.
نهضت واقفة تنظر له عينيها لأول مرة لا يرى بعينيها التحدي، كأنها تستغيث به.
قبل أن يحذرها أن تبقى جاثية كما هي.
كانت رصاصة طائشة ذهبت إلى مستقرها مباشرةً تخترق جسدها الذي ارتج إلى الخلف قبل أن يتهوى.
لحظات قبل أن يصل لها كانت اعترافًا أن ثريا امتلكت قلب الـ سراج.
أصبح مغرمًا بها.
رواية عشقت طالبتي الفصل العشرون 20 - بقلم منار حسين
انتفض عمران وجذب سلاحه الخاص مُقررًا الذهاب خلف سراج إلى ذاك المنزل. كذلك آدم، الذي توجه نحو مقود السيارة. لوهلة شعر بألم قوي في إحدى ساقيه، لكنه تغلب على ذاك الألم حين فتح عمران باب السيارة وصعد لجواره. قاد آدم السيارة بسرعة عالية، وفي ظرف دقائق معدودة كان يقف بالسيارة أمام ذاك المنزل. ترجّل الاثنان سريعًا.
بمنزل سعدية، رغم ألم رأسها، انقبض قلبها حين سمعت صوت إطلاق الرصاص المتزايد. نهضت من فوق فراشها سريعًا، لكن تقابلت مع زوجها الذي يدخل إلى المنزل بيده حقيبة صغيرة بها أدوية طبية. أغلق خلفه الباب يلتقط أنفاسه بصعوبة، يقول: "يارب العيال يتأخروا على ما ضرب النار ده يخلص، ربنا يستر يارب."
نظرت له سعدية بريبة سائلة: "فيه إيه، إيه ضرب النار ده؟"
أجابها وهو يلتقط أنفاسه: "ربنا يستر، الفرح اللي جارنا فيه ضرب نار عشوائي، وأي حد بيقرب بيتصاب. أنا لفيت وجيت من الشارع اللي ورانا."
انخضت برعشة ورجفة قلب: "ثريا هناك... هروح أشوفها، يارب تجيء بخير، ياريتني ما كنت سبتها تروح."
كادت تفتح باب المنزل، لكن منعها زوجها قائلًا: "هتروحي فين، مش سامعة صوت ضرب النار؟ وكمان مش شايفة جلابيتك ولا شعرك اللي الطرحة منزاحة من عليه."
تدمعت عين سعدية تقول برجاء وتضرع: "دي ثريا، دي بنتي اللي ما خلفتهاش..."
تفهم زوجها وحاول طمأنتها قائلًا: "أكيد ضرب النار بره وثريا هتلاقيها مع الستات وتلاقيهم اتخبوا، اهدي."
صرخت سعدية عليه بدون تعقل قائلة: "أهدى إيه، جلبي مش هيهدى غير لما أشوفها بعيني، هلبس جلابية فوق اللي عليا بسرعة والطرحة هعدلها على راسي."
بالفعل، لحظات وكانت تتجه إلى خارج المنزل غير مهتمة بنصيحة زوجها.
***
أخبار كهذه لا تنتظر بل تنشاع في البلدة سريعًا. أثناء شراء نجية بعض الأغراض من تلك البقالة، سمعوا أصوات ضرب الرصاص. كذلك بعض الذين يهرولون، ومنهم من يصرخ. سألت أحدهم، فأخبرها بمكان ضرب الرصاص. انزعجت وارتعد جسدها، كذلك انقبض قلبها، ظنًا على أختها. شعرت بانقباضة أقوى لم تستطع الوقوف على ساقيها، واختل توازنها. لاحظت رغد ذلك، هرولت عليها وسندتها حتى أدخلتها إلى داخل المحل وأجلستها على أحد المقاعد قائلة بلهفة: "تعالي اقعدي ومالك يا خالة نجيه."
وضعت نجية يدها على قلبها تشعر بانقباضة قائلة بخفوت: "ثريا."
استغربت رغد ذلك وسألتها: "مالها ثريا؟"
أجابتها بنفس الخفوت وعين دامعة: "مش عارفة، قلبي مقبوض من ناحيتها من الصبح، بشوف خيالات مش كويسة عليها، كل شوية جلبي يتجمد."
استغربت رغد ذلك، وقالت لها: "وإيه هيودي ثريا هناك؟ بابا راح يصلي العشا وزمانه جاي... وصوت ضرب النار اتوقف..."
نظرت لها نجية ومازالت تشعر بوهن وحاولت أن تقف لكن مازالت ساقيها واهنة. رقت بها رغد قائلة: "خليكِ قاعدة في الدكان وهروح للاستاذ ممدوح وأقوله ييجي ياخدك للدكتور."
أمسكت نجية يدها قائلة: "لأ، بلاش تقلقيه، أنا بخير، هقوم..."
شفقت رغد عليها وآتت لها بكوب مياه. ارتشفت القليل. مازال شعور نجية يخبرها بالسوء. بنفس الوقت وصل إلى الدكان ممدوح الذي انزعج بسبب سماعه لطلقات الرصاص. نظر إلى الداخل كي يسأل صاحب الدكان من أين وما سبب هذا الرصاص، لكن تفاجأ بوالدته جالسة بوهن وجوارها رغد تُقرب كوب المياه من فمها. تحدث بلهفة سائلًا: "أمي، مالك."
حاولت نجية الوقوف بوهن لكن سندتها رغد إلى أن اقتربت من ممدوح الذي أخذ يدها وسندها. نظر لوجهها وتلك الدموع. غص قلبه من رجائها: "ضرب النار كان عند جيران خالتك، خلينا نروح نطمن عليها."
أجابها بحنان: "حاضر يا أمي، تعالي أروحك الدار وأنا هروح لها."
برجاء حاولت إقناعه: "لأ، هاجي معاك مش هطمن غير لما أشوفها بعيني، كمان كانت الصبح بتجول إنها حاسة بشوية برد داخلين عليها."
نظر ممدوح ناحية رغد ثم لعين نجية المترجية: "طب يا أمي، تعالي معايا، بس لو لقينا ضرب النار لساه شغال هنرجع."
أومأت رأسها بموافقة. بينما لمعت عين رغد ببسمة خاصة ترمق بها ممدوح الذي كان لبسمته الطفيفة شعور خاص لديها. يبدو أن مثلما أخبرها والدها أن ممدوح "نبت طيب"، لكن نما بأرض جافة. مازال يحاول التأقلم بإظهار عدم المبالاة بالآخرين، لكن جوفه يهترئ بسبب ضعفه وقلة حيلته.
بينما قبل لحظات، مثلما بدأت المجزرة برصاصة، انتهت برصاصة. ربما انتهت ذخائر تلك الأسلحة. كذلك وصلت قوات من الأمن الخاصة بالقرية، كان عددهم قليل، لكن انتهت المجزرة بعد أن حصدت الكثير من الأرواح والمصابين ما بين خطيرة وإصابات متوسطة، كذلك ضحايا أبرياء فقدوا حياتهم لمجرد خلاف لا يستحق كل ذلك، لكنها عقول مغيبة عن القيم.
***
بداخل ذاك المنزل.
انطلقت الرصاصة التي اخترقت صدر ثريا. ارتج جسدها للخلف بتلقائية، لكن شعرت باختراق رصاصة أخرى لجسدها قبل أن يغيب عقلها للحظات. كأنها فقدت الإدراك شبه كليًا. لا تشعر بألم احتراق جسدها من تلك الرصاصة، فقط عيناها مسلطة على سراج الذي يقترب منها وهي كأن ما تراه يحدث عبر شاشة تلفاز. بطل الحكاية يحاول إنقاذ حبيبته، حكاية لا تحدث بالحقيقة، أو بالأخص معها. هي ذات حظ سيء بالرجال، بعيونهم لم تر الحب بل القسوة، بداية من خالها مرورًا بغيث الذي وأد بداخلها لذة الحياة جعلها تتمنى الموت بكل لحظة عاشتها معه، ثم سراج الذي تشعر بالندم بكل لحظة على موافقتها على الزواج منه. الزواج التي ظنت أنه انتقام منه، لكن اكتشفت أنها تنتقم من نفسها معه. لحظات تمر ترا التجرّب بداية من خالها الذي استغل حاجة واحتياج والدتها يعطيها الضئيل من حقها بذل، مرورًا بغيث وهو يعذبها من أجل رغبة دنيئة. دموعها سالت بحسرة حين عاد الإدراك لها وشعرت بنيران الرصاصتين بجسدها، الذي لم يلامس الأرض. بعدما ضمها سراج يشعر بلوعة قلب وهو يرى تلك الدموع الصامتة لا تتألم بأنّين موجع، فقط دموعها تسيل. عينيها اختفى صفائها، أصبح مثل غيمة ممطرة. أنفاس متألمة تخرج منها. بنفس الوقت توقف إطلاق الرصاص، حتى لو لم يتوقف لن يهتم. وهو يحملها ينظر لجسدها الذي ارتخى بين يديه، وعيونها التي تغيب وهي تطبق أهدابها غصبًا من شدة الألم وانسحاب الروح منها.
نطق سراج اسمها باستجداء بنبرة أمر: "ثريا، افتحي عيونك."
غصبًا حاولت فتح عينيها. كان سراج وصل إلى خارج المنزل. رأى تجمع رجال الشرطة يمنعون أحدًا من الاقتراب. لم يهتم بهم حين رأى تلك السيارة الخاصة بوالده، وآدم ووالده يقفان أمامها. سريعًا ذهب نحو تلك السيارة قائلًا بلهفة وأمر: "آدم، افتح باب العربية بسرعة."
امتثل آدم سريعًا، فتح باب السيارة الخلفي، وضع سراج ثريا واستقام. لكن آدم كان فتح باب السيارة الأمامي وجلس خلف عجلة القيادة، وأشعل المقود. صعد سراج جوار ثريا. جذب جسدها بالكامل فوق جسده تقريبًا، حتى رأسها على صدره. سريعًا قاد آدم السيارة. بينما ضم سراج جسد ثريا التي تهذي من قسوة الألم.
في البداية كانت تسخر من سراج بضحكة وجع ساحق: "يا خسارة اتجوزتني عشان الأرض، وقولتلك حتى بموتي مش هتنولها."
اغتاظ منها وقبل أن يتحدث كانت شبه تغيب عن الوعي وهزت وجسدها يرتعش ينسحب للبرودة: "أنا مش خايفة من الموت، أنا خايفة أقابل غيث هناك، مش هقبل أسامحه."
بدأت تصمت وتغيب نهائيًا، وارتخت جفونها وجفت دموعها حتى نفسها بدأ ينخفض. صرخ سراج على آدم قائلًا بأمر: "زود السرعة يا آدم."
أومأ آدم له وهو يسمع صوت زمجرة إطارات السيارة وهي تحتك بأرضية الطريق بسبب السرعة الفائقة والجنونية. لم يبالِ بصوت الهاتف المتكرر. دقائق تمر أزمان بداخل إعصار يعتصر قلب سراج، إلى أن وصلا إلى إحدى المشافي. فتح سراج باب السيارة وترجل منها بعد أن ترك جسد ثريا للحظات، ثم حملها مهرولًا إلى داخل المشفى.
بينما قبل دقائق، بالقرب ذاك المنزل، رأت سعدية سراج وهو يحمل ثريا. هرولت نحوه لكن كان انطلقت السيارة. نظرت سعدية لعمران وهي تلهث واقفة أمامه: "ثريا... ثريا."
أخفض عمران وجهه لوهلة ثم رفع رأسه صامتًا. بنفس الوقت كان وصلا ممدوح ونجية ورأيا سعدية تقف مع عمران. توجها نحوهم، وسمعا سؤال سعدية التي أعادته بلهث ورجاء وتمني: "جولي ثريا بها إيه، سراج كان شايلها والعربية طلعت بسرعة، جولي إنها زينة."
توقفت سعدية تشعر بانهيار في قلبها وهي تسمع رد عمران. الذي رغم جبروته لكن شفق قلبه وهو يخبرها: "بخير، يمكن إصابة خفيفة و..."
لم يكمل حين خرجت صرخة لوعة من قلب نجية وهي تستند على ممدوح قائلة: "جلبي حاسس، بِتي مش بخير."
اقتربت منها سعدية تسندها من الناحية الأخرى. رغم قلقها الزائد هي الأخرى لكن حاولت بث الطمأنينة الكاذبة بقلبها. لكن بدموعها ولوعة قلبها سألت عمران: "طب هي فين دلوقتي."
لم يعرف بماذا يجيبها، لكن قال: "أكيد في السكة لسه رايحين المستشفى، اطمني."
"أطمن، قول لي كيف ذلك وقلبي يحدثني بالأسوأ."
دقائق، ساعات أو أزمان تمر، وهما ينتظرون رد آدم على الهاتف. الذي قام بالرد أخيرًا. خطفت سعدية الهاتف من يد عمران وبسرعة ورجفة قلب سألته: "ثريا... انتوا فين؟"
حاول الهدوء أجابها بكذب: "ثريا بخير، إصابة خفيفة، واحنا في المستشفى."
"مستشفى إيه، جولي؟"
راوغ آدم، لكن مقابل إلحاح سعدية أجابها باسم المشفى.
بعد قليل، أمام غرفة العمليات وقف سراج يشعر بانسحاب في روحه وهو ينتظر. بنفس الوقت وصل كل من نجية وسعدية ومعها ممدوح. الذي بمجرد أن وقع نظره على ملابس سراج الدموية خفق قلبه بندم. ود أن يصفع سراج. لكن صرخت نجية التي بمجرد أن رأت ملابس سراج لم يتحمل قلبها ولم تشعر بقدميها وهي تجثو راكعة تقول بنواح: "لأ يارب، مش هقدر أتحمل تاني، ليه يارب بتعمل فيا كده، كل مرة تروح للموت."
جثت سعدية جوارها تضمها باكية، فمنظر ملابس سراج لا يدل على أن الإصابة بسيطة. انحنى ممدوح عليهن وساعد نجية على الوقوف يضمها، حتى أنه أجلسها على أحد المقاعد. كذلك سعدية. جاء آدم لم يتفاجأ بوجودهم. لحظات وخرجت إحدى الممرضات. وقفت أمامهم قائلة: "المريضة نزفت دم كثير، وهنحتاج لنقل دم، و..."
اقترب منها ممدوح بلا تفكير، قائلًا: "أنا أخوها ونفس الفصيلة."
نظرت له الممرضة. كان ذو بنية جسدية متوسطة لكن يبدو بصحة جيدة. أومأت له قائلة: "تمام، اتفضل معايا عشان تتعقم وننقل منك دم مباشرةً للمريضة."
نظرت سعدية إلى ممدوح بعين باكية. لثاني مرة يدخل خلف ثريا يُعطيها من دمه. ليت هذه المرة يلطف الله بها وتنجو مثل سابقًا.
دخل ممدوح إلى غرفة العمليات بعد أن تعقم. نظر نحو ذاك الفراش الممددة عليه ثريا محاطة بمجثات وقناع أوكسجين. لوهلة وقف متصنمًا حين سمع صفير جهاز الأوكسجين. شعر بقلبه ينشطر لقطع ملتهبة. لكن سرعان ما عاد النبض لـ ثريا مرة أخرى. التقط نفسه حين حدثته الممرضة: "اتفضل امتدد عالشيزلونج ده، عشان ننقل منك دم."
تمدد على ذاك الفراش. لم يشعر بتلك الإبرة التي غرستها الممرضة بعضد يده، ولا بإنسحاب الدماء منه. نظره مسلط على وجه ثريا. لو لم يشعر بالحياء، لنهض واقفًا، يبكي بل يصرخ ويسألها: "لما يا أختي تفعلين بي ذلك؟ لما دائمًا أنا ضعيف ولا أستطيع مساعدتك؟ أنا جبان... أجل أنا كذلك لم أستطع حمايتك من براثن القدر، لكني مثلك يومًا حلمت واستيقظت على سراب الأماني."
وعذاب وضنين. لا يشعر بشيء. يسمع همهمات الأطباء، وقول الممرضة: "سحبنا دم كثير من الأستاذ، بعد كده..."
قاطعها ممدوح: "مفيش بعد كده، أختي لازم تعيش لو سمحتوا، أنا..."
قاطعه أحد الأطباء قائلًا: "كده كفاية، الدم اللي سحبناه هيكفي المريضة، لو سمحت انتهت مهمتك هنا سيبنا نتعامل مع المريضة."
بغصب خرج ممدوح من الغرفة يسير بترنح يشعر كأن جسده خاويًا ليس بسبب أخذ الدماء منه، لكن بسبب العجز والخوف من فقدان أخته.
نهض آدم نحوه سريعًا وسنده إلى أن جلس على أحد المقاعد. ذهب سريعًا كي يأتي له بعصير ومياه لتعويض تبرعه بالدم. في ذاك الأثناء فتح هاتفه وتذكر إسماعيل، لابد أن يأتي إلى المشفى بصفته الطبية، وقتها قد يستطيع معرفة حقيقة إصابة ثريا من الأطباء. فتح هاتفه وقام بالاتصال عليه.
بينما إسماعيل، كان يجلس في سيارته أسفل بناية والد قسمت. يحاول تهدئة عصبيته وهو يفكر أن يصعد إلى ذاك المعتوه ويسأله أولًا معنى كلمة "برجوازي" ثم يقوم بتهشيم رأسه. لكن يضبط نفسه بصعوبة. في ذاك الوقت صدح رنين هاتفه. في البداية ظنه من قسمت، لو كانت هي لما توانى عن فض غضبه بها. لكن حين نظر إلى شاشة الهاتف وجد اسم آدم. رد عليه ببرود حين سأله آدم: "إنت فين يا إسماعيل؟"
أجابه: "أنا قاعد في عربيتي في الشارع."
استغرب آدم سائلًا: "وإيه السبب؟"
أجابه إسماعيل: "مفيش سبب، بس عندي اكتئاب برجوازي."
استغرب آدم مستفهمًا: "بتقول إيه؟"
أجابه ببرود: "مش أنا طلعت سليل برجوازي."
مازال آدم لا يفهم ردود إسماعيل، وقال له: "طالما قاعد في الشارع تعالى المستشفى، ثريا مرات سراج أصابت بالرصاص، ومش عارفين حالتها إيه بالظبط، وسراج على تكه وهينهار."
انخض إسماعيل سائلًا: "وإيه السبب في إصابتها؟ اتخانقت مع عمتك وفرغت فيها المسدس؟"
يقولون "الضحكة هبلة"، ففي أصعب الأوقات شقاوة قد تبتسم شفاك عنوة. هذا ما حدث مع آدم، ثم قال لإسماعيل: "بلاش تتأخر، لما تيجي هتعرف."
***
بمشفى آخر.
رغم وجود زوجته بنفس المشفى، لم يهتم لشأنها. هو لديه هدف آخر برأسه. يراقب مثل الثعلب أحد الغرف الخاصة. حتى سنحت له فرصة، فمن يريد الحديث معه أصبح بالغرفة وحيدًا. فتح الباب دون طرق ودخل مباشرةً ينظر إلى ذاك الممدد على الفراش. يبدو أنه أصبح بحالة أفضل. لمعت عيناه ببسمة وهو يراه يغلق جفنيه. اقترب منه بخطوات ثابتة وشيطان يتلاعب به. لولا مصلحته أن يبقى ذاك الوغد حيًا لكان قتله، لكن المصلحة أولًا. انحنى على ذاك الوغد هامسًا: "حمدالله على سلامتك يا... حفظي."
فتح حفظي عيناه باتساع ونظر إلى ذاك المتطفل، وسأله بخفوت: "بتعمل إيه هنا يا قابيل؟ جاي تستغل ضعفي تخلص عليا... يا واد العوامري."
رسم حفظي الحزن والكهانة قائلًا: "لأ طبعًا، أنا جاي أعزيك في أبوك 'قاسم السعداوي'. البقية في حياتك."
رغم أن حفظي يشعر بالعجز بسبب إصابته، لكن سأله بخفوت: "إنت بتقول إيه، أبوي لساه عايش!"
مازال يرسم الحزن قائلًا: "أبوك الله يرحمه، متحملش يشوفك راقد في السرير بعد ما سراج ضربك بالرصاص، غير أنه تقريبًا كده عدم هيبتك في وسط أهل البلد بعد ما شهر إنك اتهمت الحريم. يعني معدوم الأخلاق، والحج قاسم كان مريض ومتحملش و..."
بغضب نظر له حفظي مازال يكذبه، لكن لوهلة تريث سائلًا: "معتقدش إن حتى لو أبوي زي ما بتجول إنه توفي، إنك جاي تعزيني فيه."
تبسم قابيل بمكر قائلًا: "لو كنت فكرت بذكاء قبل ما تتهجم عالحريم، يمكن كان الوضع اختلف يا واد السعداوي، بس المثل بيقول: عدو عدوي صديقي."
لم يفهم حفظي، سأله بترقب مستفسرًا: "جصدك إيه يا واد العوامري؟"
انحنى قابيل عيناه تلمع بدهاء وهو يقول بفحيح: "يعني أنا زيك يا واد السعداوي، بس إنت رايد بت عمك اللي خطفها آدم من قدامك، وأنا رايد ثريا اللي سراج قدر يستحوز على عقلها واتجوزها وأنا الأحق بها، ناسي إنها كانت مرت واد عمي اللي كان في مكانة شقيقي."
فهم حفظي غرض قابيل، وتفوه بعبث ماكر: "مش يمكن ثريا اتجوزت سراج برضاها و..."
ضغط قابيل على كتف حفظي قائلًا: "مش جاي عشان أقدم افتراضات، جايلك عشان نتحد وكل واحد يوصل لهدفه. أوعي تفكر إن كان صعب علي أخليك تسبق الحج قاسم للقبر، بس زي ما جولتك، عدو عدوي، حابب تبقى صديقي ولا..."
صمت قابيل ينظر إلى حفظي التي تبدلت ملامحه بترقب لرد فعله، الذي لم يطول وخيب أمله: "أنا عدو عدوي عمره ما يبقي صديقي ولا آمن له لأنه خسيس زي عدوي، انسى يا واد العوامري إني أحط يدي في يدك، كل واحد يقلع شوكه بإيده."
ضحك قابيل عيناه تلمع بخبث وضغينة وانحنى يضغط على موضع ألم حفظي يستغل ضعفه وعدم استطاعته الدفاع والمقاومة. تألم حفظي بآلم بينما يستمتع قابيل بذلك، لكن بنفس الوقت فتح باب الغرفة، مما جعل قابيل يقف مستقيمًا حين دخلت إحدى الممرضات. نظرت له قائلة: "متآسفة بس ده وقت العلاج بتاع الأستاذ."
نظر قابيل إلى حفظي قائلًا: "جبتي في وجتك، حفظي بيتألم، اعطيه مسكن يريحه."
بينما نظرت حفظي لـ قابيل بها نوع من الخوف والريبة. بالأخص حين انتهت الممرضة من إعطاؤه الدواء وغادرت. كانت النظرات وحدها كفيلة بجعله يستسلم لحقد قابيل ويتحالف معه بعدما أقنعه غصبًا، ليكتمل حلف الشياطين البشرية، وكل منهم هدفه مبتغاه ولن يتوانى لحظة في قتل الآخر لو أتيحت له فرصة لذلك.
***
بالعودة للمشفى.
أعطى آدم زجاجة من العصير لـ ممدوح الذي يشعر بوهن مثل المريض، وإن كان أكثر ألمًا. غصبًا أخذها منه وارتشف بعض القطرات. بينما مازال سراج واقفًا يستند برأسه على حائط أمام غرفة العمليات. عقله مازال يراجع همس ثريا وهي تهذي. لكن ما يطن برأسه قولها: "مش خايفة من الموت، خايفة أقابل غيث هناك، مش هقبل أسامحه." لغز غير مفهوم.
بنفس الوقت فُتح باب غرفة العمليات وخرج الطبيب. تلهفت سعدية عليه تسأله: "بِت يا دكتور."
بينما ظلت سعدية جالسة ترتقب بخوف. فتح عيناها وإقترب من الطبيب الذي تحدث بعملية: "إحنا خرجنا من جسم المريضة رصاصتين، واحدة كانت في البطن ولسوء الحظ كانت قريبة من الكبد وده اتسبب في نزيف دم كتير للمريضة، قدرنا نسيطر عليه، كمان الرصاصة الثانية كانت قريبة من الرئة، للأسف الحالة لسه حرجة، هتخرج دلوقتي لأوضة العناية المركزة تحت المراقبة."
شعرت سعدية بألم قاسي وبلحظة تحدثت برجاء وتضرع تبتهل إلى الله: "مش تاني يارب، كفاية قلبي مش هيتحمل... عملت إيه في حياتها طول عمرها حظها قليل كده ليه، مكتوب عليها العذاب."
انتبه سراج لحديث سعدية، سأل عقله ماذا تقصد بمعني "مش تاني يارب". هل كان هناك مرة أولى.
نفض عن عقله خروج ثريا على فراش نقال. تتبعها كل أعين الموجودين ومحاولة والدتها النهوض والاقتراب من الفراش تنظر لها بضنين، لكن جذبها ممدوح يضمها بعد تذمر الممرضين، وأن ليس من صالحها البقاء، لابد من ذهابها إلى غرفة العناية المركزة سريعًا.
امتثلت وهي تجثو أرضًا يضمها ممدوح الذي يكبت صرخة بقلبه يتحامل على وهن جسده.
ساعة واثنان مرا، وأعقبهما ساعات أخرى وبدأ شروق الشمس. نظر سراج إلى تلك الشمس التي تنازع مع الظلام كي تشرق. تذكر ذاك اليوم حين رأى "حورية الشمس". شعر كأن ثريا همست بأذنيه: "أنا حورية الشمس يا سراج."
نظر خلفه ظنًا أنها حقًا حدثته، لكن ابتأس حين وجد خلفه فضاءً هو يقف. بممر المشفى. رأى إحدى الممرضات تدلف إلى تلك الغرفة. لم تغب سريعًا وخرجت. دلف إلى الغرفة خلسة، ذهب نحو الفراش، نظر إلى ثريا وكم تلك المجثات وقناع الأوكسجين وجهها ملائكي، حقًا يليق بها "حورية الشمس" لكن الشمس غائبة. اقترب منها أكثر وانحنى على رأسها وضع قبلة. كاد يتفوه لكن عادت الممرضة وقامت بذمه: "لو سمحت يا أستاذ الدكتور مانع أي حد يدخل للأوضة واتفضل أخرج ومتتسببش في مشكلة أو خصم ليا."
غصبًا خرج سراج يشعر بضيق تنفس. ذهب إلى حديقة المشفى عله يشعر بالتنفس مرة أخرى. جلس على مقعد رخامي، عقله لا يفصل عن التفكير وقلبه كأنه بقايا حطام بعد إعصار. شعر بيد توضع على كتفه. نظر خلفه. لوهلة انخض وكاد ينهض قائلًا: "ثريا."
أجابته بأسى وهجوم أو بالاصح كان عتابًا: "فكرتك أفضل من غيث، بس خيبت ظني يا سراج، سبتها تدبل. أنا أكتر واحدة بتفهم وبتحس بـ ثريا، يمكن أكتر من أمها كمان. ثريا كانت رافضة الجواز بعد اللي شافته من عذاب في جوازتها مع غيث، لما شوفتك بتحوم حواليها من البداية خوفت، اعترضت إنها تتجوزك وترجع من تاني لبراثن جبروت عيلة العوامري، بس هي كانت واخدة الجواز تحدي، وانتقام، مش بس منك يا سراج عشان كذبت. إنت ظهرت إنك شهم وأنقذتها بس عندي يقين إن ده كذب، لو حقيقة مكنتش ثريا هتوافق تتجوزك. ثريا وافقت عالجواز انتقام من نولاء وأم غيث، أكتر اتنين أذوها بمساعدة غيث اللي الرحمة بعيدة عنه."
نظر لها سراج بتساؤل مؤلم: "ثريا كانت بتحب غيث؟"
شعرت سعدية باستخفاف وتهكمت بسخرية: "لأ... ثريا قلبها بكر معرفتش الحب، زي جسمها كده بكر رغم أنهم نزعوا منها برائتها."
حجظت عين سراج باستفهام سائلًا: "مش فاهم قصدك إيه؟"
جلست سعدية جواره ونظرت إلى عينيه قائلة: "لأ فاهم، يمكن لاحظت مشاعر ثريا... إنت أول راجل يلمسها. ثريا تعتبر بكر، غيث ملمسهاش... بس سابهم ينهشوها."
ذهل سراج من حديث سعدية. شعر بصراع في عقله الذي سيشت لو لم يعلم تفسير لذاك الحديث.
نظر لها سائلًا: "تقصدي إيه، مش فاهم، قصدك إيه بأن غيث سابهم ينهشوها... غيث كان..."
قطعت سعدية وسبقت بالحديث: "غيث كان ديوث."
جحظت عين سراج بذهول. هو يعلم لأن غيث لم يكن لديه أخلاق، لكن هل وصل به الفجور ليصبح ديوث.
تهكمت سعدية وعينيها تبكي وهي تتذكر ما حدث لـ ثريا. لم تنتظر لأن يسألها سراج وقالت له: "إنت اتجوزت ثريا عشان الأرض، زي غيث ما خدعها ولعب على ضعفها واحتياجها لسند يقويها، وطلع خسيس، وجاتل، هددها بالقتل، ياريت جتلها هي، لاه جتل أمها وأخوها..." تكاد عين سراج تخرج من مقلتيه، وهو يسمع لتفسير سعدية، أسباب تبلد ثريا.
بالعودة لبعد زواج ثريا بثلاث أيام.
مازالت ترهب منه بسبب سماعها حديثه أنه قتل إنسان. كانت تتوارى بغرفة النوم الأخرى تسمع طرقه على باب الغرفة وهو مخمور ومسطول، يهددها ويتوعد لها، وأنها لن تستطيع الخلاص منه قبل أن يصل إلى غرضه منها. يسمعها أبشع الألفاظ البذيئة والقذرة يجعلها تشعر بالغثيان لمجرد سماع تلك السفالة. اكتشفت شخصًا آخر غير ذاك المخادع الذي كان ومازال يظهر بصورة غير حقيقته الإجرامية والمنعدم الأخلاق، بل الإنسانية. ظلت تسمع حديثه وهي جالسة فوق الفراش تكتم شهقاتها. لكن فجأة فتح الباب بقوة، هلعت ونهضت من فوق الفراش تتوارى بأحد أركان الغرفة. لكن هو كان بتملكه الشيطان وهو يقترب منها بعين دموية لا يرى سوا رغبته بها. أخرج نصلًا صغيرًا حين استطاع احتجازها بين جسده والحائط، مرره على وجنتيها بالحد البارد يستمتع بنظرة الهلع التي بعينيها، إلى أن انخفض بالنصل حول عنقها بدل الحد البارد بالحد المسنون، تسبب في جروح صغيرة يستمتع وهو يرى خطوط الدماء وهي تحاول الصراخ ربما ينقذها منه أحد، لكن صوتها انبح دموعها تسيل بغزارة. ولو طلب منها أن تركع أسفل قدميه الآن بالتأكيد ستقبل، هكذا ظن. لكن مع ذلك فكر بشر وفجور، وطريقة يكسرها بها يجعلها تدفع ثمن ثلاث ليالي تتمرد عليه، كذلك يكسر كرامتها يجعلها تخشى أن تفتح فمها وتقول له مرة أخرى أنت قاتل. ألقى النصل على الأرض وارتكز بقوة يديه على كتفيها، رغم عنها بسبب قوته طاوعه جسدها غصبًا لتفوقه في القوة، أصبحت جاثية أمام ساقيه ينظر لها بعلو ويضحك. لمعت عينيها حين رأت ذاك النصل فكرت أن تحصل عليه، لن تقتل ذاك المجرم بل ستنهي حياتها. لكن هو ينظر له بعلو حين حاولت النهوض علم أن مازال لديها رغبة في التحدي وعليه كسرها. جذبها من شعرها نهضت عنوة جذبها، لتسير خلفه وهو يخرج من الغرفة ذاهبًا بها إلى غرفة النوم ألقاها بقوة وقعت على الفراش. استلذ وهو يجثو فوقها يديه تمزعان ثيابها صفعات قوية على وجهها، وهي صوتها قد عاد تعتقد أن صرخت سيأتي أحد من بالمنزل وينقذها من ذاك المجرم. لكن كانت مخطئة. حين شعرت بهدوء حين سمعت صوت طرق قوي على باب الشقة، ظنت أنها نجدة لها. بتأفف وغصب من غيث ابتعد عنها يسب من يدق ويطرق على باب الشقة. فتح الباب، نظر أمامه كانت والدته ومعها ولاء، اللتان دفعاه ودخلا إلى الشقة وقامت ولاء بذمه: "إيه الصريخ ده كله يا غيث؟"
بينما ذهبت والدة غيث إلى غرفة النوم حين صرخت ثريا وهي تنهض من فوق الفراش لتستغيث بهن. لكن كن أسوأ من غيث. حين رأتها نظرت لها باحتقار قائلة: "بتصرخي ليه، بدل ما تحمدي ربك إن ابني غيث العوامري بص لشحاتة زيك، بس هقول إيه ياما جولت له استنضف بت ناس، مش جربوعة، بتصرخي ليه؟"
كانت تود أن تبوح بأنه قاتل لكن خشيت أن يُنفذ تهديده لها أن يقتل أخيها أو والدتها كما هددتها إن أفشت ذلك.
بينما منظر ثريا، بملابسها الممزقة وآثار الصفعات على وجهها كان كفيلًا بالرد، لكن لم يفرق مع والدة غيث ولا مع ولاء التي جاءت خلف سراج الذي جذبها من شعرها يتملك منه شيطان سحبها إلى تلك الغرفة التي بآخر ممر في الشقة. كانت تلك الغرفة مغلقة حتى أثناء فرش جهازها أخبرتها والدتها بأن هناك غرفة بالشقة مغلقة. ظنوا أنها ربما غرفة مكتب خاصة بـ غيث. لكن انزعجت ثريا حين أخرج غيث مفتاحًا وفتح باب الغرفة، وأشعل الضوء. كانت الغرفة تحتوي على فراش معدني ودولاب معدني صغير. الفراش كأنه مثبت بأرضية الغرفة. دفعها إلى داخل الغرفة بعنف سقطت أرضًا. لكن مازالت غريزة البقاء تتحكم بعقلها نهضت بضعف وكادت تتوجه نحو باب الغرفة لكن دخلن ولاء ووالدة غيث، ومعهن تلك الخادمة التي تعمل بالمنزل متى أتت لا تعلم كانت تفوق ثريا بالحجم، تفعل مثلما يُطلب منها. تنحى غيث يقف على فتحة باب الغرفة، وهن يقتربن منها عيناهن تنضح بالشر وهي تتراجع بهلع وخوف من نظراتهن المريبة، كأنهن قطيع من الذئاب حولها. حاولت أن تصرخ وتصرخ بهستيريا، لكن صفعتها ولاء بينما ضحك غيث بشرر وهو ينظر لها تلمع عيناها وقال لها بتشفي: "مهما تصرخي محدش هيسمعك."
مازال عقلها لم يستوعب نظرت إلى حيطان الغرفة المختلفة عن بقية حوائط الشقة تبدو بتشطيب آخر. فهمت مغزى قول غيث، وذاك الفراش والدولاب المعدني عقلها ترجم كل ذلك، تلك الغرفة مجهزة لهدف برأس غيث مسبقًا. هلعت وهي تعلم أن غيث "سادي". ذمها عقلها فمن يقتل بدم بارد ليس صعب عليه أن يكون كذلك. لكن لماذا تلك النساء يتقدمن منها، وصفعة ولاء لها وتلك الخادمة التي جذبت ثريا وألقتها بقوة على الفراش قبل أن تنهض كانت تحاول تقيدها. لكن ثريا مازالت تقاوم حين فهمت لماذا هن هنا، هن هنا لكسرها بل لذبحها. بالفعل اختفت مقاومتها حين ساهمت ولاء بتقييد قدميها قبل أن تفرقهن عن بعضهما والدة غيث سريعًا قطعت سروالها التي كان أسفل ملابسها الممزقة، أصبحت شبه عارية ليست أمامهن فقط بل أمام عيني غيث الذي ينظر لما يفعلن بها باستمتاع ربما أكثر لو كان هو من اغتصبها. مع صرخة اغتصابها وانتهاك عذريتها اعتدلت والدة غيث تلمع عيناها وهي ترى تلك الدماء تسيل من ثريا، وكذلك ولاء التي قالت بظفر وهي تنظر إلى غيث: "أهو كسرناهالك عشان تبقى تتمنع عنك." لمعت عيناه بفرحة نصر، وهو يقترب منها بعد أن أصبحت راقدة على الفراش مثل الجثة هامدة، تُغمض عينيها كأن عقلها يرفض ما حدث لها. اغتصاب من نساء، سمعت عن هذه الأفعال سابقًا كانت تتقزز من ذلك وأن هذا ليس ذل للفتاة، بل جريمة بحقها. فعلوا تلك الجريمة الشنعاء بحقها، بقسوة مفرطة ذبحوها بافتراء وعنف مبالغ وغشم من والدة غيث التي تولت تلك المهمة هتكت عرض ثريا كأنها شيطانة بلا إحساس. كل هذا كي ترى تلك الزهوة على ملامح ابنها الذي استمتع بذلك وليت هذا فقط بل اقترب من الفراش وحملها بين يديه وخرج من الغرفة متوجهًا إلى غرفة النوم، وثريا شبه مخدرة، فقط تئن بألم. نظرت الخادمة نحو والدة سراج قائلة بهلع حين رأت فرش الفراش به بقعة دماء كبيرة كذلك كانت ثريا تنزف وقالت لهن: "البت مش هتتحمل لو غيث بيه قرب منها."
نهرتها ولاء قائلة: "غوري انزلي لتحت وإياكِ حد يعرف باللي حصل هنا، مش هيكون قطع عيشك بس من هنا، أنا هقطع خبرك، هي اللي كانت فاجرة وعصيانه على جوزها."
بخوف استسلمت الخادمة وتركتهم، تلوم نفسها لم تعتقد أن يصل بهن الشر لهذه الدرجة. بينما ذهبن ولاء ووالدة سراج خلفه إلى غرفة النوم ورأين غيث وهو يلقيها بعنف فوق الفراش، وكاد يقترب منها تلمع عيناه برغبة. لكن شعر بالتقزز حين رأى تلك الدماء تنزف منها. جذبته ولاء قائلة بتحذير: "شوية والدم هيجف، بس بلاش تقرب منها الليلة."
نظر إلى تلك الدماء وبتقزز أومأ لهن قائلًا: "تمام خليها للصبح تكون هديت."
أومأت له والدته، ضميرها معدوم فقط من أجل أن تجعل لابنها السطوة وتكسر تلك الفتاة كي تمتثل وتصبح طائعة له كما أخبرتها ولاء بذلك بعد أن اتفقت مع غيث كي تهدأ من ثورته وغضبه.
غادرن الاثنتين، وظل غيث معها بالغرفة حتى أنه استلقى جوارها على الفراش نائمًا بعمق وهي تنزف تشعر ببرودة وروحها تنسحب منها، حتى الصباح.
شعور بالقلق في قلب نجية، ذهبت إلى سعدية وتحججتا أنهن كن قريبتين من المنزل وقولن أن يزرن ثريا. لحسن الحظ كانتا والدة غيث وولاء لسن بالمنزل. كن منعنهن من الصعود لشقة غيث، الذي مازال غافيًا وفاق على صوت جرس الشقة. نهض متأففًا لم ينظر نحو ثريا التي شبه أصبحت باردة كالموتى، فتح باب الشقة ونظر لهن دون احترام. كاد يطردهن لكن لاحظن الدماء على ثيابه. ارتجف قلب نجية بينما سعدية أزاحته من أمامهن لعدم انتباهه تنحى جانبًا، دخلن سعدية ونجية تنادي باسم ثريا. لم ترد عليهن، زاد القلق بقلبهن. دخلن إلى غرفة النوم صعقن من منظر ثريا شبه عارية ودمائها مازالت تسيل. ارتجفن وذهبن نحوها، تحكم عقلهن مع قلبهن المنفطر، وهن يجمعن شرشف الفراش يسترن به جسدها وتحاملن مع بعضهن وحملن ثريا. في أثناء خروجهن من المنزل تصادف خروج قابيل الذي اقترب منهن بفزع، وعرض عليهن المساعدة. وافقن غصبًا وضعنها بالسيارة وذهبن إلى الوحدة الصحية الخاصة بالبلدة. كشفت عليها إحدى الطبيبات وأخبرتهن أن حالتها خطيرة وعليها تلقي نقل دم، والوحدة صغيرة وليس بها بنك للدم. بالفعل ما هي دقائق وكان ممدوح يتبرع لها بالدم الذي عوض جزء من النزيف واستطاعت الطبيبة التحكم في النزيف وتوقف، لكن خطر عودته وارد وهناك خطر أقوى بالرحم الذي تهتك جزء لا بأس به ربما يمنعها من الإنجاب مستقبلاً. لكن كانت الصدمة حين أخبرتهن الطبيبة: "دي حالة اغتصاب واضحة بس في حاجة غريبة... مفيش أي آثار لـ 'نطاف راجل'."
فهمن ما حدث أنها كانت حالة اغتصاب وحشية، أو مثلما يقال عليها بالدارج "دخلة بلدي". لكن لجهلهن وقسوتهن كانت النتيجة قاسية جدًا، والطبيبة لا تمتلك سوى الصمت خوفًا من سطوة عائلة العوامري. لم يهتم غيث بها، حتى بعد أن تحسنت نسبيًا كان قرار ممدوح مع سعدية أن لا تعود ثريا إلى منزل غيث. لكن غيث كان مريضًا نفسيًا وقاتل وهدد ثريا، وعادت معه خوفًا أن يقتل والدتها أو أخيها.
صمتت سعدية وتوقفت عن سرد بقية ما حدث لـ ثريا حين سمعت صوت رنين هاتف سراج الذي لم ينتبه له عقله مشدوه، غير مستوعب ما مرت به ثريا. نبهته سعدية أخرج هاتفه وأغلقه دون النظر إليه وعاد ينظر إلى سعدية يشعر بـ "ذهول عقلي".